|
عن الإمام الحسين عليه السلام:
"صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن ردّه"1.
أ- مع الوصية
اتضح مما مرّ في الدرسين السابقين أهمية خدمة الناس وثمراتها وآدابها التي ينبغي
مراعاتها وهي بأجمعها من شؤون القيام بهذا الأمر العبادي الاجتماعي الإنساني، وهنا
سوف نتكلم عن الجانب الآخر موضحين سلبيات الامتناع عن الخدمة كي يكون الموضوع
مستوفى من جهتيه لا الاقتصار على نتائج الفعل بل معرفة نتائج الترك أيضاً وفي ظلال
هذه الوصية الموجهة من سيد الشهداء صلوات اللَّه عليه نعرف مدى قبح الامتناع عن
قضاء حاجة الأخ مع القدرة عليها وهو ما ورد في طائفة كبيرة من الأحاديث الشريفة كما
عن مولانا الصادق عليه السلام:
"أيما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها فمنعه إياها، عيّره
اللَّه يوم القيامة تعييراً شديداً وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في
يديك فمنعته إياها زهداً منك في ثوابها، وعزّتي لا أنظر إليك في حاجة معذّباً كنت
أو مغفوراً لك"2.
فالذي يردّ محتاجاً قصده ولجأ إليه مستعيناً به يضع نفسه موضع المهان طالما لا
يمتلك عذراً، ويبعد نفسه عن ساحة النظر الإلهي بالرأفة والتأييد له، بل يقطع ولايته
باللَّه عزَّ وجلَّ حينما يأتيه مستجيراً فلا يجبره يقول مولانا الكاظم عليه
السلام:
"من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيراً به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر
عليه، فقد قطع ولاية اللَّه عزَّ وجلَّ"3.
وبالجملة إن ترك إعانة المسلمين وعدم الاهتمام بأمورهم قد يكون ناتجاً عن الكسالة
أو ضعف النفس أو البخل أو الزهد بالثواب أو غير ذلك من الأسباب وهي بأجمعها ليست من
الصفات الحسنة، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:
"من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم
يجبه فليس بمسلم"4.
وفي حديث عنه صلى الله عليه وآله:
"لا تخيّب راجيك فيمقتك اللَّه ويعاديك"5.
ب- الامتناع عن الخدمة هو استخفاف بآل البيت عليه السلام
قال الإمام الصادق عليه السلام لنفر عنده:
"ما لكم تستخفون بنا؟ فقام إليه رجل
من أهل خراسان فقال: معاذ لوجه اللَّه أن نستخف بك أو بشيء من أمرك فقال: بلى إنك
أحد من استخف بي. فقال: معاذ لوجه اللَّه أن استخف بك. فقال له: ويحك أولم تسمع
فلاناً ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك احملني قدر ميل فقد واللَّه أعييت واللَّه ما
رفعت به رأساً لقد استخففت به، ومن استخف بمؤمن فبنا استخف وضيّع حرمة اللَّه عزَّ
وجلَّ"6.
ج- آثار الامتناع عن قضاء الحوائج
عرفنا أن من رذائل الصفات التهرب والامتناع عن خدمة خلق اللَّه تعالى مع القدرة
عليها والآن نتعرف على الآثار السلبية لذلك وهي:
1- خذلان اللَّه في الدنيا والآخرة:
عن الصادق عليه السلام:
"ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله
اللَّه في الدنيا والآخرة"7.
2- لا يذوق طعام الجنة:
في الحديث:
"أيما مؤمن حبس مؤمناً عن ماله وهو محتاج إليه لم يذق واللَّه من
طعام الجنة ولا يشرب من الرحيق المختوم"8.
3- الابتلاء بمعونة تجرّ إثماً:
عن الباقر عليه السلام:
"من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام له في حاجته إلا
ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر"9.
4- لا ينظر اللَّه إليه في حاجة:
5- عيّره اللَّه يوم القيامة:
وقد تقدم ما يدل على هذين الأثرين في الفقرة(أ) حيث وردا في حديث الصادق عليه
السلام
10.
6- عدم قبول الأعمال:
في الحديث:
"إن خواتم أعمالكم قضاء حوائج إخوانكم والاحسان إليهم ما قدرتم والا
لم يقبل منكم عمل"11.
7- يحشر مغلولاً يوم القيامة:
في الحديث:
"من سأله أخوه المؤمن حاجة من ضر فمنعه من سعة وهو يقدر عليها من
عنده أو من عند غيره، حشره اللَّه يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يفرغ اللَّه
من حساب الخلق"12.
8- تنهشه النار في قبره:
فيما ورد:
"من أتاه أخوه
المؤمن في حاجة فإنما هي
رحمة من اللَّه ساقها
إليه، فإن
فعل ذلك فقد وصله بولايتنا وهو موصول بولاية اللَّه وإن ردّه عن حاجته وهو يقدر
على قضائها سلّط اللَّه عليه شجاعاً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة"13.
9- يبوء بلعنة من اللَّه:
يقول الصادق عليه السلام:
"من صار إلى أخيه المؤمن في حاجته أو مسلَّماً فحجبه
لم يزل من لعنة اللَّه إلى أن حضرته الوفاة"14.
الاحتجاب أو ترك المقابلة هو أحد الأساليب التي يعتمدها غالباً من يرفض مساعدة
الناس ويمتنع من خلالها حيث يلجأ إلى إراحة نفسه من مواجهة الطالب.
ومما جاء في حديث آخر عن الأثر الخطير للامتناع عن مقابلة صاحب الحاجة والخروج إليه
ما قاله مولانا الباقر عليه السلام:
"أيما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة وهو في منزله فاستأذن له ولم يخرج
إليه، لم يزل في لعنة اللَّه عزَّ وجلَّ حتى يلتقيا"15.
10- الذلة في الدنيا والآخرة:
في الحديث:
"... وأيما مؤمن بخل بجاهه على أخيه المؤمن وهو أوجه جاهاً منه إلا
مسّه قتر وذلة في الدنيا والآخرة، وأصابت وجهه يوم القيامة لفحات النيران..."16.
د- طلب المعروف من أهله
طالما كان المرء قادراً
على قضاء حوائجه بنفسه
فعليه عدم الاعتماد على
غيره من الناس وترك
الركون إليهم بالسؤال بل
السعي بمقدار جهده وما
التوفيق إلا من عند
اللَّه عزَّ وجلَّ، ولكن
قد تسوقه الظروف إلى حالة
يضطر معها إلى طلب مساعدة
من أخ له
وحينئذٍ إذا كان لا بد من ذلك فعليه أن يحسن اختيار من يقصده طالباً منه حاجته
كي لا يقع في محذور ردّه والإساءة إليه لأن الإنسان لا يملك أن يذل نفسه ويهينها
ولا أن يمكّن الآخرين من إذلاله وإهانته فإذا كان الآخر عاجزاً عن تلبية طلبه عليه
الحفاظ على شعور قاصده حين ابداء العجز وهذا إنما يكون في بعض أصناف الناس الذين
أرشدنا إليهم أهل بيت العصمة عليهم السلام حينما بيّنوا من هم الذين ترفع إليهم
الحاجة يقول سيد الشهداء عليه السلام:
"لا ترفع حاجتك إلا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دين، أو مروّة، أو حسب، فأما ذو الدين
فيصون دينه، وأما ذو المروة فإنه يستحي لمروته وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم
وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك"17.
ومما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام ولده الحسن عليه السلام قوله:
"يا بني
إذا نزل بك كلب الزمان وقحط الدهر فعليك بذوي الأصول الثابتة والفروع النابتة من
أهل الرحمة والايثار والشفقة فإنهم أقضى للحاجات وأمضى لدفع الملمّات"18.
فإذا ابتلى الإنسان بالإحتياج إلى أقرانه من بني البشر فعليه أن يكون حكيماً في
اختيار الجهة التي يتوجه إليها بطلب الحاجة لأن من أغلى ما يملك الإنسان هو ماء
وجهه الذي لا يقدر بثمن فعليه أن يبذله عند من يصونه.
قال الأمام علي عليه السلام:
"ماء وجهك جامد يقطره السؤال فانظر عند من تقطره"19.
|