|
المقدمــة |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على
المرسل رحمة للعالمين
محمد المصطفى وآله
الأطهار الميامين.
قال تعالى:﴿إِن
تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ
مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً
كَرِيمًا﴾1.
تشير الآية الكريمة إلى
مجموعة من الذنوب لها
خطورة استثنائية على مصير
الإنسان وعاقبته وجزائه
في الآخرة، لذا سميت بـ "الكبائر".
وقد ذكرها الإمام الخميني
قدس سره في كتاب تحرير
الوسيلة، وعدد بعضها: "وهي
كثيرة، منها: اليأس من
روح الله، والأمن من مكره،
والكذب عليه أو على رسوله
وأوصيائه عليهم السلام،
وقتل النفس التي حرمها
الله إلا بالحق، وعقوق
الوالدين، وأكل مال
اليتيم ظلماً، وقذف
المحصنة، والفرار من
الزحف، وقطيعة الرحم،
والسحر، والزنا، واللواط،
والسرقة، واليمين الغموس،
وكتمان الشهادة، وشهادة
الزور، ونقض العهد،
والحيف في الوصية، وشرب
الخمر، وأكل الربا، وأكل
السحت، والقمار، وأكل
الميتة والدم ولحم
الخنزير وما أهل لغير
الله من غير ضرورة،
والبخس في المكيال
والميزان، والتعرّب بعد
الهجرة، ومعونة الظالمين،
والركون إليهم، وحبس
الحقوق من غير عذر،
والكذب، والكبر، والإسراف،
والتبذير، والخيانة،
والغيبة، والنميمة،
والاشتغال بالملاهي،
والاستخفاف بالحج، وترك
الصلاة، ومنع الزكاة،
والإصرار على
الصغائر من الذنوب. وأما
الإشراك بالله تعالى
وإنكار ما أنزله ومحاربة
أوليائه فهي من أكبر
الكبائر"2.
وهذا الكتاب الماثل بين
يديك "من كبائر الذنوب"،
يتعرض لمجموعة من هذه
الذنوب الكبيرة، ليبيّن
حقيقتها وأسبابها وآثارها
وكيفية إجتنابها، لعلّ
الله تعالى يوفقنا لأن
نكون مصداقاً لمن يجتنب
كبائر الذنوب، فتكفّر
عنّا سيئاتنا ونفوز
بالكرامة في الآخرة.
والحمد لله رب العالمين
جمعية المعارف الإسلامية
الثقافية
|
الدرس الأول: اليأس
من روح الله |
|
أنواع
اليأس
من الذنوب الكبيرة اليأس من روح
الله تعالى، وهو ُيتصور على
نحوين:
الأوّل: اليأس الأُخروي
بمعنى أن ييأس الإنسان من رحمة
الله وغفرانه، قال تعالى:
﴿قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾3.
إذا طالعنا الحالة النفسية عند
الكثير من المجرمين والعاصين بعد
ارتكابهم للذنب الكبير، نرى أن
حالة من الألم والندم تصيبهم بحيث
لا يتصورون بقاء طريق العودة
مفتوحاً أمامهم، ويعتبرون أنفسهم
ملوثين بشكل لا يمكن تطهيره،
ويتساءلون: هل من الممكن أن
تُغْفَرَ ذنوبنا؟ وهل أن الطريق
إلى الله مفتوح أمامنا؟
|
هذه الآية تعطي الأمل في
أنَّ طريق العودة والتوبة
مفتوح أمامهم.
علاج اليأس الأخروي
هناك عدَّة أمور يمكن أن
تكون علاجاً لحالة اليأس
الأخروي:
1- باب التوبة مفتوح
من المشاكل التي تقف
عائقاً في طريق بعض
المسائل التربوية هو
احساس الإنسان بعقدة
الذنب من جرَّاء الأعمال
القبيحة السابقة التي
ارتكبها، خاصة إذا كانت
هذه الذنوب كبيرة، إذ أنَّ
الذي يستحوذ على ذهن
الإنسان إن أراد التوجه
نحو الطَّهارة والتقوى
والعودة إلى الله، كيف
يتخلص من أعباء الذنوب
الكبيرة السّابقة؟
التعاليم الإسلامية حلّت
هذه المشكلة، عندما أفصحت
عن أن التوبة والإنابة
يمكن أن تكون أداةً قاطعةً
وحاسمةً للإنفصال عن
الماضي وبدء حياة جديدة،
أو حتى يمكن أن تكون
بمثابة ولادة جديدة
للتائب، إذا تحققت بشرطها
وشروطها.
ففي حديث عن الباقرعليه
السلام: "التائب من
الذنب كمن لا ذنب له،
والمقيم على الذنب وهو
مستغفر منه كالمستهزئ"4.
ومن البديهي أنَّ هذه
العودة لا يمكن أن تتم
بدون قيد أو شرط، وأن
البارئ تعالى حكيم ولا
يفعل شيئاً عبثاً، فإذا
كانت أبواب رحمته مفتوحةً
أمام عباده، ودعوته إياهم
للتوبة مستمرة، فإن وجود
الاستعداد عند العباد أمرٌ
لا بدَّ منه.
ومن جهة أخرى، يجب أن
تكون عودة الإنسان صادقة،
وأن تحدث انقلاباً وتغيراً
في داخل ذاته.
من ناحية ثانية، يجب أن
يبدأ الإنسان بعد توبته
بإعمار وبناء أسس الإيمان
والعقيدة التي كانت قد
دُمرت بعواصف الذنوب.
|
|
ومن ناحية
ثالثة، يجب أن يصلح الإنسان بالأعمال الصالحة عجزه الروحيَّ
وسوء خلقه، فكلما كانت الذنوب السابقة كبيرة، عليه أن يقوم
بأعمال صالحة أكثر وأكبر.
وهذا ما بينه القرآن الكريم في هذه الآيات:
﴿وَأَنِيبُوا
إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ *
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن
رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً
وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾5.
2-
مكافحة روح اليأس من أهم آثار الشفاعة في نفس المعتقدين بها
الإيمان بالشفاعة يفتح
أمام الإنسان نافذة نحو النور، ويبعث فيه الأمل بالعفو والصفح،
وهذا الأمل يجعله يسيطر على نفسه، ويعيد النظر في مسيرة حياته، بل
ويشجعه على تلافي سيئات الماضي.
تحذير: بين الخوف
والرجاء
صحيح أنَّ اليأس من
رحمة الله من الكبائر، إلَّا أنَّ الأمن من مكر الله وعذابه أيضاً
من الكبائر، وهذا ما يدعونا إلى تحذير الإنسان من كلا الأمرين،
اليأس والأمن.
من هنا نرى القرآن
الكريم يعتبر أن من صفات المؤمنين الخوف والرجاء من الله تعالى،
فلا يأمنون غضب الله تعالى، ولا ييأسون من رحمته، والتوازن بين
الخوف والرجاء هو ضمان تكاملهم وسلوكهم في الطريق إلى الله تعالى،
والحاكم على وجودهم دائماً، لأن غلبة الخوف تجر الإنسان إلى اليأس
والقنوط، وغلبة الرجاء تغري الإنسان في الذنوب وتجعله في غفلة،
وكلاهما عدوٌّ للإنسان في سيره التكاملي إلى الله تعالى.
يقول تعالى:
﴿إِنَّمَا
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا
الَّذِينَ إِذَا
ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا
سُجَّدًا وَسَبَّحُوا
بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ
لَا يَسْتَكْبِرُونَ *
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ
عَنِ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ﴾6.
ومن هنا نرى القرآن
الكريم يصف الله بالغفَّارية والقهَّارية:
﴿قُلْ
إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ
الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.
فالله سبحانه وتعالى
كما أنه قهَّار شديد العقاب كذلك هو عزيز غفَّار رحيم، فكلمة
قهَّار في الآية، كي لا يغترَّ أحد بلطف الله ورحمته وغفَّاريته،
ويظنَّ أنَّه يعيش في مأمن من قهر الله وغضبه، ولكي لا يغرق في
مستنقع الذنوب.
كلمة غفَّار تعني كثير
الغفران، بحيث أنَّ أبواب رحمته مفتوحة أمام المذنبين، إذاً على
الإنسان أن لا ييأس ولا يأمن، وإلا كان متصفاً بصفات الخاسرين
﴿إِنَّهُ
لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾7.
﴿أَفَأَمِنُواْ
مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ
الْخَاسِرُونَ﴾8.
وينبغي الحذر أيضاً من
الفهم الخاطئ للتوبة والشفاعة وإلا لم تنفعا.
الثاني: اليأس الدنيوي
مرّ معنا الحديث عن
اليأس الأخروي، والآن نتحدث عن اليأس الدنيوي، ونعني به أن ييأس
الإنسان من الفرج الإلهي.
علاج اليأس الدنيوي
1-
التفاؤل
فالتفاؤل يبعث على
الأمل بينما التطيُّر يؤدِّي إلى اليأس والعجز، روي عن رسول الله
صلى الله عليه وآله: "الطَّيَرَة شرك"، "تفاءلوا بالخير
تجدوه".
2-
الدعاء
نقرأ في الرواية عن
النبي صلى الله عليه وآله: "الدُّعاء سلاح المؤمن..."9.
وعن الإمام علي عليه
السلام: "الدُّعاء مفاتيح النَّجاح ومقاليد الفلاح..."10.
وهناك روايات كثيرة
تشير إلى أهمِّية الدُّعاء، ومن فوائده: أنَّ الإنسان تقع في حياته
حوادث، فتغرقه في اليأس من حيث الأسباب الظاهرية، فالدُّعاء يمكنه
أن يكون شرفة على أمل الفوز، ووسيلة مؤثِّرة في مواجهة اليأس.
3- الأمل بالنصر (المدد
الإلهي)
إذا راجعنا القرآن
الكريم، نجده يبعث الأمل بالنَّصر في نفوس المسلمين، وإليك بعض
الموارد.
أ- قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا
يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ *
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ
بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾11.
تفيدنا الآية بأنَّ
أساليب أهل الضَّلال الرَّامية لتخدير، الناس ومحاولة تفريقهم
وإبعادهم عن أولياء الله، لا تختصُّ بزمان ومكان معينين، بل هي
ممارسة موجودة منذ القدم، وباقية ما بقي الصراع بين الحق والباطل
على الأرض، ولهذا لا ينبغي أن نستوحش من ذلك ونتراجع أمام المشاكل
والعراقيل التي يدبِّرها الأعداء.
ولا نسمح لليأس من أن
يدخل إلى قلوبنا، ولا
لأساليب الأعداء من أن
تُفقدنا الثِّقة بالله
تعالى.
فذكر سنن الأولين في
القرآن، ما هي إلا مواساة وتسلية مؤثِّرة لقلوب دعاة الإيمان.
وإذا ما تصوَّرنا يوماً
أنَّ نشر دعوة الحق، ورفع راية العدل والهداية، لا يواجهان بردِّ
فعل الأعداء، فإننا في خطأ كبير، وأقلُّ ما فيه أننا سنصاب بحالة
اليأس المهلكة، وما علينا إلَّا أن نستوعب مسير الأنبياء عليهم
السلام في مواجهتهم لأعداء الله.
ب- قال تعالى:
﴿وَلاَ
تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ
شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾12،
في الآية تحذير للمسلمين من أن يعتريهم اليأس والفتور بسبب النكسة
في معركة واحدة، وأن يتملَّكهم الحزن واليأس من النصر النهائي.
فالرجال الواعون هم
الذِّين يستفيدون الدروس من الهزائم، كما يستفيدونها من الانتصارات،
وهم الذين يتعرفون في ضوء النَّكسات على نقاط الضعْف في أنفسهم أو
مخطَّطاتهم، ويقفون على مصدر الهزيمة، ويسعون لتحقيق النصر النهائي
بالقضاء على تلك الثغرات والنواقص.
4- الانتظار ودوره
في معالجة اليأس
هناك أثر مهمٌّ
لانتظار ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، وهو عدم ذوبان
المنتظرين في المحيط الفاسد، وعدم الانقياد وراء المغريات والتلوث
بها.
وتوضيح ذلك:
أنه حين يعمُّ الفساد المجتمع، أو تكون الأغلبيَّة الساحقة منه
فاسدة، فقد يقع الإنسان المؤمن في مأزق نفسيِّ، أو بعبارة أخرى: في
طريق مسدود "لليأس من الاصلاحات التي يتوخاها" وربما يتصَّور
المنتظرون أنَّه لا مجال للإصلاح، وأنَّ السعي والجدَّ من أجل
البقاء على النقاء والطهارة، كلُّ ذلك لا
جدوى منه، فهذا اليأس أو
الفشل قد يجرُّ الإنسان
نحو الفساد والاصطباغ
بصبغة المجتمع الفاسد،
والَّذي ينعش الأمل في
نفوس المؤمنين ويدعوهم
إلى المقاومة والصبر وعدم
الذوبان والإنحلال في
المحيط الفاسد، هو رجاؤهم
بالاصلاح النهائي، فهم في
هذه الحال لا يسأمون عن
الجد والمثابرة.
5- التقوى والفرج
﴿...
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ...﴾13
,
إنَّ هذه
الآيات تبعث الأمل في النُّفوس، وتمنح القلب صفاءً خاصاً، وتمزِّق
حجب اليأس والقنوط، وتنير الأرواح بنور الأمل، إذ تعد المتقين بحل
مشاكلهم وتسهيل أمورهم.
جاء في حديث عن أبي ذر
الغفاري، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "إنيِّ أعلم
آيةً لو أخذ بها النَّاس لكفتهم،
﴿وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾،
فما زال يقولها ويعيدها"14.
وفي حديث عن الرسول
صلى الله عليه وآله: "مَنْ أْكثر الإستغفار جعل الله له من كلِّ
همٍّ فرجاً ومن كلِّ ضيق مخرجاً"15. المقصود من التوكُّل على
الله، هو أن يسعى الإنسان لأن يجعل عاقبة عمله وكدحه على الله،
ويوكلها إليه ويدعوه لتسهيل أمره، فإنَّه لطيف بعباده، رحيم بهم،
وعلى كل شيء قدير.
والشخص الذي يعيش
حقيقة التوكُّل على الله، لا يجد إليه منفذاً، ولا يدبُّ في عزمه
الضعف، ولا يشعر بالنقص والصغر أمام المشاكل مهما كبرت، ويبقى
يقاوم ويواجه الأحداث بقوَّة وإيمان راسخين.
ومن جانب آخر تنهمر
عليه الإمدادات الغيبيَّة والمساعدات التي وعده الله.
ففي حديث عن رسول الله
صلى الله عليه وآله: "سألت جبرائيل: ما التوكل؟ قال:العلم بأنَّ
المخلوق لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من
الخلق، فإذا كان
العبد كذلك، لم يعمل
لأحد سوى الله، ولم يرجُ
ولم يخف سوى الله، ولم
يطمع في أحد سوى الله
فهذا هو التوكُّل"16.
6- العلم بأن مع
العسر يسراً
يقول تعالى:
﴿فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾17
هذا الوعد الإلهيُّ
يغمر القلب نوراً وصفاء، ويبعث فيه الأمل، ويزيل ظلمة اليأس عن روح
الإنسان، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "واعلم أنَّ مع
العسر يسراً، وأنَّ مع الصبر النَّصر، وأنَّ الفرج مع الكرب"18.
|
خلاصة الدرس |
|
1- اليأس الأخروي: أن ييأس
الإنسان من رحمة الله وغفرانه.
- هناك عدة أمور لعلاج اليأس
الأخروي:
أ- العلم بأنَّ باب التوبة مفتوح.
ب- الإيمان بالشفاعة.
- تحذيران:
أ- كما ينبغي عدم اليأس، كذلك
ينبغي عدم الأمن من سخط الله،
فينبغي العيش بين الخوف من الله
ورجائه.
ب- ينبغي فهم التوبة والشفاعة
بمعناهما الصحيح، وإلا اجترأ
الإنسان على المعاصي.
2- اليأس الدنيوي: أن ييأس
الإنسان من الفرج الإلهي.
- علاج اليأس الدنيوي:
أ- التفاؤل
ب- الدعاء
ج- الأمل بالفرج والنصر
د- الإنتظار ودوره في علاج اليأس
هـ- التّقوى والفرج
و- العلم بأنَّ مع العسر يسراً.
|
|
أسئلة حول الدرس |
|
1- اليأس يُتصور على
نحوين ما هما؟ وما هو
تعريفهما؟
2- كيف نعالج اليأس
الأخروي؟
3- أذكر التحذيرات التي
تقع في طريق علاج اليأس
الأخروي؟
4- كيف نعالج اليأس
الدنيوي؟
|
|
|
للحفظ |
|
قال تعالى:
﴿قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى
أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾19.
﴿أَفَأَمِنُواْ
مَكْرَ اللّهِ فَلاَ
يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ
إِلاَّ الْقَوْمُ
الْخَاسِرُونَ﴾20.
﴿فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا﴾21.
|
|
|
للمطالعة |
|
النبّاش
يُروى أنه: دخل معاذ بن
جبل على رسول الله صلى
الله عليه وآله باكيا،ً
فسلَّم فردَّ عليه
السَّلام ثمَّ قال: ما
يبكيك يا معاذ؟ فقال يا
رسول الله، إن بالباب
شاباً طريَّ الجسد نقيَّ
اللَّون حسن الصورة يبكي
على شبابه بكاء الثكلى
على ولدها يريد الدخول
عليك.
فقال النبي صلى الله عليه
وآله: أَدْخِل عليّ الشاب
يا معاذ، فأدخله عليه
فسلَّم فردَّ عليه السلام
قال: ما يبكيك يا شاب؟
قال: كيف لا أبكي وقد
ركبت ذنوباً، إن أخذني
الله عزَّ وجلَّ ببعضها
أدخلني نار جهنَّم؟ ولا
أراني إلا سيأخذني بها
ولا يغفر لي أبداً.
فقال رسول الله صلى الله
عليه وآله: هل أشركت
بالله شيئاً؟ قال: أعوذ
بالله أن أشرك بربي شيئاً.
قال: أقتلت النفس التي
حرّم الله؟ قال: لا.
فقال النبي صلى الله عليه
وآله: يغفر الله ذنوبك
وإن كانت مثل الجبال
الرواسي.
فقال الشاب: فإنها أعظم
من الجبال الرواسي. فقال
النبي صلى الله عليه وآله:
يغفر الله لك ذنوبك وإن
كانت مثل الأرضين السبع
وبحارها ورمالها وأشجارها
وما فيها من الخلق.
قال: فإنها أعظم من
الأرضين السبع وبحارها
ورمالها وأشجارها وما
فيها من الخلق.
فقال النبي صلى الله عليه
وآله: يغفر الله ذنوبك
وإن كانت مثل السموات
ونجومها ومثل العرش
والكرسي.
قال: فإنها أعظم من ذلك.
قال: فنظر النبي صلى الله
عليه وآله إليه كهيئة
الغضبان ثم قال: ويحك يا
شاب، ذنوبك أعظم أم ربُّك؟
فخر الشاب لوجهه وهو يقول:
سبحان ربِّي، ما شيء
أعظم من ربِّي، ربِّي
أعظم يا نبي الله من كلِّ
عظيم.
فقال النبي صلى الله عليه
وآله: فهل يغفر الذنب
العظيم إلا الربُّ العظيم.
قال الشاب: لا والله يا
رسول الله، ثم سكت الشاب
فقال له النبي صلى الله
عليه وآله: ويحك يا شاب
ألا تخبرني بذنب واحد من
ذنوبك؟
قال: بلى، أخبرك: إني كنت
أنبش القبور سبع سنين،
أخرج الأموات وأنزع
الأكفان، فماتت جارية من
بعض بنات الأنصار، فلما
حُمِلت إلى قبرها ودُفِنت
وانصرف عنها أهلها وجنَّ
عليهم الليل، أتيت قبرها
فنبشتها ثم استخرجتها
ونزعت ما كان عليها من
أكفانها، وتركتها متجردة
على شفير قبرها ومضيت
منصرفاً، فأتاني الشيطان
فأقبل يزيِّنها لي... ولم
أملك نفسي حتى جامعتها
وتركتها مكانها، فإذا أنا
بصوت من ورائي يقول: يا
شاب ويل لك من ديَّان يوم
الدين.. فما أظنُّ أني
أشم رائحة الجنة أبداً
فما ترى يا رسول الله؟
فقال النبي صلى الله عليه
وآله: تنحَّ عني يا فاسق،
إني أخاف أن أحترق بنارك،
فما أقربك من النار!
فذهب فأتى المدينة فتزود
منها ثم أتى بعض جبالها
متعبداً فيها، ولبس مسحاً
وغلّ يديه جميعاً إلى
عنقه، ونادى: يا رب هذا
عبدك بهلول بين يديك
مغلول...
ثم قال اللهم ما فعلت في
حاجتي إن كنت استجبت
دعائي وغفرت خطيئتي فأوحِ
إلى نبيك،... فأنزل الله
تبارك وتعالى على نبيه
صلى الله عليه وآله:
﴿وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً
أَوْ ظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ
اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ
اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ
عَلَى مَا فَعَلُواْ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾22.
|
|
|