|
عن الإمام الصادق عليه
السلام: "إنما يأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر
من كانت فيه ثلاث خصال:
عامل بما يأمر به وتارك
لما ينهى عنه، عادل فيما
يأمر عادل فيما ينهى،
رفيق فيما يأمر ورفيق
فيما ينهى"1.
مقدمة:
إن للأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ليتعلقا بذمة
المكلف شرائط وجوب عامة
يشتركان فيها مع باقي
التكاليف الشرعية (كالبلوغ
والعقل) وهذه لن نتكلم
عنها، وإنما سيكون الكلام
فقط حول الشرائط الخاصة
التي تفترق فيها هاتان
الفريضتان عن غيرهما من
الفرائض. وهي كما يلي:
الشرط الأول:
المعرفة الشرعية والعلم
الشرعي: ولهذا العلم
مصداقان كلاهما مطلوب.
الأول:
معرفة الآمر والناهي
الحكم الشرعي لما فعله أو
تركه المكلف، وهذا شرط
وجوب كالإستطاعة بالنسبة
للحج.
1- لا يفرق في العلم
بالحكم الشرعي بين ما
يكون عن طريق القطع أو
عبر أحد الطرق المعتبرة
شرعاً كالاجتهاد أو
التقليد. ولا بد من
الإشارة إلى أنه مع العلم
باختلاف المراجع بالفتوى
لا بد من احراز موافقة،
رأي الفاعل أو مرجعه لرأي
أو مرجع الآمر والناهي
وإلا فمع العلم بالمخالفة
أو مع احتمال المخالفة لا
يجب بل لا يجوز الأمر
والنهي.
ملاحظة: لو كانت
المخالفة من نوع أن الرأي
الذي يرجع إليه الآمر أو
رأيه هو الوجوب أو الحرمة،
والفاعل أو التارك على
الاحتياط الوجوبي وعلم
عدم رجوعه إلى من يجيز
وجب عليه أمره ونهيه.
2- لو كانت المسألة
غير خلافية فها هنا
صورتان:
أ - أن يكون الفاعل أو
التارك جاهلاً بالحكم
فالظاهر وجوب الأمر
والنهي لكن قبل ذلك عليه
أن يبين له الحكم ويرشده
إليه ثم بعد ذلك يأمر أو
ينهى.
ب- أن يكون جاهلاً
بالموضوع مثلاً لا يعرف
أن ما في الكوب ماء أو شيء
آخر محرم فلا يجب الإنكار
ولا رفع الجهل... نعم لو
كان الأمر مما لا يرضى
اللَّه بوقوعه مطلقاً
كقتل نفس محترمة فيجب
إقامته (رفع جهله) ثم
أمره أو نهيه.
المصداق الثاني للمعرفة
الشرعية: معرفة الآمر أو
الناهي بأحكام الأمر
بالمعروف والنهي عن
المنكر وموارد الوجوب
وعدمه والجواز وعدمه حتى
لا يقع في المنكر في أمره
ونهيه.
الشرط الثاني:
إحتمال التأثير:
وعنه يقول الإمام الخميني
قدس سره: "أن يجوِّز
أو يحتمل تأثير الأمر
والنهي".
وعليه فمجرد الاحتمال كاف
لتوجه التكليف ولا يرفعه
إلا العلم أو ما هو
بمنزلة العلم كالإطمئنان.
وعن ذلك يقول سماحته قدس
سره: "فلو علم أو
اطمأنَّ بعدمه (أي عدم
التأثير) فلا يجب".
وعليه فمع الظن بعدمه يجب
الأمر.
يقول سماحته قدس سره:
"لا
يسقط الوجوب مع الظن بعدم
التأثير ولو كان قوياً،
فمع الاحتمال المعتد به
عند العقلاء يجب".
وبهذا يكون اتضح معنى جزء
من العنوان وهو الاحتمال،
والآن ننتقل إلى الجزء
الثاني وهو التأثير:
ما المقصود بالتأثير:
بمعنى آخر أن هناك مراتب
وأنواعاً للتأثير فما هو
الكافي منها؟ فتعال نذكر
المعتبر في وجوب الأمر
والنهي من صور التأثير:
1 - الإقلاع عن المعصية
نهائياً وهو غاية المطلوب
فإن كان يحصل بالأمر أو
النهي فيجب، ولا فرق بين
أن يكون الإقلاع بتأثير
هذا الأمر أو النهي حاصلاً
مباشرة وملازماً للقيام
بهما، أو في المستقبل بعد
مدة طالت أو قصرت وإن لم
يأتمر أو ينتهي في الحال.
فلو أمره بالصلاة وهو
تارك لها أو نهاه عن شرب
الخمر وهو فاعل له، فلو
أمره أو نهاه فصلى أو ترك
الشرب بمجرد الأمر أو
النهي وجب، ولو لم يصلِ
الآن ولم يترك الشرب الآن
إلا أنه بعد مدة يوم أو
أكثر بسبب الأمر أو النهي
سيصلي ويترك الشرب وجب
أمره أو نهيه.
2 - أن يكون أمره أو نهيه
مؤثراً في تقليل المعصية
لا قلعها وجب.
3 - لو احتمل تأثيره في
تأخير وقوع المنكر
وتعويقه، فيجب سواء كان
التارك أو الفاعل متمكناً
من فعل المعصية في
المستقبل أو لا.
4 - الأمر والنهي لا
يؤثران في المخاطب بها بل
يؤثران في شخص آخر مبتلى
بنفس المعصية بحيث لا
يتأثر إلا إذا لم نوجه
الخطاب إليه بل إلى الشخص
الذي لا يتأثر فيجب الأمر
أو النهي لكن مع توجيه
الخطاب إلى ذاك الشخص
بداعي التأثير بالثاني.
فمثلاً لو كان هناك شخصان
كلاهما يشرب الخمر فلو
نهينا زيداً لا يتأثر
ولكن عمرواً يتأثر فيترك
شرب الخمر لكن بشرط أن لا
ننهاه هو بل أن
ننهى زيداً فيجب حينها
نهي زيد لكن بنية اقلاع
عمرو عن شرب الخمر.
5 - لو لم يمكن التأثير
إلا بأن نكرر ذلك فيجب،
وكذا لو توقف على اعتماد
اسلوب ما كالموعظة.
6 - لو لم يمكن التأثير
إلا بأن يتولاه شخص معين
فيجب علينا أن نأمر هذا
الشخص بتولي مهمة الأمر
أو النهي.
7 - لو لم يمكن التأثير
إلا بوجود جماعة فإن كان
متجاهراً بالمعصية وجب
وإلا فهناك اشكال.
الشرط الثالث:
الإصرار على الذنب:
1- والمراد به هو اصراره
على فعل المعصية في
المستقبل وهذا لا يسقط
إلا مع العلم أو
الاطمئنان بتركه للمعصية.
كارتكابه مرة واستمراره
على نية ارتكابه ولو مرة
ثانية فقط، ومع عدم
اصراره لا يجب الأمر ولا
النهي.
أ - وظهور إرادته لإرتكاب
معصية لم يرتكبها قبلاً
من حاله علماً أو
اطمئناناً فالظاهر وجوب
نهيه.
2- مع العلم بعجز المكلف
عن ارتكاب معصية ما لا
يجب نهيه ولو كان عازماً
عليها.
وأما مع العلم باعتقاده
العجز فلم يفعلها
لإعتقاده ذلك لا يجب إلا
إذا علم تبدل اعتقاده.
تنبيه: التوبة من
الذنب واجبة ووجوبها فوري،
فكما يجب نهي العاصي عن
المعصية كذلك يجب أمره
بالتوبة فوراً، وعليه فلو
ترك المعصية شخص لكن لم
تحصل منه التوبة يجب أمره
بالتوبة مع اجتماع
الشرائط.
الشرط الرابع:
عدم الضرر وهو ما يعبر
عنه الإمام الخميني قدس
سره: "أن لا يكون في
انكاره مفسدة".
1 - المقصود به العلم أو
الظن بتوجه ضرر على نفس
أو عرض أو مال يعتد به
للآمر أو الناهي أو أحد
متعلقيه كأقربائه أو
أصحابه أو ملازميه ويلحق
بهم سائر المؤمنين.
2 - لا يشترط عدم الضرر
فعلاً بل يكفي خوف الضرر
على كل ما ذكر لاحتمال
معتد به عند العقلاء.
3- لا فرق بين كون الضرر
حالياً (أي ملازماً للأمر
والنهي وموافقاً لهما في
الزمن) أو استقبالياً (بعد
الأمر والنهي).
4 - في الضرر المالي إن
كان الضرر على غير الآمر
أو الناهي مما ذكرنا وكان
الأموال معتداً بها يحرم
الإنكار أما إن كان على
ماله فلا يحرم إلا إذا
بلغ إلى الحرج والشدة
عليه.
5 - لو كان الموضوع مما
يهتم به الشارع ولا يرضى
بخلافه مطلقاً يجب ولو
أوقعه في الحرج والشدة.
ملحق بشرائط الوجوب:
1- لا تشترط عدالة الآمر
أو الناهي بل لا يشترط
حتى كونه فاعلاً لما يأمر
به منتهياً عما ينهى
وعليه فلا يسقط التكليف
بوجوبهما ولو كان عاصياً
فيهما (تارك الصلاة لا
يسقط عنه التكليف بالأمر
بها مثلاً).
2- لا يجب على الصغير (غير
البالغ) ولو كان مراهقاً
مميزاً الأمر أو النهي،
وكذلك لا يجب أمره ولا
نهيه هو أو المجنون إلا
إذا كان الأمر مما لا
يرضى المولى بوقوعه وفي
هذه الصورة يجب منعه لا
نهيه فقط.
3- من كان معذوراً في فعلٍ
أو ترك أو احتمل كونه
كذلك لا يجب أمره ولا
نهيه، كأن يحتمل أن شخصاً
تناول مفطراً في شهر
رمضان لكونه في حالة سفر.
خاتمة:
إن فلسفة تشريع فريضتي
الأمر والنهي هي اصلاح
المجتمع وقطع جذور الفساد
وعليه فلا بد من الالتفات
إلى خطورة المنكر وحجمه
وقياسه إلى حجم وخطورة
الضرر اللاحق بالآمر
والناهي فليس كل ضرر
مسقطاً للتكليف مهما كان
نوع المنكر وإلا فما معنى
شهادة الأنبياء والرسل
وشهادات الأئمة عليهم
السلام لا سيما سيد
الشهداء الإمام أبي عبد
اللَّه الحسين عليه
السلام الذي كانت نفسه
وماله وعرضه وخيرة أهل
بيته وأصحابه في معرض
الضرر والخطر، وأي ضرر
وخطر ولذا نرى الإمام
الخميني قدس سره: في
تحرير الوسيلة يقول:
"لو كان المعروف
والمنكر من الأمور التي
يهتم بها الشارع الأقدس
كحفظ نفوس قبيلة من
المسلمين وهتك نواميسهم
أو محو آثار الإسلام ومحو
حجته بما يوجب ضلالة
المسلمين، أو امحاء بعض
شعائر الإسلام كبيت
اللَّه الحرام بحيث يمحى
آثاره ومحله وأمثال ذلك
لا بد من ملاحظة الأهمية،
ولا يكون مطلق الضرر ولو
النفسي أو الحرج موجباً
لرفع التكليف، فلو توقفت
إقامة حجج الإسلام ليرفع
بها الضلالة على بذل
النفس أو النفوس فالظاهر
وجوبه فضلاً عن الوقوع في
ضرر أو حرج دونها" (دون
النفس).
|