التربية والمجتمع في فكر الإمام الخميني قدس سره

التربية والمجتمع في فكر الإمام الخميني قدس سره


الناشر: مراكز الإمام الخميني الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-08

النسخة: 0


الكاتب

جمعية مراكز الإمام الخميني الثقافية

مراكز ثقافية تعنى بحفظ نهج الإمام الخميني قدس سره ونشره من خلال إنشاء مراكز متخصصة بإقامة الندوات الفكرية واللقاءات الحوارية للنخب الثقافية والجامعية، وإنشاء المكتبات العامة للمطالعة، وتكريم شخصيات ثقافية، وإقامة دورات فكرية، وتوقيع كتب أدبية وفكرية، وإصدار سلاسل فكرية متنوعة لكبار العلماء والمفكرين.


مقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم‏


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء المرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين. 

إن الوقوف أمام شخصية كشخصية الإمام الخميني قدس سره من جهة القراءة أو الكتابة والبحث تطل بنا على مساحة واسعة ومتكاملة من حيث التنسيق والشمولية المبدعة في الفكر الذي خلفه الإمام قدس سره. 

ولذلك فإن الأثر الذي تركه الإمام كان عبارة عن رؤية متكاملة وشاملة لنظرة أطلت على هذا الكون الرحب وانبعثت من فيض الرسالة الإلهية التي تجسّدت من خلال البعثة النبوية الشريفة لرسول البشرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم. 

وهنا يجدر الإشارة إلى أن رؤية الإمام لهذا الوجود والحياة والإنسان كانت تهدف إلى رسم البرامج والخطوط التي تؤدي بالإنسان إلى تحقيق الغاية من هذا الوجود. 

حيث كان يسعى الإمام من خلال النظرة والممارسة لتأسيس مقدمات تتحقق من خلالها إقامة المجتمع العابد لله بكل الأبعاد والانعكاسات التي تجعل من هذا الإنسان إنساناً سعيداً على مستوى الدنيا والآخرة. 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

مقدمة

 وهذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة محاضرات للإمام تتجسد من خلالها نقطة حساسة ومهمة والتي لطالما كانت تشكل المحور في نظرة وحركة الإمام ألا وهي مسألة التربية حيث أن مفهوم التربية عند الإمام لم يكن عبارة عن نظرية تربوية للإنسان الفرد مع انقطاعه عن المحيط والمجتمع بل إن التربية في مفهوم الإمام هي عبارة عن تربية الفرد في السلوك الذي يعد انعكاساً لتربية وتهذيب النفس والفكر وبما لهذا السلوك الفردي من علاقة واثر في بناء المجتمع من أجل الوصول إلى تحقيق مقولة المجتمع العابد لله. 


على أي حال فإننا نترك للقارئ الكريم العناية والتدبر في هذا الأثر الذي يشكل مظاهر عينية من فكر الإمام الخميني قدس سره. 

سائلين المولى العزيز أن يجعلنا من الذين يستفيدون من هذه الحقيقة التي جسدها الإمام قدس سره قولاً وعملاً والله ولي التوفيق.
 
مركز الإمام الخميني الثقافي
 
 
 
 
 
 
6

2

التربية والمجتمع

 البتربية والمجتمع 

مظاهر عينية من فكر الإمام الخميني قدس سره
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

التربية والمجتمع

 الإنسان والتربية الخصائص الذاتية والفطرية للإنسان

 

البحث الفطري عن الكمال
 
يقول أهل اللغة والتفسير: إن "الفطرة " تعني الخلقة، وفي الصحاح "الفطرة" بالكسر "الخلقة" ويمكن أن تكون الكلمة مأخوذة من "فطر" أي "شقّ ومزقّ" كأن الخلقة أشبه بشق حجب العدم والغيبة، وبهذا المعنى يكون إفطار الصائم فكأنه يمزق الهيئة الاتصالية للإمساك. 
 
على كل حال، البحث اللغوي خارج عن نطاق بحثنا، وبالجملة هذا الحديث الشريف إشارة إلى الآية المباركة في سورة الروم:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 1.
 
إعلم أن المقصود من "فطرة الله" التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية التي خلق الناس عليها، وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم ولقد "تخمّرت " طينتهم بها في اصل الخلق والفطرات الإلهية، كما سيتبيّن فيما بعد. من الألطاف التي خصّ الله بها الإنسان 
 
 
 

1- سورة الروم، الآية 30. 
 
 
 
 
 
 
 
9

4

التربية والمجتمع

 من بين جميع المخلوقات، إذ أن الموجودات الأخرى غير الإنسان، إما أنها لا تملك أصلا مثل هذه الفطرات المذكورة، وأما أن لها حظاً ضئيلاً منها. 

 
وهنا لابد من معرفة أن الفطرة، وإن فسرت في هذا الحديث الشريف وغيره من الأحاديث بالتوحيد، إلاّ أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة "ع" حيث أنها نوع من هذا القبيل، في كل مرة تفسر بمصداق بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن هناك تعارضاً، والدليل على أن المقام يشمل التوحيد والمعارف الأخرى. 
 
وفي صحيحة عبد الله بن سنان1 فسرت الفطرة بالإسلام، وفي حسنة زرارة2 فسرت بالمعرفة، وفي الحديث المعروف "كل مولود يولد على الفطرة"3 جاءت في قبال "التهود" والتمجّس"، كما أن الإمام الباقر عليه السلام في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة وعليه 
 
 
 

1- الصحيحة، هي الرواية التي يكون جميع سلسة رواتها حتى الوصول إلى المعصوم هم من شيعة أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن العدول والثقاة، وعبد الله بن سنان هذا من أولئك، ومن رواة أحاديث الإمام الصادق"ع". 
2- حسنة هي الرواية التي يكون جميع سلسلة رواتها من الاماميين لكن فيهم شخص أو عدّة أشخاص لم يعرفوا بالعدالة لكنهم ممدوحون. أبو علي زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني، ولقبه زرارة وكنيته الأخرى أبو الحسن هو تابعي، ومن المحدّثين ومن فقهاء الإمامية، ومن رواة الإمام محمد بن علي الباقروالإمام جعفر بن محمد الصادق والإمام موسى بن جعفر الكاظم"ع" كتابه "في الاستطاعة والجبر" عمّر تسعين عاماً، وتوفي عام 150هـ. 
3- عوالي اللاّليء، ج1 ص35 الفصل الرابع، الحديث 18. 
 
 
 
 
 
 
 
10

5

التربية والمجتمع

 فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المعارف الحقّة هي من الأمور التي فطر الله تعالى الإنسان عليها. 

 
لابدّ من أن نعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، لأنها من لوازم الوجود وهي هيئات تخمرت في اصل الطينة والخلقة، فالجميع من الجاهل والعالم والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي متفقون في ذلك، وليس ثمة منقذ للعادات والمذاهب والطرق المتلفة للتسلل إليها والإخلال بها. إن اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات التي توجب وتسبب الخلاف والاختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها تأثير أبداً في الأمور الفطرية، كما أن اختلاف الإدراك والإفهام قوة وضعفاً لا تؤثر فيها وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية فليس من أحكام الفطرة، ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطرية، ولذلك تقول الآية ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا1 أي أنها لا تختص بفئة خاصة ولا طائفة من الناس، ويقول تعالى أيضاً ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ2 أي لا يغيّره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير العادات وغيرها. 
 
ولكن مما يثير الدهشة والعجب انه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن الأمور الفطرية، من أول العالم إلى آخره، فإن الناس نوعاً غافلون عن أنهم متفقون، ما لم ينبههم احد على ذلك، وعند ذلك يدركون أنهم كانوا موافقين في صورة المخالفة. 
 
وهذا ما تشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
 
 
 

1- سورة الروم، الآية 6. 
2- مر ذكره سابقاً. 
 
 
 
 
 
 
 
11

 


6

التربية والمجتمع

 النَّاسِ لَا يَعْلَمُون1 إن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي، إذ لا يوجد في جميع الأحكام العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا، وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضاً يجب أن تكون من أوضح الضروريات، فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها، وجب أن يكون من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 
إعلم أن المفسرين، من العامة والخاصة، فسّروا كلّ على طريقته كيفية كون الدين أو التوحيد من الفطرة، ولكننا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم، وإنما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الملك الآبادي)2 الذي هو نسيج وحده في هذا الميدان ولو أن بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في بعض كتب المحققين من أهل المعارف وبعضها الآخر مما خطر في فكري القاصر. 
 
اذاً لابد أن نعرف أن من أنواع الفطرات الإلهية ما يكون على "أصل وجود المبدأ" تعالى وتقدس ومنها الفطرة على "التوحيد" وأخرى على "استجماع " ذات الله المقدسة لجميع الكمالات، وأخرى على "المعاد ويوم القيامة" وأخرى على "طريق النبوة" و "وجود الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية". وهذه الأمور بعضها من أحكام الفطرة والإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة وهو الدين القيّم المحكم والمستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية. 
 
 
 

1- ـمر ذكره سابقاً. 
2- مقطع من بيت شعر للشاعر الإيراني حافظ الشيرازي. 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

التربية والمجتمع

 ... إن إحدى الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها، بحيث أنك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها، والعادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها لا يمكن أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً "فطرة عشق الكمال"، فإنك إن تجولت في جميع الأدوار التي مرّ بها الإنسان واستنطقت كل فرد من أفراد كل طائفة من الطوائف، كل ملة من الملل، لوجدت هذا العشق والحب قد جبل في طينته، ووجدت قلبه متوجهاً نحو الكمال بل إن ما يحرك الإنسان ويدفعه في سكناته وتحركاته وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله وتخصصه، إنما هو نابع من حب الكمال وإن كل الناس مختلفين تمام الاختلاف في تشخيص الكمال وفي أي شيء هو، والمحبوب المعشوق اين هو. 


فكلّ وجد وظن معشوقه في شيء، وتوهم كعبة آماله في أمر معيّن فتوجه إليه وطلبه من قلبه وروحه، إن أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدون معشوقهم فيها، فيبذلون من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصليها، فكل شخص مهما يكن نوع عمله، ومهما يكن موضع حبه وعشقه، فإنه لاعتقاده بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه، وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كل بحسب سعة فهمه يرى الكمال في شيء، ويعتقد انه معشوقه، بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك. 

وبالجملة، فجميعهم يسعون في نحو الكمال، ولأنهم شخصوه في شيء موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه، ولكن لابدّ أن نعرف انه على الرغم من هذا الذي قيل، فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة 
 
 
 
 
 
 
13

8

التربية والمجتمع

 لهذا المعنى الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وإن ما توهّموه وتخيّلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم، إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء فإنه يتحول فوراً عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول، ثم إذا عثر على أكمل من الثاني، ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه، وعندما يصل إليه، فانه يتوجه نحو الأكمل منه، بل أن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي حد من الحدود. 

 
مثلاً، إذا كنت تحب الجمال ونضارة الوجوه وعثرت على ذلك عند من تراه كذلك، توجّه قلبك نحوه، فإذا لاح لك جمال أجمل، لا شك انه سوف تتوجه قهراً إلى الجميل الأجمل، أو انك على الأقل تطلب الاثنين معاً، ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك، ولسان حالك "لا أملك شيئاً وإلاّ فإنني طالب لكل الست" ولسان فطرتك يقول: بل انك تطلب كل جميل تراه أجمل، بل تزداد اشتياقاً بالاحتمال، فإذا احتملت أن هناك جميلاً أجمل مما تراه بعينك وعندك في مكان ما لحلّق قلبك طائراً إلى ذلك المكان، ولسان حالك يقول "اجلس بين الجمع وقلبي في مكان آخر"1 بل تعشق ما تتمنى، فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة، حتى وإن لم تكن تؤمن بالجنة لا سمح الله.. قالت فطرتك: ليت هذه الجنة موجودة، وليتهن كنّ من نصيبيّ 
 
وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك يتجه 
 
 
 

1- شعر للشاعر الإيراني "سعدي" يقول فيه: هل سمعتم بوجود الحاضر الغائب ها أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر
 
 
 
 
 
 
 
14

9

التربية والمجتمع

 حبهم واشتياقهم إلى ذلك، فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة توجّهت أنظارهم إلى دولة أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً تحت سيطرتهم، تطلعت أعينهم إلى أكثر من ذلك، وكلما استولوا على قطر، اتجه حبهم إلى الاستيلاء على أقطار أخرى، بل تزداد نار تطلعاتهم لهيباً، وإذا بسطوا سلطانهم على الأقطار كلها واحتملوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى، لتمنّت قلوبهم أن لو كان بالامكان أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يخضعوها لسيطرتهم. 


وعلى هذا القياس هو حال أصحاب الصناعات ورجال العلم وبالجملة حال كل أفراد الجنس البشري، مهما تكن مهنتهم وحرفهم، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة متقدمة، رغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها، ويشتدّ شوقهم وتطّلعهم. 

إذاً، فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أبناء البشر، من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات، إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم، وابتداء بالطبيعيين والماديين، وانتهاءً بأهل الملل والنحل، تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه، ويعشقون الكمال والجمال الذي لا عيب فيه، والعلم الذي لا جهل فيه والقدرة التي لا تعجز عن شيء، والحياة التي لا موت فيها، أي أن "الكمال المطلق" هو معشوق الجميع، جميع الكائنات والعائلة البشرية، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال المطلق، إننا نحب الجمال والجلال المطلق، إننا نطلب القدرة المطلقة والعلم المطلق، هل هناك في جميع سلسلة الكائنات في عالم التصور والخيال، وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية، كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال، 
 
 
 
 
 
 
15

10

التربية والمجتمع

 سوى الله تقدست أسماؤه، مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟ 

 
فيا أيها الهائمون في وادي الحيرة والضائعون في صحاري الضلالات، بل ايتها الفراشات الهائمة حول شمعة الجميل المطلق يا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم الأزلي، عودوا قليلاً إلى كتاب ذاتكم لتروا أن الفطرة الإلهية قد كُتبت فيه بقلم القدرة: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض1 فهل أن ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا 2 هي فطرة التوجه نحو المحبوب المطلق؟ أم أنها الفطرة الثانية ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ هي فطرة المعرفة ؟ فإلى متى توجه هذا العشق الإلهي الفطري وهذه الوديعة الإلهية نحو هذا وذاك بحسب الخيالات الباطلة؟ إذا كان محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة، فلماذا عندما تصل إليها يبقى اشتياقك ملتهباً لا يخمد، بل يزداد ويشتد؟ 
 
تيقّظ من نوم الغفلة واستبشر فرحاً بأن لك محبوباً لا يزول ومعشوقاً لا نقص فيه، ومطلوباً من دون عيب، وإن لك مقصوداً يكون نور طلعته ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ3 وإن لك محبوباً سمة إحاطته ﴿لو دُلّيتم بحبل إلى الأرضين السفلى لهبطتم على الله4 إذن يستوجب عشقك الفعلي معشوقاً فعلياً، ولا يمكن أن يكون شيئاً متوهماً ومتخيلاً، إذ كل موهوم ناقص، والفطرة إنما تتوجه إلى الكامل، فالعاشق الفعلي والعشق الفعلي لا يكون من دون معشوق، ولا يكون غير 
 
 
 

1- سورة الانعام: الآية 79. 
2- سورة الروم الآية 30. 
3-سورة النور، الآية 35.. 
4- مر ذكره سابقاً. 


 
 
 
 
16

11

التربية والمجتمع

 الذات الكاملة، معشوقاً تتجه إليه الفطرة، فلازم عشق الكامل المطلق وجود الكامل المطلق، وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيات ﴿أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

 
إن توحيد الله تعالى شأنه، واستجماع ذاته لكل الكمالات من الأمور الفطرية. 
 
إعلم أن من الأمور الفطرية التي (فطر الناس عليها) هو النفور من النقص، وكل ما ينفر الإنسان منه فهو ينفر منه لأنه وجد فيه نقصاً وعيباً، إذاً فالفطرة تنفر من النقص والعيب، كما أنها تنجذب إلى الكمال، فالذي تتوجه إليه الفطرة لابد وان يكون واحداً أحدا، لأن كل كثير ومركب وناقص، ولا تكون الكثرة دون محدودية، وكل ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه، إذاً أمكن من هاتين الفطرتين "فطرة حب الكمال" "وفطرة النفور من النقص" إثبات التوحيد، بل إن استجماع الله لجميع الكمالات، وخلو ذاته المقدسة من كل نقص، قد ثبت أيضاً وفي سورة التوحيد المبارك التي تبين نسبة الحق المتعالي، وبحسب رأي شيخنا الجليل (روحي فداه)1 إن الهوية المطلقة، التي تتوجه إليها الفطرة، والتي أشير إليها في صدر سورة التوحيد المباركة بكلمة "هو" تعدّ برهاناً على الصفات الست المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة، وإلا لكانت محدودة فهو مستجمع لجميع الكمالات، وهو (الله)، وفي الوقت الذي يكون مستجمعاً لجميع 
 
 
 

1- هو آية الله الملك آبادي استاذ الإمام الخميني، في العرفان. 
 
 
 
 
 
 
17

12

التربية والمجتمع

 الكمالات يكون بسيطاً، وإلاّ فالهوية لا تكون مطلقة، إذاً فهو "احد" ولازم الاحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية المطلقة مستجمعة لجميع الكمالات فهي منزهة عن جميع النقائص والتي تعود بأجمعها إلى الماهية، إذاً فتلك الذات المقدسة هي "صمد" وليست جوفاء، ولما كانت الهوية مطلقة، فلن يتولد منها شيء، ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن شيء وإنما هو مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات بدون الانفصال الذي يوجب النقصان، والهوية المطلقة أيضاً ليس كلها كفو، إذ لا يمكن تصور التكرار في صرف الكمال، إذاً فالسورة المباركة من أحكام الفطرة نسبة الحق المتعال. 


وجود "المعاد" ويوم القيامة من الأمور الفطرية المجبولة عليها طينة البشر. 

إعلم أن من الفطريات الإلهية التي فُطرت عليها العائلة البشرية كافة هي فطرة عشق الراحة، فلو انك راجعت كل ادوار التمدن والتوحش، والتدين والتحلل وسألت الجاهل والعالم، والوضيع والشريف والمدني والبدوي: "لم كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من تحمل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة؟ فإنهم جميعاً وبكلمة واحدة وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين بأن كل ما يتوخونه إنما هو لراحتهم والغاية النهائية والمرام الأخير وأقصى ما يتمنونه هو الراحة المطلقة الخالية من كل تعب ونصب، فلما كانت هذه الراحة التي لا تمازجها مشقة والتي لا يشوبها ألم ونقمة هي معشوقة الجميع، وكانت هذه المعشوقة المفقودة التي يظنها كل إنسان في شيء لذلك فهو يحب كل شيء يتصور محبوبه فيه، مع أن مثل هذه الراحة المطلقة 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

13

التربية والمجتمع

 لا وجود لها في كل ارجاء العالم وزواياه، إذ ليس من الممكن أن تعثر على راحة غير مشوبة بالألم، إن جميع نعم هذا العالم يصاحبها العناء والعذاب المضني، وما من لذّة إلاّ وهي محفوفة بآلام كبيرة، إن العذاب والتعب والالم والحزن والهم والغم تملأ أرجاء العالم. 


وعلى امتداد حياة الإنسان لن تجد فرداً واحداً يتساوى عذابه وراحته ونعمته توازي تعبه ونقمته، ناهيك عن الراحة الخالصة والمطلقة وبناء على ذلك فإن معشوق الإنسان لا يوجد في هذا العالم إن العشق الفطري والفعلي الذي جبل عليه جميع أبناء البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلاً. 

إذاً، لابدّ من أن يكون هناك في دار التحقق وعالم الوجود عالم لا تشوب راحته شائبة من ألم وعذاب وتعب، راحة مطلقة لا يخالطها شيء من العناء والشقاء، سرور دائم خالص لا يعتريه حزن ولا هم ذلك العالم هو "دار النعيم"، عالم كرم ذات الله المقدسة. 

وهو عالم يمكن إثباته بفطرة الحرية ونفوذ الإرادة الموجودة في فطرة كل إنسان ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما يستعصي على حرية الإنسان وإرادته، فلابدّ إذاً من أن يكون في عالم الوجود عالم آخر تكون للإرادة فيه كلمة نافذة، ولا تستعصي مواده على نفوذ إرادة الإنسان، ويكون الإنسان في ذلك العلم فعّالاً لما يشاء والحاكم بما يريد، كما تقتضيه الفطرة. 

اذاً، يعتبر العشق للراحة والعشق للحرية جناحان مودعان لدى الإنسان بموجب فطرة الله التي لا تتبدل فيحلّق بهما في عالم الملكوت الأعلى والقرب الإلهي.
 
 
 
 
 
 
 
19

14

التربية والمجتمع

 وفي المقام مواضيع أخرى لا تسعها هذه الأوراق وهناك فطرات أخرى لإثبات المعارف الحقّة، مثل إثبات النبوة، وبعثة الرسل وإنزال الكتب السماوية، بل بكل واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن إثبات جميع المعارف، ولكننا نكتفي بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يتناسب مع الحديث الشريف. 

 
إلى هنا عرفنا أن العلم بالمبدأ وكمالاته ووحدته والعلم بيوم المعاد وعالم الآخرة من الأمور الفطرية، والحمد لله. 
 
الإنسان بين حالتين لا متناهيتين 
 
الإنسان كائن عجيب بين جميع الكائنات ومخلوقات الباري تعالى لا يوجد أي كائن مثل الإنسان، فهو أعجوبة لأمكانه أن يصبح كائناً إلهياً ملكوتياً، أو كائناً شيطانياً جهنمياً، وإن بقية الكائنات ليست كذلك، فهي ليست كذلك بأن يكون الفاصل بهذا المقدار بين الفرد الكامل والفرد الجهنمي الناقص، فهذا من مختصات الإنسان اوجده الله تعالى مع جميع أوصافه وصفاته المقدسة وكل شيء فيه فيكون من هذا الإنسان النبي الأكرم وسائر الأنبياء ويكون منه أبو جهل1 وأمثال أبو جهل والمتوسطون أيضاً ما بين هذين إلى ما لا يُعلم وان الأعمال التي تصدر منه فإن حسنها وقبحها وصلاحها وفسادها مرتبط بتلك الجهات المعنوية للإنسان. 
 
 

1- هو لقب"عمرو بن هشام بن المغير" الملقب أيضاً ب أبو الحكم المسلون الأوائل به "أبو جهل" لأنه خالف الإسلام دوماً. 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

15

التربية والمجتمع

 ارتباط الروح والجسم


هناك وحدة بين الروح والجسم، فالجسم ظل الروح، والروح باطن الجسم، والجسم ظاهر الروح، وهما شيء واحد لا ينفصلان، فكما أن روح الإنسان وجسمه لهما وحدة، فيجب أن يكون لطبيب الجسم وطبيب الروح وحدة، فيجب أن يكونا واحداً. 

الإنسان عالم صغير 

عندما تلاحظون الإنسان فإن نشوءه الأولي لا يختلف عن سائر النباتات، إذ أن النبات أو نواة التمر أو نواة شيء آخر يُلقى في التربة، فتقوم التربة بالتربية، فينمو في مكان خاص يحتاجه للنمو، والحيوان أيضاً تقع نطفته في الرحم وهي بذرة وهذه البذرة مكانها هناك، أي أن مكان تربيتها هناك، ولو امكن في يوم إيجاد مكان له نفس هذه الخاصية لتنمو النطفة فيه كما في الرحم، لأمكن القيام بالتربية، وقد يشمل ذلك الإنسان في يوم ما. 

إنه في البداية كسائر النباتات، ولا يختلف عنها، فهي تنمو وهو ينمو أيضاً، لكنه في مكان خاص وضمن ظروف خاصة وإن النباتات تنمو في محل خاص آخر وضمن ظروف أخرى بيد انهما يشتركان في هذا المعنى وهو أنهما يُزرعان ويبدأ هذا الزرع بالنمو بواسطة القوى التي أودعها الله تبارك وتعالى في الأرض، والقوى المودعة في الرحم، فهما يشتركان مع بعضهما، ثم يستقر تدريجياً هذا الذي زرع في الأرض، ويبقى نباتاً حتى النهاية إلى أن يصل إلى الثمرة، وإن ثمرته هي ثمرة للنبات. 

أما التي لم تزرع في الأرض وهي الحيوانات جميعاً ومنها الإنسان فإنها 
 
 
 
 
 
 
 
21

16

التربية والمجتمع

 تعلو تدريجياً فوق مرتبة النبات وتظهر عندها روح حيوانية في نفس المرتبة التي هي فيها فتمتاز عن سائر النباتات لكنها حيوانات بأجمعها، أي تشترك بالروح الحيوانية، وعندما تولد في هذا العالم وتنفصل عن مكانها يعتبر هذا امتيازاً عن النباتات لأن النبات سوف ينتهي لو فصلناه عن مكانه إلاّ أنها تنفصل عندما يقتضي الأمر وتكتمل تلك الصفة النباتية وتظهر الصفة الحيوانية، وتنتهي الحاجة للرحم، وتلج هذا العالم. 


تشترك الحيوانات جميعاً في الاكل والنوم والشهوات وأمثال ذلك فلا امتياز بينها إلاّ من خلال الصفات الحيوانية، وإن هذه الحيوانات الموجودة تختلف في الإدراك أيضاً، فالقرد مثلاً يدرك ويفهم أكثر من حيوان آخر، ويصبح الإنسان ممتازاً بهذه الحيوانات لأنه قادر على التطور، فهو يختلف عنها في الإدراك، وفي غاية الإدراك، إذ أن ادراك الحيوان محدود ضمن حدود معينة وينتهي، ولكن ينبغي القول بأن إدراك الإنسان وقابليته للتربية غير متناهية تقريباً فالإنسان إذاً عنده العالم بأجمعه وزيادة، كل ما هو موجود في العالم من الكائنات فإنه يمتاز عنها، فهو يشترك مع الحيوانات والنباتات وما يعادلها لكنه يفوقها بامتلاكه لقوة عاقلة وقوة أسمى غير موجودة عند بقية الكائنات. 

الإنسان كائن طبيعي وما وراء الطبيعة

لو كان الإنسان لا يخرج عن حدود الطبيعة لما كانت هناك حاجة لأن يأتيه شيء من عالم الغيب لتربيته، فلا حاجة لتربية الجانب الآخر من الإنسان لعدم وجوده، ولكن بما أن الإنسان مجرداً عن عالم الطبيعة حقيقة، وهذه الخصوصيات الموجودة في الإنسان بذاتها تدل 
 
 
 
 
 
 
22

17

التربية والمجتمع

 على وجود ما وراء لهذه الطبيعة، ولأن الإنسان له ما وراء الطبيعة وحسب البراهين الثابتة في الفلسفة فإنه يوجد ما وراء هذه الطبيعة في الإنسان والإنسان له عقل مجرد بالإمكان وسيصبح مجرداً تاماً فيما بعد، فإنه يجب أن يقوم بتربية الجانب الآخر للإنسان وهو الجانب المعنوي، من له علم بذلك الجانب، علماً حقيقياً به، وعلماً بالعلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة والجانب الآخر، وإن الذي يتمكن من إدراك هذه العلاقة ليس بشراً، لأن الإنسان لا يتمكن من ذلك، انه قادر على هذا المقدار من إدراك الطبيعة، ومهما نظر إلى عالم ما وراء الطبيعة من خلال عدسة مكبرة فلن يشاهد شيئاً، انه بحاجة إلى استخدام معانٍ أخرى، وبما أن هذه العلاقات خافية على البشر ويعلمها الله تبارك وتعالى الذي خلق كل شيء، لهذا ينزل الوحي الإلهي على أشخاص كاملين قد سلكوا طريق الكمال والمعنوي وفهموا، فتحدث العلاقة بين الإنسان وعالم الوحي، ويوحي إليه، ويُبعث لتربية الإنسان في بعده الآخر، فيأتي هؤلاء إلى الناس ليقوموا بتربيتهم. 

 
الإنسان أمام مفترق طريقين
 

 

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ1 "العصر" هو الإنسان الكامل وهو صاحب الزمان سلام الله عليه أي عصارة جميع الكائنات، والقسم بعصارة جميع الكائنات أي القسم بالإنسان الكامل (إن الإنسان لفي خسر) وهذا الإنسان المذكور هنا هو نفس الإنسان الذي 
 
 
 

1- سورة العصر، الآية 12 
 
 
 
 
 
 
23

18

التربية والمجتمع

 له رأس وأذنين، ونحن نسميه إنساناً، والخطاب موجّه لنا، فنحن أمام مفترق طريقين: أحدهما طريق الإنسانية، والذي هو الصراط المستقيم، ويتصل الصراط المستقيم في طرف منه بالطبيعة، وفي الطرف الآخر بالألوهية، فالطريق المستقيم يبدأ من العلق، وبعضه طبيعي والمهم منه هو عندما يكون إرادياً، فالطبيعة احد طرفيه ومقام الألوهية طرفه الآخر، ويبدأ الإنسان من الطبيعة حتى يصل إلى ذلك المكان الذي لا تصل إليه أفكاري وأفكارك، "سأصير ذلك الشيء الذي لا يخطر بوهمك"1 فأنتم مخيرون في هذا المفترق أما أن تنتخبوا صراط الإنسانية المستقيم، أو الانحراف إلى اليسار، أو إلى اليمين. 

 
قابلية الإنسان ذات البعدين
 
عندما يولد الإنسان ابتداءاً، فإن فيه كل شيء على شكل استعداد أي غير متحقق، لكنه قابل للتحقق، فهذا الطفل الذي يخرج إلى هذه الدنيا يكون مستعداً ليحصل على ملكات صالحة، ومستعداً للحصول على ملكات رذيلة، إذ لو سعى باتجاه الملكات الرذيلة فإنها ستتحقق تدريجياً ويصبح باطن الإنسان كائناً منحطاً. 
 
يمارس الإنسان أحياناً بعض الأعمال التي تناسب شأن الحيوان فيكون متوحشاً حتى ولو كان في القول، فنراه يعتدي على الناس ويوجه لهم كلمات الفحش، وهذه وحشية، أو تكون لديه وحشيات من نوع آخر، هذه ملكة تظهر عند الإنسان وهي ملكة التوحش. 
 
 

1- إشارة إلى بيت شعر لمولوي 
 
 
 
 
 
 
 
24

19

التربية والمجتمع

 الإنسان في مسير الانحطاط


إن الإنسان كما أن له في هذه الدنيا صورة ملكية دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى في كمال الحسن والجمال والتركيب البديع، والمتحيرة إزاءها عقول جميع الفلاسفة والعظماء، والذي لم يستطع علم معرفة الاعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرف على حاله بصورة صحيحة، وقد ميّزه الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم وجودة وجمال المظهر، كذلك فإن له ـ أي الإنسان ـ صورة وهيئة وشكلاً ملكوتياً غيبياً، وهذه الصورة تابعة لملكات النفس والخلق الباطن. 

وفي عالم ما بعد الموت، سواء في البرزخ أو القيامة، إذا كان خلق الإنسان في الباطن والملكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له صورة إنسانية أيضاً، وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته في عالم ما بعد الموت، تكون غير إنسانية أيضاً وهي تابعة لتلك السريرة والملكة، فمثلاً إذا غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم وذلك الخلق، وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان حكم مملكة الباطن والسريرة حكم سبع كانت صورته الغيبية الملكوتية صورة احد السباع والبهائم، وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما الملكة، وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة والغيبة، تكون صورته الملكوتية صورة احد الشياطين بما يتناسب وتلك. 

ومن الممكن أحياناً أن تتركب الصورة الملكوتية من ملكتين أو عدة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من الحيوانات، بل 
 
 
 
 
 
 
 
25

20

التربية والمجتمع

 تتشكل له صورة غريبة بحيث أن هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة والسيئة المخيفة لن يكون لها مثيل في هذا العالم. 

 
نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صور تحسن عندها صورة القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك العالم، لأن ذلك العالم ليس كهذا العالم، حيث لا يمكن لأي شخص أن يتقبل أكثر من صورة واحدة له، وهذا الأمر يطابق البرهان وثابت في محله. 
 
واعلم أن المعيار لهذه الصور المختلفة، والتي تعد صورة الإنسان واحدة منها، والباقي صورة أشياء أخرى، هو وقت خروج الروح من هذا الجسد. وظهور مملكة البرزخ واستيلاء سلطان الآخرة والذي أوله في البرزخ عند خروج الروح من الجسد، فبأية ملكة يخرج بها من الدنيا، تتشكل على ضوئها صورته الأخروية، وتراها العين الملكوتية البرزخية، وهو نفسه أيضاً، عندما يفتح عينيه البرزخية يرى نفسه بالصورة التي هو عليها إذا كان لديه بصر، وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا، يقول سبحانه وتعالى نقلاً عن لسان البعض حين الحشر ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا1 فيأتيه الجواب من الله ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى2.
 
فيا أيها المسكين، قد كانت لديك عين ملكية ذات بصر ظاهري ولكنك في باطنك وملكوتك كنت أعمى، وقد أدركت إلاّ هذا الأمر، 
 
 
 

1- سورة النساء، الآية 100. 
2- سورة العلق، الآية 15. 
 
 
 
 
 
 
 
26

21

التربية والمجتمع

 وإلاّ فإنك كنت أعمى منذ البداية ولم تكن لديك عين البصيرة الباطنية التي ترى بها آيات الله. 


أيها المسكين انت ذو قامة متناسقة وصورة جميلة في التركيب الملكي، ومعيار الملكوت والباطن غير هذا، عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة يوم القيامة، يجب أن تكون روحك روحاً إنسانية كي تكون صورتك في عالم البرزخ والقيامة صورة إنسانية.. انت تظن أن عالم الغيب والباطن، وهو عالم كشف السرائر وظهور الملكات، مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن يقع الخلط الاشتباه.. إن عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء جسدك، جميعها تستشهد عليك بما فعلت بألسنة الملكوتية، بل بقول بعض بصور ملكوتية. 

أيها العزيز، افتح سمع قلبك، وشدّ حزام الهمة على وسطك، وارحم حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وإن تخرج من هذا العالم بصورة آدمية، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة، وحذاري من أن تتصور أن كل ما تقدم هو موعظة وخطابة، فهذا كله هو نتاج ادلة فلسفية للحكماء العظام، وكشف انكشف لأصحاب الرياضيات وإخبار عن الصادقين والمعصومين. 
وليس المقصود من هذه الأوراق أن تكون محلاً لإقامة الدليل ونقل الاخبار والإثارة بكثرة.
 
 
 
 
 
 
 
27

22

خصائص الإنسان المكتسبة

 خصائص الإنسان المكتسبة 

 
القدرة على الهجرة من النفس
 
هناك أشخاص تحركوا وخرجوا من حفرة النفس هذه، وهاجروا ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ1 فأحد الاحتمالات فيها هو أن هذه الهجرة هي من النفس إلى الله و"البيت" هنا هو نفس الإنسان، فهناك طائفة خرجت وهاجرت عن هذا البيت الظلماني، عن هذه النفسانية ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى أن وصلت إلى هناك حيث " أدركه الموت" ووصلت إلى مرتبة لم يعدلها فيها شيء من نفسها، أي موت مطلق، وأجرهم أيضاً على الله ولم تعد الجنة مطروحة ولا التنعمات مطروحة، فقط الله، ذاك الذي خرج من بيت نفسانيته، وتحرك وهاجر إلى الله والى "رسوله" والذي هو إلى الله أيضاً، ثم يدركه الموت، وبعد هذه الهجرة يصل إلى مرتبة حيث "أدركه الموت" فحينئذ لا يعد له من نفسه شيئاً، كل ما هو موجود منه، يشاهده هو، وفي هذه الهجرة أجرة أيضاً على الله. 
 
 
 

1- سورة الحديد، الآية 4
 
 
 
 
 
28

23

خصائص الإنسان المكتسبة

 الإنسان موضوع علم الأنبياء

 
إذا كان لكل علم موضوع، فإن موضوع علم جميع الأنبياء هو الإنسان، ولو كان لكل دولة برنامج، فيمكن القول أن برنامج الرسول الأكرم "ص" هو تلك السورة النازلة في البداية، فهي برنامج رسول الله ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ1 فالإنسان هو موضوع بحث جميع الأنبياء، وموضوع تربيتهم وموضوع علمهم، وإنهم جاؤوا لتربية الإنسان، وجاؤا لنقل هذا الكائن الطبيعي من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة عليا، مرتبة ما فوق الطبيعة وما فوق الجبروت، وكل بحث الأنبياء هو الإنسان، فمنذ البداية كل نبي بُعث إنما بعث من أجل الإنسان وتربيته، وتعين هذه الآية الشريفة البرنامج بحسب الاعتبار وبحسب الاحتمال، فهي تخاطب الرسول الأكرم بذاته لكن خطاب القرآن عام في أغلبه حتى ولو كان للرسول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فهي تعين القراءة منذ بدايتها، وكيف يجب أن تكون يجب أن تكون باسم الرب، فجميع القراءات وجميع الكلمات المفصولة عن اسم الرب تكون شيطانية، هناك جنبتين جنبة رحمانية وجنبة شيطانية، وعندما بدأت القراءة كانت باسم الرب، والقراءة باسم الرب، والنظر باسم الرب، والسماع باسم الرب، والقول باسم الرب، الدراسة باسم الرب، وكل شيء باسم الرب، وبدأ العالم باسم الرب. 
 
 

1- سورة العلق، الآية 67 
 
 
 
 
 
 
29

24

خصائص الإنسان المكتسبة

 أهمية تربية الإنسان


إن النظام الوحيد والمدرسة الوحيدة التي تهتم بالإنسان من قبل انعقاد نطفته وحتى النهاية، وطبعاً لا نهاية له، هي مدارس الأنبياء، فلا تهتم أي مدرسة أخرى أبداً بالمرأة التي يجب انتخابها للزواج منها، ولا بالرجل الذي ينبغي بالمرأة أن تتزوج منه، فهي لا تهتم بهذا ولا تبالي به، ولا يوجد في قوانينها أبداً كيفية انتخاب المرأة والرجل. 

ولا يوجد في قوانينها ماذا يجب أن تفعل الأم في أيام الحمل، ولا في أيام الرضاعة، وما هي مسؤولية الأم عندما تحتضن طفلها، ومسؤولية الاب في التربية عندما تكون تحت اشرافه، فالقوانين المادية والطبيعية وانظمة غير الأنبياء لا تهتم بهذه الأمور أبداً، إنهم يقفون بوجه المفاسد فقط عندما يصبح الإنسان إنسانا وينزل إلى المجتمع، وليس أمام جميع المفاسد، بل تلك التي تخالف النظام، وإلاّ فإنهم لا يبالون بالفسق والفجور، بل يدعمونها ولا يهتمون بموضوع تربية الإنسان وبنائه. 

إنهم يعتقدون بأن فرق الإنسان عن الحيوان بمقدار ما هو متطور عنه في الطبيعة فلا يستطيع الحيوان أن يصنع طائرة، بينما يتمكن الإنسان من ذلك، ولا يتمكن الحيوان أن يصبح طبيباً، بينما يتمكن الإنسان من ذلك. 

أما الحدود عندهم فهي حدود الطبيعة، لكن ذاك الذي يهمه كل شيء، ذاك الذي يهمه الإنسان قبل الزواج، وقبل أن يريد الزواج أن تكون ثمرة هذا الزواج إنسانا سليماً، إنسانا بمعنى الكلمة فعنده تعليمات لانتخاب الزوجة وانتخاب الزوج قبل الزواج، لماذا هذه التعليمات انه كالمزارع والفلاح الذي ينبغي به أن ينظر أولاً إلى 
 
 
 
 
 
 
 
30

25

خصائص الإنسان المكتسبة

 الأرض، وينتخب الأرض الصالحة، البذرة الصالحة وبذرة الحنطة الصالحة، وما يحتاج إليه لتربيتها والأمور الأخرى التي يحتاجها من أجل بناء مزرعة وإحيائها والانتفاع بها، كذلك الإسلام فإنه يراعي هذه الأمور في الإنسان، فهذا الزوج الذي ينتخب، أي زوج هو حتى يخرج منه إنساناً صحيحاً، وتلك المرأة التي تختارها، أية امرأة هي حتى ينتج إنساناً من هذين الزوجين. 


ثم كيف يجب أن تكون آداب الزوج والحالة التي تنعقد فيها النطفة وآدابها، وآداب الحمل، ومن ثم آداب أيام الرضاعة. 

كل ذلك لأن المدارس التوحيدية واسماها الإسلام، جاءت لصناعة الإنسان، إنها لم تأت من أجل بناء حيوان، وغاية ما هناك أن له إدراك بمقدار الحدود الحيوانية وله نفس الأهداف الحيوانية، وأكثر منها بمقدار قليل، إنها لم تأت لذلك، بل جاءت لصناعة الإنسان. فالإسلام قادر على تربية الإنسان ليسمو من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة الروحانية وحتى أسمى منها، وإن المدارس غير التوحيدية وغير الإسلام لا تبالي أبداً بما وراء الطبيعة، ولا تصل عقولهم إلى ما وراء الطبيعة، ولا تصل علومهم إلى ما وراء الطبيعة، فالذي يصل علمه إلى ما وراء الطبيعة هو الذي يكون في طريق الوحي، ويكون إدراكه مرتبطاً بالوحي وهم الأنبياء. 

إصلاح العالم في ظل تربية الإنسان

لقد بُعث الأنبياء من قبل الله تبارك وتعالى لتربية الناس وبناء الإنسان، وتسعى جميع كتب الأنبياء، وخاصة القرآن الكريم، من أجل تربية هذا الإنسان، لأنه بتربية الإنسان يتم إصلاح العالم، وإن مضار 
 
 
 
 
 
 
 
31

26

خصائص الإنسان المكتسبة

 الإنسان الذي لم تتم تربيته بالمجتمعات لا تساويها مضار شيطان أو حيوان أو كائن آخر، وإن منافع الإنسان المتربي للمجتمعات لا تضاهيها اية منفعة لملك أو كائن مفيد آخر. 

 
فأساس العالم يقوم على تربية الإنسان، وإن الإنسان هو عصارة جميع الكائنات وخلاصة لتمام العالم، وجاء الأنبياء من أجل تحويل هذه العصارة من القوة إلى الفعلية حتى يصبح الإنسان موجوداً إلهياً حيث هذا الموجود الإلهي فيه جميع صفات الله تعالى ومحل تجلي النور المقدس لله تعالى. 
 
الإيمان يمنع الذنب
 
الإيمان يعني أن تعي قلوبكم وتصدق تلك الأمور التي ادركتها عقولكم، وهذا يحتاج إلى المجاهدة حتى تفهم قلوبكم إن العالم كله محضر لله، فنحن الآن في محضر الله، ولو أدرك قلبنا هذا المعنى بأننا الآن في محضر الله، هذا المجلس محضر لله، ولو وحد في قلب الإنسان هذا الأمر، فإنه سيبتعد عن جميع المعاصي، إذ أن سبب جميع المعاصي أن الإنسان لم يجد هذا الشيء، يوجد برهان عليه أيضاً وإن البرهان العقلي قائم أيضاً على أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان، فالبرهان موجود وجميع الأنبياء قالوا بذلك أيضاً ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ1 فهو معنا، وأينما نكون يكون معنا، والقرآن يقول ذلك وسمعناه منه، وثبت ذلك من خلال البرهان، لكنه لم يصل إلى قلوبنا 
 
 

1- مر ذكره سابق 
 
 
 
 
 
 
32

27

خصائص الإنسان المكتسبة

 حتى إذا ما أردنا أن نغتاب، أو نتهم، أو نعمل قبيحاً نرى إننا في محضر الله، ولا بد أن نحترم هذا المحضر. 


عندما يكون الإنسان في محضر عظيم يعتقد بعظمته فإنه يحترم ذلك المحضر، إذا كان يوجد عندكم شخص وتعتقدون انه عظيم فإنكم لا ترتكبون أية مخالفة أمامه فضلاً عن مخالفته هو في محضره. لا يرتكب الإنسان أي عمل سيء مطلقاً في محضر شخص يدرك بأنه عظيم ومحترم فضلاً عن ارتكاب ما يخالف احترام هذا المحترم وفي محضره، فالمحضر هو محضر الله تبارك وتعالى، العالم محضر، كل العالم محضر، والمعصية هي مخالفة معه، مع من نحن في محضره. 
 
 
 
 
 
 
 
33

28

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص 


الأنانية سبب للطغيان

جميع الاختلافات القائمة بين البشر هي بسبب عدم التزكية، وغاية البعثة أن تزكي الناس حتى يتعلمون القرآن والكتاب، ولا يحدث الطغيان فيما لو تمت التزكية. إن من يزكي نفسه لا يرى نفسه فانياً أبداً ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ﴾ فعندما يرى الإنسان نفسه، ويرى لنفسه مقاماً، ويرى لنفسه عظمة فإن هذه الأنانية ورؤية النفس تكون سبباً للطغيان، وإن أساس كل هذا الاختلاف الموجود بين البشر، والاختلاف الحاصل بينهم حول الدنيا يعود إلى الطغيان الموجود في النفوس، وهذه مصيبة مبتلى بها الإنسان، مبتلى بنفسه وبأهوائه النفسانية. 

إذا تزكى الإنسان وتربت نفسه، فسوف تزول هذه الاختلافات. 

عدم التزكية أساس الحروب

جميع هذه المصائب التي تحل بالانسانية ناشئة من هذه النقطة، 
 
 
 
 
 
 
 
34

29

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 من أنانية الإنسان، وإن جميع الحروب في هذا العالم هي من هذه الأنانية، لا توجد حرب أو نزاع بين المؤمنين، وإذا ما نشبت حرب بين اثنين فليعلما انهما ليسا بمؤمنين، إذ لا حرب بين المؤمنين. 

 
عندما لا يكون هناك ايمان، ويكون توجه الإنسان إلى النفس، ويريد كل شيء لنفسه، من هنا يقع النزاع، أنا اريد هذه الاريكة لنفسي، وانتم تريدونها لأنفسكم، فيقع التعارض، أنا اريد هذا البساط لي، وانتم تريدونه لكم، أنا اريد أن تكون هذه الرئاسة الوهمية لي وأنتم تريدونها لكم، وحيث لا يمكن الجمع، ينشب النزاع. 
 
هذا يريد هذه الدولة له، والثاني يريدها لنفسه، فتقع الحرب. إن جميع هذه الحروب في العالم هي حروب بين الأنانيات، لأن الإنسان يحارب بأنانيته، والحروب هي حروب الأنانيات وهي معدومة بين الأولياء، فلا حرب أيضاً بين الأولياء، فلو اجتمع الأولياء في مكان واحد لما نشب بينهم أي نزاع ولا ظهر أي خلاف، لأن كل شيء هو لله فلا مكان هنا للأنا حتى يجر هذا إلى طرفه، وذاك إلى الطرف الآخر فيحدث الاختلاف وينشب النزاع، فجميعهم لمبدأ واحد، لجهة واحدة. 
 
الجهاد الأكبر مقدم على أنواع الجهاد
 
جاء الإسلام أساساً للبناء، ويهتم الإسلام ببناء الإنسان، الجهاد من أجل البناء "بناء الإنسان لنفسه، مقدم على جميع أنواع الجهاد، وهذا الجهاد هو الذي عبّر عنه الرسول بالجهاد الأكبر، فهو جهاد عظيم وصعب، وجميع الفضائل تتبع ذلك الجهاد الأكبر1 هو جهاد الإنسان 
 
 
 

1- من الأمثال المشهورة نهج البلاغة، فيض الإسلام ـ الخطبة 167. 
 
 
 
 
 
 
35

30

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 لنفسه الطاغوتية، ويجب عليكم أيها الشباب أن تبدأوا من الآن بهذا الجهاد، ولا تسمحوا لضياع قوى الشباب منكم، فكلما زالت قوى الشباب، كلما زادت جذور الأخلاق الفاسدة لدى الإنسان، ويصعب الجهاد أكثر، يستطيع الشاب أن ينتصر بسرعة في هذا الجهاد، ولا يتمكن الكهل بهذه السرعة، لا تؤخروا إصلاح حالكم إلى مرحلة الكهولة، فإحدى مكائد النفس الإنسانية ضد الإنسان ذاته، ويوحي بها الشيطان للإنسان هي أن يؤخر إصلاح نفسه إلى آخر عمره، فيوسوس له أن استفد الآن من شبابك وتُب في آخر عمرك. 

إن هذا مخطط شيطاني تتعلمه النفس الإنسانية من الشيطان الكبير، يتمكن الإنسان من إصلاح نفسه ما دامت قوى الشباب موجودة والروح الشابة اللطيفة موجودة، وجذور الإفساد قليلة، إما إذا استفحلت جذور الفساد في الإنسان، فإن المفاسد ستتحول إلى ملكة عنده، ولا يمكنه الإصلاح. 

إنكم أيها الشبان الذين هيأتم أنفسكم من أجل الجهاد في سبيل الاعمار، إن هذا جهاد، ولكن الجهاد الأكبر هو الجهاد في طريق بناء أنفسكم حتى تنتفع بكم بلادكم فيما بعد وتخدمونها، ابدأوا من الآن ببناء أفراد يمكنهم إنقاذ دولة في المستقبل، ولو بنيتم أنفسكم وعمقتم جذور الفضائل الإنسانية في نفوسكم عندها ستنتصرون في جميع المراحل، ويمكنكم انقاذ بلادكم، إن الذين جرّوا بلادنا إلى الضياع كان بسبب أن بناءهم كان فاسداً، وكانت عندهم أخلاق وعقائد فاسدة وممارسات فاسدة، ولو أنهم كانوا قد بنوا أنفسهم لما خانوا الشعب والإسلام. 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

31

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 التقوى مقدمة السلوك إلى الله

 
إعلم أيها العزيز انه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالجاً، فإن للنفس الإنسانية صحة ومرضاً، وسقماً وسلامة، وعلاجاً ومعالجة. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن هذه الأمراض النفسية أكثر أهمية بآلاف المرات من الأمراض الجسدية، وذلك لأن هذه الأمراض إنما تصل إلى غايتها بحلول الموت، فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن حتى ترتفع عنه جميع الأمراض الجسدية والاختلالات المادية، ولا يبقى له أياً من الآلام والاسقام البدينة، ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية، لا سمح الله، فإنه ما أن تفارق الروح البدن وتتوجه إلى ملكوتها حتى تظهر آلامها وأسقامها. 
 
إن مثل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان شعوره بنفسه، وسلب ارتباط الروح بديناً البدن، يرجع إليها الشعور بذاتها، وحينئذ تهجم عليه جميع تلك الآلام والاسقام والامراض التي كانت في باطن ذاته، وتظهر جميعها وقد كانت مختلفية إلى ذلك الوقت مثل النار تحت الرماد، وتلك الآلام والأسقام إما أن تكون ملازمة ولا تزول عنه ابداً، أو إذا كان يمكن زوالها فإنها ترتفع بعد آلاف من السنين تحت الضغط والعناء والنار والاحتراق "آخر الدواء الكي"1. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ2.
 
 

1- إشارة إلى بيت شعر لمثنوي معنوي يقول فيه : نحن اطباء طلاب للحق رآنا البحر الأحمر فانغلق
2- سورة التوبة، الآية 35. 
 
 
 
 
 
 
37

32

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 ومنزلة الأنبياء هي منزلة الأطباء المشفقين، الذين جلبوا للمرضى وصفات متعددة بحسب حالهم، وهدوهم إلى طريق الهداية بكمال الشفقة والرغبة بصحة المرضى "نحن الأطباء تلاميذ الحق، وإن الأعمال الروحية والقلبية والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض، كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراثيها، بمثابة الوقاية من الأمور المضرة بالأمراض، ومن دون الحمية لا يمكن أن ينفع العلاج ولا أن يتبدل المرض إلى صحة. 

 
قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسدية وتعود الصحة حتى مع عدم الحمية جزئياً، وذلك لأن الطبيعة هي بنفسها حافظة للصحة ودواء معين لها، ولكن الأمر في الأمراض الروحية صعب وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية، فتوجهت نحو الفساد وهي منكوسة ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ 1 وعليه فمجرد عدم الاجتناب في الجملة، فإن الأمراض تغلبه، وتجد مناطق للنفوذ إليه، حتى تقضي على صحته قضاءً مبرماً. 
 
إذا، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله، إذا تنبه أن وسيلة الخلاص من العذاب تنحصر في أمرين: الأول هو الاتيان بالمصلحات والمستصحات النفسانية، والآخر هو اجتناب المضرات وما يؤلم النفس. 
 
ومن المعلوم أن ضرر المحرمات في المفسدات النفسانية أكثر من أي شيء آخر، ولهذا كانت محرّمة، كما أن الواجبات في المصلحات أهم 
 
 

1-  سورة يوسف، الآية 53. 
 
 
 
 
 
 
38

33

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 من كل شيء، ولهذا كانت واجبة، وهاتان المرحلتان أفضل من أي شيء ومقدمة على كل مقصد، ومقدمة للتطور. 

 
وهي الطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية بحيث أن من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء، وأهمها التقوى من المحرمات، وإن أهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة الأولى ويتضح من الرجوع إلى الأخبار والروايات وخطب "نهج البلاغة" إن المعصومين "عليهم السلام" كانوا يعتنون بهذه المرحلة أكثر. 
 
اذاً، أيها العزيز فاعتبر هذه المرحلة الأولى مهمة جداً، وحافظ وراقب امرها فإنك إذا خطوت الخطوة الأولى بشكل صحيح، وبنيت هذا الأساس قوياً، كان هناك أمل بوصولك إلى مقامات أخرى، وإلاّ امتنع الوصول وصعب النجاه’. 
 
كان شيخنا العارف الجليل1 يقول: إن المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة، من الآية الشريفة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...2 إلى آخر السورة المباركة مع تدبر معانيها، في تعقيبات الصلوات، وخصوصاً في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، مؤثرة جداً في إصلاح النفس وفي الوقاية من شر النفس والشيطان، وكان يوصي بالبقاء على وضوء قائلاً: إن الوضوء مثل "بزّة جندي" وعليك أن تطلب من القادر ذي الجلال، والله المتعال جلّ جلاله في كل حال مع التضرع والبكاء والالتماس كي يوفقك في هذه المرحلة، ويعينك على خصلة التقوى. 
 
 

1- هو آية الله محمد علي الملك آبادي. 
2- سورة الحشر ـ الآية 18ـ24. 
 
 
 
 
 
 
39

34

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 واعلم أن بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة يتحول التعب إلى راحة، والمشقة إلى استراحة، بل تتبدل إلى لذة روحية خالصة بحيث أن أهلها لا يقابلون تلك اللذة بجميع اللذائذ، ويمكن إن شاء الله بعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة، أن تنتقل من هذا المقام إلى تقوى الخاصة، وهي التقوى عن المستلذات النفسانية، إذ انك بعد أن تذوق طعم اللذة الروحية تنصرف شيئاً فشيئاً عن اللذائذ الجسدية وتتجنبها، وعندئذ يسهل عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزناً للذات الجسدية الزائلة، بل تنفر منها، وتقبح زخارف الدنيا في عينيك وتجد أن كل لذة من لذات هذا العالم توجد في النفس أثراً، وتبقى في القلوب لطخة سوداء تبعث على شدة الأنس بهذا العالم والتعلق به وهذه هي نفسها تكون سبب الاخلاد إلى الأرض، وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة، فعمدة صعوبة سكرات الموت وحالة النزع الأخير القاسية وشدتها ناجمة عن هذه اللذات وحب الدنيا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى سقطت لذات العالم من عينيه كلياً، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف وفرّ منها، وهذا بنفسه ترقّ من المقام الثاني إلى المقام الثالث من التقوى. 


وبذلك يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلاً ميسوراً وطريق الإنسانية نيّراً واسعاً، وتصبح خطوته شيئاً فشيئاً خطوة حق ورياضته رياضة حق، ويهرب من النفس وآثارها وأطوارها، ويجد في ذاته عشق للحق، فلا يعود يقنع بوعود الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبه ومقصوده أمراً آخر، وينفر من الأنانية وحب الذات. 

فيتقي من حب النفس ويصبح متقياً من التوجه للنفس وحب 
 
 
 
 
 
 
40

35

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 النفس، وهذا مقام على قدر كبير من الشموخ والرفعة، وهو أول مرتبة حصول روائح الولاية، ويدرجه الله المتعالى في كنف لطفه، ويعينه ويجعله موضوع ألطافه الخاصة، 


إما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم، الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، والصلاة على محمد وآله الطاهرين. 

الالتزام والتخصص

وجّهوا عزمكم نحو هذا المعنى، وليكن توجهكم نحو الله وأعمالكم خالصة لله تبارك وتعالى، وجدّوا للدراسة في المدرسة التي انتم فيها، والأهم من الدراسة، تهذيب الأخلاق، وكونوا إسلاميين، وكمّلوا العلوم الإسلامية من خلال نفوس إسلامية، وهذبوا أنفسكم إسلامياً إلى جانب الدراسة الجدية للأحكام الإسلامية والمعارف الإسلامية. 

يجب على المدارس العلمية والدينية وجميع المدارس التي تدرس العلوم الدينية أو الدراسات الأخرى أن يكون أهم شيء في برامجها في هذه الجمهورية الإسلامية هو أن يكونوا مهذبين قبل أن يكونوا علماء، أن يكونوا مهذبين قبل أن يكونوا طلبة، يجب على المهذبين والعلماء والخطباء الذي سلكوا طريق الحق بمقدار ما يستطيعون أن يذهبوا إلى المدارس في أنحاء البلاد عامة، ويشكلوا حوزات للأخلاق والتهذيب والمعارف الإسلامية، وأن يكون التهذيب الإسلامي والأخلاق الإسلامية إلى جانب الدراسات العلمية حيث إنه إذا لم يكن هناك تهذيب إسلامي في المدارس، سواءاً المدارس الدينية أو مثل الجامعة وبقية الجامعات، والتي هي أيضاً مدارس إسلامية ودينية، يجب 
 
 
 
 
 
 
41

36

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 عليهم أن ينتبهوا إلى المعلمين الذين يمارسون الدعوة في المدارس، ويحاضرون فيها ليكونوا إسلاميين مائة بالمائة ومن المعتقدين بالأحكام الإسلامية والعقائد الإسلامية، حتى يتربى الذين عندهم تربية إسلامية ويتهذبون إسلامياً، واعلموا أن العالم، أي عالم كان، سيكون مضراً بالإسلام وغير نافع ما دام لم يهذب نفسه ولا يملك الأخلاق الإسلامية. 

 
إن الأضرار التي تحققت بالإسلام وببلادنا من أقلام وألسنة غير الملتزمين بالإسلام والمنحرفين فاقت ما لحق بهما من المدفع والدبابة ومن محمد رضا وأبيه، فأضرار هؤلاء أضرار روحية، والضرر الروحي أشد من الضرر الجسمي، فلو لم يكن العالم مهذباً لنفسه، وإن كان عالماً بالأحكام الإسلامية وإن كان عالماً بالتوحيد، فانه سيضر نفسه وبلاده وشعبه، ويضر الإسلام ولا ينفعه. 
 
إذا أردتم أن تخدموا الإسلام وتخدموا الشعب الإسلامي وأن لا تكونوا أسرى بيد القوى العظمى والمرتبطين بهم لوجب أن يكون البرنامج الأخلاقي والتهذيبي على رأس البرامج الدراسية في الجامعة والفيضية والمراكز التي ترتبط بالجامعة والفيضية حتى تقدم ثمارها أمثال المرحوم مطهري رحمه الله1 إلى المجتمع وبخلاف ذلك ـ لا سمح الله ـ فإنه سوف يقدم إلى المجتمع رجال يجرّونه إلى الفساد والى الأسر. 
 
 
 

1 ـ الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري من العلماء الملتزمين والنشطين، كان له دور مؤثر جداً في تقديم الإسلام على حقيقته، كان له التأثير الكبير على الحوزات العلمية الإسلامية والجامعات، وذلك من خلال خطبه التي تناول فيها كافة المواضيع الدينية إضافة إلى ما جاء به قلمه المقتدر من كتب ومقالات وجّهها لجميع طبقات المجتمع بعد انتصار الثورة الإسلامية عيّنه الإمام الخميني مديراً لشورى قيادة الثورة وفي 1ـ5ـ1979م اغتيل على يد مجموعة "الفرقان الارهابية". ترك الشهيد مطهري أكثر من 50 كتاباً من مؤلفاته، وعشرات المقالات وأشرطة تسجيل المحاضرات. قال الإمام الخميني "قده" عن مؤلفات الشهيد المطهري: "إن مؤلفاته وقلمه وحديثه كلها مربية ومفيدة، وإني أوصي طلاب الجامعات وطبقة المفكرين والملتزمين ان لا يسمحوا للدسائس غير الإسلامية أن تنسي كتب هذا الأستاذ العزيز. الأستاذ المطهري كان من تلامذة الإمام الخميني"قده" في الفقه والأصول والفلسفة والأخلاق والعرفان. 
 
 
 
 
 
 
 
42

37

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 إن الأضرار التي تحققت ببلادنا من الجامعة والفيضية لم نشاهده في مكان آخر، يجب عليهما أن يهذبا انفسهما، وأن يرتبط علماء الإسلام وأساتذة الجامعات فيما بينهم ويتفاهموا لجعل هذين المكانين إسلاميين وأن يتم انتخاب المعلمين، وخاصة للجامعات، وفي سائر ألاماكن الأخرى ليكونوا متدينين، ولا يمدون أيديهم للشرق ولا للغرب، ولو كان من بين معلمينا من هم شرقيون أو غربيون فإن بلادنا ستميل إلى الشرق أو إلى الغرب وسيكون محتوى الجمهورية الإسلامية ـ التي شعارها لا شرقية ولا غربية ـ أجوفاً، وإن ما يقوله بعض الناس: إن التهذيب يجب أن لا يكون هكذا، ويجب أن يكون الجميع أحراراً ويفعلون ما يشاؤون، وليمارس المعلمين التربية كيفما شاؤوا فإن هذا يعد انحرافاً ومخالفاً للتعاليم الإسلامية السامية، وإن اهتمام الإسلام بتربية هؤلاء الأطفال وهؤلاء الشباب لا يضاهيه شيء. 


فالإسلام جاء أساسا لبناء الإنسان، بينما تقوم هذه المدارس 
 
 
 
 
 
 
 
43

38

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 المنحرفة بسلب الإنسان من انسانيته، وتجر بلادنا للسقوط إما في أحضان الشرق و الشيوعيين أو في أحضان الغرب وأمريكا، وإن أساس جميع هذه المصائب هم الأساتذة غير المتدينون والذين يخرج على أيديهم أناس جرّوا مجتمعنا إلى الهلاك، وربطوا بلادنا والقادة في بلادنا بالشرق أو الغرب. 


الشيء المهم الذي تحتاجه بلادنا هو الالتزام بالإسلام والتهذيب الإسلامي، ولو أصبحت هذه المراكز خندقاً واحداً صحيحاً، وأصبحت الجامعة والفيضية خندقاً إسلامية، فإن سائر أبناء الشعب سوف لا ينحرفوا، بل سوف يسلكوا الطريق المستقيم، طريق الإنسانية والإسلام والاستقلال والحرية. 

وإنني ادعوا الباري المتعال أن يوفقكم أيها الإخوة والأخوات لتسيروا في طريق تحقيق هذا الهدف والذي هو الإسلام، والهدف الأسمى والذي هو الله، وحتى تهدوا الآخرين إلى نفس الطريق، وهذا هو الطريق المستقيم للإنسانية، ونسأل الله أن يهدينا إلى هذا الصراط المستقيم. 

تهذيب النفس في الحوزات والمراكز العلمية

يجب أن يتخرج من الحوزات العلمية عالم متدين بمعنى الكلمة وأن تكون مركزاً لبناء الإنسان، والجامعة مركزاً لبناء الإنسان أيضاً، إننا نريد الإنسان الجامعي، لا المعلم والطالب، يجب على الجامعة أن تصنع الإنسان وتُخرّج الإنسان، ولو خرّجت الإنسان فإنه سوف لن يسلم بلاده للغير، فالإنسان الذي لا يرضى بالخضوع للذل والأسر (والأعداء) 
 
 
 
 
 
 
44

39

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 يخشون من الإنسان، وكان رضا خان1 في السابق يخاف من المدرس2 لأنه كان إنسانا... وكان رضا خان يعتبر السيد المدرس منافساً له، ولم يكن يهتم بالآخرين، كان يعتبر منافسه هو السيد المدرس الذي كان عندما يقف ليتحدث يزلزل الجميع، كان إنسانا، وعاش كما سمعتم عنه، وأنا شاهدته، ونقلو عنه عندما أصبح نائباً، أي عينوه فقيهاً ينبغي أن يكون في المجلس انه اشترى عربةً وحصاناً في اصفهان وجاء بها بنفسه إلى طهران ثم باعها وكان بيته متواضعاً من حيث البناء، كان ذا مساحة كبيرة تقريباً لكنه متواضع من حيث البناء، وعاش حياة تحت مستوى الحياة العادية، حيث كان لباسه المصنوع من الكرباس على ألسنة الناس في ذلك الوقت وكان يجب أن يكون من إيران لكي يلبسه، فأي لباس لهؤلاء الوطنيين مصنوع في إيران؟ 

 
 

1- ـ رضا خان هو والد آخر ملوك إيران "محمد رضا" قام رضا خان عام 1920 بمؤامرة انقلابية بتخطيط من بريطانيا وتربّع على العرش عام 1925م وأول عمل قام به عند استلامه السلطة هو منع تدريس القرآن الكريم والتعاليم الدينية ومنع إقامة صلاة الجماعة في المدارس، وأوقف المراسم الدينية في أنحاء إيران ومنع إقامة صلاة الجماعة في المدارس، وأوقف المراسم الدينية في أنحاء إيران ومنع إقامة مجالس العزاء الحسينية، بل وحتى انه وضع قوانين تحدد طريقة أداء مجالس تأبين الموتى. 
2- ـ السيد حسن المدرس هو احد أبطال العدالة والحرية، عالم دين وداعية للاستقلال ومجاهد ضد الاستبداد، ولد عام 1308هـ.ق في قرية تابع لاردستان، ودرس المرحلة الابتدائية من العلوم الدينية في اصفهان والمراحل العليا في النجف الاشرف، كان صاحب لغة بسيطة وشعبية، وذو فهم وخلق وخصال حسنة، وعاطفة جيّاشة. وعاش حياة بسيطة، وهذه الأمور بأجمعها جعلته في منزلة قيادة الناس وإرشادهم. في الدورة الثانية لوضع القوانين في مجلس الشورى الوطني عام 1949م اختاره العلماء في النجف وإيران ليكون احد المجتهدين الخمسة المشرفين على قوانين المجلس، وبعد انتهاء الدورة الثانية، انتخبه اهالي طهران كممثل عنهم في المجلس المذكور. لكنه بسبب معارضته للحكومات العميلة، ولأعمالها المخالفة للوطنية والخيانية وبسبب معارضته أيضاً لاتفاقية الخيانة التي امضتها حكومة إيران عام 1919م مع بريطانيا، والتي استطاع السيد المدرس أن يقف بوجهها في المجلس وأفشل التصويت عليها، كل ذلك دفع بالانكليز لاصدار اوامرهم لرضا خان قائد العسكر آنذاك لاعتقال السيد المدرس ومؤيديه، وايداعهم السجن وتعذيبهم وبعد مرور ثلاثة اشهر شهدت تظاهرات متنامية للجماهير، وضغوط شديدة أدت إلى اطلاق سراحهم من السجن. إن فضح السيد المدرس لخطة الجمهورية لرضا خان داخل المجلس، ومعارضة السيد المدرس لحكومة رضا خان ومشاريعها التي تتلقنه من الانجليز، جعلت من المدرس كأشد المقاومين في مواجهة الاستعار والاستبداد، لذا فإن الأجانب وعبيدهم الذي خشوا المدرس أيما خشية، وفشلت محاولاتهم لاغتياله، قرروا أن يسكنوا هذا الصوت المطالب بالحرية والسلام، ومهّدوا لاعتقاله ونفيه، وفي احد أيام شهر رمضان المبارك لمام 1316دسوا له السم في طعام افطاره فقضى في شهر الصيام شهيداً. 
 
 
 
 
 
 
 
45

40

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 يجب على جميع الذين يهمهم أمر البلاد، ويهمهم أمر الإسلام، ويهمهم أمر هذا الشعب، أن يوحّدوا قواهم من أجل إصلاح الجامعة (غير المهذبة)، فخطر الجامعة أعظم من القنبلة العنقودية، كما أن خطر الحوزات العلمية أعظم من خطر الجامعة. 


يجب تهذيبهما، ويجب على المتدينين سواء في الحوزات العلمية أو الجامعة، أن يشدوا أحزمة العزم والإصلاح. 

انتم الآن أيها السادة خطوتم الخطوة الأولى، وإنها خطوة مباركة وهي أنكم حطمتم الجدار العظيم الذي أوجدوه بينكم، والسد الذي أقاموه بين الفيضية والجامعة قد كسرتموه، فهذه هي الخطوات الأولى التي قمتم بها، والخطوات الأخرى أن تبذلوا جهدكم لتكونوا مستقلين في جميع المجالات وغير مرتبطين. 

يجب على الآخرين والأجيال القادمة إن شاء الله أن ينتبهوا إلى هذين المركزين ليكونا معاً، وان يعتبر هذين المركزين العلم والعمل، 
 
 
 
 
 
 
46

41

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 العلم والتهذيب بمنزلة الجناحين إذ لا يمكن التحليق بأحدهما، والتهذيب هو الخطوة القادمة. 


المهم أن يفهم المتخرج من الجامعة بأنني درست على حساب ميزانية هذا البلد، وأصبحت متخصصاً، ووصلت إلى درجة علمية عالية، فيجب أن اخدم هذا البلد، وأكون خادماً لاستقلال هذا البلد. 

يجب على أساتذة الجامعة أن يغيروا تلك الأفكار التي دخلت على عقول شبابنا خلال هذه السنوات الطويلة وخاصة الخمسين سنة الأخيرة تقريباً واعتقدوا بها، وهي إننا لا شيء ويجب أن نستورد كل ما نحتاج إليه من الخارج مما أدى هذا الاعتقاد إلى توقف تلك العقول عن العمل والإنتاج، يجب على أولئك الذين يهمهم أمر هذا الشعب وهذا البلد، من غير التابعين والمرتبطين والذين لا يخدمون القوى العظمى، أن يبذلوا همهم لجعل الجامعة مركزاً للعلم والتهذيب، حتى تكون جميع الاختصاصات في خدمة البلاد، لا أن يكون متخصصاً ويجرنا بتخصصه إلى أحضان أمريكا، وبتخصصه يلحق الأضرار ببلادنا، كلما كان أكثر تخصصا كان اسوأ فغير المهذبين والذين لا يشعرون بأنهم لهذا البلد وإنهم استفادوا منها ويجب أن يقدموا عليها لخدمتها، أن فقدان مثل هذا الإحساس وهذا الاعتقاد سيجعل من الجامعة أسوأ مركز يجر بلادنا إلى الفساد. 

أما إذا وُجد هذا الإحساس، ويجب على أساتذة الجامعة، أولئك المتدينين أولئك الذين كانوا في العهد السابق يتألمون لوضع البلاد، أن يجهزوا أنفسهم لتربية أبناء إيران، إذا كان هذا فإن الجامعة ستكون أسمى مقام يحقق السعادة لبلادنا. 

أمام الجامعة طريقان: طريق جهنم وطريق السعادة، طريق الذلة 
 
 
 
 
 
 
 
47

42

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

والمسكنة والعبودية وأمثال ذلك وطريق العظمة والعزة والإباء، ولا فائدة في الأمر ما دمنا نمتلك هذه الجامعة (غير المهذبة)، إننا عندنا جامعة منذ خمسين سنة، وكل ما حصل من فساد في البلاد، هو من الأشخاص الذين درسوا في الجامعة وقد يكونوا متخصصين أيضاً. 
 
فلا ينفع حتى التوحيد بدون التهذيب "العلم هو الحجاب الأكبر"1 فمهما يزداد العلم حتى التوحيد ـ الذي هو أسمى العلوم ـ ويتراكم في عقل الإنسان وقلبه فإنه سيبعده من الله لو لم يكن مهذباً، ينبغي بذل الجهود لتهذيب الطلبة في الحوزات العلمية حاضراً ومستقبلاً، إذ يجب أن تقوم الحوزات الأخلاقية وحوزات التهذيب وحوزات السلوك "إلى الله تعالى" إلى جانب علم الفقه والفلسفة وأمثال ذلك. 
 
هل تعلمون من حاكم المرحوم الشيخ فضل الله النوري؟2 إنه عالم من زنجان، حاكمه وأصدر عليه حكماً بالقتل. 
 
عندما لا يكون رجل الدين والعالم مهذباً فإن فساده يكون أكثر من الآخرين. 
 
 
 

1- ـ اعتبر العلم حجاباً اكبراً ذلك لأن من يعتقد انه عالم وغني عن كسب المعرفة من غيره، فإنه يكون بذلك قد وضع أمامه وأمام فهمه حجاباً أكبر يمنعه عن التعرف على علوم أخرى، فقيل : يبقى العالم عالماً ما قال إني طالب علم، فإن قال : علمت فقد جهل. 
2- ـ آية الله الشيخ فضل الله النوري الطهراني هو عالم مجتهد، وفقيه مجاهد ومتبحر في الفقه والأصول والحديث وعلم الرجال، كان من تلامذة الميرزا محمد حسن الشيرازي وكان من مراجع طهران، جمع الصحيفة المهدوية، أو الصحيفة القائمية، وضمّنها ادعية الإمام المنتظر. وفي يوم 12 رجب 1327هـ. ق قام بعض الثوار في مرحلة هيئة إدارة الحركة الدستورية بإعدامه شنقاً بتهمة مخالفته للحركة، ودفن في قم في باحة مرقد فاطمة بنت الإمام الكاظم"ع" المعروفة بالمعصومة. 
 
 
 
 
 
 
48

43

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 وجاء في الأحاديث أن بعض أهل جهنم يتأذى بسبب الرائحة العفنة لبعض العلماء، وإن الدنيا تتأذى بسبب الرائحة العفنة لبعض هؤلاء. 


ما لم تصلحوا نفوسكم ولم تبدؤا من أنفسكم، ولم تهذبوها، فإنكم لا تقدرون على تهذيب الآخرين، فغير السليم لا يمكنه إصلاح الآخرين، ومهما يقول فلا فائدة من كلامه. 

ليبذل العلماء جهدهم في الحوزات في أية حوزة إسلامية كانوا حتى لا يتخرج الشباب بفطرة فاسدة من الحوزة بعد عشرة أو عشرين سنة من دخوله إليها بفطرة سليمة، فالتهذيب أمر لابد منه. 

طبعاً يجب أن يكون كافة أبناء الشعب وكافة الناس مهذبين، بيد أن التاجر لو لم يكن مهذباً فإنه سيمارس الغلاء وأمثاله، وهذه عندما تجمع جميعها مع بعضها البعض يكون الفساد كبيراً، ولكن لا يكون لشخص واحد هذا الفساد، إما العالم إذا كان فاسداً فإنه يفسد مدينة بأكملها ويفسد دولة بأكملها، سواء كان ذلك عالم الجامعة أو عالم الفيضية، إذ لا فرق بينهما، اسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك تلك الخطوة التي خطوتموها أيها الأعزاء، ويبارك الوحدة بينكم وبين الجامعة وبينكم وبين الروحانيين، وانتبهوا وانتم تحاولون الاقتراب بعضكم البعض انه سوف تكثر المخططات التي تحاول فصلكم. 

التقدم الحقيقي يكون في ظل التخصص والالتزام الإسلامي

إن مشكلتنا إننا نواجه أشخاصاً، بدون أن يتلفتوا إلى المشكلات، وبدون أن يهتموا لرغبات الشعب، وبمجرد أن يُقال أن المركز الفلاني يجب أن يكون إسلامياً، يقولون أن هذا يعني رفض التخصص، إنهم 
 
 
 
 
 
 
 
49

44

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 يريدون أن يبينوا للعالم أن الإسلام يخالف العالم والتخصص، في حين أن آيات القرآن الكريم أكدت على موضوع العلم إلى درجة قد لا يمكن مشاهدة ذلك في الكتب الأخرى. 


فالإسلام يؤكد على التخصص والعلم ولكن بشرط أن يكون ذلك التخصص والعلم في خدمة الشعب وفي خدمة مصالح المسلمين. يدعي البعض إننا لا نريد المتخصصين، ويثيرون هذا الكلام بشكل واسع وينسبونه للبعض، مثلاً عندما يقول المسلمون بوجوب حدوث ثورة ثقافية في الجامعة ويجب أن تكون الجامعات إسلامية فإنهم ينقلون هذا الكلام تحت عنوان انه لا حاجة لطبيب الجامعات وإننا لا نريد المتخصصين في الطب، ولا نريد المتخصصين في الصناعات المتطورة، يجب أن يذهبوا إلى هناك لنقل الأحكام الإسلامية والمسائل وهذا الادعاء من الشيطنات التي يقوم بها بعض الأفراد والجماهير حيث ينسبون ويتحدثون عن الإسلام والجامعات الإسلامية وعن الثورة الثقافية هكذا. إن هؤلاء لا يدرون أن هدفنا حينما نقول يجب أن تكون جميع الجماعات والمؤسسات، وخاصة الجامعة التي هي مركز للعلم والعقل المفكر للمجتمع، إننا عندما نقول بأن الجامعة يجب أن تكون إسلامية لا يعني ذلك أننا لسنا بحاجة للمتخصصين. فالإسلام يهتم بالمتخصص حتى في الأحكام العادية، وإن المعيار في الأحكام الشرعية هو الأكثر تخصصاً، إننا نريد أن نقول شيئاً آخر، وهو أن مشكلتنا غير ذلك، إن مشكلتنا انه خلال هذه السنوات العديدة، التي وطأت أقدام الأجانب، بلادنا وخاصة خلال الخمسين سنة من الدورة المظلمة لبهلوي، كانوا هكذا يروجون ويريدون اقناع شبابنا وشعبنا بأن إيران 
 
 
 
 
 
 
 
50

45

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 عاجزة، وكذلك الإسلام عن إيجاد العلم، والتخصص والصناعة، لذا يجب علينا إما أن نمد أيدينا إلى الشرق والشيوعية أو إلى أمريكا والدول الغربية الرأسمالية. 


إنهم مارسوا دعايتهم بحيث كانوا يقولون: يجب أن نكون شرقيين أو غربيين من أم رؤوسنا حتى أخمص أقدامنا. عندما كنت في تركيا وجدت تمثال آتاتورك في بعض الميادين وهو يرفع يده، كانوا يقولون أن هذه اليد ممدودة باتجاه الغرب ويريد من ذلك أن كل ما عندنا يجب أن يأتي من الغرب، وفي سائر البلدان الإسلامية مارسوا دعايتهم بحيث انه لا بد من وجود المستشار أو الشرقي في جميع الأمور، وإن العقل الإيراني أساساً غير مؤهل للقيام بعمل جيد، حتى أنه لا يقدر على الزراعة، إن هذا الأمر كان برنامجاً خططوا له، وسخّروا له اجهزتهم الدعائية بشكل واسع، بحيث اعتقد العديد من أبناء شعبنا أنه يجب أن نتجه تماماً حتماً إما إلى الغرب والمعسكر الغربي حتى يترحم علينا ويلبي حوائجنا، أو نتجه إلى الشرق الشيوعي ليقوم بهذا العمل. 

إن سبب إصرارنا بوجوب أن تتخلص الجامعة، والتي هي العقل المفكر لأي شعب، من الارتباط بالشرق أو الغرب، وإنه لا يمكن تحقيق ذلك إلاّ بأن نأخذ الطابع الإسلامي، لا يعني ذلك إننا نريد من الجامعة تدريس العلم والصناعة وان نكتفي بآداب الصلاة، فهذا يعد نوعاً من المغالطة، حيث إنه وبمجرد الحديث عن الجامعة الإسلامية وضرورة الثورة الثقافية، يصرخ أولئك الذين يريدوننا أن نرتبط بالشرق وبالغرب، بأن هؤلاء يعارضون التخصص ويعارضون العلم. 

إننا نقول بأن ذلك التخصص الذي يُسقطنا في أحضان أمريكا أو 
 
 
 
 
 
 
 
51

46

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 بريطانيا، أو في أحضان السوفيت أو الصين، إنه تخصص مهلك، وليس تخصصاً بناءً، إننا نريد تربية متخصصين في الجامعات يعملون لشعوبهم، لا أن يجروا الجامعة إلى الشرق أو الغرب، إننا نريد جميع المؤسسات الموجودة في البلاد وجميع المراكز الصناعية التي تريد المشاركة في الصناعة الثقيلة والعلم، وإننا نريد أن يكون هذا العلم وهذه الصناعة، وجميع الأمور الأخرى في خدمة الشعب لا في خدمة الأجانب فأضرار التخصص الذي يخدم الأجانب هو أعظم شيء. 


إن العلم الذي يجرنا نحو أمريكا أو الاتحاد السوفيتي هو علم مضر، هو علم يؤدي إلى هلاك الشعوب، إن الذي تربوا في الجامعة سابقاً ـ إلاّ القليل منهم ـ إن لم يكن لهم ضرر، وقد كان فإنه لم يكن لهم نفع. إننا نريد امتلاك جامعة تكون في خدمة الشعب، في خدمة إيران، لا تلك الجامعة التي يكون شعارها نريد إيران متمدنة ونريد الاتجاه نحو أبواب التمدن، لكن حقيقة الأمر عندما شاهدناها وشاهدتموها كنا مرتبطين في جميع المجالات، إننا نخالف ومن الأساس تلك الجامعة التي تريد ربطنا بالأجنبي أياً كان، إننا نريد جامعة تخلّصنا من التبعية، إننا نريد المتخصص، والإسلام يؤيد المتخصص، والإسلام على رأس قائمة الأديان التي تمجّد العلم أينما وجود وحتى من أي كافر، ولكن بشرط أخذه واستخدامه في خدمة الإسلام والبلاد، لا أن تأخذوا العلم وتستعملوه ضد بلادكم. 

إننا نريد جامعة، ونريد دولة تنقذنا من هذه التبعية الفكرية التي 
 
 
 
 
 
 
52

47

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 هي مقدمة على جميع التبعيات، والأخطر منها جميعاً. 

 
إننا نريد أولئك الأساتذة الذين يربّون عقول شبابنا على الاستقلال فلا يكونوا غربيين ولا شرقيين، لا يكونوا أتاتورك1 ولا تقي زادة أيضا2. إننا نريد جامعة تؤهلنا بعد بضعة سنوات أخرى لكي نوفر حاجتنا بأنفسنا، إننا لا نعارض التخصص في أي مجال، وإن 
 
 
 

1- ـ مصطفى كمال أتاتورك، شكل الدولة التركية الحديثة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وانهيار الحكومة العثمانية، إبان حكمه قام بترويج الثقافة والأفكار الغربية تحت ستار "بناء البلاد" كما انه حارب المفاهيم الدينية والثقافة الإسلامية وتاريخها. من أعماله الأساسية طرح شعار فصل الدين عن السياسة، استبدال الخط اللاتيني عوضاً عن التركي، تغيير اللباس الوطني باللباس الغربي، إهمال الدين وتعليمه ومساجده، وتأسياً به قام "رضا خان" في إيران بالأعمال نفسها، لكنه لم يوفّق كاتاتورك، الذي استطاع أن يغلق معظم المساجد ويحولها إلى مستودعات وملاعب، وبقيت على هذه الحال إلى "أن انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، فعادت الحياة إلى المساجد من جديد. 
2- ـ ولد السيد حسن تقي زادة عام 1295هـ.ق في مدينة تبريز الإيرانية، وبدءاً من العام 1321هـ.ق قضى عدة سنوات خارج البلاد، ووقع تحت تأثير الثقافة الغربية،وبعد انتصار الحركة الدستورية وجد طريقه إلى مجلس الشورى كعضو فيه، وعندما قصف رضا خان المجلس بالمدافع التجأ "تقي زادة" إلى السفارة البريطانية، وبقي سالماً، وفي الدورة الثانية للمجلس ترأس الديمقراطيين وشن حملات مسعورة ضد المباديء الإسلامية، داعياً الجماهير إلى تقليد الغرب ولهذا السبب اذيع أن علماء النجف الاشرف اصدروا حكماً بعدم صلاحيته لتمثيل الشعب في المجلس فخرج من البلاد مجدداً ليقضي عامين في أوروبا وأمريكا وإبان حكم رضا خان عيّن وزيراً للمالية، فنظم اتفاقية نفطية مع بريطانيا، وقدّمها إلى المجلس، وبسبب هذه الاتفاقية اضحت بريطانيا الحاكم المطلق على النفط الإيراني، مما اساء إلى سمعته كثيراً، كان تقي زاده من المتغربين المشهورين الذي كان لهم دور أساسي في رواج ثقافة الغرب ومعتقداته داخل البلاد، من مظاهر تأثره المفرط بالغرب شعاره الذي قال فيه " إذا اردنا أن ننقذ بلدنا ونصل إلى التقدم علينا أن نكون من أظافر أقدامنا وحتى شعر رأسنا غربيين. 


 
 
 
 
 
 
53

48

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 الشيء الذي نعارضه هو الارتباط الفكري لشبابنا بالخارج والشرق والغرب حيث أن جامعاتنا ـ إلاّ القليل منها ـ كانت إما لا تهتم بإزالة هذه التبعية، أو إنها كانت بصدد ربط هذه العقول بالخارج، إننا نريد عندما نمرض أن لا يُقال لنا: اذهبوا حتما إلى انجلترا، أو اذهبوا حتما إلى أمريكا، إننا نريد الإيراني عندما يمرض أن لا يذهب إلى مكان آخر، كما انه عندما يمرض الأمريكي لا يأتي لإيران، أو عندما يمرض البريطاني فلا يأتي إلى إيران. 


إننا نريد مثل هذا التخصص الذي يربي بلادنا ويربي شبابنا الذين هم على رأس امور البلاد بحيث تكون عقولهم غير مرتبطة، ولا يكون في رؤوسهم فكر سوى الإسلام وإيران، إننا لا نعارض التخصص وكذلك الجمعيات الإسلامية، فأي الجمعيات الإسلامية تعارض التخصص؟ أي الجمعيات الإسلامية لا تريد ذلك، لكنكم رأيتم جامعات العهد البائد، فبعد سنوات طويلة من امتلاكنا للجامعة يأتي شخص يحمل عنوان رئيس البلاد، وهو الذي وضع نفسه في ذلك المكان وهو الملك المخلوع، فيقوم باستعداء طبيب من الخارج ليقوم بعملية جراحية للزائدة الدودية لأحد أقربائه، لأنه يعرف بعقله الأجوف هذا المعنى أنه جعل من إيران مرتبطة بحيث لا تتمكن من القيام بذلك الفعل ولو كانت تقدر على ذلك فيجب التصرف بشكل تفهم معه جميع الشعوب بأنها لا شيء... نريد إخراج هذه الفكرة من الرؤوس يجب على الجمعيات الإسلامية أن تكون في صدد إخراج هذه الأفكار من الأذهان ويعرفوا أنفسهم بعد أن ضيعوها عدة قرون، إننا نريد تربية 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

49

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 أشخاص تستفيد أوروبا من كتبهم في القانون1 حتى الآن، لا أن يكونوا أشخاصاً لا يعرفون ألف باء الإسلام وبمجرد الكلام يقولون أن الإسلام لا يقدر على ذلك، نريد مثل هذه الجامعة التي على شاكلة الحوزات العلمية التي لم ترتبط أبدا ولا يوم واحد بالخارج ولو كان فيها شخص مرتبط أو أكثر فهم مفضوحون إننا نريد تلك الجامعات العلمية القديمة والتي لم تكن في أي يوم مرتبطة بالخارج، وإذا كان شخص منها أو أكثر منحرف فإنهم كانوا مفضوحين بينهم، إننا نريد تحقيق مثل الأمر. 

 
التربية الصحيحة في ظل العلم والتزكية
 
إنه لمن السذاجة أن يتصور الإنسان بأن نجعل من المعلم المنحرف والمعلم الذي يميل إلى الشرق أو الغرب، أو المتربي شرقياً أو غربياً، أن نجعله معلماً للأولاد الذين لهم نفوس صقيلة كالمرآة، وتعكس كل شيء. إن من السذاجة أن نسلّم شبابنا لمعلم متأثر بالشرق فيجعل منهم شرقيين، أو متأثر بالغرب فجعل منهم غربيين، إن من السذاجة أن نتصور بأن التخصص هو المعيار فقط، وإن العلم هو المعيار، بل إن العلم الإلهي ليس معياراً أيضاً وعلم التوحيد أيضاً ليس معياراً، وعلم الفقه والفلسفة أيضاً ليس معياراً، ليس هناك أي علم يكون هو المعيار، 
 
 
 

1- ـ المقصود هو الشيخ الرئيس أبو علي سينا، الفيلسوف والعالم الكبير لأوائل القرن الهجي الخامس، له كتب معتبرة في الفلسفة، إضافة إلى كتاب القانون في الطب الذي بقي لسنين متمادية مرجعاً للجامعات الغربية.  
 
 
 
 
 
 
55

50

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 إنما المعيار هو ذلك العلم، وسعادة البشر في ذلك العلم الذي فيه تربية، الذي يُلقى من المربي، الذي يلقى البر من ذلك الذي تربى تربية إلهية. 


لو كانت جميع مدارسنا هكذا، سواء مدارس العلوم الإسلامية أو مدارس العلوم الأخرى، ووجدت الاستقامة وزال الانحراف فإنه سوف لا تمضي فترة طويلة إلاّ ويصلح جميع شبابنا ـ الذين هم أمل هذه البلاد في المستقبل، وينشأ الجميع لا شرقيين ولا غربيين، ويسلكون جميعاً الصراط المستقيم. 

إن من السذاجة أن نفكر بأنه يكفينا وجود أشخاص يملكون العلم، بل يجب أن يملكوا العلم والتربية، أو على الأقل أن يمتلكوا العلم ولا يكونوا منحرفين، إننا نريد نشر العلم ونستفيد من علم العلماء، فيجب أن يكون العلم غير منحرف على الأقل، ولا يرتبط بالشرق أو الغرب، أن لا يكون الوضع هكذا بحيث يكون معلمونا ومربوا شبابنا من المتربين في موسكو أو واشنطن. 

إن من السذاجة أن نفكر بأننا نستطيع أن نستفيد من جميع أهل التخصصات مهما كان حالهم. 

إنه لا يمكن الاستفادة منهم، فلو شافى المتخصص مرضنا الظاهري، فإنه سيوجد لنا أمراضاً باطنية، إنه سيرجنا من مرض ضعيف إلى مرض شديد، ومن مرض صغير إلى مرض كبير، يجب أن ننتبه إلى جميع الأمور. 

لاحظوا حزب البعث الذي أوجد المشاكل لبلادنا والأكثر منها للبلد المسلم العراق، إن الكثير من هؤلاء المتخصصين ذهب الكثير منهم إلى 
 
 
 
 
 
 
56

51

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

 الجامعة وتخرج منها لكنهم لم يتربوا ولم يزكوا أنفسهم. إذا وجد العلم دون تزكية فإنه سيوجد النظام، ويوجد نظام صدام هذا. 


إذا لم نزكِّ أنفسنا ولم تكن التزكية إلى جانب العلم، فإن بلادنا سوف تجرّ لتلك الاطراف، ونصح صدام أيضاً، يجب أن تكون تربيتكم وتربية المعلم تربية إسلامية، وتربية إنسانية، تربية تسير على الصراط المستقيم، وإلاّ فإننا لا يمكننا أن نقبل بتربية موسكو وبتربية واشنطن أيضاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
57

52

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 مبادئ تربية الإنسان وأساليبها 


الجذور الوراثية لتربية الإنسان

يهتم الإسلام بكل شيء، فالإسلام يخطط، قبل الزواج، لذلك الطفل الذي سيولد بعد الزواج، فأي امرأة تختار، وأي رجل يُنتخب كيف يجب أن يكون الرجل، وكيف يجب أن تكون المرأة، لأن هذا الإنسان ينمو كالنبتة، ومثله مثل ذلك الفلاح الذي يجب أن ينتخب الأرض المناسبة لإلقاء البذرة فيها والسماد المناسب وكمية الماء واحتراف الفراغ المطلوبة. 

كذلك الإنسان إذ يجب انتخاب الأرض المناسبة قبل أن تبذر بذركم وكيف يجب أن يكون ذلك الذي سيقوم بالزراعة، وما هي شروط فترة التلقيح بعد حصول الزواج، فالإسلام يريد تهيئة جميع الأبعاد، يريد بناء الإنسان. 

بناء النفس، مقدمة لإصلاح المجتمع 

إن أي إصلاح يبدأ من الإنسان، فلو لم يتربّ الإنسان فلن يتمكن من تربية الآخرين، وانتم شاهدتم ما كان يحصل خلال الحكومات السابقة وخاصة هذه الحكومات الأخيرة والتي كثير منكم قد عاصرها كلها، وبعضكم عاصر بعضها، فلأن الأمور كانت بيد أشخاص لم 
 
 
 
 
 
 
 
58

53

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 يتربوا تربية إسلامية ولم يبنوا أنفسهم، وبسبب هذا النقص الكبير، فإنهم جرّوا بلادنا إلى ما هي عليه الآن، وجرّونا إلى الموضع الذي يتطلب منا سنوات طويلة للإصلاح إن شاء الله، لذا فإن الشيء الواجب علينا جميعاً هو أن نبدأ بأنفسنا، ولا نكتفي بإصلاح الظاهر فقط، بل أن نبدأ من قلوبنا ومن عقولنا، وان نكون في كل يوم أفضل من اليوم الذي سبقه. وآمل أن تتحقق هذه المجاهدة النفسية عندنا جميعاً، وبعدها المجاهدة من أجل بناء البلد. 


أصل الاهتمام بالمتربي ومحبته

كان رسول الإسلام يتألم لعدم قبول الناس للتربية إلى حدّ كان الباري تبارك وتعالى يسليه على ذلك، وكان في مشقة، فجاءه الخطاب من الله تبارك وتعالى "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" فكان يتألم من أجل الناس أكثر من تألم الأب الرؤوف على أولاده، ويحزن لعدم قبول الكافرين الانضمام للمجرى الطبيعي الإنساني، ويجب أن يكون كل إنسان كذلك فيشعر بالحزن للذين لا يلتزمون بالخط الإسلامي والإنساني، وكان بعض العلماء الكبار، كما سمعت ـ يقولون بأننا ندعو لاؤلئك المنحرفين لأنهم احوج إلى الدعاء. 

أسلوب الابتلاء

إن كل عمل يصدر من الإنسان، بل كل ما يقع في عالم الجسم وكان مدركاً للنفس، يترك أثراً لدى النفس، من دون فرق بين الأعمال الحسنة أو السيئة، ومن دون فرق بين أن يكون العمل من نوع اللذائذ أو  
 
 
 
 
 
 
 
59

54

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 نوع الآلام، وقد عُبّر عن هذا الأثر في الاخبار بنقطة بيضاء ونقطة سواء، مثلاً إن كان لذة مما يلتذ الإنسان به من المطعومات أو المشروبات أو المنكوحات وغيرها، يترك أثراً في النفس، ويحصل تعلقاً ومحبة في عمق الروح تجاهه، ويزداد توجه النفس إليه، وكلما توغّل في اللذائذ والمشتهيات أكثر، ازداد تعلق النفس وحبها لهذا العالم أكثر، وغدا ركونها واعتمادها على هذا العالم اكبر، فتتربى النفس وترتاض على التعلق بالدنيا، وكلما كانت المتع في ذائقته احلى كانت جذور محبتها أكثر، وكلما توفرت وسائل العيش والعشرة والراحة بشكل أوفى، أصبحت شجرة التعلق بالدنيا أقوى وكلما اقبلت النفس على الدنيا أكثر، كلما كانت غفلتها عن الله وعالم الآخرة أكثر، كما أن نفس الإنسان إذا ركنت إلى الدنيا كلياً، وصار توجهها مادياً ودنيوياً سُلبت التوجه لله المتعال ودار الكرامة نهائياً و ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ1.

 
فالانهماك في بحر اللذائذ والمشتهيات يصرف الإنسان إلى حب الدنيا من دون اختيار، وحب الدنيا يوجب النفور عن غيرها والاقبال على الملك يسبب الغفلة عن الملكوت، وكذلك العكس فلو أن الإنسان استاء من شيء، وادراك غير الملاءمات، سببت صورة ذلك الإدراك الكراهية والنفور الباطني أكثر. 
 
فمثلاً: إذا دخل شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه وعانى 
 
 
 

1- سورة الاعراف، الآية 176. 
 
 
 
 
 
 
60

55

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 من ورائه مشاكل داخلية، لكرهه، وتنفّر منه قهراً، وكلما كانت معاناته أكثر، كان هروبه ونفوره منه أكثر، وإذا وجد مدينة أفضل منها لأقبل عليها وإن لم يستطع التحرك نحوها، لاشتاق إليها وتوجه قلبه نحوها. 


فالإنسان إذا عاش هموم الدنيا وآلامها واسقامها ومشاكلها وعنائها، وشعر بأن امواج الفتن والمحن تزحف نحوه، خفّ تعلقه بها، وقل ركونه إليها، وتنفر منها قهراً، وإذا اعتقد بوجود عالم آخر، وفضاء رحب فارغ من جميع أنواع الشقاء والتعاسة، ارتحل إليه قهراً، وإذا لم يتمكن من السفر بجسمه، لذهب بروحه وبعث بقلبه إلى ذلك العالم. 

وواضح جداً أن المفاسد الروحية والخلقية والسلوكية بأسرها تنجم عن حب الدنيا والغفلة عن الله سبحانه وعالم الآخرة، وإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. 

في حين أن جميع أنواع الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث عن التوجه نحو الحق، ودار الكرامة ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الركون والاعتماد على زخارفها، إن لطف الله تبارك وتعالى وعنايته كلما كانت متعلقة بشخص أكثر، ووجّه إليك امواج المحن والفتن أكثر، حتى تنصرف روحه عن هذه الدنيا وزخارفها وتنزجر، ويتوجه بمقدار ايمانه إلى عالم الآخرة ويتوجه قلبه إلى هناك. 

وإن لم تكن هناك جدوى من احتمال شدائد المحن إلاّ هذه الجهة لوحدها، لكفى. 
 
 
 
 
 
 
 
61

56

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 الابتلاء والامتحان


إن الإنسان في الدنيا هو محل للامتحان اياً كان، ابتداء من أولئك الناس العظام كالأنبياء والأولياء وحتى الآخرين اياً كانوا، فالامتحان يلازم وجود الإنسان، ولن يعيش إنسان في هذا العالم دون امتحان ويكون الامتحان أحياناً على شكل خوف أو جوع أو نقص في الأموال والانفس والثمرات، وأمثال ذلك والذي تحقق منه الآن في تلك المناطق المتضررة بالحرب، وهذا امتحان إلهي لاختبارنا أيها السادة في دزفول وأهواز وسوسنكرد وسائر المناطق التي اعتدى عليها الكفار. 

قد يكون الأمن موضوعاً للاختبار أحياناً، فيختبر الإنسان بالخوف وفقدان الأمن أحياناً، أو يختبر بالاستقرار والأمن، ويكون الامتحان أحياناً من خلال النقص في الثمرات والأنفس فيذهب الشباب والأخوة أحياناً، وزيادة الأموال والتنمية وتحقيق الأمن، فلا بد أن يمتحن الإنسان ولا يُترك بمجرد الدعوى بالإيمان. 

لقد تعّرض الأنبياء العظام للامتحان، امتحن إبراهيم الخليل عليه السلام في تلك القضية المحيّرة وهي أمره بأن يذبح ولده، لقد امتحن الأنبياء العظام وأولياء الله، وامتحن سيد الشهداء سلام الله عليه وأولاده وأحفاده أيضاً، وكلنا معرضون للامتحان وسوف يمتحن جميع البشر، وإن الامتحان بالأمن والثروة والرئاسة وأمثال ذلك أصعب من الامتحان بالنقص في الأولاد والأنفس، فما أكثر الذين يدعو بأنهم مؤمنين ولكن عند الامتحان يظهر أنها مجرد دعوى، وما أكثر الذين يدعون بأنهم أنصار للضعفاء، لكنهم يفشلون عند الامتحان. وما أكثر 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

 


57

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 الذين يدّعون بأنهم سيكونون من السابقين عند قيام الحرب، لكنهم لا يجتازون الامتحان بنجاح عند العمل. 


جهاد النفس 

إن أفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقية، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل السلوك، وهو أن تأخذ كل واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى مدة، وتعمل عكس ما تتطلبه منك تلك الملكية الرذيلة. 

واطلب التوفيق من الله تعالى في كل حال لاعانتك في هذا الجهاد، ولا شك في أن هذا الخلق القبيح سيزول بعد فترة وجيزة، ويفرّ الشيطان وجنوده من هذا الخدق، وتحل محلهم الجنود الرحمانية. 

فمثلاً من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان وتوجب ضغطة القبر وتعذب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار أو الجيران أو الزملاء في العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان الإنسان المجاهد يسعى لمدة انه عندما يعترضه أمر غريب مرغوب فيه، حيث تتوهج نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسيء من القول أن يعمل بخلاف النفس، ويتذكر سوء عاقبة هذا الخلق ونتيجته القبيحة ويبدي المقابل الشيء الحسن ويلعن الشيطان في الباطن، ويستعيذ بالله منه، إني أتعهد لك بأنك لو قمت بذلك السلوك، وكررته عدة مرات فإن الخلق السيء سيتغير كلياً، وسيحل الخلق الحسن في باطن مملكتك، ولكن إذا عملت وفق هوى النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه، وأعوذ بالله من الغضب 
 
 
 
 
 
 
 
63

58

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 الذي يهلك الإنسان في آن واحد في كلا الدارين فقد يؤدي ذلك الغضب ـ لا سمح الله ـ إلى قتل نفس، من الممكن أن يتجرأ الإنسان في حالة الغضب على النواميس الإلهية، كما رأينا أن بعض الناس قد نطقوا بالارتداد، وأصبحوا من جراء الغضب مرتدين، وقد قال الحكماء "إن السفينة التي تعرض لأمواج البحر العاتية وهي بدون قبطان لهي أقرب إلى النجاة من الإنسان وهو في حالة الغضب. 


أو إذا كنت ـ لا سمح الله ـ من أهل الجدل والمراء في المناقشات العلمية ـ كبعضنا نحن الطلبة المبتلين بهذه السريرة القبيحة ـ فاعمل فترة بخلاف النفس، فإذا دخلت في نقاش مع احد الأشخاص في مجلس رسمي حيث يكون مشحوناً بالعلماء والعوام، ورأيت انه يقول الحق فاعترف بخطأك وصدّق قول المقابل، والمأمول أن تزول هذه الرذيلة في زمن قصير. 

ونسأل الله أن لا يصدق قول بعض أهل العلم ومدّعي المكاشفة حيث يقول "لقد كشف لي خلال إحدى المكاشفات أن تخاصم أهل النار الذي يخبر عنه الله تعالى، هو مجادلة أهل العلم والحديث" . 

المجاهدة والتلقين

اسع سعيك لكي توصل كلمة التوحيد: وهي أعظم كلمة والجملة والأسمى من عقلك إلى قلبك، فنصيب العقل هو هذا الاعتقاد البرهاني الجازم، وثمرة البرهان هذه وأثرها ضعيف ضئيل جداً ما لم تصل إلى القلب بالمجاهدة والتلقين، ولعل أصحاب البرهان العقلي والاستدلال الفلسفي هم أكثر من غيرهم وقوعاً في شباك إبليس 
 
 
 
 
 
 
 
64

59

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 والنفس الخبيثة (فخشبية هي قدم أصحاب الاستدلال)1 وهذه القدم البرهانية العقلية تصبح روحانية ايمانية عندما تنتقل من أفق العمل إلى مقام القلب ويصدق القلب ما اثبته الاستدلال عقلياً. 

 
التفكر شرط لمجاهدة النفس
 
إعلم أن أول شروط مجاهدة النفس والسير باتجاه الله تعالى، هو "التفكر وقد وضعه بعض علماء الأخلاق في البدايات في الدرجة الخاصة وهذا ـ التصنيف ـ صحيح أيضاً في محله. 
 
والتفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان بعض الوقت كل يوم وليلة ولو قليلاً في أن مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، وهيأ له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى سالمة، لكل واحد منها منافع تحيّر ألباب الجميع، ورعاه وهيّأ له كل هذه السعة وأسباب النعمة والرحمة، ومن جهة أخرى أرسل جميع هؤلاء الأنبياء، وأنزل الكتب، وأرشد ودعا إلى الهدى.. فما هو واجبنا تجاه هذا المولى ملاك الملوك؟ هل أن وجود جميع هذه النعم هو فقط لأجل الحياة الحيوانية واتباع الشهوات التي تشترك فيها مع جميع الحيوانات، أم أن هناك هدفاً وغاية أخرى؟ 
 
 
 

1- من شعر لمولوي يقول فيه:  قدم أهل الاستدلال كانت من الخشب           والقدم الخشبية لا يمكنها أن تستقر 
للوصول إلى الحقائق هناك طريقان هما: العقل والشهود واتباع كلّ طرق كانوا ينفون الطريق الآخر، وهذا البيت من الشعر يعبّر عن ذلك، ويقول أن طريق العقل والاستدلال للوصول إلى الحقائق مثله كمثل القدم الخشبية غير الثابتة والقابلة للتحطيم وإن طريق الشهود أكثر ثباتاً. 
 
 
 
 
 
 
65

60

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 هل أن للأنبياء الكرام والاولياء العظام والحكماء الكبار، وعلماء كل امة، الذين يدعون الناس إلى حكم العقل والشرع، ويحذرونهم من الشهوات الحيوانية ومن هذه الدنيا البالية، عداء ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون طريق صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟ 

 
إن الإنسان العاقل إذا فكّر للحظة واحدة، عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وإن الغاية من هذه الخلقة عالم أسمى وأعظم وأن هذه الحياة الحيوانية ليست هي المقصودة بالذات، وإن على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه، وأن يترحم على حاله ونفسه المسكينة ويخاطبها: أيتها النفس الشقية التي قضيت سنوات طويلة من عمرك في الشهوات ولم يكن نصيبك سوى الحسرة، ارحمي حالك قليلاً، واستحي من مالك الملوك، وسيرى قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة الدائمة بشهوات أيام قليلة فانية، التي لا تتحصل أيضاً حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة، فكّر قليلاً في أحوال أهل الدنيا من السابقين وحتى الآن، وتأمل متاعهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لكل شخص.
 
ذلك الذي هو في صورة الإنسان، ولكنه من جنود الشيطان ومبعوثيه، والذي يدعوك إلى الشهوات، ويقول: يجب ضمان الحياة المادية، تأمل قليلاً في حال نفس ذلك الإنسان واستنطقه، وانظر هل هو راض عن وضعه، أم انه هو بنفسه مبتلٍ ويريد أن يبلي مسكيناً آخر؟ 
 
وفي كل حال ادع ربك بعجز وتضرع أن يعرّفك على وظائفك التي 
 
 
 
 
 
 
 
66

61

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 ينبغي أن تكون فيما بينك وبينه تعالى، والأمل أن يفتح لك هذا التفكير والذي هو بقصد مجاهدة الشيطان والنفس الأمارة 

 
طريقاً آخر، وتوفّق للترقي إلى منزل آخر من منازل المجاهدة. 
 
التكرار والتمرين
 
إن الكتب التي جاءت لبناء الإنسان كالقرآن الكريم والكتب التي كتبت في الأخلاق وستهتدف بناء الإنسان وبناء المجتمع تكرر المواضيع حسب اهيمتها، ويكثر التكرار في القرآن الكريم، ويتساءل البعض لماذا هذا التكرار؟ في حين انه لازم إن التيقن هو من الأشياء المفيدة لبناء الإنسان لو أراد الإنسان أن يبني نفسه لوجب عليه أن يلقن نفسه تلك الأمور المرتبطة ببناء نفسه ويكررها، ويزداد تأثير تلك الأمور التي ينبغي أن تأثر في نفس الانفس من خلال الثقلين والتكرار، فسبب تكرار الادعية، وتكرار الصلاة في كل يوم عدة مرات ودائماً هو لكي يقول الإنسان ويسمع، ويقرأ بنفسه ويستمع تلك الآيات التي تبنيه مثل سورة الحمد المباركة1 والتي هي درس بناء للإنسان يجب على الإنسان أن يلقن نفسه ويكرر هذه الآيات ويستحضر نفسه لاستماعها. 
 
عندما يقول الإنسان بنفسه مطلباً معيناً، إن السامع يسمع مرة واحدة يدخل إلى قلبه، لكن المتحث ينقش المطلب في قلبه أولاً، ثم يقوله، ثم يسمعه، ثم يدخل إلى قلبه مرة أخرى، فالتلقين هو من الأمور الضرورية. 
 
وسبب أنني ألقن الأصدقاء في بعض المسائل مطلباً ما باستمرار، 
 
 
 

1- هي أول سورة في القرآن. 
 
 
 
 
 
 
67

62

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 هو أهمية المطلب. إنه بناء المجتمع وبناء الشعب، فما لم يبني المجتمع لا يمكنه أن يحقق اهدافه السامية وإنما ينبغي تكرار المسائل المهمة وان يقوم الخطباء بالتكرار، ويلقن المستمعين أنفسهم باستمرار حتى تؤثر في النفوس إن شاء الله. 


تشجيع الناس وتكريمهم

إن الشيء الذي يحسن أن يكون في الاذاعة والتلفزيون والمطبوعات هو الذي له تأثير في البلاد، مثلاً لو كان احد المزارعين موفقاً في زراعته، لوجب عليكم أن تنشروا صورته في الصفحة الأولى بدلاً من مسؤولي البلاد، وتعرفوا الناس بما قام به، أو أن تنشروا صورة ذلك الموظف الجيد والطبيب الناجح الذي قام بعمل نافع وتعرفوا الناس بإنجازه، فهذا يؤدي إلى تشجيع الأطباء، ويحفزهم للعمل، أو أن تنشروا صورة المكتشف وتشرحوا اكتشافه بالتفصيل أو صورة الذي يمسك سارقاً، أو المزارع والفنان والجرّاح ومع الأسف فإن أسماءهم وصورهم غير موجودة أبداً، مع أنهم يستحقون أن يطرحوا في الصحف، والخلاصة يجب تشجيع أولئك الذين يمارسون نشاطاً في هذه البلاد، إذ لهم حق على هذه الدولة ولهم حق على الصحف، والإذاعة والتلفزيون، بينما حقّنا قليل قياساً بأولئك. 

دور الدعاء في التربية

هذه الادعية تنقذ الإنسان من الظلمة، وسوف يصبح، عندما يخرج من هذه الظلمة ـ إنسانا يعمل، ولكن لله، فيضرب بسيفه لله ويقاتل 
 
 
 
 
 
 
 
68

63

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 لله، ويقوم لله، فالادعية تمنع الإنسان عما يريده السادة، فهؤلاء تقتصر آمالهم هنا، وكل ما وراء هذا يعتبرونه من الذهنيات، لكنهم سيصلون إلى حيث يرون أن تلك كانت عينيات، وإن هذه كانت ذهنيات. 

 
إن هذه الادعية وخطب نهج البلاغة ومفاتيح الجنان1 وسائر كتب الادعية جميعها تعين الإنسان ليصبح إنسانا، وعندما يصح الإنسان إنسانا فإنه يقوم بجميع تلك الأعمال فيزرع أيضاً ولكن لله، ويحارب أيضاً. 
 
الهدف التربوي للأنبياء 
 
إن جميع العبادات وسيلة وجميع الادعية وسيلة، فكلها وسيلة لظهور لباب الإنسان، ولن يصل ما هو بالقوة إلى الفعل، فيصبح إنسانا، يصبح الإنسان بالقوة إنسانا بالفعل، ويصبح الإنسان الطبيعي إنسانا إلهياً، بحيث كل شيء فيه يكون إلهياً كل ما يشاهده هو الله، وجاء الأنبياء لهذا الغرض، كل هذه أيضاً وسيلة، لم يكن هدف الأنبياء تشكيل حكومة، لماذا يريدون الحكم؟ انه موجود أيضاً، بيد أن الأنبياء لم يُبعثوا لإدارة الدنيا، إذ للحيوانات دنيا يديرونها أيضاً. 
 
طبعاً إن موضوع بحث العدالة هو نفس موضوع بحث صفة الله تعالى، وإن الذين يملكون عيوناً يطرحون بحث العدالة أيضاً، وإن العدالة الاجتماعية بأيديهم أيضاً، ويقيمون الحكم أيضاً، ولكن 
 
 
 

1- هو كتاب يحوي مجموعة قيمة من الادعية والروايات والزيارات والأعمال وهو من تأليف المرحوم ا لشيخ عباس القمي. 
 
 
 
 
 
 
 
69

64

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 الحكومة العدالة، إلاّ أن الهدف هو غير ذلك، وإن هذه الأمور كلها وسائل لوصول الإنسان إلى مرتبة أخرى، ولأجلها جاء الأنبياء. 

 
القرآن والبعثة عاملان للتربية
 
إن أحد أهداف الكتاب والبعثة انه بعث رسولاً منكم يتلو عليكم القرآن والآيات الإلهية ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ1 فقد تكون هذه غاية التلاوة أي التلاوة من أجل التزكية، ومن أجل التعليم، من أجل التعليم العام، تعليم هذا الكتاب وتعليم الحكمة والتي هي أيضاً من هذا الكتاب. 
 
فالهدف من البعثة هو نزول الوحي ونزول القرآن والهدف من تلاوة القرآن على البشر هو تحقيق التزكية وتصفية النفوس من هذه الظلمات الموجودة فيها حتى تصبح الأذهان والأرواح بعد هذه التصفية مستعدة لفهم الكتاب والحكمة. 
 
الأبعاد التربوية للإسلام
 
يريد الإسلام أن يبني بناءً شاملاً، أي ينمّيه بالشكل الذي هو عليه، إذ له نصيب في الطبيعة فينميه طبيعياً، وله نصيب في عالم البرزخ فينميه برزخيا، وله نصيب من الروحانية فينميه روحانياً وله نصيب من العقلانية فينميه عقلانياً وله نصيب من الألوهية فينميه إلهياً.  
 
 

1- سورة الجمعة، الآية : 2. 
 
 
 
 
 
 
 
70

65

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

 فجاءت الأديان لإيصال الإنسان الناقص إلى الكمال في جميع أبعاده، وانضاج هذه الثمرة غير الناضجة. 

 
الهدف التربوي للإسلام
 
يريد الإسلام أن ينضوي الناس تحت لوائه لكي ينقذهم من المصيبة والحيرة التي هم عليها، حيث يطرقون مختلف الأبواب من أجل العثور على الكمال وهم بأنفسهم أيضاً، لا يدرون ما هو الكمال المطلق، ويريد الإسلام أن يهدي الجميع إلى الصراط المستقيم ويوصلهم إلى النهاية... إذ أن كل ما هو موجود في الإسلام مسخّر من أجل صلاح الشعوب والإنسان، ويريد الإسلام إعادة المنحرفين إلى الطريق المستقيم.. إلى طريق السلامة، وليكون الجميع أخوة فيما بينهم ومتحابين مثل أهل الجنة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ1 إذ لا يوجد أي حقد أو حسد هناك، والكل طاهرون. 
 
 
 

1- سورة الحجر، الآية 47. 
 
 
 
 
 
 
71

66

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 عوامل التربية 


دور الحكومة في التربية

حقا إن الأنانية هي رأس جميع الخطايا، وسوف تبقى هذه الحروب والمفاسد والمظالم ما دامت هذه الأنانية موجودة لدى الإنسان، والسبب في أن الأنبياء أرادوا تحقيق الحكومة العادلة في الدنيا هو أن هذه الحكومة العادلة ـ ذات الأهداف الإلهية والأخلاق القيم المعنوية ـ يمكنها فيما لو تحققت أن تكبح جماح المجتمع، وتصلحه إلى حد كبير. 

طالما كانت الحكومات بيد الجبابرة والمنحرفين، وبيد الذين يرون القيم في آمالهم النفسية، ويعتبرون أن القيم الإنسانية تكمن في التسلّط وفي الشهوات، فإن الإنسانية ستسير نحو الانحطاط. 

لو تحققت آمال الأنبياء في دولة معينة ـ ولو بعضها ـ فإن تلك الدولة ستسير نحو الإصلاح. 

دور العلم في التربية

إن الذين يدفعون بدولة ما إلى الرقيّ أو الانحطاط يكونون أشخاصاً قليلين عادة، ويجب عليكم أن تنتبهوا إلى هذا المعنى، وهو أنه 
 
 
 
 
 
75
 

67

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 لو كانت تربيتكم تربية غير إسلامية ـ لا سمح الله ـ فإنكم ستشتركون معه في أي جريمة أو عمل يمارسه فيما بعد، ولو كان تربيتكم إسلامية وقائمة على الفطرة، فإنكم ستشاركونه في كل عمل حسنٍ يقوم به. 


فالمعلم أمين ويختلف عن باقي الأمناء لأن أمانته هي الإنسان، ولو خان الإنسان في أية أمانة أخرى فإنه يرتكب ذنباً حتماً، ولكن كل ما في الأمر انه فرّط بسجادة كانت أمانة عنده مثلاً، وهذا العمل لا يؤدي إلى حدوث مشكلة في المجتمع، شخص قد سبب ضرراً وعليه أن يعوّض عن الضرر الذي سبب أيضاً، إما لو كان الإنسان هو الأمانة، الطفل المؤهل للتربية هو الأمانة، فإن الخيانة بهذه الأمانة ـ لا سمح الله ـ سوف ترونها في وقت خيانة بشعب وخيانة بمجتمع، وخيانة بالإسلام. 

لذا فإن هذا العمل ـ ورغم انه شريف جداً وذو قيمة كبيرة لأنه عمل الأنبياء الذين جاؤوا لبناء الإنسان، لكنه ذو مسؤولية كبيرة جداً مثلما كانت مسؤولية الأنبياء كبيرة جداً، أيضاً يجب أن تلتفتوا جيداً إلى أنكم لستم أفراداً عاديين. 

فالذنب المرتكب في مجال التربية والتعليم يختلف كثيراً عن ذلك الذنب الذي يرتكبه شخص في دائرة معينة أو وزارة من الوزارات، وإن الذنب المرتكب في وزارة معينة لا يقضي على البلاد مثلاً الاّ في حالات نادرة، إما لو تربى طفل في سلك التربية والتعليم تربية فاسدة، وتربى على أخلاق شيطانية واستكبارية، فإنه قد يدفع البلاد نحو الهاوية من خلال تربيته الشيطانية وأخلاقه الاستكبارية، ويدفع بعدد 
 
 
 
 
 
 
 
76

68

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 كبير من الناس إلى الفساد، لذا فإنكم ومن خلال عملكم العظيم هذا تشتركون معهم في جميع ذلك سواءً في الحسنات أو السيئات، تشاركونهم بالجريمة أحياناً، وأحياناً بالنورانية التي أوجدتموها انتم، فاحذروا كثيرا وانتبهوا لأنكم لستم أفراداً عاديين، إنكم أمناء على مثل هذا الجيل، ويجب أن تمارسوا التربية إلى جانب التعليم، وهذه الوظيفة لا تقتصر على وظيفة معلم العلوم الدينية، بل هي وظيفة جميع المعلمين فمهما كانت فروعهم، وجميع أساتذة الجامعة مهما كانت تخصصاتهم. 


فكما أن معلم العلوم الدينية قد يؤدي إلى إحداث مشكلة وإفساد في البلاد من خلال اهتمامه فقط بالعلوم الدينية وعدم التوجه للأخلاق الدينية وبناء الطفل أو الشاب، كذلك الأمر بالنسبة لمعلمي غير العلوم الدينية في أي مجال كان فيه تعليم، إذ أنهم سيشتركون بالجرم والانحراف الذي أوجدوه في ذلك الفرع، وسيدفعون ببلادهم إلى الهاوية أيضاً. 

إن عملكم أيها السادة ويا معلمو الدين هو التربية، يجب عليكم تعليم تلك المجموعة التي بيدكم، واعلموا أن التربية أهم من التعليم. 

التعليم عهمل الأنبياء

إن دور المعلم في المجتمع كدور الأنبياء، والأنبياء هم معلمو البشرية، إنه دور مهم وحساس للغاية، ومسؤولية ثقيلة، دور مهم لأنه هو نفس دور التربية والتي هي "إخراج من الظلمات إلى النور" أولئك 
 
 
 
 
 
 
 
77

69

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 الذين ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ1 هذه هي سمة المعلم، وينسب الله تبارك وتعالى هذه السمة له، فهو ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فالمعلم الأول هو الله تبارك وتعالى الذي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويدعو الناس بواسطة الأنبياء وبواسطة الوحي إلى النورانية، والى الكمال، والى العشق، والى الحب، ويدعوهم إلى مراتب الكمال التي هي للإنسان، ومن بعده الأنبياء الذين ينشرون تلك المدرسة الإلهية وعملهم هو التعليم أيضاً، إذ يعلمون البشرية، ويعلمون الناس، عملهم هو تربية الإنسان ليسموا عن مقام الحيوانية ويصل إلى مقام الإنسانية. 

 
دور الأم في التربية
 
أنتن أيها السيدات تملكن شرف الأمومة، فتسبقن الرجال بهذا الشرف، وتقع عليكن مسؤولية تربية الطفل في احضانكنّ، فحضن الأم هو أول مدرسة للطفل، وتربي الأم الصالحة طفلاً صالحاً، ولو كانت منحرفة ـ لا سمح الله ـ فسوف يخرج الطفل من حضنها منحرفاً، ولأن الطفل يرتبط بعلاقة خاصة بالأم لا مثيل لها وينظر إليها على أنها تجسّد كل آماله، فإن كلام الأم وخُلقها وعملها يؤثر في الطفل، وبما أن حضن الأم هو الصف الأول للطفل لو كان طاهراً ونزيهاً ومهذباً لنشأ الطفل منذ البداية ونمى مع تلك الأخلاق الصحيحة ومع تهذيب 
 
 
 

1-     سورة البقرة، الآية 257. 
 
 
 
 
 
 
78

70

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 النفس ذاك ومع ذلك العمل الجيد، عندما يكون الطفل في حضن أمه ويشاهد خلقها الجميل، وعملها الصحيح، وقولها الحسن فإنه سيتربى منذ تلك اللحظة في أعماله وأقواله تقليداً لأمه، والذي هو أعمق من أي تقليد آخر وتوجيهاً منها والذي هو أكثر تأثيراً من أي توجيه آخر. أنتن لكنّ هذه المسؤولية العظيمة، ويجب عليكن أن تهتمن بأطفالكن الصغار الذين لهم نفوس تجعلهم يقبلون الأمور بسرعة، ويقبلون التربية بسرعة، ويقبلون الصالح والطالح بسرعة، فأنتن المسؤول الأول عن أطفالكن. 


كما انه لو ربيتن طفلاً تربية صالحة فقد يحقق سعادة شعب بأكمله، إذا تربى طفل ـ لا سمح الله ـ تربية فاسدة في أحضانكن فقد يؤدي إلى حدوث فساد في المجتمع. 

لا تظنوا انه طفل، فقد يصبح هذا الطفل في يوم ما على راس المجتمع، ومن المحتمل أن يجرّ ذلك المجتمع إلى الفساد، إذ أن الفساد لا يقتصر على نهب ذخائرنا، ولا يقتصر على تقديم بلادنا إلى الآخرين، وتقديم كل ما لدينا إليهم، بل أكثر من ذلك وهو انه افسد فئات عديدة في هذه البلاد. 

حضن ألام مدرسة

جاء الأنبياء لبناء الإنسان والأنبياء مكلفون ليجعلوا من الأشخاص، الذين هم بشر ولا يختلفون عن الحيوانات ـ إنساناً، ويزكوهم، وهذا هو شغل الأنبياء ويجب أن يكون هذا هو شغل الأمهات إزاء الأطفال في أحضانهن، وان يزكوهم من خلال أعمالهن. 
 
 
 
 
 
 
79

71

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 يتربى الطفل في حضن أمه أفضل من المعلم. وإن علاقة الطفل بأمه لا تضاهيها أية علاقة، وإن ما يسمعه من أمه في صغره ينقش في قلبه، ويبقى معه حتى النهاية. 


يجب على الأمهات أن يلتفتن إلى هذا المعنى فيربين الأطفال تربية صحيحة ونزيهة، ولتكون أحضانهن مدرسة علمية وإيمانية، وهذا شيء عظيم جداً لا يستطيع احد أن يقوم به سوى الأمهات، ويتقبل الطفل من الأم أكثر مما يتقبله من الأب، وتؤثر أخلاق ألام في طفلها الصغير، ويتأثر بها أكثر من الآخرين. 

فالأمهات أساس الخيرات، وسوف يكوننّ ـ لا سمح الله ـ أساس الشرّ فيما لو ربين أطفالهن تربية سيئة. 

قد تربي أم طفلها تربية حسنة، فقوم ذلك الطفل بإنقاذ أمه، وقد تربية تربية سيئة فيكون سبباً لهلاك أمه. 

دور ألام في التربية والتعليم

إن تأثير الأسرة، وخاصة ألام، على الأطفال والأب على الأحداث كبير جدا، ولو تربى الأولاد بشكل لائق وتعليم صحيح في أحضان الأمهات وبحماية الآباء المتدينين، ثم يُرسلون إلى المدارس، فإن عمل المعلمين سيكون أسهل. 

أساساً فإن التربية تبدأ من الحضن الطاهر للأم، ومن جواب الأب، ويمكن من خلال التربية الإسلامية والصحيحة وضع اللبنات الأولى للاستقلال والحرية، والالتزام بمصالح البلاد. 

واليوم يجب على الآباء والأمهات أن يهتموا بسلوك أولادهم، وأن 
 
 
 
 
 
 
 
80

72

العوامل والمؤسسات التربوية والثقافية

 ينصحوهم لدى مشاهدة غير عادية حتى لا ينخدعوا بالمنافقين1 والمنحرفين، فيخسرون الدنيا والآخرة. 

 
وينبغي بالآباء والأمهات أن ينتبهوا إلى سنوات المدرسة والجامعة هي سنوات سنوات الهيجان والتحرك بالنسبة لأولادهم، وإنهم ينجذبون إلى المجموعات والمنحرفين من خلال أبسط الشعارات. 
 
 
 

1- "المنافقون" هم أعضاء "منظمة مجاهدو خلق" وأنصارهم، هذه المنظمة تأسست عام 1965م لمواجهة الملك، زعماء هذه المنظمة اتخذوا عقيدة التقاطية بسبب عدم اطلاعهم على تعاليم الإسلام بشكل كامل وبعد انتصار الثورة الإسلامية وقفوا بوجه الثورة، وقتلوا جمعاً كبيراً من المسؤولين المخلصين للشعب والعلماء الملتزمين المنحرفين للإسلام والعدل، أو خيرة الشباب المؤمن، وفجروا عشرات القنابل والمتفجرات في أنحاء البلاد، وأحرقوا البيوت وحافلات النقل المملوءة بالأبرياء المسالمين، حتى أنهم قتلوا المضحين وهم على سفرة الافطار في شهر رمضان مع نسائهم وأطفالهم، وجرت ساقية الدم من جرائمهم، ولم يدخروا وسعاً لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وبعد أن حاق الخطر بالثورة الإسلامية من جرائمهم، وانطلقت المظاهرات الشعبية مطالبة بالقضاء عليهم، قام الشباب المؤمن بالقضاء عليهم، وهرب بعضهم إلى الخارج، ورغم أنهم كانوا يدعون عداءهم للامبريالية، لكنهم لجأوا إلى الدول الامبريالية ليتلقوا الدعم والحماية منها، وانفضحت سرائرهم وانكشف نفاقهم، وجرى ذكرهم على السنة أبناء الشعب بإسم "المنافقون".  
وهذه الثلة المنافقة وقفت الى جانب النظام العراقي إبان عدوانه على الجمهورية الإسلامية, وشاعت أخبار تنسيقهم مع إسرائيل الغاضبة أخيرا.
 
 
 
 
 
 
 
81

73

وسائل الاعلام

  وسائل الاعلام 

 
الأقلام تربي الشهداء
 
إن أهمية المطبوعات مثل أهمية الدماء التي تُراق في الجبهات، وإن "مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء"1 فرغم قيمة دماء الشهداء الكبيرة جداً ودورها في البناء، لكنّ تأثير الأقلام أكثر، وعادة فإن الاقلام هي التي تصنع الشهداء وتربيهم. 
 
الإذاعة والتلفزيون عبارة عن جامعة عامة
 
للإذاعة والتلفزيون دور كبير في مجال الإعلام الفساد، وفي مجال الإعلام الصحيح أيضاً، فهذه الأجهزة وجميع المطبوعات كذلك، ولكن أهمية التلفزيون أكثر، أهمية الإذاعة والتفزيون أكثر من البقية هذه الأجهزة أجهزة تربوية، يجب أن تتربى جميع فئات الشعب بواسطة هذه الأجهزة، إنها جامعة عامة، فالجامعات عبارة عن جامعات محدودة، بينما تلك الأجهزة عبارة عن جامعة عامة يعني جامعة تنشر في جميع أنحاء البلاد. 
 
 
 

1- روي عن الإمام جعفر بن محمد "ع" قوله " إذا كان يوم القيامة، جمع الله عزّ وجل الناس في صعيد واحد.. فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجع مداد العلماء على دماء الشهداء. بحار الأنوار ج2 ص14 الرواية 36 الباب 8. 
 
 
 
 
 
 
82

74

وسائل الاعلام

 يجب أن تقوم هذه الأجهزة بعد عدة سنوات، بتوعية جميع فئات الشعب، وان تجعلهم جميعاً من المجاهدين، ومن المفكرين ومن المستقلين، ومن الأحرار، وأن تخلصهم من التغرب، وتمنح الاستقلال للجماهير، فهذه هي أهم وظيفة لهذه الأجهزة ولها وظيفة التعامل مع الجماهير كالمعلم والتلميذ، يجب على الكتّاب والخطباء والعلماء وذوي الخبرة أن يتحدثوا في هذه الأجهزة، وان يُسمح لهم بالتحدث، وما أكثر الذين يقترحون هذه المعاني، فيجب اعطائهم الفرصة ليتحدثوا، عليهم أن يقدموا أشياء مفيدة تنفع الشعب بدلاً من تلك الأمور التي لا تنفعه أو تضره، وان يقدموا له غذاءاً صحيحاً وسليماً. 


الصحافة في خدمة الأجانب

إن واحدة من مشاكلنا الكبيرة في عهد الطاغوت هي مشكلة الصحافة إذ كان الطاغوت ينتخب عملاءه الذين كانوا في خدمته وخدمة الأجانب وينتخب أفضلهم لإدارة المطبوعات والإعلام المضاد للإسلام والمضاد للبلاد، ولكن ضمن غطاء إسلامي ووطني، أنا لا ادري هل إن الضربة التي لحقت بالبلاد والإسلام بواسطة الإعلام في زمن الطاغوت كانت اكبر، أم تلك الضربات التي تلقيناها من قبل سائر المؤسسات الطاغوتية؟ 

يجب على المطبوعات أن تحمل نداء الشعب، وتحمل نداء الإسلام، وتبلّغ للاحكام الإسلامية، وتطبقها وتهذّب المجتمع وتنشر الأخلاق الإلهية، وكانت في زمن الطاغوت مكلفة بعكس هذه الأمور تماماً، إذ كانوا يجرّون بلادنا ـ من خلال الدعاية الواسعة في تلك الأجهزة 
 
 
 
 
 
 
83

75

وسائل الاعلام

 الطاغوتية وجميع القضايا الإسلامية ـ لصالح الطاغوت، وإن الضربة التي لحقت بالإسلام من المطبوعات ووسائل الإعلام الطاغوتية لا تضاهيها أية ضربة من الأجهزة الأخرى، وقد أفسدت المطبوعات والمجلات والإذاعة والتلفزيون شبابنا إلى الدرجة التي قد تكون مراكز الفساد الأخرى لم تقم بذلك. 


فهذه المجلات والمطبوعات والإذاعة والتلفزيون وجميع وسائل الإعلام الأخرى هي التي جرّت شبابنا إلى الفساد بدلاً من توجيههم نحو الجامعة والعلم والآداب. 

دور وسائل الإعلام في تغرب المجتمع

إن الإذاعة والتلفزيون والصحافة ودور السينما والمسارح من الوسائل المؤثرة في تدمير وتخدير الشعوب وخاصة جيل الشباب، وأي خطط خبيثة واسعة كانت تعدّ خلال القرن الأخير، ونصفه الثاني خصوصاً ـ باستخدام هذه الوسائل سواء للدعاية ضد الإسلام وضد علمائه العاملين، أو للدعاية لمصلحة المستعمرين ـ الغربيين أو الشرقيين ـ كما استخدمت لايجاد سوق لبضائعهم، لاسيما الكمالية وبضائع الزينة، بكافة الأشكال، تبدأ بالتقليد في طراز المباني وزينتها وتستمر تقليداً في أنواع المشروبات والملابس وطرازها، وآل الأمر أن أصبح فخراً عظيماً، خاصة النساء الثريات أو المتوسطات الثراء، التفرنج في كافة شؤون الحياة سلوكاً وقولاً ولباساً، وفي آداب وتقاليد المعاشرة وطريقة الحديث واستخدام المفردات الغريبة في الأحاديث والكتابات حتى كان محالاً فهمهما على غالبية الناس، وعسيراً حتى على أمثال 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

76

وسائل الاعلام

 هذا الطراز من المتفرنجين. الأفلام التلفزيونية كانت من صناعة غربية أو شرقية، تحرف جيل الشباب فتية وفتيات عن مسار حياتهم الطبيعي، وعن العمل والصناعة والإنتاج والعلم، وتجرّهم إلى الجهل بهويتهم وأنفسهم أو إلى النظرة السيئة وإساءة الظن بكل شيء يتعلق بهم وببلدهم حتى الثقافة والآداب والآثار القيمة التي نقل الخونة النفعيون الكثير منها إلى مكتبات ومتاحف الغرب والشرق. 


وكانت المجلات والصحافة اليومية تفتخر بأنها تقود الجمهور ـ لا سيما فئة الشباب ـ الفاعلة إلى الغرب أو الشرق بما تنشره من مقالات وصور مبتذلة مؤسفة، وبسياقها في نشر المقالات المضادة لثقافتنا وللاسلام، اضيفوا إلى ذلك الدعاية الواسعة المروّجة لمراكز الفساد والبغاء والقمار ومحلات بيع البضائع التجميلية وأدوات الزينة واللعب والخمر ـ خاصة ما كان يستورد من الغرب ـ فقد كانت الدمى واللعب وبضائع الزينة والتجميل تستورد مقابل النفط والغاز والمعادن الأخرى، وهناك مئات القضايا المماثلة، التي لا اطلاع لأمثالي عليها، ولو اتيح ـ لا سمح الله ـ لحكم النظام البهلوي العميل المهلك للحرث والنسل أن يستمر فإنه لم يكن ليمرّ وقت طويل حتى يتنكر فتيتنا الراشدون، وهم أبناء الإسلام والوطن الذين تتطلع إليهم أعين الشعب، يتنكرون لشعبهم وللإسلام أو يتلفوا شبابهم في مراكز الفساد، أو يصبحوا خدما لدى القوى الناهبة للعالم، ويجروا البلاد إلى الدمار، وكل ذلك بفعل شتى المكائد والمخططات الشيطانية، التي كان ينفذها النظام الفاسد ووسائل الدعاية والمثقفون المتغربون أو المتشرقون، وقد منّ الله تبارك وتعالى علينا وعليهم بأن انقذنا جميعاً من شرّ المفسدين والناهبين.  
 
 
 
 
 
 
85

77

وسائل الاعلام

 ووصيتي الآن إلى مجلس الشورى الإسلامي الحالي وفي المستقبل ورئيس الجمهورية ورؤساء الجمهورية مستقبلاً، ومجلس أمناء الدستور1، ومجلس القضاء والحكومة في كل زمان، هي أن لا يسمحوا لهذه الخبرية والصحافة والمجلات، أن تنحرف عن الإسلام وعن مصالح البلاد، ولنعلم جميعاً أن الإسلام والعقل يدينان الحرية على الطراز الغربي، فهي تؤدي إلى تدمير الشبان، فتيان وفتية وتحرم الدعاية والمقالات والخطابات والكتب والصحافة المنافية للإسلام، وللعفة العامة ومصالح البلاد، ويجب علينا جميعاً وعلى المسلمين كافة منعها، ويجب منع المدمر من الحريات، والجميع مسؤولون إذا لم يُتصدّ بحزم لما يخالف الشرع ولما يعرقل مسيرة الشعب، والبلد الإسلامي، ولما يتنافى وكرامة الجمهورية الإسلامية، وإذا ما شاهد فتية حزب الله أيّاً من تلك الموارد، فليراجعوا الأجهزة المختصة، وإذا ما قصّرت هذه فعليهم أن يبادروا هم إلى منع ذلك. 

 
أهمية التلفزيون
 
إن التلفزيون هو الأكثر ارتباطاً ـ من بين وسائل الإعلام التي نملكها 
 
 

1- "شورى صيانة الدستور " هي شورى تتالف من 12 شخصاً منهم 6 من الفقهاء العادلين والمطلعين و6 أشخاص من خبراء القانون المتخصصين في شتى جوانب القانون، تقوم هذه الشورى بالتدقيق في كل مشروع قانون يقدمه مجلس الشورى وتتأكد من مطابقته للقرآن والحديث والدستور الإسلامي، وذلك بناءاً للمادة 91 من الدستور، ويكون انتخابهم لمدة 6 سنوات بناءاً للمادة 92 من الدستور ودون هذه الشورى فإن عمل مجلس الخبراء وقراراته لا تعدّ قانونية بل يجب على مجلس الشورى إرسال جميع مقرراته إلى شورى صيانة الدستور لتحديد مطابقتها و مغايرتها للشرع الإسلامي والدستور، وذلك بناءً للمادة 94 من الدستور. 
 
 
 
 
 
 
 
86

78

وسائل الاعلام

 كالمطبوعات والمجلات والصحف والسينما والمسرح والراديو ـ بالجماهير وذلك لسببين: الأول أن المطبوعات ومهما بلغ عدد نسخها فإنها ليست عامة على مستوى البلاد جميعاً، وثانياً فإنه لا يتمكن جميع الناس من الاستفادة منها لأن نصف عدد السكان تقريباً هم من الأميين1، فلا يتمكنوا من الاستفادة من المطبوعات، وتستطيع دور السينما أن تمارس عملها ضمن محيط محدود، والاذاعة موجودة في كل مكان، ولكنها مؤثر عن طريق السمع فقط، إما التلفزيون فإنه يؤثر في كل أنحاء البلاد ويتاثر به حتى ذلك القروي الذي يسكن المنطقة الحدودية وهو أمي، ولكنه يملك عيناً وأذناً، أي إنه يستفيد من التلفزيون استفادة سمعية وبصرية، فالراديو له استفادة سمعية فقط، وأما التلفزيون فله استفادة سمعية وبصرية، فيشاهد ذلك الشخص تلك الصور والرسوم، ويستمع إلى الصوت، لذا فإن التلفزيون أهم من جميع وسائل الإعلام الأخرى، ويتمكن هذا الجهاز أن يصلح دولة بأكملها، أو أن يفسدها، وهذا ما لا تقدر عليه لا الصحافة ولا دور السينما ولا المسارح ولا الإعلام اللفظي الذي يُمارس على المنابر، إذ لجميع هذه شعاع محدود النطق. 

 
إن الراديو له شعاع مثل التلفزيون ولكنه سمعي فقط، بينما للتلفزيون تأثير سمعي وكذلك بصري، وإن التلفزيون قادر عن طريق السمع والنظر على تربية الناس أو إفسادهم. 
 
 
 

1- عند إلقاء الإمام الخميني "قده" لهذه المحاضرة عام 1979م كانت نسبة الأميين في إيران تعادل 53% لكن الإمام الراحل "قده" أمر بتشكيل نهضة محو الأمية، فبذلت الجهود بعد انتصار الإسلامية حتى انخفضت النسبة إلى 28% عام 1991م.  
 
 
 
 
 
 
 
87

79

وسائل الاعلام

 يجب على وسائل الإعلام أن تكون منادية بالأمل


ازرعوا الأمل في نفوسكم يجب على كتّابنا وخطبائنا أن يزرعوا الأمل لدى هذا الشعب فلا يجعلوه يشعر باليأس، وليقولوا بأننا قادرون ولسنا عاجزين وهذا هو الواقع، وإننا قادرون، ويجب أن نريد. إن أفضل خدمة يقدّمها كتّابنا اليوم هو زرع الأمل في قلوب أبناء هذا الشعب الذي يقف بوجه الشرق والغرب، ولا يريد الخضوع لسلطة الشرق ولا الغرب، وأن يقولوا لهم بأنكم قادرون على البقاء غير مرتبطين بالشرق ولا بالغرب حتى النهاية. 

فلو أوجد هؤلاء الكتّاب والخطباء الأمل لدى الشعب بدلاً من الاعتراض على بعضهم البض ومحاربة بعضهم بعضو وجعلوا الشعب يشعر بالثقة بنفسه والاطمئنان، وأوجدوا الاستقلال الروحي لدى الشعب، إذا قامت وسائل الإعلام بهذه الخدمة وكذلك المطبوعات والكتّاب والخطباء، فأجدوا هذا الاطمئنان في الشعب، فإننا سنبقى منتصرين حتى النهاية. 

وإنه لأمر مؤسف أن لا ننتبه نحن الخطباء والكتّاب والاذاعة والتلفزيون وسائر المطبوعات لهذا المعنى وهو ضرورة زرع الأمل والاطمئنان في قلوب هذا الشعب المضحّي الذي صمد وقدّم دماء شبانه وضحى بكلّ غالٍ ونفيس من أجل الإسلام واستقلال البلاد. 

يجب أن تكون وسائل الإعلام في خدمة تهذيب المجتمع

إن وسائل الإعلام، وخاصة الإذاعة والتلفزيون ومراكز الشرعية والتعليم العامة هذه ـ قادرة على أداء خدمات كبيرة لإيران وللثقافة 
 
 
 
 
 
 
 
88

80

وسائل الاعلام

 الإسلامية، وإن الأجهزة التي هي في تماس سمعي أو بصري يومي مع الناس في أنحاء البلاد. سواء المطبوعات في مقالاتها وكتاباتها، أو الإذاعة والتلفزيون في البرامج والتمثيليات والأفلام والفنون المفيدة يجب أن تشدّ من همتها، وتعمل أكثر، ويطلب من القائمين عليها والفنانين الملتزمين الاهتمام بالتربية الصحيحة وتهذيب المجتمع، والأخذ بنظر الاعتبار جميع فئات الشعب، وان يعلّموا الجماهير الحياة الشريفة وليكونوا أحراراً من خلال الفنون والتمثيليات والامتناع عن تقديم الفنون السيئة والمبتذلة. 


لقد ابتلي شعبنا العزيز خلال الخمسين سنة الأخيرة المظلمة بالمجلات والصحف المخربة والمفسدة لجيل الشبان، والأسوأ منها دور السينما والاذاعة والتلفزيون والتي دفعت شعبنا ـ من خلال برامجها ـ للإرتماء أكثر فأكثر في أحضان الغربيين والمتغربين، وإن اضرار وسائل الإعلام تعدّ أكثر واسواً من الأضرار التي تحدثها المدافع والدبابات والاسلحة المخربة، إلاّ إن أضرار الأسلحة تزول بينما الأضرار الإلهية تبقى وتنتقل إلى الأجيال القادمة كما شاهدتم وتشاهدون، ولو لا الألطاف الإلهية الخاصة ومنّه، والتغير السريع للناس في أنحاء البلاد، لم نكن ندري ما هي العاقبة التي ستنتظر الإسلام والبلاد، واليوم أيضاً إن لم يتما لوقوف بجدّ بوجه هذه الحثالة المتبقية من ذلك النظام الفاسد، فإن الخطر يهدد البلاد، ولو في المستقبل البعيد، وإن من السذاجة التسامح في هذه الأمور، ويجب على المتدينين أن يبذلوا جهدهم، ويمنعوا الانحراف حتى ولو كان بسيطا. 
 
 
 
 
 
 
 
89

81

وسائل الاعلام

 يجب على وسائل الإعلام أن تسير في طريق الشعب


بشكل عام يجب أن تسير صحافة أي دولة واذاعتها وتلفازها مع الشعب في طريق واحد، وتكون في خدمته، ويبغي بالصحافة أن تهتم بما يريده الشعب، والطريق الذي يسير عليه وتبث الوعي من هذا الطريق وتهدي الناس. 

إذا وجدت صحافة تسير خلافاً للشعب، وسلكت طريقاً غير الذي سلكه حتى لو فرضنا أن الشعب والدولة سمحا بذلك، فإنها لا يمكنها أن تنال تأييد هذا الشعب، وليس صحيحاً أن نقول عنها بأنها صحافة وطنية وصحيفة وطنية. 

ولو كتب مقالات منحرفة ـ لا سمح الله ـ وامتنعت عن كتابة تلك المواضيع التي تخدم الناس، فإن هذا العمل يعدّ مؤامرة، وهذا موضوع يختلف عن حرية الصحافة. 

يجب على المجلة أن تربي الإنسان

يجب أن تكون المجلة في خدمة البلاد، وخدمة البلاد هي القيام بالتربية، وتربية الشأن وبناء الإنسان الشريف، وبناء الإنسان المتفكر حتى ينفع بلاده. 
 
 
 
 
 
 
90

82

الجامعة والجامعيون

 الجامعة والجامعيون 


أهمية الطبقة المثقفة

كلنا يعلم أن مستقبل دولة ما وشعب ما ونظام رهين بيد الطبقة المثقفة بعد عامة الناس، وإن الهدف الكبير للاستعمار الحديث هو السيطرة على مواقع هذه الشريحة، وإن ما ألحق ببلادنا خلال العقود الأخيرة من آلام وصدمات إنما هو بسبب الخونة في هذه الشريحة، وإن التبعية للشرق والغرب إنما قامت على أيدي المتشرقين والمتغربين ومن يسمّون أنفسهم بالمثقفين الذين تخرجوا من الجامعات، لكن إطار تفكيرهم كان قد تمّ إعداده في المدارس الابتدائية والمتوسطة. 

فهؤلاء الحقوا اضراراً كبيرة بثقافاتنا وديننا وبلادنا، وذلك لأنهم ومن أجل إكمال التبعية للشرق والغرب ولأمريكا أخيراً، عملوا ما بوسعهم من أجل مصلحة هؤلاء. 

لأنهم كانوا قد درسوا، فقد جاؤوا بالتغرب والتشرق، وقد قاموا بانتخاب السلع الأفضل لاربابهم وكعبة آمالهم مثل اللصوص الذي يأتون حاملين سراجاً. 
 
 
 
 
 
 
 
91

83

الجامعة والجامعيون

 إرسال الطلبة إلى الدول المعادية للإسلام هو طريق لبسط الأجانب

 
يجب القول أن جامعاتنا تدار من قبل مجموعة متغربة ومنهزمة نفسياً أو عميلة، وكان العلماء المتدينون قليلون ومسلوبي القدرة، وكانت الأغلبية المتغربة تحبب الغرب لشبابنا، وترسلهم أفواجاً أفواجاً إلى الخارج، فيمارس الاستعمار دوره ويوجّه الشبان بالشكل الذي يريده ليعودوا إلى البلاد بأفكار غربية وغير إسلامية وغير وطنية، وكانت هذه فاجعة القرن الأخير التي ألمت بالدول الإسلامية وأشباهها، وهذا مجمل يُفهم منه حديث مفصّل. 
 
حاكمية المتغربين في الجامعات
 
من المؤلم والمؤسف أن الجامعات والثانويات كانت تدار من قبل المتغربين والمتشرقين الذين يُنفذون خططاً مرسومة لهم باستثناء أقلية مظلومة ومحرومة، وعلى أيدي هؤلاء، كان يتلقى أعزاؤنا التعليم والتربية، فكان قد شبابنا الأعزة والمظلومين أن يتربوا في أحضان هذه الذئاب العميلة للقوى الكبرى، وان يتصدوا لمناصب التشريع والحكم والقضاء لينجزوا أعمالهم وفق أوامر النظام البهلوي الظالم1..
 
 
 

1- كانت الجامعة في العهد البهلوي تعاني من تبعية كاملة للغرب في مجال التفنية والثقافة، وكانت تشكل محفلاً للععائد المستوردة وغسل ادمغة الشباب ودفعهم نحو التبعية إلى الغرب أكثر فأكثر، ولهذا قلّما نشاهد في الجامعات في ذلك العهد البائد ابتكارات وإبداع وحداثة، واسوا من ذلك أن المبدعين لم يتلقوا التشجيع ولم نرَ أي إنتاج مهم وبارز في المجالين العلمي والتقني للجامعة آنذاك. 
وفي العقد الأخير من الحقبة البهلوية تحولت الجامعات إلى قاعات عرض أزياء وابتعدت عن الثقافة الوطنية الدينية، بحيث كانت الأقلية من الطلاب الجامعيين والاساتذة يحترقون كالشمعة، بل وحتى أن العديد منهم فقد حياته من أجل مواجهة الثقافة المنحطة والفاسدة للحكام والجامعات، لكن هذه الثلة المؤمنة من الأساتذة والطلاب الجامعيين وبدافع وطني وديني قاموا بمواجهة مظاهر الثقافة المنحطة، وبثوا الفكر الديني في الجامعة، خاصة بعد ثورة الخامس من حزيران 1963م بقيادة الإمام الخميني ـ مما أنتج تحول كبير في مسيرة نضال الشعب الإيراني، وفي عقد التسعينات تحقق احد آمال الإمام "قده" بتقارب علماء الدين مع الجامعيين، مما ضيّق الخناق على النظام البهولي، وبعد انتصار الثورة الإسلامية حصلت الجامعات على استقلالها الكامل، وخطت عدّة خطوات مهمة ومثيرة في مسيرة الحداثة، لتجد دورها الأساسي والتاريخي الذي كانت تفتقده. 
 
 
 
 
 
 
 
92

84

الجامعة والجامعيون

 يجب على الجامعيين التخلص من التغرب


فكروا أيها الطلبة الجامعيون الأعزاء بالتخلص من التغرب والعثور على ضالتكم فالشرق ضيع ثقافته الأصيلة، ويجب عليكم انتم ـ الذين تريدون أن تكونوا مستقلين وأحراراً ـ أن تقاوموا، وان تبني جميع الفئات أمرها على أن تكون هي نفسها، يجب على المزارعين أن يكونوا بصدد إخراج قوتهم من تحت الأرض، وأن تكون المصانع مكتفية ذاتياً حتى تنموا الصناعات في بلادنا. 

كذلك يجب على الجامعات أن تكون مكتفية ذاتياً ومستقلة حتى لا تشعر بالحاجة ينبغي على شبابنا وعلماءنا واساتذتنا أن لا يخافوا من الغرب وان تكون لهم الإرادة لينتفضوا بوجه الغرب ولا يخافوا. 

ضرورة الامتناع عن إرسال الطلبة الجامعيين إلى أمريكا والاتحاد السوفيتي و...

إن احتياجاتنا بعد كل هذا التخلف المصطنع إلى الصناعات الكبيرة للدول الأجنبية، هو حقيقة لا يمكن إنكارها بيد أن هذا لا يعني إننا يجب أن نرتبط في العلوم المتطورة بأحد القطبين، يجب على الدولة 
 
 
 
 
 
 
 
93

85

الجامعة والجامعيون

 والجيش أن يبذلا سعيهما في إرسال الطلبة الملتزمين إلى تلك الدول ذات الصناعات الكبيرة والمتطورة وغير الاستعمارية، ويحترزوا عن إرسالهم إلى أمريكا والاتحاد السوفيتي والدول الأخرى التي تسير في فلك هذين القطبين ـ إلى أن يأتي يوم ـ إن شاء ـ تقرّ هاتين القوتين باشتباههما، ويسلكان طريق الإنسانية وحب الإنسان واحترام حقوق الآخرين أو أن يقوم مستضعفو العالم ـ إن شاء الله ـ والشعوب اليقظة والمسلمون الملتزمون بإيقاف هؤلاء عند حدّهم، على أمل مجيء مثل هذا اليوم. 


إننا لا نخاف من التدخل العسكري، بل نخاف من الجامعات الاستعمارية

السلام عليكم أيها الشعب الإيراني العظيم، السلام عليكِ ايتها الأمة الإسلامية العالمية، السلام على الجامعيين والطلبة الأعزاء يا من تكونوا جنوداً للإسلام، يجب عليّ أن انبهكم إلى موضوع وهو أن تعلموا مقصودنا من إصلاح الجامعات. 

يظن البعض ـ وهم متوهمون في ذلك ـ إن إصلاح الجامعات وجعلها إسلامية يعني أن العلوم على قسمين، كل علم له قسمان والآخر غير إسلامي، وأحد أقسام علم الفيزياء إسلامي والآخر غير إسلامي، لذلك فهم يعترضون بأن العلوم لا يوجد فيها إسلامية وغير إسلامية وتوهّم البعض الآخر أن المقصود أسلمة الجامعات هو أن تُدرس علم الفقه والأصول والتفسير فقط، أي نفس الشيء المتّبع في المدارس القديمة. 

فهذه اشتباهات تصدر من البعض، أو يوقع نفسه فيها، إن ما نريد 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

86

الجامعة والجامعيون

 أن نقوله أن جامعتنا مرتبطة، جامعاتنا استعمارية عن جامعاتنا تربي اشخاصاً وتعلم أناساً متغربين، وإن أغلب متعلمينا من المتغربين، ويربون شبابنا على التغرب، إننا نقول بأن جامعاتنا لا تنفع الشعب إننا نملك الجامعات منذ أكثر من خمسين سنة مع ميزانية كبيرة تحصل عليها من كدح هذا الشعب ولكننا لم نتمكن في هذه الخمسين سنة أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي في العلوم المكتسبة في الجامعات، فبعد خمسين سنة نشاهد أن بعض أطبائنا أو أغلبهم ينصحون المريض بالذهاب إلى انجلترا للعلاج إننا نملك الجامعات منذ خمسين سنة، لكننا لا نملك الطبيب الكفوء الذي يلبي حاجة الشعب كما بقوا هم بذلك، إننا نملك الجامعات لكننا نحتاج إلى الغرب في جميع الشؤون الضرورية لشعب حيّ. إننا وعندما نقول يجب إحداث تغيير جذري في الجامعات وتغييرات أساسية وإسلامية فلا نريد من ذلك أن ندرس العلوم الإسلامية فقط، ولا أن العلوم على قسمين كل علم على قسمين أحدهما إسلامي والآخر غير إسلامي، إننا نقول اين هي نتاجات الجامعة خلال هذه الخمسين سنة أو أكثر التي كنا نملك فيها الجامعة؟ إننا نقول بأن جامعاتنا تقف بوجه رقيّ أبناء هذا الماء والتراب إننا نقول بأن جامعاتنا أصبحت ساحة للحرب الإعلامية. 


إننا نقول بأن شباننا غير متربين، حتى ولو كانوا حصلوا على العلم، إنهم لم يتربوا بالتربية الإسلامية، فهدف الذين يدرسون هو الحصول على ورقة فقط، ثم يذهبوا ويصبحوا عبئاً ثقيلاً على المجتمع، فجامعاتنا لا تعمل بموجب احتياجات شعبنا وبلادنا، بل تدفع 
 
 
 
 
 
 
 
95

87

الجامعة والجامعيون

 شبابنا للضياع وهدر طاقاتهم، لقد أهدروا طاقاتنا أو سخروها لخدمة الأجانب. 


إن معلمي مدارسنا ليسوا معلمين إسلاميين، ولم تُمارس التربية إلى جانب التعليم لذلك فلم يتخرج من جامعتنا ذلك الإنسان الملتزم والحريص على بلاده والذي لا يهتم بمصالحه الخاصة. 

إننا عندما نقول: يجب إحداث تغييرات أساسية، فنعني من ذلك أن تكون جامعاتنا في خدمة ما يحتاجه شعبنا، لا في خدمة الأجانب، فأغلب معلمي المدارس واساتذة الجامعات هم في خدمة الغرب، ويغسلون أدمغة شبابنا ويربونهم تربية فاسدة. 

إننا لا نقول بأننا لا نريد العلوم الجديدة، ولا نقول بأن العلوم على قسمين كما يناقش البعض بذلك عن عمد أو جهل، بل نريد القول أن جامعاتنا لا تملك الأخلاق الإسلامية ولا تربي إسلاميا، لو كانت جامعاتنا ذات تربية وأخلاق إسلامية لما صارت ميداناً للصراع العقائدي الذي يضرّ بلادنا. 

لو كانت الأخلاق الإسلامية موجودة في الجامعات لما وقع ذلك الصراع الذي يكلفنا غالياً، فذلك كله بسب أنهم لا يعرفون الإسلام وغير متربين إسلاميا. 

يجب أن تتغير الجامعات من الأساس، وأن تُبنى من جديد حتى تربي شبابنا تربية إسلامية. 

فيجب أن تكون التربية الإسلامية موجودة إلى جانب تحصيل العلم، لا أن يربونهم تربية غربية، فنرى أن مجموعة تجرّ شبابنا نحو الغرب، وأخرى تجرّهم نحو الشرق، أو تقوم مجموعة من شبابنا وجامعيينا 
 
 
 
 
 
 
 
96

 


88

الجامعة والجامعيون

 بمساعدة أولئك الذين هم في حرب معنا، ويريدون فرض الحصار الاقتصادي علينا، أو ينذروننا بأننا سنقوم بفرض حصار اقتصادي حولكم، وقد خطوا خطوات في ذلك. 


إننا نريد من شباننا الجامعيين كلّهم أن يقفوا بوجه الغرب عندما يقف الشعب الإيراني بوجهه، وكذلك أن يقف بوجه الشيوعية عندما يقف الشعب أمامها، لا أن يقف شبابنا ـ الذي قبل بسبب سذاجته تلك التربية الباطلة على يد بعض المعلمين ـ بوجهنا عندما نريد بناء جامعة مستقلة وإحداث تغييرات أساسية فيها ونبقى مستقلين ونقف بوجه الغرب والشرق والشيوعية، وهذا دليل على أننا لم نكن نملك ولا نملك تلك الجامعة الإسلامية التي تربي شباننا، وهذا دليل أيضاً على أن شبابنا غير متربين تربية صحيحة ومن جانب آخر، فإنهم لا يهتمون بالدراسة، ويقضون أعمارهم بالشعارات وبالدعاية السيئة الباطلة، ويؤيدون أمريكا، ويؤيدون الاتحاد السوفيتي. إننا نريد من شبابنا ليكونوا مستقلين، ويهتموا بأنفسهم، ويهتموا باحتياجاتهم، ولا يكونوا شرقيين ولا غربيين. 

إن هؤلاء الذين ساروا في الشوارع أو في الجامعات وأوجدوا المشاكل للدولة وللشعب، عن هؤلاء إما مؤيدون للغرب أو الشرق، وباعتقادي فإنهم مؤيدون للغرب وأمريكا. 

إننا اليوم نقف بوجه أمريكا، ونحتاج من شباننا أن يقفوا بوجهها أيضاً، بينما يقف شبابنا اليوم بوجه بعضهم البعض، ويعملون لأمريكا، إننا نريد لجامعاتنا أن تكون بحيث يعمل شبابنا لأنفسهم ولشعبهم. 

هؤلاء السادة الذين يعترضون على هذا المعنى ويجلسون جانباً 
 
 
 
 
 
 
 
97

89

الجامعة والجامعيون

 ويستشكلون ويتصورون أن أعضاء مجلس الثورة1 لا يفهمون أن معنى أسلمة الجامعات لا يعني أن جميع العلوم على قسمين، فهناك قسم من الهندسة الإسلامية وآخر غير إسلامي، لذلك يعترضون عليهم، ولكن فاتهم أن مجلس الثورة فيه من يحمل شهادة الدكتوراه ومن هو مجتهد، أو لا يفهم هؤلاء بأن العلوم الإسلامية تدرس في المدارس القديمة، وهنا تدرس علوم أخرى؟ بيد أن على الجامعات أن تصبح إسلامية حتى يمكن استخدام العلوم التي تدرس فيها في طريق الشعب وفي طريق تقويته وتوفير احتياجاته، إننا نقول بأن البرامج المستخدمة في الجامعات تجرّ شبابنا إما إلى الشيوعية أو إلى الغرب، وهذا ما لا ينبغي أن يكون، إننا نقول بأن بعض المعلمين وأساتذة الجامعات الذين كانوا ولا يزالون موجودين لا يسمحون لشبابنا بالدراسة الصحيحة، فهم يقفون بوجههم، ويمنعون تقدمهم، فهم في خدمة الغرب، ويريدوننا أن نحتاج إليه في كل شيء. 

 
إن معنى اسلمة الجامعات هو أن تكون مستقلة، وتنفصل عن الغرب، وتنفصل عن الشرق، وأن تكون بلادنا مستقلة، وجامعات مستقلة، وثقافتنا مستقلة. 
 
 
 

1- بتاريخ 12ـ1ـ1979م وجّه الإمام الخميني "قده" نداءً إلى الشعب الإيراني أعلن فيه عن تشكيل "شورى الثورة الإسلامية" وعيّن صلاحياتها بقوله " بناء على الحق الشرعي، واعتماداً على ثقة الأكثرية العظمى من أبناء الشعب الإيراني التي اولوني إياها، وبهدف تحقيق الأهداف الإسلامية للشعب، فإني أعين شورى مؤقتة بإسم " شورى الثورة الإسلامية، تتشكل من أفراد مسلمين ملتزمين موثوقين ليبدأوا عملهم وسيعلن عن أعضاء هذه الشورى في أول فرصة سانحة، صلاحيات وواجبات هذه الشورى محددة ومعينة، ومن مهامهم بحث ودراسة أمر تشكيل حكومة انتقالية وتأمين مقدماتها الأولية.  
 
 
 
 
 
 
98

90

الجامعة والجامعيون

 أعزائي إننا لا نخشى المحاصرة الاقتصادية ولا نخشى التدخل العسكري، وإن ما نخشاه هو التبعية الثقافية، إننا نخاف من تلك الجامعة الاستعمارية، إننا نخاف تلك الجامعة التي تربّي شبابنا ليكونوا في خدمة الغرب، إننا نخاف من تلك الجامعة التي تربي شبابنا ليكونوا في خدمة الشيوعية. 


يجب تهيئة الشبان منذ الابتدائية والثانوية من أجل الجامعة المستقلة

ليس صدفة أن تتعرض مراكز التربية والتعليم في الدول، بما فيها إيران، من الابتدائية وحتى الجامعة لهجوم المستعمرين وخاصة الغربيين وأمريكا والاتحاد السوفيتي أخيرا، وكانت ألسن وأقلام المتغربين والمتشدقين، سواء عن وعي، أو غير وعي والأساتذة المتغربين والمتشرقين في الجامعات طيلة مدة تأسيسها ـ وخاصة في العقود الأخيرة، قد قدمت هذه الخدمة الكبيرة للغرب والشرق رغم وجود بعض الملتزمين والمنتبهين من بين أرباب القلم واللسان والأساتذة الذين ساروا خلافاً لذلك التيار لكنهم، ومع الأسف كانوا أقلية قليلة. 

إن هجوم الطلبة بعد طي المراحل الدراسية والتعليم الشرقي والغربي في المدارس الثانوية وجامعات إيران، نحو الغرب وأحياناً نحو الشرق الذي هو نتاج للثقافة الشرقية أو الغربية، أوجد فاجعة عظيمة بحيث جعل مجتمعنا مرتبطاً بالقوى العظمى، بل مستسلماً لها في كل المجالات دون قيد أو شرط بشكل كان مجتمعنا ظاهره إيراني إسلامي بينما كان محتواه ممتلئاً بالتشرق والتغرب. 
 
 
 
 
 
 
 
99

91

الجامعة والجامعيون

 ومع الأسف فإنه وبعد ثلاث سنوات من انتصار الثورة الإسلامية ووقوف الجمهورية الإسلامية ازاء الشرق والغرب ومدارسهم المنحرفة، ووفاء هذه الجمهورية للإسلام الذي يرفض جميع التبعيات والانحرافات، فلا تزال تعاني من المجموعات والفئات المرتبطة بأحد القطبين والمستسلمة للمدارس المنحرفة والمرتبطة بإحداهما، ونواجه أيضاً شخصاً من هؤلاء المنحرفين الذين تغلغلوا داخل مراكز التربية والتعليم، فازدادت المخاطر من خلال فسح المجال لهم لجر شبابنا ويافعينا نحو الفساد. إذ انه ومن خلال انحراف اولادنا ـ لا سمح الله ـ وارتباطهم بالثقافة الغربية أو الشرقية فإن مجتمعنا سوف يرتبط بالغرب أو الشرق في جميع المجالات، ويستسلم لهما، وتذهب جميع الجهود وزحمات الشعب ودماء شبانه وأعزائه هدراً. 


يجب على طلبة المدارس والجامعات والاساتذة والمعلمين الملتزمين أن يبذلوا كل جهودهم وقدرتهم في الشكف عن عوامل الفساد، وتطهير تلك الأوساط التربوية والتعليمية من رجس وجودها، ولا يتصوروا بأن هذا التفاعل إنما هو من أجل انحراف الجامعات فقط. 

إذ أن المنحرفين والمنافقين يعطون أهمية أكبر للتغلغل داخل المدارس الثانوية، بل وحتى الابتدائية لكي يهيؤا الشبان للانحراف في الجامعات، إنهم يعلمون لو أن الأحداث تربّوا تربية صحيحة في مراكز التعليم، وأحسوا بحيل المستعمرين، ولمسوا مؤامراتهم المختلفة، لانخفضت فرص النجاح أمام عملاء الاستعمار في الجامعة لهذا نراهم يبذلون أهمية خاصة لبناء الجهاز الاستعماري الشرقي أو الغربي للدخول إلى الجامعة، وذلك من المرحلة الابتدائية والثانوية وقبل  
 
 
 
 
 
 
100

92

الجامعة والجامعيون

 الدخول إلى الجامعة، لذلك يجب على الأجهزة التعليمية الملتزمة والحريصة على إنقاذ البلاد أن تبذل اهتماماً خاصاً في المحافظة على الأحداث والشباب الأعزاء ـ الذين يرتبط استقلال البلاد وحريتها في المستقبل ـ بتربيتهم تربية صحيحة ـ ومن هنا يبرز دور المعلمين والاساتذة في تربية التلاميذ وطلبة الجامعات وتهذيبهم لأن لهم الدور الأساسي والمهم، وكلنا شاهدنا تلك الفجائع والمصائب التي لحقت بالبلاد بسبب ميولهم الشرقية والغربية، وكيف أن الجامعات أصبحت كالقلعة المحكمة لخدمة الشرق والغرب، وخرجت الأكثرية الساحقة من المتغربين والمتشرقين في هذه البلاد وسلمتهم إلى المجتمع. 


والآن يجب على المعلمين الملتزمين والمسؤولين في المدارس الابتدائية والثانوية أن يبذلوا جهدهم من أجل إرسال شبان إلى الجامعة مثقف بالثقافة الإيرانية ـ الإسلامية المستقلة والفنية، وواعٍ للانحرافات السابقة في الجامعة، ويجب على الأساتذة الملتزمين، وبعد فتح أبواب الجامعات، أن يوعّوا الشباب بمجرد مشاهدة انحرافهم وميولهم لأحد القطبين، وأن يقدموا للمجتمع شباناً ملتزمين وحريصين على مصالح البلاد وواعين للأهداف الإسلامية، وثقوا بأنكم ستضمنون حرية بلادكم واستقلالها الكامل من خلال هذه الخدمة. 

علاقة الروحانيين مع العلماء الجامعيين المسلمين 

إن شاء الله يكون علماء الدين عارفين بكافة أبعاد مسؤوليتهم، ولكني على نحو التذكير والتأكيد أقول لهم بأن الكثير من الشبان والمفكرين وفي أجواء الحرية التي ينعم بها بلدنا الإسلامي يحسّون 
 
 
 
 
 
 
101

93

الجامعة والجامعيون

 اليوم أن باستطاعتهم أن يبينوا آراءهم وافكارهم في الموضوعات والقضايا الإسلامية المختلفة، فاستمعوا لأحاديثهم بانفتاح ورحابة صدر، وإذا رأيتموهم ينحرفون عن الطريق، فأهدوهم إلى الصراط المستقيم ببيان مفعم بالمحبة وروح الصداقة، ويجب أن تلتفتوا إلى انه لا يمكن تجاهل عواطفهم ومشاعرهم المعنوية والعرفانية، والإسراع في إلصاق تهمة الالتقاط والانحراف على كتاباتهم، وجعل الجميع يعيشون حالة الشك مرة واحدة، فهؤلاء الذين يطرحون اليوم مثل هذه القضايا لا شك أن قلوبهم تخفق للإسلام وهداية المسلمين، والاّ فلا مبرر لأن يخلقوا لأنفسهم المشاكل بطرح هذه المسائل، إنهم يعتقدون أن مواقف الإسلام تجاه القضايا المتنوعة هي بالصورة التي يفكرون بها، فبدلاً من مهاجمتهم وعزلهم، تعاملوا معهم بأبوة ورأفة، ولا تيأسوا حتى لو لم يقتنعوا بكلامكم والاّ فإنهم ـ لا سمح الله ـ سيقعون في شباك الليبراليين والقوميين أو اليساريين والمنافقين، وذنب ذلك لا يقل عن الالتقاط. 


نحن نستطيع أن نتأمل خيراً في مستقبل البلاد وصانعي مستقبلها عندما نعطي قيمة واعتباراً لهؤلاء في المجالات المختلفة، وعندما نتجاوز عن أخطائهم واشتباهاتهم الصغيرة، وعندما نكون محيطين بجميع الأساليب والمباديء التي تثمر التعليم الصحيح والتربية السليمة لهم. 

إن ثقافة الجامعات والمراكز غير الحوزوية هي بشكل اعتادت على التجربة ولمس الواقعيات أكثر من الثقافة النظرية والفلسفية، فيجب من خلال التلفيق بين هاتين الثقافتين والتقريب بينهما أن تذوب 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

94

الجامعة والجامعيون

 الجامعات العلمية والدينية في بعضها، لفتح المجال أكثر لنشر وشرح المعارف الإسلامية. 


رسالة مثقفي عالم الإسلام

يجب على المثقفين الإسلاميين جميعاً، ومن خلال العلم والوعي، أن يسلكوا الطريق الصعب لتغيير عالم الراسمالية والشيوعية، ويجب على جميع المتحررين، ومن خلال الوعي والتوعية أن يرسموا الطريق للشعوب المظلومة الإسلامية والعالم الثالث لتصفع الدول العظمى والكبرى وخاصة أمريكا. 

نهضة المثقفين هي الأمل

إن النقطة المضيئة التي تمثل الأمل في نهاية حياتي هي وعي الجيل الشاب ويقظته ونهضة المثقفين المتسارعة المتنامية وإن شاء الله تصل إلى نتائجها القطعية والتي هي قطع يد الأجانب وبسط العدالة الإسلامية. 

انتم أيها الشبان الطاهرون مكلّفون بتوعية الشعب أكثر بأية وسيلة وكشف الستار عن الحيل المختلفة للجهاز الحاكم، وتعريف العالم بالإسلام الذي يريد نشر العدالة. 

المثقفون والتغرب

إن وظيفتنا هي الوقوف بوجه الدول العظمى، وإننا نملك مثل هذه القدرة، بشرط أن يمتنع المثقفون عن التشرق والتغرب والميل للشرق والغرب، وطي طريق الصراط المستقيم للإسلام والشعب. 
 
 
 
 
 
 
 
103

95

الجامعة والجامعيون

 خطر المثقفين المتغربين


لو كانت جامعاتنا قائمة على ترتيب أصولي، لما كان لدينا أبداً طبقة من المثقفين الجامعيين تبتعد عن الشعب في أشد الأزمات التي مرت بإيران والصراعات وتعدد الطوائف وتهتم بنفسها فقط، ولا تبالي بما يحدث للناس وكأنه لا تعيش في إيران. إن سبب جميع أنواع التخلف تعود إلى عدم المعرفة الصحيحة لأكثر مثقفينا الجامعيين بالمجتمع الإسلامي الإيراني وهذا مع الأسف موجود حتى الآن، إذ أن أكثر الضربات المهلكة التي لحقت بشعبنا كانت بيد هؤلاء المثقفين الذين تخرجوا من الجامعات، وكانوا ينظرون بالعظمة إلى أنفسهم دوماً ولا يزالون، وكانوا ينطقون ولا يزالون بكلمات لا يفهمها سوى صديقه المثقف الآخر ولا يهمهم أن يفهم الناس، لأن الشيء الآخر الذي لم يكن مطروحاً هو الناس، ويهتمون بأنفسهم فقط، فكان المثقف الجامعي الذي ينشأ على التعليم السيئ لجامعات الملك أصولاً لا يقيم أي اعتبار للناس المستضعفين ومع الأسف فإن هذا موجود حتى الآن. 

أيها المثقفون والمسؤولون تعالوا لنبذ التفرقة والتشتت وفكروا بحال الناس، وأنقذوا أنفسكم من شر الشيوعية الشرقية والرأسمالية الغربية لأجل نجاة هؤلاء الأبطال الذين قدموا الشهداء، قفوا على أقدامكم وإياكم والاتكال على الأجانب. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

96

الروحانيون

 الروحانيون 


لينهض العلماء في أنحاء العالم من أجل إنقاذ البشرية

لينهض العلماء في أنحاء العالم ـ خاصة العلماء المفكرين الإسلاميين العظام ـ وليكونوا قلباً واحداً ويتحركوا في جهة واحدة هي طريق إنقاذ البشرية من تحت سيطرة هذه الأقلية الظالمة والمحتالة التي تحاول من خلال مختلف المؤامرات والدسائس بسط نفوذها الظالم على أنحاء العالم، وان يحاولوا من خلال بيانهم وأقلامهم وعملهم طرد الخوف الكاذب المسيطر على المظلومين، ويقضوا على هذه الكتب التي انتشرت أخيرا بيد الاستعمار القذر من الأيدي القذرة بيد الشيطان، والتي تشدد على زرع الفرقة بين طوائف المسلمين، وان يقطعوا جذور الاختلافات، التي هي أساس جميع مصائب المظلومين والمسلمين، وان يحاربوا وسائل الإعلام التي تمارس النفاق وتبث الفتن والاكاذيب في أكثر ساعات الليل والنار وتقضي عمرها في بث الإشاعات، وان ينتفضوا بوجه مصدر الإرهاب المنبعث من البيت الأبيض، حيث انه ومن خلال التحري ـ تبين أن ما قام به رجال البحرية والجنود الامريكيون من دمار في بيروت والمناطق الأخرى والانفجارات التي احدثوها يعود في أصله إلى بيوت الظلم تلك، وخاصة البيت الأبيض. 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

97

الروحانيون

 الجماهير مع العلماء


انتم أيها السادة القادمون من أنحاء العالم، انتم أيها العلماء يجب عليكم أن تتمسكوا بسيرة الرسول الأكرم وأئمة الإسلام والتي قدموها لنا، حتى إنهم يوم كانت أيديهم مغلولة وكانوا غير قادرين على التحدث بكلمة تخالف سياسة الدولة في حينها، فإنهم كانوا يدعون الناس، من خلال ادعيتهم كانوا يدعون، وبدعائهم كانوا يدعون الناس، وكل يوم كانوا يجدون فيه الفرصة، في كل فرصة كانوا يصرحون بدعوتهم وعلينا أن نتمسك بهم، ونتمسك بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم يدعو إلى الوحدة، يدعو إلى عدم التنازع الذي يؤدي إلى الفشل ومع الأسف فإن بعض وعّاظ السلاطين في الدول الإسلامية يدعون إلى الفشل، ويريدون إيجاد الفشل، إنهم لا يقدرون على مهاجمة الإسلام في وسط إسلامي لكنهم يهاجمون إيران التي تريد تطبيق الإسلام . 

إن ذلك القاضي في الحجاز أو في مصر أو في سائر الأماكن الأخرى الذي يدعو خلافاً للقرآن الكريم، ولكن ليس بشكل صريح، ويعارض دعوته ويفرّق المسلمين. 

ذلك القاضي هو قاضِ جور، ويجب عليكم أن توقفوهم عند حدّهم، وعندما ترجعون إلى بلدانكم يجب أن تكون خطبكم في صلوات الجمعة وأدعيتكم ذات طابع سياسي مثلما كانت عليه الخطب في صدر الإسلام. 

فصلاة الجمعة عبارة عن تجمع سياسي، وإن صلاة الجمعة عبارة عن عبادة كلها سياسة، ومع الأسف فإننا نشاهد أن صلاة الجمعة في بعض الأماكن لا تتناول الأمور التي تحتاجها الشعوب، ويحتاج إليها 
 
 
 
 
 
 
 
106

98

الروحانيون

 المسلمون في تجمعاتهم، كانت المساجد والمحافل والصلوات ذات جنبة سياسية في صدر الإسلام، فكانت الجيوش تنطلق من المساجد، مكاناً تطرح فيه الأمور السياسية، ومع الأسف فقد جعلنا مساجدنا بعيدة كلياً عن مصالح المسلمين، ونفذنا بأيدينا تلك المخططات التي وضعوها لنا وشاهدنا، وشاهد المسلمون ما يجب أن يشاهدوه، لذا ينبغي بهم أن يستيقظوا اليوم، فإن كانوا قادرين فليقوموا بالتحدث بصراحة عندما يشاهدون حكوماتهم تعمل خلافاً للإسلام، وإن لم يكونوا يستطيعون فالبدعاء، فبالخطبة، وبشكل كلي فليعارضوا الظالمين والمعتدين والمخالفين للإسلام. 


ولا يسمحوا للخطب أن تقتصر على بضعة أدعية وعدد من الأذكار وأمثال ذلك، كما هو مُشاهد الآن، بل أن يهتموا بمحتوى الخطب حتى تكون قوية، إنكم أقوياء والجماهير معكم، لا مع الحكومات الجائرة، بل مع العلماء. 

إنكم أقوياء، ويملك كل واحد منكم في مكانه نفس تلك القدرة التي يملكها العلماء في إيران، فهؤلاء عملوا ووقفوا بوجه قوة بوجه قوة لا نظير لها في المنطقة، استيقظت مختلف فئات الشعب والعمال والمزارعين من خلال التعاليم الإسلامية التي قدمها لهم علماء الإسلام وهجموا على هذه القوة وحطموها وطردوها وأنتم تقدرون على ذلك أيضاً. لا تجلسوا لتعمل حكوماتكم من أجلكم، إنهم يعملون لأجل أنفسهم، عليكم أن تقووا الإسلام، وتطرحوا المصالح الإسلامية في صلاة الجمعة التي تقام لهذا الغرض وفي أدعيتكم وزياراتكم، واطرحوا المصالح الاجتماعية للجماهير، لا تذكروا المسائل الخصوصية، بل اطرحوا 
 
 
 
 
 
 
 
107

99

الروحانيون

 المسائل الاجتماعية، ولا تبالوا حتى لو منعوا صلاتكم فالجماهير تبدي ردود فعلها. 


لو منعت حكومة معينة صلاة الجمعة بسبب خطبة الصلاة فإنها ستواجه ردّ فعل الناس، وهذا هو ما نريده. 

لا تنتظروا أن يكون لكم جيش أو تملكون السلاح، إنكم لا تريدون شنّ حرب بل تريدون طرح مصالح المسلمين، لا تنظروا أن تحصلوا على القدرة أولا ثم تطرحوا تلك الأمور، اطرحوا تلك الأمور حتى تحصلوا على القدرة، لقد قامت إيران بهذا العمل، قالت فاصبحت قوية،، ولم تجلس حتى تصبح مقتدرة فلو كانت جالسة لم تكن لتصبح مقتدرة حتى الأبد. 

إن علماء إيران لم يجلسوا حتى يجتمعوا أولا ثم ينتفضوا بوجه تلك القدرة التي كان يملكها محمد رضا ودعم الجميع له. 

إن علماء الإسلام دعوا الناس أولا واستغلوا كل فرصة، ولم يخافوا، ودعو الناس على المنابر وفي المساجد حتى اصبحوا مقتدرين وأنتم قوموا بهذا العمل أيضاً، وقادرون عليه، لو تصورتم أنكم لا تقدرون، فاعلموا بأنكم لن تتمكنوا من ذلك، اقنعوا أنفسكم بأنكم قادرون، واعلموا بأنكم سوف تقدرون. 

كل عمل أوله فكر وبداية، كل عمل هو التفكر والتأمل في جوانبه، ولو برز الضعف إلى نفوسنا فلا يمكننا العمل، قووا نفوسكم وقووا قلوبكم وانقطعوا إلى الله، فهذه الأدعية الواردة تدعو إلى التوكل على الله لأنه مركز القدرة، وهذه الدعوات الواردة بعدم التشبث بغير الله لكي تستشعروا بالقوة، فأنتم عندكم سند عظيم وهو الله ومن 
 
 
 
 
 
108

100

الروحانيون

 أي شيء يخاف ذلك الذي عنده الله؟ ومن أية قدرة تخافون أنتم الذين تريدون العمل لله؟ هل تخافون من الشهادة؟ هل في الاستشهاد خوف؟ وهل تخافون من السجن؟ والسجن طريق الله هل فيه خوف؟ وهل تخافون من التعذيب ؟ وهل هناك إشكال من التعذيب في طريق الله؟ 


شاهدت إيران كل شيء في طريق الله، كل شيء لكنها لم تتوقف، وكان هؤلاء العلماء هم الذين قاموا بتعبئة الجماهير، وتغيرت الجماهير، واليوم فإنه من ذلك الطفل الصغير الذي بدأ بالنطق حديثاً إلى ذاك الكهل الذي ضحّى بعدد من أولاده نراهم قد انتفضوا يتحدثون بصوت واحد ضد القوى العظمى، لا تقولوا " لا نقدر "، لا تفكروا أبداً أنكم لا تقدرون، فكروا دائماً بأنكم قادرون، فكروا دائماً بأن الله معكم، فكروا دائماً بأن الإسلام شرفكم، ويجب أن يقوى هذا الإسلام بأيديكم. 

رسالة علماء العالم الإسلامي

مع الأسف، فإنه ليس شعوب الدول وحدها البعيدة عن الأحداث السياسية والساحة العالمية، بل إن أغلب علماء الدول الإسلامية يجهلون الدور البناء والمصيري لهم في مجال السياسات الدولية وشؤون الأمة، وهم متأثرون بالدعايات والاستنتاجات المادية، فهم يتصورون أن دور الروحانيين والعلماء قد تقلص في عصر التمدن والتكنولوجيا والتطورات العلمية والتقدم المادي وإن الإسلام أصبح ـ والعياذ بالله ـ عاجزاً عن إدارة الدول. 
 
 
 
 
 
 
 
109

101

الروحانيون

 إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة العلماء والحمد لله رغم العقبات ومؤامرات الشرق والغرب والحقد الذي يكنّه أذنابها قد أثبت عكس هذا التصور، واكّد اقتدار الروحانيين وعلماء الإسلام، وأنا ادعوا جميع علماء ومفكري الإسلام في أنحاء العالم لأن يزوروا بلدنا الإسلامي العزيز إيران في الفرص المناسبة للاطلاع على الوضع الحالي، حيث أن الإسلام والوحي هو أساس وجوهر كل القوانين فيه، وثم القضاء على مظاهر الكفر والشرك والمعاصي العلنية قدر المستطاع، وليقارنوا ذلك بالوضع السابق في ظل العهد الملكي الذي ساق البلاد إلى ركاب الغرب، وجعلها خالية من كل القيم الإسلامية، حيث كادت إيران تصبح قاعدة للقضاء على الإسلام ورسالته، وتفنى جميع مظاهر الإسلام من التاريخ وحتى الثقافة. 


ورغم كل نغمات الشؤوم التي تعالت من حلقوم الالتقاطيين واليمينيين واليساريين والقوميين في الايام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية والهادفة إلى الهيمنة على أذهان وقدرة الشعب الإيراني، إلاّ أن الله سبحانه وتعالى منّ علينا بكشف هذه المؤامرات، ونحن نواصل اليوم تطبيق القوانين والبرامج الإسلامية في الدولة ابتداءاً من الجبهة إلى مراكز البحوث العلمية والجامعات والحوزات، من مجالس التشريع وتدوين جميع المقررات المدنية والعسكرية والسلطة التنفيذية التي لها اليد الطولى في تسيير كل الشؤون الادارية والتنفيذية في هذا البلد الكبير الذي يخوض الحرب ويتعرض للمحاصرة بنفوسه التي تتجاوز الخمسين مليوناً، والسلطة القضائية التي تتحمل مسؤولية تنفيذ الحدود والأحكام الإلهية وهي في 
 
 
 
 
 
 
110

102

الروحانيون

 الحقيقة تتحمل مسؤولية توفير الأمن لأرواح وأعراض وأموال الناس والحفاظ على شخصية مجتمع ثوري إلى قيادة القوى العسكرية والأمن الداخلي التي تتولى مسؤولية الحفاظ على الأمن على الحدود وداخل البلد، واحباط مئات المؤامرات المختلفة والتي يتوجب عليها الوقوف بوجه جرائم المنافقين ومعارضي الثورة، ومحاربتها الفساد والمنكرات والسرقات وجرائم القتل ونشر المخدرات، كل ذلك يدار بقيادة العلماء الملتزمين وببركة أحكام الإسلام النوارنية والكتاب السماوي الذي جاء به محمد  صلى الله عليه وآله وسلم  وسيراً على نهج أئمة الهدى"عليهم السلام". 


ونحمد الله أننا استطعنا ـ بالاعتماد على آيات الكتاب المجيد ـ أن ننقذ بلادنا من التبعيات وطبيعي أن أمامنا طريقاً طويلاً للوصول إلى تطبيق تمام الأحكام الإسلامية في كافة مستويات وأصعدة المجتمع لكننا سنواصل طريقنا ومساعينا بعون من الله.

وفي العمل سنثبت لجميع اللاهثين وراء الشرق والغرب وأولئك الضالعين الذين يخشون طرح الشعار الإسلامي والاعتماد على القرآن الكريم، كيف يمكن إرواء المجتمع من ينابيع معرفة كتاب الله وهدى الإسلام العزيز، فكل تلك الأمور قد حصلت، ولله الحمد من بركات العلماء ودخولهم في معترك القضايا السياسية، واستنباط الأحكام في المسائل المستحدثة، إذ أن علماء الدين في إيران لم يكتفوا بالخطب والوعظ وذكر شؤون الساعة، بل أفلحوا بالتدخل في أهم الأمور السياسية للبلاد والعالم، وتجسيد قدرة إدارة علماء الإسلام، واتمام الحجّة على جميع الداعين إلى الصمت والمسالمين غير الملتزمين وبائعي العلم وغير العاملين. 
 
 
 
 
 
 
 
111

103

الروحانيون

 ومما يدعوا إلى الاستغراب هو أن الكثير من علماء الدول الإسلامية غافلون عن دورهم الكبير ورسائلهم الإلهية والتاريخية في هذا العصر الذي تتوق فيه البشرية للمعنوية والأحكام الإسلامية النيّرة ولم يدركوا ظمأ الشعوب، ولم يعلموا بلهفة وشغف المجتمعات البشرية لقيم الوحي، ولم يعطوا لقدرتهم ونفوذهم المعنوي أي شأن، واعتقدوه قليلاً. 


فبوسع علماء البلاد والخطباء وأئمة الجمعة والمفكرين الإسلاميين في هذه الظروف، التي يخيّم عليها زهو العلوم والحضارة المادية على الجيل المعاصر ـ أن يجعلوا ـ بالاتحاد والتلاحم والشعور بالمسؤولية والعمل بواجبهم المهم في توجيه وقيادة الجماهير ـ العالم في متناول سيادة القرآن ونفوذه وان يضعوا حداً لكل هذا الفساد واستعباد المسلمين واحتقارهم وان يحولوا دون تغلغل الشياطين الصغار والكبار ـ وخاصة أمريكا ـ في البلدان الإسلامية، وبدل كتابة واطلاق الترهات والكلمات المتفرقة، وكيل المديح والثناء على سلاطين الجور والظلم، والتسبب في تشاؤم المستضعفين من قضايا الإسلام، وبدل إيجاد النفاق في صفوف المسلمين، عليهم أن ينكبّوا على تحقيق الأحكام الإسلامية النيرة ونشرها وتعميمها، وان يحققوا العزة لهم، والكرامة للأمة المحمدية باستغلال بحر الشعوب الإسلامية الهائل، أوَ لم يكن عاراً على علماء الدول الإسلامية أن تطبّق أحكام وقوانين الكفر في البلاد الإسلامية التي تخضع لنفوذهم مع وجود القرآن الكريم والأحكام الإسلامية النيرة وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  والأئمة المعصومين "عليهم السلام" وأن تملى قرارات أصحاب القدرة والمال والتزييف  
 
 
 
 
 
 
112

104

الروحانيون

 وأعداء الإسلام الألداء، وأن يصدر منظرو سياسة الكرملن أو واشنطن التعليمات إلى البلاد الإسلامية؟ 


إن على علماء الدول الإسلامية أن يبحثوا ويتشاوروا ويتبادلوا وجهات النظر فيما بينهم لحل مشاكل المسلمين ومعضلاتهم والانعتاق من هيمنة حكومات الجور وسيطرتها، وان يجعلوا من صدورهم حفظاً لمصالح الإسلام، ودرعاً أمام الهجمة الثقافية الشرقية والغربية المبتذلة التي تؤدي إلى إبادة الحرث والنسل، وأن ينبهوا شعوب بلدانهم بالآثار السيئة والنتائج المترتبة على الضياع أمام مغريات الشرق والغرب، ويحذّروا الشعوب والحكومات من خطر الاستعمار الجديد وشيطنة الدول الكبرى التي أثارت الحروب على المسلمين في العالم. 

إنني اؤكد مرة أخرى بأن عملنا اليوم توّاق للحقائق والأحكام الإسلامية النيرة، وقد تمت الحجة الإلهية على كافة العلماء، ذلك انه حينما بلغ اندفاع شباب الدول الإسلامية ذروته دفاعاً عن مقدساتهم الدينية بطلبهم الشهادة واستقبالهم برحابة صدر المآسي والاعتقالات وأعمال التعذيب وألقوا بأنفسهم في بحر الأخطار لطرد المعتدين، كمسلمي حزب الله لبنان والدول الأخرى الشجعان والمجاهدين الأعزاء الذين نهضوا للمقاومة والجهاد ضد المعتدين. 

فما أكبر من هذه الحجة، وما هي المعاذير للسكوت والمماشاة والقعود في البيت والتقية التي لا مبرر لها، وقد يفوت الأوان على علماء الإسلام الملتزمين إذا عملوا متأخرين، وبالطبع نحن ندرك ونشعر بوحدة بعض العلماء والملتزمين والمحاصرين في مدنهم وبلدانهم تحت وطأة الحرب وضغوط التهديدات والأحكام اللامشروعة لعلماء 
 
 
 
 
 
 
 
113

105

الروحانيون

 لسوء ووعاظ السلاطين، ولكن أعيد إلى أذهان أولئك الأعزاء الذين يرزحون تحت نيرة الجبابرة وضغوطهم، موعظة الله وهي ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا1

 
انهضوا من أجل الله، ولا تخشوا الانفراد والغربة، فالمساجد أفضل الخنادق، والجمعة والجماعة هي أنسب ساحة للتشكّل وبيان مصالح المسلمين. 
 
ورغم أن الحكومات وأزلام القوى الكبرى دخلوا اليوم حرباً جديةً مع المسلمين، وراحوا يرتكبون ـ كالحكومة الهندية ـ المجازر ضد المسلمين الأبرياء والعزل والأحرار، إلاّ أنهم لا يملكون القدرة والجرأة على إغلاق مساجد ومعابد المسلمين إلى الأبد، وإطفاء نور العشق والمعرفة للملايين من المسلمين المتلهفين. 
 
وإذا ما عطلوا المساجد والمراكز الدينية والسياسية لعلماء الإسلام بل وحتى لو علّقوا العلماء على أعواد المشانق في الملأ العام فإن ذلك سيكون دليلاً على مظلومية الإسلام، وسيؤدي إلى لفت انتباه المسلمين إلى علماء الدين، وتتبع خطاهم أكثر فأكثر. 
 
أوَ لم يقطع الله العهد على العلماء بأن لا يسكتوا أمام الظلم والظالمين والمجرمين؟ أوَ لم يكن العلماء حجة الأنبياء والمعصومين في الأرض؟ إذن، لابد للعلماء والمفكرين والباحثين أن يعينوا الإسلام ويخرجوه من الغربة التي ابتلي بها، وإلاّ يتحملوا الذل والخذلان أكثر من هذا، وان يحطموا سيادة الطغاة المفروضة، ويكشفوا عن 
 
 

1- سورة سبأ، الآية 46. 
 
 
 
 
 
 
114

106

الروحانيون

 شخصيتهم النيرة والمقتدرة ببصيرة وسياسة، وان يبعدوا في هذا الخضم المتلونين وأدعياء الإسلام وبائعي الدين بالدنيا وأصحاب القيل والقال عن أنفسهم، وعن كسوتهم، وألاّ يسمحوا لعلماء السوء والمتملقين الظلمة فرض أنفسهم على الشعوب محل الزعماء الروحيين للأمم الإسلامية، المنزلة والمكانة المعنوية لعلماء الإسلام، ويجب على علماء الإسلام الملتزمين أن يبينوا الخطر الكبير الداهم على المجتمعات الإسلامية من جانب علماء الزيف والسوء ووعاظ السلاطين، ذلك أن هؤلاء الضالين هم الذين يوجهون الحكومات الجائرة ومظالم الحكام العملاء، ويمنعون المظلومين من استيفاء حقوقهم المشروعة، ويصدرون عند الضرورة ـ الحكم بتفسيق وتكفير المجاهدين والداعين إلى الحرية في سبيل الله، ونسأل الله سبحانه أن ينقذ كل الشعوب الإسلامية من شرور وظلم هؤلاء الأدعياء وبائعي الدين، وإحدى القضايا المهمة جداً التي تقع على عاتق العلماء والفقهاء هي المواجهة الجدية مع ثقافتين اقتصاديتين ظالمتين ومنحطتين للشرق والغرب، ومكافحة السياسات الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية في المجتمع، رغم ابتلاء كافة شعوب العالم بها والتي فرضت عملياً العبودية الجديدة على جميع الشعوب، وإن غالبية المجتمعات البشرية قد ارتبطت في حياتها اليومية بأسياد القوة والمال، وحتى أن اتخاذ القرار حول شؤون الاقتصاد العالمي قد سلب منها، وإنها تعاني الفقر والفاقة رغم المصادر الطبيعية الهائلة والأراضي الخصبة الشاسعة والأنهر والبحار والغابات الواسعة والثروات الطائلة في العالم، إن الشيوعيين والرأسماليين وأصحاب الثروات قد انتزعوا زمام المبادرة والحق في 

 

 

 

 

115


107

الروحانيون

 العيش من عامة الشعوب بإقامة العلاقات الوثيقة مع الطامعين وأمسكوا فعلاً بعصب الاقتصاد العالمي بايجاد المراكز الاحتكارية المتعددة الجنسيات، وربطوا جميع طرق التصدير والتنقيب والتوزيع والعرض والطلب وحتى أعمال التسعير والصيرفة بأنفسهم واقنعوا الشرائح المحرومة، بتزريق افكارهم وأبحاثهم المصطنعة ـ على وجوب العيش تحت نفوذهم ـ وإلاّ فإنه لا سبيل للحفاة سوى العيش بفقر وفاقة، وهذه طبيعة الحياة والمجتمع البشري أن تحترق وتموت الأغلبية الساحقة من الجياع في حسرة رغيف خبز، في حين كانت تزهق أرواح آخرين بسبب التخمة والاسراف والتبذير، وعلى أي حال فهذه مأساة فرضها الطغاة على البشرية. 


إن الدول الإسلامية ـ وبسبب ضعف الادارة والتبعية ـ تعاني وضعاً مؤسفاً، مما يتطلب عرض مشاريع وبرامج بناءة تصون مصالح المحرومين والمسحوقين يقدمها علماء الإسلام والباحثون والخبراء المسلمون لإحلالها محل النظام الاقتصادي غير السليم المخيم على العالم، لكي تنجو دنيا المستضعفين والمسلمين من مأساة الفقر ومعاناته وبالطبع فإن تنفيذ اغراض الإسلام وأهدافه في العالم، سيما برامجه الاقتصادية ومواجهة الاقتصاد المريض للرأسمالية الغربية والاشتراكية الشرقية ـ لا يتيسر دون سيادة الإسلام الشاملة، وقد تتطلب عملية اجتثاث الجذور والآثار السيئة للبرامج غير الإسلامية فترة من الوقت بعد إقامة نظام العدل والحكومات الإسلامية مثلها في ذلك مثل جمهورية إيران الإسلامية، غير أن طرح المشاريع وتحديد اتجاه الاقتصاد الإسلامي نحو حفظ مصالح المحرومين، 
 
 
 
 
 
 
 
116

108

الروحانيون

 وتوسيع نطاق مساهمتهم الشاملة في هذا الأمر، وجهاد الإسلام ضد الجشعين تعتبر اكبر هدية وبشرى لانعتاق الإنسان من أسر الفقر والفاقة، وبيان هذه الحقيقة من أصحاب الأموال والجاه لا يتميزون بشيء، ولا يختلفون عن الفقراء، ولا يحظون بالأولوية مطلقاً في حكومة الإسلام، سيساعد على تفتق المواهب المكبوتة للحفاة وتنفتح طرق الرقي والازدهار أمامها. 


ولابد من ذكر هذا الأمر وهو أن لا يكون للأغنياء ـ بسبب تمكنهم المالي ـ نفوذ في الحكومة والقائمين بادارة البلد الإسلامي، أو أن يتفاخروا بأموالهم وثرواتهم، ويفرضوا أفكارهم ومطالبهم على الفقراء والمعوزين والكادحين، فهذا هو أكبر عامل للتعاون وإشراك الناس في الأمور، وانسياقهم نحو مكارم الأخلاق والقيم السامية، والابتعاد عن التملق. 

ولكي يتنبّه ذلك البعض من الأثرياء حتى لا يتصوروا بأن أموالهم وثرواتهم هي دلالة على اعتبارهم عند الله، وتقربهم إليه سبحانه وتعالى. 

إن خلاصة الكلام هو بيان هذه الواقعية وهي أن قيمة المرء في الحكومة الإسلامية هي لمن تكون تقواه أكثر من غيره، لا لمن تكون ثورته وماله وقوته أكثر، وإن كل المدراء والمعنيين والزعماء وعلماء الدين في نظام حكومة العدل مكلفون بإقامة العلاقة والصداقة والإخوة مع الحفاة أكثر منها مع المتمكنين والمرفهين، وإن الوقوف إلى جانب المعوزين والحفاة، والبقاء من مصافهم هو فخر كبير حظي به الأولياء، وينهي الشكوك والشبهات علمياً. 
 
 
 
 
 
 
117

109

الروحانيون

 ولله الحمد فإن أساس هذا التفكير وهذه الرؤية هو في طور التطبيق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما أن مسؤولينا المحترمين ورغم الحصار الاقتصادي الشديد، وقلة العائدات، فإنهم يصبّون جلّ مساعيهم من أجل تذليل الفقر وإزالته من المجتمع، وإن ما يتمناه شعبنا وحكومتنا ومسؤولونا هو القضاء على الفقر والآفة في مجتمعنا في يوم ما، وان يتمتع شعبنا العزيز والصابر والأبي بالرخاء في الحياة المادية والمعنوية. 


ونسأل من الله تعالى أن لا يأتي ذلك اليوم الذي تقوم فيه سياسة مسؤولينا في البلاد ـ لا قدر الله ـ على تناسي الدفاع عن المحرومين، والاهتمام بأصحاب رؤوس الأموال ودعمهم، وتمتع الأغنياء بالمزيد من الرعاية والاعتبار، فإن هذا الأمر ـ لا قدر الله حصوله يتنافى وسيرة ونهج الأنبياء وأمير المؤمنين والأئمة المعصومين "عليهم السلام" وإن علماء الدين منزهون من ذلك، ويجب أن يكونوا هكذا إلى الأبد. 

وهذه هي مفاخر وبركات بلادنا وثورتنا وعلمائنا الذين نهضوا لحماية الفقراء، وأحيوا شعار الذود عن حقوق المستضعفين وبما أن إزالة الحرمان هي عقيدتنا، وسبيل حياتنا فإن الطامعين لا يدعوننا وحالنا في هذا الشأن أيضاً، وابرزوا حقدهم وضغينتهم وخوفهم ورعبهم حيال هذه الحركة الجماهيرية والتاريخية، وأظهروها إلى حد قيامهم بآلاف المؤامرات السياسية والاقتصادية ضدنا، ومما لا ريب فيه انه بقدر ما يهاب الطغاة من لهفة شعبنا للشهادة وسائر قيمه الرفيعة، فإن الفزع ينتابهم أيضاً من روح الاقتصاد الإسلامي وميله 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

110

الروحانيون

 لحماية المحرومين، ومن المسلّم به انه كلما تحركت البلاد باندفاع أكثر نحو ازالة الفقر والدفاع عن المحرومين كلما انقطعت آمال الظالمين منا وتضاعفت توجهات شعوب العالم نحو الإسلام. 


وعلى العلماء الأعزاء أن ينتبهوا بعمق إلى هذا المبدأ وان يحفظوا لأنفسهم صفة "ملاذ المحرومين" هذه المفخرة التاريخية التي مضى عليها أكثر من ألف عام، إنني اوصي سائر المسؤولين وأبناء الشعب بألاّ يتجاهلوا ويتناسوا المحرومين وتوجههم المخلص للثورة، ودعمهم الكبير للإسلام، ويتركونهم دون خدمة وتقدير، ومن الواضح بالطبع أن أبناء شعبنا ـ بكافة الفئات والقطاعات ـ مساهمون وشركاء في الثورة، ودخلوا جميعاً الساحات في سبيل الله، ومن أجل أداء الواجب الإلهي، فالغاية هو الله ولن يلوّثوا أهدافهم وأمانيهم الإلهية السامية من أجل المسائل المادية، ولن تردعهم النقائص، ولن تبعدهم عن الساحة، لأن الذين يقدمون ارواحهم وأموالهم في سبيل الله لن تثنيهم البطون واللذات الدنيوية، إلاّ أن من واجب جميع المسؤولين خدمة هذا الشعب ونكون شركاء في سرّائه وضرائه فلا أظن انه يوجد عبادة أكبر من خدمة المحرومين. 

حقاً عندما أدى الحفاة والمحرومون والفئات ذات الدخل القليل من مجتمعنا الامتحان وتقيدوا بالأحكام الإسلامية إلى حد التضحية بعدد من اعزائهم وشبانهم وبذل كل ما لديهم، وكانوا متواجدين في جميع الساحات وسيكونون كذلك إن شاء الله، ويقدمون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، لماذا لا نفخر بخدمة عباد الله الخالصين والرجال الشجعان في تاريخ البشرية؟ 
 
 
 
 
 
 
119

111

الروحانيون

 نحن نقول مرة أخرى بأن شعرة واحدة من رأس هؤلاء الساكنين في الأكواخ، المنجبين للشهداء أشرف من جميع قصور العالم وساكنيها. 


إن آخر نقطة أقولها هنا وأؤكد عليها ـ بعد شكري للعلماء والحكومات الخدومة المدافعة عن المحرومين، هي مسألة العيش ببساطة والالتزام بالزهد بالنسبة للعلماء المسلمين الملتزمين وإنني بصفتي والداً كبير السن أطلب بتواضع من جميع أبنائي وأعزائي من علماء الدين أن لا يخرجوا من زيّهم الروحاني في وقت منّ الله فيه على العلماء الروحانيين، ومنحهم نعمة إدارة دولة كبيرة، والتبليغ لرسالة الأنبياء، وأن يجتنبوا الانجذاب نحو زخارف وأضواء الدنيا التي هي دون شأن علماء الدين، واعتبار نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وليحذروا لأنه لا توجد آفة أخطر من الاهتمام بالرفاه والسير على طريق الدنيا بالنسبة لعلماء الدين، ولله الحمد فإن علماء الإسلام الملتزمين قد أدوا امتحان زهدهم، ولكن قد يعمد أعداء الإسلام وأعداء علماء الدين بعد ذلك إلى تشويه سمعة هؤلاء ـ رافعي مشعل الهداية والنور ـ وتوجيه الضربة إليهم من خلال مسائل بسيطة ولن ينجحوا إن شاء الله. 

ضرورة المحافظة على الحياة البسيطة وزي الطلبة

كانوا في السابق يقولون للناس عن الروحاني الذي يتحدث في الأمور السياسية أن اتركوه فإنه سياسي، وبلا شك فإن هذا النوع من التفكير كان من شياطين الداخل والخارج، فهم أوجدوا عندنا اعتقاداً بأن على الروحاني أن يضع عباءته على رأسه ويذهب إلى المسجد 
 
 
 
 
 
 
 
120

112

الروحانيون

 ويصلي صلاته العادية فقط، ولم يكن يحق للروحاني التدخل في أمر. لكن الحقيقة أننا تابعون للرسول والأئمة"عليهم السلام" الذين كانوا يمسكون جميع الأمور بأيديهم فهم شكلوا حكومة وهدوا الناس، والحمد له فإن التدخل في الأمور السياسية لا يعتبر عيباً، ولكن احذروا فإن الجميع ينظرون اليكم، لذا حافظوا على زي أهل العلم الذي تريدونه. 


حافظوا على حياة البساطة كما كان العلماء السابقين، وكان طالب العلم والعالم الكبير في السابق يعيشون أدنى مستوى الحياة العادية للناس أو مثلهم، وحاولوا اليوم أن لا تتغير حياتكم عن زي العلماء، واعلموا أنكم سترفضون عاجلاً أم أجلاً فيما لو عشتم في يوم ما حياة فوق حياة الناس العاديين، فالناس سيقولون بأنهم كانوا يعيشون حياة الناس عندما لم يكونوا يملكون شيئاً والآن ابتعدوا عن الناس بسبب زيادة أموالهم ونفوذهم، يجب أن يكون الوضع كما في السابق، يجب أن نعيش بشكل لا يسموننا معه طاغوتيين. 

ليعلم الروحانيون أن العلم بدون اسم الرب ضلالة

لا تظنوا أيها السادة، السائرون في طريق الإسلام والعلم، والمتلبسون بلباس الإسلام ولباس الروحانيين، إن الدراسة تنفعكم بدون أن تكونوا باسم الرب، بل تضر أحياناً، ويؤدي العلم إلى الغرور في بعض الأحيان وينزلق الإنسان أحياناً عن الصراط المستقيم بواسطة العلم وإن الذين اختلقوا الأديان الكاذبة كان اكثرهم من أهل العلم، الذين يدعون إلى الحقيقة أيضاً كان أكثرهم من أهل العلم. 
 
 
 
 
 
 
 
121

113

الروحانيون

 فالانحراف كان منذ البداية لعدم اقتران العلم والقراءة باسم الرب، وكلما تقدموا في الطريق المنحرف، كلما ازداد الانحراف وابتعدوا عن الإنسانية أكثر فأكثر. 

 
قد يكون الإنسان فيلسوفاً أعظم، أو فقيهاً مكرماً بحسب نظر الناس ويعلم كل شيء، وصدره مستودع للمعلومات، لكنه ابتعد عن الصراط المستقيم أكثر من الآخرين لأن القراءة لم تكن باسم الرب وكلما كبر المستودع زاد زوره وزادت ظلمته ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ1

 
قد يكون العلم ظلاماً أحياناً وليس نوراً، ويكون العلم نوراً للهداية عندما يبدأ باسم الرب، ويكون العلم نافعاً عندما يُراد تعلمه حقاً، لكنه يصبح انحرافاً عندما يكون من أجل الحصول على المنصب أو من أجل أن يكون إماماً للجماعة، أو ليصعد المنبر، أو لكي يقبله عامة الناس... فهذه كلها انحرافات وكلها دقيقة، والصراط المستقيم كما يوصف فإنه أدق من الشعرة، فقد يقضي الإنسان عمره في الرياء دون أن يدري وتقوم جميع أعماله على الرياء دون أن يعلم بذلك، فالرياسة دقيقة للغاية حتى أن الإنسان نفسه لا يفهم ذلك. 
 
الفصل بين الروحاني والجامعي هو رغبة الأجانب
 
يجب أن يحترم الروحاني والجامعيون بعضهم البعض، وينبغي بالشباب الواعي في الجامعات أن يحترم العلماء والروحانيون، فالله 
 
 
 

1- سورة النور، الآية 40. 
 
 
 
 
 
 
 
122

114

الروحانيون

 تعالى جعل لهم مكانة خاصة، وأوصى أهل بيت الوحي الناس بهم. فالروحانيون هم قوة كبرى، وفي حالة فقدانهم ـ لا سمح الله ـ فإنه ستنهدم أعمدة الإسلام، وتبقى قوة العدو الجبارة دون معارض. 


توصل الأجانب المستعمرون ـ من خلال دراساتهم الدقيقة طوال التاريخ ـ إلى انه يجب هدم هذا السد، وأدت دعاياتهم الباطلة ودعايات عملائهم خلال بضع مئات من السنوات إلى فصل بعض المثقفين عنهم، واساءة الظن بهم حتى تبقى جبهة العدو دون معارض. 

إذا كنا نشاهد أحياناً بين العلماء من يفتقد للكفاءة لكنهم بشكل عام يخدمون الناس حسب اختلاف المواقف، وإن خدماتهم جعلت الشعب يتمسك بأصول الدين وفروعه، ويجب دعم هذه القدرة والمحافظة عليها رغم انف الأجانب وعملائهم، والنظر إليها باحترام، كما وينبغي بالروحانيين المحترمين النظر بعين الاحترام لطبقة الشباب المثقفين الذين هم في خدمة الإسلام والدولة الإسلامية وتعرضوا ـ لهذا السبب ـ لهجوم عملاء الأجانب، وأن يعتبروهم كأبناء بررة وأخوة أعزاء، ولا يضيعوا من أيديهم هذه القوة العظيمة التي ستكون مقدرات البلاد بيدها سواء شاؤا ذلك أم أبو وأن يجتنبوا تلك الدعايات الباطلة التي أطلقت عليهم خلال بضعة مئات السنوات فصوّرتهم بشكل آخر في عيون البعض حتى يستفيدوا قدر الامكان من التفرقة، وأن يُبعدوا عنهم أولئك الذين أرادوا فصل هذه الطبقة عن الروحانيين، سواء عن جهل أو عن سوء نية، وأن لا يسمحوا لهم بإيجاد الفرقة، ليطمئنوا بأن النظر حليفهم من خلال ضمّ هاتين القوتين الكبيرتين وبانفصالهما سوف لن يروا وجه النصر. 
 
 
 
 
 
 
 
123

115

الروحانيون

 ضرورة احترام الروحانيين في الساحة


أوصى علماء الدين المحترمين، لاسيما المراجع الموقرين، أن لا يعزلوا أنفسهم عن قضايا المجتمع، وخاصة عن قضايا مثل انتخاب رئيس الجمهورية ونواب المجلس، فلا يكون موقفهم موقف اللامبالاة تجاهها، فجميعكم شاهدتم، وجيل المستقبل سيسمع أن محترفي السياسية من أتباع أهل الشرق والغرب قد عزلوا العلماء الذين أسسوا بيان ثورة الدستور وتحملوا بسببها المشاق والآلام وإن العلماء قد خدعوا بألاعيب محترفي السياسة فاعتبروا التدخل في شؤون البلد والمسلمين لا يناسب مقامهم فأودعوا الساحة بأيدي المتغربين فأنزلوا بثورة الدستور، وبالدستور والإسلام ما يستلزم تلافي آثاره. 

الروحانيون والمسؤولية التنفيذية

إنني قلت هذا الكلام منذ البداية عندما كنا في هذه المسائل وعندما كانت آثار النصر تظهر تدريجياً، وفي لقاءاتي سواء مع الذين قدموا من الخارج أو حتى في النجف وباريس وفي كلماتي التي ألقيتها وهو أن للروحانيين عمل يسمو فوق هذه الأمور التنفيذية، وعندما ينتصر الإسلام فإن الروحانيين سيذهبون لممارسة أعمالهم ولكن عندما جئنا ونزلنا إلى الميدان وجدنا انه لو قلنا للروحانيين اذهبوا جميعاً إلى مساجدكم فإن أمريكا أو السوفيت سيبتلعون هذه البلاد. إننا جربنا وشاهدنا أن الذين كانوا على رأس الأمور ولم يكونوا من العلماء، ورغم تدين بعضهم ـ فإن مسيرتنا لم تكن منسجمة مع أذواقهم لأننا كنّا نريد سلوك طريق الاستقلال وبناء أنفسنا من خلال 
 
 
 
 
 
 
124

116

الروحانيون

 الخبز المصنوع من الشعير، وعدم الخضوع للقوى الكبرى، وعندما وجدنا أننا لا نستطيع العثور على أشخاص في جميع ألاماكن يعملون مائة بالمائة للهدف الذي ضحى من اجله الشعب بأمواله وشبانه، فاضطررنا للاذعان ليكون رئيس جمهوريتنا من العلماء ورئيس وزرائنا كذلك أيضاً. 

 
وكنّا قد قلنا في أماكن أخرى أننا لا نريد ذلك، والآن نقول بأن السيد الخامنئي1 سيذهب لممارسة عمله الروحاني العظيم والاشراف على الأمور، وكذلك بقية السادة بمجرد وجود مجموعة من الأفراد غير الروحانيين، لكنهم يديرون بلادهم بالشكل الذي يريده الباري تعالى، إننا في أي يوم نفهم الكلمة التي قلناها كانت اشتباهاً، وأن الصحيح أن نعمل بشكل آخر: فإننا نعلن ونقول بأننا اخطأنا، ويجب العمل هكذا، إننا نفكر بالمصالح ولا نبالي بقيمة وسمعة كلامنا، إننا عدلنا عن كلامنا الذي قلناه في المقابلات، ونقول بأن الروحانيين سوف يواصلون العمل مؤقتاً في المجال التنفيذي إلى ذلك الوقت الذي يمكن لغير الروحاني أن يدير البلاد فيسلّموه الأجهزة التنفيذية، ويعودون إلى مواقعهم السابقة وممارسة الإرشاد، وما دامت الأمور هكذا حيث يوجد إبهام أمامنا، ويوجد احتمال ولو بنسبة واحد في المليون أن يهدد الشخص الفلاني أو فئة معينة حيثية الإسلام، فإننا 
 
 
 

1- المقصود هو القائد الحالي للثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي، انتخبه مجلس الخبراء بالأكثرية الساحقة ليكون قائداً للثورة الإسلامية بعد وفاة الإمام الخميني "قده" وكان قبل ذلك قد أنهى دورتين من رئاسة الجمهورية الإسلامية.  
 
 
 
 
 
 
 
125

117

الروحانيون

 مكلفون بالوقوف بوجهه بمقدار قدرتنا على ذلك، فلينعتوننا بما يشاؤون، وليقولوا بأنه بلد الملالي وحكومة رجال الدين وغير ذلك. طبعاً هذه حرية لإخراجنا من الميدان، لكننا لن نترك الميدان. 


الروحانيون واصلاحات الأراضي

سؤال : قيل إن إصلاح الأراضي للملك ألحق ضربة بالروحانيين الذين يشكلون ثاني طبقة من ملاكي الأرض الكبار ( نيويورك تايمز 11ديسمبر) ويُعد هذا احد الأسباب التي جعلتكم تعارضون الملك، فهل هذا الموضوع صحيح؟ وما هي النسبة المئوية للأراضي الزراعية التي كان المتدينون يديرونها قبل سنة 1962؟ وهل أن المتدينين سيديرون الاراضي مرة أخرى بعد ذهاب الملك؟ وما هي الزراعة الحكومية التي سوف تؤيدونها؟ وهل أن مكننة الزراعة سيكون البديل للعمل باليد؟ ولو كان هكذا، فمن اين ستوفرون هذه المكائن الزراعية؟ 

جواب: بشكل عام، فإنه ليس هناك من واحد من الروحانيين المعارضين للملك من الملاكين الكبار حتى تشملهم إصلاحات الأراضي من الرعايا، لأن الملاكين لم يدفعوا الضرائب الإسلامية الخاصة بهم، وإن معارضتي وسائر العلماء للملك لم تكن لهذا السبب أبداً وهذه من الدعايات السيئة للملك والتي فقدت قابليتها في التأثير. 

هدفية طلب العدل لدى العلماء

علماء الإسلام مكلفون بمحاربة الدكتاتورية والاستفادة غير المشروعة للظالمين، وأن لا يسمحوا ببقاء عدد كبير من الناس 
 
 
 
 
 
 
 
126

118

الروحانيون

 جياعاً ومحرومين والى جانبهم يتنعم الظالمون الناهبون وآكلوا الحرام. 


فصل صف الروحانيين عن صف عبيد المال

إن علماء الإسلام الأصليين لم يخضعوا أبداً للرأسماليين وعبيد المال والخائنين، واحتفظوا بهذا الشرف لأنفسهم، وهذا ظلم كبير أن يقول احد بأن يد الراسماليين هي في يد الروحانيين الأصليين المؤيدين للإسلام المحمدي الأصيل. 

وظيفة الروحانيين المسيحيين

إن وظيفة المبعوثين الإلهيين في هذه الدنيا هي نقل البشر من هذا العالم إلى عالم أسمى، وتوجد وظيفة لجميع روحانيي الشعوب سواء الروحانيين المسيحيين أو المسلمين أو اليهود، جميع الروحانيين، وهي أن يتبعوا الأنبياء تماماً في كل شيء فالأنبياء جاؤوا لتربية البشر ونشر الأمن والمودة بين جميع البشر. 

والروحانيون هم في المرتبة الأولى لتحقيق هدف الأنبياء والذي هو الوحي الإلهي نفسه. فللروحانيين وظيفة إلهية هي أسمى من جميع وظائف سائر الناس، إن عليهم مسؤولية إلهية، إنهم مسؤولون أمام الأنبياء وأمام الله تبارك وتعالى بإيصال تعليمات الأنبياء إلى الناس والأخذ بأيدي الناس وإنقاذها من مشاكلها، فأهل الدنيا اليوم مبتلون بالقوى الكبرى والقوى الشيطانية التي وقفت أمام الأنبياء ولا تسمح بتحقق تعاليمهم، وللروحانيين المسيحيين خصوصية كبيرة وهي أن 
 
 
 
 
 
 
 
127

119

الروحانيون

 القوى الكبرى مسيحية، أنها تدعي المسيحية، وتعمل خلافاً لتعليمات الله تبارك وتعالى التي علمها لجميع الأنبياء وخلافاً لتعليمات عيسى المسيح، وواجب الروحانيون المسيحيون أن يحاربوا معنوياً هذه القوى الكبرى التي تتصرف خلافاتً للأنبياء وخلافاً للمسيح وذلك طبقاً لتعاليم المسيح، وأوامر الخالق العظيم، وأن يقوموا بإرشاد الشعب المسيحي وتوجيهه لكي يكفّ عن أتباع هذه القوى التي تعارض المسيح. 

 

 

 

 

 

128


120

الحوزات العلمية

 الحوزات العلمية 

 
دور الحوزات العلمية في الحفاظ على الإسلام
 
لا يوجد شك أن الحوزات العلمية والعلماء والملتزمين كانوا على طول التاريخ الإسلامي الشيعي أهم قاعدة قوية للإسلام في الوقوف أمام الهجمات والانحرافات، وبذل علماء الإسلام الكبار جهدهم طوال حياتهم للترويج لمسائل الحلال والحرام الإلهية دون أي تدخل أو تصرف. 
 
ولولا الفقهاء الأعزاء، لما كنا ندري ما هي العلوم التي كانت تقدم اليوم لعامة الناس تحت عنوان القرآن والإسلام وأهل البيت "عليهم السلام". 
 
إن جميع علوم القرآن وجمع أحاديث النبي الأعظم وآثاره وسنة المعصومين عليهم السلام والمحافظة عليها وتدوينها وتبويبها وتنقيحها لم يكن عملاً سهلاً في ظروف كانت الامكانات قليلة وكان السلاطين الظالمون يعملون كل ما في وسعهم لمحو آثار الرسالة، والحمد لله فإننا نشاهد اليوم نتيجة تلك الجهود في آثار وكتب مباركة كالكتب الأربعة1 مثلاً، 
 
 

1- الكتب الأربعة هي مصادر حديث معتبرة عند المسلمين الشيعة، وهي : الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، ومن لا يحضره الفقيه، لمحمد بن بابويه القمي الصدوق، والاستبطار فيما اختلف من الاخبار لمحمد بن حسن الطوسي، وتهذيب الأحكام في شرح المقنعة لمحمد بن حسن الطوسي. 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

121

الحوزات العلمية

 والكتب الأخرى للمتقدمين والمتأخرين في الفقه والفلسفة والرياضيات والنجوم والأصول والكلام والحديث والرجال والتفسير والآداب والعرفان واللغة وتمام فروع العلوم المتنوعة، ولو أننا لم نطلق كلمة جهاد في سبيل الله على كل هذه الأتعاب والجهود فماذا يجب أن نسميها؟ 


فالحديث يطول لو أردنا أن نذكر الخدمات العلمية للحوزات العلمية مما لا يسعه هذا المختصر، والحمد لله فإن الحوزات غنية من جهة المنابع وأساليب البحث والاجتهاد وتملك أساليب مبتكرة، ولا اعتقد بوجود أسلوب أفضل من طريقة علماء السلف في الدراسة العميقة والشاملة للعلوم الإسلامية، ويشهد تاريخ أكثر من ألف سنة في مجال التحقيق والتتبع لعلماء الإسلام الحقيقيين على ادعائنا هذا في سبيل نمو شجرة الإسلام المقدسة. 

ضرورة إيجاد النظم، ومنع نفوذ المتشبّهين بالروحانيين

وصيتي للحوزات العلمية المقدسة هي ما ذكّرت به مراراً وهي انه في هذا العصر الذي عقد أعداء الإسلام والجمهورية الإسلامية العزم على استئصال الإسلام ساعين لتحقيق هذا الهدف الشيطاني بكل وسيلة ممكنة، وإحدى وسائلهم المؤثرة في تحقيق نواياهم المشؤومة والخطرة للغاية على الإسلام والحوزات الإسلامية، هي اعداد أفراد منحرفين جناة للتسلسل إلى الحوزات العلمية، والخطر الكبير لهذا التوغل على المدى القريب تشويه صورة الحوزات العلمية بأعمال المتسللين غير اللائقة، وأخلاقهم وسلوكياتهم المنحرفة، والخطر الأكبر 
 
 
 
 
 
 
 
130
 

122

الحوزات العلمية

 لهذا التسلل على المدى البعيد، هو وصول واحد أو بعض الدجالين إلى المقامات العليا في الحوزات باطلاعهم على العلوم الإسلامية وتكوين موقع اجتماعي لأنفسهم بين الجماهير، واستغلال حسن ظن طيبي القلب واستجلاب مودتهم ليكونوا مصدر توجيه الضربات القاصمة في الوقت اللازم للحوزات الإسلامية والإسلام العزيز والبلد. 

 
ونعلم، أن القوى الكبرى الناهبة احتياطياً في المجتمعات من أفراده بعناوين شتى من الوطنيين والمثقفين الزائفين المتلبسين بزي العلماء الذين لو سنحت لهم الفرصة لكانوا اشد خطراً وإضراراً في المجتمع، أمثال هؤلاء يعيشون بين الشعب متحملين بصبر مشقة الاستمرار ثلاثين أو أربعين سنة في التظاهر بسلوك إسلامي وقدسية وقومية فارسية1 ووطنية وأقنعة أخرى لتنفيذ مهمتهم في الوقت المناسب، وقد شاهد أبناء شعبنا العزيز في الفترة القصيرة التي تلت انتصار الثورة الإسلامية، نماذج لذلك كمجاهدي الشعب وفدائيي الشعب2 
 
 
 

1- هي حركة وطنية إيرانية تعتمد على القومية الوطنية والعنصرية، عوضاً عن المعتقدات والقيم الإنسانية. 
2- مقاتلوا فدائيي الشعب الإيراني، هي مجموعة ماركسية كانت معروفة في إيران، قامت هذه المجموعة بحركات سياسية وأعمال إرهابية ضد الثورة الإسلامية، هذه المجموعة تأسست عام 1966م، أسسها مجموعة من الطلاب الماركسيين والذين انتقلوا تدريجياً من الماركسية الارثذوكسية إلى المادية، ورغم العمليات التي نفذتها هذه المجموعة ضج المسؤولين في نظام الملك فإن المنزلة الاجتماعية لهذه المجموعة بين الطلاب الوطنيين واليساريين في الجامعات بقيت محدودة، ولم يتمكنوا من إيجاد أية قاعدة لهم بين الجماهير، البرنامج السياسي لهذه المجموعة هو إقامة نظام اشتراكي في إيران بشكل فوري، دون المرور بمراحل تغيير، لكنها سرعان ما تفككت إلى عدة فروع مختلفة، وجاءت الازمة العالمية للماركسية والاتحاد السوفياتي لتترك آثاراً سلبية كبيرة على هذه المجموعة ودفعها إلى التحرك السياسي الانفعالي. 
 
 
 
 
 
 
 
131

123

الحوزات العلمية

 والشيوعيين1 وغيرهم ويجب على الجميع أن يحبطوا بيقظة هذا القسم من المؤامرة. ويتأكد هذا الواجب أكثر من الجميع على الحوزات العلمية، وتقع مسؤولية تطهير وتنظيم هذه الحوزات على الأساتذة الموقرين والأفاضل ذوي السابقة الحسنة، بتأييد من مراجع كل عصر، ولعل مقولة (إن نظم الحوزة في عدم نظمها) هي من الايحاءات المشؤومة لنفس المتآمرين ومخططي المؤامرة. 

 
على أي حال فوصيتي هي أن المبادرة في تنظيم الحوزات ضرورة واجبة في كافة العصور، وفي هذا العصر بالذات حيث تسارع واشتداد المؤامرات وتنفيذ المخططات. 
 
 
 

1- حزب توده احد اقدم وأشهر المنظمات الماركسية اللينبينة في إيران الحزب الشيوعي الإيراني تأسس عام 1920م وقد تعرّض للإبادة على يد الملك لكن بقاياه في العام 1942م بدأوا اعمالهم تحت اسم "حزب توده" أي حزب الجماهير، هذا الحزب كان مرتبطاً بمنظمة الأمن السوفيتي KGB طوال حياته السياسية، لذلك كانت مواقفه دوماً تؤمن مصالح السوفييت وتفضلها على مصلحة إيران فاشتهر بين المجتمع الإيراني بـ "باعة الوطن". من أهم مواقفه تلك تأييده للاحتلال الروسي لأذربيجان وكردستان الإيرانيين، واقتطاع هاتين المنطقتين من جسد الوطن لحساب المعتدي، إضافة إلى تأييده اعطاء امتياز نفط شمال إيران للإتحاد السوفياتي. بعد الحركة الانقلابية في 19ـ 8 ـ 1953م واستمرار سلطة محمد رضا شاه توقف نشاط هذا الحزب داخل البلاد، وحتى انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م كان أعضاء اللجنة المركزية للحزب يعيشون في مدينة لايبزيك في المانية الشرقية، ومع انتصار الثورة الإسلامية وإطلاق الحريات السياسية عاد هذا الحزب إلى مزاولة نشاطه كسائر الأحزاب الأخرى لكنه رغم جهوده واعلامه الواسع لم يتمكن من كسب قاعدة شعبية له بسبب عقيدته الالحادية وأساليبه المنافقة، وفي العام 1982م انكشف أمر علاقته التجسسية لصالح منظمة الأمن السوفياتي KGB وجهاز الأمن العسكري السوفيتي GRU تم اعتقال اللجنة المركزية للحزب والقضاء على الشبكات السرية له. 
 
 
 
 
 
 
 
132

124

الحوزات العلمية

 ويتحتم على العلماء الأساتذة والأفاضل الأجلاء أن يخصصوا وقتاً لدرء الأضرار وفق برنامج دقيق ومدروس عن الحوزات العلمية لاسيما حوزة قم العلمية وسائر الحوزات الكبرى والمهمة في هذا الظرف بالذات، وعلى العلماء والاساتذة وسائر الحوزات الكبرى والمهمة في هذا الطرف بالذات، وعلى العلماء والاساتذة الموقّرين أن لا يسمحوا بالانحراف عن طريقة المشايخ العظام، في الدروس والمباحث الفقهية والاصولية، فهي الطريقة الوحيدة لحفظ الفقه الإسلامي، وان يسعوا دائماً لإتراثه بالمزيد من الدقة والبحوث والآراء والإبداع والتحقيق ويحفظوا الفقه التقليدي1 وهو إرث السلف الصالح الذي يؤدي الانحراف عنه إلى إضعاف دعائم التحقيق والتدقيق، فلتضف التحقيقات إلى التحقيقات. 

 
وطبيعي انه ستُعد خطط في الفروع الأخرى من العلوم بما يتناسب مع احتياجات الدولة والإسلام، ويجب إعداد رجال في هذه الفروع، ومن أهم وأسمى العلوم التي يجب تعميم تدريسها ودراسته هي العلوم المعنوية الإسلامية كعلم الأخلاق وتهذيب النفس، والسير والسلوك إلى الله ـ رزقنا الله وإياكم ذلك ـ فهي الجهاد الأكبر. 
 
أسلوب الدراسة ومحتوى الحوزات
 
أما بشأن أسلوب الدراسة والتحقيق في الحوزات، فإنني اعتقد 
 
 
 

1- الفقه التقليدي هو اسلوب لاستنباط الأحكام الشرعية من المصادر المعتبرة والمنابع الفقهية، وقد اتبع هذا الأسلوب علماء المسلمين الشيعة منذ عهد الرسول الأعظم"ص" وحتى يومنا هذا. البعض يعتبر هذا الأسلوب يقابل الفقه المتحرك لكن الإمام الخميني يعتبر أن الققه المتحرك هو وليد دور الزمان والمكان في الاجتهاد وإنه يسير بشكل موازٍ للفقه التقليدي بل ويتحكم بنتائجه أيضاً. 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

125

الحوزات العلمية

 بالفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري1 ولا أجيز التخلف عن ذلك، فالاجتهاد صحيح على ذلك النمط، ولكن هذا لا يعني أن الفقه الإسلامي ليس غنياً ولا خلاقاً، إذ أن الزمان والمكان عنصرين مهمين في الاجتهاد، ولو كان لمسألة حكماً معيناً في السابق فبحسب الظاهر قد تكون هي نفسها ضمن العلاقات المتحكمة بسياسة واجتماع واقتصاد نظام معين، ويكون لهما حكماً جديداً، بهذا المعنى وهو انه من خلال المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لنفس الموضوع الأول الذي لا يختلف ظاهراً عن القديم يغدو واقعاً موضوعاً جديداً يتطلب قهراً حكماً جديداً، يجب على المجتهد أن يحيط بمسائل زمانه فلا يقبل الشعب ولا الشباب ولا حتى العوام من الناس أن يقول مجتهدهم ومرجعهم بأنني لا ابدي وجهة نظري في المسائل السياسية، ومن خصوصيات المجتهد الجامع العلم بأساليب مواجهة حيل وأكاذيب الثقافة الحاكمة على العالم، وامتلاك بصيرة ونظرة اقتصادية والإطلاع على كيفية مواجهة الاقتصاد الحاكم على العالم، والتعرف على السياسات وحتى السياسيين والمعادلات التي يملونها، وإدراك موقع ونقاط القوة الضعف لكلا القطبين الرأسمالي والشيوعي واللذان يرسمان في الحقيقة الاستراتيجية المتحكمة بالعالم، يجب على المجتهد أن يمتلك نباهة وذكاء وفراسة هداية 

 
 

1- الإمام الخميني "قده" يعتقد أن أسلوب استنباط الأحكام الشرعية يجب أن يكون نفس الأسلوب الذي اتبعه علماء الفقه العظام، ومن جملتهم الشيخ محمد حسن صاحب الكتاب القيّم "جواهر الكلام" كما أشار في خطب أخرى إلى اسلوب الشيخ الأنصاري. 
 
 
 
 
 
 
 
134

126

الحوزات العلمية

 مجتمع إسلامي، كبير وحتى غير الإسلامي، وان يكون مديراً ومدبراً بشكل حقيقي إضافة إلى اخلاصه وتقواه وزهده التي هي في مستوى شأن المجتهد، والحكومة في نظر المجتهد الواقعي هي عبارة عن الفلسفة العلمية لتمام الفقه في جميع زوايا الحياة البشرية والحكومة هي مظهر الجنبة العلمية للفقه في تعامله مع جميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية، والفقه هو النظرية الواقعية الكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد.


وصية إلى طلاب وشورى إدارة الحوزة العلمية في قم

السلام عليكم أيها الأعزاء والدعاء لكم، إن جهودكم أيها الأعزاء لا تخفى على احد، وإن شاء الله تكونون من خلال مساعدة جميع العاملين في الحوزة قادرين على الإجابة على أسئلة العالم الإسلامي. 

يجب أن لا تنسوا عدم تخطي الأركان المحكمة للفقه والأصول المتبعة في الحوزات بأي شكل من الاشكال. 

وطبعاً فإنه ينبغي الاستفادة من محاسن الأساليب الجديدة والعلوم التي تحتاج إليها الحوزات العلمية إلى جانب الترويج للاجتهاد الجواهري بشكل مُحكم وثابت. 

ومرة أخرى أقول لأبنائي الصالحين والثوريين أن شورى إدارة الحوزة العلمية في قم تنال تأييدي، فاجتنبوا التطرف والتشدد إذ انه يؤدي إلى فشلكم، يجب على الطلاب الشباب أن يساندوا الأساتذة المحترمين في الحوزة والذين هم في خدمة الثورة والإسلام والعلوم الإسلامية حتى يمكنهم تحقيق الأهداف المهمة للتربية والتعليم، وان 
 
 
 
 
 
 
 
135

127

الحوزات العلمية

 يلتفت أعضاء شورى الإدارة والأساتذة الأعزاء إلى انه سوف لا يمكنهم تحقيق ايّاً من مطالبهم المشروعة بدون الطلبة الثوريين فالطلاب التربيون والمجاهدون هم طلائع ثورتنا الإسلامية الأصيلة. 


ويعود سبب هذا الوجه الدامي والمشرق لفيضانات إيران في العالم الإسلامي إلى السجون والتعذيب الذي تعرض له هؤلاء الأعزة. 

يجب أن تلتفتوا إلى هذه المسألة وهي أن شورى إدارة الحوزة العلمية في قم تطمح بأن لا يواجه الطلاب أية مشاكل في مجال تعلم العلم، وفي حال وجود بعض المشاكل فإن ذلك فوق حدّ استطاعتهم. فالذين لا يدخلون مجال العلم هم الذين يطلقون الشعارات دوماً. 

ادعوا الباري جل وعلا أن يوفق السادة وجنود العلوم الإسلامية. 

ضرورة التهذيب في الحوزات

لو اقتصرت الحوزات العلمية القديمة على العلم فقط دون التهذيب والأخلاق والتربية المعنوية، فإنها ستُخرَّج من سيكون على يديه هلاك الدنيا ودمارها. 

رسالة الحوزات

إننا بحاجة إلى آلاف القضاة والمبلغين حيث يجب على الأكابر والعلماء والمدرسين وفضلاء الحوزات في أنحاء البلاد ـ خاصة قم ومشهد والمدن الكبيرة ـ أن يبذلوا هممهم لتربيتهم، إذ تحتاج البلاد في جميع أنحائها إلى القضاة والمبلغين وتزداد الحاجة إلى القضاة والمبلغين وتزداد الحاجة يوميا. ويجب على الحوزات العلمية أن تهتم بهذا الموضوع وتبذل جهدها، وتنهض من أجل 
 
 
 
 
 
 
 
136

128

الحوزات العلمية

 تحقيقه، وطبعاً فقد بدأ هذا العمل في قم بفضل همة الفضلاء والمدرسين المحترمين، ولكن بسبب أن حجم العمل كبير فإنه يجب على الحوزة أن تضاعف تعليماتها حتى تسد النقص إن شاء الله خلال بضعة سنوات قادمة. 


من الأمور المهمة التي كانت مورد اهتمام علماء الحوزة العلمية في قم المقدسة ولكن دون أن يُمارس بشأنه أي عمل ايجابي هو إيجاد النظم والانضباط في الحوزات، حيث يجب أن تكون البداية من الحوزة العلمية في قم ـ وأن يقام ذلك بجد وبشكل أصولي اساسي، وطبعاً فإن هنا يُعتبر من أهم الوظائف الشرعية، حيث تقع المسؤولية على الجميع خاصة الفضلاء والعلماء والمدرسين، وذلك لحفظ الحوزات من دخول العناصر المنحرفة عقائدياً وعملياً، وإن تحقيقه يتطلب مساعدة الجمع وتأييد المراجع العظام. 

وفي هذا الزمن حيث للحوزات العلمية والروحانيون العظام دور كبير جداً في تحقيق الأهداف الإسلامية وتثبيت الجمهورية الإسلامية فلا يوجد شك أن المقتدرين وطلاب السلطة لن يجلسوا دون عمل، بل يبذلون جهدهم من أجل إضعاف هذه القدرة الفعالة، وهذا لا يتحقق لهم إلاّ من خلال إرسال عناصرهم الفاسدة للتغلغل داخل الحوزات وافسادها من الداخل وتجميد عمل هذه الظاهرة الإلهية، وقيامهم تدريجياً ـ لا سمح الله ـ بزرع الياس في قلوب أبناء الشعب تجاه الحوزات والاعراض عنها، وكلنا نعلم أن الحوزات إذا كانت قاصرة، لا سمح الله عن تربية الفقهاء والعلماء والخطباء المؤثرين في الناس، وكانت تفتقد للبرنامج الصحيح والضوابط الإسلامية وسيطرت عليها 
 
 
 
 
 
 
137

129

الحوزات العلمية

 الفوضى فيجب على الجميع انتظار مصيبة فشل الجمهورية الإسلامية والإسلام العظيم. ولو لم يبذل الجميع هممهم لمنع مصدر الفساد في هذا اليوم، فإنه لا يمكن تحقيق ذلك غداً أو في المستقبل بل قد نصل إلى مرحلة يعجز فيها الجميع عن تحقيق ذلك. 


ليس صحيحاً أن نقارن بين حوزات اليوم وبينما كانت عليه قبل الثورة حيث كان الروحانيون معزولين عن السياسة وإبداء الرأي في امور البلاد بسبب الدعايات والضغوط. 

والقصور في الفهم، وقد يعارض بعض هؤلاء القاصرين في الفهم هذا الأمر المهم ويتشبثون بذلك من خلال توهماتهم الشيطانية ومقولة أن "نظم الحوزة في عدم نظمها" بيد أن هؤلاء لسوا سوى أقلية، وإن الطبقة الكبيرة للعلماء المفكرين والملتفتين للقضايا وآثارها يفكرون في هذا الأمر، واخيراً فكما أن التطهير ضروري في مؤسسات الدولة ـ سواء المؤسسات المدنية أو العسكرية ـ فإنه أكثر أهمية في الحوزات والجامعات التي تسير مع الحوزات ففيهما امتيازات خاصة بهما، ويمكن من خلال تطهير هاتين القاعدتين الاسلاميتين والوطنيتين فسح المجال أمام نمو وترقي محتوى الجمهورية الإسلامية، وبانحرافهما ستنحرف الثورة والجمهورية عن مسيرها الأصلي. 

ضرورة اهتمام الحوزات بشمولية الإسلام

إن الإسلام له ابعاده المختلفة بحسب الأبعاد التي للإنسان، لقد جاء الإسلام من أجل الإنسان من أجل بناء الإنسان، القرآن كتاب تربية الإنسان، وإن للقرآن أبعاد مختلفة بحسب الأبعاد التي للإنسان، كذلك 
 
 
 
 
 
 
 
138

130

الحوزات العلمية

 يجب على العلماء أن يمتلكوا أبعاداً مختلفة في التعليم حسب ابعاد الإسلام وابعاد الإنسان، وطبعاً فإن شخصاً واحداً لا يمكنه بالطبع أن يتكفل جميع هذه الأبعاد، لكن تتمكن الحوزة العلمية المؤلفة من عشرة آلاف شخص أو الحوزات العلمية المؤلفة مثلاً من ثلاثين ألف شخص، أن تكون شكل مجموعات تتصدى كل مجموعة لادارة بعد معين، فواحدة تهتم بالجهات العقلية، والأخرى بالجهات السياسية والثالثة في مجال آخر، وكل هذه الجهات والجوانب موجودة في الإسلام، ويجب أن تكون الحوزات كذلك، وتستعد لذلك، وان تكون في الحوزات ابعاد مختلفة واشخاص عديدون لهداية الناس مثلما أن الإسلام فيه ابعاد مختلفة. 


يجب على الحوزات أن تدّرس سائر علوم الإسلام في أبعاده المختلفة مثلما تعلم الفقه وانحائه المختلفة وذلك حتى تُخرج اشخاصاً يقومون بهداية الناس وإرشادهم. 

ضرورة استمرار سُنّة السلف الصالح في الحوزات

من الأمور المهمة التي اشعر بالقلق إزاءها هي مسائل الحوزات العلمية وخاصة الحوزات الكبيرة مثل الحوزة المقدسة في قم، يجب على العلماء والاعلام والمدرسين المحترمين، الذين يريدون الخير للإسلام والبلدان الإسلامية، أن ينتبهوا بجدٍ خوفاً من أن تؤدي بهم التشريفات والاهتمام بالمباني العديدة من أجل أهداف الإسلام السياسية والاجتماعية، إلى الغفلة عن المسألة المهمة في الحوزات وهي الاشتغال بالعلوم الإسلامية الشائعة خاصة الفقه ومقدماته
 
 
 
 
 
 
 
139

131

الحوزات العلمية

 بالشكل التقليدي، وان لا يؤدي الاشتغال بالمباديء والمقدمات إلى الغفلة ـ لا سمح الله ـ عن الغاية الأصلية أي المحافظة على تحقيقات العلوم الإسلامية وتنميتها وخاصة الفقه على طريقة السلف الصالح وكبار المشايخ كـ "شيخ الطائفة"1 وأمثاله رضوان الله تعالى عليهم والمتأخرين كـ "صاحب الجواهر "2 والشيخ الكبير "الأنصاري"3 رضوان الله تعالى عليهم. فلو فقد الإسلام ـ لا سمح الله ـ كل شيء ولكن بقى 

 
 

1- هو أبو جعفر محمد بن حسن الطوسي (385ـ460) والملقّب "شيخ الطائفة" ومن كبار علماء العالم الإسلامي،الطوسي هو رئيس الفقهاء في عصره، وكان ذو باع طويل في الأدب وعلم الرجال والتفسير والحديث أساتذته الشيخ المفيد، السيد المرتضى، ابن الغضائري، ابن عبدون. من مؤلفاته الشهيرة في الحديث "الاستبصار والتهذيب" الذي يعتبر من الكتب الأربعة عند الإمامية و"النهاية والخلاف في الفقه" و"المبسوط" في فروع الفقه و"الفهرست" في الرجال وأخبار معرفة الرجال و "عدة الأصول " و"الغيبة" و"التبيان" في تفسير القرآن، و"تلخيص الشافي، ومصابح المجتهد وبعد أن احرق المغول مكتبته في بغداد وهاجر إلى النجف الاشرف واسس فيها الحوزة العلمية. 
2- هو الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بصاحب الجواهر (توفي عام 1266) وكان من عظماء فقهاء الإمامية، ومرجع تقليد للشيعة، اشتهر باسم "صاحب الجواهر" وذلك بسبب كتابه القيم "جواهر الكلام" الذي حوى مواضيع ومسائل فقهية. 
3- الشيخ مرتضى الأنصاري (1214ـ1281) الملقب ب" "خاتم الفقهاء والمجتهدين ـ وهو من احفاد "جابر بن عبد الله الأنصاري" الذي كان من أصحاب الرسول "ص" الشيخ الأنصاري كان من نوابغ علم الأصول،وقد أوجد تحوّلاً كبيراً في هذا الفن، وما زالت أراؤه ونظرياته ومؤلفاته محلاً للبحث والتدريس ومحل اهتمام علماء الفقه الكبار، وقد كتب شروح وحواشي كثيرة على كتبه، من أساتذته الشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ علي كاشف الغطاء، والملا احد النراقي، والسيد محمد المجاهد ومن تلامذته تخرج جملة من الفقهاء الكبار منهم: الآخوند الخراساني والميرزا الشيرازي، والميرزا محمد حسن الاشتياني ومن أهم مؤلفاته : الرسائل والمكاسب والطهارة.  
 
 
 
 
 
 
 
140

132

الحوزات العلمية

 فقهه على الطريقة الموروثة من الفقهاء الكبار فإنه سيتابع مواصلة طريقه، إما إذا حصل على كل شيء، وفقد فقهه على طريقة السلف الصالح، فإنه يكون عاجزاً عن مواصلة طريق الحق، وينتهى به الأمر إلى الفساد، ومع إننا نعلم أنا لمراجع العظام والعلماء الإعلام والمدرسين الأفاضل دامت بركات وجودهم ملتفتون إلى هذا الأمر، لكننا نخشى في حال سيطرة التشريفات والزخارف الشبيهة بالقطب المادي أن تثر في الاجيال القادمة، وان يصب الحوزات ـ لا سمح الله ـ ما نحذر منه. يجب على المتصدين لهذه الأمور والمهتمين بها الحذر ومنع الأفراط والعمل ما في وسعهم من أجل خدمة الحوزات العلمية وخدمة الإسلام والعلوم الإسلامية ومراعاة حد الوسط في الأعمال، والامتناع عن الافراط والتفريط، ادعو الباري جل وعلا التوفيق للجميع لخدمة العلم والعلماء والإسلام والشعب. 

 

 

 

 

141


133

الفن والتسلية السليمة

 الفن والتسلية السليمة 


الفن الذي يقبل به الإسلام

إن الدماء الطاهرة لمئات الفنانين الصالحين التي أريقت في جبهات العشق والشهادة والشرف والعزة... هذه الدماء هي رصيد وعامل خلود فن هؤلاء، وحريّ بفن وأدب كهذا أن يعطر على الدوام أرواح التواقين للجمال، الساعين لجمال الحق منسجماً مع عظمة وجمال الثورة الإسلامية.  

إن الفن الوحيد الذي يحظى بالقبول القرآني هو ذلك الفن الكاشف عن حقيقة الإسلام المحمدي الأصيل، إسلام أئمة الهدى "عليهم السلام" إسلام الفقراء والبؤساء، إسلام الحفاة، إسلام المضطهدين على طول التاريخ المرير والمخجل. 

إن الفن الجميل النقي، هو الفن الذي يكون صاعقة مدمرة للرأسماليين والشيوعيين مصامي الدماء، وهو الفن المحطم للإسلام الترف والعبث للإسلام الالتقاطي، إسلام المساومة والذلة والتقاعس، إسلام المترفين غير المبالين بآلام غيره، وبكلمة واحدة أن يكون مبيداً للإسلام الأمريكي. 

الفن في مدرسة العشق هو الذي يشخص ويشير إلى غوامض 
 
 
 
 
 
 
 
142

134

الفن والتسلية السليمة

 ومبهمات المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. إن الفن في العرفان الإسلامي هو صورة واضحة للعدالة والكرامة والقسط، وهو تجسيد مأساة الجياع المغضوب عليهم من قبل القوة والثورة. 


والفن المتسنم لمكانته الحقيقية هو الفاضح لأولئك الطفيليين الذين يلتذون بامتصاص دماء الثقافة الإسلامية الأصيلة ثقافة العدالة والصفاء، ومن بين الفنون يجب الاشتغال والاهتمام فقط بالفن الذي يعلّم طريقة مقارعة ومحاربة ناهبي العالم الشرقيين والغربيين وعلى رأسهم أمريكا والسوفيت. 
وأما بالنسبة لفنانينا فلا يمكنهم أن يتخلوا عن مسؤولياتهم والأمانة التي حملوها على عواتقهم إلاّ في حالة واحدة لا غير هي بعد أن يتيقنوا أن جماهيرهم قد وصلت إلى حياتها الخالدة في ظل عقيدتها فقط دون الاعتماد على الغير. 

وهكذا كان فنانونا في جبهات دفاعنا المقدس، حتى التحقوا بالرفيق الأعلى بعد أن قاتلوا في سبيل الله وفي سبيل عزة وسعادة جماهيرهم، وفي طريق انتصار الإسلام العزيز فضحوا كل أدعياء المترفين أسال الله أن يحشرهم في جوار رحمته تعالى. 

الفساد ليس ذاتياً للمسرح والسينما

إن إخراج مسرحية تنسجم مع الأخلاق الإنسانية ـ الإسلامية تحتاج إلى جهد، وكذلك السينما فلو أرادت أن تكون هكذا فإن ذلك يتطلب منها وقتاً كبيراً، ولم يكتب أبداً في متن السينما والمسرح أن يكون 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

135

الفن والتسلية السليمة

 مركز فساد ولم يكن فنّهما ـ الذي كان عبارة عن أشياء مبتذلة ـ سوى انه كان يربي شبابنا سواء داخل الجامعات أو خارجها بشكل يكونون جميعاً منحرفين. 

 
مخالفة الإسلام لشعور الإنسان بالعبثية والتغرب عن الذات
 
إما بشأن ما يُسمى بالتسلية فإن الإسلام يرفض كل ما يؤدي بالإنسان للشعور بالعبثية والتغرب عن الذات، ومنع الإسلام السُكر والخمر، ومنع كذلك الأفلام التي تُبعد الإنسان عن الأخلاق السامية. 
 
السينما التي يقبلها الإسلام
 
إننا نعارض دور السينما التي تقدم برامج لإفساد شبابنا وتدمر الثقافة الإسلامية، لكننا نؤيد البرامج التي تربي شبابنا وتنمّي الأخلاق العامة والسليمة في المجتمع. 
 
الافلام التربوية
 
إننا ـ وبحمد الله ـ نملك كُتّاباً وخطباء صالحين، إننا نملك كل شيء وبنظري فإن الافلام الإيرانية في اغلبها من افلام الآخرين فمثلاُ فيلم البقرة1 كان فيلماً تربوياً ولكن الآن ينبغي الأتيان 
 
 
 

1- فيلم البقرة "أنتج عام 1969م، وحصل عامي 1970و1971م على جوائز في المهرجانات السينمائية العالمية في شيكاغو، يصور هذا الفليم قصة حياة مزارع محروم وفقير يحب بقرته التي لا يملك غيرها، وليس له مدخول مالي من غيرها، وبعد أن مرضت بقرته ثم ماتت أصابه ضغط روحي شديد أدى إلى حالة من الغربة عن نفسه، إلى أن حلّت شخصية البقرة في شخصيته.  
 
 
 
 
 
 
 
144

136

الفن والتسلية السليمة

 بافلام أوروبية متحللة لكي ندخل السرور على المثقفين المتغربين إن الأفلام القادمة من الخارج استعمارية، لذا امنعوا الافلام الأجنبية الاستعمارية، إلاً أن تكون صالحة مائة بالمائة. 

 

 

 

 

 

 

145


137

الفهرس

 الفهرس

المقدمة

5

الإنسان والتربية الخصائص الذاتية والفطرية للإنسان

5

البحث الفطري عن الكمال

9

الإنسان بين حالتين لامتناهيتين

20

ارتباط الروح والجسم

21

الإنسان، عالم صغير

21

الإنسان كائن طبيعي وما وراء الطبيعة

22

الإنسان أمام مفترق طريقين

23

قابلية الإنسان ذات البعدين

24

الإنسان في مسير الانحطاط

25

خصائص الإنسان المكتسبة

28

القدرة على الهجرة من النفس

28

الإنسان موضوع علم الأنبياء عليهم السلام

29

أهمية تربية الإنسان

30

اصلاح العالم في ظل تربية الإنسان

31

 

 

 

 

 

147


138

الفهرس

 

الإيمان يمنع الذنب

32

تزكية النفس وعلاقة التدين بالتخصص

37

الانانية سبب للطغيان

34

عدم التزكية أساس للحروب

34

الجهاد الأكبر مقدم على انواع الجهاد

35

التقوى مقدمة السلوك إلى الله

37

الالتزام والتخصص

41

تهذيب النفس في الحوزات والمراكز العلمية

44

التقدم الحقيقي يكون في ظل التخصص والالتزام الاسلامي

49

التربية الصحيحة في ظل العلم والتزكية

55

مبادئ تربية الإنسان وأساليبها

58

الجذور الوراثية لتربية الإنسان

58

بناء النفس مقدمة لإصلاح المجتمع

58

أصل الاهتمام بالمتربي ومحبته

59

أسلوب الابتلاء

59

الابتلاء والامتحان

62

جهاد النفس

63

المجاهدة والتلقين

64

التفكر شرط لمجاهدة النفس

65

التكرار والتمرين

67

تشجيع الناس وتكريمهم

68

دور الدعاء في التربية

68


 

 

 

 

 

148


139

الفهرس

 

الهدف التربوي للأنبياء عليهم السلام

69

القرآن والبعثة عاملان للتربية

70

الأبعاد التربوية للإسلام

70

الهدف التربوي للإسلام

71

العوامل والمؤسسة التربوية والثقافية

75

عوامل التربية

75

دور الحكومة في التربية

75

دور المعلم في التربية

77

التعليم عمل الأنبياء عليهم السلام

78

دور الأم في التربية

79

حضن الأم مدرسة

80

دور الأم في التربية والتعليم

82

وسائل الإعلام

82

الأقلام تربي الشهداء

82

الإذاعة والتلفزيون عبارة عن جامعة عامة

83

الصحافة في خدمة الأجانب

84

دور وسائل الإعلام في تغرب المجتمع

86

أهمية التلفزيون

88

يجب على وسائل الإعلام أن تكون منادية بالأمل

88

يجب أن تكون وسائل الإعلام في خدمة تهذيب المجتمع

90

يجب على وسائل الإعلام أن تسير في طريق الشعب

90


يجب على المجلة أن تربي الإنسان

91

 

 

 

 

 

 

149


140

الفهرس

 

الجامعة والجامعيون

92

أهمية الطبقة المثقفة

92

ارسال الطلبة إلى الدول المعادية للإسلام هو طريق بسط الأجانب

92

حاكمية المغتربين في الجامعات

93

يجب على الجامعيين التخلص من التغرب

94

إننا لا نخاف من التدخل العسكري بل نخاف من الجامعات الاستعمارية

99

يجب تهيئة الشباب منذ الابتدائية والثانوية من اجل الجامعة المستقلة

101

علاقة الروحانيين مع العلماء الجامعيين المسلمين

103

رسالة مثقفي عالم الإسلام

103

نهضة المثقفين هي الأمل

103

المثقفون والتغرب

104

خطر المثقفين المتغربين

105

الروحانيون

106

لينهض العلماء في أنحاء العالم من أجل انقاذ البشرية

106

الجماهير مع العلماء

109

رسالة علماء العالم الإسلامي

120

ضرورة المحافظة على الحياة البسيطة وزي الطلبة

121

ليعلم الروحانيون أن العلم بدون اسم الرب ضلالة

122

الفصل بين الروحاني والجامعي هو رغبة الأجانب

124

ضرورة حضور الروحانيين في الساحة

124

الروحانيون والمسؤولية التغيرية

126

الروحانيون واصلاحات الأراضي

126

 

 

 

 

 

 

 

150


141

الفهرس

 

هدفية طلب العدل لدى العلماء

127

فصل صف الروحانيين عن صف عبيد المال

127

وظيفة الروحانيين المسيحيين

129

الحوزات العلمية

130

دور الحوزات العلمية في الحفاظ على الإسلام

130

ضرورة ايجاد النظم، ومنع نفوذ المتشبهين بالروحانيين

133

أسلوب الدراسة ومحتوى الحوزات

135

وصية إلى طلاب وشورى وإدارة الحوزة العلمية في قم

136

ضرورة التهذيب في الحوزات

136

رسالة الحوزات

138

ضرورة اهتمام الحوزات بشمولية الإسلام

139

ضرورة استمرار سنة السلف الصالح في الحوزات

142

الفن والتسلية السليمة

143

الفن الذي يقبل به الإسلام

144

الفساد ليس ذاتياً للمسرح والسينما

144

مخالفة الإسلام لشعور الانسان بالعبثية والتغرب عن الذات

144

السينما التي يقبلها الإسلام

144

الأفلام التربوية

145

 

 

 

 

 

 

151


142
التربية والمجتمع في فكر الإمام الخميني قدس سره