(12) زاد القلوب في شهر الله


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2019-05

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف الخلق المصطفى محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

 

قال الله -جلّ وعلا- في كتابه الكريم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].

 

لقد أظلّنا شهرٌ عظيم، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبّدين فرحة، وحسبنا في فضائله أنّ أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخِره عتقٌ من النّار. وهو بعدُ أشرف شهور العام، وقد فرض الله علينا فيه الصيام، وقال عنه خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها النّاس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافة الله، وجُعِلتُم فيه من أهل كرامة الله..."[2].


 

[1] سورة البقرة، الآية 185.

[2] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق وإخراج ميرزا غلام رضا عرفانيان، دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1412 - 1992م، ط2، ص 77.


8

المقدمة

إنّ الصوم ترويضٌ للغرائز وضبطٌ للنوازع، وقد فرضه الله -تعالى- في شهرٍ كثير البركات، عظيم الخيرات، جعل فيه الفوائد الجمّة التي ينبغي للمسلم أن يغتنمها، فإن قام بذلك كان من أهل كرامة الله - سبحانه - الذين لبّوا دعوة الله لضيافته في هذا الشهر الفضيل.

 

وفرقٌ بين من يتهيّأ لأمرٍ ما قبل حلوله ووقوعه، فيعدّ له عدّته، ويتهيّأ التهيّؤ اللازم لاستقباله ومواجهته، وبين مَنْ يجد نفسه فجأةً في غمار ذلك الأمر وإرباك مباغتته.

 

فالأوّل سيواجه الأمور مواجهةً مدروسة فاعلة إيجابيّة، تستفيد من مفرداتها كلّها، وتوظّف معطياتها كلّها بما يثري وجوده ووجود الآخرين من حوله، أمّا الثاني، فسيهجم عليه الحدث، وستقتحمه الأمور، وتتقاذفه تقلّباتها، وسيغدو محكومًا لها بعد أنْ كان متحكّمًا فيها.

 

وينطبق ما تقدّم على كيفيّة استقبالنا لشهر رمضان الكريم، فمَن تهيّأ لشهر الله العظيم التهيّؤ المناسب، واستقبله الاستقبال الملائم، كانت استفادته من الشهر أكبر، ومكاسبه منه أوفر، ومَن دخل عليه الشهر الكريم وهو في غيابٍ عن انتهاز عظيم الفرصة، أو كسلٍ عن الاستفادة منها، فلن يضيف إلى رصيده غير القليل، أو الحسرة على تضييع فرصة الفرص والتزوّد من المائدة الإلهيّة.

 

فأولياء الله تعالى يستقبلون شهر رمضان أحسن استقبال، بل يشتاقون إلى قدومه قبل مجيئه، ويودّعونه أحسن توديع، ويحزنون على فراقه قبل انقضائه.

 

والعلم دليلُ العمل، بل إنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل. لا


9

المقدمة

يصحّ القول، ولا يصحّ العمل، إلّا إذا كان العلم قبلهما. فمن عرف الله - عزّ وجلّ - حقّ معرفته، عظّمَه، ومن عظّم اللهَ، عظّم كلّ ما جعله الله معظّمًا. فمن عرف قيمة شهر رمضان، لم يضيّع وقته، بل استفاد من لحظات هذا الشهر المبارك كلّها. فالمرحلة الأولى للاستقبال الصحيح هي معرفة قدر شهر رمضان والغاية منه، ولذلك جاء في دعاء الإمام السجّاد عليه السلامفي استقبال شهر رمضان قوله عليه السلام: "وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ..."[1].

 

وقد قمنا في مركز المعارف للتـأليف والتحقيق، بإعداد كتاب يحوي ثلاثين موعظةً، تحت عنوان "زاد القلوب في شهر الله"، نتحدّث فيه عن هذا الشهر العظيم، وكيفيّة الاستعداد له، وكيفيّة الاستفادة من المنح الإلهيّة والعطايا الربّانيّة والنفحات الرحمانيّة، التي بسطها الله تعالى لعباده الفقراء، مستفيدين من المعاني العظيمة في دعائي الإمام السجّاد عليه السلام في استقبال شهر رمضان ووداعه، ومشيرين إلى بعض ما نحتاجه من المواعظ الأخلاقيّة في ضوء القرآن الكريم، وبعض ما ينبغي تسليط الضوء عليه من حقوق الأرحام في ضوء رسالة الحقوق للإمام السجّاد عليه السلام، سائلين المولى أن يتقبّل أعمال الجميع، ويمنّ علينا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنّه سميع الدعاء مجيب!

 

والحمد لله ربّ العالمين

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

 

[1] الإمام عليّ بن الحسين (زين العابدين)  عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة الكاملة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1404 - 1363 ش، لا.ط،ص 213.


10

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

الموعظة الأولى

استقبال شهر الله

 

محاور الموعظة:

أهميّة استقبال شهر رمضان.
كيفيّة التهيؤ لاستقبال شهر رمضان.

تمهيد

نتعرّض في هذه الموعظة إلى أهمّيّة التهيّؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك وكيفيّته، كي نتمكّن من الاستفادة من المُنح الإلهيّة على أكمل وجه.

 

أولاً: أهمّيّة استقبال شهر رمضان

فرقٌ بين من يتهيّأ لأمرٍ ما قبل حلوله ووقوعه، فيعدّ له عدّته، ويتهيّأ التهيّؤ اللازم لاستقباله ومواجهته، وبين مَنْ يجد نفسه فجأةً في غمار ذلك الأمر وإرباك مباغتته.

 

فالأوّل سيواجه الأمور مواجهةً مدروسة فاعلة إيجابيّة، تستفيد


11

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

من مفرداتها كلّها، وتوظّف معطياتها كلّها بما يثري وجوده ووجود الآخرين من حوله. أمّا الثاني، فسيهجم عليه الحدث، وستقتحمه الأمور، وتتقاذفه تقلّباتها، وسيغدو محكومًا لها بعد أنْ كان متحكّمًا فيها.

 

وينطبق ما تقدّم على كيفيّة استقبالنا لشهر رمضان الكريم، فمَن تهيّأ لشهر الله العظيم التهيّؤ المناسب، واستقبله الاستقبال الملائم، كانت استفادته من الشهر أكبر، ومكاسبه منه أوفر، ومَن دخل عليه الشهر الكريم وهو في غيابٍ عن انتهاز عظيم الفرصة، أو كسلٍ عن الاستفادة منها، فلن يضيف إلى رصيده غير القليل، أو الحسرة على تضييع فرصة الفرص والتزوّد من المائدة الإلهيّة.

 

فأولياء الله تعالى يستقبلون شهر رمضان أحسن استقبال، بل يشتاقون إلى قدومه قبل مجيئه، ويودّعونه أحسن توديع، ويحزنون على فراقه قبل انقضائه، وهذا ما سنبيّنه عند شرح دعاء الإمام زين العابدين في استقبال شهر رمضان، ودعائه أيضًا في توديعه لشهر رمضان.

 

فالعلاقة التي يعيشها أولياء الله بهذا الشهر، هي علاقة الحبيب بمحبوبه، والعاشق بمعشوقه، فهو ينتظره بلهفة وشوق لا يمكن وصفهما، ويتركه ويودّعه بوَجْدٍ ولوعة لا مثيل لهما، وإنّ سبب هذه العلاقة هي معرفة هؤلاء العظماء بحقيقة هذا الشهر وعظمته ومكانته وفوائده الجمّة، التي مهما بذل الإنسان من سعي حثيث لاستثمارها، سيشعر بالتقصير، لأنّ الحجم المعنويّ العظيم الذي ادّخره الله تعالى لعباده، قد لا يسعه هذا الوعاء الزمنيّ القصير.

 

ومن هذه الرؤية، تنبع أهمّيّة الحديث عن التهيئة لشهر رمضان


12

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

الكريم. فالحديث عن التهيئة لشهر رمضان هو حديثٌ عن كيفيّة الاستفادة من المُنح الإلهيّة والعطايا الربّانيّة والنفحات الرحمانيّة، التي بسطها الله تعالى لعباده الفقراء، فنحن، باختصار، ضيوفٌ على مائدة الرحمن. وإذا أردنا أن نصوغ هذا الكلام بمعادلة ما، فنحن العباد الفقراء (محض الفقر)، ضيوفٌ على مائدة الغنيّ المطلق (محض الغنى)، فلو أضفنا محض الغنى على محض الفقر، فالنتيجة رحمةٌ لا متناهيةٌ.

 

وما نريد أن نصل إليه من خلال هذه المقدّمة، أنّ شهر رمضان هو محطّة روحيّة، ولقاء ربّانّي، على مائدة الرحمة الإلهيّة، فمن تهيّأ في ما مضى من رجب وشعبان، وقام بأداء ما ورد فيهما من طاعات بالصوم والقيام والذكر وتلاوة القرآن، فيكون قد استكمل مسيرة المائدة، وهيّأ وأعدّ واستعدّ للمائدة الكبرى، أي شهر رمضان، وإذا استقبله بالتوبة الحقيقيّة، فسيكون ذلك بمثابة بطاقة دخول للضيافة الرحمانيّة، وغاسلة للذنوب، وتهيئة لطهارة النفس، لتستعدّ لتلقّي عطاءات الله وفيوضاته النوارنيّة.

 

ثانياً: كيف نتهيّأ لاستقبال شهر رمضان؟

إنّ التهيّؤ لشهر رمضان يمرّ في ثلاث مراحل، هي:

المرحلة الأولى: معرفيّة

قد قيل: إذا كَمُلت معرفة الرجل بالدنيا، تعجّب من أبنائها، وإذا عمي عن معرفة الآخرة، تعجّب من أبنائها.


13

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

ومن الواضح أنّ العلم دليلُ العمل، بل إنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل. لا يصحّ القول، ولا يصحّ العمل، إلّا إذا كان العلم قبلهما، فعلاقة العلم والعمل علاقةٌ ترابطيّة.

 

ومن الواضح أنّ مقدار الاستفادة من كلّ شيء - مطلقًا - وكيفيّتها، مربوطان بفهمنا لذلك الشيء وحجم معرفتنا له، فمن عرف الله -عزّ وجلّ- حقّ معرفته، عظّمَه، ومن عظّم اللهَ، عظّم كلّ ما جعله الله معظّمًا. فمن عرف قيمة شهر رمضان، لم يضيّع وقته، بل استفاد من لحظات هذا الشهر المبارك كلّها.

 

وقد جاءت الروايات كثيرة ومتنوّعة، عن المعصومين عليهم السلام في هذا الشأن، بالإضافة إلى الأدعية العظيمة التي تحرّك العقول والقلوب لاغتنام فرصة الاستفادة من شهر الله، كما في خطبة النبيّ الأعظم في استقبال شهر رمضان، وكما في دعاء الإمام السجّاد  عليه السلام في الصحيفة السجّاديّة في استقبال شهر رمضان (الدعاء الرابع والأربعين)، ودعائه العظيم في وداع شهر رمضان (الدعاء الخامس والأربعين) وغيرهما.

 

عن النبيّ الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ مَا فِي رَمَضَانَ، لَوَدَّ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ السَّنَةَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا فِيهِ؟ فَقَالَ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنَ الْحَوْلِ إلى الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَصَفَقَتْ وَرَقَ الْجَنَّةِ، فَتَنْظُرُ حُورُ الْعِينِ إلى ذَلِكَ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ، اِجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَزْوَاجًا تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَتَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا، فَمَا


14

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

مِنْ عَبْدٍ صَامَ رَمَضَانَ إِلاَّ سِوَى مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَاتٍ"[1].

 

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِضَا  عليه السلام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ  عليه السلام، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرٌ عَظِيمٌ، يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ، وَيَمْحُو فِيهِ السَّيِّئَاتِ، وَيَرْفَعُ فِيهِ الدَّرَجَاتِ. مَنْ تَصَدَّقَ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِصَدَقَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيهِ إلى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ حَسَّنَ فِيهِ خُلُقَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ومَنْ كَظَمَ فِيهِ غَيْظَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ  عليه السلام: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا لَيْسَ كَالشُّهُورِ، إِنَّهُ إِذَا أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ، أَقْبَلَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِذَا أَدْبَرَ عَنْكُمْ، أَدْبَرَ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ..."[2].

 

عَنْ مَوْلانَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  عليه السلام، في حديث: "قَالَ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ اِحْتِسَابًا، إِلاَّ أَوْجَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ سَبْعَ خِصَالٍ:

أُولاهَا: يَذُوبُ (لا يَدُومُ) الْحَرَامُ فِي جَسَدِهِ،

وَالثَّانِيَةُ: لا يَبْعُدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تعالى،

وَالثَّالِثَةُ: يَكُونُ قَدْ كَفَّرَ خَطِيئَةَ أَبِيهِ آدَمَ،

وَالرَّابِعَةُ: يُهَوِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ،

وَالْخَامِسَةُ: أَمَانٌ (أَمَانًا) مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

 

[1] المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج93، ص346.

[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلميّ، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1404 - 1984م، لا.ط، ج1، ص293.


15

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

وَالسَّادِسَةُ: يُعْطِيهِ اللَّهُ  عَزَّ وَجَلَّ  بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ،

وَالسَّابِعَةُ: يُطْعِمُهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ"[1].

 

وممّا تقدّم، نعرف قيمة التركيز على الجانب المعرفيّ، فالمرحلة الأولى للاستقبال الصحيح هي معرفة قدر شهر رمضان والغاية منه، ولذلك جاء في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام في استقبال شهر رمضان قوله  عليه السلام: "وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ...".

 

المرحلة الثانية: تخطيطيّة

إنّ المرحلة السابقة، مع أهمّيّتها، لا تكفي لوحدها، فشهر رمضان يقع مرّةً واحدةً في السنة، فمن يدخله مسترسلًا مرتجلًا دون تخطيط، أو يتعاطى معه دون برنامج محكم وخطّة مدروسة، حتّى مع اعتقاده حرمة هذا الشهر، فلن يستفيد منه الفائدة المرجوّة.

 

1- علينا أن نخطّط لنكون بعد شهر رمضان أفضل ممّا كنّا قبله، لا أثناءه.

 

2- أن نحدّد أمورًا معيّنةً نريد أن نتحسّن فيها، فلا يتوقّع أحدٌ أنّه يمكنه أن يتحسّن في كلّ شيء دفعةً واحدةً. فعلى سبيل المثال، نحدّد أربعة أشياء نريد أن نتحسّن فيها، على فرض أنّنا لا نقوم أو لا ندوام عليها قبل شهر رمضان:

 

[1] ابن طاووس، السيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ، الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يُعمَل مرّةً في السنة، تحقيق جواد القيّوميّ الأصفهانيّ، مكتب الإعلام الإسلاميّ، إيران - قمّ‏، 1414ه، ط1، ج1، ص4.


16

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

•        الصلاة في أوّل الوقت.

•        التصدّق يوميًّا.

•        الصلاة يوميًّا في المسجد.

•        صلاة الليل.

 

3- أن تكون الأهداف مكتوبة، فهي تتحقّق أكثر من التي في الذهن فقط، ومعرفة مدى تحقّقها أوضح.

 

4- أن تكون الأهداف قابلةً للقياس، فمثلًا، لنتجنّب عبارة "سأقرأ أكبر كمّيّةٍ من القرآن"، بل نكتب: "سأختم 3 ختمات".

 

5- تحديد كيفيّة التعامل مع القرآن الكريم، مثلًا:

•        تحديد مدّة زمانيّة للخلوة مع القرآن من دون مقاطعات.

•        تحديد كمّيّة معيّنة للقراءة، يمكنك الالتزام بها، كثلاثة أجزاء أو أكثر من ذلك.

•        تحديد آيةٍ أو مقطعٍ قرآنيٍّ للتدبّر فيه، وفهمه، وتفسيره.

 

6- علينا أن نكتب خطّةَ شهر رمضان قبل حلوله، ونراجعَها عدّة مرّات، لتحسينها، ولتجديد النيّة، وتصفية الإخلاص لله تعالى.

 

وهناك نقاط كثيرة يمكن وضعها في خطّة شهر رمضان، وما ذُكِرَ نماذج مختصرة لبيان أهمّيّة التخطيط.

 

بعد هاتين المرحلتَين، تأتي المرحلة الثالثة، والتي تكون نتيجةً مسلكيّةً للمعرفة والتخطيط، وهذا ما سنتكلّم عنه في الموعظة الآتية.


17

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

المرحلة الثالثة: التركيز على العمل الصالح

ليس ثمّة فائدة أو ثمرة في المعرفة والتخطيط، إذا لم يُنتِجا عملًا صالحًا وسعيًا دؤوبًا لتحويل المعرفة والخطط والبرامج إلى واقع عمليّ متحرّك، بل سوف تكون تلك المعرفة وبالًا على الإنسان حين يتخلّف عن مقتضاها من العمل، ومرْجوِّها من السلوك.


18

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

الموعظة الثانية

من صفات وأعمال الصائمين

 

محاور الموعظة:

- صدق النيّة وطهارة القلب.

- التقوى والورع.

- العلاقات الاجتماعيّة المتماسكة.

- الرحمة والمغفرة في شهر رمضان.

 

تمهيد

نتناول في هذه الموعظة أهم الأعمال التي ينبغي للصائم أن يقوم بها في شهر رمضان المبارك وكذلك بعض الصفات التي لا بدّ أن يتحلى بها وهي على الشكل الآتي:

أولاً: صدق النيّة وطهارة القلب

للنيّة في الإسلام دورٌ مهمٌّ في إعطاء الفعل والموقف الإنسانيّ قيمته الحقيقيّة، كما لها دورٌ في تقييم الفاعل، أي تحديد قيمته وموقعه أو رتبته الحقيقيّة. فالإسلام لم يعطِ الفعل العباديّ ولا الفاعل قيمةً ولا أهمّيّةً مجرّدةً عن النيّة والقصد وبمعزلٍ عنهما، بل إنّ الفعل


19

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

العباديّ، في نظر الإسلام، هو جهدٌ إنسانيٌّ تحدّد قيمتَه النيّةُ والقصدُ.

 

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام: "النِّيَّةُ أَسَاسُ الْعَمَلِ"[1].

 

وعن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلمفي خطبة شهر رمضان، قال: "فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ،.."[2]، فالأعمال الصالحة شرطها النيّة الصادقة، وروحها طهارة القلب.

 

قَالَ الإمام الصَّادِقُ  عليه السلام: "مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ"[3].

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ لِلَّهِ آنِيَةً فِي الْأَرْضِ، فَأَحَبُّهَا إلى اللَّهِ مَا صَفَا مِنْهَا وَرَقَّ وَصَلُبَ، وَهِيَ الْقُلُوبُ، فَأَمَّا مَا رَقَّ مِنْهَا، فَالرِّقَّةُ عَلَى الْإِخْوَانِ، وَأَمَّا مَا صَلُبَ مِنْهَا، فَقَوْلُ الرَّجُلِ فِي الْحَقِّ لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَّا مَا صَفَا، مَا صَفَتْ مِنَ الذُّنُوبِ. الْقَصْدُ إلى اللَّهِ تعالى بِالْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ إِتْعَابِ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ"[4].

 

قَالَ الإمام الصَّادِقُ  عليه السلام: "الْقَصْدُ إلى اللَّهِ بِالْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِالْبَدَنِ، وَحَرَكَاتُ الْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ حَرَكَاتِ الْأَعْمَالِ"[5].

 

[1] الليثيّ الواسطيّ، الشيخ كافي الدين أبو الحسن عليّ بن محمّد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسينيّ البيرجنديّ، دار الحديث، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ج1، ص29.

[2] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، إيران - قم، 1414ه، ط2، ج10، ص313.

[3] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفّاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قم، لا.ت، ط2، ج4، ص400.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص60.

[5] ‏الطبرسيّ، الشيخ عليّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، تحقيق مهدي هوشمند، دار الحديث، لا.م، 1418، ط1، ج1، ص257.


20

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

ثانياً: التقوى والورع

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ أَيْسَرَ مَا اِفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى الصَّائِمِ فِي صِيَامِهِ، تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ"[1]. هذا النوع من الصوم، حسب تعبير النبيّ- هو الأيسر، وهناك صومٌ أعمق، هو الصوم عن الاشتغال بغير الله تعالى.

 

فقد ذكر علماء العرفان والأخلاق أنّ الصوم على مراتب، وهي:

أ- صوم العوامّ: كفّ البطن والفرج.

ب- صوم الخواصّ: كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح.

ج- صوم أخصّ الخواصّ: صوم القلب عن الهمم والأفكار الدنيويّة، وكفّه عمّا سوى الله بالكلّيّة.

 

فالأُولى، وهي أدنى الدرجات، وهي أن يقتصر على الكفّ عن المفطِّرات، ولا يكفّ جوارحه عن المكاره، وذلك صوم العموم، وهو الإمساك نهارًا عن المفطرات المعهودة.

 

والثانية، أن يضيف إليه كفَّ الجوارح، فيحفظ اللسان عن الغيبة، والعين عن النظر بالريبة، وكذا سائر الأعضاء، وذلك صوم الخواصّ من أهل اللَّه، وهو الإمساك عن المنهيّات دائمًا، وكما قيل: من أراد السلامةَ، فليصم الدهر كلَّه، وليكن إفطاره الموت.

 

والثالثة، أن يضيف إليهما صيانة القلب عن الفكر والوساوس، ويجعله مقصورًا على ذكر اللَّه تعالى، ومشاهدته في مظاهره،

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص164.


21

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

وذلك صوم خصوص الخصوص، وهو الكمال المقصود بالذات. وبعبارةٍ مختصرةٍ، صومُ أخصّ الخواصّ هو الإمساك عمّا سوى اللَّه[1].

 

والآية القرآنيّة جعلت الغايةَ الرئيسة للصوم هي التقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[2].

 

فالصحيح، إنّما جُعل الصوم عن الطعام والشراب وغيرها من المفطّرات جسرًا للوصول إلى التقوى، وطريقًا للحصول عليها، وبالتالي، الدخول في حصن التقوى الحصينة، التي تبدأ مسيرتها بالصوم عن المفطّرات، وتنتهي بالصوم عمّا سوى الله تعالى.

 

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام، فِي خُطْبَةِ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ  عليه السلام: "فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ..."[3].

 

وواضحٌ أنّ مَن يبني ولا يهدم أفضل ممّن يبني ويهدم، فعَنْهُمْ عليهم السلام: "جِدُّوا وَاِجْتَهِدُوا، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا فَلا تَعْصُوا، فَإِنَّ مَنْ يَبْنِي وَلا يَهْدِمُ، يَرْتَفِعُ بِنَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَإِنَّ مَنْ يَبْنِي وَيَهْدِمُ، يُوشِكُ أَنْ لا يَرْتَفِعَ بِنَاؤُهُ"[4].

 

[1] ينظر: الآمليّ، السيّد حيدر، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ في تأويل كتاب الله العزيز المحكم، تحقيق السيّد محسن الموسويّ التبريزيّ، الناشر: مؤسّسة فرهنگى ونشر نور على نور، إيران، 1428ه، ط2، ج4، ص215. وينظر: الطهرانيّ، مير سيّد عليّ الحائريّ، تفسير مقتنيات الدرر، الناشر: الشيخ محمّد الآخوندي مدير دار الكتب الإسلاميّة، إيران، 1337ش، ج2، ص18.

[2] سورة البقرة، الآية 183.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص313.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص286.


22

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

ثالثاً: العلاقات الاجتماعيّة المتماسكة

إنّ شهر رمضان هو شهر تقوية هذه العلاقات والروابط الأسريّة والاجتماعيّة، وترميم ما انثلم منها أو تهدّم، وهذا ما ورد في الروايات الشريفة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "وَرَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، يَصُبُّ اللَّهُ فِيهِ الرَّحْمَةَ عَلَى عِبَادِهِ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ تَنْشَعِبُ فِيهِ الْخَيْرَاتُ، وَفِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تُغَلُّ الْمَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَيُغْفَرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِذَا كَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، غَفَرَ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا غَفَرَ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَشَهْرِ رَمَضَانَ إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ، إِلاَّ رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْظِرُوا هَؤُلاءِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا"[1].

 

وجاء التأكيد الشديد على صلة الأرحام في هذا الشهر الكريم، في خطبة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلمبقوله: "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ، قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ..."[2].

 

رابعاً: الرحمة والمغفرة في شهر رمضان[3]

1- الرحمة: في الذهنيّة الراكدة، تعني انتظار هذه الرحمة لتهبط من السماء، لإنقاذ المسلمين ممّا يعانونه. أمّا المعنى الواعي التغييريّ للرحمة، هو المستفاد من قوله -تعالى-: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[4]. رحمة الله لا تنزل على الأمّة إلّا حين تلتزم

 

[1] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، مصدر سابق، ج2، ص71.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص313.

[3] ينظر: الإمام الخامنئيّ، مشروع الفكر الإسلاميّ في القرآن، ترجمة أ.د. محمّد عليّ آذرشب، مؤسّسة صهبا، إيران، 2017ه، ط 1، المحاضرة الأولى، ص38-41 (بتصرّف).

[4] سورة آل عمران، الآية 132.


23

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

بالرسالة، وتؤدّي ما عليها من واجبات، فالرحمة لا بدّ أن يسبقها إطاعة الله والرسول. والإطاعة تتجلّى في المؤمنين الذين يحكّمون الرسالة في أمورهم، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾[1].

 

2- الغفران: في الذهنيّة الراكدة، أنْ تنتظر غفران الله بالدعاء والتضرّع فقط. أمّا الغفران، فإنّه يعني معالجة هذا الجرح وإزالة آثاره. هذا هو الغفران. ويتمّ هذا بتلافي ما أنزله الذنب في الروح من انتكاس، ودفعها نحو السموّ والارتفاع (من جهة العبد). أمّا بالنسبة لربّ العالَمين، فهو "الغفّار"، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[2].

 

كيف نستنزل رحمة الله تعالى؟

الأساس في استنزال الرحمة هو طاعة الله ورسوله على مستوى الفرد والأمّة. وهناك أعمال ذُكِرَت في الآيات والروايات، نذكر منها:

1- الاستغفار، قال تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

2- ذكر الله، فعن أمير المؤمنين: "بِذِكْرِ اللهِ تُسْتَنْزَلُ الرَحْمَةُ"[4].

3- العفو عن الناس، فعنه  عليه السلام: "بِالعَفْوِ تُسْتَنْزَلُ الرَحْمَةُ"[5].


 

[1] سورة النساء، الآية 65.

[2] سورة طه، الآية 82.

[3] سورة النمل، الآية 46.

[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص188.

[5] المصدر نفسه، ص189.


24

الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين

4- صلة الرحم، ولا سيّما في شهر رمضان، ففي خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ الله بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ، قَطَعَ الله عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ"[1].

 

5- اتّباع القرآن والاستماع والإنصات له، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[2]. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

 

6- إقامة الصلاة، إيتاء الحقوق الماليّة، إطاعة الرسول، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[4].

 

7- الإصلاح بين المؤمنين، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[5].

 

 

[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق وإخراج: ميرزا غلام رضا عرفانيان، دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1412-1992م، ط2، ص78.

[2] سورة الأنعام، الآية 155.

[3] سورة الأعراف، الآية 204.

[4] سورة النور، الآية 56.

[5] سورة الحجرات، الآية 10.


25

الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"

الموعظة الثالثة

الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"

 

 

محاور الموعظة:

- المناجاة الشعبانيّة والاستعداد لشهر رمضان.

- المناجاة الشعبانيّة أعظم مصادر المعرفة الإلهيّة.

- ضرورة اقتران الدعوة بالعمل.

 

تمهيد

تحدّثنا عن أهمّيّة التهيّؤ والاستقبال لشهر رمضان، وعن المراحل الثلاث التي لا بدّ أن يقوم بها الإنسان المؤمن بُغية الوصول إلى هذا الهدف. وما نريد الحديث عنه في هذه الموعظة، هو أهمّيّة الاستعداد الشعبانيّ لشهر رمضان المبارك، وبالتحديد أهمّيّة "المناجاة الشعبانيّة"، والتي نصّت الأحاديث الشريفة على قراءتها في كلّ يومٍ من هذا الشهر، والتي تُعتَبر أيضًا أهمَّ مناجاةٍ للاستعداد والتأهيل للدخول إلى ضيافة الله تعالى في شهره الكريم.

 


26

الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"

أوّلًا:   المناجاة الشعبانيّة والاستعداد لشهر رمضان

إنّ هذه المناجاة هي، في الحقيقة، مقدّمةٌ تعدّ الإنسان وتهيّئه للقيام بأعمال شهر رمضان المبارك، بل هي خير طريق. ولعلّه لهذا السبب تمّ تذكير الإنسان الواعي، للالتفات إلى دوافع الصيام، وجني فوائده العظيمة.

 

وهناك أقوال عديدة للإمام الخميني قدس سره حول هذه المناجاة العظيمة، ننقل منها قوله: "إنّ شهر شعبان هو مقدّمة لشهر رمضان، يستعدّ الناسُ فيه للدخول في ضيافة الله... وخير طريقة لذلك هي المناجاة الشعبانيّة، وأنا لم أرَ في الأدعية أيَّ دعاءٍ قيل بأنّ جميع الأئمّة كانوا يقرؤونه، إلّا المناجاة الشعبانيّة، ولم أرَ بأنّ الأئمّة كانوا يدعون بدعاء آخر غير المناجاة الشعبانيّة، لأنّ المناجاة الشعبانيّة هي لإعدادكم، لإعداد الجميع لضيافة الله عزّ وجلّ"[1].

 

ويقول: قدس سره: "يصف أحد علمائنا[2] الدعاء قائلًا: "القرآن قرآنٌ نازل من السماء إلى الأرض، والدعاء يصعد من الأرض إلى السماء وهو القرآن الصاعد". الدعاءُ يأخذ بيد الإنسان، ويرفع من منزلته، ويصل به إلى عوالم لا يمكن لي ولكم أن نفهمها وندركها... في الدعاء لغةٌ خاصّة تسمو بالإنسان، وترفع من منزلته ومن مستوى وعيه وإدراكه"[3].

 

[1] لمزيد من الاطّلاع، ينظر: الإمام الخمينيّ، الجهاد الأكبر أو جهاد النفس، دار الولاء، لبنان - بيروت، لا.ت، ط.2، ص43-56.

[2] الشيخ محمّد عليّ الشاه آباديّ قدس سره أستاذ الإمام الخمينيّ قدس سره في العرفان والسير والسلوك.

[3] الإمام الخميني، صحيفة الإمام (تراث الإمام الخمينيّ قدس سره)، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، إيران - طهران، 1430ه - 2009م، ط1، ج‏13، ص26.


27

الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"

ثانيًا: المناجاة الشعبانيّة، أعظم مصادر المعرفة الإلهيّة إنّ كرامة هذه الأشهر الثلاثة (رجب، شعبان، شهر رمضان) تعجز الألسن والعقول والأفكار عن استيعابها، ولا شكّ أنّ ذلك من بركات هذه الأشهر الأدعية الواردة فيها. فالمناجاة الشعبانيّة تُعتَبر من أعظم المناجاة والمعارف الإلهيّة، التي بوسع المهتمّين بها النهل منها على قدر وعيهم واستيعابهم.

 

ثالثًا: ضرورة اقتران الدعوة بالعمل‏

"اقرؤوا المناجاة الشعبانيّة، فإنَّها من المناجاة التي لو تتبّعها الإنسان وفكّر فيها، لأوصلته إلى ما يريد. إنَّ مَن أطلق هذه المناجاة، وكان الأئمّة كلّهم - حسب الروايات - يقرؤونها، فهؤلاء أناسٌ كانوا قد تحرّروا من كلّ شي‏ءٍ، ومع ذلك كانوا يناجون بهذا الشكل، لأنَّهم لم يكونوا مغرورين، ومهما كانوا، فإنَّهم لم يكن أحدُهم يري نفسَه أنَّه الإمام الصادق أو غيره من الأئمّة عليهم السلام. كلّا، فالإمام الصادق عليه السلام يناجي الله كما يناجي الإنسان العاديّ الغارق في المعاصي، لأنَّه يرى نفسه لا شيء، وأنَّه كلّه نقص، وأنَّ كلّ ما في الوجود فمن الله، وكلّ كمال من الله، وأنّه هو لا شيء عنده، وأيّ إنسانٍ آخر لا شيء عنده، والأنبياء كذلك لم يكونوا يملكون شيئًا، والكلّ هباء. الله هو وحده كلّ شيء، والكلّ تابعٌ له، وكلّ فطرةٍ تابعةٌ له، وبما أنَّنا محجوبون، فلا نفهم أنّنا تابعون له. أمَّا الذين يفهمون، فإنَّهم يتحرّرون من كلّ شيء، ويتّبعونه هو، وهذا هو كمال الانقطاع الذي طلبوه، وكمال الانقطاع يعني التنحّي عن كلّ ما في وجوده..."[1].


 

[1] صحيفة الإمام، مصدر سابق، ج‏19، ص218.


28

الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"

"شهر رمضان شهرٌ ميمون، لنزول القرآن فيه، وشهر شعبان ميمونٌ أيضًا، لورود أدعية الأئمّة عليهم السلام فيه.

 

شهر رمضان هو الذي أنزل القرآن، وهو يضمّ بين دفّتيه تمام المعارف والعلوم، وكلّ ما يحتاجه البشر، وشهر شعبان (شهر الأئمّة الكرام) حلقةُ الوصل لتلك الحقائق والمعاني في جميع المراحل.

 

ما جاء في القرآن الكريم، بشكل سرٍّ من الأسرار، ورد في أدعية الأئمّة كذلك، فنرى في المناجاة الشعبانيّة الإمامَ  عليه السلام يخاطب الله - جلّ وعلا - ويقول: "وَاِجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ، وَلاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ، فَنَاجَيْتَهُ سِرًّا، وَعَمِلَ لَكَ جَهْرًا".

 

فيأتي بالفعل "صَعِقَ" في البَين، وهذا هو المعنى نفسه الذي ورد في القرآن الكريم بحقّ النبيّ موسى  عليه السلام، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾[1], فهذا شهر "الصعق"، وذاك شهرٌ يتطلّب "الصعق" أيضًا.

 

رمضان شهرُ التجلّي الإلهيّ للنبيّ الكريم  صلى الله عليه وآله وسلم، وشعبان شهر التجلّي الإلهيّ للأئمّة الكرام تبعًا لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم.

 

إذًا، هذان شهران يستوجبان منّا الاحترام والتبجيل، فلنقرأ الأدعية الواردة في هذا الشهر الميمون (شهر شعبان)، وتلك التي وردت في شهر رمضان المبارك، بتدبّرٍ وتمعّنٍ"[2].

 

[1] سورة الأعراف، الآية 143.

[2] صحيفة الإمام، مصدر سابق، ج‏20، ص204.


29

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

الموعظة الرابعة

مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

 

محاور الموعظة:

 

- الحمد لله.

- صفات شهر رمضان.

- ليلة القدر.

- طلب الحاجات.

- الصلاة.

- حسن الخلق.

- التقرّب إلى الله.

- جني ثمار الطاعة.

- الإلحاح بالدعاء.

- الاستمرار على الطاعة.

- الصلاة على محمّد وآل محمّد.

 

 

تمهيد

نشرع في هذه الموعظة وما بعدها، في شرح الروضة الرابعة والأربعين، حسب ترتيب الصحيفة السجّاديّة: في دعائه  عليه السلام إذا دخل شهر رمضان، والمعروف أيضًا بدعائه في استقبال شهر رمضان[1].

 

ويُعتَبر هذا الدعاء الشريف من أهمّ الأدعية المرتبطة بفلسفة


 

[1] ينظر: الطوسيّ، الشيخ محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، الناشر: مؤسّسة فقه الشيعة، لبنان - بيروت، 1411 - 1991 م، ط1، ص607-610. السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، مصدر سابق، ج1، ص111-114.


30

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

استقبال شهر رمضان، ويحتوي على مضامين معرفيّة وعقديّة وأخلاقيّة، بالأسلوب المعهود عن الإمام زين العابدين، الذي يمزج فيه بين المعارف العقليّة والمعارف الروحيّة، بأسلوب عظيم وباهر.

 

أوّلًا: الحمد لله[1]

يُفتَتَح الدعاء بالحمد لله -تعالى-، وهي ظاهرةٌ مألوفةٌ في أغلب نصوص الصحيفة السجّاديّة، إلّا أنّه في هذا الدعاء، يُقرِن الحمدَ بالهداية والشكر والجزاء، فيقول:

"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ"[2]، ويكرّر الحمد مقرونًا بمفردات (الدين) و(الملّة) و(السبيل) و(السلوك)، في قوله:

"وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي حَبانا بِدينِهِ، وَاخْتَصَّنا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنا في سُبُلِ إحْسانِهِ، لِنَسْلُكَها بِمَنِّهِ إلى رِضْوانِهِ، حَمْدًا يَتَقَبَّلُهُ مِنّا، وَيَرْضى بِهِ عَنّا"، وهو افتتاحٌ يتناسب تمامًا مع موضوع الدعاء الذي يستقبل به شهر رمضان، الذي تتمحور حوله المفرداتُ السابقةُ التي قرَنَها مع حمد الله تعالى. وسيأتي شرح هذا المقطع، وبيان محوريّة الحمد والشكر في شهر رمضان.

 

[1] ينظر: الركابيّ: أحمد جاسم ثاني، مجلّة ينابيع الحكمة، قصديَّة النصّ في الصحيفة السجّاديّة دعاء استقبال شهر رمضان نموذجًا، ص49 وما بعدها.

[2] الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة، دفتر نشر الهادي، إيران - قم، 1418ه، ط1، ص186.


31

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

ثانيًا: صفات شهر رمضان

ثمّ ينتقل إلى التمهيد للموضوع المركزيّ، ألا وهو (شهر رمضان)، مكرّرًا حمده لله -تعالى-، ومعدّدًا صفات هذا الشهر، التي تظهر فضائلَه، مقتبسًا في ذلك نصًّا قرآنيًّا، بلفظه ومعناه، لإنارة النصّ دلاليًّا، فيقول: "وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ، شَهْرَ الصِّيامِ، وَشَهْرَ الإسْلامِ، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ الَّتمْحيصِ، وَشَهْرَ الْقِيامِ ﴿الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1]".

 

"فَأَبانَ فَضيلَتَهُ عَلى سائِرِ الشُّهُورِ، بِما جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُماتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضائِلِ الْمَشْهُورَةِ"، فمنزلة هذا الشهر عظيمة عند الله تعالى، لذلك جعله الإمام من سبل الله – تعالى -، وقرنه بـ (الصيام) و(الإسلام) و(الطهور) و التمحيص) و(القيام)، وكلّ مفردة من هذه المفردات تكفيه فخرًا على سائر الشهور والأيّام.

 

ومن خصائص هذا الشهر، أنّ الله تعالى عظّمه ببعض الأحكام، إكرامًا له. ورد في الدعاء: "فَحَرَّمَ فيهِ ما أَحَلَّ في غَيْرِهِ إِعْظامًا، وَحَجَرَ فيهِ الْمَطاعِمَ وَالْمَشارِبَ إكْرامًا، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتًا بَيِّنًا لا يُجيزُ - جَلَّ وَعَزَّ - أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلا يَقْبَلُ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ".

 

ثالثًا: ذكر ليلة القدر

ثم يعرّج على أفضل ليلة في شهر رمضان، وهي ليلة القدر، التي

[1] سورة البقرة، الآية 185.


32

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

خصّها الله تعالى بسورة كاملة في كتابه العزيز، وقد استدلّ النصّ بها استدلالًا جميلًا، عبر فنّ الاقتباس، فقال  عليه السلام: "ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً واحِدَةً مِنْ لَياليهِ عَلى لَيالي ألْفِ شَهْر، وَسَمّاها لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾[1]، سَلامٌ دآئِمُ الْبَرَكَةِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ، بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِهِ".

 

وفي العبارة الأخيرة، "عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ، بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِه"، إشارةٌ إلى ارتباط هذا الشهر العظيم بالإمامة، فهي المحور الذي تدور حوله الفضائل كلّها في شهر رمضان.

 

رابعًا: طلب الحاجات وبيان أحكام الصوم

ومن بعد هذه المقدّمة التمهيديّة من المدح والثناء لله تعالى، والتعريف بشهر رمضان، وبيان فضله، يتحوّل النصّ إلى طلبِ الحاجات من الله تعالى، مُفتَتحًا طلباته بالصلاة على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ، وهي ظاهرةٌ أساسيّةٌ ومعروفةٌ في أدعية أهل البيت، إذ يُستَحبّ ابتداء الدعاء بها، وختمه بها، سعيًا للاستجابة، وفي الوقت نفسه تتّضح الأحكام الشرعيّة والآداب التي يجب أن يتحلّى بها الصائم، فقال: "اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمّا حَظَرْتَ فيهِ".

 

فمن آداب الصائم، أن تصوم جوارحُه، كالسمع والبصر واليد والرجل والبطن واللسان، وأن يستثمرها بما يرضي الله -تعالى-

 

[1] سورة القدر، الآية 4.


33

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

ويقرّبه منه: "وَأعِنّا عَلى صِيامِهِ، بِكَفِّ الْجَوارِحِ عَنْ مَعاصيكَ، وَاسْتِعْمالِها فيهِ بِما يُرْضيكَ، حَتّى لا نُصْغِيَ بِأسْماعِنا إلى لَغْوٍ، وَلا نُسْرِعَ بِأبْصارِنا إلى لَهْوٍ، وَحَتّى لا نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى مَحْظُورٍ، وَلا نَخْطُوَ بِأقْدامِنا إلى مَحْجُور، وَحَتّى لا تَعِيَ بُطُونُنا إلّا ما أَحْلَلْتَ، وَلا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنا إلّا بِما مَثَّلْتَ، وَلا نَتَكَلَّفَ إلّا ما يُدْني مِنْ ثَوابِكَ، وَلا نَتَعاطى إلّا الَّذي يَقي مِنْ عِقابِكَ".

 

ويختتم هذا المقطع بطلب الإخلاص في العبادة لله تعالى، والعون على محاربة الرياء والسمعة والشرك: "ثُمَّ خَلِّصْ ذلِكَ كُلَّهُ مِنْ رياءِ الْمُرائينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعينَ، لا نُشْرِكُ فيهِ أحَدًا دُونَكَ، وَلا نَبْتَغي فيهِ مُرادًا سِواكَ".

 

خامسًا: التركيز على الصلاة

لا غنىً للعبد من طلب التوفيق من الله تعالى لإقامة الفروض والأعمال الصالحة، التي يستزيد بها قربًا وكرامةً وفضلًا، ولِما ثَبُتَ لفريضة الصلاة في سائر الأيّام، فضلًا عن أهمّيّتها في شهر رمضان، فقد ركّز النصّ على طلب التوفيق لإقامتها: "اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِفْنا فيهِ عَلى مَواقيتِ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ بِحُدُودِهَا الَّتي حَدَّدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتي فَرَضْتَ، وَوَظآئِفِهَا الَّتي وَظَّفْتَ، وَأوْقاتِهَا التي وَقَّتَّ، وَأنْزِلْنا فيها مَنْزِلَةَ الْمُصيبينَ لِمَنازِلِهَا، الْحافِظينَ لأرْكانِها، الْمُؤَدّينَ لَها في أوْقاتِها، عَلى ما سَنَّهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ صلى الله عليه وآله وسلم في رُكُوعِها وَسُجُودِها وَجَميعِ فَواضِلِها، عَلى أتَمِّ الطَّهُورِ وَأسْبَغِه، وَأبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأبْلَغِهِ".


34

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

وهو تلخيصٌ مكثّفٌ لآداب الصلاة وصفاتها، فلم يترك جزئيّةً تتعلق بها إلّا وذكرها، كالمواقيت والأركان والطهور والخشوع.

 

سادسًا: حُسنُ الخُلق مع الآخرين

ومن أهمّ آداب شهر رمضان، التي أوصى بها رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، تحسين الخُلق، التي تتمثّل بصلة الرحم، وإكرام الجار، وأداء الحقوق الشرعيّة، والعفو عمّن ظلمنا، وغيرها من الوصايا التي اقتبسها ووظّفها النصّ: "وَوَفِّقْنا فيهِ لأنْ نَصِلَ أرْحامَنا بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَأنْ نَتَعاهَدَ جيرانَنا بِالإفْضالِ وَالْعَطِيَّةِ، وَأنْ نُخَلِّصَ أمْوالَنا مِنَ التَّبِعاتِ، وَأنْ نُطَهِّرَها بِإخْراجِ الزَّكَواتِ، وَأنْ نُراجِعَ مَنْ هاجَرَنا، وَأنْ نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنا، وَأنْ نُسالِمَ مَنْ عادانا. حاشى مَنْ عُودِيَ فيكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذي لا نُواليهِ، وَالْحِزْبُ الَّذي لا نُصافيهِ".

 

سابعًا: التقرّب إليه تعالى

والمؤمن لا يكتفي بالأعمال الواجبة، بل يطمح ويطمع بالمستحبّات التي تضاعف أجورها في هذا الشهر: "وَأنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فيهِ مِنَ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ، بِما تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَعْصِمُنا فيهِ مِمّا نَسْتَأْنِفُ مِنَ الْعُيُوبِ، حَتّى لا يُورِدَ عَلَيْكَ أحَدٌ مِنْ مَلآئِكَتِكَ إلّا دُونَ ما نُورِدُ مِنْ أبْوابِ الطّاعَةِ لَكَ، وَأنْواعِ الْقُرْبَةِ إلَيْكَ".

 

ثامنًا: جني ثمار الطاعة

بعد هذه الجولة العباديّة التي اجتازها العبد برضى الله تعالى،

 


35

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

يرجو أن يجني ثمار طاعته: "وَأهِّلْنا فيهِ لِما وَعَدْتَ أوْلِيآءَكَ مِنْ كَرامَتِكَ، وَأوْجِبْ لَنا فيهِ ما أوْجَبْتَ لأهْلِ الْمُبالَغَةِ في طاعَتِكَ، وَاجْعَلْنا في نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفيعَ الأعْلى بِرَحْمَتِكَ".

 

عودٌ على بدء

من علامات الدعاء المتماسك، أن تتوحّد فيه الأفكار، لتنسجم مع الموضوع، وأن ترتبط مقدّمته مع خاتمته، فالدعاء هنا يكرّر ما بدأ به من تحميدٍ وتمجيدٍ، ولكن باختلاف الأسلوب، ففي المقدّمة كان أسلوبًا إنشائيًّا، وهنا تحوّل إلى أسلوبٍ طلبيٍّ، يطلب فيه العبد اجتناب الإلحاد والتقصير والشكّ… وغيرها ممّا يخالف العبادة الخالصة: "وَجَنِّبْنا الإلْحادَ في تَوْحيدِكَ، وَالتَّقْصيرَ في تَمْجيدِكَ، وَالشَّكَّ في دينِكَ، وَالْعَمى عَنْ سَبيلِكَ، وَالإغْفالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالانْخِداعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ". وثمّة ارتباطٌ آخر بين المقدّمة وهذا المقطع، وهو الإشارة إلى شهر رمضان بلفظ "السبيل" الذي ورد في بداية النصّ، بقوله  عليه السلام: "وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ"، وفي هذا المقطع، بطلب تجنّب العمى عن سبيل الله تعالى.

 

تاسعًا: الإلحاح بطلب العفو والمغفرة

يعيش المؤمن دائمًا بين حالتَي الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله تعالى عمّا يصدر من الإنسان من تقصير، والرجاء في أن تسعه رحمة الله تعالى، ذلك الفضاء الرحب، الذي يسعُ السماوات والأرض:


36

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

"وَإذا كانَ لَكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالي شَهْرِنا هذا رِقابٌ يُعْتِقُها عَفْوُكَ، أوْ يَهَبُها صَفْحُكَ، فَاجْعَلْ رِقابَنا مِنْ تِلْكَ الرِّقابِ، وَاجْعَلْنا لِشَهْرِنا مِنْ خَيْرِ أَهْل وَأَصْحاب". وعتق الرقاب تعبيرٌ مجازيّ، وهي كناية عن المغفرة والعفو والصفح والتجاوز عمّا مضى من ذنوب العبد. ويُلاحَظ أنّ النصّ ينسب هذا الشهر لضمير المتكلِّمين (شَهْرِنا) مرّتين، ممّا يدلّ على أنّ شهر رمضان هو شهر العباد، يغفر الله -تعالى- لهم، ويزيدهم من فضله، ويقدّر فيه أرزاقهم وآجالهم.

 

ويكرّر طلبَه وإلحاحَه في العفو والمغفرة، موظِّفًا الصور الفنّيّة الجميلة لصياغة أسلوبه: "وَامْحَقْ ذُنُوبَنا مَعَ إمْحاقِ هِلالِهِ، وَاسْلَخ عَنّا تَبِعاتِنا مَعَ انْسِلاخِ أيّامِهِ، حَتّى يَنْقَضِيَ عَنّا وَقَدْ صَفَّيْتَنا فيهِ مِنَ الْخَطيئاتِ، وَأخْلَصْتَنا فيهِ مِنَ السِّيِّئاتِ"، فصورة إمحاق الذنوب مع إمحاق الهلال، وصورة انسلاخ التبعات مع انسلاخ أيّام الشهر، نوعٌ من التعبير الفنّيّ الذي يزيّن نصوص الدعاء في الصحيفة السجّاديّة.

 

آدابٌ أخرى

وفي هذا المقطع، يوجز النصُّ آدابًا أخرى بأروع أساليب التعبير: "اللّهُمَّ، اشْحَنْهُ بِعِبادَتِنا إيّاكَ، وَزَيِّنْ أوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ، وَأعِنّا في نَهارِهِ عَلى صِيامِهِ، وَفي لَيْلِهِ عَلَى الصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْكَ، وَالْخُشُوعِ لَكَ، وَالذِّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، حَتّى لا يَشْهَدَ نَهارُهُ عَلَيْنا بِغَفْلَة، وَلا لَيْلُهُ بِتَفْريط"، فعبَّر بمفردة "اشْحَنْهُ"، وهي من المفردات غير المألوفة في التعبير اللغويّ، وهنا تكمن جماليّات المفردة في التعبير السجّاديّ، فلو قال:

 


37

الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان

"املأه"، لم تكن بتلك الجماليّة المكثّفة التي دلَّت على المبالغة في طلب التوفيق للعبادة في شهر رمضان. فضلًا عن الجماليّة التي تؤدّيها مفردة "زَيِّنْ" في سياق هذا المقطع: "وَزَيِّنْ اوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ".

 

عاشرًا: الاستمرار على الطاعة في سائر الشهور

الحملة العباديّة لشهر رمضان لا تنقضي بانقضاء أيّامه ولياليه، بل هي دورةٌ تطويريّةٌ للذات، يمرّ بها العبد في كلّ عامٍ، ليراجعَ فيها حساباته، ويؤوبَ إلى ربّه تعالى، وينطلقَ منها إلى العام القادم. لذا، ورد في نصّ الدعاء: "اللّهُمَّ، وَاجْعَلْنا في سائِرِ الشُّهُورِ وَالأيّامِ كَذلِكَ ما عَمَّرْتَنا، وَاجْعَلْنا مِنْ عِبادِكَ الصّالِحينَ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1], ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾[2], ومن الذين ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾"[3].

 

حادي عشر: الصلاة على محمّد وآل محمّد

تُختتم أغلب نصوص الدعاء بالصلاة على محمّدٍ وآل محمّد، تبرّكًا وطلبًا لاستجابة الدعاء، "اللّهُمَّ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، في كُلِّ وَقْتٍ، وَكُلِّ أوانٍ، وَعَلى كُلِّ حالٍ، عَدَدَ ما صَلَّيْتَ عَلى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأضْعافَ ذلِكَ كُلِّهِ بِالأضْعافِ الَّتي لا يُحْصيها غَيْرُكَ، إنَّكَ فَعّالٌ لِما تُريدُ".

 

[1] سورة المؤمنون، الآية 11.

[2] سورة المؤمنون، الآية 60.

[3] سورة المؤمنون، الآية 61.


38

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

الموعظة الخامسة

الحمد والشكر في شهر رمضان

 

محاور الموعظة:

- مضامين الدعاء.

- الحمد والشكر.

 

"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ".

 

أوّلًا: مضامين الدعاء

هناك عدّة نقاط في كلام الإمام السجّاد عليه السلام:

1- يبدأ الإمامُ الدعاءَ بحمد الله تعالى، والحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلَّق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبرّ[1].

 

[1] ينظر: الشيرازيّ، السيّد عليّ خان المدنيّ، رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين عليه السلام، تحقيق السيّد محسن الحسينيّ الأمينيّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1415ه، ط4، ج6، ص17.


39

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

2- أشار عليه السلام إلى أنّ فعل الحمد فعلٌ يعبّر عن هداية، فالله تعالى هو الذي هدانا لذلك - أي للحمد - ولذلك هو يستحقّ منّا أن نحمده، يستحقّه على نعمة شهر رمضان، يستحقّ أن نحمده ونثني عليه بكلّ نعمة أنعم بها علينا، فيقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ".

 

3- "وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ"، الضمير في "أَهْلِهِ"، يصلح أن نرجعه إليه عزّ وجلّ، يعني أنّ الإنسان إذا صار من الحامدين، صار من أهل الله، فنحمد الله عزّ وجلّ على أن جعلنا من أهله، أي من أوليائه والمختصّين به اختصاص أهل الإنسان به. عن أمير المؤمنين: "أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ"[1].

 

أو نرجع الضمير إلى الحمد، أي إنّنا نحمد الله أن جعلنا من أهل الحمد، أي من المتّصفين به. وأصل الأهل: القرابة، ثمّ أُطلِقَ على من عرف بشيء واتّصف به، يُقَال: أهل العلم لمن اتّصف به.

 

4- لماذا جعلنا من أهل الحمد أو من أهل الله؟ يقول الإمام  عليه السلام: "لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ"، فالإنسان إذا كان من أهل الله، أو كان من أهل الحمد، فإنّه سيوفّق لأن يُسدي لله عزّ وجلّ الشكرَ، بما يناسب قدرته ومقام قربه من الله.

 

5- إنّ كون الإنسان من أهل الحمد أو أهل الله، فهذه نعمة خاصّة، وهذا اجتباء واصطفاء، لا يُوَفَّق إليه إلّا مَن شملتهم عناية الله عزّ


 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص127.


40

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

وجلّ. ثمّ إنّ هذه النعمَ كلَّها نفعُها يرجع إلى العبد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾[1], لأنّ نفعَ ذلك راجعٌ إليه، وفائدته حاصلة له، إذ به تُستَبقى النعمة، وبسببه يُستَجلب المزيد لها من الله سبحانه. مَن جعل كفرَ النعم مكانَ شكرها، فإنّ الله غنيٌّ عن شكره، غير محتاج إليه. وإنّما يريد ذلك كلّه لنا، لأنّه يحبّنا، لأنّه يريد أن يجزل لنا العطاء، ولذا قال  عليه السلام: "وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ".

 

ثانيًا: الحمد والشكر

1- أهمّيّة الشكر

الشكر من أهمّ الأعمال الصالحات التي يتقرّب بها العبد المؤمن إلى نيل رضا ربّه سبحانه وتعالى، ومنزلته في الدين عظيمة، فهو نصف الإيمان، والصبر نصفه الآخر، ففي الحديث: "الْإِيمَانُ نِصْفَانِ، نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ"[2].

 

فمنزلة الشكر من أعلى المنازل، وقد أمر اللهُ به، ونهى عن ضدّه، قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[3],، وقال سبحانه: ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾[4].


 

[1] سورة لقمان، الآية 12.

[2] الشيخ الحويزيّ، تفسير نور الثقلين، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قم، 1412ه - 1370ش، ط4، ج4، ص217، سورة  لقمان.

[3] سورة البقرة، الآية 172.

[4] سورة البقرة، الآية 152.


41

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

وأثنى على أهله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾[1], ووصف به خواصّ خلقه، وأمره ووعد أهلَه بأحسنِ جزائه، قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[2], وجعله سببًا للمزيد من فضله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[3]، وحارسًا وحافظًا لنعمته، وأخبر أنّ أهلَه هم المنتفعون بآياته، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[4], واشتقّ لهم اسمًا من أسمائه، فإنّه سبحانه هو الشكور، وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يُعِيد الشاكر مشكورًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾[5], وقال سبحانه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾[6], ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾[7], وهو غاية الربّ من عبده،


 

[1] سورة الإسراء، الآية 3.

[2] سورة آل عمران، الآية 145.

[3] سورة إبراهيم، الآية 7.

[4] سورة لقمان، الآية 31.

[5] سورة فاطر، الآية 34.

[6] سورة الشورى، الآية 23.

[7] سورة النساء، الآية 147.


42

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[1] وأهله هم القليل من عباده، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[2].

 

2- الفرق بين الحمد والشكر

والفرق بين الحمد والشكر أنّ "الحمدَ" هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلَّق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبرّ.

 

و"الشكر" فعلٌ ينبّئ عن تعظيم المُنعِم لأجل النعمة، سواء كان نعتًا باللسان، أو اعتقادًا ومحبّةً بالجنان، أو عملًا وخدمةً بالأركان.

 

3- قواعد الشكر

"الشكر مبنيٌّ على خمس قواعد:

أ- خُضُوع الشاكرِ للمَشْكُورِ.

ب- وحُبّه له.

ج- واعترافه بنعمتهِ.

د- والثناء عليه بها.

هـ- وأن لا يَسْتَعْمِلها فيما يكره.

 

هذه الخمسة هي أساسُ الشُّكْرِ، وبناؤه عليها، فإنْ عَدِمَ منها واحدةً، اختلّت قاعدةٌ من قواعد الشُّكرِ"[3].

 

[1] سورة البقرة، الآية 172.

[2] سورة سبأ، الآية 13.

[3] الزبيديّ، تاج العروس، تحقيق عليّ شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414ه - 1994م، لا.ط، ج7، ص49.


43

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

4- الحمد والنعمة

إذا كان الحمد على النعمة، فما المراد بالنعمة؟

"النعمة: اليد، وهي الصنيعة والمنّة، وما أنعم الله به عليك"[1]. وقد يُراد بها ما يُقصَد به النفع والإحسان، لا لعوضٍ ولا لغرض. وقد تطلق النعمة أيضًا، في لسان الأئمّة عليهم السلام، تارةً على الدين والإسلام، وتارةً عليهم، وعلى موالاتهم ومحبّتهم.

 

"سَأَلَ أَبُو حَنِيفَةَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[2], فَقَالَ لَهُ: مَا النَّعِيمُ عِنْدَكَ يَا نُعْمَانُ؟ قَالَ الْقُوتُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَاءُ الْبَارِدُ. فَقَالَ: لَئِنْ أَوْقَفَكَ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا أَوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا، لَيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَمَا النَّعِيمُ - جُعِلْتُ فِدَاكَ -؟ قَالَ: نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ النَّعِيمُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِنَا عَلَى الْعِبَادِ"[3].

 

عن الإمام الْبَاقِرُ عليه السلام: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾[4], قَالَ: "النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومَا جَاءَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَمَّا النِّعْمَةُ الْبَاطِنَةُ، وَلايَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَعَقْدُ مَوَدَّتِنَا"[5].


 

[1] الطريحيّ، الشيخ فخر الدين، مجمع البحرَين، نشر مرتضوي، لا.م، 1362 ش، ط2، ج6، ص179.

[2] سورة التكاثر، الآية 8.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج70، ص70.

[4] سورة لقمان، الآية 20.

[5] السيّد هاشم البحرانيّ، البرهان في تفسير القرآن، قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ج4، ص378.


44

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

وحقيقة شكر النعمة، أي استعمالها في طاعة المنعِم، ونيل رضاه، وأداء ما افترض الله -تعالى- من حقوقٍ فيها. ومِنْ شكرِ النعم بذلُها للناس، عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "إِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عِبَادًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا، نَزَعَهَا مِنْهُمْ، وَحَوَّلَهَا إلى غَيْرِهِمْ"[1]. وعنه  عليه السلام قال: "مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ فِيهَا بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ عَرَضَهَا لَلدَّوَامِ، وَإِنْ مَنَعَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَدْ عَرَضَهَا لِلزَّوَالِ"[2].

 

5- الحمد رأس الشكر

عَنِ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، وَمَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ"[3]، ولذلك آثر  عليه السلام الحمد على الشكر في الثناء عليه سبحانه، وجعله سببًا لشكر إحسانه مطلقًا - كما تقدّم -، حتّى كأنّه لولا الهداية إليه، لم يكن الشكر، وهو كذلك كما نصّ عليه الحديث المذكور، وبيانه أنّه إذا لم يعترف العبد بإنعام مولاه، ولم يُثنِ عليه بما يدلّ على تعظيمه، لم يظهر منه الشكر ظهورًا كاملًا، وإن اعتقد وعمل، لأنّ حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها، كما أنّ كفرانَها إخفاؤها وسترها، والاعتقاد أمرٌ خفيٌّ في نفسه، بخلاف النطق، فإنّه

 

[1] التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيّد مهدي رجائي‏، نشر دار الكتاب الإسلاميّ‏، إيران- قم‏، 1410ه‏، ط2، ص225.

[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص438.

[3] المالكيّ الأشتريّ، ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1368ش، ط 2، ج 2، ص106.


45

الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان

ظاهرٌ في نفسه، فالحمد رأس الشكر، فكما أنّ الرأس أظهر الأعضاء وأعلاها وعمدة لبقائها، كذلك الحمد أظهر أنواع الشكر وأشملها على حقيقته، حتّى إذا فُقِدَ كان بمنزلة العدم، فصحّ أنّه مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ ، واتّضح كونه سببًا للشكر والاتّصاف به.


46

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

الموعظة السادسة

الدين، والملّة، والسبيل

 

محاور الموعظة:

- الهداية العامّة والخاصّة.

- الدين والملّة.

- سبل الإحسان.

 

"وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ[1] إلى رِضْوَانِهِ، حَمْدًا يَتَقَبَّلُهُ مِنَّا، وَيَرْضَى بِهِ عَنَّا".

 

مفردات النصّ

•        حَبَانَا: "الحِباءُ، العَطاء بلا مَنٍّ ولا جَزاءٍ"[2].

•        خصصته به تخصيصًا: جعلته له دون غيره.

 

[1] "الباء" في "بمنّه" للاستعانة أو للملابسة.

[2] ابن منظور، العلّامة محمّد بن مكرم الإفريقيّ المصريّ، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، إيران - قمّ، 1405ه، لا.ط، ج14، ص162.


47

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

•        سبّلنا: سيّرنا في سبل إحسانه.

•        والإحسان هنا بمعنى الإنعام والإفضال.

•        والرضوان: الرضا الكثير.

•        والتقبُّل: قبول الشيء على وجهٍ يقتضي ثوابًا، كالهديّة.

 

تمهيد

بعد أن بيّن الإمام في النصّ السابق أنّ الحمد الذي يصدر منّا هو من الله، وهو من جعلنا من أهل الحمد أو الله -تعالى -، ذلك كلّه لنشكر الله تعالى على إحسانه إلينا، أنّ الجزاء الذي سيكون لهذا الشكر هو جزاء المحسنين، شرع الإمام بهذا المقطع الشريف ببيان المصاديق الرئيسة التي تستدعي هذا الحمد، وهي:

1- حَبَانَا بِدِينِهِ.

2- وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ.

3- وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ.

 

ولتوضيح كلامه في هذا المقطع وفي المقطع السابق أيضًا، لا بدّ من الالتفات إلى النقاط الآتية:

أوّلًا: الهداية العامّة والهداية الخاصّة

تُقسَم الهداية، حسب الآيات القرآنيّة، إلى قسمَين، هما:

1- الهداية العامّة

والمراد منها أنّه سبحانه من خلال نداء الفطرة الإنسانيّة، ودعوة العقل، وبعث الرسل والأنبياء، يمهّد طريق الهداية والسعادة أمام جميع الناس، وكذلك يبيّن لهم طريق الشقاء والانحراف. وقد تعلّقت


48

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

الإرادة والمشيئة الإلهيّة بأن يقع أفراد البشر جميعًا تحت هذا النوع من الهداية والإرشاد، ويشهد على ذلك الكثير من الآيات المباركة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾[1], وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾[2].

 

والمراد بالهداية، هنا، الهداية العامّة، والتي تشمل البشر كلّهم، حتّى المعاندين والمنكِرين، وتتمثّل في "الفطرة والعقل وبعث الرسل"، فإنّه سبحانه جهّز جميع الناس بتلك الطاقات والإمكانات، ولم يَحرم منها أحدًا من الناس.

 

2- الهداية الخاصّة

وهي أنّ الله تعالى يختصّ بهدايته جملةً من الأفراد، الذين استضاؤوا بنور الهداية العامّة واستفادوا منها، كما قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾[3], وقال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[4], وهي التي نفاها عن الفاسقين، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[5].

 

[1] سورة يونس، الآية 108.

[2] سورة فصّلت، الآية 17.

[3] سورة محمّد، الآية 17.

[4] سورة العنكبوت، الآية 69.

[5] سورة المنافقون، الآية 6.


49

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

فالمراد من الهداية الخاصّة هو تهيئة سبل السعادة ووسائل الرشاد وتوفيرها لمن استفاد من الهداية العامّة، وتثبيتهم وتسديدهم في مزالق الحياة إلى سبل النجاة. وإنّ المراد من الضلالة هو منعهم وحرمانهم من هذه المواهب، وخذلانهم في الحياة، وإيكالهم إلى أنفسهم[1].

 

إذا رجعنا إلى الدعاء الشريف، فقد نفهم أنّ العبارة الأولى - أي "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ"- الهداية العامّة، ومن قوله "وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ"، وقوله في هذا المقطع: "حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ" إشارة إلى الهداية الخاصّة التكوينيّة.

 

ثانيًا: الدين والملّة

الملَّة بمعنى الدين، وتدلّ على نوع من التضيّق والمحدوديّة، والعيش تحت مقرّرات مضبوطة، كما أنّ الدين هو الخضوع والانقياد تحت برنامج معيّن. وتُطلَق على تضيّق في حقّ أو باطل، ففي الحقّ: كما في ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾[2], ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾[3], وفي الباطل: كما في ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾[4], فالفرق بين الدين

 

[1] ينظر: السبحانيّ، الشيخ جعفر، الفكر الخالد في بيان العقائد، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، إيران - قم، 1425ه.ق - 1383 ه.ش، ط1، ج2، ص13-15.

[2] سورة يوسف، الآية 37.

[3] سورة يوسف، الآية 38.

[4] سورة الأعراف، الآية 88.


50

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

والملَّة أنّ الدين، حيث إنّه يدلّ على الخضوع والانقياد، يُستَعمل في موارد الحقّ، أمّا الملَّة، بلحاظ دلالتها على التضيّق والمحدوديّة، تُستَعمل في موارد الباطل أو في قباله[1].

 

فالإمام يقول لنا:

يجب علينا أن نحمد الله تعالى، الذي "حَبَانَا بِدِينِهِ"، أي أعطانا وأكرمنا بهذا الدين الإسلاميّ العظيم، وبما أنّ الدين يُستَعمل في موارد الحقّ، فظهر سرّ قولِه "حَبَانَا"، "وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ"، وبما أنّ الملّة تُستَعمل في موارد الباطل، فهناك ملّةُ قومٍ لا يؤمنون، فإنّ الله تعالى اختصّنا. وفَهمُ سببِ أنّه حبانا بالدين واختصّنا بالملّة، يتوقّف على فهم الهداية العامّة والخاصّة، وقد تقدّم بيانهما.

 

ثالثًا: سبل الإحسان

"وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ إلى رِضْوَانِهِ"

يظهر من كلام الإمام أنّ هناك طرقًا قد جعلها الله تعالى للإنسان، وما على الإنسان إلّا أن يسلكها، حتّى يصل إلى الهدف الأعلى الذي رسمه الله للبشر، وهو الوصول إلى الرضوان الإلهيّ. ونجد أنّ الإمام بيّن النقاط الآتية:

1- إنّ الطريق أو السُبل إلى الله واضحة ومشخّصة.

2- إنّ تفاصيل هذه السُبل واضحة ومبيّنة أيضًا.

 

[1] المصطفويّ، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران، 1417ه، ط1، ج 11، ص175.


51

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

3- وبيّن الهدف الأعلى والمقصد الأسمى من سلوك هذه الطرق.

 

ركّز الإمام أنّ بيان هذه الطرق، وسلوكها، والوصول إلى الهدف، كلّها بعناية الله ولطفه وتسديده. ولا بدّ أن يشتمل هذا الحمد على عمق الإخلاص، وروحيّة الإيمان الحقيقيّة، بالمستوى الذي يتقبلّه الله من عباده، ويمنحهم من خلاله الوصول إلى الهدف الأعلى، وهو الرضوان.

 

فالله تعالى هدى البشر كلّهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[1].

 

عَنْ زُرارَةٍ، قالَ: "سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾, قالَ: عَلَّمَهُ السَّبيلَ، فَإِمَّا آخِذٌ فَهُوَ شاكِرٌ، وَإِمَّا تارِكٌ فَهُوَ كافِرٌ"[2].

 

بعض الناس لا يأخذ بهذه السبل، فهولاء سيُحرَمون من الهداية الخاصّة، وبعضهم يأخذ بهذه السبل وبطرق الهداية، وهؤلاء عندما يهتدون ويطيعون الله تعالى، فإنّ الله سيهديهم السُبل، لكي لا يقعوا بالعصيان والطغيان، لأنّ طريق الضلال والعصيان ما زال مفتوحًا أمامهم، فكلّما ازدادوا تُقًى، زادهم الله هُدًى، بل حتّى أولئك الذين وصلوا إلى أعلى مراتب اليقين والإخلاص، فهم يحتاجون أيضًا إلى العناية الإلهيّة والتسديد الربّانيّ، لأنّه، حسب بيان الروايات، فإنّ الإخلاص على خطرٍ عظيمٍ حتّى يُختَم للإنسان.


 

[1] سورة الإنسان، الآية 3.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 5، ص302.


52

الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "الإِخْلَاصُ خَطَرٌ عَظِيمٌ، حَتَّى يَنْظُرَ بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ"[1].

 

وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ خَالِصِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ... هَلَكَ الْعَامِلُونَ إِلَّا الْعَابِدُونَ، وَهَلَكَ الْعَابِدُونَ إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَهَلَكَ الْعَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ، وَهَلَكَ الصَّادِقُونَ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، وَهَلَكَ الْمُخْلِصُونَ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وَهَلَكَ الْمُتَّقُونَ إِلَّا الْمُوقِنُونَ، وَإِنَّ الْمُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[2], وَأَدْنى حَدِّ الْإِخْلَاصِ بَذْلُ الْعَبْدِ طَاقَتَهُ، ثُمَّ لَا يَجْعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا، فَيُوجِبَ بِهِ عَلَى رَبِّهِ مُكَافَاةً لِعِلْمِهِ بِعَمَلِهِ، أَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ بِوَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، لَعَجَزَ، وَأَدْنَى مَقَامِ الْمُخْلِصِ فِي الدُّنْيَا السَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ الْآثَامِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّة"[3].

 

ثمّ يختم الإمام هذا المقطع، ببيان أنّه إذا لم تكن هذه الهداية من الله تعالى، حتّى الحمد لن يصدر منّا، فبواسطة هذا الحمد، الذي صدر بمعونة الله وهدايته، نريده حمدًا يتقبّله منّا ويرضى به عنّا.

 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص49. وجاء في الحديث "الناس كلّهم هلكى إلّا العاِلمون، والعالِمون كلّهم هلكى إلّا العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلّا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" جاء نصّ هذا الكلام في أثناء كلام (الغزاليّ) في إحياء علوم الدين, دار الكتاب العربي، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط،ج 4، ص156، وكأنّه من كلام نفسه. إلّا أنّه جاء نصّ هذه العبارة في (مجموعة الشيخ ورام) ص320، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرسلًا. وكذلك جاء في (مصباح الشريعة) المنسوب إلى الصادق عليه السلام في الباب 77 ما يقرب من هذا النصّ.

[2] سورة الحجر، الآية 99.

[3] الإمام الصادق، جعفر بن محمّد عليهما السلام (منسوب)، مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1400ه - 1980م، ط1، ج1، ص37.


53

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

الموعظة السابعة

أوصاف شهر رمضان وخصائصه

 

محاور الموعظة:

- صفات شهر رمضان.

- شهر نزول القرآن.

- فضل شهر رمضان.

 

"وَالْحَمْدُ لِلّه الَّذِي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ، شَهْرَ رَمَضَانَ، شَهْرَ الصِّيَامِ، وَشَهْرَ الإِسْلام، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ التَّمْحِيْصِ، وَشَهْرَ الْقِيَامِ، الَّذِي أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ، فَأَبَانَ فَضِيْلَتَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، بِمَا جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُمَاتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَشْهُورَةِ، فَحَرَّمَ فِيْهِ ما أَحَلَّ فِي غَيْرِهِ إعْظَامًا، وَحَجَرَ فِيْهِ الْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ إكْرَامًا، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتًا بَيِّنًا لا يُجِيزُ – عَزَّوَجَلَّ - أَنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلا يَقْبَـلُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ...".

 

تمهيد

بعد أن بيّن الإمام محوريّة الحمد والشكر لله تعالى، وطلب


54

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

من الله أن يُسَبِّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، دخل في هذا المقطع الشريف بالموضوع الأصليّ، وهو شهر رمضان، وبيّن أنّه من هذه السُبُل هو هذا الشهر الكريم، ثمّ بين خصائصه وصفاته وكيفيّة التعامل معه.

 

أوّلًا: صفات شهر رمضان المبارك وخصائصه

الصفة الأولى: شهر رمضان شهر الله

إنّ إضافة الأشياء إلى الذات المقدّسة ليست إضافةً تشريفيّةً فقط، بل لها أبعادٌ أخرى، فعندما يُقَال: بيت الله، وشهر الله... فالمقصود من ذلك أنّ هذا المكان، وهذا الزمان، لهما خاصّيّات تجعلهما، كمًّا وكيفًا، أقرب إلى الفيوضات الإلهيّة، والرحمات الربّانيّة، فشهر الله تعالى هو شهرٌ من الناحية الزمانيّة، يكون فيه عباد الله أقرب لنيل الفيوضات التي هي أعظم وأتمّ في هذا الشهر من غيره، يقول  صلى الله عليه وآله وسلم: "دُعِيتُمْ فِيهِ إلى ضِيَافَةِ اللَّه"[1].

 

إضافة "الشهر" إلى الضمير العائد إليه تعالى، إمّا لتعظيمه، أو لبيان أنّ الصوم يختصّ به تعالى، زيادة عن باقي العبادات. وهذا المعنى يُفهَم ممّا نطق به الحديث القدسيّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَسَنَاتِ بَنِي آدَمَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ قَالَ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أُجْزَى بِهِ"[2].

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 10، ص313.

[2] الطبرسيّ، الميرزا حسين النوريّ، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج7، ص501.


55

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

ومعنى الحديث -بعد العلم بالأخبار الواردة عنهم عليهم السلام في آداب الصائم، كقول الإمام الصادق  عليه السلام: "إِذَا صُمْتَ، فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَشَعْرُكَ وَجِلْدُكَ..."، وقَالَ: "لا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ"[1]، وكقوله  عليه السلام أيضًا: "إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِنَّ مَرْيَمَ قَالَتْ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾[2], أَيْ صَمْتًا، فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَازَعُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"[3]- أنّ كفَّ النفس عمّا سوى اللّه تعالى هو الصوم الحقيقيّ، وهو مختصٌّ به سبحانه. ولذا، قال اللّه تعالى: "وَأَنَا أُجْزَى بِهِ"[4].

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "صِيَامُ الْقَلْبِ عَنِ الْفِكْرِ فِي الْآثَامِ، أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ الْبَطْنِ عَنِ الطَّعَامِ"[5].

 

الصفة الثانية: شهر رمضان

في اشتقاق شهر رمضان، أقوالٌ عديدة، أهمّها:

الأوّل: من الرمض، وهو حرّ الحجارة من شدّة حرّ الشمس، فسُمّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّ وجوب صومه صادف شدّة الحرّ.

 

[1] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج4، ص87.

[2] سورة مريم، الآية 26.

[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص108.

[4] الشيرازيّ، السيد محمّد باقر الحسينيّ، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، صحّحه وعلّق عليه: مجيد هادي زاده، مركز البحوث الكمبيوتريّة التابع لحوزة أصفهان العلميّة، ج5، ص16.

[5] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص422.


56

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

الثاني: مأخوذ من الرميض، وهو السحاب والمطر في آخر القيظ وأوّل الخريف، سُمّي رميضًا، لأنّه يدرأ سخونة الشمس، فسُمِّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّه يغسل الأبدان من الذنوب والآثام، عَنِ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلمأَنَّهُ قَالَ: "وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ تُرْمَضُ فِيهِ الذُّنُوبُ، أَيْ تُحْرَقُ"[1].

 

الصفة الثالثة: شهر الصيام

و"شهر الصيام" إمّا بدلٌ من "شهر رمضان"، أو عطفُ بيانٍ على جهة المدح، كما قيل في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾[2]. ولعلّ بيان هذه الصفة للتنبيه على أنّ أهمّ وظيفة عظيمة في هذا الشهر هي الصيام.

 

الصفة الرابعة: شهر الإسلام

و"شهر الإسلام"، أي الانقياد والطاعة، الذي هو أعلى مراتب الإيمان، وهو المراد من قوله تعالى حكايةً عن خليله: ﴿حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾[3]. ويجوز أن يُرَاد به معناه العامّ، فإنّ هذا الشهر من شعائر المسلمين، يُعرَفون به ويُمَيَّزون به عن غيرهم من ذوي الملل والأديان.

 

فشهر رمضان هو شهر الإسلام، لأسبابٍ متعدّدة، نذكر منها:

أوّلًا، الإسلام - بالمعنى اللغويّ - هو التسليم، فهذا الشهر هو شهر التسليم والطاعة والانصياع لأوامر الله ونواهيه.

 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص546.

[2] سورة المائدة، الآية 97.

[3] سورة آل عمران، الآية 67.


57

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

ثانيًا، بمعنى ما اختصّت به هذه الأمّة من بين الأمم بفريضة الصوم، فالصوم آخر الزمان من مختصّات الأمّة الإسلاميّة.

 

ثالثًا، هو شهر ظهور آثار الإسلام، من صلة الرحم، والعبادة في المساجد، ومساعدة الفقراء، وقراءة القرآن...

 

الصفة الخامسة: الطهور

لتطهير الخلائق عن دنس المعاصي. و"الطَهور"- بالفتح والضمّ، على الروايتين: مصدرٌ بمعنى: الطهارة.

يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾[1], فالصوم، وقراءة القرآن، والصدقات...كلها لتطهير الإنسان من دنس العصيان.

 

الصفة السادسة: التمحيص

و"شهر التمحيص" لاختبارهم وتمحيصهم عن الذنوب، "والتمحيص: الابتلاء والاختبار"[2]، كقوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾[3]، أي وليبتلي اللّه الّذين آمنوا، أو محو الذنوب، قال في التحقيق في كلمات القرآن: "التمحيص هو التخليص من العيب والشوب، مع التجلية"[4]. ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي

 

[1]  سورة الفرقان، الآية 48.

[2] الجوهريّ، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، 1407ه - 1987م، ط4، مادّة (محص)، ج 3، ص1056.

[3] سورة آل عمران، الآية 141.

[4] الشيخ حسن، المصطفويّ، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مصدر سابق، ج6، ص208.


58

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[1]. ويُقَال في الدعاء: اللهمّ محّص عنّا ذنوبنا، أي: أزل ما علّق بنا من الذنوب"، وفي الكشّاف: "التمحيص: التطهير والتصفية"[2].

 

الصفة السابعة: القيام

"شهر القيام"، لأنّه ينبغي أن يقوم الشخص بالليل، أو القيام بالعبادة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*  قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[3].

 

ثانيًا: شهر نزول القرآن

قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[4].

 

"قال المفسّرون: فائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيهُ على علّة تخصيصه بالصوم فيه، وذلك أنّه لمّا خُصَّ بأعظم آيات الربوبيّة (وهو القرآن الكريم)، ناسب أن يخصّ باشق سمات العبوديّة (وهي الصوم)، فبقدر هضم النفس يترقّى العبد في مدارج الأنس، ويصل إلى معارج القدس[5]"[6].

 

[1] سورة آل عمران، الآية 154.

[2] الزمخشريّ، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، شركة مكتبة ومطبعة الحلبيّ، مصر، 1385ه - 1966م، لا.ط، ج1، ص466.

[3] سورة المزمل، الآيات 1-4.

[4] سورة البقرة، الآية 185.

[5] فسلوك المراتب العالية يحتاج إلى مجاهدة النفس والجِدِّ والتعب في العبادة.

[6] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص26.


59

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

القرآن نُزِّل فيه جملةً واحدةً إلى سماء الدنيا، ثمّ نُزِّل نجومًا إلى الأرض، وهو مرويٌّ عن الإمام الصادق عليه السلام.

 

وقيل: "إنّ اللّه تعالى أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثمّ أنزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نجومًا في طول عشرين سنة"[1].

 

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[2] كَيْفَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؟ فَقَالَ  عليه السلام: "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ أُنْزِلَ مِنَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: قالَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ الْإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ"[3].

 

﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ حالان من "القرآن"، أي حال كونه هاديًا لهم ومشتملًا على علاماتٍ ظاهرةٍ وآياتٍ باهرةٍ من"الهداية"، و"ما يفرّق به بين الحقّ والباطل".

 

[1] الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مصدر سابق، ج2، ص14.

[2] سورة البقرة، الآية 185.

[3] العيّاشيّ، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشيّ، تحقيق الحاج السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، إيران - طهران، لا.ت، لا.ط، ج1، ص80.


60

الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام عَنِ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ، قَالَ: "الْقُرْآنُ جُمْلَةُ الْكِتَابِ وَأَخْبَارُ مَا يَكُونُ، وَالْفُرْقَانُ الْمُحْكَمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَكُلُّ مُحْكَمٍ فَهُوَ فُرْقَانِ"[1].

 

ثالثًا: فضل شهر رمضان

"فَأَبَانَ فَضِيْلَتَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ... وَلا يَقْبَـلُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ..."

 

الأمور التي ذكرها الإمام للدلالة على تعظيم هذا الشهر، هي:

الأول: فَحَرَّمَ فِيْهِ ما أَحَلَّ فِي غَيْرِهِ إعْظَامًا، إشارة إلى تحريم المواقعة الجنسيّة، التي هي حلال قبل هذا الشهر.

الثاني: وَحَجَرَ (أي منع) فِيْهِ الْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ إكْرَامًا، وهو أحد مصاديق الحلال التي منعها في هذا الشهر.

الثالث: وَجَعَلَ لَهُ وَقْتًا بَيِّنًا، فجعل له أوقاتًا محددةً يمنع من تجاوزها. السبب في تعيين بعض الأوقات لعبادةٍ مخصوصة كشهر رمضان للصوم، وأشهر الحجّ للحجّ، أنّ لبعض الأوقات أثرًا في زيادة الثواب أو العقاب، كالأمكنة.

 

[1] تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج1، ص9.


61

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

الموعظة الثامنة

ليلة القدر

 

محاور الموعظة:

- تفضيل ليلة القدر.

- تسمية ليلة القدر.

- خصائص ليلة القدر.

- تنزّل الملائكة في ليلة القدر.

 

"ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ عَلَى لَيَالِي أَلْفِ شَهْر، وَسَمَّاهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر، سَلامٌ دَائِمُ الْبَرَكَةِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ، عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، بِمَا أَحْكَمَ مِنْ قَضَائِهِ".

 

تمهيد

وردت روايات كثيرة في فضل ليلة القدر وعظمتها، منها:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، إِيمَانًا وَاِحْتِسَابًا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"[1].

 

[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، مصدر سابق، ص136.


62

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

"إِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَخْرُجُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا، وَلا يَسْتَطِيعُ فِيهَا أَنْ يَنَالَ أَحَدًا بِخَبَل[1] أَوْ دَاءٍ أَوْ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الْفَسَادِ، ولا يَنْفُذُ فِيهِ سِحْرُ سَاحِرٍ"[2].

 

هي ليلة تتنزّل فيها النعم والخير والبركة والإحسان على المؤمنين الذاكرين الله، حيث يضاعف الله سبحانه لهم الحسنات والخيرات، رحمةً منه على عباده، وتتنزّل الملائكة والروح فيها إلى الأرض، وهي سلامٌ على أولياء الله وأهل طاعته، حتّى مطلع الفجر.

 

وإذا رجعنا إلى كلام الإمام في الدعاء، فهو يشير إلى عدّة نقاط:

أوّلًا: تفضيل ليلة القدر على ألف شهر

"ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ عَلَى لَيَالِي أَلْفِ شَهْر"

"التفضيل" جعل الشيء أفضل من غيره، و"على" للاستعلاء المعنويّ، وهذا التفضيل إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[3], ومعنى كونها خيرًا من ألف شهر أنّ العبادة فيها خيرٌ من العبادة في ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، وذلك لِما فيها من الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق والمنافع الدينيّة والدنيويّة.

 

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام، عندما سُئل: كَيْفَ يَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرًا

 

[1] الخبل - بالتحريك -: فساد الأعضاء، الجنون.

[2] الشيخ الحويزيّ، تفسير نور الثقلين، مصدر سابق، ج5، ص615.

[3] سورة القدر، الآية 3.


63

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

"مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ"؟ قَالَ: "الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ"[1].

 

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "رَأَى رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَنَامِهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ويُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى، فَأَصْبَحَ كَئِيبًا حَزِينًا، قَالَ: فَهَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ  عليه السلام، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي أَرَاكَ كَئِيبًا حَزِينًا؟ قَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ، إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي مِنْ بَعْدِي، وَيُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا اِطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، فَعَرَجَ إلى السَّمَاءِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِآيٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُؤْنِسُهُ بِهَا، قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ *  مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾[2], وأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[3]. جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِنَبِيِّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم خَيْرًا "مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ"[4].

 

ثانيًا: تسمية ليلة القدر

"وَسَمَّاهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ"

"القدر" في اللغة: "كون الشيء مساويًا لغيره، من غير زيادة ولا

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص157.

[2] سورة الشعراء، الآيات 205 - 207.

[3] سورة القدر، الآيات 1 - 3.

[4] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص159.


64

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

نقصان"[1]، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدرًا: إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة، والقدر بمعنى التقدير.

 

سُمِّيَت ليلةَ القدر، لأنّها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها، إلى مثلها من السنة القادمة، من حياة وموت، وخير وشرّ، وسعادة وشقاء، ورزق وولادة. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[2].

 

ففَرْقُ الأمر الحكيم يعني إحكام الأمر الواقع بخصوصيّاته التقديريّة، وإمضاؤه في تلك الليلة رحمةٌ من الله إلى عباده.

 

والمراد إظهار تلك المقادير للملائكة والنبيّ والأئمّة عليهم السلام في تلك الليلة، وإلّا فالمقادير، من الأزل إلى الأبد، ثابتةٌ في اللوح المحفوظ[3].

 

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  عليه السلام، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: يَا عَلِيُّ، أَتَدْرِي مَا مَعْنَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ فَقُلْتُ: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا مَا هُوَ كَائِنٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكَانَ فِيمَا قَدَّرَ عَزَّ وَجَلَّ وَلايَتُكَ وَوَلايَةُ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"[4].

 

وقيل: القدر بمعنى الشرف والخطر، يعني ليلة الشرف والعظمة،

 

[1]  التهانويّ، محمّد بن عليّ، موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، مكتبة لبنان ناشرون، لبنان - بيروت، 1996م، ط1، ج2، ص3101.

[2] سورة الدخان، الآية 4.

[3] أي إنّ هذه المقادير ثابتة في علم الله عزّ وجلّ، ولا يتوجّه إليه الجهل بها -والعياذ بالله-، ولكنّه يُظهِر، في ليلة القدر، ما سيكون منها في هذا العام، للملائكة والنبيّ والأئمّة عليهم السلام.

[4] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، معاني الأخبار، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفّاريّ، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقمّ المشرفة، إيران - قم، 1379ه - 1338 ش، لا.ط، ص315.


65

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

فالقدر يأتي بمعنى المنزلة، وسُمِّيَت ليلة القدر لأهمّيّتها ومنزلتها، ولأهمّيّة المتعبّدين والذاكرين الله فيها، ومنزلتهم.

 

ثالثًا: خصائص ليلة القدر

"تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر، سَلامٌ دَائِمُ الْبَرَكَةِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ"

 

هناك خصائص متعدّدة لليلة القدر، وهي:

1- نزول الملائكة والروح

لعلّ من أهمّ خصائص ليلة القدر، هو نزول الروح، وفي الرواية: عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه  عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[1], قَال  عليه السلام: خَلْقٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ، كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّه  صلى الله عليه وآله وسلم، وَهُوَ مَعَ الْأئمّة عليهم السلام، وَهُوَ مِنَ الْمَلَكُوت"[2].

 

2- سلام دائم

"ومعنى سلام، هي أنّ هذه الليلة ما هي إلّا سلامة وخير، فأمّا سائر الليالي، فيكون فيها بلاء وسلامة، أو ما هي إلّا سلام لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين"[3].

 

[1] سورة الإسراء، الآية 85.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص273.

[3] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص32.


66

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

في تفسير القمّيّ، قال: "تحيّةٌ يُحَيَّا بها الإمام إلى أن يطلع الفجر"[1].

 

قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهما السلام يَقُولُ في تفسيره: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾، "يُسَلِّمُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مَلائِكَتِي وَرُوحِي بِسَلامِي، مِنْ أَوَّلِ مَا يَهْبِطُونَ إلى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"[2].

 

"والدائم: الممتدّ زمانه والثابت والمتتابع، يُقَال: دام المطر، إذا تتابع نزوله.

 

والبركة: كثرة الخير ونماؤه"[3].

 

3- ليلة القدر وتعيّن مقدّرات السنة

عَنْ حُمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَر  عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾[4], قَالَ: "نَعَمْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَلَمْ يُنْزَلِ الْقُرْآنُ إلاَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قَال عليه السلام: يُقَدَّرُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كُلُّ شَيْ‏ءٍ يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إلى مِثْلِهَا، مِنْ قَابِلٍ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَمَوْلُودٍ وَأَجَلٍ، أَوْ رِزْقٍ، فَمَا قُدِّرَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَقُضِيَ فَهُوَ الْمَحْتُومُ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ


 

[1] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، تحقيق السيّد طيب الموسويّ الجزائريّ، مطبعة النجف، لا.م، 1387ه، لا.ط، ج2، ص431.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج25، ص80.

[3] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص33.

[4] سورة الدخان، الآية 3.


67

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

الْمَشِيئَةُ. قَالَ: قُلْتُ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أَيُّ شَيْ‏ءٍ عُنِيَ بِذَلِكَ؟ فَقَال عليه السلام: الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا، مِنَ الصلة وَالزَّكَاةِ وَأَنْوَاعِ الْخَيْرِ، خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَوْ لَا مَا يُضَاعِفُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا بَلَغُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ بِحُبِّنَا"[1].

 

رابعًا: تنزّل الملائكة في ليلة القدر

"عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا أَحْكَمَ مِنْ قَضَائِهِ"

 

"المراد بمن يشاء من عباده: إمام الزمان  عليه السلام، وبما أحكم من قضائه: ما قضى وأبرم وأمضى وحتم ولم يكن فيه تقديم وتأخير، ولا تبديل وتغيير"[2].

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: "مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، قُسِّمَ فِيهَا الْأَرْزَاقُ، وَكُتِبَ فِيهَا الْآجَالُ، وَخَرَجَ فِيهَا صِكَاكُ الْحَاجِّ، وَاطَّلَعَ اللَّهُ إلى عِبَادِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِلاَّ شَارِبَ الْخَمْرِ مُسْكِرٍ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فِيه?ا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، ثُمَّ يُنْهَى ذَلِكَ وَيُمْضَى ذَلِكَ، قُلْتُ: إلى مَنْ؟ قَالَ: إلى صَاحِبِكُمْ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ"[3].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص157.

[2] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص34.

[3] الشيخ الحويزيّ، تفسير نور الثقلين، مصدر سابق، ج4، ص625.


68

الموعظة الثامنة: ليلة القدر

عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾, قَالَ: "تِلْكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، يُكْتَبُ فِيهَا وَفْدُ الْحَاجِّ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ مَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ، وَيُحْدِثُ اللَّهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَا يَشَاءُ، ثُمَّ يُلْقِيهِ إلى صَاحِبِ الْأَرْضِ، قَالَ الْحَرْثُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْبَصْرِيُّ: قُلْتُ: ومَنْ صَاحِبُ الْأَرْضِ؟ قَالَ: صَاحِبُكُمْ"[1].


 

[1] الصفّار، محمّد بن الحسن بن فروخ، بصائر الدرجات، تصحيح وتعليق وتقديم الحاج ميرزا حسن كوچه باغي، منشورات الأعلميّ، إيران -  طهران، 1404ه - 1362ش، لا.ط، ج1، ص221.


69

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

الموعظة التاسعة

مراتب الصوم

 

محاور الموعظة:

- الامتناع عن المفطّرات.

- الكفّ عن المعاصي.

- ترك المكروهات والشبهات.

 

"اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمَّا حَظَرْتَ فِيهِ، وَأَعِنَّـا عَلَى صِيَامِـهِ بِكَفِّ الْجَـوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيْكَ، وَاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ بِمَا يُرْضِيْكَ، حَتَّى لا نُصْغِي بِأَسْمَاعِنَا إلى لَغْو، وَلا نُسْرِعُ بِأَبْصَارِنَا إلى لَهْو، وَحَتَّى لا نَبْسُطَ أَيْدِيَنَا إلى مَحْظُور، وَلا نَخْطُوَ بِأَقْدَامِنَا إلى مَحْجُور، وَحَتَّى لا تَعِيَ بُطُونُنَا إلاَّ مَا أَحْلَلْتَ، وَلا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنَا إلاَّ بِمَا مَثَّلْتَ، وَلا نَتَكَلَّفَ إلاَّ ما يُدْنِي مِنْ ثَوَابِكَ، وَلا نَتَعَاطَى إلّا الَّذِي يَقِيْ مِنْ عِقَابِكَ، ثُمَّ خَلِّصْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ رِئآءِ الْمُرَائِينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعِينَ، لا نَشْرِكُ فِيهِ أَحَدًا دُونَكَ، وَلا نَبْتَغِيْ فِيهِ مُرَادًا سِوَاكَ".


70

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

تمهيد

بدأ الإمام هذا المقطع بآداب الدعاء، وأهمّها الصلاة على محمّد وآل محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم، مفتتحًا المقطع بقاعدة أساسيّة في المعرفة، وهي أنّ الإنسان، لكي يقوم بأيّ سلوك وعمل، فهو مرتبطٌ بمقدار علمه ومعرفته، وهذه القاعدة تنطبق في التعامل مع شهر رمضان، أي نتعامل معه على قدر معرفتنا به. ولذا، قال: وَأَلْهِمْنَا.

 

والإمام، في هذا المقطع، يتحدّث عن مراتب الصوم، بمعناه المادّيّ الشرعيّ، الذي يتمثّل في ترك بعض الأشياء الخاصّة من الطعام والشراب والجنس وما شاكل، وهي المرتبة الأولى، والترك للمحرّمات كلّها، حتّى في غير المفطِّرات، وهي المرتبة الثانية، إلى أن نصل إلى حقيقة الصوم، ببُعده الروحيّ الأخلاقيّ. ويمكن تقسيم هذا المقطع، حسب مراتب الصوم، إلى أربعة، وهي:

المرتبة الأولى: وَالتَّحَفُّظَ مِمَّا حَظَرْتَ فِيهِ، مرحلة التحفّظ عن المحظور، وكفّ النفس عن المفطّرات.

 

المرتبة الثانية: بِكَفِّ الْجَـوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيْكَ، كفّ النفس عن المعاصي والذنوب كلّها، أي ترك المعاصي كلّها في غير حدود المفطّرات.

 

المرتبة الثالثة: وَاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ بِمَا يُرْضِيْكَ، ترك المكروهات والشبهات كلّها.

 

المرتبة الرابعة: وَلا نَبْتَغِيْ فِيهِ مُرَادًا سِوَاكَ، ترك العمل لغير الله تعالى، حتّى في الأمور المباحة.


71

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

أوّلًا: الامتناع عن المفطّرات

"وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمَّا حَظَرْتَ فِيهِ".

 

والغرض من سؤال إلهام معرفة فضله وإجلال حرمته والتحفّظ ممّا حظر فيه، إيفاؤه حقّه من الاحترام، والاحتراز عمّا لا يحلّ فيه كما ينبغي، كيلا يكون مقصّرًا او متوانيًا.

 

"الإلهام: لغةً: الإعلام مطلقًا، واصطلاحًا: إلقاء الخير في قلب الغير، بلا استفاضة فكريّة منه. فإنْ حُمِلَ هنا على معناه اللغويّ، فالمراد بمعرفه فضله: العلم به، ولو بالتعلّم والاستفاضة، وإنْ حُمِلَ على المعنى الاصطلاحيّ، فالمراد بها إدراكه على ما هو عليه، إذ لا يكون ذلك إلّا بالإلهام المصطلح، ويرجّح هذا تفسير الجمهور للمعرفة، بأنّها إدراك الشي‏ء على ما هو عليه.

 

وإجلال الشيء: تعظيمه.

والحرمة: ما لا يحلّ انتهاكه.

والتحفّظ: التحرّز.

وحظره حظرًا من باب - قتل-: منعه وحرمه[1].

 

وهذه المرتبة هي التي ذكرها الفقهاء في رسائلهم العمليّة، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "يُشتَرط في الصوم النيّةُ، بأن يقصد إلى تلك العبادة المقرّرة في الشريعة، ويعزم على الإمساك عن المفطرات المعهودة، بقصد القربة، ولا يُعتَبر في الصحّة العلم بالمفطّرات على التفصيل..."[2].

 

[1] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص39-40.

[2] الإمام الخمينيّ، تحرير الوسيلة، دار الكتب العلميّة، العراق - النجف، 1390ه.ق، ط2،كتاب الصوم اعتبار النيّة في الصوم، مسألة الأولى، ج1 ص278.


72

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: لَمَّا حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ فِي ثَلاثٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ لِبِلالٍ: نَادِ فِي النَّاسِ، فَجَمَعَ النَّاسَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ خَصَّكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَحَضَرَكُمْ، وَهُوَ سَيِّدُ الشُّهُورِ، لَيْلَةٌ فِيهِ ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، تُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجِنَانِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَلَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ"[1].

 

ثانيًا: الكفّ عن المعاصي

"وَأَعِنَّـا عَلَى صِيَامِـهِ، بِكَفِّ الْجَـوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيْكَ".

يُقَال: كففته عن الشي‏ء، كفا من باب - قتل-، أي منعته.

والجوارح: الأعضاء جمع جارحة.

 

في هذه المرتبة، شرع الإمام بيان آداب الصوم، وفيها أخبار كثيرة عنهم عليهم السلام، منها:

"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام: إِذَا صُمْتَ، فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَشَعْرُكَ وَجِلْدُكَ... لا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ.

 

كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهما السلام، إِذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ، لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلاَّ بِالدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَالتَّكْبِيرِ، فَإِذَا أَفْطَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفْعَلَ فَعَلْتَ"[2]. وقد تقدّمت جملة من هذه الروايات.


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص67.

[2] المصدر نفسه، ج4، ص88.


73

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

بِكَفِّ الْجَـوَارِحِ: الظاهرة والباطنة، ممّا سواه -تعالى-، روي أنه  صلى الله عليه وآله وسلم "سَمِعَ اِمْرَأَةً تَسُبُّ جَارِيَةً لَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلمبِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: كُلِي، فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونِينَ صَائِمَةً، وَقَدْ سَبَبْتِ جَارِيَتَكِ؟! إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَطْ"[1]. والظاهر أنّ دعاءه  صلى الله عليه وآله وسلم لها بالطعام، بناءً على علمه  صلى الله عليه وآله وسلمبأنّ صومها كان تطوّعًا، ويُحتَمل وجوبه، ويكون مثل هذا من باب التأديب، يعنى أنّ مثل هذا الصوم لا يُثَاب عليه صاحبُه، بل وجوده كعدمه، وإن كان يجب إتمامُه. والحاصل أنّ المراد طلبُ التوفيق لهذا الصوم الكامل[2].

 

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره، متحدّثًا عن الأهليّة لضيافة الله: "إياكم أن تصدر منكم غيبة أو تهمة أو نميمة أو أيّ ذنب في هذا الشهر، لأنّكم بذلك تسيئون إلى آداب هذا الشهر وضيافة الله، وقد تدنّسون أنفسكم بالمعاصي، وأنتم ضيوف الله سبحانه وتعالى...

 

لقد دُعيتم إلى الضيافة، فهيّئوا أنفسكم لهذه الضيافة العظيمة، تحلُّوا بالآداب الصوريّة والظاهريّة على الأقل، ليس معنى الصوم الإمساك عن الطعام والشراب، إنّ الواجب أيضًا هو الاجتناب عن المعاصي، وهذا من الآداب الأوّليّة للصوم...

 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص109.

[2] الجزائريّ، السيّد نعمة الله بن عبد الله، ‏نور الأنوار في شرح الصحيفة السجّاديّة، الناشر: آسيانا، إيران - قمّ، 1427ه.ق‏، ط1، ج1، ‏ص307.


74

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

وحضور هذه الضيافة يتوقّف على أن يكون العبد مستحقًا لها ولائقًا بها. لقد دعا الله سبحانه عباده لكثير من الخيرات وكثير من اللذائذ الروحيّة والمعنويّة ولكن إذا لم يكن العباد أهلًا لذلك فكيف يمكنهم الحضور إلى ساحة الحق، كيف يمكن الحضور في حضرة الله تبارك وتعالى، الذي هو معدن العظمة... إنّ الأمر ليحتاج إلى استحقاق وتهيّؤ واستعداد، ولا يمكن إدراك هذه المنازل حين تكون الذنوب تسوّد الوجوه، وحين تكون القلوب ملوّثةً بالمعاصي، وملطّخةً بالآثام، وقد حالت بينها وبين الحقّ العادل حُجب الظلام".

 

ثالثًا: ترك المكروهات والشبهات كلّها

"وَاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ بِمَا يُرْضِيْكَ... وَلا نَتَعَاطَى إلّا الَّذِي يَقِيْ مِنْ عِقَابِكَ".

 

معاني المفردات

"استعمالُها": العمل بها.

 

و"لا نصغي": لا نميل، يُقَال: أصغيت إلى حديثه، أي مِلت بسمعي إليه.

 

و"اللغو" من الكلام: ما لايُعتَدّ به، وهو الذي لا عن رويّةٍ وفكرٍ.

 

و"اللهو": ما يشتغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه. وتقييد "الإسراع" إليه بـِ"الأبصار" للمبالغة في اجتنابه، إذ كان النظر رائد الفجور.

 

و"بسط يده إلى" الشي‏ء: مدّها نحوه، أي لا تناول أيدينا جرمًا.

 

و"لا نخطو": من الخطوة إلى محجورٍ، أي ممنوعٍ.

 

و"لا تعي بطوننا": لا تصير بطوننا وعاءً، أو: لايحفظ بطوننا شيئًا،


75

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

من: وعيت الشي‏ء وعيًا، من باب وعد: حفظته وجمعته.

 

"إلّا ما أحللت": أي جعلته حلالًا لنا، من: أحلّ اللّه الشي‏ء: جعله حلالًا.

 

و"إلّا بما مثّلت": أي، وإلّا بما حدّثت، من المَثَل بالتحريك، بمعنى: الحديث.

 

و"لا نتكلّف": أي لانرتكب كلفته، من الكُلفة بالضمّ، بمعنى: المشقّة.

 

"إلّا ما يدني": أي يقرّب.

 

"من ثوابك": أي ممّا يوجب ثوابك، يعني: الثواب الذي أعطيته جزاء العمل.

 

و"لا نتعاطى": أي لانتناول ولا نفعل "إلّا الذي" يحفظ "من" عذابك، يعني: الأعمال الصالحة والاجتناب عن السيّئة، من: تعاطيت كذا، أي أقدمت عليه وفعلته، وفلانٌ يتعاطي ما لا ينبغي له، ومنه: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَر﴾[1].[2]

 

الوقوف عند الشبهات

من السمات السلوكيّة البارزة، التي تميّز المؤمنين والمتّقين، الوقوف عند الشبهات، أي التنزّه بالاحتياط عن كلّ أمر تُحتَمل فيه شبهة الحرام. وقد عبّروا عن هذه المرتبة (بورع الصالحين).

 

[1] سورة القمر، الآية 29.

[2] السيّد محمّد باقر الحسينيّ الشيرازيّ، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ج5، ص23-24.


76

الموعظة التاسعة: مراتب الصوم

فورع المؤمنين هو ترك المحرّمات، بينما ورع المتّقين والصالحين هو ترك الشبهات.

 

وقد اعتبر أمير المؤمنين  عليه السلام أنّ الوقوف عند الشبهة درجةٌ لا نظير لها في الورع، حيث يقول: "... وَلَا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَام‏"[1].

 

الشبهات حمى الله

عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ لكلِّ ملكٍ حمًى، وإنّ حمى اللهِ حلالُه وحرامُه، والمشتبهاتُ بين ذلك، كما لو أنّ راعيًا رعى إلى جانب الحمى، لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه، فدعوا المشتبهات"[2].

 

ويُراد بالحمى الأرض المحميّة المحيطة بالبلد الذي لا يُستَباح لأحدٍ الرعي فيها، فإذا سمحنا لأحد باستباحة الحمى، فإنّه سيتجرّأ على استباحة البلد. من يتجرّأ على استباحة الشبهات، سيجرّه إلى التجرّؤ على استباحة المحرّمات.

 

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "إيّاك والوقوع في الشبهات، والولوع بالشهوات، فإنّهما يقودانك إلى الوقوع في الحرام، وارتكاب كثيرٍ من الآثام"[3].

 

[1] الرضيّ، السيّد أبو الحسن محمد الرضيّ بن الحسن الموسويّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، شرح الشيخ محمّد عبده، دار الذخائر، إيران - قم، 1412ه - 1370ش، ط1، ج 4، ص28.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج27، ص167.

[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص99.


77

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

الموعظة العاشرة

التوفيق للمحافظة على الصلاة

 

محاور الموعظة:

- المحافظة على مواقيت الصلاة.

- منازل الصلاة وأركانها.

- الصلاة وفق سنّة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم.

- الخشوع في الصلاة.

 

"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِفْنَـا فِيْـهِ عَلَى مَـوَاقِيْتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْس، بِحُدُودِهَا الَّتِي حَدَّدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتِي فَرَضْتَ، وَوَظَائِفِهَا الَّتِي وَظَّفْتَ، وَأَوْقَاتِهَا الَّتِي وَقَّتَّ، وَأَنْزِلْنَا فِيهَا مَنْزِلَةَ الْمُصِيْبينَ لِمَنَازِلِهَا، الْحَافِظِينَ لأرْكَانِهَا، الْمُؤَدِّينَ لَهَـا فِي أَوْقَاتِهَـا، عَلَى مَا سَنَّـهُ عَبْدُكَ وَرَسُـولُكَ (صَلَوَاتُـكَ عَلَيْهِ وَآلِـهِ) فِي رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَجَمِيْعِ فَوَاضِلِهَا، عَلَى أَتَمِّ الطَّهُورِ وَأَسْبَغِهِ، وَأَبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأَبْلَغِهِ..."

 

تمهيد

تتكوّن الصلاة، حسب نصّ الإمام، من مجموعة من الأمور، لو تمّ


78

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

الالتفات والتوجّه إليها، والقيام بها، ستكون الصلاة معراج المؤمن، وقربان كلّ تقيّ، وتوصل إلى القرب الإلهيّ، وتكون لها آثارٌ روحيّةٌ حقيقةً، وليست مجرّد فرضٍ إلهيٍّ المطلوب أن يأتي به المكلّف بشكل كامل وصحيح من الناحية الفقهيّة، بل المراد من الصلاة، في هذا النصّ الشريف، هو بيان الصلاة الحقيقيّة، وآثارها الواقعيّة.

 

فالإمام، في هذا المقطع الشريف، يطلب من الله أن يوقِفَه على أداء الصلاة في مواقيتها وحدودها، والمحافظة على أركانها، كما كان يؤدّيها النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، بآدابها وسننها كلّها.

 

معاني المفردات

"قِفْنَا": أمرٌ من: وقفت فلانًا على الأمر: اطّلعته عليه.

 

"المواقيت": جمع الميقات، بمعنى: الوقت، أي: أوقات الصلاة.

 

"الفروض": جمع الفرض، بمعنى: المفروض، من: فرض اللّه الأحكام فرضًا: أوجبها.

 

"الوظائف": جمع الوظيفة، وهي: ما يقدّر من عملٍ ورزقٍ ونحو ذلك، والمراد بها هنا: آدابها.

 

"الحافظين لأركانها": الظاهر أنّ المراد بـِ "الأركان" هنا: واجباتها المبحوث عنها شرعًا.

 

"الفواضل": جمع فاضلة، وهي اسمٌ من الفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل.

 

"أتمّيّته": الإتيان به على الوجه المفروض، مع كمال الاحتياط، وبـ "أسبغيّته": الإتيان به على الوجه المسنون بتمامه.


79

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

"الطهور": هنا يعمّ الغسل والوضوء وإزالة النجاسة الظاهريّة والباطنيّة.

 

"أبين الخشوع" من: البون، بمعنى: الفضل والمزيّة، أي: أفضله، أو من: بان الشي‏ء: إذا انكشف واتّضح، أي: أوضحه[1].

 

أوّلًا: المحافظة على مواقيت الصلاة

وردت رواياتٌ كثيرةٌ جدًّا تحثّ على الصلاة في أوّل وقتها، منها:

عن الإمام الباقر  عليه السلام: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلاةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ، قُبِلَ مَا سِوَاهَا. إِنَّ الصَّلاةَ إِذَا اِرْتَفَعَتْ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، رَجَعَتْ إلى صَاحِبِهَا وَهِيَ بَيْضَاءُ مُشْرِقَةٌ، تَقُولُ: حَفِظْتَنِي حَفِظَكَ اللَّهُ، وإِذَا ارْتَفَعَتْ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا بِغَيْرِ حُدُودِهَا، رَجَعَتْ إلى صَاحِبِهَا وهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، تَقُولُ: ضَيَّعْتَنِي ضَيَّعَكَ اللَّهُ"[2].

 

عَنْ الإمام عليّ  عليه السلام: "لَيْسَ عَمَلٌ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا يَشْغَلَنَّكُمْ عَنْ أَوْقَاتِهَا (شَيْءٌ مِنْ) أُمُورِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ أَقْوَامًا، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[3], يَعْنِي أَنَّهُمْ غَافِلُونَ اِسْتَهَانُوا بِأَوْقَاتِهَا"[4].

 

وعَنْ الإمام الباقر عليه السلام، في قَول اللهِ جلّ جلاله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون﴾[5]. "هذِهِ الفَريضَةُ، مَن صَلّاها لِوَقتِها، عارِفًا


 

[1] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج 6، ص52.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص268.

[3] سورة الماعون، الآية 5.

[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص412.

[5] سورة المؤمنون، الآية 9.


80

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

بِحَقِّها، لا يُؤثِرُ عَلَيها غَيرَها، كَتَبَ اللهُ لَهُ بَراءَةً لا يُعَذِّبُهُ، ومَن صَلّاها لِغَير وَقتِها، غَيرَ عارفٍ بِحَقِّها، مُؤثِرًا عَلَيها غَيرَها، كانَ ذلِكَ إلَيهِ جلّ جلاله، فَإِن شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإن شاءَ عَذَّبَهُ"[1].

 

ثانيًا: منازل الصلاة وأركانها

"يطلب الإمام من الله أن يجعله من الحافظين على منازل الصلاة وأركانها، فيقول: "وَأَنْزِلْنَا فِيهَا مَنْزِلَةَ الْمُصِيْبينَ لِمَنَازِلِهَا، الْحَافِظِينَ لأرْكَانِهَا".

 

ومنازل الصلاة مراتبها التي تليق بها من قولهم: عرفت لفلان منزلته، أي مرتبته من الفضل والشرف، وهو رفيع المنازل. وفي الحديث: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُم‏"[2]، أي أكرموا كلًّا على حسب فضله وشرفه.

 

والأركان: جمع ركن، وركن الشيء - لغةً -: جانبه القويّ الذي يعتمد عليه. وأركان العبادة: جوانبها التي عليها مبناها، وبتركها يكون بطلانها، وعرف الركن من الصلاة بما تبطل الصلاة بزيادته ونقصه عمدًا وسهوًا، وأركانها خمسة: النيّة، والتكبير، والقيام، والركوع، والسجدتان"[3]. وقد يُقَال: إنّ المراد من الأركان ليس الركن المصطلح، بل كلّ شيء يؤدّي إلى الحفاظ على هذه الصلاة.

 

وقد تكرّر منه عليه السلام، في هذا الفصل، ذكر الأوقات، اهتمامًا بشأنها، والظاهر: أنّ المرادَ بالمحافظة على المواقيت المحافظةُ على

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج4، ص114.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص176.

[3] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص51.


81

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

أوّل الوقت، وما قرب منه، لقول أبي عبد الله  عليه السلام: "لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتَانِ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ آخِرَ الْوَقْتَيْنِ وَقْتًا، إِلَّا فِي عُذْرٍ مِنْ غَيْرِ عِلَّة"[1].

 

ثالثًا: الصلاة وفق سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

قوله  عليه السلام: "عَلَى مَا سَنَّـهُ عَبْدُكَ وَرَسُـولُكَ" في محلّ نصب على الحال من الضمير في لها، أي المؤدّين لها حالَ كونها على ما سَنَّهُ عبدُك ورسولُك.

 

وسنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم كذا، أي شرعه وجعله شرعًا وطريقة، فرضًا كان أو ندبًا، قولًا أو فعلًا[2].

 

قال  صلى الله عليه وآله وسلم: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"[3]. ورواية حمَّاد بن عيسى، التي نقلها عن الإمام الصادق  عليه السلام، أوضحت كيفيّة الصلاة. ومن الواضح أنّ للصلاة الصحيحة المقبولة مراتب في كمالها، بحسب المقدار المأتيّ من حدودها. والرواية طويلة جدًّا، وتبيّن كيفيّة الصلاة، ننقل مطلع الرواية، أما نصّ الرواية، فلتراجع في محلّه.

 

عَنْ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام يَوْمًا: "يَا حَمَّادُ، تُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي،


 

[1] المصدر نفسه، نقلا عن: الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج 3، ص274.

[2] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص51.

[3] الأحسائيّ، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، تقديم السيّد شهاب الدين النجفيّ المرعشيّ، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقيّ، لا.ن، لا.م، 1403ه - 1983م، ط1، ج3، ص85.


82

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

أَنَا أَحْفَظُ كِتَابَ حَرِيزٍ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: لا عَلَيْكَ يَا حَمَّادُ، قُمْ فَصَلِّ. قَالَ: فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُتَوَجِّهًا إلى الْقِبْلَةِ..."[1] إلى آخر الرواية الشريفة.

 

رابعًا: الخشوع في الصلاة

قوله  عليه السلام: "عَلَى أَتَمِّ الطَّهُورِ، وَأَسْبَغِهِ وَأَبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأَبْلَغِهِ..."

 

وإسباغُ الوضوء إتمامُه وإكمالُه، وذلك في وجهين: إتمامه على ما فَرَض الله، وإكماله على ما سنّه رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه: أسبغوا الوضوء، أي أبلغوه مواضعه، وأكملوا كلّ عضو حقّه[2].

 

الخشوع في الصلاة حالةٌ ناتجةٌ عن المعرفة والإيمان بالله عَزَّ وجَلَّ. ونتيجة الخشوع هو الإقبال التامّ على الصلاة، بالقلب والجوارح، وعدم الالتفات يمينًا أو شمالًا، بالنظر إلى الأطراف، أو التفكّر في غير الصلاة.

 

الخشوع يعني تذلّلُ العبد وخضوعُه واستكانتُه لله تعالى، ومحلّه القلب، وله أثرٌ سلوكيّ يظهر على الجوارح، يتمثّل في تعظيم العبد لحرمات الله تعالى، والامتثال لأوامره، والانقياد لأحكامه، والبكاء من خشيته. فالخشوع في الصّلاة هو قيام القلب بين يدَي الله بخضوع وذلّ.

 

وكان الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، إذا قام في الصلاة، كأنّه ساقُ شجرةٍ، لا يتحرّك منه إلاَّ ما حرّكت الريح منه، وكان الإمام الباقر والإمام

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص311.

[2] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص52.


83

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

الصادق عليهما السلام، "إِذَا قَامَا فِي الصَّلَاةِ، تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمَا، مَرَّةً حُمْرَةً، وَمَرَّةً صُفْرَةً، كَأَنَّمَا يُنَاجِيَانِ شَيْئًا يَرَيَانِهِ"[1].

 

ونُقِلَ في وصف صلاة الإمام عليّ  عليه السلام، أنّه كان إذا دخل الصلاة، كان كأنّه بناء ثابت، أو عمود قائم، لا يتحرّك، وكان ربّما ركع أو سجد فيقع الطير عليه[2]، ولم يطق أحدٌ أن يحكي[3] صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلّا عليّ بن أبي طالب وعليّ بن الحسين عليهما السلام()[4].

 

وهناك روايات كثيرة تحدّثت عن الخشوع، منها:

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلمأنَّهُ قَالَ: "بُنِيَتِ الصَّلَاةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ:

سَهْمٌ مِنْهَا إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ،

وَسَهْمٌ مِنْهَا الرُّكُوعُ،

وَسَهْمٌ مِنْهَا السُّجُودُ،

وَسَهْمٌ مِنْهَا الْخُشُوعُ،

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْخُشُوعُ؟

فَقَالَ: التَّوَاضُعُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُقْبِلَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ كُلِّهِ عَلَى رَبِّهِ، فَإِذَا هُوَ أَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، وَأَتَمَّ سِهَامَهَا، صَعِدَتْ إلى السَّمَاءِ لَهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَهَا، وَتَقُولُ حَافَظْتَ عَلَيَّ حَفِظَكَ

 

[1] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، تحقيق آصف بن عليّ أصغر فيضي، دار المعارف، مصر - القاهرة، 1383 - 1963م، لا.ط، ج1، ص159.

[2] يعنى من طول ركوعه وسجوده وهدوئه بلا حركة، فتظنّ الطيرُ أنّه غير إنسان.

[3] يحاكي.

[4] القاضي النعمان، دعائم الإسلام، مصدر سابق، ج1، ص159.


84

الموعظة العاشرة: التوفيق للمحافظة على الصلاة

اللَّهُ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الصَّلَاةِ"[1].

 

وكان ممّا أوصى به الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام لكميل، أنّه قال:

"يَا كُمَيْلُ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَتَتَصَدَّقَ، الشَّأْنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ، وعَمَلٍ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٍّ، وَخُشُوعٍ سَوِيٍّ. وَانْظُرْ فِيمَا تُصَلِّي، وَعَلَى مَا تُصَلِّي، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَجْهِهِ وَحِلِّهِ، فَلَا قَبُولَ.

 

يَا كُمَيْلُ، اللِّسَانُ يَنْزَحُ الْقَلْبَ، وَالْقَلْبُ يَقُومُ بِالْغِذَاءِ، فَانْظُرْ فِيمَا تُغَذِّي قَلْبَكَ وَجِسْمَكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَسْبِيحَكَ وَلَا شُكْرَك‏"[2].


 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج4، ص103.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج74، ص415.


85

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

الموعظة الحادية عشرة

الصلة والإنفاق

 

محاور الموعظة:

- صلة الرحم.

- تعاهد الجيران.

- تطهير المال.

 

"وَوَفِّقْنَا فِيهِ لأَنْ نَصِلَ أَرْحَامَنَا بِالبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَأَنْ نَتَعَاهَدَ جِيرَانَنَا بِالإفْضَالِ وَالْعَطِيَّةِ، وَأَنْ نُخَلِّصَ أَمْوَالَنَا مِنَ التَّبِعَاتِ، وَأَنْ نُطَهِّرَهَا بِإخْرَاجِ الزَّكَوَاتِ".

 

تمهيد

يشير الإمام  عليه السلام في هذا المقطع إلى مجموعة من المسائل العائليّة، والاجتماعيّة، والماليّة، وهي:

1- صلة الرحم.

2- تعاهد الجيران.

3- المال الحلال المخلوط بالحرام (تطهير المال).


86

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

أوّلًا: صلة الرحم

"وَوَفِّقْنَا فِيهِ لاِنْ نَصِلَ أَرْحَامَنَا بِالبِرِّ وَالصِّلَةِ".

 

1- معنى الرحم

إنّ بيان معنى الرحم من الأمور الهامّة جدًّا، لترتّب مجموعة من الأحكام الفقهيّة الإلزاميّة والاستحبابيّة عليها، من قبيل الأرحام التي أمرت الشريعة بصلتها، ونهت عن قطعها، والاهتمام بالأرحام، والتأكيد على صلتهم وإكرامهم. وقد جاءت في ذلك الكثير من الأحكام، منها تقديمهم في العطايا والهبات والصدقات الماليّة، وهناك أحكام كثيرة مرتبطة بالرحم، تعرّض لها الفقهاء، وهذا ما يحتِّم علينا تحديد المراد بالرحم.

 

الرحم من المعاني التي لم يبيّنها الشارعُ المقدّسُ بشكلٍ خاصٍّ. وكلّ ما كان كذلك - أي من المفاهيم التي لم يوضحها الشارع - يرجع في فهم مقصوده إلى العرف.

 

وبناءً على إرجاع معنى الرحم إلى العرف، نقسّم الرحم إلى قسمَين:

أ- الرحم القريبة: الأقارب التي تجمعهم رحمٌ واحدة قريبة، الأخ وأخوه وأخته، تجمع بينهم رحم الأمّ، أو الشخص مع أبناء عمومته وأبناء خؤولته، تجمعهم رحم قريبة يُعَبَّر عنها بالجَدّة، وهكذا كلُّ من جمعتهم رحمٌ قريبة، يصحّ أن يُعَبَّر عنهم بالأرحام، ويترتّب عليهم الآثار الشرعيّة للرحم.

 


87

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

ب- الرحم البعيدة: الأشخاص الذين تجمعهم رحمٌ، بينها وبينهم خمسة عشر واسطة مثلًا، فهذه بنظر العرف رحمٌ بعيدة، فالأشخاص الذين تجمعهم مع الآخرين مثل هذه الرحم البعيدة، لا تجب صلتهم، ولا تترتّب عليهم الأحكام الشرعيّة الأخرى.

 

والروايات الشريفة أمرت، بشكلٍ واضحٍ، بصلة الرحم، وحذّرت من قطيعتها، منها:

"عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  عليه السلام، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ أَعْجَلَ الْخَيْرِ ثَوَابًا صِلَةُ الرَّحِمِ"[1].

 

وَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: "صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَلَوْ بِالسَّلامِ"[2].

 

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  عليه السلام: "صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُزَكِّي الْأَعْمَالَ، وَتُنْمِي الْأَمْوَالَ، وَتَدْفَعُ الْبَلْوَى، وَتُيَسِّرُ الْحِسَابَ، وتُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ"[3].

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَمُدْمِنُ سِحْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ"[4].

 

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "أَقْبَحُ الْمَعَاصِي قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقُ"[5].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص152.

[2] الحرّاني، الشيخ ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قم، 1404ه - 1363ش، ط2، ج1، ص57.

[3] المصدر نفسه، ص299.

[4]  الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج17، ص148.

[5] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص122.


88

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام أَنَّ "مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ"[1].

 

2- ما الفرق بين البرّ والصلة؟

"يمكن أن يكون عطف الصلة على البرّ، في قوله: "بالبرّ والصلة"، من باب عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ البرّ اسمٌ جامعٌ لأنواع الطاعات وأعمال القربات، ومنه برّ الوالدين، وهو استرضاؤهما بكلّ ما أمكن. والصلة للرحم، وإن كانت شرعًا أعمّ من معناها المشهور لغةً، وهو العطيّة والإحسان، إلّا أنّها أخصّ من البرّ على كلّ حال، لأنّ من البرّ ما لا يُسَمّى صلةً، لا عرفًا ولا لغةً، ألَا ترى إلى ما رُوِي عن صاحب الدعاء عليه السلام أنّه بلغ من برِّه بوالدته أنّه كان لا يأكل معها في صحفه، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه، فهذا المعنى الذى لاحظه  عليه السلام نوعٌ من أنواع البرّ، ولكن لا يُسَمّى صلةً عرفًا، فضلًا عن اللغة"[2].

 

ثانيًا: تعاهد الجيران

"وَأَنْ نَتَعَاهَدَ جِيرَانَنَا بِالاِفْضَالِ وَالْعَطِيَّةِ"

"تعاهدت" الشي‏ء وتعهّدته: تفقّدته وجدّدت العهد به، أي العلم به.


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج12، ص273.

[2] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص56-57.


89

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

الجار هو من يسكن في الجوار، سواء أكان قريبًا من حيث الصلة الرحميّة، أو كان من أتباع الديانة نفسها، أو كان من أتباع الرسالات السماويّة الأخرى، أو غير ذلك، فلا علاقة لمعتقداته وآرائه بانطباق عنوان الجار عليه. ولا يُصنَّف على أساس المعرفة القديمة أو الحديثة الناشئة من السكن في الجوار.

 

1- حقّ الجار

في رسالة الحقوق: "وَأَمَّا حَقُّ الجَارِ، فَحِفظُهُ غَائِبًا، وَكَرَامَتُهُ شَاهِدًا، وَنُصرَتُهُ وَمَعُونَتُهُ فِي الحَالَيْنِ جَمِيعًا، لا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً، وَلا تَبْحَثْ لَهُ عَنْ سَوْأَةٍ لِتَعْرِفَهَا، فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَلا تَكَلُّفٍ، كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْنًا حَصِينًا، وَسِتْرًا سَتِيرًا، لَوْ بَحَثَتِ الأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيرًا، لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ، لانْطِوَائِهِ عَلَيه، لا تَسَّمَّعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ، لا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ، وَلا تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ، تُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَتَغْفِرُ زَلَّتَهُ، وَلا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ، وَلا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْمًا لَهُ، تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ، وَتُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ، وتُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً. وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ‏"[1].

 

2- حدّ الجار

أما حدّ الجار، فقد عدّ الدينُ الإسلاميُّ الجارَ بمن يقرب من منزل الإنسان بأربعين دارًا من الجهات كلّها.


 

[1] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مصدر سابق، ص266.


90

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "حَرِيمُ الْمَسْجِدِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَالْجِوَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ أَرْبَعَةِ جَوَانِبِهَا"[1].

 

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: "حَدُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْه، ومِنْ خَلْفِه، وعَنْ يَمِينِه، وعَنْ شِمَالِه"[2].

 

أي الشرق والغرب والشمال والجنوب، فكلّ أربعين دارًا من هذه الجهات تكون دورًا لجيران المسلم، ويتوجّب على المسلم أداء حقّ الجار إليها.

 

3- الوصيّة بالجار

من وصايا اللّه تعالى للنبيّ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "وَلَمْ يَزَلْ جَبْرَائِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ"[3].

 

قال أمير المؤمنين: "وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ..."[4].

 

قَالَ النبيّ للِحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: "اِعْمَلْ بِفَرَائِضِ اللَّهِ، تَكُنْ أَتْقَى النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ، تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَكُفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، تَكُنْ أَوْرَعَ النَّاسِ، وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ مُصَاحَبَةَ مَنْ صَاحَبَكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا"[5].


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج12، ص132.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص669.

[3] الشيخ عليّ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، مصدر سابق، ج1، ص213.

[4] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص422.

[5] الشيخ ‏الطبرسيّ، مشكاة الأنوار، مصدر سابق، ج1، ص212.


91

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

ثالثًا: تطهير المال

"وَأَنْ نُخَلِّصَ أَمْوَالَنَا مِنَ التَّبِعَاتِ، وَأَنْ نُطَهِّرَهَا بِإخْرَاجِ الزَّكَوَاتِ"

 

"التبعات" ما يتبع المالَ من الحقوقِ سوى الزكاة. وإنّما سُمِّيَ ما ليس بواجبٍ "تبعةٌ" لِمَا وقع من التأكيد في استحباب الإفضال لذي المال، حتّى وقع التعبير عنه في الأخبار بأنّه فرضٌ من اللّه تعالى[1].

 

والزكاة: أصلٌ يدلّ على نماءٍ وزيادة. ويُقَال: الطهارة. ومن النماء قوله عليه السلام: "المال تُنقِصُه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق". ومن الطهارة قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾[2].

 

والزكاة في الشريعة: "قدرٌ مخصوصٌ يُطلَب إخراجه من المال بشروطٍ خاصّةٍ". فتشمل زكاة المال والفطرة والزكوات الواجبة والمستحبّة، بل لعلّها تشمل الخمس المصطلح أيضًا[3].

 

عَنِ الْمُفَضَّل، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّه  عليه السلام، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: فِي كَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنَ الْمَالِ؟ فَقَالَ  عليه السلام لَهُ: "الزَّكَاةُ الظَّاهِرَةُ أَمِ الْبَاطِنَةُ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُهُمَا جَمِيعًا. فَقَال  عليه السلام: أَمَّا الظَّاهِرَةُ، فَفِي كُلِّ أَلْفٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ، فَلَا تَسْتَأْثِرْ عَلَى أَخِيكَ بِمَا هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْك"[4].

 

[1] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص59-60.

[2] سورة البقرة، الآية 232.

[3] الشيخ المنتظريّ، نظام الحكم في الإسلام، قام بالتلخيص والتعليق لجنة الأبحاث الإسلاميّة في مكتب سماحته، لا.ن، لا.م، 1380ش، ط1، ص444.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص500.


92

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، وَمَعَنَا بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ، فَذَكَرُوا الزَّكَاةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام: "إِنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَ يُحْمَدُ بِهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَاهِرٌ إِنَّمَا حَقَنَ بِهَا دَمَهُ، وَسُمِّيَ بِهَا مُسْلِمًا، وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ غَيْرَ الزَّكَاةِ. فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَمَا عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ  يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[1]؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا ذَا الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الَّذِي عَلَيْنَا؟ قَالَ: هُوَ الشَّيْءُ يَعْمَلُهُ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ، يُعْطِيهِ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي الْجُمْعَةِ أَوْ فِي الشَّهْرِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَدُومُ عَلَيْهِ. وَقَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾[2]؟ قَالَ: هُوَ الْقَرْضُ يُقْرِضُهُ، وَالْمَعْرُوفُ يَصْطَنِعُهُ، وَمَتَاعُ الْبَيْتِ يُعِيرُهُ، وَمِنْهُ الزَّكَاةُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا، إِذَا أَعَرْنَاهُمْ مَتَاعًا كَسَرُوهُ وَأَفْسَدُوهُ، فَعَلَيْنَا جُنَاحٌ إِنْ نَمْنَعْهُمْ؟ فَقَالَ: لا، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ إِنْ تَمْنَعُوهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[3]? قَالَ: لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾[4]؟ قَالَ: لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ. قَالَ: فَقُلْتُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء


 

[1] سورة المعارج، الآيتان 24 - 25.

[2] سورة الماعون، الآية 7.

[3] سورة الإنسان، الآية 8.

[4] سورة البقرة، الآية 274.


93

الموعظة الحادية عشرة: الصلة والإنفاق

فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾[1]؟ قَالَ: لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَصِلَتُكَ قَرَابَتَكَ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ"[2].

 

و"أن نطهّرها"، كلمة "أن" تفسيريّةٌ، لتبيين خلوص الأموال عن "التبعات"، ويُحتَمل أن يكون كلامًا مستأنفًا، فعلى الأوّل، المراد تخليص الأموال من حقوق الناس وحقوق اللّه جميعًا، وعلى الثاني، المراد من تطهير الأموال بإخراج الزكاة تنقيتُها من دنس منع الزكاة، فعن أبي عبداللّه  عليه السلام، قال: "قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ملعونٌ ملعونٌ مالٌ لا يُزَكَّى"[3].

 

1- فضل الإنفاق

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[4].

 

2- جزاء الإنفاق

قال -تعالى-: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[5].


 

[1] سورة البقرة، الآية 271.

[2] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص499.

[3] المصدر نفسه، ج3، ص505.

[4] سورة البقرة، الآية 262.

[5] سورة البقرة، الآية 261.


94

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

الموعظة الثانية عشرة

آداب العلاقة مع الآخرين

 

محاور الموعظة:

- عدم هجران المؤمن.

- الإنصاف والمداراة.

- تأثير الأعمال وتأثّرها.

 

"وَأَنْ نُرَاجِعَ مَنْ هَاجَرَنَـا، وَأَنْ نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنَا، وَأَنْ نُسَـالِمَ مَنْ عَادَانَا، حَاشَا مَنْ عُودِيَ فِيْكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذِي لا نُوالِيهِ، وَالحِزْبُ الَّذِي لا نُصَافِيهِ. وَأَنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فِيْهِ مِنَ الأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، بِمَا تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَعْصِمُنَا فِيهِ مِمَّا نَسْتَأنِفُ مِنَ الْعُيُوبِ، حَتَّى لا يُورِدَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ مَلائِكَتِكَ إلّا دُونَ مَا نُورِدُ مِنْ أَبْوابِ الطَّاعَةِ لَكَ، وَأَنْوَاعِ القُرْبَةِ إلَيْكَ".

 

يتحدّث الإمام في هذا المقطع عن:

1- الإنصاف والمداراة.

2- العداء لأعداء الله تعالى.

3- التقرّب إلى الله بالأعمال الزكيّة.


95

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

آداب العشرة في الإسلام

يبيّن الإمام آداب العشرة مع الآخرين، مع مَن هجرَنا، مع مَن ظلمَنا، مع مَن عادانا، وهذه المباحث الأخلاقيّة والتربويّة وردت بكثرة في كتب الأحاديث الشريفة ومجامعها.

 

أوّلًا: عدم هجران المؤمن

"وَأَنْ نُرَاجِعَ مَنْ هَاجَرَنَـا"

 

المراجعه: المعاودة، راجع الشيء: رجع إليه، وهاجره بمعنى هجره، أي تركه ورفضه.

 

وقد حذّرت الروايات من هجر المؤمن. وفي المقابل، وردت رواياتٌ أخرى تحثّ على مواصلة المؤمنين وزيارتهم، منها:

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالْمُوَافَقَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْمُقَاطَعَةَ وَالْمُهَاجَرَةَ"[1].

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم لِأَبِي ذَرٍّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِيَّاكَ وَهِجْرَانَ أَخِيكَ! فَإِنَّ الْعَمَلَ لا يُتَقَبَّلُ مَعَ الْهِجْرَانِ. يَا أَبَا ذَرٍّ، إِيَّاكَ عَنِ الْهِجْرَانِ! وَإِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَلا تَهْجُرْهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ كَمَلًا، فَمَنْ مَاتَ فِيهَا مُهَاجِرًا لِأَخِيهِ، كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ"[2].

 

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه  عليه السلام قال: "لَا تَمَلَّ مِنْ زِيَارَةِ إِخْوَانِكَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَرْحَبًا، كُتِبَ لَهُ مَرْحَبًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،


 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص340.

[2] الطبرسيّ، مشكاة الأنوار، مصدر سابق، ج1، ص209.


96

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

فَإِذَا صَافَحَهُ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ إِبْهَامِهِمَا مِئَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْهَا لِأَشَدِّهِمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، فَكَانَ عَلَى أَشَدِّهِمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ أَشَدَّ إِقْبَالًا، فَإِذَا تَعَانَقَا، غَمَرَتْهُمَا الرَّحْمَة..."[1].

 

وعن أَبِي جَعْفَر عليه السلام، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي بَيْتِهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: أَنْتَ ضَيْفِي وَزَائِرِي، عَلَيَّ قِرَاكَ، وَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكَ الْجَنَّةَ بِحُبِّكَ إِيَّاهُ"[2].

 

ثانيًا: الإنصاف والمداراة

"وَأَنْ نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنَا، وَأَنْ نُسَـالِمَ مَنْ عَادَانَا، حَاشَا مَنْ عُودِيَ فِيْكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذِي لا نُوالِيهِ، وَالحِزْبُ الَّذِي لا نُصَافِيهِ"

 

أنصفت الرجل: عاملته بالعدل والقسط، أعطيته من الحقّ مثل ما تستحقّه لنفسك.

 

والغرض: التوقّي من الميل والجور في معاملة الظالم، بأن يوفّقه تعالى لمعاملته بالإنصاف، لا بما يقتضيه التشفّي، وتؤدّي إليه الحميّة والغيظ.

 

وسالَمَه مسالمةً وسلامًا: صالحه.

 

وعاداه معاداةً: نصب له العداوة، وهى حالةٌ تتمكّن من القلب، لقصد الإضرار والانتقام.

 

وصافاه مصافاةً: أخلصه الودّ وصدقه المحبّة والإخاء.

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج12، ص213.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص176.


97

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنَا

فالإمام يريد أن يقول بأنّ علينا أن نتعامل مع من ظلَمَنا بالإنصاف والعدل، فلا نميل عن حدود الحقّ معه، ولا نعمل على معاملته بردود الفعل النفسيّة المليئة بالغيظ وبالحاجة إلى التشفّي، وبإثارة الحميّة الذاتيّة، فلا نقابل ظلمَ ظالمٍ لنا بأن نظلمَه، بل أن نأخذ منه حقَّنا من دون زيادةٍ، انطلاقًا من التعقّل المتّزن، الخاضع للشرع، البعيد عن نوازع الذات المنفعلة الغاضبة.

 

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين عليه السلام: "عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ"[1].

 

نُسَـالِمَ مَنْ عَادَانَا

أي أن نُغَلِّبَ جانبَ المسالمة على جانب المحاربة، على أساس المصلحة العامّة الحيّة، في ما نأخذ به من أسباب ذلك، من أجل أن نفسح في المجال له للتراجع عن عداوته، وذلك من خلال التوجيه الإلهيّ الذي أراد لنا أن يكون عملُنا، في نطاق المشاكل الطارئة مع الآخرين، هادفًا إلى تحويل الأعداء إلى أصدقاء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾[2].

 

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ، فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْرًا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْه"[3].

 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص339.

[2] ‏ سورة فصّلت، الآية 34.

[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص132.


98

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

 

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَة"[1].

 

وَكَان  عليه السلام يَقُولُ: "مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟ أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الِانْتِقَامِ، فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ؟ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لِي: لَوْ غَفَرْتَ؟"[2].

 

إلّا عدوّ الله تعالى

"... حَاشَا مَنْ عُودِيَ فِيْكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذِي لا نُوالِيهِ، وَالحِزْبُ الَّذِي لا نُصَافِيهِ".

 

التولّي والتبرّي

قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[3].

 

تذكر الآياتُ قومًا من المنافقين، يتولّون اليهود ويوادّونهم، وهم يحادّون الله ورسوله، وتذمّهم على ذلك وتهدّدهم بالعذاب والشقوة تهديدًا شديدًا، وتقطع بالآخرة أنّ الإيمان بالله واليوم الآخر يمنع عن موادّة من يحادّ الله ورسوله، كائنًا من كان، وتمدح المؤمنين


 

[1] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص196.

[2] المصدر نفسه، ص710.

[3] سورة المجادلة، الآية 22.


99

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

المتبرِّئين من أعداء الله، وتعدهم إيمانًا مستقرًّا، وروحًا من الله، وجنّةً ورضوانًا[1].

 

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم لِأَصْحَابِهِ: أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الصَّلَاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الزَّكَاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الصِّيَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْجِهَادُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ، وَلَيْسَ بِهِ، وَلَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ، وَتَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَالتَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّه‏"[2].

 

ثالثًا: تأثير الأعمال وتأثّرها

"وَأَنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فِيْهِ مِنَ الأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، بِمَا تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ..."

الأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ: الصالحة أو النامية المباركة.

التطهير من الذنوب: غفرانها وإذهابها بالأعمال الزاكية.

تعصمنا: تحفظنا، عصمه الله من المكروه، أي حفظه ووقاه.

استأنفت الشيء استئنافًا: ابتدأته.

والمعنى: وتحفظنا ممّا نريد أن نستأنفه من العيوب، أو ممّا نشارف استئنافه من العيوب[3].

 

[1] السيّد الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج19، ص192-193.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص125-126.

[3] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص62-67. (بتلخيص).


100

الموعظة الثانية عشرة: آداب العلاقة مع الآخرين

"والمعنى: تكرّم وتفضّل، يا إلهي، علينا بالتوفيق في شهرك العظيم، إلى أعمالٍ تطهّرنا من الذنوب، وتحفظنا من العيوب، وتقرّبنا من مرضاتك، وتبتعد بنا عن سخطك"[1].

 

أمّا قوله  عليه السلام: "حَتَّى لا يُورِدَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ مَلائِكَتِكَ إلّا دُونَ مَا نُورِدُ مِنْ أَبْوابِ الطَّاعَةِ لَكَ، وَأَنْوَاعِ القُرْبَةِ إلَيْكَ".

 

"حتّى" تعليليّةٌ، بمعنى: كي، أي كي لا يورد عليك أحدٌ من ملائكتك إلّا دون ما نورده من أبواب الطاعة لك.

 

وقد ذكروا أن تكون جرائمه أدوَنَ وأقلَّ من طاعته، حتّى تكون طاعتُه مكفّرةً لسيّئاته. والتقدير: لا يصعد إليك أحدٌ من حفظة أعمالنا بشي‏ءٍ من ذنوبنا إلّا أن تكون تلك الذنوب أقلّ ممّا يصعدون به إليك من طاعاتنا.

 

[1] مغنيّة، الشيخ محمّد جواد، في ظلال الصحيفة السجّاديّة، مؤسّسة دار الكتاب الإسلاميّ، لبنان، 2007، ط4، ص509.


101

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

الموعظة الثالثة عشرة

التوسّل بشهر رمضان والأولياء

 

 

محاور الموعظة:

- التوسّل إلى الله.

- تجنّب الإلحاد.

 

"اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَبِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ، مِنِ ابْتِدَائِهِ إلى وَقْتِ فَنَائِهِ، مِنْ مَلَكٍ قَرَّبْتَهُ، أَوْ نَبِيٍّ أَرْسَلْتَهُ، أَوْ عَبْدٍ صَالِحٍ اخْتَصَصْتَهُ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَهِّلْنَا فِيهِ لِمَا وَعَدْتَ أَوْلِياءَكَ مِنْ كَرَامَتِكَ، وَأَوْجِبْ لَنَا فِيهِ مَا أَوْجَبْتَ لأِهْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْنَا فِي نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفِيْعَ الأعْلَى بِرَحْمَتِكَ.

 

اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَجَنِّبْنَا الإلْحَادَ فِي تَوْحِيدِكَ، وَالتَّقْصِيرَ فِي تَمْجِيدِكَ، وَالشَّكَّ فِي دِينِـكَ، وَالْعَمَى عَنْ سَبِيْلِكَ، وَالإغْفَالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالانْخِدَاعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".

 

 


102

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

أوّلَا: التوسّل إلى الله

"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الشَّهْرِ" من بدايته إلى نهايته، وبحقّ كلّ من رضيت عن أعماله فيه، وبكلّ من له شأن لديك، نبيًّا كان، أو ملكًا، أو عبدًا تقيًّا، "أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَهِّلْنَا فِيهِ"، أي اجعلنا أهلًا لكرامتك، ورحمتك، ونيل الدرجات الرفيعة لديك.

 

"وَجَنِّبْنَا الإلْحَادَ"، وأين الإلحاد من زين العباد؟! إذًا، فالمعنى ما نحن من الذين عنَيتَهم بقولك لنجيّك الحبيب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾[1], بل من الذين يشكرون الله أن هداهم للإيمان.

 

"وَالشَّكَّ فِي دِينِـكَ"، أي في الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾[2].

 

"وَالْعَمَى عَنْ سَبِيْلِكَ"، عن كتابك وسنّة نبيّك.

 

"وَالإغْفَالَ لِحُرْمَتِكَ"، لحلالك وحرامك.

 

"وَالانْخِدَاعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، بطاعته ومعصيتك[3].

 

يتوسّل الإمام  عليه السلام بمجموعةٍ من الأمور الخاصّة، كشهر رمضان، والملائكة، والأولياء، والتي تشترك كلّها في جنبة العبادة والعبوديّة. ولإيضاح الفكرة، لا بدّ من الإشارة إلى أمور:

1- الهدفُ من خلق الإنسانِ إيجادُ الكفاءة واللياقة المناسبة لتلقّي الإنسان أعلى درجات الرحمة الإلهيّة اللامتناهية.

 

[1]  سورة الحجرات، الآية 17.

[2] سورة آل عمران، الآية 19.

[3] الشيخ مغنيّة، في ظلال الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص510-511.


103

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

2- إنّ وصولَ الإنسان إلى هذه الدرجات، لا يكون إلّا في ظلّ الأفعال الاختياريّة التي يقوم بها.

 

3- إنّ الوصولَ إلى هذا المقام من القرب الإلهيّ، لا يكون إلّا من خلال العبوديّة والأعمال العباديّة.

 

4- إنّ حقيقة العبادة لله تعالى تعني سعي الإنسان لأنْ يحقّق في باطنه العبوديّةَ، وعندما تتحقّق هذه العبوديّةُ، فإنّ ذلك سينعكس، بشكلٍ تلقائيٍّ، على أعماله وسلوكيّاته في الخارج. وعندها يصل الإنسان إلى الاعتقاد اليقينيّ بأنّ كلّ ما يراه، وكلّ ما عنده، هي ملكٌ حقيقيٌّ لله تعالى وهو لا يملك شيئًا على الإطلاق.

 

5- إنّ قمّةَ الكمال الإنسانيّ، التي ينبغي للإنسان أن يصل إليها، هي أن تصبح معتقداته، أفكاره، نياته، أعماله، كلّ شيءٍ هو محض العبوديّة لله تعالى، وهو ما بيّنَه الإمام الصادق وبعض الروايات، ببياناتٍ عميقةٍ ودقيقةٍ. قَالَ  عليه السلام‏: "... فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مُتَوَكِّلًا لَا مُتَعَلِّلًا، فَكَبِّرْ عَلَى رُوحِكَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، وَوَدِّعْ أَمَانِيَّكَ كُلَّهَا تَوْدِيعَ الْمَوْتِ لِلْحَيَاة"[1].

 

عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَشْغَلْكُمُ الْمَضْمُونُ مِنَ الرِّزْقِ عَنِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَل"‏. والمتوكّل لا يسأل ولا يردّ ولا يمسك شيئًا خوف الفقر، وينبغي لمن أراد سلوك طريق التوكّل


 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج11، ص218.


104

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

أن يجعل نفسه بين يدي الله تعالى فيما يجري عليه من الأُمور، كالميّت بين يدي الغاسل، يقلّبه كيف يشاء"[1].

 

6- إنّ حقيقة العبوديّة تتبلور وتظهر في الدعاء. لذا، ورد عن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: "الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَدْعُو اللَّهَ إِلاَّ اسْتَجَابَ لَهُ، إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، أَوْ يُؤَجِّلَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِمَأْثَم"[2].

 

بعد هذه الملاحظات، نقول: إنّ العبوديّة هي العلاقة الرابطة بين الإنسان والله -تعالى-، ويتولّد عن هذه العبوديّة أمران:

الأول، عندما ينظر الإنسان إلى نفسه، فيدرك إدراكًا يقينيًّا، أنّه لا يمتلك شيئًا، فهو محض الفقر.

الثاني، عندما ينظر إلى ربّه، فيدرك إدراكًا يقينيًّا، أنّه يمتلك كلّ شيءٍ، فهو محض الغنى.

وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[3].

 

بناءً على هذه المقدّمة، فإنّ الإنسان العابد، الذي يعيش حالة الفقر، يتوجّه ويتوسّل إلى الله تعالى، بأعظم الأمور وأقدسها، كشهر رمضان، والملائكة، والأنبياء، والصالحين، فالإمام يتطلّع إلى كلّ مواقع القرب من الله في الزمن الذي منحه الله معنى القداسة في روحانيّته، وفي

 

[1] الديلميّ، الشيخ أبو محمّد الحسن بن محمّد، إرشاد القلوب، انتشارات الشريف الرضيّ، إيران - قمّ، 1415ه - 1374ش، ط2، ج1، ص120.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص27.

[3] سورة فاطر، الآية 15.


105

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

الملائكة والمقرّبين من الأنبياء والصالحين، ليقدّمهم شفعاء بين يدَي الله، وذلك في ما جعله اللهُ لهم من الحقّ، من خلال إخلاصهم طاعتَهم له. وبعد هذا القسم، يطلب الإمامُ أن يؤهّلَه اللهُ لثلاثة أمور، وهي:

1- لِمَا وَعَدْتَ أَوْلِياءَكَ مِنْ كَرَامَتِكَ.

2- وَأَوْجِبْ لَنَا فِيهِ مَا أَوْجَبْتَ لأِهْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي طَاعَتِكَ، وأهل المبالغه: المتّصفون بها، كما يقال: أهل العلم لمن اتّصف به.

3- وَاجْعَلْنَا فِي نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفِيْعَ الأعْلَى بِرَحْمَتِكَ، واجعلنا في جماعة من استحقّ الرفيع الأعلى أو في صفّهم. والرفيع: فَعِيل، بمعنى فاعل، من رفع ككرم، رفَعَهُ أي شرف وعلا وارتفع، فهو رفيع، أي المقام الرفيع الأعلى، والمراد به: أعلى مراتب الجنة ودرجاتها.

 

عَنِ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: "الْجَنَّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ"[1].

 

ثانيًا: تجنّب الإلحاد

"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَجَنِّبْنَا الْإِلْحادَ في تَوْحيدِكَ، وَالتَّقْصيرَ في تَمْجيدِكَ، وَالشَّكَّ في دينِكَ، وَالْعَمى عَنْ سَبيلِكَ، وَالْإِغْفالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالْاِنْخِداعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ".

الأمر الثاني الذي يتعرّض له الإمام السجّاد، بعد موضوع شهر رمضان المبارك، هو

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج8، ص89.


106

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

التوحيد، وبعد أن طلب تجنّب الإلحاد في التوحيد، طلب خمسة أمورٍ أساسيّةٍ ومفتاحيّةٍ، وهي:

1- عدم التقصير في بيان عظمة الله وتمجيده.

2- أن نكون من أهل اليقين، وأن لا نشكّ في الدين.

3- أن نُرزَق البصيرة، وأن لا نعمى عن السبيل والصراط المستقيم.

4- أن نحافظ على الحرمات الإلهيّة، وأن لا نغفل عنها أبدًا.

5- أن نبتعد عن الشيطان، ولا ننخدع بألاعيبه وحيله.

 

والنقطة المحوريّة في كلام الإمام، أنّ الإنسان إذا استطاع الابتعاد عن هذه الآفات الخمس، فسيصل، بتوفيق الله تعالى، إلى التوحيد الخالص، وهو عدم المخالفة والعصيان واللجاج في طريق التوحيد.

 

موانع القرب الإلهيّ

هناك موانع متعدّدة تمنع من القرب الإلهي، منها:

1- الإلحاد في التوحيد

"التوحيد" لغةً: جعل الشي‏ء واحدًا، وفي الاصطلاح: هو إثبات ذات اللّه، ونفي الشريك عنه، ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا. فليس المراد ب "وحدانيّته" تعالى ما لا ثانيَ له في الوجود، بل المراد منها ما لا كثرةَ فيه مطلقًا، ولو بالاعتبار والحيثيّة، لأنّه واحدٌ من جميع الجهات والحيثيّات المتصوّرة[1]. وللتوحيد مراتب أربع[2]، وكذا الإلحاد المقابل

 

[1] راجع: السبحانيّ، الشيخ جعفر، الإلهيّات، تقرير الشيخ محمّد حين مكّي العامليّ، الدار الإسلاميّة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، 1989م، ط1، ص373.

[2] توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الآثار (وبعضهم اعتبر التوحيد في العبادة، وأضاف بعض العلماء مراتب أخرى، كالتوحيد في الربوبيّة وغيرها... وربّما تعود إلى هذه المراتب الأربع).


107

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

له، فالميل والعدول عن الاستقامة، في كلّ مرتبةٍ، إلحادٌ فيها، وانحرافٌ عنها، فمنه ما هو شركٌ ظاهرٌ، ومنه ما هو شركٌ خفيٌّ[1].

 

وكلمة "إلحاد" أو "ملحد" تُستَعمل في الأشخاص الذين يُنكِرون وجود الله تعالى، أو ينكرون الأديان بشكلٍ عامٍّ. أمّا في اللغة والقرآن، فالأمر ليس كذلك، فكلمة إلحاد في القرآن الكريم تعني الميل عن الحقّ إلى الباطل، وهي تعادل تقريبًا كلمة الانحراف، فلها مدلولٌ عامّ لا ينحصر بالإلحاد في الألوهيّة، أو الربوبيّة، وما شابه ذلك.

 

فالإلحاد في التوحيد هو الانحراف في التوحيد، في أيّ مرتبةٍ من مراتبه، كادّعاء وجود الشريك لله تعالى، أو القول بالتجسيم، أو التفويض. ومن الإلحاد، الرياءُ، وهو الشرك الخفيّ، بل ورد في الكافي عن ابن أبي عمير، عن معاوية، قال: "سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾[2], قَالَ: كُلُّ ظُلْمٍ إِلْحَادٌ، وَضَرْبُ الْخَادِمِ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ مِنْ ذَلِكَ الْإِلْحَادِ"[3].

 

والإلحاد في التوحيد هو أكبر موانع القرب الإلهيّ، لأنّ التوحيد هو الأصل والبنيان الأساس للدين، بل يمكن القول: إنّ التوحيد هو خلاصة الدين وعصارته.

 

و"مجّدته" تمجيدًا: نسبته إلى المجد، وهو الكرم الواسع. وقيل: المجيد: الكريم الفعّال.

 

[1] السيّد محمّد باقر الموسويّ الحسينيّ الشيرازيّ (المتوفّى 1240هـ/ق)، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ج5، ص42.

[2] سورة الحج، الآية 25.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، 227.


108

الموعظة الثالثة عشرة: التوسّل بشهر رمضان والأولياء

2- وَالشَّكَّ في دينِكَ، وَالْعَمى عَنْ سَبيلِكَ

المانع الثاني هو الشكّ والترديد في دين الله تعالى، و"الشكّ": الارتياب واضطراب القلب والنفس، وذلك باقٍ ما لم ‏يُوَفَّق الإنسان لمرتبة النفس المطمئنّة.

 

3- وَالْإِغْفالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالْاِنْخِداعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ

و"الإغفال": الإهمال من غير نسيانٍ.

و"الانخداع": مطاوع خدَعته خدْعًا، من باب منع، فانخدع: إذا أظهرتَ له خلافَ ما تُخفيه، فوثِق بك واطمأنّ إليك.

والغرض: أنّ السالك ما لم يكن قاطع النظر عمّا سوى اللّه تعالى، ولم يعلم أن لا هو في الوجود إلّا هو، وأنّ ذاته تعالى فاعل جميع الموجودات، ونور ما في الأرض والسماوات، وإليه ينتهي كلّ الخيرات، وهو غاية ارتقاء الموجودات، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾[1],، ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى*  مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾[2], وبالجملة، أنْ ليس في ملك الوجود إلّا الواحد القهّار، لم يحسم مادّة الشرك الخفيّ عن قلبه، ولم يأمن عن الإلحاد في توحيده، والشكّ في دينه، وإن بلغ في العبادة الظاهريّة الغاية. وهذا الشرك الخفيّ، قلّ من الناس مَن نجى منه، وصفى قلبُه عنه، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾[3].[4]

 

[1] سورة النجم، الآية 42.

[2] سورة النجم، الآيات 45-47.

[3] سورة يوسف، الآية 106.

[4] السيّد محمّد باقر الحسينيّ الشيرازيّ، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ج5، ص43-44.


109

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

الموعظة الرابعة عشرة

مَحْقُ الذنوب

 

محاور الموعظة:

- خصال شهر رمضان.

- المنجيات من النار.

 

"اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَإذَا كَانَ لَكَ فِيْ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيْ شَهْرِنَا هَذَا رِقَابٌ يُعْتِقُهَا عَفْوُكَ، أَوْ يَهَبُهَا صَفْحُكَ، فَاجْعَلْ رِقَابَنَا مِنْ تِلْكَ الرِّقَابِ، وَاجْعَلْنَا لِشَهْرِنَا مِنْ خَيْرِ أَهْلٍ وَأَصْحَاب.

 

اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَامْحَقْ ذُنُوبَنَا مَعَ امِّحاقِ هِلالِهِ، وَاسْلَخْ عَنَّا تَبِعَاتِنَا مَعَ انْسِلاخِ أَيَّامِهِ، حَتَّى يَنْقَضِي عَنَّا وَقَدْ صَفَّيْتَنَا فِيهِ مِنَ الْخَطِيئاتِ، وَأَخْلَصْتَنَا فِيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ".

 

معاني المفردات

"يُعْتِقُهَا عَفْوُكَ، أَوْ يَهَبُهَا صَفْحُكَ"

 

 


110

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

1- "الصفح": ترك التثريب والتقرير بالذنب، وهو أبلغ من العفو، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، وصفحت عنه أوليته منّي صفحة جميلة، مُعرضًا عن ذنبه، أو لففت صفحتي متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبتّ فيها ذنبه من الكتاب، إلى غيرها من قولك: تصفّحت الكتاب.

 

2- "الهبة": أن تجعل ملكك لغيرك، كأنّ الرقابَ، لَمّا استحقّت عقابه سبحانه، خرجت عن كونها ملكًا لأصحابها، ودخلت في ملك عقابه وانتقامه تعالى، فوهبها صفحةً لأربابها"[1].

 

3- "المَحْق": ذهاب الشيء كلّه، حتّى لا يبقى منه شيء. والمراد بإمحاق الهلال: انقضاؤه وفناؤه.

 

4- "السلخ": إخراج الشيء ممّا لابسه، ونزعه عنه، مِن سَلخِ الشاة، وهو نزع جلدها عنها.

 

5- "صفا الشيء"، صفوًا: إذا خلص من الكدر، فهو صافٍ، يُقَال: خلص الماء من الكدر خلوصًا، وأخلصته إخلاصًا، كخلّصته تخليصًا، صفّيته، ومنه أخلص له المودّة، وأخلص لله دينَه.

 

"وَقَدْ صَفَّيْتَنَا فِيهِ مِنَ الْخَطِيئاتِ، وَأَخْلَصْتَنَا فِيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ"

فرّقوا بين الخطيئة والسيّئة، بأنّ الخطيئة: الصغيرة، والسيّئة: الكبيرة، لأنّ الخطأ بالصغيرة أنسب، والسوء بالكبيرة ألصق. وقيل: الخطيئة ما لا عَمْدَ فيه، والسيّئة ما كان عن عَمْدٍ. وقيل: الخطيئة ما

 

[1] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص76.


111

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

كان بين الإنسان وبين الله، والسيّئة ما كان بينه وبين العباد.

 

وقال الراغب: السيّئة والخطيئة متقاربان، إلّا أنّ الخطيئة أكثر ما تُستَعمَل فيما لا يكون مقصودًا إليه في نفسه، بل يكون القصد إلى شي‏ءٍ، لكن تولّد من ذلك الفعل.

 

أوّلًاً: خصال شهر رمضان

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: "أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ يُعْطَهُنَّ أُمَّةُ نَبِيٍّ قَبْلِي، أَمَّا وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، نَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَمْ يُعَذِّبْهُ، وَالثَّانِيَةُ خُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَالثَّالِثَةُ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْمَلائِكَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالرَّابِعَةُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِجَنَّتِهِ: تَزَيَّنِي وَاسْتَعِدِّي لِعِبَادِي، يُوشِكُ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا، وَيَصِيرُوا إلى دَارِ كَرَامَتِي، وَالْخَامِسَةُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لا، أَمَا تَرَوْنَ الْعُمَّالَ إِذَا عَمِلُوا كَيْفَ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهُمْ"[1].

 

1- شهر المغفرة

عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَبُّ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ تَتَشَعَّبُ فِيهِ الْخَيْرَاتُ،

 

[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهُر الثلاثة، مصدر سابق، ج1، ص90.


112

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تُغَلُّ الْمَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَيُغْفَرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِسَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، غَفَرَ اللَّهُ لِمِثْلِ مَا غَفَرَ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَشَهْرِ رَمَضَانَ إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ، إِلاَّ رَجُلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْظِرُوا هَؤُلاءِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا"[1].

 

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَصَامَ نَهَارَهُ، أَقَامَ وِرْدًا فِي لَيْلَتِهِ، وَحَفِظَ فَرْجَهُ وَلِسَانَهُ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَكَفَّ أَذَاهُ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَهَيْئَةِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. فَقِيلَ لَهُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا مِنْ حَدِيثٍ! فَقَالَ: مَا أَصْعَبَ هَذَا مِنْ شَرْطٍ"[2].

 

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ عليه السلام يَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلائِكَةً مُوَكَّلِينَ بِالصَّائِمِينَ، يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إلى آخِرِهِ، وَيُنَادُونَ الصَّائِمِينَ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ إِفْطَارِهِمْ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ، فَقَدْ جُعْتُمْ قَلِيلًا، وَسَتَشْبَعُونَ كَثِيرًا، بُورِكْتُمْ وَبُورِكَ فِيكُمْ! حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، نَادَى: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ، غَفَرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَقَبِلَ تَوْبَتَكُمْ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونَ"[3].

 

2- شهر العتق من النار

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي

 

 

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص315.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج93، ص380.

[3] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهُر الثلاثة، مصدر سابق، ج1، ص72.


113

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، عُتَقَاءَ وَطُلَقَاءَ مِنَ النَّارِ، إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ عَلَى مُسْكِرٍ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْهُ، أَعْتَقَ فِيهَا مِثْلَ مَا أَعْتَقَ فِي جَمِيعِهِ"[1].

 

ثانيًا: المنجيات من النار

قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾[2].

 

"وكلمة " زُحزِح" تعني محاولة الإنسان لإخراج نفسه من تحت تأثير شيء، وتخليصها من جاذبيّته تدريجًا.

 

وأمّا كلمة "فاز"، فتعني في أصل اللغة "النجاة" من الهلكة، ونيل المحبوب والمطلوب.

 

والجملة، بمجموعها، تعني أنّ الذين استطاعوا أن يحرّروا أنفسَهم من جاذبيّة النار، ودخلوا الجنّة، فقد نجوا من الهلكة، ولقوا ما يحبّونه، وكأنّ النار تحاول بكلّ طاقتها أن تجذب الآدميّين نحو نفسها...

 

كما أنّه يُستَفاد من هذا التعبير أنّ الناس، ما لم يسعوا ويجتهدوا لتخليص أنفسهم وتحريرها من جاذبيّة هذه العوامل المغرية الخدّاعة، فإنّها ستجذبهم نحو نفسها تدريجًا، وسيقعون في أسرها في نهاية المطاف"[3].

 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص98.

[2] سورة آل عمران، الآية 185.

[3] الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب، إيران -  قم، 1426ه، ط1، ج3، ص35.


114

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

ومن المنجيات وموجبات الرحمة والمغفرة في هذا الشهر:

أ. التوبة النصوح

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾[1].

 

والتوبة النصوح هي ترك الذنب والمعصية، والعزم على عدم العودة إليها. فعن أبي بصير، قَالَ: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾, قَالَ: هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا. قُلْتُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَعُدْ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْمُفَتَّنَ التَّوَّاب‏"[2].

 

ثمار التوبة

1- تكفير السيّئات ودخول الجنة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[3].

 

2- محبّة الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾[4].

 

3- محو الذنوب: عن أبي جعفر  عليه السلام قال: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ"[5].

 

4- ستر الله: عن معاوية بن وهب قال: "سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحًا، أَحَبَّهُ اللَّهُ، فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَال‏: يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ

 

[1] سورة التحريم، الآية 8.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص432.

[3] سورة التحريم، الآية 8.

[4] سورة البقرة، الآية 222.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص435.


115

الموعظة الرابعة عشرة: مَحْقُ الذنوب

مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ: اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وَيُوحِي إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ: اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الذُّنُوب‏"[1].

 

ب- الاستغفار

قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[2].

 

عن أبي عبد الله  عليه السلام، قال: "الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، أَجَّلَهُ اللَّهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ، وَإِنْ مَضَتِ السَّاعَاتُ وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ، كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ. وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُذَكَّرُ ذَنْبَهُ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ، فَيَغْفِرَ لَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَنْسَاهُ مِنْ سَاعَتِه‏"[3]

 

وعنهم عليهم السلام: "لِكُلِّ شَيْءٍ دَوَاءٌ، وَدَوَاءُ الذُّنُوبِ الاِسْتِغْفَارُ"[4].

 

آثار الاستغفار

1- الرزق والقوّة: قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾[5].

 

2- دفع العذاب: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[6].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ص431.

[2] سورة النساء، الآية 106.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص437.

[4] المصدر نفسه، ص439.

[5] سورة هود، الآية 52.

[6] سورة الأنفال، الآية 33.


116

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

الموعظة الخامسة عشرة

العبادة والطاعة

في شهر رمضان

 

محاور الموعظة:

- الميل والزيغ.

- العبادة والطاعة.

- التوفيق للطاعة.

 

"اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا، وَإنْ زِغْنَا فِيهِ فَقَوِّمْنَا، وَإنِ اشْتَمَلَ عَلَيْنَا عَدُوُّكَ الشَّيْطَانُ فَاسْتَنْقِذْنَا مِنْهُ. اللَهُمَّ، اشْحَنْهُ بِعِبَادَتِنَا إيَّاكَ، وَزَيِّنْ أَوْقَاتَهُ بِطَاعَتِنَا لَكَ، وَأَعِنَّا فِي نَهَـارِهِ عَلَى صِيَـامِـهِ، وَفِي لَيْلِهِ عَلَى الصَّـلاةِ، وَالتَّضَرُّعِ إلَيْكَ، وَالخُشُوعِ لَكَ، وَالذِّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، حَتَّى لا يَشْهَدَ نَهَارُهُ عَلَيْنَا بِغَفْلَة، وَلا لَيْلُهُ بِتَفْرِيط. اللَّهُمَّ، وَاجْعَلْنَا فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ كَذَلِكَ مَا عَمَّرْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُـونَ، وَمِنَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.

 


117

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَكُلِّ أَوَانٍ، وَعَلَى كُـلِّ حَالٍ، عَـدَدَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالأضْعافِ الَّتِي لا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ، إنَّكَ فَعَّالٌ لِمَا تُرِيدُ".

 

معاني المفردات

"الميل": العدول عن الوسط إلى أحد الجانبَين، ويُستَعمل في الجور.

 

"وعدلته تعديلًا": سوّيته فاستوى.

 

"الزيغ": الميل عن الاستقامة، ومنه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[1], أي: لَمّا فارقوا الاستقامة، عاملهم الله بذلك.

 

"اشحنه" شحن السفينة: مَلَأها وأتمّ جهازها كلّها.

 

"التضرّع": المبالغة في الابتهال والسؤال.

 

"الخشوع": الخضوع والتواضع، وقيل: الخشوع باعتبار أفعال الجوارح، والخضوع والتواضع يُعتَبَران بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة. ولذلك قيل: إذا تواضع القلبُ خشعتِ الجوارحُ.

 

"الذِلَّة" بالكسر: الهوان والاستكانة، وهي من أشرف القربات إلى الله تعالى، لأنّها إنّما تكون عن قهر النفس الأمّارة بالسوء. وشرف المخلوق في إظهار العبوديّة والمذلّة والضراعة له سبحانه.


 

[1] سورة الصف، الآية 5.


118

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

أوّلًا: الميل والزيغ

"وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا، وَإنْ زِغْنَا فِيهِ فَقَوِّمْنَا، وَإنِ اشْتَمَلَ عَلَيْنَا عَدُوُّكَ الشَّيْطَانُ فَاسْتَنْقِذْنَا مِنْهُ".

 

تحدّث الإمام في هذه الفقرة عن ثلاثة أمور، على الشكل الآتي:

أولًا، "إنْ مِلْنَا فِيهِ" إلى طرف الإفراط والتفريط، فاجعلنا قائمِين بالعدل والوسط الّذي "به قامت السماوات والأرض"، فالميل والعدول إلى أحد الجانبَين يلزمه فساد الكلّ، فطلب الإمامُ من الله تعالى أن يعدلنا، أي إلى مركز الوسط.

 

قَالَ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ"[1].

 

قَالَ أمير المؤمنين  عليه السلام: "نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي"[2].

 

ثانيًا، "وَإنْ زِغْنَا فِيهِ فَقَوِّمْنَا"، أي إن مِلنا من الحقّ إلى الباطل، "فقوّمنا"، أي أرجِعنا إلى طريق الاستقامة.

قَالَ أمير المؤمنين عليه السلام: "لا سَبِيلَ أَشْرَفُ مِنَ الاِسْتِقَامَةِ"[3]. وقال أيضًا: "لا مَسْلَكَ أَسْلَمُ مِنَ الاِسْتِقَامَةِ"[4].

 

ويقول عليه السلام: "وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبْغِضُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَلَوِّنَ، فَلا تَزُولُوا عَنِ الْحَقِّ وَوَلايَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ مَنِ

 

[1] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج4، ص110.

[2] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص488.

[3] الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص771.

[4] المصدر نفسه، ص775.


119

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

اِسْتَبْدَلَ بِنَا هَلَكَ، وَمَنِ اتَّبَعَ أَمْرَنَا لَحِقَ، وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِنَا غَرِقَ، فَإِنَّ لِمُحِبِّينا أفواج (أَفْوَاجًا) مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لِمُبْغِضِينَا أفواج (أَفْوَاجًا) مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، طَرِيقُنَا الْقَصْدُ، وَفِي أَمْرِنَا الرُّشْدُ، أَهْلَ الْجَنَّةِ يَنْظُرُونَ مَنَازِلِ شِيعَتِنَا، كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِي السَّمَاءِ، لا يَضِلُّ مَنِ اِتَّبَعَنَا، وَلا يَهْتَدِي مَنْ أَنْكَرَنَا، وَلا يَنْجُو مَنْ أَعَانَ عَلَيْنَا، وَلا يُعَانُ مَنْ أَسْلَمَنَا. فَلا تَخَلَّفُوا عَنَّا لِطَمَعِ دُنْيَا وَحُطَامٍ زَائِلٍ عَنْكُمْ..."[1].

 

والمتلوّن هو العبد الذي لا يتّخذ موقفًا مبدئيًّا من الأحداث والوقائع، بل يتلوّن وفق المصلحة والطمع ومنفعته الخاصّة، ويساير على حساب الرسالة والقيم والمبادئ.

 

وعن أمير المؤمنين  عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾[2]: "وَقَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَلا تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَلا تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[3].

 

ثالثًا، "وَإنِ اشْتَمَلَ عَلَيْنَا عَدُوُّكَ الشَّيْطَانُ فَاسْتَنْقِذْنَا"، أي إذا أحاط بنا من الداخل الشيطان، الذي هو عدوّ الله وعدوّ الإنسان، فهنا يدعو اللهَ أن يستنقذَه منه، لأنّه - وحده - المهيمن على كلّ شيء.

 

 

[1] فرات بن إبراهيم الكوفيّ، تفسير فرات الكوفي، تحقيق محمّد الكاظم، مؤسّسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران - طهران، 1410ه - 1990م، ط1، ج1، ص366.

[2] سورة فصّلت، الآية 30.

[3] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص253.


120

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾[1]، وقال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[2], وقال: ﴿  ﴾[3].?زَيَّنَ لَهُمُ ?لشَّي?طَ?نُ أَع?مَ?لَهُم??(247).

 

ثانيًا: العبادة والطاعة

"اللَهُمَّ، اشْحَنْهُ بِعِبَادَتِنَا إيَّاكَ، وَزَيِّنْ أَوْقَاتَهُ بِطَاعَتِنَا لَكَ... وَلا لَيْلُهُ بِتَفْرِيط"

 

استخدمَ الإمامُ في العبارة "العبادة"، وفي العبارة الثانية "الطاعة"، فما الفرق بين الأمرَين؟

 

العبادة: لمفهوم العبادة معنيان، عامّ وخاصّ.

 

المعنى العامّ: يُقصَد به "كلّ فعلٍ وكلّ قولٍ خيريّ، بل كلّ حركةٍ يقوم بها العبد، امتثالًا لأوامر المولى تعالى، أو امتثالًا لنَوَاهِيهِ"، وهو يشمل المعاملات والعبادات، بل يشمل كلّ حركة من حركات الإنسان.

المعنى الخاصّ: هو "تلك الأعمال التي فرضها المولى تعالى على عبده، والمشروطة بنيّة الامتثال قربة لله عزّ وجلّ، بمعنى أنّها لا تصحّ أو لا تُقبل من العَبدِ إلّا إذا كانت مسبوقةً بنيّة الامتثال قربةً لله عزّ وجلّ.

 

[1] سورة النحل، الآية 100.

[2] سورة البقرة، الآية 257.

[3] سورة الأنفال، الآية 48.


121

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

وهذا المعنى الخاصّ هو نفسُه المعنى الاصطلاحيّ الفقهيّ لمفهوم العبادة، من قَبيل الصلاة، والصوم، والحجّ... فالعبادة بالمعنى الأخصّ هي الصلاة وما شابهها، أمّا "برّ الوالدَين والإحسان إليهما"، فهو ليس عبادةً كالصلاة، لأنّ الصلاة متقوّمةٌ بالنيّة القربيّة إلى الله -تعالى-، أمّا "برّ الوالدَين"، فمع نيّة التقرّب يصبح عبادة، وهكذا كلّ الأعمال التوصّليّة، والتي يمكن تحويلها جميعًا إلى أعمال عباديّة، من خلال النيّة. فيصدق على أنّ "الصلاة" نوعٌ خاصّ من العبادة، "وبرّ الوالدين" نوعٌ آخر من العبادة، ولكن كلاهما يصدق عليهما إطاعة للأوامر الإلهيّة، فالطاعة مفهومٌ أوسع من العبادة. فكلّ عملٍ يطابق أمر الله، ويدخل في دائرة رضاه، أو لا أقلّ ليس مخالفًا للأوامر الإلهيّة، فهو طاعة، وإن كان لا ينطبق عليه عنوان العبادة. فهنا يقول الإمام: اللهمّ، وفّقنا ليكون تمام شهر رمضان هو شهر إظهار العبادة كالصلاة، وأنْ نزيّن كلّ أوقاته بطاعتك.

 

ثالثًا: التوفيق للطاعة كلّ أيّام السنة

"اللَّهُمَّ، وَاجْعَلْنَا فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ كَذَلِكَ مَا عَمَّرْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُـونَ، وَمِنَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ"

 

يقول الإمام  عليه السلام: "اللهمّ، اجعلنا في سائر الشهور والأيّام، سوى شهر رمضان".


122

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

وكلامه فيه اقتباسان:

الأوّل، من قوله تعالى في أوائل سورة المؤمنون: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1], فالمراد بعباده الصالحين: هم المشار إليهم بقوله تعالى: "أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ"، وهم المؤمنون، باعتبار اتّصافهم بالصفات السبع المذكورة في بداية آيات السورة المباركة[2].

 

فهؤلاء "يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ"، أي ينالونها ويملكونها، كما ينال الوارثُ الإرثَ بجامع الحصول، من غير كدٍّ ولا تعبٍ، فكانت شبهًا بالميراث.

 

الاقتباس الثاني: من قوله تعالى في أثناء سورة المؤمنون أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[3].

 

وختم الإمام هذا الدعاء الشريف بقوله: "اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، فِي كُلِّ وَقْت، وَكُلِّ أَوَانٍ، وَعَلَى كُـلِّ حَالٍ، عَـدَدَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالأضْعافِ الَّتِي لا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ، إنَّكَ فَعَّالٌ لِمَا تُرِيدُ".

 

آثار العبادة

1- غِنَى القلب: عن أبي عبد الله  عليه السلام، قال: "فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: يَابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى، وَلَا أَكِلْكَ إِلَى طَلَبِكَ،

 

 

 

[1] سورة المؤمنون، الآيتان 10-11.

[2] سورة المؤمنون، الآيات 1-9.

[3] سورة المؤمنون، الآيتان 57-61.


123

الموعظة الخامسة عشرة: العبادة والطاعة في شهر رمضان

وَعَلَيَّ أَنْ أَسُدَّ فَاقَتَكَ، وَأَمْلَأَ قَلْبَكَ خَوْفًا مِنِّي، وَإِنْ لَا تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ قَلْبَكَ شُغُلًا بِالدُّنْيَا، ثُمَّ لَا أَسُدَّ فَاقَتَكَ، وَأَكِلْكَ إِلَى طَلَبِكَ"[1].

 

2- التنعّم في الآخرة: قال أبو عبد الله  عليه السلام: "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عِبَادِيَ الصِّدِّيقِينَ، تَنَعَّمُوا بِعِبَادَتِي فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّكُمْ تَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْآخِرَة"[2].

 

3- المباهاة بالملائكة: عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَاهِي بِالشَّابِّ العَابِدِ المَلَائِكَةَ، يَقُولُ: اُنْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، تَرَكَ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي"[3].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص83.

[2] المصدر نفسه.

[3] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، مصدر سابق، ج15، ص776.


124

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

الموعظة السادسة عشرة

الاعتكاف عبادة وتربية

 

محاور الموعظة:

- أسرار الاعتكاف.

- أقسام الاعتكاف.

- شرائط صحّة الاعتكاف.

- أحكام الاعتكاف.

 

تمهيد

يُعتَبر الاعتكاف من المستحبّات والسنن المؤكّدة، التي عمل عليها رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، وقد ورد عن لسانهم الشريف العديد من الأحاديث التي تبرز فضله والتزامهم به، كما عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان العشر الأواخر من رمضان، اعتكف في المسجد، وضُرِبَت له قبّةٌ من شعر، وشمّر المئزر، وأطوى فراشه"[1].

 

وسوف نورد في هذا الدرس بعضَ الأمور الأساسيّة لبيان الاعتكاف وفلسفته وأقسامه وشروطه، وهي على الشكل الآتي:

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص175.


125

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

أوّلًا: تعريف الاعتكاف

1- في اللغة: الإقامة على الشيء في المكان، ولزوم الشيء وحبس النفس عليه، خيرًا كان أم شرًّا، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾[1], أي مقيمين متعبّدين لها.

 

2- في الاصطلاح الشرعيّ: هو المكث في المسجد، بقصد التعبّد للّه وحده. وهو مشروعٌ قرآنًا وسنّةً وإجماعًا. والإسلام شرّع الاعتكاف، ليكون وسيلةً موقوتةً وعبادةً محدودة، تُؤدّى بين حينٍ وآخر، لتحقيق نقلةٍ إلى رحاب اللّه، يعمّق فيها الإنسانُ صلتَه بربِّه، ويتزوّد بما تتيح له العبادة من زاد. وهو مستحبٌّ بأصل الشرع، ويصحّ في كلّ وقتٍ فيه الصوم، وأفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر. وينبغي للمعتكف أن يُكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبيّ وآله صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء، ونحو ذلك من الطاعات والعبادات التي تقرّب العبد من ربّه -عزّ وجلّ، ويمكنه أيضا القراءة في كتب التفسير أو الحديث، والمشاركة في حلقات الذكر والعلم، وأن لا يشغل نفسه بشيءٍ غير العبادات والطاعة والذكر.

 

ثانيًا: من أسرار الاعتكاف وفلسفته

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه العبادة، رغم انشغاله بالدعوة

 

[1] سورة الأنبياء، الآية 52.


126

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

والتربية والتعليم والجهاد، فكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف كلَّ رمضانٍ عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبِضَ فيه، اعتكف عشرين يومًا. ولا شكّ أنّ هذا الاعتكاف لم يُشَرَّع إلّا لحِكَمٍ عظيمة، منها:

1- الانقطاع إلى الله

إنّ الشهوات والغرائز تحاول، بثقلها، إخضاع النفس الإنسانيّة لمعسكر الشيطان. لذا، لم تكتف الشريعة الإلهيّة بتوجيه الإنسان نحو التأمّل والتفكير، ثمّ العزم وأخذ القرار، بل أرادت أن تدخله في دوراتٍ تدريبيّة تعرّفه خلالها قدرتَه على التحكّم بشهواته، بدل أن يكون محكومًا.

 

وبالتطبيق، لم تكتف الشريعة بالتنظير لذلك، بل أجرت دوراتٍ عمليّةٍ يُعرَّف فيها الإنسان إلى قدرته في التحكّم بغرائزه، كما دورة الحجّ العباديّة، والصلاة اليوميّة، وصوم شهر رمضان.

 

وكذلك أتت بحلٍّ عمليٍّ آخر، ألا وهو الاعتكاف، الذي يعطي للمرء فرصة الاختلاء بينه وبين ربّه سبحانه وتعالى، فيتأمّل بماضي أيّامه، ويستغفره على ما اقترفه من ذنوب، ويشكره على ما فعله من حسنات.

 

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: إنّ الاعتكاف الذي يمارسه الشباب، هو في الحقيقة اختلاءٌ بالله عزّ وجلّ... إنّه عملٌ فرديٌّ أكثر منه عملًا جماعيًّا، هو عملٌ فرديٌّ يهدف إلى إيجاد صلةٍ بين العبد وبين ربّه. فلا يجب أن تكون البرامج الجماعيّة في مراكز الاعتكاف، بحيث تؤثّر سلبًا على لذّة الاختلاء بالله، والارتباط الفرديّ والقلبيّ به.

 


127

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

2- خصوصيّة الزمان والمكان

إنّ للزمان في أيّام شهر رمضان ولياليه، أهمّيّةً وقيمةً خاصّة، خصوصًا إذا قُضِيَ في العبادة والدعاء والذكر والتسبيح، فكيف إذا كان مع جماعةٍ من المؤمنين، وفي بيتٍ من بيوت الله تعالى؟

عن الإمام الباقر  عليه السلام: "أنّه (رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم، قام أوّلَ ليلةٍ من العشر الأواخر من شهر رمضان، فحمد الله وأثنى، عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، قد كفاكم الله عدوَّكم من الجنّ (والإنسِ)، ووعدكم الإجابة، فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[1], ألا وقد وكل اللهُ تعالى بكلّ شيطانٍ مَريدٍ، سبعةَ أملاكٍ، فليس بمحلولٍ حتّى ينقضي شهركم هذا، ألا وأبواب السماء مفتّحةٌ من أوّل ليلة منه إلى آخر ليلة منه، ألا والدعاء فيه مقبول، ثمّ شمّر  صلى الله عليه وآله وسلم، وشدّ مئزره، وبرز من بيته، واعتكفهنّ، وأحيا الليل كلّه، وكان يغتسل كلَّ ليلةٍ بين العشاءين"[2].

 

3- زيادة الصلة الإيمانيّة بالله

إنّ الاعتكاف هو أحد العبادات التي تزكّي النفس، وتجعل المرء أكثر قدرةً على مواجهة فتن الدنيا، والعمل على استنقاذ الآخرين منها:

1- الاستفادة من أهمّيّة الانقطاع عن الناس في خلوةٍ مع الله، والتلذّذ في حلاوة عبادته وذكره، ففي الاعتكاف تسيل دموع الخاشعين المتدبّرين، وتُرفَع فيه أكفّ الضارعين المخبِتِين، ويسعى المرء فيه


 

[1] سورة غافر، الآية 60.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص560.


128

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

جاهدًا لئلّا تضيع من أوقات هذه الأيّام المعدودة لحظةٌ واحدة في غير طاعة، فيفوته قطار الفائزين.

 

2- الاعتكاف فرصة عظيمة لاختبار الإخلاص المحض لله، في كلّ الأعمال والحركات والسكنات، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[1].

 

ويمكن لنا أن نذكر بعض الفوائد المترتّبة على الاعتكاف، وهي:

•        يوفّر لنا فرصة إحياء ليالي القدر.

•        يساعدنا على التخلّي عن هموم الدنيا ومشاغلها.

•        مصاحبة الصالحين والتأسّي بهم.

•        عمارة المسجد.

•        التبتّل والانقطاع والدعاء.

•        التخلُّص من العادات، وتحقيق معنى العبوديّة.

 

ثالثًا: أقسام الاعتكاف

ينقسم الاعتكاف، من الناحية الشرعيّة، إلى قسمَين:

الأوّل، الاعتكاف المستحب: وهو ما تطوّع به المسلم تقرّبًا لله عزّ وجلّ، وطلبًا لثوابه، واقتداءً بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويتأكّد ذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان.

 

الثاني، الاعتكاف الواجب: وهو ما أوجبه المرء على نفسه، لنذرٍ أو عهدٍ أو يمينٍ أو إجارةٍ.

 

[1] سورة البيّنة، الآية 5.


129

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

رابعًا: شرائط صحّة الاعتكاف

يُشتَرط في صحّة الاعتكاف سبعةُ أمور:

الأوّل: العقل، فلا يصحّ من المجنون حال جنونه، ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل.

 

الثاني: نيّة القربة والإخلاص، ووقت النيّة في ابتداء الاعتكاف أوّل الفجر من اليوم الأوّل، بمعنى عدم جواز تأخيرها عنه، ويجوز تقديمها في الليل.

 

الثالث: الصوم، واجبًا كان أو مستحبًّا، عن نفسه أو عن غيره، ويُبطِلُ الاعتكافَ كلّ ما يُبطل الصوم.

 

الرابع: أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام مع الليلتَين المتوسّطتَين، ولا حدّ لأكثره، ولكن كلّما اعتكف يومين تامّين، ولو تطوّعًا، وجب الثالث.

 

الخامس: أن يكون في أحد المساجد الأربعة:

• المسجد الحرام.

• المسجد النبويّ.

• مسجد الكوفة.

• مسجد البصرة.

 

وإذا أراد الاعتكاف في سائر المساجد، فالأحوط وجوبًا إتيانُه برجاء المطلوبيّة، بشرط أن تكون مساجد جامعة، فلا يجوز في مسجد القبيلة أو السوق أو نحوهما.

 

السادس: إذن من يُعتَبر إذنُه، كالوالدين بالنسبة لولدهما، إن كان اعتكافه مستلزمًا لإيذائهما، وكالزوج بالنسبة إلى الزوجة، إذا كان


130

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

منافيًا لحقّه، على الأحوط وجوبًا.

 

السابع: استدامة اللبث في المسجد. نعم، لو خرج ناسيًا أو مُكرهًا، لا يبطل، وكذا لا يبطل لو خرج لضرورة، عقلًا أو شرعًا أو عادة، كقضاء الحاجة (من بول أو غائط)، أو للاغتسال من الجنابة، ونحو ذلك. ولو طال الخروج في مورد الضرورة، بحيث انمحت صورة الاعتكاف، فيبطل.

 

لا يُشترط البلوغ في صحّة الاعتكاف، فيصحّ من الصبيّ المميّز.

 

خامسًا: أحكام الاعتكاف

1- قطع الاعتكاف

يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومَين الأوّلين، وبعد تمامهما يجب الثالث، بل يجب السادس أيضًا لو أكمل الرابع والخامس، والأحوط وجوبًا الإتيان بالتاسع والثاني عشر، وهكذا كلّ ثالث.

 

لا يجوز قطع المنذور المعيّن، ولو في اليومَين الأوّل والثاني. نعم، لو كان المنذور غير معيّن، فحكمه كالمندوب.

 

لا بدّ من كون الأيّام مع الليلتَين المتوسّطتَين متّصلة.

 

2- وحدة المسجد

يُعتَبر في الاعتكاف الواحد وحدةُ المسجد، فلا يجوز أن يجعله في مسجدَين، ولو تعذّر إتمام الاعتكاف في محلّ النيّة -لخوف أو هدم ونحو ذلك - بطل الاعتكاف، ولا يجزيه الإتمام في مسجد آخر.

 

سطوح المساجد وسراديبها ومحاريبها، حكمها حكم المسجد، ما لم يُعلَم خروجها.

 


131

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

3- اشتراط الرجوع

يجوز للمعتكف أن يشترط، حين النيّة، الخروج عن اعتكافه متى شاء، حتّى في اليوم الثالث، لو عرض له عارض، حتّى وإن كان العارض من الأعذار العرفيّة العاديّة - كقدوم الزوج من السفر -، ولا يختصّ بالضرورات التي تبيح المحظورات، ولا يجوز أن يشترط الرجوع بدون عروض عارض.

 

4- ما يحرم على المعتكف

يحرم على المعتكف خمسة أمور، بلا فرق بين الليل والنهار، وهي:

الأوّل: مباشرة النساء بالجماع واللمس والتقبيل بشهوة، وهي مبطلة للاعتكاف، ويحرم ذلك على المعتكفة أيضًا.

 

الثاني: الاستمناء، على الأحوط وجوبًا.

 

الثالث: شمّ الطيب والريحان متلذّذًا، وهذا لا يشمل فاقد حاسّة الشمّ.

 

الرابع: البيع والشراء، والأحوط وجوبًا ترك غيرهما أيضًا من أنواع التجارة، كالصلح والإجارة وغيرهما. ولو أوقع المعاملة، صحّت مع الإثم.

 

نعم، يجوز الاشتغال بالأمور الدنيويّة من أصناف المعايش، حتّى الخياطة والنساجة، بل يجوز البيع والشراء إذا مسّت الحاجة إليهما للأكل والشرب، بشرطَين:

الأوّل، مع عدم إمكان التوكيل.

الثاني، مع تعذّر النقل بغير البيع والشراء.

 

 


132

الموعظة السادسة عشرة: الاعتكاف عبادة وتربية

الخامس: الجدال على أمر دنيويّ أو دينيّ، إذا كان لأجل الغلبة وإظهار الفضيلة، وأمّا إذا كان بقصد إظهار الحقّ وردّ الخصم عن الخطأ، فلا بأس به.

 

إذا أُفسِد الاعتكاف الواجب بالجماع في الليل، وجبت الكفّارة، وهي ككفّارة شهر رمضان، ولو كان في النهار، فعليه كفّارتان، واحدةٌ لإبطال الصوم، وثانيةٌ لإبطال الاعتكاف.

 


133

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

الموعظة السابعة عشرة

العلاقة مع القرآن الكريم

 

محاور الموعظة:

- فضل القرآن.

- تعليم القرآن.

- إكرام حملة القرآن.

- التفكّر في القرآن.

- التدبّر في القرآن.

 

عن الإمام عليّ  عليه السلام في وصف المتّقين: "أَمَّا اللَّيْلَ، فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ، يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا، يُحَزِّنُونَ بِه أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِه دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ، أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ"[1].

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص304.


134

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

تمهيد

إنّ في هذا الوصف نقاطًا هامّةً للغاية، لا ينبغي للقارئ لها إلّا أن يقف عندها مليًّا، حيث وصف  عليه السلام حال الأتقياء الذين باعوا أنفسهم لله تعالى، وصفًا شاملًا ودقيقًا للغاية، قلّما نجده في كلمات غيره  عليه السلام. وممّا ذكره في وصفهم، هو حالهم في علاقتهم مع القرآن الكريم، وكيف أنّهم يتأثّرون به ويتفاعلون مع آياته المباركة، وكأنّ ذلك صفةٌ ملازمةٌ من صفاتهم.

 

وإنّنا سنورد هنا بعضَ المسائل الأساسيّة في ما يتعلّق بهذا الكتاب الكريم، ضمن العناوين الآتية:

أوّلًا: فضل القُرآن وعظمته

لقد ورد العديد من الأخبار حول فضل القرآن ومنزلته وعظمته، باعتباره أهمّ الكتب السماويّة المرسلة إلى البشر، منها:

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "فَضْلُ القرآن على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه"[1].

 

وعنه أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: "القرآن أَفضل كلِّ شيء دونَ الله"[2].

 

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذا التبَستْ عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإِنّه شافعٌ مشفَّع، وماحِلٌ مصدَّق، مَنْ جعله أَمامَه قاده إِلى الجنة، ومَن جعله خلفَه ساقه إِلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل..."[3].

 

[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج89، ص 19.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج1، ص288.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص238.


135

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

وقد أشارت أحاديث أخرى إلى الآثار الناشئة عن العلاقة الدائمة والقويّة بالقرآن الكريم، منها:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "النظر في المصحف من غير قراءَةٍ عبادة"[1].

 

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يُعذِّب الله قلبًا أَسكنه القرآن"[2].

 

وعن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين  عليه السلام: "لو مات مَنْ بين المشرق والمغرب لمَا استَوحشتُ، بعد أَن يكون القرآن معي"[3].

 

وإلى عظمة القرآن، أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله: "من أعطاه الله القرآن، فرأى أنّ رجلًا أُعطِيَ أفضل ممّا أُعطِيَ، فقد صغّر عظيمًا، وعظّم صغيرًا"[4].

 

وجاء أبو ذرّ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "يا رسول الله، إنّي أخاف أن أتعلّم القرآن، ولا أعمل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يعذّب الله قلبًا أسكنه القرآن"[5].

 

ثانيًا: اتّخاذ القُرآن في البُيوت والمنازل

ورد التأكيد في أحاديث الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام بأن لا يخلو بيتٌ من وجود القرآن الكريم، ومن تلاوته، وقد ورد النهي، في الوقت عينه، عن ترك التلاوة في البيوت،

 

[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص205.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج1، ص287.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص440.

[4] المصدر نفسه، ج2، ص605.

[5] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج4، ص233.


136

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

كما عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "نَوِّروا بيوتَكم بتلاوة القرآن، ولا تتّخذوها قبورًا كما فعلت اليهود والنصارى، صَلُّوا في الكنائس والبِيَع، وعطَّلوا بيوتَهم، فإِنّ البيت إِذا أَكثر فيه تلاوة القرآن، كثر خيره، واتّسع أَهله، وأَضاءَ لأهل السماءِ كما تضيءُ نجوم السماءِ لأهل الدنيا"[1].

 

وعنه أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أَصفَرَ البيوت الذي ليس فيه من كتاب الله شيءٌ"[2].

 

وعن أبي عبد الله  عليه السلام قال: "البيت الذي يُقرَأُ فيه القرآن، ويُذكَر الله -عزّ وجلّ- فيه، تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيءُ لأهل السماءِ، كما تضيءُ الكواكبُ لأهل الاَرض"[3].

 

ثالثًا: الحَثّ على تعليم القرآن وتَعَلُّمِه

حرص النبيّ وآله على مباشرة تعليم القرآن لأصحابه، وأمرهم بتعليم بعضهم بعضًا، ليتحوّل تعلّم القرآن وتعليمه إلى فريضة واجبة.

 

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "القرآن مأْدبة الله، فتعلَّموا مِن مأْدبة الله ما استطعتم، إِنّه النور المبين، والشفاءُ النافع، تعلَّموه، فإِن الله يشرّفكم بتعلُّمه"[4].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص446.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج1، ص294.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص499.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج89، ص267.


137

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن عَلَّم آية من كتاب الله تعالى، كان له أَجرها ما تُلِيَتْ"[1].

 

وعن أمير المؤمنين  عليه السلام أنّه قال: "تعلَّموا القرآن، فإِنّه أَحسن الحديث، وتفقّهوا فيه، فإِنّه ربيع القلوب"[2].

 

وعن الإمام الصادق  عليه السلام: "ينبغي للمؤمن أَن لا يموت حتّى يتعلّم القرآن، أَو يكون في تعلّمِه"[3].

 

رابعًا: إكرَام حَمَلَةِ القُرآن

للتأكيد على هذه السنّة، أكرم الله تعالى حَمَلَةَ القرآن، ووعدهم بالثواب الجزيل، بل في أعلى الدرجات.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنّ أَهل القرآن في أَعلى درجة من الآدميّين، ما خلا النبيّين، والمرسَلين، فلا تستضعفوا أَهل القرآن حقوقهم، فإِنّ لهم من الله العزيز الجبّار لَمَكانًا عَلِيًّا"[4].

 

بل ورد الوعد بالأجر والثواب في الدنيا والآخرة على الاستماع إلى القرآن والإنصات له.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، وعن قاريه (تاليه) بلوى الآخرة"[5].

 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج4، ص235.

[2] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص164.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص607.

[4] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج1، ص287.

[5] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج89، ص182.


138

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

خامسًا: التفكُّر في مَعاني القرآن والاتّعاظ والعَمَل بها

إنّ تعلّم القرآن وتعليمه هو المدخل الطبيعيّ لفهم القرآن والتفكّر بآياته، والاتّعاظ والعمل بها، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولُه: "مَن تعلَّم القرآن ولم يعلمْ به، وآثر عليه حبَّ الدنيا وزينتها، استوجب سخطَ الله، وكان في الدرجة مع اليهود والنصارى، الذين ينبذون كتاب الله وراءَ ظهورهم"[1].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "القلوب أَربعة: فقلبٌ فيه إِيمان وليس فيه قرآن، وقلبٌ فيه قرآنٌ وإِيمان، وقلبٌ فيه قرآن وليس فيه إِيمان، وقلب لا قرآنَ فيه ولا إِيمان. فأَمّا القلب الذي فيه إِيمان وليس فيه قرآن، كالثمرة، طيِّب ليس لها ريح. وأَمّا القلب الذي فيه قرآن وليس فيه إِيمان، كالأشنة، طيِّب ريحها، خبيثٌ طعمها. وأَمّا القلب الذي فيه إِيمان وقرآن، كجِراب المسك، إِن فُتِحَ فُتِحَ طِيْبًا، وإِن وعى وعى طِيْبًا. وأمّا القلبُ الذي لا قرآن فيه ولا إِيمان، كالحنظلة، خبيثٌ ريحها، خبيثٌ طعمها"[2].

 

سادسًا: أهمّيّة التدبّر في القرآن الكريم

التدبّر هو "التفكّر، باستخدام وسائل التفكير والتساؤل المنطقيّ، للوصول إلى معانٍ جديدة يحتملها النصّ القرآنيّ، وفق قواعد اللغة العربية، وربط الجمل القرآنيّة ببعضها، وربط السور القرآنيّة ببعضها،

 

 

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج73، ص361.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج4، ص231.


139

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

وإضفاء تساؤلاتٍ مختلفةٍ حول هذا الربط أو ذاك".

 

وقد أمرَنا الله سبحانه وتعالى بذلك، فقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[1], وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[2].

 

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره في "الأربعون حديثًا"[3]: إنّ من وصايا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الأمرَ بتلاوة القرآن، "وَعَلَيْكَ بِتَلاَوَةِ القُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَال"[4]، وإنّ عقلَنا القاصر لا يستوعب فضيلة تلاوة القرآن وحمله وَتَعَلُّمِهِ والتمسّك به وملازمتَه والتدبّر في معانيه وأسراره. وما نُقِلَ عن أهل بيت العصمة عليهم السلام في ذلك، أكثرُ من طاقة هذا الكتاب على استيعابه. ونحن نقتصر على ذكر بعضها:

عن أبي عبد الله  عليه السلام قالَ: "القُرْآنُ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ، فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ المُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ، وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً"[5].

 

وعن عَلَيَّ بنَ الحسينِ  عليه السلام، يَقولُ: "آياتُ القُرْآنِ خَزَائِن، فَكُلَّمَا فُتِحَتْ خَزِينَةٌ، يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِيهَا"[6].

 

[1] سورة النساء، الآية 82.

[2] سورة محمّد، الآية 24.

[3] الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله الموسويّ، الأربعون حديثاً، تعريب السيّد محمّد الغروي، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ - قسم الشؤون الدوليّة، إيران - طهران، 2003م، ط6، ص520 - 521.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج 8، ص79.

[5] المصدر نفسه، ج 2، ص609.

[6] المصدر نفسه، ج 2، ص609.


140

الموعظة السابعة عشرة: العلاقة مع القرآن الكريم 1

والمستفاد من هذَين الحديثَين، أنّه حريّ بقرّاء القرآن التدبّر في آياته والتفكّر في معانيه، والتمعّن والتأمّل في الآيات الكريمة الإلهيّة، واستيعاب المعارف والحِكَم والتوحيد من القرآن العظيم، ويكفينا قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[1]. ووردت أحاديث كثيرة تأمرنا بالرجوع إلى القرآن والتعمّق في آياته، فقد نُقِلَ عن الإمام أمير المؤمنين  عليه السلام أنّه قال: "أَلاَ لاَ خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ"[2].

 

وملخّص القول أنّ المبتغى من خلال تلاوة القرآن، هو ارتسام صورة القرآن في القلب، وتأثير الأوامر والنواهي فيه، وتثبيت الأحكام والتعاليم الإلهيّة[3].

 

[1] سورة محمّد، الآية 24.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص36.

[3] الإمام الخمينيّ، الأربعون حديثاً، مصدر سابق، ص523.


141

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

الموعظة الثامنة عشرة

مفهوم الصبر

في القرآن الكريم

 

محاور الموعظة:

تعريف الصبر.
صور الصبر في القرآن الكريم.
مقوّمات التحلّي بالصبر.

 

قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[1].

 

فقد جعل الله عزّ وجلّ الصبرَ قوامَ الأمور وزمامَها وضابطها، الذي يُعَوَّل عليه في الحكم على دقائقها. ولذا، جعل الحقّ تبارك وتعالى الإمامةَ في الدين موروثةٌ عن الصبر واليقين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[2].

 

[1] سورة الزمر، الآية 10.

[2] سورة السجدة، الآية 24.


142

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

ولذا، تُعتَبر أهمّ إستراتيجية حثَّ عليها القرآنُ الكريم وروايات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، هي "الصبر"، فإنّ تحلّي الإنسان بهذه الصفة يجعله يتخطّى الكثير من الصعاب التي يمرّ بها في الحياة.

 

ولذا، يُعتَبر الصبر من أهمّ المؤثّرات النفسيّة في السلوك العمليّ للإنسان. لذلك نرى القرآن الكريم قد أكّد على أهمّيّة الصبر ودوره الإيجابيّ في حياة الإنسان، وكرّم الصابرين. ولا بدّ من أنْ نُوضِّحَ أنّ القرآنَ يدعونا إلى الصبرِ الإيجابيّ والرِضا بقضاءِ اللهِ وقدره، وليسَ الصبرَ السلبيّ، وهو الاستكانة والخنوع، بل يريد منّا أنْ نواجه أزماتِ الحياةِ بصبرٍ وإرادةٍ، ونعمل على التغيير في كلِّ قضيةٍ ممكنة التغيير نحو الأفضل.

 

أوّلًا: تعريف الصبر

ويعرّف الشيخ النراقي الصبرَ بأنّه: "ثباتُ النفسِ وعدمُ اضطرابِها في الشدائدِ والمصائبِ"، بحيث لا تخرجها عن سعةِ الصدر، وما كانت عليه قبلَ ذلك من السرورِ والطمأنينة"[1].

 

الصبر والجزع

يقابل صفةَ الصبرِ صفةٌ أخرى مضادّة له، وهي الجزع، عن الإمام الصادق عليه السلام: "الصَّبْرُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِ اَلْعِبَادِ مِنَ اَلنُّورِ وَاَلصَّفَاءِ،

 

 

[1] النراقيّ، الشيخ محمّد مهدي، جامع السعادات، تحقيق وتعليق السيّد محمّد كلانتر، تقديم الشيخ محمّد رضا المظفَّر، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج3، ص225.


143

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

وَاَلْجَزَعُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِهِمْ مِنَ اَلظُّلْمَةِ وَاَلْوَحْشَةِ"[1].

 

ويقول تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[2].

 

لِعظمِ الأمر وأهمّيّته الكبرى، يُقسِمُ الباري جلّ وعلا على أنّ الإنسانِ لفي خسر، إلّا أصحاب هذه المبادئ الأربعة:

1- الإيمان

2- العمل الصالح

3- التزام الحقّ

4- التزام الصبر، والتواصي بهما، والحرص عليهما.

 

ثانيًا: صور الصبر في القرآن الكريم

فيما يلي، نستعرضُ بعضًا من صور الصبر التي أرشدنا إليها الله تعالى في كتابه الكريم:

1- الصبر على ما نريد

إنّ الصورة الأولى للصبر هي أن نصبر على ما نريد، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً * لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ

 

[1] الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام (منسوب)، مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، مصدر سابق، ص185.

[2] سورة العصر، الآيات 1-3.


144

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾[1]. فالمسألة ليست بالأماني والرغبات، بل بالإرادةِ والعملِ.

 

ويُوضِّح القرآنُ أيضًا، أنّ الحياة كدحٌ ومعاناةٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[2].

 

2- الصبرُ والثبات على العقيدة الحقّة

وجّه القرآنُ أتباعَه إلى الصبرِ والثباتِ على العقيدةِ، وإلى انتهاجِ سبيلِ الحكمةِ في الدعوةِ إلى الإسلامِ، قال تعالى:

﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[3].

 

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾[4].

 

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[5].

 

3- الصبــرُ على الآخر

القرآن الكريم، بالمبدأ الحقوقيّ، يعطي صاحبَ الحقِّ الحقَّ في أنْ يدافعَ عن نفسِهِ ويقتصَّ لها بالمثل، من غيرِ أنْ يظلمَ أو يتجاوزَ، غير أنّه يتسامى به أخلاقيًّا، ويدعوه إلى الصبرِ، والتحمُّلِ، وكظمِ الغيظِ، وترك الردّ والقصاص،

 

 

 

[1] سورة النساء، الآيتان 122-123.

[2] سورة الانشقاق، الآية 6.

[3] سورة النحل، الآية 125.

[4] سورة المزّمّل، الآية 10.

[5] سورة فصّلت، الآية 35.


145

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

فإنّ العفوَ في منهجِ القرآنِ، هو خيرٌ من القصاص والعقاب، ويعتبر ذلك إحسانًا وتقوى.

 

قال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[1].

 

إنّ الصبر على سوء معاملة الآخرين يوصلُ الإنسان إلى نتائج إيجابيّةٍ ملموسةٍ، كما هي حياة الأنبياء والأولياء، ومِن هذا القبيل ما نقرَؤُهُ في قصة النبيّ يوسف  عليه السلام، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2].

 

4- الصبــرُ على الطاعة

ومن أهمِّ مصاديق الصبر وتجلّي الإرادة الصابرة، هو الصبر على الطاعةِ والعبادةِ. قال أمير المؤمنين  عليه السلام: "اَلصَّبْرُ ثَلاَثَةٌ: اَلصَّبْرُ عَلَى اَلْمُصِيبَةِ، وَاَلصَّبْرُ عَلَى اَلطَّاعَةِ، وَاَلصَّبْرُ عَنِ اَلْمَعْصِيَةِ"[3]. وقال أيضًا: "الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَهْوَنُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عُقُوبَتِهِ"[4].

 

5- الصبرُ على المحنِ والشدائد

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ

 

 

 

[1] سورة النحل، الآيات 126-128.

[2] سورة يوسف، الآية 90.

[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول عليهم السلام، مصدر سابق، ج1، ص206.

[4] الواسطيّ الليثيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص52.


146

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾[1].

 

وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ * إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[2].

 

6- الصبــرُ على المشاكلِ الأسريّة

يواجهُ الإنسانُ مشاكلَ عديدةً في الأسرةِ والعلاقةِ الزوجيةِ. وعندما يكون ردُّ فعلِه الغضبَ والانفعالَ وردَّ الفعل السلبيّ، قد تتحوّل المشكلة الصغيرة إلى أزمةٍ في حياته، ويتطوّرُ ردّ الفعل إلى مشكلةٍ كبرى. ولكن، عندما تُواجَه تلك المشاكل بالتسامح والصبر عليها، سيؤدّي ذلك إلى حلِّ تلك المشاكل وتجاوزها، وإرجاع السكينة إلى الحياة الأسريّة.

 

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[3].


 

[1] سورة الرعد، الآيات 22-24.

[2] سورة البقرة، الآيات 155-157.

[3] سورة الأحزاب، الآية 35.


147

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

وهناك أنواعٌ أخرى للصبر، كالصبر على التكسّب والعمل، والصبر على طلب العلم، والصبر على تحمّل المسؤوليّة، وغير ذلك من الأنواع الأخرى، التي تحتاج إلى تفصيلٍ لا يتّسع له هذا البحث.

 

ثالثًا: مقوّمات التحلّي بالصبر

ويرشدنا القرآنُ، في منهجه القويم، إلى استراتيجيّاتٍ هامّة وأساسية للتحلي بصفة الصبر، نورد منها ما يأتي:

1- التوكّل على الله والإنابة إليه

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[1].

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[2].

 

2- تعميقُ روح الإيمان بالقضاء والقدر

إنّ الايمان بالقضاء والقدر يوجب أن ينظر الإنسانُ إلى كلّ ما قدّره الله وقضاه، بنظر الحكمة والمصلحة، إذ القدر والقضاء من أفعاله، ولا يصدر منه شيءٌ إلّا بالحكمة والمصلحة، وإن لم يظهر وجهها لأحد، فإذا أراد الله الصحّة لأحدٍ، كانت هي مصلحته، وإذا أراد لآخر المرض،

 

[1] سورة التوبة، الآية 51.

[2] سورة البقرة، الآيات 155-157.


148

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

كان هو مصلحته، وهكذا[1]. قال تعالى: ﴿أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾[2].

 

3- عدم الاستغراق في التفاؤل

أنْ لا نستغرقَ في التفاؤلِ، وأنْ لا يستولي علينا الفرح والاختيال ونشوة النصر والمكاسب، إذا ما تحقّق لنا ذلك، كي لا تصيبنا الصدمةُ عندَ المصيبة. وخير القول هو: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾[3].

 

4- عدم اليأس والقنوط

في كثير من قصص الأنبياء، نجد هذه الاستراتيجيّة متجلّيةً بشكلٍ واضحٍ، ومنها قصّةُ يوسف، نقرأُ الألم والحزن الذي ألمَّ بالنبيّ يعقوب لفقد أعزّ أبنائه يوسف، ونقرأُ الصبرَ وعدمَ اليأسِ، قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[4].

 

5- أخذ العبرة من الماضي

الاتّعاظ بمن سبق من الناسِ، كيف كانوا أصحّاء أو أغنياء وأقوياء وحُكّامًا، ثّم انتهى دورهم وفقدوا كلَّ ذلك. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[5]، وعن أمير

 

[1] الخزازي، السيّد محسن، بداية المعارف الإلهيّة في شرح عقائد الإماميّة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة، إيران - قم، 1418، ط5، ج1، ص184.

[2] سورة البقرة، الآية 216.

[3] سورة البقرة، الآية 156.

[4] سورة يوسف، الآية 87.

[5] سورة ق، الآية 37.


149

الموعظة الثامنة عشرة: مفهوم الصبر في القرآن الكريم

المؤمنين عليه السلام: "أيْ بُنَيَّ، إِنِّي، وإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي، بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِه، ونَفْعَه مِنْ ضَرَرِه"[1].

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام), مصدر سابق, ص 394.


150

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

الموعظة التاسعة عشرة

بناء المجتمع الإسلاميّ

في المفهوم القرآنيّ

 

محاور الموعظة:

- الأصول الإيجابيّة في بناء المجتمع.

- الأصول السلبيّة في بناء المجتمع.

- اجتناب الطاغوت.

- الكلمة الحسنة.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[1].

 

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[2].

 

 

 

[1] سورة النحل، الآيتان 90-91.

[2] سورة الزّمر، الآيتان 17-18.


151

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

إنّ الاستقراء الواعي والمتأمِّل في آيات القرآن الكريم، والنظرَ في بيانه، يكشف لنا جليًّا أنّ القرآن يريد أن يبني مجتمعًا إنسانيًّا، يقوم على أساس الحقّ والعدل وقيم الأخلاق، وأن يكون مجتمع أمنٍ وسلامٍ، خالٍ من الجريمة والعدوان والممارسات الأخلاقيّة الشاذّة والهدّامة.

 

يضع القرآن أُسُسًا هامّةً ومتينةً لبناء المجتمع، وهي:

1- العدل

2- الإحسان

3- إيتاء المال لذي القُربى

4- النهي عن البغي

5- الوفاء بالعهود والأيمان

6- اجتناب الطاغوت

7- منهج التعامل مع الآية والفكرة

 

إنّ القرآن يريد أن يبني المجتمع على أساس:

1- إقامة الحقّ والعدل

2- اجتناب الطاغوت

3- العمل بالحَسن والإحسان والأحسن

4- حماية المجتمع من البغي والفحشاء والمنكر

 

أسُس بناء المجتمع

 

أوّلًا: الأصول الإيجابيّة

ابتدأ القرآن الكريم بالأصول الإيجابيّة، وهي العدل والإحسان

 


152

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

والإنفاق، ثم ابتدأ سبحانه بهذه الأحكام الثلاثة، التي هي، بالترتيب، أهمّ ما يقوم به صلب المجتمع الإنسانيّ، لما أنّ صلاح المجتمع العامّ أهمّ ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه المصلحة، فإنّ أهمّ الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة، وإن كان هو نفسه الفرديّة، لكن سعادة الشخص مبنيّة على صلاح الظرف الاجتماعيّ الذي يعيش هو فيه، وما أصعب أن يفلح فرد في مجتمع فاسد أحاط به الشقاء من كلّ جانب.

 

وقوله: وإيتاء ذي القربى، أي إعطاء المال لذوي القرابة، وهو من أفراد الإحسان. خُصَّ بالذكر، ليدلّ على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير، الذي هو السبب بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدنيّ الكبير[1].

 

ثانيًا: الأصول السلبيّة

وبعد ذكر القرآن الكريم للأصول الإيجابيّة الثلاثة، يتطرّق للأصول المقابلة لها - أي السلبيّة -، فيقول: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.

 

"الفحشاء": إشارة إلى الذنوب الخفيّة، و"المنكر": إشارة إلى الذنوب العلنيّة، و"البغي": إشارة إلى كلّ تجاوز عن حقّ الإنسان، وظلم الآخرين، والاستعلاء عليهم.

 

وإنّ منشأ الانحرافات الأخلاقيّة ثلاث قوًى: القوّة الشهوانيّة، والقوّة الغضبيّة، والقوّة الوهميّة الشيطانيّة.

 

[1] ينظر: العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج12، ص332.


153

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

 

أمّا القوّة الشهوانيّة، فإنّما ترغّب في تحصيل اللذائذ الشهوانيّة والغرق في الفحشاء، والقوّة الغضبيّة تدفع الإنسان إلى فعل المنكرات وإيذاء سائر الناس، وأمّا القوّة الوهميّة الشيطانيّة، فتوجد في الإنسان الاستعلاء على الناس والترفّع وحبّ الرياسة والتقدّم والتعدّي على حقوق الآخرين.

 

وأشار الباري سبحانه في المصطلحات الثلاثة أعلاه، إلى طغيان غرائز الإنسان، ودعا إلى طريق الحقّ والهداية، ببيانٍ جامعٍ لكلّ الانحرافات الأخلاقيّة[1].

 

إنّ هذه المبادئ الدستوريّة التي تحدّثت عنها الآية الكريمة، كفيلة، لو عمل بها النّاس، بأن تبني مجتمعًا إنسانيًّا سعيدًا، يعيش في ظلِّ الحقِّ والعدل والإحسان، ويتجنّب البغي والعدوان والممارسات السلوكيّة المنحرفة، ويتحرّر من سيطرة الطاغوت.

 

إنّ أرقى ما ينشده الإنسان في حياته، هو أن يعيش في ظلِّ الحقِّ والعدل والإحسان، ويتحرّر من البغي والطغيان والفساد، وذلك هو منهج القرآن في بناء المجتمع وقيادة الإنسان السياسيّة والاجتماعيّة.

 

ثالثًا: اجتناب الطاغوت

"طاغوت": من مادّة (الطغيان)، تعني الاعتداء وتجاوز الحدود. لذا، فإنّها تُطلَق على كلّ متعدٍّ، وعلى كلّ معبودٍ من دون الله،

 

[1] ينظر: الشيخ مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج8، ص303.


154

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

 كالشيطان والحكّام المتجبّرين.

 

فعبارة "اجتنبوا الطاغوت"، بمعناها الواسع، تعني الابتعاد عن كلّ أشكال الشرك وعبادة الأصنام وهوى النفس والشيطان، وتجنّب الانصياع والاستسلام للحكّام المتجبّرين الطغاة[1].

 

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام، أَنَّهُ قَالَ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ اِجْتَنَبُوا اَلطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها، وَمَنْ أَطَاعَ جَبَّارًا فَقَدْ عَبَدَهُ"[2].

 

وممّا يلقي الضوء على أنّ عمليّة التغيير الجذريّ (الإخراج من الظلمات إلى النور) هي الهدف الرئيس، ما أُشِيرَ إليه في القرآن الكريم، من ربط هذه العمليّة بشكلٍ متضادّ ومتعاكسٍ بتوجّهات علاقات الإنسان المؤمن والكافر بالقطبين - الله والطاغوت - في مختلف مجالات حياته وممارساته ونتائج مسيرته، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[3].

 

كما جاء في القرآن الكريم، أنّ الهدف الرئيس الذي وُضِعَ على عاتق الرسل، هو تحقيق هذا الهدف، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[4].

 

وإنّما كان الأمر كذلك، لأنّ ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى

 

[1] الشيخ مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج15، ص48.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج23، ص361.

[3] سورة النساء، الآية 76.

[4] سورة النحل، الآية 36.


155

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، والصيرورة إلى الجنة والنار، إنّما تكون على أساس هذا الولاء، ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1].

 

ولعلّ التعبير بالمفرد عن النور، وبالجمع عن الظلمات، للإشارة إلى أنّ طريق الله واحد، والطريق إلى الطاغوت يأخذ أشكالًا متعدّدة، لأنّ الله واحد، والطاغوت متعدّد[2].

 

رابعًا: الكلمة الحسنة

وللكلمة في القرآن شأنٌ خطير، فهي أداة التواصل ونعمة البيان. لذا، يريدها أداةً ووسيلةً لصالح الإنسان. والإنسان يستمع في كلِّ يوم إلى ألوان شتّى من القول والكَلِم، بعضه سيِّئٌ هدّام، وبعضه حَسنٌ، وبعضه أعلى درجةً في الحُسْن والعطاء البنّاء.

 

والقرآن ينهى عن الكلمة السيِّئة، ينهى عن إطلاقها، وعن الاستماع إليها، أو التأثّر بها، أو السكوت عليها وعدم ردّها.

 

تقول الآية الكريمة: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾. ففي البداية تقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾, ثم تعرج على تعريف أولئك العباد المقرّبين، بأنّهم أولئك الذين لا يستمعون لقول هذا وذاك، ما لم يعرفوا خصائص

 

[1] سورة البقرة، الآية 257.

[2] الحكيم، السيّد محمّد باقر، علوم القرآن، مجمع الفكر الإسلاميّ، إيران - قم، 1417ه، ط3، ص51-52.


156

الموعظة التاسعة عشرة: بناء المجتمع الإسلاميّ في المفهوم القرآنيّ

وميّزات المتكلِّم، والذين ينتخبون أفضلَ الكلام، من خلال قوّة العقل والإدراك، إذ لا تعصّب ولا لجاجة في أعمالهم، ولا تحديد وجمود في فكرهم وتفكيرهم، إنّهم يبحثون عن الحقيقة، وهم متعطّشون لها، فأينما وجدوها استقبلوها بصدورٍ رحبةٍ، ليشربوا من نبعها الصافي... حتّى يرتووا.

 

إنّهم ليسوا طالبين للحقّ ومتعطّشين للكلام الحسن وحسب، بل هم يختارون الأجود والأحسن من بين "الجيّد" و"الأجود" و"الحسن" و"الأحسن". وخلاصة الأمر، فإنّهم يطمحون لنيل الأفضل والأرفع، وهذه هي علامات المسلم الحقيقيّ المؤمن الساعي وراء الحقّ[1].

 

 

 

[1] ينظر: الشيخ مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج15، ص48-49.


157

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

الموعظة العشرون

الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

 

محاور الموعظة:

- آيات الإصلاح في القرآن.

- مبادئ الإصلاح في القرآن.

 

تمهيد

قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[1].

 

أي: ولا تختلفوا بالنزاع فيما بينكم، حتّى يورث ذلكم ضعف إرادتكم، وذهاب عزتكم ودولتكم، أو غلبتكم، فإنّ اختلاف الآراء يُخلّ بالوحدة ويوهن القوّة. ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أي: الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال، ممّا يهدّدكم به العدو، وعلى الإكثار من ذكر الله، وعلى طاعة الله ورسوله، من غير أن يهزهزكم

 

[1] سورة الأنفال، الآية 46.


158

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

الحوادث، أو يزجركم ثقل الطاعة، أو تغويكم لذّة المعصية، أو يضلّكم عجب النفس وخيلاؤها. وقد أكّد الأمر بالصبر، بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، لأنّ الصبر أقوى عونٍ على الشدائد[1].

 

ومن الأهداف الأساسيّة للأنبياء والمرسلين والرسالات الإلهيّة، هو الإصلاح بين الناس. لذا، يُركِّز القرآن عنايته، ويُثقِّف المسلمين على أهمّيّة الإصلاح بين الناس، وحلّ المنازعات التي تحدث في المجتمع، فليس من أخلاقيّة المسلم أن يكون متفرِّجًا على المشاكل والنِزاعات، كأنّ الأمر لا يعنيه، بل هو مسؤولٌ عن تحمّل تلك المسؤوليّة أمام الله سبحانه وتعالى، عملًا بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

بالإضافة إلى ما ورد في الروايات، فعَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"[2].

 

عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام، أَنَّ اَلنَّبِيَّ  صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ لاَ يَهْتَمُّ بِأُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ"[3].

 

أوّلًا: آيات الصلح في القرآن الكريم

ونُورِد من نصوص هذه الثقافة القرآنيّة، الآياتِ التي تحدّثت عن الصلح، ونذكر منها:

 

[1] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج9، ص96.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج 2، ص164.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج16، ص337.


159

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

الأولى: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾[1].

 

الآية تدعو إلى تقوى الله وطاعته، وطاعة الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الالتزام بأحكام الشريعة وقيمها الإنسانية السامية، وإصلاح مشاكل المجتمع التي تحدث بين النّاس، وحلّ منازعاتهم بالتي هي أحسن.

 

الثانية: قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[2].

 

كلمة "النجوى" لا تعني الهمس فقط، بل تُطلَق على كلّ اجتماعٍ سرّيٍّ أيضًا. ولكي لا يحصل وهمٌ من أنّ كلّ نجوى أو همس أو اجتماع سرّيّ يُعتَبر عملًا مذمومًا أو حرامًا، جاءت الآية بأمثالٍ، كمقدّمةٍ لبيان قانونٍ كلّيٍّ، وأوضحت الموارد التي تجوز فيها النجوى، مثل أن يوصي الإنسان بصدقةٍ، أو بمعونة للآخرين، أو بالقيام بعمل صالحٍ، أو أن يصلح بين الناس، فتقول الآية في هذا المجال: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.

 

فإذا كان هذا النوع من النجوى أو الهمس أو الاجتماعات السرّيّة لا يشوبه الرياء والتظاهر، بل كان مخصَّصًا لنيل مرضاة الله، فإنّ الله سيخصّص لِمِثل هذه الأعمال ثوابًا وأجرًا عظيمًا[3].


 

[1] سورة الأنفال، الآية 1.

[2] سورة النساء، الآية 114.

[3] الشيخ مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج3، ص452.


160

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "إِنَّ اَللَّهَ فَرَضَ اَلتَّمَحُّلَ فِي اَلْقُرْآنِ. قُلْتُ: وَمَا اَلتَّمَحُّلُ - جُعِلْتُ فِدَاكَ -؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ وَجْهُكَ أَعْرَضَ مِنْ وَجْهِ أَخِيكَ، فَتَمَحَّلْ لَهُ، وَ هُوَ قَوْلُهُ: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾، وَفِي كِتَابِ اَلْمُؤْمِنِ، وَإِنِ اُبْتُلِيَ، فَأَعْطِهِ وَتَحَمَّلْ عَنْهُ وَأَعِنْهُ"[1].

 

قَالَ اَلصَّادِقُ  عليه السلام، "فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾: قَالَ: يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ اَلْقَرْضَ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اَلرِّبَا، لِيَتَقَارَضَ اَلنَّاسُ"[2].

 

الثالثة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].

 

فقد سجّل القرآن الكريم حادثةَ منازعات بين قبيلتَين في عصر النزول، وحدث بينهما خلاف وقتال، ووجّه المسلمين في ذلك الوقت، ودعاهم إلى أن يُسارعوا للإصلاح بينهم، والوقوف بوجه المعتدي الذي يرفض الاستجابة للإصلاح وحلّ هذا النِزاع.

 

الرابعة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾[4].

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج71، ص245.

[2] قطب الدين الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله، فقه القرآن، تحقيق السيّد أحمد الحسينيّ، مكتبة آية الله العظمى النجفيّ المرعشيّ، إيران - قم، 1405ه، ط2، ج1، ص384.

[3] سورة الحجرات، الآيتان 9-10.

[4] سورة النساء، الآية 128.


161

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

والآية تدلّ على عناية القرآن الخاصّة في إصلاح المشاكل الأُسريّة، وحلّ منازعات الأُسرة، عندما يعرض صورةً من مشاكل الأُسرة، ويدعو لحلِّها صلحًا.

 

ويرشد القرآن الكريم في آيات أُخَر، إلى آليّةٍ عمليّةٍ لحلِّ النِزاع الذي يحدث بين الزوج والزوجة، جاء هذا البيان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾[1].

 

والمستفاد من هذه الآيات، الأمور الآتية:

1- مشروعيّة الصلح، ويؤكَّده قوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "اَلصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ، إِلَّا مَا حَرَّمَ حَلاَلًا، أَوْ حَلَّلَ حَرَامًا"[2].

 

2- في الآيات دلالةٌ على أنّه شرّع لقطع التنازع.

 

3- الصلح له عناوين متعدّدة، من أهمّها: حقن الدماء، وإصلاح ذات البَين، وإصلاح حال الزوجين.

 

4- في الصلح نفعٌ عظيمٌ، إذ مع قطع النزاع، يحصل تمام نظام النوع، وفوائد المعاش، فلذلك وصفه - سبحانه - بأنّه "خَيْرٌ"، أي خيرٌ عظيمٌ، والسعي فيه لإصلاح ذات البَين فيه أجرٌ جزيلٌ، عن النَبِيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِصْلاَحُ ذَاتِ اَلْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَاَلصِّيَامِ"[3].

 

[1] سورة النساء، الآية 35.

[2] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج1، ص219.

[3] المصدر نفسه، ص266.


162

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  عليه السلام، قَالَ: "إِنَّ اَلشَّيْطَانَ يُغْرِي بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ، مَا لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمْ عَنْ دِينِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، اِسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَتَمَدَّدَ، ثُمَّ قَالَ: فُزْتُ! فَرَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَءًا أَلَّفَ بَيْنَ وَلِيَّيْنِ لَنَا. يَا مَعْشَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، تَأَلَّفُوا وَتَعَاطَفُوا"[1].

 

إنّ القرآن يدعو المسلمين إلى البرِّ، وهو المعروف والإحسان، وإلى تقوى الله، وإلى الإصلاح بين الناس، فيخاطبهم بقوله: ﴿لاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[2].

 

وعندما يتعاون أفراد المجتمع، ويُصلحون ذاتَ بينِهم، وما فسدَ من مجتمعهم، فإنّهم يُنقذون أنفسَهم ومجتمعَهم من الجريمة والسقوط والمنازعات والأحقاد. فالإصلاح، في تشخيص القرآن، وقايةٌ من الهلاك والدمار. فلْنَقِ أنفسنا ومجتمعنا من الهلاك والدمار، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[3].

 

ثانيَاً: مبادئ الإصلاح في القرآن

ويُثبِّت القرآن مبدأَين أساسَّين للإصلاح، هما:

أوّلًا: أساس الحقّ والعدل، فالقرآن يريد أن يبني الحياة على أساس


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج 2، ص345.

[2] سورة البقرة، الآية 224.

[3] سورة الأنفال، الآية 25.


163

الموعظة العشرون: الإصلاح في المفهوم القرأنيّ

الحقّ والعدل. وعندما يحدث نزاعٌ بين طرفَين، يأمرنا القرآن أن نحلّ هذا النِزاع بالعدل والقسط، قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[1].

 

ثانيًا: والأساس الثاني من الأُسس التي يرتكز عليها الإصلاح وحلّ المنازعات الذي يدعو إليه القرآن الكريم، هو أساس العفو والتسامح، قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾[2].

 

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[3].


 

[1] سورة الحجرات، الآية 9.

[2] سورة البقرة، الآية 237.

[3] سورة البقرة، الآية 178.


164

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

الموعظة الواحدة والعشرون

آداب التعامل

في ضوء القرآن الكريم

 

محاور الموعظة:

- مفهوم أدب التعامل مع الآخرين.

- توجيهات القرآن الكريم في أدب التعامل مع الآخرين.

 

تمهيد

الأدب اجتماع خصال الخير في العبد. وبالنظر إلى أهمّيّة الأدب وفضله في الإسلام، فإنّنا نجد أنّ الإسلام قد وضع قواعد في التربية والتهذيب، ومبادئ للقيم والسلوك والأخلاق، ليُقِيم عليها مجتمعًا نقيّ السريرة، عفّ اللسان، ذا أدبٍ وذوقٍ رفيع.

 

عَنْ عَلِيٍّ  عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا نُحْلًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ"[1]. وعن النبي  صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: "أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ وَأَحْسِنُوا آدَابَهُمْ، يُغْفَرْ لَكُمْ"[2].

 

 

 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج15، ص164.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج21، ص476.


165

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

وبيّنت بعض الروايات فضل الأدب، فقَالَ الإمام الصادق  عليه السلام: "أَرْبَعُ خِصَالٍ يَسُودُ بِهَا اَلْمَرْءُ: اَلْعِفَّةُ، واَلْأَدَبُ، وَاَلْجُودُ، وَاَلْعَقْلُ"[1].

 

أوّلًا: مفهوم أدب التعامل مع الآخرين

الأصل في دين الإسلام أنّه دينُ تجمّعٍ وألفة، لا دينَ عزلةٍ وفرارٍ من تكاليف الحياة، بل إنّ نزعة التعرّف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليم هذا الدين. عَنِ اَلنَّبِيِّ  صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: "اَلْمُؤْمِنُ اَلَّذِي يُخَالِطُ اَلنَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ اَلَّذِي لاَ يُخَالِطُهُمْ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ"[2].

 

والحقيقة أنَّ أدب التعامل مع الآخرين له مفهومٌ شامل، يتّسع اتّساع العلاقات الإنسانيّة بين بني البشر. ولكن لا بدّ لنا من التفريق بين أدب التعامل مع الآخرين، وبين الولاء لهم. فإنّ الولاء هو المحبّة والنصرة، وهذه لا تكون إلّا بين المسلمين. ولكنّ التبرّؤ من أعداء الله لا يعني الإساءة في معاملتهم، أو أكل حقوقهم، أو سبّهم والفحش معهم في القول، أو عدم ملاطفتهم. ولعلّ ما ورد في سورة الممتحنة هو من أوضح الآيات التي تميّز بين الولاء وبين البرّ وحُسن التعامل، يقول تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *

 

[1] المفيد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، الاختصاص، تحقيق علي أكبر الغفاريّ والسيّد محمود الزرنديّ، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414ه - 1993م، ط2، ص244.

[2] الشيخ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، مصدر سابق، ج1، ص192.


166

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[1].

 

حُسْنُ الخُلُق

إنّ قاعدة "حُسْنُ الخُلُق" تُعتبر من الأصول القرآنيّة التي تتفرّع عنها كلّ قواعد التعامل مع الآخرين، إذْ لا نجاح ولا توفيق في التعامل مع الآخرين دون هذا الأصل المتين. ومن هنا، فقد مدح الله تعالى نبيَّه بهذه الصفة، فقال عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[2].

 

عن الإمام الصادق  عليه السلام: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ  صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى مَحَبَّتِهِ، فَقَالَ: ?وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيم??‏"[3].

 

فحُسْنُ الخُلُق أصْلٌ في أدب التعامل، وتتفرّع عنه سلوكيّات كثيرة.

 

وقد بيّن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلمحُسْنَ الخُلُق في التعامل مع الآخرين، بقوله: "أَيُّهَا اَلنَّاسُ، وَاَللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَسَعُونَ اَلنَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ سَعُوهُمْ بِالطَّلاَقَةِ وَحُسْنِ اَلْخُلُقِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَحِمَ اَللَّهُ كُلَّ سَهْلٍ طَلْقٍ"[4]. وفي هذا الحديث الشريف، عِظَةٌ نافعة، وحِكمة بالغة، فإنَّ الإنسان، مهما بَذَل من المال، لا يحظى برضى الناس، ثمّ إنَّ المال ليس في مقدور كلّ إنسان، ولكن في مقدور كلِّ واحدٍ أنْ


 

[1] سورة الممتحنة، الآيتان 8-9.

[2] سورة القلم، الآية 4.

[3] الفيض الكاشانيّ، المولى محمّد محسن، التفسير الصافي، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه العلّامة الشيخ حسين الأعلميّ، طهران، مكتبة الصدر، 1416ه - 1374ش، ط2، ج5، ص208.

[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج68، ص395.


167

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

يُحسّن خُلُقه، ويليّن جانبه، ويخفض جناحه، ويبسط وجهه.

 

كما يشير القرآن الكريم إلى مبدأ مهمٍّ في التعامل مع الآخرين، فالدِينُ في المنظور القرآنيّ ليس فقط مجموعة مناسك، بل هو وِحْدَةٌ متكاملة، يمتزج فيها الجانب الإيمانيّ بالجانب العَمليّ، كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾[1].

 

فهذه الآية تشير إلى ملامح الشخصيّة الإسلاميّة، التي ترتكز على جانبين اثنين:

الأوّل: جانب الفكر والإيمان وأداء العبادات.

الثاني: جانب الممارسة السلوكيّة.

 

ثانيًا: توجيهات القرآن الكريم في أدب التعامل مع الآخرين

كثيرةٌ هي التوجيهات والإجراءات القرآنيّة التي تحثّ على الالتزام بالأدب في التعامل مع الآخرين، نذكر أهمّها:

1- النهي عن فضول الكلام والخوض في الباطل

حثَّ القرآن الكريم على الابتعاد عن فضول الكلام، وعدم الخوض

 

 

 

[1] سورة البقرة، الآية 177.


168

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

في الباطل. والالتزام بهذا التوجيه القرآنيّ، مِنْ شأنه أنْ يَصُبَّ في بناء مجتمعٍ متماسكٍ، يبتعد فيه الناس عن الثرثرة والإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه. قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[1].

 

فهذه الآية القرآنيّة تُوجِّه المؤمنين إلى أنْ يكون كلامُهم هادفًا. ومن المعروف أنّ كثرة الكلام تؤدّي إلى قسوة القلب، عَنِ اَلنَّبِيِّ  صلى الله عليه وآله وسلمأَنَّهُ قَالَ: "لاَ تُكْثِرُوا اَلْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اَللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ اَلْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اَللَّهِ يُقْسِي اَلْقَلْبَ، وإِنَّ أَبْعَدَ اَلنَّاسِ مِنَ اَللَّهِ اَلْقَاسِي اَلْقَلْبِ"[2].

 

2- النهي عن السَبّ والفحش في القول

قال تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾[3]. وفي آيةٍ أخرى، نصَّ القرآن الكريم على أنّ إيذاء المؤمنين بالقول السيّئ، دون وجه حقٍّ، يترتّب عليه إثمٌ عظيمٌ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾[4].


 

[1] سورة النساء، الآية 114.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج9، ص26.

[3] سورة النساء، الآية 148.

[4] سورة الأحزاب، الآية 58.


169

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

3- الحثّ على الصَمت وحُسْنِ الاستماع

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[1].

 

4- الحثّ على خفض الصوت وعدم رفعه

فيما جاء على لسان لقمان الحكيم في وصاياه لابنه، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾[2]. وهذا الأمر يزداد تأكيدًا مع ذوي المكانة والشأن، وعلى هذا جاء التوجيه القرآنيّ بخفض الصوت في حضرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[3]، وكذلك في حضرة الوالدين، كما يُفهَم من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[4].

 

5- الحثّ على طلاقة الوجه وعدم العبوس

تُعَدُّ طلاقة الوجه لونًا من ألوان التحبّب إلى الناس، ووسيلةً مؤثّرةً من وسائل التقرّب إلى الآخرين ومداراتهم. قال تعالى موجّهًا خطابه إلى رسول الله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[5]. كما حذَّر سبحانه

 

[1] سورة الزمر، الآية 18.

[2] سورة لقمان، الآية 19.

[3] سورة الحجرات، الآية 2.

[4] سورة الإسراء، الآيتان 23-24.

[5] سورة الحجر، الآية 88.


170

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

من الفظاظة والغلظة، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾[1], وعن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "لاَ تُحَقِّرَنَّ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَمِنَ اَلْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِقٍ وَبِشْرٍ حَسَنٍ"[2]، وَسُئِلَ اَلصَّادِقُ عليه السلام: "مَا حَدُّ حُسْنِ اَلْخُلُقِ؟ قَالَ: "تُلِينُ جَانِبَكَ، وَتُطِيبُ كَلاَمَكَ، وَتَلْقَى أَخَاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ"[3].

 

6- الحثّ على أداء التحيّة وردِّها

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[4]، وقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾[5].

 

قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾[6].

 

7- النهي عن السخرية والتنابز بالألقاب

نَهى الله تعالى المؤمنين عن السخرية من الآخرين، مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعلَّ من يُسخَر منه ويُنظر إليه نظرة احتقار واستخفاف، خيرٌ وأحبُّ إلى الله من الساخر الذي يعتقد في نفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص والعيب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

 

[1] سورة آل عمران، الآية 159.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج12، ص344.

[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج4، ص412.

[4] سورة النور، الآية 27.

[5] سورة النور، الآية 61.

[6] سورة النساء، الآية 86.


171

الموعظة الواحدة والعشرون: آداب التعامل في ضوء القرآن الكريم

آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾[1], وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[2].

 

8- النهي عن الغيبة والنميمة

من الأمور التي وجَّه القرآن الكريم لاجتنابها، لمنافاتها أدب المعاملة، الغيبةُ والنميمةُ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾[3], وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾[4].

 

[1] سورة الحجرات، الآية 11.

[2] سورة الحجرات، الآية 11.

[3] سورة الحجرات، الآية 12.

[4] سورة القلم، الآيتان 10-11.


172

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

الموعظة الثانية والعشرون

الستر والحلم الإلهيّان

 

محاور الموعظة:

- الستّار على العباد.

- الكريم الجواد.

- المتفضّل والمحسن.

- العفوّ الحليم.

 

"تَسْتُرُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ فَضَحْتَهُ، وَتَجُودُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ، وَكِلاَهُمَا أَهْلٌ مِنْكَ لِلْفَضِيحَةِ وَالْمَنْعِ، غَيْرَ أَنَّكَ بَنَيْتَ أَفْعَالَكَ عَلَى التَّفَضُّلِ، وَأَجْرَيْتَ قُدْرَتَكَ عَلَى التَّجَاوُزِ، وَتَلَقَّيْتَ مَنْ عَصَاكَ بِالحِلْمِ، وَأمْهَلْتَ مَنْ قَصَدَ لِنَفْسِهِ بِالظُّلْمِ، تَسْتَنْظِرُهُمْ بِأناتِكَ إلى الإنَابَةِ، وَتَتْرُكُ مُعَاجَلَتَهُمْ إلَى التَّوْبَةِ، لِكَيْلاَ يَهْلِكَ عَلَيْكَ هَالِكُهُمْ، وَلا يَشْقَى بِنِعْمَتِكَ شَقِيُّهُمْ، إلاَّ عَنْ طُولِ الإِعْذَارِ إلَيْهِ، وَبَعْدَ تَرَادُفِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، كَرَمًا مِنْ عَفْوِكَ يَا كَرِيْمُ، وَعَائِدَةً مِنْ عَطْفِكَ يَا حَلِيمُ"[1].

 

[1] الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص192.


173

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

أوّلًا: الله هو الستّار على العباد

"تَسْتُرُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ فَضَحْتَهُ".

 

سَتَرَهُ سترًا، من باب قتل: غطاهُ وسترُه تعالى على عبدهِ عبارة عن إخفاء مساوئه، وعدم اطّلاع الخلق على فضائحه وعيوبه[1]. وعن النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ اَلْمُسْلِمِ حَاجَةً، كَانَ كَمَنْ خَدَمَ اَللَّهَ عُمُرَهُ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اَللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُؤْمِنٍ، سَتَرَ اَللَّهُ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَلاَ يَزَالُ اَللَّهُ فِي عَوْنِهِ مَا دَامَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"[2].

 

وَرَدَ اَلْخَبَرُ: أَنَّ "مَنْ سَتَرَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي اَلدُّنْيَا، سَتَرَ اَللَّهُ عَلَيْهِ فِي اَلْآخِرَةِ"[3].

 

ثانيًا: الله هو الكريم الجواد

"وَتَجُودُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ، وَكِلاَهُمَا أَهْلٌ مِنْكَ لِلْفَضِيحَةِ وَالْمَنْعِ".

 

أي: تستر على من لو شئت فضيحتَه بسبب استحقاقه الفضيحة، فضحته، وعلى من لو شئت منعَه بسبب استحقاقه للمنع، منعته. والجَوَادُ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، مع أنّه لم يرد اسم الله الجواد في القرآن الكريم، ولكن ورد في الأحاديث النبويّة وأحاديث أهل البيت، فقد قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اَللَّهَ تعالى جَوَادٌ يُحِبُّ اَلْجُودَ وَمَعَالِيَ

[1] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص115.

[2] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج1، ص374.

[3] المالكيّ الأشتريّ، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، مصدر سابق، ج1، ص190.


174

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا، وَمِنْ عِظَمِ جَلاَلِ اَللَّهِ تعالى إِكْرَامُ ثَلاَثَةٍ: ذِي اَلشَّيْبَةِ فِي اَلْإِسْلاَمِ، وَاَلْإِمَامِ اَلْعَادِلِ، وحَامِلِ اَلْقُرْآنِ غَيْرِ اَلْغَالِي فِيهِ وَلاَ اَلْجَافِي عَنْهُ"[1].

 

ثالثًا: الله هو المتفضّل والمحسن

قوله: "غَيْرَ أَنَّكَ بَنَيْتَ أَفْعَالَكَ عَلَى التَّفَضُّلِ"

مَا يُقَالُ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: "اَللَّهُمَّ، إِنَّكَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، تَفَضَّلْتَ عَلَيْنَا فَهَدَيْتَنَا، وَمَنَنْتَ عَلَيْنَا فَعَرَفْتَنَا، وَأَحْسَنْتَ إِلَيْنَا فَأَعَنْتَنَا عَلَى أَدَاءِ مَا اِفْتَرَضْتَ عَلَيْنَا مِنْ صِيَامِ شَهْرِكَ شَهْرِ رَمَضَانَ"[2].

 

وهذا المقطع تعرّض لثلاثة عناوين، وهي: التفضّل، والمنّ، والإحسان، وهذه المراتب كلّها تشير إلى عنايته تعالى بعبده، وعطفه تعالى على عبده.

 

المرتبة الأولى: التفضّل

يذكر علماؤنا أنّ الثواب تفضّلٌ محضٌ، لأنّ العبد مملوكٌ، والمملوكُ كلّ ما يأتي به من عملٍ، فهو تسليمٌ للملك إلى مالكه. الله، كما ملك وجودنا، ملك حركاتنا وسكناتنا وأفعالنا وأعمالنا وأنفاسنا وكلّ شيء فينا، فكلّ شيء يصدر من الإنسان فهو ملك لله، وبالتالي، فالعمل الصالح هو مجرّد تسليمِ ملكٍ إلى مالكه، وتسليم الملك إلى مالكه

 

[1] الراونديّ الكاشانيّ، فضل الله بن عليّ‏، النوادر، تحقيق وتصحيح صادقي أردستاني، دار الكتاب‏، إيران- قم‏، لا.ت، ط1، ج1، ص7.

[2] السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، مصدر سابق، ج1، ص261.


175

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

لايوجب استحقاق شيء، تسليم الملك إلى مالكه لا يوجبُ أيّ حقٍّ لك على المالك عزّ وجلّ.

 

المرتبة الثانية: المنّ

ترادف الإفاضة بعد الإفاضة. فمثلًا، تفضّلت على إنسان بعمل من الأعمال، إن استمرّيت في هذا التفضّل، يُسَمّى مَنًّا.

 

المنّ ترادف الفضل بعد الفضل، والإفاضة بعد الإفاضة، قال تعالى في حقّ النبيّ سليمان (عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام): ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[1], إمّا أن تستمرّ أو أن تقف، هذا بيدك. والمنّان من صفاته تعالى، المنّان معناه الذي يعطي عطاءً متواصلًا مترادفًا، بعد تفضّلك استمرّيت في التفضّل، ما قطعت فيضك، وما حبست فيضك تباركت وتعاليت.

 

المرتبة الثالثة: الإحسان

والمراتب على الشكل الآتي: تفضُّلٌ، فمَنٌّ، فإحسانٌ.

﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾[2]. ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[3], ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[4].

 

[1] سورة ص، الآيات 36-39.

[2] سورة النحل، الآية 90.

[3] سورة آل عمران، الآية 134.

[4] سورة الأعراف، الآية 56.


176

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

ما هو الإحسان؟ مقابلة الإساءة بالعطاء، واحدٌ يسيء إليك، وأنت تقابله بالعطاء، هذا يُسَمَّى إحسانًا. هناك تفضُّلٌ، هناك مَنُّ، وهناك أعظم من المَنّ، إنّنا ياربّ أسأنا إليك، تجرّأنا عليك، ومع ذلك مازال عطاؤك وافرًا علينا، وعن أَمِير اَلْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام، قَالَ: "حَدَّثَنِي رَسُولُ اَللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: يَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَابْنَ آدَمَ، مَا أَنْصَفْتَنِي، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَتُبْغِضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِينِي عَنْكَ مَلَكٌ كَرِيمٌ بِعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ. يَابْنَ آدَمَ، لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ، وَأَنْتَ لاَ تَدْرِي مَنِ اَلْمَوْصُوفُ، لَسَارَعْتَ إِلَى مَقْتِهِ"[1].

 

إذًا، هذه أعلى مرتبة من مراتب جوده وكرمه، أنّنا نسيء ونُصِرّ على الذنب والتمرّد، ونُصِرّ على الرذيلة، ومع ذلك، يغمرنا برحمته، ويسعنا بعفوه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[2]. مع إسرافنا، يمرّ شهر رمضان، شهر الرحمة، شهر المغفرة، شهر التوبة، شهر الإنابة، ومع ذلك، الإنسان يفعل المعصية ويفعل الذنب في شهر رمضان، يصرّ على الطغيان والتمرّد، ومع هذا كلّه، يخاطبه الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[3]. هذا هو الإحسان، هذا هو نهاية الإحسان، "وَأَحْسَنْتَ إِلَيْنَا فَأَعَنْتَنَا"، أعنتنا على ماذا؟ على أداء ما فرضت علينا من صيام شهرك شهر رمضان.

 

[1] الكراجكيّ، محمّد بن عليّ، كنز الفوائد، تحقيق وتصحيح عبد الله ‏نعمة، دار الذخائر، إيران - قم‏، 1410ه‏، ط1، ج1، ص350.

[2] سورة الأعراف، الآية 156.

[3] سورة الزمر، الآية 53.


177

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

رابعًا: الله هو العفوّ وهو الحليم

قوله: "وَأَجْرَيْتَ قُدْرَتَكَ عَلَى التَّجَاوُزِ، وَتَلَقَّيْتَ مَنْ عَصَاكَ بِالحِلْمِ".

 

أي: أنّ قدرة الله تعالى المطلقة قد بناها الله عز وجلّ على قاعدة العفو، وإنّ تعامله -عزّ وجلّ مع عباده العُصاة، بناه أيضًا على قاعدة الحلم. لذا، نخاطب الله تعالى، حسب ما علّمتنا روايات أهل البيت عليهم السلام: يا مَن رحمته سبقت غضبه... يا من عفوه سبق عقابه... ولذا، نقرأ في دُعَاءِ اَلاِسْتِقَالَةِ: "يَا مَنْ بِرَحْمَتِهِ يَسْتَغِيثُ اَلْمُذْنِبُونَ، وَيَا مَنْ إِلَى ذِكْرِ إِحْسَانِهِ يَفْزَعُ اَلْمُضْطَرُّونَ، وَيَا مَنْ لِخِيفَتِهِ يَنْتَحِبُ اَلْخَاطِئُونَ، وَيَا اُنْسَ كُلِّ مُسْتَوْحِشٍ غَرِيبٍ، وَيَا فَرَجَ كُلِّ مَحْزُونٍ كَئِيبٍ، يَا عَوْنَ كُلِّ مَخْذُولٍ فَرِيدٍ، وَيَا عَضُدَ كُلِّ مُحْتَاجٍ طَرِيدٍ، أَنْتَ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَجَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي نِعَمِكَ سَهْمًا، أَنْتَ الَّذِي عَفْوُهُ أَنْسَانِي عِقَابَهُ، وَأَنْتَ الَّذِي تَسْعَى رَحْمَتُهُ أَمَامَ غَضَبِهِ، وَأَنْتَ الَّذِي عَطَاؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِ، وَأَنْتَ الَّذِي اتَّسَعَ اَلْخَلاَئِقُ كُلُّهُمْ فِي وُسْعِهِ، وَأَنْتَ الَّذِي لاَ يَرْغَبُ فِي جَزَاءِ مَنْ أَعْطَاهُ، وَأَنْتَ الَّذِي لاَ يُفَرِّطُ فِي عِقَابِ مَنْ عَصَاهُ"[1].

 

قوله: "وَأمْهَلْتَ مَنْ قَصَدَ لِنَفْسِهِ بِالظُّلْمِ، تَسْتَنْظِرُهُمْ بِأناتِكَ إلى الإنَابَةِ، وَتَتْرُكُ مُعَاجَلَتَهُمْ إلَى التَّوْبَةِ".

 

أي: أنت يا ربّ أنظرتَه ولم تستعجله، ولم تعاجله بالانتقام، مع أنّه ظلم نفسه، فتأنّيتَ عليه حتّى يرجع إليك بالإنابة.

 

[1] الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص78.


178

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

"والإنابة": الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾[1]. "واستنظاره تعالى عبارة عن طلب عنايته، عَوْد الخلق إلى طاعته، ورجوعهم إلى ما فيه نجاتهم من التوبة والإنابة إليه. وتحقيق ذلك: أنّه لَمّا كان نظرُ العناية الإلهيّة إلى الخلق، نظرًا واحدًا، والمطلوب منهم واحدًا، وهو الوصول إلى جناب عزّة الله تعالى، الذي هو غايتهم، والانتهاء إلى ما هو أحسن أحوالهم، وأتمّ أوصافهم لديه، أشبهَ طلبُ العناية الإلهيّة وصولَ الخلق إلى غايتهم، انتظار الإنسان لقومٍ يريد عَوْدَهم ورجوعَهم إليه، فأطلق عليه لفظ الاستنظار، على سبيل الاستعارة التصريحيّة"[2].

 

قوله: "لِكَيْلاَ يَهْلِكَ عَلَيْكَ هَالِكُهُمْ، وَلا يَشْقَى بِنِعْمَتِكَ شَقِيُّهُمْ، إلاَّ عَنْ طُولِ الإِعْذَارِ إلَيْهِ، وَبَعْدَ تَرَادُفِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، كَرَمًا مِنْ عَفْوِكَ يَا كَرِيْمُ، وَعَائِدَةً مِنْ عَطْفِكَ يَا حَلِيمُ".

 

والمعنى: "فلا يُعذَّب بعذابك، ولا يشقى فينحرف، ويعصي شقيّهم وعاصيهم بما أنعمت عليه، حيث حوّل نعمة الله نقمةً، ورحمته إلى عذاب، لا يهلك أو يشقى إلّا بعد مدّه مديده من الأعذار اليه، بحيث قدّمتَ له ما يوجب العذر لعذابه، وقدّمتَ إليه الحجّة بعد الحجّة، والبرهان بعد البرهان، على وجوب الإيمان والالتزام، كرمًا من كرمك، وفضلًا من جودك، ونفحة وفائدة من كرمك، يا حليم، لا تأخذ عبيدك بالشدّة والسرعة. وبعبارةٍ أوجز، إنّ الله لا يؤاخذ عبادَه بالعجلة، بل

 

[1] سورة الزمر، الآية 54.

[2] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص118.


179

الموعظة الثانية والعشرون: الستر والحلم الإلهيّان

يشملهم كرمًا منه وجودًا، حتّى يعودوا إليه وينيبوا إلى ساحة جوده، فاذا أبوا ورفضوا الرجوع، كان الهلاك بأيديهم بعد الإعذار لهم والإنذار الطويل"[1].

 

[1] الموسويّ، السيّد عبّاس، في رحاب الصحيفة السجّاديّة، نقلاً عن:

http://www.emamsajjad.com/Portal/Cultcure/Arabic/CategoryID/13322/CaseID/71761/71243.aspx


180

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

الموعظة الثالثة والعشرون

باب التوبة

 

محاور الموعظة:

- العلاقة بين الله تعالى وعباده.

- حقيقة التوبة.

- أركان التوبة وشرائطها.

 

"أَنْتَ الَّذِيْ فَتَحْتَ لِعِبَادِكَ بَابًا إلَى عَفْوِكَ، وَسَمَّيْتَهُ التَّوْبَـةَ، وَجَعَلْتَ عَلَى ذلِكَ البَابِ دَلِيلًا مِنْ وَحْيِكَ، لِئَلاَّ يَضِلُّوا عَنْهُ، فَقُلْتَ -تَبَارَكَ اسْمُكَ-: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[1], فَمَا عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِكَ الْمَنْزِلِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَإقَامَةِ الدَّلِيْلِ..."[2].

 

 

 

[1] سورة التحريم، الآية 8.

[2] الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص194.


181

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

تمهيد

نتعرض في هذه الموعظة إلى مسألة هامة للغاية قد ذكرها الإمام  عليه السلام في دعائه ألا وهي التوبة إلى الله سبحانه، فما هي التوبة وما هي أركانها وشروطها؟ نذكرها ضمن النقاط الآتية:

أوّلاً: العلاقة بين الله تعالى وعباده

لقد فتح اللهُ، بِمَنِّه وكرمِه، بابَ التوبة، حيث أمر بها، ووعد بقبولها مهما عظمت الذنوب. قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾[1], وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[2], وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[3]. فالعلاقة التي تربط الله تعالى بعباده، هي علاقة الحبِّ والرحمة، وفي القرآن الكريم دلائل كثيرةٌ تدلّ على حبّ الله تعالى ورحمته لعباده، أهمُّها: قبول الله التوبة من العصاة، والتجاوز عن سيّئاتهم، والإنعام بالرضا، والحبّ بعد الغضب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾[4]. وقوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[5]، وقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى

 

[1] سورة الزمر، الآية 54.

[2] سورة الشورى، الآية 25.

[3] سورة النساء، الآية 110.

[4] سورة نوح، الآيتان 10-11.

[5] سورة النور، الآية 31.


182

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[1], وقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[2], وقوله: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾[3].

 

والآيات في هذا المجال كثيرة جدًّا، وهي تدعو العاصين والخاطئين إلى رحاب الله الودود الرحيم التوّاب الغفور. كلّ ذلك، بعدما بارزوه بالعصيان والتمرّد والخروج عن طاعته تعالى.

 

وإذا دقّقنا النظر في الآيات المتقدّمة وغيرها، نستنتج أنّ علاقة الله تعالى، ونظرتَه للمذنبين، هي على الشكل الآتي:

•        الله تعالى يبسط الرحمة لعباده، ويقبل توبتَهم، ويمحو سيئاتِهم.

•        إنّ من أعظم صور الرحمة الإلهيّة، أنْ يبدّل اللهُ سيئاتِ التائبِ حسناتٍ، جزاءً له على توبته، وصدق نيّته، وحسن أوبته.

•        التوبة والاستغفار بابٌ من أبواب القوّة والثروة والغنى للإنسان، مادّيًّا ومعنويًّا.

•        ليس الله تعالى محبًّا للانتقام - والعياذ بالله - والتعذيب للمؤمنين، ولكنّه رحيمٌ رؤوفٌ ودودٌ للمؤمن الراجع إليه.

•        إنّ غضب اللهِ لا يَحلُّ إلّا على الكافر المصِرِّ على كفره، والعاصي المصِرِّ على معصيته، والمستهترِ بمقام ربِّه، أمّا

 

[1] سورة الزمر، الآية 53.

[2] سورة البقرة، الآية 222.

[3] سورة القصص، الآية67.


183

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

النادم، فهو قريبٌ من الله، بل محبوبٌ لديه.

•        إنّ التوبةَ والإيمانَ والعملَ الصالحَ بابُ الفلاحِ في الدنيا والآخرة.

•        والدليل على حبّ الله تعالى لعباده ومِنَّتِه عليهم، هو ما فتحه لهم من مكفّراتٍ لذنوبهم، تنجيهم في عالَم الدنيا والآخرة.

 

ثانياً: حقيقة التوبة

التوبة هي الرجوع الاختياريّ عن المعصية، إلى الطاعة والعبوديّة. فهي، في الأصل، الرجوع عن الذنب. هذا إذا ما نُسِبَت إلى المذنبين.

 

أمّا إذا نُسِبَت التوبةُ إلى الله تعالى، التي تنقطع بسبب الذنب ومستواه، فعند العونِ والتوبة منه، ترجع الرحمة الخاصّةُ التي سُلِبَت بشكلها الطبيعيّ، وذلك بسبب اختياره للمعصية، فيرجع إلى فطرته الأساسيّة الصافية غير الملوَّثة بأيّ شيءٍ من الذنوب، فعند ذلك يستحقّ القرب من الله تعالى ودار كرامته، المتوقّف أصلًا على التوبة من كلّ الذنوب.

 

إنَّ توبةَ العبدِ إلى الله، ورجوعه عن المعصية، هي توفيقٌ إلهيٌّ محضٌ، لأنّ الإنسان في ذاته فقير، والفقر عين الذات، أي متمحّض في الحاجة. لذا، فهو محتاجٌ إلى الله تعالى قبل توبته، فمن يريد الرجوع إلى الله، يحتاج إلى توفيقٍ وعنايةٍ خاصّةٍ منه تعالى، وهذا معناه توبةُ اللهِ لعبدِه قبل توبةِ العبدِ لربِّه، وهي الإعانة الإلهيّة،


184

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

والتوفيق لذلك، فبواسطة إفاضة رحمته، الهدايةُ، وهي التوبة الأولى إلى العبد، يوفّق للتوبة والاستغفار.

 

التوبة الثانية هي رجوع العبد إلى الله، بالتوبة عن ذنوبه ومعاصيه، فهي تحتاج أيضًا إلى قبول الله تعالى ومغفرته.

 

فالله تعالى يبتدئ العبدَ برحمته، أي رحمة الهداية، فيتوب العبد إلى ربّه، فيقبله ثانيةً.

 

توبة العبد محفوفةٌ بتوبتَين: توبة متقدّمة، وهي التوفيق للتوبة، وتوبة متأخّرة بعد توبة العبد، وهي قبول التوبة.

 

ثالثًا: أركان التوبة وشرائطها

إنّ حقيقة التوبة، بالنسبة إلى العبد، هي رجوعه إلى الله تعالى، وإقلاعه عن المعاصي. ولا يتحقّق ذلك، ما لم يقترن بندمٍ حقيقيٍّ على الفعل الذي هو حاجبٌ بين العبد وربِّه. ولازمُ ذلك التصميمُ على عدم العودة إليه أصلًا، والسعي لمحو كلّ آثاره، الباطنيّة والخارجيّة، من خلال إفراغ ذمّته من أيِّ حقٍّ متعلّقٍ فيها، سواء الحقّ الإلهيّ، أو حقّ الناس. لذا، وصف اللهُ تعالى التوبةَ بالإصلاح.

 

قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[1].

 

قَالَ أمير المؤمنين  عليه السلام: "لِقَائِلٍ قَالَ بِحَضْرَتِهِ: أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! أَتَدْرِي مَا اَلاِسْتِغْفَارُ؟ اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ:

 

[1] سورة البقرة، الآية 160.


185

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى،

وَاَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَدًا،

وَاَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ، حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ،

وَاَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا، فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا،

وَاَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ، فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ، حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ،

وَاَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ، كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ،

فَعِنْدَ ذَلِكَ، تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ"[1].

 

ويمكن تقسيم كلام الإمام عليه السلام إلى ركنَين وأربع شروط:

1- الندم

2- والعزم على ترك العودة

 

شروط التوبة

وهي على قسمين:

1- شروط قبول

أ- تأدية حقوق المخلوقين، بإرجاعها إلى أهلها

ب- تأدية حقوق الخالق سبحانه وتعالى.

 

2- شروط الكمال

أ- إذابة اللحم الذي نبت على الحرام، كأكل الربا

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليها السلام)، مصدر سابق، ص549، رقم 417.


186

الموعظة الثالثة والعشرون: باب التوبة

ب- إذاقة الجسم ألم الطاعة

ما المراد بالتوبة النصوح؟

الآية التي استشهد بها الإمام زين العابدين  عليه السلام في الدعاء الشريف، فيها عبارة ?تُوبُو?اْ إِلَى ?للَّهِ تَو?بَة? نَّصُوحًا?.

 

إذا رجعنا إلى روايات أهل البيت عليهم السلام، نجد التوبة النصوح فُسِّرَت بثلاثة تفاسير:

1- أن يتوب العبد من الذنب، ولا يعود إليه أصلًا.

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾, قَالَ: هُوَ اَلذَّنْبُ اَلَّذِي لاَ يَعُودُ فِيهِ أَبَدًا. قُلْتُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَعُدْ؟! فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ اَلْمُفَتَّنَ اَلتَّوَّابَ"[1].

 

2- أن يكون باطن التائب كظاهره.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "اَلتَّوْبَةُ اَلنَّصُوحُ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُ اَلرَّجُلِ كَظَاهِرِهِ وَأَفْضَلَ"[2].

 

3- النصوح ما كانت خالصةً لوجه الله تعالى، من قولهم: "عسل نصوح"، إذا كان خالصًا من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى الله سبحانه، لا لخوف النار مثلًا.


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج16، ص72.

[2] المصدر نفسه، ج16، ص77.


187

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

الموعظة الرابعة والعشرون

الذكر والشكر

 

 

محاور الموعظة:

- التجارة الرابحة.

- قانون مضاعفة الحسنات.

- الذكر والشكر.

 

"وَأَنْتَ الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ عَلَى نَفْسِكَ لِعِبَادِكَ، تُرِيدُ رِبْحَهُمْ فِي مُتَاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفَادَةِ عَلَيْكَ وَالزِّيادَةِ مِنْكَ، فَقُلْتَ - تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَيْتَ -: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾[1], وَقُلْتَ: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾[2], وَقُلْتَ: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾[3], وَمَا أَنْزَلْتَ مِنْ نَظَائِرِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَضَاعِيفِ

 

 

 

[1]  سورة الأنعام، الآية 160.

[2] سورة البقرة، الآية 261.

[3] سورة البقرة، الآية 245.


188

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

الْحَسَنَاتِ. وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ، مِنْ غَيْبِكَ وَتَرْغِيْبِكَ، الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ، عَلَى مَا لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ، لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصَارُهُمْ، وَلَمْ تَعِـهِ أَسْمَاعُهُمْ، وَلَمْ تَلْحَقْـهُ أَوْهَامُهُمْ، فَقُلْتَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾[1]، وَقُلْتَ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[2], وَقُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[3], فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَتَرْكَهُ اسْتِكْبَارًا، وَتَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"[4].

 

تمهيد

في هذا الدعاء، يكشف الإمام  عليه السلام، بأسلوبِ المناجاة، عن بعض هذه الأسرار، ونعني بها بعضَ وسائل الإقناع التي استخدمها سبحانه وخاطب بها العباد، لجذبهم إليه، واستمالتهم إلى دينه وشريعته، والتخلّي عن سائر الأديان والمعتقدات الزائفة الباطلة. وإليك الشرح والتفسير لِمَا كشف عنه الإمامُ  عليه السلام في هذا الدعاء:

أوّلاً: التجاره الرابحة

"وَأَنْتَ الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ..."

الخطاب مع الله سبحانه. و"السَوْمُ" من البائع: عرض السلعة مع تحديد الثمن، ومن المشتري: طلب الشراء بما يريد من الثمن.

 

[1] سورة البقرة، الآية 152.

[2] سورة إبراهيم، الآية 7.

[3] سورة غافر، الآية 60.

[4] الإمام عليّ بن الحسين عليها السلام، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص196.


189

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

ومعنى هذه الكلمات المشرقة، بجملتها، أنّ الله يطلب من عباده أن يؤمنوا به، ويعملوا بدينه وشريعته، كما يطلب التاجر من الناس أن يشتروا ما لديه من سلعه ومتاع. وأيضًا، التاجر يستميل المستهلِك بالإعلام والدعاية، والله سبحانه ينشر دعوتَه، ويتصدّى لأعدائها، بالحكمة والموعظة الحسنة، كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[1]، وقال سبحانه لموسى وهارون، حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[2], وقال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾[3]. وسماحة الخُلق عند الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم، هي، بذاتها، أبلغ أثرًا من كلّ إعلامٍ ودعايةٍ، وبها مَلكَ قلوبَ الناس، ودخلوا في دين الله أفواجًا، بشهادة العناية الإلهيّة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾[4], حيث ربط سبحانه إقبال الناس عليه وهدايتهم به، بخلقه الكريم العظيم.

 

أجل، إنّ الله سبحانه يدعو الناس إليه، ويساوم كالتاجر، ولكن مع الفروق التي تنطوي عليها هذه المناجاة، وهي:

 

[1] سورة النحل، الآية 125.

[2] سورة طه، الآية 44.

[3] سورة الأنعام، الآية 147.

[4] سورة آل عمران، الآية 159.


190

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

أنّ الله سبحانه يعطي كلّ شي‏ءٍ، ولا يأخذ من أحدٍ شيئًا، لأنّه لا يحتاج إلى شي‏ءٍ، والتاجر لا يعطي حتّى يأخذ.
 

2- أنّ الله يعطي باستمرارٍ، والخلائق كلّهم يعجزون عن ذلك.

 

3- أنّ التاجر يعطي الفانيات، والله يعطي الباقيات الصالحات.

 

4- أنّ الهدف الأوّل والنهائيّ للتاجر من تجارته، هو الربح الشخصيّ والمنفعة الخاصّة، وفيها يجد الغبطة والسعادة، أمّا ربح التجارة مع الله سبحانه، فهو بالكامل للمشتري، ولا شيء منه للبائع. وهذا ما أراده الإمام بقوله: "تُرِيدُ رِبْحَهُمْ فِي مُتَاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفَادَةِ عَلَيْكَ وَالزِّيادَةِ مِنْكَ". وحتّى الدعاة إليه تعالى وحمَلَة رسالته يُعطون ولا يأخذون: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[1]. إنّ التاجر يعطي بمقدار ما يأخذ من المال، والله سبحانه يعطي على الحسنة الواحدة أضعافًا تزيد إلى عشرة أمثال، أو إلى سبعمئة، أو إلى ما لا يبلغه الإحصاء، وفقًا لنوايا المحسِن وصفاتِه ومقاصدِه.

 

ثانيًا: قانون مضاعفة الحسنات

من الآيات القرآنيّة التي بيّنت هذا القانون المبارك، نذكر، أوّلًا، ما ورد في الدعاء، ثمّ نذكر بعض الروايات في هذا المجال:

﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾[2].

 

 

 

[1] سورة الفرقان، الآية 57.

[2] سورة الأنعام، الآية 160.


191

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾[1].

 

﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾[2].

 

ومن الآيات الأخرى نذكر:

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[3].

 

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[4].

 

﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾[5].

 

أمّا الروايات، فكثيرة جدًّا، نذكر منها:

عن الإمام عليّ  عليه السلام: "مَنْ قَابَلَ اَلْإِحْسَانَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ فَقَدْ جَازَاهُ"[6].

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  عليه السلام، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: "فَأَمَّا اَلْحُسْنَى فَهِيَ اَلْجَنَّةُ، وَأَمَّا اَلزِّيَادَةُ فَالدُّنْيَا، مَا أَعْطَاهُمُ اَللَّهُ فِيهَا لَمْ يُحَاسِبْهُمْ بِهِ فِي اَلْآخِرَةِ، وَيَجْمَعُ اَللَّهُ لَهُمْ ثَوَابَ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ، وَيُثِيبُهُمْ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ فِي اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ. يَقُولُ اَللَّهُ: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[7].

 

[1] سورة البقرة، الآية 261.

[2] سورة البقرة، الآية 245.

[3] سورة السجدة، الآية 17.

[4] سورة يونس، الآية 26.

[5] سورة ق، الآية 35.

[6] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ج1،ص459.

[7] البحرانيّ، السيّد هاشم الحسينيّ، البرهان في تفسير القرآن، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ج3، ص25.


192

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

ثالثًا: الذكر والشكر

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾[1]. وقال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[2].

 

ممّا لا شكّ فيه، أنّ الله سبحانه وتعالى ليس بحاجةٍ إلى شكرنا، في مقابل نِعَمِه علينا، وإذا أَمرَنا بالشكر، فذاك لنستوجب نعمةً أُخرى، وهي واحدةٌ من المبادئ السامية في التربية.

 

من المهمّ أن نعرف ما هي حقيقة الشكر، لكي تتّضح علاقته في زيادة النعمة، وكيف تستطيع أن تكون عاملًا مهمًّا للتربية.

 

إنّ حقيقة الشكر ليست فقط في قول الإنسان: "الحمد لله"، أو الشكر اللفظيّ، بل هناك ثلاث مراحل للشكر:

الأُولى: يجب أن نعلم مَن هو الواهب للنعم. هذا العلم والإيمان هو الركن الأوّل للشكر.

والثانية: الشكر باللسان.

 

والثالثة: وهي الأهمّ، الشكر العمليّ، أي أن نعلم الهدف من مَنحِنا للنعمة، وفي أيّ موردٍ نصرفها، وإلّا كفرنا بها، كما قال العظماء: "الشكرُ صرفُ العبدِ جميعَ ما أنعمه الله -تعالى- فيما خُلِقَ لأجله".

 

لماذا أعطانا الله تعالى العين؟ ولماذا وهبَنا السمع والنطق؟ فهل كان السبب غير أن نرى عظمتَه في هذا العالَم، ونتعرّف إلى الحياة؟

 

وبهذه الوسائل، نخطو إلى التكامل، ندرك الحقّ، وندافع عنه،

 

 

 

[1] سورة البقرة، الآية 152.

[2] سورة إبراهيم، الآية 7.


193

الموعظة الأولى: استقبال شهر الله

ونحارب الباطل. فإذا صرفنا النعم الإلهيّة في هذا المسير، كان ذلك هو الشكر العمليّ له، وإذا أصبحت هذه الأدوات وسيلةً للطغيان والغرور والغفلة والابتعاد عن الله، فهذا هو الكفران بعينه.

 

يُروَى عن الإمام الصادق  عليه السلام: "فِي كُلِّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِكَ شُكْرٌ لاَزِمٌ لَكَ، بَلْ أَلْفٌ وَأَكْثَرُ. وَأَدْنَى اَلشُّكْرِ رُؤْيَةُ اَلنِّعْمَةِ مِنَ اَللَّهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ يَتَعَلَّقُ اَلْقَلْبُ بِهَا دُونَ اَللَّهِ، وَاَلرِّضَا بِمَا أَعْطَاهُ، وَأَنْ لاَ تَعْصِيَهُ بِنِعْمَتِهِ وتُخَالِفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ، وَكُنْ لِلَّهِ عَبْدًا شَاكِرًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، تَجِدِ اَللَّهَ رَبًّا كَرِيمًا عَلَى كُلِّ حَالٍ"[1].

 

وهنا، يتّضح أنّ شكر العلم والمعرفة والفكر والمال والسلامة، كلّ واحدٍ منها من أيّ طريقٍ يتمّ، وكيف يكون كفرانها، فالحديث الوارد عن الإمام الصادق  عليه السلام دليلٌ واضحٌ على هذه التفسيرات، حيث يقول: "شُكْرُ اَلنِّعْمَةِ اِجْتِنَابُ اَلْمَحَارِمِ، وَتَمَامُ اَلشُّكْرِ قَوْلُ اَلرَّجُلِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾"[2].

 

وتتضّح أيضًا هذه العلاقة بين الشكر وزيادة النعمة، لأنّ الناس لو صرفوا النعم الإلهيّة في هدفها الحقيقيّ، فسوف يُثبتون عمليًّا استحقاقَهم لها، وتكون سببًا في زيادة الفيوضات الإلهيّة عليهم.

 

في كلّ مرحلة من مراحل الشكر الإلهيّ - إن كان باللسان أو العمل - سوف نحتاج إلى شكرٍ جديدٍ لمواهب وعطايا جديدة، ولذلك، فلسنا

 

 

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج68، ص52.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص95.


194

الموعظة الرابعة والعشرون: الذكر والشكر

قادرين أن نؤدّي حقّ الشكر، كما نقرأ في مناجاة الشاكرين للإمام زين العابدين عليّ بن الحسين  عليه السلام: "فَكَيْفَ لِي بِتَحْصِيلِ الشُّكْرِ، وَشُكْرِي إِيَّاكَ يَفْتَقِرُ إِلى شُكْرٍ؟ فَكُلَّما قُلْتُ: لَكَ الحَمْدُ، وَجَبَ عَلَيَّ لِذلِكَ أَنْ أَقُولَ: لَكَ الحَمْدُ"[1].

 

ولهذا، فإنّ أعلى مراحل الشكر، أن يُظهِر الإنسانُ عجزَه أمام شكر نعمائه تعالى، كما جاء في الحديث عَنِ الإمام اَلْبَاقِرِ  عليه السلام، قَالَ: "قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ: يَا مُوسَى، اُشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ، وَاَلنِّعْمَةُ مِنْكَ، وَاَلشُّكْرُ عَلَيْهَا نِعْمَةٌ مِنْكَ؟! فَقَالَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي، فَقَدْ شَكَرْتَنِي حَقَّ شُكْرِي"[2].[3]

 

[1] القمّيّ، الشيخ عبّاس، مفاتيح الجنان، تعريب السيّد محمّد رضا النوريّ النجفيّ، مكتبة العزيزيّ، إيران - قم، 1385ش - 2006م، ط3، ص215.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج68، ص55.

[3] الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب، إيران - قم، 1426ه، ط1، ج7، ص461-464.


195

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

الموعظة الخامسة والعشرون

حقّ الأمّ

 

محاور الموعظة:

- معنى الرحم.

- الأم في القرآن.

- حقوق الأم في الأحاديث الشريفة.

- حقوق الأمّ في كلام الإمام زين العابدين  عليه السلام.

- البرّ لا ينقطع بالموت.

 

"فَحَقُّ أُمِّكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَا، مُسْتَبْشِرَةً بِذَلَكَ، فَرِحَةً، مُؤَمِّلَةً، مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَأَلَمُهَا وَثِقْلُهَا وَغَمُّهَا، حتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ القُدْرَةِ، وَأُخْرِجْتَ إِلى الأَرْضِ، فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوعَ هِيَ، وَتَكْسُوَكَ وَتَعْرَى، وَتُرْوِيَكَ وَتَظْمَأَ، وَتُظِلَّكَ وَتَضْحَى، وَتُنَعِّمَكَ بِبُؤْسِهَا، وَتُلَذِّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا، وَكَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً، وَحُجْرُهَا لَكَ حِوَاءٍ، وَثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً، وَنَفْسُهَا لَكَ وِقَاءً، تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيَا وَبَرْدِهَا لَكَ وَدُونَكَ، فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَلا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلّا بِعَوْنِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ"[1].

 

 

 

[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة، إيران - قم، 1403ه - 1362ش، لا.ط، ص568.


196

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

تمهيد

شرع الإمام  عليه السلام في هذا النصّ، ببيان حقوق الرحم، وأوّل حقٍّ تعرّض له هو حقّ الأمّ، وذلك لأهمّيّته على كلّ الحقوق. وسنشرح هذا الحقّ ضمن العناوين الآتية:

أوّلًا: معنى الرحم

بيان معنى الرحم من الأمور المهمّة جدًّا، ذلك أنّ الرابطة الرحميّة تترتّب عليها مجموعة من الأحكام الفقهيّة، أكانت من حيث الوجوب أو الاستحباب، من قبيل صلة الأرحام، التي أمرت الشريعة المقدّسة،

كتابًا وسنّةً، بِصِلَتِها، ونَهَتْ عن قطعها.

 

وقد اهتمّت الشريعة بالأرحام، والتأكيد على صلتهم وإكرامهم، وجاءت الكثير من الأحكام التي دعت إلى تقديمهم في العطايا والهبات والصدقات الماليّة، وإليك ذكرها على سبيل الإجمال:

•        تقديم الأرحام في الزكاة.

•        تقديم الأرحام في زكاة الفطرة.

•        تقديم الأرحام في مطلق الصدقات.

•        استحباب الهبة للأرحام. والمشهور بين الفقهاء أنّ الهبة للأرحام بعد القبضِ لازمةٌ، لا يجوز الرجوع فيها.

 

وهناك أحكامٌ كثيرةٌ مرتبطةٌ بالرحم، تعرّض لها الفقهاء، وهذا ما يحتّم علينا تحديد المراد بالرحم.

 

وخلاصة رأي الفقهاء في معنى الرحم، أنّه من المعاني التي لم يبيّنها


197

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

الشارع المقدّس بشكلٍ خاصٍّ. وكلّ ما كان كذلك -أي من المفاهيم التي لم يوضحها الشارع - يرجعُ في فهمِ مقصودِه إلى العرف.

 

وبناءً على إرجاع معنى الرحم إلى العرف، فهنا قد نقسم الرحم إلى قسمَين:

- الرحم القريب: الأقارب الذين يجمعهم رحمٌ واحد قريب، الأخ وأخته، يجمع بينهما رحم الأم، أو الشخص مع أبناء عمومته وأبناء خؤولته، يجمعهم رحم قريب، يُعَبَّر عنه بالجَدَّة، وهكذا كلّ من جمعهم رحم قريب، يصحّ أن يُعَبَّر عنهم بالأرحام، ويترتّب عليهم الآثار الشرعيّة للرحم.

 

- الرحم البعيد: الأشخاص الذين يجمعهم رحمٌ، بينه وبينهم خمسة عشر واسطة مثلًا، فهذا بنظر العرف رحمٌ بعيد، فالأشخاص الذين تجمعهم مع الآخرين مثل هذا الرحم البعيد، لا تجب صلتهم، ولا تترتّب

عليهم الأحكام الشرعيّة الأخرى.

 

ثانيًا: الأمّ في القرآن الكريم

لقد أتى القرآن الكريم على ذكر الأمّ، في عدّة مواضع، وبمعانٍ مختلفة، منها:

أ- الأُمّ الحقيقيّة

قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[1].

قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ

 

 

 

[1] سورة القصص، الآية 7.


198

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[1].

 

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾[2].

 

ب- الأصل والأساس

قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾[3].

 

فأمّ كلِّ شيءٍ: أصله، وما يجتمع إليه غيره، كما تقدّم. وبهذا المعنى، ورد تعبير "أُمّ الكتاب" و"أُمّ القرى".

 

ج- وأطلق القرآن الكريم على أزواج النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلممصطلح "أُمّهات المؤمنين"، وذلك في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾[4]. والمعنى أنّهنّ للمؤمنين كالأمّهات في الحرمة وتحريم النكاح، ولَسْنَ أمّهاتٍ لهم على الحقيقة[5].

 

وبالنظر إلى المعاني الثلاثة أعلاه، يعني: "الأُمّ الحقيقيّة هي الأصل

 

 

 

[1] سورة لقمان، الآيتان 14-15.

[2] سورة الأحقاف، الآية 15.

[3] سورة آل عمران، الآية 7.

[4] سورة الأحزاب، الآية 6.

[5] الطبرسيّ، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحقّقين الأخصّائيين، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1415ه.ق - 1995م، ط1، ج8، ص122.


199

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

والأساس"، فإنّه يتّضح لنا الترابط بينها، فالأمّ بمنزلة الجذور والأصل والأساس للشجرة، حيث الابن بمثابة الغصن الذي ينتمي في وجوده إليها، من جذورها يستمدّ مقوّمات حياته، وهذا يرتبط بنوع الجذور والأصل، فكلّما كان الأصل رفيعًا شريفًا، كان الابن امتدادًا لأصالة الأُمّ وسموّ مكانتها.

 

ثالثًا: حقوق الأمّ في الأحاديث الشريفة

ورد العديد من أحاديث الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام، التي تبيّن مكانة الأمّ وحقوقها، منها ما رُوِيَ عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "إذا كنتَ في صلاةِ التَّطَوُّعِ، فإِنْ دَعَاكَ وَالِدُك فلا تَقطَعهَا، وإنْ دَعَتْكَ والِدَتُكَ فاقطَعْهَا"[1].

 

ومنها أيضًا، ما رُوِيَ عن الإمام الرضا عليه السلام، أنّه قال: "واعلمْ أنَّ حقَّ الأُمِّ أَلزمُ الحقوق، وأَوجَبُها، لأنَّها حمَلَت حيث لا يَحمِل أحدٌ أحدًا، ووَقَت بالسمع والبصر وجميع الجوارح، مسرورَةً مستبشرةً بذلك، فحمَلَتْهُ بمَا فيه من المكروهِ الذي لا يَصبِرُ عليه أَحدٌ، ورَضِيَت بأن تَجُوع ويَشبَعَ، وتَظمَأَ ويَروَى، وتَعرَى ويَكتَسِي، وتُظِلَّهُ وتَضحَى. فليكن الشُّكرُ لها، والبرُّ والرِّفق بها على قدر ذلك، وإنْ كنتم لا تُطيقون بأدنى حقِّها إلّا بعونِ اللَّهِ"[2].

 

وكذلك ما رواه أحد أصحاب الإمام الرضا  عليه السلام، قائلًا: "قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا  عليه السلام: أَدْعُو لِوَالِدَيَّ إِذَا كَانَا لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ؟ قَالَ: ادْعُ

 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج15، ص180.

[2] عليّ بن بابويه القمّيّ، فقه الرضا، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، إيران - قم، 1406ه، ط1، ص334.


200

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

لَهُمَا، وَتَصَدَّقْ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ فَدَارِهِمَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِالرَّحْمَةِ، لَا بِالْعُقُوق‏"[1].

 

وفي روايةٍ، قال رجلٌ لرسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ وَالِدَتِي بَلَغَهَا الْكِبَرُ، وَهِيَ عِنْدِي الْآنَ، أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي، وَأُطْعِمُهَا مِنْ كَسْبِي، وَأُمِيطُ عَنْهَا الْأَذَىَ بِيَدِي، وَأَصْرِفُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ وَجْهِيَ، اسْتِحْيَاءً مِنْهَا، وَإِعْظَامًا لَهَا، فَهَلْ كَافَأْتُهَا؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ بَطْنَهَا كَانَ لَكَ وِعَاءً، وَثَدْيَهَا كَانَ لَكَ سِقَاءً، وَقَدَمَهَا لَكَ حِذَاءً، وَيَدَهَا لَكَ وِقَاءً، وَحِجْرَهَا لَكَ حِوَاءً، وَكَانَتْ تَصْنَعُ ذَلِكَ لَكَ وَهِيَ تَمَنَّى حَيَاتَكَ، وَأَنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِهَا وَتُحِبُّ مَمَاتَهَا"[2].

 

رابعًا: حقوق الأمّ في كلام الإمام زين العابدين  عليه السلام

إنّ مكانة الأمّ وعظمة مقامها، قد ظهرت بشكلٍ جليٍّ وواضحٍ في ما تقدّم من أحاديث الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة عليهم السلام، وقد أظهرت هذه الأحاديث جميعًا نظرةَ الإسلام للأمّ، ومدى أهمّيّة وجودها واحترامها ورعايتها.

 

ومن اللافت للنظر، أنّ الإمام زين العابدين  عليه السلام قدّم، في رسالته المباركة، حقَّ الأمِّ على سائر حقوق الأرحام، ولعلّ ذلك إشارة منه  عليه السلام إلى أنّ حقّ الأمِّ يتقدّم على جميع الحقوق في الأهمّيّة، وهذا ما تلمّسناه من أحاديث المعصومين آنفة الذكر أيضًا.

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص159.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج15، ص180.


201

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

قال  عليه السلام: "وَحُقُوقُ رَحِمِكَ كَثِيرَةٌ، مُتَّصِلَةٌ بِقَدْرِ اتِّصَالِ الرَّحِمِ فِي الْقَرَابَةِ. فَأَوْجَبُهَا عَلَيْكَ حَقُّ أُمِّكَ، ثُمَّ حَقُّ أَبِيك‏...".

 

الحقُّ الأوّل: العلم بتضحيات الأمّ

ابتدأ الإمام زين العابدين  عليه السلام، في الحديث عن حقّ الأمّ، بقوله: "فَحَقُّ أُمِّكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَا، مُسْتَبْشِرَةً بِذَلَكَ، فَرِحَةً، مُؤَمِّلَةً، مُحْتَمِلَةً".

 

وذلك لبيان عظيم حقّها. ونبّه الإمام للمشاقّ العظيمة التي تتحمّلها الأمّ في فترة الحمل. وفي المقظع الثاني من كلامه، تحدّث عن فترة ما بعد الحمل، وكيف تتعاطى الأمّ مع مولودها، فقال: "حتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ القُدْرَةِ، وَأُخْرِجْتَ إِلى الأَرْضِ، فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوعَ هِيَ، وَتَكْسُوَكَ وَتَعْرَى، وَتُرْوِيَكَ وَتَظْمَأَ،...".

 

الحقّ الثاني: شكر الأُمّ

قال  عليه السلام: "فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَلا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلّا بِعَوْنِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ".

 

وقد ذكرنا ما رُوِيَ عن الإمام الرضا عليه السلام، في قوله: "فليكن الشُّكرُ لها، والبرُّ والرِّفق بها، على قدر ذلك، وإن كنتم لا تُطيقون بأدنى حقِّها إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ".

 

وأضاف البرَّ، وهي من أكثر العبارات علاقةً بالوالدين، البرُّ بهما، بالإضافة إلى الرفق.


202

الموعظة الخامسة والعشرون: حقّ الأمّ

لماذا هذا التقدير كلّه للأمّ؟

أراد الإمام  عليه السلام أن ينبّه أنّ الأمَّ هي مصدر النعمة على الإنسان بعد الخالق تعالى، فهي نعمةٌ عليه في الوجود والحفظ والبقاء، فهي التي دفعت عنه الأخطار، "فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوعَ هِيَ، وَتَكْسُوَكَ وَتَعْرَى، وَتُرْوِيَكَ وَتَظْمَأَ، وَتُظِلَّكَ وَتَضْحَى، وَتُنَعِّمَكَ بِبُؤْسِهَا، وَتُلَذِّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا،...".

 

خامسًا: البرّ لا ينقطع بالموت

لا بدّ من الإشارة هنا، إلى أنّ البرّ بالوالدين لا يقتصر على حياتهما فحسب، بل يستمرّ إلى ما بعد انقطاعهما عن هذه الحياة الدنيا، فكما أنّهما يحتاجان إلى البرّ والإحسان وهما على قيد الحياة، كذلك يحتاجان إلى ذلك بعد وفاتهما، ذلك أنّ الموت ليس فناءً، وإنّما هو حالة انتقال من حياة إلى أخرى.

 

من هذا المنطلق، نجد في الأحاديث الشريفة تنبيهاتٍ عديدةً، ودعواتٍ واضحةً، في أنْ لا يقطع المرءُ برَّه بوالدَيه، كي لا يُكتَب عند الله سبحانه عاقًّا لهما. وممّا ورد في ذلك، ما رُوِيَ عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكُونُ بَارًّا بِوَالِدَيْه فِي حَيَاتِهِمَا، ثُمَّ يَمُوتَانِ، فَلَا يَقْضِي عَنْهُمَا دُيُونَهُمَا، ولَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، فَيَكْتُبُه اللَّه عَاقًّا، وإِنَّه لَيَكُونُ عَاقًّا لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا، غَيْرَ بَارٍّ بِهِمَا، فَإِذَا مَاتَا، قَضَى دَيْنَهُمَا، واسْتَغْفَرَ لَهُمَا، فَيَكْتُبُه اللَّه عَزَّ وجَلَّ بَارًّا"[1].


 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص163.


203

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

الموعظة السادسة والعشرون

حَقُّ الأب

 

 

محاور الموعظة:

- العامل الوراثيّ وتأثيره على الأبناء.

- العامل الوراثيّ في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام.

- مكانة الأب في الأحاديث الشريفة.

 

"وَأَمَّا حَقُّ أَبِيكَ، فَتَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُكَ، وَأَنَّكَ فَرْعُهُ، وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ، فَمَهْمَا رَأَيْتَ في نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ، وَاحْمَدِ اللهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ"[1].

 

تمهيد

إنّ من بين الحقوق الاجتماعيّة المتبادلة بين أفراد الناس، والتي تُعتَبَرُ من أعظمها وأهمّها، هو حقّ الأب. ذلك أنّ الأب له من المكانة العظيمة، التي ينبغي للأبناء أن يدركوها جيّدًا، كي تكون علاقتهم مع آبائهم علاقةً سليمةً ومستقيمةً.

 


 

[1] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص568.


204

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

ومن هنا، لا بدّ أن نسلّط الضوء على بعض النقاط الأساسيّة المتعلّقة بالأب وحقوقه.

 

أوّلًا: العامل الوراثيّ وتأثيره على الأبناء[1]

لم تكن البشريّة تجهل قانون الوراثة تمامًا فيما مضى، بل كانوا يجهلون خصوصيّاتها. وإنّ علماء الماضي كانوا يعلمون أنّ في بذرة الزهرة، ونواة الشجرة، ونطفة الإنسان والحيوان، ذخائرَ تنقل صفات الأجيال السالفة للأجيال اللاحقة.

 

وما اكتشفه علماء الوراثة اليوم، وتوصّلوا إليه بأبحاثهم الدقيقة، من وجود موجودات صغيرة داخل الكروموسومات تنقل الصفات الوراثيّة، والتي أسموها "الجينات"، ليس أمرًا جديدًا كلّ الجِدَة.

 

ولقد أثبت علمُ الوراثة الحديث أنّ الصفات الوراثيّة تنتقل بواسطة الكروموسومات، وتتوزّع توزيعًا خاصًّا في الخلايا التناسليّة، وعليه، فإنّ لهذه الكروموسومات أجزاءً صغيرةً جدًّا، يبلغ عددُها العشرات والمئات، تُسَمَّى بـ"الجينات"، وهي تُكَوِّن العوامل الوراثيّة.

 

وهذه الصفات الوراثيّة ترتبط بعوامل معيّنة تُسَمّى بـ"الجينات"، وإنّ عددَها كبيرٌ جدًّا.

 

هذا، ولا تخلو الجينات من تأثيرٍ على بعضها بعضًا، فقد يرتبط تأثيرٌ واحدٌ بعدّة جينات، بمعنى أنّ كلًّا منها ينقل جزءًا معيّنًا من تلك الخواصّ والصفات.

 

[1] ينظر: فلسفي، الشيخ محمّد تقي، الطفل بين الوراثة والتربية، تعريب فاضل الحسينيّ الميلانيّ، طبعة دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لا.ت، لا.ط، ص57-80.


205

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

ثانيًا: العامل الوراثيّ في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام

لم تغفل النصوص الواردة عن الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام، عن عامل الوراثة وقانونه، لكن ذُكِرَ فيها باسم "العِرْق".

 

فإنّ المعنى الذي يستفيده علماء الوراثة اليوم من كلمة "الجينة"، هو المعنى نفسه الذي استفادته الأخبار من كلمة "العِرق"، وعلى سبيل المثال، نذكر بعض تلك الروايات:

عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "تخيّروا لنطفكم، فَإِنَّ اَلْعِرْقَ دَسَّاسٌ"[1].

 

ينقل سماحة الشيخ جعفر السبحانيّ تعليقَ الإمام الخمينيّ قدس سره على هذا الحديث، قائلًا: "والمراد من الدسّاس أنّ أخلاق الآباء تصل إلى الأبناء"[2]، فهذا الحديث يذكر قانون الوراثة بصراحة، ويُعبّر عن العامل فيها بالعِرق.

 

وإنّ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم كان يوصي أصحابَه بألّا يغفلوا عن قانون الوراثة، بل يفحصوا عن التربة الصالحة التي يريدون أن يبذروا فيها، لكي لا يرث الأولاد الصفات الذميمة.

 

وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام أيضًا، في اختيار الزوجة،

 

 

 

[1] ابن إدريس الحلّيّ، الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد، السرائر (موسوعة ابن إدريس الحلي)، تحقيق وتقديم السيّد محمّد مهدي الموسويّ الخرسانيّ، لا.م، العتبة العلويّة المقدّسة، 1429ه - 2008م، ط1، ج4، ص270.

[2] تقرير بحث الإمام الخمينيّ للشيخ السبحانيّ، لبّ الأثر في الجبر والقدر، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ص116.


206

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

بأن يكون على أساس الأخلاق، حيث قال  عليه السلام: "تَزَوَّجُوا فِي اَلْحُجْزِ[1] اَلصَّالِحِ، فَإِنَّ اَلْعِرْقَ دَسَّاسٌ"[2].

 

بل وعنه  عليه السلام، مبيّنًا إحدى المفردات التي ينبغي الحذر منها في هذا الشأن، ألا وهي طرق الكسب، فإنّ لها تأثيرًا في الذرّيّة: "كَسْبُ اَلْحَرَامِ يَبِينُ فِي اَلذُّرِّيَّةِ"[3].

 

وهذا يعني أنّ أخلاق الآباء لها تأثيرٌ كبيرٌ في أخلاق أبنائهم، وقد رأينا القرآن الكريم يحذّر النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود المعاصرين له، والذين ورثوا رذائل آبائهم، في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾[4].

 

والمعنى: ولا تزال، أيّها الرسول الكريم، ترى في هؤلاء اليهود المعاصرين لك، صورةَ السابقين في الغدر والخيانة. وإن تباعدت الأزمان، فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم، وغدرهم ونقضهم لعهودهم[5].

 

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "حُسْنُ اَلْأَخْلاَقِ بُرْهَانُ كَرَمِ

 

[1] الحجز: بالضمّ والكسر: الأصل. وقيل: بالضمّ: الأصل والمنبت، وبالكسر: هو بمعنى الحجزة، وهي هيئة المحتجز كناية عن العفّة وطيب الإزار. وقيل: هو العشيرة؛ لأنّه يحتجز بهم؛ أي يمتنع. ينظر: مجد الدين ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج1، ص345.

[2] الطبرسيّ، الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضيّ، إيران - قم، 1392ه - 1972م، ط6، ج1، ص197.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص124.

[4] سورة المائدة، الآية 13.

[5] طنطاوي، سيّد محمّد، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج4، ص84.


207

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

اَلْأَعْرَاقِ"[1]. وهذا الحديث يثبت إمكان اكتشاف الطهارة العائليّة للفرد، من السجايا الفاضلة عنده، فيستكشف عن حُسن أخلاق الإنسان، شرافة طباع عائلته، وكرم نفوسهم.

 

السجايا الخُلُقيّة، والصفات الحميدة، أو الصفات الرذيلة، للآباء والأمّهات، تهيّئ استعدادًا في الأولاد، فالآباء والأمّهات الذين يمتازون بصفات الشجاعة والكرم والتضحية والخدمة، يخلّفون أبناءً ذوي فضيلة وإباء وكرم. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الأُسَرَ المعروفة بالبخل والجبن والأنانيّة والحمق، لا يخلّفون في الأغلب إلّا أولادًا حقراء، لا وزن لهم في المجتمع.

 

ثالثًا: مكانة الأب في الأحاديث الشريفة

ذكرت بعضُ الروايات حقوقَ الوالديَن ومقامهما بشكلٍ عام، ويُستَفاد منها، ضمنًا، بيانُ مقام الأب. وهناك رواياتٌ أخرى خصَّصَت الأبَ، وذكرت ما له من حقوقٍ بشكلٍ خاصٍّ، نذكر بعضًا من روايات الطائفة الأولى، ثمّ نذكر عددًا من روايات الطائفة الثانية.

 

عَنْ أَبِي وَلاَّدٍ اَلْحَنَّاطِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾[2], مَا هَذَا اَلْإِحْسَانُ؟ فَقَالَ: "اَلْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا، وَلاَ تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلاَكَ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ.

 

أَلَيْسَ يَقُولُ اَللَّهُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[3]؟


 

[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص228.

[2] سورة الإسراء، الآية 23.

[3] سورة آل عمران، الآية 92.


208

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

وَقَالَ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾, قَالَ: إِنْ أَضْجَرَاكَ، فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وَلاَ تَنْهَرْهُمَا إِنْ ضَرَبَاكَ. قَالَ: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾[1], قَالَ: إِنْ ضَرَبَاكَ، فَقُلْ لَهُمَا غَفَرَ اَللَّهُ لَكُمَا، فَذَلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَرِيمٌ. قَالَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾[2], قَالَ: لاَ تَمْلَ عَيْنَيْكَ مِنَ اَلنَّظَرِ إِلَيْهِمَا، إِلَّا بِرَحْمَةٍ ورِقَّةٍ، ولاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا، وَلاَ يَدَكَ فَوْقَ أَيْدِيهِمَا، وَلاَ تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا"[3].

 

عَنْ محمّد بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  عليه السلام يَقُولُ‏: "إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ  صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، فَقَالَ: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ وَعُذِّبْتَ، إِلَّا وَقَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَوَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُمَا وَبَرَّهُمَا، حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ، وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَافْعَلْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ"[4].

 

حقوق الأب في كلام الإمام زين العابدين عليه السلام

يشير الإمام زين العابدين  عليه السلام، في بداية كلامه، إلى قاعدةٍ مهمّةٍ، حيث يذكّر الأبناءَ بمنزلة الأب ودوره في وجودهم، قائلًا: "وَأَمَّا حَقُّ أَبِيكَ، فَتَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُكَ، وَأَنَّكَ فَرْعُهُ، وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ".

 

إذًا، الحقّ الأساس هو العلم بأنّ الآباء هم الأصل والجذور، وأنّهم فروعٌ من تلك الأصول. فكلّ ما ينبع من الابن، وكلّ ما يتجلّى فيه

 

[1] سورة الإسراء، الآية 23.

[2] سورة الإسراء، الآية 24.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج21، ص487.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص158.


209

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

من تفوّق وعبقريّة، فإنّ عليه أن يعلم أنّه مَدِينٌ في ذلك كلّه إلى والده، وأنّ عليه أن يشكر الله عزّ وجلّ على هذه النعمة، حيث أنّ الأب هو أصلها.

 

ويترتّب على معرفة أنّ الأب أصلٌ، أنّ المرء إذا ما أنعم عليه ممّا يعجبه في نفسه، أكان على صعيد حياته المعنويّة، أم المادّيّة، وما شاكل، فعليه أن يعلم بأنّ أساس ذلك هو ذاك الأصل الذي تفرّع عنه، ألَا وهو الأب، قال  عليه السلام: "فَمَهْمَا رَأَيْتَ في نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ"، ففي الوقت الذي يعاني فيه الأب من الضعف والإجهاد، بسبب كبر في العمر، وتراجع قواه يومًا بعد آخر، فإنّ الابن يشتدّ ساعده، وتتنامى قدراته ونشاطه، ويصبح أكثر قوّة من والده، وربّما يؤثّر هذا المشهد عليه، فيغترّ بقوّته، وينتابه شعورٌ بتفوّقه على أبيه، ما يجعله ينسى، أو يتناسى، ضرورة احترامه لوالده، ويقصّر في واجبه إزاءه.

 

من أجل هذا، فإنّ الإمام  عليه السلام يذكّر الابن بهذه الحقيقة، إذا ما انتابته مشاعر التفوّق والغرور والإعجاب بالذات والنرجسيّة، أنّ عليه أن يضع نصب عينيه أنّ كلّ ما فيه، وما يتمتّع به، إنّما يعود إلى الأصل في وجوده، وهو الأب، فالوالد يمثّل الجذع في شجرته، وأنّه مجرّد غصن وفرع يستند إلى الأصل، وأنّه لولا الأب، ما كان له وجود.

 

ويتفرّع عن معرفة هذا الحق، واجبٌ تجاه الباري سبحانه وتعالى، بأن يتوجّه إليه بالحمد والشكر: "وَاحْمَدِ اللهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ".

 

 


210

الموعظة السادسة والعشرون: حَقُّ الأب

ذلك أنّ الإنسان إذا علم أنّ ما هو عليه من نِعَمٍ، معنويّة كانت أم مادّيّة، ترجع إلى نعمة وجود الأب، فإنّ ذلك يحتّم عليه أن يحمد الله سبحانه وتعالى، ذلك المنعم الذي رحم عبادَه وأعطاهم من جزيل فضله وكرمه، بل إنّ رعاية حقوق الآباء، هي في نفسها نعمةٌ من الله سبحانه تعالى, ولا تتأتّى إلّا بلطفه.

 


211

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

الموعظة السابعة والعشرون

حَقُّ الولد

 

محاور الموعظة:

- الرابطة بين الوالد وولده.

- الوظيفة التربويّة للأب تجاه الأبناء.

- دور المحبّة في تربية الأبنا والأولاد.

 

"‏وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ، فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ، وَمُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْؤُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَعُونَةِ (لَهُ) عَلَى طَاعَتِه فِيكَ وَفِي نَفْسِهِ، فَمُثَابٌ

عَلَى ذَلِكَ وَمُعَاقَبٌ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ المُتَزَيِّنِ يَحْسُنْ أَثَرُهُ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، المُعَذِّرُ إِلى رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ بِحُسْنِ القِيَامِ عَلَيْهِ، وَالأَخْذِ لَهُ مِنْهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلّا بِاللهِ".

 

تمهيد

أشار الإمام  عليه السلام، في هذا النصّ الشريف، إلى نقاط عدّة،

 

 


212

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

ترتبط بتقويم العلاقة بين الآباء والأبناء، وببعض الإرشادات المرتبطة بالعمليّة التربويّة، التي ينبغي على الآباء اتّباعها، كي تكون تربيتهم تربيةً سليمةً ومستقيمةً، وهي كالآتي:

أوّلًا: الرابطة بين الوالد وولده

ينبغي أن يعلم كلُّ والدٍ أنّ ولدَه منه، يُنسب ويُضاف إليه دنيًا وآخرة، فما يعمل الولد من عملٍ -خيرًا أو شرًّا- عاجلًا ما يرجع ويُنسَب إلى والده في الحياة الدنيا، باعتبار الرابطة بينهما، إذ الولد ليس إلّا ثمرة والده في هذه الدنيا. لذا، كان الولد واقعًا تحت ولاية والده ومسؤوليّته، من حيث حسن التأديب، والتوجيه إلى الله تعالى، والإعانة على طاعته –تعالى - مباشرة، ومن خلال طاعة والده. بل الأمر كذلك بالنسبة للحياة الآخرة، فيُثاب الوالد أو يُعاقَب تبعًا لأدائه مسؤوليّته وتكليفه في تربية ولده.

 

لذا، أمر الإمام  عليه السلام الوالدَ أن يهتمّ بحُسن أثره وثمره دنيًا، وأن يلتمس ما يعتذر به أمام الله -تعالى- يوم القيامة، وذلك بقيامه بما أمره الله تعالى في تربية الولد. ولِيَعلمْ أنّه ينبغي في ذلك طلبُ الحول والقوّة من الله، فالوالد ليس بقادرٍ بعلمه وحوله وقوّته أن يقوم بما أمره الله -تعالى- في التربية، وهذا خطأ يقع فيه كثيرٌ من الآباء والمربّون.

 

وقد أشار الإمام  عليه السلام إلى نوعَين من العلاقة تربط بين الوالد وولده وهي كالآتي:

1- العلاقة المادّيّة العضويّة

بيّن الإمام  عليه السلام هذه العلاقة بقوله: "فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ"،

 


213

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

و"مِنْ" هنا للتبعيض، أي تعلم أنّه منك، أي بعضك، لأنّه تكوّن من صلبك ونطفتك، فالأب هو علّة معدّة وواسطة لإيجاد الابن، بينما العلّة الحقيقيّة والفاعل الحقيقيّ هو الله تعالى.

 

ولعلّ الهدف التربويّ من التذكير بهذه العلاقة، هو التنبيه على لزوم مراعاة الولدِ كمراعاة النفس، إذ هو جزءٌ منها، فكلّ ما يدخل في دائرة اهتمامات الإنسان تجاه نفسه، ينبغي أن يدخل في اهتمامات الوالد تجاه ولده، كما ورد عن أمير المؤمنين  عليه السلام: "ووَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئًا لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي..."[1].

 

2- العلاقة المعنويّة الإضافيّة

بيّن الإمام  عليه السلام هذه العلاقة بقوله: "وَمُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ". ولعلّ غرض الإمام التربويّ بيانُ أنّ العلاقة الإضافيّة بين طرفَين، تستدعي سراية حكم أحد طرفي العلاقة إلى

الآخر وإضافته، بمعنى سراية حكم المضاف إليه إلى المضاف، والعكس صحيح أيضًا، وهذه السراية، كما تكون سرايةً للحُسن والشرف والرفعة، تكون أيضًا سرايةً للقبح والضِعة والوهن، ولهذا الأمر نماذج كثيرة في واقعنا الاجتماعيّ.

 

ثانيًا: الوظيفة التربويّة للأب تجاه الأبناء

يقول الإمام زين العابدين  عليه السلام: "وَأَنَّكَ مَسْؤُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص392.


214

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

حُسْنِ الْأَدَبِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَالْمَعُونَةِ (لَهُ) عَلَى طَاعَتِه فِيكَ وَفِي نَفْسِهِ، فَمُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُعَاقَبٌ".

 

ولا بدّ هنا من بيان بعض النقاط، وهي:

تربية الأبناء واجبة شرعًا

يُستَفاد من هذا النصّ وجوبُ التربية على الوالد وجوبًا شرعيًّا، لأنّه يُثَاب على فعلها، ويُعَاقَب على تركها، وهذه الوظيفة التربوية ليست مجرّد أمرٍ جيّدٍ مستَحسَن لا إلزام فيه. وبناءً عليه، يتحمّل الأب مسؤوليّةً كبيرةً في حال انحراف أحد أبنائه انحرافًا عقديًّا أو مسلكيًّا، مع عدم قيام الأب بدوره التربويّ تجاه الابن المنحرف.

 

ورد عَنْ أَبِي بَصِيرٍ أنّه سأل الإمام الصادق: "فِي قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[1], قُلْتُ: كَيْفَ أَقِيهِمْ؟ قَالَ: تَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَ اَللَّهُ، وَتَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اَللَّهُ، فَإِنْ أَطَاعُوكَ، كُنْتَ قَدْ وَقَيْتَهُمْ، وَإِنْ عَصَوْكَ، كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ"[2].

 

عَنْ أبي عبد الله  عليه السلام، قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ?يَ??أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءَامَنُواْ قُو?اْ أَنفُسَكُم? وَأَه?لِيكُم? نَار?ا?، قَالَ: جَلَسَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ يَبْكِي، وَقَالَ: أَنَا عَجَزْتُ عَنْ نَفْسِي، كُلِّفْتُ أَهْلِي! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ: حَسْبُكَ أَنْ تَأْمُرَهُمْ بِمَا تَأْمُرُ بِهِ نَفْسَكَ، وتَنْهَاهُمْ عَمَّا تَنْهَى عَنْهُ نَفْسَكَ"[3].


 

[1] سورة التحريم، الآية 6.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص62.

[3] المصدر نفسه، ج 5، ص62.


215

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

 

النتيجة: نستنتج من كلام الإمام عليه السلام ما يأتي:

1- إنّ مسؤوليّة تربية الولد تقع على عاتق الوالد، وعليه أن يرشده ويوجّه حركتَه في الحياة الاجتماعيّة.

2- على الوالد ألّا ينسى الآثار المترتّبة على هذه المسؤوليّة، فهو سيُثاب على ذلك بحسن تربيته، ويُعاقب إذا أهمل.

3- على الوالد أن يبذل قصارى جهده في تربية ولده، بحيث يكون معذورًا أمام الله سبحانه.

 

حقوق الابن على الأب في روايات أهل البيت عليهم السلام

أحاديث متعدّدة وردت في حقوق الأبناء على الآباء، نوردها ضمن العناوين الآتية:

1 - الإعانة على البرّ

عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ  عليه السلام قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ  صلى الله عليه وآله وسلم: رَحِمَ اَللَّهُ مَنْ أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلَى بِرِّهِ؟ قَالَ: يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ، وَلاَ يُرْهِقُهُ، وَلاَ يَخْرَقُ بِهِ..."[1].

 

2- تحسين اسمه وتعليمه الأدب والقرآن

جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ اَلْقُمِّيُّ فِي كِتَابِ اَلْغَايَاتِ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا نُحْلًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ"[2].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص50.

[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 15، ص165.


216

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

اَلْقُطْبُ اَلرَّاوَنْدِيُّ فِي لُبِّ اَللُّبَابِ، قَالَ اَلنَّبِيُّ  صلى الله عليه وآله وسلم: "مِنْ حَقِّ اَلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدَيْنِ: يُحَسِّنُ اِسْمَهُ، وَيُحَسِّنُ أَدَبَهُ"[1].

 

في نهج البلاغة: "فَحَقُّ اَلْوَالِدِ عَلَى اَلْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَحَقُّ اَلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اِسْمَهُ، وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ، وَيُعَلِّمَهُ اَلْقُرْآنَ"[2].

 

وفي نهج البلاغة، في وصية أمير المؤمنين للإمام الحسن  عليه السلام: "وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ اَلْإِسْلاَمِ، وَأَحْكَامِهِ، وَحَلاَلِهِ، وَحَرَامِهِ..."[3].

 

لذا، نرى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يبدّل الأسماء القبيحة إلى أسماء أخرى جميلة، وهذا يدلّ على العلاقة المعنويّة بين اللفظ والمعنى، لأنّ هذا يؤثّر نفسيًّا في شخصيّة الإنسان، بل إنّه عليه السلام كان يغيّر حتّى أسماء البلدان.

 

"عَنْ جَعْفَرٍ بنِ مُحمَّد، عَنْ آبَائِهِ عليه السلام: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كانَ يُغَيِّرُ الأَسْمَاءَ القَبِيحَةَ فِي الرِّجَالِ وَالبُلْدَانِ"[4].

 

"وَعَنْ ابن عمر: ابنة لعمر كانَ يُقال لَها عاصية، فسمّاها رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم جميلة"[5].

 

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 15، ص128.

[2] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص546.

[3] المصدر نفسه، ص394.

[4] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج21، ص390.

[5] مسلم النيسابوريّ، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيريّ، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج6، ص172.


217

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

3- الدلالة على ربّه

يجب على الوالدَين توجيه ولدهم نحو معرفة الله تعالى، وتعميق الإيمان في قلبه وجوارحه، وتعليمه سائر أصول الدين، ليترعرع على الإيمان بالله، وبرسوله، وبالأئمّة عليهم السلام، وبيوم القيامة، ليكون الإيمان عونًا له في تهذيب نفسه، في الحاضر والمستقبل.

 

وهو ما جاء رسالة الحقوق، قوله: "وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالْمَعُونَةِ (لَهُ) عَلَى طَاعَتِه فِيكَ وَفِي نَفْسِهِ"، وهي من العبارات المهمّة جدًّا، والتي ينضوي تحتها كثيرٌ من المسائل الفقهيّة والاعتقاديّة والأخلاقيّة.

 

4- تعليمه وتزويجه إذا بلغ

عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "مِنْ حَقِّ اَلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ ثَلاَثَةٌ: يُحَسِّنُ اِسْمَهُ، وَيُعَلِّمُهُ اَلْكِتَابَةَ، وَيُزَوِّجُهُ إِذَا بَلَغَ"[1].

 

وعنه أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: "حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِه، إِذَا كَانَ ذَكَرًا، أَنْ يَسْتَفْرِه أُمَّه، ويَسْتَحْسِنَ اسْمَه، ويُعَلِّمَه كِتَابَ اللَّه، ويُطَهِّرَه، ويُعَلِّمَه السِّبَاحَةَ، وإِذَا كَانَتْ أُنْثَى، أَنْ يَسْتَفْرِه أُمَّهَا، ويَسْتَحْسِنَ اسْمَهَا، ويُعَلِّمَهَا سُورَةَ النُّورِ، ولَا يُعَلِّمَهَا سُورَةَ يُوسُفَ، ولَا يُنْزِلَهَا الْغُرَفَ، ويُعَجِّلَ سَرَاحَهَا إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا، أَمَّا إِذَا سَمَّيْتَهَا فَاطِمَةَ، فَلَا تَسُبَّهَا، ولَا تَلْعَنْهَا، ولَا تَضْرِبْهَا"[2].

 

 

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج1، ص80.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص49.


218

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

ثالثًا: دور المحبّة في تربية الأولاد

أوصى الإسلامُ، في مجال تربية الأبناء، بالعطف والمحبّة. وكانت مورد اهتمامٍ خاصّ، وظاهرةً بشكلٍ جليٍّ في سيرة المعصومين عليهم السلام.

 

قال النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم: "أَحِبُّوا الصِّبْيَانَ وارْحَمُوهُمْ، وإِذَا وَعَدْتُمُوهُمْ شَيْئًا، فَفُوا لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ إِلَّا أَنَّكُمْ تَرْزُقُونَهُمْ"[1].

 

وَمِنْ كِتَابِ اَلْمَحَاسِنِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ  عليه السلام، قَالَ: "قَالَ مُوسَى  عليه السلام: يَا رَبِّ، أَيُّ اَلْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: حُبُّ اَلْأَطْفَالِ، فَإِنِّي فَطَرْتُهُمْ عَلَى تَوْحِيدِي، فَإِنْ أَمَتُّهُمْ، أَدْخَلْتُهُمْ جَنَّتِي بِرَحْمَتِي"[2].

 

وهناك وسائل كثيرة تحدّثت عنها الروايات، لتقوية هذه المحبّة وإرسائها في الأسرة، منها:

1- الملاطفة ومسح الرأس

"وَكَانَ اَلنَّبِيُّ  صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَصْبَحَ، مَسَحَ عَلَى رُءُوسِ وُلْدِهِ وَوُلْدِ وُلْدِهِ"[3].

 

2- احتضان الولد

عن أمير المؤمنين عليّ  عليه السلام أنه قال: "وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه، ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِّمُنِيه"[4].

 

 

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص49.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج101، ص97.

[3] المصدر نفسه، ص99.

[4] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص300.


219

الموعظة السابعة والعشرون: حَقُّ الولد

3- التقبيل

عن الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلمأنّه قال: "قبِّلُوا أَوْلادِكُمْ، فَإِنَّ لكُمْ بِكُلِّ قُبْلَةٍ دَرَجَةً في الجّنَّةِ، مَسِيرَةَ خَمْسِمِئَةِ عَامٍ"[1].

 

وروي أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قبّل اَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْن عليهما السلام، فَقَالَ اَلْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ اَلْأَوْلاَدِ، مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ: "مَا عَلَيَّ إِنْ نَزَعَ اَللَّهُ اَلرَّحْمَةَ مِنْكَ!" أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا[2].

 

4- ملاعبة الأولاد

قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام: "مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَبَا"[3].

 

عَنِ اَلنَّبِيّ  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه بَرَّكَ لِلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ، فَحَمَلَهُمَا وَخَالَفَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا وَأَرْجُلِهِمَا، وَقَالَ: "نِعْمَ اَلْجَمَلُ جَمَلُكُمَا"[4].

 

5- الإنصاف والعدالة

وَقَالَ  صلى الله عليه وآله وسلم: "اِعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ ،كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ، فِي اَلْبِرِّ وَاَللُّطْفِ"[5].

 


 

[1] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص220.

[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج101، ص92.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص49.

[4] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، مصدر سابق، ج 3، ص158.

[5] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج101، ص92.


220

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

الموعظة الثامنة والعشرون

حَقُّ الأخ

 

محاور الموعظة:

- الأخوّة في الإسلام.

- أهمّيّة الأخوّة الإيمانيّة.

- أصناف الإخوان.

- حقوق الإخوان.

 

"وَأَمَّا حَقُّ أَخِيكَ، فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ يَدُكَ الَّتِي تَبْسُطُهَا وَظَهْرُكَ الَّذي تَلْجَأُ إِلَيْهِ وَعِزُّكَ الَّذي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَقُوَّتُكَ الَّتِي تَصُولُ بِهَا وَلَا تَتَّخِذْهُ سِلَاحًا عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا عُدَّةً لِلظُّلْمِ لِخَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَدَع نُصْرَتَهً عَلَى نَفْسِهِ وَمَعُونَتَهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَالْحَوْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيَاطِينِهِ وَتَأْدِيَةَ النَّصِيحَةِ إِلَيْهِ وَالإِقْبَالَ عَلَيْهِ فِي اللهِ فَأِنِ انْقَادَ لِرَبِّهِ وَأَحْسَنَ الإِجَابَةَ لَهُ وَإِلّا فَلْيَكُنِ اللهُ آثَرَ عِنْدَكَ وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ"[1].

 

[1] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص568.


221

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

تمهيد

في هذا المقطع، أشار الإمام  عليه السلام إلى حقوق الأخ، ضمن العناوين الآتية:

1- إنّ الأخ بمثابة اليد والسند والقوّة.

2- وجوب نصرته، وهو أحد الحقوق الرئيسة للأخ، بمعنى أن ألّا يدع الإنسان نصرتَه، ومساندتَه، ومدَّ يد العون إليه، والوقوف إلى جانبه ضدّ عدوّه.

3- أن يقوم الإنسان بحماية أخيه من تسلّط الشيطان.

4- تأدية النصيحة إليه، أن ينصحه ويرشّد حركته ومسيرته، لتكون في طريق الله.

 

أوّلًا: الأخوّة في الإسلام

إنّ للأخوّة في الإسلام أوجهًا ثلاثة:

1- أخوّة النسب: وهي الرابطة بين شخصَين من حيث الولادة من أبوين، أو أب، أو أُمّ، ولها أثارها الشرعية العديدة، كالإرث وحرمة التزويج وغير ذلك.

 

2- أخوّة الرضاعة: وهي رابطة قائمة بين شخصَين بسبب الرضاع من امرأةٍ واحدةٍ، ولها آثارها الشرعية أيضًا، كحرمة التزويج وغيرها.

 

3- أخوّة الإيمان: وهي الرابطة الناشئة من الانتماء إلى دين واحد وعقيدة واحدة، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[1].

[1] سورة الحجرات، الآية 10.


222

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

وعن أمير المؤمنين، الإمام عليّ  عليه السلام: "فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي اَلدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي اَلْخَلْقِ"[1]، بمعنى أنّ الذي يوجِد الشراكةَ بين الإخوان، هو الإيمان، الذي بمنزلة الأب النَّسَبيّ، تشبيهًا له به، وإن تباعدت أوطانُهم، وتغايرت ألوانُهم، واختلفت لغاتُهم.

 

ثانيًا: أهمّيّة الأخوّة الإيمانيّة

عن الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا اِسْتَفَادَ اِمْرؤٌ مُسْلِمٌ فَائِدَةً بَعْدَ اَلْإِسْلاَمِ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجَةٍ مُسْلِمَةٍ، تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَهَا، وَتَحْفَظُهُ إِذَا غَابَ عَنْهَا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ"[2].

 

عن الإمام الصادق  عليه السلام: "اِسْتَكْثِرُوا مِنَ اَلْإِخْوَانِ، فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً. وَقَالَ: اِسْتَكْثِرُوا مِنَ اَلْإِخْوَانِ، فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً. وَقَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ مُؤَاخَاةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ لَهُمْ عِنْدَ اَللَّهِ يَدًا يُكَافِئُهُمْ بِهَا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ"[3].

 

وتُظهِر بعض الروايات عنصرًا رئيسيًّا في التآخي، ألا وهو السكينة والاطمئنان، ولنا أن نقول بأنّ ذلك قوام الأخوّة، بأن يشعر المؤمن مع أخيه المؤمن بالراحة والأنس.

 

والسكينة التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه، كما في قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ

 

 

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص427.

[2] الشيخ الحويزيّ، تفسير نور الثقلين، مصدر سابق، ج1، ص477.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 12، ص17.


223

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[1], وقوله أيضًا - عزّ وجلّ -: ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[2], هي كما ذكرها بعض المفسّرين، هي الرحمة التي تسكن إليها النفس، ويزول معها الخوف[3]. وهي تدلّ في بعض استعمالاتها على الثبات والطمأنينة. وقد وصفت أحاديث المعصومين عليهم السلام علاقةَ المؤمن مع أخيه المؤمن بالسكن، ممّا يدلّ على أهمّيّة التآخي، كما ورد عَن

الإمام الصادق  عليه السلام، قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَسْكُنُ إِلَى الْمُؤْمِنِ، كَمَا يَسْكُنُ الظَّمْآنُ إِلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ"[4]. فكما أنّ للظمآن اضطرابًا في فراق الماء، وكمالَ ميلٍ إلى طلبه، وسكونًا واستقرارًا عند وجدانه، وانتفاعًا به في حياة روحه، كذلك للمؤمن بالنسبة إلى المؤمن..."[5].

 

وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه  عليه السلام يَقُولُ: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِنِ اشْتَكَى شَيْئًا مِنْه، وَجَدَ أَلَمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ جَسَدِه، وأَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ، وإِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللَّه مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا"[6].

 

 

 

[1] سورة الفتح، الآية 4.

[2] سورة الفتح، الآية 18.

[3] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العامليّ، مكتب الإعلام الإسلاميّ، لا.م، 1409ه، ط1، ج5 ، ص199.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص247.

[5] المازندرانيّ، المولى محمّد صالح بن أحمد، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيّد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1421ه - 2000م، ط1، ج9، ص196.

[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص166.


224

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

ثالثًا: أصناف الإخوان

عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ  عليه السلام، قَالَ: "قَامَ رَجُلٌ بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ  عليه السلام، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنَا عَنِ الإِخْوَانِ، فَقَالَ: الإِخْوَانُ صِنْفَانِ: إِخْوَانُ الثِّقَةِ، وإِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ. فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ، فَهُمُ الْكَفُّ والْجَنَاحُ والأَهْلُ والْمَالُ، فَإِذَا كُنْتَ مِنْ أَخِيكَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ، فَابْذُلْ لَه مَالَكَ وبَدَنَكَ، وصَافِ مَنْ صَافَاه، وعَادِ مَنْ عَادَاه، واكْتُمْ سِرَّه وعَيْبَه، وأَظْهِرْ مِنْه الْحَسَنَ، واعْلَمْ، أَيُّهَا السَّائِلُ، أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الأَحْمَرِ. وأَمَّا إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ، فَإِنَّكَ تُصِيبُ لَذَّتَكَ مِنْهُمْ، فَلَا تَقْطَعَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ولَا تَطْلُبَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ ضَمِيرِهِمْ، وابْذُلْ لَهُمْ مَا بَذَلُوا لَكَ مِنْ طَلَاقَةِ الْوَجْه وحَلَاوَةِ اللِّسَانِ"[1].

 

لقد بيّن  عليه السلام، في هذا التصنيف، نموذجَين من العلاقة الأخويّة:

الأولى، إخوان الثقة: "والمراد بإخوان الثقة أهلُ الأمانة والاعتماد في الدين، وأرباب الثبوت والقوّة في اليقين، وهم المؤمنون المتّصفون بالفضائل، المقدّسون عن الرذائل"[2].

 

الثانية، إخوان المكاشرة: "والمكاشرة المضاحكة، من الكشر، وهو ظهور الأسنان للضحك. وكاشره إذ ضحك في وجهه وباسطه، والاسم الكشرة كالعشرة، والمراد بإخوان المكاشرة أهل الحقّ والباطل، الذين

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص249.

[2] المولى المازندرانيّ، شرح أصول الكافي، مصدر سابق، ج9، ص200.


225

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

جمعوا بين شيءٍ من الفضائل والرذائل، يعملون تارةً بمقتضى الإيمان، وأخرى بحكم النفس والشيطان"[1].

 

ثم أشار  عليه السلام إلى بعض أحوال الفريقَين، وكيفيّة المعاشرة فيما بينهم:

فَأَمَّا إِخْوَانُ الثِّقَةِ، فَهُم:

الْكَفُّ: الراحة مع الأصابع، سُمِّيَت بذلك، لأنّها تكفّ الأذى عن صاحبها وعن غيره.

والْجَنَاحُ: للطير معروف، ويُطلَق على العضد، والإبط، والجانب، والعصا أيضًا.

والأَهْلُ: أهل البيت، ويُطلَق على الأقرباء والأتباع أيضًا.

 

فَإِذَا كُنْتَ مِنْ أَخِيكَ عَلَى حَدِّ الثِّقَةِ: أي الاعتماد والديانة والرسوخ في الدين.

 

فَابْذُلْ لَه مَالَكَ وبَدَنَكَ: بذل المال للأخ عند حاجته، سأل أو لم يسأل، ناظر إلى الكف والمال. وبذل البدن بالسعي في حاجته، ناظر إلى الجناح والأهل.

 

وصَافِ مَنْ صَافَاه، وعَادِ مَنْ عَادَاه، واكْتُمْ سِرَّه وعَيْبَه، وأَظْهِرْ مِنْه الْحَسَنَ.

 

وإخوان الثقة في غاية القلّة، ونهاية الندرة، لأنّ جواهر ذواتهم نفيسة، وكلّ نفيس نادر الوجود. وأمّا إخوان المكاشرة، ففي غاية

 

 

 

[1] المولى المازندرانيّ، شرح أصول الكافي، مصدر سابق، ج9، ص200.


226

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

الكثرة، لأنّ أكثر الناس يتّبع اللذات الجسمانيّة، والمشتهيات النفسانيّة، والوساوس الشيطانيّة، ولكن لا بُدّ من الاختلاط وحسن المعاشرة معهم، لأجل الضرورة، واستكمال النظام، والقطع منهم يُوجِب تبدّده، كما أشار إليه بقوله:

وأَمَّا إِخْوَانُ الْمُكَاشَرَةِ، فَإِنَّكَ تُصِيبُ لَذَّتَكَ مِنْهُمْ: لعلّ المراد باللذةِ اللذةُ الدنيويّة، مثل حسن المعاشرة والمعاملة، وتحصيل منافع الدنيا ونحوها.

 

فَلَا تَقْطَعَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ: لعلّ ذلك إشارة إلى إصابة اللذة منهم، وفيه ترغيبٌ في حسن المعاشرة معهم، لأنّ اعتزالك عمّن يريدك ويعينك نقصُ حظٍّ، كما أنّ ميلَك إلى من لا يريدك ولا يعينك ذلُّ نفسٍ.

 

وأهمّ الخصال التي يتحلّى بها إخوان الثقة، هما خصلتا الإصلاح والإخلاص:

أمّا الأولى: وهو أن يسلك الأخ سبيلًا بنّاءً في علاقته بأخيه، من خلال نصحه، وعدم مداهنته وكثرة إطرائه مع ما يراه من أعماله غير المرضيّة، ومعاونته على التغيير.

 

وأما الثانية: وهو أن يكون صادقًا معه، مخلصًا له في باطنه وسريرته، فلا يُظهِر له خلاف ما يضمره، بأن يكون لسانه ترجمان قلبه على الدوام.

 

وقد جمع الإمام الحسن  عليه السلام أوصافَ إخوان الصدق وخلّان الوفاء، في وصيّته لجنادة قُبَيل شهادته، حيث قال الإمام الحسن  عليه السلام: "فَاصْحَبْ مَنْ إِذَا صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وَإِذَا خَدَمْتَهُ صَانَكَ، وَإِذَا أَرَدْتَ مِنْهُ


227

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

مَعُونَةً أَعَانَكَ، وَإِنْ قُلْتَ صَدَّقَ قَوْلَكَ، وَإِنْ صُلْتَ شَدَّ صَوْلَكَ، وَإِنْ مَدَدْتَ يَدَكَ بِفَضْلٍ مَدَّهَا، وَإِنْ بَدَتْ عَنْكَ ثُلْمَةٌ سَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْكَ حَسَنَةً عَدَّهَا، وَإِنْ سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ، وَإِنْ سَكَتَّ عَنْهُ ابْتَدَأَكَ، وَإِنْ نَزَلَتْ إِحْدَى الْمُلِمَّاتِ بِهِ سَاءَك‏"[1].

 

رابعًا: حقوق الإخوان

عن مولانا الإمام الصادق  عليه السلام: "ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من أداءِ حقِّ المؤمنِ"[2].

 

وضع الإسلام للأخوّة في الدين حقوقًا، يلزم مراعاتها وتطبيقها. وقد تضافرت الروايات في بيانها، ومن أشملها، ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول: "لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ثَلَاثُونَ حَقًّا، لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَوِ الْعَفْوِ: يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، وَيَرْحَمُ عَبْرَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ، وَيَرُدُّ غِيبَتَهُ، وَيُدِيمُ نَصِيحَتَهُ، وَيَحْفَظُ خُلَّتَهُ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ، وَيَعُودُ مَرْضَتَهُ، وَيَشْهَدُ مَيْتَتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ، وَيَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَيُكَافِئُ صِلَتَهُ، وَيَشْكُرُ نِعْمَتَهُ، وَيُحْسِنُ نُصْرَتَهُ، وَيَحْفَظُ حَلِيلَتَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ، وَيُسَمِّتُ عَطْسَتَهُ، وَيُرْشِدُ ضَالَّتَهُ، وَيَرُدُّ سَلَامَهُ، وَيُطَيِّبُ كَلَامَهُ، وَيُبِرُّ إِنْعَامَهُ، وَيُصَدِّقُ أَقْسَامَهُ، وَيُوَالِي وَلِيَّهُ، وَيَنْصُرُهُ ظَالِمًا وَمَظْلُومًا، فَأَمَّا نُصْرَتُهُ ظَالِمًا، فَيَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ، وَأَمَّا نُصْرَتُهُ مَظْلُومًا،

 

 

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج44، ص139.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص170.


228

الموعظة الثامنة والعشرون:حَقُّ الأخ

فَيُعِينُهُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَيُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ قَالَ  عليه السلام: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَدَعُ مِنْ حُقُوقِ أَخِيهِ شَيْئًا، فَيُطَالِبُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقْضَى لَهُ وَعَلَيْهِ"[1].


 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج12، ص212


229

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

الموعظة التاسعة والعشرون

حقّ المال

 

محاور الموعظة:

- تدبير العيش.

- الكسب الحلال والكسب الحرام.

- الإسراف والتبذير.

 

"وَأَمَّا حَقُّ اَلْمَالِ، فَأَنْ لاَ تَأْخُذَهُ إِلاَّ مِنْ حِلِّهِ، وَلاَ تُنْفِقَهُ إِلاَّ فِي حِلِّهِ، وَلاَ تُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلاَ تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَائِقِهِ، وَلاَ تَجْعَلَهُ إِذَا كَانَ مِنَ اَللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ وَسَبَبًا إِلَى اَللَّهِ، وَلاَ تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَعَلَّهُ لاَ يَحْمَدُكَ، وبِالْحَرِيِّ أَنْ لاَ يُحْسِنَ خِلاَفَتَهُ فِي تَرِكَتِكَ، وَلاَ يَعْمَلَ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبِّكَ، فَتَكُونَ مُعِينًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَرًا لِنَفْسِهِ، فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، فَيَذْهَبَ بِالْغَنِيمَةِ، وَتَبُوءَ بِالْإِثْمِ وَاَلْحَسْرَةِ وَاَلنَّدَامَةِ مَعَ اَلتَّبِعَةِ، وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ"[1].

 

[1] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص569.


230

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

تمهيد

تتضمّن هذه الفقرة ممّا عُرِفَ برسالة الحقوق، الواردة مضامينها عن الإمام زين العابدين  عليه السلام، عددًا من الإرشادات المتعلّقة بكيفيّة التعامل مع المال، الذي يُعتَبر نعمةً من نِعَمِ الله تعالى، والتي ينبغي أن يكون التعامل معها، ضمن الضوابط التي ترضيه - سبحانه -، وسوف نتناول هذا الأمر ضمن نقاط رئيسيّة ثلاث، وهي:

الأوّل، تدبير المعيشة.

الثاني، الكسب الحلال والكسب الحرام.

الثالث، حقوق المال.

 

أوّلًا: تدبير العيش

يُعتَبر الإنسان في الإسلام مسؤولًا عن كلّ ما بين يديه من نعم الله -تعالى-، ومن تلك النعم هو المال. وتتجلّى مسؤوليّتُه فيه في مصدر كسبه أوّلًا، وفي ما ينفقه ثانيًا، وهذا ما ورد في عدد من أحاديث المعصومين عليهم السلام،كما عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: "قال رسولُ اللهِ: لا تزول قدمُ عبدٍ يوم القيامةِ مِنْ بينِ يدَي اللهِ -عزّ وجلّ -، حتّى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته، وعن حبِّنا أهل البيت"[1].

 

وكذلك ما ورد عن الإمام الصادق  عليه السلام، أنّه قال: "لَا يُصْلِحُ الْمَرْءَ

 

 

[1] عليّ بن إبراهيم القمّيّ، تفسير القمّيّ، تصحيح وتعليق وتقديم السيّد طيّب الموسويّ الجزائريّ، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، إيران - قم، 1404ه، ط3، ج 2، ص20.


231

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

الْمُسْلِمَ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: التَّفَقُّه فِي الدِّينِ، والصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ، وحُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ"[1].

 

فعلى المُؤْمِن أن يتأمّل جيّدًا في ما ينفق مالَه ويبذله، بأن يكون بحالٍ وسطيٍّ، لا إفراط فيه ولا تفريط، متّبِعًا في ذلك إرشادات القرآن الكريم، وتوجيهات الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار، قَالَ الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[2].

 

وقَدْ ذكر الله  تعالى إحدى ميّزات وصفات المؤمنين، بأنّهم لا يُسرفون ولا يقترون، وأنّهم وسط بين ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾[3].

 

ثانيًا: الكسب الحلال والكسب الحرام

يمكن تقسيم الدخل، من حيث مصادر اكتسابه المختلفة، إلى نوعين: دخلٌ مشروعٌ (حلالٌ)، ودخلٌ غير مشروعٍ (حرامٌ)، وسنتطرّق في ما يلي إلى كلا القسمين، مع بيان آثار كلِّ قسمٍ منهما:

الكسب الحلال

1- معنى الكسب الحلال

الكسب الحلال هو عبارةٌ عن الأموال التي يكتسبها الإنسان من

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج 5، ص87.

[2] سورة البقرة، الآية 143.

[3] سورة الفرقان، الآية 67.


232

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

الطرق التي أجازها الشرع الإسلاميّ الحنيف، من تجارة واستثمار، وغير ذلك ممّا بيّنته الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة، قال - سبحانه -: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾[1].

 

2- فضل الكسب الحلال وأهمّيّته

وإنّ للتكسّب فضلًا عظيمًا، بيّنته آيات القرآن الكريم وأحاديث المعصومين عليهم السلام، قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾[2], وقال - سبحانه - في ذكره لقصّة أصحاب الكهف: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾[3], ففيها أنّ أصحاب الكهف، مع أنّهم كانوا بعد يقظتهم بحاجةٍ شديدةٍ إلى الطعام، إلّا أنّهم قالوا لمن كلّفوه بشراء الطعام: لا تشترِ الطعام من أيٍّ كان، وإنّما انظر أيّهم أزكى وأطهر طعامًا، فأتِنا منه[4].

 

وهناك روايات مستفيضة حثّت الناس على ضرورة السعي في كسب لقمة العيش، شريطة أن يكون ذلك بطُرُقٍ مشروعة، منها:

عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "الْعِبَادَةُ سَبْعُونَ جُزْءًا أَفْضَلُهَا طَلَبُ الْحَلَالِ"[5].

 

وعن الإمام جعفر الصادق أنّه قال: "أقرِئُوا مَن لَقيتُم مِن أصحابِكُم السَّلامَ، وقُولُوا لَهُم: إنَّ فُلان بن فُلان يُقرِئكُم السَّلامَ، وقُولُوا لَهُم:

 

 

 

[1] سورة الطلاق، الآية 3.

[2] سورة البقرة، الآية 267.

[3] سورة الكهف، الآية 19.

[4] الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ج9، ص221.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص78.


233

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

عَلَيكُم بِتقوَى اللهِ، وما يُنالُ بهِ ما عِندَ اللهِ. إنِّي واللهِ، ما آمُركُم إلّا بما نأمُرُ بهِ أنفُسَنا، فعَليكُم بالجِدِّ والاجتِهادِ، وإذا صَلَّيتُم الصُّبحَ، فانصرَفتُم، فبَكِّروا في طَلبِ الرِّزقِ، واطلُبوا الحلالَ، فإنَّ اللهَ سيرزُقُكُم ويُعينُكُم عَليهِ"[1].

 

الكسب الحرام

وقد نهى القرآن الكريم عن اتّباع الطرق المحرمة في الكسب نهيًا شديدًا، كأكل المال بالباطل، والرّبا، والظلم، والفساد. وإنّ هذه المحرمات تعتبر من الذنوب الكبيرة كما عدد من الأحاديث والروايات.

 

1- معنى الكسب الحرام (مال السحت)

أُطلِق على المال الحرام الذي يكتسبه الإنسان من الطرق غير المشروعة مصطلح آخر، وهو "المال السحت"، وعُدّ المال السحت وأكل السحت من كبائر الذنوب، حيث نهت عنه الشريعة الإسلامية نهيًا شديدًا. والمراد من أكل السُّحت لا يعني بالضرورة خصوص الأكل أو خصوص الشرب، بل يقصد به مطلق التصرّفات بالأموال المحرّمة، وعدم إرجاعها إلى أهلها، سواءٌ بتسخيرها للأكل والشرب، أم باقتناء أشياء أخرى بها، كالثياب أو البيوت والمساكن، أم مطلق الحيازة عليها وعدم إنفاقها. فجميع هذه الحالات يصدق عليها أيضًا أكل السُّحت، كما هو الحال في حرمة أكل مال اليتيم، والمال المكتسب من المعاملات الربويّة، حيث تحرم جميع أنواع التصرّف فيه.

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص79.


234

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المفهوم من لفظ "السُّحت" هو شموله لجميع أقسام المال الحرام، أي أنّ كلّ مالٍ يكتسبه الإنسان من طريقٍ غير مشروعٍ يُعدّ أكلًا للسُّحت.

 

2- ضرورة اجتناب الكسب الحرام

أحاديث عديدة أشارت إلى ضرورة اجتناب الكسب الحرام، منها عن أبي عبد الله  عليه السلام: "تَركُ لُقمَةِ الحرامِ أحبُّ إلى اللهِ مِن صَلاةِ ألفَي رَكعَةٍ تَطوُّعًا"[1].

 

وعنه أيضًا  عليه السلام: "رَدُّ دانِقٍ حَرامٍ يَعدِلُ عِندَ اللهِ سبعينَ حَجَّةً مَبرورَةً"[2].

 

ثالثًا: الإسراف والتبذير

سلوكان مبغوضان عند الله – تعالى -، وهما الإسراف والتبذير، وقد صرّح الله – تعالى - بذلك في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[3], "أي لا تتجاوزوا الحدّ الذي يصلح به معاشكم بالتصرف فيه، فلا يتصرّف صاحب المال منكم بالإسراف في أكله، أو التبذير في بذله، أو وضعه في غير موضعه من معاصي الله، وهكذا"[4]، وقال في ذمِّ المبذِّرين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ

 

[1] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحّديّ القمّيّ، مكتبة وجداني، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص128.

[2] المصدر نفسه، ص129.

[3] سورة الأعراف، الآية 31.

[4] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج7، ص364.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المفهوم من لفظ "السُّحت" هو شموله لجميع أقسام المال الحرام، أي أنّ كلّ مالٍ يكتسبه الإنسان من طريقٍ غير مشروعٍ يُعدّ أكلًا للسُّحت.

 

2- ضرورة اجتناب الكسب الحرام

أحاديث عديدة أشارت إلى ضرورة اجتناب الكسب الحرام، منها عن أبي عبد الله  عليه السلام: "تَركُ لُقمَةِ الحرامِ أحبُّ إلى اللهِ مِن صَلاةِ ألفَي رَكعَةٍ تَطوُّعًا"[1].

 

وعنه أيضًا  عليه السلام: "رَدُّ دانِقٍ حَرامٍ يَعدِلُ عِندَ اللهِ سبعينَ حَجَّةً مَبرورَةً"[2].

 

ثالثًا: الإسراف والتبذير

سلوكان مبغوضان عند الله – تعالى -، وهما الإسراف والتبذير، وقد صرّح الله – تعالى - بذلك في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[3], "أي لا تتجاوزوا الحدّ الذي يصلح به معاشكم بالتصرف فيه، فلا يتصرّف صاحب المال منكم بالإسراف في أكله، أو التبذير في بذله، أو وضعه في غير موضعه من معاصي الله، وهكذا"[4]، وقال في ذمِّ المبذِّرين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ

 

[1] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحّديّ القمّيّ، مكتبة وجداني، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص128.

[2] المصدر نفسه، ص129.

[3] سورة الأعراف، الآية 31.

[4] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج7، ص364.


235

الموعظة التاسعة والعشرون: حقّ المال

إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾[1].

 

وقد كتب الإمام عليّ  عليه السلام كتابًا لزياد فيِ ذمّ الإسراف، جاء فيه: "فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِدًا، واذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَدًا، وأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ..."[2].

 

تعريف الإسراف والتبذير، والفرق بينهما

يرجع الإسراف إلى معنى واحد، وهو: مجاوزة القصد، أي الحدّ الوسط، وحدّ الاعتدال في الأكل ممّا أحلّ الله.

 

وقيل فيه: ما أُنفِق في غير طاعة الله تعالى[3].

 

ويُتَصوّر الإسراف في كلّ شيء، وإن كان في الإنفاق أشهَر. أمّا التبذير، فهو: "إفساد المال وإنفاقه في السرف"، وقيل: "إنفاق المال في المعاصي"[4].

 

وهذان المصطلحان، وإن كانا متقاربَين، إلّا أنّهما يفترقان بفارقٍ أساس، وهو أنّ "التبذير: الإنفاق فيما لا ينبغي، والإسراف: الصرف زيادة على ما ينبغي"[5]، ويمكن أن يصدق الإسراف على كلّ ما يصدر من الإنسان، أمّا التبذير، فلا يصدق إلّا في موارد الإنفاق وشبهه من الأمور الماليّة.

 

 

[1] سورة الإسراء، الآية 27.

[2] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص377.

[3] الشيخ فخر الدين الطريحيّ، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج5، ص69.

[4] الفراهيديّ، الخليل بن أحمد، العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزوميّ - الدكتور ابراهيم السامرّائيّ، مؤسّسة دار الهجرة، إيران، 1410ه، ط2، ج8، ص182.

[5] الشيخ فخر الدين الطريحيّ، مجمع البحرين، مصدر سابق، ج3، ص217.


236

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

الموعظة الثلاثون

العيد في الإسلام

 

 

محاور الموعظة:

- العيد في اللغة والاصطلاح.

- مفهوم العيد في القرآن.

- العيد في الإسلام.

- الآداب العامّة والخاصّة للعيد.

 

قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾[1].

 

تمهيد

في هذا الدرس، سنبيّن مفهوم العيد في الإسلام، والآداب العامّة والخاصّة له، والتي تحمل في طيّاتها بُعدًا اجتماعيًّا وتربويًّا له آثار جليّة على الفرد والمجتمع في آن معًا، وسوف نورد ذلك ضمن النقاط الآتية:

 

[1] سورة المائدة ، الآية 114.


237

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

أوّلًا: العيد في اللغة والاصطلاح

العيد في اللغة، مأخوذ من عاد، بمعنى العَود، أي عاد إليه، أو مأخوذ من العادة بمعنى اعتاده.

والمستفاد من الروايات الشريفة، أنّ أعياد المسلمين، بالمعنى المصطلح، أربعة لا غير، وهي: "عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويوم الجمعة في كلّ أسبوع، وعيد الغدير".

 

ثانيًا: مفهوم العيد في القرآن الكريم

قال الله -تعالى-: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقال – سبحانه -: ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

 

وقال - عزّ وجلّ -: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.

 

وقال - سبحانه -: ﴿قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾[1].

 

وبالإضافة إلى الآية الكريمة في قضيّة مائدة الحواريّين، فقد جاءت تصاريف الكلمة وصيغها في مواضع عديدة في القرآن الكريم، نذكر منها:

 

 

 

[1] سورة المائدة، الآيات 112-115.


238

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

قوله – تعالى -: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾[1], وقوله – سبحانه -: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾[2].

 

والمقصود بهذا التعبير القرآنيّ يدور دائمًا حول معنى التكرار والرجوع، وليس واردًا أبدًا بمعنًى له صلة بعبادة دينيّة، وإن رجعنا ثانيةً إلى نصّ سورة المائدة لنفهمها، يتضّح لنا أنّها تتحدّث عن آية من السماء، طلبها الحواريّون من النبيّ عيسى  عليه السلام ليأكلوا منها، وليذهب عنهم الريب، وتطمئنّ قلوبهم بالإيمان وبصدق هذا النبيّ، فسأل عيسى  عليه السلام ربَّه أن يُنزل آية، وهي المائدة، من السماء، يأكلوا منها، وقال: وتكون لنا عيدًا، والكلمة - كما عرفناها في نصوص سابقة - هي من العودة والرجوع. والمقصود هنا أن تكون المائدة ذكرى يرجعون إليها، ليذَّكروا ما عاهدوا الله عليه، وبالذي طلبوه هم، وأخذ ميثاقهم بالإيمان والتصديق. وعليه، فإنّ كلمة (عيد) تحمل معنى التكرار، لأنّها مشتقّة من (عاد يعود). وعليه، فإنّ دعاء عيسى  عليه السلام في سورة المائدة، يعني أنّ العيد سوف يكون ذكرى في كلّ عام لهذه المائدة، وكأنّها عهدٌ لأتباعه مع الله -تعالى-، يذكرونه في كلّ عام، يمنعهم من الكفر.

 

ثالثًا: العيد في الإسلام

العيد في الإسلام هو يومٌ محدّد نصّت عليه الشريعة الإسلاميّة

 

[1] سورة البروج، الآيتان 12-13.

[2] سورة طه، الآية 21.


239

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

المقدّسة، وحدّدت له أعمالًا وآدابًا ومراسم خاصّة. وما يدلّ على عظم شأن العيد، أنّ الإسلام قد قرن كلّ واحد من عيدَيه العظيمَين بشعيرة من شعائره الهامّة، التي لها جلالها الخطير في الروحانيّات، ولها خطرها الجليل في الاجتماعيّات، ولها أثرها العميق في التربية الفرديّة والجماعيّة،. هاتان الشعيرتان هما: شهر رمضان، الذي جاء عيد الفطر مسك ختامه، والحجّ، الذي كان عيد الأضحى بعض أيّامه. فهذا الربط الإلهيّ بين العيدَين، وبين هاتين الشعيرتَين، كافٍ في الحكم عليهما، وكاشفٌ عن وجه الحقيقة فيهما، وأنّهما عيدان دينيّان بكلّ ما في الكلمة من معنى. ولهذا، فهو عبادة دينيّة، تعبّر عن نوع خاصّ من العلاقة بالله تعالى.

 

العيد هو العودة إلى الله تعالى

من المعاني العميقة التي يحملها العيد، أنّه يعبّر عن تحقّق العودة إلى الله -تعالى- والرجوع إليه. ولعلّ أفضل كلمةٍ قِيلَت في معنى العيد، هي كلمة الإمام عليّ  عليه السلام: "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ"[1]. فلقد جاء في نهاية موسمٍ عباديٍّ مُحَمَّلٍ بمختلف ألوان العبادة والطاعة والدعاء والتذللّ لله تعالى، فشهر رمضان هو شهر الله الذي يفتح الله فيه بابَ رحمته ومغفرته ولطفه وعفوه وغفرانه للصائمين،

 

[1] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله‏، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمّد أبو الفضل إبراهيم، نشر مكتبة آية الله المرعشيّ النجفي‏ّ، إيران - قم، 1404ه‏، ودار إحياء الكتب العربيّة - عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، 1378ه - 1959م، ط1، ج20، ص73.


240

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

وللقائمين، وللمجاهدين، وللعاملين، في مواقع رضاه، فهو شهر التوبة والمغفرة والرحمة. والحاجّ الذي يؤدّي فروض الطاعة، من الإحرام والطواف والسعي والوقوف في عرفات والمزدلفة... يمارس نوعًا من العودة إلى الله تعالى، ليمنّ الله عليه بالرحمة والمغفرة، وبهذا يتحقّق فرح المؤمنين وسرورهم. ولهذا، اعتبر أمير المؤمنين  عليه السلام أنّ بإمكان المؤمن أن يحوّل كلَّ أيّامِه إلى أعياد، فـ"كلّ يومٍ لا يُعصَى اللهُ فيهِ فهوَ عيدٌ"[1].

 

رابعًا: الآداب العامّة والخاصّة للعيد

للعيد، في المفهوم الإسلاميّ، آدابٌ وسننٌ هامّةٌ، ينبغي الاهتمام بها ومراعاتها، وهي على قسمَين: آدابٌ عامّةٌ، وآدابٌ خاصّةٌ.

 

1 - الآداب العامّة

أ- ابتداء يوم العيد بالتكبير والتهليل: فالعيد شعيرة من شعائر الله تعالى، التي ينبغي أن تظهر وتبرز في المجتمع الإسلاميّ، ومنها استحباب التكبير والتهليل والتحميد صبيحة العيد، والاجتماع للصلاة، وغيرها من الأعمال والمستحبّات. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "زيّنوا العيدَين بالتهليل والتكبير والتحميد والتقديس"[2].

 

 

 

[1] نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، مصدر سابق، ص551.

[2] السيوطيّ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1401ه - 1981م، ط1، ج2، ص32.


241

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

ب- بثُّ روح الإلفة والإكرام في العيد: كثيرة هي الأحاديث التي تحثّ المسلم على الاهتمام بالآخرين، ولطافة التعامل معهم، وترغّبه بذلك، حيث قال النبيّ محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أحبَّكم إلى الله، الذين يألَفون ويُؤلَفُون، وإنّ أبغضكم إلى الله المشّاؤون بالنميمة، والمفرِّقون بين الإخوان"[1]. والعيد هو فرصةٌ ثمينةٌ لتكريس ثقافة التزاور والضيافة والاستضافة، لأنّها من باب تكريم المؤمن، وإدخال السرور على قلبه، بلا فرقٍ بين الزائر والمزور، أو بين الضيف والمضيف. ولهذا، ينبغي إكرام المؤمن، بل والمسلم، بتلبية دعوته، وعدم الاقتصار على الحضور والمشاركة عند طبقةٍ اجتماعيّةٍ خاصّةٍ. يقول  صلى الله عليه وآله وسلم: "حقّ المسلمِ على المسلمِ خمسٌ: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميتُ العاطس"[2].

 

ج- التلاقي والتزاور: التلاقي والتزاور وغيرها من مظاهر العيد، تنمّي مفاهيم إنسانيّة جميلة، حيث تزيد من التواصل والترابط الحميم بين أفراد المجتمع، فقد ورد الحثّ الشديد على التزاور في الله، ولقاء الإخوان. قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ زَارَ أَخَاهُ المؤْمِنَ إِلى مَنْزِلِهِ، لَا حَاجَةَ مِنْهُ إِلَيْهِ، كُتِبَ مِنْ زُوَّارِ اللهِ، وَكَانَ حَقِيقًا عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ"[3].

 

 

 

[1] الفيض الكاشانيّ، المولى محمّد محسن، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاريّ، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، إيران - قم، لا.ت، ط2، ج 3، ص288.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج4، ص415.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج72، ص364.


242

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

د- التزيّن والتجمُّل: صحيحٌ بأنّ بهجةَ العيد وزينتَه ليست لِذَاتِ العيد، بل لِمَا يحمله العيدُ من معانٍ ومفاهيمَ عظيمةٍ في الإسلام، تتجلّى في غفران ذنوب الحاجّ، وقبول حجّه وسعيه...، إلّا أنّ هذا لا يتنافى أبدًا مع إبراز مظاهر الزينة المعنويّة بالتهليل والتكبير، والزينة المادّيّة من خلال التجمّل في اللباس، للكبار والصغار، فقد ورد عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إنَّ اللهَ يحبُّ إذا خرجَ عبدُهُ المؤمنُ إلى أخيهِ، أنْ يتهيّأَ لَهُ، وَأنْ يتجمّلَ"[1]، وقد ورد التأكيد في النصوص على أنّ "خيرَ لباسِ كلّ زمانٍ لباسُ أهلِهِ"[2].

 

هـ- التكافل ومعونة الفقراء: وذلك بالسعي الجدّيّ للمشاركة في تحمّل المسؤوليّة تجاه الفقراء والمستضعفين، لنُشعِرَهم جميعًا بفرحة العيد، وليكونَ شعارُنا العملَ لِيَفرحَ الناس، كلّ الناس، بالعيد، وذلك من خلال التعاون والتكافل والإيثار، فقد ورد أنّ عليًّا اشترى ثوبًا فأعجبه، فتصدّق به، وقال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ آثَرَ عَلَى نَفْسِهِ آثَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بالجَنَّةَ"[3].

 

2- الآداب الخاصّة بعيد الفطر

سُنَن يوم العيد وآدابه كثيرةٌ، منها:

أ- زكاة الفطرة: إخراج زكاة الفطرة، صاعًا عن كلّ نسمة، من الواجبات، وتُدفع قبل صلاة العيد على التفصيل المبيَّن في الكتب الفقهيّة.

 

 

 

[1] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص97.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج6، ص141.

[3] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج 2، ص342.


243

الموعظة الثلاثون: العيد في الإسلام

ب- الدُعاء: أن تدعو بعد فريضة الصبح، بما رواه السيّد رحمه الله، من دعاء اَللّـهُمَّ، إِنّي تَوَجَّهْتُ إليك بِمُحَمَّدٍ إمامي، الخ... وقد أورد الشيخ هذا الدعاء بعد صلاة العيد.

 

ج- الغُسل: وقت الغُسل من الفجر إلى حين أداء صلاة العيد.

 

د- الإفطار: الإفطار أوّل النهار، قبل صلاة العيد. والأفضل أن يفطر على التمر، أو على شيءٍ من الحلوى، وقال الشيخ المفيد: يُستَحَبّ أن يبتلعَ شيئًا من تُربة الحسين  عليه السلام، فإنّها شفاءٌ من كلّ داء.

 

ه- صلاة العيد: أن لا تخرج لصلاة العيد، إلّا بعد طلوع الشمس، وأن تدعوَ بما رواه السيّد في الإقبال من الدعوات، منها ما رواه عن أبي حمزة الثماليّ، عن الباقر  عليه السلام، قال: "اُدْعُ في العيدَين والجمعة، إذا تهيّأت للخروج، بهذا الدّعاء: اللّـهُمَّ مَنْ تَهَيَّأَ في هذَا الْيَوْمِ، أَوْ تَعَبَّأَ، أَوْ أعَدَّ وَاسْتَعَدَّ لِوِفادَةٍ إلى مَخْلُوقٍ، رَجاءَ رِفْدِهِ وَنَوافِلِهِ وَفَواضِلِهِ وَعَطاياهُ، فَإنَّ إلَيْكَ يا سَيِّدي تَهْيِئَتي وَتَعْبِئَتي..."[1].

 

و- زيارة الإمام الحسين  عليه السلام: قال الإمام الصادق  عليه السلام: "مَنْ زارَ قبرَ الحسينِ  عليه السلام ليلةً مِن ثلاث، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر: ليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان"[2].

 

ز- دعاء النُدبة.

 

 

 

 

 

[1] السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، مصدر سابق، ج1، ص477.

[2] الفيض الكاشانيّ، الوافي، مصدر سابق، ج14، ص1474.


244
(12) زاد القلوب في شهر الله