|
عن النبيّ الأكرم صلى
الله عليه وآله وسلم
"ألا إن مثل هذا الدين
كمثل شجرة نابتة ثابتة،
الإيمان أصلها، والزكاة
فرعها، والصلاة ماؤها،
والصيام عروقها، وحسن
الخلق ورقها، والإخاء في
الدين لقاحها، والحياء
لحاؤها، والكف عن محارم
الله ثمرتها، فكما لا
تكمل الشجرة الّا بثمرة
طيّبة، كذلك لا يكمل
الإيمان إلّا بالكفّ عن
محارم الله"1.
تمهيد
﴿اللهُ
وَلِيُّ الَّذِينَ
آمَنُواْ يُخْرِجُهُم
مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّوُرِ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ
الطَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُم مِّنَ
النُّورِ إِلَى
الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ﴾2.
إنّ من نعم الله علينا أنْ
شرّفنا بالوجود بعد العدم،
فخلقنا وألبسنا لباس
الحياة، فقال في محكم
كتابه:
﴿أَوَلَا
يَذْكُرُ الْإِنسَانُ
أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن
قَبْلُ وَلَمْ يَكُ
شَيْئًا﴾3،
ومنَّ علينا أيضاً بنعمة
العقل، الذي قال له: اقبل
فأقبل، وادبر فأدبر، فقال:
ما خلقت خلقاً أفضل منك
بك أُعاقِب وبك أثيب،
وبواسطة هذا العقل يريد
الإنسان ويختار سلوك
السبيل إمّا شاكراً وإمّا
كفوراً.
هدف الأنبياء عليهم
السلام
وقد فطرنا الله على
توحيده وشكر نعمه، إلاّ
أنّ هذه الفطرة قد تتلوّث،
فينحرف الإنسان عمّا
أراده الله أنْ يصل إليه
من الهدف لخلقه، وكذلك قد
تتعطّل العقول، نتيجة
الهوى والغفلة، والغرق في
الذنوب والضلال،
والابتعاد عن الله عزَّ
وجلَّ. ولذا مَنَّ الله
علينا بإرسال
الأنبياءعليهم السلام من
أجل هدايتنا، وتصحيح
مسارنا وإيقاظنا من
الغفلة، وكما يقول أمير
المؤمنين عليه السلام
"واصطفى سبحانه من ولد
آدم أنبياء، أخذ على
الوحي ميثاقهم، وعلى
تبليغ الرسالة أمانتهم،
لمّا بدّل أكثر خلقه عهد
الله إليهم، فجهلوا حقّه
واتّخذوا الأنداد
معه، واجتالتهم
الشياطين عن معرفته،
واقتطعتم عن عبادته، فبعث
فيهم رسله، وواتر إليهم
أنبيائه، ليستأدوهم ميثاق
فطرته، ويذكّروهم منسيَّ
نعمته، ويحتجّوا عليهم
بالتبليغ، ويثيروا فيهم
دفائن العقول"4.
التحذير من اتباع الشيطان
ومع هذا فقد طغى الإنسان،
وكفر بالله وأنبيائه
ورسله عليهم السلام،
واتخذ عدوّ الله أي
الشيطان وأعوانه من
شياطين الإنس والجنّ
أولياء له من دون الله،
فضلَّ عن الطريق، وهوى في
هذه الدنيا، قبل أن يهوي
في الآخرة.
وقد حذّرنا الله من
اتّباع خطوات الشيطان،
قائلاً لنا
﴿وَلاَ
تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾5،
والعجب كلّ العجب ممّن
يستبدل طاعة الرحمن بطاعة
الشيطان،
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ
وَذُرِّيَّتَهُ
أَوْلِيَاء مِن دُونِي
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ
بَدَلًا﴾6.
ها هو الشيطان قد نصّب
نفسه لغوايتنا وإضلالنا،
يمنّينا ويعدنا كذباً
وغروراً وباطلاً، وغداً
يوم القيامة سيعلن براءته
منّا،
﴿وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا
قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ
اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ
الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا
كَانَ لِيَ عَلَيْكُم
مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ
أَن دَعَوْتُكُمْ
فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ
تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ
بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا
أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ
أَشْرَكْتُمُونِ مِن
قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾7.
وأمّا إلهنا وخالقنا رغم
معصيتنا وابتعادنا عنه
ضمن لنا أرزاقنا بعد أنْ
خلقنا وأعطانا المهلة بعد
المهلة، ولا يزال يتلطّف
بنا ويتحبّب إلينا،
ويدعونا للعودة إلى ساحته،
ويعدنا صدقاً بقبولنا
والمغفرة لنا، ومن أصدق
من الله قيلاً ومن أوفى
من الله عهداً:
﴿الشَّيْطَانُ
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَاء وَاللهُ
يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً
مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾8.
وقال لنا أيضاً:
﴿إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن
يُوقِعَ بَيْنَكُمُ
الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاء فِي
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ
فَهَلْ أَنتُم
مُّنتَهُونَ﴾9.
وها هو الشيطان يعلن أنّه
يخاف من ربّ العالمين،
فلِما نطيعه في معصية
الله والجرأة عليه، أفلا
نخاف نحن من الله أيضاً؟
﴿كَمَثَلِ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ
لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ
فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ
إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ
إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ﴾10.
فرصة العمر
ولذا لا بدّ للإنسان أن
يعلم أنّ الفرصة سانحة،
والمهلة قائمة، وليس
علينا سوى التفكير قليلاً،
والتأمّل في كتاب الله،
والتدبّر في آياته، وأن
نستحضر أمامنا تلك
المشاهد الأخرويّة،
لبراءة الشيطان منّا
وتخلّيه عنّا.
ولنفكّر ونعلم من يريد
الخير لنا، ومن يريد بنا
شرّاً: هل هو الله الرحيم
أم الشيطان الرجيم؟ هل
نتّخذ الله وليّاً وناصراً
ومعيناً؟، أم نتّخذ
الشيطان الذي أعلن
العداوة لنا، إلهاً نعبده
من دون الله؟، أو هل نكون
من حزب الله المفلحين، أم
من حزب الشيطان الخاسرين؟
القرار لك والخيار بين
يديك
﴿اسْتَحْوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ
الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ
الْخَاسِرُونَ﴾11.
آثار اجتناب الذنوب
وبناءً عليه وبعد هذه
المقدمّة، فإنّ من أهمّ
آثار اجتناب الذنوب
وبركات الطاعة لله
1- الدخول في ولاية
الله والخروج من ولاية
الشيطان
﴿اللهُ
وَلِيُّ الَّذِينَ
آمَنُواْ يُخْرِجُهُم
مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّوُرِ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ
الطَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُم مِّنَ
النُّورِ إِلَى
الظُّلُمَاتِ﴾12.
﴿وإِنَّ
الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللهُ
وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾13.
﴿
2- الهداية الإلهيـّة
الهداية على قسمين:
هداية تكوينيّة تشمل جميع
المخلوقات، وقد أشار الله
إليها في كتابه الكريم
بقوله:
﴿رَبُّنَا
الَّذِي أَعْطَى كُلَّ
شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى﴾14.
والمراد منها أنّ كلّ
موجود قد أودع الله فيه
ما يصل به إلى الهدف من
وجوده وخلقه.
ويمتاز الإنسان عن بقيّة
الموجودات مضافاً إلى هذه
الهداية بهداية أخرى،
يعبّر عنها بالهداية
التشريعيّة، وهي هداية
الإنسان إلى الهدف من
خلقه، بمعونة من الوحي
والرسل عليهم السلام،
وتنقسم هذه الهداية إلى
قسمين: هداية عامة، تشمل
جميع الناس لتتميم الحجّة
عليهم، وهداية خاصّة،
لبعض عباد الله المخلَصين
والمخلِصون، الذين
استجابوا لنداء الله
وتوحيده، فتفتّحت أنوار
البصيرة في قلوبهم،
وازدادوا إيماناً وتقوى،
وحفظاً وتسديداً برعاية
من الله وفضله وتوفيقه،
يقول الله تعالى في محكم
كتابه:
﴿وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ
رسُبُلَنَا
وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ﴾15.
﴿أُوْلَـئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللهُ
فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾16.
﴿وَمَن
يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ
قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾17.
وفي الحديث القدسي يقول
الله عزَّ وجلَّ
"يا عبادي كلّكم ضالّ
إلاّ من هديته، فاسألوني
الهدى أهدكم، وكلّكم فقير
إلاّ من اغنيته، فاسألوني
الغنى أرزقكم، وكلّكم
مذنب إلاّ من عاقبته،
فاسألوني المغفرة أغفر
لكم..."18.
إذاً هذه الهداية من الله،
وهي مشروطة بالإيمان
والتقوى، واتيان الطاعات،
والدعاء والتضرّع إلى
الله الخ، وفي المقابل
فإنّ الله لا يهدي القوم
الظالمين والكافرين
والفاسقين، ومن هو مسرف
كذّاب.
3- التوفيق في الحياة
الدنيا
وأيّ توفيق أكبر من أنْ
يعيش الإنسان طاعة الله
وعدم معصيته؟، والتي من
خلالهما يصل الإنسان إلى
ولاية التصرّف في التكوين
بإذن الله، ويصبح مثالاً
لله في الأرض:
في الحديث القدسيّ يقول
الله عزَّ وجلَّ: "يا
ابن آدم أنا حيّ لا أموت،
أطعني فيما أمرتك، حتى
أجعلك حياً لا تموت، يا
ابن آدم أنا أقول للشيء
كن فيكون، أطعني فيما
أمرتك، أجعلك تقول للشيء
كن فيكون"19.
ويقول أيضاً في محكم
كتابه:
﴿وَمَن
يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل
لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْرًا﴾20.
وفي الحديث الشريف عن أبي
جعفرعليه السلام قال: "قال
رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: يقول الله عزَّ
وجلَّ: "وعزّتي وجلالي،
وعظمتي وكبريائي، ونوري
وعلوّي، وارتفاع مكاني،
لا يُؤثر عبدٌ هواه على
هواي، إلاّ شتّتّ عليه
أمره، ولبّست عليه دنياه،
وشغلت قلبه بها، ولم أؤته
منها إلاّ ما قدّرت له.
وعزّتي وجلالي، وعظمتي
ونوري وعلوّي، وارتفاع
مكاني، لا يُؤثر عبد هواي
على هواه، إلاّ
استحفظَتْه ملائكتي،
وكفلت السموات والأرضين
رزقه، وكنت له من وراء
تجارة كل تاجرٍ، وأتته
الدنيا وهي راغمة"21.
4 ـ رضا الله:
وهذا المقام من المقامات
العالية، التي يسعى عباد
الله العارفون من خلال
التقوى والعمل الصالح إلى
نيله وتحصيله، فيرضى الله
عنهم ويرضون عنه.
﴿قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ
مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ
اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا
وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ
وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ
وَاللهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ﴾22.
ويقول أيضاً في آية أخرى:
﴿قَالَ
اللهُ هَذَا يَوْمُ
يَنفَعُ الصَّادِقِينَ
صِدْقُهُمْ لَهُمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ﴾23.
5 - الثواب الأخروي
التقوى طريق إلى التوفيق
والكمال، وهي من أهمّ
الطرق الموصلة إلى رضوان
الله والتوفيق والكمال،
ولها آثارها الدنيوية
والأخروية العظيمة. "وهي
قوة داخليّة وقدرة نفسيّة،
تمتلك من خلالها النفس
القدرة على إطاعة الأوامر
الإلهيّة، وعلى مقاومة
ميولها وأهوائها، ومنشؤها
الخوف من الله، وأثرها
تجنّب معصيته، وهي تساعد
الإنسان على تجنّب حبائل
الشيطان، وإغراء الدنيا"24.
عن أمير المؤمنين عليه
السلام قال:
"يا عباد الله إنّ
تقوى الله حمت أوليائه
محارمه، وألزمت قلوبهم
مخافته، حتى أسهرت
لياليهم، وأظمأت هواجرهم،
فأخذوا الراحة بالنصب،
والريّ بالظمأ، واستقربوا
الأجل فبادروا العمل،
وكذّبوا الأمل فلاحظوا
الأجل..."25.
وإذا امتلك الإنسان هذه
الملكة، فإنّه سيصبغ كلّ
أعماله بالصبغة الإلهيّة
فلن يفعل إلاّ ما يرضي
الله، ولن يقوم بما يسخط
الله، وسيجهد في فعل
المستحبّات، وترك
المكروهات والوقوع في
الشبهات.
وعنه عليه السلام "إنّ
من صرّحت له العبر عمّا
بين يديه من المَثُلات،
حجزته التقوى عن تقحّم
الشبهات"26.
وإذا وصل الإنسان إلى هذه
المرتبة، فإنّ الله سيكون
حسبه، ويجعل له من أمره
فرجاً ومخرجاً، ويرزقه من
حيث لا يحتسب، ويسكنه
جنّاته وينال رضوانه.
وهو مقتضى عدل الله، الذي
وعد عباده المحسنين، بأنّ
لهم عند الله أجراً
وثواباً على طاعتهم
وصبرهم، على أداء
التكاليف في الحياة
الدنيا.
﴿بَلَى
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ
رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾27.
وكذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾28
﴿وَالَّذِينَ
آمَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَاتِ
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ
اللهِ حَقًّا وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اللهِ
قِيلاً﴾
29.
وفي المقابل ذلك فإنّ
المجرمين لهم عذاب أليم،
خالدين في جهنّم، ولهم
صغار عند الله، أي ذلّة
وعذاب شديد، والافتضاح
والخزي والمهانة، والندم
والخسران المبين.
|