دراسات في الإلهيات


الناشر: شبكة المعارف الإسلامية

تاريخ الإصدار: 2020-01

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدّمة

المقدّمة

 

الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله الأطهار الميامين وبعد.

 

لقد كثُرت الدراسات وتنوّعت الأدلّة الفطرية والنقلية والعقلية وغيرها في البحث عن معرفة الله تعالى، وأرشدت نصوص أهل البيت عليهم السلام إلى طريقة هامة لمعرفة الله وهي معرفة الله بالله تعالى. "سُئِل أمير المؤمنين عليه السلام: بما عرفت ربّك؟ فقال: بما عرّفني نفسه، قيل كيف عرّفك نفسه؟ فقال: لا تشبهه صورة ولا يحّس بالحواس ولا يُقاس بالناس قريب في بعده، بعيد في قربه..."[1].

 

وُيستفاد من الروايات أنّ الإيمان بالله تعالى مرتبة رفيعة وخاصة وله عدّة مراحل، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنّ الإيمان أفضل من الإسلام، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من اليقين"[2].

 

ومن المعلوم أنّ المعرفة والعلم بأصول الدين من العناصر الأساسية، والمقدّمات التي لا بدّ منها في سلوك سبيل معرفة الله تعالى والترقّي في هذه المعرفة إلى درجة


[1] الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، دار الكتاب الإسلامي، إيران - طهران، 1363هـ.ش، ط2، ج1، ص85.

[2] المصدر نفسه، ج2، ص51.

 

17


1

المقدّمة

الإيمان أو اليقين، وذلك بحسب التزامه بعقيدته وانعكاس معرفته لله تعالى على حياته العملية وسلوكه، وإلا لتحوّلت تلك المعرفة إلى حجاب بينه وبين الله، ومنعت الترقّي في السير إلى الله تعالى.

 

هذا الكتاب "دراسات في الإلهيات" من الكتب العقائدية التي تتضمّن مجموعة هامة من الدروس التي تُعزّز المعرفة وتُنير الطريق أمام الإنسان ليسلك إلى ربّه على هدى وبصيرة ونور. ومادة هذا الكتاب في الأصل مأخوذة من كتاب "محاضرات في الإلهيات" لسماحة الشيخ علي الربّاني الكلبيكاني، تم إعادة تبويبها واختصارها بما يتناسب مع المستوى والأهداف العلميّة المحدّدة لهذه المّادة.

 

ويتشرّف مركز المعارف للتأليف والتحقيق بتقديم هذا الكتاب لجميع الدارسين والباحثين، بمنهج واسلوب ولغة تعليمية، عسى أن يوفّقنا الله تعالى في الدنيا والآخرة.

 

والحمد لله رب العالمين

مركز المعارف والمتون التعليميّة

 

18


2

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

الدرس الأوّل:

معرفة الله تعالى

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى الأسئلة التي تدعوه للبحث عن الله تعالى.

2- يتعرّف إلى أجوبة الأسئلة المتقدّمة.

3- يدرك أهمّية الدِّين وما يترتّب على الإيمان به.

 

19


3

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

لماذا نبحث عن وجود الله سبحانه؟

إن الإنسان العاقل إنما يقدم على فعل عند وجود دافع نفسي يدفعه إليه أولاً، وعندما يطلع على آثار الفعل ونتائجه المترتبة عليه ثانياً، وفي مجال البحث عن الله تعالى والإيمان به فإن كلا الأمرين يحصلان من خلال الإجابة على سؤالين، وهما:

1- ما الّذي يبعث الإنسان للبحث عن وجود مبدئ العالم وصانعه؟

2- ماذا يترتّب من آثار ونتائج على معرفة صانع العالم والإيمان به، وبالتّالي، الإيمان بالدين الإلهي؟

 

والجواب عن السؤال الأوّل بوجوه ثلاثة:

1- لزوم دفع الضّرر المحتمل:

لقد فطرت النفس الإنسانية على عامل روحي يحفزها للبحث عن كلّ أمر يحتمل أن يحدث ضرراً على الإنسان، وذلك لأجل دفع هذا الضرر المحتمل قبل حدوثه سواء كان منشأ هذا الضرر من الموجودات المادية أو كانت خارجة عن إطار المادّة والمادّيات، وتوضيحه: إن هناك مجموعة كبيرة من رجالات الإصلاح والأخلاق الدينية فدوا أنفسهم في طريق إصلاح المجتمع وتهذيبه وتوالوا على مدى القرون والأعصار، ودعوا المجتمعات البشريّة إلى الاعتقاد بالله سبحانه وصفاته الكمالية، وادّعوا أن له حق الطاعة وأنّ له تكاليف على عباده ووظائف وضعها عليهم، وأنّ الحياة لا تنقطع بالموت، وإنّما يُنقل

 

21


4

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

الإنسان من دار إلى دار، وأنّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الأوفى، ومن خالف واستكبر فله العذاب العظيم.

 

هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي والإصلاح، ولم يكن هؤلاء متَّهمين بالكذب والاختلاق، بل كانت علائم الصدق لائحة من خلال حياتهم وأفعالهم وأذكارهم، عند ذلك يدفع العقل الإنسان المفكّر إلى البحث عن صحّة مقالتهم دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون الذي يورثه أمثال هؤلاء العظماء.

 

2- لزوم شكر المنعم:

وهو حكم عقلي واضح يحكم به كلّ عاقل، وبيانه من خلال مقدمات:

أولاً: لا شكّ أنّ الإنسان في حياته غارق في النعم، وهذا ممّا لا يمكن لأحد إنكاره، ومن جانب آخر إنّ العقل يستقلّ بلزوم شكر المنعم.

 

ثانياً: إن شكر المنعم لا يتحقّق إلاّ بعد معرفته[1].

 

وعليه فإن معرفة المنعم مقدمة لشكره، وبما أن شكر المنعم واجب بحكم العقل، فإن مقدمته واجبة أيضاً لأن العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب فيجب البحث عن المنعم الّذي غمر الإنسان بالنعم وأفاضها عليه، فالتعرّف عليه من خلال البحث إجابة لهتاف العقل ودعوته إلى شكر المنعم المتوقف على معرفته.

 

3- استجابة لنداء الفطرة:

إنّ الإنسان بفطرته يبحث عن علل الحوادث، فما من حادثة إلا وهو يبحث عن علّتها ويشتاق إلى الوقوف عليها، عندئذٍ ينقدح في ذهنه السؤال عن علّة وجود العالم وما فيه من حوادث. فهل هناك علّة موجدة للعالم الكوني وراء العلل والأسباب المادّية أم لا؟ ولذلك فإن البحث عن وجود صانع العالم أمر فطري في الإنسان[2].

 


[1]إن كان شكر المنعم لازماً فيجب معرفته، لكنّ المقدّم حقّ، فالتالي كذلك. أمّا حقيّة المقدّم فلأنّه من البديهيات العقلية. وأمّا الملازمة فلأنّه أداء للشكر، والإتيان به موقوف على معرفة المنعم وهو واضح.

[2] راجع: العلّامة الطباطبائي، أصول الفلسفة، المقالة 14.

 

22


5

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

والجواب عن السؤال الثاني: دور الدِّين الإلهي في حياة الإنسان

الدين منظومة فكريّة تقود الإنسان إلى الكمال والترقّي في جميع المجالات المهمّة بالنسبة إلى حياة الإنسان منها:

أ- تقويم الأفكار والعقائد وتهذيبهما عن الأوهام والخرافات.

ب- تنمية الأصول الأخلاقية.

ج- تحسين العلاقات الاجتماعية.

د- إلغاء الفوارق القومية.

 

بيان وتوضيح للمجالات الأربعة:

أمّا في المجال الأوّل: فإنّ الدّين يفسِّر واقع الكون بأنّه إبداع موجود عال قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود، كما أنّه يفسِّـر الحياة الإنسانية بأنّها لم تظهر على صفحة الكون عبثاً ولم يخلق الإنسان سدى، بل لتكوّنه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظلّ تعاليم الأنبياء والهداة المبعوثين من جانب الله تعالى.

 

وفي مقابل هذا التفسير الديني لواقع الكون والحياة الإنسانيّة تفسير المادّي القائل بأنّ المادّة قديمة بالذّات وهي التي قامت فأعطت لنفسها نظماً، وإنّه لا غاية لها ولا للإنسان القاطن فيها وراء هذه الحياة المادية، وهذا التفسير يقود الإنسان إلى الجهل والخرافة، إذ كيف يمكن للمادّة أن تمنح نفسها نظماً؟! وهل يمكن أن تتّحد العلّة والمعلول، والفاعل والمفعول، والجاعل والمجعول؟

 

ومن هنا يتبيّن أنّ التكامل الفكري إنّما يتحقّق في ظلّ الدِّين، لأنّه يكشف آفاقاً وسيعة أمام عقله وتفكّره.

 

وأمّا في المجال الثاني: فإنّ العقائد الدينية تُعدّ رصيداً للأصول الأخلاقية، إذ التقيّد بالقيم ورعايتها لا ينفك عن مصاعب وآلام يصعب على الإنسان تحمّلها إلاّ بعامل روحي يسهِّلها ويزيل صعوبتها كالتضحية في سبيل الحقّ والعدل، ورعاية الأمانة ومساعدة

 

23


6

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

المستضعفين، فهذه بعض الأصول الأخلاقية التي لا تنكر صحّتها، غير أنّ تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاماً وصعوبات، والاعتقاد بالله سبحانه وما في العمل بها من الأجر والثواب خير عامل يقوي الإنسان لتطبيقها وتحمّل المصائب والآلام.

 

وأمّا في المجال الثالث: فإنّ العقيدة الدينيّة تساند الأصول الاجتماعية؛ لأنّها تصبح عند الإنسان المتديّن تكاليف لازمة. وعندها يكون الإنسان بنفسه مقوداً إلى العمل وإجراء التكاليف والقوانين الاجتماعية في شتّى الحقول من الحفاظ على النظام العام، ورعاية حقوق الآخرين وغيرها.

 

غير أنَّ تلك الأصول بين غير المتديّنين لا تُراعى إلا بالقوى الماديّة القاهرة. وعندئذٍ لا تتمّتع الأصول الاجتماعية بأي ضمان تنفيذي، وهذا مشهود لمن لاحظ حياة الأمم الماديّة عير الملتزمة بمبدأ أو معاد.

 

وأمّا في المجال الرابع: فإنّ الدين يعتبر البشر كلّهم مخلوقين لمبدأ واحد، فالكل بالنسبة إليه حسب الذّات والجوهر كأسنان المشط، ولا يرى أيّ معنى للمميّزات القوميّة والتفاريق الظاهريّة. فالبشر كلّهم من آدم وآدم من تراب.

 

فهذه بعض المجالات الّتي للدّين فيها دور وتأثير واضح، أفيصحّ بعد الوقوف على هذه التأثيرات المهمة أن نهمل البحث عنه، ونجعله في زاوية النسيان؟

 

نعم ما ذكرنا من دور الدِّين وتأثيره في الجوانب الحيويّة من الإنسان إنّما هو من شؤون الدين الحق الذي يؤيّد العلم ويؤكّد الأخلاق ولا يخالفهما، وأمّا الأديان المنسوبة إلى الوحي بكذب وزور فخارجة عن موضوع بحثنا.

 

24


7

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

المفاهيم الرئيسة

•        هناك ثلاثة أمور تدعو إلى البحث عن وجود خالق لهذا العالم:

•        لزوم دفع الضرر المحتمل، حيث أخبرنا الأنبياء  عليهم السلام بوجود عقاب أخروي إن لم نطع خالق العالم.

•        لزوم شكر المنعِم، حيث إنَّ شكر المنعِم متوقّف على معرفته.

•        استجابة لنداء الفطرة، حيث إنّها تدعو الإنسان إلى معرفة خالق هذا الكون ومبدئه.

•        يترتّب على الإيمان بخالق للعالَم وبالتّالي الإيمان بالدِّين الإلهي فوائد عديدة، منها:

1-      تقويم الأفكار والعقائد وتهذبيها عن الأوهام والخرافات.

2-      تنمية الأصول الأخلاقية.

3-      تحسين العلاقات الاجتماعية.

4-      إلغاء الفوارق القومية.

 

-        وهذه الفوائد وغيرها تدعونا إلى البحث عن الخالق وبالتّالي عن الدِّين الحقّ.

 

25


8

الدرس الأوّل: معرفة الله تعالى

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- عدِّد الأسباب الموجبة لبحث الإنسان عن وجود مبدئ العالم وصانعه.

2- بيِّن كيف يؤثّر الاعتقاد بالدين في تنمية الأصول الأخلاقية لدى الإنسان.

3- هل يؤدّي الدين إلى إلغاء الفوارق بين الأمم والشعوب؟ وضح ذلك.

 

ضع إشارة ü أو û عليهم السلام في المكان المناسب:

1- يدفع العقل الإنسان المفكّر إلى البحث عن صحّة أقوال الأنبياء والحكماء حول وجود الخالق ومبدئ الكون دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون.

2- إذا بحث الإنسان عن الصانع والخالق كان الدافع وراء ذلك هو الخوف من الطبيعة.

3- إنّ الإيمان بالله سبحانه وتعالى يؤدّي إلى تقويم الأفكار والعقائد وتهذيبهما عن الأوهام والخرافات الفاسدة.

4- وجوب شكر المنعم من القواعد الأساسية في فهم كون الخالق حياً لا يموت.

5- لا يمكن للإنسان المؤمن بالدين إلا وأن يلتزم بتطبيق القوانين والأحكام الاجتماعية للدين.

 

26


9

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

الدرس الثاني:

براهين وجود الله سبحانه (1)

(برهان النظام)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح برهان النظم لإثبات وجود الخالق.

2- يبيّن الإشكالات على برهان النظم.

3- يبيّن الإجابات عن الإشكالات المتقدِّمة.

 

 

27


10

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

بعد ما تبين في الدرس السابق وجود دوافع للبحث والاستدلال على وجود خالق وترتّب آثار مهمة على الإعتقاد بوجود الله تعالى. فما هي السبّل التي يمكن سلوكها في عملية البحث هذه؟ وما هي الأدلة والبراهين التي تفيد في هذا المقام؟

 

الجواب: إنّ البراهين الدالّة على وجود خالقٍ لهذا الكون ومفيضٍ لهذه الحياة كثيرة ومتعدّدة، منها:

برهان النظم

إنّ من أوضح البراهين العقلية وأيسرها تناولاً للجميع هو برهان النظم، وهو الاهتداء إلى وجود الله سبحانه عن طريق مشاهدة النظام الدقيق البديع السائد في عالم الكون.

 

ما هو النظم؟

إنّ مفهوم النظم من المفاهيم الواضحة لدى الأذهان ومن خواصّه أنّه يتحقّق بين أُمور مختلفة سواء كانت أجزاء لمركب أو أفراداً من ماهية واحدة أو ماهيات مختلفة، فهناك ترابط وتناسق بين الأجزاء، أو توازن وانسجام بين الأفراد يؤدّي إلى هدف وغاية مخصوصة، كالتلائم الموجود بين أجزاء الشجر، وكالتوازن الحاصل بين حياة الشجر والحيوان.

 

شكل البرهان وصورته

إنّ برهان النظم يقوم على مقدّمتين: إحداهما حسيّة، والأخرى عقلية.

أمّا الأولى: فهي أنّ هناك نظاماً سائداً على الظواهر الطبيعية التي يعرفها الإنسان 

 

29


11

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

إمّا بالمشاهدة الحسّية الظاهرية وإمّا بفضل الأدوات والطرق العلميّة التجريبيّة. وكلّما تطورت العلوم الطبيعيّة فإنها تكشف مظاهر وأبعاداً جديدة من النظام السائد في عالم الطبيعة، وهناك مئات بل آلاف من الرسائل والكتب المؤلّفة حول العلوم الطبيعيّة مليئة بذكر ما للعالم الطبيعي من النظام العجيب والدقة التي يدركها الإنسان بأدنى تأمل سواء منها ما يتعلّق بتركيب الإنسان نفسه أو ما يحيط به. فلا حاجة إلى تطويل الكلام في هذا المجال.

 

وأمّا الثانية: فهي أنّ العقل بعد ما لاحظ النظام وما يقوم عليه من التقدير والتوازن والانسجام الهادف، يحكم بالبداهة بأنّ أمراً هكذا شأنه يمتنع صدوره إلاّ عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل تحقّقها صدفة وتبعاً لحركات فوضويّة للمادّة العمياء الصمّاء، فإنّ تصوّر مفهوم النظم وأنّه ملازم للمحاسبة والعلم يكفي في التصديق بأنّ النظم لا ينفكّ عن وجود ناظم عالم أوجده، وهذا على غرار حكم العقل بأنّ كلّ ممكن لا بد له من علّة موجدة، وغير ذلك من البديهيات العقلية.

 

برهان النظم في الكتاب والسنّة

إنّ الوحي الإلهي قد أولى برهان[1] النظم اهتماماً بالغاً، وذلك لسهولة إدراكه من جميع الأفهام مهما تفاوتت ولذلك يوجد آيات كثيرة من القرآن تدعو الإنسان إلى مطالعة الكون وما فيه من النظم والإتقان حتّى يهتدي إلى وجود الله تعالى وعلمه وحكمته.

نرى أنّ القرآن الكريم يلفت نظر الإنسان إلى السّير في الآفاق والأنفس منها قوله تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[2].


 


[1] إنّ برهان النظم متفرّع على قانون العلّية، وإنّ كلّ حادثة لها علّة محدثة لا محالة، وحينئذٍ يقع الكلام في صفات تلك العلّة، فهل يجب أن تكون عالماً وقادراً ومختاراً أو لا يجب ذلك؟ وبرهان النظم بصدد إثبات وجود هذه الصفات لعلّة الحوادثالكونية وفاعلها، وهذا ما يرتئيه القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية في الدعوة إلى مطالعة الكون والتفكّر في آياته.

[2] سورة فصّلت، الآية 53.

 

30


12

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

وقال أمير المؤمنين عليّ  عليه السلام:

"ألا ينظرون إلى صغير ما خلق؟ كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السّمع والبصر، وسوّى له العَظمَ والبَشَر، أُنظروا إلى النّملة في صِغَرِ جُثّتها ولطافة هيئتها لا تكاد تُنال بلحظِ البَصَر ولا بمُستَدرَكِ الفِكَر، كيف دبّت على أرضهاوصُبَّت على رزقها، تنقل الحبّة إلى جُحرها وتُعِدُّها في مستقرِّها، تجمَعُ في حرِّها لبردها وفي وِرْدِها لصَدْرها[1].. فالويل لمن أنكر المقدِّر وجحد المدبِّر..."[2].

 

إشكالات على برهان النظام

إنّ هناك إشكالات طرحت حول برهان النظم يجب علينا الإجابة عنها، والمعروف منها ما طرحه دايفيد هيوم الفيلسوف الإنكليزي (1711 ـ 1776م) في كتابه "المحاورات"[3] وهي ستّة إشكالات نشير إلى اثنين منها:

الإشكال الأوّل:

إنّ برهان النّظم لا يتمتّع بشرائط البرهان التجريبي، لأنّه لم يجرّب في شأن عالم آخر غير هذا العالم، صحيح أنّا جرّبنا المصنوعات البشريّة فرأينا أنّها لا توجد إلّا بصانع عاقل كما في البيت والسفينة والسّاعة وغير ذلك، ولكنّنا لم نجرّب ذلك في الكون، فإنّ الكون لم يتكرّر وجوده حتّى يقف الإنسان على كيفية خلقه وإيجاده، ولهذا لا يمكن أن يثبت له علّة خالقة على غرار المصنوعات البشريّة.

 

والجواب عنه:

أنّ برهان النظم ليس برهاناً تجريبيّاً والذي يكون الملاك فيه هو تعميم الحكم على أساس المماثلة الكاملة بين الأشياء المجرّبة وغير المجرّبة، وليس أيضاً من مقولة

 


[1] الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده، أي تجمع في أيّام التمكّن من الحركة لأيام العجز عنها.

[2] الرضي، السيد أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام) تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387هـ - 1967م، ط1، الخطبة: 185، هذا وللإمام عليه السلام وصف رائع لخلقة النحل والخفّاش والطاووس يستدلّ به على وجود الخالق وقدرته وعلمه.

[3] الكتاب مؤلّف على شكل حوار بين ثلاثة أشخاص إفتراضيين، وقد نشر الكتاب المذكور بعد وفاة "هيوم".

 

31


13

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

التمثيل الذي يكون الملاك فيه التشابه بين فردين، بل هو برهان عقلي يحكم العقل فيه بأمر بعد ملاحظة نفس الشيء وماهيته، وبعد سلسلة من المحاسبات العقلية من دون تمثيل أو إسراء حكم، كما يتمّ ذلك في التمثيل والتجربة.

 

وأما كون إحدى مقدّمتيه حسّيّة فلا يضرّ بكون البرهان عقليّاً، فإنّ دور الحسّ فيه ينحصر في إثبات الموضوع، أي إثبات النظم في عالم الكون، وأمّا الحكم والاستنتاج فيرجع إلى العقل ويبتني على محاسبات عقلية، وهو نظير ما إذا ثبت بالحسّ أنّ هاهنا مربّعاً، فإنّ العقل يحكم من فوره بأنّ أضلاعه الأربعة متساوية في الطول.

 

فالعقل يرى ملازمة بيّنة بين النظم بمقدّماته الثلاث، أعني: الترابط والتناسق والهدفيّة، وبين دخالة الشعور والعقل، فعندما يلاحظ ما في جهاز العين مثلاً من النظام بمعنى تحقّق أجزاء مختلفة كمّاً وكيفاً، وتناسقها بشكل يُمكنها من التعاون والتفاعل فيما بينها ويتحقّق الهدف الخاص منه، يحكم بأنّها من فعل خالق عظيم، لاحتياجه إلى دخالة شعور وعقل وهدفيّة وقصد.

 

وعليه فإن برهان النظم هو برهان عقلي لا تجريبي حتى يتوقف ثبوته على إجراء تجربة سابقة نثبت من خلالها لابدية وجود صانع للكون.

 

الإشكال الثاني:

ماذا يمنع من أن نعتقد بأنّ النظام السائد في عالم الطبيعة حاصل من قبل عامل كامن في نفس الطبيعة، أي أنّ وجود النظام ذاتي للمادّة؟ إذ لكلّ مادّة خاصيّة معيّنة لا تنفكّ عنها، وهذه الخواص هي التي جعلت الكون على ما هو عليه الآن من النظام.

 

فلا يحتاج النظام إلى منظِّم خارج الطبيعة لكي نبحث عنه.

 

والجواب:

أنّ غاية ما تعطيه خاصيّة المادّة هي أن تبلغ بنفسها فقط إلى مرحلة معيّنة من التكامل الخاصّ والنظام المعيّن فهي تنظم نفسها ـ على فرض صحّة هذا القول ـ لا أن

 

32


14

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

تتحسّب للمستقبل وتتهيّأ للحاجات الطارئة، ولا أن تقيم حالة عجيبة ورائعة من التناسق والانسجام بينها وبين الأشياء المختلفة والعناصر المتنافرة في الخواصّ والأنظمة. وقد ذكرنا أن من مقوّمات مفهوم النظام هو الترابط والتوازن والتكافل بين الموجودات وهذا يمتنع كونه ذاتياً للمادة.

 

ولنأت بمثال لما ذكرناه، وهو مثال واحد من آلاف الأمثلة في هذا الكون، هب أنّ خاصيّة الخليّة البشريّة عندما تستقرّ في رحم المرأة، هي أن تتحرّك نحو الهيئة الجنينية، ثمّ تصير إنساناً ذا أجهزة منظّمة، ولكن هناك في الكون في مجال الإنسان تحسُّباً للمستقبل وتهيُّؤاً لحاجاته القادمة لا يمكن أن يستند إلى خاصيّة المادّة، وهو انّه قبل أن تتواجد الخليّة البشريّة في رحم الأمّ وجدت المرأة ذات تركيبة وأجهزة خاصّة تناسب حياة الطفل ثمّ تحدث للأمّ تطوّرات في أجهزتها البدنية والروحيّة مناسبة لحياة الطفل وتطوّراته.

 

هل يمكن أن نعتبر كلّ هذا التحسّب من خواصّ الخليّة البشريّة، وما علاقة هذا بذاك؟ فإذا لم يصح هذا في مثال بسيط فكيف بالكون والنظام الكوني العام بعظمته ودقته؟

 

33


15

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

المفاهيم الرئيسة

•        من الأدلّة على وجود الله تعالى برهان النظم، وهو من أوضح البراهين العقلية وأيسرها، وهو يبتني على مقدّمتين، إحداهما حسيّة والأخرى عقلية:

فالمقدِّمة الأولى: الكون يسوده النظام, وهذا مثبت بالمشاهدة الحسيّة والتجربة والعلم.

والمقدِّمة الثانية: النظام يحتاج إلى فاعل منظِّم قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل صدوره عن صدفة عمياء.

•        لقد أُشير في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة إلى برهان النظم ومنه قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.

•        أشكل دايفيد هيوم على برهان النظم بعدّة إشكالات منها:

•        إنّ برهان النظم ليس وليد التجربة فلا يمكن تعميمه للكون بأسره:

والجواب: إنّ برهان النظم برهان عقلي وإن اعتمد في إحدى مقدّماته على الحسّ.

•        يمكن إسناد النظم السائد في عالم الطبيعة إلى المادة:

والجواب: إنّ المادّة تقصر عن التحسّب للمستقبل وعن إيجاد حالة من التناسق بينها وبين غيرها، فلا يمكن إسناد النظم إليها.

 

34


16

الدرس الثاني: براهين وجود الله سبحانه (1) (برهان النظام)

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هو المقصود من النظم.

2- تحدّث باختصار عن مقدمات برهان النظم؟

3- قال دايفيد هيوم في إشكاله على برهان النّظام: "لا يتمتّع بشرائط البرهان التجريبي، لأنّه لم يجرّب في شأن عالم آخر غير هذا العالم"، فبماذا نجيب عن ذلك؟

4- كيف يمكن الاستدلال ببرهان النظم على وجود الله سبحانه وتعالى، برهان النظام بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.

 

ضع إشارة ü أو û عليهم السلام في المكان المناسب:

1- يبتني برهان النظام على وجود الله على مقدّمتين إحداهما حسيّة والأخرى دينية.

2- إذا لاحظ العقل النظام وما يقوم عليه من المحاسبة والتقدير والتوازن والانسجام، يحكم بأنْه لا يصدر إلاّ عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد.

3- إنّ النظام السائد في عالم الطبيعة حاصل من قبل عامل ذاتي في نفس الطبيعة والمادة.

4- يمكن للإنسان أن يتعرّف على النظام الكوني إمّا بالمشاهدة الحسّية الظاهرية وإمّا بفضل الأدوات والطرق العلميّة التجريبيّة.

5- إذا نظر الإنسان إلى النظام وتأمّل فيه وجده كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه العباد.

 

35


17

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

الدرس الثالث:

براهين وجود الله سبحانه (2)

(برهان الإمكان والوجوب - برهان الحدوث)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى برهان الإمكان لإثبات وجود الله تعالى.

2- يتعرّف إلى برهان الحدوث.

3- يعرض الشبهات حول برهاني الإمكان والحدوث ويجيب عنها.

 

37


18

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

برهان الإمكان والوجوب

ويعتبر هذا البرهان أكثر إحكاماً من برهان النظم فإنه لا يعتمد على خصوصيات الموجودات، ويتوقف تقرير هذا البرهان على بيان أمور:

الأمر الأول: تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن، وذلك لأنّ الموجود إمّا أن يستدعي من صميم ذاته ضرورة وجوده ولزوم تحقّقه في الخارج، فهذا هو الواجب لذاته، وإمّا أن يكون متساوي النسبة إلى الوجود والعدم ولا يستدعي في حدّ ذاته أحدهما أبداً، وهو الممكن لذاته، كأفراد الإنسان وغيره.

 

الأمر الثاني: حاجة كلّ ممكن إلى علة في وجوده، وهذا من البديهيات التي لا يرتاب فيها عقل، فإنّ العقل يحكم بالبداهة على أن ما لا يستدعي في حد ذاته الوجود، يتوقف وجوده على أمر آخر وهو العلّة، وإلا فوجوده ناشئ من ذاته، هذا خلف.

 

الأمر الثالث: امتناع الدور وبطلانه، وهو عبارة عن كون الشيء موجداً لثان وفي الوقت نفسه يكون الشيء الثاني موجداً لذاك الشيء الأوّل.

 

دليل امتناعه أن مقتضى كون الأول علة للثاني، تقدّمه عليه وتأخّر الثاني عنه، ومقتضى كون الثاني علة للأول تقدّم الثاني عليه، فينتج كون الشيء الواحد، في حالة واحدة وبالنسبة إلى شيء واحد، متقدّماً وغير متقدّم ومتأخّراً وغير متأخّر وهذا هو الجمع بين النقيضين وهو مستحيل عقلاً.

 

إنّ امتناع الدور وجداني ولتوضيح الحال نأتي بمثال: إذا اتفق صديقان على إمضاء

 

39


19

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

وثيقة واشترط كل واحد منهما لإمضائها، إمضاء الآخر، فتكون النتيجة توقّف إمضاء كلٍّ منهما على إمضاء الآخر، وعند ذلك لن تكون تلك الورقة ممضاة أبداً، وهذا ممّا يُدركه الإنسان بالوجدان وراء دركه بالبرهان.

 

الأمر الرابع: استحالة التسلسل لا إلى نهاية اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة ، مترتّبة غير متناهية، ويكون الكلّ متّسماً بوصف الإمكان، بأن يتوقّف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (د) وهكذا من دون أن تنتهي إلى علّة واجبة ليست بممكنة ولا معلولة.

 

والدليل على استحالته أن المعلولية وصف عام لكل جزء من أجزاء السلسلة وعليه تكون السلسلة المفترضة وبشكل عام ممكنة، فعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه: إذا كانت السلسلة الهائلة معلولة، فما هي العلة التي أخرجتها من كتم العدم إلى عالم الوجود؟ والمفروض أنه ليس هناك شيء يكون علّة ولا يكون معلولاً، وإلا يلزم انقطاع السلسلة وتوقّفها عند نقطة خاصة، وهي الموجود القائم بنفسه وغير المحتاج إلى غيره وهو الواجب الوجود بالذات.

 

فإن قلت: إنّ كلّ معلول من السلسلة - إذا نظرنا إلى كل فرد منها - متقوم بالعلة التي تتقدّمه ومتعلّق بها، فالجزء الأول من آخر السلسلة وجد بالجزء الثاني، والثاني بالثالث، وهكذا إلى أجزاء وحلقات غير متناهية، وهذا المقدار من التعلُّق يكفي لرفع الفقر والحاجة.

 

قلت: المفروض أنّ كلّ جزء من أجزاء السلسلة متّسم بوصف الإمكان والمعلولية، وعلى هذا فوصف العلّية له ليس بالأصالة والاستقلال، فليس لكلّ حلقة دور الإفاضة والإيجاد بالاستقلال، فلا بدّ أن يكون هناك علّة وراء هذه السلسلة ترفع فقرها وتكون سناداً لها.

 

ولتوضيح الحال نُمثّل بمثال وهو أنّ كلّ واحدة من هذه المعاليل بحكم فقرها الذاتي، بمنزلة الصفر، فاجتماع هذه المعاليل بمنزلة اجتماع الأصفار، ومن المعلوم أن

 

40


20

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

الصفر بإضافة أصفار متناهية أو غير متناهية إليه لا ينتج عدداً، بل يجب أن يكون إلى جانب هذه الأصفار عدد صحيح قائم بالذات حتى يكون مصححاً لقراءة تلك الأصفار. فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أن فرض علل ومعاليل غير متناهية مستلزم لأحد أمرين: إما تحقق المعلول بلا علّة، وإما عدم وجود شيء في الخارج رأساً، وكلاهما بديهي الاستحالة.

 

تقرير برهان الإمكان والوجوب

إلى هنا تمّت المقدّمات التي يبتني عليها برهان الإمكان، وإليك تقرير البرهان:

لا شكّ أنّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الإمكانية، بدليل أنّها توجد وتنعدم وتحدث وتفنى ويطرأ عليها التبدّل والتغيّر، إلى غير ذلك من الحالات التي هي آيات الإمكان وسمات الافتقار.

 

وأمر وجودها لا يخلو من الإحتمالات التالية:

1- إما أنه لا علّة لوجودها، وهذا باطل بحكم المقدمة الثانية (كلّ ممكن يحتاج إلى علّة).

 

2- وإما أن البعض منها علّة لبعض آخر وبالعكس، وهو محال بمقتضى المقدّمة الثالثة (بطلان الدور).

 

3- وإما أن بعضها معلول لبعض آخر وذلك البعض معلول لآخر من غير أن ينتهي إلى علّة ليست بمعلول، وهو ممتنع بمقتضى المقدّمة الرابعة (استحالة التسلسل).

 

4- وإما أن وراء تلك الموجودات الإمكانية علّة ليست بمعلولة بل يكون واجب الوجود لذاته وهو المطلوب.

 

فاتّضح أنّه لا يصحّ تفسير النظام الكوني إلا بالقول بانتهاء الممكنات إلى الواجب لذاته القائم بنفسه، فهذه الصورة هي التي يُصحّحها العقل ويحكم بها، وأمّا الصور الباقية، فكلّها باطلة لأنها تستلزم المحال، والمستلزم للمحال محال.

 

41


21

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

برهان الإمكان والوجوب في القرآن

وقد أشير في الذكر الحكيم إلى مقدمات برهان الإمكان، وإلى أن حقيقة الممكن حقيقة مفتقرة لا تملك لنفسها وجوداً وتحقّقاً ولا أيّ شيء آخر أشار بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[1].

 

ومثله قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾[2].

 

وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء﴾[3].

 

وإلى أنّ الممكن ومنه الإنسان لا يتحقّق بلا علّة، ولا تكون علّته نفسه، أشار سبحانه بقوله:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾[4].

 

وإلى أنّ الممكن لا يصحّ أن يكون خالقاً لممكن آخر بالأصالة والاستقلال ومن دون الاستناد إلى خالق واجب أشار بقوله: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾[5].

 

إجابة عن إشكال

قد استشكل على القول بانتهاء الممكنات إلى علة أزلية ليست بمعلول، بأنه يستلزم تخصيص القاعدة العقلية، القائلة: أن كل موجود يحتاج إلى علّة لوجوده.

 

والجواب: إنّ القاعدة العقلية تختص بالموجودات الإمكانية التي لا تقتضي في ذاتها وجوداً ولا عدماً، إذ الحاجة إلى العلة، ليس من خصائص الموجود بما هو موجود، بل هي من خصائص الموجود الممكن، فإنّه حيث لا يقتضي في حدّ ذاته الوجود ولا العدم، لا بدّ له من علة توجده، ويجب انتهاء أمر الإيجاد إلى ما يكون الوجود عين ذاته ولا يحتاج إلى غيره، لما تقدّم من إقامة البرهان على امتناع التسلسل، فالاشتباه نشأ من الغفلة عن وجه الحاجة إلى العلّة وهو الإمكان لا الوجود.


 


[1] سورة فاطر، الآية 15.

[2] سورة النجم، الآية 48.

[3] سورة محمد، الآية 38.

[4] سورة الطور، الآية 35.

[5] سورة الطور، الآية 36.

 

42


22

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

برهان الحدوث

من البراهين التي يُستدلّ بها على إثبات وجود خالق الكون، برهان الحدوث، وقد استدلّ به إمام الموحّدين عليّ  عليه السلام على وجود الله سبحانه وأزليّته في مواضع من كلماته وخطبه التوحيدية، منها قوله عليه السلام:

"الحمد لله الّذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدالّ على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده"[1].

 

يعني أنّ حدوث العالم يدلّ على محدِث له وهو الله تعالى، وإذا كان العالَم بوصف كونه حادثاً مخلوقاً له تعالى، فهو قديم أزلي، وإلاّ كان حادثاً واحتاج إلى محدث، هذا خلف.

 

تعريف الحدوث وأقسامه

الحدوث وصف للوجود باعتبار كونه مسبوقاً بالعدم وهو على قسمين:

الأوّل: الحدوث الزماني وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم الزماني كمسبوقيّة اليوم بالعدم في أمس ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس.

 

والثاني: الحدوث الذّاتي وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم في ذاته، كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلّة خارجة من ذاتها، وليس لها في ماهيتها وحدّ ذاتها إلاّ العدم، هذا حاصل ما ذكروه في تعريف الحدوث وتقسيمه إلى الزماني والذاتي والتفصيل يطلب من محلّه[2].

 

ثمّ إنّ مرجع الحدوث الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فالاستدلال بالحدوث الذاتي راجع إلى برهان الإمكان والوجوب، فلنركّز الكلام هنا على الحدوث الزّماني فنقول إن لهذا البرهان مقدمتين الأولى: إن الكون حادث الثانية: كل حادث يحتاج إلى محدِث:

 


[1] السيد الرضي، نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة 185.

[2] لاحظ: العلّامة الطباطبائي، بداية الحكمة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران - قم، 1418هـ، لا.ط، ص148.

 

43


23

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

فإذاً يعتمد هذا البرهان على اثبات وجود بداية للحياة والكون، وأنه لم يكن موجوداً ثم حدث وجوده في زمان ما.

 

الدليل على حدوث الكون

إن العلوم الطبيعيّة أثبتت حدوث الحياة في عالم المادّة فمثلاً:

أثبت العلم بوضوح أنّ هناك انتقالاً حراريّاً مستمرّاً من الأجسام الحارّة إلى الأجسام الباردة، ولا تتحقّق في عالم الطبيعة عملية طبيعية معاكسةً لذلك، ومعنى ذلك أنّ الكون يتّجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام من حيث الحرارة وعند ذلك لن تتحقّق عمليات كيميائيّة أو طبيعيّة، ويستنتج من ذلك:

إنّ الحياة في عالم المادّة أمر حادث ولها بداية، إذ لو كانت موجوداً أزلياً لا بداية له لز من ذلك استهلاك طاقات المادّة، وبالتالي نضوب ظاهرة الحياة المادّية منذ زمن بعيد. لكنها لا زالت موجودة فإذا الحياة المادية لها بداية.

 

وإلى ما ذكرنا أشار "فرانك آلن" أُستاذ علم الفيزياء بقوله:

"قانون ترموديناميا أثبت أنّ العالم لا يزال يتّجه إلى نقطة تتساوى فيها درجة حرارة جميع الأجسام، ولا توجد هناك طاقة مؤثِّرة لعمليّة الحياة، فلو لم يكن للعالم بداية وكان موجوداً من الأزل لزم أن يقضى للحياة أجلها منذ أمدٍ بعيدٍ، فالشَّمس المشرقة والنجوم والأرض المليئة من الظواهر الحيويّة وعملياتها أصدق شاهد على أنّ العالم حدث في زمان معيَّن، فليس العالم إلاّ مخلوقاً حادثاً"[1].

 

تقرير برهان الحدوث

ممّا تقدّم تبيَّنت المقدمة الأولى وهي صغرى برهان الحدوث وهي أنّ الحياة في العالم المادّي حادث، وليست الحياة أمر ذاتي في العالم المادي[2].

 


[1] إثبات وجود خدا (فارسي)، ص 21.يحتوي الكتاب على مقالات من أربعين من المتمهرين في العلوم المختلفة، جمعها العالم المسيحي "جان كلورمونسما".

[2] راجع كتاب "اللّه خالق الكون".

 

44


24

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

أما المقدمة الثانية فإن الأصل البديهي العقلي يثبتها وهو أنّ كلّ أمر غير ذاتي معلَّل، له علة كما أنّ كلّ حادث لا بدّ له من محدث وخالق، فما هو المحدث لحياة المادة؟

 

إمّا هي نفسها أو غيرها؟ ولكنّ الفرض الأوّل باطل، لأنّ المفروض أنّها كانت قبل حدوث الحياة لها فاقدة لها، وفاقد الشيء يستحيل أن يكون معطياً له، فلا مناص من قبول الفرض الثاني، فهناك موجود آخر وراء عالم المادّة هو الموجد للمادّة ومحدث الحياة لها.

 

إلى هنا تمّ دور الحدوث الزماني في البرهان، وأنتج أنّ هناك موجوداً غير مادّي، محدثٌ لهذا العالم المادّي. وأمّا أنّ هذا المحدِث هل هو ممكن أو واجب، وحادث أو قديم، فلا بدّ لإثباته من اللجوء إلى برهان الإمكان والوجوب وامتناع الدور والتسلسل وهو ما تقدّم بيانه.

 

الإجابة عن شبهة رسل

إنّ لبرترند رسل هاهنا شبهة يجب أن نجيب عنها وهي: إنّه بعد الإشارة إلى قانون "ترموديناميا" وما يترتّب عليه من حدوث العالم المادّي، قال:

"لا يصحّ أن يستنتج منه أنّ العالم مخلوق لخالق وراءه، لأنّ استنتاج وجود الخالق استنتاج علّي والاستنتاج العلِّي في العلوم غير جائز إلّا إذا انطبقت عليه القوانين العلمية، ومن المعلوم استحالة إجراء العمليّة التجريبيّة على خلقة العالم من العدم، ففرض كون العالم مخلوقاً لخالق محدث، ليس أولى من فرض حدوثه بلا علّة محدثة، فانّ الفرضين مشتركان في نقض القوانين العلميّة المشهودة لنا"[1].

 

وحاصل كلامه أنّ فرض العلة المحدِثة لهذا العالم الحادث مساو تفرض عدم العلة المحدِثة له، وذلك لاستحالة إجراء عملية تجريبية لكلا الفرضين. وبملاحظة هذه الاستحالة يتكافئ الفرضان على صعيد النتائج المتوخّاة.

 


[1] جهان بيني علمي (فارسي)، ص 114.

 

45


25

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

والجواب عنها: إنّ برهان الحدوث - كما عرفت - متشكّل من مقدّمتين، الأولى: حدوث العالَم، وهذا نتيجة واضحة من الأبحاث العلمية التجريبيّة، والثانية: الأصل العقلي البديهي، وليس هذا مستفاداً من الأبحاث العلمية، بل هو خارج عن نطاق العلم التجريبي رأساً، فإن كان مراد رسل من تساوي فرض مخلوقية العالَم وفرض وجوده صدفةً أنّهما خارجتان عن نطاق العلوم التجريبيّة، فصحيح، لكنّهما غير متساويين عند العقل الصريح الّذي هو الحاكم الوحيد في أمثال هذه الأبحاث العقلية الخارجة عن نطاق العلوم التجريبيّة الحسيّة، فكأنّ رسل رفض العقل والبراهين العقليّة وحصر طريق الاستدلال على طريقة الحسّ والاستقراء والتجربة، كما هو مختار جميع الفلاسفة الحسّيّين الأوروبيّين وغيرهم، وقد بُرهِن على فساد هذا المبنى في محلّه.

 

46


26

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

المفاهيم الرئيسة:

•        من البراهين التي يستدلّ بها على وجود الخالق برهان الإمكان والوجوب.

 

•        تتوقّف الاستفادة من هذا البرهان على فهم معاني الإمكان، الوجوب، استحالة الدور والتسلسل.

 

•        إنّ وجود الممكن لا ريب فيه وبحكم أنّ الممكن محتاج إلى علّة، وبحكم استحالة الدور والتسلسل، يلزم الانتهاء إلى علّة هي واجب الوجود.

 

•        لقد أشير في الذكر الحكيم إلى برهان الإمكان في عدّة آيات منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

 

•        ومن البراهين التي يستدلّ بها على إثبات وجود الخالق برهان الحدوث.

 

•        الحدوث وصف للوجود باعتبار كونه مسبوقاً بالعدم وهو على قسمين، الحدوث الزماني، والحدوث الذّاتي.

 

•        كلامنا في هذا الدرس حول إثبات الحدوث الزماني، وهو مؤلّف من مقدّمتين:

الأولى: إثبات حدوث العالم (من خلال العلوم التجريبية).

الثانية: كلّ حادث لا بُدّ له من محدِث (وهي مقدّمة بديهية عقلية).

 

•        أشكل "برترند رسل" على برهان الحدوث بأنّه من المعلوم استحالة إجراء العمليّة التجريبيّة على خلقة العالم من العدم، ففرض كون العالَم مخلوقاً لخالق محدِث، ليس أولى من فرض حدوثه بلا علّة محدثة، فإنّ الفرضين مشتركان في نقض القوانين العلمية.

 

الرد: إنّ برهان الحدوث مشكّل من مقدّمتين، الأولى علمية: حدوث العالم، والثانية عقلية بديهية: لا بدّ لكلّ حادث من علّة، وهذه ليست مستفادة من الأبحاث العلمية.

 

47


27

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

أجب على الأسئلة التالية:


1- كيف يمكن لنا الاستدلال ببرهان الإمكان على وجود الخالق عزّ وجلّ؟

2- استشكل برترند رسل على الاستدلال ببرهان الحدوث على وجود الله سبحانه وتعالى باعتبار أنّ فرض العلة المحدِثة لهذا العالم الحادث يساوي فرض عدم العلة المحدِثة له، وذلك لاستحالة إجراء عملية تجريبية لكلا الفرضين، فكيف يجاب؟

3- ما هي الأمور التي يتوقّف عليها برهان الإمكان؟

4- وضّح قانون ترموديناميا؟

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- إذا قلنا بأن الوجود ممكن بالذات فهذا يقودنا للقول بوجود علة له أخرجته من الإمكان إلى العدم.  

2- إنّ الحياة في العالم المادّي أمر ذاتي، وليست الحياة أمراً حادثاً.  

3- الحدوث الذاتي هو مسبوقية وجود الشيء بالعدم في ذاته كجميع الموجودات الممكنة التي وجدت بعلة خارجة من ذاتها.  

4- إن الموجودات الإمكانية ليست بمعلولة بل واجبة الوجود لذاتها قائمة بنفسها.  

5- الحدوث الزماني هو مسبوقية وجود الشيء بالعدم الزماني.  

 
48

28

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

الدرس الرابع:

التوحيد ومراتبه (1)

(التوحيد في الذات)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعدِّد مراتب التوحيد.

 

2- يتعرّف إلى براهين التوحيد في الذات.

 

3- يشرح نظرية التثليث عند النصارى وما يبطلها.

 

49


29

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

تمهيد

يحتلّ التوحيد المكانة العليا في الشرائع السماوية، فكان أوّل كلمة في تبليغ الرسل الدعوة إلى التوحيد ورفض الثنوية والشرك، يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[1].

 

ولأجل ذلك يجب على الإلهي التركيز على مسألة التوحيد أكثر من غيرها، واستيفاء الكلام فيه موقوف على البحث حول أهمِّ مراحل التوحيد، وهي:

1- التوحيد في الذات.

2- التوحيد في الصفات.

3- التوحيد في الخالقية.

4- التوحيد في الربوبية.

5- التوحيد في العبادة.

 

وإليك دراسة المواضيع المتقدّمة:

 


[1] سورة الأنبياء، الآية 25.

 

51


30

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

التوحيد في الذات

يعنى بالتوحيد في الذات أمران: الأوّل أنّ ذاته سبحانه بسيط لا جزء له، والثاني أنّ ذاته واحد فرد ليس له مثل ولا نظير، وقد يُعبَّر عن الأوّل بأحديّة الذات وعن الثاني بوحدانيّته. وقد ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام: "إنّه (تعالى) واحد أحد صمد أحديّ المعنى"[1].

 

البرهان على أحدية الذات

اعلم أنّ التركيب على أقسام:

أ- التركيب من الأجزاء العقلية فقط، كالماهية النوعية المركّبة من جنس وفصل.

ب- التركيب منها ومن الأجزاء الخارجية كالمادّة والصورة والأجزاء العنصرية.

ج- التركيب من الأجزاء المقدارية كأجزاء الخط والسطح.

 

والمدّعى أنّ ذاته تعالى بسيط ليس بمركّب من الأجزاء مطلقاً.

 

والدليل على أنّه ليس مركّباً من الأجزاء الخارجية والمقدارية هو أنّه سبحانه منزّه عن الجسم والمادّة كما سيوافيك البحث عنه في الصفات السلبية.

 

والبرهان على عدم كونه مركّباً من الأجزاء العقلية هو أنّ واجب الوجود بالذات لا ماهية له، وما لا ماهية له ليس له أجزاء عقلية والّتي هي الجنس والفصل[2].

 

والوجه في انتفاء الماهية عنه تعالى بهذا المعنى هو أنّ الماهيّة من حيث هي هي، مع قطع النظر عن غيرها، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، فكلّ ماهيّة من حيث هي، تكون ممكنة، فما ليس بممكن، لا ماهيّة له واللّه تعالى بما أنّه واجب الوجود بالذات، لا يكون ممكناً بالذات فلا ماهيّة له.

 


[1] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، التوحيد، تحقيق هاشم الحسيني، نشر جماعة المدرسين، إيران - قم، 1398هـ.ش، ط1، ص144.

[2] إنّ الماهية تطلق على معنيين: أحدهما ما يقال في جواب "ما" الحقيقية ويعبَّر عنها بالذات والحقيقة أيضاً، وثانيهما ما يكون به الشيء هو هو بالفعل، أي الهويّة، والمراد من نفي الماهية عنه سبحانه هو المعنى الأوّل.

 

52


31

الدرس الثالث: براهين وجود الله سبحانه (2)

دلائل وحدانيته

1- التعدّد يستلزم التركيب:

وبيانه: أنه لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلا بدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء غير ذلك الأمر المشترك[1]، وذلك يستلزم تركّب كلٍّ منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز، وقد عرفت أنّ واجب الوجود بالذّات بسيط ليس مركّباً لا من الأجزاء العقلية ولا الخارجية.

 

2- صرف الوجود لا يتثنّى ولا يتكرّر:

قد تبيّن أنّ واجب الوجود بالذّات لا ماهيّة له، فهو صرف الوجود، ولا يخلط وجوده نقص وفقدان، ومن الواضح أنّ كلّ حقيقة من الحقائق إذا تجرّدت عن أيّ خليط وصارت صرف الشيء، لا يمكن أن تُثنّى وتُعدّد.

 

وعلى هذا، فإذا كان سبحانه -  بحكم أنّه لا ماهيّة له - وجوداً صرفاً، والوجود الصرف لا يتطرّق إليه التعدّد، ينتج أنّه تعالى واحد لا ثاني له ولا نظير وهو المطلوب.

 

التوحيد الذاتي في القرآن والحديث

1- إنّ القرآن الكريم عندما يصف الله تعالى بالوحدانية، يصفه بـ "القهّاريّة" ويقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[2].

وبهذا المضمون آيات عديدة أُخرى في الكتاب المجيد، وما ذلك إلاّ لأنّ الموجود المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، فاللاّ محدودية تلازم وصف القاهرية.

 

2- وقد أشير في سورة التوحيد إلى معنيي التوحيد (الأحدية والواحدية)، فإلى

 


[1] لأن التعدّد يفرض التمايز إذ لولا التمايز لكان واحداً وهو خلاف الفرض.

[2] سورة الزمر، الآية 4.

 

53


32

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

المعنى الأوّل، أُشير بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[1].

 

وإلى المعنى الثاني بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[2].

 

نظرية التثليث عند النصارى

إنّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلامية تحكي عن أنّ الاعتقاد بالتثليث (الأقانيم الثلاثة: الأب، الابن والروح القدس) من المسائل الأساسية التي تبنى عليها عقيدتهم، ولا مناص لأي مسيحي من الاعتقاد به، وفي عين الوقت يعتبرون أنفسهم موحدين غير مشركين، وأنّ الإله في عين كونه واحداً ثلاثة ومع كونه ثلاثة واحد أيضا. وأقصى ما عندهم في تفسير الجمع بين هذين النقيضين هو أنّ عقيدة التثليث عقيدة تعبّدية محضة ولا سبيل إلى نفيها وإثباتها إلا الوحي، فإنها فوق التجريبيات الحسية والإدراكات العقلية المحدودة للإنسان.

 

تسرّب عقيدة التثليث إلى النصرانية

إنّ التاريخ البشري يرينا أنه لطالما عمد بعض أتباع الأنبياء  عليهم السلام - بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيابهم - إلى الشرك والوثنية، تحت تأثير المضلّين. إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب النبي موسى عليه السلام أظهر نموذج لما ذكرناه وهو مما أثبته القرآن والتاريخ، وعلى هذا فلا عجب إذا رأينا تسرّب عقيدة التثليث إلى النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح عليه السلام وغيابه عن أتباعه. إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح، من العقائد الباطلة السابقة عليها، حيث يقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[3].

 

لقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية والهندوكية

 


[1] سورة الاخلاص، الآية 1.

[2] سورة الاخلاص، الآية 4.

[3] سورة التوبة، الآية 30.

 

54


33

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

قبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين، فقد تجلّى الرب الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:

1- براهما (الخالق).

2- فيشنوا (الواقي).

3- سيفا (الهادم).

 

نقد القرآن الكريم لعقيدة التّثليث

لقد رفض القرآن بشكل قاطع عقيدة التّثليث، واعتبرها مخالفة لعقيدة التّوحيد، بل ووصف القائلين بها بالكفر، وقد أشار القرآن بصورة صريحة إلي عقيدة التّثليث في آيتين، الأولي جاءت في سورة النّساء، وهي قوله تعالي: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾[1].

 

والثّانية في قوله تعالي: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾[2].

 

ويؤكد المفسّرون أنّ المقصود بـ (ثلاثة) في الآيتين المذكورتين "ثلاثة آلهة"، ويرون في ذلك جوهر عقيدة النّصاري، وإن كانوا لا يعلنونها صراحة، ويقدّمونها في شكل إله واحد له ثلاثة أقانيم.

 

إنّ القرآن الكريم إذ يدحض عقيدة التّثليث بشكل عام يهدف أوّلاً إلي اثبات التّوحيد الذّاتي لله سبحانه، وأيضاً دحض العلاقة الّتي يقيمها النّصاري بين عيسي والأُلوهيّة، من خلال القول بأنّ عيسي ابن الله أو هو الله المتجسّد، وأيضاً إبطال الصّيغة اللاهوتية الّتي يعطونها للرّوح القدس أو لمريم بالنّسبة إلي بعض الفرق.

 


[1] سورة النّساء ، الآية 171 .

[2] سورة المائدة، الآية 73 .

 

55


34

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

فالقرآن يشدّد علي أنّ هذا القول مؤدّاه إلي الكفر، وقد رفض أيضاً أن يكون لله سبحانه ابن أو ولد، قال تعالي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[1].

 

وقال أيضاً: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾[2]، بل نعت القرآن القول بأنّ المسيح عليه السلام هو الله بالكفر والشّرك، كما في قوله تعالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾[3].

 

وأيضاً بالنّسبة إلي كلمة: "روح القدس" فإنّه رغم تعدّد ذكرها في القرآن الكريم، ولكنّها نجدها مفرغة من البعد الإلهي الّذي أعطاه أياها النصاري، فالروح القدس هو المؤيّد والمسدّد للأنبياء عليهم السلام، كما في قوله تعالي: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾[4] وأيضاً قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾[5]، فهو مخلوق من مخلوقات الله تبارك وتعالي، ولا يمكن لمخلوق أن يكون إلهاً.

 

جاء في انجيل يوحنا: "لو كنتم تحبّونني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلي الأب، لأنّ أبي أعظم منّي"[6]. بل ينفي عن نفسه أيّ قدرة مستقلّة، حيث يقول: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين ودينونتي عادلة، لأنّي لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الّذي أرسلني"[7].

 

ومن جهة أخرى نجد أنّ النبي عيسي عليه السلام كان كثير العبادة، كما تنقل ذلك آيات العهد الجديد, إذ إنّه صام أربعين يوماً، وكان يخلو للعبادة أحياناً الليل كلّه، فلا يعقل

 


[1] سورة الإخلاص، الآيات 3-1.

[2] سورة الأنعام، الآية 101.

[3] سورة المائدة، الآية 72.

[4] سورة البقرة، الآية 87.

[5] سورة المائدة، الآية 110.

[6] إنجيل يوحنا، 14/28.

[7] المصدر نفسه: 5/30.

 

56


35

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

كونه (ابن الله) بمعني أحد الأقانيم الثلاثة إطلاقاً، إذ لا يعقل أن يكون له جوهر وطبيعة الأُلوهية، وهو يصوم ويصلّي ويتعبّد لغيره.

 

وبالإضافة إلي ما تقدّم فإنّ العقل يرفض هذه العقيدة مطلقاً، لكونها مخالفة للضرورة العقليّة الّتي تأبي أن يكون الإله الخالق البسيط الذّات، مركباً من أقانيم أو شخصيات أو أي نوع آخر من التّركيب، إذ التّركيب يستلزم الاحتياج، والله سبحانه غنّي بذاته عن أيّ شيء آخر.

 

ولكن مع ذلك فإنّ الكنيسة المسيحيّة بمختلف مذاهبها تُؤمن بأنّ هذه العقيدة أساس المسيحيّة، والمنكر لها خارجٌ عن الدّين المسيحي!!

 

57


36

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

•        يعتبر التوحيد على رأس الأصول الاعتقاديّة في الأديان الإلهيّة، وله العديد من المراتب منها: التوحيد في الذات.

 

•        معنى التوحيد في الذات أنّه سبحانه يتّصف بالأحديّة والواحدية.

 

•        الله سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ أنحاء التركيب سواء الخارجي أو المقداريّ أو العقليّ وبهذا تثبت أحديّته.

 

•        من الأدلّة على وحدانية الله تعالى أنّ التعدّد يستلزم التركيب وتنزّه الله تعالى عن التركيب، ومن جهة أخرى هو صرف الوجود، وصرف الوجود لا يتثنّى ولا يتكرّر.

 

•        تقودنا الأبحاث التاريخيّة إلى الاعتقاد أنّ عقيدة التثليث قد تسرّبت من بعض الديانات الهندية إلى النصرانيّة.

 

•        لقد رفض القرآن الكريم عقيدة التثليث وردّ عليها بمنطق العقل والبرهان، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾.

 

•        مضافاً لما تقدّم نجد أنّ العهد الجديد يرفض فكرة تساوي الأقانيم الثلاثة (الأب، الإبن والروح القدس)، بل نجده ينسب إلى المسيح  عليه السلام وفي عدّة مواضع الصفات البشرية المحضة، فكيف يدّعى والحال هذه أنّه إله؟!

 

58

 


37

الدرس الرابع: التوحيد ومراتبه (1) (التوحيد في الذات)

أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هو الدليل على أن الذات الإلهية غير مركبة من الأجزاء العقلية؟

2- بيّن كيف يمكن الاستدلال على وحدانيته تعالى من خلال القاعدة الفلسفية "التعدُّد يستلزم التركيب"؟

3- كيف نستطيع الاستفادة من القرآن الكريم في نقد عقيدة التثليث عند النصارى؟

 

ضع إشارة  üأو  û في المكان المناسب:

1- التوحيد في الذات هو كون الله سبحانه وتعالى بسيط لا جزء له، متفرِّد ليس له مثل ولا نظير.

2- بما أن الله تعالى واجب الوجود بالذات، لا يكون ممكناً بالذات فلا ماهيّة له.

3- إذا تجرّدت حقيقة الشيء عن أيّ خليط وصارت صرف الشيء، فإنها تُثنّى وتُعدّد.

4- إذا كان الله تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحقّ لا يعرضه باطل.

5- إن واجب الوجود بالذّات بسيط ليس مركّباً من الأجزاء الخارجية فقط دون العقلية.

 

59


38

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

(التوحيد في الصفات، التوحيد في الخالقية)

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مه نهاية هذا الدرس:

1- يتعرّف إلى التوحيد في الصفات.

2- يُدرك المعنى الصحيح للتوحيد في الخالقية.

3- يفهم بعض الشبهات حول التوحيد في الخالقية والجواب عنها.

 

61


39

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

التوحيد في الصفات

إتفق الإلهيون على إثبات الصفات الذاتية لله تعالى ولكنهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه على قولين:

الأوّل: عينيّة الصفات مع الذات، وهذا ما تبنّاه أئمّة أهل البيت  عليهم السلام واختاره الحكماء الإلهيون وعليه جمهور المتكلّمين من الإماميّة والمعتزلة وغيرهما.

 

والثاني: زيادتها على الذّات (يعني أن للصفات وجود غير وجود الذات، ولكنها تعرض على الذات) وهو مختار المشبِّهة من أصحاب الحديث والأشاعرة.

 

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الصحيح هو القول بالعينيّة، وذلك لأن القول بالزيادة يستلزم افتقاره سبحانه في العلم بالأشياء وخلقه إيّاها إلى أُمور خارجة عن ذاته، فهو يعلم بعلم هو سوى ذاته، ويخلق بقدرة هي خارجة عن حقيقته وهكذا، والواجب بالذّات منزّه عن الاحتياج إلى غير ذاته.

 

والأشاعرة وإن كانوا قائلين بأزليّة الصفات مع زيادتها على الذّات، لكنّ الأزلية لا ترفع الفقر والحاجة عنه، لأنّ الملازمة غير العينية.

 

قال الإمام علي عليه السلام:

"وكمال الإخلاص له نفي الصفات[1] عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، 

 


[1] أي الصفات الزائدة إذ لا يعقل نفي الصفات مطلقاً عن الذات وذيل الحديث قرينة على المقصود.

 

63


40

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله"[1].

 

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

"لم يزل الله جلّ وعزّ ربُّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور"[2].

 

إشكال وردّ

استشكل أنّه: لا شكّ أنّ لله تعالى صفات وأسماء مختلفة أُنهيت في الحديث النبوي المعروف إلى تسع وتسعين، فكيف يجتمع ذلك مع القول بالعينيّة ووحدة الذات والصفات؟

 

الجواب: إن كثرة الأسماء والصفات راجعة إلى عالم المفهوم، أما العينية فهي ناظرة إلى مقام الواقع العيني، فالصفات مع بعضها ومع الذات متغايرة مفهوماً إذ لكل منها معنى مغاير للآخر ولكنها متحدّة وواحد وجوداً ومصداقاً، ولا مانع من كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علماً وقدرة وحياة ومع ذلك فينتزع منه باعتبارات مختلفة صفات متعدّدة متكثّرة، وهذا كما أنّ الإنسان الخارجي مثلاً بتمام وجوده مخلوق لله سبحانه، ومعلوم له ومقدور له، من دون أن يخصّ جزء منه بكونه معلوماً وجزء آخر بكونه مخلوقاً أو مقدوراً، بل كلّه معلوم وكلّه مخلوق، وكلّه مقدور.

 

التوحيد في الخالقية

دلّت البراهين العقليّة على أنّه ليس في الكون خالق أصيل إلّا الله سبحانه، وأنّ الموجودات الإمكانية مخلوقة لله تعالى وما يتبعها من الأفعال والآثار، حتى الإنسان وما يصدر منه من أفعال، مستندة إليه سبحانه بلا مجاز وشائبة عناية، غاية الأمر أنّ ما في الكون مخلوق له إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة: الأولى.

[2] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص139.

 

64


41

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله"[1].

 

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

"لم يزل الله جلّ وعزّ ربُّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور"[2].

 

إشكال وردّ

استشكل أنّه: لا شكّ أنّ لله تعالى صفات وأسماء مختلفة أُنهيت في الحديث النبوي المعروف إلى تسع وتسعين، فكيف يجتمع ذلك مع القول بالعينيّة ووحدة الذات والصفات؟

 

الجواب: إن كثرة الأسماء والصفات راجعة إلى عالم المفهوم، أما العينية فهي ناظرة إلى مقام الواقع العيني، فالصفات مع بعضها ومع الذات متغايرة مفهوماً إذ لكل منها معنى مغاير للآخر ولكنها متحدّة وواحد وجوداً ومصداقاً، ولا مانع من كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علماً وقدرة وحياة ومع ذلك فينتزع منه باعتبارات مختلفة صفات متعدّدة متكثّرة، وهذا كما أنّ الإنسان الخارجي مثلاً بتمام وجوده مخلوق لله سبحانه، ومعلوم له ومقدور له، من دون أن يخصّ جزء منه بكونه معلوماً وجزء آخر بكونه مخلوقاً أو مقدوراً، بل كلّه معلوم وكلّه مخلوق، وكلّه مقدور.

 

التوحيد في الخالقية

دلّت البراهين العقليّة على أنّه ليس في الكون خالق أصيل إلّا الله سبحانه، وأنّ الموجودات الإمكانية مخلوقة لله تعالى وما يتبعها من الأفعال والآثار، حتى الإنسان وما يصدر منه من أفعال، مستندة إليه سبحانه بلا مجاز وشائبة عناية، غاية الأمر أنّ ما في الكون مخلوق له إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة: الأولى.

[2] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص139.

 

64


41

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

وذلك لما عرفت من أنّه سبحانه هو الواجب الغني، وغيره ممكن بالذّات، ولا يعقل أن يكون الممكن غنيّاً في ذاته وفعله عن الواجب، فكما أنّ ذاته قائمة بالله سبحانه، فهكذا فعله، وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية. ومن عرف الممكن حقّ المعرفة وأنّه الفقير الفاقد لكلّ شيء في حدّ ذاته، يجد المسألة بديهيّة هذا هو حكم العقل.

 

وأمّا النقل فقد تضافرت النصوص القرآنية على أنّ الله سبحانه هو الخالق، ولا خالق سواه. وإليك نماذج من الآيات الواردة في هذا المجال:

﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[1].

 

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[2].

 

إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الدالّة على ذلك.

 

التفسير الصحيح للتوحيد في الخالقية

إنّ المقصود من حصر الخالقية بالله تعالى هو الخالقية على سبيل الاستقلال وبالذات، وأمّا الخالقية المأذونة من جانبه تعالى من خلال إفاضته تعالى القدرة على غيره للقيام بفعل الخلق بأذنه تعالى فلا مانع منها قال تعالى مخاطباً المسيح  عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ وهكذا خالقية غير مستقلة لا تنافي التوحيد في الخالقية.

 

كما أنّ المراد من السببية الإمكانية (أعمّ من الطبيعيّة وغيرها) ليست في عرض السببية الإلهية، بل المقصود أنّ هناك نظاماً ثابتاً في عالم الكون تجري من خلاله الآثار الطبيعية والأفعال البشرية، فلكلّ شيء أثر تكويني خاصّ، كما أنّ لكلّ أثر وفعل مبدأً فاعلياً خاصّاً، فليس كلّ فاعل مبدأً لكلّ فعل، كما ليس كلّ فعل وأثر صادراً من كلّ مبدأ

 


[1] سورة الرعد، الآية 16.

[2] سورة الزمر، الآية 62.

 

65


42

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

فاعلي، كلّ ذلك بإذن منه سبحانه، فهو الّذي أعطى السببيّة للنّار كما أعطى لها الوجود، فهي تؤثّر بإذن وتقدير منه سبحانه، هذا هو قانون العلّية العامّ الجاري في النظام الكوني الّذي يؤيّده الحسّ والتجربة وتبتني عليه حياة الإنسان في ناحية العلم والعمل.

 

وبهذا البيان يرتفع التنافي البدوي بين طائفتين من الآيات القرآنية، الطائفة الدالّة على حصر الخالقية بالله تعالى، والطائفة الدالّة على صحّة قانون العلّية والمعلولية واستناد الآثار إلى مبادئها القريبة، والشاهد على صحّة هذا الجمع، لفيف من الآيات وهي التي تسند الآثار إلى أسباب كونية خاصّة وفي عين الوقت تسندها إلى الله سبحانه، وكذلك تسند بعض الأفعال إلى الإنسان أو غيره من ذوي العلم والشعور، وفي الوقت نفسه تسند نفس تلك الأفعال إلى مشيَّته سبحانه، وإليك فيما يلي نماذج من هذه الطائفة:

1- إنّ القرآن الكريم أسند حركة السحاب إلى الرياح وقال:

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾[1].

 

كما أسندها إلى الله تعالى وقال:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾[2].

 

2- إنّه تعالى نسب توفّي الموتى إلى الملائكة تارة وإلى نفسه أُخرى فقال:

﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾[3].

 

وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾[4].

 

3- إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى الله سبحانه وإلى الإنسان) في جملة ويقول:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾[5].

 


[1] سورة الروم، الآية 48.

[2] سورة النور، الآية 43.

[3] سورة الأنعام، الآية 61.

[4] سورة الزمر، الآية 42.

[5] سورة الأنفال، الآية 17.

 

66


43

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

فهو يصف النبيّ الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلمبأنّه قد رمى وينسبه إليه حقيقة ويقول: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ومع ذلك يسلبه عنه ويرى أنّه سبحانه الرامي الحقيقي.

 

هذه المجموعة من الآيات وغيرها تُرشدك إلى النظرية الحقّة في تفسير التوحيد في الخالقية وهو كما تقدّم, أنّ الخالقية بالأصالة وبالذات وعلى وجه الاستقلال منحصرة فيه سبحانه، وأما الأسباب الكونيّة، وكذلك الفاعل باختيار وشعور فإنّما تكون مؤثرة وفاعلة بإذنه تعالى ومشيَّته، وليست سببيّتها وفاعليّتها في عرض فاعليّته تعالى، بل في طولها.

 

الإجابة عن شبهات

قد عرفت أنّ خالقيّته تعالى عامّة لجميع الأشياء والحوادث، وكلّ ما في صفحة الوجود يستند إليه سبحانه، وعندئذٍ تطرح إشكالات أو شبهات يجب على المتكلّم الإجابة عنها، ونشير إلى اثنتين منها:

الشبهة الأولى: الثنوية وشبهة الشرور:

نسب إلى الثنوية القول بتعدّد الخالق، واستدلّوا عليه بما يشاهد في عالم المادّة من الشرور والبلايا، قالوا: إنّ الشر يقابل الخير، فلا يصحّ استنادهما إلى مبدأ واحد، فزعموا أنّ هناك مبدأين وخالقين مستقلين: أحدهما: مبدأ الخيرات، وثانيهما: مبدأ الشرور.

 

الجواب: الشرّ أمر قياسي:

إِنَّ الشر أمر قياسي ليس له وجود نفسي وإِّنما يتجلّى عند النفس إذا قيس بعض الحوادث إلى بعض آخر، وإليك بيانه:

إِنَّ القائلين بالثَّنوية يقولون إِنَّ الله سبحانه خير محض، فكيف خلق العقارب السّامة والحيَّات القاتلة والحيوانات المفترسة والسباع الضواري.

 

ولكنّهم غفلوا عن أنَّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي وليس باتصاف نفسي، فالعقرب بما هو ليس فيه أيّ شر، وإنما يتّصف به إذا قيس إلى الإِنسان الذي يتأذَّى من لسعته، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود، بل هو أمرٌ انتزاعي تنتقل إليه النفس من حيث المقايسة، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم وحقيقة.

 

67


44

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

وإنّ ما يستند إلى الجاعل أوّلاً وبالذّات هو الوجود النفسي، والمفروض أنّ وجود كلٍّ من المقيس والمقيس إليه، لا يتّصفان بالشرّ والبلاء، بل بالخير والكمال، وأمّا الوجود الإضافيّ المنتزع من مقايسة إحدى الظاهرتين مع الأخرى فليست أمراً واقعيّاً وبالتالي لا يحتاج إلى مبدأ يُحقِّقها. إذ لا وجود حقيقي لها حتى يسأل من الذي أوجدها؟

 

الشبهة الثانية: التوحيد في الخالقية وقبائح الأفعال:

ربّما يقال إنّ الالتزام بعمومية خالقيته تعالى لكلّ شيء يستلزم إسناد قبائح الأفعال إليه تعالى، وهذا ينافي تنزُّهه سبحانه من كلّ قبح وشين. بمعنى أن حصر الخالقية بالله تعالى يستلزم نسبة الأفعال القبيحة إليه لأنّها أمور مخلوقة أيضاً.

الجواب: إنّ للأفعال جهتين:

إنّ للأفعال جهتين، 1 - جهة أصل الثبوت والوجود، 2 - وجهة استنادها إلى فواعلها بالمباشرة، فعنوان الطّاعة والمعصية ينتزع من الجهة الثانية، وما يستند إلى الله تعالى هي الجهة الأولى، والأفعال بهذا اللحاظ متّصفة بالحسن والجمال، أي الحسن التكويني.

 

وبعبارة أُخرى: عنوان الحسن والقبح المنطبق على الأفعال الصادرة عن فاعل شاعر مختار، هو الذي يدركه العقل العملي بلحاظ مطابقة الأفعال لأحكام العقل والشرع وعدمها، وهذا الحسن والقبح يرجع إلى الفاعل المباشر للفعل.

 

نعم أصل وجود الفعل ـ مع قطع النظر عن مقايسته إلى حكم العقل أو الشرع ـ يستند إلى الله تعالى وينتهي إلى إرادته سبحانه، والفعل بهذا الاعتبار لا يتّصف بالقبح، فإنّه وجود والوجود خير وحسن في حدّ ذاته.

 

قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[1]. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾[2].

 

فكلّ شيء كما انّه مخلوق، فهو حسن، فالخلقة والحسن متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر أصلاً.

 


[1] سورة السجدة، الآية 7.

[2] سورة الرعد, الآية 16.

 

68


45

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

المفاهيم الرئيسة

 

•        اختلف الإلهيّون في كيفية اتّصافه تعالى بصفات الذّات بين قائل بالعينية وقائل بالزيادة، والصحيح هو ما نادت به مدرسة أهل البيت عليهم السلام من العينيّة، وذلك لأنّ القول بالزيادة يستلزم خلو الذّات في نفسها عن هذا الكمال وافتقارها إلى غيرها.

 

•        قد دلّ العقل والنقل على تفرّد الله تعالى بالخالقية بمعنى الاستقلالية في التأثير، وهذا مقتضى كونه تعالى واجب الوجود بالذّات وما سواه ممكن الوجود. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.

 

•        أُثيرت العديد من الشبهات على كونه تعالى متفرّداً في الخالقية منها:

 

1- شبهة الثنوية في استلزام هذا التوحيد لإسناد الشرور إليه تعالى، وهو منزّه عن ذلك. والجواب: إنّ الشرّ أمر نسبي، وليس وصفاً للأشياء في نفسها، بل هي في نفسها خير.

 

2- الشبهة القائلة أنّ هذا التوحيد يستلزم إسناد قبائح الأفعال إليه تعالى. والجواب: إنّ اتّصاف الفعل بالقبح يرجع إلى ملاحظة الفاعل المباشر للفعل وهو غيره تعالى، وأمّا بلحاظ استناد الفعل إليه تعالى فهو خير وحسن دائماً.

 

69


46

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:
1- ما هو المقصود بالتوحيد في الصفات وأي القولين هو الصحيح؟

2- كيف نجمع بين تعدّد الصفات مع وحدتها مع الذات؟

3- وفِّق بين الآيات القرآنية الدالّة على حصر الخالقية باللّه تعالى، والطائفة الدالّة على صحّة قانون العلّية والمعلولية واستناد الآثار إلى مبادئها القريبة؟

4- اذكر الأحاديث الشريفة التي أشارات إلى التوحيد في الصفات؟

5- أجب على شبهة لزوم نسبة القبائح إلى الله تعالى؟

 

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- التوحيد في الخالقية هو كون الموجودات الإمكانية مخلوقة للّه تعالى وما يتبعها ويصدر منها من الأفعال والآثار إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.  


2- إنّ كثرة الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى يكشف عن تعدُّد الذات والصفات.  


3- إنّ اتصاف الظواهر والأمور بالشرور هو اتصاف قياسي وليس اتصافاً نفسياً.  


4- إذا قلنا بعمومية خالقيته سبحانه وتعالى لكلّ شيء يستلزم إسناد قبائح الأفعال إليه تعالى.  


5- إذا كان الممكن فقيراً في ذاته فاقد لكلّ شيء في حدّ ذاته فلا يعقل أن يكون الممكن غنيّاً في ذاته.  

 

70

 

 


47

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

الدرس السادس:

التوحيد ومراتبه (3)

(التوحيد في الربوبية، التوحيد في العبادة)

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى التوحيد في الربوبية وبعض شؤونها.

2- يفهم أدلّة التوحيد في الربوبيّة.

3- يُدرك المعنى الحقيقي للتوحيد في العبادة.

 

71


48

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

المراد من التوحيد في الربوبية

التوحيد في الربوبيّة هو الاعتقاد بأنّ تدبير الحياة والكون والإنسان كلّه بيد الله سبحانه وأنّ مصير الإنسان في حياته كلّه إليه سبحانه، ولو كان في عالم الكون أسباب ومدبّرات له، فكلّها جنود له سبحانه يعملون بأمره ويفعلون بمشيئته.

 

ويقابله الشرك في الربوبية وهو تصوّر أنّ هناك مخلوقات لله سبحانه لكن فوّض إليها أمر تدبير الكون ومصير الإنسان في حياته تكويناً وتشريعاً.

 

دلائل التوحيد في الربوبيّة

1- التدبير لا ينفكّ عن الخلق:

إنّ السبب الأساس في خطأ المشركين تتمثّل في أنّهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو مؤسَّسة وتصوّروا أنّهما من نوع واحد، فكما يصح هنا التعدّد يصح هناك مع أنّهما مختلفان غاية الاختلاف، فإنّ تدبير الكون في الحقيقة إدامة الخلق والإيجاد.

 

توضيح ذلك: أنّ كلّ فرد من النظام الكوني بحكم كونه فقيراً ممكناً فاقد للوجود الذاتي، لكن فقره ليس منحصراً في بدء خلقته وإنّما يستمرّ هذا الفقر معه في جميع الأزمنة والأمكنة وعلى هذا، فتدبير الكون لا ينفكّ عن خلقته وإيجاده بل الخلق تدبير باعتبار، والتدبير خلق باعتبار آخر.

 

فتدبير الوردة مثلاً ليس إلّا تكوّنها من المواد السُّكرية في الأرض ثمّ توليدها

 

73


49

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

الأوكسجين في الهواء إلى غير ذلك من عشرات الأعمال الفيزيائية والكيميائية في ذاتها وكل واحدة من هذه الأعمال هي شعبة من الخلق، ومثلها الجنين مذ تكوّنه في رحم الأمّ، فلا يزال يخضع لعمليّات التفاعل والنمو حتى يخرج من بطنها، وليست هذه التفاعلات إلّا شعبة من عمليّة الخلق وفرع منه.

 

ولأجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير والخلق نرى أنّه سبحانه بعدما يذكر مسألة خلق السماوات والأرض يطرح مسألة تسخير الشمس والقمر الذي هو نوع من التدبير، قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾[1].

 

ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق وقد عرفت أن لا خالق إلّا الله تعالى. وعليه فلا مدبّر ولا ربّ إلا هو.

 

2- انسجام النظام واتصال التدبير:

إنّ مطالعة كلّ صفحة من الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى وجود نظام موحَّد وارتباط وثيق بين أجزائه، ومن المعلوم أنّ وحدة النظام وانسجامه وتلائمه لا تتحقّق إلّا إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لإرادة مدبِّرين لما كان لاتصال التدبير وانسجام أجزاء الكون أيّ أثر، لأنّ تعدّد المدبّر والمنظِّم ـ بحكم اختلافهما في الذات أو في الصفات والمشخِّصات ـ يستلزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والإرادة، وذلك ينافي الانسجام والتلاؤم في أجزاء الكون.

 

فوحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتلائمه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر وإلى هذا يشير قوله سبحانه:

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[2].

 


[1] سورة الرعد، الآية 2.

[2] سورة الأنبياء، الآية 22.

 

74


50

الدرس الخامس: التوحيد ومراتبه (2)

وهذا الاستدلال بعينه موجود في الأحاديث المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام يقول الإمام الصادق  عليه السلام : "دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد"[1].

 

ثمّ إنّ المراد من حصر الربوبيّة والتدبير بالله سبحانه، هي الربوبيّة على وجه الاستقلال وبالذّات، وذلك لا ينافي وجود مدبِّرات في الكون مسخَّرات لله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾[2].

 

وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾[3].

 

فالاعتراف بمثل هذه المدبِّرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في الله سبحانه.

 

شؤون التوحيد في الربوبية

إنّ للتوحيد في الربوبية نطاقاً واسعاً شاملاً لجميع المظاهر الكونية والحقائق الوجودية فلا مدبِّر في صفحة الوجود، بالذّات وعلى وجه الاستقلال، سوى الله تعالى فهو ربُّ العالمين لا ربّ سواه. فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام بطل التوحيد يصف التوحيد في الربوبية بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[4].

 

وينبغي في ختام هذا البحث أن نشير إلى قسمين لهما أهميتهما الخاصة في حياة الإنسان الاجتماعية وهما مما يتفرّع على التوحيد في الخالقية والربوبية وهما:

 


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص244.

[2] سورة النازعات، الآية 5.

[3] سورة الأنعام، الآية 61.

[4] سورة الشعراء، الآيات: 77 – 83.

 

75


51

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

1- التوحيد في التشريع:

إنَّ الربوبية على قسمين: تكوينية وتشريعية ودلائل التوحيد في الربوبية التكوينية يثبت التوحيد في الربوبية التشريعية أيضاً، فإن التقنين والتشريع نوع من التدبير، يدبَّر به أمر الإنسان والمجتمع البشري، كما أنّه نوع الولاية على الأموال والنفوس، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[1] فبما أنّ التدبير والحكومة منحصرتان في الله تعالى، فكذلك ليس لأحد حقّ التقنين والتشريع إلا له تعالى. وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشّرعين، بل هم متخصّصون في معرفة تشريعه سبحانه، ووظيفتهم الكشف عن الأحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.

 

وأمّا ما تعورف في القرون الأخيرة من إقامة مجالس النواب أو الشورى في البلاد الإسلامية، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لإعطاء البرنامج للمسؤولين في الحكومات في ضوء القوانين الإلهية لتنفيذها، والتخطيط غير التشريع كما هو واضح. وهناك آيات من الذكر الحكيم تدل بوضوح على اختصاص التشريع بالله سبحانه نشير إلى بعضها:

قال سبحانه:

1- ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[2].

2- ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[3].

 

2- التوحيد في العبادة:

التوحيد في العبادة ممّا اتّفق على اختصاصه بالله سبحانه جميع المسلمين بل

 


[1] سورة المائدة، الآية 44.

[2] سورة المائدة، الآية 44.

[3] سورة المائدة، الآية 45.

 

76


52

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

الإلهيين، وهو الهدف والغاية الأسنى من بعث الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾[1].

 

وناهيك في أهميّة ذلك أنّ الإسلام قرّره شعاراً للمسلمين يؤكِّدون عليه في صلواتهم الواجبة والمندوبة بقولهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[2].

 

كما أنّ مكافحة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم بل وسائر الأنبياء للوثنيين تتركّز على هذه النقطة غالباً كما هو ظاهر لمن راجع القرآن الكريم.

 

وبالجملة لا تجد مسلماً ينكر هذا الأصل أو يشكّ فيه وإنّما الكلام في تشخيص مصاديق العبادة وجزئياتها عن غيرها، فترى أنّ أتباع الوهّابيّة يرمون غيرهم بالشرك في العبادة بالتبرّك بآثار الأنبياء والتوسّل بهم إلى الله سبحانه ونحو ذلك، فتمييز العبادة عن غيرها هي المشكلة الوحيدة في هذا المجال، فيجب قبل كلّ شيء دراسة واقعية عن حقيقة العبادة على ضوء العقل والكتاب والسنّة فنقول:

حقيقة العبادة؟

قد تُعرّف العبادة بـ"الخضوع والتذلّل" أو "نهاية الخضوع" ولكنّهما تعريفان ناقصان لا يساعدهما القرآن الكريم.

 

توضيح ذلك: أنّ القرآن الكريم أمر الإنسان بالتذلّل لوالديه فيقول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[3].

 

فلو كان الخضوع والتذلّل عبادة لمن يتذلّل له لكان أمره تعالى بذلك أمراً باتّخاذ الشريك له تعالى في العبادة ! كما أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾[4].

 


[1] سورة النحل، الآية 36.

[2] سورة الفاتحة، الآية 5.

[3] سورة الإسراء، الآية 24.

[4] سورة البقرة، الآية 34.

 

77


53

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

مع أنّ السجود نهاية التذلّل والخضوع للمسجود له، فهل ترى أنّ الله سبحانه يأمر الملائكة بالشّرك في العبادة؟!

 

إنّ إخوة يوسف ووالديه سجدوا جميعاً ليوسف بعد استوائه على عرش الملك والسلطنة، كما يقول سبحانه: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا﴾[1].

 

إذاً ليس معنى العبادة التي تختصّ بالله سبحانه ولا تجوز لغيره تعالى هو الخضوع والتذلّل، أو نهاية الخضوع، فما هي حقيقة العبادة؟

 

حقيقة العبادة على ما يستفاد من القرآن الكريم هي "الخضوع والتذلّل، لفظاً أو عملاً مع الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له" فما لم ينشأ الخضوع من هذا الاعتقاد، لا يكون عبادة، ويدلّ على ذلك الآيات الّتي تأمر بعبادة الله وتنهى عن عبادة غيره، معلّلة ذلك بأنّه لا إله إلّا الله، كقوله سبحانه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[2].

 

وقد ورد هذا المضمون في عشر موارد أو أكثر في القرآن الكريم[3].

 

ومعنى هذا التعليل أنّ الذي يستحقّ العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلّا الله، فإذا تحقّق وصف الألوهية في شيء جازت بل وجبت عبادته واتّخاذه معبوداً، وحيث إنّ الوصف لا يوجد إلّا في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه.

 

والمراد من الألوهيّة في التعريف هو ما يعدّ من شؤون الإله، أعني: الاستقلال في الذّات والصفات والأفعال، فمن اعتقد لشيء نحواً من الاستقلال إمّا في وجوده، أو في صفاته، أو في أفعاله وآثاره فقد اتّخذه إلهاً، فمن خضع مع اعتقاده فيه بأنه يرزق أو يضرّ أو ينفع استقلالاً فقد عبده والأبحاث المتقدّمة حول التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي كانت هادفة لحصر الألوهية المطلقة لله سبحانه وإبطال أُلوهيّة غيره تعالى.

 

ثم إنّ المستفاد من مطالعة عقائد الوثنيّة في كتب الملل والنحل، ويؤيّده القرآن

 


[1] سورة يوسف، الآية 100.

[2] سورة الأعراف، الآية 59.

[3] يمكن للقارئ أن يراجع لذلك الآيات التالية: سورة الأعراف، الآيات: 65، 73، 85؛ سورة هود، الآيات: 50، 61، 84؛ سورة طه، الآية 14؛ سورة الأنبياء، الآية 25؛ سورة المؤمنون، الآيتان 22 - 23.

 

78


54

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

الكريم أيضاً، أنّ معظم الإنحرافات في مسألة التوحيد كان في مجال الربوبية والتدبير. فالمشركون مع اعترافهم بحصر الخالقية بالله تعالى وأنّ جميع من سواه مخلوق لله سبحانه، إلا أنهم كانوا معتقدين بوجود أرباب من دون الله وأنّ لهم الألوهيّة في مجال الربوبيّة والتدبير، وكان الغرض من عبادتهم الاستنصار على الأعداء والعزّة والغلبة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾[1].

 

ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾[2].

 

ومن هنا نرى أنّ قسماً من الآيات تعلّل الأمر بحصر العبادة في الله وحده، بأنّه الربّ فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾[3].

 

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾[4].

 

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾[5].

 

وغير ذلك من الآيات التي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبية[6].

 

زبدة الكلام

خلاصة القول في المقام إنّ أيّ خضوع ينبع من الاعتقاد بأن المخضوع له إله العالم أو ربّه أو فوّض إليه تدبير العالم كلّه أو بعضه، يكون الخضوع بأدنى مراتبه عبادة ويكون صاحبه مشركاً في العبادة إذا أتى به لغير الله.

 

ويقابل ذلك الخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد، فخضوع أحد أمام موجود تكريماً - مبالغاً في ذلك - من دون أن ينبع من الاعتقاد بألوهيّته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً، كالسجود لغير الله في الشريعة

 


[1] سورة يس، الآية 74.

[2] سورة مريم، الآية 81.

[3] سورة المائدة، الآية 72.

[4] سورة الأنبياء، الآية 92.

[5] سورة آل عمران، الآية 51.

[6] لاحظ الآيات الكريمات التاليات: سورة يونس، الآية 3. سورة الحجر، الآية 3. سورة مريم، الآيتان 36 و65.سورة الزخرف، الآية 64.

 

79


55

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

الإسلامية لكنّه ليس عبادة بل حراماً لوجه آخر، ولعلّ الوجه في حرمته هو أن السجود حيث إنه وسيلة عامة للعبادة عند جميع الأقوام والملل، صار بحيث لا يراد منه إلا العبادة، لذلك لم يسمح الإسلام بأن يستفاد منها حتى في الموارد التي لا تكون عبادة، والتحريم إنّما هو من خصائص الشريعة الإسلامية.

 

 

80


56

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

المفاهيم الرئيسة

•        من مراتب التوحيد: التوحيد في الربوبية، والدليل عليه أمّا أوّلاً، فلأنّ التدبير شعبةٌ من شعب الخلق، وما دام الخالق واحداً فالمدبّر واحد كذلك.

 

وثانياً: إنّ اتّصال التدبير وانسجام النظام آية المدبّر الواحد.

 

•        من شؤون التوحيد في الربوبيّة التوحيد في التشريع.

 

•        من مراتب التوحيد أيضاً: التوحيد في العبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾.

 

•        إنّ حقيقة العبادة على ما يستفاد من القرآن الكريم هي "الخضوع والتذلّل، لفظاً أو عملاً مع الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له".

 

•        الدليل على التوحيد في العبادة أنّ الذي يستحقّها هو من كان إلهاً، وليس هو إلّا الله تعالى، وحيث إنّ الوصف لا يوجد إلّا في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه.

 

81


57

الدرس السادس: التوحيد ومراتبه (3)

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- بيّن كيف يمكن الاستدلال على التوحيد في الربوبية من خلال انسجام النظام واتصال التدبير في جميع المخلوقات.

2- اذكر أنواع التوحيد المتفرّعة عن التوحيد في الربوبية.

3- ما هو المعنى المقصود من التوحيد في العبادة في القرآن الكريم؟

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- التدبير في الكون هو عبارة عن إدامة الخلق والإيجاد بحكم كونه فقيراً ممكناً فاقداً للوجود الذاتي.

2- التوحيد في الربوبية وهو الاعتقاد بأن الله سبحانه فوّض أمر تدبير شؤون المخلوقات لنفسها تكويناً وتشريعاً.

3- إنّ الذي يستحقّ العبادة هو من كان إلهاً، وحيث إنّ الوصف لا يوجد إلّا في الله سبحانه وجب عبادته دون سواه.

4- إنّ القول بوجود مدبّرات في الكون غير الله سبحانه وتعالى يؤدّي للقول بانحصار التدبير الاستقلالي للكون في الله سبحانه وتعالى.

5- إذا اعتقد الإنسان بأن المخضوع له إله العالم أو ربّه أو فوّض إليه تدبير العالم كلّه أو بعضه، يكون الخضوع بأدنى مراتبه عبادة ويكون صاحبه مشركاً في العبادة إذا أتى به لغير الله.

 

82


58

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

الدرس السابع:

أسماء الله وصفاته

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى الأقوال في كيفية معرفة صفاته تعالى.

2- يهتدي إلى الطرق الصحيحة في معرفة صفاته تعالى.

3- يبيّن أنواع الطرق لمعرفة صفات الله تعالى.

 

83


59

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

كيف نتعرّف على صفاته تعالى؟

اعتاد الإنسان الساكن بين جدران الزمان والمكان أن يتعرّف على الأشياء مقيّدة بالزمان والمكان موصوفة بالتحيّز والتجسيم، متَّسمة بالكيف والكم، وما إلى ذلك من لوازم المادَّة ومواصفات الجسمانية، فقد قضت العادة الملازمة للإنسان، أعني: أُنسه بالمادّة واعتياده على معرفة كلّ شيء في الإطار المادّي، أن يُصوِّر لربِّه صوراً خيالية على حسب ما يألفه من الأمور المادّية الحسيّـة، وقلَّ ما أن يتّفـق لإنسان أن يتوجّه إلى ساحة العزّة والكبرياء ونفسه خالية عن المحاكاة.

 

بين التشبيه والتعطيل

على ذلك الأساس افترق جماعة من الإلهيين إلى مشبِّه ومعطِّل، فالأوّلون تورّطوا في مهلكة التشبيه وشبّهوا بارئهم بإنسان له لحم، ودم، وشعر، وعظم، وله جوارح وأعضاء حقيقية من يد، ورجل، ورأس ويجوز عليه المصافحة والانتقال[1]. وإنكار بارئ بهذه الأوصاف المادّية المنكرة أولى من إثباته ربّاً للعالم، لأنّ الاعتقاد بالبارئ بهذه الصفات يجعل الألوهية والدعوة إليها خرافة وسخافة تنفر منه العقول.

 

والطائفة الثانية أرادت التحرّز عن وصمة التشبيه وعار التجسيم فوقعت في أسر تعطيل العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله، قائلة بأنّه ليس لأحد الحكم


 


[1] الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج 1، ص 104.

 

85


60

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

على المبدأ الأعلى بشيء من الأحكام وليس إلى معرفته من سبيل إلّا بقراءة ما ورد في الكتاب والسنّة، فقالت: إنّ النجاة كلّ النجاة في الاعتراف بكلّ ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث ونقاش، فقد نقل عن سفيان بن عيينة أنّه قال: "كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه"[1].

 

ما هو المسلك الصحيح؟

ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أنّ من الممكن التعرّف على صفاته سبحانه من طريق التدبّر وعلى ضوء ما أفاض الله سبحانه على عباده من نعمة العقل والفكر.

 

وحجّتهم في ذلك أنّ الله سبحانه ما نصّ على أسمائه وصفاته في كتابه وسنّة نبيّه إلّا لكي يتدبّر فيها الإنسان بعقله وفكره في حدود الممكن، فهذا أمر يدعو إليه العقل والكتاب الكريم والسنّة الصحيحة.

 

ويكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أوائل سورة الحديد من قوله سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[2] إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[3].

 

وما ورد في آخر سورة الحشر من قوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾[4] إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[5].

 

وغير ذلك من الآيات المتضافرة في بيان صفات ذاته وأفعاله تعالى.

 

فهل يظنّ عاقل أنّ تلك الآيات الكثيرة إنّما أنزلها الله تعالى لمجرّد القراءة والتلاوة، ولو كان كذلك فما معنى التدبّر في الآيات القرآنية الّذي دعا القرآن نفسه إليه بوجه أكيد؟

 

وأوضح دليل على قدرة العقل على البحث ودراسة الحقائق السفلية والعلوية حَثُّ

 


[1] الشهرستاني، الملل والنحل، مصدر سابق، ج 1، ص 93.

[2] سورة الحديد، الآية 1.

[3] سورة الحديد، الآيات 6-1.

[4] سورة الحشر، الآية 23.

[5] سورة الحشر, الآية 23-24.

 

86


61

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

الوحي على التعقّل سبع وأربعين مرَّة، وعلى التفكّر ثماني عشرة مرّة، وعلى التدبّر أربع مرّات في الكتاب العزيز.

 

قال الإمام عليّ  عليه السلام: "لَمْ يُطْلِع العقول على تَحديد صِفته، وَلَم يَحجُبْها عن واجب مَعرفته"[1].

 

والعبارة تهدف إلى أنّ العقول وإن كانت غير مأذونة في تحديد الصفات الإلهية، لكنّها غير محجوبة عن التعرّف حسب ما يمكن.

 

الطرق الصحيحة إلى معرفة صفاته تعالى

قد عرفت أنّ ذاته سبحانه وأسماءه وصفاته، وإن كانت غير مسانخة لمدركات العالم المحسوس، لكنّها ليست على نحو يستحيل التعرّف عليها بوجه من الوجوه، ومن هنا نجد أنّ الحكماء والمتكلّمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرّف على ملامح العالم الربوبي، وها نحن نشير إلى هذه الطرق:

1- الطريق العقلي:

بعدما ثبت كونه سبحانه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، فإنّ هذا الأمر يمكن أن يكون مبدأً لإثبات كثير من الصفات الجلالية، فإنّ كلّ وصف استلزم خللاً في غناه ونقصاً له، انتفى عنه ولزم سلبه عن ذاته.

 

وقد سلك الفيلسوف الإسلامي نصير الدِّين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية حيث قال: "وجوب الوجود يدلّ على سرمديته، ونفي الزائد، والشريك، والمثل، والتركيب بمعانيه، والضد، والتحيّز، والحلول، والاتحاد، والجهة، وحلول الحوادث فيه، والحاجة، والألم مطلقاً، واللذة المزاجية، والمعاني، والأحوال، والصفات الزائدة والرؤية"[2].

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص688، الخطبة: 291.

[2] راجع: العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق الأملي، مؤسسة نشر الإسلامي، إيران - قم، 1417هـ، ط7، ص404 وما بعد.

 

87


62

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لإثبات سلسلة من الصفات الثبوتية حيث قال: "وجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود، والملك، والتمام، والحقيّة، والخيرية، والحكمة، والتّجبُّر، والقهر، والقيُّومية"[1].

 

وعلى ذلك يمكن الإذعان بما في العالم الربوبي من الكمال والجمال بثبوت أصل واحد وهو كونه سبحانه موجوداً غنياً واجب الوجود.

 

ومن هنا تنفتح نوافذ على الغيب والتعرّف على صفاته الثبوتية والسلبية، وستعرف البرهنة على هذه الصفات من هذا الطريق.

 

2- المطالعة في الآفاق والأنفس:

من الطرق والأصول التي يمكن التعرّف بها على صفات اللّه، مطالعة الكون المحيط بنا، وما فيه من بديع النظام، فإنّه يكشف عن علم واسع وقدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيّات الكامنة فيه، وكلّ القوانين التي تسود الكائنات، فمن خلال هذه القاعدة وعبر هذا الطريق أي مطالعة الكون، يمكن للإنسان أن يهتدي إلى قسم كبير من الصفات الجمالية، وبهذا يتبيّن أنّ ذات الله سبحانه وصفاته ليست محجوبة عن المعرفة مطلقاً ولا خارج قدرة العقل، حتّى نعطّل العقول، وقد أمر الكتاب الكريم بسلوك هذا الطريق، يقول سبحانه: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[2].

 

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾[3].

 

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾[4].

 


[1] العلّامة الحلّي، كشف المراد، مصدر سابق.

[2] سورة يونس، الآية 101.

[3] سورة آل عمران، الآية 190.

[4] سورة يونس، الآية 6.

 

88


63

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

3 - الرجوع إلى القرآن والسنّة الصحيحة:

وهناك أصل ثالث يعتمد عليه أتباع الشرع، وهو التعرّف على أسمائه وصفاته وأفعاله بما ورد في الكتب السماويّة وأقوال الأنبياء وكلماتهم، وذلك بعدما ثبت وجوده سبحانه وقسم من صفاته، ووقفنا على أنّ الأنبياء مبعوثون من جانب الله وصادقون في أقوالهم وكلماتهم.

 

وباختصار، بفضل الوحي ـ الّذي لا خطأ فيه ولا زلل ـ نقف على ما في المبدأ الأعلى من نعوت وشؤون، فمن ذلك قوله سبحانه:

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[1].

 


[1] سورة الحشر، الآيتان 23 - 24.

 

89


64

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

المفاهيم الرئيسة

•        تعدّدت المسالك في معرفة صفاته تعالى بين التشبيه والتعطيل، وكلاهما باطل، إلا أنّ هناك مسلكاً ثالثاً ذهب إلى أنّه من الممكن التعرّف على صفاته سبحانه من طريق التدبّر وعلى ضوء ما أفاض الله سبحانه على عباده من نعمة العقل والفكر.

 

•        وحجّتهم في ذلك أنّ الله سبحانه ما نصّ على أسمائه وصفاته في كتابه وسنّة نبيّه إلّا لكي يتدبّر فيها الإنسان بعقله وفكره في حدود الممكن، فهذا أمر يدعو إليه العقل والكتاب العزيز والسنّة الصحيحة.

 

•        توجد العديد من الطرق في كيفية التوصّل إلى صفاته تعالى وهي:

1 - الطريق العقلي: فإنّه تبارك وتعالى ولكونه غنيّاً عن كلّ ما سواه، وواجب الوجود لذاته، متّصف بجميع صفات الجمال والجلال.

 

2 - المطالعة في الآفاق والأنفس: إنّ مطالعة الكون المحيط بنا، وما فيه من بديع النظام، يكشف عن علم واسع وقدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيّات الكامنة فيه، ونحن عن هذا الطريق نتعرّف على عددٍ من الصفات الثبوتيّة لله تعالى.

 

3 - الرجوع إلى الكتاب والسنّة الصحيحة: لقد ذخرت آيات الكتاب وأحاديث الأنبياء والمعصومين بالحديث عن صفاته تعالى، ونحن بوسيلة هذا الطريق نستطيع أن نتعرّف على كثير من هذه الصفات.

 

90


65

الدرس السابع: أسماء الله وصفاته

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح كيف يمكن من خلال العقل التعرُّف على صفات الله.

2- كيف يمكن معرفة صفاته تعالى من خلال الآفاق والأنفس؟

3- عدِّد الآراء في معرفة صفات الله سبحانه وتعالى.

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- إنّ الله سبحانه لم ينصّ على أسمائه وصفاته في كتابه وسنّة نبيّه إلّا لكي يتدبّر فيها الإنسان بعقله وفكره في حدود الممكن.

2- لا يمكن للإنسان التعرّف على الصفات والأسماء الإلهية حتى لو سلك طريق التفكر في النفس.

3- إذا آمن الإنسان بأن الأنبياء مبعوثون من جانب الله وصادقون في أقوالهم وكلماتهم فيمكن التعرّف على أسمائه وصفاته وأفعاله بما ورد من أقوالهم وكلماتهم.

4- إذا نظر الإنسان إلى السماوات والأرض وما فيهما من مخلوقات فلا يعتبر ذلك طريقاً إلى أسماء الله وصفاته.

5- يعتبر القرآن الكريم والكتب السماوية غير المحرّفة طريقاً واضحاً في التعرّف على أسماء الله وصفاته.

 

91


66

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

الدرس الثامن:

الصفات الذاتية (1)

(العلم)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى التقسيمات الرائجة لصفاته تعالى.

2- يتدبّر في معنى إحدى الصفات الذاتية وهي العلم.

3- يتعرّف إلى دلائل اتّصافه تعالى بصفة العلم بجميع أبعادها.

 

93


67

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

تقسيمات الصفات الإلهية

ذكروا لصفات الله تعالى تقسيمات عديدة منها:

الصفات الجمالية والجلالية:

إذا كانت الصفة مثبتة لجمال ومشيرة إلى واقعية في ذاته تعالى سمّيت "ثبوتية" أو "جمالية" وإذا كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه سمّيت "سلبية" أو "جلالية".

 

فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية المشيرة إلى وجود كمال وواقعية في الذات الإلهية ولكن نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّـر من الصفات السلبية الهادفة إلى سلب ما هو نقص عن ساحته سبحانه.

 

قال صدر المتألّهين: "إنّ هذين الإصطلاحين (الجمالية) و(الجلالية) قريبان ممّا ورد في الكتاب العزيز، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[1].

 

فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير، وصفة الإكرام ما تكرّمت ذاته بها وتجمّلت، فيوصف بالكمال وينزّه بالجلال"[2].


 


[1] سورة الرحمن، الآية 78.

[2] صدر الدين الشيرازي، محمد بن ابراهيم، الحكمة المتعالية، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، 1981م، ط3، ج 6، ص 118.

 

95


68

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

صفات الذات وصفات الفعل:

من جملة التقسيمات التي ذكرها المتكلّمون للصفات الإلهية تقسيم صفاته الثبوتية سبحانه إلى صفة الذات وصفة الفعل، والأوّل: ما يكفي في وصف الذات به، فرض نفس الذات فحسب، كالقدرة والحياة والعلم.

 

والثاني: ما يتوقف توصيف الذات به على فرض الغير وراء الذات وهو فعله سبحانه.

 

فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى أنّ الذات توصف بهذه الصفات عند ملاحظتها ومقارنتها مع الفعل، وذلك كالخلق والرزق ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل ومعنى انتزاعها، أنّنا إذ نلاحظ النعم التي يتنعّم بها الناس، وننسبها إلى الله سبحانه، نسمّيها رزقاً رزقه الله سبحانه، فهو رزّاق، ومثل ذلك الرَّحمة والمغفرة فهما يطلقان عليه على الوجه الذي بيّنّاه.

 

ولنشرع بالحديث عن أولى صفات الذّات وهو "العلم".

 

علمه تعالى

ما هو العلم؟

عُرّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء في الذهن، وهذا التعريف لا يشمل إلاّ العلم الحصولي، مع أنّ هناك قسماً آخر للعلم وهو العلم الحضوري، والفرق بين القسمين أنّ في العلم الحصولي ما هو حاضر عند العالم وحاصل له هي الصورة المنتزعة من الشيء بأدوات الإحساس، وهذه الصورة الذهنية وسيلة وحيدة لدرك الخارج وإحساسه ولأجل ذلك أصبح الشيء الخارجي معلوماً بالعرض والصورة الذهنية معلومة بالذات، وأمّا العلم الحضوري فهو عبارة عن حضور المدرَك لدى المدرِك من دون توسّط أيّ شيء وذلك كعلم الإنسان بنفسه.

 

على ضوء ما ذكرنا من تقسيم العلم إلى الحصولي والحضوري يصحّ أن يُقال: "إنّ العلم - على وجه الإطلاق - عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم".

 

96


69

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

وهذا التعريف يشمل العلم بكلا قسميه، غير أنّ الحاضر في الأوّل هو الصورة الذهنية دون الواقعية الخارجية، وفي الثاني نفس واقعية المعلوم من دون وسيط بينها وبين العالم.

 

إذا وقفت على حقيقة العلم، فاعلم أنّ الإلهيين أجمعوا على أنّ العلم من صفات الله الذاتية الكمالية، وأنّ العالم من أسمائه الحسنى، وهذا لم يختلف فيه اثنان على إجماله، ولكن مع ذلك اختلفوا في حدود علمه تعالى وكيفيته على أقوال، يلزمنا البحث عنها لتحقيق الحال في هذا المجال، فنقول:

علمه سبحانه بذاته:

قد ذكروا لإثبات علمه تعالى بذاته وجوهاً من البراهين منها:

مفيض الكمال ليس فاقداً له:

إنّه سبحانه خلق الإنسان العالم بذاته علماً حضورياً، فمعطي هذا الكمال يجب أن يكون واجداً له على الوجه الأتم والأكمل، لأن فاقد الكمال لا يعطيه، ونحن وإن لم نُحط ولن نُحيط بخصوصية حضور ذاته لدى ذاته، غير إنّا نرمز إلى هذا العلم بـ‍ "حضور ذاته لدى ذاته وعلمه بها من دون وساطة شيء في البين".

 

علمه سبحانه بالأشياء قبل إيجادها:

إنّ علمه سبحانه بالأشياء على قسمين: علم قبل الإيجاد وعلم بعد الإيجاد. ونستدلّ على القسم الأوّل بوجهين:

الأوّل: العلم بالسّبب علم بالمسبَّب:

إنّ العلم بالسبب والعلّة بما هو سبب وعلّة، علم بالمسبّب، والمراد من العلم بالسّبب والعلّة، العلم بالحيثية التي صارت مبدأ لوجود المعلول وحدوثه، ولتوضيح هذه القاعدة نُمثِّل بمثالين:

أ- إنّ المنجّم العارف بالقوانين الفلكيّة والمحاسبات الكونيّة يقف على أنّ الخسوف 

 

97


70

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

والكسوف أو ما شاكل ذلك يتحقّق في وقت أو وضع خاص، وليس علمه بهذه الطوارئ، إلّا من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة لكذا وكذا.

 

ب- إنّ الطبيب العارف بحالات النبض وأنواعه وأحوال القلب وأوضاعه يقدر على التنبّؤ بما سيصيب المريض في مستقبل أيّامه وليس هذا العلم إلّا من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة.

 

الثاني: إتقان الصنع يدلّ على علم الصانع:

إنّ وجود المعلول كما يدلّ على وجود العلّة، كذلك خصوصيّاته تدلّ على خصوصيّات علّته، فإنّ المصنوع من جهة الترتيب الذي في أجزائه ومن جهة موافقة جميع الأجزاء للغرض المقصود من ذلك المصنوع، يدلّ على أنّه لم يحدث عن فاعل غير عالم بتلك الخصوصيات.

 

فالعالَم بما أنّه مخلوق للّه سبحانه يدلّ ما فيه من بديع الخلق ودقيق التركيب على أنّ خالقه عالم بما خلق، عليم بما صنع، فالخصوصيات المكنونة في المخلوق ترشدنا إلى صفات صانعه وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[1].

 

وقال الإمام عليّ  عليه السلام: "وعَلِمَ ما يمضي وما مضى، مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئهم بحكمه"[2].

 

وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "سبحان من خلق الخلق بقدرته، أتقن ما خلق بحكمته، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه"[3].

 

وإلى هذا الدليل أشار المحقّق الطوسي في "تجريد الاعتقاد" بقوله: "والإحكام دليل العلم".

 


[1] سورة الملك، الآية 14.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص283، الخطبة 191.

[3] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار ، مؤسسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط2، ج 4، ص 85.

 

98


71

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

علمه سبحانه بالأشياء بعد إيجادها:

إنّ كل ممكن، معلول في تحققه لله سبحانه، وليس للمعلولية معنى سوى تعلُّق وجود المعلول بعلّته وقيامه بها قياماً واقعياً، وما هذا شأنه لا يكون خارجاً عن وجود علّته، إذ الخروج عن حيطته يلازم الاستقلال وهو لا يجتمع مع كونه ممكناً.

 

فلازم الوقوع في حيطته، وعدم الخروج عنها، كون الأشياء كلها حاضرة لدى ذاته والحضور هو العلم، لما عرفت من أنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم.

 

99


72

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

المفاهيم الرئيسة

•        تنقسم الصفات الإلهيّة بإحدى التقسيمات إلى صفات الجلال والجمال، أمّا صفات الجلال فتحكي عمّا جلّت ذاته عن الاتصاف به، وأما صفات الجمال فتحكي عمّا تجمّلت ذاته بالاتصاف به.

 

•        من جملة التقسيمات التي ذكرها المتكلّمون للصفات الإلهية تقسيم صفاته سبحانه إلى صفة الذّات وصفة الفعل,

والأوّل: ما يكفي في وصف الذّات به، فرض نفس الذّات فحسب، كالقدرة والحياة والعلم.

والثاني: ما يتوقّف توصيف الذّات به على فرض الغير وراء الذّات وهو فعله سبحانه.

 

•        أجمع الإلهيّون على أنّ العلم من صفات الله الذاتيّة الكمالية، لكن اختلفوا في كيفية علمه وحدوده.

 

•        قد ذكروا لإثبات علمه تعالى بذاته وجوهاً من البراهين منها أنّ مفيض الكمال ليس فاقداً له.

 

•        إنّ الله عالم بالأشياء قبل إيجادها وبعده. ومن الأدلّة على علمه بالأشياء قبل الإيجاد:

1- العلم بالسبب علم بالمسبَّب.

2- إتقان الصنع يدلّ على علم الصانع.

 

 

100


73

الدرس الثامن: الصفات الذاتية (1) (العلم)

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- عدِّد أنواع الصفات الإلهية متحدِّثاً عن الصفات الجمالية والجلالية.
2- اشرح المقصود بالتجرّد عن المادّة ملاك الحضور.
3- ما هو الدليل على علم الله سبحانه وتعالى بالأمور قبل إيجادها؟

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- الصفات الذاتية هي الصفات المنتزعة من الذات والتي تكون زائدة عليها.  
2- تنتزع الصفات الفعلية من مقام الفعل وتوصف بها الذات عند ملاحظتها مع الفعل.  
3- لا يشترط في معطي الكمال أن يكون واجداً له على الوجه الأتم والأكمل.  
4- إذا كان علم الله سبحانه وتعالى بذاته وبأفعاله علماً حضورياً مطلقاً فكذلك علمه بالأمور بعد إيجادها.  

 

101


74

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

الدرس التاسع:

الصفات الذاتية (2)

(القدرة، الحياة)

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1 -يفهم بقية صفات الذّات: القدرة والحياة.

2- يبيّن البراهين على اتصافه تعالى بالقدرة والحياة.

3- يتعرّف إلى بعض الشبهات المثارة حول قدرته تعالى والإجابة عنها.

 

103


75

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

قدرته تعالى

اتّفق الإلهيون على أنّ القدرة من صفاته الذاتية الكمالية كالعلم، ولأجل ذلك يعدّ القادر والقدير من أسمائه سبحانه.

تعريف القدرة:

إنّ هناك تعريفين للقدرة مشهورين:

أحدهما: أنّـها عبارة عن صحّة الفعل والترك، والمراد من الصحّة: الإمكان، فالقادر هو الّذي يصحّ أن يفعل وأن يترك.

والثاني: أنّها عبارة عن صدور الفعل بالمشيّة والاختيار، فالقادر من إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

 

برهان قدرته تعالى:

استدلّ على قدرته سبحانه بوجوه نكتفي بواحد منها:

الدليل العقلي: إحكام الصنع وإتقانه

توضيحه:

أنّه قد عرفت في الأبحاث المتقدّمة أنّ الفعل كما يدلّ على وجود الفاعل، كذلك خصوصيات الفعل تدلّ على خصوصيات الفاعل، فإذا كان الفعل متَّسماً بالإحكام والإتقان، والجمال والبهاء يدلّ ذلك على علم الفاعل بتلك الجهات وقدرته على إيجاد مثل ذلك الصنع.

 

105


76

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

وإلى هذا الدليل يشير سبحانه عندما يصف روائع أفعاله وبدائع صنعه في آيات الذكر الحكيم، يختمها بذكر علمه تعالى وقدرته، يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾[1].

 

فالإحكام والإتقان في الفعل آيتا العلم وعلامتا القدرة.

 

وإلى نفس الدليل يشير الإمام علي  عليه السلام: "وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته"[2].

 

وقال أيضاً: "وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته وعظيم قدرته"[3].

 

وقال أيضاً: "فأقام من الأشياء أودها، ونهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادّها"[4].

 

سعة القدرة الإلهية:

إنّ الفطرة البشرية تقضي بأنّ الكمال المطلق الذي ينجذب إليه الإنسان في بعض الأحيان قادر على كلّ شيء ممكن، ولا يتبادر إلى الأذهان أبداً ـ لولا تشكيك المشكّكين ـ أنّ لقدرته حدوداً، أو أنّه قادر على شيء دون شيء، ولقد كان المسلمون في الصدر الأوّل على هذه العقيدة استلهاماً من كتاب الله العزيز الذي ينصّ على عمومية قدرة الله سبحانه.

 

قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾[5].

 

وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾[6].

 

كما صرّح بعمومية قدرته تعالى في الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

 


[1] سورة الطلاق، الآية 12.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص126، خطبة الأشباح، الخطبة 91.

[3] المصدر نفسه، ص236، الخطبة 165.

[4] المصدر نفسه، ص127، الخطبة 91.

[5] سورة الأحزاب، الآية 27.

[6] سورة الكهف، الآية 45.

 

106


77

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

قال الإمام الصادق  عليه السلام: "الأشياء له سواء علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً وإحاطةً"[1].

 

البرهان العقلي على عمومية قدرته تعالى:

إذا تعرّفت على حكم الفطرة بعموميّة قدرته تعالى ونصّ القرآن والحديث على ذلك، فاعلم أنّ هناك براهين عقلية على ذلك نكتفي بتقرير واحد منها، وهو:

المقدمة الأولى: إنّ وجوده سبحانه غير محدود ولا متناه.

بمعنى أنّه وجود مطلق لا يحدّه شيء من الحدود العقلية والخارجية.

 

المقدمة الثانية: وما هو غير متناه في الوجود، غير متناه في الكمال والجمال.

النتيجة: لأنّ الوجود هو منبع الكمال، إذا عدم التناهي في جانب الوجود يلازم عدمه في جانب الكمال، وأيّ كمال أبهى من القدرة، فهي غير متناهية تبعاً لعدم تناهي وجوده وكماله.

 

دفع شبهات في المقام:

ثمّ إنّ هناك شبهات، أُوردت على القول بعمومية قدرته تعالى ربما يعسر دفعها على الطالب، يجب أن نذكرها ونبيّن وجه الدفع عنها:

1- هل هو سبحانه قادر على خلق مثله؟ فلو أُجيب بالإيجاب لزم افتراض الشريك له سبحانه، ولو أُجيب بالنفي ثبت ضيق قدرته وعدم عمومها.

 

والجواب أن ما ذكره ممتنع بحدّ ذاته فلا يصل الكلام إلى تعلّق القدرة به أو عدمه، والوجه في امتناعه هو لزوم اجتماع النقيضين، أعني: كون شيء واحد واجباً بالذات وممكناً كذلك، فإنّ ذلك المثل بما أنّه مخلوق، يكون ممكناً، وبما أنّه مثل له تعالى، فهو واجب بالذات، وهو محال بالضرورة.

 

2- هل هو قادر على أن يجعل العالم الفسيح في البيضة من دون أن يصغر حجم العالم أو تكبر البيضة؟


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص133.

 

107

 


78

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

والجواب عنه كسابقه، فإنّ جعل الشيء الكبير في الظرف الصغير أمر ممتنع في حدّ ذاته، إذ البداهة تحكم بأنّ الظرف يجب أن يكون مساوياً للمظروف، فجعل الشيء الكبير في الظرف الصغير يستلزم كون ذلك الظرف مساوياً للمظروف لما يقتضيه قانون مساواة الظرف والمظروف وأن يكون أصغر منه غير مساوٍ له ـ لما هو المفروض ـ وهذا محال وإنّما يبحث عن عمومية القدرة وعدمها بعد فرض كون الشيء ممكناً في ذاته، وإلى هذا أشار الإمام علي  عليه السلام في الجواب عن نفس السؤال بقوله: "إنّا لله تبارك وتعالى لا يُنسَب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون"[1].

 

حياته تعالى

اتّفق الإلهيون على أنّ الحياة من صفاته تعالى، وأنّ الحيّ من أسمائه الحسنى، ولكن إجراء هذا الاسم عليه سبحانه يتوقّف على فهم معنى الحياة وكيفية إجرائها على الله تعالى، فنقول:

الإدراك والفعل ركنان للحياة:

إنّ الحياة المادّية في النبات والحيوان والإنسان ـ بما أنّه حيوان ـ تقوم بأمرين، هما: الفعّاليّة والدرّاكيّة، فالخصائص الأربع[2] التي ذكرها علماء الطبيعة راجعة إلى الفعل والانفعال، والتأثير والتأثّر ونرمز لها "بالفعّاليّة"، كما نرمز إلى الحسّ والإدراك المتسالم على وجودهما في أنواع الحيوان، وقد يقال بوجودهما في النبات أيضاً، بـ"الدرّاكيّة" فالحيّ هو الدرّاك والفعّال، كما هو المصطلح عند الفلاسفة الإلهيين.

 

فملاك الحياة الطبيعيّة هو الفعل والإدراك، وهو محفوظ في جميع المراتب لكن بتطوير وتكامل، أعني: حذف النواقص والشوائب الملازمة للمرتبة النازلة عن المرتبة العالية، فالفعل المترقب من الحياة العقلية في الإنسان لا يقاس بفعل الخلايا النباتية والحيوانية، كما أنّ إدراك الإنسان للمسائل الكلية أعلى وأكمل من حسّ النبات وشعور

 


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص130.

[2] وهي: الجذب والدفع، النمو والرشد، التوالد والتكاثر، الحركة وردّة الفعل.

 

108


79

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

الحيوان ومع هذا البون الشاسع بين الحياتين، تجد أنّا نصف الكلّ بالحياة بمعنى واحد وليس ذاك المعنى الواحد إلاّ كون الموجود "درّاكاً" و"فعالاً".

 

معنى حياته تعالى؟

فإذا صحّ إطلاق الحياة بمعنى واحد على تلك الدرجات المتفاوتة فليصحّ على الموجودات الحيّة العلوية لكن بنحو متكامل، فاللّه سبحانه حيّ بالمعنى الذي تفيده تلك الكلمة، لكن حياة مناسبة لمقامه الأسنى، بحذف النواقص، فهو تعالى حيّ أي "فاعل" و"مدرك" وإن شئت قلت: "فعّال" و"درّاك" لا كفعاليّة الممكنات ودرّاكيتها.

 

دلائل حياته تعالى:

قد ثبت بالبرهان أنّه سبحانه عالم وقادر، وقد تقدّم البحث فيه، وقد بيّنا أنّ حقيقة الحياة في الدرجات العلوية، لا تخرج عن كون المتّصف بها درّاكاً وفعّالاً، ولا شكّ أنّ للّه تعالى أتمّ مراتب الإدراك والفعل، لأنّ له أكمل مراتب العلم والقدرة، وهما عين ذاته سبحانه، فهو حيّ بحياة ذاتية.

 

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه خلق موجودات حيّة، مدركة فاعلة، فمن المستحيل أن يكون معطي الكمال فاقداً له.

 

109


80

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

المفاهيم الرئيسة

•        اتّفق الإلهيون على أنّ القدرة من صفات الله الذاتية الكمالية، ومن براهين قدرته تعالى: إحكام الصنع وإتقانه.

 

•        إنّ قدرة الله تعالى عامّة واسعة، ومن أدلّة ذلك: أنّ وجوده تعالى غير محدود، وما هو غير محدود في الوجود هو غير متناه في الكمال والجمال، وأيّ كمال أبهى من القدرة.

 

•        قد وردت شبهات على سعة قدرته تعالى، منها: هل هو قادر على خلق مثله؟

 

•        هل هو قادر على أن يجعل العالَم الفسيح في البيضة؟

والجواب: إنّ الأمر الممتنع بذاته لا تتعلّق القدرة به أو بعدمه، وإنّما يبحث عن عموميّة القدرة بعد فرض كون الشيء ممكناً في ذاته. فالقصور في القابل لا الفاعل.

 

•        من صفات الله تعالى الثبوتية الحياة، ومن أدلّة حياته: أنّه ثبت كونه تعالى عالماً وقادراً وهذا يعني أنّه درّاك فعّال ـ وهو معنى الحياة ـ. أضف إلى ذلك أنّه خالق للأحياء، وفاقد شيء لا يُعطيه.

 

110


81

الدرس التاسع: الصفات الذاتية (2) (القدرة، الحياة)

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هو الدليل على وجود القدرة الإلهية المطلقة في الوجود؟

2- كيف يمكن الإجابة عن السؤال التالي: هل الله سبحانه قادر على خلق مثله؟

3- ما هي الأركان في كون الشيء حياً من الموجودات؟

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- إذا قلنا بأنّ الله سبحانه وتعالى درّاك وفعّال فلا شك في كون لديه الحياة بأتم وأعلى المراتب العلوية.

 

2- الاعتقاد بكون الله سبحانه وتعالى قادراً يعني قدرته على فعل كل شيء ولو كان ذلك الشيء ممتنع الحصول والتحقّق بذاته.

 

3- إنّ عدم التناهي في جانب الوجود لله عزّ وجلّ يلازم عدمه في جانب الكمال والجمال فالقدرة غير متناهية تبعاً لعدم تناهي وجوده وكماله.

 

4- إن الأشياء تختلف لله سبحانه وتعالى من حيث العلم والقدرة والسلطنة والملك والإحاطة فبعضها علمه بها أشد وقدرته أضعف.

 

5- إذا كان الفعل متَّسماً بالإحكام والإتقان من جميع جهاته يدلّ ذلك على علم الفاعل بتلك الجهات وقدرته على إيجاد مثل ذلك الصنع.

 

111


82

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

الدرس العاشر:

الصفات الفعلية

(التكلّم، الحكمة)

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى حقيقة كلامه تعالى.

2- يتعرّف إلى القول الصحيح في مسألة حدوث الكلام الإلهي أو قدمه.

3- يستدلّ على اتّصافه تعالى بالحكمة.

 

113


83

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

قال القاضي عبد الجبار: "حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والأصوات المقطّعة، وهذا كما يكون منعماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه فعل"[1].

 

وهذا المعنى من الكلام هو الّذي يسمّى بالكلام اللفظي وهو من صفات فعله تعالى، حادث بحدوث الفعل.

 

ب- نظرية الأشاعرة: يظهر من مؤلّف المواقف[2] أنّ الأشاعرة معترفون بما ذكره المعتزلة وبأنّ الكلام بهذا المعنى حادث، ولكنّهم يدّعون معنى آخر وراءه ويسمّونه بالكلام النفسي.

 

قال الفاضل القوشجي في تفسير الكلام النفسي:

"إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّـر عنها بالألفاظ التي نسمّيها بالكلام الحسّي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الّذي نسمّيه الكلام النفسي"[3].

 

ويلاحظ على هذا المعنى من الكلام ـ على فرض ثبوته ـ أنّه يكون بذلك من صفات ذاته تعالى وقديم بقدم الذات، وليس أمراً غير العلم التصوّري أو التصديقي. ولا ريب أن الكلام غير العلم.

 

ج- نظريّة الحكماء: ذهبت الحكماء إلى أنّ لكلامه سبحانه مفهوماً أوسع ممّا ذكره المعتزلة من الكلام اللفظي، بل كلامه تعالى مساوق لفعله سبحانه فكلّ موجود كما هو فعله ومخلوقه، كذلك كلامه تعالى ونسمّيه بـ "الكلام الفعلي".

 


[1] عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص528 .

[2] الشريف الجرجاني، شرح المواقف، لا.ن، لا.م، 1325هـ.ش - 1973م، لا.ط، ج 8، ص 93.

[3] القوشجي، شرح التجريد، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص 319.

 

116


85

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

توضيح ذلك: إنّ الغرض المقصود من الكلام اللفظي ليس إلّا إبراز ما هو موجود في نفس المتكلّم ومستور عن المخاطب والسامع، فالكلام ليس إلّا لفظاً دالّاً على المعنى الذي تصوّره المتكلّم وأراد إيجاده في ذهن السامع، فحقيقة الكلام هي الدلالة والحكاية، ولا شكّ أنّ الفعل كما يدلّ على وجود فاعله فهكذا خصوصياته الوجودية دالّة على خصوصيات فاعله الوجودية، وليس الفرق بين دلالة اللفظ على المعنى ودلالة الفعل على الفاعل، إلّا أنّ دلالة الأوّل وضعية اعتبارية، ودلالة الثاني تكوينية عقلية، والدلالة التكوينية العقلية أقوى من الدلالة اللفظية الوضعيّة.

 

وعلى هذا، فكلّ فعل من المتكلّم أفاد نفس الأثر الذي يفيده الكلام، من إبراز ما يكتنفه الفاعل في سريرته من المعاني والحقائق، يصحّ تسميته كلاماً من باب التوسُّع والتطوير.

 

2- كلامه تعالى في القرآن والحديث:

لقد استعمل لفظ كلام في القرآن الكريم مسنداً إلى الله تعالى في معاني أو مصاديق أربعة نشير إليها:

أـ الكلام اللفظي:

قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[1].

 

دلّت الآية الكريمة على أنّه تعالى نادى نبيه موسى عليه السلام وكلّمه من طريق الشجرة، إمّا بإيجاد الكلام فيها، بأن يكون الكلام قائماً بها كقيام الكلام بالمتكلّم منّا، كما قال به بعضهم ـ أو بأخذها حجاباً، احتجب سبحانه به وكلّمه من ورائه[2].

 


[1] سورة القصص، الآية 30.

[2] لمزيد من التفصيل راجع: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران - قم، 1417هـ، ط5، ج16، ص32.

 

117


86

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

ب- الكلام بالإيحاء:

وهو إلقاء المعنى فقط أو اللفظ والمعنى معاً في روع الأنبياء وغيرهم من الأولياء الإلهيين، إمّا بلا واسطة أو معها، قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[1].

 

فقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ إشارة إلى الإيحاء بواسطة ملك الوحي كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾[2].

 

كما أنّ قوله: ﴿أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ إشارة إلى الكلام اللفظيّ المسموع كما تقدّم.

 

فترى أنّه سبحانه أطلق لفظ الكلام على الوحي بقسميه، وعدَّ إيحاءه سبحانه، تكليماً له، فالوحي كلامه والإيحاء تكليمه.

 

ج- نفس وجود الأشياء:

هناك آيات تدلّ على أنّ وجود الأشياء كلام له تعالى، ترى أنّه تعالى يصف المسيح عليه السلام بأنّه كلمة الله التي ألقاها إلى مريم العذراء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾[3].

 

د- القضاء والحكم الإلهي:

قد استُعملت "الكلمة" في كثير من الآيات فيما قاله تعالى وحكم به، كقوله:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾[4].

وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾[5].

وقوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾[6].

 


[1] سورة الشورى، الآية 51.

[2] سورة الشعراء، الآيتان 193 - 194.

[3] سورة النساء، الآية 171.

[4] سورة الأعراف، الآية 137.

[5] سورة يونس، الآية 33.

[6] سورة يونس، الآية 19.

 

118


87

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المجال.

 

وقد فسّر الإمام عليّ  عليه السلام قوله تعالى بفعله الذي يُنشئه ويُمثّله، حيث قال:

"يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله"[1].

 

فتحصّل بذلك، أنّ كلامه سبحانه في القرآن لا ينحصر في الكلام اللفظي، كما لا يكون منحصراً في الكلام الفعلي، بل هناك قسمان آخران سمّيا بالكلام، أحدهما: الوحي، وثانيهما: قضاؤه تعالى وحكمه، نعم يمكن إرجاع هذين القسمين إلى الكلام الفعلي، بلحاظ أنّ الإيحاء والقضاء أيضاً من أفعاله سبحانه.

 

وبذلك يظهر أنّ الصواب من الآراء المتقدّمة هو نظريّة الحكماء، وأمّا نظرية المعتزلة فهي غير منطبقة على جميع مصاديق كلامه سبحانه وإنّما هو قسم قليل منه. وأمّا نظرية الأشاعرة فليس لها أثر في الكتاب العزيز.

 

3- كلامه سبحانه حادث أم قديم؟

من المسائل التي اختلفت فيها كلمات المتكلّمين، مسألة حدوث كلامه تعالى أو قدمه، ويمكن إرجاع هذه المسألة إلى القرن الثاني وقد يقال إنّ أوّل من قال بكون القرآن مخلوقاً هو "جعد بن درهم" وبقيت طيّ الكتمان إلى زمن المأمون، وإليك دراسة الآراء وتطوّرها في المسألة:

أ- نظرية أهل الحديث والحنابلة:

أوّل من أكّد القول بعدم حدوث القرآن وعدم كون كلامه تعالى مخلوقاً وأصرّ عليه، أهل الحديث، وفي مقدّمتهم "أحمد بن حنبل" فإنّه الذي أخذ يروّج فكرة عدم خلق القرآن ويدافع عنها بحماس، متحمّلاً في سبيلها من المشاقّ ما هو مسطور في كتب التاريخ.

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص274، الخطبة 186.

 

119


88

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

ب- نظرية المعتزلة:

قد تبنَّت المعتزلة القول بخلق القرآن وانبروا يدافعون عنه بشتّى الوسائل، ولمّا كانت الخلافة العباسية في عصر المأمون ومن بعده إلى زمن الواثق بالله، تؤيّد حركة الاعتزال وآراءها، استعان المعتزلة من هذا الغطاء، وقاموا باختبار علماء الأمصار الإسلامية في هذه المسألة، وكانت نتيجة هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء في ذلك العصر بنظرية الخلق، ولم يمتنع إلّا نفر قليل على رأسهم أحمد بن حنبل.

 

ج- نظرية الشيخ الأشعري:

أوّل ما أعلنه الشيخ الأشعري في هذا المجال هو القول بعدم كون القرآن مخلوقاً حيث قال: "ونقول: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر"[1].

 

ولكنّه رأى أنّ القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، فجاء بنظرية جديدة أصلح بها القول بعدم خلق القرآن والتجأ إلى أنّ المراد من كلام الله تعالى ليس القرآن المقروء بل الكلام النفسي.

 

4- دلالة القرآن على حدوث كلامه تعالى:

صرّح القرآن الكريم بحدوث كلامه تعالى ـ أعني: القرآن ـ في قوله سبحانه: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾[2].

 

والمراد من "الذكر" هو القرآن نفسه لقوله سبحانه:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[3].

وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾[4].

 


[1] الأشعري، الإبانة، ص 21، ولاحظ: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 321.

[2] سورة الأنبياء، الآية 2.

[3] سورة الحجر، الآية 9.

[4] سورة الزخرف، الآية 44.

 

120


89

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

والمراد من "محدث" هو الجديد وهو وصف "للذكر" ومعنى كونه جديداً أنّه أتاهم بعد الإنجيل، كما أنّ الإنجيل جديد، لأنّه أتاهم بعد التوراة، وكذلك بعض سور القرآن وآياته ذكر جديد بالنسبة للآيات السابقة. وليس المراد كونه محدثاً من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة أنّه وصف لـ "ذكر"، فالذكر بذاته محدَث لا بنزوله.

 

5- موقف أهل البيت عليهم السلام:

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدّد فيه لم يكن لإحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك بل استغلّت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها، فلأجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام منعوا أصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريّان بن الصلت الإمام الرضا  عليه السلام وقال له: ما تقول في القرآن؟

فقال عليه السلام: "كلام الله لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا"[1].

 

فإنّا نرى أنّ الإمام  عليه السلام يبتعد عن الخوض في هذه المسألة لما رأى من أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام الله أحسم لمادّة الخلاف.

 

ولكنّهم عليهم السلام عندما أحسّوا بسلامة الموقف، أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو الله سبحانه وغيره مخلوق.

 

فقد روى عن الإمام الرضا  عليه السلام أنّه كتب إلى بعض شيعته ببغداد: "وليس الخالق إلّا الله عزّ وجلّ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين"[2].

 


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، ص224.

[2] المصدر نفسه.

 

121


90

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

الحكمة

من الصفات الفعلية الحكمة وهي تطلق على معنيين:

أحدهما: كون الفعل في غاية الإحكام والإتقان، وغاية الإتمام والإكمال.

وثانيهما: كون الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب.

 

ويمكن الاستدلال على حكمته تعالى بمعنى إتقان فعله وتدبيره بوجهين:

1- التدبّر في نظام الكون وبدائعه:

أوضح دليل على أنّه تعالى حكيم بهذا المعنى، التدبّر في نظام الكون وبدائعه، فانّ الناظر يرى أنّ العالم خلق على نظام في غاية الإبداع والإحكام، وأنّ كلّ نوع خلق بأفضل صورة تناسبه وجهّز بكلّ ما يحتاج إليه من أجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال، وإن شئت فانظر إلى الأشياء المحيطة بك ممّا هو من مظاهر حكمته تعالى.

 

فلاحظ القلب وهو مضخّة الحياة التي لا تكلّ عن العمل فإنّه ينبض يوميّاً ما يزيد على مائة ألف مرّة، يضخّ خلالها ثمانية آلاف لتر من الدم وبمعدّل وسطي يضخّ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الإنسان، فترى هل يستطيع محرّك آخر للقيام بمثل هذا العمل الشاقّ لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لإصلاح...؟

 

وأمثال ذلك الكثير ممّا لا تستوعبه الكتب.

 

إنّ اكتشافات العلوم الطبيعية عمّا في الكون والإنسان من نظام دقيق وعجيب ومتقن وهادف لهو أفضل دليل على وجود الحكمة الإلهية في كل الموجودات.

 

2- مناسبة الفعل لفاعله:

إن خصائص الفعل تكشف عن خصائص فاعله وإنّ أثر كلّ فاعل يناسب واقع فاعله ومؤثره فهو كظلّ يناسب ذا الظلّ، فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدراً لفعل كامل وموجود متوازن أخذاً بقاعدة مشابهة الظلّ لذي الظلّ، وقد استعملت الحكمة بهذا المعنى في كلمات الإمام علي  عليه السلام حيث قال: "...وأرانا من ملكوت قدرته

 

122


91

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

وعجائب ما نطقت به آثار حكمته... وظهرت في البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته...قدّر ما خلق فأحكم تقديره ودبّره فألطف تدبيره ـ إلى أن قال : ـ بدايا خلائق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها"[1].

 

وأمّا البحث عن حكمته تعالى، بالمعنى الثاني فسيجيء عند البحث عن عدله سبحانه.

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، ص126، الخطبة 91.

 

123


92

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

المفاهيم الرئيسة

•        إنّ صفات الله الثبوتيّة الفعلية كثيرة، منها التكلُّم والحكمة.

 

•        الأقوال في تفسير كلامه تعالى ثلاثة: المعتزلة: القائلون بأنّ كلامه تعالى عبارة عن أصوات غير قائمة بالله تعالى بل يخلقها في غيره. الأشاعرة: القائلون بالكلام النفسي. الحكماء: القائلون بأنّ كلامه تعالى له مفهوم أوسع من الكلام اللفظي وهو يساوق الكلام الفعلي.

 

•        إنّ لكلام الله تعالى في القرآن الكريم مصاديق أربعة: الكلام اللفظي، الكلام بالإيحاء، نفس وجود الأشياء، القضاء والحكم الإلهي.

 

•        من المسائل التي اختلفت فيها كلمات المتكلّمين، مسألة حدوث كلامه تعالى أو قدمه. وفيها عدّة نظريات منها: نظرية أهل الحديث والحنابلة القائلون بعدم حدوث القرآن الكريم، ونظرية المعتزلة: القائلون بحدوث القرآن، ونظرية الأشاعرة: القائلون بالكلام النفسي.

 

•        اتّخذ أهل البيت  عليهم السلام موقف القرآن الكريم في هذه المسألة وأكّدوا على حدوث كلامه تعالى. فعن الإمام الرضا  عليه السلام أنّه قال: "وليس الخالق إلّا الله عزّ وجلّ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين".

 

•        من صفات الله تعالى الفعلية الحكمة، وهي على معنيين:

1 - كون الفعل في غاية الإحكام والإتقان.

2 - كون الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب

 

•        يستدل على الحكمة بالمعنى الأوّل: بالتدبّر في نظام الكون وبدائعه، وبمناسبة الفعل لفاعله.

 

124


93

الدرس العاشر: الصفات الفعلية

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1-كيف يمكن الاستدلال من خلال مناسبة الفعل لفاعله على الحكمة الإلهية؟

2- ما هو موقف أهل البيت عليهم السلام بشأن مسألة كون كلام الله سبحانه وتعالى حادث أم قديم؟

3- إشرح نظرية الحكماء حول كلامه تعالى؟

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- فسّر المعتزلة كلامه تعالى بأنه عبارة عن أصوات وحروف غير قائمة بالله تعالى.

2- لا يمكن الاستفادة من معطيات العلوم الطبيعية في الاستدلال على وجود الحكمة الإلهية في الكون.

3- كلام الله سبحانه وتعالى هو عبارة عن مساوقة الكلام لفعله فكلّ موجود كما هو فعله ومخلوقه، كذلك كلامه تعالى.

4- لا يمكن اعتبار نفس وجود المخلوقات تفسيراً لكلام الله لأنها أمور لها علاقة بالفعل الإلهي وليس بالكلام الإلهي.

5- إذا تدبّر الإنسان في نظام الكون وبدائعه فإنّه يدرك حكمة الخالق في إبداع الكون وتصويره.

 

125


94

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

الدرس الحادي عشر:

الصفات الخبريّة

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن معنى الصفات الخبرية.

2- يطّلع على الأقوال في معنى اتّصافه تعالى بالصفات الخبرية.

3- يتعرّف إلى المعيار والميزان في اتّصافه تعالى بالصفات الخبريّة.

 

127


95

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

الصفات الخبريّة

قسّم بعض المتكلّمين صفاته سبحانه إلى ذاتيّة وخبريّة، والمراد من الأولى أوصافه المعروفة من العلم والقدرة والحياة، والمراد من الصفات الخبرية ما ورد وصفه تعالى بها في القرآن الكريم والسنّة من العلو، والوجه، واليدين والعين... الخ والتي يلزم منها توهّم التجسيم والتشبيه، وقد اختلفت آراء المتكلّمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال:

الأوّل: الإثبات مع التكييف والتشبيه

زعمت المجسِّمة والمشبِّهة أنّ للّه سبحانه عينين ويدين مثل الإنسان.

قال الشهرستاني: "أمّا مشبِّهة الحشويّة... أجازوا على ربِّهم الملامسة والمصافحة وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة، إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص"[1].

 

وبما أنّ التشبيه والتجسيم باطل بالعقل والنقل فلا نبحث حول هذه النظرية.

 


[1] الشهرستاني، الملل والنحل، مصدر سابق، ج1، ص 105.

 

129


96

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

الثاني: الإثبات بلا تكييف ولا تشبيه

إنّ الشيخ الأشعري ومن تبعه يجرون هذه الصفات على الله سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن لأجل الفرار عن التشبيه يضيفون عبارة "بلا تشبيه ولا تكييف".

 

يقول الأشعري في كتابه (الإبانة): إنّ لله سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[1]. وإنّ له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[2].[3]

 

وقد نقل هذه النظرية عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير[4]. وحاصل هذه النظرية أنّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في البشر، فله يد وعين، لا كأيدينا وأعيننا وبذلك توفّقوا ـ حسب زعمهم ـ في الجمع بين ظواهر النصوص ومقتضى التنزيه.

 

إن القول بأنّ لله يداً لا كأيدينا، أو وجهاً لا كوجوهنا، وهكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالألغاز فاستعمالها في المعاني الحقيقية وإثبات معانيها على الله سبحانه بلا كيفية أشبه بكون حيوان أسداً حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب ولا ناب ولا....

 

وممّن خالف هذه النظرية منهم أبو حامد الغزالي، وحاصل ما ذكره في نقدها أنّ هذه الألفاظ التي تجري في العبارات القرآنية والأحاديث النبوية لها معان ظاهرة وهي الحسية التي نراها ، وهي محالة على الله تعالى، ومعانٍ أخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير، فإذا سمع اليد في قوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله خمَّر آدم بيده، وإنّ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان" فينبغي أن يُعلَم أنَّ هذه الألفاظ تطلق على معنيين:

أحدهما - وهو الوضع الأصلي - : هو عنصر مركب من لحم وعظم وعصب.

 

والثاني: استعارة هذا اللفظ، أعني: اليد ، لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسمٍ أصلاً،

 


[1] سورة الرحمن، الآية 27.

[2] سورة ص، الآية 75.

[3] الأشعري، الابانة، ص18، نقله السبحاني، الشيخ جعفر، الالهيات، تقرير الشيخ حسن مكي، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص318 .

[4] راجع: علاقة الإثبات والتفويض، ص 46 - 49.

 

130


97

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

كما يقال: "البلدة في يد الأمير". فإنّ ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد.

 

فعلى العامّي وغير العامّي أن يتحققا قطعاً ويقيناً أنَّ الرسول لم يُرد بذلك جسماً، وأنّ ذلك في حق الله محال، فإن خطر بباله أنّ الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإنّ كل جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر وعبادة الصنم كانت كفراً لأنه مخلوق[1].

 

الثالث: تفويض المعنى إلى الله تعالى

وإلى هذا القول جنح الفخر الرازي وقال:

"هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها"[2].

 

ولكن يلاحظ على مقالتهم هذه أنّ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية وإن كانت في بادىء الرأي من المتشابهات، لكنّها تصير محكمة بعد إرجاعها إلى المحكمات.

 

الرابع: التأويل

إنّ العدليّة من المتكلّمين هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسّرون اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة.

 

أقول: إنّ الظاهر على قسمين: الظاهر الحرفي والظاهر الجُمَلي، فإنّ اليد مثلاً مفردة ظاهرة في العضو الخاص، وليست كذلك فيما إذا حفّت بها القرائن، فإنّ قول القائل في مدح إنسان إنّه "باسط اليد"، أو في ذمّه "قابض اليد" ليس ظاهراً في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي، بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل والإقتار وربما يكون مقطوع اليد، وحمل الجملة على غير ذلك المعنى، حمل على غير ظاهرها.

 

وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام المؤوِّلة فإن كان تأويلهم على غرار ما بيّناه فهؤلاء ليسوا بمؤوِّلة بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنّة، بعد ملاحظة القرائن اللفظية

 


[1] لاحظ: إلجاء العوام.

[2] فخر الدين الرازي، أساس التقديس، في علم الكلام، مؤسسة الكتب الثقافية، لبنان - بيروت، 1415هـ - 1995م، ط1، ص 223.

 

131


98

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

والعقلية وبذلك لا يكون تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلاً وإنّما هو اتّباع للنصوص والظواهر، وليس تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة أو منفصلة دالّة عليها فليس التأويل ـ بهذا المعنى ـ بأقلّ خطراً من الإثبات المنتهي إمّا إلى التجسيم أو إلى التعقيد والإبهام.

 

وعلى ضوء ما قرّرنا من الضابطة والميزان، تقدر على تفسير ما ورد في التنزيل من الوجه[1] والعين[2] والجنب[3] والمجيء[4] والفوقية[5] والعرش[6] والاستواء[7] وما يشابهها، من دون أن تمسّ كرامة التنزيه، ومن دون أن تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة.

 


[1] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (سورة القصص, الآية: 88).

[2] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ (سورة هود, الآية: 37).

[3] ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (سورة الزمر, الآية: 56).

[4] ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (سورة الفجر, الآية: 22), ﴿فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (سورة النحل, الآية 26).

[5] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (سورة الفتح, الآية: 10).

[6] ﴿إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ (سورة الإسراء, الآية: 42).

[7] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (سورة طه, الآية: 5).

 

132


99

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

المفاهيم الرئيسة

•        الصفات الخبرية هي ما أثبتته ظواهر الآيات والأحاديث له سبحانه من العلو والوجه واليدين إلى غير ذلك. وقد اختلفت آراء المتكلِّمين في تفسير هذه الصفات إلى أقوال:

الأوّل: الإثبات مع التكييف والتشبيه للمجسِّمة والمشبِّهة.

الثاني: الإثبات بلا تكييف ولا تشبيه (الشيخ الأشعري).

الثالث: الإثبات ولكن مع التفويض أي تفويض المراد من هذه الصفات إلى الله تعالى (بعض الأشعرية).

الرابع: التأويل (العدلية). كتفسيرهم اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة. وذلك اعتماداً على القرائن المحتفة بكلامه تعالى.

 

133


100

الدرس الحادي عشر: الصفات الخبريّة

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح ما هو المقصود بإثبات الصفات الخبرية لله سبحانه وتعالى بلا تكييف ولا تشبيه.

2- ما هو رأي العدلية في تفسير الصفات الخبرية لله سبحانه وتعالى؟

3- اشرح عبارة الفخر الرازي قال: "هذه المتشابهات (الصفات الإلهية الواردة في القرآن والسنة) يجب القطع بأنّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها"؟

 

ضع إشارة  أو في المكان المناسب:

1- الصفات الخبرية هي الصفات التي أثبتتها ظواهر الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة لله سبحانه وتعالى.  

2- تأويل الصفات الخبرية هو ابتكار وإبداع معان للآيات والروايات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة أو منفصلة دالّة عليها.  

3- إثبات الصفات الخبرية لله سبحانه وتعالى بلا تكييف أو تشبيه يؤدّي إلى القول بالجسمية والتركيب بحق الله سبحانه وتعالى.  

4- تعتبر نظرية التفويض أنّ الله سبحانه وتعالى قد فوّض إلينا تفسير وتحليل صفاته الواردة في الكتاب والسنة بما نراه مناسباً لفهمنا وإدراكنا.  

5- فسّر أصحاب مدرسة التأويل الصفات الإلهية مثل اليد بالقدرة والسلطة والاستيلاء. 

 

134

 

 

 

101

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

الدرس الثاني عشر:

الصفات السلبيّة

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معنى الصفات السلبيّة.

2- يُتقن الأدلّة على تنزيهه تعالى عن الصفات السلبية.

3- يطّلع على النزاع في مسألة إمكان الرؤية واستحالتها والصحيح فيها.

 

135


102

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

الصفات السلبيّة

الصفات السلبية كل ما دلّ على سلب النقص والحاجة، مثل: ليس بجاهل، وليس بعاجز.

وقد تقدّم الكلام حول بعض هذه الصفات، كنفي الشريك والتركيب والصفات الزائدة على الذّات في مباحث التوحيد، ونبحث الآن عن غيرها فنقول:

1- ليس بجسم:

الجسم ـ على ما نعرف له من الخواص ـ هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وهو ملازم للتركيب، والمركب محتاج إلى أجزائه والمحتاج لا يكون واجب الوجود بالذّات.

 

2- ليس في جهة ولا محلّ:

وقد تبيّن استغناؤه عنهما ممّا ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية، فإنّ الواقع في جهة أو محلّ لا يكون إلّا جسماً أو جسمانياً.

 

3- ليس حالاً في شيء:

إنّ المعقول من الحلول قيام موجود بموجودٍ آخر على سبيل التبعيّة، وهذا المعنى لا يصحّ في حقّه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير. وهو باطل.

 

137


103

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

4- ليس متِّحداً مع غيره:

حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئاً واحداً، وهو مستحيل في ذاته، فضلاً عن استحالته في حقّه تعالى، فإنّ ذلك الغير -بحكم انحصار واجب الوجود في واحد- ممكن، فبعد الاتحاد إمّا أن يكونا موجودين فلا اتحاد، أو يكون واحد منهما موجوداً والآخر معدوماً، والمعدوم إمّا هو الممكن، فيلزم الخلف وعدم الاتحاد، أو الواجب فيلزم انعدام الواجب وهو محال.

 

5- إنّه تعالى ليس بمرئيّ:

اتّفقت العدلّية على أنّه تعالى لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأمّا غيرهم فالكراميّة والمجسِّمة الذين يصفون الله سبحانه بالجسم ويثبتون له الجهة، جوَّزوا رؤيته بلا إشكال في الدارين، وأهـل الحديث والأشاعــرة ـ مع تحاشيهم عن إثبات الجسميّة والجهة له سبحانه ـ قالوا برؤيته يوم القيامة وأنّ المؤمنين يرونه كما يُرى القمر ليلة البدر، وتحقيق الكلام في هذا المجال رهن دراسة تحليلية حول أُمور ثلاثة:

تحديد محلّ النزاع في الرؤية؟

الرؤية التي هي محلّ الاستحالة والمنع عند العدلية هي الرؤية البصرية بمعناها الحقيقي، لا ما يعبّر عنه بالرؤية القلبية كما ورد في روايات أهل البيت  عليهم السلام والشهود العلمي التام في مصطلح العرفاء، وهذا المعنى من الرؤية هو الظاهر من كلام الشيخ الأشعري حيث قال: "وندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم"[1].

 

ولكنّ المتأخّرين من الأشاعرة لمّا رأوا أنّ القول بجواز الرؤية بالأبصار تستحيل في حقّه تعالى، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه مختلفة لا تسلم جميعها من النقد والإيراد[2].

 


[1] الأشعري، الإبانة، ص 21.

[2] لمزيد من التفصيل راجع الشيخ جعفر السبحاني، "محاضرات في الإلهيات"، مصدر سابق، ص142 - 143.

 

138


104

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

أدلّة امتناع رؤيته تعالى

يدلّ على امتناع الرؤية وجوه منها:

1- إنّ الرؤية إنّما تصحّ لمن كان مقابلاً ـ كالجسم ـ أو في حكم المقابل ـ كالصورة في المرآة ـ والمقابلة وما في حكمها إنّما تتحقّق في الأشياء ذوات الجهة، والله منزّه عنها فلا يكون مرئياً، وإليه أشار مؤلّف الياقوت بقوله: "ولا يصحّ رؤيته، لاستحالة الجهة عليه"[1].

 

2- إنّ الرؤية لا تتحقّق إلّا بانعكاس الأشعَّة من المرئي إلى أجهزة العين، وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً ذا أبعاد.

 

3- إنّ الرؤية إمّا أن تقع على الذّات كلِّها أو على بعضها، فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً ذا أجزاء وأبعاض والجميع مستحيل في حقِّه تعالى.

 

أدلّة القائلين بالجواز

من جملة ما استدَلّ به القائلون بالجواز التمسّك بآيات من الكتاب العزيز منها:

1- قوله تعالى حكاية عن النبي موسى  عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾[2].

وجه الاستدلال: إنّ الرؤية لو لم تكن جائزة لكان سؤال موسى جهلاً أو عبثاً[3].

 

والجواب عنه: إنّ التدبّر في مجموع ما ورد من الآيات في القصة يدلّنا على أنّ موسى  عليه السلام ما كان طلب الرؤية إلّا لتبكيت قومه عندما طلبوا منه أن يسأله الرؤية لنفسه، حتى تحلّ رؤيته للّه مكان رؤيتهم، وذلك بعدما سألوه أن يريهم الله جهرة لكي يؤمنوا بأنّ الله كلّمه، فأخذتهم الصاعقة، فطلب الكليم منه سبحانه أن يحييهم، حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا: إنّك لم تكن صادقاً في قولك

 


[1] العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، أنوار الملكوت، لا.ن، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص82.

[2] سورة الأعراف، الآية 143.

[3] المحقّق نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، ص 320.

 

139


105

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

إنّ الله يكلّمك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم الله وبعثهم معه، وإليك الآيات الواردة في القصّة:

أ- ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾[1].

 

ب- ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾[2].

 

ج- ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا﴾[3].

 

د- ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾[4].

 

فالقوم سألوا الرؤية حقيقة وموسى سألها تبكيتاً لقومه وإسكاتاً لهم، ومما يدلّ على الفرق المذكور بين سؤال القوم للرؤية وسؤال موسى عليه السلام لها أنّه لم يوجّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أيّ لوم وعتاب أو مؤاخذة وعذاب بل اكتفى تعالى بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾. بينما نتج عن سؤال القوم العذاب والعقاب.

 

2- قوله تعالى ـ فيما أجاب النبي موسى  عليه السلام عند سؤال الرؤية لنفسه: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾[5].

 

وجه الاستدلال:

"إنّه تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن والمعلّق على الممكن، ممكن فالرؤية ممكنة"[6].

 


[1] سورة البقرة، الآية 55.

[2] سورة النساء، الآية 153.

[3] سورة الأعراف، الآية 155.

[4] سورة الأعراف، الآية 143.

[5] سورة الأعراف، الآية 143.

[6] المحقّق نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، ص 319؛ القوشجي، شرح التجريد، ص 329.

 

140


106

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

يلاحظ عليه: أنّ المعلَّق عليه ليس هو إمكان الاستقرار، بل وجوده وتحقّقه بعد تجلّيه تعالى للجبل، والمفروض أنّه لم يستقرّ بعد التجلّي، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾[1].

 

أضف إلى ذلك أنّ المذكور في الآية هو استقرار الجبل في حال النظر إليه بعد تجلّيه تعالى عليه، ومن المعلوم استحالة استقراره في تلك الحالة، وإليه أشار المحقّق الطوسي بقوله: "وتعليق الرؤية باستقرار المتحرِّك لا يدلّ على الإمكان"[2].

 

الرؤية في روايات أهل البيت عليهم السلام

إن أهل البيت عليهم السلام رغم تأكيدهم على إبطال الرؤية الحسّية البصرية صرّحوا على إمكان الرؤية القلبيّة، فهذا هو الإمام عليّ عليه السلام حينما سأله ذعلب اليماني هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: "أفأعبد ما لا أرى؟!" فقال: وكيف تراه؟ فقال: "لا تُدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تُدركه القلوب بحقائق الإيمان"[3].

 


[1] سورة الأعراف، الآية 143.

[2] كشف المراد، العلّامة الحلّي، مصدر سابق، ص 231؛ المحقّق نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، ص 319.

[3] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة 179.

 

141


107

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

المفاهيم الرئيسة

•        الصفات السلبية هي ما دلّت على سلب نقص أو حاجة عن الله سبحانه؛ ككونه تعالى ليس بجسمٍ ولا في جهةٍ ولا في محلّ وليس متّحداً مع غيره وأنّه تعالى ليس بمرئيّ.

 

•        محل النزاع في الرؤية التي هي محلّ الاستحالة والمنع عند العدلية هي الرؤية البصرية بمعناها الحقيقي والتي أجازها الأشعري في الآخرة.

 

•        يستحيل رؤية الله تعالى لوجوه منها: استحالة الجهة عليه، نفي الجسمية عنه، عدم كونه محدوداً ولا مركّباً.

 

•        استدلّ المجوِّزون لرؤية الله تعالى ببعض آيات الله تعالى واستدلالهم مردود.

 

•        أهل البيت عليهم السلام نفوا الرؤية الحسّية وأجازوا الرؤية القلبية، وهذا ما يظهر من رواياتهم.

 

142

 


108

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- أذكر ثلاثة أدلة على امتناع الرؤية البصرية؟

 

2- ما هو محل النزاع في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى؟

 

3- اشرح ما هو المقصود بــ: "إنّ الله سبحانه وتعالى ليس متحداً مع غيره".

 

4- استدل بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ على جواز رؤية الله سبحانه وتعالى، فما هو تقييمك لذلك؟

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- الصفات السلبية هي ما دلّت على سلب نقص أو حاجة عن الله سبحانه كالجسم.

 

2- يمكن الاستدلال على جواز رؤية الله تعالى بقوله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.

 

3- تعتبر مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن رؤية الله سبحانه وتعالى بالعين الباصرة غير جائزة وإن جازت بعين القلب.

 

4- إنّ الرؤية إذا وقعت على الذّات كلِّها فهذا يلزم منه أن يكون المرئي مركّباً ذا أجزاء وأبعاض.

 

5- إذا قلنا بأن الله سبحانه وتعالى حالاً في شيء فهذا يستلزم الحاجة وقيامه تعالى في الغير.

 

143


109

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

الدرس الثالث عشر:

التحسين والتقبيح العقليّان

 

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى إطلاقات الحسن والقبح ومحل النزاع فيهما.

2- يفهم أدلّة المثبتين والنافين لعقليّة الحسن والقبح وتقييمها.

3- يتعرّف إلى التحسين والتقبيح في آيات الكتاب العزيز.

 

145


110

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

تمهيد

إنّ العدل عند المتكلمين عبارة عن تنزّهه تعالى عن فعل ما لا ينبغي، وهذا أحد معاني الحكمة، فالعدل الحكيم هو الذي لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالحسن، والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبني على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فإنّ مفاد تلك المسألة أنّ هناك أفعالاً يُدرك العقل كونها حسنة أو قبيحة، ويُدرك أيضاً أنّ الغنيّ بالذّات منزَّه عن الاتِّصاف بالقبيح وفعل ما لا ينبغي، ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة على ضوء العقل والكتاب العزيز فنقول:

ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أنّها حسنة وأفعالاً أخرى يُدرك أنّها قبيحة كذلك، وقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، فلا حسن إلا ما حسَّنَه الشارع ولا قبيح إلا ما قبَّحه، والنزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي والسلب الكلي، فالعدلية يقولون بالأول والأشاعرة بالثاني.

 

إطلاقات الحسن والقبح وملاكاتهما

لا شكَّ أنّ للحسن والقبح معنى واحداً، وإنّما الكلام في ملاك كون الشيء حسناً أو قبيحاً، وهو يختلف باختلاف الموارد، فقد ذكر للحسن والقبيح ملاكات نوردها فيما يلي:

1- ملائمة الطبع ومنافرته: فالمشهد الجميل - بما أنه يلائم الطبع - حسن ، كما

 

147


111

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

أنّ المشهد المخوف - بما أنّه منافر للطبع - يُعدّ قبيحاً، ومثله الطعام اللذيذ والصوت الناعم، فإنّهما حسنان، كما أنّ الدواء المر ونهيق الحمار قبيحان.

 

2- كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاناً لها: كالعلم والجهل، فالأول زين لها والثاني شين، ومثلهما الشجاعة والجبن، وغيرهما من كمالات النفس ونقائصها.

 

3- موافقة الغرض والمصلحة ومخالفتهما: والغرض والمصلحة إمّا شخصيان وإمّا نوعيان، فقتل عدو الإنسان يُعَدّ حسناً عنده لأنّه موافق لغرضه، ولكنّه قبيح لأصدقاء المقتول وأهله، لمخالفته لأغراضهم ومصالحهم الشخصية، هذا في المجال الشخصي، وأمّا في المجال النوعي، فإنّ العدل بما أنّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهو حسن وبما أنّ الظلم هادم للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح.

 

4- ما يوجب مدح الفاعل وذمّه عند العقل: وذلك بملاحظة الفعل من حيث إنّه مناسب لكمال وجودي للموجود العاقل المختار أو نقصان له، فيستقلّ العقل بحسنه ووجوب فعله، أو قبحه ووجوب تركه وهذا كما إذا لاحظ العقل جزاء الإحسان بالإحسان، فيحكم بحسنه وجزاء الإحسان بالإساءة فيحكم بقبحه، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار وبعضها الآخر نقص له فيحكم بحسن الأول وقبح الثاني.

 

تعيين محل النزاع

لا نزاع بين العدلية والأشاعرة في الحسن والقبح بالملاك الأول والثاني، وهو واضح، وكذلك في الحسن والقبح بملاك الغرض والمصلحة الشخصيين، وأمّا الغرض والمصلحة النوعيان فإنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين يعلِّلون حسن العدل والإحسان، وقبح الظلم والعدوان، باشتمال الأول على مصلحة عامة والثاني على مفسدة كذلك. وهذا الملاك في الحقيقة من مصاديق الملاك الرابع كما لا يخفى.

 

148


112

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

دلائل المثبتين والنافين

أ- دلائل المثبتين:

استدلّ القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بأدلّةٍ عديدة نكتفي بذكر اثنين منها:

الدليل الأول: إنَّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلّاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب فلا إشكال في أنّ ما أخبر الشارع عن حسنه حسن، وما أخبر عن قبحه قبيح، لحكم العقل بأنّ الصدق حسن والكذب قبيح والشارع منزَّه عن ارتكاب القبيح فلا يخبر إلاّ بما هو حقّ.

 

وأمّا لو لم يستقلّ العقل بذلك، فلو أخبر الشارع بحسن فعل أو قبحه فلا يمكن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى نعتقد بمضمون إخباره ونستكشف منه حسن الفعل أو قبحه، وذلك لاحتمال عدم صدق الشارع في نفس إخباره، هذا فإن الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد وإثبات قبح الكذب بإخبار الشارع عن قبحه مستلزم للدور.

 

الدليل الثاني: وهو ما ذكره العلامة الحلي بقوله: "لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله تعالى شيء، ولو كان كذلك لما قَبُحَ منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوّة، فإنّ أيّ نبي أظهر المعجزة عقيب ادِّعاء النبوة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوّة"[1].

 

ب- أدلّة النافين:

وممّا استدلّ به النافون الدليلين التاليين:

الدليل الأول: قالوا: لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين، لكن التّالي باطل بالوجدان فالمقدَّم مثله.

 


[1] العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، نهج الحقّ وكشف الصدق، مؤسسة الطباعة والنشر دار الهجرة، إيران - قم، 1421هـ، لا.ط، ص 84.

 

149


113

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

ويلاحظ عليه:

أوّلاً: يجوز التفاوت في الإدراكات البديهية، فالأوّليّات متقدّمة على المشاهدات وهي على الفطريات وهكذا، فوجود التفاوت بين البديهيات لا ينافي بداهتها.

 

وثانياً: إنّ نفي كون الحكم بحسن فعل أو قبحه بديهياً لا يدلّ على نفي كونه عقلياً، فإنَّ نفي الأخصّ - وهو كونه بديهيّاً - لا يدلّ على نفيّ الأعمّ - وهو كونه عقلياً -، فمن الجائز أن يكون العقل مستقِلّاً بحسن فعل أو قبحه لكن بعد التأمّل والنظر، وعليه فما ذكره المستدِلّ لا يجديه نفعاً.

 

الدليل الثاني: لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا، أي لما حَسُنَ القبيح ولما قَبُحَ الحسن، والتالي باطل فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح، وذلك فيما إذا تضمَّن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك والصدق إهلاكه. فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله[1].

 

والجواب عنه: إنّ كلّاً من الكذب في الصورة الأولى والصدق في الصورة الثانية على حكمه من القبح والحسن، إلّا أنّ ترك إنقاذ النبيّ أقبح من الكذب، وإنقاذه أحسن من الصدق، فيحكم العقل بترك الصدق وارتكاب الكذب قضاء لتقديم الأرجح على الراجح، فإنّ تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل.

 

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّ التدبر في آيات الذكر الحكيم يفيد وبوضوح التسليم باستقلال العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ولذلك يأمر بما هو حسن وينهى عما هو قبيح، وإليك فيما يلي نماذج من الآيات في هذا المجال:

1- ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[2].

 


[1] القوشجي، شرح التجريد، ص 339.

[2] سورة النحل، الآية 90.

 

150


114

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

2- ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾[1].

 

3- ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[2].

 

فهذه الآيات واضحة الدلالة على أنّ هناك أموراً توصف بالعدل والإحسان والمعروف، وأخرى توصف بالفحشاء والمنكر والبغي قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، وأنّ الإنسان يجد اتِّصاف بعض الأفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته ولا تتوقف معرفتها على نصّ من الشارع المقدس ولذلك تجد القرآن الكريم يرسلها إرسال المسلّمات فيأمر بما هو معلوم الحسن، وينهى عما هو معلوم القبح، ويدلّ على ما تقدم بأوضح دلالة الآية التالية:

4- ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾[3].

 

فإنّ الظاهر من الآية أنّ المشركين كانوا عارفين بقبح أفعالهم وأنّها من الفحشاء ولكنهم حاولوا توجيه تلك الأفعال الشنيعة إمّا بكونها إبقاء لسيرة آبائهم وهم كانوا يرون ذلك حسناً، وإمّا بكونها ممّا أمر بها الله سبحانه ولكنّ الله تعالى يخطِّئهم في ذلك ويقول إنّ الله لا يأمر بالفحشاء كما يُخطِّئهم في اتِّباعهم سيرة آبائهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾[4].

 


[1] سورة الأعراف، الآية 33.

[2] سورة الأعراف، الآية 157.

[3] سورة الأعراف، الآية 28.

[4] سورة البقرة، الآية 170.

 

151


115

الدرس الثاني عشر: الصفات السلبيّة

المفاهيم الرئيسة

•        إنّ التصديق بثبوت صفة العدل للباري تعالى مبنيّ على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وقد ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أنها حسنة وأفعالاً أخرى يدرك أنّها قبيحة كذلك، وقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها.

 

•        يطلق الحسن والقبح بملاكات متعدّدة منها:

1- ملاءمة الطبع ومنافرته.

2- كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاناً له.

3- موافقة الغرض ومخالفته.

4- ما يوجب مدح الفاعل أو ذمّه عند العقل.

ومحلّ النزاع هو في الملاك الرابع.

 

•        استدلّ المثبتون لعقلية الحسن والقبح بأدلّة عديدة منها:

1 - لو لم يستقلّ العقل بالحكم بالحسن والقبح فلا يمكن الحكم بصدق الشارع والاعتماد عليه.

2 - لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله تعالى شيء.

 

•        ذكر النافون لعقليّة الحسن والقبح أدلّة لإثبات دعواهم ولكنّها جميعاً لا تسلم من النقد والإيراد.

 

•        في الكتاب الكريم العديد من الآيات الدالّة على الحسن والقبح منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

 

152


116

الدرس الثالث عشر: التحسين والتقبيح العقليّان

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:
1- عدِّد الملاكات في التحسين والتقبيح العقليين.
2- بيّن الدليل الأول على كون التحسين والتقبيح عقليين؟
3- ذكر القرآن الكريم شواهد عديدة على الحسن والقبح، وضّح ذلك؟
4- قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾ بيّن الإستدلال بهذه الآية؟

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- إنّ نفي كون الحكم بحسن فعل أو قبحه بديهياً لا يدلّ على نفي كونه عقلياً.  
2- إذا قلنا أنّ الحسن والقبح ليسا عقليين لقلنا بجواز صدور القبح عنه تعالى في كل شيء.  
3- تعتبر العدلية أنّ للعقل حكماً في حسن الأشياء وقبحها من دون استعانة بالشرع في تحسين الأشياء وتقبيحها.  
4- لا يمكن للأمور أن تتبدل بحكم العقل من القبح إلى الحسن أو من الحسن إلى القبح.  
5- تعتبر المدرسة الأشعرية أن لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها فلا حسن إلا ما حسّنه الشارع ولا قبيح إلا ما قبّحه الشارع.  

 

153


117

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

الدرس الرابع عشر:

العدل الإلهيّ

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى حقيقة العدل الإلهي وأقسامه.

2- يستدل على العدل على أساس العقل والكتاب والسنّة.

3- يُثبت أنّ الأفعال الإلهيّة معلّلة بالغايات.

 

155


118

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

إنّ من ثمرات التحسين والتقبيح العقليين إثبات عدله تعالى في أفعاله وأحكامه، وقبل بيان وجه الاستدلال عليه نقدِّم الكلام حول تعريف العدل وأقسامه.

 

حقيقة العدل وأقسامه

أحسن كلمة في تعريف العدل ما روي عن الإمام عليّ  عليه السلام حيث قال: "العدل يضع الأمور مواضعها"[1].

بيان ذلك:

إنّ لكلّ شيء وضعاً خاصّاً يقتضيه إمّا بحكم العقل، أو بحكم الشرع، وما تفرضه المصالح الكلية والشخصية في نظام الكون، فالعدل هو رعاية ذلك الوضع وعدم الانحراف إلى جانب الإفراط والتفريط، نعم موضع كلّ شيء بحسبه، ففي التكوين بوجه، وفي المجتمع البشري بوجه آخر وهكذا، وبلحاظ اختلاف موارده تحصل له أقسام ليس هنا مقام بيانها، إلّا أنّ موارد العدل بالنسبة إلى الله تعالى يجمعها أقسام ثلاثة:

1- العدل التكويني: وهو إعطاؤه تعالى كلّ موجود ما يستحقّه ويليق به من الوجود، فلا يهمل قابلية، ولا يعطّل استعداداً في مجال الإفاضة والإيجاد.


 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، حكمة 437.

 

157


119

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

2- العدل التشريعي: وهو أنّه تعالى لا يهمل تكليفاً فيه كمال الإنسان وسعادته، وبه قوام حياته المادّية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، كما أنّه لا يكلّف نفساً فوق طاقتها.

 

3- العدل الجزائي: وهو أنّه تعالى لا يساوي بين المصلح والمفسد والمؤمن والمشرك في مقام الجزاء والعقوبة، بل يجزي كلّ إنسان بما كسب، فيجزي المحسن بالإحسان والثواب، والمسيء بالإساءة والعقاب، كما أنّه تعالى لا يُعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلّا بعد البيان والإبلاغ.

 

عدل الله تعالى والحسن والقبح العقليان

إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليّين على ما عرفت، هو أنّ العقل بما هو، يُدرك أنَّ هذا الفعل بما هو هو - من دون اختصاص بظرف من الظروف أو قيد من القيود - حسن أو قبيح ، وموضوع هذا الحكم العقلي هو الفاعل العاقل المختار، من غير فرق بين الواجب والممكن. وعلى ذلك فالله سبحانه عادل ومنزّه من الظلم، لأنَّ القيام بالعدل حسن، وتركه كارتكاب الظلم قبيح، والله سبحانه حكيم لا يرتكب القبيح كما هو مقتضى القول بالتحسين والتقبيح العقليّين.

 

العدل في القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام

لقد وصف الذكر الحكيم الله تعالى بالعدل ونزّهه عن الظلم بجميع أقسامه في كثير من آيات الذكر الحكيم، منها:

قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾[1].

 

والمراد من قيامه بالقسط إمّا مطلق يشمل جميع مراتب القسط (في التكوين والتشريع والجزاء) وإمّا يختصّ بالقسط التكويني كما ذهب إليه بعضهم.

 


[1]  سورة آل عمران، الآية 18.

 

158


120

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

قال سبحانه: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[1].

 

وهذا ناظر إلى عدله تعالى في التشريع والتكليف .

 

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾[2]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾[3] وهما ناظرتان إلى عدله تعالى في مقام الحساب والجزاء. وعلى كلّ حال فالآيات في هذا المجال كثيرة.

 

وأمّا بلحاظ ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فقد اشتهر عن الإمام عليّ وأولاده  عليهم السلام تأكيدهم على اتّصاف الله تعالى بالعدل، وعنه أخذت المعتزلة، حتى قيل: "التوحيد والعدل علويّان والتشبيه والجبر أمويّان".

 

وإليك بعض ما أثر عنهم عليهم السلام:

سُئِل الإمام علي عليه السلام عن التوحيد والعدل، فقال: "التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه"[4]. أي أن لا تتوهّم في توصيفه تعالى بالصفات التي يُدركها الوهم، ولا تتَّهمه بقبائح الأفعال.

 

روى الصدوق، عن الإمام الصادق  عليه السلام أنه قال: "أمّا التوحيد فأن لا تجوّز على ربِّك ما جاز عليك، وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه"[5].

 

إجابة عن إشكال

لا شكّ في وجود آلام ومصائب اجتماعية يتألّم منها ويتضرّر بها أفراد المجتمع من غير فرق بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي، مع أنّ مقتضى العدل أن لا تزر وازرة وزر أُخرى، أفلا يخلُّ ذلك بعدله تعالى؟

 

والجواب: إنّ من خواصِّ يوم القيامة أنّه "يوم الفصل"، فيفصل أهل النار من أهل الجنّة وتُجزى كلّ نفس بما كسبت، وأمّا الحياة الدنيوية فالناس يعيشون

 


[1] سورة المؤمنون، الآية 62.

[2] سورة الأنبياء، الآية 47.

[3] سورة الإسراء، الآية 15.

[4] نهج البلاغة، مصدر سابق، حكمة 470.

[5] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص96.

 

159


121

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

فيها بالاختلاط والاشتراك، فإذا نزلت بليّة وكارثة طبيعية أو غير طبيعية يتألّم منها الجميع، ولكن مع ذلك إنّ الله تعالى بعدله ورحمته يعوِّض غير المستحقّين لتلك النازلة بما هو أنفع لهم إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة، وهذا هو المراد من "العوض" في اصطلاح المتكلِّمين.

 

وستجد البحث مفصّلاً في الدرس التالي.

 

أفعال الله سبحانه معلَّلة بالغايات

من ثمرات مسألة التحسين والتقبيح العقليّين أنّ أفعال الله سبحانه منزّهة عن العبث ويجب اقترانها بالغايات والأغراض، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها العدلية والأشاعرة، فالأولى على الإيجاب والثانية على السلب.

 

واستدلّت العدلية على مدّعاهم بأنّ خلوَّ الفعل عن الغاية والغرض يعدّ لغواً وعبثاً وهو قبيح عقلاً، واللّه تعالى منزَّه عن فعل القبيح فإذا لا بدّ أن تكون أفعاله مقترنة بأغراض ومعلَّلة بغايات.

 

والمهمّ في هذا المجال التحقيق حول أدلة الأشاعرة على إنكار كون أفعاله تعالى معلّلة بالغايات.

 

استدلّ الأشاعرة على مذهبهم بأنّه:

"لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلّا ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال"[1].

 

الجواب: إنّ الأشاعرة خلطوا بين الغرض الراجع إلى الفاعل، والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال لازم في الأوّل دون الثاني، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض والغايات والدواعي والمصالح، إنّما يعني بها الثاني دون الأوّل.

 

توضيح ذلك: "إنّ العلّة الغائية في أفعال الفواعل البشرية هي السبب لخروج الفاعل

 


[1] الإيجي، شرح المواقف، مصدر سابق، ج 8، ص 202 ـ 203.

 

160


122

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، فهي متقدّمة على الفعل صورة وذهناً ومؤخّرة عنه وجوداً وتحقّقاً، ولا تتصوّر العلّة الغائية بهذا المعنى في ساحته تعالى، لغناه المطلق في مقام الذات والوصف والفعل، فلا يحتاج في الإيجاد إلى شيء وراء ذاته، وإلّا لكان ناقصاً في مقام الفاعلية مستكملاً بشيء وراء ذاته وهو لا يجتمع مع غناه المطلق، ولكن نفي العلّة الغائية بهذا المعنى لا يلازم أن لا يترتّب على فعله مصالح وحكم ينتفع بها العباد وينتظم بها النظام، وذلك لأنّه سبحانه فاعل حكيم، والفاعل الحكيم لا يختار من الأفعال الممكنة إلّا ما يناسب ذلك، ولا يصدر منه ما يضادّه ويخالفه"[1].

 

والعجب من غفلة الأشاعرة عن النصوص الصريحة في هذا المجال، يقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾[2].

 

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾[3].

 

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[4].

 


[1] وإلى ذلك أشار المحقّق الطوسي بقوله:"ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه" كشف المراد، العلّامة الحلّي، مصدر سابق، المقصد 3، الفصل 3، المسألة 4.

[2] سورة الدخان، الآية 38.

[3] سورة ص، الآية 27.

[4] سورة الذاريات، الآية 56.

 

161


123

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

المفاهيم الرئيسة

•        أحسن كلمة في تعريف العدل ما روي عن الإمام عليّ  عليه السلام حيث قال: "العدل يضع الأمور مواضعها".

 

•        إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين هو أنّ الله تعالى متّصفٌ بالعدل، لأنّ العدل حسنٌ والله لا يترك الحسن. والظلم قبيح والله منزّه عن فعل القبيح.

 

•        لقد ورد توصيف الله تعالى بالعدل وتنزيهه عن الظلم بجميع أقسامه في كثير من آيات الذكر الحكيم وروايات أهل البيت  عليهم السلام. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الذي صدق في ميعاده وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه".

 

•        من ثمرات مسألة التحسين والتقبيح العقليّين أنّ أفعال الله سبحانه منزّهة عن العبث ويجب اقترانها بالغايات والأغراض.

 

162


124

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهيّ

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هو وجه العلاقة بين عدل الله تعالى والحسن والقبح العقليين؟

2- كيف تردّ على قول الأشاعرة: "لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلّا ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال"؟

3- بماذا فسّرت الروايات الشريفة عدل الله سبحانه وتعالى؟

 

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- العدل هو رعاية وضع كل شيء بحسبه وعدم الانحراف إلى جانب الإفراط والتفريط.  

2- يقصد بقوله تعالى: ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ هو العدل الجزائي.  

3- إنّ مما يخلُّ بالعدل الإلهي وجود آلام ومصائب اجتماعية يتألّم منها ويتضرّر بها جميع أفراد المجتمع.  

4- إذا قلنا بالتحسين والتقبيح العقليّين فإنّ أفعال الله سبحانه منزّهة عن العبث ويجب اقترانها بالغايات والأغراض.  

 

163

 


125

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

الدرس الخامس عشر:

المصائب والشرور

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعالج إشكالية المصائب والشرور وتلائمها مع حكمة الله تعالى.

 

2- يتنبّه إلى الأصول التي توجب رفع الإشكالية من أساسها.

 

3- يبيّن أهم فوائد الشرور والمصائب والحكمة منها.

 

165


126

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

تمهيد

روى الصدوق بسند صحيح، عن الإمام الصادق  عليه السلام أنّه قال:

"كان فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام أنْ يا موسى ما خلقت خلقاً أحبُّ إليَّ من عبدي المؤمن، وإنّما أبتليه لما هو خير له وأُعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي فأطاع أمري"[1].

 

المصائب والشرور وحكمته تعالى

إنّ الله سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما لمصلحة الإنسان وانتفاعه بها في معيشته، وإذا كان الأمر كذلك تأتي إلى الذهن وتدور على الألسن الشبهة التالية: كيف يمكن التوفيق بين هذه القناعة ووجود المصائب والبلايا في حياة الإنسان، مع أنّ المصائب والبلايا تنافي الغاية المتقدّمة وتضادّها، والفاعل الحكيم لا يصنع ما يضادّ غرضه؟

 

أضف إلى ذلك أنّ مقتضى رحمة الله الواسعة رفع المصائب ودفع الشرور الواقعة في عالم الطبيعة كي لا تصعب المعيشة على الإنسان وتكون له هنيئة مريئة بلا جزع ومصيبة.

 


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص405.

 

167


127

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

والإجابة عن هذه الشبهة تبتني على بيان أُمور:

1- المصالح نوعيّة وفردية:

لا شكّ أنّ الحياة الإنسانية حياة اجتماعية، فهناك مصالح ومنافع فردية، وأُخرى نوعية اجتماعية، والعقل الصريح يرجّح المصالح النوعية على المنافع الفردية، وعلى هذا فما يتجلّى من الظواهر الطبيعية بصورة مصيبة وشرّ، هو في عين الوقت متضمّن لمصلحة النوع والاجتماع.

 

وعليه فالحكم بأنّ هذه الظواهر شرور، تنافي مصلحة الإنسان، ينشأ من النظر إلى مصلحة الفرد غافلاً عن آثارها العامّة في العالم وبالنسبة لغيره من الكائنات، من غير فرق بين من مضى في غابر الزمان ومن يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي ويعيش فيها.

 

وما أشبه الإنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الأرض، أو تُهدِّم بناءً مثيرةً الغبار والتراب في الهواء، فيقضي من فوره بأنّه عملٌ ضارّ وشرّ، وهو لا يدري بأنّ ذلك يتمّ تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويُهيّئ للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.

 

ولو وقف على تلك الأهداف النبيّلة لقضى بغير ما قضى، ولوصف ذلك التهديم بأنّه خير وأنّه لا ضير فيما يحصل من ضوضاء وتصاعد للغبار.

 

2- ضآلة علم الإنسان ومحدوديته:

إنّ علم الإنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أن يحكم في الحوادث بتلك الأحكام الشاذّة، ولو وقف على علمه الضئيل ونسبة علمه إلى ما لا يعلمه لرجع القهقرى قائلاً: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾[1].

 


[1] سورة آل عمران، الآية 191.

 

168


128

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

ولأذعن لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[1].

 

ولذلك ترى كبار المفكّرين وأعاظم الفلاسفة يعترفون بجهلهم وعجزهم عن الوقوف على أسرار الطبيعة، وها هو الشيخ الرئيس وهو المعروف بحدّة ذكائه وسعة معارفه يقول: "بلغ علمي إلى حدٍّ علمت أنّي لست بعالم".

 

3- الغفلة عن القيم الإنسانية العليا:

ليست الحياة الإنسانية حياة ماديّة فقط، بل للإنسان حياة روحية معنوية، ولا شكّ أنّ الفلاح والسعادة في هذه الحياة، هي الغاية القصوى من خلق الإنسان، ومفتاح الوصول إلى تلك الغاية هو العبادة والخضوع للّه سبحانه، وعلى هذا الأساس فالحوادث التي توجب اختلالاً مّا في بعض شؤون الحياة المادّية ربما تكون عاملاً أساسياً لاتّجاه الإنسان إلى الله سبحانه كما قال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[2].

 

4- المصائب وليدة الذنوب والمعاصي:

القرآن الكريم يعدّ الإنسان مسؤولاً عن كثير من الحوادث المؤلمة والوقائع الموجعة في عالم الكون، قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[3].

 

وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾[4].

 

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ لأعمال الإنسان دوراً واقعياً في البلايا والشرور الطبيعية والاجتماعية، أو الفوائد التربويّة للمصائب.

 


[1] سورة الإسراء، الآية 85.

[2] سورة النساء، الآية 19

[3] سورة الروم، الآية 41.

[4] سورة الأعراف، الآية 96.

 

169


129

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

فوائد المصائب والشرور

إذا عرفت هذه الأصول فلنرجع إلى تحليل فوائد المصائب والشرور، بغض النظر عن منشأ وجودها فنقول:

1- المصائب وسيلة لتفجير الطاقات:

إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وتقدّم العلوم ورقي الحياة البشرية، فإنّ الإنسان إذا لم يواجه المشاكل في حياته لا تنفتح طاقاته ولا تنمو، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[1].

 

2- البلايا جرس إنذار وسبب للعودة إلى الحقّ:

إنّ التمتُّع بالمواهب المادّية والاستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب في كثير من الأحيان الغفلة عن كثير من القيم الأخلاقية، ومن هنا نجد أنّ الإنسان - وفي الأغلب الأعمّ - كلّما ازداد توغّلاً في اللذائذ والنعم، ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية.

 

يقول تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾[2].

 

فإذاً لا بدّ لانتباه الإنسان من هذه الغفلة من هزّة وجرس إنذار يذكّره ويرجعه إلى الطريق الوسطى، وليس هناك ما هو أنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يُدرك عجزه ويتنبّه من نوم الغفلة.

 

يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾[3].

 


[1] سورة الانشراح، الآيات 5 ـ 8.

[2] سورة العلق، الآيتان 6 - 7.

[3] سورة الأعراف، الآية 94.

 

170


130

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

3- حكمة البلايا في حياة الأولياء:

يظهر من القرآن الكريم والأحاديث المتضافرة أنّ البلايا والمحن ألطاف إلهيّة في حياة الأولياء والصالحين من عباد الله وشرط لوصولهم إلى المقامات العالية في الآخرة.

 

قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[1].

 

وروى هشام بن سالم عن الإمام أبي عبد الله الصادق  عليه السلام أنّه قال:

"إنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل"[2].

 

وقد شكا عبد الله بن أبي يعفور إلى أبي عبد الله الصادق عليه السلام ممّا أصابه من الأوجاع ـ وكان مسقاماً ـ فقال  عليه السلام: "يا عبد الله لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أنّه قُرّض بالمقاريض"[3].

 


[1] سورة البقرة، الآيات 155 - 157.

[2] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 2، ص 252.

[3] المصدر نفسه، ح 15.

 

171


131

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

المفاهيم الرئيسة

•        توجد شبهة حول عدالة الله تعالى وحول كيفيّة التوفيق بين هذه القناعة ووجود المصائب والبلايا في حياة الإنسان، مع أنّ المصائب والبلايا تنافي العدالة وتضادّها، والفاعل الحكيم لا يصنع ما يضادّ غرضه؟

 

•        الجواب عن الشبهة المتقدّمة يبتني على الالتفات إلى الأصول التالية: إنّ المصالح النوعيّة راجحة على المصالح الفردية، وإنّ علم الإنسان ضئيل ومحدود. وأننا كثيراً ما نغفل عن القيم الإنسانية العليا، وأنّ الكثير من المصائب هي وليدة الذنوب والمعاصي.

 

•        إنّ للمصائب والشرور العديد من الفوائد التي تترتب عليها منها أنّها: وسيلة لتفجير الطاقات، جرس إنذار وسبب للعودة إلى الحقّ، سبب لترقية الأولياء في مدارج الكمال.

 

172


132

الدرس الخامس عشر: المصائب والشرور

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- أُجيب عن شبهة وجود المصائب والبلاء في الحياة الدنيوية وعدل الله سبحانه وتعالى بأنّ: "المصالح النوعية راجحة على المصالح الفردية"، اشرح ذلك.

 

2- بيّن ما هي العلاقة بين أعمال الإنسان الصالحة أو الفاسدة ووجود المصائب والبلاء في الحياة الدنيوية.

 

3- ما هو وجه الحكمة في تحقّق المصائب والبلاء في حقّ الأولياء والصالحين مع أنّ أعمالهم خالصة لله سبحانه وتعالى؟

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- إذا غفل الإنسان عن القيم الإنسانية العليا فإنّه يرى كلّ ما يحصل حوله من مصائب وبلايا شرّاً مطلق.

2- إنّ مواجهة الإنسان للبلايا والمصائب تؤدّي إلى حالة من اليأس والقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى.

3- إنّ علم الإنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أن يحكم في الحوادث حكماً لا ينسجم مع العقيدة الصحيحة بعدل الله سبحانه وتعالى.

4- إنّ المصائب والبلايا تؤثّر في حياة الإنسان الدنيوية ولا تأثير لها على حياته الأخروية.

5- إذا استغرق الإنسان بالملذّات الدنيوية والحياة الرغيدة فلا بد من منبهات كالمصائب توقظه من حالة الغفلة.

 

173


133

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

الدرس السادس عشر:

الجبر والتفويض

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يفهم آراء المذاهب الإسلامية في الجبر والاختيار.

 

2- يتعرّف إلى نظرية الكسب عند الأشاعرة وما يرد عليها.

 

3- يفهم نظرية التفويض عند المعتزلة وما يرد عليها.

 

175


134

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

تمهيد

من الأبحاث الكلامية الهامّة، البحث عن كيفية صدور أفعال العباد، وأنّهم مختارون في أفعالهم أو مجبورون، مضطرّون عليها؟ والمسألة ذات صلة وثيقة بمسألة العدل الإلهي، فإنّ العقل البديهي حاكم بقبح تكليف المجبور ومؤاخذته على فعله، وأنّ الله سبحانه منزَّه عن كلّ فعل قبيح.

 

والمذاهب والآراء المطروحة في هذا المجال في الكلام الإسلامي أربعة: الجبر المحض، الكسب، التفويض والأمر بين الأمرين.

 

الجبر المحض

وهو المنسوب إلى جهم بن صفوان (المتوفّـى 128هـ)، قال الأشعري:

"تفرّد جهم بأُمور، منها: انّه لا فعل لأحد في الحقيقة إلاّ الله وحده، وأنّ الناس إنّما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحرّكت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس"[1].

 

ولا ريب في بطلان هذا المذهب، إذ لو كان كذلك لبطل التكليف والوعد والوعيد والثواب والعقاب. ولصار بعث الأنبياء وإنزال الكتب والشرائع السماوية لغواً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 


[1] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج1، ص 312.

 

177


135

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

الأشاعرة والكسب

قد اشتهر نسبة النظرية إلى الأشاعرة وعدّت من مميّزات منهجهم، وما ذلك إلا لأنّ الشيخ الأشعري وتلامذة مدرسته قاموا بتأصيل هذه النظرية بالأدلة العقلية والنقلية، قال الشيخ الأشعريّ عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية والحركة الاكتسابية : "لمّا كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لأنّ حقيقة الكسب هو أنّ الشيء وقع من المكتسِب له بقوّة محدثة"[1]. وقد اضطّربت عبارات القوم في تفسيرها إلى حدٍّ صارت من الألغاز حتى قال الشاعر:

مما يقال ولا حقيقة عنده     معقولة تدنو إلى الأفهام

الكسب عند الأشعري، والحال         عند البهشمي، وطفرة النظام[2]

 

ومرجع تلك التفاسير المختلفة إلى أمرين:

الأول: إنّ للقدرة المحدثة (قدرة العبد) نحو تأثير في اكتساب الفعل وهو يسمّى "كسباً" وهذا التفسير يظهر من جماعة من الأشاعرة.

 

الثاني: ليس للقدرة المحدثة تأثير في الفعل سوى مقارنتها لتحقق الفعل من جانبه سبحانه وهذا التفسير يظهر من كلمات جماعة أخرى من الأشاعرة. وهذا يرجع إلى القول بالجبر كما هو واضح.

 

فإنّ دور العبد في أفعاله على هذا التفسير ليس إلا دور المقارنة، فعند حدوث القدرة والإرادة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل، ومن المعلوم أنّ تحقّق الفعل من الله مقارناً لقدرة العبد، لا يصحّح نسبة الفعل في تحقُّقه إليه، ومعه كيف يتحمّل مسؤوليّته،إذ لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوعه؟


 


[1] الأشعري، اللمع، ص 76.

[2] للشاعر عبد الكريم الخطيب المصري.

 

178


136

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

وفي ختام عرضنا لهذه النظرية نشير إلى أنّ جماعة من محقّقي الأشاعرة ونتيجة لإدراكهم ما عليه هذه النظرية من ضعف، قاموا بنقضها وذكروا كلاماً يلتقي في جزءٍ منه مع ما ذكره الإمامية في المقام[1].

 

المعتزلة والتفويض

المنقول عن المعتزلة هو أنّ أفعال العباد مفوَّضة إليهم وهم الفاعلون لها بما منحهم الله من القدرة، وليس للّه سبحانه شأن في أفعال عباده، قال القاضي عبد الجبار: "ذكر شيخنا أبو علي رحمه الله: اتّفق أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرّفهم وقيامهم وقعودهم، حادثة من جهتهم، وأنّ الله عزّ وجلّ أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها ولا محدِث سواهم"[2].

 

ثمّ إنّ دافع المعتزلة إلى القول بالتفويض هو الحفاظ على العدل الإلهي، فلمّا كان العدل عندهم هو الأصل والأساس في سائر المباحث، عمدوا إلى تطبيق مسألة أفعال العباد عليه، فوقعوا في التفويض لاعتقادهم بأنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ينافي عدله تعالى وحدّدوا بذلك خالقيّته تعالى وسلطانه. والّذي أوقعهم في هذا الخطأ، أمران:

أحدهما: خطؤهم في تفسير كيفيّة نسبة الأفعال إلى الإنسان وإلى الله تعالى، فتوهّموا أنّهما في عرضٍ واحد، فأحدهما ينافي الآخر ويستحيل الجمع بينهما، وبما أنّهم كانوا بصدد تحكيم العدل الإلهي لجأوا إلى التفويض ونفي ارتباط الأفعال بالله تعالى.

 

ويلاحظ عليه: إنّ الإنسان لا استقلال له، لا في وجوده، ولا فيما يتعلّق به من الأفعال وشؤونه الوجودية، فهو محتاج إلى إفاضة الوجود والقدرة عليه من الله تعالى مدى


[1] راجع: الشيخ الشعراني، "اليواقيت والجواهر في بيان عقيدة الأكابر"، ص141-139، والشيخ محمد عبده، "رسالة التوحيد" ص62-59.

[2] عبد الجبار المعتزلي، المغني في أُصول الدين، ج6، ص 41، الإرادة. 

 

179


137

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

حياته، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[1].

 

وثانيهما: عدم التفكيك بين الإرادة والقضاء التكوينيين والتشريعيين، فالتكويني منهما يعمّ الحسنات والسيّئات بلا تفاوت، ولكنّ التشريعي منهما لا يتعلّق إلاّ بالحسنات، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾[2].

 

وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾[3].

 

فالآيات النازلة في تنزيهه تعالى عن الظلم والقبائح إمّا راجعة إلى أفعاله سبحانه، ومدلولها أنّه سبحانه منزّه عن فعل القبيح مطلقاً، وإمّا راجعة إلى أفعال العباد، ومدلولها أنّه تعالى لا يرضاها، ولا يأمر بها بل يكرهها وينهى عنها، فالتفصيل بين حسنات أفعال العباد وقبائحها إنّما يتمّ بالنسبة إلى الإرادة والقضاء التشريعيّين، لا التكوينيّين، وهذا هو مذهب أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

 

روى الصدوق بإسناده عن الرضا عن آبائه عن الحسين بن علي  عليهم السلام قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب  عليه السلام يقول: "الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي. فأمّا الفرائض فبأمر الله تعالى وبرضى الله وبقضائه وتقديره ومشيّته وعلمه. وأمّا الفضائل فليست بأمر الله، ولكن برضى الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيّة الله وبعلم الله. وأمّا المعاصي فليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشية الله وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها"[4].

 

إلى غير ذلك من الروايات، ومفادها كما ترى هو التفكيك بين الإرادة التكوينية والتشريعية.

 


[1] سورة فاطر، الآية 15.

[2] سورة الأعراف، الآية 28.

[3] سورة الأعراف، الآية 29.

[4] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 5، ص 29.

 

180


138

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

بطلان التفويض في الكتاب والسنّة

إنّ الذكر الحكيم يردّ التفويض بوضوح:

يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[1].

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾[2].

ويقول تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ﴾[3].

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾[4].

 

إلى غير ذلك من الآيات التي تقيّد فعل الإنسان بإذنه تعالى، والمراد منه الإذن التكويني ومشيئته المطلقة.

 

وأمّا السنّة، فقد تضافرت الروايات على نقد نظرية التفويض فيما أُثر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

 

فعن أبي حمزة الثمالي أنّه قال: قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام للحسن البصري: "إيّاك أن تقول بالتفويض فإنّ الله عزّ وجلّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً"[5].

 

وعن الإمام الرضا عليه السلام قال: "مساكين القدرية، أرادوا أن يضعوا الله عزَّ وجلَّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه"[6].

 

 


[1] سورة فاطر، الآية 15.

[2] سورة البقرة، الآية 102.

[3] سورة البقرة، الآية 249.

[4] سورة يونس، الآية 100.

[5] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 5، ص17.

[6] المصدر نفسه، ص54.

 

181


139

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

المفاهيم الرئيسة

•        المذاهب المطروحة في اختياريّة الإنسان وجبريّته أربعة: الجبر المحض، الكسب، التفويض والأمر بين الأمرين.

 

•        اشتهرت نسبة نظرية الكسب إلى الأشاعرة وعدّت من مميّزات منهجهم، وما ذلك إلا لأنّ الشيخ الأشعري وتلامذة مدرسته قاموا بتحكيم هذه النظرية وتبيينها بالأدلة العقلية والنقلية، وقد اضطّربت عبارات القوم في تفسيرها إلى حدٍّ صارت من الألغاز.

 

•        نقلنا جملة من كلمات أعلام المذهب الأشعريّ في تبيين نظرية الكسب ولكنّها جميعاً لم تفِ بالغرض إمّا للتهافت الموجود فيها، وإمّا لعدم سلامتها من النقض والإيراد.

 

•        ذهب المعتزلة إلى القول بالتفويض ودافعهم إلى ذلك هو الحفاظ على العدل الإلهي، لاعتقادهم بأنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ينافي عدله تعالى ولكنّهم بذلك حدّدوا خالقيته تعالى وسلطانه.

 

•        الذي أوقع المعتزلة في هذا الخطأ، أمران:

الأوّل: خطأهم في تفسير كيفية نسبة الأفعال إلى الإنسان وإليه تعالى.

الثاني: عدم التفكيك بين الإرادة والقضاء التكوينيّين والتشريعيّين.

 

182


140

الدرس السادس عشر: الجبر والتفويض

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- بيّن نظرية الكسب عند الأشاعرة، وما هي المرتكزات التي تقوم عليها؟
2- ما هو المقصود من الإرادة والقضاء التكوينية والتشريعية؟
3- كيف يمكن لنا إبطال نظرية التفويض من الكتاب العزيز والسنة المباركة؟

 

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- إنّ المعاصي التي يرتكبها الإنسان ليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشية الله وبعلمه.  

2- إذا قال الأشاعرة بالتفكيك بين الإرادة والقضاء التكوينيين والتشريعيين فإنّ ذلك يمنع وقوعهم بالقول بالتفويض.  

3- التفويض يعني أنّ أفعال العباد من تصرّفهم وقيامهم وقعودهم، حادثة من جهتهم، وأنّ الله عزّ وجلّ أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها ولا محدِث سواهم.  

4- إنّ كون أفعال الإنسان هي في عرض واحد مع أفعال الله تعالى يلزم من ذلك القول بالجبر.  

5- إذا قلنا بنظرية الكسب فإنّ دور العبد في أفعاله يصبح دور المقارنة فعند حدوث القدرة والإرادة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.  

 

 

183

 


141

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

الدرس السابع عشر:

الأمر بين الأمرين

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى نظرية الأمر بين الأمرين.

 

2- يفهم نظرية الأمر بين الأمرين في الكتاب والسنّة.

 

3- يناقش الشبهات المثارة في وجه هذه النظرية وما يردّها.

 

185


142

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

الأمر بين الأمرين

قد عرفت أنّ المجبّرة جنحوا إلى الجبر لأجل الحفاظ على التوحيد الأفعالي وحصر الخالقية في الله سبحانه، كما أنّ المفوّضة انحازوا إلى التفويض لغاية الحفاظ على عدله سبحانه، وكلا الفريقين غفلا عن نظرية ثالثة يؤيّدها العقل ويدعمها الكتاب والسنّة، وفيها الحفاظ على كلٍّ من أصلي التوحيد والعدل، مع نزاهتها عن مضاعفات القولين، وهذا هو مذهب الأمر بين الأمرين الّذي لم يزل أئمّة أهل البيت  عليهم السلام يحثّون عليه، من لدن حمي وطيس الجدال في أفعال الإنسان من حيث القضاء والقدر أو غيرهما.

 

ولإيضاح نظرية الأمر بين الأمرين نأتي بمثال وهو أنّه لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً وهو يعلم أنّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر ويهلكه، فإذا وقع السيف وقتل، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف دون صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده، فهذا مثال لما يتبنّاه الجبري في أفعال الإنسان.

 

ولو فرضنا أنّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالأمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى، وهذا مثال لما يعتقده التفويضي في أفعال الإنسان.

 

ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلّا بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك

 

187


143

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آنٍ انقطعت القوّة عن جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً به، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما، أمّا إلى المباشر فلأنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وأمّا إلى الموصل، فلأنّه أقدره وأعطاه التمكّن حتى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، وكان متمكّناً من قطع القوّة عنه في كلّ آنٍ شاء وأراد، وهذا مثال لنظرية الأمر بين الأمرين، فالإنسان في كلّ حال يحتاج إلى إفاضة القوّة والحياة منه تعالى إليه بحيث لو انقطع الفيض في آنٍ واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوّة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء.

 

محصّل هذا التمثيل أنّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين؛ إحداهما نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته، وثانيهما نسبته إلى الله تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كلّ آن وبصورة مستمرّة حتى في آن اشتغاله بالعمل[1].

 

الدليل العقلي على نظرية الأمر بين الأمرين

إنّ حقيقة نظرية الأمر بين الأمرين تتعيّن في ظلّ أصلين عقليين بُرهن عليهما في الفلسفة وهما:

1- كيفية قيام المعلوم بالعلّة:

إنّ قيام المعلول بالعلّة يرجع إلى معنى دقيق فإنّ توصيف الوجود بالإمكان ليس إلا بمعنى قيام وجود الممكن وتعلّقه بعلّته الموجبة له، وليس وصف الإمكان خارجاً عن هويّته وحقيقته، بل الفقر والربط عين واقعيته، وإلا فلو كان في حاقّ الذات غنياً ثم

 


[1] هذا المثال ذكره المحقّق الخوئي ـ قدّس سرّه ـ في تعاليقه القيّمة على أجود التقريرات، ومحاضراته الملقاة على تلاميذه. لاحظ السيد الخوئي، أجود التقريرات، ج1، ص 90، الشيخ اسحاق الفياض، والمحاضرات، ج2، ص 87 ـ 88. وهناك أمثلة أُخرى لتقريب نظرية الأمر بين الأمرين. لاحظ: العلّامة الطباطبائي، تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، إيران - قم، 1412هـ - 1992م، ط1، ج1، ص 100، صدر المتألهين، الأسفار، ج6، ص 377 - 388.

 

188


144

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

عرض له الفقر يلزم منه الخلف، أي خلف كونه غنيّاً بالأصل. وعليه فإن الممكن يفتقر إلى علته في أصل وجوده، وفي بقائه وفي أفعاله، ويستحيل استغناؤه عنها بحال.

 

2- وحدة حقيقة الوجود تلازم العمومية والتأثير:

ثبت في الفلسفة أنّ سنخ الوجود الواجب والوجود الممكن واحد يجمعهما قدر مشترك وهو الوجود، وطرد العدم، وأنّ مفهوم الوجود يطلق على الوجود الواجب والممكن معاً بوضع ومعنى واحد.

 

وعلى ضوء هذا الأصل، فإذا كانت الحقيقة في مرتبة من المراتب العالية ذات أثر خاصّ، يجب أن يوجد ذلك الاثر في المراتب النازلة، أخذاً بوحدة الحقيقة. نعم يكون الأثر من حيث الشدة والضعف تابعاً لمنشئه من هذه الحيثية. فالوجود الواجب بما أنه أقوى وأشد، يكون العلم والدرك والحياة والتأثير فيه مثله، والوجود الإمكاني بما أنّ الوجود فيه أضعف يكون أثره مثله، ولأجل ذلك ذهب الإلهيون إلى القول بسريان العلم الحياة والقدرة إلى جميع مراتب الوجود الإمكاني، ويشهد الكتاب العزيز على صحّة نظريتهم في مجال السريان العلمي والإدراكي إلى جميع مراتب الوجود.

 

إذا عرفت هذين الأصلين تعرف النظرية الوسطى في المقام وأنه لا يمكن تصوير فعل العبد مستقلاً عن الواجب، غنياً عنه، غير قائم به. وبذلك يتّضح بطلان نظرية التفويض، كما أّنّه لا يمكن إنكار دور العبد بل سائر العلل في آثارها، وبذلك يتبيّن بطلان نظرية الجبر في الأفعال ونفي التأثير عن القدرة الحادثة.

 

الأمر بين الأمرين في الكتاب والسنّة

إذا كان معنى الأمر بين الأمرين هو وجود النسبتين والإسنادين في فعل العبد، نسبة إلى الله سبحانه، ونسبة إلى العبد، من دون أن تزاحم إحداهما الأخرى، فإنّا نجد هاتين النسبتين في آيات من الذكر الحكيم منها:

 

189


145

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

1- في القرآن الكريم:

أ- قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾[1].

 

فترى أنّ القرآن الكريم ينسب الرمي إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى الله.

 

ب- قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾[2].

فإنّ الظاهر أنّ المراد من التعذيب هو القتل، لأنّ التعذيب الصادر من الله تعالى بأيد من المؤمنين ليس إلّا ذاك، لا العذاب البرزخي ولا الأخروي، فإنّهما راجعان إلى الله سبحانه دون المؤمنين، وعلى ذلك فقد نسب فعلاً واحداً إلى المؤمنين وإلى خالقهم.

 

ج- هناك مجموعة من الآيات تعرِّف الإنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾[3]، ومجموعة أُخرى تصرّح بأنّ كلّ من يقع في الكون من دقيق وجليل لا يقع إلّا بإذنه سبحانه وأنّ الإنسان لا يشاء لنفسه إلّا ما شاء الله له. قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ﴾[4].

 

فالمجموعة الأولى من الآيات تناقض الجبر وتفنِّده، كما أنّ المجموعة الثانية تردّ التفويض وتبطله، ومقتضى الجمع بينهما حسب ما يرشدنا إليه التدبّر فيها ليس إلّا التحفّظ على النسبتين، وأنّ العبد يقوم بكلّ فعل وترك باختيار وحرّيّة لكن بإقدار وتمكين منه سبحانه، فليس العبد في غنىً عنه سبحانه في فعله وتركه.

 


[1] سورة الأنفال، الآية 17.

[2] سورة التوبة، الآية 14.

[3] سورة الكهف، الآية 29. ولاحظ: سورة النور، الآية 11. سورة السجدة، الآية 49. سورة الزمر، الآية 7. سورة الطور، الآية 19. سورة النجم، الآيات 39 - 41. سورة المزمل، الآية 19. سورة المدثر، الآية 55. سورة الاِنسان، الآية 61. سورة النبأ، الآية 39. سورة عبس، الآية 12. سورة الشمس، الآيات 7 - 10.

[4] سورة الأعراف، الآية 188. ولاحظ: سورة البقرة، الآيات 102، 249، 251. سورة يونس، الآية 100. سورة التكوير، الآية 29.

 

190


146

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

2- في الروايات الشريفة:

هذا ما يرجع إلى الكتاب الحكيم، وأمّا الروايات فنذكر النزر اليسير ممّا جمعه الشيخ الصدوق في "توحيده" والعلّامة المجلسي في "بحاره":

أ- روى الصدوق عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام قالا: "إنّ الله عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثمّ يعذّبهم عليها والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون. قال: فسُئِلا عليهما السلام : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: "نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض"[1].

 

ب- وروى أيضاً عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق  عليه السلام قال: "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين. قال، فقلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: "مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته، أنت الذي أمرته بالمعصية"[2].

 

شبهات وردود

بعد ما فرغنا من دراسة المذاهب والآراء حول مسألة الجبر والاختيار كان لا بدّ لنا من التعرُّض لبعض الشبهات والإجابة عليها.

 

1- علم الله الأزلي:

قالوا: "إنّ ما علم الله عدمه من أفعال العبد فهو ممتنع الصدور عن العبد وإلّا جاز انقلاب العلم جهلاً، وما علم الله وجوده من أفعاله فهو واجب الصدور عن العبد، وإلّا جاز ذلك الانقلاب وهو محال في حقّه سبحانه، وذلك يبطل اختيار العبد، إذ لا قدرة على الواجب والممتنع، ويبطل أيضاً التكليف لابتنائه على القدرة والاختيار، فما لزم القائلين بمسألة خلق الأعمال فقد لزم غيرهم لأجل اعتقادهم بعلمه الأزلي المتعلّق بالأشياء"[3].

 


[1] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص 360، الباب 59، الحديث 3.

[2] المصدر نفسه، الحديث 82.

[3] الإيجي، شرح المواقف، ج8، ص 155 بتلخيص منّا.

 

191


147

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

والجواب عنه: إنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدوره عنه حسب الخصوصيات الموجودة فيه وعلى ضوء ذلك، تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر والاضطرار، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش كذلك، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يؤكّد الاختيار.

 

قال العلّامة الطباطبائي:

"إنّ العلم الأزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية..."[1].

 

2- إرادة الله الأزلية:

قالوا: "ما أراد الله وجوده من أفعال العبد وقع قطعاً، وما أراد الله عدمه منها لم يقع قطعاً، فلا قدرة له على شيءٍ منها"[2].

 

والجواب عنه: إنّ هذا الاستدلال نفس الاستدلال السابق لكن بتبديل العلم بالإرادة، فيظهر الجواب عنه ممّا ذكرناه في الجواب عن سابقه.

 

قال العلامة الطباطبائي: "تعلّقت الإرادة الإلهيّة بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا ومكان كذا، فإذن تأثير الإرادة الإلهيّة في الفعل يوجب كون الفعل اختياريّاً وإلاّ تخلّف متعلق الإرادة... فخطأ المجبّرة في عدم تمييزهم كيفيّة تعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل ..."[3].

 


[1] صدر المتألهين، الحكمة المتعالية، مصدر سابق، ج6، ص 318، تعليقة العلاّمة الطباطبائي.

[2] الإيجي، شرح المواقف، ج8، ص156.

[3] العلّامة الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 1، ص 99 - 100.

 

192


148

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

المفاهيم الرئيسة

•        بين نظريتي الجبر ـ ولو معدّلاً بالكسب ـ والتفويض هناك نظرية ثالثة هي الأمر بين الأمرين التي يؤيّدها العقل ويدعمها القرآن والسنّة. وبها يحافظ على التوحيد الأفعالي، والعدل الإلهي معاً.

 

•        من الآيات والروايات التي تستفاد منها نظرية الأمر بين الأمرين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾، وقول الإمام الصادق  عليه السلام: "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".

 

•        وردت بعض الشبهات حول نظرية الأمر بين الأمرين، منها: تعارض علم الله الأزلي مع اختيار العبد، وكذلك تعارض الإرادة الإلهيّة النافذة في الأشياء مع اختياره.

 

والردّ على الشبهة الأولى: إنّ علم الله سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار، ومثل هذا العلم يؤكّد الاختيار.

 

والردّ على الشبهة الثانية: إنّ الإرادة الإلهيّة تعلّقت بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياريّ.

 

193


149

الدرس السابع عشر: الأمر بين الأمرين

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح نظرية الأمر بين أمرين موضّحاً ذلك بمثال.

2- ما هو المقصود بوحدة حقيقة الوجود تلازم العمومية والتأثير؟

3- اذكر الآيات التي تُعرِّف الإنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله؟

4- أجب عن شبهة علم الأزلي وأنها تقتضي الجبر؟

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- إنّ رحمة الله الواسعة تمنع أن يعذب الله عبداً على فعل أمره به. >

2- إذا قلنا بعلم الله سبحانه وتعالى الأزلي فما علمه الله من أفعال العبد فهو واجب الصدور، وما لم يعلمه فهو ممتنع الصدور عن العبد.  

3- يتّسم فعل العبد بأنّ له نسبة إلى فاعله المباشر ونسبة إلى الله سبحانه وتعالى.  

4- إنّ نسبة الفعل إلى العبد وخالقه ينفيه قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ﴾.  

5- إذا تعلّقت الإرادة الإلهيّة بالفعل الصادر من الإنسان فهذا يوجب تعلّقها بالفعل من حيث كونه فعلاً اختيارياً.  

 
194

150

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

الدرس الثامن عشر:

القضاء والقدر

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن معنى القضاء والقدر ومراتبهما.

 

2- يفهم القضاء والقدر العلميّين.

 

3- يتعرّف إلى القضاء والقدر العينيّين.

 

195


151

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

تمهيد

القضاء والقدر

قالوا: إذا كان العبد مخيّراً فلا يبقي للقضاء والقدر الثابتين في الكتاب والسنّة أيّ معنى، إذ كيف نوفِّق بين القول بهما وبشمولهما لكلّ المخلوقات والقول باختياريّة الإنسان؟

 

والجواب: صحيح أنّ القضاء والقدر من الأصول الإسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، وليس لمن له إلمام بهذين المصدرين الرئيسين أن ينكرهما أو ينكر واحداً منهما، إلّا أنّ المشكلة في توضيح ما يراد منهما، فإنّه المزلقة الكبرى في هذا المقام، واستيفاء البحث عنه يستدعي بيان عدّة أُمور:

تعريف القضاء والقدر

قال ابن فارس: "القدر ـ بفتح الدال وسكونه ـ حدُّ كلِّ شيء ومقداره وقيمته وثمنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾[1] أي قدِّر بمقدار قليل"[2].

 

وقال الراغب: "القدر والتقدير تبيين كمّية الشيء"[3].

 


[1] سورة الطلاق، الآية 7.

[2] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مكتبة الإعلام الإسلامي، إيران - قم، 1404هـ، لا.ط، ج 5، ص 63.

[3] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دفتر نشر الكتاب، لا.م، 1404هـ، ط2، مادة قدر.

 

197


152

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

هذا معنى القدر في اللغة. وأمّا معنى القضاء، فقال ابن فارس: "القضاء أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾[1] أي أحكم خلقَهـنَّ ـ إلى أن قال: ـ وسمّي القاضي قاضياً لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسمّيت المنيّة قضاءً لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق"[2].

 

وقال الراغب: "القضاء فصل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلاً"[3].

 

مجموع النصّين يشير إلى أنّ أيّ قول أو عمل إذا كان متقناً محكماً، وجادّاً قاطعاً، وفاصلاً صارماً، لا يتغيّر ولا يتبدّل، فذلك هو القضاء.

 

هذا ما ذكره أئمّة اللغة، وقد سبقهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام، كما ورد فيما روي عنهم عليهم السلام:

روى الكليني بسنده، إلى يونس بن عبد الرحمان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام وقد سأله يونس عن معنى القدر والقضاء، فقال: "هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين"[4].

 

أقسام القضاء والقدر

القضاء والقدر التكوينيان: ويعنى به ما يرجع إلى الحقائق الكونية ونظام الوجود وله أقسام:

1- القضاء والقدر العلميّان:

فالتقدير العلمي عبارة عن تحديد كلّ شيء بخصوصياته في علمه الأزلي سبحانه، قبل إيجاده، فهو تعالى يعلم حدّ كلّ شيء ومقداره وخصوصياته الجسمانية وغير الجسمانية.

 


[1] سورة فصلت، الآية12.

[2] ابن فارس، المقاييس، مصدر سابق، ج 5، ص 99.

[3] الراغب الأصفهاني، المفردات، مصدر سابق، مادة قضى.

[4] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص 158. ورواه الصدوق في التوحيد بتغيير يسير.

 

198


153

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

والمراد من القضاء العلمي هو علمه تعالى بضرورة وجود الأشياء وإبرامها عند تحقّق جميع ما يتوقّف عليه وجودها من الأسباب والشرائط ورفع الموانع.

 

فعلمه السابق بحدود الأشياء وضرورة وجودها، تقدير وقضاء علميّان؛ وقد أُشير إلى هذا القسم، في آيات الكتاب المجيد: قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾[1].

 

وقال أيضاً: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[2].

 

وقال عزّ وجلّ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾[3].

 

هذه بعض الآيات التي وردت في بيان أنّ خصوصيات الأشياء وضرورة وجودها متحقّقة في علمه الأزلي، أو مراتب علمه كالكتاب الوارد في الآيات الماضية.

 

2- القضاء والقدر العينيان:

التقدير العيني عبارة عن الخصوصيات التي يكتسبها الشيء من علله عند تحقّقه وتلبُّسه بالوجود الخارجي.

 

والقضاء العيني هو ضرورة وجود الشيء عند وجود علّته التامّة ضرورة عينية خارجية.

 

فالتقدير والقضاء العينيان ناظران إلى التقدير والضرورة الخارجيين اللّذين يحتفّان بالشيء الخارجي، فهما مقارنان لوجود الشيء بل متّحدان معه، مع أنّ التقدير والقضاء العلميّين مقدَّمان على وجود الشيء.

 

فالعالم المشهود لنا لا يخلو من تقدير وقضاء، فتقديره تحديد الأشياء الموجودة فيه من حيث وجودها، وآثار وجودها، وخصوصيات كونها بما أنّها متعلّقة الوجود والآثار

 


[1] سورة آل عمران، الآية 145.

[2] سورة فاطر، الآية 11.

[3] سورة الحديد، الآية 22.

 

199


154

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

بموجودات أُخرى، أعني العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها.

 

والتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدِّر له في مسير وجوده، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾[1]. أي هدى ما خلقه إلى ما قدّر له.

 

وأمّا قضاؤه، فلمّا كانت الحوادث في وجودها وتحقّقها منتهية إليه سبحانه فما لم تتمّ لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها، فإنّها تبقى على حال التردّد بين الوقوع واللاوقوع، فإذا تمَّت عللها وعامّة شرائطها ولم يبق لها إلّا أن توجد، كان ذلك من الله قضاء وفصلاً لها من الجانب الآخر وقطعاً للإبهام.

 

وبذلك يظهر أنّ التقدير والقضاء العينيين من صفاته الفعلية سبحانه فإنّ مرجعهما إلى إفاضة الحدّ والضرورة على الموجودات، وإليه يشير الإمام الصادق عليه السلام في قوله: "القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء"[2].

 

ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه أسند القضاء والقدر إلى نفسه، وقال: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾[3].

 

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[4].

 

وغيرها من الآيات الحاكية عن قضائه سبحانه بالشيء وإبرامه على صفحة الوجود.

 


[1] سورة الأعلى، الآيتان 2 - 3.

[2] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص365.

[3] سورة الطلاق، الآية 3.

[4] سورة البقرة، الآية 117.

 

200


155

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

المفاهيم الرئيسة

•        القدر لغة: حدّ كل شيء ومقداره وقيمته وثمنه. والقضاء: إحكام الأمر وفصله وإتقانه وإنفاذه.

 

•        القضاء والقدر التكوينيّان وله قسمان: العلميّان والعينيّان.

 

•        القدر والقضاء العلميّان يعنيان علمه تعالى السابق بحدود الأشياء وضرورة وجودها.

 

•        القدر والقضاء العينيّان ناظران إلى التقدير والضرورة الخارجيين اللّذين يحتفّان بالشيء الخارجي.

 

•        أكّد أئمة أهل البيت  عليهم السلام تبعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً حتى يؤمن بالقدر والقضاء، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله بعثنيبالحق، وحتّى يؤمن بالبعث بعد الموت وحتى يؤمن بالقدر".

 

201


156

الدرس الثامن عشر: القضاء والقدر

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح ما هو المقصود بالقضاء والقدر. لغة؟

 

2- وضح المقصود من القضاء والقدر العلميين؟

 

3- وضّح المقصود من القضاء والقدر العينيين؟

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- التقدير العلمي هو عبارة عن تحديد كلّ شيء بخصوصياته في علمه الأزلي سبحانه، قبل إيجاده.

 

2- لقد اهتمت الروايات بضرورة الإيمان بالقضاء والقدر لكن ليس لدرجة تأثير ذلك على الإيمان ومصير الإنسان الأخروي.

 

3- القضاء العلمي هو علمه تعالى بضرورة وجود الأشياء وإبرامها عند تحقّق جميع ما يتوقّف عليه وجودها من الأسباب والشرائط ورفع الموانع.

 

4- إنّ علم الله سبحانه وتعالى السابق بحدود الأشياء وضرورة وجودها تقدير وقضاء شرعيان.

 

5- التقدير والقضاء العينيان من الصفات الفعلية لله سبحانه فإنّ مرجعهما إلى إفاضة الحدّ والضرورة على الموجودات.

 

202


157

الدرس التاسع عشر: البداء

الدرس التاسع عشر:

البداء

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معنى البداء عند الإماميّة.

 

2- يفهم البداء على ضوء الكتاب والسنّة.

 

3- يتعرّف إلى قسميّ التقدير: المحتوم والموقوف.

 

203


158

الدرس التاسع عشر: البداء

معنى البداء

إنّ البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾[1].

 

والبداء بهذا المعنى لا يُطلق على الله سبحانه بتاتاً، لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به.

 

الإعتقاد بالبداء عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام

تحتلّ مسألة البداء في عقائد الشيعة الإمامية موقعاً مرموقاً، وهم تابعون في ذلك للنصوص الواردة عن أئمة أهل البيت  عليهم السلام في تلك المسألة، ومن تلك النصوص:

1- روى الصدوق بإسناده عن زرارة عن أحدهما، يعني أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام، قال: "ما عُبِد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء"[2].

 

2- وروى بإسناده عن محمد بن مسلم، عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "ما بعث الله عزّ وجلّ نبياً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء"[3].

 

إلى غير ذلك من الروايات.

 


[1] سورة الزمر، الآيتان 47 و48.

[2] الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص335، الباب 54، ح1.

[3] العلامة المجلسي، بحار الانوار، مصدر سابق، ج4، ص108.

 

205


159

الدرس التاسع عشر: البداء

وكذلك اتَّفقت الإماميّة تبعاً لنصوص الكتاب والسنة والبراهين العقلية على أنّه سبحانه عالم بالأشياء والحوادث كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها، كلّيها وجزئيّها، وقد وردت بذلك نصوص عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.

 

قال الإمام الباقر عليه السلام: "كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل الله عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعدما كوَّنه"[1].

 

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة في ذلك.

 

حقيقة البداء عند الإماميّة

ممّا تقدّم يظهر أنّ المراد من البداء الوارد في أحاديث الإماميّة ويعَدُّ من العقائد الدينية عندهم ليس معناه اللغوي، أفهل يصح أن يُنسَب إلى عاقلٍ - فضلاً عن باقر العلوم وصادق الأمّة - القول بأنّ الله لم يُعبَد ولم يُعظَّم إلّا بالقول بظهور الحقائق له بعد خفائها عنه، والعلم بعد الجهل؟!

 

تعريف وتوضيح

إن المراد من البداء هو: أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والطالحة[2]، وأنّ لله سبحانه تقديراً مشروطاً موقوفاً، وتقديراً مطلقاً، والإنسان إنّما يتمكّن من التأثير في التقدير المشروط، وهذا بعينه قدرٌ إلهيّ، والله سبحانه عالم في الأزل، بكلا القسمين كما هو عالم بوقوع الشرط، أعني: الأعمال الإنسانية المؤثّرة في تغيير مصيره وعدم وقوعه.

 

قال الشيخ المفيد (المتوفى 413 ه‍): قد يكون الشيء مكتوباً بشرط فيتغيّر الحال فيه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾[3].

 


[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ص86، ح23.

[2] سيوافيك أنّ النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم- حسبما رواه البخاريّ - استعمل لفظ البداء في نفس ذلك المعنى الذي تتبنّاه الإماميّة.

[3] سورة الأنعام، الآية 2.

 

206


160

الدرس التاسع عشر: البداء

فتبيّن أنّ الآجال على ضربين، وضرب منهما مشترط يصحّ فيه الزيادة والنقصان، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾[1].

 

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾[2].

 

فبيّن أنّ آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر والانقطاع عن الفسوق، وقال تعالى فيما أخبر به عن نوح عليه السلام في خطابه لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾[3].

 

فاشترط لهم في مدّ الأجل وسبوغ النعم الاستغفار، فلو لم يفعلوا قطع آجالهم وبتر أعمالهم واستأصلهم بالعذاب، فالبداء من الله تعالى يختصّ بما كان مشترطاً في التقدير وليس هو انتقال من عزيمة إلى عزيمة، تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً[4].

 

تفسير البداء على ضوء الكتاب والسنة

قد اتّضح ممّا تقدّم أنّ المقصود بالبداء ليس إلا تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة والطالحة وتأثيرها في ما قدَّر الله تعالى لهم من التقدير المشتَرط، ولإيضاح هذا المعنى نشير إلى نماذج من الآيات القرآنية وما ورد من الروايات في تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة.

 

1- القرآن وتأثير عمل الإنسان في تغيير مصيره:

قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[5].

 

وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾[6].

 


[1] سورة فاطر، الآية 11.

[2] سورة الأعراف، الآية 96.

[3] سورة نوح، الآيتان 10و 11.

[4] الشيخ المفيد، تصحيح اعتقادات الإمامية، دار المفيد، لبنان - بيروت، 1414هـ - 1993م، ط2، ص67.

[5] سورة الرعد، الآية 11

[6] سورة الأعراف، الآية 96.

 

207


161

الدرس التاسع عشر: البداء

وقال سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾[1]. إلى غير ذلك من الآيات.

 

2- الروايات وتأثير العمل في تغيير المصير:

روى جلال الدين السيوطي (المتوفى 911 ه‍) عن الإمام علي عليه السلام أنّه سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمعن هذه الآية ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء﴾[2]، فقال: "لأقرنّ عينيك بتفسيرها، ولأقرنّ عين أمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادةً، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء"[3].

 

وقال الإمام الباقر عليه السلام: "صلة الأرحام تُزكّي الأعمال، وتُنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتُيسّر الحساب، وتُنسئ في الأجل"[4].

 

وقال الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الدعاء يردّ القضاء، وإنّ المؤمن ليذنب فيُحرَم بذنبه الرزق"[5].

 

إلى غير ذلك من الأحاديث المتضافرة المروية عن الفريقين في هذا المجال.

 

ولولا مفهوم البداء لكانت هذه الأعمال الصالحة بلا فائدة وبدون غاية.

 

محل النزاع في المسألة

ممّا تقدّم يظهر أنّ حقيقة البداء - وهي تغيير مصير الإنسان بالأعمال الصالحة والطالحة - ممّا لا مناص لكلّ مسلم من الاعتقاد به.

 

فالنزاع في الحقيقة ليس إلا في التسمية، ولو عرف المخالف أنّ تسمية فعل الله

 


[1] سورة يونس، الآية 98.

[2] سورة الرعد، الآية 39.

[3] السيوطي، الدرّ المنثور، دار المعرفة، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج 4، ص66.

[4] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 2، ص470.

[5] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 93، ص 288.

 

208


162

الدرس التاسع عشر: البداء

سبحانه بالبداء من باب المجاز والتوسّع لما شَهَرَ سيوف النقد على الشيعة. وإن أبى حتى الإطلاق التجوّزي، فعليه أن يتبع النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث أطلق لفظ البداء عليه سبحانه بهذا المعنى المجازي الذي قلنا، في حديث الأقرع والأبرص والأعمى.

 

فقد روى أبو هريرة أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله عزّ وجلّ أن يبتليهم"[1].

 

فبأيّ وجه فسّر كلامه صلى الله عليه وآله وسلم يفسّر كلام أوصيائه عليهم السلام.

 

وبذلك تقف على أنّ ما ذكره الأشعري في "مقالات الإسلاميين"، والبلغمي في تفسيره، والرازي في المحصّل، وغيرهم حول البداء، لا صلة له بعقيدة الشيعة فيه، فإنّهم فسّروا البداء لله بظهور ما خفي عليه، والشيعة براءٌ منه، بل البداء عندهم كما عرفت تغيير التقدير المشترط من الله تعالى، بالفعل الصالح والطالح، فلو كان هناك ظهور بعد الخفاء فهو بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الله تعالى، بل هو بالنسبة إليه إبداء ما خفي وإظهاره.

 

التقدير المحتوم والموقوف

أشرنا سابقاً إلى أنّ التغيير إنّما يقع في التقدير الموقوف دون المحتوم، وهذا ما يحتاج إلى شيء من البيان فنقول: إنّ لله سبحانه تقديرين، محتوماً وموقوفاً، والمراد من المحتوم ما لا يُبدَّل ولا يُغيَّر مطلقاً، وذلك كقضائه سبحانه للشمس والقمر مسيرين إلى أجلٍ معين، وللنظام الشمسي عمراً محدّداً، وتقديره في حقّ كلّ إنسان بأنّه يموت قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[2]، إلى غير ذلك من السنن الثابتة الحاكمة على الكون والإنسان.

 


[1] الإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، مؤسسة إسماعيليان، إيران - قم، 1364، ط4، ج 1، ص109؛ رواه البخاري في صحيحه فلاحظ: ج 4، ص 146.

[2] سورة الرحمن، الآية 26.

 

209


163

الدرس التاسع عشر: البداء

والمراد من التقدير الموقوف الأمور المقدّرة على وجه التعليق، فقدّر سبحانه أنّ المريض يموت في وقت كذا إلا إذا تداوى، أو أجريت له عملية جراحية، أو دعي له وتُصدِّق عنه، وغير ذلك من التقادير التي تتغيّر يإيجاد الأسباب المادّية وغيرها التي هي من مقدّراته سبحانه أيضاً، والله سبحانه يعلم في الأزل كلا التقديرين: الموقوف، وما يتوقّف عليه الموقوف، وإليك بعض ما ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام حول هذين التقديرين:

1- سُئِل الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام عن ليلة القدر، فقال: تنزَّل فيها الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة... قال: "وأمرٌ موقوف لله تعالى فيه المشيئة، يُقدِّم منه ما يشاء ويُؤخِّر ما يشاء، وهو قوله: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[1]"[2].

 

2- وفي حديث قال الإمام الرضا عليه السلام لسليمان المروزي: "يا سليمان إنّ من الأمور أموراً موقوفة عند الله تبارك وتعالى يُقدّم منها ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء"[3].

 

الأجل المطلق والمسمّى في القرآن الكريم

ونشير في ختام حديثنا إلى مطلب ينفع كثيراً في فهم المطالب المتقدّمة، وهو أنّ القرآن الكريم ذكر الأجل بوجهين:

1- على وجه الإطلاق.

2- بوصف كونه مسمّى.

 

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾[4].

 


[1] سورة الرعد، الآية 39.

[2] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 4، ص102، باب البداء، ح14، نقلاً عن أمالي الطوسي.

[3] المصدر نفسه، ص95،ح2.

[4] سورة الأنعام، الآية 2.

 

210


164

الدرس التاسع عشر: البداء

فجعل للإنسان أجلين: مطلقاً ومسمّى، كما أنّه جعل للشمس والقمر أجلاً مسمّى فقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾[1]. والمقصود من الأجل المسمّى هو التقدير المحتوم، ومن الأجل المطلق التقدير الموقوف، قال العلامة الطباطبائي: "إنّ الأجل أجلان: الأجل على إبهامه، والأجل المسمّى عند الله تعالى، وهذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله ﴿عِندَهُ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ﴾[2]. وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدّل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾[3]. فنسبة الأجل المسمّى إلى الأجل غير المسمّى، نسبة المطلق المنجّز إلى المشروط المعلَّق، فمن الممكن أن يتخلَّف المشروط المعلَّق عن التحقّق لعدم تحقّق شرطه الذي علّق عليه، بخلاف المطلق المنجّز، فإنّه لا سبيل إلى عدم تحقّقه البتّة. والتدبّر في الآيات يُفيد أنّ الأجل المسمّى هو الذي وضع في أمّ الكتاب، وغير المسمّى من الأجل هو المكتوب فيما نُسمّيه بـ‍ (لوح المحو والإثبات)"[4].

 


[1] سورة الرعد، الآية 2.

[2] سورة النحل، الآية 96.

[3] سورة يونس، الآية 49.

[4] السيد الطباطبائي، تفسير الميزان: ج7، مصدر سابق، تفسير سورة الأنعام، الآية الثانية.

 

211


165

الدرس التاسع عشر: البداء

المفاهيم الرئيسة

•        تحتلّ مسألة البداء في عقائد الشيعة الإمامية موقعاً مرموقاً، وهم تابعون في ذلك للنصوص الواردة عن أئمة أهل البيت  عليهم السلام في تلك المسألة.

 

•        ليس المراد من البداء الوارد في أحاديث الإماميّة معناه اللغوي، ولا ما يفهمه المعترضون، بل المراد أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والطالحة، وأنّ لله سبحانه تقديراً مشروطاً موقوفاً، وتقديراً مطلقاً، والإنسان إنّما يتمكن من التأثير في التقدير المشروط، وهذا بعينه قدرٌ إلهيّ، والله سبحانه عالم في الأزل، بكلا القسمين كما هو عالم بوقوع الشرط.

 

•        إنّ لله سبحانه تقديرين: محتوماً وموقوفاً. والمراد من المحتوم ما لا يُبدَّل ولا يُغيَّر مطلقاً، والمراد من التقدير الموقوف الأمور المقدّرة على وجه التعليق، والله سبحانه يعلم في الأزل كلا التقديرين: الموقوف، وما يتوقّف عليه الموقوف.

 

 

212


166

الدرس التاسع عشر: البداء

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- وضّح الأهمية التي تحتلها عقيدة البداء في مدرسة أهل البيت  عليهم السلام.

2- بيّن كيف فسّر الشيخ المفيد البداء عند الشيعة الإمامية.

3- اشرح النظرية القرآنية في مسألة الأجل المسمى والمطلق.

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- التقدير الموقوف هي الأمور المقدّرة على وجود أسبابها ومسبّباتها التي تبقيها على حالها أو تغيُّرها لشيء آخر.

2- إنّ الإيمان بعقيدة البداء يؤدّي إلى تأخُّر علم الله سبحانه وتعالى عن حدوث الأشياء وتبدّلها.

3- البداء هو أنّ الله سبحانه وتعالى قد منح للإنسان القدرة على تغيير مصيره بسبب الأعمال التي يقوم بها وهذا كلّه بعلم الله وقدرته.

4- اعتبر القرآن أنّ للإنسان القدرة على تغيير مصيره وعلّق ذلك على الأعمال الصالحة فقط.

5- فسّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء﴾ بالأعمال التي تُغيّر مصير الإنسان.

 

213


167

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

الدرس العشرون:

النبوّة العامّة

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى أدّلة لزوم النبوة العامة.

 

2- يتعرّف إلى أهم شبهات منكري النبوة العامة.

 

3- يتمكّن من الإجابة على أهم الشبهات المثارة حول النبوة العامة.

 

215


168

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

تمهيد

النبوَّة سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده، لتدبير حياتهم في أمر معاشهم ومعادهم، والنبيّ هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بإحدى الطرق المعروفة والتي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

 

والبحث في النبوَّة من جهتين:

الأولى: البحث عن مطلق النبوَّة. كمنصب ودور (النبوة العامة)

الثانية: البحث عن نبوَّة نبيّ خاص، كنبوَّة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. (النبوة الخاصة)

 

والأبحاث التي طرحها المتكلّمون حول النبوَّة العامة تتمحور في أربعة أُمور وهي:

1- حسن البعثة ولزومها، أو تحليل أدلّة مثبتي البعثة ومنكريها.

2- الطرق التي يعرف بها النبيّ الصادق من المتنبّئ الكاذب.

3- الطريق أو الوسيلة التي يتلقّى بها النبيّ تعاليمه من الله سبحانه.

4- الصفات المميّزة للنبيّ عن غيره.

 

أدلّة لزوم البعثة

الدليل الأوّل: حاجة المجتمع إلى القانون الكامل:

لا يشكّ أحد من العقلاء، في أنّ للإنسان ميلاً إلى الاجتماع والتمدّن، ولا يشك عاقل في حاجة المجتمع إلى القانون، وذلك لأنّ الإنسان مجبول على حبِّ الذّات، وهذا يجرّه

 

217


169

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

إلى تخصيص كلّ شيء بنفسه من دون أن يراعي لغيره حقّاً، ويؤدّي ذلك إلى التنافس والتشاجر بين أبناء المجتمع وبالتالي إلى عقم الحياة وتلاشي أركان المجتمع، فلا يقوم للحياة الاجتماعية أساس إلّا بوضع قانون دقيق ومحكم ومتكامل يقوم بتحديد وظائف كلّ فرد وحقوقه.

 

والقانون يحتاج إلى مقنّن ومشرّع، ولكي يكون القانون مفيداً ومحققاً لغايته، وجب أن تجتمع في المقنّن بعض الشرائط.

 

شرائط المقنّن:

لا ريب في أنّ جعل قانون يكون متناولاً لجميع جوانب الحياة للمجتمعات البشرية في أصقاع الأرض التي تتباين من حيث الظروف الجغرافية والعادات والتقاليد، يحتاج إلى توفّر شروط، تخرج قطعاً عن طاقة الإنسان مهما ترقّى في درجات العلم، وإليك بيان الشرطين الأساسين لذلك:

أ- معرفة المقنِّن بالإنسان:

إنّ أوّل وأهمّ خطوة في وضع القانون، معرفة المقنِّن بالمورد الّذي يضع له القانون، وعلى ضوء هذا، لابدّ أن يكون المقنِّن عارفاً بالإنسان: جسمه وروحه، غرائزه وفطريّاته، وما يصلح لهذه الأمور أو يضرّ بها، وكلّما تكاملت هذه المعرفة بالإنسان كان القانون ناجحاً وناجعاً في علاج مشاكله وإبلاغه إلى السعادة المتوخّاة من خلقه.

 

ب- عدم انتفاع المقنِّن بالقانون:

وهذا الشرط بديهي، فإنّ المقنِّن إذا كان منتفعاً من القانون الذي يضعه، سواء كان النفع عائداً إليه أو إلى من يمتّ إليه بصلة خاصّة، فهذا القانون سيتمّ لصالح المقنِّن لا لصالح المجتمع، ونتيجته الحتميّة الظلم والإجحاف.

 

فالقانون الكامل لا يتحقّق إلّا إذا كان واضعه مجرّداً عن حبّ الذات وهوى الانتفاع الشخصي.

 

218


170

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

دراسة الشرطين المتقدّمين:

أمّا الشرط الأوّل: فإنّا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالإنسان من خالقه، فإنّ صانع وخالق الشيء أعرف به من غيره، يقول سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[1].

 

إنّ عظمة الإنسان في روحه ومعنوياته، وغرائزه وفطريّاته، أشبه ببحر كبير لا يرى ساحله ولا يضاء محيطه، وقد خفيت كثير من جوانب حياته ورموز وجوده حتى لقِّب بـ "الموجود المجهول".

 

وأمّا الشرط الثاني: فلن نجد أيضاً موجوداً مجرّداً عن أيّ فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك أنّ الإنسان، مجبول على حبّ الذّات، فهو مهما جرّد نفسه من تبعات غرائزه لن يستطع التخلّص من هذه النزعة.

 

وممّا يدلّ على عدم صلاحية البشر نفسه لوضع قانون كامل، ما نرى من التبدّل الدائم في القوانين والنقض المستمرّ الذي يورد عليها بحيث تحتاج في كلّ يوم إلى استثناء بعض التشريعات وزيادة أُخرى، إضافة إلى تناقض القوانين المطروحة في العالم من قبل البشر، وما ذلك إلّا لقصورهم عن معرفة الإنسان حقيقة المعرفة وانتفاء سائر الشروط في واضعيها.

 

فإذا كان استقرار الحياة الاجتماعية للبشر متوقِّفاً على التقنين الإلهي، فواجب في حكمته تعالى إبلاغ تلك القوانين إليهم عبر واحد منهم يرسله إليهم، والحامل لرسالة الله سبحانه هو النبيّ المنبئ عنه والرسول المبلّغ إلى الناس، فبعث الأنبياء واجب في حكمته تعالى حفظاً للنظام المتوقِّف على التقنين الكامل.

 

وإلى هذا الدليل يشير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2].

 


[1] سورة الملك، الآية 14.

[2] سورة الحديد، الآية 25.

 

219


171

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

الدليل الثاني: حاجة المجتمع إلى المعرفة:

إنّ الإنسان ـ كغيره من الموجودات الحيّة ـ مجهّز بهداية تكوينية لكنّها غير وافية في إبلاغه الغاية التي خُلق لها، ولأجل ذلك ضمّ الخالق إلى تلك الغرائز مصباحاً يُضيء له السبيل في مسيرة الحياة، ويفي بحاجاته التي تقصر الغرائز عن إيفائها، وهو العقل.

 

ومع ذلك كلّه فإنّ العقل أيضاً غير كاف في إبلاغه إلى السعادة المتوخّاة، بل يحتاج إلى عامل ثالث يعينه في بلوغ تلك الغاية، ووجه ذلك أنّ العقل الإنساني غير مصون عن الخطأ والزلل.

 

ثمّ إنّ أهمّ ما يحتاج الإنسان إلى التعرُّف عليه ليكون ناجحاً في الوصول إلى السعادة المطلوبة من حياته أمران:

1- المعرفة بالله سبحانه.

2- والتعرّف على مصالح الحياة ومفاسدها.

 

والمعرفة الكاملة في هذين المجالين لا تحصل للإنسان إلّا في ضوء الوحي وتعاليم الأنبياء، وأمّا العلوم الإنسانية فهي غير كافية فيهما.

 

الدليل على قصور المعرفة الإنسانية

1- قصور المعرفة بالله:

وممّا يوضح قصور العلم البشري في العلوم الإلهية أنّ هناك الملايين من البشر يقطنون بلدان جنوب شرق آسيا على مستوى راق في الصناعات والعلوم الطبيعية، ومع ذلك فهم في الدرجة السفلى في المعارف الإلهية، فجلّهم ـ إن لم يكن كلّهم ـ عبّاد للأصنام والأوثان، وببابك بلاد الهند الشاسعة وما يعتقده مئات الملايين من أهلها من قداسة وتألُّه في "البقر"!!

 

2 - قصور في معرفة نظام اقتصادي صالح:

وممّا يدلّ على قصور العلم الإنساني عن تشخيص منافع البشر والمجتمعات

 

220


172

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

ومضارّها، أنّ المجتمع الإنساني ـ مع ما بلغه من الغرور العلمي ـ لم يقف بعد على النظام الاقتصادي النافع له، فطائفة تزعم أنّ سعادة البشر في نظام الرأسمالية والاقتصاد الحرّ المطلق، والأخرى تدّعي أنّ سعادة البشر في النظام الاشتراكي وسلب المالكية عن أدوات الانتاج وتفويضها إلى الدولة الحاكمة.

 

3- قصور في تحديد المنهج الأخلاقي:

كما أنّه لم يصل بعد إلى وفاق في مجال الأخلاق وقد تعدّدت المناهج الأخلاقيّة في العصر الأخير إلى حدّ التضادّ فيها.

 

4- قصور في معرفة أسباب السعادة والشقاء:

وأيضاً نرى أنّ الإنسان ـ مع ما يدّعيه من العلم والمعرفة ـ لم يدرك بعد عوامل السعادة والشقاء له، بشهادة انّه يشرب المسكرات، ويستعمل المخدّرات، ويتناول اللحوم الضارّة، كما يُقيم اقتصاده على الرِّبا الذي هو عامل إيجاد التفاوت الطبقي بين أبناء المجتمع.

 

فإذا كان هذا حال الإنسان في معرفة المسائل الابتدائية في الاقتصاد والأخلاق، وعوامل السعادة والشقاء، فما ظنّك بحاله في المسائل المبنيّة على أُسس تلك العلوم، أفبعد هذا الجهل المطبق يصحّ لنا أن نقول إنّ الإنسان في غنى عن الوحي في سلوك طريق الحياة؟

 

وفيما روي عن أئمّة أهل البيت  عليهم السلام إشارات إلى هذا البرهان نأتي بنموذجين منها:

قال الإمام الكاظم  عليه السلام: "يا هشام: ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلّا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة"[1].

 


[1] الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 16، مصدر سابق، كتاب العقل والجهل، الحديث 12.

 

221


173

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

وقال الإمام الرضا عليه السلام: "لم يكن بدّ من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدّي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويقفهم على ما يكون به من إحراز منافعهم ودفع مضارّهم إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه"[1].

 

أدلّة منكري بعثة الأنبياء عليهم السلام

أثار منكرو بعثة الأنبياء  عليهم السلام العديد من الشبهات بصورة أدلّة على مدّعاهم، نتعرّض لاثنين منها لنحاكمها ونرى ما فيها.

 

الدليل الأوّل:

إنّ الرسول إمّا أن يأتي بما يوافق العقول أو بما يخالفها، فإن جاء بما يوافق العقول، لم يكن إليه حاجة، ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول، وجب ردّ قوله.

 

وبعبارة أُخرى: إنّ الذي يأتي به الرسول لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون معقولاً، وإمّا أن لا يكون معقولاً.

 

فإن كان معقولاً، فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه، فأي حاجة لنا إلى الرسول؟ وإن لم يكن معقولاً، فلا يكون مقبولاً.

 

الجواب:

إنّ حصر ما يأتي به الرسول بموافق العقول ومخالفها، غير صحيح، فإنّ هاهنا شقّاً ثالثاً وهو إتيانهم بما لا يصل إليه العقل بالطاقات الميسورة له، فإنّك قد عرفت فيما أقمنا من الأدلّة على لزوم البعثة، أنّ عقل الإنسان وتفكّره قاصر عن نيل الكثير من المسائل.

 

الدليل الثاني:

قد دلّت الدلائل العقلية على أنّ للعالم صانعاً عالماً قادراً حكيماً، وأنّه أنعم على عباده نعماً توجب الشكر، فننظر في آيات خلقه بعقولنا، ونشكره بآلائه علينا، وإذا

 


[1] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج11، ص 40.

 

222


174

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

عرفناه وشكرناه، استوجبنا ثوابه، وإذا أنكرناه وكفرنا به، استوجبنا عقابه، فما بالنا نتّبع بشراً مثلنا؟!

 

الجواب عنه بوجهين:

الأوّل: إنّ كثيراً من الناس لا يعرفون كيفية الشكر، فربّما يتصوّرون أنّ عبادة المقرَّبين نوع شكر للّه سبحانه، فلأجل ذلك ترى عبدة الأصنام والأوثان يعتقدون أنّ عبادتهم للمخلوق شيءٌ موجب للتقرّب[1].

 

الثاني: إنّ تخصيص برامج الأنبياء بالأمر بالشكر والنهي عن كفران النعمة، غفلة عن أهدافهم السامية، فإنّهم جاءوا لإسعاد البشر في حياتهم الفردية والاجتماعية، ولا تختصّ رسالتهم بالأوراد والأذكار الجافّة، كتلك الّتي يردّدها أصحاب بعض الديانات أيّام السّبت والأحد في البيع والكنائس، وإنّك لتقف على عظيم أهداف رسالة النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلمإذا وقفت على كلمته المأثورة: "إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة"[2].

 


[1] قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (سورة الزمر، الآية 3).

[2] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، تاريخ الطبري، مؤسسة الأعلمي، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط4، ج2، ص 63، قاله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند دعوة أقاربه إلى الإسلام.

 

223


175

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

المفاهيم الرئيسة

•        النبوّة سفارة بين الله تعالى وبين ذوي العقول من عباده؛ لتدبير حياتهم في أمر معاشهم ومعادهم.

 

•        البحث في النبوّة يقع على صورتين، الأولى: البحث عن مطلق النبوّة، الثانية: البحث عن نبوّة نبيٍّ خاص كالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

•        من أدلّة لزوم بعثة الأنبياء  عليهم السلام: حاجة المجتمع إلى القانون الكامل، وحاجة المجتمع إلى المعرفة. وكلا الحاجتين لا يلبيهما إلا إرسال الرسل وإنزال الكتب.

 

•        من أدلّة منكري البعثة:

1 - إنّ الرسول إن أتى بالمعقول فيكفينا العقل إيّاه، وإن جاءنا بغير المعقول فهو غير مقبول.

 

الرّدّ: إنّ حصر ما يأتي به الرسول بموافق العقول ومخالفها، حصر غير حاصر، فإنّ هاهنا شقّاً ثالثاً وهو إتيانهم بما لا يصل إليه العقل.

 

2 - إنّ الدلائل العقلية دلّت على وجود الخالق المنعم وعلى وجوب شكره، فإن شكرناه استوجبنا ثوابه وإلّا عقابه، فلا حاجة لبشر مثلنا نتّبعه.

 

 

الرّدّ

أ- إنّ كثيراً من الناس لا يعرفون كيفية الشكر.

ب- إنّ حصر برامج الأنبياء بالأمر بالشكر والنهي عن الكفران غفلة عن أهدافهم السامية، فإنّهم جاءوا لإسعاد البشر في حياتهم الفردية والاجتماعية.

 

224


176

الدرس العشرون: النبوّة العامّة

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- اذكر الشرط الأول للمقنّن الحكيم، مبيّناً مصداقه الصحيح.

 

2- أجب عن هذا الإشكال: "إنّ الرسول إمّا أن يأتي بما يوافق العقول أو بما يخالفها، فإن جاء بما يوافق العقول، لم يكن إليه حاجة، ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول، وجب ردّ قوله".

 

3- اذكر الروايات التي استُدلّ بها على حاجة المجتمع إلى المعرفة.

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- إنّ الحياة الاجتماعية لا بد لها من قانون يكون متناولاً لجميع جوانب الحياة للمجتمعات البشرية التي تتباين من حيث الظروف الجغرافية والعادات والتقاليد.

 

2- لا يؤثّر في وضع القانون كون الواضع صاحب منفعة فيه لأنّ ذلك يؤدّي إلى وضع قانون مناسب لجميع أفراد المجتمع.

 

3- إنّ معرفة مصالح الحياة ومفاسدها لا يتحقّق إلا في ضوء الوحي وتعاليم الأنبياء العظام.

 

4- إذا تعرّف الإنسان على الله سبحانه وتعالى بالأدلة العقلية وشكره استوجب ثوابه وإذا أنكره استوجب عقابه فلا حاجة بعد ذلك للأنبياء ليكون أداة لمعرفة الله عزّ وجلّ.

 

5- إنّ معرفة الأنبياء والإيمان بهم هو لمعرفة الله وبناء المجتمع الإنساني الإلهي.

 

225


177

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

الدرس الواحد والعشرون:

طرق معرفة الأنبياء (1)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى طرق إثبات دعوى النبوّة.

2- يُبيّن معنى المعجزة والرابطة المنطقيّة بينها وبين دعوى النبوّة.

3- يُدرك الفرق بين المعجزة والسحر.

 

227


178

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

تمهيد

إن الحكمة التي فرضت وجود أنبياء تفرض تزويدهم بدليل يثبت صحة دعواهم وإلاّ كانت دعوى فارغة غير قابلة للاِذعان والقبول وهذا يخالف الحكمة وهذا ما تقتضيه الفطرة الإنسانية، يقول ابن سينا في كلمته المشهورة: "من قَبِلَ دعوى المدّعي بلا بيِّنة وبرهان، فقد خرج عن الفطرة الإنسانية".

ثمّ إنّ هنا طرقاً ثلاثة للوقوف على صدق مدّعي النبوَّة في دعواه وهي:

1- الإعجاز.

2- تصديق النبيّ السابق نبوة النبيّ اللاحق.

3- جمع القرائن والشواهد.

 

ولنبدأ بدراسة هذه الطرق، الواحد تلو الأخر:

1- المعجزة

تعريف المعجزة

المشهور في تعريف المعجزة أنّها : "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي، مع عدم المعارضة"[1]، وإليك توضيحه:

إنّ هناك أُموراً تعدّ خارقة (مضادّة) للعقل، كاجتماع النقيضين وارتفاعهما، ووجود

 


[1] العلّامة الحلّي، كشف المراد، مصدر سابق، ص 465.

 

229


179

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

المعلول بلا علّة ونحو ذلك، وأُموراً أُخرى تخالف القواعد العادية، بمعنى أنّها تعدّ محالات حسب الأدوات والأجهزة العادية، والأسباب الطبيعية، ولكنّها ليست محالاً عقلاً لو كان هناك أدوات أُخرى خارجة عن نطاق العادة، وهي المسمّاة بالمعاجز، ومن هذا القبيل ما يحكيه القرآن من قيام من أوتي علماً من الكتاب بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ، من بلاد اليمن إلى بلاد الشام في طرفة عين بلا توسُّط شيء من تلك الأجهزة المادّية المتعارفة، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[1]. وهو غير ممتنع عقلاً ولكنه محال عادة.

فتحصّل أنّ الإعجاز أمر خارق للعادة لا للعقل.

ثمّ إنّ الإتيان بما هو خارق للعادة لا يسمّى معجزة إلّا إذا كان مقترناً بدعوى النبوّة، وإذا تجرّد عنها وصدر من بعض أولياء الله تعالى يُسمّى "كرامة" وذلك كحضور الرزق لمريم عليها السلام بلا سعي طبيعي[2] ولأجل ذلك كان الأولى أن يضيفوا إلى التعريف قيد:"مع دعوى النبوّة"[3].

ولا يتحقّق الإعجاز إلاّ إذا عجز الناس عن القيام بمعارضة ما أتى به مدّعي النبوّة، ويترتّب على هذا أنّ ما يقوم به كبار الأطباء والمخترعين من الأمور العجيبة خارج عن إطار الإعجاز، كما أنّ ما يقوم به السحرة والمرتاضون من الأعمال المدهشة، لا يعدّ معجزاً لانتفاء هذا الشرط.

ومن شرائط كون الإعجاز دليلاً على صدق دعوى النبوّة أن يكون فعل المدّعي مطابقاً لدعواه، فلو خالف ما ادّعاه لما سُمّي معجزة وإن كان أمراً خارقاً للعادة، ومن ذلك ما حصل من مسيلمة الكذّاب عندما ادّعى أنّه نبي، وآية نبوّته أنّه إذا تفل في بئر قليلة الماء، يكثر ماؤها، فتفل فغار جميع ماؤها.

 


[1]  لاحظ سورة النمل، الآية 40.

[2] لاحظ سورة آل عمران، الآية 37.

[3] لا تختص المعجزة بدعوى النبوة، بل يعمّها ودعوى الإمامة وغيرها من الدعاوى الإلهية، كدعوى المسلم أنّ شريعة الإسلام هي الحقّ دون غيرها من الشرائع، ويقوم بالمباهلة، فذلك معجزة البتة، فالصحيح في تعريف المعجزة أن يقال:"هو الفعل الخارق للعادة الذي يأتي به من يدّعي منصباً أو مقاماً إلهياً شاهداً على صدق دعواه" راجع السيّد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، دار الزهراء، لبنان - بيروت، 1975م، ط4، ص 33.

 

230


180

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

دلالة الإعجاز والتحسين والتقبيح العقليّان

إنّ دلالة المعجزة على صدق النبوّة يتوقّف على القول بالحسن والقبح العقليين، لأنّ الإعجاز إنّما يكون دليلاً على صدق النبوّة، إذا قبح عند العقل إظهار المعجزة على يد الكاذب، فإذا توقّف العقل عن إدراك قبحه واحتمل صحّة وإمكان ظهوره على يد الكاذب، لا يقدر على التمييز بين الصادق والكاذب، فالذين أعدموا العقل ومنعوا حكمه بهما، يلزم عليهم سدّ باب التصديق بالنبوّة من طريق الإعجاز.

الرابطة المنطقية بين الإعجاز ودعوى النبوّة

هناك من يتخيّل أنّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبيّ، دلالة إقناعية لا برهانية، بحجّة أنّ الدليل البرهاني يتوقّف على وجود رابطة منطقية بين المدّعى والدليل، وهي غير موجودة في المقام. ويردّه أنّ دعوى النبوّة والرسالة من كلّ نبي ورسـول ـ على ما يقصّه القـرآن ـ إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول ملك، وهذا أمر لا يدركه الحسّ ولا تؤيّده التجربة، فإنّ الوحي والتكليم الإلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية ممّا لا يشاهده البشر في أنفسهم، والعادة الجارية في الأسباب والمسبّبات تنكره، فهو أمر خارق للعادة.

وعليه فلو كان النبيّ صادقاً في دعواه النبوّة والوحي، لكان لازمه أنّه متّصل بما وراء الطبيعة، مؤيَّد بقوَّة إلهية تقدر على خرق العادة، فلو كان هذا حقّاً كان من الممكن أن يصدر من النبيّ خارق آخر للعادة يصدّق النبوّة والوحي من غير مانع منه، فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد، فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحي، فليؤيّدها وليصدّقها بخارق آخر وهو المعجزة.

وهذه العلاقة المنطقية بين المعجزة والنبوة هي التي دفعت الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوّة كلّما جاءهم رسول من أنفسهم[1].

 


[1] العلّامة الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 1، ص 86.

 

231


181

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

فوارق المعجزة لسائر خوارق العادة

إنّ هناك جهات من التمايز والتفارق بين المعجزة والكرامة وبين غيرهما من خوارق العادات وهي:

الجهة الأولى: من حيث طريق الحصول عليها، فإنّ المعجزة والكرامة وليدتان لعناية إلهية خاصة، وليس السبب لهما مما تناله يد الدراسة والتعلّم، ولكن السحر ونحوه نتاج التعليم والتعلّم ولها مناهج تعليمية يجب ممارستها حتى يصل طالبها إلى النتائج المطلوبة يقول سبحانه:

﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾[1].

قال القاضي عبد الجبّار: "إنّ الحيلة ممّا يمكن أن تُتعلّم وتُعلّم، وهذا غير ثابت في المعجزة"[2].

ومن هنا فإنّ السحر ونحوه قابل للمعارضة دون المعجزة، وإلى هذا أشار عبد الجبار بقوله: "إنّ الحيل ممّا يقع فيها الإشتراك، وليس كذلك المعجزة"[3].

ولمّا كان السحر ونحوه رهن التعليم والتعلم، فهو متشابه في نوعه، متّحد في جنسه، يدور في فلك واحد، ولا يخرج عن نطاق ما تعلّمه أهله ولذا لا يأتون إلّا بما تدرّبوا عليه، بخلاف إعجاز الأنبياء فانّه على جانب عظيم من التنوّع في الكيفيّة إلى حدّ قد لا

 


[1] سورة البقرة، الآية 102.

[2] عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، ص 572.

[3] المصدر نفسه.

 

232


182

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

يجد الإنسان بين المعجزات قدراً مشتركاً وجنساً قريباً، كما في المعجزات التي يخبر بها القرآن عن موسى وعيسى عليهما السلام بقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾[1].

وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ﴾[2].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾[3].

وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾[4].

وقوله سبحانه: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[5].

نعم الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون معاجز الأنبياء مناسبة للفنون الرائجة في عصورهم حتى يتسنّى لخبراء كلّ فنٍّ تشخيص المعاجز وإدراك استنادها إلى القدرة الغيبية، وتميّزها عن الأعمال الباهرة المستندة إلى العلوم والفنون الرائجة.

الجهة الثانية: من حيث الأهداف والغايات، فإنّ أصحاب المعاجز يتبنّون أهدافاً عالية ويتوسّلون بمعاجزهم لإثبات حقّانية تلك الأهداف ونشرها، وهي تتمثّل في الدعوة إلى الله تعالى وحده وتخليص الإنسان من عبوديّة الأصنام والحجارة والحيوانات والدعوة إلى الفضائل ونبذ الرذائل، واستقرار نظام العدل الاجتماعي وغير ذلك، كما أنّ أصحاب الكرامات أيضاً لا يتبنّون إلّا ما يكون موافقاً لرضى الله سبحانه لا غير.

 


[1]  سورة الأعراف، الآية 107.

[2] سورة الأعراف، الآية 108.

[3] سورة البقرة، الآية 60.

[4] سورة الشعراء، الآية 63.

[5] سورة آل عمران، الآية 49.

 

233


183

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

وهذا بخلاف المرتاضين والسحرة، فغايتهم إمّا كسب الشهرة والسمعة بين الناس، أو جمع المال والثروة، وغير ذلك ممّا يناسب متطلّبات القوى البهيميّة.

الجهة الثالثة: من حيث التقيّد بالقيم الأخلاقية، فإنّ أصحاب المعاجز والكرامات ـ باعتبار كونهم خرّيجي المدرسة الإلهية ـ متحلّون بأكمل الفضائل والأخلاق الإنسانية، والمتصفّح لسيرتهم لا يجد فيها أيّ عمل مشين ومناف للعفّة ومكارم الأخلاق، وأمّا أصحاب الرياضة والسحر، فهم دونهم في ذلك، بل تراهم غالباً فارغين عن المثل والفضائل والقيم.

فبهذه الضوابط يتمكّن الإنسان من تمييز المعجزة عن غيرها من الخوارق، والنبيّ عن المرتاض والساحر.

هل المعجزة تناقض قانون العلّية؟

الحقيقة أنّ المعجزات لا تعدّ نقضاً لقانون العلّية العام، فإنّ المنفي في مورد المعجزة هو العلل المادّية المتعارفة الّتي وقف عليها العالم الطبيعي واعتاد الإنسان على مشاهدته في حياته ولكن لا يمتنع أن يكون للمعجزة علّة أُخرى لم يُشاهدها الناس من قبل ولم يعرفها العلم ولم تقف عليها التجربة.

فإنّ مبدأ العلّية لا يقتضي أكثر من أن يكون لكلّ معلول علّة ما، ولكن هذا المبدأ لا يفرض أن تكون كلّ علّة قابلة للمعرفة والاكتشاف من خلال التجارب العلميّة، ولا يوجد أيّ دليل على ذلك، لأنّ ميدان التجارب العلميّة ومجالها محدّد بالأمور الطبيعية، ولا يمكن أن يثبت من خلال أدوات المختبرات وأجهزتها، وجود أمور ما وراء الطبيعة أو نفيها، أو عدم تأثيرها.

أمّا تفسير الإعجاز بالتعرّف على العلل المجهولة فغير صحيح، ذلك لأنّ هذه المعرفة إن أمكن التوصّل إليها من طريق العلل والعوامل العاديّة، فلا يكون هناك فرق بينها وبين سائر الظواهر العاديّة، ولا يمكن اعتبارها بأيّ وجه كان أمراً خارقاً للعادة.

 

234


184

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

كما أنّ المعجزة أيضاً لا تخدش ببرهان النظم الّذي يستدل به على وجود الصانع، وذلك لأنّ الإعجاز ليس خرقاً لجميع النظم السائدة على العالَم، وإنّما هو خرق في جزء من أجزائه غير المتناهية الخاضعة للنظام والدالّة ببرهان النظم على وجود الصانع.

 

 

235


185

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

المفاهيم الرئيسة

•        ينبغي أن تقترن دعوى النبوّة بدليل يثبت صحّتها، وهناك طرق ثلاثة لإثبات صدق مدّعي النبوّة:

1 - الإعجاز.

2 - تنصيص النبيّ السابق.

3 - جمع القرائن والشواهد.

•        المعجزة: "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي ـ مع دعوى النبوّة ـ مع عدم المعارضة".

•        إنّ المعجزة إنّما تكون دليلاً على صدق النبوّة، إذا قَبُح في العقل إظهار المعجزة على يد الكاذب.

•        هناك فوارق بين المعجزة والكرامة وسائر خوارق العادة:

1 - من حيث طريق الحصول عليها: فإنّ المعجزة وليدة العناية الإلهية بخلاف السحر فهو نتاج التعليم والتعلُّم ثم إنّ المعجزة لا تُعارَض بخلاف السحر.

2 - من حيث الأهداف والغايات: فأصحاب المعجزات يتبنّون أهدافاً عالية بخلاف أصحاب السحر فإنّ أهدافهم دنيوية كالمال والجاه والسمعة.

3 - من حيث التقيّد بالقيم الأخلاقية: فأصحاب المعجزة والكرامة أصحاب أخلاق وقيم بخلاف أصحاب السحر.

•        إنّ المعجزة لا تنقض قانون العلّيّة، فإن المنفي في مورد المعجزة هو العلل المادية التي اعتاد الإنسان على مشاهدتها في عالم الطبيعة.

 

236


186

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هي الرابطة المنطقية بين الإعجاز ودعوى النبوّة؟
2- تمتاز المعجزة عن الكرامة من حيث الأهداف والغايات، بيّن ذلك.
3- فسّر كيف أنّ المعجزة لا تتناقض مع قانون العلّية.

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- عُرّفت المعجزة بأنّها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي، مع عدم المعارضة.  
2- لا يشترط في مدّعي النبوة أن يكون فعله مطابقاً لدعواه فلو خالف ذلك سمّي معجزة وصحّت دعوته.  
3- إذا لم نقل بالتحسين والتقبيح العقليين يستلزم ذلك سدّ باب التصديق بالنبوّة من طريق الإعجاز.  
4- لا يتوقّف حصول المعجزة على كونها هبة إلهية بل لا بد من التدريب والممارسة والتعليم لكي تتحقّق.  
5 -يمتاز أصحاب المعاجز والكرامات بالتقيّد بالقيم الأخلاقية خلافاً لأصحاب الرياضة والسحر.  

 
237

187

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

الدرس الثاني والعشرون:

طرق معرفة الأنبياء (2)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يستدلّ على صدق دعوى النبي من خلال تنصيص النبي السابق.

2- يستدل على صدق دعوى النبي من خلال صفاته وصفات أتباعه.

3- يستدل على صدق دعوى النبي من خلال مضمون وأسلوب دعوته.

 

239


188

الدرس الواحد والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (1)

2 - نصّ النبيّ السابق

إذا ثبتت نبوَّة نبي بدلائل مفيدة للعلم بنبوَّته، ثمّ نصّ هذا النبيّ على نبوَّة نبيّ لاحق يأتي من بعده، كان ذلك حجّة قطعيّة على نبوَّة اللاحق، لا تقلّ في دلالتها عن المعجزة.

 

وذلك لأنّ النبيّ الأوّل، إذا ثبتت نبوّته، يثبت كونه معصوماً عن الخطأ والزلل، لا يكذب ولا يسهو، فإذا قال ـ والحال هذه ـ :سيأتي بعدي نبيّ اسمه كذا، وأوصافه كذا وكذا، ثمّ ادّعى النبوّة بعده شخص يحمل عين تلك الأوصاف والسمات، يحصل القطع بنبوَّته.

 

ولا بدّ أن يكون الاستدلال بعد كون التنصيص واصلاً من طريق قطعي، وكون الأمارات والسمات واضحة، منطبقة تمام الانطباق على النبيّ اللاحق، وإلّا يكون الدليل عقيماً غير منتج.

 

ومن هذا الباب تنصيص المسيح على نبوّة النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كما يحكيه سبحانه بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[1].

 


[1] سورة الصف، الآية 6.

 

241


189

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

ويظهر من الذكر الحكيم أنّ السَلَف من الأنبياء وصفوا النبيّ الأكرم بشكل واضح، وأنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبيّ كمعرفتهم لأبنائهم، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[1]. بناء على رجوع الضمير إلى النبيّ، المعلوم من القرائن، لا إلى الكتاب.

 

وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[2].

 

وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوّة النبيّ الخاتم في حياته وبعد مماته، لصراحة التباشير الواردة في العهدين.

 

هذا، وإنّ الاعتماد على هذا الطريق في مجال نبوّة النبيّ الخاتم، في عصرنا هذا، يتوقّف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمّها إلى بعضها، حتى يخرج الإنسان بنتيجة قطعيّة على أنّ المراد من النبيّ المُبشَّر به فيهما هو النبيّ الخاتم. وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وألَّفوا فيه كتباً[3].

 

3- جمع القرائن والشواهد

هذا هو الطريق الثالث لتمييز النبيّ الصادق عن المتنبّئ الكاذب، وهذا الطريق معتمد عليه في المحاكم القانونية لحلّ الدعاوى والنزاعات، يسلكه القضاة في إصدار أحكامهم، ويستند إليه المحامون في إبراء موكّليهم، خاصّة في المحاكم الغربية التي تفتقد القضاء على ضوء الأيمان والبينات. وتقضي هذه الطريقة بجمع كل القرائن والشواهد التي يمكن أن تؤيّد دعوى المدّعي، أو إنكار المنكر، وضمّها إلى بعضها حتى يحصل القطع بصحّة دعواه أو إنكاره. ويمكن تطبيق هذه الطريقة بعينها في مورد دعوى النبوة، فنتحرى جملة القرائن التي يمكن أن نقطع معها بصدق الدعوى، ومن أهمّ هذه القرائن التي لها دور في تأييد وتأكيد صدق مدّعي النبوّة:

 


[1] سورة البقرة، الآية 146.

[2] سورة الأعراف، الآية 157.

[3] لاحظ منها كتاب "أنيس الأعلام"، ومؤلّفه كان قسيساً محيطاً بالعهدين وغيرهما وقد تشرّف باعتناق الإسلام، وألّف كتباً كثيرة، منها هذا الكتاب وقد طبع في ستة أجزاء.

 

242


190

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

1- صفات النبيّ وأ خلاقه:

ممّا يدلّ على كون مدّعي النبوّة صادقاً في دعواه، تحلّيه بروحيات كمالية عالية، وأخلاق إنسانية فاضلة، غير منكبّ على الدنيا وزخرفها، ولا طالب للرئاسة والزعامة، لم ير له في حياته منقصة، ودناسة، بل عرف بكلّ خلق كريم، واشتهر بالنّزاهة والطهارة. فجميع هذه الصفات تدلّ على صفائه في روحه وباطنه، وبالتّالي صدقه في دعواه.

 

2- مضمون دعوة النبي:

من جملة القرائن التي تُرشد إلى صدق المدّعي أو كذبه في دعواه، مضمون العقيدة التي يحملها، والدعوة التي يدعو إليها، ومقدار التوافق بينهما.

 

فإذا كانت العقيدة التي يحملها، والمعارف التي يدعو إلى اعتناقها، معارف إلهية تبحث في خالق الكون وصفاته وأفعاله، وكانت دعوته العملية مرشدة إلى التحلّي بالمُـثُـل الأخلاقيـة، والفضائل الإنسانية، وناهية عن الرذائل النفسية وركوب الشهوات المنحرفة والفسق والمجون، كانت هذه قرائن على اتصال دعوته بخالق الكون، ومبدأ الخير والجمال.

 

3- أسلوب دعوة النبي:

من القرائن الّتي تدلّ على صدق المدّعي في دعوى النبوّة والسفارة الإلهية، اعتماده في دعوته على أساليب إنسانية، موافقة للفطرة والطهارة، فإنّ لذلك دلالات على إلهية دعواه.

 

وأمّا لو اعتمد في نشر وتبليغ ما يدّعيه على وسائل إجرامية، وأساليب وحشية غير إنسانية، متمسكاً بقول ماكيافللي: "الغاية تبرّر الوسائل"[1]، كان هذا دليلاً على كون دعواه شخصية محضة، لا صلة لها بالعالم الربوبي.

 


[1] نيكولو ماكيافللي (1469 - 1527م). سياسي ومؤرخ إيطالي، أحد أعلام عصر النهضة في أوربا، شارك في الحياة السياسية في إيطاليا ثمّ اعتزلها عام (1512م) متفرّغاً للتأليف، وعرف في تاريخ الفكر السياسي بمؤلّفه الشهير "الأمير"، حيث أيّد فيه نظام الحكم المطلق، وأحلّ فيه للحاكم اتّخاذ كلّ وسيلة تكفل استقرار حكمه واستمراره، ولو كانت منافية للدين والأخلاق وذلك على أساس أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، ومن هنا صار لفظ "المكيافللية" وصفاً لكلّ مذهب ينادي بأنّ الغاية تبرّر الواسطة أو الوسيلة. غير أنّ ماكيافللي عاد في كتابه "المحاضرات"، فأيّد النظام الجمهوري الذي يقوم على سيادة الشعب، وعدَّد مزايا هذا النظام وفضّله على النظام الملكي.

 

243


191

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

4- أخلاق اتباع النبي:

إنّ لنفسيات المؤمنين بمدّعي النبوّة وحواريه، دلالة خاصّة على صدقه فيما يدّعيه، وذلك أنّ أقرباء المدّعي وبطانته إذا آمنوا به، واتّبعوا دعوته، وبلغوا فيها مراتب عالية من التقوى والورع، كان هذا دالاًّ على صدق المدّعي في ظاهره وباطنه، وعدم التوائه وكذبه، لأنّ الباطن لا يمكن أن يخفى عن الأقرباء والبطانة.

 

هذه القرائن وما يشابهها إذا اجتمعت في مدّعي النبوّة، ودعواه التي يدّعيها، قد تشكّل دليلاً قاطعاً على صدقه، فإنّ كلّ واحدة من القرائن، وإن كانت قاصرة عن إفادة اليقين، إلاّ أنّها بمجموعها تفيده.

 

244


192

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

المفاهيم الرئيسة

1- هناك الكثير من الطرق والوسائل لمعرفة النبي وإدراك صحة دعوته:

 

2- من هذه الطرق: تنصيص النبيّ السابق على اللاحق، فإذا ثبتت نبوّة السابق بطريق صحيح فهو إذاً لا يكذب، فيكون إخباره الواصل من طريق قطعي على نبوّة اللاحق دليلاً على نبوّة اللاحق، مع اعتبار وضوح الأمارات والسمات وكونها منطبقة تمام الانطباق على اللاحق.

 

3- ومن الطرق أيضاً: جمع القرائن والشواهد، ومن أهمّ هذه القرائن:

أ- صفات النبيّ وأخلاقه.

ب- مضمون دعوة النبي.

ج- أسلوب النبي في دعوته.

د- أخلاقيات المؤمنين بالنبي.

 

245


193

الدرس الثاني والعشرون: طرق معرفة الأنبياء (2)

أجب على الأسئلة التالية:
1- استدلّ من القرآن الكريم على تنصيص النبي عيسى عليه السلامعلى نبوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

2- اشرح باختصار كيف يمكن أن يكون مضمون دعوة مدّعي النبوة دليلاً على نبوته.

3- تعتبر نفسيات وصفات المؤمنين بمدّعي النبوة دليلاً قوياً على صدق دعوته، بيّن ذلك.

ضع إشارة  أو   المكان المناسب:
1- تُعتبر القرائن والشواهد دليلاً مساعداً في إثبات دعوى نبوة الأنبياء.  

2- إذا أخبر النبي السابق بنبوة آخر لحق عليه يكفي انطباق الصفات والأمارات والعلامات عليه ولا يجب أن يكون من طريق قطعي.  

3- إنّ صفات وشمائل مدّعي النبوة تُعتبر مستنداً واضحاً على إثبات دعواه في النبوة.  

4- إنّ استخدام أساليب القوة والصلابة في إثبات النبوة يعتبر دليلاً على صدق دعوى النبي نظراً لحاجته في ضرورة إقناع الناس والتزامهم بأحكام الدين.  

5- إنّ الاعتماد على القرائن والشواهد في إثبات النبوة كان دليلاً معتمداً عند الأمم السابقة كالروم وغيرهم.  

 

246


194

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

الدرس الثالث والعشرون:

الوحي

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعرف معنى الوحي لغةً واصطلاحاً.

 

2- يبيّن حقيقة الوحي وارتباطها بالنبوة.

 

3- يستعرض الأقوال في حقيقة الوحي واختيار الصحيح منها.

 

247


195

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

الوحي في اللغة

هو الإعلام بخفاءٍ بطريق من الطرق[1]، وقد جاء استعماله في القرآن الكريم في موارد متعدّدة مختلفة يجمعها المعنى اللغوي حقيقة أو ادّعاءً، منها قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾[2]، أي أودع في كلّ سماءٍ السنن والأنظمة الكونية، وقدّر عليها دوامها، فإيجاد السنن والنظم في السماوات على وجه لا يقف عليه إلّا المتدبّر في عالم الخلقة يشبه الإلقاء والإعلام بخفاء بنحو لا يقف عليه إلّا الملقى إليه، وهو الوحي.

 

ومنها قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾[3].

 

فأطلق الوحي على ما أودع في صميم وجود النحل من غريزة إلهية تهديه إلى أعماله الحيويّة الخاصّة.

 

ومنها قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[4].

 

حيث إنّ تفهيم أُمّ موسى عليه السلام مصير ولدها كان بإلهام وإعلام خفي، عبّر عنه بالوحي.

 


[1] راجع في ذلك: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج 6، ص 93، الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مصدر سابق، مادة "وحي"؛ ابن منظور، لسان العرب، ج 15، ص 379.

[2] سورة فصّلت، الآية 12.

[3] سورة النحل، الآية 68.

[4] سورة القصص، الآية 7.

 

249


196

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

ومنها قوله تعالى في وصف النبي زكريّا عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[1].

 

والمعنى: أشار إليهم من دون أن يتكلّم، لأمره سبحانه إيّاه أن لا يكلّم الناس ثلاث ليال سويّاً، فأشبه فعله، إلقاء الكلام بخفاء لكون الإشارة أمراً مبهماً.

 

ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[2].

 

ويعلم وجه استعمال الوحي هنا ممّا ذكرناه فيما سبقه.

 

وحي النبوّة

ولكنّ الغالب في استعمال كلمة الوحي في القرآن هو كلام الله المنزّل على نبيّ من أنبيائه، فكلّما أطلق الوحي وجرّد عن القرينة يراد منه ذلك، وهذا هو الذي نحن بصدد بيان حقيقته فنقول:

الوحي الّذي يختصّ به الأنبياء: هو إدراك خاصّ متميّز عن سائر الإدراكات وليس نتاج الحس ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما هو إدراك خاص يوجده الله سبحانه في الأنبياء، وهو يغاير الادراك الفكري المشترك بين أفراد الإنسان عامّة، لا يغلط معه النبيّ في إدراكه ولا يشتبه ولا يختلجه شك ولا يعترضه ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو الله سبحانه، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل، أو إقامة حجّة.

 

قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  * عَلَى قَلْبِكَ﴾[3].

 

فهذه الآية تشير إلى أنّ الّذي يتلقّى الوحي من الروح الأمين هو نفس النبيّ الشريفة، من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية.

 

وعلى هذا، فالوحي حصيلة الاتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة

 


[1] سورة مريم، الآية 11.

[2] سورة الأنعام، الآية 121.

[3] سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.

 

250


197

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

المعتادة ولا بالأصول التي تجهّز بها العلم الحديث ومن لم يذعن بعالم الغيب يشكل عليه الإذعان بهذا الإدراك الّذي لا صلة له بعالم المادّة وأُصوله.

 

الوحي والنبوغ

إنّ هناك أُناساً يفسّرون النبوّات والرسالات ونزول الوحي على العباد الصالحين بنحو يجمع بين تصديق الأنبياء من جانب، والأصول العلمية الحديثة من جانب آخر، ومن هذا الباب تفسير بعضهم النبوّة بالنبوغ والوحي بلمعات ذاك النبوغ.

 

وحاصل مذهبهم أنّه يتميّز بين أفراد الإنسان المتحضّر، أشخاص يملكون فطرة سليمة وعقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع وسعادة الإنسان، فيبدعون في ايجاد قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمران الدنيا، والإنسان الصالح الذي يتميّز بهذا النوع من النبوغ هو النبيّ، والفكر الصالح المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي، والقوانين التي يسنّها لصلاح الاجتماع هو الدّين، والروح الأمين هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه الأفكار إلى مراكز إدراكه، والكتاب السماوي هو كتابه الّذي يتضمن سننه وقوانينه.

 

ويلاحظ عليه:

أوّلاً: لو صحّت هذه النظرية لم يبق من الاعتقاد بالغيب إلّا الاعتقاد بوجود الخالق البارئ، أمّا ما سوى ذلك فكلّه نتاج الفكر الإنساني الخاطئ، وهذا في الواقع نوع إنكار للدِّين.

 

وثانياً: إنّ قسماً ممّا يقع به الوحي الإنباء عن الحوادث المستقبلية، إنباءً لا يخطئ تحقّقه أبداً، مع أنّ النوابغ وإن سموا في الذكاء والفطنة لا يخبرون عن الحوادث المستقبلة إلّا مع الاحتياط والتردّد، لا بالقطع واليقين.

 

وثالثاً: إنّ حملة الوحي ومدّعي النبوّة ـ من أوّلهم إلى آخرهم ـ إنّما ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى الله سبحانه ولا يدّعون لأنفسهم شيئاً، ولا يشكّ أحد في أنّ الأنبياء عباد

 

251


198

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

صالحون، صادقون لا يكذبون، فلو كانت السنن التي أتوا بها من وحي أفكارهم، فلماذا يغرون المجتمع بنسبتها إلى الله تعالى؟

 

هذا، ولو كانت شريعة النبيّ الخاتم  صلى الله عليه وآله وسلموالكتاب المجيد الذي جاء به، وليدي النبوغ والعبقرية، فلماذا عجز عن مقابلته ومقارعته النوابغ والعباقرة طرّاً في جميع القرون إلى عصرنا هذا؟

 

الوحي تجلّي الأحوال الروحية

زعم بعض المستشرقين[1] أنّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبيّ لا من الخارج، وذاك أنّ سموّ نفسه، وسريرته الطاهرة، وقوّة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية فيتصوّر ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إلهياً نازلاً عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثّل له رجل يلقنه ذلك، يعتقد أنّه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء.

يقول أصحاب هذه النظرية: لا نشكّ في صدق الأنبياء في إخبارهم عما رأوا وسمعوا، وإنما نقول: إنّ منبع ذلك من نفسه وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال إنّه وراء عالم المادة والطبيعة.

 

نقد نظرية المستشرقين

هذه النظرية التي جاء بها بعض الغربيّين وإن كانت تنطلي على السذّج من الناس وتأخذ بينهم رونقاً إلّا أنّ رجال التحقيق يدركون تماماً أنّها ليست بشئ جديد قابل للذكر، وإنّما هي تكرار لمقالات العرب الجاهليين في النبوّة والوحي ولكن بثوبٍ جديد.

 


[1] هذه النظرية مأثورة عن المستشرق "مونتيه" وفصّلها "إميل درمنغام". لاحظ: الوحي المحمدي، السيد محمد رشيد رضا، ط6، 1960م، ص66.

 

252


199

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

فمن جملة افتراءاتهم على النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وصم شريعته بأنّها نتاج الأحلام العذبة التي كانت تراود خاطره، ثم تتجلّى على لسانه وبصره، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾[1].

 

والقرآن يردّ مقالتهم ويركّز على أنّ الوحي أمر واقعي مفاض من الله سبحانه، ويقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[2].

 

وكذلك يقول: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[3]. أي لم يكذب فؤاد محمد  صلى الله عليه وآله وسلم ما أدركه بصره، أي كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة وإدراكاً حقيقياً.

 

وكذلك يقول: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾[4]. كناية عن صحّة رؤيته وأنّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له.

 


[1] سورة الأنبياء، الآية 5.

[2] سورة النجم، الآيات 5-1.

[3] سورة النجم، الآية 11.

[4] سورة النجم، الآية 17.

 

253


200

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

المفاهيم الرئيسة

•        الوحي لغةً هو الإعلام بخفاءٍ بطريق من الطرق. ووحي النبوّة هو كلام الله المنزل على نبيّ من أنبيائه.

 

•        إنّ الوحي الّذي يختصّ به الأنبياء إدراك خاصّ متميّز عن سائر الإدراكات فإنّه ليس نتاج الحس ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما هو حصيلة الاتصال بعالم الغيب.

 

•        لا يصحّ تفسير الوحي على أساس أنّه نتيجة النبوغ ، ولو كان كذلك فلم عجز عن مقابلته ومقارعته النوابغ والعباقرة طرّاً في جميع القرون إلى عصرنا هذا؟

 

•        ولا هو نتيجة تجلّي الأحوال الروحيّة، فإنّ الأنبياء كانوا يعرفون أنفسهم بأنّهم مبعوثون من جانب الله تعالى، ولا شأن لهم إلا إبلاغ الرسالات الإلهية إلى الناس، ولا ريب في أنّهم كانوا صادقين في أقوالهم، وإلا لكانوا قاصرين في مجال المعرفة، وما زالوا في جهل مركّب، وهذا ما لا يتفوّه به من له أدنى معرفة بمقالات الأنبياء وشخصيّاتهم الجليلة في مجال العلم والعمل.

 

254


201

الدرس الثالث والعشرون: الوحي

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- فسّر كيف استخدم القرآن الكريم مصطلح الوحي في آيات متعدّدة ومختلفة.

2- فُسّر الوحي بأنّ تجلّي الأحوال الروحية لدى الأنبياء وليس من عالم الغيب شيء في ذلك، ناقش هذه النظرية مبيّناً عدم صحتها.

3- بيّن حقيقة الوحي من خلال قوله سبحانه وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾.

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- الوحي هو عبارة عن كلام الله المنزل على نبيّ من أنبيائه لغاية تبليغ الناس ما يريده الخالق منهم.  

2- إنّ نسبة الأفكار والسنن الإلهية التي أتى بها الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى لا يتنافى مع كون الوحي ناتج عن نبوغهم الفكري.  

3- إذا قلنا بأن الوحي هو عبارة عن نتاج النبوغ الفكري لدى الإنسان فإنّ ذلك يؤدّي إلى انهيار المنظومة العقائدية لدى الإنسان.  

4- الوحي حصيلة الاتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة المعتادة ولا بالأصول التي تجهّز بها العلم الحديث.  

5- أكد القرآن على أنّ الوحي أمر واقعي مفاض من الله سبحانه ولا يحتمل الشك ولا الخطأ.  

 

255


202

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

الدرس الرابع والعشرون:

عصمة الأنبياء  عليهم السلام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن معنى العصمة في اللغة والاصطلاح.

 

2- يستعرض الأدلّة على لزوم العصمة في الأنبياء  عليهم السلام.

 

3- يتعرّف إلى مبادىء تكوّن ملكة العصمة.

 

257


203

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

العصمة في اللغة والاصطلاح

أما لغة: قال ابن فارس: "عصم: أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كلّه واحد، من ذلك (العصمة) أن يعصم الله عبده من سوء يقع فيه، واعتصم العبد بالله تعالى إذا تمنَّع"[1].

 

وقال الراغب: العصم الإمساك، والاعتصام الاستمساك، قال: ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾[2]: أي لا شيء يعصم منه، وقال: ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾[3]، والاعتصام التمسك بالشيء، قال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا﴾[4].[5]

 

وأمّا في اصطلاح المتكلّمين: فالمشهور عند العدلية أنّها لطف لا داعي معه إلى ترك الطاعة ولا إلى ارتكاب المعصية مع القدرة عليهما[6]، وقال المحقّق الجرجاني المتوفى (816 ه‍) في كتاب التعريفات: "العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكُّن منها"[7].

 

العصمة غصن من دوحة التقوى، وهي ملكة نفسانية راسخة في النفس، تمنع الإنسان عن المعصية مطلقاً، فهي من سنخ التقوى لكنها درجة قصوى منها، فالتقوى

 


[1] ابن فارس، المقاييس، مصدر سابق، ج 4، ص331.

[2] سورة هود، الآية 43.

[3] سورة يونس، الآية 27.

[4] سورة آل عمران، الآية 103.

[5] الراغب الأصفهاني، المفردات، مصدر سابق، كتاب العين، مادة عصم.(بتصرف).

[6] العلّامة الحلّي، إرشاد الطالبين، ص 130.

[7] الجرجاني، التعريفات، لا.ن، إيران - طهران، لا.ت، ط1، ص 65، الطبعة الأولى، طهران.

 

259


204

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

في العاديين من الناس، كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا ترقّت في مدارجها وعلت في مراتبها، تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة والامتناع المطلق عن ارتكاب أيّ قبيح من الأعمال، بل يمنعه حتى عن التفكير في خلاف أو معصية.

 

لزوم عصمة الأنبياء عليهم السلام عن المعاصي

إنّ الأدلة العقلية على وجوب عصمة الأنبياء كثيرة نكتفي بتقرير دليلين منها:

1- الوثوق فرع العصمة:

قال المحقق الطوسي: "ويجب في النبيّ العصمة ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض".

وتقريره - كما قال العلامة الحلي - : "إنّ المبعوث إليهم لو جوّزوا الكذب على الأنبياء والمعصية، جوّزوا في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم باتباعهم فيها ذلك، وحينئذٍ لا ينقادون إلى امتثال أوامرهم، وذلك نقض الغرض من البعثة"[1].

 

وبعبارة أخرى - كما قال العلامة الطباطبائي - : "التبليغ يعمّ القول والفعل، فإنّ في الفعل تبليغاً، كما في القول، فالرسول معصوم عن المعصية باقتراف المحرمات وترك الواجبات الدينية ، لأنّ في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية"[2].

 

فإن قلت: إنّ هذا الدليل لا يثبّت أزيد من عصمة الأنبياء بعد البعثة. قلت: لو كانت سيرة النبيّ مخالفة لما هو عليه بعد البعثة لا يحصل الوثوق الكامل به وإن صار إنساناً مثالياً، فتحقُّق الغرض الكامل من البعثة رهن عصمته في جميع فترات عمره.

 

2- التربية رهن عمل المربي:

إنّ الهدف العام الذي بُعث لأجله الأنبياء هو تزكية الناس وتربيتهم، ولا شكّ أنّ تأثير

 


[1] العلّامة الحلّي، كشف المراد، مصدر سابق، ص 274.

[2] السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 20، ص 57.

 

260


205

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

التربية بالعمل أشدّ وأعمق وآكد منها عن طريق الوعظ والإرشاد، وذلك أنّ التطابق بين مرحلتي القول والعمل هو العامل الرئيس في إذعان الآخرين بأحقيّة تعاليم المصلح والمربي، وهذا الأصل التربوي يجرّنا إلى القول بأنّ التربية الكاملة المتوخّاة من بعثة الأنبياء لا تحصل إلّا بمطابقة أعمالهم لأقوالهم، وهذا كما يوجب العصمة بعد البعثة، يقتضيها قبلها أيضاً، لأنّ لسوابق الأشخاص وصحائف أعمالهم الماضية تأثيراً في قبول الناس كلامهم وإرشاداتهم.

 

عصمة الأنبياء عليهم السلام في تلقّي الوحي وإبلاغه

ذهب جمهور المتكلّمين من السنة والشيعة إلى عصمة الأنبياء في هذه المرحلة. والعصمة في هذه المرحلة على وجهين: أحدهما: العصمة عن تعمّد الكذب، والثاني: العصمة عن الخطأ سهواً في تلقّي الوحي ووعيه وأدائه. والدليل الأوّل المتقدّم على إثبات العصمة عن المعصية، يُثبت عصمتهم في هذا المجال، ولأجل ذلك اكتفى به المحقّق الطوسي في إثبات العصمة على الإطلاق، فإنّ الوثوق التام بالأنبياء لا يحصل إلا بالإذعان البات بمصونيّتهم عن الخطأ في تلقّي الوحي وتحمُّله وأدائه، عمداً وسهواً.

 

أضف إلى ذلك أنّ تجويز الخطأ في التبليغ ولو سهواً ينافي الغرض من الرسالة، أعني: إبلاغ أحكام الله تعالى إلى الناس، ونقض الغرض قبيح، ومخالف للحكمة.

 

وممّا يدلّ على عصمة الأنبياء في هذا المجال قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾[1].

 

إنّ الآية تصف طريق بلوغ الوحي إلى الرسل، ومنهم إلى الناس بأنّه محروس بالحفظة يمنعون تطرّق أيّ خللٍ وانحراف فيه، حتّى يبلغ الناس كما أُنزل من الله تعالى، ويُعلَم هذا بوضوح ممّا تذكره الآية من أنّ الله سبحانه يجعل بين الرسول ومن أرسل إليهم

 


[1] سورة الجن، الآيات 26-28.

 

261


206

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ وبينه ومصدر الوحي ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ رصداً مراقبين هم الملائكة.

 

عصمة الأنبياء عليهم السلام في الكتاب العزيز

إذا ثبتت عصمة الأنبياء في التبليغ، يجوز الاستناد إلى كلامهم في العصمة عن المعاصي، وعلى ضوء ذلك نقول: يصف القرآن الكريم الأنبياء بالعصمة بلطائف البيان ودقائق البرهان، نكتفي بالإشارة إلى نموذج منها، قال عزّ وجلّ - بعد ذكره عدّة من الأنبياء - : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[1].

 

وقال في موضع آخر: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾[2]. ثم بيّن أنّ المعصية ضلالة بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾[3]. فإذا كان الأنبياء مهديين بهداية الله بمقتضى الآية الأولى، ومن هداه الله لا تتطرّق إليه الضلالة بمقتضى الآية الثانية، وكانت المعصية نفس الضلالة بمقتضى الآية الثالثة، فينتج أنّ المعصية لا سبيل لها إلى الأنبياء وهي العصمة.

 

مبادئ تكوّن العصمة

لا شكّ أنّ ملكة العصمة عن المعاصي لا تحصل لصاحبها إلا بلطف من الله تعالى وتوفيقه، ومن جملة ما يُعطي للإنسان الأهلية والصلاحية للحصول على هذا اللطف ما يلي:

1- العلم القطعيّ بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات:

إنّ العلم القطعيّ بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات يخلق في النفس وازعاً قوياً يصدّه عن ارتكاب الأعمال الخطيرة، وأمثاله في الحياة كثيرة، فلو وقف أحدنا على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل من يمسّها بدون عازل، فإنّه يحجم من

 


[1] سورة الأنعام، الآية 90.

[2] سورة الزمر، الآية 37.

[3] سورة يس، الآية 62.

 

262


207

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والاقتراب منها. وقس على ذلك سائر العواقب الخطيرة وإن كانت من قبيل السقوط في أعين الناس، وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه، بحيث لا ترغد الحياة معه.

 

فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية عن ارتكابها في هذا العالم ، فكيف بالعلم القطعي بالعواقب الأخروية للمعاصي ورذائل الأفعال؟ علماً لا يداخله ريب ولا يعتريه شك، علماً تسقط دونه الحجب فيرى صاحبه رأي العين، ويلمس لمس الحسّ تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الأخرى، ذاك العلم الذي قال تعالى فيه: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾[1].

 

وكأنّ الإمام علياً عليه السلام يصف هؤلاء بقوله: "فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون"[2].

 

ثم إنّ هذا العلم الذي يعطي صاحبه مصونية كاملة عن المعاصي، ليس من سنخ العلوم المتعارفة ليتسرّب إليه التخلّف، بل هو علم خاص فوقها ربّما يعبّر عنه بشهود العواقب، وانكشافها كشفاً تاماً لا يبقى معه ريب. والحاصل أنّ للعلم مرحلة قوية راسخة، تغلب الإنسان على الشهوات وتصده عن فعل المعاصي والآثام وإلى هذا أشار الفاضل المقداد السيوري (المتوفى 826 ه‍) بقوله: "العصمة ملكة نفسانية تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصيومناقب الطاعات، لأنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء، وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس، فتصير ملكة"[3].

 


[1] سورة التكاثر، الآيتان 6 - 5.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة 193.

[3] المقداد السيوري، اللوامع الإلهية، ص 170.

 

263


208

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

2- حبّ المعبود يمنع عن معصيته:

إن الإنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة، واستغرق في شهود جماله، وجد في نفسه انجذاباً نحوه، وتعلّقاً خاصاً به على نحو لا يستبدل برضاه شيئاً، ويدفعه شوق المحبّة إلى أن لا يبتغي سواه، ويصبح كل ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلا الأوحدي من الناس. وإلى هذا أشار الإمام علي  عليه السلام بقوله: "ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، إنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك"[1].

 

وحفيده الإمام الصادق عليه السلام يقول: "لكني أعبده حبّاً له، وتلك عبادة الكرام"[2].

 

العصمة والاختيار

ربما يتوهّم أنّ العصمة تسلب من المعصوم الحرية والاختيار وتقهره على ترك المعصية، لتكون النتيجة انتفاء كل مكرمة ومحمدة تنسب إليه لاجتنابه المعاصي والمآثم.

 

ويدفعه أنّ المعصوم قادر على اقتراف المعاصي بمقتضى ما أعطى من القدرة والحرية، غير أنّ تقواه العالية، وعلمه بآثار المعاصي، واستشعاره عظمة الخالق، يصدّه عن ذلك، فهو كالوالد العطوف الذي لا يقدم على ذبح ولده ولو أُعطي ملء الأرض ذهباً، وإن كان مع ذلك قادراً على قطع وتينه كما يقطع وتين عدوه.

 

يقول العلامة الطباطبائي: "إنّ ملكة العصمة لا تغير الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعاله الإرادية ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سماً قاتلاً من حينه، فإنّه يمتنع باختياره من شربه"[3].

 


[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص 186.

[2] المصدر نفسه.

[3] السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 11، ص 163.

 

264


209

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

وهذا نظير صدور القبيح من الله سبحانه، فإنّه ممكن بالذات ويقع تحت إطار قدرته، فبإمكانه تعالى إخلاد المطيع في نار جهنّم، لكنّه لا يصدر منه لكونه مخالفاً للحكمة، ومبايناً لما وعد به. وعلى ضوء ذلك فوصف العصمة موهبة تفاض على من يعلم من حاله أنّه باختياره ينتفع منها في ترك القبائح، فيعدّ مفخرة قابلة للتحسين والتكريم.

 

265

 

 


210

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

المفاهيم الرئيسة

•        العصمة لغة: الإمساك والمنع، وفي الاصطلاح: العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكّن منها.

 

•        من أدلّة لزوم عصمة الأنبياء  عليهم السلامأنّ:

أ- الوثوق فرع العصمة.

ب- التربية رهن عمل المربي.

 

•        فليثق الناس بالنبيّ ويتّبعوه لا بدّ وأن يكون معصوماً.

 

•        عصمة الأنبياء في تلقّي الوحي وإبلاغه

 

•        ذهب جمهور المتكلمين من السنة والشيعة إلى عصمة الأنبياء في مرحلة تلقّي الوحي وإبلاغه. وهي في هذه المرحلة على وجهين: أحدهما: العصمة عن الكذب، والثاني: العصمة عن الخطأ سهواً في تلقّي الوحي ووعيه وأدائه.

•        من جملة مبادىء تكوّن العصمة، العلم القطعيّ بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات، وحبّ المعبود الذي يمنع عن معصيته.

 

•        إنّ العصمة لا تنافي الاختيار، بل هي موهبة تفاض على من يعلم الله من حاله أنّه باختياره ينتفع منها في ترك القبائح، فيعدّ مفخرة قابلة للتحسين والتكريم.

 

266


211

الدرس الرابع والعشرون: عصمة الأنبياء عليهم السلام

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- ما هو الدليل الأول على عصمة الأنبياء عليهم السلام؟

2- ما هي العصمة؟

3- بيّن كيف أثبت القرآن الكريم بآياته المباركة عصمة الأنبياء الأطهار عليهم السلام.

4- اشرح كيف أنّ العصمة لا تنافي الاختيار من قبل النبي المرسل.

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- عُرّفت العصمة بأنّها لطف لا داعي معه إلى ترك الطاعة ولا إلى ارتكاب المعصية مع القدرة عليهما.

 

2- إنّ تجويز الخطأ في التبليغ ولو سهواً لا ينافي الغرض من الرسالة الإلهية المبلّغة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

3- إنّ ممّا يوجب عصمة الأنبياء عليهم السلامهو تطابق أقوالهم مع أفعالهم في جميع حياتهم.

 

4- إنّ ملكة العصمة لدى الأنبياء تُغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في الأفعال الإرادية وتخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار.

 

5- إنّ العلم القطعيّ عند الأنبياء بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات يخلق في نفوسهم وازعاً قوياً يصدّها عن ارتكاب الذنوب والمعاصي.

 

267


212

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

الدرس الخامس والعشرون:

النبوّة الخاصّة

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى بشائر خاتم الرسل في العهدين.

 

2- يبيّن القرائن الدّالة على نبوّة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

 

3- يستدلّ من خلال بعض القرآن على نبوة نبي الإسلام.

 

269


213

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

بشائر خاتم الرسل

منذ ظهور نبيّ الإسلام، محمد  صلى الله عليه وآله وسلم شكلّ البحث حول نبوّته ورسالته، وحقانية الدين الإسلامي، أهمّ موضوع لكلّ إنسان باحث عن الحقيقة بعد التوحيد. ومع إثبات هذا الموضوع الذي يلازمه إثبات أنّ القرآن الكريم على حقّ، واعتباره الكتاب السماوي الوحيد بين أيدي البشر، والمصون عن التحريف والتغيير، سيهدي البشر حتى نهاية العالم إلى الطريق الوحيد لاثبات سائر المعتقدات الصحيحة، والتعرّف على النظام القيمي (الخلقي) والوظائف العملية وسيمسك بالمفاتيح لعلاج كلّ مواضيع مسائل الرؤية الكونيّة والأيديولوجيّة.

 

إنّ تصديقَ النبيّ السّابق للنبيّ اللاحقِ هو أحد الطرق لإثبات دعوى النبوة وذلك لأنّ الفرض هو أنّ نبوّة النبيّ السابق قد ثبتت بالأدلّة القاطعة، ولهذا من الطبيعي أن يكون كلامُه سنداً قاطعاً للنبوّة اللاحقة، ويُستفادُ من بعض الآيات القرآنيّة أنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون رسول الإسلام كما يعرفون أبناءهم، يعني أنّهم قرأوا علائم نبوَّته في كتبهم السَّماوية، وقد ادّعى رسولُ الإسلام هذا الأمر، ولم يكذّبه أحدٌ منهم أيضاً، كما يقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[1].

 


[1] سورة البقرة، الآية 146.

 

271


214

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

إنّ رسولَ الإسلام ادّعى أنّ السيد المسيحَ عيسى ابنَ مريم عليه السلام بشّر به، وانّه يأتي من بعده نبيٌّ اسمُه "أحمد": ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[1]. كما وأنَّ من الطريف أنْ نَعلمَ أنّ الإنجيل رغم تعرُّضه للتحريف منذ قرون قد جاءَ في إحدى نُسَخِهِ وهو إنجيل يوحنا (الإصحاح 14، 15، 16) بتَنَبّؤٌ بمجيء شخصٍ بعد السيّد المسيح يُدعى "فارقلِيطا" (أي محمّد، بالسريانيّة) يمكن للمحقّقين الرجوع إلى ذلك، للوقوف على الحقيقة[2].

 

القرائن الدالَّة على نبوَّة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم

من الطرق التي يُستكشف بها صدق دعوى مدّعي النبوّة، هي الفحص عن القرائن والشواهد الداخلية والخارجية، وقد ذكرنا في النبوّة العامّة أنّ قيصر الروم هو أوّل من اعتمد هذا الأسلوب، وأُصول هذه القرائن في المقام عبارة عن الأمور التالية:

 

1- سيرته النفسية والخلقية قبل الدعوة:

كفى في إشراق سيرته صلى الله عليه وآله وسلمقبل النبوّة أنّه كان يدعى "الأمين" وكان محلّ ثقة واعتماد العرب في فضّ نزاعاتهم، فالتاريخ يروي أنّه لولا حنكة الرسول في حادثة وقعت بين العرب في مكّة، وإجماعهم على قبول قضائه، لسالت دماؤهم وهلكت نفوسهم، وذلك أنّهم لمّا بلغوا في بناء الكعبة ـ التي هدمها السيل ـ موضع الركن، اختصموا في وضع الحجر الأسود مكانه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تخالفوا واستعدّوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، تفكّر في مخلّص من هذه الورطة.

 

ثمّ إنّ أبا أُميّة بن المغيرة، الذي كان أسنّ قريش كلّها، اقترح عليهم اقتراحاً، فقال: يا قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أوّل من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي

 


[1] سورة الصف، الآية 6.

[2] لقد دوّنت العديد من الكتب التي تجمع بشارات العهدين بمجيء "رسول الإسلام" وتبحث حولها وللمثال راجع كتاب "أنيس الأعلام في نصرة الاسلام" ج5، ص172-139.

 

272


215

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

بينكم فيه، ففعلوا، فكان أوّل داخل عليهم رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا رأوه قالوا: "هذا الأمين رضينا، هذا محمّد" فلمّا انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وآله وسلم: هلمّ ثوباً، فأُتي به فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثمّ قال: "لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثمّ بنوا عليه كما أرادوا"[1]. ومحل الشاهد هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان معروفاً ومشهوراً بلقب الأمين قبل النبوة.

 

2- الظروف التي نشأ فيها وادّعى النبوّة:

الصورة العامّة الّتي يمكن رسمها عن العرب الجاهليين، أنّه كان مجتمعاً غارقاً إلى آذانه في عبادة الحجارة والأوثان، والفساد الذريع في الأخلاق، يظهر في شيوع القمار والزنا، ووأد البنات، وأكل الميتة، وشرب الدم، والغارات الثأرية، وغير ذلك من التقاليد والأعمال السيّئة التي نقلها المؤرّخون ولا حاجة للتفصيل.

 

والنبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلموليد هذه البيئة المتدهورة، نشأ وترعرع فيها، وقضى أربعين عاماً بينهم، فإذا به قد بعث بأُصول وآداب ومعارف، تضادّ ما كان سائداً في تلك البيئة، فلو كان هو في تعاليمه مستمدّاً من بيئته، لكان قد تأثّر بها ولو في بعض هذه التقاليد.

 

ويصف أمير المؤمنين عليّ  عليه السلام الظروف والأوضاع التي كان يعيشها العالم خلال بعثة النبيّ محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: "... أرسله (الله) على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظّ من الحروب، الدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منائر الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهّمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف"[2].

 


[1] ابن هشام، السيرة النبوية، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، مصر - القاهرة، 1383هـ - 1963م، لا.ط، ج1، ص 192 - 199؛ الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص 217 - 218.

[2] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة 89.

 

273


216

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

3- المفاهيم التي تبنّاها ودعا إليها:

جاء الرسول الأعظم بمفاهيم راقية في جميع شؤون الحياة البشرية، ففي مجال المبدأ والمعاد دعا إلى التوحيد، ونبذ الوثنية ونزّهه سبحانه عن كلّ نقص وعيب، وقرّر أنّ الموت ليس بمعنى ختم الحياة، وإنّما هو نافذة للحياة الأبديّة، وأين هذا من مفاهيم الشرك والوثنيّة التي كانت سائدة في ذلك الزمن، وقولهم كما حكاه الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾[1].

 

وفي حقل الأخلاق والتعاون والتآلف الاجتماعي، زرع في محيط البغضاء والحقد بذور المحبّة والمواساة، وجعل أبناء المجتمع الواحد إخوة في الدِّين وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[2].

 

وأرسى أركان الإحسان والعدالة الاجتماعية، وحذّر عن الفواحش والبغي والعدوان، وأين هذا من الممارسات القبيحة الرائجة بين العرب في تلك الظروف؟

 

وفي الحقل الاقتصادي، جاء بأُصول ومفاهيم بنى عليها بنياناً محكماً من التشريعات الاقتصادية في مختلف أبواب المعاملات، فمن ذلك أنّه نادى بحرمة الربا الّذي كان الشغل الشاغل في الجزيرة العربية.

 

وإلى هذا أشار جعفر بن أبي طالب عليه السلام في مقالة ألقاها إلى ملك الحبشة فقال:

"أيّها الملك بعث الله فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي"[3].

 

4- الأساليب التي اعتمدها في نشر دعوته:

إنّ منطق النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومسلكه ـ كغيره من الأنبياء  عليهم السلام ـ هو شقّ الطريق على

 


[1] سورة الجاثية، الآية 24.

[2] سورة الحجرات، الآية 10.

[3] الشيخ الطبرسي, مجمع البيان, ج3, ص 234.

 

274


217

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

نهج الصدق والعدل والتحرّز عن التذرّع بوسائل غير حقّة حتى لو كانت مفيدة ونافعة لأهدافه الشخصيّة، بل كان يناهضها ليستقيم الناس على جادّة الواقع والحقّ.

 

5- أثر رسالته في تغيير البيئة التي ظهر فيها:

إنّ الإلمام العابر بأحوال العرب في شبه الجزيرة العربيّة، يكفي في إثبات أنّ الثورة العارمة على التقاليد والعادات السائدة هناك آنذاك، في مدّة لا تزيد على ثلاث وعشرين سنة وصُنع أُمّة متحضّرة منها، في هذه البرهة الوجيزة من الزمن، أمر يستحيل تحقّقه عن طريق الأسباب العاديّة والأساليب المتعارفة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ وراء هذه الثورة، إمدادات غيبية، نصرت الثائر في جميع مواقفه ومقاصده.

 

وهذا الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام يصف وضع العرب الجاهليّين في بعض خطبه ويقول: "وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار... تسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة"[1].

 

فهذه الأمّة على هذه الحال وهذه الأوصاف، تحوّلت إلى أُمّة عالمة أرست قواعد الحضارة الإنسانية في مدّة قصيرة، ولم يتحقّق ذلك إلّا في ظلّ العنايات الإلهية والإمدادات الغيبية، وإلى هذا أشارت قرَّة عين الرسول الزهراء البتول عليها السلام في خطبة ألقتها بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد المدينة حيث قالت: "ابتعثه الله إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه؛ فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عُكّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها؛ فأنار الله بمحمّد  صلى الله عليه وآله وسلم ظلمها وكشف عن القلوب بُهمها، وجلّى عن الأبصار غممها؛ وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصَّـرهم من العماية، وهداهم إلى الدِّين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم"[2].

 

هذه دراسة إجمالية للدّعوة المحمّدية، وتبيين القرائن الموجودة فيها، والكلّ يشهد

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الخطبة 26.

[2] الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، دار النعمان للطباعة والنشر، العراق - النجف، 1966م، لا.ط، ج1، ص133.

 

275


218

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

على أنّ الداعي كان صادقاً في دعوته، محقّاً في نبوته، وهذا الطريق قابل للبسط والإسهاب ففي وسع المحقّقين في الحياة النبوية، أن يشقّوا هذا الطريق بشكل مُسهَب، حتى يتجلّى صدق دعوته تجلّي الشمس في رائعة النهار.

 

276


219

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

المفاهيم الرئيسة

•        منذ ظهور نبيّ الإسلام، اعتُبِر البحث حول نبوّة نبي الإسلام محمد  صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، وأن الدين الإسلامي المقدّس على حقّ، أهمّ موضوع لكلّ إنسان باحث عن الحقيقة بعد التوحيد.

 

•        إنّ تصديقَ النبيّ السّابق للنبيّ اللاحقِ هو أحد الطرق لإثبات دعوى النبوة.

 

•        من القرائن الدالَّة على نبوَّة الرسول الأعظم:

أ- سيرته النفسية والخلقية قبل الدعوة.

ب- الظروف التي فيها نشأ وادّعى النبوّة.

ج- المفاهيم التي تبنّاها ودعا إليها.

د- الأساليب التي اعتمدها في نشر دعوته.

هـ- أثر رسالته في تغيير البيئة التي ظهر فيها.

 

277


220

الدرس الخامس والعشرون: النبوّة الخاصّة

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- اذكر باختصار بشائر العهدين بخاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
2- وضّح كيف أنّ المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دليل على نبوّته.
3- اشرح خطبة السيدة الزهراء عليه السلام التي تحدّثت فيها عن أحوال العرب قبل النبوة وبعدها مستدلاً بذلك على صدق دعوى نبوة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم؟

 

ضع إشارة   أو  في المكان المناسب:
1- لقد استخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أساليب إيجابية في دعوة الناس إلى الإيمان برسالته ممّا تُعتبر دليلاً واضحاً على صدق دعوته المباركة.  

2- لم يذكر القرآن الكريم تباشير عن الأمم السابقة حول دعوة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.  

3- إذا اطلع الإنسان على سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه قبل دعوة النبوة يدرك عظمة هذا الإنسان وصدقه في ادعائه للنبوة.  

4- إنّ التعاليم التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متأثّرة تأثيراً مباشراً بالبيئة التي كان يعيش فيها ممّا كان لها تأثير في مضمون دعوته.  

5- إنّ النظر إلى الحركة الثقافية والفكرية التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد على صدق دعوته وامتدادها الإلهي.  

 

278


221

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

الدرس السادس والعشرون:

وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح الإعجاز البياني للقرآن الكريم.

 

2- يبيّن المسالك المثبتة للإعجاز البياني للقرآن الكريم.

 

3- يتعرّف إلى الوجوه الأخرى للإعجاز القرآنيّ.

 

279


222

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

الإعجاز البياني للقرآن الكريم

قد ضبط التاريخ أنّه كانت لنبي الإسلام معاجز كثيرة في مواقف حاسمة غير أنّه كان يركّز على معجزته الخالدة وهي القرآن الكريم، ونحن نقتصر بالبحث عن هذه المعجزة الخالدة فنقول:

إنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الدِّين الخالد مقروناً بالمعجزة الخالدة حتّى تتمّ الحجّة على جميع الأجيال والقرون إلى أن تقوم الساعة: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[1]. بل تكون ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾[2]، على الناس في كلّ زمان ومكان.

 

إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصّة يمتاز بها عن كلّ كلام سواه، سواء أصدر من أعظم الفصحاء والبلغاء أو من غيرهم، وهذا هو الذي لمسه العرب المعاصرون لعصر الرسالة، ونحن نعيش في بدايات القرن الخامس عشر من هجرة النبيّ، وندّعي أنّ القرآن لم يزل معجزاً إلى الآن، وأنّه أرقى من أن يُعارض أو يُبارى ويؤتى بمثله أبداً، ويمكن إثبات الإعجاز البياني بطريقين:

الأوّل: الرجوع إلى أهل الخبرة من البلغاء.

الثاني: الإطلاع المباشر.

 


[1] سورة النساء، الآية 165.

[2] سورة الأنعام، الآية 149.

 

281


223

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

ونحن نكتفي هنا بالكلام مختصراً في كلا الطريقين فنقول: أمّا فيما يرتبط بالمسلك الأوّل:

1- اعتراف بلغاء العرب بإعجاز القرآن البياني:

إنّ ما نركّز البحث عليه في المقام راجع إلى الإعجاز البياني للقرآن الذي كان هو محور الإعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة وبلغائهم. إنّ التاريخ قد حفظ اعتراف مجموعة كبيرة من فصحاء العرب بهذا الأمر، وبهذا الصدد نشير إلى النموذج التالي:

كان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً ومن حكّام العرب يتحاكمون إليه في أُمورهم وينشدونه الأشعار، فما اختاره من الشعر كان مقدّماً مختاراً. يروي التاريخ أنّه سمع آيات من القرآن عندما كان يتلوها النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، وهي الآيات الست من أوّل سورة المؤمن، من قوله تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾[1] إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾[2]. فلمّا سمع ذلك قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: "والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يُعلى عليه"[3].

 

وأما فيما يرتبط بالمسلك الثاني:

2- القرآن وأُسلوبه المعجز:

الأساليب السائدة في كلام العرب عصر نزول القرآن، كانت تتردّد بين الأساليب التالية:

أ- أُسلوب المحاورة وهو الّذي كان متداولاً في المكالمات اليومية ولم يكن مختصّاً بطائفة منهم.

 


[1] سورة غافر، الآيتان 1 - 2.

[2] سورة غافر، الآية 6.

[3] الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، مؤسسة الأعلمي، لبنان - بيروت، 1995م، ط1، ج 10، ص 178.

 

282


224

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

ب- أُسلوب الخطابة وهو الأسلوب الرائج بين خطباء العرب وبلغائهم، ويرى هذا الأسلوب في خطب النبيّ والإمام عليّ عليهما السلام في مواقف مختلفة.

 

ج- أُسلوب الشعر، وهو الأسلوب المعروف المبنيّ على البحور المعروفة في العروض.

 

د- أُسلوب السجع المتكلّف، وهو الذي كان يتداوله الكهنة والعرّافون.

 

لكنّ القرآن جاء بصورة من صور الكلام على وجهٍ لم تعرفه العرب، وخالف بأسلوبه العجيب أساليبهم الدارجة ومناهج نظمهم ونثرهم، إنّ الأسلوب القرآني الذي تفرَّد به، كان أبين وجه من وجوه الإعجاز في نظر الباحثين عن إعجازه، وقد ركَز القاضي الباقلاني عليه وحصر وجه إعجازه فيه، وقال: "وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وإنّه خارج عن وجه النظم المعتاد في كلام العرب ومبائن لأساليب خطاباتهم، ولهذا لم يمكنهم معارضته"[1].

 

وممّا يدلّ على أنّ القرآن ليس كلام النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو وجود البون الشاسع بين أُسلوب القرآن وأُسلوب الحديث النبوي. وهناك نوع من المقارنة يتجلى فيها التفاوت بوضوح بين الأسلوبين وهو ملاحظة خطب الرسول الأعظم عندما يخطب ويعظ الناس بأفصح العبارات وأبلغها، ثم يستشهد في ثنايا كلامه بآي من الذكر الحكيم، فعندها يُلمَس البون الشاسع بين الأسلوبين.

 

خطب النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكّة في المسجد الحرام فقال: "يا معشر قريش إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[2]،[3].

 


[1] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، دار الفكر، 1996م، ط1، ج2، ص315.

[2] سورة الحجرات، الآية 13.

[3] ابن هشام، السيرة النبوية، مصدر سابق، ج3، ص 273؛ تاريخ الطبري، مصدر سابق، ج 3، ص 120.

 

283


225

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

الوجوه الأخرى للإعجاز القرآنيّ

هذا وللقرآن جهات أُخرى من الإعجاز سوى ما تقدّم، لا يختصّ فهمها بمن كان عارفاً باللغة العربية وواقفاً على فنون البلاغة في الكلام، وهذه العموميّة في الإعجاز هي التي يدلّ عليها قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[1].

 

فلو كان التحدّي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أُسلوبه فقط لم يتعدّ التحدّي العرب العرباء، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن، فإطلاق التحدّي على الثقلين ليس إلّا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات، فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالِم في علمه، وللمقنّنين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب وعدم الاختلاف في الحكم والعلم والبيان، وإليك فيما يلي بيان بعض تلك الجهات:

1- عدم التناقض والاختلاف:

ممّا تحدّى به القرآن هو عدم وجود التناقض والاختلاف في آياته حيث قال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾[2].

 

توضيح ذلك:

إنّ الإنسان جُبِلَ على التحوّل والتكامل وهناك كلمة قيّمة للكاتب الكبير عماد الدين أبي محمّد بن حامد الأصفهاني (المتوفّى 597هـ) يقول فيها: "إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه، إلّا قال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" هذا من جانب.

 


[1] سورة الإسراء، الآية 88.

[2] سورة النساء، الآية 82.

 

284


226

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

ومن جانب آخر، إنّ القرآن نزل نجوماً في مدّة تقرب من ثلاث وعشرين سنة في فترات مختلفة وأحوال متفاوتة من ليل ونهار، وحضر وسفر، وحرب وسلم وضرّاء وسرّاء وشدّة ورخاء، ومن المعلوم أنّ هذه الأحوال تؤثِّر في الفكر والتعقّل.

 

ومن جانب ثالث، إنّ القرآن قد تعرّض لمختلف الشؤون وتوسّع فيها أحسن التوسُّع، فبحث في الإلهيات والأخلاقيات والسياسيات والتشريعيات والقصص وغير ذلك، ممّا يرجع إلى الخالق والإنسان والموجودات العلوية والسفلية.

 

ومع ذلك كلّه لا تجد فيه تناقضاً واختلافاً، أو شيئاً مناقضاً للعقل ومخالفاً للعقلاء، بل ينعطف آخره على أوّله، وترجع فروعه إلى أُصوله. إنّ مثل هذا الكتاب، يحكم العاقل فيه أنّ المتكلّم به ليس ممّن يحكم فيه مرور الأيّام أو يتأثّر بالظروف والأحوال، فلا يكون إلّا كلاماً إلهياً ووحياً سماوياً.

 

توضيح:

ثمّ إنّ كلمة (كَثِيراً) وصف توضيحي لا احترازي، والمعنى: لو كان من غير الله لوجدوا فيه اختلافاً، وكان ذلك الاختلاف كثيراً على حدّ الاختلاف الكثير الذي يوجد في كلِّ ما هو من عند غير الله، ولا تهدف الآية إلى أنّ المرتفع عن القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير[1].

 

2- الإخبار عن الغيب:

إنّ في القرآن إخباراً عن شؤون البشر في مستقبل أدواره وأطواره، وإخباراً بملاحم وفتن وأحداث ستقع في مستقبل الزمن، وهذا الإخبار إن دلَّ على شيء فإنّما يدلّ على كون القرآن كتاباً سماوياً أوحاه سبحانه إلى أحد سفرائه الذين ارتضاهم من البشر، لأنّه أخبر عن حوادث كان التكهّن والفراسة يقتضيان خلافها، مع أنّه صدق في جميع أخباره، ولا يمكن حملها على ما يحدث بالمصادفة، أو على كونها على غرار أخبار الكهنة

 


[1] العلّامة الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 5، ص 20.

 

285


227

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

والعرّافين والمنجّمين، فإنّ دأبهم هو التعبير عن أحداث المستقبل برموز وكنايات حتى لا يظهر كذبهم عند التخلّف، وهذا بخلاف أخبار القرآن فإنّه ينطق عن الأحداث بحماس ومنطق قاطع، وإليك المثالين التاليين:

 

أ- التنبّؤ بعجز البشر عن معارضة القرآن:

قال سبحانه: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[1].

 

وقال أيضاً: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾[2].

 

ترى في هذه الآيات التنبّؤ الواثق بعجز الجن والإنس عن معارضة القرآن عجزاً أبدياً، وقد صدق هذا التنبّؤ إلى الحال، فعلى أيّ مصدر اعتمد النبيّ في هذا التحدّي غير الإيحاء إليه من جانبه تعالى؟

 

ب- التنبّوء بانتصار الروم على الفرس:

قال سبحانه: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾[3].

 

ينقل التاريخ أنّ دولة الروم ـ وكانت دولة مسيحية ـ انهزمت أمام دولة الفرس ـ وهي وثنية ـ بعد حروب طاحنة بينهما سنة 614م.

 

فنزلت هذه الآيات الكريمات تنبئ بأنّ هزيمة الروم هذه سيعقبها انتصار لهم في بضع سنين، وهي مدّة تتراوح بين ثلاث سنوات وتسع، وكانت المقدّمات والأسباب على خلافه، لأنّ الحروب الطاحنة أنهكت الدولة الرومانية حتى غزيت في عقر دارها كما يدلّ عليه قوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، ولأنّ دولة الفرس كانت دولة قويّة منيعة، وزادها

 


[1] سورة الإسراء، الآية 88.

[2] سورة البقرة، الآيتان 23 - 24.

[3] سور الروم، الآيات 1 - 4.

 

286


228

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

الانتصار الأخير قوّة ومنعة، ولكنّ الله تعالى أنجز وعده وحقّق تنبّؤ القرآن في بضع سنين، فانتصر الروم سنة 622م.

هذان نموذجان من تنبّؤات الذكر الحكيم، وهناك تنبّؤات أُخرى لم نذكرها رعاية للاختصار[1].

 

3- الإخبار عن القوانين الكونية:

لا شكّ أنّ الهدف الأعلى للقرآن الكريم هو الهداية، لكنّه ربّما يتوقّف على إظهار عظمة الكون والقوانين السائدة عليه، ولأجل ذلك نرى أنّ القرآن أشار إلى بعض تلك القوانين الّتي كانت مجهولة للبشر في عصر الرسالة، وإنّما اهتدى إليها العلماء بعد قرون متطاولة، وهذا في الحقيقة نوع من الإخبار عن الغيب، كالحديث عن الجاذبية العامة على ما ورد في بعض تفاسير قوله تعالى للآية المباركة ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾[2].

 

فالآية تثبت للسماوات عمداً غير مرئية، فإذا كانت الجاذبية العامّة عمداً تمسك السماوات ـ حسب ما اكتشفه نيوتن وهو من القوانين العلمية المسلّمة عند العلماء الطبيعيين ـ فتكون الآية ناظرة إلى تلك القوّة وإنّما جاء القرآن بتعبير عام حتّى يفهمه الإنسان في القرون الغابرة والحاضرة، وقد روى الصدوق عن أبيه عن الحسين بن خالد عن الإمام أبي الحسن الرضا  عليه السلام قال: قلت له: "أخبرني عن قول الله تعالى ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فقال: سبحان الله، أليس يقول: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾  فقلت: بلى، فقال: ثَمَّ عمد ولكن لا ترى"[3].[4]

 


[1] السبحاني، مفاهيم القرآن، ج 3، ص 543-377.

[2] سورة الرعد، الآية 2.

[3] السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، مؤسسة البعثة، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ج3، ص224.

[4] يراجع حول الآية: تفسير الميزان، مصدر سابق.

 

287


229

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

4- الجامعيّة في التشريع:

إنّ التشريع القرآني شامل لجميع النواحي الحيويّة في حياة البشر يرفع بها حاجة الإنسان في جميع المجالات من الاعتقاد، والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغيرها، إنّ نفس وجود تلك القوانين في جميع تلك الجوانب، معجزة كبرى لا تقوم بها الطاقة البشريّة واللجان الحقوقية، خصوصاً مع اتصافها بمرونة خاصة بحيث تتناسب مع كلّ الحضارات والمجتمعات البدائية منها أو المتطوّرة.

 

يقول الإمام الباقر عليه السلام في هذا المجال: "إنّ الله تعالى لم يدَع شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلِّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه"[1].

 


[1] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص59.

 

288

 


230

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

المفاهيم الرئيسة

•        يُعتبر القرآن الكريم المعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانت له معاجز أخر.

 

•        إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصّة يمتاز بها عن كلّ كلام سواه، وهو معجز من هذه الناحية. ولإثباته مسلكين:

الأوّل: الرجوع إلى أهل الخبرة. وإقرارهم بإعجاز القرآن الكريم.

الثاني: التعرّف عليه بالمباشرة والتحليل.

 

•        أمّا فيما يرتبط بالمسلك الأوّل فيكفينا في ذلك اعتراف بلغاء العرب بإعجاز القرآن البياني، وأمّا فيما يرتبط بالمسلك الثاني فينبغي لإدراكه ملاحظة أسلوب القرآن الذي هو فوق أساليب البشر.

 

•        للقرآن الكريم وجوه أخرى من الإعجاز منها:

1- عدم التناقض والاختلاف.

2- الإخبار عن الغيب.

3- الإخبار عن القوانين الكونية، كالجاذبية العامة وحركة الأرض.

4- الجامعية في التشريع.

 

289


231

الدرس السادس والعشرون: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- من طرق التعرُّف على الإعجاز البياني في القرآن الكريم هو الرجوع إلى أهل الخبرة، بيّن ذلك.

2- اشرح وجه الإعجاز في القرآن الكريم بالإخبار عن الغيب.

3- اذكر تفسير العلامة الطباطبائي "قدس سره" لقوله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- إذا كان الدين خالداً فلا بد وأن تكون المعجزة المقرونة به والمثبتة له خالدة أيضاً.  

2- لم يخالف القرآن الكريم في أسلوبه وبيانه اللغوي العرب وإنما سار ببيانهم وأسلوبهم ليكون حجة عليهم في إعجازه.  

3- إنّ القرآن الكريم قد بحث في كافة المجالات الفكرية والثقافية ومع ذلك لم يكن هنالك اختلاف بين الأفكار والنظريات التي طرحها.  

4- لقد استطاع العرب بقوّة لغتهم ودقّة بيانهم صياغة كلمات عربية مشابهة للقرآن الكريم.  

5- من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم الإخبار عن المغيبات التي تحقّقت والتي منها لم يتحقّق بعد.  

 

290


232

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

الدرس السابع والعشرون:

الخاتمية على ضوء العقل والوحي

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى الدليل على ختم النبوّة.

 

2- يذكر بعض الشبهات حول ختم النبوّة وما يبطلها.

 

3- يُبيّن عدم التنافي بين الخاتمية وخلود التشريع الإسلامي.

 

291


233

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

ختم الرسالة

اتّفقت الأمّة الإسلامية على أنّ نبيّها محمد  صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيّين، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب السماوية، ويدلّ على ذلك نصوص من الكتاب والسنة نشير إليها، ثمّ نجيب عن أسئلةٍ حول الخاتمية.

 

وقد نصَّ القرآن الكريم على أنّه خاتم النبيّين بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[1].

 

قال ابن فارس: "الختم له أصل واحد وهو بلوغ آخر الشيء، يقال: ختمت العمل وختم القارئ السورة، والختم وهو الطبع على الشيء فذلك من هذا الباب أيضاً، لأنّ الطبع على الشيء لا يكون إلّا بعد بلوغ آخره"[2].

 

ثمّ إنّ ختم باب النبوة يستلزم ختم باب الرسالة، وذلك لأنّ الرسالة هي إبلاغ أو تنفيذ ما تحمّله الرسول عن طريق الوحي، فإذا انقطع الوحي والاتصال بالمبدأ الأعلى فلا يبقى للرسالة موضوع، وهذا واضح لمن أمعن النظر في الفرق بين النبيّ والرسول، فالنبيّ هو الإنسان الموحى إليه بإحدى الطرق المعروفة، والرسول هو الإنسان الذي يتلقى الشريعة من الله ويبلّغها للناس، فمن لم يكن نبياً لا يكون رسولاً.

 


[1] سورة الأحزاب، الآية 40.

[2] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، مادة ختم.

 

293


234

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

وممّا ينصّ على الخاتمية من الأحاديث، حديث المنزلة المتفق عليه بين الأمة فقد نزّل النبيّ نفسه مكان موسى، ونزّل علياً مكان هارون، وقال مخاطباً علياً عليه السلام: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي"[1].

 

ودلالة الحديث على الخاتمية واضحة، كدلالته على خلافة الإمام عليّ للنبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته  صلى الله عليه وآله وسلم كما سيوافيك بيانه في باب الإمامة.

 

عالمية الدين الإسلامي

إنّ عالمية الدين الإسلامي وعدم اختصاصه وتحديده بقوم أو منطقة معيّنة من ضروريات هذا الدين الإلهي، وحتى غير المسلمين يعلمون بأنّ الدعوة الإسلامية عامّة وشاملة وغير محدّدة بمنطقة جغرافية معيّنة. ولا يقوم.

 

إضافة إلى ذلك هناك الكثير من الشواهد والدلائل التاريخية التي تدلّ على أنّ النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث الرسائل لرؤساء وملوك الدول القائمة آنذاك، أرسل لكل واحد منهم رسولاً خاصاً ودعاهم جميعاً لاعتناق الدين الإسلامي. ولو لم يكن الدين الإسلامي ديناً عالمياً لما تحقّقت مثل هذه الدعوة الشاملة.

 

وفي القرآن الكريم آيات قرآنية فيها دلالة واضحة على عالمية الإسلام، منها على سبيل المثال الخطاب القرآني الذي يخاطب الناس جميعا في آيات مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾[2]، أو ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾[3]. وقد جعل رسالة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم موجّهة لجميع الناس ﴿الْعَالَمِينَ﴾[4]. ومن جانب آخر يُخاطب القرآن أتباع الأديان الأخرى بـ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾[5]، ويدعوهم إلى الإقرار بنبوة النبي والإلتزام بتعاليمه، ويرى الهدف من

 


[1] أخرجه البخاري في صحيحه: ج 3، ص 58؛ ومسلم في صحيحه: ج 2، ص 323 وغيرهم من العامّة الكثير. وأمّا الإمامية فقد أصفقوا على نقله في مجاميعهم الحديثية.    

[2] سورة البقرة، الآية 21. سورة النساء، الآية 1. سورة فاطر، الآية 15.

[3] سورة الأعراف، الآيات 28-26. سورة يس، الآية 60.

[4] سورة الأنعام، الآية 86. سورة يوسف، الآية 104. سورة ص، الآية 87. سورة التكوير، الآية 27. سورة القلم، الآية 52.

[5] سورة آل عمران، الآيات 65 و70 و 71 و 98 و 110. سورة المائدة، الآيات 15 و 19.

 

294


235

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

نزول القرآن الكريم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو إعلاء الإسلام وإظهاره على سائر الأديان. ومع التأمّل في هذه الآيات وغيرها، لا يبقى شك في عموميّة الدعوة القرآنية وعالمية الدين الإسلامي. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[1].

 

الخاتميّة وخلود التشريع الإسلامي

إنّ هاهنا سؤالاً يجب علينا الإجابة عنه، وهو أنّ توسّع الحضارة يلزم المجتمع بتنظيم قوانين جديدة تفوق ما كان يحتاج إليها فيما مضى، وبما أنّ الحضارة، والحاجات في حال تزايد وتكامل، فكيف تعالج القوانين المحدودة الواردة في الكتاب والسنة، الحاجات المستحدثة غير المحدودة؟

 

والجواب: إنّ خلود التشريع الإسلامي واستجابته للحاجات المستجدة وغناه عن كلّ تشريع مبنيّ على أمور تالية:

1- حجّية العقل في مجالات خاصة:

اعترف القرآن والسنة بحجية العقل في مجالات خاصة، ممّا يرجع إليه القضاء فيها، وقد بيّن مواضع ذلك في كتب أصول الفقه، فهناك موارد من الأحكام العقلية الكاشفة عن أحكام شرعية، كاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، الملازم لعدم ثبوت الحرمة والوجوب إلا بالبيان، وغيرها.

 

وبما أنّ هذا البحث، يرجع إلى علم أصول الفقه نقتصر على هذا القدر، ونختم الكلام بحديث عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وهو يخاطب تلميذه هشام ابن الحكم بقوله: "إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول"[2].

 


[1] سورة التوبة، الآية 33.

[2] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص16.

 

295


236

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

2- تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد:

يستفاد من القرآن الكريم بجلاء أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد، وبما أنّ للمصالح والمفاسد درجات ومراتب، عقد الفقهاء باباً لتزاحم الأحكام وتصادمها، فيقدمون الأهم على المهم، والأكثر مصلحة على الأقل منه. وقد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من المشاكل الاجتماعية التي ربّما يتوهم الجاهل أنّها تعرقل خطى المسلمين في معترك الحياة.

 

3- تشريع الاجتهاد:

إنّ من مواهب الله تعالى العظيمة على الأمّة الإسلامية، تشريع الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد مفتوحاً بصورته البسيطة بين الصحابة والتابعين، كما أنّه لم يزل مفتوحاً بين أصحاب الأئمّة الطاهرين عليهم السلام. وقد جنت بعض الحكومات في المجتمعات الإسلامية حيث أقفلت باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع وحرَمت الأمّة الإسلامية من هذه الموهبة العظيمة.

 

4- صلاحيات الحاكم الإسلامي وشؤونه:

من الأسباب الباعثة على كون التشريع الإسلامي صالحاً لحلّ المشاكل أنّه منح للحاكم الإسلامي كافّة الصلاحيات المؤدّية إلى حقّ التصرف المطلق في كل ما يراه ذا صلاحٍ للأمة، ويتمتّع بمثل ما يتمتع به النبيّ والإمام المعصوم من النفوذ المطلق، إلّا ما يُعدّ من خصائصهما.

 

وهناك كلمة قيّمة للإمام الخميني قدس سره يقول فيها: "إنّ الحاكم الإسلاميّ إذا نجح في تأسيس حكومة إسلامية في قطر من أقطار الإسلام، أو في مناطقه كلها، وتوفّرت فيه الشرائط والصلاحيات اللازمة، وأخصّ بالذكر: العلم الوسيع، والعدل، يجب على المسلمين إطاعته، وله من الحقوق والمناصب والولاية، ما للنبي الأكرم من إعداد القوات العسكرية، ودعمها بالتجنيد، وتعيين الولاة وأخذ الضرائب، وصرفها في محالها، إلى غير

 

296


237

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

ذلك .... وليس معنى ذلك أنّ الفقهاء والحكام الإسلاميين، مثل النبيّ والأئمة في جميع الشؤون والمقامات، حتى الفضائل النفسانية، والدرجات المعنوية، فإنّ ذلك رأي تافه لا يُركن إليه، إذ أن البحث إنّما هو في الوظائف المخوّلة إلى الحاكم الإسلامي، والموضوعة على عاتقه، لا في المقامات المعنوية والفضائل النفسانية، فإنّهم - صلوات عليهم - في هذا المضمار في درجة لا يدرك شأوهم ولا يشقّ لهم غبار حسب روائع نصوصهم وكلماتهم"[1].

 

5- الأحكام التي لها دور التحديد:

من الأسباب الموجبة لانطباق التشريع القرآني على جميع الحضارات، تشريعه لقوانين خاصّة، لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته، فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي بها كلّ الأجيال والقرون.

 

يقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[2].

ويقول سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[3].

ويقول سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾[4].

ويقول سبحانه: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾[5].

 

وما ورد حول النهي عن الضرر من الآيات، كلّها تُحدِّد التشريعات القرآنية بحدود الحرج والعسر والضرر، فلولا هذه التحديدات الحاكمة لما كانت الشريعة الإسلامية مماشية لجميع الحضارات البشرية.

 


[1] الإمام الخميني، ولاية الفقيه، ص 66-63.

[2] سورة الحج، الآية 78.

[3] سورة البقرة، الآية 173.

[4] سورة الأنعام، الآية 119.

[5] سورة النحل، الآية 106.

 

297


238

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

6- الاعتدال في التشريع:

من الأسباب الموجبة لصلاح الإسلام للبقاء والخلود كون تشريعاته مبتنية على أساس الاعتدال موافقة للفطرة الإنسانية، فأخذت من الدنيا ما هو لصالح العباد، ومن الآخرة مثله، فكما ندب إلى العبادة، ندب إلى طلب الرزق أيضاً، بل ندب إلى ترويح النفس، والتخلية بينها وبين لذّاتها بوجه مشروع.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي ربّه، وساعة يرم فيها معاشه، وساعة يخلّي بين نفسه ولذّاتها"[1].

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الحكمة 390.

 

298


239

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

المفاهيم الرئيسة

•        اتّفقت الأمّة الإسلامية على أنّ نبيّها محمد  صلى الله عليه وآله وسلمخاتم النبيّين، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب السماوية، ويدلّ على ذلك نصوص من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.

 

•        أورد على الخاتمية شبهات واهية غنية عن الإجابة من أقواها قولهم: كيف يدّعي المسلمون انغلاق باب النبوّة والرسالة، مع أنّ صريح كتابهم ناصٌّ بانفتاح بابهما إلى يوم القيامة حيث يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

والجواب: إنّ الآية تحكي خطاباً خاطب به سبحانه بني آدم في بدء الخلقة، وفي الظرف الذي هبط فيه آدم إلى الأرض، فليس خطاباً منشأً في عصر الرسالة حتى ينافي ختمها.

 

•        من أهمّ الأسئلة التي طرحت حول ختم النبوة: كيف تعالج القوانين المحدودة الواردة في الكتاب والسنة، الحاجات المستحدثة غير المحدودة؟

والجواب يتّضح بالالتفات إلى الأصول التالية:

1- حجّية العقل في مجالات خاصة.

2- تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.

3- تشريع الاجتهاد.

4- صلاحيات الحاكم الإسلامي وشؤونه.

5- الأحكام التي لها دور التحديد.

6- الاعتدال في التشريع.

 

299


240

الدرس السابع والعشرون: الخاتمية على ضوء العقل والوحي

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- أكّد القرآن الكريم على خاتمية الرسالة والرسول، بيّن ذلك من خلال الآيات القرآن.

 

2- اشرح كيف أنّ الأحكام الشرعية مبنية على قاعدة المصالح والمفاسد.

 

3- إنّ الأحكام والقوانين الواردة في الكتاب والسنة مرتكزة على مبدأ الاعتدال، وضّح ذلك.

 

ضع إشارة ü أو  ûفي المكان المناسب:

1- إنّ التشريعات الإسلامية محكومة بمنظومة تشريعات وحدود تجعلها تتماشى مع جميع الحضارات البشرية.

 

2- لقد حدّد التشريع الإسلامي صلاحيات الحاكم الإسلامي وضيّق من حدوده في القدرة على التصرّف بما يتناسب مع حاجيات المجتمع.

 

3- إذا كان الدين الإسلامي ديناً عالميّاً فهذا يقتضي أن لا يكون هناك دين آخر ولا نبي آخر ولا رسالة أخرى بعد الإسلام.

 

4- إنّ حجية العقل حجية مطلقة في جميع المجالات الفكرية العقلية منها والشرعية.

 

5- يمتاز الدين الإسلامي بإعطائه حقّ التشريع للفقهاء من خلال فتح باب الاجتهاد في المجالات الفكرية كافة.

 

300


241

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

الدرس الثامن والعشرون:

الإمامة والخلافة

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى الدافع لطرح بحث الإمامة.

 

2- يُبيّن حقيقة الإمامة.

 

3- يذكر مؤهّلات الإمام وصفاته الأساسية.

 

301


242

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

لماذا نبحث عن الإمامة؟

إنّ أوّل خلاف نجم بين المسلمين بعد ارتحال الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم هو الاختلاف في مسألة الإمامة والخلافة، وصارت الأمة بذلك فرقتين، فرقة تشايع عليّاً عليه السلام وفرقة تشايع غيره من الخلفاء، والبحث حول كيفية وقوع هذا الاختلاف وعلله خارج عمّا نحن بصدده، لأنه بحث تاريخي يبحثه علم الملل والنحل، والمقصود بالبحث هنا هو تحليل حقيقة الإمامة وشروطها عند الشيعة وأهل السنة، على ضوء العقل والوحي والوقائع التاريخية.

 

قد يقال: إنّ البحث عن صيغة الخلافة بعد النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم يرجع لبّه إلى أمر تاريخي قد مضى زمنه، وهو أنّ الخليفة بعد النبيّ هل هو الإمام أمير المؤمنين أو أبو بكر، وماذا يفيد المؤمنين البحث حول هذا الأمر الذي لا يرجع إليهم بشيء في حياتهم الحاضرة، أوليس من الحريّ ترك هذا البحث حفظاً للوحدة؟

 

والجواب: أولاً: إنّه لا شكّ أنّ من واجب المسلم الحرّ السعي وراء الوحدة، ولكن ليس معنى ذلك ترك البحث رأساً، فإنّه إذا كان البحث نزيهاً موضوعياً يكون مؤثراً في توحيد الصفوف وتقريب الخطى، إذ عندئذ تتعرّف كل طائفة على ما لدى الأخرى من العقائد والأصول.

 

وثانياً: إنّ لمسألة الخلافة بعد النبيّ بُعدين: أحدهما تاريخيّ مضى عصره، والآخر بعد دينيّ باقٍ أثره إلى يومنا هذا، وسيبقى بعد ذلك، وهو أنه إذا دلّت الأدلّة على

 

303


243

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

تنصيب الإمام عليّ عليه السلام على الولاية والخلافة بالمعنى الذي تتبنّاه الإمامية يكون الإمام إضافة إلى كونه قائداً في ذلك العصر، يكون ولياً ومرجعاً علميّاً ورافعاً للمشاكل التي خلّفتها رحلة النبيّ، كما سيوافيك بيانها.

 

ولو كان البحث بعنوان الإمامة والخلافة مثيراً للخلاف فإنّ للبحث صورة أخرى نزيهة عنها، وهو البحث عن المرجع العلمي للمسلمين بعد رحلة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مسائلهم ومشاكلهم العلمية، وهل قام النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم بنصب شخص أو طائفة على ذلك المقام أو لا؟ والبحث بهذه الصورة لا يثير شيئاً.

والشيعة تدّعي أنّ السنّة النبوية أكّدت على مرجعية أهل البيت  عليهم السلام في العقائد والمسائل الدينية، وراء الزعامة السياسية المحدّدة بوقت خاص ومن أوضحها حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين ولا يشكّ في صحّته إلا الجاهل به أو المعاند، فقد روي بطرق كثيرة عن نيفٍ وعشرين صحابياً[1].

 

رُوي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا من بعدي الثقلين وأحدهما الأكبر من الآخر، كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي..."[2].

 

حقيقة الإمامة

الإمام لغة هو: الذي يؤتمُّ به إنساناً كان أو كتاباً أو غير ذلك، محقّاً كان أو مبطلاً وجمعه أئمّة[3]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾[4].

 

أي بالّذي يقتدون به، وقيل بكتابهم[5].

 


[1] وكفى في ذلك أن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية قامت بنشر رسالة جمعت فيها مصادر الحديث، ونذكر من طرقه الكثيرة ما يلي: صحيح مسلم: ج 7، ص 122، سنن الترمذي: ج 2، ص 307، مسند أحمد: ج 3، ص 17، 26، 59، ج 4، ص366 و 371، ج 5، ص 182، 189. وقد قام المحدث الكبير السيد حامد حسين الهندي قدس سره في كتابه "العبقات" بجمع طرق الحديث ونقل كلمات الأعاظم حوله، ونشره في ستة أجزاء .

[2] العلامة، المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج23، ص134.

[3] أصله أَءْمِمة وزان أمثلة فأدغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة وبعض النّحاة يبدّلها ياء للتخفيف.

[4] سورة الاسراء، الآية 71.

[5] راجع: الراغب الأصفهاني المفردات، كتاب الألف، مادة أُمّ.

 

304


244

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

وأما إصطلاحاً الإمامة بوجوه:

1- الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا.

 

2- الإمامة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا[1].

 

3- الإمامة رئاسة عامّة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينية والدنيوية، وزجرهم عمّا يضرّهم بحسبها[2].

 

إن حقيقة الإمامة تختلف في حقيقتها عما لدى أهل السنّة فالإمامة عند الشيعة منصب إلهي تستمر من خلاله وظائف النبوة عدا الوحي الإلهي، وعند السنّة هي مجرّد منصب إداري وسياسي، وبناء على الإختلاف في حقيقة الإمامة ترتبت إختلافات متعددة، ستتم الإشارة إليها تباعاً.

 

1- موقع الإمامة

اتّفقت كلمة أهل السنّة، أو أكثرهم، على أنّ الإمامة من فروع الدِّين.

قال الإيجي: "ومباحثها عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا"[3].

وقال ابن خلدون: "وقصارى أمر الإمامة أنّها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد"[4].

وأمّا الشيعة الإمامية، فينظرون إلى الإمامة كمسألة كلاميّة، وزانها وزان النبوّة، سوى تلقّي الوحي والإتيان بالشريعة، فإنّها مختومة بارتحال النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم، فمسألة الإمامة تكون من المسائل الجذرية الأصليّة[5].

 


[1] اختاره ابن خلدون في المقدمة، دار القلم، بيروت، لا.ت، لا.ط، ص 191.

[2] اختاره المحقق الطوسي في قواعد العقائد.

[3] الإيجي، شرح المواقف، مصدر سابق، ج 8، ص 344.

[4] مقدمة ابن خلدون، ص 465.

[5] أقول: الفارق بين المسألة الكلاميّة والفقهيّة هو موضوعها، فموضوع المسألة الكلامية هو وجود الله تعالى أو صفاته وأفعاله، وموضوع المسألة الفقهيّة هو أفعال المكلّفين من البشر، ونصب الإمام عند الإمامية فعل الله تعالى، وأمّا عند أهل السنّة فتعيين الإمام وظيفة المسلمين.

 

305


245

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

2- مؤهِّلات الإمام وصفاته

اختلفت كلمات أهل السنّة في ما يشترط في الإمام من الصفات، فمنهم[1] من قال إنّها أربع، هي: العلم، والعدالة، والمعرفة بوجوه السياسة، وحسن التدبير، وأن يكون نسبه من قريش، وزاد بعضهم[2] عليها سلامة الحواس والأعضاء والشجاعة، وبعض آخر[3].

 

يلاحظ على هذه الشروط:

أوّلاً: إنّ اختلافهم في عددها ناشئ من افتقادهم لنصٍّ شرعي في مجال الإمامة، وإنّما الموجود عندهم نصوص كلّية لا تتكفّل بتعيين هذه الشروط، والمصدر لها عندهم هو الاستحسان والاعتبارات العقلائية في ذلك، وهذا غريب، فكيف ترك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيان هذا الأمر المهمّ شرطاً وصفة، مع أنّه بَيَّن أبسط الأشياء وأدناها من المكروهات والمستحبّات؟!

 

وثانياً: إنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الإمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، قال الباقلاني: "لا ينخلع الإمام بفسقه، وظلمه بغصب الأموال وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله"[4].

 

وثالثاً: إنّ التاريخ الإسلامي يشهد بأنّ الخلفاء بعد الإمام عليّ  عليه السلام كانوا يفقدون أكثر هذه المؤهّلات ومع ذلك تولّوا الخلافة.

 

وأمّا الشيعة الإمامية فبما أنّهم ينظرون إلى الإمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة ـ كما تقدّم ـ يعتبرون في الإمام توفُّر صلاحيات ومواصفات عالية لا ينالها الفرد إلّا إذا وقع تحت عناية إلهية خاصّة، فهو يخلف النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم في العلم والعصمة والقيادة وغير ذلك من الشؤون.

 


[1] هو أبو منصور البغدادي (المتوفّى429هـ) في أُصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 277.

[2] هو أبو الحسن البغدادي (المتوفّى450هـ) في الأحكام السلطانية، طبع الحلبي، مصر، لا.ت، لا.ط، ص 6.

[3] هو ابن حزم الأندلسي ( المتوفّى456هـ) في الفصل، ج 4، ص 186.

[4] الباقلاني، التمهيد، ص 181. راجع في ذلك أيضاً شرح العقيدة الطحاوية، ص 379.

 

306


246

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

المفاهيم الرئيسة

•        قد يقال: لماذا نبحث في الإمامة وقد مضى عصر الخلافة، أليس الحريّ بالمسلم المعاصر أن يُفكّر فيما يجمع ولا يُفرّق، وفيما يفيد لا عديم الجدوى؟

 

والجواب من وجوه متعدّدة أهمّها أنّ لمسألة الخلافة بعد النبيّ بُعدين: أحدهما تاريخيّ مضى عصره، والآخر بعد دينيّ باقٍ أثره إلى يوم القيامة، وهو أنه بثبوت النصّ على عليّ وأبنائه عليهم السلام يكون الإمام وراء كونه زعيماً في ذلك العصر، وليّاً ومرجعاً علميّاً، فيجب على المسلمين الرجوع إليه في كافة شؤون دينهم.

 

•        الإمام لغة هو الذي يؤتمّ به محقّاً كان أو مبطلاً. وعُرِّفت الإمامة بوجوه منها: أنّها رئاسة عامّة في أمور الدِّين والدنيا.

 

•        اتفقت كلمة أهل السنّة أو أكثرهم على أنّ الإمامة من فروع الدِّين. وأمّا الشيعة فينظرون إليها كمسألة كلاميّة جذريّة أصليّة.

 

•        اختلفت كلمات أهل السنّة في ما يشترط في الإمام من صفات وذلك لافتقادهم لنصٍّ شرعي في مجال الإمامة، وأمّا الشيعة الإمامية فبما أنّهم ينظرون إلى الإمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة، يعتبرون في الإمام توفُّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلّا إذا وقع تحت عناية إلهية خاصّة.

 

307


247

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- كيف توفّق بين الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بين المسلمين وبين البحث عن الإمامة؟

 

2- ما هي حقيقة الإمامة عند الشيعة والسنّة؟

 

3- اذكر الأدلة الروائية على مرجعية أهل البيت عليهم السلاموولايتهم على الناس.

 

4- ذكر الإيجي عدّة صفات للإمام ناقش ذلك.

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- يقصد بالإمامة رئاسة عامة دينية مشتملة على ترغيب وزجر الناس لحفظ مصالحهم الدينية والدنيوية.

 

2- تُعتبر الإمامة عند أهل السنة مسألة كلامية لها جذورها العقائدية والتي تؤثّر في المنظومة العقائدية للمسلم.

 

3- اختلف أهل السنة في تحديد صفات ومؤهّلات الإمام وذلك لافتقادهم إلى النصوص الشرعية حول الإمامة.

4- إنّ حديث الثقلين يؤكّد على طهارة أهل البيت عليهم السلام ونزاهتهم من كل رجس إلا أن ذلك لا يعني العصمة كالأنبياء.

 

5- إذا قلنا بأنّ الإمامة مسألة دينية عقائدية فيكون الإمام ولياً ومرجعاً للمسلمين في كافة شؤونهم.

 

308

 


248

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

الدرس التاسع والعشرون:

بين الشورى والنصّ

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى وسائل إثبات الإمامة عند أهل السنّة.

 

2- يشرح نظرية الشورى في الحكم.

 

3- ينقد نظرية الشورى ويبطل أدلّتها.

 

309


249

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

طرق إثبات الإمامة

الطريق لإثبات الإمامة عند الشيعة الإمامية منحصرة في النصّ من النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام السابق.

 

وأمّا عند أهل السنّة فلا ينحصر بذلك، بل يثبت أيضاً ببيعة أهل الحلّ والعقد، قال الإيجي: "المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة، وأنّها تثبت بالنصّ من الرسول ومن الإمام السابق بالإجماع وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة، لنا ثبوت إمامة أبي بكر بالبيعة"[1].

 

ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد به الإمامة على أقوال، قال الماوردي (المتوفّى450هـ): "اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتّى: فقالت طائفة: لا تنعقد إلّا بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

 

وقالت طائفة أُخرى: أقلّ ما تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، استدلالاً بأمرين:

أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمَّ تابعهم الناس فيها،

 


[1] الإيجي، شرح المواقف، مصدر سابق، ج 8، ص 351.

 

311


250

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

وهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن خضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة.

 

وثانيهما: أنّ عمر جعل الشورى في ستّة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء، والمتكلّمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولّاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين.

 

وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لأنّ العباس قال لعليّ عليه السلام: "أُمدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايع ابن عمِّه فلا يختلف عليك اثنان، ولأنّه حكم وحكم واحد نافذ"[1].

 

يلاحظ على هذه الأقوال والنظريات:

أوّلاً: إنّ موقف أصحابها موقف من اعتقد بصحّة خلافة الخلفاء، فاستدلّ به على ما يرتئيه من الرأي، وهذا استدلال على المدّعى بنفس الدعوى وهو دور واضح.

 

وثانياً: إنّ هذا الاختلاف الفاحش في كيفية عقد الإمامة، يعرب عن بطلان نفس الأصل، لأنّه إذا كانت الإمامة مفوَّضة إلى الأمّة، كان على النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم بيان تفاصيلها وطريق انعقادها، وليس عقد الإمام لرجل أقلّ من عقد النكاح بين الزوجين الَّذي اهتمّ القرآن والسنّة ببيانه وتحديده، والعجب أنّ عقد الإمامة الذي تتوقّف عليه حياة الأمّة، لم يطرح في النصوص ـ على زعم القوم ـ ولم تبيَّن حدوده وشرائطه.

 

هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟

حاول المتأخرون من متكلّمي أهل السنّة، جعل صيغة الحكومة الإسلامية على أساس المشورة بجعلها بمنزلة الاستفتاء الشعبي واستدلّوا على ذلك بآيتين:

 


[1] الماوردي، الأحكام السلطانية، مصدر سابق، ص 6 - 7.

 

312


251

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

الآية الأولى: قوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾[1].

 

فالله سبحانه أمر نبيّه بالمشاورة تعليماً للأمّة حتى يشاوروا في مهامّ الأمور ومنها الخلافة.

 

يلاحظ عليه:

أوّلاً: إنّ الخطاب في الآية متوجّه إلى الحاكم الّذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيّته ولم تكن قيادة النبي  صلى الله عليه وآله وسلم خاضعة للشورى.

 

وثانياً: إنّ المتبادر من الآية هو أنّ الشورى لا تلزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشيء، بل هو يقلّب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، حيث قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الخلافة والحكومة، ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.

 

الآية الثانية: قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[2].

 

ببيان أنّ كلمة "أمر" أضيفت إلى ضمير "هم" وهو يفيد العموم لكلّ أمر ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية إنّ شأن المؤمنين في كلِّ مورد شورى بينهم.

 

يلاحظ عليه: إنّ الآية حثَّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أُمورهم، وكون تعيين الإمام داخلاً في أُمورهم فهو أوّل الكلام، إذ لا ندري ـ على الفرض ـ هل هو من شؤونهم أو من شؤون الله سبحانه؟ ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتمّ بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبيّة يجوز للناس التدخّل فيها؟

 

توضيح:


[1] سورة آل عمران، الآية 159.

[2] سورة الشورى، الآية 38.

 

313


252

الدرس الثامن والعشرون: الإمامة والخلافة

فإن قلت: لو لم تكن الشورى أساس الحكم، فلماذا استدلّ بها الإمام عليّ  عليه السلام على المخالِف، وقال مخاطباً لمعاوية: "إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه"[1].

 

قلت: الاستدلال بالشورى كان من باب الجدل حيث بدأ رسالته بقوله:

"أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني الّذين بايعوا أبا بكر وعمر...". ثمّ ختمها بقوله: "فادخل فيما دخل فيه المسلمون"[2].

 

فالابتداء بالكلام بخلافة الشيخين يعرب عن أنّه في مقام إلزام معاوية الّذي يعتبر البيعة وجهاً شرعياً للخلافة، ولولا ذلك لما كان وجه لذكر خلافة الشيخين، بل لاستدلّ بنفس الشورى.

 

ثمّ إنّه لو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الأمّة، أو بالبيعة، فما معنى تعيين الخليفة الثاني من جانب أبي بكر، والخليفة الثالث عن طريق شورى عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب؟!

 

أضف إلى ذلك أنّ هناك نصوصاً تشير إلى ما في مرتكز العقل، من أنّ ترك الأمّة بلا قائد وإمام قبيح على من بيده زمام الأمر، وهذه عائشة تقول لعبد الله بن عمر: "يا بُنيّ أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أُمّة محمّد بلا راع"[3].

وقد قالت ذلك عندما اغتيل عمر وأحسّ بالموت.

 

وهذا عبد الله بن عمر يقول لأبيه: "إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف، وإنّه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثمّ جاءك وتركها، لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ"[4].

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الرسائل، الرقم 6.

[2] لاحظ نصر بن مزاحم، وقعة صفين (المتوفّـى 212 هـ)، لا.ن، مصر، 1382هـ، ط2، ص 29، وقد حذف الرضي في نهج البلاغة من الرسالة ما لا يهمه، فإنّ عنايته كانت بالبلاغة فحسب.

[3] الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مؤسسة الحلبي، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج1، ص 32.

[4] أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء، ج 1، ص 44.

 

314


253

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

وبذلك استصوب معاوية أخذه البيعة من الناس لابنه يزيد وقال: "إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها"[1].

 

فإذا كان ترك الأمّة بلا راع، أمراً غير صحيح في منطق العقل، فكيف يجوز لهؤلاء أن ينسبوا إلى النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم أنّه ترك الأمّة بلا راع؟! فكأنَّ هؤلاء كانوا أعطف على الأمّة من النبيّ الأكرم، إنّ هذا ممّا يقضى منه العجب.

 


[1] ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مصدر سابق، ج 1، ص 168.

 

315


254

الدرس التاسع والعشرون: بين الشورى والنصّ

المفاهيم الرئيسة

•        ينحصر الطريق لإثبات الإمامة عند الشيعة الإمامية في النصّ من النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام السابق. وأمّا عند أهل السنّة فلا ينحصر بذلك، بل يثبت أيضاً ببيعة أهل الحلّ والعقد، ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد به الإمامة على أقوال، إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على بطلان الأساس الذي اعتمدوا عليه.

 

•        قد حاول المتجدّدون من متكلّمي أهل السنّة، صبَّ صيغة الحكومة الإسلامية على أساس المشورة واستدلّوا على ذلك ببعض الآيات منها قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾.

 

•        وممّا يردّ الاستدلال بها على المطلوب أنّ الخطاب في الآية متوجّه إلى الحاكم الّذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيّته، وأمّا أنّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بها.

 

•        لو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الأمّة، أو بالبيعة، فما معنى تعيين الخليفة الثاني من جانب أبي بكر، والخليفة الثالث عن طريق شورى عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب؟!

 

316


255

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

الدرس الثلاثون:

ضرورة الإمامة

والنصّ عليها

 

أهداف الدرس 

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى خطورة الفراغ الذي تركه رحيل النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

2- يبيّن المخاطر التي كانت تحيط بالأمّة الإسلاميّة.

3- يستدلّ أنّ سدّ الفراغات ودرأ المخاطر يكون بالنصّ على الإمام.

 

319


256

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

مقدّمة

إنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها عمّا لدى أهل السنّة، فهي إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي، ومقتضى هذا اتّصاف الإمام بالصفات المشترطة في النبيّ، سوى كونه طرفاً للوحي القرآني، وبناءً على هذا ينحصر طريق إثبات الإمامة بالنص من الله وتنصيب من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام السابق، وإليك فيما يلي بعض براهين هذا الأصل:

 

البرهان الأول مسؤوليات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووظائفه

إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن مسؤوليّاته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الإلهي وتبليغه إلى الناس، بل كان يقوم بالأمور التالية أيضاً:

1- يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويكشف أسراره، يقول سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[1].

 

2- يبيّن أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.

 

3- يدفع الشبهات ويُجيب عن التساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى.

 


[1]  سورة النحل، الآية 44.

 

321


257

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

4- يصون الدِّين من التحريف والدسِّ ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع حتى لا تزلّ فيه أقدامهم.

 

5- قيادة الأمّة في مختلف المجالات، لضمان تطبيق الأحكام والقوانين من جهة وللدفاع عن الإسلام والأمّة الإسلامية من الأخطار والتحديات التي تحدق بها من جهة أخرى.

 

وظائف النبوة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

هذه هي الأمور الّتي مارسها النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم أَيّام حياته، ومن المعلوم أنّ وفاته تخلّف فراغاً هائلاً في هذه المجالات الأربعة، فيكون التشريع الإسلامي حينئذٍ أمام محتملات ثلاثة:

الأوّل: أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدِّ هذه الفراغات الهائلة التي ستحدث بعد الرسول. وهذا الاحتمال ساقط جدّاً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك هذه الفراغات ضياعاً للدِّين والشريعة.

 

الثاني: أن تكون الأمّة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ ذلك الفراغ. غير أنّ التاريخ ودراسة الواقع الاجتماعي يبطلان هذا الاحتمال ويثبتان أنّه لم يقدّر للأمّة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسدّ هذه الثغرات التي خلّفها غياب النبيّ الأكرم، لا في جانب التفسير ولا في جانب الأحكام، ولا في جانب ردّ التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدِّين عن الانحراف.

 

أمّا في جانب التفسير: فيكفي وجود الاختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم حتى فيما يرجع إلى عمل المسلمين يوماً وليلة.

 

وأمّا في مجال الأحكام: فيكفي في ذلك الوقوف على أنّ بيان الأحكام الدِّينيّة حصل تدريجاً على ما تقتضيه الحوادث والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المعلوم أنّ هذا النمط كان مستمرّاً بعد الرسول، غير أنّ ما ورثه المسلمون

 

322


258

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

منه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن كافياً للإجابة عن ذلك، أمّا الآيات القرآنية في مجال الأحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأمّا الأحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الأمّة لا تتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالإجابة على جميع الموضوعات المستجدّة.

 

ولا نعني من ذلك أنّ الشريعة الإسلامية ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية وشمول المواضيع المستجدّة، بل المقصود أنّ النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس ومقتضيات الظروف الزمنية، فلا بدّ في إيفاء غرض التشريع على وجه يشمل المواضيع المستجدّة والمسائل المستحدثة أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه ويقوم مقامه.

 

وأمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات: والإجابة على التساؤلات، فقد حصل فراغ هائل بعد ارتحال النبيّ من هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الأسئلة، حول أُصول الإسلام وفروعه، ولم يكن في وسع الخلفاء آنذاك الإجابة الصحيحة عنها، كما يشهد بذلك التاريخ الموجود بأيدينا.

 

وأمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة: والدِّين عن الانحراف، فقد كانت الأمّة الإسلامية في أشدّ الحاجة إلى من يصون دينها عن التحريف وأبناءها عن الاختلاف، فإنّ التاريخ يشهد على دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وعلماء المجوس بين المسلمين، فراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية والأساطير النصرانية والخرافات المجوسية بينهم[1].

 

هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الأمّة، مع ما لها من الفضل، من القيام بسدِّ الفراغات الهائلة التي خلّفها رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويبطل بذلك الاحتمال الثاني تجاه التشريع الإسلامي بعد عصر الرسالة.

 


[1] ويكفي في ذلك أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية، وما رواه بعد ذلك، فإنّه ألفى الأحاديث المتداولة بين المحدثين في الأقطار الإسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الأحاديث وكثير من هذه الأحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم.لاحظ: حياة محمد،محمد حسين هيكل،ص50-49،ط13 .

 

323


259

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

الثالث: أن يودع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كلّ ما تلقّاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأمّة بعده، يودعه عند شخصيّة مثالية، لها كفاءة تقبُّل هذه المعارف والأحكام وتحمّلها، فتقوم هي بسدِّ هذا الفراغ بعد ارتحاله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد بطلان الاحتمالين الأوّلين لا مناص من تعيُّن هذا الاحتمال، فإنّ وجود إنسان مثاليّ كالنبيّ في المؤهّلات، عارف بالشريعة ومعارف الدِّين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يُسوّغ على الله سبحانه أن يهمل هذا الأمر الضروري في حياة الإنسان الدِّينية؟

 

قال الإمام عليّ  عليه السلام : "اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته"[1].

 

وقال الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الأرض لا تخلو إلّا وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردَّهم، وإذا نقصوا شيئاً أتمّه لهم"[2].

 

هذه الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت  عليهم السلام توضح أنّ الغرض الداعي إلى بعثة النبيّ، داع إلى وجود إمام يخلف النبيّ في عامّة سماته، سوى ما دلّ القرآن على انحصاره به ككونه نبيّاً رسولاً وصاحب شريعة.

 

البرهان الثاني الأمّة الإسلاميّة ومثلّث الخطر الدّاهم

إنّ الدولة الإسلامية التي أسّسها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت محاصرة حال وفاة النبيّ من جهتي الشمال والشرق بأكبر إمبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا على جانب كبير من القوّة والبأس، وهما: الروم وإيران، وقد وقعت مواجهات عديدة بين الروم والمسلمين في السنة الثامنة للهجرة[3] هذا من الخارج.

 


[1] نهج البلاغة، مصدر سابق، الحكم، الرقم 147.

[2] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 1، ص 178، الحديث 2.

[3] منها سريّة مؤتة التي قتل فيها قادة الجيش الإسلامي، وهم: جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ورجع الجيش الإسلامي من تلك الواقعة منهزماً، ولأجل ذلك توجّه الرسول  الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه على رأس الجيش الإسلامي إلى تبوك في السنة التاسعة لمقابلة الجيوش البيزنطية ولكنّه لم يلق أحداً، فأقام في تبوك أيّاماً ثمّ رجع إلى المدينة، ولم يكتف بهذا بل  جهّز جيشاً في أُخريات أيّامه بقيادة أُسامة بن زيد لمواجهة جيوش الروم.

 

324


260

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

وأمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من وطأة مؤامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عدوانية داخلية، فهؤلاء أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، وكانوا يتحيّنون الفرص لإضعاف الدولة الإسلامية بإثارة الفتن الداخلية، ولقد انبرى القرآن الكريم لفضح المنافقين والتشهير بخططهم ضدّ الدِّين والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في العديد من السور القرآنية وقد نزلت في حقّهم سورة خاصة.

 

ويكفي في ذلك قوله سبحانه: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾[1].

 

وقد كان محتملاً ومترقّباً أن يتّحد هذا المثلّث الخطير لاكتساح الإسلام واجتثاث جذوره بعد وفاة النبيّ، فمع هذا الخطر المحدق، ما هي وظيفة القائد الحكيم الذي أرسى قواعد دينه على تضحيات عظيمة؟ فهل المصلحة كانت تقتضي تنصيب قائد حكيم عارف بأحكام القيادة ووظائفها حتى يجتمع المسلمون تحت رايته ويكونوا صفّاً واحداً في مقابل ذاك الخطر، أو أنّ المصلحة العامّة تقتضي تفويض الأمر إلى الأمّة حتى يختاروا لأنفسهم أميراً، مع ما يحكيه التاريخ لنا من سيطرة الروح القبَليّة على المسلمين آنذاك؟ ويكفي شاهداً على ذلك ما وقع من المشاجرات بين المهاجرين والأنصار يوم السقيفة[2].

 


[1] سورة التوبة، الآية 48.

[2] ابن هشام، السيرة النبوية، مصدر سابق، ج 2، ص 659 ـ 660.

 

325


261

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

المفاهيم الرئيسة

•        ينحصر طريق ثبوت الإمامة عند الإمامية بتنصيص من الله وتنصيب من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمأو الإمام السابق، ومن جملة براهين هذا الأصل: الفراغ الهائل التي خلّفه ارتحال النبيّ في عدّة مجالات.

 

•        وهنا على مستوى ردّة فعل الشارع المقدّس توجد احتمالات ثلاثة:

1 - أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدِّ الفراغ، وهذا احتمال ساقط.

2 - أن تكون الأمّة قد بلغت نضجاً كافياً لملء الفراغ، أيضاً وهذا الاحتمال أيضاً ساقط.

3 - أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقّاه من الوحي، وكلّ ما تحتاجه الأمّة بعده، شخصية مثالية لها كفاءة، فتقوم هي بسدّ الفراغ. وهذا الاحتمال هو المتعيّن.

 

•        ومن جملة البراهين درء الخطر الخارجي والداخلي أنّ الدولة الإسلامية التي أسّسها النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم كانت مهدّدة من الروم والفرس من حيث الخطر الخارجي، ومن المنافقين من حيث الخطر الداخلي.

 

•        فمع هذا الخطر تقتضي المصلحة تنصيب قائد حكيم عارف حتى يجتمع المسلمون تحت رايته، لا أن يدفع الأمر إلى الأمّة التي لم تكن مهيّئة بعد لتحمُّل الأمر، والتاريخ يحكي لنا سيطرة الروح القبلية على المسلمين، وما جرى في سقيفة بني ساعدة شاهد على ذلك.

 

326


262

الدرس الثلاثون: ضرورة الإمامة والنصّ عليها

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- تحدّث حول الوظائف التي كان يتولاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وستبقى شاغرة بعد وفاته، وكيف نستفيد منها ضرورة الإمامة؟.

2- ما هي الأخطار التي كان تواجهها الأمة والتي تفرض تنصيب إمام وقائد للأمة الإسلامية؟

3- اشرح الآثار السلبية على الإسلام من قِبَل المنافقين.

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- لقد اهتم الشارع اهتماماً بالغاً بسدِّ الفراغات الخطيرة التي ستحدث بعد الرسول حفظاً للدِّين والشريعة.  

2- إنّ الأمّة قد بلغت بفضل جهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ الفراغ في كافة المجالات بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.  

3- أحاط الإسلام أخطار سياسية كبيرة بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً من قبل الإمبراطورية الفارسية والرومانية.  

4- لقد أكمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبليغ كافة أحكام الدين والشريعة فلم تكن هناك حاجة لخليفة بعده بل يكتفى بالعلماء والفقهاء.  

5- إذا قلنا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو حافظ الدين والشريعة فلا بد من كونه قد استودع تلك المهمة عند أشخاص يحملون نفس صفاته وخصوصياته.  

 

327


263

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

الدرس الواحد والثلاثون:

عصمة الإمام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى الادوار المختلفة في عصمة الإمام  عليه السلام.

 

2- يذكر بعض الأدلّة على وجوب عصمة الإمام  عليه السلام.

 

3- يستدل على وجوب عصمة الامام من خلال القرآن الكريم.

 

329


264

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

تمهيد

اتّفق أهل السنّة على أنّ العصمة ليست من شرائط الإمام أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا معصومين، قال التفتازاني: "واحتجّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالإجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، مع الإجماع على أنّهم لم تجب عصمتهم... وحاصل هذا دعوى الإجماع على عدم اشتراط العصمة في الإمام"[1].

 

وأمّا الشيعة الإمامية فقد اتّفقت كلمتهم على اشتراط العصمة، قال الشيخ المفيد: "اتّفقت الإمامية على أنّ إمام الدِّين لا يكون إلّا معصوماً من الخلاف للّه تعالى"[2].

وقال أيضاً: "أقول: إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء"[3].

 

وقد استدلّ الشيعة على وجوب العصمة بوجوه، نكتفي بذكر بعضها:

الإمام حافظ للشريعة

الدليل العقلي

إنّ حقيقة الإمامة عند الإمامية ـ كما عرفت ـ هي القيام بوظائف الرسول بعد رحيله، فيجب أن يكون الإمام متمتّعاً بما يتمتّع به النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم من الكفاءات والمؤهّلات، ومنها

 


[1] التفتازاني، شرح المقاصد، مصدر سابق، ج 5، ص 249.

[2] الشيخ المفيد، أوائل المقالات، دار المفيد، لبنان - بيروت، 1993م، ط 2، ص 47.

[3] المصدر نفسه، ص74.

 

331


265

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

كونه مصوناً عن الخطأ في العلم والعمل لكي تحفظ الشريعة به ويكون هادياً للناس إلى مرضاة الله سبحانه، وإليه أشار العلّامة الحلّي بقوله: "ذهبت الإمامية إلى أنّ الأئمّة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً، لأنّهم حفظة الشرع والقوّامون به، حالهم في ذلك كحال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم"[1].

 

وناقش فيه التفتازاني بقوله: "إنّ نصب الإمام إلى العباد الّذين لا طريق لهم إلى معرفة عصمته بخلاف النبيّ"[2].

 

والجواب عنه ظاهر بما تقدّم من بطلان القول بأنّ نصب الإمام مفوَّض إلى العباد، ولنا أن نعكس ونقول: وجوب عصمة الإمام ممّا يحكم به العقل الصريح بالتأمّل في حقيقة الإمامة والغرض منها، وحيث إنّ الناس لا طريق لهم إلى معرفة عصمة الإمام كما اعترف به الخصم، فلا يكون نصبه مفوَّضاً إليهم.

 

الدليل القرآني

1- آية ابتلاء إبراهيم عليه السلام

قال سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[3].

 

الاستدلال بالآية على المقصود رهن ببيان أمرين:

الأوّل: ما هو المقصود من الإمامة التي أنعم الله سبحانه بها على نبيّه الخليل عليه السلام؟

الثاني: ما هو المراد من الظالمين؟

 

أمّا الأوّل: فقال بعضهم: إنّ المراد من الإمامة، هي النبوّة والرسالة، ويردّه: أنّ إبراهيم عليه السلام كان نبيّاً قبل تنصيبه إماماً، وذلك لأنّه طلب الإمامة لذريَّته، فكان له عند

 


[1]  العلّامة الحلّي، دلائل الصدق، لا.ن، القاهرة - مصر، 1396هـ، ط1، ج 2،ص7.

[2] التفتازاني، شرح المقاصد، مصدر سابق، ج 5، ص 248.

[3] سورة البقرة، الآية 124.

 

332


266

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

ذلك ولد أو أولاد، ومن المعلوم أنّ إبراهيم لم يرزق ولداً إلّا في أوان الكبر بنصّ القرآن الكريم، حيث قال:

﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾[1].

 

وعلى ذلك يجب أن تكون الإمامة الموهوبة للخليل  عليه السلام غير النبوّة، والظاهر أنّ المراد منها هي القيادة الإلهية للمجتمع، مضافاً إلى تحمّل الوحي وإبلاغه، فإنّ هناك مقامات ثلاثة:

1- مقام النبوّة، وهو منصب تحمّل الوحي.

2- مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.

3- مقام الإمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوَّة وقدرة.

 

والإمامة الّتي يتبنّاها المسلمون بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، تتّحد واقعيّتها مع هذه الإمامة.

 

وأمّا الثاني: المراد من الظّالمين، فالظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه الشرع، والمعصية من وضع الشيء (العمل) في غير موضعه، فالمعصية من مصاديق الظلم، قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[2].

 

ثمّ إنّ الظاهر من صيغة الجمع المحلّى باللام، هو العموم فالظلم بكلّ ألوانه وصوره مانع عن نيل هذا المنصب الإلهي، وتكون النتيجة ممنوعيّة كلّ فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الإمامة، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم، أو بقي على ظلمه، فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فصلاحيته بعد ارتفاع الظلم يحتاج إلى دليل.

 

وعلى ذلك فكلّ من ارتكب ظلماً وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره، أو عبد صنماً، وبالجملة ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، ليس له أهليّة منصب الإمامة، ولازم

 

 


[1] سورة إبراهيم، الآية 39.

[2] سورة البقرة، الآية 229.

 

333


267

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

ذلك كون الإمام طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه قلم التكليف، إلى آخر حياته، وهذا ما يرتئيه الإمامية في عصمة الإمام.

 

2- آية إطاعة أولي الأمر

قال سبحانه: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾[1].

 

إنّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر مطلقاً، ولم يقيّده بشيء ومن البديهي أنّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ولو كان على سبيل الإطاعة لشخص آخر، وعليه تكون طاعة أولي الأمر فيما إذا أمروا بالعصيان محرّماً. فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين أن يكون أولوا الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق معصومين لا يصدر عنهم معصية مطلقاً، فيستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلق -أي ألوا الأمر- على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة.

 

وممَّن صرّح بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر الإمام الرازي في تفسيره، ولكنّه لم يستثمر نتيجة ما هداه إليه استدلاله المنطقي، حيث استدرك قائلاً بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم والوصول إليه واستفادة الدين والعلم منه، فلا مناص من كون المراد هو أهل الحل والعقد[2].

 

يلاحظ عليه: إنّه إذا دلّت الآية على عصمة أولي الأمر فيجب علينا التعرف عليهم، وادعاء العجز هروب من الحقيقة، هذا مع أن تفسير "أولي الأمر" بأهل الحل والعقد تفسير بما هو أشدّ غموضاً.

 

وهناك نصوص من الكتاب والسنة تدلّ على عصمة أهل بيت النبيّ وعترته  عليهم السلام، كآية التطهير وحديث الثقلين وغير ذلك، تركنا البحث عنها رعاية للاختصار[3].

 


[1] سورة النساء، الآية 59.

[2] الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، لا.م، لا.ن، لا.ت، ط3، ج 10، ص 144.

[3] راجع: ابن سينا، الشفاء، الإلهيّات، لا.ن، لا.م، لا.ت، ط1، ج 2، ص627 - 631 و607 - 611.

 

334


268

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

المفاهيم الرئيسة

•        اتّفق الشيعة الإمامية على أنّ العصمة شرط في الإمام كما هي في النبيّ ، وقد ذكروا عدّة أدلّة على ذلك.

 

•        من الادلة على وجوب عصمة الإمام أنه حافظ للشريعة كالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فيشترط في الإمام ما يشترط في النبي ومنها العصمة.

 

•        ومن الأدلة أيضاً آية ابتلاء إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فإنّها تدلّ على أنّ الحائز لمقام الإمامة لا بدّ وأن يكون معصوماً.

 

•        ومن الأدلة أيضاً آية إطاعة أولي الأمر، وهي قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، فإنّها تدلّ بإطلاق الأمر بالطاعة اشتمال من وجبت طاعته (الله ورسوله وأولي الأمر) على خصوصية العصمة.

 

335


269

الدرس الواحد والثلاثون: عصمة الإمام

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- تعتبر الإمامية أنّ الإمام بعد النبي يجب أن يكون معصوماً واستدلوا على ذلك بأن الإمام حافظ للشريعة بعد النبي، اشرح ذلك.

 

2- ما هو المقصود من الإمامة التي أنعم الله سبحانه بها على نبيّه الخليل إبراهيم عليه السلام؟

 

3- اعتبر الإمام الرازي في تفسيره بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم والوصول إليه واستفادة الدين والعلم منه، فلا مناص من كون المراد هو أهل الحل والعقد، ناقش ذلك.

 

4- أذكر كيفية الإستدلال بآية الإبتلاء على العصمة؟

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- يعتبر أهل السنة أنّه لا يشترط في الإمام أن يكون معصوماً بعد النبي وذلك لأنّ من تولّى الخلافة بعده لم يكونوا معصومين.

 

2- إذا أوجب الله سبحانه وتعالى طاعة أولي الأمر وجبت الطاعة ولو كان فاسقاً وظالماً.

 

3- تعتبر المعصية نوعاً من الظلم فمن كان ظالماً فلا يصح أن يكون إماماً للناس والدين.

 

4- يصح تقلّد الإمامة من قِبَل الأشخاص الذين كانوا ظالمين وتابوا بعد ظلمهم.

 

5- إذا كانت وظيفة الإمام حفظ الدين والشريعة بعد الرسول وجب أن يكون معصوماً.

 

336


270

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

الدرس الثاني والثلاثون:

النصّ على إمامة علي  عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يثبت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بآية الولاية.

 

2- يستدل على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بحديث المنزلة.

 

3- يشرح ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بحديث الغدير.

 

337


271

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

تمهيد

قد تبيّن بما قدّمناه من الأبحاث على ضوء الكتاب والسنّة ومن خلال مطالعة تاريخ الإسلام وقراءة الواقع الاجتماعي والسياسي، وفي ظلّ هداية العقل الصريح، أنّ خليفة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلموإمام المسلمين يجب أن يكون منصوباً من جانب الرسول بإذن من الله سبحانه، وعندئذٍ يلزمنا الرجوع إلى الكتاب والسنّة لنقف على ذلك القائد المنصوب فنقول:

إنّ من أحاط بسيرة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم يجد عليّ بن أبي طالب وزير رسول الله في أمره ووليّ عهده وصاحب الأمر من بعده، ومن وقف على أقوال النبيّ وأفعاله في حلّه وترحاله، يجد نصوصه في ذلك متواترة، كما أنّ هناك آيات من الكتاب العزيز تهدينا إلى ذلك، ونحن نكتفي في هذا المجال بذكر آية الولاية من الكتاب ونتبعها بحديثي المنزلة والغدير:

 

آية الولاية

قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[1].

 


[1] سورة المائدة، الآية 55.

 

339


272

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها، روى المفسِّرون عن أنس بن مالك وغيره أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليء الوفيّ، وعليّ  عليه السلام راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي، فما خرج أحد من المسجد حتى نزل جبرئيل بـ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ﴾[1].

 

توضيح الاستدلال:

إنّ المستفاد من الآية أنّ هناك أولياء ثلاثة وهم: الله تعالى، ورسوله، والمؤمنون الموصوفون بالأوصاف الثلاثة، وأنّ غير هؤلاء من المؤمنين هم مولّى عليهم ولا يتحقّق ذلك إلّا بتفسير الوليّ بالزعيم والمتصرّف في شؤون المولّى عليه، إذ هذه الولاية هي التي تحتاج إلى دليل خاص، ولا يكفي مجرّد الإيمان في ثبوتها، بخلاف ولاية المحبّة والنصرة، إذ هما من فروع الإيمان، فكلّ مؤمن محبّ لأخيه المؤمن وناصر له.

 

هذا مضافاً إلى الاختصاص المستفاد من كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ وأحاديث شأن النزول الواردة في الإمام علي  عليه السلام، فهذه الوجوه الثلاثة تجعل الآية كالنصّ في الدلالة على ما يرتئيه الإمامية في مسألة الإمامة.

 

سؤال: إذا كان المراد من قوله: ??لَّذِينَ ءَامَنُواْ? هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فلماذا جيء بلفظ الجماعة؟

الجواب: جيء بذلك ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبِّه على أنّ سجيَّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد

 


[1] رواه الطبري في تفسيره، ج6، ص 186؛ والجصاص في أحكام القرآن، ج2، ص 446؛ والسيوطي في الدر المنثور، ج2، ص 293؛ وغيرهم. وأنشأ حسّان بن ثابت في ذلك أبياته المعروفة ، وهي:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي      وكلّ بطيء في الهدى ومسارع

أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً     وما المدح في ذات الإله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع    فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيد        ويا خير شار ثم يا خير بائع

فأنزل فيك الله خير ولاية           وبيَّنها في محكمات الشرائع

 

340


273

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

الفقراء حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها[1].

 

وهناك وجه آخر أشار إليه الشيخ الطبرسي، وهو أنّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه وتعظيمه، وذلك أنّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه[2].

 

ربما يقال إنّ المراد من الوليّ في الآية ليس هو المتصرِّف، بل المراد الناصر والمحبّ بشهادة ما قبلها وما بعدها، حيث نهى الله المؤمنين أن يتّخذوا اليهود والنصارى أولياء، وليس المراد منه إلّا النصرة والمحبة، فلو فُسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك[3].

 

والجواب عنه: إنّ السّياق إنّما يكون حجّة لو لم يقم دليل على خلافه، وذلك لعدم الوثوق حينئذٍ بنزول الآية في ذلك السياق، إذ لم يكن ترتيب الكتاب العزيز في الجمع موافقاً لترتيبه في النزول بإجماع الأمّة، وفي التنزيل كثير من الآيات الواردة على خلاف ما يعطيه السياق كآية التطهير المنتظمة في سياق النساء مع ثبوت النصّ على اختصاصها بالخمسة أهل الكساء[4].

 

حديث "المنزلة"

روى أهل السير والتاريخ أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم خلّف عليّ بن أبي طالب  عليه السلام على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا ما خلّفه إلّا استثقالاً له وتخوّفاً منه، فضاق صدره بذلك، فأخذ سلاحه وأتى النبيّ وأبلغه مقالتهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

 


[1] الزمخشري، الكشاف، دار الكتاب العربي، بيروت، ج1، ص 649.

[2] الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، مصدر سابق، ج3, ص 211.

[3] الإشكال للرازي في مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج 12، ص 28.

[4] السيد عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، ص 167، الرقم 44.

 

341


274

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

"كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلف في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟"[1].

 

إنّ إضافة كلمة "منزلة" ـ وهي اسم جنس ـ إلى النبيّ هارون  عليه السلام يقتضي العموم، فالرواية تدلّ على أنّ كلّ مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعليّ، إلّا ما استثني وهو النبوّة، بل الاستثناء أيضاً قرينة على العموم ولولاه لما كان وجه للاستثناء، وكون المورد هو الاستخلاف على الأهل لا يدلّ على الاختصاص، فإنّ المورد لا يخصص الدليل الوارد، كما لو رأيت الجنب يمسّ آية الكرسي مثلاً فقلت له لا يمسَّن آيات القرآن محدث، فإنّه يكون دليلاً على حرمة مسّ القرآن على الجنب مطلقاً.

 

وأمّا منزلة هارون من موسى عليهما السلام فيكفي في بيانها قوله سبحانه حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾[2].

 

وقد أُوتي النبيّ موسى عليه السلام جميع ذلك كما يقول سبحانه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾[3].

 

وقد استخلف موسى عليه السلام أخاه هارون  عليه السلام عند ذهابه إلى ميقات ربّه مع جماعة من قومه، قال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[4].

 

وهذا الاستخلاف وإن كان في قضيّة خاصّة ووقت خاص، لكنّ اللفظ مطلق والمورد لا يكون مخصِّصاً.

 


[1]  ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص 519 - 520. وقد نقله من أصحاب الصحاح، البخاري في غزوة تبوك، ج6، ص 3، ط 1314, ومسلم في فضائل علي  عليه السلام، ج7، ص 120؛ وابن ماجة في فضائل أصحاب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم، ج1، ص 55؛ والإمام أحمد في غير مورد من مسنده، لاحظ: ج 1، ص 173، 175، 177، 179، 182، 185، 230؛ وغيرهم من الاَثبات الحفاظ.

[2] سورة طه، الآيات 29 - 32.

[3] سورة طه، الآية 36.

[4] سورة الأعراف، الآية 142.

 

342


275

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

حديث "الغدير"

حديث الغدير، ممّا تواترت به السنّة النبويّة وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا الحاضر، والذي رواه من الصحابة 110 صحابياً ومن التابعين 84 تابعياً، وقد رواه العلماء والمحدّثون في القرون المتلاحقة[1].

 

ومجمل الحديث هو أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أذَّن في الناس بالخروج إلى الحجّ في السنة العاشرة من الهجرة، وأقلّ ما قيل أنّه خرج معه تسعون ألفاً، فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ووصل إلى غدير "خم"، وذلك يوم الخميس، الثامن عشر من ذي الحجّة، نزل جبرئيل الأمين عن الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾[2].

 

فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يردّ من تقدّم، ويحبس من تأخّر حتى إذا أخذ القوم منازلهم نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّـى بالناس، ثمّ قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وبعد الحمد والثناء على الله سبحانه وأخذ الإقرار من الحاضرين بالتوحيد والنبوّة والمعاد، والإيصاء بالثقلين، وبيان أنّ الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أخذ بيد عليّ فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم أجمعون، ثمّ قال: "من كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ".

 

ثمّ دعا لمن والاه، وعلى من عاداه، وقال: "ألا فليبلّغ الشاهد الغائب".

 

ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾[3].

 


[1] وقد أغنانا المؤلّفون في الغدير عن اراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب جماعة كبيرة من أعلام الطائفة، منهم: العلاّمة السيد هاشم البحراني (المتوفّى 1107هـ) مؤلّف "غاية المرام"، والسيد مير حامد حسين الهندي (المتوفّى 1306هـ) مؤلّف "العبقات"، والعلاّمة الأميني (المتوفّى 1390هـ) مؤلف "الغدير"، والسيد شرف الدِّين العاملي (المتوفّى 1381هـ) مؤلّف "المراجعات".

[2] سورة المائدة، الآية67.

[3] سورة المائدة، الآية3.

 

343


276

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الله أكبر على إكمال الدِّين وإتمام النعمة، ورضى الربِّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي".

 

ثمّ أخذ الناس يهنّئون عليّاً، وممّن هنَّأه في مقدّم الصحابة الشيخان أبو بكر وعمر كلّ يقول: "بَخٍّ بَخٍّ، لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة"[1].

 

دلالة الحديث:

إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنين  عليه السلام دلالة واضحة، لم يشكّ فيها أيّ عربي صميم عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظ المولى إلّا الإمامة.

 

إنّ هناك قرائن حالية ومقالية تجعل الحديث كالنّصّ في أنّ المراد من المولى هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين على غرار ما كان للنبي  صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية.

 

أمّا القرينة الحالية (المقامية) فيكفينا في بيانها ما ذكره التفتازاني بقوله:

"المولى قد يراد به المعتِق والمعتَق والحليف، والجار، وابن العمّ، والناصر، والأولى بالتصرّف، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأول وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله".

 

ثمّ قال: "لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي والمالكية لتدبير أمرهم والتصرّف فيهم بمنزلة النبيّ، وهو معنى الإمامة"[2].

 


[1] راجع: محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الإمام أمير المؤمنين، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، إيران - قم، 1412هـ، ط1، ج1، ص119، ابن طاووس، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.م، لا.ن، 1399هـ، ط1، ص146، وغيرها.

[2] التفتازاني، شرح المقاصد، مصدر سابق، ج5، ص 273 - 274.ولكنّه رمى الحديث بعدم التواتر فلم يأخذ به في المقام حيث إنّ مسألة الإمامة ليست من الفروع عند الإماميّة.

أقول: لكنّها من مسائل الفروع عندهم، فعلى فرض صحّة الرواية تكون حجّة وإن لم تكن متواترة عنده.

 

344


277

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

وأمّا القرائن المقالية اللفظية فمتعدّدة نشير إلى بعضها:

القرينة الأولى: قوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "ألست أولى بكم من أنفسكم".

أو ما يؤدّي مؤدّاه من ألفاظ متقاربة، ثمّ فرَّع على ذلك قوله: "فمن كنت مولاه فعليّ مولاه" وقد روى هذا الصدر من حفّاظ أهل السنّة ما يربو على أربعة وستين عالماً[1].

 

القرينة الثانية: نعى النبيّ نفسه إلى الناس حيث إنّه يعرب عن أنّه سوف يرحل من بين أظهرهم فيحصل بعده فراغ هائل، وأنّه يُسدّ بتنصيب عليّ  عليه السلام في مقام الولاية. وغير ذلك من القرائن التي استقصاها شيخنا المتتبّع في غديره[2].

 

لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

ولو كان الأمر كما ادّعي فلماذا لم تأخذه الصحابة مقياساً بعد النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم؟

 

والجواب: إنّ من رجع إلى تاريخ الصحابة يرى لهذه الأمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل، منها "رزيّة يوم الخميس" رواها الشيخان وغيرهما[3] ومنها سريّة أُسامة[4] ومنها صلح الحديبية واعتراض لفيف من الصحابة[5]، ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبيّ وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر على ما ذكر بل تربو على نيّف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام[6].

 

وعلى ضوء ذلك لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثريّة الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تماميّة دلالته.

 


[1] لاحظ ما نقل في كتاب الغدير، ج1، موزَّعين حسب قرونهم.

[2] المصدر نفسه، ص 370 - 383.

[3] أخرجه البخاري في غير مورد لاحظ ج1، باب كتابة العلم، الحديث 3، وج4، ح70، وج6، ح10 من النسخة المطبوعة سنة 1314هـ ؛ والإمام أحمد في مسنده ، ج1، ص 355.

[4] طبقات ابن سعد، ج2، ص 189 - 192؛ الملل والنحل، الشهرستاني، ج1، ص 23.

[5] صحيح البخاري، ج 2، ص 81، كتاب الشروط؛ صحيح مسلم، ج5، ص 175، باب صلح الحديبية ؛ والطبقات الكبرى لابن سعد، ج2، ص 114.

[6] لاحظ كتاب النص والاجتهاد للسيد الإمام شرف الدِّين.

 

345


278

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

المفاهيم الرئيسة

•        توجد عدّة آيات وأحاديث تهدينا إلى تنصيب النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّاً  عليه السلام من بعده.

 

•        من الآيات الدالّة على تنصيب الإمام عليّ عليه السلام آية الولاية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. فإنّ المستفاد منها اختصاص الولاية بالله ورسوله وأمير المؤمنين  عليه السلام فإنّه هو المعنيّ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

 

•        من الأحاديث الدالّة على تنصيب الإمام عليّ  عليه السلام:

أ- حديث المنزلة: "... أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي". فإنّه يدلّ على أنّ كلّ مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون ـ ومنه كونه وزير موسى  عليه السلام ـ فهو ثابت لعليّ، إلّا ما استثني وهو النبوّة.

ب- حديث الغدير: وهو حديث متواتر: "... من كنت مولاه فعليّ مولاه...". فإنّ القرائن الحالية والمقالية كلّها تعيّن أن المراد بالولاية في الحديث هي أولوية التصرّف .

 

•        إنّ لترك العمل بحديث الغدير من قِبَل كثير من الصحابة نظائر كثيرة لعلّ أبرزها ما وقع من بعضهم فيما عرف برزية يوم الخميس.

 

346


279

الدرس الثاني والثلاثون: النصّ على إمامة علي عليه السلام

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح القرائن المقالية اللفظية في حديث الغدير التي يستفاد منها النص على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

 

2- اذكر وجه الاستدلال على النص على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

 

3- لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

 

ضع إشارة ü أو û في المكان المناسب:

1- إذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام بمنزلة هارون من موسى فقد أعطاه نفس المكانة والصلاحيات.

 

2- يعتبر حديث الغدير من الأحاديث المتواترة عند المسلمين في فترة محدّدة ومعيّنة.

 

3- تعتبر الإمامة مكمّلة للإسلام ومتمّمة للنعمة على المسلمين ولذلك كانت منصباً خاصاً بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

 

4- إنّ آية الولاية لا تدلّ على ولاية أمير المؤمنين لأنّ المخاطب بها هو الجمع بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

 

5- المراد من المولى هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين على غرار ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية.

 

347


280

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

الدرس الثالث والثلاثون:

الأئمّة الإثنا عشر عليهم السلام والإمام المهديّ 

عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى بعض ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في خصوص الأئمة الإثني عشر عليهم السلام.

 

2- يذكر بعض ما ورد في الروايات عن الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

3- يجيب على بعض الاشكالات المثارة حول المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

349


281

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

السنّة النبويّة والأئمّة الإثنا عشر

إنّ النبيّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بتنصيب الإمام عليّ  عليه السلام منصب الإمامة والخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، ولم يقتصر على تشبيههم بسفينة نوح، بل قام ببيان عدد الأئمّة الّذين يتولّون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتّى لا يبقى ريب، فقد روي في الصحاح والمسانيد بطرق مختلفة عن جابر بن سمرة أنّ الخلفاء بعد النبيّ اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، وإليك ما ورد في توصيفهم من الخصوصيات:

1- لا يزال الدِّين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.

 

2- لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

 

3- لا يزال الدِّين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة.

 

4- لا يزال الدِّين ظاهراً على من ناوأه حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة.

 

5- لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً.

 

 6- لا يزال الناس بخير إلى اثني عشر خليفة[1].


 


[1] راجع صحيح البخاري، ج9، ص 81، باب الاستخلاف؛ صحيح مسلم، ج6، ص 3، كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش؛ مسند أحمد، ج5، ص 86 - 108؛ مستدرك الحاكم، ج 3، ص 618.

 

351


282

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

وقد اختلفت كلمة شرّاح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمّة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلّا ما نقله الشيخ سليمان البلخي القندوزي الحنفيّ في ينابيعه عن بعض المحقّقين، قال:

"إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، ولا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من الصحابة، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويّين لزيادتهم على الاثني عشر ولظلمهم الفاحش إلّا عمر بن عبد العزيز... ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم قوله سبحانه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[1] وحديث الكساء. فلا بدّ من أن يحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلهم، وأورعهم، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدهم صلى الله عليه وآله وسلم وبالوراثة الّلدنيّة، كذا عرَّفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

 

ويؤيّد هذا المعنى ... ويرجّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكثّرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها"[2].

 

الإنسان الحرّ الخالي الذهن عن أيّ رأيّ مسبق، لو أمعن النظر في هذه الأحاديث وأمعن في تاريخ الأئمّة الاثني عشر من ولد الرسول، يقف على أنّ هذه الأحاديث لا تروم غيرهم، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتّى يمضي اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش؛ وبعضها يدلّ على أنّ عزَّة الإسلام إنّما تكون إلى اثني عشر خليفة؛ وبعضها يدلّ على أنّ الدِّين قائم إلى قيام السّاعة وإلى ظهور اثني عشر خليفة، وغير ذلك من العناوين.

 

وهذه الخصوصيات لا توجد في الأمّة الإسلامية إلّا في الأئمّة الإثني عشر المعروفين

 


[1] سورة الشورى، الآية 23.

[2] القندوزي، ينابيع المودَّة، لا.ن، استنبول، 1301هـ، لا.ط، ص 446، ط استنبول، عام 1301.

 

352


283

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

عند الفريقين[1] خصوصاً ما يدلّ على أنّ وجود الأئمّة مستمرّ إلى آخر الدهر ومن المعلوم أنّ آخر الأئمّة هو المهديّ المنتظر الذي يعدّ ظهوره من أشراط الساعة.

 

ثمّ إنّه قد تضافرت النصوص من الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع[2].

 

الإمام الثاني عشر في الكتاب والسنّة

إنّ إفاضة القول في تعريف أئمّة أهل البيت عليهم السلام ببيان علومهم وفضائلهم ونتائج جهودهم في مجال العلوم الدينية، وتربية الشخصيات المبرّزة في مجال العلم والعمل، وما لاقوه من اضطهاد خلفاء عصرهم يحتاج إلى موسوعة كبيرة، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن ذلك، إلّا أنّ الاعتقاد بالإمام المنتظر لمّا كان أصلاً رصيناً من أبحاث الإمامة للشيعة، وكان الاعتقاد به ـ في الجملة ـ مشتركاً بين طوائف المسلمين، رجّحنا إلقاء الضوء على هذا الأصل على وجه الإجمال فنقول:

كلّ من كان له إلمام بالحديث، يقف على تواتر البشارة عن النبيّ وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم ونشر العلم وإقامة العدل، وإظهار الدِّين كلِّه ولو كره المشركون، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأعظم  صلى الله عليه وآله وسلم: "لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم، حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً"[3].

 

ولو وجد هنا خلاف بين طوائف المسلمين فهو الاختلاف في ولادته، فإنّ الأكثريّة من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، لكن معتقد الشيعة بفضل الروايات

 


[1] وهم: عليّ بن أبي طالب، وابناه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وعليّ بن الحسين السّجاد، ومحمّد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرضا، ومحمّد بن عليّ التقي، وعليّ بن محمّد النقي، والحسن بن عليّ العسكري، وحجّة العصر المهدي المنتظر ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ.

[2] لاحظ: الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج1، كتاب الحجّة؛ كفاية الأثر، لعلي بن محمد بن الحسن الخزاز القمي من علماء القرن الرابع؛ إثبات الهداة للشيخ الحرّ العاملي، وهو أجمع كتاب في هذا الموضوع.

[3] لاحظ: مسند أحمد، ج1، ص 99 وج3، ص 17و70.

 

353


284

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

الكثيرة هو أنّه ولد في "سُرَّ من رأى"[1] عام 255 بعد الهجرة النبوية، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده عام 260هـ، وسوف يظهره الله سبحانه ليتحقّق عدله.

ونحن نكتفي في المقام بذكر فهرس الروايات التي رواها السنّة والشيعة:

1- البشارة بظهوره 657 رواية.

2- أنّه من أهل بيت النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم 983 رواية.

3- أنّه من أولاد الإمام عليّ  عليه السلام 412 رواية.

4- أنّه من أولاد فاطمة الزهراء عليها السلام  192رواية .

5- أنّه التاسع من أولاد الحسين  عليه السلام 148 رواية.

6- أنّه من أولاد الإمام زين العابدين  عليه السلام 185 رواية.

7- أنّه من أولاد الحسن العسكري  عليه السلام 146رواية.

8- أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً 132رواية.

9- أنّ له غيبة طويلة 91 رواية.

10- أنّه يعمر عمراً طويلاً 318 رواية.

11- الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام: 136رواية.

12- الإسلام يعمّ العالم كلَّه بعد ظهوره 27 رواية.

13- الروايات الواردة حول ولادته[2]: 412 رواية.

ولم يُر التضعيف لأخبار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إلّا من ابن خلدون في مقدّمته، وقد فنّد مقاله الأستاذ أحمد محمّد صدّيق برسالة أسماها "إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون"[3].

 

قال بعض المحقّقين ردّاً لمزعمة ابن خلدون: "إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين، أو رواية أو روايتين، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

فلماذا نردّ كلّ هذه الكمية؟ أكلّها فاسدة؟! لوصحّ هذا الحكم لانهار الدِّين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشكّ والظنّ الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول

 


[1] مدينة سامراء.

[2] وقد ألّف غير واحد من أعلام السنّة كتباً حول الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف، منهم:الحافظ أبو نعيم الأصفهاني له كتاب "صفة المهدي" والكنجي الشافعي له "البيان في أخبار صاحب الزمان" وملّا عليّ المتّقي له "البرهان في علامات مهدي آخر الزمان" وعبّاد بن يعقوب الرواجني له "أخبار المهدي" والسيوطي له "العرف الوردي في أخبار المهدي" وابن حجر له "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" والشيخ جمال الدِّين الدمشقي له "عقد الورد في أخبار الإمام المنتظر" وغيرهم قديماً وحديثاً.

[3] وأخيراً نشر شخص يدعى أحمد المصري رسالة أسماها (المهدي والمهدوية) قام ـ بزعمه ـ بردّ أحاديث المهدي، وأنكر تلك الأحاديث الهائلة البالغة فوق حدّ التواتر، جهلاً منه بالسنّة والحديث.

 

354


285

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو؟ حسني، أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين فليس لهم اعتبار.

 

وإذا نظرنا إلى ظهور المهدي، نظرة مجرّدة، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها.

 

وقد يتأيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة والأحاديث المتعدّدة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، ... بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصحّ أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: "فيقول أميرهم (أي لعيسى) تعال صلِّ بنا"[1].

 

وحديث أبي هريرة في البخاري وفيه: "وكيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم"[2].

 

فلا مانع من أن يكون هذا الأمير وهذا الإمام هو المهدي.

 

يضاف إلى هذا أنّ كثيراً من السلف رضي الله عنهم، لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين"[3].

 


[1] صحيح مسلم، ج1، ص 95، باب نزول عيسى.

[2] صحيح البخاري، ج4، ص 168، باب نزول عيسى بن مريم.

[3] الدكتور عبد الباقي، بين يدي الساعة، ص123 - 125.

 

355


286

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

المفاهيم الرئيسة

•        لم يكتف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بتنصيب الإمام عليّ عليه السلام من بعده، ولا بإرجاع الأمّة إلى أهل بيته وعترته وتشبيههم بسفينة نوح فحسب، بل قام ببيان عدد الأئمّة بعده، وهم اثنا عشر خليفة. ولا ينطبق هذا العدد إلّا على الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام، ثمّ إنّه قد تضافرت النصوص في تنصيص كلّ إمام سابق للإمام اللاحق.

 

•        تضمّنت الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهي المروية عند الفريقين ـ توصيف خلفائه بجملة من الصفات لا تنطبق إلا على الأئمة الإثنى عشر  عليهم السلام، ومن تلك الصفات:

ممّا ورد في توصيفهم من الخصوصيات:

1- لا يزال الدِّين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.

2- لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

 

•        كلّ من كان له إلمام بالحديث، يقف على تواتر البشارة عن النبيّ وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم ونشر العلم وإقامة العدل. ويعتقد الشيعة ـ بفضل الروايات الكثيرة ـ أنّه قد ولد في "سُرَّ من رأى" عام 255 بعد الهجرة النبوية، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده عام 260هـ، وسوف يظهره الله سبحانه ليتحقّق عدله.

 

356


287

الدرس الثالث والثلاثون: الأئمّة الإثنا عشر عليهم والإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

أسئلة الدرس


أجب على الأسئلة التالية:
1- أعطي خلاصة عن أحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول الأئمة الأطهار من خلال قراءة الأحاديث في الدرس.
2- ما هو التوجيه لروايات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حول كون الأئمة اثني عشر مع عدم تحديد أسمائهم فيها؟
3- اعتبر ابن خلدون أنّ مسألة الإمام الثاني عشر غير صحيحة وبحاجة إلى إثبات، فكيف تعالج ذلك؟

ضع إشارة  أو  في المكان المناسب:
1- يعتقد جميع المسلمين بظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإن اختلفوا في كونه مولوداً أو سوف يولد.  

2- إنّ الأحاديث الواردة في مسألة الاعتقاد بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف كلّها ضعيفة من حيث السند والدلالة.  

3- كانت عقيدة ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف رائجة عند المسلمين خصوصاً مع ورود روايات كثيرة عنهم.  

4- إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطِ توصيفاً دقيقاً للخلفاء من بعده وإنما كانت رواياته عامة تنطبق على كل من تجتمع فيه تلك الصفات.  

5- يعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف مولود قبل وفاة والده وأنه سوف يظهره الله ليحقّق به هدف رسالات السماء.  

 

357


288

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

الدرس الرابع والثلاثون:

الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يطلع على بعض الاشكاليات المطروحة حول غيبة الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

2- يجيب على تلك الاشكاليات بطريقة علمية.

 

3- يتعرّف على أهم الأمور الممهِّدة لظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

359


289

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

إنّ القول بأنّ الإمام المهدي لم يزل حيّاً منذ ولادته إلى الآن، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر الله سبحانه أثار أسئلة حول حياته وإمامته أهمّها ما يلي[1]:

كيف يكون إماماً وهو غائب؟

إنّ الغاية من تنصيب الإمام هي القيام بوظائف الإمامة والقيادة وهو يتوقّف على كونه ظاهراً بين أبناء الأمّة، مشاهداً لهم، فكيف يكون إماماً قائداً وهو غائب عنهم؟

والجواب عنه بوجوه:

الأوّل: إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمان غيبته لا يدلّ على انتفائها، ومن أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية أو الدِّينية هو جعل "عدم العلم" بمثابة "العلم بالعدم"، ولا شكّ أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا يفهم مصلحة كثير من سنن الله تعالى ولكن مقتضى تنزُّه فعله سبحانه عن اللغو والعبث هو التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة، وقد عرفت تواتر الروايات على غيبته.

 

الثاني: إنّ الغيبة لا تلازم الإهمال وعدم التصرُّف في الأمر مطلقاً، فهذا صاحب موسى عليه السلام كان ولياً من أوليائه تعالى لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره كما يحكيه القرآن الكريم ويقول: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن

 


[1] وقد قام العلماء المحقّقون من علماء الإماميّة بالإجابة عليها في مؤلَّفات مستقلّة لا مجال لنقل معشار ممّا جاء فيها، ونحن نكتفي في المقام بالبحث عنها على وجه الإجمال، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلَّفة في هذا المجال.

 

361


290

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[1].

 

فأيّ مانع حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط، ويؤيّد ذلك ما دلَّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحجّ، ويحجّ ويصاحب الناس ويحضر المجالس.

 

الثالث: قيام الإمام بالتصرّف في الأمور الظاهرية وشؤون الحكومة لا ينحصر بالقيام به شخصاً وحضوراً، بل له تولية غيره على التصرّف في الأمور وقد نصّب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام للقضاء وإجراء السياسات وإقامة الحدود وجعلهم حجّة على الناس، كما جاء في توقيعه الشريف: "وأمّا الحوادث العامة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم"[2].

 

وإلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه بقوله:

"وأمّا وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس، إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب"[3].

 

لماذا غاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

إنّ ظهور الإمام بين الناس، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتّب عليه في زمان الغيبة، فلماذا غاب عن الناس، حتّى حُرِموا من الاستفادة من وجوده، وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

الجواب: إنّ هذا السؤال يمكن أن يجاب عليه بعدّة وجوه على نحو الاختصار:

أولاً: بما ذكرناه في الإجابة عن السؤال الأوّل، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته، لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة، بل هو المتعيّن.

 


[1] سورة الكهف، الآيتان 65 و66.

[2] الشيخ الصدوق، كمال الدين، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران - قم، 1405هـ، لا.ط، ص 485.

[3] (م.ن).

 

362


291

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

ثانياً: إنّ أسباب غيبته واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات، فإنّ الإمام المهدي  عجل الله تعالى فرجه الشريف هو آخر الأئمّة الاثني عشر الذين وعد بهم الرسول، وأناط عزّة الإسلام بهم، ومن المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تُقدّرهم، بل كانت لهم بالمرصاد، تُلقيهم في السجون، وتريق دماءهم الطاهرة، بالسيف أو السمّ، فلو كان ظاهراً، لأقدموا على قتله، إطفاءً لنوره، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكون مستوراً عن أعين الناس، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره، بعد حصول استعداد خاص في العالم لقبوله، والانضواء تحت لواء طاعته، حتى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الأمم جمعاء من توريث الأرض للمستضعفين. وقد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة، روى زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم"، قال: قلت ولم؟ قال: "يخاف"، قال زرارة: يعني القتل. وفي رواية أُخرى: "يخاف على نفسه الذبح"[1].

 

ثالثاً: يجب التنبيه أيضا إلى أن السبب في الغيبة ليس من ناحية الله ولا من ناحية الإمام الثاني عشر عليه السلام لأن كمال لطفه تعالى يقتضي ظهور وليّه، كما أن مقتضى عصمة الإمام الثاني عشر أرواحنا فداه هو أن لا يغيب عن وظائفه وهداية الناس وإرشادهم، ولذلك قال المحقّق نصير الدين الطوسي قدس سره: "ليست غيبة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من الله ولا منه  عليه السلام بل من المكلّفين والناس، وهي من غلبة الخوف وعدم تمكين الناس من إطاعة الإمام، فإذا زال سبب الغيبة وقع الظهور"[2].

 

وأيضاً قال الفاضل المقداد: "وأمّا سبب خفائه فإمّا لمصلحة إستأثر الله بعلمها، أو لكثرة العدو وقلّة الناصر، لأنّ حكمته تعالى وعصمته  عليه السلام لا يجوز معهما منع اللطف، فيكون من الغير المعادي وذلك هو المطلوب"[3].

 


[1] الشيخ الصدوق، لاحظ كمال الدين، مصدر سابق، ص 281، الباب 44، الحديث 8و9و10.

[2] راجع رسالة الإمام الفصل الثالث، ص 25، نقلا عن كتاب نويد أمن وأمان.

[3] المقداد السيوري، شرح الباب الحادي عشر، دار الأضواء، لبنان - بيروت، 1996م، ط2، ص52.

 

363


292

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

ويؤيّد ذلك ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:"واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجّة لله لكنّ الله سيعمي خلقه منها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم"[1].

 

إذاً غيبة الإمام ناشئة بشكل أساس من تقصير الناس: وقد يوجّه ذلك بأنّ إقامة العدل العالمي متوقّف على قبول وتحمّل مجموعة عامة الناس في أقطار العالم مسؤوليتها لإقامة العدل العالمي، ولمّا لم يتحقّق هذا النصاب بعد فإنّ الغيبة لا بدّ منها وفيها تمام المصلحة. فسبب غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف تقع أيضاً في جزء كبير منها على عاتق الناس لعدم نصرتهم إيّاه، فإذا تحقّقت مظنّة النصرة من قبل الرعيّة وجب الظهور.

 

الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وطول عمره

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي، طول عمره في فترة غيبته، فإنّه ولد عام 255هـ، فيكون عمره إلى الأعصار الحاضرة أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

والجواب: من وجهين، نقضاً وحلاً.

 

أمّا النقض: فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الأنبياء النبي نوح عليه السلام عاش قرابة ألف سنة قبل الطوفان كما يظهر في الآية، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾[2].

 

وقد تضمّنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمَّرين، وذكرت أحوالهم في سفر التكوين[3].

 

وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين، ككتاب "المعمّرين" لأبي حاتم السجستاني، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب "كمال الدِّين"[4]،

 


[1] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج51، ص 112.

[2] سورة العنكبوت، الآية 14.

[3] التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الجملة 5، وذكر هناك أعمار آدم، وشيث ونوح وغيرهم.

[4] الشيخ الصدوق، كمال الدين، مصدر سابق، ص 555.

 

364


293

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

والعلّامة الكراجكي في رسالته الخاصة "البرهان على صحّة طول عمر الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف"[1] والعلاّمة المجلسي في "البحار"[2] وغيرهم.

 

وأمّا الحلّ: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يكشف عدم إدراك سعة قدرة الله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[3].

 

فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه، فأيّ مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويهبه العمر الطويل.

 

وبعبارة أُخرى، إنّ الحياة الطويلة، إمّا ممكنة في حدّ ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعيّن الأوّل، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

 

ما هي علائم ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

إذا كان للإمام الغائب، ظهور بعد غيبة طويلة، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علائم وأشراط، تخبر عن ظهوره، فما هي هذه العلائم؟

 

الجواب: إنّ ما جاء في كتب الأحاديث من الحوادث الواقعة قبل ظهور المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف عبارة عن عدّة أُمور، منها:

1- النداء في السماء، ينادي مناد من السماء باسم المهدي فيسمع من بالمشرق والمغرب، والمنادي هو جبرائيل روح الأمين[4].

 

2- الخسوف والكسوف في غير مواقعهما، الكسوف في النصف من شهر رمضان والخسوف في آخره والقاعدة العكس[5].

 


[1] البرهان على طول عمر الإمام صاحب الزمان، ملحق بـ"كنز الفوائد" له أيضاً الجزء الثاني لاحظ في ذكر المعمرين، ص114/155، دار الأضواء، بيروت، 1405 هـ.

[2] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 51، ص 225 - 293.

[3] سورة الأنعام، الآية 91.

[4] السيد صدر الدين الصدر، المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، مكتبة المنهل، الكويت، 1978م، ط، ص 195.

[5] المصدر نفسه، ص 196، 205.

 

365


294

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

3- الشقاق والنفاق في المجتمع.

 

4- انتشار الجور والظلم والهرج والمرج في الأمّة.

 

5- ابتلاء الإنسان بالموت الأحمر والأبيض، أمّا الموت الأحمر فالسيف، وأمّا الموت الأبيض فالطاعون[1].

 

6- قتل النفس الزكية، من أولاد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

 

7- خروج الدجّال.

 

8- خروج السفياني، وهو عثمان بن عنبسة من أولاد يزيد بن معاوية.

 

وغير ذلك ممّا جاء في الأحاديث الإسلامية[2].

 

هذه هي علامات ظهوره.

 

ممهّدات عصر الظهور

ولكن هناك أُموراً تمهّد لظهوره، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى أبرزها:

1- الاستعداد العالمي: والمراد منه أنّ المجتمع الإنساني ـ بسبب شيوع الفساد ـ يصل إلى حدّ، يقنط معه من تحقّق الإصلاح بيد البشر، وعن طريق المنظّمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة، وأنّ ضغط الظلم والجور على الإنسان يحمله على أن يذعن ويقرَّ بأنّ الإصلاح لا يتحقّق إلّا بظهور إعجاز إلهي وحضور قوَّة غيبية، تدمِّر كلّ تلك التكتّلات البشرية الفاسدة، التي قيّدت بأسلاكها أعناق البشر.

 

2- تكامل العقول: إنّ الحكومة العالمية للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا تتحقّق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للأعداء، وإنّما تتحقّق برغبة الناس إليها، وتأييدهم لها، لتكامل عقولهم ومعرفتهم.

 


[1] السيد صدر الدين الصدر، المهدي، مصدر سابق، ص 198.

[2] لاحظ في الوقوف على هذه العلائم: العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 52، ص 181 ـ 308، الباب 25؛ السيد صدر الدين الصدر ،كتاب المهدي، (المتوفّـى 1373هـ), لطف الله الصافي، منتخب الأثر، مؤسسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1983م، ط2، ص 424، 462.

 

366


295

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

يقول الإمام الباقر عليه السلام في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم: "إذا قام قائمنا، وضع الله يده على رؤوس العباد، فيجمع بها عقولهم وتكتمل به أحلامهم"[1].

 

فقوله عليه السلام: "يجمع بها عقولهم"، بمعنى أنّ التكامل الاجتماعي يبلغ بالبشر إلى الحدّ الذي يقبل فيه تلك الموهبة الإلهية، ولن يترصّد للثورة على الإمام والانقلاب عليه، وقتله أو سجنه.

 

3- تكامل الصناعات: إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقّق إلّا بتكامل الصناعات البشرية، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه، وتعاليمه وقوانينه في يوم واحد، وزمن واحد.

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ المؤمن في زمان القائم، وهو بالمشرق، يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق"[2].

 

4- الجيش الثوري العالمي: إنّ حكومة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإن كانت قائمة على تكامل العقول، ولكنّ الحكومة لا تستغني عن جيش، يمهّد الطريق للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويواكبه بعد الظهور إلى تحقّق أهدافه وغاياته المتوخّاة.

 


[1] الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر، مصدر سابق، ص 483.

[2] المصدر نفسه.

 

367


296

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

المفاهيم الرئيسة

•        أثيرت حول قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أسئلة عديدة أهمّها: كيف يكون إماماً وهو غائب؟ ألا يمنعه الغياب من القيام بوظائف الإمامة؟

 

•        إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمان غيبته لا يدلّ على انتفائها.

 

•        يمكن للإمام أن يقوم بجملة من وظائف الإمامة عبر وكلائه، سواء في الغيبة الصغرى أو الغيبة الكبرى.

 

•        إنّ قصور عقولنا عن إدراك سبب غيبته لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات.

 

•        إنّ من أسباب غيبته الظلم الواقع من الحكّام فلو كان ظاهراً لقتلوه.

 

•        قد ثبت في القرآن الكريم وفي التاريخ طول عمر العديد من الناس، مثل النبيّ نوح عليه السلام.

 

•        إنّ قدرة الله واسعة فليس مستحيلاً على الله تعالى إطالة عمر الإمام، وإطالة العمر ليست مستحيلة في حدّ ذاتها بل هي ممكنة.

 

•        مضافاً لما تقدّم فقد ثبت في العلم الحديث إمكان طول عمر الإنسان إذا تحقّقت شروط معيّنة.

 

•        هناك علائم عديدة، منها: النداء في السماء، الخسوف والكسوف في غير وقتهما، كثرة القتل، شيوع الظلم والفجور، خروج الدّجال، السفياني.

 

•        هناك أمور تمِّهد لظهور الإمام، منها: الاستعداد العالمي، تكامل العقول، تكامل الصناعات، الجيش الثوري العالمي.

 

368


297

الدرس الرابع والثلاثون: الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف

أسئلة الدرس


أجب على الأسئلة التالية:
1- كيف يمكن لك التوفيق بين وظائف الإمام المعصوم عليه السلاموغيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

2- اذكر النماذج القرآنية على طول عمر بعض الأنبياء عليهم السلام وغيرهم مستدلاً بذلك على طول عمر الإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف.

3- عدِّد علامات الظهور مبيّناً أهميتها في ترقّب ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- إنّ ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يرتكز على كون المجتمع الإنساني مستعدّاً لتلقّي ظهور الإمام وإصلاحه للمجتمع.  

2- ترتكز حركة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف على الاستعداد النفسي لدى عامة الناس لقبول ظهوره دون الحاجة إلى الاستعداد في كافة المجالات الأخرى.  

3- من الأسباب التي أدّت إلى غياب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هي كثرة العدو وقلّة الناصر والمعين.  

4- إذا ظهر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف سوف يأخذ بالناس إلى الطرق القديمة في التعامل والتواصل فيما بينهم.  

5- إذا قلنا بأنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف غائب بأمر من الله سبحانه وتعالى فإنّ ذلك لا يؤثّر على طول عمره.  

 

369


298

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

الدرس الخامس والثلاثون:

المعاد

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن أهميّة الاعتقاد بالمعاد.

 

2- يتعرّف إلى جملة من براهين إثبات المعاد.

 

3- يتعرّف إلى بعض الأدلة المثبتة لتجرّد النفس الإنسانيّة.

 

371


299

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

أهمية الاعتقاد بالمعاد

الاعتقاد بالمعاد عنصر أساس في كلّ شريعة لها صلة بالسّماء بحيث تصبح الشرائع بدونه مسالك بشرية مادّية لا تمتُّ إلى الله بصلة، وقد بيَّن الذكر الحكيم وجود تلك العقيدة في الشرائع السماوية من لدن آدم إلى المسيح[1]. وقد اهتمّ به القرآن الكريم اهتماماً بالغاً، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليه في القرآن فبلغ زهاء ألف وأربعمائة آية، وكان السيد العلّامة الطباطبائي قدس سره يقول بأنّه ورد البحث عن المعاد في القرآن في آيات تربو على الألفين، ولعلّه ضمّ الإشارة إليه إلى التصريح به، وعلى كلّ تقدير فهذه الآيات الهائلة تعرب عن شدّة اهتمام القرآن به.

 

براهين إثبات المعاد

لا شكّ أنّ المعاد أمر ممكن في ذاته وإنّما الكلام في وجوب وقوعه، وهناك وجوه عقلية تدلّ على ضرورة وجود نشأة الآخرة هدانا إليها القرآن الكريم، منها:

1- صيانة الخلقة عن العبث:

يستدلّ الذكر الحكيم على لزوم المعاد بأنّ الحياة الأخرويّة هي الغاية من خلق الإنسان وأنّه لولاها لصارت حياته منحصرة في إطار الدنيا، ولأصبح إيجاده وخلقه عبثاً

 


[1] راجع في ذلك الآيات: سورة آل عمران، الآيات 55 ـ 57. سورة الأعراف، الآيات 24، 35، 36 . سورة إبراهيم، الآية41. سورة الشعراء، الآية 87. سورة العنكبوت، الآية 17. سورة غافر، الآيات 5، 32، 40، 43. سورة نوح، الآيتان17و 18.

 

373

373


300

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

وباطلاً، والله سبحانه منزَّه عن فعل العبث، يقول سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾[1].

 

ومن لطيف البيان في هذا المجال قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[2].

 

ترى أنّه يذكر يوم الفصل بعد نفي كون الخلقة لعباً، وذلك يعرب عن أنّ النشأة الأخروية تصون الخلقة عن اللغو واللعب.

 

ويقرب من ذلك الآيات التي تصفه تعالى بأنّه الحقّ، ثمّ يرتّب عليه إحياء الموتى والنشأة الآخرة، يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾[3].

 

إلى غير ذلك من الآيات[4].

 

2- المعاد مقتضى العدل الإلهي:

إنّ العباد فريقان: مطيع وعاص، وعادل وظالم، والتسوية بينهم بصورها[5] المختلفة خلاف العدل، فهنا يستقلّ العقل بأنّه يجب التفريق بينهم من حيث الثواب والعقاب، وبما أنّ هذا غير متحقّق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى يتحقّق فيها ذلك التفريق، والذي به تتحقق العدالة وإلى هذا البيان يشير المحقّق البحراني بقوله: "إنّا نرى المطيع والعاصي يدركهما الموت من غير أن يصل إلى أحد منهما ما يستحقّه من ثواب أو عقاب، فإن لم يحشروا ليوصل إليهما ذلك المستحقّ لزم بطلانه أصلاً"[6].

 


[1] سورة المؤمنون، الآية 115.

[2] سورة الدخان، الآيات 38 ـ 40.

[3] سورة الحج، الآية 6.

[4] لاحظ سورة الحج، الآيات 62 – 66, سورة لقمان، الآيات 30 ـ 33.

[5] وهي: إثابة الجميع، وعقوبة الجميع، وتركهم سدى من دون أن يحشروا.

[6] ابن ميثم البحراني، قواعد المرام، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، إيران - قم، 1406هـ، ط2، ص 146.

 

374


301

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

وإلى هذا الدليل العقلي يشير قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[1].

 

وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[2].

 

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾[3].

 

فقوله: (لتجزى) إشارة إلى أنّ قيام القيامة تحقيق لمسألة الثواب والعقاب اللّذين هما مقتضى العدل الإلهي.

 

3- المعاد محقق للوعد الإلهي

إنّه سبحانه قد وعد المطيعين بالثواب في آيات متضافرة، ولا شكّ أنّ إنجاز الوعد حسن وخلف الوعد قبيح، والوفاء بالوعد يقتضي وقوع المعاد، قال المحقّق الطوسي: "ووجوب إيفاء الوعد والحكمة يقتضي وجوب البعث"[4].

 

وإلى هذا البرهان يشير قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾[5].

 

شبهات حول المعاد

تنبيه

إنّ جلّ شبهات المنكرين للمعاد ـ إن لم نقل كلّها ـ ناشئة عن الغفلة أو الجهل بالقدرة المطلقة والعلم الوسيع لله تعالى، ومن هنا نجد القرآن الكريم، وهو يجيب عن شبهاتهم، يؤكِّد بوجه بليغ على قدرة الخالق اللامتناهية وعلمه.

 

يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾[6].

 


[1] سورة ص، الآية 28.

[2] سورة القلم، الآيتان 35 - 36.

[3] سورة طه، الآية 15.

[4] العلّامة الحلّي، كشف المراد: مصدر سابق، المقصد السادس، المسألة الرابعة.

[5] سورة آل عمران، الآية 9.

[6] سورة الروم، الآية 27.

 

375


302

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

ويقول عزّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾[1].

 

ويقول سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾[2].

 

مسألة تجرّد النفس الإنسانيّة

إنّ بعض شبهات منكري المعاد ناشئ عن توهم أنّ الإنسان ليس إلا مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود تعمل بانتظام، فإذا مات الإنسان وصار تراباً لا يبقى من شخصيته شيء، فكيف يمكن أن يكون الإنسان المُعاد هو نفس الإنسان في الدنيا؟

 

إنّ لازم ذلك ألّا يتحقّق المقصود من المعاد وهو تحقيق العدل الإلهي بإثابة المطيع وعقوبة العاصي، ولعلّه إلى هذه الشبهة يشير قوله تعالى حكاية لمقولة بعض منكري المعاد: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾[3].

وقد أجاب سبحانه عنها بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾[4]. يعني أنّ شخصيّتكم الحقيقية لا تضلّ أبداً في الأرض، فإنّها محفوظة لا تتغيّر ولا تضلّ، وتلك الشخصية هي ملاك وحدة الإنسان المحشور في الآخرة والإنسان الدنيوي، فالآية تشير إلى بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادة، وهذا الجواب هو الأساس لدفع أكثر الشبهات حول المعاد الجسماني.

 


[1] سورة يس، الآيتان 78 و 79.

[2] سورة سبأ، الآية 3.

[3] سورة السجدة، الآية 10.

[4] سورة السجدة، الآية 11.

 

376


303

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

لقد شغل أمر تجرّد الروح بال المفكرين، واستدلّوا عليه بوجوه عقلية عدّة، كما اهتمّ القرآن الكريم ببيانه في لفيف من آياته، وفيما يلي نسلك في البحث عن تجرّد الروح هذين الطريقين: العقلي والنقلي:

الدليل العقلي على تجرد الروح

إنّ البحث العقلي في تجرّد الروح مترامي الأطراف، مختلف البراهين، نكتفي في مقامنا ببيان أحدها، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك[1].

 

- ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات الجسدية:

لقد أثبت العلم أنّ التغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادّية، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري عن التغيّر والتبدّل، وقد حسب العلماء معدّل هذا التجدّد فظهر لهم أنّه يحدث بصورة شاملة في البدن مرّة كلّ عشر سنين، هذا. وفي نفس الوقت كلّ واحد منّا يشعر بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوّامة تلك التغيّرات الجسمية، ويجد أنّ هناك شيئاً يسند إليه جميع حالاته من الطفولة والصبا والشباب، والكهولة والشيخوخة، فهناك وراء بدن الإنسان وتحوّلاته البدنية حقيقة باقية ثابتة رغم تغيُّر الأحوال وتصرم الأزمنة.

 

فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً مشمولاً لسنّة التغيّر والتحوّل لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد فيقول: أنا الذي كتبت هذا الخطّ يوم كنت صبياً أو شاباً، وأنا الذي فعلت كذا وكذا في تلك الحالة وذلك الوقت.

 

2- عدم الانقسام علامة التجرّد:

الإنقسام والتجزّؤ من لوازم المادّة، ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه بطلان الجزء الذي لا يتجزّأ، وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لا يتجزّأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الإنقسام، هذا من جانب.

 


[1] لاحظ: الشيخ الطوسي، شرح الإشارات، ج 2، ص 368 - 371؛ صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية، مصدر سابق، ج 8، ص38, العلّامة الطباطبائي، أصول الفلسفة، المقالة 3.

 

377


304

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

ومن جانب آخر، فإن كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ "أنا" وجده معنى بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّئ، فارتفاع أحكام المادّة، دليل على أنّه ليس بمادّي.

 

إنّ عدم الانقسام لا يختصّ بالنفس بل هو سائد على الصفات النفسانية من الحبّ والبغض والإرادة والكراهة والإذعان ونحو ذلك، اعطف نظرك إلى حبّك لولدك وبغضك لعدوّك فهل تجد فيهما تركّباً، وهل ينقسمان إلى أجزاء؟ كلّا، ولا.

 

فظهر أنّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادّة.

 

القرآن وتجرّد النفس

الآيات القرآنية الدالّة على تجرّد النفس وخلودها بعد الموت تصريحاً أو تلويحاً كثيرة نأتي بنماذج منها:

1- يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[1].

 

إنّ لفظة التوفّي بمعنى القبض والأخذ لا الإماتة، وعلى ذلك فالآية تدلّ على أنّ للإنسان وراء البدن شيئاً يأخذه الله سبحانه حين الموت والنوم، فيمسكه إن كتب عليه الموت، ويرسله إن لم يكتب عليه ذلك إلى أجل مسمّى.

 

2- قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[2].

 


[1] سرة الزمر، الآية 42.

[2] سورة آل عمران، الآيتان 169 - 170.

 

378


305

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

إنّ صراحة الآية غير قابلة للإنكار، فإنّها تقول: إنّهم أحياء أولاً، ويرزقون ثانياً، وإنّ لهم آثاراً نفسانية يفرحون ويستبشرون ثالثاً، وتفسير الحياة، بالحياة في شعور الناس وضمائرهم وقلوبهم، وفي الأندية والمحافل، هو تفسير مادّي للآية مخالف لما ذُكِر للحياة من الأوصاف الحقيقية.

 

379


306

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

المفاهيم الرئيسة

•        الاعتقاد بالمعاد عنصر أساس في كلّ شريعة لها صلة بالسّماء، وقد اهتمّ به القرآن الكريم اهتماماً بالغاً، حتى أحصى بعض العلماء ألفي آية في كتاب الله تتحدّث عن المعاد.

 

•        من براهين وجوب وقوع المعاد:

أ- صيانة الخلق عن العبث: فإنّه مع انحصار حياة الإنسان في إطار الدنيا، لأصبح إيجاده وخلقه عبثاً وباطلاً، واللّه سبحانه منزَّه عن فعل العبث، يقول سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.

 

ب-  المعاد مقتضى العدل الإلهي: فإنّ العقل يستقلّ في الحكم بأنّه يجب التفريق بين المطيع والعاصي من حيث الثواب والعقاب، وبما أنّ هذا غير متحقّق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى يتحقّق فيها ذلك التفريق.

 

ج- المعاد مجلى لتحقق مواعيده تعالى: فإنّه سبحانه قد وعد المطيعين بالثواب في آيات متضافرة، ولا شكّ أن إنجاز الوعد حسن والتخلف عنه قبيح، فالوفاء بالوعد يقتضي وقوع المعاد.

 

•        تعتبر مسألة تجرّد النفس الإنسانيّة مدماكاً أساسياً في تصوير المعاد والردّ على كثير من شبهات المنكرين له، وقد أُقيمت العديد من الأدلّة لإثبات هذه المسألة منها:

أ- ثبات الشخصية الإنسانية في دوّامة التغيّرات الجسدية، وهو يُعتبر دليلاً عقلياً على تجرّد النفس.

ب- العديد من الآيات القرآنية الدالّة بوضوح على تجرّد النفس، منها قوله تعالى:

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

 

380


307

الدرس الخامس والثلاثون: المعاد

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- كيف تستدلّ بدليل صيانة الخلقة عن العبث على المعاد؟

 

2- اذكر باختصار الدليل العقلي على تجرّد الروح الإنسانية؟

 

3- ما هو الوجه في الآية المباركة على تجرّد الروح الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- يُعتبر الإيمان بالمعاد من الركائز الأساسية في بناء المنظومة العقائدية للإنسان.

 

2- إذا مات الإنسان فلا يبقى من شخصيته شيء وبالتالي لا يتحقّق المعاد لا للروح ولا للجسد.

 

3- إذا كان من موجبات العقل التفريق بين المطيع والعاصي من حيث الثواب والعقاب فلا بد من كون ذلك متحقّقاً حتى في عالم الآخرة.

 

4- لقد اهتم القرآن الكريم اهتماماً بالغاً بالمعاد إلا أنه يشير إلى كون المعاد جسمانيّاً أو روحانيّاً.

 

5- إنّ الله سبحانه وتعالى قد وعد المطيعين بالثواب والوفاء بالوعد يقتضي وقوع المعاد.

 

381


308

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

الدرس السادس والثلاثون:

المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يُبيّن دلالة الكتاب على المعاد الجسمانيّ يذكر دلالته كذلك على المعاد الروحاني.

 

3- يتعرّف إلى شبهة الآكل والمأكول وما يبطلها.

 

383


309

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

المعاد الجسماني والروحاني

إنّ القول بالمعاد الجسماني والروحاني معاً يتوقّف على أُمور:

1- الاعتقاد بتجرّد الروح الإنساني.

 

2- الاعتقاد بأنّ الروح يعود إلى البدن عند الحشر.

 

3- أنّ هناك آلاماً ولذائذ جزئية وكلية، جسمانية وروحانية.

 

إنّ من أمعن النظر في الآيات الواردة حول المعاد يقف على أنّ المعاد الذي يصرُّ عليه القرآن هو عود البدن الذي كان الإنسان يعيش به في الدنيا ولا يصدِّق عود الروح وحدها فقط، كما أنّه لا يخصّ الثواب والعقاب بالجسمانية منهما بل يثبت أيضاً ثواباً وعقاباً روحانيين غير حسيّين، وإليك فيما يلي نماذج من عناوين الآيات في هذين المجالين:

1- ما ورد في قصّة إبراهيم، وإحياء عزير، وبقرة بني إسرائيل، ونحو ذلك[1].

 

2- ما يصرّح على أنّ الإنسان خلق من الأرض وإليها يعاد ومنها يخرج[2].

 

3- ما يدلّ على أنّ الحشر عبارة عن الخروج من الأجداث والقبور[3].

 


[1] سورة البقرة، الآيات 68 ـ 73، 243، 259 ـ 260.

[2] سورة الأعراف، الآية 25. سورة طه، الآية 55 . سورة الروم، الآية 25. سورة نوح، الآية 18.

[3] سورة الحج، الآية 7. سورة يس، الآية 51. سورة القمر، الآية 7. سورة المعارج، الآية 43.

 

385


310

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

4- ما يدلّ على شهادة الأعضاء يوم القيامة[1].

 

5- ما يدلّ على تبديل الجلود بعد نضجها وتقطّع الأمعاء[2].

 

هذا كلّه بالنسبة إلى الملاك الأوّل, وأمّا بالنسبة إلى الملاك الثاني، فالآيات الراجعة إلى الآلام واللذائذ الحسيّة أكثر من أن تحصى ولا حاجة إلى ذكرها.

 

قال المحقق الطوسي:

وأمّا القرآن فقد جاء فيه كلاهما:

أمّا الروحاني ففي مثل قوله عزّ من قائل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾[3].

و ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[4].

و ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[5].

 

وأمّا الجسماني فقد جاء أكثر من أن يعد، وأكثره ممّا لا يقبل التأويل، مثل قوله عزّ من قائل: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾[6].

﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾[7].

﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾[8].

 

أمّا القياس على التشبيه فغير صحيح، لأنّ التشبيه مخالف للدليل العقلي الدالّ على امتناعه، فوجب فيه الرجوع إلى التأويل، وأمّا المعاد البدني فلم يقم دليل، لا عقلي ولا نقلي على امتناعه، فوجب إجراء النصوص الواردة فيه على مقتضى ظواهرها"[9].

 


[1] سورة النور، الآية 24. سورة يس، الآية 65. سورة فصلت، الآية 41.

[2] سورة النساء، الآية 56؛ سورة محمّد، الآية 15.

[3] سورة السجدة، الآية 17.

[4] سورة يونس، الآية 26.

[5] سورة التوبة، الآية 72.

[6] سورة يس، الآيتان 78 و 79.

[7] سورة يس، الآية 51.

[8] سورة البقرة، الآية 259.

[9] الخواجة نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، دار الأضواء، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ص 393 - 394.

 

386


311

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

شبهة الآكل والمأكول

تعتبر هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي وردت في الكتب الكلامية حول المعاد الجسماني وقد اعتنى بدفعها المتكلّمون والفلاسفة الإلهيون عناية بالغة، والإشكال يقرّر بصورتين نأتي بهما مع الإجابة عنهما:

الصورة الأولى: لو أكل إنسان كافر إنساناً مؤمناً صار بدنه أو جزء منه جزءاً من بدن الكافر، والكافر يعذّب فيلزم تعذيب المؤمن وهو ظلم عليه.

 

والجواب عنه واضح، فإنّ المدرك للآلام واللذائذ هو الروح، والبدن وسيلة لإدراك ما هو المحسوس منهما، وعليه فصيرورة بدن المؤمن جزءاً من بدن الكافر لا يلازم تعذيب المؤمن، لأنّ المعذّب في الحقيقة هو روح الكافر ونفسه، لا روح المؤمن، وهذا نظير أخذ كلية الإنسان الحيّ ووصلها بإنسان آخر، فلو عذّب هذا الأخير أو نعّم، فالمعذّب والمنعّم هو هو، ولا صلة بينه وبين من وهب كليته إليه.

 

الصورة الثانية: إذا أكل إنسان إنساناً يصير بدنه المأكول أو جزء منه، جزء البدن الآكل، وتلك الأجزاء إما يعاد مع بدن الآكل، وإمّا يعاد مع بدن المأكول، أو لا يعاد أصلاً[1].

 

ولازم الجميع عدم عود البدن بتمامه وبعينه، إمّا في أحدهما كما في الفرضين الأولين، أو في كليهما كما في الفرض الأخير، فالمعاد الجسماني بمعنى حشر الأبدان بعينها باطل.

 

والمشهور عند المتكلّمين في الإجابة عنه هو أنّ بدن الإنسان مركّب من الأجزاء الأصلية والفاضلة، والأجزاء الأصلية باقية بعد الموت، وعند الإعادة تؤلّف وتضمّ معها أجزاء أخرى زائدة، والمعتبر في المعاد الجسماني هو إعادة تلك الأجزاء الأصلية، والأجزاء الأصلية في كل بدن تكون فاضلة في غيره[2].

 


[1] وأمّا فرض عوده مع كلّ من الآكل والمأكول فهو ساقطٌ رأساً، لأنّه محال عقلاً.

[2] ابن ميثم البحراني، قواعد المرام، مصدر سابق، ص 144.

 

387


312

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

الجواب: المعاد الجسماني لا يتوقّف على كون البدن المحشور نفس البدن الدنيوي حتى في المادّة الترابية، بل لو تكوّن بدن الإنسان المُعاد من أيّة مادّة ترابية كانت وتعلّقت به الروح، وكان من حيث الصورة متّحداً مع البدن الدنيوي، يصدق على المعاد أنّه هو المنشأ في الدنيا.

 

يؤيّد ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام: "فإذا قبضه الله إليه صيّر تلك الروح إلى الجنّة في صورة كصورته فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم، عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا"[1].

 

فترى أنّ الإمام  عليه السلام يذكر كلمة الصورة، ولعلّ فيه تذكيراً بأنّه يكفي في المعاد الجسماني كون المعاد متّحداً مع المبتدأ في الصورة من غير حاجة إلى أن يكون هناك وحدة في المادّة الترابية بحيث إذا طرأ مانع من خلق الإنسان منه، فشل المعاد الجسماني ولم يتحقّق.

 

قال العلامة الطباطبائي قدس سره: "البدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه، لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق، كان عينه لا مثله، لأنّ الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها"[2].

 


[1] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق،ج6، باب أحوال البرزخ، الحديث 32.

[2] السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، مصدر سابق، ج 17، ص 114.

 

388


313

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

المفاهيم الرئيسة

•        إنّ القول بالمعاد الجسماني والروحاني معاً يتوقّف على أمور:

1- الاعتقاد بتجرّد الروح.

2- الاعتقاد بأنّ الروح يعود إلى البدن عند الحشر.

3- أنّ هناك آلاماً ولذائذ جزئية وكلية، جسمانية وروحانية. والقرآن الكريم يدلّ على هذه الأمور.

 

•        من أقدم الشبهات حول المعاد الجسماني شبهة الآكل والمأكول ويتم عرضها بصورتين:

الأولى: لو أكل إنسان كافر إنساناً مؤمناً، صار بدنه أو جزء منه جزءاً من بدن الكافر، والكافر يعذّب فيلزم تعذيب المؤمن وهو ظلم له.

 

والجواب: إنّ المدرِك في العذاب هو الروح، والبدن وسيلة، فالمعذَّب في الحقيقة هو روح الكافر.

 

الثانية: إذا أكل إنسان إنساناً يصير بدنه المأكول أو جزء منه، جزء البدن الآكل، وتلك الأجزاء إما يعاد مع بدن الآكل، وإما يعاد مع بدن المأكول، أو لا يعاد أصلاً. ولازم الجميع عدم عود البدن بتمامه وبعينه.

 

والجواب: إنّ المعاد الجسماني لا يتوقّف على كون البدن المحشور نفس البدن الدنيوي حتى في المادّة الترابية بل لو تكوّن بدن الإنسان المُعاد من أيّة مادّة ترابية كانت، وتعلّقت به الروح، وكان من حيث الصورة متّحداً مع البدن الدنيوي، يصدق على المُعاد أنه هو المنشأ في الدنيا.

 

389


314

الدرس السادس والثلاثون: المعاد الجسماني والروحاني في القرآن الكريم

أسئلة الدرس

أجب على الأسئلة التالية:

1- عدِّد الأمور التي يتوقّف عليها كون المعاد جسمانيّاً وروحانيّاً.

 

2- اذكر باختصار الأدلة القرآنية التي استدلّ بها المحقّق الطوسي على كون المعاد جسمانيّاً وروحانيّاً؟

 

3- اذكر الصورة الثانية لشبهة الآكل والمأكول مبيّناً الوجه في دفعها؟

 

ضع إشارة ü أو  û في المكان المناسب:

1- إنّ المدرك للآلام واللذائذ هو الروح، والبدن وسيلة لإدراك ما هو المحسوس منهما فقط.

 

2- يعتبر القرآن الكريم أنّ اللذائذ والنعم يوم القيامة إنّما تعود إلى البدن والروح معاً.

 

3- إنّ القدرة الإلهية على إعادة إحياء رميم العظام دليل واضح على تحقّق المعاد الجسماني.

 

4- إذا صار جزء من إنسان مؤمن في جوف الكافر يلزم منه تعذيب المؤمن وهو ظلم عليه.

 

5- المعاد الجسماني هو اتحاد المعاد الجسماني مع المبتدأ في الصورة من غير حاجة إلى أن يكون بين المعاد الجسماني والمبتدأ وحدة في المادة الترابية.

 

390


315

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

الدرس السابع والثلاثون:

منازل الآخرة

 

 

أهداف الدرس
 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

 1- يتعرّف إلى المنزل الأول من منازل الآخرة وهو القبر.

 

2- يُبيّن معنى وحقيقة النفخ في الصور.

 

3- يُبيّن معنى وحقيقة الحساب والميزان.

 

391


316

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

القبر (البرزخ)

القبر أو البرزخ هو المنزل الأول للإنسان بعد الموت، وقد صرّح القرآن ونطقت السنّة بأنّ أمام الإنسان بعد موته برزخ إلى يوم القيامة قال عزّ من قائل: ﴿وَمِن وَرَائِهِم[1] بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[2].

 

ولكنّ الآية لا تدل على وجود حياة في تلك الفاصلة ، نعم هناك آيات يستفاد منها وجود حياة واقعية للإنسان في تلك النشأة إليك إحداها:

قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾[3].

 

وهذه الآية تحكي عن تحقيق إحياءين وإماتتين إلى يوم البعث، والظاهر أن المراد ما يلي:

الإماتة الأولى هي الإماتة عن الحياة الدنيا.

 

والإحياء الأول هو الإحياء في البرزخ، وتستمر هذه الحياة إلى نفخ الصور الأول.

 

والإماتة الثانية، عند نفخ الصور الأول، يقول سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾[4].

 


[1] الوراء في الآية بمعنى الأمام كما في قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ سورة الكهف، الآية 79.

[2] سورة المؤمنون، الآية 100.

[3] سورة غافر، الآية 11.

[4] سورة الزمر، الآية 68.

 

393


317

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

والإحياء الثاني، عند نفخ الصور الثاني، يقول سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾[1].

 

وتعدّد نفخ الصور يستفاد من الآيتين، فيترتّب على الأوّل هلاك من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، وعلى الثاني قيام الناس من أجداثهم، وفي أم ر النفخ الثاني يقول سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾[2].

 

واختلاف الآثار يدلّ على تعدّد النفخ. وعلى ضوء هذا فللإنسان حياة بعد الإماتة من الحياة الدنيا، وهي حياة برزخية متوسّطة بين النشأتين.

 

إضافة إلى الآيات التي تحدّثت عن حياة الشهداء عند ربهم وأنهم يرزقون ويفرحون إلى غير ذلك مما يدل على حياتهم في البرزخ[3].

 

وأمّا من السنّة، فنكتفي بما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام، عندما سُئِل عن أرواح المؤمنين، فقال: "في حجرات في الجنة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أتمم لنا الساعة وأنجز ما وعدتنا".

 

وسُئِل عن أرواح المشركين، فقال عليه السلام: "في النار يعذبون، يقولون لا تقم لنا الساعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا"[4].

 

السؤال في القبر وعذابه ونعيمه

إذا كانت الحياة البرزخية هي المرحلة الأولى من الحياة بعد الدنيا، يظهر لنا أنّ ما اتّفق عليه المسلمون من سؤال الميت في قبره، وعذابه إن كان طالحاً، وإنعامه إن كان مؤمناً صالحاً، صحيح لا غبار عليه، وأنّ الإنسان الحيّ في البرزخ يسأل عن أمور، ثم معذَّب أو منعَّم.

 


[1] سورة يس، الآية 51.

[2] سورة الكهف، الآية 99.

[3] يُراجع: سورة آل عمران، الآيتان 169 - 170.

[4] العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 6، ص 169، باب أحوال البرزخ، الحديث 122.

 

394


318

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

قال الصدوق في عقائده: "اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لا بدّ منها، ومن أجاب الصواب، فاز بروح وريحان في قبره، وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة"[1].

 

ويقول أحمد بن حنبل: "وعذاب القبر حقّ، يُسأل العبد عن دينه وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة، ومنكر ونكير حقّ"[2].

 

وقد نسب إلى المعتزلة إنكار عذاب القبر، والنسبة في غير محلها، وإنّما المنكر واحد منهم، هو ضرار بن عمرو، وقد انفصل عن المعتزلة، صرّح بذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي[3].


هذا كلّه ممّا لا ريب فيه، إنّما الكلام فيما هو المراد هنا من القبر، والإمعان في الآيات التي استُدلَّ بها على الحياة البرزخية، والروايات الواردة حول البرزخ، تعرب بوضوح عن أنّ المراد من القبر، ليس هو المكان الذي يدفن فيه الإنسان، ولا يتجاوز جثّته في السعة، وإنّما المراد منه هو النشأة التي يعيش فيها الإنسان بعد الموت وقبل البعث، وإنّما كنّي بالقبر عنها، لأنّ النزول إلى القبر يلازم أو يكون بدءاً لوقوع الإنسان فيها.

 

الحساب والشهود

إنّ من أسماء يوم القيامة، "يوم الحساب"، يحكي القرآن الكريم دعاء النبي إبراهيم  عليه السلام إلى الله تعالى، حيث قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾[4].

 

ثم إنّ الغرض من الحساب ليس هو علمه تعالى بما يستحقّه العباد من الثواب والعقاب، فإنّ هذا واضح عنده تعالى. بل الغرض منه الاحتجاج على العاصين، وإبراز

 


[1] الشيخ الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية، مصدر سابق، ص 37، الباب 17.

[2] أحمد بن حنبل، السنّة، ص 47، ولاحظ الأشعري، الإبانة 27.

[3] عبد الجبار المغزلي، شرح الأصول الخمسة، ص730.

[4] سورة إبراهيم، الآية 41.

 

395


319

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

عدله تعالى على العباد في مقام الجزاء، ولأجل ذلك يقيم عليهم شهوداً مختلفة، وللشيخ الصدوق كلام مبسوط في المقام نأتي به إيضاحاً للمقصود، قال: "اعتقادنا في الحساب أنه حقّ، منه ما يتولّاه الله عزّ وجلّ، ومنه ما يتولّاه حججه، فحساب الأنبياء والأئمة عليهم السلام يتولّاه عزّ وجلّ، ويتولّى كلّ نبيّ حساب أوصيائه ويتولّى الأوصياء حساب الأمم، والله تبارك وتعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل، وهم الشهداء على الأوصياء، والأئمة شهداء على الناس. وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾[1].

 

ويخرج الله تعالى لكلّ إنسان كتاباً يلقاه منشوراً، ينطق عليه بجميع أعماله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيجعله الله محاسب نفسه والحاكم عليها بأن يقال له: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾[2].

 

ويختم الله تبارك وتعالى على قوم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم وجميع جوارحهم بما كانوا يكتمون.

 

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[3]"[4].

 

الميزان

اختلفوا في كيفية الميزان يوم القيامة، فقال شيوخ المعتزلة: إنّه يوضع ميزان حقيقي له كفّتان يوزن به ما يتبيّن من حال المكلّفين في ذلك الوقت لأهل الموقف، بأن يوضع كتاب الطاعات في كفّة الخير ويوضع كتاب المعاصي في كفّة الشر، ويجعل رجحان أحدهما دليلاً على إحدى الحالتين، أو بنحو من ذلك لورود الميزان سمعاً والأصل في الكلام الحقيقة مع إمكانها.


[1] سورة الحج، الآية 78.

[2] سورة الإسراء، الآية 14.

[3] سورة فصّلت، الآية 21.

[4] الشيخ الصدوق، رسالة الاعتقادات، الباب 28، باب الاعتقاد في الحساب والموازين.

 

396


320

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

وقال آخرون المراد بالموازين، العدل دون الحقيقة[1].

 

لا شكّ أنّ النشأة الآخرة، أكمل من هذه النشأة وأنّه لا طريق لتفهيم الإنسان حقائق ذاك العالم وغيبه الخفي إلا باستخدام الألفاظ التي يستعملها الإنسان في الأمور الحسية، وعلى ذلك فلا وجه لحمل الميزان على الميزان المتعارف، خصوصاً بعد استعماله في القرآن في غير هذا الميزان المحسوس، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2].

 

فلا معنى لتخصيص الميزان هنا بما توزن به الأثقال، مع أنّ الهدف هو قيام الناس بالقسط في جميع شؤونهم العقيدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك يعلم أنّ تفسير الميزان بالعدل، أو بالنبيّ، أو بالقرآن كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلا معنى واحد هو ما يوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً أو حرارة أو نوراً أو ضغطاً أو رطوبة أو غير ذلك.

 

قال صدر المتألّهين: "ميزان كلّ شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة، والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين، وهو ميزان يوم الحساب، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾[3] وهو ميزان العلوم وميزان الأعمال القلبية الناشئة من الأعمال البدنية"[4].

 


[1] العلّامة الحلّي، كشف المراد، مصدر سابق، المقصد السادس، المسألة الرابعة عشرة.

[2] سورة الحديد، الآية 25.

[3] سورة الأنبياء، الآية47.

[4] صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية، مصدر سابق، ج 9، ص 299.

 

397


321

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

المفاهيم الرئيسة

•        يعتبر القبر المنزل الأول للإنسان بعد الموت، وقد صرّح القرآن ونطقت السنّة بأنّ أمام الإنسان بعد موته برزخ إلى يوم القيامة قال عزّ من قائل: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وقد وردت آيات وروايات دلّت على وجود حياة للإنسان في هذا المنزل.

 

•        اتّفق المسلمون على أنّ الإنسان في البرزخ مسؤول عن أمور، فمعذَّب أو منعَّم. والإمعان في الآيات والروايات التي استدلَّ بها على الحياة البرزخية، تعرب بوضوح عن أنّ المراد من القبر هو النشأة التي يعيش فيها الإنسان بعد الموت وقبل البعث، وليس هو المكان الذي يدفن فيه الإنسان.

 

•        تدلّ الآيات على أنّ الإنسان يعيش في البرزخ إلى أن يفاجئه نفخ الصور، فعند ذلك يهلك كل من في السماوات والأرض إلّا من شاء الله، يقول سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾.

 

•        من جملة الأمور التي نصّت الآيات والروايات على وقوعها يوم الحشر: الحساب والشهادة وإقامة الميزان. وبعض هذه الأمور وإن اختلف في كيفيّتها إلا أنّه لا كلام في وقوعها بما يناسب تلك النشأة الأخرى.

 

398


322

الدرس السابع والثلاثون: منازل الآخرة

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح ما هو المقصود بإمكان وقوع الرجعة.

2- ما هو الفرق بين التناسخ الباطل والقول بالرجعة على ما عليه الإمامية؟

3- اذكر نموذجين على إحياء بعض الأقوام كما ذكر في القرآن الكريم مبيّناً الوجه فيهما بالاستدلال على إثبات الرجعة.

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- عُرّفت الرجعة بأنّها عودة الحياة إلى مجموعة من الأموات بعد النهضة العالمية للإمام المهديعجل الله تعالى فرجه الشريف.  

2- إنّ هذه الآية المباركة ممّا تدلّ على عدم إمكانية وقوع الرجعة قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.  

3- إنّ إعادة إحياء قوم بعد إماتتهم كأصحاب الكهف وغيرهم دليل على وقوع الرجعة في الأمم السابقة.  

4- إذا قلنا بوقوع المسخ في الأمم السابقة لبعض الأقوام فهذا يؤكد إمكانية وقوع التناسخ في غيرهم.  

5- إذا قلنا باجتماع نفسين على بدن واحد فهذا يؤدّي للقول بالتناسخ فنفس مخلوقة مع البدن ونفس أخرى انتقلت إليه.  

 

399

 


323

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

الدرس الثامن والثلاثون:

الشفاعة في القيامة

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يستعرض بعض الآيات والروايات الدالّة على الشفاعة.

 

2- يتعرّف إلى شرائط قبول الشفاعة.

 

3- يُبيّن الإشكالات المثارة حول الشفاعة والردّ عليها.

 

401


324

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

معنى الشفاعة

للشفاعة أصل واحد يدلّ على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع، خلاف الوتر، تقول كان فرداً فشفّعته[1].

 

والمراد من الشفاعة في مصطلح المتكلمين هو أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته إلى عباده من طريق أوليائه وصفوة عباده، ووزان الشفاعة في كونها سبباً لإفاضة رحمته تعالى على العباد وزان الدعاء في ذلك، يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾[2].

 

وتتّضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق، وبخاصة دعاء الصالحين، من المؤثّرات الواقعة في سلسلة نظام الأسباب والمسببات الكونية، وعلى هذا ترجع الشفاعة المصطلحة إلى الشفاعة التكوينية بمعنى تأثير دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جلب المغفرة الإلهية إلى العباد.

 

الشفاعة في الكتاب والسنة

قد ورد ذكر الشفاعة في الكتاب الحكيم في سور مختلفة لمناسبات شتّى كما وقعت مورد اهتمام بليغ في الحديث النبوي وأحاديث العترة الطاهرة، والآيات القرآنية في هذا المجال على أصناف:

 


[1] ابن فارس، مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج 3، ص 201.

[2] سورة النساء، الآية 64.

 

403


325

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

الصنف الأول: ما ينفي الشفاعة في بادئ الأمر، كقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[1].

 

الصنف الثاني: ما ينفي شمول الشفاعة للكفار، يقول سبحانه - حاكياً عن الكفار- : ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾[2].

 

الصنف الثالث: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة، يقول سبحانه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾[3].

 

الصنف الرابع: ما ينفي الشفاعة عن غيره تعالى، يقول سبحانه: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[4].

 

الصنف الخامس: ما يثبت الشفاعة لغيره تعالى بإذنه، يقول سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾[5].

 

الصنف السادس: ما يبيّن من تناله شفاعة الشافعين، يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾[6].

 

ويقول أيضاً: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾[7].

 

هذه نظرة إجمالية إلى آيات الشفاعة، وأمّا السنّة فمن لاحظ الصحاح والمسانيد

 


[1] سورة البقرة، الآية 254.

[2] سورة المدّثر، الآيات 46 - 48.

[3] سورة الأنعام، الآية 94.

[4] سورة الأنعام، الآية 51.

[5] سورة طه، الآية 109.

[6] سورة الأنبياء، الآية 28.

[7] سورة النجم، الآية 26.

 

404


326

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

والجوامع الحديثية يقف على مجموعة كبيرة من الأحاديث الواردة في الشفاعة توجب الإذعان بأنّها من الأصول المسلَّمة في الشريعة الإسلامية، وإليك نماذج منها:

1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، فتعجَّل كلّ نبيّ دعوته، وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة من مات منهم لا يشرك بالله شيئاً"[1].

 

2- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أعطيت خمساً وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله"[2].

 

3- وقال  صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"[3].

 

4- وقال الإمام عليّ  عليه السلام: "ثلاثة يشفعون إلى الله عزّ وجلّ فيشفّعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"[4].

 

الشفاعة المطلقة والمحدودة

تتصوّر الشفاعة بوجهين:

1- المطلقة: بأن يستفيد العاصي من الشفاعة يوم القيامة وإن فعل ما فعل، وهذا مرفوض في منطق العقل والوحي.

2- المحدودة: وهي التي تكون مشروطة بأمور في المشفوع له، ومجمل تلك الشروط أن لا يقطع الإنسان جميع علاقاته العبودية مع الله ووشائجه الروحية مع الشافعين، وهذا هو الذي يكون مقبولاً عند العقل والوحي. وبذلك يتّضح الجواب عما يعترض على الشفاعة من كونها توجب الجرأة وتحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين، فإنّ ذلك من لوازم الشفاعة المطلقة المرفوضة، لا المحدودة المقبولة.

 


[1] صحيح البخاري، ج 8، ص 33 وج 9، ص170؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 130.

[2] صحيح البخاري، ج 1، ص 42 و119, مسند أحمد، ج 1، ص 301.

[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران - قم، 1414هـ، ط2، ج 3، ص 376.

[4] الشيخ الصدوق، الخصال، مؤسسة النشر الإسلامي، إيران - قم، 1403هـ، لا.ط، باب الثلاثة، الحديث 169.

 

405


327

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

الغاية من الشفاعة

والغرض من تشريع الشفاعة هو الغرض من تشريع التوبة التي اتّفقت الأمة على صحتها، وهو منع المذنبين عن القنوط من رحمة الله وبعثهم نحو الابتهال والتضرع إلى الله رجاء شمول رحمته لهم، فإنّ المجرم لو اعتقد بأن عصيانه لا يغفر قط، فلا شك أنه يتمادى في اقتراف السيئات باعتقاد أنّ ترك العصيان لا ينفعه في شيء، وهذا بخلاف ما إذا أيقن بأنّ رجوعه عن المعصية يغير مصيره في الآخرة، فإنّه يبعثه إلى ترك العصيان والرجوع إلى الطاعة.

 

وكذلك الحال في الشفاعة، فإذا اعتقد العاصي بأن أولياء الله قد يشفعون في حقه إذا لم يهتك الستر ولم يبلغ إلى الحدّ الذي يحرم من الشفاعة، فعند ذلك ربما يحاول تطبيق حياته على شرائط الشفاعة حتى لا يحرمها.

 

شرائط الشفاعة

قد تعرّفت على أنّ الشفاعة المشروعة هي الشفاعة المحدودة بشروط، وقد عرفت مجمل تلك الشروط، وينبغي لنا أن نذكر بعض تلك الشروط تفصيلاً على ما ورد في الروايات:

1- منها عدم الإشراك بالله تعالى: وقد تقدّم ذلك فيما نقلناه من أحاديث الشفاعة.

 

2- الإخلاص في الشهادة بالتوحيد: قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً، يصدِّق قلبه لسانه، ولسانه قلبه"[1].

 

3- عدم كونه ناصبياً: قال الإمام الصادق  عليه السلام: "إنَّ المؤمن ليشفع لحميمه إلا أن يكون ناصباً، ولو أنّ ناصباً شفع له كلّ نبيّ مرسل وملك مقرّب ما شفعوا"[2].

 

4- عدم الاستخفاف بالصلاة: قال الإمام الكاظم  عليه السلام: "إنّه لا ينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة"[3].

 


[1] صحيح البخاري: ج 1، ص 36، مسند أحمد، ج 2، ص 307 و518.

[2] الصدوق، ثواب الأعمال، منشورات الشريف الرضي، إيران - قم، 1368هـ، ط2، ص 251.

[3] الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 3، ص270، وج6، ص 401.

 

406


328

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

5- عدم التكذيب بشفاعة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم: قال الإمام علي بن موسى الرضا  عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "من كذّب بشفاعة رسول الله لم تنله"[1].

 

ما هو أثر الشفاعة؟

إنّ الشفاعة عند الأمم، يُراد منها حطّ الذنوب ورفع العقاب، وهي كذلك عند الإسلام كما يوضحه قوله  صلى الله عليه وآله وسلم: "ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"[2].

 

ولكنّ المعتزلة ذهبت إلى أنّ أثرها ينحصر في رفع الدرجة وزيادة الثواب، فهي تختصّ بأهل الطاعة، وما هذا التأويل في آيات الشفاعة إلّا لأجل موقف مسبق لهم في مرتكب الكبيرة، حيث حكموا بخلوده في النار إذا مات بلا توبة، فلمّا رأوا أنّ القول بالشفاعة التي أثرها هو إسقاط العقاب، ينافي ذلك المبنى، أوّلوا آيات الله فقالوا إنّ أثر الشفاعة إنما هو زيادة الثواب وخالفوا في ذلك جميع المسلمين.

 

قال الشيخ المفيد: "اّتفقت الإمامية على أنّ رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمّته، وأنّ أمير المؤمنين  عليه السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمة آل محمد  صلى الله عليه وآله وسلم يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، ووافقهم على شفاعة الرسول  صلى الله عليه وآله وسلم المرجئة سوى ابن شبيب، وجماعة من أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعمت أنّ شفاعة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلمللمطيعين دون العاصين وأنّه لا يشفع في مستحقّ العقاب من الخلق أجمعين"[3].

 

شبهات حول الشفاعة؟

ذهب ابن تيمية، وتبعه محمد بن عبد الوهاب - مخالفين الأمة الإسلامية جمعاء - إلى أنّه لا يجوز طلب الشفاعة من الأولياء في هذه النشأة ولا يجوز للمؤمن أن يقول: "يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة".

 


[1] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، مصدر سابق، ج 2، ص 66.

[2] سنن أبي داود، ج 2، ص 537. صحيح الترمذي، ج 4، ص 45.

[3] الشيخ المفيد، أوائل المقالات، مصدر سابق، ص 54.

 

407


329

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

وإنّما يجوز له أن يقول: "اللهم شفّع نبيّنا محمّداً فينا يوم القيامة".

 

واستدلا على ذلك بوجوه أبرزها:

1- إنّه من أقسام الشرك، أي الشرك بالعبادة، والقائل بهذا الكلام يعبد الولي[1].

 

والجواب عنه ظاهر، بما قدّمناه في حقيقة الشرك في العبادة، وهي أن يكون الخضوع والتذلّل لغيره تعالى باعتقاد أنّه إله أو ربّ، أو أنّه مفوَّض إليه فعل الخالق وتدبيره وشؤونه، لا مطلق الخضوع والتذلل.

 

2- إنّ طلب الشفاعة من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يشبه عمل عبدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة، يقول سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ﴾[2].

وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه عبادة لهذا الغير[3].

 

ويردّه أنّ المعيار في الحكم على الأفعال ليس هو التشابه الصوري، بل المعيار هو البواطن والعزائم، وإلا لوجب أن يكون السعي بين الصفا والمروة والطواف حول البيت شركاً، لقيام المشركين به في الجاهلية، وهؤلاء المشركون كانوا يطلبون الشفاعة من الأوثان باعتقاد أنّها آلهة أو أشياء فوّض إليها أفعال الله سبحانه من المغفرة والشفاعة.

 

وأين هذا ممّن طلب الشفاعة من الأنبياء والأولياء بما أنّهم عباد الله الصالحون، فعطف هذا على ذلك جور في القضاء وعناد في الاستدلال.

 

3- إنّ طلب الشفاعة دعاء ودعاء غير الله سبحانه حرام، يقول سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[4].

 


[1] محمد بن عبد الوهاب، الهدية السنية، ص 42.

[2] سورة يونس، الآية 18.

[3] محمد بن عبد الوهّاب، كشف الشبهات، ص 6.

[4] سورة الجن، الآية 18.

 

408


330

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

ويردّه أنّ مطلق دعاء الغير ليس محرّماً وهو واضح، وإنّما الحرام منه ما يكون عبادة له بأن يعتقد الألوهية والربوبية في المدعو، والآية ناظرة إلى هذا القسم بقرينة قوله: ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أي بأن يكون دعاء الغير على وزان دعائه تعالى وفي مرتبته، ويدلّ عليه قوله سبحانه - حاكياً قولهم يوم القيامة - : ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[1].

 


[1] سورة الشعراء، الآيتان 97 و 98.

 

409


331

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

المفاهيم الرئيسة

•        الشفاعة في مصطلح المتكلّمين هو أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته إلى عباده من طريق أوليائه وصفوة عباده، وقد ورد ذكرها في الكتاب الحكيم وأحاديث النبيّ والعترة الطاهرة.

 

•        تتصوّر الشفاعة بوجهين: المطلقة وهي مرفوضة، والمحدودة وهي التي تكون مشروطة بشروط يجمعها ألا يقطع المشفوع له علاقة الإيمان مع الله تعالى، والولاية مع الشفيع، وهذه هي الشفاعة المقبولة بمنطق العقل والوحي.

 

•        شرائط شمول الشفاعة هي: عدم الإشراك بالله تعالى، الإخلاص في الشهادة بالتوحيد، عدم كون المشفوع له ناصبياً، عدم الاستخفاف بالصلاة، وعدم التكذيب بشفاعة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم.

 

•        ذهبت المعتزلة إلى أنّ أثر الشفاعة ينحصر في رفع الدرجة وزيادة الثواب، والصحيح أنّ أثرها يعمّ حطّ الذنوب ورفع العقاب.

 

•        ذهب ابن تيمية وتبعه محمد بن عبد الوهاب إلى أنّه لا يجوز طلب الشفاعة من الأولياء في هذه النشأة واستدلا على ذلك بوجوه أبرزها، أنّه من أقسام الشرك بالعبادة، والقائل بهذا الكلام يعبد الولي.

 

والجواب عنه بأنّ العبادة لا تعني مطلق الخضوع والتذلُّل، وإنّما الخضوع باعتقاد أنّ المخضوع له إله أو رب، أو أنّه مفوَّض إليه فعل الخالق وتدبيره وشؤونه، وهو ما لا يمارسه ويعتقده طالب الشفاعة من الولي.

 

410


332

الدرس الثامن والثلاثون: الشفاعة في القيامة

أسئلة الدرس
أجب على الأسئلة التالية:

1- اشرح باختصار الآيات القرآنية التي استدلّ بها على تحقّق البرزخ ووجوده.

2- ما هو المقصود بالسؤال في القبر وعذابه ونعيمه؟

3- اشرح المصطلحات التالية: نفخ الصور، الحساب والشهود، الميزان.

 

ضع إشارة  أو   في المكان المناسب:
1- يمرّ الإنسان في قبره بمرحلة تنقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة وهو ما يطلق عليه بالبرزخ.  

2- الإنسان في البرزخ لا يُعذّب ولا يُنعّم بل يبقى في حالة سبات إلى يوم القيامة حيث يكون الحساب الحقيقي.  

3- الغرض من الحساب هو الاحتجاج على العاصين، وإبراز عدله تعالى على العباد في مقام الجزاء، ولأجل ذلك يقيم عليهم شهوداً مختلفة.  

4- إنّ الحساب يوم القيامة واحد بين جميع الناس فكلٌّ يحاسب بنفس الكيفية والطريقة.  

5- القبر هو النشأة التي يعيش فيها الإنسان بعد الموت وقبل البعث، وليس هو المكان الذي يدفن فيه الإنسان.  

 

411


333

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

الدرس التاسع والثلاثون:

الرجعة

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معنى الرجعة عند الشيعة الإماميّة.

 

2- يستدلّ على أنّ الرجعة ممكنة وأنّها غير التناسخ.

 

3- يستعرض جملة من الأدلّة على وقوع الرجعة.

 

413


334

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

حقيقة الرجعة

الرجعة في اللغة ترادف العودة، وتطلق اصطلاحاً على عودة الحياة إلى مجموعة من الأموات بعد النهضة العالمية للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهي ممّا تعتقد به الشيعة الإمامية بمقتضى الأحاديث المتضافرة ـ بل المتواترة ـ المروية عن أئمّة أهل البيت  عليهم السلام في ذلك، ويشهد به الكتاب أيضاً، قال الشيخ المفيد:

"إنّ الله تعالى يحيى قوماً من أُمّة محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم بعد موتهم، قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختصّ به آل محمّد  صلى الله عليه وآله وسلم... والرجعة إنّما هي لممحّضي الإيمان من أهل الملّة وممحّضي النفاق منهم دون من سلف من الأمم الخالية"[1].

 

وقد وصف الشيخ الحرّ العاملي الروايات المتعلّقة بالرجعة بأنّها أكثر من أن تعدّ وتحصى وأنّها متواترة معنى.

 

ويقع الكلام في الرجعة في مقامين:

1- إمكانها.

2- الدليل على وقوعها.

 


[1] الشيخ المفيد، المسائل السروية، دار المفيد، لبنان - بيروت، 1993م، ط2، ص 32و35 المطبوع ضمن المجلد السابع من مصنَّفات الشيخ المفيد، طبعة المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

 

415


335

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

إمكان الرجعة

إنَّ الرجعة من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنّها بعث في الدنيا ومحدود كمّاً وكيفاً، ويحدث قبل يوم القيامة، بينما يُبعث الناس جميعاً يوم القيامة ليلاقوا حسابهم ويبدءوا حياتهم الخالدة، وأهوال يوم القيامة أعجب وأغرب وأمرها أعظم من الرجعة. وبما أنَّ الرجعة والمعاد ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع، فالدليل على إمكان المعاد يمكن أن يقام دليلاً على إمكان الرجعة، والاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة يترتب عليه الاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية، ولا ريب أنّ جميع المسلمين يعتبرون الإيمان بالمعاد من أُصول عقيدتهم، إذن فجميعهم يذعنون بإمكانية الرجعة.

 

ويقول الشيخ محمد رضا المظفر: "لا سبب لاستغراب الرجعة إلاّ أنّها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يُقرّ بها إلى اعترافنا أو يبعدها، وخيال الإنسان لا يسهل عليه أن يتقبّل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فيقال له : ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾[1]. نعم في مثل ذلك، ممّا لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات، كمعجزة عيسى  عليه السلام في إحياء الموتى: ﴿وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ﴾[2]، وكقوله تعالى: ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾[3]"[4].

 


[1] سورة يس، الآيتان 78 - 79.

[2] سورة آل عمران، الآية 49.

[3] سورة البقرة، الآية 259.

[4] الشيخ المظفر عقائد الإمامية، ص 111 ـ 112

 

416


336

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

ويكفي في إمكان الرجعة، إمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، مضافاً إلى وقوع نظيرها في الأمم السالفة، كإحياء جماعة من بني إسرائيل[1] وإحياء قتيل منهم[2] وبعث عزير بعد مائة عام من موته[3] وإحياء الموتى على يد عيسى[4] عليه السلام.

 

وليست الرجعة من قبيل التناسخ المحال عقلاً، فإنّ التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر في هذه النشأة، بلا توقّف أبداً، وهو ممّا ثبتت استحالته، بخلاف الرجعة التي لا محذور في وقوعها بل ممّا قام الدليل على وقوعها.

 

الدليل على وقوع الرجعة

قد يقال هب أنّ الرجعة أمر ممكن ولكن هل يوجد أدلة على أنها ستقع؟ إذ ليس كل أمر ممكن هو واقع ايضاً.

 

والجواب: لدينا شواهد قرآنية واحاديث شريفة ونصوص تاريخية، تصرّح بالحيات بعد الموت فى هذه الدنياـ وتحقّق الرجعة فى الأمم السابقة وفي هذه الأمة المرحومة بالذّات. وقد صُنِّف بعض علماء السنة في هذا الحقل مصنّفات وأوردوا قائمة بأسماء الذين رجعوا الى الدنيا بعد الموت[5].

 

وقد أورد الحرّ العاملي في الباب الثاني من كتابه "الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة" اثني عشر دليلاً على صحة الاعتقاد بالرجعة. وأهمّ ما استدلّ به الإمامية على ذلك هو الآيات القرآنية الدالّة على وقوع الرجعة في الاُمم السابقة، فقد حدّثنا القرآن الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل عن رجوع أقوام من الأمم السابقة إلى الحياة الدنيا رغم ما عرف وثبت من موتهم وخروجهم من الحياة إلى عالم الموتى، فإذا جاز حدوثها في الأزمنة الغابرة، فلم لا يجوز حدوثها مستقبلاً: ﴿سُنَّةَ

 


[1] سورة البقرة، الآيتان 55 و 56.

[2] سورة البقرة، الآيتان 72و73.

[3] سورة البقرة، الآية 259.

[4] سورة آل عمران، الآية 49.

[5] كابن كثير في البداية والنهاية، ج11، ص 71. والذهبي في تذكرة الحفاظ، ج2، ص677.

 

417


337

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، وفيما يلي بعض هذه الأدلة القرآنية:

1- إحياء قوم من بني إسرائيل:

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾[1].

 

فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة تدلّ على أنَّ هؤلاء ماتوا مدّة طويلة ، ثم أحياهم الله تعالى ،فرجعوا إلى الدنيا ، وعاشوا مدّة طويلة.

 

قال الشيخ الصدوق: "كان هؤلاء سبعين ألف بيت، وكان يقع فيهم الطاعون كلّ سنة، فيخرج الأغنياء لقُوّتهم، ويبقى الفقراء لضعفهم، فيقلّ الطاعون في الذين يخرجون، ويكثر في الذين يقيمون، فيقول الذين يقيمون: لو خرجنا لما أصابنا الطاعون، ويقول الذين خرجوا، لو أقمنا لأصابنا كما أصابهم.

 

فأجمعوا على أن يخرجوا جميعاً من ديارهم إذا كان وقت الطاعون، فخرجوا بأجمعهم، فنزلوا على شط البحر، فلمّا وضعوا رحالهم ناداهم الله: "موتوا، فماتوا جميعاً، فكنستهم المارّة عن الطريق، فبقوا بذلك ما شاء الله.

 

ثم مرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا، فقال: "لو شئت يا ربِّ لأحييتهم، فيعمروا بلادك، ويلدوا عبادك، ويعبدوك مع من يعبدك، فأوحى الله تعالى إليه: أفتحبَّ أن أحييهم لك؟

 

قال: "نعم. فأحياهم الله تعالى وبعثهم معه، فهؤلاء ماتوا، ورجعوا إلى الدنيا، ثم ماتوا بآجالهم"[2][3].

 

فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا بعد الموت.

 


[1] سورة الأحزاب، الآية 62.

[2] سورة البقرة، الآية 243.

[3] الشيخ الصدوق، الاعتقادات، مصدر سابق، ص60، نشر مؤتمر الذكرى الألفية للشيخ المفيد. السيوطي، الدر المنثور، دار الفكر، بيروت، ج1، ص741 - 743.

 

418


338

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

وقد سأل حمران بن أعين الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن هؤلاء، قائلاً : أحياهم حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم من يومهم، أو ردّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء؟ قال  عليه السلام: "بل ردّهم الله حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ولبثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم"[1].

 

2- إحياء عزير أو أرميا:

قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[2].

 

لقد اختلفت الروايات والتفاسير في تحديد هذا الذي مرَّ على قرية ، لكنّها متّفقة على أنّه مات مائة سنة ورجع إلى الدنيا وبقي فيها ، ثم مات بأجله ، فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا. قال الطبرسي: الذي مرَّ على قرية هو عزير[3].

 

3- إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى عليه السلام:

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾[4].

 

هاتان الآيتان تتحدّثان عن قصة المختارين من قوم موسى  عليه السلام لميقات ربه، وذلك أنّهم لمّا سمعوا كلام الله تعالى قالوا: لا نصدّق به حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى  عليه السلام: "يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت

 


[1] تفسير العياشي، المكتبة العلمية، طهران، ج1، ص130.

[2] سورة البقرة، الآية 259.

[3] الطبرسي، مجمع البيان، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص 639.

[4] سورة البقرة، الآيتان 55 و 56.

 

419


339

الدرس التاسع والثلاثون: الرجعة

إليهم" فأحياهم الله