دروس في علوم القرآن


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2014-09

النسخة: 1


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدّمة

 المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربّ العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى, محمّد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم, فعليكم بالقرآن, فإنَّه شافع مشفع، وماحل مصدّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيلٌ وبيانٌ وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليُجِلْ جال بصره، وليبلغ الصفة نظره, ينجُ من عطب، ويتخلّصُ من نشب, فإنّ التفكّر حياة قلب البصير, كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص"[1].

 

من الضرورة بمكان أن تركّز الأُمّة الإسلاميّة اليوم على هذا التعريف الذي قدّمه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن، ولا سيّما أنّ البيئة المعايشة للمسلمين لم تلوَّث إلى هذا الحدّ الذي تلوّثت به اليوم, من سحب سوداء متراكمة، وقطع الليل المظلم. فصحيح

 

 

 


 

[1] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط4، طهران، دار الكتب الإسلامية, مطبعة حيدري، 1365هـ.ش، ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح2، ص599.

 

11

 

1

المقدّمة

 أنّنا نجد القرآن ومنذ الخطوات الأولى التي تلت تحوّل الخلافة الإسلامية إلى السلطنة الطاغوتية, قد تحوّل في الواقع إلى زائدة كمالية، وخرج بشكل رسمي، وإن لم يكن ذلك بشكل اسمي عن المجال الحياتي للمسلمين, إلاّ أنّ ما حدث في جاهلية القرن العشرين من خلال عمل الأجهزة السياسية والإعلامية المعقّدة، يُعدُّ أخطر من ذلك بمراتب، وأكثر بعثاً على القلق بلا ريب.

 

ولكي يُعزَل الإسلام عن الحياة، فإنّ أكبر وسيلة وأكثرها أثراً, هي: إخراج القرآن عن المجال الذهني والقلبي والعملي للأُمة الإسلاميّة. وهذا بالتأكيد ما عمل عليه المتسلّطون الأجانب، والعملاء الداخليّون لهم, سالكين هذه السبيل عبر الاستعانة بشتّى الأنماط والوسائل.

 

إنّ القرآن هو الكتاب المقدّس، والنور، والهدى، والفرقان بين الحقّ والباطل، والحياة، والميزان والشفاء، والذِكْر، الذي لا تتمّ له هذه الخصال بشكلٍ عملي, إلاّ إذا تمّ قبل كلّ شي‏ء استيعابه, فهماً، وتطبيقه, عملاً.

 

لقد كان القرآن في عصر الحكم الإسلامي في الصدر الأوّل، هو القول الفصل والكلمة الأخيرة، وحتى كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم , فإنّه يجب أن يُعرَض عليه. وكان حَمَلَة القرآن، يتمتّعون بمكانة مرموقة في المجتمع، بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى الأمّة التعليم القائل: "أشراف أُمّتي: حَمَلَة القرآن، وأصحاب الليل"[1], فكان استيعاب القرآن, علماً وعملاً، يشكّل قيمة واقعية. وللعثور على حلّ‏ٍ لكلّ مشكلة حياتية يجب الرجوع إلى القرآن، ولقد كان القرآن ملاك قبول أيّ حديث، أو أسلوب، أو مدّعى، ومعياره. وكان عليهم أن يعرفوا الحقّ والباطل من وجهة نظر القرآن, ليشخّصوا نماذجهما ومصاديقهما في ميدان الحياة.

 

ومنذ فقدت القوى الحاكمة على المجتمعات المسلمة القيم الإسلامية، واغتربت 

 

 

 


 

[1]  ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): معاني الأخبار، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش، باب معنى أشراف الأمّة، ح1، ص178.

 

12

 

2

المقدّمة

 عنها، ورَأَت في القرآن, وهو الناطق بالحقّ وفرقان الحقّ والباطل عَقَبَة في سبيلها، بدأ السعي الحثيث لإبعاد كلام الله عن ميدان الحياة، ووُجِدَ عقيب ذلك الفصل بين الدين والحياة الاجتماعية، والتفريق بين الدنيا والاخرة، والتقابل بين المتديّنين الواقعيين وأهل الدنيا المقتدرين، وأُبعِدَ الإسلام عن مركز إدارة مجالات الحياة الاجتماعية للمجتمعات المسلمة، ليقتصر على المساجد والمعابد والبيوت وزوايا القلوب، وهكذا وُجِدَ الفصل بين الدين والحياة, بكلّ ما عاد به من خسارة وعلى المدى الطويل.

 
ومن الطبيعي أنّ القرآن قبل أن يتمّ الهجوم الواسع للمتسلّطين الغربيين والصهاينة، وإن لم يكن موجوداً في المجال الحياتي بالمعنى الحقيقي, إلاّ أنّه كان يحتلّ مكانة في أذهان المسلمين وقلوبهم، على تفاوت بينهم في ذلك، غير أنّ الهجوم الغربي والصهيوني في القرن التاسع عشر لم يستطع أن يتحمّل حتى هذا القدر أيضاً. إنّهم لا يستطيعون أن يتحمّلوا وجود القرآن الذي يصدر بكلّ وضوح أمر: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾[1]، ويصدح بقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[2]، القرآن الذي يريد للمؤمنين أن يكونوا إخوة في ما بينهم، أشداء غضاباً على أعدائهم، مثل هذا القرآن لا يمكن أن يتحمّله المتسلّطون الساعون للسيطرة على أزمّة أُمور المسلمين، ونهب كلّ شي‏ء لديهم.
 
إنّ هؤلاء المتسلّطين أدركوا بكلّ وضوح أنّ القرآن، رغم هذا الحضور غير الكامل في حياة الأمّة، لن يسمح لتسلُّطهم ونفوذهم أن يسلكا سبيلهما المنشودين، لذا فقد وضعوا خطّة حذف القرآن بشكل كامل، وطبيعي أن لا تمتلك ولن تمتلك هذه الخطّة تطبيقاً عملياً, ذلك أنّ الله تعالى قد وعد الأُمّة الإسلامية بحفظ القرآن دائماً، على
 
 
 

 
[1] سورة الأنفال، الآية:: 60.
[2] سورة النساء، الآية: 141.
13

3

المقدّمة

 أنّنا لا نستطيع أن نغضّ النظر عن نتائج ذلك السعي الواسع الأبعاد الذي تمّ مِن قِبَلِهم في هذا الصدد.

 
ألقوا اليوم نظرة على ميدان حياة المسلمين، فأين تجدون القرآن؟ هل تجدونه في أجهزة الحكومات؟ أم في النظم الاقتصادية؟ أم في تنظيم العلاقات والمناسبات بين الناس بعضهم مع بعضهم الآخر؟ أم في المدارس والجامعات؟ أم في السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول؟ أم في تقسيم الثروات الوطنية بين فئات الشعب؟ أم في أخلاقية المسؤولين في المجتمعات الإسلامية، وكلّ فئات الشعوب التي تتأثّر بهم قليلاً أو كثيراً؟ أم في السلوك الفردي للحكّام المسلمين؟ أم في العلاقات بين الرجل والمرأة؟ أم في الأرصدة المصرفية؟ أم في أنماط المعاشرة؟ أم في أيّ مكان من الحركة العامّة والاجتماعية للناس؟ ولنستثنِ مِن كلّ هذه الميادين الحياتية: المساجد، والمآذن، وأحياناً بعد البرامج التي لا تُعِدَ شيئاً من الإذاعات رياءً وخداعاً لعامّة الناس. ولكن، هل جاء القرآن لهذا فقط؟ لقد كان السيد جمال الدين قبل مئة سنة يَبكي ويُبكي لهذا الأمر، حيث عاد القرآن يقتصر على الإهداء، والتزيين، والتلاوة في المقابر، والوضع على الرفوف... ولكن، ماذا حدث في المئة سنة هذه؟ ترى ألا يبعث وضع القرآن لدى الأُمّة الإسلامية على القلق؟
 
إنّ الحديث كلّه يتركّز على أنّ القرآن كتاب حياة الإنسان، إنسان اللانهاية، الإنسان المتكامل، الإنسان ذي الأبعاد، الإنسان الذي لا حدّ لتكامله... إنّ هذا الهادي والمعلم للإنسان قادر على أن يرعاه في كلّ العصور، وأنّ نظام الحياة اللائق بالإنسان، إنّما يتعلّمه الإنسان من القرآن لا غير، وأنّ الأساليب التي يجب أن يتّبعها ليرفع عن كاهله أنواع الظلم، والتفرقة والفساد، والجهل، والطغيان، والانحراف، والدناءة، والخيانة التي ابتلي بها خلال تاريخه الطويل فكانت عَقَبَة في سبيل رشده وتعاليه, كلّ هذه الأساليب إنّما يمكن أن تكون عملية في ظلّ الهداية القرآنية والمخطّط الذي طرحه الكتاب السماوي للحياة الإنسانية.
 
14
 
 
 

4

المقدّمة

إنّ العودة إلى القرآن، هي عودة إلى الحياة التي تليق بالإنسان، وهي المهمّة المُلقَاة على عاتق المؤمنين بالقرآن، وفي طليعتهم العارفون به، والعلماء، والمبلّغون الدينيُّون. وإنّ العودة إلى القرآن، شعار لو يُطرَح بشكل حقيقي وجدّي, لاستطاع أن يقدِّم الفارق بين الحقّ والباطل. ومن هنا، يجب أن لا تتحمّل الشعوب الإسلامية وجود تلك القوى التي لا تريد أن تقبل مسألة العودة إلى القرآن.

 

إخواني المسلمين! أخواتي المسلمات! إنّنا بعد أن ابتُلينا كذلك بالبعد عن القرآن، وأُصِبنا بآثار التآمر ضدّ القرآن من قِبَل الأعداء العالميين، قد ذقنا طعم العودة إلى القرآن. وإنّ انتصار الثورة الإسلاميّة العظيمة في إيران، وإقامة نظام الجمهورية الإسلاميّة, ليعدّان من الآثار المباركة الكبرى لهذه العودة.

 

إنّ هذا الشعب ليشاهد اليوم في أُفق حياته، وفي علاقاته الاجتماعية، وفي شكل حكومته ومحتواها، وفي مناقبيّة قادته، وفي سياسته الخارجية، وفي نظام التعليم والتربية لديه، يشاهد في كلّ ذلك لمعات من التعليم القرآني... إنّ الذي هبَّ‏ علينا لحدّ الآن, إنّما هو نسيم في جنّة القرآن... إلاّ أنّ الطريق أمام السعي والحركة ما زال مفتوحاً للوصول إلى بحبوحة هذه الجنَّة الواقعية[1].

 

ومن هذا المنطلق سعى مركز نون للتأليف والترجمة إلى استنفار الجهود والطاقات لإصدار سلسلة دراسات تُعنى بدراسة القرآن الكريم وعلومه، واستكشاف معارفه ومقاصده، وإيصالها إلى أذهان طلاب العلوم الدينية والمثقّفين بأسلوب تعليمي هادف, فكان هذا الكتاب "دروس في علوم القرآن الكريم" أحد الجهود المبذولة على هذا الطريق.

 

 

 

 


 

[1] من كلام للإمام الخامنئي دام ظله، من كتاب الفكر الأصيل، القسم الأوّل"ضرورة العودة إلى القرآن".

 

15

 

5

المقدّمة

 ويتوخّى هذا الكتاب تحقيق الأهداف التالية:

1- تعزيز الارتباط الروحي والوجداني والفكري بالقرآن الكريم.

2- معرفة علوم القرآن الكريم ودورها في فهم القرآن.

3- توظيف هذه المعرفة في الكشف عن معارف القرآن الكريم ومقاصده.

4- تسهيل عملية تناول مباحث علوم القرآن الكريم, بأسلوب تعليمي هادف.

 

ولتحقيق هذه الأهداف، جرى اعتماد تقسيم كلّ درس إلى سبعة أقسام، هي:

- أولاً: موضوعات الدرس: وهي تتضمّن ما سيتناوله الدرس بالبحث والدراسة.

 

- ثانياً: أهداف الدرس: وهي مستقاة من الأهداف العامّة للكتاب ومرتبطة بها ارتباطاً توظيفياً، وتتوخّى تحقيق كفايات الدرس.

 

- ثالثاً: محتوى الدرس: ويجري فيه دراسة العناوين المطروحة في أوّل الدرس، مع مراعاة تحقيق الأهداف المطلوبة منه.

 

- رابعاً: الأفكار الرئيسة: وتتضمّن خلاصة الأفكار المطروحة في الدرس.

 

- خامساً: فكّر وأَجِبْ: وتحوي نمطين من الأسئلة الاختبارية (أَجِبْ بصحّ أو خطأ/ أَجِبْ باختصار).

 

- سادساً: مطالعة: وتتضمّن فقرة أو عدّة فقرات متمِّمة للبحث المطروح في الدرس, تكميلاً للاستفادة.

 

- سابعاً: مصادر الدرس ومراجعه: وتتضمّن المصادر والمراجع المستخدمة في الدرس.

 

وقد حرص الكتاب - قدر الإمكان - على مراعاة مجموعة من السياسات العلمية والمنهجية والفنّيّة، هي:

- الاستفادة من فكر علماء الإماميّة، من المتقدّمين والمتأخّرين وتسييله داخل الدروس.

 

16

 

 

6

المقدّمة

 - الحرص على دراسة أبرز الأقوال وأشهرها في مباحث علوم القرآن.

 
- تجنّب الدخول في مناقشات يمكن أن تثير الحساسيّة المذهبيّة.
 
- محاولة إسناد الأقوال والروايات المنقولة في الكتاب إلى مصادرها الأساس على الأعمّ الأغلب.
 
- تقسيم الكتاب إلى اثنين وعشرين درساً (درسان في مباحث تمهيدية/ عشرون درساً في مباحث علوم القرآن).
 
- مراعاة التقارب - قدر الإمكان - في عدد صفحات كلّ درس، على أن لا يزيد حجم كلّ درس عن عشرة صفحات.
 
وحتى نكون موضع عناية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خياركم من تعلّم القرآن وعلّمه"[1]، نضع بين أيديكم هذا الجهد المتواضع، عسى أن يتقبّله الله - تعالى -، ويكون خطوة في طريق العودة إلى القرآن.
 
 
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 

 
[1] الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسّسة البعثة، ط1، قم المقدّسة، دار الثقافة، 1414هـ.ق، ح739, 740، ص357.
17

7

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 
 
 
موضوعات الدرس:
1- معنى القرآن.
2- أسماء القرآن.
3- حقيقة القرآن.
4- أوصاف القرآن.
 
 
 
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى القرآن في اللغة والاصطلاح.
3- معرفة أسماء القرآن الكريم وحقيقته وأوصافه.
 
19

8

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 محتوى الدرس:

1- معنى القرآن:
أ- المعنى اللغوي: تعدّدت آراء اللغويين والباحثين في علوم القرآن في تحديد معنى القرآن وأصله الاشتقاقي اللغوي إلى أقوال كثيرة[1]، أبرزها التالي:
الأول: اسم علم جامد غير مشتقّ من شيء، وهو خاصّ بكلام الله تعالى النازل على رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ضمن آيات وسور يجمعها ويؤلّفها هذا الاسم، مثل: التوراة الخاصّ بالكلام الموحى به إلى رسوله موسى عليه السلام ، والإنجيل الخاصّ بالكلام الموحى به إلى رسوله عيسى عليه السلام.
 
الثاني: اسم غير مهموز مشتقّ من قَرَنَ. يقال: قرنتُ الشيء بالشيء, إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسُمّي به القرآن, لأنّه يضم السُوَر والآيات والحروف بعضها إلى البعض الآخر.
 
 

 
 
[1] لمزيد من التفصيل: انظر: الزركشي، بدر الدين: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، لام، دار إحياء الكتب العربية, عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1376هـ.ق/ 1957م، ج1، ص273-276, السيوطي، جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، ط1، بيروت، دار الفكر، 1416هـ.ق/ 1996م، ج1، ص144, الزرقاني، عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق فوّاز أحمد زمَرلي، ط1، بيروت، دار الكتاب العربي، 1415هـ.ق/1995م، ج1، ص15-17.
21

9

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 الثالث: اسم غير مهموز مشتقّ من القرائن، جمع قرينة, لأنّ آيات القرآن يصدّق بعضها بعضها الآخر, فهي بمثابة قرائن في فهمها وتفسيرها.

 
الرابع: اسم غير مهموز مشتقّ من القِرن, بمعنى القرين, لأنّه لفظ فصيح قرين بالمعنى البديع.
 
الخامس: اسم مهموز ومشتقّ من القُرْء, بمعنى الجمع, لأنّه يجمع في طياته ثمرات الكتب السماوية السابقة.
 
السادس: اسم مهموز مصدر لقرأتُ, بمعنى التلاوة, كالرجحان والغفران، سُمّي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر, أي المقروء أو ما يُقرأ. واستخدم القرآن بمعنى القراءة، كالكتاب الذي يُطلق على المكتوب, بمعنى الكتابة.
 
السابع: اسم مهموز ومشتقّ من القرى, بمعنى الضيافة, لأنّ القرآن مأدبة الله للمؤمنين.
 
وأقوى هذه الأقوال القول السادس, لأنّه الأوفق بقواعد الاشتقاق وموارد اللغة، فضلاً عن كون الأقوال الأخرى لا تخلو 
من تكلّف في توجيهها أو ليس لها وجه وجيه[1].
 
والقِرَاءَةُ في اللغة هي: "ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعضها الآخر في الترتيل... لا يُقال: قرأت القوم: إذا جمعتهم، ويدلّ على ذلك أنّه لا يُقال للحرف الواحد إذا تُفُوِّه به قراءة، والْقُرْآنُ في الأصل مصدر، نحو: كفران ورجحان. قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾"[2] [3].
 
والمعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك, بضمّ بعض أجزائه إلى
 
 
 

 
[1]  انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، ج1، م.س، ص15-17.
[2] الأصفهاني، الراغب: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، قم المقدّسة، نشر طليعة النور, مطبعة سليمان زاده، 1427هـ.ق، ط2، مادّة "قرأ"، ص668.
[3] سورة القيامة، الآيتان: 17-18.
22

10

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 بعض، وقراءته عليك، فلا يفوتنا شيء منه حتى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نُوحِه بعد. وقيل: المعنى إنّ علينا أن نجمعه في صدرك, بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه، وأن نثبّت قراءته في لسانك, بحيث تقرأه متى شئت. وهذا لا يخلو من بعد. وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾, أي: فإذا أتممنا قراءته عليك وحياً, فاتّبع قراءتنا له، واقرأ بعد تمامها[1].

 
أضف إلى ذلك أنّ إرادة معنى الجمع من مفردة "القرآن" على ضوء قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، يؤدّي إلى توسّل التكرار من دون طائل، وهذا لغو يتنافى مع فصاحة القرآن الكريم, فلا محيص عن إرادة خصوص القراءة والتلاوة.
 
ب- المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت فيه تحديدات مختلفة، وردت عليها إشكالات عدّة، ولعلّ أقلّها محلاًّ للإشكالات ما اشتهر على لسان الأصوليين والفقهاء واللغويين ويوافقهم عليه المتكلّمون: "اللفظ المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المنقول عنه بالتواتر، المتعبّد بتلاوته"، فاللفظ جنس في التعريف يشمل المفرد والمركّب، ولا شكّ أنّ الاستدلال على الأحكام يكون بالمركّبات كما يكون بالمفردات، كالعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، وخرج بـ "المنزل على النبي": ما لم ينزل أصلاً، مثل: كلامنا، ومثل: الحديث النبوي، وما نزل على غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم, كالتوراة والإنجيل، وخرج بـ "المنقول تواتراً" جميع ما سوى القرآن، مثل: القراءات, سواء أكانت مشهورة أم 
أحادية، وخرجت الأحاديث القدسية إذا تواترت, بقيد "المتعبّد بتلاوته"[2].
 
2- أسماء القرآن:
اختلف الباحثون في علوم القرآن في عدد أسماء القرآن، وتفاوتت تحديداتهم
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، لات، ج20، ص109-110.
[2] لمزيد من التفصيل في التحديدات الاصطلاحية، انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، م.س، ج1، ص17-22.
23

11

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 في هذا الصدد، حيث حصر بعضهم أسماء القرآن في اسم "القرآن" فقط، وعدّ الأسماء الأخرى المتداولة مجرّد صفات للقرآن وليست أسماء له[1]، وذهب آخرون إلى أنّ للقرآن 55اسماً[2]، وآخرون إلى أنّ له 95 اسماً[3]...

 
ولعلّ السبب في هذا الاختلاف راجع إلى وجود خلل في التمييز بين أسماء القرآن وصفاته، أو إلى تباين الأذواق والمعايير المعتمدة في تحديد الأسماء والصفات[4]. واسم الشيء، هو تعريفه وتشخيصه في الخارج ضمن أبعاد وحدود تحكي ماهيّة المسمّى ويُعرَف بها. وأمّا الصفة فهي تحكي خاصيّة معيّنة من المسمّى وعليه، فأسماء القرآن هي خصوص المعرّفات والمشخّصات التي تحكي عن القرآن في الخارج من أنّه كلام الله تعالى المنزل على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بالإعجاز. وأمّا صفات القرآن فهي تحكي عن خاصيّة معيّنة يشتمل عليها القرآن من قبيل: الهداية، التبشير، الإنذار....
 
والمشهور من الأسماء، هو التالي[5]:
أ- القرآن: وردت مفردة "قرآن" 68 مرّة في القرآن الكريم(قرآن: 58 مرّة/ قرآناً: 10 مرّات)[6]. وأُريد بها: تارة مجموعة من الآيات, كما في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ...﴾[7]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[8]. وتارة أخرى مجموع الكتاب (أي ما بين
 
 

 
 
[1]  انظر: العسكري، مرتضى: معالم المدرستين، لاط، بيروت، مؤسّسة النعمان، 1410هـ.ق/ 1990م، ج2، ص13-15.
[2] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص273, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص141.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص273.
[4] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص17.
[5] انظر: م. ن، ص15-17.
[6] روحاني، محمود: المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ط1، مشهد المقدّسة، مؤسّسة الآستانة الرضوية المقدّسة، 1372هـ.ق/ 1987م، ج3، ص1154.
[7] سورة الإسراء، الآية: 82.
[8] سورة الأعراف، الآية: 204.
23

12

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 الدفّتين)، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾[1]. وقد تقدّم معنى القرآن لغة واصطلاحاً.

 
ب- الفرقان: وردت مفردة "فرقان" 6 مرّات في القرآن الكريم[2]. والفرقان من الفرق والتفرقة، ويُراد بها ما يفرق بين الحقّ والباطل[3]. وروي أنّه سُئِلَ الإمام الصادق عليه السلام عن القرآن والفرقان أهما شيئان أم شيء واحد؟ فقال عليه 
السلام: "القرآن جملة الكتاب، والفرقان الحكم الواجب العمل به"[4].
 
ج- الذِكْر: وردت مفردة "ذِكْر" 52 مرّة في القرآن الكريم[5]، وأريد بها القرآن في بعض المواضع فقط, كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾[6]، وقوله تعالى:﴿...وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[7]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾[8]. ويُراد بالذِكْر: الشرف[9].
 
د- الكتاب: وردت مفردة "كتاب" 230 مرّة في القرآن الكريم[10], كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾[11]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...﴾[12]. والكتاب هو: جملة ما هو موجود بين الدفّتين. وقد استعمل في القرآن الكريم وأُريد به: تارة ما أُنزِلَ على الأنبياء والرسل عليهم السلام من كلام الله 
 
 
 

 
[1] سورة الإسراء، الآية، الآية: 106.
[2] انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج3، ص1082.
[3] انظر: ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، لاط، لام، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.ق، ج4، مادّة "فرق"، ص493-495.
[4] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح11، ص630.
[5] انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج2، ص746.
[6] سورة الأنبياء، الآية: 50.
[7] سورة النحل، الآية، الآية: 44.
[8] سورة الزخرف، الآية، الآية: 44.
[9] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "ذكر"، ص328.
[10] انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج3، ص1211.
[11] سورة البقرة، الآية: 2.
[12]سورة فاطر، الآية: 32.
25

13

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 تعالى المُوحَى إليهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة﴾ٍ[1]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[2]، وقوله تعالى - على لسان نبيّه عيسى عليه السلام -: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ...﴾[3]. وتارة استعمل 

 
الكتاب بمعنى خصوص المكتوب على نحو المراسلات والمخاطبات, كما في قوله تعالى -في معرض حكايته لقصة النبي سليمان عليه السلام وملكة سبأ: ﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾[4]. وتارة استعمل بمعنى صحيفة أعمال الإنسان, كما في قوله تعالى: ﴿...مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا...﴾[5]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾[6]...
 
هـ- التنزيل[7]: وردت مفردة "تنزيل" 11 مرّة في القرآن الكريم[8], كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[9]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[10]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾[11]. 
 
ويُراد من التنزيل: القرآن النازل مفرّقاً مرّة بعد أخرى[12].
 
و- المصحف: لم يرد ذِكْر هذه المفردة في القرآن الكريم، ولكن اشتهر تداولها بين المسلمين بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, بوصفها اسماً من أسماء القرآن الكريم.
 
 
 

 
[1] سورة مريم، الآية: 12.
[2] سورة الإسراء، الآية: 2.
[3] سورة مريم، الآية: 30.
[4] سورة النمل، الآيتان: 28-29.
[5] سورة الكهف، الآية: 49.
[6] سورة الإسراء، الآيتان: 13-14.
[7] عدّه عبد العظيم الزرقاني من أسماء القرآن الكريم. انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، م.س، ج1، ص15.
[8] انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج2، ص584.
[9] سورة الشعراء، الآية: 192.
[10] سورة فصّلت، الآية: 2.
[11] سورة يس، الآية: 5.
[12] انظر الراغب, مفردات ألفاظ القرآن, م.س, مادة "نزل", ص 799.
26

14

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 ولعلّ اشتهار تداولها يعود إلى شدّة انشغال المسلمين واهتمامهم بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة القرآن وتدوينه وجمعه بين دفّتين. و"الصَّحِيفَةُ: المبسوط من الشيء, كصحيفة الوجه، والصَّحِيفَةُ: التي يكتب فيها، وجمعها: صَحَائِفُ وصُحُفٌ. قال تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾[1]، ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾[2]، قيل: أريد بها القرآن، وجعله صحفاً فيها كتب من أجل تضمّنه لزيادة ما في كتب الله المتقدّمة. والْمُصْحَفُ: ما جعل جامعا لِلصُّحُفِ المكتوبة، وجمعه: مَصَاحِفُ"[3].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسماء الثلاثة: الكتاب، الذكر، الفرقان، هي أسماء مشتركة بين القرآن والكتب السماوية الأخرى. وأمّا اسم "القرآن" فهو الاسم الوحيد الذي اختصّ به كتاب رسالة الإسلام عن كتب باقي الرسالات السماوية. ويُعدّ من أشهر أسماء القرآن: القرآن، ثمّ الفرقان، ثمّ يأتي بعدهما في الشهرة ترتيباً: الكتاب، والذكر، والتنزيل[4].

 

3- حقيقة القرآن:

إنّ حقيقة القرآن أسمى من أن تدركها العقول، وأوسع من أن تحيطها قوالب الألفاظ, لأنّ الألفاظ موضوعة بإزاء معانٍ مجعولة ومُدرَكَة من قِبَل البشر، في حين أنّ حقيقة القرآن حقيقة إلهية تنطوي على أعمق المعارف المعنوية. وقد قضى الله تعالى أن يُلبِسَ هذه الحقيقة لباس الألفاظ, ليتسنّى للناس فهم القرآن.

 

وذكر العلامة الطباطبائي قدس سره في صدد تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[5] أنّ:الضمير (مرجعه) للكتاب، و ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾, أي مقرؤاً باللغة العربية، و ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾,

 

 


 

[1] سورة الأعلى، الآية: 19.

[2] سورة البينة، الآيتان: 2-3.

[3] الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"صحف"، ص476.

 [4]انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص17.

[5] سورة الزخرف، الآيتان:3-4.

 

27

 

15

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 غاية الجعل وغرضه. وجَعْل رجاء تعقّله غايةً للجعل المذكور يشهد بأنّ له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس، ومن شأن العقل أن ينال كلّ أمر فكري وإن بلغ من اللطافة والدقّة ما بلغ. فمفاد الآية: أنّ الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر، أجنبي عن العقول البشرية، وإنّما جعله الله قرآناً عربياً وألبسه هذا اللباس, رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه... وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ تأكيد وتبيين لما تدلّ عليه الآية السابقة من أنّ الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقّل العقول. والضمير للكتاب، والمراد بأمّ الكتاب: اللوح المحفوظ, كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾[1]، وتسميته بأمّ الكتاب لكونه أصل الكتب السماوية, يُستَنسَخ منه غيره، والتقييد بأمّ الكتاب و﴿لَدَيْنَا﴾ للتوضيح لا للاحتراز، والمعنى: أنّه حال كونه في أمّ الكتاب لدينا - حالاً لازمةً - لعلّي حكيم... والمراد بكونه عليّاً على ما يُعطِه مفاد الآية السابقة أنّه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول، وبكونه حكيماً أنّه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزّأ إلى سور وآيات وجمل وكلمات, كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربياً, كما يستفاد - أيضاً - من قوله تعالى: ﴿...كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[2]. وهذان النعتان -أعني كونه عليّاً حكيماً - هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية, فإنّ العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولاً، وكان مؤلّفاً من مقدّمات تصديقية يترتّب بعضها على بعضها الآخر, كما في الآيات والجمل القرآنية، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ، وكان غير متجزّء إلى أجزاء وفصول, فلا طريق للعقل إلى نيله. فمحصل معنى الآيتين: أنّ الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين، وإنّما أنزلناه بجعله مقروأً عربياً رجاء أن يعقله الناس[3].

 
 
 

 
[1] سورة البروج، الآيتان:21-22.
[2] سورة هود، الآية:1.
[3] سورة يس، الآية: 2.
28

16

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 4- أوصاف القرآن:

ذكر الباحثون والمفسّرون عدّة صفات للقرآن الكريم، وتفاوتت تحديداتهم في هذا الصدد, تبعاً لاختلافهم معاييرهم وأذواقهم في تحديد أسماء القرآن وتمييزها عن صفاته، وأبرز هذه الصفات التي اقترنت بأسماء القرآن المشهورة - التي تقدّم ذكرها - وجاءت وصفاً لها:
أ- الحكيم: أي مستقرّ الحكمة. قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾[1].
ب- العزيز: أي عديم النظير، والمنيع، والممتنع من أن يُغلَب. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾[2].
ج- العظيم: أي الكبير والقوي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾[3].
د- العربي: أي النازل بلغة العرب. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[4].
هـ- وغيرها صفات أخرى، من قبيل: البشير[5]، والشافي[6]، والقيِّم[7]، والكريم[8]، والمبارك[9]، والمبين[10]، والمتشابه[11]، والمثاني[12]، والمجيد[13]، والنذير[14]، وذو الذّكر[15]، وغير ذي عوج[16]...
 
 
 

 
[1] سورة فصّلت، الآية: 41.
[2] سورة الحجر، الآية: 87.
[3] سورة يوسف، الآية: 2.
[4] قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (فصّلت: 4).
[5] قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء...﴾ (سورة الإسراء، الآية: 82).
[6] قال تعالى: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الكهف: 1-2).
[7] قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77).
[8] قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (الأنبياء: 50).
[9] قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ (الحج: 16).
[10] قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا...﴾ (الزمر: 23).
[11] قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا...﴾ (الزمر: 23).
[12] قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (فصّلت: 4).
[13] قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق: 1).
[14] قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (فصّلت: 4).
[15] قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص: 1).
[16] قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: 28).
29

17

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 الأفكار الرئيسة

1- تعدّدت الأقوال في تحديد معنى القرآن وأصله الاشتقاقي اللغوي. وأقواها وأصوبها أنّه: اسم مهموز مصدر لقرأتُ, بمعنى التلاوة، سُمّي به الكتاب المقروء.
 
2- أبرز أسماء القرآن: القرآن، الفرقان، الذِكْر، الكتاب، التنزيل، المصحف.
 
3- حقيقة القرآن هي حقيقة إلهية تنطوي على أعمق المعارف المعنوية. وقد قضى الله تعالى أن يُلبِسَ هذه الحقيقة لباس الألفاظ, ليتسنّى للناس فهم القرآن.
 
4- من أوصاف القرآن الكريم: البشير، الحكيم، الشافي، العربي، العزيز، العظيم، القيّم، الكريم...
 
 
30
 

18

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 فكّر وأجب

 

1- أَجِبْ بـ (صحّ) أو (خطأ):

- معنى القرآن هو الكتاب المقروء والمتلوّ.

- من أسماء القرآن: الحكيم.

- من أوصاف القرآن: الذِكْر.

 

2- أَجِبْ باختصار:

- اذكر أبرز الأقوال في تحديد الأصل الاشتقاقي لمفردة (قرآن), مبيّناً القول الصحيح.

- عدّد أسماء القرآن وتحدّث عن واحد منها؟

- هل للقرآن حقيقة كامنة وراء الألفاظ؟

 

 

31

 

19

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 مطالعة

 
عظمة القرآن[1]
إعلم أيها العزيز أنّ عظمة كلّ كلام وكلّ كتاب: إمّا بعظمة متكلّمه وكاتبه، وإمّا بعظمة مطالبه ومقاصده، وإمّا بعظمة نتائجه وثمراته، وإمّا بعظمة الرسول والواسطة، وإمّا بعظمة المرسَل إليه وحامله، وإمّا بعظمة حافظه وحارسه، وإمّا بعظمة شارحه ومبيّنه، وإمّا بعظمة وقت إرساله وكيفية إرساله. وبعض هذه الأمور دخيل في العظمة ذاتاً وجوهراً، وبعضها عرضاً وبالواسطة، وبعضها كاشف عن العظمة. وجميع هذه الأمور التي ذكرناها موجودة في هذه الصحيفة النورانية بالوجه الأعلى والأوفى، بل هي من مختصّاته, بحيث إنّ أيّ كتاب آخر إمّا ألاَّ يشترك معه في شي‏ء منها أصلاً، وإمّا لا يشترك معه في جميع المراتب.
 
أمّا عظمة متكلمه ومنشئه وصاحبه, فهو العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصوّرة في الملك والملكوت، وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب والشهادة رشحة من تجلّيات عظمة فعل تلك الذات المقدّسة، ولا يمكن أن يتجلّى الحقّ تعالى بالعظمة لأحدٍ، وإنّما يتجلّى بها من وراء آلآف الحجب والسرادقات.
 
وأمّا عظمته بواسطة محتوياته ومقاصده, فيستدعي كتاباً مستقلاً حتى يسلك نبذة منها في سلك البيان والتحرير.
وأمّا عظمة رسول الوحي وواسطة الإيصال, فهو جبرائيل الأمين والروح الأعظم الذي يتّصل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه عن الجلباب البشري، وتوجيه شطر قلبه إلى حضرة الجبروت بذاك الروح الأعظم، وهو أحد أركان دار التحقّق الأربعة، بل هو أعظم أركانها وأشرف أنواعها.
 
 
 
 

 
[1] الإمام الخميني، روح الله: منهجيّة الثورة الإسلامية (مقتطفات من أفكار الإمام الإمام الخميني قدس سره وآرائه)، طهران، مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الإمام الخميني قدس سره، ص79.
32

20

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 وأمّا عظمة المرسَل إليه ومتحمّله, فهو القلب التقي النقي الأحمدي الأحدي الجمعي المحمّدي الذي تجلّى له الحقّ تعالى بجميع الشؤون الذاتية والصفاتية والأسمائية والأفعالية, وهو صاحب النبوة الختمية، والولاية المطلقة, وهو أكرم البرية، وأعظم الخليقة وخلاصة الكون، وجوهرة الوجود، وعصارة دار التحقّق، واللبنة الأخيرة، وصاحب البرزخية الكبرى، والخلافة العظمى.

 

وأمّا حافظه وحارسه فهو ذات الحقّ جلّ جلاله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[1].

وأمّا شارحه ومبيّنه, فالذوات المطهّرة المعصومون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجّة العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف, والذين هم مفاتيح الوجود، ومخازن الكبرياء، ومعادن الحكمة والوحي، وأصول المعارف والعوارف، وأصحاب مقام الجمع والتفصيل.

 

وأمّا وقت الوحي, فليلة القدر, أعظم الليالي، وخير من ألف شهر، وأنور الأزمنة، وهي في الحقيقة وقت وصول الوليّ المطلق والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 

 


 

[1] سورة الحجر، الآية: 9.

 

33

 

21

الدرس الأول: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص273-276.
3- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص141-144.
4- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص15-22.
5- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص328، 476، 668، 799.
6- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص83-84, ج20، ص109-110.
7- العسكري، معالم المدرستين، ج2، ص13-15.
8- روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج2، ص584، 746, ج3، ص1082، 1154، 1211.
9- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص493-495.
10- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح11، ص630.
 
34 
 

22

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)


موضوعات الدرس:
1- لغة القرآن.
2- نشأة علوم القرآن وتاريخها.
3- تعريف علوم القرآن.
4- موضوع علوم القرآن.
5- فائدة علوم القرآن.
6- تدوين علوم القرآن.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة خصائص لغة القرآن الكريم.
3- معرفة تاريخ علوم القرآن، ومراحل تدوينها، وتعريفها، وموضوعها، وفائدة دراستها.
 
35

23

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 1- لغة القرآن:

إنّ لغة القرآن هي اللغة العربية، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعدّة تعابير، من قبيل: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[1]، و﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾[2]، و﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾[3].
 
وأمّا اختيار اللغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم, فيعود إلى نكات دقيقة، أبرزها التالي:
أ- جاء نزول القرآن باللغة العربية استناداً إلى أصل عامّ وسنّة إلهية في الإنذار والتبشير، مفادها: اتّحاد لغة كلّ رسول مع لغة قومه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...﴾[4]. وهذه القاعدة العامّة في إرسال الرسل، تنطبق أيضاً على إنزال الكتب السماوية. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا...﴾5.
 
ومن هذا المنطلق، فإنّ نزول القرآن باللغة العربية أمر طبيعي موافق للسنّة
 
 
 

 
[1] سورة طه، الآية: 113, سورة الزمر، الآية: 28, سورة فصّلت، الآية: 3, سورة الشورى، الآية: 7, سورة الزخرف، الآية: 3.
[2]  سورة النحل، الآية: 103.
[3] سورة الرعد، الآية: 37.
[4] سورة الشورى، الآية: 7.
37

24

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 الإلهية في الإنذار والتبشير. وهذا لا يتنافى مع رسالة الإسلام العالمية، ودعوته العامّة على مدى العصور والأجيال، ولا مع ما جاء به القرآن من هداية عامّة لكافّة الناس، بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1]. وأمّا إنذار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأهل مكة، الذي ورد في سورة الشورى، فلم يكن إلا لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان في المراحل الأولى من حركته العالمية، مكلّفاً بدعوة قومه وهداية أبناء بيئته. ومن غير المعقول أن يُؤمَر صلى الله عليه وآله وسلم بإرشاد الناس وهدايتهم، ثمّ يعرض عليهم كتاباً بلغة غريبة عنهم.

 
ب- يرى علماء اللغة أنّ اللغة العربية تمتاز عن اللغات الأخرى بأنّها واسعة جدّاً: ولها قدرة عالية على حكاية المفاهيم المعنوية العالية والسامية التي يطرحها القرآن، أكثر من غيرها من اللغات الأخرى. تتميّز اللغة العربية عن اللغات الأخرى بكثرة المفردات، واشتقاق الكلمات، ووفرة قواعدها، وفصاحتها، وبلاغتها...
 
وقد اختار الله تعالى اللغة العربية لتكون لغة للقرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[2]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[3].
 
وهاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة أنّ إكساء القرآن باللغة العربية مُسنَد إلى الله تعالى، وهو الذي أنزل معنى القرآن ومحتواه بقالب اللفظ العربي, ليكون قابلاً للتعقّل والتأمّل. وفي الآية الواردة في سورة الزخرف يقول تعالى - بعد بيان أنّ لغة القرآن هي العربية -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وفي ذلك دلالة ما على أنّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعيّنها, بالاستناد إلى الوحي، وكونها عربية, دخلاً في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف. ولو أنّه تعالى أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم 
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 185.
[2] سورة يوسف، الآية: 2.
[3] سورة الزخرف، الآية: 3.
38

25

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 بمعناه، وكان اللفظ الحالي له هو لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم, كما في الأحاديث القدسية - مثلاً - أو تُرجِم إلى لغة أخرى, لخفي بعض أسرار آياته البيّنات عن عقول الناس ولم تنله عقولهم وأفهامهم[1].

 
ج- أكّد القرآن الكريم على صفة كونه بلسان عربي في وجه مَنْ زعموا أنّ هناك شخصاً يعلّم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القرآن: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾[2]. ويُراد بـ "أعجمي": أنّه غير صحيح، فـ"الإعجام: الإبهام. والعجم خلاف العرب، والعجمي منسوب إليهم. والأعجم: مَنْ في لسانه عجمة، عربياً كان، أم غير عربي"[3].
 
وورد في حديث جاء جواباً عن معنى ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾: "يبيّنُ الألسُنَ، ولا تبيّنهُ الألسُنُ"[4].
ومن هنا، فالمراد بالعربية هو: بيان حقيقة أنّ اللغة العربية لغة الفصاحة والوضوح والخلو من التعقيد والإبهام، في مقابل الأعجمي المبهم وغير الواضح والمعقّد، وقد اختارها الله تعالى ليبيّن بها معارف وحقائق راقية, بلغة فصيحة وبليغة.
 
د- اللغة العربية لغة توحيديّة: إنّ اللغة العربية تتناسب مع الهدف القرآني الأسمى وهو التوحيد, حيث لا يوجد في تأليف القضية في اللغة العربية سوى طوفان فقط هما: الموضوع والمحمول، وهما متّحدان ذاتاً يرجعان إلى وحدة ذاتية ومغايرة اعتبارية مفاهيمية، وهذا ما يجعل من القضايا في اللغة العربية قضايا توحيدية تؤشر على الهدف القرآني الأسمى وهو التوحيد، في حين أنّ القضايا في اللغات الأخرى تحتاج إلى رابط بين الموضوع والمحمول فلا بدّ لها من ثلاثة أطراف
 
 
 

 
[1]  انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص75.
[2] سورة النحل، الآية: 103.
[3]  انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"عجم"، ص549.
[4] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح20، ص632.
39

 


26

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 حتى تفيد معنى مفيداً. ولعلّ هذه إحدى النكات الدقيقة في اختيار اللغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم.

 
2- نشأة علوم القرآن وتاريخها:
اهتمّ المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعلّم القرآن, تلاوة وفهماً. وكانوا يرجعون إليه صلى الله عليه وآله وسلم في استجلاء ما يُشكَل عليهم فهمه، أو ما يحتاجون فيه إلى مزيد من التفصيل والشرح. فكانت علوم القرآن تُؤخَذ وتُنقَل عادة بالتلقين والمشافهة. وبعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وتوسّع الفتوحات الإسلامية، لاحت بوادر تدعو إلى الخوف على القرآن, نظراً إلى بُعد العهد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نسبياً، واختلاط العرب بشعوب أخرى، لها لغاتها وطريقتها في التكلّم والتفكير، فبدأت بفعل ذلك حركة نشطة نسبياً بين المسلمين لضبط علوم القرآن، ووضع الضمانات اللازمة لوقاية القرآن وصيانته عن التحريف[1].
 
وقد سبق الإمام علي عليه السلام (ت: 40هـ) غيره في الإحساس بضرورة اتّخاذ هذه الضمانات، فانصرف عقيب رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة إلى جمع القرآن, عملاً بوصية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصاه بها قبل رحيله صلى الله عليه وآله وسلم, فبعد أن رأى من الناس بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رأى، أقسم أنّه لا يضع عن عاتقه رداءه حتى يجمع القرآن, فجلس في بيته ثلاثة أيام, حتّى جمع القرآن[2].
 
وكان الإمام علي عليه السلام من روّاد التفسير وعلوم القرآن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, حتى أنّ شخصية تفسيرية يُشهَد لها في هذا المجال, كابن عباس أخذ تفسير القرآن عنه[3]. ويُعدّ الإمام عليه السلام أوّل من صنّف في علوم القرآن، ومن بين 
 
 
 

 
[1] انظر: الحكيم، محمد باقر: علوم القرآن، ط3، قم المقدّسة، مجمع الفكر الإسلامي, مؤسّسة الهادي، 1417هـ.ق، ص21-22.
[2] انظر: ابن النديم، محمد بن إسحاق، كتاب الفهرست، تحقيق رضا تجدّد، لاط، طهران، لان، ص30.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص157.
40

27

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

ما صنّف: كتاباً في المحكم والمتشابه[1].

 

ومن الصحابة: الذين لمع اسمهم في التفسير والقراءات: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأُبَي بن كعب، حيث كان لديهم مكانة رفيعة بين المسلمين في تعليم القرآن.

 

ومن الجهود المبذولة التي قام بها المسلمون بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, في مجال تدوين بعض علوم القرآن, كعلم إعراب القرآن وعلم القراءات: تدوين علم إعراب القرآن تحت إشراف الإمام علي عليه السلام, إذ أمر بذلك أبا الأسود الدؤلي (ت: 69هـ) وتلميذه يحيى بن يعمر العدواني (ت: 89هـ) رائدَي هذا العلم والواضعَين لأُسسه، فإنّ أبا الأسود هو أوّل من وضع نقط المصحف[2]. وكان يحيى بن يعمر أوّل من دوّن في القراءة، حيث صنّف كتابه فيها أواخر القرن الأوّل الهجري[3].

 

ومن هذا المنطلق، فإنّ الخوف على سلامة القرآن من الضياع أو التحريف، والتفكير في وضع الضمانات اللازمة لصيانته، بدأ في ذهن الواعين من المسلمين، عقيب رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وأدّى إلى القيام بمختلف النشاطات في هذا الصدد. وكان من نتيجة ذلك بدء ظهور علوم القرآن.

 

3- تعريف علوم القرآن:

هي عبارة عن مجموع القضايا والمباحث التي تتعلّق بالقرآن الكريم بلحاظ نزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه، ومنسوخه، ودفع الشبهة عنه، ونحو ذلك[4].

 

 

 


 

[1]  انظر: الطهراني، آغا بزرك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ط2، بيروت، دار الأضواء، لات، ج20، ص155.

[2] انظر: الذهبي، محمد بن أحمد: سير أعلام النبلاء، إشراف وتخريج شعيب الأرنؤوط، تحقيق مأمون الصاغرجي، ط9، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1413هـ.ق/ 1993م، ج4، ص81-84.

[3]  انظر: معرفة، محمد هادي: التمهيد في علوم القرآن، ط3، قم المقدّسة، مؤسّسة التمهيد, مطبعة ستاره، 1432هـ.ق/ 2011م، ج1، ص16.

[4] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص27.

 

41

 

28

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 وتختلف هذه العلوم في لحاظ تناولها للكتاب الكريم، فالقرآن له لحاظات متعدّدة، وهو بكلّ واحدة من تلك اللحاظات موضوع لبحث خاصّ تشكّل مسائله علماً خاصّاً من علوم القرآن الكريم. وأهمّ تلك اللحاظات: لحاظ القرآن بوصفه كلاماً دالاً على معنى. والقرآن بهذا الوصف هو موضوع لعلم التفسير. فعلم التفسير يشتمل على دراسة القرآن, باعتباره كلاماً ذا معنى، فيشرح معانيه، ويكشف عن مدلولاته ومقاصده. ولأجل ذلك كان علم التفسير من أهمّ علوم القرآن، وعلى رأسها، حتى بات منفصلاً عنها في دراسة الباحثين فيه, لأهمّيّته، فضلاً عن أنّ معطيات علوم القرآن الأخرى تدخل فيه, بوصفها مدخلات مساعدة في العملية التفسيرية التي يحتاجها المفسّر في الكشف عن معاني القرآن وفهم مدلولاته ومقاصده.

 

ومن هذا المنطلق، فإنَّ مراد الباحثين من "علوم القرآن" هو جميع المعلومات ذات السنخ الواحد، التي تدخل في فهم القرآن على نحو أفضل، أو لها صلة بالقرآن. وبما أنّ القرآن ذو جوانب متعدّدة، فقد أدّى السعي إلى فهم كلّ واحد منها، منذ البداية وإلى حدّ الآن، إلى نشوء علوم مختلفة، مثل: علم أسباب النزول، وعلم القراءات، وعلم التجويد، وعلم الناسخ والمنسوخ. وعلى صعيد آخر، بما أنّ كلّ هذه العلوم تهتمّ بموضوع واحد، وهو "القرآن"، فقد أطلق الباحثون على مجموع هذه العلوم اسم "علوم القرآن"[1].

 

4- موضوع علوم القرآن:

إذا ما نظرنا إلى علوم القرآن بالمعنى الإضافي, بصفتها علوماً لها لحاظات متعدّدة، فإنّ موضوع علوم القرآن حينها يكون: القرآن الكريم بلحاظ تفسيره، أو رسمه، أو طريقة أدائه، أو إعجازه، وهكذا...

 

وإذا ما نظرنا إلى هذه العلوم بكلّ أصولها ومباحثها ومسائلها, بلحاظ كونها 

 

 

 


 

[1] انظر: الحكيم، علوم القرآن، م.س، ص19-20.

42

 

 

29

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 مجتمعة في كتاب واحد وتحت عنوان واحد "علوم القرآن", بحيث صار هذا العنوان علماً ولقباً لهذه المباحث المدوّنة في موضع واحد، بعد أن كانت مبعثرة في عشرات الكتب، وصار علماً واحداً بعد أن كان جملة من العلوم, فإنّ موضوع علوم القرآن حينها يكون: القرآن الكريم بلحاظ تفسيره، ورسمه، وطريقة أدائه، وإعجازه، وهكذا...، بخلاف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، فإنّ موضوع كلّ علم منها إنّما هو القرآن الكريم من هذه الناحية فحسب[1].

 
5- فائدة دراسة علوم القرآن:
إنّ لدراسة علوم القرآن فوائد وآثار عدّة، أبرزها:
أ- الإعانة على دراسة القرآن الكريم وفهمه حقّ الفهم، واستنباط الأحكام والآداب منه, إذ كيف يتأتّى لدارس القرآن ومفسّره أن يتوصّل إلى إصابة الحقّ والصواب، وهو لا يعلم كيف نزل؟! ولا متى نزل؟! وعلى أيّ حال كان ترتيب سوره 
وآياته؟! وبأي شيء كان إعجازه؟! وكيف ثبت؟! وما هو ناسخه ومنسوخه؟!... إلى غير ذلك ممّا يُذكَر في علوم القرآن, وإلا كان عرضة للزلل والخطأ. فهذا العلم بالنسبة للمفسّر بمثابة المفتاح لباب التفسير.
 
ب- الدفاع عن الدين من خلال دفع شبهات بعض المستشرقين وهجماتهم على القرآن والإسلام, بالاستفادة من علوم القرآن الكريم التي لها دور بارز ومهمّ في تفنيد هذه الشبهات ودحضها.
 
ج- إنّ الدارس لهذا العلم يكون على حظّ كبير من العلم بالقرآن، وبما يشتمل عليه من أنواع العلوم والمعارف، ويُحظى بثقافة عالية وواسعة في ما يتعلّق بالقرآن الكريم، وإذا كانت العلوم ثقافة للعقول، وصلاحاً للقلوب وتهذيباً للأخلاق،
 
 
 

 
[1]  انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص27.
43

30

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 وإصلاحاً للنفوس والأكوان، وعنوان التقدّم والرقي، وباعثة للنهضات, ففي القمة - من كلّ ذلك - علوم القرآن. فالقرآن أحسن الحديث، وأصدقه، وعلومه أشرف العلوم وأوجبها على كلّ مسلم أيّاً كان تخصّصه، وأيّاً كانت حرفته[1].

 

6- تدوين علوم القرآن:

بدأ عهد تدوين تفسير القرآن منذ القرن الثاني الهجري. ومن بعد ذلك كثُرت المصنّفات التي تناولت القرآن الكريم, تفسيراً وبحثاً في موضوعات متعدّدة، من قبيل: المحكم والمتشابه، والقراءات، والناسخ والمنسوخ... فظهرت في القرن الأوّل الهجري مدوّنات من قبيل: كتاب "القراءة" ليحيى بن يعمر(ت: 89هـ) وهو أحد تلاميذ أبي الأسود الدؤلي... 

 

وفي القرن الثاني دوّن أبان بن تغلب (ت: 141هـ) أحد أصحاب الإمام السجّاد عليه السلام كتاباً في القراءات، وكذلك ألّف حمزة بن حبيب (ت: 156هـ), وهو أحد القرّاء السبعة ومن أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام, كتاباً في القراءة... وفي القرن الثالث ألّف أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري شيخ القميين ووجههم (ت: 250 هـ) كتاباً في الناسخ والمنسوخ... وفي القرن الرابع ألّف ابن دريد (ت: 321هـ), وهو نحوي ولغوي معروف، ومن كبار أدباء الشيعة، كتاباً في غريب القرآن... وفي القرن الخامس صنّف الشيخ المفيد (ت: 413هـ) كتاباً في إعجاز القرآن، وألّف الشريف المرتضى (ت: 436 هـ) كتاباً في المحكم والمتشابه... وفي القرن السادس ألّف الراغب الأصفهاني (ت: 502هـ) كتاباً في غريب القرآن، وصنّف الشيخ الطبرسي (ت: 548هـ) تفسيره القيّم "مجمع البيان"...[2].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح علوم القرآن بصيغته المعروفة حالياً، يختلف عمّا كان مصطلحاً عليه في القرون الأولى. 

 

فقد كان مصطلح علوم القرآن يُطلق في الماضي على البحوث التفسيرية أيضاً. والحقيقة هي: أنّ علم التفسير كان

 

 

 


 

[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، م.س، ج1، ص28.

[2] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص16-25.

 

44

 

31

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 يدخل في عداد علوم القرآن - كما تقدّم ذكره -، مثله في ذلك مثل: علم إعجاز القرآن، وعلم تاريخ القرآن، وعلم الناسخ والمنسوخ، وما شابه ذلك، بيد أنّ كثرة المباحث وتنوّعها أدّت إلى نشوء نوع من الحدود بين مباحث العلوم القرآنية وعلم التفسير.

 
وذهب بعض الباحثين إلى أنّ: المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن، أنّ أوّل عهد ظهر فيه هذا الاصطلاح إلى اصطلاح علوم القرآن، هو القرن السابع، لكنّي ظفرت في دار الكتب المصرية بكتاب لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بـ "الحوفي" المتوفى سنة430هـ اسمه "البرهان في علوم القرآن"، ويقع في ثلاثين مجلداً... وإذن نستطيع أن نتقدّم بتاريخ هذا الفنّ نحو قرنين من الزمان: أي إلى بداية القرن الخامس...، ثمّ تطوّرت عملية التدوين مع ابن الجوزي (ت: 597هـ)، والسخاوي (ت: 643هـ)، وأبي شامة (ت:665هـ) في القرنين السادس والسابع، ثمّ الزركشي (ت: 794هـ) في القرن الثامن، ثمّ الكافيجي (ت: 879هـ)، وجلال الدين البلقيني (ت: 824هـ) في القرن التاسع، ثمّ مع جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ) في نهاية القرن التاسع وبداية العاشر[1].
 
وقد بدأ تدوين علوم القرآن بشكل جامع منذ القرن الثامن بتأليف كتاب "البرهان في علوم القرآن" لأبي عبد الله الزركشي. وكانت شمولية كتابه لأنواع علوم القرآن لا نظير لها حتى ذلك العهد، حتى أنّ السيوطي أعرب عن تعجّبه من المتقدّمين, إذ لم يدوّنوا كتاباً في أنواع علوم القرآن، ولكنّه أبدى السرور والانشراح بعد اطّلاعه على كتاب البرهان، وخطر له أن يؤلّف كتاباً مبسوطاً في هذا المجال سمّاه "الإتقان في علوم القرآن"[2]. ويعدّ كتاب "الإتقان في علوم القرآن" من أهمّ مصادر علوم القرآن. ومن أبرز المصادر التي اعتمد عليها السيوطي: كتاب "البرهان في علوم
 
 
 

 
[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ص35-39.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص19، 24-25.
45

 


32

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 القرآن" للزركشي. وفي أعقاب كتاب الإتقان انحسر ازدهار التأليف والتدوين في علوم القرآن إلى حين، وجاءت أكثر المؤلّفات في مواضيع معيّنة، وقلّ بعدها التوجّه نحو علوم القرآن.

 
وقد أُلِّفَت في القرن الأخير مؤلّفات قيّمة في علوم القرآن، يمكن أن نذكر منها ما يلي: "مناهل العرفان في علوم القرآن" لعبد العظيم الزرقاني، و"مقدّمة تفسير آلاء الرحمن" للشيخ محمد جواد البلاغي، و"مباحث في علوم القرآن"، للدكتور صبحي الصالح، و"منهج الفرقان في علوم القرآن" لمحمد علي سلامة، و"تاريخ القرآن" لأبو عبد الله الزنجاني، و"البيان في تفسير القرآن" للسيد أبو القاسم الخوئي، و"القرآن في الإسلام" للسيد محمد حسين الطباطبائي[1]، و"التمهيد في علوم القرآن" للشيخ محمد هادي معرفة، وغيرها من الكتب[2]...
 
 
 

 
[1] هذا الكتاب مترجّم عن اللغة الفارسية.
[2]  انظر: معرفة، التمهيد، م.س، ج1، ص36-38, الرومي، فهد بن عبد الرحمن: دراسات في علوم القرآن، ط14، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1426هـ.ق، ص47-48.
46

33

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

الأفكار الرئيسة
1- إنّ لغة القرآن هي اللغة العربية، وقد اختارها الله تعالى لتكون لغة القرآن لعدّة نكات لطيفة ودقيقة.
 
2- اهتمّ المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعلّم القرآن, تلاوة وفهماً.
 
3- كان الإمام علي عليه السلام من روّاد التفسير وعلوم القرآن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ومن الصحابة الذين لمع اسمهم في التفسير والقراءات: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب...
 
4- علوم القرآن هي: مجموع القضايا والمباحث التي تتعلّق بالقرآن الكريم بلحاظ نزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه، ومنسوخه، ودفع الشبهة عنه، ونحو ذلك.
 
5- موضوع علوم القرآن بالمعنى الكلّي: القرآن الكريم بلحاظ تفسيره، أو رسمه، أو طريقة أدائه... وبالمعنى الإضافي: القرآن الكريم بلحاظ تفسيره، ورسمه، وطريقة أدائه...
 
6- من فوائد دراسة علوم القرآن: الإعانة على دراسة القرآن وفهمه، والدفاع عن الدين...
 
7- بدأ عهد التدوين بداية القرن الخامس، ثمّ تطوّر في القرون اللاحق حتى بداية القرن العاشر.
47

34

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

فكّر وأجب

 

1- أَجِبْ بـ (صحّ) أو (خطأ):

- كانت علوم القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُؤخَذ وتُنقَل عادّة بالتلقين والمشافهة.

- بدأت حركة تدوين علوم القرآن في القرن الثاني الهجري.

- يُعدّ كتاب (البرهان في علوم القرآن) للزركشي أوّل كتاب دوّن بنحو جامع في علوم القرآن.

 

2- أَجِبْ باختصار:

- لماذا نزل القرآن باللغة العربية؟

- عرّف علوم القرآن، وبيّن موضوعها؟

- ما هي فائدة دراسة علوم القرآن؟

 

48 

 

 

35

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 مطالعة

 
طريق الاستفادة من القرآن الكريم[1]
لا بدّ لك أن تلفت النظر إلى مطلب مهمّ يَكشِفُ لكَ بالتوجّه إليه طريقَ الاستفادة من الكتاب الشريف، وتنفتح على قلبك أبواب المعارف والحكم, وهو: أن يكون نظرك إلى الكتاب الشريف الإلهي نظر التعليم، وتراه كتاب التعليم والإفادة وترى نفسك موظّفة على التعلّم والاستفادة، وليس مقصودنا من التعليم والتعلم والإفادة والاستفادة أن تتعلم منه الجهات الأدبية والنحو والصرف، أو تأخذ منه الفصاحة والبلاغة والنكات البيانية والبديعية، أو تنظر في قصصه وحكاياته بالنظر التاريخي والاطّلاع على الأمم السالفة، فإنّه ليس شي‏ء من هذه داخلاً في مقاصد القرآن، وهو بعيد عن المنظور الأصلي للكتاب الإلهي بمراحل.
 
وليس مقصودنا من هذا البيان الانتقاد للتفاسير, فإنّ كلّ واحد من المفسّرين تحمّل المشاق الكثيرة والأتعاب التي لا نهاية لها حتى صنف كتاباً شريفاً، فلله درّهم، وعلى الله أجرهم، بل مقصودنا هو: أنّه لا بدّ وأن يُفتَح للناس طريق الاستفادة من هذا الكتاب الشريف, الذي هو الكتاب الوحيد في السلوك إلى الله والكتاب الأحدي في تهذيب النفوس والآداب والسنن الإلهية، وأعظم وسيلة للربط بين الخالق والمخلوق، والعروة الوثقى والحبل المتين للتمسّك بعزّ الربوبية. فعلى العلماء والمفسرين أن يكتبوا التفاسير، وليكن مقصودهم: بيان التعاليم والمقرّرات العرفانية والأخلاقية، وبيان كيفية ربط المخلوق بالخالق، وبيان الهجرة من دار الغرور إلى دار السرور والخلود على نحو ما أُودِعَت في هذا الكتاب الشريف، فصاحب هذا الكتاب ليس هو السكاكي, فيكون مقصده جهات البلاغة والفصاحة، وليس هو سيبويه والخليل, 
 
 
 

 
[1] انظر: الإمام الخميني، روح الله: الآداب المعنوية للصلاة، ترجمة وشرح وتعليق أحمد الفهري، ط2، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1406هـ.ق/1986م، ص332-339.
49

36

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

حتى يكون منظوره جهات النحو والصرف، وليس المسعودي وابن خلكان, حتى يبحث حول تاريخ العالم.

 

هذا الكتاب ليس كعصي موسى عليه السلام ويده البيضاء، أو نفس عيسى عليه السلام الذي يحيي الموتى, فيكون للإعجاز فقط، وللدّلالة على صدق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, بل هذه الصحيفة الإلهية كتاب إحياء القلوب بالحياة الأبدية العلمية والمعارف الإلهية. هذا كتاب الله يدعو إلى الشؤون الإلهية، فالمفسّر، لا بدّ وأن يعلم الشؤون الإلهية، ويُرجِع الناس إلى تفسيره, لتعلّم الشؤون الإلهية, حتى تتحصّل الاستفادة منه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾[1]. فأيّ خسران أعظم من أن نقرأ الكتاب الإلهي منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ونراجع التفاسير، ونحرم مقاصده: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[2].

 

 

 


 

[1] سورة الإسراء، الآية: 82.

[2] سورة الأعراف، الآية: 23.

50 

 


37

الدرس الثاني: مباحث تمهيدية في علوم القرآن (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

 
1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج11، ص75.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص549
4- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح20، ص632.
5- الحكيم، علوم القرآن، ص19-22.
6- ابن النديم، كتاب الفهرست، ص30.
7- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص157.
8- الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج20، ص155.
9- الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج4، ص81-84.
10- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص16-25، 36-38.
11- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص27-28، 35-39.
12- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص19، 24-25.
13- الرومي، دراسات في علوم القرآن، ص47-48.
 
51
 
 

38

الدرس الثالث: الوحي (1)

 الدرس الثالث: الوحي (1)

 

موضوعات الدرس:

1- معنى الوحي.

2- الوحي في القرآن.

3- أنحاء الوحي النبوي.

4- أقسام الوحي النبوي.

5- الوحي المحمّدي.

 

أهداف الدرس:

1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.

2- معرفة معنى الوحي وأقسامه وأوصافه.

3- معرفة حقيقة الوحي المحمّدي.

 

53

 

 

39

الدرس الثالث: الوحي (1)

 1- معنى الوحي:

أ- المعنى اللغوي: هو إعلام سريع خفيّ، سواء أكان بإيماءة أم بهمسة أم بكتابة في سرّ، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك في سرعة خاطفة حتى فَهِمه فهو وحيٌ. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمّن السرعة قيل: أمرٌ وحِيٌّ (أي سريع)، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرّد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة[1]. 
 
والوحي: يدلّ على إلقاء علم في إخفاء أو غيره، والوحي: الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكلّ ما ألقيتَه إلى غيرك حتّى عَلِمَه فهو وحي[2].
 
ب- المعنى الاصطلاحي: عرّف الشيخ الطوسي قدس سره الوحي بأنّه: "البيان الذي ليس بإيضاح, نحو الإشارة والدلالة, لأنّ كلام المَلَك كان له (أي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الوجه"[3]. وفي موضع آخر أفاد بأنّ: "الإيحاء إلقاء المعنى في النفس على وجه يخفى, وهو ما يجيء به من دون أن يرى ذلك غيره من الخلق"[4]. ويتّضح من خلال
 
 
 

 
[1] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"وحى"، ص858.
[2] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج6، مادّة"وحى"، ص93.
[3] الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: التبيان في تفسير القرآن، تحقيق وتصحيح أحمد قصير العاملي، ط1، إيران، مكتب الإعلام الإسلامي، 1409هـ.ق، ج4، ص142.
[4]  م. ن، ج5، ص443.
55

40

الدرس الثالث: الوحي (1)

 التحديدين السابقين أنّهما ناظران إلى أكثر أنحاء الوحي وروداً في القرآن الكريم, وهو طريق وحي القرآن الكريم نفسه, عبر إرسال مَلَك, وهو جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾[1].

 
ولعلّ التحديد الأدقّ للوحي هو ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره بأنّه: "إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قُصِدَ إفهامه"[2]، حيث يشمل هذا التحديد كلّ أنحاء الوحي، فيدخل فيه الوحي المباشر (بلا واسطة) والوحي غير المباشر(كالوحي بواسطة مَلَك). وقد قرّر الأدب الديني في الإسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء والرسل عليهم السلام من التكليم الإلهي[3].
 
2- الوحي في القرآن:
استخدم القرآن الكريم مفردة "الوحي" في موارد عدّة أُريد بها معانٍ مختلفة، وقد ورد حديث مروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, قسّم فيه الوحي إلى: وحي النبوة والرسالة، ووحي الإلهام، ووحي الإشارة، ووحي التقدير، ووحي الأمر، ووحي الكذب(وسوسة الشياطين) ووحي الخبر[4]. ومن هنا، يمكن إجمال موارد الاستخدام القرآني لمفردة "الوحي", تبعاً لمقسم المعنى الاصطلاحي للوحي، وانسجاماً مع ما ورد في الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام, وفق التالي:
أ- الوحي إلى غير الأنبياء عليهم السلام:
- الإيماءة الخفية (وحي الإشارة): وهو المعنى اللغوي نفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[5].

 
 

 
[1] سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
[2] السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص492.
[3] م. ن.
[4] انظر: المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقيق عبد الرحيم الربّاني الشيرازي، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.ق/ 1983م، ج18، باب2 من أبواب أحواله صلى الله عليه وآله وسلم ...، ح3، ص254-255, ج90، باب 128، رسالة النعماني، ص16-17.
[5] سورة مريم، الآية: 11.
56

41

الدرس الثالث: الوحي (1)

 - تركيز غريزيّ فطريّ في الإنسان والحيوان(وحي الإلهام): وهو تكوين طبيعيّ مجعول في الإنسان والحيوان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ...﴾[1] ، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا...﴾[2].

 
 
- تركيز طبيعي في الجماد (وحي التقدير): وهو تكوين طبيعيّ مجعول في الجمادات، ومنه وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾[3].
 
- أمر رحماني (وحي الأمر): وهو شعور نفساني داخلي مصدره الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي...﴾[4] ، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ...﴾[5].
 
- وسوسة شيطانية (وحي الكذب): وهو شعور نفساني داخلي مصدره الشيطان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[6]، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[7].
 
ب- الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام (وحي النبوّة والرسالة): وهو اتّصال غيبيّ بين الله وأنبيائه عليهم السلام, ويختلف عن سائر الإيحاءات المعروفة لجهة مصدره الغيبي اتّصالاً بما وراء المادَّة. وهذا هو المعنى الاصطلاحي للوحي، وقد استعمله القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعاً[8]، منها: قوله تعالى:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾[9]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ 
 
 
 

 
[1] سورة القصص، الآية: 7.
[2] سورة النحل، الآية: 68.
[3] سورة فصّلت، الآية: 12.
[4] سورة المائدة، الآية: 111.
[5] سورة الأنفال، الآية: 12.
[6] سورة الأنعام، الآية: 112.
[7] سورة الأنعام، الآية: 121.
[8] روحاني، المعجم الإحصائي للقرآن الكريم، م.س، ج 1، ص 571.
[9] سورة النساء، الآية: 163.
57

42

الدرس الثالث: الوحي (1)

 فِعْلَ الْخَيْرَاتِ...﴾[1] ، والوحي الوارد في هذه الآية هو من وحي الخبر (بحسب تعبير الرواية المتقدّمة), وهو هداية ربّانيّة 

مجعولة في نفوس الأنبياء عليهم السلام بوحي باطني وتأييد سماوي[2].
 
وظاهرة الوحي من مختصّات مقام النبوّة، ولم يكن النبيّ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم بِدعاً من الأنبياء عليهم السلام في هذا الاختصاص النبويّ، ولا أوَّل مَن خاطب الناس باسم الوحي السماوي: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ...﴾[3]. ودفعاً لهذا الاستنكار الغريب، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾[4].
 
3- أنحاء الوحي النبوي:
يتحقّق الوحي النبوي على أنحاء ثلاثة، كما جاءت في الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[5]، وفي حديث مروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صدد تفسير هذه الآية[6]:
أ- النحو الأول: الإلقاء في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ومن دون واسطة، ومنه: ما رواه زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام, حيث سأله عن الغشية التي تصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي؟ حيث قال عليه السلام: "ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد. ذلك إذا تجلّى الله له"[7].
 
 
 

 
[1] سورة الأنبياء، الآية: 73.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص274.
[3] سورة يونس، الآية: 2.
[4] سورة النساء، الآية: 163.
[5] سورة الشورى، الآية: 51.
[6] الشيخ القمي، علي بن إبراهيم: تفسير القمي، تصحيح وتعليق وتقديم طيب الموسوي الجزائري، لاط، لام، مطبعة النجف، 1387هـ.ق، ج2، ص279.
[7] ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): التوحيد، تصحيح وتعليق هاشم الحسيني الطهراني، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، لات، باب8، ح15، ص115.
58

43

الدرس الثالث: الوحي (1)

 ب- النحو الثاني: تكليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وراء حجاب، ومنه قوله تعالى: ﴿...وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى﴾[1]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[2].

 
ج- النحو الثالث: إرسال مَلَك ليكون واسطة في إيصال الوحي للنبي عليه السلام, ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا...﴾[3] ، وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾[4].
 
4- أقسام الوحي النبوي:
يمكن تقسيم الوحي النبوي إلى قسمين رئيسين:
أ- الوحي المباشر: وهو أصعب أنواع الوحي، وفيه يتّصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ وجوده بالله تعالى من دون توسّط أيّ واسطة. ويحصل ذلك عندما تتهيّأ نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ويصبح لديه القابلية لهذا الاتّصال المباشر. وقد ورد في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام توصيف لثقل هذا الوحي، ومن هذه الأحاديث:
 
- ما روي أنّ الحرث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف كان ينزل عليك الوحي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس, وهو أشدّ علي، فيفصم عنّي, وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّل المَلَكُ رجلاً، فيكلّمني, فأعي ما يقول"[5].
 
- ما رواه عبد الله بن عمر: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل تحسّ بالوحي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: 
"أسمع صلاصل، ثمّ أسكت عند ذلك. فما من مرّة يُوحى إليّ إلا ظننت أنّ نفسي تفيض"[6].
 
 
 

 
[1] سورة النساء، الآية: 164.
[2] سورة القصص، الآية: 30.
[3] سورة الشورى، الآية: 52.
[4] سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
[5] ابن شهرآشوب، محمد بن علي: مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، لاط، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، 1376هـ.ق/ 1956م، ج1، ص41.
[6] ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لاط، بيروت، دار صادر، لات، ج2، ص222.
59

44

الدرس الثالث: الوحي (1)

 - ما رواه زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام, من أنّه سأله عليه السلام عن الغشية التي تصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي؟ فقال عليه السلام: "ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد. ذلك إذا تجلى الله له"[1].

 
- ما روي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نزل عليه الوحي يُسمَع عند وجهه دويّ, كدويّ النحل، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد, فيفصم عنه، وأنّ جبينه لينفصد عرقاً، وأنّه كان إذا نزل 
عليه الوحي كرب لذلك، ويربد وجهه، ونكس رأسه، ونكس أصحابه رؤسهم منه. ومنه يقال: برحاء الوحي, أي شدّة 
ثقل الوحي[2].
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه العوارض الجسدية التي كانت تظهر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزول الوحي عليه من دون واسطة، إنّما هي بمثابة العلامات الحاكية عن ثقل هذا الوحي المباشر, بفعل اتّصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ كيانه ووجوده بمبدأ الوجود، وانفتاح نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وهو في نشأة عالم المادّة المحدود على عالم الملكوت الأعلى. فمن الطبيعي أن تظهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم هذه العوارض المادّية، حتى كأنّ روحه تفيض منه بفعل هذا الاتّصال المباشر. وفي تحقّق هذا الاتّصال مع وجود قيود عالم المادّة دلالة جليّة على عِظَم نفس الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وطهارتها وكمالها.
 
ب- الوحي غير المباشر: وفيه يتلقّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحي عبر واسطة تكون صلة وصل بينه وبين الله تعالى, كما في الوحي النازل بواسطة المنام والرؤيا، ومنه: قوله تعالى - حكاية عن لسان نبيّه إبراهيم عليه السلام -: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ...﴾[3] ، وكما في تكليم الله تعالى لنبيّه موسى عليه السلام: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾[4]، وكما في الوحي النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة 
 
 
 

 
[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، م.س، باب8، ح15، ص115.
[2] انظر: ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, م.س، ج1، ص41.
[3] سورة الصافات، الآية: 102.
[4] سورة مريم، الآية: 52.
60

45

الدرس الثالث: الوحي (1)

 جبرائيل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...﴾[1].

 
ويستفاد من بعض الروايات أنّ أمر هذا الوحي لم يكن ثقيلاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, بخلاف الوحي المباشر، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ جبرائيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعدَ بين يديه قعدة العبد"[2].
 
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلقّى الوحي بكلّ بوجوده، ولم يكن للحواس الظاهرية أي دور في هذا الأمر, وإلاّ لأمكن لغيره من الناس سماع ما يسمع، ورؤية ما يرى.
 
5- الوحي المحمّدي:
كان الوحي الإلهي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنحاء ثلاثة:
أ- الوحي عبر الرؤيا الصادقة والمنام: إنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنّ آتياً يأتيه فيقول: يا رسول الله! ومضت عليه بُرهة من الزمن وهو على ذلك يكتمُه[3]. وعن الإمام علي عليه السلام: "رؤيا الأنبياء وحي"[4]. وعن الإمام الباقر عليه السلام: "وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام, ونحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب النبوّة قبل الوحي، حتّى أتاه جبرائيل عليه السلام من عند الله بالرسالة..."[5].
 
وتجدر الإشارة إلى أنّه لم ينزل شيء من القرآن عبر هذا النحو من الوحي، إذ لم يعهد نزول قرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وإن كانت بعض رؤاه أسباباً لنزول القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
 
 
 

 
[1] سورة الشعراء، الآيات: 192-194.
[2] ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1405هـ.ق/ 1363هـ.ش، ص85-86.
[3] انظر: الإربلي، علي: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ط2، بيروت، دار الأضواء، 1405هـ.ق/ 1985م، ج1، ص86.
[4] الشيخ الطوسي، الأمالي، م.س، ح689، ص338.
[5] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب3، ح3، ص176.
61

46

الدرس الثالث: الوحي (1)

 شَاء اللَّهُ...﴾[1] ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عام الحديبيَّة[2]، وصَدَقَت عام الفتح[3].

 
ب- الوحي عبر جبرائيل عليه السلام: كان جبرائيل عليه السلام ينزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم 
على صور ثلاثة:
- نزوله بصورته الأصليَّة: وهذا حصل مرَّتين مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾[4]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *  مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾[5]، فالمرَّتين كانت إحداهما: في بدْء الوحي بغار حراء، حيث ظهر له جبرائيل عليه السلام في صورته الحقيقية التي خلَقه الله عليها، مالئاً أُفق السماء من المشرق إلى المغرب، فتهيَّبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهيّباً بالغاً، فنزل عليه جبرائيل عليه السلام في صورة الآدميّين، فضمَّه إلى صدره، فكان لا ينزل عليه بعد ذلك إلاّ في صورة بشَر جميل. والثانية: كانت باستدعائه صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، فكان لا يزال يأتيه جبرائيل عليه السلام في صورة الآدميين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُريَه نفسه مرّة أخرى على صورته التي خلَقه الله، فأراه صورته فسدّ الأفُـق، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ كان المرّة الأُولى، وقوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ كان المرَّة الثانية[6].
 
 
 

 
[1] سورة الفتح، الآية: 27.
[2] السنة السادسة للهجرة.
[3] السنة الثامنة للهجرة.
[4] سورة النجم، الآيتان: 4-18.
[5] سورة التكوير، الآيتان: 19-23.
[6] انظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحقّقين، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1415هـ.ق/ 1995م، ج9، ص284-293, ج10، ص281.
62

47

الدرس الثالث: الوحي (1)

 - نزوله متمثّلاً بصورة آدمي: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "وأحياناً يتمثّل لي المَلك رجلاً، فيكلّمني فأعي ما يقول"[1]. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ جبرائيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعدَ بين يديه قعدة العبد"[2].

 
- نزوله على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون أن يراه: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...﴾[3]. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الروح الأمين نفث في رَوعي"[4].
 
ج- الوحي مباشرة من دون واسطة: وهو أكثر أنحاء الوحي نزولاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, حيث كان شديداً على نفسه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تقدّم ذِكْر بعض الروايات التي تتحدّث عن ثقل هذا الوحي[5].
 
 
 

 
[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, م.س، ج1، ص41.
[2] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص85-86.
[3] سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
[4] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح2، ص74.
[5] انظر: عنوان "أقسام الوحي (الوحي المباشر)".
63

48

الدرس الثالث: الوحي (1)

 الأفكار الرئيسة

1- الوحي هو إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قُصِدَ إفهامه.
2- استخدم القرآن الكريم "الوحي" في موارد عدّة أُريد بها معانٍ مختلفة، منها: الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام، الإيماءة الخفية، تركيز غريزيّ فطريّ في الإنسان والحيوان، تركيز طبيعي في الجماد، أمر رحماني، وسوسة شيطانية.
3- الوحي النبوي على أنحاء ثلاثة: إلقاء في القلب، تكليم من وراء حجاب، إرسال مَلَك.
4- يقسم الوحي النبوي إلى قسمين: وحي مباشر، ووحي غير مباشر.
5- كان الوحي الإلهي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنحاء ثلاثة: عبر الرؤيا الصادقة والمنام، عبر جبرائيل عليه السلام, مباشرة من دون واسطة.
 
فكّر وأجب
 
1- أَجِبْ بـ (صحّ) أو (خطأ):
- غالبية موارد الاستخدام القرآني للوحي جاءت في الوحي النبوي.
- كان جبرائيل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إمّا بصورته الحقيقية وإمّا متمثّلاً بصورة آدمي فقط.
- بعض الوحي القرآني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عن طريق الرؤيا الصادقة والمنام.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- حدّد معنى الوحي؟
- بيّن أنحاء الوحي النبوي؟
- تحدّث عن أقسام الوحي النبوي؟
 
 
 
64
 

49

الدرس الثالث: الوحي (1)

 مطالعة

 
القرآن جوامع الكلم[1]
إنّ الذات المقدّسة للحقّ جلّ وعلا على حسب ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[2]... يتجلّى لقلوب الأنبياء عليهم السلام والأولياء عليهم السلام في كسوة الأسماء والصفات، وتختلف التجلّيات على حسب اختلاف قلوبهم، والكتب السماوية التي نزلت على قلوبهم بنعت الإيحاء بتوسّط ملك اللوح جبرائيل عليه السلام, تختلف على حسب اختلاف هذه التجلّيات، وعلى حسب اختلاف الأسماء التي لها المبدئية، كما أنّ اختلاف الأنبياء عليهم السلام وشرائعهم - أيضا ً- باختلاف الدول الأسمائية، فكلّ اسم تكون إحاطته أكثر ويكون أجمع, تكون دولته أكثر إحاطة, والنبوّة التابعة له أكثر إحاطة، والكتاب النازل منه أكثر إحاطة وجامعيّة, وتكون الشريعة التابعة له أكثر إحاطة وأدوم.
 
وحيث إنّ النبوّة الختميّة، والقرآن الشريف، وشريعة سيد البشر, من مظاهر المقام الجامع الأحدي وحضرة اسم الله الأعظم ومجاليها، أو من تجلّياتها وظهوراته، فلهذا صارت أكثر النبوّات والكتب والشرائع إحاطة وأجمعها. ولا يتصوّر أكمل وأشرف من نبوّته وكتابه وشريعته. ولا يتنزل من عالم الغيب على بسيط الطبيعة علم أعلى منه، أو شبيه له, بمعنى أنّ هذا هو آخر ظهور للكمال العلمي المربوط بالشرائع، وليس للأعلى منه إمكان النزول في عالم المُلك، فنفس الرسول الخاتم أشرف الموجودات، والمظهر التامّ للاسم الأعظم، ونبوّته - أيضاً - أتمّ النبوّات الممكنة، وصورة لدولة الاسم الأعظم، ولهذه الجهة لهذا الكتاب أحديّة الجمع والتفصيل. وهو من جوامع الكلم، كما أنّ كلامه صلى الله عليه وآله وسلم - أيضاً - كان من جوامع الكلم، والمراد من كون القران أو كلامه صلى الله عليه وآله وسلم من جوامع الكلم ليس أنّ القران، أو أنّه صلى الله عليه وآله وسلم بيّنا الكلّيّات والضوابط الجامعة،
 
 
 

 
[1] انظر: الإمام الخميني، منهجية الثورة الإسلامية، م.س، ص89.
[2] سورة الرحمن، الآية: 29.
65

50

الدرس الثالث: الوحي (1)

 وإن كانت أحاديثه صلى الله عليه وآله وسلم - أيضاً- من الجوامع والضوابط بذلك المعنى، كما أنّ ذلك معلوم في علم الفقه، بل جامعيّته عبارة عن أنّ القرآن نزل لجميع طبقات الإنسان في جميع أدوار العمر البشري، وهو رافع لجميع حوائج هذا النوع. وحقيقة هذا النوع حيث إنّها حقيقة جامعة وواحدة لتمام المنازل، من المنزل الأسفل الملكي إلى أعلى مراتب الروحانية والملكوت والجبروت، ولهذه الجهة يختلف أفراد هذا النوع في هذا العالم الأسفل الملكي اختلافاً تامّاً، 

والاختلاف والتفاوت الموجودان في أفراد هذا النوع لا يوجدان في أفراد سائر الموجودات، ففي هذا النوع الشقيّ الذي هو في كمال الشقاوة، والسعيد الذي هو في كمال السعادة, وهو نوع بعض أفراده أسفل من جميع الحيوانات، وبعض أفراده أشرف من جميع الملائكة المقرّبين.
 
وبالجملة، حيث إنّ أفراد هذا النوع مختلفة متفاوتة في المدارك والمعارف، فالقران نزل على نحو يستفيد كلٌ منه على حسب كمال إدراكه ومعارفه وضعفها، وعلى حسب ما له من الدرجة العلمية.
 
66

51

الدرس الثالث: الوحي (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

 
1- القرآن الكريم.
2- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص858.
3- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص93.
4- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج4، ص142, ج5، ص443.
5- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص274, ج12، ص492.
6- المجلسي، بحار الأنوار، ج18، باب2، ح3، ص254-255, ج28، كتاب الفتن والمحن، باب3، ص90, ج90، باب128، رسالة النعماني، ص16-17.
7- روحاني، المعجم الإحصائي للقرآن الكريم، ج 1، ص 571.
8- القمي، تفسير القمي، ج2، ص279.
9- ابن بابويه، التوحيد، باب8، ح15، ص115.
10- ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب(عله)، ج1، ص41.
11- ابن حنبل، مسند أحمد، ج2، ص222.
12- ابن بابويه، كمال الدين وتمام النعمة، ص85-86.
13- الإربلي، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج1، ص86.
14- الطوسي، الأمالي، ح689، ص338.
15- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب3، ح3، ص176, ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح2، ص74.
16- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج9، ص284-293, ج10، ص281.
67 
 

52

الدرس الرابع: الوحي (2)

 الدرس الرابع: الوحي (2)


موضوعات الدرس:
1- ضرورة الوحي.
2- إمكانيّة الوحي ووقوعه.
3- حقيقة الوحي وكيفية حصوله.
4- عدم استمرارية الوحي.
5- كتّاب الوحي.
6- شبهات حول الوحي.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة ضرورة الوحي، وإمكانية وقوعه، وحقيقته وكيفية حصوله، وعدم استمراريّته.
3- معرفة أهم كتّاب الوحي، وأبرز الشّبهات المثّارة حوله.
 
69

53

الدرس الرابع: الوحي (2)

 1- ضرورة الوحي:

إنّ الإنسان مفطور على حبّ الانتفاع ودفع المضارّ واستخدام غيره من بني نوعه. وبفعل وجود الاختلاف الضروري بين أفراد الإنسان من حيث الخِلْقَة وطريقة العيش والعادات والتقاليد... شدّة وضعفاً, كان من الطبيعي أن يَظهر الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية، بحيث يستفيد القوي أكثر من الضعيف, بما يؤدّي إلى الإخلال بميزان العدل الاجتماعي بين الناس, ما استدعى وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة والمشاجرات في لوازم الحياة.
 
ومن الطبيعي أن يكون مصدر هذه القوانين من غير الفطرة, لأنّ ما به الاختلاف لا يصلح وحده لأن يكون مصدراً للحلّ, فكان بذلك النوع البشري محتاجاً إلى مصدر آخر يُصلِح الفطرة بالفطرة، وينسجم معها، ويعدل قواها المختلفة عند طغيانها، وينظّم للإنسان حياته الدنيوية والأخروية[1].
 
ومن هنا، كان الوحي صلة وصل بين الله تعالى وخلقه, يكشف لهم عن المعارف الإلهية والحقائق الربّانية اللازمة لرفع الاختلاف والوصول إلى سعادة النوع
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص113-123, القرآن في الإسلام، تعريب أحمد وهبي، ط1، بيروت، دار الولاء، 1422هـ.ق/ 2001م، ص96-106.
71

54

الدرس الرابع: الوحي (2)

الإنساني. ولأنّ العقل البشري وحده قاصر عن إدراك هذه الحقائق والمعارف والكشف عنها, كان من الضروري أن يجعل الله تعالى طريقاً آخراً ينسجم مع العقل والفطرة ويكمّلهما: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ...﴾[1].

 

2- إمكانية الوحي ووقوعه:

يمتلك الإنسان وراء شخصيَّته المادّيّة الظاهرة شخصيَّة أخرى معنوية باطنة، من شأنها أن تتيح له الارتباط بعالم معنوي أعلى مجرّد عن المادّة ولوازمها، فالإنسان في عالم الدنيا موجود مركّب من روح وجسد، يرتبط بالعالم المادّي بجسده ويحمل خصائصه وقابليّاته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾، ويرتبط بالعالم المجرّد بروحه ويحمل خصائصه وقابليّاته -أيضاً -: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[2]. وهذا الخلْق الآخر هو وجود الإنسان الروحي الذي أفاضه الله تعالى، فمنه مبدؤه: ﴿...وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾[3]، وإليه منتهاه: ﴿يَا 

أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾[4].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام في قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾[5]، قال: "إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقاً وخلق روحاً، ثم أمر ملكاً فنفخ فيه"[6].

 

ومن هذا المنطلق، لا مانع للإنسان مِن أن يتَّصل في جانبه المعنوي والروحي

 

 

 


 

[1] سورة البقرة، الآية: 213.

[2] سورة المؤمنون، الآيات: 12-14.

[3] سورة مريم، الآية: 9.

[4] سورة الفجر، الآيتان: 27-28.

[5] سورة الحجر، الآية: 29.

[6] الشيخ الصدوق، التوحيد، م.س، باب معنى قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي...﴾، ح6، ص172.

72 

 

 

55

الدرس الرابع: الوحي (2)

 بالعالم المجرّد، طالما أنّ روحه تحمل خصائص هذا العالم وقابليّاته, فيكون هذا الاتّصال خفيّاً لا يحمل خصائص المادّة، ولا يخضع لقوانينها الطبيعية, وهو ما يشكّل ظاهرة الوحي.

 
وقد نزل الوحي على امتداد تاريخ البشرية حتّى انقطاعه برحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام الذين وجد الله تعالى فيهم الأهلية اللازمة لتلقّي الوحي الإلهي, بحيث خصّهم بذلك من دون غيرهم من الناس: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ...﴾[1].
 
3- حقيقة الوحي وكيفية حصوله:
هو إدراك خاصّ مختلف عن سائر الإدراكات البشرية المشتركة بين أفراد البشر كافّة، والمتحصّلة عن طريق الحسّ أو العقل أو الغريزة أو الوجدان، يُوجِده الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام إيجاداً لا يعتريه لبس أو شكّ أو خطأ، ولا يحتاجون فيه إلى إعمال نظر، أو توسّل دليل، أو إقامة برهان، أو حجّة, كما هو شأن الإدراكات البشرية. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...﴾[2], فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلقّى الوحي الإلهي بنفسه الشريفة من غير توسّط الحواس الظاهرة, فيسمع ويرى من غير وساطة السمع والبصر الماديّين, وإلا لكان من الممكن أن يسمع ويرى غيره من الناس, ما سمعه ورأه بالوحي، وَلَما كان الوحي حينها من مختصّات مقام النبوّة.
 
ويوجد أمر لا نستطيع إدراكه في ظاهرة الوحي، وإن كنّا نعتبره واقعاً حقّاً، ونؤمن به إيماناً صادقاً، وهو: كيف يقع هذا الاتّصال الروحي؟ والسبب في ذلك: أنّ الوحي ليس من سنخ عالم المادّة والمادّيات, لكي نستطيع إدراك كنهه أو تحديد كيفية حصوله، وكلّ ما باستطاعتنا إنَّما هو التعبير عنه على نحو التشبيه والاستعارة، أو
 
 
 

 
[1] سورة النساء، الآية: 163.
[2] سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
73

56

الدرس الرابع: الوحي (2)

المجاز والكناية لا أكثر، فهو ممّا يُدرَك ولا يُوصَف. فالوحي ظاهرة روحية يدركها مَن يصلُح لها، ولا يستطيع غيره أن يصِفها وصفاً بالكُنه، ما عدا التعبير عنها بالآثار والعوارض هذا فحسب. وكذلك التعبير بنزول الوحي أو المَلَك هو تعبير مجازي، وليس سوى إشراقة وإفاضة قدسية ملَكوتية يجدها النبيّ عليه السلام حاضرة نفسه، مُلقاة عليه من خارج روحه[1].

 

4- عدم استمرارية الوحي النبوي:

الوحي النبوي مختصّ بالأنبياء عليهم السلام, وقد انقطع الوحي بعد رحيل خاتم النبيين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم, حيث اكتملت الرسالة الخاتمة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ...﴾[2] ، وأُمِرَ الناس أن يتّبعوا رسالة الإسلام وترك باقي الرسالات السابقة: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[3]، وأن يسيروا على هديها مستضيئين بهدي الإمامة الحاملة لحقائق هذه الرسالة، والمبيّنة لها، والضامنة لتطبيقها الصحيح: ﴿...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا...﴾[4].

 

وعن الإمام علي عليه السلام: "بأبي أنت وأمّي، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك, من النبوّة، والأنباء، وأخبار السماء"[5]. وتجدر الإشارة إلى أنّ انقطاع الوحي النبوي برحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستلزم انقطاع الاتّصال مع الله سبحانه وتعالى, حيث إنّ جبرائيل عليه السلام كان ينزل على فاطمة عليها السلام بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحدّثها. روي عن الإمام الصاق عليه السلام: "إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله 

 

 

 


 

[1] انظر: السيد الطباطبائي، القرآن في الإسلام، م.س، ص112-113, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص90-91.

[2] سورة الأحزاب، الآية: 40.

[3] سورة آل عمران، الآية: 85.

[4] سورة المائدة، الآية: 3.

[5] العلوي، (الشريف الرضي): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ورسائله وحكمه)، شرح محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر, مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج2، الخطبة235، ص228.

 

74

 

57

الدرس الرابع: الوحي (2)

 صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها، فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام"[1].

 
وأمّا الاتّصال بالغيب فموجود بين الله تعالى وحجّته في أرضه الإمام المعصوم عليه السلام فهو محدّث وإن لم يكن موحى إليه وحياً نبويّاً لختم النبوة بخاتم المرسلين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. عن بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرسول والنبيّ والمحدَّث، قال: الرسول الذي تأتيه الملائكة وتبلِّغه عن الله تبارك وتعالى، والنبي الذي يرى في منامه فما رأى فهو كما رأى، والمحدَّث الذي يسمع كلام الملائكة وينقر في أُذنه وينكت في قلبه[2].
 
وعن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾[3] قلت: ما الفرق بين الرسول والنبيّ؟ قال: "النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول يعاين الملك ويكلِّمه، قلت: فالإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين"[4].
 
وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنّ منّا لمن يعاين معاينة، وإنّ منّا لمن يُنقَر في قلبه كيت وكيت، وإنّ منّا لمن يسمع كما يقع السلسلة كله يقع في الطست". قلت: فالذين يعانيون ما هم؟ قال: "خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل"[5].
 
 
 

 
[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب فيه ذِكْر الصحيفة...، ح5، ص241.
[2] الصفّار، محمد بن الحسن: بصائر الدرجات، تصحيح وتعليق وتقديم حسن كوچه باغي، لاط، طهران، منشورات الأعلمي, مطبعة الأحمدي، 1404هـ.ق/ 1362هـ.ش، ج8، باب1، ح1، ص388.
[3] سورة مريم، الآية: 54.
[4] المصدر السابق، ح2.
[5] المصدر السابق، ج5، باب7، ح1، ص251.
75

58

الدرس الرابع: الوحي (2)

 5- كتّاب الوحي:

كتَّاب الوحي كُثُر، أبرزهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, حيث حُظِيَ بكتابة الوحي من أوّل نزوله في مكة إلى حين انقطاعه, برحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: عن الإمام علي عليه السلام: "فما نزلتْ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها فكتبتُها بخطي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصَّها وعامَّها"[1]. وعنه عليه السلام - أيضاً -: "يا طلحة إنَّ كلَّ آية أنزلها الله على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطي بيدي وتأويل كلّ آية"[2].
 
وممّن كتب الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
أبي بن كعب الأنصاري: وهو أوّل من كتب له صلى الله عليه وآله وسلم الوحي في المدينة، وقد عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه القرآن كملاً، وكان ممّن حضر العرضة الأخيرة في من حضر، وتولّى الإشراف على الكَتَبَة في لجنة توحيد المصاحف على عهد عثمان، حيث كانوا يرجعون إليه عند الاختلاف[3].
 
- زيد بن ثابت: كان يسكن في المدينة بجوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ويكتب له صلى الله عليه وآله وسلم إذا غاب أُبَي بن كعب، حتى أصبح لاحقاً من الكتّاب الرسميين[4].
 
- والذي عليه المحقّقون من أهل السيرة: أنّ الوحي كان يكتبه الإمام علي عليه السلام, وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأنّ حنظلة بن الربيع ومعاوية بن أبي سفيان لم يكتبا الوحي وإنّما كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل، ويكتبان حوائجه بين يديه، ويكتبان ما يجيء من أموال الصدقات وما يقسّم في أربابها[5].
 
 
 

 
[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب العقل والجهل، باب اختلاف الحديث، ح1، ص64.
[2] الهلالي، سليم بن قيس: كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني، ط1، إيران، نشر دليل ما, مطبعة نكارش، 1422هـ.ق/ 1380هـ.ش، ص211.
[3] م. ن، ص340-341, العسقلاني، أحمد بن علي(ابن حجر): الإصابة، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود, علي محمد معوّض، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.ق، ص180-182.
[4] انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، م.س، ج2، ص358-362, ابن حجر، الإصابة، م.س، ج2، ص490-493.
[5] انظر: العلوي، (الشريف الرضي): نهج البلاغة(الجامع لخطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ورسائله وحكمه)، شرح ابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، لام، دار إحياء الكتب العربية, عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1378هـ.ق/ 1959م، ج1، الخطبة25، ص338.
76

59

الدرس الرابع: الوحي (2)

 6- شبهات حول الوحي:

أ- الشبهة الأولى: الوحي عبارة عن إلهامات روحية تنبعث من داخل نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وليس وارداً عليه من الله تعالى, لاستحالة الاتّصال بين الله تعالى والإنسان, كونه يستلزم تحديد الله عزّ وجلّ![1]
 
الجواب: إنّ عدم فهْم حقيقة الاتّصال الروحيّ الخفيّ بين المَلأ الأعلى وجانب الإنسان الروحي لا يعنى إنكار هذا الاتّصال، فالإنسان يتلقّى بروحه إفاضات تأتيه من ملَكوت السماء، وإشراقات نورية تشعّ على نفسه من عالَم وراء هذا العالم المادّي، وليس في ذلك اتّصالاً أو تقارباً مكانيّاً, لكي يستلزم تحيّزاً في جانبه تعالى. ولعلّ منشأ هذه الشبهة أنّهم قاسُوا من أمور ذاك العالم غير المادّي بمقاييس تخصّ العالم المادّي.
 
ب- الشبهة الثانية: من أين عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه مبعوث؟[2]
الجواب: يجب على الله ـ وجوباً منبعثاً من مقام لُطفه ورأفته بعباده ـ أن يقرِن تنبيئه إنساناً بدلائل نيّرة، لا تدَع لمسارب الشكّ مجالاً في نفسه. وهذا هو مقتضى قاعدة اللطف، وتتلخّص في: تمهيد سبيل الطاعة, فواجب عليه تعالى أن يُمهِّد لعباده جميع ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعّدهم عن المعصية، وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى, إذا كان يريد من عِباده الانقياد، وإلاّ كان نقضاً لغرضه من التكليف، ومن ثَمّ وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء عليهم السلام, وينزّل الشرائع، ويجعل في الأمم ما ينير لهم درب الحياة، إمّا إلى سعادة, فباختيارهم، أو إلى شقاء, فباختيارهم أيضاً[3]. وطبقاً لهذه القاعدة، لا يدع تعالى مجالاً لتدليس أهل
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص91-93.
[2] انظر: م. ن، ص108-117.
[3] انظر: الحلي، الحسن بن سورة يوسف، الآية بن المطهّر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق حسن زاده آملي، ط7، قم المقدّسة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1417هـ.ق، ص444-445.
77

60

الدرس الرابع: الوحي (2)

 الزَيغ والباطل، إلاّ ويفضحهم من فورهم. روي عن الإمام الصادق عليه السلام, أنّه سُئل عليه السلام: كيف عَلمت الرسُل أنَّها رسُل؟ قال: "كُشِفَ عنهم الغطاء"[1].

 
إذن، فلا بدَّ أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين انبعاثه نبيّاً على عِلم يقين، بل حقّ يقين من أمْره، لا يشكّ ولا يضطرب، مستيقناً، مطمئنّاً بالله، مَرعيّاً بعناية الله تعالى ولُطفه الخاصّ، منصوراً، مؤيَّداً، ولاسيَّما في بدْء البعثة، فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصِراح معايَناً مشهوداً، وهي موقعية حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها، أو يتروّع منها: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
 
وأيضاً فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يخترْه الله لنبوَّته إلاّ بعد أن أكمل عقله وأدَّبه، فأحسن تأديبه، وعرَّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض, ما يؤهّله للقيام بمهمَّة السفارة وتبليغ رسالة الله إلى العالمين, كما فَعل بإبراهيم الخليل عليه السلام.
 
عن الإمام علي عليه السلام: "ولقد قرَنَ الله به من لدُن أن كان فطيماً أعظم مَلك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم, ليله ونهاره.."[2].
 
وعن الإمام العسكري عليه السلام: "فلمّا استكمل أربعين سنة، نظر الله عزّ وجلّ إلى قلبه، فوجده أفضل القلوب، وأجلها، وأطوعها، وأخشعها، وأخضعها، فأذن لأبواب السماء ففتحت، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليهم، وأمر بالرحمة، فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغمرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوّق بالنور، طاووس الملائكة هبط إليه، وأخذ بضبعه وهزّه، وقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثمّ أوحى (إليه) ما أوحى إليه ربّه عزّ وجلّ"[3].
 
 
 

 
[1] البرقي، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن، تحقيق جلال الدين الحسيني(المحدِّث)، ط1، طهران، دار الكتب الإسلامية, مطبعة رنكين، 1370هـ.ق/ 1330هـ.ش، كتاب العلل، ح85، ص328.
[2] نهج البلاغة، شرح محمد عبده، م.س، ج1، الخطبة192(القاصعة)، ص157.
[3] تفسير الإمام العسكري عليه السلام, تحقيق مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ط1، قم المقدّسة، نشر مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف, مطبعة مهر، 1409هـ.ق، ح78، ص156-157.
78

61

الدرس الرابع: الوحي (2)

 ج- الشبهة الثالثة: هل يجوز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخطأ في ما يُوحى إليه؟[1]

 
الجواب: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يُخطِئ في ما يُوحى إليه، ولا يلتبس عليه الأمر قطّ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عندما يوحى إليه يُكشف عنه الغطاء، فيرى الواقعية في ما يتَّصل بجانب روحه الملكوتي، منقطعاً عن صوارف المادَّة، فيلمس حينذاك تجلّيات وإشراقات نورية تغشاه من عالم الملكوت, لينصرف بكلّيته إلى لقاء روح الله وتلقّي كلماته، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعورٍ واعٍ وبصيرةٍ نافذة, كمَن يرى الشمس في وضَح النهار، لا يحتمل خطأً في إبصاره، ولا التباساً في ما يعِيه. وهكذا الوحي، إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير, ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها، أو إبصاراً من بعيد, ليتحمَّل التباساً في الانطباق، بل هي مشاهدةُ حقيقةٍ حاضرة بعَين نافذة، فاحتمال الخطأ فيه مستحيل.
 
عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف لم يخفْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ما يأتيه من قِبل الله أن يكون ممّا ينزغ به الشيطان؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله إذا اتّخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قِبل الله مثل الذي يراه بعينه"[2], أي: يجعله في وضَح الحقّ، لا غبار عليه أبداً، فيرى الواقع ناصعاً جلياً لا يشكّ ولا يضطرب في رأيه ولا في عقله.
 
ومن الأدلّة القرآنية على ذلك:
- عهد الله تعالى لنبيّه بالرعاية والحِفظ: ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى﴾[3]، حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم في بدء نزول القرآن يخشى أن يفوته شيء، فكان يساوق جبرائيل عليه السلام في ما يلقي عليه كلمة بكلمة، فنُهِيَ عن ذلك: 
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ 
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص108-109, 117-131.
[2] العياشي، محمد بن مسعود: تفسير العياشي، تحقيق وتصحيح وتعليق هاشم الرسولي المحلاتي، لاط، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، لات، ج2، تفسير سورة سورة يوسف، الآية، ح106، ص201.
[3] سورة الأعلى، الآية: 6.
79

62

الدرس الرابع: الوحي (2)

 وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾[1]، و﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[2].

 
- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[3]، فإنّه يقطع أيّ احتمال للدسّ والتزوير في نصوص القرآن الكريم.
 
- استحالة تلبيس إبليس وتدخّله في ما يُوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وجعل تسويلاته الشيطانية في صورة 
وحي يلتبس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها، فيظنّها وحياً, لأنَّ الشيطان لا يستطيع الاستحواذ على عقلية رسُل الله وعباده المكرَمين: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[4]، ومتنافٍ مع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾[5]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[6]، وقوله تعالى - حكاية عن قول إبليس -: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾[7].
 
أضف إلى ذلك أنّ هذا الخطأ المحتمل في تلقّي الوحي وتبليغه إلى الناس متنافٍ مع قاعدة اللطف الآنفة الذكر، ومتناقض مع حكمته تعالى في بعْث الأنبياء عليهم السلام.
 
 
 

 
[1] سورة القيامة، الآيات: 16-19.
[2] سورة طه، الآية: 114.
[3] سورة الحجر، الآية: 9.
[4] سورة الإسراء، الآية: 65.
[5] سورة الحاقّة، الآيتان: 44-45.
[6] سورة النجم، الآيات: 3-5.
[7] سورة إبراهيم، الآية: 22.
80

63

الدرس الرابع: الوحي (2)

 الأفكار الرئيسة

1- الوحي صلة وصل بين الله تعالى وخلقه, يُكشَف لهم من خلاله عن المعارف الإلهية والحقائق الربّانية اللازمة لرفع الاختلاف الحاصل بالفطرة، والوصول إلى سعادة النوع الإنساني.
 
2- يمتلك الإنسان وراء شخصيَّته المادّيّة الظاهرة شخصيَّة أخرى معنوية باطنة، من شأنها أن تتيح له الارتباط بعالم معنوي أعلى مجرّد عن المادّة ولوازمها.
 
3- الوحي إدراك خاصّ مختلف عن سائر الإدراكات البشرية المشتركة بين كافّة أفراد البشر والمتحصّلة عن طريق الحسّ أو العقل أو الغريزة أو الوجدان، يوجده الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام إيجاداً لا يعتريه لبس أو شكّ أو خطأ، ولا يحتاجون فيه إلى إعمال نظر أو توسّل دليل...
 
4- الوحي مختصّ بالأنبياء عليهم السلام, وقد انقطع بعد رحيل خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
 
5- من كتّاب الوحي: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, وأبي بن كعب الأنصاري، وزيد بن ثابت...
 
6- من الشبهات المثارة حول الوحي: هو عبارة عن إلهامات روحية تنبعث من داخل نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم! من أين عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه مبعوث! هل يجوز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخطأ في ما يُوحى إليه؟
 
 
81

64

الدرس الرابع: الوحي (2)

 فكّر وأجب

1- أَجِبْ بـ (صحّ) أو (خطأ):
- ينسجم الوحي مع العقل ولا ينسجم مع الفطرة.
- يمكن تبرير إمكانية وقوع الوحي من طريق الشرع لا العقل.
- لا يحتاج النبي عليه السلام في تلقي الوحي إلى إعمال نظر أو إقامة دليل.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- هل يوجد ضرورة للوحي في حياة الإنسان؟
- كيف يعرف النبي عليه السلام أنّه مبعوث؟
- هل يمكن أن يخطأ النبي عليه السلام في ما يُوحى إليه؟
 
82

65

الدرس الرابع: الوحي (2)

 مطالعة

 
بطلان دعوى كتابة معاوية للوحي[1]
إنّ الناس يشبّه عليهم أمر معاوية بأن يقولوا كان كاتب الوحي، وليس ذاك بموجب له فضيلة, وذلك أنّه قُرِنَ في ذلك إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكانا يكتبان له الوحي، وهو الذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله... فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُملي عليه: والله غفورٌ رحيم، فيكتب: والله عزيزٌ حكيم، ويملي عليه: والله عزيزٌ حكيم، فيكتب: والله عليم حكيم، فيقول له النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو واحد. فقال عبد الله بن سعد: إنّ محمداً لا يدري ما يقولُ. إنّه يقول، وأنا أقول غير ما يقول، فيقول لي: هو واحد، هو واحد. إن جاز هذا, فإنّي سأنزل مثل ما أنزل الله. فأنزل الله فيه: ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ...﴾[2] ، فهرب وهجا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من وجد عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة, فليقتله، وإنّما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له في ما يغيّره هو واحد، هو واحد, لأنّه لا ينكتب ما يريده عبد الله، إنّما ينكتب ما كان يُمليه، فقال: هو واحد غيّرتَ أمْ لَمْ تغيّر، لَمْ ينكتبْ ما تكتبه، بل ينكتب ما أمليه عن الوحي وجبرائيل يصلحه.
 
وفي ذلك دلالة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم, ووجه الحكمة في استكتابه صلى الله عليه وآله وسلم الوحي معاوية وعبد الله بن سعد، وهما عدوّان له صلى الله عليه وآله وسلم: هو أنّ المشركين قالوا: إنّ محمداً يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه، ويأتي في كلّ حادثة بآية يزعم أنّها أنزلت عليه، وسبيل من يضع الكلام في حوادث، يحدث في بعض الأوقات أن يغيّر عليه الألفاظ عن حاله الأولى لفظاً ومعنى أو لفظاً دون معنى، فاستعان في كتابة ما ينزل عليه في الحوادث الواقعة 
 
 
 

 
[1] انظر: الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، م.س، باب معنى استعانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعاوية في كتابة الوحي، ح1، ص346-348.
[2] سورة الأنعام، الآية: 93.
83

66

الدرس الرابع: الوحي (2)

 بعدوَّين له في دينه، عدلَين عند أعدائه, ليعلم الكفّار والمشركون أنّ كلامه في ثاني الأمر كلّه في الأوّل غير مغيّر، ولا مزال عن جهته, فيكون أبلغ للحجّة عليهم، ولو استعان في ذلك بوليِّيَن، مثل: سلمان، وأبي ذر، وأشباههما, لكان الأمر عند أعدائه غير واقع هذا الموقع، وكانت تتخيّل فيه التواطؤ والتطابق. فهذا وجه الحكمة في استكتابهما واضح بيّن.

 
 
84

67

الدرس الرابع: الوحي (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص112-12
3- الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص96-106.
4- ابن بابويه، التوحيد، باب معنى قوله عزّ وجلّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي...﴾، ح6، ص172.
5- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص90-93، 108-131.
6- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج1، الخطبة192(القاصعة)، ص157, ج2، الخطبة235، ص228.
7- الكليني، الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، باب اختلاف الحديث، ح1، ص64, كتاب الحجّة، باب فيه ذِكر الصحيفة...، ح 5، ص 241.
8- الهلالي، كتاب سليم بن قيس، ص211.
9- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2، ص340-341، 358-362.
10- العسقلاني، الإصابة، ص180-182، 490-493.
11- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، ج1، الخطبة25، ص338.
12- الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص444-445.
13- البرقي، المحاسن، كتاب العلل، ح85، ص328.
14- تفسير الإمام العسكري عليه السلام, ح78، ص156-157.
 
85

68

الدرس الرابع: الوحي (2)

15- العياشي، تفسير العياشي، ج2، تفسير سورة يوسف، ح106، ص201.

16- الصفّار، بصائر الدرجات، م. س، ج 5، باب 7، ح 1، ص 251, ج 8، باب 1، ح 1 – 2، ص 388.

 

 

86 

 

 

69

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 الدرس الخامس: نزول القرآن (1)


موضوعات الدرس:
1- معنى النزول.
2- الأقوال في نزول القرآن.
3- فوائد النزول التدريجي.
4- تعريف أسباب النزول.
5- الفرق بين سبب النزول وشأن النزول.
6- فوائد معرفة أسباب النزول.
7- مدى اعتبار أحاديث أسباب النزول؟
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى نزول القرآن وأسباب النزول.
3- معرفة فوائد أسباب النزول ومدى اعتبارها في التفسير.
 
87

70

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 1- معنى النزول:

"النون والزاء واللام كلمة صحيحة تدلّ على هبوط شيء ووقوعه... والتنزيل ترتيب الشيء ووضعه منزله"[1]. و"الفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ: أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُه مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...﴾[2]...(وممّا ذُكِرَ فيه الإنزال وأًريد به الدفعة): ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[3]"[4].
 
2- الأقوال في نزول القرآن:
ذُكِرَ في نزول القرآن عدّة أقوال[5]، أبرزها:
أ- القول الأوّل: وهو قول المشهور من العلماء والمفسّرين، ومفاده: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي
 
 
 

 
[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج5، مادّة"نزل"، ص417.
[2] سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
[3] سورة القدر، الآية: 1.
[4] الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"نزل"، ص799-800.
[5] الأقوال الأربعة الأولى ذكرها السيوطي في كتابه الإتقان. انظر: السيوطي، الإتقان، م.س، ج1، ص146-149. والقول الرابع ذكره العلامة السيد الطباطبائي قدس سره في تفسيره الميزان. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص15-18.
89

71

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنّه قَالَ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَكَانَ اللهُ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ"[1].

 
وقد تعرّضت مجموعة من الروايات لنزول القرآن إلى السماء الدنيا، فأشار بعضها لنزول القرآن إلى السماء الرابعة، وبعضها الآخر لنزوله إلى البيت المعمور أو إلى بيت العزّة وهو في السماء الرابعة. ولكنّها لم توضّح حقيقة المراد من السماء الدنيا أو السماء الرابعة أو البيت المعمور أو بيت العزّة[2].
 
ب- القول الثاني: نزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما قدَّر الله إنزاله في هذه السنة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً طيلة السنة. وهكذا كلّ سنة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
ج- القول الثالث: ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً في أوقات مختلفة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
د- القول الرابع: أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ عِنْدِ الِلهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عِشْرِينَ سَنَةً"[3].
 
هـ- القول الخامس: التفريق بين الإنزال والتنزيل: وهو ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي قدس سره، حيث أفاد: "أنّ الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي... فقوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾[4]، ظاهر في نزوله تدريجاً 
 
 
 

 
[1] النيسابوري، أبو عبدالله: المستدرك على الصحيحين، إشراف سورة يوسف، الآية عبد الرحمن المرعشلي، لاط، لام، لان، لات، ج2، تفسير سورة إنّا أنزلناه، ح1، ص530.
[2] انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح6، ص628-629, النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م.س، ج2، كتاب التفسير، ح7، ص222, ح9، ص223.
[3] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص119.
[4] سورة الإسراء، الآية: 106.
90

72

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 في مجموع مدّة الدعوة, وهي ثلاث وعشرون سنة تقريباً، والمتواتر من التاريخ يدلّ على ذلك، ولذلك ربما استشكل عليه بالتنافي (مع آيات أخرى يستفاد من مجموعها نزول القرآن في ليلة القدر). والذي يعطيه التدبّر في آيات الكتاب...: أنّ الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدالّ على الدفعة دون التنزيل, كقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...﴾[1] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَة﴾[2]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[3]... وبالجملة، فإنّ المتدبّر في الآيات القرآنية لا يجد مناصاً عن الاعتراف بدلالتها على كون هذا القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدريجاً متكئاً على حقيقة متعالية عن أن تدركها أبصار عقول العامّة أو تتناولها أيدي الأفكار المتلوّثة بألواث الهوسات وقذارات المادّة، وأنّ تلك الحقيقة أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنزالاً، فعلّمه الله بذلك حقيقة ما عناه بكتابه[4].

 
3- فوائد النزول التدريجي:
إنّ نزول القرآن منجّماً طيلة مدّة البعثة النبوية الشريفة يحمل في طياته فوائد وآثاراً بالغة الأهمّيّة, ما كانت لتترتّب لو نزل دفعة واحدة فقط. ومن هذه الفوائد والآثار:
 
أ- ردّ القرآن على اعتراض الكفار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[5].
 
ب- في النزول التدريجي تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواساة لقلبه الشريف، وكذلك للمؤمنين 
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 185.
[2] سورة الدخان، الآية: 3.
[3] سورة القدر، الآية: 1.
[4] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص15-18.
[5] سورة الفرقان، الآية: 32.
91

73

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 من باب أولى. قال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾[1].

 
ج- إنّ نزول المعارف الدينية بشكل تدريجي تتيح للناس أن ينظّموا شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية وفقاً له، ويصلوا من خلال ذلك إلى مرحلة الكمال. وهذا من أفضل أساليب التعليم والتربية. قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾[2].
 
د- أتاح النزول التدريجي الفرصة للصحابة لكي يحفظوا آياته بسهولة. وهذا ما أدّى إلى المساهمة في تفويت الفرصة على أعداء الدين الذين أعدّوا العدّة لتحريف القرآن وإطفاء نور الهداية الإلهية.
 
4- تعريف أسباب النزول:
إنّ كثيراً من السور والآيات لها نوع ارتباط لجهة نزولها بالحوادث والوقائع التي حدثت خلال مدّة البعثة، أو بحاجات تتطلّب إيضاح أحكام الإسلام وقوانينه. وهذه الأمور التي أوجبت نزول السور والآيات تسمّى أسباب النزول. وتقسم آيات القرآن وسُوره من حيث أسباب نزولها، إلى قسمين:
أ- الأول: الآيات والسور التي لها سبب عامّ: وهي خصوص الآيات والسور التي نزلت من غير سبب خاصّ، وتحتوي على المعارف والأحكام الإلهية الحقّة المتعلّقة بهداية الناس في دنياهم وآخرتهم.
 
ب- الثاني: الآيات والسور التي لها سبب خاصّ: وهي خصوص الآيات والسور التي نزلت في حوادث وقضايا حصلت طيلة مدّة بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, أو سألها الناسُ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم, من قبيل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾[3]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
 
 
 

 
[1] سورة يس، الآية: 76.
[2] سورة الإسراء، الآية: 106.
[3] سورة الكهف، الآية: 83.
92

74

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 الرُّوحِ﴾[1]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾[2]، وسورة الكوثر.

 
ومن الواضح أنّ لمعرفة سبب النزول تأثير بارز في فهم المراد من الآية من خلال معرفة مصداقها وخصائصه. ومن هنا، فقد اهتمّ العلماء والمفسّرون بجمع روايات أسباب النزول، وإفرادها ضمن دراسات مستقلة. ويرى جلال الدين السيوطي أنّ أقدم كتاب أُلّف في هذا المجال هو كتاب علي بن المديني، أستاذ البخاري. وألّف هو نفسه (السيوطي) كتاباً اسماه "لُبَابُ النُّقُولِ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ"[3].
 
5- الفرق بين سبب النزول وشأن النزول:
يكمن الفرق بينهما في: أنّ أسباب النزول تعالج مشكلة حاضرة ـ سواء أكانت حادثة أُبهم أمرُها، أمْ مسألة خفِيَ وجه صوابها، أم واقعة ضلّ سبيل مَخرجِها ـ فنزلت الآية لتعالج شأنها وتضع حلاً لمشكلتها. وهذا أخصّ من شأن النزول, لأنّ الشأن أعمّ مورداً من السبب، وهو الأمر الذي نزل القرآن ليعالج شأنه بياناً وشرحاً، أو اعتباراً بمواضع اعتباره, كما في أكثرية قصص الماضين والإخبار عن أُمم سالِفين..., فنزل القرآن ليعالج هذه الجوانب. فالفارق بين السبب والشأن ـ اصطلاحاً ـ أنّ الأوّل يعني: مشكلة حاضرة لحادثة عارضة، والثاني: مشكلة أمرٍ واقع، سواء أكانت حاضرة أمْ غابرة[4].
 
6- فوائد معرفة أسباب النزول:
إنّ لمعرفة أسباب النزول فوائد جمّة لها بالغ الأثر في فهم القرآن الكريم وتفسيره ومعرفة مقاصده، ومن هذه الفوائد:
أ- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
 
 
 

 
[1] سورة الإسراء، الآية: 85.
[2] سورة النازعات، الآية: 42.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص87, السيد الطباطبائي، القرآن في الإسلام، م.س، ص133.
[4] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص267-268.
93

75

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 ب- معرفة الآيات المكية، والآيات المدنية.

ج- دفع توهّم الحصر، من خلال معرفة دائرة الحكم.
د- معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها.
هـ- الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال، فلا يمكن تفسير الآية من دون الوقوف على أسباب نزولها. فبيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. ففي قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ...﴾[1] ، لو تُرِكْنَا ومدلول اللفظ, لاقتضى الظهور أنّه لا يجب على المصلّي استقبال القبلة أثناء صلاته, سواء في السفر أم في الحضر, وهو خلاف الإجماع، فلمّا عُرِفَ سبب نزولها, عُلِمَ أنّها نازلة بخصوص نافلة السفر[2].
 
7- عموميّة اللفظ أم خصوصيّة السبب؟
اختلف علماء أصول الفقه في عموم روايات أسباب النزول أم اختصاصها بمَن نزلت فيهم؟ والمشهور بينهم - وهو الصحيح - أنّ النصّ القرآني يحمل معنى عامّاً وشاملاً، فإن كان للآية معنى عام، فهي لا تنحصر في إطار الأفراد المعنيين، بل تشمل الجميع، حتى وإن كان لها سبب خاصّ[3].
 
فلو انحصر مُفاد الآيات بأسباب نزولها، لأدّى ذلك إلى فقدان مجموعة كبيرة من آيات القرآن تطبيقاتها، ولغدا القرآن كتاباً خاصّاً بمجموعة قليلة من الماضين فقط.
 
ومن هنا، فإنّ حكم الآية التي نزلت في سبب أو حادثة معيّنة بحقّ فرد أو أفراد معيّنين، لا ينحصر في مناسبة نزولها فقط، بل ينطبق على جميع الموارد التي 
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 115.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان، م.س، ج1، ص87-89.
[3] انظر: م. ن
94

 


76

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 تشترك في خصوصيّاتها مع مورد نزول الآية. وهذه الخصوصية هي التي تسمّى في الروايات بـ "الجَرْي" و"الانطباق"[1].

 

سأل الفُضَيل بن يسار الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن الحديث المعروف: ما من آية إلاّ ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلاّ وله حدّ يطلع (ومطلع)، ما يعني بقوله: لها ظهر وبطن؟ قال عليه السلام: "ظهر وبطن هو تأويلها, منه ما قد مضى، ومنه ما لم يجئ، يجري كما تجري الشمس والقمر، كلّما جاء فيه تأويل شيء منه, يكون على الأموات, كما يكون على الأحياء، كما قال الله تعالى: ﴿...يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...﴾، ونحن نعلمه"[2].

 

وعنه عليه السلام - أيضا ً-: "ولو أنّ الآية نزلت في قوم، ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية ولَمَا بقي من القرآن شيء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخِره ما دامت السماوات والأرض، ولكلّ قومٍ آية يتلونها، هُم منها من خير أو شرّ"[3].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المفسّرين ومَن كتبوا في أسباب النزول، قالوا بتعدّد أسباب النزول مع وحدة النزول أحياناً، وبوحدة السبب مع تتعدّد الآيات النازلة فيه أحياناً أخرى[4].

 

8- مدى اعتبار أحاديث أسباب النزول؟

أ- المشكلة: إنّ روايات أسباب النزول بلغت حدّاً ناهزت فيه عدّة آلاف رواية، معظمها ضعيف السند أو مُرسَل، وفيه مشاكل لناحية أنّ بعض الرواة لم يعرِفوا ارتباط نزول الآيات بموارد الحوادث والوقائع, مشافهة وتحمّلاً وحِفظاً، بل يحكون القصّة، ثمّ يربطون بها الآيات المناسبة لها من ناحية المعنى. وفي

 

 

 


 

[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص41-42, السيد السيد الطباطبائي، القرآن في الإسلام، م.س، ص59-60.

[2] الصفّار، بصائر الدرجات، م. س، ج4، باب10، ح2، ص223.

[3] العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، باب في ما أُنزِلَ القرآن، ح7، ص10.

[4] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص97-103.

 

95

 

77

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 النتيجة، يكون سبب النزول في الحديث المذكور سبباً نظرياً واجتهادياً، لا سبباً مستفاداً عن طريق المشاهدة والضبط. هذا فضلاً عن وجود تناقض واضح في بعض الروايات التي تنقل حوادث وأسباباً يناقض بعضها البعض الآخر، ولا طريق للجمع بينها، أو أنّ بعض الروايات تروي عن شخص واحد عدّة أسباب للنزول نازلة في آية واحدة.

 
ومن هنا، فإنّ ورود هذه الأسباب المتناقضة والمتهافتة للنزول يرجع: إمّا إلى كون هذه الأسباب المنقول أسباباً نظرية اجتهادية وليست نقلية محضة، وإمّا إلى أنّ جميع الروايات أو بعضها مدسوس ومجعول، ولا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار إجراءات التشديد على عدم تدوين الحديث المأثور التي بدأت بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستمرّت حتى أواخر القرن الأوّل الهجري (حوالي تسعين سنة تقريباً), فأمام هذا الواقع كَثُرَ وضع الحديث والدسّ فيه ودخول الإسرائيليات على المرويّات. وأمام هذا الواقع، فإنّ كثيراً من الأحاديث تفقد حجيّتها، إلا ما سلم لجهة السند والدلالة.
 
ب- طريق الحلّ: انطلاقاً من أهمّيّة معرفة أسباب النزول في فهم الآية ومدلولها، كان لا بدّ من إيجاد حلّ عملي للمشاكل المتقدّم ذكرها، حيث إنّ بعض روايات أسباب النزول من دون أدنى شكّ فيه فائدة مهمّة. ومن هنا، ينبغي وضع ضابطة معياريّة في انتقاء روايات أسباب النزول، مفادها التالي: النظر في الحديث، فإذا كان متواتراً أو قطعياً، فيمكن الأخذ بمفادّه. وإلا فنعرضه على الآية موضع البحث، فإذا كان هناك انسجام بين الآية وما حولها من القرائن، وبين مفاد الحديث، عند ذلك يمكن الوثوق بمفاد الحديث الذي اعتُبِرَ سبباً لنزول الآية[1].
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، القرآن في الإسلام، م.س، ص133-136.
96

78

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 الأفكار الرئيسة

1- التنزيل: تدريجي، والإنزالُ: دفعي.
2- يوجد عدّة أقوال في مسألة نزول القرآن، أشهرها: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة. وأصحّها: أنّه نزل دفعة واحدة على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة القدر، ثمّ نزل منجّماً على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم طيلة سنوات بعثته.
3- من فوائد النزول التدريجي: الردّ على اعتراض الكفار، تثبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين...
4- سبب النزول: مشكلة حاضرة لحادثة عارضة، وشأن النزول: مشكلة أمرٍ واقع.
5- من فوائد معرفة أسباب النزول: معرفة وجه الحكمة في التشريع، معرفة المكي والمدني...
6- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصيّة السبب.
7- ضابطة الأخذ بروايات أسباب النزول: الأخذ بالروايات المتواترة أو القطعية، وبأخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية والمتناسبة مع لسان الآية مورد النزول.
 
 
97 
 

79

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- خصوص السبب لا يخصّص عموم لفظ الآية.
- سبب النزول يعالج مشكلة أمر واقع, سواء أكانت الحادثة حاضرة أم ماضية.
- لا يمكن الأخذ من روايات أسباب النزول إلا بما كان منها قطعياً أو متواتراً فقط.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- عدّد أبرز الأقوال في نزول القرآن الكريم، مبيّناً أشهرها وأصحّها؟
- اذكر فوائد النزول التدريجي للقرآن؟
- اذكر فوائد معرفة أسباب النزول؟
 
98
 

80

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 مطالعة

 

من روايات أسباب النزول[1]

ما رواه محمد بن إسحاق بإسناده عن سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس: أنّ النضر بن الحرث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وصفا لهم صفته، وخبراهم بقوله، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم من علم الأنبياء عليهم السلام ما ليس عندنا. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وقالا لهم ما قالت قريش، فقال لهما أحبار اليهود: إسألوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنّ, فهو نبيّ مرسَل، وإن لم يفعل, فهو رجل متقوِّل، فرأوا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل, ما كان أمرهم؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوّاف, قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها, ما كان نبؤه. 

 

وسلوه عن الروح ما هو. - وفي رواية أخرى، فإن أخبركم عن الثنتين، ولم يخبركم بالروح, فهو نبي. فانصرفا إلى مكة، فقالا: يا معاشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم، وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقصّا عليهم القصّة. فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فسألوه، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه، فمكث صلى الله عليه وآله وسلم, خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام, 

حتى أرجف أهل مكّة، وتكلّموا في ذلك، فشقّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ما يتكلّم به أهل مكّة عليه، 

ثمّ جاءه جبرائيل عليه السلام, عن الله سبحانه، بسورة الكهف، وفيها ما سألوه عنه, عن أمر الفتية، والرجل الطوّاف، 

وأنزل عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[2].

 

 

 


 

[1] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج6، ص313-314.

[2] سورة الإسراء، الآية: 85.

 

99

 

81

الدرس الخامس: نزول القرآن (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص417.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص799-800.
4- السيوطي، الإتقان، ج1، ص87-91، 119، 146-14
5- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص41-42, ج2، ص15-18.
6- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، تفسير سورة إنّا أنزلناه، ح1، ص530, كتاب التفسير، ح7، ص222, ح9، ص223.
7- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح6، ص628-629.
8- الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص59-60، 133-136.
9- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص267-268.
10- الصفّار، بصائر الدرجات، ج4، باب10، ح2، ص223.
11- العياشي، تفسير العياشي، ج1، باب في ما أُنزِلَ القرآن، ح7، ص10.
12- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص97-103.
 
 
100 
 

82

الدرس السادس: نزول القرآن (2)


الدرس السادس: نزول القرآن (2)



موضوعات الدرس:
1- أوّل ما نزل من القرآن.
2- آخر ما نزل من القرآن.
3- معنى الآية في القرآن.
 
 
 

أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة أوّل ما نزل من القرآن، وآخر ما نزل منه.
3- معرفة معنى الآية في القرآن وخصائصها.
 
101

83

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 1- أوّل ما نزل من القرآن:

ذُكِرَت أقوال عدّة في تحديد أوّل ما نزل من القرآن، أبرزها التالي:
أ- القول الأوّل: نزول أوّل سورة العلق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهو في غار حراء: فعن الإمام الهادي عليه السلام: "...فلما استكمل أربعين سنة، نظر الله عزّ وجلّ إلى قلبه، فوجده أفضل القلوب وأجلها، وأطوعها وأخشعها وأخضعها، فأذن لأبواب السماء ففتحت... ثمّ هبط إليه (جبرائيل عليه السلام)، وأخذ بضبعه وهزّه وقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمد ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾"[1]. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "أوّل ما نزلَ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾, وآخِر ما نزل عليه: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾"[2].
 
ب- القول الثاني: أوّل سورة المدّثّر: روي عن ابن سلمة: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري: أيّ القرآن أُنزل قبْل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾, قلت: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ قال: أُحدثكم ما حدَّثنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي جاورت بِحراء، فلمّا
 
 
 

 
[1] انظر: تفسير الإمام العسكري عليه السلام, م.س، ح78، ص157-158.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح5، ص628.
103

84

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي... فنظرت فوقي، فإذا هو (أي جبرائيل عليه السلام) قاعد على عرش بين السماء والأرض، فجئت منه، فأتيت منزل خديجة، فقلت: دثّروني، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾"[1]. وعن جابر بن عبدالله الأنصاري - أيضاً - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدّث عن فترة الوحي، قال: "فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفاً من السماء، فرفعت رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بِحراء جالساً على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجُئثت منه فرِقاً ـ أي فزعتُ ـ فرجعت، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فدثَّروني، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وهي الأوثان. قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثمَّ تتابع الوحي"[2].

 
ومن خلال الجمع بين روايتي جابر بن عبدالله الأنصاري يتبيّن أنّه التبس عليه الأمر في هذه المسألة فظنّ أنّ أولى آيات سورة المدثّر هي أوّل ما نزل من القرآن، والصحيح - بقرينة روايته الثانية - أنّها أوّل ما نزل من القرآن بعد فترة انقطاع خصوص الوحي القرآني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم , حيث لم تنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم أي آية في هذه الفترة.
 
ج- القول الثالث: سورة الفاتحة: فعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: "سألت النبي عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، فأوّل ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب، ثمّ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ...﴾"[3]. وتجدر الإشارة إلى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلّي منذ بدء البعثة[4]، ولا صلاة من دون فاتحة الكتاب[5].
 
 
 

 
[1]  انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج3، ص306.
[2] النيسابوري، مسلم: الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، لاط، بيروت، دار الفكر، لات، ج1، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ص98.
[3] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص212.
[4] انظر: النيسابوري، محمد بن الفتّال: روضة الواعظين، تقديم محمد مهدي السيد حسن الخرسان، لاط، قم المقدّسة، منشورات الشريف الرضي، لات، باب الكلام في مبعث نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ص52.
[5] انظر: الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي، تقديم شهاب الدين النجفي المرعشي, تحقيق مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيد الشهداء عليه السلام, 1403هـ.ق/ 1983م، ص196.
104

85

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 الصحيح في المسألة: يمكن الجمع بين الروايات الواردة في الأقوال الثلاثة، والخلوص إلى التالي:

- أوّل سورة العلَق نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبشيراً ببدء البعثة النبوية المباركة صلى الله عليه وآله وسلم.
- أوّل سورة المدَّثِّر نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبشيراً بعودة الوحي بعد فترة من الانقطاع.
- سورة الفاتحة هي أوّل سورة نزلت كاملة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وبصفة كونها سورة من كتاب القرآن.
 
2- آخر ما نزل من القرآن:
ذُكِرَت أقوال عدّة في تحديد آخر ما نزل من القرآن، أبرزها التالي:
أ- القول الأوّل: سورة النصر: روي أنّه لمّا نزلت هذه السورة قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبكى. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك يا عم؟ فقال: أظنّ أنّه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله. فقال: إنّه لكما تقول. فعاش بعدها سنتين ما رؤي فيهما ضاحكاً مستبشراً[1]. وعن الإمام 
الصادق عليه السلام: "أوّل ما نزلَ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾, وآخِر ما نزل عليه: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾"[2].
 
ب- القول الثاني: سورة براءة: روي أنّ آخِر سورة نزلت براءة، نزلت في السنة التاسعة بعد عام الفتْح، وحجّ بعدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الوداع في السنة العاشرة للهجرة[3].
 
ج- القول الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾[4]: روي أنّ آخِر آية نزلت قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ 
 
 
 

 
[1] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص467.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح5، ص628.
[3] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص5.
[4] سورة البقرة، الآية: 281.
105

86

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾[1]، نزل بها جبرائيل عليه السلام, وقال: ضعْها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة[2]. وروي أنّها نزلت بمِنى يوم النحْر في حجَّة الوداع[3].

 
د- القول الرابع: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾[4]: روي عن ابن عباس أنّه قال: ولم ينزل بعد هذا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء من الفرائض في تحليل ولا تحريم[5]. وروي أنَّها نزلت في مرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجَّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجّة في غدير خم[6].
 
الصحيح في المسألة: يمكن الجمع بين الروايات الواردة في الأقوال الأربعة، والخلوص إلى التالي:
- آخِر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر.
- آخِر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة.
- آية: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ...﴾ هي آخر آيات الأحكام نزولاً.
- آية الإكمال هي آخر آيات الوحي نزولاً، فكانت إنذاراً بانتهاء الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم بالبلاغ والأداء.
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 281.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص214.
[3] انظر: م. ن، ج1، ص74.
[4] سورة المائدة، الآية: 3.
[5] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج3،ص273.
[6] اليعقوبي، أحمد بن ابي يعقوب: تاريخ اليعقوبي، لاط، بيروت، دار صادر، لات، ج2، ص112.
106

87

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 3- الآية في القرآن:

أ- معنى الآية: الآية في اللغة هي العلامة الظاهرة[1]. وقد وردت هذه المفردة في موارد عدّة من القرآن الكريم، وأُريدَ في جميعها المعنى اللغوي نفسه، مع مراعاة بعض الجوانب والحيثيات[2]، منها:
- المعجزة: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ...﴾[3].
 
- العلامة الواضحة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[4].
 
- البرهان والدليل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾[5].
 
- العبرة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾[6].
 
- الأمر العجيب: ﴿...وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[7].
 
- مقطع من السورة: سواء أكان كلمة أم أكثر من كلمة, وهو المعنى الاصطلاحي للآية، ومن موارد استخدامه: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا...﴾[8] ، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾[9].
 
 
 

 
[1] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج1، مادّة"أيي"، ص168, الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"أيي"، ص101.
[2] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن, م.س، ج1، ص266-267, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص274-275.
[3] سورة البقرة، الآية: 211.
[4] سورة البقرة، الآية: 248.
[5]  سورة الروم، الآية: 22.
[6] سورة هود، الآية: 103.
[7] سورة الأنبياء، الآية: 91.
[8] سورة فصلت، الآية: 3.
[9] سورة يونس، الآية: 1.
107

88

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 ب- نَظْمُ كلمات القرآن وآياته: يُعدّ الوحي الإلهي العامل الأوحد في نظْم كلمات القرآن الكريم وتركيبها وصياغتها ضمن جمل وآيات، ومن القرائن والأدلّة على ذلك[1]:

- إنّ لازم إسناد كلام ما إلى متكلِّم خاصّ (وهو الوحي الإلهي بالنسبة للقرآن الكريم)، يستدعي أن يكون هو العامل الأوحد والحصري في نظم كلماته وتركيبها ضمن أسلوب تعبيري خاصّ به. وأمّا إذا كان أحد غيره قام بنظم كلماته بأسلوبه الخاصّ, فإنَّ الكلام حينئذ يُنسب إلى الثاني لا إلى الأوَّل.
 
- إنّ نظم القرآن الكريم يشكّل وجهاً من وجوه إعجازه، وقد تحدّى الله تعالى به الإنس والجنّ: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[2]، فلو كان لأحد غير الله تعالى يد في نظم كلمات القرآن وصياغتها, لاستلزم ذلك بطلان الإعجاز والتحدّي، وبالتالي إمّا تكذيب صاحب الوحي، وإمّا طرو الجهل عليه. والأوّل باطل بضرورة العقل والشرع، والثاني مثله.
 
- اتّفاق المسلمون منذ بدء نزول القرآن وإلى عصرنا الحالي على أنَّ النظْم القرآني هو من صُنع الوحي الإلهي، لا دخالة فيه لغيره تعالى.
 
ج- ترتيب الآيات: إنّ المعيار في ترتيب الآيات ضمن كلِّ سورة - على الترتيب الموجودة عليه الآن في القرآن الذي بين أيدينا - يكمن وفْق ترتيب نزولها، حيث كانت السورة تبتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، فتُسجَّل الآيات التي تنزل 
بعدها، واحدة تلو الأُخرى تدريجيّاً حسب النزول في السورة نفسها، حتَّى تنزل بسْملة
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص278-279.
[2] سورة الإسراء، الآية: 88.
108

89

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 أُخرى، فيُعرَف أنَّ السورة قد انتهت وابتدأت سورة أُخرى[1]. وإلى ذلك تشير الروايات المأثورة، منها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "وإنّما كان يُعرَف انقضاء سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداءً لأخرى"[2].

 
وما روي عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف فصل السورة, حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم[3]. ووفقاً لهذا المعيار جاء ترتيب الآيات ضمن السوَر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر منه وتحت إشرافه. وهو ما خضعت له معظم آيات القرآن.
 
وهناك معيار استثنائي في نظْم عدد معيّن من الآيات على خلاف ترتيب نزولها, وذلك بنصٍّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبتعيين منه صلى الله عليه وآله وسلم وتحت إشرافه الخاصّ، حيث كان يأمر -  أحياناً -  كتّاب الوحي - بأمر من الوحي السماوي - بنقل آية ما، نزلت مع آيات أخرى، ضمن ترتيب سورة معيّنة, كانت قد خُتِمَت مِن قبل، إلى سورة أخرى. وهذا العمل كان استثنائياً في الخروج عن ترتيب النزول، وهو يحتاج كما تقدّم إلى تصريح خاصّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وإلى ذلك تشير الروايات, حيث روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ شخَصَ ببصرِه ثمَّ صوَّبه... فقال: "أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[4]"[5]. وروي أنَّ آخِر آية نزلت قولُهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾[6] فأشار
 
 

 
 
[1]  انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص256-257, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص167-170, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص281-282, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص280-284.
[2] العياشي، تفسير العيّاشي، م.س، ج1، ص19.
[3] السجستاني، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داوود، تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، ط1، بيروت، دار الفكر، 1410هـ.ق/ 1990م، ج1، ح788، ص183.
[4] سورة النحل، الآية: 90.
[5] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج4، ص218.
[6] سورة البقرة، الآية: 281.
109

90

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 جبرائيل أن توضع بين آيتَي الرِبا والدَين من سورة البقرة[1]. وروي أنّها آخِر آية نزل بها جبرائيل عليه السلام, وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ضعْها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة[2]. وروي عن ابن عبّاس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السوَر ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"[3].

 
د- عدد آيات القرآن وكلماته وحروفه:
- عدد آيات القرآن: اختلف الباحثون في القرآن الكريم في تحديد عدد آيات القرآن، وأرجع البعض هذا الاختلاف إلى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلّها وصل للتمام، فيحسب السامع حينئذ أنّها ليست فاصلة. وقد أجمعوا على أنّ عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثمّ اختلفوا في ما زاد على ذلك على أقوال: فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وستّ عشر، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وستّ وثلاثون[4]. وروي عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن... ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم... وجميع آيات القرآن ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية..."[5].
 
- عدد كلمات القرآن: وقع الاختلاف بين الباحثين في عدد كلمات القرآن، فذكر بعضهم أنّه: سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة[6]. وقيل غير ذلك. ولعلّ سبب الاختلاف في عدد كلمات القرآن راجع إلى أنّ للكلمة حقيقة 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص171.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص214.
[3] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص57.
[4] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص249, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص182.
[5] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص212.
[6] انظر الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص249.
110

91

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كلّ منها جائز، وكلّ من العلماء اعتبر أحد ما هو جائز[1].

 
- عدد حروف القرآن: روي عن ابن عباس أنّه قال: جميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وواحد وسبعون حرفاً[2]، وقيل: حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفاً وخمسة عشر حرفاً. وقيل: ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف. وقيل: ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفاً[3]. 
 
وروي عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن... ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم... وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف وواحد وعشرون ألف ومائتان وخمسون حرفاً..."[4].
 
 
 

 
[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص282-283.
[2]  انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص182.
[3] انظر الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص249.
[4] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص212.
111

92

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 الأفكار الرئيسة

1- أول ما نزل من القرآن: الآيات الأولى من سورة العلَق.

2- آخر ما نزل من القرآن: آية الإكمال.

 

3- الآية في اللغة: العلامة الظاهرة. وفي الاصطلاح القرآني: مقطع من السورة, سواء أكان كلمة أم أكثر.

4- الوحي الإلهي هو العامل الأوحد في نظْم كلمات القرآن وتركيبها وصياغتها ضمن جمل وآيات.

 

5- المعيار في ترتيب الآيات ضمن كلِّ سورة هو وفْق ترتيب نزولها. وهناك معيار استثنائي في نظْم عدد معيّن من الآيات على خلاف ترتيب نزولها, وذلك بنصٍّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبتعيين منه صلى الله عليه وآله وسلم.

 

6- يوجد اختلاف في تحديد عدد آيات القرآن وكلماته وحروفه, ترجع إلى عوامل عدّة، منها: عدم وقوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم – أحياناً - أثناء القراءة على رؤوس الآيات، فيحسب السامع أنّها ليست فاصلة، ومنها: أنّ للكلمة حقيقة ومجاز ولفظ ورسم...

 

 

112

 

93

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 فكّر وأجب

 

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":

- أوّل ما نزل من القرآن: الآيات الأولى من سورة المدّثّر.

- آخر ما نزل من القرآن: آية الإكمال.

- نظْم كلمات القرآن الكريم ضمن جمل وآيات هو نظم توقيفي يرجع إلى الوحي الإلهي.

 

2- أَجِبْ باختصار:

- تكلّم عن معنى الآية في القرآن وأنحاء استخدامها فيه؟

- اذكر الأقوال في تحديد آخر ما نزل من القرآن, مبيّناً كيفية الجمع بينها؟

- هل نظم الآيات ضمن السور توقيفي أم باجتهاد من الصحابة؟

 

113

 

 

94

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 مطالعة

 
فوائد معرفة الآيات[1]
إنّ لمعرفة الآيات فوائد وآثار عدّة، منها: العلم بأنّ كلّ ثلاث آيات قصار معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم , كما في سورة الكوثر، وفي حكمها الآية المساوية لها طولاً. ومنها: حسن الوقف على رؤوس الآي عند القراءة. ومنها: 
ترتّب بعض الأحكام الفقهية عليها, كما في الصلاة والخطبة.
 
الآيات ذوات العنوان[2]
يوجد مجموعة من الآيات التي ارتبطت بعنوان ما ورد ذكره في الروايات واشتهر تداوله بين المسلمين، فأضحى بمثابة المسمّى لها، ومن هذه الآيات ذوات العنوان:
أ- آية الكرسي: ﴿اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ...﴾[3].
ب- آية الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[4].
ج- آية الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ...﴾[5].
د- آية المباهلة: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ...﴾[6].
هـ- آية إكمال الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...﴾[7].
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص188-189, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص279-280.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص157, ص211, ص219, ص309-310, ج3، ص273-274, ج7، ص228-230, ص249-250, ج8، ص155-157.
[3] سورة البقرة، الآية: 255.
[4] سورة البقرة، الآية: 278.
[5] سورة البقرة، الآية: 282، وهي أطول آية في القرآن الكريم.
[6]  سورة آل عمران، الآية: 61.
[7] سورة المائدة، الآية: 3.
114

 


95

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 و- آية الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ...﴾[1].

ز- آية النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ...﴾[2].
ح- آية التطهير: ﴿...إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[3].
 
 
 

 
[1] سورة النور، الآية: 11.
[2] سورة النور، الآية: 35.
[3]  سورة الأحزاب، الآية: 33.
115

96

الدرس السادس: نزول القرآن (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

 
1- القرآن الكريم.
2- تفسير الإمام العسكري عليه السلام, ح78، ص157-158.
 
3- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح5، ص628.
4- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص57, ج3، ص306, ج4، ص218.
 
5- النيسابوري، الجامع الصحيح(صحيح مسلم)، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ص98.
6- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص74, ج2، ص214, ج3،ص273, ج5، ص5, ج10، ص212، 467.
 
7- النيسابوري، روضة الواعظين، باب الكلام في مبعث نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ص52.
8- الإحسائي، عوالي اللئالي، ص196.
 
9- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص112.
10- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص168.
 
11- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص101.
12- الزركشي، البرهان في علوم القرآن, ج1، ص249، 256-257، 266-267.
 
13- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص274-275، 281-283.
14- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، 278-284.
 
15- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص167-171، 182.
16- العياشي، تفسير العيّاشي، ج1، ص19.
 
17- السجستاني، سنن أبي داوود، ج1، ح788، ص183.
 
116

97

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 

موضوعات الدرس:

1- السورة في القرآن.

2- المكّي والمدني.

3- ترتيب نزول السور المكية.

4- ترتيب نزول السور المدنية.

 

أهداف الدرس:

1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.

2- معرفة معنى السورة في القرآن.

3- معرفة معنى المكّي والمدني وخصائصهما.

 

117 

 

 

98

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 1- السورة في القرآن:

أ- معنى السورة: السورة من العلو والارتفاع, بمعنى رفعة المقام والمنزلة[1]، أو من الإحاطة, كإحاطة السور بالمدينة[2]. 
 
والسورة في القرآن عبارة عن مجموعة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع, وهي مأخوذة من أحد المعنيين المتقدّمين[3].
 
ب- ترتيب السور داخل المصحف: اختلف الباحثون على ترتيب السور داخل المصحف إلى قولين:
- القول الأوّل: توقيفية ترتيب السور داخل المصحف: ذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطّلع على أنّه توقيفي صادر عن حكيم[4]، منها:
- موافقة أوّل السورة لآخر ما قبلها, كآخر الحمد في المعنى وأوّل البقرة.
 
 
 

 
[1]  ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج3، مادّة"سور"، ص115.
[2] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"سور"، ص434.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن, م.س، ج1، ص263-264, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص285.
[4] م. ن، ص260.
119

99

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 - انسجام الوزن في اللفظ, كآخر "تبت" وأوّل الإخلاص.

- مشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾.
 
والواقع: أنّ هذه الأسباب مجرّد استنسابات لا تصلح دليلاً على توقيفية ترتيب السور داخل المصحف.
 
- القول الثاني: عدم توقيفية ترتيب السور داخل المصحف: ذهب أصحاب هذا القول إلى أنّ ترتيب السور إنّما هو من الصحابة في الجمعين الأوّل والثاني بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم[1]، ومن الدليل عليه:
- ما روي: مِن وضع عثمان الأنفال وبراءة بين الأعراف ويونس، وقد كانتا في الجمع الأوّل متأخّرتين.
- ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الأوّل والثاني كليهما.
- ما روي: مِن أنّ مصحف الإمام علي عليه السلام كان مرتّباً على ترتيب النزول، فكان أوّله اقرأ، ثمّ المدثّر...
- ما روي: مِن أنّ ترتيب سور مصحفي أُبَي بن كعب وعبدالله بن مسعود يغايران المصحف الموجود.
 
ج- عدد سور القرآن: روي عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن... ثمّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة"[2].
 
د- فوائد تقسيم القرآن إلى سور: إنّ لتقسيم القرآن إلى سور فوائد عدّة[3]، أبرزها:
- مراعاة الأهداف والموضوعات المختلفة في القرآن.
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص126-127.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص212.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن, م.س، ج1، ص263-264, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص286-287.
120

100

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 - السهولة في تعلم القرآن وحفظه وقرائته.

- صيانة القرآن من التحريف من خلال تسهيل عملية الحفظ.
- تعذّر الإتيان بمثيل للقرآن حتى بالنسبة إلى أقصر سورة، دون اقتصار التحدّي على كبار السور.
 
هـ- تبويب السُور: اشتهر بين المسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبويب السور القرآنية ضمن مجموعات، بحيث تضمّ كلّ منها مجموعة من السور[1]، حيث روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أُعطيت مكان التوراة، السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور، المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصَّل"[2]، ومن هذه المجموعات من السور المبوّبة:
- السبع الطول: أطول سبع سور في القرآن، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف. ووقع الاختلاف في تحديد السورة السابعة, فنقل عن سعيد بن جبير أنّها سورة يونس، وقال آخرون أنّها سورة الكهف.
 
- المئون: أقصر من السبع الطوال، وتزيد سورها على مائة آية، وهي: التوبة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الإسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافات.
 
- المثاني: السور التي يقلّ عدد آيات كلّ منها عن المائة، وهي عشرون سورة تقريباً، وسميت بهذا الاسم لأنها ثنّت المئون, أي كانت بعدها. وورد في تسميتها بذلك وجوه أخرى.
 
- المفصّل: قصار السور. وسمّيت بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، وآخر سورة في المفصّل هي سورة "الناس" بلا خلاف، ولكن وقع الخلاف حول
 
 
 

 
[1] م. ن، ص244-248, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص286-287.
[2] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج4، ص107.
121

101

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 أوّل سورة فيه، على اثني عشر رأياً، أهمّها اثنان: الأوّل: أنّها "سورة الحجرات"[1]، والثاني: أنّها "سورة ق", وهو الأصحّ عند أهل الأثر[2].

 
و- أسماء السور:
- أسباب تسمية السور: يوجد أسباب عدّة كانت بمثابة الداعي لتسمية سور القرآن[3]، منها:
- تسمية السورة بحسب الموضوع الغالب أو البارز الذي تتعرّض له، مثل: سورة النساء، الحج، التوحيد، الأنبياء، الأحزاب، المؤمنون، المنافقون، الكافرون.
- تسمية السورة باسم النبي أو الشخص الوارد اسمه فيها، مثل: نوح، هود، إبراهيم، يونس، يوسف، سليمان، محمد، لقمان، مريم، آل عمران، المؤمن، الكهف.
- تسمية السورة بحسب الحروف المقطعة الواردة في مطلعها، مثل: ق، ص، يس، وطه.
- تسمية السورة بأسماء بعض الحيوانات الوارد ذكرها فيها، مثل: البقرة، النحل، النمل، العنكبوت.
- تسمية السورة بحسب أبرز أقسامها، مثل: سورة الجمعة، الفتح، الواقعة، الحديد، المطففين.
- تسمية السورة بما ورد القسم به فيها، مثل: الفجر، الشمس، الضحى، التين، العاديات.
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ المعيار الأساس في تسمية السور يدور مدار أهمّيّة الموضوع الذي تطرحه على الأعمّ الأغلب، وليس على نحو الموجبة الكلّيّة.
 
 
 

 
[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص287.
[2] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص246-247.
[3] انظر: م. ن، ص270-272.
122

102

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 - نماذج من أسماء السور[1]:

- السور التي لها اسم واحد فقط، وهي أغلب سور القرآن.
- بعض السور التي لها اسمان: البقرة = فسطاط القرآن, النحل = النعم, حم عسق = الشورى, الجاثية = الشريعة, القتال = محمد, الرحمن = عروس القرآن.
- بعض السور التي لها ثلاثة أسماء: المائدة = العقود = المنقذة, غافر = الطول = المؤمن.
- بعض السور التي لها أربعة أسماء: براءة = التوبة = الفاضحة = الحافرة.
- بعض السور التي يزيد عدد أسمائها على عشرين اسماً: الفاتحة = الحمد = أم الكتاب = أم القرآن السبع المثاني = الوافية = الكنز = الكافية = الأساس الشفاء = الشافية = الصلاة...
 
2- المكّي والمدني:
أ- فائدة التقسيم إلى مكي ومدني: إنّ لتقسيم السور والآيات إلى مكي ومدني فوائد عدّة[2]، أبرزها:
- المساهمة في بعض الأبحاث المتعلّقة بالدعوة النبوية وسيرها الروحي والسياسي والمدني في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وتحليل سيرته الشريفة.
 
- الاطّلاع على كيفية نزول الأحكام التشريعية وتدرّجها.
 
- المساهمة في بعض الأبحاث القرآنية والعقدية والتاريخية، من قبيل: بحث إمكانية نسخ القرآن بالقرآن، وبحث مسألة الإمامة وما يرتبط بها من حوادث
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن, م.س، ج1، ص269-270.
[2] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص161, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج13، ص235, الصالح، صبحي: مباحث في علوم القرآن، ط26، بيروت، دار العلم للملايين، 2005م، ص233, الرومي، دراسات في علوم القرآن الكريم، م.س، ص146.
123

103

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 تاريخية, كحادثة غدير خم...

 
- الوقوف على أحد أبعاد إعجاز القرآن الكريم وتعذّر تحريفه، من خلال التأمّل والتدبّر في خصائص السور المكية والمدنية وضبط تاريخ نزولها.
 
- المساهمة في معرفة الخاصّ والعامّ، والمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ.
 
ب- ضوابط معرفة المكي والمدني: اهتمّ العلماء والمفسّرون بحديد ضابطة معيارية لتعيين الآيات المكية والآيات المدنية، واختلفوا في تحديد الضابطة الصحيحة لذلك، على ثلاثة أقوال رئيسة[1]:
- الضابطة الزمانية: كلّ ما نزل قبل الهجرة أو أثنائها قبل الوصول إلى المدينة فهو مكي، وكلّ ما نزل بعد الهجرة - حتى وإن نزل في مكة - فهو مدني.
- الضابطة المكانية: كلّ ما نزل في مكة وضواحيها مكي، وكلّ ما نزل في المدينة وضواحيها مدني. وعلى هذا الأساس يوجد آيات لا هي مكية ولا مدنية.
- الضابطة الخطابية: الآيات والسور التي ورد فيها خطاب "يا أيها الناس..." مكية، والآيات والسور التي ورد فيها خطاب ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ...﴾ مدنية.
 
والمشهور عند المفسّرين اختيار الضابطة الأولى في التمييز بين السور المكية والمدنية. وأضاف العلامة الطباطبائي قدس سره على هذه الضابطة قيداً مُفاده: أنّ الآيات مكيّة كانت أم مدنية، يُعتمد فيها على التدبّر في سياقها وما تحوي من مضامين، فإذا شهد السياق بأنّ مضامين هذه الآيات تناسب ما كان يجري عليه الحال في مكة أو المدينة, فهي مكية أو مدنية[2].
 
ج- خصائص السور المكية والمدنية: ذُكِرَت خصائص ومميزات عدّة لكلّ من 
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص187, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص159-161, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص162-163.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص285.
124

104

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 السور والآيات المكية والمدنية، هي:

 
- خصائص السور المكية[1]:
- صغر حجم السور وقصر آياتها وإيجاز خطابها.
- الدعوة إلى أصول العقيدة, كالإيمان بالله وتوحيده ويوم القيامة والحساب.
- شدة لهجة الآيات، وأسلوبها التقريعي، ولا سيما في مجادلة المشركين وتفنيد معتقداتهم.
- الدعوة إلى القيم الدينية والأخلاقية العالية, كالمحبة، والصدق، والإخلاص، وبرّ الوالدين...
- كثرة استعمال خطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
- كثرة ذِكر قصص الأنبياء السابقين عليهم السلام وأممهم.
- كثرة ورود القسم فيها, كالقسم بالله، ويوم القيامة...
 
- خصائص السور المدنية[2]:
- كثرة تشريع آيات الأحكام في ما يتعلّق بالفرد والمجتمع, من حدود وفرائض ومعاهدات وإرث...
- طول حجم السور والآيات.
- التصدّي لمواجهة المنافقين ومجابهتهم وفضحهم.
- كثرة ورود آيات الجهاد.
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص188-191, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص162-163، 166-168.
[2] م. س.
125

105

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 - كثرة استخدام الأدلّة والبراهين على الحقائق الدينية.

د- ترتيب النزول: تمّ الاعتماد فيه على عدّة روايات متّفق عليها، وعَمدتها رواية ابن عبّاس، مع استكمال ما سقط منها من رواية جابر بن زيد وغيره، وكذا نصوص تاريخية معتمدة. والنظر في هذا العرض كان إلى مفتتح السوَر، فالسورة إذا نزلت من أوّلها بضْع آيات، ثمّ نزلت أخرى، وبعدها اكتملت الأُولى، كانت الأُولى متقدّمة على الثانية في ترتيب النزول، حسب هذا المصطلح[1]:
 
ترتيب نزول السور المكية (86 سورة):
 
 
 

 
[1]  انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص193-194, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص167-170.
126

106

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

127

 

 


107

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 ترتيب نزول السور المدنية (26 سورة):





 
 
 
 
 
عدد سور القرآن الكريم وآياته وكلماته حسب تقسيم السور المكية والمدنية:

 
 
 
128
 

108

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 الأفكار الرئيسة

1- السورة في اللغة بمعنى العلو والارتفاع والإحاطة. وفي الاصطلاح عبارة عن مجموعة من آيات ذي مطلع ومقطع.
2- ترتيب السور داخل المصحف ليس توقيفياً، بل باجتهاد الصحابة. وعدد سور القرآن: 114 سورة.
3- من فوائد تقسيم القرآن إلى سور: مراعاة الأهداف والموضوعات المختلفة في القرآن، السهولة في تعلم القرآن وحفظه وقرائته، صيانة القرآن من التحريف من خلال تسهيل عملية الحفظ...
4- تبويب السُور: السبع الطول، المئون، المثاني، المفصّل.
5- تسمية السور أمر اجتهادي وليس توقيفياً.
6- المعيار الأساس في تسمية السور يدور مدار أهمّيّة الموضوع الذي تطرحه على الأعمّ الأغلب...
7- من فوائد التقسيم إلى مكي ومدني: المساهمة في بعض الأبحاث المتعلّقة بالدعوة النبوية، الاطّلاع على كيفية نزول الأحكام التشريعية وتدرّجها، المساهمة في بعض الأبحاث القرآنية والعقدية والتاريخية...
8- ضوابط معرفة المكي والمدني: اختلفوا في تحديد الضابطة على ثلاثة أقوال رئيسة: الضابطة الزمانية، الضابطة المكانية، الضابطة الخطابية. والمشهور عند المفسّرين اختيار الضابطة الأولى.
 
129

109

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 فكّر وأجب

 

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":

- ترتيب السور داخل المصحف توقيفياً.

- تسمية السور أمر اجتهادي وليس توقيفياً.

- يُعتمد في تحديد المكي والمدني من الآيات على التدبّر في سياقها وما تحوي من مضامين.

 

2- أَجِبْ باختصار:

- اذكر فوائد التقسيم إلى مكي ومدني؟

- تكلّم عن أبرز الضوابط المطروحة في معرفة المكي والمدني، مبيّناً أشهرها وأوفقها؟

- اذكر خصائص السور والآيات المكية، وكذلك المدنية؟

 

130

 

 

110

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 مطالعة

 
آيات مُستَثْنيات!!
ذكر بعض الباحثين في علوم القرآن والتفسير استثناء آيات من سوَر تُخالفها في النزول، غير أنّه اعتمد في الأكثر على روايات ضعيفة، مع العلم أنّ غالبية القائلين بهذه الاستثناءات قالوا بها عن حدَس أو اجتهادٍ في الرأي، من غير أن يستندوا إلى نصٍّ صحيح مأثور. والصحيح أنّ الآيات تتبع مفتتح سورها لجهة التصنيف مكياً أم مدنياً، وما يدّعى خروجه يحتاج إلى دليل. ومن الآيات التي ادُّعي استثناؤها:
1- قوله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾[1]: فقيل: إنّها نزلت بمكّة بشأن المشركين أيام كان المسلمون ضعفاء، مع أنّ سورة البقرة سورة مدنية.
 
الجواب: روي أنّها نزولت بشأن جماعة من أهل الكتاب في أوائل الهجرة حين وفود النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة[2].
 
2- قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾[3]، حيث قيل: إنّها مكّية[4].
 
الجواب: إنّ سياق الآية ومضمونها يشهدان عاى أنّها نزلت بالمدينة, فهي من آيات الأحكام المتعلّقة بالإرث, وهو لم يشرّع إلا في المدينة[5]. هذا فضلاً عن وجود اختلاف بين الروايات في سبب نزولها، وبعض هذه الروايات (رواية جابر)
 أفاد أنّها نزلت بالمدينة[6]. وغيرها آيات أُخَر ادّعي استثناؤها[7].
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 109.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص347.
[3] سورة النساء، الآية: 176.
[4] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص5.
[5] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج4، ص363.
[6] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص254.
[7]  لمزيد من التفصيل في الآيات المستثنيات، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص199-203, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص47-55, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص198-254.
131

111

الدرس السابع: نزول القرآن (3)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.

2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج3، ص115.

3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص434.

4- الزركشي، البرهان في علوم القرآن, ج1، ص187-191، 193-194، 244-248، 260، 263-264، 269-272.

5- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص159-163، 166-168، 285-287.

6- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص285, ج12، ص126-127, ج13، ص235.

7- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10، ص212.

8- ابن حنبل، مسند أحمد، ج4، ص107.

9- الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص168-169.

10- الصالح، مباحث في علوم القرآن، ص233.

11- الرومي، دراسات في علوم القرآن الكريم، ص146.

12- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص162-163، 167-170.

 

132

 

 

112

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 الدرس الثامن: جمع القرآن (1)


موضوعات الدرس:
1- أدلّة جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
2- أدلّة جمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على أبرز الاتّجاهات المطروحة في جمع القرآن.
3- معرفة أدلة جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وتمييز الصحيح منها.
 
133

113

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 مقدمة:

وقع الاختلاف بين الباحثين في علوم القرآن في مسألة ترتيب السوَر وجمعها بين دفّتين، ويمكن حصر أقوالهم في هذه المسألة ضمن اتّجاهين رئيسين، هما: الأوّل: أنّ القرآن لم يجمع بين دفّتين إلا بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, والثاني: أنّ القرآن كان مجموعاً بين دفّتين في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وقد استدلّ أصحاب كلّ رأي بأدلّة 

وقرائن عدّة:

1- أدلّة جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

يذهب أصحاب هذا الاتّجاه إلى أنَّ المصحف الذي بين أيدينا بنظمه وترتيب سوره مطابق للمصحف المجموع في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم[1]، ويمكن إيجاز أدلّة أصحاب هذا الاتّجاه بالتالي[2]:

 

أ- الدليل الأوّل: إنَّ القرآن كان يُدَرَّس ويُحفظ جميعه من قِبَل مجموعة من الصحابة

 

 

 


 

[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص259-260, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص171-172, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص92.

[2] ذكر السيد الخوئي قدس سره هذه الأدلّة في كتابه "البيان في تفسير القرآن"، وعلّق عليها الشيخ محمد هادي معرفة قدس سره في كتابه "التمهيد في علوم القرآن". انظر: السيد السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص240-258, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص287-292.

 

135

 

114

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وأنّهم كانوا يعرضونه ويتلونه عليه صلى الله عليه وآله وسلم, ومن هؤلاء الصحابة: عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وغيرهما. وكلّ ذلك يدلّ بأدّنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث[1].

 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ حِفظ القرآن, بمعنى حِفظ جميع سوَره التي اكتملت آياتها, سواء أكان بين السوَر ترتيب أمْ لا، وختمُ القرآن, بمعنى قراءة جميع سوَره من غير لحاظ ترتيب خاصّ بينها، أو أنّ الحِفظ, بمعنى الاحتفاظ على جميع القرآن النازل لحدّ ذلك الزمن، والتحفّظ عليه دون الضياع والتفرقة, الأمر الذي لا يدلّ على وجود ترتيب خاصّ كان بين سوَره, كما هو عليه المصحف اليوم.
 
ب- الدليل الثاني: تناقض أحاديث جمْع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ هذه الأحاديث متناقضة ومتضاربة في ما بينها، ففي بعضها تحديد زمن الجمع بعهد أبي بكر، وفي آخر بعهد عمَر، وفي ثالث بعهد عثمان، كما أنَّ بعضها ينصّ على أنَّ أوّل مَن جمَع القرآن هو زيد بن ثابت، وآخر ينصّ على أنَّه أبو بكر، وفي ثالث أنَّه عمَر، إلى أمثال ذلك من تناقضات ظاهرة.
 
ويناقش هذا الدليل: بعدم وجود مناقضة بين روايات جمْع القرآن, إذ لا شكَّ أنَّ عمَر هو الذي أشار على أبي بكر بجمْع القرآن، وهذا الأخير أمَر زيداً أن يتصدّى القضية من قِبَلِه، فيصحّ إسناد الجمْع الأوَّل إلى كلٍّ من الثَلاثة بهذا الاعتبار. نعم، نسبة الجمْع إلى عثمان كانت باعتبار توحيده للمصاحف ونَسْخها في صورة موحَّدة، وأمّا نسبة توحيد المصاحف إلى عُمَر فهو من اشتباه الراوي قطعاً, لأنَّ الذي فعَل ذلك هو عثمان بإجماع المؤرِّخين.
 
ج- الدليل الثالث: معارضة أحاديث جمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأحاديث دلَّت على أنَّ القرآن كان قد جُمِعَ على عهده صلى الله عليه وآله وسلم, منها: حديث الشعبي، قال: جَمَع 
 
 
 

 
[1] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص43.
136

115

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 القرآن على عهده ستَّة: أُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد. وفي حديث أنَس أنَّهم أربعة: أُبَي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، وأمثال ذلك[1].

 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ مفاد هذه الأحاديث: الحِفظ عن ظَهْر القلب، حيث إنّهم حفظوا جميع الآيات النازلة لحدّ ذلك الوقت، أمّا دلالة على وجود نَظْم بين سوَره فلا.
 
د- الدليل الرابع: منافاة الجمع بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع آيات التحدّي، الدالَّة على اكتمال سوَر القرآن وتمايز بعضها عن بعضها الآخر، ومنافاته - أيضاً - مع إطلاق لفظ الكتاب على القرآن في لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم, الظاهر في كونه مؤلَّفاً كتاباً مجموعاً بين دفَّتين.
 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ التحدّي كان بالآيات والسوَر أنفسهما، وبكلُّ آية أو سورة في القرآن، ولم يكن التحدّي بالترتيب القائم بين السوَر, كي يتوجَّه الاستدلال المذكور! على أنَّ التحدّي وقَع في سوَر مكّية[2] أيضاً، ولم يُجمَع القرآن قبل الهجرة قطعاً.
 
هـ- الدليل الخامس: مخالفة الجمع بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع حُكم العقل الحاكم بوجوب اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمْعه وضبطه عن الضياع والإهمال.
 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن القرآن، شيء لا ينكَر، ومن ثمَّ كان حريصاً على ثبْت الآيات ضمن سوَرها فور نزولها، وقد حصل النَظْم بين آيات كلِّ سورة في حياته صلى الله عليه وآله وسلم.
 
و- الدليل السادس: مخالفة الجمع بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إجماع المسلمين، حيث
 
 
 

 
[1] انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج6، ص103.
[2] انظر: سورة يونس، الآية: 38, وسورة هود، الآية: 13، وهما مكّيَّتان.
137

116

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 يَعتبرون النصَّ القرآني متواتراً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، في حين أنَّ بعض هذه الروايات تشير إلى اكتفاء الجامِعين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة رجُلين أو رجُل واحد!

 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ الجمْع بين السوَر وترتيبها ضمن مصحف موحَّد فم يحصل حينذاك, نظراً لترقّب نزول قرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فما لم ينقطع الوحي لا يصحّ جمع القرآن بين دفَّتين، ومن ثمَّ لمّا أيقن بانقطاع الوحي بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إلى الإمام عليّ عليه السلام بجمْعه.
 
ومعنى تواتر النصّ القرآني هو: القطع بكونه وحْياً، الأمر الذي يحصل من كلّ مستند وثيق، وليس التواتر ـ هنا ـ بمعناه المصطلح عند الأصوليين.
 
ز- الدليل السابع: استلزام الجمع بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريفاً في نصوص الكتاب العزيز، حيث إنّ طبيعة الجمْع المتأخّر تستدعي وقوع نقص أو زيادة في القرآن، وهذا مخالف لضرورة الدِين.
 
ويناقش هذا الدليل: بأنّ استلزام تأخّر الجمْع تحريفاً في كتاب الله، هو احتمال مجرَّد لا سنَد له، بعد معرفتنا بضبط الجامِعين، وقُرب عهدهم بنزول الآيات، وشدَّة احتياطهم على الوحي, بما لا يدَع مجالاً لتسرّب احتمال زيادة أو نقصان.
 
2- أدلّة جمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
كان القرآن مؤلّفاً ضمن سور متفرّقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وغير مجموع في موضع واحد ولا مرتَّب السوَر، حيث رحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن منثور على العُسُب، واللِخاف، والرقاع، والأديم[1]، وعِظام الأكتاف والأضلاع، والحرير والقراطيس، وفي صدور الرجال. ومع أنّ السوَر كانت مكتملة على عهده صلى الله عليه وآله وسلم مرتَّبة آياتها وأسماؤها،
 
 
 

 
[1] العُسُب: جمع عسيب, وهو جريد النخل، حيث كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. واللخاف: جمع لخف, وهي الحجارة الرقيقة (صفائح الحجارة). والرقاع: جمع رقعة, وهي من الجلد أو الورق أو غيرهما. والأديم: الجلد المدبوغ. انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص202.
138

117

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 غير أنَّ جمعها بين دفَّتين لم يكن حاصلاً بعد, نظراً لترقّب نزول قرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا، لم يُقدِم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جمع القرآن ضمن دفّتين[1]، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: يا عليّ، القرآن خلف فِراشي في الصحُف والحرير والقراطيس، فخُذوه واجمَعوه ولا تضيِّعوه"[2]. ويمكن إيجاز أدلّة أصحاب هذا الاتّجاه بالتالي:

 
أ- الدليل الأوّل: الشواهد التاريخية: إنّ قضية جمع القرآن قضيّة تاريخية، فلا بدّ من البحث عن حقيقتها بين طيّات التاريخ، والشواهد التاريخية تثبت أنّ القرآن جُمِعَ على شكل مصحف بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هذه الشواهد:
- ما قاله زيد بن ثابت: قُبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن القرآن جُمِعَ في شيء[3].
- ما نقله ابن قتيبة الدينوري عن ابن عيينة عن الزهري: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن في العسب والقضم[4].
 
- ما نقله الزركشي عن أبي الحسين بن فارس في "المسائل الخمس": جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين, فهذا الضرب هو الذي تولته الصحابة، وأمّا الجمع الآخر - وهو جمع الآيات في السور - فهو توقيفي تولاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم[5].
 
- ما نقله الزركشي عن أبو عبد الله الحارث بن أسيد المحاسبي في كتاب "فهم 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص170-172, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص203-204, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص120, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص285.
[2] القمي، تفسير القمي، م.س، ج2، تفسير سورة الناس، ص451.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص160.
[4] انظر: الدينوري، ابن قتيبة: غريب الحديث، تحقيق عبد الله الجبوري، ط1، قم المقدّسة، دار الكتب العلمية، 1408هـ.ق، ج2، حديث الزهري...، ح1، ص304.
[5] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص237.
139

118

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 السنن": كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنّه كان مفرّقاً في الرقاع والأكتاف والعسب. وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فأمر أبو بكر بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء[1].

 
ب- الدليل الثاني: تدرّج نزول القرآن واستمرار حالة ترقّب نزول الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وهو ما حال دون أن يجمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه[2].
 
ج- الدليل الثالث: لو كان القرآن مجموعاً ضمن مصحف في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكله الحالي، فما معنى أن يبادر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى جمعه مرّة أخرى؟ ولماذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 
الإمام علي عليه السلام بجمعه بعد رحيله؟ فعن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: يا عليّ، القرآن خلف فِراشي في الصحُف والحرير والقراطيس، فخُذوه واجمَعوه ولا تضيِّعوه، كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام, فجمعه في ثوب أصفر، ثمّ ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه، فإنّه كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء, حتى جمعه"[3].
 
د- الدليل الرابع: ما هو الوجه في تبرير جمع الإمام علي عليه السلام على أساس ترتيب النزول بخلاف الجمع الذي كان عليه مصحف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على فرض أنّ المصحف الموجود بين أيدينا هو وفق ما جمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته؟! فعن الإمام الباقر عليه السلام: "ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام 
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص238.
[2] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص204, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص285.
[3] القمي، تفسير القمي، م.س، ج2، تفسير سورة الناس، ص451.
140

119

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 والأئمّة من بعده عليهم السلام"[1].

 
قال ابن جزي: كان القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفرَّقاً في الصحُف وفي صدور الرجال، فلمّا توفّي جَمَعه عليّ بن أبي طالب على ترتيب نزوله، ولو وجِد مصحفه لكان فيه عِلم كبير، ولكنَّه لم يوجد[2].
 
أضف إلى ذلك، أنّ الصحابة الآخرين عمل كلّ واحد منهم على تأليف مصحف خاصّ به، وهذه المصاحف تختلف في ما بينها لجهة ترتيب السور[3].
 
 
 

 
[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام...، ح1، ص228.
[2] انظر: ابن جزي، محمد بن أحمد: التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق عبد الله الخالدي، لاط، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، لات، ج1، ص12.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص238-239، 241-243.
141

120

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 الأفكار الرئيسة

1- أبرز الاتجاهات في جمع القرآن: الأوّل: جمعه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, الثاني: جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
2- أبرز أدلّة جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عرض القرآن وتلاوته من قِبَل مجموعة من الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, تناقض أحاديث جمْع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, معارضتها بأحاديث دلَّت على أنَّ القرآن كان قد جُمِعَ على عهده صلى الله عليه وآله وسلم, منافاة الجمع بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع آيات التحدّي، ومع إطلاق لفظ الكتاب على القرآن، مخالفته مع حُكم العقل الحاكم بوجوب اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمْعه وضبطه عن الضياع والإهمال، مخالفته مع إجماع المسلمين على تواتر النصَّ القرآني، استلزامه تحريفاً في نصوص الكتاب العزيز.
 
3- أدلّة جمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الشواهد التاريخية على جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, تدرّج نزول القرآن واستمرار حالة ترقّب نزول الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم, لو كان القرآن مجموعاً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكله الحالي، فما معنى أن يبادر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى جمعه مرّة أخرى؟ ولماذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام بجمعه بعد رحيله؟، ما هو الوجه في تبرير جمع الإمام علي عليه السلام على أساس ترتيب النزول بخلاف الجمع الذي كان عليه مصحف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على فرض أنّ المصحف الموجود بين أيدينا هو وفق ما جمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته؟!
 
142

121

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- معنى تواتر النصّ القرآني هو: القطع بكونه وحْياً.
- ترقّب نزول الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال دون أن يجمعه صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه.
- جمع الإمام علي عليه السلام يشبه جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , باستثناء ترتيب سوره وفق ترتيب النزول.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- اذكر دليلاً من أدلّة جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع مناقشته؟
- اذكر دليلاً من أدلّة جمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بيان وجه الاستدلال فيه؟
- هل يوجد منافاة بين القول بجمع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع مقتضى آيات التحدّي؟
143 
 

122

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 مطالعة

 
جمع القرآن الكريم وحفظه[1]
لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي والتشريع والمصالح والمقتضيات المتجدّدة آناً فآناً يتدرّج في نزوله نجوماً, الآية، والآيتان، والأكثر، والسورة. وكلّما نزل شيء هفت إليه قلوب المسلمين، وانشرحت له صدورهم، وهبوا إلى حفظه, بأحسن الرغبة والشوق، وأكمل الإقبال، وأشد الارتياح. فتلقوّه بالابتهاج، وتلقوّه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم , الصادع بأمر اللَّه، والمسارع إلى التبليغ والدعوة إلى الله وقرآنه. وتناوله حفظهم, بما امتازت به العرب، وعُرِفُوا به من قوّة الحافظة الفطرية، وأثبتوه في قلوبهم, كالنقش في الحجر. وكان شعار الإسلام وسمة المسلم حينئذ, هو التجمّل والتكمّل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم, لكي يتبصّر بحججه، ويتنوّر بمعارفه وشرائعه وأخلاقه الفاضلة وتاريخه المجيد وحكمته الباهرة وأدبه العربي الفائق المعجز. فاتّخذ المسلمون تلاوته لهم حجّة الدعوة، ومعجز البلاغة، ولسان العبادة للَّه، ولهجة ذكره، وترجمان مناجاته، وأنيس الخلوة، وترويح النفس، ودرساً للكمال، وتمريناً في التهذيب، وسلماً للترقّي، وتدرّباً في التمدّن، وآية الموعظة، وشعار الإسلام، ووسام الإيمان والتقدّم في الفضيلة. واستمرّ المسلمون على ذلك, حتى صاروا في زمان الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم يُعدّون بالألوف وعشراتها ومئاتها. وكلّهم من حملة القرآن وحفاظه، وإن تفاوتوا في ذلك بحسب السابقة والفضيلة... هذا ولمّا كان وحيه لا ينقطع في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن كلّه مجموعاً في مصحف واحد، وإن كان ما أُوحِيَ منه مجموعاً في قلوب المسلمين وكتاباتهم له... ولمّا اختار الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم دار الكرامة، وانقطع الوحي بذلك, فلا 
 
 
 

 
[1] انظر: البلاغي، محمد جواد: آلاء الرحمن في تفسير القرآن، لاط، صيدا، مطبعة العرفان، 1352هـ.ق/ 1933م، ج1، ص17-18.
144

123

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 يرجى للقرآن نزول تتمّة, رأى المسلمون أن يسجّلوه في مصحف جامع، فجمعوا مادّته على حين إشراف الألوف من حفّاظه، ورقابة مكتوباته الموجودة عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكتّاب الوحي وسائر المسلمين, جملة، وأبعاضا 

وسوراً. نعم، لم يترتّب على ترتيب نزوله، ولم يقدّم منسوخه على ناسخه، فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفال العظيم بين المسلمين جيلاً بعد جيل، ترى له في كلّ آن ألوفاً مؤلّفة من المصاحف، وألوفاً من الحفّاظ، ولا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض، والمسلمون يقرأ بعضهم على بعض، ويسمع بعضهم من بعض, تكون ألوف المصاحف رقيبة على الحفّاظ، وألوف الحفّاظ رقباء على المصاحف، وتكون الألوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدّد منهما. نقول الألوف، ولكنّها مئات الألوف، وألوف الألوف. فلم يتّفق لأمر تاريخي من التواتر وبداهة البقاء, مثل ما اتّفق للقرآن الكريم, كما وعد الله جلّت آلاؤه بقوله في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[1]، وقوله في سورة القيامة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾[2].
 
 
 

 
[1] سورة الحجر، الآية: 9.
[2] سورة القيامة، الآية: 17.
145

124

الدرس الثامن: جمع القرآن (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.

2- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص237-239، 241-243، 259-260.

3- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص160، 170-17

4- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص92، 240-258.

5- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص287-292.

6- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص43.

7- البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص103.

8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص202-204.

9- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص120.

10- القمي، تفسير القمي، ج2، تفسير سورة الناس، ص451.

11- الدينوري، غريب الحديث، ج2، حديث الزهري...، ح1، ص304.

12- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام...، ح1، ص228.

13- ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج1، ص12.

 

 

146

 

125

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 
 
موضوعات الدرس:
1- جمعُ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام للمصحف.
2- جمْعُ زيد بن ثابت للمصحف.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطلاع على تاريخ جمع المصاحف بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
3- معرفة خصائص جمع المصاحف ومصير المصاحف المجموعة.
 
147

126

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 1- جمعُ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام:

أ- واقع الجمع: كان الإمام علي عليه السلام أوَّل مَن تصدّى لجمْع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وبوصيّةٍ منه، حيث جلس في بيته مشتغلاً بجمْع القرآن وترتيبه وفق نزوله، مع إضافة شروحات وتفاسير لمواضع مبهمة من الآيات، وبيان أسباب النزول ومواقع النزول والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ...
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: يا عليّ، القرآن خلف فِراشي في الصحُف والحرير والقراطيس، فخُذوه واجمَعوه ولا تضيِّعوه، كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام, فجمعه في ثوب أصفر، ثمّ ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه، فإنّه كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء, حتى جمعه. قال: وقال رسول الله: لو أنّ الناس قرأوا القرآن كما أنزل الله ما اختلف اثنان"[1].
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "ما من أحد من الناس يقول إنَّه جَمع القرآن كلَّه كما أنزلَ الله إلاّ كذّاب، وما جمَعه وما حَفظه كما أنزل الله إلاّ عليّ بن أبي طالب"[2].
 
 
 

 
[1] القمي، تفسير القمي، م.س، ج2، تفسير سورة الناس، ص451.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام ...، ح1، ص228.
149

127

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 وروى محمَّد بن سيرين عن عكرمة، قال: لمّا كان بدْء خلافة أبي بكر، قعَد عليّ بن أبي طالب في بيته يجمع القرآن، قال: قلت لعكرمة: هل كان تأليف غيره كما أُنزل الأوَّل فالأوَّل؟ قال: لو اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يؤلِّفوه هذا التأليف ما استطاعوا. قال ابن سيرين: تطلَّبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه[1].

 
وقال ابن جزي: كان القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفرَّقاً في الصحُف وفي صدور الرجال، فلمّا توفّي جَمَعه عليّ بن أبي طالب على ترتيب نزوله، ولو وجِد مصحفه لكان فيه عِلم كبير، ولكنَّه لم يوجد[2].
 
ب- خصائص الجمع: يمتاز المصحف الذي جمعه الإمام علي عليه السلام عن سائر المصاحف التي جمعها الصحابة بمميّزات عدّة، أبرزها:
- ترتيب سوره على أساس ترتيب نزول القرآن.
- إثبات النصّ القرآني من دون نقص أو زيادة.
- إثبات قراءته وفق قراءة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
- اشتماله على شروحات وتوضيحات جانبية على هامش النصّ القرآني، تعرّض فيها لبيان مناسَبات النزول، ومكان النزول، ومصاديق مَنْ نزلت فيهم، وفي مَنْ تجري، وعلى مَنْ تنطبق، وبيان المحكم والمتشابه من الآيات، وناسخها ومنسوخها، وظاهرها وباطنها، وتنزيلها وتأويلها...
 
عن الأصبغ بن نباتة، قال: قَدِم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة، صلَّى بهم أربعين صباحاً يقرأ بهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾[3]، فقال المنافقون: لا والله ما يُحسن ابن أبي طالب أن يقرأ القرآن، ولو أحسن أن يقرأ القرآن لقرأ بنا غير هذه السورة! قال: 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص161-162.
[2] انظر: ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، م.س، ج1، ص12.
[3] سورة الأعلى، الآية: 1.
150

128

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 فبلَغ ذلك عليّاً عليه السلام فقال: "ويلٌ لهم، إنّي لأعرِفُ ناسِخه من منسوخه، ومحكَمه من متشابهه، وفصْله من فِصاله، وحروفه من معانيه، والله ما من حرفٍ نزل على محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنّي أعرف في مَنْ أُنزل، وفي أيِّ يوم وفي أيِّ موضع، ويلٌ لهم أما يقرأون: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾[1]؟ والله عندي، ورثتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وقد أنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إبراهيم وموسى عليهما السلام. ويلٌ لهم، والله أنا الذي أنزلَ الله فيَّ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ[2]، فإنَّما كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فيُخبرنا بالوحي، فأعيَه أنا ومَن يعيَه، فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفاً؟"[3].

 
وعن سليم بن قيس الهلالي: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أقرأَنيها وأمْلاها عليَّ، فأكتبها بخطّي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومُحكَمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلِّمني فهْمها وحِفظها، فما نسيت آية من كتاب الله، ولا عِلماً أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي ما دعا، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علم أملاه علي فكتبته منذ دعا لي بما دعا، وما ترك شيئاً علمه الله من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهى كان أو لا يكون من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس منه حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكمة ونوراً لم أنس شيئاً، ولم يفتني شيء لم أكتبه"[4].
 
ج- مصير الجمع:
روى سُليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي رضوان الله عليه، قال: لمّا رأى أمير المؤمنين صلوات الله عليه غَدْر الناس به لزِم بيته، وأقبل على القرآن يؤلِّفه ويجمعه،
 
 
 

 
[1] سورة الأعلى، الآيتان: 18-19.
[2] سورة الحاقّة، الآية: 12.
[3] انظر: العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، باب في علم الأئمّة عليهم السلام بالتأويل، ح2، ص14.
[4] انظر: م. ن.
151

129

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 فلم يخرج من بيته حتّى جمَعَه، وكان في الصحُف، والشظاظ[1]، والأسيار[2]، والرقاع وبعثَ القوم إليه ليبايع، فاعتذر باشتغاله بجمْع القرآن، فسكتوا عنه أيّاماً حتّى جمعه في ثوب واحد وختَمه، ثمَّ خرج إلى الناس - وروى بعضهم أنّه أتى به يحمله على جمل[3] - وهم مجتمعون حول في المسجد، وخاطبهم قائلاً: "إنّي لم أزل منذ قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشغولاً بغُسله وتجهيزه، ثمَّ بالقرآن حتّى جمَعته كلَّه في هذا الثوب الواحد، ولم يُنزِل الله على نبيِّه آية من القرآن إلاّ وقد جمعتها، وليس منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلَّمني تأويلها, لئلاّ تقولوا غداً: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾!" فقام إليه رجُل من كِبار القوم، فقال: يا عليّ، اردُده فلا حاجة لنا فيه، ما أغنانا بما معَنا من القرآن عمّا تدعونا إليه، فدخل عليّ عليه السلام بيته[4].

 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "أخرجه علي عليه السلام (أي القرآن) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عزّ وجلّ كما أنزله (الله) على محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وقد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنّما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه"[5].
 
وما زال هذا المصحف يتوارثه الأئمّة من ولده عليهم السلام[6], وسوف يُخرِجه الإمام القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بعد ظهوره ويُظهِره للناس, فعن الإمام الصادق عليه السلام: "فإذا قام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف قرأ كتاب الله عزّ وجلّ على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام"[7].
 
 
 

 
[1] بمعنى العيدان المتفرّقة.
[2] الأسيار جمع السير, وهو قدّة من الجلد مستطيلة.
[3] انظر، اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص135.
[4] انظر: الهلالي، كتاب سليم بن قيس، م.س، ص146-147.
[5] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح23، ص633.
[6] انظر: الهلالي، كتاب سُليم بن قيس، م.س، ص210-212.
[7] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح23، ص633.
152

130

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 2- جمْعُ زيد بن ثابت:

أ- واقع الجمع: إنّ رفض القوم لمصحف الإمام علي عليه السلام استدعى التفكير في القيام بمهمَّة جمْع القرآن مهما كلّف الأمر. وبدأت فكرة الجمع مع عمَر بن الخطّاب، الذي اقترح على أبي بكر أن ينتدب لذلك مَن تتوافر فيه شرائط القيام بهذه المهمَّة الخطيرة، فوقع اختيارهم على زيد بن ثابت الأنصاري.
 
قال زيد: أرسلَ إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة ـ وعُمَر جالس عنده ـ قال: إنَّ هذا ـ وأشار إلى عُمَر ـ أتاني وقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقُرّاء القرآن، وأخاف أن يستحرّ بهم القتْل في سائر المَواطِن فيذهب كثير من القرآن، وأشار عليَّ بجمْع القرآن، فقلت لعُمَر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني عُمَر حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عُمَر! وقال لي أبو بكر: إنَّك شابٌّ عاقل لا نتَّهمُك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فَتتبَّع القرآن واجمعهُ. فوالله لو كلَّفوني نقل جبَل من مكانه لم يكن أثقل عليَّ ممّا كلَّفوني به، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فلم يزل أبو بكر وعُمَر يلحّان علَيَّ حتّى شرح الله صدري للَّذي شرح له صدر أبي بكر وعُمَر. فقمت أتتبّع القرآن أجمعه من العُسُب، واللِخاف، وصدور الرجال[1].
 
ب- خصائص الجمع:
- اعتمد زيد في الجمع على ما هو موجود من القرآن عند الصحابة, بحيث كان مكتوباً على العسُب، واللِخاف، والأديم، والقراطيس، أو محفوظاً في صدورهم[2].
 
- عاون زيد في الجمع لجنة مؤلّفة من خمسة وعشرين رجلاً من قريش وخمسين رجلاً من الأنصار، وكان عُمَر يُشرف عليهم بنفسه ويأمرهم بعرضه على سعيد
 
 
 

 
[1] انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج5، ص210, ج6، ص98, ج8، ص119.
[2] انظر: م. ن.
153

131

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 بن العاص, لأنّه رجل فصيح[1].

 
- كان زيد وعمر يقعدان على باب المسجد، والناس يأتونهم بآيِ القرآن وسوَره, كلٌّ حسَب ما عنده من القرآن. وكانوا يكتبونها على الصحف والألواح والعسب، ولا يقبلون من أحد شيئاً حتّى يأتي بشاهد عدل يشهد بصحَّة ما عنده من قرآن[2].
 
- آخر آيتين من سورة براءة أُخِذتا من خزيمة بن ثابت وحده فقط, لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر شهادته وحدَه بشهادتين[3].
 
- لم ينظّم زيد سوَر القرآن أو يرتّبها ضمن مصحف جامع، وإنَّما جمَع القرآن في صُحف, أي أودعَ الآيات والسوَر المتفرّقة في صحُف، وجعلها في إضبارة وجمعها بجامع وربطها بخيط، خوفاً من التفرقة والضياع[4].
 
- صحُف زيد كانت مرتَّبة الآيات دون السوَر[5].
 
ج- مصير الجمع: أُودِعت هذه الصحُف المجموعة من قِبَل زيد بن ثابت عند أبي بكر، فبقيت معه حتى وفاته، ثمَّ صارت إلى عمَر، وبعده كانت عند ابنته حفصة، وفي أيّام توحيد المصاحف استعارها عثمان منها ليقابل بها النُسَخ، ثمَّ ردَّها إليها، وقد طلبها منها مروان ـ يوم كان والياً على المدينة من قِبل معاوية ـ فابت أن تدفعها إليه، فلمّا توفّيت أخذَها من عبدالله بن عمر، وأمرَ بها, فشُقَّت[6].
 
 
 

 
[1] انظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص135.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص162-163, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص207.
[3] انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج5، ص210, ج6، ص98, ج8، ص119, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص163.
[4] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص163.
[5] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص213-214.
[6] انظر: الطبراني، سليمان بن أحمد: مسند الشاميين، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1417هـ.ق/ 1996م، ج4، ص235, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص17, المتّقي الهندي، علي: كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير بكري حياني، تصحيح وفهرسة صفوة السقا، لاط، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1409هـ.ق/ 1989م، ج2، ص573-574.
154

132

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 الأفكار الرئيسة

1- كان الإمام علي عليه السلام أوَّل مَن تصدّى لجمْع القرآن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وبوصيّةٍ منه صلى الله عليه وآله وسلم.
 
2- من خصائص جمع الإمام علي عليه السلام: ترتيب سوره وفق ترتيب النزول، إثبات النصّ القرآني من دون نقص أو زيادة، إثبات قراءته وفق قراءة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, اشتماله على شروحات وتوضيحات جانبية على هامش النصّ القرآني...
 
3- مصحف الإمام علي عليه السلام يتوارثه الأئمّة عليهم السلام من بعده، وهو الآن مع الإمام الحجّة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
 
4- إنّ رفض القوم لمصحف الإمام علي عليه السلام استدعى التفكير في القيام بمهمَّة جمْع القرآن مهما كلّف الأمر، فوقع اختيارهم على زيد بن ثابت الأنصاري.
 
5- من خصائص جمع زيد بن ثابت: الاعتماد على المكتوب من القرآن وكذلك المحفوظ في الصدور، تشكيل لجنة لجمع القرآن وأخذه من الناس على باب المسجد، عدم قبول ما لم تَقمْ عليه شهادة شاهدين، إلا ما أُخِذَ من خزيمة بن ثابت, فقد اكتفوا بشهادته فقط، جمَع القرآن في صُحف وليس في مصحف، المصحف مرتَّب الآيات دون السوَر.
 
6- أُودِعت هذه الصحُف عند أبي بكر، ثمَّ صارت إلى عمَر، وبعده كانت عند ابنته حفصة، فلمّا توفّيت أخذَها مروان، وأمرَ بها, فشُقَّت.
 
155 
 

133

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- مصحف الإمام علي عليه السلام توارثه الأئمّة عليهم السلام من ولده, وهو مع الإمام الحجّة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
- الداعي الأوحد لجمع زيد هو: الخوف على القرآن من الضياع، بعد أن استحرّ القتل بقرّاء القرآن.
- كان جمع زيد بن ثابت على أساس ترتيب النزول.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- بيّن حقيقة جمع الإمام علي عليه السلام؟
- تكلّم عن خصائص جمع الإمام علي عليه السلام؟
- تحدّث عن خصائص جمع زيد بن ثابت الأنصاري؟
 
156
 

134

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 مطالعة

مصحف الإمام علي عليه السلام مع الإمام القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف[1]

روى سليم بن قيس أنّه يوم اختلف الناس في المصاحف في عهد عثمان، سأل طلحة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام, لو يُخرج للناس مصحفَه الذي جمعَه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتى به إلى القوم فرفضوه، فقال طلحة: وما يمنعك يرحمك الله أن تُخرج كتاب الله إلى الناس؟! فكفَّ عليه السلام عن الجواب أوّلاً، فكرَّر طلحة السؤال فقال: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمْر القرآن أن لا تظهره للناس؟ قال عليه السلام: يا طلحة، عمداً كففتُ عن جوابك. قال طلحة: فأخبِرني عمّا كتَبه القوم أقرآن كلّه أمْ فيه ما ليس بقرآن؟ قال عليه السلام: بل هو قرآن كلّه، إن أخذتم بما فيه نجَوتم من النار ودخلتم الجنَّة، فإنّ فيه حجّتنا، وبيان أمرنا وحقّنا وفرض طاعتنا، قال طلحة: حَسبي، أمّا إذا كان قرآناً فحَسبي، ثم قال طلحة: فأخبرني عما في يديك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك؟ قال عليه السلام: إلى الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أدفعه إليه. 

 

قال: من هو؟ قال عليه السلام: وصيي وأولى الناس بالناس بعدي, ابني هذا الحسن، ثمّ يدفعه ابني الحسن عند موته إلى ابني هذا الحسين، ثمّ يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين، حتى يرد آخرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه. وهم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم".

 

 

 


 

[1] انظر: الهلالي، كتاب سُليم بن قيس، م.س، ص210-212.

 

157

 

135

الدرس التاسع: جمع القرآن (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- القمي، تفسير القمي، ج2، تفسير سورة الناس، ص451.
3- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن...، ح1، ص228, ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح23، ص633.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص161-163.
5- ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج1، ص12.
6- العياشي، تفسير العياشي، ج1، باب في علم الأئمّة عليهم السلام بالتأويل، ح2، ص14.
7- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص135.
8- الهلالي، كتاب سليم بن قيس، ص146-147, ص210-212.
9- البخاري، صحيح البخاري، ج5، ص210, ج6، ص98, ج8، ص119.
10- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص207، 213-214.
11- الطبراني، مسند الشاميين، ج4، ص23
12- العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص1
13- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص573-574.
 
158

136

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 الدرس العاشر: جمع القرآن (3)


موضوعات الدرس:
1- جمع أُبَي بن كعب للمصحف.
2- جمع عبدالله بن مسعود للمصحف.
3- مصاحف أُخرى.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطلاع على تاريخ جمع المصاحف بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وخصائص الجمع ومصير المصاحف.
3- التعرّف على خصائص مصاحف أُبَي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومصيرها.
 
159

137

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 1- جمع أُبَي بن كعب:

أ- واقع الجمع: إنّ قيام أُبَي بن كعب بجمع القرآن ضمن مصحف خاصّ به من الأحداث التاريخية التي نقلها أصحاب السير والتاريخ والأثر، حيث جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتهرت قراءته - آنذاك - بين أهل الشام[1].
 
ب- خصائص الجمع:
- ترتيب سوره قريباً من ترتيب المصحف الموجود اليوم بين أيدينا[2].
 
- عدد السور: قيل: مائة وستّ عشرة سورة، وقيل: مائة وخمس عشرة سورة, بجعل سورتَي الفيل وقريش سورة واحدة، وزيادة سورتَي الخَلْع والحفد[3].
 
- افتتاح المصحف بسورة الحمد واختتامه بالمعوَّذتين[4].
 
- زيادة سورَتين، هما: سورة الخلْع (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إنّا نستعين ونستغفرك ونُثني عليك الخير * ولا نكفرك * ونخلَع ونترك مَن يفجرك)، وسورة الحفْد (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد * وإليك

 
 

 
[1] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29-30, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص239.
[2] م. ن.
[3] م. ن.
[4] م. ن.
161

138

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 نسعى ونحفد * نخشى عذابك ونرجورحمتك * إنّ عذابك بالكفّار ملحَق)، حيث كان أبي بن كعب يدعو بهما في قنوته[1].

 
- إسقاط البسملة بين سورتَي الفيل وقريش, باعتبارهما سورة واحدة بلا فصل بينهما[2].
 
- افتتاح الحواميم بسورة الزمَر، فيكون عدد الحواميم عنده ثمانية[3].
 
- اشتماله على بعض القراءات الشاذّة، من قبيل: قرأ: "هبنا" بدل ﴿بَعَثَنَا﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾[4] (يس: 52). وقرأ: "مرّوا فيه" أو "سعوا فيه" بدل ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ﴾[5] (البقرة: 20)...
 
ج- مصير الجمع: روي عن محمد بن أُبَي بن كعب: أنّ أناساً من أهل العراق قدموا عليه، فقالوا: إنّا تحمّلنا إليك من العراق، فاخرج لنا مصحف أُبَي، فقال محمد: قد قبضه عثمان، قالوا: سبحان الله، أخرجه! قال: قد قبضه عثمان[6]. فلعلّ في كثرة إلحاحهم عليه ما يُحتمل معه علمهم بوجود مصحف أُبَي مع ابنه.
 
ونقل الطبري عن أبو كريب، عن يحيى بن عيسى، عن نصير بن أبي الأشعث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أُبَي. قال أبو كريب: قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾﴿أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾[7]. الأمر الذي يدلّ على أنَّ هذا المصحف كان موجوداً 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178-179.
[2]  انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج4، ص340, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص497.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص175-176.
[4] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج8، ص280.
[5] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص133.
[6] انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ص585.
[7] انظر: الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل أي القرآن، تقديم خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج صدقي جميل العطّار، لاط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق/ 1995م، ج5، ص18.
162

139

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 على أقلّ تقدير إلى القرن الثاني, لأنَّ يحيى بن عيسى الكوفي الفاخوري توفّي عام 201هـ[1].

 
قال الفضل بن شاذان: أخبرنا الثقة من أصحابنا: كان تأليف السور في قراءة أبي بن كعب بالبصرة في قرية يقال لها قرية الأنصار، على رأس فرسخين عند محمد بن عبد الملك الأنصاري[2]، أخرج إلينا مصحفاً، وقال: هو مصحف أُبَي رويناه عن آبائنا، فنظرت فيه، فاستخرجت أوائل السور، وخواتيم الرسل. وعدد الآي: فأوله فاتحة الكتاب...[3].
 
2- جمع عبدالله بن مسعود:
أ- واقع الجمع: إنّ قيام عبدالله بن مسعود بجمع القرآن ضمن مصحف خاصّ به من الأحداث التاريخية التي نقلها أصحاب السير والتاريخ والأثر، حيث جمعه بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتهرت قراءته - آنذاك - بين أهل الكوفة[4].
 
ب- خصائص الجمع:
- الجمع وفْق الترتيب التالي: السبع الطوال، المِئين، المثاني، الحواميم، المُمتحنات، المفصَّلات[5].
 
- إسقاط سورة الفاتحة من الجمع, ليس اعتقاداً بعدم قرآنيّتها، بل لأنّ الجمع سبب الحفظ عن الضياع، وسورة الفاتحة مأمونة عن الضياع, لكثرة قراءتها من
 
 
 

 
[1] انظر: العسقلاني، أحمد بن علي (ابن حجر): تهذيب التهذيب، ط1، بيروت، دار الفكر، 1404هـ.ق/ 1984م، ج11، ص230-231.
[2] عدّه الشيخ الطوسي قدس سره من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام . انظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: رجال الشيخ الطوسي، تحقيق جواد القيومي الإصفهاني، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1415هـ.ق، ص289.
[3] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29.
[4] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص170-171, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص239.
[5] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.
163

140

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 قِبَل المسلمين في صلواتهم اليومية[1].

 
- إسقاط سورَتي المعوَّذتين "الفلَق" و"الناس", اعتقاداً منه أنَّهما ليستا من القرآن، بل هما للتعوّذ من العين والسحر[2].
- عدد السور: مائة واثنتا عشرة سورة[3].
 
- إثبات البسملة لسورة براءة[4].
- التوسعة في قراءة ألفاظ القرآن، فكان ابن مسعود يجوِّز أن تُبدَّل كلمة إلى أُخرى مرادفتها، إذا كانت لتسهيل القراءة، ولا تضرّ بالمعنى القرآني، مثال: أقرأ ابن مسعود رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾، فقال الرجل: طعام اليتيم، فردّها فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتسطيع أن تقول طعام الفاجر، قال: نعم. قال: فافعل[5].
 
- اشتماله على زيادات تفسيرية أُدرجت على النصّ القرآني, لغرض الإيضاح[6].
 
ج- مصير الجمع: روي أنّه لمّا أُمِرَ بالمصاحف أن تغيّر - بعد توحيد المصاحف -، قال ابن مسعود: مَن استطاع أن يغلّ مصحفاً فليغلُل, فإنَّه مَن غلَّ يأت يوم القيامة[7].
 
ونقل ابن النديم عن محمد بن إسحاق: رأيت عدّة مصاحف ذكر نسّاخها أنّها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفين متّفقين وأكثرها في رقّ كثير النسخ، وقد رأيت مصحفاً قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب[8].
 
 
 

 
[1] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176، 214.
[2] انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص129-130, ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178.
[4] انظر: العسقلاني، أحمد بن علي (ابن حجر): فتح الباري، ط2، بيروت، دار المعرفة، لات، ج9، ص39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص177.
[5] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص133.
[6] انظر، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, م.س، ج1، ص301-302.
[7] انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص414.
[8] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص29.
164

141

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 3- مصاحف أُخرى:

أ- واقع هذه المصاحف: بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, قامت جماعة من كبّار الصحابة بتأليف القرآن وجمع سوَره بين دفَّتين, بنَظمٍ وترتيب خاصّ، خوفاً على القرآن من الضياع، وأبرز هؤلاء الصحابة الذين اشتهروا بجمعهم مصاحف خاصّة بهم - غير ما سبق ذِكرهم -: أبو موسى الأشعري، حيث جمع مصحفاً سُمّي "لُباب القلوب"، واشتهرت قراءته بين أهل البصرة، والمقداد بن الأسود الذي اشتهرت قراءته بين أهل حمص ودمشق[1].
 
ب- خصائص هذه المصاحف: الطابع العامّ لهذه المصاحف ترتيبها سورها وفق ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, بتقديم السبع الطوال على المئين، ثمَّ المثاني، ثمَّ الحواميم، ثمَّ الممتحنات، ثمّ المفصَّلات، مع وجود بعض الاختلافات في ما بينها في تقديم بعض السور أو تأخيرها داخل المجموعة نفسها، أو نسبتها إلى مجموعة أخرى, وذلك باجتهاد من الصحابة أنفسهم[2].
 
ج- مصير هذه المصاحف: تُلِفَت هذه المصاحف على عهد عثمان بعد قيامه بتوحيد المصاحف، حيث أرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسخت لجنة توحيد المصاحف، وأمَر بما سواه من القرآن كان مجموعاً ضمن صحف أو ضمن مصحف جامع أن يُحرَق[3].
 
 
 

 
[1] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص30, الشيباني، علي بن أبي الكرم(ابن الأثير): الكامل في التاريخ، لاط، بيروت، دار صادر، 1386هـ.ق/ 1966م، ج3، ص111, الشافعي، علي بن الحسن (ابن عساكر): تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، لاط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق، ج39، ص241-242.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص172-174.
[3] انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج6، ص99, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص236.
165

142

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

  الأفكار الرئيسة

1- أُبَي بن كعب من جملة الصحابة الذين جمعوا القرآن ضمن مصحف خاصّ بهم، واشتهرت قراءته بين أهل الشام. وبقي مصحفه على أقلّ تقدير إلى القرن الثاني الهجري. ومن خصائص جمعه: موافقته تقريباً لترتيب المصحف الموجود، عدد سوره 115 أو116 سورة، افتتاحه بسورة الحمد واختتامه بالمعوَّذتين، زيادة سورَتي الخلْع والحفْد، إسقاط البسملة بين سورتَي الفيل وقريش، افتتاح الحواميم بسورة الزمَر، اشتماله على بعض القراءات الشاذّة.

 

3- عبدالله بن مسعود من جملة الصحابة الذين جمعوا القرآن ضمن مصحف خاصّ بهم، واشتهرت قراءته بين أهل الكوفة. وبقي مصحفه على أقلّ تقدير إلى القرن الثالث الهجري. ومن خصائص جمعه: الجمع وفْق ترتيب (السبع الطوال، المِئين، المثاني، الحواميم، المُمتحنات، المفصَّلات)، إسقاط سورة الفاتحة، إسقاط سورَتي المعوَّذتين، عدد السور: 112 سورة، إثبات البسملة لسورة براءة، التوسعة في قراءة ألفاظ القرآن، اشتماله على زيادات تفسيرية.

 

6- من المصاحف الأخرى: مصحف أبو موسى الأشعري "لُباب القلوب"، الذي اشتهرت قراءته بين أهل البصرة، ومصحف المقداد بن الأسود، الذي اشتهرت قراءته بين أهل حمص ودمشق. والطابع العامّ لهذه المصاحف ترتيبها سورها وفق ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم , بتقديم السبع الطوال على المئين، ثمَّ المثاني، ثمَّ الحواميم، ثمَّ الممتحنات، ثمّ المفصَّلات، مع وجود بعض الاختلافات. وقد تُلِفَت هذه المصاحف على عهد عثمان بعد قيامه بتوحيد المصاحف.

 

 

166

 

143

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 فكّر وأجب

 
1- أجب بـ "صحّ" أو "خطأ":
- مصحف أُبَي بن كعب يطابق المصحف الموجود بين أيدينا اليوم.
- أسقط ابن مسعود الفاتحة لاعتقاده أنّها ليست من القرآن.
- اشتهرت قراءة ابن مسعود بين أهل الشام.
 
2- أجب باختصار:
- تكلّم عن خصائص جمع أُبَي بن كعب؟
- تحدّث عن خصائص جمع عبدالله بن مسعود؟
- ما هو مصير مصاحف الصحابة؟
 
167 
 

144

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 مطالعة

 

ترتيب مصحَف أُبَي بن كعب[1]

الحمد، ثمّ البقرة، ثمّ النساء، ثمّ آل عمران، ثمّ الأنعام، ثمّ الأعراف، ثمّ المائدة، ثمّ يونس، ثمّ الأنفال، ثمّ براءة، ثمّ هود، ثمّ مريم، ثمّ الشعراء، ثمّ الحجّ، ثمّ يوسف، ثمّ الكهف، ثمّ النحل، ثمّ الأحزاب، ثمّ بني إسرائيل، ثمّ الزمر, أولها حم، ثمّ طه، ثمّ الأنبياء، ثمّ النور، ثمّ المؤمنون، ثمّ سبأ، ثمّ العنكبوت، ثمّ المؤمن، ثمّ الرعد، ثمّ القصص، ثمّ النمل، ثمّ الصافات، ثمّ ص، ثمّ يس، ثمّ الحجر، ثمّ حمعسق، ثمّ الروم، ثمّ الحديد، ثمّ الفتح، ثمّ القتال، ثمّ الظهار، ثمّ ﴿تَبَارَكَ﴾ الملك، ثمّ السجدة، ثمّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، ثمّ الأحقاف، ثمّ ق، ثمّ ﴿الرَّحْمنِ﴾، ثمّ الواقعة، ثمّ الجنّ، ثمّ النجم، ثمّ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، ثمّ المزمّل، ثمّ المدّثّر، ثمّ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، ثمّ حم الدخان، ثمّ لقمان، ثمّ حم الجاثية، ثمّ الطور، ثمّ الذاريات، ثمّ ن، ثمّ الحاقة، ثمّ الحشر، ثمّ الممتحنة، ثمّ المرسلات، ثمّ ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾، ثمّ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ثمّ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ثمّ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾، ثمّ النازعات، ثمّ التغابن، ثمّ عبس، ثمّ المطفّفين, ثمّ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، ثمّ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، ثمّ ﴿اقْرَأْ﴾، ثمّ الحجرات، ثمّ المنافقون، ثمّ الجمعة، ثمّ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ثمّ الفجر، ثمّ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، ثم ﴿وَاللَّيْلِ﴾، ثمّ ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾، ثم ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ثمّ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾، ثمّ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ثمّ الغاشية، ثمّ الصفّ، ثمّ سورة أهل الكتاب, وهي: ﴿لَّمْ يَكُن﴾، ثمّ الضحى، ثمّ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، ثمّ القارعة، ثمّ التكاثر، ثمّ العصر، ثمّ سورة الخلع، ثمّ سورة الحفد، ثمّ ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾، ثمّ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، ثمّ العاديات، ثمّ الفيل، ثمّ ﴿لِإِيلَافِ﴾، ثمّ ﴿أَرَأَيْتَ﴾، ثم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾، ثمّ القدر، ثمّ الكافرون، ثمّ ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾، ثمّ ﴿تَبَّتْ﴾، ثمّ الصمد، ثمّ الفلق، ثمّ الناس.

 

 

 

 


 

[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص175-176.

 

168

 

145

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 ترتيب مصحَف عبدالله بن مسعود[1]

- الطوال: البقرة، والنساء، وآل عمران، والأعراف، والأنعام، والمائدة، ويونس.
 
- المئين: براءة، والنحل، وهود، ويوسف، والكهف، وبني إسرائيل، والأنبياءن وطهن والمؤمنون، والشعراء، والصافات.
 
- المثاني: الأحزاب، والحجّ، والقصص، وطس النمل، والنور، والأنفال، ومريم، والعنكبوت، والروم، ويس، والفرقان، والحجر، والرعد، وسبأ، والملائكة، وإبراهيم، وص، و﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ولقمان، والزمر.
 
- الحواميم: حم المؤمن، والزخرف، والسجدة، وحمعسق، والأحقاف، والجاثية، والدخان، و﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾، والحشر، وتنزيل السجدة، والطلاق، ون، والقلم، والحجرات، وتبارك، والتغابن، و﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، والجمعة، والصفّ، و﴿قُلْ أُوحِيَ﴾، و﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾، والمجادلة، والممتحنة، و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
 
- المفصّل: الرحمن، والنجم، والطور، والذاريات، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، والواقعة، والنازعات، و﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، والمدّثّر، والمزّمّل، والمطفّفين، وعبس، و﴿هَلْ أَتَى﴾، والمرسلات، والقيامة، و﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ﴾، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَت﴾، والغاشية، و﴿سَبِّحِ﴾، والليل، والفجر، والبروج، و﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ﴾، والبلد، والضحى، والطارق، والعاديات، و﴿أَرَأَيْتَ﴾، والقارعة، و﴿لَمْ يَكُن﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، والتين، و﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، و﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾، و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ و﴿أَلْهَاكُمُ﴾، و﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، والعصر، و﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾، والكوثر، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿تَبَّتْ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾. وليس فيه الحمد ولا المعوذتان.
 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص176.
169

 


146

الدرس العاشر: جمع القرآن (3)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.

2- ابن النديم، الفهرست، ص29-30.

3- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص236، 239, ج4، ص340.

4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص133، 172-179، 214، 497.

5- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج8، ص280.

6- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص585.

7- الطبري: جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ج5، ص18.

8- العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج11، ص230-231.

9- الطوسي، رجال الطوسي، ص289.

10- تاريخ اليعقوبي، ج2، ص170-171.

11- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص414, ج5، ص129-130.

12- العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص39.

13- ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, ج1، ص301-302.

14- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص11

15- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج39، ص241-242.

16- البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص99.

 

 

170

 

 

147

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 

موضوعات الدرس:

1- اختلافُ المصاحف.

2- واقع توحيد المصاحف.

3- خصائص المصاحف العثمانية.

4- مصير المصاحف العثمانية.

5- الصحيح في مسألة جمع القرآن.

 

أهداف الدرس:

1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.

2- معرفة تاريخ توحيد المصاحف بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

3- معرفة خصائص المصاحف العثمانية ومصيرها.

4- الاستدلال على الرأي الصحيح في مسألة جمع القرآن.

 

 

 

171

148

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 1- اختلافُ المصاحف:

بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم انبرى عدد من الصحابة لجمع القرآن خوفاً عليه من الضياع، فقام كلّ واحد منهم بجمعه وفق ترتيب خاصّ ضمن مصحف جامع. وبفعل اختلاف قابليات كلّ واحد منهم واستعداداته وقدراته, 
اقتضت طبيعة الحال وقوع الاختلاف بين هذه المصاحف. وقد أدّى هذا الاختلاف بين المصاحف إلى اختلاف الناس 
في ما بينهم، نظراً لأنّ كلّ قطر من أقطار الدولة الإسلاميّة آنذاك أضحى يقرأ بقراءة تختلف عن قراءة الأقطار الأخرى, 
تبعاً لقراءتهم على مصحف دون آخر.
 
وروي في غزْو مرج أرمينية: أنّه بعد ما رجع حذيفة من غزو الباب (مرج أرمينية ـ آذربيجان) قال لسعيد بن العاص, وكان بصحبته: لقد رأيت في سفري هذا أمراً لئن تُرِك ليختلفنَّ في القرآن، ثمَّ لا يقومون عليه أبداً! قال سعيد: وما ذاك؟ قال: رأيت أُناساً من أهل حمْص يزعمون أنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، وأنَّهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك, وأنَّهم قرأوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك, وأنَّهم قرأوا على أبي موسى الأشعري ويسمّون مصحفه "لُباب القلوب". فلمّا وصل ركْب حذيفة وسعيد إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك
173 
 

149

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

وحذَّرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكثير من التابعين. وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تُنكر، ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟! فغضب حذيفة ومَن وافَقه، وقالوا: إنَّما أنتم أعراب فاسكتوا، فإنَّكم على خطأ، وقال حذيفة: والله لئن عشتُ لآتيَنّ أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ ولأُشيرنَّ عليه أن يحُول بين الناس 

وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرّق الناس، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان، فأخبره بالذي 

رأى، وقال أنا النذير العريان فأدركوا الأمّة. فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة....[1]. وقد ذكر أصحاب السير والتاريخ حوادث أخرى مشابهة لهذه الحادثة[2], استدعت التفكير مليّاً بالقيام بتوحيد المصاحف.

 

2- واقع توحيد المصاحف:

أمام هذا الواقع من الاختلاف بين الناس في أمر القرآن، عزم عثمان عام 25 للهجرة[3] على تنفيذ مهمّة توحيد المصاحف، فأرسل إلى كلِّ أُفُق مَنْ يجمع المصاحف أو الصحف التي فيها قرآن، حتّى جُمِعَت، ثمَّ سلَقها بالماء الحار والخلّ، وقيل: أحرَقها، فلم يبقَ مصحف إلاّ فعل به ذلك، خَلا مصحف ابن مسعود، فامتنع أن يدفع مصحفَه إلى عبد الله بن عامر، فكتب إليه عثمان أن أشخِصه[4].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ إجراء حرق المصاحف من قِبَل عثمان أدّى إلى ضياع كثير من الإشارات والتوضيحات المتعلّقة بنزول الآيات، ومكان نزولها، ومن نزلت فيهم،

 

 

 


 

[1] انظر، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، م.س، ج3، ص111-112, ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص241-242.

[2] لمزيد من التفصيل، انظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص240, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15-16.

[3] روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص: سمع عثمان قراءة أُبَي، وعبد الله، ومعاذ، فخطب الناس، ثمّ قال: إنّما قبض نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن، عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, لمّا أتاني به. انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4870، ص585, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15.

[4] انظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص170.

 

174

 

150

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها..., كما كان يبيّنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة، والتي كانوا يكتبونها على هامش مصاحفهم.

 
ومن ثمّ أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصُحُف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، ثمّ ندب لمهمّة توحيد المصاحف نفراً يخصّونه، ليشكّلوا نواة لجنة توحيد المصاحف، وهم أربعة: زيد بن ثابت (وهو من الأنصار)، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام (وهم قرشيّون)[1].
 
وكان ابتداء الأمر في عمل اللجنة لزيد وسعيد، حيث سأل عثمان: مَن أكتَبُ الناس؟ قالوا: زيد، ثمَّ قال: فأيُّ الناس أفصح؟ قالوا: سعيد، فقال: فليُملِ سعيد، وليكتُب زيد[2].
 
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن, فاكتبوه بلسان قريش, فإنّه إنّما نزل بلسانهم, ففعلوا[3].
 
ولكنّ هؤلاء الأربعة لم يستطيعوا القيام بالأمر لوحدهم، ومن ثمَّ استعانوا: بأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عبّاس، إلى تمام الاثني عشر رجلاً، فكان أُبَي بن كعب يُملي عليهم ويكتب الآخرون[4].
 
وكان التساهل في مهمّة توحيد المصاحف واضحاً وجليّاً، حيث وردت في المصحف العثماني أخطاء ومناقضات إملائية لا يستهان بها، حيث إنَّهم عندما فرغوا من نَسْخ المصاحف أتَوا به إلى عثمان، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لَحْن! لكن ستُقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: لو كان المُملي من
 
 
 

 
[1] انظر: البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج6، ص99, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص164-165, ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص15-16.
[2] انظر: ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص16.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص165.
[4] انظر: ابن حجر، فتح الباري، م.س، ج9، ص16-17, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص211.
175

151

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا![1].

 

هذا مع وجود بعض الاختلافات بين النسخ المُرسلة إلى الآفاق الإسلامية, من قبيل: قرأ ابن عامر, وهو مقرىء الشام: ﴿جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾[2] بالباء (بالزبر), لأنّ مصحف الشام فقط كانت فيه زيادة الباء، وقرأ الباقون بغير باء, لخلو

 مصاحفهم عن زيادة الباء[3]. وقرأ ابن عامر ونافع: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ?[4] بدون واو(وسارعوا), لعدم اشتمال مصحفي الشام والمدينة عليها، بينما قرأ الباقون من القرّاء بالواو, لاشتمال مصاحفهم عليها[5].

 

واختلف المؤرِّخون في عدد المصاحف الموحّدة التي أُرسلت إلى الآفاق، فذهب البعض إلى أنّها كانت ستَّة حسب الأمصار المهمَّة: المكي، والشامي، والبصري، والكوفي، والمدني العامّ، والمدني الخاصّ الذي حبسه عثمان لنفسه وكان النسخة الأمّ أو الإمام التي يرجع إليها عند الاختلاف في مصاحف الأمصار، وقيل ثمانية: الكوفي، والبصري، والشامي، والمدني العام، والمدني الخاصّ، وثلاثة مختلف فيها هي: المكي، ومصحف البحرين، ومصحف اليمن. وقيل: إنّ عثمان أنفذ إلى مصر مصحفاً[6]. وأوفد عثمان قارئاً مع كلّ نسخة كان يرسلها إلى كلّ إقليم, يوافق قراءتهم، واختار زيد بن ثابت مُقرءاً للمدينة[7].

 

وقد أبدى الصحابة رضاهم بفكرة توحيد المصاحف، إلا ابن مسعود لم يكن راضياً عن هذا الإجراء[8]. ولعلّ عدم رضاه راجع إلى استبعاده من لجنة توحيد 

 

 

 


 

[1] انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.

[2] سورة آل عمران، الآية: 184.

[3] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص462.

[4] سورة آل عمران، الآية: 133.

[5] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص389.

[6] انظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، م.س، ج2، ص160, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص216, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص329-330.

[7] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330.

[8]  انظر، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، م.س، ج3، ص111-112, ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، م.س، ج39، ص241-242.

 

176

 

152

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 المصاحف, وهو الذي كان يتلقّى القرآن من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأجدر بهذا الأمر من زيد بن ثابت[1].

 
ونُقِلَ عن الإمام علي عليه السلام تأييده لفكرة توحيد المصاحف، بقوله: "فوالله ما فعَل عثمان الذي فعَل في المصاحف إلاّ عن مَلأ منّا، استشارنا في أمر القراءات، وقال: بلَغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كُفراً، قلنا: فماذا رأيت؟ قال: أرى أن يُجمَع الناس على مصحفٍ واحد، فلا تكون فُرْقة ولا اختلاف. قلنا: فنِعمَ ما رأيت"[2].
 
وكان الإمام علي عليه السلام حريصاً على الالتزام بما نتج عن لجنة توحيد المصاحف, حِفاظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف في ما بعد تحت ذريعة الإصلاح، حيث سأله بعض الناس عن إمكانية تغيير كلمة فيه، فأجابهم عليه السلام بحزم: "إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل"[3].
 
3- خصائص المصاحف العثمانية:
أ- الترتيب: موافقتها لترتيب المصحف الموجود الذي بين أيدينا[4]، وهي قريبة من ترتيب بعض مصاحف الصحابة، ولا سيما مصحف أُبَي بن كعب مع وجود بعض الاختلافات اليسيرة، منها: أنَّ الصحابة كانوا يعدّون سورة يونس من السبع الطوال، فكانت هي السورة السابعة ترتيباً في مصحف ابن مسعود، والثامنة في مصحف أُبَيّ بن كعب، لكنّ عثمان عمَد إلى سورة الأنفال فجعلَها هي وسورة براءة سابعة السبع الطوال، ظنّاً منه أنّها سورة واحدة، وأخَّر سورة يونس إلى سور المئين[5].
 
 
 

 
[1] انظر: الترمذي، محمد بن عيسى: سنن الترمذي(الجامع الصحيح)، تحقيق وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بيروت، دار الفكر، 1403هـ.ق/ 1983م، ج4، ص348-349.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان، م.س، ج1، ص166.
[3] انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص495.
[4] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص213.
[5] انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص57, النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م.س، ج2، ص221.
177

153

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 ب- الإعجام (النقط) والشكل (التشكيل): خلو المصاحف العثمانية عن العلامات التي تمتاز بها الحروف المعجمة عن الحروف المهملة22, بسبب طبيعة الخطّ العربي آنذاك، فلا تمييز بين الباء والتاء، ولا بين الجيم والحاء والخاء...، مثال: ﴿تَبْلُو﴾ و(تتلو) في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ...﴾[1] [2]، و﴿نُنَجِّيكَ﴾ و(ننحّيك) في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾...[3] [4].

 

وكذلك تجرّد المصحف عن الحركة والإعراب[5], ما استدعى أن يقوم القارئ بنفسه بالتمييز بينهما عند القراءة, حسب ما يبدو له من قرائن, كما كان عليه أن يعرِف بنفسه وزن الكلمة وكيفية إعرابها أيضاً، مثال: في قوله تعالى: ﴿...وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[6] ، قرأ حمزة وحده: (إن تضل) بكسر الهمزة. والباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة: (فتذكر) بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة: (فتذكر) بالتشديد والرفع. وقرأ. الباقون: (فتذكر) بالتشديد والنصب. وقرأ عاصم وحده: (تجارة حاضرة) بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. وقرأ أبو جعفر: (ولا يضار) بتشديد الراء وتسكينها. والباقون: (لا يضار) بالنصب والتشديد[7].

 

ومن هنا، فإنّ خلو المصاحف الأوَّليَّة عن علائم فارقة شكّل سبباً بارزاً في حدوث الاختلاف في القراءات في ما بعد, إذ كان الاعتماد على الحفْظ والسماع،

 

 

 


 

[1] سورة يونس، الآية: 30.

[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص180.

[3] سورة يونس، الآية: 92.

[4] انظر: م. ن، ص221.

[5] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص332-333.

[6] سورة البقرة، الآية: 282.

[7] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص216.

178

 

 

154

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 وبطول الزمان ربَّما كان يحصل اشتباه في النقل أو خلْط في السماع. أضف إلى ذلك دخول ألسنة غير عربية إلى الإسلام بعد توسّع الفتوحات الإسلامية, فكان يتعذّر عليهم قراءة مصحف خالٍ من العلائم الإيضاحية المائزة، حتى لو تعلّموا 

اللغة العربية[1].
 
4- مصير المصاحف العثمانية:
ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن، فضلاً عن تعيين أمكنتها، وقد أفاد ابن الجزري أنّه رأى في زمانه مصحف أهل الشام، ورأى - أيضاً - مصحفاً في مصر. أمّا المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر، ويقال عنها: إنّها مصاحف عثمانية, فإنّنا نشكّ كثيراً في صحّة هذه النسبة, لأنّ بها زركشة ونقوشاً موضوعة كعلامات للفصل بين السور، ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أنّ المصاحف العثمانية كانت خالية من كلّ هذا، ومن النقط والشكل أيضاً. نعم، إنّ المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان مكتوب بالخطّ الكوفي القديم، مع تجويف حروفه وسعة حجمه جداً، ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي، حيث رسم فيه كلمة "من يردْد" من سورة المائدة، بدالين اثنين مع فكّ الإدغام, وهي فيها بهذا الرسم، فأكبر الظنّ أنّ هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها. وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة، ويقال: إنّ علي ابن أبي طالب كتبه بخطّه، يلاحظ فيه أنّه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم، بيد أنّه أصغر حجماً، وخطّه أقل تجويفاً من سابقهن ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية، حيث رُسِمَت فيه الكلمة السابقة "يردّ" بدال واحدة مع الإداغام، وهي في غيرهما كذلك، فمن الجائز أن يكون كاتبه علياً أو أن يكون قد أمر بكتابته في الكوفة[2].
 
 
 

 
[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص333.
[2] انظر: م. ن، ص330-331.
179

155

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 5- الصحيح في مسألة جمع القرآن:

إذا أردنا أن نقوِّم عملية جمع القرآن بحسب ما ورد من روايات ووثائق تاريخية في هذا الصدد، فيمكن القول: إنّ الجمع مرّ بمراحل ثلاث هي:

أ- المرحلة الأولى: جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وهو عبارة عن تأليف السور وترتيب الآيات داخلها بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وذلك ضمن صُحُف غير مرتّبة السور ولا مجموعة بين دفّتين.

 

ب- المرحلة الثانية: جمع الإمام علي عليه السلام: وهو عبارة عن جمع القرآن بين دفّتين ضمن مصحف جامع, وفق ترتيب النزول, بإيصاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل رحيله صلى الله عليه وآله وسلم, وتقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين: الأولى: جمع القرآن بين دفتين ممّا تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف فراشه وعهد به إلى الإمام علي عليه السلام ليباشر بجمعه بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم. الثانية: نسخ القرآن المجموع على نسخة من القرطاس، بعد أن كانت النسخة الأولى مكتوبة على العسب واللخاف والقرطاس والخشب...

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ جمع زيد بن ثابت، والذي حصل بعد جمع الإمام علي عليه السلام لم يكن جمعاً لمصحف، بل لصحائف غير مرتّبة السور، فلم يأتِ بشيء جديد، فضلاً عن أنّ هذه الصحائف كانت نسخة خاصّة بالخليفة الأوّل، ثمّ أصبحت عند الخليفة الثاني، ثمّ ورثتها ابنته حفصة، ولم تكن هذه الصحائف متداولة بين المسلمين.

 

كما أنّ ما جمعه الصحابة ضمن مصاحف, كأُبَي بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وغيرهما، جاء بعد جمع الإمام علي عليه السلام, ولم يقدّم شيئاً جديداً على ما جمعه الإمام علي عليه السلام, بل كان بعض هذه المصاحف يشتمل على اجتهادات من قِبَل الصحابة أدّت في ما بعد إلى وقوع الاختلاف بين الناس في قراءة القرآن.

 

ج- المرحلة الثالثة: محاولة توحيد القراءات المختلفة والرسم في عهد عثمان بن عفان: والواقع أنّ هذه المحاولة لم يُكتَب لها تحقيق هدفها, لأنّها وقعت في المشكلة نفسها من الاختلاف، حيث كانت المصاحف العثمانية المُرسَلة إلى

 

 

180

 

156

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 الأمصار في ما بينها, قراءة ورسماً، ولم تفلح في توحيد القراءة والرسم. وعلى رغم ذلك فقد أمضى الإمام علي عليه السلام محاولة توحيد المصاحف تلك وأيّدها، ومنع في ما بعد أيّ محاولة لتصحيح المصحف, حتى ولو كانت تصحيحاً لأخطاء إملائية واضحة.

 
 
 
181
 

157

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 الأفكار الرئيسة

1- وقع الاختلاف بين الناس في قراءة القرآن بفعل اختلاف مصاحف الصحابة في ما بينها, ما أدّى إلى القيام بمشروع توحيد المصاحف عام 25 للهجرة.

 

2- وردت في المصحف العثماني أخطاء ومناقضات إملائية لا يستهان بها، مع وجود بعض الاختلاف بين النسخ المُرسلة إلى الآفاق الإسلامية التي كانت 6 أو 8 مصاحف على اختلاف بين المؤرّخين في عددها.

 

3- كان الإمام علي عليه السلام حريصاً على الالتزام بما نتج عن لجنة توحيد المصاحف, حِفاظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف في ما بعد تحت ذريعة الإصلاح.

 

4- من خصائص المصاحف العثمانية، موافقتها لترتيب المصحف الموجود الذي بين أيدينا، خلوها من النقط والتشكيل، والحركات والإعراب, بما أدّى إلى حدوث الاختلاف في القراءة بين الناس من جديد.

 

5- ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن، فضلاً عن تعيين أمكنتها.

 

6- جمع القرآن مرّ بمراحل ثلاث:.جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تأليف السور وترتيب الآيات داخلها بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وضمن صُحُف غير مرتّبة السور ولا مجموعة بين دفّتين. ب.جمع الإمام علي عليه السلام: جمع القرآن بين دفّتين ضمن مصحف جامع, وفق ترتيب النزول, بإيصاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ج. محاولة توحيد القراءات المختلفة والرسم في عهد عثمان.

 

 

 

182

 

158

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- جرى توحيد المصاحف عام 30 للهجرة.
- تشتمل المصاحف العثمانية على الإعجام وتخلو من التشكيل.
- ترتيب السور في المصاحف العثمانية يوافق ترتيبها في المصحف الموجود بين أيدينا.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- بيّن حقيقة توحيد المصاحف العثمانية؟
- تحدّث عن خصائص المصاحف العثمانية؟
- ما هو الصحيح في مسالة جمع القرآن؟
 
183

159

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 مطالعة

 
دور الشيعة في جمع القرآن وحفظه[1]
إذا عرضنا تاريخ القرآن المجيد والأدوار التي مرّت عليه جيلاً بعد جيل، وجدنا أنّ هذا النصّ الموجود بهذا الوضع الراهن هو صنيع جهود الشيعة بالذات، وهم الذين سهروا على حِفْظه وضبْطه وإتقانه، وعملوا في تحسينه وتشكيله وتطويره, من جميل إلى أجمل، في عمل مستمرّ، حيث كان الإمام علي عليه السلام أوّل مَن جمْع القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وإن كان جَمْعه رُفِضَ من قِبَل القوم، لكنّ فكرة الجمع أثّرت أثرها في ما جُمِعَ بعده، ولم يكن الاختلاف بين الجمْعَين في ذات القرآن، بل في ترتيب السور القرآنية, وفق ترتيب النزول. وكانت المصاحف الرئيسية الّتي جُمع فيها القرآن كلّه على ذلك العهد ـ قبل توحيدها ـ هي: ما جمعه عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، والمقداد ابن الأسود، ممّن عُرفوا بالوَلاء الخاصّ للبيت النبويّ الرفيع، ولم يكن سائر المصاحف بذلك الاعتبار، وكانت صحف أبي بكر غير منتظمة بين دفَّتين. وأوّل مَن جاء بفكرة توحيد المصاحف على عهد عثمان هو: حذيفة بن اليمان، وكان أُبَي بن كعب هو الذي تصدّى إملاء القرآن على لجْنة استنساخ المصاحف الموحَّدة، وكانوا يراجعونه في ما أُشكِلَ عليهم مِن ثبْت الكلمات. وكان تشكيل المصحف وتنقيطه على يد أبي الأسود الدؤلي, صاحب أمير المؤمنين عليه السلام, وتلميذيه: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وأوّل مَن تنوّق في كتابة المصحف وتجويد خطِّه هو: خالد بن أبي الهياج, صاحب الإمام علي عليه السلام, ثمَّ كان ضبط الحرَكات على الشكل الحاضر على يد الأستاذ الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان هو أوّل مَن وضَع الهمْز والتشديد والرَوم والإشمام. أمّا القراءات: فإنّ الشيعة هم الّذين درسوا أصولها، وأحكموا 
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص226-228.
184

160

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 قواعدها، وأبدعوا في فنونها وأطوارها في أمانة وإخلاص، حيث كان أربعة ـ إن لم نقل ستَّة ـ من القرّاء السبعة شيعة، فضلاً عن غيرهم من أئمةٍ قرّاءٍ كِبار: كابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، والمقداد، وابن عبّاس، وأبي الأسود، وعلقمة، وابن السائب، والسلمي، وزرِّ بن حبيش، وسعيد بن جبير، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعاصم بن أبي النجود، وحمران بن أعين، وأبان بن تغلب، والأعمش، وأبي عمرو بن العلاء، وحمزة، والكسائي، وابن عيّاش، وحفص بن سليمان، ونظرائهم من أئمَّة كبار، هم رؤوس في القراءة والإقراء في الأمصار والأعصار. أمّا القراءة الحاضرة ـ قراءة حفْص ـ فهي قراءة شيعيَّة خالصة، رواها حفْص, وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام, عن شيخه عاصم, وهو من أعيان شيعة الكوفة الأعلام، عن شيخه السلمي ـ كان من خواصّ أصحاب الإمام علي عليه السلام, عن أمير المؤمنين عليه السلام, عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عزَّ وجلّ.

185
 
 

161

الدرس الحادي عشر: جمع القرآن (4)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص111-112.
3- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج39، ص241-242.
4- العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص15-17.
5- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ح4870، ص585, ح4784، ص586, ح4787، ص587.
6- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص160، 170.
7- البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص99.
8- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص164-166، 216.
9- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص211، 213، 329-332.
10- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص389، 462.
11- الترمذي، سنن الترمذي(الجامع الصحيح)، ج4، ص348-349.
12- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9، ص495.
13- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص5
14- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص221.
15- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص330-333, ج2، ص216, ج5، ص180، 221.
 
186
 
 

162

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 
موضوعات الدرس:
1- نشأة القراءات ومراحل تطوّرها.
2- أسباب اختلاف القراءات.
3- أنواع اختلاف القراءات.
4- حصر القراءات.
5- مقياس قبول القراءات.
6- الفرق بين القراءات والقرآن.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على تاريخ القراءات وأسباب اختلافها وضوابطها.
3- التعرّف على مقياس قبول القراءات ورفضها.
 
187

163

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 المحتوى التفصيلي: 

1- نشأة القراءات ومراحل تطوّرها: القراءات القرآنية هي: علم بكيفيّة أداء كلمات القرآن واختلافها بعَزْو النّاقلة[1]. 
وقد مرّت هذه القراءات بمراحل مختلفة يمكن إيجازها بالتالية:
أ- المرحلة الأولى: القراءة مباشرة من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: وهي المرحلة التأسيسية في القراءة، حيث كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهتمّون بتعلّم القرآن الكريم وحفظه وتلاوته وسماعه مباشرة من فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن دون واسطة. ومن هؤلاء: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, وعبد الله بن مسعود، وأُبَي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم[2].
 
ب- المرحلة الثانية: قراءة الصحابة: وتمتاز هذه المرحلة ببداية قراءة الصحابة على الناس وظهور مصاحف خاصّة بهم، بحيث اشتهرت قراءاتهم ومصاحفهم بين المسلمين في المناطق التي كانوا يتواجدون فيها، واصطبغت بأسمائهم في ما 
بين الناس، مثل: مصحف أُبَي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود،
 
 
 

 
[1] انظر: ابن الجزري، محمد: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، مراجعة محمد حبيب الشنقيطي, أحمد محمد شاكر، لاط، مصر، مكتبة القدسي, المطبعة الوطنية الإسلامية بالأزهر الشريف، 1350هـ.ق، ص30.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197.
189

164

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 ومصحف المقداد بن الأسود[1]...

 
ج- المرحلة الثالثة: قراءة الأمصار: بعد أن قام عثمان بن عفان بتوحيد المصاحف، أمر بنسخ عدّة مصاحف من النسخة الأمّ الموجودة في المدينة عاصمة الخلافة، وعيّن زيد بن ثابت قارئاً للمدينة، وأرسل النسخ الأخرى إلى الأمصار المختلفة، فبعث نسخة مع عبد الله السائب المخزومي (ت: تقريباً عام 70هـ) إلى مكة، ونسخة مع أبي عبد الرحمن السلمي (ت: 47هـ) إلى الكوفة، ونسخة مع عامر بن عبد القيس (ت: 55هـ) إلى البصرة، ونسخة مع المغيرة بن شهاب المخزومي (ت: 91هـ) إلى الشام, وكان هؤلاء القرّاء يقومون بتعليم الناس كيفية تلاوة القرآن[2].
 
د- المرحلة الرابعة: قراءة التابعين: وهم خصوص القرّاء الذين لم يأخذوا القرآن مباشرة من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, بينما أخذوه من الصحابة، وأبرزهم: سعيد بن المسيب (ت: 92هـ)، وعبيد بن عميرات (ت: 74هـ)، ومجاهد بن جبر(ت: 103هـ)، وعلقمة بن قيس(ت:62هـ)، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي (ت: 72هـ)، وزر بن حبيش (ت: 82هـ)، وسعيد بن جبير(ت: 95هـ)، وعامر بن عبد القيس (ت: 55هـ)، ويحيى بن يعمر العدواني (ت: 90هـ)، ونصر بن عاصم (ت: قبل 100هـ)، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي (ت: بعد 70هـ)، وغيرهم[3].
 
هـ- المرحلة الخامسة: تأسيس علم القراءات: بدأت هذه المرحلة أوائل القرن الثاني للهجرة, فكانت مرحلة ازدهار علم القراءات وذروته، حيث ظهرت المدارس والمذاهب المختلفة في القراءات، ومن قرّاء هذه المرحلة: القرّاء السبع:
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338.
[2] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330.
[3] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص197, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338.
190

165

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 ابن كثير(ت: 120هـ)، وعاصم بن أبي النجود (ت128هـ)، ونافع المدني (ت: 159هـ)، ...[1].

 
و- المرحلة السادسة: تدوين القراءات: بدأت هذه المرحلة أوائل القرن الثالث الهجري، حيث نشطت فيها حركة تدوين القراءات, بفعل ظهور الاختلافات الكثيرة بين القرّاء, ما استدّعى القيام بوضع ضوابط وقواعد لهذا العلم، فكان أوّل من كتب في قراءات القرآن: أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ)، ثمّ أبو حاتم السجستاني (ت: 255هـ)، ثمّ 
أبو جعفر الطبري (ت: 310هـ)، ثمّ إسماعيل القاضي (ت: 282هـ)[2].
 
ز- المرحلة السابعة: حصر القراءات رسمياً: بدأت هذه المرحلة أواخر القرن الثالث الهجري، حيث بدأت عملية حصر القراءات رسمياً على يد ابن مجاهد أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس(245 - 324هـ), الذي كان أوّل من أضفى صبغة رسمية على ما يسمّى بالقراءات السبع[3].
 
2- أسباب اختلاف القراءات: يوجد أسباب عدّة ساهمت بوقوع الاختلاف في القراءات، أبرزها:
أ- اختلاف المصاحف العثمانية المُرسَلَة إلى الأمصار في ما بينها[4].
ب- خلو المصاحف العثمانية من الإعجام والشكل[5].
ج- اختلاف اللهجات: كان قرّاء القرآن يقرؤنه بلهجاتهم الخاصّة, ما استدعى وقوع 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص 197- 198, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص 338 - 339.
[2] م. ن.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص339-340.
[4] انظر: الدرس الحادي عشر، واقع توحيد المصاحف.
[5] انظر: الدرس الحادي عشر، خصائص المصاحف العثمانية.
191

166

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 الاختلاف في القراءات وانتشاره بين الناس تدريجياً. مثال: إنّ اختلاف اللهجة يؤدّي أحياناً إلى حصول تقديم وتأخير في تلفظ حروف الكلمة الواحدة, فبني تميم وبعض ربيعة كانوا يقولون بدلاً من صاعقة وصواعق، صاقعة وصواقع[1]. 

 
وكانت قبيلة هذيل تُبدل الواو المكسورة بهمزة، فكانوا يلفظون كلمة وعاء: إعاء، وعلى ذلك كانت قراءة سعيد بن جبير لقوله تعالى: ﴿قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ﴾[2] بالهمزة (إعاء)[3]. هذا بالإضافة إلى الاختلافات التي كانت تحصل نتيجة للإظهار، والإدغام، والإشمام، والمدّ، والقصر، والإمالة، وما شابه ذلك.
 
ج- ظهور آراء واجتهادات من قِبَل القرّاء: ابتعدت قراءة القرآن - أحياناً - بعد توحيد المصاحف عن السماع والنقل المطلوبين في الحكم بصحّة القراءة، وبفعل خلو المصاحف المُرسَلة إلى الأمصار من الإعجام والشكل, فلربّما كان بعض القرّاء يختار ما يراه مناسباً في المواضع الملتبسة عليه في القراءة, بما يؤدّي إلى إعمال الحدس والظنّ[4].
 
 
 
1- أنواع اختلاف القراءات:
إنّ أنواع اختلاف القراءات ربَّما تفوق الحصْر[5]، أبرزها التالي:
أ- الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بقائها, بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب، ولا يغيّر معناها, من قبيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، و(وهل يُجازَى إلا الكفور).
 
 
 

 
[1] انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص93.
[2] سورة يوسف، الآية: 76.
[3] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص431, الأهوازي، ابن السكّيت: الكنز اللغوي، لاط، بيروت، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، لات، ص57.
[4] انظر: السيد الخوئي، أبو القاسم: البيان في تفسير القرآن، ط4، بيروت، دار الزهراء، 1395هـ.ق/ 1975م، ص152.
[5] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص334-336.
192

167

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 ب- الثاني الاختلاف في إعراب الكلمة, بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الخط, من قبيل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ و(ربنا باعَدَ بين أسفارنا).

 
ج- الاختلاف في تبديل حروف الكلمة من دون إعرابها, بما يغيّر معناها، ولا يغيّر صورة الخطّ بها, من قبيل: ﴿نُنشِزُهَا﴾ و(ننشرها).
 
د- الاختلاف في الكلمة, بما يغيّر صورتها في الكتابة، ولا يغيّر معناها, من قبيل:
﴿إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ و(إلا زقية واحدة).
 
هـ- الاختلاف في الكلمة, بما يزيل صورتها في الخطّ ويزيل معناها, من قبيل:
﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ و(طلع منضود).
 
و- الاختلاف بالتقديم والتأخير, من قبيل: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ و(وجاءت سكرة الحق بالموت).
 
ز- الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم, من قبيل: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾، و(وما عملت).
 
2- حصر القراءات:
أ- واقع حصر ابن مجاهد: هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس (245-324هـ)، مقرىء بغداد، وأوّل من أضفى صبغة رسمية على القراءات السبع، حيث اختار أربعة قرّاء من المدينة ومكّة والبصرة والشام، وثلاثة من الكوفة، وجميعهم 
من قرّاء القرن الثاني، آخرهم الكسائي (ت: 189هـ). وكان ما شاع من قراءاتهم برواية تلاميذهم (مباشرة أو بالواسطة). 
 
وقد أورد ابن مجاهد راويين فقط من بين تلاميذ مَنْ اختارهم من القرّاء ورواتهم، وذكر في كتابه روايتهما عن أستاذهما. وأدّى هذا العمل إلى أن تُنسى رواية التلاميذ الآخرين تدريجياً. والذين جاءوا بعد ابن مجاهد أضافوا إلى القراء السبعة ثلاثة قُرّاء، فصار عددهم
 
193

168

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 عشرة، وقد ساروا على طريقة ابن مجاهد, بالاكتفاء براويين لكلّ قارىء. ولحقَ هؤلاء أربعة، قرأوا بالشواذّ، وقد اعتُبِرَت قراءاتهم، وقَبِلَها أهل العامّة.

 
والقرّاء السبعة، هم: عبد الله بن عامر اليحصبي (ت118هـ), قارئ الشام، وعبد الله بن كثير الداري (ت120هـ), قارئ مكّة، وعاصم بن أبي النجود الأسدي (ت128هـ), قارئ الكوفة، وأبو عمرو زبان بن العلاء المازني (ت154هـ), قارئ البصرة، وحمزة بن حبيب الزيّات (ت156هـ), قارئ الكوفة - أيضاً -، ونافع بن عبد الرحمان الليثي (ت169هـ), قارئ المدينة، علي بن حمزة الكسائي (ت189هـ), قارئ الكوفة - أيضاً -.
 
والقرّاء المتمّمون للعشرة، هم: خلف بن هشام (229هـ) - راوي حمزة الزيّات -, قارئ بغداد، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت205هـ), قارئ البصرة، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي (ت130هـ), قارئ المدينة.
 
والقرّاء المتمّمون للأربعة عشر: وهم الذين قرأوا بالشواذ: ابن يسار (الحسن البصري) (ت110هـ), قارئ البصرة/ ومحمّد 
بن عبد الرحمان (ابن محيصن) (ت123هـ), قارئ مكَّة مع ابن كثير، سليمان بن مهران الأسدي(الأعمش) (ت148هـ), قارئ الكوفة[1].
 
ب- تقويم حصر ابن مجاهد:
- تقويم القرّاء السبعة:
- القراء السبعة ليسوا من العرب، إلا ابن عامر وأبو عمرو[2].
 
 
 

 
[1] لمزيد من التفصيل، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327-330, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص198, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص338-340، 368-375.
[2] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص329.
194

169

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 - جميع القرّاء السبعة عاشوا في القرن الثاني[1].

 
- كان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، واستمرّوا على ذلك، فلمّا كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب[2].
 
- كان للكوفة نصيبها الأوفر من غيرها من الأمصار في القراءات السبع، حيث كان لها ثلاثة قرّاء: عاصم وحمزة والكسائي, وهم من الموالين لأهل البيت عليهم السلام[3].
 
- تقويم القراءات السبع[4]:
- استقراء حال الرواة يورث القطع بأنّ القراءات نُقِلَت إلينا بأخبار الآحاد، فكيف تصحّ دعوى القطع بتواترها عن القراء؟! على أنّ بعض هؤلاء الرواة لم تثبت وثاقته!
 
- التأمّل في الطرق التي أخذ عنها القرّاء، يُقطَع معه بأنّ هذه القراءات إنّما نُقِلَت إليهم بطريق الآحاد.
 
- اتّصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد, حتى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممّن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإنّ كلّ قارئ إنّما ينقل قراءته بنفسه.
 
- احتجاج كلّ قارئ من هؤلاء على صحّة قراءته، واحتجاج تابعيه على ذلك أيضاً، وإعراضه عن قراءة غيره, دليل قطعي على أنّ القراءات تستند إلى اجتهاد
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص327-329.
[2]  انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص215-216.
[3]  انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص13-132، 136-138، 141-142.
[4]  انظر: م. ن، ص151-152.
195

170

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 القرّاء وآرائهم, لأنّها لو كانت متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتج في إثبات صحّتها إلى الاستدلال والاحتجاج.

 
- إنّ في إنكار جملة من الأعلام المحقّقين على جملة من القراءات دلالة واضحة على عدم تواترها, إذ لو كانت متواترة لما صحّ هذا الإنكار.
 
3- مقياس قبول القراءات:
أ- مقياس المشهور من علماء القراءات: وهو يقوم على تحقيق أربعة أركان[1]، هي:
- صحة الإسناد.
 
- موافقة اللغة العربية، ولو بوجه, بأن تكون موافقة لأي وجه من وجوه النحو, سواء أكان فصيحاً أم أفصح، مجمعاً عليه أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله إذا كانت القراءة ممّا شاع وتلقّاه الأئمّة بالإسناد الصحيح.
 
- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً, بأن يكون ثابتاً فيها، ولو في بعضها دون بعضها الآخر.
 
- موافقتها للرسم العثماني ولو تقديراً, بحيث يكفي في الرواية أن توافق رسم المصحف, ولو موافقة غير صريحة.
 
ويلاحظ على هذا المقياس ما يلي[2]:
- أنّه يتّسم بالشمولية والسعة بالمقارنة مع ما ذكره مَنْ قَبله.
 
- يشمل كلّ القراءات الشاذّة والضعيفة, وذلك لأنّ خصائص رسم المصحف العثماني والأقوال المتعدّدة في الأدب العربي، يمكن أن تجعل الكثير من القراءات الضعيفة مطابقة لرسم المصحف ولقاعدة من قواعد النحو العربي، بشكل أو
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص330-331, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص203-207, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص340-348.
[2] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص119-133.
196

171

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 بآخر. وفي هذه الحالة يفقد هذا المقياس أثره، ويصبح عملياً غير صالح لتمييز القراءات الصحيحة من الخاطئة.

 
ب- المقياس الصحيح: وهو ما ذكره آية الله الشيخ محمد هادي معرفة قدس سره في كتابه التمهيد في علوم القرآن[1]، ويقوم على تحقيق الأركان التالية:
- موافقة القراءة مع الثبت المعروف بين عامّة المسلمين في مادّة الكلمة، وصورتها، وموضعها من النظم القائم, حسب تعاهد المسلمين، خلفاً عن سلف.
- موافقة القراءة مع الأفصح والأفشى في العربية.
- أن لا يعارضها دليل قطعي، سواء أكان برهاناً عقلياً، أم سنّة متواترة، أم رواية صحيحة الإسناد مقبولة عند الأئمّة[2].
 
والصحيح هو: أنّ أهمّ مقياس لقبول القراءة يكمن في انسجامها مع قراءات عامّة الناس التي توارثوها من جيل إلى جيل، وتكتسب الشروط الثلاثة المذكورة أصالتها, لأنّها تصبّ في اتّجاه تحقيق هذا المقياس.
 
4- الفرق بين القراءات والقرآن:
أجمع المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أنّ ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر، واستدلّ كثير من العلماء على تواتره, بتوافر الدواعي لنقله, لأنّه أساس الدين الإسلامي ومعجزة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم, وكلّ شيء تتوافر الدواعي لنقله, لا بدّ وأن يكون متواتراً. وعليه، فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعاً[3]. وقد وقع الاشتباه بوجود تلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات[4]، ويمكن إرجاع هذا الاشتباه إلى عاملين أساسيين، هما:
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص134-155.
[2] م. ن، ص122 - 154.
[3] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص123-124.
[4] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص139.
197

172

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 - العامل الأوّل: الخلط بين القرآن والقراءات، فرغم وضوح عدم تواتر القراءات، إلا أنّ البعض توهّم تواترها تبعاً لتواتر القرآن.

 
والواقع: أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, فنصّ القرآن شيء، وكيفية قراءته شيء آخر تماماً، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها, من تخفيف وتثقيل وغيرهما[1].
 
- العامل الثاني: الخلط بين القراءات والأحرف السبعة، حيث ظنّ البعض أنّ قراءات القرّاء السبعة هي الأحرف السبعة نفسها التي أشارت إليها بعض الروايات من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف[2].
 
والواقع: أنّ القرآن نزل على حرف واحد ولا أساس لهذه الروايات التي هي بمجموعها ضعيفة السند أو مرسلة.
عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة"[3]. 
 
وعن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد"[4].
 
أضف إلى ذلك أنّه لا توجد أيّ علاقة بين القراءات والأحرف السبعة, إذ أنّ شهرة القرّاء السبعة وقراءاتهم إنّما ظهرت 
من بعد ما قام به ابن مجاهد من حصر للقراءات بالسبع، بينما كان هناك مَنْ هم أفضل منهم، وتوجد أيضاً في قراءة 
القراء السبعة قراءات شاذّة صرّح بها الأئمّة المختصّون في هذا المجال[5].
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص318.
[2] انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص264, ج5، ص127, ص41, البخاري، صحيح البخاري، م.س، ج4، ص80, النيسابوري، صحيح مسلم، م.س، ج2، ص203, ص204، المتّقي الهندي، كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ص49-57.
[3] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح12، ص630.
[4]  الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح13، ص630.
[5]  انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص215-217.
198

173

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 الأفكار الرئيسة

1- مرّت قراءة القرآن بمراحل مختلفة هي: القراءة من فم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, قراءة الصحابة، قراءة الأمصار، قراءة التابعين، تأسيس علم القراءات، تدوين القراءات، حصر القراءات رسمياً.
 
2- ساهمت أسباب عدّة بوقوع الاختلاف في القراءات، أبرزها: اختلاف المصاحف العثمانية في ما بينها، خلو المصاحف من الإعجام والشكل، اختلاف اللهجات، ظهور آراء واجتهادات من قِبَل القرّاء.
 
3- من أنواع اختلاف القراءات: الاختلاف في إعراب الكلمة, الاختلاف في تبديل حروف الكلمة...
 
4- كان ابن مجاهد أوّل من أضفى صبغة رسمية على القراءات السبع، والذين جاءوا من بعده أضافوا إلى القرّاء السبعة ثلاثة قُرّاء، ولحقَ هؤلاء أربعة، قرأوا بالشواذّ. وجميع هذه القراءات منقولة على أحسن تقدير بآخبار آحاد, فهي ليست متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فضلاً عن عدم تواترها عن أصحابها.
 
5- المقياس الصحيح في قبول القراءة يقوم على: موافقة القراءة مع النصّ المتواتر بين عامّة المسلمين، وموافقة القراءة مع الأفصح والأفشى في العربية، وأن لا يعارض القراءة دليل قطعي.
 
6- القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها.
 
 
199 
 

174

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- اعتمد ابن مجاهد على راويين لكلّ قارىء وأهمل بقيّة الرواة.
- من وجوه الاختلاف بين القراءات: زيادة حرف أو كلمة.
- كلّ قراءة وافقت اللغة العربية ولو بوجه، وصحّ إسنادها, فهي قراءة جائزة.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- اذكر أسباب وقوع الاختلاف بين القراءات؟
- بيّن المقياس الصحيح في قبول القراءة؟
- هل يوجد تلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات؟
 
200

175

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 مطالعة

قراءة حفص عن عاصم[1]
هو أبو بكر, عاصم بن أبي النجود الأسدي(90-127هـ)، أشهر القرّاء السبعة. كان آية في إتقان القراءة، ومعروفاً بالفصاحة، وأديباً ونحوياً، وإليه انتهت الإمامة في القراءة في الكوفة بعد شيخه السلمي. اعتبره عبد الجليل الرازي إمام 
الشيعة في القراءة على غرار سائر القراء الكوفيين. وقال فيه الخونساري في روضات الجنّات: أصوب القراء رأياً، وأجملهم سعياً ورعياً، وأحسنهم استنباطاً لسياق القرآن.
 
وكان للكوفة وقرّائها السهم الأوفر في نقل القراءة إلى الأجيال اللاحقة، وكان اختيار ابن مجاهد لثلاثة قرّاء من الكوفة، من مجموع القرّاء السبعة يكشف بكلّ جلاء عن أهمّيّة الكوفة، وكونها مدينة ذات مكانة عسكرية وسياسية وعلمية، ومن بين ذلك: أنّ قراءة عاصم فاقت قراءة القرّاء الكوفيين الآخرين، وكانت لقراءة عاصم مزايا جعلتها اليوم هي القراءة الرسمية والمتداولة للقرآن بين المسلمين. ويمكن اعتبار الميزة الأساسيّة لقراءته هي: الصلة الوثيقة بينها وبين قراءة أكبر أساتذة القراءة وأفضلهم, حيث عرض عاصم القراءة على أبي عبد الرحمن السلمي، والميزة العلمية لأبي عبد الرحمن السلمي, كونه واسطة في نقل القراءة من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى قرّاء الكوفة - ومنهم عاصم بن أبي النجود -، ولم يتعلّم القراءة إلا من علي بن أبي طالب عليه السلام, حتى قيل: إنّه لم يتخلّف في قراءته حرفاً واحداً عن قراءة الإمام علي عليه السلام, وجاء في الرواية أنّه كان يقول: إنّه ما رأى قرشياً أقرأ لكتاب الله من علي بن أبي طالب عليه السلام, وكان لأبي عبد الرحمن تأثير واسع في كلّ قراءات الكوفة، ومنها: القراءات الثلاث التي دخلت ضمن القراءات السبع, لأنّ قراءة عاصم كانت عنه مباشرة, وقراءة حمزة والكسائي كانتا عنه بالواسطة. وهذه
 
 
 

 
[1]  انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص221- 226.
201

176

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 السلسلة في سند القراءة سلسلة ذهبية لا نظير لها في القراءات الأخرى.

 
وذكر البعض إضافة إلى أبي عبد الرحمن، زرّ بن حبيش من مشايخ عاصم في القراءة أيضاً. وقال أبو بكر بن عياش, وهو أحد الشخصين اللذين رويا عن عاصم: قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفاً إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكنت أرجع من عنده فأعرض على زر بن حبيش. وتفيد هذه الرواية أنّ عاصماً كان يعتمد على أبي عبد الرحمن أكثر من اعتماده على زر بن حبيش.
 
وكان لعاصم راويان بلا واسطة، هما: شُعبَة (أبو بكر بن عياش)، وحفص بن سليمان. ورغم ما قيل في حفص بن سليمان من أقوال متضاربة، غير أنّ الباحثين في علوم القرآن يرجّحون روايته على رواية شعبة, وذلك لأنّه ربيب عاصم، وتربّى في حجره، وقرأ عليه، وتعلّم منه, كما يتعلّم الصبي من معلّمه, فلا جرم أنّه كان أدقّ إتقاناً من شُعبَة.
 
202

177

الدرس الثاني عشر: قراءات القرآن (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن الجزري: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ص30.
3- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص139، 197-198، 203-207، 215-217.
4- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص330، 338-348، 368-375.
5- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص318، 327-331، 334-336.
6- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص93.
7- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج5، ص431.
8- ابن السكّيت: الكنز اللغوي، ص57.
9- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص13-132، 136-138، 141-142، 151-152.
10- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص119-155.
11- ابن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص264, ج5، ص127, ص41.
12- البخاري، صحيح البخاري، ج4، ص80.
13- النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص203, ص20
14- المتّقي الهندي، كنزل العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ص49-57.
15- الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح12-13، ص630.
 
 
203 
 

178

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 
موضوعات الدرس:
1- تطوّر اللغة العربيّة ورسمها.
2- رسم العربية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3- رسم المصحف العثماني.
4- مخالفات ومناقضات في رسم خطّ المصحف.
5- أوَّل مَن نقَّط المصحف.
6- أوَّل مَن شكّل المصحف.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على تاريخ رسم المصحف وخصائصه.
3-  التعرّف على نماذج من المخالفات والمناقضات في رسم خط المصحف.
 
205

179

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 1- تطوّر اللغة العربيّة ورسمها:

ترتبط نشأة اللغات الإنسانيّة بتطوّرات الحياة الاجتماعية وتفاعلاتها، وتعدّ اللغة العربية من اللغات التي خضعت على طول مسيرتها لهذه القاعدة، حيث تعرّضت لكثير من التطوّرات, بفعل سعة بقعة انتشارها, فتعدّدت لهجاتها واختلفت، ولا سيما بعد الفتوحات الإسلامية[1].
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ اللهجة عبارة عن سلوك لغويّ له مميّزات لغويّة ذاتُ نظامٍ صوتيّ خاصّ تخصّ بيئةً معيّنة، يشترك فيها جميع أفراد تلك البيئة[2]. ومجال الاختلاف الأهمّ بين اللهجات هو الأصوات واختلاف معاني الوحدات الدلاليّة[3].
 
وقد اشتهرت لهجة قريش أكثر من غيرها من اللهجات العربية الأخرى السائدة قبل الإسلام, كتميم وهذيل وغيرهما, للموقع الاقتصاديّ والدينيّ الذي كانت تتمتّع به مكّة آنذاك, ما أدّى إلى مزيد من الأثر في تهذّب لهجة قريش وتطوّرها, نتيجة الاختلاط بلهجات الشعوب والقبائل الأخرى، ثمّ كان لنزول القرآن الكريم بلهجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرشية بالغ الأثر في سيادة هذه اللهجة القرشية وصيرورتها اللغة الفصحى.
 
 
 

 
[1] انظر: وافي، علي عبد الواحد: علم اللغة، ط9، القاهرة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر ومطبعتها، لات، ص96.
[2] انظر: السامرائي، إبراهيم: التطوّر اللغويّ التاريخي، ط3، بيروت، دار الأندلس، 1983م، ص34.
[3] انظر: وافي، علم اللغة، م.س، ص176-177, السامرائي، التطوّر اللغوي التاريخي، م.س، ص34.
207

180

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 والمشهور أنّ العرب أخذوا لغتهم من الحيرة، التي أخذت من الأنبار، وأخذت الأنبار من الأنباط، وأخذ الأنباط لغتهم من الكتابة الساميّة الشماليّة المأخوذة من الكتابة الفينيقيّة، التي بدورها أخذت كتابتها من الكتابة السينائيّة الأمّ في سيناء.

 
وادّعي أنّ رسم العربيّة الشمالي أشتُقّ من الكتابة السريانيّة. والواقع أنّه لا دليل على ذلك، وغاية ما يمكن استفادته تأثير السريانية في الكتابة النبطية التي تأثر بها رسم العربيّة الشمالي.
 
وقد تفرّع الخطّ النبطي إلى نوعين من الخطوط: خطّ يشبه الخطّ الكوفي في خطوطه المستقيمة وزواياه، وخطّ نسخي حرفه أكثر استدارة وأسهل كتابة.
 
وبقي الخطّان - النسخي والكوفي - متداولان بين المسلمين، يعملون على تحسينهما وتطويرهما، حتى جاء ابن مقلة في بداية القرن الرابع للهجرة، وأدخل تحسينات هامّة جدّاً على الخطّ النسخي, ليصبح على ما عليه اليوم من جمال فائق، بخلاف الخطّ الكوفي الذي لم يلقَ أيّ تطوّر أو ازدهار حتى هُجِرَ تماماً[1].
 
2- رسم العربية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
لم يتمّ العثور على كتابات قرآنية تعود إلى الفترة النبوية، ولكنّ مكّة والمدينة كتبتا في تلك الفترة برسم العربيّة الشماليّ المعروف المتطوّر عن الرسم النبطي، وبخطّ مطاوع مستدير يمثّل أحد الخطّين المأثورَين عن الأنباط. ومن خصائص الخطّ المكيّ والمدنيّ أنّ في ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع، وفي شكله انضجاع يسير[2].
 
وما يؤيّد هذه الآثار خرابيشُ منقوشة على الصخر في جبل سلع قرب المدينة المنوّرة، يرجع تاريخها إلى غزوة الخندق(الأحزاب) في السنة الخامسة للهجرة، وقد انتظمت هذه الخرابيش في كتابة كبيرة، في قسمها اليميني ذكر أبي بكر وعمر، وفي قسمها اليساري ذكر لأسماء منها: "أنا محمد بن عبد الله"، ومنها بخطّ كبير:
 
 
 

 
[1] انظر: المغربيّ، عبد الرحمن(ابن خلدون): المقدّمة، لاط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، لات، ص417-421.
[2] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص9.
208

181

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 "أنا علي بن أبي طالب". أمّا ما كُتب على الرقّ، وهو محتمل النسبة، فهو رسائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي أرسلها إلى الملوك بعد عودته من الحديبية, ومنها رسائله إلى النجاشي، وهرقل، وكسرى، وغيرهم. وتُبرز هذه الخرابيش الحجرية والرقوق رسماً فيه ملامح الكتابة النبطية في ثوبها المتأخّر، فتغيب فيها الألفات الداخلية، والشكل، والإعجام، والشدّات، والهمزات، والمدّات، وقد كتبت بخطّ مستدير فيه تشبه ملامحه ملامح الخطّ النسخي الذي تطورّ في ما بعد[1].

 
3- رسم المصحف العثماني:
يُراد بـ "رسم المصحف": صورة ما كُتِبَ في المصاحف العثمانية[2]. ويُراد بـ "فنّ رسم المصحف": "أوضاعُ حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة"[3].
 
والرسم الذي دوّنت به المصاحف العثمانية هو رسم العربية الذي كان سائداً في المدينة المنوّرة زمن الجمع العثماني سنة خمس وعشرين من هجرة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم[4].
 
وقد قال كثيرون بتوقيفيّة الرسم العثماني, وأنّه من عند الله تعالى، في حين ذهب آخرون إلى أنّه اجتهادٌ من الصحابة[5].
 
وقد بيّن البحث المعاصر أنّ هذا الرسم - على المظنون - امتداد للرسم النبطي في ثوبه المتأخّر، حيث ورث كثيراً من سمات ذلك الرسم, فجاء غير معجم ولا مشكول, تغيب عنه الألفات الداخلية إجمالاً, ويعوزه كثيرٌ من المحدِّدات والرموز, كالشدّة، والهمزة، والمدّة, إلى غير ذلك من نواحي النقص والإبهام[6].
 
 
 

 
[1] انظر: حميد الله، محمد: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط5، بيروت، دار النفائس، 1405هـ.ق/ 1985م، ص32، 99-142.
[2] انظر: ابن الجزري، محمد: النشر في القراءات، تصحيح ومراجعة محمد علي الضباع، لاط، مصر، المكتبة التجارية الكبرى, مطبعة مصطفى محمد، لات، ج1، ص446, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص300.
[3] انظر: ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص438.
[4] انظر: السجستاني، سليمان بن الأشعث: كتاب المصاحف، تصحيح آرثر جفري، ط1، بغداد، مكتبة المثنى, مصر، مكتبة الخانجي, المطبعة الرحمانية، 1355هـ.ق/ 1936م، ص22-24.
[5] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص310-316.
[6] انظر: السجستاني، كتاب المصاحف، م.س، ص22-24.
209

182

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 4- مخالفات ومناقضات في رسم المصحف:

وردت في المصحف مخالفات ومناقضات في الرسم لا يستهان بها, وهي ترجع إلى قلّة خبرة أعضاء لجنة توحيد المصاحف أيّام عثمان في هذا المجال، حيث إنَّهم عندما فرغوا من نَسْخ المصاحف أتَوا بمصحف إلى عثمان، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لَحْن! لكن ستُقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: لو كان المُملي من هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا![1].
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ القرآن وصل إلينا متواتراً في نقل كلماته وترتيبها, بالحفظ والنقل الشفوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، جيلاً بعد جيل، حيث توافرت الدواعي لنقله، وإن لم يكن متواتراً في كيفية أداء هذه الكلمات.
 
وعليه، فإنّ هذه المخالفات والمناقضات في الرسم لا تضرّ بالمعنى ولا بثبت النصّ القرآني المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وقد كان الإمام علي عليه السلام حريصاً على الالتزام بما نتج عن لجنة توحيد المصاحف، على الرغم من وجود مخالفات في الرسم والإملاء, حِفاظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف في ما بعد تحت ذريعة الإصلاح، حيث سأله بعض الناس عن إمكانية تغيير كلمة فيه، فأجابهم عليه السلام بحزم: "إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل"[2].
 
أ- نماذج من مخالفات الرسم[3]:
- ﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾[4]، والصَحيح: واختلاف اللَّيل...
- ﴿عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾[5]، والصحيح: علّام.
 
 
 

 
[1] انظر: المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.
[2] انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص495.
[3] لمزيد من التفصيل، انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص369-371.
[4] سورة البقرة، الآية: 164.
[5] سورة المائدة، الآية: 109.
210

183

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 - ﴿بِالْغَدَاةِ﴾[1]، والصحيح: بالغداة.

- ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ﴾[2]، والصحيح: لا ييأس.
- ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ﴾[3]، والصحيح: نبأ.
 
ب- نماذج من مناقضات الرسم[4]:
- ﴿فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾[5]، ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾[6].
- ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾[7]، ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء﴾[8].
- ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ﴾[9]، ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾[10].
- ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ﴾[11]، ﴿إِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ﴾[12].
- ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ﴾[13]، ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾[14].
 
5- أوَّل مَن نقَّط المصحف:
كان الخطُّ عندما اقتبسه العرب من السريان والأنباط خالياً من الإعجام، ولا تزال الخطوط السريانية بلا إعجام إلى اليوم، وهكذا كان عليه الخطّ العربي حتّى منتصف القرن الأوَّل، ثمّ دخل عليه الإعجام في أواخر القرن الأوّل الهجري، 
 
 
 
 
[1] سورة الأنعام، الآية: 52.
[2] سورة يوسف, الآية 87.
[3] سورة إبراهيم، الآية: 9.
[4] لمزيد من التفصيل، انظر: م. ن، ص372.
[5] سورة يونس، الآية: 49.
[6] سورة الأعراف، الآية: 34.
[7] سورة الشورى، الآية: 24.
[8] سورة الرعد، الآية: 39.
[9] سورة طه، الآية: 94.
[10] سورة الأعراف، الآية: 150.
[11] سورة إبراهيم، الآية: 34.
[12] سورة النحل، الآية: 18.
[13] سورة فاطر، الآية: 40.
[14] سورة محمد، الآية: 14.
211

184

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 حيث تعرَّف الناس على نُقَط الحروف المعجمة وامتيازها عن الحروف المهملة, وذلك على يد يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، تلميذَي أبي الأسود الدؤلي، بعد أن اتّسعت الدولة الإسلامية، واختلط العرب بالعجم، فبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف بين الناس، حتى ليشقّ على كثير منهم أن يهتدي لقراءة القرآن قراءة صحيحة من دون وجود إعجام[1].

 
6- أوَّل مَن شكّل المصحف:
كان الخطّ العربي في أوّل عهده مجرَّداً عن التشكيل وعن كلِّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها. وبعد توسّع الفتوحات الإسلامية، شعر المسلمون بوجود حاجة ماسّة إلى وضع علامات تشكيلية للمصحف تُؤمنهم من الوقوع في الخطأ واللحن عند قراءة القرآن، ولا سيما بعد دخول ألسنة عجموية على اللسان العربي[2].
 
ونُقِلَ أنَّ أبا الأسود الدؤلي سمع قارئاً يقرأ: ﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾[3] ـ بكسر اللام (في رسوله) ـ فقال: 
ما ظننت أنَّ أمر الناس آلَ إلى هذا، فرجع إلى زياد بن أبيه ـ وكان والياً على الكوفة (50 - 53هـ)، وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئاً يكون للناس إماماً، ويُعرَف به كتاب الله، فاستعفاه أبو الأسود، حتّى سمع بنفسه هذا اللحن في كلام الله، فعند ذلك عزم على إنجاز ما طلبه زيادـ وكان أبو الأسود يقول للكاتب: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف, فأنقط نقطة فوقه من أعلاه، وإن ضممت فمي, فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت, فاجعل النقطة من تحت الحرف[4].
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص454, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص332.
[2] م. ن..
[3] سورة التوبة، الآية: 3.
[4] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص45-46.
212

185

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 الأفكار الرئيسة

1- المشهور أنّ العرب أخذوا لغتهم من الحيرة، التي أخذت من الأنبار، وأخذت الأنبار من الأنباط، وأخذ الأنباط لغتهم من الكتابة الساميّة الشماليّة المأخوذة من الكتابة الفينيقيّة، التي بدورها أخذت كتابتها من الكتابة السينائيّة الأمّ 
في سيناء.
 
2- كتبت مكّة والمدينة في صدر الإسلام برسم العربيّة الشماليّ المعروف المتطوّر عن الرسم النبطي.
 
3- رسم المصحف: صورة ما كُتِبَ في المصاحف العثمانية. وفنّ رسم المصحف: أوضاعُ حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة. ومصطلح "الرسم" فأقرب ما يكون إلى مصطلح "الكتابة".
 
4- وردت في المصحف مخالفات ومناقضات في الرسم لا يستهان بها, وهي ترجع إلى قلّة خبرة أعضاء لجنة توحيد المصاحف أيّام عثمان في هذا المجال. ولكنّها لا تضرّ بالمعنى ولا بثبت النصّ القرآني المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
 
5- أوَّل مَن نقَّط المصحف هما: يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم, تلميذَا أبي الأسود الدؤلي.
 
6- أوَّل مَن شكّل المصحف هو: أبو الأسود الدؤلي, صاحب الإمام علي عليه السلام.
 
213

186

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 فكّر وأجب


1- أجب بـ "صحّ" أو "خطأ":
- فنّ رسم المصحف هو: أوضاعُ حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة.
- أوّل من شكّل المصحف هو: يحيى بن يعمر العدواني.
- أوّل من نقّط المصحف هو: أبو الأسود الدؤلي.

2- أجب باختصار:
- تكلّم عن رسم المصحف العثماني؟
- بيّن أصل رسم العربية في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
- اذكر بعض المخالفات والمناقضات في رسم المصحف, مبيّناً سببها، ومعلّلاً عدم تأثيرها على القرآن؟
 
214
 

187

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 مطالعة

 
أوّل من ضبط المصحف بالحركات المأخوذة من الحروف[1]
كان الشَكل في الصدر الأوَّل نُقَطاً، فالفتحة نقطة على أوَّل الحرف، والضمَّة على آخره، والكسرةُ تحت أوَّله. والذي اشتهر الآن: الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175هـ)، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضمّ واو صغيرة فوقه، والتنوين زيادة مثلها. وأوَّل مَن وضع الهمز والتشديد والرَوم والإشمام الخليل – أيضاً -.
 
أوّل من كتب المصحف بخطّ مجوّد[2]
إنّ أوَّل مَن كتب المصاحف في القرن الأوّل ويوصف بحسن الخطّ هو: خالد بن أبي الهياج (ت: 100هـ), صاحب أمير المؤمنين علي عليه السلام، وكان مشهوراً بجمال خطِّه وأناقة ذوقه، ويقال: إنَّ سعداً ـ مولى الوليد وحاجبه ـ اختاره 
لكتابة المصاحف والشِعر والأخبار للوليد بن عبد الملك (ت: 96هـ)، فكان هو الذي خطَّ قِبلة المسجد النبوي بالمدينة 
بالذهب من سورة الشمس إلى آخر القرآن. وطلب إليه عمَر بن عبد العزيز أن يكتب له مصحفاً على هذا المثال، فكتب له مصحفاً تنوَّق فيه.
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص456.
[2] انظر: ابن النديم، الفهرست، م.س، ص9.
215

188

الدرس الثالث عشر: رسم المصحف

 مصادر الدرس ومراجعه

 
1- القرآن الكريم.
2- وافي، علم اللغة، ص96، 176-177.
3- السامرائي، التطوّر اللغويّ التاريخي، ص3
4- ابن خلدون، المقدّمة، ص417-421، 438.
5- ابن النديم، الفهرست، ص9، 45-46.
6- حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص32، 99 - 142.
7- ابن الجزري، النشر في القراءات، ج1، ص446.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص300، 310-316، 332-333.
9- السجستاني، كتاب المصاحف، ص22-24.
10- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ج2، ح4784، ص586, ح4787، ص587.
11- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9، ص495.
12- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص369-372.
13- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص454، 456.
 
216

189

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 
موضوعات الدرس:
1- معنى الإعجاز.
2- فلسفة تنوّع المعجزات.
3- التحدّي في القرآن.
4- من أبعاد إعجاز القرآن: (التحدّي الخاصّ): شخصية مَنْ نزل عليه القرآن، حقائق القرآن ومعارفه، عدم الاختلاف في القرآن.

أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى الإعجاز القرآني لغةً واصطلاحاً.
3- معرفة فلسفة تنوّع المعجزات في القرآن.
4- معرفة أبعاد إعجاز القرآن الكريم.
 
217 
 

190

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 1- معنى الإعجاز:

أ- المعنى اللغوي: العين والجيم والزاء أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخّر الشيء، فالأول: عجز عن الشيء يعجز عجزاً, فهو عاجز, أي ضعيف... ويقال: أعجزني فلان: إذا عجزت عن طلبه وإدراكه[1]. 
 
والعَجْزُ: أصلُه التَّأَخُّرُ عن الشيء، وحصوله عند عَجُزِ الأمرِ, أي: مؤخّره... وصار في التّعارف اسما للقصور عن فعل الشيء, وهو ضدّ القدرة[2].
 
ب. المعنى الاصطلاحي: المُعْجِز هو: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدّي[3]. والإعجاز هو: أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه، مع إمكان صدق هذه الدعوى بحكم العقل، أو النقل الثابت عن نبي أو إمام معصوم[4].
 
 
 

 
[1] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج4، مادّة"عجز"، ص232.
[2] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"عجز"، ص547.
[3] انظر: الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين، ط2، طهران، نشر مرتضوي, مطبعة چاپخانهء طراوت، 1362هـ.ش، مادّة "عجز"، ج4، ص25.
[4] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص33-34.
219

191

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 2- فلسفة تنوّع المعجزات:

روي أنّه سأل ابن السكّيت[1] الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، فقال: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالكلام والخطب؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات[2]، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام، فأتاهم من عند الله من واعظه وحكمه, ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم"[3].
 
ويُفهَم من هذه الرواية أنّ فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة على أهل عصر مَن يُجري الله تعالى على يديه المعجزة, لتكون أبلغ في التأثير، وأظهر في التحدّي، وآكد في تصديق الدعوة.
 
3- التحدّي في القرآن:
أ- معنى التحدّي في القرآن: التحدّي هو: المنع[4]. وقد جاء التحدّي في القرآن على نحوين:
- التحدّي الخاصّ: وهو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن بلحاظ وجه خاصّ من
 
 
 

 
[1] هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي الأهوازي الشيعي, أحد أئمّة اللغة والأدب، ذكره كثير من المؤرّخين وأثنوا عليه، وكان ثقةً جليلاً من عظماء الشيعة، ويُعدّ من خواصّ الإمامين التقيّين عليهما السلام، وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة والنحو، له تصانيف كثيرة مفيدة، منها: كتاب تهذيب الألفاظ، وكتاب إصلاح المنطق.
[2] الآفات الواردة على بعض الأعضاء، فيمنعها عن الحركة, كالفالج، واللقوة. ويطلق المزمن على مرض طال زمانه.
[3] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب العقل والجهل، ح20، ص24.
[4] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حد"، ص3.
220

192

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 وجوهه الإعجازية[1]، من قبيل: شخصية مَنْ نزل عليه القرآن، حقائق القرآن ومعارفه، عدم الاختلاف في القرآن...

 
- التحدّي العام: وهو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن كلّه أو جزء منه على وجه عامّ. وقد ورد هذا التحدّي في القرآن ضمن خمس آيات[2] هي حسب ترتيب نزولها:
- ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[3].
 
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[4].
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[5].
 
- ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾[6].
- ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[7].
 
ب- خصائص آيات التحدّي:
- الآيات الأربعة الأولى آيات مكيّة، والآية الأخيرة آية مدنية[8].
 
 

 
 
[1] سيأتي الحديث عنها مفصّلاً في عنوان "أبعاد إعجاز القرآن(التحدّي الخاصّ)".
[2] تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الآيات تدخل تحت عنوان التحدّي الخاصّ -أيضاً-, كالتحدي ببلاغتها.
[3] سورة الإسراء، الآية: 88.
[4] سورة يونس، الآية: 38.
[5] سورة هود، الآية: 13.
[6] سورة الطور، الآيتان: 33-34.
[7] سورة البقرة، الآيتان: 23-24.
[8] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص59، 68.
221

193

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 - تدلّ آيات التحدّي جميعها على أنّ القرآن آية معجزة خارقة من عند الله تعالى[1].

 
- التحدي في الآيات عامّ لكلّ ما يتضمّنه القرآن الكريم من معارف حقيقية، وحجج وبراهين ساطعة، ومواعظ حسنة، وأخلاق كريمة، وشرائع إلهية، وإخبارات غيبية، وفصاحة وبلاغة...[2]
 
- آيات التحدّي مختلفة في العموم والخصوص، ومن أعمّها تحدّياً الآية الأولى[3].
 
- إنّ كلّ واحدة من الآيات تؤمّ غرضاً خاصّاً من التحدّي يرجع إلى معانيه السامية ومقاصده العالية، حيث إنّ الآية الأولى واردة مورد التحدّي بجميع القرآن, لما جمع فيه من الأغراض الإلهية، ويختصّ بأنّه جامع لعامّة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة. والآية الثانية واردة مورد التحدّي بسورة من القرآن, لما فيها من بيان غرض تامّ جامع من أغراض الهدى 
الإلهي, بياناً فصلاً من غير هزل. والآية الثالثة هي تحدٍّ بعشر من السور القرآنية, لما في ذلك من التفنّن في البيان والتنوّع 
في الأغراض من جهة الكثرة، ليظهر به أنّ تنوّع الأغراض القرآنية في بيانه المعجز ليس إلا من قبل الله. 
 
والآية الرابعة هي تحدٍّ بما يعمّ التحدّيات الثلاثة السابقة, فإنّ الحديث يعمّ السورة والعشر سور والقرآن كلّه, فهو تحدٍّ بمطلق الخاصّة القرآنية. والآية الخامسة وردت مورد تأبيد التحدّي والتسليم لحقيقة أنّ القرآن كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمرّ الدهور وتوالي القرون[4].
 
- إنّ نوع العناية بالتحدّي في الآية الثالثة غير نوع العناية بالتحدّي في الآيات الأخرى, ففي هذه الآيات تتعلّق العناية بالتحدّي بعدم قدرتهم على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه, لما أنّه قرآن مشتمل على جهات لا تتعلّق بها قدرة
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص59.
[2] انظر: م. ن، ج1، ص59, ج10، ص162.
[3] انظر: م. ن، ج1، ص59.
[4] انظر: م. ن، ج1، ص59, ج10، ص167-169.
222

194

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 الإنسان ولا يظهر عليها غيره تعالى وقد أطلق القول فيها إطلاقاً. بينما في الآية الثالثة وبملاحظة تعقيبها بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ...﴾, فإنّ نوع العناية بالتحدّي، إنّما هو بكون القرآن متضمّناً لما يختصّ علمه بالله تعالى ولا سبيل لغيره إليه. وهذا أمر لا يقبل الافتراء بذاته, فكأنّه قيل: إنّ هذا القرآن لا يقبل بذاته افتراء, فإنّه متضمّن لأمور من العلم الإلهي الذي لا سبيل لغيره تعالى إليه، وإن ارتبتم في ذلك فأتوا بعشر سور مثله مفتريات تدعون أنّها افتراء، واستعينوا بمن استطعتم من دون الله، فإن لم تقدروا عليه, فاعلموا أنّه من العلم المخصوص به تعالى[1].

 
- جاء التحدّي في هذه الآيات بالإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة أو عشر سور أو حديث منه، ومعنى التحدّي بالمثل أنّ الكلام لمّا كان آية معجزة، فلو أتى إنسان بما يماثله, لكفى في إبطال كونه آية معجزة، ولم يحتج إلى الإتيان بما يترجّح عليه في صفاته، ويفضّل عليه في خواصّه[2].
 
4- من أبعاد إعجاز القرآن (التحدّي الخاصّ):
إنّ القرآن الكريم معجز كلّه باختلاف اللحاظات والجهات، وأبعاد إعجازه أعلى من أن تحصيها العقول، أو أن تدرك كنهها الأفهام. ومن الأبعاد الإعجازية التي اشتهر بحثها من قِبَل علماء القرآن والمفسّرين، ما يلي:
أ- شخصيّة مَنْ نزل عليه القرآن (شخصيّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): يُعدّ إيتاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وجهاً من وجوه الإعجاز، حيث يشهد التاريخ أنّه لم يتعلّم عند أيّ معلّم، ولم يتربّ عند أي مربّ، وطيلة مكوثه بين الناس إلى الأربعين من عمره لم يكن ينطق بعلم أو شعر أو نثر، ثمّ أتى بما أتى به دفعة واحدة, فأتى بما عجزت عنه فحولهم، وكلّت دونه ألسنة بلغائهم, فلم يقدر على معارضته
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص169.
[2] انظر: م. ن، ص169-170.
223

195

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 أنس ولا جانّ على طول التاريخ. وقد أشار القرآن الكريم نفسه إلى هذا الوجه الإعجازي[1]، مفنّداً افتراءات نسبة القرآن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارة، وتلقيه إياه من بشر غيره تارة أخرى:

- قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[2].
- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾[3].
 
ب- حقائق القرآن ومعارفه: يشتمل القرآن الكريم على حقائق ومعارف عالية وسامية يحتاجها النوع الإنساني في تحقيق تكامله في ما يتعلّق بنشأته الدنيوية والأخروية, من إلهيّات، وأخلاقيّات، وعبادات، ومعاملات، وسياسات، واجتماعيّات...: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[4].
 
وقد أتى القرآن في جميع ذلك بالحقائق الراهنة، التي لا يتطرّق إليها الفساد والنقد في أيّ جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يحكم عليها حاكم النسخ، ولا يقضي عليها قانون التحوّل والتكامل. وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر، ولا سيّما ممّن نشأ بين أمّة جاهلة لا نصيب لها من المعارف والعلوم[5].
 
ج- عدم الاختلاف في القرآن: يُعدّ عدم وجود اختلاف في القرآن أحد الوجوه الإعجازية فيه، فإنّ من طبيعة الكلام البشري بحكم نشأة المادّة وقانون التحوّل
 
 
 

 
[1] لمزيد من التفصيل في هذا الوجه الإعجازي، انظر: الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص63-64, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص45-55.
[2] سورة يونس، الآية: 16.
[3] سورة النحل، الآية: 103.
[4] سورة النحل، الآية: 89.
[5] لمزيد من التفصيل في هذا البعد الإعجازي ومصاديقه، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص62-63, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص58-67.
224

196

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 والتكامل الحاكم فيها، أن يتطرّأ إليه بعض الاختلاف, تبعاً لتعرّض الإنسان لظروف مختلفة, من شدّة ورخاء، وحرب وسلم، وأمن وخوف...

 
وواقع الحال: أنّ القرآن الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدّة ثلاث وعشرين سنة، في أحوال مختلفة، وشرائط متفاوتة، في مكّة والمدينة، في الليل والنهار، والحضر والسفر، والحرب والسلم، في يوم العسرة ويوم الغلبة، ويوم الأمن ويوم الخوف، مع ما فيه من معارف إلهية دقيقة وأخلاق فاضلة وأحكام فرعيّة مفصّلة، في جميع ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية، بحيث لا يعتريه أدنى اختلاف في النظم المتشابه، أو تناقض في المعارف التي يلقيها. فلو كان من عند غير الله لاختلف النظم وتناقض المعنى[1].
 
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الوجه الإعجازي بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[2].
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص66-67, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص55-58.
[2] سورة النساء، الآية: 82.
225

197

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 الأفكار الرئيسة

1- المُعْجِز هو: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدّي.
2- فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة في عصر المعجزة.
3- التحدّي الخاصّ: هو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن بلحاظ وجه خاصّ من وجوهه الإعجازية، من قبيل: شخصية مَنْ نزل عليه القرآن، حقائق القرآن ومعارفه، عدم الاختلاف في القرآن...
4- التحدّي العام: هو التحدّي بالإتيان بمثل القرآن كلّه أو جزء منه على وجه عامّ.
 



فكّر وأجب

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- يجب تصديق صاحب المعجزة حتى لو كانت معجزته مخالفة لحكم العقل القطعي.
- فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة في عصر المعجزة.
- التحدّي الخاصّ هو التحدّي بخصوص الإتيان بجزء من القرآن.

2- أَجِبْ باختصار:
- بيّن وجه الإعجاز في شخصية مَنْ نزل عليه القرآن؟
- تكلّم عن البعد الإعجازي في حقائق القرآن ومعارفه التي طرحها للناس؟
- وضّح وجه الإعجاز في عدم وقوع الاختلاف في القرآن؟
 
226

198

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 مطالعة

 
محاولات لمعارضة القرآن!
سجّل التاريخ بعض المحاولات لمعارضة القرآن، حيث كانت مدعاة للعبرة والدهشة، ولم ينتج عنها سوى الخسران والخزي، وفي ما يلي أمثلة من تلك المعارضات:
1- عارض مسيلمة الكذّاب سورة الفيل بقوله: الفيل، ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل وخرطوم طويل[1].
2- ادّعى أحد الكتّاب المسيحيين معارضة القرآن محاولاً معارضة سورة الحمد من خلال اقتباس جملاً من السورة نفسها وتحوير بعض ألفاظها، وجاء بكلام يقول فيه: الحمد للرحمن، ربّ الأكوان، الملك الديّان، لك العبادة وبك المستعان، اهدنا صراط الإيمان[2]. وقال في معارضته سورة الكوثر: إنّا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، ولا تعتمد قول ساحر. حاول هذا الشخص من خلال تقليده التامّ لنظم الآيات القرآنية وصياغتها وتبديل بعض كلماتها، الإيحاء للناس بأنّه قد عارض القرآن. وقبله فعل مسيلمة الكذاب - أيضاً - في معارضة سورة الكوثر بقوله: إنّا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربّك وهاجر، وإنّ مبغضك رجل كافر[3].
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص94, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
[3] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص97-98.
227

199

الدرس الرابع عشر: إعجاز القرآن (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص3, ج4، ص232.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص547.
4- الطريحي، مجمع البحرين، ج4، ص25.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص33-34، 45-67، 94، 97-98.
6- الكليني، الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، ح20، ص24.
7- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص59، 62-64، 66-67، 68, ج10، ص162، 167-170.
228

200

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 
موضوعات الدرس:
1- الإخبار عن الغيب.
2- الكشف عن حقائق علمية.
3- الفصاحة والبلاغة (البيان).
4- التصوير الفنّي.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة أبرز أبعاد الإعجاز القرآني.
3- تذوّق بعد الفصاحة والبلاغة في القرآن الكريم.
 
229

201

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 1- الإخبار عن الغيب:

تحدّى القرآن الكريم بالإخبار عن بعض الغيب بآيات كثيرة، ما كان للناس أن يعلموها ولا من شأنهم أن يطّلعوا عليها لولا إخبار القرآن الكريم بها، ومن هذه الإخبارات الغيبية:
أ- إخبار القرآن عن بعض الحوادث الماضية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي نوح عليه السلام وقومه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[1].
 
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي يوسف عليه السلام وأخوته ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾[2].
 
- قوله تعالى بعد سرد قصة مريم عليها السلام: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾[3].

 
 

 
[1] سورة هود، الآية: 49.
[2] سورة يوسف، الآية: 102.
[3] سورة آل عمران، الآية: 44.
231

202

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 ب- الإخبار عن بعض الحوادث المستقبلية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:

- قوله تعالى في انغلاب الروم ثمّ غلبتهم: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾[1].
 
- قوله تعالى في رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة بعد الهجرة: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[2]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[3].
 
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن حقائق علمية مجهولة للناس زمن نزول القرآن، كشف عنها العلم الحديث في عصرنا الحاضر، أو أخبار تنبّئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمّة الإسلامية أو الدنيا عامّة بعد نزول القرآن[4].
 
2- الكشف عن حقائق علمية:
كشف القرآن الكريم عن معارف وحقائق كونيّة وقوانين طبيعية لا سبيل إلى معرفتها في زمن نزول القرآن إلا عبر الوحي الإلهي، وبعض هذه الحقائق لم يتّضح للناس إلا بعد توافر العلوم وتقدّم البشرية وتطوّرها في فترة متأخّرة، وبعضها الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة إليهم حتى الآن. ومن هذه الحقائق التي كشف عنها الوحي الإلهي، وتنبّه لها العلم الحديث، ما يلي[5]:
 
 
 

 
[1] سورة الروم، الآيات: 2-4.
[2] سورة القصص، الآية: 85.
[3] سورة الفتح، الآية: 27.
[4] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص64-65, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص67-70.
[5] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص70-77.
232

203

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 أ- دور الرياح في تلقيح النبات والأشجار: قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ...﴾[1] ، حيث أثبت العلم الحديث أنّ النباتات والأشجار تحتاج إلى اللقاح لكي تثمر، وعملية التلقيح هذه تحصل بواسطة الرياح التي تحمل اللقاح من مكان إلى آخر.

 
ب- ظاهرة الزوجية: قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[2]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[3]، ﴿...وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ...﴾[4] ، حيث تصرّح هذه الآيات بعموميّة ظاهرة الزوجية التكوينية لكلّ شيء أوجده الله تعالى في هذا الكون.
 
ج- حركة الأرض ودورانها: قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا...﴾[5]، حيث تصوّر هذه الآية الأرض على شكل مهد بالنسبة لمن عليها، وهذه الحالة ناجمة عن الحركة الموضعية والانتقالية للأرض، ومثلما تكون حركة المهد سبباً لسكينة الطفل ونموه, كذلك تؤدّي حركة الأرض إلى تكامل الإنسان وتطوّره.
 
د- كرويّة الأرض: قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...﴾[6] ، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾[7]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. حيث إنّنا لو فرضنا أنّ الأرض مسطّحة, فلا يمكن أن يكون لها أكثر من مشرق ومغرب في وقت واحد, إلا على فرض كرويّتها وتبدّل أوضاعها وحالاتها بالنسبة إلى الشمس.
 
 
 

 
[1] سورة الحجر، الآية: 22.
[2] سورة الذاريات، الآية: 49.
[3] سورة يس، الآية: 36.
[4] سورة الرعد، الآية: 3.
[5] سورة طه، الآية: 53.
[6] سورة الأعراف، الآية: 137.
[7] سورة المعارج، الآية: 40.
233

204

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 3- الفصاحة والبلاغة (البيان):

من أبعاد إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته، حيث تحدّى بهما العرب الذين بلغوا مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم أو المتأخّرة عنهم، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم, في كمال البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق[1]:
 
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[2].
 
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾[3].
 
وقد طالت مدّة التحدّي، وتمادى زمان الاستنهاض, فلم يجيبوه إلا بالتجافي، ولم يزدهم إلا العجز، ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[4].
 
ويمكن الإشارة إلى بعض خصائص هذا الإعجاز[5]، في ما يلي:
أ- دقيق تعبير القرآن ورقيق تحبيره: حيث وضع القرآن كلّ لفظٍ موضعه الأخصّ، إذا أُبدل بغيره جاء منه فساد معنى الكلام أو سقوط رونقه، من قبيل: تقديم السمع على البصر في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ 
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص68.
[2] سورة هود، الآيتان: 13-14.
[3] سورة يونس، الآيتان: 38-39.
[4] سورة هود، الآية: 5.
[5] لمزيد من التفصيل، انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج5، ص10-422.
234

205

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 تَشْكُرُونَ﴾[1], لأنّ السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز البصر.

 
ب- طرافة سبك القرآن وغرابة أُسلوبه: فسبكه جديد، وأُسلوبه فريد، لا هو شعر كشعر العرب، ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة، على أنّه جَمَع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع, فيه أناقة الشعر، وطلاقة النثر، وجزالة السجع الرصين، وجميع آيات القرآن تشهد بذلك.
 
ج- عذوبة ألفاظ القرآن وسلاسة عباراته: حيث تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور، في رونق جذّاب وروعة خلاّبة, حتى أنّ بعض الألفاظ الغريبة في نفسها, إذا ما استعملها القرآن الكريم بدت غاية في الحسن في النظم، من قبيل: لفظة "ضِيزَى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾[2]، حيث إنّ الآية في معرض الإنكار على العرب بجعلهم الملائكة والأصنام بنات لله - والعياذ بالله - مع وأدهم البنات، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾[3]، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القِسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الأُولى والتهكّم في الأُخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة.
 
د- تناسق نظم القرآن وتناسب نغمه: حيث يجد السامع لذّةُ، بل وتعتريه نشوةٌ, إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى *  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى  *  فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى 
 
 
 

 
[1] سورة النحل، الآية: 78.
[2]  سورة النجم، الآية: 22. والضيز: الجَور, أي فهي قِسمة جائرة.
[3] سورة النجم، الآيتان: 21-22.
235

206

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى 

* أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾[1]. فهذه فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متّحدة في حرف التقفية تماماً، ذات إيقاع موسيقي متّحد نابع من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يَفرق بين إيقاع موسيقي وآخر.
 
هـ- تجسيد معاني القرآن في أجراس حروفه: حيث تتواءم أجراس حروفه مع صدى معانيه، ويتلاءم لحن بيانه مع صميم مراميه, مِن وعد أو وعيد، وترغيب أو ترهيب، من قبيل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾[2]، وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تَنسف وتُدمّر كلّ شيء, فتُصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين.
 
و- الترابط والتناسق المعنوي في القرآن: فالقرآن منتظم السياق، متلاحم الألفاظ والمعاني، متواصل الأهداف والمباني, حيث إنّك تجد ذلك في ترابط الكلمات داخل الآية الواحدة، وترابط الآيات داخل السورة الواحدة، وترابط السور داخل القرآن, ضمن تناسق معنوي معجز وباهر.
 
ز- حسن تشبيهات القرآن وجمالُ تصويراته: فتشبيهاته من أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام، وأجمعهنّ 
لمحاسن البديع، وأوفاهنّ بدقائق التصوير، ورقائق
 
 
 

 
[1] سورة النجم، الآيات: 1-22.
[2] سورة آل عمران، الآية: 117.
236

207

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 التعبير، ورحائق التحبير، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾[1], حيث إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذّر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنّه لم يبقَ بعده إلاّ الخمود! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبَّه والمشبَّه به.

 
ح- جودة استعارات القرآن وروعةُ تخييلاته: حيث أبدع القرآن فيها وأجاد إجادةَ البصير المُبدع، وأفاد إفادةَ الخبير المضطلع، في إحاطة بالغة لم يعهد لها نظير، ولم يخلفه أبداً بديل، من قبيل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[2], ففي استعارة النطق من الإنسان إلى الأرض والسماء وهما من الجماد، والنطق إنّما هو للإنسان لا للجماد.
 
ط- لطيف كنايات القرآن وظريف تعريضاته: فكناياته أوفى الكنايات وأدقّهنّ وأرقّهنّ، حيث لم تفته لطافةٌ في كناية، ولا ظرافةٌ في تعريض، من قبيل قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾[3], هذا مَثل ضَربه الله للحقّ وأهله والباطل وحزبه، فكنّى بالماء عن العِلم، وبالأدوية عن القلوب، وبالزَبد عن الضلال. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾[4], فإنّ سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه.
 
 
 

 
[1] سورة مريم، الآية: 4.
[2] سورة فصّلت، الآية: 11.
[3] سورة الرعد، الآية: 17.
[4] سورة التكوير، الآيتان: 8-9.
237

208

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 4- التصوير الفنّي:

يشكّل التصوير الفنّي وجهاً إعجازياً من وجوه القرآن الإعجازية, وذلك بفعل خصائص القرآن الكريم في تصوير المشاهد والمعاني المختلفة، وفق تخييل فنّي فائق الروعة، يجذب القلوب والأبصار ويأسرها بسحره وجماله. وقد تجلّى ذلك من خلال تصويره لمشاهد الطبيعة الحيّة، وآثار الفضائل والرذائل والمحاسن والمساوىء، وقصص الماضين من الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وضرب الأمثال، وأحوال المعاد والقيامة والحساب...، حيث يجد من يعالجها قمة في الجمال وروعة في التصوير الفنّي, حتى كأنّه يشاهدها حاضرة عنده[1]. 
 
ومن المشاهد الفنّية التي صوّرها القرآن الكريم، ما يلي:
أ- مشاهدة يوم القيامة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾[2]، حيث تصوّر هاتان الآيتان مشهداً مزدحماً بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره بينما الخيال يتملاّه، والهول الشاخص يذهله، فلا يكاد يبلغ أقصاه، وهو هول لا يُقاس بالحجم والضخامة، ولا يمكن أن يعبّر عن عظمته بحسر كلماته وأسلوبه الخاصّ... المرضعات الذاهلات عمّا أرضعن، والحاملات الملقيات حملهنّ، والسكارى وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد[3].
 
 
 

 
[1] انظر: الشاذلي، إبراهيم (سيد قطب): التصوير الفنّي في القرآن، ط16، القاهرة، دار الشروق، 1423هـ.ق/ 2002م، ص36-37.
[2] سورة الحج، الآيتان: 1-2.
[3] انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص62.
238

209

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 ب- حبط أعمال الكافرين: قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾[1], تصوير حبط أعمال الكافرين بمشهد حركة الريح في يوم عاصف, تذرو الرماد، فتذهب به بدداً، إلى حيث لا يجتمع أبداً[2].

 
ج- عاقبة الشرك بالله: قوله تعالى: ﴿... وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾[3]. هكذا في ومضة، يخرّ من السماء من حيث لا يدري احد، فلا يستقرّ على الأرض لحظة، إنّ الطير لتخطفه، أو إنّ الريح لتهوي به... وتهوي به في مكان سحيق! حيث لا يدري احد كذلك! وذلك هو المقصود[4].
 
 
 

 
[1] سورة إبراهيم، الآية: 18.
[2] انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص39.
[3] سورة الحج، الآيةّ: 31.
[4]  انظر: سيد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، م.س، ص43.
 
239

210

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 الأفكار الرئيسة

1- من أبعاد إعجاز القرآن: الإخبار عن الغيب، الكشف عن حقائق علمية، الفصاحة والبلاغة (البيان).
2- ومن أبعاد اعجاز القرآن, وجود التصوير الفني، كالاستعارات والكتابات ذي الصور الفنية الرائعة.
 
 
 
فكّر وأجب
 
1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- الإخبار عن الغيب منحصر بالإخبار عن الحوادث المستقبلية فقط.
- الحقائق العلمية التي كشف عنها القرآن لا يدركها العقل لولا الوحي.
- الإعجاز البياني تختصّ معرفته بالعرب دون غيرهم.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- بيّن وجه الإعجاز في الإخبار عن الغيب، مع ذِكْر أنموذج قرآني توضيحي؟
- تكلّم عن الإعجاز البياني (الفصاحة والبلاغة) في القرآن، مع ذِكْر أنموذج قرآني توضيحي؟
- تحدّث عن التصوير الفنّي, مبيّناً وجه الإعجاز فيه، مع ذِكْر أنموذج قرآني توضيحي؟
 
240

211

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 مطالعة

 
دعوى الإعجاز بنحو الصرفة[1]
1- واقع الدعوى:
إنّ الآية والمعجزة في القرآن إنّما هي لجهة صرف الناس عن معارضته، بحيث صرفَهم الله تعالى أن يأتوا بحديث مثله، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمقابلته، ولولا ذلك لاستطاعوا الإتيان بسورة مثله. وهذا التثبيط في نفسه إعجاز خارق للعادة، وآية دالّة على صدق نبوّته صلى الله عليه وآله وسلم. ويُحتَمل أن يكون الصرف سلباً لقُدرتهم على المعارضة، أو سلباً لدواعيهم عليها، أو سلباً للعلوم التي يتمكّنون بها من المعارضة.
 
2- مناقشة الدعوى:
يمكن مناقشة دعوى الإعجاز بنحو الصرفة بالتالي:
أ- مخالفتها لآراء جمهور العلماء.
ب- هذه الدعوى خطيرة في نفسها, لأنّها قد تُوجب طعناً في الدين، وتشنيعاً بمعجزة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم , بأن لا آية في جوهر القرآن، ولا معجزة في ذاته، وإنّما هو معجز لأمر خارج هو الجبر وسلب الاختيار. وهذا ينافي الاختيار الذي هو غاية التشريع والتكليف.
ج- دعوى الصرفة خلاف التحدّي الذي هو جوهر الإعجاز.
د- يلزم من هذه الدعوى إدراك مَنْ كان يهمّ بالمعارضة لفقدانه القدرة على ذلك بعد أن كان قادراً.
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج4، ص138-191.
 
241
 

212

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 هـ- لا مباهاة مع مسلوب القدرة حتى لو بلغ المتحدّى به مقداراً كثيراً.

و- إنّ الإعجاز القرآني ليس منحصراً بكيفية تركيب الحروف والألفاظ وجمعها ضمن أسلوب بديع، فالأهمّ من وراء ذلك تضمّن هذه الحروف والكلمات لأغراض ومضامين عالية منسجمة في ما بينها، ضمن منظومة معرفية معنوية كاملة وتامّة.
 
242

213

الدرس الخامس عشر: إعجاز القرآن (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص64-65، 68.
3- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص67-77.
4- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج5، ص10-422.
5- سيّد قطب، التصوير الفنّي في القرآن، ص36-37، 39، 43، 62.
 
243

214

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)


موضوعات الدرس:
1- معنى التحريف.
2- أقسام التحريف.
3- آراء علماء الإماميّة في المسألة.
4- أهمّيّة إثبات صيانة القرآن عن التحريف.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على معنى التحريف وأقسامه.
3- معرفة آراء علماء الإماميّة في التحريف.
4- القدرة على دحض الأدلة التي تدّعي تحريف القرآن.
 
245

215

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 1- معنى التحريف:

أ- المعنى اللغوي: الحاء والراء والفاء ثلاثة أصول: حدّ الشيء، والعدول، وتقدير الشيء.. والأصل الثاني: الانحراف 
عن الشيء. يُقال: انحرف عنه ينحرف انحرافاً. وحرفته أنا عنه, أي عدلت به عنه, وذلك كتحريف الكلام, وهو عدله 
عن جهته"[1]. "وتَحريفُ الشيء: إمالته, كتحريف القلم. وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، قال عزّ وجلّ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾[2]، و﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾[3]، و ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾[4]"[5].
 
وعليه، فالتحريف لغة هو: تغيير معنى الكلمة والعدول بها عن مقصدها الحقيقي, وهو مختصّ بالتحريف المعنوي.
 
ب- المعنى الاصطلاحي: هو وقوع التغيير في ألفاظ القرآن وحروفه وحركاته,
 
 
 

 
[1] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حرف"، ص42-43.
[2] سورة النساء، الآية: 46.
[3] سورة المائدة، الآية:41.
[4] سورة البقرة، الآية: 75.
[5] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"حرف"، ص228-229.
247

216

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 تبديلاً وترتيباً, ونقصاً وزيادةً[1].

 
وتجدر الإشارة إلى إنّ القرآن لم يستخدم مفهوم التحريف إلا بمعناه اللغوي، في حين أنّ محور بحث صيانة القرآن عن التحريف يختصّ بالتحريف بمعناه الاصطلاحي.
 
2- أقسام التحريف:
أ- التحريف المعنوي: وهو المعنى اللغوي نفسه للتحريف، ويُراد به: تفسير القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه. 
ولا شكّ في وقوع هذا القسم من التحريف في القرآن, وهو ما أشارت إليه الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام, والتي ذمّت مَنْ فَعَلَه: 
عن الإمام علي عليه السلام: "... إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهّالاً، ويموتون ضلّالاً ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب, إذا تلي حقّ تلاوته، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب, إذا حرِّف عن مواضعه..."[2].
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب: أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."[3].
 
ب- التحريف اللفظي: وهو المعنى الاصطلاحي نفسه، ويُتَصوّر وقوعه على أنحاء[4]، هي:
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص198-190.
[2] الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، م.س، الخطبة17، ص54.
[3] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
[4] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص197-200, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104.
248

217

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 - النحو الأوّل: التغيير في الحركات والحروف. وهذا القسم واقع في القرآن حتماً، ومثاله: تعدّد القراءات، حيث قرأ حمزة (عليهِمْ): عليهُمْ. وقرأ أبو جعفر ونافع (يُغْفَر لكم)، والباقون (نَغْفِر لكم).

 
- النحو الثاني: النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، أو إبدال كلمة بكلمة. وهذا التحريف على فرض وقوعه, فإنّه قد وقع قبل الجمع، ولكن بعد الجمع لا يوجد تحريف كهذا, فإنّ القرآن الذي جُمِعَ هو القرآن الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتّفاق المسلمين وتسالمهم عليه. ومثاله: ما رواه الطبري: أنّ أبا الدرداء كان يُقرىء رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾, قال: فجعل الرجل يقول: (إنّ شجرة الزقوم طعام اليتيم). قال: فلمّا أكثر 
عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم، قال: (إنّ شجرة الزقوم طعام الفاجر)[1]. والرواية في نفسها ضعيفة.
 
- النحو الثالث: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة. ومثاله: البسملة، حيث اتّفقوا على قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها قبل كلّ سورة إلا براءة، واتّفق الشيعة على 
قرآنيّتها، واختلف السنّة في قرآنيّتها.
 
- النحو الرابع: التحريف باشتمال القرآن على الزيادة. وهذا مجمع على عدم وقوعه بين المسلمين قاطبة.
 
- النحو الخامس: التحريف بالنقيصة, بمعنى ضياع شيء من القرآن وعدم وصوله إلينا. والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف, فأثبته قوم، ونفاه آخرون.
 
3- آراء علماء الإماميّة في المسألة:
من المتسالم عليه بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن لا بالزيادة
 
 
 

 
[1] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، م.س، ج25، ح24094، ص169.
249

 


218

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 ولا بالنقيصة، وأنّ الموجود ما بين أيدينا هو جميع القرآن المنزل على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, وقد صرّح بذلك كثير من كبار أعلام الشيعة الإماميّة، منهم:

- الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق القمي (ت: 381هـ): "اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك... ومن نسب إلينا أنّا نقول: إنّه أكثر من ذلك, فهو كاذب"[1].
 
- السيد المرتضى علم الهدى (ت: 436هـ): "إنّ العلم بصحّة نقل القرآن, كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة, فإنّ العناية اشتدّت، والدواعي توافرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه, لأنّ القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية. وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختُلِفَ فيه, من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً، مع العناية الصادقة، والضبط الشديد"[2].
 
- الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ): "وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه (أي القرآن) فمّما لا يليق به أيضاً, لأنّ الزيادة فيه مُجمَع على بطلانها، والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا"[3].
 
- الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت: 548هـ): "الكلام في زيادة القرآن ونقصانه, فإنّه لا يليق بالتفسير. فأمّا الزيادة فيه: فمجمع على بطلانه.
 
 
 

 
[1] ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): الاعتقادات في دين الإماميّة، تحقيق عصام عبد السيد، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م، ص84.
[2] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص43.
[3] الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص3.
250

219

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 وأما النقصان منه: فقد روى جماعة من أصحابنا، وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه"[1].

 
- الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1228هـ): "لا ريبَ في أنّه مَحفوظ من النقصان, بحفظ الملك الديّان, كما دلّ عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر. وما ورد من أخبار النقيصة تَمنع البديهة من العمل بظاهرها، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن، أو كثير منه، فإنّه لو كان ذلك, لتواتر نقله لتوفّر الدواعي عليه، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله. ثمّ كيف يكون ذلك، وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه"[2].
 
- الشيخ محمد جواد البلاغي (ت: 1352هـ): "وممّا ألصقوه بالقرآن المجيد: ما نقله في فصل الخطاب عن كتاب (دبستان المذاهب) أنّه نُسِبَ إلى الشيعة أنّهم يقولون: إنّ إحراق المصاحف سبب إتلاف سور من القرآن نزلت في فضل علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام, منها: هذه السورة، وذكر كلاماً يضاهي خمساً وعشرين آية في الفواصل، قد لُفِّقَ من فقرات القرآن الكريم على أسلوب آياته، فاسمع ما في ذلك من الغلط، فضلاً عن ركاكة أسلوبه الملفَّق... فيا للعجب من صاحب (دبستان المذاهب) من أين جاء بنسبة هذه الدعوى إلى الشيعة، وفي أيّ كتاب لهم وجدها. أفهكذا يكون النقل في الكتب، ولكن لا عجب، فكم نقلوا عن الشيعة مثل هذا النقل الكاذب, كما في كتاب الملل للشهرستاني، ومقدّمة ابن خلدون، وغير ذلك ممّا كتبه بعض الناس في هذه السنين، والله المستعان"[3].

 
 

 
[1] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص42-43.
[2] كاشف الغطاء، جعفر: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، تحقيق ونشر مكتب الإعلام الإسلامي، ط1، قم المقدّسة، 1422هـ.ق/ 1380هـ.ش، ج3، ص453-454.
[3] البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص24-25.
251

220

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 - السيد محسن الأمين العاملي (ت: 1371هـ): "لا يقول أحد من الإمامية, لا قديماً ولا حديثاً: إنّ القرآن مزيد فيه قليل أو كثير، فضلاً عن كلّهم، بل كلّهم متّفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محقّقيهم متّفقون على أنّه لم ينقص منه"[1].

 
- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت: 1373هـ): "والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذّة، وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فإمّا أن تأوّل بنحو من الاعتبار، أو يُضرَب بها الجدار"[2].
 
- السيد عبد الحسين شرف الدين (ت: 1377هـ): "والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنّما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، لا يزيد حرفاً، ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكلّ حرف من حروفه متواتر في كلّ جيل, تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوة"[3].
 
- السيد محمد حسين الطباطبائي (ت: 1402هـ): "من ضروريات التاريخ: أنّ النبي العربي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء قبل أربعة عشر قرناً تقريباً، وادّعى النبوة، وانتهض للدعوة، وآمن به أمّة من العرب وغيرهم، وأنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن، وينسبه إلى ربّه، متضمّن لجمل المعارف، وكلّيّات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدّى به، ويعدّه آية لنبوته، وأنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة, بمعنى: أنّه لم يَضِعْ مِن أصله,
 
 
 

 
[1] الأمين، محسن: أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج حسن الأمين، لاط، بيروت، دار التعارف، لات، ج1، ص41.
[2] كاشف الغطاء، محمد حسين: أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر، ط1، مؤسّسة الإمام علي عليه السلام, مطبعة ستاره، 1415هـ.ق، ص220.
[3] شرف الدين، عبد الحسين: الفصول المهمّة في تأليف الأئمّة، ط1، لام، نشر قسم الإعلام الخارجي لمؤسّسة البعثة، لات، ص175.
252

221

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 بأن يُفقَد كلّه، ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه، وينسب إليه، ويشتهر بين الناس بأنّه القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فهذه أمور لا يَرتاب في شيء منها إلا مصاب في فهمه، ولا احتمل بعض ذلك أحد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين والمؤالفين"[1].

 
- السيد روح الله الموسوي الخميني (ت: 1410هـ): "منع وقوع التحريف فيه جدّاً (أي في القرآن)، كما هو مذهب المحقّقين من علماء العامّة والخاصّة... وبالجملة: ففساد هذا القول الفظيع (أي القول بالتحريف)، والرأي الشنيع، أوضح من أن يخفى على ذي مسكة، إلا أنّ هذا الفساد قد شاع على رغم علماء الإسلام وحفّاظ شريعة سيد الأنام"[2].
 
- السيد أبو القاسم الخوئي (ت: 1413هـ): "المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأنّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم, وقد صرّح بذلك كثير من الأعلام... وجملة القول: أنّ المشهور بين علماء الشيعة ومحقّقيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف... والحق، بعد هذا كلّه: أنّ التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلاً"[3].
 
4- أهمّيّة إثبات صيانة القرآن عن التحريف:
إنّ لإثبات مسألة صيانة القرآن عن التحريف آثار وفوائد مهمّة وحسّاسة[4]، أبرزها:
 
 
 

 
[1]  السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104.
[2] الإمام الخميني، روح الله: أنوار الهداية، تحقيق ونشر مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني قدس سره، ط1، إيران، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، 1413هـ.ق/ 1372هـ.ش، ج1، ص243-247.
[3]  السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص200-207.
[4] لمزيد من التفصيل، انظر: المحمّدي، فتح الله (نجارزادكان): سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة الإماميّة...، لاط، طهران، نشر مؤسّسة فرهنكي وهنري مشعر، 1424هــ.ق، ص15-16.
253

222

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 أ- إمكانية الاستفادة من القرآن, لأنّه مع ثبوت التحريف لا يمكن الاستدلال بالقرآن أو الاستنباط منه.

ب- إثبات النبوّة والرسالة, لأنّ فرض ثبوت التحريف يستلزم نفي الإعجاز والتحدّي بالإتيان بمثل القرآن، وبالتالي انتفاء صفة الإعجاز عن الأمر الرئيس المُثبِت لنبوّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقّانيّة رسالته.
ج- إنّ القرآن ميزان اعتبار الروايات وقد أمرنا أهل البيت عليهم السلام بعرضها على القرآن، وبثبوت تحريفه, لا يمكن عرض الروايات عليه, فيتعطّل بذلك الأخذ بها.
 
 
 
254
 

223

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 الأفكار الرئيسة

- التحريف لغة: تغيير معنى الكلمة والعدول بها عن مقصدها الحقيقي, وهو مختصّ بالتحريف المعنوي. واصطلاحاً: وقوع التغيير في ألفاظ القرآن وحروفه وحركاته, تبديلاً وترتيباً, ونقصاً وزيادةً.
 
2- من أقسام التحريف: التحريف المعنوي: وهو المعنى اللغوي نفسه للتحريف، والتحريف اللفظي: وهو المعنى الاصطلاحي نفسه للتحريف، ويُتَصوّر وقوعه على أنحاء: التغيير في الحركات والحروف، النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، أو إبدال كلمة بكلمة، التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة، التحريف باشتمال القرآن على الزيادة، التحريف بالنقيصة.
 
3- من المتسالم عليه بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن لا بالزيادة ولا بالنقيصة، وأنّ الموجود ما بين أيدينا هو جميع القرآن المنزل على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, وقد صرّح بذلك كثير من كبار أعلام الشيعة الإماميّة، منهم: الشيخ الصدوق، الشيخ الطوسي، ...، الإمام الخميني، السيد الخوئي.
 
4- إنّ لإثبات مسألة صيانة القرآن عن التحريف آثار وفوائد مهمّة وحسّاسة، أبرزها: إمكانية الاستفادة من القرآن، إثبات النبوّة والرسالة، عرض الروايات على القرآن, بوصفه ميزاناً لها.
 
 
255 
 

224

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 فكّر وأجب


1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- من المتسالم عليه بين جميع المسلمين عدم وقوع التحريف بالزيادة.
-  التحريف غير واقع في القرآن سواء منه المعنوي أم اللفظي.
- ثبوت التحريف يستلزم نفي الإعجاز والتحدّي عن القرآن.

2- أَجِبْ باختصار:
- بيّن معنى التحريف لغة واصطلاحاً؟
- عدّد أقسام التحريف، مع ذِكْر أمثلة عليها؟
- وضّح أهمّيّة إثبات مسألة صيانة القرآن عن التحريف؟
 
256

225

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 مطالعة

بطلان دعوى التحريف[1]
إنّه لو كان الأمر كما توّهم صاحب فصل الخطاب (الميرزا النوري), الذي كان كتبه لا يفيد علماً ولا عملاً، وإنّما هو إيراد روايات ضعاف أعرض عنها الأصحاب، وتنزّه عنها أولو الألباب, من قدماء أصحابنا, كالمحمّدين الثلاثة المتقدّمين (الصدوق والكليني والطوسي (رحمهم الله). هذا حال كتب روايته - غالباً -, كالمستدرك، ولا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص والحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجدّ, وهو - رحمه الله - شخص صالح متتبّع، إلا أنّ اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها العقل السليم والرأي المستقيم, أكثر من الكلام النافع. والعجب من معاصريه من أهل اليقظة! كيف ذهلوا وغفلوا, حتى وقع ما وقع ممّا بكت عليه السماوات، وكادت تتدكدك على الأرض؟!
 
فلو كان الأمر, كما ذكره هذا وأشباهه, من كون الكتاب الإلهي مشحوناً بذِكر أهل البيت عليهم السلام وفضلهم، وذِكْر أمير المؤمنين عليه السلام وإثبات وصايته وإمامته، فلِمَ لَمْ يحتجّ بواحد من تلك الآيات النازلة والبراهين القاطعة من الكتاب الإلهي كلّ من: أمير المؤمنين عليه السلام, وفاطمة عليها السلام، والحسن عليه السلام, والحسين عليه السلام, وسلمان رضوان الله عليه، وأبو ذر رضوان الله عليه، ومقداد رضوان الله عليه، وعمار رضوان الله عليه, في صدد إثبات خلافته عليه السلام؟! ولِمَ تشبّث عليه السلام بالأحاديث النبوية، والقرآن بين أظهرهم؟! ولو كان القرآن مشحوناً باسم أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام وفضائلهم وإثبات خلافتهم، فبأيّ وجه خاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع آخر سنين عمره الشريف، وأخيرة نزول الوحي الإلهي, من تبليغ آية واحدة مربوطة بالتبليغ, حتى ورد أنّ ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ولِمَ احتاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى دواة وقلم حين موته
 
 
 

 
[1] انظر: الإمام الخميني، أنوار الهداية، م.س، ج1، ص244-247.
257

226

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 للتصريح باسم علي عليه السلام؟! فهل رأى أنّ لكلامه أثراً فوق أثر الوحي الإلهي؟!

 
وبالجملة: ففساد هذا القول الفظيع، والرأي الشنيع، أوضح من أن يخفى على ذِي مسكة, إلا أنّ هذا الفساد قد شاع، على رغم علماء الإسلام وحفّاظ شريعة سيد الأنام.
 
 
 
258
 

227

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص42-43.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص228-229.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص104، 10
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص197-207.
6- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، الخطبة17، ص54.
7- الكليني، الكافي، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
8- الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج25، ح24094، ص169.
9- ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإماميّة، ص84.
10- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص42-43.
11- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص3.
12- كاشف الغطاء، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء، ج3، ص453-454.
13- البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ج1، ص24-25.
14- الأمين، أعيان الشيعة، ج1، ص41.
15- كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ص220.
16- شرف الدين، الفصول المهمّة في تأليف الأئمّة، ص175.
 
259

228

الدرس السادس عشر: صيانة القرآن عن التحريف (1)

 17- الخميني، أنوار الهداية، ج1، ص243-247.

18- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة الإماميّة...، ص15-16.
 
 
 
 
260
 

229

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)


موضوعات الدرس:
1- الدليل القرآني.
2- الدليل الروائي.
3- الدليل العقلي.
4- الإعجاز القرآني.
5- الشواهد التاريخية.
6- تواتر القرآن.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على أبرز أدلّة صيانة القرآن عن التحريف.
3- القدرة على الاستدلال على صيانة القرآن عن التحريف.
 
261

230

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 المحتوى التفصيلي: أبرز أدلّة صيانة القرآن عن التحريف:

ذكر الباحثون في علوم القرآن والمفسّرون أدلّة عدّة على صيانة القرآن عن التحريف، أبرزها التالي:
1- الدليل القرآني:
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[1]. من أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه أنّه ذِكْر لله, فإنّه يذكِّر به تعالى, بما أنّه آية دالّة عليه, حيّة خالدة. وتفيد هذه الآية أنّ الله تعالى هو حافظ هذا القرآن في مرحلتي التنزيل والبقاء، حيث أُطلِقَ الذِكْر وأُطلِقَ الحِفظ, فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذِكريّة ويُبطِل كونه ذكراً لله سبحانه بوجه. وقد وُضِعَت كلّ عوامل التأكيد بعضها إلى جانب بعضها الآخر, لبيان هذه الحقيقة المهمّة والخالدة[2].
 
 
 

 
[1] سورة الحجر، الآية: 9.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص106, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص207-209.
263

231

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 ب- قوله تعالى: ﴿...وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ...﴾[1]. العزيز: عديم النظير أو المنيع الممتنع من أن يُغلَب، والمعنى الثاني أنسب, لما يتعقّبه من قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ...﴾. والمدلول هو: أنّه لا تناقض في بياناته، ولا كذب في أخباره، ولا بطلان يتطرّق إلى معارفه وحكمه وشرائعه، ولا يُعارَض ولا يُغيَّر, بإدخال ما ليس منه فيه، أو بتحريف آية من وجه إلى وجه. وكيف لا يكون كذلك؟! وهو منزَّل من حكيم متقِن في فعله، لا يشوب فعله وهن، محمود على الإطلاق. فهذه الآية تنفي أيّ احتمال للتحريف بالزيادة أو التحريف بالنقصان، وتشير إلى أنّ خاصّيّة الحفظ جاءت من داخل القرآن, بفعل تماسك بنيانه[2].

 
وغيرهما آيات كثيرة تدلّ على صيانة القرآن عن التحريف[3].
 
إشكال: إنّ الاستدلال بالقرآن على عدم حصول تحريف في القرآن، لا يصحّ إلا إذا ثبت أنّ ما يُستدلّ به من آيات هي من القرآن، فمن أين نعلم أنّها من القرآن، وأنّها ليست محرّفة؟
 
والجواب عنه:
- إنّ مدّعي التحريف لا يذهب إلى القول بالتحريف بالزيادة. وعليه، فإنّ عدم الزيادة في القرآن أمر متّفق عليه, فيمكن عندها الاستدلال بالقرآن نفسه على صيانته عن التحريف.
 
- عدم ورود هذه الآيات المستدلّ بها على التحريف في نصوص الروايات التي ادّعي دلالتها على التحريف.
 
 
 

 
[1] سورة فصّلت، الآيتان: 41-42.
[2]  انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج17، ص398-399, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص210-211.
[3] قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2), ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة: 2), ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس: 37), ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30), ...
264

232

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 - ظهور هذه الآيات ينفي الادّعاء الإجمالي بوقوع التحريف في القرآن.

 
- إنّ الآيات الدالّة على صيانة القرآن عن التحريف تثبت عدم وجود نقص في القرآن، بعد الفراغ عن قرآنيّتها, ولازم ذلك صيانة القرآن عن التحريف مطلقاً.
 
2- الدليل الروائي:
أ- روايات الثقلين[1]: ومفاد هذه الروايات: "إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما, لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". ووجه الاستدلال بها: 
أنّ القول بالتحريف يستلزم عدم وجوب التمسّك بالكتاب المنزل, لضياعه على الأمّة, بسبب وقوع التحريف، ولكن وجوب التمسّك بالكتاب باقٍ إلى يوم القيام, لصريح حديث الثقلين, فيكون القول بالتحريف باطلاً جزماً. وقد دلّت هذه الروايات على اقتران العترة بالكتاب، وعلى أنّهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة، فلا بدّ من وجود شخص يكون قريناً للكتاب، ولا بدّ من وجود الكتاب ليكون قريناً للعترة, حتى يردا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحوض، وليكون التمسّك بهما حفظا للأمّة عن الضلال[2].
 
ب- روايات التمسّك بالقرآن[3]: حيث توصينا هذه الروايات بالرجوع إلى القرآن عند الفتن والشدائد، وتصف القرآن 
بأنّه ملاذ حصين. فإذا كان الكتاب نفسه لم يسلم من فتن الزمان, كيف يمكنه حماية الآخرين من أضرار الفتن؟
 
ج- روايات العرض على القرآن[4]: وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام جاء فيها: "إنّ 
 
 
 

 
[1] تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الروايات متواترة تواتراً معنوياً بين المسلمين, وهي منقولة في كتب السنّة والشيعة. انظر: الصفّار، بصائر الدرجات، م.س، ج8، باب 17 في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إنّي تارك فيكم الثقلين"، ح1-6، ص433-434, ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج3، ص14, النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م.س، ج3، ص148, المتّقي الهندي، كنز العمّل في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج1، ح943-955، ص185-187.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص211, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص107.
[3] انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح1-14، ص598-602.
[4] انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، المقدّمة، ص8, كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح1-5، ص69.
265

233

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"، "كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"، "ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف"، "اعرضوها (أي الروايات) على كتاب الله، فما وافى كتاب الله عزّ وجلّ, فخذوه، وما خالف كتاب الله, فردّوه".

 
ويفهم من مجموع هذه الروايات أنّ القرآن هو الميزان الحقّ الذي يعتمد عليه في كشف الحقّ من الباطل والتمييز بينهما. وعليه، فكلّ رواية تشير إلى تحريف القرآن، إذا تعذّر تأويلها وتوجيهها, تكون باطلة وموضوعة ولا اعتبار لها[1].
 
د- أمر الأئمّة عليهم السلام بقراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الصلاة: فلو كان القرآن محرّفاً, لما صحّ الأمر بالقراءة منه، ولكان الأمر بالقراءة منه لغواً وتكليفاً بغير المقدور للمكلّف. وهذا ما لا يلتزم به القائلون بالتحريف[2].
 
نعم، إنّ هذه الروايات لا تنهض بنفي دعوى وقوع نقص في القرآن بسورة كاملة أو أكثر من سورة.
 
هـ- روايات تلاوة القرآن وفضلها وثوابها[3]: إنّ مجموع هذه الروايات يفيد أنّ القرآن الموجود بين أيدينا غير محرّف, وإلا لكانت هذه الروايات لغواً، غير مقدور تحصيل ثوابها للمكلّف[4].
 
و- روايات صيانة القرآن عن التحريف المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام: حيث تدلّ هذه الروايات على صيانة القرآن عن التحريف، ومنها:
 
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه 
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص107-108.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص214-215.
[3] انظر: الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ح1-11، ص603-606, باب من يتعلّم القرآن بمشقّة، ح1-3، ص606-607, باب ثواب قراءة القرآن، 
ح1-7، ص611-613, ...
[4] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108.
266

234

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."[1].

 
- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما بين الدفتين قرآن"[2].
 
- ما روي عن الإمام العسكري عليه السلام: "اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الإجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون..."[3].
 
3- الدليل العقلي:
ذكر الباحثون والمحقّقون في مجال علوم القرآن والتفسير عدّة تقريبات للدليل العقلي على صيانة القرآن عن التحريف[4]. 
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التقريبات ليست عقليّة بحتة, لأنّها تتضمّن مقدّمات متسالم عليها بين المسلمين، وليس عقلية يقينية خالصة. ومن هذه التقريبات: التقريب التالي, وهو يتألّف من مقدّمات عدّة، هي:
أ- إنّ القرآن كتاب هداية للعالمين.
ب- القرآن كتاب خاتم، كما أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رسول خاتم.
ج- إذا حرّف القرآن يترتّب على ذلك إضلال الناس.
د- مقتضى حكمة الله تعالى أن ينزّل كتاباً آخر ويُرسل رسولاً آخر, وهذا يلزم منه: إمّا تكذيب الله سبحانه, لأنّه أخبر بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الرسل ورسالته خاتمة الرسالات، وإمّا نسبة الجهل إليه تعالى على فرض اكتشافه ضرورة إرسال
 
 
 

 
[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
[2] انظر: مجموعة من المحدّثين: الأصول الستّة عشر، أصل حسين بن عثمان بن شريك العامري، ط2، قم المقدّسة، دار الشبستري للمطبوعات, مطبعة مهديه، 1405/ 1363هـ.ش، ص111.
16- انظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن: الاحتجاج، تعليق محمد باقر الخرسان، لاط، النجف الأشرف، دار النعمان، 1386هـ.ق/ 1966م، ج2، ص251.
[3] انظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن: الاحتجاج، تعليق محمد باقر الخرسان، لاط، النجف الأشرف، دار النعمان، 1386هـ.ق/ 1966م، ج2، ص251.
[4] انظر: المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص37, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص43-45.
267

235

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 نبي آخر ورسالة أخرى.

 
النتيجة: إذن، القرآن لم يحرّف.
 
4- الإعجاز القرآني:
ويقوم هذا الدليل على مقدّمات عدّة[1]، هي:
أ- ثبوت التحدّي بالقرآن تاريخياً في عصر الرسالة والدعوة.
ب- القرآن الموجود بين أيدينا هو في الجملة القرآن الموجود في عصر الدعوة.
ج- مواصفات القرآن الموجود بين أيدينا هي نفسها المواصفات المنقولة عن القرآن الموجود في عصر الدعوة, لجهة التحدّي بالوجوه الإعجازية المختلفة.
د- لو كان القرآن الموجود بين أيدينا محرّفاً, لما انطبقت عليه هذه الصفات والوجوه الإعجازية.
 
النتيجة: إذن القرآن لم يحرّف.
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الدليل لا ينهض بمفرده في إثبات عدم وقوع التحريف بالنقيصة، وإن كان يثبت عدم وقوع التحريف بالزيادة.
 
وعليه، يمكن أن يُتمَّم هذا الدليل بضميمة ما ثبتت قرآنيّته من الآيات الدالّة على صيانة القرآن عن التحريف مطلقاً.
 
5- الشواهد التاريخية:
يوجد شواهد تاريخية كثيرة تدلّ بوضوح على صيانة القرآن الكريم عن التحريف[2]، منها:
أ- من ضروريات التاريخ: أنّ النبي العربي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء قبل أربعة عشر قرناً 
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104-107.
[2] انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص43, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص104, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص200 -207, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص34-36.
268

236

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 تقريباً، وادّعى النبوة، وانتهض للدعوة، وآمن به أمّة من العرب وغيرهم، وأنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن، وينسبه إلى ربّه، متضمّن لجمل المعارف، وكلّيّات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدّى به، ويعدّه آية لنبوته، وأنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له.

 
ب- توافر الدواعي على نقله وحراسته وصيانته, لأنّ القرآن معجزة النبوة ودليل الرسالة الخاتمة، ولا سيما في وجه أصحاب البدع والتحريف، الذين يترصّدون شرّاً بالإسلام والقرآن.
 
ج- شدّة عناية المسلمين بحفظ القرآن وتلاوته، وضبطهم الشديد في هذا الصدد.
 
د- لو كان القرآن محرّفاً, لاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله.
 
هـ- وجود بعض الأخطاء في رسم المصحف حتى يومنا هذا، مع التفات المسلمين لها بعد توحيد المصاحف, مؤشّر واضح على شدّة عنايتهم بحفظ القرآن وعدم المساس به.
 
269

237

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 الأفكار الرئيسة

1- ورد في القرآن آيات كثيرة تدلّ على صيانة القرآن عن التحريف، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ﴿...وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ...﴾...
 
2- ورد على لسان أهل البيت عليهم السلام روايات عدّة تدلّ على صيانة القرآن عن التحريف، منها: روايات الثقلين، روايات التمسّك بالقرآن، روايات العرض على القرآن، أمر الأئمّة عليهم السلام بقراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الصلاة، روايات تلاوة القرآن وفضلها وثوابها، روايات صيانة القرآن عن التحريف المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام.
 
3- ذُكِرَت أدلّة أخرى على صيانة القرآن عن التحريف، هي: الدليل العقلي، الإعجاز القرآني، الشواهد التاريخية.
 
 
270

 


238

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 فكّر وأجب

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- من الشواهد التاريخية على صيانة القرآن عن التحريف: توافر الدواعي لحفظه بين المسلمين.
- إعجاز القرآن يستلزم صيانة القرآن عن التحريف بالزيادة دون النقيصة.
- لا يمكن الاستدلال على صيانة القرآن عن التحريف بالنقيصة بآيات القرآن.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- اذكر آية قرآنية، مبيّناً وجه دلالتها على صيانة القرآن عن التحريف؟
- اذكر دليلاً روائياً، مبيّناً وجه دلالته على صيانة القرآن عن التحريف؟
- اذكر دليلاً عقلياً على صيانة القرآن عن التحريف؟
 
 
271

239

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 مطالعة

 
من لطائف وصف القرآن بأنّه ذِكْرٌ لله تعالى[1]
من أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه: أنّه ذكر لله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[2], فإنّه يُذَكِّر به تعالى, بما أنّه آية دالّة عليه، حيّة خالدة، وبما أنّه يصفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويصف سنّته في الصنع والإيجاد، ويصف ملائكته وكتبه ورسله، ويصف شرائعه وأحكامه، ويصف ما ينتهى إليه أمر الخِلْقَة, وهو المعاد ورجوع الكلّ إليه سبحانه، وتفاصيل ما يؤل إليه أمر الناس, من السعادة والشقاء، والجنّة والنار. ففي جميع ذلك: ذِكْر الله, وهو الذي يرومه القرآن بإطلاق القول بأنّه ذِكْر. ونحن نجد أنّ ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من معنى الذِكْر. 
 
ولكون الذِكْر من أجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عُبِّر عنه بالذِكْر في الآيات التي أخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف, كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *  لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[3], فذَكَر تعالى أنّ القرآن, من حيث هو ذِكْر, لا يغلبه باطل، ولا يدخل فيه حالاً ولا في مستقبل الزمان, لا بإبطال، ولا بنسخ، ولا بتغيير أو تحريف يُوجب زوال ذِكْريَّته عنه. وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾, فقد أطلق الذِكْر، وأطلق الحفظ, فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذِكْريّة، ويُبطِل 
كونه ذكراً لله سبحانه بوجه.
 
وممّا تقدّم يتبيّن: أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ووصفه بأنّه ذِكْر هو محفوظ على ما أُنزِلَ، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير, كما
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص106-107.
[2] سورة الحجر، الآية: 9.
[3] سورة فصّلت، الآيات: 40-42.
272

240

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 وعد الله نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم فيه.

 
وخلاصة الحجّة: أنّ القرآن أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصّة, لو كان تغيّر في شيء من هذه الأوصاف, بزيادة، أو نقيصة، أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثّر, فَقَدَ آثار تلك الصفة قطعاً، لكنّا نجد القرآن الذي بأيدينا واجداً لآثار تلك الصفات المعدودة على أتمّ ما يمكن وأحسن ما يكون، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً من صفاته، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعينه، فلو فُرِضَ سقوط شيء منه أو تغيّر في إعراب أو حرف أو ترتيب, وجب أن يكون في أمر لا يؤثِّر في شيء من أوصافه, كالإعجاز، وارتفاع الاختلاف، والهداية، والنوريّة، والذِكْريّة، والهيمنة على سائر الكتب السماوية، إلى غير ذلك.
 
 
273

241

الدرس السابع عشر: صيانة القرآن عن التحريف (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص104-108, ج17، ص398-399.
3- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص43-45، 200-211، 214-215.
4- الصفّار، بصائر الدرجات، ج8، باب 17 في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إنّي تارك فيكم الثقلين"، ح1-6، ص433-43
5- ابن حنبل، مسند أحمد، ج3، ص1
6- النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص14
7- المتّقي الهندي، كنز العمّل في سنن الأقوال والأفعال، ج1، ح943-955، ص185-187.
8- الكليني، الكافي، ج1، المقدّمة، ص8, كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح1-5، ص69, ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح1-14، 
ص598-602, باب فضل حامل القرآن، ح1-11، ص603-606, باب من يتعلّم القرآن بمشقّة، ح1-3، ص606-607, باب ثواب قراءة القرآن، ح1-7، ص611-613, ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
9- مجموعة من المحدّثين، الأصول الستّة عشر، أصل حسين بن عثمان بن شريك العامري، ص111.
10- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص251.
11- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف...، ص34-37.
12- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص43.
 
274

242

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)


موضوعات الدرس:
1- دلالة طوائف من الروايات على وقوع التحريف.
2- كيفية جمع القرآن تستلزم وقوع التحريف.
3- روايات النسخ.
4- اختلاف مصاحف الصحابة في ما بينها.
5- اختلاف القراءات.
6- روايات وقوع التحريف باللحن والخطأ، وبالنقيصة، وبالزيادة.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- الاطّلاع على أبرز الشبهات القائلة بوقوع التحريف في القرآن.
3- الاستدلال على دحض الشبهات المثارة في وقوع التحريف في القرآن.
 
275

243

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 شبهات في وقوع التحريف:

1- الشبهة الأولى: دعوى دلالة طوائف من الروايات على وقوع التحريف:
أ- الطائفة الأولى: الروايات التي تتحدّث عن مصحف الإمام علي عليه السلام, منها:
- ما روي عن الإمام علي عليه السلام: "ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام، فلمّا وقفوا على ما بيّنه الله من أسماء أهل الحقّ والباطل، وأنّ ذلك إن أُظْهِرَ نقص ما عهدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا"[1].
 
- ما رواه جابر عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزِلَ إلا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزَّله الله تعالى, إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام "[2]، "ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه, ظاهره وباطنه، غير الأوصياء"[3].
 
 
 

 
[1] الطبرسي، الاحتجاج، م.س، ج1، ص383.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن...، ح1، ص228.
[3] م. ن، ح2، ص228.
277

244

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 الجواب عنها: الإجماع عند الشيعة والسنّة على أنّ الزائد فيه إنّما هو التأويل والتنزيل, شرحاً للمراد[1].

 
ب- الطائفة الثانية: الروايات التي جاء فيها لفظ التحريف صريحاً، منها:
- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "أصحاب العربية يحرفون الكلم عن مواضعه"[2].
 
- ما رواه علي بن سويد: كتبت إلى أبي الحسن الأوّل (الإمام موسى الكاظم عليه السلام) وهو في الحبس، فذكر عليه السلام في جوابه: "... اؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه..."[3].
 
- ما رواه ابن شهر آشوب بإسناده إلى الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام يوم عاشوراء: "إنّما أنتم من طواغيت الأمّة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب"[4].
 
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "... وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية..."[5].
 
الجواب عنها: المقصود بالتحريف فيها هو خصوص التحريف المعنوي، أو اختلاف القراءات وإعمال الاجتهاد فيها[6].
 
ج- الطائفة الثالثة: الروايات التي تشير إلى قراءات منسوبة إلى بعض الأئمّة عليهم السلام, منها:
 
 
 

 
[1] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص222-226, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص64-72، 103-104.
[2] النوري، حسين: مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لاط، بيروت، لات، ج4، باب 74 من أبواب قراءة القرآن...، ح8، ص280.
[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج2، باب من يجوز أخذ العلم منه...، ص82.
[4] م. ن، ج45، باب ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام بعد بيعة الناس...، ص8.
[5] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح16، ص53.
[6] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص226-229, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف...، م.س، ص72-75.
278

245

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 - ما رواه غالب بن الهذيل: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ على الخفض هي أم على النصب؟ قال عليه السلام: "بل هي على الخفض"[1].

 
- ما رواه حريز: أنّ الإمام الصادق عليه السلام قرأ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ (من) ثِيَابَهُنَّ﴾.
 
- ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّه قرأ قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ قرأها يُنْطَق[2].
 
الجواب عنها[3]:
- هي أخبار آحاد لا يُعتدّ بها.
- إنّ الاختلاف في القراءة لا يسري إلى الاختلاف في المعنى المُوحَى.
 
د- الطائفة الرابعة: روايات الفساطيط: هي روايات وردت بشأن فساطيط تضرب ظهر الكوفة أيام ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لتعليم الناس قراءة القرآن وفق ما جمعه أمير المؤمنين عليه السلام, منها:
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن، على ما أنزل الله. فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم, لأنّه يخالف فيه التأليف"[4].
 
- ما رواه سالم بن مسلمة: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا استمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال عليه السلام: "كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما
 
 
 

 
[1] الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق حسن الموسوي الخرسان، ط3، طهران، دار الكتب الإسلامية, مطبعة خورشيد، 1364هـ.ش، ج1، باب صفة الوضوء...، ح37، ص70-71.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، روضة، كتاب الح11، ص50.
[3] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص232-235, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص75-77.
[4] العكبري، محمد بن النعمان (المفيد): الإرشاد، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م، ج2، ص386.
279

246

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 يقرأ الناس, حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف قرأ كتاب الله عزّ وجلّ على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام"[1].

 
الجواب عنها[2]: ما يعلّم للناس في الفساطيط هو هذا المصحف, بترتيب نزول مصحف الإمام علي عليه السلام.
 
هـ- الطائفة الخامسة: روايات ورد فيها ذِكْر بعض أسماء الأئمّة عليهم السلام في القرآن، منها:
- ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام"[3].
 
- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "لو قد قرىء القرآن كما أنزل, لألفيتنا فيه مسمّين"[4].
 
- ما روي عن الإمام الرضا عليه السلام: "ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف الأنبياء..."[5].
 
- الجواب عنها[6]:
- إنّهم مذكورون فيه بصفاتهم ونعوتهم الدالّة عليهم وعلى فضائلهم المختصّة بهم.
- التاريخ لم يذكر لنا أبداً أنّ أحداً احتجّ على غاصبي الخلافة بهذه الآيات المفترضة، وإلا لكانت أحقّ بالاحتجاج.
 
 
 

 
[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح23، ص633.
[2] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص77-79.
[3] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح4، ص628.
[4] العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، ما عنى به الأئمّة عليهم السلام من القرآن، ح4، ص13.
[5] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية، ح6، ص437.
[6] لمزيد من التفصيل، انظر: الإمام الخميني، أنوار الهداية، م.س، ج1، ص243-245, السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص229-232, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص79-84.
280

247

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

- الروايات واردة فيهم على نحو التفسير للمراد، فتكون على نحو الجري والتطبيق ومعرفة المصداق الحقيقي للآيات.

 

و- الطائفة السادسة: روايات التحريف بالنقيصة، منها:

- ما روي عن الإمام علي عليه السلام: أنّه قرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ (بظلمه وسوء سريرته) وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾[1].

 

- ما رواه عمّار الساباطي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الله تعالى قال بشأن الإمام علي عليه السلام: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ (أنّ محمداً رسول الله) وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (أنّ محمداً رسول الله وأنّه ساحر كذّاب) إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾، ثمّ قال عليه السلام: 

هذا تأويله يا عمّار[2].

 

- روي أنّه قرأ رجل عند الإمام الصادق عليه السلام: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال عليه السلام: "ليس هكذا هي، إنّما هي والمأمونون، فنحن المأمونون"[3].

 

- ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية"[4].

 

الجواب عنها بالترتيب[5]:

- الأولى: فيها دلالة واضحة على كونه شرحاً وتفسيراً للمراد من الآية.

- الثانية: إنّ ورود ألفاظ التنزيل والتأويل، يُحمَل على الشرح للمراد، وبيان معانيه ومصاديقه.

 

 

 


 

[1] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح435، ص289.

[2] م. ن، ح246، ص204-205.

[3] م. ن، ج1، كتاب الحجّة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح62، ص424.

[4] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح28، ص634.

[5] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص84-91.

281

248

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 - الثالثة: هي بصدد بيان أبرز المصاديق وأكملها.

- الرابعة: ورد في نسخة مصحّحة من الكافي، وفي كتاب الوافي للفيض الكاشاني: أنّه يوجد زيادة للفظ عشرة, فيكون الحديث سبعة آلاف آية، وليس سبعة عشرة ألف آية. أضف إلى ذلك أنّ مسألة عظيمة كهذه لا بدّ من بيانها بشكل واضح, فلا تثبت بخبر الواحد.
 
ز- لطائفة السابعة: روايات كثيرة بلغت حدّ التواتر نقلها الشيعة والسنة، مفادها: أنّ كلّ ما وقع في الأمم السابقة، لا بدّ وأن يقع مثله في هذه الأمّة، وبما أنّ كتبهم السماوية قد حُرِّفت، فلا بدّ من وقوع التحريف في القرآن أيضاً، وإلا فلن تكون هذه الأحاديث صحيحة، ومنها: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّ ما كان في الأمم السالفة، فإنّه يكون في هذه الأمّة مثله، حذو النعل بالنعل، والقُذّة بالقُذّة"[1].
 
الجواب عنها[2]:
- إنّ هذا الدليل لو تمّ لكان دالاً على وقوع الزيادة في القرآن - أيضاً -, كما وقعت في التوراة والإنجيل. ومن الواضح بطلان ذلك, للتسالم والاتّفاق على عدم وقوع التحريف بالزيادة.
 
- يوجد كثير من الحوادث وقعت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمّة, كالتثليث، وعبادة العجل، وقصّة السامري، وغرق فرعون، ورفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء، والتحريف بالزيادة في كتبهم، وما شابه ذلك. وعليه، فالمراد من ذلك المشابهة في بعض الوجوه، وليس التطابق في كلّ الأمور.
 
- يكفي للتشابه مع الأمم السالفة, وقوع التحريف المعنوي, بتضييع حدود القرآن
 
 
 

 
[1] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص530.
[2] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص110-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص220-222, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص99-100.
282

249

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 الكريم، وتفسيره بالرأي.

 
- إنّ كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتقدّم عامّ يمكن تخصيصه واستثناء تحريف القرآن منه, استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[1].
 
2- الشبهة الثانية: كيفية جمع القرآن في صدر الإسلام وزمن الصحابة, تستلزم عادة وقوع التغيير والتحريف فيه, بسبب بدائة الخط، وعدم توافر الأدوات اللازمة للكتابة.
 
الجواب عنها: إنّ الجمع حصل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن سور، ثمّ على يد الإمام علي عليه السلام ضمن مصحف، ثمّ على يد الصحابة ضمن مصاحف، ثمّ توحيد الرسم في زمن عثمان, وفي جميع هذه المحطّات كانت الدواعي متوافرة لحفظ القرآن وصيانته، وكان هناك تشديداً قلّ نظيره على حفظ القرآن وتدوينه, هذا مع كونه محفوظاً بالصدور إلى عهد يُتَيَقّن قبله تدوين القرآن, بناء على اختلاف الآراء في جمع القرآن وتدوينه[2].
 
3- الشبهة الثالثة: إنّ أكثر العامّة وجماعة من الخاصّة ذكروا في أقسام الآيات المنسوخة ما نسخت تلاوتها دون حكمها، وما نسخت تلاوتها وحكمها معاً.
 
الجواب عنها[3]:
- لا يوجد في روايات الإمامية آية منسوخة التلاوة, سوى آية الرجم، وهي جاءت بخبر واحد سنداً، تعارضها روايات 
كثيرة مستفيضة تنفي نسخ التلاوة.
 
- إنّ نظرية نسخ التلاوة مع الحكم أو من دونه لا حقيقة لها.
 
 
 

 
[1] الحجر: 9.
[2] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص235-259, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص100-102.
[3] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص102-103.
283

250

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 4- الشبهة الرابعة: وجود مصاحف لدى الصحابة تختلف عن المصحف الموجود, لجهة اشتمالها على الزيادة.

 
الجواب عنها: إنّ هذه الزيادات هي زيادات تفسيرية شارحة ومبيّنة للمراد، بعد فرض التسليم بثبوت نسبة ما هو مدّعى زيادته في هذه المصاحف إلى الصحابة[1].
 
5- الشبهة الخامسة: اختلاف القراءات يستلزم كون الموجود بين أيدينا من القرآن هو غير ما أُنزِلَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
الجواب عنها: إنّ اختلاف القراءات والقرّاء لا يضرّ بالمعنى والمضمون المُوحَى، وإن أثّر أثره في كيفية أداء قراءة القرآن[2].
 
6- الشبهة السادسة: الأخبار الكثيرة الواردة في كتب أهل السنّة، والتي تثبت وقوع التحريف باللحن والخطأ في القرآن (دعوى وجود أخطاء نحوية)، وبالنقيصة والتبديل (إسقاط آية "مثل: آية الرجم"، أو سورة "مثل: سورة النورين، أو سورة الولاية"، أو حذف بعض الكلمات أو تبديلها)، وبالزيادة (الفاتحة والمعوذتين).
 
الجواب عنها[3]:
- ضعف هذه الأخبار سنداً.
- تهافتها في ما بينها.
- إمكانية حمل دلالة بعضها على غير المدّعى, بأنّها من باب التفسير، والشرح، وبيان المراد، وبعض المصاديق وأكملها.
- معارضتها بأخبار صحيحة ومتواترة تنفي وقوع التحريف.
- عدم نهوضها أمام الأدلّة المُثبِتَة لصيانة القرآن عن التحريف.
 
 
 

 
[1] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص104-109.
[2] م. ن، ص111-116.
[3] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص108-118, المحمّدي، سلامة القرآن من التحريف، م.س، ص109، 116-118.
284

251

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 الأفكار الرئيسة

1- من الشبهات المُثارة على القرآن بوقوع التحريف فيه: دعوى دلالة طوائف من الروايات على وقوع التحريف، كيفية جمع القرآن تستلزم وقوع التحريف، الروايات الدالّة على نسخ الحكم والتلاوة ونسخ الحكم دون التلاوة تستلزم وقوع التحريف، اختلاف مصاحف الصحابة في ما بينها تؤشّر على وقوع التحريف، اختلاف القراءات يستلزم وقوع التحريف، الروايات التي تتحدّث عن وقوع التحريف باللحن والخطأ، وبالنقيصة والتبديل، وبالزيادة.
 
2- يمكن ردّ هذه الشبهات بالتالي: المقدار الزائد هو من التأويل والتنزيل, شرحاً للمراد، المقصود بالتحريف في بعض الروايات خصوص التحريف المعنوي أو اختلاف القراءات وإعمال الاجتهاد فيها، أخبار التحريف هي أخبار آحاد لا يُعتدّ بها، أهل البيت عليهم السلام مذكورون في القرآن بصفاتهم ونعوتهم الدالّة عليهم، بعض الروايات واردة في أهل البيت عليهم السلام على نحو التفسير للمراد, فتكون على نحو الجري والتطبيق ومعرفة المصداق الحقيقي للآيات، توافر الدواعي على حفظ القرآن وتدوينه وتشدّد المسلمين في ذلك يمنع وقوع الخطأ في الجمع، اختلاف القراءات والقرّاء لا يضرّ بالمعنى والمضمون المُوحَى، معارضة روايات وقوع التحريف بالنقيصة بروايات صحيحة مستفيضة، تهافت روايات التحريف بالنقيصة في ما بينها.
 
 
285 
 

252

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 فكّر وأجب

 
1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- بعض الزيادات الموجودة في مصاحف الصحابة هي من قبيل الزيادات التفسيرية, شرحاً للمراد.
- نسخ التلاوة مع الحكم أو من دونه تستلزم القول بوقوع التحريف بالنقيصة.
- روايات التحريف بالنقيصة والتبديل والزيادة لا تنهض أمام أدلّة صيانة القرآن عن التحريف.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- اذكر شبهة ذِكْر أسماء الأئمّة عليهم السلام في القرآن وكيفية توجيه دلالتها عن دعوى وقوع التحريف؟
- تحدّث عن شبهة روايات التحريف بالنقيصة وكيفية ردّها؟
- تكلّم عن شبهة روايات وقوع التحريف في القرآن, كما وقع في الكتب السابقة، وكيفية توجيهها؟
 
286

253

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 مطالعة

 
دعوى ضياع سور أو أبعاض سور من القرآن![1]
1- ضياع سورتي الحفد والخلع[2].
 
2- ذهاب أكثر من ثلثي القرآن!!: أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب أنّه قال: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف[3].
 
3- ضياع سورة بحجم براءة وسورة من المسبّحات: روى مسلم في صحيحه أنّ أبا موسى الأشعري بعث إلى قرّاء البصرة فدخل عليه ثلاثمئة رجل، فقال لهم في ما قال: إنّا كنّا نقرأ سورة كنا نشبّهها في الطول والشدّة ببراءة، فأُنسيتها، 
غير أنّي حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب). وكنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات، فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيمة[4].
 
4- ضياع أكثر من ثلثي سورة براءة: أخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة، قال: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه، ولا تقرؤون منها ممّا كنّا نقرأ إلاّ ربعها. وفي رواية أخرى عن حذيفة، قال: ما تقرأون ثلثها[5]. وقال مالك: إنّ 
 
 
 

 
[1] هذه الدعوى موجودة في المجامع الحديثية عند أهل السنّة.
[2] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص178.
[3] انظر: م. ن، ص190.
[4] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص36-37.
[5] انظر: السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور، لاط، بيروت، دار المعرفة، لات، ج3، ص208.
287

254

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 أولها لمّا سقط، سقط معه البسملة، فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة لطولها[1].

 
5- ضياع أكثر من ثلثي سورة الأحزاب: أخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: قرأت سورة الأحزاب 
على النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها. وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري 
وابن مردويه عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مئتي آية، فلمّا كتب 
عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن[2].
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص177.
[2] انظر: السيوطي، الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور، م.س، ج5، ص180.
288

255

الدرس الثامن عشر: صيانة القرآن عن التحريف (3)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص383.
3- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن...، ح1-2، ص228, باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح62، ص424, باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية، ح6، ص437, ج2، كتاب فضل العلم، باب النوادر، ح4، ص628, ح23، ص633, ح28، ص634, ج8، كتاب الروضة، ح11، ص50, ح16، ص53, ح246، ص204-205, ح435، ص289.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص108-118.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص220-232، 232-259، 285-286.
6- نجارزادكان، سلامة القرآن من التحريف...، ص64-91، 99-109، 111-118.
7- النوري، مستدرك الوسائل، ج4، باب 74 من أبواب قراءة القرآن...، ح8، ص280.
8- المجلسي، بحار الأنوار، ج2، باب من يجوز أخذ العلم منه...، ص82, ج45، باب ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام...، ص8.
9- الطوسي، تهذيب الأحكام، ج1، باب صفة الوضوء...، ح37، ص70-7
10- العكبري، الإرشاد، ج2، ص386.
11- العياشي، تفسير العياشي، ج1، ما عنى به الأئمّة عليهم السلام من القرآن، ح4، ص
12- الخميني، أنوار الهداية، ج1، ص243-24
13- الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص530.
 
389

256

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)


موضوعات الدرس:
1- معنى النسْخ.
2- إمكان النسخ ووقوعه.
3- ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ.
4- الفرق بين النسخ والتخصيص.
5- شروط النسخ.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى النسخ وإمكانه ووقوعه وضرورته.
3- معرفة شروط النسخ وخصائصه.
 
291

 


257

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 1- معنى النسْخ:

أ- المعنى اللغوي: "النون والسين والخاء: أصل واحد, إلا أنّه مُختَلف في قياسه. قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه. وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء. قالوا: النسخ نسخ الكتاب. والنسخ: أمر كان يُعمَل به مِن قبل، ثمّ يُنسَخ بحادث غيره, كالآية ينزل فيها أمر، ثمّ تنسخ بآية أخرى. وكلّ شيء خلف شيئاً, فقد انتسخه"[1]. و"النَّسْخُ: إزالةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَتَعَقَّبُه، فَتَارَةً يُفْهَمُ منه الإزالة، وتَارَةً يُفْهَمُ منه الإثباتُ، وتَارَةً يُفْهَم منه الأَمْرَانِ"[2]. وعليه، فإنّ المعنى الحقيقي للنسخ هو الإزالة، وقد استُخدم مجازاً بمعنى النقل والتحويل, لما فيهما من معنى الإزالة.
 
ب- المعنى الاصطلاحي: النسخ هو: رفع تشريع[3] سابق ـ كان يقتضي الدوام حسب ظاهره ـ بتشريعٍ لاحِق, سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع
 
 
 

 
[1] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج5، مادّة"نسخ"، ص424.
[2] انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"نسخ"، ص801.
[3] ذهب العلامة السيد الطباطبائي قدس سره إلى أنّ النسخ غير مختصّ بالتشريعيات، بل يعمّ التكوينيّات أيضاً. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص252.
293

258

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 إلى الله تعالى بما أنّه شارع، بحيث لا يمكن اجتماع التشريعين معاً، إمّا ذاتاً, إذا كان التنافي بينهما بيّناً، وإمّا بدليل خاصّ, من إجماعٍ، أو نصٍّ صريح[1].

 
2- إمكان النسخ ووقوعه:
تسالم العقلاء في ما بينهم على إمكان وقوع النسخ في التقنين, بإزالة حكم أو قانون واستبداله بآخر، في ما لو كان الحكم أو القانون الثاني الناسخ مشتملاً على مصلحة لا يشتمل عليها الحكم أو القانون الأوّل المنسوخ، أو في ما لو تبيّن للمقنّن أنّ الحكم أو القانون الأوّل لم يكن مشتملاً على المصلحة المطلوبة, ما دعاه إلى تقنينٍ آخر يستوفي تلك المصلحة.
 
وخالف في ذلك اليهود والنصارى في مجال الشرعيّات والتكوينيّات, لوجود شبهة لديهم في المسألة, حيث ادّعوا استحالة وقوع النسخ, لاستلزامه عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقّه تعالى. وحقيقة الأمر في دحض هذه الشبهة:
 
أ- أنّ الحكم المجعول من قِبَل الشارع الحكيم قد لا يُراد منه البعث، أو الزجر الحقيقيين, كالأوامر التي يقصد بها الامتحان، وهذا النوع من الأحكام يمكن إثباته أولاً، ثمّ رفعه، ولا مانع من ذلك, فإنّ كلاً من الإثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة، فلا يلزم منه خلاف الحكمة.
 
ب- قد يكون الحكم المجعول حكماً حقيقياً، ومع ذلك يُنسَخ بعد زمان، لا بمعنى أنّ الحكم بعد ثبوته يُرفع في الواقع 
ونفس الأمر, كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيّات، بل هو بمعنى: أن يكون الحكم المجعول مقيّداً بزمان 
خاصّ معلوم عند الشارع منذ البداية، مجهول عند الناس, لمصلحة مرعية عند الشارع، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان, لانتهاء أمده الذي قُيِّدَ به واقعاً. والنسخ 
 
 
 

 
[1] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص249-253, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص277-278.
294

259

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 بهذا المعنى ممكن قطعاً, لبداهة دخالة خصوصيّات الزمان في مناطات الأحكام بما لا يشكّ فيه أيّ عاقل. فالنسخ في الحقيقة تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا تلزم منه مخالفة الحكمة، ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى.

 
ولا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ بين الشرائع السابقة واللاحقة, كنسخ الشريعة الإسلاميّة للشرائع السماوية السابقة عليها زماناً، وداخل الشريعة الواحدة نفسها, كتحويل القبلة.
 
وقد صرّح القرآن الكريم في آيات عدّة بوقوع النسخ، منها:
- قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[1].
- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[2].
- قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[3].
 
وعليه، فإنّ النسخ ممكن الوقوع، وقد وقع فعلاً، ولكنّه نسخ بالمعنى المجازي لا بالمعنى الحقيقي للنسخ - أي بمعنى نشأة رأي جديد -، فهو حكم مؤقّت وتشريع محدود واضح أمره للمشرّع منذ بداية تشريعه، ولكن لمصلحة في التكليف أخفى الشارع المقدّس بيان أمد الحكم عن الناس، ومع انتهاء أمده شرَّع حكماً آخر مكانه. ولعلّ وجه الحكمة من هذا الإخفاء، يكمن في حثّ المكلّفين على الانبعاث لامتثال الحكم, كما لو أنّه حكماً مطلق الأمد[4].
 
 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 106.
[2] سورة النحل، الآية: 101.
[3] سورة الرعد، الآية: 39.
[4] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص249-253, ج12، ص345-346, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص279-280.
295

260

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 3- ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ:

إنّ لمعرفة الناسخ والمنسوخ أثر جلي في فهْم التشريع الإسلامي، بحيث لا يمكن للمجتهد استنباط حكم شرعيّ ما لم يكن له حظّ وافر من معرفة الناسخ والمنسوخ.
 
وقد شدّد الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام على ضرورة معرفة الناسخ والمنسوخ، منها:
أ- روي أنّ الإمام علي عليه السلام مرّ على قاضٍ، فقال له عليه السلام: هل تعرف الناسخ عن المنسوخ؟ فقال: لا، فقال عليه السلام: "هلكتَ وأهلكتَ، تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه"[1].
 
ب- روي أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة: "أنت فقيه أهل العراق؟" قال: نعم، قال عليه السلام: "فبِمَ تُفتيهم؟" قال: بكتاب الله وسنّة نبيّه، فقال له الإمام عليه السلام: "أتعرف كتاب الله حقّ معرفته، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟" قال: نعم، قال عليه السلام: "لقد ادّعيت عِلماً. ويلك! ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزِلَ عليهم. ويلك! ولا هو إلا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم"[2].
 
4- الفرق بين النسخ والتخصيص:
يكمن الفرق بين النسخ والتخصيص في النقاط التالية:
أ- مقتضى النسخ انتهاء التشريع السابق، بعد أن عَمِل به المكلّفون لفترة من الزمن، بينما مقتضى التخصيص قصر الحكم العامّ على بعض أفراد الموضوع دون تمامها، وإخراج بقيّة الأفراد عن دائرة شمول الحكم, وذلك قبل أن يعمَل المكلّفون بعموم التكليف. فالنسخ هو نوع اختصاص للحكم ببعض الأزمان، والتخصيص
 
 
 

 
[1] العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، في تفسير الناسخ والمنسوخ...، ح9، ص12.
[2] ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): علل الشرائع، تقديم محمد صادق بحر العلوم، لاط، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، 1385هـ.ق/ 1966م، ج1، باب81، ح5، ص89-90.
296

261

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 نوع اختصاص له ببعض الأفراد.

 
ب- الرافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ بعد استقراره بينهما، بحسب الظهور اللفظي, هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما، بخلاف الرافع للتنافي بين العامّ والخاصّ, فإنه قوّة الظهور اللفظي الموجود في الخاصّ، المفسّر للعامّ بالتخصيص.
 
ويُعدّ كل ّ من الناسخ والمخصِّص وسيلة للكشف عن المراد الحقيقي للمشرّع[1].
 
5- شروط النسخ:
ذُكِرَت شروط عدّة للنسخ الاصطلاحي[2]، أهمّها:
أ- وجود تنافي ذاتي بين الحكمين، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً في الوقت نفسه, كما في آيات وجوب الصفح مع وجوب آيات القتال، أو وجود تنافي بينهما ناتج عن دليل قطعي دلّ على نقض الحكم السابق بحكم لاحق, كما في حكم الاعتداد المبيّن في آية الإمتاع إلى الحول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[3]، مع حكم الاعتداد المبيّن في آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[4].
 
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص253, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص145-146, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص271-272.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان، م.س، ج1، ص252-253, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص141, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص272-274.
[3] سورة البقرة، الآية: 240.
[4] سورة البقرة، الآية: 234.
297

262

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 ب- أن يكون التنافي كلّيّاً على الإطلاق، لا جزئيّاً وفي بعض الجوانب, فإنّ الثاني تخصيص في الحكم العامّ، وليس من النسخ في شيء, فآية القواعد من النساء: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[1] لا تصلح ناسخة لآية غضّ البصر:﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[2]، بعد أن كانت الأولى أخصّ من الثانية، والخاصّ لا ينسخ العامّ، بل يخصِّصه بما عداه من أفراد الموضوع.

 
ج- عدم تحديد أمد الحكم السابق, تصريحاً أو تلويحاً، حيث يرتفع الحكم بنفسه عند انتهاء أمده، من دون حاجة إلى نسخ, فقوله تعالى: ﴿...فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ...﴾[3] لا يصدق عليه النسخ عندما تفيء الفئة الباغية وترجع إلى رشدها والتسليم لحكم الله.
 
 
 

 
[1] سورة النور، الآية: 60.
[2] سورة النور، الآية: 31.
[3] سورة الحجرات، الآية: 9.
298

263

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 د- تعلّق النسخ بالتشريعيّات[1]، فلا نسخ في ما يتعلّق بالأخبار. فقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾[2] لا يصلح ناسخاً لقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾[3].

 
هـ- وحدة الموضوع في الحكمين, لأنّ تغيّر الموضوع يستلزم تغيّر الحكم, فلا نسخ مع تغيّر الموضوع.
 
و- اشتمال الناسخ على ما في المنسوخ من كمال ومصلحة.
 
 
 

 
[1] يرى السيد الطباطبائي قدس سره أنّ النسخ يتعلّق بالتكوينيّات فضلاً عن التشريعيّات، ولعلّ مُرَاده بالنسخ بالتكوينيّات هو البَدَاء. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص252.
[2] سورة الواقعة، الآيتان: 39-40.
[3] سورة الواقعة، الآيتان: 13-14.
299

264

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 الأفكار الرئيسة

1- النسخ هو رفع تشريع سابق بتشريعٍ لاحِق، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً.
2- تسالم العقلاء والمسلمون على إمكان وقوع النسخ، وخالف اليهود والنصارى.
3- نسخ الشارع المقدّس هو نسخ بالمعنى المجازي لا بالمعنى الحقيقي للنسخ.
4- إنّ لمعرفة الناسخ والمنسوخ أثر جلي في فهْم التشريع الإسلامي.
5- النسخ هو نوع اختصاص للحكم ببعض الأزمان، والتخصيص نوع اختصاص له ببعض الأفراد.
6- من شروط النسخ: وجود تنافي ذاتي كلّي بين الحكمين، عدم تحديد أمد الحكم السابق، وحدة الموضوع، اشتمال الناسخ على ما في المنسوخ من كمال ومصلحة.




فكّر وأجب

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- المعنى اللغوي الحقيقي للنسخ هو الإزالة، وقد استُخدم مجازاً بمعنى النقل والتحويل.
- لا يتوقّف فهم التشريع الإسلامي على معرفة النسخ, لعدم وقوعه فعلاً في القرآن.
- النسخ مختصّ بالشرعيات فقط.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- هل النسخ ممكن الوقوع؟ وهل وقع فعلاً؟
- وضّح الفرق بين النسخ والتخصيص؟
- بيّن شروط النسخ، مع ذِكْر أمثلة توضيحية؟
 
300

265

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 مطالعة

 
الفرق بين النسخ والبَدَاء[1]
إنّ النسخ في معناه الواقعي والحقيقي (تبدّل الرأي) في مجال التكوين (وهو ما يسمّى بالبَدَاء) مستحيل بحقّه تعالى - كما هو حال النسخ في مجال التشريع - وممتنع بالقياس إلى علمه تعالى الأزلي المحيط بالأشياء. فكما أنّ النسخ في الشرعيّات, بمعنى ظهور شيء بعد خفاء على الناس، فكذلك البَدَاء في التكوينيات, بمعنى ظهور أمر بعد خفاء، سوى أنّ الأوّل: ظهور أمد حكم كان معلوماً عند الله خافياً على الناس، والثاني: ظهور أمر وأجَل كان محتّماً عنده تعالى من الأزل، وخافياً على الناس، ثمّ بدا لهم, أي ظهرت لهم حقيقته.
 
قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[2]. ومفاد هذه الآية أنّ لله سبحانه في كلّ وقت وأجل كتاباً, أي حكماً وقضاءً، وأنّه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية، ويثبت ما يشاء, أي يغيّر القضاء الثابت في وقت, فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاءً آخر، لكن يوجد عنده بالنسبة إلى كلّ وقت قضاء لا يتغيّر ولا يقبل المحو والإثبات, وهو الأصل الذي ترجع إليه الأقضية الأخرى وتنشأ منه, فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو.
 
 

 
[1] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص375-382, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص142-143, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص269-270.
[2] سورة الرعد، الآية: 39.
301

266

الدرس التاسع عشر: الناسخ والمنسوخ (1)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص424.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص801.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص249-253, ج11، ص375-382, ج12، ص345-346.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص277-280.
6- العياشي، تفسير العياشي، ج1، في تفسير الناسخ والمنسوخ...، ح9، ص12.
7- الصدوق، علل الشرائع، ج1، باب81، ح5، ص89-90.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص141-143، 145-146.
9- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص269-274.
 
302

267

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 
 
موضوعات الدرس:
1- أقسام النسخ.
2- أنحاء النسخ.
3- شُبهات في النسخ.
4- الآيات الناسخة والمنسوخة.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة أقسام النسخ وأنحائه، وعدد الآيات المنسوخة.
3- معرفة أبرز الشبهات والإشكاليات المثارة على النسخ وكيفية دحضها.
 
303

268

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 1- أقسام النسخ:

ذكر الباحثون والمحقّقون ثلاثة أقسام للنسخ، هي:
أ- نسخ الحكم والتلاوة معاً: وهو زوال آية من القرآن ذات حكم تشريعي، تداولها المسلمون الأوائل وقرأوها وعملوا بحكمها، ثمّ نُسِخَت وتعطّل حكمها وزالت من القرآن. ومن الأمثلة التي أوردوها على وقوع هذا القسم من النسخ: ما روي عن عائشة أنّها قالت: كان في ما أُنزِلَ من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرّمن)، ثمّ نسخنَ بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهنّ في ما يُقرأ من القرآن[1].
 
وهذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن للأمور التالية[2]:
- إجماع المسلمين على عدم ثبوت النسخ بخبر الواحد.
- ابتلاء أغلب هذه الأخبار التي تتحدّث عن وقوعه بالضعف والإرسال.
- القرآن الكريم لا يثبت بأخبار الآحاد.
- استلزام هذا القسم من النسخ للتحريف بالنقيصة.
 
ب- نسْخ التلاوة دون الحُكم: وهو زوال آية من القرآن قرأها المسلمون الأوائل
 
 
 

 
[1] انظر: النيسابوري، صحيح مسلم، م.س، ج4، ص176, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص58.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص275-279.
305

269

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 وعملوا بحكمها، ثمّ نُسِيَت وزالت من القرآن، مع بقاء حكمها معمولاً به. ومن الأمثلة التي أوردوها على هذا القسم من النسخ: ما رواه زر بن حبيش، قال: قال لي أُبَي بن كعب: كم آية تعدّ سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية، أو ثلاثة وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإنّا كنّا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم. قال: (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)[1].

 
وهذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن للأمور التالية[2]:
- منافاة هذا النسخ لمصلحة نزول الآية, إذ لو كانت المصلحة الّتي كانت تقتضي نزولها هي اشتمالها على حكم تشريعيّ ثابت، فلماذا تُرفَع الآية وحدها، مع كونها سنداً للحكم الشرعي المذكور؟
- ابتلاء أغلب هذه الأخبار التي تتحدّث عن وقوعه بالضعف والإرسال.
- القرآن الكريم لا يثبت بأخبار الآحاد.
- استلزام هذا القسم من النسخ للتحريف بالنقيصة.
 
ج- نسْخ الحُكم دون التلاوة: وهو بقاء الآية ثابتة في القرآن يقرأها المسلمون عِبر العصور، مع زوال حكمها بعد أن عمل بها المسلمون فترة من الزمن, بفعل مجيء الناسخ القاطع لحُكمها.
 
وهذا القسم من النسْخ هو المعروف بين العلماء والمفسّرين، واتّفق الجميع على جوازه إمكاناً، وإن اختلفوا في وقوعه فعلاً، حيث ذهب البعض إلى أنّ في القرآن آيات ناسخة وآيات منسوخة[3].
 
 
 

 
[1] انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص132, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص35, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص66.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص279-282.
[3] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص37-39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص58-66, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286.
306

270

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 2- أنحاء النسخ:

اختُلِفَ في أنحاء نسخ القرآن على أقوال متعدّدة، يمكن إيجازها ضمن التالي:
أ- نسخ القرآن بالقرآن: وقد اتّفق الباحثون والمحقّقون في إمكانية وقوع هذا النحو من النسخ، واختلفوا في فعلية وقوعه 
على أقوال[1]، يمكن إيجازها بالتالي:
- نسخ مفاد آية بمفاد آية أخرى، مع كون الثانية ناظرة إلى الأُولى ورافعة لحُكمها بالتنصيص، ولولا ذلك لم يكن موقع لنزول الثانية وكانت لغواً. مثال: آية النجوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ 
صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ...﴾[2] التي أوجبت التصدّق بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ونَسخَتها آية الإشفاق: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾[3]. وهذا النحو لم يختلف فيه أحد.
 
- نسخ مفاد آية بمفاد آية أخرى، من دون أن تكون إحداهما ناظرة إلى الأخرى، مع وجود تنافٍ بينهما، بحيث لم يمكن الجمْع بينهما تشريعياً, فتكون الآية الثانية المتأخّرة نزولاً ناسخة للأُولى. ويشترط في صحّة هذا الوجه من النسخ[4]:
- وجود نصٍّ صحيح وأثر قطعيّ صريح يدعمه الإجماع, إذ من الصعب جدّاً الوقوف على تاريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها.
 
- وجود تنافٍ على وجه التباين الكلّي بين مفاد الآيتين. وهذا لا يمكن القطع به بين آيتين قرآنيّتين سوى عن نصّ معصوم, لأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكَماً ومتشابهاً، وليس من السهل الوقوف على كُنه آية مهما كانت محكَمة.
 
 
 

 
[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص32, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص184, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286-287, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283-285.
[2] سورة المجادلة، الآية: 12.
[3] سورة المجادلة، الآية: 13.
[4] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286-287, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283-285.
307

271

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

ب- نسخ القرآن بالسنّة: وقد اختُلِفَ في إمكانية وقوع هذا النحو من النسخ[1], فذهب البعض إلى عدم إمكانية وقوعه, نظراً لكونه مخالفاً للأخبار المتواترة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما خالفه والرجوع إليه[2]. وذهب آخرون إلى إمكانية وقوعه, لأنّ السنّة وحي من الله, كما أنّ القرآن كذلك، ولا مانع من نسخ وحي بوحي, لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى  * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[3], فلا لا مانع عقلي ولا شرعي من نسخ الكتاب بالسنّة[4].

 

وقد اختلف القائلون بإمكانية وقوع هذا النحو من النسخ، في فعليّة وقوعه, فذهب بعضهم إلى عدم وقوعه فعلاً[5]، وذهب آخرون إلى وقوعه فعلاً، من قبيل: آية الإمتاع إلى الحَول بشأن المتوفّى عنها زوجها, فإنّها ـ بظاهرها ـ لا تتنافى وآية العِدَد والمواريث، غير أنّ السُنّة القطعية وإجماع المسلمين أثبتا نسخها بآية العِدَد والمواريث[6]. نعم إنّ نسخ مفاد آية بآخبار آحاد غير ممكن في نفسه, لأنّ من شروط الدليل الناسخ أن يكون بمستوى الدليل المنسوخ[7].

 

3- شُبهات في النسخ:

أ- الشبهة الأولى: إنّ وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب اشتباه المكلّفين، فيظنّونها آية محكَمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها، الأمر الذي يكون إغراءً بالجهْل, وهو قبيح.

 

الجواب عنها: إنّ مضاعفات جهل كلّ إنسان تعود إلى نفسه، ولم يكن الجهل

 

 

 


 

[1] انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص32, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص184-189.

[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص275-276.

[3] سورة النجم، الآيتان: 3-4.

[4] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286.

[5] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص188-190.

[6] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص60, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283.

[7] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283.

308

272

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 يوماً ما عُذراً مقبولاً لدى العقلاء, فإذا كانت المصلحة تستدعي نسْخ تشريع سابق بتشريع لاحِق، فعلى المكلّفين أن يتنبّهوا هم إلى هذا الاحتمال في التشريع، ولا سيّما إذا كان التشريع في بدْء حركة إصلاحيّة آخذة في التدرّج نحو الكمال. وهكذا كان في القرآن: ناسخ ومنسوخ، وعامّ وخاصّ، ومطلق ومقيّد، ومحكَم ومتشابه، وليس لأحد الأخذ بآية حتّى يتحقّق من أمرها[1].

 
ب- الشبهة الثانية: إنّ الالتزام بوجود آيات ناسخة ومنسوخة في القرآن يستدعي وجود تنافٍ بين آياته الكريمة, الأمر الذي يناقضه قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[2].
 
الجواب عنها: إنّ الاختلاف الذي تنفيه الآية هو الاختلاف الواقعي، لا الظاهري الشكلي, الذي يرتفع في مورد الناسخ والمنسوخ، بعد ملاحظة زمن نزولهما والمناسبات والمصالح المستدعية لنزول الأولى ثمّ الثانية[3].
 
ج- الشبهة الثالثة: ما هي الحكمة وراء ثبت آية في المصحف هي منسوخة الحكم, لتبقى مجرّد ألفاظ مقرؤة؟
 
الجواب عنها: إنّ الحكمة وراء وجود آيات منسوخة تكمن في الوقوف على مرونة الشريعة ومجاراتها للبيئة الاجتماعية، 
على اختلاف الزمان والمكان، في تدرّج تصاعدي, حتى يتسنّى للناس الالتزام بها والسير مع تدرّجها سيراً يسيراً غير طفروي.
 
أضف إلى ذلك أنّ الاستفادة من الآية المنسوخة ليست محصورة في خصوص كونها دليلاً على الحكم الشرعي فقط، بل لها حقائق عظيمة وبواطن جليلة خافية علينا لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم[4].
 
 
 

 
[1] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص170, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص292-293.
[2] سورة النساء، الآية: 82.
[3] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص293-294.
[4] انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص152-153، 169-170, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص294-295.
309

273

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 4- عدد الآيات الناسخة والمنسوخة:

اختُلِفَ في عدد الآيات الناسخة والمنسوخة, تبعاً لاختلاف الأقوال في إمكانية وقوع النسخ وفعليّة وقوعه وشروطه وأقسامه وأنحائه, على أقوال هي:
أ- عدم وجود آيات ناسخة أو منسوخة في القرآن[1].
 
ب- وجود عدد قليل من الآيات الناسخة والمنسوخة، من هذه الأقوال:
- آية النجوى فقط[2].
- 10 آيات، هي: آية النجوى، وآية عدد المقاتلين، وآية الإمتاع، وآية جزاء الفحشاء، وآية التوارث بالإيمان، وآيات الصفح، وآيات المعاهدة، وآيات تدريجية تشريع القتال[3].
- 21 آية، منها: الآيات المتقدّم ذِكْرُها[4].
 
ج- وجود عدد كبير من الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن[5].
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص295.
[2] انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص373-380.
[3] الصالح، مباحث في علوم القرآن، م.س، ص273-274.
[4] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص60-65, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص199-212.
[5] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص58-60, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص197.
310

274

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 الأفكار الرئيسة

1- أقسام النسخ: نسخ الحكم والتلاوة معاً، نسْخ التلاوة دون الحُكم، نسْخ الحُكم دون التلاوة.
2- أنحاء النسخ: نسخ القرآن بالقرآن، نسخ القرآن بالسنّة.
3- شُبهات في النسخ: وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب الاشتباه لدى المكلّفين...، الالتزام بوجود آيات ناسخة ومنسوخة في القرآن يستدعي وجود تنافٍ بين آياته... ما هو وجه الحكمة وراء ثبت آية في المصحف هي منسوخة الحكم, لتبقى مجرّد ألفاظ مقرؤة؟!
4- اختُلِفَ في عدد الآيات الناسخة والمنسوخة، على أقوال، منها: عدم وجود آيات ناسخة أو منسوخة في القرآن، وجود عدد قليل من الآيات، وجود عدد كبير من الآيات.
 
 


فكّر وأجب
1- جب بـ "صحّ" أو "خطأ":
-  نسخ التلاوة والحكم معاً ممكن الوقوع عقلاً، لكنه لم يقع فعلاً في القرآن.
- يمكن نسخ مفاد آية من القرآن بأخبار آحاد صحيحة السند.
- اتّفق القائلون بفعلية وقوع النسخ في القرآن على أنّ آية النجوى هي من الآيات المنسوخة.
 
2- أجب باختصار:
- اذكر أقسام النسخ، مع مناقشة قسم غير جائز منه؟
- تكلّم عن أنحاء النسخ، مبيّناً الأقوال فيها؟
- اذكر شبهة من الشبهات المُثارة على النسخ، مع الجواب عليها؟
 
311

275

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 مطالعة

 
آيات منسوخة
1- آية العفو والصفح: قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[1]. 
 
هذه الآية كانت تأمر بالصفح والعفو عن أهل الكتاب في بداية الهجرة, وذلك لأنّ المسلمين لم تكن لديهم القوّة الكافية، ثمّ نسختها آية القتال[2]: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[3].
 
2- آية عدّة المتوفّى عنها زوجها: قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[4] منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[5]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ 

 
 

 
[1] سورة البقرة، الآية: 109.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص257.
[3] سورة التوبة، الآية: 29.
[4] سورة البقرة، الآية: 234.
[5] سورة البقرة، الآية: 240.
312

276

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾[1] حيث إنّ عرب الجاهلية كانت نسائهم يقعدن بعد موت أزواجهن حولاً كاملاً، فالآية الأولى توصي بأن يوصي الأزواج لهن بمال يتمتعن به إلى تمام الحول من غير إخراجهن من بيوتهن، غير أنّ هذا لمّا كان حقاً لهنّ والحق يجوز تركه، كان لهن أن يطالبن به، وأن يتركه، فإن خرجن فلا جناح للورثة ومن يجري مجراهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف، وقد جاءت الآية الثانية لتنسخ حكم الاعتداد بعد وفاة الزوج بأربعة أشهر وعشرة أيّام بدلاً من الحول وجاءت الآية الثانية لتنسخ حكم الوصية بالإنفاق على المعتدّة إلى الحول بفرض الإرث لها[2].

 
3- آية النجوى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[3], حيث إنّ المسلمين كانوا يكثرون السؤال عن مسائل غير ذوات شأن، شاغلين أوقات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على غير طائل, فنزلت الآية بفرض صدقة درهم واحد عند كلّ مسألة. وقد ترك أكثرية الصحابة مناجاته خوفاً من بذل المال بالصدقة, فلم يناجه أحد منهم إلا الإمام علي عليه السلام , فإنّه ناجاه عشر نجوات, كلّما ناجاه قدّم بين يدي نجواه صدقة، ثمّ نزلت الآية التالية من هذه السورة, وفيها عتاب شديد للصحابة والمؤمنين: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[4]، فنسخت حكم الآية السابقة[5].
 
 
 
 
 

 
[1] سورة النساء، الآية: 12.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م. س، ج 2، ص 247.
[3] سورة المجادلة، الآية: 12.
[4] سورة المجادلة، الآية: 13.
[5] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج19، ص189, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص373-380.
313

277

الدرس العشرون: الناسخ والمنسوخ (2)

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- النيسابوري، صحيح مسلم، ج4، ص17
3- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص32، 35، 37-39.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص56، 58-66.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص285-287، 373-380.
6- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص275-287، 292-295.
7- ابن حنبل، مسند أحمد، ج5، ص132.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص152-153، 169-170، 184-190، 197-212.
9- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص275-276.
10- الصالح، مباحث في علوم القرآن، ص273-274.
 
314

278

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 الدرس الواحد و العشرون: المحكم والمتشابه


موضوعات الدرس:
1- معنى المحكم.
2- معنى المتشابه.
3- تحقيق وجود آيات متشابهات.
4- معرفة المحكم والمتشابه.
5- أسباب وجود المتشابهات في القرآن.
6- نماذج من آيات محكمات وأُخَر متشابهات.
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى المحكم والمتشابه ودخالتهما في فهم القرآن وتفسيره.
3- معرفة أسباب وجود المتشابهات في القرآن، وكيفية ردّها إلى المحكمات.
 
315

279

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 1- معنى المحكم:

أ- المعنى اللغوي: الحاء والكاف والميم أصل واحد, وهو: "المنع"[1]. و"المحكم": ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى[2]. وعليه، فالمحكم هو ما كان ذا دلالة واضحة، بحيث لا يحتمل وجوهاً من المعاني.
 
ب- المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمحكم تحديدات عدّة، منها: ما أنبأ لفظه عن معناه من غير أن ينضم إليه أمر لفظ يبيّن معناه, سواء أكان اللفظ لغوياً أم عرفياً، ولا يحتاج إلى ضرب من ضروب التأويل[3]. والمحكم ما استقلّ بنفسه[4]. والمحكمات هي آيات واضحة المُراد، ولا تشتبه بالمعنى غير المُراد، ويجب الإيمان بهذا النوع من الآيات والعمل بها... والآيات المحكمات مشتملة على أمّهات المطالب، ومطالب بقية الآيات متفرّعة ومترتّبة عليها[5]، وغيرها من التحديدات[6].
 
 
 

 
[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حكم"، ص91.
[2] الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرأن، م.س، مادّة"حكم"، ص251.
[3] الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص9.
[4] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص6.
[5] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21-23، 29, القرآن في الإسلام، م.س، ص43، 46.
[6] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص32-41, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص68-69, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5-7, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص215-219.
317

280

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 2- معنى المتشابه:

أ- المعنى اللغوي: "الشين والباء والهاء أصل واحد يدلّ على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً... والمشبّهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا"[1]. و"الْمُتَشَابِه من القرآن: ما أُشكِلَ تفسيره لمشابهته بغيره, 
إمّا من حيث اللَّفظ، وإمّا من حيث المعنى"[2].
 
ب- المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت للمتشابه تحديدات عدّة، منها: "ما كان المراد به لا يُعرَف بظاهره، بل يحتاج إلى دليل, وهو ما كان محتملاً لأمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مراداً, فإنّه من باب المتشابه"[3]. و"المتشابه ما لا يستقلّ بنفسه إلا بردّه إلى غيره"[4]. و"الآيات المتشابهة هي آيات ظاهرها ليس مُراداً، ومُرادها الواقعي الذي هو تأويلها لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ويجب الإيمان بها، والتوقّف عن اتّباعها، والامتناع عن العمل بها... والآيات المتشابهة منجهة المدلول والمُراد ترجع للآيات المحكمة، وبمعرفة المحكمات يُعرَف معناها الواقعي... فالمتشابه هو الآية التي لا استقلال لها في إفادة مدلولها، ويظهر بواسطة الردّ إلى المحكمات، لا أنّه ما لا سبيل إلى فهم مدلوله"[5]، وغيرها من التحديدات[6].
 
3- تحقيق وجود آيات متشابهات:
وقع الاختلاف في أصل وجود آيات متشابهات في القرآن[7]، ويمكن الكلام فيه بالتالي:
 
 
 

 
[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج3، مادّة"شبه"، ص243.
[2] الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"شبه"، ص443.
[3] الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص10.
[4] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص6.
[5] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21-23، 29, القرآن في الإسلام، م.س، ص43، 46، 48.
[6] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص32-42, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص69-71, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5-7, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص215-219.
[7] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5.
318

281

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 أ- عدم وجود المتشابهات في القرآن: إنّ القرآن كتاب هداية عامّة لكلّ الناس:

﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾[1]، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[2], فلا وجود فيه لآيٍ متشابهة بالذات. وأمّا التعبير بالتشابه في آيِ القرآن, فهو بمعنى التشابه بالنسبة إلى أُولئك الزائغين الذين يحاولون تحريف الكلِم 
عن مواضعه.
 
والواقع: أنّ اشتمال الآية على ذِكْر التفصيل بعد الإحكام دليل على أنّ المراد بالإحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول, وهي كونه واحداً لم يطرأ عليه التجزّي والتبعّض بعد, بتكثّر الآيات, فهو إتقانه قبل وجود التبعّض. 
 
فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر, من جهة امتناعها عن التشابه في المراد. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فلمّا كان قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ مشتملاً على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي: المحكم والمتشابه، علمنا به أنّ المراد بالإحكام غير الإحكام الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾[3] [4].
 
ب- وجود المتشابهات في القرآن: يشتمل القرآن الكريم على آيات متشابهات, كما هو مشتمل على آيات محكَمات، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد تقدّم وجه دلالتها على وجود المحكم والمتشابه من الآيات.
 
 
 

 
[1] سورة آل عمران، الآية: 138.
[2] سورة هود، الآية: 1.
[3] سورة الزمر، الآية: 23.
[4] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص20.
319

282

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 وادّعى البعض أنّ جميع آي القرآن متشابهات، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾[1].

 
والواقع: أنّ المراد بالتشابه في الآية السابقة هو كون آيات الكتاب ذات نسق واحد, من حيث جزالة النظم، وإتقان 
الأسلوب، وبيان الحقائق، والحكم، والهداية إلى صريح الحقّ, كما تدلّ عليه القيود المأخوذة في الآية. فهذا التشابه 
وصف لجميع الكتاب، وأمّا التشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فمقابلته لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وذِكْر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل, كل ذلك يدلّ على أنّ المُراد بالتشابه: كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرّد استماعها، بل يتردّد بين معنى ومعنى, حتى يرجع إلى محكمات الكتاب, فتُعيّن هي معناها وتبيّنها 
بياناً, فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها[2].
 
4- ضرورة معرفة المحكم والمتشابه:
إنّ لمعرفة المحكم والمتشابه بالغ الأثر في فهم القرآن الكريم، حيث إنّ القرآن يشتمل على آيات محكمات تحوي أصول المعارف القرآنية المسلّمة والواضحة، وأُخَر متشابهات تتعيّن وتتّضح معانيها بإرجاعها إلى تلك الأصول. وهذا الإرجاع يحتاج إلى دراية وعلم خاصّ بالمحكم والمتشابه:
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله سبحانه: ﴿...وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ...﴾[3], وذلك أنّهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنّه الناسخ، واحتجّوا بالمتشابه وهم يرون أنّه المحكم... 
 
 
 

 
[1] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5.
[2] انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21.
[3] سورة المائدة، الآية: 13.
320

283

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 ولم يعرفوا موارده ومصادره, إذ لم يأخذوه عن أهله, فضلوا وأضلوا. واعلموا رحمكم الله: أنّه من لم يعرف من كتاب الله عزّ وجلّ الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والمحكم من المتشابه... فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله..."[1].

 
وعن الإمام الرضا عليه السلام: "من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه, هُدِيَ إلى صراط مستقيم... إنّ في أخبارنا متشابهاً, كمتشابه القرآن، ومحكماً, كمحكم القرآن, فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها, فتضلّوا"[2].
 
5- أسباب وجود المتشابهات في القرآن؟
إنّ لوجود المتشابهات في القرآن أسباب عدّة[3]، منها:
أ- مجاراة القرآن في إلقاء معارفه العالية لألفاظ وأساليب دارجة، لم تكن موضوعة إلا لمعانٍ محسوسة أو قريبة منها، ومن ثمَّ لم تكن تفي بتمام المقصود، فوقع التشابه فيها وخفيَ وجه المطلوب على الناس، إلاّ على الراسخين في العلم منهم.
 
ب- القرآن حمّال ذو وجوه, لاعتماده في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه. قال الإمام علي عليه السلام لابن عبّاس ـ لمّا بعَثه للاحتجاج على الخوارج: "لا تخاصمهم بالقرآن, فإنّ القرآن حمّال ذووجوه، 
تقول ويقولون، ولكن حاجِجهم بالسُنَّة فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصاً".
 
ج- إنّ البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقّة الإلهية, لأنّ البيان نزل في سطح هذه الآيات إلى مستوى الأفهام العامّة التي لا تدرك إلا الحسيّات، ولا تنال المعاني الكلّيّة إلا في قالب الجسمانيّات، ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلّيّة 
 
 
 

 
[1] انظر: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
[2] ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): عيون أخبار الرضا عليه السلام ، تصحيح وتعليق وتقديم حسين الأعلمي، لاط، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1404هـ.ق/ 1984م، ج1، باب28، ح39، ص261.
[3] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص58-62, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص75-76, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص30-32, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص223-225.
321

284

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 المجرّدة من عوارض الأجسام أحد محذورين، فإنّ الأفهام في تلقّيها المعارف إن جمدت في مرحلة الحسّ انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثّلة، وفيه بطلان الحقائق وفوت المقاصد.

 
6- نماذج من آيات محكمات وأُخَر متشابهات[1]:
أ- آيات الصفات الإلهية:
- نماذج من آيات الصفات المتشابهات: وهي بظهورها الأوّلي فيها شبهة التجسيم، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿...ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ...﴾[2] ، ﴿...ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ...﴾[3] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[4]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء...﴾[5] ، ﴿...يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...﴾[6] ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[7]، ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[8]...
 
- نماذج من آيات الصفات المحكمات: وهي ترفع الظهور الأوّلي للآيات المتشابهات وتبيّن مقصودها الحقيقي، وتزيل عن الذهن شبهة التجسيم، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[9]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[10]...

 
 

 
[1]لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص52, ج2، ص102-104، 314-341, ج8، ص236-243, ج13، ص301-302, ج19، ص86-88, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص13-21, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج3، ص71-368. 
[2] سورة فصّلت، الآية:11.
[3] سورة الأعراف، الآية: 54, يونس: 3, الرعد: 2, الفرقان: 59, السجدة: 4, الحديد: 4.
[4] سورة طه، الآية: 5.
[5] سورة المائدة، الآية: 64.
[6] سورة الفتح، الآية: 10.
[7] سورة القيامة، الآيتان: 22-23.
[8] سورة الفجر، الآية: 22.
[9] سورة الأنعام، الآية: 103.
[10] سورة الشورى، الآية: 11.
322

285

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 ب- آيات الأفعال الإلهيّة:

- نماذج من آيات الأفعال المتشابهات: وهي بظهورها الأوّلي تفيد الجبر وعدم الاختيار، وتنسب هدى الإنسان أو ضلاله إلى الله، وتعتبر مشيئة الله منشأ الإيمان والكفر والسعادة والشقاء، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿...فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء...﴾[1] ،﴿...يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً...﴾[2] ، ﴿...فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء...﴾[3] ، ﴿...مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ...﴾[4] ، ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ...﴾[5]...
 
- نماذج من آيات الأفعال المحكمات: وهي ترفع الظهور الأوّلي للآيات المتشابهات، وتبيّن مقصودها الحقيقي، وتدلّ بكلّ وضوح على أنّ العناية الربّانية تأخذ بيد المؤهَّل لتلقّي الفيض والرحمة الإلهية، ويحرم منها المعرضون عن ذِكْر الله، وأنّ الإنسان موجود مختار، وسعادته وشقاؤه رهن إرادته، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾[6]، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ...﴾[7], ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ...﴾[8] ، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...﴾[9] ، ﴿...لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ...﴾[10] ، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
 
 
 

 
[1] سورة فاطر، الآية: 8.
[2] سورة البقرة، الآية: 26.
[3] سورة إبراهيم، الآية: 4.
[4] سورة الأنعام، الآية: 111.
[5] سورة الأنعام، الآية: 107.
[6] سورة عبس، الآيتان: 11-12.
[7] سورة الكهف، الآية: 29.
[8] سورة الزمر، الآية: 41.
[9] سورة البقرة، الآية: 256.
[10] سورة الأنفال، الآية: 42.
323

286

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 يُرَى﴾[1]، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ...﴾[2] ، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...﴾[3] ، ﴿...إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾[4]، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا...﴾[5]...

 
 
 

 
[1] سورة النجم، الآيتان: 39-40.
[2] سورة غافر، الآية: 17.
[3] سورة البقرة، الآية: 286.
[4] سورة الكهف، الآية: 30.
[5] سورة الملك، الآية: 2.
324

287

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 الأفكار الرئيسة

1- المحكمات هي: آيات واضحة المُراد، لا تشتبه بالمعنى غير المُراد، ويجب الإيمان بهذا النوع من الآيات والعمل بها. والمتشابهات هي: آيات ظاهرها ليس مُراداً، ومُرادها الواقعي الذي هو تأويلها لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ويجب الإيمان بها، والتوقّف عن اتّباعها، والامتناع عن العمل بها.
 
2-  يشتمل القرآن الكريم على آيات متشابهات, كما هو مشتمل على آيات محكَمات.
 
3- القرآن يشتمل على آيات محكمات تحوي أصول المعارف القرآنية، وأُخَر متشابهات تتعيّن وتتّضح معانيها بإرجاعها إلى تلك الأصول. وهذا الإرجاع يحتاج إلى دراية وعلم خاصّ بالمحكم والمتشابه.
 
4- إنّ لوجود المتشابهات في القرآن أسباب عدّة، منها: مجاراة القرآن في إلقاء معارفه العالية لألفاظ وأساليب دارجة، القرآن حمّال ذو وجوه، البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقّة الإلهية.
 
5- نماذج من آيات محكمات وأُخَر متشابهات: آيات الصفات الإلهية، آيات الأفعال الإلهيّة.
 
325

288

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 فكّر وأجب

1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- تصبح المتشابهات محكمات بعد إرجاعها إلى المحكمات وتعيين المراد الحقيقي منها.
- المحكمات تحوي أصول معارف القرآن.
- يحتاج المفسّر إلى معرفة المحكم والمتشابه في فهمه للقرآن والكشف عن معارفه ومقاصده.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- ما الدليل على وجود المتشابهات في القرآن؟ وما هو الردّ على دعوى عدم وجودها؟
- ما هو وجه الحكمة في وجود المتشابهات في القرآن؟
- اذكر بعض الآيات المتشابهة في صفات الله تعالى وكيفية إرجاعها إلى مثيلاتها من الآيات المحكمة؟
 
 
326
 

289

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 مطالعة

النسبة بين المتشابه والمبْهَم والفرق بين عواملهما[1]
النسبة بين المتشابه والمبهم هي العموم المطلق, لأنّ كلّ متشابه مُبهَم في معناه، وليس كلّ مبهَم متشابهاً، فقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾[2] هو من المتشابهات، وقد عَلَته طبقة من الإبهام أيضاً. وأمّا التشابه فمِن جهة نِسبة الإضلال إليه سُبحانه، وأمّا الإبهام فمِن جهة كيفية حصول ذلك الانشراح والضِيق، ولا سيّما وجه الشبَه في قوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾، كيف أنّ الضالّ يُشبه مَن يحاول الصعود في أعماق السماء؟. وقد لا تكون الآية المبهمة من المتشابهات، فهي إلى التفسير أحوَج منها إلى التأويل, كقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء﴾[3]، فالآية بأمسّ حاجة إلى تفسير يجيب على عِدة أسئلة يبعثها إبهام في ظاهر الآية: كيف تحقّق هذا التعليم الَّذي باهى الله به ملائكته؟ وما هي الأسماء الَّتي يعود عليها ضمير التأنيث تارةً وضمير الجمْع المذكَّر أخرى؟ وكيف استسلمت الملائكة لهذه المباهاة واعترفت بعجْزها وقصورها مع الأبد؟.
 
ويعود الفرْق بين تشابه الآية وإبهامها إلى ما بين عوامل الأمرَين من اختلاف، حيث مِن أهمّ عوامل التشابه هو: دقَّة المعنى وسموّ مستواه عن المستوى العامّ، مضافاً إلى رقّة التعبير وجزالة الأداء, كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾[4], إذ لا يخفى لُطف هذا التعبير الرقيق عن مفهوم هو من أدقّ 
 
 
 

 
[1] انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج3، ص12-13.
[2] سورة الأنعام، الآية: 125 .
[3] سورة البقرة، الآية: 31 .
[4] سورة الأنفال، الآية: 17 .
327

290

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 المفاهيم الإسلامية في الأمر بين الأمرين (لا جبْر ولا تفويض)، ومن ثمّ خفيَ على غالبية الناس إدراك حقيقته الأصلية، من عدا أولئك الراسخين في العِلم، الَّذين استسهلوا الصعاب بفضْل جهودهم في سبيل اكتساب المعالي. وأمّا عوامل الإبهام المحوجة إلى التفسير، فتعود إلى جهات أُخَر، منها: غرابة الكلمة عن المألوف العامّ, نظراً لاختصاص استعمالها ببعض القبائل دون بعض، فجاء القرآن ليوحِّد اللغة باستعمال جميع لغات العرب، من ذلك: (صَلداً), بمعنى (نقيّاً) في لُغة هذَيل... ومنها: إشارات عابرة جاءت في عَرْض الكلام، بحيث يحتاج فهْمها إلى درس عادات ومراجعة تاريخ, كالنسيء في سورة التوبة[1]، ومنها: تعابير عامّة صالحة لمعانٍ لا يُعرَف المقصود منها إلاّ بمراجعة ذوي الاختصاص, كالدابَّة من سورة النمل: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾[2]، ومنها: استعارات بعيدة الأغوار، يحتاج البلوغ إليها إلى سبْرٍ وتعمّق كثير, كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾[3].

 
هذه نماذج من عوامل الإبهام المحوجة إلى تفسير كاشف، وقد تبيَّن أنّها تختلف تماماً عن عوامل التشابه المستدعية لتأويل مقبول. فلا يشتبه مورد أحدهما بالآخر، وإن كانا يشتركان في خفاء المراد بالنظر إلى ذات اللفظ.
 
 
 

 
[1] سورة التوبة، الآية: 37.
[2] سورة النمل، الآية: 82.
[3] سورة الرعد، الآية: 41.
328

291

الدرس الواحد والعشرون: المحكم والمتشابه

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص91, ج3، ص243.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص251، 443.
4- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص9-10.
5- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص5-7، 13-21، 30-32.
6- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص52, ج2، ص102-104، 314-341, ج3، ص20-23، 29، 32-42، 58-62, ج8، ص236-243, ج13، ص301-302, ج19، ص86-88.
7- الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص43، 46، 48.
8- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص68-71، 75-76.
9- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص215-219، 223-225.
10- المجلسي، بحار الأنوار، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
11- الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج1، باب28، ح39، ص261.
12- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج3، ص71-368.
 
329 
 

292

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 الدرس الثاني و العشرون: التأويل



موضوعات الدرس:
1- معنى التأويل.
2- التأويل في القرآن.
3- هل تأويل القرآن مختصّ بالله تعالى؟
 
أهداف الدرس:
1- تعزيز الارتباط الوجداني والفكري والمعرفي بالقرآن الكريم.
2- معرفة معنى التأويل وحقيقته.
3- معرفة معنى التأويل في القرآن وخصائص العالمين به.
 
331

293

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 1- معنى التأويل:

أ- المعنى اللغوي: الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه... ومن هذا الباب: تأويل الكلام, وهو عاقبته، وما يؤول إليه, وذلك قوله تعالى:
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾[1]. والتأويل من الأَوْل, أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: المَوْئِلُ للموضع الذي يرجع إليه, وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه, علما كان أم فعلاً، ففي العلم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[2]، وفي الفعل نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾[3], أي: بيانه, الذي غايته المقصودة منه[4].
 
ب- المعنى الاصطلاحي: اختلف العلماء والمفسّرون في تحديد المعنى الاصطلاحي للتأويل، على أقوال عدّة[5]، منها:
 
 
 

 
[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج1، مادّة"أَوَلَ"، ص158-162.
[2]  سورة آل عمران، الآية: 7.
[3] سورة الأعراف، الآية: 53.
[4] الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "آل"، ص99.
[5] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص44-49, القرآن في الإسلام، م.س، ص49-53.
333

294

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 - التأويل هو التفسير نفسه[1], وهو المراد من الكلام.

- ولازم هذا القول أن يكون بعض الآيات القرآنية ممّا لا تنال أفهام عامّة الناس المراد من مداليلها اللفظية، وهو خلاف دعوة القرآن إلى التدبّر فيه، وأنّه مُنزَّل من عند الله ليعقله الناس ويفهموه. ومجرّد كون التأويل مشتملاً على معنى الرجوع وكون التفسير فيه شيء من معنى الرجوع, لا يُوجِب كون التأويل هو التفسير.
 
- التأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ[2].
- ولازم هذا القول إبطال الاحتجاج الواقع في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[3], حيث يمكن إرجاع كلّ كلام ظاهره كذب وباطل إلى الصدق والحقّ بالتأويل والصرف عن ظاهره.
 
- التأويل معنى من معاني الآية، ليس خلاف ظاهر اللفظ، ومرجعه إلى أنّ للآية المتشابهة معانٍ متعدّدة بعضها تحت بعض، منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه.
 
- ولازم هذا القول لا يتلاءم مع قوله تعالى في وصف التأويل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ...﴾ فانّ المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا يختلف فيها الأذهان، من حيث التقوى وطهارة النفس، بل من حيث الحدّة وعدمها، وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلّيّة, كما هو ظاهر 
قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ...﴾.
 
- التأويل ليس من قبيل المعاني المُرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام.
 
ولازم هذا القول، على فرض رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ 

 
 

 
[1] هذا القول منسوب إلى مشهور المتقدّمين من العلماء والمفسّرين.
[2] هذا القول منسوب إلى مشهور المتأخّرين من العلماء والمفسّرين.
[3] سورة النساء، الآية: 82.
334

295

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 إِلاَّ اللّهُ...﴾ إلى الكتاب, أنّ كلّ أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة يُعدّ تأويلاً للكلام، والحال أنّ مثل هذه الأخبار لا ينحصر علمها بالله تعالى وبالراسخين في العلم. 

 
وعللا فرض رجوع الضمير إلى خصوص المتشابهات, فإنّ ذلك يؤدّي إلى حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله 
والراسخون في العلم في خصوص آيات الصفات وآيات القيامة. والواقع: أنّ لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله 
في آيات الصفات والقيامة, فإنّ الفتنة والضلال كما توجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما.
 
- التأويل هو الحقيقة الواقعية[1] التي تستند إليها البيانات القرآنية, من حكم، أو موعظة، أو حكمة، وأنّه موجود لجميع الآيات القرآنية محكمها ومتشابهها، وأنّه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هو من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، وإنّما قيّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ, لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب, فهي كالأمثال تُضرَب ليقرَّب بها المقاصد، وتوضَّح بحسب ما يناسب فهم السامع, كما قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[2].
 
2- التأويل في القرآن:
وردت مفردة التأويل ستّ عشرة مرّة في القرآن[3]، وفي جميع هذه الموارد أُرِيدَ بها الحقيقة الواقعية والخارجيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة، ومن هذه الموارد:
أ- التأويل في قصّة النبي يوسف عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ 

 
 

 
[1] هذا القول هو للعلامة السيد الطباطبائي قدس سره. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان، في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص49.
[2] سورة الزخرف، الآية: 2-4.
[3] روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س،ج 2، ص 480.
335

 


296

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾[1] ، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾[2] ، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي...﴾[3] ، ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾[4]، ﴿...يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا...﴾[5] ، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾[6] ، وقدّ عبر القرآن الكريم في ثلاثة مواضع من سورة يوسف عن تعبير الرؤيا بكلمة التأويل. والظاهر أنّ تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا، بل هو حقيقة خارجية تُرَى في النوم بشكل مخصوص, كأن رأى يوسف عليه السلام تعظيم أبيه وأمّه وأخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً، ورأى صاحبا يوسف عليه السلام في السجن الصلب وخِدمَة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.

 
ب- التأويل في قصّة النبي موسى عليه السلام والخضر عليه السلام: قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾[7]، فبعد أن خرق الخضر عليه السلام السفينة وقتل الغلام وهدم الجدار، احتجّ عليه النبي موسى عليه السلام في كلّ مرّة، فذكر له الخضر عليه السلام السرّ الكامن وراء أفعاله وحقيقة أعماله، وأسماه التأويل.
 
ج- التأويل في الكيل والوزن: قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ 


 

 
[1] سورة يوسف، الآية: 6.
[2] سورة يوسف، الآية: 21.
[3] سورة يوسف، الآيتان: 36-37.
[4] سورة يوسف، الآية: 45.
[5] سورة يوسف، الآية: 100.
[6] سورة يوسف، الآية: 101.
[7]  سورة الكهف، الآية: 78.
336

297

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[1]، حيث إنّ المراد بالتأويل في الكيل والوزن هو خصوص وجود وضع اقتصادي في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن، بل هو حقيقة خارجية، وروح أُوجِدَت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.

 
د- التأويل في الاحتكام عند التنازع: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[2]. ومن الواضح أنّ المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة وإقامة علاقات روحية في المجتمع. وهذه حقيقة خارجية وليست معنى خلاف الظاهر لردع النزاع.
 
وغيرها مواضع أخرى من القرآن الكريم وردت فيها مفردة التأويل، وأُريد بها الحقيقة الواقعية والخارجية، وليس ما هو من قبيل المعنى والمفهوم من اللفظ. فتأويل كلّ شيء حقيقة ينبع منها ذلك الشيء، ويكون ذلك الشيء بدوره محقّقاً. كما 
أنّ صاحب التأويل هو محيى التأويل، وظهور التأويل يكون بواسطة صاحب التاويل. وهذا المعنى جار في القرآن الكريم, لأنّ هذا الكتاب المقدّس يستمدّ من منابع حقائق ومعنويات محرّرة من قيد المادّة, وهي أعلى مرتبة من الحسّ والمحسوس، وأوسع من قوالب الألفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية. فهذه الحقائق والمعنويات بحسب الحقيقة لا يمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة، وإنّما هي إلفات للبشرية من عالم الغيب إلى ضرورة استعدادهم للوصول إلى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقّة والأعمال الصالحة، ولا طريق للوصول إلى تلك السعادة إلا بهذه الظواهر، وعندما ينتقل الإنسان إلى العالم الآخر تتجلى له الحقائق
 
 
 

 
[1] سورة الإسراء، الآية: 35.
[2] سورة النساء، الآية: 59.
337

298

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 المكشوفة، وهذا ما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[1]، حيث إنّ وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، والمتمثّل من المثال, وهو الذي يسمّيه تعالى بالكتاب الحكيم, وهو الذي تعتمد وتتكىء عليه معارف القرآن المنزَّل ومضامينه، وليس من سنخ الألفاظ المفرَّقة المقطّعة، ولا المعاني المدلول عليها بها. وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه, لانطباق أوصافه ونعوته عليه[2].

 
3- هل تأويل القرآن مختصّ بالله تعالى؟
اختلف المفسّرون في هذه المسألة، فمنهم من ذهب إلى اختصاص تأويل القرآن بالله تعالى، ومنهم من ذهب إلى أنّ الراسخين في العلم لهم نصيب من العلم بتأويل القرآن.
 
ومنشأ الخلاف الواقع بينهم يرجع إلى اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء 
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾[3]، وهل أنّ الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ هي للعطف أم للاستئناف؟
 
والواقع: أنّ الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنّما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى: المحكم والمتشابه، وتفرّق الناس في الأخذ بها، فهُمْ بين
 
 
 

 
[1] سورة الزخرف، الآيات: 2-4.
[2] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص54, القرآن في الإسلام، م.س، ص51-55.
[3] سورة آل عمران، الآية: 7.
338

299

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 مائل إلى اتّباع المتشابه لزيغ في قلبه، وثابت على اتّباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنّما القصد الأوّل في ذِكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذُكِرَ من حال الزائغين وطريقتهم 

وذمّهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ من غير ناقض ينقضه, مِن عطف، أو استثناء، وغير ذلك، فالذي تدلّ عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به. لكنّه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدلّ على علم غيره تعالى به, بإذنه, كما في نظائره, مثل: العلم بالغيب: قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[1]، وقال تعالى: ﴿...إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ...﴾[2] ، وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ...﴾[3], فدلّ جميع ذلك على الحصر، ثمّ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾[4], فأثبت ذلك لبعض مَن هو غيره, وهو من ارتضى مِن رسول, ولذلك نظائر في القرآن، ومن هذه النظائر علم التأويل، حيث قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾[5]. ويظهر جليّاً من هذه الآيات أنّ للقرآن الكريم مقامان: مقام مكنون محفوظ من المسّ، ومقام التنزيل الذي يفهمه كلّ الناس. والفائدة الزائدة التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة هي الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الدالّ على أنّ هناك بعض مَن يمكن أن يدرِك حقائق
 
 
 

 
[1]  سورة النمل، الآية: 65.
[2] سورة يونس، الآية: 20.
[3] سورة الأنعام، الآية: 59.
[4] سورة الجن، الآيتان: 26-27.
[5] سورة الواقعة، الآيات: 75-80.
339

300

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 القرآن وتأويله. وهذا الإثبات لا ينافي النفي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾, لأنّ ضمّ إحداهما إلى الأخرى ينتج الاستقلال والتبعية, أي يُعرَف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق، ولا يعرفها أحد إلا بإذنه عزّ شأنه وبتعليم منه.

 
وبضميمة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[1] الوارد في حقّ أهل البيت عليهم السلام, بحسب روايات متواترة، نعلم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام هم المطهّرون العالمون بتأويل القرآن الكريم[2].
 
وأفضل الراسخين في العلم هو: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ثمّ الإمام علي عليه السلام, ثمّ الأئمّة عليهم السلام من ولده: عن الإمام الباقر عليه السلام: "أفضل الراسخين في العلم: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, قد علِمَ جميع ما أنزلَ الله في القرآن من التنزيل والتأويل، وما كان الله ليُنزل عليه شيئاً لم يُعلِّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه"[3]. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل، فعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً، وعلّمنا، والله"[4]. وعنه عليه السلام - أيضاً -: "نحن الراسخون في العلم، فنحن نعلم تأويله"[5].
 
 
 

 
[1] سورة الأحزاب، الآية: 33.
[2] لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص49-55, القرآن في الإسلام، م.س، ص56-57.
[3] القمي، تفسير القمي، م.س، ج1، ص96-97.
[4] الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب الأيمان...، باب ما لا يلزم من الأيمان...، ح15، ص442.
[5] م. ن، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام ، ح1، ص213.
340

301

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 الأفكار الرئيسة

1- التأويل هو الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية، وليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هو من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ.
 
2- وردت مفردة التأويل ستّ عشرة مرّة في القرآن، وأُرِيدَ في جميعها الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنيّة.
 
3- إنّ وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، والمتمثّل من المثال, وهو الذي يسمّيه تعالى بالكتاب الحكيم, وهو الذي تعتمد وتتكىء عليه معارف القرآن.
 
4- إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام هم المطهّرون العالمون بتأويل القرآن الكريم.

فكّر وأجب
1- أَجِبْ بـ "صحّ" أو "خطأ":
- التأويل هو باطن الآية، كما أنّ التفسير هو ظاهرها.
- وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن حقيقة متعالية تعتمد وتتكىء عليها معارفه.
- أهل البيت عليهم السلام عالمون بالتأويل لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.
 
2- أَجِبْ باختصار:
- عدّد أبرز المعاني المذكورة في معنى التأويل, مبيّناً المعنى الصحيح منها؟
- اذكر أنموذجين من الاستعمال القرآني لمفردة "التأويل" مبيّناً مراده منها؟
- هل تأويل القرآن مختصّ بالله تعالى؟
 
341

302

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 مطالعة

 
رواية مأثورة في كيفية تأويل المتشابهات وإرجاعها إلى المحكمات[1]
روي عن هشام بن الحكم أنّه قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السلام, إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين، فقال له معاوية ابن وهب: يا ابن رسول الله! ما تقول في الخبر الذي روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه؟ على أي صورة رآه؟ وعن الحديث الذي رووه أنّ المؤمنين يرون ربّهم في الجنّة؟ على أي صورة يرونه؟ فتبسّم عليه السلام, ثمّ قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله، ويأكل من نعمه، ثمّ لا يعرف الله حقّ معرفته! يا معاوية! إنّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يرَ الربّ تبارك وتعالى بمشاهدة العيان، وإنّ الرؤية على وجهين: رؤية القلب، ورؤية البصر، فمن عنى برؤية القلب, فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر, فقد كفر بالله وبآياته, لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شبّه الله بخلقه, فقد كفر. ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن الحسين بن علي قال: سُئِلَ أمير المؤمنين عليه السلام, فقيل: يا أخا رسول الله! هل رأيت ربك؟ فقال: وكيف أعبد مَنْ لم أرَه؟ لم ترَه العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. فإذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر, فإنّ كلّ مَنْ جاز عليه البصر والرؤية, فهو مخلوق، ولا بدّ للمخلوق مِن الخالق, فقد جعلته إذا محدثاً مخلوقاً، ومن شبّهه بخَلْقِه, فقد اتّخذ مع الله شريكاً. ويلهم أوَلَم يسمعوا قول الله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾, وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وإنّما طلع من نوره على الجبل, كضوء يخرج من سمّ الخياط، فدكدكت الأرض، وصعقت الجبال، ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾, أي ميتاً، ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾, وردَّ عليه روحه، قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من قول مَن زعم أنّك تُرَى، ورجعت إلى معرفتي بك أنّ الأبصار لا تدركك ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ

 
 

 
[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج4، كتاب أبواب تأويل الآيات...، باب 5 نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها، ص54-56.
342

303

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأوّل المقرِّين بأنّك تَرى ولا تُرَى، وأنت بالمنظر الأعلى. ثمّ قال عليه السلام: إنّ أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الربّ، والإقرار له بالعبودية، وحدّ المعرفة: أنّ يعرف أنّه لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير، وأن يعرف أنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، موصوف من غير شبيه ولا مبطل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وبعده معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والشهادة بالنبوّة. وأدنى معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: الإقرار بنبوّته، وأنّ ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي, فذلك من الله عزّ وجلّ، وبعده معرفة الإمام عليه السلام الذي به تأتمّ بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر، وأدنى معرفة الإمام عليه السلام أنّه عدل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, إلا درجة النبوّة، ووارثه، وأنّ طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, والتسليم له في كلّ أمر، والردّ إليه، والأخذ بقوله، ويعلم أنّ الامام عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: علي ابن أبي طالب، وبعده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمد بن علي، ثمّ أنا، ثم بعدي موسى ابني، وبعده علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجّة من ولد الحسن. ثمّ قال: يا معاوية جعلت لك أصلاً في هذا, فاعمل عليه، فلو كنت تموت على ما كنت عليه, لكان حالك أسوأ الأحوال, فلا يغرّنك قول مَنْ زعم أنّ الله تعالى يُرَى بالبصر! وقد قالوا أعجب من هذا، أَوَلَم ينسبوا آدم عليه السلام إلى المكروه؟ أَوَلَم ينسبوا إبراهيم عليه السلام إلى ما نسبوه؟ أَوَلَم ينسبوا داود عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث الطير؟ أَوَلَم ينسبوا يوسف الصديق عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث زليخا؟ أَوَلَم ينسبوا موسى عليه السلام إلى ما نسبوه من القتل؟ أَوَلَم ينسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما نسبوه من حديث زيد؟ أَوَلَم ينسبوا علي بن أبي طالب عليه السلام إلى ما نسبوه من حديث القطيفة؟ إنّهم أرادوا بذلك توبيخ الإسلام, ليرجعوا على أعقابهم، أعمى الله أبصارهم كما أعمى قلوبهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 
 
343 
 

304

الدرس الثاني و العشرون: التأويل

 مصادر الدرس ومراجعه

1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص158-162.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص99.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص44-55.
5- القرآن في الإسلام، ص49-57.
6- روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج 2، ص 480.
7- القمي، تفسير القمي، ج1، ص96-97.
8- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام ، ح1، ص213, ج7، كتاب الأيمان...، باب ما لا يلزم من الأيمان...، ح15، ص442.
 
344

305

مصادر الكتاب ومراجعه

 مصادر الكتاب ومراجعه

 
- القرآن الكريم.
 
- ابن الجزري، محمد: النشر في القراءات، تصحيح ومراجعة محمد علي الضباع، لاط، مصر، المكتبة التجارية الكبرى, مطبعة مصطفى محمد، لات.
 
- ابن الجزري، محمد: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، مراجعة محمد حبيب الشنقيطي, أحمد محمد شاكر، لاط، مصر، مكتبة القدسي, المطبعة الوطنية الإسلامية بالأزهر الشريف، 1350هـ.ق.
 
- ابن النديم، محمد بن إسحاق، كتاب الفهرست، تحقيق رضا تجدّد، لاط، طهران، لان، لات.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): الاعتقادات في دين الإماميّة، تحقيق عصام عبد السيد، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): التوحيد، تصحيح وتعليق هاشم الحسيني الطهراني، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، لات.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): علل الشرائع، تقديم محمد صادق بحر العلوم، لاط، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، 1385هـ.ق/ 1966م.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): عيون أخبار الرضا عليه السلام, تصحيح وتعليق وتقديم حسين الأعلمي، لاط، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1404هـ.ق/ 1984م.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): معاني الأخبار، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش.
 
- ابن بابويه، محمد بن علي (الصدوق): كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة
 
 
345 
 

306

مصادر الكتاب ومراجعه

 لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1405هـ.ق/ 1363هـ.ش.

 
- ابن جزي، محمد بن أحمد: التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق عبد الله الخالدي، لاط، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، لات.
 
- ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لاط، بيروت، دار صادر، لات.
 
- ابن سعد، محمد: الطبقات الكبرى، لاط، بيروت، دار صادر، لات.
 
- ابن شهرآشوب، محمد بن علي: مناقب آل أبي طالب عليهم السلام, تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، لاط، النجف الأشرف