بحوث في العقيدة الإسلامية

بحوث في العقيدة الإسلامية


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2014-09

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدّمة

 المقدمة

 
الحمد لله الّذي هدانا إلى التوحيد ونقّى نفوسنا من الشرك والترديد، الأوّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، أرسل الأنبياء عليهم السلام لما فيه مصالح العباد وجعل بحكمته وعدله الموت والمعاد. والصلاة والسلام على عبده المصطفى ورسوله المنتجب وعلى آله الأطهار.
 
أمّا بعد، فلا يخفى على ذي لبّ ما للمسائل العقائديّة من أهميّة قصوى لا يدانيها في أهميّتها أيّ علم آخر، لأنّها الأساس في معرفة الهدف من الوجود والنظرة إلى الكون. وبالبناء عليها تتحدّد القيم والمبادئ الّتي يجب أن يرتسم على أساسها السلوك الإنسانيّ. ويتّضح بذلك سبب اهتمام القرآن ببيان ما يرتبط بالأمور العقائديّة وكذلك النبيّ والأئمّة عليهم السلام وكذلك الحال عند العلماء قديماً وحديثا، حيث تعدّدت وتنوّعت تآليفهم في العقيدة وقد اشتركت معظمها في أدلّة موحّدة في المضمون وإن اختلفت من حيث الأسلوب والطرح.
 
وقد أبدع علماؤنا ببيان الأدلّة سواء العقليّة منها أم النقليّة، وذكر المتأخّرون بعض الأدلّة الّتي لم تُذكر عند غيرهم وقد جرت محاولات - موثّقة نسبيّاً - لاستحضار وابتكار أساليب طرح المسائل المعقّدة بشكل مبسّط, ليستفيد منه أكبر عدد ممكن من طلاب الحقيقة، وقد تمّت الاستفادة في هذا الكتاب
 
7

1

المقدّمة

 من أكثر من مصدر أو مؤلَّف على مستوى المضمون، وإن حافظ على خصوصيّته في التعبير والبيان في كثير من الأحيان، وإن كان المعتمد في ترتيبه وبعض أفكاره هو كتاب "دروس في العقيدة الإسلاميّة" للمحقّق الشيخ مصباح اليزدي.

 
وقد جهدنا قدر الإمكان في تقسيم الكتاب إلى دروس تستوعب حصّة دراسيّة كاملة، مراعين بذلك المضمون والمستوى، وسعينا لتسهيل الأفكار الصعبة والدقيقة، دون إخلال بالعبارة والمصطلح العلميّ، لذلك لا يستغني الطالب عن أستاذ يسهّل عليه فهم بعض العبائر والمصطلحات الواردة في الدروس.
 
وقد كان هذا الكتاب "بحوث في العقيدة" خطوة ثانية بين كتابي "دروس في العقيدة" و"دراسات عقائديّة"، وبه تكتمل دورة عقائديّة كاملة، متنوّعة الأسلوب والمنهج.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُضيف بهذا السفر المبارك إلى المكتبة الإسلاميّة ما يسدّ الحاجة لدى طلاب الحقيقة، كما نشكر كلّ من ساهم في العمل على إخراج هذا الكتاب إلى حيّز النور، سائلين المولى سبحانه القبول، والحمد لله ربّ العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
8

2

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

  الدرس الأول: ما هو الدّين؟ 



أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب إلى مفهوم الدين.
2.أن يميز بين أنواع الرؤى الكونية.
3. أن يتعرف إلى أصول الأديان السماوية.
4. أن يميز بين أصول الدين و أصول المذهب.
 
9
 

3

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

 مفهوم الدّين

 
كلمة الدّين في اللّغة1 بمعنى الطّاعة كما في قوله تعالى:﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾2, و تأتي بمعنى الجزاء3 كما في قوله تعالى:﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾4 وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾5 أي يوم الجزاء6، وفي الاصطلاح معناها: الإيمان بخالق الكون والإنسان، وبالأحكام والوظائف العمليّة الملائمة لهذا الإيمان.
 
ويتكوّن الدّين بالمعنى الاصطلاحي من ركنين:
 
1- العقيدة الّتي تمثّل الأساس والقاعدة بالنّسبة للدّين وتسمّى (أصول الدين).
 
2- التّعاليم والأحكام العمليّة المنبثقة من الأسس العقائديّة والملائمة لها وتسمّى (فروع الدّين).
________________________________________
1- راجع كتب اللّغة، مثل: تاج العروس، مادّة: دين.
2- سورة يوسف، الآية: 76.
3- تفسير الميزان، الطباطبائي، ج20، ص 368.
4- سورة الفاتحة، الآية: 4.
5- سورة الماعون، الآية: 1.
6- تفسير الميزان، الطباطبائي، ج20، ص 368
 
11

4

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

 الرؤيّة الكونيّة والأيديولوجية

 

إنّ ألفاظ الرّؤية الكونيّة والأيديولوجيّة استعملت في معان متقاربة، ومن معاني الرّؤية الكونيّة أنّها عبارة عن "مجموعة من المعتقدات والنظريّات الكونيّة المتناسقة حول الكون والإنسان بل وحول الوجود بصورة عامّة"، ومن معاني الأيديولوجية أنّها عبارة عن "مجموعة من الآراء الكليّة المتناسقة حول سلوك الإنسان وأفعاله".

 

وعلى ضوء هذين المعنيين يمكن أنْ يعتبر النّظام العقائديّ لكلّ دين هو رؤيته الشّاملة، ونظام أحكامه العمليّة الكليّة أيديولوجيّته، ويتمثّلان في أصول الدّين وفروعه.

 

وقد تستعمل كلمة الأيديولوجية أحياناً في معنى عامّ بحيث يشمل الرّؤية الكونيّة والأحكام العمليّة معاً.

 

الرّؤية الكونيّة الإلهيّة والمادّيّة

 

تنتشر بين النّاس الكثير من أنواع الرّؤى الكونيّة، ولكن يمكن تقسيمها جميعاً على أساس الإيمان بالغيب وإنكاره إلى قسمين جامعين: الرّؤية الكونيّة الإلهيّة، والرّؤية الكونيّة المادّيّة.

وقد أطلق على مَن يتبنّى الرّؤية الكونيّة المادّيّة في العصور السّابقة اسم "الطّبيعيّ" و"الدّهريّ" وأحياناً "الزِّنديق" و"الملحد"، وأمّا في عصرنا فيطلق عليه "المادّي". 

 

الأديان السّماويّة وأصولها

 

بحسب المستفاد من المصادر الإسلاميّة فإنّ الدّين قد لازَمَ وجود الإنسان على الأرض، فكان الإنسان الأوّل وهو آدم عليه السلام نبيّاً وداعياً للتّوحيد، وأمّا سبب 

 

12

 

 

5

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

 ظهور الشِّرك وتطرّق البدع إلى الأديان فهو الجهل واتّباع الأهواء والمطامع. وتشترك الأديان التّوحيديّة في ثلاثة أصول كليّة:

 
1- الإيمان بالله الواحد.
 
2- الإيمان بالحياة الأبديّة في عالم الآخرة، ونيل الجزاء على العمل إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.
 
3- الإيمان ببعثة الأنبياء والرّسل المبعوثين من الله تعالى لهداية البشريّة إلى مصدر سعادتها في الدّنيا والآخرة.
 
وهذه الأصول الثلاثة تمثّل إجابات حاسمة على الأسئلة الرّئيسة الّتي يواجهها كلّ إنسان في صميم ذاته وفطرته: من هو خالق الوجود والإنسان؟ ما هي نهاية الحياة ومصير البشر؟ ما هو السّبيل لمعرفة النّظام الأفضل للحياة؟
 
وعليه يعتبر الإيمان بوجود الله الواحد "الأصل الأوّل" من أصول الدّين الإسلاميّ، والإيمان بنبوّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم "الأصل الثّاني"، والإيمان بالمعاد والحياة بعد الموت "الأصل الثّالث".
 
أصول الدّين وأصول المذهب
 
تقدّم أنّ أصول الإسلام الأساس ثلاثة: التّوحيد، نبوّة النّبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، المعاد. وهذه الأصول الثلاثة تسمّى أصول الدّين، ويخرج المنكر لأيّ واحد منها من ملّة المسلمين.
 
وهناك معتقدات أخرى نشأت من تحليل هذه المعتقدات وتجزئتها، أو أنّها من لواحقها، يمكن أن نعتبرها من العقائد الأصليّة أيضاً ولكن وفق اصطلاح خاصّ، فمثلاً يمكن أن نعتبر الإيمان بوجود الله والإيمان بتوحيده والإيمان بنبوّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم من أصول الدّين الإسلاميّ،كما يمكن اعتبار العدل- وهو من
13

6

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

  المعتقدات المتفرّعة من التّوحيد- أصلاً مستقلّاً، والإمامة - وهي من لواحق النّبوّة - أصلاً آخر - كما فعل علماء الشيعة-.

 

وفي الواقع فإنّ استعمال كلمة "الأصل" في مثل هذه المعتقدات خاضع للاعتبار والاصطلاح.

 

ويمكن أن نطلق "أصول الدّين" على العقائد المشتركة بين جميع الأديان السّماويّة دون تخصيصه بدين معيّن، أمثال الأصول الثّلاثة (التّوحيد، النّبوّة العامّة، المعاد)، أمّا لو أضفنا إليها بعض الأصول الأخرى المختصّة بدين ما فنطلق عليها "أصول الدّين الخاصّ" كالإسلاميّ مثلاً، وكذلك إذا أضفنا إليها بعض المعتقدات المختصّة بمذهب معيّن أو فرقة معيّنة نطلق عليها "أصول الدّين والمذهب".

 

خلاصة الدّرس 

 

- الدِّين لغة بمعنى الطاعة والانقياد، واصطلاحاً: الإيمان بالخالق وبالأحكام والوظائف العمليّة الملائمة لهذا الإيمان.

 

- الرؤية الكونيّة هي: مجموعة من المعتقدات والنظريّات حول الوجود بشكل عام. 

 

- الأيديولوجية هي: مجموعة آراء كليّة متناسقة حول سلوك الإنسان. وقد تستعمل في معنى الرؤية الكونيّة.

 

ثمّ إنّ هناك رؤيتين كونيتين إلهيّة ومادّية.

 

- أصول الأديان السماويّة: 

 

1- الإيمان بالله الواحد.

 

14

 

 


7

الدرس الأوّل: ما هو الدين؟

 2- الإيمان بالنبوّة.

 
3- الإيمان بالآخرة.
 
- أصول الإسلام ثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد، وإذا أُضيف إلى هذه الثلاثة أصول أخرى يُطلق عليها أصول المذهب، كالعدالة والإمامة.
 
 
أسئلة حول الدّرس 
 
1- ماذا تعني كلمة الدّين في اللغة، والاصطلاح؟
 
2- ما هو معنى الرّؤية الكونيّة، والأيديولوجيّة؟
 
3- ما هي أصول الأديان السماويّة؟
 
4- ما هو الفرق بين أصول الدّين، وأصول المذهب؟
15

8

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 الدرس الثاني: البحث عن الدّين 




أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب إلى الدوافع العامة للبحث عن الدين.
2.أن يدرك غريزة حب الاستطلاع.
3. أن يدرك غريزة حب الكمال.
 
17
 

9

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 تمهيد

 
إنّ كلّ إنسان عاقل لا يقدم على عمل إلّا لغاية تشكّل الدّافع والمحرّك له باتجاه الفعل- وهذا إدراك وجدانيّ- فعندما يسعى الإنسان مثلاً لتحصيل الطّعام فدافعه الجوع فعلاً أو توقُّع حصوله، وقد أودع الله تعالى في الإنسان جملة من الدّوافع الفطريّة- نفسيّة وقلبيّة كانت أو عقليّة- تشكّل الأساس لحركته في الحياة الدنيا، وهنا يأتي سؤال وهو: 
 
ما هي الدّوافع الكامنة في الإنسان والّتي يجب أن تحرّكه للبحث عن الدّين أي للبحث عن وجود الله وما يتعلّق به وما يترتّب عليه من أسئلة أخرى، ينبغي السّعي لتحصيل الإجابة عليها.
 
والجواب: إنّ الله تعالى قد أودع في داخل الإنسان جملة من الدّوافع العامّة, الّتي تدفعه للبحث عن مجموعة مهمّة من المسائل بما فيها البحث عن الدّين، بالإضافة لدافع 
خاصّ بالبحث عن الدّين.

الدّوافع العامّة

الأوّل: غريزة حبّ الاستطلاع
 
من الخصائص النفسيّة الإنسانيّة، هي وجود دافع فطريّ لديه لمعرفة
 
19
 

10

الدرس الثاني: البحث عن الدين

  الحقائق والاطّلاع على الواقعيّات، وهو المعبّر عنه "بحبّ الاستطلاع" الّذي يدفع الإنسان للتفكير والتأمُّل وطرح التّساؤلات، في محاولةٍ للبحث عن الحقائق بما فيها الدّين الحقّ.

 

ومن هذه التّساؤلات: هل هناك وجود لموجود غير محسوس وغيبي غير مادّيّ؟ وإذا كان له وجود فهل هناك علاقة بين عالم الغيب والعالم المادّيّ المحسوس؟ وإذا كانت هناك علاقة، فهل هناك موجود غير محسوس خالق للعالم المادّيّ؟ وهل ينحصر وجود الإنسان بهذا البدن المادّيّ؟ وهل تتحدّد حياته بهذه الحياة الدّنيويّة؟ أم أنّ هناك حياة أخرى؟ وإذا كانت هناك حياة أخرى، فهل هناك علاقة وارتباط بين الحياة الدّنيا والحياة الآخرة؟ وإذا وجدت العلاقة، فما هي الظّواهر الدّنيويّة الّتي لها تأثير في الأمور الأخرويّة؟ وما هو السّبيل لمعرفة النّظام الأكمل للحياة, النّظام الّذي يكفل سعادة الإنسان في الدّنيا والآخرة؟ وما هي طبيعة هذا النّظام؟

 

إذن فغريزة حبّ الاستطلاع تمثّل الدّافع الأوّل الّذي يدفع الإنسان للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة المرتبطة بالمسائل والمعارف الدينية الأساسية الحقّة.

 

الثّاني: غريزة جلب المنفعة والأمن من الضّرر

 

أنّ إرضاء الحاجات الطّبيعيّة للإنسان وإشباع الدّوافع الفطريّة لديه لا يتحقّق إلّا من خلال الإلمام ببعض المعارف الخاصّة، الّتي تجلب له النّفع وتدفع عنه الضّرر. فإذا أمكن للمعارف الدينية خاصّة أن تساعد الإنسان على إشباع حاجاته، وتوفير المنافع الّتي ينشدها، والأمن من المضارّ والأخطار الّتي تتهدّده، فسيكون الدّين من المجالات الّتي ينشدها الإنسان بفطرته، وبذلك تكون غريزة البحث عن المنفعة والأمن من الضّرر والخطر دافعاً آخر للبحث عن الدّين،

 

20

 

 

11

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 خاصّة بعدما سمع بوجود أشخاص يدعون إلى الله وما يترتّب عليه من منافع وسعادة أبديّة، وضرر عظيم وعقاب دائم على فرض ترك البحث عن الله تعالى، والوقوع في مخالفة أوامره ونواهيه، حتّى مع الجهل بها لتقصيره وإهماله لهذا الأمر الخطير.

 
شبهة وجوابها
 
قد يدّعي بعض الناس أنّ الدّافع للبحث عن شيء ما إنّما يكون محرّكاً وفاعلاً فيما إذا كان احتمال الوصول إلى نتيجة قويّاً وعالياً، وبما وأنّ احتمال الوصول إلى نتيجة في البحث عن الديّن ضعيف جدّاً، فلا يكون مثل هذا الاحتمال محرّكاً، بل لا يُعبأ به ولا يُلتفت إليه عند العقلاء، وعليه فمن الأفضل بذل الجهد في البحث عن مسائل تكون درجة الاحتمال فيها قويّة ومؤثّرة، كما هو الحال في المسائل العلميّة المعتمدة على التّجربة.
 
والجواب: يقع من جهتين:
 
أوّلاً: إنّ الأمل في معالجة المسائل الدّينيّة واحتمالها ليس ضعيفاً كما تُوهّم، بل إنّ الأمل فيها ليس بأقلّ من المسائل التّجريبيّة، خاصّة وإنّ بعض المسائل العلميّة التجريبيّة تحتاج إلى سنوات من الجهود المضنية، مع أنّ احتمال الوصول إلى نتيجة فيها ضعيف جدّاً، ومع ذلك تُبذل الجهود دون تردّد ولا ملل، وهذا يفتح الباب للجهة الثّانية من الجواب.
 
ثانياً: أنّ الدّافع والمحرّك للبحث عن أيّ شيء لا يعتمد فقط على درجة الاحتمال قوّةً وضعفاً، بل لا بدّ من مراعاة درجة المحتمل أيضاً، وذلك, لأنّ المحتمَل يُزوِّد الاحتمال بقوّة دفعٍ وتحريكٍ باتّجاه البحث، وهذا ما تجده في كثير من المسائل والقضايا، فلو احتملت قويّاً لدرجة 80% مثلاً أنّك أضعت مبلغاً بسيطاً من المال لا يعتدّ به أثناء سيرك ليلاً، فإنّك لن تبحث عنه، وما
 
21

12

الدرس الثاني: البحث عن الدين

  ذلك إلّا لضعف المحتمل مع أنّ الاحتمال كان قويّاً وكبيراً، بخلاف ما لو احتملت 20% أنّك فقدت مبلغاً كبيراً من المال أثناء سيرك ليلاً، ففي مثل هذه الحال ستجد في نفسك دافعاً قويّاً للبحث عنه وستبدأ بالبحث مباشرة، وما ذلك إلّا لأنّ المحتمَل كان قويّاً وكبيراً مهما كانت درجة الاحتمال ضعيفة وبسيطة.

 

والمحصَّل: أنّ لكلٍّ من الاحتمال والمحتمل دوره في التحريك والدفع نحو البحث، وقصر النظر على قيمة الاحتمال فقط مخالف للعقل والعقلاء.

 

وبما أنّ المنفعة المحتملة المترتّبة على البحث عن الدّين لا حدّ لها وهي كبيرة وقويّة جدّاً، بحيث تكفي لدفع الإنسان وتحريكه للبحث عنها، فيجب على العاقل في مثل هذه الحال أنْ يبحث عن مسائل الدّين ويبذل الجهد في سبيل تحصيلها، لأهمّيَّتها الّتي تفوق بدرجات قيمة المحتَمل في أيِّ مسألة علميّة تجريبيّة.

 

هذا كلّه لو سلّمنا أنّ درجة الاحتمال ضعيفة، فكيف والحال أنّ هذا الاحتمال قويّ أيضاً.

 

الثّالث: لزوم شكر المنعم

وهذا الدّافع هو من الدّوافع العقليّة الفطريّة, حيث إنّ النِّعم الّتي تواكب الحياة الإنسانيّة كلّها والّتي لا يسع أحداً إنكارها هي من الكثرة بحيث لا تبلغ حدّ الإحصاء، ومن جانب آخر فإنّ العقل الفطريّ يحكم بلزوم شكر المنعم على نعمه ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾1 ، ولا يتحقّق شكر المنعم الحقيقيّ - وهو الله تعالى - إلّا بمعرفته، ولا تتحقّق المعرفة إلّا بالبحث عنه والاستدلال على وجوده تعالى وعليه يجب البحث عن الدّين, لأنّه مقدّمة للشُّكر الواجب ومقدّمة الواجب واجبة بحكم العقل.

________________________________________

1- سورة الرحمن، الآية: 60.

 

 

22

 

13

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 الرابع: غريزة حبّ الكمال

 
من جملة المسائل الّتي ينبغي أن تشكّل حافزاً ودافعاً للإنسان للبحث عن المبدأ وما يرتبط به من صفات وأفعال، هو ما فُطرت عليه النفس الإنسانيّة, وهو حبّ الكمال، " فإنّ الإنسان موجود باحث عن الكمال بفطرته"، ولكي لا ينحرف هذا الدافع عن مساره الصحيح، كان لا بدّ من معرفة "أنّ الكمال الإنسانيّ لا يتحقّق إلّا من خلال اختيار الإنسان لأفعاله"، هذا الاختيار المعتمد على حُكم العقل وتوجيهاته، لأنّ الكمالات المختصّة بالإنسان هي الّتي تتمثّل بكمالاته الروحيّة، والّتي يتوصّل إليها من خلال الإرادة الواعية، والاختيار المنبثق من حكم العقل.
 
إلّا أنّ العقل عاجز عن تقييم الأفعال وتقويمها ما لم يتوصّل إلى نظام خلقي وقيمي. نحاكم الأفعال على أساسه، وهذا لا يتحقّق إلّا برؤية صحيحة للكون والحياة وعلاج مسائلها ومواضيعها "فمعرفة الله وصفاته وأفعاله هي الأساس لتقييم الأفعال والحكم عليها من قبل العقل". 
 
وعليه لا يتمكّن الإنسان من تحقيق كماله المنشود إذا لم يعالج هذه المسائل ويجيب على تلك الأسئلة.
 
الخامس: فطريّة الشّعور الدّيني
 
إنّ بعض علماء النفس يرون أنّ التديّن وعبادة الله ظاهرة ثابتة- بشكل من الأشكال- في كلّ الأجيال البشريّة على امتداد التّاريخ، وهذا الثّبات الدّائم لهذه الظاهرة دليل على فطريّتها، ولقد صرّح القرآن الكريم بهذا الدّافع بقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾2.
________________________________________
2- سورة الروم، الآية: 30.
 
23

14

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 تنبيه: حول شمولية الدافع الفطري

 

إنّه لا يلزم من القول بشموليّة الدّافع الفطريّ أنّ يوجد دائماً بشكل حيّ ويقظ في جميع الأفراد، بحيث يدفع الإنسان بطريقة شعوريّة وواعيّة لأهدافه المنشودة، بل من الممكن أنْ يختفي هذا الشّعور الفطريّ في أعماق الفرد نتيجة العوامل المحيطة والتّربية غير السّليمة، كما قد تنحرف الميول والغرائز عن مسارها الطبيعي للسّبب نفسه. 

 

وعلى ضوء ذلك فإنّ للبحث عن الدّين دافعه الفطريّ المستقلّ ولا نحتاج لإثبات ضرورته إلى دليل. 

 

خلاصة الدّرس 

 

- هناك دوافع فطريّة عامّة تدفع للبحث عن الدِّين.

 

وهذه الدوافع هي: 

 

1- غريزة حبّ الاستطلاع: هو دافع فطريّ يدفع الإنسان لمعرفة الحقائق مطلقاً ومن ضمنها الدِّين.

 

2- غريزة البحث عن المنفعة والأمن من الضرر: فحيث إنّ هناك منافع ومضار دنيويّة وأخرويّة تترتّب على معرفة الدِّين وعدمها فيجب إذن البحث عن الدِّين لجلب المنفعة ودرأ المضرّة.

 

- وقد اعتُرض على الغريزة السابقة، بأنّ الدافع للبحث عن شيء إنّما يكون محرّكاً إذا كان احتمال الوصول إلى نتيجة قويّاً، وحيث إنّ احتمال الوصول إلى نتيجة في البحث عن الدّين ضعيف، فليس لهذا الدافع فاعليّة.

 

والجواب: بعد التسليم بكون احتمال الوصول إلى نتيجة في البحث عن الدِّين ضعيفاً- وهو ليس كذلك ـ، إنّ التحريك لا يتوقّف على قوّة الاحتمال فقط، بل

 

 

24

 

15

الدرس الثاني: البحث عن الدين

 يحصل أيضاً بسبب قوّة المحتمل, فحيث إنّ مسائل الدِّين كبيرة المضرّة لو تركت وكثيرة المنفعة لو حصلت دنيا وآخرة- جنّة أو نار- فالدافع موجود للبحث عن الدِّين.

 
3- وجوب شكر المنعِم: ولا يتحقّق الشكر إلّا بمعرفة المنعِم، وحيث إنّ الدِّين يُعرِّفنا بالمنعِم، فيجب البحث عن الدِّين.
 
4- حبّ الكمال: وبما أنّ الدِّين هو الّذي يُعطي الأساس النظري الصحيح للعقل, ليتمكّن من الاختيار الصحيح وبالتالي الوصول إلى الكمال، ثبت إذن ضرورة البحث عن الدِّين.
 
5- فطريّة الشعور الديني: وهو لا يشترط أن يكون حيّاً ويقظاً في جميع الأفراد، بل قد يختفي لعوامل مؤثّرة على الفرد.
 
 
 أسئلة حول الدرس 
 
1- ما هو المقصود من غريزة (حبّ الاستطلاع)؟
 
2- كيف تجيب من يدّعي أن غريزة (البحث عن المنافع والأمن من المضارّ) غير كافية لتدفع الإنسان للبحث عن الدّين؟
 
3- كيف نستدلّ على لزوم البحث عن الدّين من قاعدة (وجوب شكر المنعم)؟
 
4- ما هو المقصود من فطرية الشعور الديني، ولماذا لا يكون مؤثّراً دائماً؟
 
5- ما هو المقصود من غريزه(حبّ الكمال)؟
 
 
25

16

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى


أهداف الدرس:

 

1.أن يتذكر الطالب دليل النظام على وجود الله مع مقدماته.

2.أن يستذكر آية ورواية على دليل النظام.

27

 

 

17

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 تمهيد:

 
لقد أودع الله في الكون والإنسان من الأدلّة على وجوده تعالى ما لا يحصيه عدد، فالأدلّة على وجوده تعالى بعدد أنفاس الخلائق -كما قيل - والعقل البشري قادر على الاستدلال على الله تعالى وصفاته، والكثير من المسائل العقائديّة الأخرى إذا لم تؤثّر عليه الأهواء وتحيط به الشّبهات، وقد تعدّدت الأدلّة وتنوّعت، ومع ذلك يمكن تقسيمها إلى قسمين:
 
الأوّل: مجموعة أدلّة تعتمد على التأمّل في الكون والإنسان وما يكمن فيهما من الآثار والآيات الإلهيّة، وترتكز هذه الأدلّة على مقدّمات حسّيّة، ويقع على رأسها دليل النّظام.
 
الثّاني: مجموعة أدلّة تعتمد بشكل أساس على مقدّمات عقليّة محضة منها الدليل المعروف بـ(دليل الإمكان).

دليل النّظام
 
وهو من الأدّلة السّهلة الّتي يدركها كلّ إنسان عاقل، لأنّه يرتكز على مقدّمتين يسهل إثباتهما، إحداها حسّيّة تجريبيّة وهي "إنّ هذا العالم منظَّم" وثانيتها عقليَّة بديهيَّة وهي "إنّ كلّ منظَّم يحتاج إلى منظِّم".
29

18

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 والنّتيجة هي "إنّ هذا العالم يحتاج إلى منظِّم وليس وليد الصدفة العمياء".

 

هذا هو دليل النّظام على الإجمال، وتفصيله يحتاج إلى:

 

أ- معرفة المقصود من النّظام، ب- وتوضيح المقدّمات وإثباتها.

 

أ- المقصود من النّظام 

النّظام هو عبارة عن التناسق الموجود بين أجزاء المركَّب الواحد-كأجزاء الشجرة الواحدة - والتوازن الحاصل بين الموجودات-كالتوازن بين أنواع الحيوان والإنسان والنبات والهواء- إلخ - بشكل يتحقّق منه الغرض والغاية من وجودها وعلى أكمل وجه.

 

ب- مقدّمات دليل النظام

 

1- إن هذا العالم منظم: ويمكن إثباتها من خلال تأمّل الإنسان العاقل في هذا الوجود، بالمشاهدة الحسّيّة تارة، وبفضل ما وصلت إليه العلوم الطّبيعيّة تارة أخرى، فإنّ الإنسان- وبأدنى تأمّل- سيجد نظاماً يتحكّم في كلّ موجود على حدة، ونظاماً عامّاً يربط بين الموجودات كلّها بحيث تؤدّي دورها على أكمل وجه، ويتحقّق الهدف المنشود من وجودها.

 

فالمنظومة الشّمسيَّة بما تحويه من شمس وقمر وكواكب، عجيبة في تكوينها، دقيقة في حركاتها المنتظمة، وما يترتّب عليها، من مصالح وما يحدث بسببها من أحوال لازمة لها، كاللّيل والنّهار، والفصول الأربعة وما يترتّب على هذا الانتظام من فوائد.

 

وكذلك عالم النبات وهو عالم عجيب في تركيبه وأسراره وفوائده، الّتي اكتشف العلم حتّى الآن جزءً بسيطاً منها، وما خفي أعظم.

 

30

 

19

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 وأمّا الإنسان، فإنّه من أعجب وأعظم المخلوقات، فهو يحوي ما تفرّق في المخلوقات، وأضيف إليه أجهزة معقّدَة أخرى ولكنّها منظّمة بكيفيّة مثيرة للدّهشة، لما فيه من عجائب وأسرار وأنظمة. ومع أنّ الإنسان وضع تحت مجهر البحث المركّز في كلّ جوانب وجوده، إلّا أنّهم لم يتوصّلوا إلى الكثير من خصائصه. فمن عالم الخلايا، والجهاز الهضميّ والتّنفّسي والدّورة الدمويّة والقلب وغيرها الكثير من الأجهزة، ويبقى المخّ من أكثر أجهزة الإنسان تعقيداً، وله مركز القيادة وأوامره الّتي تحملها الأعصاب إلى أعضاء البدن... إلخ، فالشّواهد التّي تثبت النّظام في الكون من أوضح الواضحات.

 
2- إنّ كلّ منظَّم يحتاج إلى منظِّم: وهذه المقدّمة عقليّة بديهيّة، يدركها الإنسان بمجرّد الإلتفات إليها، ومن دون حاجة إلى دليل, فإنّ العقل إذا أدرك النّظام وما هو عليه من دقّة وروعة في التّقدير والتّوازن والانسجام، يحكم مباشرة بأنّ هكذا موجود يمتنع وجوده بدون فاعل عالم وقادر، هو الّذي أوجده ونظّمه، وينفي العقل إمكانيّة وجود هكذا نظام عن طريق الصّدفة، فالعقل الّذي يرفض إمكانيّة صدور مقالة بسيطة من إنسان أميّ لمجرّد أنّه ضغط عشوائيّاً على أحرف الآلة الكاتبة، فهو يرفض قطعاً وبشكل أوضح وجود هذا الكون والنّظام صدفة من دون خالق، وهذا الحكم يعتمد على قانون العلّيّة الثّابت بحكم العقل البديهي. فالعقل يحكم بالبداهة أنّ كلّ معلول يحتاج إلى علّة، ويستحيل وجوده دون علّة.
 
وبذلك تظهر النّتيجة بشكل جليّ، فالعالم منظَّم بحسب المشاهدات والعلوم، وكلّ منظَّم يحتاج إلى منظِّم بحسب البداهة العقليّة، إذن فالعالم يحتاج إلى خالق منظِّم ويستحيل أن يكون وليد الصدفة العمياء، وهو المطلوب.
 
31

20

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 فوائد دليل النّظام


من أهمّ الفوائد الّتي يعطيها هذا الدّليل


أوّلاً: إنّه يحرّك الفطرة الإنسانيّة ليرتقي بها إلى مرتبة الوعي والالتفات بعد النسيان والغفلة.

 

ثانياً: إنّه لا تقتصر وظيفته على إثبات وجود الخالق فحسب بل تتعدّاه لإثبات بعض صفاته ومنها أنّه عالم، قادر, إذ إنّ النّظام الهادف يجب أن يكون موجدُه، عالماً، وتحقُّق النّظام خارجاً دليل القدرة, لأنّ خصائص الفعل تدلّ على خصائص الفاعل.

 

النّظام في الكتاب والسنّة

 

يزخر القرآن بالآيات الكريمة الّتي تلفت الأنظار إلى ما في الكون من أنظمة بديعة، نذكر منها الآيات التالية:

 

1- ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾1.


2-﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾2.


3- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾3.

 

وفي كلمات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إشارات واضحة إلى هذا الدّليل كقوله عليه السلام: "ولو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرَجَعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكنّ القلوب عليلة، والبصائر مدخولة"4.

________________________________________

1- سورة الملك، الآية: 23.

2- سورة المؤمنون، الآيتان: 12-13.

3- سورة السجدة، الآية: 27.

4- نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده، ج2، ص335-336.

 

 

32

 

21

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 وقد أملى الإمام الصّادق عليه السلام على تلميذه المفضَّل، عدداً من الأنظمة وما فيها من أسرار وحكم وعجائب، من أجهزة الإنسان والحيوانات الأخرى، والطيور والحشرات، والفلك وما يحصل من تغيّرات، والنباتات وأسرار اختلافها، والأمراض وأدويتها، ثمّ الموت والفناء5.

 
خلاصة الدرس
 
إنّ العقل قادر على الاستدلال على وجود الله تعالى، وقد تعدّدت الأدلّة وتنوّعت، وهي على نحوين:
 
الأوّل: مجموعة تعتمد على التأمّل في الكون والإنسان، وترتكز هذه الأدلّة على مقدّمات حسّيّة، ويقع على رأسها دليل النظام.
 
الثاني: مجموعة أدلّة تعتمد بشكل أساس على مقدّمات عقليّة كدليل الإمكان. 
 
- يتكوّن دليل النظام من مقدّمتين:
 
الأولى: حسّيّة تجريبيّة وهي: (إنّ هذا العالم منظَّم).
 
الثانية: عقليّة بديهيّة وهي: (إنّ كلّ منظَّم يحتاج إلى منظِّم).
 
النتيجة هي: (إنّ هذا العالم يحتاج إلى منظِّم).
 
- يمكن إثبات المقدّمة الأولى من دليل النظام بالمشاهدة الحسّيّة، وبفضل ما وصلت إليه العلوم الطبيعيّة. ففي الكون أمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى على النظام.
 
- المقدّمة الثانية من دليل النظام مقدّمة عقليّة بديهيّة، يُدركها الإنسان 
________________________________________
5- كتاب التوحيد، المفضّل، ص37-38.
 
33

22

الدرس الثالث: دليل النظام على وجود الله تعالى

 بمجرّد الالتفات إليها، فالعقل يحكم بالبداهة أنّ كلّ معلول يحتاج إلى علّة، ويستحيل وجوده من دون علّة.

 
- المقصود من النظام: هو عبارة عن التناسق الموجود بين أجزاء العالَم والتوازن الحاصل بين الموجودات بشكل يتحقّق منه الغرض والغاية من وجودها على أكمل وجه.
 
- من أهمّ وظائف دليل النظام:
 
أوّلاً: إنّه يُحرِّك الفطرة الإنسانيّة. 
 
ثانياً: بالإضافة إلى إثباته وجود الخالق يُثبت بعض صفاته ومنها أنّه عالم قادر.
 
- في القرآن الكريم والروايات الكثير مما يُلفت الأنظار إلى ما في الكون من نظام، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾6.
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "ولو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق".
 
أسئلة حول الدرس
 
1- ما هو معنى النّظام المقصود في الدليل؟
 
2- تحدّث باختصار عن مقدّمات دليل النظام.
 
3- بيّن أهم وظائف دليل النظام؟
 
4- أذكر آية ورواية تشيران إلى دليل النظام؟
________________________________________
6- سورة الملك، الآية: 23.
34

23

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى




أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب إلى معنى الإمكان.
2.أن يميز بين الدور والتسلسل.
3.أن يستذكر دليل الإمكان.
 
35

 


24

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 تمهيد:

 
يعدّ دليل الإمكان والوجوب من الأدلّة العقليّة القريبة إلى الفهم، إضافة إلى كونه محكماً. وهو يثبت وجوب الوجود لله تعالى، واستغناءه عن غيره في وجوده، وأمّا صفاته الثبوتيّة والسلبيّة فتحتاج إلى أدلّة أخرى.
 
وقبل الشّروع في بيان هذا الدّليل لا بُدَّ أوّلاً من بيان بعض المصطلحات المرتبطة به. وذلك, لأنَّ فهم معنى الإمكان والوجوب والدو ر التسلسل يعدّ الركن الأساس لفهم هذا الدّليل، والاستفادة منه بالشّكل المطلوب والمفيد.
 
المصطلحات الواردة في الدليل

الأوّل: الإمكان والوجوب
 
إنّ وجود الموجودات المتحقّقة الوجود، لا يشكّ به عاقل، ويدركه الإنسان بوجدانه من دون حاجة إلى دليل، وهذا الوجود لا يخلو عقلاً من أحد احتمالين: 
 
الأوّل: أنْ يكون موجوداً بذاته وهذا يعني أنَّه لا يحتاج إلى ما يوجده, ولذلك لا يصحّ السؤال عن علّة وجوده, لأنّه ليس له علّة حسب الفرض وهو الواجب. 
 
37

25

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 والثاني: أن يكون وجوده ليس بذاته بل يحتاج إلى موجود آخر يوجده، ويصحّ أنْ يسأل عن علّة وجوده, لأنّه يستحيل وجوده بدون علّة وهو الممكن.

 

مثال تقريبي: لو قلت: الملح مالح فإنّ ثبوت الملوحة للملح، على نحو الوجوب فهو واجب الملوحة, لأنّ ملوحته ذاتيّة له ويستحيل أنْ تنفكّ عنه، فإنّ الله تعالى أوجده مالحاً من البداية لا أنّه تعالى أوجد شيئاً ثمّ عرضت عليه الملوحة ولذلك لا يصحّ السّؤال: لماذا الملح مالح، وأمّا لو قلت الطّعام مالح فإنّ ثبوت الملوحة للطّعام ليست ذاتيّة له، بل تتوقّف على غيره وهو الملح ويمكن انفكاك الملوحة عن الطّعام. ويصحّ السّؤال: لماذا الطّعام مالح.

 

وكذلك الحال بالنّسبة للوجود الواجب أو الممكن. فوجود الواجب بذاته، لا يحتاج فيه إلى غيره، أمّا وجود الممكن فليس بذاته لذلك يحتاج فيه لغيره.

 

الثّاني: الدّور

 

وهو توقّف وجود الموجود الأوّل على الموجود الثاني، ووجود الثاني متوقّف على الأوّل فكلّ منهما علّة لوجود الآخر, وعليه يلزم أنْ يكون كلّ واحد منهما متقدّماً لأنّه علّة، و متأخّراً لأنّه معلول، وهذا جمع بين النقيضين وهو ممتنع بالبداهة. فالدّور باطل، وكلّ ما يلزم منه الدّور باطل أيضاً.

 

الثّالث: التسلسل

 

وهو عبارة عن توقّف الموجود الأوّل على الثاني، والثاني على ثالث... وهكذا لا إلى نهاية، بحيث تجتمع سلسلة من الموجودات الممكنة، كلّ واحد منها معلول للسّابق وعلّة للّاحق، مترتّبة غير متناهية. وهنا يُسأل عن العلّة الّتي أفاضت الوجود على هذه السّلسلة الممكنة، فإن كانت العلّة ممكنة أيضاً كانت محتاجة إلى علّة أيضاً وهكذا لا إلى نهاية، ويلزم عدم وجود الموجودات, ولكنّ وجودها

 

 

38

 

26

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 بديهي. وإن كانت العلّة واجبة الوجود، أي: وجودها ذاتي، فقد انقطعت السّلسلة وحصل المطلوب. مثال: لو نزّلنا الموجود الممكن منزلة الصّفر. فاجتماع الممكنات بمنزلة اجتماع أصفار والّتي مهما تكاثرت لا تنتج عدداً بحكم فقرها الذاتي, فلا بدّ لها من عدد صحيح يحمل قيمة بذاته ليفيض منها على الأصفار، فتصبح حينئذ ذات قيمة.

 

مثال توضيحي

 

لو أوقف قائدُ الجيش كلَّ جيشه في صفّ أفقي، وأصدر أمراً بإطلاق النار، لكنّه وضع شرطاً واحداً وهو: أن لا يطلق أحدٌ النار حتّى يسمع من أطلق قبله، فإن الجنديّ الأوّل لا يُطلق النار حتّى يطلق الثاني، والثاني لا يطلق حتّى يطلق الثالث، وهكذا، عندها لا يطلق أحدٌ النار. إذاً لا بدّ من وجود شخص في البداية يطلق النار من دون أيّ شرط ويعتمد على ذاته بالإطلاق، وعندها يطلق الجميع النار.

 

المحصّل: إنّ فرض وجود ممكنات غير متناهية مستلزم لأحد أمرين: إمّا تحقُّق المعلول بلا علّة، وإمّا عدم وجود شيء في الخارج رأساً، وكلاهما بديهي البطلان, فالأوّل مخالف لقانون العليّة العامّ، والثّاني مخالف للوجدان.


الاستدلال بدليل الإمكان

 

تقدّم أنّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الممكنة الوجود بمعنى أنّها تحتاج في وجودها إلى الغير، أي: تحتاج إلى علّة توجدها, بدليل أنّها توجد وتنعدم، وتتبدّل وتتغيّر وهو دليل الإمكان, وعليه فوجودها لا يخلو من الاحتمالات التّالية:

 

 

39

27

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 1- إمّا أنّها وجدت من دون علّة، وهو باطل, لأنّها ممكنة الوجود، ولأنّ فرض وجودها من العدم يلزمه كون فاقد الوجود يعطيه وهو باطل, لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه.

 
2- وإمّا أنّ بعضها علّة للبعض الآخر، والآخر علّة للبعض الأوّل وهو باطل, للزوم الدّور الباطل بالدّليل أيضاً.
 
3- وإمّا أنّ البعض الأوّل علّة للثّاني، والثّاني للثّالث وهكذا لا إلى نهاية، وهذا باطل, للزوم التّسلسل الممتنع والباطل بالدليل.
 
4- وإمّا أنّ وجودها مفاض من موجود واجب الوجود بذاته غير محتاج لأيّ شيء، وهو المطلوب وهذا الفرض هو الّذي يرضاه العقل ويحكم به.
 
دليل الإمكان في القرآن
 
لقد أشار القرآن الكريم إلى مفردات هذا الدّليل، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾1.
 
وقال تعالى:﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾2
 
تنبيه: قد يقال بأنّ الاعتقاد بوجود علّة غير معلولة موجودة بنفسها، مناف للقاعدة العقليّة القائلة بأنّ الموجود لا يتحقَّق بدون علّة.
 
والجواب: إنّ القاعدة العقليّة لا تحكم على الموجود بما هو موجود بأنّه يحتاج إلى علّة, بل الحاجة إلى علّة هي من لوازم الموجود الممكن فالقاعدة العقليّة تحكم بأن الموجود الممكن يحتاج إلى علّة, وهذا واضح ممّا تقدّم.
________________________________________
1- سورة فاطر، الآية: 15.
2- سورة الطور، الآيتان: 35- 36. 
40

28

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

 خلاصة الدّرس 

 
- الوجود لا يخلو عقلاً من أحد احتمالين: 
 
الأوّل: أن يكون موجوداً بذاته فلا يحتاج إلى موجد وهو (الواجب).
 
الثاني: أن يكون وجوده ليس بذاته بل يحتاج إلى علّة توجده، وهو (الممكن).
 
الدور: هو توقّف وجود الأوّل على الثاني، والعكس، ولازمه أن يكون كلّ واحد منهما متقدّماً لأنّه علّة، ومتأخِّراً لأنّه معلول، وهذا جمع بين النقيضين وهو باطل.
 
التسلسل: هو توقّف الأوّل على الثاني، والثاني على الثالث، وهكذا لا إلى نهاية، وهو باطل, لأنّ فرض وجود ممكنات غير متناهية مستلزم لأحد أمرين: إمّا تحقّق المعلول بلا علّة، وإمّا عدم وجود شيء في الخارج رأساً، وكلاهما باطل بديهة, فالأوّل مخالف لقانون العلّيّة العامّ، والثاني مخالف للوجدان.
 
تقرير دليل الإمكان: بعد التسليم بوجود الممكنات، فوجودها لا يخلو من الاحتمالات التالية:
 
1- أنّها وجدت من العدم، وهذا باطل, لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.
 
2- أنّ بعضها علّة للبعض الآخر، والآخر علّة للأوّل، وهذا باطل للزوم الدور.
 
3- البعض الأوّل علّة للثاني، والثاني علّة للثالث، وهكذا لا إلى نهاية، وهذا باطل للزوم التسلسل.
 
4- أنّ وجود الممكنات فيضٌ من موجود واجب الوجود بذاته، وهو المطلوب.
 
- قد يُقال: إنّ الاعتقاد بوجود علّة غير معلولة، منافٍ للقاعدة العقليّة القائلة بأنّ الموجود لا يتحقّق بدون علّة.
 
الجواب: إنّ القاعدة العقلية تقول: "إنّ الموجود الممكن يحتاج إلى علّة"، وبالتالي فإنّ الواجب لا تشمله القاعدة.
 
41
 

29

الدرس الرابع: دليل الإمكان على وجود الله تعالى

أسئلة حول الدرس 

 

1- عرّف الإمكان والوجوب، مع مثال؟

 

2- ما هو الفرق بين الدّور والتسلسل، وما هو وجه بطلانهما؟

 

3- بيّن كيفية الاستدلال بدليل الإمكان على وجوده تعالى؟

 

4- هل يتنافى القول بوجود علّة غير معلولة مع القول بأنّ الموجود الممكن لا يتحقّق بدون علّة، ولماذا؟

 

 

42 

 

 

30

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

 الدرس الخامس: الصفات السلبية 



أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف إلى معنى الصفات السلبية.
2. أن يتعرف إلى معنى العلة الموجودة وميزاتها.
 
 
43
 

31

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

 بعد أن تمّ إثبات وجود واجب الوجود، فإنّ إثبات صفاته يحتاج إلى أدلّة أخرى، بعضها يعتمد على إدراك حقيقة معنى الواجب، كما سيتّضح لاحقاً.

 
تقسيم الصّفات الإلهيّة

تنقسم الصّفات الإلهيّة إلى ثبوتيّة وسلبيّة، والثّبوتيّة تنقسم أيضاً إلى ذاتيّة وفعليّة- وسيأتي الكلام عنها في الدرس اللاحق ـ.
 
الصّفات السّلبيّة
 
سوف يتمحور البحث في هذا الدّرس حول الصّفات السّلبيّة: وهي الصّفات الّتي يجب تنزيه الذّات الإلهيّة عن الاتّصاف بها.
 
وذلك, لأنّه إمّا أن تكون الصّفة في حقيقتها وواقعها نقص وحاجة، بحيث لا يمكن أن يتصوّر فيها كمال مطلق كالجسميّة مثلاً.
 
وإمّا أن تكون الصّفة بحدّ ذاتها كمال، إلّا أنّه قد شابها نوع نقص، نتيجة ارتباطها وتعلّقها بالممكنات، لكنّ العقل قادر على إدراك كمالها المطلق بعد إزالة النّقص العارض عليها، مثل: العلم والقدرة المتّصف بهما الإنسان، فإنّه لا يمكن وصفه تعالى بهما بجميع خصائصهما، بسبب اشتمالهما على النّقص
 
45

32

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

  العارض عليهما كالمحدودية وحاجتهما للمحلّ، مع أنّهما في الله تعالى عين ذاته المتعالية كما سيأتي. وبهذا يتّضح أنّ الصّفات السّلبيّة ترجع بتمامها إلى أصل واحد، وهو سلب النقص والحاجة عنها وأنّه يجب تنزيهه تعالى عنهما.

 

الدّليل على التّنزيه

 

إنّ فرض كونه تعالى واجب الوجود - كما تمّ الدليل عليه في الدرس السابق- يعني عدّة أمور:

 

أوّلاً: أنّه غير محتاج في وجوده لأيّ موجود آخر, لأنّ فرض حاجته إلى الغير تعني أنّه ممكن الوجود, وهو خلاف فرض وجوب وجوده.

 

ثانياً: أنّ الموجودات الممكنة الوجود كلّها معلولة ومحتاجة إليه.

 

ولكلٍّ من هاتين الصّفتين لوازم يثبت من خلالها نفي الصّفات السّلبيّة بتمامها، بل يمكن إثبات بعض الصّفات الثّبوتيّة.

 

وإنّ المتأمّل في معنى واجب الوجود يدرك بشكل واضح أنّ كلّ موجود سبقه العدم أو يلحقه العدم يستحيل أن يكون وجوده ذاتيّاً, لأنّ العدم السّابق أو اللّاحق يعني الحاجة إلى الغير في وجوده، وبالتّالي يعني أنّه غير واجب بل هو ممكن محتاج لعلّة هي غيره، وبذلك يثبت أنّ الله أزليّ أبديّ، أي: سرمديّ، ويثبت أنّ كلّ موجود سبقه العدم أو يلحقه العدم لا يكون واجباً.

 

ليس مركباً من أجزاء

 

أوّلاً: من لوازم واجب الوجود البساطة، أي عدم التّركيب من أجزاء, إذ كلّ مركّب محتاج ومفتقر إلى أجزائه, لأنّ التركيب مطلقاً يتنافى مع مفهوم واجب الوجود، المنزّه عن الحاجة مطلقاً.

 

ثانياً: فرض التركيب يعني قابليّة المركّب للزّوال والانعدام, لأنّ المركَّب

 

 

46

 

33

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

  قابل للانقسام ولو عقلاً، إن لم ينقسم في الخارج فعلاً، وإمكان الانقسام يعني إمكان زوال الكلّ وانعدامه. وقد تمّ إثبات عدم قابليّة الواجب للزّوال والانعدام.

 
ليس جسماً
 
ومن لوازم عدم التّركيب يثبت أنّ الله تعالى ليس جسماً، بل هو موجود مجرّد، وإذ ثبت استحالة كونه تعالى جسماً، تثبت استحالة كلّ ما يتوقّف تحقّقه على الجسميّة، ويلازمها مثل كونه قابلاً للرّؤية والحاجة إلى المكان، والخضوع للزّمان، والحركة والتّحوّل, فإنّ جميع هذه المسائل من خصائص الجسم والجسمانيّات، وقد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم.
 
العلّة الموجدة
 
بمناسبة الكلام عن واجب الوجود، تجدر الإشارة إلى أنّه يطلق على واجب الوجود، مصطلح "العلّة الموجدة" بمعنى أنّه تعالى هو الموجد للموجودات، والفاعل المستقلّ لها، وغير المحتاج في وجوده وإيجاده لأيّ شيء آخر- كما مرّ- ويستحيل وجود علّة فاعليّة كفاعليّة الله تعالى, إذ كلّ فاعل سواه يحتاج في فاعليته لله تعالى.
 
ميّزات العلّة الموجدة
 
وهي ميّزات يمكن استخراجها من الخصائص المذكورة لواجب الوجود (العلّة الموجدة):
 
1- تمتاز العلّة الموجدة بأنّها توجد معلولها وتخلقه من العدم، من دون أن ينقص من وجودها شيء، وإلّا لَزَمَ الانقسام والتغيير في الذّات الإلهية، وقد ثبت بطلانه.
47

34

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

 ويمكن تقريب هذه الميزة من خلال هذا المثال، وهو أنّ المعلّم يقدِّم من علمه لتلامذته دون أنّ ينقص من علمه شيء، وأقرب تعبير هو أنّ عالم الوجود نور وتجلٍّ من تجليات الذّات الإلهيّة المقدّسة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾1، وهذا بخلاف الفاعل المادّي والطّبيعي الّذي لا يوجِد معلوله من العدم، بل علّيّته تعني تغيير صورة المعلول الموجود مع بذل الجهد ولزوم النّقص والتغيير عليه. 

 
2- يجب أن تشتمل العلّة الموجدة على جميع كمالات معلولها بصورة أتمّ وأكمل, لأنّها هي الّتي تفيض الوجود والكمال عليه، وهذا بخلاف العلل المعدّة المادّيّة، فإنّه لا يلزم اشتمالها على كمالات معلولها لأنّها لا تُعطيه الوجود بل تقرّبه وتعدّه لتفيض العلّة الموجدة الوجود عليه.
 
3- أنّ العلّة الموجدة يحتاج إليها معلولها في أصل وجوده وفي بقائه واستمراره، خلافاً للعلّة المعدّة الّتي يحتاج إليها معلولها في أصل وجوده فقط، وأمّا غير العلّة الموجدة من العلل المادّيّة فهي في الحقيقة مهيّئة ومعدّة لفيض الوجود من العلّة، لا غير. وعليه فعالم الوجود محتاج ومفتقر إلى الله تعالى دائماً وفي كلّ شؤون وجوده وحالاته، وإذا امتنع الخالق عن فيض الوجود عليه فهذا يعني انعدام الوجود. وأمّا في العلل المعدّة، كالبنَّاء الّذي يبني منزلاً, قد يموت البنَّاء ويبقى المنزل بحاله.
________________________________________
1- سورة النور, الآية 35
48

35

الدرس الخامس: الصفات السلبيّة

خلاصة الدّرس 

 
- الصفات السلبيّة هي الصفات الّتي يجب تنزيه الذّات الإلهيّة عن الاتصاف بها, وذلك حتّى لا يلزم نسبة النقص والحاجة إليه تعالى.
 
- إنّ واجب الوجود يعني أنّه غير مسبوق بعدم ولا يلحقه عدم، لأنّ العدم السابق واللاحق يعني الحاجة إلى الغير في وجوده, وهو خلاف كونه واجب الوجود.
 
- ومن لوازم واجب الوجود أنّه غير مركّب, لأنّ المركّب محتاج إلى أجزائه، وينعدم بانعدامها، وقد تمّ إثبات عدم حاجة الواجب وعدم قابليته للزوال.
 
ومن لوازم عدم التركيب نفي الجسميّة عنه وما يلازمها من الرؤية والحاجة إلى المكان، والخضوع للزمان، والحركة والتحوّل.
 
- من ميّزات العلّة الموجدة (واجب الوجود):
 
1- أنّها توجد معلولها من العدم، من دون أن ينقص من وجودها شيء.
 
2- أنّها تشتمل على جميع كمالات معلولها بصورة أتمّ وأكمل.
 
3- أنّها علّة حقيقيّة يحتاجها معلولها وجوداً وبقاءاً واستمراراً.
 
أسئلة حول الدرس 
 
1- ما هي الصّفات السلبيّة؟
 
2- ماذا يتضمّن مصطلح واجب الوجود؟
 
3- كيف تستفيد الصّفات السلبيّة من مضمون واجب الوجود؟
 
4- ما هي ميّزات العلّة الموجدة؟
 
 
49 
 

36

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 الدرس السادس: الصفات الثبوتية 




أهداف الدرس:

 

1.أن يتعرف الطالب إلى معنى الصفات الثبوتية.

2. أن يميز بين أقسام الصفات الثبوتية.

3.أن يعدد بعض الصفات الذاتية.

 

 

51

37

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 تعريف وتقسيم

 
الصّفات الثّبوتيّة هي كلّ صفة تثبت كمالاً مطلقاً دون استلزامها نسبة نقص أو تحديد للذّات الإلهيّة، فكلّ صفة تحمل هذه الخصائص يجب إثباتها لله تعالى.
 
وتنقسم الصّفات الثبوتية إلى قسمين هما:
 
1- الصّفات الذّاتيّة.                    2- الصّفات الفعليّة.
 
1- الصّفات الذّاتيّة: 
 
وهي مفاهيم منتزعة من نفس الذّات الإلهيّة بلحاظ وجدانها لنوع من أنواع الكمالات، وأهمّ الصّفات الذّاتيّة: الحياة، العلم، القدرة.
 
ومن خصائصها أنّه ليس لها وجود غير وجود الذّات بل هي عين الذات، فهي واحد وجوداً ومصداقاً، والاختلاف بينها على مستوى المفهوم فقط، والاختلاف المفهومي كافٍ في المغايرة, ولا يلزم منه التكثر في الذات.
 
53

38

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 2- الصّفات الفعليّة: 

 
وهي مفاهيم تنتزع من نوع علاقة وارتباط بين الله تعالى ومخلوقاته، فهي مفاهيم إضافيّة تمثّل الذّاتُ الإلهيّة والمخلوقات طرفي الإضافة فيها, كالخالقيّة والرازقيّة وغيرها.
 
ولا وجود عيني لفعل الخالقيّة, فالموجود فعلاً هما طرفا الإضافة، أيّ: الذّات الإلهيّة والمخلوقات لا غير، وأمّا (الخلق) كـ (فعل) فهو مفهوم إضافي نسبي ينتزع من مقام الفعل لا غير.
 
إثبات الصّفات الذّاتيّة
 
لإثبات الصّفات الذّاتيّة دليل عامّ يجري فيها جميعاً، إضافة إلى أنّ لكلّ صفة أدلّة خاصّة بها يأتي بيانها، والدّليل العامّ هو القاعدة البديهيّة القائلة: إنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، وبيانه:
 
إنّ هذه المفاهيم- أي: الحياة والعلم والقدرة- حينما تستخدم في المخلوقات، تعبّر عن كمالاتها، فيلزمها إذن أن توجد بمرتبتها الكاملة في العلّة الموجدة, إذ كلّ كمال يوجد في أيّ مخلوق، فهو مستمدّ من الله تعالى, لأنّه العلّة الموجدة، فلا بُدَّ أنْ يكون الله تعالى الخالق واجداً له، حتّى يمكنه إفاضته وإعطاءه للمخلوق، ولا يمكن لمن يخلق الحياة أن يكون فاقداً لها، أو لمن يفيض العلم والقدرة للمخلوقات أن يكون جاهلاً عاجزاً, لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه. إذن فوجود هذه الصّفات الكماليّة في بعض المخلوقات دليل على وجودها في الخالق تعالى، ولكن من دون أن يكون فيها نقص أو تحديد، أي: أنّ الله تعالى يتوفّر على الحياة والعلم والقدرة اللّامتناهية.
 
54

39

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 أ- الحياة

 
يستعمل مفهوم الحياة في مجموعتين من المخلوقات: الأولى: النباتات، حيث تتميّز بالنّموّ. الثّانية: الحيوانات والإنسان، حيث تمتلك الشّعور والإرادة.
 
أمّا: مفهوم الحياة في النبات فهو مستلزم للنّقص والاحتياج بذاته وفي واقعه، ذلك, لأنّ طبيعة النّموّ تفرض أن يكون الشّيء النّامي في بداياته فاقداً للكمال، ولكن نتيجة لبعض العوامل والمؤثّرات الخارجيّة تحصل فيه تغيّرات تصل به إلى كمال جديد بالتّدريج- وتسمّى نموّاً-، ولا يمكن نسبة مثل هذه الأمور إلى الله تعالى، كما مرّ توضيحه في موضوع الصّفات السّلبيّة.
 
أمّا المفهوم الثّاني: فإنّه مفهوم كمالي في حقيقته وإن اقترن في بعض مصاديقه الإمكانيّة ببعض النقائص والتحديدات، ولكن يمكن أن نتصوّر له مرتبة لا متناهية ليس فيها أيّ نقص أو تحديد أو احتياج، كما هو الأمر في مفهوم الوجود ومفهوم الكمال.
 
والحياة بمعناها الملازم للعلم والفاعليّة الإراديّة من مستلزمات الوجود غير المادّي، وذلك, لأنّه وإن نسبت الحياة إلى الكائنات المادّيّة الحيّة، ولكنّ الحياة في واقعها صفة لروحها، لا لبدنها، وإنّما يتّصف بها البدن لتعلّق وارتباط الرّوح به، وبعبارة أخرى: كما أنّ الامتداد من لوازم الوجود الجسماني، فكذلك الحياة من لوازم الوجود المجرّد ( غير الجسماني). ومن هنا ينشأ دليل آخر على الحياة الإلهيّة وهو: أنّ الذّات الإلهيّة المقدّسة مجرّدة غير جسمانيّة- كما أثبت في الدّرس السّابق- وكلّ موجود مجرّد واجد بذاته للحياة، إذن فالله تعالى واجد للحياة بذاته.
 
55

40

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 ب- العلم

 
مفهوم العلم من أكثر المفاهيم وضوحاً وبداهة، ولكنّ مصاديق هذا المفهوم الّتي نعرفها في المخلوقات، هي مصاديق ناقصة محدودة، ومفهوم العلم بهذه الخصائص الّتي تتّصف بها المخلوقات ككونه زائداً على الذات مثلاً لا يُمكن أنْ يصدق على الله تعالى، ولكنّ العقل- وكما ذكر سابقاً- يُمكنه أنْ يتصوّر لهذا المفهوم الكمالي مصداقاً ليس فيه أيّ نقص أو تحديد، وهو عين ذات العالم، وهذا هو العلم الذّاتي لله تعالى.
 
ويُمكن إثبات علم الله تعالى - بالإضافة للدليل العامّ المتقدِّم -من طرق عديدة نكتفي بواحد منها، وهو: الاستعانة على إثبات ذلك بدليل النّظام1 حيث سبق القول بأنّ الأثر يدلّ على المؤثّر وعلى جملة من خصوصيّاته, فإنّ أيّ ظاهرة أو مخلوق كلّما إزداد دقّة وإحكاماً واتّقاناً في النّظام، ازداد دلالة على علم خالقه، كما هو الملاحظ في الكتاب العلمي، أو القصيدة الرّائعة، حيث تدلّ على مدى ما يملكه مبدعها من ثقافة وذوق وخبرة، ولا يمكن لعاقل أن يتصوّر أنّ الكتاب العلميّ أو الفلسفي قد كتبه شخص جاهل غير مثّقف. إذن فكيف يحتمل أن يخلق هذا الكون العظيم بكل ما فيه من أسرار ونظام مدهش موجود غير عالم!
 
إشارة: إنّ للاعتقاد والإيمان بالعلم الإلهي وسعته دوراً كبيراً في بناء شخصيّة الإنسان, ولذلك كان تأكيد القرآن الكريم وتشديده على هذه الحقيقة، ومن الآيات الشّريفة في ذلك قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾2.
________________________________________
1- وقد تقدم شرحة في أدلّة اثبات وجود الله تعالى.
2- سورة غافر، الآية: 19.
 
56

41

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 ج- القدرة

 
تطلق القدرة على الفاعل الّذي يؤدّي عمله بإرادته واختياره. إذن فالقدرة عبارة: عن كون الفاعل المختار هو المبدأ والمصدر لأفعاله. وكلّما كان الفاعل أكثر تكاملاً من حيث المرتبة الوجوديّة كان أكثر قدرة, لأنّ الوجود هو منبع الكمال، وبطبيعة الحال فالموجود الّذي يتوفّر على الكمال اللّامتناهي له قدرة غير محدودة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾3 ، ويعدّ وجود النّظام، والإتقان، والإحكام دليل على قدرة الله تعالى.

تنبيهات حول القدرة
 
بمناسبة الكلام عن القدرة يجب التأكيد على عدد من الملاحظات:
 
1- إنّ الشيء الّذي تتعلّق به القدرة لا بُدَّ أنْ يكون ممكن التّحقّق, لأنّ الشّيء المحال في ذاته، أو المستلزم للمحال، لا تتعلّق به القدرة، وهذا ليس من جهة قصور القدرة في الفاعل، بل من جهة عدم قابليّة المستحيل للتحقّق، وإلّا لما كان مستحيلاً، كوجود إله آخر، أو أن يُخلق الابن قبل أبيه. وبعبارة علميّة "إنّ العجز في قابليّة القابل في فاعليّة الفاعل". وقد جاء في الرواية أنّه قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغّر الدنيا أو يكبّر البيضة؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والّذي سألتني لا يكون"4.
 
2- إنّ القدرة على كلّ شيء لا تُلزم صاحبها أن يحقّقَ كلّ الأعمال الّتي يقدر عليها، وإنّما يُحقّق الأعمال الّتي يريدها، والله تعالى حكيمٌ لا يريد إلّا الأفعال الصّالحة والحكيمة، ولا يحقّق إلّا مثل هذه الأعمال، وإن كان
________________________________________
3- سورة البقرة، الآية: 20.
4- كتاب التوحيد، الشيخ الصدوق، باب القدرة، حديث 9.
 
57

42

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

  قادراً على الأعمال القبيحة والمنكرة أيضاً- فإن لم يفعل القبيح والمنكر كالظلم والتكليف بما لا يُطاق، فليس لأنّه غير قادر، بل لأنّ فعل القبيح منافٍ للحكمة والكمال اللامتناهي. وسيأتي الكلام حول الحكمة الإلهيّة.

 
3- إنّ القدرة بالمعنى الّذي ذكرناه، متضمّنة للاختيار أيضاً، فكما أنّ الله تعالى يملك أكمل مراتب القدرة وأرقاها، كذلك يملك أكمل مراتب الاختيار، ولا يمكن لأيّ عامل أو ظرف أن يقهره ويجبره على القيام بعمل، أو أن يسلب منه الاختيار، وذلك, لأنّ وجود كلّ موجود وقدرته مستمدّة منه تعالى، ولا يمكن أن يكون مقهوراً للقُوى والقدرات الّتي أفاضتها ذاته تعالى لغيره.

خلاصة الدرس 
 
- الصفات الثبوتيّة هي كلّ صفة تُثبت كمالاً مطلقاً للذّات الإلهيّة، وهي على قسمين:الصفات الذاتيّة والصفات الفعليّة.
 
1- الصفات الذاتيّة: هي الصفات المنتزعة من نفس الذّات الإلهيّة، بغضّ النظر عن العلاقة مع المخلوق، كالعلم والقدرة والحياة.
 
2- الصفات الفعليّة: هي الصفات المنتزعة من نوع علاقة بين الله ومخلوقاته، كالخالقيّة والرازقيّة. 
 
- لإثبات الصفات الثبوتيّة لله تعالى هناك دليل عامّ وهو القاعدة البديهيّة القائلة: (فاقد الشيء لا يُعطيه). وبما أنّ الحياة والعلم والقدرة موجودة في المخلوقات 
 
بدرجة ما، فلا بدّ أن يكون موجدها وخالقها ذا حياة وعلم وقدرة لا متناهية.
58

43

الدرس السادس: الصفات الثّبوتيّة

 - حياة الله هي بمعنى الشعور والإرادة ولكن بمرتبة لامتناهية. والحياة بمعناها الملازم للإرادة من مستلزمات الوجود غير المادّيّ، ونسبة الحياة إلى الكائنات المادّية الحيّة باعتبار روحها لا بدنها، ومن هنا يُستدل على الحياة الإلهيّة: أنّ الذّات الإلهيّة مجرّدة، وكلّ موجود مجرّد واجد بذاته للحياة. فإذاً الذّات الإلهيّة واجدة للحياة 

بذاتها.

 

- يمكن إثبات عِلم الله تعالى من خلال مخلوقاته البديعة الّتي تدلّ على الخالق العالِم.

 

- تُطلق القدرة على الفاعل الذي يؤدّي عمله بإرادته واختياره، ويُعدّ وجود النظام والإتقان والإحكام دليل قدرة الله تعالى.

 

- لا تتعلّق القدرة بالأمر المحال وذلك, لا من جهة قصور الفاعل بل من جهة عدم قابلية المستحيل للتحقيق.

 

 أسئلة حول الدرس 

 

1- عرّف الصّفات الذاتيّة، والفعليّة؟

 

2- ما هو الدليل العام لإثبات الصّفات الذاتيّة؟

 

3- ما هو معنى الحياة الّذي يمكن إطلاقه على الله تعالى، وما الدليل عليها؟

 

4- ما هو المقصود من القدرة؟

 

5- هل تتعلّق القدرة بالأمر المحال، ولماذا؟

 

59

 

44

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)





أهداف الدرس:

 

1.أن يتعرف إلى معنى الصفات الفعلية.

2. أن يعدد بعض الصفات الفعلية .

 

 

61

45

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 تمهيد

 
تقدّم في الدّرس السّابق أنّ الصّفات الفعليّة عبارة عن المفاهيم الّتي تنتزع من مقارنة الذّات الإلهيّة بمخلوقاتها من خلال ملاحظة نسبة وإضافة ورابطة معيّنة بينهما، وأنّ الخالق والمخلوق يمثّلان طرفي الإضافة، أمثال مفهوم "الخالقيّة"، الّذي ينتزع من ملاحظة ارتباط وجود المخلوقات بالله تعالى، وإذا لم يلاحظ هذا الارتباط بينهما لم يمكن انتزاع هذا المفهوم. وكذلك الرزّاق، والغفّار، والرّب، وغيرها الكثير من الصفات الفعلية1.
________________________________________
1- ينبغي التّنبيه إلى أنّه حينما تتصوّر الرّابطة بين الله تعالى والموجودات المادّيّة، وعلى ضوئه تنتزع الصّفة الفعليّة المعيّنة لله تعالى، فإنّ هذه الصّفة سوف تتحدّد ببعض القيود الزّمانيّة والمكانيّة، بلحاظ تعلّقها بالموجودات الممكنة الوجود والمقيّدة والناقصة والّتي تمثّل أحد طرفي الإضافة، وإن كانت هذه الصّفة بلحاظ تعلّقها بالله تعالى الّذي يمثِّل الطّرف الآخر للإضافة منزّهة عن مثل هذه القيود والحدود. فإنّ إفاضة الرّزق إلى الشّخص مثلاً، إنّما تتمّ في ظرف زماني ومكاني معيّنين، ولكنّ هذه القيود والحدود في واقعها متعلّقة بذلك الشّخص المرتزق، لا بالرّازق. وتبقى الذّات الإلهيّة مطلقة ومنزّهة عن أيّة نسبة زمانيّة ومكانيّة؛ لأنّ هذه القيود والحدود لا تمسّ الذّات فلا تتغيّر ولا تتقيّد. وهذه الملاحظة تعتبر المفتاح لمعالجة الكثير من الشّبهات الّتي أثيرت في موضوع معرفة الصّفات والأفعال الإلهيّة، وأدّت إلى النّزاعات بين العلماء والمفكّرين.
63

46

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 الخالقيّة

 
بعد إثبات واجب الوجود، وأنّه العلّة الأولى لوجود الموجودات الممكنة، وبملاحظة أنّها جميعاً محتاجة في وجودها إلى الله، تنتزع من ذلك صفة الخالقيّة لواجب الوجود، والمخلوقيّة للممكّنات. ومفهوم "الخالق" الّذي يتوصّل إليه من خلال هذه العلاقة الوجوديّة مساوٍ للعلّة الموجدة وكلّ الموجودات الممكنة المحتاجة, الّتي تمثّل طرف الإضافة متّصفةً بصفة المخلوقيّة. ونفس وجود المخلوقات، دليل خالقيّته تعالى وإن لم يكن محتاجاً إلى الحركة والفعل في إيجاده- كما هو الحال في فعل الإنسان الّذي يحتاج في إيجاد وخلق أيّ شيء إلى توسّط مادّة أو أشياء أخرى- لأنّه تعالى منزّه عن خصائص الموجودات الجسمانيّة. قال تعالى:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾2 ، وقد أشارت الرّوايات إلى أنّه لا يتوسّط بين إرادته، ومراده تعالى، أيّ شيء حتّى القول, فإنّه تعالى إذا أراد شيئاً كان.
 
الرّبوبيّة
 
إنّ المخلوقات كما تحتاج إلى الله تعالى في أصل وجودها كذلك تفتقر إليه في كلّ شؤونها الوجوديّة، وليست لها أيّة استقلاليّة عنه تعالى، وله تعالى التّصرّف فيها بما يشاء، ويدبّر أمورها بما يريد. وحين نلاحظ هذه الرّابطة بصورة عامّة، ننتزع منها مفهوم "الرّبوبيّة" الّذي من لوازمه تدبير الأمور، وله مصاديق عديدة، كالحافظ، والمحيي والمميت والرّازق والآمر والناهي وأمثالها, لأنّها جميعاً من شؤون الرّبوبيّة والتّدبير.
________________________________________
2- سورة يس، الآية: 82.
 
64

47

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 الرّبوبيّة التكوينية والتشريعية

 
ويمكن تقسيم الأمور المرتبطة بالرّبوبيّة إلى مجموعتين:
 
1- الرّبوبيّة التّكوينيّة: وهي الّتي تشمل تدبير الأمور لكلّ الموجودات- سواء العاقلة منها وغيرها- وتأمين احتياجاتها، وبكلمة واحدة "تدبير العالم".
 
2- الرّبوبيّة التشريعيّة: وتعني تدبير شؤون الموجود بواسطة التّشريعات من الأمر والنهي وغيرهما، وهي مختصّة بالموجودات الّتي تمتلك الشّعور والاختيار، وذلك بواسطة بعث الأنبياء عليهم السلام، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب السّماويّة، وتعيين الوظائف والتّكاليف، ووضع الأحكام والقوانين. 
 
إذن فالرّبوبيّة الإلهيّة المطلقة تعني: أنّ المخلوقات في كلّ شؤونها الوجوديّة مرتبطة بالله تعالى، وأنّ العلاقات والرّوابط بينها تنتهي بالتّالي إلى ارتباطها بالخالق، وهو تعالى الّذي يدبّر بعض المخلوقات بواسطة البعض الآخر، وهو الّذي يفيض الرّزق من خلال مصادر الرّزق الّتي يوفّرها ويخلقها، وهو الّذي يهدي الموجودات الّتي تملك الشّعور من طريق الوسائل الداخليّة (كالعقل وسائر القوى الإدراكيّة) والوسائل الخارجيّة (كالأنبياء عليهم السلام والكتب السّماويّة) وهو الّذي يضع للمكلفّين الأحكام والقوانين، ويضع الوظائف والتّكاليف. وجميع ما ذكر هو من شؤون ووظائف الرّبوبيّة والتّدبير.
 
وتوضيحاً لذلك: إنّه تعالى كما أراد وجود الكون والإنسان فوجدا، أراد الصّلاة والطّاعات فأمر بها، فكلاهما مراد للمولى إلّا أنّ الأوّل أراده بالإرادة التّكوينيّة، والثّاني بالإرادة التّشريعيّة، والفرق بينهما أنّ الوجود والتحقّق - في الأولى - خارجاً لا يختلف ولا يتخلّف، ولا يتوّقف على شيء سوى إرادة المولى للإيجاد ولو من خلال إرادته للسّبب التّكويني الاضطراري. وهذا نوع تدبير تكويني.
 
65

48

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 بينما تحقّق الفعل خارجاً - في الثّانية - متوقّف على اختيار العبد وإرادته, لأنّ إرادته تعالى تعلّقت بالفعل الصّادر عن اختيار وإرادة عبده.

 

الخالقيّة دليل الربوبيّة

 

لو تمَّ التأمّل بدقّة في مفهوم الخالقيّة والرّبوبيّة، سيتّضح أنّ هناك تلازماً بين هاتين الصّفتين، ويستحيل أن يكون ربُّ الكون غيرَ الخالق له، بل إنّ الّذي خلق المخلوقات بتلك الخصائص المعيّنة والعلاقات فيما بينها، هو الّذي يحافظ عليها ويدبّرها، وفي الواقع إنّ مفهوم الرّبوبيّة والتّدبير منتزع من كيفيّة خلق المخلوقات ومراعاة انسجامها وتكاملها مع بعضها "فالخلق والرّبوبيّة متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر, لأنّ الخلق تدبير بلحاظ، والتّدبير خلق بلحاظ آخر". ولذلك يمكن بوضوح جعل الخالقيّة دليلاً على الربوبيّة بكلّ شؤونها وأنواعها.

 

الألوهيّة

 

إنّ "الإله" بمعنى " المعبود " أو " الّذي يستحقّ العبادة والطّاعة " وعلى ضوء هذا المعنى، فإنّ الألوهيّة صفة تنتزع من خلال تصوّر إضافة عبادة العباد وطاعتهم لله تعالى، فإنّ الضّالين وإن اتّخذوا آلهة باطلة لهم، ولكنّ الّذي يستحقّ العبادة والطّاعة هو الله, لأنّ استحقاق العبادة يعدّ نتيجة طبيعيّة ولازمة لكونه خالقاً وربّاً مدبّراً. وهذه الدرجة من الاعتقاد هي الحدّ الأدنى الّذي يلزم توفّره في كلّ إنسان بالنّسبة للاعتقاد بالله تعالى، أي: بالإضافة إلى إيمانه بأنّ الله واجب الوجود، وأنّه الخالق والمدبّر، ومن يخضع العالم لإرادته، يلزم عليه أيضاً أن يؤمن بأنّه الّذي يستحقّ العبادة والطّاعة. ومن هنا أخذ هذا المفهوم في شعار الإسلام (لا إله إلّا الله).

 

 

66

 

49

الدرس السابع: الصفات الفعليّة (الخالقيّة، الربوبيّة، الألوهيّة)

 خلاصة الدّرس

 

- صفة الخالقيّة لله تعالى: تُنتَزَع من كونه واجب الوجود والعلّة الأولى لوجود الموجودات الممكنة، وبملاحظة أنّها جميعاً محتاجة في وجودها إلى الله تعالى.

 

صفة الربوبيّة: تعني أنّ المخلوقات كما تحتاج إلى الله تعالى في أصل وجودها كذلك تفتقر إليه في كلّ شؤونها، فله تعالى التصرّف فيها بما شاء، ويدبّر أمورها بما يُريد.

 

- تنقسم الأمور المرتبطة بالربوبيّة إلى مجموعتين: 

 

الأولى: الربوبيّة التكوينيّة: وتعني تدبير أمور الموجودات جميعاً وتأمين احتياجاتها. ولو من خلال بعض الموجودات الأخرى كالملائكة وغيرها.

 

الثانية: الربوبيّة التشريعيّة: وتعني تدبير شؤون الموجودات بواسطة التشريعات المختصّة بالموجودات الّتي تمتلك الشعور والاختيار.

 

- لا تفكيك بين الخالقيّة والربوبيّة بل هما متلازمان لأنّ الربوبيّة والتدبير منتزعان من كيفيّة خلق المخلوقات.

 

أسئلة حول الدرس

 

1- كيف ننتزع صفة الخالقيّة لله تعالى؟

 

2- ما هو معنى الربوبيّة، وما الفرق بين الرّبوبيّة التكوينيّة والربوبيّة التّشريعيّة؟

 

3- هل يمكن التفكيك بين الرّبوبيّة والخالقيّة؟

 

67

 

50

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 الدرس الثامن: الصفات الفعلية ( الحكمة, الكلام) 





أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب إلى معنى الحكمة الإلهية.
2. أن يتعرف إلى معنى الكلام والصدق الإلهي.
 
69
 

51

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 الحكمة

 
ويتّصف بها الفاعل بلحاظ كون أفعاله ذات غاية وهدف في مقابل العبث واللّغو.
 
وبما أنّ الإرادة الإلهيّة لا تتعلّق بإيجاد الشّيء عبثاً وجزافاً وبدون حكمة، بل ما تتعلّق به الإرادة الإلهيّة أصالة هو جهة الكمال والخير في الأشياء، وبما أنّ تزاحم المادّيّات فيما بينها، يؤدّي إلى عروض النّقص والضّرر على بعضها بفعل البعض الآخر منها, ولذلك فإنّ المحبّة الإلهيّة للكمال تقتضي أن يوجد المجموع بشكل يترتّب عليه الخير والكمال الأكثر والأغلب، ومن ملاحظة هذه العلاقات والرّوابط يتوصّل إلى انتزاع مفهوم "المصلحة"، وإلّا فإنّ المصلحة ليس لها وجود مستقلّ عن وجود المخلوقات، له تأثيره في وجودها، حتّى يكون له تأثيره في الإرادة الإلهيّة، أي: ليس هناك وجود خارجي مستقلّ يسمّى ب- "المصلحة" يؤثّر في وجود المخلوقات فضلاً عن القول بتأثيره في الإرادة الإلهيّة.
 
والحاصل: إنّ الأفعال الإلهيّة إنّما تنشأ من صفاته الذّاتيّة كالعلم والقدرة
 
71

52

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

وحبّه للكمال والخير, لذلك فإنّ هذه الأفعال لا يمكن أن تكون فاقدة للمصلحة وإنّما تتحقّق دائماً متوفّرة على المصلحة، أي: يترتّب عليها الخير والكمال الغالب، ويعبّر عن مثل هذه الإرادة ب- "الإرادة الحكيمة"، ومن هنا تنتزع صفة لله تعالى من الصّفات الفعليّة تسمّى بصفة "الحكيم".

 

تنبيه حول الغاية الأصلية والغاية الثانوية

 

يجب التأكيد على أنّ القيام بفعل لأجل المصلحة، لا يعني أنّ المصلحة هي العلّة الغائيّة لله تعالى، بل إنّ المصلحة تعتبر هدفاً ثانويّاً وتبعيّاً، وأمّا الغاية الأصليّة لأفعال الله فهي حبّه للكمال اللّامتناهي الذّاتي، الّذي يتعلّق بالتّبع بآثاره، أي بكمال الموجودات، ومن هنا قالوا بأنّ العلّة الغائيّة للأفعال الإلهيّة هي العلّة الفاعليّة نفسها 1، وليس لله غاية مستقلّة وزائدة على ذاته، ولكنّ هذه الفكرة لا تتنافى واعتبار الكمال والخير والمصلحة في الموجودات غايةً فرعيّة وتبعيّة, ولذلك علّلت الأفعال الإلهيّة في القرآن الكريم ببعض الأمور والغايات الّتي تنتهي إلى كمال المخلوقات وخيرها وتعود فائدتها للمخلوق نفسه. فقد ذكرت الآيات القرآنيّة أنّ الامتحان والابتلاء واختيار أفضل الأعمال، وعبادة الله، والوصول إلى الرّحمة الخاصّة الأبديّة الإلهيّة2 ، هي الأهداف والغايات

________________________________________

1- تقسّم العلّة باعتبار مساهمتها في إيجاد المعلول المادّي إلى:

-العلّة الماديّة: أو العنصر الّذي يشكّل الأرضيّة لظهور المعلول، وهو باق في ضمنه مثل العناصر المكوّنة للنباتات.

-العلّة الصّوريّة: وهي عبارة عن الصورة والفعليّة الّتي توجد في المادّة وتصبح منشأ لظهور آثار جديدة فيها، مثل الصورة النباتية.3-العلّة الفاعليّة: أي الّتي يوجد منها المعلول مثل الذي يوجد الصورة في المادّة.

-العلّة الغائيّة: أي ذلك الدافع في الفاعل لإنجاز الفعل، مثل الهدف الّذي يأخذه الإنسان بعين الاعتبار لأفعاله الاختياريّة وهو يقوم بأفعاله لأجل الوصول إليها .( راجع المنهج الجديد، العلامة مصباح اليزدي، ج2، ص14).

2- لاحظ الآيات التالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (سورة هود، الآية: 7) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾(سورة الملك، الآية:2) ، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة الكهف، الآية: 7).

 

72 

 

 

53

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 لخلق الإنسان. وكلّ واحدة من هذه الغايات ممهّدة للغاية الأخرى، على التّرتيب المذكور.

الكلام الإلهيّ
 
ومن المفاهيم الّتي نسبت إلى الله تعالى مفهوم التكلّم - وقد بحث منذ زمن بعيد حول الكلام الإلهيّ بين المتكلّمين، حتّى قيل: إنّ السّبب في تسمية هذا العلم ب- (علم الكلام) هو خوض أصحاب هذا العلم في البحث حول الكلام الإلهيّ - حيث اعتبرته الأشاعرة من الصّفات الذّاتيّة، بينما اعتبرته المعتزلة من الصّفات الفعليّة. وقد وقع نزاع شديد بين هذين المذهبين حول: هل أنّ القرآن وهو كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ وقد وصل الأمر بينهما إلى حدّ التّكفير، بسبب اختلاف الآراء في هذا الموضوع.
 
ومع ملاحظة التّعريف الّذي ذُكر للصّفات الذّاتيّة والصّفات الفعليّة يظهر بوضوح: أنّ التكلمّ من صفات الفعل، حيث يتوقّف انتزاعه على تصوّر مخاطب يتلقّى مقصود المتكلّم ومراده بواسطة سماع صوت، كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾3 ، أو رؤية كتابة، أو خُطور مفهوم في ذهنه، أو بأيّة صورة وطريقة أخرى، وفي الواقع إنّ مفهوم المتكلّم ينتزع من الرّابطة بين الله تعالى الّذي يريد أن يكشف عن حقيقة معيّنة لموجود آخر، ومخاطب يدرك تلك الحقيقة ويتلقّاها. وأمّا القرآن الكريم، بمعنى هذه الكلمات المكتوبة أو الألفاظ أو المفاهيم الموجودة في الأذهان. وما ذكر من التأويلات حول الكلام الإلهي والقرآن الكريم بعيدة عن الفهم العرفي للمحاورات، ويلزم تجنّبها.
________________________________________
3- سورة النساء، الآية: 164.
73

54

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 الصّدق

والكلام الإلهيّ إذا تضمن الأمر والنهي والإنشاء، فإنّه يحدّد بتلك العبارات الأحكام والوظائف العمليّة للعباد، ولا يُمكن اتّصافه بالصّدق والكذب, لأنّ الإنشاء لا يتّصف بالصّدق والكذب أساساً، ولكن لو تضمّن الإخبار عن الحقائقِ الموجودة، أو الأحداث الماضيّة والمستقبَلة فيتّصف بالصّدق كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا﴾4. وبإثبات هذه الصّفة يؤسّس لنوع آخر من الاستدلال، هو "الاستدلال النّقلي والتّعبّدي" لإثبات المسائل الفرعيّة للنّظرة الكونيّة (المسائل العقائدية الفرعية)، وإثبات الكثير من مسائل الإيديولوجية (فروع الدّين).
 
الدّليل
 
ومن الأدلّة العقليّة الّتي يمكن إقامتها لإثبات هذه الصّفة: أنّ كلام الله إنّما هو من شؤون الرّبوبيّة الإلهيّة وتدبير الكون والإنسان، ويعتمد على أساس العلم والحكمة، ولتوجيه المخلوقات وهدايتها، وتوفير الوسيلة لنقل المعلومات والمعارف الصّحيحة للمخاطبين، فإذا احتمل فيه الكذب والمخالفة للواقع فسيؤدّي إلى عدم الوثوق بكلّ هذه المسائل وبالتّالي عدم الاعتماد عليها، ولازمه نقض الغرض، وهو مخالف للحكمة الإلهيّة.
 
بالإضافة إلى أنّ الكذب نقصٌ، وقد تقدّم إثبات تنزّهه تعالى عن كلّ نقص.
 
تنبيه: ينبغي الإشارة إلى أنّ الصّفات الفعليّة قد تلحظ من حيث مبادئ نشوئها، فتؤوّل وترجع إلى الصّفات الذّاتيّة، كما في الخالقيّة إذا فسّرت بالقادر على الخلق فيرجع إلى القدرة، والسّميع والبصير لو فسّرناهما بالعالم 
________________________________________
4- سورة النساء، الآية: 87.
 
74

55

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 بالمسموعات والمبصرات فتؤوّل إلى العليم. وهناك بعض الصّفات الذّاتيّة قد يتصوّر لها معنى إضافي وفعلي فتؤوّل إلى الصّفات الفعليّة مثل: مفهوم العلم حيث استعمل في القرآن الكريم بمعنى الصّفة الفعليّة5.

 

خلاصة الدرس 

 

- حكمة الله تعالى تعني أنّ أفعاله سبحانه ذات غاية وهدف ومصلحة وليست عبثاً ولغواً.

 

- إنّ القيام بفعل لأجل المصلحة، لا يعني أنّ المصلحة هي العلّة الغائيّة لله تعالى، بل إنّ المصلحة تُعتبر هدفاً ثانويّاً وتبعيّاً، وليس لها وجود مستقلّ يؤثِّر على إرادة الله سبحانه، وأمّا الغاية الأصليّة لفعل الله تعالى فهي حبّه للكمال اللامتناهي الذاتي، الّذي يتعلّق بالتبع بآثاره، أي بكمال الموجودات.

 

- إنّ التكلّم من صفات الفعل، حيث يتوقّف انتزاعه على تصوّر مخاطب يتلقّى مقصود المتكلّم ومراده بواسطة سماع صوت أو رؤية كتابة أو خطور مفهوم في ذهنه، أو بأيّة صورة أخرى.

 

- من الأدلّة العقليّة لإثبات صدق الله تعالى: أنّ كلامه سبحانه إنّما هو من شؤون الربوبيّة وتدبير الكون، ويعتمد على أساس الحكمة والعلم، ولتوجيه المخلوقات وهدايتها، وتوفير الوسيلة لنقل المعارف للمخاطبين، فإذا احتمل فيه الكذب فسيؤدّي إلى عدم الوثوق، ولازمه نقض الغرض.

________________________________________

5- قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (سورة الأنفال، الآية: 66). وغيرها الكثير من الآيات القرآنية.

 

75

 

56

الدرس الثامن: الصفات الفعليّة(الحكمة، الكلام)

 أسئلة حول الدرس 

 
1- ما هو معنى الحكمة، وما المقصود من وصفه تعالى بالحكيم؟
 
2- حدّد الغاية الأصليّة لله تعالى من ايجاده المخلوقات؟
 
3- وضّح حقيقة الكلام الإلهي؟
 
4- ما هو الدليل على صدق كلامه تعالى؟
 
 
76 
 

57

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

  الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك





أهداف الدرس:
 
1.أن يعدد الطالب بعض عوامل الشرك.
2. أن يتعرف إلى معنى الولاية التكوينية.
3. أن يعدد احتمالات الشرك.
 
77

58

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

 عوامل الشّرك وأنواعه

 
إنّ المعتقدات المشركة وجدت بين النّاس نتيجة عوامل مختلفة:
 
منها: مشاهدة تنوّع الظّواهر الكونيّة فاعتقد البعض أنّ كلّ نوع خاضع لتدبير إله معيّن، واعتقد بعضهم بأنّ الخيرات مستندة لإله الخير، والشرور مستندة لإله الشرّ، ومن هنا قالوا بوجود مبدأين وإلهين للعالم وهم الثنويّة.
 
ومنها: ارتباط البشر القويّ بالمحسوسات ورغبتهم في معبود محسوس دفعهم لصناعة تماثيل وأصنام تمثل الإله المفترض، ثمّ اكتسبت هذه الأصنام أصالة وأصبحت آلهة بنظرهم.
ومنها: استغلال الجبابرة والطّغاة لهذه الأفكار المنحرفة ليضفوا على أنفسهم لوناً من الأُلوهيّة والرّبوبيّة، فليتحكّموا في رقاب النّاس دون أيّ رادع.
 
إنّ الشرك يرتكز في الغالب على الاعتقاد بربوبيّة مستقلّة لموجود آخر غير الله تعالى، مع اعتقاد الكثير من المشركين بالتّوحيد في الخالقيّة، ومن هنا قالوا بوجود آلهة عديدة مهمّتها فقط تدبير الكون والتصرّف فيه بصورة
 
79
 

59

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

 مستقلّة، وأمّا الخالق فهو واحد وسمَّوه «ربّ الأرباب» قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾1 .


الدليل على التوحيد ونفي الشرك
 
إنّ افتراض تعدّد الآلهة، لا يخلو من الاحتمالات الثّلاثة التّالية:
 
1- افتراض اشتراك جميع الآلهة المفترضة في خلق جميع الظّواهر والكائنات الكونيّة.
 
2- افتراض أنّ كلّ إله مختصّ بخلق مجموعة من الظّواهر لا يشاركه في خلقها غيره.
3- افتراض أنّ الإله الخالق لجميع الظّواهر الكونيّة واحد، وأمّا غيره من الآلهة فمهمّتها فقط التّدبير والرّبوبيّة المستقلّة للكون.
 
الردّ على الاحتمالات المنافية للتوحيد
 
أمّا الاحتمال الأوّل: فهو محال وباطل، وذلك؛ لأنّ القول بوجود أكثر من إله خالق مستقلّ يخلق الموجود الواحد (بمعنى أنّه العلّة الموجدة) يعني أنّ كلّ واحد منها يفيض وجوداً، ونتيجته تعدّد الموجود الواحد بعدد الآلهة المفترضة، مع أنّه- وبالوجدان- ليس لكلّ موجود إلّا وجود واحد. فإنّ قيل باشتراكها في إيجاد الواحد لزم منه عدم استقلاليّتها وبالتّالي عدم كونها آلهة لحاجتها لبعضها البعض.
 
وأمّا الاحتمال الثّاني: وهو اختصاص كلّ إله بخلق موجود أو مجموعة واحدة، فمن المعلوم أنّ مقتضى الاستقلاليّة في الإيجاد هي حاجة المخلوق إلى خالقه فقط حاجة مطلقة، وأنّه يرتبط بخالقه في أصل وجوده وفي بقائه
________________________________________
1- سورة الزخرف، الآية: 87.
80

60

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

  واستمراره، ولا يمكن أن يكون محتاجاً إلى أيّ موجود آخر مستقلّاً عن خالقه- فالمخلوقات تحتاج إلى خالقها، ومخلوقات خالقها فقط- ومثل هذا الافتراض للآلهة المتعدّدة لازمه وجود أنظمة متعدّدة في الكون بعدد الآلهة المفترضة، وكلّ واحد من الأنظمة المفترضة مستقلّ ومنفصل عن الآخر، مع أنّ الكون محكوم بنظام واحد، فهناك ارتباط وتفاعل بين جميع الظّواهر الكونيّة الموجودة في زمان واحد.

 
وكذلك يوجد ارتباط وحاجة بين الموجودات السّابقة واللّاحقة، والظّواهر السابقة تهيّئ وتمهّد للظّواهر اللّاحقة، فكلّ أجزاء الكون مترابطة ويحكمها نظام واحد والنّظام الواحد لا يكون معلولاً لأكثر من علّة موجدة واحدة. وبهذا البيان يثبت بطلان الاحتمال الثّاني.
 
وأمّا الاحتمال الثّالث: أي أنّ الخالق واحد ولكنّ الأرباب متعدّدون، فهو أيضاً باطل، وذلك؛ لما ذكر من أنّ المعلول قائم بكلّ شؤون وجوده بعلّته الموجدة له، وليس له أيّة استقلاليّة بنفسه، وليس لأيّ موجود آخر سبيل للتّصرّف والتّأثير فيه بشكل مستقلّ. وأمّا تصرّف وتأثير أيّ مخلوق في أيّ موجود آخر فهو تأثير خاضع لإرادة الله، وبأمر منه تعالى وهذا التّأثير ليس على نحو الرّبوبيّة الحقيقيّة، إذ إنّ حقيقة الرّبوبيّة تعني الاستقلال في التّأثير، هذا بالإضافة إلى ما أشير إليه سابقاً من عدم إمكانيّة الفصل بين الخالقيّة والرّبوبيّة للتّلازم الوثيق بينهما، ولازم التّفكيك بينهما حصول التناقض وهو لازم باطل.
 
الولاية التّكوينيّة
 
بما أنّه تمّ التّعرّض للتّأثير غير المستقلّ - أي: تأثير بعض المخلوقات بمخلوقات أخرى بإذنه تعالى- كان المناسب التّعرّض للولاية التّكوينيّة والّتي يراد منها أنّ 
 
 
81 
 

61

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

 الله تعالى يمنح بعض عباده كالأنبياء والأولياء والمعصومين عليهم السلام قدرة خاصّة -غير مألوفة- على التّأثير في الأمور التّكوينية، وهذا الأمر فضلاً عن إمكانه وعدم استحالته، فإنّه قد ثبت وقوعه- من خلال القرآن الكريم والرّوايات المعتبرة- لعدد من الأنبياء والأولياء عليهم السلام. 

 

منها: ما ذكره تعالى عن النّبيّ عيسى عليه السلام حيث قال تعالى:﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾2 ، وغير ذلك من تصرّفات النّبيّ عيسى عليه السلام غير المألوفة ولا المقدورة للبشر العاديّين.

 

ومنها: قصّة عرش بلقيس ونقله على حاله كلمح البصر، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾3 ، 

 

ومنها: قضيّة النّبيّ إبراهيم عليه السلام مع الطّير قال تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾4 ، وغيرها الكثير. 

 

فالاعتقاد بامتلاك بعض البشر لهكذا قدرة لا يعني الاعتقاد بربوبيّتهم- والعياذ بالله- بل هو حقيقة توحيديّة؛ لأنّه اعتقاد مشفوع باعتقاد آخر وهو عدم استقلاليّتهم في التّأثير، فهم محتاجون في وجودهم وقدرتهم إلى إذن الله ومشيئته وقدرته، وليس هذا على الله بعزيز. والولاية التكوينيّة حالها حال الولاية التّشريعيّة الثابتة للنّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وهي لا تنافي الرّبوبيّة

________________________________________

2- سورة المائدة، الآية: 110.

3- سورة النمل، الآية: 40.

4- سورة البقرة، الآية: 260.

 

 

82

 

62

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

  التّشريعيّة لله تعالى؛ لأنّها ولاية وجدت بإذن الله قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾5 وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّه﴾6. وكذلك الحال في تدبير بعض المخلوقات لغيرها ولكن بإذن الله حيث يقرّها تعالى بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾7.

 
خلاصة الدرس 
 
- للشرك عوامل عدّة منها: 
 
1- تنوّع الظواهر الكونيّة.
 
2- الارتباط القويّ للبشر بالمحسوسات.
 
3- استغلال الجبابرة والطغاة.
 
- للشرك احتمالات ثلاثة:
 
1- افتراض اشتراك جميع الآلهة المفترضة في خلق جميع ظواهر الكون.
 
2- افتراض أنّ كلّ إله مختص بخلق مجموعة من ظواهر الكون.
 
3- افتراض أنّ الإله الخالق للكون واحد، وأمّا الربوبيّة والتدبير فهي لغيره.
 
- الرد على الاحتمالات 
 
على الأوّل: إذا كان كلّ واحد مستقلّ في الخلق، يلزم تعدّد الوجود للموجود الواحد، وهو خلاف الوجدان، وإذا اشتركوا في الخلق يلزم عدم استقلاليّتها وبالتالي عدم ألوهيّتها.
________________________________________
5- سورة الحشر، الآية: 7.
6- سورة النساء، الآية: 64.
7- سورة النازعات، الآية: 5.
83

63

الدرس التاسع: التّوحيد ونفي الشرك

 على الثاني: يلزم منه تعدُّد الأنظمة في الكون، مع أن للكون نظاماً واحداً، كما يدركه كلّ عاقل بالوجدان.

 
على الثالث: إنّ العلّة الموجدة يحتاجها معلولها وجوداً وبقاءاً واستمراراً. وتأثير أيّ مخلوق في موجود آخر هو تأثير خاضع لإرادة الله تعالى.
 
- الولاية التكوينيّة: تعني أنّ الله تعالى يمنح بعض عباده كالأنبياء والأئمة عليهم السلام والأولياء قدرة خاصّة على التأثير في المسائل التكوينيّة. وهذا غير مستحيل وقد ثبت وقوعه من خلال القرآن الكريم والروايات المعتبرة.
 
أسئلة حول الدرس 
 
1- عدّد عوامل الشرك وأنواعه.
 
2- ما هي احتمالات الشرك، والردّ عليها؟
 
3- وضّح المراد من الولاية التكوينية.
 
84

64

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

 الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد



أهداف الدرس:
 
1.أن يستذكر الطالب الدليل على التوحيد في الصفات.
2. أن يتعرف إلى معنى التوحيد الأفعالي.
3. أن يعدد نتائج التوحيد الأفعالي.
 
85
 

65

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

 مراتب التّوحيد

 
إنّ لفظ التّوحيد يعني لغةً "عدّ الشّيء وجعله واحداً" وأمّا في مصطلح المتكلّمين فيظهر معناه من خلال أقسامه ومراتبه:
 
1- الوحدانيّة أو نفي التعدّد: وهو الاعتقاد بوحدانيّة الله، ونفي التعدّد والكثرة الخارجيّة عن الذات، وهذا المعنى يقابل الشِّرك الصَّريح والاعتقاد بإلهين أو آلهة متعدّدة، بحيث يكون لكلّ واحد منها وجود مستقلّ ومتميّز عن الآخر.
 
2- الأحديّة أو نفي التّركيب: ويعني الإيمان بالأحديّة والبساطة الداخليّة للذات، وعدم تركّب الذات الإلهيّة من أجزاء بالفعل أو بالقوّة.
 
3- التّوحيد الصّفاتي أو نفي الصّفات الزائدة على الذّات: ويعني الإيمان باتّحاد الصّفات الذّاتيّة مع عين الذّات الإلهيّة، ونفي الصّفات الزائدة على الذّات، ويذكر في الرّوايات بتعبير "نفي الصّفات" في مقابل بعض - كالأشاعرة - الّذين اعتقدوا بأنّ الصّفات الإلهيّة أمور زائدة على الذات، ممّا يستلزم تعدّد القدماء بتعدّد صفات الذات، وبما أنّ الصفات الذاتية عندهم سبعة فيصبح عدد القدماء مع الذات ثمانية.
 
87

66

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

 الدّليل على التّوحيد الصّفاتي

 
لو كان لكلّ واحدة من الصّفات الإلهيّة مصداق ووجود مستقلّ، فلا يخرج- هذا المصداق- عن إحدى الحالات التّالية:
 
1- أن تُفرض مصاديقها في داخل الذّات الإلهيّة، ويلزم من هذا الافتراض، أن تكون الذّات الإلهيّة مركّبة من أجزاء، وقد تقدّم إثبات استحالة التّركيب.
2- أن تُفرض بأنّ مصاديقها خارج الذّات الإلهيّة، ولهذا الفرض صورتان:
 
الأولى: أن نتصوّرها واجبة الوجود غير محتاجة إلى خالق، وهذا يعني تعدّد الذّات الواجبة، وهو الشّرك الصريح، ولا يوجد مسلمٌ يلتزم به.
 
الثّانية: أن نتصوّرها ممكنة الوجود ومخلوقة لله، ويلزم من ذلك، القول بأنّ الذّات الإلهيّة مع افتراض فقدانها لهذه الصّفات، هي الّتي تخلق هذه الصّفات وتوجدها، ثُمَّ بعد ذلك تتّصف بها، فمثلاً، تكون الذّات فاقدة للحياة ذاتاً، ثمّ تخلق موجوداً يسمّى "الحياة" وبعد ذلك تتّصف بصفة الحياة، مع أنّه من المحال أن تكون العلّة الموجدة فاقدة ذاتاً لأيّ كمال سيّما لكمالات مخلوقاتها، إضافة إلى أنّ فاقد الشّيء لا يمكن أن يعطيَه. وهو واضح البطلان.
 
وبهذا يتّضح أنّ الصّفات الإلهيّة ليست لها مصاديق ووجودات مستقلّة كلّ واحدة عن الأخرى، ولا عن الذّات الإلهيّة، بل إنّ هذه الصّفات كلّها مفاهيم متغايرة مفهوماً، واحدة وجوداً، والعقل ينتزعها من مصداق واحد بسيط غير مركّب وهو الذّات الإلهيّة المقدّسة.
 
والتّغاير المفهومي كافٍ لانتزاع المفاهيم المتعدّدة والصفات المتكثّرة كما ذكرنا سابقاً.
88

67

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

 خلاصة الدّليل

 
إذا كان للصّفات وجود مستقلّ عن الذات مغاير لها، فإمّا أن يكون داخل الّذات فيلزم التّركيب وهو باطل، وإمّا خارج الذّات وهذا لا يخلو من أحد أمرين:
 
فإمّا أن يكون هذا الوجود المستقلّ واجب الوجود (وهذا شرك صريح)، وإمّا أن يكون ممكن الوجود (ويلزم منه كون فاقد الشيء معطيه وهو باطل بالضّرورة)، فصفاته تعالى عين بعضها البعض وهي عين الذات الإلهيّة.
 
التّوحيد الأفعالي
 
يعني إنّ الله تعالى - وهو واجب الوجود -غير محتاج في أفعاله لأيّ شيء، بل كلّ شيء معلول ومخلوق له ومحتاج إليه في كلّ شؤون وجوده، فالمخلوقات كما أنّها محتاجة إليه في أصل وجودها، كذلك هي في أفعالها محتاجة ومفتقرة إليه تعالى, لأنّها قائمة به، وليس للمخلوقات أيّة استقلاليّة في نفسها وأفعالها، وهي خاضعة لقدرة الله وسلطانه وملكيّته الحقيقيّة والتّكوينيّة، وإنّ أيّ تأثير لمخلوق في آخر إنّما يتمّ بإذن الله، وبالقدرة الّتي يفيضها الله عليه، وأمّا فاعليّة المخلوقات وتأثيرها في غيرها، ففي طول فاعليّته تعالى وتأثيره، سواء منها الفاعل بالاضطرار كالنّار في إحراقها والشّمس في إشراقها - وهكذا كل الفواعل الطبيعية -، أم الفاعل بالاختيار كالأفعال الصادرة من الإنسان.
 
وبهذا البيان يتّضح لماذا أسند الله تعالى إلى نفسه في القرآن الكريم الآثار والأفعال الصّادرة من الأسباب الطّبيعيّة وغيرها تارة، وإلى فاعلها المباشر تارة أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ﴾1.
 
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ 
________________________________________
1- سورة الرّوم، الآية: 48.
89 
 

68

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

  يَعْدِلُونَ ﴾2 ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ 3، والإسناد إليه تعالى, لأنّه علّة العلل، وإليه تنتهي الأسباب والعلل، وإسنادها لغيره تعالى, لأنّه الفاعل المباشر، وإن كان بإذنه تعالى.

 
نتائج التّوحيد الأفعالي
 
إنّ من أبرز النّتائج المترتّبة على هذا الاعتقاد:
 
1- انحصار استحقاق العبادة والطّاعة بالله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾4.
 
2- إنّ الإنسان الّذي يحمل الشّعور بهذا التّوحيد، فسوف يعتمد في كلّ أحواله على الله تعالى ويتوكّل عليه، ويستعين به فقط، فلا يطلب العون إلّا منه، ولا يخاف إلّا ربّه، ولا يرجو إلّا إيّاه، ولو انقطعت كلّ الأسباب المادّيّة عنه فإنّه لا يصاب باليأس، لعلمه القطعي بأنّه تعالى إذا أراد شيئاً كان، ولو من الأسباب غير العاديّة، وليعيش اطمئناناً خاصّاً في ظلّ الولاية الإلهيّة ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾5.
 
التّوسّل لا ينافي التوحيد الأفعالي
قد يتوهّم بعض أنّ التّوحيد الأفعالي يتنافى مع الاستعانة والتّوسّل بأولياء الله تعالى.
 
والجواب واضح من خلال ما تقدّم, لأنّ التّوسّل بهم ليس بمعنى استجابة الأولياء للمتوسّل بأنفسهم وبصورة مستقلّة عنه تعالى - والعياذ بالله - بل المراد
________________________________________
2- سورة النّمل، الآية: 60.
3- سورة الأنفال، الآية: 17.
4- سورة الفاتحة، الآية: 5.
5- سورة يونس، الآية: 62.
90

69

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

  أنّه تعالى بإذنه وإرادته جعل الوليّ وسيلة للتّوصّل إلى رحمته، مضافاً إلى أنّه تعالى هو الّذي أمر باتّخاذهم وسيلة، حيث قال تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾6 ، وأمّا الحكمة من جعلهم وسائل، والأمر بالتّوسّل بهم، فله أسباب، منها: 

 
1- أن يعرّف النّاس بالمراتب العالية والدّرجات الرّفيعة الّتي وصلوا إليها.
 
2- أن يوجد دوافع نحو الطّاعة، وليحاول الإنسان الوصول إلى أعلى المراتب الكمالية الممكنة من خلال جعلهمعليهم السلام المثل الأعلى.
 
3- إنّ معرفة الأولياء ومعرفة مكانتهم عند الله تخلق إحساساً بالنّقص والتّقصير عند الإنسان، وهذا الإحساس يحول دون وقوع الإنسان العادي في الغرور والتكبّر نتيجة الطّاعات الّتي يفعلها.
 
خلاصة الدرس
 
- للتوحيد أقسام: الوحدانيّة، الأحديّة، التوحيد الصفاتي، التوحيد الأفعالي.
 
- الواحدانيّة: تعني نفي التعدُّد والكثرة الخارجيّة عن الذات، والأحديّة تعني نفي التركيب الداخلي في الذّات الإلهيّة.
 
- التوحيد الصفاتي: يعني نفي الصفات الزائدة على الذّات، والدليل على التوحيد الصفاتي: إذا كان للصفات وجود مستقلّ فإمّا أن يكون داخل الذّات فيلزم التركيب وهو باطل، وإمّا خارج الذّات وهذا لا يخلو من أحد أمرين: فإمّا أن يكون هذا الوجود المستقلّ واجب الوجود وهذا شرك صريح، وإمّا أن يكون ممكن الوجود فيلزم منه أن يكون فاقد الشيء معطٍ له وهو باطل بالضرورة.
________________________________________
6- سورة المائدة، الآية: 35.
91 
 

70

الدرس العاشر: أنواع ومراتب التّوحيد

 - التوحيد الأفعالي: يعني أنّ الله تعالى - وهو واجب الوجود- علّة العلل، وإليه تنتهي الأسباب، وإنّ أيّ تأثير لمخلوق في آخر إنّما يتمّ بقدرة الله وإرادته وتسبيبه.

 

- للتوحيد الأفعالي نتائج، منها: 

 

1- انحصار استحقاق العبادة والطاعة بالله تعالى.

 

2- الاعتماد والاتّكال على الله سبحانه مسبّب الأسباب.

 

- التوسُّل بأولياء الله سبحانه لا يعني استجابة الأولياء للمتوسِّل بأنفسهم وبصورة مستقلّة عن الله تعالى، بل يعني أنّه بإذنه تعالى جعل الوليّ وسيلة للتوصّل إلى رحمته. وعليه لا يتنافى التوسُّل مع التوحيد الأفعالي.

 

 

 

 أسئلة حول الدرس

 

1- ما هو الفرق بين الوحدانيّة والأحديّة؟

 

2- بيّن المقصود من التّوحيد الصّفاتي؟

 

3- ما هو الدليل على التّوحيد الصّفاتي؟

 

4- ما هو المقصود من التّوحيد الأفعالي؟

 

5- ما هي حقيقة التوسّل والّتي لا تتنافى مع التّوحيد الأفعالي؟

 

92

 

71

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار



أهداف الدرس:
 
1.أن يعدد الطالب الأقوال في الجبر والاختيار.
2. أن يتبين رأي الشيعة في الجبر والاختيار.
 

93 


72

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

 مذاهب واتجاهات

 
من المسائل الاعتقاديّة الّتي وقع البحث فيها، وحصل الخلاف حولها، هي مسألة أفعال الإنسان وكيفيّة صدورها منه، وقد تعدّدت فيها المذاهب:
 
1- الجبر: ويعني أنّ الإنسان مجرّد آلة، ودمية يحرّكها الله تعالى، من دون أيّ اختيار له في حصول الفعل، وقد انطلق هذا القائل- أهل الحديث والأشاعرة - من منطلق الحفاظ على التّوحيد الأفعالي, لأنّه توهّم أنّ القول بالاختيار، وتأثير الإنسان في أفعاله - وكذلك تأثير الأسباب الطّبيعيّة- يتنافى مع هذا التّوحيد في الخالقيّة، غافلاً عمّا يلزم هذا القول، من عبثيّة بعث الأنبياء والرّسل عليهم السلام وإنزال الكتب والتّشريعات، ولغويّة الثّواب والعقاب، وبالتالي يلزم نسبة الظلم إلى الله تعالى, لأنّه - حسب قولهم - هو الفاعل لأفعال المخلوقين حقيقة، ومع ذلك يعذّبهم عليها، إن كانوا من أهل الكفر والمعاصي.
 
2- التفويض: ذهب آخرون -وهم مفوِّضة المعتزلة- إلى أنّ الله تعالى أفاض القدرة على الإنسان وغيره- كالأسباب الطّبيعيّة- من بداية إيجادها، وفوّض
95

73

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

  إليها أفعالها، بحيث لم يعد له تعالى أيّ سلطان على هذه المخلوقات في أفعالها، فالفعل الصادر من الإنسان ينسب حقيقة إليه فقط، ولا علاقة لله به، لا من قريب ولا من بعيد.

 

وانطلق هؤلاء من الحفاظ على العدل الإلهيّ, باعتبار أنّ القول بالجبر يلزم منه ظلم الله لعبيده حيث أجبرهم على فعل المعصية ثمّ عاقبهم عليها، ولكنّهم غفلوا عن أنّهم سلبوا من الله قدرته وسلطانه، ونسبوا إليه العجز، فخالفوا التّوحيد الأفعالي ووقعوا في الشرك.

 

3- أمر بين الأمرين: ذهب شيعة أهل البيت عليهم السلام، تبعاً لما ورد عن أئمّتهم عليهم السلام إلى قول آخر دقيق وجليل، يحافظون من خلاله على العدل الإلهي، وفي نفس الوقت لا يلزم منه نسبة العجز إليه تعالى، فلا يقعون في الشّرك الأفعالي، وهو الطّريق الوسط المعبّر عنه في الأحاديث، كما عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: 

 

"لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين"1.

 

وخلاصة هذا القول: إنّ أفعالنا تنسب إلينا حقيقة، ونحن أسبابها، وهي واقعة تحت قدرتنا واختيارنا، وفي نفس الوقت هي مقدورة لله تعالى، غير خارجة عن سلطانه, فإنّه تعالى هو المفيض للوجود في كلّ لحظة، ومعطي القدرة والقوّة في كلّ آن، كما قال تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾2 ، ولذلك أسندت إليه تعالى الأفعال حقيقة، فلم يجبرنا على أفعالنا ليكون قد ظلمنا بالعقاب على المعاصي, لأنّنا نملك القدرة والاختيار فيما نفعل- وهذا ندركه بالوجدان- ولم يفوِّض إلينا إيجاد أعمالنا، إذ إنّنا نحتاج إلى ما يمدّنا به من قوّة وقدرة في كلّ آن- وهذا مقتضى فقرنا الذّاتي وحاجتنا المطلقة

________________________________________

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، باب الاستطاعة، ح 13.

2- سورة الإسراء، الآية: 20.

 

96

 

74

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

 - ولو انتفى فيضه آناً ما لانتفى وجودنا فضلاً عن أفعالنا، فله الخلق والحكم، ولا حول ولا قوّة إلّا به تعالى.

 
ومن خلال هذه النّظريّة نفهم الآيات الّتي نسبت الأفعال إلى الفاعل المباشر - كالإنسان -تارة, ونسبتها إلى الله تعالى تارة أخرى، وكذلك الآيات الّتي ربطت وأناطت كلّ ما يحصل في الكون بإذن الله ومشيئته، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾3.

شبهات وردود
 
تقدّمت الإشارة إلى أنّ قدرة الإنسان، على اتّخاذ القرار والاختيار أمر وجداني يدركه كلّ إنسان بالبداهة, إذ كلّ عاقل يدرك وبأدنى تأمّل أنّه قادر على التكلّم بكلام، وعدم التكلّم به، وقادر على تناول الطّعام وعدمه... وهكذا وهذا أمر بديهي لا يختلف عليه اثنان.
 
والإنسان عندما يصمّم على القيام بعمل ما، فإمّا أن يكون هادفاً لإشباع الدّوافع الغريزيّة كالأكل عند الجوع، والنّوم عند النّعاس وغيرهما من الدّوافع الغريزيّة، وإمّا أن يكون إشباعاً للدّوافع العقليّة كتناول المريض الدّواء المرّ لأجل الشفاء، وتحمّل طالب العلم المتاعب والمصاعب لأجل تحصيل العلم والمعرفة، وصبر المجاهد على المشاقّ وتجاوز العقبات وتحمّل الآلام للدّفاع عن الدّين والأرض وكلّ المبادئ والقيم السّامية.
 
ولا تظهر قيمة الإنسان إلّا عندما تتعارض وتتزاحم الرّغبات والدّوافع المختلفة الغرائزيّة والعقليّة، فإذا أحسن الإنسان الاختيار اعتماداً على الوعي والمعرفة المرتكزين على العقل والأنبياء عليهم السلام، ارتفع وارتقى في طريق الكمال
________________________________________
3- سورة التكوير، الآية: 29.
97 
 

75

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

  الروحي، وإن أساء الاختيار انحطّ وتسافل، ولكن - ومع وضوح هذه المسألة- وقعت بعض الشّبهات الّتي ينبغي الإجابة عليها.


1- شبهة منافاة الرغبات والوراثة للاختيار

 

إنّ إرادة الإنسان إنّما تتكوّن بفعل دفع الميول والرّغبات نحو الفعل، وكذلك العوامل الوراثيّة والبيئيّة لها أثرها في تكوّن الإرادة، وهذه العوامل - كلّها أو جلّها - لا تحصل للإنسان باختياره وعليه فالإرادة غير اختياريّة.

 

الجواب: إنّ الميول والرّغبات والعوامل الوراثية والبيئيّة ليست علّة تامّة تترتّب عليها الإرادة بشكل قهري, بحيث تسلب من الإنسان القدرة على مخالفتها, ولذلك مهما تعاظمت الميول والعوامل الوراثيّة، يتردد كثير من النّاس باتخاذ قرار بالإقدام على العمل أو الإحجام عنه، وهذا التردّد كافٍ للحكم بأنّ الإرادة لا تحصل كنتيجة حتميّة للميول، فالميول معدّة للإرادة وجزء علّة لها وليست علّة حتميّة لها، ومع ذلك فإنّ مواجهة هذه العوامل ليس أمراً سهلاً، ولكنّ مقاومتها تجعل الإنسان أسرع تكاملاً، وأكثر أجراً وثواباً.

 

2- منافاة العلم الإلهي الأزلي للاختيار

 

إنّ مقتضى العلم الإلهيّ الأزلي علمه بأفعال الإنسان قبل وقوعها، وعليه فلا بُدَّ أن يحصل الفعل كما هو معلوم لله تعالى، وإلّا لخالف فعل العبد علم الله تعالى، ولزم نسبة الجهل لله تعالى، حينئذٍ وعليه لا مجال للقول بالاختيار.

 

الجواب: إنّ العلم الإلهيّ تعلّق بكلّ ظاهرة وفعل كما هو عليه في الواقع، فالفعل الإنسانيّ - بما هو فعل اختياري- كان متعلّقاً للعلم الإلهيّ بوصف اختياريّته، فلو كان الإنسان مجبراً - حينئذٍ، يلزم نسبة الجهل لله تعالى، دون ما لو حصل كما هو معلوم له تعالى أي بالاختيار.

 

98

 

 

76

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

 الجبر والتفويض في كلام المعصوم عليه السلام

 
روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال:

"إنّ الله عزَّ وجلَّ لم يُطعْ بإكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادّاً، ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحُل وفعلوه، فليس هو الّذي أدخلهم فيه"4.
 
وروي عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".
 
قال، فقلت: وما أمر بين أمرين؟ قال عليه السلام: "مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينتهِ، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته، أنت الّذي أمرته بالمعصية"5.
 
خلاصة الدرس 
 
- القائل بالجبر:- أهل الحديث والأشاعرة- يعني أنّ الإنسان لا اختيار له في حصول الفعل، وذلك حفاظاً على التوحيد الأفعالي.
 
ولكن يردّ: أنّ الجبر يلزم منه عبثيّة بعث الأنبياء والرسل عليهم السلام وإنزال الكتب، ولغويّة الحساب والثواب والعقاب، و نسبة الظلم إلى الله تعالى.
 
- القائل بالتفويض:- مفوِّضة المعتزلة- يعني أنّ الله تعالى أفاض القدرة على الإنسان وفوّض إليه فعله، بحيث لم يعد له تعالى أيّ سلطان، وذلك حفاظاً على عدل الله سبحانه.
________________________________________
4- كتاب التوحيد،الشيخ الصدوق، الباب 59، الحديث 7 و9.
5- م.ن.
99 
 

77

الدرس الحادي عشر: الجبر والاختيار

 ولكن يردّ: أنّهم بقولهم هذا يسلبون من الله قدرته ويقعون في الشرك الأفعالي.

 
- القائل بالأمر بين الأمرين: الشيعة- يعني أنّ أفعال الإنسان تقع باختياره، ولكن في نفس الوقت هي مقدورة لله تعالى.
 
وبذلك لا نقع في الشرك الأفعالي ولا ننسب الظلم إلى الله سبحانه.
 
- شبهة: إنّ الإنسان بفعل العوامل الوراثيّة والبيئيّة يُسلب اختياره.
 
جواب: إنّ هذه العوامل ليست علّة تامّة للفعل فيستطيع الإنسان مجابهتها والتغلُّب عليها بإرادته.
 
- شبهة: إنّ الله عالمٌ بأفعال الإنسان قبل وقوعها، وعلمه بها يلزم عنه حصول الفعل جبراً, وإلّا لزم جهل الله تعالى عن ذلك.
 
جواب: علمُ الله تعلّق بالفعل الإنساني بما هو اختياريّ، فلو كان الإنسان مجبراً للزم جهل الله تعالى عن ذلك.
 
 
أسئلة حول الدرس 
 
1- بيّن معنى الجبر والتفويض، ووجه بطلانهما.
 
2- تحدّث بوضوح عن الأمر بين الأمرين.
 
3- بما أنّ الإرادة تتكوّن نتيجة مجموعة عوامل، ورغبات غير اختياريّة، فهذا يعني أنّ الإنسان مجبر وليس مخيّراً. كيف تجيب على هذه الشبهة؟
 
4- هل يتنافى العلم الإلهيّ الأزليّ مع الاختيار، ولماذا؟
 
100

78

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء



 

أهداف الدرس:

 

1.أن يتعرف الطالب إلى معنى القضاء والقدر.

2. أن يميز بين النسخ والبداء.

 

 

101

 

79

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 تمهيد

 
إنّ الكلام حول الجبر والاختيار يفتح المجال للكلام حول القضاء والقدر، ليتمكّن المسلم من فهمهما بوجه صحيح لا يتنافى مع الاختيار كما توهّمه بعض. والقضاء والقدر يجب الاعتقاد بهما، ففي الخبر عن الإمام عليّ عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بأربعة: حتّى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله بعثني بالحقّ، وحتّى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتّى يؤمن بالقدر"1.

1- معنى القضاء والقدر
 
إنّ القدر من المقدار، والتّقدير للأشياء بحسب الزّمان والمكان والمقدار والكيفيّات والأسباب والشّرائط، والقضاء هو فصل الأمر قولاً أو فعلاً.
 
فالله تعالى مثلاً: قدّر للشّجرة لكي تصبح شجرة أن يكون البذر صالحاً وقابلاً للنّموّ، وأن يوضع في التّراب المناسب، ويتهيّأ له الماء والهواء والحرارة الملائمة له، فإذا تحقّقت كلّ الشّروط، وتمّ التّقدير، قضى المولى عزَّ وجلَّ بأن
________________________________________
1- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج5، ص87.
 
103

80

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 يفترع البذر التّراب، وينمو ليصبح شجرة، فإذا تغيّرت مراحل التّقدير كلّها أو بعضها، دخلت في تقدير آخر، وبالتّالي أصبح لها قضاء آخر وهو اليباس.

 

وكذلك الحال بالنّسبة لأفعال الإنسان، فإنّ الله أعطى الإنسان الإرادة والاختيار، فإذا أفاض الله عليه القدرة، وحصل الدّاعي للفعل، واختار الفعل، ولم يمنع مانع من تحقّقه، قضى المولى - عزّ وجلّ - حينئذ بحصول الفعل، فإذا اختلّت بعض التّقديرات، انقلب التّقدير إلى تقدير آخر وبالتّالي إلى قضاء آخر.

 

وهذا المعنى مستفاد من الآيات والرّوايات، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾2 ، وفي الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام قال: "بعد سؤاله عن القدر: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء" ثمّ قال عليه السلام: "إنّ الله إذا شاء شيئاً أراده، وإذا أراده قدّره، وإذا قدّره قضاه وإذا قضاه أمضاه"3.

 

وبناءً على ما ذُكر يظهر عدّة أمور:

 

1- إنّ القضاء متأخّر عن القدر تأخّر المسبَّب عن سببه.

 

2- إنّ القدر هو تحديد الأسباب والشّروط الّتي إذا تحقّقت وحصلت تعيّن القضاء وتحتّم إلّا إذا منع منه مانع.

 

3- إنّ حصول القدر تدريجي، وأمّا القضاء فيحصل دفعة واحدة، ولذلك لا يتعدّد ولا يتغيّر، والقدر قابل للتغيّر إذا تغيّرت بعض الأسباب والشّروط دون القضاء.

 

وعليه فكلّ ما يحصل في هذا الكون محكوم بالقدر والقضاء، فالقضاء بالمرض على الإنسان إذا تحقّق سببه وتقديره، والقضاء بالشّفاء عند تحقّق سببه وتقديره أيضاً، وكلٌّ من المرض والشّفاء خاضع لتقدير الله وقضائه وقد

________________________________________

2- سورة القمر، الآية: 49.

 

104

 

81

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 ورد في الحديث: "قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رقى4 يستشفى بها، هل تردّ من قدر الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنّها من قدر الله"5.

 
والحاصل: إنّ كلّ شيء يحصل في هذا الوجود فإنّما يحصل بإرادة الله وقدره وقضائه، غاية الأمر أنّ الشّيء المقدَّر لا يخلو إمّا أن يكون من أفعال العباد وإمّا من بقيّة الكائنات، فإن كان من أفعال العباد فالله أراده وقدّره بشرط اختيار العبد له، والله قضاه وأمضاه تبعاً لما يختاره العبد من الفعل والتّرك، وبهذا البيان يظهر عدم منافاة القضاء والقدر لاختيار الإنسان بل يؤكّده.
 
وأمّا عدم منافاة القدر للاختيار فلأن الاختيار من مقدّمات القدر، وأمّا عدم منافاة القضاء للاختيار فلأنّ اختيار العبد للقدر اختيار للقضاء، إذ أنّ اختيار السّبب التامّ اختيار للمسبّب وإن لم يتوسّط الاختيار بين السّبب والمسبب. وإن كان من الكائنات الفاعلة بالجبر فالله قدّر وقضى تحقّقه بالاضطرار6.
 
2- البَداء
 
من المفاهيم الّتي اتّفقت عليها كلمات الإماميّة من الشيعة هو مفهوم البداء، وقد شكّل الفهم الخاطئ لهذا المفهوم من قبل غير الشيعة سبباً للطعن عليهم، ومنشأ الخطأ عندهم هو الخلط بين المعنى اللّغوي والمعنى الاصطلاحي المقصود، في المقام وسيتضح ذلك من خلال الخطوات التالية:
 
1- البَداء لغة: هو الظهور بعد خفاء، قال في المصباح المنير: "بدا يبدو بدواً: ظهر، فهو بادٍ،... وبدا له في الأمر ظهر له ما لم يظهر أوّلاً، والاسم: البداء مثل السَّلام". وهذا المعنى جامع للاستعمالات 
________________________________________
4- رقى: جمع رقية.
5- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج5، ص87.
6- مقتبس من شرح عقائد الإمامية العلّامة السيّد الخرّازي، والإحكام في علم الكلام، العلّامة السيّد محمّد حسن ترحيني.
105 
 

82

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 المتعدّدة للبداء لغة قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾7 ، والبداء بهذا المعنى يستحيل نسبته إلى الله تعالى, لما يتضمّنه من نسبة الجهل إليه تعالى، وهو العالم المطلق الّذي لا يشوب علمه ذرّة من جهل فكيف يقال في حقّه إنّه بدا له ما كان خافياً عليه؟!. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من زعم أنّ الله عزَّ وجلَّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤوا منه"8.

 
2- البداء اصطلاحاً: وهو "الإظهار والإبداء لما خفي من القدر والقضاء المشروط بشرائط غير محقّقة بعد" ومن آثاره قدرة الإنسان على تغيير مصيره بواسطة الأعمال الحسنة أو القبيحة. وبالبداء يكون للصّدقة وصلة الرّحم والدّعاء وغيرها أثرٌ ومعنى.
 
3- ينقسم القضاء إلى قسمين:
 
أ- قضاء مبرم محتوم: وهذا لا يقع فيه البداء، بل يستحيل وقوع البداء فيه, لأنّه يلزم منه التغيّر في علمه تعالى.
 
ب- قضاء مشروط وموقوف على أمرين:
 
1 - تحقّق شروطه. 
 
2 - عدم تعلّق المشيئة الإلهيّة بخلافه.
 
وقد ورد عن الباقر عليه السلام أنّه قال: "من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة، ومن الأمور أمور موقوفة عند الله، يقدّم منها ما يشاء ويمحو ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء"9.
________________________________________
7- سورة المائدة، الآية: 99.
8- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، البداء والنسخ، ج 2، ص136.
9- م.ن. ج4، ص119.
 
106

83

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

وهذا القسم هو الّذي يقع فيه البداء، والّذي صرّح المولى عزَّ وجلَّ به في الآية، حيث ذكرت بأنّه تعالى يقدّم ما يشاء ويمحو ما يشاء، وقد روى أهل السّنّة عن ابن عبّاس أنّه قال:

 
"الكتاب اثنان: كتاب يمحو الله ما يشاء فيه، وكتاب لا يغير وهو علم الله والقضاء المبرم"10.
 
وروى التّرمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا يردّ القضاء إلّا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البرّ"11 ، وغيره الكثير من الرّوايات.
 
ومن أمثلة البَداء المصطلح قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾12 فهل كان تعالى لا يعلم بأنّ في المسلمين ضعفاً يمنعهم من أن يقابل العشرون منهم المائتين من الكافرين، والمائة الألف، ثمّ علم فخفّف عنهم بقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾13 ؟.
 
والجواب: هو أنّه تعالى كان عالماً بضعفهم. ولا يمكن نسبة الجهل إليه تعالى، ولذلك لا يتأتّى تفسير هذه الآية بشكل صحيح إلّا في ضوء البداء، بمعنى أنّ الله (تعالى) أبدى وأظهر ما كان يكنّه من علمه الخاصّ، فاستبدل بالواقعة واقعة، وهكذا يمكن تفسير قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام مع ذبح ولده النبيّ إسماعيل عليه السلام وغيرها أيضاً.
 
وبهذا البيان الصحيح بمعنى البداء يمكن توجيه ما ورد من الآثار المترتبة على مثل الصدقة والدعاء وصلة الأرحام, من أنّ "الصّدقة تدفع البلاء" 14،
________________________________________
10- خلاصة علم الكلام، د. عبد الهادي الفضلي، ص 112، نقلاً عن كتاب حاشية الجمل، ج 2، ص 574.
11- سنن الترمزي، الترمزي، ج 3، ص 303.
12- سورة الأنفال، الآية: 66.
13- سورة الأنفال، الآية: 66.
14- الكافي، الشيخ الكليني، ج 4، ص 5.
 
107

84

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 "والدّعاء يردّ القضاء"15 ، و"صلة الأرحام تطيل الأعمار"... الخ16.

 
ومن خلال ما تقدّم يعلم أنّ البّداء نسخ تكوينيّ، وأنّ النّسخ بَداء تشريعي فكما أقرّ جميع المسلمين بإمكانيّة نسخ الأحكام وعدم استحالته لعدم مخالفته للعلم الإلهي، فكذلك 
النّسخ التكوينيّ المعبّر عنه بالبداء.
 
بين النسخ والبداء
 
لقد اتّفقت كلمة المسلمين على إمكان النّسخ في الأحكام الشرعيّة، ومعنى النّسخ هو رفع حكم شرعي ظاهره الثّبات والدّوام بحكم شرعيّ آخر مخالف للحكم الأوّل.
 
بمعنى أنّ الحكم الأوّل مؤقّت بمدّة معيّنة في علم الله، ولكنّه تعالى لم يُظهر هذا التّوقيت، بل أظهر الاستمرار والدّوام، وأخفى التوقيت عن النّاس, إذ لولا الدّليل الناسخ لبقي الحكم الأوّل واستمرّ كما هو، وعليه لا يتنافى النّسخ بهذا المعنى مع العلم الإلهيّ الأزليّ. 
 
ومن أمثلة النّسخ، الحكم بتوجَّه المسلمين إلى بيت المقدس في صلاتهم وهي القبلة الأولى، من دون أن يحدّد مدّة ووقت لهذا الحكم، ثمّ رُفع هذا الحكم بحكم آخر بوجوب التّوجّه إلى الكعبة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾17.
 
وأمّا لماذا يخفي تعالى التّوقيت؟ فالجواب هو أنّ لإخفاء التّوقيت مصالح متعدّدة منها الامتحان والاختبار وغير ذلك.
________________________________________
15- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 469.
16- م.ن، ج 2، ص 152.
17- سورة البقرة، الآية: 144.
 
108

85

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 وهكذا البداء كما مرّ آنفاً، فإنّ الله يعلم بتغيّر التقدير والقضاء المشروط، ولكن لا يظهره لهم لمصلحة معيّنة، وعندما يتحقّق شرط التّغيير يتغيّر التّقدير، والقضاء يتغير تبعاً له.

 

وبهذا البيان يتّضح أنّ النّسخ والبداء من وادٍ واحد، والفارق بينهما أنّ النّسخ يقع في عالم التّشريع والأحكام، والبداء في عالم التكوين، فالبداء نسخ تكوينيّ، والنّسخ بداء تشريعيّ.

 

خلاصة الدّرس 

 

- القدر من المقدار، والتقدير للأشياء بحسب الزمان والمكان والمقدار والكيفيّات والأسباب والشرائط. والقضاء هو فصل الأمر والحكم عليه.

 

ويفترق القدر عن القضاء:

 

1- أنّ القضاء متأخِّر عن القدر تأخّر المسبَّب عن سببه. 

 

2- إنّ القدر هو تحديد الأسباب والشروط الّتي إذا تحقّقت وحصلت تعيّن القضاء.

 

- لا تنافي بين اختيار الإنسان والقضاء والقدر، وذلك لأنّ الله تعالى قدّر أفعال الإنسان بشرط اختيار العبد لها، ثمّ إنّ الله تعالى قضاه تبعاً لاختيار العبد.

 

- البداء لغة: هو الظهور بعد خفاء، وهو بهذا المعنى يستحيل نسبته إلى الله تعالى.

 

أمّا اصطلاحاً: هو الإظهار والإبداء لما خفي- على الإنسان- من القدر والقضاء المشروط.

 

109

 

86

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر والبَداء

 - القضاء قضاءان مبرم ومشروط:

 
الأوّل: لا يقع فيه البداء.
 
الثاني: هو الّذي يقع فيه البداء.
 
- النسخ بداء تشريعي، والبداء نسخ تكوينيّ.
 
 
 

أسئلة حول الدرس 
 
1- عرّف القضاء والقدر من خلال آية ورواية، واذكر الفرق بينهما.
 
2- هل يتنافى القضاء والقدر مع اختيار الإنسان، ولماذا؟
 
3- عرّف البداء لغة واصطلاحاً؟
 
4- أذكر آية لا يمكن فهمها إلّا من خلال البداء بالمعنى الصحيح، مع توضيح.
 
5- ما هو الفرق بين النسخ والبداء؟
 
110
 

87

الدرس الثالث عشر: العدل

 الدرس الثالث عشر: العدل



أهداف الدرس:
 
1. أن يتعرف الطالب إلى معنى الحسن والقبح.
2. أن يعدد أقسام العدل.
3. أن يستذكر الدليل علىالعدل الإلهي.
 
111
 

88

الدرس الثالث عشر: العدل

 تمهيد

 
 
لقد تعرّض القرآن الكريم في الكثير من آياته للعدل الإلهي فقال تعالى:﴿ِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾1 ، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾2.
 
وقد اتفقت كلمة المسلمين قاطبة على أنّ الله عادل، وأنّ العدل من صفاته الكماليّة, إلّا أنّه وقع الخلاف بين العدليّة (الشيعة والمعتزلة) من جهة، والأشاعرة من جهة أخرى حول: قدرة العقل على معرفة الحسن من القبيح من دون الاعتماد على الشّرع. ومرجع الخلاف إلى مسألة أن التّحسين والتّقبيح هل هما شرعيّان أو عقليّان؟ فهل العقل قادر على إدراك الحسن والقبح في بعض الأفعال أو لا؟
________________________________________
1- سورة النحل، الآية: 90.
2- سورة آل عمران، الآية: 108.
113

89

الدرس الثالث عشر: العدل

 التّحسين والتّقبيح

 

قالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها بل الحسَن ما حسّنَه الشارع من خلال فعله في التكوينيات وأمره في التشريعيات. والقبيح ما قبّحه الشارع، ولا يتّصف الفعل بالحسن والقبح قبل ورود بيان من الشّارع المقدّس، وأنّه تعالى لو خلّد المطيع في جهنّم، والعاصي في الجنّة، لم يكن قبيحا,ً لأنّه يتصرّف في ملكه حيث إنّه سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾3.

 

ولذلك عُرِفَ قولهم بالتحسين والتقبيح الشرعيّين، و قد يؤدّي هذا القول إلى إنكار العدل بصورة غير مباشرة.

 

وقالت العدليّة: إنّ الأفعال تملك قيماً ذاتيّة، يدركها العقل بغض النّظر عن حكم الشرع، فمن الأفعال ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح كذلك، ومنها ما لا يتّصف بهما، والعقل يدرك أيضاً أنّ الله وبمقتضى صفاته الكماليّة المطلقة لا يفعل ولا يأمر إلّا بما هو حسن، ولا ينهى إلّا عن القبيح، فالعقل إذاً وظيفته الإدراك, وهو يدرك حسن العدل ويمدح فاعله، وقبح الظّلم ويذمّ فاعله.

 

وهذا الإدراك لا يعني أنّ العقل يأمر الله وينهاه، بل يكتشف العقل تناسب فعلٍ مّا مع الصّفات الكماليّة لله تعالى، (كالعدل) وعدم تناسب فعل آخر معها (كالظّلم)، ويدرك استحالة صدور الفعل القبيح منه تعالى.

 

وقد استشهد العدليّة على قولهم هذا بأنّ كلّ العقلاء، حتّى المنكرين للشّرائع السّماويّة، لا يتردّدون بالحكم على فعل العدل بأنّه حسن، وعلى فعل الظّلم بأنّه قبيح، من دون اعتمادهم على شريعة بل مع إنكارهم لها, ولذلك تجدهم يسعون لوضع أنظمة وقوانين لحفظ الحقوق وتحقيق العدالة، وهذا من البداهة والوضوح بمكان.

________________________________________

3- سورة الأنبياء، الآية: 23.

 

 

114

 

90

الدرس الثالث عشر: العدل

 مفهوم العدل

 
للعدل عدّة تفسيرات أهمّها:
 
1- إنّ العدل هو فعل ما حسّنه العقل وترك ما قبّحه، فيكون مساوياً للحكمة, أي وضع الشّيء في موضعه المناسب 4، والإتيان بالفعل في محلّه، لأنّ العقل يحكم بحسن هذا الوضع. 
 
2- إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه: وهذا المعنى أخصّ من المعنى المتقدّم, لأنّ إعطاء الحقّ لصاحبه هو وضع للحقّ في موضعه المناسب، إلّا أنّ هذا المفهوم هو الأقرب لمعنى العدل كمفهوم مستقلّ ومغاير لمعنى الحكمة، والحقّ الوارد في التعريف يشمل جميع الحقوق بما فيها الحقّ غير الثابت بالأصالة بل ولو كان ثبوت الحقّ بسبب الوعد، إذ ليس للإنسان حقّ بالأصالة على الله تعالى، ولكّنه ثبت له هذا الحقّ بعد وعده تعالى الإنسان بالثواب نتيجة أفعاله. وبهذا يظهر الفرق بين العدل والمساواة، فإنّ وضع الشّيء في موضعه قد يتنافى مع المساواة في كثير من موارده. فلو أعطى المعلّم علامة واحدة (15 مثلاً) لجميع التلامذة فإنّه ظلمٌ لمن يستحقّ الأكثر، وهو وضع لهذه العلامة في غير موضعها لمن لا يستحقّها.
 
أقسام العدل
 
بما أنّ وضع الشّيء في موضعه المناسب وإعطاء الحقوق لأصحابها يختلف باختلاف الأشياء والحقوق ومواضعها، إذ لكلّ شيء وضع مناسب له بحسبه, فإنّ لكلّ شيء وضعاً خاصّاً به يقتضيه، ويفرضه العقل، أو الشّرع، أو المصالح العامّة والشخصيّة في نظام الكون وبناءً عليه قُسِّم العدل إلى ثلاثة أقسام:
________________________________________
4- إنّ لكلّ شيء وضعاً خاصاً به يقتضيه ويفرضه العقل أو الشرع أو المصالح العامة والشخصية في نظام الكون.
115

91

الدرس الثالث عشر: العدل

 1- العدل التكويني: وهو يعني أنّه تعالى يعطي كلّ موجود في مراحل تكوينه ما يستحقّه ويحتاجه في مسيرته نحو الغاية الّتي لأجلها خلق، فيكوّنه بما يتناسب مع غايته، فلا يهمل قابليّة، ولا يعطّل استعداداً قال تعالى: ﴿إلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾5 ، وبذلك يكون تعالى قد وضع كلّ شيء في موضعه المناسب له تكويناً.

 

2- العدل التّشريعي: وهو أنّه تعالى يشرِّع الأحكام الّتي تتكفّل كمال الإنسان وسعادته في كلّ الجوانب المادّيّة والمعنويّة، الدنيويّة والأخرويّة، ولا يكلِّف نفساً إلّا وسعها، وبذلك يكون قد وضع التّشريع في موضعه المناسب، فيكون عادلاً.

 

3- العدل الجزائي: أي إنّه تعالى يحاسب ويجازي ثواباً وعقاباً كلّ نفس بما كسبت، ولا يعاقب العبد على تكليف إلّا بعد البيان وإلقاء الحجّة عليه، وبهذا يكون قد وضع العقاب والثّواب في موضعهما المناسب.


دليل العدل الإلهي


الدّليل على وجوب اتّصافه تعالى بالعدل هو:

 

لو لم يكن الله عادلاً لاستلزم ذلك نسبة النقص إليه تعالى، والنّقص منتفٍ عنه تعالى بالضّرورة، فوجب كونه عادلاً.

 

توضيح الدليل

 

إنّه تعالى لو كان يفعل الظّلم والقبح- تعالى عن ذلك- فإنّ فعل الظلم لا يخلو من أربع صور- أي: إنّ الظّلم مسبَّب لواحد من الأسباب الأربعة:

________________________________________

5- سورة الأعلى، الآيتان: 2-3.

 

116

 

92

الدرس الثالث عشر: العدل

 أن يكون صدور الظّلم بسبب الجهل بكون الفعل قبيحاً.

 
أن يكون عالماً بقبح الفعل ولكنّه فعله لأنّه مجبر على فعله عاجز عن تركه.
 
أن يكون عالماً بقبح الفعل، وغير مجبر عليه، ولكنّه محتاج إلى فعله.
 
أن يكون عالماً بقبح الفعل، وغير مجبر وغير محتاج، ولكنّه فعله عبثاً ولغواً.
 
هذه هي الصّور والأسباب الأربعة المتصوّرة لصدور الظّلم، فإذا انتفت هذه الأسباب انتفى الظّلم لانتفاء أسبابه وبالتالي ثبت العدل.
 
وكلّ هذه الصّور والأسباب مستحيلة على الله تعالى, لأنّها تستلزم النّقص فيه.
 
فالصّورة الأولى تستلزم نسبة الجّهل إليه تعالى وقد ثبت أنّه تعالى عالم مطلق لا يشوب علمه ذرّة من جهل ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾6.
 
والثّانيّة تنسب إليه العجز مع العلم بأنّه تعالى هو القادر المطلق الّذي لا يتوهّم فيه عجز ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾7.
 
والثّالثة تسند إليه الحاجة والافتقار مع أنّه تعالى هو الغنيّ المطلق الّذي يحتاجه كلّ شيء ولا يحتاج إلى شيء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾8.
 
والرابعة تخالف الحكمة وهو تعالى الحكيم الّذي لا يفعل عبثاً ولا لغواً ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾9 وهو تعالى كمال محض،
________________________________________
6- سورة الأنفال، الآية: 75.
7- سورة الأحزاب، الآية: 27.
8- سورة فاطر، الآية: 15.
9- سورة الحشر، الآية: 1.
117

93

الدرس الثالث عشر: العدل

أن يكون صدور الظّلم بسبب الجهل بكون الفعل قبيحاً.

 

أن يكون عالماً بقبح الفعل ولكنّه فعله لأنّه مجبر على فعله عاجز عن تركه.

 

أن يكون عالماً بقبح الفعل، وغير مجبر عليه، ولكنّه محتاج إلى فعله.

 

أن يكون عالماً بقبح الفعل، وغير مجبر وغير محتاج، ولكنّه فعله عبثاً ولغواً.

 

هذه هي الصّور والأسباب الأربعة المتصوّرة لصدور الظّلم، فإذا انتفت هذه الأسباب انتفى الظّلم لانتفاء أسبابه وبالتالي ثبت العدل.

 

وكلّ هذه الصّور والأسباب مستحيلة على الله تعالى, لأنّها تستلزم النّقص فيه.

 

فالصّورة الأولى تستلزم نسبة الجّهل إليه تعالى وقد ثبت أنّه تعالى عالم مطلق لا يشوب علمه ذرّة من جهل ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾6.

 

والثّانيّة تنسب إليه العجز مع العلم بأنّه تعالى هو القادر المطلق الّذي لا يتوهّم فيه عجز ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾7.

 

والثّالثة تسند إليه الحاجة والافتقار مع أنّه تعالى هو الغنيّ المطلق الّذي يحتاجه كلّ شيء ولا يحتاج إلى شيء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾8.

 

والرابعة تخالف الحكمة وهو تعالى الحكيم الّذي لا يفعل عبثاً ولا لغواً ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ منزّه عن فعل أيّ قبيح 10، ومن خلال السبب الرابع يمكن الإشارة إلى دليل آخر مستقلّ معروف بدليل الحكمة وهو:


دليل الحكمة

 

تقدّم أنّ الله تعالى يمتلك أسمى مراتب القدرة والاختيار، وأنّه قادر على أن يفعل أيّ فعل ممكن الوجود أو لا يفعله، دون أن يخضع لتأثيرات أيّة قوّة تجبره وتقهره، إلّا أنّ الله لا يفعل كلّ ما يقدر عليه من أفعال، وإنّما يفعل ما يريده هو.

 

وتقدّم أيضاً أنّ إرادته تعالى ليست عبثيّة ولا خرافيّة، وإنّما يريد ما يتناسب مع صفاته الكمالية المطلقة، فإذا لم تقتضِ صفاته الكماليّة فعلاً ما فإنّه لا يصدر منه ذلك الفعل إطلاقاً.

 

وبما أنّ الله سبحانه كمالٌ محض، فإرادته إنّما تتعلّق بالأصالة بجهة كمال المخلوقات وغيرها، وإذا لزم من وجود مخلوق بعض الشرّ والنقص، فإنّ ذلك يكون مقصوداً بالتبع لا بالأصالة، بمعنى أنّ هذا الشرّ لازم لا ينفكّ عن الخير الغالب، لذلك تتعلّق الإرادة بالخير الغالب ويتبعه الشرّ الّذي لا ينفكّ عنه. وبذلك تثبت صفة الحكمة لله سبحانه. وبالتالي تثبت عدالته تعالى.

 

شبهات وحلول

 

1- كيف يتلاءم وجود المصائب من أمراض وكوارث طبيعيّة (كالسيول والزّلازل) والمتاعب الاجتماعية (كالحروب وألوان الظّلم المختلفة) مع العدل الإلهيّ؟

 

الجواب: أوّلاً: إنّ الحوادث الطبيعيّة المؤلمة ملازمة لأفعال العوامل المادّيّة وانفعالاتها وتصادمها والتّزاحم بينها، وبما أنّ خيرات هذه العوامل أكثر من

________________________________________

10- مقتبس من عقائد الإمامية.

 

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾9 وهو تعالى كمال محض،

________________________________________

6- سورة الأنفال، الآية: 75.

7- سورة الأحزاب، الآية: 27.

8- سورة فاطر، الآية: 15.

9- سورة الحشر، الآية: 1.

 

 

118

94

الدرس الثالث عشر: العدل

  شرورها، لذلك لا تكون مخالفة للحكمة وبالتالي مع العدل الإلهي. وكذلك ظهور المتاعب والمفاسد الاجتماعيّة ممّا تقتضيها اختياريّة الإنسان، هذه الاختياريّة الّتي تقتضيها الحكمة الإلهيّة. 

 
ولكنّ الملاحظ أنّ فوائد الحياة الاجتماعيّة وإيجابيّاتها أكثر من مفاسدها، ولو كانت المفاسد هي الأكثر لما بقي إنسان على وجه الأرض.
 
ثانياً: إنّ وجود هذه المتاعب والكوارث والمصائب، تدفع الإنسان- من جهة- إلى البحث عن معرفة أسرار الطّبيعة والكشف عنها، وبذلك تظهر الثّقافات والكشوفات والصّناعات المختلفة، ومن جهة أخرى، فإنّ خوض هذه المتاعب ومواجهتها وعلاجها، له دور كبير في تنمية الطاقات والاستعدادات ورشدها وتفجيرها، وفي تكامل الإنسان ورقيّه وتقدّمه.
 
وأخيراً: إنّ تحمّل أيّة مصيبة أو ألم، والصّبر عليه، سوف يكون له الثّواب الجزيل في العالم الأبدي، وسوف لا يذهب هدراً، بل يتمّ جبرانه بصورة أفضل، وسيكون الإنسان أسرع تكاملاً ووصولاً لمرتبة القرب من الله تعالى.
 
2- كيف يتلاءم العذاب الأبدي للذنوب المحدودة والمؤقّتة، الّتي يرتكبها المذنبون في هذا العالم، مع العدل الإلهي؟
 
الجواب: هناك علاقة علّية وسببية بين الأعمال الحسنة والقبيحة وبين الثواب والعقاب الأخرويّين، قد كشف عنها الوحي الإلهيّ، ونبّه الناس عليها، وكما أنّنا نلاحظ في عالم الدّنيا، أنّ هناك بعض الجرائم، تعقبها آثار سيّئة تمتدّ إلى مدّة طويلة، رغم قصر مدّة الجريمة، فمثلاً لو فقأ الإنسان عينه هو، أو عيون الآخرين فأعماها، فإنّ هذا الفعل يتمّ في مدّة قصيرة جدّاً، ولكن نتيجته- وهي العمى- تمتدّ إلى نهاية العمر، كذلك الذّنوب الكبيرة لها آثارها الأخرويّة
119

95

الدرس الثالث عشر: العدل

  الأبديّة، وإذا لم يوفّر الإنسان في هذه الدنيا مستلزمات جبرانها، (كالتّوبة مثلاً) فإنّه سوف يعيش آثارها السيّئة وإلى الأبد.

 

فكما أنّ بقاء عمى الإنسان إلى نهاية العمر بجريمة لم تستغرق إلّا لحظة واحدة لا ينافي العدل الإلهيّ، كذلك الابتلاء بالعذاب الأبدي نتيجة لارتكاب الذّنوب الكبيرة لا ينافي العدل الإلهيّ, وذلك لأنّه ناتج عن الذّنب الذي ارتكبه المذنب عن سابق وعي وإصرا

 

خلاصة الدّرس 

 

- الأشاعرة يقولون بالتحسين والتقبيح الشرعيّين، فلا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها بل الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه.

 

العدليّة: المعتزلة والشيعة- يقولون بالتحسين والتقبيح العقليّين، فالأفعال تملك قيماً ذاتيّة يُدركها العقل، بغضِّ النظر عن حكم الشرع، والدليل الوجدان حيث إنّ العقلاء- حتّى المنكرين للشرائع- لا يتردّدون بالحكم على فعل العدل بأنّه حسن، وعلى فعل الظلم بأنّه قبيح.

 

- العدل هو فعل ما حسّنه العقل وترك ما قبّحه، أو وضع الشيء في موضعه المناسب، أو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.

 

- قُسِّم العدل إلى أقسام:

 

1- العدل التكويني: وهو يعني أنّه تعالى يُعطي كلّ موجود في مرحلة تكوينه ما يستحقّه ويحتاجه في مسيرته نحو الغاية الّتي لأجلها خلق.

 

2- العدل التشريعي: وهو يعني أنّه تعالى يُشرِّع الأحكام الّتي تتكفّل بوصول الإنسان إلى السعادة والكمال.

 

3- العدل الجزائي: وهو يعني أنّه تعالى يُحاسب ويُجازي ثواباً وعقاباً كلّ 

 

 

120

 

96

الدرس الثالث عشر: العدل

 

نفس بما كسبت، ولا يُعاقب إلّا بعد البيان وإلقاء الحجّة.

 

- يستدل على العدل الإلهي: بأنّه لو لم يكن الله عادلاً لكان ناقصاً- لأنّ الظلم معلول للجهل أو العجز أو الحاجة أو العبث- وكلّ هذا مستحيل على واجب الوجود.

 

- بما أنّ الله سبحانه كمال محض فإرادته تتعلّق بكمال المخلوقات، وأمّا الشر الحاصل فهو مراد لا بالأصالة وبذلك تثبت صفة للحكمة لله سبحانه.

 

- إنّ المصائب والأمراض لا تتنافى مع العدل الإلهي, وذلك لأنّ خيرها أكثر من شرّها.

 

- إنّ العقاب الأخروي الأبدي على الذنوب المحدودة والمؤقتة لا يتنافى مع العدل الإلهي, حيث إنّ هناك علاقة علّيّة بين الأعمال الحسنة أو القبيحة وبين الثواب والعقاب الأخرويّين. ونحن نلاحظ في الدنيا جريمة مؤقّتة- كفقأ العين- تؤدّي إلى العمى الدائم.

 

 أسئلة حول الدرس 

 

1- وضّح رأي الأشاعرة والعدليّة في مسألة التحسين والتقبيح؟ واذكر دليلاً؟

 

2- تكلّم حول معنى العدل، وأقسامه؟

 

3- أذكر الدليل على العدل الإلهيّ؟

 

4- كيف يتناسب العدل الإلهيّ مع وجود الأمراض والمصائب والابتلاءات؟ 

 
121

97

الدرس الرابع عشر: النبوّة العامّة

 الدرس الرابع عشر: النبوة العامة




أهداف الدرس:

 

1. أن يستذكر الطالب الدليل على ضرورة بعثة الأنبياء عليهم السلام.

2. أن يدرك حدود المعرفة البشرية.

 

123

 

98

الدرس الرابع عشر: النبوّة العامّة

 ضرورة بعثة الأنبياء عليهم السلام

 
إنّ إثبات ضرورة بعثة الأنبياء عليهم السلام هي من المسائل المهمّة في مبحث النّبوّة، لأنّ البحث في المسائل المرتبطة بالنبوّة، كوجوب النظر في المعجزة، والبحث في دعوى مدّعي النبوّة، ووجوب طاعته وضرورة عصمته وغيرها من الأبحاث، متفرّع على إثبات ضرورة البعثة وعدم استغناء البشر - مهما تكاملت عقولهم وعلومهم - عن الوحي والنبوّة، ليصلوا إلى الهدف الّذي خلقوا من أجله. ويمكن إثباتها ببرهان مؤلّف من مقدّمات:
 
1- الاختيار الواعي لطريق الكمال: إنّ الهدف من خلق الإنسان هو السّير في طريق تكامله، من خلال ممارسة الأفعال الاختياريّة لأجل التوصّل إلى كماله النّهائي، هذا الكمال الّذي لا يُتوصّل إليه إلّا باختيار الإنسان وإرادته.
 
وبتعبير آخر، إنّما خلق الإنسان ليكون- بعبادته وإطاعته لله تعالى- مستحقّاً وأهلاً للحصول على الرّحمة الّتي يختصّ بها الأفراد المتكاملون.
 
وقد اتّضحت هذه المقدّمة عند البحث في الحكمة والعدل الإلهيّ.
125
 

99

الدرس الرابع عشر: النبوّة العامّة

 

 

2- الاختيار الواعي يحتاج إلى معرفة صحيحة: إنّ الاختيار الواعي إضافة إلى احتياجه للقدرة على ممارسة العمل، وتوفّر الظروف والأجواء الخارجيّة لممارسة الأعمال المختلفة، ووجود الميل والدّافع الدّاخلي لها- يحتاج أيضاً إلى المعرفة الصّحيحة بالأعمال الحسنة والأعمال القبيحة، والطّرق الصّالحة وغير الصّالحة، وإنّما يتمكّن الإنسان من اختيار طريق تكامله- بكلّ حريّة ووعي- فيما لو كان يعرف الهدف، وطريق الوصول إليه، وكان عارفاً بكلّ العقبات والعراقيل والانحرافات والمزالق، الّتي قد تواجهه أثناء سيره التّكاملي.
 
إذاً، فمقتضى الحكمة الإلهيّة أنْ تتوفّر للبشر الوسائل والمستلزمات الضّروريّة للحصول على مثل هذه المعارف والمدركات، وإلّا فسيكون حاله كحال الشّخص الّذي يدعو ضيفاً إلى داره، ثمّ لا يدلّه على مكانه، ولا على الطّريق المؤدّي إليه! ومن البديهيّ أنّ مثل هذا العمل مخالف للحكمة، وموجب لنقض الغرض. وهذه المقدّمة أيضاً واضحة.
 
3- قصور المعرفة البشرية: إنّ المعارف والعلوم الّتي أفاضها الله على البشر، والّتي تحصل نتيجة التّعاون بين الحسّ والعقل، لها دورٌ فاعلٌ في توفير ما يحتاج إليه الإنسان في حياته، ولكنّها لا تكفي للتّعرّف على طريق الكمال والسّعادة الحقيقيّة، وفي جميع المجالات الفرديّة والاجتماعيّة، والمادّيّة والمعنويّة، والدنيويّة والأخرويّة، وإذا لم يوجد طريق آخر لسدّ النّقائص وملئ الفجوات فلن يتحقَّق الهدف الإلهي من خلق الإنسان.
 
ولتوضيح هذه المقدّمة أكثر سيّما مع تشكيك البعض بها لا بدّ من القول: إنّ الحكمة الإلهيّة تقتضي وضع طريق آخر للبشر- غير الحسّ والعقل- من أجل التعرّف على طريق الكمال في كلّ المجالات، حتّى يستطيع البشر الاستفادة منه.
 
126

100

الدرس الرابع عشر: النبوّة العامّة

 وهذا الطّريق هو الوحي والّذي من خلاله يتمكّن الإنسان من الوصول إلى السّعادة والكمال النّهائي, وبذلك يتحقّق الغرض من الخلق. 

 
لا يشكّ عاقل في أنّ حاجات البشر متنوّعة ومتعدّدة, فمنها حاجات تختصّ بالأشخاص، ومنها حاجات ترتبط بالجماعات، وبعضها حاجة للبدن وبعض آخر حاجات ترجع إلى الرّوح، وبعضها يتعلّق بالدّنيا ومنها يتعدّى الدّنيا إلى الآخرة، وهذه الحاجات قد تتداخل مع بعضها وتتعارض، فكم من مصلحة شخصيّة تزاحم مصلحة عامّة، وكم من حاجة للبدن تتنافى مع بعدٍ من أبعاد الرّوح، وكذلك الحال بين المصالح الدّنيويّة والأخرويّة، إضافة إلى وجود فوارق معرفيّة وبدنيّة ونفسيّة متفاوتة بين البشر، وكلٌّ منهم يعيش ظروفاً طبيعيّة واجتماعيّة مختلفة، ومراعاة هذه المصالح والحاجات، والموازنة بينها، وتحديد الأصلح عند التّزاحم والتعارض بينها هو أمر خارج عن قدرة البشر، سواء كانوا جماعات أم أفراداً، بدليل أنّ التغيير الدّائم في القوانين والتّشريعات البشريّة عبر العصور يؤكّد على أنّ البشر لم يستطيعوا حتّى الآن الوصول إلى قانون كامل وشامل يحفظ المصالح ويحدّد الأولويّات، مع أنّ هؤلاء المشرّعين قد استفادوا كثيراً من التّشريعات والقوانين الإلهيّة، هذا إضافة إلى أنّهم حصروا جهدهم في تحصيل المصالح الدّنيويّة دون غيرها.
127

101

الدرس الرابع عشر: النبوّة العامّة

 خلاصة الدرس

 

- لإثبات ضرورة بعثة الأنبياء عليهم السلام هناك مقدّمات:

 

الأولى: إنّ الهدف من خلق الإنسان هو الوصول إلى الكمال باختياره.

 

الثانية: اختيار طريق الكمال يحتاج إلى معرفة صحيحة بكيفيّة الوصول إلى الكمال.

 

الثالثة: المعرفة البشريّة قاصرة عن معرفة كيفيّة الوصول إلى الكمال.

 

النتيجة: لا بدّ من الأنبياء عليهم السلام الموحى إليهم من الله تعالى ليُعرِّفوا البشر على طريق الكمال.

 

وذلك لأنّ مقتضى الحكمة أن يزوّد كلّ موجود بما يمكّنه من الوصول إلى هدفه وإلا لزم العبث.

 

 

أسئلة حول الدرس

 

1- تحدّث باختصار عن مقدّمات دليل (ضرورة بعثة الأنبياء عليه السلام).

 

2- تحدّث بوضوح وتفصيل عن قصور المعرفة البشريّة.

 

128

 

102

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

 الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام 





أهداف الدرس:
 
1. أن يعدد الطالب بعض أسباب تعدد الأنبياء عليهم السلام.
2. أن يميز بين النبي والرسول.
3. أن يستذكر بعض فوائد بعثة الأنبياء .
 
129
 

103

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

 تعدّد الأنبياء عليه السلام

 
بما أنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت وجود طريق الوحي, لأجل تحقّق الغرض من خلق الإنسان وهو الكمال على مستوى الفرد والمجتمع، وبما أنّ هذا الهدف لا يتحقّق من خلال نبيّ واحد، فكان لا بدّ من تعدّد الأنبياء عليهم السلام قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾1.

أسباب التعدّد
 
هناك عدد من الأسباب لتعدّد الأنبياء عليهم السلام نذكر منها:
 
1- محدوديّة وقصر عمر الإنسان بما في ذلك الأنبياءعليهم السلام، وعدم وجود ما يقتضي بقاء النّبيّ الأوّل حتّى نهاية العالم.
 
2- إنّ عدم قدرة الأنبياء عليهم السلام في عصرهم وزمانهم على نشر دعوتهم وتبليغها لكلّ الأمم والشّعوب، فرض ضرورة تعدّد الأنبياء حتّى في عصر واحد كما في نبوّة إبراهيم عليه السلام ولوط عليه السلام.
 
3- تطوّر المجتمعات، وتغيّر الظّروف، وتوسّع وتعقّد العلاقات الاجتماعيّة،
________________________________________
1- سورة فاطر، الآية: 24.
 
131

104

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

  حيث يصل إلى حدّ يُحتاج فيه إلى تطوير الأحكام والقوانين الاجتماعيّة والفرديّة كمّاً ونوعاً، إضافة إلى تشريعات جديدة لم تكن تحتاجها المجتمعات السّابقة أساساً، وهذا يفرض وصول هذه التّشريعات على يد أنبياء جدد.

 

4- وقوع التّحريف العمديّ أو التّفسير والفهم الخاطئ، والّذي يصل إلى حدّ الانحراف عن المسار الّذي يريده تعالى، كما حصل في التوراة والإنجيل.

 

لهذه الأسباب وغيرها لزم تعدّد الأنبياء، وكلّ نبيّ أدّى دوره المطلوب منه على أحسن وجه، وكانت رسالته مهمّة وصائبة، إلّا أنّ دورها انتهى فبدأت رسالة أخرى من حيث انتهت الأولى، وهكذا يستمرّ تكامل المجتمعات تبعاً لتكامل الرّسالات، ولذلك, يجب الإيمان والاعتقاد بكلّ الأنبياء عليهم السلام قال تعالى:﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾2.


النّبيّ والرّسول وأولو العزم

 

النّبيّ: هو حامل النبأ من الله تعالى، سواء أُمر بالتبليغ أم لا.

 

الرّسول: هو خصوص النّبيّ المأمور بتبليغ الرّسالة الموحاة إليه.

 

فللنبيّ شرف العلم بالله وبما عنده، وللرسول شرف الطاعة بين الله سبحانه وبين خلقه.

 

أولو العزم: هم خصوص من امتاز من الرسل بالصّبر والاستقامة الشديدين. وامتازوا أيضاً بأنّ لكلّ واحد منهم كتاباً وشريعة مستقلّة، يتبعها

________________________________________

2- سورة البقرة، الآية: 136.

 

132

 

105

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

 الأنبياء المعاصرون لهم والمتأخّرون عنهم إلى أن يبعث الله نبيّاً آخر من أولي العزم برسالة وشريعة جديدة، قال تعالى:﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾3. وهذه المعاني المذكورة موافقة للمعنى اللغويّ، وقد ورد في رواية عن الإمام الباقرعليه السلامقال:"النبيّ الّذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يرى الملك، والرسول الّذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك..."4.

 
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾5.
 
وفي الخبر عن أبي ذر: "قلت: يا رسول الله كم النّبيّون؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبيّ، قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر جماً غفيراً"6.
 
وفي الخبر عن أبي جعفر عليه السلام: "أولو العزم من الرّسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلى الله عليهم أجمعين"7.

فوائد بعثة الأنبياء عليهم السلام 
 
إنّ الهدف والغاية الأولى من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو هداية البشريّة إلى الطّريق الصّحيح للتكامل الحقيقيّ، وتلقّي الوحي وإبلاغه للنّاس، إلّا أنّ لها فوائد أخرى مهمّة في تكامل البشر، وأهمّها ما يلي:
 
1- إنّ هناك الكثير من المعلومات، الّتي يمكن للعقل الإنساني إدراكها،
________________________________________
3- سورة الأحقاف، الآية: 35.
4- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 176.
5- سورة الشورى، الآية: 13.
6- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج11، ص32.
7- م.ن، ج11، ص33.
133

 


106

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

  ولكنّه ربّما غفل عنها معظم النّاس، فيحتاجون إلى من يذكّرهم بها وهم الأنبياء، ومن هنا يعرف السّبب في أطلاق صفتي "المذكِّر والنذير" على الأنبياء عليهم السلام، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ"8.

 
2- إنّ أهمّ العوامل الّتي لها تأثيرها الفاعل في التّربية، وفي رشد الإنسان وتكامله، وجود القدوة والأسوة. والأنبياء الإلهيّون الّذين يجسدون الإنسان الكامل، هم أعظم مثال للاقتداء والتأسّي وفي مقدّمتهم رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾9 ، فالأنبياء هم القدوة والمثل الأعلى الّذي يحتاجه كلّ سالك في طريق الكمال، حيث يقومون بمهمّة تربية النّاس وتزكيتهم، والقرآن الكريم ربط بين التّعليم والتّزكية، حتّى أنّه في بعض الآيات قدَّم التّزكية على التّعليم. قال تعالى:﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾10.
 
3- ومن معطيات وفوائد وجود الأنبياء عليهم السلام بين النّاس، تولّي القيادة في المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والقضائيّة، حينما تتوفّر الظّروف اللّازمة لذلك، وبديهيّ أنّ القائد المعصوم من أعظم النّعم الإلهيّة للمجتمع، حيث تعالج بواسطته الكثير من المعضلات والمشكلات الاجتماعية، ويتمّ إنقاذ الأمّة من الاختلاف والتنازع والفوضى والانحراف، ليقودها باتّجاه كمالها المنشود.
 
إثبات الأنبياء عليهم السلام في كلام المعصوم عليه السلام
 
سأل رجل الإمام الصّادق عليه السلام: من أين أثبتَّ الأنبياء والرّسل عليهم السلام؟
________________________________________
8- نهج البلاغة، ج 1، ص 33، خ1.
9- سورة الأحزاب، الآية:21.
10- سورة الجمعة، الآية: 2.
134

107

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

 فقال عليه السلام: "إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا، وعن جميع الخلق، ولما كان الصّانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه، يلامسوه، فيباشرهم ويباشرونه، ويحاجّهم ويحاجّونه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه، يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبّرون عنه جلَّ وعزَّ، وهم الأنبياء عليهم السلام، وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للنّاس- على مشاركتهم لهم في الخلق والتّركيب- في شيء من أحوالهم، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر، وزمان ممّا أتت به الرّسل والأنبياء عليهم السلاممن الدّلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجّة، يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته، وجواز عدالته"11.

 

خلاصة الدرس 

 

- من أسباب تعدُّد الأنبياء عليهم السلام:

 

1- محدوديّة وقصر عمر النبيّ.

 

2- عدم قدرة النبيّ في عصره على نشر دعوته لكلّ الأمم.

 

3- تطوّر المجتمعات، وتبدُّل الظروف.

 

4- وقوع التحريف العمديّ أو التفسير والفهم الخاطئ لرسالات الأنبياءعليهم السلام.

 

النبيّ: حامل النبأ من الله تعالى، سواء أمر بالتبليغ أم لا.

 

الرسول: خصوص النبيّ المأمور بالتبليغ.

________________________________________

11- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص168.

 

135

 

 

108

الدرس الخامس عشر: بعثة الأنبياء عليهم السلام

 أولو العزم: خصوص من كان له كتاب وشريعة، وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم السلام.

 
- من فوائد بعثة الأنبياء عليهم السلام:
 
1- الهداية والتذكير والنذير وإثارة الفطرة.
 
2- كون الأنبياء عليهم السلام قدوة، والقدوة لها تأثير فاعل في التربية.
 
3- تولّي قيادة المجتمع إذا توفّرت الظروف.
 
أسئلة حول الدرس 
 
1- ما هي الأسباب الّتي أدّت إلى تعدّد الأنبياء عليهم السلام؟
 
2- ما هو معنى (النبيّ) و (الرسول) و (أولو العزم)؟
 
3- ما هي فوائد بعثة الأنبياء عليهم السلام؟
 
136
 

109

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

 الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام



أهداف الدرس:

 

1. أن يستذكر الطالب ضرورة صيانة الوحي.

2. أن يتعرف إلى معنى العصمة.

3. أن يتعرف إلى السر في عصمة الأنبياء عليهم السلام.

 

 

137

110

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

 تمهيد

 
إنّ لمبحث عصمة الأنبياء عليهم السلامأهميّة كبرى، تظهر بجلاء عند الاطّلاع على آثارها، والّتي تعادل في أهميّتها النبوّة - كما ستأتي الإشارة إليه - وقد تنوّعت المباحث حول العصمة، وسيتّضح هذا التنوّع، وتظهر تلك الأهمّية من خلال الاطلاع على العناوين والمباحث الآتية.
 
العصمة في تلقّي الوحي وتبليغه
 
لقد تمّ إثبات ضرورة وجود أنبياء يتلقّون الوحي من الله تعالى، ليبلّغوه للنّاس، فيتحقّق بذلك الهدف من إرسال الأنبياء عليهم السلام ومن خلق الإنسان، إلّا أنّ هذا الهدف يتوقّف تحقّقه أيضاً على كون الوحي مصاناً من أيّ نوع من أنواع التّحريف، بل حتّى احتمال التّحريف عمداً أو سهواً، وذلك, لأنّ الاستفادة من الوحي، وكون الوحي حجّة على النّاس تعتمد على مدى ثقة النّاس بصحّة هذا الوحي، وأيّ احتمال للتّحريف يزعزع ثقة النّاس بالوحي، وبالتّالي يفقد حجيّته فينتقض الغرض منه، فضلاً عن وقوع التّحريف فعلاً المؤدّي إلى انحراف المسار التكامليّ للإنسان، وفقدان المصالح المترتّبة عليه، وبالتّالي انتقاض الغرض من إنزال الوحي وإرسال الأنبياءعليهم السلام، وهذا كما ذكر مخالف للحكمة، ولا يفعله الحكيم، خاصّة وأنّ عامّة
139

111

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

النّاس لا يقدرون على الاتّصال المباشر بالله تعالى للتأكّد من صحّة الوحي، وبهذا ينحصر تحقّق الغرض من الوحي بعصمة ملائكة الوحي والأنبياء عليهم السلام في مجالي تحمّل الوحي وتبليغه، ليصل إلى النّاس كما أوحاه الله تعالى، ويشير إلى ما ذكر قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾1. فأشار تعالى في الآية إلى وجود حفظة تصون الوحي من التّحريف، والأنبياء عليهم السلام من الخطأ فيه حتّى يبلغ النّاس كما هو من دون تغيير.


العصمة عن المعصية


الأقوال في المسألة

 

لقد وقع خلاف بين الفرق الإسلاميّة حول مدى تنزيه الأنبياء عليهم السلام وعصمتهم من ارتكاب المعاصي والذّنوب، فالشّيعة الإماميّة يعتقدون بأنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من جميع المعاصي صغيرها وكبيرها منذ الولادة حتّى الوفاة فلا تصدر المعصية منهم ولو سهواً ونسياناً.

 

وذهبت بعض الفرق إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر دون الصّغائر.

 

وثالثة قالت بعصمتهم، من سنّ البلوغ دون ما قبله.

 

ورابعة قالت بعصمتهم بعد النّبوّة.

 

وأخيراً هناك من نفى وأنكر عصمة الأنبياء عليهم السلام مطلقاً، وهم الحشويّة وبعض أهل الحديث، وقالوا بإمكان صدور المعصية منهم حتّى عمداً.

 

تعريف العصمة

 

العصمة: هي ملكة نفسانيّة راسخة وقويّة تدفع صاحبها نحو الطّاعة وتمنعه من ارتكاب المعاصي باختياره- أي: مع قدرته عليها ـ، فالشّجاعة مثلاً هي ملكة

________________________________________

1- سورة الجن، الآيات: 26-28.

 

140

 

112

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

  نفسانيّة تدفع صاحبها لخوض الحرب وتمنعه من الفرار باختياره مع قدرته على الفرار، والإنسان العاقل بما هو عاقل يستحيل أن يقدم على قتل ولده باختياره، مع أنّه قادر تكويناً على ذلك، وعليه فالملكات النفسانيّة لا تسلب صاحبها الاختيار- كما هو واضح- مهما اشتدّت الظروف.

 
تنبيهان: 
 
1- بما أنّ ملكة العصمة- محلّ الكلام- لا تحصل إلّا بعناية إلهيّة خاصّة، لذلك تنسب وتسند فاعليّتها وتأثيرها لله تعالى، فيقال مثلاً: عصمه الله أو العصمة الإلهيّة، وتلك النّسبة لله تعالى لا تعني الجبر على ترك المعاصي.
 
2- إنّ المراد من المعصية المنزّه عنها المعصوم هي ما يصطلح عليه في الفقه بفعل (الحرام) أو ترك (الواجب)، وأمّا كلمة (معصية وذنب) مثلاً, فإنّها تستعمل بمعنى أوسع من الحرام يشمل (ترك الأولى) وهذا لا يتنافى مع العصمة.
 
السّرّ في عصمة الأنبياء عليهم السلام عن المعصية
 
تعتمد ملكة العصمة في تكوّنها وحصولها على ركنين أساسيّين هما:
 
1- علم ووعي تامّ ودائم بحقيقة المعصية وعواقبها.
 
2- إرادة قويّة على ضبط الميول النفسيّة.
 
تقدّمت الإشارة إلى ضرورة عصمة الأنبياء عليهم السلام في مجالين، الأوّل في تلقّي الوحي والثّاني في تبليغ الوحي والالتزام العملي بمقتضاه.
 
أمّا سرّ عصمتهم في المجال الأوّل فهو: أنّ إدراك الوحي بالنّسبة للأنبياءعليهم السلام من قبيل الإدراكات الّتي لا تحتمل الخطأ, لأنّ إدراك النّبيّ
 
141

113

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

للحقائق العلميّة الموحاة إليه إدراك حضوريّ لا يقبل الشّكّ والتّردّد، وقد أكّد القرآن ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ 2.

 

وبهذا يظهر أنّ ما ذكر من قصص وحكايات عن شكّ نبيّ بنبوّته، أو جهله بأنّ ما سمعه وحي من الله وغير ذلك، إنّما هي حكايات موضوعة ومكذوبة.

 

وأمّا سرّ عصمتهم في المجال الثّاني: فيحتاج إلى مقدّمة وهي: أنّ الأفعال البشريّة إنّما تحصل نتيجة إرادة الإنسان للفعل، وهذه الإرادة تتوقّف على حصول مَيْل في داخل الإنسان لتحقيق أمر يرغب فيه، وهذه الرّغبة تتحرّك نتيجة عوامل ومؤثّرات نفسيّة وخارجيّة مختلفة فيحدّد الإنسان- حينئذ- طريق الوصول لهدفه المنشود، فإن تمّت الإرادة، أقدم حينئذ على العمل المطلوب، وعلى فرض تعدّد الميول والرّغبات وتعارضها وتزاحمها، فإنّه يسعى قدر جهده لتحديد أفضلها وأكثرها قيمة وأهميّة، فيختاره عمليّاً. ولكنّه أحياناً- ونتيجة لنقص في علمه وقصور في معرفته- يخطئ في تقييم الأفضل وتحديده، أو أنّه لغفلته عن الأصلح، أو نتيجة لتعودّه على الأمر الأسوأ يسيء الاختيار، ولا يبقى لديه مجال للتّفكير الصحيح واختيار الأصلح. إذاً فكلّما كان الإنسان أكثر معرفة بالحقائق، وكان بالنّسبة إليها أكثر وعياً وتوجهاً، وثباتاً، وأقوى إرادة على ضبط الميول والانفعالات الداخليّة فإنّه سيكون أفضل في حسن اختياره، وسيكون أكثر مناعة من الانحرافات والعثرات.

 

ومن هنا فإنّ بعض الأفراد المؤهّلين ومن ذوي الاستعدادات العالية، الّذين توفّروا على الثّقافة اللّازمة والوعي الضّروري ونعموا بالتّربية الصحيحة، سوف يتوصّلون إلى مراحل مختلفة من الكمال والفضيلة، وربما يقتربون من حدود العصمة، بل ولا يخطر في أذهانهم مجرّد التّفكير باقتراف الذّنب والعمل السيّئ، كما لا يفكّر أيّ عاقل بشرب السمّ أو تناول الأشياء القذرة والعفنة.

________________________________________

2- سورة النجم، الآية: 11.

 

 

142

 

114

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

 النتيجة

 
لو فرضنا أنّ إنساناً بلغ الغاية في استعداده لإدراك الحقائق- كالأنبياء عليهم السلام وارتفع صفاء روحه وقلبه إلى أسمى المستويات والدرجات، وكما يعبّر القرآن ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ 3، وبسبب هذا الاستعداد القويّ والصفاء الذاتيّ، تتولّاه التّربية الإلهيّة، ويؤيَّد بروح القدس فإنّ هذا الإنسان سوف يطوي مدارج الكمال بسرعة لا توصف، وربما تفوّق على الآخرين حتّى في مرحلة طفولته، بل حتّى وهو جنين، وتظهر لمثل هذا الإنسان قبح المعاصي والذّنوب، تماماً كظهور ضرر السمّ ووضوحه، وقبح الأشياء العفنة والقذرة، بل الاشمئزاز منها للآخرين، بل أشدّ وأوضح، إضافة إلى الإرادة القويّة، فيمتنع عن ارتكاب المحرّمات والقبائح، بل لا يفكّر فيها، ويمتنع عنها باختياره، كما هو الحال فيمن أدرك أنّ هذا السّائل سمٌ قاتل، فإنّه لا يفكّر بالإقدام على شربه وإن اشتدّ به العطش.
 
خلاصة الدرس
 
- بعدما ثبت ضرورة بعثة الأنبياءعليهم السلام لتبليغ الناسِ وحيَ الله تعالى للوصول إلى الكمال، كان لا بدّ من عصمة الأنبياء عليهم السلام في تلقّي الوحي وتبليغه عمداً أو سهواً، وإلّا انتقض الغرض من بعثة الأنبياء، وهو مخالف لحكمة الله سبحانه.
 
- الأقوال في عصمة الأنبياءعليهم السلام من المعصية:
 
1- الشيعة تقول بعصمة الأنبياءعليهم السلاممن جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سهواً وعمداً منذ الولادة حتّى الوفاة.
________________________________________
3- سورة النّور، الآية: 35. 
 
143

115

الدرس السادس عشر: صيانة الوحي و عصمة الأنبياء عليهم السلام

 أمّا غير الشيعة فعلى أقوال:

 

1- عصمتهم من الكبائر دون الصغائر.

 

2- عصمتهم من سنّ البلوغ دون ما قبله.

 

3- عصمتهم بعد النبوّة.

 

4- من أنكر عصمتهم- وهم الحشويّة وبعض أهل الحديث- وقالوا بإمكان صدور المعصية ولو عمداً!

 

- العصمة هي ملكة نفسانيّة راسخة تدفع صاحبها نحو الطاعة وتمنعه عن المعاصي باختياره.

 

- سرّ عصمة الأنبياءعليهم السلام في مجال تلقّي الوحي وتبليغه هو كون الأنبياء عليهم السلام علمهم بالوحي حضوري لا يقبل الشكّ والتردُّد.

 

- سرّ عصمة الأنبياءعليهم السلام عن المعصية كونهم بلغوا الغاية في إدراك الحقائق وصفاء روحهم وقوّة إرادتهم، وبسبب هذا الاستعداد تتولّاه العناية الإلهيّة الخاصّة.

 

 

  

 

 أسئلة حول الدرس

 

1- عدّد الأقوال والآراء حول عصمة الأنبياء عليهم السلام.

 

2- عرّف العصمة، وما المقصود من العصمة المنزّه عنها المعصوم.

 

3- تحدّث باختصار حول السّر في عصمة الأنبياء عليهم السلام في مجال تلقّي الوحي.

 

4- تحدّث باختصار حول السّر في عصمة الأنبياء عليهم السلام في مجال تبليغ الوحي.

 

 

144

 

 

116

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام



أهداف الدرس:
 
1. أن يستذكر الطالب دليلا عقليا على عصمة الأنبياء عليهم السلام.
2. أن يستذكر دليلا نقليا على عصمة الأنبياء عليهم السلام.
 
 
145
 

117

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 الأدلّة العقليّة على العصمة

 
إنّ مخالفة أفعال الأنبياء عليهم السلام لأقوالهم ومباينة سلوكهم لكلامهم يترك أثره في مجالين أساسين هما:
 
1- الهداية والتّعليم 
 
2- التّزكية والتّربية
 
1- دليل الهداية والتّعليم
 
بما أنّ الهدف الأساس من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو هداية البشر للحقائق وتعليمهم الوظائف والأحكام الإلهيّة، ومن الواضح والمعلوم أنّ التعليم والبيان يحصل من خلال الكلام تارة، ومن خلال الفعل تارة أخرى، والبيان من خلال الفعل قد يكون أقوى تأثيراً منه بالكلام، فلو فرض مخالفة النّبيّ لأقواله من خلال الفعل المناقض لها، فإنّ النّاس سيفقدون الثّقة بأقوال الأنبياءعليهم السلام، وبالتّالي سينتقض الغرض والهدف من بعثتهم، ونقض الغرض قبيح ومخالف للحكمة، فوجبت عصمة الأنبياءعليهم السلام لانحصار تحقّق الغرض من خلالها.
 
147
 

118

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 2- دليل التّربية والتّزكية

 
إنّ من جملة وظائف وأدوار الأنبياء عليهم السلام دفع النّاس لتربية نفوسهم وتزكيتها، ووجود القدوة الحسنة والمثل الأعلى في عمليّة التزكيّة أمر لا بُدّ منه ولا غنى عنه، ولا يصحّ أن يكون القدوة إلّا من بلغ أسمى درجات الكمال الإنساني المتجليّة بالعصمة، إضافة إلى أنّ التزام المربّي وسلوكه الموافق لأقواله له الأثر الكبير في دفع الآخرين لتربية نفوسهم وتزكيتها، وعليه فإنّ تحقّق الهدف من بعثة الأنبياء عليهم السلام بصورة كاملة باللّحاظ التّربوي لن يتحقّق دون العصمة في الأقوال والأفعال.
 
الأدلّة النّقليّة على العصمة
 
لقد أولت الآيات القرآنيّة والرّوايات أهميّة كبرى لعصمة الأنبياء عليهم السلام فورد العديد منها ممّا يمكن الاستدلال به على العصمة، ولكن المقام يقتضي الاختصار والاقتصار على بعض الآيات.
 
الآية الأولى:
 
لقد استعمل القرآن الكريم كلمة (مخلَص) بفتح اللّام وهي- اسم مفعول- وتعني أنّ الله جعله خالصاً، وهي مغايرة لكلمة (مخلِص) بكسر اللّام- اسم فاعل- وتعني الإخلاص لله، ومحلّ الكلام هو المعنى الأوّل، ومن خصائص المخلَص- بالفتح- أنّه لا يقدر أحد على إغوائه حتّى إبليس قال تعالى:- حكاية عن إبليس- ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ 1، وعدم تعرّض إبليس لإغواء المخلَصين نابع من علمه بالعجز عن إغوائهم، وما ذلك إلّا لما تمتّعوا به من تنزيه من الضّلال وعصمة من الآثام والذّنوب، وعليه يكون
________________________________________
1- سورة ص، الآيتان: 82 - 83.
 
148

119

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

  اصطلاح مخلَص ، بالفتح- مساوٍ لمصطلح (معصوم)، ولا شكّ بأنّ الأنبياء عليهم السلام من أبرز المخلَصين، ويؤكّد ما ذكر أنّ القرآن نسب (المخلَص) لعدد من الأنبياءعليهم السلام، وفي عدّة آيات:

 
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ*إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾2.
 
وقال تعالى:﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾3.
 
ووصف تعالى النّبيّ يوسف عليه السلام بالمخلَص في قوله تعالى:﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾4 ، وبهذه الآيات تثبت عصمة عدد من الأنبياء عليهم السلام.
 
الآية الثّانية:
 
قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾5.
 
لقد أوجب الله تعالى على النّاس إطاعة الأنبياء عليهم السلام مطلقاً، ولم يرضَ- بمخالفتهم، والطّاعة المطلقة لا تتناسب مع احتمال وقوع الأنبياء عليهم السلام بالخطأ والانحراف بل تنافيها، إذ لو فرض وقوع الانحراف والخطأ فلا يبقى أيّ معنى للطّاعة؛ لأنّ الطّاعة حينئذٍ تعني أنّه تعالى يرضى بالانحراف وهو قبيح لا يفعله المولى عزَّ وجلَّ، فالطاعة المطلقة ملازمة للعصمة، لا تنفكّ عنها.
 
الآية الثّالثة:
 
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي 
________________________________________
2- سورة ص، الآيتان: 45- 46.
3- سورة مريم، الآية: 51.
4- سورة يوسف، الآية: 24.
5- سورة النساء، الآية: 64.
 
149

120

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾6.

 
فلقد طلب النّبيّ إبراهيم عليه السلام منصب الإمامة لذريّته، أو سأل عمّن ينالها من ذريّته، فجاءه الجواب بأنّ المناصب الإلهيّة كالنّبوّة والإمامة لا ينالها من تلوّث ب- (الظلم)، ومن الواضح أنّ كلّ معصية هي ظلم للنّفس على كلّ حال؛ لأنّ المعصية إن لم تتعلّق بالغير كانت ظلماً للنّفس فقط، وإن تعلّقت بالغير كانت ظلماً للنّفس وللغير، وعليه فكلّ عاص ومذنب ظالم في المصطلح القرآني قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾7 ، فالآية تدّل على أنّ الأنبياء عليهم السلام منزّهون عن كلّ ظلم ومعصية وهو معنى العصمة وبهذا المقدار يظهر جليّاً، أنّ عصمة الأنبياءعليهم السلام أمرٌ ضروري عقلاً وقد أكّدته الآيات الّتي تمّ عرضها آنفاً.
 
تنبيه مهم
 
تقدّم أنّ العصمة ملكة نفسانيّة تمنع صاحبها من ارتكاب المعاصي مع قدرته عليها، فالعصمة حركة فرديّة، وكمال شخصيّ، يختصّ بصاحبه، بينما الرسالة والإمامة تفرضها حاجة المجتمع إلى التّشريع والقيادة اللّذان يتحقّقان بالرسالة والإمامة. فقد يتحلّى الإنسان بالعصمة من دون أن يكون نبيّاً أو إماماً وذلك لعدم حاجة المجتمع إليهما، وعليه؛ فكلّ نبيّ أو إمام معصوم، وليس كلّ معصوم يجب أن يكون نبيّاً أو إماماً، ومن هنا قال الشّيعة بعصمة الزهراء عليها السلام، وعصمة السّيّدة مريم عليها السلام، وذلك لقيام الدّليل على عصمتهما، وقد يوجد من هو معصوم غيرهما إلّا أنّ التّمييز بين المعصوم وغيره يتوقّف على البيان الإلهي؛ لأنّه تعالى هو المطلّع على هذه الصّفة دون غيره.
________________________________________
6- سورة البقرة، الآية: 124.
7- سورة البقرة، الآية: 229.
150

121

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 خلاصة الدرس

 

- من الأدلّة العقليّة على العصمة:

 

1- الهداية والتعليم: حيث إنّ من أهداف بعثة الأنبياءعليهم السلام الهداية والتعليم، فلو فرض معصية الأنبياء عليهم السلام لفقد الناس الثقة بهم، وبالتالي انتقض الغرض من بعثتهم ونقض الغرض قبيح ومخالف للحكمة.

 

2- التربية والتزكية: حيث إنّ من أهداف بعثة الأنبياء عليهم السلام التربية والتزكية، فلو فرض معصيتهم، لفقد الناس القدوة، والّتي لها دور كبير في عمليّة التربية والتزكية.

 

- من الأدلة النقليّة على العصمة:

 

1- قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾8 والأنبياء عليهم السلام هم من المخلَصين فلا يقعون تحت غواية الشيطان.

 

2- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾9 والأمر بإطاعة الأنبياءعليهم السلام مطلقاً لا يتناسب مع معصيتهم.

 

3- قوله تعالى:﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾10 فالمناصب الإلهيّة كالنبوّة والإمامة لا ينالها الظالم، والظالم بالمصطلح القرآنيّ هو كلّ عاصٍ ومذنب.

________________________________________

8- سورة ص، الآيتان: 82 83.

9- سورة النساء، الآية: 64.

10- سورة البقرة، الآية: 124.

151

 

 

122

الدرس السابع عشر: الأدلّة على عصمة الأنبياء عليهم السلام

 أسئلة حول الدرس

 
1- أذكر أحد الدليلين العقليّين على عصمة الأنبياء عليه السلام.
 
2- قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، كيف تستدلّ بهذه الآية على العصمة؟
 
3- بيّن كيفيّة الاستدلال بآية الابتلاء على العصمة؟
 
4- هل يلزم أن يكون كلّ معصوم نبيّاً أو إماماً، ولماذا؟
 
152
 

123

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة-1




أهداف الدرس:

 

1.أن يتعرف الطالب إلى قواعد فهم مراد المتكلم.

2. أن يفرق بين نوعي الأوامر الإلهية.

 

153

 

124

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 تمهيد

 
هناك عدد من الآيات القرآنيّة نسبت صدور أفعال من الأنبياء عليهم السلام، قد يظهر منها ما ينافي عصمتهم، إضافة إلى ما ورد عنهم عليهم السلام وعن الأئمّة عليهم السلامفي أدعيتهم ومناجاتهم من الاستغفار والتّوبة، الّذي يوهم ارتكابهم المعاصي واقترافهم للذّنوب. فكيف نتعامل مع هكذا نصوص؟
 
الجواب: يقع في مقامين
 
المقام الأوّل: إنّ فهم مراد المتكلّم من كلامه يعتمد على القرائن المحيطة بكلامه سواء كانت القرائن لفظيّة أم حاليّة أم عقليّة، لما لها من أثر مهمّ في معرفة مقصود ومراد المتكلّم، وكذلك لها أثر في تحديد وجهة الفعل الصّادر من فاعله، فإذا قام الدّليل العقلي القطعي على أمر ما، وجاء دليل لفظي من الشارع الحكيم ظاهره مخالف لحكم العقل القطعي، فالدّليل العقليّ يشكّل قرينة متّصلة بالكلام تغيّر ظاهر الدّليل اللّفظي، وتفرض فهمه بكيفيّة تتوافق مع هذا الدّليل العقليّ كما هو الحال- مثلاً- مع الآيات والرّوايات الّتي قد يظهر منها ابتداءً وبلا تأمل التّشبيه والتّجسيم لله تعالى، فإنّه لا بُدّ من التّعامل معها على أساس الظّهور المعتمد على القرينة العقليّة القطعيّة، والّتي تعيّن المعنى المراد
 
155
 

125

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 والموافق للتّنزيه- وذلك بعدما قام الدّليل العقليّ على وجوب التّنزيه وامتناع التّجسيم. وبهذه الطريقة تمّ التّعاطي مع قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾1 ، وغيرها من الآيات الّتي توهم التّجسيم والتّشبيه، حيث فسِّرت اليد بالقدرة، بل هو المعنى الصّحيح الظّاهر من لفظ اليد، بالاعتماد على القرينة العقليّة الّتي قامت على استحالة التّجسيم. وهذا ليس تأويلاً وحملاً للكلام على خلاف ظاهره، بل هذا ما يُفهم من ظاهر الكلام مع التوجّه للقرينة العقليّة حال استماع هكذا كلام.

 
وكذلك الحال بالنّسبة لعصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام فإنّ الدّليل العقليّ- الّذي تقدّم ذكره- والّذي أثبت عصمتهم عليهم السلام يشكّل قرينة لا يمكن إغفالها، لما لها من دور في تحديد المعنى المقصود من أيّ كلام أو فعل يصدر عنهم عليهم السلام قد يتوهّم منه ما يخالف عصمتهم؛ فيتعيّن حينئذٍ حمل الكلام على معناه الظّاهر المعتمد على تلك القرينة العقليّة، وهذه هي الطريقة العقلائيّة في الفهم والتّفهيم المتّفق عليها بين العقلاء، وكذلك الحال في القرائن اللّفظيّة إذ لا بُدّ من تتبّع وجمع الآيات والرّوايات المرتبطة بموضوع معيّن حتّى تتشكّل من خلالها الصّورة الصّحيحة والكاملة للمفهوم المراد، لأنّ الاجتزاء والاكتفاء ببعضها، يؤدّي إلى انحراف الباحث عن الحقيقة الّتي يطلبها- حسب الفرض- وبعد هذا البيان أصبح بالإمكان الدّخول إلى المقام الثّاني من الجواب.
 
المقام الثّاني: ويستعرض فيه جملة مفاهيم ومصطلحات ترجع إليها مجمل الشّبهات المطروحة، بحيث يرتفع الشّك والشّبهة بمجرّد توضيحها وفهمها بشكل صحيح.
________________________________________
1- سورة الفتح، الآية: 10.
156

126

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 أ- إنّ الأوامر والنواهي الإلهية تنقسم إلى قسمين:

 
1- أوامر ونواهٍ مولويّة وهي تكاليف شرعيّة إلزامية يترتّب على مخالفتها الذّم والعقاب، ومخالفة هذه التّكاليف هو الّذي يتنافى مع العصمة.
 
2- أوامر ونواهٍ إرشادية، وإنّما هي مجرّد إرشاد وتوجيه للمصلحة والمفسدة في المأمور به والمنهي عنه ولذلك، لا يترتّب على مخالفتها العقاب، بل يتحمّل المخالف لها الآثار الوضعيّة والتكوينيّة المترتّبة عليها، وحالها حال نهي الطّبيب مريضه عن تناول طعام معيّن، فلو خالف المريض نهي الطبيب فإنّه لا يترتّب عليه عقاب ولكنّه يتحمّل الآلام المترتّبة على تناول الطّعام المنهي عنه.
 
وعليه فارتكاب هذا القسم من المخالفة لا ينافي العصمة، فإنّه قد لا يترتّب عليه لوم وعتاب فضلاً عن الذّمّ والعقاب.
 
ب- ترك الأولى:
 
يجب إعادة التأكيد على أنّ الفعل الّذي يتنافى مع العصمة، هو خصوص الفعل المحرّم شرعاً، أو ترك الواجب كذلك، أمّا ما يصطلح عليه ب- "ترك الأولى" فإنّه لا ينافي العصمة، فالإنسان المؤمن إذا ارتقى في درجات الإيمان، فلم يترك صلاة اللّيل مثلاً لسنوات، فإذا نام عنها ولو لمرّة واحدة، ستجده واقفاً بين يدي ربّه مستغفراً تائباً. وكأنّه ارتكب فعلاً محرّماً بل قد يشعر شعور المذنب حقيقة، فإذا كان هذا حال الإنسان العادي فكيف بالأنبياء عليهم السلام والأئمّة عليهم السلام وغيرهم من المعصومين عليهم السلام، فإنّهم يشعرون بالذّنب لمجرّد الالتفات عن الخالق ولو كان التفاته لسبب ضروري، لأنّ له من المعرفة والارتباط بالله تعالى والشّوق للمثول بين يديه، ما لا يدركه غيرهم من البشر مهما بلغوا في مراتب عبوديّتهم.
 
157

127

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 ج- الذنب والمعصية لغة:

 

إنّ هناك ألفاظاً حمّلت معانٍ أخصّ من معناها الحقيقيّ الأصليّ، فأصبحت بذلك مرادفة للفظ الحرام- أي مخالفة الأمر الإلهيّ الإلزاميّ- وهذا ما أوقع البعض في الاشتباه مثل كلمة (ذنب) و(معصية)، فإنّها لا تختصّ بمخالفة أوامر الله تعالى فقط، فالمعصية تعمّ كلّ مخالفة للطّلب ولو لم يكن صادراً من الله تعالى فيقال: (عصى التلميذ أستاذه)، والذّنب: هو كلّ فعل يستحقّ فاعله عليه العقاب بنظر من صدر بحقّه هذا الفعل؛ لأنّه يُعْتبَر جرماً بنظره، ومثاله قوله تعالى حكاية عن النّبيّ موسى عليه السلام: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ ﴾2 فهو ذنب بنظر فرعون وقومه يستحقّ عليه النّبيّ موسى عليه السلام العقاب بنظر فرعون، وهذا لا يعني أنّه ذنب وجرم عند الله تعالى، وعليه ينبغي التأمّل عندما نقرأ أو نسمع بمعصوم استعمل هكذا ألفاظ، إذ يجب حملها على معناها الحقيقي الأعمّ من الحرام ولا يساويه.

 

إيّاك أعني واسمعي يا جارة

 

إنّه ممّا لا شكّ ولا ريب فيه أنّ من أهمّ وظائف الأنبياء والأئمة عليهم السلام هو دور تربية النّاس ودفعهم لتزكية أنفسهم، وتعليمهم كيفيّة التّعامل مع أنفسهم ومع ربّهم ومع المجتمع، ومن المعروف أنّ من جملة الأساليب التربويّة- في بعض الحالات- هو توجيه الخطاب لشخص ويراد به غيره، وذلك لأكثر من سبب. منها فتح قلوب الناس وعقولهم لإدراك المبادئ والقيم بشكل موضوعي، إذ إنّ توجيه الخطاب بشكل مباشر يدفع النّفوس المريضة لعدم التأمّل في المفاهيم والقيم بشكل صحيح، بل تستنفر طاقاتها للدّفاع عن ذاتها، لا لمحاكمتها، فتنصرف النّفس حينئذ عن إدراك الغاية وفهم المعنى، ولذلك استخدم القرآن الكريم

________________________________________

2- سورة الشعراء، الآية: 14.

 

 

158

 

128

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 هذا الأسلوب الّذي عبّر عنه الإمام الصّادق عليه السلام بقوله: "إنّ الله بعث نبيّه بإيّاك أعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنّبيّ والمعنى للنّاس"3.

 
بعد هذا البيان يبقى الكلام حول بعض النّماذج من الآيات أو الرّوايات الّتي قد يُساء فهمها، وتحلّ المشكلة فيها على أساس هذه الأمور الّتي تمّ استعراضها وتوضيحها كمقدّمات لحلّ الشبهات الواردة على الآيات والروايات.
 
خلاصة الدّرس
 
- ورد بعض الآيات والروايات الّتي توهم نسبة صدور أفعال من الأنبياءعليهم السلامتنافي عصمتهم، بالإضافة إلى ورود أدعية ومناجاة عنهم وعن الأئمّة عليهم السلام توهم اقترافهم للذنوب، الجواب:
 
أ- إنّ فهم مراد المتكلّم يعتمد على القرائن المحيطة بكلامه سواء كانت قرائن لفظيّة أم حاليّة أم عقليّة، ولا يُقتصر في فهم المراد على ظاهر الكلام بما هو بغضّ النظر عن القرائن. فالقرائن تُحدِّد المعنى الحقيقي من الكلام.
 
ب- الأوامر والنواهي المنافي مخالفتها للعصمة هي الأوامر والنواهي المولويّة الإلزاميّة لا الإرشاديّة الّتي لا يترتّب عليها الذمّ والعقاب.
 
ج- ترك الأولى لا ينافي العصمة لأنّه لا إلزام فيه.
 
د- الذنب والمعصية تُطلق لغة على الأعمّ من الحرام.
 
هـ- هناك خطابات موجّهة للمعصوم بظاهرها فيها شدّة ومؤاخذة، وما هذا إلّا من باب: "إيّاك أعني واسمعي يا جارة". فليس المراد توجيه الكلام 
________________________________________
3- تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، ج4، ص234.
159

129

الدرس الثامن عشر: شـبهـات حول العـصـمة -1

 إلى المعصوم إنّما إلى الناس بشكل عام، وذلك لما لهذا الإسلوب من فائدة تربويّة، حيث إنّ التوجيه المباشر للشخص قد يُسبِّب نفوراً لديه عن سماع الموعظة.

 

أسئلة حول الدرس

 

1- ما هي المسائل الّتي ينبغي مراعاتها لفهم مراد المتكلّم؟

 

2- ما هو الفعل الّذي يتنافى مع العصمة؟

 

3- بيّن أقسام الأوامر والنواهي الإلهيّة، وما هي الآثار المترتّبة عليها.

 

4- لماذا اعتبر البعض أنّ استعمال كلمة (ذنب) و(معصية) بحقّ المعصومين يتنافى مع عصمتهم؟

 

5- لماذا استخدم تعالى أسلوب (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)؟

 

160

 

130

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2



أهداف الدرس:

 

1.أن يعالج الطالب شبهة معصية النبي آدم عليه السلام.

2. أن يعالج شبهة معصية النبي موسى عليه السلام.

3. أن يعالج شبهة ذنب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

161

131

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 تمهيد

 
بعد ما تقدّم من البيان، يستحسن ذكر نماذج من العبارات والمواقف الّتي أوهمت وقوع ما يخلّ بعصمة المعصومين، تدريباً لطالب الحقيقة على إرجاع الموارد الموهمة إلى مبادئها وأصولها، والّتي من خلالها تفهم بشكل صحيح.
 
آيات قصّة آدم عليه السلام
 
الآيات الّتي تحدّثت في قصّة النّبيّ آدم عليه السلام حول وسوسة الشيطان له، وإخراجه من الجنّة بسبب الأكل من الشّجرة، وقد نسب الله تعالى فيها لآدم عليه السلام ارتكاب المعصية والغواية، ثمّ توبة الله عليه كما في قوله تعالى:﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾1.
 
والجواب: بعد التّأمّل في مجمل الآيات الواردة في المقام يتّضح الجواب من خلال الإشارة إلى عدّة نقاط:
________________________________________
1- سورة طه، الآيتان: 121-122.
163 
 

132

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 1- إنّ المعصية الّتي نسبت لآدم عليه السلام هي مخالفته لنهي إرشاديّ لا يتنافى مع العصمة، وليست مخالفته لنهي شرعيّ تحريميّ (مولويّ), بدليل أنّ الجنّة الّتي كان فيها آدم عليه السلام لم تكن دار تكليف أصلاً، ولم تنزل شريعة بعدُ، فلا وجود لأمر ونهي مولويّ حتّى يخالفه.

 

2- أنّ المولى لم يرتّب عليها عقاباً، بل المترتّب على هذه المخالفة هو الخروج من الجنّة2، والهبوط إلى الأرض، وهذه هي الغاية من خلق آدم عليه السلام وبقيّة البشر إذ يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ3﴾ ، وترتّب على هذه المخالفة أيضاً انتقال آدم عليه السلام وحواء من مرحلة تحصيلهما ما يريدان بدون تعب إلى مرحلة شقاء المكابدة والمجاهدة لتحصيل الطّعام والشّراب واللّباس، فإنّه وبمجرّد أكلهما من الشّجرة بدت سؤاتهما وأدركا لزوم التّستّر، وهذه نتائج طبيعيّة للأكل من الشّجرة وليس عقاباً. قال تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾4.

________________________________________

2- اتفقت كلمة العلماء على أنّ الجنّة المذكورة ليست جنّة الخلد وذلك لأنّ جنّة الخلد هي نتيجة العمل في الدنيا، إضافة إلى أنّ الداخل إليها لا يخرج منها وأما التوبة على آدم عليه السلام، فإنّ التوبة عن كل شيء بحسبه، وبما أنّ المعصية كانت لأمر إرشادي مخالف للأولى كانت التوبة كذلك.

3- سورة البقرة، الآية:30.

4- سورة الأعراف، الآيات: 20-22.

 

 

164

 

133

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 وأمّا لفظ (غوى) بمعنى ضلّ فهو يعني هنا -أيضاً - وقوع آدم عليه السلام في مخالفة النهي الإرشادي بالابتعاد عن الشجرة - كما مرّ آنفاً-، وليس المراد الغواية المحرّمة المسبّبة عن معصية الأمر المولوي من الله سبحانه، بدليل: 

 
أوّلاً: إنّه تعالى لم يرتّب عليها عقاباً، بل أنهى تعالى كلامه برفع درجة آدم عليه السلام واجتبائه له ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾5 وهذا لا يتلائم مع ارتكابه لفعل محرّم.
 
ثانياً: أنّه تعالى قد تعهّد عند مخاطبته إبليس بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾6 بصيانة عباده من غواية إبليس- الغواية المحرّمة- والأنبياء عليهم السلام على رأسهم وآدم عليه السلام منهم، فينكشف أنّ الغواية هي المسبّبة لمخالفة النهي الإرشادي فقط دون غيرها.
 
آيات قصّة موسى عليه السلام
 
لقد تحدّث القرآن الكريم عن النّبيّ موسى عليه السلام في جملة آيات:
 
منها قوله تعالى:﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾7.
________________________________________
5- سورة طه، الآية: 122.
6- سورة الحجر، الآية:42.
7- سورة القصص، الآيات: 14-16.
165 
 

134

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 والشّبهة تدور حول قول النّبيّ موسى عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ و﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

 
والجواب, لا بُدّ فيه: 
 
أوّلاً: من ملاحظة مجموع الآيات، خاصّة وأنّ المولى عزَّ وجلَّ صدّرها بمدح النّبيّ موسى عليه السلام، وإظهار علوّ شأنه وارتفاع مرتبته، وأنّه من المحسنين، فكان جزاؤه من الله تعالى أن آتاه العلم والحكمة الإلهيّين. وتصديرُ الآيات بالمدح للنّبيّ موسى عليه السلام وبيان أهليّته لتحمّل العهد الإلهيّ لا يتناسب مع نسبة المعصية المحرّمة إليه، فإنّ المعصية تقتضي الذّم لا المدح، وهذا واضح.
 
ثانياً: إنّ المولى عزَّ وجلَّ قد استعمل لفظ (وَكَزَ) وهو ظاهر في كون الفعل الصادر من النّبيّ موسى عليه السلام لم يكن بقصد القتل، في ضربة لا تؤدّي إلى الموت عادة، فلا يعدّ النّبيّ موسى عليه السلام مرتكباً لجرم وذنب يستحقّ عليه العقاب بالنّسبة لله تعالى، إلّا أنّ هذا لا يمنع من أن تتفاعل آثار موت القبطي من ناحية اجتماعيّة، بحيث يعتبر النّبيّ موسى عليه السلام ظالماً ومذنباً ويستحقّ العقاب على فعله بنظر فرعون ومجتمع القتيل، وهذا المعنى صرّح به تعالى حكاية عن النّبيّ موسى عليه السلام في قوله تعالى:﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾8.
 
فالنّبيّ موسى عليه السلام كان مذنباً بنظرهم، ولذلك كان يستحقّ العقاب بقتله قصاصاً أيضاً بنظرهم، ولذا قال: (ولهم) ولم يقل "ولك عليّ ذنب".
 
ولأنّ موت هذا الرجل بهذه الضّربة - المعبّر عنها ب- (وَكَزَ)- لم يكن أمراً طبيعيّاً، بحيث لا يتوقع من مثله أذيّة كبرى فضلاً عن الموت، نسبه النّبيّ موسى 
________________________________________
8- سورة الشعراء، الآية: 14.
166 
 

135

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 عليه السلام للشيطان، بقوله ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾9 وأمّا طلب النبيّ موسى عليه السلام من المولى عزَّ وجلَّ أن يغفر له، فهو بمعنى محو أو تخفيف الآثار والنتائج الاجتماعيّة المترتّبة على هذا الفعل، الّذي لم يكن محرّماً.

 
آيات في قصّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
 
لقد نسب القرآن الكريم للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ارتكاب ذنوب، وقد غفرها له كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ10﴾َ.
 
وهذه الآية من جملة الآيات الّتي أشكل فهمها على بعض، إذ توهم أنّ الله تعالى قد نسب إلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ذنباً، وهو منافٍ للعصمة المفروضة.
 
والجواب: إنّ التأمّل في الآيات المذكورة يدلّ على أنّ المراد من الذّنب هنا هو ما ارتكبه النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحقّ قريش والمشركين من إهانة آلهتها، وقتل أبطالها، وكسر هيبتها، فالنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مذنب بنظر قريش وقد استحقّ عندهم بذلك العقاب والانتقام منه صلى الله عليه وآله وسلم على ما فعله بهم وبآلهتهم، وبهذا يصبح للرّبط بين الفتح والمغفرة معنى، فإنّ الفتح- بغضّ النظر عن كونه صلح الحديبية وعليه الأكثر أو فتح مكّة - الّذي تحقّق على يد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قضى على آخر أمل لقريش في معاقبة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ما ارتكبه بحقّها وفي نظرها.
 
وبالتأمّل فيما ذكر يتّضح المقصود من الذّنب والمغفرة في المقام، وأنّه ليس بمعنى مخالفة أمر شرعيّ الزامي فلا يكون مخالفاً ومنافياً لعصمته صلى الله عليه وآله وسلم. كما تقدّم في الدرس السابق. 
________________________________________
9- سورة القصص، الآية: 15.
10- سورة الفتح، الآيتان: 1-2.
 
167

136

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ11﴾َ فإنّها وغيرها من الآيات من باب "إيّاك أعني واسمعي يا جارة"، الّذي قال فيه الإمام الصادق عليه السلام: "فالمخاطبة للنّبيّ والمعنى للنّاس"12. إضافة إلى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر منه التقوّل والكذب على الله- والعياذ بالله- وبالتّالي لم تصدر منه المعصية لله تعالى.

 

وبعد كلّ ما ذكر يمكن- بعد التأمّل- فهم ما لم يذكر من الآيات الموهمة وذلك بإرجاعها إلى الأسس والقواعد الّتي ذكرت في الدّرس السابق. كما ينبغي أيضاً الرجوع إلى الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، والّتي بيّنوا فيها المعنى المقصود من هذه الآيات، وحذّروا فيها من نسبة المعصية لأنبياء اللهعليهم السلام. ومن هذه الروايات، ما ورد عن الامام الرضا عليه السلام في جوابه ل- عليّ بن الجهم والّتي يقول فيهاعليه السلام: "ويحك يا عليّ، اتّق الله، ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش، ولا تتأوّل كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزَّ وجلَّ قد قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ 13"14

 

خلاصة الدرس

 

يُجاب عن ما ورد في خصوص ما يوهم معصية النبيّ آدم عليه السلام:

 

1- إنّ مخالفته عليه السلام كانت للنهي الإرشادي لا المولوي, حيث لم تكن الجنّة الّتي كان فيها آدم عليه السلام دار تكليف أصلاً فلا وجود لأمر ونهي مولويّ حتّى يُخالفه.

________________________________________

11- سورة الحاقة، الآيتان: 44- 45.

12- مستدرك سفينة البحار، النمازي الشهرودي، ج8، ص484.

13- سورة آل عمران، الآية:7.

14- عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج1، ص195.

 

 

168

 

137

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 2- لو كانت مخالفته لنهي مولوي لعاقبه الله، وخروجه من الجنّة- الّتي هي ليست جنّة الخلد- ليست عقاب, حيث إنّ غاية خلق آدم عليه السلام هبوطه إلى الأرض ليتحقّق الاستخلاف فيها. 

 
3- الغواية والتوبة كانتا باعتبار المخالفة لأمر إرشادي ومخالفة للأولى.
 
- يُجاب عن ما ورد في خصوص ما يوهم معصية النبيّ موسى عليه السلام:
 
1- تقديم المدح للنبيّ موسى عليه السلام وإظهار علوّ شأنه لا يتناسب مع نسبة المعصية المحرّمة إليه.
 
2- كلمة "وكز" تدلّ على عدم قصد القتل، والذنب الّذي على النبيّ موسى عليه السلامليس بنظر الله سبحانه بل بنظر الناس، وطلب النبيّ موسى الغفران بمعنى محو أو تخفيف الآثار والنتائج الاجتماعية المترتّبة على فعله غير المقصود.
 
- يُجاب عن ما ورد في خصوص ما يوهم معصية النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:
 
1- المراد بالذنب ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾15 هو الذنب بنظر قريش وليس معصية الله.
 
2- وما ورد بحقّهصلى الله عليه وآله وسلم من مثل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ فهي من باب: " إيّاك أعني واسمعي يا جارة". إضافة إلى أنّها لا تدّل على الوقوع ولا تتنافى مع عدم الإمكان.
________________________________________
15- سورة الفتح، الآية: 2. 
 
169

138

الدرس التاسع عشر: شـبهـات حول العـصـمة-2

 أسئلة حول الدرس

 
1- بماذا تجيب من ينسب إلى النّبيّ آدم عليه السلام، ارتكاب ما يخالف العصمة؟
 
2- أجب على مسألة قتل النّبيّ موسى عليه السلام للقبطيّ.
 
3- قال تعالى مخاطباً النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾. والسؤال هو: كيف يمكن فهم هذه الآية بما لا يتنافى مع العصمة؟
 
 
 
170

139

الدرس العشرون: المعجزة

  الدرس العشرون: المعجزة




أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب معنى المعجزة.
2. أن يعدد عناصر المعجزة.
3. أن يتبين الترابط بين المعجزة والنبوة.
 
171
 

140

الدرس العشرون: المعجزة

 مقدّمة

 
يعتبر مقام النّبوّة من المقامات السّامية ويتوقّف على إثبات النّبوّة مصير الإنسان وسعادته دنيا وآخرة, ولها أهميّة كبرى كونها من المقامات والمناصب الإلهية الّتي لا يدانيها أيّ منصب ومقام آخر، ولأنّها منصب خطير شكّلت مطمعاً لأصحاب الأهواء من أهل الدنيا، فادّعَوْها كذباً وزوراً، ولأنَّ النّبوّة ارتباط بالغيب الّذي لا يستطيع النّاس الاطّلاع عليه بشكل مباشر، لأجل كلّ ما ذكر وجب أن يزوّد النّبيّ بأمر يعجز النّاس عن الإتيان بمثله، ليستطيع النّبيّ من خلاله إثبات صدقه في دعواه النّبوّة وكذب كلّ من يدعيها زوراً وطمعاً وهذا الدّليل يسمّى (المعجزة).
 
تعريف المعجزة
 
المعجزة: (هي أمر خارق للعادة، يعجز النّاس عن الإتيان بمثله، مطابق للدّعوى (المطلوب) مصحوب بدعوى النّبوّة، (مقرون بالتّحدّي- غالباً).
 
يشتمل تعريف المعجزة على مجموعة عناصر:
 
1- "أمر خارق للعادة" يعني أنّ المعجزة خارجة عن الأسباب المادّيّة والطبيعيّة المعروفة والواقعة تحت قدرة البشر، فلا تدركها الحواس
173

141

الدرس العشرون: المعجزة

  ولا تنالها التجربة، فهي محال عادة، ولكنّها ليست خارجة عن الأسباب والقوانين العقليّة، إذ إنّ المعجزة لا تعني وجود الأمر الخارق بدون علّة، لأنّ لها علّة لكنّها غير معروفة ولا مقدورة للبشر، بل لها علّة غيبيّة إلهيّة.

 
فتحصّل أنّ المعجزة خاضعة لقانون العلّية العامّ وليست مناقضة له، لأنّ أقصى ما يقتضيه هذا القانون هو (أنّه لا بُدّ لكلّ معلول من علّة توجده)، أمّا خصائص هذه العلّة فهي أمر آخر خارج هذا القانون، وبالتّالي فالمعجزة ليست مستحيلة عقلاً.
 
2- أنّها "يعجز النّاس عن الإتيان بمثله" وبهذا يفرّق بين المعجزة، وبين أعمال المرتاضين والسّحرة وأصحاب الإبداع العلمي، فهي قد تكون خارقة للعادة، ولكنّها تعتمد على علل وأسباب معروفة عند أهل هذا العلم وأصحاب الفنّ، وإن كانت مجهولة عند غير أهل الاختصاص فهو غير معجز لإمكان الإتيان بمثله ممّن تعلّم قواعده وعرف خفاياه.
 
3- أن يكون "مطابق للدّعوى" والمقصود من هذا أن تكون نتيجة الفعل موافقة لما قصده النبيّ أو طُلِب منه، فيكون دليلاً على صدق مدّعي النّبوّة في دعواه, لأنّ المعجزة إنّما يأتي بها النّبيّ أو تطلب منه لأجل أن يثبت صحّة وصدق ارتباطه بالغيب، وإلّا لو كان الفعل مخالفاً لكان دليلاً على كذبه وإن كان خارقاً للعادة، فمسيلمة الكذّاب عندما طلبوا منه أن يتفل في بئر ليفيض ويكثر ماؤه، غاض وغار ماؤه فدلّ ذلك على كذبه.
 
4- أن تكون "مصحوبة بدعوى النّبوّة" يعني أنّ الإتيان بالأمر الخارق للعادة المشتمل على الشّروط المتقدّمة لا يسمّى معجزة في المصطلح الخاصّ، إلّا إذا كان مصحوباً بدعوى النّبوّة، وأمّا لو لم يكن مصحوباً بها فيسمّى كرامة كما هو الحال فيما يأتي به الأئمّة عليهم السلام والأولياء.
 
174
 

142

الدرس العشرون: المعجزة

 5- أن تكون "مقرونة بالتّحدّي" وهذا الشرط لا يدخل في حقيقة المعجزة بقدر ما يشكّل وسيلة لحصول الإقرار والإذعان، بحيث تكون الحجة للنّبيّ على النّاس واضحة بيّنة، فإنّ النّبيّ عندما يتّحدّى المنكرين لنبوّته الإتيان بمثله إنّما يتحدّاهم لإثبات عجزهم وتأكيد إعجاز فعله، وصحّة ارتباطه بالغيب وتصديق الله تعالى له وأنّه مرسل من قبله.


طريقان آخران غير المعجزة 
 
يوجد طريقان آخران يمكن إثبات النّبوّة من خلالهما في بعض الحالات وهما:
 
أوّلاً: الحياة الشخصيّة المستقيمة للإنسان قبل نبوّته من المزايا والفضائل، وسيرته الحسنة مثل الصّدق والأمانة، والعدالة والتّواضع وغيرها، وكذلك مضمون دعوته كالدّعوة للحقّ والعدل والتّوحيد والأخلاق الحسنة وغيرها، فإنّها قد تصل بالبعض إلى حدّ الاطمئنان والتّصديق بنبوّته. إلّا أن هذا الطريق يبقى ناقصاً في الغالب لأنّه لا يفيد القطع والجزم التامّ.
 
ثانياً: تبشير النّبيّ السّابق وتصديقه ودلالته على النّبيّ الّذي يأتي من بعده, فإنّه طريق تثبت من خلاله نبوّة اللّاحق. وإلا لزم تكذيب النبيّ السابق أو خطؤه وقد تقدّم استحالة هذا على النبيّ مطلقاً.
 
التّرابط المنطقيّ بين المعجزة والنّبوّة
 
يوجد بين المعجزة والنبوّة رابط حقيقي، وذلك, لأنّ ادّعاء النّبوّة يلازمه ادعاء الارتباط بالغيب من خلال الوحي الإلهي، وهذا لا يمكن أن تدركه الحواس، أو يطّلع عليه النّاس، وعليه فادّعاء النّبوّة ادّعاء لأمر خارق للعادة، فلو كان النّبيّ صادقاً في دعواه النّبوّة والوحي كان لازمه أنّه مؤيّد بقوّة إلهيّة، والمؤيّد بهذه القوّة الإلهيّة حقّاً، يمكنه الإتيان بخارق آخر للعادة وهو المعجزة.
175

143

الدرس العشرون: المعجزة

 وبسبب هذا الترابط المنطقي كان النّاس يطلبون المعجزة ليثبتوا صحّة دعوى النّبوّة من مدّعيها.

 
فوارق بين المعجزة وغيرها من الخوارق
 
يوجد مجموعة فوارق بين الخارق للعادة الإلهيّ بقسميه المعجزة والكرامة من جهة وبين غيرهما من الخوارق.
 
1- أنّ المعجزة والكرامة وليدتا العناية الإلهيّة الخاصّة ولذلك لا تكونان خاضعتين للدّراسة والتّعلّم، وأمّا السحر وغيره فهو نتاج التّعليم والتّعلّم، وله قواعد ومنهج علميّ ويحتاج إلى ممارسة وتدريب قال تعالى:﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾1.
 
2- أنّ السّحر متشابه في نوعه يدور في فلك واحد، ولا يأتي السّحرة إلّا بما تدرّبوا عليه، وأمّا المعجزة فهي شديدة التّنوّع بحيث لا تكاد تجد بينها قدراً مشتركاً، فأيّ قدر مشترك مثلاً في معاجز النّبيّ عيسى عليه السلام الّتي وردت في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾2 ، فما هو القدر المشترك بين إحياء الأموات، وشفاء المرضى وعلمه بما يأكل النّاس وما يحتفظون به في بيوتهم؟
________________________________________
1- سورة البقرة، الآية: 102.
2- سورة آل عمران، الآية: 49.
176

144

الدرس العشرون: المعجزة

 3- الاختلاف بينهما من حيث الأهداف والغايات، فإنّ الأنبياء عليهم السلام يأتون بالمعجزة ليصلوا من خلالها إلى أهداف سامية من الدّعوة إلى الله تعالى، ونفي الشّرك والدّعوة إلى الفضائل، ونبذ الرّذائل، وللعدل وغيرها.

 
أمّا السّحرة وغيرهم فالمهمّ عندهم هو الشهرة والمال وغير ذلك من المصالح الخاصّة، ولذلك تجد الأنبياء عليهم السلام يتّصفون بما يدعون إليه من مكارم الأخلاق بخلاف السّحرة وغيرهم.
 
خلاصة الدرس
 
المعجزة هي: أمر خارق للعادة، يعجز الناس عن الإتيان بمثله، مطابق للدّعوى، مصحوب بدعوى النبوّة، مقرون بالتحدّي غالباً، ويشتمل هذا التعريف على عناصر: 
 
1- أمر خارق للعادة: فهي غير مقدورة للبشر، وهي محال عادة، وإن كانت غير مستحيلة عقلاً، ولا تخرج عن قانون العلّيّة وإن كانت العلّة غير معروفة.
 
2- يعجز الناس عن الإتيان بمثله: وبهذا تفترق المعجزة عن غيرها من الأعمال الخارقة الّتي تعتمد على علل وأسباب معروفة، يُمكن لمن تعلّم أسرارها وقواعدها أن يقوم بها.
 
3- مطابق للدعوى: فمسيلمة الكذّاب طُلب منه أن يتفل في بئر ليفيض، إلّا أنّه حصل العكس فغاض الماء وبذلك بان كذبه.
 
4- مصحوبة بدعوى النبوّة: حيث إنّ الكرامة خارقة للعادة ولكنّها غير مصحوبة بدعوى النبوّة، كما كان يحصل مع الأئمّة عليهم السلام والأولياء.
 
5- مقرونة بالتحدّي: فالنبيّ يتحدّى المنكرين لنبوّته لإثبات عجزهم وتأكيد إعجاز فعله وصدق نبوّته.
177

145

الدرس العشرون: المعجزة

 - هناك طريقان آخران لإثبات النبوّة غير المعجزة، وهما:

 
أوّلاً: الحياة الشخصيّة المستقيمة للإنسان قبل نبوّته من المزايا والفضائل وكذلك مضمون دعوته.
 
ثانياً: تبشير النبيّ السابق بالنبيّ اللاحق.
 
- هناك رابط منطقي بين النبوّة والمعجزة، حيث إنّ ادعاء النبوّة تعني الارتباط بالغيب والقوّة الإلهيّة، ولازم ذلك إمكان المدّعي الإتيان بخارق العادة (المعجزة).
 
- هناك فوارق بين المعجزة وغيرها من الخوارق:
 
1- أنّ المعجزة ناشئة من العناية الإلهيّة، ولذلك لا تكون خاضعة للدراسة والتعلُّم بخلاف غيرها من الخوارق.
 
2- المعجزة شديدة التنوّع بخلاف غيرها من الخوارق.
 
3-الاختلاف بينهما من حيث الأهداف والغايات، فالمعجزة هدفها سامٍ نبيل بخلاف، غيرها من الخوارق الّتي تكون لأجل المال والشهرة وغير ذلك من المصالح الضيّقة.
 
أسئلة حول الدرس
 
1- عرّف المعجزة، (مع توضيح مختصر).
 
2- تحدّث عن الطّريقين الآخرين- غير المعجزة- لإثبات النّبوّة.
 
3- تحدّث حول الرابط المنطقيّ بين المعجزة والنّبوّة.
 
4- عدّد الفوارق بين المعجزة وغيرها من خوارق العادة، (مع توضيح مختصر).
178

146

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

 الدرس الواحد و العشرون: نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم




أهداف الدرس:

 

1.أن يستذكر الطالب الدليل على نبوة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.

2. أن يعدد واحدة من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

179

 

147

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

 تمهيد

 
إنّ ما نزل من وحي على النّبيّ موسى وعيسى عليهما السلام وهما التوراة والإنجيل قد تعرّضا للتّحريف، ولا يمكنهما أن يقوما بالدّور المنشود في هداية البشر. وأمّا لماذا وكيف تمّ هذا التّحريف فله حكاية طويلة ليس هنا مجال البحث عنها1.
 
أجل، في القرن السّادس بعد ميلاد المسيح عليه السلام، وفي فترة أطبق فيها على العالم كلّه ظلام الجهل والظلم، وخمدت مشاعل الهداية الإلهيّة في كلّ أنحاء العالم، بعث الله خاتم أنبيائهعليهم السلام وأفضلهم في أكثر المناطق تخلّفاً وانحطاطاً وظلمة، ليضيء- وإلى الأبد- مشعل الوحي السّاطع لكلّ النّاس، وليحمل للبشر الكتاب الإلهيّ الخالد المصون من التّحريف والنّسخ، وليعلِّم النّاس المعارف الحقيقيّة والحكمة السّماويّة، والأحكام والقوانين الإلهيّة، وليقود البشريّة جمعاء باتجاه السّعادة الدّنيويّة والأخرويّة.
 
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ 
________________________________________
1- راجع: إظهار الحقّ، تأليف رحمة الله الهندي، والهدى إلى دين المصطفى، للعلامة البلاغي، و(راه سعادت بالفارسية) للعلامة الشعراني.
 
181

148

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

 وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾2.

 

يصف الإمام أمير المؤمنينعليه السلامفي بعض خطبه الظّروف والأوضاع الّتي كان يعيشها العالم أيّام بعثة النّبيصلى الله عليه وآله وسلم فيقول:

 

"أرسله على حين فترة من الرّسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظّ من الحروب، والدّنيا كاسفة النّور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منائر الهدى، وظهرت أعلام الرّدى، فهي متجهّمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها. ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السّيف"3.

 

الدّليل على نبوّة نبيّ الإسلام

 

يمكن أن نثبت نبوّة الأنبياء عليهم السلام من خلال الطرق الثلاث- الّتي مرّ ذكرها.

 

1- التّعرف على سيرتهم وسلوكهم، والاعتماد على القرائن والمؤشّرات المؤدّية للاطمئنان. بصحّة نبوّتهم عليهم السلام.

 

2- إخبار الأنبياء عليهم السلام السّابقين وبشاراتهم.

 

3- المعجزة.

 

ولقد توفّرت الطّرق الثّلاث لنّبيّ الإسلام محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

الطريق الأول: عاصرأهل مكّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، واطّلعوا عن كثب على حياته خلال أربعين عاماً، فلم يجدوا نقطة ضعف واحدة في حياته المضيئة الحافلة بالنّور والعطاء، وعرفوه بالصّدق والأمانة، حيث لقّبوه بـ (الصادق الأمين)، وبطبيعة

________________________________________

2- سورة الجمعة، الآية: 2.

3- نهج البلاغة، الخطبة 187، وفي طبعة صبحي الصالح (منار) بدل (منائر) الخطبة 89، ص 121، ج 122.

 

 

182

 

149

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

  الحال، فلا يحتمل الكذب في مثل هذا الشّخص. وعليه فإذا ادعى النبوّة يُطمأن بصدقه وصحّة دعواه.

 
الطريق الثاني: فقد وردت بشارات الأنبياء السّابقين وإخبارهم ببعثته4. وقد كان ينتظر ظهوره جماعة من أهل الكتاب، وكانوا يعرفون بعض العلامات الواضحة والبيّنة عليه5 ، وكانوا يقولون للمشركين من العرب، بأنّه سيبعث بالرّسالة أحد أبناء النّبيّ إسماعيل (وهم من القبائل العربيّة)، يصدّق الأنبياء السّابقين والأديان التّوحيديّة6. وقد آمن به صلى الله عليه وآله وسلم بعض علماء اليهود والنّصارى، اعتماداً على مثل هذه البشائر والأخبار7، وإن أعرض بعضهم عن اعتناق الإسلام خضوعاً لدوافع دنيوية وشيطانيّة.
 
وقد أشار القرآن الكريم لهذا الطّريق بقوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ 8.
 
إنّ معرفة علماء بني إسرائيل بنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم استناداً لبشارات الأنبياء السّابقين كما تُعدّ دليلاً واضحاً على صحّة رسالته فهي من المفترض أن تكون مقنعة لأهل الكتاب جميعاً. وأيضاً تعتبر حجّة مقنعة على أنّ الأنبياء المبشِّرين أنفسهم كانوا على حقّ.
________________________________________
4- ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾سورة الصف، الآية: 6.
5- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ سورة الأعراف، الآية:157، وانظر أيضا: سورة البقرة، الآية: 146، وسورة الأنعام، الآية: 20.
6- ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة، الآية: 89.
7- ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾سورة المائدة، الآية: 38، وانظر أيضاً: سورة الأحقاف، الآية: 10.
8- سورة الشعراء، الآية: 197.
183

150

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

 وممّا يثير العجب والدّهشة ويجدر الالتفات إليه هو أنّه حتّى في هذا الإنجيل, وفي التوراة المحرّفة نفسها، وبالرّغم من كلّ الجهود الّتي بُذلت من أجل إخفاء مثل هذه البشارات والأخبار، توجد بعض النّقاط المضيئة الّتي تقيمّ الحجّة على الباحثين عن الحقيقة، كما اهتدى الكثير من علماء اليهود والمسيحيين- الّذين كانوا طلابا للحقّ والحقيقة- إلى الدّين الإسلامي المقدّس، بتأثير هذه النّقاط المضيئة، والبشائر المتبقّية في كتابَي التوراة والإنجيل9.

 
الطريق الثالث: وقد سُجّلت في كتب التّاريخ والحديث الكثير من المعجزات البيّنة الّتي صدرت عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بلغ نقل الكثير منها حدّ التّواتر، كتسبيح الحصى بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم وانشقاق القمر إلى فلقتين وغيرها 10، ولكن العناية الإلهيّة اقتضت وجود معجزة أخرى خالدة تدّل على نبوّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ودينه الخالد، وهذه المعجزة الأخرى، هي خالدة بنفسها وبها تتمّ الحجّة على البشر- والى الأبد- وهي القرآن الكريم.
 
القرآن معجزة
 
إنّ القرآن الكريم هو الكتاب السّماوي الوحيد الّذي أعلن- وبكلّ صراحة وقوّة- أنّ أحداً لن يتمكّن من الإتيان بمثله، ولو اجتمعت الإنس والجنّ، فلن يتمكّنوا من ذلك 11، بل إنّهم لا يقدرون على الإتيان بعشر سور مثله 12، بل حتّى سورة
________________________________________
9- يمكن أن نعتبر من هؤلاء الميرزا محمد رضا (من علماء اليهود الكبار في طهران) مؤلف كتاب (إقامة الشهود في رد اليهود)، والحاج بابا القزويني اليزدي (من علماء اليهود في يزد) مؤلف كتاب (محضر الشهود في رد اليهود) والبروفسور عبد الأحد داود الأسقف المسيحي السابق، ومؤلف كتاب (محمد في التوراة والإنجيل) الّذي ترجم أخيراً من الإنجيلزية للفارسية.
10- يلاحظ: بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 17، ص 225 إلى آخر الجزء 18، وسائر كتب الحديث والتاريخ المعتبرة.
11- ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ سورة الإسراء، الآية: 88.
12- ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة هود، الآية 13.
 
184

151

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

  واحدة قصيرة ذات سطر واحد 13. ومن ثمّ تحدّى الجميع ودعاهم لمعارضته ومجاراته، وأكّد ذلك كثيراً في آياته وأنّ عدم قدرتهم على مثل هذا العمل وعدم الاستجابة لهذا التّحدي دليل على صحّة نسبة هذا الكتاب ورسالة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لله تعالى14.

 
إذاً فممّا لا يقبل الشّكّ والتّردّد أنّ هذا الكتاب الشّريف قد حمل معه دعواه بأنّه معجزة، كما أنّ من جاء به عرضه للبشر كمعجزة خالدة، وبرهان قاطع على نبوتّه وإلى الأبد، واليوم. وبعد مرور أربعةَ عشَر قرناً، لا زال صدى هذا الصّوت الإلهيّ يطرق أسماع الجميع، صباح مساء من خلال أجهزة الإعلام الصّديقة والعدّوة، ويُتمّ الحجَّةََ عليهم.
 
ومن جانب آخر، واجه نبيّ الإسلام من أوّل يوم من دعوته أعداء متشدّدين، وحاقدين، بذلوا كلّ غالٍ ونفيس، لمحاربة هذا الدّين الإلهي، وبعد أن يئسوا من تأثير تهديداتهم وإغراءاتهم تآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واغتياله. ولكن فشلت هذه المؤامرة بإرادة من الله الحكيم وذلك من خلال هجرته صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً وسرّاً إلى المدينة. وبعد هجرته قضى بقيّة عمره الشّريف في حروب ومعارك عديدة مع المشركين وحلفائهم من اليهود. ومنذ وفاته وإلى اليوم حاول- ويحاول- منافقو الدّاخل وأعداء الخارج إطفاء هذا النّور الإلهيّ، وقد بذلوا كلّ جهودهم وقواهم في هذا المجال، ولو كان يمكنهم الإتيان بكتاب مثل القرآن الكريم لفعلوا ذلك بدون تردّد. وأراحوا أنفسهم من كل جهد وعناء. وإذ لم يفعلوا مع أنّه السبيل الأقصر والأسهل فيكشف هذا عن أن القرآن معجز فوق قدرة البشر.
________________________________________
13- ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة يونس، الآية 38.
14- ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ سورة البقرة، الآيتان 23 و 24. 
 
185

152

الدرس الواحد والعشرون: نبيّ الإسلام (ص)

 خلاصة الدرس

 
- يمكن إثبات نبوّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال الطرق الثلاث- الّتي مرّ ذكرها في الدرس السابق.
 
الأوّل: المعجزة، حيث كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاجز كثيرة تُحدِّثنا كتب السيرة عنها.
 
الثاني: سيرة الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الناصعة ومضمون رسالته الراقية.
 
الثالث: إخبار الأنبياء السابقين وبشاراتهم بالنسبة إلى نبيّنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
 
- أهمُّ معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معجزة القرآن الكريم، حيث عجز الناس عن الإتيان ولو بسورة من مثله.
 
 
 أسئلة حول الدرس
 
1- كيف يصف أمير المؤمنين عليه السلامحال العالم قبل البعثة؟
 
2- تحدّث حول سيرة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والّتي تدّل على نبوّته.
 
3- أذكر بعض بشارات الأنبياء عليهم السلام بالنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
4- أذكر دليلاً على نبوّة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.
 
186
 

153

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

الدرس الثاني و العشرون: إعجاز القرآن الكريم




أهداف الدرس:

 

1.أن يعدد الطالب عناصر الإعجاز في القرآن الكريم.

2. أن يتعرف إلى معنى أمية النبي في القرآن.

 

187

 

154

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

تمهيد

 

لقد تقدّمت الإشارة في الدرس السابق إلى أنّ القرآن الكريم كلام إلهيّ معجز، فهو يملك كلّ خصائص المعجزة (من كونه خارقاً إلهيّاً للعادة، وأنّه لا يقبل التّقليد والمعارضة، وطرحه دليلاً على صحة النّبوّة). ومن هنا فهو أفضل دليل قاطع على صدق دعوى النّبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أنّ الدّين الإسلامي المقدّس على حقّ، وأنّ من أكبر النّعم الإلهيّة على الأمّة الإسلاميّة أن يكون هذا الكتاب الشّريف قد نزل بصورة يبقى معها- وإلى الأبد- معجزة خالدة، وأن يملك في داخله الدّليل على صدقه وصحَّته واعتباره. هذا الدّليل الّذي يمكن لأيّ فرد فهمه واستيعابه وتقبّله دون احتياجه لتعلّم وتخصّص.

 

عناصر الإعجاز في القرآن الكريم

 

بعد المعرفة الإجماليّة بأنّ القرآن الكريم كلام إلهيّ معجز، وصل الدّور لتوضيح بعض عناصر الإعجاز القرآنيّة.

 

أ- فصاحة القرآن وبلاغته: إنّ أوّل عنصر من عناصر الإعجاز في القرآن الكريم هو فصاحته وبلاغته، أي: أنّه تعالى استخدم لعرض مقاصده وفي كلّ 

 

189

 

155

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 موضوع أعذب الألفاظ وأجملها، وأجود التّراكيب سبكاً واعتدالاً وإتقاناً ووقعاً، ومن خلال ذلك يوصل المعاني المقصودة للمخاطبين بأفضل الأساليب وأقربها للفهم، لا يتيسّر اختيار أمثال هذه الألفاظ والتّراكيب المتناسقة الملائمة للمعاني العالية والدّقيقة، إلّا لمن كانت له إحاطة تامّة بكلّ خصوصيّات الألفاظ ودقائق المعاني، والعلاقات المتبادلة فيما بينها، ليُمْكِنُه اختيار أفضل الألفاظ والعبارات، مع ملاحظة كلّ أبعاد المعاني المقصودة وجوانبها، وملاحظة مقتضى الحال والمقام. ومثل هذه الإحاطة العلميّة الشّاملة لا يمكن توفّرها في أيّ إنسان بدون الاستعانة بالوحي والإلهام الإلهيّ.

 

وأمّا التّعرف على أنّه معجزة في الفصاحة والبلاغة، فلا يتيسّر إلّا لأولئك الّذين يملكون الخبرة والتّخصّص في فنون الكلام المختلفة، ومقارنة ما يتميّز به القرآن الكريم مع سائر أنواع الكلام الفصيح والبليغ، واختبار قدراتهم بالقياس إليه. ومثل هذه المهمّة لا يقوم بها إلّا الشّعراء والبلغاء العرب، وذلك لأنّ أعظم ما كان يتميّز به العرب من فنّ في عصر نزول القرآن هو البلاغة والأدب، إذ بلغ ذروته آنذاك.

 

إقرار واعتراف

 

لقد أقرّ بلغاء العرب حتّى المشركين بإعجاز القرآن, فهذاالوليد بن المغيرة المخزوميّ يقول: "والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق, وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه"1 وعتبة بن ربيعة، والطّفيل بن عمرو- بأنّ القرآن بلغ الغاية في فصاحته وبلاغته وبتفّوقه على أرقى النّتاجات

________________________________________

1- مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج 9-10، ص 387.

 

 

190

 

156

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 الأدبيّة والبلاغيّة البشريّة2 ، وبعد قرن من نزوله حاول بعض المنافقين والزنادقة - أمثال ابن أبي العوجاء وابن المُقَفَّع وأبي شاكر الدّيصاني وعبد الملك البصريّ - أن يجرّبوا حظّهم في معارضة القرآن ومجاراته، وقد بذلوا كلّ ما في وسعهم خلال عام واحد في هذا المجال، ولكنّهم أخيراً اعترفوا بعجزهم أمام القرآن الكريم، وحين اجتمعوا في المسجد الحرام ليتدارسوا أعمالهم وجهودهم خلال ذلك العام، مرّ عليهم الإمام الصّادق عليه السلام وتلا عليهم هذه الآية الشّريفة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾3.

 

ب- أميّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ القرآن الكريم- بالرّغم من صغر حجمه نسبيّاً- كتاب يشتمل على مختلف أنواع المعارف والعلوم والأحكام والتّشريعات الفرديّة والاجتماعية، ويحتاج البحث عن كلّ قِسم منها، ودراستها دراسة كاملة إلى جماعات متخصّصة تبذل كلّ جهودها العلميّة وخلال أعوام طويلة، ليكتشفوا- بالتدريج- بعض كنوزها وأسرارها المخبوءة، وليتوصّلوا- من خلال ذلك- إلى حقائق أكثر، وإن كان اكتشاف كلّ حقائقه وأسراره وكنوزه لا يتيسَّر إلّا لأولئك الّذين يمتلكون العلم والتأييد والمدد الإلهيّ. إنّ هذه المجالات المختلفة الّتي استعرضها القرآن الكريم تشتمل على أكثر المعارف دقّةً وسمُوّاً، وأرفع التّعاليم الأخلاقيّة وأكثرها قيمة، وأكمل القوانين الحقوقيّة والقانونيّة والجزائيّة عدالة وإحكاماً، وأثرى المناسك العباديّة والأحكام الفرديّة والاجتماعيّة حكمة، وأكثر المواعظ والنّصائح تأثيراً ونفعاً، وأفضل الحكايات التّاريخيّة عظة وتربية، وأنجع الأساليب التّربويّة والتّعليميّة.

 

وبإيجاز فإنّه يشتمل على كلّ الأصول والمبادئ الّتي يحتاجها البشر من أجل

________________________________________

2- أعلام الورى، ص 27 و 28، وص 49، وسيرة ابن هشام، ج 1، ص 293 وص 410.

3- سورة الإسراء، الآية: 88، وانظر تفسير (نور الثقلين) حول هذه الآية.

 

191

 

157

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 تحقيق سعادتهم الدّنيويّة والأخرويّة. ولقد امتزج كلّ ذلك بأسلوب رائع بديع لم يسبق له مثيل، بحيث يمكن لفئات المجتمع- جميعاً- الاستفادة والتّزوّد منها، كلٌّ بحسب استعداده وقابليّته.

بيت القصيد
 
إنّ جمع كلّ هذه المعارف والحقائق في مثل هذا الكتاب يفوق قدرة البشر العاديّين، ولكن ممّا يزيد الدّهشة والإعجاب أكثر، أنّ هذا الكتاب العظيم ظهر على يد إنسان لم يعرف الدّرس والتّعلّم خلال حياته أبداً، ولم يمسك- يوماً- بيده قلماً وقرطاساً، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثّقافة. والأعجب من ذلك أنّه لم يسمع منه- خلال أربعين عاماً قبل بعثته- مثل هذا الكلام المعجز، وخلال أيّام رسالته وبعثته أيضاً كان ما يصدر منه من آيات قرآنيّة ووحي إلهي يتميّز بسبكه وأسلوبه الخاصّ، وهو يختلف- تماماً- عن سائر كلامه وأحاديثه، وهذا الفرق الواضح بين هذا الكتاب وسائر أحاديثه مشهود وملموس للجميع.
 
والقرآن الكريم يشير إلى هذه الأمور فيقول: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾4. 
 
وفي آية أخرى يقول: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾5. 
 
وثمّة احتمال كبير في أن تكون الآية (23) من سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ مشيرة لهذا العنصر الإعجازي، أي: أنّ هناك احتمالاً كبيراً في رجوع ضمير (مثله) إلى (عبدنا). والحاصل: إذا افترضنا- محالاً- قدرة المئات من الجماعات المتخصّصة والمثقّفة- وبالتعاون 
________________________________________
4- سورة العنكبوت، الآية: 48.
5- سورة يونس، الآية: 16.
 
192

158

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 والاشتراك فيما بينها- على الإتيان بمثل هذا الكتاب، ولكن لا يمكن لفرد أميّ واحد القيام بذلك، إلّا إذا كان مؤيّداً بالوحي كما هو الحال مع النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ج- التناسق وعدم الاختلاف: إنّ القرآن الكريم كتاب نزل خلال ثلاثة وعشرين عاماً من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي فترة شهدت مرحلة مضطربة مليئة بالحوادث الملتهبة، وزخرت بالكثير من التّحدّيات والمحن والحوادث المرّة والسّعيدة، ولكن كلّ هذه المتغيّرات والمؤثّرات لم يكن لها أيّ تأثير في تناسق محتويات القرآن وأسلوبه المعجز. ويشكّل هذا التّناسق وعدم الاختلاف في شكله ومضمونه جهة أخرى من جهات إعجازه. وقد أشير إليها كما أشير للعلامتين السّابقتين في القرآن الكريم: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴾6.

 

وتوضيحه: إنّ كلّ إنسان يواجه- على الأقلّ- نوعين من المتغيّرات.

 

1- إنّ معلوماته وخبراته تأخذ بالتّزايد والنّمُوّ، وهذا النّمُوّ والزّيادة في ثقافته ومعلوماته وخبراته وقدراته تنعكس وتؤثر في أحاديثه وكلامه، وبطبيعة الحال، سوف يبرز الاختلاف الواضح بين أحاديثه خلال عشرين عاماً.

 

2- إنّ حوادث الحياة المختلفة تؤدّي إلى ظهور حالات نفسيّة ومشاعر وأحاسيس مختلفة، أمثال: اليأس والأمل، والفرح والحزن، والقلق والهدوء، ولمثل هذا الاختلاف في الحالات تأثير كبير في تفكير المرء وفي أقواله وأفعاله، وبطبيعة الحال، مع اشتداد هذه التغيّرات واتساعها فإنّ أحاديثه سوف يطرأ عليها اختلاف كبير. وفي الواقع إنّ تغيّرات الكلام خاضعة لتغيّرات الحالات النفسيّة، وهي بدورها خاضعة لتغيّر الظّروف الطّبيعيّة والاجتماعية. فإذا افترضنا أنّ القرآن الكريم من اختراع النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه

________________________________________

6- سورة النساء، الآية: 82.

 

193

 

159

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

  كإنسان خاضع لكلّ المتغيّرات المذكورة، فمع ملاحظة الظّروف المتغيّرة الحادّة الّتي شهدتها حياته، فلا بدَّ أن تظهر في كلامه اختلافات كبيرة في شكله ومحتواه، مع أنّه لم يشاهد أيّ أثر لمثل هذه الاختلافات.

 

إذاً، فهذا الانسجام وعدم الاختلاف في مضامين القرآن، وفي مستوى بلاغته المعجز، يعدّ علامة أخرى على صدور هذا الكتاب الشّريف من مصدر العلم الثّابت واللّامتناهي لله تعالى، الحاكم على الطّبيعة وغير المحكوم لكلّ الظّواهر مهما اختلفت وتغيّرت.

 

ملاحظة

 

لقد اقتضت الحكمة والعناية الإلهيّة أن تكون معجزة كلّ نبيّ متلائمة مع العلم والفن الشائع في ذلك الزمان، حتّى يدرك جيّداً امتيازها وتفوّقها المعجز على كلّ المحاولات والمنجزات البشريّة؛ لأنّ إقرار أصحاب العلم وأرباب الفنّ بعجزهم عن مجاراة المعجزة، كافٍ في إثبات إعجازها بالنّسبة لعامّة النّاس.

 

الإمام الهادي عليه السلام وابن السكّيت

 

لقد أجاب الإمام الهادي عليه السلام ابن السكّيت عندما سأله:

 

لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السّحر؟ وبعث عيسى بآلة الطبّ؟ وبعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جميع الأنبياء عليهم السلام بالكلام والخطب؟.

 

فقال الإمام عليه السلام:

 

"إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السّحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزّمانات، واحتاج النّاس إلى الطبّ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما

 

194

 

 

160

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وأن الله بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم"7

 
خلاصة الدرس
 
هناك عناصر عدّة لإعجاز القرآن الكريم، منها:
 
أ- فصاحة القرآن وبلاغته: من حيث ألفاظه وتراكيبه وأسلوبه وملاحظة مقتضى الحال.
 
وقد أقرّ بلغاء العرب حتّى المشركين منهم بإعجاز القرآن المجيد، كالوليد بن المغيرة المخزومي وعتبة بن ربيعة، والطفيل بن عمرو وغيرهم.
 
ب- أمّيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ ما يؤكّد إعجاز القرآن البلاغي والفصاحي والمضموني؛ أنّ هذا الكتاب العظيم ظهر على يد إنسان لم يعرف الدرس والتعلّم خلال حياته أبداً، ولم يمسك قلماً وقرطاساً، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثقافة.
 
ج- التناسق وعدم الاختلاف: حيث إنّ القرآن الكريم وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاماً- مدّة نزوله- لم يطرأ على تناسقه وروحه أيّ اختلاف رغم الظروف المتباينة والحالات النفسيّة والمشاعر والأحاسيس المختلفة.
________________________________________
7- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 24.
 
195

161

الدرس الثاني والعشرون: إعجاز القرآن الكريم

 أسئلة حول الدرس

 

1- تحدّث حول إعجاز القرآن الكريم من جهة الفصاحة والبلاغة (باختصار).

 

2- كيف نستفيد من أميّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إعجازَ القرآن الكريم؟

 

3- تحدّث حول التناسق وعدم الاختلاف، وكيفيّة دلالته على الإعجاز القرآني.

 

 

196

 

162

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

  الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة




أهداف الدرس:

 

1.أن يستذكر الطالب الدليل على ختم النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

2. أن يستذكر السر في ختم النبوة.

 

 

197

163

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 تمهيد

 
من الواضح عند المسلمين قاطبة أنّ الدّين الإسلامي غير مختصّ بمنطقة دون أخرى ولا بجماعة وقوم دون غيرهم، وهو دين باقٍ إلى قيام السّاعة، وهذا ما يستفاد من الخطاب القرآني الموجّه لجميع النّاس من خلال آيات كثيرة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَا بَنِي آدَمَ ﴾1 و﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾2 ، فهو خطاب موجّه لكلّ النّاس وفي كلّ زمان ومكان.
 
وكذلك الرّوايات كما في قول النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة"3.
 
فالإسلام دين عالميّ وخالد، وهذان الأمران يعدّان من ضروريّات الدّين الإسلاميّ ومن المعلوم أنّ الضّروريّات الدّينية لا تحتاج إلى دليل، وبملاحظة خلود الدين الإسلامي لا يبقى أيّ احتمال لبعثة نبيّ آخر ينسخ الشريعة الإسلاميّة، ولكن يبقى احتمال بعثة نبيّ آخر يقوم بمهمّة تبليغ الإسلام ونشره...
________________________________________
1- سورة الأعراف، الآيات: 26-27-28-31-35، سورة يس، الآية: 60.
2- سورة الأنعام، الآية: 90، سورة يوسف، الآية: 104، سورة ص، الآية: 87، سورة التكوير، الآية: 27، سورة القلم، الآية: 52.
3- الكافي، الشيخ الكليني،ج1، ص58- ج2، ص17.
 
199

164

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 ومن هنا يلزم علينا البحث عن ختم النبوّة بنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى لا يبقى مجال لمثل هذا الاحتمال. وهذه المسألة وإن كانت من الضروريات الدينية أيضاً الّتي لا تحتاج إلى استدلال، ولكن مع ذلك يمكن استفادتها من القرآن الكريم والروايات الشريفة. 

 
الدّليل القرآنيّ
 
قال تعالى:﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ 4
 
فإن قيل: إنّ الآية دلّت على ختم النّبوّة بالنّبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولم تدّل على ختم (الرّسل) والجواب واضح بعد التّأمل في معنى النّبيّ ومعنى الرّسول, فإنّ النّبيّ أعمّ من الرّسول، فكلّ رسول نبيّ وليس كلّ نبيّ رسولاً، فلا وجود لرسول ليس نبيّاً، وعليه فنفي النّبوّة نفي للرّسالة بطريق أولى، إذ إنّ نفي الأعمّ نفي للأخصّ دون العكس. فعندما تقول مثلاً: لا إنسان (الأعمّ) موجود في البيت، فهذا يعني لا وجود لا لرجل (أخصّ) ولا لامرأة (أخصّ)، وإن قلت: لا امرأة موجودة في البيت, فإنّ هذا لا يعني نفي وجود إنسان، إذ قد يوجد في الدّار رجل. وعليه فنفي النبيّ من بعده صلى الله عليه وآله وسلم نفي للرسول أيضاً فلا نبيّ من بعده ولا رسول.
 
الأدلّة الرّوائيّة على ختم النّبوّة
 
ورد التّصريح والتّأكيد على ختم النّبوّة بنبيّ الإسلام في المئات من الرّوايات، منها حديث المنزلة5 الّذي نقله الشّيعة وأهل السّنة متواتراً عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بحيث لا يبقى معه أيّ شكّ في صدور مضمونه، وذلك حين خرج النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك وخلف عليّاً عليه السلام مكانه في المدينة، فبكى علي عليه السلام، فقال له
________________________________________
4- سورة الأحزاب، الآية: 40.
5- صحيح البخاري، ج 3، ص 58.
 
200

165

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه ليس بعدي نبيّ"6.

 
وفي رواية أخرى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها النّاس، لا نبيّ بعدي ولا أمّة بعدكم"7.
 
وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أيّها النّاس إنّه لا نبيّ بعدي، ولا سنّة بعد سنّتي"8.
 
ونقل هذا المعنى في أكثر من خطبة من نهج البلاغة9، وفي الرّوايات والأدعية والزّيارات المأثورة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام.
 
السّر في ختم النّبوّة 
 
إنّ الحكمة في تعدّد الأنبياء عليهم السلام وبعثتهم المتدرّجة- كما ذكر سابقاً- هي: أنّه لا يمكن لفرد واحد تبليغ الرّسالة الإلهيّة ونشرها- في الأزمنة السّابقة- في أقطار العالم كافّة، وفي كلّ الأمم والشّعوب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ اتساع العلاقات وتعقيدها، وحدوث الظّواهر الاجتماعيّة الجديدة، يفرض وضع قوانين جديدة أو تغيير القوانين السّابقة. وكذلك فإنّ وقوع التحريف من قبل المغرضين أو الجاهلين يستدعي كلّ ذلك تصحيحاً وتعديلاً للتّعاليم الإلهيّة من قبل نبيّ آخر.
 
ولكن لو توفّرت الظروف والشروط لبقائها واستمرارها فلا ملزم لبعث نبيّ آخر، والشروط هي: 
 
1- أن يتمكن النبيّ من تبليغ رسالته الإلهيّة للعالم كلّه ولو بالاستعانة بأنصاره وخلفائه.
________________________________________
6- صحيح البخاري، ج4، ص209 - ج5، ص129.
7- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 1، ص 15.
8- م.ن، ج 18، ص 555.
9- نهج البلاغة، الخطبة الأولى والخطبة 69، و83، و87، و129، و168، و193، و230.
201

166

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 2- أن تلبيّ أحكام شريعته وتعاليمها وتشريعاتها كلّ احتياجات المجتمعات الرّاهنة والمستقبليّة، ومتضمّنة لجميع الاحتياطات الضروريّة للمسائل المستجدّة والمستحدثة.

 
3- أن يوجد الضّامن الّذي يكفل بقاءها وصيانة كتابها من التحريف.
 
فمع توفّر كلّ هذه الظّروف والعوامل فلا ملزم حينئذ لبعثة نبيّ آخر، ولكنّ معارف البشر العاديّة وعلومهم لا يمكنها تحديد مثل هذه الظّروف والعوامل، الّتي تفرض إرسال نبيّ جديد برسالة مختلفة. ومعرفةُ الظّرف والوقت المناسب منحصر بالله تعالى، فإنّه ومن خلال علمه اللّامتناهي المحيط بكلّ شيء يمكنه تحديد الزّمان الّذي تتحقّق فيه هذه الظّروف، وهو الّذي يمكنه الإعلام عن ختم النّبوّة، كما فعل ذلك في آخر كتبه السّماويّة. مع خاتم النّبيّين صلى الله عليه وآله وسلم.
 
تنبيه حول الهداية
 
إنّ ختم النّبوّة لا يعني قطع علاقة الهداية- تماماً- بين الله والعباد، فإنّ الله تعالى يفيض من العلوم الغيبيّة على بعض عباده الصالحين متى ما رأى المصلحة تقتضي ذلك، وإن لم يكن ذلك عن طريق وحي النّبوّة، ويعتقد الشّيعة بأنّ أمثال هذه العلوم قد أفاضها الله على الأئمّة المعصومين عليهم السلام، الّذين خلفوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واحداً تلو الآخر.
 
الجواب عن شبهة
 
توصّلنا- ممّا سبق- إلى أنّ السّر في ختم النّبوّة:
1- إنّ نبيّ الإسلام- بمعونة أنصاره وخلفائه- يمكنه إيصال رسالته إلى أسماع جميع البشر في العالم.
 
2- التكفّل بصيانة الكتاب السّماوي عن أيّ تحريف. وقد قام الدّليل على صيانة القرآن من التّحريف، وذلك, لاستحالة الزّيادة في القرآن, لأنّ
 
202
 

167

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

الزيادة معناها إمكان الاتيان بمثله، وهو باطل بسبب إعجاز القرآن الكريم، وأيضاً قد تعهّد تعالى بحفظ القرآن في قوله تعالى:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 10 ، وبعد ثبوت عدم إمكان الزيادة في القرآن الكريم وكون هذه الآية من كلامه تعالى، يثبت بهذه الآية صيانة القرآن الكريم عن أيّ تلاعب أو تغيير أو حذف لأنّه ينافي حفظه تعالى له.

 

3- إنّ الشّريعة الإسلاميّة يمكنها الاستجابة لاحتياجات البشر كلّها حتّى نهاية العالم.

 

شبهة حول خلود الإسلام: كما أنّ تعقيد العلاقات والظواهر الاجتماعية في الأزمنة السّابقة اقتضى وضع أحكام جديدة، أو تغيير الأحكام السّابقة عليه, لذلك كان سبباً في بعث نبيّ آخر، والأمر ظلّ كذلك حتّى بعد نبيّ الإسلام، حيث حدثت متغيّرات بارزة أضحت معها العلاقات والظواهر الاجتماعيّة أكثر تعقيداً، فكيف لا تقتضي هذه المتغيّرات شريعة جديدة؟

 

والجواب هو: إنّه- كما أشرنا إلى ذلك سابقاً- ليس في مقدور الإنسان العادي تحديد المتغيّرات والتحوّلات الّتي تقتضي تغيّر التّشريعات الأساس، وذلك لأنّنا لا نحيط بعلل الأحكام والتّشريعات وحِكمِها، بل إنّنا- ومن خلال الأدلّة المبرهنة على خلود الإسلام، وختم النّبوّة بالنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم- نكتشف عدم الاحتياج لتغيير الأحكام والتّشريعات الإسلاميّة الأساس.

 

أجل، نحن لا ننكر ظهور بعض التغييرات الاجتماعية، الّتي تقتضي وضع أحكام جديدة، ولكن قد جعلت في الشّريعة الإسلاميّة أصول وقواعد عامّة توضع

________________________________________

10- سورة الحجر، الآية: 9. تفصيل الكلام حول صيانة القرآن من التحريف موكول إلى مباحث علوم القرآن.

 

203 

 

 

168

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 على أساسها أمثال هذه الأحكام والتّشريعات الجزئيّة، حيث يمكن لذوي الخبرة والمعرفة الدقيقة بأحكام الشريعة وضع الأحكام اللازمة لمعالجتها وتطبيقها على أساسها.

 

خلاصة الدرس

 

- إنّ الدِّين الإسلامي شامل عامّ خالد، فهو لكلِّ البشر ولكلِّ زمان ومكان، فالقرآن لطالما خاطب جميع الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمّد حرام إلى يوم القيامة".

 

- من الأدلّة على ختم النبوّة بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

 

قرآنياً: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .

 

روائيّاً: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ عليه السلام: "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبيّ".

 

- إنّ السرّ في ختم النبوّة بالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو تحقُّق شروط وظروف بقاء واستمرار رسالته وهي: 

 

1- تمكُّن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من تبليغ رسالته للعالم كلّه ولو بالاستعانة بأنصاره وخلفائه.

 

2- شريعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تستجيب لتطوّر الزمن.

 

3- صيانة القرآن الكريم- الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- من التحريف.

 

- ختم النبوّة لا تعني قطع علاقة هداية الله تعالى لبعض عباده، وإن لم يكن ذلك عن طريق وحي النبوّة، كما يعتقد الشيعة بالأئمّة المعصومين عليهم السلام.

 

204

 

169

الدرس الثالث والعشرون: ختم النّبوّة

 أسئلة حول الدرس

 
1- أذكر بعض الآيات والرّوايات الّتي تدلّ على شموليّة ودوام الدّين الإسلاميّ.
 
2- أذكر آية ورواية تدلّان على ختم النّبوّة.
 
3- تحدّث (باختصار) عن السرّ في ختم النّبوّة.
 
 
205

170

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

الدرس الرابع و العشرون: الإمامة




أهداف الدرس:
 
1.أن يحدد الطالب موضع الخلاف الرئيس بين السنة والشيعة في مسألة الخلافة.
2. أن يعدد النتائج المترتبة على رأي السنة في مسألة الخلافة.
3. أن يتعرف إلى معنى الإمامة.
 
 
207

171

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

 تمهيد

 
إنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته من مكّة إلى المدينة، ودفاع أهل المدينة المستميت عنه، وعن المسلمين الّذين هاجروا من مكّة- والّذين سُمُّوا ب- (المهاجرين)، بينما سُمّي أهل المدينة ب- (الأنصار)- وضع دعائم وأسس المجتمع الإسلامي وقام بإدارته. وكان مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ملجأ للمهاجرين والمحرومين، ولمعالجة قضاياهم ومشاكلهم الاقتصادية والمعيشيّة، إضافة إلى كونه موضعاً للعبادة، ومنطلقاً لنشر الرّسالة الإلهيّة وتعليم النّاس وتربيتهم، ومعالجة الخصومات والمسائل القضائيّة، ومركزاً لإصدار القرارات العسكريّة، وتزويد جبهات الحرب بالعدّة والعدد، وإسناد الجبهات، ومعالجة سائر القضايا الحكوميّة.
 
وبإيجاز كانت إدارة شؤون النّاس وقضاياهم الدّينيّة والدّنيويّة تتمّ على يد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وكان المسلمون يرون أنفسهم مكلّفين بإطاعة تعاليم النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأوامره, لأنّ الله تعالى- إضافة لفرضه إطاعة الرّسول المطلقة عليهم1 - كان
________________________________________
1- ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران: الآية 32، وانظر أيضاً السور التالية: النساء: 12، و14، و69 و80، والمائدة: 92، والأنفال: 1، و20 و46، والتوبة: 71، والنور: 51، 54، و56، والأحزاب: 66، و71، والحجرات: 14، والفتح: 16، و17، ومحمّد: 32، والمجادلة: 12، والممتحنة: 12، والتغابن: 12، والجنّ: 23.
209

172

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

  قد أصدر أوامر مؤكّدة على وِلاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقيادته للأمّة2 في خصوص المسائل والمجالات السّياسيّة والقضائيّة والعسكريّة.

 

وبعبارة أخرى: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إضافة لمنصب النّبوّة والرّسالة، ومنصب تعليم الأحكام وتبيينها، كان يملك منصباً إلهيّاً آخر، هو قيادة الأمّة الإسلاميّة والوِلاية عليها، وتتفرّع منها مناصب أخرى، كالقضاء والقيادة العسكريّة وغيرهما. وكما أنّ الدّين الإسلاميّ اشتمل على الوظائف والتّعاليم العباديّة والأخلاقيّة، فهو كذلك اشتمل على الأحكام السّياسيّة والاقتصاديّة والحقوقيّة وغيرها. كما كان نبيّ الإسلام مكلّفاً بوظائف التّبليغ ومهامّ التّعليم والتّربية، وكذلك كان مكلّفاً- من قبل الله- بمهمّة تنفيذ الأحكام والتّشريعات الإلهيّة وتطبيقها وكان بيده زمام كلّ المهامّ والمناصب الحكوميّة.

 

ومن البديهيّ أنّ الدّين الّذي يدّعي قيادة البشريّة كلّها حتّى نهاية العالم، لا يمكنه عدم الاهتمام بهذه المسائل والقضايا، ولا يمكن للمجتمع القائم على أساس هذا الدّين أن يفتقد مثل هذه المهامّ والمناصب السّياسيّة والحكوميّة، هذه المناصب والمسؤوليّات الّتي يشملها جميعاً عنوان (الإمامة). ولكن الحديث هو عمّن يقوم بهذه المهمّة بعد وفاة الرسول؟ ومن الّذي يعيّن مثل هذا الشّخص في هذا المنصب؟

 

فهل الله تعالى هو الّذي ينصّب الإمام كما ينصّب النّبيّ، أم أنّ النّاس هم الّذين ينتخبون الإمام؟ يعني هل مشروعيّة الإمام في منصبه مستمدّة من الله بالتّعيين أو من النّاس بالانتخاب؟

________________________________________

2- ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ..﴾ سورة المائدة: 48، وانظر أيضاً السور التالية: آل عمران: 152، والنساء: 42، و59، و65، و105، والحج: 67، والأحزاب: 6، 36، والمجادلة: 89، والحشر: 7.

 

210

 

173

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

 الإمامة بين السنّة والشيعة

 
وهذه هي النّقطة الرّئيسة في الخلاف بين الشّيعة وأهل السّنّة. فالشّيعة تعتقد بأنّ الإمامة منصب إلهيّ، لا بدَّ وأن ينصّب فيه الأفراد الصالحون لذلك من قبل الله تعالى، وقد قام الله تعالى بهذا التّعيين بواسطة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، حيث عيّن أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام خليفة له من بعده مباشرة، وعيّن من بعده أحدَ عشر إماماً من أولاده خلفاء من بعده.
ولكن أهل السّنّة يعتقدون بأنّ الإمامة الإلهيّة- كالنّبوّة والرّسالة- قد انتهت بوفاة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد أوكل للنّاس مهمّة تعيين الإمام من بعده، بل صرّح بعض كبار علماء أهل السّنّة، أنّه لو سيطر أحد بقوّة السلاح على النّاس وأمسك بزمام أمورهم، فتجب على الآخرين إطاعته3.
 
نتائج رأي السنّة
 
ومن الواضح أنّ مثل هذه الآراء تفتح الأبواب أمام الجبابرة والطّواغيت والمحتالين للتّوصّل إلى مطامعهم ومآربهم، وتوفّر عوامل التّمزّق والانحطاط والتّخلّف بين المسلمين. وفي الواقع إنّ أهل السّنّة باعتقادهم شرعيّة الإمامة بدون التعيين الإلهيّ قد وضعوا الحجر الأساس لفكرة عزل الدّين عن السّياسة. وباعتقاد الشّيعة أنّ هذا الأمر هو المنعطف الخطير للانحراف عن المسير الإسلاميّ الأصيل والصّحيح، وعن عبادة الله في جميع الجوانب والأبعاد الحياتيّة، وكذلك كان منطلقاً للكثير من الانحرافات الأخرى الّتي ظهرت بين المسلمين من حين وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
________________________________________
3- الأحكام السلطانيّة، أبو يعلى، وترجمة (السواد الأعظم) لأبي القاسم السمرقندي، ص 40-42.
 
211

174

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

 وجوب البحث

 
من هنا، كان من الواجب على كلّ مسلم البحث في هذا الموضوع بكلّ اهتمام، وبعيداً عن كلّ تقليد وعصبيّة4 وأن يحاول جهده في اكتشاف المذهب الحقّ والدّفاع عنه، وأن يتجنّب أتْبَاعُ المذاهب المختلفة التفرقةَ والصّراعَ والتّناحرَ، ممّا يُمهّد الطّريق ويُوفّر الظّروف الملائمة لأعداء الإسلام لتحقيق أطماعهم والوصول لمآربهم.
 
ويلزم عدم ممارسة الأعمال الّتي توسّع من شقّة الخلاف بين صفوف المسلمين، فيتزعزع بها تلاحمهم وقوّتهم تجاه الكفّار، بحيث لا تعود مفاسده وأضراره الخطيرة إلّا على جميع المسلمين، ولا تؤدّي إلّا إلى ضعف الأمّة الإسلاميّة، ولكن الحفاظ على الوحدة والتّلاحم بين المسلمين ينبغي أن لا يكون عائقاً ومانعاً من البحث الموضوعيّ وبذل الجهود المخلصة، في سبيل التّعرف على المذهب الحقّ، وتوفير الظّروف الملائمة والأجواء الصّالحة لدراسة مسائل الإمامة ومعالجتها دون إثارة العصبيّات، هذه المسائل الّتي يكون لمعالجتها الصّحيحة دورها الفاعل في مصير المسلمين وسعادتهم في الدّنيا والآخرة.
 
مفهوم الإمامة
 
الإمامة في اللّغة: هي الرِّئاسة وكلّ من يتصدّى لرئاسة جماعة يُسمّى (الإمام)، سواء كان في طريق الحقّ أم الباطل، وقد أطلق مصطلح (أئمّة الكفر)5 في القرآن الكريم على رؤساء الكفّار، وأطلق على من يقتدي به المصلّون (إمام الجماعة).
________________________________________
4- ومن الجدير بالذكر أن العلماء الكبار كتبوا في هذا المجال الكثير من الكتب والدراسات وبمختلف اللغات، وبأساليب عديدة، ومهدوا طريق الحقّ للباحثين عن الحقيقة، نذكر نماذج منها أمثال: كتاب عبقات الأنوار، والغدير، ودلائل الصدق، وغاية المرام وإثبات الهداة، ونحث من لم تسمح له الظروف بالتحقيق والتوسع على مطالعة كتاب (المراجعات)، وهو مجموعة من الرسائل بين عالمين من علماء الشيعة وأهل السنّة، وكتاب (أصل الشيعة وأصولها).
5- ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ سورة التوبة: الآية 12
 
212

175

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

 والإمامة في مصطلح علم الكلام عبارة عن: الرِّئاسة العامّة الشّاملة على الأمّة الإسلاميّة وقيادتها في جميع الأبعاد والمجالات الدّينيّة والدّنيويّة.

 
وإنّما ورد ذكر كلمة (الدّنيويّة) لأجل التّأكيد على سعة ميدان الإمامة ومجالها، وإلّا فإنّ تدبير القضايا الدّنيويّة للأمّة الإسلاميّة وإدارتها يعدُّ جزءً من الدّين الإسلاميّ. وهذه الرّئاسة والقيادة- في رأي الشّيعة- إنّما تكون شرعيّة فيما لو كانت من قبل الله تعالى، ولا يكتسب أيّ شخص مثل هذا المقام أصالة (لا نيابة) إلّا إذا كان معصوماً عن الخطأ في بيان الأحكام والمعارف الإسلاميّة، ومنزّهاً من الذّنوب والمعاصي. وفي الواقع إنّ الإمام المعصوم يمتلك كلّ مناصب ووظائف النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سوى النّبوّة والرّسالة، وكما أنّ أحاديث النّبيّ حجّة في بيان الحقائق والتّشريعات والأحكام والمعارف الإسلاميّة، وتجب إطاعة أوامره وأحكامه في مختلف القضايا الحكوميّة، كذلك الأمر في الإمام المعصومعليه السلام.
 
ومن هنا يتبيّن أنّ اختلاف الشّيعة عن أهل السّنّة في موضوع الإمامة في ثلاث مسائل:
 
1- إنّه لا بُدّ من نصب الإمام وتعيينه من قبل الله تعالى.
 
2- إنّه لا بُدّ وأن يملك الإمام العلم الموهوب له من الله، وأن يكون مصاناً عن الخطأ.
 
3- إنّه لا بُدّ وأن يكون معصوماً من المعصية.
 
رواية عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرّضا عليه السلام6 
 
"يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إنّ الله تبارك وتعالى لم
________________________________________
6- عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج1، ص216.
 
213

176

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

  يقبض نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم حتّى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام.


"وجميع ما يحتاج إليه كمّلًا فقال عزَّ وجلَّ:﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء﴾7.


"وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾8.


"وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض صلى الله عليه وآله وسلم حتّى بيّن لأمّته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد الحقّ، وأقام لهم عليّاً عليه السلام علماً وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلّا بيّنه، فمن زعم أنّ الله عزَّ وجلَّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله عزَّ وجلَّ".

 

خلاصة الدرس

 

 

- إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبالإضافة إلى منصب النبوّة والرسالة وتعليم الأحكام وتبليغها، كان يملك منصباً تنفيذيّاً وهو الإمامة والقيادة للأمّة الإسلاميّة والّتي يتفرّع منها مناصب أخرى كالقضاء والقيادة العسكريّة وغيرهما.

 

- نقطة الخلاف الرئيسة بين السنّة والشيعة، أنّ منصب الإمامة- عند الشيعة هو منصب إلهيّ موقوف على التعيين الإلهيّ بواسطة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وقد عيّن صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليّاًعليه السلام خليفة له ثمّ، أبناءه من بعده أحد عشر إماماً. أمّا أهل السنّة فيعتقدون أنّ الإمامة الإلهيّة قد انتهت بوفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد أوكل للناس مهمّة تعيين الإمام من بعده.

 

- الإمامة لغةً: الرئاسة، وكلّ من يتصدّى لرئاسة جماعة يُسمّى إماماً، سواء كان في طريق الحقّ أم الباطل.

________________________________________

7- سورة الأنعام، الآية: 38.

8- سورة المائدة: الآية: 67.

 

214

 

177

الدرس الرابع والعشرون: الإمامة

 وفي اصطلاح علم الكلام: الرئاسة العامّة الشاملة على الأمّة الإسلامية وقيادتها في جميع الأبعاد الدينيّة والدنيويّة.

والاختلاف بين الشيعة والسنّة في موضوع الإمامة في ثلاث مسائل: 
 
1- لا بدّ من تعيين الإمام من الله تعالى بواسطة النبيّ.
 
2- لا بّد أن يملك الإمام العلم الموهوب من الله سبحانه، وأن يكون مصاناً عن الخطأ.
 
3- لا بدّ أنّ يكون معصوماً عن المعصية.
 
أسئلة حول الدرس
 
1- تحدّث حول المنصب الّذي كان يتولّاه النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إضافةً إلى النّبوّة والرّسالة.
 
2- استعرض- باختصار- مفهوم الإمامة لغةً واصطلاحاً.
 
3- ما هي نقطة الخلاف الرئيسة بين الشيعة والسّنّة حول الإمامة؟
 
215

178

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 الدرس الخامس و العشرون: الحاجة لوجود الإمام




أهداف الدرس:

 

1.أن يستذكر الطالب ضرورة وجود الإمام.

2. أن يتبين خصائص الإمام.

 

217

 

179

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 تمهيد

 
بناء على ما تقدّم في الدرس السابق، لا يبقى مجال لما توهمّه بعضٌ من أنّ أساس الخلاف بين الشيعة وأهل السنّة يدور حول إمامة عليّ عليه السلام أو أبي بكر؟
 
أو أنّ الخلاف ينحصر في كيفيّة تولّي منصب الإمامة والخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل أنّ شرعيّة تولّي هذا المنصب تتمّ بواسطة التعيين، أو باختيار الناس، أو من خلال الشورى مثلاً؟
 
وذلك لأنّ المشكلة والخلاف الأساس، لا يكمن فيما ذكر وإن حصل فيه اختلاف بل الاختلاف في أساسه يدور حول حقيقة الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهل أنّ الإمامة منصبٌ إلهيٌ كمنصب النبوّة- خلا الوحي- فتكون الإمامة استمراراً لخطّ النبوّة في كلّ مجالاتها، فيكون دور الإمام ووظيفته عين دور النبيّ ووظيفته- كما يقول الشيعة ـ؟ أو أنّ الإمامة هي مجرّد منصب دنيوي ينحصر دوره في إدارة شؤون الناس الحياتيّة، وسياستهم الدنيويّة- كما يقول السنّة؟
 
ويتفرّع على هذا الاختلاف، اختلافات أخرى:
 
219

180

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 منها: ما هي الشرائط، والمواصفات الّتي يجب أن يتحلّى بها من يتولّى هذا المنصب؟ وهل يشترط فيه أن يحمل علماً خاصّاً أم لا؟

 
وهل يشترط أن يكون معصوماً عن المعصية والخطأ أم لا؟
 
وهل أنّ معرفة الشخص المؤهلّ لهذا المنصب ممكنة لعامّة الناس؟ أو أنّ معرفته منحصرة بالله تعالى، وبالتالي يحتاج إلى بيان وتنصيب من الله تعالى؟
 
إذاً فالخلاف ليس حول الشخص بقدر ما هو خلاف حول المفاهيم والمبادئ والشروط المتعلّقة بالإمامة والإمام.
 
وبالإجابة هذه التساؤلات يتّضح لماذا طُرحت الإمامة عند الشيعة كأصل عقائدي، ولم تُطرح عندهم كفرع فقهي، كما هو الحال عند السنّة.
 
والإجابة على هذه التساؤلات تتضح بملاحظة ما يأتي من عناوين...
 
ضرورة وجود الإمام
 
الكلام في ضرورة وجود الإمام يتحقّق ببيان أمرين:
 
1- ذكرنا فيما سبق أنّ تحقيق الهدف من خلق الإنسان مرتبط بهدايته بواسطة الوحي، وقد اقتضت الحكمة الإلهيّة بعثة أنبياء عليهم السلام يعلّمون البشر طريق السّعادة في الدّنيا والآخرة وهدايتهم للطّريق القويم، وصراط الحقّ المستقيم، وكذلك تربية الأشخاص المؤهّلين وإيصالهم لآخر مرحلة كماليّة يمكنهم الوصول إليها، وكذلك القيام بتنفيذ الأحكام والتّشريعات الاجتماعيّة الدّينيّة فيما لو توفّرت الظّروف الاجتماعية المناسبة لذلك.
 
2- تقدّم أنّ الدّين الإسلامي دين عالميّ وخالد، لا يُنسخ ولا يأتي بعد نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم نبيّ آخر، ولا يتوافق ختم النّبوّة مع الحكمة من بعثة الأنبياء عليهم السلام، إلّا إذا كانت الشّريعة السماويّة الأخيرة مستجيبة لجميع 
 
220

181

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 الاحتياجات البشريّة، إضافة إلى ضمان بقائها حتّى نهاية العالم. وقد توفّر القرآن الكريم على هذا التّكفّل والضّمان، فقد تعهّد الله تعالى بحفظ هذا الكتاب العزيز من كلّ تغيير وتحريف، إلّا أنّه لا يتأتّى استفادة جميع الأحكام والتّعاليم الإسلاميّة من ظواهر الآيات الكريمة.

 

مثلاً، لا يمكن التّعرُّف من القرآن الكريم على عدد ركعات الصلاة، وطريقة أدائها، والكثير من الأحكام وتفصيلاتها المرتبطة بها. وليس القرآن الكريم في مقام بيان تفاصيل الأحكام والتّشريعات، بل وضع مهمّة بيانها على عاتق النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، من خلال العلم الّذي وهبه الله تعالى له (غير الوحي القرآني) ومن هنا تثبت حجيّة سنّة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم 1واعتبارها كمصدر من المصادر الأصيلة لمعرفة الإسلام.

 

إلّا أنّ الظّروف الصّعبة الّتي عاشها النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الدعوة، وسنوات الحصار في شعب أبي طالب، ثمّ عشرة أعوام من القتال مع أعداء الإسلام، لم تسمح له ببيان جميع الأحكام والتّشريعات الإسلاميّة للنّاس كافّة. وحتّى ما تعلّمه الأصحاب، لا يوجد ما يضمن الحفاظ عليه، فقد اختلف في طريقة وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم، بالرّغم من أنّها كانت بمرأى من المسلمين لسنوات طويلة. فإذا كانت أحكام هذا العمل معرّضة للاختلاف- وهو عمل يحتاجه جميع المسلمين ويمارسونه يوميّاً، مع عدم وجود دوافع للتّحريف والتّغيير العمدي فيه- فإنّ خطر الخطأ والاشتباه في النّقل، والتّحريفات المتعمّدة أشدّ وأكثر في مجال الأحكام الدقيقة، وخاصّة تلك الأحكام والتّشريعات الّتي تصطدم مع أهواء بعض الأفراد، وأطماع بعض الجماعات ومصالحهم2.

________________________________________

1- ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة: الآية 151، وانظر أيضاً السور التالية: آل عمران: 461، والجمعة: 2، والنحل: 44، و46، والأحزاب: 12، والحشر: 7.

2- ذكر العلامة الأميني قدس سره في كتابه الغدير أسماء سبعمئة من الوضّاعين للأحاديث، ونسب لبعضهم أنه وضع ما يناهز مئة ألف حديث، يراجع الغدير، ج5، ص 802، وما بعدها.

 

221

 

 

182

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 الأدلّة العقلية على عصمة الإمام وعلمه

 
ومن خلال هذه الملاحظات يتّضح أنّه يمكن طرح الدّين الإسلامي كدين كامل وشامل يستجيب لكلّ الاحتياجات ولجميع البشر، حتّى نهاية العالم، فيما لو افترض وجود طريق لتوفير المصالح الضّروريّة للأمّة في داخل الدّين نفسه، تلك المصالح الّتي يمكن أن تتعرّض للتّهديد والتّدمير مع وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا يتمثّل هذا الطّريق إلّا في تعيين الخليفة الصّالح للرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، هذا الخليفة الّذي يملك العلم الموهوب من الله، ليُمْكنه بيان الحقائق الدّينيّة بكلّ أبعادها وخصوصيّاتها، ويتمتّع بملكة العصمة، حتّى لا يخضع لتأثير الدّوافع النفسانيّة والشّيطانيّة، وحتّى لا يرتكب التّحريف العمدي في الدّين، وكذلك يمكنه القيام بالدّور التّربوي الّذي كان يمارسه النّبيّ، سيّما مع الأفراد المؤهّلين، ولإيصالهم إلى أرفع درجات الكمال. وكذلك- حين تتوفّر الظّروف الاجتماعيّة الملائمة- يتصدّى للحكومة وتدبير الأمور العامّة في الأمّة الإسلاميّة، وتنفيذ التّشريعات الاجتماعية الإسلاميّة، وتطبيقها ونشر الحقّ والعدالة في العالم.
 
والحاصل: إنّ ختم النّبوّة إنّما يكون موافقاً للحكمة الإلهيّة فيما لو اقترن بتعيين الإمام المعصوم، هذا الإمام الّذي يمتلك خصائص نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم كلّها عدا النّبوّة والرّسالة. 
 
وبذلك تثبت ضرورة وجود الإمام، وكذلك ضرورة توفّره على العلم الموهوب من الله، ومقام العصمة، ولزوم تعيينه ونصبه من قبل الله، تعالى لأنّه عزَّ وجلَّ وحده الّذي يعرف الشّخص الذي أُفيض عليه هذا العلم والعصمة، وهو الّذي يملك حقّ الولاية على عباده أصالة، ويمكنه منح مثل هذا الحقّ في درجة أدنى لأفراد يتمتّعون بشروط معيّنة.
 
فإذاً، كما حَكَمَ العقل بلزوم عصمة النّبيّ وغيرها من الصّفات الكماليّة، 
222

183

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

 يحكم أيضاً بضرورتها لكلّ من يتولّى وظائف وأدوار النّبيّ، عدا الصّفات المختصّة به كنبيّ وذلك كالوحي الّذي ثبت أنّه لا يكون إلا للنبيّ دون غيره ولو كانوا أصحاب عصمة.

 

عثرات الخلفاء عند السنّة

 

وممّا يلزم التأكيد عليه، أنّ غير الشيعة لا يقولون بمثل هذه الخصائص لأيّ خليفة من الخلفاء، فلا يدّعون نصبه وتعيينه من الله تعالى والنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا توفّر الخلفاء على العلم الموهوب من الله، ولا ملكة العصمة.

 

بل إنّهم نقلوا في كتبهم المعتبرة عثراتهم واشتباهاتهم وعجزهم عن الإجابة على أسئلة النّاس الدّينيّة. أمّا عثرات وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس، فهي أوضح من أن تذكر، ويعرفها كلّ من له أدنى اطّلاع على تاريخ المسلمين. والشّيعة وحدهم الّذين يعتقدون بوجود الشّروط الثّلاثة في الأئمّة الاثني عشر من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ويثبت ممّا ذكرنا صحّة اعتقادهم في مسألة الإمامة، ولا يحتاج ذلك للأدلّة الموسّعة والمفصّلة، ومع ذلك ستتمّ الإشارة في الدّرس القادم إلى بعض الأدلّة المقتبسة من الكتاب والسّنّة.

 

الإمامة منزلة الأنبياء عليهم السلام

 

ورد عن الإمام الرّضا عليه السلام في مقطع من رواية عبد العزيز عنه عليه السلام: "إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء عليهم السلام وإرث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله عزَّ وجلَّ، وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين، وميراث الحسن والحسين عليهم السلام، إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النّامي، وفرعه السّامي، بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصّيام والحجّ، والجهاد، وتوفير الفيء، والصّدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثُغور والأطراف. الإمام يُحلّ حلال الله، 

 

 

223

 

184

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

  ويحرّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة. الإمام كالشّمس الطّالعة للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار. الإمام البدر المنير، والسّراج الزّاهر والنّور السّاطع، والنّجم الهادي في غياهب الدّجى، والبيدِ القفارِ، ولججِ البحار3"ِ .

 
خلاصة الدرس 
 
نُثبت ضرورة وجود الإمام بالبيان التالي:
 
أ- الأنبياءعليه السلام أُرسلوا لهداية الناس وتربيتهم وللقيام بتنفيذ الأحكام والتشريعات إذا توفّرت الظروف.
 
ب- النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بُعث لهذه الأهداف وتميّز بأنّ رسالته عالميّة عامّة خالدة خاتمة، لا تُنسخ، ولا نبيّ بعد نبيّنا كما بيّنت الآيات والروايات. 
 
فلا بدّ إذاً من وجود إمام يحمل مواصفات يستطيع من خلالها تكميل مهمّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
 
- ختم النبوّة إنّما يكون موافقاً للحكمة الإلهيّة فيما لو اقترن بتعيين الإمام المعصوم، هذا الإمام ينبغي أن يمتلك خصائص نبيّ الإسلام ما عدا النبوّة والرسالة.
 
- ينبغي أن يكون الإمام بتعيين الله تعالى واختياره، كما كان النبيّ مختاراً منه سبحانه، وكذلك ينبغي أن يتوفّر على العلم الموهوب من الله والعصمة عن الخطأ والذنب.
________________________________________
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 198- 203.
 
224

185

الدرس الخامس والعشرون: الحاجة لوجود الإمام

- السنّة لا يعتبرون في إمامهم ما تقوله الشيعة، ولذلك نرى أنّهم نقلوا في كتبهم عثرات الخلفاء.

 

أسئلة حول الدرس 

 

1- لماذا يعتبر الشّيعة الإمامة أصلاً عقائديّاً؟

 

2- بيّن فكرة ضرورة وجود الإمام.

 

3- متى يكون ختم النّبوّة موافقاً للحكمة الإلهيّة؟

 

4- اذكر الدليل العقلي على لزوم عصمة الإمام.

 

 

 

225

 

186

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام




أهداف الدرس:


1.أن يستذكر الطالب الدليل على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

2. أن يستذكر الدليل على إمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام

 
227
 

187

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 تمهيد

 
تقدّم في الدّرس السّابق أنّ ختم النّبوّة بدون نصب الإمام المعصوم وتعيينه مخالف للحكمة الإلهيّة، وأنّ إكمال الدّين الإسلاميّ العالمي الشامل والخالد مرتبط بتعيين الخلفاء الصّالحين بعد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمّا في هذا الدرس فسنتناول الآيات القرآنيّة والروايات الدالّة على هذا الأمر.
 
الدليل القرآني والروائي
 
ويمكن استفادة هذه الفكرة من الآيات القرآنيّة الكريمة والرّوايات الكثيرة الّتي نقلها الشّيعة وأهل السّنّة في تفسير هذه الآيات. 
 
1- منها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾1.
 
وقد اتّفق المفسّرون جميعاً على نزول هذه الآية في حجّة الوداع، أي قبل وفاة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم بعدّة أشهر، وبعد أن تشير الآية ليأس الكفّار من إلحاق الضّرر بالإسلام ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ تؤكِّد إكمال الدّين في ذلك
 
 ________________________________________
1- سورة المائدة، الآية: 3.
229

188

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 اليوم، وإتمام النّعمة. ومع ملاحظة الكثير من الرّوايات الواردة في شأن نزول هذه الآية، يتّضح جلياً أنّ الإكمال والإتمام الّذين اقترنا بيأس الكفّار من إلحاق الضّرر بالإسلام، إنّما تحقّقا بنصب خليفة للنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الله تعالى، وذلك لأنّ أعداء الإسلام كانوا يتوقّعون بقاء الإسلام بدون قائد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وخاصّة مع عدم وجود الأولاد الذّكور للرّسول صلى الله عليه وآله وسلم- وبذلك يكون معرضاً للضّعف والزّوال، بيد أنّ الإسلام قد بلغ كماله بتعيين خليفة للنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فتمّت بذلك النّعمة الإلهيّة وانهارت أطماع الكافرين وآمالهم2. وقد تمّ هذا التّعيين حين رجوع النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع. فقد جمع الحجّاج كلّهم في موضع يقال له (غدير خم)، وخلال إلقائه خطبته الطّويلة عليهم، سألهم: "ألست أولى بكم من أنفسكم"3 قالوا: "بلى" ثمّ أخذ بيد عليّ عليه السلام ورفعها أمام النّاس وقال: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، وبهذا أثبت للإمام عليه السلام الولاية الإلهيّة فبايعه جميع الحاضرين، ومنهم الخليفة الثّاني الّذي هنّأه بقوله: "بخْ بخْ لك يا عليّ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة"4.

 

وعقيب هذا التنصيب الإلهي نزلت الآية الشريفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾، فكبّر الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "تمام نبوّتي وتمام دين الله ولاية عليّ بعدي".

 

وورد في رواية نقلها أحد علماء أهل السّنّة الكبار (الحمويني): "فقام أبو بكر وعمر وقالا: يا رسول الله هذه الآيات خاصّة في عليّ عليه السلام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة، قالا: يا رسول الله بينّهم لنا، فقال:

 

"عليّ أخي ووزيري ووارثي ووصيّي وخليفتي في أمّتي، ووليّ كلّ مؤمن من

________________________________________

2- للتوسع أكثر حول دلالة هذه الآية يراجع تفسير الميزان، ج 5، ص 156 وما بعدها، المصحّح.

3- يشير بذلك للآية (6) من سورة الأحزاب ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴾.

4- للتأكد من قطعيّة سند الحديث ودلالته يراجع عبقات الأنوار والغدير.

 

230

 

 

189

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

  بعدي، ثمّ ابني الحسن، ثمّ ابني الحسين، ثمّ تسعة من ولد ابني الحسين، واحداً بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتّى يردوا علي الحوض"5.

 
ويستفاد من روايات عديدة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان مأموراً قبل ذلك بالإعلان الرسمي عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام على الرأي العامّ، لكنّه كان يخشى حمل النّاس مثل هذا العمل منه على رأيه الشّخصي، واتهامه أنّه ما كان تنصيب عليّ عليه السلام إلّا لقرابته منه صلى الله عليه وآله وسلم فيعرضون عنه ولا يتقبّلونه؛ ولذلك كان يبحث عن فرصة مناسبة، تتوفّر فيها ظروف الإعلان عن مثل هذا الحدث المهمّ والخطير، حتّى نزلت الآية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾6.
 
فمن خلال التّأكيد على ضرورة إبلاغ هذا النداء الإلهي- الّذي هو بمستوى كلّ النداءات الإلهيّة الأخرى، وعدم إبلاغه يساوي عدم إبلاغ الرّسالة الإلهيّة كلّها- قد بشّره الله بأنّه سيعصمه ويحفظه من جميع الآثار والمضاعفات المتوقّعة من هذا العمل الّذي سيزعج الكثير من الناس الّذين لا يريدون الخير للأمّة. وقد أدرك النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم- مع نزول هذه الآية- حصول الزّمان المناسب للقيام بهذه المهمّة، وليس من الصّالح تأخيرها، ومن هنا بادر في غدير خم للقيام بها7.
 
والملاحظ: أنّ ما يختصّ بهذا اليوم هو الإعلان الرسميّ عن هذا التّعيين أمام النّاس، وأخذ البيعة منهم، وإلّا فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد تعرّض مراراً خلال فترة رسالته لخلافة أمير المؤمنين عليه السلام وبأساليب وتعابير مختلفة.
________________________________________
5- غاية المرام، السيّد هاشم البحراني، الباب 58 الحديث 4، نقلاً عن الفرائد للحمويني.
6- سورة المائدة، الآية: 67، للتوسع أكثر حول دلالة الآية يراجع تفسير الميزان، ج6، ص 41 فما بعدها.
7- روى علماء أهل السنة الكبار هذه الواقعة عن سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم: زيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، ابن مسعود (الغدير، ج1).
231

190

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 2- ومنها حين نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾8 في بدايات البعثة، قال صلى الله عليه وآله وسلم لعشيرته: "فأيّكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون هو أخي ووصيّي وخليفتي فيكم" واتّفق الفريقان على إحجام القوم جميعاً إلّا عليّ بن أبي طالب وأنّه أوّل من استجاب9.

 

3- ومنها حين نزلت الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾10.

 

حيث فرض الله تعالى فيها إطاعة أولي الأمر بصورة مطلقة، واعتبر إطاعتهم بمستوى إطاعة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والروايات الدالة على ذلك كثيرة، نذكر منها:

 

أ- سأله جابر بن عبد الله من هم الّذين وجبت طاعتهم؟ أجاب صلى الله عليه وآله وسلم:

 

"هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر- ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السّلام- ثمّ الصّادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ"11.

 

وكما أخبر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقد بقي جابر حيّاً حتّى إمامة الباقر عليه السلام وأبلغه سلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وفي حديث روي عن أبي بصير أنّه قال: سألت أبا عبد الله الصّادق عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ 

________________________________________

8- سورة الشعراء، الآية: 214.

9- عبقات الأنوار، والغدير، والمراجعات، المراجعة 20.

10- سورة النساء، الآية: 59.

11- غاية المرام، ص 267، ج10(ط قديمة)، وإثبات الهداة، ج3، ص 123، وينابيع المودة، ص 494.

 

 

232

 

191

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 مِنكُمْ ﴾ فقال: "نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام، فقلت له: إنّ النّاس يقولون فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته في كتاب الله- عزَّ وجلَّ- قال: فقولوا لهم بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت عليه آيات الصّلاة فلم تذكر شيئاً عن الرّكعات الأربع أو الثّلاث وإنّما فسّرها لهم رسول الله، وكذلك حينما نزلت آية ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ فقال رسول الله: من كنت مولاه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإنّي سألت الله- عزَّ وجلَّ- أن لا يفرّق بينهما حتَّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم؛ إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يُدخلوكم في باب ضلالة"12.

 
ب- ومن الروايات الدالة على خلافتهم عليهم السلام ما كان يكرّره الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم مراراً في أواخر أيّام حياته: "إنّي تارك فيكم الثّقلين، كتاب الله وأهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض"13.
 
ج- وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "ألا إنّ مثلَ أهل بيتي فيكم مثلُ سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق"14 وقال مراراً مخاطباً علياً عليه السلام: "أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي"15 وعشرات من الأحاديث الأخرى 16، لا يسمح المجال لذكرها. وكلّها تدلّ على أحقيّته بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وبعد كلّ ما ذكر - وهو قليل بالنسبة لما لم يذكر- لا يبقى أمام الباحث عن الحقيقة إلّا الإذعان والإقرار بما قامت عليه الأدلّة العقليّة، والنقليّة من آيات وروايات.
________________________________________
12- غاية المرام، السيّد هاشم البحراني، ص 265، ح3، ط القديمة.
13- وهذا الحديث من الاحاديث المتواترة أيضا، وقد رواه عن الرسول وبطرق عديدة، جماعة من كبار علماء أهل السنة أمثال: الترمذي والنسائي وصاحب المستدرك.
14- مستدرك الحاكم، ج3، ص 151.
15- م.ن.، ج3، ص 134، وص111، وصواعق ابن حجر، ص 103، ومسند ابن حنبل، ج1، ص 331، وج4، ص 438. الخ.
16- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، وبحار الأنوار للعلّامة المجلسي.
 
233

192

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 معنى الإمامة من كلام المعصوم عليه السلام

 
يقول الإمام الرضا عليه السلام: "هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجور فيها اختيارهم؟! إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها النّاس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النّبوّة، والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا{ فقال الخليل عليه السلام:- سروراً بها- ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصّفوة، ثمّ أكرمه الله عزَّ وجلَّ بأن جعلها في ذريّته أهل الصّفوة والطّهارة فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾17 فلم يزل في ذريّته يرثها بعض عن بعض حتَّى ورثها النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾18 فكانت له خاصّة فقلّدها صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً بأمر الله عزَّ وجلَّ على رسم ما فرضها الله عزَّ وجلَّ، فصارت في ذريّته الأصفياء الّذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 19 فهي في ولد عليّ عليه السلام خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟!"20.
________________________________________
17- سورة الأنبياء، الآيتان: 72 ـ73.
18- سورة آل عمران، الآية: 68.
19- سورة الروم، الآية: 56.
20- عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج1، ص217.
 
234

193

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 خلاصة الدرس

 
- قد تبيّن ضرورة تعيين إمام من قِبَل الله تعالى، ويوجد في القرآن الكريم والروايات أدلّة على هذا التعيين:
 
من القرآن الكريم 
 
1- ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾21.
 
فهذه الآية نزلت تأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ تعيين الإمام علي عليه السلام خليفة بعده.
2- ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾22.

3- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾23.
 
من الروايات:
 
1- سأل جابر بن عبد الله الأنصاري من هم الذين وجبت طاعتهم في الآية السابقة، أجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر- ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام- ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ".
________________________________________
21- سورة المائدة، الآية: 67.
22- سورة الشعراء، الآية: 214.
23- سورة النساء، الآية: 59. 
 
235

194

الدرس السادس والعشرون: تعيين الإمام

 2- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض" وهذا حديث متواتر، رواه كثير من علماء السنّة.

 
3- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق".
 
أسئلة حول الدرس
 
1- ما هي الآية المرتبطة بتعيين الإمام؟ وبيّن دلالتها على ذلك.
 
2- بيّن الواقعة الّتي عُيّنَ فيها أمير المؤمنين عليه السلام إماماً.
 
3- لماذا أخّر النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الإعلان عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وكيف أقدم على هذا الأمر؟
 
4- أذكر الرّوايات الدّالة على إمامة سائر الأئمّة عليهم السلام؟
 
5- ما هو فرق إعلان الغدير عن غيره حتّى يخشى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه ما لم يخشه في غيره؟
 
236

195

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 الدرس السابع و العشرون: العصمة وعلم الإمام




أهداف الدرس:
 
1.أن يستذكر الطالب الدليل النقلي على عصمة الإمام.
2. أن يتعرف إلى شمولية علم الإمام.
 
 
237
 

196

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 تمهيد

 
تقدّمت الإشارة سابقاً- عند الكلام عن ضرورة الإمامة- إلى الدّليل العقلي على عصمة الأئمّة عليهم السلام، وسيتمّ عرض بعض الأدلّة النّقليّة في هذا الدّرس.
 
عصمة الإمام، في الآيات والروايات
 
لقد وردت جملة من الآيات والروايات الّتي تدلّ على عصمة الأئمّة وسيتمّ التعرّض لبعض منها:.
 
1- آية الابتلاء: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾1.
 
حيث نفى- سبحانه وتعالى- منح المناصب الإلهيّة ومنها الإمامة لأولئك الملوَّثين بالذنوب. وقد تقدّم الكلام حول دلالة الآية على الإمامة عند البحث عن عصمة الأنبياء.
________________________________________
1- سورة البقرة، الآية: 124.
 
239

197

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 2- آية التطهير:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾2.

 
إنّ الإرادة التشريعيّة الإلهيّة في تطهير العباد لا تختصّ ببعض البشر دون بعض، فإنّه تعالى أراد من جميع البشر ووجَّه خطابه لجميع الناس أن يعصموا أنفسهم، من خلال اتّباعهم للتّشريعات الإلهيّة -فالإرادة التشريعيّة عامّة وليست خاصّة بفئة وصنف من الناس. وبما أنّه تعالى في مقام التفضّل والامتنان وهما يقتضيان تخصيص المتفضّل والممتّن عليه بأمر معيّن، فيتعيّن كون الإرادة في الآية هي الإرادة التّكوينيّة الإلهيّة والّتي لا تقبل التخلّف، كما قال تعالى:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾3 وهي مختصّة بالنّبيّ وأهل البيت عليهم السلام.
 
والتّطهير المطلق ونفي كلّ رجس وقبيح يعني العصمة، ونحن نعلم أنّ كلّ المذاهب والفرق الإسلاميّة، لا تدّعي وجود العصمة في أيّ أحد من المنتسبين للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إلّا الشّيعة الّذين يعتقدون بعصمة الزهراء عليها السلام، والأئمّة الإثني عشر4 عليهم السلام.

الروايات المفسِّرة للآية
 
ويلزم علينا أن نؤكِّد أنّ هناك أكثر من سبعين رواية، ورد أكثرها عن علماء أهل السّنّة، تدلّ على أنّ هذه الآية الشّريفة نزلت في شأن "الخمسة الطّيبين"5 ، أي: النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام وفاطمة عليها السلام والحسن والحسين عليهما السلام، وقد نقل الشّيخ الصّدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا عليّ هذه الآية نزلت فيك وفي سبطيّ والأئمّة من ولدك، قلت: يا رسول الله وكم الأئمّة
________________________________________
2- سورة الأحزاب، الآية: 33.
3- سورة يس، الآية: 82.
4- لمزيد من التوضيح حول هذه الآية يراجع تفسير الميزان وكتاب (الإمامة والولاية في القرآن الكريم).
5- غاية المرام، السيّد هاشم البحراني، ص 287-293.
 
240

198

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

  من بعدك؟ قال: أنت يا عليّ، ثمّ ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين عليّ ابنه، وبعد عليّ محمّد ابنه، وبعد محمّد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى عليّ ابنه، وبعد عليّ محمّد ابنه، وبعد محمّد عليّ ابنه، وبعد عليّ الحسن ابنه، وبعد الحسن ابنه الحجّة. هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش فسألت الله- عزَّ وجلَّ- عن ذلك فقال:يا محمّد هم الأئمّة بعدك مطهّرون معصومون وأعداؤهم ملعونون"6 .

 
ويكفي من الرّوايات حديث الثّقلين الّذي قرن فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت والعتّرة مع القرآن الكريم، وأكَّد عدم افتراقهما أبداً، وهو دليل واضح على عصمتهم، وذلك؛ لأنّ ارتكاب المعصية- حتّى لو كانت صغيرة، وإن صدرت سهواً- يعني الافتراق العملي عن القرآن. مع أنّ الحديث يؤكِّد عدم الافتراق مطلقاً.
 
علم الإمام

مصادر علم الإمام
 
إنّ مصادر علوم الأئمة متنوّعة ومتعدّدة، منها:
 
1- إنّ أهل بيت النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد اقتبسوا وتزوّدوا من علومه صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من غيرهم، وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم في حقّهم: "لا تعلِّموهم فإنّهم أعلم منكم" 7، وخاصّة أمير المؤمنين عليه السلام الّذي ترعرع ونشأ في أحضان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ طفولته، ولازمه حتّى آخر لحظات عمره الشريف، وكان يغترف دائماً ويتزوّد من علوم النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في حقّه: "أنا مدينة العلم وعليّ بابها"8.
 
ونقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّمني ألف باب، وكلّ 
________________________________________
6- غاية المرام، السيّد هاشم البحراني، ص 293، ح 6.
7- الكافي،الشيخ الكليني، ج 1، ص 294.
8- مستدرك الحاكم، ج 3، ص 226، ومن الجدير بالذكر أنّ أحد علماء أهل السنّة ألّف كتابا اسمه (فتح الملك العلي بصحّة حديث مدينة العلم علي) وطبع في القاهرة كتبه سنة 1354هـ.
 
241
 

199

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 باب يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلّمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب"9. ولكنّ علوم أئمّة أهل البيت عليهم السلام لا تنحصر بما سمعوه من النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة أو بدون واسطة، بل هناك طرق أخرى..

 
2- إنّهم عليهم السلام كانوا يتمتّعون أيضاً بنوع من العلوم غير العاديّة الّتي تفاض عليهم من طريق (الإلهام) أو (التّحديث)10 ، كالإلهام الّذي حصل للخضر وذي القرنين11 ، ومريم وأمّ موسى عليهم السلام 12، وقد عبّر في القرآن الكريم عن بعضها ب- (الوحي) وليس المقصود وحي النّبوّة، وبمثل هذا العلم بلغ بعض الأئمّة الأطهار عليهم السلام مقام الإمامة في فترة طفولتهم، وحيث كانوا يعلمون بكلّ شيء، لم يحتاجوا للتّعلم والدّراسة عند الآخرين.
 
الأدلة على التحديث
 
وتستفاد هذه الحقيقة من روايات كثيرة نقلت عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام أنفسهم- حيث ثبتت حجّيّتها بملاحظة عصمتهم. 
 
منها: ما رواه ابن المغازلي الشّافعي عن عبد الله بن عطاء: قال كنت عند أبي جعفر (الإمام الباقر عليه السلام) جالساً إذ مرّ علينا ابن عبد الله بن سلام13 قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الّذي عنده علم الكتاب، قال: "لا ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾14 ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾15 ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ 
________________________________________
9- ينابيع المودّة، ص 88، والكافي، ج1، ص 296.
10- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 264 وص 270.
11- سورة الكهف، الآيات: 65-98، والكافي، ج1، ص 268.
12- ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ سورة آل عمران، الآية: 42، وانظر أيضاً في السور التالية: مريم: 17-21، طه: 38، القصص: 7.
13- وعبد الله من علماء أهل الكتاب وقد أعلن إسلامه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
14- سورة الرعد، الآية: 43.
15- سورة هود، الآية: 17.
 242
 

200

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ 16"17. فثبت من خلال الرّواية أنّ عليّاً عليه السلام عنده علم الكتاب فهو يمتلك المقام الرّفيع كذلك.

 

وتتّضح لنا أهميّة التّوفّر على (علم الكتاب) حينما نتأمّل في حكاية سليمان عليه السلام وإحضار عرش بلقيس لديه، الّتي ذكرها القرآن الكريم: }قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾18.

 

ويُستفاد من هذه الآية أنّ التّعرّف على (بعض) علم الكتاب له مثل هذه الآثار المدهشة، ومن هنا يمكن أن ندرك الآثار الكبيرة للتّعرّف على (جميع) علم الكتاب. وقد أشار لهذه الملاحظة الإمام الصّادق عليه السلام في حديث رواه سدير عنه:


"يا سدير: ألم تقرأ القرآن، قلت: بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ قال، قلت: جعلت فداك قد قرأته19 ، قال عليه السلام: فهل عرفت الرّجل؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت أخبرني به، قال: قطرة من الماء في البحر الأخضر. ثمّ قال عليه السلام: ﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾20 قلت: قد قرأته، قال عليه السلام: أفمن عنده علم الكتاب كلّه أَفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا بل من عنده علم الكتاب كلّه، قال: فأومأ بيده إلى صدره، وقال عليه السلام: علم الكتاب والله كلّه عندنا، علم الكتاب والله كلّه عندنا"21.

________________________________________

16- سورة المائدة، الآية: 55.

17- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 35، ص200.

18- سورة النمل، الآية: 40.

19- ويلزم أن نعلم بأنّ المراد من علم الغيب المختصّ بالله تعالى، هو العلم الّذي لا يحتاج لتعلّم، كما أجاب به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عمّن سأله عن علمه بالغيب، "إنّما هو تعلّم من ذي علم" وإلّا فإنّ جميع الأنبياء و كثير من أولياء الله مطّلعون على بعض العلوم الغيبيّة بواسطة الوحي أو الإلهام. و من العلوم الغيبية الّتي لا يشك فيها أحد هذا النبأ الغيبيّ الذي ألهم لأمّ موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ سورة القصص: الآية 7.

20- سورة الرعد، الآية:43.

21- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 257، طبعة دار الكتب الإسلامية.

 

243

 

 

201

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 علم الإمام في كلام الإمام عليه السلام

 
يوجد جملة من الرّوايات الواردة حول علوم أهل البيت عليهم السلام.
 
- ففي حديث طويل عن الإمام الرّضا عليه السلام يقول فيه: "وإنّ العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يَعْيَ بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصّواب، فهو معصوم مؤيّد، موفّق مسدّد، قد أمن من الخطايا والزّلل والعثار، يخصّه الله بذلك ليكون حجّة على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فهل يقدّمون على مثل هذا فيختارونه، أو يكون مختارهم بهذه الصّفة فيقدّمونه"22.
 
- وعن الحسن بن يحيى المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: أخبرني عن الإمام إذا سئل كيف يجيب؟ فقال: "إلهام، وسماع، وربما كانا جميعاً"23.
 
- وفي رواية أخرى عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: "أيّ إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجّة لله على خلقه"24.
 
- وفي عدّة روايات عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال فيها: "إنّ الإمام إذا شاء أن يعلم علم"25.
 
- وورد عنه عليه السلام أيضاً في روايات عديدة أنّه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ قال: "خلق من خلق الله عزَّ وجلَّ أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويسدّده وهو مع الأئمّة من بعده"26.
 
ورد عن الإمام الرّضا عليه السلام: (في مقطع من رواية عبد العزيز): "الإمام 
________________________________________
22- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 198- 203.
23- بحار الانوار، العلّامة المجلسي، ج 26، ص 58.
24- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 258.
25- م.ن، ج 1، ص 258 وفي رواية (اعلم) بلا عن (علم) وفي الأخرى (علمه الله بذلك).
26- م.ن، ج 1، ص 273.
 
 
244 
 

202

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 المطهّر من الذّنوب، المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم، مرسوم بالحلم، نظام الدّين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل ولا نظير"27.

 
خلاصة الدرس
 
- بالإضافة إلى الدليل العقلي على علم الإمام هناك أدلّة قرآنيّة وروائيّة. 
 
منها:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾28. وهناك روايات توضّح المقصود من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس بأنّهم أهل الكساء بالإضافة إلى ولد الحسين عليه السلام المعصومين عليه السلام. 
 
ومنها: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾29 . حيث نفت الآية الإمامة عن الظالمين الملوّثين بالذنوب.
 
ويكفينا حديث الثقلين الذي قرن فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت مع القرآن الكريم، وأكّد عدم افتراقهما أبداً، وهو دليل على عصمتهم.
 
- إن مصادر علوم الأئمّةعليه السلام متعدّدة، منها:
 
1- أنّهم اقتبسوا من علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخصوصاً الإمام علي ّعليه السلام؛ باب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
 
2- العلم اللدنّي من الله تعالى بالإلهام والتحديث.
________________________________________
27- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 198-203.
28- سورة الأحزاب، الآية: 33.
29- سورة البقرة، الآية: 124.
245

203

الدرس السابع والعشرون: العصمة وعلم الإمام

 - هناك روايات كثيرة نُقلت عن الأئمّة عليه السلام تُشير إلى مدى علمهم الواسع وإلهامهم، كما عن الإمام الصادقعليه السلام: "علم الكتاب والله كلّه عندنا، علم الكتاب والله كلّه عندنا"، وعنه عليه السلام: بعدما سأله أحدهم عن الإمام إذا سُئل كيف يُجيب؟ فقال عليه السلام: "إلهام، وسماع، وربما كانا جميعاً".

 
أسئلة حول الدرس
 
1- أذكر آية التطهير، وكيفيّة دلالتها على العصمة.
 
2- ما هي أنواع علم الإمام، واذكر شواهد؟
 
3- ما هي الآثار المترتّبة على من يعلم علم الكتاب، واذكر الآيات الدالّة عليها.
 
 
246

 


204

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 الدرس الثامن و العشرون: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف



أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب الدليل إلى معنى الحكومة العالمية.
2. أن يستذكر آية تتحدث عن الوعد الإلهي.
3. أن يتعرف إلى معنى غيبة الإمام عجل الله فرجه الشريف.
 
247

205

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 تمهيد

 
لقد رويت أحاديث كثيرة من قبل الشّيعة وأهل السّنّة عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أشير في بعضها إلى عدد الأئمّة فحسب، وأضيف في بعضها الآخر أنّهم جميعاً من قريش، وفي بعض آخر ذكر أنّهم بعدد نقباء بني إسرائيل، وجاء في جملة منها أنّ تسعة منهم من أولاد الإمام الحسين عليه السلام، وأخيراً فإنّ بعض الرّوايات ذكرت أسماءهم واحداً تلو الآخر، وبعضها منقول عن أهل السّنّة، وهي متواترة من طرق الشّيعة1.
 
وقد رويت أحاديث كثيرة من طرق الشّيعة حول إمامة كلّ واحد من الأئمّة الأطهار عليهم السلام، لا يسمح المجال لذكرها في هذا الموجز2. ولذلك نخصّ البحث في موضوع الإمام الثاني عشر صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ومراعاة للإيجاز سيحصر البحث حول أهمّ الملاحظات.
________________________________________
1- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، ط 3، ص10-140.
2- راجع: بحار الأنوار، وغاية المرام، وإثبات الهداة وسائر كتب الحديث.
 
249

206

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 الحكومة الإلهيّة العالميّة


لقد حاول الأنبياء العظام عليهم السلام تشكيل مجتمع مثاليّ قائم على أساس عبادة الله والقيم والتّعاليم الإلهيّة، ونشر العدل والقسط في الأرض كلّها، وقد خطا كلّ واحد منهم- بحسب وسعه- خطوة في هذا السّبيل، وقد تمكّن بعضهم من إقامة دولة إلهيّة في منطقة أو مرحلة زمنيّة معيّنة، ولكن لم تتوفّر لأيّ منهم الظّروف والشّروط المناسبة لإقامة الحكومة الإلهيّة العالميّة.
وممّا ينبغي الإشارة إليه هو أنّ عدم توفّر مثل هذه الظّروف والشّروط المناسبة لا يعني قصور تعاليم الأنبياء عليهم السلام ومناهجهم وأساليبهم، أو النّقص والتقصير في تبليغهم وإدارتهم وقيادتهم، وكذلك لا يعني عدم تحقّق الهدف الإلهيّ من بعثتهم. إذ- وكما أشرنا إلى ذلك- إنّ الهدف الإلهيّ هو: توفير الأجواء والظّروف المناسبة لحركة البشر الاختياريّة ومسيرتهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾3. جبر النّاس وقهرهم على اعتناق الدّين الحقّ دون اختيار منهم ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾4 ، وهذا المقدار من الهدف قد تحقّق بقيام كلّ منهم بوظيفته على أكمل وجه.
 
ولكنّ اللهَ تعالى وعد- في كتبه السّماوية- بإقامة الحكومة الإلهيّة على الأرض كلّها، ويمكن اعتبار ذلك نوعاً من الإنباء بالغيب بالنّسبة لتوفّر الأجواء المناسبة في المستقبل لتقبّل الدّين الحقّ، على نطاق واسع من المجتمع البشري، وحيث تتحقق على أيدي أشخاص متميزين- وبمعونة الإمدادات الغيبيّة الإلهيّة- إزالة العقبات والحواجز الّتي تحول دون إقامة الحكومة العالميّة، ونشر العدل والقسط في المجتمعات المظلومة والمستضعفة، والّتي ضاقت ذرعاً بجور
________________________________________
3- سورة النساء، الآية: 165.
4- سورة البقرة، الآية: 256.
250

207

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

  الظّالمين، ويئست من كلّ المبادئ والأنظمة الحاكمة، ويمكن اعتبار ذلك هو الهدف النّهائي لبعثة خاتم النّبيّين صلى الله عليه وآله وسلم، ودينه العالميّ والخالد، وذلك لأنّ الله قال في حقّه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِِ﴾5.

 
وبما أنّ الإمامة متمّمة للنّبوّة، ومحقّقة لحكمة ختم النّبوّة، فيتوصّل- على ضوء ذلك- إلى هذه النّتيجة، وهي: أنّ هذا الهدف سيتحقّق بواسطة الإمام الأخير وهو المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذه الفكرة قد ذكرت في روايات متواترة.
 
وُيشار هنا إلى آيات من القرآن الكريم، تتضمّن البشارة والوعد بإقامة هذه الدّولة العالميّة، وبعد ذلك تُعرض نماذج من الرّوايات المرتبطة بهذا الموضوع.
 
الوعد الإلهي
 
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾6.
 
وقد ورد هذا الوعد الإلهيّ في عدّة آيات، ومما لا يقبل الشّكّ أنّه سيأتي اليوم الّذي يتحقّق فيه هذا الوعد الإلهيّ. ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾7.
 
وهذه الآية- وإن وردت في شأن بني إسرائيل واستيلائهم على زمام الأمور بعد تخلّصهم من قبضة الفراعنة- ولكن هذا التعبير (ونريد) يشير إلى إرادة إلهيّة مستمرّة، ولذلك طبقت في الكثير من الرّوايات على ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف8.
 
وقد خاطب تعالى- في موضع آخر- المسلمين بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا 
________________________________________
5- راجع السور التالية: التوبة: الآية 33، والفتح: 28، والصف: 9، وراجع: بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 51، ص 50، ح 22، وص 60، ح 58 و 59.
6- سورة الأنبياء، الآية: 105.
7- سورة القصص، الآية: 5.
8- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 51، ص 54، ح 35، وص 63 و 64.
 
251

208

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾9.

 

وجاء في بعض الرّوايات، أنّ المصداق الكامل لهذا الوعد سيتحقّق في زمان ظهور الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف بصورة كاملة10. وهناك روايات أخرى طبّقت بعض الآيات على الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف11 ، نعرض عن ذكرها رعاية للاختصار والإيجاز12.

 

المهدي ّعجل الله تعالى فرجه الشريف في روايات أهل السُنّة

 

إنّ الرّوايات الّتي نقلها الشّيعة وأهل السّنّة عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حول الإمام المهديّعجل الله تعالى فرجه الشريف تفوق حدّ التّواتر، بل إنّ الروايات الّتي نقلها أهل السّنّة وحدها تبلغ حدّ التّواتر، باعتراف جماعة من علمائهم13. وقد اعتبر جماعة منهم أن الاعتقاد بالإمام الغائب مما اتّفقت عليه الفرق الإسلاميّة جميعاً 14، وألَّف بعضهم كتباً ومؤلّفات حول الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف15، وعلامات ظهوره، نذكر هنا بعضها:

 

- من الرّوايات العديدة الّتي رووها عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لو لم يبق من الدهر إلّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً"16.

________________________________________

9- سورة النور، الآية: 55.10- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 51، ص 58، ح 5، وص 54، ح 34 و 35.

11- أمثال هذه الآيات: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾سورة الأنفال، الآية: 39 و ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾سورة التوبة، الآية:33 و ﴿ بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾سورة هود، الآية: 86.

12- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 51، ص 44-64.

13- انظر: الصواعق المحرقة، لابن حجر، ص 99، ونور الأبصار، للشبلنجي، ص 155، وإسعاف الراغبين، ص 140، والفتوحات الإسلامية، ج 2، ص 211.

14- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 2، ص 535، وسبائك الذهب، للسويدي، ص 78، وغاية المأمول، ج 5، ص 362.

15- أمثال كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان) تأليف الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي الّذي عاش في القرن السابع، وكتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)تأليف المّتقي الهندي الّذي عاش في القرن العاشر.

16- صحيح الترمذي، ج2، ص 46، وصحيح أبي داود، ج 2، ص 207، ومسند ابن حنبل، ج 1، ص 378، وينابيع المودّة، ص 186 و285 و 440 و 488 و 490.

 

252 

 

 

209

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 - عن أمّ سلمة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "المهديّ من عترتي ومن ولد فاطمة"17.

 
- وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ عليّاً إمام أمّتي من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الّذي إذا ظهر يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً"18.
الغَيْبَة
 
تُعتبر الغَيْبَة من خصائص الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف والّتي ورد التّأكيد عليها في الرّوايات المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام منها:
 
ما رواه عبد العظيم الحسنيّ عن الإمام محمّد الجواد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "للقائم منّا غيبة أمدها طويل، كأنّي بالشّيعة يجولون جولان النّعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقسُ قلبه لطول غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة".
 
ثمّ قال: "إنّ القائم منّا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه"19.
 
- وروي عن الإمام السّجاد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: "وإنّ للقائم منّا غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، فلا يثبت على إمامته إلّا من قوي يقينه وصحّت معرفته"20.
________________________________________
17- إسعاف الراغبين، ص 431، نقلا عن صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي.
18- ينابيع المودّة، القندوزي، ص 494.
19- منتخب الأثر، ص 255.
20- م.ن، ص 251.
 
253

210

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 سرّ الغيبة ومغزاها

 
لقد حاول الحكّام الظالمون بعد وفاة النبي ّصلى الله عليه وآله وسلم تحريف المفاهيم والأحكام الدينيّة، بما يتوافق مع مصالحهم الشخصيّة، والّتي تحفظ لهم تسلّطهم على رقاب الناس، ومن هنا قام سائر الأئمّة الأطهار عليهم السلام بتثبيت الأصول العقائديّة وترسيخ ونشر المعارف والأحكام الإسلاميّة، وتربية النّفوس المؤهّلة وتهذيبها، وحيثما تسمح الظّروف، كانوا يحرّضون النّاس سرّاً على محاربة الظّالمين، والجبابرة والطّواغيت، ويزرعون فيهم الأمل بتحقّق الدّولة الإلهيّة العالميّة، إلّا أنّهم استشهدوا جميعاً واحداً بعد الآخر، ولم تتوفّر الظروف المناسبة لإقامة الدولة الإسلاميّة العادلة والموعودة.
 
وعلى كلّ حال، تمكّن الأئمّة الأطهار عليهم السلام خلال قرنين ونصف من عرض الحقائق الإسّلاميّة وبيانها للنّاس، بالرّغم من مواجهتهم الكثير من التّحدّيات والمشاكل والمتاعب الشّديدة، وقد أظهروا بعضاً منها للنّاس عامّة وبعضها الآخر أظهروه لخصوص شيعتهم وخواصّ أصحابهم، وبذلك انتشرت المعارف الإسلاميّة بمختلف أبعادها وجوانبها في الأمّة، وضمن ذلك بقاءَ الشرّيعة المحمّديّة، وقد تشكّلت- خلال ذلك- هنا وهناك في البلاد الإسلاميّة بعض الجماعات الّتي اندفعت لمحاربة الحكّام الجائرين، وأمكنهم- ولو بصورة محدودة- منع الجبابرة والطّواغيت من التّمادي في غيّهم وجورهم وعبثهم.
 
ولكن الّذي كان يُثير فزع الحكّام الظّالمين وقلقهم أكثر، هو الوعد بظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، الّذي كان يُهدّد وجودهم وكيانهم، ومن هنا فرض المعاصرون منهم للإمام الحسن العسكري عليه السلام رقابة مشدّدة عليه، ليقتلوا أيّ طفل يولد له، وقد استشهد الإمام عليه السلام نفسه بأيديهم، وهو في ريعان شبابه، ولكن
254

211

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 شاءت الإرادة الإلهيّة أن يولد المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنّ يُدّخر لخلاص البشريّة ونجاتها؛ ولهذا السّبب لم يوفّق للقائه خلال حياة أبيه- وحتّى الخامسة من عمره- إلّا أفراد قليلون من خواصّ الشّيعة، بيد أنّ الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ارتبط بالنّاس بعد وفاة أبيه، بواسطة نوّاب أربعة، كُلّفوا بمهمّة النّيابة الخاصّة21 ، واحداً بعد الآخر، وبعد ذلك بدأت (الغيبة الكبرى)، الّتي ستستمرّ إلى مدّة غير معلومة، حتّى اليوم الّذي يتمّ فيه إعداد البشريّة لتقبّل الحكومة الإلهيّة العالميّة، وامتلاك القدرة على إقامتها وحينئذ سيظهر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بأمر من الله تبارك وتعالى.

 

النتيجة

 

إذن فالسّرّ في غيبته عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الحفاظ عليه من أيدي الجبابرة والجائرين، وانتظار الظروف المؤاتية لتقبُّل البشريّة إقامة الحكومة الإلهيّة العالميّة، وامتلاك القدرة على إقامتها، وقد أشير في بعض الروايات إلى حِكَمٍ أخرى.

 

منها: امتحان النّاس واختبار مدى استقامتهم وثباتهم بعد إتمام الحجّة عليهم.

 

ومنها: أنّ بقاء الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف على قيد الحياة يُعتبر عاملاً قويّاً ومؤثّراً في زرع الطُّمأنينة وشيوع الأمل بين النّاس، ليحاولوا إصلاحَ أنفسهم وإعدادَها لظهوره.

 

فائدة وجود الامام عجل الله تعالى فرجه الشريف حال الغيبة

 

إنّ غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف لا تعني انقطاعه التامّ عن النّاس، ولا تستلزم حرمان النّاس من بركات وجوده، ونعمة هدايته، وإن كانت بدرجة أقلّ وآثار أضعف، وكما أشار الإمام نفسه إلى هذا الأمر بقوله عجل الله تعالى فرجه الشريف: "وأمّا وجه الانتفاع بي في

________________________________________

21- وهم: عثمان بن سعيد، ومحمد بن عثمان بن سعيد، والحسين بن روح، وعلي بن محمد السمري.

 

255

 

212

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

 غيبتي، فكالانتفاع بالشّمس، إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب"22 ، فإنّ الشّمس يستفاد من نورها وشعاعها وإن حجبتها الغيوم وإن كانت الفائدة أقلّ. وقد وُفِّق بعض الأشخاص للقاء الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف واستفادوا منه الكثير في قضاء حوائجهم، وتوجيههم فكريّاً وسلوكيّاً.

 
خلاصة الدرس
 
- إنّ هدف الأنبياء عليهم السلام إقامة العدل والقسط في الأرض كلِّها، وعدم تمكّن الأنبياء من تحقيق هذا الهدف لا يعني قصور تعاليمهم ومناهجهم وأساليبهم أو تقصيراً منهم؛ بل لعدم توفّر الظروف الموضوعيّة.
 
وممّا ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾23.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾24.
 
وجاء في بعض الروايات أنّ المصداق الكامل لهذا الوعد سيتحقّق في زمن ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بصورة كاملة.
 
- إنّ الروايات في الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف متواترة من طريق أهل السنّة فضلاً عن الشيعة، ومنها: "لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً".
 
 
- تُعتبر الغَيْبَة من خصائص الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والّتي ورد التأكيد عليها في
________________________________________
22- كمال الدين، الشيخ الصدوق، ص 485، الباب 45 ذكر التوقيعات، الحديث 4.
23- سورة الأنبياء، الآية: 105.
24- سورة النور، الآية: 55.
256

213

الدرس الثامن والعشرون: الإمام المهديّ (عج)

  الروايات، ومن أسرار الغَيْبَة:

 
أ- الحفاظ عليه من أيدي الجبابرة، وانتظار الظروف المؤاتية لنجاح مهمّته.
 
ب- امتحان الناس واختبارهم.
 
أسئلة حول الدرس
 
1- هل إنّ عدم تحقّق العدالة في الأرض ناتج عن قصور تعاليم الأنبياء عليهم السلام ولماذا؟
 
2- أذكر آية تدلّ على الوعد الإلهيّ بتحقّق العدالة، ومتى تتحقّق.
 
3- أذكر الأسرار والحكم من غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
 
4- أذكر روايتين حول وجود المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وروايتين حول غيبته؟
 
 
257

214

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 الدرس التاسع و العشرون: الإعتقاد بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف




أهداف الدرس:
 
1.أن يتبين الطالب حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
2. أن يستذكر الإجابة على التساؤلات المتعلقة بغيبة الإمام عجل الله فرجه الشريف.
 
259

215

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 تمهيد

 

بعدما تقدّم الكلام في جملة من أسرار الغيبة ومغزاها، وأنّ لها أسباباً أوجبتها، وأنّ الغيبة لم تكن نتيجة رغبة في الابتعاد عن مسرح الأحداث، بقدر ما كانت بسبب الناس أنفسهم، الّذين يجهلون حقيقة الإمامة ودور الإمام وبسبب قلّة الناصر للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف والمحامي عنه عليه السلام بحيث أصبح معرّضاً للقتل، مع العلم أنه المعصوم الوحيد المتبقّي القادر على القيام بدور القيادة الإلهية للمجتمع، لذلك وجب الحفاظ عليه لئلا تخلو الأرض من حجّة، فإنّ الأرض لا تستقرّ ولا تستمرّ من دون الارتباط بالله من خلال الحجّة كما جاء في الحديث الشريف: "لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها"1.

 

إضافة إلى أنّ الغيبة تدفع الناس للإحساس بالحاجة إلى وجود الإمام نتيجة إدراكهم للنقص الحاصل بسبب غيبته.

 

فتخلق فيهم دافعاً قويّاً، لتهيئة الظروف المناسبة لظهوره المبارك عجل الله تعالى فرجه الشريف ورفع الموانع الّتي تمنع من قيامه بنهضته العالمية إلّا أنّه- ومع كلّ ما تقدّم- لا بدّ من الإجابة على بعض التساؤلات المثارة حول الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

________________________________________

1- الرواية بمضمونها عن بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج57، ص213.

 

261

 

216

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 هل يمكن أن يعيش الإنسان هذا العمر الطويل؟

 
الجواب: 
 
1- إنّ مسألة طول عمر الإنسان ليست أمراً مستحيلاً عقلاً، وبالتالي فهي أمر ممكن وكلّ أمر ممكن مقدور لله تعالى- كما مرّ في بحث القدرة- فإذا أراد الله تعالى- وقد أراد2- أن يُطيل عمر إنسان فإنّه يطول، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾3.
 
2- لقد تعرّض القرآن الكريم والروايات الشريفة لذكر عدد من البشر الّذين أطال الله أعمارهم، ولقد حكم العقل واتفق العقلاء على أنّ الوقوع أدلّ دليل على الإمكان فمن آمن بالقرآن وتدبّره واطّلع على الروايات، وجب عليه الاعتقاد بأنّ طول العمر قد تحقّق لعدد من البشر، منهم:
 
أ- النبيّ نوح عليه السلام، حيث يقول تعالى:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾4.
 
وهذه الأعوام الطويلة عاشها نوح عليه السلام يدعو قومه بعد إرساله إليهم، وعاش بعد الطوفان مدّة مديدة.
 
ب- الخضر عليه السلام: وهو صاحب النبيّ موسى عليه السلام، الّذي تحدّث عنه المولى عزّ وجلّ بقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾5.
 
والخضر كان حيّاً قبل لقائه النبيّ موسى عليه السلام وكان صاحب علم جليل، ولا
________________________________________
2- وقد علمنا إرادته تعالى لإطالة عمر صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال الروايات المتواترة الّتي تقدّمت بالإشارة إليها.
3- سورة يس، الآية: 82.
4- سورة العنكبوت، الآية: 14.
5- سورة الكهف، الآية: 65- 66.
 
262
 

217

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

  زال حيّاً، وسيبقى حيّاً كما ذكرت جملة من الروايات، وقد عزّى الخضر عليه السلام أهل البيت عليه السلام بوفاة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم6.

 
وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "وأمّا العبد الصالح الخضر، فإنّ الله تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى، إنّ الله تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم ما يقدّر من عمر الخضر، وما قدّر في أيّام غيبته ما قدّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح من غير سبب يوجب ذلك إلّا لعلّة الاستدلال به على عمر القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، وليقطع بذلك حجّة المعاندين لئلّا يكون للناس على الله حجّة"7.
 
وبعد هذا البيان وما تقدّم من تواتر الروايات لا يبقى أمام طالب الحقيقة إلّا الإذعان لهذه الحقيقة الناصعة.
 
لماذا أطال الله عمره الشريف ولم ينصّب إماماً آخر غيره عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
 
والجواب:
 
1- أنّه إذا قام دليل قطعيّ على أمر ما وجب الاعتقاد به والتسليم له، بغض النظر عن معرفة الإنسان الباحث عن الحقيقة بالأسباب والغايات الّتي أوجبته، وإن كان هذا لا يمنع من محاولة البحث لمعرفة تلك الأسباب والحكم والغايات، على أن لا يكون إذعانه متوقّفاً على معرفتها.
 
وخاصّة أنّ أحد أركان الإيمان هو الاعتقاد والإيمان بأمور غيبيّة لا يتمكّن الإنسان من الاطلاع عليها بشكل مباشر، بل تتوقّف على ورود بيان شرعيّ فيها،
________________________________________
6- كمال الدين، الشيخ الصدوق، ص 291.
7- مكيال المكارم، محمد تقي الأصفهاني، ج 1، ص 171.
 
263

218

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

  قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾8. وإنّ الاعتقاد بوجود الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف أصبح من الغيب نتيجة غيبته، والإيمان به من جملة الإيمان بالغيب وهو من صفات المتقين.

 
وقد أجاب الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئل عن الآية المتقدّمة فقال عليه السلام: "المتّقون شيعة عليّ عليه السلام والغيب فهو الحجّة (الغائب) وشاهد ذلك قوله تعالى:﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ 9"10.
 
وفي كلام آخر للإمام الصادق عليه السلام حول المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: "يا بن الفضل إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّه عزّ وجلّ حكيم, صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف"11.
 
2- لقد تقدّمت الإشارة إلى أنّ العصمة وهي شرط أساس لتولّي منصب الإمامة ليست جبريّة، وبالتالي فإنّ المؤهّلين لمنصب الإمامة هم الأئمّة الاثنا عشر بعد النبيّصلى الله عليه وآله وسلم على حسب الترتيب المعروف، فلو فرض موت الإمام الثاني عشر- والعياذ بالله- فهذا يعني استحالة إقامة دولة العدل الإلهيّ الّتي وعد الله بها، وذلك لعدم وجود المؤهَّل لتحمّل هذا المنصب وبذلك ينتفي الغرض من بعثة الأنبياء والرسل عليه السلام.
 
إضافة إلى ما ذُكر في بداية الدرس من وجود ترابط دائم وعلاقة علّية بين وجود المعصوم - وهو الإنسان الكامل - وبقاء الكون، فإن لحظة انقطاع التواصل
________________________________________
8- سورة البقرة، الآية: 3.
9- سورة يونس، الآية: 2. 
10- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 52، ص 125.
11- م.ن، ص 91.
 
264

219

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

  بين الأرض والسماء، وبين عالم الشهود والغيب هي نفسها لحظة فناء الكون، فكان لا بدّ من بقاء الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف وإلّا لساخت الأرض بأهلها ولانتقض قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾12 ، ولانتفت الحجّة على الناس (ويمكن الرجوع إلى المطوّلات للاطلاع على أسباب أخرى لطول عمره الشريف).

 

متى يتحقّق ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

 

الجواب:

 

1- بما أنّ الغيبة لها أسباب وللظهور غايات وأهداف كما تقدّم، وعليه لا يمكن أن يتحقّق الظهور قبل ارتفاع الأسباب الّتي دفعت إلى غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولا بدّ من تحقّق الأرضيّة المناسبة والظروف الموضوعيّة الّتي تسمح بتحقّق الهدف، فعندما تُضمن سلامة الإمام من خلال اجتماع عدد يشكّل نواة لحركة الإمام، وهو عدد المسلمين في معركة بدر- أي ثلاثماية وثلاثة عشر- وعندما يقطع معظم الناس الأمل بإمكانيّة تحقيق العدالة على أيدي البشر العاديّين، فيتوسّلون تحقيق العدالة الإلهيّة على يدي رجل إلهيّ، حينئذ تكون الأسباب قد ارتفعت والأرضيّة قد تهيّأت، وأمّا متى يحصل هذا؟ فهو أمر تنحصر معرفته بالله تعالى، ولذلك ورد النهي الشديد، والتكذيب الأكيد على لسان النبيّصلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليه السلام- لكلّ من يحاول توقيت الظهور، فقد ورد في الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام: "لقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عليه السلام أنّ النبيّصلى الله عليه وآله وسلم قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريّتك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مثله مثل الساعة ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ 13"14.

________________________________________

12- سورة الرعد، الآية: 7.

13- سورة الأعراف، الآية:187.

14- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 51، ص 154.

 

265

 

 

220

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون وإلينا يصيرون"15 وغيرها من الروايات.

 
2- إنّ إخفاء الوقت له آثار إيجابيّة في دفع الإنسان للعمل والسعي والجدّ، وتربية نفسه وتهذيبها، ليكون مؤهّلاً وحاضراً عندما تأتيه الدعوة للخروج، ويسمع النداء- فتبقى بذلك قلوب المؤمنين مشتاقة لرؤيته ومهيئة لتقبّل دعوتهعجل الله تعالى فرجه الشريف.
 
وقد جاء في رسالة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف للشيخ المفيد: "فليعمل كلّ امرئ منكم بما يقرّبه من محبّتنا، ويتجنّب ما يُدنيه من كراهيتنا وسخطنا، فإنّ أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة ولا يُنجيه من عقابنا ندم على حوبة"16.

هل يوجد علامات للظهور؟
 
الجواب: نعم لقد وردت جملة من الروايات الّتي تستعرض بعض العلامات الّتي تسبق خروج الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف إلّا أنّه لا بدّ من الإشارة إلى:
 
1- إنّ العلامة هي مجرّد دليل على قرب الظهور، وليست سبباً للظهور بحيث يتوقّف عليها.
 
2- إنّ العلامة لا تدلّ بالضرورة على ملاصقة الظهور لها، فقد تكون علامة على عصر الظهور وليست علامة لتوقيته، وإن كان يوجد علامات تُشير إلى كون الظهور قريباً جدّاً- كما سيأتي ـ.
 
3- إنّ بعض العلامات بشكل عامّ وردت على شكل رموز، ولذلك يُخطئ من يحاول تطبيقها بشكل قاطع على حوادث ووقائع، فلا يفيد هذا التطبيق إلّا ظنّاً ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾17. 
________________________________________
15- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 368.
16- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 53، ص 176.
17- سورة النجم، الآية: 28.
266

221

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 4- يوجد علامات حتميّة الوقوع، ولكن يوجد أيضاً علامات غير حتميّة وقد يحصل البَداء فيها.

 
5- أن لا يتلهّى الإنسان بالعلامات ويقف عندها ويغفل عن الأمر المهمّ وهو السعي لتهذيب نفسه وتزكيتها وتهيئتها، ليكون أهلاً لصحبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، لأنّ هذا الّذي يحتاجه المؤمن لنفسه، ويطلبه منه إمامه عجل الله تعالى فرجه الشريف وبذلك تتحقّق إحدى فوائد جعل العلامات وبيانها.
 
وإليك بعض العلامات الواردة بشكل إجماليّ، وهي:
 
1- خروج الثلاثة: ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "خروج الثلاثة: السفيانيّ والخراسانيّ واليمانيّ في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها من راية أهدى من راية اليمانيّ لأنّه يدعو إلى الحقّ"18.
 
2- الرايات السود: ورد عن النبي ّصلى الله عليه وآله وسلم: "تنزل الرايات السود الّتي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بعثت إليه بالبيعة"19.
 
3- قتل النفس الزكية: ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "وليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكية إلّا خمس عشرة ليلة"20.
 
4- الخسف: ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "...يكون عند ثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب"21.
 
5- طلوع الشمس من المغرب: ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم"22.
________________________________________
18- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 52، ص 210.
19- م.ن، ج 52، ص 217.
20- الغيبة، الشيخ الطوسي، ص 445.
21- معجم أحاديث المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الكوراني، ج 1، ص 311، نقلها من جملة مصادر.
22- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 52، ص 289.
 
267

222

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 6- الصيحة في السماء: ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "ينادي مناد من السماء باسم القائم فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلّا استيقظ، ولا قائم إلّا قعد، ولا قاعد إلّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب"23.


الأجواء الفاسدة
 
بقيت الإشارة إلى الأجواء الفاسدة السائدة في الأمّة عصر الظهور، وذلك من خلال الرواية الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام: "...فإنّ علامات ذلك: إذا أمات الناس الصلاة وأضاعوا الأمانة، واستحلّوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرّشا... وباعوا الدين بالدنيا، واستعملوا السفهاء، وقطعوا الأرحام، واتبعوا الأهواء واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفاً، والظلم فخراً، وكان الأمراء فجرة، والوزراء ظلمة، والعرفاء خونة، والقرّاء فسقة، وظهرت شهادات الزور، واستعلن الفجور، وقول البهتان والإثم والطغيان... وكان زعيم القوم أرذلهم، واتُقي الفاجر مخافة شرّه، وصُدّق الكاذب واؤتمن الخائن، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر الأمّة أوّلها، وركبت ذوات الفروج السروج، وتشبّه النساء بالرجال، والرجال بالنساء..."24.
 
خلاصة الدرس
 
- أُثيرت تساؤلات عدّة حول غياب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف منها:
 
هل يُمكن أن يعيش الإنسان هذا العمر الطويل؟ والجواب:
 
1- مسألة طول عمر الإنسان ليست من المستحيلات العقليّة، والله قادر على كلّ شيء.
________________________________________
23- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 52، ص 203.
24- م.ن، ج 52، ص 193.
268

223

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 2- إنّ طول عمر الإنسان كما أنّه ممكن عقلاً هو واقعٌ خارجاً، كما في النبيّ نوح عليه السلام والخضر عليه السلام.

 
لماذا أطال الله عمر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ والجواب:
 
إنّه قام الدليل القطعي على الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإذا لم نعرف أسباب غيبته- فرضاً- هذا لا يدعونا إلى الإنكار، فالإيمان بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو أحد مصاديق الإيمان بالغيب. ثمّ إنّ إقامة دول الحقِّ تحتاج إلى المعصوم فلو فرض موت الإمام الثاني عشر فهذا يعني استحالة إقامة دولة الحقّ.
 
متى يتحقّق الظهور؟ 
والجواب: 
 
إنّ للظهور أسبابه الموضوعيّة فمتى حانت ظهر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بأمر الله تعالى. وأمّا إخفاء توقيت ظهوره المبارك ففيه فوائد منها: دفع الإنسان المؤمن للعمل والسعي وتربية نفسه لتتهيّأ لظهوره الشريف.
 
هل يوجد علامات للظهور؟ 
والجواب:
 
نعم وردت روايات تستعرض علامات لظهوره الشريف، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ العلامة دليل على قرب الظهور وليست سبباً، كم أنّها قد تكون علامة على عصر الظهور وليست علامة لتوقيت الظهور، ثمّ إنّ بعضها يُشكِّل رموز, لذلك قد يُخطئ بعض الناس في تطبيقها، وعلى الإنسان المؤمن أن لا يلتهي بالعلامات عن العمل للتمهيد للظهور المبارك.
 
- علامات الظهور منها حتميّ ومنها غير حتميّ قد يحصل البداء فيها، ومن العلامات: خروج السفياني والخراساني واليماني، الرايات السود من خراسان، قتل النفس الزكيّة، الخسف، الصيحة من السماء، انتشار الفساد.
 
269

224

الدرس التاسع والعشرون: الاعتقاد بالإمام المهدي (عج)

 أسئلة حول الدرس

 
1- ما هي فلسفة وعمر الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف الطويل؟
 
2- ما هو الهدف من إخفاء ساعة الظهور؟
 
3- عدّد بعضاً من علامات الظهور.
 
270

225

الدرس الثلاثون: المعاد

 الدرس الثلاثون: المعاد





أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب إلى أهمية الاعتقاد بالمعاد.
2. أن يتعرف إلى نتائج الاعتقاد بالمعاد.
3. أن يستذكر آية قرآنية عن المعاد.
 
271
 

226

الدرس الثلاثون: المعاد

 أهميّة معرفة العاقبة

 
إنّ البحث عن المعاد يتمّ ضمن المراحل التالية:
 
الأولى: أهميّة الاعتقاد بالمعاد وفيها يتمّ بيان ميزة هذا الأصل العقائديّ، وتأثيره المهمّ في سلوك الإنسان وأفعاله الفرديّة والاجتماعيّة.
 
الثّانية: أهميّة الروح في إثبات المعاد ويتمّ من خلالها توضيح التّصوّر الصّحيح عن المعاد، والّذي يتوقّف على إثبات وجود الرّوح غير المحسوسة والخالدة والاعتقاد به, لأنّها تشكّل الأساس الأوّل لإثبات المعاد، فكما أنّ معرفة الوجود تبقى ناقصة من دون الاعتقاد بوجود الله الواحد، فكذلك معرفة الإنسان ومصيره تبقى ناقصة إن لم يعتقد بوجود الروح الخالدة.
 
الثّالثة: ويتمّ فيها عرض بعض الأدلّة الّتي يتمّ من خلالها إثبات المعاد ومسائله الأساس.
 
الرّابعة: عرض أهمّ شبهات المنكرين للمعاد والردّ عليها.
 
وبهذا يكون قد تمّ استعراض الخطوات المطلوبة بشكل إجمالي وقد جاء دور البحث التّفصيلي لتلك الخطوات.
 
273

227

الدرس الثلاثون: المعاد

 المرحلة الأولى: أهميّة الاعتقاد بالمعاد

 
إنّ الباعث والداعي للقيام بالنّشاطات والأعمال الحياتيّة هو إشباع الحاجات والرّغبات، وتحقيق الأهداف والطّموحات، وبالتّالي الوصول للسّعادة والكمال النّهائي. وإنّ تقويم الأفعال، وكيفيّة توجيهها مرتبط بتحديد الأهداف الّتي يسعى بجميع جهوده وطاقاته لبلوغها. ومن هنا كان لمعرفة الهدف النّهائي للحياة الّتي يعيشها دور أساس في معرفة الطرق والوسائل والأعمال الّتي لا بدّ من اختيارها وممارستها. وفي الواقع إنّ العامل الرّئيس في تحديد طريقة الحياة ومسيرتها يكمن في رؤية الإنسان ومعرفته بحقيقته وكماله وسعادته. ومن يعتقد أنّ حقيقته ليست إلّا مجموعة من العناصر المادّيّة، البدنيّة والتّفاعلات المعقّدة فيما بينها، ويرى حياته محدّدة بهذه الأيّام القليلة للحياة الدّنيويّة، ولا يعرف لذّةً أو سعادة أو كمالاً آخر وراء هذه المنافع والمكاسب المرتبطة بهذه الحياة، فإنّه سوف ينظّم أعماله وسلوكه بما يشبع حاجاته الدّنيويّة ومتطلّبات هذا العالم، أمّا الّذي يؤمن بأنّ حقيقته أوسع وأبعد من الظّواهر المادّيّة، ولا يرى في الموت نهاية الحياة، بل يراه منعطفاً ينتقل من خلاله من هذا العالَم المؤقّت إلى عالَم خالد باقٍ، وأنّ أعماله الصّالحة وسيلة للوصول لسعادته وكماله الأبديّين، فإنّه سوف يخطّط لِنظام حياته بطريقة تكون معها أكثر عطاء وأفضل تأثيراً على حياته الأبديّة. ومن جانب آخر، فإنّ المتاعب والمصائب والابتلاءات الّتي يواجهها في حياته الدّنيويّة، لا تثبّط عزيمته، ولا تبعث فيه روح اليأس والقنوط، ولا تمنعه من مواصلة جهده وعزيمته في سبيل ممارسة وظائفه، وبلوغ السّعادة والكمال الأبديّين الّذين يطلبهما الإنسان بفطرته.
 
ولا ينحصر تأثير هذين النّوعين من معرفة الإنسان، في الحياة الفرديّة، بل إنّ لهما تأثيراً كبيراً وفاعلاً في الحياة الاجتماعية، وفي مواقف الأفراد
 
274

228

الدرس الثلاثون: المعاد

 وعلاقاتهم فيما بينهم. فإنّ للاعتقاد بالحياة الأُخرويّة، وبالثّواب والعقاب الأبديّين، دوره المهمّ وتأثيره البالغ في رعاية حقوق الآخرين، والإيثار والإحسان إلى المحتاجين والمحرومين. وحين يسود المجتمع مثل هذا الاعتقاد، فلا يحتاج كثيراً إلى استخدام القوّة في سبيل تنفيذ القوانين والأحكام العادلة ومكافحة الظّلم والاعتداء على الآخرين. وبطبيعة الحال كلّما اتّسعت دائرة هذا الاعتقاد بين النّاس وعمّت، فإنّ المشاكل والخلافات سوف تقلّ.

 

ومن خلال هذه الملاحظات، تتّضح لنا أهميّة مسألة المعاد، وقيمة البحث فيها، بل وحتَّى الاعتقاد بالتّوحيد، إن لم يكن مقترناً بالاعتقاد بالمعاد، لا يمكنه أن يؤثّر أثره الكامل والشّامل في توجيه الحياة الدنيوية الوجهة الصّحيحة والمنشودة، ومن هنا ينكشف سرّ اهتمام الأديان السّماويّة- وخاصّة الدّين الإسلاميّ المقدّس- بهذا الأصل العقائدي، وسرّ بذل الأنبياء عليهم السلام أقصى جهودهم في سبيل ترسيخ هذه العقيدة في النّفوس وتثبيتها. 

 

والاعتقاد بالحياة الأخرويّة، إنّما يكون له تأثيره في توجيه السّلوك والأفعال الفرديّة والاجتماعيّة، فيما لو تمّ التّسليم بوجود نوع من علاقة السببيّة والمسببيّة بين ما يتحقّق في هذا العالم من المواقف والأفعال، والسّعادة والشّقاء في عالم الآخرة.

 

وبهذا يظهر أنّه من الضّروري- إضافةً لإثبات المعاد والحياة الأخرويّة- إثبات العلاقة بين الحياتين (الدّنيا والآخرة) وتأثير الأفعال الاختياريّة في السّعادة والشقاء الأبديّين.

 

اهتمام القرآن بمسألة المعاد

 

الملاحظ أن أكثر من ثلث الآيات القرآنيّة، مرتبط بالحياة الآخرة، وفي مجموعة من هذه الآيات أكّد القرآن على لزوم الإيمان بالآخرة1. وفي مجموعة

________________________________________

1- ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ سورة البقرة: الآية4. وانظر أيضاً سورتي: لقمان: 4. النمل: 3.

 

275

 

 

229

الدرس الثلاثون: المعاد

  أخرى أشار إلى آثار إنكار المعاد ومضاعفاته2. وفي ثالثة ذكر النّعم الأبديّة3. وفي رابعة تعّرض القرآن إلى أنواع العذاب الأبديّ4. كما أنّ هناك آيات كثيرة ذكرت العلاقة بين الأعمال الحسنة والسّيئة، مع نتائجها وآثارها الأُخرويّة. وكذلك أكّدت بأساليب مختلفة إمكان القيامة بل وضرورتها، وتعرَّضت للإجابة عن شبهات المنكرين، وقد بيّنت بعض الآيات أنّ السّبب في الكثير من أنواع الضلال والانحراف هو نسيان أو إنكار القيامة ويوم الجزاء5. 

 
ومن خلال التأمّل في الآيات القرآنيّة نتوصّل إلى أنّ القسم الأكبر من أحاديث الأنبياء عليهم السلام ومناظراتهم مع النّاس كان يدور حول موضوع المعاد، بل يمكن القول بأنّ الجهود الّتي بذلوها لإثبات هذا الأصل كانت أكثر من جهودهم لإثبات التّوحيد، وذلك لأنّ أغلب النّاس كانوا يتّخذون موقفاً أكثر عناداً وتشدّداً من هذا الأصل. ويمكن أن نُلخّص السبب في عنادهم وتشدّدهم في أمرين:
 
1- عامل مشترك يتجسّد في إنكار كلّ أمر غيبيّ وغير محسوس.
 
2- عامل مختصّ بموضوع المعاد، أي الرغبة بالتحلّل، وعدم الشّعور بالمسؤوليّة، وذلك لما ذكرناه من أنّ الاعتقاد بالقيامة والحساب، يُعتبر دعامة قويّة وصلبة للشعور بالمسؤوليّة، ودافعاً قويّاً لتقبّل الكثير من
________________________________________
2- ﴿وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾سورة الإسراء: 10، وأيضاً السور التالية: الفرقان: 11، وسبأ: 8، والمؤمنون: 74.
3- ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا* وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ سورة الإنسان: 11-21، وانظر سورتي: الرحمن: من الآية 46 إلى آخر السورة. الواقعة: 15- 38.
4- ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ *خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾ سورة الحاقة: 25- 32، وانظر أيضاً سورتي: الملك: 6-11، الواقعة: 42-56.
5- ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ سورة ص: 26، وانظر أيضا: سورة السجدة: 14.
 
276

230

الدرس الثلاثون: المعاد

  الضّوابط على السّلوك والأعمال، والكفّ عن الظّلم والاعتداء والفساد والمعصية. وبإنكاره سوف يفتح الطّريق أمام تدفّق التّصرّفات المتحلّلة، وعبادة الشهوات والأنانيّات والانحرافات. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا العامل في قوله: ﴿أَ َيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾6.


خلاصة القول
 
من أجل أن يتمكن الإنسان من اختيار الطريق الّذي يؤدّي به إلى سعادته الحقيقيّة وكماله النهائيّ، يلزم عليه أن يفكّر. ويسأل نفسه: هل تنتهي الحياة الإنسانيّة بالموت؟ هل توجد هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة؟ هل الانتقال من هذا العالم إلى عالم آخر، كالسّفر من مدينة لأخرى، بحيث يمكنه توفير وسائل ومستلزمات المعيشة والحياة في تلك المدينة؟ هل الحياة في هذا العالم مقدّمة، وأرضيّة لحصول المسرّات والآلام في ذلك العالم، فلا بدّ أن يعدّ العدّة، ويعمل في هذا العالم، ليحصل على النتيجة النهائيّة هناك أم لا وجود لهذه العلاقة؟
 
وسيأتي الجواب الصحيح وبشكل واضح لهذه الأسئلة في المرحلة الثالثة في الدروس الآتية.
 
خلاصة الدرس 
 
- إنّ الإيمان بالمعاد له أهميّة كبرى وآثار عظيمة على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للناس، فهو يُصيّر الإنسان أكثر عطاءً ونشاطاً وعملاً، ويُخفِّف عنه وطأة المصائب والبلاءات، ويجعل العلاقة بين الناس علاقة 
________________________________________
6- سورة القيامة، الآيات: 3-5.
 
 
277 
 

231

الدرس الثلاثون: المعاد

 تعاون ومحبّة وإيثار وأخلاق، فلا يُحتاج لتطبيق القوانين ومكافحة الظلم إلى استخدام القوّة.

 
- الاعتقاد بالمعاد لا يؤثِّر أثره المطلوب إلاّ إذا سلّمنا بتأثير أفعال الإنسان في السعادة والشقاء الأبديّين، أي إذا سلّمنا بالثواب والعقاب الأخرويّين.
 
- ولأهميّة الإيمان بالمعاد والثواب والعقاب كان للأديان وخصوصاً الإسلام الاهتمام البارز في هذه المسألة، لذا نرى أنّ أكثر من ثلث الآيات القرآنية مرتبط بالحياة الآخرة.
 
ومن هذه الآيات:

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾7.

﴿وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾8.
 
- من أسباب إنكار الكافرين للمعاد:
 
1- إنكار كلّ أمر غيبيّ وغير محسوس.
 
2- الرغبة في التحلُّل من الواجبات والانغماس بالشهوات.
 
أسئلة حول الدرس 
 
1- تحدّث باختصار عن أهميّة الاعتقاد بالمعاد، وأثره على الإنسان.
 
2- أذكر العاملين الأساسين لإنكار المعاد.
 
3- أذكر آية قرآنية تتحدّث عن المعاد.
 
 
 ________________________________________
7- سورة البقرة، الآية: 4.
8- سورة الإسراء، الآية: 10.
278

232

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

الدرس الواحد و الثلاثون: المعاد والروح




أهداف الدرس:

 

1.أن يتبين الطالب علاقة الروح بالمعاد.

2. أن يستذكر الدليل العقلي على تجرد الروح.

3. أن يستذكر الدليل القرآني على تجرد الروح.

 

279

 

233

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 المرحلة الثّانية: المعاد وعلاقته بالروح وتجرّدها

 
لقد أثبت العلم أنّ بدن الإنسان والحيوان مؤلّف من مجموعة خلايا وأنّ خلاياه في تحوّل وتبدّل دائمين، وهي ليست واحدة ولا ثابتة منذ الولادة حتّى الوفاة، بل إنّ الخلايا تتبدّل بتمامها بشكل تدريجيّ مرّة كلّ سبع سنوات تقريبا ً.1
 
فالبدن اليوم هو غيره بالكامل قبل أو بعد سبع سنوات، وفي نفس الوقت يجد الإنسان نفسه واحداً لا يتغيّر طوال حياته، وهذا يكشف عن أنّ منبع وحدته ليس هو البدن إذ هو متغيّر حسب الفرض، وعليه يجب أن يوجد وراء بدن الإنسان حقيقة أخرى ثابتة لا تتغيّر منذ الطّفولة إلى الشّباب، فالكهولة، فالشّيخوخة، وهذه الحقيقة المجرّدة هي المعبّر عنها بالرّوح، وعند الفلاسفة بالنّفس، وهي موجود قابل للاستقلال عن البدن، وإليها يسند الإنسان كلّ أفعاله وفي كلّ الأزمنة فيقول: أنا فعلت كذا حين كنت طفلاً، وأنا فعلت كذا في مرحلة الشّباب وهكذا.
 
وبإثبات الرّوح وتجرّدها عن المادّة، يُمكن حينئذ البحث حول المعاد وإثباته, 
________________________________________
1- وقيل: إنّ خلايا الدماغ لا تتبدّل وهذا لا يؤثّر على الاستدلال، وحتّى لو ناقش بعض بعدد السنين، فإنّ العدد لا يؤثّر على الاستدلال أيضاً طالما أنّ أصل التبدّل من المسلّمات الطبيّة. 
281

234

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 لأنّه بذلك يمكن القول (إنّ الشخص المُعاد- أي: الشخص الّذي تردّ له الحياة بعد الموت- هو نفسه الّذي كان في الدنيا), لأنّ البدن يتلاشى ولكن الرّوح، والّتي بها وحدة الإنسان باقية، وبها ترتبط شخصيّة الإنسان وإنسانيّته، وحينما تتعلّق من جديد بالبدن يحتفظ الشخص بوحدته كما هو الحال قبل الموت، ولا يؤدّي تبدّل موادّ البدن إلى تعدّد الشخص.

 
وبسبب أهميّة تجرّد الرّوح في إثبات المعاد، ينبغي استعراض بعض الأدلّة العقليّة والنّقليّة على تجرّدها.

الروح والبدن
 
قبل الحديث عن تجرّد الروح والأدلّة على هذا، لا بدّ من إثبات أنّ الروح موجود آخر غير البدن. ولتوضيح هذا الأمر لا بدّ من تقديم مقدّمة تقع ضمن نقطتين:
 
1- لا يشكّ أحدنا أنّه يشاهد لون جلده وشكل بدنه بأمّ عينه، ويتحسّس خشونة أعضائه ونعومتها بحاسّة اللّمس، ولا يمكن التّعرف على داخل البدن إلّا بصورة غير مباشرة. هذا إضافة إلى أنّ الخوف والحبّ والبغض، والغضب والإرادة والتفكير، يُدركها الإنسان بدون احتياج للحواس، وكذلك يتعرّف على ال- (أنا) الّذي يملك هذه الإحساسات والمشاعر والعواطف والحالات النفسيّة بدون استخدام الحواس.
 
إذاً فالإنسان يملك نوعين من الإدراك: أحدهما يحتاج فيه إلى الحواس، والثاني: لا يحتاج فيه إلى الحواس وهذا واضح.
 
2- مع ملاحظة إمكان تعرّض المدركات الحسيّة للخطأ، إذ قد تُخطئ الحواس كما هو الحال فيمن يرى السّراب, فإنّه يراه ماءً مع أنّه إذا جاءه
282

235

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

  لم يجده شيئاً، فمن الممكن حصول الخطأ في النّوع الأوّل من المدركات، خلافاً للنّوع الثّاني، فهي معارف لا مجال فيها للخطأ والاشتباه والشكّ والتّردّد، فيمكن للمرء أن يشكّ في لون جلده، وأنه هل شخّصه كما هو في الواقع فعلاً أم لا، ولكن لا يمكن لأحد أن يشكّ، في أنّه هل فكّر أم لا، أو أراد شيئاً أم لا، أو شكَّ أم لا؟!

 
وهذا ما يعبّر عنه بالعلم الحضوريّ وهو يتعلّق مباشرة بالواقع بلا توسُّط الصورة, ولذلك لا يقبل الخطأ، وأمّا العلم الحصوليّ، فبما أنّه يحصل بواسطة الصورة الإدراكيّة، فهو يقبل الشكّ والتردّد ذاتاً2.
 
ومعنى ذلك، أنّ أكثر علوم الإنسان رسوخاً وقوّة هي العلوم الحضوريّة والمدركات الشّهوديّة الّتي تشمل علم النفس بنفسها والإحساسات والمشاعر والعواطف والحالات النّفسيّة الأخرى. ومن هنا، فإنّ ال- (أنا) المدرك، المفكّر، المريد، لا يقبل الشّكّ والتّردّد أبداً، وكذلك وجود حالات الخوف والحبّ والغضب والتفكير والإرادة، لا يقبل التّردّد.
 
ومن هنا يبرز هذا السؤال: هل هذا ال- (أنا) هو البدن الماديّ والمحسوس؟ وهل إنّ هذه الحالات النفسية بدورها من أعراض البدن، أم إن وجودها غير وجود البدن، وإن كان لل- (أنا) علاقة وثيقة وقويّة بالبدن، إذ إنّ ال- (أنا) يقوم بالكثير من أعماله ونشاطاته بواسطة البدن، وكما يؤثّر بالبدن، فإنّه يتأثّر به أيضاً؟ والجواب يأتي ضمن العناوين الآتية.
 
الدّليل العقلي على تجرّد الرّوح
 
1- إنّنا ندرك ال- (أنا) بالعلم الحضوريّ، وأمّا البدن فلا بدَّ من أن نتعرّف عليه بمعونة الحواسّ، إذن فال- (أنا) -أي النفس والرّوح - غير البدن.
________________________________________
2- راجع: المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، الشيخ اليزدي، الجزء الأوّل، الدرس الثالث عشر (بتصرّف).
 
283

236

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 2- إنّ ال- (أنا) موجود يبقى محافظاً خلال عشرات السّنين على وصف الوحدة الشّخصيّة الحقيقيّة، وندرك هذه الوحدة الشّخصيّة بالعلم الحضوريّ الّذي لا يقبل الخطأ ولا الشكّ، وأمّا أجزاء البدن، فإنّها تتعرّض للتّغير والتّبديل، مرّات عديدة، ولا يوجد أيّ ملاك للوحدة الحقيقيّة بين أجزائه السّابقة واللّاحقة.

 

3- إنّ ال- (أنا) موجود بسيط لا يقبل التّجزئة والتّقسيم، فلا يمكن مثلاً تقسيمه إلى نصفين، بينما أعضاء البدن متعدّدة وقابلة للتّقسيم.

 

4- الملاحظ أنّ جميع الحالات النّفسيّة كالإحساس والإرادة وغيرهما، لا تملك الخاصّة الأصليّة والرّئيسة للمادّيّات، أي: الامتداد والقابليّة للتّقسيم, لذلك لا يمكن اعتبار هذه الأمور غير المادّيّة من أعراض المادّة (البدن)، إذاً لا بدَّ من أن يكون موضوع هذه الأعراض جوهراً غير مادّي3. 

 

الدليل القرآني على تجرّد الرّوح

 

يؤكّد القرآن الكريم على وجود الرّوح الإنسانيّة، وهذه الحقيقة القرآنيّة ممّا لا تقبل الشكّ والتردُّد، فهي الرّوح الّتي تنسب لله تعالى، لشدّة شرفها وسموّها4 كما يقول القرآن الكريم في كيفيّة خلق الإنسان: ﴿َنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِه﴾5.

 

وليس المراد- والعياذ بالله- انفصال شيء من ذات الله وانتقاله للإنسان. وفي الحديث عن خلق آدم عليه السلام يقول تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾6 إشارة

________________________________________

3- المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، الشيخ اليزدي، الجزء الثاني، الدرس الرابع والأربعون، والتاسع والأربعون. غير مادّي:أي مجرّداً من المادّة ولذلك أطلق على الروح أنّها موجود مجرّد.

4- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 134.

5- سورة السجدة، الآية: 9.

6- سورة الحجر، الآية: 29، وسورة ص، الآية: 72.

 

284

 

237

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 إلى خلق آدم عليه السلام، حيث خلق البدن من تراب، والروح نسبها تعالى إلى ذاته. 

 
وكذلك يُستفاد من آيات أخرى أنّ الرّوح غير البدن وخواصّه وأعراضه، وأنّها تمتلك قابليّة البقاء بدون البدن، ومن هذه الآيات ما ينقله القرآن على لسان الكفّار: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾7.أي إذا تفرّقت أجزاء أبداننا في التّراب.
 
ويُجيبهم القرآن الكريم بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾8.
 
إذن فمِلاك هويّة الإنسان وحقيقته هي روحه، الّتي يقبضها ملك الموت، والّتي تظلّ باقية، وليس أجزاء البدن الّتي تتلاشى وتتفرّق في الأرض.
 
وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾9.
 
وفي موت الظّالمين يقول تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾10.
 
ويفهم من هذه الآيات وآيات أخرى أنّ نفس كلّ امرئ تتحدّد بذلك الشّيء الّذي يقبضه ملك الموت أو الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح، وأنّ انعدام البدن لا تأثير له على بقاء الرّوح ووحدة الإنسان الشّخصيّة.
________________________________________
7- سورة السجدة، الآية: 10.
8- سورة السجدة، الآية: 11.
9- سورة الزمر، الآية: 42.
10- سورة الأنعام، الآية: 93.
285

238

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 ونتيجة ذلك كلّه أمور ثلاثة:

 
1- إنّه يوجد في الإنسان شيء يُدعى بالرّوح.
 
2- الرّوح الإنسانيّة قابلة للبقاء والاستقلال عن البدن، وليست هي من قبيل الأعراض والصّور المادّيّة الّتي تنعدم حين يتلاشى المحلّ.
 
3- إنّ هويّة كلِّ امرئ مرتبطة بروحه، وبعبارة أخرى: إنّ حقيقة كلّ إنسان هي روحه، أمّا البدن فإنّه يقوم بدور الآلة بالنّسبة للرّوح وإلّا لما استطاعت أن تتخلّى عنه وتتعلّق به من جديد.
 
خلاصة الدرس
 
- إنّ ما يُشكِّل مِلاك وحدة الإنسان هي الروح المجرّدة الثابتة لا البدن المتغيِّر، وبإثبات الروح وتجرّدها وبقائها يُمكن البحث في المعاد, لأنّ الشخص المُعاد هو نفسه الذي كان في الدنيا باعتبار وحدة روحه وبقائها وتجرّدها وإن تلاشى بدنه.
 
- إنّ الروح موجود آخر غير البدن، وذلك يظهر من خلال:
 
1- أنّ مدركات البدن بحاجة إلى الحواس، بخلاف مدركات الروح لا تحتاج للحواس.
 
2- المدركات الحسيّة- حصوليّة تتعرّض للخطأ، بخلاف مدركات الروح- الحضوريّة- فإنّها لا تتعرّض للخطأ.
- من الأدّلة العقليّة على تجرّد الروح.
 
1- إنّ مدركات الروح- الأنا- حضوريّة، أمّا مدركات البدن حصوليّة تحتاج إلى الحواس.
 
286
 

239

الدرس الواحد والثلاثون: المعاد والروح

 2- إنّ الروح- الأنا- ثابت يُحافظ على وحدته الشخصية ونُدرك ذلك بالعلم الحضوري، بخلاف البدن المتغيّر بالوجدان.

3- إنّ الروح- الأنا- موجود بسيط لا يقبل التجزئة والتقسيم بخلاف الأعضاء.
 
- كثيرة هي الأدّلة القرآنيّة على وجود الروح، منها:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾11.

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾12.
 
 
أسئلة حول الدرس
 
1- تحدّث حول ملاك الوحدة في الإنسان.
 
2- ما هي الأدلّة العقليّة على تجرّد الرّوح؟
 
3- أذكر آيتين تتحدّثان عن الرّوح.
 
4- ما هي النتيجة الّتي تستخلص من الأدلّة العقليّة والقرآنيّة على وجود الرّوح؟
 
 
 
 ________________________________________
11- سورة الإسراء، الآية: 85.
12- سورة الحجر، الآية: 29.
287

240

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد





أهداف الدرس:

 

1.أن يستذكر الطالب برهان الحكمة على إثبات المعاد.

2. أن يستذكر برهان العدالة على إثبات المعاد.

 

 

289

241

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 المرحلة الثالثّة: إثبات المعاد

 
إنّ الاعتقاد بالمعاد، وإحياء النّاس جميعاً في عالم الآخرة، من أهمّ الأصول العقائديّة في جميع الأديان السّماويّة. وقد أكّد الأنبياء عليهم السلام كثيراً على هذا الأصل، وتحمّلوا الكثير من المتاعب والتّحديات في سبيل ترسيخ هذه العقيدة في النّفوس وتثبيتها. وقد اعتبر القرآن الكريم الاعتقاد بالمعاد عِدْلاً وقريناً للاعتقاد بالتّوحيد؛ ولذلك جمع وفي ما يتجاوز العشرين آية كلمات (الله) و(اليوم الآخر)، أحدهما في سياق الآخر، (إضافة إلى أنّ القرآن الكريم تحدّث عن شؤون الآخرة وأحوالها في أكثر من ألفي آية في سوره المختلفة).
 
وقد تمّ التّعرّض في بداية هذا الفصل لأهميّة البحث في معرفة العاقبة والمصير، واتّضح بأنّ التصوّر الصحيح للمعاد يبتني على الاعتراف بموجود آخر غير البدن به تتحقّق هويّة كلّ إنسان وحقيقته لا بالبدن المادّي. وهذا الموجود هو الروح، وأنّها ستبقى بعد الموت حتّى يمكن القول: بأنّ ذلك الشّخص الّذي مات في الدّنيا هو الّذي ردّت له الحياة في عالم الآخرة مرّة أخرى. وبعد ذلك جرى البحث في إثبات هذه الرّوح عن طريق العقل والوحي. كلّ ذلك، من أجل تمهيد الطّريق لدراسة البحوث الرّئيسة والأصليّة حول الحياة الأبديّة للإنسان،
 
291
 

242

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 والآن حان الوقت للبحث في إثبات هذا الأصل العقائديّ المهمّ.

 
وكما تمّ إثبات مسألة الرّوح من خلال طريقي العقل والنقل، فإنّ هذه المسألة أيضاً يمكن إثباتها من خلال هذين الطّريقين.
 
الأدلّة العقليّة:
 
1- برهان الحكمة
 
لقد خلق الله تعالى الكون وما فيه لكي تتوفّر الأرضيّة الملائمة لخلق الإنسان- وهو أكمل الموجودات- والإنسان مركّب من بدن فانٍ، ومن روح قابلة للبقاء، ويمكنه الحصول على الكمالات الأبديّة الخالدة المرتبطة بالرّوح، تلك الكمالات الّتي لا يمكن مقارنتها بالكمالات المادّيّة من حيث الدّرجة والقيمة الوجوديّة، بل تتفوّق عليها، فإذا انحصرت حياة الإنسان بهذه الحياة الدّنيويّة، فإنّ ذلك لا يتلائم مع الحكمة الإلهيّة بل ينافيها ويلزمه العبث، وخاصّة مع ملاحظة اقتران الحياة الدّنيويّة بالمتاعب والمشاقّ والمصاعب الكثيرة، ولا يمكن الحصول على لذّة غالباً بدون معاناة ومشقّة وتعب بحيث تَوَصّل الإنسان لهذه النتيجة: وهي أن الحصول على تلك اللّذّات الضئيلة لا يساوي شيئاً مقارنة مع المتاعب والمصاعب الّتي يتحمّلها الإنسان في سبيل الحصول عليها. إضافةً إلى أنّه لولا وجود يوم القيامة- أي المعاد- لكان وجود غريزة حبّ البقاء والخلود الّتي أودعها الخالق في فطرة الإنسان، عبثاً وبلا فائدة، إذ كيف يتلاءم إيجاد مثل هذه الغريزة مع القول بأنّ مصير الإنسان هو الفناء والتلاشي.
 
إذاً، فوجود هذا الميل الفطريّ للبقاء إنّما يتلاءم مع الحكمة الإلهيّة فيما لو وجدت حياة أخرى غير هذه الحياة المحكوم عليها بالموت والفناء.
292

243

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 والحاصل، من خلال ضمّ إحدى هاتين المقدّمتين إلى الأخرى- أي: الحكمة الإلهيّة وإمكان الحياة الأبديّة للإنسان- نتوصّل إلى هذه النتيجة وهي: أنّه لا بدَّ من وجود حياة أخرى للإنسان وراء هذه الحياة الدّنيويّة المحدودة القصيرة، حتّى لا يتنافى وجوده مع الحكمة الإلهيّة.

 
ويتّضح أيضاً أنّ الحياة الأبديّة للإنسان لا بدَّ لها من نظام آخر، مغاير لنظام الحياة الدّنيويّة المستلزمة للمتاعب الكثيرة، وإلّا فإنّ استمرار هذه الحياة الدّنيويّة بكلّ مستلزماتها ومتاعبها، حتّى لو كانت مؤبّدة خالدة لا يتلاءم مع الحكمة الإلهيّة.
 
2- برهان العدالة
 
إنّ النّاس أحرار في هذا العالم في اختيار وممارسة الأعمال الحسنة أو السيّئة. فمن جانب نلاحظ بعض الأفراد يقضون أعمارهم كلّها في عبادة الله وخدمة عباده ومن جانب آخر، نلاحظ بعض الأشرار والمجرمين يرتكبون- من أجل الوصول لنزواتهم وأطماعهم الشّيطانيّة- أبشع أنواع الظّلم وأفظع ألوان الذّنوب، بل إنّ الهدف من خلق الإنسان في هذا العالم، وتجهيزه بأنواع الميول المتضادّة، وبقوّة الإرادة والاختيار، وبأنواع المعارف العقليّة والنّقليّة وتوفير الأجواء والظّروف للأفعال المختلفة، وجعله على مفترق طريقين، الحقّ والباطل، والخير والشّر، الهدف من ذلك كلّه أن يكون معرضاً للاختبارات والابتلاءات العديدة، وليختار مسير تكامله بإرادته واختياره، حتّى يصل إلى نتائج أفعاله الاختياريّة، وثوابها أو عقابها. وفي الواقع إنّ الحياة الدّنيويّة بكاملها جعلت للإنسان دار ابتلاء واختبار، وبناء لهويّته الإنسانيّة، حتّى في أواخر لحظات حياته وعمره، لا يُعفى من هذا الامتحان والتّكليف وممارسة وظائفه المقدورة له.
 
293
 

244

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 ولكنّنا نرى أنّ كلاً من الأخيار والأشرار لا يصلون في هذه الدّنيا إلى الثّواب والعقاب الملائم لأعمالهم، بل إنّنا نرى الكثير من الأشرار والمجرمين يحصلون أكثر من غيرهم على النّعم والملذّات. إضافة إلى أنّ الحياة الدّنيويّة لا تستوعب الثّواب أو العقاب على الكثير من الأعمال والتّصرفات. فمثلاً: ذلك المجرم الّذي قتل آلاف الأبرياء لا يمكن الاقتصاص منه في هذه الدّنيا إلّا مرّة واحدة وبطبيعة الحال سوف تبقى الكثير من جرائمه بدون عقاب، مع أن مقتضى العدل الإلهيّ أن يتحمّل حتّى من ارتكب أقلّ الأعمال الحسنة أو السيّئة نتائجها وجزائها.

 

إذاً فكما أنّ هذا العالم دار اختبار وتكليف، فلا بدَّ من وجود عالم آخر، يُعتبر دار ثواب وعقاب، وظهور نتائج الأعمال فيه، ليصل كلّ فرد إلى ما يتلائم وأعماله، لتتجسّد العدالة الإلهيّة عمليّاً بذلك!1.

 

ومن خلال ذلك يتّضح أيضاً بأنّ عالم الآخرة ليس عالم اختيار الطّريق أو ممارسة التّكاليف، بل هو عالم حصد النتائج كما ورد في الحديث: "الدّنيا مزرعة الآخرة".

 

خلاصة الدرس

 

- من الأدلّة العقلية على المعاد:

 

1- برهان الحكمة

 

إنّ لكلِّ مخلوق كماله اللائق به- حسب حكمة الله تعالى- فكمال الحيوان والنبات غيره في الإنسان. فالنبات مثلاً ليس لها معاد لأنّها أخذت كمالها في الدنيا، بخلاف الإنسان فإنّ كماله التّام لا يظهر في الدنيا، لأنّها مكان نقص

________________________________________

1- مع ملاحظة أن العدالة في الواقع من مصاديق الحكمة، فيمكن أن نعتبر هذا البرهان من أنواع الإستدلال عن طريق الحكمة الإلهية. 

 

294

 

 

245

الدرس الثاني و الثلاثون: أدلّة المعاد

 ومشاق وأقصاها كمالات مادّيّة، وفي المعاد تصل روح الإنسان الباقية إلى كمالها واستعداداتها؛ فلو كان هناك فناء لكان خلق الروح عبثاً.

 
2- برهان العدالة:
 
إذا ثبت أنّ خلق الإنسان ليس عبثاً ولعباً بل هو في مكان اختبار وامتحان إن أحسن فله ثوابه وإن أساء فله عقابه؛ إذ إنّ العدل الإلهي يوجب أن لا يعامل المحسنون والمسيئون في مقام الجزاء على شكل واحد، ومن جانب آخر لا يُمكن تحقّق العدالة الكاملة بالنسبة إلى الثواب والعقاب في الحياة الدنيويّة، فكم من محسن لم يُلاق ثواباً في هذه الدنيا بل بعض المحسنين عوقبوا من مجتمعهم، وكم من ظالم ومسيء لم يُلاق عقاباً بل لاقى تكريماً، إذاً: لا بدّ من محكمة إلهيّة عادلة في المعاد تُحقِّق العدالة.

أسئلة حول الدرس
 
1- كيف يمكن إثبات المعاد من خلال الحكمة الإلهيّة؟
 
2- كيف يمكن إثبات المعاد من خلال العدالة الإلهيّة؟
 
3- هل يتّحد نظام عالم الآخرة مع نظام الحياة الدّنيا، ولماذا؟
 
295
 

246

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

 الدرس الثالث و الثلاثون: شبهات وردود




أهداف الدرس:

 

1.أن يجيب الطالب على شبهة إعادة المعدوم.

2. أن يجيب على شبهة عدم قابلية البدن للحياة الجديدة.

3. أن يجيب على شبهة تحلل الأبدان في التراب.

 

297

 

 

247

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

 المرحلة الرابعة: الردّ على شبهات المنكرين للمعاد

 
هناك جملة من الشبهات الّتي تمسّك بها المنكرون للمعاد قديماً وحديثاً، وقد أُجيب عليها في علم الكلام، ومعظم الإجابات والردود استفيدت من القرآن الكريم الّذي تصدّى لإثبات المعاد والردّ على المنكرين له، وسيتّم في هذا الدرس عرض أهمّ الشّبهات مع الردّ عليها.

1- شبهة إعادة المعدوم
 
أشرنا سابقاً إلى أنّ القرآن الكريم أجاب أولئك الّذين كانوا يقولون: كيف يحيى الإنسان من جديد بعد أن يضمحلّ ويتلاشى بدنه؟ بما مفاده: أنّ هويّتكم قائمة بروحكم، لا بأعضاء بدنكم الّذي يتفرّق في الأرض. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ* قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾1.
 
ويُمكن أن يكون الدافع لإنكار الكفّار المعاد هو تلك الشبهة الّتي يعبّر عنها في الفلسفة ب- (استحالة إعادة المعدوم)، أي: إنّ هؤلاء كانوا يعتقدون بأنّ الإنسان
________________________________________
1- سورة السجدة: الآيتان10-11.
 
299

248

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

 هو هذا البدن المادّيّ الّذي يتلاشى وينعدم بالموت، وإذا رُدّت له الحياة من جديد بعد الموت، فهو إنسان آخر، شبيه بالأوّل إذ إن إعادة المعدوم أمر محال وممتنع.

 

ويتّضح الجواب عن هذه الشبهة من القرآن الكريم، وأنّ الهوية الشّخصيّة لكلّ إنسان وحقيقته متمثّلة بروحه، وبعبارة أخرى: إنّ المعاد ليس من إعادة (المعدوم)، بل عودة (الروح الموجودة) إلى البدن. فنفس الدّليل العقلي والقرآني المثبت لوجود الروح يُشكِّل ردّاً على هذه الشبهة.

 

2- شبهة عدم قابليّة البدن للحياة الجديدة

 

الشّبهة السّابقة كانت مرتبطة بالإمكان الذّاتيّ للمعاد، أمّا هذه الشّبهة فهي ناظرة لإمكانه الوقوعيّ، بمعنى: أنّ عودة الرّوح للبدن وإن لم تكن محالاً عقلاً، ولا يلزم التناقض من افتراضها، ولكن وقوع العودة فعلاً وخارجاً مشروط بقابليّة البدن، ونحن نرى أنّ حصول الحياة منوط بشروط وأسباب خاصّة، لا بدَّ من توفّرها تدريجيّاً، فمثلاً: لا بدَّ من أن تستقرّ النّطفة في الرّحم، ولا بدَّ أيضاً من توفّر شروط مناسبة لنموّها وتكاملها، لتصبح جنيناً متكاملاً بالتّدريج، ولتكون بصورة إنسان، ولكنّ البدن الّذي يتلاشى يفقد قابليّته واستعداده للحياة.

 

والجواب: إنّ النّظام المشهود في عالم الدّنيا، ليس هو النّظام الوحيد، والشّروط والأسباب الّتي نتعرّف عليها من خلال التّجربة ليست أسباباً وعللاً منحصرة، والشّاهد على ذلك وقوع بعض الظّواهر والحوادث الحياتيّة الخارقة للعادة في هذا العالم نفسه، أمثال إحياء بعض الحيوانات أو النّاس، بغير الطريق المعهودة ومنها بعض الظّواهر الخارقة للعادة الّتي تحدّث عنها في القرآن الكريم، كناقة صالح، وطير النّبيّ إبراهيم عليه السلام وغير ذلك.

 

 

300

 

249

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

 3- الشّبهة في مجال قدرة الفاعل

 

يشترط في وقوع أيّة ظاهرة من الظّواهر وتحقّقها: قدرة الفاعل على ذلك، إضافة للإمكان الذّاتي وقابليّة القابل، فمن أين نعرف أنّ الله تعالى يملك القدرة على إحياء الموتى؟!

 

وهذه الشّبهة، إنّما تطرح من قبل أولئك الّذين يجهلون قدرة الله اللّامتناهية.

 

والجواب: إنّ القدرة الإلهيّة ليس لها حدود، بل تتعلّق بكلّ شيء ممكن الوقوع، كما هو الملاحظ بأنّه تعالى خلق هذا الكون الواسع بكل ما يتمتَّع به من عظمة مثيرة للدّهشة والإعجاب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾2.

 

إضافة إلى أنّ الخلق الجديد ليس أكثر صعوبة من الخلق الأوّل، ولا يحتاج إلى قدرة أكبر، بل هو أهون وأسهل، لأنّ الإيجاد من العدم أصعب من الإعادة بعد الموت: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾3. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾4.


4- الشّبهة في مجال علم الفاعل

 

إذا أراد الله إحياء النّاس، ومجازاة أعمالهم ثواباً أو عقاباً فيلزم من جانب أن يمّيز بين الأبدان الّتي لا تعدّ ولا تحصى، ليعيد كلّ روح إلى بدنها، ومن جانب آخر، لا بدَّ من أن يتذكّر جميع الأعمال الحسنة والسّيئة، ليجازي كلًّا منها بما

________________________________________

2- سورة الأحقاف، الآية: 33، وانظر السور التالية: يس، الآية: 81، الإسراء، الآية: 99، الصافات، الآية: 11، النازعات، الآية: 27.

3- سورة الإسراء، الآية: 51 وانظر السور التالية: العنكبوت، الآيتان: 19-20، ق، الآية: 15، الواقعة، الآية: 62، يس، الآية: 80، الحج، الآية: 5، الطارق، الآية: 8.

4- سورة الروم، الآية:27.

 

 

301

 

250

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

  تستحقّه من الثّواب أو العقاب، ولكن كيف يمكن التمييز والتّعرف على الأبدان الّتي تحوّلت إلى تراب، واختلطت ذراتها وأجزاؤها؟ وكيف يمكنه أن يضبط ويتذكَّر أعمال البشر كلّها خلال الآلاف بل الملايين من السّنين ليحاسبها؟

 
وهذه الشّبهة طرحها أولئك الّذين يجهلون العلم الإلهيّ غير المتناهي، حيث قاسوا العلم الإلهيّ بعلومهم النّاقصة المحدودة.
 
والجواب: إنّ العلم الإلهيّ ليس له حدود، وله إحاطة بكلّ شيء، ولا ينسى الله تعالى أيّ شيء.
 
وينقل القرآن الكريم عن فرعون قوله لموسى عليه السلام: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ فقال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾5.
 
وقد ذكر تعالى في آية أخرى الجواب عن الشبهتين الأخيرتين بقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾6.

خلاصة الدرس
 
- من شبهات منكري المعاد
 
1- شبهة إعادة المعدوم، ولكن يُردّ بأنّ الذي يعود هو الروح الباقية الّتي أثبتنا بقاءها وأنّها تُمثّل حقيقة الإنسان والبدن واسطة لإيصال الثواب والعقاب.
 
2- شبهة عدم قابلية البدن للحياة الجديدة، ولكن يُردّ بأنّ النظام المشهود في الدنيا ليس هو النظام الوحيد، والأسباب والشروط الّتي نتعرّف عليها في الدنيا ليست منحصرة.
________________________________________
5- سورة طه، الآيتان: 51-52، وتراجع أيضاً: سورة ق، الآيات 2-4.
6- سورة يس، الآية: 79.
 
302
 

251

الدرس الثالث والثلاثون: شبهات وردود

 فالبدن صحيح أنّه في الدنيا يحتاج إلى شروط خاصّة وتدرّج من كونه نطفة في الرحم إلى آخر مراحله؛ إلاّ أنّ هذه الشروط ليست منحصرة كما نرى في الظواهر الخارقة للعادة.

 
3- شبهة استبعاد قدرة الخالق، ولكن يُردّ أنّ قدرة الله تعالى غير محدودة، فهي تتعلّق بكلّ شيء ممكن الوقوع، ثمّ إنّ الخلق الجديد ليس أكثر صعوبة من الخلق الأوّل ﴿ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
 
4- شبهة استبعاد علم الله تعالى بكلّ الناس الأموات والتمييز بينهم ومعرفة محسنهم ومسيئهم، ولكن يُردّ أنّ علم الله سبحانه ليس له حدود ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾

أسئلة حول الدرس
 
1- كيف نجيب من يدّعي أنّ إعادة الإنسان أمر مستحيل بسبب استحالة إعادة المعدوم؟
 
2- ما هو الجواب على من يدّعي عدم قابليّة البدن للحياة بعد الموت. بسبب عدم تحقّق شروط الحياة؟
 
3- أذكر بعض الآيات الدّالة على قدرته تعالى على إعادة الحياة بعد الموت.
 
 
303 
 

252

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 
 
 
 
أهداف الدرس:
 
1.أن يعدد الطالب أنواع الشفاعة.
2. أن يتعرف إلى معنى الشفاعة.
3. أن يحدد شروط الشفاعة.
 
305
 

253

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 تمهيد

 
لقد أكرم الله تعالى نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأن تفضّل عليه بمقام الشّفاعة، فجعله واسطة لوصول فيض رحمته تعالى لعباده المذنبين في الدّنيا ويوم القيامة.
 
أقسام الشفاعة
 
الشّفاعة نوعان: تكوينيّة وتشريعيّة.
 
1- الشّفاعة التكوينيّة: والمراد منها "توسّط العلل والأسباب بينه تعالى وبين المسبّبات في الواقع الخارجي وتنظيم وجودها حدوثاً وبقاء"، فالشّفاعة في نظام التكوين هي انضمام السبب الطبيعيّ إلى الإرادة الإلهيّة ليتحقّق المسبّب بإذن الله تعالى قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾1 ، فهذه الآية وغيرها تدلّ على أنّه لا وجود لشفاعة ولا لتدبير في عالم التّكوين إلّا من بعد إذنه تعالى.
 
2- الشّفاعة التّشريعيّة: والمراد منها "العفو عن المسيء وإسقاط العقاب 
________________________________________
1- سورة يونس، الآية: 3.
307

254

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 عنه أو رفع الدرجات له بتوسّط غير الله تعالى ولكن بإذنه تعالى"، وهذه الشّفاعة قد تكون في الّدنيا، كما هو الحال في (الحسنات، والتّوبة، والملائكة، والقرآن والنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإنّها جميعاً وسائط في رفع العقاب عن المذنب، وقد تحقّقت هذه الشّفاعة في الدّنيا حيث قال تعالى بما يتعلّق بشفاعة النّبيّ والاستغفار في الدّنيا: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾َ 2 ،﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾3.

 
وهذا القسم من الشّفاعة أيضاً غير مستقلّ في التأثير بل هي شفاعة بإذن الله تعالى، وقد تكون هذه الشّفاعة يوم القيامة وهي المعروفة بالشّفاعة الكبرى، وإليها ينصرف إطلاق لفظ الشّفاعة وهي محلّ الكلام في المقام دون غيرها من الأقسام.
 
وهذه الشّفاعة هي المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾4 ، وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾5.
 
فقد فسّرت الرّوايات الآيتين العطاء المرضي والمقام المحمود بالشّفاعة يوم القيامة، وقد تواترت الرّوايات عن الفريقين في ثبوت الشّفاعة للنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حتَّى عُدّ من الضّروريّات ففي الحديث المشهور: "ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي"6.
________________________________________
2- سورة الأنفال، الآية: 33.
3- سورة النساء، الآية: 64.
4- سورة الضحى، الآية: 5.
5- سورة الإسراء، الآية: 79.
6- راجع: تفسير الرازي، ج3، ص63، وتفسير مجمع البيان، الطبرسي، ج1، ص 202.
308

255

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 تعريف الشّفاعة المصطلحة

 
قبل الكلام عن الشفاعة المصطلحة تجدد الإشارة إلى المعنى اللغويّ، وهي مأخوذة من (شفع)وهو خلاف الوتر أي الزوج تقول: كان وتراً فشفعته7 أي ضممت إلى الأوّل شيئاً آخر فأصبحا شفعاً.
 
وأمّا الشّفاعة المصطلحة فهي عبارة عن توسّط النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وغيرهم ممّن ثبت له مقام الشّفاعة بين المؤمنين المذنبين وبين الله تعالى، للعفو والصّفح عن ذنوبهم في الآخرة، فيرفع الله عنهم العذاب أو يرفع درجة ثوابهم بسبب دعاء الشّفيع وطلبه، فيضمّ طلب الشّفيع إلى إيمان المؤمن ليتحقّق الغرض والّذي لا يتحقّق إلّا بهما معاً. وبهذا تكون الشفاعة المصطلحة أحد مصاديق المعنى اللغويّ.
 
وبعبارة علميّة: إنّ الشّفاعة من متمّمات الأسباب فهي جزء المقتضي، وليست الشّفاعة علّة تامّة لأنّها لا تكون إلّا فيما إذا كان المشفوع له قابلاً في الجملة لرفع العذاب عنه، فلا محلّ للشّفاعة فيما لا قابليّة له أصلاً، فالشّفاعة من الأسباب والعلل المتمّمة للتّأثير، وليست مستقلّة فيه (فحالها حال الجزء الأخير من العلّة)، وهذا الكلام فيه اجمال يحتاج إلى توضيح وذلك ضمن عدّة نقاط:
 
أ- مورد الشّفاعة
 
إنّ الشّفاعة تختصّ بالذّنوب الباقية إلى يوم القيامة أي: الّتي لم تغفر ولم يمحى أثرها في الدّنيا من خلال الحسنات والتّوبة مثلاً، وفي الحقيقة لو تمّت المغفرة قبل الموت فإنّه لا يبقى للشّفاعة موضوع من الأساس - من هذه الجهة - فتكون سالبة بانتفاء الموضوع، نعم يبقى محتاجاً لها لرفع درجة الثواب. 
________________________________________
7- لسان العرب مادة (شفع).
 
309

256

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

ب- شروط الشّفاعة

 

1- أن يكون المشفوع له مؤمناً إلّا أنّه ارتكب بعض الذّنوب، وهذا في حقيقته هو المقتضي لتحقّق الشّفاعة، وبه تحصل القابليّة للشّفاعة. وأمّا المنكر لله والمشرك به فليس محلّاً للشّفاعة، وذلك لعدم أهليّته لها قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾8.

 

2- يُعتبر إذن الله تعالى في مورد الشّفاعة، فهي تحتاج إلى إذاً خاصّ من الله تعالى.

 

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾9 .

 

وبدون إذنه تعالى لا يبقى مجال للشّفاعة ولذلك حصر الله تعالى الشّفاعة بذاته كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾10.

 

فإنّ الشّفاعة المستقلّة هي لله تعالى، حالها حال الخالقيّة والرّبوبيّة، وأمّا شفاعة غيره تعالى فهي مستمدّة ومأذونة منه تعالى، ومن خلال هذا الشّرط يتّضح المراد من بعض الآيات النّافية للشّفاعة مطلقاً كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾11.

 

فإنّها تنفي الشّفاعة المستقلّة مطلقاً عن غيره تعالى خاصّة في مقابل من يعتقد بأنّ الأصنام ستشفع له.

 

وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ

________________________________________

8- سورة النساء، الآية: 48.

9- سورة سبأ، الآية: 23.

10- سورة الزمر، الآية: 44.

11- سورة البقرة، الآية: 254.

 

310 

 

 

257

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

 الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾12.

 
فالآيات تفيد بأنّ سبب فقدانهم لأهليّة كونهم ممّن يشفع لهم وعدم استحقاقهم لها هو عدم الإيمان بسبب الخوض في الملاهي وزخارف الدّنيا، بحيث حرفتهم عن الإقبال على الله تعالى، وكذلك التّكذيب بيوم الدّين المخرج من الإيمان، ونتيجة ما ذكر أنّ من حافظ على إيمانه وأوجد المقتضي للشّفاعة يكون إيمانه هو السّبب لكونه مرضيّاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾13 ، وأمّا الذّنوب والمعاصي فتشكّل مانعاً من دخول الجنّة، فتصل النوبة إلى الشّفاعة فتلغي أثر الذّنوب فيرتفع المانع ويتحقّق الغرض منها وهو دخول الجنّة والخلاص من العقاب.
 
خلاصة الدّرس
 
- الشفاعة نوعان، تكوينيّة وتشريعيّة.
 
والمراد بالأولى: توسّط العلل والأسباب بين الله سبحانه وبين المسبَّبات.
 
والمراد بالثانية: رفع درجة العبد أو إسقاط العقاب عنه بتوسّط شفيع غير الله تعالى ولكن بإذنه.
 
وهي على نحوين:
 
1- في الدنيا: كما في وجود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حيث إنّ هذا الوجود واسطة في رفع العقاب في الدنيا.
 
2- في الآخرة: وهي الشفاعة المصطلحة وهي تعني: توسّط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل
________________________________________
12- سورة المدثر، الآيات: 42-48.
13- سورة الأنبياء، الآية: 28.
 
311

258

الدرس الرابع والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-1

بيته عليهم السلام وغيرهم، ممّن ثبت له مقام الشفاعة، بين المؤمنين المذنبين وبين الله تعالى للعفو عنهم أو رفع درجتهم، وكلّ ذلك بإذن الله سبحانه.

 

- مورد الشفاعة الذنوب الباقية إلى يوم القيامة، أي الّتي لم تُغفر في الدنيا.

 

- من شروط الشفاعة:

 

1- أن يكون المشفوع له مؤمناً؛ فلا شفاعة للكافر أو المشرك.

 

2- يُعتبر إذن الله تعالى في الشفاعة.

 

أسئلة حول الدرس

 

1- عرّف الشّفاعة التكوينيّة والتشريعيّة.

 

2- ما هي الشّفاعة المصطلحة؟

 

3- تحدّث باختصار عن شروط الشّفاعة.

 

312 

 

 

 

 

259

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

 الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2




أهداف الدرس:
 
1.أن يتعرف الطالب على الشفعاء يوم القيامة.
2. أن يعدد بعض الذنوب المانعة من الشفاعة.
 
313

260

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

 الشفعاء

 
تقدّم القول بأنّ الشّفاعة بالأصالة والاستقلال هي لله تعالى ولغيره عزَّ وجلَّ بإذنه ورضاه، وقد أشار القرآن والسنّة إلى عدد من الشّفعاء المأذونين.
 
منهم: النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدّمت الإشارة للآيات في سورتي الضُحى والإسراء في المقدّمة- وفي تفسير العياشي عن أحدهما عليه السلام في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾1 ،قال عليه السلام: "الشّفاعة"2.
 
وأخرج مسلم عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لكلّ نبيّ دعوة قد دعا بها في أمّته، وخبّأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يوم القيامة"3.
 
ومنهم: سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ويمكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾4 ، ولا شكّ 
________________________________________
1- سورة الإسراء، الآية: 79.
2- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 7، ص 100.
3- صحيح مسلم، ج 1، ص 132.
4- سورة الزخرف، الآية: 86.
 
315

261

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

 في أنّ الأنبياء عليهم السلام يشهدون بالحقّ، وهي دليل عامّ يشملهم وغيرهم عليهم السلام.

 
ومنهم: السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والدليل قول النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سبب تسميتها حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "قد فطمها الله وذريّتها عن النّار يوم القيامة"، وفي رواية أخرى: "فطمها ومحبّيها عن النّار"5.
 
ومنهم: الأئمّة عليهم السلام ورد في الرّواية عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه يوم القيامة يأتي قوم يمشي النور بين أيديهم، فيُسألون من أنتم؟ فيجيبون: نحن العلويّون، نحن ذريّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم نحن أولاد عليّ وليّ الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنّون فيجيئهم النّداء: "اشفعوا في محبّيكم وأهل مودّتكم وشيعتكم، فيشفعون فيشفّعون"6.
 
ومنهم: العلماء والشّهداء والمؤمنون والجيران والسِّقط، ففي الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تستخفّوا بفقراء شيعة عليّ عليه السلام وعترته من بعده، فإنّ الرّجل منهم ليشفع لمثل ربيعة ومضر"7.
 
وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة يشفعون إلى الله عزَّ وجلَّ فيشفّعون: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشّهداء"8.

بيان:
 
إنّ الشّفيع المطلق بعد الباري عزَّ وجلَّ هو النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولذا صار شهيداً على الجميع قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء﴾9 .
________________________________________
5- ينابيع المودّة، القندوزي، ج 2، ص 428.
6- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج8، ص36.
7- م.ن، ج75، ص59.
8- الخصال، الشيخ الصدوق، ص 156، ح197.
9- سورة النحل، الآية: 89.
 
316

262

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

 فالشّفاعة تنزل على نبيّنا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ومنه إلى غيره، وكذلك لكلّ طائفة من الشّفعاء مستوىً ودرجة تناسب مقدار كماله وقربه من الله تعالى.

 
ما هي الغاية والحكمة من إعطائهم مقام الشّفاعة؟
 
والجواب: هو أنّه بعدما أُثبتت الشّفاعة بالدّليل، لزم الاعتقاد بها، بغضّ النظر عن إدراك الغاية ومعرفة الحكمة.
 
مع أنّه يمكن أن تكون الحكمة منها هو تكريمهم عليهم السلام، وإظهار فضلهم وبيان مرتبتهم.
 
المرحلة الرابعة: الذّنوب المانعة من الشّفاعة:
 
إنّ الشّفاعة تنال كبائر الذنوب إلّا أنّ هناك بعض الذّنوب الّتي لا تنالها الشّفاعة.
 
منها: الاستخفاف بالصلاة ففي الحديث عن أبي جعفر عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته"10 ، وعن الإمام الصّادق عليه السلام: "إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصّلاة"11.
 
ومنها: سوء الخلق، فعن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم وسوء الخلق، فإنّ سوء الخلق في النّار لا محالة"12.
 
ومنها: الإسراع والمبادرة إلى ارتكاب المعاصي اتّكالاً على الشّفاعة كما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالته لأحبّائه "من سرّه أن ينفعه شفاعة الشّافعين فليطلب إلى الله أن يرضى عنه"13 ، أي: ينبغي أن يكون الإنسان مراقباً لنفسه
________________________________________
10- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 4، ص 22، ح10.
11- م . ن، باب تحريم إضاعة الصلاة ح 6.
12- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 68، ص 386.
13- قرب الإسناد، الحميري القميّ، ص64، ح 203.
317

263

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

  ولا يغفل عنها اعتماداً على الشّفاعة فقد لا ينالها إذا ارتكب ما يسخط الله.

 
ومنها: إنكار الشفاعة ورد عن الإمام علي عليه السلام: "من كذَّب بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تنله"14.
 
ومنها: النّاصب العداء لأهل البيت عليهم السلام ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "المؤمن ليشفع لحميمه إلّا أن يكون ناصباً، ولو أنّ ناصباً شفع له كلّ نبيّ مرسل وملك مقرّب ما شفّعوا"15.
 
ورغم هذا البيان المطوّل للشّفاعة، إلّا أنّه بقي الكثير ممّا لا يسع المجال لذكره.
 
وقد بان أنّ الشفاعة ليست من نوع الشّفاعة السيّئة والواسطة الّتي يرفضها العرف والعقلاء، بل هذه الشّفاعة صحيحة ومقبولة عند العقلاء؛ لأنّها ليست عبثاً ولا جزافاً، بل هي خاضعة لقوانين وضوابط بحيث لا تميّز بين شخص وآخر، إلّا إذا كان محقّقاً لأهليّة واستحقاق الشفاعة.
 
كما أنّه لا يلزم من هكذا شفاعة الجرأة على ارتكاب المعاصي، بل هي دعوة للإنسان لتحقيق مقتضاها ورفع موانعها، فحالها حال التّوبة، فكما أنّ التّوبة المجمع على ثبوتها لا تستدعي الجرأة على الله فكذلك الشفاعة، وكما أنّ التّوبة فتحت أبواب الأمل والرّجاء وشكّلت دافعاً لعدم اليأس من روح الله فكذلك الشّفاعة. ولا فرق بينهما إلّا أنّ التّوبة محلّها الحياة الدنيا، والشّفاعة محلّها الآخرة.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، رزقنا الله وجميع المؤمنين شفاعة سيّد المرسلين وبضعته وأهل بيته الميامين صلوات الله عليهم أجمعين.
________________________________________
14- عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 71، ح 292.
15- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج8، ص41
 
318

264

الدرس الخامس والثلاثون: الشفاعة يوم القيامة-2

 خلاصة الدرس 

 

من الشفعاء يوم القيامة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياءعليهم السلام والأئمّة عليهم السلام وفاطمة الزهراءعليها السلام، والعلماء والشهداء والمؤمنون.

 

- الشفاعة تنال كبائر الذنوب، إلاّ أنّ هناك بعض الذنوب لا تنالها، منها:

 

الاستخفاف بالصلاة وسوء الخُلقُ، والاستهانة بالذنوب اتّكالاً على الشفاعة، وإنكار الشفاعة، ونصب العداء لأهل البيت عليهم السلام.

 

- الشفاعة كما التوبة لا تعني الجرأة على المعاصي، فربّ عاصٍ لا تقبل منه توبة ولا شفاعة، فعلى الإنسان أن لا يترجّح رجاؤه على خوفه، وعليه بالعمل والجدّ ليُحقِّق أسباب الشفاعة وشرائطها ورفع الموانع الّتي تحول دون حصوله على الشفاعة.

 

أسئلة حول الدرس 

 

1- عدِّد بعضاً من الشفعاء يوم القيامة.

 

2- ما هي الذنوب الّتي لا تنالها الشّفاعة؟

 

3- هل الشّفاعة تعني الواسطة بالمعنى السيّئ، ولماذا؟

 

 

319

 

265
بحوث في العقيدة الإسلامية