قصص الأنبياء في القرآن الكريم


الناشر: شبكة المعارف الإسلامية

تاريخ الإصدار: 2020-06

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدّمة

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمّدٍ وآله الطاهرين عليهم السلام، واللعنةُ الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[1].

 

حكى القرآن الكريم في مواضع كثيرة من آياته، محطّات من حياة الأنبياء عليهم السلام وسيرتهم التبليغيّة, ممّا لم يكن للناس علم بها: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[2]، أو كانوا منها على سمع منحرف عن الواقع الذي كانت عليه: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[3], فقدّمها القرآن الكريم بالحقّ، مصدِّقة لما جاء في الكتب السماويّة السابقة، ومحمَّلة بالدروس والعِبَر وبيّنات الهداية، لكلّ مَنْ كان له عقل متأمِّل مُعتَبِر، ولم يكنْ إيراده لها للتسلية والترويح عن الأنفس، بل لهداية الناس إلى سُنن الهداية الإلهيّة التكوينيّة والتشريعيّة، الجارية في أنبيائه عليهم السلام وأقوامهم، والتي تجري فيهم، وستجري فيمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وفي ذلك رحمة لهم من ربّهم، لا يتعرّض لنفحاتها، ولا ينتفع بها، إلّا من آمن بالقرآن، وسكنت تعاليمه في قلبه، ووقف عند حدوده ومواعظه وزواجره[4].

 


[1] سورة يوسف، الآية 111.

[2] سورة هود، الآية 49.

[3] سورة آل عمران، الآيتان 61-62.

 

11


1

المقدّمة

من هذا المنطلق، سعى مركز المعارف للمناهج والمتون التعليميّة إلى العمل على إصدار كتاب تدريسيّ، يتناول قصص الأنبياء عليهم السلام، بالتركيز في الجانب الدعويّ العقديّ، والقيميّ والتشريعيّ والسننيّ في حياتهم وسيرتهم، واستلهام الدروس والعِبَر والتعاليم منها، فكان هذا الكتاب "قصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم" خطوة من الخطوات المبذولة في سبيل العودة إلى القرآن، والارتباط المعرفيّ والمسلكيّ والوجدانيّ به، بعد إصدار سلسلة من الكتب القرآنيّة: "مفردات القرآن الكريم"، و"دروس في علوم القرآن الكريم"، و"أساسيّات علم التفسير"، و "التفسير التربويّ الميسّر"، و"هدى القرآن"، و"بيّنات في معرفة القرآن"، على أمل استكمال العمل على دراسات قرآنيّة أخرى في المستقبل القريب، بإذن الله تعالى.

 

ويُتوخّى من هذا الكتاب المساهمة في تعزيز الارتباط الوجدانيّ والروحيّ بأنبياء الله تعالى ورسله عليهم السلام، ومعرفة قصص أبرز الأنبياء عليهم السلام المذكورين في القرآن الكريم، إضافة إلى الوقوف عند خصائص قصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم، وإدراك الأبعاد التبليغيّة والعقديّة والقيميّة والتشريعيّة في حياة الأنبياء عليهم السلام.

 

وقد راعينا في تأليف الكتاب المنهجيّة التالية:

- رصد الآيات المتعلّقة بقصص الأنبياء عليهم السلام الذين ورد ذِكْرهم في القرآن الكريم، والعمل على جمعها وتصنيفها بحسب كلّ نبي من الأنبياء عليهم السلام، وإيراد قصصهم عليهم السلام بحسب التسلسل التاريخيّ لهم.

 

- الاستناد في بيان قصص أيّ نبي من الأنبياء الواردة في القرآن على المصادر التفسيريّة والحديثيّة والتاريخيّة.

 

- استخلاص البحث القرآنيّ الموضوعيّ منها، (نبذة عن حياة النبيّ عليه السلاموخصائص بيئة قومه/ جهوده على مستوى الدعوة/ الأبعاد العقديّة والقيميّة والتشريعيّة والسننيّة في حركة النبيّ عليه السلام/ الاستنتاج/ التوظيف السُنَنيّ).

 

- استلهام الدروس والعِبَر والتعاليم السننيّة من قصص هذا النبيّ عليه السلام.

 

12


2

المقدّمة

- تقسيم الكتاب إلى ستّة عشر درساً، ومراعاة التقارب قدر الإمكان في حجم الدروس، من خلال إيراد القصص المفصّلة في القرآن لنبي من الأنبياء عليهم السلام في أكثر من درس، وإيراد القصص الموجزة لمجموعة من الأنبياء عليهم السلام في القرآن في درس واحد.

 

- وضع أهداف لكلّ درس، مستقاة من الأهداف العامّة للكتاب.

 

- وضع خاتمة في نهاية كلّ درس، تتضمّن أبرز الأفكار الرئيسة المطروحة فيه.

 

- وضع أسئلة لكلّ درس، تتوخّى فحص نسبة فهم الطالب له.

 

- وضع فقرة مطالعة تحتوي على رواية تشير إلى نبذة من حياة النبيّ عليه السلام.

 

- توثيق المصادر والمراجع توثيقاً منهجيّاً علميّاً، وفق قواعد توثيق البحث العلميّ.

 

وحتّى نکون موضع عناية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خياركم من تعلّم القرآن وعلّمه"[1]، نضع بين أيديكم هذا الجهد المتواضع، عسى أن يتقبّله الله تعالى، ويكون خطوة في طريق العودة إلى القرآن والارتباط به.

 

والحمد لله رب العالمين

مركز المعارف للمناهج والمتون التعليمية

 


[1] الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة، ط1، قمّ المقدّسة، دار الثقافة، 1414هـ.ق، ص357.

 

13


3

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

الدرس الأوّل

النبيّ آدم عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصّة النبيّ آدم عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيّ آدم عليه السلام.

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصّة النبيّ آدم عليه السلام.

 

 

15


4

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

قصّة النبيّ آدم عليه السلام

النبيّ آدم عليه السلام هو أبو البشر، وأوّل الأنبياء الإلهيّين الذين ارتضاهم الله تعالى لهداية البشريّة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾[1]. وقد ورد ذِكْره في مواضع عدّة من القرآن الكريم[2]، منها: قوله تعالى: ﴿  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *  وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *  قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  *  قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ *  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *   وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ *  فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *  فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  *  قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا


 


[1] سورة طه، الآيتان 122-123.

[2] انظر: سورة البقرة، الآيات 30-39, سورة آل عمران، الآية 59؛ الأعراف، الآيات 11-27, سورة الحجر، الآيات 26-42, سورة الإسراء، الآيات 61-65؛ سورة الكهف، الآية 50, سورة طه، الآيات 115-124. وقد أوردنا هذه الآيات في ملحق الكتاب.

 

17


5

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1].

 

ومن خلال التأمّل والتدبّر في هذه الآيات التي تحكي قصّة النبيّ آدم عليه السلام، وفي آيات أخريات، ومن خلال ربط بعضها ببعضها، يمكن تقديم قصّته عليه السلام، واستخلاص التعاليم منها، ضمن المحطّات التالية:

خَلْق آدم عليه السلام

كشف القرآن الكريم عن كيفيّة خلق آدم عليه السلام, وذلك ضمن ثلاث مراحل، هي:

أ- المرحلة الطينيّة:

بيّن القرآن الكريم ابتداء خلق آدم عليه السلام من هذه المرحلة، التي عبّر عنها بأحد تشكُّلاتها في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ  *ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾[2]. وقد مرّت هذه المرحلة بستّة تشكُّلات متتالية، هي:

* التراب: من دون إضافة أيّ عنصر آخر له: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[3].

 

* الطين: وهو التراب الممتزج بالعناصر المادّيّة الأخرى (الماء/ الهواء/ الحرارة): ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾[4].

 

* طين لازب: وهو الطين الشديد التماسك، الملتصق بعضه ببعض، الملازم له[5]: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾[6].

 

 


[1] سورة البقرة، الآيات 30-39.

[2] سورة السجدة، الآيتان 7-8.

[3] سورة آل عمران، الآية 59.

[4] سورة السجدة، الآية 7.

[5] انظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، لا ط، قمّ المقدّسة، مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1404هـ.ق، ج5، مادّة "لزب"، ص245؛ الراغب الأصفهانيّ، حسين بن محمّد، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، ط2، قم المقدّسة، مطبعة سليمانزاده؛ طليعة النور،1427هـ.ق، مادّة "لزب"، ص739.

[6] سورة الصافات، الآية 11.

 

18


6

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

* سلالة من طين: وهي صفوة الطين وخلاصته[1]، بعد سلسلة من التغيّرات التي مرّ بها: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾[2].

 

* حمأ مسنون: وهو الطين الأسود المتغيّر، المصبوب والمفرَّغ حتّى صارت له صورة[3]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾[4].

 

* صلصال: وهو الطين الجافّ اليابس الذي يُسمع له صوت عند نقره[5], كالفخّار: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾[6], ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾[7].

 

وبذلك تكتمل تشكُّلات المرحلة الطينيّة لخلق آدم عليه السلام، ويتهيّأ للمرحلة الثانية، وهي مرحلة التصوير والتسوية.

 

ب- مرحلة التصوير والتسوية:

بعد اكتمال تشكُّلات المرحلة الطينيّة، تأتي المرحلة الثانية لخلق آدم عليه السلام، وهي مرحلة تصويره وتسويته المادّيّة على هيئة وصورة مخصوصة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾[8], ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾[9].


 


[1] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج3، مادّة "صل"، ص276-277؛ الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، مادّة "سل"، ص418.

[2] سورة المؤمنون، الآية 12.

[3] انظر: الفراهيديّ، الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزوميّ؛ إبراهيم السامرائيّ، ط2، لا م، مؤسّسة دار الهجرة؛ مطبعة الصدر، 1410هـ.ق، ج3، مادّة "حما"، ص312؛ ج7، مادّة "سن"، ص197؛ الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، مادّة "حمى"، ص259، مادّة "سنن"، ص429؛ الطريحيّ، فخر الدين: مجمع البحرين، ط2، طهران، مطبعة چاپخانهء طراوت؛ مرتضوي، 1362هـ.ش، ج1، مادّة "حمأ"، ص107.

[4] سورة الحجر، الآية 26.

[5] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج3، مادّة "صل"، ص276-277؛ الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، مادّة "صلل"، ص488.

[6] سورة الحجر، الآية 26.

[7] سورة الرحمن، الآية 14.

[8] سورة الحجر، الآيتان 28-29.

[9] سورة الأعراف، الآية 11.

 

19


7

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

ج- مرحلة نفخ الروح:

وهي المرحلة الأخيرة في خلق آدم عليه السلام، وبها كرّمه الله تعالى على سائر خلقه، وأسجدهم له تشريفاً وتعظيماً: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾[1], ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾[2]. فقبْل هذه المرحلة لا يتميّز هذا المخلوق من غيره من المخلوقات. لاشتراكهما في العناصر الأرضيّة المادّيّة الأربعة، ولا ميزة للهيئة والصورة الآدميّة على هيئات المخلوقات الأخرى وصورها, لأنّ كلّ هيئة وصورة مناسبة للمخلوق، بل أحسن ما يكون له، كلٌّ بحسبه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[3]، والذي حصل به التمايز والتفضيل هو نفخ الروح فيه، وهو ما يشير إليه قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾[4], لمكان "الفاء" في قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾, وهي تفيد الترتيب وعدم التراخي، فبنفخ الروح في هذا المخلوق الآدميّ حصل التمايز والتفضيل، وهو ما أشار إليه القرآن في مرحلة نفخ الروح في ذرّيّة آدم عليه السلام: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[5], لأنّ الروح من عالم الأمر: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[6], وهو عالم علويّ مهيمن على العوالم كلّها، منزّه عن خواصّ عالم المادّة الزمانيّة والمكانيّة، من التغيير والتبديل والتحويل والتدريج: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ*  وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[7], ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *  فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[8].

 

 


[1] سورة الحجر، الآيتان 28-29.

[2] سورة القمر، الآيتان 49-50.

[3] سورة يس، الآيتان 82-83.

[4] سورة الأعراف، الآية 11.

[5] سورة السجدة، الآية 7.

[6] سورة الحجر، الآيتان 28-29.

[7] سورة المؤمنون، الآية 14.

[8] سورة الإسراء، الآية 85.

 

20


8

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

استخلاف آدم عليه السلام في الأرض

حكى القرآن الكريم قصّة استخلاف آدم عليه السلام في الأرض بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[1]، وأورد سؤالاً صادراً عن الملائكة على نحو الاستفسار وطلب فهم الحكمة من وراء هذا الجعل، انطلاقاً من علمهم بخصائص هذا الموجود، وعالمه الأرضيّ الذي لا ينفكّ عن التزاحم والمحدودية، بما يؤدّي إلى الفساد والإفساد، ما يحول دون قيامه بحقّ الاستخلاف، وهو حكاية كمال المستخلِف بنحوٍ أتمّ من غيره من المخلوقات، والوساطة بينه وبين خلقه: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾[2], والحال أنّ من لوازم الاستخلاف تسبيح المستَخلَف وتقديسه للمستَخلِف، وهذا ما لا تعينه عليه خصائص النشأة الأرضيّة، ولا ينهض به إلّا موجود علويّ ملكوتيّ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾[3]. إنّ هذا الاستفهام الصادر عن الملائكة ليس على نحو الاعتراض، بل على نحو طلب فهم ما خفي عن علمهم الذي أوقفهم الله تعالى عليه، وما به مناط استحقاق الخلافة عن الله تعالى. ويؤيّد ذلك ما ذكره القرآن الكريم عقيب استفهامهم من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[4]. فلم ينهَهم الله تعالى عن هذا الاستفهام، ولم يُعرِض عن جوابهم، بل بيّن لهم على نحو الإجمال أنّ هناك حقائق غيبيّة محجوبة عنهم، وهي:

أوّلاً: إنّ مناط استحقاق الاستخلاف هو بالعلم الذي يتحمّله المستخلِف عن


 


[1] سورة البقرة، الآية 30.

[2] سورة البقرة، الآية 30.

[3] سورة البقرة، الآية 30.

[4] سورة البقرة، الآيات 30-39.

 

21


9

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

المستخلَف، وليس بالعبادة التي يلزمها التسبيح والتقديس، وإنْ كانت العبادة لازماً لا ينفكّ عن العلم.

 

وثانياً: إنّ هذا المستخلَف ليس موجوداً أرضيّاً, أي ليست نشأته نشأة مادّيّة منحصرة بعالم المادّة المحدود، بل هو موجود من عالم الأمر، وهو عالم ثابت محيط ومهيمن على العوالم كلّها - كما تقدّم بيان ذلك -، وكما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾, فعِلْمُ آدمَ بالأسماء في ظرف وجود مسمَّياتها هو علم لا تطيقه الملائكة في ظرف وجودها، فعالم الملائكة أدنى رتبة من عالم حقائق هذه الأسماء، وهذا ما أقرّت به الملائكة أنفسها: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. فالموجود المستخلَف، وإنْ كان ينشأ نشأة أرضيّة، إلّا أنّ فيه استعداداً للعروج والقرب إلى حيث لا يمكن لموجود آخر غيره أن يصل إليه، حتّى الملائكة.

 

وثالثاً: إنّ هذا الموجود المستخلَف لا تصرفه خصائص النشأة الأرضيّة المادّيّة المحدودة عن القيام بحقّ الاستخلاف[1].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الاستخلاف الإلهيّ لآدم عليه السلام، هو استخلاف للنوع الإنسانيّ، فلو كانت الخلافة لآدم عليه السلام وحده، لما كان هناك وجه لسؤال الملائكة، ودعواهم الإفساد وسفك الدماء في الأرض، والحال أنّ آدم عليه السلام لم يصدر عنه ذلك: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾[2]. كما أنّ القرآن الكريم صرّح في مواضع عدّة بأنّ الاستخلاف ليس لشخص آدم عليه السلام فحسب، كما في قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ...﴾[3], ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾[4]. على أنّ هذا الاستخلاف هو للمتحمِّل

 


[1] انظر: الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، لا ت، ج1، ص117 – 119.

[2] سورة طه، الآية 122.

[3] سورة ص، الآية 26.

[4] سورة النمل، الآية 62.

 

22


10

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

من هذا النوع الإنسانيّ, لأمانة الاستخلاف حقّ التحمّل، وليس لكلّ أفراد هذا النوع، وفيهم مَنْ هو كالأنعام، بل أضلّ سبيلاً!

 

تكريم آدم عليه السلام وتشريفه

بعد أنْ خلق الله تعالى آدم عليه السلام، أَمَرَ ملائكته ومَنْ دونهم مِنْ خَلقه بالسجود له عليه السلام، تكريماً وتشريفاً له وللحاملين لأمانة الاستخلاف من النوع الإنسانيّ من ذرّيّته: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[1], ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾[2], ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾[3], لِما تحمّله هذا المخلوق من العلم بالله تعالى، وبخلقه المحجوبين تحت حجاب الغيب، بحيث يُكشف له بهذا العلم عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، بما لا يتحمّله غيره من المخلوقات, ومنهم الملائكة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء ...  لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾.

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ العلم بالأشياء في ظرف عالم المجرّدات المحضة غير العلم به في ظرف عالم المادّيّات، وإلّا لكانت الملائكة عالمة بالأسماء التي أنبأها بها آدم عليه السلام، كعلم آدم بها، فلا تفضيل لآدم عليهم حينها، ولا كرامة له[4].

 

وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة العلم وآثاره الوجوديّة في قوله تعالى: ﴿... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[5], ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[6], فالرفع في هذا المقام ليس إلّا القرب الوجوديّ، والفوقيّة ليست إلّا الأسبقيّة والأشرفيّة من حيث الوجود.

 

 


[1] سورة البقرة، الآية 34.

[2] سورة الأعراف، الآية 11.

[3] سورة الكهف، الآية 50.

[4] انظر: السيد الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج1، ص116 - 117، بتصرّف.

[5] سورة المجادلة، الآية 11.

[6] سورة يوسف، الآية 76.

 

23


11

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

عداوة إبليس لآدم عليه السلام وذرّيّته

بعد إباء إبليس - باختياره وإرادته - امتثال الأمر الإلهيّ بالسجود لآدم عليه السلام، واستكباره وكفره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[1], طرده الله تعالى من رحمته وغضب عليه: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾[2],  فما كان منه إلّا أنْ أعلن عداوته لآدم عليه السلام وذرّيّته، وطلب من الله تعالى إمهاله لغوايتهم وصرْفهم عن التحقّق بحقيقة الاستخلاف الإلهيّ: ﴿قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ  * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[3], ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾[4]، فكان له ذلك، مع توعُّده ومن تبعه منهم (أي آدم وذريته) بجنّهم وبئس المصير: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[5], ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا   *  إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾[6].

 

إسكان آدم عليه السلام وزوجه الجنّة

أسكن الله تعالى آدم عليه السلام بعد خلقه وزوجَه الجنّةَ: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ

 

 


[1] سورة البقرة، الآية 34.

[2] سورة الأعراف، الآية 13.

[3] سورة الأعراف، الآيات 14-17.

[4] سورة الإسراء، الآية 62.

[5] سورة الأعراف، الآية 18.

[6] سورة الإسراء، الآيات 63-65.

 

24


12

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

الْظَّالِمِينَ﴾[1], وهذه الجنّة ليست الجنّة الأخرويّة, لأنّ الداخل فيها لا يخرج منها, ولأنّ إبليس اللعين لا يدخلها أبداً بضرورة الشرع والعقل، وهي ليست من عالم الدنيا, لأنّ آدم عليه السلام هبط منها إلى الأرض: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً﴾[2], ولأنّ القرآن قد ذكر لها من الخصائص المختلفة عن خصائص العالم الأرضيّ: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾[3], فتحصّل بذلك أنّها جنّة غير أرضيّة، بل سماويّة غير أخرويّة.

 

وقد ظهرت أُولى مكائد عداوة إبليس اللعين لآدم عليه السلام في هذه الجنّة السماوية، حيث أتى آدم عليه السلام وزوجه بصورة الناصح، وأوقعهما في مخالفة الأمر الإلهيّ الإرشاديّ، فتركا العمل بالأولى لهما، وهو اجتناب الأكل من الشجرة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾[4], ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[5], فكانت هذه الغواية الشيطانيّة لأجل إخراج الإنسان من العهد الإلهيّ، وهو إدامة ذكره تعالى، وعدم الغفلة عنه، والالتفات إلى غيره: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾[6]. فقد أراد الله تعالى بها محطّة تحذيريّة للإنسان من عدواة الشيطان له على امتداد مشروعه الاستخلافيّ في الأرض، قبل هبوطهما إلى الأرض

 


[1] سورة البقرة، الآية 35.

[2] سورة البقرة، الآية 38.

[3] سورة طه، الآيات 117-119.

[4] سورة طه، الآيتان 120-121.

[5] سورة الأعراف، الآيات 20-22.

[6] سورة طه، الآية 115.

 

25


13

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

دار التكليف والامتحان: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾[1].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ ما ورد من تعابير في القرآن الكريم بحقّ آدم عليه السلام أو على لسانه: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[2], ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾[3], ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾[4], يمكن فهمها بناءً على أنّ النهي الوارد هو نهي إرشاديّ للهداية والإرشاد إلى مورد الصلاح والخير، والتحذير من عداوة الشيطان وأساليبه الخفيّة الخدّاعة، وليس نهياً مولويّاً. ويشهد له أنّه تعالى فرّع على النهي في مورد آخر من القرآن بقوله: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى  * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾[5], فعرّف الشقاء بالتعب الحاصل من النشأة الدنيويّة، من جوع وظمأ وحرّ، كما يشهد لكون النهي نهياً إرشاديّاً كون بيئة التكليف هي في النشأة الأرضيّة، ولم ينزل بعدُ تشريعٌ دينيّ في الجنّة السماوية: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[6], كما يشهد لذلك أنّ التوبة من المعصية ترفع العقوبة عن العاصي، فيعود بذلك إلى ما كان فيه، والحال أنّ الله تعالى تاب على آدم عليه السلام، ولم يُرجعه إلى الجنّة التي كان فيها! كما أنّ لمفردات "العصيان"، و"الظلم"، و"الغواية" معاني مختلفة لغةً[7] عمّا اصطلح عليه المتشرّعة من معنى. فالمراد بالظلم وضع الشيء في غير

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 27.

[2] سورة البقرة، الآية 35.

[3] سورة الأعراف، الآية 23.

[4] سورة طه، الآية 121.

[5] سورة طه، الآيات 117-119.

[6] سورة طه، الآيتان 123-124.

[7] انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مصدر سابق، ج3، مادّة "ظلم"، ص468؛ ج4، مادّة "عصوى"، ص334-335؛ مادّة "غوى"، ص399-400؛ الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، مادّة "ظلم"، ص537؛ مادّة "عصا"، ص570؛ مادّة "غوى"، ص620.

 

 

26


14

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

موضعه، والمراد بالعصيان عدم الانفعال عن الأمر، أو الانفعال بصعوبة، والمراد بالغواية عدم اقتدار الإنسان على حفظ المقصد، وتدبير نفسه في معيشته. وهي معانٍ تختلف عن المعاني التي عليها المتشرّعة[1].

 

هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض

لقد قضى الله تعالى جَعْلَ النوع الإنسانيّ خليفة له في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...﴾, فكان إسكانه – تعالى - آدمَ عليه السلام وزوجَه الجنّةَ السماويّة مرحلةً برزخيّة تنزّليّة مؤقّتة، لتحقيق مشروع الاستخلاف للنوع الإنسانيّ في نشأة أرضيّة، فيها ما فيها من التزاحم والشقاء والعناء: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾[2]. تلك النشأة الأرضيّة التي تتيح له تفتّح استعداداته وقابليّاته للعروج إلى عالم الأمر عن إرادة واختيار منه، فكان هذا الهبوط من منزلة الجنّة السماويّة إلى النشأة الأرضيّة، هبوطاً تكوينيّاً مترتّباً على اختيار الإنسان لحمل الأمانة الإلهيّة في الأرض: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[3], وقد تمثّل هذا الاختيار في الفعل الصادر عن آدم عليه السلام وزوجه.

 

ومن لطيف تعبير القرآن عن هذا الهبوط، ما ذكره في نهي الله تعالى آدم عليه السلام وزوجه عن الأكل من الشجرة الموجودة في الجنّة: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[4], ونداؤه إيّاهما قبل الأكل من الشجرة بنداء القريب، مع الحضور في التكلّم والمخاطبة ﴿وَيَا آدَمُ﴾، وبعد الأكل منها بنداء البعيد مع الغيبة في التكلّم والمخاطبة ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾، وكذلك

 


[1] انظر: السيد الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج1، ص135-138.

[2] سورة طه، الآيات 117-119.

[3] سورة الأحزاب، الآية 72.

[4] سورة الأعراف، الآية 19.

 

27


15

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

التعبير باسم الإشارة القريب ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قبل الأكل، وباسم الإشارة البعيد ﴿تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ بعد الأكل، واستشعار كلّ من آدم عليه السلاموزوجه طبيعتهما المادّيّة الأرضيّة بعد الأكل من الشجرة مباشرة: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾[1], ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾[2].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ الإنسان إذا لبث في النشأة الأرضيّة، مقتصراً عليها في سعيه، يكون قد ضيّع على نفسه فرصة الاستخلاف، وظَلَمها بخيار خروجه من الجنّة السماوية: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾[3], وإنْ تزوّد منها لسيره نحو عالم الأمر، يكون قد اتّصف بحقيقة الاستخلاف: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وفي ذلك يحتاج الإنسان إلى هداية ربّانيّة، ترشده نحو مقصده، وتأخذ بيده نحو الاتّصاف بحقيقة الاستخلاف: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[4].

 

سيرة آدم عليه السلام التبليغيّة

بعد أنْ قضى الله تعالى هبوط آدم عليه السلام وزوجه إلى الأرض، بدأت مسيرة التكليف الإلهيّ للإنسان في الأرض، وتحدّد هذا التكليف من خلال تعاليم الدين النازلة عبر الوحي الإلهيّ. وقد ابتدأ نزول هذه التعاليم الوحيانيّة على النبيّ آدم عليه السلام، بعد أنْ اجتباه الله تعالى واختاره لهذه المهمّة الرساليّة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى*  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

 


[1] سورة طه، الآية 121.

[2] سورة الأعراف، الآية 22.

[3] سورة طه، الآية 117.

[4] سورة طه، الآيات 122-124.

 

28


16

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

أَعْمَى﴾[1]. ولم يَردْ في القرآن ذِكْرٌ لتفاصيل دعوة النبيّ آدم عليه السلام، ولكن ورد في الروايات أنّ الله تعالى أنزل على نبيّه آدم عليه السلام عشْر صحائف، وقيل: خمسين صحيفة، وقيل: لم يكن لديه عليه السلام صحف منزلة[2]. وقد استمرّ آدم عليه السلام في دعوته بنيه حتى ارتحل بالوفاة عن دار الدنيا، وقيل: إنّ وفاته عليه السلام كانت في الألف الأوّل في العام نفسه الذي وُلِدَ فيه النبيّ نوح عليه السلام[3].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ آدم عليه السلام

إنّ المتأمّل في قصّة النبيّ آدم عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، يستلهم جملة من الدروس والعبر والسنن الإلهيّة التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، منها:

- الحرص على أن يكون الإنسان على قدر التكريم والتشريف الإلهيّ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾, ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾, ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

 

- عدم زجر السائل أو الإعراض عن جوابه، والرفق به, ليفهم حقائق الأمور: ﴿أَتَجْعَلُ


 


[1] سورة طه، الآيات 122-124.

[2] انظر: الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاريّ، لا ط، قمّ المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، 1403هـ.ق/ 1362هـ.ش، ص524.

أورد الشيخ المفيد قدس سره هذه الرواية نفسها مع التصريح في نصّها بأنّ للنبيّ آدم عليه السلام خمسون صحيفة (انظر: المفيد، الشيخ محمّد بن النعمان، الاختصاص، تحقيق عليّ أكبر الغفاريّ؛ محمود الزرندي، ط2، بيروت، دار الشيخ المفيد، 1414هـ.ق/ 1993م، ص264)، في حين أنّ الشيخ الصدوق قدس سره  لم يذكر في الخصال في ما أورده من الرواية نفسها أيّ صحيفة خاصّة بالنبيّ آدم عليه السلام، وذكر خمسين صحيفة للنبيّ شيت عليه السلام. ولعلّ صحف النبيّ شيث عليه السلام هي الصحف التي ورثها عن أبيه النبيّ آدم عليه السلام.

وفي مجمع البيان في تفسير القرآن، أورد الرواية نفسها بذكر 10 صحائف للنبيّ آدم عليه السلام و10 صحائف للنبيّ إبراهيم عليه السلام (انظر: الطبرسيّ، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحقّقين، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ،1415هـ.ق/ 1995م، ج10، ص332)، في حين ورد في الخصال والاختصاص ذكر 20 صحيفة للنبيّ إبراهيم عليه السلام.

وتجدر الإشارة إلى أنّ صحف آدم عليه السلام، وكذلك صحف شيث عليه السلام وإدريس عليه السلام لم تكن صحفاً متضمّنة لتشريعات وأحكام؛ لأنّ أولى الشرائع الإلهيّة نزلت على نوح عليه السلام - كما سيأتي بيانه -، فكانت صحفهم تعاليم وحيانيّة في أصول الدين والأخلاق والقيم الفطريّة، تهدف إلى تذكير الإنسان بميثاق فطرته وما جُبَل عليه في خلقته من أصول الاعتقاد والأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة وما يحكم به عقله السليم.

[3] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص279.

 

29


17

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

فِيهَا ... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ... فَقَالَ أَنبِئُونِي ... قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم ... قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾.

 

- إذعان السائل للحقّ، والتسليم له بعد تلقّي الجواب: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ﴾.

 

- عدم التسرّع في الاستنتاج والحكم على الأمور: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.

 

- معيار التفاضل يدور مدار العلم بالغيب، وهو لا ينفكّ وجوداً عن الغيب نفسه: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ... لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ... إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.

 

- الاستكبار هلاك وخسران: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾, ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾, ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.

 

- الجهل وحبّ النفس والنظرة الدونيّة إلى الآخرين والحسد، هي من دوافع الاستكبار: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾, ﴿قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾, ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾.

 

- عدم الانخداع بظواهر الأمور والأمانيّ المعسولة: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.

 

- الشيطان عدوّ دائم للإنسان: ﴿فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾, ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾, ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾, ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.

 

- إدامة الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة وطلب المغفرة: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن

 

30


18

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾, ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾, ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى *  ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾.

 

- إدامة ذِكْر الله تعالى، والإخلاص له، تحصّن الإنسان من كيد الشيطان: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ*  قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ  * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.

 

- فلاح الإنسان أو خسرانه مرتبط باختياره، وتحديد موقفه تجاه تعاليم الوحي الإلهيّ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾, ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.

 

- الدنيا دار تكليف وامتحان واختبار مؤقّتة للإنسان، يصنع فيها مصيره الأخرويّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾, ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.

 

31


19

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- النبيّ آدم عليه السلام هو أبو البشر، وأوّل الأنبياء الإلهيّين الذين ارتضاهم الله تعالى لهداية البشريّة.

 

2- خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وأمر ملائكته ومَنْ دونهم مِنْ خَلقه بالسجود له عليه السلام، تكريماً وتشريفاً له، وللحاملين لأمانة الاستخلاف، من النوع الإنسانيّ من ذرّيّته.

 

3- قضى الله تعالى جعل النوع الإنسانيّ خليفة له في الأرض، فكان إسكانه آدم عليه السلام وزوجه الجنّة السماويّة مرحلةً برزخيّة تنزّليّة مؤقّتة. لتحقيق مشروع الاستخلاف للنوع الإنسانيّ.

 

4- بعد أنْ قضى الله تعالى هبوط آدم عليه السلام وزوجه إلى الأرض، بدأت مسيرة التكليف الإلهيّ للإنسان في الأرض، وتحدّد هذا التكليف من خلال تعاليم الدين النازلة عبر الوحي الإلهيّ. وقد ابتدأ نزول هذه التعاليم الوحيانيّة على النبيّ آدم عليه السلام، بعد أنْ اجتباه الله تعالى، واختاره لهذه المهمّة الرساليّة.

 

فكّر وأجب

1- ما المراحلُ التي مرّ فيها خَلْق آدم عليه السلام؟

2- بيّن حقيقة الأمر بالسجود لآدم عليه السلام، والحكمة منه؟

3- تكلّم عن مجريات إسكان آدم عليه السلام الجنّة، وخروجه منها؟

 

32


20

الدرس الأوّل: النبيّ آدم عليه السلام

مطالعة

عن أبي الصلت الهرويّ، عن الرضا عليه السلام قال: "إنّ آدم صلوات الله عليه، لمّا أكرمه الله تعالى بإسجاده ملائكته له، وبإدخاله الجنّة، ناداه الله: ارفع رأسك يا آدم، فانظر إلى ساق عرشي، فنظر، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، فقال آدم عليه السلام, يا ربّ، من هؤلاء؟ قال عزّ وجلّ: هؤلاء ذرّيّتك، لولاهم ما خلقتك"[1].

 

 


[1] قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، قصص الأنبياء، تحقيق غلام رضا عرفانيان اليزدي الخراساني، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة الهادي، 1418هـ.ق/ 1376هـ.ش، ص48-50.

 

33


21

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

الدرس الثاني

النبيّ إدريس عليه السلام

والنبيّ نوح عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص النبيَّين إدريس عليه السلام ونوح عليه السلام الواردتين في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين إدريس عليه السلام ونوح عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين إدريس ونوح عليهما السلام.

 

35


22

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

قصّة النبيّ إدريس عليه السلام

هو جدّ أبي النبيّ نوح عليه السلام، واسمه في التوراة أخنوخ. قيل: إنّه أوّل من خطّ بالقلم، وأوّل من خاط الثياب وكان خيّاطاً، وقيل: إنّ الله تعالى علّمه عِلم النجوم والحساب، وعلم الهيئة، وكان ذلك معجزة له[1]. وقد ورد ذِكْره في القرآن الكريم في موضعين، هما:

- ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾[2].

 

- ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[3].

 

صرّح القرآن الكريم بنبوّة إدريس عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾, ولم يردْ فيه ذِكْرٌ لرسالته، وورد في الروايات المأثورة أنّه كان رسولاً، وله ثلاثون صحيفة[4]. وقد مدحه الله تعالى في كتابه العزيز بصفات عدّة، منها: الصدّيق، لمبالغته في الصدق والتصديق في القول والعمل[5]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ ومنها: الصابر, لصبره عن الدعاء على قومه: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾، حيث كان أوّل من بُعِث إلى قومه، فدعاهم إلى الدين، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى، ورفعه إليه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾, فغيّبه عن

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج6، ص430.

[2] سورة مريم، الآيتان 56-57.

[3] سورة الأنبياء، الآيتان 85-86.

[4] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524؛ الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[5] انظر: الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص479.

 

37


23

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

قومه، ثمّ أعاده إليهم ليبشّرهم بقدوم المخلِّص لهم، وهو النبيّ نوح عليه السلام[1]. وقيل: رفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة والخامسة لقبض روحه، وفاقاً لما ورد في الروايات المأثورة[2]. ويمكن أن يُراد بالرفع رفع منزلته ومقامه المعنويّ تكريماً له، ولا سيّما أنّ الآية: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ جاءت في سياق ذِكْر مواهب النبوّة والولاية، وهي مقامات إلهيّة معنويّة[3]. وقد شرّفه الله تعالى في الآخرة بإدخاله في رحمته الخاصّة بعباده الصالحين لصلاحه في نفسه: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ إدريس عليه السلام

إنّ المتأمّل في قصّة النبيّ إدريس عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، يستلهم جملة من الدروس والعبر والسنن الإلهيّة التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، منها:

- الصدقُ مدعاةُ مدح وثناء: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾.

 

- الله تعالى يحفظ الصادقين والمصدّقين من عباده، ويحميهم ويرفع شأنهم ومنزلتهم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.

 

- يحتاج الداعي إلى الله تعالى في دعوته إلى التحلّي بالصبر: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾.

 

- الصبر يستنزل الرحمة الإلهيّة: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.

 

- الصلاح الذاتيّ للإنسان محطّ تنزُّل رحمة إلهيّة خاصّة: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.

 


[1] انظر: الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، 1405هـ.ق/ 1363هـ.ش، ص127-133.

[2] انظر: الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب، الكافي، تصحيح وتعليق، عليّ أكبر الغفاريّ، ط5، طهران، دار الكتب الإسلاميّة؛ مطبعة حيدريّ، 1363هـ.ش، ج3، ص257.

[3] انظر: السيد الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج14، ص64.

 

38


24

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

قصّة النبيّ نوح عليه السلام

هو نوح بن ملك بن متوشلخ بن أخنوخ النبيّ, أي إدريس عليه السلام، لم يرسل الله تعالى بينه وبين النبيّ إدريس عليه السلام أحداً من الأنبياء. ولد في العام الذي مات فيه النبيّ آدم  عليه السلام، قبل موت النبيّ آدم عليه السلام في الألف الأولى. وقيل: إنّه كان نجّاراً[1].

 

وقد ورد ذِكْره في مواضع عدّة من القرآن الكريم[2]، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ *

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص279.

[2] انظر: سورة آل عمران، الآية 33؛ سورة النساء، الآية 163؛ سورة الأعراف، الآيات 59-64، 69؛ سورة التوبة، الآية 70؛ سورة يونس، الآيات 71-74؛ سورة هود، الآيات 25-48، 89؛ سورة إبراهيم، الآية 9؛ سورة الإسراء، الآيتان 2، 17؛ سورة مريم، الآية58, سورة الأنبياء، الآيتان 76-77, سورة الحجّ، الآية 42, سورة المؤمنون، الآيات 23-29, سورة الفرقان، الآية 37, سورة الشعراء، الآيات 105-120, سورة العنكبوت، الآيتان 14-15, سورة الأحزاب، الآية7, سورة الصافات، الآيات 75-83, سورة ص، الآية 12, سورة غافر، الآيتان 5، 31, سورة الشورى، الآية 13, سورة ق، الآية 12, سورة الذاريات، الآية 46, سورة النجم، الآية 52, سورة القمر، الآيات 9-16, سورة الحديد، الآية 26, سورة التحريم، الآية 10, سورة نوح، الآيات 1-28. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ نوح عليه السلام.

 

39


25

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ  * وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾[1].

 

يجد المتأمّل في هذه المواضع على كثرتها، شدّة عناية القرآن الكريم ببيان قصّة النبيّ نوح عليه السلام، حيث عرض فيها بنحو مجمل، دعوة النبيّ نوح عليه السلام قومه، وقصّة الطوفان وما بعده. لذا يمكن تقديم قصّته عليه السلام وفق المحطّات التالية:

نبوّة النبيّ نوح عليه السلام ورسالته

صرّح القرآن الكريم بنبوّة النبيّ نوح عليه السلام ورسالته: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى

 

 


[1] سورة هود، الآيات 25-48، 89.

 

40


26

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[1], ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾[2]، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[3]، وبأنّه أوّل الأنبياء عليهم السلام من أولي العزم، وأنّ شريعته أوْلى الشرائع الإلهيّة على الأرض: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[4], وورد في الروايات المأثورة أنّه بُعث بالرسالة وهو بعمر ثمانمئة وخمسين عاماً[5]، ولم يذكر القرآن اسم رسالته، ولم يفصّل في بيان محتواها التشريعيّ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[6]، وبيّن أنّها تضمّنت ما تشترك فيه الشرائع الإلهيّة من أصول الدين، من الدعوة الخالصة إلى التوحيد، وعبادة الله الواحد الأحد، والنهي عن الشرك بالله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[7], والحثّ على طاعة الله تعالى وملازمة التقوى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[8], والوعد والوعيد والتذكير بيوم المعاد: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾[9]، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾[10], ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا

 


[1] سورة النساء، الآيات 163-165.

[2] سورة الأعراف، الآية 59.

[3] سورة الشعراء، الآية 107.

[4] سورة الشورى، الآية 13.

[5] انظر: الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص284, الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، باب46، ص523.

[6] سورة الأعراف، الآية 62.

[7] سورة الأعراف، الآية 59.

[8] سورة الشعراء، الآيات 105-110.

[9] سورة هود، الآية 25- 26.

[10] سورة هود، الآية 39.

 

41


27

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ   أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ... فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾[1]، ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾[2], وورد في الروايات المأثورة أنّها تضمّنت أوامر ونواهي وحلالاً وحراماً وتكليفاً بالصلاة، ولم تتضمّن أحكام حدود، ولا فرض مواريث[3].

 

سيرة النبيّ نوح عليه السلام التبليغيّة

امتدح القرآن الكريم النبيّ نوحاً عليه السلام، وأثنى عليه، لشكره وصبره وتحمّله وثباته في دعوته إلى الله تعالى، وإخلاصه له: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾[4]، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾[5]، فاصطفاه ربّه واجتباه وفضّله على كثير من العالمين: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[6]، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾[7]. وقد لبث النبيّ نوح عليه السلام في دعوة قومه ألف سنة إلّا خمسين عاماً: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾[8].

 


[1] سورة نوح، الآيات 1-4، 10-12.

[2] سورة نوح، الآيتان 17-18.

[3] انظر: العياشيّ، محمّد بن مسعود، تفسير العياشيّ، تحقيق وتصحيح وتعليق هاشم الرسوليّ المحلاتي، لا .ط، طهران، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، لا .ت، ج2، ص144.لا

[4] سورة الإسراء، الآية 3.

[5] سورة الصافات، الآيات 79-81.

[6] سورة آل عمران، الآية 33.

[7] سورة الأحزاب، الآية 7.

[8] سورة العنكبوت، الآية 14.

 

42


28

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

وبيّن القرآن الكريم معالم سيرة النبيّ نوح عليه السلام التبليغيّة في قومه، حيث بالغ في النصح لهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[1], والتبشير والإنذار: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[2], ﴿  قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * ... * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾[3]. وقد عانى منهم كثيراً، ولا سيّما من كبراء قومه الذين أعرضوا عن دعوته الحقّة وأنكروها: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[4], ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾[5], واسترسلوا في الجحود والضلال والإضلال والمكر: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴾[6], ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين﴾[7], ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا  * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾[8], وقاموا بالسخرية منه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾[9], وتهديده بالقتل رجماً: ﴿ قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾[10], وكالوا له صنوف التهمّ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 62.

[2] سورة الأعراف، الآية 59.

[3] سورة نوح، الآيات 2-4، 10-12.

[4] سورة إبراهيم، الآية 9.

[5] سورة نوح، الآيتان 6-7.

[6] سورة النجم، الآية 52.

[7] سورة النمل، الآية 12.

[8] سورة نوح، الآيات 21-24.

[9] سورة هود، الآية 38.

[10] سورة الشعراء، الآية 116.

 

43


29

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

الباطلة والمزيّفة، وأثاروا الشكوك حوله، حتّى ينفضّ الناس من حوله، فرمَوه بالضلالة: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾[1], والجنون: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾[2], ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾[3], وطلب الجاه والمال: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾[4], وعدم الفضل والامتياز له عليهم: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا … وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾[5], ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾[6], والكذب والافتراء: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾[7], ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾[8]، وأنّ أتباعه من العوامّ ضعاف الرأي: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾[9]، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾[10]. وقد واجه النبيّ نوح عليه السلام هذه الافتراءات الباطلة بحكمة وبصيرة وصبر، مفنّداً إيّاها بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن، كاشفاً للناس زيف هذه الافتراءات بالدليل والحُجّة، ضمن منطق قويّ، وأسلوب مؤثّر، وحوار رصين، فكيف يكون ضالّاً وهو مُرسَل من الله تعالى لهدايتهم! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[11], وكيف يكون مجنوناً وهو الذي أتاهم بالحجج والبراهين الساطعة، وتحدّاهم، وصدر عن ثبات موقف تجاههم، بما لا يُعهَد صدوره إلّا عن رجل عاقل وحكيم!

 


[1] سورة الأعراف، الآية 60.

[2] سورة المؤمنون، الآية 25.

[3] سورة القمر، الآية 9.

[4] سورة المؤمنون، الآية 24.

[5] سورة هود، الآية 27.

[6] سورة المؤمنون، الآية 24.

[7] سورة هود، الآية 27.

[8] سورة هود، الآية 35.

[9] سورة هود، الآية 27.

[10] سورة الشعراء، الآية 111.

[11] سورة الأعراف، الآيتان 61-62.

 

44


30

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *  وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾[1], ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ﴾[2], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً مرسلاً، وقد خلت من قبله الرسل من البشر! ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[3], وكيف يكون طالباً للجاه والمال، وهو لم يسألهم ذلك، وأجره على الله تعالى وحده!? ﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[4]، ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ﴾[5], وكيف يكون كاذباً ومفترياً على الله تعالى، وهو رسوله المبرَّأ من ذلك، وإنْ كان من افتراء فهو يرجع عليه! ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ﴾[6], والحال أنّ تكذيبهم له، وهو على بيّنة من ربّه، ستكون نتيجته خسرانهم وهلاكهم، عندما يتحقّق ما أنذرهم منه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾[7], ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾[8], وكيف يُعاب عليه بأنّ أتباعه من عوامّ الناس وضعاف الرأي، وهو قد جاء بالدعوة الإلهيّة الحقّة التي تستهدف الناس جميعاً، والتزم بتبليغها من دون تمييز أو استثناء! ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم

 


[1] سورة نوح، الآيات 13-20.

[2] سورة يونس، الآية 71.

[3] سورة الأعراف، الآية 63.

[4] سورة يونس، الآية 72.

[5] سورة هود، الآية 29.

[6] سورة هود، الآية 35.

[7] سورة هود، الآية 28.

[8] سورة هود، الآية 39.

 

45


31

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾[1], ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*  إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾[2].

 

وطالت دعوة النبيّ نوح عليه السلام قومَه، وإلقاؤه الحجّة عليهم، حتّى لم يعد ينفع معهم نصح ولا إنذار: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾[3], ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا *... * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾[4], فأوحى إليه الله تعالى أنّه لن ينفعهم الإنذار بعد الآن، ولن يؤمن منهم، إلّا مَنْ آمن قبل ذلك: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾[5], فدعا النبيّ نوح عليه السلام على قومه بالهلاك والاستئصال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾[6], فاستجاب له الله تعالى ذلك: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾[7], وأمره بصناعة السفينة، وانتظار الوعد الإلهيّ بالطوفان: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾[8]. وقد ورد في الروايات المأثورة أنّه صنع السفينة في مكان مسجد الكوفة حالياً[9].

 

 


[1] سورة هود، الآيات 29-31.

[2] سورة الشعراء، الآيات 112-115.

[3] سورة العنكبوت، الآية 14.

[4] سورة نوح، الآيات 5، 8-9.

[5] سورة هود، الآية 36.

[6] سورة نوح، الآيتان 26-27.

[7] سورة الأنبياء، الآية 76.

[8] سورة هود، الآية 37.

[9] انظر: العياشيّ، تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج2، ص145.

 

46


32

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

حدوث الطوفان

بعد أن قضى الله تعالى عليهم الهلاك بالطوفان، جعل علامةً على اقتراب الوعد، وهي فوران التنوّر بالماء[1]، فقام النبيّ نوح عليه السلام، بوحي من الله تعالى، بحمل المؤمنين من أهله وغيرهم، كما قام بحمل زوجين اثنين من كلّ صنف من أصناف الحيوانات فيها، مضافاً إلى ما يحتاجون إليه من طعام وشراب: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾[2], وحدث الطوفان بانهمار الماء من السماء، وتفجُّر ينابيع الأرض: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾[3]، في مشهد مهيب: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾[4], فغرق الحجر والبشر: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾[5], إلّا سفينة النبيّ نوح عليه السلام التي سارت على اسم الله تعالى وبركته: ﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[6], ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾[7],حاملة بذلك مشروع الاستخلاف الإلهيّ للإنسان في الأرض، بعد أنْ تعرّض للخطر بفعل الكفر والطغيان: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا

 


[1] انظر: الشيخ العياشي، تفسير العياشي، مصدر سابق، ص146، ص147.

[2] سورة هود، الآية 40.

[3] سورة القمر، الآيتان 11-12.

[4] سورة هود، الآية 42.

[5] سورة هود، الآيتان 42-43.

[6] سورة هود، الآية 41.

[7] سورة القمر، الآيتان 13-14.

 

47


33

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾[1], وقد عمّ الطوفان بقاع الأرض كلّها[2]، ثمّ أذن الله تعالى للسماء بالإقلاع عن المطر، وللأرض بالاحتفاظ بالماء في جوفها، لترسو السفينة بعد حين على جبل الجوديّ[3]: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[4].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ دعاء النبيّ نوح عليه السلام اللهَ تعالى لينجّي ابنه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾[5], يظهر منه أنّه كان يظنّ أنّ ابنه من المؤمنين، وقد وعد الله تعالى نوحاً عليه السلام بإنجائه وأهله، إلّا من سبق عليه القول بكفره، كامرأته: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾[6], ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾[7], فلم يكن يعلم أنّه من الكافرين، ولو علم ذلك لما سأل الله تعالى في أمر ابنه، وهو الذي دعا الله تعالى على الكافرين بالاستئصال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ

 


[1] سورة المؤمنون، الآيتان 28-29.

[2] وهو ما يستفاد من إطلاق الخطاب القرآنيّ في الآيات التي تحدّثت عن الطوفان، ومن صريح ما ورد في الروايات المأثورة انظر: العياشيّ، تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج2، ص147-148. وفي علل الشرائع أورد الشيخ الصدوق رواية ورد فيها أنّ البيت الحرام لم يصبه الطوفان, ولذلك سمّي بالبيت العتيق, لأنّه أُعتق من الغرق. (انظر: الصدوق، الشيخ محمّد بن علي، علل الشرائع، تقديم محمّد صادق بحر العلوم، لا.ط، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها، 1385هـ.ق/ 1966م، ج2، ح5، ص399.

[3] ورد في الروايات المأثورة أنّه جبل قرب الكوفة، انظر: العياشيّ، تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج2، تفسير سورة هود، ح21، ص146.

[4] سورة هود، الآية 44.

[5] سورة هود، الآيات 45-47.

[6] سورة هود، الآية 40.

[7] سورة التحريم، الآية 10.

 

48


34

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾[1]. وممّا يؤيّد عدم علمه بكفر ابنه قولُه له - على ما حكاه القرآن الكريم -: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾[2], فلو كان يعلم بكفره لكان من المناسب التعبير بـ "من الكافرين"، وكذلك جواب الله تعالى عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾[3], المُشعِرُ بأنّ ظاهر أمر ابنه الإيمانُ وباطنَه الكفرُ، وتعقيبُه في الآية نفسها بقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، المُشعِرِ بأنّ حقيقة أمر كفر ابنه وعدم صلاحه خافية عنه.

 

وقد حكى الله تعالى عن كفر زوج النبيّ نوح عليه السلام، وخيانتها لزوجها، وهلاكها يوم القيامة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾[4], ولعلّه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾[5] هلاكها بالطوفان, لدخولها في الذين سبق عليهم القول بالكفر، وأمر الله تعالى نبيّه نوحاً في هذه الآية بحمل أهله مستثنياً منهم بعض الأفراد, وذلك يُشعِر بعلمه بكفر بعض أهله، وليس المراد ببعضهم هذا ابنه، لأنّه لم يكن يعلم بكفره، كما تقدّم بيانه. والله العالم

 

حياة النبيّ نوح عليه السلام بعد الطوفان

بعد أنْ رست السفينة على جبل الجوديّ، بدأ فصل جديد في حياة البشريّة: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[6], قوامها المؤمنون من ذرّيّته وغيرهم: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ

 


[1] سورة نوح، الآيتان 26-27.

[2] سورة هود، الآية 42.

[3] سورة هود، الآية 46.

[4] سورة التحريم، الآية 10.

[5] سورة هود، الآية 40.

[6] سورة هود، الآية 48.

 

49


35

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾[1], وقد استمرّت ذرّيّته في الحياة البشريّة: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾[2], وكرّمه الله تعالى بأنْ جعل فيها النبوّة والرسالة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾[3]، ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾[4]. وقد عاش النبيّ نوح عليه السلام بعد الطوفان خمسمئة عام، أو سبعمئة عام، وتوفّي بعد أنْ بلغ من العمر ألفين وثلاثمئة عام، أو ألفين وخمسمئة عام، بحسب ما ورد في الروايات المأثورة[5].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ نوح عليه السلام

يمكن استخلاص مجموعة من الدروس والعبر والسنن من قصّة النبيّ نوح عليه السلام، الواردة في القرآن الكريم, منها:

- وحدة الدين عند الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾.

 

- الاصطفاء والاجتباء للنبوّة والرسالة هو من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

 

- الوحي الإلهيّ إلى الأنبياء عليهم السلام سنّة معروفة ومشهودة عند الاجتماع البشريّ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ فِيهِ﴾.

 

- الاصطفاء والاجتباء الإلهيّ للأنبياء عليهم السلام والمرسلين عليهم السلام هو عن قابليّة ولياقة فيهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾, ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا

 


[1] سورة هود، الآية 40.

[2] سورة الصافات، الآيتان 77-78.

[3] سورة الحديد، الآية 26.

[4] سورة الصافات، الآية 83.

[5] انظر: الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص284, الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص134، ص523, الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص32.

 

50


36

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

وَبُكِيًّا﴾, ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 

- التبشير والإنذار سنّة إلهيّة ثابتة في الدعوة: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *  يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾, ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

 

- إعراض الناس عن دعوة الأنبياء عليهم السلام وتكذيبُهم من السنن الجارية في الاجتماع البشريّ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾, ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾, ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

 

- سوء الظنّ وحبّ الجاه والمالِ والاستعلاءُ هي من موانع الإعراض عن تصديق دعوات الأنبياء عليهم السلام: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾.

 

- العناد والتحجّر والاستكبار يختم على قلب الإنسان, بحيث لا يعود يطيق سماع كلام الحقّ ولا رؤية أهله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾.

 

- مواجهة الأنبياء عليهم السلام بالتهم الزائفة والباطلة من السنن الإلهيّة الجارية في

 

51


37

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

الاجتماع البشريّ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.

 

- عندما يبلغ كفر أقوام الأنبياء عليهم السلام وحجودهم مبلغاً عظيماً، بحيث يهدّد مشروع الاستخلاف الإلهيّ للإنسان في الأرض، فإنّه تجري فيهم سنّة الاستئصال: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾, ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾, ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا﴾، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.

 

- الله تعالى قاهر وغالب فوق كلّ شيء، وبيده الأسباب كلّها: ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾.

 

- إهلاك الأقوام السابقة فيه موعظة وعبرة للأمم اللاحقة: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾, ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

 

- ضرورة الدعوة إلى الله تعالى بالنصح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾, ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.

 

- يحتاج الداعي إلى الله تعالى إلى التبشير والإنذار في إيصال الدعوة وتهيئة النفوس للالتزام بها: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.

 

52


38

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

- يحتاج الداعي إلى الله تعالى حتّى ينجح في دعوته إلى اعتماد أسلوب حكيم قوامه: الحكمة والبرهان، والموعظة الحسنة، والجدال بالأحسن: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ  *  وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

 

- على الداعي أن يصبر في دعوته، ولا ييأس سريعاً من عدم استجابة الناس له، وأن يستفيد من كلّ الفرص المتاحة, لإيصالها وإتمام الحجّة عليهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ﴾, ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا *   ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾.

 

المؤمن دائم الذِكْر والشكر لله تعالى في السرّاء والضرّاء: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *  وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾, ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.

- عناية الله تعالى محيطة بعباده المؤمنين والمخلصين: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾, ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.

 

- الله تعالى يستجيب دعاء أنبيائه عليهم السلام ورسله عليهم السلام، وينصرهم على القوم

 

53


39

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

الكافرين: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ*  وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾, ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.

 

- على الإنسان أن يتأدّب في سؤال الله تعالى، بأدب الأنبياء عليهم السلام، فلا يقطع أمراً قبل أن تتّضح له حقيقته، ويقرّ بضعفه وجهله في حضرة الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *... * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 

- الاتّصال بالأنبياء عليهم السلام بالنسب والسبب لا ينفع المتّصلَ شيئاً حال كفره: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾, ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.

 

54


40

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- أرسل الله تعالى نبيّه إدريس عليه السلام، وهو جدّ أبي النبيّ نوح عليه السلام، وكان أوّل من بُعِث إلى قومه، فدعاهم إلى الدين، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى، ورفعه إليه.

 

2- أرسل الله تعالى نبيّه نوحاً عليه السلام بالرسالة إلى قومه، وهو أوّل الأنبياء عليهم السلام من أولي العزم، وشريعته أولى الشرائع الإلهيّة على الأرض.

 

3- لبث نوح عليه السلام في قومه تسعمئة وخمسين سنة، يدعوهم إلى التوحيد، وعبادة الله تعالى، والإيمان برسالته، ولكنّهم كفروا بها، وكذّبوه.

 

4- بعد أنْ طالت دعوة النبيّ نوح عليه السلام قومَه، وبعد إلقائه الحجّة عليهم، حتّى لم يعد ينفع معهم نصح ولا إنذار، أمره الله تعالى بصنع السفينة، وبحمل من آمن معه فيها، وعمّ الطوفان الأرض، فغرق الكافرون وهلكوا.

 

5- بعد أنْ رست السفينة على جبل الجوديّ، بدأ فصل جديد في حياة البشريّة ومشروعها الاستخلافيّ.

 

فكّر وأجب

1- بيّن قصّة النبيّ إدريس عليه السلام وسيرته التبليغيّة، والدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

2- تكلّم عن السِّيَر التبليغيّة للنبيّ نوح عليه السلام.

 

3- لماذا حدث الطوفان؟ وما مجرياتُه التي بيّنها القرآن؟

 

55


41

الدرس الثاني: النبيّ إدريس عليه السلام النبيّ نوح عليه السلام

مطالعة

عن ابن أورمة، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن أحمد بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "مكث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم (إلى الله) سرّاً وعلانية، فلمّا عتوا وأبوا، قال: ربّي، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾، فأوحى الله تعالى إليه أنْ اصنع الفلك، وأمره بغرس النوى، فمرّ عليه قومه، فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غرّاساً حتّى إذا طال وصار طوالاً قطعه ونجّره، فقالوا قد قعد نجّاراً، ثمّ ألّفه، فجعله سفينة، فمرّوا عليه، فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحاً في أرض فلاة حتّى فرغ منها".

 

وعن أحمد بن عيسى قال، حدّثنا الحسن بن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "سمعت أبي عليه السلام يحدّث عطا، قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام ألفاً ومئتي ذراع، وكان عرضها ثمانمئة ذراع، وعمقها ثمانين ذراعاً، فطافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة سبعه أشواط، ثمّ استوت على الجوديّ"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص85-86.

 

56


42

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الدرس الثالث

النبيّ هود عليه السلام النبيّ صالح عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص النبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام.

 

57


43

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

قصّة النبيّ هود عليه السلام

هو هود بن شالخ بن أرفحشد بن سام بن نوح عليه السلام. وقيل: هو هود بن عبد الله بن رياح بن جلوث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح[1]، وهو من الأنبياء العرب[2]. ورد ذكره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[3]، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *  قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[4].

 

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص285.

[2] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524, الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[3] انظر: سورة الأعراف، الآيات 65-72, سورة هود، الآيات 50-60، 89, سورة المؤمنون، الآيات 31-41, سورة الشعراء، الآيات 123-133, سورة الأحقاف، الآيات 21-26. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ هود عليه السلام.

[4] سورة الأعراف، الآيات 65-72.

 

59


44

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

ومن خلال التأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ هود عليه السلام، وغيرها من المواضع التي ورد فيها ذِكْر قومه، يمكن تناول قصّته وفق التفصيل التالي:

سيرة النبيّ هود عليه السلام التبليغيّة

تحدّث القرآن الكريم عن سيرة النبيّ هود عليه السلام التبليغيّة, حيث أرسله الله تعالى إلى قومه عاد، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا...﴾[1], ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾[2], ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾[3]. وكانت عاد تقطن في الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾[4], وهي منطقة في جنوب جزيرة العرب، لا أثر لها اليوم. وقد اخُتلِفَ فيها، فقيل: وادٍ بين عمان ومهرة، وقيل: رمال في ما بين عمان إلى حضرموت، وقيل: رمال مشرفة على البحر بالشحر من ساحل أرض اليمن، وقيل غير ذلك[5]، وقد كانوا موحِّدين، استخلفهم الله تعالى بعد قوم نوح عليه السلام، فأنعم عليهم بصنوف النعم، من قوّة واقتدار في البدن والعمران، ومن الرزق في الأولاد والثمرات: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[6], ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾[7], ثمّ استغرقوا في النعم، ونسوا ذِكْر الله، فكفروا بأنعمه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*  وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾[8], فأتاهم النبيّ هود عليه السلام ليذكّرهم بالله واليوم الآخر، ويدعوهم لعبادته تعالى وحده، وطاعته، وملازمة التقوى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 65, سورة هود، الآية 50.

[2] سورة الشعراء، الآية 124.

[3] سورة المؤمنون، الآية 32.

[4] سورة الأحقاف، الآية 21.

[5] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج9، ص150.

[6] سورة الأعراف، الآية 69.

[7] سورة الشعراء، الآيات 132-134.

[8] سورة الشعراء، الآيات 128-130.

 

60


45

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾[1], ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[2], ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[3], مبيّناً لهم سبيل الرجوع إلى الحقّ بالاستغفار، وما يترتّب على ملازمته من خيرات وبركات، وعلى الإعراض عنه من خسران مبين: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾[4], ولكنّهم تمادوا في كفرهم وتعنّتهم وعبادتهم الأوثان: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾[5], ولا سيّما كبار قومه الكافرين بالله: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾[6]، والمكذّبين بلقائه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[7], ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ﴾[8], ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾[9], والغارقين في حبّ الدنيا: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[10]، ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾[11]، والظالمين الجبَّارين: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾[12], الذين سخروا منه، وكالوا له صنوف التهم الباطلة، ووواجهوه بالدعاوى الواهية، ليصرفوا الناس عن دعوته، بمكر وخداع، فاتّهموه بالسفاهة: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾[13], وبالكذب

 


[1] سورة الأعراف، الآية 65.

[2] سورة الشعراء، الآية 135.

[3] سورة الشعراء، الآية 131.

[4] سورة هود، الآية 52.

[5] سورة الأعراف، الآية 70.

[6] سورة الأعراف، الآية 66.

[7] سورة المؤمنون، الآيات 35-37.

[8] سورة المؤمنون، الآية 33.

[9] سورة الشعراء، الآية 129.

[10] سورة المؤمنون، الآية 33.

[11] سورة الشعراء، الآية 128.

[12] سورة الشعراء، الآية 130.

[13] سورة الأعراف، الآية 66.

 

61


46

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

والافتراء: ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[1], ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾[2], وبطلب الجاه والمال: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾[3], وبعدم الفضل والامتياز عليهم: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾[4], ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ *  وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾[5]. وبكونه قد مسّه سوء من آلهتهم: ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾[6]. وقد ردّ النبيّ هود عليه السلام تهمهم، وفنّدها بالدليل والموعظة الحسنة, فكيف يكون سفيهاً وهو ناصح لهم، أمين عليهم، وهم لم يعهدوا منه غير ذلك؟! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾[7],  وكيف يكون كاذباً، في دعواه، وهو مرسل إليهم من ربّهم لهدايتهم، والحال أنّهم هم المفترون في دعواهم الألوهيّة، والعبادة لمن هم دون الله تعالى! ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[8]، ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾[9], وكيف يكون طالباً للجاه والمال، وهو لم يسألهم أجراً على دعوته! ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[10], ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[11], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً مثلهم، وقد خلت الرسل من قبله من البشر! ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 66.

[2] سورة المؤمنون، الآية 38.

[3] سورة هود، الآية 51.

[4] سورة الأعراف، الآية 69.

[5] سورة المؤمنون، الآيتان 33-34.

[6] سورة هود، الآية 54.

[7] سورة الأعراف، الآيتان 67-68.

[8] سورة الشعراء، الآية 125.

[9] سورة هود، الآية 50.

[10] سورة هود، الآية 51.

[11] سورة الشعراء، الآية 127.

 

62


47

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾[1], وكيف يمسّه سوء من آلهتهم، والحال أنّ الله تعالى يرجع إليه الأمر كلّه! فلا خوف عليه من مكرهم، وسوف يأتيهم منه تعالى عذاب غير مردود: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[2]. وبعد إصرارهم على كفرهم وحجودهم ومجادلتهم إيّاه بغير الحقّ: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾[3] ، ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾[4], أنذرهم وقوع عذاب الاستئصال بهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾[5]، ولكنّهم استخفّوا بالنُذُر، وطلبوا نزول العذاب: ﴿قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾[6]، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[7], فتمّت الحجّة عليهم بالتبليغ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾[8] ثمّ وقع عليهم العذاب الذي كانوا يوعدون: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾[9], ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[10].

 


[1] سورة الأعراف، الآية 69.

[2] سورة هود، الآيات 54-56.

[3] سورة هود، الآية 53.

[4] سورة الأعراف، الآية 71.

[5] سورة الأعراف، الآية 71.

[6] سورة الشعراء، الآيات 136-138.

[7] سورة الأعراف، الآية 70.

[8] سورة هود، الآية 57.

[9] سورة الشعراء، الآية 139.

[10] سورة الأعراف، الآية 72.

 

63


48

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

نزول العذاب على قوم النبيّ هود عليه السلام

بعد أنْ تمّت الحجّة على قوم النبيّ هود عليه السلام بالتبليغ والوعد والوعيد، دعا النبيّ هودٌ عليه السلام اللهَ تعالى، طالباً النصرة على قومه، بإهلاكهم بعد تكذيبهم وجحودهم: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾[1], فأتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، فأرسل الله تعالى عليهم سحاباً أسود، فيه ريح باردة عاتية، استمرّت سبع ليالٍ وثمانية أيّام، فأتت عليهم، فأهلكتهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾[2], ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾[3], ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[4], فلم يبقَ منهم أحد، إلّا النبيّ هود عليه السلام ومن آمن معه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[5], ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾[6].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ هود عليه السلام

يمكن استخلاص مجموعة من الدروس والعبر والسنن من قصّة النبيّ هود عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، منها:

- من السنن الإلهيّة في إرسال الرسل، كون الرسول من قومه المُرسَل إليهم: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾, ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾, ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.

 


[1] سورة المؤمنون، الآيتان 39-40.

[2] سورة الأحقاف، الآيتان 24-25.

[3] سورة الحاقة، الآيات 6-8.

[4] سورة المؤمنون، الآية 41.

[5] سورة الأعراف، الآية 72.

[6] سورة هود، الآية 58.

 

64


49

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- من السنن الإلهيّة الجارية في إنذار الأقوام، عدم إهلاكهم إلّا بعد إتمام الحجّة عليهم بالتبليغ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾, ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.

 

- الله تعالى ينصر رسله ويستجيب لهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾, ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

 

- على الداعي أن يتدرّج في أسلوب دعوته بالنصح والموعظة الحسنة، ثمّ الوعد، ثمّ الوعيد: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾, ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾, ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾, ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾.

 

- على الداعي أن يتحلّى بالصبر، وأن يتحمّل أذى المدعوّين في دعوته: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

 

- على الداعي أن يصدر في دعوته من منطلق النصح للمدعوّين والحرص عليهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾, ﴿إِنِّي أَخَافُ 

 

65


50

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.

 

- على الداعي أن يصدر في دعوته عن حكمة وبصيرة وقوّة برهان: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾, ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾.

 

- على الداعي أن يتوكّل على الله تعالى في دعوته، ولا ينتظر عليها أجراً من الناس: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

 

- الاستغراق في متاع الحياة الدنيا، والانشغال بها، ينسي الإنسان لقاء الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

 

- الاستغفار باب للرجوع إلى الله تعالى، وإصلاحِ النفس، ومدعاةُ نزول البركات: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾.

 

- التقليد الأعمى من موانع قبول دعوة الحقّ: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾, ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

 

- الإصرار على معاندة الحقّ يصيّر الإنسان جاهلاً، يجادل من دون منطق ولا حجّة: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾, ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾, ﴿أَيَعِدُكُمْ

 

 

66


51

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.

 

- الإصرار على الكفر والجحود يختم على قلب الإنسان: ﴿قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾, ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾.

 

- عاقبة الكفر والجحود خسران الدنيا والآخرة: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.

 

- على الإنسان العاقل أن يعتبر ويتّعظ من أحوال الأمم الغابرة: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾.

 

قصّة النبيّ صالح عليه السلام

هو صالح، بن آسف، (وقيل: بن آسف، بن عبيد)، بن كاشح، بن أروم، بن ثمود، بن جاثر (وقيل: عابر)، بن إرم، بن سام، بن نوح عليه السلام[1]، وهو من الأنبياء العرب[2]. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[3], منها:


[1] انظر: الطبريّ، محمّد بن جرير، تاريخ الملوك والأمم، مراجعة وتصحيح وضبط نخبة من العلماء، ط4، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص158, ابن كثير، إسماعيل، قصص الأنبياء، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط1، مصر، دار التأليف, دار الكتب الحديثة، 1388هـ.ق/ 1968م، ج1، ص145, الأندلسي، أبو حيّان، تفسير البحر المحيط، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وآخرون، ط1، بيروت، دار المكتبة العلميّة، 1422هـ.ق/ 2001م، ج4، ص330.

[2] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524, الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[3] انظر: سورة الأعراف، الآيات 73-79, سورة هود، الآيات 61-68, سورة الشعراء، الآيات 141-158, سورة النمل، الآيات 45-53, سورة الشمس، الآيات 11-15. وقد أوردنا نصّ هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ صالح عليه السلام.

 

67


52

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾[1].

 

وبالتأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ صالح عليه السلام، يمكن تقديم قصّته وفق التالي:

سيرة النبيّ صالح عليه السلام التبليغيّة

بعد إهلاك الله تعالى قومَ عاد، استَخلف من بعدهم قوم ثمود: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ﴾[2], وكانوا يسكنون في منطقة تسمّى بالحِجْر شماليّ وادي القرى، في ما بين الحجاز والشام[3]، فأنعم عليهم بصنوف نعمه، وأمدّهم بالقوّة ورزقهم من الثمرات، فعاشوا في أمن ورخاء وازدهار حضاريّ وعمرانيّ، ولكنّهم فرحوا بما أوتوا، واغترّوا بأنفسهم، فنسوا ذِكْر الله، وكفروا بأنعمه، وأصبحوا من المسرفين المفسدين في الأرض: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ  * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[4], فأرسل الله تعالى

 


[1] سورة الأعراف، الآيات 73-79.

[2] سورة الأعراف، الآية 74.

[3] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص158.

[4] سورة الشعراء، الآيات 146-152.

 

68


53

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

إليهم نبيّهم صالحاً عليه السلام: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾[1], ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾[2], وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام, ليدعوهم إلى الله تعالى، ويُرجِعهم إلى ميثاق فطرته التوحيديّة، فاجتهد النبيّ صالح عليه السلام في دعوتهم, حيث ذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[3], ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ﴾[4], ودعاهم إلى عبادته تعالى وحده، وطاعته وتقواه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[5], ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[6], وإلى الرجوع إليه تعالى بالاستغفار والتوبة: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾[7], ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[8], ونهاهم عن الإفساد في الأرض: ﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[9], ولكنّهم أعرضوا عن دعوته، وشكّكوا بها، وحملهم الطغيان على التكذيب بها: ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[10], ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾[11], ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾[12], ولا سيّما كبراء قومه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾[13], ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[14], الذين كالوا له صنوف التهم الباطلة،

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 73.

[2] سورة الشعراء، الآية 142.

[3] سورة هود، الآية 61.

[4] سورة الأعراف، الآية 74.

[5] سورة الأعراف، الآية 73.

[6] سورة الشعراء، الآية 144.

[7] سورة هود، الآية 61.

[8] سورة النمل، الآية 46.

[9] سورة الأعراف، الآية 74.

[10] سورة هود، الآية 62.

[11] سورة الشعراء، الآية 141.

[12] سورة الشمس، الآية 11.

[13] سورة الأعراف، الآية 75.

[14] سورة النمل، الآية 48.

 

69


54

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

وجادلوه بغير الحقّ، بمكر وخداع. ليصرفوا الناس عن الاستجابة لدعوته الحقّة، فاتّهموه بالكذب: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[1], وبالجنون بفعل السحر: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾[2]، وبطلب المال والجاه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[3], وبعدم الفضل والامتياز عليهم: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾[4], وبأنّه ومن آمن معه مصدر مصائبهم ومحنهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾[5]. وقد واجههم النبيّ صالح عليه السلام بحكمة وبصيرة نافذة، فنّد بها تهمهم، ووهّن حججهم، فكيف يكون كاذباً، وهو رسول أمين مُرسَل إليهم من ربّهم! ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[6], وكيف يكون مجنوناً، وقد جاءهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهم يشهدون له بالفضل والرشد! ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾[7], وكيف يكون طالباً للمال والجاه، وهو لم يسألهم ذلك، وأجره على الله تعالى وحده! ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[8], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً مثلهم، وقد خلت الرُسُل من قبله، وهو على بيّنة من ربّه! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾[9], وكيف يتشاءمون منه وممّن آمن معه على ما يصيبهم من محن وبلايا، والحال أنّهم لم يُدِركوا أنّ الله تعالى الذي بيده جميع الأسباب وإليه تنتهي، أراد اختبارهم وامتحانهم!? ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾[10]. وبعد أن أفقدهم النبيّ صالح عليه السلام كلّ فرصة لحرف الناس عن دعوته، طلبوا منه - من منطلق تعجيزه - أن يأتي بمعجزة على صدق دعواه النبوّة والاتّصال بالغيب، واقترحوا

 


[1] سورة هود، الآية 62.

[2] سورة الشعراء، الآية 153.

[3] سورة الشعراء، الآية 145.

[4] سورة الشعراء، الآية 154.

[5] سورة النمل، الآية 47.

[6] سورة الشعراء، الآية 143.

[7] سورة هود، الآية 62.

[8] سورة الشعراء، الآية 145.

[9] سورة هود، الآية 63.

[10] سورة النمل، الآية 47.

 

70


55

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

عليه أن يُخرِج لهم من الصخرة ناقة عشراء، على أن يؤمنوا به[1]: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[2], فأتاهم بما اقترحوا: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾[3], وطلب منهم أن لا يمسّوها بأذى، فيصيبهم عذاب أليم من ربّهم: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾[4], ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[5], ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[6], فانقسم الناس عندها إلى طائفتين: طائفة آمنوا بصالح عليه السلام، وطائفة أخرى لم يؤمنوا به, وقوامها كبراء قومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾[7], ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾[8]. وقد امتحنهم الله تعالى في أمر الناقة، فأمرهم بأنْ يتناوبوا معها على الاستفادة من ماء النهر، فيومٌ لهم ويوم لها: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾[9], ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾[10], على أن يشربوا من لبن الناقة في اليوم الذي لا يشربون فيه من ماء النهر، فكانوا يشربون من لبن الناقة جميعاً، فيكفيهم[11], ولكنّ كبراء قومه الذين كفروا بدعوته لم يرتضوا بذلك: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص293-294.

[2] سورة الشعراء، الآية 154.

[3] سورة الأعراف، الآية 73.

[4] سورة هود، الآية 64.

[5] سورة الأعراف، الآية 73.

[6] سورة الشعراء، الآية 156.

[7] سورة النمل، الآية 45.

[8] سورة الأعراف، الآيتان 75 ـ 76.

[9] سورة الشمس، الآية 13.

[10] سورة الشعراء، الآية 155.

[11] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص294.

 

71


56

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[1], فتآمروا عليه، وأرادوا به كيداً، فدبّروا له مؤامرتين: الأولى: مباغتته وأهله ليلاً، وقتلهم أجمعين: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾[2], فأنجاه الله تعالى برحمته، وأمره بالخروج منهم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[3]. الثانية: عقر الناقة، معجزة النبوّة، حيث انتدبوا شخصاً لذلك, وهو قدار بن سالف[4]: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾[5], فقام بتنفيذ الجريمة، وعقر الناقة: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾[6], فأنذرهم النبيّ صالح عليه السلام وقوع العذاب بهم بعد ثلاثة أيّام: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾[7], ولكنّهم استخفّوا بالنُذُر، وطلبوا وقوعه: ﴿وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[8], فتمّت الحجّة عليهم بالتبليغ والنُذُر: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾[9].

 

نزول العذاب بقوم النبيّ صالح عليه السلام

بعد أن تمّت الحجّة على قوم النبيّ صالح عليه السلام بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوعَدون، فأرسل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء فيها نار فأحرقتهم: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾[10], ولها صوت شديد أرجفت قلوبهم وأرعدت فرائصهم من الخوف:  ﴿وَأَخَذَ

 


[1] سورة النمل، الآية 48.

[2] سورة النمل، الآية 49.

[3] سورة النمل، الآية 50.

[4] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص294-295.

[5] سورة الشمس، الآية 12.

[6] سورة الأعراف، الآية 77.

[7] سورة هود، الآية 65.

[8] سورة الأعراف، الآية 77.

[9] سورة الأعراف، الآية 79.

[10] سورة الذاريات، الآيتان 44-45.

 

72


57

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾[1], وزُلزلت الأرض من تحتهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾[2], ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾[3], فخرّوا صرعى منكبّين على وجوههم: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾[4], ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾[5], ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[6]. ونُجِّي النبيّ صالح عليه السلام ومن آمن معه برحمة من الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[7], ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[8].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ صالح عليه السلام

بعد التأمّل في قصّة النبيّ صالح الواردة في القرآن الكريم، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- من السنن الإلهيّة: إرسال الرُسُل من أقوامهم وبلسانهم: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾, ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾.

 

- من السنن الإلهيّة إرسال البيّنات والمعاجز مع الأنبياء والرُسُل عليهم السلام: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾.

 


[1] سورة هود، الآية 67.

[2] سورة الأعراف، الآية 78.

[3] سورة الشمس، الآية 14.

[4] سورة الأعراف، الآية 78.

[5] سورة هود، الآيتان 67-68.

[6] سورة النمل، الآيتان 51-52.

[7] سورة هود، الآية 66.

[8] سورة النمل، الآية 53.

 

73


58

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- الطغيان والتقليد الأعمى يصدّان عن الهداية، ويقودان إلى التكذيب بالحقّ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾, ﴿أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.

 

- الاسترسال في المعاندة والجدال العقيم يوجب حجب القلب، وعدم انتفاع الإنسان بدعوات الهداية: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾, ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.

 

- حبّ الدنيا وزخارفها ينسي الإنسان ذكر الله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

 

- الإفساد في الأرض خلاف مقتضى الفطرة وهدف الخَلْق: ﴿فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾, ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾, ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.

 

- التعالي والكبر يعميان القلب، ويصدّان عن الحقّ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.

 

- على الداعي الصبر على الأذى في دعوته: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾.

- على الداعي أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالأحسن: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾, ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يشكر الله تعالى على نعمه، ولا ينسى ذكره: ﴿فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ﴾.

 

74


59

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- الاستغفار والتوبة يوجبان تطهير الإنسان وشموله بالرحمة الإلهيّة: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

 

- الله تعالى يستجيب لدعاء عباده المخلصين، وينصرهم وينجّيهم: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾, ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

 

- عاقبة الظلم والكفر الخسرانُ المبين في الدنيا والآخرة: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾.

 

- الله تعالى لا يهدي كيد الظالمين، ويأخذهم بألوان العذاب: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

 

-المعاون للمجرم والراضي بفعله، يشتركان معه في فعله الإجراميّ، وفي عقوبته: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا *... * فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾.

 

- ما يصيب الإنسان من محن وبلايا، ينتهي إلى الله تعالى. مسبّبِ الأسباب: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.

 

- على الإنسان الاعتبار بمصير الأمم الغابرة: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾, ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

 

75


60

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- أرسل الله تعالى نبيّه هوداً عليه السلام، وهو من الأنبياء العرب، إلى قومه عاد، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام. وكانت عاد تقطن في الأحقاف، وهي منطقة في جنوب جزيرة العرب، لا أثر لها اليوم.

 

2- بعد أنْ تمّت الحجّة على قوم النبيّ هود عليه السلام بالتبليغ والوعد والوعيد، دعا النبيّ هود عليه السلام اللهَ تعالى، طالباً النصرة على قومه، بإهلاكهم بعد تكذيبهم وجحودهم، فأتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، حيث أرسل الله تعالى عليهم سحاباً أسود فيه ريح باردة عاتية، استمرّت سبع ليالٍ وثمانية أيّام، فأتت عليهم، فأهلكتهم.

 

3- بعد إهلاك الله تعالى قوم عاد، استخلف من بعدهم قوم ثمود، وكانوا يسكنون في منطقة تسمّى بالحِجْر، شماليّ وادي القرى في ما بين الحجاز والشام، فأرسل الله تعالى إليهم نبيّهم صالحاً عليه السلام، وهو من الأنبياء العرب، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام.

 

4- بعد أن تمّت الحجّة على قوم النبيّ صالح عليه السلام بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، فأرسل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء، فيها نار فأحرقتهم، ولها صوت شديد أرجفت قلوبهم، وأرعدت فرائصهم من الخوف، وزُلزلت الأرض من تحتهم، فخرّوا صرعى منكبّين على وجوههم.

 

فكّر وأجب

1- تكّلم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ هود عليه السلام، والدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

2- تكّلم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ صالح عليه السلام، والدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

3- ما معجزةُ النبيّ صالح؟ وما موقفُ قومه منها؟

 

 

76


61

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

مطالعة

عن ابن أورمة، عن عليّ بن محمّد الخيّاط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه، في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾, قال: "هذا لمّا كذّبوا صالحاً صلوات الله عليه، وما أهلك الله تعالى قوماً قطّ حتّى يبعث إليهم الرسل قبل ذلك، فيحتجّوا عليهم، فإذا لم يجيبوهم أُهلكوا، وقد كان بعث الله صالحاً عليه السلام، فدعاهم إلى الله، فلم يجيبوه، وعتوا عليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من الصخرة ناقة عشراء، وكانت صخرة يعظّمونها ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة، ويجتمعون عندها، فقالوا له: إنْ كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً، فادع الله يُخرج لنا ناقة منها، فأخرجها لهم كما طلبوا منه فأوحى الله تعالى إلى صالح أنْ قل لهم: إنّ الله تعالى جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا شربت يومها شربت الماء كلّه، فيكون شرابهم ذلك اليوم من لبنها، فيحلبونها، فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومه ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا، غدوا إلى مائهم، فشربوا هم ذلك اليوم، ولا تشرب الناقة، فمكثوا بذلك ما شاء الله، حتّى عتوا ودبّروا في قتلها، فبعثوا رجلاً أحمر أشقر أزرق، لا يُعرف له أب، ولد الزنا، يقال له قذار، ليقتلها، فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء، ضربها ضربة، ثمّ ضربها أخرى، فقتلها، وفرّ فصيلها حتّى صعد إلى جبل، فلم يبقَ منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها، فقال لهم صالح عليه السلام: أعصيتم ربّكم! إنّ الله تعالى يقول: إنْ تُبتم قُبِلَت توبتكم، وإنْ لم ترجعوا بعثت إليكم العذاب في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين، قال: إنّكم تصبحون غداً وجوهكم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودّة، فاصفرّت وجوههم، فقال بعضهم: يا قوم، قد جاءكم ما قال صالح، فقال العتاة: لا نسمع ما يقول صالح ولو هلكنا، وكذلك في اليوم الثاني والثالث، فلمّا كان نصف الليل أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم، وقلقلت قلوبهم، فماتوا أجمعين في طرفه عين، صغيرهم وكبيرهم، ثمّ أرسل الله عليهم ناراً من السماء، فأحرقتهم"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص102-103.

 

77


62

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

مطالعة

عن ابن أورمة، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن أحمد بن محمّد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "مكث نوح عليه السلام في قومه يدعوهم (إلى الله) سرّاً وعلانية، فلمّا عتوا وأبوا، قال: ربّي، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾، فأوحى الله تعالى إليه أنْ اصنع الفلك، وأمره بغرس النوى، فمرّ عليه قومه، فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غرّاساً حتّى إذا طال وصار طوالاً قطعه ونجّره، فقالوا قد قعد نجّاراً، ثمّ ألّفه، فجعله سفينة، فمرّوا عليه، فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحاً في أرض فلاة حتّى فرغ منها".

 

وعن أحمد بن عيسى قال، حدّثنا الحسن بن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "سمعت أبي عليه السلام يحدّث عطا، قال: كان طول سفينة نوح عليه السلام ألفاً ومئتي ذراع، وكان عرضها ثمانمئة ذراع، وعمقها ثمانين ذراعاً، فطافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة سبعه أشواط، ثمّ استوت على الجوديّ"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص85-86.

 

56


63

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الدرس الثالث

النبيّ هود عليه السلام النبيّ صالح عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص النبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين هود عليه السلام وصالح عليه السلام.

 

57


64

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

قصّة النبيّ هود عليه السلام

هو هود بن شالخ بن أرفحشد بن سام بن نوح عليه السلام. وقيل: هو هود بن عبد الله بن رياح بن جلوث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح[1]، وهو من الأنبياء العرب[2]. ورد ذكره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[3]، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *  قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[4].

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص285.

[2] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524, الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[3] انظر: سورة الأعراف، الآيات 65-72, سورة هود، الآيات 50-60، 89, سورة المؤمنون، الآيات 31-41, سورة الشعراء، الآيات 123-133, سورة الأحقاف، الآيات 21-26. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ هود عليه السلام.

[4] سورة الأعراف، الآيات 65-72.

 

59


65

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

ومن خلال التأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ هود عليه السلام، وغيرها من المواضع التي ورد فيها ذِكْر قومه، يمكن تناول قصّته وفق التفصيل التالي:

سيرة النبيّ هود عليه السلام التبليغيّة

تحدّث القرآن الكريم عن سيرة النبيّ هود عليه السلام التبليغيّة, حيث أرسله الله تعالى إلى قومه عاد، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا...﴾[1], ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾[2], ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾[3]. وكانت عاد تقطن في الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾[4], وهي منطقة في جنوب جزيرة العرب، لا أثر لها اليوم. وقد اخُتلِفَ فيها، فقيل: وادٍ بين عمان ومهرة، وقيل: رمال في ما بين عمان إلى حضرموت، وقيل: رمال مشرفة على البحر بالشحر من ساحل أرض اليمن، وقيل غير ذلك[5]، وقد كانوا موحِّدين، استخلفهم الله تعالى بعد قوم نوح عليه السلام، فأنعم عليهم بصنوف النعم، من قوّة واقتدار في البدن والعمران، ومن الرزق في الأولاد والثمرات: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[6], ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾[7], ثمّ استغرقوا في النعم، ونسوا ذِكْر الله، فكفروا بأنعمه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*  وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾[8], فأتاهم النبيّ هود عليه السلام ليذكّرهم بالله واليوم الآخر، ويدعوهم لعبادته تعالى وحده، وطاعته، وملازمة التقوى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 65, سورة هود، الآية 50.

[2] سورة الشعراء، الآية 124.

[3] سورة المؤمنون، الآية 32.

[4] سورة الأحقاف، الآية 21.

[5] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج9، ص150.

[6] سورة الأعراف، الآية 69.

[7] سورة الشعراء، الآيات 132-134.

[8] سورة الشعراء، الآيات 128-130.

 

 

60


66

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾[1], ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[2], ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[3], مبيّناً لهم سبيل الرجوع إلى الحقّ بالاستغفار، وما يترتّب على ملازمته من خيرات وبركات، وعلى الإعراض عنه من خسران مبين: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾[4], ولكنّهم تمادوا في كفرهم وتعنّتهم وعبادتهم الأوثان: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾[5], ولا سيّما كبار قومه الكافرين بالله: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾[6]، والمكذّبين بلقائه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[7], ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ﴾[8], ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾[9], والغارقين في حبّ الدنيا: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[10]، ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾[11]، والظالمين الجبَّارين: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾[12], الذين سخروا منه، وكالوا له صنوف التهم الباطلة، ووواجهوه بالدعاوى الواهية، ليصرفوا الناس عن دعوته، بمكر وخداع، فاتّهموه بالسفاهة: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾[13], وبالكذب

 


[1] سورة الأعراف، الآية 65.

[2] سورة الشعراء، الآية 135.

[3] سورة الشعراء، الآية 131.

[4] سورة هود، الآية 52.

[5] سورة الأعراف، الآية 70.

[6] سورة الأعراف، الآية 66.

[7] سورة المؤمنون، الآيات 35-37.

[8] سورة المؤمنون، الآية 33.

[9] سورة الشعراء، الآية 129.

[10] سورة المؤمنون، الآية 33.

[11] سورة الشعراء، الآية 128.

[12] سورة الشعراء، الآية 130.

[13] سورة الأعراف، الآية 66.

 

61


67

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

والافتراء: ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[1], ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾[2], وبطلب الجاه والمال: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾[3], وبعدم الفضل والامتياز عليهم: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾[4], ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ *  وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾[5]. وبكونه قد مسّه سوء من آلهتهم: ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾[6]. وقد ردّ النبيّ هود عليه السلام تهمهم، وفنّدها بالدليل والموعظة الحسنة, فكيف يكون سفيهاً وهو ناصح لهم، أمين عليهم، وهم لم يعهدوا منه غير ذلك؟! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾[7],  وكيف يكون كاذباً، في دعواه، وهو مرسل إليهم من ربّهم لهدايتهم، والحال أنّهم هم المفترون في دعواهم الألوهيّة، والعبادة لمن هم دون الله تعالى! ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[8]، ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾[9], وكيف يكون طالباً للجاه والمال، وهو لم يسألهم أجراً على دعوته! ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[10], ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[11], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً مثلهم، وقد خلت الرسل من قبله من البشر! ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 66.

[2] سورة المؤمنون، الآية 38.

[3] سورة هود، الآية 51.

[4] سورة الأعراف، الآية 69.

[5] سورة المؤمنون، الآيتان 33-34.

[6] سورة هود، الآية 54.

[7] سورة الأعراف، الآيتان 67-68.

[8] سورة الشعراء، الآية 125.

[9] سورة هود، الآية 50.

[10] سورة هود، الآية 51.

[11] سورة الشعراء، الآية 127.

 

62


68

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾[1], وكيف يمسّه سوء من آلهتهم، والحال أنّ الله تعالى يرجع إليه الأمر كلّه! فلا خوف عليه من مكرهم، وسوف يأتيهم منه تعالى عذاب غير مردود: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[2]. وبعد إصرارهم على كفرهم وحجودهم ومجادلتهم إيّاه بغير الحقّ: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾[3] ، ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾[4], أنذرهم وقوع عذاب الاستئصال بهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾[5]، ولكنّهم استخفّوا بالنُذُر، وطلبوا نزول العذاب: ﴿قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾[6]، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[7], فتمّت الحجّة عليهم بالتبليغ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾[8] ثمّ وقع عليهم العذاب الذي كانوا يوعدون: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾[9], ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[10].

 

 


[1] سورة الأعراف، الآية 69.

[2] سورة هود، الآيات 54-56.

[3] سورة هود، الآية 53.

[4] سورة الأعراف، الآية 71.

[5] سورة الأعراف، الآية 71.

[6] سورة الشعراء، الآيات 136-138.

[7] سورة الأعراف، الآية 70.

[8] سورة هود، الآية 57.

[9] سورة الشعراء، الآية 139.

[10] سورة الأعراف، الآية 72.

 

 

63


69

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

نزول العذاب على قوم النبيّ هود عليه السلام

بعد أنْ تمّت الحجّة على قوم النبيّ هود عليه السلام بالتبليغ والوعد والوعيد، دعا النبيّ هودٌ عليه السلام اللهَ تعالى، طالباً النصرة على قومه، بإهلاكهم بعد تكذيبهم وجحودهم: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾[1], فأتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، فأرسل الله تعالى عليهم سحاباً أسود، فيه ريح باردة عاتية، استمرّت سبع ليالٍ وثمانية أيّام، فأتت عليهم، فأهلكتهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾[2], ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾[3], ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[4], فلم يبقَ منهم أحد، إلّا النبيّ هود عليه السلام ومن آمن معه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[5], ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾[6].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ هود عليه السلام

يمكن استخلاص مجموعة من الدروس والعبر والسنن من قصّة النبيّ هود عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، منها:

- من السنن الإلهيّة في إرسال الرسل، كون الرسول من قومه المُرسَل إليهم: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾, ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾, ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.

 


[1] سورة المؤمنون، الآيتان 39-40.

[2] سورة الأحقاف، الآيتان 24-25.

[3] سورة الحاقة، الآيات 6-8.

[4] سورة المؤمنون، الآية 41.

[5] سورة الأعراف، الآية 72.

[6] سورة هود، الآية 58.

 

64


70

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- من السنن الإلهيّة الجارية في إنذار الأقوام، عدم إهلاكهم إلّا بعد إتمام الحجّة عليهم بالتبليغ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾, ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.

 

- الله تعالى ينصر رسله ويستجيب لهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾, ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

 

- على الداعي أن يتدرّج في أسلوب دعوته بالنصح والموعظة الحسنة، ثمّ الوعد، ثمّ الوعيد: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾, ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾, ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾, ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾.

 

- على الداعي أن يتحلّى بالصبر، وأن يتحمّل أذى المدعوّين في دعوته: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

 

- على الداعي أن يصدر في دعوته من منطلق النصح للمدعوّين والحرص عليهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾, ﴿إِنِّي أَخَافُ

 

 

65


71

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.

 

- على الداعي أن يصدر في دعوته عن حكمة وبصيرة وقوّة برهان: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾, ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾.

 

- على الداعي أن يتوكّل على الله تعالى في دعوته، ولا ينتظر عليها أجراً من الناس: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.

 

- الاستغراق في متاع الحياة الدنيا، والانشغال بها، ينسي الإنسان لقاء الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.

 

- الاستغفار باب للرجوع إلى الله تعالى، وإصلاحِ النفس، ومدعاةُ نزول البركات: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾.

 

- التقليد الأعمى من موانع قبول دعوة الحقّ: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾, ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

 

- الإصرار على معاندة الحقّ يصيّر الإنسان جاهلاً، يجادل من دون منطق ولا حجّة: ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾, ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾, ﴿أَيَعِدُكُمْ

 

 

66


72

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.

 

- الإصرار على الكفر والجحود يختم على قلب الإنسان: ﴿قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾, ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾.

 

- عاقبة الكفر والجحود خسران الدنيا والآخرة: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.

 

- على الإنسان العاقل أن يعتبر ويتّعظ من أحوال الأمم الغابرة: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾.

 

قصّة النبيّ صالح عليه السلام

هو صالح، بن آسف، (وقيل: بن آسف، بن عبيد)، بن كاشح، بن أروم، بن ثمود، بن جاثر (وقيل: عابر)، بن إرم، بن سام، بن نوح عليه السلام[1]، وهو من الأنبياء العرب[2]. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[3], منها:

 

 


[1] انظر: الطبريّ، محمّد بن جرير، تاريخ الملوك والأمم، مراجعة وتصحيح وضبط نخبة من العلماء، ط4، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص158, ابن كثير، إسماعيل، قصص الأنبياء، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط1، مصر، دار التأليف, دار الكتب الحديثة، 1388هـ.ق/ 1968م، ج1، ص145, الأندلسي، أبو حيّان، تفسير البحر المحيط، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وآخرون، ط1، بيروت، دار المكتبة العلميّة، 1422هـ.ق/ 2001م، ج4، ص330.

[2] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524, الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[3] انظر: سورة الأعراف، الآيات 73-79, سورة هود، الآيات 61-68, سورة الشعراء، الآيات 141-158, سورة النمل، الآيات 45-53, سورة الشمس، الآيات 11-15. وقد أوردنا نصّ هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ صالح عليه السلام.

 

67


73

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾[1].

 

وبالتأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ صالح عليه السلام، يمكن تقديم قصّته وفق التالي:

سيرة النبيّ صالح عليه السلام التبليغيّة

بعد إهلاك الله تعالى قومَ عاد، استَخلف من بعدهم قوم ثمود: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ﴾[2], وكانوا يسكنون في منطقة تسمّى بالحِجْر شماليّ وادي القرى، في ما بين الحجاز والشام[3]، فأنعم عليهم بصنوف نعمه، وأمدّهم بالقوّة ورزقهم من الثمرات، فعاشوا في أمن ورخاء وازدهار حضاريّ وعمرانيّ، ولكنّهم فرحوا بما أوتوا، واغترّوا بأنفسهم، فنسوا ذِكْر الله، وكفروا بأنعمه، وأصبحوا من المسرفين المفسدين في الأرض: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ  * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[4], فأرسل الله تعالى

 


[1] سورة الأعراف، الآيات 73-79.

[2] سورة الأعراف، الآية 74.

[3] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص158.

[4] سورة الشعراء، الآيات 146-152.

 

68


74

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

إليهم نبيّهم صالحاً عليه السلام: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾[1], ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾[2], وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام, ليدعوهم إلى الله تعالى، ويُرجِعهم إلى ميثاق فطرته التوحيديّة، فاجتهد النبيّ صالح عليه السلام في دعوتهم, حيث ذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[3], ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ﴾[4], ودعاهم إلى عبادته تعالى وحده، وطاعته وتقواه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[5], ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[6], وإلى الرجوع إليه تعالى بالاستغفار والتوبة: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾[7], ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[8], ونهاهم عن الإفساد في الأرض: ﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[9], ولكنّهم أعرضوا عن دعوته، وشكّكوا بها، وحملهم الطغيان على التكذيب بها: ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[10], ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾[11], ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾[12], ولا سيّما كبراء قومه: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾[13], ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[14], الذين كالوا له صنوف التهم الباطلة،

 

[1] سورة الأعراف، الآية 73.

[2] سورة الشعراء، الآية 142.

[3] سورة هود، الآية 61.

[4] سورة الأعراف، الآية 74.

[5] سورة الأعراف، الآية 73.

[6] سورة الشعراء، الآية 144.

[7] سورة هود، الآية 61.

[8] سورة النمل، الآية 46.

[9] سورة الأعراف، الآية 74.

[10] سورة هود، الآية 62.

[11] سورة الشعراء، الآية 141.

[12] سورة الشمس، الآية 11.

[13] سورة الأعراف، الآية 75.

[14] سورة النمل، الآية 48.

 

69


75

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

وجادلوه بغير الحقّ، بمكر وخداع. ليصرفوا الناس عن الاستجابة لدعوته الحقّة، فاتّهموه بالكذب: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[1], وبالجنون بفعل السحر: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾[2]، وبطلب المال والجاه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[3], وبعدم الفضل والامتياز عليهم: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾[4], وبأنّه ومن آمن معه مصدر مصائبهم ومحنهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾[5]. وقد واجههم النبيّ صالح عليه السلام بحكمة وبصيرة نافذة، فنّد بها تهمهم، ووهّن حججهم، فكيف يكون كاذباً، وهو رسول أمين مُرسَل إليهم من ربّهم! ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[6], وكيف يكون مجنوناً، وقد جاءهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهم يشهدون له بالفضل والرشد! ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾[7], وكيف يكون طالباً للمال والجاه، وهو لم يسألهم ذلك، وأجره على الله تعالى وحده! ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[8], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً مثلهم، وقد خلت الرُسُل من قبله، وهو على بيّنة من ربّه! ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾[9], وكيف يتشاءمون منه وممّن آمن معه على ما يصيبهم من محن وبلايا، والحال أنّهم لم يُدِركوا أنّ الله تعالى الذي بيده جميع الأسباب وإليه تنتهي، أراد اختبارهم وامتحانهم!? ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾[10]. وبعد أن أفقدهم النبيّ صالح عليه السلام كلّ فرصة لحرف الناس عن دعوته، طلبوا منه - من منطلق تعجيزه - أن يأتي بمعجزة على صدق دعواه النبوّة والاتّصال بالغيب، واقترحوا

 


[1] سورة هود، الآية 62.

[2] سورة الشعراء، الآية 153.

[3] سورة الشعراء، الآية 145.

[4] سورة الشعراء، الآية 154.

[5] سورة النمل، الآية 47.

[6] سورة الشعراء، الآية 143.

[7] سورة هود، الآية 62.

[8] سورة الشعراء، الآية 145.

[9] سورة هود، الآية 63.

[10] سورة النمل، الآية 47.

 

70


76

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

عليه أن يُخرِج لهم من الصخرة ناقة عشراء، على أن يؤمنوا به[1]: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[2], فأتاهم بما اقترحوا: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾[3], وطلب منهم أن لا يمسّوها بأذى، فيصيبهم عذاب أليم من ربّهم: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾[4], ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[5], ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[6], فانقسم الناس عندها إلى طائفتين: طائفة آمنوا بصالح عليه السلام، وطائفة أخرى لم يؤمنوا به, وقوامها كبراء قومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾[7], ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾[8]. وقد امتحنهم الله تعالى في أمر الناقة، فأمرهم بأنْ يتناوبوا معها على الاستفادة من ماء النهر، فيومٌ لهم ويوم لها: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾[9], ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾[10], على أن يشربوا من لبن الناقة في اليوم الذي لا يشربون فيه من ماء النهر، فكانوا يشربون من لبن الناقة جميعاً، فيكفيهم[11], ولكنّ كبراء قومه الذين كفروا بدعوته لم يرتضوا بذلك: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ

 


[1] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص293-294.

[2] سورة الشعراء، الآية 154.

[3] سورة الأعراف، الآية 73.

[4] سورة هود، الآية 64.

[5] سورة الأعراف، الآية 73.

[6] سورة الشعراء، الآية 156.

[7] سورة النمل، الآية 45.

[8] سورة الأعراف، الآيتان 75 ـ 76.

[9] سورة الشمس، الآية 13.

[10] سورة الشعراء، الآية 155.

[11] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص294.

 

71


77

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

وَلَا يُصْلِحُونَ﴾[1], فتآمروا عليه، وأرادوا به كيداً، فدبّروا له مؤامرتين: الأولى: مباغتته وأهله ليلاً، وقتلهم أجمعين: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾[2], فأنجاه الله تعالى برحمته، وأمره بالخروج منهم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[3]. الثانية: عقر الناقة، معجزة النبوّة، حيث انتدبوا شخصاً لذلك, وهو قدار بن سالف[4]: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾[5], فقام بتنفيذ الجريمة، وعقر الناقة: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾[6], فأنذرهم النبيّ صالح عليه السلام وقوع العذاب بهم بعد ثلاثة أيّام: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾[7], ولكنّهم استخفّوا بالنُذُر، وطلبوا وقوعه: ﴿وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[8], فتمّت الحجّة عليهم بالتبليغ والنُذُر: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾[9].

 

نزول العذاب بقوم النبيّ صالح عليه السلام

بعد أن تمّت الحجّة على قوم النبيّ صالح عليه السلام بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوعَدون، فأرسل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء فيها نار فأحرقتهم: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾[10], ولها صوت شديد أرجفت قلوبهم وأرعدت فرائصهم من الخوف:  ﴿وَأَخَذَ

 

 


[1] سورة النمل، الآية 48.

[2] سورة النمل، الآية 49.

[3] سورة النمل، الآية 50.

[4] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص294-295.

[5] سورة الشمس، الآية 12.

[6] سورة الأعراف، الآية 77.

[7] سورة هود، الآية 65.

[8] سورة الأعراف، الآية 77.

[9] سورة الأعراف، الآية 79.

[10] سورة الذاريات، الآيتان 44-45.

 

72


78

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾[1], وزُلزلت الأرض من تحتهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾[2], ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾[3], فخرّوا صرعى منكبّين على وجوههم: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾[4], ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾[5], ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[6]. ونُجِّي النبيّ صالح عليه السلام ومن آمن معه برحمة من الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[7], ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[8].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ صالح عليه السلام

بعد التأمّل في قصّة النبيّ صالح الواردة في القرآن الكريم، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- من السنن الإلهيّة: إرسال الرُسُل من أقوامهم وبلسانهم: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾, ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾.

 

- من السنن الإلهيّة إرسال البيّنات والمعاجز مع الأنبياء والرُسُل عليهم السلام: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾.

 

 


[1] سورة هود، الآية 67.

[2] سورة الأعراف، الآية 78.

[3] سورة الشمس، الآية 14.

[4] سورة الأعراف، الآية 78.

[5] سورة هود، الآيتان 67-68.

[6] سورة النمل، الآيتان 51-52.

[7] سورة هود، الآية 66.

[8] سورة النمل، الآية 53.

 

73


79

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- الطغيان والتقليد الأعمى يصدّان عن الهداية، ويقودان إلى التكذيب بالحقّ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾, ﴿أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.

 

- الاسترسال في المعاندة والجدال العقيم يوجب حجب القلب، وعدم انتفاع الإنسان بدعوات الهداية: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾, ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.

 

- حبّ الدنيا وزخارفها ينسي الإنسان ذكر الله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

 

- الإفساد في الأرض خلاف مقتضى الفطرة وهدف الخَلْق: ﴿فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾, ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾, ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.

 

- التعالي والكبر يعميان القلب، ويصدّان عن الحقّ: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.

 

- على الداعي الصبر على الأذى في دعوته: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾.

- على الداعي أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالأحسن: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً﴾، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾, ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يشكر الله تعالى على نعمه، ولا ينسى ذكره: ﴿فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ﴾.

 

74


80

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

- الاستغفار والتوبة يوجبان تطهير الإنسان وشموله بالرحمة الإلهيّة: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

 

- الله تعالى يستجيب لدعاء عباده المخلصين، وينصرهم وينجّيهم: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾, ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

 

- عاقبة الظلم والكفر الخسرانُ المبين في الدنيا والآخرة: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾.

 

- الله تعالى لا يهدي كيد الظالمين، ويأخذهم بألوان العذاب: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

 

-المعاون للمجرم والراضي بفعله، يشتركان معه في فعله الإجراميّ، وفي عقوبته: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا *... * فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾.

 

- ما يصيب الإنسان من محن وبلايا، ينتهي إلى الله تعالى. مسبّبِ الأسباب: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.

 

- على الإنسان الاعتبار بمصير الأمم الغابرة: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾, ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

 

75


81

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- أرسل الله تعالى نبيّه هوداً عليه السلام، وهو من الأنبياء العرب، إلى قومه عاد، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام. وكانت عاد تقطن في الأحقاف، وهي منطقة في جنوب جزيرة العرب، لا أثر لها اليوم.

 

2- بعد أنْ تمّت الحجّة على قوم النبيّ هود عليه السلام بالتبليغ والوعد والوعيد، دعا النبيّ هود عليه السلام اللهَ تعالى، طالباً النصرة على قومه، بإهلاكهم بعد تكذيبهم وجحودهم، فأتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، حيث أرسل الله تعالى عليهم سحاباً أسود فيه ريح باردة عاتية، استمرّت سبع ليالٍ وثمانية أيّام، فأتت عليهم، فأهلكتهم.

 

3- بعد إهلاك الله تعالى قوم عاد، استخلف من بعدهم قوم ثمود، وكانوا يسكنون في منطقة تسمّى بالحِجْر، شماليّ وادي القرى في ما بين الحجاز والشام، فأرسل الله تعالى إليهم نبيّهم صالحاً عليه السلام، وهو من الأنبياء العرب، وكان على شريعة النبيّ نوح عليه السلام.

 

4- بعد أن تمّت الحجّة على قوم النبيّ صالح عليه السلام بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، فأرسل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء، فيها نار فأحرقتهم، ولها صوت شديد أرجفت قلوبهم، وأرعدت فرائصهم من الخوف، وزُلزلت الأرض من تحتهم، فخرّوا صرعى منكبّين على وجوههم.

 

فكّر وأجب

1- تكّلم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ هود عليه السلام، والدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

2- تكّلم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ صالح عليه السلام، والدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

3- ما معجزةُ النبيّ صالح؟ وما موقفُ قومه منها؟

 

76


82

الدرس الثالث: النبيّ هود عليه السلام، النبيّ صالح عليه السلام

مطالعة

عن ابن أورمة، عن عليّ بن محمّد الخيّاط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه، في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾, قال: "هذا لمّا كذّبوا صالحاً صلوات الله عليه، وما أهلك الله تعالى قوماً قطّ حتّى يبعث إليهم الرسل قبل ذلك، فيحتجّوا عليهم، فإذا لم يجيبوهم أُهلكوا، وقد كان بعث الله صالحاً عليه السلام، فدعاهم إلى الله، فلم يجيبوه، وعتوا عليه، وقالوا: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من الصخرة ناقة عشراء، وكانت صخرة يعظّمونها ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة، ويجتمعون عندها، فقالوا له: إنْ كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً، فادع الله يُخرج لنا ناقة منها، فأخرجها لهم كما طلبوا منه فأوحى الله تعالى إلى صالح أنْ قل لهم: إنّ الله تعالى جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا شربت يومها شربت الماء كلّه، فيكون شرابهم ذلك اليوم من لبنها، فيحلبونها، فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومه ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا، غدوا إلى مائهم، فشربوا هم ذلك اليوم، ولا تشرب الناقة، فمكثوا بذلك ما شاء الله، حتّى عتوا ودبّروا في قتلها، فبعثوا رجلاً أحمر أشقر أزرق، لا يُعرف له أب، ولد الزنا، يقال له قذار، ليقتلها، فلمّا توجّهت الناقة إلى الماء، ضربها ضربة، ثمّ ضربها أخرى، فقتلها، وفرّ فصيلها حتّى صعد إلى جبل، فلم يبقَ منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها، فقال لهم صالح عليه السلام: أعصيتم ربّكم! إنّ الله تعالى يقول: إنْ تُبتم قُبِلَت توبتكم، وإنْ لم ترجعوا بعثت إليكم العذاب في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين، قال: إنّكم تصبحون غداً وجوهكم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودّة، فاصفرّت وجوههم، فقال بعضهم: يا قوم، قد جاءكم ما قال صالح، فقال العتاة: لا نسمع ما يقول صالح ولو هلكنا، وكذلك في اليوم الثاني والثالث، فلمّا كان نصف الليل أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم، وقلقلت قلوبهم، فماتوا أجمعين في طرفه عين، صغيرهم وكبيرهم، ثمّ أرسل الله عليهم ناراً من السماء، فأحرقتهم"[1].

 

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص102-103.

 

77


83

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

الدرس الرابع

النبيّ إبراهيم عليه السلام

 

 

أهداف الدرس
 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيّ إبراهيم عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام.

 

79


84

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام

هو إبراهيم، بن تارح، بن ناحور، بن ساروغ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر, وهو النبيّ هود[1] عليه السلام. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[2]، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ *  أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ

 


[1] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص162-163, ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص167-168, الأندلسي، تفسير البحر المحيط، مصدر سابق، ج4، ص339.

[2] انظر: سورة البقرة، الآيات 124-136، 140، 258-260, سورة آل عمران، الآيات 33، 65-68، 95-97, سورة النساء، الآيات 54، 125، 163، 165, سورة الأنعام، الآيات 75-89, سورة التوبة، الآيات 70، 114, سورة هود، الآيات 69-76, سورة يوسف، الآيتان 6، 38, سورة إبراهيم، الآيات 35-41, سورة الحجر، الآيات 51-60, سورة النحل، الآيات 120-123, سورة مريم، الآيات 41-50, سورة الأنبياء، الآيات 71-50, الحج، الآيات 26-34, سورة الشعراء، الآيات 69-89, سورة العنكبوت، الآيات 16-18، 24-27، 31-32, سورة الأحزاب، الآية 7, سورة الصافات، الآيات 83-113, سورة ص، الآيات 45-47, سورة الشورى، الآية 13, سورة الزخرف، الآيات 26-28, سورة الذاريات، الآيات 24-37, سورة النجم، الآيات 36-38, سورة الحديد، الآية 26, سورة الممتحنة، الآيات 4-6, سورة الأعلى، الآيات 14-19. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ إبراهيم عليه السلام.

 

 

81


85

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ *  وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾[1].

 

وبالتأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ إبراهيم عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق المحطّات التالية:

مولد النبيّ إبراهيم عليه السلام ونشأتُه

اختُلِفَ في مكان مولد النبيّ إبراهيم عليه السلام بين بابل وغيرها، ولكنّ المُسلَّم به أنّه ترعرع في بابل، أرض الكلدانيّين التي كان يحكمها النمرود بن كنعان[2]. وقد كانت بابل بيئة شرْك، تعكف على عبادة الأصنام والأوثان من دون الله تعالى، ولكنّ إبراهيم عليه السلام لم يتأثّر في تربيته بهذه البيئة, بفعل قوّة فطرته، وصفاء روحه، وتربيته الإلهيّة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾[3]، بل ما برح منذ صغره يمقت هذه العقائد الباطلة والفاسدة، ويواجهها بقوّة يقين وإيمان راسخ بالله تعالى ووحدانيّته: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[4].

 

سيرة النبيّ إبراهيم عليه السلام التبليغيّة

تحمّل النبيّ إبراهيم مسؤوليّة الدعوة إلى الله تعالى منذ صغره، فكان يدعو الناس للرجوع إلى ميثاق الفطرة التي خلقهم الله تعالى عليها، من الإيمان بالله تعالى ووحدانيّته، والرجوع إليه تعالى بالمعاد. وقد اختصّه الله تعالى في من اختصّ من أنبيائه ورسله، وجعله من الأنبياء أولي العزم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا

 


[1] سورة الصافات، الآيات 83-113.

[2] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص162-163؛ ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص167-168.

[3] سورة الأنبياء، الآية 51.

[4] سورة النحل، الآية 120.

 

82


86

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[1], وبعثه بشريعة خاصّة, هي الحنيفيّة الإبراهيميّة: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[2], التي نسخت شريعة مَنْ قبله، وتضمّنت دعوة إلى الاعتقاد بأصول الدين، والالتزام بمكارم الأخلاق، وبعض الأحكام والتشريعات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾[3]. وقد أُمر الناسُ باتّباع الدين الحنيف: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾[4], ووصى إبراهيم عليه السلام بنيه به: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[5], كما أنَّ جزاء من يتخلّف عنه هو الخسران المبين: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾[6].

 

وقد صدر النبيّ إبراهيم عليه السلام في دعوته عن يقين وتصديق وصبر وحلم وشكر وتسليم، ورجوع إلى الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾[7], ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾[8], ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾[9], ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[10], فاتّخذه الله تعالى لنفسه خليلاً: ﴿وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾[11], واجتباه وهداه إلى صراط مستقيم: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى

 


[1] سورة الشورى، الآية 13.

[2] سورة البقرة، الآية 135.

[3] سورة الأعلى، الآيات 14-19.

[4] سورة النساء، الآية 125.

[5] سورة البقرة، الآية 132.

[6] سورة البقرة، الآية 130.

[7] سورة مريم، الآية 41.

[8] سورة التوبة، الآية 114.

[9] سورة الصافات، الآية 84.

[10] سورة البقرة، الآية 131.

[11] سورة النساء، الآية 125.

 

83


87

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[1], وأراه ملكوت السماوت والأرض، وجعله من الموقنين: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[2], واصطفاه وأدخله برحمته في عباده الصالحين: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾[3], ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[4], ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾[5], ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾[6], وآتاه والطاهرين من ذرّيّته الكتابَ والحكمة والملك: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾[7], ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾[8], ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[9].

 


[1] سورة النحل، الآية 121

[2] سورة الأنعام، الآية 75.

[3] سورة البقرة، الآية 130.

[4] سورة آل عمران، الآية 33.

[5] سورة النحل، الآية 122.

[6] سورة ص، الآيات 45-47.

[7] سورة العنكبوت، الآية 27.

[8] سورة النساء، الآية 54.

[9] سورة الأنعام، الآيات 83-89.

 

84


88

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

وهاجر النبيّ إبراهيم عليه السلام من موطنه إلى الشام, أرض الكنعانيّين، إلى أرض فلسطين[1]: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[2], ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[3], ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾[4], لنشر رسالته التي كانت رسالة عامّة لكلّ البشريّة آنذاك، وبقي فيها حتّى وافته المنيّة[5] عن مئة وخمس وسبعين، وقيل: مئة وتسعون سنة، وقيل: مئتا سنة. ودفن في المغارة التي كانت بحبرون الحيثيّ من أرض كنعان، عند امرأته سارة التي كانت في مزرعة عفرون الحيثيّ، وتولّى دفنه إسماعيل وإسحاق[6] عليهما السلام.

 

اعتمد النبيّ إبراهيم عليه السلام أسلوباً إلهيّاً في الدعوة إلى الله تعالى قوامه: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالأحسن، وقد تجلّى ذلك في أجلى صوره، من خلال المناظرات التي دارت بينه وبين عمّه آزر، وقومه وملك بابل.

 

مناظرات النبيّ إبراهيم عليه السلام ومواجهاته مع طغاة عصره

حكى القرآن الكريم أربع مناظرات ومواجهات للنبيّ إبراهيم عليه السلام، في دعوته إلى الله تعالى، اعتمد فيها على إثارة الفطرة والعقل والوجدان لدى المخاطَبين بقضايا واضحة وجليّة، يستجيب لها من له أدنى حظّ من الالتفات والنظر، وهي:

1- مناظرته مع آزر:

ناظر النبيّ إبراهيم عليه السلام آزر مناظرتين: الأولى كانت مناظرة له بنحو منفرد، والثانية مناظرة له هو وقومه من عبدة الأصنام والأوثان. واعتمد النبيّ إبراهيم عليه السلام في دعوته آزر أسلوباً حكيماً عاطفيّاً خاصّاً، يحفظ حقوق الرحم بينه وبين عمّه، حيث كشف له

 


[1] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص206؛ ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص168.

[2] سورة العنكبوت، الآية 26.

[3] سورة الصافات، الآية 99.

[4] سورة الأنبياء، الآية 71.

[5] انظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص38.

[6] ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص249-250.

 

85


89

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

من خلاله كشفاً واضحاً لا لبس فيه، عن واقع الأصنام وضعفها وعجزها: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾[1], ودعاه إلى عبادة الله تعالى، وحذّره من عاقبة الشرك: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾[2], ولكنّ آزر كفر بدعوته، ولم يراعِ حقوق الرحم، ولم تتحرّك عاطفته تجاه ابن أخيه، فواجهه بغلظة وقسوة، وهدّده بالقتل: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾[3], ومع ذلك حافظ إبراهيم عليه السلام على أسلوبه الدعويّ الخاصّ مع عمّه ودعا له بالمغفرة والهداية: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا *  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾[4], ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾[5]. وبعد أنْ أعمى آزر الجهل والتقليد، وأغشى قلبه حبّ الجاه والمكانة الاجتماعيّة بين الناس، بفعل كونه أشهر نحّاتي تماثيل الأصنام في عصره، وله حظوة خاصّة عند النمرود ملك بابل، فأوصد آذان عقله وقلبه أمام دعوة الحقّ، ما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أنْ تبرّأ منه, لعلمه بضلاله، وعدم اهتدائه إلى الحقّ أبداً: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾[6].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ آزر ليس والد النبيّ إبراهيم عليه السلام, لأنّ العرب استعملت لفظ الأب في الوالد وغيره من الأعمام والأخوال, لكونهم بمنزلة الآباء. وكذلك ورد في القرآن الكريم نسبة أبوّة إسماعيل عليه السلام إلى يعقوب عليه السلام، مع أنّه واقعاً عمّه:

 

 


[1] سورة مريم, الآية: 42.

[2] سورة مريم، الآيات 43-45.

[3] سورة مريم، الآية 46.

[4] سورة مريم، الآيتان 47-48.

[5] سورة الممتحنة، الآية 4.

[6] سورة التوبة، الآية 114.

 

86


90

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[1]، كما أنّ إبراهيم عليه السلام قد تبرّأ في شبابه من آزر، بعدما تبيّن له أنّه ضالّ، لا يهتدي أبداً. وقد حكى القرآن الكريم دعاء إبراهيم عليه السلام بعد ذلك لوالديه، بعد أنْ أصبح طاعناً في السنّ، وأسكن ذرّيته مكّة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾[2], فلا يستقيم أنْ يكون آزر والداً له.

 

2- مناظرته مع عبدة الأصنام والأوثان:

وجّه إبراهيم عليه السلام مجموعة من الأسئلة الإشكاليّة إلى عبدة الأصنام والأوثان من قومه، ومن بينهم آزر، استهدف من خلالها إيقاظهم من غفلتهم، بإزالة الحجب عن فِطَرهم، وإعادة تنشيط عقولهم, ليتسنّى لهم رؤية حقيقة ضعف هذه الأصنام وعجزها: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾[3], ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾[4], ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾[5], والإذعان بوحدانيّة الله تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[6], ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾[7]. وقد بالغ في دعوتهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ

 


[1] سورة البقرة، الآية 133.

[2] سورة إبراهيم، الآيات 39-41.

[3] سورة الأنبياء، الآية 52.

[4] سورة الشعراء، الآيات 70-73.

[5] سورة الصافات، الآيتان 85-86.

[6] سورة الصافات، الآية 87.

[7] سورة الأنبياء، الآية 56.

 

87


91

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[1]، ولكنّهم لم يستجيبوا له، وكفروا بدعوته: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾[2], بفعل تعنّتهم وتقليدهم الأعمى للآباء: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾, ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[3]. فما كان من إبراهيم عليه السلام إلّا أنْ واجههم بقوّة: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[4], وأعلن براءته منهم وممّا يعبدون وتولّيه الله تعالى وحده لا شريك له: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ *  وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[5], ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[6], ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[7]. ثمّ عزم على تحطيم أصنامهم، متحيّناً الفرصة المؤاتية لذلك: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾[8], ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *  فَقَالَ

 


[1] سورة العنكبوت، الآيات 16-18.

[2] سورة الأنبياء، الآية 55.

[3] سورة الشعراء، الآية 74.

[4] سورة الأنبياء، الآية 54.

[5] سورة الشعراء، الآيات 75-89.

[6] سورة الزخرف، الآيات 26-28.

[7] سورة الممتحنة، الآية 4.

[8] سورة الأنبياء، الآية 57.

 

88


92

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

إِنِّي سَقِيمٌ *  فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾[1], وقام بتحطيمها، مستثنياً كبير أصنامهم: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾[2], ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾[3], ولمّا علم قومه بذلك أحضروه: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾[4], وسألوه عن من فعل ذلك بآلهتهم: ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾[5], فطلب منهم أن يسألوا كبير أصنامهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾[6], ليلقي عليهم الحجّة البالغة من جديد، في عجز هذه الأصنام والأوثان وضعفها، وعدم لياقتها للعبادة، فبُهتوا واعترفوا بعجز آلهتهم: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ﴾[7]، ولكنّ جهلهم وتعنّتهم أصمّ عقولهم، وأعمى قلوبهم، وقادهم إلى الكفر والجحود، فوبّخهم إبراهيم عليه السلام على جهلهم وجحودهم: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ *  أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[8], ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[9], فلم يجدوا محيصاً أمام قوّة حججه إلّا أن يسلّموه إلى النمرود, ملك بابل, ليعاقبه بقتله حرقاً, جزاءً على ما فعل بآلهتهم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾[10], ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾[11], ﴿قَالُوا

 


[1] سورة الصافات، الآيات 88-90.

[2] سورة الصافات، الآيات 91-93.

[3] سورة الأنبياء، الآية 58.

[4] سورة الصافات، الآية 94.

[5] سورة الأنبياء، الآيات 59 ـ 62.

[6] سورة الأنبياء، الآية 63.

[7] سورة الأنبياء، الآيتان 64 ـ 65.

[8] سورة الأنبياء، الآيتان 66-67.

[9] سورة الصافات، الآيتان 95-96.

[10] سورة العنكبوت، الآية 24.

[11] سورة الأنبياء، الآية 68.

 

89


93

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾[1], فأنجاه الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[2], ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[3], وردّ كيدهم، فباءوا بالخسران: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾[4]، ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ﴾[5], فتركهم النبيّ إبراهيم عليه السلام بعد أنْ أنبأهم بمصيرهم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾[6], وهاجر مع ابن أخيه لوط عليه السلام إلى الشام، إلى أرض فلسطين: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[7], ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾[8].

 

3 - مناظرته مع عبدة النجوم والكواكب:

اتّبع إبراهيم عليه السلام أسلوباً حكيماً خاصّاً في دعوته عبدةَ النجوم والكواكب، حيث سلَّم معهم جدلاً بمدّعاهم ربوبيّة الكواكب والنجوم، ثمّ أخذ شيئاً فشيئاً يكشف لهم عن عجزها وضعفها، وعدم لياقتها للعبادة, ليوصلهم إلى أنّ الله وحده هو أهل للعبادة دون ما سواه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ*  فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ

 


[1] سورة الصافات، الآية 97.

[2] سورة الأنبياء، الآية 69.

[3] سورة العنكبوت، الآية 24.

[4] سورة الأنبياء، الآية 70.

[5] سورة الصافات، الآية 98.

[6] سورة العنكبوت، الآية 25.

[7] سورة العنكبوت، الآية 26.

[8] سورة الصافات، الآية 99.

 

90


94

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[1].

 

4- مناظرته مع ملك بابل:

حكى القرآن الكريم مناظرة النبيّ إبراهيم عليه السلام مع النمرود, ملك بابل، المدّعي للربوبيّة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ﴾[2], حيث بيّن له إبراهيم عليه السلام ربوبيّة الله تعالى المطلقة، من خلال بيان بعض مصاديقها، كالإحياء والإماتة، تأكيداً لعدم انفكاك مراتب التوحيد في الخالقيّة والربوبيّة والعبوديّة: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾[3], فأجابه النمرود بجواب، استخفّ به عقول الحاضرين من قومه، بقدرته على الإحياء والإماتة، بأنْ أتى برجلين محكومين بالقتل، فقتل أحدهما، وأطلق سراح الآخر: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾[4].

 

ولذلك لم يجادل إبراهيم عليه السلام النمرود في ما قدّم من زيف وخداع, لاتّضاح الأمر على من به أدنى حظّ من العقل، ولكنّه لجأ إلى تقديم حجّة أخرى، أجلى في باب إثبات ربوبيّة الله تعالى، وإبطال دعوى النمرود، فذكر ربوبيّته تعالى في تسيير فلك الشمس، وأثره في أمكنة الأرض، بلحاظ الشروق والغروب، وطلب من النمرود الإتيان بالشمس من المغرب، إذا كان محقّاً في دعواه الربوبيّة: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾[5], فبُهت النمرود، ولم يستطع أن يواجه النبيّ إبراهيم عليه السلام: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾[6], ومع ذلك بقي النمرود وقومه على كفرهم وجحودهم: ﴿وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[7], فما

 


[1] سورة الأنعام، الآيات 76-81.

[2]  سورة البقرة، الآية 258.

[3] سورة البقرة، الآية 258.

[4] سورة البقرة، الآية 258.

[5] سورة البقرة، الآية 258.

[6] سورة البقرة، الآية 258.

[7] سورة البقرة، الآية 258.

 

91


95

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

كان من إبراهيم عليه السلام إلّا أنْ اعتزلهم، وعزم على تركهم والهجرة إلى فلسطين، تلك الأرض المباركة التي هاجر إليها مع ابن أخيه لوط عليه السلام، وظلّ يدعو فيها برسالته إلى مرحلة متأخّرة من عمره.

 

5 - طلب رؤية إحياء الموتى:

حكى القرآن الكريم طلب النبيّ إبراهيم عليه السلام من الله تعالى أن يمنّ عليه بإراءَته إحياء الموتى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾[1], فيرفع درجة يقينه من مرتبة العلم اليقينيّ إلى مرتبة المعاينة اليقينيّة: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[2], فاستجاب الله تعالى له ذلك, لاستعداد إبراهيم عليه السلام لنيل هذه المرتبة في نفسه. وقد أمره الله تعالى أن يحضر أربعة طيور مختلفة الأجناس، وأن يقطّعها ويفرّقها على أجزاء، ثمّ يضع على كلّ جبل جزءاً من الطيور المقطّعة، ثمّ يدعوها، فتأتيه مجتمعة قد دبّت فيها الحياة من جديد: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[3].

 

ابتلاءات النبيّ إبراهيم عليه السلام

ابتلى الله تعالى النبيّ إبراهيم عليه السلام بابتلاءات عدّة، وقد صرّح القرآن الكريم جملةً بوقوع هذه الابتلاءات: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾[4]. ويمكن استنتاج مصاديقها من خلال بعض المواقف التي تعرّض لها القرآن الكريم من محن واختبارات، حصلت مع إبراهيم عليه السلام، وامتدحه القرآن الكريم على صبره ونجاحه فيها. ومن هذه الابتلاءات:

 


[1] سورة البقرة، الآية 260.

[2] سورة البقرة، الآية 260.

[3] سورة البقرة، الآية 260.

[4] سورة البقرة، الآية 124.

 

92


96

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

1- إحراقه عليه السلام بالنار:

بعد أن حطّم إبراهيم عليه السلام الأصنام التي كان يعبدها قومه، وبعد فشل النمرود في إبطال حججه عليه السلام، لم يجدوا محيصاً إلّا قتله عليه السلام، فبدا للنمرود أنْ يقتله حرقاً، وقد أعدّ لذلك العدّة، فأمر بإيقاد نارٍ عظيمة، وجمع الناس ليشهدوا إحراق إبراهيم عليه السلام، وأمر بإلقائه بواسطة المنجنيق في النار: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾[1], ولكنّ إبراهيم عليه السلام بصبره في جنب الله تعالى، وتسليمه له، نجا من الاحتراق بالنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[2], ونجح في هذا الابتلاء الصعب، فكان هذا المشهد المهيب حجّة أخرى بالغة على النمرود وقومه بصدق دعوة النبيّ إبراهيم عليه السلام: ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[3].

 

2 - هجرته من وطنه:

بعد أنْ علم إبراهيم عليه السلام عدم اهتداء قومه، وإصرارهم على أذيّته وقتله، هاجر من وطنه، صابراً محتسباً متوكّلاً على الله تعالى في أمره، ليحطّ في دار غربة في الشام, في أرض فلسطين، بعد أنْ رفضه قومه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[4], ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[5].

 

3 - إسكان زوجه وابنه إسماعيل مكّةَ:

بعد أنْ تزوّج إبراهيم عليه السلام سارة، لم يرزق منها أولاداً مدّة طويلة من الزمن، حتّى بلغ مرحلة متقدّمة من العمر، ثمّ تزوّج بعد ذلك هاجر، وكانت جارية لسارة، فدعا الله تعالى أن يرزقه ذرّيّة من الصالحين، فرُزِق منها بإسماعيل عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ

 


[1] سورة الصافات، الآية 97.

[2] سورة الأنبياء، الآية 69.

[3] سورة العنكبوت، الآية 24.

[4] سورة العنكبوت، الآية 26.

[5] سورة الصافات، الآية 99.

 

93


97

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾[1]، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ﴾[2], ثمّ أتاه الوحي الإلهيّ بأنْ يسافر من فلسطين مع هاجر وابنه إسماعيل، وأن يسكنهما في مكّة - وكانت آنذاك وادياً لا زرع فيه ولا ماء - ثمّ يعود على الفور إلى فلسطين. وقد امتثل النبيّ إبراهيم عليه السلام لهذا الأمر وسلّم لله تعالى فيه، ودعاه أن يتولّى أمر زوجه وابنه: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾[3], ثمّ غاب عنهما، وكان يتردّد إليهما بين الحين والآخر.

 

4 - الأمر بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام:

بعد أنْ ترك إبراهيم عليه السلام زوجه هاجر، وابنه إسماعيل عليه السلام، بعد عودته إلى مكّة، ورفعه بناء البيت الحرام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، الذي بلغ حينها مبلغاً من العمر يسعى فيه لطلب حوائج الحياة، أتاه الوحي الإلهيّ في منامه، وأمره بأنْ يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[4]، فسلّم إبراهيم عليه السلام لأمر الله تعالى، وعزم على تنفيذه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ*  وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾[5], فجاءه الوحي الإلهيّ، وأمره بالتوقّف عن ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾,[6] وامتدحه على تسليمه وإخلاصه لله تعالى، وأمره بذبح كبش فداءً لابنه إسماعيل عليه السلام: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى

 


[1] سورة الصافات، الآيتان 100-101.

[2] سورة إبراهيم، الآية 39.

[3] سورة إبراهيم، الآيتان 37 ـ 38.

[4] سورة الصافات، الآية 102.

[5] سورة الصافات، الآيتان 103-104.

[6] سورة الصافات، الآية 105.

 

94


98

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾[1].

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ إسحاق عليه السلام ليس هو الذبيح، كما يزعم اليهود, لأنّه لم يكن مولوداً بعد، على ما يشهد به سياق ما ورد في القرآن من قصّة البشارة بإسماعيل عليه السلام، ثمّ قصّة الذبح، ثمّ البشارة بإسحاق عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ*   فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ  * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾[2], وبذلك تشهد الروايات المأثورة[3].

 

بناء البيت الحرام وتشريع الحجّ

بعد أنْ عاد إبراهيم عليه السلام إلى مكّة مجدّداً في اختبار ذبح إسماعيل عليه السلام، وبعد نجاحه في هذا الامتحان، أمره الله تعالى برفع بناء البيت الحرام، فقام عليه السلام بامتثال الأمر الإلهيّ، وعاونه ابنه إسماعيل عليه السلام في ذلك: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾[4], وَإِذ ، وكانا يدعوان الله تعالى أن يتقبّل أعمالهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[5],? وأن يرفع مقامهما إلى التسليم المطلق له تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾[6], وأنْ يجعل هذا المقام سارياً في ذريّة إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا

 


[1] سورة الصافات، الآيات 105-111.

[2] سورة الصافات، الآيات 100-113.

[3] انظر: الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ: معاني الأخبار، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، لا ط، قمّ المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش، ص391.

[4] سورة البقرة، الآية 127.

[5] سورة البقرة، الآية 127.

[6] سورة البقرة، الآية 128.

 

95


99

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾[1], وأنْ يتولّاهما برحمته، ويسدّدهما في أفعالهما العباديّة، ويريهما حقيقتها: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[2], وأنْ يبعث من هذه الذرّيّة رسولاً يتكفّل بتعليم الأمّة وتربيتها، وإخراجها من الظلمات إلى النور: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾[3]. ومع انتهاء إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام من رفع بناء البيت الحرام، أمره الله تعالى بتطهير البيت الحرام، وتهيئته للوافدين إليه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾[4], ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾[5], وبأنْ يُعلِم بعد ذلك الناسَ من جميع الأقطار بتشريع الحجّ، ويدعوهم إلى تأدية مناسكه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾[6], فامتثل عليه السلام لأمره تعالى، وطلب منه تهيئة بيئة جذب الناس لسماع دعوة الحقّ، بأنْ يجعل مكّة مكاناً آمناً، ومزدهراً اقتصاديّاً، وخصباً، ينتفع منه الناس جميعاً، وينجذبون إليه من كلّ مكان بعيد: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾[7], ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[8], فاستجاب الله تعالى له دعوته: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً

 


[1] سورة البقرة، الآية 128.

[2] سورة البقرة، الآية 128.

[3] سورة البقرة، الآية 129.

[4] سورة الحج، الآية 26.

[5] سورة البقرة، الآية 125.

[6] سورة الحج، الآيات 27-29.

[7] سورة البقرة، الآية 126.

[8] سورة إبراهيم، الآيتان 35-36.

 

96


100

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾[1], ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾[2], على أن يُحَاسِب مَنْ كفر من الناس على كفره: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[3].

 

إمامة النبيّ إبراهيم عليه السلام

بعد أنْ نجح إبراهيم عليه السلام في اجتياز هذه الابتلاءات والاختبارات، وبعد إتمامه الأوامر الإلهيّة، استحقّ نيل مقام الإمامة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[4]. ومن عظم هذا المقام، سأله النبيّ إبراهيم عليه السلام في ذرّيّته: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾[5], فأجابه الوحي الإلهيّ بوقوعه في ذرّيّته، ولكنّه عهد إلهيّ خاصّ بالمطهَّرين منهم، لا يناله من صدر منه ظلمٌ في حياته: ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[6].

 

ولادة إسحاق عليه السلام لإبراهيم عليه السلام

في آخر عمر النبيّ إبراهيم عليه السلام، وهو في أرض فلسطين، أتت الملائكة في صور رجال، فاستضافهم، وهو لا يعرف أنّهم ملائكة ربّ العالمين: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا﴾[7], ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ﴾[8], ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾[9]، وأمر زوجه سارة بإكرام الضيوف، وإعداد طعام لهم، فأتاهم بعجل سمين مشويّ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾[10], ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ

 


[1]  سورة البقرة، الآية 125.

[2] سورة آل عمران، الآيتان 96 ـ 97.

[3] سورة البقرة، الآية 126.

[4] سورة البقرة، الآية 124.

[5] سورة البقرة، الآية 124.

[6] سورة البقرة، الآية 124.

[7] سورة الحجر، الآيتان 51-52.

[8] سورة هود، الآية 69.

[9] سورة الذاريات، الآيتان 24-25.

[10] سورة هود، الآية 69.

 

97


101

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾[1], فلمّا رأى أنّهم لا يأكلون منه، اضطرب من حالهم، واستوجس من أمرهم: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾[2], ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾[3], ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾[4], فبادروا إلى طمأنته بأنّهم رُسُل الله تعالى إلى قوم لوط عليه السلام، ويحملون له ولزوجه البشرى بأنّهما سيرزقان بغلام عليم، وسيكون له ذرّيّة: ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾[5], ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾[6], ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾[7], وكانت امرأته واقفة بالباب: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾[8], فاستعجبا من رزقهما بالولد على كبر سنّهما، وهذا أمر يكاد يكون غير واقع بحسب المعهود من الأسباب: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾[9], ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾[10], ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾[11], فأجابتهما الملائكة بأنّ الله تعالى قد أذن لهما بهذا الرزق: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾[12], ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾[13], ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾[14], ففرحا، واستبشرا، وشكرا الله تعالى

 

 


[1] سورة الذاريات، الآيتان 26-27.

[2] سورة هود، الآية 70.

[3] سورة الحجر، الآية 52.

[4] سورة الذاريات، الآية 28.

[5] سورة الحجر، الآية 53.

[6] سورة الذاريات، الآية 28.

[7] سورة هود، الآية 70.

[8] سورة هود، الآية 71.

[9] سورة الحجر، الآية 54.

[10] سورة هود، الآية 72.

[11] سورة الذرايات، الآية 29.

[12] سورة الحجر، الآية 55.

[13] سورة هود، الآية 73.

[14] سورة الذرايات، الآية 30.

 

98


102

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

عليه: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ﴾[1], ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾[2]. وبعد أنْ ذهب عن إبراهيم عليه السلام الخوف والوجل، وسمع بشرى الملائكة برزقه بإسحاق، ومن بعده بيعقوب، سألهم عن أمر الله تعالى في قوم النبيّ لوط عليه السلام: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾[3], ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾[4], فأجابوه بأنّ الله تعالى أرسلهم ليُنزِل بهم عذاباً غير مردود: ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾[5], ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾[6], ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾[7], ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾[8], فسألهم النبيّ إبراهيم عليه السلام عن مصير النبيّ لوط عليه السلام: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾[9], فأجابوه بأنّ الله منجّيه وأهله، إلّا امرأته: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾[10], ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾[11], ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾[12].

 

 


[1] سورة الحجر، الآية 56. 

[2] سورة إبراهيم، الآيات 39-41.

[3] سورة هود، الآيتان 74-75.

[4] سورة الحجر، الآية 57.

[5] سورة العنكبوت، الآية 31.

[6] سورة الحجر، الآية 58.

[7] سورة هود، الآية 76.

[8] سورة الذرايات، الآيات 32-34.

[9] سورة العنكبوت، الآية 32.

[10] سورة العنكبوت، الآية 32.

[11] سورة الحجر، الآيتان 59-60.

[12] سورة الذرايات، الآيات 35-37.

 

99


103

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

دروس وعبر من قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام

بالتأمّل في ما ورد في القرآن الكريم من قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعبر والسنن، منها:

- وحدة الدين عند الله تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾, ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.

 

- الرسل عليهم السلام حجج الله تعالى على خلقه: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

 

- عين اليقين أعلى مرتبة من علم اليقين: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

 

- خيرات البيت الحرام وبركاته للمؤمنين خاصّة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

 

- البيت الحرام مكان للعبادة والتقرّب إلى الله تعالى، وليس محطّة للّهو والتسلية: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.

 

- على الإنسان أن يصبر على الابتلاء، ويسلّم لأمر الله تعالى, حتّى يتهيّىأ ويصبح مستعدّاً لتلقّي الفيض الإلهيّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *  وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ *  قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا

 

100


104

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.

 

- ارتكاب الظلم يصيّر الإنسان محروماً من نيل الفيض الإلهيّ: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.

 

- على المجتمع التوحيديّ الالتزام بنهج التواصي بالحقّ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

 

- تعظيم شعائر الله تعالى دليلٌ على تقوى القلب وصلاحه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ  ... ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

 

- التوفيق لامتثال الأوامر الإلهيّة نعمة تستحقّ الشكر: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

 

- الأمن ورغد العيش شرطان أساسيّان لتهيئة البيئة المناسبة لسماع دعوة الحقّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾, ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾.

 

- على الإنسان الرساليّ أن يحمل مسؤوليّة الإعداد والتمهيد لمَن يأتي بعده من أجيال، ويُسهم في صناعة مستقبلهم: ﴿  رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.

 

- على الداعي الانطلاق في دعوته من القضايا والعقائد الواهمة المسلَّمة لدى المدعوّين، والعمل على دحضها وإزالتها بحكمة وبصيرة، ثمّ توجيههم إلى العقيدة الحقّة: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ* 

 

101


105

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

- على الداعي أن تكون دعوته نابعة من قوّة موقف وإيمان راسخ: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾, ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.

 

- على الداعي أن يصبر في حكمه على المدعوّين وإنْ أبطأوا في الاستجابة لدعوته، وأنْ يدعو لهم بالتبصّر والهداية: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾.

 

- على الداعي اتّباع أسلوب النصح في الدعوة إلى الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.

 

- الداعي إلى الله تعالى لا يوادع، ولا يساوم في دعوته: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.

 

- على الإنسان أن لا ييأس من رحمة الله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾, ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ

 

 

102


106

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

* قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.

 

-إكرام الضيف من شِيَم الرجال: ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.

 

- على الإنسان أن يتوكّل على الله تعالى في كلّ أمر: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾.

 

- ملازمة نهج الدعاء بالصلاح والخير للنفس وللآخرين: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء*   رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.

 

- الله تعالى يدافع عن عباده المخلصين، وينصرهم وينجّيهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ *  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ *  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يتذكّر دوماً نعم الله تعالى وعطاياه، ويقرّ بها، ويشكره عليها:

﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *  وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ  * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.

 

- سلامة قلب الإنسان وارتباطه بالله تعالى سبيل فلاحه وأمنه من الخسران: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.

 

- لا مُقَام للمؤمنين في بيئة قُضِيَ على أهلها بالكفر والضلال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

 

103


107

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

- الارتباط النسبيّ أو السببيّ بالأنبياء عليهم السلام وحده لا يعصم الإنسان من العذاب فيما لو كان من الكافرين: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.

 

- تحرّي عقلانيّة الإنسان في اتّباعه للدين الحنيف أو إعراضه عنه: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.

- الانبهار بالملك والسلطة يعمي قلب الإنسان عن الحقيقة، ويدفعه للمجادلة من غير حقّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

 

- الروابط الدنيويّة الباطلة لا تنفكّ تزول وتبطل بزوال الدنيا، فلا يبقى لأهلها يوم القيامة إلّا وزرها والخصام: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾.

 

104


108

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- بعث الله تعالى نبيّه إبراهيم عليه السلام بالرسالة، وجعله من أنبياء أولي العزم، وبعثه بشريعة خاصّة هي الحنيفيّة الإبراهيميّة.

 

2- قام النبيّ إبراهيم عليه السلام بأربع مناظرات ومواجهات مع عمّه آزر ومع عبدة الأصنام والأوثان والكواكب والنجوم من قومه، ومع النمرود ملك بابل، اعتمد فيها على إثارة الفطرة والعقل والوجدان لدى المخاطَبين بقضايا واضحة وجليّة يستجيب لها من له أدنى حظّ من الالتفات والنظر.

 

3- بعد أنْ أعرض قوم النبيّ إبراهيم عليه السلام عن دعوته، وحاولوا قتله، هاجر من موطنه إلى الشام, أرض الكنعانيّين, إلى أرض فلسطين, لنشر رسالته التي كانت رسالة عامّة لكلّ البشريّة آنذاك، وبقي فيها حتّى وافته المنيّة.

 

4- ابتلى الله تعالى نبيّه إبراهيم عليه السلام بابتلاءات عدّة، وبعد نجاحه في اجتياز هذه الابتلاءات والاختبارات، وإتمامه الأوامر الإلهيّة، استحقّ نيل مقام الإمامة.

 

5- أمر الله تعالى نبيّه إبراهيم عليه السلام برفع بناء البيت الحرام، فقام عليه السلام بامتثال الأمر الإلهيّ، وعاونه ابنه إسماعيل عليه السلام في ذلك.

 

فكّر وأجب

1- تكلّم عن المناظرات التي أجراها النبيّ إبراهيم عليه السلام مع قومه.

 

2- ما الابتلاءات التي ابتُلِيَ بها النبيّ إبراهيم عليه السلام؟

 

3- بيّن مجريات بناء الكعبة وتشريع الحجّ الإبراهيميّ.

 

105


109

الدرس الرابع: النبيّ إبراهيم عليه السلام

مطالعة

عن ابن بابويه، حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن عمّه محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مروان، عن أبي جعفر صلوات الله عليه، قال: "كان دعاء إبراهيم عليه السلام يومئذٍ: (يا أحد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)، ثمّ (توكّلت على الله)، فقال: كُفيت. وقال: لمّا قال الله تعالى للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾, لم تعمل يومئذٍ نار على وجه الأرض، ولا انتفع بها أحد ثلاثة أيّام، قال: ونزل جبرئيل يحدّثه وسط النار. قال نمرود: من اتّخذ إلهاً، فليتّخذ مثل إله إبراهيم، فقال عظيم من عظمائهم إنّي عزمْتُ على النيران أنْ لا تحرقه، قال: فخرجتْ عنق من النار فأحرقته. وكان نمرود ينظر بشرفة على النار، فلمّا كان بعد ثلاثة أيام، قال نمرود لآزر: اصعد بنا حتّى ننظر، فصعدا، فإذا إبراهيم في روضة خضراء، ومعه شيخ يحدّثه، قال: فالتفت نمرود إلى آزر، فقال: ما أكرم ابنك على الله، والعرب تسمّي العمّ أباً، قال تعالى في قصّة يعقوب: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾, وإسماعيل كان عمّ يعقوب عليه السلام، وقد سمّاه أباً في هذه الآية"[1].

 


[1] الراوندي, قصص الأنبياء عليهم السلام, مصدر سابق, ص 109.

 

106


110

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

الدرس الخامس

النبيّ لوط عليه السلام

النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص الأنبياء لوط  عليه السلاموإسماعيل عليه السلام وإسحاق عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للأنبياء لوط  عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإسحاق عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص الأنبياء لوط عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإسحاق  عليه السلام.

 

107


111

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

قصّة النبيّ لوط عليه السلام

هو لوط، بن هاران، أخو النبيّ إبراهيم عليه السلام[1]. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[2]، منها: قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾[3].

 

بعد التأمّل في هذه الآيات التي ورد فيها ذِكْر النبيّ لوط عليه السلام، وفي غيرها من الآيات المتقدّمة الواردة فيه، وفي عمّه النبيّ إبراهيم عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق المحطّات التالية:

 


[1] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص205-206.

[2] انظر: سورة الأنعام، الآيات 86-87، 89، سورة الأعراف، الآيات 70، 74،80-84، 89، سورة هود، الآيات 77-83، سورة الحجر، الآيات 59-74، سورة الأنبياء، الآيات 71، 74-75، سورة الشعراء، الآيات 160-173، سورة النمل، الآيات 54-58، سورة العنكبوت، الآيات 26، 28-38، سورة الصافات، الآيات 133-138، سورة القمر، الآيات 33-39، سورة التحريم، الآية 10. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ لوط  عليه السلام.

[3] سورة الشعراء، الآيات 160-173.

 

109


112

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

مولد النبيّ لوط عليه السلام ونشأته

ولد النبيّ لوط عليه السلام، وترعرع في بابل, أرض الكلدانيّين التي كان يحكمها النمرود بن كنعان[1]، ولكنّه لم يتأثّر في تربيته ببيئتها العاكفة على الشرك وعبادة الأصنام والأوثان. وقد تعهّدته يد الهداية الإلهيّة بالرعاية والتربية منذ صغره، فآمن لعمّه إبراهيم عليه السلام، وآزره وأعانه على دعوته، بعد أنْ كفر به أهل بابل: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[2].

 

هجرته عليه السلام مع النبيّ إبراهيم عليه السلام

هاجر النبيّ لوط عليه السلام مع عمّه النبيّ إبراهيم عليه السلام من موطنهما، أرض الكلدانيّين إلى أرض الشام، أرض الكنعانيّين: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[3], ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾[4], فنزل إبراهيم عليه السلام في فلسطين، وأرسل لوطاً عليه السلام إلى أرض سدوم وجوارها في الأردن، لينشرا الدين الحنيف في أرض الكنعانيّين[5]. وقد كان أهل سدوم وجوارها كافرين بالله تعالى، مقيمين على ركوب الفاحشة في ما بينهم، بإتيان الرجال واعتزال النساء، قاطعين سبيل مَنْ يرد إليهم بفاحشتهم: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾[6], ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾[7].

 

سيرة النبيّ لوط عليه السلام التبليغيّة

تحمّل النبيّ لوط عليه السلام مسؤوليّته التبليغيّة، بنشر الدين الحنيف في أرض سدوم وجوارها، وكان على شريعة النبيّ إبراهيم عليه السلام، وقد بالغ في نصح قومه ودعوتهم

 


[1] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص162-163؛ ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص167- 168.

[2] سورة العنكبوت، الآية 26.

[3] سورة العنكبوت، الآية 26.

[4] سورة الأنبياء، الآية 71.

[5] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص206.

[6] سورة الأعراف، الآيتان 80-81.

[7] سورة العنكبوت، الآية 29.

 

110


113

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

لعبادة الله تعالى وطاعته وتقواه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[1], وتَرْكِ ما حرّمه الله تعالى عليهم من الخبائث إلى ما أحلّه لهم من الطيّبات: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾[2], وحذّرهم من عاقبة أمرهم، ولكنّهم كذّبوه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾[3], ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾[4], وواجهوه بالاستخفاف بدعوته وإنذاره: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[5], ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾[6],  ثمّ بتهديده بإبعاده ونفيه من أرضهم: ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾[7]،  ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾[8]، فأعرض عنهم، وطلب من الله تعالى نزول العذاب عليهم: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾[9], ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾[10].

 

نزول العذاب على قوم النبيّ لوط عليه السلام

لمّا تمّت الحجّة على قوم النبيّ لوط عليه السلام بالتبليغ والإنذار، أرسل الله تعالى ملائكةً رسلاً لإحلال العذاب بهم واسئصالهم، فجاءوا إلى النبيّ إبراهيم عليه السلام ضيوفاً في صورة رجال، ليخبروه بما أمر الله تعالى في قوم لوط عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ

 


[1] سورة الشعراء، الآيات 161-164.

[2] سورة الشعراء، الآيتان 165-166.

[3] سورة الشعراء، الآية 160.

[4] سورة القمر، الآية 33.

[5] سورة القمر، الآية 36.

[6] سورة الشعراء، الآية 167.

[7] سورة الأعراف، الآية 82.

[8] سورة الشعراء، الآية 168.

[9] سورة الشعراء، الآية 168.

[10] سورة العنكبوت، الآية 30.

 

111


114

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾[1]، ثمّ قصدوا النبيّ لوطاً عليه السلام، ودخلوا عليه ضيوفاً: ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾[2], ﴿فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾[3]، فقامت امرأته - وهي من الكافرين - بإعلام القوم[4] بنزول ضيوف على النبيّ لوط عليه السلام: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾[5], فأقبلوه إليه عليه السلام يريدون ضيوفه بفاحشتهم: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾[6], ﴿وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾[7], وقد جادلهم النبيّ لوط عليه السلام، واستنصحهم أن يعرضوا عن فعلتهم هذه، ولكنّهم لم يستمعوا لوعظه، وأصروّا على طلبهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾[8], ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[9]. فلمّا همّوا بدخول بيت النبيّ لوط عليه السلام، طمس الله تعالى على أعينهم، فلم يبصروا بعد حينهم هذا: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾[10], وكشف الملائكة عن حقيقتهم للنبيّ لوط عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا

 

 


[1] سورة هود، الآيتان 70، 74.

[2] سورة هود، الآية 77.

[3] سورة الحجر، الآيتان 61-62.

[4] انظر: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج10، ص64.

[5] سورة التحريم، الآية 10.

[6] سورة هود، الآية 78.

[7] سورة الحجر، الآية 67.

[8] سورة هود، الآيات 78-80.

[9] سورة الحجر، الآيات 68 ـ 72.

[10] سورة القمر، الآية 37.

 

112


115

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾[1], ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾[2], ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾[3], وأخبروه بأنّ الله تعالى قضى إنزال العذاب بقومه: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[4], وأنّ موعدهم الصبح: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾[5], ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾[6]. وأوحى الله تعالى إلى نبيّه لوط عليه السلام بأن يخرج قسمٌ كبيرٌ وأهله، إلّا امرأته، وأنْ يكون خروجهم آخر الليل، بعد أن يمضي قسماً كبيراً منه، وأن يكون النبيّ لوط عليه السلام خلف من يخرج معه، وأن لا يلتفت أحد إلى الخلف ببصره إلى المدينة، وأن يمضوا ويسيروا إلى حيث يشاء الله تعالى لهم من المواضع: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾[7]، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾[8], ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾[9], ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾[10]. وبعد خروجهم، وحلول الصباح ببزوغ الشمس، نزل العذاب بقومه، فأصابتهم الصيحة، وأُمطِروا بحجارة من نار، وأصابهم الخسف، وقُلِبَت عليهم الأرض: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾[11], ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ

 


[1] سورة هود، الآية 81.

[2] سورة الحجر، الآيتان 63-64.

[3] سورة العنكبوت، الآية 33.

[4] سورة العنكبوت، الآيتان 33-34.

[5] سورة الحجر، الآية 66.

[6] سورة هود، الآية 81.

[7] سورة هود، الآية 81.

[8] سورة الحجر، الآية 65.

[9] سورة الأعراف, الآية 83.

[10] سورة الحجر، الآيتان 59-60.

[11] سورة القمر، الآيتان 38-39.

 

 

113


116

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾[1]،  ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾[2], ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾[3], ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾[4], ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾[5], فاستجاب الله تعالى دعاء نبيّه لوط عليه السلام على قومه، ونجّاه وأهله منهم ومن خبائثهم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ  * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾[6], ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[7], ﴿آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ  * نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾[8].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ لوط عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ لوط عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- على الإنسان أن يستجيب لنداء فطرته، بالإقبال على الطيّبات، والإعراض عن الخبائث، والتنفّر منها: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾, ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾, ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ

 


[1] سورة هود، الآيتان 82-83.

[2] سورة الأعراف، الآية 84.

[3] سورة الحجر، الآيتان 73-74.

[4] سورة الشعراء، الآيتان 172-173.

[5] سورة القمر، الآية 34.

[6] سورة الشعراء، الآيات 169-171.

[7] سورة الأنبياء، الآيتان 74-75.

[8] سورة القمر، الآيتان 34-35.

 

114


117

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

 

- استغراق المجتمع في الخبائث يجعله ينفر من القيم الفطريّة، ويتنكّر لها: ﴿قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾, ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾, ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.

 

- الانصياع للشهوة المحرّمة يصيّر الإنسان عبداً لها، همّه البحث عن سُبُل إشباعها: ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾, ﴿وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.

 

- الانصياع للشهوة المحرّمة يطمس على القلب، ويمنع العقل من التأثير، فلا يرجى معه استجابة لدعوة حقّ: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾, ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

 

- معارضة السنن الإلهيّة الحاكمة في الخلق تستتبع الهلاك والاستئصال: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾, ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

 

- الارتباط السببيّ بالأنبياء عليهم السلام لا يغني المرتبط عن عذاب الله تعالى إذا كان من الكافرين: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.

 

- الله تعالى يستجيب دعوة عباده المخلصين، وينصرهم وينجّيهم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ  * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾.

 

- العاقل من يقف عند مواضع العبرة والموعظة من قصص الأمم الغابرة: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا

 

115


118

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ﴾.

 

قصّة النبيّ إسماعيل عليه السلام

هو الابن الأكبر للنبيّ إبراهيم عليه السلام. ورد ذِكْر قصّته في القرآن الكريم، مقترناً بذِكْر قصّة أبيه النبيّ إبراهيم عليه السلام، من ولادته وحمله مع أمّه إلى مكّة، التي كانت حينها منطقة لا زرع فيها ولا ماء، وتحمّله مصاعب الحياة منذ طفولته، وبرّه بوالديه، وصبره وتسليمه لامتحان الذبح، ومشاركته في رفع بناء البيت الحرام، وتهيئته لاستضافة الحجاج، ودعائه مع أبيه عليه السلام، وطلبهما من الله تعالى أنْ يتقبّل أعمالهما، وأنْ يريهما حقائقها، وأنْ يجعلهما مسلمين له تسليماً مطلقاً، وأنْ يكون ذلك سارياً في ذرّيّتهما.

 

وقد اجتنباه الله تعالى فيمن اجتباهم من عباده، وجعله على صراط مستقيم: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[1]، وامتدحه على صبره: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾[2], وعدّه في زمرة الأخيار: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ﴾[3], وجعله في الآخرة من الصالحين: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[4].

 

وقد صرّح القرآن الكريم بكونه نبيّاً رسولاً: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾[5]، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ

 


[1] سورة الأنعام، الآيتان 86-87.

[2] سورة الأنبياء، الآية 85.

[3] سورة ص، الآية 48.

[4] سورة الأنبياء، الآية 86.

[5] سورة آل عمران، الآية 84.

 

116


119

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

كَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[1], ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ *  وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾[2], وكونه على شريعة أبيه النبيّ إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ... أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[3].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ إسماعيل عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ إسماعيل عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- الصبر على الابتلاء، والتسليم لأمر الله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.

- إعانة الناس على عبادة الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.

 

- برّ الوالدين، وإعانتهما على امتثال أوامر الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾, ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.

 

- شكر الله تعالى على توفيق الإنسان لامتثال أوامره: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

 

- التعاون على القيام بالمسؤوليّة الرساليّة، وتهيئة بيئة تحمّلها وتقبّلها: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.

 


[1] سورة النساء، الآيتان 163، 165.

[2] سورة الأنعام، الآيات 86-87، 89.

[3] سورة البقرة، الآيتان 128، 133.

 

117


120

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

- الله تعالى وحده هو الذي يتكفّل برزق عباده وأمنهم: ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾[1].

 

قصّة النبيّ إسحاق عليه السلام

هو إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. ورد ذِكْر قصّته في القرآن الكريم مقترناً بذكْر قصّة أبيه عليه السلام، من ولادته عليه السلام بعد أخيه إسماعيل عليه السلام، على كبر سنّ أبيه عليه السلام، وتبشير الملائكة أباه عليه السلام وأمّه سارة بولادته، وتعجّبهما من ذلك.

 

وقد اجتباه الله تعالى فيمن اجتباهم من عباده، وأتمّ نعمته عليهم، وجعلهم على صراط مستقيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[2], ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[3], ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾[4]، ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾, وخصّه فيمن خصّهم من ذرّيّة النبيّ إبراهيم عليه السلام بمقام الإمامة: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾[5], وجعله في الآخرة من الصالحين:

 


[1] سورة الأنعام، الآيات 84-87.

[2] سورة يوسف، الآية 6.

[3] سورة ص، الآيات 45-47.

[4] سورة الصافات، الآية 113.

[5] سورة الأنبياء، الآيتان 72-73.

 

118


121

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[1].

 

وقد صرّح القرآن الكريم بكونه نبيّاً رسولاً: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾[2], ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[3], ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾[4], ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾, ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾[5], وكونه على شريعة أبيه النبيّ إبراهيم عليه السلام: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[6], وكون النبوّة والرسالة بعد أبيه إبراهيم عليه السلام في ذرّيّته إلى وقت مجيء الرسول الخاتم من ذرّيّة أخيه إسماعيل عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ... وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾[7]، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾[8].

 


[1] سورة الصافات، الآية 112.

[2] سورة آل عمران، الآية 84.

[3] سورة النساء، الآيتان 163، 165.

[4] سورة مريم، الآيتان 49-50.

[5] سورة الأنعام، الآيات 84-89.

[6] سورة البقرة، الآية 133.

[7] سورة الأنعام، الآيات 84-90.

[8] سورة البقرة، الآيتان 128-129.

 

119


122

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

دروس وعبر من قصّة النبيّ إسحاق عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من ذِكْر قصّة النبيّ إسحاق عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استلهام مجموعة من الدروس والعبر والسنن، منها:

- على الإنسان أن لا يقنط من رحمة الله تعالى في كلّ أمر: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ*  قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾, ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾.

 

- على الإنسان أن يشكر الله تعالى دوماً على نعمه ومواهبه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾.

 

- تأخّر نزول النعم والمواهب الإلهيّة لحكمة ومصلحة واقعيّة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾, ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، ﴿ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾.

 

- الارتباط السببيّ بالأنبياء عليهم السلام لا يستلزم صلاح الذرّيّة بالضرورة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.

 

120


123

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- تحمّل النبيّ لوط عليه السلام مسؤوليّته التبليغيّة، بنشر الدين الحنيف في أرض سدوم وجوارها، وكان على شريعة النبيّ إبراهيمعليه السلام، وقد بالغ في نصح قومه ودعوتهم لعبادة الله تعالى وطاعته وتقواه. وقد كان أهل سدوم وجوارها كافرين بالله تعالى، مقيمين على ركوب الفاحشة في ما بينهم، بإتيان الرجال واعتزال النساء، قاطعين سبيل مَنْ يرد إليهم بفاحشتهم. ولمّا تمّت الحجّة على قوم النبيّ لوط عليه السلام بالتبليغ والإنذار، أرسل الله تعالى ملائكة رسلاً، لإحلال العذاب بهم واسئصالهم، فأصابتهم الصيحة، وأُمطِروا بحجارة من نار، وأصابهم الخسف، وقُلِبَت عليهم الأرض.

 

2- النبيّ إسماعيل عليه السلام هو الابن الأكبر للنبيّ إبراهيم عليه السلام من زوجته هاجر، حمله إبراهيم عليه السلام مع أمّه إلى مكّة، التي كانت حينها منطقة لا زرع فيها ولا ماء، فتحمّل مصاعب الحياة منذ طفولته. وكان بارّاً بوالديه، وصابراً ومسلّماً لامتحان الذبح، ومشاركاً لأبيه عليه السلام في رفع بناء البيت الحرام وتهيئته لاستضافة الحجّاج.

 

3- ولد إسحاق للنبيّ إبراهيم عليه السلام بعد أخيه إسماعيل، على كبر سنّ أبيه وأمّه سارة، وقد حكى القرآن الكريم تبشير الملائكة أباه عليه السلام وأمّه سارة بولادته، وتعجّبهما من ذلك.

 

فكّر وأجب

1- تكلّم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ لوط عليه السلام، وعن الدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

2- بيّن مجريات قصّة الابتلاء بذبح النبيّ إسماعيل عليه السلام.

 

3- تحدّث عن تفاصيل قصّة التبشير بولادة النبيّ إسحاق عليه السلام.

 

121


124

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

مطالعة

عن ابن بابويه، عن محمّد بن موسى بن المتوكّل، حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن داوود بن كثير الرقي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيّهما كان أكبر، إسماعيل أم إسحاق؟ وأيّهما كان الذبيح؟ قال: "كان إسماعيل أكبر بخمس سنين، وكان الذبيح إسماعيل عليه السلام، وكانت مكّة منزل إسماعيل عليه السلام، ولمّا أراد إبراهيم أنْ يذبح إسماعيل أيّام الموسم بمنى، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾, ثمّ قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. فمن زعم أنّ إسحاق أكبر من إسماعيل، وأنّه كان الذبيح، فقد كذّب بما أنزل الله تعالى في القرآن من نبأهما صلوات الله عليهما".

 

وعن ابن بابويه، عن أبيه، حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "كان لإبراهيم ابنان، فكان أفضلهما ابن الأمّة"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص112.

 

122


125

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

الدرس السادس

النبيّ شعيب عليه السلام النبيّ يعقوب عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1 -يتعرّف إلى قصص النبيَّين شعيب عليه السلام ويعقوب عليه السلام الواردتين في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين شعيب عليه السلام ويعقوب عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين شعيب عليه السلام ويعقوب عليه السلام.

 

123


126

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

قصّة النبيّ شعيب عليه السلام

هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وقيل: هو شعيب، بن ميكيل (وهو ابن بنت النبيّ لوط عليه السلام)، بن يشحب، بن مدين، بن إبراهيم عليه السلام[1]، وهو من الأنبياء العرب[2]. وقد ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[3]، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *  قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ * وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ

 


[1]  انظر: الشيخ الطبرسيّ، تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج4، ص302-303.

[2] انظر: الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص524؛ الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص264.

[3] انظر: سورة الأعراف، الآيات 85-93؛ سورة هود، الآيات 84-95؛ سورة الشعراء، الآيات 176-189؛ سورة العنكبوت، الآيتان 36-37. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ شعيب عليه السلام.

 

125


127

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾[1].

 

وبالتأمّل في هذه الآيات التي ورد فيها ذِكْر النبيّ شعيب عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق التالي:

سيرة النبيّ شعيب عليه السلام التبليغيّة

أرسل الله تعالى نبيّه شعيباً عليه السلام إلى قومه مدين: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾[2], وقيل: هم أصحاب الأيكة أنفسهم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾[3], والأيكة من الأيك, وهو الشجر الكثيف الملتفّ بعضه على بعض[4]. وقيل: إنّ الله تعالى أرسله إليهم بعد هلاك أهل مدين، وكانت مدين في أطراف الشام ممّا يلي الحجاز، على مقربة من بحيرة قوم لوط عليه السلام[5]، ويشهد بذلك تذكير النبيّ شعيب قومَه بما حلّ بقوم لوط عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾[6]. وكان من أمر مدين أنّ الله تعالى أنعم عليهم، فكثّرهم وزادهم عُدّة، وبارك في خيرات أرضهم: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾[7], ولكنّهم استغرقوا في هذه النعم، ونسوا ذِكْر الله تعالى، وجحدوا أنعمه، وعاثوا في الأرض فساداً: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[8].

 


[1] سورة الأعراف، الآيات 85-93.

[2] سورة الأعراف، الآية 85.

[3] سورة الشعراء، الآيتان 176-177.

[4] انظر: الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، مادّة "أيك"، ص98.

[5] انظر: ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص274-275.

[6] سورة هود، الآية 89.

[7] سورة الأعراف، الآية 86.

[8] سورة هود، الآيتان 84-85.

 

 

126


128

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

وقد تحمّل النبيّ شعيب عليه السلام مسؤوليّة دعوة قومه إلى الله تعالى، وكان على شريعة النبيّ إبراهيم عليه السلام، فاجتهد في نصحهم: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1], ﴿بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾[2], ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[3], ودعاهم إلى عبادة الله تعالى خالقِهم وحدَه، وطاعته، وملازمة تقواه، والحذر من يوم الآخرة: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[4], ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾[5], ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[6], ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾[7], وحثّهم على الرجوع إلى الله تعالى بالاستغفار: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾[8], وحذّرهم من خطورة التعدّي على الحقوق الماليّة للناس, لما له من أثر في اختلال التوازن الاجتماعي، وبالتالي اختلال الأمن الاجتماعيّ، ونشوب الاختلاف والتنازع في ما بينهم، والإفساد في الأرض، وإحاطة العذاب بهم في الآخرة: ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[9], ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ *  وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[10], ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ  وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا

 


[1] سورة الأعراف، الآية 85.

[2] سورة هود، الآية 86.

[3] سورة هود، الآية 88.

[4] سورة الأعراف، الآية 85.

[5] سورة العنكبوت، الآية 36.

[6] سورة الشعراء، الآية 179.

[7] سورة الشعراء، الآية 184.

[8] سورة هود، الآية 90.

[9] سورة الأعراف، الآية 85.

[10] سورة هود، الآيتان 84-85.

 

127


129

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[1], وذكّرهم بمصير مَنْ كان قبلهم من الأمم التي بطرت أنعم الله تعالى، وجحدت بها، وعاثت في الأرض فساداً، فأحاط بها العذاب الأليم: ﴿وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[2], ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾[3], فآمن له بعضهم وكفر بعضهم الآخر وكذّبوه: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ﴾[4], ولا سيّما كبار قومه الذين سخروا منه: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾[5], ووجّهوا إليه التهم الباطلة، وواجهوه بالدعاوى الواهية، بمكر وخداع، ليصدّوا الناس عن دعوته: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[6], فاتّهموه بالكذب: ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[7], وبالإصابة بالجنون بفعل السحر: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾[8], وبطلب الجاه والمال: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[9], وبعدم الفضل عليهم: ﴿مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾[10]. وقد عمل النبيّ شعيب عليه السلام على مواجهة تهمهم ودعاويهم بحكمة وبصيرة، مفنّداً إيّاها بالبرهان والدليل. فكيف يكون كاذباً، وهو رسول أمين مُرَسل إليهم من ربّهم! ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾[11], وكيف يكون مجنوناً، وهو قد أتاهم بما لا يتكلّم به إلّا ذو عقل رشيد، وهم أنفسهم يشهدون له بذلك! ﴿إِنَّكَ

 


[1] سورة الشعراء، الآيات 181-183.

[2] سورة الأعراف، الآية 86.

[3] سورة هود، الآية 89.

[4] سورة الأعراف، الآية 87.

[5] سورة هود، الآية 87.

[6] سورة الشعراء، الآية 187.

[7] سورة الشعراء، الآية 186.

[8] سورة الشعراء، الآية 185.

[9] سورة الشعراء، الآية 180.

[10] سورة الشعراء، الآية 186.

[11] سورة الشعراء، الآية 178.

 

128


130

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾[1], وكيف يكون طالباً للجاه والمال، وهو لم يسألهم أجراً على دعوته، والحال أنّ رزقه على الله تعالى وحده! ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[2], وكيف يتعجّبون من كونه بشراً رسولاً، وقد خلت الرسل من قبله، وجاءهم ببيّنة من ربّهم، وهي معجزة النبوّة! ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾[3], ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾[4]. ولكنّهم مع ذلك ظلّوا مصرّين على معاندتهم ومكابرتهم: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾[5], ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾[6], وأخذوا بمضايقته ومن معه من المؤمنين: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾[7], ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾[8], غير راجعين عن ذلك، إلّا أنْ يعود إلى دين آبائهم، أو أنْ يخرج ومن آمن معه منهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾[9]. ولكنّ النبيّ شعيباً عليه السلام وقف أمام هذه الضغوط والتهديدات موقفاً قويّاً، محذّراً إيّاهم من حلول العذاب بهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا

 


[1] سورة هود، الآية 87.

[2] سورة الشعراء، الآية 109.

[3] سورة هود، الآية 88.

[4] سورة هود، الآية 88.

[5] سورة هود، الآية 91.

[6] سورة الأعراف، الآية 90.

[7] سورة الأعراف، الآية 86.

[8] سورة هود، الآية 91.

[9] سورة الأعراف، الآية 88.

 

129


131

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾[1], ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾[2], ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾[3], وبذلك أتمّ الحجّة عليهم بالتبليغ والنُذُر: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾[4].

 

نزول العذاب بقوم النبيّ شعيب عليه السلام

بعد أن تمّت الحجّة على قوم النبيّ شعيب عليه السلام بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوَعدون، حيث جمع الله تعالى لهم ألوان العذاب, فزلزل أرضهم، وأرسل عليهم صيحة أرجفتهم، وريحاً فيها نار ظلّلت ديارهم، وأحاطت بهم، فخرّوا على وجوههم صرعى، فأصبحوا جثثاً هامدة: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾[5], ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾[6], ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[7], ونُجّيَ النبيّ شعيب عليه السلام ومَن آمن معه برحمة من الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا﴾[8].

 


[1] سورة الأعراف، الآيتان 88-89.

[2] سورة الأعراف، الآية 87.

[3] سورة هود، الآيتان 92-93.

[4] سورة الأعراف، الآية 93.

[5] سورة هود، الآيتان 94-95.

[6] سورة الأعراف، الآيتان 91 ـ 92.

[7] سورة الشعراء، الآية 189.

[8] سورة هود، الآية 94.

 

130


132

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

دروس وعبر من قصّة النبيّ شعيب عليه السلام

بعد التأمّل في قصّة النبيّ شعيب عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- من السنن الإلهيّة في الإرسال، إرسال الرُسُل عليهم السلام من أقوامهم: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ﴾.

 

- الإتيان بالبيّنات والمعاجز على يد الرُسُل الإلهيّين عليهم السلام من السنن الإلهيّة الجارية في الإرسال: ﴿جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾.

 

- من السنن الإلهيّة في سيرة الأنبياء والرُسُل الإلهيّين عليهم السلام تكذيبُهم من قِبَل أقوامهم، ولا سيّما أكابرهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾.

 

- من السنن الإلهيّة في سيرة الأنبياء والرُسُل الإلهيّين عليهم السلام توجيهُ التهم الباطلة إليهم، والسخريّة منهم: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾, ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ*  وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.

 

- من السنن الإلهيّة في سيرة الأنبياء والرُسُل الإلهيّين عليهم السلام مواجهةُ أقوامهم لهم بقسوة وشدّة بالغة، تنتهي بهم إلى حدّ نفيهم أو قتلهم: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾, ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾, ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.

 

- الإفساد في الأرض خلاف مقتضى السُّنّة الإلهيّة, وهي الإصلاح: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

 

- الارتباط الوثيق والتأثير المتبادل بين الأمن الاقتصاديّ والاجتماعيّ والنفسيّ والروحيّ: ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ

 

131


133

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾, ﴿وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ *  بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾.

 

- تذكّر المواهب الإلهيّة يقتضي الرجوع إلى الله تعالى، ولزوم طاعته: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾.

 

- الاستغفار سبيل الرجوع إلى الله تعالى والشمول برحمته: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.

 

- معاندة الحقّ وجحوده تسلب الإنسان فرصة الهداية، والرجوعِ إلى جادّة الصواب: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.

 

- التقليد الأعمى يطمس على القلب، ويمنع العقل من التأثير, فيصيّره جاهلاً سفيهاً: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.

 

- على الداعي أن يصدر في دعوته عن إيمان راسخ وقوّة موقف: ﴿قَالُواْ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾, ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.

 

- على الداعي أنْ ينطلق في دعوته من إخلاص لله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

 

- الله تعالى يدافع عن عباده المخلصين، وينصرهم وينجّيهم: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا

 

132


134

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ*  كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾.

 

- على الإنسان أخذ العبرة والموعظة من أحوال الأمم الغابرة: ﴿وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾, ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾.

 

قصّة النبيّ يعقوب عليه السلام

هو يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم عليهم السلام: ﴿َكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[1]. ومن أسمائه - أيضاً - إسرائيل، وإليه يُنسَب جميع أنبياء بني إسرائيل: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾[2], ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة، منها ما يرتبط بقصّة ابنه يوسف عليه السلام، وسوف نؤجّل البحث فيها إلى موضعه هناك، عندما نتناول قصّة النبيّ يوسف عليه السلام، وأمّا المواضع الأخرى[3]، فمنها: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ *...* قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى

 

 


[1] سورة يوسف، الآية 6.

[2] سورة آل عمران، الآية 93.

[3] سورة البقرة، الآيات 132-133، 136؛ سورة آل عمران، الآيتان 84، 93؛ سورة النساء، الآيتان 163، 165؛ سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89؛ سورة هود، الآية 71؛ سورة مريم، الآية 58؛ سورة الأنبياء، الآيتان 72-73؛ سورة العنكبوت، الآية 27؛ سورة ص، الآيات 45-47.

 

133


135

الدرس السادس: النبيّ شعيب عليه السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام

وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[1].

 

كان النبيّ يعقوب عليه السلام نبيّاً مرسلاً: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[2], على شريعة جدّه النبيّ إبراهيم عليه السلام: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[3], وقد اجتباه الله تعالى، واصطفاه وأخلصه لنفسه، وهداه إلى صراط مستقيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *...* وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[4], ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾[5], واختصّه فيمن اختصّهم من ذرّيّة النبيّ إبراهيم عليه السلام بالإمامة: ﴿  ﴾[6], ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾[7], وأفاض عليه علماً كدُنِيّاً: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[8], وحكى القرآن الكريم عنه عليه السلام حرصه على الدعوة إلى الدين الحنيف والالتزام به: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ

 


[1] سورة البقرة، الآيات 132-133، 136.

[2] سورة النساء، الآيتان 163، 165.

[3] سورة البقرة، الآية 133.

[4] سورة الأنعام، الآيتان 84، 87.

[5] سورة ص، الآيتان 46-47.

[6] سورة الأنعام، الآية 89.

[7] سورة الأنبياء، الآيتان 72-73.

[8] سورة يوسف، الآية 68.

 

134


136

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[1], وزهده بامتناعه عن بعض الأطعمة غير المحرّمة في شريعته: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[2], وأثنى على بصيرته، وبذله بالغ الجهد في نشر الدين الحنيف والالتزام بتعاليمه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾[3], وجعل الله تعالى النبوّة والرسالة والإمامة في ذرّيّته: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[4], ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[5]. وسوف يأتي بعض تفاصيل سيرته المباركة عند تناول قصّة ابنه النبيّ يوسف عليه السلام.

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ يعقوب عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ يعقوب عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- الإنسان الموحِّد يحمل مسؤوليّة نشر دين التوحيد واستمراره: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

 

- على المؤمنين التواصي بالحقّ: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾.

 

- وحدة الدين في دعوات الأنبياء والرُسُل عليهم السلام: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

 


[1] سورة البقرة، الآيتان 132-133.

[2] سورة آل عمران، الآية 93.

[3] سورة ص، الآية 45.

[4] سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89.

[5] سورة السجدة، الآيتان 23-24.

 

135


137

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

- الإيمان بجميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وتعاليمهم: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

 

- الزهد يعين الإنسان على نفسه ودينه ودنياه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.

 

- الهداية والاجتباء والاصطفاء بيد الله تعالى وحده، ولا يجعلها إلّا فيمن استعدّ لها في نفسه: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾.

 

 

 

136


138

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- أرسل الله تعالى نبيّه شعيباً عليه السلام إلى قومه مدين. وكانت مدين في أطراف الشام ممّا يلي الحجاز، على مقربة من بحيرة قوم النبيّ لوط عليه السلام. وقد تحمّل النبيّ شعيب عليه السلام مسؤوليّة دعوة قومه إلى الله تعالى، وكان على شريعة النبيّ إبراهيم، فاجتهد في نصحهم. وبعد أن تمّت الحجّة عليهم بالتبليغ والنُذُر، أتاهم العذاب الذي كانوا يوعدون، حيث جمع الله تعالى لهم ألوان العذاب، فزلزل أرضهم، وأرسل عليهم صيحة أرجفتهم، وريحاً فيها نار ظلّلت ديارهم وأحاطت بهم، فخروّا على وجوههم صرعى، فأصبحوا جثّة هامدة.

 

2- هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ومن أسمائه – أيضاً - إسرائيل، وإليه يُنسَب جميع أنبياء بني إسرائيل. بعثه الله تعالى بالرسالة إلى قومه، أهل كنعان، وكان على شريعة جدّه إبراهيم عليه السلام.

 

فكّر وأجب

1-  تكلّم عن السيرة التبليغيّة للنبيّ شعيب عليه السلام، وعن الدروس والعِبَر المستفادة منها.

 

2- ما معصية قوم النبيّ شعيب عليه السلام؟ وما العذاب الذي حلّ بهم؟

 

3- بيّن ثناء الله تعالى على نبيّه يعقوب عليه السلام، وبيّن ما اختصّه به.

 

137


139

الدرس الخامس: النبيّ لوط عليه السلام، النبيّ إسماعيل عليه السلام النبيّ إسحاق عليه السلام

مطالعة

أخبرنا السيد ذو الفقار بن معبد الحسينيّ، عن الشيخ أبي جعفر الطوسيّ، عن الشيخ الشيخ المفيد، عن أبي جعفر بن بابويه، حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ، عن الحسن بن محبوب، عن هشام، عن سعد الإسكافيّ، عن عليّ بن الحسين صلوات الله عليه، قال: "إنّ أوّل مَنْ عمل المكيال والميزان شعيب النبيّ عليه السلام، عمله بيده، فكانوا يكيلون ويوفون، ثمّ إنّهم بعد أن طفّفوا في المكيال، وبخسوا في الميزان، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾, فعذّبوا بها, ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.

 

وعن ابن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال: قلت لأبي جعفر صلوات الله عليه: أخبرني عن يعقوب عليه السلام حين قال لوِلْده: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾, أكان عالماً بأنّه حيّ؟ قال: نعم. قلت: فكيف ذلك؟ قال: أنْ هبط عليه ملك الموت.

 

وعن ابن بابويه، حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن علا، عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أخبرني عن يعقوب عليه السلام، كم عاش مع يوسف بمصر بعدما جمع الله ليعقوب شمله، وأراه تأويل رؤيا يوسف الصادقة؟ قال: عاش حولين. قلت: فمنْ كان الحجّة في الأرض، يعقوب أم يوسف؟ قال: كان يعقوب الحجّة، وكان الملك ليوسف، فلمّا مات يعقوب عليه السلام، حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشام، فدفنه في بيت المقدس، وكان يوسف بعد يعقوب الحجّة، قلت: فكان يوسف رسولاً نبيّاً؟ قال: نعم، أما تسمع قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾[1].

 

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص137-138، ص145.

 

138


140

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

الدرس السابع

النبيّ يوسف عليه السلام

 

أهداف الدرس 

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصّة النبيّ يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيّ يوسف عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصّة النبيّ يوسف عليه السلام.

 

 

139


141

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

قصّة النبيّ يوسف عليه السلام

هو يوسف بن يعقوب عليه السلام، وهو من أنبياء بني إسرائيل. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[1]، منها: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾[2].

 

وبالتأمّل في هذه المواضع التي ورد فيها ذِكْر النبيّ يوسف عليه السلام، يمكن تقديم قصّته وفق المحطّات التالية:

ولادة النبيّ يوسف عليه السلام ونشأته

ولد النبيّ يوسف عليه السلام في أرض كنعان، وهو الابن الحادي عشر من الأبناء الاثني عشر للنبيّ يعقوب عليه السلام. اجتباه الله تعالى منذ صغره، واختصّه بعنايته، فبشّره في صغره برؤيا، رأى فيها أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدة له، فقصّها على أبيه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ

 

 


[1] انظر: سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89؛ سورة يوسف، الآيات 4-102؛ سورة غافر، الآية 34. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ يعقوب عليه السلام والنبيّ يوسف عليه السلام.

[2] سورة يوسف، الآيات 4-7.

 

141


142

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

لِي سَاجِدِينَ﴾[1], فأوصاه بكتم هذه الرؤيا عن إخوته، لكي لا يحسدوه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[2], وقد أوّلها له بأنّ الله تعالى سيجتبيه، ويعلّمه من تأويل الأحاديث، ويتمّ نعمته عليه، كما أتمّها على آبائه عليهم السلام: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[3]. وتعهّده النبيّ يعقوب عليه السلام بالمحبّة والرعاية الشديدة لما وجد فيه من الجمال البديع والصفاء الروحيّ، وخوفاً عليه من حسد إخوته.

 

مؤامرة قتل النبيّ يوسف عليه السلام

لمّا شاهد إخوة يوسف عليه السلام الكبار شدّة حبّ أبيهم ليوسف، وحظوته عنده، عَظُم ذلك في قلوبهم، واشتعلت نيران الحسد فيها: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾, ما دفعهم إلى التآمر على قتله أو نفيه، مع علمهم بفساد هذا الفعل وشناعته، ولكنّ همّهم وشغلهم الشاغل إزاحة كلّ من يزاحمهم في وراثة أبيهم، ونيل اهتمامه وحظوته، على أن يكونوا بعد تنفيذ هذا الفعل الإجراميّ صالحين! ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾[4], وبعد التشاور في ما بينهم بشأن أخيهم يوسف عليه السلام، اقترح أحدهم عدم قتله، والاكتفاء بإبعاده عن أبيهم, من خلال إلقائه في بئر على طريق القوافل التي تمرّ بأرض كنعان، وتقصد أمصاراً بعيدة عنها، لعلّ إحداها تأخذه معها: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾[5]. ولمّا عزموا على تنفيذ عملهم الإجراميّ، قصدوا أباهم عليه السلام وطلبوا منه أن

 

 


[1] سورة يوسف، الآية 4.

[2] سورة يوسف، الآية 6.

[3] سورة يوسف، الآية 8.

[4] سورة يوسف، الآية 9.

[5] سورة يوسف، الآية 10.

 

142


143

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

يرسل أخاهم يوسف عليه السلام معهم غداً إلى الرعي للتنزّه واللعب، على أن يحفظوه من كلّ سوء: ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ *  أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[1]. ولكنّ أباهم يعقوب عليه السلام لم يستجب لطلبهم، معتذراً بخوفه على يوسف عليه السلام من الذئب أن يأكله: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾[2], فألحّوا عليه كثيراً في طلبهم، وتعهّدوا بحفظه وصيانته: ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾[3]، فأجازهم في ذلك، فأخذوه وذهبوا به إلى مراتع أغنامهم، وعنّفوه وضربوه بقسوة، ثمّ نزعوا منه قميصه، وألقوه في الجبّ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾[4]. وقد أوحى الله تعالى إلى نبيّه يوسف عليه السلام، وهو في الجبّ، وأخبره بما سيجري عليه، وما سيؤول إليه أمره في مستقبل الأيّام، إذْ أرادوا إنساء ذكره ومحوه، والله تعالى يريد إعلاءه وإعزازه: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾[5]. ثمّ رجعوا إلى أبيهم, ليستكملوا فصول المؤامرة، فجاءوه في حالة بكاء وعويل، ومعهم قميص أخيهم يوسف عليه السلام، وقد لطّخوه بدم مزيّف، وأخبروه بأنّهم تركوا أخاهم عند متاعهم، فأكله الذئب، وهم لم يشعروا بذلك إلّا بعد فوات الأوان: ﴿وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾[6], فبكى النبيّ يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام، وعلى ما وصلت إليه أنفس أبنائه، من سوء وفساد وتفريط في جنب الله تعالى، ودعا الله تعالى أن يصبّره ويعينه على هذا البلاء: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ

 


[1] سورة يوسف، الآيتان 11-12.

[2] سورة يوسف، الآية 13.

[3] سورة يوسف، الآية 14.

[4] سورة يوسف، الآية 15.

[5] سورة يوسف، الآية 15.

[6] سورة يوسف، الآيات 16-18.

 

143


144

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾[1]. ثمّ مضى إخوة يوسف ليراقبوا الجبّ، حتّى جاءت قافلة من القوافل، فأرسلوا نفراً منهم للاستقاء لهم من البئر، فلمّا أدلى دلوه، تعلّق يوسف عليه السلام بالدلو، فخرج من البئر، واستبشر أصحاب القافلة به: ﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾[2], فدنا منهم أبناء يعقوب عليه السلام، مدّعين أنّه عبد لهم، ثمّ ساوموهم على أخيهم يوسف عليه السلام, حتّى باعوه لهم بثمن بخس: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾[3].

 

رحلة النبيّ يوسف من أرض كنعان إلى أرض مصر

سارت القافلة بالنبيّ يوسف عليه السلام في سفر طويل إلى أرض الفراعنة في مصر، وبعد أنْ حطّوا الرحال، عرضوه للبيع في سوق العبيد، فاشتراه عزيز مصر بعد أن أُعجِبَ هو وامرأته زليخا به، لجماله وأدبه وصفاء روحه وذكائه: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾[4].

 

حياة النبيّ يوسف عليه السلام في بيت عزيز مصر

استقرّ يوسف عليه السلام في بيت عزيز مصر معزّزاً مكرّماً: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[5], إلى أنْ كبر وبلغ أشدّه، فآتاه الله تعالى حكماً وعلماً: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[6]. وقد سوّل الشيطان لامرأة العزيز الفاحشة والخيانة لزوجها، فعشقت يوسف عليه السلام، وشغف قلبها حبّه، حتّى بلغت مبلغاً راودته عن نفسه، وغلّقت الأبواب، ودعته إلى الفاحشة: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا

 

 


[1] سورة يوسف، الآية 18.

[2] سورة يوسف، الآية 19.

[3] سورة يوسف، الآيتان 19-20.

[4] سورة يوسف، الآية 21.

[5] سورة يوسف، الآية 21.

[6] سورة يوسف، الآية 22.

 

144


145

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾[1], فامتنع يوسف عليه السلام عنها، واعتصم بعصمة إلهيّة، مستعيذاً بالله من اقتراف فعل كهذا: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[2]، فلمّا أرادت أن تهمّ به، همّ بدفعها عنه، فأوحى الله تعالى إليه أنْ يولّي مسرعاً، قاصداً الخروج من حجرتها الخاصّة نحو الباب: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾[3], ولكنّها اجتذبته وقدّت قميصه من خلف، وألفيا زوجها واقفاً عند الباب: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾[4], فسارعت إلى اتّهام يوسف عليه السلام بالسوء أمام زوجها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[5], فيما أنكر يوسف عليه السلام ذلك، وأدركته العناية الإلهيّة، بإنطاق صبيّ في المهد كان حاضراً، فنطق ببراءته، فبرّأه الله تعالى أمام المَلِك: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾[6]. ثمّ شاع أمر زوجة العزيز في القصر، وعابتها النساء على ذلك، فما كان منها إلّا أنْ أحضرتهنّ وأخرجت يوسف عليه السلام عليهنّ، فوقعنْ بحبّه، وأردن مراودته: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ

 


[1] سورة يوسف، الآية 23.

[2] سورة يوسف، الآية 23.

[3] سورة يوسف، الآية 24.

[4] سورة يوسف، الآية 25.

[5] سورة يوسف، الآية 25.

[6] سورة يوسف، الآيات 26-29.

 

145


146

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ﴾[1]. وقد بلغت المسألة مبلغاً من السوء بأنْ هدّدنه بالسجن أو إطاعتهنّ إلى ما يَصبِين إليه: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾[2], فتوسّل يوسف عليه السلام إلى الله تعالى أن ينجّيه من هذا السوء، فاستجاب الله تعالى له، وخرج من قصر العزيز إلى السجن: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[3].

 

حياة النبيّ يوسف عليه السلام في السجن

دخل النبيّ يوسف عليه السلام السجن: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾[4], فشرع منذ دخوله في عمليّة الإصلاح والدعوة إلى التوحيد. وحكى القرآن الكريم دخول فتيان للملك معه في السجن، فذكر أحدهما له أنّه رأى في منامه أنّه يعصر خمراً، ورأى الآخر أنّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، وطلبا منه تأويل منامَيهما: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[5], فقال لهما لا يأتيكما طعام إلّا أنبأتكما به، وبوقت مجيئه قبل أن يأتيكما: ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾[6], ودعاهما إلى عبادة الله الواحد الأحد، وترك عبادة الأصنام: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ

 


[1] سورة يوسف، الآيات 30-32.

[2] سورة يوسف، الآية 32.

[3] سورة يوسف، الآيتان 33-34.

[4] سورة يوسف، الآية 35.

[5] سورة يوسف، الآية 36.

[6] سورة يوسف، الآية 37.

 

146


147

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[1], وأجاب الأوّلَ بأنّه سيخرج من السجن، فيصير ساقياً للملك، وأجاب الثاني بأنّه سيُصلب، فتأكل الطير من رأسه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾[2], فكان كما قال لهما: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾[3]. وقال يوسف عليه السلام للذي رأى أنّه ناجٍ منهما: اذكرني عند الملك، فأنساه الشيطان ذِكْر أمر يوسف عليه السلام ومظلوميّته للملك، فلبث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين أخرى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾[4]. ثمّ بعد مرور السنين، رأى الملك رؤيا هالته، فذكرها لكبار قومه من المعبّرين، مستفتياً إيّاهم في تعبيرها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾[5]، فأجابوه بأنّها أضغاث أحلام، فلا تعبير لها: ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾[6], ولم يستسغ الملك هذا الجواب، وطلب البحث عَمّنْ يملك تعبيراً لهذه الرؤيا، فعند ذلك تذكّر الساقي النبيّ يوسف عليه السلام وتعبيره لمنامه في السجن، فذكر ذلك للملك، واستأذنه أنْ يذهب للقائه ويستفتيه في شأن رؤية الملك: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾[7], فأذن له وأرسله إليه. ولمّا جاءه، طلب منه أن يفتيه في أمر الرؤيا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ

 


[1]  سورة يوسف، الآيات 37-40.

[2] سورة يوسف، الآية 41.

[3] سورة يوسف، الآية 41.

[4] سورة يوسف، الآية 42.

[5] سورة يوسف، الآية 43.

[6] سورة يوسف، الآية 44.

[7] سورة يوسف، الآية 45.

 

147


148

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[1], قال له يوسف عليه السلام, سوف تأتي سبع سنين خصبة خيراتها وفيرة، فما حصدتم فيها فذروه في سنبله، إلّا قليلاً ممّا تأكلون لمعاشكم، ثمّ تأتي من بعدها سبع سنين يُصاب الناس فيها بقحط شديد: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾[2]. فلمّا سمع الملك ما أفتى به يوسف عليه السلام، أُعجِبَ به، وأمر بإطلاق سراحه من السجن وإحضاره إليه: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾[3], ولكنّ يوسف عليه السلام أبى الخروج والحضور قبل أنْ يُبرّئه الملك من التهمة التي سُجن بسببها ظلماً: ﴿فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾[4]، فاستجاب الملك لطلبه، فأحضر النسوة، وحكم بينه وبينهنّ، وقد اتّفقن جميعهنّ على تبرئته من التهمة: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾[5], واعترفت زليخا بجرمها: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وكان يوسف عليه السلام في ذلك يبتغي تبرئة نفسه وتنزيهها من تهمة الفحش والخيانة, إحقاقاً للحقّ وإبطالاً للباطل، وإزالة للموانع التي تحول دون استجابة دعوته التوحيديّة وإدارة أمور المجتمع: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ*  وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[6]. وقد استعظم الملك أمره، وأمر بإطلاق سراحه وإحضاره معزّزاً مكرّماً وجيهاً عنده: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾[7].

 


[1] سورة يوسف، الآية 46.

[2] سورة يوسف، الآيات 47-49.

[3] سورة يوسف، الآية 50.

[4] سورة يوسف، الآية 50.

[5] سورة يوسف، الآية 51.

[6] سورة يوسف، الآيات 52-53.

[7] سورة يوسف، الآية 54.

 

148


149

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

تولّي النبيّ يوسف عليه السلام مسؤوليّة الوزارة في مصر

بعد خروج النبيّ يوسف عليه السلام من السجن وثبوت براءته وتقريب الملك إيّاه منه واختصاصه به، طلب يوسف عليه السلام منه أن يجعله قيّماً على خزائن أرض مصر، حتّى يهيّىء الأمور في هذه السنين السبع الخصبة لتلك السنين السبع المجدبة: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[1], فوافق الملك على ذلك، فباشر النبيّ يوسف عليه السلام بوضع الخطط الكفيلة بذلك، وأمر بإجادة الزرع وإكثاره، وجمع الطعام والقمح وحفظه في المخازن بالحزم والتدبير: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾[2], حتّى إذا دهمتهم السنون المجدبة، قسّم فيهم الأرزاق والطعام إلى أن تنتهت هذه المخمصة: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾[3]. وفي تلك المرحلة، تولّى النبيّ يوسف عليه السلام مسؤوليّة الوزارة في أرض مصر، فأصبح عزيز مصر: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾[4]. وفي بعض السنين المجدبة، دخل عليه إخوته، طالبين الحصول على الطعام بعد أنْ أصابهم القحط في أرض كنعان، فعرفهم يوسف عليه السلام، وهم له منكرون: ﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾[5], فاستفسرهم عن حالهم وديارهم، فأجابوه بأنّهم أبناء يعقوب عليه السلام, الشيخ الكبير، وأنّ عددهم أحد عشر، آخرهم أصغرهم، وهو في أرض كنعان مع أبيهم يستأنس به، فطلب منهم أنْ يأتوه به إذا حضروا في المرّة الثانية: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي

 


[1] سورة يوسف، الآية 55.

[2] سورة يوسف، الآية 47.

[3] سورة يوسف، الآيتان 48-49.

[4] سورة يوسف، الآيتان 56-57.

[5] سورة يوسف، الآية 58.

 

149


150

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾[1], فأعطوه العهد بذلك: ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾[2], وأمر فتيانه بإكرامهم وإيفاء كيلهم والزيادة لهم، وجعل بضاعتهم التي جاءوا بها في رحالهم، حتّى إذا ما رجعوا وجدوها، فيطمعون بالرجوع من جديد، ففعلوا ذلك: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[3]. ولمّا رجعوا إلى أبيهم، أخبروه بما جرى عليهم وإكرام الملك لهم. ثمّ بعد أن نفدت مؤونتهم، طلبوا من أبيهم السماح لهم بالذهاب من جديد إلى أرض مصر ومعهم أخوهم بنيامن: ﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[4], فلم يسمح يعقوب عليه السلام بذلك: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[5], ولكنّهم ألحّوا عليه كثيراً مقدّمين له التطمينات والضمانات بأنّ الملك لا يريد بهم وبأخيهم سوءاً، وأنّهم سوف يبذلون كلّ الجهد في حفظه وصيانته: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾[6], حتّى سمح لهم بأخذه معهم، بعد أن أخذ منهم موثقاً بأن يأتوا به معهم عندما يرجعون، إلّا أن يُحاط بهم: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾[7], وأوصاهم بدخول أرض مصر من أبواب متفرّقة: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ

 


[1] سورة يوسف، الآيتان 59-60.

[2] سورة يوسف، الآية 61.

[3] سورة يوسف، الآية 62.

[4] سورة يوسف، الآية 63.

[5] سورة يوسف، الآية 64.

[6] سورة يوسف، الآية 65.

[7] سورة يوسف، الآية 66.

 

150


151

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[1]. ولمّا تجهزوا للسفر ثانية إلى أرض مصر ومعهم أخوهم بنيامين، دخلوا على أخيهم يوسف عليه السلام، فأكرمهم وأحسن ضيافتهم، وآوى إليه أخاه بنيامين وعرّفه بنفسه، وقال له إنّي أنا أخوك يوسف، وأخبره بما يريد أن يفعله بإخوته بحبسه عنده: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[2]. وَلَمَّا ولمّا جهّزهم بجهازهم، جعل السقاية في رحل أخيه بنيامين: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾[3], وناداهم أحد فتيان الملك مستوقفاً إيّاهم، ومتّهمهم بسرقة صواع الملك: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾[4], فأجابوه بأنّهم ليسوا سارقين، وأنّهم لا يبغون الفساد في أرض مصر: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾[5], فما كان من الملك إلا أنْ أنزلهم على الحكم المعمول به في أرض مصر، وأنّه من تثبت عليه جريمة السرقة، فإنّه يُستَرقّ للمَلِك: ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾[6]. فبدأ بتفتيش أمتعتهم قبل متاع أخيه، ثمّ استخرجها منه، فقبض عليه واسترقّه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[7], فقال إخوته: إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل,

 


[1] سورة يوسف، الآيتان 67-68.

[2] سورة يوسف، الآية 69.

[3] سورة يوسف، الآية 70.

[4] سورة يوسف، الآية 70.

[5] سورة يوسف، الآيات 71-73.

[6] سورة يوسف، الآيتان 74-75.

[7] سورة يوسف، الآية 76.

 

151


152

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

 ويقصدون بذلك يوسف عليه السلام: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾[1], ورجَوه مليّاً في أمر أخيهم بنيامين، حتى طلبوا منه أن يأخذ أحدهم مكانه: ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2]، فلم يقبل منهم: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾[3]، فقرّروا الرجوع إلى أبيهم بعد أن يئسوا من استرجاع أخيهم، إلّا كبيرهم الذي بقي في أرض مصر، التزاماً منه بميثاق أبيه الذي أخذه عليهم: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾[4]. فلمّا رجعوا إلى أبيهم، وأخبروه بما حصل، حزن حزناً شديداً، وانطفأ بصره، وقال لهم: بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً، ودعا الله تعالى أن يصبّره ويعينه، ويمنّ عليه بعودة أولاده: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[5]. ثمّ أمرهم بالذهاب إلى أرض مصر من جديد للتفتيش عن أخويهما، وأن لا ييأسوا من رحمة الله تعالى: ﴿َا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[6], فامتثل

 


[1] سورة يوسف، الآية 77.

[2] سورة يوسف، الآية 78.

[3] سورة يوسف، الآية 79.

[4] سورة يوسف، الآيات 80-82.

[5] سورة يوسف، الآيات 83-86.

[6] سورة يوسف، الآية 87.

 

152


153

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

أبناء يعقوب عليه السلام لأمر أبيهم، وساروا من جديد إلى أرض مصر، فلمّا وصلوا استأذنوا النبيّ يوسف عليه السلام، فأذن لهم بالدخول، فاسترحموه، وتضرّعوا إليه في أمر أخيهم وأنفسهم وأهليهم: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾[1], عندها بدأ يوسف عليه السلام بالكشف لهم من خلال مساءلتهم عن نفسه، وتأنيبهم على ما فعلوا به وبأبيه، حتّى عرفوه: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[2], وقال لهم: إنَّ الله تعالى يحفظ عباده ويصونهم من السوء، ويعوّضهم لصبرهم على المكاره: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[3]، فعندها أقرّوا أمامه بجرمهم وخطيئتهم: ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾[4]، عفا عنهم، ودعا لهم بالاستغفار والقبول: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[5], وطلب منهم أن يرجعوا إلى أرض كنعان، ويُلقوا قميصه على وجه أبيهم، فيُردّ إليه بصره، وأن يأتوا به وبأهله أجمعين إلى أرض مصر: ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[6]. فلمّا رجعوا إلى أبيهم، تحسّس وصولهم قبل أن يصلوا إليه، وذكر يوسف عليه السلام: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾[7]، فما لبث أن وصلوا إليه، وألقوا قميص يوسف عليه السلام على وجهه، فارتدّ له بصره: ﴿ فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي

 


[1] سورة يوسف، الآية 88.

[2] سورة يوسف، الآيتان 89-90.

[3] سورة يوسف، الآية 90.

[4] سورة يوسف، الآية 91.

[5] سورة يوسف، الآية 92.

[6] سورة يوسف، الآية 93.

[7] سورة يوسف، الآيتان 94-95.

 

 

153


154

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[1]، فاعترف أبناء يعقوب له بخطيئتهم، وتضرّعوا إليه بأنْ يدعو لهم بالمغفرة، فأجابهم بعدما أحسّ منهم الندم على ما فعلوه، وصدق النيّة على التوبة والرجوع عن خطيئتهم: ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[2]. ثمّ حملوا أباهم وأهلهم جميعاً، ورجعوا إلى أرض مصر من جديد، فلمّا حضروا، أجلس يوسف عليه السلام أباه وأمّه (أي خالته) على العرش: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ...* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾[3], ومن ثمّ أمر النبيّ يعقوب عليه السلام أبناءه الأحد عشر وزوجته بالسجود لله، تكريماً ليوسف عليه السلام، وسجد معهم: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا﴾[4], ثمّ قال يوسف عليه السلام لأبيه عليه السلام: إنّ ما حصل هو تأويل رؤياه في صغره، فقد جعلها الله تعالى حقّاً، ومنّ عليه، وعلى آل يعقوب بالملك والعلم، فشكر الله تعالى على نعمه: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[5]، وقرّب إليه إخوته، وأعطاهم الأمان، وأسكنهم أرضَ مصر: ﴿وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾[6]، وقد بقي بنو إسرائيل فيها إلى أنْ أرسل الله تعالى نبيّه موسى عليه السلام، فأخرجهم منها إلى أرض فلسطين.

 


[1] سورة يوسف، الآية 96.

[2] سورة يوسف، الآيتان 97-98.

[3] سورة يوسف، الآيتان 99-100.

[4] سورة يوسف، الآية 100.

[5] سورة يوسف، الآيتان 100-101.

[6] سورة يوسف، الآية 99.

 

154


155

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

سيرة النبيّ يوسف عليه السلام التبليغيّة

أثنى القرآن الكريم على النبيّ يوسف عليه السلام، كما أثنى على نوح عليه السلام وإبراهيم عليه السلام وآل إبراهيم عليه السلام، الذين آتاهم الله تعالى العلم والكتاب والحكم والنبوّة، وأتمّ نعمته عليهم، واجتباهم، وهداهم إلى صراط مستقيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[1], ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾[2]، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾[3], ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾[4]، ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الله تعالى من المحسنين: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[5], ومن المخلَصين: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾[6], ومن الصدّيقين: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾[7]، ومن المسلمين: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[8], ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[9]، وعلّمه من تأويل الأحاديث: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾[10], ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾[11], ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾[12], وألحقه في الآخرة بالصالحين: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[13].

 


[1] سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89.                      

[2] سورة يوسف، الآية 101.

[3] سورة يوسف، الآية 22.

[4] سورة يوسف، الآية 21.

[5] سورة يوسف، الآية 6.

[6] سورة الأنعام، الآية 84؛ سورة يوسف، الآية 22.

[7] سورة يوسف، الآية 24.

[8] سورة يوسف، الآية 46.

[9] سورة يوسف، الآية 101.

[10] سورة يوسف، الآية 21.

[11] سورة يوسف، الآية 101.

[12] سورة يوسف، الآية 6.

[13] سورة يوسف، الآية 101.

 

155


156

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

وقد اجتهد النبيّ يوسف عليه السلام في الدعوة إلى الله تعالى وتوحيده، في بيئة كانت عاكفة على عبادة الأصنام، موقظاً فيهم الفطرة، ومستثيراً فيهم العقل بأسلوب حكيم وموعظة حسنة، فاستطاع أن يحوّلها إلى بيئة توحيد لله تعالى، وأقام حكم الله تعالى فيها على شريعة النبيّ إبراهيم عليه السلام، إلى أنْ اختاره الله تعالى لجواره: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[1]. وحكى القرآن الكريم عن أتباعه من بني إسرائيل ظنّهم بعدم إرسال الله تعالى رسولاً بعد يوسف عليه السلام، وذَمَّهم على ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾[2].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ يوسف عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ يوسف عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- الرؤيا الحقّة تحكي عن أمر واقع في مستقبل الأيّام، وتأويلُها هو وقوع هذا الأمر: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾, ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.

 

- تأويل الرؤيا والمنام علم إلهيّ، يؤتيه الله تعالى خواصّ عباده: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ

 


[1] سورة يوسف، الآية 37 – 40.

[2] سورة غافر, الآية 34.

 

156


157

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

الأَحَادِيثِ﴾, ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾, ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾.

 

- على الإنسان أن يكتم بعض أمره، حرصاً على عدم استثارة مكامن الحسد في نفوس الآخرين: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.

 

- عندما يسيطر الحسد على النفس، تنقلب المفاهيم والقيم الفطريّة والمنطقيّة لدى الحاسد، فلا تنفعه قرابة نسبيّة ولا رقابة إلهيّة: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾, ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.

 

- الله تعالى يتولّى عباده المخلصين، ويتعهّدهم برعايته، ويدفع عنهم الأذى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾, ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾, ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.

 

- الخوض في رذيلة يستتبع الوقوع في أخرى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.

 

- الإذعان للشهوات يُورث الذلّ والمهانة: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ

 

157


158

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

الْخَاطِئِينَ * وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾, ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ * وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * ... الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

 

- الله تعالى يدفع السوء عن عباده المُخلَصين برحمته ولطفه: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾, ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

 

- الإنسان الإلهيّ جُلُّ همّه رضا الله تعالى، لا راحة نفسه ورضاها: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

 

- على الداعي أن يستفيد من جميع الظروف في الدعوة إلى الله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

 

- على الداعي أن ينظر بعين الحكمة والبصيرة إلى طبيعة الابتلاء ومدّته، ودورهما في تهيئة الظروف المؤاتية, للدعوة إلى الله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾, ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾, ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾, ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.

 

- الالتزام بتوجيهات المعصوم عليه السلام يحول دون هلاك الحرث والنسل: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ  * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.

 

 

158


159

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

- ضرورة التخطيط الاستراتيجيّ في مواجهة الحوادث المستقبليّة: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾.

 

- على المظلوم أن يَنشد إثبات الحقيقة، لا رفع العقوبة عنه فحسب: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *  ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يقرّ بشمول لطف الله تعالى له في التزامه بالطاعة، واجتنابه المعصية، ويشكره على التوفيق لهما، ولا يغترّ بذلك: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

 

- الله تعالى ينصر المظلوم الصابر والمتّقي، ولو بعد حين: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾, ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ *  قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.

 

- الجري في الأمور وفق الأسباب، مع التوكّل على الله تعالى في كلّ أمر: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

 

- تبعات الذنب تلاحق المذنب طيلة حياته، وتنغّص عيشه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ

 

159


160

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾.

 

- على الإنسان أن لا ينسى مظلوميّة أخيه الإنسان مع مرور الزمن: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ *  قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ *  قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

 

- على الإنسان أن لا يقنط من رحمة الله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

 

- عفو المظلوم عن الظالم التائب من كمال النفس: ﴿  قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *  اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ... قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ *  قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.

 

- من كمال العفو نسبة الظلم الواقع إلى الشيطان، وتبرئة الظالم منه: ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾.

 

- الملك والسلطة والجاه لا يحولان دون إخفاض الجناح للوالدين: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾.

 

- على الإنسان أن يشكر الله تعالى على بلائه ونعمائه: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.

 

- على الإنسان البصير أن يعتبر وينتفع من أحوال الأنبياء عليهم السلام وأممهم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.

 

 

160


161

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- النبيّ يوسف عليه السلام هو الابن الحادي عشر من الأبناء الاثني عشر للنبيّ يعقوب  عليه السلام، اجتباه الله تعالى منذ صغره، واختصّه بعنايته، فبّشره في صغره برؤيا، رأى فيها أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، فقصّها على أبيه، فأوصاه بكتم هذه الرؤيا عن إخوته، لكي لا يحسدوه، وقد أوّلها له بأنّ الله تعالى سيجتبيه، ويعلّمه من تأويل الأحاديث، ويتمّ نعمته عليه، كما أتمّها على آبائه  عليهم السلام.

 

2- أضمر إخوة يوسف عليه السلام له حسداً، وقرّروا قتله، ثمّ استقرّ أمرهم على إبعاده عن أبيهم، فعمدوا إلى إلقائه في بئر، ثمّ بيعه لقافلة متوجّهة إلى أرض مصر.

 

3- عاش يوسف عليه السلام في مصر في قصر العزيز، ثمّ ما لبث أنْ لحقه أذى من زوجة العزيز التي ألقته في السجن ظلماً وعدواناً، فلبث فيه بضع سنين، ثمّ خرج منه بعد تأويله رؤيا الملك وثبوت براءته، فمنّ الله تعالى عليه بمنصب وزارة مصر.

 

4- مكّن الله تعالى لنبيّه يوسف عليه السلام في أرض مصر، وانتصر له على ظلم إخوته، وحقّق له رؤيته بعد أنْ جاء بأهله وإخوته من أرض كنعان إلى أرض مصر.

 

فكّر وأجب

1- تكلّم عن رؤية النبيّ يوسف عليه السلام وتأويلها.

 

2- ما رؤية الملك؟ وكيف أوّلها النبيّ يوسف عليه السلام له؟

 

3- بيّن كيف انتصر الله تعالى لنبيّه يوسف عليه السلام على زليخا وإخوته.

 

 

161


162

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

مطالعة

عن الصفّار، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله صلوات الله عليه: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: "حُزن سبعين ثكلى، قال: ولمّا كان يوسف صلوات الله عليه في السجن، دخل عليه جبرئيل  عليه السلام، فقال: إنّ الله تعالى ابتلاك وابتلى أباك، وإنّ الله ينجيك من هذا السجن، فاسأل الله بحقّ محمّد وأهل بيته أنْ يخلّصك ممّا أنت فيه، فقال يوسف: اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وأهل بيته، إلّا عجّلت فرجي، وأرحتني ممّا أنا فيه، قال جبرئيل عليه السلام: فأبشر أيّها الصدّيق، فإنّ الله تعالى أرسلني إليك بالبشارة، بأنّه يخرجك من السجن إلى ثلاثة أيام، ويملّكك مصر وأهلها، تخدمك أشرافها، ويجمع إليك إخوتك وأباك، فأبشر أيّها الصدّيق، إنّك صفيّ الله وابن صفيّه. فلم يلبث يوسف عليه السلام إلّا تلك الليلة حتّى رأى الملك رؤيا أفزعته، فقّصها على أعوانه، فلم يدروا ما تأويلها. فذكر الغلام الذي نجا من السجن يوسفَ، فقال له: أيّها الملك، أرسلني إلى السجن، فإنّ فيه رجلاً لم يُرَ مثله حلماً وعلماً وتفسيراً، وقد كنت أنا وفلان، غضبت علينا، وأمرت بحبسنا، رأينا رؤيا، فعبّرها لنا، وكان كما قال، ففلان صُلب، وأمّا أنا فنجوت، فقال له الملك: انطلق إليه، فدخل وقال: يا يوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾. فلمّا بلغ رسالة يوسف الملك، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾, فلمّا بلغ يوسف رسالة الملك، قال: كيف أرجو كرامته وقد عرف براءتي وحبسني سنين. فلمّا سمع الملك، أرسل إلى النسوة، فقال: ما خطبكنّ، ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾, فأرسل إليه وأخرجه من السجن. فلمّا كلّمه، أعجبه كماله وعقله، فقال له: أقصص رؤياي، فإنّي أريد أنْ اسمعها منك، فذكره يوسف كما رأى وفسّرها. قال الملك: صدقت، فمَن لي بجمع ذلك وحفظه؟ فقال يوسف: إنّ الله تعالى أوحى إليّ إنّي مدبّره والقيّم به في تلك السنين، فقال له الملك: صدقت، دونك خاتمي وسريري وتاجي. فأقبل يوسف على جمع الطعام في السنين السبع الخصيبة يكبسه في الخزائن في سنبله، ثمّ أقبلت السنون المجدبة، أقبل يوسف عليه السلام على بيع

 

 

162


163

الدرس السابع: النبيّ يوسف عليه السلام

الطعام، فباعه في السنة الأولى بالدراهم والدينار، حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلّا صار في مملكة يوسف، وباعه في السنة الثانية بالحلي والجواهر، حتّى لم يبقَ بمصر حليّ ولا جوهر إلّا صار في مملكته، وباعه في السنة الثالثة بالدوابّ والمواشي حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها دابّة ولا ماشية إلّا صارت في مملكة يوسف، وباعه في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها عبد ولا أَمَة إلّا وصار في مملكة يوسف، وباعه في السنة الخامسة بالدور والعقار حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها دار ولا عقار إلّا صار في مملكة يوسف، وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار، حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة إلّا صار في مملكة يوسف عليه السلام، وباعه في السنة السابعة برقابهم، حتّى لم يبقَ بمصر وما حولها عبد ولا حرّ إلّا صار في مملكة يوسف عليه السلام، وصاروا عبيداً له. فقال يوسف للملك: ما ترى فيما خوّلني ربّي؟ قال: الرأي رأيك، قال: إنّي أشهد الله وأشهدك أيّها الملك أنّي أعتقت أهل مصر كلّهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك خاتمك وسريرك وتاجك، على أنْ لا تسير إلّا بسيرتي، ولا تحكم إلّا بحكمي، فالله أنجاهم على يدَي، فقال الملك: إنّ ذلك لديني وفخري، وأنا أشهد أنْ لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّك رسوله، وكان من إخوة يوسف وأبيه ما ذكرته"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص134-136.

 

 

163


164

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

الدرس الثامن

النبيّ أيّوب عليه السلام النبيّ هارون عليه السلام

 

أهداف الدرس 

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

 1- يتعرّف إلى قصص النبيَّين أيّوب عليه السلام وهارون عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين أيّوب عليه السلام وهارون عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين أيّوب عليه السلام وهارون عليه السلام.

 

165


165

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

قصّة النبيّ أيّوب عليه السلام

هو أيوب بن موص بن رزاح (وقيل بن رعويل) بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. كان كثير الأولاد والمال من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتّسعة بأرض الثنية من أرض حوران، في بلاد الشام[1]، وهو من أنبياء بني إسرائيل. وقد ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة، هي:

- ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * ...*  رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[2].

 

- ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * ... وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ... أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[3].

 

- ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾[4].

 


[1] انظر: الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، ج1، ص226؛ ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج1، ص360.

[2] سورة النساء، الآيتان 163، 165.

[3] سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89.

[4] سورة الأنبياء، الآيتان 83-84.

 

 

167


166

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

- ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[1].

 

اختار الله تعالى أيوب عليه السلام للنبوّة وللرسالة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ ... رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[2]، واجتباه وهداه إلى صراط مستقيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ ... وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[3], وعدّه من المحسنين: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[4], وأثنى عليه, لصبره في جنب الله، وانقطاعه إليه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[5]. وحكى القرآن الكريم شمول البلاء له في نفسه وماله وولده، فذهبت أمواله، ومات أولاده، وابتلي في بدنه بمرض شديد مدّة طويلة من الزمن، حتى أصبح ضعيفاً، لا معين له من نفسه وماله وولده، فهجره قومه ورغبوا عنه، حتّى اتّهموه في دينه بسبب شدّة البلاء الذي أصابه، وقد دعا اللهَ تعالى، وشكا إليه ما ألمّ به من بلاء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[6]، وما لحقه من الناس من اتّهام بالسوء، وبالتفريط في جنب الله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾[7], فاستحباب الله تعالى له، وورفع عنه بلاءه في

 


[1] سورة ص، الآيات 41-44.

[2] سورة النساء، الآيتان 163، 165.

[3] سورة الأنعام، الآيتان 84، 87.

[4] سورة الأنعام، الآية 84.

[5] سورة ص، الآية 44.

[6] سورة الأنبياء، الآية 83.

[7] سورة ص، الآية 41.

 

168


167

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

نفسه وماله وولده، فأمره بأن يضرب برجله الأرض، فيخرج منها ماء بارد, ليغسل بدنه به ويشرب منه فيُشفى، وأعاد له ماله وأولاده الذين ماتوا، ورزقه ضِعفهم: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾[1], ودحض بذلك تُهَم قومه له. وقد كان للنبيّ أيّوب زوجة لازمته أثناء محنته وابتلائه، ولكنّها فعلت أمراً ساء زوجَها أثناء مرضه، لم يذكره القرآن، تأدّباً ورعاية للنبيّ أيوب عليه السلام، الذي حلف أنْ يعاقبها عليه، بعد أن يمنّ الله تعالى عليه بالشفاء والعافية. ولصلاحها وصبرها مع زوجها، ورعاية لحفظ الأيمان، أمره الله تعالى بعد شفائه أنْ يأخذ ملء كفّه خليطاً من الحشيش وأوراق الأشجار والعيدان وما شابهها، ويرميها به: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[2].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ أيّوب عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد في القرآن الكريم من قصّة النبيّ أيوب عليه السلام، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- البلاء اختبار وامتحان إلهيّ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يصبر على البلاء في جنب الله تعالى، وينقطع إليه ولا يجزع: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

 

- الله تعالى يستجيب دعوة المبتلى الصابر المنقطع إليه، ويرفع عنه البلاء، ويجزيه على صبره: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾, ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾.

 


[1] سورة ص، الآيتان 42-43.

[2] سورة ص، الآية 43.

 

169


168

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

- الشيطان يسوّل للناس سوء الظنّ بالمبتلى الصابر, لثنيه عن صبره: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.

 

- إعانة المبتلى الصابر على بلواه لا تضيع عند الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

 

قصّة النبيّ هارون عليه السلام

هو هارون بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام[1]. ورد ذكْره في القرآن الكريم مقترناً بذِكْر قصّة أخيه النبيّ موسى عليه السلام، وسوف يجري تفصيل الكلام فيها[2]. ومن المواضع التي ذُكِر فيها، قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي *  هَارُونَ أَخِي *  اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *  وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *  كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا  * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *  فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى *  فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا *  أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾[3].

 

اختار الله تعالى النبيّ هارون بن عمران عليه السلام للنبوّة، واختصّه في من اختصّه

 


[1] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج1، ص210.

[2] سورة النساء، الآيات 163-165؛ سورة الأعراف، الآيات 142، 150-151؛ سورة يونس، الآية 75؛ سورة طه، الآيات 29-36، 42-48، 90-94؛ سورة الشعراء، الآيات 12-17، 47-48؛ سورة القصص، الآيات 33-35. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ موسىعليه السلام والنبيّ هارون عليه السلام.

[3] سورة طه، الآيات 29-36، 42-48، 90-94.

 

170


169

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

بوحيه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ﴾[1], وجعله وزيراً لأخيه موسى عليه السلام،ومعيناً له في دعوته، فكان نعم الأخ المواسي والمعين لأخيه: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *  كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾[2]. وقد رافقه في رحلته التبليغيّة في أرض مصر، حيث آزره في الدعوة إلى الله تعالى، وواجه معه فرعون وقومه: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي *  اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى *  إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾[3]. ثمّ رافقه في خروجه منها إلى أرض سيناء، وهناك استخلفه موسى عليه السلام في قومه عند ذهابه إلى الميقات: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[4]، فنصحهم وواجههم بعدما عبدوا العجل، وبذل جهده في صدّهم عن ذلك: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي *  قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى *  قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا  *  أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾[5], ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ

 


[1] سورة النساء، الآية 163.

[2] سورة طه، الآيات 29-36.

[3] سورة طه، الآيات 42-48.

[4] سورة الأعراف، الآية 142.

[5] سورة طه، الآيات 90-94.

 

171


170

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

الرَّاحِمِينَ﴾[1]، ثمّ عزم معه على دخول أرض فلسطين: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[2]. وسوف يأتي مزيد تفصيل وبيان لقصّته عليه السلام عندما نتناول قصّة أخيه النبيّ موسى عليه السلام.

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ هارون عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ هارون عليه السلام، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- سنّة الاستخلاف في المجتمع الإنسانيّ وعدم ترك الناس من دون مرجع في أمر دينهم ودنياهم: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

- ضرورة حفظ أمانة المستخلِف: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾, ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.

 

- المؤازة في الدعوة أبلغ في التأثير، وآكد في إتمام الحجّة: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.

 

- على الداعي أن يصبر على نصرة الحقّ، حتّى لو خالفه كثير من الناس: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.

 

- على الداعي أن يبذل قصارى جهده في ثني الناس عن الباطل: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي﴾, ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.

 

- على الداعي أن لا يستوحش طريق الحقّ لقلّة سالكيه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.

 


[1] سورة الأعراف، الآيتان 150-151.

[2] سورة المائدة، الآية 25.

 

172


171

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

الأفكار الرئيسة

1- النبيّ أيّوب عليه السلام هو من أنبياء بني إسرائيل. يرجع نسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام. كان كثير الأولاد والمال من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتّسعة بأرض الثنية من أرض حوران في بلاد الشام. وقد ابتلاه الله تعالى في نفسه وماله وولده، فذهبت أمواله، ومات أولاده، وابتلي في بدنه بمرض شديد مدّة طويلة من الزمن، حتى أصبح ضعيفاً، لا معين له من نفسه وماله وولده، فهجره قومه، ورغبوا عنه، واتّهموه في دينه بسبب شدّة البلاء الذي أصابه، وقد دعا الله تعالى، وشكى إليه ما ألمّ به من بلاء، فكشف عنه ذلك، وردّ عليه عافيته وماله وولده، وبارك له فيهم.

 

2- اختار الله تعالى النبيّ هارون بن عمران عليه السلام للنبوّة، واختصّه في من اختصّه بوحيه، وجعله وزيراً لأخيه موسى عليه السلام، ومعيناً له في دعوته، فكان نعم الأخ المواسي والمعين لأخيه. وقد رافقه إلى أرض مصر، وفي خروجه منها إلى أرض سيناء.

 

فكّر وأجب

1- بماذا ابتلى الله تعالى نبيّه أيّوب عليه السلام؟ وما موقف قومه من ابتلائه؟

 

2- كيف كشف الله تعالى البلاء عن النبيّ أيّوب عليه السلام؟

 

3- كيف عاون النبيّ هارون عليه السلام أخاه النبيّ موسى عليه السلام في دعوته؟

 

173


172

الدرس الثامن: النبيّ أيّوب عليه السلام، النبيّ هارون عليه السلام

مطالعة

عن السيّد المرتضى بن الداعي الحسينيّ، عن جعفر الدوريستي، عن أبيه، عن ابن بابويه، عن أبيه، حدّثنا سعد بن عبد الله، حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي الخزّاز، عن فضل الأشعريّ، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه، قال: "ابتُلي أيّوب عليه السلام سبعَ سنين بلا ذنب. وقال: ما سأل أيّوب عليه السلام العافية في شيء من بلائه. وقال: قال أبي عليه السلام: إنّ أيّوب ابتلي من غير ذنب، وإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم لا يذنبون, لأنّهم معصومون، ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً. وقال: "إنّ الله تعالى ابتلى أيوب بلا ذنب، فصبر حتّى عُيِّر، والأنبياء لا يصبرون على التعيير".

 

وعن سعد بن عبد الله، حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن عليّ، عن داوود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذُكر أيّوب عليه السلام، فقال: قال الله جلّ جلاله: "إنّ عبدي أيّوب ما أُنعِم عليه بنعمه - إلّا ازداد شكراً، فقال الشيطان: لو نصبت له البلاء، فابتليته كيف صبره؟! فسلّطه على إبله ورقيقه، فلم يترك له شيئاً غير غلام واحد. فأتاه الغلام، فقال: يا أيّوب، ما بقي من إبلك ولا من رقيقك أحد إلّا وقد مات، فقال أيّوب: الحمد لله الذي أعطى، والحمد لله الذي أخذ، فقال الشيطان: إنّ خيله أعجب إليه، فسلّط عليها، فلم يبقَ منها شيء إلّا هلك، فقال أيّوب: الحمد لله الذي أعطى، والحمد لله الذي أخذ. وكذلك بقره، وغنمه، ومزارعه، وأرضه، وأهله، وولده، حتّى مرض مرضاً شديداً، فأتاه أصحاب له، فقالوا: يا أيّوب، ما كان أحد من الناس في أنفسنا، ولا خير علانية خيراً عندنا منك، فلعلّ هذا لشيء كنت أسررته فيما بينك وبين ربّك، لم تُطْلع عليه أحداً، فابتلاك الله من أجله، فجزع جزعاً شديداً، ودعا ربّه، فشفاه الله تعالى، وردّ عليه ما كان له من قليل أو كثير في الدنيا. قال: وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً﴾، فقال: الذين كانوا ماتوا"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص142-143.

 

174


173

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

الدرس التاسع

النبيّ موسى عليه السلام (1)

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصّة النبيّ موسى عليه السلام الواردة في القرآن الكريم منذ ولادته إلى خروجه مع بني إسرائيل من مصر.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيّ موسى عليه السلام في هذه المحطّات من دعوته.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من هذه المحطّات من قصّة النبيّ موسى عليه السلام.

 

175


174

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

قصّة النبيّ موسى عليه السلام

هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب (4) بن إسحاق (4) بن إبراهيم[1] عليه السلام. وقد ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[2]، منها: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ*  وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ *  قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ  * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾[3].

 


[1] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج1، ص210.

[2] سورة البقرة، الآيات 50-61، 63-64، 67-73، 92-93؛ سورة النساء، الآيات 153-154، 164-165؛ سورة المائدة، الآيات 20-26، 44-45؛ سورة الأعراف، الآيات 103-155؛ سورة يونس، الآيات 75-93؛ سورة الإسراء، الآيات 101-103؛ سورة الكهف، الآيات 60-82؛ سورة طه، الآيات 9-89؛ سورة الشعراء، الآيات 10-66؛ سورة النمل، الآيات 7-14؛ سورة القصص، الآيات 7-48؛ سورة غافر، الآيات 23-27، 53-54؛ سورة الزخرف، الآيات 46-56؛ سورة الدخان، الآيات 17-24؛ سورة النازعات، الآيات 15-25؛ سورة الأعلى، الآيات 14-19. وقد أوردنا هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ موسى عليه السلام.

[3] سورة الأعراف، الآيات 103-122.

 

177


175

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

بالتأمّل في هذه الآيات التي ورد فيها ذِكْر النبيّ موسى عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق المحطّات التالية:

ولادة النبيّ موسى عليه السلام ونشأته

بعد أنْ أحضر النبيّ يوسف عليه السلام بني إسرائيل إلى أرض مصر، وآمنهم فيها: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾[1], تكاثروا كثرة خاف على إثرها الأقباط من أهل مصر، فاستعبدوهم واسترقّوهم، وقتلوا أبناءَهم: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾[2]، ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾[3], إلى أنْ منّ الله تعالى على بني إسرائيل بولادة النبيّ موسى عليه السلام, ليرفع عنهم هذا الاستعباد والظلم الحاصل بهم: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾[4]. وقد علم فرعون ملك مصر بنبوءة ولادة مخلّص بني إسرائيل، فخاف على ملكه منه، فأمر جنوده بأنْ يقتلوا كلّ مولود ذكر يُولَد[5]. ولمّا أولدت أمّ موسى عليه السلام وَلَدها موسى عليه السلام، خافت عليه من القتل، فألهمها الله تعالى أن ترضعه، وتضعه في تابوت، وتلقيه في البحر، وربط على قلبها وطمأنها بأنّه حافظه ومنجّيه من كلّ سوء، وجاعله رسولاً: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[6], ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا

 


[1] سورة يوسف، الآية 99.

[2] سورة البقرة، الآية 49.

[3] سورة الأعراف، الآية 141.

[4] سورة طه، الآية 47.

[5] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، مصدر سابق، ص147-148.

[6] سورة طه، الآيتان 38-39.

 

 

178


176

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1], ففعلت ذلك، فسار التابوت وفيه موسى عليه السلام، ورسا على ضفاف البحر، فالتقطته خادمات قصر فرعون، وجئن به إليه، فأقنعته زوجته بأنْ يحتفظا به ويربياه، فقبل بذلك: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[2]. وقد أرسلت أمّ موسى عليه السلام أخته لتحرّي أمره في قصر فرعون، من دون أن يعلم بها أحد: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[3]، فوجدته لا يرتضي الارتضاع من النساء: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾[4]. ولمّا وجدت القائمين عليه متحيّرين في أمره، أقبلت إليهم، وعرضت عليهم إرشادهم إلى مرضعة: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾[5]، ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾[6], فقبلوا بذلك، فردّ الله تعالى موسى عليه السلام بمنّه ولطفه إلى أمّه: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾, ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[7].

 

ثمّ ترعرع موسى عليه السلام، وبلغ أشدّه في قصر فرعون، وقد آتاه الله تعالى القدرة على الحكم السديد في الأمور، والعلم المصيب بحقائق الأشياء: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[8]، فلم يتأثّر في تربيته ببيئة القصر الفاسدة والظالمة، وكان ينقم على فرعون وقومه الذين عاثوا فساداً وظلماً واستعباداً لبني إسرائيل. وذات يوم، خرج في المدينة، فصادف رجلين يقتتلان، أحدهما من الأقباط،

 


[1] سورة القصص، الآيتان 7، 10.

[2] سورة القصص، الآيتان 8-9.

[3] سورة القصص، الآية 11.

[4] سورة القصص، الآية 12.

[5] سورة طه، الآية 40.

[6] سورة القصص، الآية 12.

[7] سورة القصص، الآية 13.

[8] سورة القصص، الآية 14.

 

179


177

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الذي من بني إسرائيل، مستنصراً إيّاه على القبطيّ الذي يريد أن يبطش به ظلماً: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾[1], فقام موسى عليه السلام بدفع القبطي بملء كفّه، ممّا أدّى إلى قتله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾[2]. ولم يقصد النبيّ موسى عليه السلام أن تفضي وكزته للقبطيّ إلى قتله، فعدّ ذلك من عمل الشيطان الذي يريد أن يقلّب عليه الأمور في هذا الوقت العصيب: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾[3], فاستعظم ما صدر منه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[4]، وشكر الله تعالى على تجنيبه السوء، وجعله إيّاه نصيراً للمظلومين، ودعاه أن لا يجعله نصيراً للمجرمين، وهم فرعون وأعوانه وجنوده: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾[5]. وفي اليوم الثاني، كان النبيّ موسى عليه السلام يمشي في المدينة خائفاً من انكشاف أمره: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾[6], فلقي الرجل الذي استغاثه بالأمس يستنجده على رجل آخر من الأقباط: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾[7], فلامه موسى عليه السلام على هذه التصرّفات غير المسؤولة التي تثير المشاكل، وتستفزّ الأعداء: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾[8], ولكنّه ما لبث أنْ أراد دفع ظلم القبطيّ عنه، فظنّ الرجل أنّه يريد أن يقتله، فقال له أتريد أن تقتلني كما قتلت الرجل القبطيّ بالأمس: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ

 


[1] سورة القصص، الآية 15.

[2] سورة القصص، الآية 15.

[3] سورة القصص، الآية 15.

[4] سورة القصص، الآية 16.

[5] سورة القصص، الآية 17.

[6] سورة القصص، الآية 18.

[7] سورة القصص، الآية 18.

[8] سورة القصص، الآية 18.

 

180


178

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

الْمُصْلِحِينَ﴾[1], فعرف القبطيّ الآخر بالأمر، فذهب مسرعاً إلى فرعون وأخبره بالأمر، فبعث فرعون جنوده يبحثون عن موسى عليه السلام، وطلب منهم إحضاره إليه، فجاءه رجل مؤمن ناصحاً له بالخروج من أرض مصر، لأنّ فرعون وجنوده يريدون به سوءاً: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾[2], ففرّ موسى عليه السلام هارباً متوجّهاً إلى أرض مَدْيَن، يدعو الله تعالى أن ينجّيه من القوم الظالمين: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ﴾[3], فأنجاه الله تعالى برحمته ولطفه: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾[4].

 

هجرته عليه السلام إلى مَدْيَن

لمّا وصل موسى عليه السلام إلى مدين، وهي مدينة قوم النبيّ شعيب عليه السلام، على الساحل الغربيّ للبحر الأحمر، وجد مجموعة من الرجال الرعاة يستقون مواشيهم على ماء البئر، ومن دونهم امرأتانِ تنتظران جانباً، فسألهما عن حاجتهما، فأجابتاه بأنّ لهما أباً شيخاً كبيراً[5]، وهما تنتظران حتّى ينفضّ الرعاة عن الماء لتَرِداه وتستقيا مواشيهما: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾[6], فأعانهما بسقايته مواشيهما: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾[7], ثمّ تولّى عنهما إلى مكان ليستريح فيه ويستظلّ من شدّة الحرّ، حامداً لله تعالى، وشاكراً له على إعانته إيّاه، وتكفّله برحمته:

 


[1] سورة القصص، الآية 19.

[2] سورة القصص، الآية 20.

[3] سورة القصص، الآية 21-22.

[4] سورة طه، الآية 40.

[5] قيل: هو النبيّ شعيب عليه السلام، وقيل: هو ابن أخيه، وقيل: هو شيخ من أهل مدين، انظر: الطوسيّ، محمّد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العامليّ، ط1، طهران، مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1409هـ.ق، ج8، ص143. والأظهر أنّه ليس شعيباً عليه السلام؛ لأنّ بينه وبين موسى عليه السلام زمناً معتدّاً به، بحسب ما أورده القرآن من سياق قصصهما وقصص غيرهما من الأنبياء عليهم السلام.

[6] سورة القصص، الآية 23.

[7] سورة القصص، الآية 24.

 

181


179

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾[1]. وبعد أن عادت بنات الشيخ الكبير، قصّتا عليه ما جرى معهما، فما كان منه إلّا أن أرسل إليه إحدى ابنتيه لدعوته، وشكره على مساعدته وإعانته لابنتيه: ﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾[2], فلمّا أتى النبيّ موسى عليه السلام، قصّ عليه أمره، وما جرى عليه في مصر، فقال له الشيخ الكبير: لقد أنجاك الله تعالى بلطفه من القوم الظالمين: ﴿فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[3]. وقد طلبت إحدى ابنتيه منه أن يستأجر موسى عليه السلام، ويزوّجه من إحداهما: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[4], فعرض الشيخ عليه أنْ يزوّجه إحدى ابنتيه، وطلب منه مهراً لها بأنْ يخدمه ويتولّى رعاية مواشيه ثماني سنين، فإنْ أتمّ عشراً فمن عنده تفضّلاً وتكرّماً: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[5], فقبل موسى عليه السلام بذلك، مع تعليقه قبولَ الزيادة على قادم الأيّام: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾[6].

 

عودته عليه السلام إلى مصر

وبعد انقضاء مدّة العقد الذي أبرمه النبيّ موسى عليه السلام مع الشيخ الكبير، ومكوثه في مدين تلك السنين: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾[7], تهيّأ واستعدّ لتلقّي التكليف الإلهيّ ومسؤوليّة الدعوة: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ

 


[1] سورة القصص، الآية 24.

[2] سورة القصص، الآية 25.

[3] سورة القصص، الآية 25.

[4] سورة القصص، الآية 26.

[5] سورة القصص، الآية 27.

[6] سورة القصص، الآية 28.

[7] سورة القصص، الآية 29.

 

182


180

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

لِنَفْسِي﴾[1], فرجع مع أهله إلى أرض مصر عبر الصحراء، فتاهَ فيها ليلاً، وكانت ليلة مظلمة شاتية، فوجد ناراً تضيء من جانب الجبل، فطلب من أهله المكوث, ليسير باتّجاه النار، مستطلعاً: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾[2]، ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾[3], ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾[4], فلمّا اقترب منها، أتاه النداء الإلهيّ من ناحية الشجرة الكائنة في الجانب الأيمن من الوادي المقدّس طوى، وأمره بخلع نعليه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى *  إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى *  فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾[5], ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[6]، ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[7]، ثمّ منحه معجزتين خارقتين, هما: العصا المتحوّلة إلى أفعى، واليد البيضاء المنيرة: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى *

 


[1] سورة طه، الآيتان 40-41.

[2]  سورة طه، الآيتان 9-10.

[3] سورة النملن الآية 7.

[4] سورة القصص، الآية 29.

[5] سورة طه، الآيات 11-16.

[6] سورة النمل، الآيتان 8-9.

[7] سورة القصص، الآية 30.

 

183


181

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾[1], ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾[2], ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ*  إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾[3], ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾[4], وأمره بأنْ يذهب إلى فرعون وقومه, ليدعوهم إليه: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾، ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾[5]، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[6]. طلب موسى عليه السلام من الله تعالى أن يتفضّل عليه، ويزيل من أمامه العقبات التي تعترض دعوته، ولا سيما أنّه قتل منهم نفساً، وأنْ يجعل معه أخاه هارون عليه السلام وزيراً ومعيناً له في دعوته: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾[7]، ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا  * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾[8]، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ*  وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾[9]، فاستجاب الله تعالى له ذلك: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً

 


[1] سورة طه، الآيات 17-23.

[2] سورة النمل، الآيات 10-12.

[3] سورة القصص، الآيتان 31-32.

[4] سورة الشعراء، الآية 10.

[5] سورة طه، الآية 24.

[6] سورة القصص، الآية 32.

[7] سورة الشعراء، الآيات 12-14.

[8] سورة طه، الآيات 25-35.

[9] سورة القصص، الآيتان 33-34.

 

 

184


182

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

أُخْرَى﴾[1]، ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾[2], وأوحى إليه وإلى أخيه هارون عليه السلام بالذهاب إلى فرعون، ودعوته إلى الله تعالى بأسلوب ليّن: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[3]، ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾[4]، وطمأنهما بأنّه معهما يحميهما ويسدّدهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[5], ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ*  فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[6], فقصد موسى عليه السلام أرض مصر، ثمّ دخل مع أخيه هارون عليه السلام على فرعون، داعياً إيّاه وقومَه إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده، وفكّ أسر بني إسرائيل، ومحذّراً إيّاه من عاقبة الكفر والتكذيب: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى*  إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾[7]، ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[8]، ولكنّ فرعون وكبار قومه أظهروا جهلاً بدعوته، وأثاروا الشكوك عليه وعلى دعوته، فواجههم النبيّ موسى بحكمة وبصيرة نافذة: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ

 


[1] سورة طه، الآيتان 36-37.

[2] سورة القصص، الآية 35.

[3] سورة طه، الآيات 42-44.

[4] سورة النازعات، الآيتان 18-19.

[5] سورة طه، الآيتان 45-46.

[6] سورة الشعراء، الآيات 15-17.

[7] سورة طه، الآيتان 47-48.

[8] سورة الأعراف، الآيتان 104-105.

 

185


183

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾[1]، ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى  * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾[2]، ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[3]، وقد عملوا على تضليل الناس والاستخفاف بعقولهم: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[4]، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾[5], ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[6]، ثمّ إنّهم سخروا من موسى عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾[7]، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾[8], واتّهموه بالكذب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ

 


[1] سورة الشعراء، الآيات 18-28.

[2] سورة طه، الآيات 49-55.

[3] سورة القصص، الآيتان 36-37.

[4] سورة الزخرف، الآيات 51-54.

[5] سورة النازعات، الآية 24.

[6] سورة غافر، الآية 29.

[7] سورة الزخرف، الآية 47.

[8] سورة الزخرف، الآية 52.

 

186


184

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

كَذَّابٌ﴾[1]، ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾[2]، وبصدّه عن سيرة آبائهم: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾[3]، وبطلب السلطة والجاه: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ﴾[4]، وبأنّه ومَن آمن معه سبب ابتلائهم ومعاناتهم: ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[5], وواجهوه بالتهديد: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾[6]، فتحدّاهم بقدرته على الإتيان بالبيّنة: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ﴾[7]، فطلبوا منه الإتيان بها إنْ كان صادقاً في دعواه: ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[8]، ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[9]، فأتاهم بها، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان كبير مهيب: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾[10]، وأخرج يده فإذا هي بيضاء تسطع بالنور: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ﴾[11]، ولكنّهم مع ذلك لم يؤمنوا له، وكذّبوا بدعوته: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾[12]، ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾[13]، ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾[14]، فأجابهم موسى عليه السلام بأنّ ما أتى به هو الحقّ،

 


[1] سورة غافر، الآيتان 23-24.

[2] سورة القصص، الآية 36.

[3] سورة يونس، الآية 78.

[4] سورة يونس، الآية 78.

[5] سورة الأعراف، الآية 131.

[6] سورة الشعراء، الآية 29.

[7] سورة الشعراء، الآية 30.

[8] سورة الشعراء، الآية 31.

[9] سورة الأعراف، الآية 106.

[10] سورة الشعراء، الآية 32.

[11] سورة الشعراء، الآية 33.

[12] سورة يونس، الآية 78.

[13] سورة طه، الآية 56.

[14] سورة يونس، الآية 76.

 

187


185

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

وليس سحراً: ﴿قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾[1], وحذّرهم من عذاب الاستئصال إذا ما أصرّوا على كفرهم وجحودهم: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾[2]. وقد أشار أعوان فرعون عليه بأنْ يجمعوا له السحرة الماهرين من أرض مصر، ليتحدّى بهم موسى عليه السلام: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾[3]، ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾[4]، ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ *  يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾[5]، فوافق فرعون على فكرتهم، وطلب إتيانَه بجميع السحرة الماهرين: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾[6]، فلمّا جاءه السحرة طلب منهم أن يتحدّوا موسى عليه السلام، وأن يأتوا بأعظم ممّا أتى به، فوافقوا على ذلك، وطلبوا الحظوة عند الملك، فتعهّد لهم بذلك: ﴿وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾[7]، ثمّ اختاروا أنْ يُجَمع الناس في يوم عيد من أعياد أهل مصر, وهو يوم الزينة, ليشهدوا لعبة الملك وسَحَرته على موسى عليه السلام: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾[8]، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ

 


[1] سورة يونس، الآية 77.

[2] سورة طه، الآية 61.

[3] سورة طه، الآيات 62-64.

[4] سورة الأعراف، الآيات 109-112.

[5] سورة الشعراء، الآيات 34-37.

[6] سورة يونس، الآية 79.

[7] سورة الأعراف، الآيتان 113-114.

[8] سورة الشعراء، الآيات 38-40.

 

188


186

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾[1]. ولمّا جُمِع الناس، طلب السحرة من موسى عليه السلام الإلقاء، أو أن يكونوا هم الملقين أوّلاً: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾[2]، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾[3], فأجابهم بأنْ يُلقوا هم أوّلاً: ﴿قَالَ أَلْقُوْاْ﴾[4], ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾[5]، ﴿فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ﴾[6]، فلمّا ألقوا حبالهم، سحروا أعين الناس، وجعلوهم يتخيّلون أنّها تتحرّك: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾[7]، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾[8]، فخاف موسى عليه السلام في نفسه من افتتان الناس بهم، وأشفق من غلبة الجهّال والضلّال[9]: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾[10]، ودعا اللهَ تعالى أن يُبطِل سحرهم، ويردّ كيدهم ومكرهم: ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾[11], ثمّ أمره الله تعالى بإلقاء عصاه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾[12]، ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا  

 


[1] سورة طه، الآيات 58-60.

[2] سورة الأعراف، الآية 115.

[3] سورة طه، الآية 65.

[4] سورة الأعراف، الآية 116.

[5] سورة طه، الآية 66.

[6] سورة يونس، الآية 80.

[7] سورة الأعراف، الآية 116.

[8] سورة طه، الآية 66.

[9] انظر: الشريف الرضي، محمّد بن الحسين، نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ورسائله وحكمه)، شرح محمّد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر، مطبعة النهضة، 1412هـ.ق / 1370هـ.ش، ج1، خطبة 4، ص39.

[10] سورة طه، الآية 67.

[11] سورة يونس، الآيتان 81-82.

[12] سورة الأعراف، الآية 117.

 

189


187

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾[1]، فلمّا ألقاها، تحوّلت إلى ثعبان كبير مهيب، أخذ يلقف ما ألقاه السحرة جميعَه: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ﴾[2]، فتعجّب السحرة من ذلك، وأيقنوا أنّ ما فعله موسى عليه السلام ليس سحراً، بل آية ربّانيّة مُعجِزَة، فخرّوا سجّداً لله، مؤمنين بدعوة موسى عليه السلام: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾[3]، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾[4]، فلمّا رأى فرعون منهم هذا الموقف، عنّف بهم في القول، وتوعّدهم بالعذاب: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[5], ، ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾[6]، ولكنّهم لم يكترثوا لتهديداته، وتوجّهوا بالانقطاع إلى ربّهم: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ*  وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾[7]، ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾[8]، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا

 


[1] سورة طه، الآيتان 68-69.

[2] سورة الأعراف، الآيات 117-119.

[3] سورة الأعراف، الآيات 120-122.

[4] سورة طه، الآية 70.

[5] سورة الأعراف، الآيتان 123-124.

[6] سورة طه، الآية 71.

[7] سورة الأعراف، الآيتان 125-126.

[8] سورة طه، الآيات 72-76.

 

190


188

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

مُنقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]، فما كان منه إلّا أنْ أمر بصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم. ولم يؤمن لموسى عليه السلام إلّا قليل من قومه على خوف من فرعون وجنوده: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾[2]، وقد عمل النبيّ موسى عليه السلام على تثبيت إيمانهم، وحثّهم على الصبر، ودعا الله تعالى لهم بذلك وبخزي عدوهم: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[3]. وتسرّب الإيمان بدعوته إلى داخل القصر، فآمنت به زوجة فرعون (آسية بنت مزاحم)، فنهاها فرعون عن ذلك، فلم تنتهِ، وأعلنت براءتها من الشرك، فأمر بتعذيبها وقتلها، فأوكلت أمرها إلى الله تعالى وأسلمت له، وطلبت منه أن ينجّيها من ظلم فرعون: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[4]. وبعد أنْ ذاع خبر إيمان ثلّة من الناس بموسى عليه السلام، قام أعوان فرعون باستفزازه على موسى عليه السلام ومَن آمن معه: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾[5]،

 


[1] سورة الشعراء، الآيتان 50-51.

[2] سورة يونس، الآية 83.

[3] سورة يونس، الآيات 84-89.

[4] سورة التحريم، الآية 11.

[5] سورة الأعراف، الآية 127.

 

191


189

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

فتملّك بني إسرائيل الخوف والجزع: ﴿قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾[1]، فدعاهم موسى عليه السلام إلى الاستعانة بالله تعالى والصبر، وطمأنهم إلى حسن العاقبة: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[2]، ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾[3]، وبعد أنْ وجد موسى عليه السلام من فرعون وقومه الكفرَ والجحود: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾[4]، أعرض عنهم، وأنذرهم بوقوع آيات من العذاب بهم ابتلاءً لهم، لعلّهم يرجعون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾[5]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾[6]، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[7]، فأصابهم الجدب والقحط، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد والقمّل، والضفادع، والدم في مياههم: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾[8]، ولكنّهم لم يعتبروا منها: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾[9]، ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا*  وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[10]، وكانوا بعد كلّ آية يدعون موسى عليه السلام ليدعو ربّه كي يرفع عنهم العذاب، على أن يؤمنوا له ويُرسلوا معه بني إسرائيل: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 129.

[2] سورة الأعراف، الآية 128.

[3] سورة الأعراف، الآية 129.

[4] سورة الأعراف، الآية 132.

[5] سورة الأعراف، الآية 130.

[6] سورة الإسراء، الآية 101.

[7] سورة النمل، الآية 12.

[8] سورة الأعراف، الآية 133.

[9] سورة الإسراء، الآية 101.

[10] سورة النمل، الآيتان 13-14.

 

192


190

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾[1]، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾[2]، وعند ارتفاع العذاب كانوا ينقضون عهدهم في كلّ مرّة: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾[3]، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾[4]. وقد بلغ حقد فرعون ومن معه مبلغاً إلى أنْ قرّروا القضاء على موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل، فانبرى مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه عنهم، لنصحهم وصرفهم عن ذلك: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ *  وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ *  يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *  وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ *  الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾[5]، ولكنّهم لم ينتصحوا بكلامه، بل عمد فرعون إلى تضليل الناس، وحرفهم عن مقولة مؤمن آل فرعون، فأمر وزيره هامان ببناء برج عالٍ ليرتقيه، باحثاً عن إله موسى عليه السلام، مع حكمه المسبق بكذب موسى عليه السلام في دعواه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 134.

[2] سورة الزخرف، الآية 49.

[3] سورة الأعراف، الآية 135.

[4] سورة الزخرف، الآية 50.

[5] سورة غافر، الآيات 28-35.

 

193


191

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾[1]. ومع إصرار فرعون وأعوانه على ارتكاب قتل موسى عليه السلام ومن آمن معه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾[2]، ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾[3]، أوحى الله تعالى إلى نبيّه موسى عليه السلام بالمسير بهم ليلاً إلى أرض سيناء: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾[4]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾[5]، فلمّا توجّه عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل، ووصلوا إلى البحر، لحقهم فرعون وجنوده: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾[6]، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾[7]، ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾[8]، وظنّ قوم موسى عليه السلام أنّهم حُصِروا وقُضي عليهم من قِبَل فرعون وقومه، ولكنّه طمأنهم بأنّ الله تعالى دافعُهم ومعذّبهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[9]، فأوحى الله تعالى لنبيّه موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك البحر: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾[10], فلمّا فعل ذلك انفلق البحر قسمين، فعلا الماء عن الجانبين، وانكشفت بينهما أرض البحر: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾[11]، فأمر من معه بالمسير فيه، ولحقه فرعون وجنوده، ودخلوا وراءهم البحر، فلمّا جاوزه

 


[1] سورة القصص، الآيتان 38-39.

[2] سورة غافر، الآية 26.

[3] سورة الشعراء، الآيات 53-56.

[4] سورة طه، الآية 77.

[5] سورة الشعراء، الآية 52.

[6] سورة يونس، الآية 90.

[7] سورة طه، الآية 78.

[8] سورة الشعراء، الآية 60.

[9] سورة الشعراء، الآيتان 61-62.

[10] سورة الشعراء، الآية 63.

[11] سورة الشعراء، الآية 63.

 

194


192

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

موسى عليه السلام ومن معه، انطبق الماء على فرعون وجنوده، فماتوا غرقاً، وجعلهم الله تعالى آية للعالمين: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾[1]، ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾[2]، ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ*  وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾[3], ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾[4], فأَتمّت الحجّة على فرعون وقومه بالتبليغ والإنذار: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾[5]، ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾[6]، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾[7].

 


[1] سورة البقرة، الآية 50.

[2] سورة طه، الآية 78.

[3] سورة الشعراء، الآيات 64-66.

[4] سورة القصص، الآيات 40-42.

[5] سورة يونس، الآية 75.

[6] سورة يونس، الآيات 90-92.

[7] سورة طه، الآية 79.

 

195


193

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

الأفكار الرئيسة

1- النبيّ موسى بن عمران عليه السلام، هو من أنبياء بني إسرائيل، من وِلْد لاوي بن يعقوب عليه السلام، ومن الأنبياء أولي العزم، وصاحب شريعة التوراة.

2- حكى القرآن الكريم قصّة ولادته وإلقاء أمّه إيّاه في البحر، والتقاط آل فرعون له، وتربيته، إلى أنْ بلغ أشدّه واستوى.

3- خرج النبيّ موسى عليه السلام من أرض مصر، متوجّهاً إلى أرض مدين، بعد أنْ قضى على رجل ظالم من الأقباط، كان يهمّ بقتل رجل من بني إسرائيل.

4- عاد النبيّ موسى عليه السلام إلى أرض مصر، بعد أنْ أرسله الله تعالى إليها مع أخيه هارون عليه السلام، لدعوة فرعون وقومه إلى رسالته التوراة، وأتاهم من البيّنات والمعاجز المصدّقة له، ولكنّهم كفروا بدعوته، وتحدّوه بسَحَرتهم، فنصره الله تعالى عليهم، ولحقهم –بسبب كفرهم- البلاءُ. ولمّا رفعه الله تعالى عنهم، قرّروا قتل موسى عليه السلام ومن معه، فأوحى الله تعالى إليه بالخروج ببني إسرائيل من أرض مصر إلى سيناء، فلحقه فرعون وقومه، وغرقوا في البحر، بعد أنْ شقّ الله تعالى له البحر، وجاوزه ومن آمن معه، وأهلك فرعون وجنوده.

 

فكّر وأجب

1- ما مجرياتُ ولادة النبيّ موسى عليه السلام ونشأته وفق ما ذكره القرآن الكريم؟

2- تكلّم عن هجرة النبيّ موسى عليه السلام من مصر إلى مدين.

3- ما المعاجزُ التي أجراها الله تعالى على يدَي النبيّ موسى عليه السلام؟

 

 

196


194

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

مطالعة

أخبرنا الشيخ عليّ بن عبد الصمد، عن أبيه، حدثنا السيّد أبو البركات الخوزيّ، عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن بابويه، عن أبيه، حدّثنا سعد بن عبد الله، حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، حدّثنا أحمد بن أبي نصر البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه، قال: "إنّ يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب، وهم ثمانون رجلاً، فقال: إنّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، ويسومونكم سوء العذاب، إنّما ينجّيكم الله برجل من ولد لاوي بن يعقوب، اسمه موسى بن عمران بن فاهث بن لاوي، غلام طوال، جعد الشعر، آدم اللون، فجعل الرجل من بني إسرائيل يسمّي ابنه عمران، ويسمّي عمران ابنه موسى".

 

فذكر أبان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه أنّه قال: "ما خرج موسى حتّى خرج ثمانون كذّاباً من بني إسرائيل، كلّهم يدّعي أنّه موسى بن عمران، فبلغ فرعون أنّهم يرجفون به، ويطلبون هذا الغلام، فقال له كهنته وسحرته: إنّ هلاك دينك وقومك على يدَي هذا الغلام الذي يولد العام من بني إسرائيل، قال: فوضع القوابل على النساء، فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل، قالوا: تعالوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى: آتوهن، فإنّ أمر الله واقع ولو كره المشركون. اللهمّ من تركه فإنّي لا أتركه. ووقع على أمّ موسى فحملت، فوُضع على أمّ موسى قابلة تحرسها، فإذا قامت قامت وإذا قعدت قعدت. قال: فلمّا حملته أمّه وقعت عليها المحبّة. وكذلك حجج الله على خلقه، فقالت لها القابلة: ما لك يا بنت، تصفرّين وتذوبين؟ فقالت: لا تلوميني، فإنّي إذا ولدت أُخذ ولدي فذُبح، قالت: فلا تحزني فإنّي سوف أكتم عليك، فلم تصدّقها، فلمّا أنْ ولدت، التفتت إليها وهي مقبلة، فقالت: ما شاء الله، فقالت: ألم أقل: إنّي سوف أكتم عليك! ثمّ حملته فأدخلته المخدع وأصلحت أمره، ثمّ خرجت إلى الحرس وكانوا على الباب، فقالت: انصرفوا، فإنّما خرج دم مقطع، فانصرفوا، فأرضعته، فلمّا خافت عليه، أوحى الله إليها: اجعليه في تابوت، ثمّ أخرجيه ليلاً، فاطرحيه في نيل

 

197


195

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

مصر، فوضعته في التابوت، ثمّ دفعته في اليمّ، فجعل يرجع إليها، وجعلت تدفعه في الغمر، وإنّ الريح ضربته، فانطلقت به، فلمّا رأته قد ذهب به الماء، فهمَّت أنْ تصيح، فربط الله على قلبها. وقد كانت الصالحة امرأة فرعون، وهي من بني إسرائيل، قالت: إنّها أيّام الربيع، فأخرجني، فاضرب لي قبّة على شاطئ البحر حتّى أتنزّه هذه الأيّام، فضرب لها قبّة على شطّ النيل، إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت: هل ترون ما أرى على الماء؟ قالوا: إي والله يا سيّدتنا، إنّا لنرى شيئاً، فلمّا دنا منها ثارت إلى الماء فتناولته بيدها، وكاد الماء يغمرها حتّى صاحوا عليها، فجذبته، فأخرجته من الماء، فأخذته، فوضعته في حجرها، فإذا غلام أجمل الناس، فوقعت عليها له محبّة، وقالت: هذا ابني، فقالوا: إي والله يا سيّدتنا، ما لك ولد ولا للملك، فاتّخذي هذا ولداً، فقالت لفرعون: إنّي أصبت غلاماً طيّباً نتّخذه ولداً، فيكون قرّة عين لي ولك، ولا تقتله، قال: ومن أين هذا الغلام؟ قالت: ما أدري إلّا أنّ الماء جاء به، فلم تزل به حتّى رضي. . . "[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص151-152.

 

198


196

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

الدرس العاشر

النبيّ موسى عليه السلام (2)

 

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصّة النبيّ موسى عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، منذ خروجه مع بني إسرائيل من مصر إلى آخر عمره الشريف.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيّ موسى عليه السلام في هذه المحطّات من دعوته.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من هذه المحطّات من قصّة النبيّ موسى عليه السلام.

 

 

199


197

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

هجرة النبيّ موسى عليه السلام إلى سيناء

بعد أن اجتاز النبيّ موسى عليه السلام مع بني إسرائيل البحرَ قاصدين سيناء، مرّوا على قوم يعبدون أصناماً لهم، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً كآلهة هؤلاء القوم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[1], فانتهرهم موسى عليه السلام، ووبّخهم على جهلهم وكفرهم بأنعم الله تعالى عليهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  * قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾[2]. ثمّ أصابهم الحرّ والجوع أثناء الطريق، فشكَوا ذلك إلى النبيّ موسى عليه السلام، فدعا الله تعالى لهم، فأظلّهم بالغمام، فوقاهم حرّ الشمس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾[3], وأنزل عليهم السلوى, وهو طائر برّيّ مشويّ طعمه لذيذ، والمنّ، وهو طعام صمغيّ ينبت على الشجر طعمه حلو: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[4], فأكلوا وشبعوا. ولمّا وصلوا إلى ساحل البحر الشرقيّ، ونزلوا به، طلبوا من موسى عليه السلام السقاية، فدعا الله تعالى لهم، فأمره تعالى أنْ يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت اثنتا عشرة عيناً، بعدد

 


[1] سورة الأعراف، الآية 138.

[2] سورة الأعراف، الآيات 138-141.

[3] سورة البقرة، الآية 57.

[4] سورة البقرة، الآية 57.

 

200


198

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

فروع بني إسرائيل من أبناء يعقوب عليه السلام: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[1], فشربوا واستقوا. وبعد أن حطّ بنو إسرائيل رحالهم في هذه المنطقة، وتأمّنت لهم البيئة الاجتماعيّة الآمنة، أمر الله تعالى نبيّه موسى عليه السلام بالذهاب إلى ميقاته, لتلقّي شريعة التوراة: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[2], فلمّا أخبرهم بأنّ الله تعالى قرّبه وناجاه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾[3], قالوا له لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه تعالى كما سمعته[4]. وقد اختار موسى عليه السلام سبعين رجلاً من قومه وأخذهم معه إلى ميقات ربّه, ليشهدوا تلقّيه التوراة: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾[5], وكان الميقات ثلاثين ليلة، ثمّ أُتمّ إلى أربعين ليلة: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾[6]. ولمّا كلّم الله تعالى موسى عليه السلام، وأوحى إليه التوراة، شكّكوا في ذلك، وطلبوا منه أمراً ممتنعاً ومحالاً، وهو رؤية الله عياناً، لتصديقه في ما أُوحي إليه: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾[7], فأصابتهم صاعقة أرجفتهم، فخرّوا صرعى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾[8], ثمّ سأل موسى عليه السلام ربّه أنْ يعيد إحياء مَنْ هلك من قومه: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي

 


[1] سورة البقرة، الآية 60.

[2] سورة البقرة، الآية 53.

[3] سورة مريم، الآية 52.

[4] انظر: الصدوق، الشيخ محمد بن علي، التوحيد، تصحيح وتعليق هاشم الحسيني الطهراني، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، لا ت، ص122.

[5] سورة الأعراف، الآية 155.

[6] سورة الأعراف، الآية 142.

[7] سورة البقرة، الآية 55.

[8] سورة البقرة، الآية 55.

 

201


199

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾[1], فاستجاب الله تعالى له: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[2]. وبعد أنْ أحياهم الله تعالى، عادوا إلى جهلهم، وسألوا موسى عليه السلام أن يتوجّه إلى ربّه بسؤاله الرؤية لنفس. ومع إيقانه عليه السلام باستحالة رؤيته تعالى وفق ما يريدون[3]، توجّه إليه تعالى بالسؤال, لإتمام الحجّة عليهم، فأجابه الله تعالى بالنفي، وأعطاه علامة على عدم تحمّل ذلك، واستحالته باندكاك الجبل: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾[4], فلمّا تجلّى الله تعالى بارتفاع بعض حُجُب العوالم العلويّة، اندكّ الجبل، وخرّ موسى عليه السلام مغشيّاً عليه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾[5], فلمّا أفاق عاين بعين اليقين، بعد أنْ كان عالماً بعلم اليقين استحالة رؤيته تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[6], فاصطفاه الله تعالى برسالته، وأنزل عليه شريعة التوراة: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾[7]. وكان موسى عليه السلام قد استخلف أخاه هارون عليه السلام في بني إسرائيل: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[8], فلمّا ذهب إلى الميقات الذي طال غيابه فيه أربعين ليلة، قام السامريّ بصنع عجل من ذهب، وجعل له خواراً، فافتُتن به بنو إسرائيل، وعبدوه من دون الله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 155.

[2] سورة البقرة، الآية 56.

[3] انظر: الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص121-122.

[4] سورة الأعراف، الآية 143.

[5] سورة الأعراف، الآية 143.

[6] سورة الأعراف، الآية 143.

[7] سورة الأعراف، الآيتان 144-145.

[8] سورة الأعراف، الآية 142.

 

202


200

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

تَشْكُرُونَ﴾[1], ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾[2]، ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ﴾[3]. وحاول هارون عليه السلام ردعهم عن فعلتهم، وبالغ في تنبيههم على خطورة ما قاموا به من كفر، ولكنّهم لم يطيعوا أوامره: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾[4]. وقد أوحى الله تعالى لموسى عليه السلام ارتداد قومه وعبادتهم العجل، فرجع موسى عليه السلام سابقاً في سيره لمن كان معه من بني إسرائيل في الميقات: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى*  قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾[5]، متوجّهاً إلى قومه، غضبانَ ساخطاً عليهم: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾[6], ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾[7]، فأجابوه بأنّهم افتتنوا بما صنع لهم السامريّ من الذهب الذي حملوه معهم من أرض مصر: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾[8]، ثمّ عاتب أخاه هارون عليه السلام على عدم اتّخاذه الموقف الحاسم من ارتدادهم: ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ

 


[1] سورة البقرة، الآيتان 51-52.

[2] سورة البقرة، الآية 93.

[3] سورة الأعراف، الآية 148.

[4] سورة طه، الآيتان 90-91.

[5] سورة طه، الآيات 83-85.

[6] سورة الأعراف، الآية 150.

[7] سورة طه، الآية 86.

[8] سورة طه، الآيات 87-89.

 

203


201

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾[1], فأجابه هارون عليه السلام بأنّه بذل جهده في نصحهم ومنعهم من فعلتهم، حتّى همّوا يريدون قتله لإنكاره ذلك عليهم، وخشي أن تقع الفرقة بين بني إسرائيل: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[2], ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا  * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾[3], فقبل موسى عليه السلام عذره، ودعا له: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[4]، ثمّ سأل موسى عليه السلام السامريَّ عن عمله الشيطانيّ: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾[5], فأجابه بأنّه قد سوّلت له نفسه ذلك، وافتتن به: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾[6], فقضى عليه بالطرد والإبعاد عن المجتمع: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ﴾[7], وبحرق العجل وذرْيه في البحر: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾[8]. ولمّا وقف الذين عبدوا العجل عند ظلمهم، ندموا على فعلتهم، وتوجّهوا إلى الله تعالى بطلب العفو والمغفرة: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[9], فقضى الله تعالى فيهم القتل شرطاً لقبوله توبتهم، فكان كلّ رجل لم يعبد العجل يتولّى قتل رجلٍ ممّن عبدوا العجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 150.

[2] سورة الأعراف، الآية 150.

[3] سورة طه، الآيات 92-94.

[4] سورة الأعراف، الآية 151.

[5] سورة طه، الآية 95.

[6] سورة طه، الآية 96.

[7] سورة طه، الآية 97.

[8] سورة طه، الآية 97.

[9] سورة الأعراف، الآية 149.

 

204


202

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾[1], ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾[2]. وبعد أنْ قُتِلَ جمع منهم، عفا الله تعالى عن الباقين: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[3]. ثمّ أمر الله تعالى نبيّه موسى عليه السلام بتلاوة التوراة عليهم، وإيضاحها لهم، وحثّهم على الالتزام والعمل بما ورد فيها من تعاليم وأحكام: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[4], ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[5], ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[6], ورفع فوقهم الجبل, تقوية لإيمانهم، وتثبيتاً له، ودفعاً لهم إلى الأخذ بالتوراة بقوّة واجتهاد: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[7], ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ

 


[1] سورة الأعراف، الآية 152.

[2] سورة البقرة، الآية 54.

[3] سورة الأعراف، الآية 153.

[4] سورة الأعراف، الآية 154.

[5] سورة الأعراف، الآيتان 145-146.

[6] سورة المائدة، الآيتان 44-45.

[7] سورة البقرة، الآية 63.

 

205


203

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

وَاسْمَعُواْ﴾[1]، ولكنّهم سرعان ما نبذوا العهد المأخوذ عليهم: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾[2], ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾[3]، ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾[4], ثمّ عفا الله تعالى عنهم بفضله ومنّه، ولم يأخذهم بألوان العذاب: ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾[5].

 

وحكى القرآن الكريم قصّة القتيل من بني إسرائيل، وكان قد قتله أحد أقربائه ليرثه، ودارَ الاتّهام والتدافع في دمه بين بني إسرائيل، وكادت الأمور تذهب إلى الاقتتال في ما بينهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[6], ولكنّهم ذهبوا إلى موسى عليه السلام، وحكّموه في القضيّة[7]، فطلب منهم أن يذبحوا بقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾[8]، ولكنّهم استبطأوا في تنفيذ الأمر لجاجاً وعناداً، وراحوا يصعّبون المهمّة على أنفسهم بتضييق الخيارات، حتّى أوقعوا أنفسهم في خيار صعب ومُكْلِف، وهو أن يذبحوا بقرة ليست بكبيرة مسنّة ولا صغيرة، وأن تكون صفراء شديدة الصفرة، ليس فيها لون آخر غير الصفرة، وأن لا تكون مستهلكة في حرث الأرض والسقاية، وأن تكون مُبرّأة من العيوب: ﴿قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ

 


[1] سورة البقرة، الآية 93.

[2] سورة البقرة، الآية 64.

[3] سورة البقرة، الآية 93.

[4] سورة الأعراف، الآية 146.

[5] سورة البقرة، الآية 64.

[6] سورة البقرة، الآية 72.

[7] القميّ، علي بن إبراهيم، تفسير القميّ، ط3، تصحيح وتعليق وتقديم طيب الموسويّ الجزائري، قمّ المقدّسة، مؤسّسة دار الكتاب، 1404هـ.ق، ج1، ص49.

[8] سورة البقرة، الآية 67.

 

206


204

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾[1]. ولمّا ذبحوها، أمرهم موسى عليه السلام أن يضربوا بعض البقرة ببعض القتيل، فلمّا فعلوا عادت الحياة إلى القتيل، فأخبرهم بمن قتله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[2].

 

العزم على الهجرة إلى الأرض المقدّسة فلسطين

بعد أن وصل موسى عليه السلام مع بني إسرائيل إلى مشارف الأرض المقدّسة في فلسطين، أخذ يذكّرهم بأنعُم الله تعالى عليهم, ليحثّهم على شكرها عمليّاً بتنفيذ أوامره، ودخولهم الأرض المقدّسة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾[3], ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[4]، ولكنّهم تحجّجوا بأنّهم ضعاف لا قدرة لهم على قتال جبّاريها: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾[5]، وبرز منهم قلّة يحضّون القوم على الجهاد وامتثال الأمر الإلهيّ بالدخول: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[6]، ولكنّهم لم يكترثوا إليهم، وأبدوا انهزاميّة في الموقف، وأجابوا النبيّ موسى عليه السلام بصلافة ووقاحة بأنّهم لن يدخلوها ما دام الجبّارون فيها، فإذا

 


[1] سورة البقرة، الآيات 67-71.

[2] سورة البقرة، الآية 73.

[3] سورة المائدة، الآيتان 20-21.

[4] سورة طه، الآيات 80-82.

[5] سورة المائدة، الآية 22.

[6] سورة المائدة، الآية 23.

 

207


205

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

كان لا بدّ من الدخول، فليدعُ الله تعالى بأنْ يدفع عنه أذى الجبّارين وليدخلها: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[1]. وكانوا قد طلبوا من موسى عليه السلام أنْ يدعو الله تعالى بأن ينزّل عليهم شيئاً ممّا تنبته الأرض من البقوليّات والخُضَر والحبوب من القمح والعدس، بدلاً من المنّ والسلوى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾[2]، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير بجهلهم وظلمهم لأنفسهم: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾[3]، فأشار إليهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدّسة، ففيها ما سألوه من الأطعمة، وزيادة لهم في الرزق، ومغفرة من الله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾[4], ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾[5], ولكنّهم رفضوا: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾[6]، فدعا موسى عليه السلام ربّه شاكياً عصيان قومه له: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[7]، فلحقهم بعدها ذلّ وهوان، ورجعوا بغضب من الله تعالى عليهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾[8]، ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾[9]، وحرّم الله تعالى عليهم دخول الأرض المقدّسة أربعين سنة، يتيهون في أرض سيناء، لا

 


[1] سورة المائدة، الآية 24.

[2] سورة البقرة، الآية 61.

[3] سورة البقرة، الآية 61.

[4] سورة البقرة، الآية 61.

[5] سورة البقرة، الآية 58.

[6] سورة البقرة، الآية 59.

[7] سورة المائدة، الآية 25.

[8] سورة البقرة، الآية 61.

[9] سورة البقرة، الآية 59.

 

208


206

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

يهتدون سبيلاً: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[1].

 

لقاء النبيّ موسى عليه السلام بالعبد الصالح عليه السلام

حكى القرآن الكريم قصّة لقاء النبيّ موسى عليه السلام بالعبد الصالح (وهو الخضر عليه السلام)، ولم يُشِرْ إلى الفترة الزمنيّة (ولعلّها فترة مكوث بني إسرائيل في منطقة سيناء بعد خروجهم من مصر)، حيث أوحى الله تعالى إلى نبيّه موسى عليه السلام أن اذهب إلى عبدٍ من عبادي، واتّبعه، وتعلّم منه علماً اختصصتُه به[2]، فامتثل موسى عليه السلام لأمر الله تعالى، وأخذ معه فتاه (وهو وصيّه النبيّ يوشع بن نون عليه السلام)[3]، فقصدا مجمع البحرين (ولعلّ المراد بهما البحر المتوسّط والبحر الحمر عند قناة السويس الجامعة بينهما والقريبة من موطن بني إسرائيل في منطقة سيناء) للقاء العبد الصالح، عند علامة حدّدها الله تعالى له، وهي فقدانه للسمكة الكبيرة التي يحملانها طعاماً في سفرهما، فعندها سيجدان العبد الصالح. فلمّا سارا كثيراً، وشعرا بالتعب، استراحا عند صخرة على البحر، فنام موسى عليه السلام، وبقي فتاه مستيقظاً، فما كان من السمكة الكبيرة إلّا أنْ تحرّكت وغارت في البحر، وفتى موسى ينظر إلى المشهد متعجّباً ممّا يجري: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾[4]. ولمّا أفاق موسى عليه السلام، أكملا رحلتهما، فلمّا شعرا بالجوع، طلب موسى عليه السلام من فتاه الإتيان بالسمكة ليأكلاها: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾[5]، فأخبره بأنّها ذهبت في البحر عندما كانا يستريحان عند الصخرة، وقد أنساه الشيطان أن يخبره: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ

 


[1] سورة المائدة، الآية 26.

[2] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص59-60.

[3] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج6، ص362.

[4] سورة الكهف، الآية 60-61.

[5] سورة الكهف، الآية 62.

 

209


207

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾[1]، فرجعا فوراً إلى مكان الصخرة، فوجدا العبد الصالح: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[2]، فطلب منه موسى عليه السلام أن يرافقه ويعلّمه ممّا علّمه الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾[3]، فأجابه بأنّه لا يستطيع أن يصبر على ما يواجهه من أحداث أثناء مرافقته له, لعدم علمه بتأويلها وحقيقتها: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾[4]، ثمّ وافق العبد الصالح على مرافقته وتعليمه، واشترط عليه أنْ لا يُحدِّثه طيلة مرافقته إيّاه، ولا ينكر عليه فعلاً ولا قولاً، إلى أن يبادر هو بكشف حقيقته له: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾[5]، فأجابه موسى عليه السلام بأنّه سيحاول أنْ يصبر ولا ينكر عليه أمراً: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾[6]. فلمّا سارا، اختبره العبد الصالح بالاختبار الأوّل، حيث قام بخرق سفينة: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾[7], فأنكر عليه موسى عليه السلام هذا الفعل: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾[8]، فأجابه العبد الصالح مذكّراً إيّاه بما اخبره به من عدم صبره على ما يواجهه من أحداث: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾[9]، فاعتذر موسى عليه السلام منه: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾[10]. ثمّ جاء الاختبار الثاني، فقام العبد الصالح

 


[1] سورة الكهف، الآية 63.

[2] سورة الكهف، الآيتان 64-65.

[3] سورة الكهف، الآية 66.

[4] سورة الكهف، الآيتان 67-68.

[5] سورة الكهف، الآية 70.

[6] سورة الكهف، الآية 69.

[7] سورة الكهف، الآية 71.

[8] سورة الكهف، الآية 71.

[9] سورة الكهف، الآية 72.

[10] سورة الكهف، الآية 73.

 

210


208

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

بقتل غلام: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾[1]، فأنكر عليه موسى عليه السلام ذلك: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾[2]، فذكّره العبد الصالح بما أخبره به سابقاً من عدم صبره: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾[3]، فاعتذر موسى عليه السلام ثانية منه طالباً منه عدم مصاحبته إنْ سأله عن شيء بعد ذلك: ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾[4]، ثمّ جاء الاختبار الثالث، فقام العبد الصالح ببناء حائط آيل إلى سقوط والهدم: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾[5]، فأنكر عليه موسى عليه السلام ذلك: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾[6]، فطلب العبد الصالح مفارقته له: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾[7], ولكنّه قَبْلَ أن يفارقه، أنبأه بحقيقة ما قام به من أفعال لم يصبر عليها: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾[8]، فأمّا خرق السفينة فكان ضمان عدم أخذ الملك لها، حيث كانت لمساكين يعملون في البحر، وكان الملك يأخذ كلّ سفينة سليمة غصباً من أصحابها: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾[9]، وأمّا الغلام الذي قتله، فقد كان أبواه مؤمنين، وكان ولدهما غير صالح، فأراد الله تعالى أن يجنّبهما سوء أعماله، ويبدلهما خيراً منه: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾[10]، وأمّا

 


[1] سورة الكهف، الآية 74.

[2] سورة الكهف، الآية 74.

[3] سورة الكهف، الآية 75.

[4] سورة الكهف، الآية 76.

[5] سورة الكهف، الآية 77.

[6] سورة الكهف، الآية 77.

[7] سورة الكهف، الآية 78.

[8] سورة الكهف، الآية 78.

[9] سورة الكهف، الآية 79.

[10] سورة الكهف، الآيتان 80-81.

 

211


209

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

الحائط، فكان لغلامين يتيمين، وكان أبوهما صالحاً، قد ترك لهما كنز تحته، فأراد الله تعالى أنْ يكبرا ويستخرجا كنزهما: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾[1]. ثمّ أبلغه أنّ ما فعله من أفعال لم يكن عن أمره، بل كان عن أمر الله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾[2].

 

سيرة النبيّ موسى عليه السلام التبليغيّة

اصطفى الله تعالى نبيّه موسى عليه السلام بالرسالة: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾[3]، وأرسله بشريعة التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ * وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[4]، وهو أحد الأنبياء أولي العزم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[5]. ومن خصائص شريعته أنّها هدى ونور: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[6]، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾[7]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾[8]، وأنّها تتضمّن بياناً ووعظاً وتفصيلاً للعقائد والقيم والتشريعات: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ

 


[1] سورة الكهف، الآية 82.

[2] سورة الكهف، الآية 82.

[3] سورة الأعراف، الآية 144.

[4] سورة الأعراف، الآيتان 145-154.

[5] سورة الشورى، الآية 13.

[6] سورة البقرة، الآية 53.

[7] سورة المائدة، الآية 44.

[8] سورة غافر، الآيتان 53-54.

 

212


210

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾[1]، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[2]، ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[3]، وأنّها تشهد على الشرائع اللاحقة، ولا سيّما الشريعة الخاتمة ورسولها الخاتم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[4].

 

وقد واجه النبيّ موسى عليه السلام في دعوته ثلاثيّ الكفر والجحود، وهم: فرعون ممثِّلاً لتسلّط الحكم وبطشه، وهامان لخداع السياسة وتحكّمها برقاب الناس، وقارون لاحتكار المال والاقتصاد، فكذّبوه وكالوا له صنوف التهم الباطلة والزائفة، ليصدّوا الناس عن دعوته، ولمّا يئسوا من ذلك، همّوا بقتله ومن آمن معه، فأنجاه الله تعالى منهم، وأظهر الحقّ وأهله، وأدحض الباطل وأهله، وردّ كيدهم، وعذّبهم في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾[5], ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾[6]، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا

 


[1] سورة الأعراف، الآية 145.

[2] سورة المائدة، الآية 45.

[3] سورة آل عمران، الآية 93.

[4] سورة الأعراف، الآية 157.

[5] سورة غافر، الآيات 23-25.

[6] سورة القصص، الآيتان 5-6.

 

213


211

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾[1].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ موسى عليه السلام

بعد التأمّل في قصّة النبيّ موسى عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- على الإنسان أن يشكر الله تعالى على إنجائه من البلاء، وعفوه عن ظلمه وجهله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ *  وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ*  ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

 

- على الإنسان أن يتذكّر نعم الله تعالى عليه، ويؤدّي حقّها بالشكر له: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ﴾.

 

- على الإنسان أن يقنع بما رزقه الله تعالى، ولا يكفر بنعمته: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.

 


[1] سورة القصص، الآيات 76-81.

 

214


212

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

- الإنسان الجاهل هو الذي يتسرّع بالحكم على الأشياء: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

 

- الإنسان الجاهل المعاند يصعّب على نفسه الأمور: ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا*  قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾.

 

- الإتيان بمعاجز بيّنات على أيدي الرسل عليهم السلام هو من السنن الإلهيّة في إرسالهم إلى أقوامهم: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

- في الإتيان بالآيات البيّنات تثبيتٌ وتقوية لإيمان المؤمنين: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

 

- في الإتيان بالآيات البيّنات إلقاءُ حجّة على الجاحدين المنكرين: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

- من السنن الجارية في دعوات الرسل الإلهيّين عليهم السلام مواجهة أكابر القوم لهم، والتحريض على قتلهم ونفيهم: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.

 

- استراتيجيّة تحويل التهديد إلى فرصة في الدعوة إلى الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ *  فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *  قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

 

215


213

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

- استسلام الأمّة للذلّ والاستبداد طويلاً، يصيّرها خاضعة مستعبَدة، لا تستسيغ إرادة التغيير والثورة: ﴿قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾.

 

- ضعف الإيمان، والخوف والجبن، وعدم إطاعة الأوامر الإلهيّة، تعرّض الإنسان للخسران والهلاك: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ *  قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ *  قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *  قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.

 

- بعض الابتلاءات طريق لنيل الكرامات: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى *  وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.

 

- المؤمن المُوقِن لا يخاف ولا يتراجع عن إيمانه أمام البلاء: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ *  وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾, ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ *  إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 

-الصبر والاستعانة بالله عامل له الأثر البالغ في تجاوز المحن والابتلاءات والفوز بالمواهب الإلهيّة: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *  قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾, ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾.

 

216


214

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

- من دوافع الابتلاء التأديبُ والإيقاظ من الغفلة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

 

- الجهل وضعف الإيمان يُسقِطان الإنسان عند الابتلاءات: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾, ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 

- سوء فهم الإنسان، وقِصر نظره يجعلانه يلقي باللوم على الآخرين في بلواه: ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

 

- الاسترسال في العناد والكفر يخمد صوت العقل والمنطق في الإنسان: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

 

- تكرّر الغفلة يعمي القلب، ويدفع الإنسان نحو الهلاك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.

 

- وقوع البداء في الأشياء: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.

 

- تلقّي مسؤوليّة الدعوة والقيامَ بواجباتها، يحتاج إلى تهيئة الاستعدادات والقابليّات: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.

 

217


215

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

- التقليد الأعمى للآباء يصدّ الإنسان عن رؤية الحقّ: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾.

 

- التوبة عن خوف دون إيمان غير مقبولة: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

 

- على طالب العلم أن لا ييأس ولا يملّ في طريق طلب العلم والمعرفة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

 

- على طالب العلم أن يتواضع في ما اكتسبه من علم، ويسعى لطلب المزيد من أهله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.

 

- على طالب العلم أن لا يجزم في أمر مستقلبيّ خافٍ عنه: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا  * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.

 

- على طالب العلم الصبر على التعلّم: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا *  فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا *  قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى

 

218


216

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.

 

- على المعلّم أن يبيّن لطلابه بياناً مفصَّلاً في ما يعلّمهم، ووجهَ الحكمة في ما يؤدّي إليهم: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبً*  وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا *  وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.

 

- إزالة العقبات من أمام الدعوة عاملٌ مهمّ في نجاح تبليغها: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا *  قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾.

 

- الله تعالى يعتني بأوليائه، ويتعهّدهم بالرعاية والحفظ: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى   * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.

 

- الإنسان الموقن لا يخشى تهديد الكافرين، ولا مكرهم وبطشهم: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾، ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *  قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *  وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ *  وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.

 

219


217

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

- على الإنسان أن تصدر أقواله وأفعاله عن بصيرة ورؤية للواقع، واستشراف للمستقبل لتفادي الخسائر: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾.

 

- الحياء قيمة فطريّة تصون المجتمعات من الانحراف: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء﴾.

 

- الحياء لا يمنع من طلب حلال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ*   قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾.

 

- الاستكبار وحبّ النفس يدفعان الإنسان لادّعاء الربوبيّة لنفسه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.

 

- المستكبرون والمتجبّرون يتسلّطون على رقاب الناس باستخفاف عقولهم: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾, ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.

 

- الله تعالى للكافرين بالمرصاد: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾.

 

220


218

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

الأفكار الرئيسة

1- خرج النبيّ موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى سيناء، وهيّأ لهم البيئة المناسبة لتلقّي دعوته، والعمل بها، والتخلّص من رواسب الشرك والوثنيّة.

 

2- أجرى الله تعالى على يدَي نبيّه موسى عليه السلام معاجز عدّة لبني إسرائيل، كإنزال المنّ والسلوى، وشقّ اثني عشر نبعاً لهم بعدد أسباطهم، وإحياء الميت في قصّة البقرة.

 

3- واجه النبيّ موسى عليه السلام تحجّراً وصلافة وعصياناً من بني إسرائيل، فحرّم الله تعالى عليهم دخول الأرض المقدّسة، وتاهوا في صحراء سيناء أربعين سنة.

 

4- لقي النبيُّ موسى عليه السلام العبدَ الصالح عليه السلام، ورافقه للتعلّم منه ممّا آتاه الله تعالى من العلم.

 

 

فكّر وأجب

1- ما المعاجزُ التي أجراها الله تعالى على يدَي نبيّه موسى عليه السلام في صحراء سيناء؟

 

2- ما قصّة البقرة؟ وما علاقتها بالقتيل من بني إسرائيل؟

 

3- بيّن أحداثَ لقاء النبيّ موسى عليه السلام بالعبد الصالح عليه السلام.

 

221


219

الدرس العاشر: النبيّ موسى عليه السلام (2)

مطالعة

عن ابن بابويه، حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن الحسين بن إسحاق التاجر، عن عليّ بن مهزيار، وعن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن منذر، عن أبي جعفر صلوات الله قال: "لمّا لقي موسى العالمَ عليه السلام، وكلّمه وسأله، نظر إلى خطّاف يصفرّ ويرتفع في الماء ويسفل في البحر، فقال العالم لموسى: أتدري ما تقول هذه الخطّافة؟ قال: وما تقول؟ قال، تقول: وربّ السماوات والأرض، وربّ البحر، ما علمكما من علم الله، إلّا قدر ما أخذت بمنقاري من هذا البحر وأكثر. ولمّا فارقه موسى، قال له موسى: أوصني، فقال الخضر: الزم ما لا يضرّك معه شيء، كما لا ينفعك من غيره شيء، وإيّاك واللجاجة، والمشي إلى غير حاجة، والضحك في غير تعجّب. يا بنَ عمران لا تعيِّرَنَّ أحداً بخطيئة، وابكِ على خطيئتك"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص160.

 

222


220

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

الدرس الحادي عشر

النبيّ يوشع عليه السلام النبيّ إسماعيل

عليه السلام النبيّ إشموئيل عليه السلام

 

 

أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص الأنبياء يوشع عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإشموئيل عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

 

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للأنبياء يوشع عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإشموئيل عليه السلام.

 

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص الأنبياء يوشع عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإشموئيل عليه السلام.

 

224


221

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

قصّة النبيّ يوشع بن نون عليه السلام

هو يوشع بن نون بن أفراثيم (أفرائيم) بن يوسف بن يعقوب[1]، وهو وصيّ النبيّ موسى عليه السلام[2]. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في سياق حكاية قصّة النبيّ موسى عليه السلام مع العبد الصالح عليه السلام، وفي مورد حثّ النبيّ موسى عليه السلام قومَه على دخول أرض فلسطين. والموردان هما:

- ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾[3].

 

- ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[4].

 

- تقدّم ذِكْر ما حصل في رحلة يوشع بن نون عليه السلام مع النبيّ موسى عليه السلام، للقاء العبد الصالح عليه السلام. وذكر القرآن الكريم أنّ يوشع بن نون عليه السلام مع رجل آخر[5] حثّا

 


[1] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج6، ص362.

[2] العياشيّ، تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج2، ص330.

[3] سورة الكهف، الآيات 60-65.

[4] سورة المائدة، الآية 23.

[5] الشيخ الطوسيّ، التبيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج3، ص486.

 

226


222

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

قوم النبيّ موسى عليه السلام على دخول أرض فلسطين: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1]. وقد استخلفه النبيّ موسى عليه السلام من بعده في بني إسرائيل، وهو الذي دخل بهم إلى الأرض المقدّسة[2] بعدما تاهوا في أرض سيناء أربعين سنة: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[3].

 

دروس وعبر من قصّة النبيّ يوشع بن نون عليه السلام

بعد التأمّل في قصّة النبيّ يوشع بن نون عليه السلام الواردة في القرآن الكريم، يمكن استخلاص جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- الصحبة في الله تورث المُصَاحب أخلاقيّات صاحبه وشمائله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

 

- الصحبة تجعل المتصاحبين يعيشون وحدة الهمّ والمسؤوليّة: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.

 

- المؤمن المُوقِن يخاف الله تعالى، ويخشاه خشية استعظام: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا﴾.

 

- المؤمن المُوقِن بدعوة الحقّ لا يخاف القتل في سبيل الله، ولا يهاب النوازل: ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾.

 

- المؤمن المُوقِن حَسَنُ الظنّ بالله، ويتوكّل عليه في كلّ أمر: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

 


[1] سورة المائدة، الآية 23.

[2] الشيخ الطوسيّ، التبيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج3، ص491؛ ج4، ص515.

[3] سورة المائدة، الآية 26.

 

227


223

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

قصّة النبيّ إسماعيل بن حزقيل عليه السلام

هو إسماعيل بن حزقيل[1]، عليه السلام بن بوذى، وهو من أنبياء بني إسرائيل. وقد ورد ذِكْره في القرآن الكريم في هذا الموضع، وهو قوله تعالى:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا*  وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾[2].

لم يتعرّض القرآن لذِكْر تفاصيل حياة النبيّ إسماعيل بن حزقيل عليه السلام[3]، وحكى اصطفاء الله تعالى له للنبوّة والرسالة: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾[4]، وارتضاءه له: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾[5]، وثناءه عليه, لصدقه ووفائه بوعده[6]: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾[7]، وأمره قومه وعشيرته وعترته بالصلاة والزكاة: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾[8].

 

قصّة النبيّ إشموئيل عليه السلام

هو إشموئيل (أي إسماعيل بالعربيّة). وقيل: اسمه شمعون بن صفية، وهو من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام، وهو من أنبياء بني إسرائيل. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو:

 


[1] النبيّ حزقيل عليه السلام هو ثالث أوصياء النبيّ موسى عليه السلام من بعده في بني إسرائيل. ويُقال له -أيضاً- حزقيل بن العجوز، نسبة إلى أمّه التي كانت عجوزاً، فدعت الله تعالى بأنْ يرزقها ولداً، فرزقها بحزقيل. وقيل: هو الذي أحيا الله تعالى على يديه الألوف الذين أماتهم الله تعالى من بني إسرائيل. وحكى القرآن الكريم قصّتهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 243). (راجع: الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج2، ص133, ابن كثير، قصص الأنبياء، مصدر سابق، ج2، ص248).

[2] سورة مريم، الآيتان 54-55.

[3] ورد في الروايات أنّ الله تعالى أرسله إلى قومه من بني إسرائيل، فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فخيّره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه، ورضي بثوابه، وفوّض أمرهم إلى الله تعالى في عفوه، وتأسّى بما سيجري على الإمام الحسين عليه السلام. (انظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص78؛ الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج6، ص429).

[4] سورة مريم، الآية 54.

[5] سورة مريم، الآية 55.

[6] ورد في الروايات أنّه واعد رجلاً للقياه، فانتظره في مكانه حتى مرّ عليه الحول، وهو ينتظره. (انظر: القمي، تفسير القمي، مصدر سابق، ج2، ص51, الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج1، ص77).

[7] سورة مريم، الآية 54.

[8] سورة مريم، الآية 55.

 

228


224

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[1].

كانت النبوّة في بني إسرائيل من بعد النبيّ يوشع بن نون عليه السلام، وصيّ النبيّ موسى عليه السلام، في بيت من بيوتهم، والملك والسلطان في بيت آخر، ولم يجمع الله لهم الملك والنبوّة من بعده في بيت واحد، فكانت النبوّة في ولد لاوي، والملك في ولد يوسف[2]. ولمّا بعث الله تعالى إليهم النبيَّ إشموئيل عليه السلام، سألوه أن يبعث الله تعالى عليهم ملكاً يقاتلون معه لرفع الظلم والقهر عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾[3]، فأجابهم إلى ذلك، مستشرفاً حالهم في التقاعس عن القتال: ﴿  قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾[4]، فما كان منهم إلّا إن أنكروا تقاعسهم, معلّلين ذلك بما هم عليه من مبرّرات اندفاعهم إلى القتال لرفع الظلم عنهم: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾[5]، ولمّا أخبرهم نبيّهم بأنّ الله تعالى ارتضى لهم طالوت مَلِكاً عليهم، وكان من ولد بنيامين

 


[1] سورة البقرة، الآيات 246-248.

[2] القميّ، تفسير القميّ، مصدر سابق، ج1، ص81.

[3] سورة البقرة، الآية 246.

[4] سورة البقرة، الآية 246.

[5] سورة البقرة، الآية 246.

 

229


225

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

أخي يوسف لأبيه وأمّه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾[1]، ولمّا لم يكن ممّا عهدوه من بيت الملك وبيت النبوّة، أظهروا اعتراضهم على ذلك، وعمدوا إلى إثارة الشكوك في لياقته للملك، لجهة أنّه ليس من بيت النبوّة ولا بيت الملك، ولم يؤتَ سعة في المال، وبالتالي ليس وجيهاً عند بنيّ إسرائيل, وهذان شرطان ضروريان بنظرهم في اللياقة للملك: ﴿قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾[2], ولكنّ النبيّ إشموئيل عليه السلام أجابهم بأنّ الله تعالى أهلّه للملك, للياقته له بما آتاه من القوّة الجسميّة والقوّة العقليّة والفكريّة: ﴿يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[3]، ولكنّهم مع ذلك أضمروا في أنفسهم رفضاً لملكه عليهم، وطلبوا من نبيّهم إعطاءهم آية على أحقّيّته بالملك، فأجابهم بأنّه سوف يأتيهم ومعه تابوت السكينة الذي فقده بنو إسرائيل، وتسلّط عليه عدوّهم، وكان هذا التابوت هو الذي وُضِع فيه موسى عليه السلام عندما ألقته أمّه في البحر، ويحوي مجموعة من مقتنيات ومختصّات النبوّة من موسى عليه السلام وأخيه هارون عليه السلام، وكان بنو إسرائيل يستبشرون به في حروبهم، فيضعونه أمامهم، فيهزمون عدوّهم، وقد فقدوه بفعل استخفافهم وإهمالهم له، فتسلّط عليه عدوّهم وأخذه منهم[4]: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[5].

 


[1]  سورة البقرة، الآية 247.

[2] سورة البقرة، الآية 247.

[3] سورة البقرة، الآية 247.

[4] القميّ، تفسير القميّ، مصدر سابق، ج1، ص81-82.

[5] سورة البقرة، الآية 248.

 

230


226

الدرس التاسع: النبيّ موسى عليه السلام (1)

دروس وعبر من قصّة النبيّ إشموئيل عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ إشموئيل في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- المقاومة والوقوف في وجه الظلم والاستبداد مطلبٌ فطريّ يصدر عنه المظلوم بأدنى التفات إلى فطرته: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾.

- الفهم العميق للتجارب السابقة، والوعي والتبصّر في الواقع، يمكّنان الإنسان من استشراف الموقف المستقبليّ: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ... فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.

 

- الملك والحكم وإدارة المجتمع تحتاج إلى شرطين أساسيّين, هما: القدرة الجسميّة، والقدرة العلميّة: ﴿قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.

- النبوّة والملك جَعْلٌ إلهيّ مختصّ به وحده: ﴿وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

-انصياع المجتمع لحكومة أصحاب المال والجاه سبب لتخلّفه ومذلّته: ﴿قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾.

 

231


227

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

الأفكار الرئيسة

1- كان النبيّ يوشع بن نون عليه السلام أوّل أوصياء النبيّ موسى عليه السلام من بعده في بني إسرائيل. وقد حكى القرآن الكريم قصّة مرافقته له في رحلته للقاء العبد الصالح عليه السلام. وهو الذي أدخل بني إسرائيل إلى أرض فلسطين بعد التيه أربعين سنة في صحراء سيناء.

2- أرسل الله تعالى نبيّه إسماعيل بن حزقيل عليه السلام إلى بني إسرائيل، وهو ثالث أوصياء النبيّ موسى عليه السلام من بعده فيهم. وقد أثنى القرآن الكريم عليه, لصدقه ووفائه بوعده، وأمرِه قومَه وعشيرته وعترته بالصلاة والزكاة.

3- أرسل الله تعالى نبيّه إشموئيل إلى بني إسرائيل، بعد الذلّ الذي أصابهم في أرض فلسطين، فطلبوا منه أن يدعو الله تعالى, ليرسل إليهم ملكاً يقاتلون معه لرفع الظلم عنهم، فأجابهم بأنّ الله تعالى اختار لهم طالوت، وجعل معه آية بأنْ يأتيهم بتابوت السكينة الذي فُقِدَ منهم، وكانوا يستبشرون به في حروبهم.

 

فكّر وأجب

1- ما قصّةُ النبيّ يوشع بن نون عليه السلام؟ وما الدروس والعِبَر المستفادة منها؟

2- ما قصّة النبيّ إسماعيل بن حزقيل عليه السلام؟ وما الدروس والعِبَر المستفادة منها؟

3- ما قصّة النبيّ إشموئيل عليه السلام؟ وما الدروس والعِبَر المستفادة منها؟

 

232


228

الدرس الحادي عشر: النبيّ يوشع، النبيّ إسماعيل، النبيّ إشموئيل عليهم السلام

مطالعة

عن ابن بابويه، حدّثنا أحمد بن الحسن العطار، حدّثنا الحسن بن عليّ السكريّ، حدّثنا محمّد بن زكريا البصريّ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، قال: قال الصادق عليه السلام: "إنّ يُوشع بن نون قام بالأمر بعد موسى، صابراً من الطواغيت على اللأْواء والضرّاء والجهد والبلاء، حتّى مضى منهم ثلاثة طواغيت، فقوي بعدهم أمره، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء امرأة موسى في مئة ألف رجل، فقاتلوا يُوشع، فغلبهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وهرب الباقون بإذن الله، وأسر صفراء، وقال: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أنْ ألقى نبيّ الله موسى، فأشكو إليه ما لقيت منك، فقالت صفراء: واويلاه، والله لو أُبيحت لي الجنّة لاستحييت أنْ أرى رسول الله، وقد هتكت حجابه على وصيّه بعده"[1].

 


[1] الراوندي، قصص الأنبياء عليهم السلام، مصدر سابق، ص179.

 

233


229

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

الدرس الثاني عشر

النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

 

أهداف الدرس

 على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى قصص النبيَّين داوود عليه السلام وسليمان عليه السلام الواردة في القرآن الكريم.

2- يستفيد من السيرة التبليغيّة للنبيَّين داوود عليه السلام وسليمان عليه السلام.

3- يستلهم الدروس والعِبَر والتعاليم الإلهيّة من قصص النبيَّين داوود عليه السلام وسليمان عليه السلام.

 

235


230

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

قصّة النبيّ داوود عليه السلام

هو داوود بن آسي، من وِلْد لاوي بن يعقوب عليه السلام[1]، وهو من أنبياء بني إسرائيل. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[2]، منها: قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ * وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ * وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[3].

 


[1]  انظر: القميّ، تفسير القميّ، مصدر سابق، ج1، ص82.

[2] انظر: سورة البقرة، الآية 251؛ سورة النساء، الآيتان 163، 165؛ سورة المائدة، الآية 78؛ سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89؛ سورة الإسراء، الآية 55؛ سورة الأنبياء، الآيات 78-80؛ سورة النمل، الآيتان 15-16؛ سورة سبأ، الآيتان 10-11؛ سورة ص، الآيات 17-26، 30. وقد أوردنا نصّ هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ داوود عليه السلام.

[3] سورة ص، الآيات 17-26، 30.

 

237


231

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

وبالتأمّل في هذه الآيات التي ورد فيها ذِكْر النبيّ داوود عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق التالي:

قتل داوود عليه السلام لجالوت

لمّا سار طالوت ببني إسرائيل لمواجهة الجبابرة من الكنعانيّين في أرض فلسطين: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[1]، وكان داوود عليه السلام غلاماً صغيراً من بين هذه القلّة المؤمنة الممتحَنة من بني إسرائيل، دنا من جالوت، ورماه وجنده بمقلاعه بالحصى، فقضى عليه، وانهزم جنده[2]، فدفع الله تعالى بداوود الظلم والاستعباد عن بني إسرائيل: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[3].

إيتاء داوود عليه السلام الملك والحكم والنبوّة

بعد أنْ قتل داوود جالوت، جمع الله تعالى لبني إسرائيل من جديد الملك والنبوّة، فجعلهما في داوود عليه السلام: ﴿وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾[4]، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا

 


[1] سورة البقرة، الآيتان 249-250.

[2] انظر: القميّ، تفسير القميّ، مصدر سابق، ج1، ص82-83.

[3] سورة البقرة، الآية 251.

[4] سورة البقرة، الآية 251.

 

238


232

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[1]، ومكّن الله تعالى له ملكه فيهم: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾[2]، واستخلفه في الأرض: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾[3]، وأثنى عليه، فعدّه من الأوّابين الدائمي الرجوع والانقطاع إلى الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[4]، ومن المحسنين: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[5]، فقرّبه منه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾[6]، وجعله على صراط مستقيم: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[7].

وقد لقي داوود عليه السلام من بعض قومه الذين كفروا عناداً وعصياناً، حتّى استوجبوا لعنه لهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾[8].

 

إيتاء النبيّ داوود عليه السلام الزبور

كان داوود عليه السلام على شريعة موسى عليه السلام، وقد اختصّ الله تعالى نبيّه داوود بكتاب الزبور: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[9]، وهو كتاب لا يشتمل على الأحكام والتشريعات، وفيه ذِكْر سنن إلهيّة، ومواعظ وزواجر، وأمور وحوادث مستقبليّة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾[10].

 


[1] سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89.

[2] سورة ص، الآية 20.

[3] سورة ص، الآية 26.

[4] سورة ص، الآية 17.

[5] سورة الأنعام، الآية 84.

[6] سورة ص، الآية 25.

[7] سورة الأنعام، الآية 87.

[8] سورة المائدة، الآية 78.

[9] سورة الإسراء، الآية 55.

[10] سورة الأنبياء، الآيتان 105-106.

 

239


233

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

معاجز النبيّ داوود عليه السلام

منّ الله تعالى على نبيّه داوود بسعة العلم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ*  وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾[1]، واختصّه بجملة من المعاجز، منها: تسخير الجبال والطير له، تسبّح معه للهَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾[2], ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾[3]، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾[4]، وتليين الحديد له، لاستخدامه في صناعة الدروع الحربيّة الواسعة المتناسقة النسج والمناسبة لمواجهة الأعداء: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[5]، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾[6].

قضاء النبيّ داوود عليه السلام بين الناس

أمر الله تعالى نبيّه داوود بالحكم بين الناس بالحقّ: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[7]. وقد حكى القرآن الكريم قضاء داوود عليه السلام في قضيّتين، كانتا امتحاناً له من الله تعالى، الأولى: قضيّة التنازع في النعاج، وحقيقتها أنّ الله تعالى أرسل ملكين من الملائكة متمثّلين في رجلين[8]، فبينما النبيّ داوود عليه السلام جالساً في محرابه،

 


[1] سورة النمل، الآيتان 15-16.

[2] سورة سبأ، الآية 10.

[3] سورة الأنبياء، الآية 79.

[4] سورة ص، الآيات 17-19.

[5] سورة سبأ، الآيتان 10-11.

[6] سورة الأنبياء، الآية 80.

[7] سورة ص، الآية 26.

[8] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم حسين الأعلميّ، لا ط، بيروت، مؤسّسة العلميّ للمطبوعات، 1404هـ.ق/ 1984م، ج1، ص172.

 

240


234

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

إذ دخل عليه الرجلان، وقد تخطّيا سور قصره من دون أن يراهما أحد من حرّاسه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾[1]، فبادرا إلى طمأنته وطلبا منه الحكم في قضيّة يتنازعا فيها بالحقّ: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ﴾[2]، فشرع أحدهما في تفصيل القضية بأسلوب يستثير العاطفة, بأنّه يملك نعجة واحدة، ويملك أخوه تسعاً وتسعين نعجة، فطلب منه أخوه أن يضمّ نعجته إلى نعاجه، وألحّ عليه في طلبه، حتّى غلبه في الجدال، وأخذها منه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾[3]، فانفعل النبيّ داوود عليه السلام بكلامه، وأصدر موقفاً أوّليّاً على فرض السؤال، من دون الرجوع إلى سؤال المدّعى عليه: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾[4]. ولمّا صدر من داوود عليه السلام هذا الموقف الأوّلي قبل اختتام الدعوى، علم عندها أنّ الله تعالى امتحنه وابتلاه بها، فاستغفر الله تعالى على تسرّعه في الموقف منها قبل سؤال المدّعى عليه، ورجع إلى الله تعالى في أمره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾[5]، فتقبّله الله تعالى وقرّبه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾[6].

والاختبار الثاني في قضيّة الحرث والغنم، حيث جاء رجلان متخاصمان يتقاضيان لديه، أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فشكا صاحب الزرع ما حلّ بزرعه بفعل ما قامت به غنم الرجل الآخر: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ

 


[1]  سورة ص، الآيتان 21-22.

[2] سورة ص، الآية 22.

[3] سورة ص، الآية 23.

[4] سورة ص، الآية 24.

[5] سورة ص، الآية 24.

[6] سورة ص، الآية 25.

 

241


235

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾[1]، فرأى داوود عليه السلام أن يأخذ صاحب الزرع غنم الآخر عوض زرعه التالف، ورأى ابنه سليمان عليه السلام أن يأخذ صاحب الزرع الغنم، وصاحب الغنم الأرض، فينتفع صاحب الزرع بالغنم، ويتعهّد الثاني الأرض حتّى ينبت الزرع من جديد، ثمّ يسترجع كلّ منهما ما له من الأرض والغنم[2]. وقد تناظرا في ذلك، ثمّ وافق النبيّ داوود عليه السلام على ما ذهب إليه ابنه سليمان عليه السلام, وهو ما أوحاه الله تعالى لسليمان[3] عليه السلام: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾[4].

وتجدر الإشارة إلى أنّ كلا الحُكْمَين الصادرَين هما حقّ[5]: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾[6]، والفارق أنّ الثاني الذي حكم به سليمان عليه السلام فيه رفق ولين في التعويض للحرث التالف، مع بقاء كلّ من ملكيّة الغنم والأرض على الأصل، وانتقال منافعهما في فترة التعويض.

دروس وعبر من قصّة النبيّ داوود عليه السلام

بعد التأمّل في ما ورد من قصّة النبيّ داوود عليه السلام في القرآن الكريم، يمكن استلهام جملة من الدروس والعِبَر والسنن، منها:

- النصر والهزيمة من عند الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ﴾.

- التدافع بين الناس سنّة إلهيّة رادعة للفساد في الأرض: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

- المقاومة ودفع الفساد أمر فطريّ: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.

 


[1] سورة الأنبياء، الآية 78.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص301.

[3] الصدوق، محمّد بن عليّ، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، ط2، قمّ المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، 1404هـ.ق، ج3، ص100-101.

[4] سورة الأنبياء، الآية 79.

[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص302.

[6] سورة الأنبياء، الآية 79.

 

242


236

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

- التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم السلام عند الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.

- الله تعالى يبتلي أنبياءه عليهم السلام ويمتحنهم: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.

- وليُّ الله يسلّم للرأي الأصْوَب الصادر عن غيره، ويُذعن له، وإنْ كان له رأيٌ صائبٌ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.

- الله تعالى يجري المعاجز على أيدي أنبيائه عليهم السلام: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.

قصّة النبيّ سليمان عليه السلام

هو سليمان بن داوود عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، وهو من أنبياء بني إسرائيل. ورد ذِكْره في القرآن الكريم في مواضع عدّة[1]، منها: قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ

 


[1] سورة البقرة، الآية 102؛ سورة النساء، الآيتان 163، 165؛ سورة الأنعام، الآيات 84، 87، 89؛ سورة الأنبياء، الآيات 78-79، 81-82, سورة النمل، الآيات 15-44؛ سورة سبأ، الآيات 12-14؛ سورة ص، الآيات 30-40. وقد أوردنا نصّ هذه الآيات في آخر الكتاب، آيات قصص الأنبياء عليهم السلام، النبيّ سليمان عليه السلام.

 

243


237

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾[1].

 

وبالتأمّل في هذه الآيات التي ورد فيها ذِكْر النبيّ سليمان عليه السلام، يمكن استخلاص قصّته وفق التفصيل التالي:

نشأة النبيّ سليمان عليه السلام وترعرعه

نشأ النبيّ سليمان عليه السلام في بيت النبوّة والحكم، وترعرع في كنف أبيه النبيّ داوود عليه السلام، فتعهّده بالتربية والتعليم، حتّى بلغ مبلغاً يناظر فيه أباه عليه السلام في القضاء في الخصومات بين الناس. وقد تقدّم ذِكْر ذلك في قصّة النبيّ داوود عليه السلام: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾[2].

وراثة النبيّ سليمان عليه السلام لأبيه عليه السلام

أثنى القرآن الكريم على النبيّ سليمان عليه السلام، فعدّه من الأوّابين، الدائمي الرجوع والانقطاع إلى الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[3]، ومن المحسنين: ﴿وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾[4], فقرّبه الله تعالى منه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾[5]، واصطفاه لوحيه: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[6], وجعله على صراط مستقيم: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[7]، وآتاه الكتاب والحكم والنبوّة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ

 


[1] سورة سبأ، الآيات 12-14.

[2] سورة الأنبياء، الآيتان 78-79.

[3] سورة ص، الآية 30.

[4] سورة الأنعام، الآية 84.

[5] سورة ص، الآية 25.

[6] سورة النساء، الآية 163.

[7] سورة الأنعام، الآية 87.

 

244


238

الدرس الثاني عشر: النبيّ داوود عليه السلام النبيّ سليمان عليه السلام

وَالنُّبُوَّةَ﴾[1]، وأورثه أباه داوود عليه السلام في نبوّته ورسالته وملكه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾[2].

اختبار الله تعالى لسليمان عليه السلام

اختبر الله تعالى نبيّه سليمان في ولد من أولاده، أحبّه حبّاً كبيراً، وكان شديد الحرص عليه، فتوفّاه الله تعالى، وجعله على كرسيّ عرشه[3]: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾[4]، فسلّم سليمان عليه السلام لمشيئة ربّه في ولده، وانقطع إليه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾[5], وسأله أن يتفضّل عليه، ويهبه ملكاً مختصّاً به من عنده، لكنْ لا بالغلبة والجور[6]، فآتاه الله تعالى ملكاً عظيماً: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾[7].