التوحيد والفطرة

التوحيد والفطرة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-08

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

مقدمة

7

في معنى الفطرة

9

في تحديد أحكام الفطرة

10

الدين من الفطرة

12

في بيان أنّ أصل وجود المبدأ المتعالي جَلّ وعلا من الأمور الفطريّة

12

في بيان أنّ توحيد الحقّ المتعالي وصفاته الأخرى فطريّة

17

إشارة مختصرة إلى تفسير سورة التوحيد المباركة

18

في بيان المقصود من قوله: اعرفوا الله بالله

25

في بيان عدم حمل الأحاديث المأثورة على المعاني الدارجة

32

في بيان المقياس في الصفات الثبوتيّة والسلبيّة

35

في بيان أنّ لأسماء الحقّ سبحانه مقامين

39

في بيان أنّ العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور

42

إنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف

43

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

في بيان المقصود من عدم توصيف الحقّ المتعالي

45

في بيان عينيّة صفات الحقّ سبحانه مع الذات المتعالي

49

نقل وتحقيق في كلام الفلاسفة في تقسيم أوصاف الحقّ عزّ وجلّ

51

في تحقيق عينيّة الصفات مع الذّات المقدّس

53

في الإحاطة القيوميّة لله تعالى

55

في بيان أنّ العلم قبل الإيجاد

57

في معنى سَمَعِ الحقّ سبحانه وبصره

60

في بيان كيفيّة تعلّق علمه سبحانه بالمعلوم

65

في بيان معنى حبّ الحقّ المتعالي وبغضه

67

في بيان التفكّر الممنوع والمرغوب في ذات الحقّ

69

إنّ الله خلق آدم على صورته

74

في بيان أنّ الإنسان مظهرٌ تامّ لله وأنّه الاسم الأعظم للحقّ جلّ وعلا

79

في التفكّر في المصنوع

83

في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفيّة نسبته إلى الحقّ المقدّس المتعالي

87

في بيان التوجيهات المذكورة في نسبة التردّد والتحيّر إلى الحقّ المتعالي

91

فصل؛ في لقاء الله وكيفيّته

93

 

 

 

 

 

 

6


2

المقدمة

 المقدمة


بِسْمِ اللهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إنّ الوقوف على شخصيّة الإمام الخمينيّ قدس سره والبحث عن آثارها، يدفع بنا إلى الإطلالة على جوانب متعدّدة وكثيرة لا يُمكن لأحد أن يدَّعي الإحاطة بها.وإنّ أحد أهمّ وأبرز هذه الجوانب على المستوى الفكريّ العقائديّ هو رؤيَة الإمام قدس سره الكونيّة الشاملة القائمة على مبدأ التوحيد الفطريّ لله سبحانه وتعالى، ومن جهة أخرى بلورة الرابطة والصلة بين هذا الإنسان وخالقه، وصياغتها وفق هذه الرؤيَة التوحيديّة. ولذلك فإنّ الإمام قدس سره باعتباره عارفاً وفيلسوفاً إلهيّاً فإنّه يتميّز بنظرته هذه، حيث إنّ الباحث المنصف يرى في الإمام الشخصيّة الفكريّة الثابتة والمقنعة في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى.

وهذا الكتاب (التوحيد والفطرة) الّذي أعدَّه المركز ما هو إلّا عيّنة من فيوضات هذا الفكر الأصيل والوضَّاء للإمام قدس سره ؛ حيث يأتي هذا الأثر في إطار سلسلة من النتاجات التي تهدف إلى تحقيق الغاية الّتي أخذها المركز على عاتقه لجهة نشر وتوثيق فكر الإمام الخمينيّ قدس سره.
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

المقدمة

 وعلى أيّ حال فإنّ هذا الكتاب هو مجموعة من الموضوعات المنتقاة والّتي لها صلة بموضوع التوحيد.وقد أُخذت من مؤلّفات الإمام وخاصّة كتاب (الأربعون حديثاً) لنقدّم من خلالها بعضاً من الأثر للفكر العقائديّ عند الإمام الخمينيّ قدس سره ؛ علّ ذلك يكون فرصة للقارئ الكريم، يستزيد من خلالها ويتزوّد لما فيه خير الدنيا والآخرة، بعون الله وتوفيقه.

 

مركز نون للتاليف والترجمة



 
 
 
 
 
8

 

4

في معنى الفطرة

 في معنى الفطرة

 
اعلم أنّ المقصود من "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"1 هو الحال والكيفيّة الّتي خُلق عليها الناس ويتّصفون بها بحيث تعدّ من لوازم وجودهم.ولذلك "تخمّرت" طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهيّة ـ كما سيتبيّن فيما بعد ـ من الألطاف الّتي خصّ الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ إنّ الموجودات الأخرى غير الإنسان إمّا أنّها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة وإمّا أنّ لها حظّاً ضئيلاً منها.
 
وهنا لا بُدَّ من معرفة أنّ الفطرة، وإن فسّرت في هذا الحديث2 الشريف وغيره من الأحاديث بالتوحيد، إلّا أنّ هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وفي كلّ مرّة تفسّر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أنّ هناك تعارضاً. والدليل على أنّ المقام كذلك هو أنّ الآية الشريفة تعتبر "الدين" هو "فطرة الله" مع أنّ الدين يشمل التوحيد والمبادئ الأخرى.
 
 
 

1- سورة الروم، الآية: 30.
2- إشارة إلى الحديث الوارد عن محمّد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾قال عليه السلام : "فطرهم على التوحيد"، أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح3.
 
 
 
 
 
 
 
9

5

في معنى الفطرة

 وفي صحيحة عبد الله بن سنان فسّرت الفطرة على أنّها تعني "الإسلام".وفي حسنة زرارة فسّرت بالمعرفة، وفيها عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "كلّ مولودٍ يولَدُ على الفِطْرَةِ"1 جاءت في قبال "التهوّد" و"التنصّر" و"التمجّس". كما إنّ الإمام الباقر عليه السلام في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة. وعليه، فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إنّ جميع المبادىء الحقّة هي من الأمور الّتي فَطَرَ الله تعالى الإنسان عليها.

 
في تحديد أحكام الفطرة
 
لا بُدَّ أن نعرف أنّ ما هو من أحكام الفطرة لا يُمكن أن يختلف فيه اثنان.من ناحيّة أنّها من لوازم الوجود وقد تخمّرت في أصل الطبيعة والخلقة. فالجميع، من الجاهل والمتوحّش والمتحضّر والمدنيّ والبدويّ، مجمعون على ذلك. وليس ثمّة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلّل إليها والإخلال بها. إنّ اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات، الّتي توجب وتسبّب الخلاف والاختلاف في كلّ شيء، حتّى في الأحكام العقليّة، ليس لها مثل هذا التأثير أبداً في الأمور الفطريّة، كما أنّ اختلاف الإدراك والأفهام قوّةً وضعفاً لا يؤثّر فيها. وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفيّة فليس من أحكام الفطرة ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطريّة. ولذلك تقول الآية:" فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" ، أي أنّها لا تختص بفئة خاصّةٍ ولا
 
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 13.
 
 
 
 
 
 
 
 
10

6

في معنى الفطرة

  طائفةٍ من الناس. ويقول تعالى أيضاً: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه1، أي لا يغيّره شيء، كما هو شأن الأمور الأخرى الّتي تختلف بتأثير العادات وغيرها.

 
ولكن ممّا يُثير الدهشة والعجب أنّه على الرغم من عدم وجود أيّ خلافٍ بشأن الأمور الفطريّة، من أوّل العالم إلى آخره، فإنّ الناس يكادون أن يكونوا غافلين عن أنّهم متّفقون، ويظنون أنّهم مختلفون، ما لم ينبّههم أحدٌ على ذلك، وعند ذلك يدركون أنّهم كانوا متّفقين رغم اختلافهم في الظاهر ـ كما سيتّضح ذلك فيما يأتي من البحث إن شاء الله ـ.
 
وهذا ما تُشير إليه الجملة الأخيرة من الآية الشريفة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ2.
 
فيتّضح ممّا سبق ذكره أنّ أحكام الفطرة أكثر بداهة من كلّ أمر بديهيّ. إذ لا يوجد في جميع الأحكام العقليّة حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا. وعلى هذا الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريّات وأبده البديهيّات، كما إنّ لوازمها أيضاً يجب أن تكون من أوضح الضروريّات. فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو من لوازمها، وجب أن يكون من أوضح الضروريّات وأجلى البديهيّات "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".
 
 
 

1- سورة الروم، الآية: 30.
2- سورة الروم، الآية: 30.
 
 
 
 
 
 
 
 
11

 


7

في معنى الفطرة

 الدين من الفطرة


اعلم أنّ المفسرين، من العامّة والخاصّة، فسّروا، كلّ على طريقته، كيفيّة كون الدِّين أو التوحيد من الفطرة. ولكنّنا في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وإنّما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل (الشاه آبادي) الّذي هو نسيج وحده في هذا الميدان. فقد أشار إلى أنّ بعضها قد ورد بصورة الإشارة والرمز في بعض كتب المحقّقين من أهل المعارف، وبعضها الآخر ممّا خطر في فكري القاصر (كما يقول).

إذاً، لا بُدَّ أن نعرف أنّ من أنواع الفطرة الإلهيّة ما يكون على "أصل وجود المبدأ" تعالى وتقدّس ومنها الفطرة على "التوحيد" وأخرى على "استجماع ذات الله المقدّسة لجميع الكمالات" وأخرى على "المعاد ويوم القيامة" وأخرى على "النبوّة" و"وجود الملائكة والروحانيّين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية". وهذه الأمور بعضها من الفطرة، وبعضها من لوازم الفطرة. فالإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة، هو الدّين القيّم المحكم والمستقيم والحقّ على امتداد حياة المجموعة البشريّة. ولسوف نُشير إلى بعضٍ منها ممّا يتناسب والحديث الشريف، طالبين التوفيق من الحقّ تعالى.

في بيان أنّ أصل وجود المبدأ المتعالي جَلّ وعلا من الأمور الفطريّة

وهذا يتّضح بعد التنبيه إلى مقدّمة واحدة هي: أنّ من الأمور الفطريّة الّتي جُبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها، بحيث إنّك لن
 
 
 
 
 
 
 
12

8

في معنى الفطرة

  تجد فرداً واحداً في كلّ المجموعة البشريّة يخالفها، ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها أن تبدّلها ولا أن تُحدث فيها خللاً، "الفطرة الّتي تعشق الكمال". فأنت إن تجوّلت في جميع الأدوار الّتي مرّ بها الإنسان، واستنطقت كلّ فرد من الأفراد. وكلّ طائفة من الطوائف، وكلّ ملّة من الملل، تجد هذا العشق والحبّ قد جُبل في طينته، فتجد قلبه متوجّهاً نحو الكمال. بل إنّ ما يحدّد الإنسان ويدفعه في سكناته وتحرّكاته، وكلّ العناء والجهود المضنية الّتي يبذلها كلّ فرد في مجال عمله وتخصّصه، إنّما هو نابعٌ من حبّ الكمال، على الرغم من وجود منتهى الخلاف بين الناس فيما يرونه من الكمال، وبأيّ شيء يتحقّق الكمال ويشاهد الحبيب والمعشوق.


فكلّ يجد معشوقه في شيء، ظانّاً أنّ ذلك هو الكمال وكعبة الآمال، فيتخيّله في أمر معيّن، فيتوجّه إليه، ويتفانى في سبيله تفاني العاشق. إنّ أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدون معشوقهم فيها، فيبذلون من كلّ وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها. فكلّ شخص، مهما يكن نوع عمله، ومهما يكن موضع حبّه وتعشّقه، فإنّه لاعتقاده بأنّ ذلك هو الكمال يتوجّه نحوه. وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كلٌّ يرى الكمال في شيء ويعتقد أنّه معشوقه، بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك...

وعليه، فجميعهم يسعون نحو الكمال. فإذا ما تصوّروه في شيءٍ موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه. ولكن لا بُدَّ أن نعرف أنّه على الرغم من هذا الّذي قيل، فإنّ حبّ هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا
 
 
 
 
 
 
 
13

9

في معنى الفطرة

  الّذي ظنّوه بأنّه معشوقهم، وإنّ ما توهّموه وتخيّلوه ويبحثون عنه ليس كعبة آمالهم. إذ لو أنّ كلّ واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أنّ قلبه في الوقت الّذي يُظهر العشق لشيءٍ ما فإنّه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأوّل، ثمّ إذا عثر على أكمل من الثاني، ترك الثاني وانتقل بحبّه إلى الأكمل منه، بل إن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتّى لا يعود قلبه يلقي برحاله في آية درجة من الدرجات ولا يرضى بأيّ حدٍّ من الحدود.


مثلاً، إذا كنتَ تحبّ جمال القدود ونضارة الوجوه، وعثرت على ذلك عند من تراها كذلك، توجّه قلبك نحوها. فإذا لاح لك جمالٌ أجمل، لا شكّ في أنّك سوف تتوجّه إلى الجميل الأجمل، أو أنّك على الأقل تطلب الاثنين معاً، ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك، ولسان حال فطرتك يقول: كيف السبيل إليهما معاً؟ ولكنّ الواقع هو أنّك تطلب كلّ جميلٍ تراه أجمل، بل قد تزداد اشتياقاً بالتخيّل، فقد تتخيل أنّ هناك جميلاً أجمل من كلّ ما تراه بعينك، في مكان ما، فيحلّق قلبك طائراً إلى بلد الحبيب، ولسان حالك يقول: أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر. وقد تعشق ما تتمنّى. فأنت إن سمعت بأوصاف الجنّة وما فيها من الوجوه الساحرة ـ حتّى وإن لم تكن تؤمن بالجنّة لا سمح الله ـ قالت فطرتك: ليت هذه الجنّة موجودة، وليتهنَّ كُنَّ من نصيبي.

وهكذا الّذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتّساع الملك، يتّجه حبّهم واشتياقهم إلى ذلك. فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة، توجّهت أنظارهم إلى دولة أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً
 
 
 
 
 
 
 
14

10

في معنى الفطرة

  تحت سيطرتهم، تطلّعت أعينهم إلى أكثر من ذلك. فهم كلّما استولوا على قطر، اتجه حبّهم إلى الاستيلاء على أقطارٍ أخرى، بل تزداد نار تطلّعاتهم لهيباً، وإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلّها، وتخيّلوا إمكان بسط سلطتهم على الكواكب الأخرى، تمنّت قلوبهم لو كان بالإمكان أن يطيروا إلى تلك العوالم كي يُخضعوها لسيطرتهم.


وقِس على ذلك أصحاب الصناعات ورجال العلم، وغيرهم، وكلّ أفراد الجنس البشريّ، مهما تكن مهنهم وحِرَفهم، فهم كلّما تقدّموا فيها مرحلة، رغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها، ولهذا يشتدّ شوقهم وتطلّعهم.

إذاً، فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أبناء البشر، من أهالي أقصى المعمورة وسكّان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضّرة في العالم، ابتداءً بالطبيعيّين والمادّيين وانتهاءً بأهل الملل والنِحل، تتوجّه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الّذي لا نقص فيه. فيعشقون الكمال الّذي لا عيب فيه ولا كمال بعده، والعلم الّذي لا جهل فيه، والقدرة الّتي لا تعجز عن شيء، والحياة الّتي لا موت فيها، أي إنّ "الكمال المطلق" هو معشوق الجميع. إنّ جميع الكائنات والعائلة البشريّة، يقولون بلسانٍ فصيحٍ واحد وبقلبٍ واحد: إنّنا نعشق الكمال المطلق، إنّنا نحب الجمال والجلال المطلق، إنّنا نطلب القدرة المطلقة، والعلم المطلق. فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات، أو في عالم التصوّر والخيال، وفي كلّ التجويزات العقليّة والاعتباريّة، كائنٌ مطلقُ الكمال ومطلقُ الجمال، سوى "الله" تقدست أسماؤه، مبدأ العالم 
 
 
 
 
 
 
 
15

11

في معنى الفطرة

 جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الّذي لا نقص فيه إلّا ذلك المحبوب المطلق؟

 
فيا أيّها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات، بل أيّتها الفراشات الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق، ويا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم الأزليّ، عودوا قليلاً إلى كتاب الفطرة وتصفّحوا كتاب ذاتكم لتروا أنّ قلم قدرة الفطرة الإلهيّة قد كُتب فيه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ1. فهل ﴿إنّ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا هي فطرة التوجّه نحو المحبوب المطلق؟ وهل إنّ الفطرة الّتي لا تتبدّل ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَِ هي فطرة المعرفة؟ فإلى متى توجّه هذه الفطرة الّتي وهبك الله إيّاها نحو الخيالات الباطلة، نحو هذا وذاك من مخلوقات الله؟ إذا كان محبوبك هو هذا الكمال الناقص والكمال المحدود، فلماذا عندما تصل إليه يبقى اشتياقك ملتهباً لا يُخمد، بل يزداد ويشتد؟.

 

 
تيقّظ من نوم الغفلة واستبشر فرحاً بأنّ لك محبوباً لا يزول، ومعشوقاً لا نقص فيه، ومطلوباً من دون عيب، وأنّ لك مقصوداً يكون نور طلعته هو النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ َ2، وأنّ محبوبك ذو إحاطة واسعة ﴿لو دُلّيتُمْ بِحَبْلٍ إلى الأرضين السُّفلى لَهَبَطْتُمْ على الله. إذن, يستوجب عشقك الحقيقيّ معشوقاً حقيقيّاً، ولا يمكن أن
 
 
 

1- سورة الأنعام، الآية: 79.
2- سورة النور, الآية: 35.
 
 
 
 
 
 
 
16

12

في معنى الفطرة

  يكون شيئاً متوهّماً متخيّلاً، إذ إنّ كلّ موهوم ناقص، والفطرة إنّما تتوجّه إلى الكمال. فالعاشق الحقيقيّ والعشق الحقيقيّ لا يكون من دون معشوق، ولا يكون غير الله الكامل، معشوقاً تتّجه إليه الفطرة، فلازم عشق الكمال المطلق وجود الكمال المطلق. وقد سبق أنّ عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع البديهيّات ﴿أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَِ1.

 
في بيان أنّ توحيد الحقّ المتعالي وصفاته الأخرى فطريّة
 
في بيان أنّ توحيد الحقّ ـ تعالى شأنه ـ واستجماع ذاته لكلّ الكمالات من الأمور الفطريّة، وبالانتباه إلى ما جاء في المقام الأوّل يتّضح ذلك أيضاً. إلّا أنّنا سنبرهن على ذلك ببيان آخر هنا أيضاً.
 
اعلم أنّ من الأمور الفطريّة الّتي ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا هو النفور من النقص، ولذلك فإنّ الإنسان ينفر من كلّ ناقص. إذاً، فالفطرة تنفر من النقص والعيب كما إنّها تنجذب إلى الكمال. فالفطرة لا بدّ وأن تتوجّه إلى الواحد الأحد، لأنّ كلّ كثير ومركّب ناقص، ولا تكون كثرة من دون محدوديّة مع أنّ المحدوديّة نقص. وكلّ ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه. إذاً، أمكن من هاتين الفطرتين: "فطرة حبّ الكمال" و"فطرة النفور من النقص" إثبات التوحيد. بل إنّ استجماع الله لجميع الكمالات، وخلوّ ذاته المقدّسة من كلّ نقص، قد ثبت بالفطرة أيضاً. وسورة التوحيد المباركة الّتي تبيّن
 
 
 

1- سورة إبراهيم، الآية:10.
 
 
 
 
 
 
 
 
17

13

في معنى الفطرة

  نسب الحقّ المتعالي، وبحسب رأي شيخنا الجليل (روحي فداه)1 إنّ الهويّة المطلقة، الّتي تتوجّه إليها الفطرة، والّتي أشير إليها في صدر سورة التوحيد المباركة بكلّمة "هو" المباركة، تعدّ برهاناً على الصفات الستّ المذكورة بعد ذلك. إذ لمّا كانت ذات الله المقدّسة هويّة مطلقة، والهويّة المطلقة يجب أن تكون كاملة مطلقة، وإلّا لكانت محدودة، ولم تكن مطلقة، فهو مستجمع لجميع الكمالات، فهو (الله). وفي الوقت الّذي يكون فيه مستجمعاً لجميع الكمالات يكون بسيطاً، وإلّا فالهويّة لا تكون مطلقة، إذاً فهو "أحد" ولازم الأحديّة هو الواحديّة. ولمّا كانت الهويّة المطلقة المستجمعة لجميع الكمالات منزّهة عن جميع النقائص الّتي تعود بأجمعها إلى الماهيّة، إذاً، فتلك الذات المقدّسة هي "الصّمدُ" وليست جوفاء. ولمّا كانت الهويّة مطلقة، فلن يتولّد منها شيء ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن شيء"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ"  وإنّما هو مبدأ كلّ شيء ومرجع جميع الموجودات، بدون الانفصال الّذي يوجب النقصان. والهويّة المطلقة أيضاً ليس لها كفء. إذ لا يمكن تصوّر التكرار في الكمال الصرف. إذاً، فالسورة المباركة (الإخلاص) من أحكام الفطرة ولبيان نسب الحقّ المتعال.

 
إشارة مختصرة إلى تفسير سورة التوحيد المباركة
 
اعلم أنّ تفسير هذه السورة المباركة ـ سورة التوحيد ـ والآيات الأولى من سورة الحديد، أكبر من طاقة استيعاب أمثالنا، وأعظم من
 
 
 


1- إشارة إلى الشيخ العارف الشاه آبادي رحمه الله .
 
 
 
 
 
 
 
18

14

في معنى الفطرة

  قدراتنا الفكريّة والعقليّة. والتطرّق إلى ذلك يكون خارجاً عن وظيفتنا. وعليه فهل الإنصاف يسمح لأمثالي بالولوج في تفسير ما أنزله الحقّ المتعالي على أشخاص متعمّقين وعلماء محقّقين؟.

 
روي عن الإمام باقر العلوم عليه السلام بعد عرضه صلوات الله عليه نبذة من أسرار حروف الصمد المباركة أنّه قال: "لَوْ وَجَدْتُ لِعِلْمي الّذي آتاني الله عزّ وجلّ حَمَلَةً لَنَشَرتُ التوحيدَ والإسلام والإيمانَ والدينَ والشّرائِعَ مِنَ الصَّمَدِ"1.
 
يقول الفيلسوف الكبير صدر المتألّهين في خصوص الآيات الأولى من سورة الحديد: "اعلم أنّ كلّ آية من الآيات الست الّتي أشير إليها في هذا الحديث، تشتمل على علم غزير في التوحيد والألوهيّة وتتضمّن معارف كثيرة من العلوم الصمديّة والربوبيّة، فلو ساعد الزمان وأعان الدهر عارفاً ربانيّاً، أو حكيماً إلهيّاً استوحى علمه من مشكاة النبوّة المحمديّة على الصادع بها وآله أفضل السلام والتحيّة، واستقى فلسفته من أحاديث أهل العصمة والطهارة، سلام الله عليهم، لكان من حقّ ذلك العارف أو الحكيم ومن حقّ تلك الآيات، أن يضع لتفسير كلّ آية مجلّداً واسعاً بل مجلّدات كثيرة".
 
وملخّص القول: إنّ أمثال الكاتب ليس من فرسان هذا الميدان، ولكنّ العقل يحكم بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، فلا بدّ من عرض نبذة يسيرة ومختصرة ممّا تلقّيته من العلماء العظام، وكتب أرباب المعرفة، ومصابيح أنوار الهداية، أهل بيت العصمة عليهم السلام ومن الله الهداية:
 
 
 
 

1- التوحيد، الشيخ الصدوق، ص 93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

15

في معنى الفطرة

 ليُعلم أنّ "بِسمِ الله" من كلّ سورة، تتعلّق على مذهب أهل العرفان بنفس السورة المبدوءة بها، ولا تكون متعلّقة بـ"أستَعِينُ" أو أمثاله. لأنّ اسم "الله" يكون تمام المشيئة حسب مقام الظهور، ويكون مقام الفيض الأقدس، حسب تجلّي الأحد ومقام جمع أسماء الأحد، حسب مقام الواحد. ويكون جميع العالم، حسب اعتبار أحديّة الجمع الّذي هو الكون الجامع، وهو مراتب الوجود في السلسلة الطوليّة: الصعوديّة والنزوليّة، وأنّه كلّ واحد من الهويّات العينيّة في السلسلة العرضيّة. وبناءاً على ذلك يختلف معنى "الله" حسب اختلاف الاعتبارات في الاسم، لأنّ "الله" يكون المسمّى لتلك الأسماء، فعند اختلاف الاعتبارات، يختلف المفهوم من "الله" وعليه، يختلف معنى بسم الله في كلّ سورة لاختلاف متعلّقه من سورة لأخرى من السور القرآنيّة الّتي هي متعلّقة في اللفظ ومظهره في المعنى. بل يختلف معناه، على ضوء اختلاف الأفعال والأعمال الّتي تصدر عن الإنسان والّتي تبتدئ ببسم الله، لأنّه يتعلّق ويرتبط بذلك العمل الخاصّ والفعل المعيّن الّذي ابتدأ ببسم الله. والعارف بالمظاهر، وظهور الأسماء الإلهيّة، يرى ويشاهد أنّ جميع الأفعال والأعمال والأعراض ظاهرة ومتحقّقة بالاسم الشريف الأعظم، وبمقام المشيئة المطلقة. وعند إنجازه وإيجاده لفعل وعمل يتذكّر بقلبه العارف، هذا المعنى، ويسرى به متناولاً حتّى مرتبة مُلكه وطبيعته ثمّ يقول بسم الله أي بسبب مقام المشيئة المطلقة، لصاحب مقام الرحمانيّة الّذي هو بسط الوجود، ومقام الرحيميّة الّذي هو بسط مقام كمال الوجود. أو بسبب مقام المشيئة المطلقة لصاحب

 

 

 

 

 

20


16

في معنى الفطرة

  مقام الرحمانيّة الّذي هو مقام التجلّي بالظهور وبسط الوجود، ومقام الرحيميّة الّذي هو مقام التجلّي بالباطن وقبض الوجود، آكلُ وأشربُ وأكْتُبُ، وأفْعَلُ كذا وكذا...


فالسالك إلى الله والعارف بالله يرى، من جهة، ظهور المشيئة المطلقة في جميع الأفعال والموجودات وفناء تلك المشيئة فيها، ويرى من خلال هذا المنظار هيمنة سلطان الوحدة، ويكون لديه معنى بسم الله في جميع السور القرآنيّة والأعمال والأفعال بمعنى واحد. ومن جهة أخرى عندما يلتفت إلى عالم الفرق ـ الكثرة والاختلاف ـ وفرق الفرق، يرى لكلّ واحد من "بسم الله" في أوّل كلّ سورة وبدء كلّ عمل، معنى يغاير المعنى الآخر.

وفي هذا المقام الّذي نحن بصدده، تفسير سورة التوحيد المباركة، نستطيع أن نجعل "بسم الله"، متعلّقة بـ"قل" هذه الكلّمة الشريفة، وعليه يكون المقصود من "بسمِ الله" عند كسوة التجريد، وغلبة التوحيد، مقام المشيئة المطلقة. وعند كسوة التكثير يكون مقام المقصود الانتباه إلى كثرة التعيّنات. وفي مقام الجمع بين المقامين الّذي هو مقام البرزخيّة الكبرى، يكون المقصود المشيئة في مقام الوحدة والكثرة، ومقام الظهور والبطون ومقام الرحمانيّة والرحيميّة على المعنى الثاني ـ المتقدّم قبل أسطر ـ. وحيث إنّ الآية الشريفة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تجمع بين الأحديّة الغيبيّة، والألوهيّة الأسمائيّة، كان المقصود من "اسم الله"، المقام الثالث وهو مقام البرزخيّة الكبرى.

ثمّ يأتي الخطاب بعد مقام الغيب الأحديّ، متوجّهاً إلى القلب التقيّ
 
 
 
 
 
 
 
 
21

17

في معنى الفطرة

  النقيّ الأحديّ الأحمديّ المحمّديّ، قائلاً (قُلْ)، ويكون هذا الخطاب حسب هذه النشأة البرزخيّة الكبرى الّتي هي مظهر اسم الله، الّذي هو مقام المشيئة المطلقة وصاحب التعيّن وظهور الرحمانيّة في عين الرحيميّة، وصاحب البسط في نفس الوقت الّذي هو صاحب القبض.


هو: وهذه الكلّمة الشريفة، إشارة إلى مقام الهويّة المطلقة من حيث هي هي من دون أن تتعيّن بتعيّن الصّفات أو تتجلّى بتجلّي الأسماء، حتّى الأسماء الذاتيّة الّتي تعتبر في مقام الأحديّة، ولا يُمكن أن تكون هذه الإشارة من غير صاحب ذلك القلب التقيّ النقيّ الأحديّ الأحمديّ ومن غير صاحب هذا المقام العظيم. وإن لم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مأموراً بإظهار نسب الحقّ المتعالي، لما تفوّه بهذه الكلّمة الشريفة في الأزل والأبد. ولكن جرى في قضاء الله سبحانه أن ينطق النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، بهذه الإشارة ـ هو ـ.

ولما لم يستمرّ صلى الله عليه وآله وسلم في الجذبة المطلقة، وحاز على مقام البرزخيّة قال صلى الله عليه وآله وسلم : "الله أحَدٌ".

و"الله" هو الاسم، الجامع الأعظم، للربّ المطلق، للخاتم. وإنّ ما ترى العين البرزخيّة، من كثرة الأسماء في مقام ظهور الواحديّة، هي نفس التجلّي الغيبيّ الخفيّ في مقام الأحديّة، فلا غلبة، في قلب مثل هذا السالك لمقام الأحديّة على مقام الواحديّة، ولا غلبة لمقام الواحديّة على مقام الأحديّة.

ولعلّ السبب في تقديم "الله" على "أحد" مع أنّ الأسماء الذاتيّة ـ الله ـ متقدّمة اعتباراً على الأسماء الصفاتيّة ـ أحد ـ إنّما هو لأجل الإشارة إلى
 
 
 
 
 
 
22

18

في معنى الفطرة

  مقام التجلّي في قلب السالك، حيث إنّ التجلّيات الذاتيّة على قلوب الأولياء تبتدىء أوّلاً بتجلّي الأسماء الصفاتيّة الموجودة لدى حضرة الواحد ـ الأسماء الصفاتيّة الواحديّة ـ، ثمّ يتمّ التجلّي بالأسماء الذاتيّة الأحديّة.


والسرّ في انتفاء اسم "الله" من مجموع أسمائه سبحانه ـ مع أنّ قلب السالك حسب كيفيّة السلوك، وكيفيّة التجلّي، يتجلّى أوّلاً بكافّة الأسماء على ضوء مناسبات قلب السالك، هذه الأسماء الّتي تكون مظاهر لاسم الله سبحانه ثمّ يتجلّى القلب في نهاية السلوك في الأسماء الصفاتيّة باسم الله ـ والسرّ في اصطفاء هذا الاسم المبارك يُمكن أن يعود إلى أحد أمرين:

إمّا إشارة إلى أنّ التجلّي بأي اسم من أسماء الله، هو تجلٍّ باسم "الله" من باب اتّحاد الظاهر والمظهر، خصوصاً لدى الحضرة الإلهيّة.

وإمّا إشارة إلى نهاية سلوك الواحديّ، حيث إنّه لو لم تتحقّق لما ابتدأ بالسلوك الأحديّ.

وملخّص الكلام: إنّه بناءً على البيان المذكور يكون ضمير (هو) إشارة الى مقام انقطعت عنه آمال العارفين وإيماءاتهم، ويتقدّس عن كلّ اسم ورسم ويتنزّه عن كلّ تجلٍّ وظهور. "وأحد" إشارة إلى تجلّي الأسماء الباطنيّة الغيبيّة، و"الله" إشارة إلى تجلّي الأسماء الظاهريّة. وبهذه الأمور الثلاثة: ـ هو ـ الله ـ أحد ـ تتحصّل الاعتبارات الأوليّة لحضرة الربوبيّة. وإنّ الأسماء الأربعة الأخرى ـ الصمد ـ لم يلد ـ لم يولد ـ لم يكن له كفؤاً ـ الّتي يكون "الصمد" جامعاً لها، من الأسماء السلبيّة التنزيهيّة، الّتي تُعتبر تبعاً للأسماء الثبوتيّة الجماليّة، كما أُشير إليه في نهاية حديث من الأحاديث المتقدّمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
23

19

في معنى الفطرة

 هذا كلّه على القول بأنّ "بسم الله" متعلّق بالكلّمة الشريفة "قُلْ".


ونستطيع أن نجعل "بسم الله" متعلّقاً بكلّ واحد من كلمات هذه السورة المباركة، وعليه يختلف تفسير هذه السورة وتفسير بسم الله من متعلّق إلى آخر. وحيث إنّ عرض ذلك يسبّب التفصيل والتطويل، غضضنا الطرف عنه.

يقول شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه: "إنَّ "هُوَ" برهان على الأسماء والكمالات الستّة المذكورة عقيب هذه الكلمة المباركة ـ هو ـ في سورة التوحيد الشريفة. لأنّ الذات المقدّس حيث إنّه يكون مطلقاً مثل "هُوَ" الّذي يعتبر إشارة إلى صرف الوجود يكون مستجمعاً لجميع كمالات الأسماء. فيكون "الله". وحيث إنّ صرف الوجود، ببساطة حقيقته يكون جامعاً لكلّ الأوصاف والأسماء، من دون أن تلثم هذه الكثرات الأسمائيّة لوحدة الذات المقدّس، كان أحداً. وحيث إنّه لا ماهيّة لصرف الوجود كان صمداً. وحيث إنّ صرف الوجود لا ينتقص. ولا يحصل من الغير ولا يتكرّر لم يكن والداً ولا مولوداً وليس له كفوءاً" انتهى.

ولا بدّ من معرفة أنّه قد ورد في الأحاديث الشريفة معانٍ وأسرار كثيرة لِـ"الصمد" لو أردنا عرضها وبيانها، لخرجنا عن الإطار المخصّص للكتاب، ولافتقرنا إلى وضع رسالة أخرى في ذلك. ولكنّنا نُشير إلى أمرٍ واحد هو: أنّ "الصمد" لو كان إشارة إلى نفس الماهيّة، حسب بعض الاعتبارات ومعاني "الله" في "الله الصمد" لكان ـ الصمد ـ من اعتبارات مقام الواحديّة ومقام أحديّة جمع الأسماء. وإن كان
 
 
 
 
 
 
 
24

20

في معنى الفطرة

  إشارة إلى صفة إضافيّة ـ كما يستفاد من بعض الروايات ـ لكان ـ الصمد ـ إشارة إلى أحديّة جمع الأسماء لدى التجلّي بالفيض المقدّس، ولكان معناه موافقاً لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ.

 
في بيان المقصود من قوله: اعرفوا الله بالله 1
 
اعلم أنّ كلّ واحد من العلماء رضوان الله تعالى عليهم قد تناول هذه الجملة "اعرفوا الله بالله" وشرحها على ضوء مسلكه العلميّ أو مذهبه الفلسفيّ. ونحن لأجل التبرّك بكلام الأجلاّء نذكر بصورة مختصرة بعض تلك الآراء، وهي:
 
الأوّل: قال ثقة الإسلام الكلّينيّ رضوان الله تعالى عليه "ومعنى قوله عليه السلام اعرفوا الله بالله يعني أنّ الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان ـ فالأعيان الأبدان والجواهر الأرواح ـ وهو عزّ وجلّ لا يُشبه جسماً ولا روحاً وليس لأحد في خلق الروح الحسّاس الدرّاك أمر ولا سبب، وهو المتفرّد بخلق الأرواح والأجسام، فإذا نفى عنه الشبهين: شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبّهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله".
 
ومن الغريب أنّ صدر المتألهّين قدّس سرّه اعتبر هذا الكلام من تتمّة الحديث فأخذ بشرحه وتفسيره على أساس مذهبه في الفلسفة.
 
الثاني: قال الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه بعد إيراد
 
 
 
 

1- إشارة إلى الحديث الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: "اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان". أصول الكافي، المجلد الأوّل، كتاب التوحيد, باب أنّه لا يُعرف إلّا به, ح1.
 
 
 
 
 
 
 
 
25

21

في معنى الفطرة

  الخبر، ما حاصله: "عرفنا الله بالله لأنّا إن عرفناه بعقولنا فهو عزّ وجلّ واهبها وإن عرفناه عزّ وجلّ بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عزّ وجلّ باعثهم ومرسلهم ومتّخذهم حججاً وإن عرفناه بأنفسنا فهو عزّ وجلّ محدثها فبه عرفناه".

 
الثالث: ما أشار إليه صدر المتألّهين. حيث قال: "إنّ هناك سبيلين لمعرفة الحقّ المتعالي أحدهما: المشاهدة وصريح العرفان. وثانيهما: التنزيه والتقديس، وحيث إنّ السبيل الأوّل لا يتيسّر إلاّ للأنبياء والكُمّل اختار عليه الصلاة والسلام بيان الطريق الثاني في الحديث" (انتهى).
 
ويتوقّف هذا التفسير على اعتبار كلام الشيخ الكلينيّ جزءاً من الحديث الشريف، واعتبار حديثِ الإمام الصادق عليه السلام كلامَ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
 
الرابع: قال المحقّق الكاشانيّ عليه الرحمة: "إنّ لكلّ شيء ماهيّة هو بها هو، وهي وجهه الّذي إلى ذاته كذلك لكلّ شيء حقيقة محيطة به، بها قوام ذاته وبها ظهور آثاره وصفاته، وبها حوْله عمّا يَرِدُ به ويضرّه وقوّته على ما ينفعه ويسرّه وهي وجهه الّذي إلى الله سبحانه، وإليهما أشير بقوله عزّ وجلّ: ﴿ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ 1، وبقوله سبحانه: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ 2، وبقوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 3، وبقوله سبحانه: ﴿ وَنَحْنُ
 
 
 

1- سورة فصلت، الآية: 54.
2- سورة الحديد، الآية: 4.
3- سورة ق، الآية: 16.
 
 
 
 
 
 
 
 
26

22

في معنى الفطرة

  أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ 1، وبقوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه2. فإنّ تلك الحقيقة الّتي تبقى بعد فناء الأشياء، فقوله عليه السلام "اعرفوا الله بالله"؛ معناه انظروا في الأشياء إلى وجوهها الّتي إلى الله سبحانه بعد أن أثبتّم أنّ لها ربّاً صانعاً، فاطلبوا معرفته بأمارة فيها من حيث تدبيره لها وقيوميّته عليها وتسخيره لها، أو إحاطته بها وقهره إيّاها حتّى تعرفوا الله بهذه الصفات القائمة به، ولا تنظروا إلى وجوهها الّتي إلى نفسها أعني من حيث إنّها أشياء لها ماهيّات لا يمكن أن توجد بذواتها، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها، فإنّكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء، فلن تعرفوه إذن حقّ المعرفة، فإنّ معرفة مجرّد كون الشيء مفتقراً إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة.

 
على أنّ ذلك غير محتاج إليه لما عرفت أنّها فطريّة بخلاف النظر الأوّل فإنّكم تنظرون في الأشياء أوّلاً إلى الله عزّ وجلّ وآثاره من حيث هي آثاره، ثمّ إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها".
 
الخامس: الاحتمال الّذي قد خطر على بال الكاتب وهو يُبتنى على مقدّمة مذكورة في علم الأسماء والصفات، وهي أنّ للذات المقدّس الحقّ عزّ جلاله اعتبارات، وأنّ لكلّ اعتبار اصطلاحاً خاصّاً به، ومنها:
 
اعتبار الذات من حيث هو، أي الذات المجهول بصورة مطلقة، من دون أن يكون له اسم أو رسم ومن دون إمكان بلوغ آمال العرفاء وذوي
 
 
 

1- سورة الواقعة، الآية: 85.
2- سورة القصص، الآية: 88.
 
 
 
 
 
 
 
27

 


23

في معنى الفطرة

  القلوب والأولياء، إليه. وقد يعبّر عنه حيناً لدى أرباب المعرفة بعنقاء المغرب. قال الشاعر:

 
أيّها الصيّاد انتبه إلى أنّ العنقاء لا            تسقط في الفخّ فاسحب مصيدتك
 
 
وحيناً آخر بالعماء أو العمى، رُوي أنَّهُ قيل للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم : "أيْنَ كانَ ربُّكَ قَبْلَ إنْ يخلُقَ الخلقَ؟ قال: في عماء"1. وحيناً ثالثاً بغيب الغيوب والغيب المطلق وغير ذلك، فإنّ كلّ هذه التعبيرات والمصطلحات، تكون قاصرة عن أداء المعنى. وإنّ العنقاء والعماء والتعبيرات الأخرى المذكورة لدى العرفاء الموافقة لنوع من الأدلّة والبراهين، غير مرتبطة بهذا المقام.
 
ومنها: اعتبار الذات حسب مقام التعيّن الغيبيّ، وعدم الظهور المطلق، المسمّى بمقام الأحديّة. والتعبيرات المذكورة في الاعتبار السابق تتلاءم مع هذا المقام. ويتحوّل في هذا المقام اعتبار الأسماء الذاتيّة، حسب اصطلاح العلماء، إلى الأسماء مثل: الباطن المطلق، والأوّل المطلق، والعليّ العظيم، كما يستفاد من حديث (الكافي) أنّ أوّل اسم اتخذه الحقّ لنفسه هو العليّ والعظيم.
 
ومنها: اعتبار الذات حسب مقام الواحديّة، ومقام جمع الأسماء والصفات، الّذي عبّر عنه بمقام الواحديّة ومقام الأحديّة لجمع الأسماء وجمع الجمع وغير ذلك. ويقال لهذا المقام، باعتبار مقام أحديّة الجمع، مقام الاسم الأعظم والاسم الجامع "الله".
 
ومنها: اعتبار الذات حسب مرتبة التجلّي بالفيض المقدّس، ومقام
 
 
 

1- مسند أحمد، ج4، ص 11.
 
 
 
 
 
 
 
28

24

في معنى الفطرة

  ظهور الأسماء والصفات في مرائي الأعيان. كما إنّ مقام الواحديّة يكون بسبب تجلّي الفيض الأقدس. ويُقال لهذا المقام، الّذي هو مقام ظهور الأسماء، مقام الظهور الإطلاقي ومقام الألوهيّة ومقام الله أيضاً، حسب الاعتبارات المقرّرة في الأسماء والصفات. وقد شرحناه في كتاب (مصباح الهداية).

 
ولا بدّ من معرفة أنّ هذه الاعتبارات المذكورة على ألسنة أهل المعرفة وأصحاب القلوب، إخبار عن تجليّات الحقّ سبحانه على قلوبهم الصافية. وتكون تلك التجلّيات حسب مراتب ومقامات سلوك الأولياء وحسب منازل سير السائرين الى الله ومراحله، مبتدئة من مقام ظهور الأسماء والصفات، الّذي هو مقام الألوهيّة والمسمّى بـ"الله" والّتي تكون آية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ1 إشارة إلى ذلك، ومنهيّة بمقام الغيب الأحدي، ومرتبة الأسماء الذاتيّة والاسم المستأثر الّذي يكون نهاية السير والمقصد. ويمكن أن يكون قوله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَى2 إشارة إلى هذا المقام.
 
وبعد هذه المقدمة نقول: إنّ الإنسان عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحقّ سبحانه وسيره إلى الله، يكون سيره عقليّاً علميّاً، ولا
 
 
 
 

1- سورة النور، الآية: 35.
2- سورة النجم، الآية: 9.
 
 
 
 
 
 
 
29

25

في معنى الفطرة

  يكون من نوع سير أهل العرفان وأرباب العرفان، لأنّه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم، من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهيّاتها، والّتي تعتبر الحجب الظلمانيّة، ويبحث عن الحقّ المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانيّة وهي الّتي يُشير إليها المرحوم الفيض الكاشانيّ في الاحتمال الرابع المتقدّم.

 
إنّ الشرط الأوّل في السير إلى الله، هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذّات والأنانيّة. فكما أنّ الإنسان في السفر الخارجيّ العينيّ المحسوس، لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدّثه عن كونه مسافراً، بل لا بدّ من ترك المكان ومغادرة البيت حتّى يُقال أنّه مسافر، وكما أنّ السفر الشرعيّ لا يتحقّق إلّا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره، فكذلك لا يتحقّق هذا السفر العرفانيّ إلى الله، والهجرة الشهوديّة إلّا بعد التخلّي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها، لأنّه ما دامت آثار التعيّنات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة، لا يكون الإنسان مسافراً، بل إنّه تخيّل السفر وادّعى السير والسلوك، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّه1.
 
فبعد أن يُغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة، بيت النفس، ولم يصطحب معه في هذا الخروج العُلقة الدنيويّة، والتعيّنات، ويتحقّق له السفر إلى الله سبحانه، يتجلّى له
 
 
 
 

1- سورة النساء، الآية:100.
 
 
 
 
 
 
30

26

في معنى الفطرة

  الحقّ المتعالي قبل كلّ شيء، على قلبه المقدّس بالألوهيّة ومقام ظهور الأسماء والصفات. ويكون هذا التجلّي أيضاً مرتّباً ومنظماً، حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحيطة حسب شدّة السير وضعفه وحسب قوّة قلب السالك وضعفه على التفصيل الّذي لا يستوعبه هذا الكتاب المختصر، حتّى ينتهي إلى رفض كلّ تعيّنات عالم الوجود سواء كانت تعيّنات تعود إلى نفسه أم تعيّنات راجعة إلى غيره والّتي تعتبر ـ أي هذه التعيّنات الغيريّة ـ في المنازل والمراحل التاليّة من التّعينات العائدة إلى نفسه أيضاً. وبعد الرفض المطلق، يتمّ التجلّي بالألوهيّة، ومقام الله الّذي هو مقام أحديّة جمع ظهور الأسماء، وتظهر "اعرفُوا الله بالله" في مرتبتها الأوّليّة النازلة.


ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة، يفنى في هذا التجلّي، فإذا وسعته العناية الأزليّة، لحصل للعارف الفاني في هذا التجلّي، استيناسٌ، ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر، واستفاق، فلم يقتنع بهذا المقام، ويستمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق. ويكون الحقّ، المتعالي في سفر العشق هذا مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر، وتتمّ خطواته في أنوار التجلّي، فيسمع هاتفاً يقول له "تقدَّم"، ويستمر في التقدّم إلى أن تتجلّى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة، الأسماء والصفات في مقام الواحديّة، حتّى يبلغ مقام الأحديّة، ومقام الاسم الأعظم الّذي هو اسم الله، فيتحقق في هذا المقام "اعرفوا الله بالله" في مرتبة عالية، ويوجد أيضاً بعد هذا المقام، مقامٌ آخر لا مجال لذكره فعلاً.
 
 
 
 
 
 
31

27

في معنى الفطرة

 ومع هذا الّذي ذكرنا، أضفى مقام عرفان الرسول على الرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان، ترتيباً عرفانيّاً بديعاً يحتاج إلى شرح مقام الرسالة والولاية. وهو لا يتناسب مع مستوى هذا الكتاب. وقد تولّى كتاب (مصباح الهداية) الّذي ذكرته سلفاً تفصيل ذلك.


في بيان عدم حمل الأحاديث المأثورة على المعاني الدارجة

لا يُظنّ بأنّ مقصودنا من شرح الحديث الشريف على ضوء مسلك أهل العرفان، هو حصر معنى الحديث في ذلك، حتّى يكون من قبيل الرجم بالغيب والتفسير بالرأي، بل هو من أجل دفع توهّم حصر معاني الأحاديث المنقولة في باب معارف أصول الدين، وحصرها في المعاني الرائجة العرفيّة. 

وإنّ الملمَّ بأحاديث الأئمّة عليهم السلام يعرف أنّ تفسير الأخبار المأثورة عنهم عليهم السلام في العقائد ومعارف أصول الدّين على أساس الفهم العرفيّ الشائع لا يكون سديداً وصحيحاً، بل إنّها تحتوي على أدقّ المعاني الفلسفيّة، وقمّة معارف أهل المعرفة. ومن يرجع إلى كتاب (أصول الكافي) وكتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق عليه الرحمة، يذعن لما قلناه.

ولا يتنافى هذا التفسير الدقيق العرفانيّ مع صياغة أئمّة أهل المعرفة العلماء بالله، لكلامهم الشريف في أسلوب جامع، تقطف كلّ طائفة حسب مسلكها قدراً من الثمار، ولا يحقّ لأحد أن يقصر الحديث في المعنى الّذي ارتآه. مثلاً: نستطيع أن نشرح الحديث الشريف المذكور،
 
 
 
 
 
 
32

28

في معنى الفطرة

  شرحاً عُرفيّاً رائجاً يتطابق مع ظهور الألفاظ وفهم الناس بأن نقول إنّ معنى "اعرفوا الله بالله" هو اعرفوه بآثار صنعه وإتقان عمله اللذين يكونان من آثار الألوهيّة. كما أنّه يجب معرفة النبيّ بالرسالة وآثاره المتقنة لدعوته، ومعرفة أولي الأمر بكيفيّة أعمالهم من قبيل الأمر بالمعروف والعدالة. حيث نتعرّف من خلال الآثار إلى أصحابها. وهذا لا يتنافى مع وجود معنى أدقّ للحديث، يكون بمثابة البطن له. ووجود معنى آخر أيضاً أدقّ من المعنى الثاني يكون بمنزلة بطن البطن.


وعلى أيّ حال إنّ مقارنة كلام الأولياء عليهم السلام بكلام أمثالنا غير صحيحة. كما إنّ قياس أشخاصهم عليهم السلام على أشخاص من أمثالنا مجحفٌ وباطل. ولا أستطيع أن أشرح هذا الموضوع الغامض بصورة مفصّلة مع بيان فلسفته وسببه.

ومن غرائب الأمور: أنّ بعضاً يطعن في هذه المعاني الرقيقة العرفانيّة والفلسفيّة ويعترض عليها قائلاً: إنّ أحاديث أئمّة الهدى عليهم السلام لتوجيه الناس، فلا بدّ وأن تتوافق مع الفهم العُرفي، ويجب أن لا تصدر عنهم المفاهيم الفلسفيّة أو العرفانيّة الّتي لا ينالها الفهم العرفي لعامّة الناس.

إنّ هذا افتراء مُستنكر وتهمة مُسيئة نجمت عن قلَّة التدبّر في أخبار أهل البيت عليهم السلام ومعارف الأنبياء وعدم التجوال فيها.

فواعجباً لو أنّ الأنبياء والأولياء عليهم السلام لم يقصدوا تعليم الناس، دقائق التوحيد، ومعارف الأنبياء فمن كان بإمكانه أن ينهض بمثل هذا التعليم؟
 
 
 
 
 
 
33

29

في معنى الفطرة

 هل إنّ التوحيد والمعارف الأخرى العقائديّة، لا تستبطن الدقائق العلميّة، وإنّ الناس جميعاً في استيعابهم للمعارف على مستوىً واحد؟


هل إنّ معارف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مع معارفنا في درجة واحدة؟ وإنّ معارفه صلوات الله وسلامه عليه، هي المعارف الشائعة الموجودة لدى الناس أو إنّها تختلف عن معارفنا؟

وهل إنّ تعليم تلك المعارف والعلوم المختزنة لدى أهل البيت عليهم السلام غير ضروريّ بل غير محبّذ؟ أو إنّه لا يكون واحداً ممّا تقدّم وإنّ الأئمّة عليهم السلام لم يهتمّوا لهذه المعارف؟

وهل من المعقول أنّ من لا يتوانى في بيان الآداب المستحبّة للنوم والأكلّ وبيت الخلاء و... قد غفل عن بيان المعارف الإلهيّة الّتي هي منتهى أمل الأولياء؟

والأغرب من ذلك أنّ بعض هؤلاء المعترضين الرافضين لهذه المعاني الدقيقة قد تناولوا الأخبار الفقهيّة المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ودقّقوا فيها بدرجة يعجز عن فهمها العقل فضلاً عن العرف، وينسبون المعنى العميق الّذي استخلصوه إلى الارتكاز العرفيّ رغم أنّه من المسلَّم به أنّ فهم الأخبار الفقهيّة موكول إلى العرف. ومن يُنكر ما ذكرته، فعليه مراجعة المباحث الّتي وردت في قاعدة (على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي) وأمثالها من القواعد الفقهيّة الكليّة وخاصّة المرتبطة منها بالمعاملات، حتّى يفهم مستوى التعمّق والتدقيق في كلّمات الأئمّة عليهم السلام في الأحكام وفروع الدين.
 
 
 
 
 
 
 
34

30

في معنى الفطرة

 وعلى أيّ حال إنّ البحث قد خرج من أيادينا، والقلم قد تمرَّد علينا، والكاتب يُشهد الله عزَّ وجلّ على أنه لا يقصد من هذا الكلام إلاَّ تعريف إخوانه في الله بالمعارف الإلهيّة. وأستغفر الله من الزَلل والفشل والكسل، والحمد لله أوّلاً وآخراً.


في بيان المقياس في الصفات الثبوتيّة والسلبيّة

إنّ المقياس في الصفات الثبوتيّة للذّات المقدّس الواجب جلّ اسمه، والصفات السلبيّة، هو أنّ كلّ صفة من الأوصاف الكماليّة، والنعوت الجماليّة الّتي تعود إلى حقيقة الوجود وذاته الصرف، من دون أن تتعيّن بتعيّن، وتوجد في عالم دون آخر، تعود لهويّة الوجود وذاته النوريّة، وتُعتبر من الصفات اللازمة الثبوت والواجبة التحقّق، للذات المقدّس تعالى شأنه، لأنّ هذه الصفات لو لم تثبت للذّات المقدّس للزم إمّا أن لا يكون الذات المتعالي، وجوداً صرفاً ومحضاً، أو لا يكون الوجود الصرف محض كمال وجمال. وهذان الأمران باطلان لدى العرفاء والحكماء. كما تقرّر في محلّه.

وإنّ كلّ صفة ونعت لا تثبت للموجود، إلاّ بعد تنزّله إلى منزلة من منازل التعيّنات، وتَقارُنِه بشكل من أشكال التقييد، وتعانقه بمرتبة من مراتب القصور، وتلازمه مع حدّ من حدود الوهن والفتور. ومجمل القول إنّ كلّ صفة لا تُعدّ من حقيقة الوجود، بل كانت راجعة إلى الماهيّة، لكانت من الصفات المسلوبة الّتي يمتنع تحقّقها في الذات الكامل المطلق، لأنّ الذات الكامل المطلق والوجود الصرف كما يكون مصداقاً
 
 
 
 
 
 
 
37

31

في معنى الفطرة

  للكمال الصرف، يكون مصداقاً لسلب النقائص والحدود والأعدام والماهيّات.


هذا الكلام وما اشتهر لدى المحقّقين من أنّ جميع الصفات السلبيّة، تعود إلى سلبٍ واحد وهو سلب الإمكان، لا يكون سديداً وصائباً لدى الكاتب، فكما أنّ ذاته المقدّس سبحانه يكون مصداقاً ذاتيّاً حقيقيّاً لكلّ واحد من الصفات الكماليّة، من دون أن يرجع بعضها إلى بعضها الآخر ـ كما بيّناه سابقاً ـ فكذلك يكون الذات المقدّس مصداقاً بالعرض لكلّ واحد من الصفات السلبيّة أيضاً.

ولا نستطيع أن نقول إنّ الأعدام والنقائص حيثيّة واحدة وإنّه (لا مَيْزَ في الأعدام)، لأنّنا إذا درسنا هذا الموضوع على أساس الواقع ونفس الأمر، فكما أنّ العدم المطلق حيثيّة واحدة رغم كونه كلّ الأعدام، فكذلك الوجود المطلق أيضاً حيثيّة واحدة وكلّ الكمالات، فلا نستطيع إثبات صفة للحقّ سبحانه، في مرحلة اعتبار الأحديّة، وغيب الغيوب، لا الصفات الحقيقيّة الثبوتيّة، ولا الصفات السلبيّة الجلاليّة.

وإذا درسناه على أساس مقام الواحديّة وجمع الأسماء والصفات، فكما أنّ الصفات الثبوتيّة الكماليّة متكثّرة ومتعدّدة، كانت الصفات السلبيّة متكثّرة أيضاً لأنّ في مقابل كلّ صفة كماليّة، صفة ناقصة مسلوبة. فالذات المقدّس سبحانه كما يكون مصداقاً للعالم بالذات، يكون مصداقاً لعدم كونه جاهلاً بالعرض. وكما يكون قادراً يكون ليس بعاجز، وكما تقرّر في علم الأسماء، أنّ للأسماء والصفات الثبوتيّة اعتبار المحيطيّة والمحاطيّة والرئاسة والمرؤوسيّة، فكذلك تكون للأسماء والصفات السلبيّة هذه الاعتبارات بالتبع أيضاً.
 
 
 
 
 
 
36

32

في معنى الفطرة

 ومجمع الحديث أنّه بعدما اتضح المقياس في الصفات الثبوتيّة والسلبيّة، نستطيع أن نفهم أنّ الحركة الّتي تتقوّم بالقوّة والهيولى، وأنّ الحدوث والتجدّد المتغلغل في ذات القوّة، لا تتسرّب إلى ذاته المقدّس جلّ جلاله.

 
والتكلّم بمعناه الدارج العرفيّ الّذي يكون محلاً لسؤال الراوي في الحديث الشريف1 فهو صفة محدثة متجدّدة يتنزّه الحقّ المتعال ويتبرّأ منها. وهذا لا يتهافت مع إثبات الكلام والتكلّم الذّاتي للحقّ سبحانه وتعالى في مقام الذات على نحو ينسجم مع تنزّهه سبحانه عن التجدّد وبراءته من الحدوث.
 
وخلاصة هذا البحث الشريف أنّ حقيقة التكلّم لا تتوقّف على خروج الأحرف من المخارج الخاصّة في الحنجرة والفم. وما هـو الشائع لدى أبناء اللغة وعرف الجمـهور مـن النـاس مـن أن التكلّـم يتقيد وينصرف إلى خروج الأحرف الأبجديّة من مخارجها، فهو ناتج عن العادة وأنس ذهن الناس بمثل هذا التفسير. وقد ساعد أوهام الناس وأفكارهم على ذلك. وأمّا أصل معنى التكلّم فـلا يتقيّـد بالأحرف أبداً.
 
إنّ حقيقة العلم عبارة عن ظهور الشيء لدى العالم، من غير أن
 
 
 

1- إشارة إلى الحديث الوارد عن أبي بصير حيث قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم. والسمع ذاته ولا مسموع. والبصر ذاته ولا مبصر. والقدرة ذاته ولا مقدور. فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور. قال: قلت: فلم يزل الله متحرّكاً؟ قال عليه السلام : تعالى الله عن ذلك، إنّ الحركة صفة محدَثة بالفعل. قال: فقلت: فلم يزل الله متكلّماً؟ فقال: إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة كان الله عزّ وجلّ ولا متكلّم". أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح1.
 
 
 
 
 
 
 
37

33

في معنى الفطرة

  يتقيّد بالإدراك بواسطة الأدوات البادية الظاهرة مثل الدماغ أو الآلات المعنويّة مثل الحسّ المشترك والخيال. فإذا فرضنا أنّ شخصاً قد حصل على العلم بشيء بواسطة يده أو رجله أو رأى شيئاً أو سمع صوت شيء، لصدق عليه العلم والسمع والبصر. وهكذا إذا رأى في عالم الرؤيا شيئاً أو سمع صوت شيء أو تكلّم أو أحسّ، لصدق عليه أنّه رأى وسمع وتكلّم وأحسّ حقيقة، من دون شائبة المجاز، مع أنّ الرؤيّة والسمع والتكلّم والإحساس قد تمرّ من دون الاستعانة بالأدوات الحسيّة الخاصّة الّتي تُستعمل في هذه الموارد حالة اليقظة. فالمقياس في صدق الرؤية والتكلّم والسمع والإحساس هو نفس الإدراك الخاصّ.


وحقيقة التكلّم هي إظهار المكنون في الخاطر وإبراز ما في الضمير من دون أن يكون لآلة خاصّة دورٌ في ذلك. ولو فرضنا أنّ إطلاق التكلّم والسمع والبصر على حصول العلم من دون الاستعانة بآلاتها، كان مجازاً في اللغة ولدى العرف، ولكنّ حقيقة معاني هذه الأمور ـ نفس الحقائق ـ لم تكن مقيّدة بالأدوات الخاصّة ويكون السمع والبصر والتكلّم و... صادقاً عليها عقلاً. ولا يكون البحث في باب الأسماء والصفات بحثاً لغويّاً، بل المقصود هو إثبات نفس الحقائق حتّى إذا لم تسعف اللغة والعرف بذلك.

إذاً نقول إنّ حقيقة الكلام هي إظهار ما في الضمير، عبر الأدوات المادّيّة الحسيّة أو من دونها، وسواء كان الكلام من مقولة الصوت واللفظ والنفس المتصاعد من الداخل والرئة أو لا. وعليه يكون الكلام من الأوصاف الكماليّة للوجود، لأنّ الظهور والإظهار من حقيقة الوجود 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

34

في معنى الفطرة

  ويعودان إلى حقيقة الوجود. وكلّما كان الوجود أكمل وأقوى كلّما كان الظهور والإظهار أكثر، إلى أن يصل الأمر إلى الأفق الأعلى والمقام الواجب الأسنى، الّذي هو نور الأنوار ونور على نور، وظهور على ظهور. وبواسطة الفيض المقدّس وكلمة (كُنْ الوجُوديّة) يتمّ إظهار ما في الغيب من مقام الواحديّة. ومن خلال الفيض الأقدس والتجلّي الذاتيّ الأحديّ، يتمّ إظهار الغيب المطلق، ومقام اللامقام من الأحديّة. وفي هذا التجلّي الأحديّ يكون المتكلّم: هو الذّات المقدّس الأحديّ، والكلام: هو الفيض الأقدس والتجلّي الذّاتي، والسامع: الأسماء والصفات. وبنفس هذا التجلّي تتمّ طاعة تعيّنات الأسماء والصفات وتتحقّق علميّاً. وفي التجلّي الواحديّ بالفيض المقدّس يكون المتكلّم الذّات المقدّس الواحد المستجمع لجميع الأسماء والصفات، والكلام نفس التجلّي، والسامع والمطيع هما تحقيق الأعيان العلميّة، الملازمة للأسماء والصفات والّلذان يتحقّقان بواسطة أمر "كُن" تحقّقاً خارجيّاً عينيّاً "فإِذَا قَالَ لِكلّ عَيْنٍ أرَادَ إيجادَهَا: كُنْ، فَيُطِيعُ الأمْرَ الإلهيَّ فَيَكُونُ ويتحقَّقُ".


ولم نستعرض الشواهد النقليّة في هذا الموضوع ولم نتطرّق إليها. والحمد لله أوَّلاً وآخراً.

في بيان أنّ لأسماء الحقّ سبحانه مقامين

اعلم أنّ لمشيئة الحقّ المتعالي جلّت عظمته، بل لكلّ الأسماء والصفات مثل العلم والحياة والقدرة وغيرها، مقامين.

أحدهما: مقام الأسماء والصفات الذاتيّة. وقد ثبت بالبرهان أنّ الذّات المقدّس الواجب الوجود بحيثيّة واحدة، وجهة بسيطة محضة،
 
 
 
 
 
 
 
39

35

في معنى الفطرة

  مستجمع لجميع الأسماء والصفات، وعين كلّ الكمالات. وإنّ جميع الكمالات والأسماء، وصفات الجمال والجلال يعود إلى حيثيّة الوجود البسيطة. وكلّ ما هو وراء الوجود فهو نقص وقصور وعدم، وحيث إنّ ذاته المقدّس صرف الوجود ووجود صرف، كان صرف الكمال وكمالاً صرف "عِلمٌ كلّهُ، قُدْرَةٌ كلّهُ، حياةٌ كلّهُ".

 
ثانيهما: مقام الأسماء والصفات الفعليّة، الّذي هو مقام الظهور بالأسماء والصفات الذاتيّة، ومرتبة التجلّي بالصفات الجماليّة والجلاليّة. وهذا المقام هو مقام معيّة القيوميّة، ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ1، ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ2، ومقام وجه الله﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ3، ومقام النوريّة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ4، ومقام المشيئة المطلقة ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ5، ﴿خَلَقَ الله المَشِيئةَ بِنَفْسِهَا ثمّ خَلَقَ الأشياءَ بالمشيئةِ6، ولهذا المقام اصطلاحات وألقاب أخرى على ألسنة أهل الله.
 
وقد أُشير إلى هذين المقامين في الآية الشريفة من الكتاب الإلهيّ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ7.
 
ومجمل القول إنّ مقام المشيئة الفعليّة المطلقة، ذو إحاطة قيوميّة
 
 
 

1- سورة الحديد، الآية: 4.
2- سورة المجادلة، الآية: 7.
3- سورة البقرة، الآية: 115.
4- سورة النور، الآية: 35.
5- سورة الدهر، الآية: 30.
6- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 110.
7- سورة الحديد، الآية: 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
40

36

في معنى الفطرة

  لجميع الموجودات المُلكيّة والملكوتيّة، وإنّ جميع الموجودات من ناحيّةٍ تكون من تعيّناته، ومن ناحيّةٍ أخرى تكون من مظاهره. وقد تكلّم هذا الحديث الشريف، عن مقام المشيئة الفعليّة والمظهريّة، وفناء مشيئة العباد في ذلك، بل مظهريّة ومرآتيّة العباد وجميع شؤونهم عن ذلك قائلاً: "يَا ابْنَ آدمَ بِمَشِيئَتُي كُنتَ أَنْتَ الّذي تَشاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشاءُ، وبِقُوَّتِي أدَّيتُ فَرائِضِي وَبِنِعْمَتي قَويت على مَعْصِيَتِي، جَعَلْتكَ سميعاً بصيراً قويّاً"1.

 
إنّ ذاتك وكمالات ذاتك بمشيئتي وقوّتي، بل إنّك بنفسك وكمالاتك من مظاهر وتعيّنات مشيئتي ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى2.
 
ولهذا الموضوع العرفانيّ شواهد كثيرة من القرآن والسنّة، لا حاجة لذكرها. ويرى الشيخ الجليل السهرورديّ الإشراقيّ أنّ العلم التفصيليّ للحقّ المتعالي بالأشياء هو هذا المقام من العلم الفعليّ. وتبعه في هذا الموضوع المحقّق الطوسي. ويرى صدر المتألّهين أنّ العلم التفصيليّ هو مقام الذات البسيط، ولا يوافق قدس سره هذين الجليلين على موقفهما بصورة مطلقة.
 
وأرى أنّ جوهر كلامهما واحد، وأنّ النزاع لفظيّ، ولا يناسب المقام بيان ذلك.
 
وتبيّن من هذا العرض أنّ كلّ ما يحصل في هذا العالم الوجودي سواء كان من الجواهر القدسيّة الإلهيّة أو الملكيّة الطبيعيّة أو الأعراض
 
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 152.
2- سورة الأنفال، الآية: 17.

 
 
 
 
 
 
41

37

في معنى الفطرة

  أو كان من الذوات والأوصاف والأفعال، فإنّ كلّ ذلك يتحقّق بقيّوميّة الحقّ سبحانه وتعالى ونفوذ قدرته وإحاطة قوّته. وعليه يصحّ القول ﴿بِقُوّتي أدَّيْتَ فَرائِضي. ومقام المشيئة المطلقة هذه، هو مقام الرحمة الواسعة والنعمة الجامعة كما يقول ﴿وَبِنِعْمَتي قَويتَ على مَعْصِيَتِي.


في بيان أنّ العلم بحقيقة الأسماء والصفات غير ميسور

لا يخفى على أحد أنّ استيعاب حقيقة أوصاف الحقّ، والإحاطة بها وبكيفيّتها، من المسائل الّتي تكون يد البرهان قاصرة عن الوصول إلى قممها، وآمال العارفين مقطوعة عن البلوغ إلى مغزاها. وما ذُكر من البراهين والآراء الدقيقة على يد علماء الحكمة والفلسفة أو في أبحاث الأسماء والصفات لأرباب المصطلحات العرفانيّة، يكون صحيحاً حسب مسلكهم ومبادئهم الّتي ينطلقون منها. ولكنّ نفس العلم حجابٌ غليظ، فإذا لم يُخرق هذا الحجاب بتوفيقٍ من الله سبحانه في ظلّ التقوى الكاملة والترويض المجهد للنفس والانقطاع التامّ لله والمناجاة الصادقة معه، لم تُشرق في قلب السالك أنوار الجمال والجلال، ولم يشهد قلب المهاجر إلى الله المشاهدات الغيبيّة، ولم يتمتّع بالحضور العينيّ لتجلّيات الأسماء والصفات، فضلاً عن الحظوة بالتجلّيات الذاتيّة. وهذا المعنى يجب أن لا يُحجم الإنسان عن البحث والطلب الّذي هو تذكّر للحقّ سبحانه. إذ إنّ من النادر جدّاً، غرس الشجرة الطيّبة للمعرفة في القلب أو إنعاشها ونضارتها من دون بذر علوم حقّة مع كافّة شرائطها المعهودة، فالإنسان لا بدّ وأن يواظبَ في بدء الأمر
 
 
 
 
 
 
 
 
42

38

في معنى الفطرة

  على الرياضة العلميّة مع النهوض بجميع شرائطها ومتمّماتها، ولا يسحب يده منها حيث قالوا: "العلوم بذر المشاهدات". وإن لم تنتج العلوم في هذا العالم من جرّاء العوائق، نتيجة مجديَة وتامّة، لأثمرت في عوالم أخرى ثمرات طيّبة، ولكنّ المهم هو النهوض بشرائطها ومقدّماتها.

 
وقد تحدّثنا عن بعض الشرائط والمقدّمات لدى شرحنا لبعض من الأحاديث المتقدّمة.
 
إنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف
 
بالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل أفضل المحدّثين محمّد بن يعقوب الكلّينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن ربعيٍّ، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ لا يُوصف، وكيف يُوصف وقال في كتابه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ1 فلا يوصف بقدر إلّا كان أعظم من ذلك. وإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يُوصف، وكيف يوصفُ عبدٌ احتجب الله عزّ وجلّ بسبع، وجعل طاعته في الأرض كطاعته في السماء فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا2 ومن أطاع هذا فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني، وفوّض إليه. وإنّا لا نوصفُ، وكيف يوصف قومٌ رفع الله عنهم الرجس وهو الشكّ. والمؤمن لا يوصف وإنّ المؤمن ليلقى أخاه فيُصافحه فلا يزال الله ينظُرُ إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر"3.
 
 
 

1- سورة الأنعام، الآية: 91.
2- سورة الحشر، الآية: 7.
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 183.
 
 
 
 
 
 
 
43

39

في معنى الفطرة

 الشرح:

 
قوله عليه السلام: و"وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ" يقول الجوهريّ: "القدر كون الشيء مساوياً لغيره بلا زيادة ولا نقصان وإنّ "قَدَر" بفتح الدال وسكونها مصدر ومعناها واحد. يقول الله سبحانه ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ1. أي ما عظّموا الله حق تعظيمه". انتهى.
 
يقول الكاتب الظاهر إنّ القدر بمعنى كون الشيء مساوياً لغيره، وهو كناية عن عدم القدرة على توصيف الله وتعظيمه كما يجدر به سبحانه، و(قدره) وإن كان وصفاً موصوفاً في قالب الوصف، وسنشير إلى أنّ هذا التعبير من غير الحقّ المتعالي تجاه ذاته المقدّس غير ميسور ولا جائز.
 
قوله عليه السلام: "فلا يوصَفُ بِقَدْرٍ" قال المرحوم المجلسيّ رحمه الله "كان خصّ القدرة بالذكر لأنّها الّتي يمكن أن تُعقل في الجملة من صفاته سبحانه وتعالى، أو هو على المثال ويمكن أن يقرأ بالفتح أي بَقدر كما ورد في حديث آخر، وهو أصوب". وفي كتاب "الوافي" "بِقُدْرَةٍ" ولعلّه يكون بقدرِهِ مع الهاء، كما ورد في بعض النسخ. وأمّا "بِقُدرَةٍ" مع التاء فمن المظنون بل المقطوع به أنّه من الأغلاط المطبعيّة، وذلك لعدم صيرورة المعنى واضحاً، ولعدم صحتها ـ القدرة ـ حسب ألفاظ الحديث حيث يعود إليها الضمير المذكور، وتأويل ذلك على خلاف القاعدة.
 
وإنّما التجأ المرحوم المجلسيّ إلى ما نقلنا عنه، لكونه من باب
 
 
 

1- سورة الأنعام، الآية: 91.
 
 
 
 
 
 
44

40

في معنى الفطرة

  ضيق الخناق، مع أنّه لا وجه للتفرقة بين إمكان تعقّل قدرة الحقّ إجمالاً حيث قال "لأنّها الّتي لا يُمكن أن تُعقل في الجملة من صفاته سبحانه" وعدم إمكان تعقّل بقيّة صفاته سبحانه، ولهذا نرى أنّ مثل هذا التبرير للتفرقة لم يكن موجّهاً حتّى عنده أيضاً. قال "وقد مرّ هذا الجزء من الخبر من كتاب التوحيد وفيه بقدر وهو أصوب".


قوله عليه السلام "تتحاتُّ" قال الجوهري في الصحاح: "الحتُّ: حكُّ الورَقِ من الغُصْنِ" وقال "تحاتَّ الشيء: تناثَرَ".

ونحن نشرح ما يتناسب مع هذا الحديث الشريف في فصول عدّة.

في بيان المقصود من عدم توصيف الحقّ المتعالي

اعلم أنّ ما ورد في هذا الحديث الشريف: "إنّ الله عزّ وجلّ لا يوصف" إشارة إلى أوصاف وصفها بعض أهل الجهل والجدل من المتكلّمين، للحقّ المتعال. واستدعت هذه الأوصاف التحديد والتشبيه، بل التعطيل كما أشير الى ذلك في الحديث بقوله تعالى: "وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ".

وفي باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى من كتاب "الكافي" المبارك روايات تدلّ على ذلك.

بإسناده عن عبد الرَّحيم بن عتيكٍ القصير قال: "كَتبْتُ على يديْ عبدِ الملكِ بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام: إنَّ قوماً بالعراقِ يصفونَ الله بالصُّورةِ وبالتَّخطيط، فإِن رأيْتَ جعلني الله فِداكَ أن تكْتُبَ إليَّ بالمذْهبِ الصحيحِ في التوحيد. فكتَب إليَّ: سألْتَ إليَّ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

41

في معنى الفطرة

  رحِمَكَ الله عنِ التوحيدِ وما ذهبَ إليهِ من قبلك، فتعالى الله الّذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ، تعالى الله عمَّا وَصَفَهُ الوَاصِفُونَ المُشَبِّهُونَ الله بِخَلْقِهِ المُفْتَرُونَ على الله.

 
فاعلَمْ ـ رَحِمَكَ الله ـ أنَّ المَذْهَبَ الصحيحِ في التَّوحيدِ ما نَزَلَ به القُرآنُ من صِفَاتِ الله تعالى، فانْفِ عن الله البُطلانَ والتَّشبيهَ، فلا نَفْيَ ولا تشبيهَ، هو الله الثَّابِتُ الموجودُ، تعالى الله عمّا يصِفُهُ الواصِفُونَ، ولا تَعْدُوا القُرآنَ فَتَضِلُّوا بعد البيانِ"1.
 
وبعد التدبّر في صدر هذا الحديث الشريف وذيله، يُفهم أنّه ليس المقصود من نفي توصيف الحقّ سبحانه عدم التفكّر في صفات الحقّ المتعالي، وعدم توصيفه بصورة مطلقة، كما قال به بعض المحدّثين الأجلاّء، إذ ورد في هذا الحديث وفي غيره من الروايات الأخرى الأمر بنفي التعطيل والتشبيه عنه سبحانه، وهذا النفي لا يكون إلاّ بعد الوقوف على الصفات واستيعابها. بل المقصود لدى أبي عبد الله عليه السلام هو عدم توصيفه بما لا يليق بذاته المقدّس الحقّ المتعالي، مثل إثبات الشكلّ والطول والعرض وغيرها من صفات المخلوقين، الّتي تُلازم الإمكان والنقص، تعالى الله عنه.
 
وأمّا توصيف الحقّ المتعالي، بما يليق ويجدر بذاته المقدّس، والّذي أقيمت عليه البراهين الصحيحة في العلوم العالية الفلسفيّة، فهو أمر مطلوب، فإنّ كتاب الله سبحانه وسنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحاديث أهل البيت عليهم السلام مشحونة من ذلك، كما أنّ الإمام الصادق عليه السلام لمَّح
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 100.
 
 
 
 
 
 
 
 
46

42

في معنى الفطرة

  فـي هذا الحديث الشريف إلى أنّ المقياس ـ في إثبات الأوصاف للحقّ سبحانه ـ هو البرهان الصحيح ولا يكون البحث في ذلك من ضمن مقصدنا.

 
وما أمر به الإمام الصادق عليه السلام في توصيف الحقّ سبحانه، من لزوم عدم الخروج عمّا في القرآن الكريم بقوله: "إنَّ المَذْهَب الصَّحيحَ في التَّوحيدِ ما نزلَ به القُرآن من صِفات الله" توجيه لمن لا يستوعبون المقياس من صفات الله سبحانه، وليس بمنع توصيف الله سبحانه بصفات لم تذكر في كتاب الله، ولهذا نرى أنّ الإمام صلوات الله عليه الّذي أمر عبد الله بن عليّ بعدم توصيفه بوصف غير مذكور في كتاب الله ينعت بنفسه الحقّ بصفتين لم يردا في القرآن الكريم وهما الثابت والموجود.
 
نعم، إذا أراد شخص أن يصف الحقّ المتعالي بوصف من وحي عقله القاصر المشوب بالأوهام، من دون أن يستنير بنور المعرفة والسداد الغيبيّ، لسقط إمّا في ضلال التعطيل والبطلان، وإمّا في هلاك التشبيه، فعلى أمثالنا الّذين أُسدلت على قلوبهم ستائرُ وحجبٌ غليظة من الجهل والأنانيّة والعادات البشعة والخلق الغليظ الفظّ، أن لا نتطرّق إلى عالم الغيب، ولا ننعت إلهاً على ضوء إدراكنا، لأنّ ما يخطر ببالنا لا يكون إلاّ مخلوقاً لنا.
 
ولا يخفى أنّ المقصود من منع أمثالنا التطرّق إلى عالم الغيب، ليس هو الإبقاء في عالم الجهل والأنانيّة أو والعياذ بالله دعوة الناس
 
 
 
 
 
 
 
47

43

في معنى الفطرة

  إلى الإلحاد بأسماء الله ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ1، أو المنع من الوقوف على المعارف الإلهيّة الّتي هي عين الأولياء ومصباحهم وأساس الديانات وقاعدتها، بل إنّ نفس هذا الكلام ـ الكفّ عن التطرّق لعالم الغيب ـ دعوة لإزالة هذه الحجب الغليظة، والانتباه إلى أنّ الإنسان ما دام ساقطاً في شباك حبّ الجاه والمال والدنيا والنفس، ويكون مَثَلُهُ، مثل الكاتب القابع خلف حُجُبِ الجهل والضلال والعُجب والأنانيّة الّتي هي أغلظ الحجب، يكون بعيداً عن معارف الحقّ، ومحروماً من الوصول إلى هدفه ومبتغاه. وإذا لم تصله ـ والعياذ بالله ـ نجدة غيبيّة من الحقّ المتعالي أو أوليائه الكاملين، لما عرف المصير والنهاية لهذا المسير والحركة. 

 
اللهمَّ إِلَيْكَ الشَّكْوَى وأَنْتَ المُسْتَعانُ.
 
إلهنا: نحن التائهون في عالم الجهل، والمتحيّرون في وادي الضلال، والمثقلون بالعُجب والأنانيّة، نحن الّذين قدمنا على عالم المُلك والمادّة، عالم الظلام، من دون أن نفتح أعين بصيرتنا، ونشهد جمالك المنير في مرائي الصغار والكبار، ونرى بصيصاً من نورك الظاهر في أقطار السماوات والأرضين، ثمّ عشنا أيّام حياتنا بعيون عمياء، وقلوب مهجورة، وأمضينا عمرنا في جهل وغفلة.
 
إلهنا: إن لم تُسعفنا وتسعنا رحمتك الواسعة، وعنايتك اللامتناهيّة، وإن لم تلقِ في قلوبنا حرارة الحبّ وفي صدورنا العشق وفي أعماقنا الجذبات الروحيّة، لبقينا إلى الأبد في هذه الحيرة، ولما استطعنا أن
 
 
 

1- سورة الأعراف, الآية: 180.
 
 
 
 
 
 
48

44

في معنى الفطرة

  نشقّ طريقنا، ولكن "ما هكذا الظَّنُّ بِك" إنّك قد ابتدأت بالنعم وإنّ رحمتك قديمةٌ لا مثيل لها.

 
إلهنا: تفضّل علينا وكن في عوننا، واهدنا إلى أنوار جمالك وجلالك، وأنر قلوبنا بضياء أسمائك وصفاتك.
 
في بيان عينيّة صفات الحقّ سبحانه مع الذات المتعالي
 
اعلم أنّه قد أُشير في هذا الحديث الشريف 1 إلى عينيّة الذات المقدّس للحقّ مع الصفات الكماليّة الحقيقيّة، مثل العلم والقدرة والسمع والبصر. وهذا من المباحث المهمّة الّتي يكون الإسهاب فيها خارجاً عن حدود هذا الكتاب. ونحن نشير إلى المذهب الحقّ الموافق للبراهين السديدة للفلاسفة والمطابق لمنهج أهل المعرفة.
 
اعلم أنّه قد ثبت في محلّه، أنّ ما هو من سنخ الكمال والجمال والتمام، فهو راجع إلى عين الوجود، وحقيقته، وأنّ الشيء الوحيد الأصيل الشريف في هذا الكون الّذي يكون مصدراً لكلّ الكمالات عين حقيقة الوجود، وذلك أنّه إذا لم تكن الكمالات عين حقيقة الوجود وكانت مغايرة في حاقّ الواقع مع حقيقة الوجود، للزم تحقّق أصلين في عالم الوجود، ولبعث على مفاسد كثيرة. فكلّ ما يكون كمالاً، لا يكون بحسب المفهوم والماهيّة كمالاً، وإنّما يكون كمالاً بواسطة تحقّقه وتحصّله في عالم الأعيان، وما هو موجود ومتحقّق في حاقّ الأعيان ونفس الأمر هو أصل واحد، وهو الوجود، فيعود كلّ ما هو كمال إلى أصل واحد وهو حقيقة الوجود.
 
 
 

1- إشارة إلى الحديث الوارد في هامش الصفحة: 37.
 
 
 
 
 
 
 
 
49

45

في معنى الفطرة

 وقد ثبت أيضاً أنّ حقيقة الوجود، أمرٌ بسيط من جميع الجهات، وبريءٌ من التركيب بصورة مطلقة، ما دام محافظاً وباقياً على ذاته الأصيلة، وحقيقته الخالصة. وإذا تنزّل عن أصالته وحقيقته، لغدا مركّباً عقليّاً أو خارجيّاً حسب مقامه ومنزلته. فهو بسيط ذاتاً ومركّب نتيجة طروء أمر غريب عرضيّ خارج عن ذاته. وتستفاد من هذا البيان المذكور، قاعدتان:

 
القاعدة الأولى: أنّ البسيط من جميع الجهات هو بنفسه جميع الكمالات من حيثيّة واحدة، وجهة فريدة، فمن الحيثيّة التي بها صار البسيط من جميع الجهات موجوداً، يكون عالماً وقادراً وحيّاً ومريداً، ويصدق عليه جميع الأسماء والصفات الجماليّة والجلاليّة، فهو عالم من حيث إنّه قادر، وقادر من حيث إنّه عالم من دون أدنى اختلاف اعتباريّ حتّى لدى العقل. وأما تغاير مفاهيم الأسماء، والموضوع له الألفاظ في اللغة، والّتي تكون مفاهيم عقليّة متصوّرة على نحو لا بشرط ـ من دون تقييدها بالمدلول البسيط أو المركّب ـ أمّا هذا التغاير فلا يتسرّب إلى الحقيقة العينيّة. ومن الواضح أنّ المفاهيم المختلفة للكمال، تُنتزع من شيءٍ واحد، بل حسب البيان المتقدم "أنّ بسيطَ الحقيقة، بسيطٌ من جميع الجهات". وعليه لا بدّ من انتزاع كلّ المفاهيم الكماليّة من حيثيّة واحدة. وإذا انتزعت مفاهيم الكمال من حيثيّات مختلفة ومصادر متعدّدة كما هو شأن بعض الممكنات، لكان هذا التغاير أمراً عرضاً طارئاً وناتجاً من تنزّل حقيقة الوجود، وتشابكه مع العدم بالعرض.
 
 
 
 
 
 
 
50

46

في معنى الفطرة

 القاعدة الثانية: إنّ الكامل من جميع الجهات وإن ما هو صرف الكمال والخير لا بدّ وأن يكون بسيطاً من جميع الجهات.

 
وتُستفاد أيضاً بالتبع قاعدتان هما:
 
إنّ المركب مهما كان نوعه، لا يكون كاملاً من جميع الجهات، إذ إنّ النقص والعدم قد تسرّبا إليه.
 
وإنّ الناقص لا يكون بسيطاً بصورة مطلقة.
 
إذن، لمّا كان الحقّ المتعالي بسيطاً تاماً، وبعيداً كلّ البعـد عمـا يستلزم الإمكان والفقر والتعلّق بالآخر، كان كاملاً من جميع الجهات، ومشتملاً على جميع الأسماء والصفات، وحقيقة أصيلة، ووجوداً صريحاً من دون أن يخامره غير الوجـود، ويخالـط الكمـال غـير الكمال، فهو وجودٌ صرف، إذ لو تدخّل غير الوجود فيه لتحقّق شرّ التراكيب وهو عبارة عن التركيب بين الوجود والعدم. فهو صرف العلم وصرف الحياة وصرف القدرة وصرف البصر والسمع وكافّة الكمالات. وعليه يصحّ كلام الإمام الصادق عليه السلام: "والعِلْمُ ذاتُهُ والقُدْرَةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ ذاتُهُ".
 
نقل وتحقيق في كلام الفلاسفة في تقسيم أوصاف الحقّ عزّ وجلّ
 
اعلم أنّ الفلاسفة الإلهيّين الحكماء، قد قسّموا صفات الحقّ سبحانه على أقسام ثلاثة:
 
الأوّل: الصفات الحقيقيّة. وصنّفوها إلى صنفين:
 
أ- الصفات الحقيقيّة المحضة مثل الحياة والثبات والبقاء والأزليّة وأمثال ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
51

47

في معنى الفطرة

 ب- الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، مثل العلم والقدرة والإرادة. وهذه الصفات قد أُضيفت إلى شيء آخر وهو المعلوم والمقدور والمراد، فلا يكون علم أو قدرة أو إرادة إلاّ إذا كان هناك متعلّق. وهذان الصنفان من الصفات الحقيقيّة، يُعتبران عين الذات.


الثاني: الصفات الإضافيّة المحضة، مثل المبدئيّة والرازقيّة والراحميّة، والعالميّة، والقادريّة وأمثالها.

الثالث: الصفات السلبيّة المحضة، مثل القدوسيّة والفرديّة والسبّوحيّة وأمثالها. ويَعتبر العلماء هذين النوعين ـ الثاني والثالث ـ من الصفات الزائدة على الذّات المقدّس. كما وأنّهم يرجعون جميع الصفات السلبيّة إلى سلب واحد هو سلب الإمكان، وجميع الصفات الإضافيّة إلى إضافة واحدة هي الموجوديّة، ويرون أنّ مبدأ الإضافات يعود إلى الإضافة الإشراقيّة والإفاضة النوريّة ـ صدور المعلول من العلّة ـ.

ولا تكون هذه الأقسام من العينيّة في الصفات الحقيقيّة، والزيادة في الصفات الإضافيّة والسلبيّة، حسب البيان الّذي شرحوه وعلى ضوء البراهين الّتي أقاموها، بصحيحة عندي. كما لا تتطابق مع الأدلّة القويمة الفلسفيّة، والاعتبار العرفانيّ الصحيح. وذلك أنّنا إذا حدّثنا في صفات الله سبحانه، على أساس مفاهيم الأسماء والصفات، وملاحظة المفاهيم المتكثّرة، للزم أن لا نجعل صفة من الصفات ـ حتّى الصفات الحقيقيّة ـ عين ذاته المقدّس. وإذا جعلنا الذات عين مفاهيم الأوصاف الإضافيّة أو السلبيّة، للزم أن يكون الحقّ سبحانه،
 
 
 
 
 
 
 
52

48

في معنى الفطرة

  إضافة محضة وحيثيّة سلبيّة. وكذلك إذا جعلنا الذات عين مفاهيم الصفات الحقيقيّة، للزم أن يكون للحقّ عزّ وجلّ نفس المفاهيم الاعتباريّة والمعاني العقليّة، تعالى عن ذلك.


وإن لاحظنا حقائق الأوصاف ـ لا مفاهيمها ـ والمصداق المتحقّق للأسماء والصفات لكانت الأسماء والصفات الإضافيّة والحقيقيّة بأسرها عين الذات المقدّس، لأنّ المفـرّق بـين العالِميّة والعـالـم، والقادريّة والقادر، اعتباريّ ومفهوميّ، وأنّ الأوصاف الإضافيّة كافّة، تعود إلى الرحيميّة والرحمانيّة الذاتيّتين، حتّى الرازقيّة والخالقيّة وغيرهما.

وأمّا إرجاع جميع الصفات السلبيّة إلى صفة واحدة هي سلب الإمكـان، والصفـات الإضافيّة إلى إضافـة واحـدة هـي الموجوديّة، وعدم إرجاع الأوصاف الحقيقيّة إلى شيء، فكذلك لأنّه إذا بحثنا الموضوع على ضوء المفاهيم، لما عادت صفة من تلك الصفات إلى أخرى، لا في الصفات السلبيّة ولا الصفات الإضافيّة ولا الصفات الحقيقيّة. ولو درسنا الموضوع على أساس الحقائق لا المفاهيـم، لرجعت جميع الأوصاف على ما هي من الأقسام والأنواع إلى صفةٍ واجبةٍ واحدة.

في تحقيق عينيّة الصفات مع الذّات المقدّس

وملخّص الكلام أنّ التحقيق في أوصاف الحقّ سبحانه في ظلّ الفلسفة النظريّة، يفضي إلى القول بأنّ الأوصاف الحقيقيّة والإضافيّة، على ضوء المفاهيم، متغايرة ومختلفة ولا تكون إحداها عين الأخرى. وعلى ضوء الحقيقة والواقع فإنّ جميع الصفات تعود جميعاً إلى الذات
 
 
 
 
 
 
 
53

49

في معنى الفطرة

  المقدّس وتكون عينه. ولكن توجد للأوصاف مرتبتان:

إحداهما: مرتبة الذات والأوصاف الذاتيّة، حيث نستطيع أن ننتزع من هذه المرتبة العلم والعالميّة والقدرة والقادريّة.

ثانيهما: مقام الأوصاف الفعليّة، الّذي يكون أيضاً من انتزاع مفهوم العلم والعالميّة والقدرة والقادريّة.

وأمّا الأوصاف السلبيّة مثل القدّوس والسبّوح والأسماء التنزيهيّة فإنّها من لوازم الذات المقدّس. ويكون الذات المقدّس مصداقاً بالعرَض لتلك الأوصاف السلبيّة، لأنّ الحقّ المتعالي كمالٌ مطلق ويصدق عليه سبحانه الكمال المطلق بالذات ـ لا بالعرَض ـ لأنّه سبحانه أساس الحقيقة وأصلها، ومن لوازمه سلب النقائص، فيكون الكمال مصداقاً عرضيّاً لسلب النقائص.

ويرى أهل المعرفة وأصحاب القلوب أنّ مقام التجلّي بالفيض الأقدس مبدأ للأسماء الذاتيّة. وأنّ مقام التجلّي بالفيض المقدّس، مبدأ للأوصاف الفعليّة، ويعتقدون بأنّ هذا المقام ـ التجلّي بالفيض المقدّس ـ لا يكون (غيراً) ـ غير الذات ـ كما لا يكون (عيناً) ـ عين الذات ـ.

والبحث في هذا الموضوع يُفضي إلى البحث عن الأسماء والصفات على مسلك الفلاسفة، ويخرج عمّا هو مقصود في هذا الكتاب.

لقد أرجع بعض العلماء صفات الحقّ المتعالي إلى الأمور العدميّة، وفسّروا العلم بعدم الجهل، والقدرة بعدم العجز. ورأيت من العرفاء شخصاً يصرّ على هذا المعنى وهو المرحوم العارف الجليل (قاضي سعيد القمّي) حيث يتبع حسب الظاهر أستاذه (رجب علي) بالبيان
 
 
 
 
 
 
 
54

50

في معنى الفطرة

  المذكور في كتاب (شرح التوحيد). ونحن في سالف الزمان قد أجبنا على أدلّته وعلى الأخبار الّتي يتمسك بظاهرها إجابةً حاسمة.

 
في الإحاطة القيوميّة لله تعالى
 
من المحتمل أنّ النبيّ موسى عليه السلام ـ في الحديث المذكورـ يعرض عجزه عن كيفيّة دعائه لله تعالى فيقول: إلهي أنت منزّه عن الاتصاف بالقرب والبعد حتّى أدعوك دعاء من يكون دانياً أو قاصياً، فأنا متردّد في أمري ولا أجد دعاءاً يليق بعظمتك وجلالك، فاسمح لي بأن أناديك، وعلّمني كيفيّة ندائك واهدني إلى ما يتناسب ومقام قدسك في هذا المجال.
 
فأتى الجواب من مصدر الجلال والعزّة: إنّني حاضر حضور القيوميّة في جميع النشآت، وإنّ هذه العوالم بأسرها حاضرة لديّ. أنا جليس من يذكرني ونديم من يتحدّث معي.
 
وبالطبع إنّ ذاته المقدّس لا يتّصف بالقرب والبعد، وإنّ له إحاطة قيوميّة، وسعةً وجوديّة تعمّ جميع دائرة الوجود وكافّة سلسلة الموجودات.
 
وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الإلهيّ الكريم من توصيف
 
 
 
 

1- إشارة إلى الحديث الوارد عن فخر الطائفة وذخرها محمّد بن يعقوب الكليني (رضوان الله عليه) عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام يقول: "مكتوب في التوراة التي لم تُغيّر أنّ موسى عليه السلام سأل ربه فقال: يا ربّ أقريب أنت منّي فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا موسى أنا جليس من ذكرني. فقال موسى: فمن في سترك يوم لا ستر إلّا سترك. فقال: الذين يذكرونني فأذكرهم ويتحابّون فيّ فأحبّهم فأولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوءٍ ذكرتهم فدفعت عنهم بهم". أصول الكافي، المجلد الثاني، الدعاء، باب ما يجب من ذكر الله في كلّ مجلس، ح4.
.
 
 
 
 
 
55

51

في معنى الفطرة

  الحقّ المتعالي بالقرب مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ1، وقوله ـ عزّ من قائل ـ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 2، وغيرهما من الآيات فمن باب المجاز والاستعارة. لأنّ ساحته المقدّسة تتنزّه عن القرب والبعد الحسيّين والمعنويّين. إذ يستلزم ذاك القرب والبعد الحسيّان والمعنويّان نوعاً من التحديد والتشبيه، والحقّ المتعالي منزّه عن ذلك، بل إنّ حضور قاطبة الموجودات أمام وجوده المقدس، حضور تعلّقي، وإحاطة ذاته المتعاليّة بكلّ دقائق الكائنات وسلسلة الموجودات، إحاطة قيّوميّة، وهذا الحضور وهذه الإحاطة يختلفان عن الحضور الحسيّ والمعنويّ وعن الإحاطة الظاهريّة والباطنيّة.

 
 
ويُستفاد من هذا الحديث وبعض الأحاديث رجحان الذكر ـ ذكر الله ـ الخفيّ، واستحباب الذكر السرّي والقلبيّ، كما يقول الله سبحانه أيضاً في الآية المباركة ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً3.
 
وجاء في الحديث الشريف أنّه لا يعلم أحدٌ ثواب ذكر الله سبحانه، إلاّ الله تعالى لعظمته وكِبَره. وقد يكون الإجهاد في الذكر وإظهاره راجحاً في بعض الحالات والمقامات ولدى طروء بعض العناوين، مثل الذكر لدى أهل الغفلة لكي ينتبهوا.
 
ففي الحديث الشريف من الكافي قال أبُو عبدِ الله عليه السلام "الذَّاكر
 
 
 

1- سورة البقرة، الآية: 186.
2- سورة ق، الآية: 16.
3- سورة الأعراف، الآية: 205.
 
 
 
 
 
 
56

52

في معنى الفطرة

  للهِ عزَّ وجلَّ في الغافلين، كالمُقاتل في المُحاربينَ"1.

 
ونقل عن عدة الداعي للشيخ ابن فهد: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : "من ذَكَرَ الله في السُّوقِ مُخْلِصاً عندَ غَفْلَةِ النَّاسِ وشُغْلِهِمْ بما فيهِ، كَتَبَ الله لَهُ ألْفَ حَسَنَةٍ وغَفَرَ الله لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَغْفِرَةً لَمْ تَخْطُرْ على قَلْبِ بَشَرٍ"2.
 
وكذلك يستحبّ الإجهار بالذكر في أذان الإعلام والخطبة وغيرهما.
 
في بيان أنّ العلم قبل الإيجاد
 
ومن الأبحاث الشريفة الّتي أشار إليها هذا الحديث الشريف3 هو علم الله سبحانه بمخلوقاته في الأزل قبل إيجادها. لقد حصل خلافٌ عظيم في أصل هذا العلم وكيفيّته في أنّه يكون على نحو الإجمال أو التفصيل؟ وهل إنّ هذا العلم يكون زائداً على الذات أو عينه؟ وهل هو قبل الإيجاد أو معه؟ وتفصيل ذلك موجود في كتب الفلاسفة. ونحن نقتصر على التحقيق في هذا الموضوع ونتجنّب عرض الأقوال الأخرى ومناقشتها.
 
اعلم أنّه قد ثبت لدى أصحاب البرهان ـ الفلاسفة ـ وأرباب العرفان ـ العرفاء ـ أنّ هذا الحديث الشريف قد أومأ إلى أنّ العلم بالمعلوم قد كان في الأزل قبل الإيجاد، وأنّ هذا العلم عين الذات المقدّس،
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 503.
2- عدّة الداعي، ابن فهد، ص 242.
3- إشارة إلى الحديث الوارد في هامش الصفحة: 37.

 
 
 
 
 
 
57

53

في معنى الفطرة

  وأنّ علمه سبحانه تفصيليّ وليس بإجماليّ حيث قال "والسَّمْعُ ذاتُهُ ولا مَسْمُوع، والبَصَرُ ذاتُهُ ولا مُبْصَرَ". ومن الواضح أنّ البصر والسمع شهود للمبصر والمسموع بصورة تفصيليّة. وأشير أيضاً في هذا الحديث إلى علمه التفصيليّ سبحانه عندما يقول عليه السلام: "فَلمّا أحدَث الأشياء وكانَ المعلومُ، وقعَ العِلْمُ منهُ على المَعْلُومِ ـ إلخ"لأنّه سبحانه لم يجدد علمه بعد الإيجاد، وإنّما وقع العلم منه على المعلوم بعد حدوثه. ونحن سنذكر معنى وقوع العلم على المعلوم.

 
وأمّا بيان هذا الموضوع الإيمانيّ الشريف على مسلك المحقّقين من الفلاسفة فهو أنّه بعد أن تبيّن في الفصل السابق، أنّ الحقّ سبحانه وجودٌ صرف وكمالٌ صرف وأنّ الوجود الصرف مع بساطته ووحدته التامّة، جامع لجميع الكمالات، ومستجمع لكمال جميع الموجودات، وأنّ ما يكون خارجاً عن إحاطته الوجوديّة فهو عدم ونقص وقصور ولا شيئيّة، وأنّ نسبة المراتب الأخرى الوجوديّة إلى ذاته المقدّس نسبة النقص إلى الكمال. بعد هذا نقول إنّ العلم بالكمال المطلق علمٌ بمطلق الكمال من دون نقص وقصور، ومثل هذا العلم، عين الكشف التفصيليّ الكلّي البسيط، من دون أن يخرج من إحاطة علمه، ذرّة من الموجودات، أزلاً وأبداً ومن دون أن تتطرّق إليه سبحانه الكثرة والتركيب.
 
وأمّا على مسلك العرفاء، فهو أنّ الحقّ سبحانه وتعالى مستجمع لجميع الأسماء والصفات، في مقام الواحديّة، ومقام جمع
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 107.
 
 
 
 
 
 
 
58

54

في معنى الفطرة

  الأسماء، وأنّ الأعيان الثابتة لجميع الموجودات، من لوازم الأسماء الإلهيّة في مقام جمع الأسماء في الأزل، قبل الإيجاد. وأنّ التجلّي المطلق للذّات سبحانه من مقام الأحديّة وغيب الهويّة، هو كشف لجميع الأسماء والصفات ولوازمها من الأعيان الثابتة لكافّة الموجودات، بتجلّي واحد، وكشفٍ بسيط مطلق. إذن يتمّ من خلال الكشف العلميّ بواسطة تجلّي الفيض الأقدس، كشف الذات والأسماء والصفات والأعيان، من دون حصول كثرة وتركيب.

 
وهذان المسلكان في منتهى الإتقان والسداد والرفعة. ولكنّه من جهة صعوبتهما، وتوقفهما على استيعاب مبادىء فلسفيّة كثيرة وفهم مصطلحات أهل الله، وأصحاب القلوب ـ العرفاء ـ ومن جهة أنّه لولا معرفة تلك المقدّمات والأنس التام والكامل بها وممارستها وحسن الظنّ الكامل بالعلماء بالله لمَا استفيد شيء من هذه الأبحاث، بل ازداد التحيّر، وتضاعف التعقيد، فالأولى اللجوء في توضيح الموضوع إلى بيانٍ سهلٍ قريب إلى أفهام الناس.
 
فنقول: ـ إنّ عليّة واجب الوجود تعالى شأنه، ومبدئيته، تختلف عن علّيّة الفاعل الطبيعي، حيث إن العلّة الطبيعيّة تركّب المواد الموجودة، وتجزّئها، مثل النجّار الّذي يغيّر القطعة الخشبيّة، فيزيد قطعة وينقص أخرى.
 
ومثل البنّاء الّذي يجمع ويركّب المواد الموجودة، ولكنّ الحقّ المتعالي فاعل إلهيّ يخلق الأشياء بإرادته من دون حاجة إلى مواد أوليّة مسبقة، وإنّ علمه وإرادته علّة ظهور الأشياء ووجودها، فدار التحقّق محاطة بعلمه، وتخرج من غيب الهويّة، عندما يريد الله سبحانه إظهارها ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ1.

 

 
 
 

1- سورة الأنعام، الآية: 59.
 
 
 
 
 
 
 
59

55

في معنى الفطرة

 فجميع العوالم الموجودة محاطة بعلمه، وتظهر منه، وتعود إليه ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ1.

 
وبعبارة أوضح: إنّ العلم بسبب الشيء وعلّته التامّة، يستلزم العلم بذلك الشيء، فإنّ علم المنجّم بالخسوف والكسوف في ساعة محدّدة من يوم معلوم، يكون نتيجة علمه بالأسباب، حيث يرصد حركة الشمس والقمر، وحيلولة القمر بين الأرض والشمس، فيحصل له العلم بالكسوف والخسوف، وإذا كان رصده دقيقاً لما تخلّف الكسوف والخسوف عن علمه.
 
ولمّا كانت حلقات الأسباب والمسبّبات من هذا العالم تنتهي إلى الذّات المقدّس المبدأ لكلّ المبادىء، وكان الحقّ سبحانه عالماً بذاته، وأنّ علمه بذاته الّذي هو سبب لجميع الموجودات، علم بالمسبب أيضاً، ولمّا كانت كذلك، كان الله سبحانه عالماً بتلك الأشياء، وكان علمه بنفسه سبباً لظهور وخلق جميع الأشياء.
 
هذه هي الوجوه المذكورة في المقام لإثبات علمه سبحانه بالأشياء قبل خلقها وإيجادها، ويستطيع كلّ واحد حسب نشأته أن يختار وجهاً منها، رغم أنّ بعض الوجوه أسدّ وأوفى بكلّ المقصود.
 
في معنى سَمَعِ الحقّ سبحانه وبصره
 
من المباحث في باب أسماء الحقّ سبحانه وصفاته، الدائرة بين الفلاسفة العظام، إثبات السمع والبصر للحقّ المتعالي، حيث أرجع
 
 
 

1- سورة البقرة، الآية: 156.
 
 
 
 
 
 
 
60

56

في معنى الفطرة

  جمهور الفلاسفة والمتكلّمين السمع والبصر إلى العلم، ولكنّ الشيخ الجليل السهرورديّ الإشراقيّ، أرجع العلم إلى البصر والسمع على ضوء بيان يسبّب ذكره الخروج عن الاختصار المنشود في الكتاب. ونحن نتولّى بيان المسلك الصحيح والمذهب القيّم كي يتّضح من خلاله الحقّ، في مطلق الأسماء والصفات.


اعلم أنّ كثيراً من الفلاسفة والكبار نتيجة الإهمال والغفلة عن بعض الحيثيّات اختلفوا فيما بينهم، وأرجع كلّ منهم بعض الأسماء والصفات إلى بعضها الآخر، حيث إنّ المعروف والمسلّم به عندهم تفسير إرادة الحقّ تعالى بعلمه سبحانه بالمصلحة والنظام الأتمّ، وإرجاع بعضهم السمع والبصر إلى العلم، وبعضهم الآخر أرجع العلم إلى السمع والبصر.

ولكنّ هذه الآراء والتوجهات مخالفة لما يستدعيه التحقيق، وناجمة عن إهمال الحيثيّات، لأنّه إذا كان المقصود من إرجاع الإرادة، إلى العلم بالمصلحة، أو إرجاع العلم إلى السمع أو السمع إلى العلم، هو أنّ لا إرادة للحقّ سبحانه ولا سمع له ولا بصر وأنّ له سبحانه العلم وأنّ إرادته وسمعه وبصره قد سمّيت بالعلم، فهذا باطل وتَقوّل فظيع على الحقّ سبحانه، لأنه يستلزم أنّ يكون الحقّ المتعالي مبدأ للوجود من دون أنّ تكون له إرادةٌ واختيار.

مضافاً إلى ذلك: إنّ المقياس في باب اتّصاف الحقّ سبحانه بالأوصاف الكماليّة هو أنّ تلك الصفة لا بدّ وأن تثبت للموجود بما أنّه موجود، حتّى تكون الصفة كماليّة، أي تكون الصفة نفس حقيقة
 
 
 
 
 
 
 
 
61

57

في معنى الفطرة

 الوجود، ومن كمالات أصل ذات الوجود. ولا ريب أنّ الإرادة من الصفات الكماليّة للحقيقة المطلقة الوجوديّة. ومن هنا كلّما تنزّل الوجود نحو المنازل السافلة، كلّما ضعفت الإرادة فيه، حتّى يصل إلى درجة تُسلب منه الإرادة، كما هو حال الأمور الطبيعيّة مثل المعادن والنباتات. في حين أنّ الوجود كلّما سَما نحو الكمالات وتصاعد نحو الأفق الأعلى كلّما ظهرت الإرادة فيه أكثر وأقوى، كما نلمس ذلك في تسلسل الموجودات الطبيعيّة حيث إنّه عندما نتجاوز مقام الهيولى والجسم والعنصر والمعدن والنبات تظهر الإرادة والعلم وكلّما صعدنا أكثر كملت هذه الجوهرة أكثر، حتّى أنّ الإنسان الكامل يملك إرادة كاملة ويستطيع أن يحوّل العنصر إلى عنصر آخر فإنّ عالم الطبيعة خاضعٌ لإرادته، فنكتشف أنّ الإرادة من الصفات الكماليّة للوجود، وللموجود بما أنه موجود، ونثبت هذه الحقيقة للذات المقدّس الحقّ من دون رجوع إلى حقيقة أخرى.


وهكذا نجد بعد الدراسات العميقة الجديرة بالإذعان والتصديق، أنّ السمع والبصر من كمالات الموجود المطلق، فإنّ حقيقة السمع والبصر لا تقوم بالأدوات الجسميّة ولا تكون من العلوم الماديّة المرتبطة بالآلات والأدوات، وإنّما تحتاج النفس إلى الآلات عندما تكون في عالم الطبيعة وترتبط بالبدن، حتّى يتمّ ظهور السمع والبصر. كما أنّها في مقام العلم تحتاج أيضاً إلى أداة تدعى بأمّ الدماغ، لكي يتحقّق العلم ويظهر في عالم المُلك والطبيعة، وهذا الاحتياج والنقص ينجم عن عالم الطبيعة والمُلك وليس من قصور ونقص في العلم والسمع والبصر.
 
 
 
 
 
 
62

58

في معنى الفطرة

 ثمّ إنّ السمع والبصر لو تجرّدا، واستغنيا عن المادّة، لاستطاعا بلوغ مستوى رؤيَة حقائق عالم الغيب، وسماع كلام الملكوتيّين من الملائكة والروحانيّين في الملأ الأعلى. كما إنّ موسى كلّيم الله في مناجاته، كان يسمع كلام الحقّ وإنّ خاتم المرسلين المكرّم كان يتحدّث مع الملائكة، ويرى الصورة الملكوتيّة لجبرائيل، من دون أن تسمع أذن أحد ذلك الحديث ـ حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع جبرائيل ـ وتُبصر عين ذلك المشهد رغم حضور بعض الناس لدى نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولكنّهم لم يُبصروا المشهد.


وملخّص القول إنّ السمع والبصر من العلوم الزائدة على أصل العلم، وأنّهما يغايران حقيقة العلم ويعتبران من الكمالات المطلقة للوجود، فلا بدّ من إثباتهما للحقّ المتعالي الّذي يعدّ مبدأً للوجود، ومصدراً لكمالاته.

وإنّ كان مقصودهم من إرجاع الإرادة والسمع والبصر إلى العلم، أو العلم إلى الإرادة والسمع والبصر، هو أن حيثيّة العلم والإرادة في الحقّ سبحانه حيثيّة واحدة وأنّه لا حيثيّات مختلفة للبصر والسمع والعلم في الحقّ المتعالي، فهو كلام صحيح وموافق للبرهان، ولكنّه لا وجه لاختصاص هذا الكلام بهذه الأوصاف لأنّ جميع الأوصاف المتغايرة الكثيرة لذات الحقّ سبحانه، بل يكون مؤكّداً وداعماً لها، لأنّنا بيّنا أنّ الوجود كلّما كان أقرب إلى أفق الوحدة وأبعد من دائرة الكثرة كلّما كان أجمع وأشمل تجاه الأسماء والصفات، إلى أن نبلغ مقام صرف الوجود، والحقيقة البسيطة الواجبة ـ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ ـ
 
 
 
 
 
 
63

59

في معنى الفطرة

  الّذي هو في منتهى الوحدة والبساطة، ومستجمعاً لجميع الكمالات، وجامعاً لجميع الأسماء والصفات، حيث تصدق جميع مفاهيم الكمال ومعاني الجلال والجمال على نحو الحقيقة ـ لا المجاز ـ عليه سبحانه، ويكون صدقها على الذات المقدّس الحقّ، أولى وأجدر بكلّ معاني ومراتب الأحقيّة والأولويّة من صدقها على غيره سبحانه.


وخلاصة البيان أنّ الوحدة كلّما كانت في الوجود أقوى وأتمّ، كلّما كان صدق مفاهيم الكمال عليه أوفى، وعدد الأسماء والصفات فيه أوفر. وعلى العكس، كلّما كان الموجود إلى الكثرات أقرب، كان صدق مفاهيم الكمال عليه أقلّ وكان ما تصدق عليه من مفاهيم الكمال أوهى وأقرب إلى المجاز ـ دون الحقيقة ـ وكلّ ذلك من أجل أنّ الوحدة تساوي الوجود، وتعتبر من كمالات الموجود بما هو موجود، ومعنى مساواة الوحدة للوجود، هو أنّ الوجود مع الوحدة وإن اختلفا مفهوماً، ولكنّ حقيقة الوجود نفس حقيقة الوحدة في الخارج، كما إنّه أينما كانت الكثرات كان هناك النقص والعدم والشرّ والضعف والفتور.

ولهذا كلّما تهاوى الوجود في منحدر المراتب النازلة كانت الكثرات أكثر من جميع مراتب الوجود. وعليه يتنزّه مقام الربوبيّة وساحته المقدّسة جلّ وعلا الّتي تكون صرف الوجود والّذي هو صرف الوحدة والبساطة، من الكثرة والتركيب. وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ الوجود، مبدأ حقيقة الكمال، وينبوع الجلال والجمال. فصرف الوجود هو صرف الوحدة وصرف الكمال، وصرف الوحدة هو صرف الكمال أيضاً. وكلّما كانت الوحدة في أسمى مراتبها في الموجود، كانت مفاهيم الأسماء
 
 
 
 
 
 
 
 
64

60

في معنى الفطرة

  والصفات والكمالات بأسرها صادقة عليه، وكان صدق مفهوم كلّ واحد منها عليه أولى وأحسن. وعلى العكس كلّ موجود يدنو من الكثرات أكثر، يكون نقصه أكثر، وصدق مفاهيم الكمال والأسماء والصفات له أقلّ، وملاك الصدق وكيفيّته أوهن.


فالحقّ المتعالي يستجمع جميع الكمالات والأسماء والصفات، من دون رجوع إحداها إلى الأخرى، بل يصدق حقيقة كلّ من الكمالات والأسماء والصفات على الذات المقدّس فكلّ من سمعه سبحانه وبصره وإرادته وعلمه يشتمل على مداليله ومعانيه على نحو الحقيقة، ويصدق على الذات عزّ وجلّ كلّ منها حقيقة من دون أن تستلزم كثرة في ذاته سبحانه بوجه من الوجوه.﴿فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى والأمْثَالُ العُلْيَا والكِبْرِيَاءُ والآلاَءُ.

في بيان كيفيّة تعلّق علمه سبحانه بالمعلوم

اعلم أنّه على ضوء ما أشرنا إليه من قبل، تنكشف على الحقّ المتعالي من خلال علمه البسيط الذاتيّ والكشف الواحد الأزليّ، جميع الموجودات بما أنّها موجودات وجهات وجوديّة كماليّة بما أنّها كماليّة، ويتمّ له سبحانه العلم. وهذا الكشف رغم كونه بسيطاً وواحداً تامّاً، يكون تفصيليّاً على نحو لا تخرج عن حيطة علمه سبحانه ذرّة من سماوات الأرواح، وأراضي الأشباح أزلاً وأبداً. وهذا العلم والكشف يكون منذ الأزل، ويكون عين ذاته المقدّس، والمعلوم المتعيّن والمحدود، الّذي يعود تعيّنه وتحديده إلى العدم والنقص، يتحقّق بالعرض عندما يتعلّق به الإيجاد، ويصير معلوماً بالعرض، فيكون التعلّق بالعرض بعد
 
 
 
 
 
 
 
65

61

في معنى الفطرة

  الإيجاد. وأشار عليه السلام في هذا الحديث1 إلى هذا المعنى عندما قال: "فَلَمّا أحدَثَ الأشْياءَ وكانَ المَعْلُومُ وَقَعَ العِلْمُ مِنْهُ على المَعْلُومِ".

 
كما يُحتمل أن تكون هذه الجمل إشارة إلى العلم الفعليّ الّذي يحصل نتيجة التجلّي للفيض المقدّس. ويكون المقصود من المعلوم، المعلوم بالذّات، الّذي هو هويّات وجوديّة قد تعلّق بها الفيض المقدّس، وتجلٍّ، ظهوريّ نوريّ.
 
فعلى الاحتمال الأوّل يكون معنى هذه الجملة "فلَمَّا تجَلّى بفيّضِهِ المُقدَّسِ وَظَهَرَ الكَوْنُ بالعَرَضِ وَقَعَ العِلْمُ على المَعْلُومِ، أي ظَهَرَ الفَيْضُ في مرآةِ المُسْتَفِيض بالعَرَضِ".
 
وعلى الاحتمال الثاني يكون المعنى "فَلمّا تجَلّى بِفَيْضِهِ المُقَدَّسِ وَظَهَرَ وُجُودُ الكَوْنِ بالذّاتِ، أي بلا حَيْثِيّة تَقْييدِيّة، وَقَعَ على المُسْتَفِيضِ بالذَّاتِ".
 
وعلى كلا الاحتمالين، لا يكون هذا التجلّي الّذي يحصل بالفيض المقدّس من جرّاء الحوادث الزمانيّة والظروف المتغيّرة، فإن إيجاد الحقّ سبحانه مقدّس منزّه عن كلّ ما فيه شائبة الحدوث والتغيير بل التعيّن والتحديد. فكما أنّ العلم الذاتيّ بسيطٌ من جميع الجهات، ومحيطٌ بتمام الحيثيّات، فكذلك العلم الفعليّ الّذي هو آية حقيقيّة للحقّ المتعالي، وظهور لعلمه الذاتيّ ومرآة له، يكون بسيطاً تامّاً، وواحداً بالمطلق، ومحيطاً بجميع دائرة الكون والتحقّق، من دون أن يحدث فيه تعيّن وتجدّد وتركيب، غاية الأمر أنّ هذا العلم الفعليّ متقوّم
 
 
 
 

1- إشارة إلى الحديث الوارد في هامش الصفحة: 37.
 
 
 
 
 
 
 
66

62

في معنى الفطرة

  بالذّات بذاته المقدّس سبحانه، وأنّه تعلّق محض. ولهذا يكون فانياً في كبرياء الحقّ عزّ وجلّ وحضوراً في محضر ذي الجلال. ومن هذا المنطلق يعتبرونه علم الحقّ سبحانه. كما أنّ إيجاد النفس الناطقة للحقائق العقليّة في عالم العقل والمُثُل الخياليّة في لوح الخيال، علم فعليّ للنفس وفانٍ فيها.


قال الحكماء: إنّ نسبة عالم نفس الأمر إلى الحقّ سبحانه، تضاهي نسبة الصور العلميّة إلى النفس. ومن أجل هذه الإحاطة والسعة والبساطة والنفوذ للحقّ سبحانه، ذهبوا إلى أنّ الحقّ المتعالي يعلم الجزئيّات بالعلم الكلّيّ أي إنّ جزئيّة المعلوم ومحدوديّته ومحاطيّته، لا تبعث على محدوديّة في العلم. فعلمه سبحانه: محيطٌ وقديم وأزلي وغير متغيّر، وأمّا المعلوم فهو محاط ومحدود وحادث ومتغيّر.

والّذي لم يعرف أسلوب كلام الحكماء، يحسب أنّهم قد نفوا علمه عزّ وجلّ بالجزئيّات، حيث فسّروا الكلّيّة والجزئيّة بالمعنى الرائج لدى المناطقة واللغويّين ولم يعلموا أنّ هناك معنى آخر للكلّيّ والجزئيّ في مصطلح أهل العرفان وقد يتبعهم أحياناً الفلاسفة في ذلك المصطلح، بل استعار الحكماء هذا المعنى من أهل المعرفة ـ العرفاء ـ في باب علم واجب الوجود جلّ اسمه وتعالى شأنه.

في بيان معنى حبّ الحقّ المتعالي وبغضه

اعلم أنّ نسبة الحبّ والبغض وأمثالهما للحقّ المتعالي، الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، لا تكون بمعناها المتفاهم العرفي، لأنّ لازمها الانفعال النفسيّ الّذي يتنزّه الحقّ سبحانه عنه. ولا مجال في
 
 
 
 
 
 
 
 
67

63

في معنى الفطرة

  هذا المختصر، للإسهاب في ذلك، فنقتصر على الإجمال والإشارة.


لا بدّ من معرفة أنّ كثيراً من الأوصاف والأحوال، بعد تنزّلها من العوالم الغيبيّة التجرديّة، وحصولها للنشأة المُلكيّة الّتي هي عالم الفرق بل عالم فرق الفرق، تتجلّى في صورة تختلف عن الصور الغيبيّة المتجرّدة من الآثار واللوازم. كما أنّ الأفلاطونيّين الّذين يعتقدون بأنّ كافة الموجودات المُلكيّة، مظاهر للأرواح الغيبيّة، وتنزّلات للحقائق الملكوتيّة، وأمثلة للمُثُل الأفلاطونيّة، هؤلاء يرون أنّ العوارض والكيفيّات الّتي تقوم في هذا العالم بغيرها ـ لا بنفسها كما هو شأن الجواهر ـ يرون أنّ صورها الذاتيّة تتجلّى في ذلك العالم بوجوداتها من دون حاجة إلى الارتكاز على الآخر، وعليه نقول إنّ أمثال هذه الأوصاف والأحوال الّتي تلازم، في عالم المُلك، التجدّد والانفعال، تكون موجودة في العوالم الغيبيّة، والنشآت التجرديّة وخاصّة في عالم الأسماء ومقام الواحديّة، في صورة منزّهة وبعيدة عن جميع النقائص، ويكون التعبير عن تلك الصور، حسب النشأة التجرديّة والصُقع الربوبيّ، مغايراً للتعبير عنها في هذا العالم.

فمثلاً إن التجلّيات الرحمانيّة والرحيميّة والّتي نقول عنها أيضاً التجلّيات الجماليّة واللطفيّة والحُبيّة والأنسيّة، إذا ظهرت في هذا العالم، كانت في صورة الحبّ والرحمة واللطف، الملازمة للانفعال والتأثّر، وذلك نتيجة ضيق هذا العالم. ففي الحديث أنّ للرحمة مائة جزء، وأنّ جزءاً واحداً منها قد هبط إلى هذا العالم، وتحقّقت به الرحمة كلّ الرحمة في هذا العالم، مثل الرحمة الحاصلة بين الأولاد
 
 
 
 
 
 
 
68

64

في معنى الفطرة

  والأبوين وأمثال ذلك. كما أنّ التجلّيات القاهريّة والمالكيّة الّتي هي من تجلّيات الجلال، تظهر في هذا العالم في صورة البغض والغضب الملازمين للانفعال والتأثّر أيضاً.


وعلى أيّ حال إنّ باطن الحبّ والبغض والغضب، الرحمانيّة والقهّاريّة وتجلّيات الجمال والجلال، تكون تلك التجلّيات، موجودة بعين الذات، ولا تتطرّق إليها الكثرة والتجدّد والانفعال. كما إنّ مظهر الرحمانيّة والقهّاريّة، الحبّ والبغض متوفّران في هذا العالم، وحيث إنّ المظهر ـ الحبّ والبغض ـ يكون فانياً في الظاهر ـ الرحمانيّة والقهاريّة ـ والظاهر يتجلّى في المظهر، يصحّ في بعض المقامات التعبير عن أحدهما بالآخر. وعليه يكون سخط الحقّ المتعالي على عبده، ظهوراً بالقهّاريّة والانتقام، وظهور حبه له بالرحمة والكرامة والله العالم.

في بيان التفكّر الممنوع والمرغوب في ذات الحقّ

لا بُدَّ أن نعرف أنّ قولنا: "التفكّر في الذات والأسماء والصفات" قد يحمل الجاهل على الظنّ بأنّ التفكّر في ذات الله ممنوع بحسب الروايات، دون أن يعلم أنّ التفكّر الممنوع هو التفكّر في اكتناه الذات وكيفيّتها، حسب ما يُستفاد من الأحاديث الشريفة. وقد يُمنع غير المؤهّل من النظر في بعض المعارف ذات المقدّمات الدقيقة. وهذان المقامان يتّفق بشأنهما الحكماء أيضاً. إلا أنّ استحالة اكتناه الذات الإلهيّة مبرهنة في كتبهم، ومنع التفكر فيها مسلّم به عند الجميع.

أمّا شرائط الدخول في هذه العلوم، ومنع تعليم غير المؤهّل،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

65

في معنى الفطرة

  فمذكورة في كتبهم، ووصاياهم في خصوص شرائط الدخول ومسطورة في أوائل كتبهم أو أواخرها، كما فعل إماما الفنّ وفيلسوفا الإسلام العظيمان، "الشيخ ابن سينا" في آخر "الإشارات" و"صدر المتألّهين" في آخر "الأسفار"، حيث أوردا وصاياهما البليغة في ذلك (فراجع).


أمّا النظر في ذات الله لغرض إثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه وتقديسه، فهو الغاية من إرسال الأنبياء والمقصد لآمال العرفاء. والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة مشحونة بالأخبار حول العلم بذات الله وكمالاته وأسمائه، وكتب الأخبار المعتبرة، مثل "الكافي" و"توحيد" الشيخ الصدوق، تتعمّق في إثبات ذات الله وأسمائه وصفاته. والفرق بين المأثورات عن الأنبياء وكتب الحكماء إنّما هو في الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل فقط، مثلما أنّ الفرق بين الفقه والأخبار الخاصّة بالفقه هو في الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل أيضاً، لا في المعنى.

لكنّ المصيبة في أنّ هناك بعض الجهلاء في لباس أهل العلم غير العارفين بالكتاب والسنّة والجاهلين بهما، ظهروا في القرون الأخيرة، من دون أية رؤيّة صحيحة أو اعتماد على معيار صحيح أو معرفة بالكتاب والسنّة، وجعلوا جهلهم وحده دليلاً على بطلان العلم بالمبدأ والمعاد. ولكي يروّجوا بضاعتهم حرّموا النظر في المعارف الّتي هي غاية ما يقصده الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم، والّتي امتلأ بها كتاب الله وأخبار أهل البيت عليهم السلام وراحوا يرمون أهل المعرفة بكلّ شتيمة واتّهام، وسبّبوا انحراف قلوب عباد الله عن العلم بالمبدأ والمعاد، وكانوا سبباً في تفريق الكلّمة وتشتيت شمل المسلمين. ولو
 
 
 
 
 
 
 
70

66

في معنى الفطرة

  سأل سائل: لِمَ كلّ هذا التكفير والتفسيق؟ لتشبّث المجيب بالحديث القائل: "لا تتَفَكَّروا في ذاتِ الله"1. إنّ هذا الجاهل المسكين مخطىء وجاهل من جهتين:

 
الأولى: أنّه ظنّ أنّ الحكماء يقومون بالتفكّر في ذات الله، مع أنّهم يرون أنّ التفكّر في ذات الله واكتناهها ممتنع، وهذا من المسائل المبرهن عليها في هذا العلم.
 
والثاني: أنّه لم يفهم معنى الحديث2 ، فظنّ أنّه لا يجوز التفوّه بأي شيءٍ عن ذات الله المقدّسة مطلقاً.
 
إنّنا سنذكر بعض الأحاديث ونجمع بينها وبين ما في نظرنا القاصر، ونجعل الإنصاف هو الحكم، على الرغم من أنّ هذا يخرج قليلاً عن موضوعنا، ولكن لعلّ فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وإبطال الباطل.
 
الكافي بإسناده عن أبي بصير: قال أبو جعفر عليه السلام: "تَكلّمُوا في خَلْقِ الله ولا تتَكلّمُوا في الله فإنَّ الكلام في الله لا يزْدادُ صاحِبُهُ إلّا تَحيُّراً"3.
 
يدّل هذا الحديث بذاته على أنّ المراد هو التكلّم في اكتناه ذات الله وكيفيّته ومحاولة تعليله. وإلاّ فإنّ الكلام في إثبات ذاته تعالى وسائر كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحيّر. ولعلّ النهي موجّه إلى الّذين
 
 
 

1- الفتوحات المكّيّة، ابن عربي، ج2، ص 619.
2- إشارة إلى الحديث الوارد عن محمّد بن يعقوب (رضوان الله عليه) عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نبّه بالتفكّر قلبك وجاف عن الليل جنبك واتّق الله ربك"، أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكّر.
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 92.
 
 
 
 
 
 
 
71

67

في معنى الفطرة

  يكون التكلّم حتّى في هذه الأمور موجباً لحيرتهم. وقد احتمل المرحوم المحدّث المجلسي رحمه الله هذين الاحتمالين، اللذين قرّبناهما، من دون تعليق، ولكن قوّى الاحتمال الأوّل.

 
وفي رواية أخرى عن حريز: "تَكلّمُوا في كلّ شيءٍ ولا تتَكلّمُوا في ذاتِ الله"1. وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه، لا نجد ضرورة لذكرها.
 
وفي "الكافي" عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام قال: "إيّاكُمْ والتَّفَكُّرَ في الله ولَكِنْ إذا أَرَدْتُمْ أن تَنْظُروا إلى عظَمَتِهِ، فانْظُرُوا إلى عظيمِ خَلْقِهِ"2.
 
الظاهر أنّ هذا الحديث أيضاً يشير إلى التفكّر في كنه ذات الله، لأنّه يقول في نهايته: "إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه"، أي استدلّوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عزّ وجلَّ. ويكون هذا على سبيل المثال لمختلف طبقات الناس الّذين يمرّ طريق معرفتهم من خلال المخلوق.
 
هذه الأحاديث وأمثالها الّتي تنهى عن التكلّم في ذات الله والتفكّر هي نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الّذي يوضح هذا الأمر هو الحديث الشريف في "الكافي" في باب التفكر.
 
عن أبي عبد الله (جعفر) الصادق عليه السلام قال: "أفضَلُ العِبَادَةِ إدْمَانُ التَّفَكُّرِ في الله وفي قدرتِهِ"3.
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 94.
2- م. ن.
3- م. ن، ج2، ص 55.
 
 
 
 
 
 
 
72

68

في معنى الفطرة

 وفي حديث آخر في "الكافي": سئل علي بن الحسين عليه السلام عن التوحيد، فقال: "إنَّ الله عزّ وجلّ علِمَ أنَّهُ يَكُونُ في آخرِ الزَّمانِ أقْوامٌ متعمّقون فأنْزَلَ الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، والآياتِ من سُورةَ الحديدِ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾  َمَنْ رامَ وراءَ ذلك فَقَدْ هَلَكَ"1.

 
إذاً، يتّضح أنّ هذه الآيات الّتي تشير إلى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ورجوع الكائنات (إلى الله) نزلت للمتعمّقين وأهل التفكير العميق.
 
فهل مع كلّ هذا يمكن القول إنّ التفكّر في ذات الله حرام؟ أيّ حكيم أو عارف جاء بمعارف أكثر ممّا جاء في أوّل (سورة الحديد)؟ إنّ منتهى معرفتهم هو الوصول إلى قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. هل هناك أفضل بياناً في وصف الله تعالى وتجلّي ذاته المقدّسة من الآية الشريفة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ2؟.
 
أقسم بحياة الحبيب أنّه لو لم تكن لبيان حقيّة كتاب الله الكريم غير هذه الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. ارجعوا قليلاً إلى كتاب الله، وإلى خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله عليهم، وقارنوا لتروا مَن مِن الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح ممّا جاء به أولئك في كلّ موضوع من مواضيع المعارف؟ إنّ أقوالهم مشحونة بوصف الحقّ والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدّسة، بحيث إنّ كلّ طائفة تحظى على قدر سعتها وإدراكها.
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 92.
2- سورة الحديد، الآية: 3.
 
 
 
 
 
 
 
73

 


69

في معنى الفطرة

 إذاً، يتّضح من مجموع هذه الأخبار أنّ التفكّر في ذات الله ممنوع إذا كان ذلك في مرتبة التفكّر في كنه ذات الله وكيفيّته، كما جاء في حديث "الكافي": "مَنْ نَظَرَ في الله كيف هُوَ، هَلَكَ"2، أو أنّ الجمع بين الأخبار الناهيّة والآمرة يستدعي منع فريق من الناس الّذين لا تطيق قلوبهم الاستماع إلى البرهان وليس لهم الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث. والدليل على هذا الجمع موجود في الأخبار نفسها.

 
أمّا الّذين لهم الاستعداد والأهليّة، فيكون من الراجح لهم التفكّر، بل هو أفضل من جميع العبادات.
 
على كلّ حال، لقد خرجنا كلّيّاً عن المقصد. ولكن لم يكن لنا مناص من أن نتعرّض لهذا الرأي الفاسد والتهمة الّتي لا ترضي الحقّ، والمتداولة في هذا الزمان على الألسنة، لعلّ ذلك يُحدث بعض التأثير في قلوب بعضهم. ولو تمّ تأثير هذا القول في قلب شخص واحد لكفاني. والحمد لله وإليه المشتكى.
 
إنّ الله خلق آدم على صورته
 
بالسند المتّصل إلى الشيخ الجليل عماد الإسلام محمّد بن يعقوب الكلّينيّ (رضوان الله عليه) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمّد بن مسلم قال: "سألت أبا جعفر عليه السلام عمّا يروون أنّ الله خلق آدم عليه السلام على صورته، فقال: هي صورة مُحْدَثةٌ مخلوقة (و)
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 93.
 
 
 
 
 
 
 
74

70

في معنى الفطرة

  اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه فقال: "بَيْتِيَ" و"وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي"1.

 
إنَّ صدر هذا الحديث من الأحاديث المشهورة في أيّام الأئّمة عليهم السلام إلى يومنا هذا. وإنَّ الفريقين السنَّة والشيعة يستشهدون به في كتبهما. وقد أيَّد الإمام الباقر عليه السلام صدور هذا الحديث وصدَّقه وتولّى بيان المقصد منه:
 
وهناك حديث آخر رواه الصدوق بسنده إلى ثامن الحجج عليهم السلام عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا عليه السلام: "يا ابن رسول الله إنَّ الناس يروون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنَّ الله خلَق آدم على صورته، فقال عليه السلام: قاتَلهُم الله لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ برجلين يتسابَّان فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبَّح الله وجهَك ووجهَ من يُشبهكَ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق آدم على صورته"2.
 
 
ولأجل هذا قال المرحوم المجلسيّ "أو لم يتعرّض لنفيه تقيّة" واحتمل أيضاً رحمه الله أنّ الإمام عليه السلام "أجاب هكذا على تقدير تسليم الخبر"3 ولكنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً.
 
ويحتمل أن يكون الحديث المرويّ عن الإمام الرضا عليه السلام ، قد أرجع إلى الحديث الأوّل ويكون المقصود من "آدم" في نهاية الخبر "إنَّ الله خلق
 
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 134.
2- التوحيد، الشيخ الصدوق، ص 152.
3- مرآة العقول، العلّامة المجلسي، ج2، ص 84.
 
 
 
 
 
 
 
75

 


71

في معنى الفطرة

  آدم على صورته" هو نوع الإنسان، ويعود الضمير في قوله "على صورته" إلى الحقّ المتعالي، ولمَّا علم الإمام الرضا عليه السلام بأنّ الراوي ليس في مستوى الاستيعاب والفهم لمدلول الحديث الشريف اقتصر صلوات الله عليه على ذكر صدر الحديث، حتّى يتخيّل الراوي أنّ المقصود من آدم، هو أبو البشر، وأنّ ضمير على صورته يرجع إليه. تأمل.


ولعلَّ الحديثين قد صدرا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث الإمام الرضا عليه السلام. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حدَّث تارة من دون ذكر أول الحديث وهو ما رواه الإمام الباقر عليه السلام بصورة مختصرة، وحدَّث صلى الله عليه وآله وسلم مرّة أخرى مع تلك البداية وذلك المدخل. وحيث أنّ الإمام الرضا عليه السلام قد عرف أنّ الراوي لا يستوعب معنى الحديث، أشار عليه السلام إلى الحديث الشريف المبدوّ بذلك المدخل. والشاهد عليه أنّ بعض الروايات تشتمل على جملة (صورة الرحمن) بدلاً عن (صورته) وهذا لا ينسجم مع الحديث المرويّ في كتاب (عيون الرضا) الظاهر في أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أتى على ذكر ـ على صورته ـ مع الضمير مرّتين.

وإذا فرضنا أنّ الحديث الشريف المذكور لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنَّ معناه موجودٌ في الأحاديث الشريفة الأخرى كما نشرح ذلك إن شاء الله.

فلنرجع إلى شرح ألفاظ الحديث الشريف:

قوله عليه السلام: "آدم": يقول الجوهريّ في (صحاحه): أصله (أأدم) على وزن أفعل، بدّلت الهمزة الثانيّة إلى الألف وتحوَّل الألف إلى الواو لدى تحريكها. وجمعها (أوادم). ويحتمل أن يكون وجه تسمية أبي
 
 
 
 
 
 
 
76

72

في معنى الفطرة

  البشر بـ(آدم) هو أنّه عليه السلام كان أسمر اللون، ففي اللغة الآدمُ من النَّاس: الأسمر. وفي بعض الروايات أن سبب التسميّة بآدم هو أنّه من أديم الأرض أي من على وجه الأرض.

 
قوله عليه السلام: "على صورته": إنّ الصورة في اللغة، بمعنى المثل والهيئة. ونستطيع أن نقول إنّ للصورة معنى عامّاً مشتركاً بين الأمور، وذلك المعنى المشترك هو شيئيّة الشيء وفعليّته، غآية الأمر أنّ لكلّ شيءٍ فعليّة خاصّة به. ومن هذا المنطلق يقال للشيء بذي الصورة وللفعليّة بالصورة. وما قيل في الفلسفة في معنى الصورة الّذي تعمّه وتشمله فعليّة الشيء وشيئيّته، لا يتنافى مع المعنى اللغويّ، ولا يكون من قبيل تقارن وضعين للفظ واحد على معنى واحد في نوعين من العلم كي يكون اللفظ مصطلحاً في كلّ واحد من المعنيين.
 
قال الشيخ أبو علي ابن سينا رئيس فلاسفة الإسلام في إلهيّات كتابه (الشفا): "ويقال صورة لكلّ هيئة وفعل يكون في قابل وحدانيّ أو بالتركيب، حتّى تكون الحركات والأعراض صوراً. ويقال صورة لمّا تتقدّم به المادّة بالفعل فلا تكون حينئذٍ الجواهر العقليّة والأعراض صوراً. ويقال صورة لما تكمل به المادّة وإن لم تكن متقدّمة بها بالفعل، مثل الصورة وما يتحرّك بها إليها بالطبع. ويقال صورة خاصّة لما يحدث في المواد بالصناعة من الأشكال وغيرها. ويقال صورة لنوع الشيء ولجنسه ولفصله ولجميع ذلك، وتكون كلّيّة الكلّيّ صورة للأجزاء أيضاً"1.
 
 
 

1- الشفاء، ج2، من الإلهيّات، ص 282، منشورات مكتبة المرعشي، قمّ.
 
 
 
 
 
 
 
77

73

في معنى الفطرة

 ويُستفاد بعد التأمل في كلّ موارد استعمال الصورة، أنّ المعنى في جميع تلك الموارد، هو الفعليّة الّتي ذكرناها، فيكون استعمال الصورة في هذه الموارد على أساس الاشتراك المعنويّ. ويقال للحقّ المتعالي صورة الصور.


قوله عليه السلام: "اصطفاها": تكون "الصفوة" بمعنى الخالص من الشوائب، والصافي من الكدر و"الاصطفاء" هو أخذ الخالص، والصافي هو يُلازم الخالص، ولكنّ رأي الجوهريّ وغيره أنّ "الاصطفاء" بمعنى الاختيار، كما فسّروا في اللغة "الاختيار" بـ"الاصطفاء"، هذا أيضاً من التفسير باللازم، لأنّ الاختيار أيضاً بمعنى أخذ ما هو خير وحسن، فيكون لازماً لواقع الاصطفاء في الخارج، وليس بمدلول مطابقيّ للاختيار.

قوله عليه السلام: "الكعبة": إنّ الكعبة اسم لبيت الله. وإنّما سُمّي البيت بالكعبة لما قاله بعض من إنّه يُضاهي الجسم المكعَّب أو لكونه مربّعاً. والمكعَّب لدى الرياضيين هو الجسم المحفوف بسطوح ستّة تكون الزوايا فيها قائمة.

قوله عليه السلام: "والروح": إنّ الروح لدى الأطبّاء عبارة عن البخار اللطيف الناجم عن حرارة دم الحيوان في القلب. ويقال إنّ للقلب تجويفين: الأوّل في الجانب الأيمن حيث يتدفّق الدم من الكبد باتجاه هذا التجويف ومن جرّاء حرارة القلب يتبخّر الدم، ويتسرَّب البخار إلى التجويف الثاني الكائن في الجانب الأيسر من القلب، فيتلطَّف من وراء حركات القلب، فيتكوّن الروح الحيوانيّ منه، وتسري في الشرايين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

74

في معنى الفطرة

  نتيجة ضخّ القلب بالبسط والقبض، حسب البيان المذكور في محلّه. فإذن مصدر الروح الحيوانيّ هو القلب، ومجراها الشرايين.


وقد تُطلق الروح على الدم المتجمّع في الكبد، والّذي يمشي في الأوردة، ويسمّى بالروح الطبيعيّة. كما أنّه قد تُستعمل الروح في مصطلح الحكماء، في الروح النفسيّة الّتي تنبعث من الدماغ، وتجري في الأعصاب، وتكون مظهراً ومرتبة نازلة من الروح المجرّد، الّتي هي السرّ السبحاني، وروح الله المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي

 

. وبعد هذا نستعرض ونبيّن أنّ هذه الروح تنفخ بالنفخة الإلهيّة، وتُصطفى لدى الحقّ جلّ وعلا وتصير مختارةً لديه سبحانه.

في بيان أنّ الإنسان مظهرٌ تامّ لله وأنّه الاسم الأعظم للحقّ جلّ وعلا

اعلم: يقول أرباب المعرفة وأصحاب القلوب، أنّ لكلّ اسم من الأسماء الإلهيّة لدى الحضرة الواحديّة، صورة تابعة للتجلّي بالفيض الأقدس لدى الحضرة العلميّة، وذلك بواسطة الحبّ الذّاتي وطلب مفاتيح الغيب الّتي لا يعلمها إلاّ هو. ويُعبَّر لدى أهل الله عن تلك الصورة بـ"العين الثابتة" وتحصل أوّلاً، من جرّاء هذا التجلّي بالفيض الأقدس، التعيّنات الأسمائيّة، ويتحقّق ثانياً، بسبب هذه التعيّنات الأسمائيّة، صور الأسماء الّتي هي الأعيان الثابتة، والاسم الأوّل الّذي يبرز ويظهر مع مرآته، بتجلّي الأحديّة، والفيض الأقدس، لدى حضرة العلميّة الواحديّة، هو الاسم الأعظم الجامع الإلهيّ، والمقام المسمّى
 
 
 
 
 
 
 
79

 


75

في معنى الفطرة

  بـ"الله" الّذي يكون من الناحيّة الغيبيّة عين التجلّي بالفيض الأقدس. وفي التجلّي الظهوريّ يكون كمال الجلاء والاستجلاء عين مقام جمع الواحديّة باعتبار، وعين الكثرة الاسميّة باعتبار آخر. وإنّ تعيّن الاسم الجامع وصورته، عبارة عن العين الثابتة للإنسان الكامل، وعين الحقيقة المحمّديّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . كما أنَّ مظهر التجلّي الحقيقيّ للفيض الأقدس هو الفيض المقدّس، وأنّ مظهر التجلّي لمقام الواحديّة، هو مقام الألوهيّة، وأنّ مظهر التجلّي لحقيقة الإنسان الكامل الثابتة، هي الروح الأعظم، وأنّ كافّة الموجودات الاسميّة والعلميّة والعينيّة ـ الخارجيّة ـ تكون مظاهر كلّيّة وجزئيّة لهذه الحقائق والرقائق على أساس ترتيب بديع لا يسعه هذا الكتاب المختصر وإنّما ذكرناه في كتاب (مصباح الهداية).

 
ويُستفاد ممّا ذكرناه أنّ الإنسان الكامل مَظهر الاسم الجامع، ومرآة تجلّي الاسم الأعظم، كما أُشير إلى هذا المعنى في الكتاب والسنّة كثيراً. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا1
 . وقد تمّ هذا التعليم الإلهيّ على يدَي الجمال والجلال تجاه الباطن بواسطة التخمير الغيبيّ الجمعيّ لدى الحضرة الواحديّة، كما أنّه تمّ التعليم الإلهيّ تجاه صورة آدم وظاهره، في عالم الشهادة بمظهره الطبيعيّ الماديّ، بواسطة ظهور يدي الجلال والجمال. قال تعالى:  ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
 
 
 

1- سورة البقرة، الآية: 31.
 
 
 
 
 
 
 
80

76

في معنى الفطرة

  أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا1

 
وتكون الأمانة لدى العرفاء الولاية المطلقة الّتي لا يليق بها غير الإنسان، وهذه الولاية المطلقة، هي مقام الفيض المقدّس. وقد أُشير إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ2، وفي كتاب (الكافي) بسنده إلى أسود بن سعيد قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فأنشأ يقول ابتداءاً منه من غير أن أسألهُ "نحنُ حُجَّةُ الله، ونحن بابُ الله، ونحنُ لسانُ الله ونحنُ وجهُ الله ونحنُ عيْنُ الله في خلْقِهِ ونحنُ ولاةُ أمرِ الله في عبادِهِ"3. وفي دعاء الندبة "أيْنَ وجهُ الله الّذي يتوجَّهُ إليهِ الأولياءُ؟ أيْنَ السببُ المُتَّصِلُ بَيْنَ أهلِ الأرضِ والسَّمَاءِ". وفي زيارة الجامعة الكبيرة "والمثلُ الأعلى". وهذا المثل الأعلى وذلك الوجه الإلهيّ، هو الوارد في الحديث الشريف "إنَّ الله خلقَ آدَمَ على صُورته" ومعناه أنّ الإنسان هو المثل الأعلى للحقّ سبحانه، وآيته الكبرى، ومظهره الأتمّ، وأنّه مرآة لتجلّي الأسماء والصفات وأنّه وجه الله وعين الله ويد الله وجنب الله، "هُوَ يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ بالله، والله يُبْصِرُ وَيَسْمَعُ ويَبْطِشُ بِهِ". ووجه الله هذا هو النور المذكور في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ4، وقال الإمام الباقر عليه السلام كما في كتاب (الكافي) بسنده إلى أبي خالد الكابلي قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ "فَآمِنُوا بِاللَّه
 
 
 

1- سورة الأحزاب، الآية: 72.
2- سورة القصص، الآية: 88.
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 145.
4- سورة النور، الآية: 35.
 
 
 
 
 
 
81

77

في معنى الفطرة

وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا1، فقال: يا أبا خالد "النُّورُ والله نُورُ الأئمةِ من آلِ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومِ القيامةِ وهُمْ والله نُورُ الله الّذي أَنْزَلَ، وَهُمْ والله نُورُ الله في السَّمَواتِ والأرضِ". وفي كتاب الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الباقر روحي لتراب مقدمه الفداء في تفسيره عليه السلام للآية الشريفة ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ قائلاً: هِيَ في أميرِ المؤمنين، كان أميرُ المؤمنين صلوات الله عليه يقولُ: "ما للهِ تعالى آية هي أكْبَرُ مني، ولا للَّهِ من نبَأٍ أعظَمُ منِّي"2.

 
وملخّص الحديث أنّ الإنسان الكامل الّذي يكون آدم أبو البشر فرداً منه، أكبر آية ومَظهر لأسماء وصفات الحقّ سبحانه، وأنه مَثَل الحقّ المتعالي وآيته. ولا بدّ من تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن المِثل الّذي هو بمعنى الآية والعلامة. ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى3.
 
إنّ كافّة ذرّات الكون، آيات ومرآة تجلّي ذاك الجمال الجميل عزّ وجلّ، كلٌّ حسب حجمه ومنزلته الوجوديّة. ولكن لا يكون شيء آية للاسم الأعظم الجامع أي "الله" عدا الكون الجامع، والبرزخيّة الكبرى المقدّسة جلّت عظمتُهُ بعظَمةِ باريه.
 
فالله تعالى خلَقَ الإنسانَ الكامِلَ والآدَمَ الأوَّلَ على صُورتِهِ الجامعةِ وجعَلَهُ مرآة أسمائِهِ وصفاتِهِ. قال الشيخُ الكبيرُ: "فَظَهَرَ جميعُ ما في الصُّورةِ الإلهيّة من الأسماءِ في هذه النَّشأةِ الإنسانيّة فحازتْ
 
 
 
 

1- سورة التغابن، الآية: 8.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 208.
3- سورة الروم، الآية: 27.
 
 
 
 
 
 
 
82

78

في معنى الفطرة

  رُتبَة الإحاطة والجمع بهذا الوجودِ وبهِ قامت الحُجَّةُ للهِ على الملائكةِ".

 
وتبيّن من بحثنا هذا السالف الذكر، السبب في اصطفاء واختيار الحقّ المتعالي للصورة الجامعة الإنسانيّة من كلّ الصور المختلفة للكائنات بأسرها. كما تبيّن السرّ في تفضيل الحقّ سبحانه لآدم عليه السلام على الملائكة، وتكريمه دون كافّة المخلوقات وفلسفة نسبة روحه إليه في الآية الكريمة ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي1. وحيث إنّ هذا الكتاب قد التزم على نفسه الاختصار، غضضنا الطرف عن بيان حقيقة النفخة الإلهيّة، وكيفيّتها في آدم، وسبب اختصاصها به دون الموجودات الأخرى. والحمد لله أوَّلاً وآخِراً.
 
في التفكّر في المصنوع
 
ومن مراتب التفكّر، التفكّر في روائع الصُنع وإتقانه ودقائق الخلق، بما يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة التفكّر. ونتيجة هذا التفكّر هي معرفة المبدأ الكامل والصانع الحكيم، وهذا على العكس من "برهان الصدّيقين. إذ إنّ مبدأ البرهان في ذاك المقام هو الحقّ تعالى عزَّ اسمه، ومنـه يحصـل العلـم بالتجلّيـات والمظاهـر والآيات. وأمّا في هذا المقـام فمبـدأ البرهـان هـو المخلوقـات الّتـي عـن طريقهـا يتمّ العلم بالمبدأ والصانع". وهذا البرهان يكـون للعامّـة من الناس الّذين لا حظّ لهم من برهان الصدّيقين. ولهذا، قد يُنكر الكثيرون
 
 
 
 

1- سورة الحجر، الآية: 29.
 
 
 
 
 
 
 
83

79

في معنى الفطرة

  أن يُصبح التفكّر في الحقّ مبدأ العلم به، وأن يؤدّي العلم بالمبدأ إلى العلم بالمخلوق.


وملخّص الكلام، أنّ التفكّر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي إتقان نظام الخليقة، من العلوم النافعة، ومن أفضل الأعمال القلبيّة، وخير من جميع العبادات، لأنّه نتيجة أشرف نتيجة. وعلى الرغم من أنّ النتيجة الأصليّة لجميع العبادات والسرّ الحقيقيّ لها هو الحصول على المعرفة، فإنّ كشف هذا السرّ والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسّرين للجميع، بل إنّ لذلك أهلاً تكون لهم في كلّ عبادة بذرة لمشاهدة أو لمشاهدات. وعلى أيّ حال إنّ الاطلاع على لطائف الصنعة وأسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسّر للبشر، حتّى الآن. إنّ أساس الخليقة ونظامها يكون من الدقّة والاستحكام ومن الجمال والكمال في مستوى لو أنّ الإنسان أمعن النظر في أيّ كائن مهما كان حقيراً، مستخدماً كلّ علومه الّتي اكتسبها خلال قرون، لما استطاع أن يطّلع على نسبة واحد بالألف، من ذلك، فكيف له أن يتمكّن من إدراك النظام الكلّي الجميل، ساعياً عن طريق الأفكار البشريّة الجزئيّة الناقصة، لفهم بدائعه ودقائقه؟ إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق الخلق ممّا هو قريب بعض الشيء من الأفهام ويعدّ من المحسوسات (اقرأ الحديث المفصّل عن هذا المجمل).

أيّها العزيز، انظر وتأمّل في العلاقة الّتي بين هذه الشمس والأرض. وفي المسافة المعيّنة بين الأرض والشمس، وحركة الأرض حول نفسها وحول الشمس. تلك الحركة الّتي تكون على مدار محدّد فيحصل منها
 
 
 
 
 
 
 
84

80

في معنى الفطرة

  الليل والنهار والفصول. فما أتقنه من صنع وما أكملها من حكمة! ولولا هذا التنظيم، أي لو كانت الشمس أقرب أو أبعد، لما تكوّن في الأرض ـ في الحالة الأولى من الحر، وفي الحالة الثانيّة من البرد ـ معدنٌ، ونباتٌ، وحيوان. وكذلك لو توقّفت الأرض عن الحركة، على ما هي عليه من البعد عن الشمس، لما كان الليل أو النهار، ولا كانت الفصول، ولما تكوّنت الأرض نهائيّاً أو القسم الأكبر منها.


ولا يُقتصر على هذا أيضاً، فإنّ الأوج، أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس، يقع في جهة الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتُصاب الكائنات بالضرر. وكذلك الحضيض، أو أقرب نقطة بين الشمس والأرض، يقع في جهة الجنوب، لكيلا يصاب أهل الأرض بضرر. ولا يُكتفى بهذا أيضاً، فالقمر المؤثّر في تربية موجودات الأرض، يعاكس الأرض في سيرها، بحيث عندما تكون الشمس في شمال الأرض، يكون القمر في جنوبها، والعكس بالعكس، إذا كان هذا في الشمال، كانت تلك في الجنوب، وذلك لانتفاع سكّان الأرض منهما. هذه كلّها من الأمور الضروريّة المحسوسة. غير إنّ الإحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلّا للخالق الّذي يحيط علمه بكلّ شيء.

ولكن لِمَ ابتعدنا كلّ هذا البعد؟ فليفكّر المـرء فـي خلقـه هـو، عـلى قدر طاقته وسعة علمه: أوّلاً في الحواس الظاهرة الّتي صنعت وفق المدركات والمحسوسات، إذ إنّ لكلّ مجموعة من المدركات، الّتي توجد في هذا العالم، قوّة مدركة بأدقّ ما تكون من الدقّة والترتيب المحيّرين للعقول.
 
 
 
 
 
 
85

81

في معنى الفطرة

 والأمور المعنويّة، الّتي لا تُدرك بالحـواس الظاهـرة، تُدرك على ضوء الحواس الباطنيّة. دع عنك علم الروح والقوى الروحيّة للنفس، مما تقصر مدارك الإنسان عن فهمه، واتّجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها وبنائها الطبيعيّ، وخصائص كلّ عضـو من الأعضاء الظاهرة والباطنة. انظر ما أغرب هذا النظام وما أعجب هذا الترتيب!! على الرغم من أنّ علم البشر لم يبلغ حتّى الآن، ولن يبلغ حتّى بعد مائة قرن، معرفة واحدٍ بالألف منه، حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان من جميع العلماء بعجزهم، مع أنّ جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض الأخرى، لا يزيد على مجرّد ذرّة تافهة، وأنّ الأرض وجميع كائناتها، لا تعدل شيئاً إزاء المنظومة الشمسيّة، وأنّ كلّ منظومتنا الشمسيّة لا وزن لها إزاء المنظومات الشمسيّة الأخرى، وأنّ كلّ هذه المنظومات، الكبيرة منها والصغيرة، مبنيّة وفق ترتيب منظّم، ونظام مرتّب، بحيث إنّ أيّ نقدٍ لا يُمكن أن يوجّه إلى أتفه ذرّة فيها، وإنّ عقول البشر كافّة عاجزة عن فهم دقيقة من دقائقها.

 
فهل بعد هذا التفكّر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليُذعن بأنّ كائناً عالماً، حكيماً، لا يُشبه الكائنات الأخرى، هو الّذي أوجد هذه الكائنات بكلّ حكمة ونظام وترتيب وإتقان؟
 

 

﴿أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ1.
 
إنّ كلّ هذا الخلق المتقن الّذي يعجز عقل الإنسان عن فهمه، لم يظهر عبثاً وتلقائيّاً! فلتعمَ عينُ القلب الّتي لا ترى الله، ولا تُشاهد جمال
 
 
 

1- سورة ابراهيم، الآية:10.
 
 
 
 
 
 
86

82

في معنى الفطرة

  جميله في هذه المخلوقات! وليُمحق الّذي يبقى في الشكّ والتردّد بعد كلّ هذه الآيات والآثار. ولكن ما الّذي يستطيع هذا الإنسان المسكين عمله بالأوهام؟.

 
لو أنّك عرضت سبّحتك وزعمت أنّ حبّاتها قد انتظمت تلقائيّاً من دون أن ينظمها منظّم، لاستهزأت بك البشريّة. والأدهى من ذلك أنّك لو أخرجت ساعتك من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضاً بالنسبة إليها، ألا يخرجونك من زمرة العقلاء؟ وألا يرميك كلّ عقلاء العالم بالجنون؟ فإذا وُصِفَ الّذي يُخْرِجُ نظام هذه الساعة من قاعدة العلّة والمعلول، بأنّه مجنون ويجب أن يُحرم من حقوق العقلاء فما الوصف المناسب الّذي يجب أن يُوصف به من يزعم أنّ نظام هذا العالم، لا بل هذا الإنسان ونظام روحه وجسمه قد ظهر تلقائيّاً؟ هل يجب إبقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أيّ بلهٍ أشدّ من هذا؟

 

﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ 1.
 
في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفيّة نسبته إلى الحقّ المقدّس المتعالي
 
اعلم أنّ النفوس البشريّة منـذ ظهورها وتعلّقها بالأجساد، وهبوطها إلى عالم المُلْك ـ عالم المادّة ـ تكون على نحو القوّة ـ الأهليّة والقابليّة ـ تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات ـ الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان ـ الحسنة والسيّئة، بل تجاه جميع الإدراكات والفعليّات
 
 
 

1- سورة عبس، الآية:17.
 
 
 
 
 
 
87

 


83

في معنى الفطرة

  ـ الحاضرة الّتي هي ذات آثار ـ ثمّ تتدرّج بعناية الحقّ ـ جلّ جلاله ـ نحو الفعليّة شيئاً فشيئاً، فتبدو أوّلاً الإدراكات الضعيفة الجزئيّة مثل حاسّة اللمس والحواس الظاهريّة الأخرى الأخسّ فالأخسّ ثمّ تظهر ثانياً الإدراكات الباطنيّة متدرّجة أيضاً. ولكنّ الملكات لا تزال موجودةً بالقوّة، فإن لم تتأثّر بعوامل تفجّر فيها الطاقات الخيّرة وتُركت وحدها لانتصرت الخبائث، وتحقّقت الملكات الفاسدة وانعطفت نحو القبائح والمساوىء، لأنّ الدواعي الداخليّة الباطنيّة كالشهوة والغضب وغيرهما يسوقان الإنسان إلى الفجور والتعدّي والظلم، وبعد انقياده لهما يتحوّل في فترة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب.

ولمّا كانت عناية الحقّ تعالى ورحمته قد وسعت بني الإنسان في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربّي والمهذّب، بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة، ويحرّر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتيّ الأعلى، وهما:

المربّي الباطنيّ المتجسّد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح، والمربّي الخارجيّ المتمثّل في الأنبياء والأدلّاء لطرق السعادة والشقاء. وكلّ منهما لا يؤدّي دوره بدون الآخر، إذ إنّ العقل البشريّ عاجز عن معرفة طرق السعادة والشقاء واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب، ونشأة الآخرة، كما أنّ هداية الأنبياء، وإرشادهم لا تكون مؤثّرةً بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز.
 
 
 
 
 
 
 
88

84

في معنى الفطرة

 فالحقّ ـ تبارك وتعالى ـ منحنا هذين النوعين من الموجّه لكي نجعل الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرّك من القوّة إلى الفعليّة والظهور. وقد وهبنا الحق المتعالي هاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحاناً واختباراً، لأن الإنسان يتميّز أفراده بعضهم عن بعـض، ويتـمّ الفصل بين السعيد والشقيّ والمطيع والعاصي والكامـل والناقـص، كما قـال وليّ المؤمنين عليه السلام: "والّذي بَعَثَهُ بالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً"1.

 
وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام: "لاَ بُدَّ للنّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا وَيُسْتَخْرَج في الغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثيرٌ"2.
 
وبإسنادِهِ عن مَنْصُورٍ قال: قال لي أبُو عبد الله عليه السلام: "يا مَنْصُورُ إنَّ هذا الأمر لا يأتيكمْ إلاّ بعْدَ إياسٍ ولا والله حتى تُمَيَّزُوا ولا والله حتّى تُمَحَّصُوا ولا والله حتّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَيَسْعَدْ مَنْ يَسْعَدُ"3.
 
وفي حديث آخر عن أبي الحسن عليه السلام قال: "يُخْلصُونَ كَمَا يُخَلصُ الذَّهَبُ"4.
 
وفي باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: "ما مِنْ قَبْضٍ ولا بَسْطٍ إلاّ وللَّهِ مَشِيّة وَقَضاءٌ وابتلاءٌ"5.
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 370.
2- م. ن.
3- م. ن.
4- م. ن.
5- م. ن، ج1، ص 152.
 
 
 
 
 
89

 


85

في معنى الفطرة

 وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال: "إِنَّهُ لَيْسَ شيءٌ فيهِ قَبْضٌ أوْ بَسْطٌ مِمَّا أَمَرَ الله أوْ نَهَى عَنْهُ إِلاَّ وفيهِ للَّهِ عزَّ وجلَّ ابتلاءٌ وقضاءٌ"1.

 
و"القَبْضُ" في اللغة الإمساك والمنع والأخذ، و"البَسطُ" بمعنى النشر والعطاء، فكلّ عطاء وتوسعة ومنع امتحان للإنسان، كما أنّ كلّ أمر ونهي وتكلّيف يكون للامتحان أيضاً. فإنّ بعث الرسل ونشر الكتب السماويّة لغربلة الناس، ولفصل الأشقياء عن السعداء، والمطيعين من العاصين.
 
ومعنى امتحان الحقّ المتعالي للناس واختبارهم هو الفصل الحقيقيّ الواقعيّ على صعيد الخارج ـ للناس بعضهم عن بعض، لا العلم بالفصل، لأنّ علم الحقّ جلّ جلاله أزليّ ومتعلّق ومحيط بكلّ شيء قبل إيجاده.
 
والحكماء قد أسهبوا في الحديث في معنى الابتلاء والامتحان. ولا يتناسب نقله في هذا الكتاب. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة ـ ورغم أن الأمرين المذكورين من أهمّ نتائجه ـ هو فصل السعيد عن الشقيّ على صعيد الخارج الواقعيّ.
 
وتتمّ في هذا الامتحان والتمحيص حجّة الله على خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة وهلاك وحياة كلّ شخص عن حُجّة وبيّنة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض، فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبديّة، كان سعيه توفيقاً من الله وهداية له، لأنّه سبحانه قد وفّر جميع أسباب هذا السبيل.
 
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص 152.
 
 
 
 
 
 
90

86

في معنى الفطرة

 ومن جدّ في طريق الشقاء ووجّه وجهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفر كلّ طرق الهداية وأسباب السعادة، فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجّة البالغة للحقّ تبارك وتعالى على خلاف ما ارتآه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ 1.

 

 
في بيان التوجيهات المذكورة في نسبة التردّد والتحيّر إلى الحقّ المتعالي
 
اعلم أنّ العلماء قد وقفوا أمام نسبة التردّد إلى الحقّ المتعالي الواردة في هذا الحديث الشريف2 وكذلك أمام ما ورد في أحاديث صحيحة بل في الكتاب الحكيم الإلهيّ من نسبة أمور أخرى إليه سبحانه مثل البَداء والامتحان، إنّ العلماء قد وقفوا أمام هذه النسب إلى الحقّ سبحانه وبدأوا بالتوجيه والتأويل، كلّ على ضوء مسلكه. وقد أبدى الشيخ الأجلّ البهائي رضوان الله تعالى عليه في كتاب "الأربعين" احتمالات ثلاثة، نشير إليها على نحو الإيجاز والاختصار:
 
 
 

1- سورة البقرة، الآية: 286.
2- بالسند المتّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني قدس سره عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القمّاط، عن أبان بن تَغْلِبَ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: "لمّا أُسري النبي P قال: يا ربّ ما حال المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد، من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يُصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يُصلحه إلا الفقر، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وما يتقرّب إليّ عبد من عبادي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه يتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت إذاً سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش به، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته"، أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح 8.
 
 
 
 
 
91

87

في معنى الفطرة

 الأوّل: إنّ في الكلام إضماراً، والتقدير لو جاز عليّ التردّد ما تردّدت في شيءٍ كتردّدي في وفاة المؤمن.


الثاني: إنّه لمّا جرت العادة بأن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقّره كالصديق الوفيّ، والخلّ الصفيّ وأن لا يتردّد في مساءة من ليس له عنده قَدَرَ ولا حرمة كالعدوّ والحيّة والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردّد ولا تأمل، صحّ أن يعبّر بالتردّد والتأمل في مساءة الشيء عن توقيره واحترامه وبعدمها عن إذلاله واحتقاره، فقوله سبحانه ما تردّدت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن المراد به والله أعلم: ليس لشيء من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيليّة. 
الثالث: إنّه قد ورد في الحديث من طرق الخاصّة والعامّة أنّ الله سبحانه يُظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنّة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقلّ تأذّيه به ويصير راضياً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبهت هذه الحالة معاملة من يُريد أن يؤلم حبيبه ألماً يتعقّبه نفع عظيم فهو يتردّد في أنّه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقلّ تأذيه به، فلا يزال يُظهر له ما يرغّبه فيما يتعقّبه من اللذة الجسميّة والراحة العظيمة إلى أن يتلقّاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدّية إلى إدراك المأمول.
 
 
 
 
 
 
 
92

88

في معنى الفطرة

 فصل؛ في لقاء الله وكيفيّته


اعلم أنّ الآيات والأخبار الواردة في لقاء الله صراحة أو كناية وإشارة، كثيرة ولا يسع هذا المختصر الخوض في ذلك مفصلاً. ولكنّنا نشير إلى بعضها بصورة مختصرة. ومن أراد التفصيل في ذلك أكثر فعليه مراجعة كتاب (لقاء الله) للمرحوم العارف بالله، الحاج ميرزا جواد التبريزيّ قدس سرّه، حيث جمع إلى حد كبير الأخبار المأثورة في هذا الموضوع.

اعلم أنّه قد ذهب بعض العلماء والمفسرين إلى سدّ باب السبيل إلى (لقاء الله) نهائيّاً، والجحود للمشاهدات العينيّة والتجلّيات الذاتيّة والأسمائيّة، زاعمين بذلك أنّهم ينزّهون الذّات المقدّس، ومفسّرين جميع آيات لقاء الله وأحاديثها، بلقاء يوم الآخرة، ولقاء الجزاء والثواب والعقاب.

وهذا التوجيه ليس ببعيد كثيراً، بالنسبة إلى مطلق اللقاء واتّجاه بعض الآيات والروايات، ولكنّه بالنسبة إلى بعض الأدعيّة المعتبرة والأحاديث المأثورة في الكتب المعتبرة، والأحاديث المشهورة الّتي ارتكز عليها علماؤنا العظام، موهون وبعيد جدّاً.

ولا بدّ أن نعرف أنّه ليس مقصود من أجاز فتح الطريق على لقاء الله ومشاهدة جمال الحقّ وجلاله، جواز اكتناه ـ التعرّف إلى الحقيقة والذات ذاته المقدّس، أو إمكان الإحاطة في العلم الحضوريّ والمشاهدة العينيّة الروحانيّة، على ذاته، المحيط بكلّ شيء على الإطلاق، فإنّ امتناع الاكتناه لذاته المقدّس بالفكر في العلم الكلّي ـ الفلسفة ـ وامتناع
 
 
 
 
 
 
 
93

89

في معنى الفطرة

  الإحاطة بالبصيرة في العرفان، من الأمور البرهانيّة، ومتّفق عليه لدى جميع العقلاء، وأرباب القلوب والمعارف. بل المقصود لدى من يدّعي مقام لقاء الله هو: أنّه بعد حصول التقوى التامّة والكاملة، وانصراف القلب نهائيّاً عن جميع العوالم، ورفض التوجّه نحو النشأتين ـ المُلك والملكوت ـ ووطء الأنانيّة والإنيّة، والإقبال الكلّي نحو الحقّ المتعالي وأسماء ذاته المقدّس وصفاته، والانصهار في عشق ذاته المقدّس وحبّه، وتحمّل جهد وترويض القلب، بعد كلّ ذلك يحصل صفاء في القلب لدى السالك يبعث على تجلّي أسمائه وصفاته، وتمزّق الحجب الغليظة الّتي أُسدلت بين العبد من جهة والأسماء والصفات من جهة أخرى، ويوجب الفناء في الأسماء والصفات والتعلّق بعزّ قدسه وجلاله والتدلّي التامّ بذاته. وفي هذا الحال لا يوجد حاجز بين روح السالك المقدّسة والحقّ المتعالي سوى حجاب الأسماء والصفات.


ويُمكن أن يُرفع الستار النوريّ للأسماء والصفات لبعض أرباب السلوك أيضاً، وينال التجلّيات الذاتيّة الغيبيّة، ويرى نفسه متدلّياً ومتعلّقاً بالذات المقدّس، ويشهد الإحاطة القيوميّة للحقّ والفناء الذاتي لنفسه، ويرى بالعيان أنّ وجوده ووجود كافّة الكائنات، ظلٌّ للحقّ المتعالي.

وكما قامت البراهين على أنّه لا حجاب بين الحقّ سبحانه والمخلوق الأوّل المجرّد عن جميع المواد والتعلّقات، بل البرهان قائم على عدم وجود حجاب بين الحقّ وكافّة المجرّدات بشكلّ عامّ، فكذلك لا يوجد حجاب بين هذا القلب الّذي بلغ في سعته وإحاطته الموجودات المجرّدة
 
 
 
 
 
 
 
94

90

في معنى الفطرة

 بل اجتازها ووطىء بأقدامه على رؤوسها، وبين الحقّ المتعالي، كما في الحديث الشريف المنقول عن (الكافي) و(التوحيد):

 
"إنَّ روحَ المؤمنِ لأَشَدُّ اتّصالاً بروح الله من اتّصالِ شُعاعِ الشَّمْسِ بِهَا"1 وفي المناجاة الشعبانيّة المقبولة لدى العلماء، والّتي يدلّ مضمونها على أنّ هذه المناجاة من الأئمّة المعصومين عليه السلام: "إلهي هبْ لي كَمَالَ الانقطاع إليك، وأنرِ أبصارَ قلوبنا بضياءِ نظرِها إليك حتّى تخرقَ أبصارُ القُلوبِ حُجُبَ النور فتصل الى معدِنِ العظمةِ وتصيرَ أرواحنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ. إلهي واجعلني مِمَّنْ نادَيْتَهُ فأجابَكَ ولاحظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ فناجَيْتَهُ سِرّاً وعَمِلَ لَكَ جهراً". وفي الكتاب الإلهيّ الشريف، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى 2. ولا تتنافى هذه المشاهدة الحضوريّة الفنائيّة، مع البرهان على عدم الاكتناه والإحاطة للذّات المقدّسة، ومع الأخبار والآيات الّتي تدلّ على تنزيه الحقّ جلّا وعلا من كلّ عيب ونقص وحدّ، بل يكون مؤكّداً ومؤيّداً لها.
 
فانظر الآن ما جدوى هذه التوجيهات والتأويلات البعيدة؟ هل نستطيع أن نوجّه كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الّذي يقول: "فَهَبْني صَبَرْتُ على عَذَابِكَ فَكَيْفَ أصْبِرُ على فِرَاقِكَ"؟ هل أنّ تحرّق وتألّم أولياء الله، من فراق حور العين وقصور الجنّة؟ وهل يمكن تفسير هذه الجملة "مَا عَبَدْتُكَ خوفاً من نَارِكَ ولاَ طَمَعَاً في جنَّتِكَ
 
 
 

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 166.
2- سورة النجم، الآيتان: 8 و9.
 
 
 
 
 
 
95

 


91

في معنى الفطرة

  بَلْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ عِبَادَةَ الأَحْرَارِ" على أنّ هذا الأنين هل هو من جرّاء فراق الجنّة وأطعمتها؟ هيهات أن يكون ذلك، إنّه لكلام غير موزون، وتوجيه غير مقبول.


هل يُمكن القول إنّ تجلّي جمال الحقّ سبحانه ليلة المعراج، والمجلس الّذي أقيم في تلك الليلة من دون أن يحضره أحد من الكائنات أو لم يطلع على أسراره أحد، حتّى أمين الوحي جبرائيل، مشاهدة للجنّة وقصورها المشيّدة، وإنّ أنوار العظمة والجلال هي رؤيته لنعم الحقّ؟

هل إنّ التجلّيات الّتي حصلت للأنبياء عليهم السلام ، والتي ورد ذكرها في الأدعية المعتبرة هي من قبيل النعم والمأكول والمشروب أو البساتين والقصور؟

ومن المؤسف أنّنا نحن المساكين، المسجونين في الحجب المظلمة، والمصفّدين بسلاسل الآمال والأمنيات، لا نفهم إلاّ المطعومات والمشروبات والمنكوحات وأمثالها، وإذا أراد فيلسوف أو عارف أن يرفع هذه الحجب، اعتبرنا سعيه هذا غلطاً وخطأً. وما دمنا مسجونين في البئر المظلمة، عالم المُلك، لم نستوعب شيئاً من أصحاب المعارف والمشاهدات.

ولكن عزيزي: لا تُقارن نفسك بالأولياء، ولا تظنّ بأنّ قلبك يُضاهي قلوب الأنبياء وأهل المعارف. إن قلوبنا المشحونة بغبار التعلّق بالدنيا، وملذاتها، وإنّ انغماسنا في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآةً لتجلّي الحقّ سبحانه، ومحلاًّ لظهور المحبوب. ومن المعلوم أنّنا لا نعي شيئاً من تجلّيات الحقّ وجماله وجلاله عندما نشعر بالأنانيّة والذاتيّة
 
 
 
 
 
 
96

92

في معنى الفطرة

  والمحوريّة بل يجب أن نكذّب في هذا الحال أحاديث الأولياء وأهل المعرفة، فإنّ لم نكذّبها بألسنتنا في الظاهر، لكذّبناها في قلوبنا. وإن لم نجد سبيلاً للتكذيب، بأنّ كانت أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين عليهم السلام ، لفتحنا باب التأويل والتفسير، وفي النهاية نسدّ باب معرفة الله، فنفسّر قوله عليه السلام: "ما رأَيْتُ شَيْئاً إلاّ ورَأَيْتُ الله مَعَهُ وقَبْلَهُ وفيهِ" على رؤية الآثار، وقوله عليه السلام: "لم أَعْبُدْ رَبّاً لَمْ أَرَهُ" بالعلم بالمفاهيم الكلّيّة الّتي تضارع علومنا، وقوله تعالى في آياته الكريمة الّتي تتحدّث عن لقاء الله، بلقاء يوم الجزاء، وقوله عليه السلام: "لي مع الله حالةٌ" بحالة الرقّة في القلب، وقوله عليه السلام: "وارزُقْني النَّظَرَ إلى وَجْهِكَ الكرِيمِ" وتأوّه الأولياء وتحرّقهم في معاناة الفراق، بالبعد عن حور العين، وطيور الجنّة. وهذه التفاسير لا تكون إلاّ نتيجة أنّنا لا نكون رجال تلك الساحات، ولا نفهم إلاّ المتع الحيوانيّة والجسمانيّة دون غيرها، ولهذا ننكر جميع المعارف. والأنكى من كلّ ذلك، هذا الإنكار الّذي يفضي إلى غلق باب كلّ المعارف، ويحجزنا عن السعي والطلب، ويجعلنا نقتنع بمستوى الحيوانيّة والبهيميّة، ويحرمنا من عوالم الغيب والأنوار الإلهيّة. لقد أصبحنا نحن المساكين المحرومين نهائيّاً من المشاهدات والتجلّيات، في منأى حتى عن الإيمان بهذه المعاني الّتي هي درجة من الكمال النفسي الّتي يمكن أن تسوقنا إلى مرحلة متقدّمة.


إنّنا نهرب من العلم الّذي قد يكون منطلقاً وبذرةً للمشاهدات، ونغلق عيوننا وأسماعنا نهائيّاً ونضع القطن في آذاننا حتّى لا يتطرّق كلام
 
 
 
 
 
 
97

93

في معنى الفطرة

  الحقّ إليها. وإذا سمعنا حقيقة من لسان عارف هائم أو سالك حزين أو فيسلوف متألّه، نتصدّى فوراً نتيجة عدم طاقة آذاننا على استماع تلك الحقيقة، ونتيجة أنّ حُبَّ النفس يمنعنا من جعل هذه الحقائق أسمى من قدرة استيعابنا لها، نتصدّى فوراً للطعن فيه ولعنه وتكفيره وتفسيقه، ولا نترفّع عن أي غيبة أو تهمة.


إنّنا نوقف الكتاب ونشترط على كلّ من يستفيد منه أن يلعن المرحوم الملاّ محسن فيض الكاشاني ـ صاحب كتب الأخبار والأخلاق والكلام والتفسير ـ يوميّاً مائة مرّة. ونرمي صدر المتألهّين الّذي هو قمّة التوحيد بالزندقة ولا نبخل عن إهانته أبداً، ونقول عنه إنّه صوفيّ رغم عدم ظهور أيّ رغبة منه في كتبه نحو مذهب التصوّف ورغم تأليفه كتاب (كسر أصنام الجاهليّة في الرّد على الصوفيّة).

إنّنا نترك الّذين يستحقّون اللعن، ويكونون ملعونين على لسان الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونلعن من يصرّح بالإيمان بالله ورسوله والأئمّة الهادين عليهم السلام. وإنّني أعلم بأنّ هذا اللعن والتوهين لا يُسيء إلى مقامهم، بل قد يضاعف حسناتهم ويرفع من درجاتهم، ولكنّه يُسيء إلينا وقد يبعث على الخذلان وسلب التوفيق منّا.

يقول شيخنا العارف ـ الشاه آبادي ـ روحي فداه "لا تلعنوا الأشخاص حتّى الكافر الّذي مات ولم تعرفوا أنّه على أيّ دين مات، إلاّ إذا أخبر وليّ معصوم عن حاله بعد موته، إذ من الممكن أنّه أصبح مؤمناً لدى سكرات الموت، وإنّما العنوا بصورة عامّة وكلّيّة".

فكم هو فرق بين شخص يملك مثل هذه النفس القدسيّة الّتي لا ترضى
 
 
 
 
 
 
 
 
98

94

في معنى الفطرة

  أن يلُعن من مات على الكفر ظاهراً، لإمكان أنّه غدا مؤمناً في اللحظات الأخيرة من حياته، وشخص آخر من أمثالنا ـ والى الله المشتكى ـ يرقى المنبر مع أنّه من أهل العلم والفضيلة ويقول أمام العلماء والفضلاء مستغرباً (إنّ فلان رغم أنّه فيلسوف، يتلو القرآن). وهذا الكلام يشبه ما إذا قلنا (إنّ فلان رغم كونه نبيّاً، يعتقد بالمبدأ والمعاد).


إنّني أيضاً لا أعتقد كثيراً بالعلم فقط. إنّ العلم الّذي لا يفضي إلى الإيمان أراه الحجاب الأكبر، ولكن لو لم نرد الحجاب ولم نتعلّم لما تمكّنا من خرقه.

إنّ العلوم بذور المشاهدات. وإنّه لمن الممكن أن يبلغ الإنسان إلى مقامات شامخة من دون تعلّم حجاب المصطلحات والعلوم. ولكن هذا خلاف العادة، وخلاف طبيعة السنن، وإنّه نادراً ما يحصل. فالطريق الطبيعيّ لمعرفة الله وطلبه هو أنّ الإنسان يبتدىء أوّلاً بإنفاق وقته في التفكّر بالحقّ سبحانه، ويحصل على العلم بالله وأسماء ذاته المقدّس وصفاته حسب الأساليب المتبعة من التلمذة على يد رجال ذلك العلم، ثم يتزوّد من المعارف بواسطة الرياضة العلميّة والعمليّة وينتهي بذلك حتماً إلى النتيجة المنشودة.

وإن لم يكن الإنسان من أهل المصطلحات ـ العلم ـ يستطيع أن يصل إلى النتيجة من خلال تذكّر المحبوب، وانشغال القلب بالذات المقدّس. ومن المعلوم أنّ مثل هذا الانشغال القلبيّ والتوجّه الباطنيّ سيكون سبباً لهدايته وأنّ الله سبحانه سيعينه في ذلك، وأنّ حجاباً من الحجب سيُرفع له، وأنّه سيتنازل قليلاً عن موقفه المُنكر ـ تجاه العرفاء
 
 
 
 
 
 
99

95

في معنى الفطرة

  والفلاسفة ـ ولعلّ الله سبحانه يفتح عليه ببركة عناياته الخاصّة، باباً من المعارف إنَّهُ وَلِيُّ النِّعَمِ..

 

 

 

 

100


96
التوحيد والفطرة