زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1433 هـ

زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1433 هـ


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-08

النسخة: 0


الكاتب

معهد سيد الشهداء

هو مؤسسة ثقافية متخصصة تعنى بشؤون النهضة الحسينية ونشرها، وإعداد قدرات خطباء المنبر الحسيني وتنميتها، معتمدة على كفاءات علمائية وخبرات فنية وإدارية... المرتكزة على الأسس الصحيحة المستقاة من ينبوع الإسلام المحمدي الأصيل.


المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم
   
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين سيّما بقيّة الله في الأرضين أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك.

السادة الأفاضل محاضري وخطباء المنبر الحسينيّ دمتم موفّقين.

ما أحوجنا ونحن نستجلي مواقف كربلاء ونسبر أعماق أسرارها, ونضيء شعلاً من قبس أنوارها, نستهدي فيها نور الفتح والفوز, لتكون كربلاء مدرسة نابضة حيّة مستمرّة تلهم الأجيال في كلّ العصور درس الإيمان والثبات المنتصر على ظلامة العدوّ وجوره, لأنّ حركة الإمام عليه السلام حركة تكامل 
 
 
5

1

المقدمة

وصلاح, وتحمل ديموميّة حيّة مرتبطة بالتكامل والسعادة الإلهيّة.
ولا غرابة إذا قال في حقّه من لم يَفُه إلّا حقاً ولم ينطق إلّا وحياً "حسينٌ منّي وأنا من حسين", لتخلد في أفق الوجود حقيقة مشرقة أنّ الإسلام محمّديّ الوجود حسينيّ البقاء.

لقد أروى سيّد الشهداء شجرة الإسلام العطشى بدمائه الزكيّة، ووهبها حشاشة نفسه, ومنحها مُهجة قلبه, فأينعت وأثمرت لتكون أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء.

ولأنّ الإمام عليه السلام هو الجاذب للناس بدافع الفطرة وشكر المنعم, كان هذا الكتاب الماثل بين يديك أخي المبلّغ عوناً لك في الليالي العاشورائية, تعيد فارّاً هنا وترشد هارباّ هناك, وتهدي ضالّاً هنا وتزيل شاكّاً هناك, وتزيد إيمان رجل هنا وتصبّر امرأة هناك, وتشدّ إلى النور شاباً وترفع للدرجات فتاة... لنحقّق بعضاً مِنْ "...خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس" أو نبذة من "طلب الإصلاح في أمّة رسول الله".

ونطرح هنا بعض السياسات لهذا الخطاب العاشورائي التعبويّ المطلوب:

1- التأكيد على أهميّة الجانب المعنويّ الذي يحقّقه الارتباط بالله تعالى والتوكّل عليه، وأهميّة هذا الجانب في استنزال المدد والنّصر الإلهيّ ولو قلَّ المؤمنون وكثر أعداؤهم.
 
6

 


2

المقدمة

2- ربط الناس بالتّكليف الإلهي, على قاعدة كونه الموجِّه لموقف الفرد والأمّة.
3- توجيه الناس نحو العمل للآخرة, لضمان استمرار الحياة بسعادة باقية. وإبراز دور الشهادة في تحقيق ذلك.
4- غرس روح التضحية في أبناء الأمّة لكون معركة الحقّ ضدّ الباطل لا بدّ لها من تضحيات، وتضحيات الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء الدليل الواضح على ذلك.
5- الإرشاد إلى دور الولاية في توجيه الأمّة وترشيدها. وأنّ وحدة الولي والقائد هي الضمان لوحدة الأمّة وعزِّها.
6- تأكيد ضرورة وحدة المسلمين صفّاً واحداً أمام أعدائهم.
7- تحديد طواغيت العصر ويزيديّيه المتمثّلين اليوم في الدرجة الأولى بأمريكا وإسرائيل والتطرّق إلى الممارسات الإرهابية التي يمارسها هؤلاء الطواغيت ضدّ مسلمي ومستضعفي العالم.
8- بيان تكليف الأمّة في نصرة المظلومين.
9- التشديد على ضرورة الثبات في معركة الحقّ ضدّ الباطل ودورها في تحقيق النصر الإلهيّ.
10- إبراز التشابه بين ثورة الإمام الحسين عليه السلام ومعركتنا ضدّ الباطل، سواء على مستوى أهداف وممارسات الأعداء، أو على مستوى مشاركة الشرائح المتنوّعة 
 
 
7

3

المقدمة

 من المجتمع لنصرة الحقّ (شبّان، شيوخ، نساء، أطفال، طبقات اجتماعيّة متفاوتة).
11- الإلفات إلى ضرورة التكافل الاجتماعيّ في الأمّة بما يؤمِّن القوّة الداخليّة للمجتمع في معركته ضدّ الباطل.
12- تقوية علاقة الناس بصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وتبيان مسئوليّتهم في التمهيد لظهوره المبارك، واستعدادهم لاستمرار التضحية بين يديه.

 والحمد لله ربّ العالمين
 معهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسينيّ
 
8
 

4

المقدمة

 توجيهات الإمام الخميني قدس سره للمحاضرين والخطباء الحسينيّين‏
1- إنّ على الخطباء أن يقرأوا المراثي حتى آخر الخطبة, ولا يختصروها بل ليتحدّثوا كثيراً عن مصائب أهل البيت عليهم السلام .

2- ليهتمّ خطباء المنابر ويسعوا إلى دفع الناس نحو القضايا الإسلاميّة وإعطائهم التوجيهات اللازمة في الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة.

3- يجب التذكير بالمصائب والمظالم التي يرتكبها الظالمون في كلّ عصر ومصر.

توجيهات الإمام الخامنئي دام ظله للمحاضرين والخطباء الحسينيّين‏
أوّل شي‏ء يجب أن تهتمّوا به هو رسالة الثورة في المصيبة وفي المدح وفي الأخلاقيّات والوعظ.

كيف يجب أن تقام مراسم العزاء؟

إنّه سؤال موجَّه إلى جميع من يشعر بالمسؤوليّة في هذه القضيّة، وباعتقادي أنّ هذه المجالس يجب أن تتميّز بثلاثة أمور:
 
 
9

5

المقدمة

 1- تكريس محبّة أهل البيت عليهم السلام ومودّتهم في القلوب, لأنّ الارتباط العاطفيّ ارتباط قيِّم ووثيق.


2- إعطاء صورة واضحة عن أصل قضيّة عاشوراء, وتبيانها للناس من الناحية الثقافيّة والعقائديّة والنفسيّة والاجتماعيّة.

3- تكريس المعرفة الدينيّة والإيمان الدينيّ. والاعتماد على آية شريفة أو حديث شريف صحيح السند أو رواية تاريخيّة ذات عبرة.

على أيّ منبر صعدتم وأيّ حديث تحدّثتم، بيّنوا للناس يزيد هذا العصر وشمر هذا العصر ومستعمري هذا العصر.
 
10
 

6

المقدمة

 خطاب للإمام القائد السيد علي الخامنئي دام ظله في ذكرى ولادة الإمام الحسين عليه السلام, بتاريخ: 2- شعبان - 1432هـ.ق. 
إنّ جميع الطرق التي كان يمكن لسبط النبي ّصلى الله عليه وآله وسلم أن يستفيد منها لأجل حفظ تراث الإسلام العظيم- الذي هو ميراث جدّه وأبيه وأتباعه المخلصين- نجدها مشهودة في حياة سيّد الشهداء عيه السلام من حيث التبيين والإنذار والحركة الإعلامية التبليغيّة وإيقاظ وجدان العناصر الخاصّة وجعلهم مستشعرين للأمور- هؤلاء الذين نعبّر عنهم بالخواصّ- في تلك الخطبة في منى كلّ تلك الأمور كانت على طوال حياة سيّد الشهداء, وفيما بعد وقوفه بوجه انحراف كبير قاصداً مواجهته بالنفس.. لم يكن الإمام الحسين غافلاً عن مصير هذه الحركة كلّا, كانت كلّها تعبّر عن الإمام. قضيّة معرفة الإمام واطّلاعه الواسع أعلى من هذه الكلمات التي يمكن أن تأتي على أذهاننا بل إنّها تعني رسم خطّة عمل وعدم الاستسلام ودعوة الناس إلى النصرة, وفيما بعد عندما تبرز جماعة- وهي جماعة أهل الكوفة- وتعلن أنّها حاضرة للمضيّ إلى جنب هذا الإمام الجليل على هذا الطريق فإنّه يستجيب لمطالبهم ويتحرّك نحوهم, وفيما بعد لا يشعر بالندامة أثناء الطريق. عندما ينظر المرء في كلمات الإمام 
 
 
11

7

المقدمة

 عليه السلام يرى أنّه كان عازماً وجازماً على إتمام هذا العمل. فوقوف الإمام الحسين عليه السلام مقابل حركة انحرافيّة استثنائيّة بخطرها في ذاك الزمان يمكن أن يعدّ درساً وهو ما كرّره عليه السلام, أي أنّه أسند عمله إلى تعاليم الإسلام "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرمات الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله, يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان, فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قولٍ كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله". فقد بيّن عليه السلام تكليفه بوجوب إظهار المعارضة والصمود فيما يقوم به وليكن المصير ما يكون فإذا كان المصير هو الإنتصار فما أحسنه, وإذا كانت الشهادة فما أحسنها أيضاً, أي إنّ الإمام الحسين عليه السلام تحرّك على هذا النحو. وهذا ما أضحى إيثاراً كاملاً وحفظاً للإسلام, هذا التحرّك نفسه هو الذي حفظ الإسلام وجعل القيم باقية ثابتة في المجتمع ولو لم يتقبّل مثل هذه المخاطرة ولم يتحرّك ويقدّم ويبذل دمه ولم تحصل تلك الفجائع العظيمة بحرم النبيّ وابنة أمير المؤمنين وأبناء أهل البيت لما بقيت هذه الواقعة في التاريخ, فمثل هذه الحادثة هي التي كان من الممكن أن تقف بوجه هذا الانحراف العظيم, فقد كان ينبغي وبهذا النحو من العظمة إحداث صدمة بوجه ذاك الانحراف في ذهن المجتمع والتاريخ وقد حصل هذه هي تضحية الإمام الحسين عليه السلام. وبالطبع إنّ ذكر هذا باللسان سهل, فما قام به الإمام الحسين 
 
12

8

المقدمة

 عليه السلام كان عملاً استثنائيّاً وأبعاده تفوق بكثير ما يمكن أن ندركه بحسابات اليوم فغالباً ما نغضّ النظر عن أبعاده ودقائقه. ذات مرّة تحدّثت بالتفصيل عن صبر الإمام الحسين عليه السلام, لم يكن صبره منحصراً في تحمّل العطش والصبر على مقتل الأصحاب, فمثل هذا صبر سهل, الصبر الأصعب هو أن يسمع أصحاب النفوذ والاطّلاع والاحترام يقولون له لا تفعل هذا, وهذا عمل خاطئ وخطر وهم يبثّون الشكّ والتردّد... ومن هم هؤلاء؟ إنّهم أمثال عبد الله بن جعفر, وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عبّاس, هذه الشخصيّات البارزة الكبرى في ذلك الزمن المميّز وهم من أبناء الشخصيّات المهمّة في الإسلام, فقد كانوا يقولون لا تفعل هذا, وبالرغم من كلّ ذلك لو لم يكن فيه ذلك العزم وتلك الإرادة والثبات لكان سيقول في نفسه لم يعد الأمر من تكليفي, فهؤلاء هكذا يقولون والدنيا هكذا تتحرّك فلنقل وندع الأمور.. إنّ الذي يقف ولا يرتجف قلبه ويمضي على هذا الطريق وفي وجه كلّ هذه التصريحات- وفي الواقع- تلك الوساوس والتشكيكات واختلاق الطرق الشرعيّة هو الذي يستطيع أن يوجد مثل هذا التحوّل العظيم. وقد تشبّه إمامنا الخمينيّ الراحل في هذا المجال واقتفى أثر سيّد الشهداء عليه السلام. 
 
13

9

المحاضرة الأولى

إحياء الشعائر الحسينيّة
 
 الهدف
 
الحثّ على تعظيم كافّة أشكال الشعائر الحسينيّة وبيان بعض دلالات ذلك والآثار الفرديّة لإحياء هذه الذكرى.
 
 تصدير الموضوع
 
 ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾1.

1- الحجّ 32.
 
17
 

10

المحاضرة الأولى

 مقدّمة: 
يؤكّد القرآن الكريم أنّ إحياء الشعائر وتعظيمها ونشرها من أهمّ السبل التي تؤدّي بالإنسان إلى اكتساب الحصانة الثقافيّة والروحيّة الكاملة في مواجهة أعتى التحدّيات الفرديّة والعامّة، وممّا ينبغي الإلفات إليه أنّ تعظيم الشعائر لا يعني مجرّد إقامة هذه المناسبات الدينيّة بطريقة طقسيّة فارغة من المحتوى، بل ضرورة إحيائها بما يلامس الواقع الذي نعيشه وضرورة ترجمة مفاهيمها وتسييلها بحيث تترك هذه الإحياءات أثرها البالغ والتغيير الكبير على الشخصيّة الإنسانيّة. 

محاور الموضوع:

تعظيم الشعائر الحسينيّة: والشعائر هي العلامات التي يقوّي الإنسان إيمانه بإقامتها ويرسّخ تقواه بتعظيمها لمّا تذكره وتدلّه إلى سبيل رضوان الله تعالى. والشعائر الحسينيّة من أهمّ شعائر الله تعالى التي ينبغي إحياءها وتعظيمها، وبشكلٍ جماعيّ فمثلها كمثل إقامة صلاة الجماعة أو الإستسقاء أو أداء مناسك الحجّ أو غيرها من العبادات التي تقام جماعةً.

أشكال تعظيم الشعائر الحسينيّة 

1- ذكر مصاب الحسين عليه السلام: أو رواية السيرة الحسينيّة فعن الإمام الصادق عليه السلام: ما من مؤمن ذَكَرَنا أو ذُكرنا 
 
18
 

11

المحاضرة الأولى

 عنده يخرج من عينيه ماء ولو مثل جناح البعوضة إلّا بنى الله له بيتاً في الجنّة وجعل ذلك الدمع حجاباً بينه وبين النّار"1.
 
ومن أهمّ أهداف المنبر الحسينيّ تعريف الناس بالسيرة الحسينيّة ومبادئها وأهدافها والقيم التي حملتها والرسالة التي أراد الحسين عليه السلام إيصالها إلى كلّ الناس وبيان حجم الجريمة التي أقدم عليها النظام الأمويّ آنذاك وطبيعة الحكومات الجائرة ومفاسدها وأخطارها على الإنسانيّة.
 
2- البكاء: وقد أكّدت الروايات على أهميّة وضرورة البكاء والتباكي على الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته، فعن الإمام الرضا عليه السلام:"... فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام"2 .
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّ عينٍ باكية يوم القيامة إلّا عين بكت على مصاب الحسين فإنّها ضاحكة مستبشرة"3 .
 
3- لبس السواد: وهو ما جرت عليه سيرة المحبّين والموالين عند دخول شهر محرّم الحرام, لما له دلالة من إظهار الحزن على الحسين وأصحابه، فينبغي لبس السواد والإتّشاح به

1- الغدير، الشيخ الأميني، ص202.
2- ألأمالي، الشيخ الصدوق، ص191.
3- العوالم، الإمام الحسين، الشيخ البحراني، ص534.
 
18

 

12

المحاضرة الأولى

 وإبرازه في المجالس وعدم لبس ألوان الفرح والبهجة.
 
ففي المحاسن للبرقيّ بسنده عن عمر بن عليّ بن الحسين عليهما السلام, قال: "لمّا قتل الحسين بن عليّ عليهما السلام لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد, وكان عليّ بن الحسين عليهما السلام يعمل لهنّ الطعام للمأتم"1
 
وفي مقتل أبي مخنف عندما أخبر نعمان بن بشير بمقتل الحسين عليه السلام لم يبقَ في المدينة مخدّرة إلّا وبرزت من خدرها ولبسوا السواد وصاروا يدعون بالويل والثبور2.
 
4- الحضور إلى مجالس سيّد الشهداء عليه السلام: وهو من أبرز أشكال تعظيم الشعائر الحسينيّة وذلك بضرورة الحضور والمشاركة في إنجاح وتفعيل وتعظيم هذه المجالس وعدم التراخي أو التكاسل في حضورها، بل من المهمّ اصطحاب أولادنا وعيالنا إلى هذه المجالس وتعويدهم على حضورها فإنّ ذلك ممّا يندرج تحت عنوان إحياء أمر أهل بيت العصمة، هذا الإحياء الذي طالما شدّد عليه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: "أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا"3.

1- البرقي: المحاسن ج 2 ص 420.
2- مقتل أبي مخنف، ص222.
3- الانتصارات، العاملي، ج9، ص33.
 
20
 

13

المحاضرة الأولى

 بل ومن الضروريّ جدّاً لا سيّما على الأشخاص المقتدرين مالياً والميسورين المساهمة الماديّة في إقامة هذه المجالس وتعظيمها، لما لذلك من آثار ثقافيّة وروحيّة وتربويّة على هؤلاء الأشخاص.
5- عدم إقامة مظاهر الفرح: كإقامة مجالس الزواج أو عقد الزواج أو الخروج في رحلات ترفيهيّة أو السفر للصيد واللهو أو تمضية أوقات الفراغ بمشاهدة بعض البرامج العبثيّة والتي لا طائل فيها أو حتّى إظهار الفرح بالضحك والمزاح والسخرية وما شابه.

وشدّدت الروايات على عدم الاكتحال أو التزيّن أو التطيّب أو لبس الثياب البيضاء أو ما تدلّ على الفرح أثناء العزاء الحسينيّ. 

خصوصاً وإنّ هذا الأمر قد كان من سيرة أعداء أهل البيت عليهم السلام, حيث نقرأ في بعض زيارات الإمام الحسين عليه السلام: "أللهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أميّة..". 
 
 
21

14

المحاضرة الثانية

 دور الشباب في بناء الذات
 
 الهدف
 
التركيز على الجوانب الأساسيّة لبناء الذات لا سيّما في مرحلة الشباب وبيان أهميّة هذه المرحلة بين مختلف الشرائح العمريّة..
 
 تصدير الموضوع
 
عن عليّ عليه السلام:
 
"شيئان لا يعرف فضلهما إلّا من فقدهما: الشباب، والعافية".1

1- موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، ج5، ص261.
 
23
 

15

المحاضرة الثانية

 المقدّمة: 
 
أولت الشريعة السمحاء عناية خاصّة للفترة العمريّة التي يمرّ بها الإنسان في مرحلة الشباب وخصّتها بمجموعة من الأحاديث عالجت ميادين مختلفة وإهتمامات متنوّعة في العلم والعمل والتوبة والآخرة والعبادة وغير ذلك من الموضوعات التي وجهت فيها هذه الشريعة هذه الفئة المتوقّدة نحو المسار الصحيح في محاولةً لبناء شخصيّة الإنسان قي بداياتها وتفادياً لخطر الإنزلاق في متاهات الضلالة والإبتعاد عن الله في هذه المرحلة التي تعتبر من أخطر وأهمّ المراحل التي يمرّ بها أي إنسان..
 
محاور الموضوع
 
تفسير الفتى 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام - لرجل-:" ما الفتى عندكم؟ فقال له: الشاب، فقال: لا، الفتى: المؤمن، إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخاً فسمّاهم الله عزَّ وجلَّ فتية بإيمانهم"1.
 
ففترة الشباب فترة عمريّة يتحلّى صاحبها بهمّةٍ عالية وإرادةٍ قويّة وتحدٍّ للصعاب وقدرةٍ على التغيير والمواجهة، ومع أنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخاً ولكنّهم لتحلّيهم بصفات الشباب أسماهم الله تعالى فتيّة.

1- الكافي، ج8، ص 395. 
 
24

 

16

المحاضرة الثانية

 أهميّة فترة الشباب
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "وصيّة ورقة بن نوفل لخديجة بنت خويلد إذا دخل عليها يقول لها: اعلمي أنّ الشابّ الحسن الخلق مفتاح للخير مغلاق للشرّ، وأنّ الشابّ الشحيح الخلق مغلاق للخير مفتاح للشرّ". 1
 
هذه الأهميّة لتلك الشريحة العمريّة دفعت الإمام عليّ عليه السلام ليؤكّد الاستفادة من الشباب في عمليّة التغيير ونشر الرسالة فقال عليه السلام: "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء إلّا قبلته". 2
 
أولويّات اهتمام الشباب
 
وهذه المرحلة من العمر تكتسب أهميّتها إنْ أحسن الشاب الإستفادة منها وترتيب أولويّاته التي ينبغي ألّا يضيّعها، ولذلك ركّزت الروايات على جملة عناوين أهمّها: 
 
التعلّم 
 
فطلب العلم في الصغر يترسّخ في قلب الشاب ولا يزول مع الأيّام والسنين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعلّم في شبابه كان بمنزلة الرسم في الحجر، ومن تعلّم وهو كبير كان بمنزلة الكتاب على وجه الماء".3

1- الامالي، الشيخ الطوسي، ص 302. 
2- نهج البلاغة، ج3، ص 40. 
3- مستدرك سفينة البحار، ج1، ص76. 
 
25
 

17

المحاضرة الثانية

 وعن الإمام عليّ عليه السلام: "العلم من الصغر كالنقش في الحجر"1
 
أيّوب عليه السلام: "إنّ الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنّه وهم يرون عليه من الله نور كرامته".2
 
وأمّا فضل طلب العلم حال الشباب فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقامه إلى مصاف الشهداء فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يطلب العلم صغيراً فطلبه كبيراً فمات، مات شهيدا"3
 
الشاب وترك التعلّم 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام يبين فداحة الخطأ الذي يرتكبه الشابّ بتركه لطلب العلم فيقول عليه السلام:" لست أحبّ أن أرى الشاب منكم إلّا غادياً في حالين: إمّا عالماً أو متعلّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، فإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النّار والذي بعث محمّداً بالحقّ".4
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "لو أتيت بشابّ من شباب الشيعة لا يتفقّه [في الدين] لأدّبته".5

1- شرح أصول الكافي، ج6، ص 424. 
2- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
3- كنز العمّال، ج10، ص 162. 
4- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
5- الكافي، ج1، ص 7. 
 
26
 

18

المحاضرة الثانية

 العبادة: 
فالعبادة في فترة الشباب لها دلالاتها الكبيرة التي تجعلها مورد رضا الله ومحبّته، بل وتجعلها مورداً يباهي الله بها ملائكته، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى يحبّ الشابّ التائب"1.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من شيء أحبّ إلى الله تعالى من شابّ تائب، وما من شيء أبغض إلى الله تعالى من شيخ مقيم على معاصيه"2
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى يباهي بالشابّ العابد الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي! ترك شهوته من أجلي"3
 
وفي فضل العبادة في فترة الشباب ومقامها نقرأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فضل الشابّ العابد الذي تعبّد في صباه على الشيخ الذي تعبّد بعد ما كبرت سنّه كفضل المرسلين على سائر الناس"4
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "سبعة في ظلّ عرش الله عزَّ وجلَّ يوم لا ظلَّ إلّا ظلّه:- وعدّ منهم-: وشابّ نشأ في عبادة الله عزَّ وجلَّ"5.
 
ترك الدنيا والتوجّه إلى طاعة الله 
 
والمراد أن يتوجّه الشاب إلى المسؤوليّات الجسام والتكاليف الهامّة ليقوم بها ويعمل على إنجازها، فلا يركن إلى تمضية وقته في

1- كنز العمّال، ج4، ص 209. 
2- كنز العمّال، ج4، ص 217. 
3- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
4- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
5- الخصال، ص 343.
 
27
 

19

المحاضرة الثانية

 لهو الدنيا وفراغها وما لا ينفعه في أمر دينه وآخرته، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من شابّ يدع لله الدنيا ولهوها وأهرم شبابه في طاعة الله إلّا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صدّيقا".1
 
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أحبّ الخلائق إلى الله عزَّ وجلَّ شابّ حدث السنّ في صورة حسنة جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته، يقول: هذا عبدي حقّا".2
 
عنه عليه السلام: "إنّ الله يحبّ الشاب الذي يفني شبابه في طاعة الله تعالى".3
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير شبابكم من تشبّه بكهولكم، وشرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم".4


العمل والإنتاجيّة 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام - للأحول -:" أتيت البصرة؟ قال: نعم، قال: كيف رأيت مسارعة الناس في هذا الأمر ودخولهم فيه؟ فقال: والله إنّهم لقليل، وقد فعلوا وإنّ ذلك لقليل، فقال: عليك بالأحداث، فإنّهم أسرع إلى كلّ خير".5
 
وعليه فإنّ فئة الشباب هي الفئة الأساس التي ينبغي الرهان 

1- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
2- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
3- ميزان الحكمة، ج2، ص1401. 
4- وسائل الشيعة، ج5، ص25. 
5- الكافي، ج8، ص 93.
 
28
 

20

المحاضرة الثانية

عليها في فعل الخيرات، وهي الفئة الفاعلة والمنتجة والمعطاءة والتي تقدّم وتضحّي، ومن أكبر الأخطاء أن تكون فئة الشباب من الفئات التي تعيش عبئاً وكلّاً على العمل وعلى المال العامّ, فإنّ ذلك من شأنه أن يشكّل خطراً على المجتمع الإنساني برمّته, حيث تصبح شهوات بعض الرجال وغرائزهم سبباً في ابتلاء الأمم ومحنة الشعوب, فشهوة شابّ كزيد وآخر كابن زياد وأمثالهما حرّفت مسار التاريخ ومصير الأمّة وأخذتهما باتجاه آخر.
 
29

21

المحاضرة الثالثة

 أهميّة ثقافة الجماعة 
 
 الهدف
 
التأكيد على أن ما يدركه المرء من حسنات الجماعة وإيجابيّاتها ترقى بها إلى حدٍّ جعلها من الواجبات الدينيّة الضروريّة.
 
 تصدير الموضوع
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: 
 
"ثلاث لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم لجماعتهم"1.

1- الكافي، ج1، ص 403. 
 
31
 

22

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
لعلّ من أكبر البركات التي منّ الله تعالى بها على الأمّة نعمة الجماعة وذلك لأنّ التحدّيات التي تواجه المجتمع والمؤامرات التي يحيكها أعداء الدين ضدّ الأمّة لا يمكن مواجهتها والتصدّي لها بشكلٍ فردي مهما بلغت الحصانة التي يتمتّع بها أيّ فرد, بل من البديهيّ تداعي سائر المؤمنين الى لزوم جماعتهم والتعرّف على مشاكلهم والإستماع لبعضهم وطرح الحلول الملائمة لا سيّما أمام ما تتعرّض له أمّتنا اليوم من غزو ثقافيّ وإعلاميّ موجه يستهدف إماتة الروح الإسلاميّة في النفوس واستبدالها بروح استهلاكيّة تابعة.
 
محاور الموضوع
 
الجماعة 
 
فالجماعة لا تعني الكثرة في مقابل القلّة، ولا تعني القوّة في مقابل الضعف, ولا تعني القدرة في مقابل الوهن، فعن الإمام عليّ عليه السلام- وقد سئل عن تفسير السنّة والبدعة والجماعة والفرقة -: "السنّة - والله - سنّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، والبدعة ما فارقها، والجماعة - والله - مجامعة أهل الحقّ وإن قلّوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا"1.

1- كنز العمّال، ج1، ص387.
 
32


 

 


23

المحاضرة الثالثة

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جماعة أمّته، فقال:" جماعة أمّتي أهل الحقّ وإن قلّوا".1
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وقد سئل ما جماعة أمّتك ؟ -: "من كان على الحقّ وإن كانوا عشرة "2.
 
والشاهد الأكبر الذي نراه في التاريخ ما جرى في كربلاء حيث كان الحسين وأصحابه يمثّلون الجماعة وأهل الحقّ على قلّتهم بينما احتشد عشرات الآلاف على الباطل والضلالة.
 
بركات الجماعة 
 
شدّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهميّة الجماعة وأوصى بها محذّراً من أيّ لون من ألوان التفرّق والتشتّت فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس! عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة"2.
 
يد الله مع الجماعة: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "يد الله على الجماعة، والشيطان مع من خالف الجماعة يركض"3
 
وبنفس المعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "يد الله على الجماعة، فإذا اشتذّ الشاذ منهم اختطفه الشيطان كما يختطف الذئب الشاة الشاذة من الغنم"4.

1- الخصال، ص 150. 
2- ميزان الحكمة، ج1، 406. 
3- كنز العمّال، ج1، ص206. 
4- ميزان الحكمة، ج1، 406. 
5- كنز العمّال، ج1، ص206.
 
33
 

24

المحاضرة الثالثة

 البقاء على الهدى: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"1.
 
الجماعة رحمة: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب"2.
 
الظهور على الآخرين: فعن عليّ عليه السلام:"....فانظروا كيف كانوا حيث كانت الإملاء مجتمعة، والأهواء مؤتلفة، والقلوب معتدلة، والأيدي مترادفة، والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة، والعزائم واحدة. ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين"3
 
استجابة الدعاء: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله يستحيي من عبده إذا صلى في جماعة، ثمّ سأل حاجته أن ينصرف حتّى يقضيها"4.
 
ما يناقض الجماعة 
 
الفتن: عنه عليه السلام- في التحذير من الفتن -:" لا تكونوا أنصاب الفتن، وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة"5.
 
التقاطع والجفاء: فعن عليّ عليه السلام... "وعليكم بالتواصل

1- الكافي، ج1، ص 405. 
2- ميزان الحكمة، ج1، 406. 
3- نهج البلاغة، ج2، ص 152. 
4- وسائل الشيعة، ج8، ص 289. 
5- نهج البلاغة، ج2، ص 39.
 
34


 

25

المحاضرة الثالثة

 والتباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع. فإنّ الله سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة، فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة، التي ينتقلون في ظلّها، ويأوون إلى كنفها. بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة، لأنّها أرجح من كلّ ثمن، وأجلّ من كلّ خطر"1
 
عدم الإحترام المتبادل: عن عليّ عليه السلام: "ليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي، ولتجتمع كلمتكم، وألزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين"2.
التلوّن: عنه عليه السلام: "إيّاكم والتلوّن في دين الله؛ فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل، وإنّ الله سبحانه لم يعط أحداً بفرقة خيراً، ممّن مضى ولا ممّن بقي".3
 
عنه عليه السلام: "إنّ الشيطان يسني لكم طرقه، ويريد أن يحلّ دينكم عقدة عقدة، ويعطيكم بالجماعة الفرقة، وبالفرقة الفتنة، فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته".4
 
الخلاف: عن عليّ عليه السلام: "وأيم الله، ما اختلفت أمّة بعد نبيّها 

1- نهج البلاغة، ج3، ص 77. 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص 763. 
3- نهج البلاغة، ج2، ص 96. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 764.
 
35


 

26

المحاضرة الثالثة

 إلّا ظهر باطلها على حقّها، إلّا ما شاء الله".1
 
ويبيّن الإمام عليّ عليه السلام مساوئ الخلاف والفرقة قائلاً: "فانظروا إلى ما صاروا اليه في آخر أمورهم، حين وقعت الفرقة، وتشتّتت الألفة، واختلفت الكلمة والأفئدة، وتشعّبوا مختلفين، وتفرّقوا متحازبين. وإنّما أنتم إخوان على دين الله، ما فرّق بينكم إلّا خبث السرائر، وسوء الضمائر، فلا توازرون ولا تناصحون، ولا تباذلون ولا توادّون... وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه، إلّا مخافة أن يستقبله بمثله".2
 
عنه عليه السلام: "وإنّي، والله، لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم".3
 
وقد وقع هذا الأمر يوم عاشوراء حيث اجتمعوا على سيد الشهداء عليه السلام, وقد خطب فيهم قائلاً: "..وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم, وأعرض بوجهه الكريم عنكم, وأحل بكم نقمته, وجنبكم رحمته..".

1- الأمالي، 235. 
2- نهج البلاغة، ج1، ص 223. 
3- نهج البلاغة، ج1، ص 65.
 
36
 

27

المحاضرة الأولى

 البعد الاجتماعيّ لإحياء الشعائر الحسينيّة 
 
 الهدف
 
التنبيه إلى الأبعاد الاجتماعيّة والعامّة التي ينبغي على مجالسنا لفت نظر الناس إليها للإستفادة القصوى من هذه المجالس.
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾1

1- الحجّ 32. 
 
39
 

28

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
إنّ لإحياء الشعائر الحسينيّة تأثيرات كبيرة جدّاً على كافّة المستويات الإنسانيّة سيّما ما يرتبط منها بالشأن العامّ وإصلاح المجتمعات وبناء الدول العادلة وتصحيح مسارات الأمم نظراً لما تحمله هذه الإحياءات من مخزون ثقافيّ وفكريّ وإنسانيّ ترتبط بأهمّ المشكلات التي تعاني منها البشريّة اليوم، وما تستطيع أن توفّره من قدرة على التغيير ورفض الواقع وهو ما لا يمكن أن تجده في أيّ مدرسةٍ أخرى. 
تحويل القلّة إلى كتلة مؤثّرة
 
قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾1
 
فهذه المجالس تعلّمنا أنّ القلّة ليست ضعفاً، وأنّ القدرة ليست قدراً ينبغي التسليم له، فقد استطاع الحسين عليه السلام وأصحابه في اللحظة التي اعتبرها الجميع أنّها لحظة ضعفه ونهايته أن يحوّلها إلى أكبر عنصر قوّة، وإلى محطّة تستطيع أن تدبّ الروح والحياة في كافّة حركات ومشاريع التحرّر- ولكافّة شعوب الأرض- إلى يوم القيامة.

1- البقرة، 249 
 
40

 

29

المحاضرة الأولى

 حفظ الهويّة الإسلاميّة
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: وعلينا أن نعلم جميعاً بأنّ هذه المراسم السياسيّة لإقامة العزاء الحسينيّ هي التي أوجدت الوحدة بين المسلمين وحفظت هويّتهم لا سيّما شيعة الأئمّة 
الاثني عشر عليه السلام.
 
فإحياء هذه المجالس تؤصّل المفاهيم الإسلاميّة في وجدان الأمّة وتميّزها عن أيّة مفاهيم مدسوسة أو مشوّهة أو متلاعب بها من قبل حكّام الجور والفساد.
 
التأثير السياسيّ 
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "لو لم تكن مجالس الوعظ والخطابة ومواكب العزاء ومجالس المآتم هذه، لما كان بلدنا قد انتصر"1
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:"لم يكن بإمكان أيّ قدرة إحباط جميع المؤامرات التي حاكتها القوى الكبرى ضدّ هذا الشعب، الذي أصبح هدفاً للهجوم من كلّ الجبهات غير قدرة مجالس العزاء هذه".2
 
ولعلّ الجانب السياسيّ من أهمّ الجوانب التي تساهم مجالس الإحياء هذه في التأثير بها لأنّ ثورة الحسين عليه السلام بالدرجة

1- قيام عاشوراء، ص18 
2- قيام عاشوراء ص 11
 
41
 

30

المحاضرة الأولى

 الأولى كانت ثورة سياسيّة تستهدف الوقوف في وجه السلطان الجائر وإصلاح ما فسد من أمور الأمّة.
 
روح التضحية والفداء 
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّ الانفجار (أي انتصار الثورة في إيران) قد تمّ ببركة المجالس الحسينيّة التي عمّت البلد، فقد استطاعت أن تجمع الناس كافّةً حول بعضهم بعضاً وتسوقهم نحو نقطةٍ واحدة".1
 
إنّ الدماء الزاكية للحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته ألهبت مشاعر المحبّين منذ اللحظة الأولى لشهادتهم وأعطت ثمارها مباشرةً، فسرعان ما بدأت الأمّة تصحو وترفض الخنوع والاستسلام، وما زالت هذه الدماء تغذّي مشاعر كلّ الأتباع والأنصار وتدفعهم للتضحية والفداء في مختلف الساحات، وهذا ما نشهده على ساحاتنا الإسلاميّة اليوم ببركة هذه الدماء الطاهرة.
 
روح الحماس والثورة 

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "لقد نهض الجميع تحت راية الإمام الحسين عليه السلام".2

1- قيام عاشوراء ص13 
2- قيام عاشوراء، ص18 
 
42
 

31

المحاضرة الأولى

 يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: كلّ ما لدينا من عاشوراء.
فكلّ أشكال الحماس والإندفاع والإباء ورفض الذلّ والخنوع وإرادة التغيير وسوى ذلك من المفاهيم التي تختزن قدرة تغييريّة، وبكلّ تأثيراتها وتداعياتها إنّما هو ببركة هذه الإحياءات المستمرّة والفاعلة والمؤثّرة لمجالس العزاء الحسينيّة.
 
43
 

32

المحاضرة الثانية

 قضاء حوائج الناس
 
 الهدف
 
تعزيز ثقافة الإهتمام بكلّ ما يرتبط بالشأن العامّ لا سيّما قضاء حوائج الآخرين وبيان أهميّته وأولويّته على المسائل الفرديّة والخاصّة.
 
 تصدير الموضوع
 
عن الإمام الكاظم عليه السلام:
 
" إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة"1

1- الكافي، ج2، ص 197. 
 
45

 

33

المحاضرة الثانية

 المقدّمة
 
إنّ الله تعالى جعل حاجات العباد عند بعضهم البعض وابتلاهم بقضاء حوائج بعضهم وفرض عليهم ذلك وجعله سبيلاً إلى مرضاته ورضوانه ليختبرهم ويرى إيمانهم له وطاعتهم إيّاه، فلم يقدّر الله نقصاً أو حاجةً عند إنسان إلّا وقدّر قضاءها عند إنسانٍ آخر بل لا يخلو أحد من الناس مهما عظم شأنه وعلا سلطانه من نقصٍ أو حاجةٍ إلى أخيه، وكلّ ذلك ليوثّق عرى الإيمان ويرسّخ دعائم التلاحم والتكاتف في المجتمع الإسلاميّ.


محاور الموضوع
قضاء الحوائج 
 
وقضاء الحوائج يرتبط تحديداً بالحاجة التي تنقص الإنسان ولذلك يختلف موضوع الحوائج عن موضوع خدمة الناس بشكلٍ عام، ومن هنا كان لقضاء الحوائج كلّ تلك المنزلة كونها تخدم الإنسان في الأمر الذي هو مورد ضرورة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله كتب الله عزَّ وجلَّ له ألف ألف حسنة".1

1- وسائل الشيعة، ج16، ص 367.
 
46
 

34

المحاضرة الثانية

 وعنه عليه السلام: "من كان في حاجة أخيه المؤمن المسلم كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه".1
 
وعنه عليه السلام: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله عزَّ وجلَّ له يوم القيامة مائة ألف حاجة من ذلك أوّلها الجنّة". 2
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله دهره".3
 
ولذلك حاز صاحب هذه المنقبة على محبّة الله كونه يقضي حوائج عياله، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله عزَّ وجلَّ: الخلق عيالي، فأحبّهم إليَّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم". 4
 
المبادرة إلى قضاء الحوائج 
 
ويعلّمنا الإمام الصادق عليه السلام ضرورة المبادرة والمسارعة في قضاء حوائج المؤمنين: "إنّ الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها، مخافة أن يستغني عنها فلا يجد لها موقعاً إذا جاءته".5
 
بل أكثر من ذلك فإنّ المرء إذا استطاع أن يقضي حاجة أخيه دون أن يكلّفه السؤال فليفعل فإنّ ذلك أعظم ثواباً وأشدّ صلة بالمؤمنين.

1- الأمالي، 97. 
2- الكافي، ج2، ص 192. 
3- وسائل الشيعة، ج16، ص 361. 
4- الكافي، ج2، ص 199.
5- ميزان الحكمة، ج1، ص 703.
 
47
 

35

المحاضرة الثانية

 بركة السعي في قضاء حاجة المؤمن 
 
وأجزلت الروايات الثواب حتّى لمجرّد السعي لقضاء حوائج المؤمنين حتّى ولو لم يوفق لهذه الخدمة فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكل الله عزَّ وجلَّ به ملكين: واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته".1
 
وعنه عليه السلام:" الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة...."2
 
من امتنع عن قضاء حاجة أخيه 
 
ويبيّن الإمام الصادق عليه السلام سوء فعل من امتنع عن قضاء حاجة أخيه بقوله: "أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك فمنعته إيّاها زهداً منك في ثوابها، وعزَّتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة معذّباً كنت أو مغفوراً لك".3
 
الإمام الكاظم عليه السلام: "من قصد اليه رجل من إخوانه

1- شرح أصول الكافي، ج9، ص 80. 
2- تحف العقول، ص 303. 
3- الأمالي، ص 99.
 
48
 

36

المحاضرة الثانية

 مستجيراً به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية الله عزَّ وجلَّ".1
 
الإمام الكاظم عليه السلام: "من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فإنّما هي رحمة من الله تبارك وتعالى ساقها إليه، فإن فعل ذلك فقد وصله بولايتنا، وهو موصول بولاية الله، وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها سلّط الله عليه شجاعاً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة". 2
 
وهنا لا بدّ من التشديد على أمور: 
 
الأوّل: أنّ الله هو الذي جعل قضاء حوائج الناس في أيدي بعضهم البعض ليبتليهم ويختبرهم.
 
الثاني: أنّ القدرة التي يمتلكها الإنسان على قضاء حوائج الآخرين إنّما هي رحمة من الله عليه، وينبغي أن يمارسها كرحمة بين الناس.
 
الثالث: أنّ الامتناع عن قضاء حوائج المؤمنين إنّما هو زهد في ثواب الله.
 
الرابع: أنّ الله يزهد في مغفرة من يزهد في ثوابه.
 
الخامس: أنّ الامتناع عن قضاء حوائج المؤمنين يعتبر قطيعةً لله عزَّ وجلّ.

1- وسائل الشيعة، ج16، ص 386. 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص 702.
 
49
 

37

المحاضرة الثانية

 السادس: أنّ الإنسان إذا امتنع عن قضاء حوائج الناس وسلب هذا التوفيق ابتلاه الله بخدمة شرار خلقه، فعن الإمام الباقر عليه السلام: "من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام له في حاجته [إلّا] ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر".1
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما رجل من شيعتنا أتاه رجل من إخواننا فاستعان به في حاجة فلم يعنه وهو يقدر، ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بأن يقضي حوائج عدوّ من أعدائنا يعذّبه الله عليه يوم القيامة".2
 
إيّاك والاحتجاب عن مؤمن محتاج 
 
فإنّ الاحتجاب عن قضاء حاجات المؤمنين يشكّل إهانةً وإساءةً لعيال الله وأحبّائه الذين يغضب الله لإهانتهم والإساءة لهم، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من صار إلى أخيه المؤمن في حاجته أو مسلماً فحجبه، لم يزل في لعنة الله إلى أن حضرته الوفاة".3
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "أيّما مسلم أتى مسلما زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله، فاستأذن له ولم يخرج إليه، لم يزل في لعنة الله عزَّ وجلَّ حتّى يلتقيا".4

1- الكافي، ج2، ص 366. 
2- ثواب الأعمال، ص 289. 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 703. 
4- الكافي، ج2، ص 365.
 
50


 

38

المحاضرة الثانية

 ومن أعظم حوائج الناس هو السعي في تأمين العدل وإيصال الحقوق إليهم ورفع الظلم عنهم, وهو ما كان يهدف إليه الإمام الحسين عليه السلام من خلال خروجه على يزيد الظالم..
 
51

39

المحاضرة الثالثة

مفهوم الحرّيّة في الإسلام
 
 الهدف

الإضاءة على التعريف الأخلاقيّ للحرّيّة الذي يتبنّاه الإسلام وبيان أهمّ دلالات وأبعاد هذا المفهوم على سلوك الإنسان.
 
 تصدير الموضوع
 
عن عليّ عليه السلام:
 
"ألا حرّ يدع هذه اللماظة لأهلها؟! إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة، فلا تبيعوها إلّا بها"1.

1- نهج البلاغة، ج4، ص 105.
 
53
 

40

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة
 
إنّ الحرّيّة من المفاهيم التي يتغنّى بها أتباع الحضارة الماديّة ويعتبرونها إحدى أكبر إنجازات هذه الحضارة، وهي في الواقع بحسب معناها عندهم من أخطر المفاهيم على حياة الإنسان، والحرّيّة بمعناها اللغويّ تناقض العبوديّة والاسترقاق إلّا أنّها بمعناها الشرعيّ تعني نفي أي لون من ألوان العبوديّة لغير الله تعالى أي التحرّر من عبادة الهوى والأنا والسلطان والدنيا والشيطان وسوى ذلك والإقرار بالعبوديّة لله وحده لا شريك له، ولذلك قال عليّ عليه السلام: "من ترك الشهوات كان حرّا".1
 
الحرّيّة مجمع الخصال 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها فليس فيه كثير مستمتع، أوّلها: الوفاء، والثانية: التدبير، والثالثة: الحياء، والرابعة: حسن الخلق، والخامسة - وهي تجمع هذه الخصال -: الحرّيّة". 2

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 583. 
2- الخصال، ص 284. 
 
54
 

41

المحاضرة الثالثة

 الناس كلّهم أحرار 
 
الحرّيّة منحة الله إلى العباد، بل أمانة الله التي لا يحقّ للمرء التحلّل منها لأنّ ذلك يؤدّي به إلى الإسترقاق وهو ما يرفضه الله لعباده، فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "أيّها الناس إن آدم لم يلد عبداّ ولا أمة، وإنّ الناس كلّهم أحرار".1 
 
وعنه عليه السلام: "لا يسترقنّك الطمع وقد جعلك الله حرّا".2
وعنه عليه السلام: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا...".3
 
الحرّ حرٌّ في جميع أحواله 
 
والحرّيّة ليست أمراً مجتزأً يمارسه المرء حيناً ويتركه أحياناً أو يتّصف به في مكانٍ دون آخر وأمام قومٍ دون آخرين وهكذا، بل هي صفة يتمتّع بها المرء في كافّة أحواله وشؤونه وظروفه كما أرادها الله له، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الحرّ حرٌّ على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسرا، كما كان يوسف الصدّيق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حرّيّته أن استُعبِد وقُهر وأُسر". 4

1- الكافي، ج8، ص 69. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص 528. 
3- نهج البلاغة، ج3، ص 51. 
4- شرح أصول الكافي، ج8، ص 281. 
 
55
 

42

المحاضرة الثالثة

 وعنه عليه السلام: "الحرَّ حرٌّ وإن مسّه الضرّ، العبد عبد وإن ساعده القدر". 1
 
من صفات الحرّ 
 
طلاقة الوجه: عن عليّ عليه السلام: "حسن البشر شيمة كلّ حرّ". 2
 
الحياء والعفّة: عن عليّ عليه السلام: "إنّ الحياء والعفّة من خلائق الإيمان، وإنّهما لسجيّة الأحرار وشيمة الأبرار". 3
 
تجنّب العارّ: عن عليّ عليه السلام: "جمال الحرّ تجنب العارّ". 4
 
العبادة شكراً: الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار".5
 
عدم البغض والغدر: عن عليّ عليه السلام: "الحرّيّة منزّهة من الغلّ والمكر". 6
 
كسب الرزق الحلال: عن عليّ عليه السلام: "من توفيق الحرّ اكتسابه المال من حلّه".7
 
احترام الأحرار: الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاك وكلّ عمل ينفر

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 48. 
2- جامع أحاديث الشيعة، ج15، ص 525. 
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 135. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 416. 
5- نهج البلاغة، ج4، ص 53. 
6- ميزان الحكمة، ج1، ص 583. 
7- ميزان الحكمة، ج1، ص 583
 
56
 

43

المحاضرة الثالثة

عنك حرّا، أو يذلّ لك قدرا، أو يجلب عليك شرّا، أو تحمل به يوم القيامة وزرا".1
 
ما يورث الحرّيّة 
 
القناعة: عن عليّ عليه السلام: "العبد حرّ ما قنع، الحرّ عبد ما طمع". 2
 
الزهد: عن عليّ عليه السلام: "من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه".3
 
عدم التعلّق بالدنيا: عن السيّد المسيح عليه السلام: "بماذا نفع امرؤ نفسه باعها بجميع ما في الدنيا ثمّ ترك ما باعها به ميراثاً لغيره؟! أهلك نفسه، ولكن طوبى لامرئ خلّص نفسه واختارها على جميع الدنيا". 4
 
وعن عليّ عليه السلام: "الدنيا دار ممرّ، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ".5
 
العبوديّة لله: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من قام بشرائط العبوديّة أهل للعتق، من قصر عن أحكام الحرّيّة أعيد إلى الرقّ". 6

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 100. 
2- مستدرك الوسائل، ج 12، ص 70. 
3- مستدرك الوسائل، ج 12، ص 47. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 583 
5- نهج البلاغة، ج4، ص 33. 
6- عيون الحكم والمواعظ، ص 450.
 
57
 

44

المحاضرة الثالثة

 من نماذج الحرّيّة 
 
عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحجّ، فبعث إلى رجل من قريش فأتاه، فقال له يزيد: أتقرّ لي أنّك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقّيتك، فقال له الرجل: والله يا يزيد! ما أنت بأكرم منّي في قريش حسبا، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهليّة والإسلام، وما أنت بأفضل منّي في الدين ولا بخير منّي، فكيف أقرّ لك بما سألت؟! فقال له يزيد: إن لم تقرّ لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إيّاي بأعظم من قتلك الحسين بن عليّ عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر به فقتل".1
 
ولعلّ أبرز مشاهد الحرّيّة في كربلاء موقف الحرّ بن يزيد الرياحيّ وهو يكسّر أغلال العبوديّة لنظام يزيد وتأبى نفسه الإنجرار إلى هواها فتنعتق من شهواتها وتتحرّر من أسرها وتنطلق لتمارس الحرّيّة الحقّة التي تجلّت بنصرة سيّد الشهداء عليه السلام، ولذلك أشاد الحسين عليه السلام بموقفه وأعقبه أفضل مصاديق الحرّيّة إذ قال له: "أنت حرٌّ كما سمّتك أمّك".2

1- الكافي، ج8، ص 235. 
2- العوالم الامام الحسين عليهم السلام، ص 168.
 
58
 

45

المحاضرة الأولى

 تجلّي الإيثار في كربلاء
 
 الهدف
 
بيان معنى ومقام هذه الفضيلة السامية بين الفضائل ودرجتها في الدنيا والآخرة وحثّ الناس على التحلّي بها.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى: 
 
 ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَِ﴾1.

1- الحشر 9.
 
61
 

46

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
تعتبر فضيلة الإيثار كما ورد في النصوص أعلى المكارم وشيمة الأبرار، وهي أحسن الإحسان وأعلى مراتب الإيمان وأعلى مراتب الكرم، وأفضل الشيم وسجيّة الأبرار، وشيمة الأخيار وأفضل عبادة وأجلّ سيادة وزينة الزهد, وأفضل السخاء بل وكفى بالإيثار مكرمة فهي غاية المكارم، وبه يسترقّ الأحرار وتملك الرقاب، ولذلك كان من أفضل الاختيار التحلّي بالإيثار وحمل النفوس عليه.
 
وورد عن عليّ عليه السلام: "عامل سائر الناس بالإنصاف، وعامل المؤمنين بالإيثار".1 
 
 محاور الموضوع
 
منزلة الإيثار
 
موسى عليه السلام: "يا ربّ أرني درجات محمّد وأمّته، قال: يا موسى إنّك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضّلته بها عليك وعلى جميع خلقي...، فكشف له عن ملكوت السماء فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله عزَّ وجلَّ قال: يا ربّ, بماذا بلّغته إلى هذه الكرامة؟!"

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 16. 
 
62
 

47

المحاضرة الأولى

  قال: "بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار. يا موسى، لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتاً من عمر إلّا استحييت من محاسبته وبوّأته من جنّتي حيث يشاء".1 
 
وروى أبو الطفيل: اشترى عليّ عليه السلام ثوباً فأعجبه فتصدّق به، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة الجنّة"2
 
الإمام الباقر عليه السلام: "لله عزَّ وجلَّ جنّة لا يدخلها إلّا ثلاثة - إلى قوله:- ورجل آثر أخاه المؤمن في الله عزَّ وجلّ"3
 
فضل المؤثرين 
 
صفة أهل الكمال: الإمام الصادق عليه السلام- في وصف الكاملين من المؤمنين -: هم البررة بالإخوان في حال العسر واليسر، المؤثرون على أنفسهم في حال العسر كذلك وصفهم الله فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ َِ﴾.4
 
أفضل الناس: الإمام عليّ عليه السلام: "من آثر على نفسه استحقّ اسم الفضيلة".5 

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 16 
2- مستدرك الوسائل، ج7، ص 250. 
3- الكافي، ج2، ص 142. 
4- مكيال المكارم، ج2، ص295. 
5- عيون الحكم والمواعظ، ص 435.
 
63
 

48

المحاضرة الأولى

 منتهى المروءة: عنه عليه السلام: "من آثر على نفسه بالغ في المروة".1
 
وقد مدح الله عزَّ وجلَّ صاحب القليل، فقد روى أبو بصير عن أحدهما عليه السلام قلت له: "أيّ الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقلّ، أما سمعت قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ َِ﴾ ترى هاهنا فضلاً؟".2
 
عنه عليه السلام: "ليس البرّ بالكثرة وذلك أنّ الله عزَّ وجلَّ يقول في كتابه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى...َِ﴾ ومن عرفه الله عزَّ وجلَّ بذلك أحبّه الله".3
 
أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأس شاة فقال: "إنّ أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا، فبعث به إليهم فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتّى تداولها أهل سبعة أبيات حتّى رجعت إلى الأوّل فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ ...﴾" 4

وروت عائشة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيّام متوالية حتّى فارق الدنيا، ولو شاء لشبع ولكنّه كان يؤثر على نفسه. 5

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 18. 
2- ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص 142. 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 18. 
4- جامع أحاديث الشيعة، ج8، ص 369. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص 18.
 
64 
 

49

المحاضرة الأولى

 إيثار عليّ 
 
بات عليّ بن أبي طالب عليه السلامعلى فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل: "إنّي آخيت بينكما وجعلت عمر الواحد منكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة. فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ ابن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه فيؤثره بالحياة... فأنزل الله تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾".1
 
الإيثار في كربلاء
 
عند الإيثار على النفس تتبيّن جواهر الكرماء ومعادن الناس وحقائق النفوس، وهذا ما تجلّى بأبهى صوره في كربلاء.
 
ويمكن استخلاص بعض مشاهد الإيثار:
 
إيثار الأصحاب والآل للحسين عليه السلام: وذلك بتقدّمهم للشهادة بين يديه وإيثاره بالبقاء حيّاً ولو لوقت قصير، هذا الإيثار الذي كان خلاصة عشقهم للحسين عليه السلام والذي لم يقووا معه أن يروا الحسين شهيداً قبلهم.

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 18 
 
65
 

50

المحاضرة الأولى

إيثار الأصحاب للآل: ففي الرواية أنّ الآل كانوا ينافسون الأصحاب للتقدّم والأصحاب يمنعونهم حتّى يقدموا قبلهم واستشهدوا بأجمعهم.

إيثار العبّاس: وهو من أروع مشاهد الإيثار وهو يرمي الماء من يديه مؤثراً عطش الحسين على عطشه، فحمل إليه الماء قبل أن يشربه.
 
 
66

51

المحاضرة الثانية

 الاختلاط المحرّم
 
 الهدف
التنبيه إلى كون الإختلاط من أكبر المفاسد الاجتماعيّة التي ينبغي محاربتها والحذر منها في مجتمعاتنا وبيوتنا.
 
 تصدير الموضوع
 
"لا يخلو بامرأة رجل، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما".1

1- مستدرك الوسائل، ج14، ص 265.
 
67
 

52

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
من الأمور الهامّة التي نبّهت عليها الشريعة في إطار تنظيم العلاقة بين الرجل بالمرأة خارج دائرة الزوجيّة والمحارم، أنها دعت إلى تجنّب الاختلاط المحرّم الذي اعتبرته أرضاً خصبة للوقوع في الكثير من الانحرافات السلوكيّة التي قد يجد فيها الإنسان نفسه في لحظة ما قد فقد كلّ الدفاعات النفسيّة التي تقف في وجه وسوسات الشيطان والهوى والنفس الأمّارة بالسوء ليصبح صريعاً تحت سلطة إبليس.

فأرادت لهذه العلاقة أن تبقى في سموّها الإنسانيّ والإيمانيّ محذّرة من الوقوع في انحدارات الشهوة السلبيّة التي لا تشكّل خطراً على الفرد فحسب بل تدمّر مجتمعاً ودولاً، وهذا ما نشهده في الكثير من بقاع الأرض اليوم.

 محاور الموضوع

مفاسد الاختلاط المحرّم وآثاره

وأكّدت الروايات الشريفة الحنيفة على مراعاة جملة أمور في أيّ مجلس اختلاط حرصاً من الوقوع في الخطأ، بل ويمكن القول أنّ كثيراً من العلاقات المحرّمة والتي قد تصل إلى حدّ الزنا أحياناً واللقاءات المحرّمة والخلوات المحرّمة وما يترتّب عليها
 
 
68

53

المحاضرة الثانية

 من مفاسد اجتماعيّة تبدأ من الإختلاط المحرّم الذي ينبغي أن ينأى الإنسان بنفسه به حرصاً على نفسه وأهله وعياله.
 
عدم النظر

قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾1. وغضّ البصر خفضه وهو يتحقّق من خلال عدم التحديق والإمعان. وعن الإمام الصادق عليه السلام:
 
"النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة".2
 
وعندما تحذّر النصوص من النظر معنى ذلك أنّه من غير الممكن للإنسان أن يمعن النظر في الطرف الآخر المحرّم دون أن يدخله شكّ أو ريبة أو تلذّذ أو سوى ذلك ممّا يشكّل مقدّمة للحرام لأنّه سيصبح حالةً طبيعيّة واعتياديّة يغفل المرء عن سلبيّاتها وأخطارها.
 
عدم الخضوع في القول 
 
قـال تعـالى: ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ِ﴾3.

1- النور 30. 
2- وسائل الشيعة، ج20، ص 52. 
3- الأحزاب 32.
 
69


 

54

المحاضرة الثانية

 ومعنى الخضوع في القول أن تقدّم المرأة نفسها بطريقة مثيرة من خلال ترقيق القول وتلحين الكلام وتحسين الصوت وإبراز الأنا المصطنعة والظهور بمظهر الجمال والكمال المزيّف وكلّ ما من شأنه أن يحرف من في قلبه مرض من الرجال نحو الفساد والرذيلة. 
 
التزيّن والتبرّج في المجالس 

فإنّ الاختلاط بين الرجل والمرأة إذا رافقه تزيّن أو تطيّب أو لبس ألبسة ملفتة فإنّه من الطبيعي أن يدخل الشيطان إلى هذه المجالس ليجرّ أصحابها إلى النظر الحرام والقول الحرام ومن الممكن إلى الفعل الحرام كذلك.

الخوض في الأحاديث اللهويّة 

والمراد أنّ طبيعة الحديث بين الرجل والمرأة غير المحارم إذا تمّ ينبغي الاقتصار فيه على حدّ الضرورة وعدم الدخول في أحاديث جانبيّة وحوارات مصطنعة ونقاشات لا تهدف إلّا لتقوية العلاقة بين الطرفين، ومع الأسف أن يعتبر البعض أنّ هذا المظهر من المظاهر الحضاريّة والتي تزيد من هامش الحرّيّة الفرديّة لدى الإنسان مع أنّ الإسلام اعتبره من أكبر المفاسد الاجتماعيّة وأبعدها عن الرقيّ والحضارة, وإنّ كثيراً ممّا هو شائع اليوم من محادثات على صفحات الإنترنت ومواقع التعارف
 
 
70

55

المحاضرة الثانية

 والأحاديث الخاصّة يندرج في هذا الإطار وتفتح الباب واسعاً أمام العلاقات المشبوهة والمحرّمة.
 
اجتناب المزاح
 
فإنّ كثرة المزاح تفتح الطريق للانزلاق في مسائل خاصّة والدخول في تفاصيل قد تؤدّي إلى محرّمات، فقد ورد عن أبي بصير أنّه قال: "كنت أقرئ امرأة كنت أعلّمها القرآن فمازحتها بشيء، فقدمت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: أيّ شيء قلت للمرأة؟ فغطّيت وجهي، فقال: لا تعودنّ إليها"1.
 
إنّ مراعاة ما ذكرناه من أمور كفيل بالحفاظ على المرأة ومكانتها وصونها عن الامتهان والمذلّة التي قد تتعرّض لها المرأة بفعل الاستغلال الرخيص لها.. وهذا ما أكّد عليه أهل البيت عليهم السلام من خلال تعاليمهم وسيرة نسائهم الفاضلات اللواتي كنّ قدوة لنساء العالمين, كالسيّدة زينب عليها السلام التي كان يحرص أمير المؤمنين عليه السلام عليها- كما نقل- حتّى أنّه كان يطفأ سراج المسجد كي لا يرى أحد خيالها.. ومن هنا يعزّ على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمما جرى على نسائهم يوم عاشوراء حيث سبيت فيه نساؤهم..

1- وسائل الشيعة، ج20، ص 198. 
 
71
 

56

المحاضرة الثالثة

 الوقوف عند الشبهات
 
 الهدف
 
بيان مفهوم الشبهات وبعض أفرادها ومصاديقها التي تعترض الإنسان وكيفيّة التعامل الشرعيّ معها.
 
 تصدير الموضوع
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
 
"الأمور ثلاثة: أمر تبيّن لك رشده فاتّبعه، وأمر تبيّن لك غيّه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فردّه إلى الله عزَّ وجلّ"1.

1- الأمالي، ص 382.
 
73
 

57

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة
 
حرصت الشريعة على تحصين المؤمن من الوقوع في المحرّمات فرسمت حدوداً لها و دعت الإنسان أن لا يتجاوزها، وتتمثّل هذه الحدود بدائرة الشبهات التي قد يتعرّض لها الإنسان، فلا يدري أنّ هذا الفعل حلال أو حرام. ويشتبه في حرمة الدخول إلى ذلك المكان، ويشكّ في جواز الكلام عن فلان، ولا يعرف تكليفه تجاه بعض الأطعمة أو الأشربة، فيتجرّأ البعض ويقتحم الشبهة، ويفعل ما يشكّ فيه، وهذا قد يؤدّي إلى ضعف في حصانته المعنويّة والروحيّة واحتمال الوقوع في الحرام، وعلى حدِّ تعبير النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه".1
 
محاور الموضوع
 
ضرورة الوقوف عند الشبهة 
 
أرادت الشريعة حماية قلب المؤمن من التلوّث وإبقاءه على نوره وطهارته فدعت إلى الوقوف عند الشبهات وعدم الاقتحام، فعن الإمام الباقر عليه السلام: "الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه".2

1- ميزان الحكمة، ج2، ص 1405. 
2- الكافي، ج1، ص 50.
 
74
 

58

المحاضرة الثالثة

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أمسك عن طريق إذا خفت ضلاله، فإنّ الكفّ عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال".1 
 
فالشبهات من نسج الأعداء الذين يلبسون الحقّ بالباطل ويعمّوا على الناس الرؤية، كما ورد عن عليّ عليه السلام- من كتاب له إلى معاوية -: وأرديت جيلاً من الناس كثيراً، خدعتهم بغيك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات. 2
 
ووجوب تجنّب الشبهات ناشئ من خوف الوقوع في الحرام فعن الإمام عليّ عليه السلام: إيّاك والوقوع في الشبهات، والولوع بالشهوات، فإنّهما يقتادانك إلى الوقوع في الحرام وركوب كثير من الآثام. 3

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبّع، وأمر بين غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله وإلى رسوله"4 ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم".5

1- تحف العقول، ص 79. 
2- نهج البلاغة، ج3، ص 57. 
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 99. 
4- شرح أصول الكافي، ج2، 334. 
5- وسائل الشيعة، ج27، ص 157. 
 
 
75

59

المحاضرة الثالثة

 كيفيّة التعامل مع الشبهات
 
طلب اليقين: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إنّما سمّيت الشبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ، فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأمّا أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى".1 
 
ولذلك روي عن عليّ عليه السلام أنّ العلم بالدين يزيح الشبهات: وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر الصادع، إزاحة للشبهات، واحتجاجاً بالبيّنات، وتحذيراً بالآيات.2 
 
الإمام عليّ عليه السلام- من كتاب له إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة-: أمّا بعد يا ابن حنيف, فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها... فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.3 
 
وقد تستغلّ بعض الناس هذه الشبهات لتبرّر أخطاءها بعدم وضوح الحقّ بيّناً ساطعاً كما ورد عن عليّ عليه السلام- لعمّار بن

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 179. 
2- نهج البلاغة، ج1، ص 28. 
3- وسائل الشيعة، ج 27، ص 159.
 
76
 

60

المحاضرة الثالثة

  ياسر، وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً -: دعه يا عمّار، فإنّه لم يأخذ من الدين إلّا ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبس على نفسه، ليجعل الشبهات عاذراً لسقطاته.1 
 
الصمت عند الشبهات: عنه عليه السلام- من وصاياه لابنه الحسن عليه السلام-: "أوصيك يا حسن- وكفى بك وصيّاً- بما أوصاني به رسول الله... الصمت عند الشبهة".2 

التوقّف: عن الإمام الباقر عليه السلام- لمّا سأله زرارة عن حقّ الله على العباد؟-: "أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون".3
 
وعن الإمام الجوادعليه السلام: "أقصد العلماء للمحجّة الممسك عند الشبهة".4 
 
الحذر من الفتنة: فعن عليّ عليه السلام: "احذروا الشبهة، فإنّها وضعت للفتنة".5
 
وعنه عليه السلام - من كتاب له إلى معاوية -: فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها، فإنّ الفتنة طالما أغدفت جلابيبها6 ، وأغشت الأبصار ظلمتها.7 

1- نهج البلاغة، ج4، ص95. 
2- ميزان الحكمة، ج2، ص 1405. 
3- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 506. 
4- ميزان الحكمة، ج2، ص 1405 
5- ميزان الحكمة، ج2، ص 1404. 
6- أي أسدلت بثوبها.
7- نهج البلاغة، ج3، ص 125.
 
77
 

61

المحاضرة الثالثة

 عنه عليه السلام: "إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه... ورجل قمش جهلا، موضع في جهّال الأمّة... فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ"1
 
الدعاء: أي التوسّل به تعالى لإزاحة الغشاوة عن عينيه ليرى نور الحقيقة ساطعاً، فعن الإمام زين العابدين عليه السلام- في الدعاء-: ووفّقني إذا اشتكلت عليّ الأمور لأهداها، وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها، وإذا تناقضت الملل لأرضاها2.
 
بركات الوقوف على الشبهات 
 
التوفيق والتسديد: عنه عليه السلام: "من التوفيق الوقوف عند الحيرة".3
 
الورع: الإمام الصادق عليه السلام: "أورع الناس من وقف عند الشبهة".4
 
الحزم: الإمام عليّ عليه السلام: "أصل الحزم الوقوف عند الشبهة".5

1- نهج البلاغة، ج1، ص 51. 
2- الصحيفة السجّاديّة، ص 109. 
3- تحف العقول، ص 83. 
4- الخصال، ص16. 
5- تحف العقول، ص 214. 
 
78
 

62

المحاضرة الثالثة

 التقوى: الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ من صرحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات، حجزته التقوى عن تقحّم الشبهات"1
 
ضرورة مراجعة أهل العلم: 

عن الإمام الصادق عليه السلام: الأمور ثلاثة: "أمر بان لك رشده فاتّبعه، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فرددته إلى عالمه"2.
 
والعلماء الحقيقيّون هم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى بالرجوع إليهم بقوله: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَِ﴾3, وهم الذين بذلوا كلّ ما بوسعهم لإيضاح الطريق وبيان الحقّ من الباطل, وسعوا لإسماع صوتهم حتّى لأعدائهم, كما كان يصنع الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء عندما قال: "اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليّ", وكان يدلّهم على كيفيّة رفع الشبهة- إن كانت- ويحثّهم على سؤال من يجدون عنده الجواب الحقّ: "فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصاريّ وأبا سعيد الخدريّ وسهل بن سعد الساعديّ..".

1- نهج البلاغة، ج1، ص 47. 
2- تحف العقول، ص 210. 
3- سورة النحل، الآية:43.
 
79
 

63

المحاضرة الأولى

مظاهر العزّة في مدرسة كربلاء
 
 الهدف
 
إبراز بعض نماذج ومواقف العزّة لأهل بيت العصمة والتي تساهم في تعليم الأمّة على عدم الرضوخ والاستسلام.
 
 تصدير الموضوع
 
 قال تعالى:  ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾1

1- فاطر، 10.
 
83
 

64

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
تتجلّى مظاهر العزّة يوم الطفّ بأبهى صورها في خطابات الإمام الحسين عليه السلام، ولعلّ أوّل تصريح ظهر له حين بدأ حركته المباركة عندما عرضت عليه بيعة يزيد بن معاوية فنجده يقول لأمير المدينة: "يا أمير إنّا أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله"1 ، ويكفي في قوله مثلي ومثله أنّه  عليه السلام قدّم نفسه مجمعاً لكلّ القيم والمبادئ ومعاني العزّة والإباء، وقدّم يزيد مجمعاً للفساد والظلم والرذيلة.
 
 محاور الموضوع
 
عزّة المؤمن 
 
ورد عن الإمام الصادق  عليه السلام: "إنّ الله فوّض إلى المؤمن أمره كلّه ولم يفوّض له أن يكون ذليلاً،... فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، فإنّ المؤمن أعزّ من الجبل، يستقلّ منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقلّ من دينه بشيء".2
 
وفي هذا الحديث إشارة كافية أنّ قضيّة العزّة والإباء والكرامة 

1- العوالم، ص 174.
2- تهذيب الأحكام، ج6، ص179.
 
84
 

65

المحاضرة الأولى

 ليست أمراً اختياريّاً بل مسألة ينبغي الإلتزام والتمسك بها والثبات عليها ولا يجوز بأيّ حالٍ التفريط بها أو تضييعها.
 
نماذج من مواقف العزّة
 
ومن المهمّ الإشارة أوّلاً أنّ أيّ حالةٍ يكون عليها الإنسان لا ينبغي أن تؤثّر على مواقفه المبدئيّة كما يصيب أغلب الناس، فأهل بيت العصمة يقفون مواقف العزّة والإباء وهم في أقسى حالات الإضطهاد أو الضعف أو التعذيب التي يضعف الآخرون وقد يستسلمون عندها، ومن هذه المواقف:
 
1- قول الحسين  عليه السلام لقادة معسكر الأعداء حين هدّدوه بالقتل أو النزول على بيعة يزيد أنّ هذه البيعة إنّما تنسجم مع أهل الذلّة وحياة العبيد: "لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد".1 
 
فهذه العزّة التي خلّدت مفاهيم الإسلام وخلّدت أحد أكبر المفاهيم السماويّة وهو عدم الرضوخ للظالم مهما كان عاتياً وعدم الإستسلام أمامه مهما كانت قوّتك بسيطة.
 
2- عندما يأتي الإمام زين العابدين  عليه السلام وهو في الأسر مكبّلاً بالقيود والحبل في عنقه فيتحدّى يزيد بن معاوية ويصرّ على مبادئه ويبيّن للناس الحقائق غير آبهٍ بتهديد 

1- مقتل الحسين للمقرّم، ص280.
 
85
 

66

المحاضرة الأولى

 يزيد له بالقتل قائلاً له: "أبالموت تهدّدني يا بن الطلقاء، إنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة ".1
 
3- موقف سيّدتنا زينب  عليه السلام في وجه الطاغية يزيد، وقد أعيتها مسيرة السبي وفقد الأحبّة والآل، لكنّها وبكلّ جرأة وعنفوان وقفت وقالت له أمام الملأ من قومه: " فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند وأيّامك إلّا عدد وجمعك إلّا بدد؟ ".2
 
4- ومن مواقف العزّة ما جاء أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى الإمام الحسن الزكي عليه السلام: "يا أبا محمّد أنا خير منك لأنّ الناس أجمعت عليَّ ولم تجمع عليك" وقوله هذا يعني به أنّني عندما أصبح الحكم بيدي أذعنت الناس كلّها وأنت عندما كان الحكم بيدك حدثت خلافات, فأجابه الإمام الحسن  عليه السلام قائلاً: "هيهات, هيهات لشرَّ ما علوت يا بن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره فالطائع لك عاص لله ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان﴾ِ والمكره معذور بكتاب الله وحاش لله أن أقول: أنا خير منك فلا خير فيك ولكن

1- العوالم، ص 385.
2- العوالم، ص 435.
 
86

67

المحاضرة الأولى

 الله برّأني من الرذائل كما برّأك من الفضائل". 1
 
ومن مواقف العزّة أيضاً, قول الإمام الحسين يوم الطفّ لمعسكر الأعداء: "ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركّز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام".2
 
فقوله هيهات منّا الذلّة, موقف خالد وأبدي ما زلنا نردّده وسنبقى نردّده لإنّه شعار من شأنه أن يطرد كافّة مظاهر 
الذلّة عن الأمّة ويكسبها كلّ ما من شأنه أن يرفعها في معارج الرقي والمجد.

1- مناقب آل أبي طالب 4/22
2- شرح احقاق الحقّ، السيّد المرعشي، ج11، ص 639.
 
87
 

68

المحاضرة الثانية

التعصّب
 
 الهدف
 
بيان الفرق بين التعصّب الممدوح والتعصّب المذموم وبيان بركات النوع الأوّل ومفاسد النوع الثاني على الإنسان.
 
 تصدير الموضوع
 
عن الإمام عليّ   عليه السلام- فيما استنهض الناس لنصرته -:  "ما تنتظرون بنصركم ربّكم ؟ أما دين يجمعكم، ولا حميّة تحمشكم؟"1.

1- نهج البلاغة، ج1، ص 90.
 
 
89

69

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
إنّ الله حين خلق الإنسان أودع فيه مجموعةً كبيرةً من الغرائز والشهوات ودعاه إلى تهذيبها من خلال توجيهها في المسار الصحيح الذي رسمها له، بل تعتبر هذه الغرائز من أهمّ النعم الإلهيّة على الإنسان إن أحسن توجيهها وضبطها وفق ما أراد الله تعالى، وتعتبر صفة التعصّب وليدة هذه الغرائز التي يحتاج المرء إلى توجيهها في المسار الصحيح ولذلك حرصت النصوص على تقييدها وتهذيبها فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم".1
 
 محاور الموضوع
 
تفسير التعصّب
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- لمّا سئل عن العصبيّة -: "أن تعين قومك على الظلم". 2
 
وبنفس المعنى ما ورد عن الإمام زين العابدين  عليه السلام- لمّا سئل عن العصبيّة -: "العصبيّة التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبيّة أن يحبّ الرجل قومه، ولكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظلم". 3

1- ميزان الحكمة، ج3، ص 1993.
2- كنز العمّال، ج3، ص 431.
3- الكافي، ج2، ص 308.
 
 
90

70

المحاضرة الثانية

 التعصّب الممدوح وأنواعه
 
والتعصّب من الصفات التي ينبغي توجيهها في خطّها الذي رسمه الله تعالى ليكون تعصّباً صحيحاً وبالتالي يتحوّل من صفةٍ مذمومة إلى صفةٍ ممدوحة، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "إن كنتم لا محالة متعصّبين فتعصّبوا لنصرة الحقّ وإغاثة الملهوف". 1
 
وعنه  عليه السلام يشير إلى أنّ التعصّب إنّما يكون في نصرة الدين ومبادئه فيقول: أما دين يجمعكم، ولا حميّة تشحذكم! أوليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء.
 
ومن التعصّب الممدوح التعصّب لمقام النبيّ وأهل بيته كما ورد عن الإمام زين العابدين  عليه السلام: لم يدخل الجنّة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطلب - وذلك حين أسلم- غضباً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث السلا 2الذي ألقي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.3
 
ويفصّل أمير المؤمنين أنواع التعصّب الممدوح بقوله  عليه السلام: "فإن كان لابد من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور، التي تفاضلت فيها المجداء النجداء من بيوتات العرب، ويعاسيب القبائل، بالأخلاق الرغيبة،

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 163.
2- السَّلَا: الجلدة التي يكون فيها الولد من الناس و المواشي.
3- شرح أصول الكافي، ج9، ص 322.
 
 
91

 

71

المحاضرة الثانية

 والأحلام العظيمة، والأخطار الجليلة، والآثار المحمودة. فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبرّ، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكفّ عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض".1
 
عقاب التعصّب في الآخرة
 
والتعصّب لغير الحقّ كأن يتعصّب الإنسان لقومه أو المقرّبين منه أو لأيّ اعتبار بالشخص أو كونه ينتمي لمنطقة أو عائلة وما شاكل فإنّه ممّن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة".2
 
وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "من تعصّب عصبه الله عزَّ وجلَّ بعصابة من نار".3
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، وليس منّا من قاتل [على] عصبيّة، وليس منّا من مات على عصبيّة"4.
 
إمام المتعصّبين
 
الإمام عليّ  عليه السلام- في ذمّ إبليس-: "فافتخر على آدم بخلقه، 

1- نهج البلاغة، ج2، ص 150.
2- الكافي، ج2، ص 308.
3- وسائل الشيعة، ج15، ص371.
4- كنز العمّال، ج3، ص 510.
 
92
 

72

المحاضرة الثانية

 وتعصّب عليه لأصله، فعدوّ الله إمام المتعصّبين، وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبيّة، ونازع الله رداء الجبريّة، وأدرع لباس التعزّز، وخلع قناع التذلّل".1
 
وعنه  عليه السلام: "اعترته الحميّة، وغلبت عليه الشقوة، وتعزّز بخلقة النّار، واستوهن خلق الصلصال".2
 
وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم، وكان في علم الله أنّه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحميّة والغضب فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين".3
 
ويبيّن الإمام عليّ عليه السلام- في خطبة القاصعة – بعض أنواع التعصّب المذموم فيقول: "ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلّا عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجّة تليط بعقول السفهاء، غيركم، فإنّكم تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علّة (مس يد علّة)، أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله، وطعن عليه في خلقته، فقال: أنا ناريّ وأنت طينيّ، وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النعم، فقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين".4

1- نهج البلاغة، ج2، ص 138.
2- ميزان الحكمة، ج2، ص 1480.
3- الكافي، ج2، ص 308.
4- نهج البلاغة، ج2، ص 149.


93
 

73

المحاضرة الثانية

 وأمّا الذين يتعصّبون للحقّ فتأبى حميتّهم عن نصرة الباطل, ولذلك قال الإمام الحسين  عليه السلام: "ألا وإنّ الدّعي بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة, يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون, وحجور طابت وطهرت, وأنوف حميَّة ونفوس أبيَّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام..".
 
94

74

المحاضرة الثالثة

 الإخلاص
 
 الهدف
 
بيان أهميّة الإخلاص ومرتبته في العبادات والحثّ على ضرورة تحصيله لدى الإنسان لارتباط الثواب في الآخرة به.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:
 
﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾1.

1- الزمر 3.
 
95


 

75

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة
 
إنّ التأمّل في قوله تعالى ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾. يكشف أنّ الساحة الأهمّ التي يعمل عليها الشيطان لإفساد عمل الإنسان هي ساحة نيّة التقرّب، فهو بعد اليأس من منع الإنسان من فعل الخير يلجأ إلى إفساد نيّته والطعن في إخلاصه لله من خلال الإشراك في النيّة، ولذلك نجد أنّ القرآن الكريم يؤكّد أنّ الشيطان استثنى من غوايته المخلصين، معتبراً هذه الفئة من العباد وحدها التي تفلّتت من حبائل الشيطان ومكائده بل وانتصرت عليه وهزمته, وهذا معنى ما ورد في الحديث عن الإمام الصادق  عليه السلام: الإبقاء على العمل حتّى يخلص أشدّ من العمل.1
 
 محاور الموضوع
 
حقيقة الإخلاص
 
يعرّف الإمام الصادق  عليه السلام العمل الخالص قائلاً: "الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا الله عزَّ وجلَّ"2. أي لا ترجو فيه إلّا ثواب الله، ومن هنا فقد ورد عن الإمام عليّ  عليه السلام: "من لم 

1- ص 82.
2- الكافي، ج2، ص 16.
 
96
 

76

المحاضرة الثالثة

 يختلف سرّه وعلانيته، وفعله ومقالته فقد أدّى الأمانة وأخلص العبادة.1
 
مزايا الإخلاص
 
ويمتاز الإخلاص بمحموعة من المزايا لا تجدها في غيره من بقيّة الصفات والفضائل منها:
 
الثواب: فالإخلاص محور الثواب والأجر، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "كلّما أخلصت عملاً بلغت من الآخرة أمدا".2
 
تفاضل المؤمنين: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين".3
 
الغنى عن الناس: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلّها".4
 
نصر الأمّة: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما نصر الله هذه الأمّة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وصلاتهم"5
 
كفاية القليل من العمل: فيما ناجى الله تبارك وتعالى موسى  عليه السلام: "يا موسى، ما أريد به وجهي فكثير قليله، وما أريد به غيري فقليل كثيره".6 

1- الكافي، ج2، ص 16.
2- نهج البلاغة، ج3، ص 26.
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 396.
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 754.
5- ميزان الحكمة، ج1، ص 754.
6- ميزان الحكمة، ج1، ص 755.
 
97
33- ميزان الحكمة، ج1، ص 755.

 

77

المحاضرة الثالثة

 خصائص المخلص 
 
وإذا أخلص المرء انعكس ذلك على قلبه وعقله ونفسه وانعكس في سلوكه وفعاله فتجلّت فيه الصفات والآثار التالية:
 
نفاذ البصيرة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء".1
 
جمال العلاقة مع الله: عن الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ لله عباداً عاملوه بخالص من سرّه، فشكر لهم بخالص من شكره، فأولئك تمرّ صحفهم يوم القيامة فرغا، فإذا وقفوا بين يديه ملأها لهم من سرّ ما أسرّوا إليه".2
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - مخبراً عن جبرئيل عن الله عزَّ وجلَّ أنّه قال -: "الإخلاص سرّ من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي".3
 
وضوح الطريق: عن الإمام الهادي  عليه السلام: "لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي رجل عبد الله وحده خالصا".4 
 
النجاة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العلماء كلّهم هلكى إلّا العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلّا المخلصون، والمخلصون على خطر".5

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 755.
2- ميزان الحكمة، ج1، ص 755.
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 754.
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 756.
5- ميزان الحكمة، ج1، ص 756.
 
98
 

78

المحاضرة الثالثة

 وعن عليّ  عليه السلام: "طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره".1
 
الحكمة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أخلص عبد لله عزَّ وجلَّ أربعين صباحاً إلّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".2
 
الرعاية الإلهيّة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عزَّ وجلَّ: "لا أطّلع على قلب عبد فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلّا تولّيت تقويمه وسياسته".3
 
تذليل الكائنات له: عن الإمام الصادق  عليه السلام: "إنّ المؤمن ليخشع له كلّ شيء ويهابه كلّ شيء، ثمّ قال: إذا كان مخلصاً لله أخاف الله منه كلّ شيء حتّى هوام الأرض وسباعها وطير السماء".4
 
الغنى في الدنيا والآخرة: عن الإمام زين العابدين  عليه السلام: "فأمّا حقّ الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة".5
 
الورع: عن الإمام عليّ عليه السلام: "تمام الإخلاص تجنّب المعاصي".6

1- الكافي، ج2، ص 16.
2- مستدرك سفينة البحار، ج2، ص375.
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 759.
4- صفات الشيعة، ص 36.
5- تحف العقول، ص 256.
6- ميزان الحكمة، ج1، ص 757.
 
99
 

79

المحاضرة الثالثة

دور الإخلاص في قبول الأعمال 
 
والإخلاص شرط من الشرائط الباطنيّة الذي ينبغي توفّره في كافّة العبادات، ويرتبط قبول أيّ عبادة بمقدار ما أخلص المرء بقلبه في هذا العبادة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله لا يقبل إلّا ما خلص له"1.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصاً، وابتغ به وجهه".2 
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام يؤكّد أهميّة الشرائط الباطنيّة على الشرائط الظاهريّة: "ليست الصلاة قيامك وقعودك، إنّما الصلاة إخلاصك، وأن تريد بها الله وحده".3
 
وعنه  عليه السلام: "العمل كلّه هباء إلّا ما أخلص فيه".4
 
ما يورث الإخلاص
 
وأرشدت الشريعة إلى بعض المسائل التي تشكّل أبواباً توصل إلى الإخلاص منها:
 
اليقين: عن عليّ عليه السلام: "الإخلاص ثمرة اليقين".5

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 756.
2- ميزان الحكمة، ج1، ص 757.
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 757
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 757
5- عيون الحكم والمواعظ، ص 23.
 
100
 

80

المحاضرة الثالثة

 العلم: عن عليّ عليه السلام: "ثمرة العلم إخلاص العمل"1.
 
الإعراض عن الدنيا: عن عليّ عليه السلام: "قلّل الآمال تخلص لك الأعمال". 
 
ولأنّ الهوى من أكبر موانع الإخلاص، فعنه  عليه السلام: "كيف يستطيع الإخلاص من يغلبه الهوى".2
 
القناعة: عن عليّ عليه السلام: "أوّل الإخلاص اليأس ممّا في أيدي الناس".3
 
عشق الآخرة: عن عليّ عليه السلام: "من رغب فيما عند الله أخلص عمله".4
 
وهذا ما تجلّى يوم العاشر من المحرّم في أصحاب الحسين  عليه السلام, حيث أخلصوا لله تعالى وعشقوا الآخرة رغبة بما عند الله فبذلوا أرواحهم في سبيل الله ونصرة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله..
 
بأبي من شروا لقاء حسين          بفــراق الـنـفــوس والأرواح

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 209.
2- عيون الحكم والمواعظ، ص 283.
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 124.
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 759.
 
100
 

81

المحاضرة الأولى

 الولاء والبراءة بين المعسكرين
 الهدف

بيان أثر التولّي والتبرّي في حياة الإنسان لا سيّما أثناء التحدّيات الصعبة وأنّهما ركنان من أركان الدين.

 تصدير الموضوع
 
ممّا ورد في زيارة عاشوراء:

أتقرّب إلى الله بموالاتكم وبالبراءة من أعدائكم والناصبين لكم الحرب وبالبراءة من أشياعهم وأتباعهم.
 
 
105

82

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
يعتبر الولاء من أشدّ المسائل التي خاضت البشريّة الحروب والصراعات من أجلها لأنّ قضيّة الولاء تعني لزوماً وحدة هذا الولاء والبراءة من الطرف الآخر، وبالتالي عدم قبول تعدّد الولاءات في حياة الإنسان المسلم، ولذلك فإنّ الشريعة الإسلاميّة اعتبرت أنّ الولاء لله ولرسوله والأئمّة الأطهار تفرض البراءة من أعدائهم ومواجهتهم، وأنّ إقامة الحقّ والعدل تأتي في نفس المكان الذي يجب هدمه وتدميره.
 
 محاور الموضوع
 
التلوّن
 
وقد أجمعت الروايات على بغض الله للإنسان المتلوّن الذي لا يتّخذ موقفاً واضحاً وانتماءً سليماً بين الحقّ والباطل، سيّما وأنّ كلّ إنسان لا بد أن يكون موقفه بيّناً لا لبس فيه في المواقع التي يتميّز فيها الحقّ والباطل ويكون هناك اصطفاف وتحدّي ومواجهة.
 
فعن الإمام الصادق عليه السلام: "اعلموا أنّ الله يبغض من خلقه المتلوّن فلا تزولوا عن الحقّ وأهله فإنّ من استبدّ بالباطل وأهله هلك وفاتته الدنيا".1

1- الأمالي، ص 137.
 
106
 

83

المحاضرة الأولى

 وروي: أنّ الله يبغض من عباده المائلين، فلا تزلوا عن الحقّ، فمن استبدل بالحقّ هلك وفاتته الدنيا وخرج منها ساخطاً.1
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "اعلموا أنّ الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلوّن، فلا تزولوا عن الحقّ وولاية أهل الحقّ، فإنّ من استبدل بنا هلك وفاتته الدنيا وخرج منها بحسرة".2
 
ومن الواضح أنّ لسان الروايات يشير إلى خسارة الإنسان المتلوّن في الدنيا والآخرة.
 
وعن عليّ عليه السلام: "لا تمنعنّكم رعاية الحقّ لأحد من إقامة الحقّ عليه". 3
 
عناصر الولاء والبراءة 
 
ومن المهمّ الإشارة أنّ التولّي والتبرّي ينبغي أن يقترنا في شخصيّة المسلم وأنّ توفّر إحداهما دون الأخرى يعتبر نقصاً في إيمانه، فالتبرّي ركناً من أركان التولّي، وكذلك فالتولّي مظهراً وتجليّاً من تجليّات التبرّي.
 
طاعة الله ورسوله: قال تعالى:﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.ِ﴾ 4

1- ميزان الحكمة، ج1، ص 659.
2- الخصال، ص 626.
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 529.
4- النور 51.
 
107
 

84

المحاضرة الأولى

 رفض طاعة حكّام الجور: قال تعالى:﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ﴾1.
 
وهذا ما شهدنا بخلافه عندما أعلن عمر بن سعد ولاءه ليزيد الحاكم الفاسق عندما رمى معسكر الحسين عليه السلام بسهمٍ وهو يقول: "اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى".2
 
نصرة الله ورسوله: قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.3
 
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾.4
 
قال تعالى: ﴿َلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.5
 
ولعلّ أبرز صور الولاء تجلّت في كربلاء حين تقدّم أصحاب الحسين للشهادة بين يديه يدرأون عنه الموت ويدفعونه عن أهل بيته كما ورد في أقوالهم، ومن قبل ثباتهم على أداء التكليف الذي يحفظ الرسالة ويصونها، هذا التكليف الذي لم يقوَ على الثبات عليه إلّا هؤلاء القلّة القليلة التي استطاعت أن تخلّد الرسالة بما جسّدته من قيم، وفي مقدّمتها حسن الولاء لله ورسوله وإمام العصر.

1- الشعراء 151.
2- مثير الأحزان، ص 41. 
3- الأعراف، ص 157.
4- محمّد 7.
5- الحجّ 40.
 
108
 

85

المحاضرة الثانية

أدب العشرة مع الأهل
 
 الهدف
 
حثّ الناس على التعامل بالحسنى والأخلاق السامية ضمن دائرة الأسرة والأهل والعيال.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى: 
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾.1

1- التحريم 6.
 
109
 

86

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
أمر الإسلام بحسن المعاشرة والتعامل بالحسنى مع كافّة الناس لا سيّما في مَن تربطنا بهم علاقة رحميّة وبالأخص منهم الأهل والعيال، وبالتالي فإنّنا نلاحظ أنّ الإسلام اعتبر أنّه كلّما كانت دائرة التواصل أقرب رحماً ونسباً كلّما ازدادت حقوقهم ووجب احترامهم ومراعاتهم وتكريمهم ومعاملتهم بالحسنى، وكلّما ابتعدت العلاقة كلّما قلّت المسائل التي ينبغي مراعاتها، وهذا يكشف أنّ الإسلام أراد للعلاقة داخل الأسرة أن تكون نموذجاً على تربية الإنسان على حسن العشرة داخل الأسرة وخارجها.
 
 محاور الموضوع
 
وجوب أمر الأهل بالإيمان
 
من أهمّ الأمور الواجبة على الإنسان توفير البيئة الإيمانيّة لأهله وعياله، وأن يأمر بفعل الطاعات وينهاهم عن المحرّمات ويساعدهم في خلق وإيجاد كلّ ما يساهم في تقوية إيمانهم وارتباطهم بالله تعالى. قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. 1

1- طه 132.
 
110
 

87

المحاضرة الثانية

 قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾1
 
عدم الغفلة عن ذكر الله
 
إنّ ارتباط الإنسان بأهله وأولاده وعائلته من الأمور الفطريّة التي خلقها الله في الإنسان، لكن لا ينبغي لهذه المودّة أن تخرج عن حدّها فتلهي الإنسان عن واجباته وأمور دينه.
 
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - المنافقون ﴾2
 
عن عليّ عليه السلام: "لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك، فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله فإنّ الله لا يضيع أولياءه، وإن يكونوا أعداء الله فما همّك وشغلك بأعداء الله".3
 
وإذا كان تعلّق المرء بأهله أمر فطريّ فينبغي أن يوجّه الإنسان هذا التعلّق نحو الفوز بالآخرة فيحرص على آخرتهم قبل حرصه على دنياهم، فكثيراً ما نرى الإنسان يخطّط ويسعى لدنيا أولاده من مال وبيوت وأعمال وعلاقات ومناصب وسوى ذلك وهو غافلٌ عن سعيه لفوزهم في الآخرة.

1- مريم 55.
2- المنافقون 9.
3- نهج البلاغة، ج4، ص82.
 
111
 

88

المحاضرة الثانية

 حسن العشرة، حاجة وضرورة
 
الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلّفها وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة، وسعة بتقدير، وغيرة بتحصّن".1
 
ثواب حسن العشرة

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنّه ليكتب جبّاراً ولا يملك إلّا أهل بيته".2
 
وذلك لأنّ الإنسان أقدر على الظلم والتسامح ضمن دائرة الأسرة، وبالتالي فهي الدائرة التي يظهر فيها جمال صفاته كالعفو عند المقدرة والتجاوز عند الخطأ والصبر على التربية والتعليم فضلاً عن كرمه وصدقه وأمانته ومحبّته لهم.
 
حسن العشرة مع الأهل 
 
قال تعالى:﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾3
 
ومن مؤشّرات سوء المرء كون الشخص لطيفاً ومؤدّباً وحسن العشرة خارج منزله إلى الحدّ الذي يصفه الكثيرون بذلك، لكنّه في داخل بيته يكون سيّء الخلق، عصبيّ المزاج، يتّصف بالقسوة والشدّة تجاه أبسط الأمور، وهناك الكثير من الناس الذين يشكون

1- تحف العقول، ص 322.
2- شرح أصول الكافي، ج1، ص227.
3- النساء 19.
 
112
 

89

المحاضرة الثانية

 هذه الحالة، والواقع أنّ حقيقة المرء تتكشّف بأدائه داخل الأسرة وبين عياله لا خارج نطاق أسرته.
 
وفي وصيّة الإمام عليّ عليه السلام- لابنه الحسن عليه السلام-: "لا يكن أهلك أشقى الخلق بك".1
 
ومن خلال التحلّي بهذه الصفات الحسنة تزداد العلاقة بين أفراد العائلة إلى الحدّ الذي يتفانى فيه أحد الزوجين أمام الآخر, ويكونان معاً جنباً إلى جنب في المواقف الصعبة, كما حدث ذلك لوهب بن عبد الله وزوجته وأمّه في كربلاء..

1- تحف العقول، ص 82.
 
113
 

90

المحاضرة الثالثة

 العبادة
 
 الهدف
 
توضيح أهميّة العبادة وكونها السبيل الذي اختاره الله لسعادة الإنسان ورقيّه وكماله وأنّها ممّا لا يجوز للإنسان التهاون بها.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى: 
 
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ 1

1- البقرة 21.
 
115
 

91

المحاضرة الثالثة

 مقدّمة
 
تشكّل العبادة وسيلة الإرتباط بالله وأهمّ سبل تقوية هذه العلاقة وتعزيزها وتوطيدها بل هي الطريق الوحيد الذي يحافظ فيه الإنسان على صيانة نفسه ومنعها من الجنوح إلى المهالك، وهذا ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في بيانه علّة تشريع العبادة للإنسان قائلاً: لئلا يكونوا ناسين لذكره، ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذ كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تركوا بغير تعبّد لطال عليهم الأمد فقست قلوبهم.
 
 محاور الموضوع
 
تفسير العبادة 
 
في حديث المعراج -: يا أحمد! هل تدري متى يكون لي العبد عابدا؟ قال: لا يا ربّ، قال: إذا اجتمع فيه سبع خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وصمت يكفّه عما لا يعنيه، وخوف يزداد كلّ يوم من بكائه، وحياء يستحي منيّ في الخلاء، وأكل ما لا بدّ منه، ويبغض الدنيا لبغضي لها، ويحبّ الأخيار لحبّي إيّاهم.1

1- مستدرك الوسائل، ج19، ص 19.
 
116
 

92

المحاضرة الثالثة

 خصائص الإنسان العابد
 
التفرّغ للعبادة: والعبادة ليست أمراً ثانويّاً أو هامشيّاً في حياة الإنسان، بل هي تهدف لتحقيق العبوديّة التي هي جوهر وجوده والسمة الأبرز لحركته، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يقول ربّكم: يا بن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقا، يا بن آدم لا تباعد منّي فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا".1
 
النشاط في العبادة: ويجب النشاط في العبادة وعدم التقصير أو التهاون فيها، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "آفة العبادة الفترة". 2
 
الإمام زين العابدين عليه السلام- في الدعاء -: "أسألك من الشهادة أقسطها، ومن العبادة أنشطها".3
 
عشق العبادة: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر".4
 
استحضار الرقابة الإلهيّة: فعن الإمام الصادق عليه السلام: - في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾- كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ هذه الآية بكى بكاءاً شديدا.5

1- ميزان الحكمة، ج3، ص 1797. 
2- ميزان الحكمة، ج3، ص 1804.
3- ميزان الحكمة، ج3، ص 1804.
4- شرح أصول الكافي، ج8، ص262.
5- ميزان الحكمة، ج3، ص 1799.
 
117
 

93

المحاضرة الثالثة

 وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك".1
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام في شرح قصّة (يوسف وزليخا) -: فقال لها يوسف: ما صنعت؟ قال: طرحت عليه (على الصنم) ثوباً أستحي أن يرانا، قال: فقال يوسف: فأنت تستحين من صنمك وهو لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحي أنا من ربّي؟! . 2
 
الإخلاص في العبادة: الإمام الباقر عليه السلام: "لا يكون العبد عابدا لله حقّ عبادته حتّى ينقطع عن الخلق كلّه إليه، فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيتقبّله بكرمه".3
 
العبادة شكراً لله: الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار".4
 
أفضل العبادة
 
أشارت الروايات إلى أفضل العبادات التي ينبغي أن يتحلّى ويحرص عليها المسلم فعدّدت: العلم بالله والتواضع له والعفاف وغلبة العادة والزهادة والفقه وأداء حقّ المؤمن, وعفّة بطن وفرج, والصمت وغض الطّرف عن محارم الله سبحانه, وإخلاص

1- الكافي، ج2، ص 68.
2- ميزان الحكمة، ج3، ص 1799.
3- ميزان الحكمة، ج3، ص 1805.
4- نهج البلاغة، ج4، ص 53.
 
118
 

94

المحاضرة الثالثة

 العمل والتفكّر في ملكوت السماوات والأرض, ولين الكلام وإفشاء السلام, والنظر إلى العالم والنظر إلى الإمام المقسط عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر إلى أخ تودّه في الله عزَّ وجلَّ عبادة وحسن الظنّ بالله.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أعظم العبادة أجراً أخفاها".1
 
أفضل أنواع العبادة 
 
خدمة الناس: جبرائيل عليه السلام: "يا محمّد! لو كانت عبادتنا على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال: سقي الماء للمسلمين، وإغاثة أصحاب العيال، وستر الذنوب".2
 
طلب الحلال: في حديث المعراج: "يا أحمد! إنّ العبادة عشرة أجزاء تسعة منها طلب الحلال، فإن أطيب مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي".3
 
حبّ أهل البيت: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ فوق كلّ عبادة عبادة وحبّنا أهل البيت أفضل عبادة".4
 
العبادة غير المقبولة 
 
وآفة العبادة التي لا تنفع صاحبها ولا تزيده نوراً وصفاءً،

1- ميزان الحكمة، ج2، ص1021.
2- ميزان الحكمة، ج3، ص 1800.
3- ميزان الحكمة، ج3، ص 1874.
4- المحاسن، ج1، ص150.
 
119
 

95

المحاضرة الثالثة

 ولا تقبل منه يوم القيامة فيجزى بإزائها عظيم الحسنات ورفيع الدرجات أن تقترن هذه العبادة بفعل الحرام، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة مع أكل الحرام كالبناء على الرمل".1
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ لله ملكاً ينادي على بيت المقدس كلّ ليلة: من أكل حراماً لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، والصرف النافلة، والعدل: الفريضة".2
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "درهم يردّه العبد إلى الخصماء خير له من عبادة ألف سنة، وخير له من عتق ألف رقبة، وخير له من ألف حجّة وعمرة".3
 
آفة الالتذاذ بالعبادة 
 
ويجيب السيّد المسيح عليه السلام عن سؤال يسأله الكثيرون، وهو أنّه لماذا لا نشعر بلذّة العبادة، فيقول: "بحقّ أقول لكم: إنّه كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذّه مع ما يجده من شّدة الوجع، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذّ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حبّ المال".4
 
من هنا نعرف قيمة عبادة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ليلة العاشر من محرّم حينما كان لهم دويّ كدويّ النحل

1- جامع أحاديث الشيعة، ج17، ص26.
2- ميزان الحكمة، ج3، ص 1803.
3- مستدرك الوسائل، ج12، ص104.
4- التحفة السنيّة، ص 60.
 
120
 

96

المحاضرة الأولى

 اليقين عند الإمام الحسين عليه السلام
 
 الهدف
 
بيان تعريف اليقين ودرجته بين مراتب الإيمان وعلاماته وبركاته وآثاره في الدنيا والآخرة.
 
 تصدير الموضوع
 
 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: 
 
"ليس شيء إلّا وله حدّ، قال: قلت: جعلت فداك فما حدّ التوكّل؟ قال: اليقين، قلت: فما حدّ اليقين؟ قال: ألّا تخاف مع الله شيئا".1

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص57.
 
123
 

97

المحاضرة الأولى

المقدّمة
 
إذا كان اليقين حدّ التوكّل فاليقين قرين التوكّل ولهذا فسّر التوكّل بقوّة اليقين والصواب: أنّ التوكّل ثمرته ونتيجته ولهذا حسن اقتران الهدى به قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾1 فالحقّ: هو اليقين وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾2 ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نوراً وإشراقاً وانتفى عنه كلّ ريب وشكّ وسخط وهمٍّ وغمًّ فامتلأ محبّة لله وخوفاً منه ورضاً به وشكراً له وتوكّلاً عليه وإنابة إليه.
 
 محاور الموضوع
 
مرتبة اليقين
 
يعتبر اليقين أرقى مراتب الإيمان، ففي الرواية عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس قال: "سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الإيمان والإسلام فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنّما هو الإسلام، والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين الناس شيء أقلّ من اليقين، قال: قلت فأيّ شيء اليقين؟ قال: التوكّل على الله والتسليم لله والرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله".3

1- النمل: 79 
2- إبراهيم: 12 
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص52 
 
124
 

98

المحاضرة الأولى

 خصائص أهل اليقين
 
وإذا اقترن الصبر باليقين ولد بينهما حصول الإمامة في الدين قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾1
 
وخصّ سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾2 
 
وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ3
 
وأخبر عن أهل النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾4
 
وعن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين"5.

1- السجدة: 24 
2- الذرايات: 20 
3- البقرة: 4-5 
4- الجاثية: 32 
5- شرح أصول الكافي، ج8، ص189.
 
125


 

99

المحاضرة الأولى

 حقيقة اليقين
 
عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه، مصفّراً لونه، قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة، يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون وكأنّي أنظر إلى أهل النّار وهم فيها معذّبون مصطرخون, وكأنّي الآن أسمع زفير النّار، يدور في مسامعي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أنّ أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر".1

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص53
 
126
 

100

المحاضرة الأولى

 تجلّي اليقين يوم كربلاء
 
وأبرز دعاء يتجلّى فيه يقين الإمام الحسين عليه السلام هو دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، والذي دعا به الإمام عندما نظر إلى جموع الأعداء كأنّها السيل المنحدر فرفع يديه إلى السماء وقال: "اللهمّ!.. أنت ثقتي في كلّ كربٍ، وأنت رجائي في كلّ شدّةٍ، وأنت لي في كلّ أمرٍ نزل بي ثقة وعدّة، كم من كربٍ يضعف عنه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه القريب، ويشمت به العدوّ، وتُعييني فيه الأمور، أنزلته بك وشكوته إليك راغباً فيه إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته عنّي وكفيتنيه. فأنت وليُّ كلّ نعمةٍ، وصاحبُ كلّ حاجةٍ، ومنتهى كلّ رغبةٍ، فلك الحمد كثيراً ولك المنّ فاضلاً".11

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص579.
 
127


 

101

المحاضرة الثانية

حقوق العباد
 
 الهدف
 
التذكير بحقوق العباد على بعضهم البعض وأنّ هذا من جوهر الإيمان الذي لا يكتمل إيمان عبدٍ من دونه.
 
 تصدير الموضوع
 
"جعل الله سبحانه حقوق عباده مقدّمة لحقوقه، فمن قام بحقوق عباد الله كان ذلك مؤدّياً إلى القيام بحقوق الله"1

1- عيون الحكم والمواعظ، ج223. 
 
129
 

102

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
قرنت الشريعة بين حقوق الله وحقوق العباد، فجعلت احترام حقوق العباد ومراعاتها وأداء ما افترضه الله فيها مقدّمةً ومدخلاً للوصول إلى حقوق الله سبحانه، في إشارةٍ على أنّه من المستحيل أن يؤدّي الإنسان حقّ الله دون أن يؤدّي حقّ العباد، وبالتالي فإنّ حقيقة الإيمان والارتباط بالله لا تتحقّق إلّا بأداء حقوق العباد.
 
 محاور الموضوع
 
حقوق الناس بعضهم على بعض 
 
الإمام عليّ عليه السلام: "ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلّا ببعض".1
 
وعنه عليه السلام - من خطبة له عليه السلام في أوّل خلافته -: "وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلّا بالحقّ، ولا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب".2

1- نهج البلاغة، ج2، ص198. 
2- نهج البلاغة، ج2، ص80. 
 
 
130
 

103

المحاضرة الثانية

 أعظم الحقوق 
 
عن الإمام عليّ عليه السلام: "وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق، حقّ الوالي على الرعيّة، وحقّ الرعيّة على الوالي".1 
 
مقام حقوق الإخوان 
 
ممّا يُسأل عنه يوم القيامة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً، فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له وعليه" 2
 
تعظيمها تعظيم للدّين: عن الإمام الصادق عليه السلام: "من عظّم دين الله عظّم حقّ إخوانه، ومن استخفّ بدينه استخفّ بإخوانه"3
 
المقام الرفيع عند الله: عن الإمام العسكريّ عليه السلام: "أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدّهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا".4
 
تلازم الأخوّة وأداء الحقوق: عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تضيّعن حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه، فإنّه ليس لك بأخ من ضيّعت حقّه". 5

1- نهج البلاغة، ج2، نص198. 
2- وسائل الشيعة، ج12، ص213. 
3- مستدرك الوسائل، ج9، ص50. 
4- مستدرك الوسائل، ج11، ص295. 
5- التحفة السنية، ص328.
 
131


 

104

المحاضرة الثانية

فوق الوصف والبيان: فعن الإمام الصادق عليه السلام: "كما لا يقدر أحد أن يصف فضلنا وما أعطانا الله وما أوجب الله من حقوقنا، فكذلك لا يقدر أحد أن يصف حقّ المؤمن ويقوم به ممّا أوجب الله على أخيه المؤمن".1
 
أفضل العبادة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حقّ المؤمن".2
 
حقّ المؤمن على المؤمن 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبة له من الله عزَّ وجلَّ، والله سائله عمّا صنع فيها: الإجلال له في عينه، والودّ له في صدره، والمواساة له في ماله، وأن يحبّ له ما يحبّ لنفسه، وأن يحرّم غيبته، وأن يعوده في مرضه، ويشيّع جنازته ولا يقول فيه بعد موته إلّا خيرا".3
 
عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "أمّا حقّ أخيك فأن تعلم أنّه يدك وعزّك وقوّتك، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدّة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوّه والنصيحة له، فإن أطاع الله وإلّا فليكن الله أكرم عليك منه". 4

1- جامع أحاديث الشيعة، ج15، ص 577. 
2- التحفة السنية، ص 228. 
3- الأمالي الشيخ الصدوق، ص84. 
4- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص554.
 
 
132

105

المحاضرة الثانية

 عن الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ من واجب حقّ أخيك أن لا تكتمه شيئاً تنفعه به لأمر دنياه وآخرته، ولا تحقد عليه وإن أساء، وأجب دعوته إذا دعاك، ولا تخلّ بينه وبين عدوّه من الناس وإن كان أقرب إليه منك، وعده في مرضه".1
 
عن الإمام الباقر عليه السلام: "من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرّج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده". 2
 
أدنى حقّ المؤمن على أخيه 
 
عن الإمام الصادق عليه السلام - وقد سئل عن أدنى حقّ المؤمن على أخيه -: "أن لا يستأثر عليه بما هو أحوج إليه منه". 3
 
وعنه عليه السلام - في بيان حقوق المؤمن على المؤمن-: "أيسر حقّ منها أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك".4
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: جمعنا أبو جعفر عليه السلام فقال: "يا بني, إيّاكم والتعرّض للحقوق، واصبروا على النوائب، وإن دعاكم بعض قومكم إلى أمر ضرره عليكم أكثر من نفعه لكم فلا تجيبوه".5

1- الكافي، الشيخ الكليمي، ج8، ص126. 
2- الكافي، ج2، ص169. 
3- الخصال، الشيخ الصدوق، ص8. 
4- الكافي، ج2، ص169. 
5- وسائل الشيعة، ج16، ص317, 
 
 
133
 

106

المحاضرة الثانية

 حقّ النبيّ وأهل بيته عليهما السلام:
 
ومن أعظم الحقوق التي يجب أداؤها على هذه الأمّة هي حقّ محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم, ففي الصلوات الواردة في أعمال شهر شعبان: " أللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الطيّبين الأبرار الأخيار الذين أوجبت حقوقهم وفرضت طاعتهم وولايتهم".
 
وممّا يوجب أداء هذا الحقّ العظيم أن يفرح الإنسان لفرحهم ويحزن لحزنهم, فعن الصادق عليه السلام: "وما من عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه(على الإمام الحسين عليه السلام), وما من باكٍ يبكيه إلّا وقد وصل فاطمة عليها السلام وأسعدها عليه, ووصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأدّى حقّنا..".1

1- ابن قولويه: كامل الزيارات ص 168.
 
134
 

107

المحاضرة الثالثة

 بركات التقوى في القرآن الكريم
 
 الهدف
 
الحثّ على طلب البركات والدرجات العلى من خلال التحلّي بصفة التقوى التي يرشدنا القرآن الكريم إليها.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:
 
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾.1

1- الحجرات 13.
 
 
135

108

المحاضرة الثالثة

 مقدّمة
إنّ تقوى الله تعالى حقّ تقاته الذي أمر به الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾1 قد بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا الله حقّ تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى".2 ولا بدّ أن يقدّم المرء اعتبار التقوى على أي اعتبار له علاقة باللون أو الشكل أو اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ودينكم واحد، ونبيّكم واحد، ولا فضل لعربيّ على عجمي، ولا عجميّ على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلّا بالتقوى".3
 
 محاور الموضوع
 
تفسير التقوى: عن الإمام الصادق عليه السلام- لمّا سئل عن تفسير التقوى -: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك".4
 
يقول تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، وعن الإمام عليّ عليه السلام: "ثوب التقى أشرف الملابس".5

1- آل عمران 102، 
2- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص 240. 
3- ميزان الحكمة، ج4، ص3629 
4- شرح أصول الكافي، ج1، ص118. 
5- ميزان الحكمة، ج4، ص3626
 
136
 

109

المحاضرة الثالثة

 بركات التقوى
 
نزول البركات: قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾1.
 
المغفرة والفرقان: قال تعالى: ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾2.
 
تكفير الذنوب: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾3
 
قبول الأعمال: قال تعالى:﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾4
 
وعن عليّ عليه السلام: "صفتان لا يقبل الله سبحانه الأعمال إلّا بهما: التقى والإخلاص" 5
 
الفرج والرزق: قال تعالى:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾6

1- الأعراف 96. 
2- الأنفال 29. 
3- الطلاق 5. 
4- المائدة 27. 
5- عيون الحكم والمواعظ، ص 304. 
6- الطلاق 3. 

 
137

110

المحاضرة الثالثة

 قال تعالى:﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾1
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لو أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً على عبد ثمّ اتقى الله، لجعل الله له منهما فرجاً ومخرجا". 2
 
عنه صلى الله عليه وآله وسلم- لما قرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾: "من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وشدائد يوم القيامة" 3
 
المقام الرفيع في الآخرة: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍٍ﴾4
 
قال تعالى:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾5
 
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾6
 
العاقبة للمتّقين: قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾7
 
قال تعالى:﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾8
 
قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا 

1- الطلاق 4. 
2- ميزان الحكمة، ج4، ص 3632. 
3- ميزان الحكمة، ج4، ص 3632. 
4- الدخان 51. 
5- القمر 55. 
6- الزمر 73. 
7- طه 132. 
8- القصص 83.
 
138

 

111

المحاضرة الثالثة

  آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ 1
 
أهل العفو والتسامح: قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾2
 
أهل العدل والقسط: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ 3
 
قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ 4
 
أهل الهداية بالقرآن: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ... أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾5
 
وأهل البيت عليهم السلام هم أهل التقوى كما في بعض زيارات أئمّة البقيع عليهما السلام: "السلام عليكم أئمّة الهدى, السلام عليكم أهل التقوى"6

1- الذاريات 15. 
2- البقرة 237. 
3- النساء 135. 
4- الأنعام 153. 
5- البقرة 2. 
6- الكليني: الكافي ج 4 ص 559.
 
139
 
 

112

المحاضرة الأولى

 الموت في كلمات الإمام الحسين  عليه السلام
 
 الهدف
 
تقريب مفهوم الموت على أنّه من الأمور التي ينبغي أن يسخّرها الإنسان في خدمة الرسالة.
 
 تصدير الموضوع
 
 قال هذا مخاطبا أنصاره في كربلاء: 
 
"إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما"1

1- مثير الأحزان ص 22.
 
143
 

113

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
من جملة المفاهيم التي برزت في نداءات الإمام الحسين  عليه السلام والتي أضفت على كربلاء سرّاً من أسرار خلودها وعظمتها ومنارةً استلهمت الثورات المناهضة للظلم والاستبداد مبادئها من هذه النداءات والتوجيهات هو مفهوم الموت ومبدأ التعامل معه وتسخيره في خدمة الرسالة والدور الذي أناطه الله بالإنسان في الأرض، وكيف ينبغي أن يختار المرء مواقفه حيال التحدّيات التي يفرضها عليه الأعداء والتهديدات التي يعشعش الموت في حناياها.
 
 محاور الموضوع
 
حقيقة الموت
 
"صبراً بني الكرام، فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم".1
 
خاطب بهذا الكلام أصحابه المستعدّين للبذل، في صبيحة يوم عاشوراء بعد أن استشهد عدد منهم.
 
فالموت بداية الحياة والسعادة الدائمة ونهاية الألم والشقاء والبؤس والضرّاء.

1- نفس المهموم:135، معاني الأخبار:288 
 
144
 

114

المحاضرة الأولى

 إختيار الموت
 
قال الحسين  عليه السلام - في منزل ذي حسم- أثناء مسيره الى كربلاء: "ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً"1
 
فالموت هنا اختيار ورغبة وذلك عند ظهور الفساد وتفشّيه في الأرض وابتعاد الناس عن الحقّ.
 
حتميّة الموت
 
قال الحسين  عليه السلام في كربلاء مخاطبا أصحابه: "خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة"2
 
وبالإضافة إلى حتميّة الموت يبيّن الإمام الحسين  عليه السلام جانباً من جوانب جماليّة الموت التي تضفي على الموت مظهراً جاذباً وتجعل منه أمراً مرغوباً.
 
قرار الموت
 
ممّا قاله عليه السلام في مكّة قبل الخروج الى الكوفة أمام جمع من أنصاره وأهل بيته: 
 
"سأمضي وما بالموت عار على الفتى          إذا ما نـوى حـقّاً وجـاهـد مسـلما"3

1- المناقب لابن شهراشوب 68:4 
2- اللهوف:53 
3- بحار الأنوار 334:44
 
145
 

115

المحاضرة الأولى

 هذا الشعر تمثّل به الحسين ردّاً على تهديدات الحرّ على طريق الكوفة، ويبيّن أنّ الحسين عليه السلام هو الذي اتخذ قرار الجهاد والموت في سبيل الله غير آبهٍ بتعليقات أو تفسيرات الآخرين على موقفه.
 
التكليف بالموت
 
ممّا قاله عليه السلام في خطاب لأصحابه عند خروجه من مكّة: "من كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا"1
 
فالحسين عليه السلام لا يعرض التكليف على أصحابه حتّى لو أدّى إلى الشهادة، بل يقدّم الإستشهاد ولقاء الله على أنّه هو التكليف الذي ينبغي أن يوطّن الأصحاب أنفسهم عليه.
 
الموت على اليقين
 
"فهل إلّا الموت؟ فمرحباً به" 2
 
جاء هذا في ردّه على كتاب عمر بن سعد الذي طلب فيه من الإمام أن يستسلم. فالموت ليس أمراً نفرّ منه ونخافه بل أمرٌ نرغبه ونرحّب به. 

1- بحار الأنوار:366، أعيان الشيعة 539:1 
2- موسوعة كلمات الإمام الحسين :382
 
146
 

116

المحاضرة الأولى

 بين الموت والعار
 
الموت أولى من ركوب العار      والعار أولى من دخول النّـار1
 
كان الحسين يرتجز بهذا الشعر يوم عاشوراء عند منازلة الأعداء، ويعلن فيها استعداده للشهادة وعدم تحمّل عار البيعة للحاكم الظالم الفاسق.
 
بين الموت والحياة
 
"موت في عزٍّ خير من حياة في ذلّ"2
 
فالخيار الذي ينبغي أن نلتزم به هو العزّة والكرامة، فحياة الذلّ ليست حياة أصلاً بل هي الموت بعينه، وموت العزّ ليس موتاً وفناءً بل هو الحياة بكلّ جمالا.

1- مناقب ابن شهراشوب68:1 
2- بحار الأنوار 192:44
 
147
 

117

المحاضرة الثانية

 أدب العشرة مع الناس
 
 الهدف
 
بيان أنّ القيمة الأساسيّة للرسالة هي تجلّيها في سلوك الإنسان لا سيّما فيما يرتبط بالتعامل مع الآخرين.
 
 تصدير الموضوع
 
الإمام عليّ  عليه السلام:
 
"ابذل لأخيك دمك ومالك، ولعدوّك عدلك وإنصافك، وللعامّة بشرك وإحسانك"1

1- تحف العقول، ص 212.
 
149
 

118

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
لعلّ العلاقة مع الناس وطبيعة التعامل معهم من أرقى المفاهيم التي دعت إليها الشريعة الإسلاميّة ووضعت لها أسسها وآدابها ومستحبّاتها وواجباتها، وجعلتها من أفضل العبادات التي يتقرّب بها الإنسان إلى ربّه ومن أرفع الأخلاق التي ينبغي للمؤمن أن يتّصف بها، فالناس عباد الله الذين يجب أن نتقرّب إلى الله بخدمتهم ونسعى في قضاء حوائجهم ونتجاوز عمّا يصدر عنهم من هفوات أو إساءات، وقد بيّنت النصوص أهمّ المعايير في هذا المجال وهو أن نعامل الناس كما نحبّ أن يعاملوننا. 
 
 محاور الموضوع
 
أدب العشرة مع الناس 
 
وعشرة الناس لها فنونها وآدابها التي تجعل من الإنسان شخصاً محبوباً ومؤثّراً بين الناس، فعن الإمام عليّ عليه  السلام: "خالطوا الناس مخالطة إن متّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم(غبتم) حنّوا إليكم"1
 
ويبين لقمان عليه السلام- لابنه وهو يعظه – أنّ الخروج عن هذه الفنون والآداب يؤثّر سلباً على الإنسان: يا بنيّ لا تكالب الناس

1- نهج البلاغة، ج4، ص4.
 
150
 

119

المحاضرة الثانية

 فيمقتوك، ولا تكن مهيناً فيذلّوك، ولا تكن حلواً فيأكلوك، ولا تكن مرّاً فيلفظوك1
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "جاملوا الناس بأخلاقكم تسلموا من غوائلهم، وزايلوهم بأعمالكم لئلّا تكونوا منهم"2
 
الميزان في معاشرة الناس
 
ومن أجمل القواعد التي يشير إليها الإسلام في التعاطي مع الآخر أن يعتبر الإنسان نفسه أنّه هو الآخر وأنّه في مقام الإنفعال والتلقّي وليس في مقام الفعل والتأثير، ويلخّص الإمام عليّ عليه  السلام ذلك بقوله: "اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، وأحبّ لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، لا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس ما ترضى لهم منك"3
 
وعن الإمام الحسن  عليه السلام: "صاحب الناس مثل ما تحبّ أن يصاحبوك به"4

1- ميزان الحكمة، ج3، ص1976. 
2- ميزان الحكمة، ج3، ص1978. 
3- نهج البلاغة، ج3، ص45. 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1978 
 
 
151

120

المحاضرة الثانية

 وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "من أكرمك فأكرمه، ومن استخفّ بك فأكرم نفسك عنه"1
 
ويؤكّد الإمام عليّ عليه  السلام أن ترغب فيمن يرغب فيك وأن تزهد فيمن يزهد فيك بقوله: "زهدك في راغب فيك نقصان حظّ، ورغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس"2
 
الحثّ على حسن المصاحبة
 
رفعت الشريعة من مقام التودّد إلى الناس وحسن مصاحبتهم، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الإيمان بالله عزَّ وجلَّ التحبّب إلى الناس"3.
 
واعتبرت ذلك من خصائص المسلم فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلما"4.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّه ليس منّا من لم يحسن(صحبة) من صحبه، ومرافقة من رافقه، وممالحة من مالحه، ومخالقة من خالقه"5.
 
بركات حسن العشرة
 
إنّ التودّد إلى الناس ينبغي أن يتمتّع به أيّ مسلم ويلزم نفسه 

1- ميزان الحكمة، ج3، ص1977. 
2- شرح أصول الكافي، ج9، ص 200. 
3- الخصال، ص 15. 
4- الامالي،الشيخ الصدوق، ص 269. 
5- الكافي، ج2، ص637.
 
 
152

121

المحاضرة الثانية

 به ويصبر على نتائجه, فقد ورد عن الإمام عليّ عليه  السلام: "ألزم نفسك التودّد، وصبّر على مؤنات الناس نفسك" 1.
 
ومن بركات حسن العشرة: 
 
تأكيد المحبّة: عنه عليه السلام: "بالتودّد تتأكّد المحبّة"2.
 
دوام المودّة: عنه  عليه السلام: "بحسن العشرة تدوم المودّة"3.
 
وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "لا يطمعنَّ المستهزئ بالناس في صدق المودّة"4 .
 
أنس الرفيق: عنه  عليه السلام: "بحسن العشرة تأنس الرفاق"5.
 
وإذ شدّدت الشريعة على حسن العشرة أكّدت على مصاحبة أهل العقول وذوي الفضائل فعن الإمام عليّ عليه  السلام: "عمارة القلوب في معاشرة ذوي العقول"6.
 
وعنه  عليه السلام: "معاشرة ذوي الفضائل حياة القلوب"7.
 
ما ينبغي في محبّة الحبيب 
 
عن الإمام عليّ  عليه السلام: "أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن

1- ميزان الحكمة، ج3، ص1980. 
2- ميزان الحكمة، ج3، ص1980 
3- ميزان الحكمة، ج3، ص1980 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1981. 
5- ميزان الحكمة، ج3، ص1980 
6- ميزان الحكمة، ج3، ص1980 
7- ميزان الحكمة، ج3، ص1980
 
153
 

122

المحاضرة الثانية

  أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما" 1.
 
وعليه فلا ينبغي أن يكثر الإنسان من تودّده إلى حدّ التداخل في القضايا الشخصيّة وانكشاف الأسرار كي لا يُصاب بالندم فيما بعد فعن الإمام عليّ عليه  السلام: "إذا أحببت فلا تكثر"2.
 
وعنه عليه السلام: "إن استنمت3 إلى ودودك فأحرز له من أمرك، واستبق له من سرّك ما لعلّك أن تندم عليه وقتاً ما".4
 
خير خلائق الدنيا والآخرة:
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمأنّه قال في خطبته: "ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟: العفو عمّن ظلمك, وتصل من قطعك, والإحسان إلى من أساء إليك, وإعطاء من حرمك"5.
 
وهكذا كان دأب أهل البيت عليهم السلام أن يحسنوا إلى من أساء إليهم, كما أحسن الإمام الحسين  عليه السلام إلى الحرّ وجيشه عندما سقاهم الماء وقد أتوا إليه ليحاصروه ويمنعوه وأصحابه من الدخول إلى الكوفة..

1- نهج البلاغة، ج4، ص64. 
2-عيون الحكم والمواعظ، ص 133. 
3- استنام إليه: سكن.
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1980 
5- الكليني: الكافي ج 2 ص 107.
 
154
 

123

المحاضرة الثالثة

 دور الابتلاء في صناعة الإنسان
 
 الهدف
 
التنبيه على أنّ الابتلاء إنّما يكون لمن يريد الله تكريمهم وصقل نفوسهم في الدنيا ورفع مكانتهم في الآخرة.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:
 
﴿ مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾1

1- آل عمران 189. 
 
155
 

124

المحاضرة الثالثة

 مقدّمة
 
إنّ سنّة الله في خلقه إذا أراد بعبدٍ خيراً قائمة على موضوع الابتلاء وأنّ الله إنّما يصنع من هذا الإنسان إنساناً كاملاً من خلال الابتلاءات والتحدّيات التي يجعلها في طريقه، فالله تعالى إذا أراد أن يمنح عبده القوّة ابتلاه بعدوٍّ قويّ وإن أراد أن يجعل منه حكيماً ابتلاه بفتنةٍ عمياء, وإن أراد أن يكون مشهوراً حبّب إليه الفقراء والمساكين, وإن أراد أن يخفّف عنه حسابه ابتلاه بالفقر والعوز، وهكذا فإن كلّ ابتلاء من الله له هدفه الذي يريده الله للإنسان في الدنيا وله مقامه الذي يريد الله أن يرفعه إليه في الآخرة.
 
 محاور الموضوع
 
أنواع الابتلاء
 
عن الإمام الصادق  عليه السلام: "ما من قبض ولا بسط إلّا ولله فيه المنّ والابتلاء"1. وقد ذكرت النصوص بعض عناوين هذه الابتلاءات: 
 
الخوف والجوع: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾2.

1- ميزان الحكمة، ج3، ص 2364. 
2- البقرة 155.
 
156
 

125

المحاضرة الثالثة

 الخير والشرّ: قال تعالى:﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة﴾1.
 
المال والولد: عن أمير المؤمنين  عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿ِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾2: ومعنى ذلك أنّه سبحانه يختبر عباده بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثواب والعقاب.
 
الفاقة والمرض: عن الإمام عليّ عليه  السلام: "إنّ من البلاء الفاقة، وأشدّ من ذلك مرض البدن، وأشدّ من ذلك مرض القلب"3.
 
ولعلّ ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن أنّ كلّ ما يحيط بالمرء يستبطن نوع ابتلاء إذ قال: "المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، ونفس تنازعه، وشيطان يضلّه"4
 
علّة الابتلاء
 
اختيار العمل الأحسن: عن الإمام الرضا عليه السلام في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: "إنّه عزَّ وجلَّ خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته، لا على سبيل الامتحان والتجربة، لأنّه لم يزل عليماً بكلّ شيء"5

1- الأنبياء 35. 
2- الأنفال 28. 
3- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص146. 
4- كنز العمّال، ج1، ص161. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص301. 
 
157
 

126

المحاضرة الثالثة

 تصحيح الإيمان: وفي روايةٍ عن الإمام الصادق عليه السلام يبيّن فيها أنّ البلاء له علاقة بتصحيح مسار الإيمان عند الإنسان فيقول: "البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عقل، لأنّ في مباشرته والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان"1
 
التذكير: والتذكير يكون للمؤمن والكافر على حدٍّ سواء، أمّا الكافر فلردعه عن كفره وأمّا المؤمن لتذكيره بعبوديّته لله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾2

وقال تعالى: ﴿ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾3
 
وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلّا عرض له أمر يحزنه يذكر به"4.
 
عنه عليه السلام: "ما من مؤمن إلّا وهو يذكر في كلّ أربعين يوماً ببلاء، إمّا في ماله أو في ولده أو في نفسه فيؤجر عليه..."5 
 
الخضوع لله: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض، والموت، والفقر...."6 .

1- ميزان الحكمة، ج1، ص305. 
2- الأعراف 130. 
3- التوبة 126. 
4- الكافي، ج2، ص254. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص305 
6- ميزان الحكمة، ج1، ص306.
 
158
 

127

المحاضرة الثالثة

 دور الأعمال السيّئة في وقوع البلاء
 
قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾1.
 
ومعنى أنّ الله يبتلي الإنسان بما كسبت يديه لا ينافي كون البلاء نعمة له وذلك لأنّ الله يريد للإنسان أن يرى أثر الأفعال السيّئة عليه فيعمل على التخلّص منها.
 
قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾2
 
قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾3. وفي قوله:﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إشارة واضحة إلى النعمة المحيطة بالبلاء.
 
وعن الإمام عليّ عليه  السلام - وقد خرج للاستسقاء-: "إنّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكّر متذكّر ويزدجر مزدجر"4.
 
نعمة البلاء 
 
إنّ القاعدة الواردة عن الإمام العسكري  عليه السلام: "ما من بليّة

1- الشورى 30. 
2- آل عمران 165. 
3- الروم 41. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص306.
 
159 
 

 


128

المحاضرة الثالثة

  إلّا ولله فيها نعمة تحيط بها 1، تكشف أنّ الإنسان المؤمن ينبغي أن ينظر إلى أيّ ابتلاء على أنّه نعمة".
 
بل عدّ الإمام الكاظم  عليه السلام ذلك شرطاً من شرائط الإيمان فقال: "لن تكونوا مؤمنين حتّى تعدّوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وذلك أنّ الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء"2
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تكون مؤمناً حتّى تعدّ البلاء نعمة والرخاء محنة، لأنّ بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة"3
 
عن الإمام عليّ عليه  السلام: "إذا رأيت ربّك يوالي عليك البلاء فاشكره، إذا رأيت ربّك يتابع عليك النعم فاحذره"4. ومقتضى الشكر أنّ المؤمن ينظر إلى البلاء كنعمة من الله.
 
تمحيص البلاء للذنوب 
 
عن الإمام عليّ عليه  السلام: "الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم لتسلم بها طاعاتهم ويستحقّوا عليها ثوابها"5.
 
ومعنى ذلك أنّ الله يكفّر ذنوب عباده بهذه الإبتلاءات

1- تحف العقول، ص 489. 
2- تحف العقول، ص 377. 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص304. 
4- عيون الحكم والمواعظ، ص136. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص306.
 
160
 

129

المحاضرة الثالثة

  فيقتصر عقابه لهم في الدنيا بما ينفعهم على تصويب إيمانهم، فعن عليّ عليه  السلام: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عزَّ وجلَّ؟ حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم), والله عزَّ وجلَّ أكرم من أن يثنّي عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله تبارك وتعالى أحلم من أن يعود في عفوه1
 
وعنه عليه السلام: "ما عاقب الله عبداً مؤمناً في هذه الدنيا إلّا كان الله أحلم وأمجد وأجود وأكرم من أن يعود في عقابه يوم القيامة"2.
 
ضرورة الابتلاء 
 
وضرورته قائمة على كونه العلّة الأساسيّة في تصنيف الناس من خلال كيفيّة انفعالهم مع هذه الإبتلاءات قال تعالى:﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾3.
 
قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾4.
 
بل أكثر من ذلك فإنّ عدم الابتلاء يعني عدم اكتراث الله بهذا الإنسان وعدم رهانه عليه في أيّ أمرٍ من أمور الدين، فعن

1- الشورى 30. 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص306. 
3- التوبة 16. 
4- محّمد 31.
 
161


 

130

المحاضرة الثالثة

 الإمام عليّ عليه  السلام: "لا حاجة لله فيمن ليس لله في نفسه وماله نصيب"1.
 
عن الإمام زين العابدين  عليه السلام: "إنّي لأكره أن يعافى الرجل في الدنيا ولا يصيبه شيء من المصائب"2.
 
وهذا ما رمى إليه الإمام الحسين عليه السلام بقوله: "إنّ الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون"3. فالتمحيص بالبلاء وحده يميّز الديّانين من غيرهم.

1- مشكاة الانوار، الطبرسي، ص 505. 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص304. 
3- موسوعة كلمات الامام الحسين عليهم السلام، ص432.
 
162
 

131

المحاضرة الأولى

 فضل زيارة الحسين عليه السلام 
 
 تصدير الموضوع
 
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ:
 
"مُرُوا شِيعَتَنَا بِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام  فَإِنَّ إِتْيَانَهُ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَيَمُدُّ فِي الْعُمُرِ وَيَدْفَعُ مَدَافِعَ السُّوءِ، وَإِتْيَانَهُ مُفْتَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يُقِرُّ لَهُ بِالإمَامَةِ مِنَ اللهِ"1.

1- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 37 تأكد استحباب زيارة الحسين عليهم السلام ص413/ ح19483.
 
165
 

132

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
إنّ من أهمّ خصائص زيارة الحسين عليه السلام  التشديد الذي تؤكّده الروايات على الإتيان بهذه الزيارة على كلّ حال سواء في الصحّة والمرض أو في الغنى والفقر أو حالة الخوف من الحاكم أو حتّى في حال التضحية إذا اقتضى الأمر.
 
 محاور الموضوع
 
النبيّ يعين زوّار الإمام الحسين
 
فقد جاء في الروايات أنّه صلى الله عليه وآله وسلم يزور زائر الامام الحسين عليه السلام ويكرمه.
 
"فعَنِ الْمُعَلَّى أَبِي شِهَابٍ قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ عليه السلام  لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: يَا أَبَتَاهْ مَا لِمَنْ زَارَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: يَابُنَيَّ مَنْ زَارَنِي حَيّاً أَوْ مَيِّتاً أَوْ زَارَ أَبَاكَ أَوْ زَارَ أَخَاكَ أَوْ زَارَكَ كَانَ حَقّاً عليّ أَنْ أَزُورَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأُخَلِّصَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ" 1
 
استغفار الزهراء لزوّار الإمام الحسين
 
إنّ مولاتنا الزهراء عليها السلام  تحضر في كربلاء وتطلب من الله تعالى أن يغفر ذنوب زوّار الامام الحسين عليه السلام .
 
"عن داود بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام  قال: إنّ فاطمة

1- فروع الكافي/ ج4/ باب زيارة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم/ ص548/ ح4. 
 
166
 

133

المحاضرة الأولى

 بنت محمّد صلى الله عليه وآله وسلمتحضر لزوّار قبر ابنها الحسين عليه السلام  فتستغفر لهم ذنوبهم"1.
 
أدنى ما لزائر الإمام الحسين: إنّ الله تعالى يحفظ زائر الحسين عليه السلام  ويرعاه، كما في الرواية:
 
"عن عبد الله بن هلال عن أبي عبد الله عليه السلام  قال: قلت له: جعلت فداك ما أدنى ما لزائر قبر الحسين عليه السلام ؟ فقال لي: يا عبد الله إنّ أدنى ما يكون له أنّ الله يحفظه في نفسه وأهله حتّى يردّه إلى أهله فإذا كان يوم القيامة كان الله الحافظ له"2.
 
كرامة الله لزوّار الحسين عليه السلام : وهناك رواية أخرى تشير إلى ذلك ولكن من زاوية أخرى، وهي:
 
"عن عبد الله الطحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته وهو يقول: ما من أحد يوم القيامة إلّا وهو يتمنّى أنّه من زوّار الحسين، لما يرى ممّا يُصنع بزوّار الحسين عليه السلام  من كرامتهم على الله تعالى"3.
 
الزيارة وطول العمر:"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ؛ يَقُولانِ: إِنَّ اللهَ عَوَّضَ الْحُسَيْنَ عليه السلام 

1- كامل الزيارات/ الباب 40 دعاء الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم و.../ ص118/ ح4. 
2- كامل الزيارات/ الباب 49 ثواب من زار الحسين عليهم السلام  ص133/ ح5.
 
167
 

134

المحاضرة الأولى

 مِنْ قَتْلِهِ: أَنَّ الإمَامَةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَالشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ، وَإِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلا تُعَدُّ أَيَّامُ زَائِرِيهِ جَائِياً وَرَاجِعاً مِنْ عُمُرِهِ"1.
 
حساب الزائر يوم القيامة: "عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله أو أبا جعفر؛ يقول: من أحبّ أن يكون مسكنه الجنّة ومأواه الجنّة فلا يدع زيارة المظلوم. قلت: من هو؟
 
قال: "الحسين بن عليّ صاحب كربلاء. من أتاه شوقاً إليه وحبّاً لرسول الله وحبّاً لفاطمة وحبّاً لأمير المؤمنين عليه السلام  أقعده الله على موائد الجنّة يأكل معهم والناس في الحساب"2.
 
مقام زائر الإمام الحسين في الآخرة
 
في أعلى عليّين: أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام  قَالَ: "مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ، كَتَبَهُ اللهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ"3.
 
وفي روايةٍ أخرى: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَرِيرٍ الْقُمِّيِّ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام  يَقُولُ لأبِي: مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ; عَارِفاً بِحَقِّهِ كَانَ مِنْ مُحَدِّثِي اللهِ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ"4.

1- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 37 تأكّد استحباب زيارة الحسين عليهم السلام ص424/ ح19512. 
2- اﻷمالي للطوسي/ المجلس الحادي عشر وفيه بقيّة.../ ص317/ ح91. 
3- كامل الزيارات/ الباب 55 من زار الحسين حبّاً لرسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة (سلام الله عليهم) / ص141/ ح2. 
4- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 37 تأكّد استحباب زيارة الحسين عليهم السلام ص418/ ح19495. 
5- مستدرك الوسائل/ ج10/ باب 26 تأكّد استحباب زيارة الحسين ووجوباً و.../ ص251/ ح41.
 
168
 

135

المحاضرة الأولى

 زائر الإمام الحسين منتخب من الله: "عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام  قَالَ: مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الْحُسَيْنِعليه السلام ، وَحُبَّ زِيَارَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ السُّوءَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ بُغْضَ الْحُسَيْنِ عليه السلام  وَبُغْضَ زِيَارَتِهِ"1.
 
غفران الذنوب: عن الحسن بن موسى الخشّاب عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام جُعِلَ ذُنُوبُهُ جِسْراً عَلَى بَابِ دَارِهِ، ثُمَّ عَبَرَهَا كَمَا يُخَلِّفُ أَحَدُكُمُ الْجِسْرَ وَرَاءَهُ إِذَا عَبَرَهُ"2.

 
تحت لواء الإمام الحسين: عن أبي أسامة زيد الشحّام قال: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أتى قبر الحسين عليه السلام  تشوّقاً إليه كتبه الله من الآمنين يوم القيامة، وأُعطي كتابه بيمينه، وكان تحت لواء الحسين عليه السلام  حتّى يدخل الجنّة فيسكنه في درجته، إنّ الله عزيز حكيم"3.
 
زائره دوماً في رحمة الله: "عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا لِمَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ وَلا مُسْتَنْكِفٍ

1- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 164 استحباب زيارة الحسين عليهم السلام حبّاً لرسول الله و.../ ص496/ ح19678. 
2- من لا يحضره الفقيه/ ج2/ باب ثواب زيارة النبيّ واﻷئمة اﻷطهار (سلام الله عليهم) / ص581/ ح3172. 
3- كامل الزيارات/ الباب 56 من زار الحسين تشوّقاً إليه/ ص142/ ح1.
 
169
 

136

المحاضرة الأولى

 قَالَ: " يُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَجَّةٍ مَقْبُولَةٍ، وَأَلْفُ عُمْرَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَقِيّاً كُتِبَ سَعِيداً، وَلَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللهِ"1.
 
الزائر يستجاب دعاؤه: "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام : مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام  لِلَّهِ وَفِي اللهِ أَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ، وَآمَنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الأكْبَرِ، وَلَمْ يَسْأَلِ اللهَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلاّ أَعْطَاهُ"2.
 
مواصلة الزيارة: "عن محمّد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام  قال: سمعته يقول: زوروا الحسين عليه السلام ولو كلّ سنة، فإنّ كلّ من أتاه عارفاً بحقّه غير جاحد لم يكن له عوض غير الجنّة، ورُزق رزقاً واسعاً، وآتاه الله من قبله بفرح [بفرج] عاجل ـ وذكر الحديث"3.

1- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 45 استحباب اختيار زيارة الحسين عليهم السلام  ص454/ ح19588. 
2- وسائل الشيعة/ ج14/ باب 64 استحباب زيارة الحسين عليهم السلام  حبّاً لرسول الله و.../ ص499/ ح19685. 
3- كامل الزيارات/ الباب 61 إن زيارة الحسين عليهم السلام  تزيد في العمر و.../ ص151/ ح4.
 
170


 

137

المحاضرة الثانية

 أهميّة الابتلاء في حياة المؤمن
 
 الهدف
 
محاولة إبراز الجانب المشرق والنافع للابتلاء ودعوة الناس لا سيّما أهل الإيمان للنظر إلى الابتلاءات من خلاله. 
 
 تصدير الموضوع
 
 قال تعالى:
 
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾1

1- البقرة 212.
 
171
 

138

المحاضرة الثانية

 مقدّمة
 
إنّ المتأمّل في النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام  يرى اقتران الابتلاء بمحبّة الله واقتران محبّته بتكريمه لعباده واقتران تكريمهم بإفاضته عليهم من نعمه الواسعة ليثبّت إيمانهم ويزيدهم من فضله، ومعنى ذلك أنّ الله أخفى نعمه في ابتلاءاته وغيّب إفاضاته في ثنايا امتحاناته، فلا يرى جمال ابتلاءاته إلّا من أخلص له ولا يدرك حلاوة امتحاناته إلّا من ارتبط قلبه به لا شريك له، ولذلك فإنّ المؤمن يرى الوجه المشرق للبلاء فيقدم عليه، فحاله في البلاء والرخاء على حدٍّ سواء.
 
 محاور الموضوع
 
شدّة ابتلاء المؤمن 
 
ومن الواضح في الآية أنّ المؤمن إذا اشتدّ عليه الابتلاء استعجل النصر الإلهيّ ولم يزحزحه ذلك عن موقفه، بل لعلّ سؤالهم عن النصر إيماناً منهم أنّ البلاء كلّما اشتدّ اقترب من الفرج وأنّ الفرج يكون عند تناهي البلاء كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أضيق الأمر أدناه من الفرج"1.

1- مستدرك سفينة البحار، ج8، ص161. 
 
172
 

139

المحاضرة الثانية

 وعن الإمام الصادق عليه السلام : "إذا أضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافية"1.
 
وعنه عليه السلام  يبيّن مراتب أهل البلاء: "إنّ أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل"2.
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام : "إنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقيّ من المطر إلى قرار الأرض"3
 
تكريم المؤمن بالبلاء 
 
وإذا كان البلاء في جوهره نعمةً خاصّة يختصّ الله بها من يشاء من عباده الذين أراد بهم خيراً وأراد لهم حسن الثواب فيتّضح معنى الروايات التي اعتبرت أنّ البلاء تكريمٌ للمؤمن وفضلٌ من الله عليه.
 
عن الإمام الباقر عليه السلام : "إنّ الله عزَّ وجلَّ ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهديّة من الغيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض"4.
 
وما أدلّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله ليغذي عبده المؤمن بالبلاء كما تغذي الوالدة ولدها باللبن"5.

1- تحف العقول، ص327. 
2- شرح أصول الكافي، ج1، ص249, 
3- الكافي، ج2، ص259. 
4- الكافي، ج2، ص255. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص305.
 
173
 

140

المحاضرة الثانية

 عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أراد الله بقوم خيراً ابتلاهم"1
 
عن الإمام الصادق عليه السلام : "إنّ لله عزَّ وجلَّ عباداً في الأرض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلّا صرفها عنهم إلى غيرهم، ولا بليّة إلّا صرفها إليهم"2.
 
وهذا يوّضح لنا معنى كون البلاء مقترناً بمحبّة الله لعباده كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : "إذا أحبّ الله قوماً أو أحبّ عبداً صبّ عليه البلاء صبّاً فلا يخرج من غمٍّ إلّا وقع في غمّ"3.
 
عن الإمام الباقر عليه السلام : "يبتلى المرء على قدر حبّه"4
 
البلاء على قدر الإيمان 
 
وتماماً كما أنّ الأعمال السيّئة سبباً في بلاء المرء لتذكيره وردعه فكذلك الأعمال الحسنة وإيمان المرء سبباً في ابتلاء المرء لكن لتقوية إيمانه وإرادته فإنّ من الدرجات ما لا يبلغه العبد إلّا بالبلاء، فعن الإمام الصادق عليه السلام : "إنّه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلّا بإحدى خصلتين: إمّا بذهاب ماله أو ببليّة في جسده"5.

1- ميزان الحكمة، ج1، ص305. 
2- شرح أصول الكافي، ج9، ص 208. 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص307. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص307. 
5- الكافي، ج2، ص257. 
 
174
 

141

المحاضرة الثانية

 وقد ورد في كتاب عليّ عليه السلام  -: إنّما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة، فمن صحّ دينه وحسن عمله أشتدّ بلاؤه، وذلك أنّ الله عزَّ وجلَّ لم يجعل الدنيا ثواباً لمؤمن، ولا عقوبة لكافر، ومن سخف دينه وضعف عمله قلّ بلاؤه1
 
عنه عليه السلام : "كلّما ازداد العبد إيماناً ازداد ضيقاً في معيشته"2
 
عن الإمام الكاظم عليه السلام : "مثل المؤمن مثل كفّتي الميزان، كلّما زيد في إيمانه زيد في بلائه، ليلقى الله عزَّ وجلَّ ولا خطيئة له"3.
 
وفي روايةٍ أنّه لمّا حمل عليّ بن الحسين عليه السلام  إلى يزيد بن معاوية فأوقف بين يديه، قال يزيد لعنه الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فقال عليّ بن الحسين عليه السلام : ليست هذه الآية فينا، إنّ فينا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾4
 
فكأنّ يزيد أراد أن يستدلّ على إيمانه بما به من نعمة وعلى ضلالة أهل بيت العصمة بما جرى عليهم من كربلاء، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ 

1- الكافي، ج2، ص259. 
2- شرح أصول الكافي، ج9، ص222. 
3- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص631. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص308. 
 
175
 

142

المحاضرة الثانية

 بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ ﴾1
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام : قال الله عزَّ وجلَّ: "لولا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت رأس الكافر بعصابة حديد لا يصدع رأسه أبدا"2.
 
ذمّ حبّ البلاء 
 
يروي عن أبي ذرّ رحمه الله أنًه قال: "ثلاثة يبغضها الناس وأنا أحبّها: أحبّ الموت، وأحبّ الفقر، وأحبّ البلاء -: هذا ليس على ما يروون، إنّما عنى: الموت في طاعة الله أحبّ إليَّ من الحياة في معصية الله، والفقر في طاعة الله أحبّ إليَّ من الغنى في معصية الله، والبلاء في طاعة الله أحبّ إليَّ من الصحّة في معصية الله"3.
 
حال المؤمن في البلاء 
 
وإذا أيقن المؤمن بحقيقة الابتلاء وما أضمره الله له من الخير سكنت نفسه وارتاح قلبه ولم يخرجه ذلك عن مسار الإيمان، ولذلك نقرأ عن الإمام عليّ عليه السلام - في وصف المؤمنين -: نزلت

1- الزخرف 33. 
2- شرح أصول الكافي، ج9، ص215. 
3- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص165. 
 
176
 

143

المحاضرة الثانية

 أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء"1
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام - فيما أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام -: "ما خلقت خلقاً أحبّ إليَّ من عبدي المؤمن، فإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدِّيقين عندي"2
 
فالمؤمن عند البلاء صابراً محتسباً كما قال تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون ﴾3
 
ويعلّمنا الإمام عليّ عليه السلام  الدعاء حين نزول البلاء فقد ورد عنه: قل عند كلّ شدّة: "لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم تكفها"4

لذلك كان الإمام الحسين عليه السلام  يكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله.. ويسترجع كثيراً.

1- نهج البلاغة، ج2، ص161. 
2- الكافي، ج2، ص61. 
3- البقرة 156. 
4- تحف العقول، ص174. 
 
177
 

 


144

المحاضرة الثالثة

 المسؤوليّة
 
 الهدف
تعزيز روحيّة العمل وتحمّل المسؤوليّة ومواجهة التحدّيات عند الإنسان ومحاولة الحدّ من تصرّفاته اللاهية وغير المسؤولة.
 
 تصدير الموضوع
 
"ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا"1.

1- الإسراء 36. 
 
179
 

145

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة
 
حذّر السلام  من العبثيّة واللهو أو أي لون من ألوان عدم تحمّل المسؤوليّة في هذه الحياة الدنيا معتبراً أنّ ذلك يتنافى مع مبدأ وجود الإنسان فيها المعتمد على السعي والعمل والالتزام بالتكاليف السماويّة والقيام بأعظم دور أناطه الله به وهو كونه خليفة الله في أرضه والمسؤول عن إقامة حكم الله على الأرض وأنّ أي سلوك يصدر عنه ينبغي أن يكون الإنسان مسؤولاً عنه وذلك من خلال أن يلحظ الرقابة الإلهيّة الدائمة وأن يستشعر مفهوم الرجوع إلى الله والسؤال عن كلّ ما صدر عنه.
 
 محاور الموضوع
 
حتميّة السؤال يوم القيامة
 
قال تعالى: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾1
 
قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾2
 
قال تعالى:﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾3
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون"4

1- الأعراف 6. 
2- الصافات 24. 
3- الحجر 92. 
4- الكافي، ج2، ص606.
 
180
 

146

المحاضرة الثالثة

 الإمام عليّ عليه السلام : "أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وإليه تصيرون، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ ويقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ﴾ ويقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾"1.
 
دائرة المسؤوليّة 
 
عنه عليه السلام : "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم أطيعوا الله ولا تعصوه"2
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معاشر قرّاء القرآن اتقوا الله عزَّ وجلَّ فيما حملكم من كتابه فإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون، إنّي مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأمّا أنتم فتسألون عمّا حملتم من كتاب الله وسنّتي"3
 
الإمام الصادق عليه السلام  - في الدعاء بعد صلاة يوم الغدير -:" يا صادق الوعد، يا من لا يخلف الميعاد، يا من هو كلّ يوم في شأن، أن أنعمت علينا بموالاة أوليائك المسؤول عنها عبادك، فإنّك قلت وقولك الحقّ: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾, وقلت: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾"4.

1- الأمالي، ص25. 
2- نهج البلاغة، ج2، ص80. 
3- شرح أصول الكافي، ج11، ص29. 
4- مصباح المتهجّد، ص570.
 
181


 

147

المحاضرة الثالثة

 إناطة المسؤوليّة بالجميع 
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم"1
 
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى سائل كلّ راع عمّا استرعاه أحفظ ذلك أم ضيّعه حتّى يسأل الرجل عن أهل بيته"2.
 
الإمام عليّ عليه السلام : "كلّ امرئ مسؤول عمّا ملكت يمينه وعياله"3.
 
مسؤوليّة السمع والبصر والفؤاد 
 
﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾4
 
الإمام الصادق عليه السلام  - في قوله تعالى:﴿إِنَّ السَّمْعَ... ﴾ -: "يسأل السمع عمّا سمع، والبصر عمّا نظر إليه، والفؤاد عمّا عقد عليه"5.
 
وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾

1- منية المريد، الشهيد الثاني، ص381. 
2- ميزان الحكمة، ج2، ص1212. 
3- ميزان الحكمة، ج2، ص1212. 
4- الإسراء 36. 
5- الكافي، ج2ـ ص37. 
 
182
 

148

المحاضرة الثالثة

  أنّه لا يجاوز قدما عبد حتّى يسئل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه, وعن عمره فيما أفناه, وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه, وعن حبّنا أهل البيت"1.
 
فمن النعم الإلهيّة على الموالي والمحبّ والمسؤوليّة في آن معاً هو هذه المحبّة لأهل البيت عليهم السلام , وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام  أنّه قال: "من أراد الله به خيراً قذف في قلبه حبّ الحسين عليه السلام  وحبّ زيارته"2

1- الصدوق: علل الشرائع ج 2 ص 185.
2- ابن قولويه: كامل الزيارات ص 269.
 
183
 
 

149

المحاضرة الأولى

 ثوابت النهضة الحسينيّة
 
 الهدف
 
التعريف بأهمّ مرتكزات وثوابت النهضة التي قادها الإمام الحسين  عليه السلام  في مواجهة النظام الأمويّ آنذاك.
 
 تصدير الموضوع
 
قال الحسين  عليه السلام :
 
"ألا فمن لحق بي منكم استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح"1.

1- المناقب، ج4، ص82.

187
 

150

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
 
إنّ المتتبّع لحركة الإمام الحسين  عليه السلام  منذ لحظة خروجه من المدينة حتّى وصوله إلى كربلاء والنصوص والمواقف التي كان يواكب بها تطوّر الأحداث يرى أنّ هناك مجموعة من الثوابت والحتميّات الأساسيّة التي تمحورت حولها كافّة هذه الأحداث, ممّا يكشف إصراره عليه السلام على إبرازها والإضاءة عليها وذلك لمّا تمثّل من فهم دقيق وقراءة واعية للنهضة الحسينيّة والتي حرص الإمام على ترسيخها خشية التلاعب أو التشويه الذي كان يتوقّعه.
 
 محاور الموضوع
 
ويمكن الوقوف على أربعة ثوابت أساسيّة من الحديث المتقدّم عن الإمام الحسين  عليه السلام : 
 
1- حتميّة الشهادة 
 
كتب الحسين  عليه السلام  من مكّة إلى محمّد بن الحنفيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم، أمّا بعد: فإنّ من لحق بي فقد استشهد ومن لم بلحق بي لم يدرك الفتح1.

1- المناقب، ج4، ص82. 
 
188

151

المحاضرة الأولى

 وممّا ورد  عليه  عليه السلام  أنّه لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً وقال: خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف.. إلى أن يقول  عليه السلام :...كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا.
 
وممّا قاله  عليه السلام  أيضاً وهو يدعو الناس للخروج معه: "ألا من كان منكم باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء الله"1.
 
وقال لمحمّد ابن الحنفيّة: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما فارقتك في المنام, فقال: يا حسين أخرج فإنّّ الله قد شاء أن يراك قتيلا2.
 
2- حتميّة الفتح
 
فقد أكّد الحسين  عليه السلام  منذ اللحظة الأولى لخروجه أنّ هذه المسيرة تتجه نحو الإنتصار الكبير الذي أسماه "الفتح" من خلال قوله "لم يدرك الفتح"، ومن الواضح أنّ الفتح ليس ناظراً إلى الفتح العسكريّ وإنّما إلى الفتح السياسيّ والحضاريّ الذي يعني سقوط فكرة استعادة الجاهليّة التي كانت حقيقة المشروع الأمويّ.

1- مثير الاحزان، ص 29 
2- اعيان الشيعة، السيد محسن الامين، ج1، ص593.
 
189
 

152

المحاضرة الأولى

 قول زينب ليزيد: والله لن تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا 1
 
يقول تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾2، وهذا ما راهن عليه الحسين بحتميّة الفتح والنصر المؤكّد. 
 
3- حتميّة الفتح بالشهادة
 
إنّ هذا الفتح فتحٌ إستثنائي، معادلته إنتصار الدم على السيف وإسقاط النظام الفاسد بإبراز حقيقته الدمويّة والإجراميّة حتّى في التعامل مع الأخيار والصالحين وفي مقدّمتهم أهل بيت العصمة عليهم السلام، وحتميّة الشهادة بالإضافة إلى حتميّة الفتح تؤكّدان بما لا يرقى إليه الشكّ أنّ ما أراد الإمام الحسين عليه السلام توضيحه هو أنّ هذا الفتح الذي نحن مقبلون عليه إنّما سيكون بالشهادة.
 
وفي مناجاته التي قالها عندما نظر إلى جموع الأعداء كأنّها السيل المنحدر عبّر عن ذلك بقوله:"كم من همٍ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ ففرّجته وكشفته "3 فاعتبر أنّ همّ حفظ الدين وبقاء الرسالة قد فرّجه الله بشهادته وشهادة أصحابه وأهل بيته.

1- مثير الأحزان، ص 81. 
2- محمّد 7. 
3- الإرشاد، الشيخ المفيد، ج3، ص96.
 
190
 

153

المحاضرة الأولى

 4- عدم تكرار هذا الفتح بالشهادة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الإسلام مرّ خلال التاريخ بالكثير من التحدّيات الصعبة والأخطار الداهمة التي كانت تتهدّد الرسالة بشكلٍ جدّي، وكانت المواجهات البطوليّة تقف لتسجّل لخطّ الرسالة غلبته على هذه التحدّيات كما كان الحال في بدر عندما كان المسلمون قلّة وفي معركة الخندق عندما واجه أمير المؤمنين وقتل عمر بن ودّ العامريّ، إلّا أنّ هذه الانتصارات والفتوحات كتبها المسلمون بسيوفهم وسواعدهم، أمّا الفتح الكربلائيّ فقد رسم المسلمون معالمه بدمائهم ومهجهم، وإنّ إصرار الحسين عليه السلام  على هذا المعنى أي قوله: "لم يبلغ الفتح" كاشف على أنّ هذا الفتح فتحٌ استثنائيّ في عالم الرسالة لم يأتِ مثله ولن يتكرّر ثانيةً.
 
 
191

154

المحاضرة الثانية

 العدل شعار الصالحين
 
 الهدف
 
الإطلالة على مفهوم العدل في الإسلام والحثّ على ترجمته في السلوك والفعل والتعامل مع الأخرين.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:
 
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾1

1- النحل 90. 
 
193
 

155

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
الحديث عن العدل حديث عن منقبة تنضوي تحتها كافّة المناقب وفضيلة تختصر جميع الفضائل، فهي طموح البشريّة على اختلاف انتماءاتها وحلم الناس كافّة، فالعدل شعار الأنبياء والأولياء والصالحين وعنوان مسيرتهم، ومن أجله كانت التضحيات الجسام بين جبهة الحقّ وجبهة الباطل، ولذلك كانت السمة الأولى لدولة الإمام المهديّ | في آخر الزمان والتي تمثّل بلوغ البشريّة إلى شاطئ سعادتها إزالة أيّ لون من ألوان الظلم وإقامة العدل والقسط مكانه.
 
 محاور الموضوع
 
أهميّة العدل 
 
فالعدل أساس الحكم ولازمه، ومن دونه ينهار النظام وتضيع الأمّة وتذهب خيراتها ويفسد الولاة والحكّام فقد ورد عن الإمام عليّ عليه  السلام: "العدل أساس به قوام العالم"1.
 
قوام الرعيّة: فعن عليّ عليه  السلام: "العدل قوام الرعيّة وجمال الولاة"2 .

1- مستدرك سفينة البحار، ج7، ص375. 
2- مستدرك الوسائل، ج11، ص318. 
 
194
 

156

المحاضرة الثانية

 عمران البلاد:  عليه عليه  السلام: "ما عمرت البلدان بمثل العدل"1.
 
إستغناء الناس: الإمام الباقر عليه السلام : "ما أوسع العدل! إنّ الناس يستغنون إذا عدل عليهم"2 .
 
مضاعفة البركات: وتجد في العدل زيادة الخيرات والبركات، فعن عليّ عليه  السلام: "بالعدل تتضاعف البركات"3.
 
وما أروع قوله عليه السلام : "عدل السلطان خير من خصب الزمان"4. فإنّ كلّ كنوز الأرض وثرواتها وبركات السماء وخيراتها لا تعادل عدل السلطان، لأنّ الحاكم ما لم يكن عادلاً فإنّ كلّ ذلك سيضيع وراء مشتهيات خاصّة ومنافع ضيّقة.
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عدل ساعة خير من عبادة ستّين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة في حكم أشدّ وأعظم عند الله من معاصي ستّين سنة"5.
 
العدل حياة الأرض
 
عن الإمام الكاظم عليه السلام  في قوله تعالى:"﴿ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالاً فيحيون

1- عيون الحكم والمواعظ، ص481. 
2- المقنعة، الشيخ المفيد، ص 280. 
3- مستدرك الوسائل، ج11، ص320. 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1838. 
5- ميزان الحكمة، ج3، ص1838 
 
195
 

157

المحاضرة الثانية

  العدل فتحيى الأرض لإحياء العدل، ولإقامة الحدّ لله أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً".1 
 
الوصيّة بالعدل 
 
أوصى القرآن الكريم الإنسان أن يكون عادلاً في كلّ أحواله، ولا يخرجه أيّ ظرفٍ أو حالٍ أو شخص ٍ عن حدّ العدل فقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾2
 
وعن الإمام عليّ عليه  السلام- في وصيّته لابنه الحسين عليه السلام :"- أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر... وبالعدل على الصديق والعدوّ".3
 
و عليه عليه  السلام في وصيّته لابنه الحسن عليه السلام : "أوصيك يا بنيّ بالصلاة عند وقتها... والعدل في الرضا والغضب "4
 
و عليه عليه  السلام: "أعدل الناس من أنصف عن قوّة" 5.
 
و عليه عليه  السلام: "أعدل الناس من أنصف من ظلمه، أجور الناس من ظلم من أنصفه"6

1- الكافي، ج7، ص174. 
2- النساء 135. 
3- مستدرك سفينة البحار، ج10، ص349. 
4- مصباح البلاغة، ج4، ص 167. 
5- عيون الحكم والمواعظ، ص122. 
6- عيون الحكم والمواعظ، ص116. 
 
196
 

158

المحاضرة الثانية

 بعض صفات العادل 
 
لا شكّ أنّ دائرة العدل وحدها التي تتّسع خيراتها للجميع وأنّ من يتوهّم أنّ بإمكانه أن يرضي الناس ويسعهم بالظلم فهو واهم لأنّ الخروج عن دائرة العدل إلى دائرة الظلم سيضيِّق الخير ويحصره في فئة جائرة، فعن عليّ عليه  السلام: "فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"1.
 
عن الإمام الصادق عليه السلام - لمّا سئل عن صفة العادل-:" إذا غضّ طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفّه عن المظالم"2
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته، وحرمت غيبته" 3
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما كرهته لنفسك فأكره لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك، تكن عادلاً في حكمك، مقسطاً في عدلك، محبّاً في أهل السماء، مودوداً في صدور أهل الأرض" 4.
 
أعدل الناس 
 
وكمال العدل أن تكون هذه الصفة ملكةٌ راسخة في النفس تتجلّى في كلّ ما يقوم به المرء سواء مع نفسه أو مع غيره فإنّ موسى

1- عيون الحكم والمواعظ، ص354. 
2- مستدرك الوسائل، ج11، ص317. 
3- وسائل الشيعة، ج8، ص316. 
4- تحف العقول، ص 14.
 
197
 

159

المحاضرة الثانية

 عليه السلام  سأل الله تعالى فقال: أيّ عبادك أغنى؟ فقال: أقنعهم بما أعطيته، قال: وأيّهم أعدل؟ قال: من أنصف من نفسه 1
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه" 2
 
عقاب الحاكم الجائر 
 
أشدّ الناس عذاباً: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في آخر خطبته بالمدينة وقد سأله الإمام عليّ عليه  السلام عن منزلة الأمير الجائر- فقال: "هو رابع أربعة، من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة: إبليس، وفرعون، وقاتل النفس، ورابعهم سلطان جائر"3.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من ولي عشرة فلم يعدل فيهم جاء يوم القيامة ويداه ورجلاه ورأسه في ثقب فأس" 4.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أوّل من يدخل النّار أمير متسلّط لم يعدل، وذو ثروة من المال لم يعط المال حقّه، وفقير فخور"5
 
حرمانه الشفاعة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تنال شفاعتي ذا سلطان جائر غشوم "6.

1- ميزان الحكمة، ج3، ص 1843. 
2- الامالي، ص 72. 
3- ثواب الأعمال، ص 287. 
4- ثواب الأعمال، ص 260. 
5- الامالي، ص 99. 
6- مستدرك الوسائل، ج12، ص99. 
 
 
197

160

المحاضرة الثانية

 وظيفة الأمّة بوجه السلطان الجائر:
 
عن الإمام الحسين  عليه السلام : "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله, ناكثاً لعهد الله, مخالفاً لسنّة رسول الله, يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان, فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله".
 
 
199

161

المحاضرة الثالثة

 الجهاد الأكبر: جهاد النفس
 
 الهدف
 
 
بيان أنّ صلاح النفس هو الأساس في صلاح حياة الإنسان وأنّ الداء الأوّل الذي ينبغي علاجه يكمن في داخل كلّ إنسان.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى:
 
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾1

1- العنكبوت 69. 
 
201

 

162

المحاضرة الثالثة

 مقدّمة
 
إنّ حقيقة الجهاد من جاهد نفسه في الله وذلك بكبحها عند الشهوات وإقامتها على كتاب الله وحدوده وردّها عن الهوى، وأنّ جهاد النفس كما ورد في النصوص واجب على الإنسان كجهاده عدوّه بل هو أشدّ وجوباً, وأنّ الانتصار الذي يحقّقه الإنسان في الجهاد الأصغر رهن انتصاره في معركة الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس، والذي أهمّ ما ينبغي أن يتجلّى في طلب العلم والمعرفة والإهتمام بالعبادات والفرائض واكتساب الفضائل والإبتعاد عن كلّ ما يلوّث صفاء النفس1 ويحجبها عن الأنوار الإلهيّة2.
 
محاور الموضوع
 
مرتبة الجهاد الأكبر 
 
عن الإمام عليّ عليه السلام : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث سريّة فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله! وما الجهاد الأكبر؟ قال:جهاد النفس , وقال عليه السلام : أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه.

1- مستدرك الوسائل، ج11، ص137. 
2- مستدرك الوسائل، ج11، ص137.
 
202
 

163

المحاضرة الثالثة

 وعنه  عليه السلام : "أفضل الجهاد جهاد النفس عن الهوى، وفطامها عن لذّات الدنيا"1.
 
وعن الإمام الباقرعليه السلام : "لا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة الهوى"2
 
آليّة مجاهدة النفس 
 
ومعنى مجاهدة النفس أن تعاملها عدوّاً يريد الإيقاع بك ويتربّص بك السوء ويضمر لك الشرّ، فعن الإمام عليّ عليه السلام : "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوّ عدوّه، وغالبها مغالبة الضدّ ضدّه، فإنّ أقوى الناس من قوي على نفسه"3
 
و عليه عليه  السلام في روايةٍ أخرى: "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه"4
 
المداومة على الجهاد 
 
وجهاد النفس ليس أمراً يطلبه الإنسان في أوقات فراغه بل هو حالة مستمرّة دائمة لا ينقطع عنها ولا يستخفّ بها على أيّ حال، بل هي معركة جدّية بمجرّد أن أدار المرء ظهره لها أتته سهام إبليس من كلّ حدبٍ وصوب، فعن الإمام عليّ عليه السلام :

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 122 
2- مستدرك الوسائل، ج11، ص142. 
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 222. 
4- عيون الحكم والمواعظ، ص 222
 
203
 

164

المحاضرة الثالثة

"كفاك في مجاهدة نفسك أن لا تزال أبداً لها مغالباً وعلى أهويتها محاربا"1.
 
وفي حديث المعراج في صفة أهل الخير وأهل الآخرة: يموت الناس مرّة ويموت أحدهم في كلّ يوم سبعين مرّة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم والشيطان الذي يجري في عروقهم. 



وعن الإمام عليّ عليه السلام : "املكوا أنفسكم بدوام جهادها"2
 
بركات المجاهدة 
 
الجنّة ثواباً: عن عليّ  عليه السلام : "ألا وإنّ الجهاد ثمن الجنّة، فمن جاهد نفسه ملكها، وهي أكرم ثواب الله لمن عرفها"3
 
و عليه عليه  السلام: "إنّ مجاهدة النفس تلزمها عن المعاصي وتعصمها عن الردى"4 .
 
منزلة الشهداء: عن عليّ  عليه السلام : "إنّ المجاهد نفسه على طاعة الله وعن معاصيه عند الله سبحانه بمنزلة برّ شهيد"5 .
 
السعادة: أي في الدنيا والآخرة، عن الإمام عليّ عليه السلام : "اعلموا أنّ الجهاد الأكبر جهاد النفس، فاشتغلوا بجهاد أنفسكم تسعدوا"5

1- عيون الحكم والمواعظ، ص 387. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص 89. 
3- عيون الحكم والمواعظ، ص 107. 
4- عيون الحكم والمواعظ، ص 157. 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص452. 
6- ميزان الحكمة، ج1، ص452.
 
204
 

165

المحاضرة الثالثة

 المقام الرفيع: عن عليّ  عليه السلام : "ردع النفس وجهادها عن أهويتها يرفع الدرجات ويضاعف الحسنات"1
 
التغلّب على العادات السيّئة: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بالمجاهدة يغلب سوء العادة"2.
 
صلاح النفس: الإمام عليّ عليه السلام : "بالمجاهدة صلاح النفس"3
 
الحكمة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "جاهدوا أنفسكم على شهواتكم تحلّ قلوبكم الحكمة"4
 
ابتعاد الشيطان: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "جاهدوا أنفسكم بقلّة الطعام والشراب، تظلّكم الملائكة ويفرّ عنكم الشيطان"5
 
طاعة الله: عن عليّ  عليه السلام : "جاهد نفسك وقدّم توبتك، تفز بطاعة ربّك"6.
 
حلاوة الإيمان:  عليه عليه  السلام: "صابروا أنفسكم على فعل الطاعات، وصونوها عن دنس السيّئات، تجدوا حلاوة الإيمان"7

1- ميزان الحكمة، ج1، ص454. 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص455. 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص455. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص455 
5- ميزان الحكمة، ج1، ص455 
6- عيون الحكم والمواعظ، ص 252. 
7- عيون الحكم والمواعظ، ص 305.

 
205

 

166

المحاضرة الثالثة

 درجات الكمال: الإمام عليّ عليه السلام : "ذروة الغايات لا ينالها إلّا ذوو التهذيب والمجاهدات"1
 
و عليه عليه  السلام: "من جاهد نفسه أكمل التقى"2.
 
الاجتهاد في طاعة الله 
 
وجهاد النفس يستلزم بذل الجهد والتفرّغ له، بل جعله أولويّة في حياة الإنسان، ولا يمكن بلوغ الكمالات العليا إلّا بذلك، فعن الإمام عليّ عليه السلام : "عليكم بالجدّ والاجتهاد، والتأهّب والاستعداد، والتزوّد في منزل الزاد، ولا تغرنّكم الحياة الدنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية"3
 
و عليه عليه  السلام: "طاعة الله سبحانه لا يحوزها إلّا من بذل الجدّ، واستفرغ الجهد"4
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر المسلمين! شمّروا فإنّ الأمر جدّ، وتأهبّوا فإنّ الرحيل قريب، وتزوّدوا فإنّ السفر بعيد، وخفّفوا أثقالكم، فإنّ وراءكم عقبة كؤودا ولا يقطعها إلّا المخفّون"5.

1- ميزان الحكمة، ج1، ص455 
2- ميزان الحكمة، ج1، ص455 
3- ميزان الحكمة، ج1، ص458. 
4- عيون الحكم والمواعظ، ص 317. 
5- مستدرك سفينة البحار، ج10، ص381. 
 
206

167

المحاضرة الثالثة

 الإمام عليّ  عليه السلام - في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-: "ولا عرض له أمران إلّا أخذ بأشدّهما"1
 
"من هنا كانت تحذيرات الإمام الحسين  عليه السلام  في كربلاء تؤكّد على الانتباه لعدم الانزلاق في أهواء النفس, وأن لا تغرّهم الحياة الدنيا, ففي بعض كلماته  عليه السلام : أيّها الناس, إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال, فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته, فلا تغرّنكم هذه الحياة الدنيا..".

1- الكافي، ج8، ص 130.
 
207
 

168

المحاضرة الأولى

 البصيرة عند الإمام الحسين
 
 الهدف
 
توضيح مفهوم التبصّر في الأمور وإدراك خفاياها وعدم الاستعجال في اتخاذ القرارات المبنيّة على النظرة السطحيّة وعدم التبصّر.
 
 تصدير الموضوع
 
 قال تعالى: 
 
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾1

1- يوسف: 108 
 
211
 

169

المحاضرة الأولى

 المقدّمة
البصيرة قوّة خفيّة أو ملكة وهبها الله للإنسان لإدراك حقائق الأشياء، أو إدراك الجوانب الخفيّة من الموضوعات، وقد ذكر العلماء عوامل عديدة تساعد في تنمية البصيرة عند الإنسان منها: 

أوّلاً: دراسة الموضوعات دراسة شاملة حتّى يصل الفرد إلى إحاطة وإلمام بكلّ موضوع.

ثانياً: النظر إلى الموضوعات نظرة تفصيليّة.

ثالثاً: معرفة الفوارق بين الموضوعات.

رابعاً: النظرة النقديّة للموضوع وهو السعي لمعرفة محاسنه ومعايبه.

خامساً: التجارب والممارسة.

وإذا كان المراد تنمية البصيرة في الدين الإسلاميّ، فإنّ هذا الموضوع يحتاج إلى عامل آخر يزيد عن كلّ تلك العوامل في الأهميّة ألا وهو عامل الوجدان والحبّ لهذا الدين. فالإسلام دين الفطرة التي تنطبق تمام الانطباق مع الوجدان. والإسلام دين حيّ لا يمكن أن يعطي خفاياه وجوانب من حقيقته إلّا لمن أحبّه وأولاه ولاءً خاصّاً.
 
212
 

170

المحاضرة الأولى

  محاور الموضوع
 
معنى البصير
 
والبصير هو الإنسان الذي يتأمّل في كلّ ما يدركه من حوله ليكتشف خفاياه وأسراره، ويعمل وفق ما وصل إليه، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "فإنّما البصير من سمع فتفكّر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثمّ سلك جدداً واضحاً يتجنّب فيه الصرعة في المهاوي"1.
 
الدعوة إلى التبصر 
 
وشدّد القرآن الكريم على ضرورة التبصّر في الأمور معتبراً أنّ العمى الحقيقيّ هو الناشئ من عدم التبصّر لا من عدم البصر، قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾2.
 
وفي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس الأعمى من يعمى بصره، إنّما الأعمى من تعمى بصيرته"3

1- نهج البلاغة، ج2، ص 41. 
2- الحجّ 46. 
3- كنز العمّال، ج1، ص 243.
 
213


 

171

المحاضرة الأولى

 عاقبة عدم التبصّر
 
وعدم التبصّر ليس أمراً يمكن للمرء فعله أو تركه على حدٍّ سواء، بل إنّ عدم التبصّر من شأنه أن يوقع المرء في المهالك ويجعل مأواه النّار في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾1.
 
بين البصر والبصيرة
 
والبصيرة وإن كانت مشتقّةً من البصر لغةً إلّا أنّها أرقى مقاماً وأرفع شأناً بل لعلّ إدراكات الإنسان كلّها وعلى رأسها البصر ليست بذي أهميّة ما لم تقترن بالبصيرة والوعي الذي يمكّن الإنسان من استخلاص العبر واتخاذ المواقف الحكيمة، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "نظر البصر لا يجدي إذا عميت البصيرة"2.
 
وعنه عليه السلام: "ليست الرؤية مع الإبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغشّ العقل من استنصحه"3
 
وعنه عليه السلام: "فقد البصر أهون من فقدان البصيرة"4

1- الأعراف 179. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص497. 
3- نهج البلاغة، ج4، ص 68. 
4- ميزان الحكمة، ج1، ص 266.
 
 
214

172

المحاضرة الأولى

 أبصر الناس 
 
قد يخفى على الإنسان الكثير من أبعاد ما يجري حوله، لكن ما لا يمكن أن يخفى عنه نفسه التي بين جنبيه، وقد عبّر الله عن ذلك بقوله تعالى:﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾1 ، فالإنسان يعلم تماماً أنّ كلّ ما يعزّي نفسه به من أعذار ليست سوى أوهام يقنع نفسه بها ليبرّر تقصيرها وأنّ عليه أن يتبصّر نفسه جيداً ويتفحّصها ويكتشف عيوبها ويصلح ما فسد منها.
 
الإمام عليّ عليه السلام: "أبصر الناس من أبصر عيوبه وأقلع عن ذنوبه"2
 
بصيرة الحسين: ولعلّ أبرز تجلّيات البصيرة عند الإمام الحسين إدراكه خطورة ما آلت إليه الأمور على المستوى السياسيّ الذي أصاب الأمّة وأنّه لا يمكن الإصلاح إلّا بحركة إستشهاديّة كبرى، والأداء المتميّز الذي استطاع من خلاله إبراز وفضح حقيقة النظام الأمويّ ومدى إجرامه ودمويّته.
 
بصيرة الأصحاب: وتتجلّى بصيرتهم في إدراكهم البعد التاريخيّ الذي أراده الحسين عليه السلام من المواجهة وفي إصرارهم على البقاء مع إمامهم رغم عرضه عليهم بالتخلّي عن الركب

1- القيامة 15. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص120.
 
215
 

173

المحاضرة الأولى

 وفي الكثير من أدائهم وسلوكهم خلال بقائهم في كربلاء.
 
ويصف الإمام الصادق عليه السلام العبّاس بقوله: "كان عمّنا العبّاس نافذ البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً"1 .

1- مقتل الحسين، أبو مخنف الأزديّ، ص176.
 
216


 

174

المحاضرة الثانية

 فضيلة عمل المعروف 
 
 الهدف
 
حثّ الناس على تعلّم وممارسة ثقافة فعل المعروف مع الآخر من خلال تحسّس مشاكل الآخرين والاهتمام بها وأنّ ذلك من جوهر الدين.
 
 تصدير الموضوع
 
قال المسيح عليه السلام- لأصحابه -:
 
"استكثروا من الشيء الذي لا تأكله النّار، قالوا: وما هو؟ قال: المعروف"1.

1- ميزان الحكمة، ج3، ص1930.
 
217
 

175

المحاضرة الثانية

 مقدّمة:
 
أكّد القرآن الكريم على ضرورة أن يمتلك المسلم روحيّة عمل المعروف والحثّ عليه بعيداً عن أيّ اعتبارات ضيّقة أو حسابات شخصيّة، لا سيّما في العلاقات الاجتماعيّة والمنافع العامّة، فقال تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾1 و ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾2 و ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾3 و ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾4 و ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾5 و ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾6و ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾7 و ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾8.
 
 محاور الموضوع
 
بركات فعل المعروف
 
حسن العاقبة: عن الإمام عليّ عليه السلام: "اصطنعوا المعروف بما قدرتم على اصطناعه، فإنّه يقي مصارع السوء"9.

1- البقرة 178. 
2- البقرة 229. 
3- البقرة 241. 
4- البقرة 263. 
5- النساء 6. 
6- النساء 19. 
7- الممتحنة 12. 
8- آل عمران 110. 
9- الخصال، الشيخ الصدوق، ص617. 
 
218
 

176

المحاضرة الثانية

 محبّة الآخرين: عن الإمام عليّ عليه السلام: "عجبت ممّن يشتري المماليك بماله، كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه فيملكهم؟"1.
 
المعروف زاد الآخرة: الإمام عليّ عليه السلام: "عليكم بصنائع المعروف، فإنّها نعم الزاد إلى المعاد"2
 
الإمام الصادق عليه السلام: "أوّل من يدخل الجنّة أهل المعروف"3.
 
أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: يغفر لهم بالتطوّل منه عليهم، ويدفعون حسناتهم إلى الناس فيدخلون بها الجنّة، فيكونون أهل المعروف في الدنيا والآخرة"4.
 
الحثّ على بذل المعروف إلى البرّ والفاجر 
 
وفعل المعروف دليل خُلُق فاعله وروحيّته العالية ومحبّته لخدمة الناس، ولذلك نرى أنّ الروايات وإن حذّرت أهل المعروف أن لا يتوقّعوا إلّا الشرّ من بعض الناس الذين لا يستحقّون المعروف إلّا أنّها حثّت على فعله للناس كافّة كي يكون سنّة ولا ينقطع سبيل الخير لفقدان بعض الناس هذه الأهليّة.

1- ميزان الحكمة، ج3، ص1931. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص342. 
3- ميزان الحكمة، ج3، ص1931
 
219
 

177

المحاضرة الثانية

 فعن الإمام عليّ عليه السلام: "ابذل معروفك للناس كافّة، فإنّ فضيلة فعل المعروف لا يعدلها عند الله سبحانه شيء"1.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الدين التودّد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كلّ برّ وفاجر"2.
 
لكن هذا لا ينافي التفاوت في هذا المعروف بين البرّ والفاجر فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "خير المعروف ما أصيب به الأبرار"3
 
واعتبر الإمام الباقر عليه السلام أنّ الساعي في فعل الخير من أهل العطاء والمعروف فقال: "المعطون ثلاثة: الله المعطي، والمعطي من ماله، والساعي في ذلك معط"4
 
ما به يتمّ المعروف 
 
تصغيره، وتستيره، وتعجيله: الإمام الصادق عليه السلام: "رأيت المعروف لا يصلح إلّا بثلاث خصال: تصغيره، وتستيره، وتعجيله، فإنّك إذا صغّرته عظّمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تمّمته، وإذا عجّلته هنّأته، وإن كان غير ذلك سخّفته ونكّدته"5

1- ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص182. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص 80. 
3- كنز العمّال، ج3، ص9. 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1937. 
5- الخصال، الشيخ الصدوق، ص134. 
6- الكافي، ج4، ص30.
 
220
 

 


178

المحاضرة الثانية

 النهي عن الامتنان به: فعن عليّ عليه السلام: "أحيوا المعروف بإماتته، فإنّ المنّة تهدم الصنيعة"1
 
وعنه عليه السلام: "إذا صنع إليك معروف فاذكره، إذا صنعت معروفاً فانسه"2
 
وعنه عليه السلام: "ملاك المعروف ترك المنّ"3.
 
إكمال المعروف: أي عدم البدء به دون إتمامه، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "جمال المعروف إتمامه"4
 
وعنه عليه السلام: "إكمال المعروف أحسن من ابتدائه"5
 
النهي عن تحقير المعروف 
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تحقّرن شيئاً من المعروف، ولو أن تلقى أخاك ووجهك مبسوط إليه"6.
 
الإمام عليّ عليه السلام: "لا تستصغر شيئاً من المعروف قدرت على اصطناعه إيثاراً لما هو أكثر منه، فإنّ اليسير في حال الحاجة إليه أنفع لأهله من ذلك الكثير في حال الغناء عنه، واعمل لكلّ يوم بما فيه ترشد" 7.

1- عيون الحكم والمواعظ، ص90. 
2- ميزان الحكمة، ج3، ص1935. 
3- ميزان الحكمة، ج3، ص1935 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص1936. 
5- ميزان الحكمة، ج3، ص1936 
6- ميزان الحكمة، ج3، ص1936 
7- جامع أحاديث الشيعة، ج14، ص487. 
 
221
 

179

المحاضرة الثانية

 بعض مظاهر المعروف
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قاد ضريراً أربعين خطوة على أرض سهلة، لا يفي بقدر إبرة من جميعه طلّاع الأرض ذهباً، فإن كان فيما قاده مهلكة جوّزه عنها وجد ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة أوسع من الدنيا مائة ألف مرّة". 
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءة أربعمائة آية، كلّ حرف منها بعشر حسنات"2
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "دخل عبد الجنّة بغصن من شوك كان على طريق المسلمين فأماطه عنه"3.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لقد كان -أي عليّ بن الحسين عليهما السلام- يمرّ على المدرة في وسط الطريق، فينزل عن دابته ينّحيها بيده عن الطريق"4.
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد رأيت رجلاً يتقلّب في الجنّة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين"5
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من بنى على ظهر الطريق ما يأوي عابر سبيل بعثه الله يوم القيامة على نجيب من درّ، ووجهه يضيء لأهل الجنّة نورا".6

1- مستدرك الوسائل، ج12، ص385. 
2- الخصال، ص32. 
3- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 673. 
4- ميزان الحكمة، ج3، ص 1938. 
5- ثواب الأعمال، ص 295. 
 
222

180

المحاضرة الثانية

 وإنّ من أعظم المعروف ما قام به سيّد الشهداء عليه السلام في هداية هذه الأمّة ومنعها من الانحراف.
هذا المعروف الذي كان يقول فيه: "أللهمّ إنّي أحبّ المعروف". وهو القائل عليه السلام أيضاً: "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

ونقرأ في زيارته عليه السلام: "أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر..".
 
223
 

181

المحاضرة الثالثة

 النظر الحرام 
 
 الهدف
 
بيان خطر ومفاسد النظر إلى الأمور المحرّمة وما يترك ذلك من آثار سيّئة على عبادة الإنسان وسلوكيّاته.
 
 تصدير الموضوع
 
قال تعالى: 
 
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾1.

1- النور 30.
 
225
 

182

المحاضرة الثالثة

 مقدّمة
 
حثّت الشريعة على غضّ البصر باعتبار أنّ العين إحدى أسرع الحواس إلى الحرام إن لم يحسن المرء تعلم غضّ البصر معتبرةً أنّ لكلّ عضو من ابن آدم حظّ من الزنا وأنّ العين زناها النظر، وأنّ الله مطّلع على خائنة الأعين أي نيّة الناظر التي لا يعلمها إلّا الله والناظر نفسه كما ورد في القرآن الكريم (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)1 ، وقد أكّد الإمام عليّ عليه السلام هذا المعنى بقوله: "قسم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدّد أنفاسهم، وخائنة أعينهم، وما تخفي صدورهم من الضمير"2.
 
 محاور الموضوع
 
العيون مصائد الشيطان 
 
عن الإمام علي عليه السلام: "عمى البصر خير من كثير من النظر"3
 
الغفلة والهوى: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم وفضول النظر، فإنّه يبذر الهوى، ويولّد الغفلة" 4
 
الانشغال عن ذكر الله: الإمام عليّ عليه السلام:" ليس في البدن

1- غافر 19. 
2- نهج البلاغة، ج1، ص 159. 
3- ميزان الحكمة، ج4، ص3288. 
4- ميزان الحكمة، ج4، ص3288.
 
226
 

183

المحاضرة الثالثة

 شيء أقلّ شكراً من العين، فلا تعطوها سؤلها فتشغلكم عن ذكر الله عزَّ وجلَّ"1
 
الغفلة عن العاقبة: عن عليّ عليه السلام: "إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة"2
 
فتنة الشهوة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "يا بن جندب! إنّ عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه...: إيّاكم والنظرة فإنّها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه"3
 
منبت الفسق: عن عيسى عليه السلام: "إيّاكم والنظر إلى المحذورات، فإنّها بذر الشهوات ونبات الفسق"4.
 
من أطلق ناظره 
 
وقد يعتقد البعض أنّ إطلاق النظر نوع من أنواع الحرّيّة وهو لا يدري أنّ ذلك يورّث أهله الحسرة والندامة، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "من أطلق ناظره أتعب حاضره، من تتابعت لحظاته دامت حسراته"5.

1- الخصال، ص629. 
2- ميزان الحكمة، ج4، ص3288 
3- جامع أحاديث الشيعة، ج14، ص202. 
4- ميزان الحكمة، ج4، ص3288 
5- ميزان الحكمة، ج4، ص3288
227
 

184

المحاضرة الثالثة

 وبنفس المعنى ورد عنه عليه السلام: "من أطلق طرفه كثر أسفه"1
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كم من نظرة أورثت حسرة طويلة"2.
 
بركات غضّ البصر والطرف
 
حلاوة العبادة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم ينظر امرأة أوّل رمقة ثمّ يغضّ بصره إلّا أحدث الله تعالى له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"3
 
حلاوة الإيمان: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفاً من الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه"4
 
حسن الثواب: عن الإمام الصادق عليه السلام: "من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمض بصره لم يرتدّ إليه بصره، حتّى يزوّجه الله من الحور العين"5
 
راحة القلب: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من غضّ طرفه أراح قلبه"6.

1- ميزان الحكمة، ج4، ص3288 
2- ميزان الحكمة، ج4، ص3288 
3- كنز العمّال، ج5، ص327. 
4- ميزان الحكمة، ج4، ص3288 
5- وسائل الشيعة، ج20، ص193. 
6- مستدرك الوسائل، ج14، ص 271.
 
228 
 

185

المحاضرة الثالثة

 قلّة الندم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من غضّ طرفه قلّ أسفه وأمن تلفه"1.
 
لاجم الشهوات: عن الإمام عليّ عليه السلام: "نعم صارف الشهوات غضّ الأبصار"2.
 
جمال الصفات: وعنه عليه السلام: "من عفّت أطرافه حسنت أوصافه"3
 
نفاذ البصيرة: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "غضّوا أبصاركم ترون العجائب"4.
 
عنه عليه السلام- في صفة المتّقين -: "غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم"5.
 
ذمّ اللهو من النظر 
 
عنه عليه السلام: "إنّ المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكّر، وإذا تكلّم ذكر... والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلّم لغا"6
 
يحيى عليه السلام: "الموت أحبّ إليّ من نظرة لغير واجب"7.

1- مستدرك الوسائل، ج14، ص 271. 
2- عيون الحكم والمواعظ، ص494. 
3- عيون الحكم والمواعظ، ص464. 
4- مستدرك الوسائل، ج14، ص 270. 
5- نهج البلاغة ج2، ص 161. 
6- تحف العقول، ص212. 
7- مستدرك الوسائل، ج14، ص 271.
 
229

186

المحاضرة الثالثة

 من يكون النظر إليه عبادة
 
وفي مقابل النظر الحرام أشارت النصوص إلى ما يعتبر النظر إليه عبادة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "النظر إلى العالم عبادة، والنظر إلى الإمام المقسط عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر إلى الأخ تودّه في الله عزَّ وجلَّ عبادة"1
 
من ملأ عينه من حرام 
 
والنظر الحرام من موجبات الغضب الإلهيّ بكلّ ما يستلزمه ذلك في الدنيا والآخرة, فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ملأ عينه من حرام ملأ الله عينه يوم القيامة من النّار، إلّا أن يتوب ويرجع"2.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "اشتدّ غضب الله عزَّ وجلَّ على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها"3 .
 
النظرة الأولى والثانية 
 
وحدّدت الشريعة بوضوح الحدّ الفاصل بين النظر الحرام والنظر الحلال وذلك بالتمييز بأدقّ التفاصيل فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاك والنظرة بعد النظرة، فإنّ الأولى لك والثانية عليك"4

1- الأمالي، ص454. 
2- مستدرك سفينة البحار، ج10، ص 86. 
3- مستدرك سفينة البحار، ج10، ص 87 
4- كنز العمّال، ج5، ص329. 
 
230
 

187

المحاضرة الثالثة

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "أوّل النظرة لك، والثانية عليك ولا لك، والثالثة فيها الهلاك"1.
 
وعن جرير: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة"3
 
ما يستعان به على غضّ البصر 
 
ومن الواضح من الأحاديث أنّ خوف الحساب وعظمة الله في قلب الإنسان هما الأمران الذي يجب على الإنسان تقويتهما في نفسه ليكونا ملاذه الآمن من الوقوع في النظر الحرام، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغضّ البصر، فإنّ البصر لا يغضّ عن محارم الله إلّا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"4.
 
وسئل أمير المؤمنين عليه السلام: "بما يستعان على غضّ البصر؟ فقال: بالخمود تحت سلطان المطلع على سترك"5.
 
وعنه عليه السلام في صفة الراغبين في الله سبحانه: "وبقي رجال

1- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص127. 
2- كنز العمّال، ج5، ص468. 
3- وسائل الشيعة، ج20، ص192. 
4- مستدرك الوسائل، ج14، ص 269. 
5- مستدرك الوسائل، ج14، ص 269.
 
231
 

188

المحاضرة الثالثة

 غضّ أبصارهم ذكر المرجع...".75
 
ولذلك أولئك الذين لا يخافون الله ولا يذكرون يوم القيامة, كانوا لا يغضّون أبصارهم عن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلملمّا أخذن من بلدٍ إلى بلدٍ, يقول الراوي أنّهم لمّا أدخلوا بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكوفة أخذ الناس يتفرّجون عليهنّ, فصاحت بهم أمّ كلثوم: "يا أهل الكوفة, غضّوا أبصاركم عنّا أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله".

1- نهج البلاغة، ج1، ص78.
 
232
 
 
 

189
زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1433 هـ