|
قال رسولُ الله صلى الله
عليه وآله وسلم
"
أربعة يؤذون أهل النار
على ما بهم من الأذى،
يسقون من الحميم والجحيم،
ينادون بالويل والثبور.
يقول أهل النار بعضهم
لبعضٍ: ما بال هؤلاء
الأربعةِ قد آذونا على ما
بنا من الأذى.
1- فرجلُ معلّق عليه
تابوت من جمر.
2- ورجلٌ يجرّ أمعائه.
3- ورجل يسيل فوه قيحاً
ودماً.
4- ورجلٌ يأكل لحمه
فيقال لصاحب التاوبت:
ما بال الأبعد قد آذانا
على ما بنا من الأذى
فيقول: إن الأبعد مات وفي
عنقه أموال الناس لم يجد
لها أداءً ولا وفاء.
ثم يقال للذي يجرّ أمعائه:
ما بال الأبعد قد آذانا
على ما بنا من الأذى،
فيقول: إنّ الأبعد كان لا
يبالي أين أصاب البول من
جسده.
ثمّ يقال للذي يسيل فوه
قيحاً ودماً: ما بال
الأبعد قد آذانا على ما
بنا من الأذى، فيقول: إن
الأبعد كان يُحاكى فينظر
إلى كلّ كلمة خبيثة
فيُسندها فيحاكي بها.
ثمّ يقال للذي يأكل لحمه:
ما بال الأبعد قد آذانا
على ما بنا من الأذى،
فيقول: إنّ الأبعد كان
يأكل لحوم الناس بالغيبة،
ويمشي بالنميمة".1
قال الله تعالى:
﴿وَلَا
تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
مَّهِينٍ * هَمَّازٍ
مَّشَّاء بِنَمِيمٍ *
مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ
بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾2.
اللسان: نعمة ونقمة
من النعم الإلهيّة التي
أنعم اللهُ بها على
الإنسانِ من جملة خلقِه
الذي خَلقهُ في أحسن
تقويم، نعمةُ اللسان
والبيان والنطق، التي
تميّزه عن باقي المخلوقات،
قال تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ
* عَلَّمَ الْقُرْآنَ *
خَلَقَ الْإِنسَانَ *
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
﴾3،
وكذلك قوله:
﴿أَلَمْ
نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
* وَلِسَانًا
وَشَفَتَيْنِ﴾4.
وقال أمير المؤمنين عليه
السلام: "ما الإنسان
لولا اللسان إلّا صورة
ممثّلة أو بهيمة مهملة"5.
ولذا لا بدّ لنا من شكر
الله على هذه النعمة
وإعطائها حقّها، بتسخيرها
والاستفادة منها فيما
يرضي الله عزَّ وجلَّ ولا
يُسخطه، فبهذا اللسان يصل
الإنسانُ إلى أعلى
المراتب والمقامات عبر
ذكر الله، وإتيان الطاعات
والإصلاح بين الناس
والدعوة إلى الله، وبهذا
اللسان أيضاً يهبط
الإنسان إلى أسفل
السافلين ودرك الجحيم إن
سخّره في معصية الله.
ومن هنا كان للسان حقّ لا
بدّ من أدائه، قال الإمام
السجاد عليه السلام في
رسالة الحقوق
"وحقّ اللسان إكرامه
عن الخنا6،
وتعويده الخير وترك
الفضول التي لا فائدة لها،
والبَّر بالناس وحسن
القول فيهم"7
المعيار هو العقل
والمعيار في تقييم اللسان
هو العقل والجهل، فبالعقل
ترجح كفّته وبالجهل يسقط
ويهوي.
قال أمير المؤمنين عليه
السلام: "اللسان معيارٌ
أرجحه العقل وأطاشه الجهل"8.
وبهذا اللسان يفتح
الإنسان أبواب الخير وبه
أيضاً يفتح أبواب الشرّ،
لكن العبرة فيما يتكلّم
وفيما لا يتكلّم، ومتى
يتكلّم ومتى لا. ورد في
الحديث الشريف عن الإمام
الباقر عليه السلام قال:
"كان أبو ذر يقول في
عظته: يا مبتغي العلم، إنّ
هذا اللسان مفتاح كلّ خيرٍ
ومفتاح كلّ شرٍ، فاختم
على فيك كما تختم على
ذهبك وفضتك"9.
مساوئ اللسان
إنّ مساوىء اللسان كثيرة
وعواقبه وخيمه، وهو سبب
هلاك أكثر الناس ودخولهم
النار.
وقد جاء رجل إلى النبيّ
صلى الله عليه وآله وسلم
فقال: "يا رسول الله
أوصني، قال صلى الله عليه
وآله وسلم: احفظ لسانك،
قال يا رسول اللهصلى الله
عليه وآله وسلم: أوصني،
قال صلى الله عليه وآله
وسلم: احفظ لسانك، قال:
يا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم أوصني،
قال صلى الله عليه وآله
وسلم: احفظ لسانك، ويحك
وهل يكبّ الناس على
مناخرهم في النار إلّا
حصائد ألسنتهم"10.
وبالرغم من أنّ المحرّك
لارتكاب المعاصي
اللسانيّة هي النفس
الأمّارة بالسوء، وما
اللسان إلّا آلة لإظهار
ما في النفوس خيرها
وشرّها، إلّا أنّ ما ورد
في القرآن الكريم هو
التأكيد على أنّ الألسن،
هي من تشهد يوم القيامة
على أفعال الإنسان في
الدنيا:
﴿ييَوْمَ
تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
أَلْسِنَتُهُمْ
وَأَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾11.
بل يعذّب اللسان عذاباً
شديداً كما في الرواية عن
أبي عبد الله الصادق عليه
السلام قال: "قال رسول
الله صلى الله عليه وآله
وسلم: يعذّب الله اللسان
بعذاب لا يعذّب به شيئاً
من الجوارح.
فيقول: يا ربِّ عذّبتني
بعذابٍ لم تعذّب به شيئاً.
فيُقال له: خرجت منك كلمة
فبلغت مشارق الأرض
ومغاربها فسفك بها الدم
الحرام، وانتهب بها المال
الحرام وانتهك بها الفرج
الحرام. وعزّتي وجلالي
لأعذبنّك بعذابٍ لا أعذّب
به شيئاً من جوارحك"12.
النميمة وآثارها
النميمة مرض نفسيّ لسانيّ
قاتل وخطير وهي تعني: "نقل
قول الغير إلى المقول فيه
سواء بالتكلّم أو الكتابة
أو الإشارة أو الرمز"13.
وهي المصداق البارز
لإشاعة الفاحشة في
المجتمع المؤمن،
لما فيه من الفساد
والإفساد.
عن أبي عبد الله الصادق
عليه السلام قال: "من قال
في مؤمنٍ ما رأته عيناه
وسمعته أذناه، فهو من
الذين قال الله عزَّ وجلَّ
﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن
تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
14.-
15
وعنه عليه السلام قال: "وإنّ
من أكبر السحر النميمة،
يفرّق بها بين المتحابّين،
ويجلب العداوة على
المتصافين، ويسفك بها
الدماء، ويهدم بها الدور
ويكشف بها الستور،
والنمَّام أشرُّ من وطىء
الأرض بقدمٍ"16.
وينبغي لكلّ من حُملت
إليه النميمة:
1- عدم التصديق: لقوله
تعالى:
﴿وَلَا
تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
مَّهِينٍ * هَمَّازٍ
مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾17.
2- التبيّن قبل ترتيب
الأثر لقوله تعالى:
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِن جَاءكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن
تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَادِمِينَ﴾18.
3- أن ينهاه عن ذلك لقوله
تعالى:
﴿وَأْمُرْ
بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ
عَنِ الْمُنكَرِ﴾19.
4- أن يُبغضَ في الله
إذا علم منه معرفته بعمله
وإصراره على فعله، لأنّه
ملعون بعيدٌ عن الله. ورد
في الخبر عن أمير
المؤمنين عليه السلام: "إيّاك
والنميمة فإنّها تزرع
الضغينة وتُبعد عن
الله"20.
5 - أن لا تظنّ بأخيك
السوء:
﴿اجْتَنِبُوا
كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ
إِثْمٌ﴾
21.
6 - أن لا يحملك القول
فيك على التجسّس
﴿وَلَا
تَجَسَّسُوا﴾22.
7 - أن لا ترضى لنفسك ما
نُهيت عنه، فتقع فيما وقع
فيه غيرك.
ومن الجميل أن نتعلّم من
أهل البيت عليهم السلام
كيفيّة التعاطي مع
النمَّام.
روي عن أمير المؤمنين
عليه السلام أنّه أتاه
رجل يسعى إليه برجُلٍ،
فقال له عليه السلام: "يا
فلان نحن نسأل عما قلت،
فإن كنت صادقاً مقتناك،
وإن كنت كاذباً عاقبناك،
وإن شئت أن نُقيلك أقلناك،
قال: أقلني يا أمير
المؤمنين"23.
آثار النميمة
الدنيويـة والآخرويـة
1- الحقد والضغينة
عن الإمام علي عليه
السلام: "إياك
والنميمة فإنها تزرع
الضغينة"24.
وعن الإمام جعفرعليه
السلام: "إيّاك
والنميمة فإنّها تزرع
الشحناء في قلوب الرجال"25.
2- غضب الله وهتك
الستر
من كتاب الصادق عليه
السلام إلى عبد الله
النجاشي والي الأهواز،
قال له: "إيّاك
والسعاة وأهل النمائم،
فلا يلتزقن بك أحدٌ منهم،
ولا يراك الله يوماً
وليلة وأنت تقبل منهم
صرفاً ولا عدلاً، فيسخط
الله عليك ويهتك سترك"26.
3- شرار خلق الله
عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، قال: "ألا
أخبركم بشراركم، قالوا
بلى يا رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم، قال:
المشّاؤون بالنميمة،
المفرّقون بين الأحبّة،
الباغون للبراء العيب"27.
4- عذاب القبر
عن الإمام عليّ عليه
السلام قال: "عذاب
القبر يكون من النميمة"28.
5- عدم دخول الجنـّة
قال النبيّ صلى الله عليه
وآله وسلم: "لا يدخل
الجنّة نمّام"29.
عبد نمـام
باع أحدهم عبداً وقال
للمشتري ما فيه عيب إلّا
النميمة قال رضيت به.
فمكث الغلام أيّاماً ثمّ
قال لزوجة مولاه: إنّ
زوجك لا يحبّك ويريد أن
يتسرّى30
عليك فخذي بعض الشعر منه
لأسحره لك.
ثمّ قال للزوج: إنّ
امرأتك اتخذت خليلاً،
وتريد أن تقتلك فتناوم31
لها حتّى تعرف.
فتناوم فجاءته امرأته
تحمل سكيناً فظنّ أنّها
تقتله فقتلها، وجاء أهل
المرأة فقتلوا الزوج،
ووقع القتال بين
القبيلتين.
|