جهاد النفس

جهاد النفس


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-05

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

الحمد للَّه الذي منّ‏َ بالنعم، وأخرجنا إلى الوجود من العدم، وصلى اللَّه على خير الرسل وأشرف المخلوقات المبعوث إلى خير الأمم، سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد، وعلى اله الكرام الأتقياء البررة.

وبعد فإن الأخلاق هي من مقاصد الدين الأساسية التي بعث بها الأنبياء وعلى رأسهم خاتمهم صلى الله عليه وآله، حيث قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن النعم الإلهية الكبرى أن القران الكريم الذي بعث به نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله ملي‏ء بما يشفي الغليل، معضوداً بالإرث المبارك الذي ورثناه من كلام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت، فهم القران الناطق إذ تراهم يجسدون القران وتعاليم اللَّه بذواتهم فيرسمون صورة الإنسان الكامل الذي سما قلبه وفنيت نفسه في معرفة اللَّه جل جلاله.

وانطلاقاً مما ذكرناه من أهمية الأخلاق، كان هذا الكتاب الذي بين يديك، حيث يتحدث عن أسس الأخلاق النظرية متبعاً إياها بالإشارة إلى أهم الأخلاق العملية وكيفية معالجة العيوب الظاهرية والباطنية سائلين اللَّه تعالى التوفيق للأخذ بالسنن الحسنة والاجتناب عن الرذائل، إنه المرشد والمعين إلى سواء السبيل.
 
جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
 
5
 

1

أهمية علم الأخلاق

عندما يتأمل الإنسان في مجرى أغلب الناس في أمور حياتهم يجد أن أغلبهم منهمك في تأمين قوت الأجساد من طعام وشراب، وما يطلبه الجسد من رغبات أخرى، غافلين عن كل ما من شأنه أن يغذي أرواحهم ويقوي نفوسهم، وقد يؤول الأمر بالبعض إلى أن يخرج هم غذاء روحه من فكره نهائياً، وحتى لو أن دينه وخلقه قد تعرض لهزات عنيفة لكنه لا يشعر بها، فينطبق عليه الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين:
 
أبنيّ‏َ إنّ‏َ من الرجال بهيمةً         في صورة الرجُل السميع المبصرِ
فطنٌ لكلّ‏ِ رزيةٍ في مالِهِ           وإذا أصيبَ بدينهِ لمْ يشعرِ
 
نعم فهذا الصنف من الناس لن يلتفت إلا إلى دنياه وما أصابها لأن الدنيا أمست أكبر همه وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره، ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم الله له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه، وجمع له أمره"1.
 
ومن هنا فلا بد وأن يتنبه الإنسان إلى هم الآخرة ولا يكون ذلك إلا بالتصميم على تهذيب النفس لأن تهذيبها هو الذي يحقق الهدف الأسمى

1- الكافي، ج 2، ص 319.
 
7
 

2

أهمية علم الأخلاق

 لخلق الإنسان وبعثة الأنبياء "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"1.
 
وإن أفضل طريقة لبيان ومعرفة أهمية علم الأخلاق، الرجوع إلى الآيات القرآنية والروايات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام.
 
الأخلاق ومصير الإنسان‏
 
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم آياته:
 
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"ويستفاد من الآيات الشريفة أهمية الأخلاق، حيث ورد الحديث عنها كجواب للأقسام التي أقسم الله تعالى فأتى قوله تعالى قد أفلح من زكاها جوابا للقسم.
 
ويشير قوله تعالى "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"3 إلى الحجة الباطنية على الإنسان فإن لله تعالى حجتين على عباده الأولى حجة ظاهرية وهي الأنبياء والأئمة عليهم السلام والعلماء والصالحون، والثانية باطنية وهي العقل، فإن الإنسان بفطرته يدرك الحسن والقبيح من الأمور روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: "يا هشام إن لله حجتين، حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول"4.
 
وقد أكدت الكثير من الروايات عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام على أهمية حسن الخلق فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون"5.
 
وعنه صلى الله عليه وآله: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف

1- مستدرك الوسائل ج 11 ص 187. 
2- الشمس:7-10.
3- الشمس:8.
4- أصول الكافي باب العقل والجهل، ج1، ص16. 
5- عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي، ج1، ص 100. 
 
 
8

3

أهمية علم الأخلاق

 المنازل وإنه لضعيف العبادة"1.
 
وعنه صلى الله عليه وآله قال: "إن أثقل ما يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن"2.
 
ما هو علم الأخلاق؟
 
الأخلاق هي مجموعة الصفات النفسية والباطنية التي يتصف بها الإنسان، كالتواضع والشجاعة... ويطلق كذلك على الأعمال التي تعتبر آثارا لهذه الصفات كالتصدق على الفقير ومساعدة المحتاج والصدق وفعل الكرم...، ومن هنا يمكن تقسيم الأخلاق إلى قسمين أساسين هما: صفات نفسية وأعمال.
 
وسيكون كلامنا في البداية في جانب الصفات النفسية ثم بعد ذلك في جانب الأعمال.
 
قوى النفس الإنسانية
 
إن المحور الأساسي لصفات الإنسان النفسية هو قوى أربعة تعود إليها جميع الملكات والتوجهات النفسية، وهذه القوى الأربع هي:
 
1- القوة العقلية: هذه القوة من شأنها أن تدرك الحسن من القبيح وتميز الخير من الشر، ثم تأمر بفعل الحسن منها وترك القبيح.
 
2- القوة الغضبية: وهي التي يدفع بها الإنسان الشرور والمخاطر والأذى عن نفسه، وبأي صورة مشروعة أو غير مشروعة لأن نفس هذه القوة لا تميز بين الحسن والقبيح.

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج1، ص799. 
2- موارد الظمآن - الهيثمي، ص 474. 
 
9
 

4

أهمية علم الأخلاق

 3- القوة الشهوية: وهي القوة التي يطلب بها الإنسان المنفعة لنفسه، من قبيل المأكل والمشرب والشهوة، من دون أن تلاحظ هذه القوة فيما تطلبه الحلال من الحرام أم الطاهر من النجس أو الحسن من القبيح، لأن ليس من شأنها ذلك بل كل ما تراه هو الرغبة الجامحة لهذه الأمور. 
4- القوة الوهمية: ووظيفة هذه القوة أن تتابع التفاصيل الصغيرة من الأمور لتحللها وتستخرج منها الحيل لكي تتوصل بها إلى تحقيق رغبات القوى الثلاث المتقدمة وعلى هذا فلو سخرت في خدمة القوة العقلية لبرع الإنسان في مجالات العلوم والاختراعات المفيدة، ولو سخرها في خدمة القوة البهيمية لبرع في نصب المكائد لتلبية شهواته، ولو سخرها في خدمة القوة الغضبية، لبرع في العدوان والطمع والجشع.

وبناء على هذا التفصيل فإن النفس إذا تبعت القوة الشهوية سميت نفساً "بهيمية"، لأن البهيمة لا يهمها سوى علفها وملذاتها، وإذا تبعت القوة الغضبية سميت "سبعية" لأن فيها طبع السباع الضارية، وإذا تبعت القوة العقلية سميت "ملكية إلهية".

التوازن في قوى النفس‏

إن قوى النفس التي سبق الحديث عنها لها حدان متراميان الأول حد الإفراط والثاني حد التفريط ولا بد لسالك درب الأخلاق أن يلتزم الوسط، والاعتدال في القوة الشهوية هو أن يكون الإنسان عفيفاً عقلاً وشرعاً، وحد الإفراط أن تكون الشهوة شديدة لا ترى أمامها رادعاً في الوصول لمآربها، وحد التفريط في خمودها بحيث تبطل الفائدة منها فإن فائدة شهوة البطن أن يقيم بها الإنسان عوده ويستمر في الحياة والشهوة الجنسية لبقاء النسل فلو كانتا خامدتين لما عمر العالم وانتفت مظاهر الحياة فيه، ولو كانتا متفجرتين
 
10

5

أهمية علم الأخلاق

 كبركان يجتاح أمامه كل ما يمر به لذابت الأرض بجرائم أهلها وفسادهم.
 
وحد الاعتدال في الغضبية أن يكون المرء شجاعاً لا يخاف، وحد الإفراط في التهور والإقدام على المكاره دون دراسة ونظر، وحد التفريط في الجبن والاستسلام والخنوع.
 
ومن هنا فعلى الإنسان السالك إلى الله تعالى بتهذيب نفسه أن لا يدع أياً من قواه يميل به عن الجادة الوسط إلى حدي الإفراط والتفريط لأن كلاً من هذه القوى تسعى لتحقيق رغباتها بغض النظر عن مصالح الأخرى ومن هنا كانت النفس الإنسانية ساحة لأكبر المعارك، وأكبرُ الجهاد أن يجاهد الإنسان هذه القوى التي تتصارع يميناً وشمالاً لتخرج من حد الوسطية والفضيلة، إلى الانحراف والرذيلة، ولذلك ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال لقوم رجعوا من ساحة المعركة: "مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر"1.
 
خلاصة الدرس 
لا بد ان ينتبه الانسان الى هم الاخرة ولا يكزن ذلك الا بالتصميم على تهذيب النفس لان تهذيبها هو الذي يحقق الهدف الاسمى لخلق الانسان وببعثة الانبياء "انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق".
المراد من علم الاخلاق ان يدرك الانسان ما يحمله من الصفات السلبية واليجابية ليعزز الحميد منها وسطرد الردئ ويسيطر من خلال عقله على رغباته التي لا تنتهي فيسلك الجادة الوسطى التي ارادها الله تعالى لامة نبيه

1-الكافي,ج5,ص12
 
11
 

 


6

أهمية علم الأخلاق

 محمد صلى الله عليه واله وسلم.
اكدت الكثير من الايات والروايات عن النبي الاكرم واهل بيته على اهمية حسن الخلق:

قوى النفس الإنسانية هي:

1- العقلية.
2- الغضبية.
3- الشهوية.
4- الوهمية.

إن النفس إذا تبعت القوة الشهوية سميت نفساً "بهيمية"، لأن البهيمة لا يهمها سوى علفها وملذاتها، وإذا تبعت القوة الغضبية سميت "سبعية" لأن فيها طبع السباع الضارية، وإذا تبعت القوة العقلية سميت "ملكية إلهية".

إن قوى النفس التي سبق الحديث عنها لها حدان متراميان الأول حد الإفراط والثاني حد التفريط ولا بد لسالك درب الأخلاق وتهذيب النفس من يسلك من بين هذين الحدين أي في الوسط، ولأن كلاً من هذه القوى تسعى لتحقيق رغباتها بغض النظر عن مصالح الأخرى كانت النفس الإنسانية ساحة لأكبر المعارك، وكان الجهاد فيها هو الجهاد الأكبر.

أسئلة حول الدرس 

1- ما هو موقع الأخلاق الإنسانية في رسالات الأنبياء؟
2- ما المراد من علم الأخلاق؟
3- ما هي القوى النفسية؟
 
 
12

7

أهمية علم الأخلاق

 4- كيف تتصارع القوى داخل النفس؟
5- لماذا سمي جهاد النفس بالجهاد الأكبر؟

للحفظ 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره، ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم الله له، ومن أصبح وأمسى والاخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه، وجمع له أمره".

عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون". 

إقرأ 

 كتاب التربية الروحية

تأليف السيد كمال الحيدري‏

كتاب التربية الروحية هو تعليق على حديث جهاد النفس الذي شرحه الإمام الخميني قدس سره في كتابه الأربعون حديثاً، بشكل موسع ، مرتباً فصوله بناءاً على مقامات النفس شارحاً لجل الأمور التي تتعلق بحالاتها الظاهرة والباطنة.

ومن الأبحاث المهمة في هذا الكتاب:

أهمية علم الأخلاق، طرق إصلاح النفس، العلاقة بين عمل الإنسان 
 
 
13
 

8

أهمية علم الأخلاق

 والجزاء المترتب عليه، القوى النفسانية، العقل والجهل وأقسامهما، جنود العقل والجهل.
للمطالعة 
العبادة الحقة

من مواعظ الإمام الخميني في كتاب "الأربعون حديثاً":

حينما تقول "إيّاك نَعْبُدُ وإيّاك نَسْتَعينُ"فهل تراك تعبد الله أم تعبد بطنك وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل تطلب العون من الله فقط؟ إن الشي‏ء الذي لا يأخذ بعين الاعتبار في الأعمال هو الله، وأنت إذا ذهبت إلى زيارة بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، وأن مطلبك ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر:

وما حُبّ‏ُ الديار شغفنَ قَلبي ***ولكن حُبّ‏ُ من سكنَ الديارا

أباحثٌ أنت عن الله؟ أتطلب آثار جمال الله وجلاله؟ ألأجل سيد المظلومين تقيم العزاء؟ ألأجله عليه السلام تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى آمالك وأمانيك؟ أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي التي تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك والعبادة؟.

فيا أيها الأخ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان، واعلم أنه لن يدعك

1- الفاتحة:5.
 
14
 

9

أهمية علم الأخلاق

  أيها المسكين بأن تؤدي عملاً واحداً بإخلاص، وحتى هذه الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك الشيطان أن تصل بها إلى الهدف فيعمل عملاً تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا العجب والتدلل في غير موقعه. وبغض النظر عن بُعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنك لن تصل إلى الجنة ولا إلى الحور العين، بل تخلد في العذاب وتعذب بنار الغضب كذلك.
أنت تظن أنك بهذه الأعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء وطلب السمعة وألف مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلها، تظن إنك بها تستحق الأجر مَن الحق تعالى أو أنك أصبحت بها من المحبين والمحبوبين. أيها المسكين الجاهل! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب المحبين، وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور أعمالهم! أو تظن أن أعمالهم أيضا مثل أعمالي وأعمالك؟ أوَ تتوهم أن ميزة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنه عليه السلام كان يمدّ " الضالّين" أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أن سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟ أو أن ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلّي عدة مئات من الركعات ليلياً؟ أو تظن أن مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟ وإنه كان يتحرق ويتضرع بتلك الصورة من أجل الحور العين والكمثرى والرمان من نعم الجنة؟.

أقسم به صلوات الله وسلامة عليه "وإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ"1 لو أن المحبين كان بعضهم ظهيرا للبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوهوا بكلمة (لا إله إلا اللهَ) مرة واحدة بمثل ما كان يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون تعيساً وشقياً أن لا أكون على خطى علي عليه السلام وأنا من العارفين لمقام ولاية علي عليه السلام ؟
 

1- الواقعة:76.
 
15

10

أهمية علم الأخلاق

أقسم بمقام علي بن أبي طالب، لو أن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره أرادوا أن يكبروا مرة واحدة، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي، لما استطاعوا، وأما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئا إلا حملة تلك القلوب وأصحابها!. فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا تبالغ في حبك له.
 
16

11

أقسام النفس في القرآن

 أهمية معرفة النفس‏
إن الحديث عن نفس الإنسان حديث له عدة جوانب فمن جهة لابد من الحديث عن خصائص هذه النفس، ومن جهة يمكن الحديث عن قواها التي أودعها الله تعالى فيها، ومن جهة أخرى عن سبل إصلاحها وسنتحدث عن هذه النقاط الثلاث بشيء من التفصيل إذ أن معرفة هذه النقاط الثلاث أمر أساسي في علم الأخلاق ففي الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام: "من عرف نفسه عرف ربه"1.

وفي الحديث عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في كلام له: "ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلا هو الكبير المتعال"2، إذ يوضح الحديث هذا بشكل واضح أن الحجاب الأساسي بين الإنسان والله تعالى هو نفس الإنسان فما دام الإنسان يرى نفسه متصرفاً وينسب إلى نفسه كل أمر يقوم به وما دامت نفس الإنسان هي مدار الرحى التي يبني عليها معتقداته

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1877.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1880.
 
17
 

12

أقسام النفس في القرآن

 وتصرفاته، فإن هذه النفس ستكون الحجاب الكبير الذي لا يسهل اختراقه.
 
ولذا كانت النفس وإصلاحها من أهم الأمور في علم الأخلاق، بل إن علم الأخلاق هو تهذيب النفس بالدرجة الأولى للوصول بها إلى الكمال المرجو لها، ولا أدل على ذلك من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حين دخل عليه رجل اسمه مجاشع، فقال: "يا رسول الله! كيف الطريق إلى معرفة الحق؟ فقالا: معرفة النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى موافقة الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: مخالفة النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى رضا الحق؟ قالا: سخط النفس، فقال صلى الله عليه وآله: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى وصل الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: هجر النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: عصيان النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: نسيان النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى قرب الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: التباعد من النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى أنس الحق؟ قال صلى الله عليه وآله: الوحشة من النفس، فقال: يا رسول الله! فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال صلى الله عليه وآله: الاستعانة بالحق على النفس"1.
 
ومن المناسب أن نذكر ههنا سؤالاً استنكارياً سأله أمير المؤمنين عليه السلام فقال: "كيف يعرف غيره من يجهل نفسه"2؟
 
ما هي النفس؟
 
تتميز النفس التي أكرم الله تعالى بها الإنسان عن غيره من المخلوقات بأنها جمعت العقل مضافاً إلى الغريزة والشهوة، خلافاً للحيوانات التي وضع الله فيها الغريزة والشهوة فقط، أو الملائكة التي أكرمها الله بعقل بدون غريزة

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص1877
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص.1881.
 
18
 

13

أقسام النفس في القرآن

 وشهوة ومن هنا فإن الإنسان لا بد وأن يستخدم العقل في تعديل المتطلبات التي تمليها الشهوة والغريزة حتى يسلك حد الاعتدال الذي أشرنا له فيما سبق قال الله تعالى: "ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا"1.
 
وعندما نطالع الآيات القرآنية التي تحدثت عن النفس نراها قد تحدثت عن ثلاثة حالات من حالات النفس كما أنها وصفتها بصفات مختلفة منها:
 
الأمارة بالسوء:
 
يقول الله تعالى في محكم بيانه "وَمَا أُبَرِّىُ نَفْسِي إِنّ‏َ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنّ‏َ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ"2، فالنفس الأمارة بالسوء هي التي تتبع هواها بحيث لا ترى أمامها سوى ما تتمنى الحصول عليه من الشهوات بدون أي التفات للشريعة أو للمفاسد الدنيوية والأخروية، ولذا فإن إتباع النفس الأمارة بالسوء يجلب الظلم والضلال، يقول الله تعالى: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاهُمْ وَمَنْ أَضَلّ‏ُ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنّ‏َ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"3.
 
النفس اللوامة
 
يقول الله تعالى في محكم آياته: "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ"4.
 
والمراد بالنفس اللوامة، نفس الإنسان المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية، والتثافل في أداء الطاعات5.
 
وقد يطلق علماء النفس عليها اسم الضمير الذي يؤنب الإنسان على ما فعله من القبائح.

1- الشمس:7-8.
2- يوسف:53.
3- القصص:50.
4- القيامة:1-2.
5- الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطبطبائي، ج20، ص103.
 
19
 

14

أقسام النفس في القرآن

 النفس المطمئنة
 
يقول الله تعالى: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي"1.
 
والنفس المطمئنة كما وصفها العلامة الطباطبائي في تفسيره "هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو وشر أو نفع أو ضر ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر أو أي نفع وضر ابتلاءاً وامتحاناً إلهياً فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر، بل هو في مستقَرٍّ من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط...
 
وتوصيفها بالراضية لأن اطمئنانها إلى ربها يستلزم رضاها بما قدَّر وقضى تكويناً أو حكم به تشريعاً فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، وإذا رضي العبد من ربه رضي الرب منه، إذ لا يسخطه تعالى إلا خروج العبد من زيّ‏ِ العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضا ربه ولذا عقب قوله "راضية" بقوله: "مرضية"2.
 
الحذر من النفس الأمارة
 
بعد أن عرفنا النفس الأمارة بالسوء وميزتها لا بد من مواجهتها وعدم الركون لها، إذ أن لبّ علم الأخلاق قهر النفس الأمارة وكبح جماحها، لأنها كما تقدم لا ترى إلا ما تريد وتشتهي، ولو خلفت كل شي‏ء خراباً من خلفها،

1- الفجر:27-30.
2- تفسير الميزان - السيد الطباطبائي، ج20، ص285.
 
20
 

15

أقسام النفس في القرآن

 فإذا كانت النفس الأمارة خطيرة لهذه الدرجة فلا بد من أن نجد لها علاجاً لإصلاحها وتليين طبعها الشرس فما هي الطرق الممكنة لإنجاز هذه المهمة؟
 
إصلاح النفس‏
 
إن المسالك والطرق إلى الله كثيرة، بل هي بعدد أنفاس الخلائق إلا أنها كلها تبدأ من خلال تهذيب النفس وإصلاحها.
 
فينبغي بالدرجة الأولى على من يريد إصلاح نفسه أن يرغِّب نفسه بالأعمال الصالحة، ويكون ذلك من خلال التفكر في الأعمال وما تستتبع من رضا أوسخط للمولى العزيز، وما يترتب عليها من آثار في الآخرة، فتطمع النفس بثواب الآخرة، وتخاف من عقاب الأعمال القبيحة.
 
وبما أن كثيراً من الناس يميلون إلى الربح السريع ويفضل الربح القريب ولو كان قليلاً وتافهاً على الربح البعيد ولو كان كبيراً وعظيماً، وهذه حقيقة في الإنسان قد ذكرها الله تعالى في كتابه حيث يقول جل شأنه: "كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُون الآخرة"1، "وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً"2.
 
فبسب شقاء هذا الإنسان تراه يستعجل ما يتصوره ربحاً في الدنيا ويترك فوز الآخرة، وهنا يتضح دور العقل في السيطرة على الأهواء النفسية السيئة، فلا بد من التنبيه الدائم للنفس على الدوام، لما وعد به الله تعالى أهل طاعته، وحذر منه أهل معصيته، لأن مجرد عدم الالتفات إلى الجانب الأخروي من الأعمال والاستغراق في أمور الدنيا وتفاصيلها، يدخل الإنسان في نفق الغفلة

1- القيامة:20-21.
2- الإسراء:11.
 
 
21

16

أقسام النفس في القرآن

 المظلم ولا يستيقظ منه إلا بعد الموت في الكثير من الأحيان ولعل هذا هو المراد من قول الإمام علي أمير المؤمنين: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"1.

 

 
وأما كيفية التفكر في أمر الدنيا وزوالها فهو كما يروى أن الإمام الباقر د قال لصاحبه جابر في حديث طويل: " ... يا جابر: إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة، يا جابر الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شي‏ء"2.
 
إذاً فإصلاح النفس يبدأ من التذكر والخروج من نوم الغفلة عن الآخرة بالدرجة الأولى ولهذا الأسلوب في إصلاح النفس ميزتين:
 
أ- أنه يصلح ظاهر العمل وباطنه إذ أن المراد هو الله تعالى، والمحاسب والمجازي هو الله تعالى أيضاً.
 
ب- أنه جزاء دائم لأنّ‏َ ما عند الله خير وأبقى، والقرآن الكريم اعتبر هذا المسلك مسلكاً جيداً وندب إليه ومنه قوله تعالى: "إِنّ‏َ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

1- شرح أصول الكافي - المولى محمد صالح المازندراني، ج8، ص379.
2- بحار الأنوار - العلامة المجلسي، ج70، ص36.
 
22
 

17

أقسام النفس في القرآن

 أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ‏َ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجْيلِ وَالْقُرْانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"1.
 
وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين: "إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها"2.
 
مرتبة الحب لله تعالى‏
 
إن علاج النفس تارة يكون بإيجاد المانع فيها من فعل الذنوب كأن يخوّف الإنسان نفسه بالنار وغضب الجبار، ففي هذه الحالة يكون الدافع إلى الذنب موجوداً في النفس إلا أنه هنالك مانع من الوقوع فيه وهو ما ذكرناه من الخوف وغيره من الموانع، وتارة يكون علاجها بإلغاء الدافع أساساً بحيث لا تطلب النفس الذنب إذ لا رغبة لها فيه، والطريقة الأولى هي من خصائص المسالك الأخرى لا مسلك الحب الإلهي أما الطريقة الثانية وهي قلع الدوافع من النفس فهي من مختصات مسلك الحب الإلهي ولهذا المسلك والطريق ركنان أساسيان:
 
الأول: ركن المعرفة والعلم بأن يصل الإنسان من خلال علمه إلى مرحلة يدرك فيها معنى التوحيد بكل أبعاده ومن خلال هذه المعرفة بالتوحيد لا يبقى أي موضوع لهذه الرذائل، ولن يتوجه بعد ذلك إلى الناس، ولا يطمع بما في أيديهم، لأنه يعرف حق المعرفة أن الغني منهم لا يملك ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله تعالى فلا يرجوه ولا القوي منهم خارج عن قوة الله فلا يخاف منه، وغيرها من المعاني.

1- التوبة:111.
2- نهج البلاغة، ج4 ص105.
 
23
 

18

أقسام النفس في القرآن

 ولقد كان الإمام الخميني قدس سره من المصاديق البارزة في هذا المضمار من الإيمان إذ لم يخف طواغيت العالم بل خاف مالك الملوك وجبار الجبابرة فأخاف الله تعالى منه طواغيت الأرض.
 
الثاني: ركن العمل إذ مجرد العلم لا يكفي في هذا المجال، فبعد أن يتعلم الإنسان التوحيد يجب أن يكون توحيده عملياً لا نظرياً فحسب، والطريق إلى التوحيد العملي حب الله تعالى، فإن الإنسان إذا أحب شيئا أطاعه وعبده، بل إن من أثار الحب الطاعة والتسليم.
 
وخلاصة الأمر أن على الإنسان أن يجعل قلبه متعلقاً بالله تعالى وحده قال تعالى: "مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ"إذ لا يجتمع حب الله تعالى وحب الدنيا في قلب واحد، وإذا حصلت المحبة في قلب الإنسان لله أخذ إيمانه في الاشتداد والازدياد وانجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربه، واستحضار أسمائه الحسنى، وصفاته الجميلة المنزهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذاباً، وتترقى مراتبه حتى صار يعبد الله كأنه يراه...
 
فيأخذ الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور على حب الجميل، وقد قال تعالى: "وَالَّذِينَ امَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه"2، وصار يتبع الرسول صلى الله عليه وآله في جميع حركاته وسكناته لأن حب الشي‏ء يوجب حب آثاره، والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضاً آثاره وآياته تعالى، ولا يزال يشتدُّ هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شي‏ء، ولا يحب إلا ربه، ولا يخضع قلبه إلا لوجهه، فان هذا العبد لا يعثر بشي‏ء، ولا يقف على شي‏ء وعنده شي‏ء من الجمال والحسن إلا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عند الله من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، فيستولى سلطان الحب على قلبه 3.

1- الأحزاب:4.
2- البقرة:165.
3- تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج1، ص373 وما بعدها (ملخصاً).
 
24
 

19

أقسام النفس في القرآن

 خلاصة الدرس
 
هناك ثلاث حالات للنفس وردت في القران الكريم وهي:

1- النفس اللوامة.
2- النفس الأمارة بالسوء.
3- النفس المطمئنة.

فصلت الروايات الشريفة ما أجمله القران الكريم من أحوال النفس الإنسانية فتحدثت بشكل مفصل عن حالاتها.

إن المسالك والطرق إلى الله كثيرة بعدد أنفاس الخلائق إلا أنها كلها تبدأ من خلال تهذيب النفس وإصلاحها ومن هذه الطرق:

1- إصلاح النفس بالغايات الأخروية وهذا المسلك هو مسلك أغلب الناس فبعضهم يغلب على نفسه الخوف وكلما فكر فيما أوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفاً، وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده الله الذين امنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاءاً وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعاً في المغفرة والجنة.

2- إصلاح النفس بالحب الإلهي وهو مرتكز على أمرين:

ركن العلم والمعرفة، وركن العمل.
 
25
 

20

أقسام النفس في القرآن

 أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي النفس التي ذكرت في القران الكريم؟
2- ما هي الطرق الأفضل لإصلاح النفس؟
3- تحدث عن طريق اصلاح النفس بالغايات الأخرويَّة؟
4- ما معنى إصلاح النفس بالحب الإلهي؟
5- على ماذا يرتكز إصلاح النفس بالحب الإلهي.

للحفظ
 
"إِنّ‏َ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ‏َ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجْيلِ وَالْقُرْانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".
 
إقرأ
 
كتاب المواعظ والحكم‏

تأليف الشهيد المفكر الشيخ مرتضى مطهري

يتميز هذا الكتاب من بين الكتب الأخلاقية بأنه أشبه ما يكون بكشكول
 
26
 

21

أقسام النفس في القرآن

 الأخلاق لأنه لم يرتب على أساس معين بل يبحث عن المواضيع الأخلاقية المتفرقة ولا يعالج مسألة لوحدها ويُعلم ذلك من خلال ملاحظة العناوين المتفرقة الكثيرة في الفهرس ومن تلك العناوين:
معرفة الله أساس الدين، الدين سند السعادة، العبيد والأحرار، الإيمان والعمل الصالح، ذل المعصية وعز الطاعة، خصائص الحق في نظر علي د، حق الناس بعضهم على بعض، وغيرها من الأبحاث التي ترتبط بالأخلاق الإنسانية عامة.

كتاب لطيف متنوع الفائدة كتب بأسلوب سهل الفهم غير معقد كما هو أسلوب الشهيد في معظم كتبه.
 
للمطالعة
 
حسن الخلق‏

من مواعظ الإمام الخمينيه في كتاب "الأربعون حديثاً":

أيها العزيز؛ انهض من نومك، وتنبه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمة، واغتنم الفرصة ما دام هناك مجال، وما دام في العمر بقية، وما دامت قواك تحت تصرفك، وشبابك موجوداً، ولم تتغلب عليك بعد الأخلاق الفاسدة، ولم تتأصّل فيك الملكات الرذيلة، فابحث عن العلاج، أعثر على الدواء لإزالة تلك الأخلاق الفاسدة والقبيحة، وتلمّس سبيلاً لإطفاء نائرة الشهوة والغضب .... وأفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقية، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل السلوك، وهو أن تأخذ كلّ واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك، وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى أمد، وتعمل عكس ما ترجوه 
 
27
 

22

أقسام النفس في القرآن

 وتطلبه منك تلك الملكة الرذيلة.
وعلى أيّ حال؛ أطلب التوفيق من الله تعالى لإعانتك في هذا الجهاد، ولا شك في أن هذا الخلق القبيح، سيزول بعد فترة وجيزة، ويفرّ الشيطان وجنوده من هذا الخندق، وتحلّ محلهم الجنود الرحمانية.

فمثلاً من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان، وتوجب ضغطة القبر، وتعذّب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار والجيران أو الزملاء في العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان الإنسان المجاهد يفكر في السمو والترفع، عليه عندما يعترضه أمر غير مرغوب فيه حيث تتوهج فيه نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسي‏ء من القول عليه أن يعمل بخلاف النفس، وأن يتذكر سوء عاقبة هذا الخلق القبيح، ويبدي بالمقابل مرونة، ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ باللَّه منه.

إني أتعهد لك بأنك لو قمت بذلك السلوك، وكرّرته عدّة مرّات، فإن الخلق السي‏ء سيتغير كلياً، وسيحلّ الخلق الحسن في عالمك الباطن، ولكنك إذا عملت وفق هوى النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه، وأعوذ باللَّه تعالى من الغضب الذي يهلك الإنسان في ان واحد في كلا الدارين فقد يؤدي ذلك الغضب لا سمح اللَّه إلى قتل النفس. ومن الممكن أن يتجرأ الإنسان في حالة الغضب على النواميس الإِلهية. كما رأينا أن بعض الناس قد أصبحوا من جراء الغضب مرتدّين. وقد قال الحكماء "إن السفينة التي تتعرض لأمواج البحر العاتية وهي بدون قبطان، لهي أقرب إلى النجاة من الإنسان وهو في حالة الغضب".
 
 
28

23

أقسام النفس في القرآن

أو إذا كنت لا سمح اللَّه من أهل الجدل والمراء في المناقشات العلمية كما عليه بعض طلاب العلوم الدينية نحن الطلبة، المبتلين بهذه السريرة القبيحة، فاعمل فترة بخلاف النفس، فإذا دخلت في نقاش مع أحد الأشخاص في مجلس ما، ورأيت أنه يقول الحق فاعترف بخطأك وصدّق قول المقابل، والمأمول أن تزول هذه الرذيلة في زمن قصير.
 
 
29
 
 

24

ميزان السلوك

 يقول تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ"1، هذه الآية الكريمة على قصرها تؤكد على حقيقة أن الحسنات لا تكون إلا بما علم الله تعالى وأوحى به لأنبيائه وأن طريق الهداية لا يمكن الإهتداء بها لولا الوحي الذي رسمه الله تعالى من خلاله طريق الهداية للناس ، فهم إن اتبعوا ما أنزل إليهم عبر الأنبياء اهتدوا، وأما إن تركوا مضمون هذا الوحي ليبحثوا عن طرق وصول خلف ذلك معتمدين على أنفسهم فلن يحصدوا إلا الخيبة ولن تكون لهم إلا السيئة.
 
على السالك إلى الله سبحانه وتعالى أن يحصر ما يود عمله بموارد لا يعتريها الشك، كما أن عليه الحذر من أمور أخرى، وحينها يكون قد نهل العلم من منابعه الأصيلة التي لا يعتريها كدر ولا يشوبها باطل، ولا بد من أن يكون هذا الالتزام بالموارد المحددة والحذر من الأمور الأخرى:
 
على صعيد العبادات والأوراد فينبغي التنبه للصحيح منها وما ثبت شرعاً وما لم يثبت وأن لا يقوم بكل عمل سمعه من هنا أو هناك بل عليه التحقق من حقيقته ومصدره ومنبعه فعن الإمام علي عليه السلام: " لو اقتبستم العلم من

1- النساء:79.
 
31
 

25

ميزان السلوك

 معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادخرتم الخير من موضعه، وأخذتم الطريق من واضحه، وسلكتم من الحق نهجه، لنهجت بكم السبل، وبدت لكم الأعلام"1.
 
وسنذكر فيما يلي المنابع الأصيلة وما ينبغي الحذر منه في هذه الطريق الطويلة.
 
المنابع الأصيلة
 
1- القرآن الكريم:
 
فالقرآن الكريم كتاب الهداية الذي أنزله الله تعالى على رسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وآله لكي يكون كتاب هداية للأمة سواء من خلال التشريع الذي تضمنه أو من خلال الإرشاد والوعظ الموجود فيه فعن الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام في صفة القرآن: "جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء"2.
 
وفي وصية الإمام علي عليه السلام إلى ابنه الإمام الحسن عليه السلام: "أن أبتدئك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره"3.
 
2- الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:
 
ولكن لسائل أن يسأل كيف يمكن للإنسان أن يعرف مراد القرآن ولا سيما أن المفسرين قد يختلفون في تفسيره وأن كل الفئات والمذاهب والمسالك تدعي تمسكها بالقرآن الذي يعتبر الفرقان بين الحق والباطل فكيف لنا أن نعلم مراد الله الحقيقي من خلال التفسير على اختلافه بين العلماء؟

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2108. 
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2102.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2106.
 
32
 

26

ميزان السلوك

 ومن هنا لا بد وأن نرجع إلى الرسول الأكرم الذي يعتبر أولى الناس بشرح معاني القرآن ومراد الله تعالى منه قال تعالى: "وَمَا اتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنّ‏َ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"1.
 
3- أهل البيت عليهم السلام:
 
وقد حدد لنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله منهجاً واضحاً ومعياراً وميزان أمرنا بالتمسك به حينما قال صلى الله عليه وآله: "إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"2.
 
في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: "شرقا وغربا لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت"3.
 
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: العلم ثلاثة: "كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري"3.
 
4- العلماء: 
 
ويمكن للسائل أن يسأل من جديد إن ما وصل إلينا من الروايات فيه الصحيح وغيره فمن أين للإنسان أن يميز الغث من السمين والصحيح من السقيم؟
 
والجواب أنه ليس على كل إنسان أن يميز الصحيح من السقيم من هذا الكم الهائل من الأحاديث التي وردت إلينا بل إن أهل البيت، قد أرشدونا إلى الطريق لمعرفة ذلك فعن الإمام الصادق عليه السلام: "أما من كان من

1-الحشر:7
2- وسائل الشيعة - الحر العاملي، ص. آل البيت، ج27، ص34. 
3- بحار الأنوار - العلامة المجلسي، ج2، ص92. 
4- ميزان الحكمة - محمد الريشهري، ج3، ص2103. 
 
33
 

27

ميزان السلوك

 الفقهاء صائنا لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه"1.
 
فعلماؤنا رضوان الله تعالى عليهم قد بذلوا أعمارهم، وأضنوا عيونهم في دراسة ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من روايات ليحددوا الصحيح منها من السقيم ويتلمسوا المراد من صحيحها وما عناه أهل البيت عليهم السلام من أسرار العلوم الإلهية الحقة.
 
فالعلماء كما وصفهم الإمام الصادق: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ شيئاً منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين"2.
 
وبعد هذا كله يتلخص لدينا أن على السائر إلى الله تعالى أن يستقي العلم من القرآن المشروح بلسان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، فيما ورد وقال عنه العلماء بأنه صحيح مما قالوه وشرحوه لنا من أسرار علومهم وما استنبطوه من الأحكام من خلال الأحاديث والآيات القرآنية المباركة، فإن من أعظم التوفيقات الإلهية أن يجد الإنسان المرشد من العلماء الذين أطاعوا الله تعالى حق طاعته، فيكون بمثابة دليل له في هذا الطريق، يحذره من قطاعها ويعرفه على تفاصيلها ويشد عزمه لو أحس منه الكسل أو الضجر، ويقومه لو رأى منه الزلل.

1- مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي، ج8، ص576. 
2- بحار الأنوار - العلامة المجلسي، ج2، ص92.
 
34
 

28

ميزان السلوك

 ما ينبغي الحذر منه‏
 
1- ما يخالف الشريعة:
 
قد يتجه بعض الناس إلى أساليب غير شرعية ظناً منهم أن ذلك سيوصلهم إلى تكامل وروحية معينة وقد يحصل لبعضهم بعض القوى الروحية كالعلم بالضمائر أو القدرة على المشي على النار فيعتبر ذلك كمالاً له، إلا أن ذلك ليس إلا لأجل الرياضات التي روض نفسه عليها وليس ذلك من الله بشي‏ء، كما أن الحصول على هذه القوى ليست هدفاً للإنسان السالك إلى اللَّه تعالى بل قد تكون عائقاً في كثير من الأحيان أمام الاستمرار في السلوك لما يتبعها من العجب أو الاعتداد الزائد بالنفس ومن تلك الأساليب غير الشرعية التي ينبغي الحذر منها:
 
أ- إرهاق الجسد: ويكون ذلك بتعذيبه أشد العذاب كالجرح بالآلات الحادة أو التجويع الذي يشارف الإنسان فيه على الموت أو الهلاك وغيرها من الأمور التي تحرمها الشريعة من باب عدم جواز أذية النفس.
 
ب- السقوط من أعين الناس: وأصحاب هذه الفكرة السقيمة يقومون بارتكاب المحرمات أمام الملأ ليسقطوا من أعين الناس لأن سقوطهم من أعين الناس بحسب زعمهم يجعلهم نظيفي النفوس من حب الاشتهار الذي يرجع إلى حب النفس وهذا محرم شرعاً بما فيه من تحقير للنفس التي كرمها الله ومن ارتكاب للمحرمات التي تسقط الإنسان من عين الله قبل أعين الناس.
 
ج- العزلة عن المجتمع: ويتصور أصحاب هذه النظرية أن الابتعاد عن الناس يجعل قلب الإنسان صافياً وعبادته خالية من الرياء وغيره من الشوائب، ويكفي رداً عليهم ما جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من منع للرهبانية بل ورد عنه صلى الله عليه وآله: "لا رهبانية في الإسلام"1.

1- بحار الأنوار - العلامة المجلسي، ج1، ص206.
 
35
 

29

ميزان السلوك

 وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: "من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"1.
 
بل إنه صلى الله عليه وآله قد حارب هذه الممارسة منذ أيام الدعوة الأولى وطيلة حياته ففي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن ثلاث نسوة أتين رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الأخرى: إن زوجي لا يشم الطيب، وقالت الأخرى: إن زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يجر رداءه، حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم ولا يشمون الطيب ولا يأتون النساء، أما إني آكل اللحم وأشم الطيب وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"2.
 
2- الاختراع:
 
والاختراع هو أن يبتدع الإنسان من خلال عقله عبادة معينة لم ترد في الكتاب ولم ترد في السنة المأثورة عن نبينا صلى الله عليه وآله وأهل بيته، وهذا الاختراع مما نهى عنه أهل البيت وففي الرواية عن عبد الرحيم القصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك إني اخترعت دعاء قال: "دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصل ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله"..3.
 
3- الهوى:
 
وهو ما تمنيه النفس الخيالية للإنسان من شهوات لتزيله عن مرتبة الإخلاص كالجاه وحب الدنيا وغيرها من الشهوات الزائلة ومنها الكرامة بين

1- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج61، ص337. 
2- الكافي - الشيخ الكليني، ج5، ص496. 
3- الكافي - الشيخ الكليني، ج3، ص476. 
 
36
 

30

ميزان السلوك

 الناس وقد روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "... أما أتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة"1.
 
خلاصة الدرس
 
على السالك إلى الله سبحانه وتعالى أن يحصر ما يود عمله أو الاعتقاد به بموارد لا يعتريها الشك، كما أن عليه الحذر من أمور أخرى، وحينها يكون قد نهل العلم من منابعه الأصيلة التي لا يعتريها كدر، ولا بد من أن يكون هذا الالتزام بالموارد المحددة والحذر من الأمور الأخرى:
 
على صعيد العبادات والأوراد فينبغي التنبه للصحيح منها وما ثبت شرعاً وما لم يثبت وأن لا يقوم بكل عمل سمعه من هنا.
 
المنابع الأصيلة هي: القرآن الكريم الذي شرحه الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم لاسلام، وتولى العلماء تفسيره لنا.
 
ما ينبغي الحذر منه: ما يخالف الشريعة، الاختراع، الهوى.

1- منية المريد - الشهيد الثاني، ص146. 
 
37
 

31

ميزان السلوك

 أسئلة حول الدرس
 
1- هناك مستويين للذي يريد السلوك إلى الله تعالى من خلال ما يلتزم به ما هما؟
2- ما هي المنابع الأصيلة؟
3- مما ينبغي الحذر؟
4- ما هو خطر الهوى على الإنسان؟
5- هل الاختراع طريق سليم؟ لماذا؟

للحفظ
 
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن ثلاث نسوة أتين رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الأخرى: إن زوجي لا يشم الطيب، وقالت الأخرى: إن زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يجر رداءه، حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم ولا يشمون الطيب ولا يأتون النساء، أما إني اكل اللحم وأشم الطيب واتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
 
 
38

32

ميزان السلوك

 إقرأ
 
كتاب جامع السعادات

تأليف المولى محمد مهدي النراقي 

يتألف الكتاب من مجلدين من القطع الكبير وهو مختص بعلم الأخلاق ويعتبر من أهم الكتب التي اعتنت بهذا العلم.

أبواب الكتاب

الباب الأول: في المقدمات وهي حول النفس وحقيقتها وتجردها وتأثير التربية على الأخلاق وغيرها من المباحث المهمة.

الباب الثاني: في أقسام الأخلاق وانقياد العقل العملي للنظري ويتحدث فيه عن أنواع الرذائل والفرق بين الفضيلة والرذيلة وأهمية إصلاح النفس...

الباب الثالث: في الأخلاق المحمودة وفيها مقدمة وأربع مقامات، وتحت هذه المقامات يتعرض المؤلف للافات والأخلاق السيئة وأضدادها والعلاجات المناسبة وغيرها من المباحث المهمة جداً حيث تعرض لجل الصفات التي تهم السالكين إلى اللَّه عزَّ وجلّ‏َ.

للمطالعة
 
ميزان السلوك‏

ومن إبداع الشيطان الموسوس في صدور الناس، الفريد من نوعه هو أنه مع بيان عذب ومليح، وأعمال مغرية، قد يعلق البعض بشحمة أذن فاتنة جميلة
 
 
39

33

ميزان السلوك

  ويبرر هذه المعصية الكبيرة بل هذا الشرك لدى العرفاء، بأن القلب إذا كان متعلقاً بشي‏ء واحد استطاع أن يقطع علاقاته مع الاخرين بصورة أسرع فيركّز كلّ توجهه أولاً على الفتاة الجميلة بحجة أن القلب ينصرف عن غيرها وأنه منتبه إلى شي‏ء واحد ثم يقطع هذا الارتباط الوحيد ويركّز قلبه على الحق المتعالي.
وقد يدفع الشيطان بإنسان أبله نحو إنسانٍ أبله، بل شيطان قاطع للطريق ويلتجى في تبرير هذا الشرك الجليّ إلى أن هذا المرشد هو الإنسان الكامل وإنه لا سبيل للإنسان في الوصول إلى مقام الغيب المطلق إلا بواسطة الإنسان الكامل المتجسد في المراة الأحدية للمرشد، ويلتحق كّل منهما حتى نهاية عمرهما بعالم الجن والشياطين: حيث يفكر المرشد في جمال معشوقه ومفاتنه، وهذا الإنسان البسيط بتركيز الانتباه على محيا مرشده البائس المنكوس حتى اخر حياته فلا تنسلخ العلقة الحيوانية عن هذا المرشد، ولا يبلغ الإنسان الأبله الأعمى إلى منشوده ومبتغاه.

ولا بد من معرفة أن المؤمن لمّا كان سيره في هذا العالم معتدلاً، وقلبه سوياً، وتوجّهه نحو الله وصراطه مستقيماً، كان في ذلك العالم أيضاً صراطه مستقيماً وواضحاً، وجسمه معتدلاً وصورته وسيرته وظاهره وباطنه في صورة الإنسان وهيئته. وعند مقارنة قلب المشرك مع قلب المؤمن نستطيع أن نفهم موقع قلب المشرك ومصيره، فحيث أن قلبه قد خرج عن الفطرة الإلهية، وانحرف عن النقطة المركزية للكمال، وعن بحبوحة النور والجمال، وابتعد عن التبعية للهادي المطلق والولي الكامل، وانشغل بأنيته وأنانيته بالدنيا وزخارفها، لم يحشر المشرك في العوالم الأخرى في سيرة الإنسان وصورته المعتدلة، وإنما يحشر في صورة حيوان منكوس الرأس، لأن الهيئة والصورة في ذلك العالم تتبع القلوب، وأن الظاهر هناك ظلّ لباطن الإنسان هنا، وأن
 
40
 

34

ميزان السلوك

 القشر انعكاس للبّ ...
فالقلوب التي أعرضت عن الحق والحقيقة، وخرجت عن فطرتها المستقيمة وأقبلت على الدنيا، ألقت بظلالها على ذلك العالم حيث يخرج أصحابها هناك من الاعتدال ويكونون منكوسين، ومتجهين نحو عالم الطبيعة والدنيا التي تعتبر أسفل السافلين. فمن المحتمل أن يمشي بعض مكباً على وجهه وتكون ساقه نحو الأعلى ويمشي بعض على بطنه، وبعض على يديه ورجليه، كما كان اتجاهه في هذا العالم "أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"1 فمن الممكن أن هذا الاستعمال المجازي في هذا العالم المجازي، يتحول إلى واقعية وحقيقة في عالم الحقائق والظهور للروحانيات والغيبيات.

لقد فَسّرت الأحاديث الشريفة: "الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" المذكور في نهاية هذه الاية المباركة بالإمام أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين:

عن الكافي بإسناده عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: "قُلْتُ: أفَمَنْ يَمْشي مُكِبّاً عَلى وجْهِهِ أهْدى أمْ مَنْ يَمْشي سَوِيّاً على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" قالَ: إنّ‏َ اللهَ ضَرَبَ مَثَلاً، من حَادَ عَنْ وِلاَيَةِ عَلِيّ‏ٍ عليه السلام كَمَنْ يَمْشي عَلى وَجْهِهِ لا يَهْتَدِي لأَمْرِهِ، وَجَعَلَ مَنْ تَبِعَهُ سَوِيّاً عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالصِّراطُ الْمُسْتَقِيمُ أميرُ الْمُؤْمِنين".

1-  الملك:22.
 
37
 

 


35

جنود العقل والجهل

 هناك معركة كبيرة تدور داخل نفس الإنسان بين عقله وشهواته وسنتحدث في هذا الدرس عن هذه المعركة وحقيقة أطرافها بشي‏ء من التفصيل، إذ لا بد من التعرف على هذا الأمر، لأن المشرف على المعركة هو نفس الإنسان، فلا بد له أن يعلم بأطرافها ومدى قوتهم ومكامن الضعف لديهم، ليعرف كيف يديرها بحيث تصب في مصلحته.
أما أطراف المعركة فالطرف الأول هو قوى النفس: الشهوية والغضبية والوهمية، التي تلعب دور الطاغي الشرير الذي لا يحب سوى أن يقوم بملذاته غير عابئ بما يخلف وراءه من الخراب والدمار، والطرف الآخر هو العقل الذي يمثل الخير والمبادئ الصالحة، ولكل من هذين الطرفين جنود، فجنود الأهواء النفسية تسمى جنود الجهل أو جنود الشيطان، والعقل تسمى جنوده بجنود العقل أو الرحمن.

وسنشرح معنى العقل والجهل قبل أن نخوض في المعركة ونقيم النتائج فيما لو تغلب أحدهما على الآخر.

ما هو العقل؟

أجاب الإمام الصادق عليه السلام على هذا السؤال بقوله: "ما عبد به الرحمن
 
 
43

36

جنود العقل والجهل

 واكتسب به الجنان قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال: تلك النكراء! تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل"1.
 
ويستفاد من الرواية أن العقل هو الذي ينتج الخير ويأمر به وأما الذي يتمادى في الشر ويخترع الحيل وأساليب المكر فإنه ليس من العقل بل من الشيطان أي من القوة الواهمة التي توجد في نفس الإنسان حينما يسخرها لأجل تنفيذ أهواءه وشهواته وقد سماها الإمام عليه السلام بالشيطنة.
 
ولذا ورد في رواية أخرى عن الإمام الصادق: "من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة"2.
 
وبما أن العقل على هذا القدر من الصلاح إذ يوصل الإنسان لمعرفة الدين ومعرفة رب العالمين، فمن الطبيعي أن يكون متصلاً بسائر الأخلاق ففي الرواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "هبط جبرئيل على ادم عليه السلام فقال: يا آدم إني أمرت أن أخيرك واحدة من ثلاث فاختر واحدة ودع اثنتين، فقال له: وما تلك الثلاث؟ قال: العقل والحياء والدين، فقال آدم عليه السلام: فإني قد اخترت العقل، فقال جبرئيل عليه السلام للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: يا جبرائيل إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان، قال: فشأنكما وعرج"3.
 
لذلك كان العقل محلاً للتكريم الإلهي، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك

1- الكافي - الشيخ الكليني، ج1، ص11.
2- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج51، ص206.
3- من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق، ج4، ص417. 
 
44
 

37

جنود العقل والجهل

ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب"1.
 
وأما الجهل فهو عدم التعقل ففي الرواية عن أبي عبد الله الصادق: "اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا، قال سماعة: فقلت: جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا، فقال أبو عبد الله: إن الله عز وجل خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي، قال: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فلم يقبل فقال له: استكبرت فلعنه"2
 
دور العقل
 
إن للعقل دوراً مهماً، يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
 
1- توجيه الميول والغرائز الإنسانية: حينما تكلمنا عن قوى النفس، ولا سيما القوة الغضبية والشهوية قلنا أن العقل هو الذي يحاول أن يضع حداً للتمرد الذي تقوم به هذه الغرائز، ويجعلها خاضعة لقانون المصالح العامة ولهذا المعنى أشار أمير المؤمنين: "النفوس طلقة، لكن أيدي العقول تمسك أعنتها عن النحوس"3.
أي عن ارتكاب المخالفات التي تدمر المجتمع.
 
2- الأمر بالخير: فإن العقل يأمر بكثير من الأمور الأخلاقية الأساسية، كحسن الصدق والوفاء، وقبح الكذب والخداع، وإلى هذا المعنى أشارت الكثير

4- الكافي - الشيخ الكليني، ج1، ص10. 
2- الكافي - الشيخ الكليني، ج1، ص21.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2039. 
 

38

جنود العقل والجهل

 من الروايات منها ما روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: "لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً، لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاح"1.
 
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا"2.
 
3- الصلاح الاجتماعي: إن تجاهل الإنسان لنداء العقل الداعي إلى الخير، والناهي عن الشرور والطغيان يؤدي بالمجتمعات إلى التحلل ومن ثم الانهيار، وخير دليل وشاهد على صحة هذا القول ما نراه في الدول الكبرى التي نقمت على الدين واعتبرته كابتاً لحاجات الإنسان، وشرّعت الإباحية، فها هي اليوم تعاني الأمرين من جراء ضياع النسل وتفكك الأسر وانقراض الحياة العائلية الأسرية، ولو حاولنا أن نجد السبب الرئيسي لهذه المشاكل لوجدنا الإجابة في أنهم لم يصغوا لنداء العقل، وعن أمير المؤمنين: "فضِّل العقل على الهوى، لأن العقل يملكك الزمان، والهوى يستعبدك للزمان"3.
 
الجهاد الأكبر
 
بعد أن عرفنا حقيقة العقل والجهل في الإنسان وأنهما متصارعان على الدوام، سنتحدث فيما يلي عن هذا الصراع العنيف الذي يجري داخل النفس بين جنودهما، وهنا يكون الجهاد الحقيقي، يقول الإمام الخميني قدس سره: وفيها (أي في مملكة الباطن عند الإنسان) تكون جنود النفس أكثر وأهم مما في مملكة الظاهر، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج11، ص193. 
2- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج2، ص286. 
3- راجع كتاب الأفكار والميول - الأستاذ محمد تقي فلسفي، ج1، الصفحات 160 وما بعدها. 
 
46
 

39

جنود العقل والجهل

 أعظم والغلبة والانتصار فيها أشد وأهم...
 
وجهاد النفس في هذا المقام مهم للغاية عند المشايخ العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا المقام منبع جميع السعادات والتعاسات، والدرجات والدركات1.
 
نموذج عن معركة
 
من المناسب أن نذكر نموذجاً من المعارك التي تجري في باطن الإنسان بين جنود العقل والجهل حتى يتبين لنا كيفية هذا الصراع بشكل أوضح.
 
فمن النماذج التي سلط التاريخ عليها ضوءاً، نموذج عمر بن سعد حين وعده الخليفة الظالم يزيد بن معاوية لعنه الله، بإمارة الري، ولكنه طلب منه مقابل منحه لإمارة الري، أن يقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وابن السيدة الزهراء وحفيد رسول الله، فهنا اصطفت الجنود للمعركة في نفس عمر بن سعد فجعل يتخير بين قتل الحسين عليه السلام والذي تأمره به النفس الأمارة وحب الجاه والمنصب لينال إمارة الري، وبين العقل الذي يمنعه عن ذلك من خلال جند الرحمن الذين يحذرونه من عاقبة قتل إمام زمانه المظلوم، وكان يقول في ليله:
 
أأترك ملك الري والري منيتي            أم أرجع مأثوماً بقتل حسين‏
ففي مثله النار التي ليس دونه            حجاب وملك الري قرة عيني‏
 
فهنا يتجلى ويحتدم الصراع لاحتلال النفس، ولكن في هذه المعركة تغلبت جند الشيطان على عقل عمر بن سعد فرضخ لحب الجاه، وقتل الإمام العادل حفيد الرسول.
 
ونموذج آخر ينقله لنا التاريخ وهو موقف الحر بن يزيد الرياحي، الذي كان في جيش ابن زياد وقد خيّر نفسه بين الجنة التي يلقاها بالاستشهاد من أجل

1- الأربعون حديثاً - الإمام الخميني قدس سره - حديث جهاد النفس.
 
47
 

40

جنود العقل والجهل

 الهدف النبيل في الدفاع عن الإسلام الحقيقي المتمثل بالإمام الحسين عليه السلام، وبين النار التي تتمثل في دعم الطغيان الذي يمثله يزيد بن معاوية، فاختار الجنة وعاد تائباً إلى معسكر الإمام الحسين عليه السلام.

تقييم لنتائج المعركة

إن الهزيمة التي تتعرض لها الجيوش في المعارك التي تجري بين المتحاربين في الدنيا، قد تكون هزيمة محدودة في كثير من الأحيان، وقد يستطيع الجيش أن يلملم صفوفه مرة أخرى ليعاود شن الهجوم على الأعداء، ولكن في معركة جنود العقل والجهل قد يكون هذا ممكناً في أول الأمر إلا أن الأمر يختلف فيما لو انتصر جنود الجهل نصراً ساحقاً فيجب على الإنسان الالتفات كثيراً إلى نفسه في هذا الجهاد، فمن الممكن لا سمح الله أن تسفر هزيمة الجنود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة التي يستحيل معها تلافي الخسارة ولا تشمله شفاعة الشافعين، وينظر إليه أرحم الراحمين أيضاً بعين الغضب والسخط نعوذ باللَّه من ذلك بل ويصبح شفعاؤه خصماؤه، وويل لمن كان شفيعه خصمه.

ويعلم الله أي عذاب وظلمات وشدائد وتعاسات تلي هذا الغضب الإلهي، وتعقب معاداة أولياء اللَّه حيث تكون كل نيران جهنم وكل الزقوم والأفاعي والعقارب لا شي‏ء أمام هزيمة جنود الرحمان من قِبَلِ جنود الشيطان التي تترتب عليها عقوبات تفوق جميع نيران جهنم والزقوم والأفاعي. والعياذ باللَّه من أن يصب على رؤوسنا نحن الضعفاء والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه الحكماء والعرفاء وأهل الرياضة والسلوك، فإنّ جميع أشكال العذاب التي
 
48
 

41

جنود العقل والجهل

 تتصورونها، يسيرة وسهلة في مقابله، وجميع النيران التي سمعتموها، جنة ورحمة في قباله وبالنسبة إلى ذلك العذاب.
 
خلاصة الدرس
 
أطراف المعركة التي تحدث داخل النفس الإنسانية

الطرف الأول هو قوى النفس: الشهوية والغضبية والوهمية، التي تلعب دور الطاغي الشرير الذي لا يحب سوى أن يقوم بملذاته غير عابى‏ء بما يخلف وراءه من الخراب والدمار، والطرف الاخر هو العقل الذي يمثل الخير والمبادئ الصالحة، ولكل من هذين الطرفين جنود، فجنود الأهواء النفسية تسمى جنود الجهل أو جنود الشيطان، والعقل تسمى جنوده بجنود العقل أو الرحمن.

إن العقل هو الذي يدرك الخير ويأمر به وأما الذي يتمادى في الشر ويخترع الحيل وأساليب المكر فإنه ليس من العقل بل من الشيطان أي من القوة الواهمة التي توجد في نفس الإنسان حينما يسخرها لأجل تنفيذ أهواءه وشهواته وتسمى حينئذ بالشيطنة.

لو انتصر جنود الجهل في المعركة على جنود العقل قد يكون تدارك الهزيمة ممكنا في أول الأمر إلا أن الأمر يختلف فيما لو سحق جنود الجهل جنود العقل، فيجب على الإنسان الالتفات كثيراً إلى نفسه في هذا الجهاد، فمن الممكن لا سمح اللَّه أن تسفر هزيمة الجنود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية للغاصبين والمحتلين من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة التي يستحيل معها تلافي الخسارة. 
 
49
 

42

جنود العقل والجهل

 أسئلة حول الدرس
 
1- ما هو العقل؟
2- ما هو الجهل؟
3- كيف يتصارع جنود العقل والجهل؟
4- كيف يمكن لجنود العقل أن تهزم جنود الجهل؟
5- قيِّم نتائج المعركة فيما لو انتصر أي من الفريقين؟

للحفظ
 
عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام قال: "هبط جبرئيل على ادم عليه السلام فقال: يا ادم إني أمرت أن أخيرك واحدة من ثلاث فاختر واحدة ودع اثنتين، فقال له: وما تلك الثلاث؟ قال: العقل والحياء والدين، فقال ادم د: فإني قد اخترت العقل، فقال جبرئيلد للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: يا جبرئيل إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان، قال: فشأنكما وعرج".

عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك امر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب".
 
50
 
 

43

جنود العقل والجهل

 إقرأ
 
كتاب حلية المتقين‏

في الاداب والسنن والأخلاق‏

تأليف العلامة الكبير الشيخ محمد باقر المجلسي (صاحب بحار الأنوار).

هذا الكتاب هو برنامج عملي أخلاقي اجتماعي كتبه صاحب البحار ليكون كما سماه حلية للمتقين‏.

أبحاث الكتاب

الباب الأول: اداب لبس الثياب والنعل.
الباب الثاني: اداب الحلي والخواتيم والتزين والكحل.
الباب الثالث: في اداب الطعام والشراب.
الباب الرابع: في فضيلة الزواج وادابه.
الباب الخامس: اداب السواك وتسريح الشعر.
الباب السادس: اداب الطيب وفضله...
الباب السابع اداب الحمام وتنظيف البدن، الباب الثامن.
اداب السهر والنوم.
الباب التاسع: اداب الحجامة.
الباب العاشر: أحكام العشرة وحقوق الناس.
الباب الحادي عشر: اداب السلام والمصافحة.
الباب الثاني عشر: اداب الدخول والخروج من البيت.
الباب الثالث عشر: اداب المشي والركوب.
الباب الرابع عشر: اداب السفر.
يعتبر الكتاب من الكتب اللطيفة المتنوعة المضمون وهو يجمل ظاهر الإنسان بزينة السنن الحسنة.
 
51
 

44

جنود العقل والجهل

 للمطالعة
 
حبّ‏ُ الله تعالى‏

من مواعظ الإمام الخمينيه في كتاب "الأربعون حديثاً":

اعلم أن ما تناله النفس من حظ في هذه الدنيا، يترك أثراً في القلب، وهو من تأثير الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلقه بالدنيا. وكلّما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بها وحبه لها، إلى أن يتجه القلب كُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد. إن جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحب للدنيا والتعلق بها كما ورد في الحديث الذي أوردناه من كتاب أصول الكافي قبل قليل.

وإن من المفاسد الكبيرة لحب الدنيا كما كان يقول شيخنا العارف روحي فداه هو أنه إذا انطبع حب الدنيا على صفحة قلب الإنسان، واشتد الأنس بها، انكشف له عند الموت أن الحق المتعال يفصل بينه وبين محبوبه، ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على ولي نعمته. إن هذا القول القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيّما إيقاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ باللّه من إنسان يسخط على ولي نعمته، مالك الملوك الحق، إذ ليس أحد يعرف صورة هذا السخط والعداء، غير اللّه تعالى.

ويقول أيضاً شيخنا المعظم ط نقلاً عن أبيه المعظم، إنه كان في أواخر عمره خائفاً بسبب المحبة التي كان يكنّها لأحد أولاده، ولكنه بعد الانهماك بالرياضات النفسية تخلص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور مسروراً، رضوان اللّه عليه.
 
52
 

45

جنود العقل والجهل

 جاء في "الكافي" بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: "مَثَلُ الدُّنيا كَمَثَلِ ماء البحرِ كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ العطشانُ ازدادَ عَطَشاً حَتَّى يقتل".
إن حب الدنيا ينتهي بالإنسان إلى الهلاك الأبدي، وهو أصل البلايا والسيّئات الباطنية والظاهرية وقد نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم قول: "إِنّ‏َ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ".

وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب معاصي أخرى على الرغم من أن هذا الفرض بعيد، أو من المستحيل عادة فإن التعلق بالدنيا نفسه معصية، بل إن مقياس طول بقاء الإنسان في عالم القبر والبرزخ هو أمثال هذه التعلقات. فكلّما كان التعلق بالدنيا أقل كان البرزخ وقبر الإنسان أكثر نوراً وأوسع، ومكثه فيه أقصر. لذلك فقد ورد في بعض الروايات: إن عالم القبر لأولياء الله لا يزيد عن ثلاثة أيام، وإنّما كان هذا لأجل التعلق الطبيعي والعلاقة الجِبِلّية لأولياء اللّه تجاه العالم.

وإن من مفاسد حب الدنيا والتعلّق بها هو أنه يجعل الإنسان يخاف الموت. وهذا الخوف الناشى من حب الدنيا، والتعلق القلبي بها المذموم جداً. غير الخوف من المرجع مال الإنسان بعد الموت المعدود من صفات المؤمنين. إن أهم صعوبة في الموت هي ضغوطات لرفع هذه العلائق، والخوف من الموت. يقول المحقق المدقق الإسلامي البارع، السيد العظيم الشأن، الداماد كرّم اللّه وجهه في كتابه "القبسات" الذي يعد من الكتب النادرة: "لاَ يُخيِفنك الموتُ، فإنّ‏َ مَرارَته في خوفه".
 
 
53

46

الزهد والرغبة

 فضل الزهد
 
حثت الروايات الكثيرة على الزهد وذكرت فضله عند الله تعالى وماله من الأثر في الدنيا والآخرة ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا"، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا" ثم قال: أبو عبد الله: "حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا"1.
 
وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام "إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا"2.
 
ما هو الزهد؟
 
عن أمير المؤمنين: "الزهد بين كلمتين من القران، قال الله تعالى: "لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا اتَاكُم"3 ومن لم يأس على الماضي

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص128.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص128.
3- الحديد:23.
 
55
 

47

الزهد والرغبة

 ولم يفرح بالاتى فقد استكمل الزهد بطرفيه"1. وهذه الرواية تشرح أمرين:
 
أولاً: ليس الزهد أن لا تحصل على شي‏ء أو أن ترفض نعم الدنيا وتبتعد عنها وتعيش حياة الفقراء والمساكين، فالآية الكريمة تقول "وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم"2 فالله تعالى ينعم على الإنسان المؤمن وسيستفيد هذا المؤمن من النعمة "آتاكم" ولم يطلب الله تعالى من الزاهد أن يرفض النعم، وهذا واضح من شرح أمير المؤمنين عليه السلام فهو عليه السلام يؤكد أن النعم سيحصل عليها الزاهد أيضاً "لم يفرح بالاتي". وهذا ما تشير له العديد من الروايات عن أهل البيت عليهم السلام، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله عز وجل"3.
 
ثانياً: الزهد هو صفة راسخة في نفس الإنسان تكون نتيجتها أمرين: لا يفرح بالدنيا المقبلة ولا يحزن على الدنيا المدبرة. ليصل إلى مرحلة لو أصاب فيها حظاً وافراً لم يفرح فرح المنتصرين، ولو أصيب بمصيبة لم يجزع جزع الحريصين. فالزاهد هو الذي يستفيد من الدنيا دون أن يكون أسيراً لها.
 
كيف يكتسب الزهد؟
 
يحصل الزهد في قلب الإنسان من خلال أمور منها:
 
1- ذكر الموت‏
 
فإن ذكر الموت، الذي هو عبارة عن تسخيف كل ما هو من متاع الدنيا لأن ما بها من نعم كالمال فإنه إما زائل أو منتقل للورثة، والأزواج إما أن تموت قبلنا أو نموت قبلها فتتزوج من غيرنا لتستمر الحياة وهكذا كل متاع الدنيا

1- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج61، ص19.
2- الحديد:23.
3- الكافي، ج5، ص70.
 
 
56

 


48

الزهد والرغبة

 فهو متروك من الإنسان عند الموت، والموت كما سماه أمير المؤمنين عليه السلام هادم اللذات من الأمور التي تجعل الدنيا حقيرة في نفس الإنسان وبالتالي يخرج حبها من القلب عند تذكره باستمرار وفي الروايات الشريفة ما يدل على هذا المعنى فقد قال أبو عبيدة للإمام الباقر عليه السلام: حدثني بما أنتفع به فقال: "يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا"1.
 
2- التفكر

فالتفكر في حال الدنيا والآخرة، وما فيهما من الباقي والفاني، وإجراء بعض الحسابات النفسية لما يدّعيه الإنسان من محبة الله تعالى، تجعله يصل إلى النتيجة المطلوبة وهي الزهد ففي الراوية عن جابر قال: دخلت على الإمام الباقر عليه السلام فقال: "يا جابر والله إني لمحزون، وإني لمشغول القلب، قلت: جعلت فداك وما شغلك؟ وما حزن قلبك؟ فقال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟!. يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة، يا جابر الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدنيا أهل غفلة وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة، لم يصمّهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة، كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله قوامون على أمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة ربهم ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى الله عز وجل وإلى محبته بقلوبهم

1- الكافي، ج2، ص131.
 
57
 

49

الزهد والرغبة

 وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه، لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شي‏ء، إني (إنما) ضربت لك هذا مثلا، لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفي‏ء الظلال، يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله عزَّ وجلّ‏َ من دينه وحكمته ولا تسألن عما لك عنده إلا ما له عند نفسك..."1.
 
الحرص والرغبة في الدنيا
 
في مقابل الزهد هناك الرغبة في الدنيا التي تحدثت عنها الروايات الكثيرة، وقد عدت حبها رأس كل خطيئة ووصفتها روايات أخرى بالأفعى فعن الإمام الصادق عليه السلام إن في كتاب علي: "إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها، وفي جوفها السم الناقع يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل"2.
 
ولحب الدنيا والحرص عليها والرغبة بها آثار كثيرة منها:
 
1- الكآبة:
 
فالإنسان الحريص على الدنيا تراه كئيباً مشغولاً فكره من الصباح إلى المساء بها بحيث لا يجد لنفسه ساعة من الراحة إلا حين ينام بعد القلق الذي يتعبه في اليقظة وتراه إذا فقد منها أمراً أو أصيب بضائقة سي‏ء الطباع تعيس الحال فمثله كما عبرت عنه الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز، كلما ازدادت على نفسها لفاً كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غماً"3.

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص132.
2- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج61، ص17.
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص134.
 
 
58

50

الزهد والرغبة

 2- البعد عن الآخرة:
 
فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن في طلب الدنيا إضراراً بالآخرة وفي طلب الآخرة إضراراً بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنها أولى بالإضرار"1.
 
والطلب بمعنى جعلها الهدف الأساسي لحركة الإنسان، فيجب أن يكون للإنسان هدفاً أساسياً واحداً يسعى إليه، تكون له الأولوية عن تعارضه مع غيره.
 
ومثاله ما لو وقع الإنسان العاطل عن العمل مثلاً بين خيارين بين أن يعصي الله تعالى من خلال كسب فيه شبهات أو محرم واضح، وبين الانتظار إلى أن يجد عملاً حلالاً ولا شبهة فيه، فإن كان هدفه الأساسي هو الدنيا فسيعمل بهذا المكسب المحرم ويكون حبّ‏َ الدنيا قد استولى على قلبه، أما إن كان هدفه الآخرة فإنه سيستبعد الأمر ويصبر، ويصبر حتى يهيى‏ء الله تعالى له رزقاً حلالاً، وهذا هو الزاهد.
 
خلاصة الدرس
 
الزاهد هو الذي يستفيد من الدنيا دون أن يكون أسيراً لها.
 
يحصل الزهد في قلب الإنسان من خلال أمور منها:
 
ذكر الموت، التفكر في فناء العالم.
 
من اثار الحرص على الدنيا: الكابة، البعد عن الاخرة.

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص131.
 
59
 

51

الزهد والرغبة

 أسئلة حول الدرس
 
1- ما المقصود من الزهد؟
2- ما المقصود من الرغبة؟
3- كيف يحصل الزهد في قلب الإنسان؟
4- لماذا يتسبب عدم الزهد بالبعد عن الاخرة؟
5- ما هي اثار الحرص على الدنيا؟

للحفظ
 
عن الإمام الرضا عليه السلام حين سئل عن الزاهد فأجاب : "الذي يترك حلالها مخافة حسابه، وحرامها مخافة عقابه".

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إن في طلب الدنيا إضراراً بالاخرة و في طلب الاخرة إضراراً بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنها أولى بالإضرار".
 

إقرأ
 
كتاب الأخلاق‏

تأليف السيد عبد الله شبَّر

كتاب الأخلاق من الكتب التي تتعرض للأمراض القلبية وعلاج الذنوب
 
 
60

52

الزهد والرغبة

  
والأدران العالقة في القلوب، وهو كتاب سهل ويسير في مجمله.

لم يقسم كتاب الأخلاق إلى فصول كما تقسم الكتب عادة إلا ان المطالع لهذا الكتاب يلتفت إلى ترتيب اعتمده المؤلف إذ دخل إلى عالم الأخلاقيات الرحب من باب السنن الإجتماعية والسلوكية، ثم عرج بعد ذلك على الصفات الخلقية السامية المتمثلة في أخلاق أهل البيت عليهم السلام وتعرض لبعض الحقوق كحقوق الأرحام والأصدقاء والأزواج وغيرها، ثم تعرض بعد ذلك للموبقات من الذنوب وقبائح الصفات والعيوب ومنشئها ومضارها وكيفية اكتشافها والتعرف على حيل الشيطان الرجيم في زرعها ثم تعرض لمباحث الصبر والتوبة والشكر لله تعالى وكيفية محبة الله وحصولها ثم تعرض لمرتبة اليقين وختم الكتاب بمواعظ حول الموت والاستعداد له والتحذير من صغائر الذنوب وكبائرها.
كتاب من الجمال والروعة بمكان ننصح به القارى الكريم.

للمطالعة
 
صحة الروح‏

من مواعظ الإمام الخميني في كتاب "الأربعون حديثاً":

اعلم أيها العزيز أنه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن للنفس الإنسانية أيضاً صحة ومرضاً، وسقماً وسلامة، وعلاجاً ومعالجاً. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن الأمراض النفسية أشد فتكاً الاف المرات من الأمراض الجسمية. وذلك لأن هذه الأمراض إنّما تصل
 
 
61

53

الزهد والرغبة

إلى غايتها بحلول الموت. فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسيمة والاختلافات المادية، ولا يبقى أثر للالام أو الأسقام في الجسد. ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية لا سمح الله فإنه ما أن تفارق الروح البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر الامها وأسقامها.
إن مَثَل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان شعوره بنفسه. فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن، يرجع إليها الشعور بذاتها، ومن ثَمّ الإحساس بالالام والأسقام التي كانت في باطنها، فتظهر مهاجمة لها بعد أن كانت مختفية كالنار تحت الرماد. وتلك الالام والأسقام إما أن تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها أبداً، وإما أن تكون قابلة للزوال. وفي هذه الحال يقتضيها أن تبقى الاف السنين تحت الضغط والعناء والنار والاحتراق قبل أن تزول، إذ أن اخر الدواء الكي. قال الله تعالى: "يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ"1.

إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين، الذين جاءوا بكل لطف ومحبة لمعالجة المرضى، بأنواع العلاج المناسب لحالهم، وقاموا بهدايتهم إلى طريق الرشاد "إننا أطبّاء وتلاميذ الحق" وإن الأعمال الروحية القلبية والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراتبها، بمثابة الوقاية من الأمور المضرة للأمراض ومن دون الحميّة لا يمكن أن ينفع العلاج، ولا أن يتبدل المرض إلى صحة.

قد يغلب الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسيمة حتى مع عدم الحمية جزئياً. وذلك لأن الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها. ولكن الأمر في الأمراض النفسية صعب، وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس 

1- التوبة:35.
62
 

54

الزهد والرغبة

 منذ البداية، فتوجهت هذه نحو الفساد والانتكاس "إِنّ‏َ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء"، وعليه، فإن من يتهاون في الحمية تصرعه الأمراض، وتجد مناطق للنفوذ إليه، حتى تقضي على صحته قضاء مبرماً.
إذاً، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله إذا تنبه أن وسيلة الخلاص من العذاب تنحصر في أمرين:

الأول: الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها سليمة.

والاخر، هو الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها.

ومن المعلوم أن ضرر المحرمات أكثر تأثيراً في النفس من أي شي‏ءٍ اخر، ولهذا كانت محرّمة، كما أن الواجبات لها أكبر الأثر في مصلحة الأمور، ولهذا كانت واجبة وأفضل من أي شي‏ء، ومقدمة على كل هدف، وممهدة للتطور إلى ما هو أحسن.
 
63
 
 

55

تهذيب الجوارح - اللسان

 إن للنفس الإنسانية في جهاد النفس مقامان، مقام الظاهر ومقام الباطن، والجهاد في كلا المقامين مختلف عن الآخر ولتوضيح ذلك لا بد أن نتعرف ولو إجمالا على معنى هذين المقامين وما يتميز كل منهما عن الآخر.
المقام الأول "الباطن"

وهو المقام الذي ينبغي التنبه له جيدا وهو الذي أشار له الإمام الخميني قدس سره في "الأربعون حديثاً" بقوله: "اعلم أن للنفس الإنسانية مملكة ومقاماً آخر، وهي مملكتها الباطنية ونشأتها الملكوتية، وفيها تكون جنود النفس أكثر وأهم مما في مملكة الظاهر، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية أعظم والغلبة والانتصار فيها أشد وأهم، بل وأن كل ما في مملكة الظاهر قد تنزَّل من هناك وتظهر في عالم المُلك، وإذا تغلب أي من الجند الرحماني أو الشيطاني في تلك المملكة، يتغلب أيضا في هذه المملكة. وجهاد النفس في هذا المقام مهم للغاية عند المشايخ العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا المقام منبع جميع السعادات والتعاسات،
 
65
 

56

تهذيب الجوارح - اللسان

والدرجات والدركات"1.
 
لأن ظاهر الإنسان يمكن إصلاحه بالتوبة والندم عن سوء العمل، إلا أن الباطن وسوء السريرة قد يصل بالإنسان إلى مرحلة تجعله غير قابل لنزول الرحمة الإلهية عليه من قبيل الشفاعة أو الصفح الإلهي، فيصبح مصداق الآية الشريفة "بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"2.
 
فرحمة الله تعالى كالشمس المشرقة على العالم، فبإمكان كل من أراد أن يستقبل نورها بقدر ما يزيل من المعوقات من أمامها، ورحمة الله تعالى كذلك مشرقة على كل المخلوقات إلا أن كل فرد بإمكانه الاستفادة منها بحسبه وبقدر ما يرفع من الموانع، أي الحجب النفسية التي تخلفها المعاصي وحبّ‏ُ الدنيا وحبّ‏ُ الأنا.
 
وقد تقدم معنا الحديث في درس سابق عن المعركة الكبرى فإن ما أردناه منها هو المعركة التي تحصل في مقام الباطن.
 
المقام الثاني "الظاهر"
 
يقول الإمام الخميني قدس سره عن هذا المقام في كتابه الأربعون حديثاً ما ملخصه:
 
اعلم أن مقام النفس الأول ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر وعالمهما، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواه الظاهرية السبعة وهي: "الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل". وتكون جميع هذه القوى تحت تصرف النفس في مقام

1- الأربعون حديثاً، الإمام الخميني قدس سره، جهاد النفس، المقام الثاني.
2- البقرة:81.
 
66
 
 
 

57

تهذيب الجوارح - اللسان

 الوهم، فإذا تحكَّم الوهم على تلك القوى سواء بذاته مستقلاً أو بتدخل الشيطان، جعلها أي تلك القوى جنوداً للشيطان، وبذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان، وتنهزم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك (أي المادة) وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان.
 
وأما إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محط قدم لهم فيها"1.
 
إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده.
 
وبناء على هذا فعلى المؤمن السالك إلى الله تعالى في هذا المقام أي مقام الظاهر أن يلتفت بكل ما أوتي من حكمة ودراية للأحكام الإلهية التي تتعلق بقواه التي أودعها الله تعالى فيه، وهذا ما يسمى بأدب الجوارح وسيأتي الحديث عنه.
 
أدب الجوارح‏
 
إن وظيفة المرء في هذا المقام تكون بحمل الظاهر على التأدب بأدب الشريعة من التنزيه لهذه الجوارح عما يخالف الأوامر الإلهية، وتحليتها بالخصال الحسنة والمحمودة وسنتطرق في هذا الدرس إلى الجارحة الأولى وما ينبغي أن تنزه عنه وتحلى به وهو اللسان.

1- الأربعون حديثاً، الإمام الخميني قدس سره، جهادج النفس، المقام الاول.
 
67
 

58

تهذيب الجوارح - اللسان

 اللسان‏
 
إن اللسان وهو القطعة اللحمية الصغيرة الحجم سبب رئيسي في دخول جل أهل النار إليها وكذا جل أهل الجنة إليها لأن اللسان وإن كان صغير الحجم إلا أنه كما قال بعض الحكماء صغير الحجم كبير الجرم، وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر، فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضته"1.
 
اللسان طريق إلى الله‏
 
إن اللِّسان من النعم العظيمة التي منّ‏َ الله تعالى بها على الإنسان، قال عز وجل: "أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْن"2، وفي الحديث عن الإمام علي ابن الحسين زين العابدين عليه السلام أنه سئل عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟ فقال: "لكل واحد منهما آفات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت، قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟
 
فقال: لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا وقيت النار بالسكوت، ولا تجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنك لتصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت "3.
 
ومن وصية الإمام علي عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية:
 
"وما خلق الله عز وجل شيئاً أحسن من الكلام ولا أقبح منه، بالكلام ابيضت الوجوه، وبالكلام اسودت الوجوه، واعلم أن الكلام في وثاقك ما

1- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص2777.
2- البلد:8-9.
3- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج21، ص188.
 
68
 

 


59

تهذيب الجوارح - اللسان

لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فإن اللسان كلب عقور فإن أنت خليته عقر، ورب كلمة سلبت نعمة..."1.
 
خطر اللسان في الروايات‏
 
وفي المقابل حذرت الكثير من الروايات إلى الخطر الكبير الذي يسببه اللسان لصاحبه إذا لم يجعله مطواعاً لعقله، ففي الرواية عن الإمام علي: "زلة اللسان أشد هلاك"وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "إن أكثر خطايا ابن ادم في لسانه"3، ولذا نرى الكثير من الروايات التي تحبذ الصمت حين لا يكون هناك أي داع للكلام، فكما أن الكلام في مورده جميل ومطلوب فإن الصمت في مورده جميل ومطلوب أيضاً، بل دعت إليه الروايات الكثيرة منها:
 
ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "أمسك لسانك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك"4.
 
وعن الإمام علي: "احبس لسانك قبل أن يُطيلَ حبسك ويردي نفسك، فلا شي‏ء أولى بطول سجن من لسان يعدل عن الصواب ويتسرع إلى الجواب"5.
 
وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "لا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه"6.

1- من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق، ج4، ص387.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2779.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2781.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2780.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2780.
6- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2781.
 
69
 

60

تهذيب الجوارح - اللسان

 الميزان‏
 
بعد أن عرفنا مخاطر اللسان ومنافعه، لا بد وأن نبحث عن الضابطة التي تحدد لنا كيفية التحكم بهذا اللسان وليس لنا في ذلك إلا أن نرجع لأئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين أناروا لنا الدروب المظلمة، ودلونا على الحيل التي ينتهجها الشيطان بغية إزالتنا عن الصراط المستقيم، وقد أشار أهل البيت عليهم السلام في هذا المضمار إلى أمرين أساسين:
 
1- أن يأتمر اللسان بأوامر العقل الذي جعله الله تعالى نبيا باطنيا في الإنسان فحينما يحكم الإنسان العقل في هذه الجارحة يكف بذاك أذاها ويمنعها من رداها فعن الإمام علي: "اللسان معيار أرجحه العقل وأطاشه الجهل"1.
 
2- أن يتأدب اللسان بما أمر الله تعالى به الإنسان من الأوامر وينتهي عما نهاه الله تعالى من المحرمات ولا أفضل من قول الإمام السجاد عليه السلام في رسالة الحقوق: "حقّ‏ُ اللسان إكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم"2، فهذه مفاهيمُ أساسية سلَّط الإمام السجاد عليه السلام عليها الضوء مريداً منها أن يرشدنا إلى حق اللسان بأن نؤدبه بما أمرنا به الله تعالى، وأما تفصيل هذه المفاهيم فيأتي في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2776.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج4، ص2778.
 
70
 

61

تهذيب الجوارح - اللسان

 خلاصة الدرس
 
إن للنفس الإنسانية في جهاد النفس مقامان، مقام الظاهر ومقام الباطن، والجهاد في كلا المقامين مختلف عن الاخر.

الكلام في الجوارح وأدبها هو كلام في مقام الظاهر، لأن جنود مقام الظاهر السبعة وهي: "الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل" جوارح الإنسان، وإن كانت مؤتمرة بأمر العقل والشهوة أو غيرها من قوى النفس إلا أنها هي الفاعلة وينسب لها العمل في مقام الظاهر. 

إن وظيفة المرء في هذا المقام تكون بحمل الظاهر على التأدب بأدب الشريعة من التنزيه لهذه الجوارح عما يخالف الأوامر الإلهية، وتحليتها بالخصال الحسنة والمحمودة.

حذرت الكثير من الروايات إلى الخطر الكبير الذي يسببه اللسان لصاحبه إذا لم يجعله مطواعاً لعقله، ففي الرواية الإمام علي: "زلة اللسان أشد هلاك".

إذا عرفنا مخاطر اللسان ومنافعه، لا بد وأن نبحث عن الضابطة التي تحدد لنا كيفية التحكم به وليس لنا في ذلك إلا أن نرجع لأئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين أناروا لنا الدروب المظلمة، ودلونا على الحيل التي ينتهجها الشيطان بغية إزالتنا عن الصراط المستقيم، وقد أشار أهل البيت عليهم السلام في هذا المضمار إلى أمرين أساسين:

1- أن يأتمر اللسان بأوامر العقل الذي جعله الله تعالى نبياً باطنياً في الإنسان.
 
71
 

62

تهذيب الجوارح - اللسان

2- أن يتأدب اللسان بما أمر الله تعالى به الإنسان من الأوامر وينتهي عما نهاه الله تعالى من المحرمات.
 
أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي مقامات النفس؟
2- ما الفرق بين مقامات النفس؟
3- تحت أي من مقامات النفس يندرج أدب الجوارح؟
4- لماذا حذر أهل البيت عليهم السلام من اللسان؟
5- ما هو الميزان في استخدام اللسان؟

للحفظ
 
عن الإمام السجاد عليه السلام في رسالة الحقوق: "حقّ‏ُ اللسان إكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم".

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "أمسك لسانك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك".

عن الإمام علي: "احبس لسانك قبل أن يطيل حبسك ويردي نفسك، فلا شي‏ء أولى بطول سجن من لسان يعدل عن الصواب ويتسرع إلى الجواب".
 
72
 

63

تهذيب الجوارح - اللسان

 إقرأ
 
كتاب تهذيب النفس‏

تأليف: الشيخ أحمد الحائري‏

عدد المجلدات (2)

يتمحور كتاب تهذيب النفس في جزئه الأول حول النفس، حيث يدخل الكاتب في بحث عميق حول النفس الإنسانية وقواها ومناشى‏ء الصفات فيها، يقول المؤلف في مقدمته على الكتاب:

منذ مدة كان التفكير في تسطير بعض الكلمات حول النفس وبنائها والسمو بها ولفت الأنظار إلى مكامن أخطارها، ومجال رفعتها الواسعة، وخباياها الدفينة التي منحها الله سبحانه إياها...

... إذن البدء من النفس ومن ثم الانطلاق إلى المحيط والمجتمع ، فربنا عز وجل يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وما أجمل ما قال الشاعر:

أقبل على النفس واستكمل فضائلها                فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ‏

وأما الجزء الثاني من الكتاب فقد جمع فيه الكاتب نصوصاً مختارة من الروايات الشريفة ومن الشعر والأدب حول النفس والهوى.

كتاب متخصص لمن يريد التوسع في معرفة النفس أو الترفيه عن نفسه بالشعر الأخلاقي المميز.
 
 
73

64

تهذيب الجوارح - اللسان

 للمطالعة
 
مكر الشيطان في الغيبة

كلام الشهيد الثاني رضوان الله عليه

"ومن أضرّ أنواع الغيبة، غيبة المتّسمين بالفهم والعلم المرائين فإنهم يفهمون المقصود إلى صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفّف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلينا بحب الريّاسة أو حبّ الدنيا أو بالتكيف بالكيفية الفلانية، أو يقول نعوذ بالله من قلّة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شي‏ء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسَمْتِ أهل الصلاح وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء، ودعوى الخلاص من الرذائل، وهو عنوان الوقوع فيها، بل في أفحشها ومن ذلك أنّه قد يُقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصّر في العبادات، ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبتلي به كلّنا وهو قلّة الصبر فيذكر نفسه بالذمّ، ومقصوده أن يذم غيره، وأن يمدح نفس بالتشبّه بالصالحين في ذمّ أنفسهم فيكون مغتاباً مرائياً، مزكّياً نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش، وهو يظنّ بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم والعمل من غير أن يتقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكائده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم.
 
 
74

65

تهذيب الجوارح - اللسان

 ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحانه الله ما أعجب هذا حتى يُصغي الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله، فيذكر الله سبحانه، ويستعمل اسمه الة في تحقيق خبثه وباطلة وهو يمنّ على الله بذكره جهلاً وغروراً ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلى بكذا، بل يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا، تاب الله عليه وعلينا، يظهر الدعاء له والتألم والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره، وهو بجهله لا يدري أنّه قد تعرّض لمقت أعظم مما يتعرّض له الجهّال إذا جاهروا بالغيبة.
ومن أقسامها الخفيّة الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة، فيزيد فيها، فكأنّه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الان ما كنت أعرف من فلان ذلك، يريد بذلك تصديق المغتاب، واستدعاء الزيادة منه باللطف، والتصديق لها غيبة، بل الإصغاء إليها، بل السكوت عند سماعها". انتهى كلامه رفع مقامه.
 
75
 

66

تهذيب اللسان

تقدَّم في الدرس السابق أن على الإنسان أن يجعل جوارحه الظاهرة ملتزمة بأحكام الشريعة طلبا لتزكية النفس في مقام الظاهر، وكان الحديث في جارحة اللسان وفائدته وخطره والكلام في هذا الدرس عن الأمور التي ينبغي تنزيه اللسان عنها.
 
نزه لسانك عن الغيبة
 
الغيبة هي ذكر عيوب الإنسان في غيبته للإنتقاص به. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبة حجة الوداع: "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إن الله حرم الغيبة كما حرم المال والدم"1.
 
إن تأكيد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على حرمة الغيبة في حجة الوداع التي تضمنت أهم التعاليم الأخلاقية، يدلل بشكل كبير على مدى خطورتها على الأخلاق الإنسانية، ولو تأملنا ما جاء من الأحاديث الشريفة التي تتحدث عنها لعلمنا مدى خطر هذه السيئة الكبيرة ومن هذه الروايات ما ورد عن أمير المؤمنين

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2328.
 
77
 

67

تهذيب اللسان

عليه السلام: "الغيبة آية المنافق"1، وعنه عليه السلام أيضاً: "الغيبة شر الإفك"2، وعنه عليه السلام أيضاً: "من أقبح اللؤم غيبة الأخيار"3.
 
وتكون الغيبة أخطر حينما تحمل فتنة بين المؤمنين، وكما في الرواية الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام: قال رجل لعلي بن الحسين: إن فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع، فقال له علي بن الحسين: "ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه!... إياك والغيبة فإنها إدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر من ذكر عيوب الناس شهد عليه الإكثار أنه إنما يطلبها بقدر ما فيه"4.
 
نزه لسانك عن الكذب‏
 
الكذب من أسوأ الذنوب التي يمكن للعبد أن يرتكبها، والكذاب يفقد ثقة الناس به لأن العلاقات الاجتماعية السليمة التي يبتغيها الناس هي العلاقات القائمة على الصدق، وقد كثرت الآيات والروايات التي تحذر من الكذب مبينة مبغوضيته عند الله تعالى، يقول الله تعالى: "إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ"5، وهذا ما أكدته الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان"6.
 
وفي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أعظم الخطايا اللسان الكذوب"7.

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2328.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2328.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2328.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2329.
5- النحل:105.
6- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2674.
7- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2672
 
 
78

68

تهذيب اللسان

 وعنه صلى الله عليه وآله: "إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلا من نتن ما جاء به"1.
 
وعن الإمام علي عليه السلام: "الكذب شين الأخلاق"2.
 
الاستخفاف بالكذب‏
 
هناك نماذج من الكذب قد يستخف بها الإنسان ويعتبرها غير سيئة وقد يعطيها تسميات لتخفيفها كاسم كذبة بيضاء أو كذبة أول نيسان... وقد أكد الإسلام على رفض ذلك وعدم استسهال الكذب بجميع مسمياته، وفي رواية عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وآله قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: "أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة"3.
 
حتى أن الروايات الشريفة أكدت على أن يكون الإنسان حريصاً فيما ينقل من الكلام الذي يسمعه من الآخرين فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "حسبك من الكذب أن تحدث بكل ما سمعت"4، وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لما سألته أسماء بنت يزيد: إن قالت إحدانا لشي‏ء تشتهيه: لا أشتهيه، يعد ذلك كذباً؟ قال صلى الله عليه وآله: "إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكذيبة كذيبة"5.

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2673.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2673.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2675.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2676.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2675.
 
79
 

69

تهذيب اللسان

 آثار الكذب‏

 
إن للكذب آثارا على الإنسان المسلم منها:
 
1- الحرمان من الهداية: فإن الكذب يحرمه من نعمة الهداية كما أشار القرآن الكريم لذلك، يقول الله تعالى: "إِنّ‏َ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ"1، "إِنّ‏َ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ"2.
 
2- ينبت النفاق: يقول الله تعالى: "فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ"3.
 
3- المهانة في الدنيا والآخرة: فعن الإمام علي عليه السلام: "ثمرة الكذب المهانة في الدنيا والعذاب في الآخرة"4، وأما سبب العذاب في الآخرة فلأن الكذاب سيظهر كذبه أمام الملأ، وسيجر إلى جهنم كما وعده الله تعالى، وأما المهانة في الدنيا لأن الكذب يذهب بهيبة الإنسان وبهائه، لأن الكاذب منبوذ بين الناس ويشيرون إليه بالأصابع لعدم ثقتهم به، وعن الإمام علي عليه السلام: "من عرف بالكذب قلت الثقة به، من تجنب الكذب صدقت أقواله"5.
 
4- قلة التوفيق من الله تعالى لأداء السنن: ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل"6.
 
5- نقصان الرزق: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: "الكذب ينقص الرزق"7، وعن الإمام علي عليه السلام: "اعتياد الكذب يورث الفقر"8.

1- الزمر:3.
2- الزمر:3.
3- التوبة:77.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2677.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2677.
6- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2678.
7- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2678.
8- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2678.
 
80
 

70

تهذيب اللسان

 نزه لسانك عن الفحش من القول‏
 
من العادات القبيحة التي لا ينبغي أن تكون في الإنسان المؤمن الفحش وبذاءة اللسان، والفحش هو أن يستعمل الإنسان الألفاظ القبيحة في السب والشتم وغيرها من المقالات السيئة، وقد ذم الله تعالى هذا الصنف من الناس في كتابه العزيز حيث قال: "عُتُلّ‏ٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم"1، ومعنى الآية الشريفة كما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "هو الفاحش اللئيم"2.
 
وقد وصفت الروايات الشريفة الإنسان الفاحش بأوصاف كثيرة منها:
 
أ- أنه مبغوض لدى الله تعالى ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش"3.
 
ب- السفيه، ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "أسفه السفهاء المتبجح بفحش الكلام"4.
 
ج- من أهل النار، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من خاف الناس لسانه فهو في النار"5.
 
د- من شر الناس، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عليه السلام: "إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه"6.
 
إلى أوصاف أخرى تدلل على مدى قبح هذه الصفة نسأل الله تعالى أن ينزهنا عن النقائص والعيوب إنه نعم الموفق والمعين.

1- القلم:13.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2377.
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2376.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2376.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2377.
6- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2377.
 
81
 

71

تهذيب اللسان

 خلاصة الدرس
 
إن تأكيد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على حرمة الغيبة في حجة الوداع التي تضمنت أهم التعاليم الأخلاقية، يدلل بشكل كبير على مدى خطورتها على الأخلاق الإنسانية.

إن الكذب من أخطر الذنوب، حتى ما يعد به الإنسان أطفاله ولا يأتيهم به يعد كذباً.

من اثار الكذب: الحرمان من الهداية، ينبت النفاق، المهانة في الدنيا والاخرة، ينقص الرزق.

من قبائح اللسان الفحش والبذاءة، والفحش هو أن يستعمل الإنسان الألفاظ القبيحة في السب والشتم وغيرها من الألفاظ القبيحة، وقد ذم الله تعالى هذا الصنف من الناس.

أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي اثار الغيبة؟
2- هل هناك كذب أبيض وأسود؟
3- ما هي اثار الكذب؟
4- ما المقصود من الفحش؟
5- بماذا وصف الفاحش في الروايات؟
 
 
82

72

تهذيب اللسان

 للحفظ
 
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه".

عن الإمام علي: "أسفه السفهاء المتبجح بفحش الكلام".

عن الإمام الصادق: "من خاف الناس لسانه فهو في النار".

إقرأ
 
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر

المؤلف: أبو الحسين ورَّام بن أبي فراس المالكي الأشتري.

والكتاب معروف باسم مجموعة ورَّام.

عدد المجلدات (2)

مجموعة ورام مجموعة قيمة ترجع إلى عالم عاش قريباً من عصر الغيبة الصغرى للإمام الحجة ب، ومن هنا كان لها هذا الاهتمام الكبير بين العلماء لما تمثله من تراث علمي مهم، وأما في موضوع الكتاب فهو يتعرض للمسائل الأخلاقية من خلال ما وقع بأيدي المؤلف من الأخبار ولم يرتبه على فصول وأبواب بل عنونه بعناوين متفرقة حيث تراه يتحدث عن الأشرار والفجار لينتقل لذكر فضيلة الصبر وهكذا.
 
83

إلا انه ورغم ذلك فإن الكتاب يعتبر أثراً مهماً في بابه لوثاقة مؤلفه ومكانته العلمية وما اشتهر به من التقوى والصلاح.

ومما يمتاز به هذا الكتاب أن فيه من القصص والأخبار والأشعار، التي تشير إلى الأخلاق الفاضلة عدداً كبيراً سيما في جزئه الثاني.
 

73

تهذيب اللسان

 للمطالعة
 
أسر الشهوات‏

من مواعظ الإمام الخميني في كتاب "الأربعون حديثاً":

إن الإنسان العاقل الروؤف بنفسه لا بد له من السعي واللجوء إلى كل سبيل لإنقاذ نفسه من الأسر، والنهوض أمام النفس الأمارة والشيطان الباطني، ما دامت الفرصة سانحة وقواه الجسدية سالمة وما دام أنه على قيد الحياة وفي صحة موفورة وفتوّة موجودة وأن قواه لم تتسخر كلياً، ثم يراقب حياته فترة من الوقت، ويتأمل في أحوال نفسه وأحوال الماضين، ويتمعن في سوء عاقبة بعضهم ويُفهم نفسه أن هذه الأيام القليلة تبلى، ويوقظ قلبه ويفهمه الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حيث خاطبنا قائلاً: "الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الاخِرَةِ" فلو إننا لم نزرع في هذه الأيام المعدودة، ولم نعمل عملاً صالحاً، لفاتتنا الفرصة، وإذا غشينا الموت، وحلّ العالم الأخر، لانقطعت أعمالنا جميعاً وذهبت امالنا نهائياً وإذا جاء ملك الموت ونحن لا نزال عبيد الشهوات وأسارى قيود أهواء النفس المتشعبة والعياذ بالله لكان من الممكن للشيطان أن يسرق إيماننا الذي هو غايته القصوى وأن يحتال ويتراءى أمام قلبنا بصورة نخرج من الدنيا ونحن أعداء الحق المتعالي والأنبياء والأولياء والله سبحانه أعلم ماذا وراء هذا الحجاب من الشقاوات والظلمات والوحشة؟.

فيا أيتها النفس الدنيئة ويا أيها القلب الساهي استيقظا وأنهضا أمام هذا العدو الذي ألجمكما منذ سنين وربطكما بأغلال الأسر وقادكما إلى كل جهة حيث يريد، ودفع بكما إلى كل عمل قبيح وسلوك بشع وأجبركما عليه وحطّما 
 
 
84

74

تهذيب اللسان

 هذه القيود، وكسَّرا هذه السلاسل.
وكن أيها الإنسان حراً، وادفع عن نفسك الذل والهوان، وضع في رقبتك طوق العبودية للحق جلّ جلاله حتى تتحرر من كل عبودية وترقى إلى السلطة الإلهية في العالمين.

أيها العزيز على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافأة وليس بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن، فلو تحررت من أسر النفس، وأصبحت عبداً للحق المتعالي، وجعلت القلب موحداً وأجليت مراة روحك من غبار النفاق والإثنينيّة، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق لشاهدت بعينك اثار ذلك في هذا العالم ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلاً لظهور السلطنة التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم "لا يَسعُني أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِن" ولشعرت غنى واضحاً في النفس، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية والمادية، ولأصبحت إرادتك قوية حيث لم تفكر في عالمي المُلك والملكوت ولم تجد لهما اللياقة لاحتضانك، بيت شعر:

هل رأيت تحليق الطير؟
انسلخ من أغلال الشهوة حتى ترى تحليق الإنسان!
 
85
 
 
 

75

تهذيب العين

 العين هي نعمة إلهية كبرى على الإنسان إذ يبصر بها ما حوله من المخلوقات والأشياء فيستثمرها، وبها يقرأ الكتب ويرى الآخرين ويرى جمال الكون وعجائبه، مع كل هذا قد تكون وبالاً على الإنسان في آخرته إذا لم يحسن استخدامها ضمن الحدود التي وضعها الله تعالى لها فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "كم من نظرة جلبت حسرة"1.
 
ارتباط العين بالقلب‏
 
إن كل ما تمعن به العين النظر لا بد وأن تنطبع صورته في عقل الإنسان وقلبه، ويترك آثارا في روحيته ونفسيته، حتى لو نسيه في فترات معينه، إلا أن آثاره الباطنية قد تبقى لتؤثر بشكل غير مباشر، أو لتتفعل في أوقات وظروف معينة، ولذا فإن هذا الأمر خطير على الإنسان، فالعين هي من أبواب حصن النفس، وفتح هذا الباب ليدخل منه كل صالح وطالح إلى النفس النظيفة سيتسبب بتلوثها، ولذا ورد عن الإمام علي عليه السلام: "العيون طلائع القلوب"2 ويقول تعالى في كتابه العزيز "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

1- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3289.
2- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3288.
 
87
 

76

تهذيب العين

 وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنّ‏َ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ‏َ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ‏َ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ‏َ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ‏َ عَلَى جُيُوبِهِنّ‏َ..."1.
 
النظر المحرَّم‏
 
وقد أكدت الكثير من الروايات الشريفة على خطورة هذا النظر على روح الإنسان المؤمن وقلبه، لدرجة أنها تفسد الإيمان وتنسي الآخرة والحساب، ففي الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة"2.
 
وعن الإمام الصادق: "يا بن جندب! إن عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه: إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه"3.
 
عواقب النظر المحرم‏
 
إن جزاء النظر المحرم عند الله تعالى شديد جدا بحيث أن بعض الروايات عبرت عن صور عجيبة للذي يملأ عينيه من النظر الحرام ومن هذه العواقب:
 
1- يملأ عينيه نار: ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "من ملأ عينه من حرام ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلا أن يتوب ويرجع"4.
 
2- الحسرة يوم القيامة: فعن الإمام علي عليه السلام: "كم من نظرة جلبت حسرة"5، والله أعلم بمقدار هذه الحسرة والندامة التي ستعتري الإنسان

1- النور:30-31.
2- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3288.
3- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3288.
4- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3291.
5- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3289.
 
88
 

77

تهذيب العين

 يوم القيامة حين يرى النعيم ويمنع منه لأجل نظرة إلى حرام.
 
3- الغضب الإلهي: فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "اشتد غضب الله عز وجل على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها"1.
 
آثار غض البصر
 
كما أن للنظر إلى الحرام عواقب قد ذكرنا بعضا منها فإن لغض البصر عن محارم الله تعالى آثارا حميدة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الآثار:
 
1- حلاوة العبادة: فإنّ‏َ الشيطان يسعى جاهدا ليوقع الإنسان في المحرمات، التي يسهل الوقوع بها تحت ضغط الشهوات، كالنظر المحرم، فعندما ينتصر الإنسان على شيطانه بعد جهاد النفس يجد حلاوة الانتصار من جهة ويزداد ايمانه رسوخاً وقلبه نوراً من جهة أخرى، كما يحصل للجيوش التي أنهكها التعب بعد انتصارها، وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "ما من مسلم ينظر امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله تعالى له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"2.
 
2- راحة القلب: ففي الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "من غض طرفه أراح قلبه"3، ولعل راحة القلب تأتي بسبب التخلص من هذا المرض القاتل للحسنات والذي يجر صاحبه إلى النار.
 
3- الحصانة: وهي تحفظ الإنسان عن الوقوع في الذنوب ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغض البصر، فإن البصر لا يغض عن محارم الله إلا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"4.

1- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3291.
2- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3292.
3- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3289.
4- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3293.
 
89
 

78

تهذيب العين

 كيف تعالج آفة النظر
 
إن الذي يحفظ الإنسان ويمنعه من الوقوع في النظرة الحرام، ويعيده إلى الصواب إذا وقع لا سمح الله في الإنحراف، هما أمران أساسيان:
 
1- تقوى الله: إن الارتباط بالله تعالى وتقوى الله تعالى هو الأمر الأساسي في حفظ الإنسان وابتعاده عن المحرمات، وقد تم التأكيد على تقوى الله في موضوع النظر وأمراضه، وعن أمير المؤمنين عليه السلام حينما سئل: بما يستعان على غمض البصر؟ فقال: "بالخمود تحت سلطان المطلع على سرِّك"1، فإن كنا عبادا لله تعالى فعلينا أن نقوم بواجبات العبودية من إطاعة أوامر الله تعالى والتجنب عما نهى عنه ومن ذلك غض البصر، وإن كنا عباداً لرغباتنا وشهواتنا ومتطلباتها "والعياذ بالله من أن نكون كذلك" فلنا حينئذ ما نشاء فقد خرجنا من دائرة العبودية لله تعالى إلى عبودية الشيطان وجنوده! ويصدق حينئذٍ قول إبليس "فَبِعِزَّتِكَ لأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِين إِلاَّ عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ"2.
 
2- الحياء: فالحياء حاجز آخر يقف أمام انحراف الإنسان، وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "الحياء شعبة من الإيمان"3، وعنه صلى الله عليه وآله: "إذا لم تستح فافعل ما شئت"4.

1- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري، ج4، ص3293.
2- ص:83.
3- مستدرك الوسائل، جزء 8، ص466.
4- نفس المصدر السابق.
 
90
 

79

تهذيب العين

 خلاصة الدرس
 
العين التي تعتبر نعمة إلهية كبرى على الإنسان إذ يبصر بها ما حوله من المخلوقات والأشياء فيستثمرها، قد تكون وبالاً عليه في اخرته إذا لم يحسن استخدامها ضمن الحدود التي وضعها الله تعالى لها فعن أمير المؤمنين علي: كم من نظرة جلبت حسرة.

لا بد من تأديب العين بتنزيهها عما يخالف الشريعة، وتأديبا بما يصلح لها في الاخرة ومن الأمور التي أكد الشرع الأقدس على تنزيه العين عنه، النظر المحرم بجميع أشكاله وصوره.

إن جزاء النظر المحرم عند الله تعالى شديد جدا وله عواقب وخيمة ومن هذه العواقب:
1- أن يملأ الله عينيه ناراً.
2- أن يغض الله تعالى عليه.
3- الحسرة يوم القيامة.

من اثار غض الطرف عن محارم الله تعالى:
1- حلاوة العبادة.
2- راحة القلب.
3- الحصانة.

يمكن معالجة افة النظر من خلال أمرين:
الأولى: تقوى الله تعالى.
الثانية: الحياء.
 
 
91

80

تهذيب العين

 أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي علاقة العين بالقلب؟
2- ما هي الأمور التي يحرم النظر إليها؟
3- ما هي اثار النظر المحرم؟
4- ما هي اثار غض البصر عن محارم الله تعالى؟
5- ما هو علاج افة النظر؟
 
للحفظ
 
"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنّ‏َ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ‏َ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ‏َ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ‏َ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ‏َ عَلَى جُيُوبِهِنّ‏َ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ‏َ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ‏َ أَوْ ابَائِهِنّ‏َ أَوْ ابَاءِ بُعُولَتِهِنّ‏َ أَوْ أَبْنَائِهِنّ‏َ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ‏َ أَوْ إِخْوَانِهِنّ‏َ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنّ‏َ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ‏َ أَوْ نِسَائِهِنّ‏َ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ‏َ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ‏َ لِيُعْلَمَ مَا يُخفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ‏َ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".
 
 
92

81

تهذيب العين

 إقرأ
 
كتاب: مكارم الأخلاق‏

المؤلف: الشيخ أبو نصر رضي الدين الحسن بن الفضل ابن الحسن الطبرسي.

عدد المجلدات (2)

حول الكتاب: إن مادة الكتاب تتعرض لشؤون حياة الفرد، ورسم خطوط عامة للاداب الدينية والأخلاقية للفرد المسلم، بأسلوب سهل بعيد عند التطويل الممل، وقد رتب بترتيب لطيف حتى اشتهر بين الناس من بين كتب المؤلف إذ لم يعهد عنه هذا الأسلوب السهل في كتاباته وهو العالم المتبحر في اللغة والتفسير وغيرها من علوم العربية ويشهد على ذلك تفسيره المشهور مجمع البيان.

ولعله لشدة بساطة أسلوبه وسهولة مادته لم تقتصر قراءة هذا الكتاب على العلماء والمتخصصين فقط، بل كان أكثر انتشار هذا الكتاب الذاخر بين عوام الناس وكانوا أشد تعلقا به واهتماما بمضمونه القيِّم، كتاب مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ه كتاب يستحق المطالعة.

للمطالعة
 
15- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2677.
من مواعظ الإمام الخميني في كتاب الأربعون حديثاً:

... ويجب على كل من يشك في حصول الوسوسة عنده، أن يكون مثل الناس
 
93
 

82

تهذيب العين

 العوام، في عرض عمله على العلماء والفقهاء، والاستفهام منهم بأنه هل ابتلي عمله بمرض الوسوسة أم لا؟ لأنه كثيراً ما يكون الإنسان الوسواسي غافلاً عن حاله ومعتقداً بأنه معتدل وأن الاخرين غير مكترثين بالدين ولكنه إذا فكّر قليلاً لوجد أن مصدر هذا الاعتقاد هو الشيطان وإلقاءاته الخبيثة، لأنه يرى بأن العلماء والفقهاء الكبار ومن الذين يؤمن بعلمهم وعملهم بل ويكونون مراجع المسلمين في أخذ مسائل الحلال والحرام منهم يعملون بما يُغاير عمله ولا يستطيع القول بأن الملتزمين غالباً والعلماء والفقهاء لا يحفلون بدين الله وأن الإنسان الوسواسي وحده يتقيد بالدين.
وعندما أدرك ضرورة إصلاح العمل دخل مرحلة العمل، والعمدة في هذه المرحلة عدم الاهتمام بالوساوس الشيطانية والأوهام التي تلقى عليه فمثلاً إذا كان مجتهداً ومبتلياً بالوسوسة في الوضوء فليتوضأ مع غَرفة واحدة رغم وسوسة الشيطان إن الشيطان يوسوس ويقول بأن هذا العمل ليس بصحيح ولكن يواجهه بأن عملي لو لم يكن صحيحاً لوجب أن لا يكون عمل رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام والفقهاء جميعاً صحيحاً لأن رسول صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين قد توضئوا في فترة طويلة تقرب من ثلاثمائة سنة، وكانت كيفية وضوء جميعهم واحدة فإذا كان عملهم باطلاً، فليكن عملي باطلاً أيضاً وإذا كنت مقلداً لمجتهد فأجب الشيطان بأنني أعمل على ضوء فتوى المجتهد فإذا كان وضوئي باطلاً فلا يؤاخذني ربي عليه، ولا تكون عليّ حجته.

وإذا أوقعك الشيطان الملعون في الشك قائلاً بأن المجتهد لم يقل هكذا فافتح رسالته العلمية وتأكد من صحة العمل، فإذا لم يعبأ بإلقاءاته عدة مرات وعملت على خلاف رأيه غدا ايساً منك ونرجو أن تكون المعالجة النهائية لمرضك كما ورد هذا المعنى في الأحاديث الشريفة:

فعن الكافي بإسناده عن زرارة وأبي بصير قالا: "قُلْنَا لَهُ: الرَّجُلُ يَشُكُ 
 
 
94

83

تهذيب العين

 كَثيراً في صَلاَتِهِ حَتَّى لا يَدْري كَمْ صَلّى وَلاَ مَا بِقِيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُعيدُ. قُلْنَا لَهُ: فَإِنَّهُ يَكْثُر عَلَيْهِ ذلِكَ، كُلَّمَا أَعَادَ شَكّ‏َ. قَالَ: يَمْضِي فِي شَكِّهِ، ثُمّ‏َ قال: لاَ تُعَوِّدُوا الخَبِيثَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بِنَقْضِ الصّلاةِ فَتُطْمِعوهُ فَإِنّ‏َ الشَّيْطَانَ خَبِيثٌ يَعْتَادُ لِمَا عُوِّدَ، فَلْيَمْضِ أَحَدُكُمْ فِي الوَهْمِ وَلاَ يُكْثِرَنّ‏َ نَقْضَ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذلِكَ مَرّاتٍ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الشَّكّ‏ُ. قَالَ زُرَارَةُ: ثُمّ‏َ قَالَ: إِنَّمَا يُريدُ الخَبيثُ أَنْ يُطاعَ فَإِذَا عُصِيَ لمْ يَعُدْ إِلَى أَحَدِكُمْ" .
وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قالَ: "إذا كَثُرَ عَلَيْكَ السَّهْوُ فَامْضِ فِي صَلاَتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ".

ومن الوضوح بمكان أنك إذا خالفت الشيطان فترة من الزمان، ولم تلق بالاً لوساوسه لانقطع طمعه عنك وعادت الطمأنينة والسكون إلى نفسك، ولكن في غضون أيام تصدّيك للشيطان تضرّع إلى ساحة الحق المتعالي والتجى إلى ذاته المقدس من شرّ ذاك الملعون وشر النفس، واستعذ بالله منه وهو يعينك عليه...
 
95
 

84

السمع - البطن

 عن الإمام السجاد: "وأما حق السمع، فتنزيهه عن أن تجعله طريقا إلى قلبك، إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيرا أو تكسب خلقاً كريماً، فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي به ضروب المعاني، على ما فيها من خير أو شر، ولا قوة إلا بالله"1.
 
يختصر الإمام السجاد عليه السلام في رسالة الحقوق في كلمات قليلة حق السمع الذي لا بد وأن نراعيه ولكنه يشير في أول كلامه عليه السلام إلى تأثير السمع في القلب، ومعرفة هذا التأثير يعتبره الإمام عليه السلام من أول الحقوق.
 
فهذا السمع في الحقيقة ما هو إلا باب إلى قلب الإنسان وعقله، وإن نفس العضو المختص بالسمع أي الأذن لا يملك مصفاة تصفي ما يصلح سماعه أم لا بل إنها تستقبل أي شي‏ء سواء كان حسنا أم قبيحاً.
 
ومن هنا يأتي دور الإنسان، فعليه أن يتحكم بما يسمعه من خلال تواجده في الأماكن التي لا يضطر فيها لسماع أمر غير مرغوب فيه، أو على الأقل عدم الإصغاء له.
 
فما هو المطلوب أن ننزه أسماعنا عنه؟ هناك الكثير من الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها، والكثير من الانحرافات التي ينبغي تنزيه الأذن عن سماعها، ولكن سنشير إلى أمر يعتبر من أخطر المحرمات على الأذن وهو استماع الغناء.

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج11، ص156.
 
97
 

85

السمع - البطن

 نزه سمعك عن الغناء
 
والغناء هو ترجيع الصوت على الوجه المناسب لمجالس اللهو، وهو من المعاصي ويحرم على المغني والمستمع، وأما الموسيقى فهي العزف على آلاتها، فإن كانت بالشكل المتعارف في مجالس اللهو والعصيان فهي محرمة على عازفها وعلى مستمعها أيضاً1.
 
فالغناء من المحرمات التي جاء بها الكتاب يقول الله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ‏َ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ"2، وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الآية 3.
 
وفي رواية أخرى سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول: الغناء يورث النفاق، ويعقب الفقر4.
 
كما أنه يحرم الاستماع للغناء فإنه لا يجوز الحضور في مجلس الغناء والموسيقى المطربة اللهوية المناسبة لمجالس اللهو والعصيان إذا أدى ذلك للاستماع إليها أو إلى تأييدها 5.
 
أثر الغناء على القلب‏
 
إن لكل عمل يقوم به الإنسان أثر على قلبه، ويتبع الأثر في حسنه أو قبه طبيعة العمل فإن كان العمل طاعة لله تعالى كان الأثر إيجابياً وحسناً ويجلب توفيقا من الله تعالى، ولكن الطامة الكبرى في أثر الأعمال الناشئة من حب الدنيا الذي يعتبر أساس كل المعاصي ومنه الغناء وغيره يقول الإمام الخميني

1- أجوبة الإستفتاءات - السيد علي الخامنئي، ج2، ص23.
2- لقمان:6.
3- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج71، ص304.
4- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج71، ص309.
5- أجوبة الإستفتاءات - السيد علي الخامنئي، ج2، ص119.
 
 
98

86

السمع - البطن

 قدس سره: "اعلم أن ما تناله النفس من حظ في هذه الدنيا، يترك أثراً في القلب، وهو من تأثير الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلقه بالدنيا. وكلّما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بها وحبه لها، إلى أن يتجه القلب كُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد، إن جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحب للدنيا والتعلق بها"1، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "حُبّ‏ُ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلّ خَطِيئَةٍ"2.
 
وللاستماع إلى الغناء أثر كبير على القلب الذي يهم السالكين إلى الله تعالى أن يبقى أبيضَ ناصعاً غير ملوث بأكدار المعاصي، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: إياكم واستماع المعازف والغناء، فإنهما ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل3.
 
والبقل مع وجود الماء ينمو بسرعة كبيرة جداً وكذلك النفاق في القلب الذي يدخل إليه الغناء فإنه ينبت فيه النفاق بسرعة كبيرة أيضاً.
 
 
البطن
 
الطعام في الأصل هو ضرورة حياتية للإنسان، وقد جعل الله تعالى في الإنسان شهوة الطعام التي تدفع الإنسان نحو الأكل وبالتالي يتم تأمين حاجة البدن من الطعام بشكل يضمن بقاءه حياً.
 
ولكن عندما يذهب الإنسان بعيدا في إشباع الغريزة التي تدعوه لتناول الأطعمة ويصبح الأكل الهم الأكبر لديه، فهنا ينحرف الإنسان عن الخط الذي أراده الله تعالى له، فيتحول من إنسان أراده الله تعالى للعبادة التي تحقق

1- الأربعون حديثاً - الإمام الخميني قدس سره - الحديث السادس.
2-الخصال-الصدوق-ص25
3- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج3، ص2312.
 
99
 

87

السمع - البطن

 السعادة إلى بهيمة هائمة لا ترى إلا علفها، ومن هنا جاء الإسلام ليحافظ على إنسانية الإنسان من خلال التشريعات التي تقنن عليه بعض الأنواع من الطعام التي ليس فيها صلاح له ولتأديبه بآداب تخلص نتيجتها إلى أن يأكل الإنسان ليعيش لا أن يعيش ليأكل.
 
نزه بطنك عن الحرام‏
 
إن الذي يتأمل فيما ورد عن الأئمة عليهم السلام، من الأحاديث ليجد حرصا كبيراً على حليَّة، ما يدخل في جوف الإنسان المؤمن ففي الحديث عن الإمام السجاد: "وأما حق بطنك، فأن لا تجعله وعاء لقليل من الحرام ولا لكثير، وأن تقتصر له في الحلال، ولا تخرجه من حد التقوية إلى حد التهوين وذهاب المروة، وضبطه إذا هم بالجوع والظمأ، فإن الشبع المنتهي بصاحبه مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بر وكرم، وأن الري المنتهي بصاحبه إلى السكر، مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروة"1.
 
إذا هناك العديد من الأمور التي أمرنا الله تعالى أن ننزه أنفسنا عنها ومنها:
 
1- الخمر: 
 
يقول الله تعالى: "يأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"2.
 
فالخمرة هي أم الخبائث، وهي من المحرمات الكبار التي تذهب بعقل الإنسان فيخسر دنياه وتعرضه لسخط الجبار فيخسر الآخرة وهذا هو الخسران المبين، ولقد وردت الروايات الكثيرة التي تنهى الإنسان عن تناول هذه المسكرات، ومما يفهم من بعض هذه الروايات أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله،

1- ميتدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج11، ص157.
2- المائدة:90.
 
100
 

88

السمع - البطن

 تشدد في عزل شارب الخمر اجتماعيا فأمر بمقاطعته فلا يزوج ولا يؤتمن ففي الرواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: من ائتمن شارب الخمر على أمانة بعد علمه فليس له على الله ضمان ولا أجر له ولا خلف 1.
 
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: شارب الخمر لا يزوج إذا خطب2.
 
ومن جهة أخرى فقد صورت الروايات شارب الخمر في يوم القيامة بصور مرعبة ومقززة ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: يأتي شارب الخمر يوم القيامة مسودا وجهه مدلعا لسانه، يسيل لعابه على صدره، وحق على الله أن يسقيه من (بئر خبال) قال: قلت: وما بئر خبال؟ قال: بئر يسيل فيها صديد الزناة3.
 
وفي رواية أخرى عن إمامنا الصادق: شارب الخمر يأتي يوم القيامة مسودا وجهه مائلا شفته مدلعا لسانه، ينادي العطش العطش4.
 
2- الربا:
 
"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ‏ِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلّ‏َ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا"5. الربا في القرض هو الإقراض مع اشتراط الفائدة، وقد حارب الإسلام الربا وعده من المكاسب المحرمة، فمال الربا مال حرام واكله آكل للمال الحرام، والسالك إلى الله تعالى لا بد له من أن يحرص على أن لا يشوب لحمه ودمه المال الحرام، فإن ذلك من الموانع التي تقف في طريق الإنسان للوصول إلى الله تبارك وتعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: شر المكاسب كسب الربا.

1- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج91، ص84.
2- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج20، ص79.
3- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج52، ص297.
4- المصدر السابق.
5- البقرة:275.
 
101
 

89

السمع - البطن

 3- المال الحرام: 
 
المقصود به كل مال أخذ من غير ما أحله الله، كالمال الذي يجنيه بائع المحرمات كأشرطة الغناء والخمر، وكأكل أموال اليتامى ظلماً، يقول الله عز وجل: "إِنّ‏َ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" 1.
 
ومن المال الحرام أيضاً غش الناس في التجارات والبيع يقول الله تعالى: "وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"2.
 
ويقول في آية أخرى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنّ‏َ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً"3.
 
فيا أيها السالك إلى الله تعالى احذر كل الحذر من المال الحرام أن يدخل إلى بطنك أو يمتزج بلحمك ودمك لأن ذلك يزيد من الحجب بينك وبين ربك، ويجعلك تسير إلى وديان جهنم لا إلى الله تعالى وستكون من الأخسرين أعمالا والعياذ بالله: "الَّذِينَ ضَلّ‏َ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا"4.
 
خلاصة الدرس
 
السمع باب إلى قلب الإنسان وعقله، وإن نفس العضو المختص بالسمع أي

1- الوجيز في الفقه الإسلامي، ص57.
2- النساء:10.
3- البقرة:188.
4- النساء:29.
 
102
 

90

السمع - البطن

الأذن لا يملك مصفاة تصفي ما يصلح سماعه أم لا بل إنها تستقبل أي شي‏ء سواء كان حسنا أم قبيحاً.
إن لكل عمل يقوم به الإنسان أثر على قلبه، ويتبع الأثر في حسنه أو قبحه طبيعة العمل فإن كان العمل طاعة لله تعالى كان الأثر إيجابياً وحسناً ويجلب توفيقاً من الله تعالى، ولكن الطامة الكبرى في أثر الأعمال الناشئة من حب الدنيا الذي يعتبر أساس كل المعاصي ومنه الغناء.

الطعام في الأصل هو ضرورة حياتية للإنسان، وقد جعل الله تعالى في الإنسان شهوة الطعام التي تدفع الإنسان نحو الأكل وبالتالي يتم تأمين حاجة البدن من الطعام بشكل يضمن بقاءه حياً، ولكن عندما يذهب الإنسان بعيداً في إشباع الغريزة التي تدعوه لتناول الأطعمة ويصبح الأكل الهم الأكبر لديه، فهنا ينحرف الإنسان عن الخط الذي أراده الله تعالى له، فيتحول من إنسان أراده الله تعالى للعبادة التي تحقق السعادة إلى بهيمة هائمة لا ترى إلا علفها.

يجب تنزيه البطن عن عدة أمور: الخمر، الربا، المال الحرام.

أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي العلاقة بين السمع والقلب؟
2- ما هو أثر الغناء على النفس الإنسانية؟
3- عما ينبغي تزيه بطن الإنسان؟
4- أعطي مثالا عن المال الحرام؟
5- ما هو أثر الخمر على الحياة الإنسانية والمجتمعات؟
 
 
103

91

السمع - البطن

 إقرأ
 
كتاب أخلاق أهل البيت

تأليف السيد مهدي الصدر

هو كتاب غني إذ يشكل طبقا دسما من الثقافة لمن ينشدها لتنوع وسعة الأمور التي عالجها وقد قسمه المؤلف إلى قسمين القسم الأول في الأخلاق العامة حيث تحدث فيه عن الكثير من الصفات النفسية الحسنة والسيئة وعلاجها وأما القسم الثاني فإنه جعله للحقوق وضمن فيه العناوين التالية:

الحقوق الإلهية، حقوق النبي، حقوق العلماء، حقوق الأساتذة والطلاب، حقوق الوالدين والأولاد، الحقوق الزوجية، الحقوق المزيفة، حقوق الأقرباء، حقوق الأصدقاء، حقوق الجوار، الحاكمون وواجباتهم، حقوق الجسد، حقوق النفس.

وتحت كلّ‏ٍ من هذه العناوين الرئيسة عناوين فرعية.

للحفظ
 
"يا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنّ‏َ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً".

"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ‏َ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِين".
 
 
104
 
 
 

92

السمع - البطن

 عن الإمام السجاد: "وأما حق السمع، فتنزيهه عن أن تجعله طريقا إلى قلبك، إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيرا أو تكسب خلقا كريما، فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي به ضروب المعاني، على ما فيها من خير أو شر، ولا قوة إلا بالله".
 
للمطالعة
 
الرجاء والغرور

من مواعظ الإمام الخمينيه في كتاب "الأربعون حديثاً":

ولكن أيها العزيز كن على حذر، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور. فقد تكون مغتراً وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إن من السهل التمييز بين الحالين في مباديهما أنظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنّك من أهل الرجاء فهي إمّا أن تكون ناشئة من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل منها، وإمّا أن تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة. وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضاً، أمكنك التمييز من خلال الاثار فإذا كان الإحساس بعظمة الله في القلب وكان قلب المؤمن محاطاً برحمة ذاته المقدسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة. لأن تعظيم العظيم المُنعم وعبادته من الأمور الفطرية التي لا خلاف فيها.

وإذا لم تكن في أداء واجبات العبودية، وفي بذل الجُهد والجدّ في الطاعة والعبادة معتمداً على أعمالك، ولم تحسب لها حساباً، وكنت املاً رحمة الله وفضله وعطائه، ووجدت نفسك مستحقاً للّوم والذم والسخط والغضب بسبب أعمالك ولم تعتمد إلاّ على رحمة الجواد المطلق فأنت من أهل الرجاء فاشكر الله تبارك وتعالى، واطلب من ذاته المقدسة أن يثبّت ذلك في قلبك، 
 
 
105

93

السمع - البطن

 ويمنحك أعلى منه مقاماً.
أما إذا كنت لا سمح الله متهاوناً في أوامر الحق تعالى ومستحقراً ومستهيناً لتعاليمه، فاعلم أنه الغرور الحاصل في قلبك وأنه من مكائد الشيطان، ومن نفسك الأمّارة بالسوء فلو امنت بسعة الله ورحمته وعظمته. لظهر أثر ذلك فيك إن المدعي الذي يخالف عمله دعواه يكذب نفسه بنفسه والشواهد على هذا في الأحاديث المعتبرة كثيراً.

ففي الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِالله قالَ: "قُلْتُ لَهُ: قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالمَعَاصِي وَيَقولُونَ نَرْجُو فَلاَ يَزَالونَ كَذلِكَ حَتّى يَأْتِيَهُمُ المَوْتُ. فقَالَ: هؤُلاَء قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِي. كَذَّبُوا لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنّ‏َ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْ‏ءٍ هَرَبَ مِنْهُ".

وبهذا المضمون رواية أخرى في كتاب الكافي الشريف:

"وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي سَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْداللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: لاَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَتّى يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً وَلاَ يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً حَتّى يَكُونَ عَامِلاً لِمَا يَخَافُ وَيَرْجُو".

قال بعضهم: إنّ مَثَلَ من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو رضوانه مَثَلُ من يرجو المسبِّب دون أن يُعِدَّ الأسباب، وَمَثَلُ الفلاّح الذي ينتظر الزرع من دون أن يبذر الأرض أو يهتم بها وبإروائها أو يقضي على موانع الزرع، إن مثل هذا الانتظار لا يسمى بالرجاء، بل هو بله وحماقة، وإن مَثَلُ من لم يُصلح أخلاقه أو لم يبتعد عن المعاصي فينهض بأعمال راجياً تزكية نفسه، مَثَلُ من يودع البذر في أراضي سبخة، ومن الواضح أن هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخاة.

فإذا نظف العبد قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات 
 
106
 

94

السمع - البطن

 وسباختها، وبذر فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، وخلصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالها التي تعد بمثابة الأعشاب الضارة العائقة لنمو الزرع، ثم انتظر ربه المتعالي ورجاه أن يثبّته على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير كان هذا الرجاء مستحسناً كما يقول الحق المتعالي:
"إِنّ‏َ الَّذِينَ امَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّه".
 
 
107

95

تهذيب اليد والرجل

 الإمام السجاد زين العابدين: ... وأما حق يدك، فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك بما تبسطها إليه من العقوبة في الأجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها، وتبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل، وجب لها حسن الثواب من الله في الأجل1.
 
إن اليد كغيرها من الجوارح التي خلقها اللَّه تعالى لما فيه فائدة الإنسان فباليد يسعى الإنسان للعمل وبها يجاهد في سبيل الله ويحمي نفسه وأرضه وعرضه وباليد يتناول الأشياء... إلى الكثير من الفوائد الأخرى.
 
إلا أن اليد كما يمكن الاستفادة منها في الأمور التي تصب في صالح الإنسان، فإنه يمكن أن تكون سببا لدخوله في حلقة العاصين المتعرضين لسخط الملك الجبار، من هنا فلا بلد للالتفات لليد وتهذيبها حتى تكون بكل أعمالها وحركاتها وسكانتها لله رب العالمين.

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج11، ص156.
 
109
 

96

تهذيب اليد والرجل

 عن ماذا ننزه اليد؟
 
لقد حرم الشارع المقدس على يد الإنسان أمورا وأوعد عليها النار، لما لهذه الأمور من أثر سلبي على النفس وعلى المحيط والمجتمع ومن هذه الأمور التي حرمها الشارع:
 
1- السرقة: وقد أشار الإمام الرضا عليه السلام إلى سبب تحريمها في حيث قال: "حرم الله السرقة لما فيه من فساد الأموال وقتل النفس لو كانت مباحة، ولما يأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد، وما يدعو إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب، واقتناء الأموال إذا كان الشي‏ء المقتنى لا يكون أحد أحق به من أحد"1.
 
والسرقة لا تتوقف عند مد اليد على المال الموجود عند الآخرين وأخذه بل يشمل كل حق في مال الإنسان لا يخرجه، ومن هذه الحقوق ما أشارت إليه الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "السراق ثلاثة: مانع الزكاة، ومستحل مهور النساء، وكذلك من استدان ولم ينوِ قضاءه"2.
 
2- الاعتداء على الغير: لم يترك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت ومناسبة إلا وتحدثوا فيها عن العلاقات الطيبة بين الأخوة في الدين لكيلا يتحول المجتمع الإسلامي الأخلاقي المنسجم المترابط إلى حلبة للمصارعة والتضارب بين كل غاضب أو ذي قوة متسلط يستعرض بين الناس قوته وبطشه، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "... ألا ومن لطم خد امرى مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة، وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب"3.

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1298.
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1299.
3- مكاتيب الرسول - الأحمدي الميانجي، ج2، ص149.
 
110
 

97

تهذيب اليد والرجل

 3- الإضرار بالآخرين: عن الإمام الرضا عليه السلام عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله: "ليس منا من غش مسلما أو ضره أو ماكره"1.
 
4- اللمس المحرم: أي لمس الأجنبية بالمصافحة أو غيرها، وقد ورد في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "من صافح امرأة تحرم عليه، فباء بسخط من الله"2.
 
اليد طريق للآخرة:
 
بعد أن تحدثنا عن بعض الأمور التي ينبغي تهذيب النفس عنها، نشير الأمور التي يكتسب فيها المؤمن آخرته من خلال يده، ومن هذه الأمور:
 
1- الجهاد في سبيل الله: يقول تعالى: "يَا أيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ"3 حيث أن الله علق حصول الفلاح على الجهاد.
 
وكذلك أكدت روايات المعصومين عليهم الصلاة والسلام على أهميته ففي الرواية عن أمير المؤمنين: "فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو درع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء"4.
 
2- الصدقة: والصدقة من المستحبات الأكيدة، ولها أجر كبير عند الله تعالى إذا كانت بإخلاص له عز وجل ومن آثار الصدقة أنها:
 
أ- تظل المؤمن من حر يوم القيامة ففي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: أرض القيامة نار، ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظله5.
 
ب- تدفع البلاء ففي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "الصدقة تدفع

1- مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي، ج6، ص457.
2- الأمالي - الشيخ الصدوق، ص515.
3- المائدة:35.
4- نهج البلاغة، ج1، الخطبة27.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1594.
 
111
 

98

تهذيب اليد والرجل

 البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد ابرم إبراماً، ولا يذهب بالأدواء إلا الدعاء والصدقة"1.
 
ج- تخلف البركة: ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة"2.
 
يبقى أن نشير إلى أن من أفضل الصدقات هي الصدقات التي تستبطن الإيثار ومثلنا الأعلى في ذلك أئمتنا الأطهار عليهم السلام، فقد أنزل الله تعالى في مدحهم سورة الدهر حيث قال عز من قائل: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً"3.
 
وفي الحديث عن الإمام الصادق: "إن صاحب الكثير يهون عليه ذلك، وقد مدح الله عزَّ وجل صاحب القليل فقال: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحّ‏َ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"4.
 
تهذيب القدم‏
 
إن القدمان اللتان أنعم الله تعالى بهما على الإنسان، واللتان تحملان الإنسان إلى مقاصده، فيسير بهما في أرض الله باحثا عن الرزق أو ساعياً في قضاء الحوائج، كغيرها من الجوارح التي تحدثنا عنها كاللسان والعين، فإنها مثلهما لا بد وأن تكون تحت سيطرة العقل الذي أدرك لزوم طاعة الله، واتباع الرسالة الإلهية، وما لم تكن كذلك فإن هذه القدم ستورد صاحبها النار أو تعرضه لسخط الجبار والعياذ بالله من غضبه، كما يمكن لها أن تورده الجنة

1- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1595. 
2- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1597.
3- الدهر/ الإنسان:8-9.
4- الحشر:9.
 
112
 

99

تهذيب اليد والرجل

 لو التزمت بما أملاه الشرع عليها من الحدود، فما هي الحدود الشرعية لهذه الجارحة، وما هي المحذورات التي ينبغي التنبه لها والابتعاد عنها؟
 
القدم والمعاصي
 
هناك الكثير من النواهي المتعلقة باستخدام الإنسان للقدم، تعرضت لها الشريعة ومن هذه الأمور:
 
1- المشي في خدمة الظلمة: إن تكثير أنصار الظالم هي تقوية له ومشاركة في ظلمه الذي يرتكبه بحق الناس، ولذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "من مشى مع ظالم فقد أجرم"1.
 
2- المشي لأصحاب البدع: لأن المشي إليهم هو دعم وتقوية لهم على المستوى العام، وهو يؤثر على الفرد أيضاً ويمكن أن يتسبب بانحرافه، لما يأتونه بأفكار ومشاريع لا تنسجم مع الدين، والأخلاقيات، ومن هنا جاء في الرواية عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: "من مشى إلى صاحب بدعة فوقره فقد مشى في هدم الإسلام"2.
 
القدم والطاعات‏
 
القدم أيضاً هي نعمة إلهية خلقها الله تعالى لتكون أداة إضافية يستفيد منها الإنسان ويعمر آخرته، فكيف تكون القدم أداة عمار الآخرة؟ يكون ذلك من خلال أمور كثيرة نشير إلى بعضها:
 
1- المشي إلى المساجد: إن للمسجد دوراً أساسياً ومحورياً في حياة الإنسان المؤمن، ومعلَم ومنطلق لحياة المجتمع الإسلامي، حتى نسبها الله تعالى إليه، يقول تعالى "وَأَنّ‏َ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً"من هنا كان

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج31، ص125. 
2- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج61، ص268.
3- الجن:18.
 
113
 

100

تهذيب اليد والرجل

 التأكيد على المشي إلى المساجد، ومن الروايات التي تتحدث عن فضله ما ورد عن الإمام أبي عبد الله الصادق، أنه قال: "عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهراً طهره الله من ذنوبه وكتب من زواره فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء"1.
 
2- المشي لقضاء حاجة المؤمن
 
والمشي في قضاء حوائج المؤمنين من أعظم العبادات وفضلها عظيم عند الله تعالى ففي الرواية عن الإمام الصادق: "من مشى مع أخيه المسلم في حاجته كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة"2.
 
وفي رواية أخرى عن النبي ا  لأكرم، قال: "من مشى إلى أخيه بدين ليقضيه إياه فله به صدقة"3.
 
3- المشي لزيارة المراقد المطهرة: وقد وردت فيها الروايات الكثيرة منها ما عن الإمام الرضا عليه السلام: "ما زارني أحد من أوليائي عارفا بحقي إلا تشفعت له يوم القيامة"4.
 
وعنه: "من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة، ومحى عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة..."5.
 
4- المشي في الجنائز: عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام: "من مشى مع جنازة حتى يصلى عليها ويرفع كان له قيراط من الأجر فإذا مشى معها حتى تدفن كان له قيراطان والقيراط مثل جبل أحد"6.

1- بحار الأنوار، ج80، ص384. 
2- مختلف الشيعة - العلامة الحلي، ج4، ص197.
3- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري، ج7، ص263.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري، ج2، ص1199.
5- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي، ج41، ص440.
6- المعتبر - المحقق الحلي، ج1، ص333.
 
114
 

101

تهذيب اليد والرجل

 من مات ماشياً في طاعة الله تعالى‏
 
ليس للموت موعد مسبق وهو الذي يدهم الناس فجأة بدون إذن فما مصير من أدركه الموت وهو يمشي في طاعة من طاعات الله سبحانه وتعالى؟
 
يقول أمير المؤمنين: "ضمنت لستة الجنة: رجل خرج بصدقة فمات فله الجنة، ورجل يخرج يعود مريضا فمات فله الجنة ورجل خرج مجاهدا في سبيل الله فمات فله الجنة، ورجل خرج حاجا فمات فله الجنة ورجل خرج إلى الجمعة فمات فله الجنة ورجل خرج في جنازة فمات فله الجنة"1.
 
ولكن المصيبة بل كل المصيبة أن يدركنا الموت ونحن على معصية الله تعالى والعياذ بالله نسأله تعالى حسن العاقبة وحسن الخاتمة.
 
خلاصة الدرس
 
إن اليد كغيرها من الجوارح التي خلقها الله تعالى لما فيه فائدة الإنسان فباليد يسعى الإنسان للعمل وبها يجاهد في سبيل الله ويحمي نفسه وأرضه وعرضه وباليد يتناول الأشياء... إلى الكثير من الفوائد الأخرى.
 
إلا أن اليد كما يمكن الاستفادة منها في الأمور التي تصب في صالح الإنسان، فإنه يمكن أن تكون سببا لدخوله في حلقة العاصين المتعرضين لسخط الملك الجبار.
 
ينبغي تنزيه اليد عن أمور: السرقة، الاعتداء على الغير، الإضرار بالمؤمنين، اللمس المحرم.

1- وسائل الشيعة (الإسلامية) - الحر العاملي، ج8، ص251.
 
115
 

102

تهذيب اليد والرجل

 من الأمور التي يكتسب فيها المؤمن اخرته من خلال يده: الجهاد، والصدقة.
إن القدمين التي أنعم الله تعالى بهما على الإنسان لا بد وأن تكون تحت سيطرة العقل الذي أدرك لزوم طاعة الله، واتباع الرسالة الإلهية، وما لم تكن كذلك فإن هذه القدم ستورد صاحبها النار أو تعرضه لسخط الجبار.

من الأمور التي ينبغي تنزيه القدم عنها: المشي في خدمة الظلمة، المشي لأصحاب البدع.

من الأمور التي ينبغي المشي فيها: المشي إلى المساجد، المشي في الجنائز، المشي في قضاء حوائج المؤمنين، المشي إلى زيارة المراقد المطهرة.
 
أسئلة حول الدرس
 
1- كيف يمكن أن تسبب اليد بدخول صاحبها إلى النار؟
2- أذكر بعض الأمور التي ينبغي أن يكتسب بها الإنسان اخرته من خلال يده؟
3- ما هي الاثار المترتبة على الصدقة؟
4- ما هي الأمور التي ينبغي تنزيه القدم عنها؟
5- أذكر بعض الأمثلة عن المشي العبادي.
 
 
116

103

تهذيب اليد والرجل

 للحفظ
 
الإمام السجاد زين العابدين: "... وأما حق يدك، فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك بما تبسطها إليه من العقوبة في الاجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها، وتبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل، وجب لها حسن الثواب من الله في الاجل".

ورد عن الإمام أبي عبد الله الصادق، أنه قال: "من مشى إلى المسجد، لم يضع رجلا على رطب ولا يابس، إلا سبحت له إلى الأرضين السبعة".
 
إقرأ
 
كتاب الأخلاق البيتية

تأليف الأستاذ مظاهري‏

كتاب الأخلاق البيتية من الكتب المهمة التي تعالج مشكلة الأخلاق داخل الأسرة خصوصاً بين الزوج والزوجة، ينقسم الكتاب إلى اثني عشر فصلاً ومن العناوين المهمة في هذا الكتاب:

تأثير المال الحرام على الأسرة، البخل في المعيشة، تهذيب النفس، مقام الصبر، المحبة والرحمة في البيت، الضرب والبذاءة، المراء والجدال، العناد،
 
 
117

104

تهذيب اليد والرجل

الهدية وأثرها في البيت، الحاجة العاطفية والمعنوية في البيت، تطفل الاباء والأمهات، العفو والصفح، سوء الظن، منشأ سوء الظن، علائم الوسواس، الكسل والخمول.
فهذه الأخلاقيات وغيرها جمعها كتاب لطيف سهل القراءة والعبارة حري بكل زوجين أن يقراه، وهو الأخلاق البيتية.
 
 
 
للمطالعة
 
اليقظة من الغفلة

من مواعظ الإمام الخميني قدس سره في كتاب "الأربعون حديثاً":

اعلم إذاً، أيها العزيز، أن أمامك رحلة خطرة لا مناص لك منها، وأن ما يلزمها من عدّة وعدد وزاد وراحلة هو العلم والعمل الصالح. وهي رحلة ليس لها موعد معين، فقد يكون الوقت ضيقاً جداً، فتفوتك الفرصة. إن الإنسان لا يعلم متى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فوراً. إن طول الأمل المعشعش عندي وعندك الناجم من حب النفس ومكائد الشيطان الملعون ومغرياته، تمنعنا من الاهتمام بعالم الاخرة ومن القيام بما يجب علينا. وإذا كانت هناك مخاطر وعوائق في الطريق، فلا نسعى لإزالتها بالتوبة والإنابة والرجوع إلى طريق الله، ولا نعمل على تهيئة زاد وراحلة، حتى إذا ما أزف الوعد الموعود اضطررنا إلى الرحيل دون زاد ولا راحلة. ومن دون العمل الصالح، والعلم النافع، اللذان تدور عليهما مؤونة ذلك العالم، ولم نهيى‏ء لأنفسنا شيئاً منهما. حتى لو كنا قد عملنا عملاً صالحاً، فإنه لم يكن خالصاً بل مشوباً بالغش، ومع الاف من موانع
 
 
118

105

تهذيب اليد والرجل

  القبول وإذا كنا قد نلنا بعض العلم ، فقد كان علماً بلا نتيجة وهذا العلم إما أنْ يكون لغواً وباطلاً، وإما أنه من الموانع الكبيرة في طريق الاخرة. ولو كان ذلك العلم والعمل صالحين، لكان لهما تأثير حتمي وواضح فينا نحن الذين صرفنا عليهما سنوات طوالاً، ولغيّرا من أخلاقنا وحالاتنا. فما الذي حصل حتى كان لعملنا وعلمنا مدة أربعين أو خمسين سنة تأثير معكوس بحيث أصبحت قلوبنا أصلب من الصخر القاسي؟ ما الذي جنيناه من الصلاة التي هي معراج المؤمنين؟ أين ذلك الخوف وتلك الخشية الملازمة للعلم؟ لو أننا أجبرنا على الرحيل ونحن على هذه الحال لا سمح اللَّه لكان علينا أن نتحمل الكثير من الحسرات والخسائر العظيمة في الطريق، مما لا يمكن إزالته!.
إذاً، فنسيان الاخرة من الأمور التي يخافها علينا وليّ الله الأعظم، الإمام أمير المؤمنين د، ويخاف علينا من الباعث لهذا النسيان وهو طول الأمل، لأنه يعرف مدى خطورة هذه الرحلة، ويعلم ماذا يجري على الإنسان الذي يجب أن لا يهدأ لحظة واحدة عن التهيؤ وإعداد الزاد والراحلة، عندما ينسى العالم الاخر، ويستهويه النوم والغفلة من دون أن يعلم أن هناك عالماً اخر، وأن عليه أن يسير إليه حثيثاً. وماذا سيحصل له وما هي المشاكل التي يواجهها؟

يحسن بنا أن نفكر قليلاً في سيرة أمير المؤمنين والنبي الكريم صلّى اللَّه عليه واله وسلم، وهما من أشرف خلق اللَّه ومن المعصومين عن الخطأ والنسيان والزلل والطغيان، لكي نقارن بين حالنا وحالهم. إن معرفتهم بطول السفر ومخاطره قد سلبت الراحة منهم، وأن جهلنا أوجد النسيان والغفلة فينا.

إن نبينا صلى الله عليه وآله قد روّض نفسه كثيراً في عبادة اللَّه، وقام على قدميه في طاعة الله حتى ورمت رجلاه، فنزلت الاية الكريمة تقول له: "طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
 
 
 
119

106

تهذيب اليد والرجل

 الْقُرْانَ لِتَشْقَى". وعبادات علي عليه السلام وتهجّده وخوفه من الحق المتعال معروف للجميع.
إذاً، اعلم أن الرحلة كثيرة المخاطر، وإنما هذا النسيان الموجود فينا ليس إلاّ من مكائد النفس والشيطان، وما هذه الامال الطوال إلاّ من أحابيل إبليس ومكائده. فتيقظ أيها النائم من هذا السبات وتنّبه، واعلم أنك مسافر ولك مقصد، وهو عالم اخر، وأنك راحل عن هذه الدنيا، شئت أم أبيت. فإذا تهيأت للرحيل بالزاد والراحلة لم يصبك شي‏ء من عناء السفر، ولا تصاب بالتعاسة في طريقه، وإلاّ أصبحت فقيراً مسكيناً سائراً نحو شقاء لا سعادة فيه، وذلّه لا عزّة فيها وفقر لا غناء معه وعذاب لا راحة منه. إنها النار التي لا تنطفئ والضغط الذي لا يخفف، والحزن الذي لا يتبعه سرور، والندامة التي لا تنتهي أبداً.
 
120
 

107

تهذيب الشهوة

 خلق الله تعالى في الإنسان غريزة الشهوة التي أودعها الله تعالى لحكمته ولنفع العباد، إذ أنه من خلال هذه الرغبة والغريزة يسعى الذكر والأنثى للزواج ومن ثم الإنجاب مساهمين في ذلك باستمرار الوجود البشري على وجه الأرض، فلولا ما أودعه الله تعالى من الرغبة بين الذكر والأنثى لم نكن اليوم موجودين في هذه الحياة.
 
هذه الحكمة التي أرادها الله تعالى من خلق الغريزة لدى الإنسان، قد تنحرف لتذهب في جهة الإفراط أو التفريط وهناك لها حدا وسطياً كما أرادها الله تعالى.
 
كبت الشهوة:
 
لقد ذهبت بعض الأديان الموجودة إلى قمع هذه الغريزة واعتبرتها أمراً ثانويا ولو أمكن الاجتناب عنها قدر الإمكان أو أمكن الاستغناء عنها بشكل كامل لكان ذلك أفضل يقول "بولس" في أحد ردوده على أسئلة وردته "أما بشأن ما كتبتموه لي فخير للرجل أن لا يلمس المرأة، ولكن تجنبا من الزنا على كل رجل أن يحتفظ بزوجته ... لذا أقول للعزاب والنساء الأرامل من الخير لهم أن يبقوا مثلي"1 أي أعزبا طوال العمر. ويعلق أحد الفلاسفة الغربيين "راسل"

1- الأفكار والميول - الأستاذ تقي فلسفي ج2، ص169.
 
121
 

108

تهذيب الشهوة

 على ذلك قائلاً: إن بولس لم يشر إلى مسألة الأولاد وكأنه غاب عن نظره الهدف البيولوجي من الزواج، ويعقب قائلا: "لا يسعني القول إلا أنها إفرازات عقل مريض"1.
 
تحرير الشهوة:
 
في المقابل ذهب بعض الفلاسفة إلى جهة النقيض، حيث حبَّذوا أن تعطى الحرية الكاملة للإنسان في تلبية الغرائز لديه بدون أي رقابة أو منع حتى لا يحصل هناك كبت أو أي عُقَد أخرى، بل اعتبرها بعضهم أمثال فرويد بأنها أساس التمدن والثقافة وجميع الأفكار الإنسانية، والتغيرات الاجتماعية2.
 
الحل الوسط
 
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً"3.
 
إن الدين الإسلامي العظيم الذي وضعه الله تعالى ليوفر السعادة للإنسان، تعاطى مع هذه الغريزة بالوسطية، حيث لم يذهب إلى كبتها كبتا بحيث يولد الإضرار على الفرد، ويخلق لديه ردة فعل عكسية كما حصل بعد انهيار الكنيسة في أوروبا، وكذلك لم يحرر الإنسان من كل القيود كما ذهب لذلك فرويد وأتباعه بل سلك المنهج الوسط فدعا إلى تلبية ندائها من خلال الزواج الشرعي الذي يعتبر الإطار الطبيعي لتلبية الرغبات الإنسانية، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "النكاح من سنتي، فمن رغب عنه فقد رغب عن سنتي"4.

1- المصدر السابق.
2- الأفكار والميول - الأستاذ تقي فلسفي ج2، ص175.
3- البقرة:143.
4- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج41، ص153.
 
122
 

109

تهذيب الشهوة

 وعنه صلى الله عليه وآله أيضا: "ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله من التزويج"1. وقد أكد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نبي الإسلام وخاتم الأنبياء عليهم السلام، على جيل الشباب بالأخص للزواج، لأنه في هذا العمر أي عمر الشباب تكون الغريزة في أعلى مستوياتها فالتحصين بالزواج الشرعي يعصم الشباب عن الوقوع في الزلل ويمنعهم من سلوك دروب الانحراف فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء"2.
 
ما وراء الزواج: 
 
إن تهذيب النفس يبدأ بتهذيب الجوارح وبالتالي الغرائز التي تقف من وراءها، وقد حصر الإسلام السبيل لإفراغ هذه الغريزة، عبر الاقتران والحياة الزوجية بالشروط الشرعية، واعتبر كل علاقة أو عمل آخر من خارج هذا الإطار عملا محرما يعاقب الله تعالى عليه، ومن الأمور التي أكد الإسلام على تحريمها:
 
أ- الزنا: 
 
يقول الله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ‏َ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْاخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"3.
 
لقد شدد الإسلام على حرمة الزنا وهذا ما يتجلى في الآية الكريمة التي أمرت أن يعاقب مرتكب هذه الفاحشة أمام الناس بالجلد لكي يحصل الاعتبار وينتهي الناس عن هذه الرذيلة التي تضيع الأنساب وتزرع الفساد في

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج41، ص153.
2- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج41، ص153.
3- النور:2.
 
123
 

110

تهذيب الشهوة

  المجتمعات، ففي الرواية عن الإمام الرضا: حرم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد1.
 
وعن أمير المؤمنين: إياكم والزنا فان فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فاما اللواتي في الدنيا، فيذهب بالبهاء ويقطع الرزق الحلال ويعجل الفناء إلى النار، وأما اللواتي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النار2.
 
كما أن الزنا من أكبر الكبائر كما ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: "وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ..."3، قال: معصية "ومقتا" فإن الله يمقته ويبغضه، قال: (وَسَاء سَبِيلاً) هو أشد الناس عذابا، والزنا من أكبر الكبائر4.
 
ب- العلاقة بين المثليين:
 
فقد ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على أمتي من عمل قوم لوط5.
 
وقد أمر الله تعالى أن يعاقب فاعل هذا العمل في الدنيا بعذاب شديد ففي الرواية أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لشخص أراد أن يقيم عليه الحد: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك بثلاثة أشياء فاختر أيهن شئت، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار6.

1- علل الشرائع - الشيخ الصدوق ج2، ص479.
2- علل الشرائع - الشيخ الصدوق ج2، ص479.
3- الإسراء:32.
4- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ج4، ص1160.
5- ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ج4، ص2806.
6- جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج41، ص376.
 
124
 

111

تهذيب الشهوة

 وفي رواية أن إحدى النساء سألت الإمام الصادق: أخبرني عن اللواتي مع اللواتي؟ ما حد ما هو فيه؟ قال: حد الزانية، إذا كان يوم القيامة يؤتى بهنّ‏َ قد البسن مقطعات من النار، وقنّعن بمقانع من نار، وسربلن من نار، وادخل في أجوافهن إلى رؤوسهن أعمدة من نار، وقذف بهنّ‏َ في النار، أيتها المرأة! أول من عمل هذا العمل قوم لوط، فاستغنى الرجال بالرجال، وبقي النساء بغير رجال، ففعلن كما فعل رجالهن.
 
ج- الإشباع الذاتي:
 
أي أن يشبع الإنسان رغبة الغريزة من دون العلاقة مع الطرف الاخر وهو المسمى بالاستمناء وقد حرم الإسلام هذا النوع من العمل بكل أشكاله وصوره ففي الرواية أن الإمام الصادق عليه السلام سئل، عن الخضخضة فقال: "إثم عظيم قد نهى الله تعالى عنه في كتابه .... ولو علمت من يفعل ما أكلت معه، فقال السائل: فبين لي يا بن رسول الله، من كتاب الله نهيه"، فقال: قول الله : "فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون"1 وهو ما وراء ذلك، فقال الرجل: أيهما اكبر الزنا أو هي؟ قال: "ذنب عظيم ثم قال للقائل: بعض الذنوب أهون من بعض، والذنوب كلها عظيمة عند الله لأنها معاص"2...
 
العلاج:
 
لقد أرشدنا الأئمة عليهم السلام إلى حل لمن لا يقدر على الزواج لكي يخفف من الضغط الحاصل له إزاء فوران هذه الغريزة، وذلك من خلال نفي الأسباب التي تؤدي إلى ثورانها وذلك من خلال عدة أمور ذكرها الإمام السجاد زين

1- المؤمنون:7.
2- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج41، ص355.
 
125
 

112

تهذيب الشهوة

 العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق فقال: ... والاستعانة عليه بغض البصر، فإنه من أعون الاعوان، وكثرة ذكر الموت، والتهدد لنفسك بالله، والتخويف لها به، وبالله العصمة والتأييد، ولا حول ولا قوة إلا به1.
 
فذكر الموت يزهد الإنسان في الدنيا ويجعلها أمرا تافها في نظره، وأما التخويف لإنه يجعل في قلب الإنسان منبها إلى العاقبة التي تنتظره لو اقترف الفعل الخاطى‏ء، والدعاء إلى الله تعالى بأن يرفع الهم فالاعتصام بالله تعالى وطلب العون منه يجعل الإرادة لدى الإنسان السالك إلى الله تعالى إرادة حديدية لأن الله يعطيه بالدعاء توفيقا خفيا وقوة لم يشعر بها من قبل، وبذلك يعصم النفس الأمارة عن الانقياد وراء الشهوات بتوفيق الله تعالى وسعيه لطاعته.
 
خلاصة الدرس
 
خلق الله تعالى في الإنسان غريزة الشهوة التي أودعها الله تعالى لحكمته ولنفع العباد، إذ أنه من خلال هذه الرغبة والغريزة يسعى الذكر والأنثى للزواج ومن ثم الإنجاب مساهمين في ذلك باستمرار الوجود البشري على وجه الأرض.
 
لقد ذهبت بعض الأديان الموجودة إلى قمع هذه الغريزة واعتبرتها أمراً ثانويا ولو أمكن الاجتناب عنها قدر الإمكان أو أمكن الاستغناء عنها بشكل كامل لكان ذلك أفضل.
 
في المقابل ذهب بعض الفلاسفة إلى جهة النقيض، حيث حبَّذوا أن تعطى

1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج41، ص157
 
126
 

113

تهذيب الشهوة

الحرية الكاملة للإنسان في تلبية الغرائز لديه بدون أي رقابة أو منع.
 
سلك الدين الإسلامي المنهج الوسط فدعا إلى تلبية ندائها من خلال الزواج الشرعي الذي يعتبر الإطار الطبيعي لتلبية الرغبات الإنسانية.
 
إن تهذيب النفس يبدأ بتهذيب الجوارح وبالتالي الغرائز التي تقف من وراءها، وقد حصر الإسلام السبيل لإفراغ هذه الغريزة، عبر الاقتران والحياة الزوجية بالشروط الشرعية، واعتبر كل علاقة أو عمل اخر من خارج هذا الإطار عملا محرما يعاقب الله تعالى عليه، ومن الأمور التي أكد الإسلام على تحريمها:
 
1- الزنا.
 
2- علاقة المثليين.
 
3- الإشباع الذاتي.
 
لقد أرشدنا الأئمة عليهم السلام إلى حل لمن لا يقدر على الزواج لكي يخفف من الضغط الحاصل له إزاء فوران هذه الغريزة، وذلك من خلال نفي الأسباب التي تؤدي إلى ثورانها.
 
 
أسئلة حول الدرس
 
1- ما هو الهدف الإلهي لخلق الشهوة في الإنسان؟
2- ما هي نظرة بولس إلى الزواج، وكيف ترد عليها؟
3- ما هي نظرة فرويد إلى الشهوة، وكيف نرد عليه؟
4- أوضح النظرة الإسلامية الوسطية لإشباع الرغبات.
5- كيف يحد الإنسان المسلم من فوران الغريزة؟
 
 
127
 

114

تهذيب الشهوة

 للحفظ
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إياكم والزنا فان فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الاخرة فاما اللواتي في الدنيا، فيذهب بالبهاء ويقطع الرزق الحلال ويعجل الفناء إلى النار، وأما اللواتي في الاخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النار".
 
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء".
 
إقرأ
 
كتاب: اداب النفس‏
 
تأليف السيد محمد العيناثي العاملي 
 
يتضمن الكتاب بحوثا في علم الأخلاق على مستوى علمي رفيع وقد قدم المؤلف كتابه بالحديث عن النفس وقواها والفضائل وأقسامها، ثم عن الترغيب في الطاعات والزهد في الدنيا، ومن المواضيع المهمة في هذا الكتاب:
 
في المعارف والسعادات النفسية، العجب وأحوال الزهاد، في الموت وما يتصل به، في الحياء والوفاء، في قمع الأنفس ومخالفتها في شهواتها، في كيفية معاشرة أخوان الصفاء، ماهية الإيمان وخصال المؤمنين ومناماتهم، وختم
 
128
 

115

تهذيب الشهوة

المؤلف الكتاب بحديث عن النفس وما قيل فيه من الأشعار والأدبيات اللطيفة لمن يهتم بمجالات الأدب.
كتاب متوسط الحجم عظيم المنفعة قيم.
 
للمطالعة
 
حقيقة التوحيد

من مواعظ الإمام الخمينيه في كتاب "الأربعون حديثا":

يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية تستحق إِلاّ لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنك ترى لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أنّ إرادتهم هي النافذة، وترى أنّ المال والقوة هما الطاقة المؤثرة والفاعلة؟ وأن ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحق تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهرية، وتغفل عن المؤثر الحقيقي وعن مسبب جميع الأسباب، ومع كل ذلك تدّعي الإِيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع أصحاب اللسانين.

وأنت يا من تدّعي الزهد والإِخلاص، إذا كنت مخلصاً حقاً، وأنك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم أنك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ 
 
129
 

116

تهذيب الشهوة

 السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشي‏ء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟
فاعلم أن زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل أن زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وأن قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وأنك كاذب في دعواك، وأنك من المتلوّنين المنافقين...

وأنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإِلهية، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، إذا كنتَ عالماً بالحقائق في الأسباب والمسببات، وإذا كنت حقاً عالماً بالصور البرزخية وأحوال الجنة والنار، فلا بُدّ أن لا يقر لك قرار، وعليك أن تصرف كل وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق. إذاً، لماذا لا تتقدم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثر في قلبك البراهين الفلسفية قدر جناح ذبابة؟ إذاً، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه.

وأنت يا من تدعي المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبة والفناء، إذا كنت حقاً من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئاً لك. ولكن كل هذه الشطحات وهذا التلون وتلك الادعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن حب الذات ووسوسة الشيطان، تتعارض مع المحبة والانجذاب "إنّ‏َ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لاَ يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي" . فأنت إذا كنت من أولياء الله المنجذبين إليه ومحبيه، فإن الله يعلم بذلك، فلا تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسعَ لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة
 
130
 

117

تهذيب الشهوة

خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله. وأعلم أن عباد الله أعزاء وقلوبهم ثمينة ويجب إن تشتغل في محبة الله، فلا تتلاعب إلى هذا الحد ببيت الله ولا تتعرض لحرماته "فَإنّ‏َ لِلْبَيْتِ رَبّاً" فإذا لم تكن صادقاً في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن ذوي الوجهين.
 
131


118

أسس تهذيب النفس

 إن الإنسان ما دام حياً في هذه الدنيا تتوفر لديه فرصة الإرتقاء في مدارج الكمال، فإن كان مبتلى بعيوب فعليه أن يتخلص منها ويصلح نفسه، وإن كان موفقاً بالتَّحلي بصفات نفس جيدة وأعمال جوارح حسنة، فعليه أن يسعى نحو الأحسن، ولكن الإصلاح وتهذيب النفس لا يأتي صدفة، وإنما هو نتيجة سعي الإنسان "وَأَن لَّيسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى"1، فما هو البرنامج الذي يساعده على ذلك؟
 
إن البرنامج قد وضعه لنا الله تبارك وتعالى وأرسله مع الأنبياء عليهم السلام وأنزله في كتابه العزيز "إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وإِمَّا كَفُورا"2 فالبرنامج متوفر ومعروف ولكن السؤال الحقيقي: كيف يمكن أن نلزم أنفسنا بهذا البرنامج؟ يمكن ذلك من خلال محاسبة النفس ومساءلتها، كما في الرواية عن أمير المؤمنين: "من تعاهد نفسه بالمحاسبة أمن فيها المداهنة"3.
 
بإتباع الخطوات التالية:
 
أولاً: يشارط نفسه على ما تفعله وتتركه.
 
ثانياً: يراقبها دائما وأبداً وفي جميع الحالات ليمنعها من أي انحراف محتمل.
 
ثالثاً: يحاسبها ليرى مدى التزامها بما اشترطه عليها.
 
رابعاً: يعاتبها لو تبين له عدم التزامها بما اشترطه عليها.

1- النجم:39.
2- الإنسان:3.
3- مستدرك الوسائل: ج12، ص153.
 
133
 

119

أسس تهذيب النفس

 خامساً: له أن يعاقبها بعد إدانتها، فيمنعها من تحقيق شهواتها سيما في موارد تقصيرها.
 
هذه الخطوات الخمس هي البرنامج اليومي الذي يجب أن يلتزم به الإنسان.
 
هذا على نحو الإجمال وسنتحدث عن هذه المراحل بشي‏ء من التفصيل.
 
المشارطة
 
فالمشارطة هي أن يشارط الانسان نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قرارا بذلك ويعزم عليه، وأما العزم فيكون عند كل شخص بحسبه فمن كان تاركا لبعض الواجبات فعليه أن يعزم على أن لا يترك واجباً، ومن كان فاعلا للمحرمات والعياذ بالله فعليه أن يعزم على تركها، وأما من كان قد ترفّع عن هذين الأمرين بحيث كان يفعل الواجب ويترك المحرم فعليه أن يعزم على الثبات، وواضح أن ترك ما يخالف أوامر الله تعالى ليوم واحد أمر يسير للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به، وإن اختلفت درجات يسره من شخص لآخر إلا أنه في النهاية أمر يسير، فاعزم وشارط نفسك وجرب، وأنظر كيف أن الأمر سهل يسير، فإن الله تعالى إذا رأى من العبد سعياً للتقرب إليه أخذ بيده ويسر له أمره "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَ"1، ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير. فاعلم أن هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنه قلباً وعملاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرب ليوم واحد، فعند ذلك ستصدق هذا الأمر.
 
وينبغي الالتفات هنا أن لا يثقل الإنسان على نفسه كما ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن الله عز وجل وضع الإيمان على سبعة أسهم على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل، محتمل، وقسم لبعض الناس السهم ولبعض السهمين ولبعض الثلاثة حتى انتهوا إلى

1- الليل:7.
 
134
 

120

أسس تهذيب النفس

 سبعة، ثم قال: لا تحملوا على صاحب السهم سهمين ولا على صاحب السهمين ثلاثة فتبهضوهم1..."2.
 
المراقبة
 
وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى "المراقبة"، وهي أن تنتبه طوال اليوم إلى عملك، وإذا حصل لا سمح الله حديث لنفسك بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله وهذا أمر ممكن الحصول لأن الشيطان وجنده لن يدعوك تهزمهم بهذه السهولة، فهم يريدونك أن تتراجع عمًّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من شرهم، واخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل للشيطان: "إني اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم وهو يوم واحد بأي عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطّف عليّ‏ً بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى الأبد لما أديت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا"، والمراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة3.
 
المحاسبة
 
وأما "المحاسبة" فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الصغيرة؟ وقد ورد عن أمير المؤمنين: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ووازنوها قبل أن توازنوا، حاسبوا أنفسكم بأعمالها وطالبوها بأداء المفروض عليها والأخذ من فنائها لبقائها"4 وعنه عليه السلام: "ما أحق الإنسان أن تكون له ساعة لا

1- تبهضوهم: أي تثقلوا عليهم وتوقعوهم في الشدة.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص42.
3- الأربعون حديثاً للإمام الخميني قدس سره الحديث الأول بتلخيص وتصرف.
4- مستدرك الوسائل، ج12، صفحة153.
 
135
 

121

أسس تهذيب النفس

 يشغله شاغل، يحاسب فيها نفسه فينظر فيما اكتسب له وعليها، في ليلها ونهارها"1، وإذا كنت قد وفيت حقاً فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في أمور دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، لأن النفس مطواعة لعقل الإنسان كالشمع في يديه لا كالحديد إذ من الصعب أن يلوى فعلى الإنسان أن يطوع نفسه على الأمور الحسنة ولو كانت للشر أميل منها للخير فالإنسان نفسه هو الذي أوصلها لهذه الحالة، كما أن النفس في صغر العمر أسهل إصلاحاً من الكبر ولذا اشتهر القول "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، فعلى الإنسان المهتم بإصلاح النفس أن يجهد في شبابه لاقتلاع الملكات الرديئة التي يصعب قلعها في الكبر، وهذا ما حثت عليه الروايات منها قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لأبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه: "يا أبا ذر، اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك..."2.
 
وعلى كل حال فإن كنت مهتما بإصلاح نفسك، فواظب على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحول إلى مَلَكَة فيك بحيث يصبح يسيراً للغاية، وستشعر عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك معاصيه.
 
وإذا حدث لا سمح الله في أثناء المحاسبة تهاون وفتور تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله وأطلب العفو منه، وأعزم على الوفاء بكل شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانية.
 
المعاتبة والمعاقبة
 
بعد أن يشترط الإنسان على نفسه ويراقبها ويحاسبها فإن تبين له أنها ارتكبت ما يخاف الشرط الذي اشترطه عليها، فلا بد أن يعاتبها ثم يعاقبها من أجل أن تتم صفقته ويجني ثمارها، وإلا فلم يجد إلا أنه قد أهدر عمره وقد خسر رأس ماله

1- مستدرك الوسائل، ج12، صفحة154.
2- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج1، ص114.
 
136
 

122

أسس تهذيب النفس

 في صفقة خاسرة لم يتدارك الخسارة فيها من أولها، وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرف عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها وإن رأى سيئة استغفر منها، لئلا يخزى يوم القيامة"1 يقول الفيض الكاشاني: والعجب أنك تعاقب عبدك وأمتك وأهلك وولدك على ما يصدر منهم من سوء خلق وتقصير في أمر، وتخاف أنك لو تجاوزت عنهم خرج أمرهم من يدك وبغوا عليك، ثم تهمل نفسك وهي أعظم عداوة لك وضراوة، وأشد طغيانا عليك، وضررك من طغيانها أعظم من طغيان أهلك، فإن غرضهم أن يشوشوا عليك معيشة الدنيا، ولو عقلت لعلمت أن العيش عيش الآخرة، وأن نعيم الجنة هو النعيم المقيم الذي لا آخر له، ونفسك هي التي تنغص عليك عيش الآخرة فهي أولى بالمعاقبة من غيرها2.
 
العقوبة على قدر المخالفة
 
كان علماؤنا العظام قدس الله تعالى أسرارهم يشارطون ويعاهدون الله تعالى على فعل ما أو ترك أمر ما وينذرون الصيام لأوقات محددة لو خالفوا ما شرطوه على أنفسهم وبذلك يكون مثل هذا النذر مانعاً لهم عن مخالفة الشرط لأن ثقل العقاب يشكل رادعا عن ارتكاب الجريمة.
 
ومن المناسب أن يلتفت الإنسان إلى أن العقوبة يحسن أن تكون من صنف الخيانة التي قام بها الإنسان لشرطه فلو كانت الخيانة مرتبطة بالطعام والشراب فليكن العقاب بالمنع عنهما كالصوم، ولو كانت من صنف شهوة النساء فيكون العقاب للنفس بمنعها عن هذه الشهوة لمدة يحصل بها الغرض من العقاب، ولو كانت بسبب كثرة الكلام، فليعاقب نفسه بالصمت لفترة وهكذا.

1- مستدرك الوسائل، ج12، صفحة153.
2- المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني قدس سره، ج8، ص169.
 
137
 

123

أسس تهذيب النفس

 العقاب ضمن الموازين الشرعية
 
إن إيجابية أن يعاقب الإنسان نفسه لا تعني أن يعاقبها بأي عقاب، كما قد يفعل بعض الناس كأن يعذبون أنفسهم بشكل مؤذٍ وخطير وإن الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر عليه أن يلتفت إلى حدود الشريعة في هذا المورد كما في سائر الموارد وكما هو معروف "لا يطاع الله من حيث يعصى"، ولعل الصوم من أفضل الأمور التي يستعان بها على النفس كما لقوله تعالى "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ..."1 والمقصود من الصبر الصيام، كما تؤكد الرواية عن الإمام الصادق2.
 
خلاصة الدرس
 
على الإنسان المكلف أن يحاسب نفسه في كل يوم، فيبدأ بالمشارطة فيشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قراراً بذلك ويعزم عليه.
 
وإذا حصل لا سمح الله حديث للنفس بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم بأنه وسوسة الشيطان والنفس الامارة بالسوء، فخالفهم واستعذ بالله من شرهم.
 
ثم تحاسب نفسك اخر اليوم لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الصغيرة؟ فإذا كنت قد وفيت حقاً فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم في أمور دنياك واخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه.

1- البقرة:45
2- الكافي، ج4، ص63.
 
138
 

124

أسس تهذيب النفس

 بعد أن يشترط الإنسان على نفسه ويراقبها ويحاسبها فإن تبين له أنها ارتكبت ما يخاف الشرط الذي اشترطه عليها، فلا بد أن يعاتبها ثم يعاقبها من أجل أن تتم صفقته ويجني ثمارها، وإلا فلم يجد إلا أنه قد أهدر عمره وقد خسر رأس ماله في صفقة خاسرة لم يتدارك الخسارة فيها من أولها.
إن إيجابية أن يعاقب الإنسان نفسه لا تعني أن يعاقبها بأي عقاب، كأن يعذب نفسه بشكل مؤذ وخطير، فإن الإنسان المؤمن بالله واليوم الاخر عليه أن يلتفت إلى حدود الشريعة في هذا المورد، وكما هو معروف "لا يطاع الله من حيث يعصى".
 
أسئلة حول الدرس
 
1- ما معنى المراقبة وما هي أهميتها وكيفيتها؟
2- لماذا لا بد من المشارطة؟ وما هي كيفيتها؟
3- كيف تكون المحاسبة؟
4- تحدث عن المعاتبة والمعاقبة؟
5- هل هناك من ميزان شرعي للمعاقبة؟

للحفظ
 
الرواية عن الإمام الصادق: "حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرف عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها وإن رأى سيئة استغفر منها، لئلا يخزى يوم القيامة".
 
139
 

125

أسس تهذيب النفس

 إقرأ
 
كتاب: الأخلاق من منظور التعايش والقيم الإنسانية

تأليف: الأستاذ محمد تقي فلسفي‏

عدد المجلدات (2)

من الكتب الغنية التي مزج فيها المؤلف الأخلاق بعلم النفس المعاصر واستقرأ الأخلاق عن الأمم والفلاسفة القدماء والحديثين، قسم المؤلف الكتاب إلى عشرين فصلاً:

ومن هذه الفصول:
1- العلماء وأراؤهم في الأخلاق.
2- الأخلاق البشرية والإلهية.
3- الأخلاق الطبيعية ونظرية التكامل.
4- تشخيص الأمراض الأخلاقية.
5- الأخلاق وعرفة الذات.
6- القلق الموهوم والمعقول.

كتاب ممتع للقارى وغني بالمعلومات المتنوعة.
 
للمطالعة
 
من عبادة الإمام السجاد زين العابدين

قال طاووس الفقيه: رأَيته الإمام زين العبدين عليه السلام يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبّد، فلمّا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه، وقال: إلهي غارت نجوم
 
 
140
 

126

أسس تهذيب النفس

 سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتّحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدِّي محمّد صلى الله عليه واله وسلم في عرصات القيامة، ثمّ‏َ بكي وقال: وعزَّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ‏ٌ، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ‏َ، فالان من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟
فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جُوزوا، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم مع المثقلين أحطّ؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما ان لي أن أستحي من ربّي؟! ثمّ بكى وأنشأ يقول:

أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثمّ‏َ أين محبّتي‏

أتيت بأعمال قباح زريّة وما في الورى خلق جنى كجنايتي‏

ثمّ‏َ بكى وقال: سبحانك تُعصي كأنك لا ترى وتحلم كأنّك لم تعص تتودّد إلى خلقك بحسن الصنيع كأنّ‏َ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيّدي الغنيّ‏ُ عنهم ثمّ‏َ خرَّ إلى الأَرض ساجداً؟ قال: فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتّى جرت دموعي على خدِّه، فاستوى جالساً وقال: من الّذي شغلني عن ذكر ربّي؟ فقلت: أنا طاوس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن عليّ وأُمّك فاطمة الزهراء، وجدُّك رسول الله صلّى الله عليه واله وسلم؟! قال: فالتفت إليّ‏َ وقال: هيهات هيهات يا طاوس دع عنّي حديث أبي وأُمّي وجدِّي خلق الله الجنّة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشيّاً أما سمعت قوله تعالى "فَإذا نُفخَ في الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُم يَومَئِذٍ وَلا يَتَساءلُونَ"1 والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدِّمها من عمل صالح.

1- المؤمنون:101.
 
141

127
جهاد النفس