|
عن أمير المؤمنين عليه السلام
"أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها.. فلا تنافسوا في
عزّ الدنيا وفخرها.. فإن عزها وفخرها إلى انقطاع"1.
أ- مع الوصيّة
ثمة أسئلة لا بد لنا أن نطرحها على أنفسنا بكل صراحة في وقفة صادقة يتحاور فيها
الإنسان مع ذاته فيسأل ويجيب، كيف ينظر إلى الدنيا؟ كيف يتعامل معها؟ هل هي وسيلة
أم هدف؟ أين تكمن أهميتها؟ أو عدم أهميتها؟ وغير ذلك مما يوصله إلى جواب لا يمكن
للشك أن يسرح في ميدانه، ولا للأوهام أن تبدّل من حقيقة أمره الذي اهتدى إليه بنور
بصيرته وإعمال فكره ليكون مفتاحاً لأبواب حكمته مردّداً ما في وصية أمير المؤمنين
عليه السلام إن عزّ الدنيا إلى انقطاع فليس من الصواب التنافس فيه ولا العناء لأجله
ولا أن يصبح ذلك أكبر همّه، سيما وأنه لا يعود عليه إلا بالشقاء والغمّ كما جاء في
الحديث:
"من كانت الدنيا أكبر همّه طال شقاؤه وغمّه"2.
ومما قاله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم:
"من أصبح والدنيا آخر همّه فليس
من اللَّه في شيء وألزم قلبه أربع خصال: هماً لا ينقطع عنه أبداً، وشغلاً لا ينفرج
منه أبداً، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً"3.
على ضوء ذلك يجدر بنا تحديد هوية التعامل مع هذه الدنيا الفانية باعتبارها وسيلة لا
غاية ودار ممّر لا دار مقرّ وأهميتها في كونها مزرعة الآخرة فيها نعبد اللَّه تعالى
ونصلي له ونصوم ونجاهد وندّخر للعالم الآخر الأبدي.
فما يجمل في الدنيا هو أن نسارع إلى الخيرات والمغفرة لا أن نتنافس ونتقاتل على
حطامها كما أنه ليس المطلوب هجران الحياة الدنيوية في ساحات العمل وإلا لما كان
عمران ولا مجتمع، بل أن نوجّه دنيانا إلى هدف مقدس هو نيل رضى الخالق سبحانه،
فنستعملها فيما هو مشروع وحينئذٍ لن تكون الدنيا هي الهدف مهما كانت الوسائل، فلا
يعصي الإنسان ربّه عزّ وجلّ لقاء الحصول على جاه أو مال أو أي اعتبار للتكاثر
والتفاخر الدنيوي يقول تعالى:
﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ
هِيَ الْمَأْوَى﴾4.
وفي آية ثانية:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾5.
ب-
حب الدنيا رأس كل خطيئة
لا شك أن التنافس على الدنيا وزخارفها ناشىء من حبّها وتمكّن ذلك الحب في قلب
طالبها وإلا لو كان معرضاً عنها لما بذل مهجته وتحمّل الصعاب وتكبّد الآلام ليسبق
غيره إلى عزها الزائف وفخرها الخاوي لذلك من المناسب أن نتحدث قليلاً عن حب الدنيا
باعتباره أساساً للتنافس الذي يوصينا أهل البيت عليهم السلام بالابتعاد عنه، فكيف
تحدّثت النصوص الشريفة عن حب الدنيا؟ هذا ما سنعرفه في هذه الفقرة من خلال الإصغاء
إلى كلام المعصومين عليهم السلام بما يتركه من وقع في القلوب:
1- حب الدنيا رأس الفتن
وأصل المحن6.
2- حب الدنيا أصل كل
معصية7.
3- حب الدنيا رأس كل
خطيئة8.
4- رأس الآفات الوله
بالدنيا9.
5- حب الدنيا يوجب
الطمع10.
6- من أحب الدنيا ذهب خوف
الآخرة من قلبه11.
7- من أحب الدنيا جمع
لغيره12.
8- لحب الدنيا صمَّت
الأسماع عن سماع الحكمة
وعميت القلوب عن نور
البصيرة13.
ج- آثار التنافس الدنيوي
تلعب آثار الأعمال دوراً هاماً في اتخاذ القرار
للإقدام عليها أو
الإحجام عنها بحيث
أن الإنسان قبل أن يقرّر القيام بعمل ما يدرس النتائج والآثار المترتبة على العمل
فإن كانت ايجابية نافعة أقدم وإن كانت سلبية ضارّة أحجم ومن ترك هذه الطريقة عرّض
نفسه للأخطار وسار على غير بصيرة من أمره.
فقد يتفق مرة أن يسلم الإنسان من أخطار عمل قرّر القيام به دون معرفة ما ينطوي
عليه، لكن ليس في كل الأحيان والظروف ضرورة أن هذا الأسلوب في التعاطي مع الأمور
يعتبر مجازفة، وهو فيما يرتبط بشؤون الدنيا بصرف النظر عن الآخرة محدود المخاطر
بالقياس إلى خطر العذاب الأخروي إذا كان العمل مرتبطاً بآخرة الإنسان ودينه.
وما نريد هنا الوصول إليه
أن نفهم معاً معنى أن
يحيا الإنسان في الدنيا
للدنيا وأن يحيا الإنسان
في الدنيا للآخرة، وبين
الحياتين أمد بعيد وفرق
شاسع، يتجلى الفرق
بانعكاسات عديدة في مختلف
جوانب شخصية الإنسان،
الفكرية والدينية
والعلمية والعملية وله من
الآثار في هذا العالم ما
لا يكاد يقدر على الإحاطة
بها. سواء من الجهة التي
يوظّف فيها دنياه لآخرته
حيث يطلق عليها عملية
البناء الحقيقي الدائم
وآثارها تفوق تصور البشر
كما وعد اللَّه تعالى في
كتابه المجيد أو من الجهة
التي يوظّف فيها دنياه
لدنياه فقط ونطلق عليها
عملية البناء الكاذب
المنقطع التي في جوهرها
وحقيقة أمرها عملية
تخريبيّة هدّامة. غير
أننا سنعرض الآثار
للعملية الثانية باعتبار
أن
الموضوع الذي نسلّط الضوء عليه يرتبط بها ألا وهو التنافس الدنيوي، وليس من باب
الإصرار على إهمال الجانب الايجابي
وإيضاح آثاره والتركيز على الجانب السلبي
ومخاطره.
وهذه جملة من آثار حب الدنيا والتنافس على حطامها واعتباراتها التي لا قيمة لها في
سجّل الخالق سبحانه:
1- ستة آثار في حديث الصادق عليه السلام:
1- الكبر.
2- الحرص.
3- الطمع.
4- الرياء.
5- العجب.
6- الغفلة.
يقول مولانا الصادق عليه السلام:
"فمن أحبها أورثته الكبر، ومن استحسنها أورثته
الحرص، ومن طلبها أورثته الطمع، ومن مدحها ألبسته الرياء، ومن أرادها مكّنته من
العجب، ومن اطمأن إليها أركبته الغفلة"14.
وكل ما تقدم في هذا الحديث الشريف من موجبات للآثار المتقدمة كحب الدنيا واستحسانها
وطلبها ومدحها وارادتها والاطمئنان إليها هي دواعٍ للتنافس لأجلها، وإلا لا يتنافس
الناس على شيء لا يحبونه ولا يستحسنونه ولا يطلبونه...
2- ثلاثة آثار في حديث أمير المؤمنين عليه السلام:
1- فساد العقل
2- همّ القلب
3- أليم العقاب
جاء عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
"حب الدنيا يفسد العقل،
ويهمّ القلب عن سماع الحكمة، ويوجب أليم العقاب"15.
3- فناء العمر فيما لا يبقى:
في الحديث: "إنكم إن رغبتم في الدنيا أفنيت أعماركم فيما لا تبقون له ولا يبقى
لكم"16.
4- العمى:
عن مولى المتقين علي عليه السلام: "من غلبت الدنيا عليه عمي عما بين يديه"17.
5- الحسرة الشديدة:
في الحديث: "من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشدّ لحسرته عند فراقها"18.
6- عدم الخوف من الآخرة:
عن مولانا الكاظم عليه السلام: "من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه"19.
7- ذل النفس:
فيما ورد: ".. فإن حب الدنيا يعمي ويهمّ ويبكم ويذلّ الرقاب"20.
|