(3) نهضة عاشوراء


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-03

النسخة: 2015


الكاتب

معهد سيد الشهداء

هو مؤسسة ثقافية متخصصة تعنى بشؤون النهضة الحسينية ونشرها، وإعداد قدرات خطباء المنبر الحسيني وتنميتها، معتمدة على كفاءات علمائية وخبرات فنية وإدارية... المرتكزة على الأسس الصحيحة المستقاة من ينبوع الإسلام المحمدي الأصيل.


المقدمة

 مقدّمة 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إنّ البحث حول السيرة الحسينيّة من المواضيع الهامّة التي تضفي على النهضة الحسينيّة قيمة علميّة خاصّة, وقد باتت حاجة تلامس الضرورة حيث تكثر التساؤلات حولها في شتّى الميادين التحقيقيّة أو التحليليّة أو في جانب الدروس والعبر أو غيرها من الجوانب...

ما يجعل الاقتصار على عرض السيرة غير كافٍ في تلبية متطلّبات العصر, خصوصاً أنّ المنبر الحسينيّ لم يعد وسيلة عاديّة من وسائل التبليغ الدينيّ, يقتصر دوره على فئة أو مجموعة أو ساحة ضيّقة ومحدودة, أو لزمان أو مكان خاصّين, بل تعدّى بأهمّيّته كلّ المديَات, وبات من أهمّ الوسائل التبليغيّة التي لا بدّ من تحصينها وتدعيمها من جهات مختلفة ونواحٍ متعدّدة, يقع البحث العلميّ في أولى متطلّباتها, ما يفرض ضرورة رفد المنبر بالأبحاث والدراسات العلميّة والتحقيقيّة ذات الصلة بالسيرة الحسينيّة.

وقد قام العديد من الباحثين والمحقّقين بتقديم العديد من البحوث والدراسات والتحقيقات التي تناولت جوانب مختلفة وهامّة من السيرة, وأضاءت على كثير من الأمور والموضوعات التي تحتاج إلى بحث وتحقيق ودراسة وتعميق. غير أنّ جميع هذه الجهود, على قيمتها وقدرها وأهمّيّتها لن تستطيع أن تفي بالغرض, إلّا بشكل محدود, نظراً لطبيعة هذه النهضة الحسينيّة التي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

المقدمة

 تشبه النبع الفوّار المتجدّد, وتشكّل مصدراً دائماً على مرّ العصور, ومدرسة راسخة ثابتة عبر التاريخ تُلهم الأجيال والمتعلّمين دروس العزّة والإباء, ما يجعل الحاجة إلى أمثال هذه الدراسات والأبحاث باقية ومستمرّة.


وانسجاماً مع هذه الحاجة المستمرّة لهذه الأبحاث والدراسات, فإنّنا نقدّم هذا الكتاب للأخوة القرّاء والخطباء والمهتمّين بالشأن الحسينيّ, ليأتي كإصدار ثالث لسلسلة نهضة عاشوراء, التي تحتوي في طيّات صفحاتها على أبحاث ودراسات قيِّمة, وقد انتخبت عناوين أكثرها من خلال الجلسات واللقاءات الحسينيّة التي يقيمها المعهد مع قرّاء وخطباء المنبر الحسينيّ في مختلف المناطق اللبنانيّة.

عملنا في الكتاب:
ونلفت نظر القارئ الكريم إلى الآتي:
1- إنّ هذا الكتاب يأتي كجزء من سلسلة لمجموعة من الدراسات والبحوث المتعلّقة بالشأن العاشورائيّ الحسينيّ ينوي المعهد إصدارها تباعاً, والذي يضمّ موضوعات مختلفة ومتنوّعة, وقد يحتوي على ملف أو أكثر أو على موضوعات متفرّقة.

2- يتضمّن هذا الكتاب خمسة من البحوث والدراسات, تمّ تعريبها من اللغة الفارسيّة, ومقالة واحدة باللغة العربيّة.

3- لقد جاء النص المعرَّب مع شيء من التصرّف بالحذف والتبديل أو التقديم والتأخير أو التغيير في الأسلوب أو صياغة العبارة, حسبما اقتضته الضرورة أو استدعته السياسات المعتمدة للنصّ في المعهد.

4- اخترنا بعض العناوين التي يكثر الحديث أو التساؤل حولها, ويستفيد من 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
6

2

المقدمة

 الإجابة عنها القارئ والباحث على حدٍّ سواء, مع إمكان أن يتمّ التعرّض للموضوع نفسه في بحث أو دراسة أخرى في إصدارات لاحقة.


5- آثرنا عدم التعليق أو النقد لما جاء في بعض هذه البحوث والدراسات, رغم مخالفتنا في الرأي له أحياناً, وذلك إفساحاً منّا في المجال للأخذ والردّ العلميّ, والذي لا يصل إلى حدّ التشكيك والتضعيف.

6- إنّ هذه البحوث قد كتبها مجموعة من الباحثين والمحقّقين كما أشرنا, ومن هنا فإنّها تعبرّ عن رأي أصحابها, ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المعهد.

وختاماً فإنّنا نطلب من القرّاء والخطباء والباحثين الأعزّاء تزويدنا بملاحظاتهم وإرشاداتهم البنّاءة, سائلين المولى تعالى أن يتقبّل منّا هذا العمل القليل, ويثيبنا عليه الثواب الجزيل بمنّه وكرمه, ويجعله ذخراً لمن ساهم فيه في نشره وحشره, وأن يحظى بالقبول والرضا من ساحة مولانا ومرتجانا بقيّة الله في أرضه عجّل الله تعالى فرجه الشريف.


معهد سيّد الشهداء عليه السلام
للمنبر الحسينيّ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات1

 
تمهيد:
تُعتبر ظاهرة إقامة مجالس للحزن ومراسم للعزاء على رحيل الأقارب والأحبّة ظاهرةً طبيعيّة، منتشرة، ومتعارفة، كونها تنبع من العاطفة والمحبّة المغروستين في قلب كلّ إنسان.
 
ومع أنّ هذه الظاهرة منتشرة ومعمول بها منذ بداية خلق الإنسان وحتّى عصرنا الحاضر، إلّا أنّنا نقصر حديثنا هنا في هذه الوجيزة حول رؤية الإسلام لها وكيفيّة تعاطيه معها.
 
والأمر الذي لا شكّ فيه أنّ هذه الظاهرة تحكي نوعاً من الارتباط المعنويّ والاتّصال الروحيّ بين الأفراد، وأنّ جذورها إنّما تعود إلى حالةٍ من الصفاء في قلوبهم، وإلى إحساس طاهر تملّك بعضهم تجاه بعض. ولكون هذا سلوكاً طبيعيّاً وفطريّاً لدى البشر، فقد جاءت تعاليم الباري سبحانه وتعالى مؤيّدةً له وحاثّةً عليه.



1 ناصر باقري بيدهندي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9

4

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 مجالس العزاء في الإسلام:

بالعودة إلى الكتب والمصادر المعتبرة نجد أنّ خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم، هو أيضاً، بكى على موت كثيرين، بينهم: عمّه حمزة، وجعفر الطيّار، وولده إبراهيم، وعثمان بن مظعون1.
 
بل إنّه  صلى الله عليه وآله وسلم سمّى العام الذي كانت فيه وفاة زوجته خديجة وعمّه أبي طالب بمكّة المكرّمة (عام الحزن)، أي: عام العزاء، وأمر بإقامة مجالس للعزاء2.
 
وقد أقام المسلمون أيضاً مجالس عزاء لشهداء صدر الإسلام، وأنشدوا في رثائهم المراثي والأشعار، ولم يكتفِ الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم بعدم نهيهم عن ذلك فحسب، بل إنّه  صلى الله عليه وآله وسلم كان يُظهر تأييده لعملهم هذا.
 
ثمّ بعد أن أسلم  صلى الله عليه وآله وسلم الروح لبارئها3، بكى الصحابة على فراقه، وجزعوا له جزعاً شديداً، وأنشدوا في رثائه  صلى الله عليه وآله وسلم الأشعار والمراثي، وقامت عائشة تضرب وجهها حزناً على وفاته  صلى الله عليه وآله وسلم4.
 
ولكن، منذ العام 61 هـ، وهو العام الذي كانت فيه شهادة أبي الأحرار الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ومعه الأوفياء من أهل بيته وأصحابه، الذين قضوا عطاشى إلى جنب الفرات بأرض كربلاء، ونُكِّل بهم بنحوٍ فظيعٍ مفجعٍ لم يسبق له نظير من قبل، منذ ذلك العام، تحوّلت مراسم الحزن ومجالس العزاء إلى مدرسةٍ عامّة مستمرّة على امتداد الزمن، فكانت مصدر إلهام للكثيرين، 



1  راجع: صحيح البخاريّ، ج1، ص158، كتاب الجنائز، باب قول النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّا بك لمحزونون"، وص 204، كتاب أصحاب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، باب مناقب خالد بن الوليد, طبقات ابن سعد، ج3، ص11, مغازي الواقديّ، ج1، ص315 – 317, تاريخ الطبريّ، ج2، ص211, سيرة ابن هشام، ج3، ص99, الاستيعاب، ج1، ص313, أنساب الأشراف، ج2، ص43, السيرة الحلبيّة، ج1، ص461.
2 مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص40, طبقات ابن سعد، ج2، ص11, جواهر الكلام، ج4، ص364.
3 أنساب الأشراف، البلاذريّ، ج2، ص276, الاستيعاب، ج4، ص238, أخبار مكّة، الفاكهيّ، ج3، ص80.
4 السيرة النبويّة، ج3، ص171.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

5

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ومربّيةً لأجيالٍ وأجيال على إحياء أمر الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، بل إنّها باتت الوسيلة لتمييز الحقّ من الباطل، ومعرفة الحسينيّين من اليزيديّين.

 
حكم إقامة مجالس العزاء
لا خلاف بين المذاهب الإسلاميّة كافّةً في جواز البكاء على الأموات، بمعنى: فيض الدمع بلا صوت. وأجاز الشيعة والشافعيّة والحنابلة أيضاً البكاء مع رفع الصوت1.
 
يقول الفقيه الماهر صاحب الجواهر في أثره النفيس جواهر الكلام:
ثمّ إنّه لا ريب في جواز البكاء على الميْت نصّاً وفتوى، للأصل والأخبار التي لا تقصر عن التواتر معنىً، من بكاء النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم على حمزة وإبراهيم، وغيرهما، (كعثمان بن مظعون)، وفاطمة عليها السلام على أبيها وأختها (رقيّة)، وعليّ بن الحسين عليه السلام على أبيه، حتّى عُدّ هو وفاطمة عليها السلام من البكّائين الأربعة،...
 
ثمّ استفاد رحمه الله من هذه الأخبار جواز، بل استحباب، الندب والنوح إذا كان الميت ذا صفات وفضائل تستحقّ النشر ليُقتدى بها.
 
ومع قطع النظر عن كلّ ما دلّ على وجوب ذكر أيّام الله، وتعظيم شعائر الله2، ووجوب مودّة أهل البيت  عليهم السلام ومواساتهم، وكذلك ما توفّر بأيدينا من الأدلّة الدالّة على مشروعيّة إقامة مجالس العزاء، من الأخبار والأحاديث، ومن عمل النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام وسيرتهم المستمرّة على ذلك، مع قطع النظر عن كلّ هذه الأدلّة، يبقى بإمكاننا أن نقول: إنّ إقامة هذا النوع من المجالس هي من الأمور العقلائيّة المتداولة والمعمول بها في جميع 



1 الفقه على المذاهب الأربعة، ج1، ص502.
2 نقل الملا أحمد النراقيّ قدس سره الفقيه الشهير عن جمع من الفقهاء أنّهم حملوا (شعائر الله) في قوله تعالى في الآية 32 من سورة المجادلة: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ على العموم، انظر: عوائد الأيّام، ص31.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

6

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 أرجاء العالم، وقد جرت عادة الناس في كلّ حدبٍ وصوب على إقامة مجالس ومآتم للحزن والندب فيما يلمّ بهم من حوادث، شخصيّةً كانت أم اجتماعيّة، ما يعني: أنّ إقامة مجالس للعزاء ليست من الأمور التي يجيزها الشرع فحسب، بل لو أخذنا بعين الاعتبار آثارها والفوائد المترتّبة عليها، لوجدناها أمراً رائجاً ومقبولاً في أوساط العقلاء، بل والنخب وأهل العلم والمعرفة.

 
وبشهادة الإمام الحسين عليه السلام، بات المؤمنون أصحاب عزاء ومصيبة، فبكوا1، وأنشدوا المراثي، وشدّوا الرحال لزيارة قبور الشهداء. وما دام الإسلام باقياً وموجوداً، وما دام هناك أتباع لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ هذه المجالس والمراسم ستبقى وتستمرّ، لأنّ أقلّ ما تتطلّبه المحبّة لآل النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، وأداء حقوقهم، هو ما يجري اليوم من إقامةٍ لمراسم الحزن والعزاء، مع ما يتخلّلها من لطم أو مسيرات جماعيّة تجوب الشوارع والأسواق، أو إضاءةٍ للمصابيح، أو رفعٍ للأعلام والرايات، ونحو ذلك من مظاهر الحزن التي جرت عليها العادة منذ قرون متمادية، وأيّدها وحثّ عليها كبار العلماء والمراجع العظام عملاً وفتوى.
 
ولو أنّ هذه المراسم كانت ممنوعةً شرعاً وغير جائزة لَمَنَعَها ونهى عنها أعلام هذا الدّين وحمَلته وحفَظته، وبخاصّةٍ من كان منهم من ذوي النفوذ والسلطة. غير أنّ سكوت هؤلاء العظماء، بل وحضورهم لهذه المراسم، ومشاركتهم فيها، يشكّل خير دليل على دعمهم لهم، ورضاهم بها، بل إنّ فقهاء الإسلام العارفين به كانوا، ولا يزالون، يرون في إحياء مراسم عاشوراء الضمانة لبقاء هذا الدّين، وبقاء العزّة للمسلمين، وهم لذلك، يوصون ويؤكّدون على ضرورة أن تبقى هذه المراسم حيّةً ونابضة.



1 راجع : تاريخ الطبريّ، ج3، ص342, الأغاني، ج24، ص163, العقد الفريد، ج4، ص383.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 مجالس العزاء الحسينيّ.. نبذة تاريخيّة

لم يبدأ الحديث عن الشهادة المباركة لسيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام منذ زمن وقوع تلك الحادثة الدامية في كربلاء، بل هي قضيّة عرفتها البشريّة، وجرى تداولها واستعراضها والحديث عنها، منذ خلق النبيّ آدم عليه السلام. ولقد بكى لمصرعه الأنبياء والأئمّة  عليهم السلام، وحزنوا وتألّموا له عليه السلام، وتضمّنت الكتب المعتبرة أخباراً تحكي ضجيج بكاء الملائكة وأنينها عليه!

كما بكاه أيضاً صحابة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى من قبل ولادته الميمونة عليه السلام، بعدما أُخبروا بما كان سيجري عليه مستقبلاً.

وأمّا بعد وقعة كربلاء، فقد كان الإمام زين العابدين عليه السلام، ومعه عمّته زينب الكبرى، عقيلة الهاشميّين، ومعهما من تبقّى من الحرم والأطفال في كربلاء، أوّل من رووا ما جرى، وأخبروا عن تفاصيل تلك الحادثة الأليمة، من خلال بكائهم ونحيبهم، والعبرات الحرّى التي سكبتها العيون والآماق، والقلوب التي امتلأت حزناً وغمّاً.

وقد استطاع بكاء هؤلاء الطاهرين أن يهزّ ضمير كلّ كائنٍ حيّ ووجدانه، وفضح أمام الملأ ما حاق بشهداء كربلاء من ظلم وجور واعتداء، وما حلّ بهم من مصائب.

لم يكن يخلو موقف من المواقف من هذا البكاء، فقد بكوا إلى جانب الأجساد المقطّعة إرباً، وفي الأسواق، وعند أبواب المدن، وفي المجالس العامّة، وأحياناً في حال السجود وسط جمع المصلّين، وفي محضر حكّام الجور وولاته، كعبيد الله بن زياد، و.. بل كان إمامنا زين العابدين عليه السلام يعيش دائماً حالة الحزن والبكاء لما جرى يوم عاشوراء، حتّى إنّه بكى مصاب أبيه الحسين عليه السلام 35 عاماً، وكان كلّ همّه عليه السلام خلال هذه الفترة هو
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 تجسيد ما جرى في كربلاء وجعله شاخصاً أمام أعين الناس، وإبقاء تلك الواقعة حيّةً في النفوس والقلوب.


وقد أوصى الإمام الباقر عليه السلام - وهو ممّن حضر وقعة الطفّ- المؤمنين بذكر مصاب جدّه الحسين عليه السلام في صحراء عرفات. ونقل عنه ولده الإمام الصادق عليه السلام أنّه كان كلّما ذكر أو ذُكرت عنده مصيبة أبي عبد الله الحسين عليه السلام سالت الدموع من عينيه، وكان عليه السلام قد أعدّ في داره مجلساً للبكاء.

ولقد كان المحرّم شهر الحزن والعزاء عند أهل البيت  عليهم السلام، وكان الإمام الكاظم عليه السلام إذا دخل هذا الشهر لا يُرى فيه ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه.

وكان الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يولي مجالس العزاء التي تُقام على الإمام الحسين عليه السلام أهمّيّة فائقة، وتائيّة دعبل الخزاعيّ التي أنشدها بمحضره في رثاء المولى أبي عبد الله عليه السلام معروفة ومشتهرة. وقد كان عليه السلام يوصي مَنْ بالمدينة مِنْ أرحامه بمواصلة هذا الطريق والاستمرار في إحياء هذه المجالس.

وكذا صنع سائر الأئمّة من أهل البيت  عليهم السلام، كلٌّ في عصره وزمانه، فقد عملوا على تكريس هذه السنّة ونشر العمل بها، بل كانوا  عليهم السلام - هم أنفسهم - في كثير من الأحيان يذكّرون الناس بمصائب جدّهم  عليهم السلام، فيَبكون ويُبكون، ويبيّنون للناس أنّ إظهار الحزن والجزع على مصائب كربلاء يُعَدّ من أفضل العبادات.

ومن هنا، فإنّ تحوّل واقعة عاشوراء إلى واحدةٍ من أهمّ المحطّات والوقائع التاريخيّة عند الشيعة، إنّما يعود سببه، في حقيقة الأمر، إلى هذا العمل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

9

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الدؤوب والمستمرّ من أهل البيت عليهم السلام، وفي كلّ فرصة ومناسبة، على ذكر هذه الواقعة، واستعراض أحداثها، وسرد ما جرى فيها وتفصيله.

 
وبعد عصر حضور الأئمّة عليهم السلام، تابع علماء مدرسة أهل البيت  عليهم السلام هذه المسيرة، وواصلوا السير على نفس الخطى تأسّياً واقتداءً بأئمّتهم الطاهرين  عليهم السلام، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على مجالس العزاء التي تُقام على سيّد الشهداء عليه السلام، وبهذا حافظت هذه المجالس على رونقها وحيويّتها واستمراريّتها.
 
وقد واصل المخلصون من أتباع هؤلاء العلماء (من خواصّ الشيعة) العمل بهذه السيرة الحسنة، تأسّياً بالأنبياء والأولياء  عليهم السلام، وعملاً بفتاوى كبار مراجع التقليد من الشيعة، فكانوا يقيمون مجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، بصورةٍ علنيّة، وفي الأماكن العامّة، كلّما سنحت لهم الفرصة لذلك.
 
وهذه كتب التاريخ تحدّثنا أنّ الشيعة كانوا يقيمون مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام بصورة علنيّة كلّما أُتيح لهم ذلك، وفتحت لهم الحرّيّة أبوابها، وتنعّموا بقدرٍ منها، مهما كان ضئيلاً ومحدوداً، كما حدث فعلاً في عصر المأمون وبعض الخلفاء العباسيّين. غير أنّ هذه المراسم بدأت تُقام في الخفاء بعد عصر المعتصم، بسبب كثرة المضايقات التي مارسها عليهم الحكّام الظالمون في تلك العصور.. وقد استمرّ الوضع على هذه الحال إلى أن تسلّم السلطة معزّ الدولة الديلميّ- أحد كبار السلاطين البويهيّين -، وذلك في العام 352 هـ، والذي أمر - بشكلٍ رسميّ - بإقامة مآتم الحزن يوم عاشوراء في بغداد1.



1 المنتظم، ج7، ص15, تاريخ الإسلام للذهبيّ، ذيل حوادث العام 352, تاريخ ابن الورديّ، ج1، ص280, عضد الدولة، ص119.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

10

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وكذلك اهتمّ ملوك الفاطميّين وخلفاؤهم في مصر بإقامة المآتم ومراسم العزاء1. فجعلوا القاهرة التي كانوا قد شيّدوها حديثاً كبغداد، فسيّروا فيها مواكب العزاء الحسينيّ يوم عاشوراء بالقاهرة.

 
ومنذ ذلك الحين، تواصلت مراسم العزاء الحسينيّ، يرتفع مستواها تارةً، وينخفض أُخرى، إلى أن بلغت في عهد التيموريّين القمّة في الروعة والجدّيّة والاهتمام، وهكذا حتّى اتّسعت حركة هذه المواكب وانتقلت إلى العديد من الدول الآسيويّة، كإيران، وعددٍ من الدول العربيّة وبلدان شمال أفريقيا.
 
إنّ حرارة دماء الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره الأوفياء، لا زالت تؤجّج النيران في قلوب أبناء الأمّة الإسلاميّة، وتدفعهم، في كلّ عام أكثر من سابقه، نحو إحياء هذه المناسبة، والحفاظ على تلك التضحيات، بحماسةٍ منقطعة النظير. بل يمكن القول: إنّ المجالس التي تُقام في المناطق الشيعيّة في إحياء ذكر أولياء الله تعالى، وبخاصّةٍ: ذكر مصيبة المولى أبي عبد الله عليه السلام، لا يضاهيها مجلس دينيّ، ولا سياسيّ، ولا أدبيّ، ولا اجتماعيّ آخر.
 
وقد بلغت أهمّيّة يوم عاشوراء حدّاً دفع بالكثيرين من أهل السنّة، فضلاً عن الشيعة، إلى أن يقيموا المآتم ومجالس العزاء2، وهو أمر طبيعيّ للغاية، لأنّ الأمر بالمودّة في القربى ليس مختصّاً بالشيعة فحسب. كما أنّ كثيراً من أتباع الأديان السماويّة يظهرون المودّة والاحترام للإمام الحسين عليه السلام، ويشعرون لدى سماعهم اسمه الشريف بحالةٍ من القرب والعلاقة الوطيدة التي تصل أحياناً إلى حدّ العشق والوله الشديد، ويقيمون عليه المآتم والمجالس، بخاصّةٍ في أيّام عاشوراء، ولا يبخلون في سبيل هذا الأمر المقدّس بأموالهم وأوقاتهم،



1 الخطط، ج1، ص427، طبعة بولاق, الفاطميّون في مصر، ص116.
2 راجع: الفرق بين الفرق، ص36, ابن تيمية، القرآن والسيف، المنتخب من مدوّنات التراث، ص372, بدائع الوقائع، 1356, النقض، ص370 – 373, الشيخ محمود شلتوت من روّاد التقريب، ص30.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

11

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وتراهم محزونين مغمومين في ذلك الشهر الذي هو شهر حزنٍ وغمّ على آل محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم، وبذلك، فهم يتعلّمون الإيثار والتضحية من مدرسة العشق للإمام الحسين عليه السلام.

 

 
إنّ كلّ هذا يجعلنا نقول: إنّه ليس بين المدافعين عن الحقّ والحقيقة، ولا في شهداء طريق الخير والفضيلة، أحد كالإمام الحسين عليه السلام، الذي بلغ ما بلغه من المنزلة والمحبّة في قلوب أتباع المذاهب كافّةً، كما أنّه ليس هناك أيّ حادثة في العالم يمكنها أن تترك مثل الأثر الذي تركته حادثة عاشوراء في مختلف الشعوب والأمم.
 
ولقد تركت حادثة الطفّ الأليمة آثارها العميقة وبصماتها الواضحة على أركان مدرسة التشيّع، بحيث دفعت بالجميع، كلٍّ على حسب طاقته ودرجة كماله، نحو أداء وظيفتهم الرساليّة تجاهها: فالمؤرّخون وأصحاب المؤلّفات والتصانيف من ذوي الالتزام والخبرة، تصدّوا لبحث ودراسة الأبعاد النظريّة والعمليّة والجوانب الثوريّة والحماسيّة في نهضة عاشوراء، وحاولوا على قدر وسعهم وطاقتهم أن يضيئوا على بعدٍ من تلكم الأبعاد، أو جانب من هذه الجوانب، واغترفوا من نمير ذلك البحر الفيّاض، فتركوا من الكتب والرسائل والمؤلّفات ما لا يعدّ ولا يحصى في هذا المجال1.



1 فعلى سبيل المثال، أحصى الأستاذ نجفقلي حبيبيّ في كتابه ببليوغرافيا الإمام الحسين عليه السلام، (بالفارسيّة: كتابشناسي إمام حسين عليه السلام) 878 عنواناً لكتبٍ ومصنّفات حول الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام. وراجع أيضاً: نظرة تاريخيّة في الكتب المؤلّفة حول الإمام الحسين عليه السلام (بالفارسيّة: كتابشناسي اختصاصي إمام حسين عليه السلام)، ل محمّد إسفندياري، وكذلك كتاب ببليوغرافيا الكتب في الإمام الحسين عليه السلام (بالفارسيّة: كتاشناسي اختصاصي إمام حسين عليه السلام)، لحشمت الله صفر عليّ ﭘور.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

12

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وعشّاق الحسين ومحبّوه حرصوا على إقامة مجالس الذكر لأهل البيت  عليهم السلام، وأقدم شعراء مدرسة العشق والولاء لأهل البيت  عليهم السلام على نسج القصائد المشجية التي صوّرت بطولات رجالات الطفّ وشجاعتهم أفضل تصوير، ملهبةً العواطف والأحاسيس، ومجسّدةً حزناً عميقاً وألماً بالغاً يعتصر قلوبهم، ما جعل هذه القصائد والأشعار تبقى حيّةً مخلّدةً في الوجدان.


والخطباء وأهل الموعظة عملوا على تأجيج نيران الحزن والأسى في قلوب عشّاق الحسين عليه السلام، من خلال مواعظهم الجيّاشة وخطاباتهم الحزينة، فحفظوا بمراثيهم ذكر شهداء كربلاء. وأضفوا بها لوناً وطعماً خاصّاً على المجالس والمحافل، وجرت لها دموع الشيعة وآهاتهم، وهذا إن دلّ على شيءٍ فهو يدلّ على أنّ كلّ واحدٍ من هؤلاء كان مخلصاً لهذه القضيّة من موقعه الذي هو فيه، ما يوجب له الأجر والثواب الجزيل إن شاء الله.

وفي المختصر المفيد: فإنّ هذه المواكب والمجالس كان لها هالة مضيئة من العظمة والجاذبيّة جعلتها قادرةً على أن تشدّ إليها قلوب المحبّين والعاشقين، وتستقطب إليها شرائح واسعة من الناس.

وبهذا كُتب الخلود لملحمة عاشوراء الدامية التي جرت في شهر محرّم الحرام من العام 61 هـ، وبقيت حيّةً تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، ولم تتمكّن أحداث التاريخ من نسخها أو محوها أو القضاء عليها فحسب، بل إنّها بقيت عنصراً حيّاً، ونقطة انعطافٍ مشرقة في حياة البشريّة.

- أهداف إقامة المراسم
قامت هذه المراسم والمآتم المباركة، منذ القديم، بدورٍ فعّالٍ في تبلور العقائد الدينيّة والفضائل الخلقيّة والمناقب الإنسانيّة، وساهمت في صيانة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

13

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ذكرى عاشوراء من أن تطالها يد النسيان، وفي تعريف الناس بمقام أئمّة المسلمين، وفضح جنايات الظالمين وجرائمهم.

 
وفيما يلي نشير إلى جملةٍ من الآثار والفوائد التي تترتّب على هذه المراسم:
إقامة العزاء الحسينيّ إحياء للشعائر الإلهيّة وتجلٍّ كامل للتولّي والتبرّي
لم يكن الهدف الذي أصرّ لأجله أئمّة أهل البيت  عليهم السلام كلّ هذا الإصرار على إحياء المراسم التي يُذكر فيها صمود وتضحيات الإمام الحسين عليه السلام، المحامي عن الحقّ، سوى إحياء أهدافه السامية، وإيصال صوت مظلوميّة آل عليٍّ عليه السلام إلى مسامع البشريّة جمعاء، وفي هذا السياق، فإنّ الأمّة التي لا تقف وقفة تبجيلٍ وإجلال عند تضحيات العظماء من رجالاتها فهي - لا محالة - أمّة محكومة بالزوال والفناء.
 
وتعدّ إقامة المآتم ومجالس العزاء الحسينيّ من أفضل الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في تبليغ المعارف الإسلاميّة وأحكام الله تعالى، وفي صيانة الدّين من الانحراف، وحفظه من هجمات الأعداء وغدرهم، نظراً لما تتمتّع به هذه المآتم والمجالس من جاذبيّة شكليّة ومضمونيّة. كما تشكّل هذه المراسم أيضاً حركةً تبليغيّة نافعةً ومفيدة في العديد من المجالات، ولا سيّما في مواجهة الأفكار الباطلة التي تحاول التيّارات العلمانيّة أن تضخّها أو التي يعدّها الاستكبار العالميّ وأدواته لتقف في مقابل الإسلام.
 
وهذا - في الحقيقة - هو معنى قوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة"1، وإنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام العظيمة هي التي حفظت الإسلام، ولولاها لأفل فجر الإسلام منذ القرن الأوّل، ولم يبقَ من الشريعة النبويّة عين ولا أثر. وقد أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل عن الدور الكبير والاستثنائيّ الذي



1 عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص60, بحار الأنوار، ج36، ص205، ج94، ص 184.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

14

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ستقوم به الثورة الحسينيّة في حفظ الإسلام وبقائه بقوله الشهير: "حسين منّي وأنا من حسين"1. وإلى هذا المعنى أيضاً تنظر العبارة المعروفة: "الإسلام محمّديّ الحدوث، حسينيّ البقاء". فإذا كان الإسلام مديناً في أصل وجوده وحدوثه للنبيّ محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم، فهو في استمراره وبقائه مدين للإمام الحسين عليه السلام، الذي هو - بحقّ - سيّد المدافعين عن الحقّ والحقيقة.

 
وهنا تتكشّف لنا الحقيقة الآتية، وهي أنّ كلّ ما لدينا فهو من بركات وجود الإمام الحسين عليه السلام، لأنّ تضحيته وإيثاره وشهادته المباركة هي التي حفظت لنا أحكام الإسلام حيّةً باقية إلى يوم القيامة. كما أنّ تلك المجالس التي تقام على سيّد الشهداء عليه السلام قد أسهمت في نشر روحيّة الإيثار والتضحية في المجتمع، وفي تعميق وتعميم الشعور بضرورة السعي نحو تحقيق العدالة، والانتقام من الظالمين، وهكذا بقيت هذه المشاعر حيّةً ومتوقّدة، وازداد معها الميل نحو الصبر والتجلّد في مواجهة المشكلات والملمّات.
 
إنّ تذكّر مفردات ومكوّنات النهضة الحسينيّة يشكّل واحداً من أقوى الدوافع التي تبعث على توسيع وتفعيل دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى إشعال فتيل الثورات الدامية على الظلم والظالمين.
 
وفي الواقع، إنّ إقامة هذا النحو من المجالس هو تجديد للبيعة مع الأئمّة  عليهم السلام، وشكل من أشكال الإيفاء والتأدية لأجر الرسالة النبويّة، وذلك أنّ الحضور في مثل هذه المجالس يمثّل تأييداً ضمنيّاً للأفكار والأهداف السامية التي جسّدها الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام، والتي - بدورها - دعا إليها وحثّ عليها رسول الله الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلم.



1 بحار الأنوار، ج43، ص261, صحيح الترمذيّ، ج2، ص307, صحيح ابن ماجه، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, مستدرك الصحيحين، ج3، ص177, فضائل الخمسة، ج3، ص262.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

15

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 واليوم، فإنّ المجالس التي تُعقد لذكر الأئمّة من أهل البيت  عليهم السلام شبيهة إلى حدٍّ كبير بالحجّ الإبراهيميّ، حيث إنّها - مثله - تُعدّ من أهمّ العوامل والأسباب القادرة على أن تحقّق الوحدة العاطفيّة والسياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة بين المسلمين1، علماً بأنّنا لو أردنا أن نحقّق هذه الوحدة بالمال والإمكانيّات المادّيّة، لوجدنا ذلك أمراً صعباً وعسيراً للغاية، بل يكاد يكون محالاً. فهذه المجالس هي بمثابة استعراضٍ تُعرض فيه روائع صور الكرامة الإنسانيّة التي رُسمت بيد الولاية، وفي هذه المجالس تهتزّ أرواح أحرار العالم، وتحلّق في الفضاء الرحب، وتطرب لذكر الشهداء الأحرار وسماع تضحياتهم.

 
ولو أنّ كلّ محبّ لأبي عبد الله الحسين عليه السلام امتلك المعرفة اللّازمة به عليه السلام، لسعى بكلّ ما أُوتي من قوّة إلى أن يجعل صفاته وسجاياه شبيهةً بصفات محبوبه وسجاياه، بل إلى أن يحوّل نفسه إلى مرآةٍ يتجلّى فيها جمال ذلك المحبوب، بل إلى أن تزداد هذه المرآة شفافيّةً ووضوحاً يوماً بعد يوم، ليبرز فيها ذلك الجمال بأروع صورةٍ ممكنة.
 
وفي ذلك يقول الإمام القائد دام ظله:
"إنّ هذه المواكب الحسينيّة التي تتحرّك وتنشط في الأيّام العشرة الأُولى من شهر محرّم في كلّ عام هي كماء المطر الذي يجري على الأرض فيطهّرها وينظّفها ويزيل كافّة الأوساخ والأقذار منها، وهكذا تلك المواكب، فهي تطهّر بيئتنا الاجتماعيّة من كلّ الوساوس والشبهات والتلقينات الفاسدة التي يبثّها الأعداء، وتضفي عليها روحاً جديدة عابقةً بالعشق والإيمان الإلهيّ.



1 راجع : صحيفة النور، ج21، ص173.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

16

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 "وإنّ تلك الدموع التي تُذرف في مجالس العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام لها دور كبير في هداية الآلاف وسوقهم خلال هذه القرون الأخيرة نحو أحضان الإسلام المحمّديّ الأصيل"1.

 
"فهذه المجالس هي - في حدّ نفسها - من شعائر الإسلام، وفي ظلالها، ومن خلالها، وبوساطتها، يتمّ إحياء الكثير من شعائر هذا الدّين. ولقد عاين الشعب الإيرانيّ آثار هذه المجالس وبركاتها، ورأى بأمّ عينيه كيف انبثقت الثورة الإسلاميّة من تلك المجالس التي كانوا يقيمونها أيّام عاشوراء وتاسوعاء. ومن ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ومن واقعة كربلاء الدامية، استلهم الثوّار دروس الصمود والثبات في مواجهة الكفر والظلم"2.
 
ومن هنا نعرف السرّ فيما صنعه المرحوم آية الله العظمى السيّد حسين الطباطبائيّ البروجرديّ (أعلى الله مقامه)، وهو أحد كبار مراجع التقليد عند الشيعة في عصره وزمانه، حيث أوصى بثلث أمواله وقفاً لتُنفق في إقامة مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلاموإحيائها في كلّ عام3.
 
وإذا كان لمجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين عليه السلام هذه الدرجة من البركة والأهمّيّة، فهي - إذاً - فرصة لا يجوز تفويتها، بل يجب اغتنامها، واستغلالها، وهي جوهرة ثمينة تجدر المحافظة عليها، ويجب التمسّك بها، والعمل على تحسينها، وتطويرها.



1 دور المنبر الحسينيّ في التوعية الإسلاميّة، ص112 113, المنهج في الانتماء المذهبيّ، ص31 32, لقد شيعني الحسين عليه السلام، ص63 65 و 313 315, ثمّ اهتديت، ص96 98 نقلاً عن كتاب وقعة عاشوراء.. شبهات وردود.
2 راجع : صحيفة النور، ج2، ص11، وج 16، ص219 وج 17، ص255.
3 حياة آية الله البروجرديّ، ص146.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

17

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وما ورد في هذا المجال من دعواتٍ صادقة ومخلصة من قبل عددٍ من علماء الإسلام، كالمحدّث الكبير الميرزا حسين النوريّ رحمه الله في كتابه (اللّؤلؤ والمرجان)، والعلّامة السيّد محسن الأمين رحمه الله في رسالة (التنزيه لأعمال التشبيه)، والأستاذ الشهيد آية الله مرتضى مطهّريّ رحمه الله في كتاب (الملحمة الحسينيّة)، فإنّما هو ناظر إلى هذا الأمر المهمّ الذي ذكرناه.


إنّ بإمكاننا أن نحافظ على هذه الجوهرة القيّمة، وأن نستفيد من قدرتها الهائلة على إحياء النفوس، وذلك لا يتمّ إلّا بتخليصها من الشوائب التي التصقت بها، وتنقيتها وتهذيبها من كلّ الخرافات والأخبار الزائفة، وعندئذٍ فقط، يمكن لنا أن نشهد تحوّلاً كبيراً في مواجهة الكفر والاستكبار.

- العوامل التي أسهمت في تخليد مجالس العزاء واستمراريّتها:
لا شكّ في أنّ ثورة عاشوراء تمتلك من الميّزات والخصائص ما لا نشاهده عادةً في غيرها من الثورات.
فمن ذلك: أنّها استطاعت أن تبقى وتستمرّ بالرغم من كلّ المساعي والجهود التي بذلها بنو أميّة وبنو العبّاس وغيرهم من حكّام الظلم والجور في سبيل دفنها وإخفائها وطيّها في عالم النسيان، عبر تشويه مجالس العزاء ومسخها وتحريفها أو تعطيلها.

وكم هي قليلة تلك الحوادث التاريخيّة التي كُتب لها أن تُدوّن على صفحات التاريخ بهذا الشكل الدقيق والتفصيليّ الذي نراه بالنسبة إلى حادثة الطفّ، هذه الحادثة الأليمة التي استطاعت أن تترك آثاراً راسخةً في عمليّة السير التكامليّ لدى الكثير من الشعوب والأمم، وكانت، ولا تزال، وستبقى من أهمّ العوامل القادرة على التحريك والتغيير، بل هي بمرور الزمان تزداد عمقاً وتكاملاً واتّساعاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

18

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 هذا المستوى من العظمة الذي بلغته واقعة كربلاء، وهذا الخلود، وهذا العمق، جعلتها - تاريخيّاً - تحظى بكثرةٍ هائلة من المؤلّفات والتصنيفات، شعراً ونثراً، وبمختلف اللّغات. وهذه المؤلّفات أسهمت في تخليدها، وفي نشرها، وإبقائها حيّةً على امتداد العصور.

 
وإلى جانب هذه المؤلّفات، يمكن الإشارة إلى مجموعةٍ من العوامل كان لها دور أساسيّ ومفصليّ في خلود هذه الملحمة، وفي بقائها حيّةً نضرةً إلى يومنا هذا، منها: الإرادة والحكمة الإلهيّة، حقانيّة هذه الثورة، ونسائم الصدق والإخلاص والإيثار والفداء التي تفوح منها، وهذه التضحية الاستثنائيّة التي جسّدها شهداء كربلاء، والأخبار التي حدّثت بها السبايا ومن تبقّى من ثورة كربلاء، والأهداف السامية التي أعلنها الإمام الحسين عليه السلام، والجهود الكبيرة التي بذلها الشعراء وأصحاب المراثي في قبال مساعي المخالفين للأئمّة  عليهم السلام.
 
وفيما يلي نتحدّث عن بعض هذه العوامل:
أ- حثّ الشعراء وتشجيعهم على إنشاد الشعر والمراثي1
التقى أئمّتنا  عليهم السلام بالعديد من الشعراء الذين عُرف عنهم أنّهم ينظمون الشعر ويقولون الرثاء في أهل بيت النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا يحثّونهم ويشجّعونهم على رثاء الإمام الحسين عليه السلام2.
 
فعن زيد الشحّام، قال: كنّا عند أبي عبد الله، ونحن جماعة من الكوفيّين، فدخل جعفر بن عفّان الطائيّ على أبي عبد الله عليه السلام، فقرّبه وأدناه، ثمّ قال: "يا جعفر"، قال: لبيك! جعلني الله فداك، قال: "بلغني أنّك تقول الشعر في 



1 راجع: كامل الزيارات، ص111 114.
2 راجع: عيون أخبار الرضا عليه السلام، ص368, الأمالي، ص214, معاهد التنصيص، ص16, الغدير، ج2، ص36، 192 193, مثير الأحزان، ص44, أدب الطفّ، ص52 53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

19

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الحسين وتجيد"، فقال له: نعم، قال: "قل!"، فأنشده، فبكى ومن حوله حتّى صارت الدموع على وجهه ولحيته.

 
ثمّ قال: "يا جعفر، والله لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون ههنا يسمعون قولك في الحسين عليه السلام، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها، وغفر الله لك"1.
 
بل في بعض الأحيان، كان الأئمّة  عليهم السلام هم من ينشدون الشعر ويقولون الرثاء2. وإضافةً إلى تبجيلهم الشعراء وتكريمهم لهم معنويّاً، كانوا  عليهم السلام يصلونهم بالعطايا والأموال، للمزيد من التشجيع لهم، كما يؤكّد ذلك عطايا الإمام الباقر عليه السلام للكميت، وهدايا الإمام الصادق عليه السلام لأشجع السلميّ، وشكره وثناؤه على السيّد الحميريّ، وعطايا الإمام الرضا عليه السلام لكلٍّ من دعبل الخزاعيّ وإبراهيم بن العبّاس، ما يشير إلى مدى أهمّيّة إقامة المآتم على شهداء كربلاء عند الأئمّة  عليهم السلام.
 
هذا الاهتمام البالغ من قبل المعصومين عليهم السلام وهذا التشجيع منهم على إقامة مجالس العزاء، كان لهما أكبر الأثر في إحياء واقعة كربلاء، وفي تخليدها والحفاظ عليها على مرّ السنين، ليظلّ اسم الإمام الحسين عليه السلام رمزاً وشعاراً يرفعه كلّ ثائر في وجه الظلم والطغيان، وهو ما اتّسع يوماً بعد يوم بازدياد عدد الشعراء الملتزمين بقضيّة الثورة ضدّ الظلم.
 
وفي هذا الإطار أيضاً يندرج ما قدّمه الإمام السجّاد عليه السلام للفرزدق الشاعر من هدايا وصلات، وكذلك دعاؤه للكميت الأسديّ.



1 وسائل الشيعة، ط مؤسّسة آل البيت  عليهم السلام، ج14، ص592 – 594, رجال الكشّي، ج3، ص187, بحار الأنوار، ج44، ص183.
2 راجع على سبيل المثال: سفينة البحار، ج3، ص302 304, أدب الطفّ، ج3، ص300 304 وج 7، ص620 621, روائع الأشعار من ديوان الأئمّة الأطهار، ص395 398، 402 417.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

20

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ب- البكاء والتباكي:

من العناصر المهمّة الأُخرى التي كان لها تأثير بالغ في تخليد ثورة الإمام الحسين عليه السلام، البكاء والدموع التي ذُرفت حزناً على مصيبته1 ومصيبة من قضى معه من أبنائه وأصحابه.
 
وقد حثّ الأئمّة عليهم السلام على البكاء، بل كانوا يذرفون الدموع ويبكون حزناً على مصاب أبي عبد الله عليه السلام وأصحابه2، ويحثّون الناس على الندب والبكاء والتباكي3.
 
وقد ورد في ذلك كثير من الأخبار والروايات. منها ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال للريّان بن شبيب: "يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيءٍ فابك للحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش"4.
 
هذه الأحاديث شكّلت دافعاً قويّاً عند المحبّين للإمام الحسين عليه السلام للإقبال على البكاء عليه عليه السلام، لئلّا يُسجَّلوا في عداد الأشقياء الذين لا تنالهم الرحمة والمغفرة الإلهيّة.
 
وبحقٍّ نقول: لولا هذا البكاء، وهذه الدموع، فإنّ كربلاء لم تكن لتبقى بهذه العظمة، بل إمّا أنّها كانت ستزول وتضمحلّ كلّيّاً، وإمّا أنّها كانت ستبقى، ولكن مفرّغةً من محتواها، خاويةً من حقيقة مضامينها. ولولا تلك الدموع أيضاً لما وجدنا اليوم أحداً يعرف الإمام الحسين عليه السلام، ولضاع ذلك النهج الذي رسمه عليه السلام.



1 راجع : البكاء للحسين، ميرجهاني.
2 راجع : بحار الأنوار، ج93، ص434.
3 أمالي الصدوق، ص112.
4 بحار الأنوار، ج44، ص286، ج101، ص103 نقلاً عن عيون الأخبار، ج1، ص299 وأمالي الصدوق، ص129.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

21

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ج- التأكيد على زيارة سيّد الشهداء عليه السلام:

من الطرق والوسائل المؤثّرة التي اعتمدها حفظة مدرسة التشيّع بهدف الحفاظ على حادثة عاشوراء حيّة وخالدة، ذلك الاهتمام الكبير والبالغ بزيارة الضريح المقدّس لسيّد الشهداء عليه السلام. ويبدو جليّاً مستوى هذا الاهتمام وحجمه من خلال كثرة ما ورد في كتب المزار، ككتاب (كامل الزيارات) وغيره، من رواياتٍ وأحاديث اختلفت ألفاظها وتنوّعت، ولكنّها جميعاً تؤكّد على أهمّيّة الزيارة، ومدى اهتمام الأئمّة  عليهم السلام بها.
 
هذه الأحاديث والروايات حثّت على الزيارة أيّام الأعياد، وأيّام الحزن والعزاء، وفي ليالي القدر، وفي الأيّام المخصّصة للعبادة، وفي يوم الجمعة وليلتها، وذكرت لها ثواباً جزيلاً.
 
هذا الحثّ والتشجيع على زيارة الإمام الحسين عليه السلام كان من جملة العوامل التي أسهمت في حفظ ذكرى عاشوراء، وفي تخليد تضحياته عليه السلام وتضحيات أصحابه1.
 
د- تربة كربلاء:
من الوسائل الأُخرى التي اعتمدها الأئمّة  عليهم السلام في إحياء الملحمة الحسينيّة، الحفاظ على التربة الحسينيّة، والأمر بالسجود عليها، لما امتزج في هذه التربة من معاني التوحيد لله عزَّ وجلّ، ومن مظاهر العشق بأروع صوره، إلى حدّ الاستعداد للتضحية بكلّ شيءٍ في الطريق إلى الله، فالمصلّي عندما يهوي إلى السجود على هذه التربة المباركة، يذكر تلك الأرواح النقيّة الطاهرة التي قُدّمت على مذبح الحبّ الإلهيّ، ما من شأنه أن يُدخل قلب الإنسان وروحه في جوٍّ من الأنس والمعرفة الوطيدة بالنهج العاشورائيّ، الذي له آثار تربويّة ومعنويّة استثنائيّة في قلب الإنسان وروحه2.



1 راجع : نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين عليه السلام.
2 راجع : الأرض والتربة الحسينيّة، ص32, مقتل الحسين عليه السلام، المقرّم، ص131.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

22

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 هـ- الحثّ على إقامة مجالس العزاء1

حرص أئمّتنا  عليهم السلام على إحياء ذكرى عاشوراء2، وحثّوا أصحابهم على إقامة مجالس الحزن والبكاء في كلّ عام. وكذلك فعل علماء الدّين، الذين ساروا أيضاً على هذا المنوال، مقتدين بأئمّتهم  عليهم السلام في السعي إلى نشر هذه الثقافة الحسينيّة، وفي حثّ الشيعة على إحياء المجالس وإقامتها.
 
ويمكن القول: إنّ هذه العوامل المتقدّمة أسّست لقيام سنّةٍ ثابتة استطاعت أن تخلّد في النفوس ذكرى ثورة كربلاء وثوّارها، محوّلةً إيّاها إلى مدرسةٍ خالدة تستلهم الشعوب منها الدروس والعبر في مواجهة الطواغيت في كلّ عصرٍ وزمان، وتعلّمت منها كيف أنّ شعار "يا مظلوم" يمكن له أن يُهلك كلّ ظالم.
 
وبهذا استطاعت كربلاء النفوذ إلى أعماق قلوب الناس وأرواحهم، وامتزجت بمعتقداتهم الفكريّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، لتزرع في قلوبهم نفوراً دائماً وكراهية شديدة للظلم والظالمين، ما كان له أثر كبير في الحفاظ على نضارة التعاليم الإسلاميّة وحيويّتها.
 
وقد لاحظ كثير من المفكّرين ما للمجالس الحسينيّة من الآثار والمنافع والبركات الكثيرة. فهذا (مارتين) - الكاتب الألمانيّ - يعترف بأنّ المنابر الحسينيّة إذا ما أحسن المسلمون استغلالها وتنظيمها فهي من أهمّ العوامل والأسباب لتقدّمهم وارتقائهم.
 
وبالرغم من الأهمّيّة القصوى والمقام الرفيع الذي تحتلّه قضيّة عاشوراء في الفكر والثقافة الإسلاميّين، إلّا أنّنا نجد أنفسنا هنا مضطرّين إلى الاعتراف بأنّ 



1 إقناع اللائم على إقامة المآتم، أحسن الجزاء في إقامة العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام، تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن عليّ عليه السلام، سيرتنا وسنتنا، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة.
2 راجع : تاريخ النياحة على الإمام الشهيد، ص120, المجالس السنيّة، ج5، ص123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

23

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 هذه القضيّة اليوم قد فقدت كثيراً من عمقها ومحتواها في المجتمع الإسلاميّ، بسبب الغفلة عن حقيقة مضمونها، وعن رسالتها الأصليّة، وهي إحقاق الحقّ ورفض الظلم وتحقيق العدالة.

 
لو ركّز المجتمع الشيعيّ الموالي لأهل البيت  عليهم السلام اهتمامه على مضمون الثورة الحسينيّة ومحتواها، وتعلّم من وحي دروسها الكبرى، لكان من أكثر المجتمعات الإنسانيّة رقيّاً وتقدّماً. ولكن، وللأسف الشديد، فإنّ السماح لبعض النواقص والسلبيّات بالنفوذ إلى قراءة العزاء حال، ويحول، دون استفادة المجتمع الشيعيّ منها بشكلٍ كامل1.
 
إنّ تطوير مجالس العزاء وترشيدها وتقويمها يتطلّب الوقوف في وجه تلك النواقص والأمور السلبيّة تحت ظلال توصيات وإرشادات مراجع التقليد



1 لا شكّ في أنّ عاشوراء تُعدّ كنزاً ثميناً من كنوز الإسلام الأصيل، ولكن من الواضح أنّها تعرّضت للعديد من المشكلات والنواقص التي لحقت بها إمّا على يد عدوٍّ مغرض، أو صديق جاهل، كما أنّ المنبر الحسينيّ وقع في بعض الأحيان ضحيّةً لقرّاء وخطباء لا أهليّة علميّة لهم تخوّلهم ارتقاء المنبر، أو أنّهم لا وعي لهم ولا معرفة بمصالح العالم الإسلاميّ والنظام الإسلاميّ، أو أنّهم لا يراعونها إن عرفوها. كما أنّ إدارة مجالس العزاء تسلّمها أحياناً أناس لا معرفة عميقة لهم بحقائق الدّين وتعاليمه، ولا يراعون اختلاف المصالح باختلاف العصور المتعاقبة والظروف الزمانيّة المتبدّلة. وقد عمد البعض إلى إثارة مشاعر الناس وعواطفهم للبكاء والإبكاء بأيّة طريقةٍ ممكنة، ولو كانت غير مشروعة، وغير مباحة، وهو أمر غير مقبول، وغير لائق بالمجالس الحسينيّة.
ولكن مع ذلك، فلا يسعنا هنا إلّا أن نقرّ ونذعن بأنّه إذا كان هناك أجواء سلبيّة تحكم بعض المجالس، فإنّ هذا لا يشكّل داعياً إلى تجاهل الدور الكبير الذي تقوم به المجالس في حركة الهداية، ولا إلى تعطيل المجالس التي يمكن لها أن تكون منطلقاً للإصلاح في المجتمع، بل على العكس من ذلك، فإنّنا ندعو إلى ضرورة انضواء الخطباء وقرّاء العزاء ضمن مؤسّسات وتشكيلات منظّمة تعمل وفق برنامج مدروس ودقيق على تعريفهم بوظائفهم، بما يصبّ في خدمة مدرسة التشيّع والولاء لأهل البيت  عليهم السلام وأهداف شهداء الطفّ، وبما يشكّل فرصة ذهبيّةً للإعداد لمجالس تجمع إليها عشّاق أهل البيت  عليهم السلام، وتمنح السكينة لقلوبهم وأرواحهم، وتجعلهم أكثر تقبّلاً للمواعظ والمعارف، وأكثر قدرةً على مواجهة المفاسد الفرديّة والاجتماعيّة التي تشكّل خطراً على المجتمع الإسلاميّ. وعندئذٍ، سيكون للمجالس القدرة على تعبئة أفراد الناس والقوى الشعبيّة للدفاع عن بلاد المسلمين ودينهم، كما أنّها تفتح المجال أمام تعامل أكثر اتّزاناً واعتدالاً مع الإرث العظيم الذي خلّفته عاشوراء، بما من شأنه أن يفوّت الفرصة على كلّ عدوٍّ يتربّص بالشيعة ومذهبهم شرّاً. ومن جهةٍ أُخرى، تكون هذه المؤسّسات والتشكيلات تحت نظارةٍ وإشرافٍ مباشرين من قبل مؤسّسة المرجعيّة عند الشيعة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

24

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 العظام وعلماء الدّين العاملين الذين لهم خبرة ومعرفة بالأخطار التي تهدّد قضيّة عاشوراء، وذلك من خلال تظهير قضيّة عاشوراء بدقّة، وتقديمها للناس بصورةٍ جليّةٍ، والتركيز على جوهرها وحقيقة مضامينها، وعلى كلٍّ ركن من الأركان التي تتشكّل منها هذه المجالس أن يتحمّل المسؤوليّة والوظيفة الملقاة على عاتقه، كلّ على حسب قدرته وطاقته.

 
ومن منطلق قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ نشير - تباعاً - إلى وظائف كلّ واحدٍ من هذه الأركان ومسؤوليّاته، وذلك على الشكل الآتي:
- وظائف عموم الشيعة ومسؤوليّاتهم:
الأمّة الإسلاميّة مَدينة لعاشوراء، ومن المعلوم أنّ أداء الدّين يرتّب عليها عدداً من المسؤوليّات. فمن سبق من الشيعة كان عليهم مسؤوليّات وفوا بها في عصرهم وزمانهم، وفي هذا العصر أيضاً هناك عدد من المسؤوليّات والوظائف الملقاة على عاتقنا، والتي توجب علينا السعي للمحافظة على قضيّة عاشوراء، وتخليد ذكرى شهدائها، ونشر مبادئهم وأهدافهم.
 
ويمكن تلخيص مسؤوليّات الشيعة اليوم تجاه قضيّة عاشوراء ضمن النقاط الآتية:
1- الشكر على نعمة الولاية، وعلى كون الإنسان قد تربّى على منهج أهل البيت عليهم السلام، وعلى التوفيق الربّانيّ للمشاركة في مجالس أهل البيت عليهم السلام، وطلب دوام هذه النعمة واستمرارها.
 
2- شكر الوالدين والدعاء لهما ولكلّ المربّين الذين أوصلونا إلى هذه الحالة من الأنس بمجالس الإمام الحسين عليه السلام، وتقدير الأشخاص الدائبين على إقامة المجالس الحسينيّة وتكريمهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

25

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 3- إنّ أقلّ ما يُطلب ممّن يدّعون أنّهم من أتباع الإمام الحسين عليه السلام المخلصين والصادقين، هو التعرّف بشكلٍ كامل على فلسفة ثورته عليه السلام وأبعادها، والسعي الدؤوب لنشر ثقافة عاشوراء وخطاباتها، واستسهال التضحية بالغالي والنفيس، وبكلّ ما أُوتي من إمكانات، مادّيّة أو غير مادّيّة، في سبيل شلّ وتعطيل المؤامرات التي يحيكها أعداء عاشوراء، وصولاً إلى حدّ الإيثار والتضحية بالنفس.

 
4- أُولى مراتب العزاء هي الهمّ والحزن القلبيّان، بحيث يرى المعزّون بالإمام الحسين عليه السلام مصابه ومصاب أهل بيته أكبر بكثيرٍ من مصائبهم الشخصيّة أو مصائب عائلاتهم.
 
5- ويأتي إظهار الحزن والغمّ في أيّام حزن آل محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم ليشكّل المرتبة الثانية من مراتب العزاء.
 
يقول الريّان بن شبيب: دخلت على الرضا عليه السلام في أوّل يوم من المحرّم، فقال لي: "يا بن شبيب، إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً تولّى حجراً لحشره الله عزَّ وجلّ معه يوم القيامة"1.
 
6- لِبس السواد، ووضعه على المنازل والجدران، وفي الحسينيّات وحيث تُقام المآتم ومجالس العزاء، إذ ذلك من الأمور الكاشفة عن الحزن والغمّ، والتي تحكي عن تأجّج مشاعر العشق والحبّ والتعلّق في قلوب الشيعة تجاه مقام الإمامة والولاية.



1 أمالي الصدوق، المجلس 27, بحار الأنوار، ج44، ص285, عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص299 300.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

26

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 7- إقامة مجالس العزاء، والمشاركة فيها، ودعمها، وتقويتها، وتحسينها، للوصول من خلالها إلى تحقيق الهدف، وهو التعرّف على الوظائف والأحكام الشرعيّة، ومعرفة سيرة أبي الأحرار عليه السلام وخطّه ومنهجه.

 
8- تشجيع الآخرين على إقامة مجالس أسبوعيّة أو شهريّة، داخل أسرهم وعائلاتهم، لأنّ الأفراد قد لا تسنح لهم الفرصة للمشاركة في المجالس العامّة، وأمّا المجالس التي تقيمها عائلاتهم فهم- في العادة- يشاركون فيها ولا يتركونها. وقد ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام مخاطباً الفضيل ابن يسار بخطابٍ تفوح منه نفحات التشجيع والتشويق، يقول عليه السلام: "تجلسون وتتحدّثون؟" فقال: نعم، فقال: "إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا"1.
 
9- الحرص على الاستفادة المثلى من الأمكنة التي تُقام فيها المجالس، بحيث تُراعى حرمة الآخرين، ولا يُعتدى على حقوقهم، ولا يتعرّضون إلى أيّ شكلٍ من أشكال الإيذاء أو الإزعاج، وعدم التضييق عليهم. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾2.
 
10- الحزن والبكاء عند ذكر المصيبة، وهما من أفضل أعمال العزاء، فإنّ هذين الحزن والبكاء يتحوّلان إلى حصن منيع يحول بين الإنسان وبين أهوال يوم القيامة وشدائدها.
 
11- التواضع والتأدّب الكامل في حضور المجالس، واليقين بأنّ الله تعالى حاضر وناظر.



1 وسائل الشيعة، ج14، ص501.
2 سورة المجادلة، الآية: 11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

27

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 12- المشاركة في المجالس التي يقيمها الخطباء من أهل الصلاح والحكمة والتحقيق والوعي والمعرفة بالمصالح والمفاسد، حرصاً على أن يكون الوقت مستغَلّاً بأفضل طريقةٍ ممكنة.

 
13- المشاركة في المجالس التي تتّسم بالتعمّق في جوهر قضيّة عاشوراء.
 
14- التشرّف بإلقاء التحيّة والسلام في كلّ يومٍ على المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام، سليل النور، وأبي الأحرار، ومسطّر الملاحم والبطولات، وهو من أكبر التوفيقات وأعظم النعم الإلهيّة التي يمكن أن تُعطى لإنسان.
 
15- إعلان البغض والبراءة من الأعداء والمجرمين والحاقدين الذين تهيّأوا وأعدّوا العدّة لقتل الأئمّة من أهل البيت  عليهم السلام، ومن قاتليهم وظالميهم، وهو أمر له آثار إيجابية كثيرة.
 
16- التوجّه بالتعزية إلى إمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتعزية المؤمنين بعضهم بعضاً في أيّام الحزن والعزاء، وبخاصّةٍ: في أيّام العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام. وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام ما يدلّ على كيفيّة التعزية، وهي كالآتي: "عظّم الله أجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام، وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهديّ من آل محمّد  عليهم السلام"1
 
17- الابتعاد عن كلّ سلوك يكون خارجاً عن الضوابط الإسلاميّة أو منافياً لها.
 
18- الاستفادة من هذه المجالس، ومن المحاضرات التي تُلقى فيها، إلى الدرجة القصوى، لجهة رفع مستوى المعرفة الدينيّة، ونشر المسائل الشرعيّة، والأسئلة العقائديّة والأخلاقيّة.



1 وسائل الشيعة، ج14، ص509.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

28

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 19- اكتشاف المشاكل والسلبيّات التي تعترض مجالس العزاء، ومواجهتها ثقافيّاً في ضوء من إرشادات مراجع التقليد العظام وتوجيهاتهم.

 
20- إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعلى الحاضرين في تلك المجالس إذا ما لاحظوا وجود بعض الأمور السلبيّة أو المنكرة أن لا ينسوا مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الملقاة على عواتقهم، وينبغي أن لا يسمحوا بوجود أمور منكرة في مثل هذه المجالس المقدّسة، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾1.
 
21- إظهار الاحترام لكلّ من تربطه علاقة بهذه المجالس الحسينيّة، من علماء، أو خطباء، أو خدّام، وكلّ من يهيم بحبّ المولى أبي عبد الله عليه السلام، وذلك انطلاقاً من قول النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّ الله من أحبّ حسيناً"2.
 
22- تقديم يد العون والمساعدة في بعض الأعمال التي يتطلّبها المجلس.
 
23- التوجّه بالشكر إلى كلّ المؤسّسين للمجلس ومن ساهموا في إقامته.
 
24- تعطيل كافّة الأعمال يوم عاشوراء والتفرّغ لإقامة مجالس العزاء والحضور والمشاركة فيها، فعن الإمام الرضا عليه السلام أنّه: "من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة"3.
 
25- التقدير والاحترام لكافّة العلماء والخطباء والقرّاء والمثقّفين الواعين الذين حملوا ويحملون همّ الدفاع عن ثقافة عاشوراء.



1  سورة المائدة، الآيتان: 78 79.
2 كامل الزيارات، ص116، ح11.
3 أمالي الصدوق، المجلس 27، ج4.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

29

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 26- المراقبة الحثيثة للمسائل والأمور الشرعيّة، ولا سيّما عُقيب الخروج من مجالس العزاء.


27- المشاركة الفعّالة في بناء الحسينيّات وأماكن إقامة المجالس، لما لذلك من أهمّيّةٍ بالغة على صعيد نشر ثقافة العزاء.
- وظائف المسؤولين عن إقامة المجالس والقيّمين عليها:
في العادة، فإنّ القيّمين على المجالس، والمؤسّسين لها، والمسؤولين عن إقامتها، هم أشخاص يصرفون شطراً من عمرهم وقفاً لخدمة أهل البيت  عليهم السلام، وفي هذا السبيل، هم يبذلون طاقاتهم وقدراتهم وما أُتيح لهم من إمكانيّات، كما أنّهم ينفقون أموالهم، ويتحمّلون الكثير من المشقّات والمتاعب، ولأجل ذلك، فإنّ هؤلاء - إذا كانوا مراعين للمعايير والموازين الشرعيّة - لا شكّ أنّهم في عداد من يروّجون الخير، ويهيّئون الأسباب للتبليغ الدينيّ، ويسهمون في إحياء أمر أهل بيت النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم. وإلى جانب ما لهم من الثواب على هذه الأعمال والمساهمات، فهم أيضاً شركاء للآخرين في ثوابهم، ولكن بشرط أن تكون المجالس التي يقيمونها مبنيّةً على أساس المعرفة الصحيحة والعميقة، مع مراعاة شروط هذا العمل وآدابه. وأمّا لو كان هؤلاء من الجاهلين بأهداف مجالس العزاء، وبالبركات واللّطائف الموجودة فيها، وبالتالي: لم يراعوا حدودها وآدابها، فلن يكون في وسعهم الوصول إلى النتائج المرجوّة من خلال مجالسهم.

ولعلّ هذا من العوامل والأسباب التي حالت دون أن يتمكّن المبلّغون لثقافة عاشوراء من الوفاء بأدوارهم على ما ينبغي، ما حال أيضاً دون إعادة الانتشار لأنوار ثورة عاشوراء بما تحمله من تعاليم وقيمٍ إصلاحيّة وإحيائيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

30

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وعلى هذا الأساس، ينبغي لهؤلاء العمل على تطوير المجالس ورفع مستوى تأثيرها، وصولاً إلى تحقيق استفادةٍ مثلى من هذه النعمة، أعني: نعمة مجالس العزاء، وذلك لا يتسنّى لهم إلّا بمراعاة الأمور الآتية:

1- رعاية الإخلاص في العمل، والابتعاد بشكلٍ تامّ عن الرياء والعجب، وذلك لأنّ مجالس العزاء هي من مصاديق العبادة، والرياء والعجب آفة كلّ عمل عباديّ، وقوام العبادة بخلوص النيّة1، فما لم تتحقّق النيّة الصادقة والمخلصة فإنّ هذا العمل سوف يكون بلا أثر ولا نتيجة بالنسبة إلى القائمين به.
 
2- عدم الإنفاق على هذه المجالس إلّا من أموالٍ أُخرجت منها الحقوق الشرعيّة، (كالخمس والزكاة).
 
3- ولو كان ما وصل إليهم من المال هديّةً من الآخرين، فلا بدّ لهم من التدقيق في مصدر هذه الهديّة، وفي حلّيّتها.
 
4- السعي إلى أن يكون العمل صحيحاً من جميع جوانبه، وقبل التفكير بالإعداد الشكليّ للمجلس وبتجهيزاته ولوازمه المادّيّة، ينبغي التفكير بمضمونه وكيفيّته، وتقديم الاهتمام بالجوهر على الاهتمام بالمظهر. وفي هذا السياق، لا بدّ من توخّي الدقّة في اختيار المحاضرين الأكْفاء والخطباء من ذوي الصيت الحسن، والسمعة الطيّبة، ولأنّه لا مجال لتضييع الوقت، ولا الطاقات المادّيّة أو البشريّة، فمن الواجب اللّجوء إلى الأتقياء من العلماء، لاستشارتهم وأخذ رأيهم. كما ينبغي عدم التركيز على المظاهر والإجراءات الشكليّة القليلة الأثر، أو التي لا أثر لها في تحقيق المعرفة. وعليهم بدعوة العلماء من أهل العلم والفضل والتقوى، والمعروفين بالتزامهم بالقيم 



1 يعتقد أحد العظماء بأنّ الإخلاص هو أن لا ترضى بأن يذكرك أحد بعمل حسن أدّيته. وأن لا تطلب ثواب عملك من أحد "إلّا من الله تعالى"، تذكرة الأولياء، ص412.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

31

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 والمعايير الأخلاقيّة، القادرين على نشر معارف الإسلام وبيان أحكامه وتعريف الناس بحقيقة الثورة الحسينيّة وأهدافها.


وأمّا مجرّد حفظ بضعة أبيات من الشعر، وعدّة قصص وروايات، وامتلاك صوت جميل، فلا يكفي لكي يكون الشخص حائزاً على الشرائط والمزايا المطلوبة للخطابة الحسينيّة وقراءة العزاء. ومن هنا، لا بدّ من دعوة الخطيب أو قارئ العزاء الذي يمتلك قدراً من المعرفة بمقام الإمامة، على أن يكون من أصحاب السمعة الحسنة، متديّناً، معروفاً بالتقوى والصلاح والأمانة - وهؤلاء - والحمد لله - كثيرون -، ومن دون ذلك، فلا يتوقّع أن تحصل الفائدة المطلوبة من المجلس.

وفي هذا المعنى، يقول العارف الواصل العالم الربّاني آية الله الميرزا آقا جواد الملكيّ التبريزيّ- رضوان الله تعالى عليه-: لا تدعوا لقراءة المصيبة إلّا صاحب التقوى، ومن كان صادقاً في ذكر المصيبة.

وإنّنا هنا ننصح بالعودة إلى الطريقة التي كانت متداولةً في السابق، حيث كان يُصار إلى تقديم محاضرة أمام مجلس العزاء، يُخصّص لها مقدار كافٍ من الوقت، وذلك بهدف تعريف الناس على فلسفة الثورة الحسينيّة وأبعاد شهادة الإمام الحسين عليه السلام وعظمة أهدافه السامية. وهذه الطريقة في غاية الأهمّيّة، ولا سيّما عند اشتعال الفتن، واضطراب أفكار الناس ومعتقداتهم. ومن الخطأ جدّاً ما يجري على الساحة اليوم من التعاطي بشكلٍ عاطفيّ بحت مع قضيّة العزاء، وإفراغ مجالس العزاء من مضمونها الحقيقيّ، وتحوّل الوعظ والمنبر إلى أمر هامشيٍّ فيها، واستبدال المسائل الأساسيّة لتصبح هي المسائل الفرعيّة والجانبيّة، فإنّ ذلك من شأنه أن يجعل إيمان الناس في أدنى مستوياته، وهو يعرّض معتقداتهم للخلل والانحراف، بل هذه الأمور من أخطر
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

32

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 العوامل وأكثرها قدرةً على إلحاق النقص والضعف بأسس البنيان الثقافيّ لنهضة عاشوراء، بل هي تجعل من الإسلام ديناً قشريّاً ناقصاً خالياً من المعنى والمضمون، وهي أكبر ضربة قاصمة يمكن أن تحيق بالإسلام، ومن المسلّم به أنّ صاحب الشريعة لا يرضى بذلك، كما لا يرضى به الإمام الحسين عليه السلام. وإنّ الابتعاد عن حقيقة ما جرى في كربلاء، وعدم التركيز على أهدافها العليا، قد يؤدّي في يوم من الأيّام - لا قدّر الله - إلى ضياع تلك الأهداف، بل قد يؤدّي إلى إنكار أصل وقوع الحادثة. وبشكلٍ عامّ، فإنّ التعاطي مع الدّين بدون تفقّه وتدبّر في مسائله وقضاياه يوجب لحوق أضرار عديدة بالدّين والتديّن. من هنا، فإذا كان القيّمون على إقامة المجالس يريدون لأتباع هذا الدّين ومحبّيه أن يتحوّلوا إلى عارفين به، وإذا كانت لديهم رغبة في اقتلاع بذور الفساد والتهتّك والتحلّل من الدّين، وأحياناً العداء للدّين، والتي تفد إلى مجتمعاتنا من الغرب، فعليهم اليقظة والتعاطي مع تلك المجالس المباركة بشكلٍ مسؤول وواع.


5- حسن التعامل مع الحاضرين في المجلس، والتعاطي مع الجميع بالطريقة نفسها، بدون تمييز لأحد على أحد، إلّا أن يكون لأحدهم منزلة علميّة أو دينيّة تقتضي له احتراماً زائداً، كأن يكون من المعروفين بإقامة مجالس العزاء، أو من أهل العلم والفضل والكمال.

6- اجتناب المظاهر التي تنافي الحكم الشرعيّ في إحياء مجالس العزاء.

كتب الفقيه الكبير الميرزا النائينيّ قدس سره جواباً على استفتاء أهالي البصرة في خصوص حركات المواكب العزائيّة: "خروج المواكب العزائيّة في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع ممّا لا شبهة في جوازه ورجحانه وكونه من أظهر مصاديق ما يُقام به عزاء المظلوم... لكنّ اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عمّا لا يليق بعبادة مثله من
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

33

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 غناء أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدّم والتأخّر بين أهل محلّتين، ونحو ذلك. ولو اتفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائيّ1، ويكون كالناظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة في عدم بطلانها"2.

 
7- الحرص على أن تُقام مجالس العزاء ضمن وقتها المحدّد لها، واجتناب الإطالة وسلب راحة الجيران. وللنجاح في ذلك ينبغي لَفْتُ نظر المحاضر والخطيب إلى ضرورة الحضور إلى مكان إقامة المجلس في الوقت المحدّد، وكذلك إلى ضرورة الانتهاء في الوقت المحدّد لذلك.
 
8- الوسطيّة والاعتدال، وهذا من جملة الأصول الأساسيّة التي ينبغي للقيّمين على المجالس أن يجعلوها على قائمة أولويّاتهم واهتماماتهم.
 
9- الابتعاد عن أذيّة الآخرين وإزعاجهم وإصدار أصوات منكرة.
 
10- رعاية النظافة والقواعد الصحّيّة السليمة في إعداد الطعام، وفي تطهير المكان من دماء الذبائح التي قد تُذبح خلال المواكب العاشورائيّة.
 
11- ليست إقامة مجالس العزاء في حقيقة الأمر سوى إعلانٍ لانتظار ظهور صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وحيث كانت كذلك، فلا بدّ من تضمينها الدعاء والابتهال إلى الله تعالى لنكون معه عجل اله تعالى فرجه الشريف في طلب الثأر لدماء جدّه الحسين عليه السلام. ورد في الزيارة: "أسأله... أن يرزقني طلب ثاري مع إمام مهديّ ظاهر ناطق منكم"3.



1 راجع : الشعائر الحسينيّة في الميزان الفقهيّ، عبد الحسين الحلّي، تحقيق نزار الحائريّ، ص211 212.
2 صدر هذا الجواب بتاريخ 5 ربيع الأوّل عام 1345. راجع : فتاوى علماء الدّين حول الشعائر الحسينيّة، ص21 24.
3 زيارة عاشوراء، بحار الأنوار، ج101، ص295.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

34

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 12- تغطية جزء من محيط المجلس بالسواد، إظهاراً لشدّة المصاب، وفداحة الخطب، وتغطية سائر أجزاء المكان بلوحاتٍ ترمز إلى عظمة المصيبة، ولا مانع من نشر بعض الأبيات الشعريّة المشجية والمعروفة، كقول دعبل الخزاعيّ: (أفاطم قومي يا بنة الخير واندبي...).


13- وضع وإلصاق لوحاتٍ إعلانيّة في الطريق من مكان المجلس وإليه.

14- كتابة عبارات كعبارة "السلام على الحسين عليه السلام" على تلك اللّوحات الإعلانيّة، أو تعليق صورٍ واقعيّة كصورة حرم الإمام الحسين عليه السلام ومقامه الطاهر، وتجنّب الصور التي تُعرض في الأسواق تحت عنوان صورٍ للإمام الحسين أو لأخيه قمر بني هاشم عليه السلام. 
15- وضع أقمشة وتعليقها يُكتب عليها بخطٍّ جميل أسماء شهداء الطفّ.

16- إهداء كتب مفيدة وتوزيعها على الحاضرين في بعض أيّام العزاء أو لياليه.

17- الفصل في المجلس بين النساء والرجال، في الأبواب وأماكن الدخول، كما في أماكن الجلوس.

18- أخذ فتاوى مراجع التقليد العظام وآرائهم وملاحظاتهم حول كيفيّة انعقاد المجالس الحسينيّة بعين الاعتبار.

هذه الأمور المتقدّمة التي أشرنا إليها ليست سوى جزءٍ من التوقّعات والأمور التي ينتظرها روّاد المجالس الحسينيّة في هذه الأيّام من المؤسّسين لها والقيّمين عليها.

- وظائف أهل المنبر ومسؤوليّاتهم
لا شكّ في أنّ هذه المجالس والمآتم التي تُعقد على خلفيّة إحياء ثورة عاشوراء هي محلّ اهتمام وعنايةٍ من قِبَل الوجود المقدّس لبقيّة الله الأعظم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

35

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. وهي - هذه المجالس - تشكّل سلاحاً قويّاً وفعّالاً في أيدي علماء الدّين والمبلّغين والخطباء وأهل المنبر ممّن يتعرّضون لذكر مصائب الإمام الحسين عليه السلام. الأمر الذي يرتّب عليهم - في حقيقة الأمر - مسؤوليّة جسيمة، وهي مسؤوليّة الحفاظ على هذا الكنز الثمين، والترويج لتعاليم الدّين، بل إنّ دور هؤلاء يشبه دور الأنبياء العظام  عليهم السلام1 في إبلاغ الوحي الإلهيّ، وهذا يتطلّب منهم أن يستلهموا من دروس ثورة عاشوراء لنشر قيمها ومفردات ثقافتها في المجتمع الولائيّ بما يتناسب مع مقتضيات الزمان والمكان.

 
ولسنا نبالغ هنا عندما ندّعي أنّ بقاء هذا الدّين واستمراره مشعلاً ينير دروب البشريّة على طول التاريخ مدين- بشكلٍ أساسيّ- لجهود هؤلاء الأعلام، وتضحياتهم، ومساعيهم التي بذلوها في سبيل ردّ شبهات المغرضين والمحرّفين وأمثالهم. كما أنّ جميع أعمال الخير والإحسان التي نراها، من الأبنية العامّة النفع، كالمستشفيات والجسور وخزّانات المياه و.. وكذلك الأوقاف المخصّصة لحفظ الأيتام وكفالتهم واحتضانهم وإطعام الفقراء والمساكين وغير ذلك الكثير من أعمال الخير.. ما هي إلّا نتيجة الاستفادة الصحيحة لعلماء الدّين المخلصين من مجالس الإمام الحسين عليه السلام.
 
واليوم، فإنّ على هؤلاء أيضاً العمل على تعريف الناس بأئمّة هذا الدّين وقادته، ونشر معارف الإسلام، وتحريك عواطف الناس ومشاعرهم الصادقة، وتوجيههم في مسير التقوى، والحفاظ على روحيّة الجهاد وثقافة الشهادة، ونقلها للآخرين عن طريق ذكر شهداء كربلاء، ودعوة الناس وحثّهم على طاعة الله الرؤوف الرحيم، وإبعادهم عن معاصيه.



1 ورد في القرآن الكريم آيات دلّت على أنّ الوعظ هو منصب للرسول الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾ (سورة سبأ, الآية: 46)، وقال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (سورة النحل، الآية: 125).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

36

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ومعلوم أنّ مثل هذه المسؤوليّة الثقيلة والخطيرة لا يضطلع ولا ينهض بها إلّا الرجال الأفذاذ من أهل الدّين والعلم والتقوى.


وفيما يلي، نوجز بعض الخصائص التي ينبغي أن تتوفّر في الخطباء وأهل المنبر، وذلك في ضمن أمور:
1- الكفاءة العلميّة والعمليّة: يحتاج تبليغ الدّين، مضافاً إلى وجود الإيمان والتصديق القلبيّ عند المبلّغ، إلى التفقّه، وهو الفهم العميق للدّين، وامتلاك العلوم والمعارف التي يحتاج الناس إليها، مع القدرة على تعريفها وبيانها بأفضل الوسائل وأحسنها. وفي الواقع، فإنّ من نافلة القول أنّ العلم والمعرفة هما رأس المال الحقيقيّ للمبلّغ، ومن دونهما تتعقّد الأمور، ويسود الإرباك والضياع، وبخاصّةٍ في مجال العلوم الدّينيّة. فإذا كان المبلّغ منقطعاً عن الحضور عند أساتذة العلم، وغير متابع للدرس والمطالعة، فهو في الحقيقة عاجز عن إدراك المعارف السامية والعميقة التي تضمّنها القرآن الكريم، وبيّنها أهل البيت  عليهم السلام، ومن لا قدرة له على إدراك علمٍ أو معرفةٍ ما فهو لن يكون قادراً - حتماً - على إفهامها للآخرين، ولذا، ينبغي تجنب الإصغاء إلى حديث خطيبٍ لم يكتسب المهارات العلميّة الكافية واللّازمة قبل أن يعمل على تحصيل فنّ الخطابة والكلام.

2- الاطّلاع الكافي والتسلّط التامّ على موضوع المحاضرة وأبعادها وتفاصيلها: إضافةً إلى القدرة على جمع المعطيات التاريخيّة وتجديد النظر فيها، فمن كان لا يمتلك معرفة كاملة بالمسألة التي يرغب بالحديث حولها، فالأفضل له أن يقلع عن تبليغها، لأنّه إن تصدّى لبيانها والحديث عنها مع فرض أنّه لا يدركها ولا يفهمها على حقيقتها، فإنّ فعله هذا لن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

37

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 يكون - في الواقع - سوى توجيه ضربةٍ قاسية للإسلام، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾1.

 
3- التحلّي بالسلوك الحسن والأخلاق الإسلاميّة الرفيعة: على المبلّغ الإسلاميّ أن يؤدّب نفسه، ويسعى في أمر تزكيتها وتهذيبها، إلى حدٍّ يكون قد طوى العديد من المراحل في سبيل الصعود إلى قمّة التقوى والتواضع، كلّ ذلك لأجل أن يتمكّن من التأثير في الناس، ويكون موفّقاً في دعوتهم إلى الله تعالى، وفي التعامل مع مستوياتٍ مختلفة من الناس في الأفكار والآراء والتوجّهات. ولولا الأخلاق الرفيعة، وتخلية الباطن من الرذائل، وتحليته بالفضائل، لما تمكّن كبار المبلّغين لهذا الدّين من الوصول إلى نتائج طيّبة وتوفيقات كبيرة ومهمّة.
 
وأمّا أهمّ الصفات والسجايا الأخلاقيّة التي يجب على المبلّغ أن يتحلّى بها، فهي: الخلق الحسن، الرحمة، التواضع، اللّطف واللّيونة، الشجاعة في قول الحقّ، العفّة، عزّة النفس، الصدق، الوعي وسعة الفكر، القدرة على الاستدلال، رعاية النظم في عرض المطالب، القدرة على البيان.
 
4- المحبوبيّة: إذا تمكّن المبلّغ من النفوذ إلى القلوب، وحظي بمحبوبيّة كبيرة في المجتمع، فإنّ كلامه - بدون شكّ - سيكون أكثر وقعاً في النفوس، ومن هنا، فعلى كلّ خطيبٍ يرغب في أداء وظيفته ومسؤوليّته الإلهيّة، ويطمح في خطابته إلى تحقيق نتائج إيجابيّة، أن يعيش بنحوٍ يضمن له أن يكون محبوباً في أوساط الناس.



1  سورة الإسراء، الآية: 36.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

38

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وأمّا الأسباب والعوامل التي تحقّق مثل هذه المحبوبيّة، فهي: معرفة النفس وتربيتها، بساطة العيش، خدمة الناس، اللّين، التواضع مع أهله، الدفاع عن المظلومين، أن يكون عاملاً بما يقوله للناس، الكرامة وعزّة النفس، السعي إلى كسب رضا الحقّ تعالى، الاستقامة، امتلاك سعة الصدر وصفات الحياء والعفّة، أن يطالع في العديد من المجالات، صدق اللّهجة، الواقعيّة في مقاربة الأمور، تقديم مصالح الشعب والوطن على الأغراض والمآرب الشخصيّة، والابتعاد عن صفة الطمع.

 
5- التطابق بين القول والعمل: ينبغي على حاملي لواء الرسالة الإلهيّة أن يكونوا ملتزمين بأقوالهم، لا بل أن يكونوا قدوةً يُحتذى بها في المواعظ التي يلقونها على مسامع الناس. وهذه هي الحقيقة التي يتوقّعها الناس دائماً من أهل الوعظ والإرشاد، أن يعملوا بما يقولون، وأن يمتنعوا عمّا ينهون الناس عنه1، وبهذا النحو فقط يمكنهم النفوذ إلى قلوب مخاطَبيهم وأعماقهم.
 
وأمّا لو كان المبلّغ سيّئ الفعل والعمل، أو كان عمله على خلاف ما يقول وما يدعو إليه، فهو بذلك يوجّه أقوى وأشدّ الضربات إلى الدّين والتديّن. أضف إلى ذلك، أنّ كلّ متكلّم لا يعمل على إصلاح أخلاقه وملكاته النفسانيّة، ولا يتحلّى بالفضائل الأخلاقيّة، فإنّ كلامه لن يكون مؤثّراً في الآخرين، ولن يكون لمجالسه ثمرة حقيقيّة، بل إنّه ربما أضلّ الناس، بدلاً من هدايتهم. وإلى جانب هذه الآثار السيّئة التي تترتّب على فعله عمليّاً، فإنّ من لا يعمل يتسبّب بسوء الظنّ بالإسلام وعلماء الدّين المبلّغين، مضافاً إلى أنّه بذلك يكون مشمولاً للعتاب الإلهيّ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾2.



1 ورد في الحديث: "من نصّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم". نهج البلاغة، الحكمة 73.
2 سورة البقرة، الآية: 44.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

39

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 6- الصدق: تحت هذا العنوان، لا بدّ من أن نضع نصب أعيننا وصايا أمير المؤمنين عليه السلام، وفيها نجد الإمام عليه السلام يتحدّث عن الصدق بوصفه إحدى أهمّ الفضائل والسجايا الأخلاقيّة التي يجب على الجميع أن يتحلّى بها، ويتأكّد هذا الوجوب في الخطباء وأهل المنبر وقرّاء العزاء ممّن هم معروفون بين الناس بالخير والصلاح، ويعدّ الصدق ركناً من أهمّ أركان الفكر العاشورائيّ والثورة الحسينيّة، وأمّا الكذب، فهو يقع على الطرف المقابل تماماً لهذا الفكر، ولهذه الثورة.

 
ومن هنا نجد القرآن الكريم في مقام تشييد نبوّة الأنبياء العظام يركّز على وصفهم بالصدق في القول1، وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إن الله عزَّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر"2.
 
وفي هذا الإطار، ينبغي على الوعّاظ والخطباء الالتفات إلى المراثي والأشعار التي يتضمّن بعضها الكذب، وعدم الإتيان بشيءٍ منها بهدف إبكاء المستمعين، وتأجيج مشاعرهم، لأنّه إن راج الكذب في المجالس والمراثي، فإنّ المستمعين سيفقدون إيمانهم وثقتهم بها شيئاً فشيئاً.

 
وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾3، على الخطباء وقرّاء العزاء أن يدركوا جيّداً أنّ كلّ إنسان مسؤولٌ يوم القيامة عن أقواله، ومن هنا، ينبغي لهم الامتناع عن ذكر الأحداث والتحليلات الخاطئة أو التي لا يتوفّر أيّ شاهد لإثبات صحّتها، ذلك لأنّ الأفكار الباطلة، والاستنتاجات التي لا أساس لها من الصحّة من شأنها أن تترك 



1 سورة مريم، الآية 41، التحريم، الآيات: 5 و56 59، سورة يوسف، الآية: 46.
2 سفينة البحار، ج2، ص473.
3 سورة ق، الآية: 18.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

40

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 آثاراً مدمّرة، ولا أقلّ من أنّها تؤدّي إلى انزلاق المجتمع وانحرافه عن الأهداف التي أرادها الإمام الحسين عليه السلام. يقول الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم مخاطباً أبا ذرّ: "ما من خطيب يخطب إلّا عُرضت عليه خطبته يوم القيامة وما أراد بها"1.

 
7- حفظ الدّين وإحياء تعاليم الإسلام الأصيل ومدرسة التشيّع: في مقابل كلّ البدع والتحريفات ومحاولات تشويه المبادئ والقيم.
 
8- العمل على إعادة توجيه الناس نحو القرآن الكريم: والاستفادة من الآيات والروايات، وتفسير الأسباب التي دعت إلى نهضة عاشوراء وتحليلها، وبيان أهداف وفلسفة ثورة الإمام الحسين عليه السلام وتفصيلها، والتركيز على الدروس والعِبَر التي يمكن استخلاصها من عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام، وما تحمله من رسائل وأبعاد، وعدم استعراض ما جرى على طريقة الأساطير والخرافات.
 
9- حثّ الناس على الاقتداء والتأسّي بأهل البيت المعصومين عليهم السلام.
 
10- امتلاك بصيرة معنويّة عالية: لأنّ رفع مستوى الوعي لدى الناس، وتهذيب الثقافة الشعبيّة، والحفاظ عليها نقيّةً خاليةً من الشوائب هي من أهمّ وظائف الخطيب الإسلاميّ، فما لم يمتلك الخطيب وعياً وبصيرةً معنويّة عالية مستقاة من المصادر المعتبرة والموثّقة، فلن يكون بمقدوره أن يقوم بهذه الوظيفة.
 
11- صيانة الدّين والمجتمع من الخرافات: ويدخل في ذلك: إبعاد أهل البدع وأصحاب الأفكار الباطلة والآراء الزائفة وطردهم، وعدم الاستفادة من الكتب الضعيفة أو المحرّفة، والحرص على وصف ما جرى في ساحة 



1 مجموعة ورّام، ج2، ص55, أمالي الطوسيّ، ج2، ص143.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

41

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 كربلاء بدقّةٍ بالغة، ونقل الوقائع التي حدثت يوم عاشوراء كما هي، بدون زيادةٍ ولا مبالغة، فالقلوب جميعاً بيد الله تعالى، وهو مقلّب القلوب، وهو من يحنّن القلوب ويُجري الدموع من مآقيها.

 
12- الامتناع عن ذكر الفضائل والمعجزات والأحاديث التي يصعب إثباتها للعوامّ من الناس أو التي يتعسّر عليهم قبولها والتصديق بها، حتّى لو كانت في نفسها مطالب حقّة: قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تحدّثوا الناس بما لا يعرفون، أتحبّون أن يكذَّب الله ورسوله؟!"1.
 
13- رعاية الظروف والمناسبات الزمانيّة: فلا يذكر المصائب المفجعة في غير أيّام عاشوراء حتّى لا تُدبر القلوب أو تملّ.
 
14- العمل على تقوية الإخلاص: فالإخلاص هو الركن الأساس في عمليّة التقرّب إلى الله عزَّ وجلّ، وهو نور كلام الخطباء والواعظين، وإنّ الخطابات والمجالس تبقى غير ذات قيمةٍ إلى أن تُؤدّى بصدقٍ وإخلاص نيّة.
 
يقول المحدّث النوريّ الطبرسيّ قدس سره في كتابه (اللّؤلؤ والمرجان) - ما معرّبه -:  يجب أن يعلم الخطباء أنّ عملهم عبادة كسائر العبادات، وإنّما يكون العمل عبادة فيما إذا لم يكن للعامل حين العمل أيّ قصدٍ آخر سوى رضا الله، والرسول  صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى  عليهم السلام، وإن كان، فإنّما هو مجرّد حصول الثواب الموعود وغفران الذنوب، فإنّ ذلك لا ينافي الإخلاص، إذ العمل معه لإطاعة أمر الباري عزَّ اسمه، وبالطاعة يصل المطيع إلى ما أُعدّ له من الثواب الجزيل والأجر الجميل ويأمن من شرّ ذنوبه2.



1 الغيبة للنعمانيّ، ص34.
2 اللؤلؤ والمرجان، ص14.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

42

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 لو كان الدافع لدى الخطيب هو العشق لله تعالى، والإيمان بالله الرحيم، لكان - دون شك - مأجوراً عند الله عزَّ وجلّ، عظيماً في أعين الناس. وإنّنا لو تتبّعنا سير الخطباء المعروفين والناجحين والمتميّزين، فسنجد أنّ الإخلاص كان يقف دائماً على رأس الأسباب التي أدّت إلى نجاحهم وتوفيقهم.

 
15- لا أسألكم عليه أجراً: من الخطوات الأساسيّة والمهمّة للنجاح في ساحات الإرشاد والتبليغ، عدم النظر بطمعٍ إلى أموال الناس، وعدم الاتّجار بهذه الخدمة المقدّسة بالأثمان الدنيويّة البخسة. وبالطبع، فإنّنا هنا لا ندعو إلى الامتناع عن تقبّل هدايا الناس عُجُباً وكِبراً، بل المقصود أن لا يتحوّل الوعظ والتبليغ والإرشاد والخطابة وقراءة العزاء إلى مهنةٍ أو عمل تجاريّ.
 
16- الترتيب والأناقة والاعتناء بالمظهر الخارجيّ: من المعلوم أنّ النظافة والترتيب وعناية الإنسان بمظهره الخارجيّ والتعطّر والتطيّب، كلّ ذلك يوجب رضا الله سبحانه وتعالى، ويؤدّي إلى إقبال الناس عليه، ويساهم في توطيد العلاقات بين الناس. وكما أنّ المبالغة في العناية بالمظهر، والاهتمام الزائد بالشكل والمنظر، يوجبان نفور الناس واشمئزازهم، فكذلك إهمال الإنسان لشكله وصورته الخارجيّة، أو عدم تزيين شعر لحيته ورأسه، فهو- أيضاً- يؤدّي إلى نفور الناس وابتعادهم عنه. فالترتيب والأناقة يمكن لهما أن يجتمعا مع البساطة.
 
17- الاجتهاد في تنوير العقول وتطهير النفوس: والعمل على تقوية الثقافة الدينيّة وتعميقها، وتوجيه المجلس نحو مسار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبادة الله حتّى يأتي اليقين وتتحقّق المعرفة الإلهيّة الكاملة، والعمل على رفع مستوى سلوك المخاطبين وتصرّفاتهم من خلال التزام طريق العدالة والإحسان والعمل بمكارم الأخلاق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

43

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 18- معرفة أحوال الناس وتقلّبات الزمان: يجب على الخطيب أن يعمل على بيان أسس التعاليم الإسلاميّة وتعليمها للناس، وبيان حقائق الدّين والمذهب، مع رعاية مقتضى حال المخاطَبين، وبما يتناسب ودرجة الوعي والاستعداد الذهنيّ لديهم، والابتعاد عن الخطابات المعقّدة غير المأنوسة لدى الناس، والامتناع عن ذكر مسائل لا تحظى بمقبوليّة عقليّة، ولا سيّما فيما يتعلّق بواقعة كربلاء، روايةً ودرايةً، قال أمير المؤمنين عليه السلام: "كلّموا الناس على قدر عقولهم، أتحبّون أن يكذّبوا الله ورسوله؟!"1.

 
19- تعميق محبّة أهل البيت عليهم السلام في قلوب الحاضرين في مجالس العزاء: لصونهم من المشاكل والمصاعب التي قد تعترض طريقهم.
 
20- اجتناب التكرار والإعادة: في عصر ثورة الاتّصالات وتسارع المعلومات، لا رغبة لدى أحدٍ من الناس للاستماع إلى مطالب مكرّرة، أو لصرف وقتهم في الاستماع إلى توضيح الواضحات، فالمبلّغ الناجح هو ذاك الذي يستطيع أن يقدّم لمستمعيه مسائل جديدة، وينتقل معهم في إطار حراك فكريّ مستمرّ.
 
21- الابتعاد عن الإطالة والإطناب المملّ: والذي يؤدّي إلى تعب المستمعين. قال بعض المفكّرين: "اتركوا مستمعيكم قبل أن يتركوكم"2.
 
22- المسارعة إلى تصحيح الخطأ على تقدير وقوعه.
 
23- اتّخاذ وقفة قصيرة بعد الانتهاء من الخطابة للإجابة عن أسئلة المستمعين إذا أمكن.



1  تذكرة الفقهاء, العلّامة الحلّي, ج4 ص84, (صحيح البخاري 1: 44، بتفاوت).
2 عطر العقائد الربيعيّة (عطر انديشه هاى بهاري)، حسين سيدي، ص135.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

44

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 24- ترك المطالب التي لا أساس لها من الصحّة، وعدم الخوف من قول "لا أعلم": بل هذا القول في الحقيقة يعدّ مؤشّراً على مستوىً عالٍ من الوعي والبصيرة والاستقامة والتقوى، وإنّ أحداً لا يتوقّع من شخصٍ ما أن يكون عالماً بكلّ شيء، بل ما يتوقّعه ويرجوه منه هو أن يَصدقه القول فلا يجيبه بما لا يعلم، لذا ورد في بعض الروايات، "ولا يستحينّ أحد منكم إذا سُئل عمّا لا يعلم أن يقول لا أعلم"1.

 
25- عدم التصدّي لمقام الفتيا لمن لم يكن مجتهداً بالأحكام الشرعيّة: ورد في العديد من الروايات النهي عن الإفتاء بغير علم، من قبيل ما رواه في تحف العقول عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض"2.
 
26- اجتناب مدح الذات، والإقلال من استعمال كلمة "أنا".
 
27- احترام الخطباء الآخرين.
 
28- الحرص على عدم ارتقاء المنبر من دون وضوء.
 
29- تأجيل ذكر المصيبة حتّى نهاية المجلس.
 
وينبغي على الخطيب أن يضع نصب عينيه حقيقة أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين كانوا من الباكين على الإمام الحسين عليه السلام، والذاكرين لمصابه، فهذا مقام عظيم، وفي تركه رغبةً عنه بُعدٌ عن الله تعالى، وخروج عن طريق الأنبياء والملائكة. وإنّ غفلة بعض الخطباء عن عظمة هذا المقام الذي أولاه الأئمّة  عليهم السلام أهمّيّةً كبيرة أدّت إلى وجود بعض المشكلات والآثار السلبيّة.



1  نهج البلاغة، الحكمة 79، ص1123, غرر الحكم ص805.
2 تحف العقول، ص41.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

45

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 30- الصبر في طريق التبليغ: قد لا يكون من السهل في كثير من الأحيان أداء المبلّغ وظيفته التبليغيّة، بسبب ظروف ثقافيّةٍ معيّنة تحكم وتهيمن على البيئة والمحيط الاجتماعيّ، ما يجرّ معه عدداً من المشاكل والقضايا. وفي هذا الإطار، لا شيء باستطاعة المبلّغ أن يفعله سوى الصبر وتحمّل المصاعب والشدائد والآلام.

 
ومن جهة أخرى، فإنّ ما يتعلّمه الإنسان في صغره، وما يتلقّاه في سنّ المراهقة مثلاً كحقيقة لا ريب فيها، أو كأصل مسلّم لا يقبل النقاش، ليس من السهل تغييره واقتلاعه من القلوب، ومن هنا، يتطلّب إقناعه بالأفكار الصحيحة والآراء الصائبة، مزيداً من الوقت، والدقّة، وسعة الصدر، والتي لا مجال لها إلّا بالحلم والرفق والتحمّل.
 
31- افتتاح المجلس بذكر بقيّة الله الأعظم - أرواحنا فداه -: واختتامه بالدعاء والابتهال والتضرّع إلى الله تعالى بحفظه وتعجيل فرجه.
 
- شعراء الملحمة الحسينيّة
أدّت وصايا الأئمّة  عليهم السلام وتأكيداتهم الكثيرة على الاهتمام بواقعة الطفّ الأليمة، إضافةً إلى شدّة هذه الفجيعة، وتراجيديّة أحداثها المأساويّة، إلى تأجيج مشاعر الكثير من الشعراء والأدباء الملتزمين، وتفجير عواطفهم وأشجانهم، منذ العهدين الأمويّ والعباسيّ وحتّى عصرنا هذا. هذه المشاعر والعواطف الصادقة والملتهبة، برزت في ذلك العدد الهائل من القصائد الشعريّة التي أنشدوها حول هذه الحادثة الأليمة1.



1 وقد جمع السيّد جواد شبّر جزءاً من الأشعار والمراثي في سيّد الشهداء عليه السلام في نتاج ثقافيّ ضخم أطلق عليه اسم (أدب الطفّ)، وهي موسوعة كبيرة بلغت 11 مجلّداً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

46

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 كشفت هذه القصائد جوانب متعدّدةٍ من مظلوميّة المولى أبي عبد الله عليه السلام، وعزّته وإبائه للضيم، واحتوت أبياتاً رفيعة المعاني عالية المضامين، استطاعت أن تقدّم لنا صورةً فريدة عن واقعة كربلاء، وعن المظلوميّة والحقّانيّة التي يجسّدها خطّ الإمام الحسين عليه السلام ومن قضى معه من آل عليّ عليه السلام وغيرهم من الشهداء الأوفياء. وكان لهذه القصائد والأشعار أثر كبير حتّى على مستوى دفع بعض الحكّام والسلاطين المسلمين وتحريكهم للانتقام وأخذ الثأر من بني أميّة الذين تسبّبوا بهذه الفاجعة الكبيرة.


وبحقٍّ نقول: لولا هذه القصائد والأبيات التي أسهمت - مع الحفاظ على رفعة المضمون والتناسب مع أهداف أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم - في إضفاء لمسةٍ جماليّة وفنّيّةٍ خاصّة على وقائع حادثة عاشوراء، لربما كان من غير الممكن أن تنغرس هذه الحادثة الأليمة إلى هذه الدرجة في نفوس العاشقين للإمام الحسين عليه السلام وقلوبهم، أو أن تجعلهم يتأثّرون بها إلى هذه الدرجة العميقة بحيث تنفذ إلى داخل قلوبهم وأرواحهم وضمائرهم.

وهكذا كان للشعراء الحسينيّين دور كبير ومؤثّر في إحياء حادثة عاشوراء وفي حفظها وإبقائها، من خلال أبياتهم البليغة، وأشعارهم الرائعة، وكذلك فهم نجحوا إلى حدٍّ كبير في الترويج لفضائل أهل البيت  عليهم السلام وفي تعميق محبّتهم ومعرفتهم في القلوب والعقول، وفي تظهيرهم كأسوة يُحتذى بها في حياة البشر، فقد جعل هؤلاء الشعراء من تلك المثل العليا، التي امتدحها الله تعالى، محوراً لقصائدهم وأبياتهم ومدائحهم.

وما ينبغي لشعراء أهل البيت  عليهم السلام مراعاته هو الأمور الآتية:
1- امتلاك حسّ الغيرة على الدّين، والردّ على الأشعار والقصائد التي ينشدها أعداء هذا الدّين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

47

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 2- الرجوع إلى المصادر التاريخيّة المعتبرة وكتب المقاتل التي ثبتت صحّتها، ليكون لأشعارهم مستند صحيح يمكن الركون إليه. وفيما يتعلّق بوصف المولى أبي عبد الله الحسين عليه السلام، عليهم أن يتحرّوا في وصفهم له الصدق والدقّة الكاملة، بما ينزّهه عن الذلّ والهوان والضعف، وبما يبعده عن التحجّر واللّاعقلانيّة. ولا ينبغي لهم أن يقصروا قصائدهم على التحسّر والتفجّع والحزن والبكاء، بل لا بدّ - إلى جانب ذلك كلّه - من تقديم صورةٍ صادقة وواضحة عن الظلم الذي تعرّض له العلويّون، وكلّ ذلك في سياق مضامين صحيحة هادفة، وفي قوالب رصينة ومتناسقة، وبلغةٍ جذّابة رائعة.


3- المعرفة والوعي بمحاولات التحريف والتزييف والتشويه التي تعرّض لها تاريخ عاشوراء، لتبقى هذه القضيّة بمأمنٍ من مثل هذه المحاولات.

4- الابتعاد عن العقائد الباطلة، وعدم الترويج لأفكار الغلوّ والانحراف، فإنّ الأصول الفكريّة التي تقوم عليها مدرسة الإماميّة ليست إلّا أفكاراً مقتبسةً من آيات القرآن الكريم وما صحّ من السنّة الشريفة، وبالتالي: فهي على تعارضٍ تامّ مع الأفكار والتصوّرات التي تحمل في طيّاتها رائحة الغلوّ والمبالغة.

ومن هذا المنطلق، فلا يُقبل من الشعراء المخلصين في الولاء لأهل البيت  عليهم السلام، أن يسلكوا في مدحهم لأئمّة الدّين  عليهم السلام طريق الإفراط والغلوّ والمبالغة، كما لا يُقبل منهم بأيّ شكلٍ من الأشكال الخروج عن الدائرة التي رسمها الدّين وحدّد إطارها.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الأئمّة الأطهار عليهم السلام من ذرّيّته  صلى الله عليه وآله وسلم، أشخاص استثنائيّون، قلّما يجود الزمان بمثلهم، وهم القدوة للبشر، ولكنّ نشر فضائلهم، والحديث عن أخلاقهم وسجاياهم، وتفصيل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

48

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 مقاماتهم ودرجاتهم، شيء، والإفراط والغلوّ فيهم شيء آخر، وقد أكثر الأئمّة  عليهم السلام من النهي عن ظاهرة الغلوّ، واعتبروها انحرافاً كبيراً لا يجوز السكوت عنه، وبذلوا جهودهم في محاربته وإصلاحه. وفي هذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "هلك فيّ رجلان: محبٌّ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ"1. وفي حديث آخر يقول عليه السلام: "إيّاكم والغلوّ فينا"2. وفي روايةٍ عن حفيده الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم"3. إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة والمتوافرة التي طفحت كتب الشيعة بها، والتي مشى عليها أعلام هذه المدرسة واتّخذوها طريقاً لهم متّبعاً. وعلى شيعة الإمام الحسين عليه السلام أن يقفوا في وجه انتشار هذه القصائد والأشعار التي يُستشَمُّ منها رائحة الكفر والشِّرك، وأن يعملوا على منعها في المجالس الحسينيّة.

 
5- أن لا يكون الشعر مشتملاً على معلومات مغلوطة، وأفكار باطلة، كبعض الأبيات التي تتضمّن الحديث عن شفاعة أهل البيت عليهم السلام وتدعو إلى ارتكاب المعاصي والذنوب...
 
6- إظهار التبجيل والاحترام والتأدّب الكامل لأهل البيت  عليهم السلام. فالشعراء من أهل الولاء يمثّلون المرآة التي تعكس مظاهر الأئمّة  عليهم السلام بوصفهم المثُل الإنسانيّة العليا الذين يجسّدون الأخلاق الفاضلة، فلذلك ينبغي لهم حين الحديث عنهم  عليهم السلام أن يراعوا منتهى الأدب والتواضع، كما يجب عليهم بذل أقصى جهدهم للتدقيق كثيراً في انتقاء الكلمات التي يُراد استعمالها في وصف هؤلاء العظماء ومدحهم، مع الأخذ بعين الاعتبار حرمتهم 



1 نهج البلاغة، صبحي الصالح، الحكمة رقم 117، طبعة فيض الإسلام، الحكمة 113.
2 غرر الحكم ودرر الكلم، ص324.
3 بحار الأنوار، ج25، ص286.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

49

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وعصمتهم، ما يحتّم الابتعاد عن العبارات غير اللّائقة بمقامهم  عليهم السلام، والمضامين الواهية والمبتدعة، أو تلك التي قد تحوي شيئاً من الاستهانة بتضحيات أحدٍ من رجالات كربلاء، أو تلك التي قد يُستشّم منها نسبة نوع من الضعف أو العجز أو الذلّ عند الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه خلال مواجهة الأعداء.

 
وقد يفرط بعض قرّاء التعزية، في سعيهم إلى تحريك عواطف الحاضرين وإبكائهم، فيأتون بأشعارٍ تشوّه أعمال رجالات كربلاء أو أقوالهم.
 
وفي هذا يقول العالم التقيّ المحدّث الشيخ عبّاس القمّي في نصائحه لأهل المنبر ما نصّه:
أن لا يقول (أي: الخطيب) ما يُشعر بذلّة أبي عبد الله الحسين وأهل بيته المكرّمين  عليهم السلام، فإنّه كان سيّد أهل الإباء والحميّة، الذي علّم الناس الموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنيّة، ونادى برفيع صوته يوم عاشوراء: "ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسله والمؤمنون"1.
 
وينقل العالم المتبحّر الميرزا حسين النوريّ - نوّر الله مرقده - في كتابه دار السلام الحكاية التالية، يقول: رأى بعض السادة من قرّاء التعزية في المنام كأنّ القيامة قد قامت، والناس في وحشة ودهشة، لكلّ امرئ منهم شأن يغنيه، والموكلون يسوقون الناس إلى الحساب، ومع كلّ واحدٍ منهم سائق وشهيد، فبينا أتفكّر في العاقبة، فإذا باثنين منهم أمراني بالحضور عند سيّد الأنبياء  صلى الله عليه وآله وسلم، فقادوني قهراً، ونهضوا بي زجراً... فإذا بمنبرٍ عالٍ كثير المرقاة والدرج، على ذروته سيّد المرسلين ، وعلى الدرج الأوّل منه خاتم الوصيّين 



1 نفس المهموم، ص624.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

50

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 عليهما الصلاة والسلام، وهو مشغول بحساب الناس، وهم مصطفّون قدّامه، إلى أن انتهى الأمر إليّ، فخاطبني موبّخاً، وقال: لمَ ذكرت تذلّل ولدي العزيز الحسين عليه السلام، ونسبته إلى الذلّة؟ فتحيّرت في جوابه، وما وجدت حيلةً إلّا الإنكار، فأنكرته، فإذا بوجع في عضدي من شيءٍ كأنّه مسمار أولج فيه، فالتفتُّ إلى جنبي، فرأيت رجلاً بيده طومار فناولني، فنشرته، فإذا هو صورة مجالسي، وتفصيل ما ذكرته في المحافل مشروحاً، في كلّ مكانٍ وزمان، وفيه ما سألني وأنكرته... أمّا أنا، فقد تركت الاشتغال بذلك، ولا أرى نفسي تقوم بشرائطها1.

 

 
ورُوي أنّه اجتمع السيّد الحميريّ، وجعفر بن عفّان الطائي، فقال له السيّد: ويحك تقول في آل محمد  عليهم السلام:
مَا بَالُ بَيْتِكُمُ تَخَرَّبَ سَقْفُهُ              وَثِيَابُكُمْ مِنْ أَرْذَلِ الأَثْوَابِ؟!
 
فقال جعفر: ما أنكرتَ من ذلك؟ فقال له السيّد: إذا لم تحسن المدح فاسكت، أتصف آل محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذا؟! ولكنّي أعذرك، هذا طبعك وعلمك ومنتهاك، وقد قلتُ أمحو عنهم عار مدحك:
أُقْسِمُ بِاللهِ وَآيَاتِهِ                 وَالمَرْءُ عَمَّا قَالَ مَسْؤُولُ
إِنَّ عَليَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ           عَلَى التُّقَى وَالبِرِّ مَجْبُولُ
وَابْنُهُ كَانَ الإِمَامَ الَّذِي           لَهُ عَلَى الأُمَّةِ تَفْضِيلُ
يَقُولُ بِالحَقِّ وَيُعْنَى بِهِ             وَلَا تُلْهِيهِ الأَبَاطِيلُ
يَمْشِي إلَى القَرْنِ وَفِي كَفِّهِ         أَبْيَضُ مَاضِي الحَدِّ مَصْقُولُ
مَشْيَ العَرَفْنَى بَيْنَ أَشْبَالِهِ         أَبْرَزَهُ لِلْقَنْصِ الغِيلُ



1 دار السلام، ج2، ص234.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

51

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ذَاكَ الَّذِي سَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ                   لَيْلَةَ بَدْرِ مَدَداً أُنْزِلُوا

عَلَيْهِ مِيكَالُ وَجِبْريِلُ                     كَأَنَّهُمْ طَيْرٌ أَبَابِيلُ
مِيكَالُ فِي أَلْفٍ وَجِبْرِيلُ فِي             فَسَلَّمُوا لَمَّا أَتَوْا حَذْوَهُ
أَلْفٍ وَيَتْلُوهُمْ سَرَافِيلُ                    وَذَاكَ إِعْظَامٌ وَتَبْجِيلُ
 
ثمّ قال: كذا يُقال فيه يا جعفر، وشعرك يُقال مثله لأهل الخَصاصة والضعف، فقبّل جعفر رأسه، وقال: أنت والله الرأس يا أبا هاشم، ونحن الأذناب1.
 
وعلى هذا النهج ينبغي للشعراء أن يسيروا، اقتفاءً لأثر كبار شعراء الشيعة المخلصين، من أمثال الكميت، والسيّد الحميريّ، وعبد الكوفيّ، والسيّد الرضيّ، والسيّد حيدر الحلّيّ، وغيرهم... فالمطلوب هو إنشاد الشعر في بيان حقيقة الثورة الحسينيّة، وعظمتها، والابتعاد عن الشعر الضعيف والركيك وغير الموثّق، والامتناع عن الأكاذيب والأخبار الموضوعة التي توجب توهيناً لشأن المعصومين  عليهم السلام ومقامهم.
 
- قدسيّة الرسالة وضرورات المدح والإنشاد
لا شكّ في أنّ إنشاد المدائح في أيّام الفرح والسرور، وقراءة المراثي في أيّام الحزن والعزاء، يُعدّان من أهمّ الوظائف المقدّسة، فإن جيء بهما بقصد القربة، ولم يترافقا مع أعمال منافية للشرع، كانا من الأعمال العباديّة. ومن هنا، فإنّ التصدّي لهذه الوظيفة المقدّسة يتطلّب وجود بعض الشروط والقيود، التي لو توفّرت لارتقت بالإنسان ليكون في زمرة الذين يعظّمون شعائر الله تعالى، وفي عداد العاملين لهداية عباد الله، والمبلّغين لأهمّ ركن دينيّ، أعني: المحبّة والولاية لأهل بيت النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، فضلاً عن الثواب الجزيل والأجر الكبير



1 ديوان السيّد الحميريّ، طبعة دار صادر, بيروت، ص131 132.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

 


52

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 المعدّ لهم. فممّا ينبغي لهؤلاء التحلّي به، إضافةً إلى الابتعاد عن القبائح، السعيُ لتحصيل قداسة الروح ونزاهتها، وامتلاك السلوك الحسن، والتحلّي بالأخلاق الإسلاميّة الرفيعة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾1، ورعاية التقوى، واجتناب المعاصي والآثام كافّةً، والالتزام بأوامر الله ونواهيه، واللّجوء إلى الله تعالى وطلب العون منه للبقاء في مأمنٍ من خواطر النفس وأهوائها.

 
كما ينبغي لهؤلاء أن يتوجّهوا إلى الله تعالى بالشكر على ما وفّقهم له من الهداية إلى موالاة المعصومين الأربعة عشر  عليهم السلام، ولغرسه محبّة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته  عليهم السلام في قلوبهم، ولتوفيقه إيّاهم ليكونوا في عداد المدّاحين الذين يخدمون أئمّة الدّين بألسنتهم وأصواتهم وقلوبهم، ولصرف شطرٍ من أعمارهم في خدمة الأئمّة الطاهرين، وشهداء كربلاء، وملأ قلوبهم حبّاً وعشقاً لأهل البيت عليهم السلام، وليطلبوا من الله تعالى أن يثبّتهم على ذلك.
 
- خدّامٌ ولائيّون
1- لكي يكون قارئ التعزية ناجحاً وموفّقاً في أداء دوره ووظيفته، فلا بدّ له قبل التصدّي لها من الحضور والمشاركة في دروس عدّة، ينهل منها العلوم والمعارف الدينيّة والتاريخيّة، لتزداد معرفته بمن يريد الحديث عنهم، ويتعرّف على مقامهم وعظيم منزلتهم، وهو ما يحسّن من أدائه في المجالس والمدائح، ويخوّله أن يكون من المساهمين في بيان المنزلة الرفيعة السامية لأولئك العظماء.



1 سورة فصّلت، الآية 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

53

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 كما ينبغي له أيضاً، إضافةً إلى ما تقدّم، أن يكثر من المطالعة في الكتب المعتبرة، في باب حياة الأئمّة  عليهم السلام وسيرتهم، والاعتماد على المقاتل الصحيحة، والاستفادة من تجارب الأساتذة والبارعين في هذا المضمار، ومطالعة النصوص الأدبيّة الهادفة، والأشعار الزاخرة بالمعاني الصحيحة، والتي تحافظ على جمال الصورة والشكل إلى جانب كمال المضمون والجوهر.


وبعبارة أخرى، فإنّ عليه - إلى جانب امتلاك قدرةٍ على تحريك العاطفة، وكفاءةٍ في استخدام الأساليب البلاغيّة وتوظيفها وتطبيقها - أن يكون مطّلعاً على الجوانب ذات الطابع العقائديّ والرساليّ، وبهذا فقط يصبح أهلاً لتعريف الناس على مقام ومنزلة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وللحديث عن حقّانيّة قضيّتهم، وعن مظلوميّتهم التي اجتمعت جنباً إلى جنب مع العزّة والكرامة والإباء.

وعلى الجيل الشابّ من القرّاء الرجوع إلى المراثي المعروفة والقصائد الشعريّة الهادفة والمتينة، والتي تحمل مضامين رفيعة المستوى، مزجها أصحابها بالألفاظ، فامتزجت واختلط بعضها ببعض، كما يمتزج الحليب بالسكّر، ثمّ غاصوا سائحين في أرواحهم وقلوبهم الممتلئة بالجواهر العاشورائيّة ليقدّموها، بكلّ سخاء، إلى قرّائهم.

ومن الضروريّ للقارئ أن يتتلمذ لأستاذٍ خبير وذي باع وخبرة وتجربة في هذا المجال، وإلّا، فإنّ القارئ الذي لا يفعل ذلك، ولا يسعى إلى تحقيق مرحلةٍ من النضج الفكريّ والمضمونيّ لديه، ولا يحتكّ بالعلماء الصالحين، قد لا يتمكّن من صناعة مجالس ذات قيمة وفائدة.

2- إصلاح النيّة والسعي لكسب رضا الله تعالى، وهو من الأمور المهمّة التي يجب على الخطباء والقرّاء العناية بها، وذلك لا يكون إلّا بخلوص النيّة ومراقبتها،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

54

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 والابتعاد عن الرياء والسمعة، وذلك لأنّ قراءة العزاء في قاموس أحبّاء الله تعالى هي من العبادات والأمور التعبّديّة، وليس من الأمور التوصّليّة، التي يكفي الإتيان بها كيفما اتّفق1، وإذا كانت عبادةً، فهي كسائر العبادات، لا تُقبل إلّا أن يؤتى بها بقصد القربة إلى الله، مع خلوص النيّة، لذلك ينبغي على الخطيب الذاكر لأهل البيت  عليهم السلام السعي لأجل غرس الإخلاص في نفسه وتعميقه، فلا يرتقي المنبر إلّا طلباً لرضا الله ورسوله  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار  عليهم السلام، ليكون عمله خالصاً لله مقبولاً عنده. وأمّا من دون ذلك، فإنّ عمله هذا لن يتجاوز أسماع الحاضرين، ولن ينفذ إلى قلوبهم وأعماقهم، وبالتالي: لن يكون تأثيراً حقيقيّاً أصلاً.

 

 
وهذا ما أكّد عليه المحدّث النوريّ الطبرسيّ قدس سره، بقوله:
يجب أن يعلم الخطباء أنّ عملهم عبادة كسائر العبادات، وإنّما يكون العمل عبادة فيما إذا لم يكن للعامل حين العمل أيّ قصدٍ آخر سوى رضا الله، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السلام، وإن كان، فإنّما هو مجرّد حصول الثواب الموعود وغفران الذنوب، فإنّ ذلك لا ينافي الإخلاص، إذ العمل معه لإطاعة أمر الباري عزَّ اسمه، وبالطاعة يصل المطيع إلى ما أُعدّ له من الثواب الجزيل والأجر الجميل ويأمن من شرّ ذنوبه2.
 
3- يحسُن بالقارئ قبل صعوده المنبر، أن يكون منشغلاً بالدعاء والابتهال، وأن يقرأ آية الكرسيّ، وأن يتصدّق، ويستعيذ بالله، ويلتمس التوفيق من الأرواح الطاهرة للمعصومين الأربعة عشر  عليهم السلام، ثمّ يبدأ المجلس بذكر اسم الله سبحانه، والصلاة على النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيّبين الأطهار.



1 راجع : إكسير السعادة في أسرار الشهادة، ص17 22.
2 اللؤلؤ والمرجان، ص14.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

55

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 4- أن يكون هدفه الأساس إحياء أمر الأئمّة  عليهم السلام، ونشر فكرهم وتعاليمهم وثقافتهم، والقيم الدينيّة والمعنويّة، وإحياء روحيّة الجهاد والشهادة، وإحياء ذكر الثورة الحسينيّة وتاريخها وأبطالها. وعليه تثمير المشاعر والعواطف الصادقة التي تفيض بها نفوس المحبّين والعاشقين لأهل البيت  عليهم السلام، وتوجيه هذه العواطف والمشاعر إلى مسار تهذيب النفس، والتحلّي بمكارم الأخلاق. ومن ثَمَّ عليه أن يسعى لرفع مستوى تلك المجالس من خلال الاعتناء بجودة ودقّة المضمون الشعريّ الذي يتلوه على السامعين والحاضرين في المجلس.

 
5- التحرّز عن أداء النغمات والأصوات على طريقة الغناء، بحيث تصبح شبيهةً بألحان أهل اللّهو والطرب. وبما أنّ القرّاء يركّزون كثيراً على عنصري "الصوت" و "الشعر"، فينبغي لهم الحرص على عدم الوقوع في محذور الغناء، الذي لا خلاف بين علماء الشيعة في تحريمه1، والأدلّة الدالّة على هذا التحريم لا مخصّص لها، فتكون شاملةً للغناء حتّى في المجالس الحسينيّة، فهو حرام أيضاً، ووجوده في المجلس لا محالة يخلّ بعظمته وقدسيّته. وفيما يلي ننقل كلاماً لبعض الأعلام، يقول فيه:
 
"أمّا كون الغناء معيناً على البكاء والتفجّع، فهو ممنوع، بناءً على ما عرفت من كون الغناء هو "الصوت اللّهويّ"، بل وعلى ظاهر تعريف المشهور من "الترجيع 



1 راجع : الكافي، ص431، الحديث 4 و5، ص434, وسائل الشيعة، ج17، ص303 305، الحديث 22594، 22599، 22600, التهذيب، الحديث 6، ص356 1018، ص357، الحديث 10119 101020, الاستبصار، ج3، ص61، الحديث 203, عيون أخبار الرضا، ج2، ص128, من لا يحضره الفقيه، ج4، ص58, الشيخ الطوسيّ في الخلاف وابن إدريس في السرائر، ج2، ص222، نقل هؤلاء الإجماع من آخرين على تحريم مطلق الغناء وصرّح البعض أمثال المحقّق في شرائع الإسلام، ج2، ص10، والعلّامة في التحرير، ج1، ص160 161, وقواعد الأحكام ج1, ص120 والشهيد الثاني في الروضة البهيّة، ج3، ص212 213، شمول تحريم الغناء في أثناء قراءة القرآن الكريم ومطلق الشعر وذلك بمقتضى عموم الأحاديث.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61
 

56

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 المطرب"، لأنّ الطرب الحاصل منه إن كان سروراً فهو منافٍ للتفجيع، لا معين، وإن كان حزناً فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانيّة من فقد المشتهيات النفسانيّة، لا على ما أصاب سادات الزمان، مع أنّه على تقدير الإعانة لا ينفع في جواز كونه مقدّمةً لمستحبٍّ أو مباح، بل لا بدّ من ملاحظة عموم دليل الحرمة له، فإن كان، فهو، وإلّا، فيحكم بإباحته، للأصل.

 
وعلى أيّ حال، فلا يجوز التمسّك في الإباحة بكونه مقدّمةً لغير حرام، لما عرفت.
 
ثمّ إنّه يظهر من هذا وممّا ذكر أخيراً من أنّ المراثي ليس فيها طرب، أنّ نظره إلى المراثي المتعارفة لأهل الديانة التي لا يقصدونها إلّا للتفجّع، وكأنّه لم يحدث في عصره المراثي التي يكتفي بها أهل اللّهو والمترفون من الرجال والنساء عن حضور مجالس اللّهو وضرب العود والأوتار والتغنّي بالقصب والمزمار، كما هو الشائع في زماننا الذي قد أخبر النبي  صلى الله عليه وآله وسلم بنظيره في قوله: "يتّخذون القرآن مزامير"، كما أنّ زيارة سيّدنا ومولانا أبي عبد الله عليه السلام صار سفرها من أسفار اللّهو والنزهة لكثيرٍ من المترفين، وقد أخبر النبي  صلى الله عليه وآله وسلم بنظيره في سفر الحجّ، وأنّه "يحجّ أغنياء أمّتي للنزهة، والأوساط للتجارة، والفقراء للسمعة، وكأنّ كلامه  صلى الله عليه وآله وسلم كالكتاب العزيز وارد في مورد وجارٍ في نظيره"1.
 
6- أن لا يكون همّه من قراءة العزاء مهنةً يرتزق ويتكسّب بها. والحريصون على إقامة المجالس الحسينيّة هم عادةً من أصحاب المروءة والشهامة، وهم يحرصون على الانتساب إلى أهل بيت الوحي، ويمتلكون من عزة النفس ما يمنعهم من الطلب، فهؤلاء لا مانع من إعطائهم ووصلهم في مظهرٍ من مظاهر الحبّ والعشق لأئمّة الهدى عليهم السلام، ولا مانع لهم من قبول هذا 



1 المكاسب، الشيخ الأنصاريّ، ج1، ص311 312.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

57

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 العطاء، وإنّما الخطر في أن يتحوّل ذلك ليصبح نوعاً من الكسب والارتزاق والمشارطة المسبّقة على بدلٍ ماليّ معيّن، الأمر الذي من شأنه أن يحرف المجالس عن وجهتها الحقيقيّة.

 
وقد ورد في بعض الأحاديث وصف لمثل هذه الحالة: "يطلبون الدنيا بأعمال الآخرة"1. وفي خبرٍ آخر، ينتقد أمير المؤمنين عليه السلام من يستغلّون علاقاتهم الدينيّة بالناس لتأمين معاشهم، فيقول: "المستأكل بدينه حظّه من دينه ما يأكله"2.
 
وهذا ما تؤكّده التجربة أيضاً، فإنّ القيّمين على المجالس، والمستمعين والمشاركين فيها، عندما يجدون أنّ قارئاً ما يتحدّث باستمرار عن المال، أو أنّ أعماله وحركاته كانت غير مبالية وغير مسؤولة، فإنّه - والحال هذه - يسقط من أعينهم، ويفقد عزّته وكرامته، ولن يعود لكلامه التأثير المطلوب فيهم، فهو بذلك يكون كمن يعرّض نفسه للتهمة والاغتياب، ويهيّئ الأسباب لذلك بنفسه، وهو ما لا يليق بشأن القرّاء من أهل الدّين والتقوى. ولكم ساهمت بعض الأعمال غير اللّائقة التي صدرت عن بعض القرّاء في بثّ اليأس في قلوب الناس، وفي تعميم النظرة السلبيّة إلى جميع القرّاء.
 
وفي هذا يقول المرحوم آية الله البيرجندي: "وممّا يلزمه أن لا يشترط أجراً معيّناً وهو الأحوط، لأنّ الوعظ وذكر فضائل أهل البيت وتلاوة مراتبهم من المستحبّات المؤكّدة، والعمل الواجب والمستحبّ من حقوق الله تعالى، فيلزم من أدائه، وأخذ الأجرة عليه أن ينافي لزومه، وإن لم تشترط فيه القربة"3.



1  بحار الأنوار، ج75، ص63.
2 المصدر نفسه، ج78، ص63.
3 الكبريت الأحمر، ج1، ص106.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

58

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 7- عدم التبعيض أو التمييز في تلبية الدعوة إلى المجالس. فعلى القارئ أن يلبّي كلّ الدعوات، مهما أمكن، بعيداً عن التبعيض والتمييز، فلا يفرّق بين غنيٍّ وفقير، وصاحب موقع وغيره، وأهل الأرياف وأهل المدن.

 
وقد دأب كثير من كبار القرّاء والمبلّغين على ألّا يرفضوا دعوةً من أحد. بل كانوا أحياناً عندما تُوجّه لهم الدعوة في الوقت نفسه إلى منزل عامل فقير، وإلى منزل آخر غنيّ، يرجّحون منزل العامل الفقير، وفي عقيدتهم أنّ صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف قد لا ينظر أصلاً إلى المجلس الفلانيّ، مهما كان يعجّ بالحضور، بل يتجاوزه ليحضر مجلساً يُعقد في واحدٍ من أزقّة القرى والأرياف، في منزل عجوز مؤمن، وإن كان مجلسه لا يحضره إلّا عدد قليل من المؤمنين المخلصين.
 
8- إحياء ذكر أصحاب الإمام الحسين عليه السلام. فمن المهمّ جدّاً إحياء ذكر جميع أصحابه الأوفياء  عليهم السلام، بل وكذلك أسرى كربلاء المضحّين. ولا يكتفي بذكر مصيبة البعض منهم، فالجميع في كربلاء كانوا يجسّدون نموذج المسلم المجاهد، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. والبطولة والشجاعة لم تتجسّدا عند بعض الأصحاب دون بعض، بل كان كلّ واحدٍ منهم، في موقعه، أنموذجاً للجنديّ المجاهد والمضحّي.
 
9- ذكر صاحب الثأر الحقيقيّ. فمن اللّازم ربط المجلس بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ، والذي هو صاحب الثأر الحقيقيّ لوقعة كربلاء، ومن ثمّ ينبغي التوسّل به، والدعاء لتعجيل فرجه.
 
10- إظهار الاحترام للسابقين من كبار القرّاء. ففي كلّ قوم وصنفٍ من الناس شخصيّات كبيرة لها تاريخ حافل بالتجارب في مجال عملهم، وهؤلاء حيث إنّهم حملوا هذه الرسالة المقدّسة على عاتقهم، يجب تكريمهم واحترامهم والوفاء لذكراهم، وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾1.



1 سورة الواقعة، الآيتان: 10- 11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

59

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 11- كما ينبغي إظهار الاحترام للخطباء وقرّاء المجالس الحسينيّة عموماً، لأنّ احترامهم يُعدّ شكلاً من أشكال الاحترام والتبجيل للإمام الحسين عليه السلام نفسه.


12- الرزانة والوقار مع التواضع: فالقارئ المخلص للأئمّة  عليهم السلام يحافظ على رزانته ووقاره في المجلس الحسينيّ، ويجتنب استعمال العبارات المستقبحة والمستهجنة في مجالس اللّهو والطرب، ويخاطب الناس بعبارات موزونة لائقة، وعليه أن يدرك أنّ عدم رعاية العفّة والأدب في هذه المجالس من شأنه أن يفقده احترام الناس له، وبالتالي: يحول بينه وبين أن يصل إلى هدفه المنشود، والذي يتمثّل في إقناع المستمعين وترغيبهم.

13- توثيق الكلام. فلا بدّ أن يكون الكلام الصادر عنه مأخوذاً من المصادر المعتبرة، ويتأكّد ذلك في شهر رمضان المبارك. وهذا بدوره يقتضي الابتعاد عن الأخبار الضعيفة، والاعتقادات الباطلة، في خصوص حوادث واقعة عاشوراء.

14- الاعتدال في ذكر المصائب، وتجنّب ذكر الحوادث التي تحتوي على مصائب مفجعة لا يحتملها الناس عادةً. فالقارئ الماهر هو الذي يعبّر عن المصيبة بالتلويح والكناية، تاركاً المستمعين يعيشون حالةً من الشوق واللّهفة لمعرفة ما جرى، والكناية عن ذكر المصيبة أفضل من التصريح بها.

15- إصلاح الخطأ إن كان، فإذا وقع القارئ في خطأ ما أثناء قراءته، فعليه المبادرة إلى تصحيح هذا الخطأ، إمّا في أثناء المجلس نفسه، وإمّا في المجلس القادم.

16- المختصر المفيد. فلا تكون المرثيّة طويلةً جدّاً، بل لا بدّ من إيجازها قدر الإمكان، ولا سيّما في الأماكن غير المعدّة والمهيّأة لإقامة المجالس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

60

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 17- الاستئذان. ينبغي عدم الشروع بالمراثي في المجالس الخاصّة إلّا بعد الحصول على إذن صاحب المجلس، وأمّا في الأماكن الموقوفة فيمكن الحصول على الإذن من متولّي الوقف نفسه.


18- الابتعاد عن الغرور. قد يؤدّي وجود عدد كبير من المستمعين، أو امتداحهم للقارئ، أو غير ذلك من العوامل والأسباب، إلى ولادة حالة من الغرور عند القارئ، ممّا يجعل صاحب العلم القليل يدّعي معرفة تبلغ العرش، فإذا لم نعمل على إزالة هذه الروحيّة بالتقوى وتزكية النفس، فإنّها في معرض أن تتحوّل إلى آفّةٍ كبيرة تمنع الرشد والتكامل والإصلاح على مستوى النفس والروح.

19- الابتعاد عن الغلوّ. لعلّ من أبرز النتائج السلبيّة التي تترتّب على الغلوّ في موضوع العزاء، هو ازدياد إمكانيّة استفادة الأعداء من هذه المراسم، لذلك، فالقارئ الجيّد هو من يبتعد عن الغلوّ. وهذا يعني أن لا نتحدّث إلّا عن المقام الواقعيّ والحقيقيّ للإمام الحسين عليه السلام، بلا زيادة ولا نقيصة، لأنّ كلّ ما يخرج عن حدّ الاعتدال، فهو انحراف. ومحبّة المعصومين عليهم السلام لا تخرج عن هذه القاعدة. وقد كان حصول هذا الانحراف في السابق هو ما أدّى إلى وجود حركة الغلاة.

وبهدف البقاء في مأمن من الغلوّ ينبغي ملاحظة آراء مراجع التقليد العظام وكبار علماء الحوزة العلميّة وعقائدهم والابتعاد عن كلّ نشاط مغاير لأفكارهم وآرائهم.

20- الامتناع عن الألقاب التي تقلّل من مقام الأئمّة  عليهم السلام. يلاحظ أنّ بعض القرّاء يحاولون تعظيم الأئمّة  عليهم السلام، وبالأخصّ الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، ورفع منزلتهم، فيطلقون على الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف مثلاً لقب "الزعيم الأكبر"، في قلّة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

61

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 إدراكٍ منهم - بسبب عدم اطّلاعهم على الألقاب والمصطلحات - أنّ مقام الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أعلى من هذا بكثير، وأنّ هذا اللقب وأمثاله إنّما صنع في بلاطات الملوك، وهو لا يتناسب مع شأن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما قد يطلقون على الإمام الرضا عليه السلام لقب "ملك الملوك"، والواقع أنّ هذا اللقب أدنى بكثير من مقام الإمامة الولاية1. ومن هنا ينبغي القول بأنّ الاستعمال غير المناسب لأسماء المعصومين عليهم السلام في المدائح والمراثي قد يؤدّي إلى هتك حرمة الإمام عليه السلام وإلحاق الضعف والوهن بمجالس العزاء.

 
21- إقامة المجالس. ينبغي للقارئ أن لا ينتظر إقامة المجالس ليشارك فيها بإخلاص، أو أن يظهر بحالة المتباكي عند الاستماع، بل يجب أن يبادر بنفسه عند الإمكان إلى إقامة المجالس والمراسم لولادة أئمّة الدّين أو شهادتهم، وأن يدعو إلى مجلسه غيره من الوعّاظ والخطباء. وكذلك ينبغي له الجلوس كمستمع إذا لم يكن مشغولاً في مجلس آخر كخطيب.
 
22- كراهيّة التملّق. إنّ القارئ المتملّق هو الذي يمتدح أصحاب المجلس ويثني عليهم بهدف الطمع خلافاً لرأيه الباطنيّ، فهو شخص يساهم في التقليل من شخصيّته وقيمته الإنسانيّة. أمّا القارئ المخلص فهو الذي يمتدح أصحاب المجلس لإقدامهم على هذه الأعمال وتشجيعاً لهم مراعياً حدّ الاعتدال، وكلّ ذلك من باب "من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق". وهذا يعني الابتعاد عن الإفراط في الثناء والمدح غير الواقعيّ والأوصاف المبالغ فيها، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "كثرة الثناء ملق يحدث الزهو ويدني من العزّة"2.



1 حكمتانه تا همدان، ص400.
2 غرر الحكم، 563.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

62

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 23- الامتناع عن القسم. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾1. ويقول الإمام الصادق عليه السلام: "ولا تحلفوا بالله صادقين وكاذبين"2، لأنّ القسم بالله في غير إحقاق حقّ في مقام المحاكمة مكروه ومنهيّ عنه.

 
24- تجنّب طرح المسائل الخلافيّة التي تقحمه في خلافات مع الآخرين.
 
25- توخّي الدقّة فيما يتّخذه من المواقف السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة، فلا يبتعد عن العدل والاستقامة، ولا يتصرّف بشكلٍ غير لائق يخرجه عن سلك الذاكرين لأهل البيت  عليهم السلام.
 
26- الحرص على أن يكون ظاهره لائقاً ومناسباً لطبيعة المجالس التي تُعقد.
 
27- ينبغي للقارئ أن يبتعد عن مواضع التهمة، حيث قيل: "اتقوا مواقف الرِّيَب"، فإذا لم يفعل ذلك كان مورد سوء ظنّ الناس.
 
28- لبس السواد في شهري العزاء (محرّم، صفر)، وعلى الأقلّ في الأيّام العشرة الأول من المحرّم، وبالأخصّ: يومي التاسع والعاشر.
 
29- الحرص على أن لا يكون بفعله وسلوكه ومواقفه أداةً بأيدي الآخرين ممّن يتربّصون الفرص، ويصطادون في الماء العكر، ليحقّقوا من خلاله مآربهم الدنيئة والفاسدة، وعليه أن يمارس وظيفة القراءة في حدود وظائفه وتكاليفه الشرعيّة.
 
30- التمرين والمراس والتكرار لتنطبع الأشعار في ذهنه ويتسلّط عليها.
 
31- أن يكون ما يقرؤه ويلقيه على مسامع الناس مستوحىً من المناسبة التي هم مجتمعون لأجلها.



1 تفسير نور الثقلين، ج1، ص218.
2 وسائل الشيعة، ج12، ص37.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

63

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 32- أن يتعرّف على خصوصيّات المنطقة وأوضاعها الجغرافيّة، لئلّا يتخطّى الأعراف الاجتماعيّة الرائجة، إذا كانت مقبولة.


33- يجب على القارئ أن يكون قدوة للمستمعين، فإنّ الناس ينظرون إليه على أساس انتسابه إلى الإمام الحسين عليه السلام. وبسبب هذه النسبة يتوقّع الناس منه التديّن الكامل. وعلى هذا الأساس فهو مُطالَب قبل أيّ شخصٍ آخر بأن يكون متقيّداً بالتعاليم الإسلاميّة.

وحتّى الذنوب والمعاصي التي يرتكبها تختلف عن ذنوب الآخرين، فهو إذا أخطأ فهذا سيؤدّي إلى ضعف إيمان الناس وضعف اعتقادهم بمجالس الإمام الحسين عليه السلام، بل قد ينحرفون عن الإسلام بسبب ذلك.

34- قبول النقد والاعتراض. إنّ عدم قبول النقد يدلّ على العجب والأنانيّة وهو دليل على قلّة العلم، لذلك ينبغي للقارئ أن يتقبّل النقد الصحيح وأن يبادر إلى رفع نقائصه وعيوبه، وأن يحترم رأي الناس فيه.

35- إذا لم يكن الخطيب عالماً فعليه الابتعاد عن الأمور التي لا تدخل في مجال اختصاصه، كالإفتاء، ونحو ذلك، كما ورد: "رحم الله امرءاً عرف قدره ولم يتجاوز حدّه".

36- التواضع ليتمكّن من هداية الناس وجذبهم إلى الدّين.

37- التحلّي بالأخلاق الحسنة، لأنّها من أهمّ العوامل والأسباب المؤثّرة جدّاً في عمل القارئ.

38- لو كان المجلس منعقداً في مرقد لأحد المعصومين  عليهم السلام، أو لأحد أبنائهم ممّن ثبت وجوب تعظيمهم، فالواجب على القارئ بعد الفراغ من المجلس، التسليم على صاحب ذلك المرقد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

64

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ولا نرى في نهاية هذا الكتاب ختاماً أحسن من القول: صلّى الله على الحسين وجدّه وأبيه وأمّه وأخيه، والمعصومين من بنيه، وغفر الله لشيعته ومحبّيه، ولعن الله قاتليه.


تمّ الكلام بعون الله الملك العلّام.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

 


65

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 تأثير لسان الحال في بيان واقعة عاشوراء1

إنّ هناك وسائل متعدّدة وأساليب مختلفة من الأدوات التي قد تستخدم من أجل عرض ثورة عاشوراء وبيان دوافعها وأهدافها، مثل الشعر والقصّة والفيلم والمسرح وقراءة العزاء، ومن الواضح أنّ طرح واقعة عاشوراء في إطار فنّيٍّ هو أيسر وأفضل من أيّ إطار آخر.
 
وإنّ إحدى تلك الوسائل التي استعملت لبيان الأبعاد المختلفة لعاشوراء هي (لسان الحال)، الذي يمكن الإستفادة منه في كثير من الفنون، وإن كان هو نفسه واحداً منها2.
 
من هنا يمكن اعتبار لسان الحال أكثر الوسائل تأثيراً وجاذبيّة، من أجل عرض حقائق عاشوراء ودروسها والعبر المستفادة منها على أنواعها، وبشكل مفصّل ومساحات واسعة جدّاً، فيمكن الإستفادة منه لبيان القيم العاشورائيّة والتعريف بها، والوصول إلى أعماق الوجود الإنسانيّ، حيث لا يستطيع (لسان القال) أن يصل إليه.




1 الباحث محمّد صادق مزيناني, من كتاب: (نقش زنان در حماسه عاشوارء), (دور النساء في ملحمة عاشوراء).
2 باعتبار أنّ لسان الحال أداة بيانيّة، وليس للفنّ مفهوم آخر غير هذا. راجع (هنر أز ديدكاه سيّد عليّ خامنئيّ).



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

66

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 لقد كان استخدام لسان الحال موجوداً منذ القدم وما قبل ظهور الإسلام، حيث كان شعراء العصر الجاهليّ يستفيدون منه بدرجة كبيرة، سواءً في وصف المعشوق أو القبيلة أو أدوات الحرب، لا سيّما الجياد منها. واستعملت أيضاً هذه الوسيلة بعد ظهور الإسلام خصوصاً بعد واقعة كربلاء بشكل صحيح ومنطقيّ، على سبيل المثال- وحسب الروايات التاريخيّة- فإنّ بعض النّاس قالوا شعراً بلسان الحال تعزية وفي حضور الإمام زين العابدين عليه السلام، عند وصول قافلة الأسرى إلى المدينة المنوّرة1، وهذا ما استمرّ عليه الوضع بعد ذلك حين الحديث عن واقعة عاشوراء وتصوير أحداثها، إلّا أنّه وبالرغم من كلّ ذلك وبسبب عدم وضوح حدود وشرائط الإستفادة من تلك الوسيلة، فقد أصيبت بآفات عديدة نتيجة الإفراط أو التفريط الذي وقع فيه مستخدموها، حتّى وصل الحال إلى أنّ بعضاً من الخطابات والأشعار والأعمال التي تعرض باسم (لسان الحال)، ليس فقط لا تعبّر عن دوافع عاشوراء وأهدافها فحسب، بل إنّها تعارض المباني الاعتقاديّة التي كان يحملها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، وهذا يعدّ من المصائب الكبرى التي أصيبت به السيرة العاشورائيّة العظيمة.

 
وعليه فإنّ عرض عاشوراء بلسان الحال مثل سيفٍ ذي حدّين، فمن جهةٍ يمكن أن يكون مفيداً ومن جهةٍ أخرى يمكن أن يكون مدمّراً ويحتوي على آثار سامّة ومضرّة، فإمّا أن يستخدم في سبيل نشر أهداف عاشوراء ورسالتها، وإمّا أن يصبّ في طريق تحريف ذلك وتشويهه، فإن استعمل بطريقةٍ صحيحة ومنطقيّة أمكنه بيان حقيقة ثورة كربلاء وشخصيّة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، وفي المقابل لو استخدم بأسلوب غير صحيح، فإنّه، فضلاً عن كونه 



1 إبن طاووس, (الملهوف على قتلى الطفوف)، أو (آهي سوزان بر مزار شهيدان) ترجمة السيّد أحمد الفهريّ الزنجانيّ, ص 203 207.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

67

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 عاجزاً عن بيان واقعة عاشوراء وأهداف الثورة الحسينيّة، سيشوّه حقيقة هذه الثورة وأصالتها ويقلبها رأساً على عقب.

 
من هنا، فإنّ طرح الأسئلة التالية والإجابة عنها في هذه المقالة سيبيّن المقصود من لسان الحال، وأقوال الفقهاء فيه وفي شرائطه وحدود استخدامه والإستفادة منه، وذلك على الشكل الآتي: ما المقصود من لسان الحال؟ هل يجوز استخدام لسان الحال في وصف عاشوراء؟ ولو كان جائزاً فهل يوجد شروط وقيود في ذلك أم لا؟ وإذا كان هناك حدود وشروط، فما هو حكم مخالفتها وما هو الواجب حينئذٍ؟ وما هي المساحة التي يمكن الإستفادة من لسان الحال فيها؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي سيُجاب عنها خلال بحثنا هذا.
 
مفهوم لسان الحال:
إنّ لسان الحال هو ما يقابل (لسان القال)، وقد جاء في أقرب الموارد في تعريفه:
ما دلّ على حالة الشيء أو كيفيّته من ظواهر أمره، فكأنّه قام مقام كلام يعبَّر به عن حاله فلم يفتقر معه إلى كلامٍ، يقولون: نطقت لسان الحال بكذا1.
 
وكتب دهخدا في هذا الشأن:
لسان الحال هو كلّ ما يبيّن وضع شخص أو حالته أو بعض شؤونه... فكلّ ما ينسب إليه ممّا لم يقله، وقد وصفه به الشاعر أو الكاتب عن أحواله، بحيث إنّه لو أراد أن يقول شيئاً لعبّر بحسب حاله بما نسب إليه2.



1 سعيد خوري الشرتونيّ اللبنانيّ، أقرب الموارد, ج2, ص1142.
2 لغت نامه دهخدا, ج8, ص12644.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

68

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وقال العلّامة الملّا أحمد النراقيّ في تعريفه:

المراد من لسان الحال هو كون الشيء بحالةٍ تقتضي مثل هذا الكلام، فكأنّ حالة تلازم مثل ذلك القول وتتلاءم معه، بحيث إنّ تلك الحالة تقتضي مثل ذلك الفعل1.
 
على الرغم من قصر بعض الكتب اللغويّة لسان الحال على الإنسان، إلّا أنّ استعماله أوسع من ذلك بكثير، وهذا ما يظهر من كلمة (الشيء) في أقرب الموارد، حيث تنطبق على الإنسان وغيره. ويعتقد العديد من مفسّري القرآن الكريم، أنّ المقصود من الآيات التي تتحدّث عن تسبيح وحمد المخلوقات: (الأرض - السماء - النجوم - الجبال - النّاس - الحيوانات - الأشجار وأوراقها و...)، هو الحمد والتسبيح بلسان الحال2. وأمّا ما ورد في كلام النراقيّ من تطبيق لسان الحال على الإنسان فحسب، فهو باعتبار أنّ جواب النراقيّ جاء حسب السؤال الوارد حول جواز استعمال لسان الحال في الإمام الحسين عليه السلام، وإلّا فإنّ الفقهاء أيضاً يرون أنّ لسان الحال أعمّ من ذلك3.
 
يتّضح ممّا سبق أنّ لسان الحال هو: بيان حالة الشيء وكيفيّته، بحيث إنّه لو كان ناطقاً أو أراد أن ينطق، لصرّح بما نسب إليه من لسان الحال.
 
طبعاً إنّ لسان الحال وكيفيّته يشمل مساحة واسعة من شؤون حياته، مثل أوضاعه الفرديّة والإجتماعيّة، ومسؤوليّاته وأهدافه، وظروفه المكانيّة والزمانيّة المحيطة به أيضاً.
 
إنّ لسان الحال ينطق بالحقيقة والواقع الذي لم يعبّر عنه بلسان القال، ولو عبّر عنه بالكلام لجاء كما نسب إليه بلسان الحال، وهذا واضح عند كثير من النّاس، فعندما نرى آثار التعب والألم والأرق على وجه أحدهم نقول له: مهما أخفيت آلامك التي أصابتك في الليلة الماضية فإنّ عينيك تحكيان لنا الأرق الذي عانيت منه، والشاهد على ذلك هيئتك الظاهرة عليك. إنّ لسان الحال يكون في بعض الأحيان قويّاً بحيث يغلب لسان القال ويكذّبه.



1 رسائل ومسائل, ج1, ص245, تصحيح رضا أستادي.
2 سورة الإسراء, الآية:44, وتفسير الأمثل, ج12, ص135.
3 المحّدث النوريّ, لؤلؤ ومرجان, ص120.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

69

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 وهنا يوجد أمران مهمّان يلزم الإشارة إليهما:

1- ينبغي الفصل والتمييز بين لسان الحال وبين المبالغات الشعريّة، فلسان الحال هو بيان للواقع والحقيقة، لذا يمكن نسبته إلى الأفراد والأشياء، وأمّا المبالغات الشعريّة فلا واقعيّة لها، فعندما يعبّر محتشم الكاشانيّ في أشعاره عن رأس الإمام الحسين عليه السلام بأنّه شمس ساطعة على رأس رمح طويل، من الواضح أنّ هذا للمبالغة فقط وليس كلاماً واقعيّاً، ولذا فإنّ إنشاد مثل هذه الأشعار أمر جائز، باعتبار أنّ معظم النّاس يعرفون أنّ هذا من باب المبالغة، وأنّ الشاعر لم يرد المعنى الحقيقيّ من ذلك1.
 
2- التحقيق في تلك الحالة والكيفيّة التي نريد أن نتحدّث على أساسها بلسان الحال، وهذا أمر واضح الأهمّيّة باعتبار أنّ تلك الحال لو كانت صحيحة فإنّ لسان الحال الذي يعبّر عنها سيكون صادقاً، وأمّا لو كان تشخيص تلك الكيفيّة خاطئاً فإنّ لسان حالها سيكون غلطاً وبعيداً عن الحقيقة.
 
على سبيل المثال، عندما يكون أصل حضور ليلى (أمّ عليّ الأكبر) في كربلاء ونذرها باطلاً، وكذا عرس القاسم، فإنّ ما يبنى على ذلك الباطل بلسان الحال سيكون باطلاً أيضاً. وهكذا بالنسبة إلى أهداف ثورة الإمام الحسين عليه السلام عندما يكون الكلام عن الفداء كذباً، فإنّ لسان حاله سيكون أيضاً كذباً.



1 مستند الشيعة, ج2, ص109, والطبعة الحجريّة, ج10, ص256.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

70

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 لسان الحال وواقعة عاشوراء:

إنّ كلّ ما قيل وكتب من الشعر والنثر ممّا لم يؤخذ من المصادر النقليّة إلّا أنّه يتحدّث عن أوصاف وأحوال وأفكار الإمام الحسين عليه السلام، وأصحابه استناداً إلى الميزات التي كانوا يتمتّعون بها، أو الأشعار والكتابات التي بيّنت الدوافع والأهداف التي كانت لديهم، أو التي حكت عن ساحة كربلاء في ليلة عاشوراء ونهارها بأبعادها المختلفة كلّ ذلك يطلق عليه لسان الحال.

إنّ عرض الوقائع التاريخيّة - ومنها واقعة عاشوراء - في قوالب أدبيّة وفنّيّة يحتاج إلى ساحة مميّزة وشخصيّات فاضلة، وهذا ما يؤثّر جدّاً في عرض ذلك بلسان الحال. فنحن نجد أنّ ساحة عاشوراء وشخصيّاتها لا نظير لهما على الإطلاق، فمن جهةٍ نجد أفراداً يتمتّعون بعاطفة جيّاشة مع تضحية وجهاد بأعلى المستويات، ومن جهة أخرى نلاحظ أنّ أجواء تلك الساحة كانت مليئةً بالمعنويّات والفضائل التي يمكن للأدوات الفنّيّة، ومنها لسان الحال، أن تبيّن قبساً من تلك الساحة وأبطالها الذين كانوا فيها.

الأقوال والآراء:
هل يجوز عرض واقعة عاشوراء بلسان الحال أم لا؟ ولو جاز فهل يجوز ذلك بصورة مطلقة ومن دون مراعاة أيّة قيود أو شروط في ذلك؟ في الجواب لدينا عدّة فرضيّات:
1- يمكن عرض حادثة كربلاء بلسان الحال بشكل مطلق من دون أيّة قيود في ذلك سواءً من جهة الأشخاص أو من جهة الشروط.

2- عكس الفرض السابق أي عدم جواز استخدام لسان الحال مطلقاً سواءً بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام أو بالنسبة إلى أصحابه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

71

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 3- عدم جواز ذلك بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت  عليهم السلام وأمّا مع الآخرين فهو جائز.

 
4- يجوز استعمال لسان الحال مع مراعاة بعض القيود والشروط، ولا فرق في ذلك بين الإمام الحسين عليه السلام وبين غيره.
 
بالنسبة إلى الفرض الأوّل نقول: يظهر في كلام البعض أنّ في مدح الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وأهل البيت  عليهم السلام وتعزيتهم أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً، لذا فإنّ كلّ ما يقوّي هذه المجالس يعدّ حلالاً سائغاً لأنّه سبب لزيادة الأجر والثواب.
 
يقول بعض الباحثين: إنّ أصحاب هذه النظريّة يؤمنون بالنظريّة القائلة (إنّ الغاية تبرّر الوسيلة)1 فهؤلاء يقولون: ما دام لدينا هدف مقدّس، وهو بيان فضائل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وتعزيتهم لما فيه من الأجر الكبير، فكلّ ما يوصلنا إلى ذاك الهدف هو جائز لا إشكال فيه2.
 
وقد أجاب الشهيد المطهّريّ ومن قبله المحدّث النوريّ عن هذا الكلام بالقول: لو كان الأمر كما يقولون لما بقي شيء من المعاصي إلّا وأصبح حلالاً، ولسقطت عن حرمتها حتّى الكبيرة منها، فعلى سبيل المثال: إنّ من أعمال الخير (إدخال السرور على قلب المؤمن) فهل يجوز من أجل الوصول إلى ذلك الهدف التوسّل بأيّ شيءٍ حتّى لو كان حراماً مثل التهمة والغيبة والسخرية؟! من الواضح أنّ هذا ليس مشروعاً، وعليه فلا يمكن القبول بهذا القول أبداً.



1 هذه عقيدة موجودة منذ زمن طويل، وقد قام بعض المسلمين السذّج في صدر الإسلام في جعل بعض الروايات التي تحثّ على تلاوة القرآن وتتحدّث عن الأجر العظيم لذلك عندما رأوا إهمالاً لدى النّاس في تلاوته. وهذا ما نقل عن هؤلاء في كتاب (اللؤلؤ والمرجان) ص109.
2 الملحمة الحسينيّة, ج1, ص84, المحدّث النوريّ, لؤلؤ ومرجان, ص174 175.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

72

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 فيما يرتبط بالفرض الثاني والثالث فإنّه غير صحيح أيضاً، باعتبار أنّ الأدلّة والشواهد على خلافه، بل هي تدلّ على أنّ لسان الحال جائز مع مراعاة بعض الشرائط والقيود، ولا فرق في ذلك بين الإمام وبين غيره وإن كان يلزم مراعاة الدقّة بالنسبة إلى الإمام عليه السلام وأهل البيت  عليهم السلام أكثر من الآخرين.

 
وأمّا بالنسبة إلى الفرض الرابع فنقول: إنّ الكثير من العلماء والفقهاء يرون أنّ الحديث عن واقعة عاشوراء بلسان الحال هو أمر سائغ ولكن ليس بصورة مطلقة بل هو مشروط بعدّة أمور. على سبيل المثال فقد سئل العلّامة الملّا أحمد النراقيّ عن الشعراء الذين يختلقون بعض الأشعار والحوارات التي لا وجود لها في الروايات والأحاديث بل هي من تفريعاتهم وعنديّاتهم مثلما يتحدّثون عن شهادة العبّاس عليه السلام وأنّه قال لزينب عليها السلام الكلام الفلانيّ ولأمّ كلثوم وسكينة الحديث الكذائيّ وأنّ الإمام عليه السلام وضع الكفن على كتفه وغير ذلك، فهل هذا جائز أم لا؟ ولو كان حراماً فهل يعدّ من الذنوب الكبيرة؟1.
 
تحدّث النراقيّ في جوابه عن لسان الحال بعد أن قسّم المبالغات والإغراقات إلى شعريّة وغير شعريّة وبيان حكم كلّ واحد منهما على هذا النحو:
وهناك قسم آخر يُنسب فيه كلام أو فعل إلى شخصٍ يُقال له لسان الحال، فكأنّ لسان حاله ينطق بذلك لا لسان مقاله، أو أنّ حاله يقتضي مثل هذا العمل وإن لم يقم به واقعاً، فالمراد بلسان الحال كون الشيء بحالةٍ تقتضي مثل هذا الكلام، بل إنّ حاله يتطلّب مثل ذلك الكلام الذي يتلاءم معه تماماً ومثله التعبير بلسان الحال عن فعل يقتضيه حاله2
 
ثمّ جاء بمثال على ذلك من أشعار محتشم الكاشانيّ، إلى أن قال: ولو وجدت قرينة حاليّة في لسان الحال 



1 الملّا أحمد النراقيّ, رسائل ومسائل, ج1, ص245.
2 المصدر نفسه.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

73

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 يعرف من خلالها المخاطبون أو معظمهم أنّ مقصود المتكلّم أو الكاتب هو ذكر الحال والحكاية الخياليّة وليس الواقع، فهذا ممّا لا إشكال فيه وأمّا غير هذين القسمين من (المبالغات والإغراقات الشعريّة ولسان الحال) ممّا يتحدّث عن أمور غير واقعيّة فهو كذب وحرام، ولو عدّ من الذنوب الصغيرة فإنّ تكراره أكثر من مرّتين يجعله من الكبائر، لأنّ الإصرار على الصغيرة يحوّلها إلى كبيرة، فإذا نطق شخص بمثل ذلك وهو صائم فصيامه باطل يوجب القضاء والكفّارة1.

 
وأشار المحدّث النوريّ أيضاً إلى أنّ الشعر أو النثر الذي يتضمّن المبالغة أو التشبيه أو الإستعارة وأمثال ذلك مع قصد المعنى الظاهريّ منه، فإنّه ليس فقط أمراً جائزاً بل هو سيضفي على الكلام والأشعار فصاحة وبلاغة ممّا يجعله رائعاً وراقياً. ثمّ تحدّث العلّامة النوريّ عن لسان الحال فقال:
وإمّا أنّ يكون ذلك من أجل أمر آخر متعارف عليه ومتداولٍ في النظم والنثر أيضاً بحيث إنّ إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً يكون بحالةٍ أو صيغة، وبعد الإطلاع عليها ننتقل إلى أمور أخرى بحيث إن صاحب تلك الحالة أو الصفة لو أراد أن يخبر عن تلك الأمور وكان يملك معرفةً ولساناً لأخبر عنها على ذلك النحو تماماً، فعندما ينسب الناقل تلك الأمور إلى ذاك الإنسان أو غيره فهو في الحقيقة صادق في ذلك يخبر عن واقع لا كذب فيه، لأنّ مقصود الناقل والمتكلّم هو التعبير عن إمتلاك ذاك الإنسان أو الشيء صفة أو حالة محدّدة تكشف عن تلك الأمور وهذا ما يعبّر عنه لسان الحال2.



1 رسائل ومسائل, ج1, ص246.
2  لؤلؤ ومرجان, ص120.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

74

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 في هذه الفقرة نلاحظ المحدّث النوريّ قد عرّف لسان الحال من جهةٍ، وأخرجه عن الكذب والتحريف من جهة أخرى، ثمّ أيّد جواز استخدام لسان الحال بسيرة العلماء حيث كانوا يعملون به في النثر والشعر، بل كانوا يضفون به على كلماتهم رونقاً يثبتون من خلاله إدعاءاتهم وآراءهم. بعد ذلك تحدّث العلّامة النوريّ عن بعض الشرائط اللازمة في استعمال لسان الحال.


وقسّم الشهيد المطهّريّ لسان الحال - بعد أن أشار إلى عوامل ظهور التحريفات ووظيفة علماء الدّين اتجاه ذلك - إلى قسمين، فاعتبر أحدهما صحيحاً ومنطقيّاً، بينما يشكو ممّا يُقال ويُكتب تحت عنوان لسان الحال ممّا هو منتشر في هذا الزمان ويعتبره غير سائغٍ ولا مشروع، وهذه عبارته: إنّ نظرةً عامّة إلى استعمالات لسان الحال في عصرنا هذا تكفي لنعرف مدى التحريفات التي نُسبت إلى كثير من الأشخاص. نعم البعض منها يعتبر مرآة صافية تعكس شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام الحقيقية مثل أشعار إقبال اللّاهوريّ وبعض أشعار حجّة الإسلام التبريزيّ وإن كان البعض منها يحمل تحريفاً لتلك الشخصيّة، مثل الأسى الذي يظهره الإمام عليه السلام لفقدان أمّه... وأمنيّته لو أنّ تراب كربلاء يمنحه أمّاً...

إنّ لسان الحال هذا ليس فقط يتنافى مع شخصيّة الإمام عليه السلام العظيمة بل هو لا ينسجم مع مسلكيّة رجل عادي يبلغ من العمر سبعاً وخمسين عاماً بحيث يطلب في تلك الظروف أمّه لتضمّه إلى صدرها، والحال أنّ الأمر بالعكس من ذلك تماماً حيث إنّ الأمّ هي التي تلجأ إلى ولدها الذي يبلغ من العمر ذلك الحدّ.

نعم إنّ الإمام الحسين عليه السلام تحدّث عن أمّه ولكن بصورة ملحميّة تحمل الإفتخار فقال: (أنا بن عليّ الطهر من آل هاشم... وفاطمة أمّي... يأبى الله 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

75

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ذلك لنا ورسوله وحجور طابت وطهرت ونفوس أبيّة وأنوف حميّة) إلى غير ذلك من الكلام1.

 
وصرّح أيضاً علماء آخرون منهم المحدّث القمّيّ في كتابيه: نفثة المصدور2 ومنتهى الآمال3، بجواز عرض واقعة عاشوراء بلسان الحال ولكن مع مراعاة بعض الشرائط الخاصّة.
 
الأدلّة:
من أجل إثبات هذه النظريّة المشهورة لدى العلماء والفقهاء يمكن الإستناد إلى بعض الآيات والروايات وسيرة الأئمّة المعصومين  عليهم السلام وأيضاً سيرة الفقهاء وعلماء الدّين، وهنا نشير إلى بعض من هذه الأدلّة:
1- الآيات:
يوجد آيات كثيرة في هذا الشأن4، نذكر هنا بعضاً منها:
أ- يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾5.
من الواضح أنّ المشركين لم يشهدوا على أنفسهم بالكفر بلسان القال، بل إنّ نوع أعمالهم وعباداتهم ومراسم حجِّهم هو الذي يعدّ شاهداً على كفرهم، أي لسان حالهم هو الذي ينطق بكفرهم.



1 الشهيد المطهّريّ, مجموعة آثار, ج17, ص613.
2 (نفثة المصدور فيما يتجدّد به حزن يوم العاشور) المحدّث القمّيّ, ص294.
3 الشيخ عبّاس القمّيّ, منتهى الآمال, ج1, ص571.
4 سورة الإسراء, الآية: 44, سورة النمل, الآية: 18, وقد ذكر السيّد المرتضى كلاماً دقيقاً في ذيل هذه الآية الشريفة (رسائل) الشريف المرتضى، بإشراف السيّد أحمد الحسينيّ والسيّد مهدي رجائيّ, ج1, ص355 356.
5  سورة التوبة, الآية: 17. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

76

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ب- إعتبر السيّد المرتضى وجماعة من متكلّمي الشيعة أنّ الحوار الذي دار بين النملة وبين النبيّ سليمان وخوفها من جنوده، وكلام النمل مع بعضه البعض إنّما هو من باب الإستعارة والمجاز، فهو يقول: وتلك الحكاية البليغة الطويلة لا تجب أن تكون النملة قائلةً لها ولا ذاهبة إليها وإنّها لمّا خوّفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال تلك الحكاية البليغة المرتّبة، لأنّها لو كانت قائلة ناطقة ومخوّفة بلسانٍ وبيان لما قالت إلّا مثل ذلك1.

 
وقد صرّح أيضاً السيّد المرتضى في مورد آخر بعد ذكر هذه القصّة وآياتها القرآنيّة، بجواز هذه النسبة إلى النمل لأنّه من باب المجاز والإستعارة2.
 
2- الروايات:
تُعدّ الروايات أيضاً في هذا المجال كثيرة3، وهنا ننقل بعضها:
ذكر المحدّث النوريّ في هذا الشأن روايتين، نورد إحداهما الآن والثانية في بحث شرائط لسان الحال. جاء في تفسير أبي الفتوح الرازيّ أنّ سائلاً كان يسأل النّاس فقال الحسين بن عليّ عليهما السلام: هل تعلمون ماذا يقول هذا السائل؟ قالوا: لا يا بن رسول الله - قال: يقول إنّ رسول الله إليكم من أعطاني شيئاً رجعت به إليه، وإن لم أُعْطَ رجعت إليه خالي اليدين4.



1 الشريف المرتضى, رسائل, ج1, ص356.
2 السيّد المرتضى, الأمالي, ص352.
3 راجع: تقسير الميزان, ج13, ص121 122, وتفسير الأمثل، ج12, ص139.
4 المحدّث النوريّ, مستدرك الوسائل, ج7, ص203, ح 803 (نقلاً عن الشيخ أبي الفتوح الرازي, المصدر, ج1, ص267، موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام, ص762, والميرزا حسين النوريّ, لؤلؤ ومرجان, ص122).


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

77

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 من البيّن أنّ السائل لم يقل هذا الكلام بلسان القال بل إنّ كلام الإمام عليه السلام كان بلسان الحال.

 
وورد في بعض التفاسير التي جمعت أيضاً من الروايات الدالّة على تسبيح جميع الكائنات لله تعالى:
يظهر من مجموع هذه الآيات التي يحمل البعض منها معاني دقيقة وعميقة، أنّ تسبيح الكائنات يشمل كلّ شيءٍ بدون استثناء، وهذا ما يتلاءم تماماً مع التفسير الثاني (التسبيح بلسان الحال) الذي ذكرناه سابقاً1.
 
3- تقرير الأئمّة المعصومين عليهم السلام:
لقد أمضى الأئمّة المعصومون  عليهم السلام عرض واقعة عاشوراء بلسان الحال حيث كان الشعراء يقولون في الإمام الحسين عليه السلام شعراً وفي بعض الأحيان نثراً بلسان الحال في حضور الإمام المعصوم عليه السلام بدون أن يعترض عليهم، وهذا نفسه دليل آخر على جواز طرح حادثة كربلاء بلسان الحال.
 
نقل ابن طاووس:
ثمّ إنّ عليّ بن الحسين عليهما السلام رحل إلى المدينة بأهله وعياله ونظر إلى منازل قومه ورجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها وتبوح بأعلال الدموع وإرسالها لفقد حماتها ورجالها وتندب عليهم ندب الثواكل وتسأل عنهم أهل المناهل وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه وتنادي لأجلهم واثكلاه2.



1 تفسير الأمثل, ج12, ص139.
2 اللهوف على قتلى الطفوف, ص230, ترجمة عبّاس عزيزيّ, ص275.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

78

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 رثاء الديار الخالية:

ثمّ بيّن ابن طاووس نياح تلك الدّيار بلسان الحال، ونحن ننقل ذلك كاملاً للتعرّف على كيفيّة الإستفادة الصحيحة من لسان الحال، وهذا أمر مفيد ومناسب جدّاً، فهو يصوّر الديار وكأنّها تقول: يا قوم اعذروني على النياحة والعويل وساعدوني على المصاب الجليل، فإنّ القوم الذين أندب لفراقهم وأحنّ إلى كرم أخلاقهم كانوا سمّار ليلي ونهاري، وأنوار ظلمي وأسحاري، وأطناب شرفي وافتخاري، وأسباب قوّتي وانتصاري، والخلف من شموسي وأقماري، كم ليلة شرّدوا بإكرامهم وحشتي، وشيّدوا بأنعامهم حرمتي، وأسمعوني مناجاة أسحارهم، وأمتعوني بإيداع أسراراهم، وكم يوم عمّروا نعي بمحافلهم، وعطّروا طبعي بفضائلهم، أو رووا عودي بماء عهودهم، واذهبوا نحوسي بنماء سعودهم، وكم غرسوا لي من المناقب، وحرسوا محلّي من النوائب، وكم أصبحت بهم أتشرّف على المنازل والقصور، وأميس في ثوب الجذل والسرور، وكم أعاشوا في شعابي من أموات الدهور، وحسدني عليهم حكم الأيّام فأصبحوا غرباء بين الأعداء، وغرضاً لسهام الإعتداء، وأصبحت المكارم تقطّع بقطع أناملهم، والمناقب تشكو لفقد شمائلهم، والمحاسن تزول بزوال أعضائهم، والأحكام تنوح لوحشة أرجائهم، فيا لله من روع أريق دمه في تلك الحروب وكمال نُكس علمه بتلك الخطوب، ولئن عدمت مساعدة أهل العقول وخذلني عند المصائب جهل العقول، فإنّ لي مسعداً من السنن الدّارسة والأعلام الطامسة، فإنّها تندب كندبي وتجد مثل وجدي وكربي، فلو سمعتهم كيف ينوح عليهم لسان حال الصلوات، ويحنّ إليهم إنسان الخلوات، وتشتاقهم طوية المكارم، وترتاح إليهم أندية الأكارم، وتبكيهم محاريب المساجد، وتناديهم مآريب الفوائد، 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

79

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة، وعرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشاملة، بل لو رأيتم وحدتي وانكساري، وخلوّ مجالسي وآثاري لرأيتم ما يوجع قلب الصبور، ويهيج أحزان الصدور، لقد شمت بي من كان يحسدني من الدّيار، وظفرت بي أكفّ الأخطار، فيا شوقاه إلى منزل سكنوه ومنهل أقاموا عنده واستوطنوه، ليتني كنت إنساناً أفديهم حزّ السيوف وأدفع عنهم حرّ الحتوف، وأشفي غيظي من أهل السنان، وأردّ عنهم سهام العدوان، وهلّا إذا فاتني شرف تلك المواساة الواجبة كنت محلّاً لضمّ جسومهم الشاحبة، وأهلاً لحفظ شمائلهم من البلى، ومصوناً من لوعة هذا الهجر والقلى، فآه ثمّ آه لو كنت مخطّاً لتلك الأجساد، ومحطّاً لنفوس أولئك الأجواد، لبذلت في حفظها غاية المجهود، ووفيت لها بقديم العهود، وقضيت لها بعض الحقوق الأوائل، ووقيتها من وقع الجنادل، وخدمتها خدمة العبد المطيع لها وبذلت لها جهد المستطيع، وفرشت لتلك الخدود والأوصال فراش الإكرام والإجلال، وكنت أبلغ منيتي من اعتناقها، وأنوّر ظلمتي بإشراقها، فيا شوقاه إلى تلك الأماني، ويا قلقاه لغيبة أهلي وسكاني، فكلّ حنين يقصر عن حنيني وكلّ دواء غيرهم لا يشفيني، وها أنا قد لبست لفقدهم أثواب الأحزان وأنست بعدهم بجلباب الأشجان، وأيّست أن يلمّ فيَّ التجلّد والصبر، وقلت يا سلوة الأيّام موعدك الحشر1




1 المصدر نفسه, ص230 233, ترجمة عبّاس عزيزي, ص275 279, وقد طبعت الترجمة مع المتن في هذا الكتاب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

80

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 4- سيرة علماء الدّين:

إستخدم علماء الدّين أيضاً في كثير من الحالات لسان الحال في الشعر والنثر، وكانوا في بعض الأحيان ينقلون ذلك، وهذا ما فعله العلّامة أحمد النراقيّ في كلا المجالين: فمن جهةٍ نجده قال شعراً بلسان الحال1، ومن جهةٍ أخرى نراه ينقل مثل تلك الأشعار عن الآخرين2.
 
وذكر المحدّث النوريّ حول سيرة العلماء قائلاً:
يظهر من عمل العلماء وسيرتهم المشهورة، ومن خلال بعض القرائن أنّهم تسامحوا في إجراء حكم الكذب على الشعر والنثر اللذين يحملان في ظاهرهما كذباً ومخالفة للواقع3.
 
وطبّق النوريّ تلك السيرة الشائعة على المبالغات الشعريّة ولسان الحال ثمّ تحدّث عن لسان الحال بقوله:
(كان العلماء الأخيار على الدوام يستخدمون (لسان الحال) في النثر والشعر بل كانوا يضفون به رونقاً وجمالاً على كلماتهم ويثبتون من خلال ذلك أقوالهم وآراءهم)4.
 
هذا كلّه مضافاً إلى ملاحظة تأييد علماء الدّين لكثير من الأشعار التي كان ينشدها الشعراء السابقون من أمثال الكميت والحميريّ ودعبل، وأيضاً شعراء معاصرون مثل المحتشم وعمان السامانيّ، ونيّر التبريزيّ، وإقبال اللّاهوريّ وغيرهم كثير.


 

1 النراقي, مثنوي طاقديس, ص415.
2 رسائل ومسائل, ج1, ص246 245.
3 لؤلؤ ومرجان, ص119.
4 المصدر نفسه, ص121.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

 


81

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الشرائط اللّازمة لبيان واقعة عاشوراء بلسان الحال:

ذكرنا فيما سبق أنّ استعمال لسان الحال، إذا كان بطريقةٍ سليمة وملتزمة وملتزماً بشرائط محدّدة، فإنّه سيكون صحيحاً ومنطقيّاً ومورد قبول الفقهاء وعلماء الدّين لوجود فوائد كثيرة فيه، إلّا أنّه وللأسف في كثير من الأحيان بذكر لسان الحال في الكتابات أو على الألسن بما يوجب الخجل والهوان، مثل لسان الحال الذي ينافي مباني الإسلام العقائديّة وقيمه، ولا يتلاءم مع مقام الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه.
 
من هنا يلزم بيان بعض الشرائط والقيود اللازمة في طرح واقعة عاشوراء بلسان الحال ليتّضح الميزان والمعيار الحقّ الذي يميّز بين لسان الحال الصحيح وبين غيره.
 
1- اجتناب التداخل بين لسان الحال ولسان القال:
إنّ إسناد الشاعر والكاتب لسان الحال إلى الإمام الحسين عليه السلام أو أحد أصحابه تصريحاً أو تلويحاً أو... جائز كما في إسناد لسان القال إليهم، فيقول مثلاً بلسان الحال: قال الإمام عليه السلام كذا أو فعل كذا.. إلّا أنّ الأمر الهامّ هنا هو لزوم التصريح بلسان الحال في الموارد التي لا يميّز فيها السامع أو القارئ بين لسان الحال وبين لسان القال.
 
وعليه فإنّ البعض يفرّق ما بين لسان الحال في الشعر وبينه في النثر، باعتبار أنّ استخدام لسان الحال في الشعر كثير ورائج فلا يحتاج إلى قرينة أو تصريح، وأمّا في النثر فيحتاج في كثير من الأحيان إلى قرينة أو بيان باعتبار أنّ البعض قد يحسب ما يقال بلسان الحال هو من كلام الإمام الحسين عليه السلام حقيقة1.



1 لؤلؤ ومرجان, ص119.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

82

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 من هنا نجد الإمام عليّاً عليه السلام في الخطبة المفصّلة بعد تلاوته سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يتحدّث عن حال الموتى على هذا النحو:

"ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر، وسمعت عنهم آذان العقول، وتكلّموا من غير جهات النطق، فقالوا: كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجسام النواعم، ولبسنا أهوام البلى، وتكاءدنا ضيق المضجع، وتوارثنا الوحشة، وتهكّمت علينا الرّبوع الصّموت فانمحت محاسن أجسادنا، وتنكّرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجاً، ولا من ضيقٍ متسعاً"1.
 
2- الإنسجام بين لسان الحال ولسان القال:
لا يصحّ أن يتنافى لسان الحال مع خطابات الإمام عليه السلام ورسائله ومواقفه، لذا يلزم اجتناب كلّ شعر أو نثر لا يتلاءم مع الدوافع والأهداف الواضحة التي صرّح بها الإمام عليه السلام في أقواله وكلماته. على سبيل المثال إنّ لسان الحال الذي يعتبر الإمام الحسين عليه السلامكان يتحرّك في ثورته بالإضطرار دون اختيار منه، أو أنّ الإمام عليه السلام وأصحابه استشهدوا من أجل التكفير عن عصاة هذه الأمّة ومذنبيها هو مخالف تماماً لما جاء في كلام الإمام الحسين عليه السلام لا سيّما في رسائله المشهورة2، حيث تحدّث فيها الإمام عليه السلام عن إصلاح أمور الأمّة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمثال ذلك ممّا لا يتلاءم مع القول إنّ الهدف من ثورته هو تحصيل الشفاعة للمذنبين أو أنّ حركة الإمام عليه السلام كانت عن اضطرارٍ، وعليه فلا يصحّ طرح مثل هذه الأمور أو عرضها بعنوان لسان الحال.



1 نهج البلاغة, الخطبة221, ص253 254.
2 بحار الأنوار, ج44, ص329.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

83

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 3- التوافق مع مقام الإمام عليه السلام وثورته:

يلزم أن يكون لسان الحال منسجماً مع مقام الإمام عليه السلام وبقيّة أصحابه، وأن يكون بعيداً عن أيّ إفراط أو تفريط في هذا المجال. وعليه فلا يجوز أن يكون لسان الحال متنافياً مع علم الإمام عليه السلام وعصمته وعزّته وعزّة أصحابه، أو أن يكون متضمّناً لمعانٍ تحمل مفاهيم الغلوّ كما قد يُقال إنّ الإمام عليه السلام ليس من البشر أو أنّه في حدّ الإله، وما شابه ذلك من كلمات المدّاحين التي تحمل معاني الكفر، كما يعبّر بعضهم تقليداً لبعض الصوفيّين (الحسين هو إلهنا).
 
من المؤسف أنّ هذا النوع من لسان الحال الذي وقع في الإفراط أو التفريط كثير جدّاً، وهو يتناقض تماماً مع شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام وسيرته. على سبيل المثال تصرّح بعض الأشعار بلسان الحال عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال: أنا راضٍ عمّا حصل لزينب من الهوان حتّى أصبحت تُساق في الأزقّة والأسواق. إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام تحمل معنى العزّة والإباء مضافاً إلى البعد العرفانيّ والتربويّ فيها، لقد كان الإمام عليه السلام قائداً مناهضاً للظلم والظالمين بكلّ عزّة وإباء، ولم يرض أبداً بالذّلّ والهوان لا لنفسه ولا لأحدٍ من المسلمين فضلاً عن عقيلة بني هاشم زينب الكبرى عليه السلام إنّ كلمات الإمام عليه السلام ومواقفه في كثير من الموارد كانت تعبّر عن العزّة والشرف والحرّيّة والإباء1.
 
إنّ الذّلّ والهوان في نظر الإمام عليه السلام كان في التسليم لأمر يزيد والإستسلام أمامه، وأمّا الأسر الذي أصاب أهل البيت عليهم السلام ومنهم السيّدة زينب عليها السلام بسبب الدفاع عن الحقّ والدّين فهو عين العزّة والفخر والشرف.



1 بحار الأنوار, ج44, ص381, و ج 45, ص9.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

84

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 هنا نذكر مثالاً من الأمثلة الكثيرة التي وقع التعبير فيها بلسان الحال بطريقة خاطئة وهو ما يرتبط بعليّ الأكبر ابن الإمام الحسين عليه السلام وهو أحد أبطال كربلاء الكبار، وأوّل شهيد من بني هاشم، ويوجد الكثير من الروايات التي تتحدّث عن شجاعته وشهامته وإيثاره وعشقه للشهادة في سبيل الله تعالى، إلّا أنّه وللأسف نجد بعض الأشعار التي قيلت فيه ممّا يحطّ من تلك الشخصيّة ويتسبّبُ ببعض النتائج السيّئة غير اللائقة به. تصوّر تلك الأشعار عليّاً الأكبر شابّاً يبلغ من العمر ثمانيَ عشرة سنةً، وهو يفتّش عن شريكة حياته ولكنّه لا يجدها فيصاب بالغمّ ويشعر والداه بالتقصير في حقّه من هذه الجهة، وقد كتبت بعض الأشعار في نسبة مثل هذا الكلام إلى الإمام الحسين عليه السلام ولو بعنوان لسان الحال لا ينسجم مع منطق الإمام عليه السلام ومقامه، وقد عبّر كثير من العلماء والباحثين عن الأسف والشكوى من أمثال هذه الأشعار فنرى مثلاً الشهيد المطهّريّ يقول: بالله عليكم انظروا إلى هذا الكلام الذي يتفوّه به أحياناً بعض العوامّ من النّاس فيقول: كنت أتمنّى أن أرى ولدي عريساً، فيأتي البعض وينسبه إلى الإمام الحسين عليه السلام في ظروف صعبةٍ جدّاً أيضاً بحيث إنّ الإمام عليه السلام لم يستطع أن يؤدّي صلاته بصورتها الطبيعيّة!!1.

 
إنّ هذه الأشعار تتنافى مع المصادر التاريخيّة المعتبرة، فضلاً عن أنّها لا تتناسب مع مقام الإمام عليه السلام ومقام عليّ الأكبر وبقيّة الأصحاب، وذلك باعتبار أنّ عمر عليّ الأكبر كان يبلغ أكثر من ثمانيَ عشرة سنة، وقد صرّح الشهيد القاضي الطباطبائيّ في تحقيقاته أنّ عمره كان في الثمانية والعشرين2، هذا مضافاً إلى أنّه كان متزوّجاً قبل واقعة عاشوراء.



1 الملحمة الحسينيّة, ج1, ص27 28.
2 القاضي الطباطبائيّ, (تحقيق درباره أولين أربعين حضرت سيّد الشهداء) ص676.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

85

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 4- عدم تحريف عاشوراء باسم لسان الحال:

لا ينبغي تحريف تاريخ عاشوراء وأهدافها ودوافعها تحت عنوان لسان الحال، ففي كثير من الأشعار حديث عن محاولة الإمام عليه السلام في يوم عاشوراء - الذي لم يستطع الإمام عليه السلام وأصحابه أن يؤدّوا فيه الصلاة بشكل عادي، بل أتوا بها بصورة صلاة الخوف في تلك الظروف - أن يعقد قران القاسم على ابنته فاطمة!! إنّ أمثال هذه الحكاية المطروحة بعنوان لسان الحال في النثر والشعر ليس له أيّ مستند تاريخيّ، وهو تحريف وكذب قطعاً. وقد صرّح بعض المحقّقين الإسلاميّين أنّ أوّل من نقل هذه القصّة هو الملّا حسين الكاشفيّ في كتابة (روضة الشهداء) على أنّها قضيّة واقعيّة يقيناً1.
 
هذا بالإضافة إلى أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يكن لديه بنت تبلغ سنّ الزواج، وفي بعض الأشعار ورد أنّ فاطمة هذه كانت تعيش في المدينة المنوّرة تنتظر أخاها عليّاً الأكبر، ولم تذهب إلى كربلاء بل إنّ عليّاً طلب من أخته سكينة قلماً وورقاً ليخطّ لها رسالة.
 
ونجد أيضاً في الكثير من القصائد الشعريّة أنّ قتل الإمام الحسين عليه السلام وأسر زينب وشهادة عليّ الأكبر وما شابه ذلك كان من أجل الشفاعة للمذنبين من الأمّة، وفي بعضها ينقل قول الإمام عليه السلام أنّ كربلاء هي محلّ الفداء الذي سيقدّمه هو وأصحابه الإثنين والسبعين.
 
إنّ أمثال هذه الموارد كثيرة جدّاً في الأشعار، إلّا أنّها تناقض في الحقيقة منطق الإمام عليه السلام وفلسفة ثورته، باعتبار أنّ شهادة هؤلاء العظماء لو كانت من أجل التكفير عن ذنوب الأمّة وتحقيق الشفاعة لهم، فهذا يعني أنّ الإمام بثورته كان مروّجاً للمعاصي ومشجّعاً على ارتكاب الذنوب، والحال أنّ ثورة



1 الميرزا حسين النوريّ, لؤلؤ ومرجان, ص184.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

86

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 عاشوراء إنّما قامت من أجل الوقوف في وجه الظلم والفساد، وهذا ما صرّح به الإمام عليه السلام في بيان الهدف من نهضته.

 
للأسف إنّ الكثير من المواضيع التي تُطرح باسم لسان الحال مبتنية على أساس محرّف وكاذب، إلّا أنّ بعض المدّاحين وقرّاء العزاء يذكرونها اعتماداً على ما يسمعونه من الآخرين، أو ينقلونه من الكتب غير المعتبرة، فعندما تكون حكاية عرس القاسم وفداء الإمام الحسين عليه السلام من أجل المذنبين كاذبة ومجعولة، فكيف يمكننا أن نصوغ على أساسه شعراً أو نثراً نكتبه أو نلقيه على أسماع الناس؟.
 
من المؤسف جدّاً أنّ الإفتراء على أئمّة أهل البيت  عليهم السلام بوساطة لسان الحال أصبح أكثر رواجاً من نسبة أمور كاذبة إلى أفراد من عامّة النّاس. إنّ إثبات هذا المدّعى يكفيه نظرة إلى بعض المجالس التي تقام باسم الإمام الحسين عليه السلام حيث نجد جرأة كبيرة في الإفتراء من أجل تقوية تلك المجالس وإنجاحها، بل إنّ بعض المتديّنين يشجّعون ذلك. وقد أشار العلّامة النراقيّ في حديثه عن مثل هذه القضايا بالقول: الحقيقة أنّ الشيطان اللعين وحيث إنّه كان في كلّ مكان ويأتي عن اليمين وعن الشمال والخلف والأمام، وكلّما كان أجر العمل أعظم كلّما كان سعيه لإفساده أكثر، نجد أنّ جماعة من قرّاء العزاء يأتون في مجالسهم بكلّ غثّ وسمين، ويرون لزوم التوسّل بكلّ ما يثير البكاء والحزن سواء كان صدقاً أو كذباً، وهذا ما يبطل عملهم ويحبط أجرهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، بينما هم يرتكبون بذلك المعصية ويتحمّلون الوزر1.



1 النراقي, رسائل ومسائل, ج1, ص246.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

87

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 سأل أحدهم آية الله الكلبايكانيّ:

أنا قارئ عزاء، ولكن لا معرفة لدي باللغة العربيّة، إلّا أنّ علاقتي بأبي عبد الله الحسين عليه السلام شديدة جدّاً، وأنا أقرأ المراثي بدون الإلتفات إلى صحّة ما أنقله أو خطئه، فهل يضرّ ذلك بصيامي في شهر رمضان؟
 
فكان الجواب على النحو التالي:
لا يجوز نسبة أمر إلى الإمام عليه السلام في الرثاء والتعزية ممّا هو مشكوك في صحّته، وهذا يوجب بطلان الصيام، نعم يصحّ نسبة ذلك إلى كتاب ينقل عنه1.
 
وجاء في سؤال آخر حول هذه القضيّة:
إنّ بعض قرّاء العزاء ينقلون أشعاراً في شهر رمضان تحت عنوان لسان الحال ممّا يخالف الواقع فهل يوجب ذلك بطلان الصيام أم لا؟
 
فكان جوابه قدس سره: إنّ نقل الأشعار بلسان الحال في مورد المصائب والعزاء لا إشكال فيه ما دام يتلاءم مع الوقائع، وأمّا نقل القضايا التي لا أساس لها من الصحّة فهو أمر غير جائز، ولو نسب ذلك إلى الإمام المعصوم عليه السلام فإنّه يبطل الصيام2.
 
5- القدرات اللازمة لعرض واقعة عاشوراء بلسان الحال:
إنّ طرح حادثة عاشوراء بلسان الحال ليس لكلّ أحد، فمن أراد إنشاد شعر أو كتابة نثرٍ في ذلك ينبغي أن يتمتّع بمعرفة واسعة في تاريخ عاشوراء وأبطالها، وكذا بالنسبة إلى الجبهة المقابلة من أعداء الإمام عليه السلام، مضافاً إلى القدرة على التحليل الصحيح لعاشوراء والقضايا المتعلّقة بها.



1 آية الله الكلبايكانيّ, مجمع المسائل, ج1, ص265.
2 المصدر نفسه, ص266.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

88

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 المساحة التي يستخدم فيها لسان الحال:

ذكرنا فيما سبق أنّ عرض واقعة عاشوراء بلسان الحال فنّ قائم بحدّ ذاته، إلّا أنّه في الوقت نفسه يمكن أن يكون له تأثير قوي في الوسائل الأدبيّة التي تصبّ في خدمة رسالة عاشوراء وبيان صورتها الحقيقيّة ووجهها الناصع.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الوسائل الفنّيّة في عالمنا المعاصر لها تأثير كبير في تبليغ أيّة رسالة أو دعوة بين النّاس، فالفنّ هو أكثر الأدوات تأثيراً وأهمّها وأعمقها في بيان الوقائع والتاريخ الإسلاميّ. إنّ الوسائل الفنّيّة تستطيع أن تبيّن خطابات كثيرة وبلاغات عديدة في أقلّ مدّة زمنيّة بأبلغ لسان، فالدعوة الثابتة والخالدة هي التي تستفيد من تلك الأدوات بأكبر قدر ممكن، وهذا أحد وجوه الإعجاز القرآنيّ وخلوده، حيث كان يتمتّع بأبلغ بيان وأفصحه، وكذلك فإنّ سبب ثبات عاشوراء ورسوخها في أذهان النّاس وقلوبهم إنّما هو عرضها بوسائل فنّيّة قويّة وبليغة.

إنّ العناصر الفنّيّة الراقية الموجودة في نهضة عاشوراء والتي تحقّقت بإرادة الله تعالى على يدي الإمام الحسين عليه السلام متنوّعة وكثيرة جدّاً وكلّها يحتاج إلى تحليل ودراسة عميقة، وذلك مثل: الزمان والمكان - اختيار أفضل الأصحاب وأعظمهم - كيفيّة المسير إلى كربلاء - تسلسل الأحداث - خطب الإمام الحسين عليه السلام وكلمات أصحابه وأشعارهم المليئة بالفصاحة والبلاغة وغير ذلك..

نحن هنا وحيث إنّنا بصدد بيان العلاقة القائمة بين الوسائل الفنّيّة وبين لسان الحال، فإنّنا سنتعرّض بشكل مختصر إلى تلك الوسائل والعلاقة بينها وبين لسان الحال.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

89

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 أ- الشعر:

يعدّ الشعر من أجمل الوسائل الأدبيّة وأكثرها جاذبيّة في بيان واقعة عاشوراء وتوضيح دروسها وعبرها، فبعد حادثة كربلاء أنشدت قصائد شعريّة كثيرة بلغات مختلفة لا سيّما العربيّة منها والفارسيّة، ولو أمكن جمع كلّ تلك الأشعار لظهرت بصورة عشرات الرسائل والكتب. وقد بيّن الشعراء المقتدرون في تلك القصائد الوجه الناصع لعاشوراء من عدّة جهات سواءٌ منها العاطفيّة والعرفانيّة والملحميّة وغيرها، كما أنّها كشفت القناع عن حقيقة أعداء عاشوراء من الأمويّين والعبّاسيّين وأتباعهم أمام الأمّة.
 
فيما مضى قام بهذه المسؤوليّة بشكل رائع شعراء من أمثال الكميت الأسديّ والحميريّ ودعبل الخزاعيّ وغيرهم، وهذا ما يظهر جليّاً في قصائد الكميت كما في الهاشميّات التي تعدّ من روائع الشعر الكبرى بحيث إنّ الكميت زلزل من خلالها أركان عرش الحكومة الأمويّة، وطالب فيها بحكومة العدل وفضح في طيّاتها جرائم الأمويّين ونشر من خلالها فضائل أهل البيت عليهم السلام بوساطة المدح والرثاء1.
 
ومن الأعمال الأدبيّة العاشورائيّة العظيمة القصيدة المعروفة للسيّد إسماعيل الحميريّ (أمرر على جدث الحسين، فقل لأعظمه الزكيّة...)2.
 
بعد تلك المرحلة استمرّ كبار الشعراء قرناً بعد آخر في بيان الأبعاد المختلفة لكربلاء، مثل البعد العاطفيّ والملحميّ والعرفانيّ بأعلى المستويات من خلال إنشاد القصائد الرائعة بمعانٍ بليغة جدّاً، مستفيدين في ذلك من كلمات الإمام الحسين عليه السلام ولسان حاله، وهذا ما انتشر واسعاً جدّاً في زماننا المعاصر، حيث عرضوا بلسان القال والحال مستلهمين من عاشوراء مفاهيم عالية مثل 



1 العلّامة الأميني, الغدير, ج2, ص181, هاشميّات الكميت (البيت رقم 578).
2 أبو الفرج الأصفهاني, الأغاني, ج7، ص240 -241.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

90

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 رفض الظلم والمطالبة بالعدل والتمسّك بالحقّ والعزّة والحرّيّة، وتطبيق الحقّ والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشهادة في سبيل الله، ومظلوميّة أهل البيت عليهم السلام وحقّهم المغتصب.


على سبيل المثال تعدّ الفصول الاثنا عشر لمحتشم الكاشانيّ  من روائع الأدب العاشورائيّ بالّلغة الفارسيّة، وإن اقتصر في طرحه كربلاء بلسان القال والحال على البعد العاطفيّ والرثائيّ وحده.

وكذا عمان السامانيّ الذي سلّط الضوء على البعد العرفانيّ لعاشوراء، وإن تعرّض في بعض الموارد للبعد الملحميّ فيها حيث بيّن الوجه الرائع لأبطال كربلاء.

إنّ القصائد العاشورائيّة الرائعة كثيرة جدّاً، وقد جمعت في بعض الكتب أيضاً ، ويشكّل لسان 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

91

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الحال فيها جزءاً كبيراً وهامّاً منها. ومن أمثال ذلك أيضاً الأشعار المفصّلة لـ (فرا) تحت عنوان (عاشورا حماسه مكرّر) أي عاشوراء ملحمة متجدّدة، وكذلك الفصول الاثنا عشر للغرويّ الأصفهانيّ1 والأشعار النيّرة للتبريزيّ2 وإقبال اللّاهوريّ3.

 
تحدّث الشاعر والمحدّث الكبير من أهل السنّة إقبال اللّاهوريّ عن الجانب الملحميّ من عاشوراء بصورة مفصّلة، وتعرّض موسّعاً في أشعاره إلى مفهوم الحرّيّة ورفض الظلم، وحثّ النّاس على أخذ العبر والدروس من المدرسة الحسينيّة4. وقد ذكر الأستاذ الشهيد المطهّريّ هذه الأشعار كنموذج على لسان الحال الذي يعكس الحقيقة والواقع من شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام5.
 
مضافاً إلى هذا الجانب يوجد شعراء استلهموا من خطب الإمام الحسين عليه السلام وشعاراته التي رفعها عالياً وقالوا فيها بلسان الحال العديد من القصائد التي تتناول البعد السياسيّ والإجتماعيّ من واقعة كربلاء، إلّا أنّه وللأسف هناك الكثير من الأشعار الضعيفة والتي لا أساس لها وهم كمّ ليس بقليل يصبّ في الحقيقة في الجهة المقابلة لأهداف عاشوراء، فبدلاً من التأكيد على شعارات مثل مقاومة الظلم والظالمين، ومواجهة الفساد والمفسدين نجدها تروّج لارتكاب المعاصي والإستهتار بالتكاليف الشرعيّة، وقد أشرنا سابقاً في طيّات البحث إلى طائفة من هذه الأشعار التحريفيّة.
 
ب- القصّة والمسرحيّة:
إنّ واقعة عاشوراء، وإن كانت أكبر من أن يحيط بها القصصيّون أو غيرهم من أصحاب الفنون، إلّا أنّ لكلّ من القصص المكتوبة والأفلام الممثّلة والمسرحيّات المعروضة تأثيره الخاصّ في تبليغ الرسالة العاشورائيّة وتجسيد العواطف والأحاسيس والملحمة الحسينيّة. إنّ كربلاء حادثة عظيمة يمكن أن يُكتب فيها آلاف المصنّفات من النثر الأدبيّ، فتصوير حركة الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكّة، ومنها إلى كربلاء مادّة قيّمة جدّاً في يد الكتّاب والمصنّفين. ومن الواضح أنّ مؤلّف القصّة والتمثيليّة لن يكتفي هنا بنقل ما ورد في الروايات، بل سيستفيد من خصائص هؤلاء الأبطال وأحوالهم وسيرتهم، ومن خلال الخطب والحوارات ومسلكيّة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه يمكن كتابة أجمل القصص وأكثر التمثيليّات جاذبيّة وتأثيراً من خلال عرض الخواطر الذهنيّة التي عاشها أولئك الأبطال المجاهدون والمضحّون.



1 المصدر نفسه, ص381.
2 (كليات أشعار فارسي مولانا إقبال اللاهوري) مع مقدّمة أحمد سروش, ص74 75.
3 نفس المصدر, ص342 345 376.
4 المصدر السابق.
5 الشهيد المطهّريّ, مجموعة آثار, ج17, ص613.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

92

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 من البديهيّ أنّه ينبغي لمن أراد الدخول في هذا الميدان أن يمتلك معرفة كافية عن أبطال هذه الواقعة من جهة خصالهم وسيرتهم الفرديّة والإجتماعيّة وعلاقاتهم بأقاربهم، وأن يكون لديه القدرة على التحليل الصحيح حول عاشوراء.


إنّ تأثير مثل هذه الأدوات الفنّيّة كبير جدّاً، ففي بعض الأحيان يمتدّ تأثير قصّة واحدة رائعة أو تمثيليّة ممتازة على كثير من النّاس ليوجد تغييراً وتحوّلاً جذريّاً فيهم. لذا ينبغي على الحوزات العلميّة والمراكز الثقافيّة والنظام الإسلاميّ أن يستفيد من هذه الوسائل الفنّيّة بشكل واسع، وأن يشجّع كتّاب القصص والمسرحيّات للتصنيف والإبداع في هذا المجال، بل ويمكننا الإستفادة من كثير من الأشخاص الذين لا يعادوننا وإن لم يكونوا معنا.

من المعروف لدى الجميع أنّ كتاب (بينوايان) يعدّ أثراً أدبيّاً رائعاً وخالداً، وهو كتاب يحتوي في قسمٍ كبيرٍ منه على الحروب الفرنسيّة بالرغم من أنّه ليس أكثر من قصّة وحكاية، إلّا أنّ المرء يجده حين مطالعته مليئاً بالوقائع التاريخيّة ويتضمّن جزءاً هامّاً من تاريخ فرنسا، ولكن بأسلوب أدبيّ واضح وجذّاب.

وإنّ واقعة كربلاء والمعركة التي دارت بين الإمام الحسين عليه السلام وبين يزيد تعدّ موضوعاً كاملاً ومادّة تامّة لإبداع مثل تلك القصص والحكايات.

ج- الفنون المسرحيّة:
إنّ حادثة عاشوراء وإن لم توجد من أجل التمثيل إلّا أنّها تحمل قابليّة كبيرة للعرض التمثيليّ والمسرحيّ، بل يمكن القول إنّ العناية الإلهيّة رسمت عاشوراء بأبهى الصور وأكملها قبل أن يتناولها أحد بالشرح والبيان والتحليل بالوسائل الفنّيّة والأدبيّة. يقول بعض الباحثين في هذا الشأن: 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

93

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 عندما يقرأ المرء تاريخ عاشوراء يرى فيها استعداداً كبيراً لإبداع مثيل لها، فكما أنّ القرآن الكريم لم يوجد من أجل وقعه الموسيقيّ إلّا أنّه يتمتّع بهذه الصفة، كذلك واقعة عاشوراء على الرغم من أنّها لم توجد للتمثيل إلّا أنّ قابليّتها لذلك عظيمة جدّاً، ولعلّ لدى أبي عبد الله الحسين عليه السلام وجهة نظر في هذا الموضوع إلّا أنّ ظروف هذه الحادثة كأنّها تصرّح بأنّها وجدت من أجل أن تعرض في الواقع حيّة ومجسّدة1.

 
تعدّ التعزية والتشبّه التمثيليّ بحادثة كربلاء من الوسائل الفنّيّة القديمة جدّاً، وقد لفتت أنظار العلماء والفقهاء إليها، فأيّدها بعض ورفضها آخرون، وإن كانوا في زماننا هذا لا يعارضون أصل التعزية والتمثيل العاشورائيّ، بل إنّ شكواهم من بعض الممارسات والشعارات التي تتناقض مع معارف الإسلام والثورة الحسينيّة.
 
نحن هنا، ومن أجل معرفة حدود الإستفادة من الفنون الإستعراضيّة والتمثيليّة بلسان الحال نشير إلى أركان هذه العروض الفنّيّة، فإنّ ذلك يعتبر مفيداً ومناسباً.
يعتمد كلّ نصّ تمثيليّ - سواء منه التاريخيّ وغير التاريخيّ - على ثلاثة عناصر رئيسيّة مضافاً إلى الهدف الذي دُوّن ذلك النصّ لأجله:
أ- الممثّلون: الذين ينفّذون النصّ التمثيليّ.
 
ب- العمل الذي يقوم به الممثّلون من أجل إظهار خصالهم وأمانيهم وتطلّعاتهم وأهدافهم، فإنّ الدور الذي يؤدّيه الممثّل يستطيع أن يجسّم أمام المشاهدين ما يمرّ على ذهنه ويخطر في باله ويتحرّك في داخله2.



1 الشهيد المطهّريّ, مجموعة آثار, ج17, ص368.
2 إبراهيم مكي (شناخت عوامل نمايش), ص87.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

94

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 ج- الكلام والحوار الذي يقع أثناء التمثيل والعرض، وهذا له نتائج كثيرة وفوائد عديدة:

1- يوسّع الواقعة ويحرّك الأحداث.
2- يوضّح خصال وخصائص الممثّلين (سواءٌ المتكلّم منهم أو المخاطب بالكلام أو من يتكلّم عنه).
3- يبيّن العلاقات القائمة بين الممثّلين والروابط الموجودة بينهم.
4- يظهر الأفكار والعقائد التي يحملها الممثّلون.
5- يرسم ويصوّر الوقائع التي تقع في الخارج في أذهان المشاهدين تصويراً تامّاً.
6- يحدّد موقع الحادثة.
7- ويحدّد زمانها أيضاً.
8- يهيّئ مناخاً محدّداً لكلّ تمثيليّة، لأنّ كلّاً منها له أجواؤه الخاصّة به من الفرح أو الحزن أو غير ذلك، والحوار الذي يدور أثناء العرض هو المؤثّر الأكبر في تحقيق ذلك1.
 
من الواضح أنّه لو أراد ممثّلو واقعة عاشوراء الوصول إلى عمق هذه الحادثة وما كان يرمي إليه أصحابها فإنّهم لن يقنعوا بما ورد في المنقولات التاريخيّة، بل سيستفيدون من القوّة الخياليّة لديهم من أجل تصوير حالات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وأفكارهم وأحوال أعدائهم وعقائدهم، فنحن نواجه في ثورة عاشوراء شخصيّات فاضلة رفيعة لا مثيل لها في التاريخ. إنّ بطل هذه الواقعة الكبرى في كربلاء هو الإمام الحسين عليه السلام الذي وقف معه أصحابه من أهل التضحية والإيثار للدفاع عن الدّين والقيم الإلهيّة بدون أن يخطر في 



1 إبراهيم مكي (شناخت عوامل نمايش), ص105.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

95

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 بالهم خلال ذلك كلّه شيء غير رضا الله سبحانه حتّى تجاوزوا كلّ تلك العقبات والصعاب.


بعد كربلاء كان بطل هذه الحادثة السيّدة زينب الكبرى عليها السلام التي أوصلت رسالة دماء الشهداء إلى العالم كلّه وليس المسلمين فقط. من جهةٍ أخرى كان يقف في وجه هؤلاء أناس ليس لديهم غاية سوى الدّنيا والجاه والسلطة. إنّ في استطاعة الممثّلين تجسيد خصائص الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه خارجاً، وأيضاً خصال يزيد وابن زياد وأتباعهما وبيان أهداف كلّ من الطرفين من خلال المنقولات التاريخيّة ولسان الحال.

تعتبر الحركة في ساحة التمثيل الركن الثاني في أيّ عرض، ولها أهمّيّة خاصّة في إلقاء المفاهيم الدراماتيّة، وإظهار العروض التمثيليّة.

إنّ الأعمال الدراماتيّة هي الأعمال التي لها تأثير في ربط الوقائع المتلاحقة للقصّة، وفي إظهار خصائص الممثّلين وصفاتهم، وفي إيجاد الأجواء الملائمة للوقائع والأحداث، وبكلمة واحدة إنّ الأعمال الدراماتيّة هي التي تحقّق ما يلي: تهيئة الأجواء الملائمة، وتقوية الشخصيّات، وتفصيل النصّ التمثيليّ وتوسعته.

ومن الأعمال الفنّيّة في النصّ التمثيليّ إيجاد التنوّع في مسرح التمثيل للنجاة من الروتين وتوجّه المشاهدين إلى نقطة واحدة فقط.

إنّ واقعة عاشوراء تتمتّع بكلّ الخصائص التي ذكرناها حتّى الآن، ونجد لسان الحال له تأثيره الخاصّ فيها جميعاً، لأنّ توضيح وتفصيل كثير من الأمور والأعمال المذكورة آنفاً يعجز عنها لسان القال، على سبيل المثال ومن أجل إيجاد التنوّع يمكن الإستفادة من المزاح والضحك الذي حصل ليلة عاشوراء ونهارها لدى بعض الأصحاب لتصوير الحالات العاطفيّة والمعنويّة لأصحاب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

96

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 الإمام الحسين عليه السلام، وبذلك يمكننا الخروج من الروتين الذي قد يصيب العمل المسرحيّ والتمثيليّ.


ومن أجل توسعة النصّ التمثيليّ لواقعة عاشوراء يمكن طرح عدّة موضوعات مثل: حضور الأمّ ودورها في كربلاء، ودور المرأة والأطفال والفتية والفتيات فيها، بل الشيوخ والعجائز أيضاً، والرابطة بين الأصحاب وبين إمامهم، ونصرة أبي الفضل لأخيه الحسين عليه السلام وإيثاره له وتعاطفه معه وتضحياته أمامه. إنّ عرض مثل هذه الموضوعات المتوفّرة في حادثة كربلاء مع العبر والدروس المستفادة منها ضمن قوالب فنّيّة له أثر أكبر وأقوى وأشدّ وطأة في قلوب الناس وعقولهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

97

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 النتيجة:

يتّضح ممّا سبق:
1- يعدّ لسان الحال من الوسائل التي استخدمها علماء الدّين عبر التاريخ حيث اعتبروها متوافقة مع الموازين الشرعيّة.

2- إنّ عرض واقعة عاشوراء بلسان الحال، وإن كان سائغاً، إلّا أنّه ليس مطلقاً ومن دون أيّة قيود وشروط، بل يجب اجتناب أيّة قضيّة تتنافى مع المباني الدينيّة والعقائديّة ومع مقام الإمام الحسين عليه السلام وبقيّة أصحابه.

3- بناءً على الشروط اللازمة لاستخدام لسان الحال فليس كلّ أحد يستطيع أن يتناول القضايا من خلاله، وإنّما يقدر على ذلك من كان لديه اطّلاع واسع على حادثة عاشوراء وسيرة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه مضافاً إلى القدرة على التحليل الصحيح لنهضة الإمام عليه السلام وأهدافها.

4- إنّ أيّ مورد يفتقد فيه لسان الحال الشرائط اللازمة سيكون حراماً، ولو نسب للإمام المعصوم عليه السلام لكان مبطلاً للصيام أيضاً.

5- مع الالتفات إلى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنّ التشجيع على نشر المعارف بوساطة لسان الحال بشرائطه يعدّ من المعروف، كما أنّ نشر لسان الحال الذي لا يلتزم بالموازين الشرعيّة يعتبر من المنكرات التي يجب النهي عنها ووقوف الجميع في وجهها لا سيّما علماء الدّين وفقهاؤه.

6- يجب الابتعاد عن المجالس التي يُقال فيها لسان الحال غير الملتزم وعدم الإصغاء إليها باعتبار أنّها من مجالس المعصية، فأيّ ذنب أكبر من نسبة أمر مشين أو فرية إلى الإمام المعصوم عليه السلام؟! فكما أنّ الكذب والتحريف والتوهين يعتبر حراماً لا سيّما بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام وأهل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

98

مجالس العزاء.. الضرورات والمحظورات

 البيت عليهم السلام، كذلك فإنّ حضور تلك المجالس يعدّ حراماً.


7- إنّ دائرة استخدام لسان الحال واسعة جدّاً، وقد أشرنا إلى أنّ لسان الحال عامل مؤثّر جدّاً في كثير من الوسائل الفنّيّة والأدبيّة.

ونبقى على أمل باليوم الذي يستطيع فيه الكتّاب والباحثون والفنّانون نشر واقعة عاشوراء بكلّ دروسها وعبرها من خلال وسائلهم وأدواتهم الخاصّة بهم، لا سيّما الوسائل والأدوات الفنّيّة البليغة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

99

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية1

 
ينبغي لأهل المنبر وقرّاء التعزية، مراعاة أشياء حتّى يصيروا ممّن عظّم شعائر الله ووفّق لهداية عباد الله.
 
الأوّل: الإخلاص والاجتناب من الرّياء:
فقد روي عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قيل: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرّياء" قال: "يقول الله عزَّ وجلّ يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم"2.
 
وقال الصادق عليه السلام لعبّاد بن كثير البصريّ في المسجد: "ويلك يا عبّاد، إيّاك والرّياء فإنّه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له"3.
 
فينبغي أن يقصد بوعظه وجه الله تعالى وامتثال أمره وصلاح نفسه وإرشاد عباده إلى معالم دينه، ولا يقصد بذلك عرض الدنيا فيصير من الأخسرين أعمالاً ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾4.
 
ومرتبة الإخلاص عظيمة المقدار كثيرة الأخطار دقيقة المعنى صعبة



1 المحدِّث الثَّبت الجليل الحاج الشيخ عبَّاس القمّي قدس سره, وقد أوردها في خاتمة كتابه نفس المهموم.
2 المجلسيّ, بحار الأنوار, ج69, ص266.
3 الكليني, الكافي, ج2, ص293.
4 سورة الكهف, الآية: 104.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

100

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 المرتقى يحتاج طالبها إلى نظر دقيق ومجاهدة تامّة، وينبغي أن يعمل بما يقول لئلّا يصير مثله مثل السراج يضيء للنّاس ويحرق نفسه.

 
الثاني: الصدق:
فقد روي عن الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزَّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر"1.
 
وعن أبي كهمش قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عبد الله بن أبي يعفور يقرؤك السلام، قال: "عليك وعليه السلام، إذا أتيت عبد الله فاقرأه منّي السلام وقل له: إنّ جعفر بن محمّد يقول لك: أنظر ما بلغ به عليّ عليه السلام عند رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم فالزمه فإنّ عليّاً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم بصدق الحديث وأداء الأمانة"2.
 
وقال أبو عبد الله عليه السلام: "لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإنّ ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته"3.
 
فيجتنب الكذب والافتراء على الله تعالى وعلى حججه وعلى العلماء، ولا يخلط الحديث ولا يدلّس ولا ينقل الكذب بعنوان لسان الحال.
 
فعن أبي جعفرعليه السلام: "إنّ الله عزَّ وجلّ جعل للشرّ أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرٌّ من الشراب"4.



1 الكليني, الكافي, ج2, ص104.
2 المصدر السابق.
3 المصدر السابق, ص105.
4 المصدر السابق, ص339. قال العلّامة المجلسيّ في مرآة العقول: كأنّ المراد بالأقفال الأمور المانعة من ارتكاب الشرور من العقل وما يتبعه ويستلزمه من الحياء من الله ومن الخلق, والتفكّر في قبحها وعقوباتها ومفاسدها الدنيويّة والأخرويّة, والشراب يزيل العقل وبزوالها ترتفع جميع تلك الموانع فتفتح جميع الاقفال, وكأنّ المراد بالكذب الذي هو شرّ من الشراب الكذب على الله وعلى حججه  عليهم السلام وتحليل الأشربة المحرّمة ثمرة من ثمرات هذا الكذب, فإنّ المخالفين بمثل ذلك حلّلوها, وقد يقال: الشرّ في الثاني أيضاً صفة مشبّهة و" من" تعليليّة, والمعنى: أنّ الكذب أيضاً شرّ ينشأ من الشراب، لئلّا ينافي ما يأتي في كتاب الأشربة" أنّ شرب الخمر أكبر الكبائر".



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

101

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 وعنه عليه السلام قال: "إنّ الكذب هو خراب الإيمان"1.

 
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتّى يدع الكذب جدّه وهزله"2.
 
وقال عليّ بن الحسين عليه السلام: "اتّقوا الكذب الصغير منه والكبير في كلّ جدٍّ وهزل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير"3. إلى غير ذلك..
 
الثالث: الاجتناب عن الغناء:
(في) البحار عن تفسير العيّاشيّ عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام قال له رجل: بأبي وأمّي، إنّي أدخل كنيفاً لي ولي جيران وعندهم جوارٍ يتغنين ويضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعاً منّي لهنّ، فقال: "لا تفعل"، فقال الرجل: والله ما هو شيء آتيه برجلي إنّما هو سماع أسمعه بأذني! فقال له: "(تالله) أنت أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾؟"، قال: بلى والله، فكأنّي لم أسمع هذه الآية قطّ من كتاب الله من عجميّ و لا من عربيّ (لا جرم) إنّي لا أعود إن شاء الله وإنّي أستغفر الله، فقال له: "قم فاغتسل وصلّ ما بدا لك، فإنّك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، احمد الله (استغفر الله) وسله التوبة من كلّ ما يكره، إنّه لا يكره إلّا القبيح والقبيح دعه لأهله فإنّ لكلٍّ أهلاً"4.



1 الكليني، الكافي، ج2، ص339.
2 المجلسي، بحار الأنوار، ج69، ص262.
3 الكليني، الكافي، ج2، ص338.
4 المجلسي، بحار الأنوار، ج6، ص34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

102

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 الرابع: أن لا يروّج الباطل ولا يمدح الفاسق والفاجر: 

فعن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا مدح الفاجر اهتزّ العرش وغضب الرّبّ"1.
 
الخامس: أن لا يهين عظماء الدّين.
 
السادس: لا يفشي أسرار آل محمّد عليهم السلام.
 
السابع: أن لا يفسد في الأرض ولا يثير الفتنة.
 
الثامن: أن لا يعين الظلمة، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾2.
 
وفي الخبر عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الظلمة وأعوانهم، من لاق لهم دواةً أو ربط لهم كيساً أو مدَّ لهم مدّة قلم فاحشروهم معهم"3.
 
وفي وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: "يا كميل، إيّاك والتطرّق إلى أبواب الظالمين ولا تخالط بهم .." إلى أن قال: "يا كميل، إذا اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر الله تعالى وتوكّل عليه واستعذ بالله من شرّهم واطرق عنهم وأنكر بقلبك فعلهم واجهر بتعظيم الله تعالى لتسمعهم فإنّهم يهابونك وتكفى شرّهم"4.
 
وقال عليّ بن الحسين عليه السلام في كتابه للزهريّ بعد أن حذّره من إعانة الظلمة على ظلمهم: "أوليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم،



1 المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص150.
2 سورة هود, الآية: 113.
3 المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص372.
4 المصدر السابق، ج74، ص269.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

103

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشكّ على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم؟! فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك في كنف ما خرّبوا عليك، فانظر لنفسك فإنّه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول"1.

 
التاسع: أن لا يُغرِ المجرمين ولا يقول ما يتجرّأ به الفاسقون، فإنّ "الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنط النّاس من رحمة الله ولم يؤيسهم من روح الله ولم يؤمنهم من مكر الله"2.
 
العاشر: أن لا يصغّر المعاصي في الأنظار:
ففي وصيّة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم لابن مسعود: "لا تحقّرنّ ذنباً ولا تصغّرنّه، واجتنب الكبائر، فإنّ العبد إذا نظر يوم القيامة إلى ذنوبه دمعت عيناه قيحاً ودماً، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾3" 4.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "اتّقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّها لا تغفر"، قلت وما المحقّرات؟ قال: "الرجل يذنب الذنب فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك"5.



1 الحرّاني ابن شعبة، تحف العقول، ص275.
2 الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام, انظر: المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص56.
3 سورة آل عمران, الآية: 30.
4 المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص101.
5 الكليني، الكافي، ج2، ص287.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

104

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 وعنه عليه السلام قال: "إذا أخذ القوم في معصية الله فإن كانوا ركباناً كانوا من خيل إبليس، وإن كانوا رجّالة كانوا من رجّالته"1.

 
الحادي عشر: أن لا يفسّر القرآن برأيه:
فقد صحّ عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة القائمين مقامه  عليهم السلام أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح والنصّ الصريح.
 
وروى ابن عبّاس عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النّار"2.
 
وروى العامّة عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ"3.
 
الثاني عشر: أن لا يذكر للأخبار المعاني الفاسدة الباطلة ولا يتصرّف فيها التصرّفات الباردة كما شاع وذاع في عصرنا أعاذنا الله تعالى.
 
الثالث عشر: أن لا يفتي في الأحكام إذا لم يكن من أهل الفتوى:
وكفى في هذا المقام كلام السيّد الأجلّ الأورع الأزهد الأسعد قدوة العارفين ومصباح المتهجّدين صاحب الكرامات الباهرة أبي القاسم رضيّ الدّين السيّد ابن طاووس قدس سره ورفع في الملأ الأعلى ذكره، قال في كلام له: كنت قد رأيت مصلحتي ومعاذي في دنياي وآخرتي في التفرّغ عن الفتوى في الأحكام الشرعيّة لأجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا في التكاليف الفعليّة، وسمعت كلام الله جلّ جلاله يقول عن أعزّ موجود من الخلائق عليه محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾4.



1 المجلسي، بحار الأنوار، ج70، ص357.
2 الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج27، ص204.
3 انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص39.
4 سورة الحاقّة, الآيات: 44 وما بعدها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

105

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 فلو صنّفت كتباً في الفقه يعمل بعدي عليها كان ذلك نقصاً لتورّعي عن الفتوى ودخولاً تحت خطر الآية المشار إليها، لأنّه جلّ جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الأعلم لو تَقَوّلَ عليه فكيف يكون حالي إذا تقوّلت عليه جلّ جلاله وأفتيت أو صنّفت خطأً أو غلطاً يوم حضوري بين يديه...إلى آخر ما ذكره رحمه الله.

 
الرابع عشر: أن لا يذكر ما ينقص الأنبياء والأوصياء الكرام إذا أراد رفع مقامات الأئمّة عليهم السلام.
 
الخامس عشر: أن لا يذكر الشبهات في مسائل أصول الدّين إذا لم يقدر أن يرفعها من الأذهان بأحسن بيان، ولا يخرّب أساس أصول دين المسلمين.
 
السادس عشر: أن يستعمل الرفق والّلين:
والرفق عظيم في جميع الأمور، وكان في آخر وصيّة الخضر لموسى عليهما السلام: "لا تعيِّرنّ أحداً بذنب، وإنّ أحبّ الأمور إلى الله تعالى ثلاثة: القصد في الجِدة، والعفو في المقدرة، والرفق بعباد الله، وما رفق أحد بأحد في الدّنيا إلّا رفق الله عزَّ وجلّ به يوم القيامة"1.
 
وقال النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ هذا الدّين لمتين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله فإنّ المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى"2.
 
السابع عشر: أن لا يطيل الكلام لأغراض فاسدة، وأن يترك الأغراض الشخصيّة.



1 الصدوق، الخصال، ص111.
2  المجلسي، بحار الأنوار, ج68، ص218. قال الشيخ القمّي رحمه الله بعد نقل هذا الحديث: قلت: فأوغل أي أدخل, والمنبتّ الذي انقطع في سفره وعطب راحلته, والظهر الإبل التي يحمل عليها ويركب.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

106

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 الثامن عشر: ينبغي أن يراعي في ذكر المصائب، لا سيّما في غير أيّام عاشوراء، ما لا يقسّي به القلوب ولا يهوّن به الخطوب كالمصائب الموجعة الفادحة.

 
حدّثني المحدّث الفاضل المؤرّخ المتبحّر الميرزا هادي الخراسانيّ النجفيّ أيّده الله قال: رأيت في الطيف كأنّي في صحن أمير المؤمنين عليه السلام في حجرة من حجراته، وجميع الأئمّة أو أكثرهم عليهم السلام فيها جالسون، ورأيت رجلاً من أهل المنبر يقرأ لهم التعزية وهم يستمعون، حتّى إذا بلغ إلى قوله: قال شمرٌ لسكينة يا بنت الخارجيّ، رأيت أمير المؤمنين عليه السلام اشمأزّ من هذا الكلام وانقبض أشدّ انقباض واكفهرّ وجهه الشريف، فلمّا رأيت ذلك أشرت إلى الرجل القارئ أن اسكت أما ترى أمير المؤمنين عليه السلام وما حلّ بساحته المقدّسة؟!
 
فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام: لم يكن الذي قلت بالأمس أقلّ منه هذا، فذكرت أنّي قرأت مصيبة رأس أبي الفضل من تعليقه على لبان الفرس، فاعتذرت إليه وتبت.
 
التاسع عشر: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:
قال النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ظهرت البدع في أمّتي فَليُظهِر العالِمُ علمَه وإلّا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين"1.
 
وروي أن خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال: "أمّا بعد، فإنّه إنّما هلك من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربّانيّون والأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واعلموا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن2 يقرّبا أجلاً 



1 المجلسي، بحار الأنوار، ج54، ص234.
2 في المصدر "لم".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

107

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 ولن1 يقطعا رزقاً، إنّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر الله لها من زيادة أو نقصان"2.

 
وروى الشيخ الكلينيّ وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ الله عزَّ وجلّ بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلمّا انتهيا إلى المدينة وجدا رجلاً يدعو الله ويتضرّع، فقال أحد الملكين لصاحبه: أما ترى هذا الداعي؟ فقال: قد رأيته ولكن أَمضي لما أمر به ربّي، فقال: لا أحدث شيئاً حتّى أراجع ربّي، فعاد إلى الله تبارك وتعالى فقال: يا ربّ، إنّي انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرّع إليك، فقال: امض لما أمرتك به فإنّ ذا رجل لم يتمعّر وجهه غيظاً لي قطّ"3.
 
وعن الرضا عليه السلام: "كان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله تعالى"4.
 
بيان: تواكلت أي اتّكل كلّ واحد على الآخر ووكّل الأمر إليه، والوقاع النازلة الشديدة أو الحرب.
 
وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان رجل شيخ ناسك يعبد الله في بني إسرائيل، فبينا هو يصلّي وهو في عبادته إذ بصر بغلامين صبيّين قد أخذا ديكاً وهما ينتفان ريشه، فأقبل على ما هو فيه من العبادة ولم ينههما عن ذلك، فأوحى الله إلى الأرض أن سيخي بعبدي، فساخت به الأرض فهو يهوي في الدردور5 أبد الآبدين ودهر الداهرين"6.



1 في المصدر "لم".
2 الكليني، الكافي، ج5، ص57
3 المصدر السابق، ص58.
4 المصدر السابق، ص59.
5 الدردور: موضع في البحر يجيش ماؤه ويدور ، يخاف في الغرق.
6 الطوسي، الأمالي، ص669.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

108

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 وعنه عليه السلام قال: "قال النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم وشرّ من ذلك، فكيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم وشرّ من ذلك، فكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟"1.

 
وقال  صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال النّاس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ (والتقوى)، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات وسُلِّط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"2.
 
العشرون: أن لا يقول ما يُشعر بذلّة أبي عبد الله الحسين وأهل بيته المكرّمين عليهم السلام، فإنّه كان سيّد أهل الإباء والحميّة الذي علّم النّاس الموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدّنيّة، ونادى برفيع صوته يوم عاشوراء: "ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذّلّة وهيهات منّا الذّلّة يأبى الله لنا ذلك ورسله والمؤمنون.." الخ..
 
وذكر شيخنا المحدّث المتبحّر الحاج الميرزا حسين النوريّ نوّر الله مرقده في دار السلام ما ملخّصه:
أنّه رأى بعض السّادة من قرّاء التعزية في المنام كأنّ القيامة قد قامت والنّاس في وحشة ودهشة لكلّ امرئ منهم شأن يغنيه، والموكلون يسوقون النّاس إلى الحساب مع كلّ واحد منهم سائق وشهيد..إلى أن قال: وساقونا إلى موقف الحساب، فإذا بمنبر عالٍ كثير المرقاة والدرج، على ذروته سيّد 



1 الكليني، الكافي، ج5، ص59.
2 الطوسي، تهذيب الأحكام، ج6، ص118.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

109

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الدرج الأوّل منه خاتم الوصيّين عليه السلام وهو مشغول بحساب الناس وهم مصطفّون قدّامه إلى أن انتهى الأمر إليّ فخاطبني موبّخاً وقال: لِمَ ذكرت تذلّل ولدي العزيز الحسين عليه السلام ونسبته إلى الذّلّة؟ فتحيّرت في جوابه وما وجدت حيلةً إلّا الإنكار، فإذا بوجعٍ في عضدي من شيءٍ كأنّه مسمار أولج فيه، فالتفتُّ إلى جنبي فرأيت رجلاً بيده طومار فناولني فنشرته فإذا هو صورة مجالسي وتفصيل ما ذكرته في المحافل مشروحاً في كلّ مكان أو زمان وفيه ما سألني وأنكرته.. إلى آخر الرؤيا الهائلة التي صارت سبباً لترك السيّد شغله ذلك1.

 
وروى الشيخ أنّه اجتمع السيّد الحميريّ وجعفر بن عفّان الطائيّ، فقال له السيّد: ويحك، أتقول في آل محمّد عليهم السلام (شرّاً):
مَا بَالُ بَيْتِكُمُ يُخَرَّبُ سَقْفُهُ      وَثِيَابُكُمْ مِنْ أَرْذَلِ الأَثْوَابِ؟
 
‍فقال جعفر: فما أنكرت من ذلك؟ فقال له السيّد: إذا لم تحسن المدح فاسكت، أيوصف آل محمّد  عليهم السلام بمثل هذا؟! ولكنّي أعذرك هذا طبعك وعلمك ومنتهاك، وقد قلت ما أمحو عنهم عار مدحك:
أُقْسِمُ بِاللهِ وَآلَاْئِهِ                       إنَّ عَليَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ
كَانَ إِذَا الحَربُ مَزَّقَهَا القَنَا            يَمْشِي إلى القَرْنِ وَفِي كَفِّهِ
مَشْيَ العِفِرِّينِ بَينَ أَشْبَالِهِ              وَالْمَرْءُ عَمَّا قَالَ مَسْؤُولُ
عَلَى التُّقَى وَالبِرِّ مَجْبُولُ                 وَأَحْجَمَتْ عَنْهَا البَهَالِيلُ
أَبَيضُ مَاضِي الحَدِّ مَصْقُولُ            أَبرَزَهُ لِلقُنَّصِ الغِيْلُ



1 النوري، دار السلام، ج 2، ص234.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

110

نصائح كافية ومواعظ شافية لأهل المنبر وقرّاء التعزية

 ذَاكَ الَّذي سَلَّمَ فِي لَيلَةٍ                عَلَيهِ مِيكَالُ وَجِبرِيلُ

مِيكَالُ فِي أَلفٍ وَجِبرِيلُ فِي            أَلفٍ وَيَتلُوهُمْ سَرَافِيلُ
لَيلَةَ بَدْرٍ مَدَدَاً أَنزَلُوا                    كَأَنَّهُمْ طَيْرٌ أَبَابِيْلُ

 
كذا يُقال فيه يا جعفر، وشعرك يقال مثله لأهل الخصاصة والضعف، فقبّل جعفر رأسه وقال: أنت والله الرأس يا أبا هاشم ونحن الأذناب1.



1 الطوسي، الأمالي، ص198.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

111

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد1

تمهيد:
إنّ هذه الدراسة تبحث حول أهمّ الأعداد والأرقام في حادثة عاشوراء، مثل عدد أنصار الإمام الحسين عليه السلام، مقابل أعداد جيش يزيد، وإحصائيّات الشهداء مقابل قتلى الأعداء، وتعداد رؤوس الشهداء، وتقويم ثورة كربلاء حسب أيّام أحداثها و...
 
وقد حاولنا خلال البحث والتحليل في الأخبار المختلفة والتي يوجد في بعضها تنافٍ وتعارض فيما بينها، أن نختار الرأي الصحيح والمقبول من حيث أرقام وإحصائيّات هذه الواقعة.
 
المقدّمة:
إنّ البحث حول كربلاء في إطار الأرقام والإحصائيّات يُعَدُّ من مسائل واقعة عاشوراء التي ينبغي الحديث عنها، وإنّ أهمّيّة هذا البحث باعتبار أنّ المرحلة التاريخيّة والظروف والأوضاع المتغيّرة التي أثّرت في تلك الحادثة من أوّلها إلى آخرها، جعلت الأعداد والأرقام الواردة فيها مختلفة وفي بعض الأحيان متناقضة.
 



1 محسن رنجبر, أستاذ مساعد في مؤسّسة الإمام الخمينيّ قدس سره للتعليم والبحوث قمّ المقدّسة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

112

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 من هنا نقول إنّ هذه الدراسة قد بيّنت بشكل واضح وصريح الأرقام والأعداد حول هذه الواقعة من خلال المقايسة والمقارنة بين المصادر التاريخيّة القديمة.

 
ويجدر التنبيه إلى أنّ تنظيم البحوث في هذه المقالة حول الأعداد والأرقام الهامّة في تلك الواقعة من أوّلها إلى آخرها1، ولا سيّما أعداد المقاتلين من الطرفين، والشهداء وقتلى الأعداء.. كلّ ذلك قد تمّ تحقيقُه ودراستُه حسب الترتيب الزمنيّ لتلك الأحداث.
 
1- أعداد الكتب المرسلة من أهل الكوفة إلى الإمام الحسين عليه السلام:
سجّل المؤرّخون أرقاماً مختلفة حول الرسائل التي وصلت إلى الإمام الحسين عليه السلام، فقال البعض بأنّها (150) رسالة، وكلّ واحدة تحمل اسماً واحداً أو اسمين اثنين أو أربعة منها2:
كتب الطبريّ حول عدد تلك الرسائل بما يقرب من (53)3 



1 بناءً على ذلك فإنّنا سنغضّ الطرف عن بعض الأعداد والأرقام غير الهامّة.
2 ابن الأعثم, كتاب الفتوح, ج5, ص29, الشيخ المفيد, الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد, ج2, ص38, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص98, ابن الجوزيّ, المنتظم في تاريخ الملوك والأمم, ج5, ص327, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص283, الأربليّ, كشف الغمّة, ج2, ص253, محمّد بن طلحة الشافعيّ, مطالب السؤول في مناقب الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم, ج2, ص71, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة خواص الأمّة بذكر خصائص الأئمّة  عليهم السلام, ج2, ص146, السيّد ابن طاووس, اللهوف على قتلى الطفوف, ص24, ابن كثير, البداية والنهاية, ج8, ص162, ابن حجر العسقلانيّ, تهذيب التهذيب, ج2, ص302.
3 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص262, وهذه عبارته: (فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفة...) اعتقد بعض المحقّقين المعاصرين أنّ الرقم (ثلاثة) مصحّف رقم (مائة) واعتبر أنّ قول الطبريّ هو أيضاً (150) رسالة، والشاهد على هذا الأمر هو نقل الشيخ المفيد وابن الأعثم، والخوارزميّ، وسبط ابن الجوزيّ، حيث صرّحوا بعدد (150) وهناك احتمال أن يكون الجميع قد نقل ذلك عن أبي مخنف. (محمّد هادي اليوسفيّ الغرويّ وقعة الطفّ ص93). ولكن كما يلاحظ في المتن فإنّ البلاذريّ قد نصّ على الرقم (50) مع وجود احتمال أن يكون قد نقل ذلك عن أبي مخنف وكذا ما ذكره ابن الجوزيّ وهو (150) رسالة، فقد نقله عن ابن إسحاق وليس عن أبي مخنف (المصدر, ص244).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

113

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 والبلاذريّ(50)1.. وأمّا ابن سعد فقد روى أنّ الذين أرسلوا الكتب يصل عددهم إلى (18) ألفاً2، وكذلك ما ذكره ابن طاووس حيث قال: إنّ ما وصل إلى الإمام عليه السلام في بعض الأيّام هو (600) رسالة حتّى اجتمع لديه اثنا عشر ألفاً منها3.

 
إنّ ما ذكره ابن سعد وإبن طاووس لا يمكن القبول به، لأنّه - وكما سيأتي معنا - فإنّ ما ورد في بعض المصادر التاريخيّة القديمة هو أنّ عدد من بايع الإمام عليه السلام - إمّا اثنا عشر ألفاً أو ثمانية عشر ألفاً - وليس عدد من كتب له عليه السلام، فيظهر من ذلك أنّ هذين المؤرّخين قد خَلطَا ما بين عدد من بايع الإمام عليه السلام وبين عدد من كتب له عليه السلام.
 
ولو أردنا أخذ نتيجة من خلال أقوال المؤرّخين حول هذا الموضوع، فإنّ الأقرب إلى الصواب هو القول بأنّ عدد الرسائل بلغ (150) باعتبار كثرة القائلين به، بالإضافة إلى نقله في بعض المصادر القديمة.
 
2- عدد من بايع مسلم بن عقيل في الكوفة:
اختلفت المصادر التاريخيّة في تحديد عدد الكوفيّين الذين بايعوا مسلماً، ففي كثير من المصادر وصل عددهم إلى (18) ألفاً4، وفي بعضها (12)



1 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج30, ص370.
2 محمّد بن سعد (ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله) تحقيق السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ مجلّة تراثنا الفصليّة, السنة الثالثة, العدد 10, 1408ق, ص174.
3 محمّد بن سعد ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص24, ذكر أيضاً ابن نما العدد: إثنا عشر ألفاً.. (مثير الأحزان, ص16).
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص275, أبو حنيفة الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص235, الشيخ المفيد, الإرشاد, 2, ص41, ابن الجوزيّ, المنتظم, ج5, ص325, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص141, ابن نما الحلّي, مثير الأحزان, ص21, السيّد ابن طاووس, اللهوف على قتلى الطفوف, ص25, الذهبيّ, سير أعلام النبلاء, ج3, ص299, ابن عنبة, عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب, ص191 192.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

114

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 ألفاً1 وفي خبر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ عددهم هو عشرون ألفاً2، وكتب ابن الأعثم والخوارزميّ بأنّهم أكثر من عشرين ألفاً3 وأمّا ابن شهرآشوب فنصّ على خمسةٍ وعشرين ألفاً4، بينما نقل ابن قتيبة وابن عبد ربّه إحصاءً بأكثر من ثلاثين ألفاً5، وأمّا ابن عساكر وابن نما الحلّي (في نقل آخر عن الشعبيّ) فقد وصل عدد من بايع إلى أربعين ألفاً6.

 
وفي روايةٍ عن زيد بن عليّ في جوابه عن سؤال سلمة بن كهيل عمّن بايع جدّه الإمام الحسين عليه السلام، قال: كانوا ثمانين ألفاً7، وهذا الرقم قريب من عدد الذين أعلنوا استعدادهم للحرب في جيش يزيد.
 
إنّ رواية الطبريّ المنقولة عن أبي مخنف بتعداد ثمانية عشر ألفاً هي الأكثر اعتباراً، لا سيّما وأنّ المصادر الأخرى القديمة تؤيّد هذا الإحصاء أيضاً.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص259, نقلاً عن الدهنيّ, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص302, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص99, الذهبيّ, سير أعلام النبلاء, ج3,ص 306, أحمد بن حجر الهيتميّ, الصواعق المحرقة في ردّ أهل البدع والزندقة, ص196, المسعوديّ, مروج الذهب ومعادن الجوهر, ج3, ص65, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص141, ذكر ثمانية عشر ألفاً تحت عنوان: قول آخر.
2 ابن أبي الحديد, شرح نهج البلاغة, ج11, ص43, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج44, ص48, وفي بعض المصادر بدلاً من (20) ألفاً كتب (18) ألفاً (سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلاليّ، ص188, المجلسيّ، بحار الأنوار، ج27، ص212). أشار خواند مير أيضاً إلى هذا القول. (غياث الدّين بن همام الدّين حسيني (خواند مير) تاريخ حبيب السير في أخبار أفراد بشر, ج2, ص42.
3 ابن الأعثم, كتاب الفتوح, ج5, ص40, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص290.
4 ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص99. روى هذا العدد بعد ذكر إقامة مسلم في دار عروة.
5 ابن قتيبة الدّينوريّ, الإمامة والسياسة, ج2, ص8, أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسيّ, العقد الفريد, ج4, ص354.
6 ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص284, وابن نما الحلّي, مثير الأحزان, ص16.
7 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص489 (حوادث سنة 121).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

115

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 3- الكوفيّون الذين تهيَّأ وا للحرب:

ورد في بعض المنقولات أنّ عدد أهل الكوفة الذين استعدّوا للحرب في عسكر يزيد وصل إلى مائة ألفٍ1.
 
4- عدد الذين قاموا مع مسلم:
أشارت بعض المصادر فقط إلى التحاق أهل الكوفة بمسلم أوّل ثورته، ولم تتحدّث عن أعدادهم. كتب أبو الفرج الأصفهانيّ: عندما خرج مسلم اجتمع معه أهل الكوفة حتّى غصّ المسجد وامتلأ سوق الكوفة بالناس2، وأمّا ابن سعد والذهبيّ فقد عدّا أنصار مسلم بـ (400) رجل3 وكتب الطبريّ والشيخ المفيد أربعة آلاف4 ونصّ ابن الأعثم والمسعوديّ والخوارزميّ على (18) ألفاً أو أكثر5 وأمّا ابن شهرآشوب فذكر (8) آلاف6 بينما ابن حجر العسقلانيّ صرّح بـ (40) ألفاً7.
 
إنّ ما يمكن الاعتماد عليه من الأقوال أكثر من غيره هو ما نقله الطبريّ عن أبي مخنف والشيخ المفيد، وهو الأربعة آلاف، وذلك باعتبار أنّ دعوة مسلم للقوى الموجودة في الكوفة بذلك العدد الكبير وبيعتهم له في تلك المدّة الزمنيّة
 



1 ابن سعد، ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص174, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص422, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص294, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص71, ابن نما الحلّي, مثير الأحزان, ص16, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص133, سير أعلام النبلاء, ج3, ص299.
2 أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيّين, ص70 71.
3 ابن سعد، ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص175 والذهبيّ, سير أعلام النبلاء, ج3, ص299.
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص260, نقلاً عن عمّار الدهنيّ وص 275 نقلاً عن أبي مخنف, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص52.
5 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص49, الخوارزمي, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص297. المسعوديّ ذكر (18) ألفاً فقط (مروج الذهب ومعادن الجوهر, ج3, ص68).
6 مناقب آل أبي طالب, ج4, ص101.
7 تهذيب التهذيب, ج2, ص303.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

116

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 القصيرة ومن دون إعلام مسبَّق، مع وجود كلّ تلك الظروف الصعبة والإجراءات الأمنيّة المشدّدة التي مارسها عبيد الله بن زياد، هو أمر غير ممكن.

 
5- المأمورون باعتقال مسلم:
نقلت بعض المصادر عن عناصر شرطة الكوفة الذين ذهبوا للقبض على مسلم بأنّ عددهم يبلغ ستّين أو سبعين رجلاً1 وذكر البعض أنّهم مائة2 أو ثلاثمائة منهم3.
 
ونحن حتّى لو قبلنا بأقلّ ما نقل من تلك الأرقام وهو ستّون رجلاً، لإلقاء القبض على مسلم، فهذا يدلّ على ما كان يتمتّع به من الشجاعة والبطولة التي اضطرّت حاكم الكوفة إلى أن يرسل ذلك العدد الكبير لاعتقاله.
 
6- عدد أصحاب الإمام عليه السلام:
قبل نقل آراء المؤرّخين حول هذا الموضوع، يجب التذكير بعدّة أمور:
1- لا يوجد أيّة وسيلة لمعرفة الإحصاء الدقيق والحقيقيّ لأنصار الإمام الحسين عليه السلام سواءً الشهداء منهم أو غير الشهداء، وذلك لسببين:
الأوّل: إنّ المستندات والمدارك الأساسيّة في هذا الموضوع، وهي روايات شهود العيان لواقعة كربلاء، قد نقلت عدد الأنصار بأنحاءٍ مختلفة، ومن الواضح أنّ هذا النوع من الأخبار ليس مبتنياً على الأرقام الدقيقة المفصّلة، بل إنّ طبيعة هذه الواقعة وأمثالها من الحوادث لها ظروفها الخاصّة التي تعتمد في نقلها على المشاهدة العيانيّة مع الحدس والظنّ والتخمين4.



1 نصّ على (70) رجلاً كلّ من الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص279. أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيّين, ص69, المسعوديّ, مروج الذهب, ج3, ص69, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص57, الطبرسيّ, إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص443, وابن نما الحلّي, مثير الأحزان, ص24.
2 الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص240.
3 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص53.
4 محمّد مهدي شمس الدّين, أنصار الحسين عليه السلام, ص43.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

117

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 الثاني: إنّ ضبط أسماء الأشخاص في المصادر التاريخيّة والروائيّة لم يتمّ على أساس قاعدة واضحة وبيّنةٍ عامّة، بمعنى أنّ الدقّة اللازمة لم تتوفّر في ذلك، فبعض الأحيان كان يذكر الشخص من خلال اسمه وتارة كنيته وثالثة اسم أبيه أو أمّه، بل في بعض الأحيان من خلال القبيلة والنسب ونتيجة لكلّ ذلك كان يتكرّر الشخص بتكرّر أسمائه وصفاته وأحواله.

 
ومن هنا نرى بعض المصادر والمقاتل قد ظهر فيها الشخص الواحد أشخاصاً عدّة1. وهذا ما يوصل كلّ محقّق يريد تقديم الرأي الصحيح والدقيق لعدد أصحاب الإمام عليه السلام إلى طريق مسدود.
 
2- إنّ عدد أنصار الإمام عليه السلام لم يكن واحداً في كلّ مراحل الثورة، فقد كان عددهم حين الخروج من مكّة متفاوتاً مع عددهم حين الوصول إلى كربلاء، ومع ما كانوا عليه يوم عاشوراء.
 
على سبيل المثال - وكما سيأتي معنا - فإنّ ما نقله ابن الأعثم والخوارزميّ عن عدد الأصحاب حين خروج الإمام عليه السلام من مكّة هو (82) بينما كان يوم عاشوراء (72).
 
3- إنّ الأخبار الواردة حول عدد بني هاشم إضافة إلى اختلافها، فإنّ بعض من ذكر منهم ليس فقط لم يحضروا كربلاء، بل قطعاً ومن دون أيّ تردّد، لا وجود لهم أصلاً، وهذه ملاحظة هامّة في هذا المجال. فمثلاً ذكرت بعض المصادر المتأخّرة ولداً للإمام عليه السلام باسم إبراهيم بن الحسين عليه السلام2 ولكنّ المصادر المتقدّمة التاريخيّة والروائيّة والرجاليّة لم تذكر ولداً للحسين عليه السلام بهذا الاسم.



1 على سبيل المثال (يزيد بن زياد مهاصر بأسماء متعدّدة مثل يزيد بن مهاجر الجعفيّ, يزيد بن زياد مظاهر الكنديّ، زائدة بن المهاجر وراجع محمّد مهدي شمس الدّين, أنصار الحسين عليه السلام, ص111 117 121).
2 ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

118

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 بناءً على ذلك، من أجل توضيح هذه المسألة على أحسن وجه، سوف نبحث حول عدد أصحاب الإمام عليه السلام في أربع مراحل زمانيّة ومكانيّة من نهضته عليه السلام.

 
أ- حين الخروج من المدينة المنوّرة:
إنّ الكثير من المصادر- حسب ما لدينا منها - أشارت إلى قضيّة خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة مع أهل بيته، ولكنّها لم تذكر عدد الملتحقين به أبداً1. ولم يرد من ذلك شيء إلّا ما نقله الشيخ الصدوق في خبر عن الإمام الصادق عليه السلام بأنّ عدد أصحاب الإمام عليه السلام وأهل بيته كان حين الخروج من المدينة هو (21)2.
 
ب- أثناء الخروج من مكّة:
1- كتب ابن سعد عن عدد المرافقين للإمام عليه السلام من الأصحاب (60) ومن بني هاشم (19) أعمّ من النساء والرجال والأطفال3.
 
ولم يذكر ابن عساكر وابن كثير في نقلهما تعداد أهل بيت الإمام عليه السلام، ولكن عدد الأنصار هو ستّون فرداً من أهل الكوفة4.
 
2- نقل ابن قتيبة الدينوريّ وابن عبد ربّه عن مسلم بن عقيل عند شهادته (التي صادفت زمان خروج الإمام عليه السلام من مكّة) أنّ المرافقين للإمام الحسين عليه السلام من النساء والرجال يبلغون تسعين شخصاً5.



1 الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص228, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص253, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص34, ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص22, الفتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص171, الطبرسيّ, إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص435, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص273, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواص, ص236.
2 الشيخ الصدوق, الأمالي, المجلس 30, ح 1, ص217 والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج44, ص313.
3 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص170.
4 ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص299, ابن كثير, البداية والنهاية, ج8, ص178.
5 ابن قتيبة الدّينوريّ, الإمامة والسياسة, ج2, ص10, وابن عبد ربّه, العقد الفريد, ج4, ص355.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

119

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 3- وصرّح ابن الأعثم والخوارزميّ ومحمّد بن طلحة الشافعيّ والأربليّ وابن صبّاغ المالكيّ بأنّ عدّتهم حين خروج الإمام عليه السلام من مكّة هو (82) فرداً1.

 
4- وروى ابن كثير في مكان آخر بأنّ أصحاب الإمام كانوا ما يقرب من ثلاثمائة2.
 
ونحن لو غضضنا الطرف عن القول الأخير لابن كثير الذي تفرّد به، فإنّنا نجد أنّ الاختلاف بين الإحصائيّات الأخرى بأقلّ من عشرة أشخاص3، ومنشأ هذا الاختلاف - وكما سبق آنفاً - هو النقل الظنّي عند الرواة دون الاحصاء الدقيق.
 
ج- في كربلاء (قبل اليوم العاشر):
اختلفت الأخبار الواردة حول عدد أصحاب الإمام عليه السلام حين الوصول إلى كربلاء:
1- ذكر عمّار الدهنيّ نقلاً عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ أصحاب الإمام الحسين عليه السلام حين دخول كربلاء كان عددهم (145) رجلاً (45 فارساً و 100 راجلٍ)4.



1 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص69, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص317, محمّد بن طلحة الشافعيّ, مطالب السؤول في مناقب آل الرسول, ج2, ص73, الأربليّ, كشف الغمّة, ج2, ص253, ابن صبّاغ المالكيّ, الفصول المهمّة, ج2, ص6. طبعاً هذه المصادر ذكرت عدد كلّ مرافقي الإمام عليه السلام (أعمّ من النساء والرجال سواءً من أهل البيت  عليهم السلام أو من الأنصار).
2 ابن كثير, البداية والنهاية, ج6, ص259.
3 إنّ خبر ابن عساكر الذي نقله أيضاً ابن كثير هو من دون إضافة بني هاشم ولو أخذوا في الحسبان فإنّ العدد سيصبح قريباً من أرقام الأخبار الأخرى.
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص292, يحيى بن حسين بن إسماعيل الجرجانيّ الشجريّ, الأمالي الخميسيّة, ج1, ص191 192, السيّد ابن طاووس, اللهوف في قتلى الطفوف, ص60, الذهبيّ, سير أعلام النبلاء, ج3, ص308, ابن كثير, البداية والنهاية, ج8, ص214, ابن حجر العسقلانيّ, الإصابة في تمييز الصحابة, ج2, ص71, وله تهذيب التهذيب, ج2, ص304, جعل ابن نما خبر عماد الدهنيّ عن الإمام الباقر عليه السلام حاكياً عن عددهم يوم عاشوراء لا قبله (مثير الأحزان ص39).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

120

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 2- نقل بعض المؤرّخين بأنّ عددهم هو (89) على هذا النحو: (50) من أصحاب الإمام عليه السلام - و (20) من جيش العدوّ الذين التحقوا بالإمام عليه السلام و (19) من أهل البيت1 عليهم السلام - وقد ذكر من قبل أنّ عدّة الركبان 32 شخصاً أثناء المسير إلى كربلاء2.

 
3- وروى اليعقوبيّ أنّ أصحاب الإمام عليه السلام وأهل بيته بلغوا (62) أو (72) رجلاً3.
 
4- وكتب المسعوديّ متفرّداً بأنّ أنصار الإمام عليه السلام حين دخول كربلاء بالإضافة إلى عسكر الحرّ كانوا (500) فارسٍ وما يقرب من (100) راجلٍ4.
 
5- وروى ابن شهرآشوب عن عددهم في كربلاء قبل عاشوراء أنّه (82) رجلاً5.
 
6- ونقل ابن أبار البلنسيّ6 (م 658 ق) أنّهم تجاوزوا (70) شخصاً فارساً وراجلاً7.
 
إنّ رواية عمّار الدهنيّ وخبر المسعوديّ لا يمكن القبول بهما - أمّا رواية 



1 تاريخ الأمم والملوك, ج 4, ص178, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص329, الذهبيّ, سير أعلام النبلاء, ج3, ص298 و 300.
2 تاريخ الأمم والملوك, ج 4, ص 178.
3 اليعقوبيّ, تاريخ اليعقوبيّ, ج2, ص243.
4 المسعوديّ, مروج الذهب, ج3, ص71. وكذا سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص161, والمجلسيّ بحار الأنوار, ج45, ص74. نقل هذا المسعوديّ ولكن بدل وضع رقم 500 راكبٍ كتب ألفاً.
5 ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص107.
6 بلنسية مدينة واقعة إلى الشرق من بلاد أسبانيا وتعرف اليوم باسم (والنسيا) (لويس معلوف المنجد في الأعلام مادة = بلنسيه).
7 ابن أبار, محمّد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعيّ, درر السمط في خبر السبط, ص104.




 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

121

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 عمّار - فمع غضّ النظر عن رأي المصادر الرجاليّة فيه1 - فإنّها تمثّل قولاًشاذّاً من ناحية المضمون، ولا يوجد له أيّ شاهد يؤيّده، بل إنّ خبر انفصال مجموعة من أصحاب الإمام عليه السلام في منزل زبالة، الذين التحقوا بإمامهم لنصرته2 يدلّ على تَدَنٍّ في مستوى ومقام أنصار الإمام عليه السلام وهذا إجحاف في حقّهم.

 
ثمّ إنّ ما مرّ معنا في الجزء السابق - حسب الروايات - هو أنّ إحصائيّات أنصار الإمام عليه السلام بعد الخروج من مكّة وأثناء المسير وقبل الوصول إلى كربلاء، قد بلغت (90) شخصاً على أكثر تقدير ولذا فإنّ قول الدهنيّ لا يمكن الأخذ به.
 
وأمّا خبر المسعوديّ فقد تفرّد به، ولا يوجد له أيّ شاهد، ولا قرينة تؤيّده.
 
بناءً على ما مضى، يمكن لنا أن نستنتج من مجموع الروايات الأخرى أنّ عدد الأنصار كان ما بين السبعين إلى ما يقرب التسعين رجلاً.
 
د- يوم عاشوراء:
إنّ الأخبار التاريخيّة حول عدّة أنصار الإمام عليه السلام في يوم عاشوراء غير متفقة أيضاً، وهذا ما نلاحظه على النحو الآتي:
1- إنّ أشهر الأقوال وأقواها هو العدد (72) رجلاً، وقد روى أبو مخنف هذا القول عن الضحّاك بن عبد الله المشرقيّ (32 فارساً و 40 راجلاً)3.



1 راجع التستريّ, قاموس الرجال, ج8, ص8 9, الخوئيّ, معجم رجال الحديث, ج13, ص268 269.
2 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ص300 301, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص75.
3 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص320, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص95, إنّ كثيراً من المؤرّخين قد أخذوا بهذا القول من أمثال: البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص395, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص256, ابن الأعثم, كتاب الفتوح, ج5, ص101, القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص155, الطبريّ, دلائل الإمامة, ص178, الفتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص184, الطبرسيّ, إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص475, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص6, ابن الجوزيّ, المنتظم, ج5, ص339, عماد الدّين الطبريّ, كامل بهائي (الكامل البهائيّ في السقيفة), ج2, ص281, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص192.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

122

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 2- نقل الحصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة بأنّ عسكر الإمام عليه السلام كان يتألّف من مائة رجل1.

 
3- وكتب الطبريّ نقلاً عن أبي مخنف عن زيد بن عليّ أنّه قال إنّ أنصار الإمام عليه السلام كانوا (300) رجل2.
 
4- وقال القاضي النعمان المغربيّ بأقلّ من (70) رجلاً3.
 
5- وصرّح المسعوديّ- مؤلّف كتاب (إثبات الوصيّة)- بـ (61) رجلاً4.
 
6- وكتب الخوارزميّ (بناءً على رواية) (114) فرداً5.
 
7- ونصّ سبط ابن الجوزيّ على (145) شخصاً (45 راكباً و 100 راجلاً)6.
 
8- وذكر ابن حجر الهيتميّ (م 974 ق) أنّهم أكثر من ثمانين رجلاً7.
 
إلّا أنّ القول الذي يمكن الاعتماد عليه والقبول به هو رواية (72) رجلاً باعتبار قِدَمِ هذا القول ووثاقة مصادره وكثرة الناقلين له.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص295, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص424, شمس الدّين الذهبيّ, تاريخ الإسلام, ج5, ص15.
2 الذّهبي, تاريخ الإسلام, ج5, ص489, (هامش أحداث عام 121).
3 شرح الأخبار, ج3, ص154, أبو زيد أحمد بن سهل البلخيّ, البدء والتاريخ, ج2, ص241.
4 عليّ بن الحسين المسعوديّ, إثبات الوصيّة, ص166.
5 مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص6, محمّد بن أبي طالب الحسينيّ الموسويّ, تسلية المجالس وزينة المجالس, ج2, ص275, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص4. وهذه هي عبارة الخوارزميّ وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً وفي رواية: اثنان وثمانون راجلاً طبعاً هذا في حال كان قوله "اثنان وثمانون راجلاً" معطوفاً على "أربعون راجلاً" ومع احتساب فرسان عسكر الإمام عليه السلام يصبح المجموع (141) فارساً وراجلاً.
6 تذكرة الخواصّ, ج2, ص160 نقل أيضاً القول بـ (170) رجلاً (سبعين فارساً و (100) راجلٍ وأيضاً ذكر القول (30) فارساً.
7 الصواعق المحرقة, ص197.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

123

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 7- أعداد جيش عمر بن سعد:

 

أ- عدد العسكر:
في بعض المصادر التاريخيّة اختلاف كبير أيضاً حول أعداد جيش يزيد مثلما سبق بالنسبة إلى عدد أنصار الإمام الحسين عليه السلام:
1- بعض المصادر فصّلت الكلام حول أسماء قيادات جيش العدوّ مع أعداد العناصر التي كانت تحت إمرتهم، فكان المجموع (22) ألفاً1.
 
2- وصرّح الشيخ الصدوق استناداً إلى روايتين عن الإمام الصادق عليه السلام والإمام السجّاد عليه السلام بأنّ عدّة جيش عبيد الله هي ثلاثون ألفاً2.
 
3- وروى المسعوديّ، صاحب كتاب (إثبات الوصيّة) (28) ألفاً3.
 
4- وكتب الطبريّ الشيعيّ (14) ألفاً4.
 
5- ونقل ابن شهرآشوب عن عددهم أنّه (35) ألفاً، إلّا أنّه عندما ذكر أسماء القادة لكلّ قسم من ذاك الجيش، كان مجموع العناصر تحت إمرة أولئك هو (25) ألفاً5.
 
6- وروى سبط بن الجوزيّ (6) آلاف6.



1 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص84 90 وص 101, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص341 345، طبعاً ما كتبه الخوارزميّ من أسماء بعض القادة يختلف عمّا كتبه ابن الأعثم. ابن عماد الحنبليّ, شذرات الذهب, ج1, ص67, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج44, ص386, اعتبر الملّا حسين الكاشفيّ أنّ هذا العدد هو الأصحّ من بين جميع الاحصائيّات (روضة الشهداء, ص346).
2 الشيخ الصدوق, الأمالي, المجلس 24, ص177, ح 3, والمجلس 70, ص547, ح 10. وذكر أيضاً السيّد ابن طاووس هذا العدد (اللهوف, ص70).
3 إثبات الوصيّة, ص166.
4 دلائل الإمامة, ص178.
5 مناقب آل أبي طالب, ج4, ص106.
6 تذكرة الخواصّ, ج2, ص161.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

124

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 7- وورد في نقل آخر بأنّ عدد جيش العدوّ وصل في اليوم السادس من المحرّم إلى عشرين ألفاً1.

 
8- وصرّح ابن عنبه بـ (31) ألفاً2.
 
9- ونقل الملّا حسين الكاشفيّ قولين أحدهما (32) ألفاً والآخر (17) ألفاً3.
 
الظاهر أنّ القول المعتمد في هذا القول هو رواية الشيخ الصدوق عن الإمامين الصادق عليه السلام والسجّاد عليه السلام أي (30) ألفاً، لأنّه- وبالرغم من عدم توثيق بعض رواة هذا الخبر- إلّا أنّه مع اهتمام الشيخ الصدوق بهاتين الروايتين وعدم وجود أيّ داع للكذب والجعل فإنّ الرقم (30) ألفاً يمكن القبول به.
 
ب- عدد القتلى:
ذُكر في الكثير من المصادر أنَّ عدد القتلى في جيش الأعداء هو (88) رجلاً (عدا عن الجرحى)4.
 
إلّا أنّ هذا الإحصاء غير صحيح لعدّة أسباب:
أوّلاً: طبقاً لبعض الأخبار، فإنّ أعداد قتلى العدوّ بيد بعض (وليس كلّ) أنصار الإمام عليه السلام هو أكثر بكثير من هذا الرقم. وكتب الشيخ الصدوق (م 381 ق) وتبعاً له محمّد بن فتّال النيشابوريّ (م 508 ق) عن عدد قتلى



1 ابن صبّاغ المالكيّ, الفصول المهمّة, ص191 ونقل السيّد ابن طاووس هذا العدد ولكن لليوم السادس من المحرّم (اللهوف, ص52).
2 عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب, ص192.
3 روضة الشهداء, ص346.
4 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص184, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص348, أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميميّ المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص155, المسعوديّ, مروج الذهب ومعادن الجوهر, ج3, ص73, النويريّ, نهاية الأرب في فنون الأدب, ج20, ص463, ابن كثير, البداية والنهاية, ج8, ص205 206.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

125

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 الأعداء على يد بعض أصحاب الإمام عليه السلام على النحو الآتي: الحرّ بن يزيد: (18) رجلاً - زهير بن القين: (19) رجلاً- حبيب بن مظاهر: (31) رجلاً - عبد الله بن أبي عروة الغفاريّ: (20) رجلاً - بريد بن الخضير: (30) رجلاً - مالك بن أنس الكاهليّ: (18) رجلاً - يزيد بن زياد بن مهاصر الكنديّ (أبو الشعناء): (9) رجال - وهب بن وهب (أو عبد الله بن عمير الكلبيّ): (7) أو (8) رجال - نافع بن هلال بن الحجّاج: (13) رجلاً1 - عبد الله بن مسلم بن عقيل: (3) رجال2 - عليّ الأصغر3 (الأكبر): (54) رجلاً - القاسم بن الحسن عليه السلام: (3) رجال4.

 
كما هو واضح - حسب هذا النقل - فإنّ عدد قتلى الأعداء على يد بعض أصحاب الإمام عليه السلام هو (225) أو (226)5 رجلاً، أي أكثر من ضعف ونصف الضعف للعدد (88) رجلاً.
 
وأمّا ما رواه ابن شهرآشوب من إحصاء قتلى الأعداء فهو أكثر ممّا ذكره الشيخ الصدوق، فمثلاً عندما ينقل ما قتله بعض الأنصار يقول:
الحرّ أكثر من (40) رجلاً - حبيب بن مظاهر (62) رجلاً - زهير بن القين (120) رجلاً - الحجّاج بن مسروق (25) رجلاً - عون بن عبد الله بن جعفر (21) رجلاً - عليّ الأكبر (70) رجلاً - عبد الله بن مسلم بن عقيل (98) رجلاً6.



1 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص405 والطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص340, ذكرا عدد القتلى (5) أشخاص.
2 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص404 والطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص336, ذكرا نقلاً عن نافع عدد القتلى (12) رجلاً.
3 وهذا الأمر بحاجة إلى تحقيق في محلّه. ويعتبر الشيخ الصدوق من الأفراد الذين يعتقدون أنّ عليّاً الأكبر الابن الشابّ للإمام عليه السلام هو عليّ الأصغر.
4 الأمالي, المجلس 30, ح1, ص223 226, الفتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص186 188.
5 هذا فيما لو كان وهب قد قتل (8) أفراد.
6 ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص109 114.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

126

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 وبالرغم من أنّ القبول ببعض هذه الأرقام مشكل- بملاحظة الزمان الذي استغرقه القتال في يوم عاشوراء - إلّا أنّ هذه الأرقام بمجملها تدلّ على أنّ قتلى الأعداء أكثر بكثير من (88) قتيلاً.

 
ويظهر أنّ الأوضاع التي كانت سائدة زمن كتابة هذه الأخبار، لم تكن لتعطي مجالاً لهؤلاء المؤرّخين كي يزيدوا عدد قتلى جيش عمر بن سعد أكثر ممّا صرّحوا به.
 
ثانياً: إنّ الشجاعة الكبيرة والإقدام العظيم للتضحية والشهادة اللذين أبداهما أنصار الإمام عليه السلام ولا سيّما بنو هاشم، والتسابق بينهم إلى الجهاد في سبيل الهدف المقدّس لإمامهم، كانا واضحين وظاهرين إلى الحدّ الذي يضطرّ بعض الأشخاص من معسكر العدوّ للإعتراف بهما. وهذا ما نقله ابن أبي الحديد عن أحدهم وقد كان حاضراً في كربلاء حيث أجاب أحد المعترضين عليه بالقول: لماذا قاتلت الحسين بن عليّ عليه السلام؟ فقال1 واصفاً شجاعة أصحاب الإمام عليه السلام: لقد عضضت بالجندل، إنّك لو شهدت ما شهدنا ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين؟ لا أمّ لك.
 
هذا بالاضافة إلى ما نُقل بالخصوص عن شجاعة عليّ الأكبر، حيث ارتفعت أصوات الأعداء عالياً لكثرة القتلى الذين هلكوا على يديه2.
 
وبناءً على ذلك فإنّ رواية (88) قتيلاً وكذلك حديث زحر بن قيس مع يزيد 



1 ابن أبي الحديد, شرح نهج البلاغة, ج3, ص263.
2 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص115, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص35, وقد أضاف الخوارزميّ في نقله أنّ عليّ الأكبر قتل ما مجموعه (200) رجلٍ (المصدر).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

127

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 حيث قال له لأجل إدخال السرور على قلبه: (لم يكن قتل الحسين عليه السلام وأصحابه إلّا بقدر نحر ناقة أو نوم قيلولة)، كلاهما غير صحيح.


8- عدد الشهداء:
إنّ لدينا مجموعتين من المصادر التي تتحدّث عن عدد الشهداء، الأولى: هي المصادر التاريخيّة القديمة التي ذكرت عدد الشهداء مع أسمائهم وكيفيّة جهادهم وشهادتهم.

إلّا أنّ هذه الروايات كانت في بعض الأحيان متفاوتة جدّاً وفيها اختلاف كبير، حتّى إنّنا - وكما سيأتي - نلاحظ الاختلاف ولو كان نقلاً عن شخص واحد مثل زحر بن قيس حول عدد هؤلاء الشهداء.

وأمّا المجموعة الثانية فهي مؤلّفات بعض المعاصرين الذين حاولوا من خلال البحث والمطالعة في المصادر الجديدة والقديمة، وفي بعض الحالات في المصادر غير المعتبرة، أن يجمعوا أسماء شهداء كربلاء، وأن يبيّنوا عددهم من خلال الحديث عن أحوالهم وسيرتهم.

إلّا أنّه وبالرغم من الجهود التي بذلها هؤلاء الباحثون لإعطاء الإحصاء الكامل والدقيق عن شهداء كربلاء لم يكونوا - وللأسباب التي ذكرت في بحث عدد أصحاب الإمام عليه السلام- موفّقين لذلك بشكل تامّ، وإن كانوا قد وصلوا إلى نتائج طيّبة معتدّ بها.

من المناسب هنا أن نبحث حول عدد الشهداء على مرحلتين:
جميع الشهداء (من بني هاشم وغيرهم):
أ- أعداد الشهداء (سواءٌ من بني هاشم أو من غيرهم) 
ب- شهداء بني هاشم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

128

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 إنّ روايات المصادر التاريخيّة القديمة مختلفة أيضاً في هذا الأمر:

1- أشهر الأقوال هو (72) شهيداً1.
 
2- كتب الفضيل بن الزبير- وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام والإمام الباقر عليه السلام - بأنّ عدد الشهداء من بداية الثورة إلى نهايتها مع احتساب من جرح ثمّ استشهد) هو (106) شهداء (عشرون من بني هاشم وستَّةٌ وثمانون من الأصحاب)2.
 
3- رواية أبي مخنف عن زحر بن قيس التي تقول إنّ أعداد الشهداء (سوى الإمام الحسين عليه السلام) هو (78) رجلاً3. وأمّا غيره من المؤرّخين فقد 



1 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص184, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص384, أبو عليّ مسكويه الرازيّ, تجارب الأمم وتعاقب الهمم, ج2, ص73, الطبرسيّ, تاج المواليد, ص31, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص44, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج 8, ص205.
2 الفضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الكوفيّ الأسديّ, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام تحقيق السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ, مجلّة تراثنا الفصليّة, العدد 2, 1406ق, ص149 156. طبعاً ما ورد في المتن هو طبقاً لما ذكره محقّق رسالة الفضيل وهو (107) شهداء، ولكن ينبغي الإلتفات إلى أنّ المحقّق نفسه تحت الرقم (81) و (82) من أسماء الشهداء ذكر شخصين أحدهما: باسم كثير بن عبد الله الشعبيّ والثاني مهاجر بن أوس مع أنّ هذين الرجلين يعدّان من جيش عمر بن سعد ويمكن أن يكون اسم أحد الشهداء (ولعلّه زياد زهير بن القين) قد حذف من إحدى المخطوطات. ومع تكملة الرواية ذكر اسم من قتله وهما هذان أي مهاجر وكثير تحت عنوان أنصار الإمام عليه السلام. ويؤيّد هذا الأمر عدّة قرائن: أوّلاً ما رواه الطبريّ في شهادة زهير بن القين (فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبيّ ومهاجر بن أوس فقتلاه), ج 4, ص336. ثانياً: إنّ رواية الفضيل بن الزبير لا تذكر اسم زهير بن القين أبداً، بل تذكر فقط شخصاً باسم زهير بن سليم وهما متغايران لأنّ ابن القين هو بجليّ بينما ابن سليم هو أزديّ. ثالثاً: قول الفضيل قبل ذكر اسم كثير وهو (وقتل من بجيلة..) وهذا واضح باعتبار أنّ زهير بجليّ وكثير كان ممّن شارك في قتله، ولذا كان ينبغي إدراج اسمه في فهرس أسماء الشهداء إلّا أنّ هذا لم يحصل وهذا بالاضافة إلى أنّ اسم سلمان بن مضارب قد جاء بعد ذكر اسم مهاجر بن أوس بعنوان ابن عمّه، مع أنّ الصحيح هو أن يكون اسم زهير بن القين قبله لأنّ سلمان هو ابن عمّ زهير (السيّد أبو القاسم الخوئيّ, معجم رجال الحديث, ج9, ص193) لا مهاجر، لأنّ قيناً ومضارباً وهما أبوا زهير وسلمان كانا من أولاد قيس, وجاء سلمان مع ابن عمّه زهير سنة (60 ق) إلى مكّة والتحق سلمان بالإمام عليه السلام عندما أصبح زهير في ركبه أيضاً. (السماويّ, إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام, ص169).
3 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص351, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص260, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص118, ابن عساكر, تاريخ مدينة دمشق, تحقيق عليّ شيري, بيروت, دار الفكر, 1415ق, ج18, ص445, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص208, الصفديّ, الوافي بالوفيات, ج14, ص189, ابن صبّاغ المالكيّ, الفصول المهمّة, ص193, ميرخواند, تاريخ روضة الصفا, ج5, ص2270.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

129

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 صرّحوا، وطبقاً لخبر زحر، أيضاً بأنّ الشهداء يبلغ عددهم 32:  1 ، 70  2 (فارساً) 3 77  82-4 - و88 شهيداً5.

 
4- ذكر البلخيّ (م 322 ق) والمسعوديّ أنّ عددهم (87) شهيداً6.
 
5- قول المحقّقين المعاصرين:
أ- سجّل العلّامة السيّد محسن الأمين أسماء شهداء النهضة الحسينيّة (من بدايتها إلى نهايتها) فكانوا: (139) شهيداً7.
 
ب- يرى الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين ومن خلال البحث التحليليّ حول هذا الموضوع، أنّ عدد الشهداء أكثر من مائة بقليل8.
 
ج- وصل العدد عند الشيخ ذبيح الله المحلّاتيّ إلى (228) شهيداً من بداية الثورة إلى نهايتها مع احتساب شهادة عبد الله بن عفيف الكنديّ عند إحضار الأسرى إلى الكوفة9. وهناك قول آخر لبعض الباحثين يعتبر أنّ عدد الشهداء من بداية النهضة الحسينيّة إلى نهايتها هو (182) شهيداً10.



1 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص127, باعتبار أنّ رواية الخوارزميّ هي نفس رواية ابن الأعثم التي جاء فيها كلمة ثمانين بدل ثلاثين فيظهر أنّ كلمة ثلاثين هي تصحيف كلمة ثمانين لأنّ القول بأنّ أصحاب الإمام الحسين عليه السلام كانوا (32) رجلاً (حسب ما جاء في رواية ابن الأعثم) لا يتوافق أبداً مع أيّ عدد من الاحصائيّات الأخرى.
2 سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص193.
3 ابن عبد ربّه, العقد الفريد, مطبعة اللجنة للتأليف والترجمة والنشر, 1365ق, ج4, ص328.
4 الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص62.
5 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص190.
6 ابو زيد أحمد بن سهل البلخيّ, البدء والتاريخ, ج2, ص241, والمسعوديّ, مروج الذهب ومعادن الجوهر, ج3, ص72.
7 السيّد محسن الأمين العامليّ, أعيان الشيعة, ج1, ص610, 612.
8 الشيخ محمّد مهدي شمس الدّين, أنصار الحسين عليه السلام, ص49 52, إلّا أنّه ذكر في ص54 أن عدد الأنصار (100) رجل أو أكثر بقليل أو أقلّ بقليل.
9 ذبيح الله المحلّاتي, فرسان الهيجاء, ج2, ص154.
10 غلا م حسين الزركري نجاد, نهضت إمام حسين عليه السلام وقيام كربلا (نهضة الإمام الحسين عليه السلام وثورة كربلاء), ص291 386.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

 


130

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 وفي كلّ الأحوال، فإنّ القول بأنّ العدد هو (72) شهيداً هو الأكثر قبولاً واعتماداً من بين الأقوال الأخرى، لأنّه من جهة هو يعتمد على مصادر قديمة، ومن جهة أخرى هو الرأي المشهور.

 
ب- شهداء بني هاشم:
إنّ هناك اختلافاً كبيراً فيما تنقله المصادر حول أعداد شهداء بني هاشم وهي ما بين تسعة شهداء إلى ثلاثين شهيداً، إلّا أنّ أشهر الأقوال الموجودة في كثير من المصادر هو سبعة عشر شهيدا1 وبعض هذه الروايات قد وردت عن الأئمّة  عليهم السلام2.
 
إنّ عدد شهداء بني هاشم في أقدم النصوص التاريخيّة هو عشرون (بالإضافة إلى مسلم بن عقيل والإمام عليه السلام)3 وأمّا الاحصائيّات الأخرى فقد وردت على الشكل التالي: تسعة شهداء4 وأكثر من عشرة5 و (14)6



1 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص196, ح 305, خليفة بن الخياط العصفريّ, تاريخ خليفة بن خيّاط, ص179, سليمان بن أحمد الطبرانيّ, المعجم الكبير, ج3, ص104 و 119, الشيخ الصدوق, كمال الدّين وتمام النعمة, ص533, وله الأمالي, المجلس 87, ص694, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص125 126, محمّد بن حسن الطوسيّ, الأمالي, ص162, ح 268, عماد الدّين الطبريّ, بشارة المصطفى, ص426, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص53, الأربليّ, كشف الغمّة, ج2, ص267, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص205. طبعاً في معظم هذه المصادر مع عدم إضافة الإمام الحسين يصبح العدد (17).
2 كما نقل ذلك في كمال الدّين: للشيخ الصدوق والأمالي للشيخ الطوسيّ.
3 تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص149 151 وكذا الشيخ الصدوق, الخصال, ص519, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص179 وابن أبي الحديد, شرح نهج البلاغة, ج15, ص251. ذكروا هذا العدد من دون إضافة مسلم بن عقيل.
4 ابن أبي حاتم الرازيّ, السيرة النبويّة, ص558.
5 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج6, ص293 (رواية عمّار الدهنيّ عن الإمام الباقر عليه السلام, ابن الجوزيّ, المنتظم, ج5, ص340, ابن حجر العسقلانيّ, تهذيب التهذيب, ج2, ص302.
6 أبو نعيم الأصفهانيّ, حلية الأولياء, ج3, ص138, ابن عساكر, تاريخ مدينة دمشق, ج41, ص386, الأربليّ, كشف الغمّة, ج2, ص314, عندما أحصى المسعوديّ أسماء شهداء بني هاشم لم يذكر سوى (14) شهيداً (مروج الذهب ومعادن الجوهر), ج3, ص82.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

131

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 (15)1 و(16)2 و(18)3 و(19)4 و(21)5 و(22)6 و(23)7 و(26)8 و(27)9 بالاضافة إلى الإمام عليه السلام ومسلم بن عقيل و (30)10 شهيداً.

 
في كلّ الأحوال، فإنّ القول المقبول هو (17) شهيداً لشهرته وقِدَمه الزمنيّ وكثرة مصادره، بالاضافة إلى وروده - كما سبق - في روايات أهل البيت  عليهم السلام.
 
9- التركيب القبليّ لعسكر الإمام عليه السلام:
إنّ من المواضيع القابلة للبحث والدراسة في واقعة كربلاء هو التركيب القبليّ لأنصار الإمام الحسين عليه السلام الذي يدلّ على تشكّل أتباعه وأصحابه



1 النويريّ, نهاية الأرب في فنون الأدب, ج20, ص461 462.
2 الخليفة بن الخيّاط, تاريخ خليفة بن خيّاط, ص179, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج3, ص118, ابن عبد ربّه الأندلسيّ, العقد الفريد, ج4, ص358, عليّ بن محمّد العمريّ, المجدي في أنساب الطالبيّين, ص15, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسينعليه السلام, ص350, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص52, الذهبيّ, تاريخ الإسلام, ج5, ص 14, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص184 و205.
3 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص190, الشيخ الصدوق, عيون أخبار الرضا عليه السلام, ج2, ص268, والأمالي, المجلس 27, ص192, الطبرسيّ, تاج المواليد, ص32, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص337, الطبريّ, كامل بهائي (الكامل البهائي في السقيفة), ج2, ص303.
4 القاضي النعمان المغربيّ, دعائم الإسلام, ج3, ص168, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص329, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ص255 256, ابن حجر الهيتميّ, الصواعق المحرقة, ص198.
5 سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص181, ابن طلحة الشافعيّ, كفاية الطالب, ص446 447, رقم 11630, ابن حجر الهيتميّ, الصواعق المحرقة, ص198.
6 أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيّين, ص62.
7 محمّد بن أحمد الدولابيّ, الذرّيّة الطاهرة, ص97, ابن عبد البرّ القرطبيّ, الإستيعاب, ج1, ص381.
8 هادي بن إبراهيم الوزير, نهاية التنويه في ازهاق التمويه, ص128و212 والظاهر أنّه سجّل خطأً قول الحسن البصريّ الذي هو (16) شهيداً برقم (26).
9 الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص53, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122, إلّا أنّه عند العدّ التفصيليّ لأسماء الشهداء أحصى ثلاثين منهم.
10 محمّد بن حسن الطوسيّ, مصباح المتهجّد, ص782, محمّد بن المشهديّ, المزار الكبير, ص474, المجلسي, بحار الأنوار, ج45, ص63 وج 98, ص304, محمّد تقي سبهر, ناسخ التواريخ (در احوالات سيّد الشهداء عليه السلام), ج3, ص17, السيّد محسن الأمين, أعيان الشيعة, ج1, ص610, رسول جعفريان, تأملى در نهضت عاشورا, ص142.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

132

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 من قبائل مختلفة، ويظهر لنا أيضاً القبيلة الأكثر مشاركة في نصرة الإمام عليه السلام من بين القبائل الأخرى.

 
وقد كتب بعض المؤرّخين المتقدّمين، وكذا بعض المحقّقين المعاصرين آراءً حول ذلك، فمثلاً نرى الفضيل بن الزبير قد تحدّث عن التركيب القبليّ للشهداء على النحو الآتي:
الشهداء من بني هاشم: عشرون رجلاً (إضافة إلى الإمام عليه السلام ومسلم بن عقيل) ومن بني أسد بن خزيمة: خمسة شهداء- ومن بني غفار بن حليل بن ضمرة: ثلاثة، ومن بني تميم: إثنان، ومن بني سعد بن بكر: واحد ومن بني تغلب: أربعة، ومن الأنصار: ستّة ومن بني حارث بن كعب: واحد ومن بني خثعم: ثمانية ومن طيّ: إثنان، ومن مراد: ثلاثة ومن بني شيبان بن ثعلبة: واحد ومن بني حنيفة: واحد ومن جواب (حوان): إثنان ومن صيدا: إثنان ومن كلب: إثنان ومن كندة: ثلاثة ومن بجيلة: أربعة1 ومن جهينة: ثلاثة ومن الأزد: أربعة ومن همدان: عشرة ومن حضرموت: واحد2.
 
وكتب بعض المحقّقين المعاصرين حول التركيب القبليّ إحصاءً لـ (112)3 رجلاً من شهداء بني هاشم وغيرهم منذ انطلاقة الثورة على الشكل التالي:
الهاشميّون ومواليهم (إضافة إلى مسلم بن عقيل): (26) شهيداً، الأسديّون: (7) رجال، الهمدانيّون: (14)، المذحجيّون: (8)، الأنصار: (7)،



1 ذكر الفضيل هنا أسماء خمسة أفراد من بجيلة، ولكن كما سبق القول فإنّ اثنين منهم وهما كثير بن عبد الله ومهاجر بن أوس يعدّان من جنود الأعداء، إلّا أنّ هذين الاسمين ذكرا خطأ بدل اسم زهير فأصبح المجموع خمسة. وعليه فلو ذكرنا بدلاً من هذين اسم زهير مع ابن عمّه سلمان فإنّ العدد سيكون أربعة من بجيلة.
2 تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص152 156 نقل حميد بن أحمد المحلّى (م 652 ق) هذا التفصيل أيضاً مع اختلاف يسير (الحدائق الورديّة في مناقب أئمّة الزيديّة, ج1, ص210 212).
3 محمّد السماويّ, إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام, ص29 إلّا أنّه وحسب الاحصاء الوارد في المتن فإنّ السماويّ زاد واحداً وهو الإمام عليه السلام نفسه، فأصبح العدد هو (113).


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

133

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 البجليّون والخثعميّون: (4)، كندة: (5)، الغفاريّون: (3)، الكلبيّون: (3)، الأزديّون: (7)، العبديّون: (7)، التيميّون: (7)، الطائيّون: (2)، التغلبيّون:(5)، الجهنيّون:(3) التميميّون: (2)، أفراد متفرّقون: (3)1.

 
10- شهداء الحملة الأولى:
إنّ الكثير من المصادر، لم تذكر شيئاً عن أعداد قتلى معسكر الإمام عليه السلام في الحملة الأولى لجيش الأعداء، إلّا أنّ بعض المصادر الأخرى أوردت حصيلة الشهداء من أصحاب الإمام عليه السلام في تلك الحملة أكثر من خمسين شهيداً2.
 
11- عدد الجياد التي داست على جسد الإمام عليه السلام:
إنّ بعض المصادر لم تذكر شيئاً عن عدد الجياد التي رضّت الجسم الشريف للإمام عليه السلام بل تحدّثت فقط عن أصل الواقعة3. نعم هناك الكثير من المصادر قد نصّت على عدد الأشخاص بعشرة4..
 
12- جراحات جسد الإمام عليه السلام:
1- نقل المؤرّخون عدد الجراحات التي أصابت البدن المطهّر للإمام عليه السلام بالرماح (33) وبالسيوف (34)5 وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: (33)



1 إبصار العين, ص(49) وما بعدها.
2 الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص11.
3 المسعوديّ, مروج الذهب, ج3, ص73.
4 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص410, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص347, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص113, الطبرسيّ, إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص470, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص44, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص121, السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص79, ابن نما, مثير الأحزان, ص59, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص59.
5 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص346, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص42, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص120, ابن نما, مثير الأحزان, ص58, السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص76, حميد بن أحمد المحلّى, الحدائق الورديّة, ج1, ص212, وكتب البلاذريّ والمسعوديّ أيضاً هذا العدد (من دون ذكر قائله).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

134

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 ضربة رمح و (44) إصابة بالسيوف والسهام1 وفي رواية ثالثة عنه أيضاً أنّ ضربات السيوف كانت أكثر من سبعين2.

 
2- ورُوي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ عدد الجراحات أكثر من (320)3 ، وفي خبر آخر أنّها (63) ضربة بالسيوف والرماح والسهام4.
 
3- ونقل عن الإمام السجّاد عليه السلام في رواية أنّ الجراحات أربعون ضربة بالسيوف والرماح5.
 
4- ورد في بعض المصادر أنّ الجراحات (110) من أثر الرماح والسيوف والسهام6.
 
5 - ذكرت بعض المصادر الأخرى (120) ضربة سيف وسهم وحجر7.
 
6- كتب ابن سعد (33) جراحة8.



1 القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص164, الطبريّ, دلائل الإمامة, ص178, وفي نقل عن الطبريّ (32) ضربة رمح و (44) ضربة سيف.
2 الشيخ الطوسيّ, الأمالي, ص677, ج10.
3 الشيخ الصدوق, الأمالي, مجلس31, ح1, ص228, الفتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص189, الطبرسيّ, تاج المواليد, ص31, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص120, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص82, ابن شهرآشوب، ذكر أقوالاً أخرى أيضاً: 1 360 جرحاً, 2 1900 جرحٍ, 3 33 ضربة سيف ما عدا السهام (المناقب, ج 4, ص120).
4 الشيخ الكلينيّ, الكافي, ج6, ص452, ح 9, والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص92, ح 36.
5 القاضي النعمان المغربيّ, دعائم الإسلام, ج2, ص154.
6 القاضي النعمان, شرح الأخبار, ج3, ص164, الطبريّ, دلائل الإمامة, ص178, الخوارزميّ, المصدر, ج2, ص42, أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزيّ, الردّ على المتعصّب العنيد, ص39, ابن نما, مثير الأحزان, ص57 58, حميد بن أحمد المحلّى, الحدائق الورديّة, ج1, ص213. ونقل أيضاً ابن سعد خبراً مشابهاً لهذا. (ترجمة الحسين ومقتله, ص186).
7 المحلّى, الحدائق الورديّة, ج1, ص213.
8 ترجمة الحسين ومقتله, ص184, ابن نما, مثير الأحزان, ص57 58, القاضي النعمان نقل مثل هذا الخبر (شرح الأخبار, ج3, ص164).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

135

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 7- وروى عليّ بن محمّد العمريّ وابن عنبه (م 828 ق) أنّ الجراحات سبعون1، وصرّح السيّد ابن طاووس بـ (72) جراحة2.

 
وكما يلاحظ فإنّ الاختلاف الكبير بين هذه الأقوال يمنع من ترجيح أحدها على الآخر بسهولة، ولا يمكن الجمع بين بعضها أيضاً، وأمّا ما يمكن قوله فهو أنّ أعداد الجراحات تفوق المائة، وممّا يؤيّد هذا القول الأخبار التي تتحدّث عن إصابة جسد الإمام عليه السلام بالسهام إلى الحدّ الذي أصبح فيه مغطّى ومستتراً بها3.
 
13- العوائل:
نقل بعض الباحثين المعاصرين حضور ثلاث عوائل في كربلاء4.
1- عائلة جنادة بن كعب بن حرث (حارث) السلمانيّ الأنصاريّ5.
2- عائلة عبد الله بن عمير الكلبيّ6.
3- عائلة مسلم بن عوسجة.
 
إلّا أنّ مراجعة هذا الموضوع تظهر عدم وجود أيّ سند معتبر يدلّ على حضور عيال مسلم هناك، نعم بعض المصادر ذكرت فقط وجود خادمة معه7، ويحتمل أن تكون أمّ ولد وليس زوجة له.



1 محمّد بن عليّ العمريّ, المجدي في أنساب الطالبيّين, ص13, جمال الدّين أحمد بن عليّ الحسينيّ, عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب, ص192.
2 السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص71.
3 الطبرسيّ, إعلام الورى, ج1, ص469, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص120.
4 محمّد بن الطاهر السماويّ, إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام, ص220 221.
5 الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص25.
6 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص334.
7 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص332, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص19, والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص20.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

136

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 14- الشهداء من الصحابة:

لقد كان بين أنصار الحسين عليه السلام عدد من أصحاب النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا شاهد آخر على حقّانيّة الإمام الحسين عليه السلام وفضيلته العظمى عند الأمّة في تلك المرحلة الزمنيّة، وأمّا عددهم فهو - حسب رواية المؤرّخين - متفاوت، فقد عدّهم الفضيل بن الزبير ستّة1، والمسعوديّ أربعة2.
 
إلّا أنّ بعض المصنّفين المعاصرين3 اعتبرهم خمسة على الشكل التالي:
1- أنس بن حارث الكاهليّ4
2- حبيب بن مظاهر5
3- مسلم بن عوسجة الأسديّ
4- هاني بن عروة المراديّ7
5 5- عبد الله بن بقطر8.
 
15- رؤوس الشهداء المقطوعة:
لم يرد في المصادر التاريخيّة عدد الرؤوس المطهّرة لشهداء كربلاء التي فصلت عن أجسادهم على يد جنود عمر بن سعد على نحو واحد:
1- ذكر البلاذريّ والدينوريّ والطبريّ والشيخ المفيد والخوارزميّ وابن نما أنّ 



1 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, تحقيق السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ, مجلّة تراثنا الفصليّة, العدد 2, ص153 154.
2 المسعوديّ, مروج الذهب ومعادن الجوهر, ج3, ص72.
3 السماويّ, إبصار العين, ص221.
4 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص152, الشيخ الطوسيّ, رجال الطوسيّ, ص21, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج1, ص184, محبّ الدّين أحمد بن عبد الله الطبريّ, ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى, ص146.
5 ابن حجر, تبصير المنتبه, ج4, ص1296.
6 عبد الله المامقانيّ, تنقيح المقال, ج3, ص214.
7 ابن حجر العسقلانيّ, الإصابة في تمييز الصحابة, ج6, ص445, رقم 9051, غياث الدّين بن همام الدّين الحسينيّ (خواند مير) تاريخ حبيب السير في أخبار البشر, ج2, ص43 والمامقانيّ, تنقيح المقال, ج3, ص288.
8 ابن حجر, الإصابة في تمييز الصحابة, ج5, ص8, لم يكن عبد الله في عقيدة ابن حجر صحابيّاً بل كانت ولادته في مثل سنة ولادة الحسين بن عليّ عليه السلام ومن الطبيعيّ أنّه قد أدرك النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم وهو طفل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

137

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 عدد الرؤوس (ما عدا رأس الإمام عليه السلام) هو (72)1.

 
2- ونصّ الدينوريّ عند الحديث عن توزيع الرؤوس بين القبائل على (75) رأساً، بينما نقل البلاذريّ عن أبي مخنف أنّها (82)2.
 
3- كتب سبط ابن الجوزيّ نقلاً عن هشام الكلبيّ أنّها (92)3.
 
4- وصرّح السيّد ابن طاووس ومحمّد بن أبي طالب الموسويّ بأنّ الرؤوس (78)4.
 
5- وروى الطبريّ وابن شهرآشوب نقلاً عن أبي مخنف وابن صباّغ المالكيّ بأنّ عدد الرؤوس التي حملت إلى عبيد الله تبلغ السبعين5.
 
ويظهر أنّ القول الأوّل هو الأكثر اعتباراً، بلحاظ أنّ القائلين به هم من المتقدّمين الأوائل.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص349, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص412, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص113, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص45, ابن نما, مثير الأحزان, ص65, إنّ الطبريّ في الصفحة 384 والخوارزميّ في الصفحة 44 ذكرا أنّهما لم يعدّا رأس الإمام عليه السلام ثمّ صرّح كلّ منهما في الصفحة اللاحقة بأنّ بقيّة الشهداء قد قطعت رؤوسهم وأنّ المقصود من البقيّة هو غير رأس الحسين عليه السلام ولذا فإنّ مجموع الرؤوس مع رأس الإمام عليه السلام هو (73) وممّا يؤيّد ذلك أيضاً عبارات الدّينوريّ والشيخ المفيد وابن نما.
2 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص412, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259. والظاهر أنّ قول البلاذريّ هو قول الطبريّ، عن أبي مخنف ولكن بدلاً من الرؤوس الستّة التي حملتها قبيلة مذحج ذكر (16) وبدلاً من سبعة رؤوس حملها باقي عساكر ابن سعد ذكر تسعة منها. فأصبح العدد عنده زائداً على نقل الطبريّ بـ (12) رأساً.
3 سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ص256. طبعاً في الطبعة الجديدة المحقّقة من هذا الكتاب ورد مكان كلمة (تسعون) كلمة (سبعون) فيصبح عدد الرؤوس هو الرأي المشهور أي (72), (المصدر, ج2, ص182) وقد نقل هو في محلّ آخر: أكثر من (70) رأساً (المصدر, ج2, ص189).
4 السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص85, (تسلية المجالس وزينة المجالس), ج2, ص331, والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص62.
5 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص358, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص121, وابن صبّاغ المالكيّ, (الفصول المهمّة, ص198).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

138

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 16- الشهداء الموالي:

ذكر الفضيل بن الزبير أنّ الشهداء من موالي الإمام الحسين عليه السلام هم ثلاثة1، ونقل ابن سعد والطبريّ أنّ الشهداء اثنان2، وقد زاد الفضيل مولى لحمزة بن عبد المطلب قد استشهد3. وأمّا ابن شهرآشوب فقد ذكر في هذا الموضوع أنّ الموالي اثنا عشر شهيداً قتلوا في كربلاء، عشرة منهم موالي الإمام الحسين عليه السلام واثنان من موالي أمير المؤمنين عليه السلام4 وقد عدّ بعض المحقّقين، الموالي الشهداء خمسة عشر رجلاً5.
 
17- الجرحى من معسكر الإمام الحسين عليه السلام:
أ- الجريح الذي بقي حيّاً: إنّ الجريح الوحيد الذي بقي سالماً بعد معركة كربلاء - حسب قول المؤرّخين - هو الحسن بن الحسن بن عليّ عليه السلام (الحسن المثنّى)6.
ب- الجرحى الذين استشهدوا لاحقاً: إنّ هناك ثلاثة أفراد جرحوا في واقعة عاشوراء، ثمّ استشهدوا بعد ذلك، وهم:
1- سوار بن حمير الجابريّ7.



1 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص152.
2 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص186, والطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص359.
3 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص152.
4 ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
5 السماويّ, إبصار العين, ص221 222.
6 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص150, ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص186, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص359, ابن حبّان, الثقات, ج2, ص310, أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ص79, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122. هو يقول بأنّ يده قد قطعت.
7 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص156, المحلّى, الحدائق الورديّة, ج1, ص212.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

139

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 2- عمرو بن عبد الله الهمدانيّ الجندعيّ1.

3- المرقّع بن ثمامة الأسديّ2.
 
18- الأسرى والناجون:
كتب بن سعد عمّن خرج حيّاً بعد كربلاء سواءً من الصغار أو الكبار فقال هم خمسة3 بينما عدّهم الدينوريّ أربعة، إثنان منهم من بني هاشم4. ونقل ابن قتيبة وابن عبد ربّه عن محمّد بن الحسين أنّه قال: كنّا في الأسر اثنا عشر5. وأمّا القاضي النعمان المغربيّ فاعتبرهم أربعة عشر أسيراً أربعة منهم نساءٌ6.
 
إنّ من المناسب هنا الفصل بين عدد الرجال وعدد النساء.
أ- الرجال:
إنّ مراجعة المصادر القديمة والبحث فيها يدلّان على أنّ الباقين من الرجال بعد كربلاء هم على النحو الآتي:
1- الإمام السجّاد عليه السلام.
2- الإمام الباقر عليه السلام.
3- عمر بن الحسين عليه السلام7.
4- محمّد بن الحسين بن عليّ عليه السلام8.
5- زيد بن



1 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص156, المحلّى, الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
2 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج11, ص183 (كتب اسمه المرقع بن قمامة بن خويلد), ابن كثير, البداية والنّهاية, ج 8, ص205 (كتبه مرقع بن يمافة), أمّا الطبريّ (تاريخ الطبري, ج4, ص347), والبلاذريّ في مكان آخر (أنساب الأشراف, ج3, ص411), والدّينوريّ (الأخبار الطوال, ص259) فلم يذكروا شيئاً عن شهادته بل نقلوا أنّ المرقع التحق بقبيلته بعد أن أخذ له الأمان أحد أفرادها من ابن زياد الذي نفاه إلى زاره.
3 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص186 187.
4 الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259.
5 ابن قتيبة, الإمامة والسياسة, ج2, ص12, وقريب من هذا النقل راجع ابن عبد ربّه, العقد الفريد, ج4, ص385, ومحمّد بن أحمد الباعونيّ, جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب, ج2, ص287.
6 القاضي النعمان, شرح الأخبار, ج3, ص196 199.
7 الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259, وابن كثير, البداية والنّهاية, ج 8, ص212.
8 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, وابن عبد ربّه الأندلسيّ, العقد الفريد, ج4, ص360.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

140

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 الحسين عليه السلام1

6- عمرو بن الحسن عليه السلام2
7- محمّد بن عمرو بن الحسن عليه السلام3
8- 9- ولدا جعفر 4
10- عبد الله بن عبّاس بن عليّ عليه السلام5
11- القاسم بن عبد الله بن جعفر6
12- القاسم بن محمّد بن جعفر7
13- محمّد بن عقيل الأصغر8
14- عقبة بن سمعان، غلام الرباب9
15- غلام عبيد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاريّ10
16- مسلم بن رباح غلام أمير المؤمنين عليه السلام11
17- عليّ بن عثمان المغربيّ12.



1 أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ص79, والسيّد ابن طاووس, اللهوف, ص86.
2 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص186, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص353 و359, ابن حبّان, الثّقات, ج2, ص310, أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ج2, ص41, ابن عساكر, تاريخ مدينة دمشق, ج45, ص484 (في هامش ترجمة عمرو بن الحسن), سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص178 (كتب هو أيضاً عمر بن الحسن), السيّد ابن طاووس, اللهوف, 86, وعدّه الشيخ المفيد رحمه الله أحد الشهداء (الإرشاد, ج2, ص26).
3 الفضيل بن الزبير, تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام, ص150 و157, أبو الصلاح الحلبيّ, تقريب المعارف, ص252 (كتب بدلاً من عمرو عمر), ابن كثير, البداية والنّهاية, ج 8, ص205. كان ابن عساكر الشخص الوحيد الذي عدّ عمرو بن الحسنعليه السلام والد محمّد أحد الأسرى وبرأيه أنّ محمّداً لم يكن قد ولد في ذلك الزمان (تاريخ مدينة دمشق, ج55, ص15).
4 ابن قتيبة الدّينوريّ, الإمامة والسياسة, ج2, ص8.
5 القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص198.
6 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص187, والذهبيّ, تاريخ الإسلام, ج3, ص303.
7 القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص197.
8 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص 187, ابن عساكر, تاريخ مدينة دمشق, ج54, ص226, والذهبيّ, تاريخ الإسلام, ج3, ص303.
9 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259, والطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص347.
10 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص321.
11 ابن عساكر, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص223.
12 الشيخ الصدوق, كمال الدّين وتمام النعمة, ص546.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

141

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 ب- النساء:

نقل ابن سعد عن عدد السبايا من أهل البيت أنهنّ ستٌّ1، وأمّا القاضي النعمان المغربيّ فعدّهنّ أربعاً2 بينما قال أبو الفرج الأصفهانيّ: السبايا ثلاث3.
 
وردت أسماء النساء على الشكل التالي:
1- زينب عليه السلام4
2- فاطمة5
3- أمّ كلثوم6
4- أمّ الحسن7 (بنت أمير المؤمنين عليه السلام). 
5- فاطمة8
6- سكينة9
7- فاطمة الصغرى10 (بنت الحسين بن عليّ عليه السلام). 
8- الرباب11 (زوجة الإمام وأمّ سكينة وعبد الله الرضيع). 
9- أم محمّد12 (بنت الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام وزوجة الإمام السجّاد عليه السلام).



1 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص187, والذهبيّ, تاريخ الإسلام, ج3, ص303.
2 القاضي النعمان, شرح الأخبار, ج3, ص198 199.
3 أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيّين, ص79.
4 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص187, أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ص79, والشيخ الصدوق, الأمالي, المجلس, 31, ص229.
5 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص 187, والشيخ الصدوق, الأمالي, ص231.
6 أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ص79, والقاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص198.
7 القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3, ص198.
8 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص187, الطبرانيّ, المعجم الكبير, ج3, ص104, القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج 3, ص198, الشيخ الصدوق, الأمالي, ص228.
9 ابن سعد, ترجمة الحسين ومقتله, ص 187, أبو الفرج الأصفهانيّ, مقاتل الطالبيين, ص79, الطبرانيّ, المعجم الكبير, ج 3, , ص104, القاضي النعمان المغربيّ, شرح الأخبار, ج3,, ص199, والشيخ الصدوق, المصدر, ص230.
10 الطبرسيّ, الإحتجاج, ج2, ص27, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص105, ابن نما, مثير الأحزان, ص67, والسيّد ابن طاووس, اللهوف, ص88.
11 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص187.
12 نفس المصدر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

142

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 19- النساء اللواتي كان لهنّ دور في النهضة الحسينيّة:

هنّ أربع نسوة: 
1- مارية1 (بنت سعد أو منقذ العبديّة الذي كان منزله محلّاً لاجتماع بعض الشيعة من أهل البصرة). 
2- طوعة2 (جارية الأشعث التي بات مسلم في بيتها بعدما بقي وحيداً في أزقّة الكوفة). 
3- الديلم3 أو الدلهم4 (زوجة زهير بن القين التي ألحّت على زوجها للالتحاق بركب الإمام الحسين عليه السلام). 
4- إمرأة من أهل الكوفة وزّعت الملابس والمقانع على سبايا أهل البيت عليهم السلام5.
 
20- النساء المعارضات:
حسب ما يصل إليه البحث والمطالعة، فإنّ هناك خمس نساء وجّهن انتقادات على ما قام به جيش يزيد خلال واقعة عاشوراء:
1- أمّ عبد الله6 (ابنة الحرّ البديّ الكنديّ - زوجة مالك بن نسير).
2- بنت عبد الله بن عفيف الكنديّ7.
3- إمرأة من قبيلة أبي بكر بن وائل8.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص263.
2 المصدر نفسه, ص277 - 278.
3 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص378 379.
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص298.
5 ابن نما, مثير الأحزان, ص66, السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص190, والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص108.
6 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج 4, ص342, ابن نما, مثير الأحزان, ص57, كان اعتراضها على زوجها بسبب سرقته برنس الإمام الحسين عليه السلام.
7 ابن نما, مثير الأحزان, ص73, السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص205, والمجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص120, وكانت تدافع عن أبيها عندما هاجمه جنود ابن زياد.
8 ابن نما, مثير الأحزان, ص58, والسيّد ابن طاووس, اللهوف, ص180, انتقدت عساكر عمر بن سعد عندما هجموا على خيام النساء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

143

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 4- نوار1 (زوجة أو بنت كعب بن جابر بن عمرو الأزديّ). 

5- نوار2 (بنت مالك بن عقرب الحضرميّ- زوجة خولّى).
 
21- مدّة إقامة أهل البيت  عليهم السلام وعزائهم في الشام:
كما ذُكر سابقاً فإنّ الروايات التاريخيّة حول فترة بقاء أهل البيت  عليهم السلام في الشام ومدّة عزائهم فيها مختلفة- فالبعض مثل ابن الأعثم والشيخ المفيد وتبعاً له الشيخ الطبرسيّ تحدّثوا عن فترة إقامة الأسرى هناك بعبارات مجملة فقالوا: (وأقاموا أيّاماً)3 أو (فأقاموا أيّاماً)4 ، إلّا أنّ البعض من أمثال ابن سعد والطبريّ والخوارزميّ (نقلاً عن أبي مخنف) وابن عساكر وسبط ابن الجوزيّ وابن كثير والمجلسيّ فقد صرّحوا عن تلك المدّة مع مجالس العزاء التي أقاموها بمشاركة نساء وعيال معاوية أنّها ثلاثة أيّام5.
 
ذكر القاضي النعمان المغربيّ (م 363 ق) أنّ مدّة إقامتهم عليهم السلام في الشام كانت (45) يوماً6.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك,, ج4, ص329, اعترضت على زوجها لإلتحاقه بجيش عمر بن سعد ضدّ الإمام الحسين عليه السلام ولقتله البرير بن الخضير.
2 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص348, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص114, ابن نما, مثير الأحزان, ص65 66, وابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص206 أنبت زوجها على إتيانه برأس الإمام الحسين عليه السلام حيث كان يبدي سروره بذاك الشيء الذي أتى به إلى الدار والذي به سيحصل الثروة والغنى مدى الدهر.
3 ابن الأعثم, كتاب الفتوح, ج5, ص133.
4 الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص122, والطبرسيّ, إعلام الورى بأعلام الهدى, ج1, ص475.
5 محمّد بن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص192, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص353, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص81, ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين عليه السلام, ص338, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص199, أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقيّ, البداية والنهاية, ج8, ص212, ومحمّد باقر المجلسيّ, جلاء العيون, ص405.
6 أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميميّ المغربيّ, شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار, ج3, ص269.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

144

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 وقبل السيّد ابن طاووس (م 664 ق) القول بأنّ مدّة إقامة أهل البيت عليهم السلام في سجن دمشق شهراً كاملاً1.

 
ونقل عماد الدّين الطبريّ (كان حياً حتّى 701 ق) والمجلسيّ (في مكان آخر) أنّ أهل البيت عليهم السلام أقاموا العزاء سبعة أيّام ثمّ يضيف المجلسيّ أنّ يزيد استدعاهم في اليوم الثامن وتلطّف بهم ثمّ جهّزهم للعودة إلى المدينة2.
 
إنّ ما يمكن قوله من خلال استعراض هذه الآراء هو أنّ الأقوال بإقامتهم شهراً كاملاً أو (45) يوماً هي أقوال ضعيفة بسبب شذوذها، وأمّا طريقة الجمع بين عزاء نساء وعيال معاوية لمدّة ثلاثة أيّام وبين عزاء أهل البيت عليهم السلام لمدّة سبعة منها، فهي أنّ عائلة معاوية بعد مشاهدة أهل البيت عليهم السلام ومعرفة مظلوميّتهم، شاركن في مجالس العزاء في اليوم الخامس إلى السابع. وبناء على ذلك فإنّ بقاء أهل البيت  عليهم السلام في الشام منذ دخولهم إليها لم يتجاوز العشرة أيّام.
 
22- تقويم حوادث نهضة عاشوراء:
15 رجب: موت معاوية3.
28 رجب عام 60 (ليلة الأحد) خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة4.
3 شعبان: (ليلة الجمعة) دخول الإمام عليه السلام إلى مكّة5.



1 السيّد ابن طاووس, الإقبال بالأعمال, ج3, ص101.
2 الطبريّ, كامل بهائي (الكامل البهائيّ في السقيفة), ج2, ص302, المجلسيّ, بحار الأنوار, ج45, ص196, وله جلاء العيون, ص409.
3 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص164, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص368, والطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص239 240 و250 (وذكر أيضاً أزمنة أخرى لموته) والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص32.
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج 4, ص252 و 286, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص371, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص34, محمّد بن فتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص172, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص171.
5 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص286, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص371, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص35, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص273, ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص171, أمّا ابن الأعثم والخوارزميّ وابن نما والسيّد ابن طاووس، فقد أخطأوا في اعتبارهم هذا اليوم هو زمان خروج الإمام عليه السلام من المدينة (كتاب الفتوح, ج5, ص22, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص273, مثير الأحزان, ص15, واللهوف, ص21).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

145

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 10 رمضان: وصول الرسائل الأولى من أهل الكوفة إلى الإمام عليه السلام على يد عبد الله بن مسمع الهمدانيّ وعبد الله بن الوال1.

 
12 رمضان: وصول (150) رسالة إلى الإمام عليه السلام من أهل الكوفة بوساطة قيس بن مسهّر الصيداويّ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبيّ وعمارة بن عبد السلوليّ2.
 
14 رمضان: وصول رسالة وجهاء أهل الكوفة وعامّتهم إلى الإمام عليه السلام على يد هاني السبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفيّ3.
 
15 رمضان: خروج مسلم من مكّة إلى الكوفة لأداء مهامّه4.
5 شوال: دخول مسلم إلى الكوفة5.
8 ذي الحجّة: (الثلاثاء): خروج الإمام عليه السلام من مكّة6.
8 ذي الحجّة: ثورة مسلم بن عقيل في الكوفة7.
9 ذي الحجّة: شهادة مسلم8.



1 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص262, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص370, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص37.
2 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص262, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص370, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص37.
3 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص262, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص38.
4 المسعوديّ, مروج الذّهب, ج3, ص65.
5 نفس المصدر, مروج الذّهب, ج3, ص65.
6 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4,ص 286, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص371, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص66, سبط ابن الجوزيّ, تذكرة الخواصّ, ج2, ص148, محمّد بن طلحة الشافعيّ, مطالب السؤول, ج2, ص73, أمّا ابن سعد (ترجمة الحسين ومقتله, ص170) وابن عساكر (ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ص299) فقد اعتبرا أنّ خروجه عليه السلام كان في اليوم العاشر بينما سبط ابن الجوزيّ في مكان آخر (تذكرة الخواصّ, ج2, ص140 144) قد ذكر أنّه كان في اليوم السابع بينما الملّا حسين الواعظ الكاشفيّ (روضة الشهداء, 314) قد اعتبره اليوم الثالث ولكن الظاهر أنّ هذه الأقوال غير صحيحة.
7 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص286, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص66.
8 ابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص171.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

146

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 2 محرّم: دخول الإمام عليه السلام إلى كربلاء1.

3 محرّم: دخول عمر بن سعد إلى كربلاء بجيش قوامه أربعة آلاف رجل2.
6 محرّم: طلب حبيب بن مظاهر النصرة للإمام عليه السلام من قبيلة بني أسد وفشله في ذلك3.
7 محرّم: منع الإمام عليه السلام وأصحابه من الماء4.
9 محرّم: تاسوعاء ووصول الشمر إلى كربلاء5.
9 محرّم: إعلان جيش عمر بن سعد الحرب على الإمام عليه السلام وطلب الإمام عليه السلام المهلة من عمر بن سعد6.
10 محرّم: واقعة عاشوراء وشهادة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته  عليهم السلام وأنصاره.



1 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص385, الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص309, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص84, ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص83, الفتّال النيشابوريّ, روضة الواعظين, ص181, ابن شهرآشوب, مناقب آل أبي طالب, ص105, السيّد ابن طاووس, اللهوف, ص49, ابن نما, مثير الأحزان, ص35, محمّد بن طلحة الشافعيّ, مطالب السؤول, ج2, ص77, وابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص189, وفي بعض المصادر أنّه كان اليوم الأوّل من محرّم (الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص253), الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص310, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص385, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص82, وابن الجوزيّ, المنتظم, ج5, ص336.
2 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص310, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, الشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص84, وابن الجوزيّ, المنتظم, ج5, ص336.
3 ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص90 91, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج1, ص345 346.
4 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص312, البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص389, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص255, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص86.
5 ابن سعد, ترجمة الحسين عليه السلام ومقتله, ص179.
6 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص315, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص89.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

147

عاشوراء في مرآة الأرقام والأعداد

 11 محرّم: أخذ الأسرى إلى الكوفة1.

11 محرّم: دفن الشهداء على يد بني أسد (من أهل الغاضريّة)2.
1 صفر: يوم دخول أهل البيت  عليهم السلام والرأس المطهّر للإمام الحسين عليه السلام إلى الشام3.
20 صفر: يوم الأربعين الحسينيّ ووصول أهل البيت  عليهم السلام إلى كربلاء4.
20 صفر: يوم رجوع أهل البيت  عليهم السلام من الشام إلى المدينة، بحسب بعض الأقوال5.



1 البلاذريّ, أنساب الأشراف, ج3, ص411, الدّينوريّ, الأخبار الطوال, ص259, والشيخ المفيد, الإرشاد, ج2, ص114, والخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص44, كتب الدّينوريّ بأنّ عمر بن سعد بقي بعد شهادة الحسين عليه السلام يومين ثمّ ارتحل, طبعاً مع عدم عدّ يوم عاشوراء، يكون خروج عمر بن سعد من كربلاء في اليوم الثاني عشر، ولذا فقد صرّح الدّينوريّ بأنّ خروجه كان في الثاني عشر من محرّم. إلّا أنّ البعض لم يعيّن زماناً لذلك (اليعقوبيّ, تاريخ اليعقوبي, ج2, ص245, ابن الأعثم, الفتوح, ج5, ص120).
2 الطبريّ, تاريخ الأمم والملوك, ج4, ص348, الخوارزميّ, مقتل الحسين عليه السلام, ج2, ص44, وابن كثير, البداية والنّهاية, ج8, ص205.
3 أبو ريحان محمّد بن أحمد البيرونيّ الخوارزميّ, الآثار الباقية عن القرون الخالية, ص331, زكريا محمّد بن محمود القزوينيّ, عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات, ص45, والكفعميّ, مصباح الكفعميّ, ص510, طبعاً البعض اعتبر أنّ دخول أهل البيت  عليهم السلام إلى الشام هو السادس عشر من ربيع الأوّل (عماد الدّين حسن بن عليّ الطبريّ, كامل بهائي (الكامل البهائيّ في السقيفة), ج2, ص293),
4 البيرونيّ, الآثار الخالية, ص331, الملّا حسين الواعظ الكاشفيّ, روضة الشهداء, ص485, وبهاء الدّين العامليّ, توضيح المقاصد, ص6 7.
5 الشيخ المفيد, مسار الشيعة, ص46, الشيخ الطوسيّ, مصباح المتهجّد, ص787, رضى الدّين عليّ بن يوسف المطهّر الحلّي, العدد القويّة, ص219.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

148

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 في أحوال الشهداء من غير بني هاشم1

 
1- أبو الهياج
عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، المعروف بـ أبي الهياج، من أصحاب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم2، ومن أتباع عليّ عليه السلام3، وصهره4، كانت عنده رملة (بنت أمير المؤمنين عليه السلام)5. أمّه جمانة بنت أبي طالب6
 
كان أبو الهياج عاملاً لأمير المؤمنين عليه السلام زمن حكومته7. وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد بعثه قاضياً على السواد (العراق)8.
 
كان شاعراً ماهراً حاضر الجواب، وكان منه أنّه لمّا سمع عمرو بن العاص يعيب بني هاشم في محضر معاوية وبّخه بشدّة وأجابه بجوابٍ مفحم9.



1 مجموعة من الباحثين والمحقّقين, تحت إشراف حجّة الإسلام والمسلمين مهدي بيشوائي.
2 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج4, ص101. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعضهم لم يرتضِ عدّه في أصحاب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم. (ابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير، ج31, ص50).
3 راجع: المصدر نفسه، ص102، وابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير, ج31, ص49 50.
4 العلويّ (العمري)، المجدي في أنساب الطالبيّين، ص200، وابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير, ج31, ص51.
5 ابن حبيب، المحبر، ص56.
6 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج4, ص408.
7 راجع: الترمذيّ، سنن الترمذيّ، ج2, ص256، ح 1054، وأبا داود السجستانيّ، سنن أبي داود، ج2, ص83.
8 ابن حزم، المحلّى, ج9, ص385.
9 ابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير, ج31, ص51.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

149

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 كان أبو الهياج بصحبة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وقضى نحبه شهيداً معه يوم الطفّ1.

 
2- أبو ثمامة2 زياد بن عمرو3 بن عُرَيب الصائديّ4
هو من أصحاب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام5، كان من فرسان العرب، ووجوه الشيعة6.
 
التحق أبو ثمامة بمسلم بن عقيل بمجرّد وروده إلى الكوفة. وصار يقبض الأموال من الشيعة بأمر مسلم لإنفاقها في شؤون القيام، وحيث كان بصيراً بأمور السلاح وأدوات الحرب والقتال، أوكل إليه مسلم مهمّة شراء السلاح والعتاد.



1 المصدر نفسه، ص52، وابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج4, ص101.
2 أكثر المصادر التاريخيّة على أنّه كان يُكنّى بـ أبي ثمامة. راجع: (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد رقم 93, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص439, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص99 فما بعد, ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب، ص395, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص113, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص103, أبا الفرج الأصفهانيّ، مقاتل الطالبيّين، ص100).
3 في بعض المصادر ذُكر أنّ اسمه عمرو. انظر: (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص439، الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد رقم 93, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص103). وأمّا البلاذريّ وابن حزم فأوردا أنّ اسمه "زياد"، وأمّا "عمرو" فاسم أبيه، وذكرا في نسبه ما يلي: زياد بن عمرو بن عريب بن حنظلة بن دارم بن عبد الله الصائديّ. انظر: (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص395).
4 نسبة إلى "بني صائد"، من بطون قبيلة "هَمْدان". انظر: (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج2, ص232). من العرب القحطانيّين (الجنوبيّين). وفي جميع المصادر، سوى كتاب الشيخ الطوسيّ، نُسب أبو ثمامة إلى قبيلته بلفظ "الصائديّ"، وأمّا الشيخ الطوسيّ فذكر في نسبه "الأنصاريّ"، (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص103). ونسبه بعضهم بلفظ "الصيداويّ" (الدينوريّ، الأخبار الطوال، ص351). وصيداء بطن من أسد بن خزيمة. (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج2, ص253). وعليه، فما ذكرناه نحن في العنوان في تسمية الرجل هو أشهر ما ورد في المصادر المتقدّمة في اسمه ولقبه وكنيته واسم أبيه.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 93, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212. وجاء في بعض المصادر المتأخّرة أنّه شارك في جميع حروب أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ بعد شهادتهعليه السلام صار أبو ثمامة من أصحاب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام (السماويّ، إبصار العين، ص119)، لكنّنا لم نجد لذلك ذكراً في المصادر المتقدّمة.
6 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص364, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص46.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

 


150

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 وكان عبيد الله بن زياد قد أعطى مولىً له يُقال له "معقل" ثلاثة آلاف درهم، وبعثه بها إلى الكوفة ليكون عيناً له بالكوفة وليستعين بها للاستعلام عن موضع اختفاء مسلم بن عقيل، فكان أبو ثمامة الصائديّ هو من استلم المال من معقل هذا، ولم يكن له علم بكونه عيناً لابن زياد. وكان ذلك منه بأمرٍ من مسلم1.

 
شارك أبو ثمامة مع مسلم في حادثة حصار دار الإمارة، بعد أن كان قد أُلقي القبض على هانئ ابن عروة، وكان على رأس قبيلتَي تميم وهَمْدان2.
 
كان أبو ثمامة الصائديّ راسخ الإيمان، شديد الولاء لأهل البيت  عليهم السلام ، فارساً، شجاعاً. وكان إلى جانب ذلك صاحب ذكاء وفطنة شديدين، ولا سيّما فيما يرتبط بالمجال السياسيّ والأمنيّ والاستخباراتيّ. ولذلك، لمّا اقترح كثير بن عبد الله على عمر بن سعد أن يبعث إلى الحسين عليه السلام من يقتله غيلةً، ثمّ تطوّع هو نفسه للقيام بهذا الفعل، فبعثه ابن سعد إلى كربلاء، فطلب لقاء الإمام عليه السلام رافضاً وضع سيفه، واجهه أبو ثمامة الصائديّ مانعاً إيّاه من أن يدنو من الحسين عليه السلام3.
 
ومن الأمور المضيئة التي تُنسب إلى هذا الرجل العظيم والتي سجّلها التاريخ له في ثورة عاشوراء أنّه ظهيرة يوم عاشوراء، كان من الذاكرين الصلاة، رغم اشتداد القتال واستعار نيران الحرب4.
 
وبحسب ما نقله الطبريّ، فإنّ أبا ثمامة الذي كان حريصاً على الدفاع عن الإمام الحسين عليه السلام قتل يوم عاشوراء رجلاً من بني عمومته كان في عسكر جيش الأعداء5، ثمّ قضى نحبه شهيداً على يد قيس بن عبد الله6.
 



1 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص364, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص46.
2 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص369, أبو الفرج الأصفهانيّ، مقاتل الطالبيّين, ص100.
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص410, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص86 87.
4 وقد ذكر المصنف تفصيل ذلك في الجزء الأول من كتاب تاريخ وقيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة.
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص441, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568.
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 93.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

151

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 3- أدهم بن أميّة العبديّ1

هو من شيعة البصرة، من قبيلة عبد القيس، التحق بالإمام الحسين عليه السلام، وقضى معه شهيداً يوم عاشوراء2.
 
4- أسلم3 مولى بني مدينة4
هو أحد أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام5. استشهد في يوم عاشوراء6. نسبه الفضيل بن زبير إلى قبيل كَلْب7.



1 نسبةً إلى قبيلة عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار (السمعانيّ، الأنساب, ج4, ص135).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 49, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210. هذا، ويُذكر أنّه ورد في بعض المصادر المتأخّرة أنّه كان من رجال الشيعة في البصرة، وأنّه كان من المشاركين في اجتماعات الشيعة التي كانت تُقام في منزل مارية بنت المنقذ. وبعد أن وصل كتاب الإمام الحسين عليه السلام إلى شيعة البصرة أمر عبيد الله بن زياد عمّاله بأن يراقبوا طرق البصرة ومنافذ الخروج منها كيلا يتمكّن أحد من الخروج من البصرة لنصرة الحسين عليه السلام، لكنّ أدهم تمكّن من تضليلهم والخروج من البصرة باتّجاه مكّة، وبصحبته يزيد بن نُبيط وأولاده وعدّة نفرٍ آخرين، والتحق بالإمام الحسين عليه السلام بالأبطح قريباً من مكّة. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص106, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج3, ص232, السماويّ، إبصار العين، ص192). لكن لم يتسنّ لنا العثور على ذلك في المصادر المتقدّمة.
3 جاء في بعض المصادر المتأخّرة أنّ اسمه "سالم" (السماويّ، إبصار العين، ص182 183)، وذُكر في بعضها أنّ اسم أبيه كان "عمرو" (النمازي الشاهروديّ، مستدركات علم رجال الحديث, ج1, ص601).
4 بنو مدينة، بطن من بطون قبيلة كَلْب، والتي هي بطن من قضاعة، وهي من قبائل العرب اليمنيّة (السويديّ البغداديّ، سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب, ص28 29).
5 ذكر الشيخ الطوسيّ أنّ اسمه "أسلم مولى ابن المدينة"، (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص99).
6 الفضيل بن زبير "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 77, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. جدير بالذكر أنّ بعض المصادر المتأخّرة تحدّثت عن كونه من شجعان الشيعة بالكوفة، أخفى نفسه بعد شهادة مسلم بن عقيل، ولمّا ورد الإمام الحسين عليه السلام كربلاء سارع إلى الفرار من الكوفة حتّى التحق بالإمام عليه السلام بكربلاء. (النمازي الشاهروديّ، مستدركات علم رجال الحديث, ج4, ص9, السماويّ، إبصار العين، ص182). لكنّنا لم نعثر على مستندٍ لذلك في المصادر المتقدّمة. 
وينبغي أن يُذكر أنّ المصادر المتأخّرة ذكرت في عداد شهداء كربلاء شخصاً آخر باسم "أسلم بن عمرو مولى الحسين عليه السلام". (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص125)، ولم يتّضح أنّ هذا هو نفس الشخص الذي نتحدّث عنه في محلّ الكلام أو غيره.
7 الفضيل بن زبير "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 77, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

152

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 5- أميّة بن سعد الطائيّ1

من قبيلة طيء. أحد شهداء كربلاء، استشهد يوم الطفّ2.
 
6- أنس بن حارث3 الكاهليّ4
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم5.



1 الطائيّ، أي: المنسوب إلى قبيلة طيء. (ابن منظور، لسان العرب, ج8, ص232).
2 الفضيل بن زبير "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 66, وحميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. عدّه بعض المتأخّرين من التابعين، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، كان يسكن الكوفة، ولمّا تناهى إلى سمعه خبر وصول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء خرج من الكوفة والتحق به عليه السلام. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص153, السماويّ، إبصار العين، ص198). لكنّنا لم نجد ذكراً لذلك في شيءٍ من المصادر المتقدّمة.
3 حول اسم هذا الرجل يجب الالتفات إلى نقطتين مهمّتين:
أ. ضُبط اسمه في كثير من المصادر بلفظ "أنس بن الحارث" (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين" مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 27, البخاريّ، كتاب التاريخ الكبير, ج2, ص30, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص21, ابن نما، مثير الأحزان، ص63). فيما ضُبط اسمه في بعض المصادر المتأخّرة بلفظ "أنس بن الحرث" (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص154)، وبعضهم ضبط اسمه "أنس بن كاهل الأسديّ" (السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص78 و 346، زيارة الناحية والزيارة الرجبيّة)، وبعضهم "أنس بن الحارث الكاهليّ" (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص384, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99)، وبعضهم "مالك بن أنس الكاهليّ" (الشيخ الصدوق، الأمالي، ص224, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص111). ونحن ذكرناه بهذا الاسم الأخير أيضاً في الجزء الأول من كتاب تاريخ وقيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة, ص806. ويبدو لنا أنّ المسمّى بهذه الأسامي المختلفة شخص واحد فقط, لأنّ المصادر المتقدّمة لم تذكر في فهرست شهداء كربلاء إلّا شخصاً واحداً باسم "الكاهليّ". كما أنّ العلّامة المجلسيّ أثبت اسمه في البداية "مالك بن أنس"، لكنّه لاحقاً سمّاه هو نفسه باسم "أنس بن الحارث الكاهليّ" نقلاً عن ابن نما (مثير الأحزان, ص63) (المجلسيّ، بحار الأنوار, ج45, ص24 25). يُشار إلى أنّه ورد في الزيارة الرجبيّة ذكر رجل آخر باسم "القاسم بن الحارث الكاهليّ" (السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة ,3ج, ص345)، لكن لا نجد لهذا الاسم ذكراً أصلاً في المصادر القديمة التاريخيّة والرجاليّة. ب. نقل ابن الأثير أنّ بعضهم سمّاه "أنس بن هزلة" (ابن الأثير، أسد الغابة, ج1, ص146). وكتب المحقّق التستري حول هذا الاختلاف في التسمية: "فإن صحّ الاتّحاد يمكن الجمع بكون هزلة أمّه والحارث أباه ..." (التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص191 192).
4 نسبةً إلى بني كاهل من بطون قبيلة بني أسد بن خزيمة، من العرب العدنانيّين، (القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب, ص370).
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 27, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص21. وذكر ابن الأثير أنّ بعضهم عدّه من التابعين. 
(ابن الأثير، أسد الغابة, ج1, ص146). لكن حيث إنّه روى عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم مباشرةً، وقال: "سمعْتُ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم" (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج1, ص184)، فإنّ بعض المحقّقين احتمل قويّاً كونه صحابيّاً، لا تابعيّاً. (التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص191).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

153

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 سمع خبر شهادة الإمام الحسين عليه السلام عن لسان النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنه  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّ ابني هذا - يعني: الإمام الحسين عليه السلام - يُقتل بأرض العراق، ألا فمن شهده فلينصرْه"1.

 
كان أنس من أهل الكوفة2. قضى شهيداً في يوم عاشوراء بعد أن قتل ثمانية عشر رجلاً من عسكر الأعداء3.
 
7- أنيس بن مَعْقل الأصبحيّ4
برز إلى الميدان يوم عاشوراء بعد "جون" مولى أبي ذرّ الغفاريّ، حمل على الأعداء وهو يرتجز شعراً. قضى شهيداً بعد أن قُتل على يديه عدّة نفرٍ من الأعداء5.



1 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج1, ص184.
2 ابن الأثير، أسد الغابة, ج1, ص146, ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج1, ص270 271.
3 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص224، حينئذٍ 239. وذكر ابن شهرآشوب أنّ عدد من قتلهم أنس بن مالك يوم الطفّ بلغ أربعة عشر نفراً (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص111). يُذكر أنّ البلاذريّ نقل أنّه خرج من الكوفة شأنه شأن عبيد الله بن الحرّ الجعفي، حيث لم يكن يرغب أن يكون مع الإمام عليه السلام ولا مع ابن زياد، وعندما التقى الإمام الحسين عليه السلام قال له: والله ما أخرَجَني مِنَ الكوفَةِ إلّا ما أخرَجَ هذا، مِن كَراهَةِ قِتالِكَ أوِ القِتالِ مَعَكَ، ولكِنَّ الله قَذَفَ في قَلبي نُصرَتَكَ وشَجَّعَني عَلَى المَسيرِ مَعَكَ. (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص384). لكن لو أخذنا بعين الاعتبار أنّ أنس بن الحارث هو راوي الرواية التي أخبر فيها النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة الإمام الحسين عليه السلام، فإنّه من المستبعد جدّاً أن تكون هذه الرواية صحيحة، ولا سيّما أنّ رواية البلاذريّ هذه لم ترد في سائر المصادر، ولا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار أيضاً ما ورد من شواهد حضور أنس في كربلاء، فلا يمكن الأخذ برواية البلاذريّ.
4 نسبةً إلى "الأصابح" بعض بطون قبائل قحطان (عمر رضا كحّالة، معجم قبائل العرب، ج1, ص32).
5 ابن الأعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص108, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص111).


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

154

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 8- بدر بن مغفّل1 الجعفيّ2

نسبه الطبريّ إلى قبيلة "أَزْد"، وقال: "وكان من أصحاب عليّ عليه السلام حارب معه في صفّين، وبعثه في حرب الخرّيت من الخوارج"3. وعدّه البلاذريّ والعسقلانيّ أيضاً من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ممّن استشهد معه يوم الطفّ4.
 
9- بُرَيْر بن خُضَيْر الهمدانيّ5
هو عبد من عباد الله الصالحين6، كان قارئاً ومعلّماً للقرآن7.
 
كان برير رجلاً زاهداً تقيّاً، يقضي ليله قائماً، ونهاره صائماً8.
 
وقبل يوم عاشوراء، وبينا هم نزول بكربلاء، استأذن برير من الإمام الحسين عليه السلام في لقاء عمر بن سعد ليعظه، فأذن له الإمام عليه السلام. فذهب إليه برير حتّى دخل على خيمته، فجلس ولم يسلّم، فغضب عمر وقال: يا أخا همدان، ما منعك من السلام عليّ! ألسْتُ مسلماً أعرف الله ورسوله، وأشهد بشهادة الحقّ؟ فقال له بُرير: لو كنتَ عرفْتَ الله ورسوله كما تقول، لما خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم. ثمّ خاطبه برير بخطابٍ جعله يعترف بخطإه



1 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405، وأثبت بعضهم اسمه بلفظ "يزيد" (ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج6, ص554). وأمّا الشيخ الطوسيّ فأثبت اسمه بلفظ "زيد" واسم أبيه بلفظ "معقل" (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ، ص101).
2 الجعفيّ نسبةً إلى "بني سعد العشيرة بن المذحج" (ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب، ص477).
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص123.
4 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج6, ص554.
5 نسبةً إلى قبيلة هَمْدان، من كبار قبائل القحطانيّين (السيوطيّ، لبّ اللّباب في تحرير الأنساب، ص279).
6 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج6, ص554.
7 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص95, ابن فتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين, ج1, ص187. وفي بعض المصادر أُثبت اسم أبيه بلفظ "بُدَير" (المجلسيّ، بحار الأنوار, ج44, ص320).
8 الخوارزميّ، مقتل الحسين, ج1, ص248.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

155

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 في قتال الحسين عليه السلام، لكنّه في نهاية المطاف قال إنّه مصمّم على المضيّ في قتاله عليه السلام1.

 
10- بشير بن عمرو2 الحضرميّ3 
هو من أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام4. لم يبقَ مع الإمام الحسين عليه السلام قبل شهادته من أصحابه إلّا رجلان، أحدهما "سويد بن عمرو بن أبي المطاع"5، والآخر هو "بشير عمرو الحضرميّ" هذا6. وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يُعدّ بشير من أواخر الشهداء الذين قضوا يوم عاشوراء من غير بني هاشم7.
 



1 المصدر نفسه. وقد تقدّم في الجزء الأوّل من كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام في حوادث يوم عاشوراء تفصيل خبر قتال برير ومبارزاته وشهادته.
2 ورد اسمه واسم أبيه في بعض المصادر المتقدّمة كما أثبتناه في المتن أعلاه (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص404, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212)، لكنّ بعض المصادر الأُخرى أثبتت اسم أبيه بلفظ "عمر" (الفضيل بن زبير "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 106).
3 الفضيل بن زبير "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 106. والحضرميّ نسبةً إلى ناحية "حضرموت". وفي بعض المصادر المتأخّرة نُسب إلى قبيلة "كِندة" من قبائل اليمنيّة بالكوفة (السماويّ، إبصار العين, ص173)، لكنّه لم يذكر مستنداً له في هذه النسبة.
4 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص404, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
5 سيأتي ذكر بعض التوضيحات بشأنه فيما يلي (تحت رقم 40 من بحث "الشهداء من سائر القبائل").
6 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444.
7 جاء في بعض المصادر المتأخّرة عدّه من جملة الشهداء الذين سقطوا خلال الحملة الأُولى (السماويّ، إبصار العين, ص174). لكنّنا لا نجد أحداً من أصحاب الكتب المتقدّمة عدّه في شهداء الحملة الأُولى (راجع: ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

156

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 11- جابر بن الحارث1 السلمانيّ2

ذُكر في عداد شهداء كربلاء3. يُحتمل أن يكون هو أحد الأربعة الذين خرجوا من الكوفة مع الطرمّاح بن عديّ دليلاً لهم، ثمّ التحقوا بالإمام الحسين عليه السلام4 في منطقة تُدعى "عذيب الهجانات"5. وحيث إنّه قضى شهيداً في بداية المعركة مع هؤلاء الأشخاص الثلاثة، أعني: عمرو بن خالد الصيداويّ، وسعداً مولى عمرو بن خالد، ومجمع بن عبد الله العائذيّ6، فيقوى في النظر احتمال أن يكون قد خرج من الكوفة بصحبتهم.
 



1 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص446. وفي بعض المصادر أثبتوا اسمه بلفظ "حباب بن الحارث" (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122, الخوئيّ، معجم رجال الحديث, ج5, ص191).
2 السلَمانيّ، نسبةً إلى ولْد سلَمان بن شكر بن ناجية بن مراد، من بطون قبيلة مراد اليمنيّة وبني تميم (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج2, ص127، و ج 3, ص276).
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص446.
4 التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص505.
5 عذيب الهجانات ماء بينه وبين القادسيّة أربعة أميال، وهو من منازل حاجّ الكوفة (الحمويّ، معجم البلدان, ج4, ص103).
6 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص446. يُشار إلى أنّه في بعض المصادر المتأخّرة جُعل جابر بن الحارث واحداً مع جنادة بن الحارث، وجيء بالخبر الذي نقله الطبريّ في حال جابر بن الحارث، جيء به هو نفسه، في حال جنادة بن الحارث أيضاً. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص234, السماويّ، إبصار العين, ص144). مع أنّ الاختلاف بين اسمَي جابر وجنادة هو بنحوٍ لا يمكن القول معه باتّحادهما وأنّ القول بالتعدّد فيهما إنّما نشأ من خطأ النسّاخ. وقال المحقّق التستريّ بتعدّدهما، وذكر في حال كلّ واحدٍ منهما ما لم يذكره في الآخر (راجع: التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص505 و 724)، وقد أوردنا ذكر شهادة جابر في الجزء الأوّل من كتابنا تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام, ص 796 و 797.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

157

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 12- جابر بن الحجّاج

هو من موالي عامر بن نهشل، من قبيلة "بني تيم الله". ومن شهداء كربلاء الذين قضوا يوم الطفّ1.
 
13- جبلة بن عليّ2 الشيبانيّ3
كان من الشيعة الذين حضروا كربلاء.
استشهد يوم عاشوراء4  5خلال الحملة الأُولى6.
ورد اسمه في كلٍّ من زيارتي الناحية المقدّسة7 والزيارة الرجبيّة8.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 60, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج1, ص611. جدير بالذكر أنّه ورد في بعض المصادر المتأخّرة أنّه كان رجلاً شجاعاً (السماويّ، إبصار العين، ص193)، وأنّه بايع مسلم بن عقيل بالكوفة، ثمّ بعد شهادة مسلم أخفى نفسه في قبيلته، فلمّا عرف بوصول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، خرج مع جيش عمر بن سعد إلى كربلاء، ثمّ التحق بالإمام عليه السلامهناك (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص198)، غير أنّنا لم نعثر على ذلك في المصادر المتقدّمة.
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 70, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. وفي بعض المصادر نقلاً عن الزيارة الرجبيّة أنّ اسم أبيه "عبد الله" (السيّد ابن طاووس، الإقبال, ج3, ص345)، لكنّ هذا لا يبدو صحيحاً, لأنّ جبلة بن عبد الله كان من قادة الجند في العسكر الذين أنفذهم ابن زياد للقضاء على ثورة التوّابين. (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص598).
3 الشيبانيّ، نسبةً إلى بني شيبان بن ثعلبة، وهي شعبة معروفة من بكر بن وائل (السمعانيّ، الأنساب, ج3, ص482).
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 70, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. تجدر الإشارة إلى أنّه ذُكر في بعض المصادر المتأخّرة أنّه كان في عداد جيش أمير المؤمنين عليه السلامفي حرب صفّين (الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص427)، وأنّه كان من شجعان الكوفة، وكان مع مسلم، فلمّا استشهد أخفى نفسه عن الأنظار، حتّى إذا وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء التحق به. (السماويّ، إبصار العين, ص215). لكنّنا لم نعثر على شيءٍ من ذلك في المصادر المتقدّمة.
5 تحدّثنا في الجزء الأوّل من كتابنا تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام عن الحملة الأُولى، فراجع.
6 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
7 بلفظ "السلام على جبلة بن عليّ الشيباني" (السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79, ابن المشهديّ، المزار الكبير, ص494).
8 ولكنّ اسم أبيه بحسب ما ورد في كتاب المزار هو "عليّ" (الشهيد الأوّل، المزار: ص152)، وأمّا في الإقبال، فهو "عبد الله" (السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص345).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

158

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 14- جنادة بن الحارث1 الأنصاريّ2

هو من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام. قضى شهيداً يوم عاشوراء3.
 
15- جنادة4 بن الحارث5 السلمانيّ6
جنادة من أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام وأنصاره7، من شهداء كربلاء8.



1 في بعض المصادر المتأخّرة أنّ أباه كان يُدعى "كعب" (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص234, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج1, ص611، و ج4, ص224). ولم يرد تسمية أبيه باسم "الحارث" في المصادر المتقدّمة.
2 نُسب في بعض المصادر المتأخّر إلى قبيلة خزرج (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص234, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج4, ص224). ولكن لم يرِد ذكر للقبيلة التي ينتسب إليها في المصادر المتقدّمة. ونقول: إنّ نسبة "الخزرجيّ" لا تنافي نسبة "الأنصاريّ", ذلك لأنّ قبيلة خزرج هي إحدى القبيلتين اللّتين تشكّل الأنصار منهما.
3 ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص110, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص113.
4 ذُكر في بعض المصادر المتقدّمة في تسمية جنادة هذا ألفاظ وأسماء أُخرى، نظير: جبّار بن الحارث السلمانيّ (ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص569)، حباب بن الحارث (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122, الخوئيّ، معجم رجال الحديث, ج5, ص191), حيّان بن الحارث (ابن المشهديّ، المزار الكبير, ص494, السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79), جياد بن الحرث السلمانيّ المراديّ (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405). لكن بسبب أنّ أكثر المصادر المتقدّمة منها والمتأخّرة أثبتت اسمه بلفظ "جنادة" اخترنا هذا الاسم من بين كلّ الأسماء التي ذُكرت له. (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 68, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211, التفرشي، نقد الرجال, ج1, ص372, الأردبيلي، جامع الرواة, ج1, ص168).
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 68, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99, حميد ابن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص113. وأثبت البلاذريّ والشيخ الطوسيّ اسم أبيه "الحرث" بدلاً من "الحارث" (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99). وفي بعض المصادر المتأخّرة أُثبت اسم أبيه "كعب" (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص234, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج1, ص611، و ج4, ص224).
6 سلمان بطن من قبيلة مراد (يمنيّة) وبني تميم. (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج2, ص127).
7 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 68, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99, حميد ابن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص113.
8 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 68. حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

159

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 عدّه الفضيل بن زبير والبلاذريّ من بني مراد1. وأثبت الطبريّ اسمه "جابر بن الحارث السلمانيّ"، وعدّه فيمن قاتلوا في أوّل الأمر حتّى قُتلوا في مكانٍ واحد2. وذكره ابن شهر آشوب باسم "حباب بن الحارث"، عادّاً إيّاه من الشهداء الذين قضوا خلال الحملة الأُولى3. ورد اسمه أيضاً في زيارتَي الناحية المقدّسة والزيارة الرجبيّة.

 
16 و17- جندب بن حُجير4 الكنديّ5 وابنه
جندب وابنه حجير من بني جواب6، قضيا شهيدين يوم عاشوراء7. عدّ الشيخ الطوسيّ جندب في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام8. وورد اسمه في زيارتَي الناحية المقدّسة والزيارة الرجبيّة.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 68. البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405.
2 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص446.
3 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 72, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100, حميد ابن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. ونقل بعض الباحثين عن ابن عساكر أنّ جندب بن حجير كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين سيّرهم (نفاهم) عثمان إلى الشام، لكنّه عاد إلى الكوفة، وشهد مع عليّ عليه السلام صفّين وعيّنه الإمام عليه السلام أميراً على "الأزد" و"كندة". لكنّ هذا هو ما ورد في ترجمة "جندب بن زهير الغامديّ"، والذي ذُكر في كتابَي وقعة صفّين والجمل بهذا الاسم أيضاً (المنقريّ، وقعة صفّين, ص205, الشيخ المفيد، الجمل, ص364. ابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير, ج11, 123). يُشار إلى أنّه لا يوجد أيّ دليلٍ يدلّ على أنّ هذين الاسمين يعودان لشخصٍ واحد، بل يوجد شاهد على خلاف ذلك, إذ قد روى نصر بن مزاحم أنّ جندب بن زهير قضى شهيداً في حرب صفّين (المنقريّ، وقعة صفّين, ص408). وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يكون شخصاً آخر غير جندب بن حجير الذي استشهد في كربلاء.
5 نسبةً إلى كندة، وهي قبيلة مشهورة من اليمن، ثمّ تفرّقت في البلاد، فكان منها جماعة من المشهورين في كلّ فنٍّ، وكان أهلها حيثما حلّوا من عظماء البلد الذي ينزلون فيه. (السمعانيّ، الأنساب, ج5, ص104).
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، الموردان 72 و 73.
7 المصدر نفسه. ولم يُشر المحلّى إلّا إلى شهادة جندب بن حجير، (حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211).
8 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

160

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 18- جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ

كان هذا الغلام من أصحاب سيّد الشهدء عليه السلام ومواليه، ممّن قضى معه شهيداً يوم الطفّ1. اختلفت المصادر المتقدّمة في تسميته، رغم اتّفاقها جميعاً على عدّه مولىً لأبي ذرّ الغفاريّ. فذكر بعضهم أنّ اسمه "حُوَى"2، وذكر آخرون أنّ اسمه "جَون"3، وسمّاه فريق ثالث "جُوَين"4.5 ولعلّه لأجل ذلك ذكر ابن شهر آشوب أنّ "جُوين بن مالك" هو نفسه مولى أبي ذرّ6. في حين ذكر الشيخ الطوسيّ في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام شخصاً آخر باسم "جوين بن مالك" إلى جانب "جون مولى أبي ذرّ"7، وهذا يدلّ على أنّ الشيخ الطوسيّ يرى أنّ جُوين بن مالك ليس هو غلام أبي ذرّ، بل شخص آخر. ومن هنا، نستطيع أن نحدس أنّ ابن شهر آشوب اختلط عليه الأمر فعدّهما شخصاً واحداً بسبب التشابه الاسميّ القائم بين جوين بن أبي مالك وبين جون. ولعلّ ابن شهر آشوب تخيّل أنّه نفس جوين بن أبي مالك، وأنّ جويناً هذا هو مولى أبي ذرّ، بسبب أنّ الشيخ المفيد ذكر في ضبط اسم مولى أبي ذرّ "جوين"8.
 



1 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص403, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99, ابن نما، مثير الأحزان, ص63.
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 33, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص393, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص420, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص108, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص559, ابن كثير، البداية والنهاية, ج8, ص191.
3 أبو الفرج الأصفهانيّ، مقاتل الطالبيّين, ص113, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسي, ص99, ابن نما، مثير الأحزان, ص63, التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص755.
4 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص93.
5 ويُستفاد من كلام المحقّق التستريّ أنّه يرى هذه الأسماء الثلاثة أسماءً للشخص عينه. (التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص756).
6 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص111.
7 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسي, ص99.
8 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

161

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 19- جُوين بن مالك1

هو من قبيلة قيس بن ثعلبة2 التيميّ3، ومن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام4 الذين قضوا شهداء يوم عاشوراء5. ورد اسمه في كلٍّ من زيارتَي الناحية المقدّسة6 والزيارة الرجبيّة7.
 
أشرنا إلى أحواله عند الحديث عن "جون مولى أبي ذرّ".



1 المصدر نفسه, ص99، وذكر بعضهم أنّ اسمه "خولى" (حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 41). لكنّ بعض الباحثين ذكر أنّه مصحّف "جوين" (السيّد محمّد رضا الحسينيّ في هوامش تحقيق رسالة "تسمية من قُتل مع الحسين". شمس الدين، أنصار الحسين, ص81).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 41, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210.
3 نسبةً إلى قبيلة تيم بن قيس بن ثعلبة (السويديّ البغداديّ، سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب, ص58).
4 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص99.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 41, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210. ذكر بعض الباحثين المتأخّرين أنّه كان في أفرادٍ من قبيلته في عسكر عمر بن سعد، لكنّه في يوم عاشوراء التحق بالإمام الحسين عليه السلام. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص240, السماويّ، إبصار العين, ص194)، لكن لا وجود لشيءٍ من ذلك في المصادر المتقدّمة.
6 ابن المشهديّ، المزار الكبير, ص494.
7 السيّد ابن طاووس، الإقبال, ج3, ص346. يُذكر أنّه قد ورد اسمه في الزيارة الرجبيّة تارةً بلفظ "جوين" وأُخرى بلفظ "جوير".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

162

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 20- الحارث1 بن امرئ القيس الكنديّ

هو من قبيلة كندة، من العرب اليمنيّين (الجنوبيّين)، سارع لنصرة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء حتّى نال الشهادة معه2.
 
21- الحارث بن نبهان
هو مولى حمزة سيّد الشهداء. قضى شهيداً في يوم الطفّ3.
 
22- حبيب بن مظاهر4
هو من بني أسد. وهم أنفسهم الذي نالوا شرف دفن أجساد شهداء كربلاء بعد يوم عاشوراء5. أدرك حبيب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لأجل ذلك يُعدّ في زمرة صحابته  صلى الله عليه وآله وسلم. وكان ابن ربيعة بن حَوط بن رئاب الشاعر الفارس المعروف بـ الأثور6.



1 ورد اسمه في بعض المصادر المتأخّرة "الحرث"، وذكروا أنّه ابن امرئ القيس الشاعر المعروف (الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص468). ونسبه كالتالي: الحارث (الحرث) بن امرئ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الأكرمين الكنديّ (ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة, ج1, ص262).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 78, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. وفي بعض المصادر المتأخّرة أنّه كان ممّن خرج من الكوفة مع جيش عمر بن سعد لقتال الإمام الحسين عليه السلام، لكنّه في يوم عاشوراء لمّا رأى أنّ الأعداء لا يصغون لكلام الإمام عليه السلام ورأى حصارهم له التحق به وكان ممّن استشهد في الحملة الأُولى. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص243, السماويّ، إبصار العين, ص173)، لكنّنا لم نجد شيئاً من ذلك في المصادر التاريخيّة المتقدّمة.
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 24, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210.
4 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, 85. وفي بعض المصادر ورد ولعلّه اشتباه "حتيت بن مظهر" (ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج2, ص142). وفي بعضٍ آخر "حبيب بن مطهر" (ابن كثير، البداية والنهاية, ج8, ص194).
5 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص114.
6 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج2, ص142, السماويّ، إبصار العين, ص100. وقد عدّ الشيخ المفيد حبيباً في عداد التابعين. الشيخ المفيد، الاختصاص, ص7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

163

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 كان حبيب من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وهو في منزلة كبار أصحابه عليه السلام، كميثم التمّار، ورُشيد الهَجريّ، وعمرو بن الحمق، ومحمّد بن أبي بكر1. عُدّ في بعض المصادر من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام2، وذُكر أنّه كان من شرطة الخميس3 (نخبة جند أمير المؤمنين عليه السلام)4.

 
وقد صحب حبيب عليّاً عليه السلام في حروبه كلّها، وكان من خاصّته وحملة علومه، حتّى قيل: إنّه أخذ عن أمير المؤمنين عليه السلام علم المنايا وعلم



1 الشيخ المفيد، الاختصاص, ص3, السماويّ، إبصار العين, ص101.
2 المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص253, السماويّ، إبصار العين, ص101.
3 الشيخ المفيد، الاختصاص, ص2 3.
4 الشرطة من "الشرط"، وهو العلامة, لأنّ لهم علامةً يُعرفون بها. أو من الشرط، وهو التهيّؤ. وجمعها "شُرَط" على حدّ "غُرفة" و"غُرَف"، وهم نخبة أصحاب الحاكم، وأوّل كتيبةٍ تشهد الحرب وتتهيّأ للموت. لذا قيل في وجه تسميتهم بهذا الاسم: وإنّما سُمّوا شرطة لأنّ لهم علامةً يُعرفون بها، ولأنّهم متهيّئون للموت. (الطريحيّ، مجمع البحرين, ج1, ص702. وراجع أيضاً: أبا الهدى الكلباسيّ، سماء المقال, ج2, ص245). وحول لفظ "الخميس" قيل: الخميس: الجيش، وهو مأخوذ من الخَمس. سُمّي الجيش به لأنّه خمسة أقسام: الميمنة والميسرة والمقدّم والساقة والقلب. (ابن الأثير، النهاية, ج2, ص79, الطريحيّ، مجمع البحرين, ج1, ص702). وقد ذُكر لها معانٍ أُخرى، لكن لا نرى ضرورةً للتعرّض لها هنا. وعلى هذا الأساس، فـ "شرطة الخميس" عبارة عن مجموعةٍ عسكريّة وقتاليّة تألّفت من خلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ونخبة جنده الذين كانوا على أُهْبَة الاستعداد دائماً للتضحية وبذل النفس في سبيل الحقّ. وفي الواقع، فإنّ هذه المجموعة كانت عبارةً عن مجموعة قتاليّة متأهّبةٍ دائماً للقتال وخوض المعارك في سبيل دفع الأخطار المحدقة في الأزمات والأحوال الطارئة، وقد شارطت أمير المؤمنين عليه السلام وعاهدته على القتال إلى جنبه حتّى الرمق الأخير. حتّى قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى خطبه: "أنتم الأنصار على الحقّ، والإخوان في الدين، والجنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، كم أضرب المدبر، وأرجو طاعة المقبل. فأعينوني بمناصحةٍ خليّةٍ من الغشّ، سليمةٍ من الريب. فوالله إنّي لَأَوْلى الناس بالناس". (نهج البلاغة، الخطبة 118). وقال الإمام الصادق عليه السلام: كانوا شرطة الخميس ستّة آلاف رجل أنصاره. (الشيخ المفيد، الاختصاص, ص2 3). وشرطة الخميس هم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين قال لهم: تشرّطوا فأنا أشارطكم على الجنّة، ولسْتُ أشارطكم على ذهبٍ ولا فضّة. (المصدر نفسه). وقال رجل للأصبغ بن نباتة وكان من شرطة الخميس ـ: كيف سُمّيتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ فقال: إنّا ضمنّا له الذبح وضمن لنا الفتح. (الشيخ الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال, ص103, التستريّ، قاموس الرجال, ج2, ص163).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

164

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 البلايا1. ويشهد لهذا المدّعى الحوار الذي دار بينه وبين ميثم التمّار، والذي تحدّث كلّ منهما فيه عن كيفيّة مقتل الآخر واستشهاده.

 
فقد نقل الشيخ الطوسيّ رحمه الله عن فضيل بن الزبير أنّه قال: مرّ ميثم التمّار على فرسٍ له فاستقبله حبيب بن مظاهر الأسديّ عند مجلس بني أسد، فتحادثا حتى اختلف عنقا فرسيهما، ثمّ قال حبيب: لكأنّي بشيخٍ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حبّ أهل بيت نبيّه، فتبقر بطنه على الخشبة. فقال ميثم: وإنّي لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه فيقتل ويجال برأسه في الكوفة. ثمّ افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أكذب من هذين. قال: فلم يفترق المجلس حتى أقبل رُشيد الهجريّ فطلبهما، فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا. فقال رُشيد: رحم الله ميثماً نسي: ويُزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم. ثمّ أدبر، فقال القوم: هذا والله أكذبهم. قال: فما ذهبت الأيّام واللّيالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث. وجيء برأس حبيب قد قُتل مع الحسين عليه السلام، ورأينا كلّ ما قالوا2.
 
وكان حبيب بن مظاهر من أصحاب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ثمّ من أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام3. وبعد موت معاوية وهجرة الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكّة4، اجتمع عدد من شيعة الكوفة في بيت سليمان بن صرد الخزاعيّ، واتّفقوا على أن يكاتبوا الإمام الحسين عليه السلام يدعونه للقدوم إلى الكوفة5. وكان حبيب بن مظاهر من كبار شيعة الكوفة



1 المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص253.
2 الشيخ الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال, ص78 79.
3 المصدر نفسه, ص79، 93، 100.
4 أنظر: الجزء الأوّل من كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام.
5 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص36 37, التستريّ، قاموس الرجال, ج3, ص97.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

165

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 في ذلك المجلس، وهو ممّن كاتب الإمام الحسين عليه السلام1، ثمّ بايع مسلم بن عقيل على أن يدافع عن الإمام عليه السلام بروحه ونفسه2.

 
وبعد أن توجّه الإمام الحسين عليه السلام نحو العراق، وبعد شهادة مسلم بن عقيل بالكوفة، بعث عبيد الله بن زياد الحصين بن نمير صاحب شرطته ليراقب كلّ الطرق المؤدّية إلى الكوفة (من ناحية مكّة)3 ، وذلك من جهة لكي يقطع الطريق على الإمام الحسين عليه السلام فلا يصل إلى الكوفة، ومن جهةٍ أُخرى، لكي يقطع الطريق على شيعة الكوفة من أن يلتحقوا بالقلّة الذين كانوا مع الإمام عليه السلام من الجند.
 
لكنّ حبيب بن مظاهر مع ذلك، وبعد أن بلغه خبر وصول الإمام عليه السلام إلى كربلاء، خرج من الكوفة ومعه مسلم بن عوسجة، والتحق بالإمام عليه السلام هناك.
 
يقول الشيخ الطوسيّ حول حبيب بن مظاهر:
وكان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين عليه السلام، ولقوا جبال الحديد، واستقبلوا الرماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يُعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون، ويقولون: لا عذر لنا عند رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم إن قُتل الحسين ومنّا عينٌ تطرف، حتّى قُتلوا حوله4.



1 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص36 37, التستريّ، قاموس الرجال, ج3, ص97.
2 للوقوف على تفاصيل هذه الحادثة يُراجع ما ذكرناه في الجزء الأوّل من كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة. وبحسب ما جاء في بعض الكتب المتأخّرة، فإنّ حبيب بن مظاهر لم يبايع الإمام الحسين عليه السلام بنفسه فحسب، بل إنّه أيضاً جعل يأخذ البيعة له عليه السلام في الكوفة، (حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, السماويّ، إبصار العين, ص102)، فلمّا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة وخذل أهلها عن مسلم وفرّ أنصاره حبسته عشيرته وأخفته (السماويّ، إبصار العين, ص102). لكن لم نعثر على شيءٍ من هذا في المصادر المتقدّمة.
3 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص69.
4 الشيخ الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال, ص79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

166

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 وبعدما وصل حبيب إلى كربلاء أيضاً، كان يسعى إلى أن يأتي بطائفةٍ من بني أسد1 ليلتحقوا بعسكر الإمام الحسين عليه السلام2. وفي يوم عاشوراء، كان هو على ميسرة جيش الإمام عليه السلام3.

 
وكان حبيب ذا روحيّة عالية، ولقد كان يمزح في ذلك اليوم العصيب ويضحك مع رفاقه في جيش الحسين عليه السلام4.
 
ورد اسمه في زيارتَي الناحية المقدّسة5 والزيارة الرجبيّة6.
 
23- الحجّاج بن بدر7 السعديّ8
كان الحجّاج من أهل البصرة. قضى شهيداً في يوم عاشوراء9.



1 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص388, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص90.
2 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص416, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص98.
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص422, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص95, الطبرسيّ، إعلام الورى بأعلام الهدى, ص237, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص560.
4 الشيخ الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال, ص79, وقد تحدّثنا مفصّلاً حول كيفيّة شهادته في حوادث يوم عاشوراء, في كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام.
5 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص78.
6 المصدر نفسه, ص344.
7 ورد اسم أبيه في بعض المصادر "زيد"، (التستريّ، قاموس الرجال, ج3, 113, الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص388)، وفي بعضٍ آخر ذُكر اسمه "يزيد" (الخوئيّ، معجم رجال الحديث, ج5, ص214). ونقرأ أيضاً في زيارة الناحية المقدّسة: "السلام على الحجّاج بن يزيد السعديّ" (السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص78, ابن المشهديّ، المزار الكبير, ص493).
8 نسبةً إلى قبيلة بني سعد بن تميم (السمعانيّ، الأنساب, ج3, ص255).
9 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 36, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210. يُشار إلى أنّ بعض المتأخّرين ذكر أنّه كان من جاء بكتاب مسعود بن عمرو من البصرة إلى الإمام الحسين عليه السلام، ثمّ بقي مع الإمام عليه السلام، وقُتل بين يديه. (السماويّ، إبصار العين, ص212, الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص389)، لكنّنا لم نعثر على مستندٍ لذلك في شيءٍ من المصادر المتقدّمة.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

167

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 24- الحجّاج بن مسروق1 الجعفيّ

من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وأحد شهداء كربلاء2.
 
كان الحجّاج مؤذّن الإمام الحسين عليه السلام، وهو من طلب منه الإمام عليه السلام أن يرفع الأذان في اليوم الذي التقى فيه بالحرّ الرياحيّ3. وفي قصر بني مقاتل أيضاً، طلب منه الإمام عليه السلام بأن يذهب إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ، ويدعوه لنصرته4.
 
ورد اسمه في الزيارة الرجبيّة5.
 
25- الحرّ بن يزيد الرياحيّ6
من بني رياح، بطن من "يربوع"، من شعب قبيلة "تميم"، من العرب العدنانيّين7. كان من أعيان قبيلته8. قطع الطريق على قافلة



1 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص112, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص109. وفي بعض المصادر ورد اسم أبيه "مرزوق" (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100)، وورد في بعضها "مسرور" (الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص78).
2 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص112, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص109.
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص401, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص78, قال ابن الأثير: فأمر الحسين مؤذّنه بالأذان (ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص552).
4 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج7, ص30, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص73. وقد تحدّثنا مفصّلاً حول كيفيّة شهادته في حوادث يوم عاشوراء, في كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة.
5 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص345.
6 نسبه الكامل كالتالي: الحرّ بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتّاب الردف بن هرميّ بن رياح بن يربوع (ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص227). لم يذكر بعض المؤرّخين في اسمه إلّا "الحرّ بن يزيد الرياحيّ" (ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص76). وحيث إنّ "يربوع" كانت من شعب قبيلة بني تميم، فقد ذكر بعضهم في تسميته "الحرّ بن يزيد التميميّ اليربوعيّ", (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص400, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص551).
7 راجع: ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص227.
8 سبط ابن الجوزيّ، تذكرة الخواصّ, ص251.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

168

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 الإمام الحسين عليه السلام في وسط الطريق من مكّة إلى الكوفة، ما أجبر الإمام عليه السلام على النزول بأرض كربلاء.

 
وبالنسبة إلى ما قبل هذه المرحلة، فإنّ مصادر التاريخ والرجال لا تذكر شيئاً عن حياته.
 
وفي يوم عاشوراء، جعله عمر بن سعد قائداً على جنده من قبيلتي بني تميم وهمدان1، ما يكشف عن أنّه كان آنذاك معتمداً بشكلٍ كامل من قبل الحكومة الأمويّة. لكنّ الحرّ بعد ذلك التحق بجيش الإمام الحسين عليه السلام وتاب إليه من ذنبه، وقضى شهيداً في سبيل الله2. وهكذا يكون - رضي الله عنه - قد طوى المسافة بين الجحيم والجنّة خلال مدّة قياسيّة، حتّى فاز بالسعادة ومقام القرب من الله تعالى.
 
26- حنظلة بن أسعد3 الشبامي4
هو من أهل اليمن، من قبيلة همدان5، ومن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام6.



1 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص422, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص560.
2 ابن سعد، الطبقات الكبرى، الطبقة الخامسة, ج1, ص469, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص101 102.
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 95. وفي بعض المصادر ضُبط اسم أبيه بلفظ "سعد" (الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص105). وفي مصادر أُخرى أيضاً ورد اسم شخصٍ آخر باسم أسعد بن حنظلة الشباميّ، وعُدّ في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100). لكنّ المحقّقين على أنّ هذا هو نفسه حنظلة بن أسعد الشبامي، وأنّه ليس إلّا من الاشتباه في ضبط الاسم (التستريّ، قاموس الرجال, ج4, ص76 77).
4 شبام اسم مدينةٍ كانت باليمن (السمعانيّ، الأنساب, ج3, ص395). وذكر بعضهم أنّ شبام اسم لطائفةٍ كانت بالكوفة، وأنّها اسم لجبلٍ باليمن (الحَمَويّ، معجم البلدان, ج3, ص360 361). وبحسب الظاهر، فقد كان حنظلة من أهل اليمن، ومن منطقة شبام تحديداً، ومن هنا قيل في نسبته: الشبامي.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 95.
6 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص100.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

169

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 كان حنظلة من الشهداء1 الذين وقفوا يوم عاشوراء وجعلوا من أنفسهم دروعاً يقون بها الإمام الحسين عليه السلام السهام والرماح والسيوف2.

 
تقدّم بين يدي الإمام الحسين عليه السلام فخاطب أهل الكوفة واعظاً لهم، محذّراً إيّاهم من قتال الإمام عليه السلام، منذراً إيّاهم عذاب الله وغضبه، تالياً عليهم ما ورد في الكتاب من آيات العذاب، لكنّ الإمام عليه السلام قال له: يا ابن سعد، إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحقّ. فاستأذن رحمه الله من الإمام عليه السلام، وبرز إلى الميدان، وقتل منهم جماعةً، إلى أن حمل عليه الأعداء، فكان أن قضى شهيداً3.
 
ورد اسمه في زيارتَي الناحية المقدّسة والزيارة الرجبيّة4.
 
27 و 28- خالد بن عمرو وأبوه عمرو بن خالد الأزديّ
شارك مع أبيه في كربلاء، وبعد استشهاد أبيه برز إلى ميدان القتال، مرتجزاً أبياتاً من الحماسة، فقاتل حتّى قُتل5.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 95, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
2 الخوارزميّ، مقتل الحسين, ج2, ص24.
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص443, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص105.
4 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79 و 345.
5 ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص105, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص110.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

170

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 29- خُفينة بن قيس بن سَلَمة بن طُريف1

هو - حسبما جاء في رواية العسقلانيّ - من بني فَهْم2، وقد التحق بركب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وقضى شهيداً معه3.
 
جدّه الثاني "طُريف" كان من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم4، وجدّه الأوّل "سلمة" كان ممّن رأى رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم فقط5.
 
لم نجد بين المتقدّمين من تعرّض لذكر اسمه وعنوانه سوى العسقلانيّ في الإصابة. وأمّا المصادر المتأخّرة، فقد ذكرت اسماً لشخصٍ عدّته في شهداء كربلاء، وأثبت اسم أبيه بلفظ "قيس"، ونسبته إلى قبيلة "نَهْم"6. وأمّا اسمه، فقد ذُكر بألفاظٍ مختلفة، مثل "حبشة بن قيس"7، و"حبشيّ بن قيس"8، و"حبشة بن قيس النهميّ"9. كما ذكروا في نسبته "النهْميّ"10 بدلاً من "الفَهْميّ"، خلافاً لما ذكره العسقلانيّ. وإنّ الشبه الموجود بين هذه الأسماء المختلفة وبين خُفينة بن قيس يقوّي احتمال أن تكون هذه الأسماء بأسرها إشارةً إلى شخصٍ واحد.



1 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج3, ص199، رقم 3657 (بذيل عنوان سَلَمة بن طُريف).
2 فَهْم بطن من قبيلة "قيس عيلان"، (السمعانيّ، الأنساب, ج4, ص413, ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج2, ص448).
3 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج3, ص199.
4 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج3, ص199, ابن سعد، الطبقات الكبرى, ج5, ص565, ابن الأثير، أسد الغابة, ج2, ص457.
5 ابن حجر العسقلانيّ، الإصابة في تمييز الصحابة, ج3, ص199.
6 المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص250, السماويّ، إبصار العين, ص134, السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج1, ص611.
7 المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص250.
8 السماويّ، إبصار العين, ص134.
9 السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج4, ص386.
10 نَهْم بطن من قبيلة همْدان اليمنيّة (السمعانيّ، الأنساب, ج5, ص546).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

 


171

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 30- رافع بن عبد الله1 غلام مسلم الأزديّ

هو مولىً لبني "شنوءة"2. من شهداء كربلاء، خرج إلى كربلاء لنصرة الحسين عليه السلام بصحبة مولاه3، حتّى قضى شهيداً4.
 
31- زاهر صاحب5 عمرو بن الحمق
زاهر من قبيلة كندة6، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. وبعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وقف إلى جانب عمرو بن الحمق الخزاعيّ في مواجهة معاوية، حتّى تعرّض معاوية لإلقاء القبض على عمرو، فهرب الاثنان نحو الجزيرة، فلمّا نزلا الوادي نهشت عمراً حيّة في جوف اللّيل، فأصبح منتفخاً. فقال: يا زاهر تنحّ عنّي، فإنّ حبيبي رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبرني أنّه سيشترك في دمي الجنّ7 والإنس، ولا بدّ لي من أن أُقتل. فبينا هما على ذلك إذ رأيا نواصي الخيل في طلبه. فقال: يا زاهر تغيّبْ، فإذا قُتِلْتُ فإنّهم سوف يأخذون رأسي،



1 لم يرِد في المصادر المتقدّمة سوى ذكر اسمه، ولا حديث فيها أصلاً عن اسم أبيه، (راجع: الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 92, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212). وأمّا المصادر المتأخّرة فقد أثبتت اسمه بالنحو الذي أثبتناه أعلاه. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص422).
2 أثبت الفضيل بن زبير اسم هذه القبيلة بلفظ "شندة"، لكن في المصادر الجغرافيّة القديمة لا وجود لهذا الاسم. ويظهر لنا أنّ "شندة" ما هي إلّا تصحيف لـ "شنوءة"، وهو اسم لقريةٍ كانت باليمن تبعد عن صنعاء 42 فرسخاً، وإليها يُنسب بعض قبائل "أزد"، فيُقال: "أزد شنوءة" (ياقوت الحمويّ، معجم البلدان, ج3, ص418).
3 لم تذكر المصادر المتقدّمة اسم مولاه، لكنّ المصادر المتأخّرة ذكرت أنّه كان مولىً لمسلم بن كثير الأزديّ (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص422, السماويّ، إبصار العين, ص185).
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 80, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 80, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101. وفي بعض المصادر ذُكر أنّه كان مولى عمرو بن الحمق (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122). وذكر بعض المتأخّرين أنّه كان حاضراً يوم الحديبية، ويوم خيبر (السيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة, ج7, ص41).
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 80.
7 يُحتمل أن يكون المراد (الحيّة), فإنّ (الجانّ) في اللّغة العربيّة تأتي تارةً بمعنى الجنّ، وأُخرى بمعنى: الحيّة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

172

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 فإذا انصرفوا فاخرج إلى جسدي فوارِه. قال زاهر: لا بل أنثر نبلي ثمّ أرميهم به، فإذا أفنيْتُ نبْلي قُتِلْتُ معك، قال: لا، بل تفعل ما سألتك، ينفعك الله به. فاختفى زاهر، وأتى القوم فقتلوا عمراً واحتزّوا رأسه، فحملوه، فكان أوّل رأسٍ حُمل في الإسلام، ونُصب للناس. فلمّا انصرفوا خرج زاهر فوارى جثّته1.

 
كان زاهر أيضاً من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام2.
 
وهو من زمرة الشهداء الذين قضوا يوم الطفّ خلال الحملة الأُولى للأعداء3. ورد اسمه في زيارتَي الناحية المقدّسة4 والزيارة الرجبيّة5.
 
32- زهير بن سُليم6 الأزديّ
هو من قبيلة أزد7، أي: من العرب اليمنيّين (القحطانيّين)، وهو أخو مِخْنَف بن سُليم الأزديّ8، (كان من أصحاب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام)9. كان حاضراً يوم القادسيّة أيضاً، بارز أحد قادة جيش الفرس باسم "نخارجان" أو "نخير خان" وتمكّن من قتله10.



1 التميميّ المغربيّ، شرح الأخبار, ج2, ص31 32.
2 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101.
3 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
4 المصدر نفسه, ص79.
5 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص346.
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 91, ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
7 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155 156، المورد 91.
8 الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص179.
9 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص81, قال الشيخ الطوسيّ في الحديث عن أخي زهير: مِخْنف بن سُليم، عربيّ كوفيّ.
10 الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص179.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

173

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 رافق زهير الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وقضى شهيداً يوم الطفّ خلال الحملة الأُولى1.

 
وفي بعض الوثائق التاريخيّة ما يشير إلى أنّه كان له ولد باسم "عبد الله"، وكان على قطعةٍ من جيش عمر بن سعد، حيث ذكر الطبريّ شخصاً باسم عبد الله بن زهير بن سليم في عداد قادة جند عمر بن سعد2، كما أثبت ابن نما في اسم هذا الشخص "عبد الله بن زهير بن سليم بن مخنف العامريّ"3.
 
33- زهير بن القين البجليّ
ورد في بعض الأخبار أنّه في البداية كان عثمانيّ المذهب4. لكنّه استبصر إلى الحقّ بعد لقائه بالإمام الحسين عليه السلام في الطريق بين مكّة والكوفة، وعلى أثر ذلك، التحق بالإمام عليه السلام.
 
هناك العديد من الشواهد التي تؤكّد أنّ زهيراً كان عثمانيّاً، من بينها: أنّ عزرة بن قيس، وهو ممّن كانوا في جيش الأعداء، دعا زهيراً يوم عاشورا في ميدان القتال بالعثمانيّ، وتعجّب من حضوره في معسكر الإمام الحسين عليه السلام، ولم ينفِ زهير ذلك5. يُضاف إلى ذلك: مشاركته في فتح بَلَنجر6 زمان خلافة عثمان (في العام 33 هـ)، ولا توجد أخبار تتحدّث عن حضوره في الحروب التي جرت في عهد خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، مضافاً 
 



1 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
2 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص422.
3 ابن نما، مثير الأحزان, ص53.
4 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص378. جدير بالذكر أنّ المسلمين بعد مقتل عثمان انقسموا إلى فرقتين: فرقة كانت تعتقد أنّ الخليفة عثمان قُتل مظلوماً، وأنّ عليّاً عليه السلام كان مقصّراً في قضيّة مقتله. وفرقة أُخرى تتّهم عثمان وتبرّئ عليّاً عليه السلام. ومن هنا، كان يُقال للفرقة الأُولى: العثمانيّة، وللفرقة الثانية: شيعة عليّ عليه السلام (رسول جعفريان، تاريخ تشيع در إيران, ج1, ص21).
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص416 417.
6 بلنجر منطقة بأرض الخزر، قام ببنائها بَلَنجر بن يافِث, (ابن الفقيه، كتاب البلدان, ص585).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

174

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 إلى عدم رغبته في ملاقاة الإمام الحسين عليه السلام في المنازل الواقعة على مسير الكوفة، كلّ ذلك هو ممّا يؤيّد ويقوّي احتمال كونه عثمانيّاً1

 
كانت له خطبتان ألقاهما على الأعداء يومَي تاسوعاء وعاشوراء، وبّخهم فيهما على تركهم الإمام الحسين عليه السلام وحيداً. ثمّ دافع عن الإمام عليه السلام مظهراً من نفسه شجاعةً تُضرب بها الأمثال، حتّى قضى شهيداً على يدَي كثير بن عبد الله الشعبيّ ومهاجر بن أوس2.

 
ورد اسم زهير في زيارة الناحية المقدّسة.
 
34- سالم غلام عامر بن مسلم
من أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وأحد شهداء كربلاء3. ولا نمتلك بشأنه أيّة معلومات إضافيّة.
 
35- سعيد4 بن عبد الله الحنفيّ5
كان من أصحاب الحسن المجتبى عليه السلام، وبعد الصلح الذي أجراه عليه السلام 



1 وفي مقابل هذا الاحتمال، هناك رأي آخر طرحناه في الجزء الأوّل من كتابنا تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة.
2 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص441.
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 47, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210.
4 ذُكر اسمه في بعض المصادر بلفظ "سعد"، (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص77). وأثبت بعضهم اسم أبيه بلفظ "عبيد الله" (حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211). يُشار إلى أنّ بعض المتأخّرين ذهب إلى أنّ الاسم المذكور عائد إلى "سعد بن عبد الله مولى عمرو بن خالد الصيداويّ"، (محمّد مهدي شمس الدين، أنصار الحسين, ص88). وأمّا المحقّق التستريّ فذهب إلى أنّ هذا الاسم محرّف عن "سعيد بن عبد الله الحنفيّ" (التستريّ، قاموس الرجال, ج5, ص55).
5 الحنفيّ نسبةً إلى "حنيفة بن لُجيم" فرع من بكر بن وائل، وكان أكثرهم يقطنون اليمامة (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج1, ص396 397). وفي بعض المصادر ورد "سعيد بن عبد الله الخثعميّ" (اليعقوبيّ، تاريخ اليعقوبيّ, ج2, ص242, الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص339).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

175

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 مع معاوية، قدِم سعيد بن عبد الله الحنفيّ مع عددٍ من كبار الشيعة1 فنزلوا دار الإمارة بالكوفة، وأتوا الإمام الحسين عليه السلام، فأبدوا له انزعاجهم من هذا الصلح، لكنّ الإمام الحسين عليه السلام استشهد بآياتٍ من الكتاب، وهدّأ من روع القوم وأعاد الطمأنينة إلى نفوسهم2.

 
وبعد الإمام الحسن عليه السلام، انضمّ سعيد إلى حلقة أصحاب الإمام الحسين عليه السلام3. وكان هو من حمل للحسين عليه السلام في مكّة كتب أهل الكوفة التي يدعونه فيها للقدوم مع هاني بن هاني السبيعيّ4. وكتب الإمام عليه السلام جواباً عن هذه الكتب، وبعث الكتاب معهما ليحملاه إلى الكوفة.
 
وبعد دخول مسلم بن عقيل إلى الكوفة، اجتمع إليه سعيد بن عبد الله، وبعد أن أعلن كلّ من عابس بن شبيب وحبيب بن مظاهر بيعته له، بايعه سعيد وحلف أنّه موطّن نفسه على نصرة الإمام الحسين عليه السلام5.
 
في ليلة عاشوراء، عندما أخذ الإمام الحسين عليه السلام البيعة من أصحابه، تقدّم سعيد بن عبد الله معلناً بيعته له عليه السلام، فقال كلاماً ملؤه الحماسة والوفاء6.
 



1 أصحاب سعيد في هذا اللّقاء هم: جندب بن عبد الله الأزديّ، المسيَّب بن نَجَبة الفزاريّ، سليمان بن صرد الخزاعيّ.
2 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص363.
3 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101.
4 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص353, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص38. نعم، ذكر بعضهم أنّ الإمام عليه السلام أعطى كتابه لمسلم بن عقيل وبعثه به إلى الكوفة (ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص31)، وقد تقدّم ذلك في الجزء الأوّل من كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة, في فصل "الإمام الحسين عليه السلام في مكّة".
5 يذكره الطبريّ باسم: الحنفيّ، (راجع: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص355).
 6الطبريّ، المصدر نفسه, ص419. وراجع أيضاً: البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص393, ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص107.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
182

176

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 وفي يوم عاشوراء أيضاً، عندما قام الإمام الحسين عليه السلام مع أصحابه للصلاة، وقف سعيد ابن عبد الله الحنفيّ أمام الحسين عليه السلام ووقاه بنفسه، وتلقّى عنه ببدنه الرماح والسهام، ولشدّة وكثرة ما أصابه منها أهوى إلى الأرض صريعاً1.

 
ولمّا قضى نحبه رضوان الله عليه وُجد به ثلاثة عشر سهماً2، سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح3.
 
36- سلمان بن مضارب
من قبيلة بَجيلة، من القبائل التي كانت تسكن الكوفة، وهو ابن عمّ زهير بن القين الذي خرج بصحبته إلى كربلاء.
 
ذُكر في بعض المصادر التاريخيّة في عداد شهداء كربلاء4.
 
37- سليمان مولى الإمام الحسين عليه السلام5
سليمان من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ومواليه، ومن جملة شهداء كربلاء6. ذكر بعضهم أنّه كان يُكنّى "أبا رزين"7.
 



1 الطبريّ، المصدر نفسه, ص419. وراجع أيضاً: البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص393, ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص107.
2 السيّد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف, ص165.
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 71, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 83, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 21, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, ابن سعد "ترجمة الحسين ومقتله"، مجلّة تراثنا، العدد 10، ص186, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص357 و 469, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101. يُذكر أنّ بعض المصادر أثبتت اسمه بلفظ "سلمان" (الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص342, ابن كثير، البداية والنهاية, ج8, ص170).
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 21, ابن سعد، "ترجمة الحسين ومقتله"، مجلّة تراثنا، العدد 10، ص186, ابن حبان، كتاب الثقات, ج2, ص310 (ذكر هو أنّ سليمان كان مولىً للإمام الحسن عليه السلام), الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص343, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص357 و 469, ابن نما، مثير الأحزان, ص27.
7 ابن نما، مثير الأحزان, ص27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

177

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 لم تتّفق المصادر المتقدّمة على روايةٍ واحدة حول كيفيّة شهادته.

 
ففي بعض الأخبار، أنّ سليمان كان رسولاً للحسين عليه السلام، بعثه بكتابٍ له إلى زعماء قبائل البصرة الخمس وأشرافها وأعيانها. فلمّا أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعاً إلّا المنذر بن الجارود، فإنّه أفشاه، لتزويجه ابنته هنداً من عبيد الله بن زياد، وربما ظنّ الكتاب دسيسةً من عبيد الله نفسه، فأقبل حتّى دخل عليه، فأخبره بالكتاب، وحكى له ما فيه، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، فأتوه به، فضُربت عنقه1. وقال المحقّق التستريّ أيضاً: إنّه استشهد بالبصرة2.
 
لكن ورد في خبرٍ آخر أنّه كان في كربلاء مع الإمام الحسين عليه السلام، وأنّه قضى شهيداً يوم الطفّ3. وأنّ قاتله هو سليمان بن عوف الحضرميّ4.



1 المصدر نفسه. الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص343, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص37, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص357 358.
2 التستريّ، قاموس الرجال, ج5, ص296.
3 ابن سعد، "ترجمة الحسين ومقتله"، مجلّة تراثنا، العدد 10، ص186, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, ابن حبان، كتاب الثقات, ج2, ص310.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص152، المورد 21, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص469, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص582.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
184

178

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 38- سوّار بن أبي خُمير1 الجابريّ2

هو من قبيلة همدان3 اليمنيّة، من بني فَهْم4، استشهد يوم عاشوراء5.
 
ذكر بعضهم أنّه كان من شهداء الحملة الأُولى6. ولكن يُستفاد من الأخبار الواردة في بعض المصادر أنّ سوّاراً كان ممّن أُسر في واقعة كربلاء، ثمّ قضى متأثّراً بجراحه بعد ستّة أشهر7.
 
وفي زيارة الناحية المقدّسة ذُكر أنّه ابن "أبي حُمْيَر"، وورد السلام عليه كالتالي: "السلام على الجريح المأسور سوّار بن أبي حمير الفهميّ الهمدانيّ"8.



1 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405.
2 هكذا ضبط الفضيل بن زبير وحميد بن المحلّى نسب سوّار، (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 103, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212). وأمّا ابن شهرآشوب، فإنّه ذكر في اسمه ونسبه: سوّار بن أبي عُمير الفهميّ (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122). وذكر الشيخ الطوسيّ أيضاً شخصاً باسم سوّار بن منعم بن حابس في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101). ويبدو أنّ هذه الأسماء جميعاً ترجع إلى شخصٍ واحد, لأنّ المصادر المتقدّمة لم تذكر إلّا شخصاً واحداً باسم "سوّار" في أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام. واحتمل المحقّق التستريّ أنّ سوّار بن منعم هو نفسه سوّار بن أبي عُمير (التستريّ، قاموس الرجال, ج5, ص332). لكنّ آية الله الخوئيّ جعل سوّار بن منعم بن حابس شخصاً آخر غير سوار بن أبي عُمير. (الخوئيّ، معجم رجال الحديث, ج9, ص336).
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 103, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
4 البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405.
5 المصدر نفسه, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
6 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
7 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 103, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
8 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص80.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

179

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 39- سُويد بن عمرو بن أبي مطاع1

هو من قبيلة خثعم2، من العرب القحطانيّين3. وهو آخر أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، وكان يقاتل مع بشير بن عمرو الحضرميّ بين يدي الإمام الحسين عليه السلام4. وكان بشير من برز أوّلاً إلى ميدان القتال، فقاتل حتّى قُتل. ثمّ برز سويد، وُجرح أثناء القتال، ووقع بين القتلى مثخناً، فاقداً للوعي، فما أفاق إلّا والقوم يقولون: قُتل الحسين. فلمّا أفاق، وجدهم قد أخذوا سيفه، فقاتلهم بسكّينٍ كان معه، حتّى قتله عروة بن بطّار التغلبيّ وزيد بن رقاد الجنبيّ فقضى شهيداً5.
 



1 ورد اسمه هكذا في أكثر المصادر القديمة التاريخيّة منها والرجاليّة، (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص543, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص409, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101). لكنّ بعض المصادر أثبتت اسمه بلفظ سُويد بن عمرو بن مطاع (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 58)، وبعضهم سمّاه: عمرو بن مطاع الجعفيّ (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص111).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 58.
3 عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب, ج1, ص331.
4 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444.
5 الطبريّ، المصدر نفسه, ص453. وقال بعضهم: إنّه قُتل على يد هاني بن ثُبيت الحضرميّ، (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 58). وذكر بعضهم إلى جانب اسم زيد بن رقاد الجنبيّ اسم رجلٍ آخر وهو عزرة بن بطان التغلبيّ (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص409 410)، ولعلّه هو نفسه عروة بن بطار التغلبيّ. وعلى أثر هذا الاختلاف الضئيل في كيفيّة كتابة الاسم تُوهّم أنّهما رجلان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

180

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 40- سيف بن الحارث بن سُريع1

هو من بني جابر2، من قبيلة همدان اليمنيّة3، وأحد شهداء كربلاء4. استشهد يوم عاشوراء بعد أن ودّع الإمام الحسين عليه السلام5.
 
41- سيف بن مالك6 العبديّ7
هو من شيعة البصرة، من طائفة عبد القيس8، كان من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين رافقوه في كربلاء9. قضى شهيداً في يوم عاشوراء خلال الحملة الأُولى التي شنّها الأعداء10. ورد اسمه في زيارة الناحية المقدّسة11.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 100, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص442, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, ابن دريد، الاشتقاق, ص420. وجاء في بعض المصادر أنّ اسم والد سيف هو "الحرث" (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405). فيما ذكر آخرون أنّ اسمه "أبو الحارث" (ابن نما، مثير الأحزان, ص66). لكنّ أكثر المصادر المتقدّمة أثبتت اسم أبيه بلفظ "الحارث".
2 راجع: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص442, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, ابن نما، مثير الأحزان, ص66. وبنو جابر شعبة من همدان. (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج1, ص248).
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 100, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص442, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, ابن نما، مثير الأحزان, ص66.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 100, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص405, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص442, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, ابن نما، مثير الأحزان, ص66.
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص442, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, ابن نما، مثير الأحزان, ص66.
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 48, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ح1, ص210, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
7 حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 48. والعبديّ نسبةً إلى قبيلة عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار (السمعانيّ، الأنساب, ج4, ص135). وذكر ابن شهرآشوب في نسبته: "النميريّ" (ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122).
8 حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210.
9 المصدر نفسه, الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 48, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101. ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
10 المصدر نفسه, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
11 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79. وورد اسمه في الزيارة الرجبيّة، ولكن باسم "سفيان بن مالك". (راجع: السيّد ابن طاووس، المصدر نفسه, ص345, الشهيد الأوّل، المزار, ص152 153).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

181

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 42- شبيب بن عبد الله1 النهشلي2

وذُكر أيضاً باسم "شبيب بن عبد الله"3، و"حبيب بن عبد الله النهشليّ"4.
 
وهو من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره5. ومن بني نفيل بن دارم6، قضى شهيداً يوم عاشوراء7.
 
ورد اسمه في زيارتي الناحية المقدّسة والرجبيّة8.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 35, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, حميد ابن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص85. يُذكر أنّ المرحوم المامقانيّ (تنقيح المقال, ج2, ص81) وآخرين من المتأخّرين ذكروا شخصاً باسم "شبيب بن عبد الله" مولى الحرث بن سُريع في عداد أصحاب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شهداء كربلاء. لكن في المصادر المتقدّمة لا نجد شخصاً بهذا الاسم. وفي هذا المجال يقول المحقّق التستريّ: "ولو كان صحابيّاً كيف لم يعنونه الكتب الصحابيّة؟ وقد عنونوا المختلف فيه. وليس في الناحية، وإنّما في نسختها شبيب بن الحارث بن سريع، وهو محرّف سيف بن الحارث بن سريع المتقدّم. وبالجملة: العنوان لم يُعلم أصله، فضلاً عن فرعه" (التستريّ، قاموس الرجال, ج5, ص393). وعلى هذا الأساس، فالظاهر أنّه لا يوجد في عداد شهداء كربلاء شخص آخر باسم شبيب بن عبد الله.
2 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص85, ونهشل شعبة من دارم، من قبيلة تميم، من العرب العدنانيّين. (القلشقنديّ، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب, ص394). يُذكر أنّ بعض الباحثين عدّه من "بني النفيل بن دارم" (الفضيل ابن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 35, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210), ودارم شعبة كبرى من قبيلة تميم. (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج1, ص484). لكن حيث إنّ "نهشل" هي نفسها شعبة من "دارم"، فالظاهر أنّ المقصود أنّه ينتمي إلى "دارم"، ما جعل بعضهم يسمّيه بـ "النهشليّ"، وبعضهم يُرجعه إلى "النفيل بن دارم". وإن كنّا لم نجد في المصادر المتخصّصة بالقبائل والنسب، لم نجد "نفيل" بوصفه شعبةً من دارم. ومن هنا، يظهر لنا أنّ "نفيل" ما هو إلّا تصحيف لـ "نهشل".
3 حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
4 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص346.
5 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص85.
6 حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
7 المصدر نفسه: ص210, الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 35.
8 المصدر نفسه, ص78.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

182

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 43- شوذب، مولى شاكر1

ذُكر في اسمه أيضاً "سُويد"2. جعله المتقدّمون متقدّماً في الشيعة، وعدّوه في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام3 4.
 
هو من موالي بني شاكر5، ومن قبيلة همدان اليمنيّة6.
 
وفي يوم عاشوراء، وبعد أن استأذن الإمام الحسين عليه السلام برز إلى ميدان القتال7، فقاتل حتّى قُتل8.
 
ورد اسمه في زيارة الناحية المقدّسة باسم "سويد مولى شاكر"9.



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص443, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص105.
2 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79 و 346.
3 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, الشجريّ، الأمالي الخميسيّة, ج1, ص173.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص443, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص105. وبنو شاكر شعبة من قبيلة همدان (السمعانيّ، الأنساب, ج3, ص382).
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212.
7 الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص105.
8 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 99, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101. وقد تحدّثنا سابقاً عن كيفيّة شهادة شوذب في الجزء الأوّل من كتاب تاريخ قيام ومقتل جامع سيّد الشهداء عليه السلام بالفارسيّة, تحت عنوان "شوذب بن عبد الله".
9 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

183

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 44- ضُباب بن عامر الخثعميّ1

هو من بني الحارث بن كعب. قضى شهيداً يوم عاشوراء في ركب الإمام الحسين عليه السلام2.
 
45- ضرغامة بن مالك التغلبيّ3
هو من بني تغلب، ومن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام4. وهو أيضاً من الشهداء5 الذين نالوا مقام الشهادة الرفيع خلال الحملة الأُولى التي شنّها الأعداء على معسكر الإمام عليه السلام6.



1  ذكر المتأخّرون في اسمه "حباب"، ذاهبين إلى أنّ ضباب هو نفسه حباب. (السماويّ، إبصار العين, ص195, الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص470).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 56, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212. ورد في بعض المصادر المتأخّرة أنّه من الشيعة الذين كانوا يسكنون الكوفة، وعندما أتى مسلم إلى الكوفة كان بصحبته، وبعد اعتقال مسلم، اختفى في قبيلته، ومع وصول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء أوصل نفسه خفيةً إلى كربلاء، والتقى بالإمام عليه السلام. (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج1, ص250. تحت عنوان حباب. السماويّ، إبصار العين, ص195). غير أنّنا لم نعثر على شيءٍ من ذلك في المصادر المتقدّمة.
3 نسبةً إلى قبيلة تغلب بن وائل. وهي قبيلة كبرى من العرب العدنانيّين (ابن الأثير، اللّباب في تهذيب الأنساب, ج1, ص217 218).
4 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص101, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
5 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 40, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210.
6 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122. جدير بالذكر أنّ بعض المتأخّرين ذكروا أنّه كان من الشيعة الذين بايعوا مسلماً بالكوفة، ثمّ خرجوا بعد شهادة مسلم من الكوفة بصحبة جيش عمر بن سعد نحو كربلاء، وهناك التحق بالإمام عليه السلام. (السماويّ، إبصار العين, ص199, الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص395). لكنّنا لم نعثر في المصادر المتقدّمة على مستندٍ لذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

184

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 46- عابس بن أبي شبيب الشاكريّ1

عابس من قبيلة همدان2، وأحد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام3.
بعد ورود مسلم بن عقيل الكوفة، خطب خطبةً، أعلن فيها نصرته لأهل البيت عليهم السلام4. وبعد مبايعة شيعة الكوفة لمسلم بن عقيل، أرسله مسلم مبعوثاً من قبله إلى الإمام الحسين عليه السلام حاملاً إليه كتب الكوفيّين5.
 
قال أبو مخنف: حدّثني نمير بن وعلة عن رجلٍ من بني عبد من همدان يُقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم (وكان من جند عمر بن سعد)، قال: لمّا رأيت (عابساً) مقبلاً (يوم عاشوراء) عرفته وقد شاهدته في المغازي، وكان أشجع الناس، فقلْتُ: أيّها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجنّ إليه أحد منكم فأخذ ينادي: ألا رجل لرجل، فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، قال: فرُمي بالحجارة من كلّ جانب، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثمّ شدّ على الناس، فوالله لرأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس، ثمّ إنّهم تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقتل، قال: فرأيْتُ رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة، هذا يقول:



1 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 98, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص404, الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص355, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص568 569, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص103, ابن نما، مثير الأحزان, ص66, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص106. ونشير هنا إلى أنّ نسب عابس لم يُذكر بشكلٍ دقيق في المصادر المتقدّمة. نعم، نجد المحلّى قد نسب عابساً إلى بني وادعة، الذين كانوا يُعرفون بـ "فتيان الصباح". (حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212). وفي بعض المصادر المتأخّرة ذُكر نسب عابس بالشكل التالي: عابس بن (أبي) شبيب بن شاكر بن ربيعة بن مالك بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد الهمدانيّ (المامقانيّ، تنقيح المقال, ج2, ص112, السماويّ، إبصار العين, ص126). لكن في المصادر المتقدّمة لا يوجد هناك مستند تاريخيّ يمكن له أن يدعم هذه الأقوال.
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 98. ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص34.
3 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص103.
4 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص355, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص34.
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص375, ابن نما، مثير الأحزان, ص32.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

185

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد، ففرّق بينهم بهذا القول1.

 
47- عامر2 بن مسلم العبديّ3
هو من شيعة البصرة، ومن أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام4. استشهد يوم عاشوراء خلال الحملة الأُولى للأعداء5.
 
48- عبّاد بن مهاجر بن أبي مهاجر الجهنيّ6
عبّاد من بني "خِرقة"، وهم شعبة من قبيلة جُهينة7. من شهداء يوم عاشورء8.
 



1 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص444. ووردت قصّة شهادته في مقاتل أُخرى بشكلٍ موجز، راجع: الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص106, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص404, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص569, ابن نما، مثير الأحزان, ص66.
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 46, الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص103, حميد ابن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
3 نسبةً إلى قبيلة عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار (السمعانيّ، الأنساب, ج4, ص135). وأرجع بعضهم نسبه إلى عميرة بن أسد (ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص293). عدّه الشيخ الطوسيّ في المجاهيل (الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص103).
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 46, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص210, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122, ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص293.
5 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
6 نسبةً إلى جُهينة، قبيلة من قضاعة (السمعانيّ، الأنساب, ج2, ص134).
7 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص155، المورد 87.
8 المصدر نفسه, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211 212. وذكر بعض المتأخّرين بشأنه أنّه كان من الشجعان، وكان يسكن عند مياه جهينة، وهو اسم وادٍ في أطراف المدينة، وكان فيمن تبع الحسين عليه السلام من مياه جهينة، ورافقه إلى كربلاء، وقد قُتل معه خلال الحملة الأُولى. (راجع: المامقانيّ، تنقيح المقال, ج2, ص123, الحسينيّ الشيرازيّ، ذخيرة الدارين, ص456). لكنّنا لم نعثر على شيءٍ من ذلك في المصادر المتقدّمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

186

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 ذكر الشيخ الطوسيّ شخصاً باسم "عيّاض بن أبي مهاجر" في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام1، ومن المحتمل أن يكون هو هذا الرجل.

 
49- عبد الأعلى بن يزيد الكلبيّ2
هو من شبّان الكوفة، ممّن بايعوا مسلم بن عقيل. فلمّا بدأ مسلم بن عقيل حركته بالكوفة لبس سلاحه وخرج من منزله يريد مسلم بن عقيل في محلّة بني فتيان (وهي محلّة بالكوفة)، لكنّ كثير ابن شهاب ألفاه فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد، فأمر به ابن زياد فحُبس3. ولمّا قُتل مسلم وهاني دعاه ابن زياد فسأله عن حاله، فقال له: أخبِرني بأمرك! فقال: أصلحك الله، خرجْتُ لأنظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب. فقال له ابن زياد: فعليك من الأيمان المغلّظة إنْ كان ما أخرجك إلاّ ما زعمت. فأبى أن يحلف، فقال ابن زياد: انطلقوا بهذا إلى جبّانة السبيع4 فاضربوا عنقه بها. فانطلقوا به فضُربت عنقه رضي الله عنه5.
 



1 الشيخ الطوسيّ، رجال الطوسيّ, ص103.
2 وهو مشهور أيضاً بـ "العُليميّ", لنسبته إلى بني عُليم بن جناب، وهي شعبة من بني كنانة، وهذه أيضاً شعبة من بني الكلْب، وبنو الكلب شعبة من قضاعة، من قبائل العرب القحطانيّين (ابن حزم الأندلسيّ، جمهرة أنساب العرب, ص479, السويديّ البغداديّ، سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب, ص31 32.
3 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص370.
4 الجبّانة في الأصل بمعنى: الصحراء، لكنّ أهل الكوفة كانوا يطلقونها على المقابر. كما كان الكوفيّون يُضيفون بعض المحالّ إلى أسماء بعض القبائل، فيقولون مثلاً : جبّانة كندة، جبّانة السبيع، وهكذا. (ياقوت الحمويّ، معجم البلدان, ج2, ص116).
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص379.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

187

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 50- عبد الرحمن بن عبد الله1 بن كدن2 اليزنيّ3

بعد موت معاوية، وطلب أهل الكوفة من الإمام الحسين عليه السلام القدوم إليهم، كان عبد الرحمن ضمن الفئة الثانية التي حملت كتب أهل الكوفة ورسائلهم إلى الإمام عليه السلام4. وبعد أن التقى الإمام عليه السلام بمبعوثي أهل الكوفة، خرج عبد الرحمن مع نفرٍ آخرين بصحبة مسلم ابن عقيل باتّجاه الكوفة، وكان ذلك بأمرٍ من الإمام الحسين عليه السلام5.
 
بعد ذلك أوصل عبد الرحمن نفسه إلى كربلاء، وقضى شهيداً في يوم عاشوراء6. وهو- بحسب رواية ابن شهر آشوب - من شهداء الحملة الأُولى7.
 
ورد اسمه في زيارة الناحية المقدّسة باسم "عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدِن الأرحبيّ"8.



1 في بعض المصادر ورد اسم أبيه بلفظ "عبيد" (الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص339).
2  الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص354. يُذكر أنّ اسم جدّه ورد في بعض المصادر بلفظ "كدِر" (البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص370)، وبعضهم أثبته بلفظ "كوا" (ابن كثير، البداية والنهاية, ج8, ص162).
3 في بعض المصادر: "الأرحبيّ" بدلاً من "اليزنيّ"، (الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 96, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص370, ابن شهر ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122). والأرحبيّ نسبة إلى بني أرحب، وهم شعبة من قبيلة همدان (السمعانيّ، الأنساب, ج1, ص106 107).
4 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص352, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص370, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص37, سبط بن الجوزيّ، تذكرة الخواصّ, ص244, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص98, ابن أعثم، كتاب الفتوح, ج5, ص29, ابن كثير، البداية والنهاية, ج8, ص162, الدينوريّ، الأخبار الطوال, ص339.
5 الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص354, الشيخ المفيد، الإرشاد, ج2, ص39, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص370, سبط بن الجوزيّ، تذكرة الخواصّ, ص244.
6 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص156، المورد 96, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص212, البلاذريّ، أنساب الأشراف, ج3, ص404, ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
7 ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب, ج4, ص122.
8 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

188

في أحوال الشهداء من غير بني هاشم

 51- عبد الرحمن بن عبد ربّ1

هو من الأنصار. من بني سالم بن خزرج، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد ربّاه وعلّمه القرآن2.
 
52- عبد الرحمن بن مسعود بن الحجّاج3
ذكرته بعض المصادر المتقدّمة في عداد شهداء كربلاء4. وفي زيارة الناحية المقدّسة5 ذُكر اسمه إلى جانب اسم أبيه، بلفظ "السلام على مسعود بن الحجّاج وابنه".
 
53- عبد الله بن بشر6 الخثعميّ
ذُكر اسمه في بعض المصادر التاريخيّة ضمن شهداء كربلاء7.



1 ورد اسم أبيه في بعض المصادر بلفظ "عبد ربه" (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص423).
2 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص153، المورد 51, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. ذكر الطبريّ حضور عبد الرحمن في كربلاء، وأنّه يوم عاشوراء اطّلى بالنورة في فسطاطٍ ضُرب لأجل ذلك بعد الإمام الحسين عليه السلام. (الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك, ج5, ص423, ابن الأثير، الكامل في التاريخ, ج2, ص561, السيّد ابن طاووس، الملهوف على قتلى الطفوف, ص154).
3 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 62, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211.
4 الفضيل بن زبير، "تسمية من قُتل مع الحسين"، مجلّة تراثنا، العدد 2، ص154، المورد 62, حميد بن أحمد المحلّى، الحدائق الورديّة, ج1, ص211. وذهب بعض الباحثين إلى أنّه ليس من المؤكّد وجود شخصٍ بهذا الاسم في كربلاء (التستريّ، قاموس الرجال, ج6, ص144، رقم 4073).
5 السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة, ج3, ص79, ابن المشهديّ، المزار الكبير,