المقدمة
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف الخلق المصطفى محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
قال الله -جلّ وعلا- في كتابه الكريم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].
لقد أظلّنا شهرٌ عظيم، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبّدين فرحة، وحسبنا في فضائله أنّ أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخِره عتقٌ من النّار. وهو بعدُ أشرف شهور العام، وقد فرض الله علينا فيه الصيام، وقال عنه خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها النّاس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافة الله، وجُعِلتُم فيه من أهل كرامة الله..."[2].
[1] سورة البقرة، الآية 185.
[2] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق وإخراج ميرزا غلام رضا عرفانيان، دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1412 - 1992م، ط2، ص 77.
8
المقدمة
إنّ الصوم ترويضٌ للغرائز وضبطٌ للنوازع، وقد فرضه الله -تعالى- في شهرٍ كثير البركات، عظيم الخيرات، جعل فيه الفوائد الجمّة التي ينبغي للمسلم أن يغتنمها، فإن قام بذلك كان من أهل كرامة الله - سبحانه - الذين لبّوا دعوة الله لضيافته في هذا الشهر الفضيل.
وفرقٌ بين من يتهيّأ لأمرٍ ما قبل حلوله ووقوعه، فيعدّ له عدّته، ويتهيّأ التهيّؤ اللازم لاستقباله ومواجهته، وبين مَنْ يجد نفسه فجأةً في غمار ذلك الأمر وإرباك مباغتته.
فالأوّل سيواجه الأمور مواجهةً مدروسة فاعلة إيجابيّة، تستفيد من مفرداتها كلّها، وتوظّف معطياتها كلّها بما يثري وجوده ووجود الآخرين من حوله، أمّا الثاني، فسيهجم عليه الحدث، وستقتحمه الأمور، وتتقاذفه تقلّباتها، وسيغدو محكومًا لها بعد أنْ كان متحكّمًا فيها.
وينطبق ما تقدّم على كيفيّة استقبالنا لشهر رمضان الكريم، فمَن تهيّأ لشهر الله العظيم التهيّؤ المناسب، واستقبله الاستقبال الملائم، كانت استفادته من الشهر أكبر، ومكاسبه منه أوفر، ومَن دخل عليه الشهر الكريم وهو في غيابٍ عن انتهاز عظيم الفرصة، أو كسلٍ عن الاستفادة منها، فلن يضيف إلى رصيده غير القليل، أو الحسرة على تضييع فرصة الفرص والتزوّد من المائدة الإلهيّة.
فأولياء الله تعالى يستقبلون شهر رمضان أحسن استقبال، بل يشتاقون إلى قدومه قبل مجيئه، ويودّعونه أحسن توديع، ويحزنون على فراقه قبل انقضائه.
والعلم دليلُ العمل، بل إنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل. لا
9
المقدمة
يصحّ القول، ولا يصحّ العمل، إلّا إذا كان العلم قبلهما. فمن عرف الله - عزّ وجلّ - حقّ معرفته، عظّمَه، ومن عظّم اللهَ، عظّم كلّ ما جعله الله معظّمًا. فمن عرف قيمة شهر رمضان، لم يضيّع وقته، بل استفاد من لحظات هذا الشهر المبارك كلّها. فالمرحلة الأولى للاستقبال الصحيح هي معرفة قدر شهر رمضان والغاية منه، ولذلك جاء في دعاء الإمام السجّاد عليه السلامفي استقبال شهر رمضان قوله عليه السلام: "وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ..."[1].
وقد قمنا في مركز المعارف للتـأليف والتحقيق، بإعداد كتاب يحوي ثلاثين موعظةً، تحت عنوان "زاد القلوب في شهر الله"، نتحدّث فيه عن هذا الشهر العظيم، وكيفيّة الاستعداد له، وكيفيّة الاستفادة من المنح الإلهيّة والعطايا الربّانيّة والنفحات الرحمانيّة، التي بسطها الله تعالى لعباده الفقراء، مستفيدين من المعاني العظيمة في دعائي الإمام السجّاد عليه السلام في استقبال شهر رمضان ووداعه، ومشيرين إلى بعض ما نحتاجه من المواعظ الأخلاقيّة في ضوء القرآن الكريم، وبعض ما ينبغي تسليط الضوء عليه من حقوق الأرحام في ضوء رسالة الحقوق للإمام السجّاد عليه السلام، سائلين المولى أن يتقبّل أعمال الجميع، ويمنّ علينا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنّه سميع الدعاء مجيب!
والحمد لله ربّ العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
[1] الإمام عليّ بن الحسين (زين العابدين) عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة الكاملة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1404 - 1363 ش، لا.ط،ص 213.
10
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
الموعظة الأولى
استقبال شهر الله
محاور الموعظة:
أهميّة استقبال شهر رمضان.
كيفيّة التهيؤ لاستقبال شهر رمضان.
تمهيد
نتعرّض في هذه الموعظة إلى أهمّيّة التهيّؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك وكيفيّته، كي نتمكّن من الاستفادة من المُنح الإلهيّة على أكمل وجه.
أولاً: أهمّيّة استقبال شهر رمضان
فرقٌ بين من يتهيّأ لأمرٍ ما قبل حلوله ووقوعه، فيعدّ له عدّته، ويتهيّأ التهيّؤ اللازم لاستقباله ومواجهته، وبين مَنْ يجد نفسه فجأةً في غمار ذلك الأمر وإرباك مباغتته.
فالأوّل سيواجه الأمور مواجهةً مدروسة فاعلة إيجابيّة، تستفيد
11
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
من مفرداتها كلّها، وتوظّف معطياتها كلّها بما يثري وجوده ووجود الآخرين من حوله. أمّا الثاني، فسيهجم عليه الحدث، وستقتحمه الأمور، وتتقاذفه تقلّباتها، وسيغدو محكومًا لها بعد أنْ كان متحكّمًا فيها.
وينطبق ما تقدّم على كيفيّة استقبالنا لشهر رمضان الكريم، فمَن تهيّأ لشهر الله العظيم التهيّؤ المناسب، واستقبله الاستقبال الملائم، كانت استفادته من الشهر أكبر، ومكاسبه منه أوفر، ومَن دخل عليه الشهر الكريم وهو في غيابٍ عن انتهاز عظيم الفرصة، أو كسلٍ عن الاستفادة منها، فلن يضيف إلى رصيده غير القليل، أو الحسرة على تضييع فرصة الفرص والتزوّد من المائدة الإلهيّة.
فأولياء الله تعالى يستقبلون شهر رمضان أحسن استقبال، بل يشتاقون إلى قدومه قبل مجيئه، ويودّعونه أحسن توديع، ويحزنون على فراقه قبل انقضائه، وهذا ما سنبيّنه عند شرح دعاء الإمام زين العابدين في استقبال شهر رمضان، ودعائه أيضًا في توديعه لشهر رمضان.
فالعلاقة التي يعيشها أولياء الله بهذا الشهر، هي علاقة الحبيب بمحبوبه، والعاشق بمعشوقه، فهو ينتظره بلهفة وشوق لا يمكن وصفهما، ويتركه ويودّعه بوَجْدٍ ولوعة لا مثيل لهما، وإنّ سبب هذه العلاقة هي معرفة هؤلاء العظماء بحقيقة هذا الشهر وعظمته ومكانته وفوائده الجمّة، التي مهما بذل الإنسان من سعي حثيث لاستثمارها، سيشعر بالتقصير، لأنّ الحجم المعنويّ العظيم الذي ادّخره الله تعالى لعباده، قد لا يسعه هذا الوعاء الزمنيّ القصير.
ومن هذه الرؤية، تنبع أهمّيّة الحديث عن التهيئة لشهر رمضان
12
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
الكريم. فالحديث عن التهيئة لشهر رمضان هو حديثٌ عن كيفيّة الاستفادة من المُنح الإلهيّة والعطايا الربّانيّة والنفحات الرحمانيّة، التي بسطها الله تعالى لعباده الفقراء، فنحن، باختصار، ضيوفٌ على مائدة الرحمن. وإذا أردنا أن نصوغ هذا الكلام بمعادلة ما، فنحن العباد الفقراء (محض الفقر)، ضيوفٌ على مائدة الغنيّ المطلق (محض الغنى)، فلو أضفنا محض الغنى على محض الفقر، فالنتيجة رحمةٌ لا متناهيةٌ.
وما نريد أن نصل إليه من خلال هذه المقدّمة، أنّ شهر رمضان هو محطّة روحيّة، ولقاء ربّانّي، على مائدة الرحمة الإلهيّة، فمن تهيّأ في ما مضى من رجب وشعبان، وقام بأداء ما ورد فيهما من طاعات بالصوم والقيام والذكر وتلاوة القرآن، فيكون قد استكمل مسيرة المائدة، وهيّأ وأعدّ واستعدّ للمائدة الكبرى، أي شهر رمضان، وإذا استقبله بالتوبة الحقيقيّة، فسيكون ذلك بمثابة بطاقة دخول للضيافة الرحمانيّة، وغاسلة للذنوب، وتهيئة لطهارة النفس، لتستعدّ لتلقّي عطاءات الله وفيوضاته النوارنيّة.
ثانياً: كيف نتهيّأ لاستقبال شهر رمضان؟
إنّ التهيّؤ لشهر رمضان يمرّ في ثلاث مراحل، هي:
المرحلة الأولى: معرفيّة
قد قيل: إذا كَمُلت معرفة الرجل بالدنيا، تعجّب من أبنائها، وإذا عمي عن معرفة الآخرة، تعجّب من أبنائها.
13
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
ومن الواضح أنّ العلم دليلُ العمل، بل إنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل. لا يصحّ القول، ولا يصحّ العمل، إلّا إذا كان العلم قبلهما، فعلاقة العلم والعمل علاقةٌ ترابطيّة.
ومن الواضح أنّ مقدار الاستفادة من كلّ شيء - مطلقًا - وكيفيّتها، مربوطان بفهمنا لذلك الشيء وحجم معرفتنا له، فمن عرف الله -عزّ وجلّ- حقّ معرفته، عظّمَه، ومن عظّم اللهَ، عظّم كلّ ما جعله الله معظّمًا. فمن عرف قيمة شهر رمضان، لم يضيّع وقته، بل استفاد من لحظات هذا الشهر المبارك كلّها.
وقد جاءت الروايات كثيرة ومتنوّعة، عن المعصومين عليهم السلام في هذا الشأن، بالإضافة إلى الأدعية العظيمة التي تحرّك العقول والقلوب لاغتنام فرصة الاستفادة من شهر الله، كما في خطبة النبيّ الأعظم في استقبال شهر رمضان، وكما في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام في الصحيفة السجّاديّة في استقبال شهر رمضان (الدعاء الرابع والأربعين)، ودعائه العظيم في وداع شهر رمضان (الدعاء الخامس والأربعين) وغيرهما.
عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ مَا فِي رَمَضَانَ، لَوَدَّ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ السَّنَةَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا فِيهِ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنَ الْحَوْلِ إلى الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَصَفَقَتْ وَرَقَ الْجَنَّةِ، فَتَنْظُرُ حُورُ الْعِينِ إلى ذَلِكَ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ، اِجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَزْوَاجًا تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَتَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا، فَمَا
14
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
مِنْ عَبْدٍ صَامَ رَمَضَانَ إِلاَّ سِوَى مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَاتٍ"[1].
عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِضَا عليه السلام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام، قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرٌ عَظِيمٌ، يُضَاعِفُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ، وَيَمْحُو فِيهِ السَّيِّئَاتِ، وَيَرْفَعُ فِيهِ الدَّرَجَاتِ. مَنْ تَصَدَّقَ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِصَدَقَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيهِ إلى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ حَسَّنَ فِيهِ خُلُقَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ومَنْ كَظَمَ فِيهِ غَيْظَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا لَيْسَ كَالشُّهُورِ، إِنَّهُ إِذَا أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ، أَقْبَلَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِذَا أَدْبَرَ عَنْكُمْ، أَدْبَرَ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ..."[2].
عَنْ مَوْلانَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام، في حديث: "قَالَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ اِحْتِسَابًا، إِلاَّ أَوْجَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ سَبْعَ خِصَالٍ:
أُولاهَا: يَذُوبُ (لا يَدُومُ) الْحَرَامُ فِي جَسَدِهِ،
وَالثَّانِيَةُ: لا يَبْعُدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تعالى،
وَالثَّالِثَةُ: يَكُونُ قَدْ كَفَّرَ خَطِيئَةَ أَبِيهِ آدَمَ،
وَالرَّابِعَةُ: يُهَوِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ،
وَالْخَامِسَةُ: أَمَانٌ (أَمَانًا) مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
[1] المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج93، ص346.
[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلميّ، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1404 - 1984م، لا.ط، ج1، ص293.
15
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
وَالسَّادِسَةُ: يُعْطِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ،
وَالسَّابِعَةُ: يُطْعِمُهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ"[1].
وممّا تقدّم، نعرف قيمة التركيز على الجانب المعرفيّ، فالمرحلة الأولى للاستقبال الصحيح هي معرفة قدر شهر رمضان والغاية منه، ولذلك جاء في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام في استقبال شهر رمضان قوله عليه السلام: "وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ...".
المرحلة الثانية: تخطيطيّة
إنّ المرحلة السابقة، مع أهمّيّتها، لا تكفي لوحدها، فشهر رمضان يقع مرّةً واحدةً في السنة، فمن يدخله مسترسلًا مرتجلًا دون تخطيط، أو يتعاطى معه دون برنامج محكم وخطّة مدروسة، حتّى مع اعتقاده حرمة هذا الشهر، فلن يستفيد منه الفائدة المرجوّة.
1- علينا أن نخطّط لنكون بعد شهر رمضان أفضل ممّا كنّا قبله، لا أثناءه.
2- أن نحدّد أمورًا معيّنةً نريد أن نتحسّن فيها، فلا يتوقّع أحدٌ أنّه يمكنه أن يتحسّن في كلّ شيء دفعةً واحدةً. فعلى سبيل المثال، نحدّد أربعة أشياء نريد أن نتحسّن فيها، على فرض أنّنا لا نقوم أو لا ندوام عليها قبل شهر رمضان:
[1] ابن طاووس، السيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ، الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يُعمَل مرّةً في السنة، تحقيق جواد القيّوميّ الأصفهانيّ، مكتب الإعلام الإسلاميّ، إيران - قمّ، 1414ه، ط1، ج1، ص4.
16
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
• الصلاة في أوّل الوقت.
• التصدّق يوميًّا.
• الصلاة يوميًّا في المسجد.
• صلاة الليل.
3- أن تكون الأهداف مكتوبة، فهي تتحقّق أكثر من التي في الذهن فقط، ومعرفة مدى تحقّقها أوضح.
4- أن تكون الأهداف قابلةً للقياس، فمثلًا، لنتجنّب عبارة "سأقرأ أكبر كمّيّةٍ من القرآن"، بل نكتب: "سأختم 3 ختمات".
5- تحديد كيفيّة التعامل مع القرآن الكريم، مثلًا:
• تحديد مدّة زمانيّة للخلوة مع القرآن من دون مقاطعات.
• تحديد كمّيّة معيّنة للقراءة، يمكنك الالتزام بها، كثلاثة أجزاء أو أكثر من ذلك.
• تحديد آيةٍ أو مقطعٍ قرآنيٍّ للتدبّر فيه، وفهمه، وتفسيره.
6- علينا أن نكتب خطّةَ شهر رمضان قبل حلوله، ونراجعَها عدّة مرّات، لتحسينها، ولتجديد النيّة، وتصفية الإخلاص لله تعالى.
وهناك نقاط كثيرة يمكن وضعها في خطّة شهر رمضان، وما ذُكِرَ نماذج مختصرة لبيان أهمّيّة التخطيط.
بعد هاتين المرحلتَين، تأتي المرحلة الثالثة، والتي تكون نتيجةً مسلكيّةً للمعرفة والتخطيط، وهذا ما سنتكلّم عنه في الموعظة الآتية.
17
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
المرحلة الثالثة: التركيز على العمل الصالح
ليس ثمّة فائدة أو ثمرة في المعرفة والتخطيط، إذا لم يُنتِجا عملًا صالحًا وسعيًا دؤوبًا لتحويل المعرفة والخطط والبرامج إلى واقع عمليّ متحرّك، بل سوف تكون تلك المعرفة وبالًا على الإنسان حين يتخلّف عن مقتضاها من العمل، ومرْجوِّها من السلوك.
18
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
الموعظة الثانية
من صفات وأعمال الصائمين
محاور الموعظة:
- صدق النيّة وطهارة القلب.
- التقوى والورع.
- العلاقات الاجتماعيّة المتماسكة.
- الرحمة والمغفرة في شهر رمضان.
تمهيد
نتناول في هذه الموعظة أهم الأعمال التي ينبغي للصائم أن يقوم بها في شهر رمضان المبارك وكذلك بعض الصفات التي لا بدّ أن يتحلى بها وهي على الشكل الآتي:
أولاً: صدق النيّة وطهارة القلب
للنيّة في الإسلام دورٌ مهمٌّ في إعطاء الفعل والموقف الإنسانيّ قيمته الحقيقيّة، كما لها دورٌ في تقييم الفاعل، أي تحديد قيمته وموقعه أو رتبته الحقيقيّة. فالإسلام لم يعطِ الفعل العباديّ ولا الفاعل قيمةً ولا أهمّيّةً مجرّدةً عن النيّة والقصد وبمعزلٍ عنهما، بل إنّ الفعل
19
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
العباديّ، في نظر الإسلام، هو جهدٌ إنسانيٌّ تحدّد قيمتَه النيّةُ والقصدُ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: "النِّيَّةُ أَسَاسُ الْعَمَلِ"[1].
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمفي خطبة شهر رمضان، قال: "فَاسْأَلُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ وقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ،.."[2]، فالأعمال الصالحة شرطها النيّة الصادقة، وروحها طهارة القلب.
قَالَ الإمام الصَّادِقُ عليه السلام: "مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ"[3].
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ لِلَّهِ آنِيَةً فِي الْأَرْضِ، فَأَحَبُّهَا إلى اللَّهِ مَا صَفَا مِنْهَا وَرَقَّ وَصَلُبَ، وَهِيَ الْقُلُوبُ، فَأَمَّا مَا رَقَّ مِنْهَا، فَالرِّقَّةُ عَلَى الْإِخْوَانِ، وَأَمَّا مَا صَلُبَ مِنْهَا، فَقَوْلُ الرَّجُلِ فِي الْحَقِّ لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَّا مَا صَفَا، مَا صَفَتْ مِنَ الذُّنُوبِ. الْقَصْدُ إلى اللَّهِ تعالى بِالْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ إِتْعَابِ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ"[4].
قَالَ الإمام الصَّادِقُ عليه السلام: "الْقَصْدُ إلى اللَّهِ بِالْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِالْبَدَنِ، وَحَرَكَاتُ الْقُلُوبِ أَبْلَغُ مِنْ حَرَكَاتِ الْأَعْمَالِ"[5].
[1] الليثيّ الواسطيّ، الشيخ كافي الدين أبو الحسن عليّ بن محمّد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسينيّ البيرجنديّ، دار الحديث، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ج1، ص29.
[2] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، إيران - قم، 1414ه، ط2، ج10، ص313.
[3] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفّاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قم، لا.ت، ط2، ج4، ص400.
[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص60.
[5] الطبرسيّ، الشيخ عليّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، تحقيق مهدي هوشمند، دار الحديث، لا.م، 1418، ط1، ج1، ص257.
20
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
ثانياً: التقوى والورع
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ أَيْسَرَ مَا اِفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى الصَّائِمِ فِي صِيَامِهِ، تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ"[1]. هذا النوع من الصوم، حسب تعبير النبيّ- هو الأيسر، وهناك صومٌ أعمق، هو الصوم عن الاشتغال بغير الله تعالى.
فقد ذكر علماء العرفان والأخلاق أنّ الصوم على مراتب، وهي:
أ- صوم العوامّ: كفّ البطن والفرج.
ب- صوم الخواصّ: كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح.
ج- صوم أخصّ الخواصّ: صوم القلب عن الهمم والأفكار الدنيويّة، وكفّه عمّا سوى الله بالكلّيّة.
فالأُولى، وهي أدنى الدرجات، وهي أن يقتصر على الكفّ عن المفطِّرات، ولا يكفّ جوارحه عن المكاره، وذلك صوم العموم، وهو الإمساك نهارًا عن المفطرات المعهودة.
والثانية، أن يضيف إليه كفَّ الجوارح، فيحفظ اللسان عن الغيبة، والعين عن النظر بالريبة، وكذا سائر الأعضاء، وذلك صوم الخواصّ من أهل اللَّه، وهو الإمساك عن المنهيّات دائمًا، وكما قيل: من أراد السلامةَ، فليصم الدهر كلَّه، وليكن إفطاره الموت.
والثالثة، أن يضيف إليهما صيانة القلب عن الفكر والوساوس، ويجعله مقصورًا على ذكر اللَّه تعالى، ومشاهدته في مظاهره،
[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص164.
21
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
وذلك صوم خصوص الخصوص، وهو الكمال المقصود بالذات. وبعبارةٍ مختصرةٍ، صومُ أخصّ الخواصّ هو الإمساك عمّا سوى اللَّه[1].
والآية القرآنيّة جعلت الغايةَ الرئيسة للصوم هي التقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[2].
فالصحيح، إنّما جُعل الصوم عن الطعام والشراب وغيرها من المفطّرات جسرًا للوصول إلى التقوى، وطريقًا للحصول عليها، وبالتالي، الدخول في حصن التقوى الحصينة، التي تبدأ مسيرتها بالصوم عن المفطّرات، وتنتهي بالصوم عمّا سوى الله تعالى.
عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام، فِي خُطْبَةِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ عليه السلام: "فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ..."[3].
وواضحٌ أنّ مَن يبني ولا يهدم أفضل ممّن يبني ويهدم، فعَنْهُمْ عليهم السلام: "جِدُّوا وَاِجْتَهِدُوا، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا فَلا تَعْصُوا، فَإِنَّ مَنْ يَبْنِي وَلا يَهْدِمُ، يَرْتَفِعُ بِنَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَإِنَّ مَنْ يَبْنِي وَيَهْدِمُ، يُوشِكُ أَنْ لا يَرْتَفِعَ بِنَاؤُهُ"[4].
[1] ينظر: الآمليّ، السيّد حيدر، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ في تأويل كتاب الله العزيز المحكم، تحقيق السيّد محسن الموسويّ التبريزيّ، الناشر: مؤسّسة فرهنگى ونشر نور على نور، إيران، 1428ه، ط2، ج4، ص215. وينظر: الطهرانيّ، مير سيّد عليّ الحائريّ، تفسير مقتنيات الدرر، الناشر: الشيخ محمّد الآخوندي مدير دار الكتب الإسلاميّة، إيران، 1337ش، ج2، ص18.
[2] سورة البقرة، الآية 183.
[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص313.
[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص286.
22
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
ثالثاً: العلاقات الاجتماعيّة المتماسكة
إنّ شهر رمضان هو شهر تقوية هذه العلاقات والروابط الأسريّة والاجتماعيّة، وترميم ما انثلم منها أو تهدّم، وهذا ما ورد في الروايات الشريفة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَرَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، يَصُبُّ اللَّهُ فِيهِ الرَّحْمَةَ عَلَى عِبَادِهِ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ تَنْشَعِبُ فِيهِ الْخَيْرَاتُ، وَفِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تُغَلُّ الْمَرَدَةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَيُغْفَرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِذَا كَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، غَفَرَ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا غَفَرَ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَشَهْرِ رَمَضَانَ إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ، إِلاَّ رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْظِرُوا هَؤُلاءِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا"[1].
وجاء التأكيد الشديد على صلة الأرحام في هذا الشهر الكريم، في خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمبقوله: "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ، قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ..."[2].
رابعاً: الرحمة والمغفرة في شهر رمضان[3]
1- الرحمة: في الذهنيّة الراكدة، تعني انتظار هذه الرحمة لتهبط من السماء، لإنقاذ المسلمين ممّا يعانونه. أمّا المعنى الواعي التغييريّ للرحمة، هو المستفاد من قوله -تعالى-: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[4]. رحمة الله لا تنزل على الأمّة إلّا حين تلتزم
[1] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، مصدر سابق، ج2، ص71.
[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج10، ص313.
[3] ينظر: الإمام الخامنئيّ، مشروع الفكر الإسلاميّ في القرآن، ترجمة أ.د. محمّد عليّ آذرشب، مؤسّسة صهبا، إيران، 2017ه، ط 1، المحاضرة الأولى، ص38-41 (بتصرّف).
[4] سورة آل عمران، الآية 132.
23
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
بالرسالة، وتؤدّي ما عليها من واجبات، فالرحمة لا بدّ أن يسبقها إطاعة الله والرسول. والإطاعة تتجلّى في المؤمنين الذين يحكّمون الرسالة في أمورهم، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾[1].
2- الغفران: في الذهنيّة الراكدة، أنْ تنتظر غفران الله بالدعاء والتضرّع فقط. أمّا الغفران، فإنّه يعني معالجة هذا الجرح وإزالة آثاره. هذا هو الغفران. ويتمّ هذا بتلافي ما أنزله الذنب في الروح من انتكاس، ودفعها نحو السموّ والارتفاع (من جهة العبد). أمّا بالنسبة لربّ العالَمين، فهو "الغفّار"، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[2].
كيف نستنزل رحمة الله تعالى؟
الأساس في استنزال الرحمة هو طاعة الله ورسوله على مستوى الفرد والأمّة. وهناك أعمال ذُكِرَت في الآيات والروايات، نذكر منها:
1- الاستغفار، قال تعالى: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].
2- ذكر الله، فعن أمير المؤمنين: "بِذِكْرِ اللهِ تُسْتَنْزَلُ الرَحْمَةُ"[4].
3- العفو عن الناس، فعنه عليه السلام: "بِالعَفْوِ تُسْتَنْزَلُ الرَحْمَةُ"[5].
[1] سورة النساء، الآية 65.
[2] سورة طه، الآية 82.
[3] سورة النمل، الآية 46.
[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص188.
[5] المصدر نفسه، ص189.
24
الموعظة الثانية: من صفات وأعمال الصائمين
4- صلة الرحم، ولا سيّما في شهر رمضان، ففي خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ الله بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ، قَطَعَ الله عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ"[1].
5- اتّباع القرآن والاستماع والإنصات له، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[2]. ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3].
6- إقامة الصلاة، إيتاء الحقوق الماليّة، إطاعة الرسول، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[4].
7- الإصلاح بين المؤمنين، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[5].
[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، فضائل الأشهر الثلاثة، تحقيق وإخراج: ميرزا غلام رضا عرفانيان، دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1412-1992م، ط2، ص78.
[2] سورة الأنعام، الآية 155.
[3] سورة الأعراف، الآية 204.
[4] سورة النور، الآية 56.
[5] سورة الحجرات، الآية 10.
25
الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"
الموعظة الثالثة
الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"
محاور الموعظة:
- المناجاة الشعبانيّة والاستعداد لشهر رمضان.
- المناجاة الشعبانيّة أعظم مصادر المعرفة الإلهيّة.
- ضرورة اقتران الدعوة بالعمل.
تمهيد
تحدّثنا عن أهمّيّة التهيّؤ والاستقبال لشهر رمضان، وعن المراحل الثلاث التي لا بدّ أن يقوم بها الإنسان المؤمن بُغية الوصول إلى هذا الهدف. وما نريد الحديث عنه في هذه الموعظة، هو أهمّيّة الاستعداد الشعبانيّ لشهر رمضان المبارك، وبالتحديد أهمّيّة "المناجاة الشعبانيّة"، والتي نصّت الأحاديث الشريفة على قراءتها في كلّ يومٍ من هذا الشهر، والتي تُعتَبر أيضًا أهمَّ مناجاةٍ للاستعداد والتأهيل للدخول إلى ضيافة الله تعالى في شهره الكريم.
26
الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"
أوّلًا: المناجاة الشعبانيّة والاستعداد لشهر رمضان
إنّ هذه المناجاة هي، في الحقيقة، مقدّمةٌ تعدّ الإنسان وتهيّئه للقيام بأعمال شهر رمضان المبارك، بل هي خير طريق. ولعلّه لهذا السبب تمّ تذكير الإنسان الواعي، للالتفات إلى دوافع الصيام، وجني فوائده العظيمة.
وهناك أقوال عديدة للإمام الخميني قدس سره حول هذه المناجاة العظيمة، ننقل منها قوله: "إنّ شهر شعبان هو مقدّمة لشهر رمضان، يستعدّ الناسُ فيه للدخول في ضيافة الله... وخير طريقة لذلك هي المناجاة الشعبانيّة، وأنا لم أرَ في الأدعية أيَّ دعاءٍ قيل بأنّ جميع الأئمّة كانوا يقرؤونه، إلّا المناجاة الشعبانيّة، ولم أرَ بأنّ الأئمّة كانوا يدعون بدعاء آخر غير المناجاة الشعبانيّة، لأنّ المناجاة الشعبانيّة هي لإعدادكم، لإعداد الجميع لضيافة الله عزّ وجلّ"[1].
ويقول: قدس سره: "يصف أحد علمائنا[2] الدعاء قائلًا: "القرآن قرآنٌ نازل من السماء إلى الأرض، والدعاء يصعد من الأرض إلى السماء وهو القرآن الصاعد". الدعاءُ يأخذ بيد الإنسان، ويرفع من منزلته، ويصل به إلى عوالم لا يمكن لي ولكم أن نفهمها وندركها... في الدعاء لغةٌ خاصّة تسمو بالإنسان، وترفع من منزلته ومن مستوى وعيه وإدراكه"[3].
[1] لمزيد من الاطّلاع، ينظر: الإمام الخمينيّ، الجهاد الأكبر أو جهاد النفس، دار الولاء، لبنان - بيروت، لا.ت، ط.2، ص43-56.
[2] الشيخ محمّد عليّ الشاه آباديّ قدس سره أستاذ الإمام الخمينيّ قدس سره في العرفان والسير والسلوك.
[3] الإمام الخميني، صحيفة الإمام (تراث الإمام الخمينيّ قدس سره)، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، إيران - طهران، 1430ه - 2009م، ط1، ج13، ص26.
27
الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"
ثانيًا: المناجاة الشعبانيّة، أعظم مصادر المعرفة الإلهيّة إنّ كرامة هذه الأشهر الثلاثة (رجب، شعبان، شهر رمضان) تعجز الألسن والعقول والأفكار عن استيعابها، ولا شكّ أنّ ذلك من بركات هذه الأشهر الأدعية الواردة فيها. فالمناجاة الشعبانيّة تُعتَبر من أعظم المناجاة والمعارف الإلهيّة، التي بوسع المهتمّين بها النهل منها على قدر وعيهم واستيعابهم.
ثالثًا: ضرورة اقتران الدعوة بالعمل
"اقرؤوا المناجاة الشعبانيّة، فإنَّها من المناجاة التي لو تتبّعها الإنسان وفكّر فيها، لأوصلته إلى ما يريد. إنَّ مَن أطلق هذه المناجاة، وكان الأئمّة كلّهم - حسب الروايات - يقرؤونها، فهؤلاء أناسٌ كانوا قد تحرّروا من كلّ شيءٍ، ومع ذلك كانوا يناجون بهذا الشكل، لأنَّهم لم يكونوا مغرورين، ومهما كانوا، فإنَّهم لم يكن أحدُهم يري نفسَه أنَّه الإمام الصادق أو غيره من الأئمّة عليهم السلام. كلّا، فالإمام الصادق عليه السلام يناجي الله كما يناجي الإنسان العاديّ الغارق في المعاصي، لأنَّه يرى نفسه لا شيء، وأنَّه كلّه نقص، وأنَّ كلّ ما في الوجود فمن الله، وكلّ كمال من الله، وأنّه هو لا شيء عنده، وأيّ إنسانٍ آخر لا شيء عنده، والأنبياء كذلك لم يكونوا يملكون شيئًا، والكلّ هباء. الله هو وحده كلّ شيء، والكلّ تابعٌ له، وكلّ فطرةٍ تابعةٌ له، وبما أنَّنا محجوبون، فلا نفهم أنّنا تابعون له. أمَّا الذين يفهمون، فإنَّهم يتحرّرون من كلّ شيء، ويتّبعونه هو، وهذا هو كمال الانقطاع الذي طلبوه، وكمال الانقطاع يعني التنحّي عن كلّ ما في وجوده..."[1].
[1] صحيفة الإمام، مصدر سابق، ج19، ص218.
28
الموعظة الثالثة: الاستقبال الشعبانيّ لشهر رمضان "المناجاة الشعبانيّة"
"شهر رمضان شهرٌ ميمون، لنزول القرآن فيه، وشهر شعبان ميمونٌ أيضًا، لورود أدعية الأئمّة عليهم السلام فيه.
شهر رمضان هو الذي أنزل القرآن، وهو يضمّ بين دفّتيه تمام المعارف والعلوم، وكلّ ما يحتاجه البشر، وشهر شعبان (شهر الأئمّة الكرام) حلقةُ الوصل لتلك الحقائق والمعاني في جميع المراحل.
ما جاء في القرآن الكريم، بشكل سرٍّ من الأسرار، ورد في أدعية الأئمّة كذلك، فنرى في المناجاة الشعبانيّة الإمامَ عليه السلام يخاطب الله - جلّ وعلا - ويقول: "وَاِجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ، وَلاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ، فَنَاجَيْتَهُ سِرًّا، وَعَمِلَ لَكَ جَهْرًا".
فيأتي بالفعل "صَعِقَ" في البَين، وهذا هو المعنى نفسه الذي ورد في القرآن الكريم بحقّ النبيّ موسى عليه السلام، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾[1], فهذا شهر "الصعق"، وذاك شهرٌ يتطلّب "الصعق" أيضًا.
رمضان شهرُ التجلّي الإلهيّ للنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وشعبان شهر التجلّي الإلهيّ للأئمّة الكرام تبعًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إذًا، هذان شهران يستوجبان منّا الاحترام والتبجيل، فلنقرأ الأدعية الواردة في هذا الشهر الميمون (شهر شعبان)، وتلك التي وردت في شهر رمضان المبارك، بتدبّرٍ وتمعّنٍ"[2].
[1] سورة الأعراف، الآية 143.
[2] صحيفة الإمام، مصدر سابق، ج20، ص204.
29
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
الموعظة الرابعة
مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
محاور الموعظة:
- الحمد لله.
- صفات شهر رمضان.
- ليلة القدر.
- طلب الحاجات.
- الصلاة.
- حسن الخلق.
- التقرّب إلى الله.
- جني ثمار الطاعة.
- الإلحاح بالدعاء.
- الاستمرار على الطاعة.
- الصلاة على محمّد وآل محمّد.
تمهيد
نشرع في هذه الموعظة وما بعدها، في شرح الروضة الرابعة والأربعين، حسب ترتيب الصحيفة السجّاديّة: في دعائه عليه السلام إذا دخل شهر رمضان، والمعروف أيضًا بدعائه في استقبال شهر رمضان[1].
ويُعتَبر هذا الدعاء الشريف من أهمّ الأدعية المرتبطة بفلسفة
[1] ينظر: الطوسيّ، الشيخ محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، الناشر: مؤسّسة فقه الشيعة، لبنان - بيروت، 1411 - 1991 م، ط1، ص607-610. السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، مصدر سابق، ج1، ص111-114.
30
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
استقبال شهر رمضان، ويحتوي على مضامين معرفيّة وعقديّة وأخلاقيّة، بالأسلوب المعهود عن الإمام زين العابدين، الذي يمزج فيه بين المعارف العقليّة والمعارف الروحيّة، بأسلوب عظيم وباهر.
أوّلًا: الحمد لله[1]
يُفتَتَح الدعاء بالحمد لله -تعالى-، وهي ظاهرةٌ مألوفةٌ في أغلب نصوص الصحيفة السجّاديّة، إلّا أنّه في هذا الدعاء، يُقرِن الحمدَ بالهداية والشكر والجزاء، فيقول:
"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ"[2]، ويكرّر الحمد مقرونًا بمفردات (الدين) و(الملّة) و(السبيل) و(السلوك)، في قوله:
"وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي حَبانا بِدينِهِ، وَاخْتَصَّنا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنا في سُبُلِ إحْسانِهِ، لِنَسْلُكَها بِمَنِّهِ إلى رِضْوانِهِ، حَمْدًا يَتَقَبَّلُهُ مِنّا، وَيَرْضى بِهِ عَنّا"، وهو افتتاحٌ يتناسب تمامًا مع موضوع الدعاء الذي يستقبل به شهر رمضان، الذي تتمحور حوله المفرداتُ السابقةُ التي قرَنَها مع حمد الله تعالى. وسيأتي شرح هذا المقطع، وبيان محوريّة الحمد والشكر في شهر رمضان.
[1] ينظر: الركابيّ: أحمد جاسم ثاني، مجلّة ينابيع الحكمة، قصديَّة النصّ في الصحيفة السجّاديّة دعاء استقبال شهر رمضان نموذجًا، ص49 وما بعدها.
[2] الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجّاديّة، دفتر نشر الهادي، إيران - قم، 1418ه، ط1، ص186.
31
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
ثانيًا: صفات شهر رمضان
ثمّ ينتقل إلى التمهيد للموضوع المركزيّ، ألا وهو (شهر رمضان)، مكرّرًا حمده لله -تعالى-، ومعدّدًا صفات هذا الشهر، التي تظهر فضائلَه، مقتبسًا في ذلك نصًّا قرآنيًّا، بلفظه ومعناه، لإنارة النصّ دلاليًّا، فيقول: "وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ، شَهْرَ الصِّيامِ، وَشَهْرَ الإسْلامِ، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ الَّتمْحيصِ، وَشَهْرَ الْقِيامِ ﴿الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1]".
"فَأَبانَ فَضيلَتَهُ عَلى سائِرِ الشُّهُورِ، بِما جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُماتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضائِلِ الْمَشْهُورَةِ"، فمنزلة هذا الشهر عظيمة عند الله تعالى، لذلك جعله الإمام من سبل الله – تعالى -، وقرنه بـ (الصيام) و(الإسلام) و(الطهور) و التمحيص) و(القيام)، وكلّ مفردة من هذه المفردات تكفيه فخرًا على سائر الشهور والأيّام.
ومن خصائص هذا الشهر، أنّ الله تعالى عظّمه ببعض الأحكام، إكرامًا له. ورد في الدعاء: "فَحَرَّمَ فيهِ ما أَحَلَّ في غَيْرِهِ إِعْظامًا، وَحَجَرَ فيهِ الْمَطاعِمَ وَالْمَشارِبَ إكْرامًا، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتًا بَيِّنًا لا يُجيزُ - جَلَّ وَعَزَّ - أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلا يَقْبَلُ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ".
ثالثًا: ذكر ليلة القدر
ثم يعرّج على أفضل ليلة في شهر رمضان، وهي ليلة القدر، التي
[1] سورة البقرة، الآية 185.
32
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
خصّها الله تعالى بسورة كاملة في كتابه العزيز، وقد استدلّ النصّ بها استدلالًا جميلًا، عبر فنّ الاقتباس، فقال عليه السلام: "ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً واحِدَةً مِنْ لَياليهِ عَلى لَيالي ألْفِ شَهْر، وَسَمّاها لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾[1]، سَلامٌ دآئِمُ الْبَرَكَةِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ، بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِهِ".
وفي العبارة الأخيرة، "عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ، بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِه"، إشارةٌ إلى ارتباط هذا الشهر العظيم بالإمامة، فهي المحور الذي تدور حوله الفضائل كلّها في شهر رمضان.
رابعًا: طلب الحاجات وبيان أحكام الصوم
ومن بعد هذه المقدّمة التمهيديّة من المدح والثناء لله تعالى، والتعريف بشهر رمضان، وبيان فضله، يتحوّل النصّ إلى طلبِ الحاجات من الله تعالى، مُفتَتحًا طلباته بالصلاة على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ، وهي ظاهرةٌ أساسيّةٌ ومعروفةٌ في أدعية أهل البيت، إذ يُستَحبّ ابتداء الدعاء بها، وختمه بها، سعيًا للاستجابة، وفي الوقت نفسه تتّضح الأحكام الشرعيّة والآداب التي يجب أن يتحلّى بها الصائم، فقال: "اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمّا حَظَرْتَ فيهِ".
فمن آداب الصائم، أن تصوم جوارحُه، كالسمع والبصر واليد والرجل والبطن واللسان، وأن يستثمرها بما يرضي الله -تعالى-
[1] سورة القدر، الآية 4.
33
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
ويقرّبه منه: "وَأعِنّا عَلى صِيامِهِ، بِكَفِّ الْجَوارِحِ عَنْ مَعاصيكَ، وَاسْتِعْمالِها فيهِ بِما يُرْضيكَ، حَتّى لا نُصْغِيَ بِأسْماعِنا إلى لَغْوٍ، وَلا نُسْرِعَ بِأبْصارِنا إلى لَهْوٍ، وَحَتّى لا نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى مَحْظُورٍ، وَلا نَخْطُوَ بِأقْدامِنا إلى مَحْجُور، وَحَتّى لا تَعِيَ بُطُونُنا إلّا ما أَحْلَلْتَ، وَلا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنا إلّا بِما مَثَّلْتَ، وَلا نَتَكَلَّفَ إلّا ما يُدْني مِنْ ثَوابِكَ، وَلا نَتَعاطى إلّا الَّذي يَقي مِنْ عِقابِكَ".
ويختتم هذا المقطع بطلب الإخلاص في العبادة لله تعالى، والعون على محاربة الرياء والسمعة والشرك: "ثُمَّ خَلِّصْ ذلِكَ كُلَّهُ مِنْ رياءِ الْمُرائينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعينَ، لا نُشْرِكُ فيهِ أحَدًا دُونَكَ، وَلا نَبْتَغي فيهِ مُرادًا سِواكَ".
خامسًا: التركيز على الصلاة
لا غنىً للعبد من طلب التوفيق من الله تعالى لإقامة الفروض والأعمال الصالحة، التي يستزيد بها قربًا وكرامةً وفضلًا، ولِما ثَبُتَ لفريضة الصلاة في سائر الأيّام، فضلًا عن أهمّيّتها في شهر رمضان، فقد ركّز النصّ على طلب التوفيق لإقامتها: "اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِفْنا فيهِ عَلى مَواقيتِ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ بِحُدُودِهَا الَّتي حَدَّدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتي فَرَضْتَ، وَوَظآئِفِهَا الَّتي وَظَّفْتَ، وَأوْقاتِهَا التي وَقَّتَّ، وَأنْزِلْنا فيها مَنْزِلَةَ الْمُصيبينَ لِمَنازِلِهَا، الْحافِظينَ لأرْكانِها، الْمُؤَدّينَ لَها في أوْقاتِها، عَلى ما سَنَّهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ صلى الله عليه وآله وسلم في رُكُوعِها وَسُجُودِها وَجَميعِ فَواضِلِها، عَلى أتَمِّ الطَّهُورِ وَأسْبَغِه، وَأبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأبْلَغِهِ".
34
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
وهو تلخيصٌ مكثّفٌ لآداب الصلاة وصفاتها، فلم يترك جزئيّةً تتعلق بها إلّا وذكرها، كالمواقيت والأركان والطهور والخشوع.
سادسًا: حُسنُ الخُلق مع الآخرين
ومن أهمّ آداب شهر رمضان، التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تحسين الخُلق، التي تتمثّل بصلة الرحم، وإكرام الجار، وأداء الحقوق الشرعيّة، والعفو عمّن ظلمنا، وغيرها من الوصايا التي اقتبسها ووظّفها النصّ: "وَوَفِّقْنا فيهِ لأنْ نَصِلَ أرْحامَنا بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَأنْ نَتَعاهَدَ جيرانَنا بِالإفْضالِ وَالْعَطِيَّةِ، وَأنْ نُخَلِّصَ أمْوالَنا مِنَ التَّبِعاتِ، وَأنْ نُطَهِّرَها بِإخْراجِ الزَّكَواتِ، وَأنْ نُراجِعَ مَنْ هاجَرَنا، وَأنْ نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنا، وَأنْ نُسالِمَ مَنْ عادانا. حاشى مَنْ عُودِيَ فيكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذي لا نُواليهِ، وَالْحِزْبُ الَّذي لا نُصافيهِ".
سابعًا: التقرّب إليه تعالى
والمؤمن لا يكتفي بالأعمال الواجبة، بل يطمح ويطمع بالمستحبّات التي تضاعف أجورها في هذا الشهر: "وَأنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فيهِ مِنَ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ، بِما تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَعْصِمُنا فيهِ مِمّا نَسْتَأْنِفُ مِنَ الْعُيُوبِ، حَتّى لا يُورِدَ عَلَيْكَ أحَدٌ مِنْ مَلآئِكَتِكَ إلّا دُونَ ما نُورِدُ مِنْ أبْوابِ الطّاعَةِ لَكَ، وَأنْواعِ الْقُرْبَةِ إلَيْكَ".
ثامنًا: جني ثمار الطاعة
بعد هذه الجولة العباديّة التي اجتازها العبد برضى الله تعالى،
35
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
يرجو أن يجني ثمار طاعته: "وَأهِّلْنا فيهِ لِما وَعَدْتَ أوْلِيآءَكَ مِنْ كَرامَتِكَ، وَأوْجِبْ لَنا فيهِ ما أوْجَبْتَ لأهْلِ الْمُبالَغَةِ في طاعَتِكَ، وَاجْعَلْنا في نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفيعَ الأعْلى بِرَحْمَتِكَ".
عودٌ على بدء
من علامات الدعاء المتماسك، أن تتوحّد فيه الأفكار، لتنسجم مع الموضوع، وأن ترتبط مقدّمته مع خاتمته، فالدعاء هنا يكرّر ما بدأ به من تحميدٍ وتمجيدٍ، ولكن باختلاف الأسلوب، ففي المقدّمة كان أسلوبًا إنشائيًّا، وهنا تحوّل إلى أسلوبٍ طلبيٍّ، يطلب فيه العبد اجتناب الإلحاد والتقصير والشكّ… وغيرها ممّا يخالف العبادة الخالصة: "وَجَنِّبْنا الإلْحادَ في تَوْحيدِكَ، وَالتَّقْصيرَ في تَمْجيدِكَ، وَالشَّكَّ في دينِكَ، وَالْعَمى عَنْ سَبيلِكَ، وَالإغْفالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالانْخِداعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ". وثمّة ارتباطٌ آخر بين المقدّمة وهذا المقطع، وهو الإشارة إلى شهر رمضان بلفظ "السبيل" الذي ورد في بداية النصّ، بقوله عليه السلام: "وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ"، وفي هذا المقطع، بطلب تجنّب العمى عن سبيل الله تعالى.
تاسعًا: الإلحاح بطلب العفو والمغفرة
يعيش المؤمن دائمًا بين حالتَي الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله تعالى عمّا يصدر من الإنسان من تقصير، والرجاء في أن تسعه رحمة الله تعالى، ذلك الفضاء الرحب، الذي يسعُ السماوات والأرض:
36
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
"وَإذا كانَ لَكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالي شَهْرِنا هذا رِقابٌ يُعْتِقُها عَفْوُكَ، أوْ يَهَبُها صَفْحُكَ، فَاجْعَلْ رِقابَنا مِنْ تِلْكَ الرِّقابِ، وَاجْعَلْنا لِشَهْرِنا مِنْ خَيْرِ أَهْل وَأَصْحاب". وعتق الرقاب تعبيرٌ مجازيّ، وهي كناية عن المغفرة والعفو والصفح والتجاوز عمّا مضى من ذنوب العبد. ويُلاحَظ أنّ النصّ ينسب هذا الشهر لضمير المتكلِّمين (شَهْرِنا) مرّتين، ممّا يدلّ على أنّ شهر رمضان هو شهر العباد، يغفر الله -تعالى- لهم، ويزيدهم من فضله، ويقدّر فيه أرزاقهم وآجالهم.
ويكرّر طلبَه وإلحاحَه في العفو والمغفرة، موظِّفًا الصور الفنّيّة الجميلة لصياغة أسلوبه: "وَامْحَقْ ذُنُوبَنا مَعَ إمْحاقِ هِلالِهِ، وَاسْلَخ عَنّا تَبِعاتِنا مَعَ انْسِلاخِ أيّامِهِ، حَتّى يَنْقَضِيَ عَنّا وَقَدْ صَفَّيْتَنا فيهِ مِنَ الْخَطيئاتِ، وَأخْلَصْتَنا فيهِ مِنَ السِّيِّئاتِ"، فصورة إمحاق الذنوب مع إمحاق الهلال، وصورة انسلاخ التبعات مع انسلاخ أيّام الشهر، نوعٌ من التعبير الفنّيّ الذي يزيّن نصوص الدعاء في الصحيفة السجّاديّة.
آدابٌ أخرى
وفي هذا المقطع، يوجز النصُّ آدابًا أخرى بأروع أساليب التعبير: "اللّهُمَّ، اشْحَنْهُ بِعِبادَتِنا إيّاكَ، وَزَيِّنْ أوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ، وَأعِنّا في نَهارِهِ عَلى صِيامِهِ، وَفي لَيْلِهِ عَلَى الصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْكَ، وَالْخُشُوعِ لَكَ، وَالذِّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، حَتّى لا يَشْهَدَ نَهارُهُ عَلَيْنا بِغَفْلَة، وَلا لَيْلُهُ بِتَفْريط"، فعبَّر بمفردة "اشْحَنْهُ"، وهي من المفردات غير المألوفة في التعبير اللغويّ، وهنا تكمن جماليّات المفردة في التعبير السجّاديّ، فلو قال:
37
الموعظة الرابعة: مضامين دعاء الإمام السجّاد في استقبال شهر رمضان
"املأه"، لم تكن بتلك الجماليّة المكثّفة التي دلَّت على المبالغة في طلب التوفيق للعبادة في شهر رمضان. فضلًا عن الجماليّة التي تؤدّيها مفردة "زَيِّنْ" في سياق هذا المقطع: "وَزَيِّنْ اوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ".
عاشرًا: الاستمرار على الطاعة في سائر الشهور
الحملة العباديّة لشهر رمضان لا تنقضي بانقضاء أيّامه ولياليه، بل هي دورةٌ تطويريّةٌ للذات، يمرّ بها العبد في كلّ عامٍ، ليراجعَ فيها حساباته، ويؤوبَ إلى ربّه تعالى، وينطلقَ منها إلى العام القادم. لذا، ورد في نصّ الدعاء: "اللّهُمَّ، وَاجْعَلْنا في سائِرِ الشُّهُورِ وَالأيّامِ كَذلِكَ ما عَمَّرْتَنا، وَاجْعَلْنا مِنْ عِبادِكَ الصّالِحينَ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1], ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾[2], ومن الذين ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾"[3].
حادي عشر: الصلاة على محمّد وآل محمّد
تُختتم أغلب نصوص الدعاء بالصلاة على محمّدٍ وآل محمّد، تبرّكًا وطلبًا لاستجابة الدعاء، "اللّهُمَّ، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، في كُلِّ وَقْتٍ، وَكُلِّ أوانٍ، وَعَلى كُلِّ حالٍ، عَدَدَ ما صَلَّيْتَ عَلى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأضْعافَ ذلِكَ كُلِّهِ بِالأضْعافِ الَّتي لا يُحْصيها غَيْرُكَ، إنَّكَ فَعّالٌ لِما تُريدُ".
[1] سورة المؤمنون، الآية 11.
[2] سورة المؤمنون، الآية 60.
[3] سورة المؤمنون، الآية 61.
38
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
الموعظة الخامسة
الحمد والشكر في شهر رمضان
محاور الموعظة:
- مضامين الدعاء.
- الحمد والشكر.
"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ".
أوّلًا: مضامين الدعاء
هناك عدّة نقاط في كلام الإمام السجّاد عليه السلام:
1- يبدأ الإمامُ الدعاءَ بحمد الله تعالى، والحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلَّق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبرّ[1].
[1] ينظر: الشيرازيّ، السيّد عليّ خان المدنيّ، رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين عليه السلام، تحقيق السيّد محسن الحسينيّ الأمينيّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1415ه، ط4، ج6، ص17.
39
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
2- أشار عليه السلام إلى أنّ فعل الحمد فعلٌ يعبّر عن هداية، فالله تعالى هو الذي هدانا لذلك - أي للحمد - ولذلك هو يستحقّ منّا أن نحمده، يستحقّه على نعمة شهر رمضان، يستحقّ أن نحمده ونثني عليه بكلّ نعمة أنعم بها علينا، فيقول: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ".
3- "وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ"، الضمير في "أَهْلِهِ"، يصلح أن نرجعه إليه عزّ وجلّ، يعني أنّ الإنسان إذا صار من الحامدين، صار من أهل الله، فنحمد الله عزّ وجلّ على أن جعلنا من أهله، أي من أوليائه والمختصّين به اختصاص أهل الإنسان به. عن أمير المؤمنين: "أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ"[1].
أو نرجع الضمير إلى الحمد، أي إنّنا نحمد الله أن جعلنا من أهل الحمد، أي من المتّصفين به. وأصل الأهل: القرابة، ثمّ أُطلِقَ على من عرف بشيء واتّصف به، يُقَال: أهل العلم لمن اتّصف به.
4- لماذا جعلنا من أهل الحمد أو من أهل الله؟ يقول الإمام عليه السلام: "لِنَكُونَ لإحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ"، فالإنسان إذا كان من أهل الله، أو كان من أهل الحمد، فإنّه سيوفّق لأن يُسدي لله عزّ وجلّ الشكرَ، بما يناسب قدرته ومقام قربه من الله.
5- إنّ كون الإنسان من أهل الحمد أو أهل الله، فهذه نعمة خاصّة، وهذا اجتباء واصطفاء، لا يُوَفَّق إليه إلّا مَن شملتهم عناية الله عزّ
[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص127.
40
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
وجلّ. ثمّ إنّ هذه النعمَ كلَّها نفعُها يرجع إلى العبد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾[1], لأنّ نفعَ ذلك راجعٌ إليه، وفائدته حاصلة له، إذ به تُستَبقى النعمة، وبسببه يُستَجلب المزيد لها من الله سبحانه. مَن جعل كفرَ النعم مكانَ شكرها، فإنّ الله غنيٌّ عن شكره، غير محتاج إليه. وإنّما يريد ذلك كلّه لنا، لأنّه يحبّنا، لأنّه يريد أن يجزل لنا العطاء، ولذا قال عليه السلام: "وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ".
ثانيًا: الحمد والشكر
1- أهمّيّة الشكر
الشكر من أهمّ الأعمال الصالحات التي يتقرّب بها العبد المؤمن إلى نيل رضا ربّه سبحانه وتعالى، ومنزلته في الدين عظيمة، فهو نصف الإيمان، والصبر نصفه الآخر، ففي الحديث: "الْإِيمَانُ نِصْفَانِ، نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ"[2].
فمنزلة الشكر من أعلى المنازل، وقد أمر اللهُ به، ونهى عن ضدّه، قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[3],، وقال سبحانه: ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾[4].
[1] سورة لقمان، الآية 12.
[2] الشيخ الحويزيّ، تفسير نور الثقلين، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قم، 1412ه - 1370ش، ط4، ج4، ص217، سورة لقمان.
[3] سورة البقرة، الآية 172.
[4] سورة البقرة، الآية 152.
41
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
وأثنى على أهله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾[1], ووصف به خواصّ خلقه، وأمره ووعد أهلَه بأحسنِ جزائه، قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[2], وجعله سببًا للمزيد من فضله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[3]، وحارسًا وحافظًا لنعمته، وأخبر أنّ أهلَه هم المنتفعون بآياته، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾[4], واشتقّ لهم اسمًا من أسمائه، فإنّه سبحانه هو الشكور، وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يُعِيد الشاكر مشكورًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾[5], وقال سبحانه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾[6], ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾[7], وهو غاية الربّ من عبده،
[1] سورة الإسراء، الآية 3.
[2] سورة آل عمران، الآية 145.
[3] سورة إبراهيم، الآية 7.
[4] سورة لقمان، الآية 31.
[5] سورة فاطر، الآية 34.
[6] سورة الشورى، الآية 23.
[7] سورة النساء، الآية 147.
42
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[1] وأهله هم القليل من عباده، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[2].
2- الفرق بين الحمد والشكر
والفرق بين الحمد والشكر أنّ "الحمدَ" هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلَّق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبرّ.
و"الشكر" فعلٌ ينبّئ عن تعظيم المُنعِم لأجل النعمة، سواء كان نعتًا باللسان، أو اعتقادًا ومحبّةً بالجنان، أو عملًا وخدمةً بالأركان.
3- قواعد الشكر
"الشكر مبنيٌّ على خمس قواعد:
أ- خُضُوع الشاكرِ للمَشْكُورِ.
ب- وحُبّه له.
ج- واعترافه بنعمتهِ.
د- والثناء عليه بها.
هـ- وأن لا يَسْتَعْمِلها فيما يكره.
هذه الخمسة هي أساسُ الشُّكْرِ، وبناؤه عليها، فإنْ عَدِمَ منها واحدةً، اختلّت قاعدةٌ من قواعد الشُّكرِ"[3].
[1] سورة البقرة، الآية 172.
[2] سورة سبأ، الآية 13.
[3] الزبيديّ، تاج العروس، تحقيق عليّ شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414ه - 1994م، لا.ط، ج7، ص49.
43
الموعظة الأولى: استقبال شهر الله
4- الحمد والنعمة
إذا كان الحمد على النعمة، فما المراد بالنعمة؟
"النعمة: اليد، وهي الصنيعة والمنّة، وما أنعم الله به عليك"[1]. وقد يُراد بها ما يُقصَد به النفع والإحسان، لا لعوضٍ ولا لغرض. وقد تطلق النعمة أيضًا، في لسان الأئمّة عليهم السلام، تارةً على الدين والإسلام، وتارةً عليهم، وعلى موالاتهم ومحبّتهم.
"سَأَلَ أَبُو حَنِيفَةَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[2], فَقَالَ لَهُ: مَا النَّعِيمُ عِنْدَكَ يَا نُعْمَانُ؟ قَالَ الْقُوتُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَاءُ الْبَارِدُ. فَقَالَ: لَئِنْ أَوْقَفَكَ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا أَوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا، لَيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَمَا النَّعِيمُ - جُعِلْتُ فِدَاكَ -؟ قَالَ: نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ النَّعِيمُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِنَا عَلَى الْعِبَادِ"[3].
عن الإمام الْبَاقِرُ عليه السلام: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾[4], قَالَ: "النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومَا جَاءَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَمَّا النِّعْمَةُ الْبَاطِنَةُ، وَلايَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَعَقْدُ مَوَدَّتِنَا"[5].
[1] الطريحيّ، الشيخ فخر الدين، مجمع البحرَين، نشر مرتضوي، لا.م، 1362 ش، ط2، ج6، ص179.
[2] سورة التكاثر، الآية 8.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج70، ص70.
[4] سورة لقمان، الآية 20.
[5] السيّد هاشم البحرانيّ، البرهان في تفسير القرآن، قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ج4، ص378.
44
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
وحقيقة شكر النعمة، أي استعمالها في طاعة المنعِم، ونيل رضاه، وأداء ما افترض الله -تعالى- من حقوقٍ فيها. ومِنْ شكرِ النعم بذلُها للناس، عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عِبَادًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا، نَزَعَهَا مِنْهُمْ، وَحَوَّلَهَا إلى غَيْرِهِمْ"[1]. وعنه عليه السلام قال: "مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ فِيهَا بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ عَرَضَهَا لَلدَّوَامِ، وَإِنْ مَنَعَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَدْ عَرَضَهَا لِلزَّوَالِ"[2].
5- الحمد رأس الشكر
عَنِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، وَمَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ"[3]، ولذلك آثر عليه السلام الحمد على الشكر في الثناء عليه سبحانه، وجعله سببًا لشكر إحسانه مطلقًا - كما تقدّم -، حتّى كأنّه لولا الهداية إليه، لم يكن الشكر، وهو كذلك كما نصّ عليه الحديث المذكور، وبيانه أنّه إذا لم يعترف العبد بإنعام مولاه، ولم يُثنِ عليه بما يدلّ على تعظيمه، لم يظهر منه الشكر ظهورًا كاملًا، وإن اعتقد وعمل، لأنّ حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها، كما أنّ كفرانَها إخفاؤها وسترها، والاعتقاد أمرٌ خفيٌّ في نفسه، بخلاف النطق، فإنّه
[1] التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيّد مهدي رجائي، نشر دار الكتاب الإسلاميّ، إيران- قم، 1410ه، ط2، ص225.
[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحکم والمواعظ، مصدر سابق، ج1، ص438.
[3] المالكيّ الأشتريّ، ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1368ش، ط 2، ج 2، ص106.
45
الموعظة الخامسة: الحمد والشكر في شهر رمضان
ظاهرٌ في نفسه، فالحمد رأس الشكر، فكما أنّ الرأس أظهر الأعضاء وأعلاها وعمدة لبقائها، كذلك الحمد أظهر أنواع الشكر وأشملها على حقيقته، حتّى إذا فُقِدَ كان بمنزلة العدم، فصحّ أنّه مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ ، واتّضح كونه سببًا للشكر والاتّصاف به.
46
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
الموعظة السادسة
الدين، والملّة، والسبيل
محاور الموعظة:
- الهداية العامّة والخاصّة.
- الدين والملّة.
- سبل الإحسان.
"وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ[1] إلى رِضْوَانِهِ، حَمْدًا يَتَقَبَّلُهُ مِنَّا، وَيَرْضَى بِهِ عَنَّا".
مفردات النصّ
• حَبَانَا: "الحِباءُ، العَطاء بلا مَنٍّ ولا جَزاءٍ"[2].
• خصصته به تخصيصًا: جعلته له دون غيره.
[1] "الباء" في "بمنّه" للاستعانة أو للملابسة.
[2] ابن منظور، العلّامة محمّد بن مكرم الإفريقيّ المصريّ، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، إيران - قمّ، 1405ه، لا.ط، ج14، ص162.
47
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
• سبّلنا: سيّرنا في سبل إحسانه.
• والإحسان هنا بمعنى الإنعام والإفضال.
• والرضوان: الرضا الكثير.
• والتقبُّل: قبول الشيء على وجهٍ يقتضي ثوابًا، كالهديّة.
تمهيد
بعد أن بيّن الإمام في النصّ السابق أنّ الحمد الذي يصدر منّا هو من الله، وهو من جعلنا من أهل الحمد أو الله -تعالى -، ذلك كلّه لنشكر الله تعالى على إحسانه إلينا، أنّ الجزاء الذي سيكون لهذا الشكر هو جزاء المحسنين، شرع الإمام بهذا المقطع الشريف ببيان المصاديق الرئيسة التي تستدعي هذا الحمد، وهي:
1- حَبَانَا بِدِينِهِ.
2- وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ.
3- وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ.
ولتوضيح كلامه في هذا المقطع وفي المقطع السابق أيضًا، لا بدّ من الالتفات إلى النقاط الآتية:
أوّلًا: الهداية العامّة والهداية الخاصّة
تُقسَم الهداية، حسب الآيات القرآنيّة، إلى قسمَين، هما:
1- الهداية العامّة
والمراد منها أنّه سبحانه من خلال نداء الفطرة الإنسانيّة، ودعوة العقل، وبعث الرسل والأنبياء، يمهّد طريق الهداية والسعادة أمام جميع الناس، وكذلك يبيّن لهم طريق الشقاء والانحراف. وقد تعلّقت
48
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
الإرادة والمشيئة الإلهيّة بأن يقع أفراد البشر جميعًا تحت هذا النوع من الهداية والإرشاد، ويشهد على ذلك الكثير من الآيات المباركة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾[1], وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾[2].
والمراد بالهداية، هنا، الهداية العامّة، والتي تشمل البشر كلّهم، حتّى المعاندين والمنكِرين، وتتمثّل في "الفطرة والعقل وبعث الرسل"، فإنّه سبحانه جهّز جميع الناس بتلك الطاقات والإمكانات، ولم يَحرم منها أحدًا من الناس.
2- الهداية الخاصّة
وهي أنّ الله تعالى يختصّ بهدايته جملةً من الأفراد، الذين استضاؤوا بنور الهداية العامّة واستفادوا منها، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾[3], وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[4], وهي التي نفاها عن الفاسقين، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[5].
[1] سورة يونس، الآية 108.
[2] سورة فصّلت، الآية 17.
[3] سورة محمّد، الآية 17.
[4] سورة العنكبوت، الآية 69.
[5] سورة المنافقون، الآية 6.
49
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
فالمراد من الهداية الخاصّة هو تهيئة سبل السعادة ووسائل الرشاد وتوفيرها لمن استفاد من الهداية العامّة، وتثبيتهم وتسديدهم في مزالق الحياة إلى سبل النجاة. وإنّ المراد من الضلالة هو منعهم وحرمانهم من هذه المواهب، وخذلانهم في الحياة، وإيكالهم إلى أنفسهم[1].
إذا رجعنا إلى الدعاء الشريف، فقد نفهم أنّ العبارة الأولى - أي "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ"- الهداية العامّة، ومن قوله "وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ"، وقوله في هذا المقطع: "حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ" إشارة إلى الهداية الخاصّة التكوينيّة.
ثانيًا: الدين والملّة
الملَّة بمعنى الدين، وتدلّ على نوع من التضيّق والمحدوديّة، والعيش تحت مقرّرات مضبوطة، كما أنّ الدين هو الخضوع والانقياد تحت برنامج معيّن. وتُطلَق على تضيّق في حقّ أو باطل، ففي الحقّ: كما في ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾[2], ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾[3], وفي الباطل: كما في ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾[4], فالفرق بين الدين
[1] ينظر: السبحانيّ، الشيخ جعفر، الفكر الخالد في بيان العقائد، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، إيران - قم، 1425ه.ق - 1383 ه.ش، ط1، ج2، ص13-15.
[2] سورة يوسف، الآية 37.
[3] سورة يوسف، الآية 38.
[4] سورة الأعراف، الآية 88.
50
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
والملَّة أنّ الدين، حيث إنّه يدلّ على الخضوع والانقياد، يُستَعمل في موارد الحقّ، أمّا الملَّة، بلحاظ دلالتها على التضيّق والمحدوديّة، تُستَعمل في موارد الباطل أو في قباله[1].
فالإمام يقول لنا:
يجب علينا أن نحمد الله تعالى، الذي "حَبَانَا بِدِينِهِ"، أي أعطانا وأكرمنا بهذا الدين الإسلاميّ العظيم، وبما أنّ الدين يُستَعمل في موارد الحقّ، فظهر سرّ قولِه "حَبَانَا"، "وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ"، وبما أنّ الملّة تُستَعمل في موارد الباطل، فهناك ملّةُ قومٍ لا يؤمنون، فإنّ الله تعالى اختصّنا. وفَهمُ سببِ أنّه حبانا بالدين واختصّنا بالملّة، يتوقّف على فهم الهداية العامّة والخاصّة، وقد تقدّم بيانهما.
ثالثًا: سبل الإحسان
"وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ إلى رِضْوَانِهِ"
يظهر من كلام الإمام أنّ هناك طرقًا قد جعلها الله تعالى للإنسان، وما على الإنسان إلّا أن يسلكها، حتّى يصل إلى الهدف الأعلى الذي رسمه الله للبشر، وهو الوصول إلى الرضوان الإلهيّ. ونجد أنّ الإمام بيّن النقاط الآتية:
1- إنّ الطريق أو السُبل إلى الله واضحة ومشخّصة.
2- إنّ تفاصيل هذه السُبل واضحة ومبيّنة أيضًا.
[1] المصطفويّ، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران، 1417ه، ط1، ج 11، ص175.
51
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
3- وبيّن الهدف الأعلى والمقصد الأسمى من سلوك هذه الطرق.
ركّز الإمام أنّ بيان هذه الطرق، وسلوكها، والوصول إلى الهدف، كلّها بعناية الله ولطفه وتسديده. ولا بدّ أن يشتمل هذا الحمد على عمق الإخلاص، وروحيّة الإيمان الحقيقيّة، بالمستوى الذي يتقبلّه الله من عباده، ويمنحهم من خلاله الوصول إلى الهدف الأعلى، وهو الرضوان.
فالله تعالى هدى البشر كلّهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[1].
عَنْ زُرارَةٍ، قالَ: "سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾, قالَ: عَلَّمَهُ السَّبيلَ، فَإِمَّا آخِذٌ فَهُوَ شاكِرٌ، وَإِمَّا تارِكٌ فَهُوَ كافِرٌ"[2].
بعض الناس لا يأخذ بهذه السبل، فهولاء سيُحرَمون من الهداية الخاصّة، وبعضهم يأخذ بهذه السبل وبطرق الهداية، وهؤلاء عندما يهتدون ويطيعون الله تعالى، فإنّ الله سيهديهم السُبل، لكي لا يقعوا بالعصيان والطغيان، لأنّ طريق الضلال والعصيان ما زال مفتوحًا أمامهم، فكلّما ازدادوا تُقًى، زادهم الله هُدًى، بل حتّى أولئك الذين وصلوا إلى أعلى مراتب اليقين والإخلاص، فهم يحتاجون أيضًا إلى العناية الإلهيّة والتسديد الربّانيّ، لأنّه، حسب بيان الروايات، فإنّ الإخلاص على خطرٍ عظيمٍ حتّى يُختَم للإنسان.
[1] سورة الإنسان، الآية 3.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 5، ص302.
52
الموعظة السادسة: الدين، والملّة، والسبيل
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الإِخْلَاصُ خَطَرٌ عَظِيمٌ، حَتَّى يَنْظُرَ بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ"[1].
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ خَالِصِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ... هَلَكَ الْعَامِلُونَ إِلَّا الْعَابِدُونَ، وَهَلَكَ الْعَابِدُونَ إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَهَلَكَ الْعَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ، وَهَلَكَ الصَّادِقُونَ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، وَهَلَكَ الْمُخْلِصُونَ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وَهَلَكَ الْمُتَّقُونَ إِلَّا الْمُوقِنُونَ، وَإِنَّ الْمُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[2], وَأَدْنى حَدِّ الْإِخْلَاصِ بَذْلُ الْعَبْدِ طَاقَتَهُ، ثُمَّ لَا يَجْعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا، فَيُوجِبَ بِهِ عَلَى رَبِّهِ مُكَافَاةً لِعِلْمِهِ بِعَمَلِهِ، أَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ بِوَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، لَعَجَزَ، وَأَدْنَى مَقَامِ الْمُخْلِصِ فِي الدُّنْيَا السَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ الْآثَامِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّة"[3].
ثمّ يختم الإمام هذا المقطع، ببيان أنّه إذا لم تكن هذه الهداية من الله تعالى، حتّى الحمد لن يصدر منّا، فبواسطة هذا الحمد، الذي صدر بمعونة الله وهدايته، نريده حمدًا يتقبّله منّا ويرضى به عنّا.
[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص49. وجاء في الحديث "الناس كلّهم هلكى إلّا العاِلمون، والعالِمون كلّهم هلكى إلّا العاملون، والعاملون كلّهم هلكى إلّا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" جاء نصّ هذا الكلام في أثناء كلام (الغزاليّ) في إحياء علوم الدين, دار الكتاب العربي، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط،ج 4، ص156، وكأنّه من كلام نفسه. إلّا أنّه جاء نصّ هذه العبارة في (مجموعة الشيخ ورام) ص320، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرسلًا. وكذلك جاء في (مصباح الشريعة) المنسوب إلى الصادق عليه السلام في الباب 77 ما يقرب من هذا النصّ.
[2] سورة الحجر، الآية 99.
[3] الإمام الصادق، جعفر بن محمّد عليهما السلام (منسوب)، مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1400ه - 1980م، ط1، ج1، ص37.
53
الموعظة السابعة: أوصاف شهر رمضان وخصائصه
الموعظة السابعة
أوصاف شهر رمضان وخصائصه
محاور الموعظة:
- صفات شهر رمضان.
- شهر نزول القرآن.
- فضل شهر رمضان.
"وَالْحَمْدُ لِلّه الَّذِي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ، شَهْرَ رَمَضَانَ، شَهْرَ الصِّيَامِ، وَشَهْرَ الإِسْلام، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ التَّمْحِيْصِ، وَشَهْرَ الْقِيَامِ، الَّذِي أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ، فَأَبَانَ فَضِيْلَتَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، بِمَا جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُمَاتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَشْهُورَةِ، فَحَرَّمَ فِيْهِ ما أَحَلَّ فِي غَيْرِهِ إعْظَامًا، وَحَجَرَ فِيْهِ الْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ إكْرَامًا، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتًا بَيِّنًا لا يُجِيزُ – عَزَّوَجَلَّ - أَنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلا يَقْبَـلُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ...".
تمهيد
بعد أن بيّن الإمام محوريّة الحمد والشكر لله تعالى، وطلب