البيئة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-08

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


مقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 

إن البيئة هي من الأمور المهمة التي تنعكس آثارها على مستقبل الإنسان وتأثر على حياته في جانبها المادي والمعنوي، وهي من الموازين التي تميز بين الحضارات وتطورها... وقد اهتم الإسلام بالبيئة اهتماماً شديداً ووضع تشريعاته وآدابه الخاصة في هذا المجال.

في هذا الكتيب نلقي الضوء على ملامح النظرة الإسلامية للبيئة وبعض توجيهاته في هذا الإطار، التي على الإنسان أن يحولها إلى برنامج عمل وممارسة يومية.
 
 
 
جمعية المعارف الاسلامية الثقافية
 
 
 
 
 
 
5

 


1

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

الفصل الأول:

ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 

 

 

 

 

 

7

 

2

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...1.

 
أي طلب إليكم أن تعمروها. وبحسب تعبير العلامة الطباطبائي في تفسير الاية أنه تعالى هو الذي أوجد على المواد الأرضية هذه الموجود المسمى بالإنسان، ثم كملها بالتربية شيئاً فشيئاً وفطره على أن يتصرف في الأرض بتحويلها إلى حال ينتفع بها في حياته، أي فطره على أن يسعى في طلب إعمارها فعمارة الأرض هي من فطرة اللَّه في خلقه.
 
وعمارة الأرض تقتضي حمايتها وحظر الافساد فيها بتخريب عامرها وتلويث طاهرها وإهلاك أحياءها واتلاف طيباتها.
 
كما أن الإنسان أنيط به خلافة الأرض: ﴿... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...2.
 
ومعنى الاستخلاف هو أن الإنسان وصيّ على هذه البيئة  الأرض ومستخلف على إدارتها وإعمارها وأمين عليها، ومقتضى هذه الأمانة أن يتصرف فيما استخلف فيه تصرّف الأمين عليها من حسن استغلالها وصيانتها والمحافظة عليها.
 
والدين من خلال اهتمامه بالإنسان باعتباره محور هذا الوجود وكل ما فيه مسخّر لأجله، كان لا بدّ من أن
 
 
 

1- هود:61.
2- البقرة:30.
 
 
 
 
 
 
 
9

3

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

  ينعكس هذا الاهتمام على كل ما له علاقة به، ومن ضمنها الطبيعة التي هي المحور الاخر لعلاقة الإنسان بعد علاقته بأخيه الإنسان، وكل واحد من المحورين له تأثير في الآخر كما ربما يظهر من الآية الكريمة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ...1.

 
وقبل الدخول في تفاصيل ذلك لا بد من تعريف البيئة وتحديد موضوعها وموردها ومن ثم بيان بعض الايات الكريمة التي تسلط الضوء على عمق علاقة الإنسان بمحيطه وبيئته.
 
تعريف البيئة:
قد تكون كلمة بيئة في اللغة العربية مشتقة من فعل بوّأ، فتأتي بمعنى الإنزال والإسكان كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء...2.
 
 
 

1- الروم:41.
2- يوسف:56.
 
 
 
 
 
 
10

4

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 أي ينزل فيها حيث يشاء ويريد. والاسم  البيئة أي المنزل.


وعلى هذا يمكن تعريف البيئة على أنها الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقوّمات حياته من غذاء وكساء ودواء، أي كل ما يحيط بالإنسان ويؤثر فيه ويتأثر به سلباً أو ايجاباً فتشمل جميع الموجودات التي تحيط بالإنسان من يابسة وماء وسماء ومخلوقات حيّة وغير حيّة من حيوان ونبات ومناخ وتربة، كما أن مفهوم البيئة اليوم لم يعد قاصراً على الجوانب الطبيعية وإنما اتسع ليشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي صنعها الإنسان وعلى هذا نخلص إلى نموذجين للبيئة وهما:

البيئة الطبيعية: وهي التي ليس للإنسان دخل في وجودها.

والبيئة البشرية: وهي بيئة من صنع الإنسان وتعدّ انعكاساً لطبيعة التفاعل بين الإنسان وبيئته أي سلوك الإنسان وإنجازاته داخل بيئته الطبيعية.

وقد أشار القرآن الكريم إلى عمق ارتباط الإنسان بيئته في الكثير من آياته الشريفة، ومن هذه الآيات: 

 

﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ
 
 
 
 
 
 
11

5

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

  لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ1.

 

 

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ2
 

 

﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ3
 

 

﴿... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ"4.
 

 

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ5.
 

 

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ6.
 

 

﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ7.
 
 
 

1- إبراهيم:32-34.
2- الرحمن:10.
3- الذاريات:48.
4- هود:61.
5- الجاثية:13.
6- الروم:20.
7- النحل:80-81.
 
 
 
 
 
 
 
 
12

6

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 البيئة في المنظور الإسلامي:

 
1-البيئة خلقت بدقة بالغة ومتوازنة:
 
خلق اللَّه سبحانه وتعالى البيئة وأحكم صنعها بدقة بالغة من حيث الكم والنوع والخصائص والوظيفة.
 
قال تعالى: ﴿... صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ...1.
 
فكل عنصر من عناصر البيئة بهذا القدر وبهذه الصفات كما حددها تعالى يكفل لهذه العناصر أن تؤدي دورها المحدد والمرسوم لها من قبل الخالق القدير، في المشاركة البنّاءة في الحياة في توافقية وانسجامية غاية في الدقة والتوازن: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ2.
 

 

﴿... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا3.
هذا التقدير البالغ الدقة الذي هو من صنع حكيم خبير هو الذي يعطي لكل عنصر أو مكوّن من مكوّنات البيئة طبيعته الكمية والنوعية ووظيفته وعلاقته بالمكونات الأخرى.
 
2- البيئة خلقت مسخّرة لخدمة الإنسان:
 
خلق اللَّه البيئة وذللها سبحانه وتعالى وسخّرها لخدمة الإنسان: 
 
 
 

1- النمل:88.
2- القمر:49.
3- الفرقان:2.
 
 
 
 
 
 
 
 
13

 


7

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ1.

 

 

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً...2.
 
فالبيئة وفق هذه الايات وغيرها، بأرضها وسمائها ومائها وهوائها وجمادها ونباتها وحيواناتها، كل ذلك قد خلقه الحق تبارك وتعالى مسخّراً مذلّلاً للإنسان.
 
3- البيئة يحفظها اللَّه تعالى:
 
فالبيئة التي خلقها تعالى لتفي بكل متطلبات الإنسان، قد حفظها اللَّه تعالى وحماها من مخاطر كثيرة كالإشعاعات الكونية الفضائية والشهب والنيازك.
 
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ3.
 
فاللَّه تعالى أتقن صنع البيئة وأحاطها بدروع واقية من الأخطار القادمة من الفضاء، هذه البيئة هي 
نعمة 
 
 
 

1- الملك:15.
2- لقمان:20.
3- الانبياء:30.
 
 
 
 
 
 
 
 
14

8

الفصل الأول: ما هي البيئة؟ وكيف ينظر اليها الشرع؟

 مهداة من اللَّه تعالى يجب شكرها ومقتضى شكرها أن نسعى إلى حمايتها والمحافظة عليها، لذا حذّر تعالى كل من يسيئ استخدامها أو يفسدها أو يبدلها بالعقاب الشديد: ﴿... وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ1.

 
 

1- البقرة:211.
 
 
 
 
 
 
 
 
15

9

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 الفصل الثاني:

                                                قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

10

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 لقد ضُمّن الإسلام مجموعة من المبادئ والقواعد التي تضبط سلوكيات الإنسان في تعامله مع بيئته بما يصونها ويحفظها، منها:

 
الدعوة إلى الإصلاح والنهي عن الفساد والإفساد:
 
الفساد ضد الصلاح، وهو كل سلوك بشري يفسد نعم اللَّه ويحيلها إلى مصدر ضرر وخطورة على الحياة، وقد نهى الإسلام عن الفساد والإفساد: ﴿... وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا..1.
 
فكل شي‏ء بما فيه الأرض بشؤونها قائم على الصلاح ولكن الإنسان هو الذي يفسد، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ2.
 
ورد أنها نزلت في الأخنس بن شريق الذي أقبل على النبي وأعلن إسلامه ثم خرج فمرّ بزرع فأحرقه، وحمر فعقرها فذكر تعالى ما فعله الأخنس بأنه إفساد ومخالف للسلوك الإسلامي القويم.
 
الدعوة إلى الاعتدال:
 
على الإنسان نبذ الإسراف وسلوك الطريق الوسطى فلا افراط ولا تفريط، وهو مبدأ عام لا يختص في جانب 
 
 
 

1- الاعراف:85.
2- البقرة:205.
 
 
 
 
 
 
 
19

11

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 معين، فقد نهى الإسلام عن الإسراف لما فيه من أضرار كثيرة، وهو كل سلوك يتعدى الحدود المعقولة والمقبولة، وإذا عطفنا الكلام على موضوع البيئة فإنه يتمثل في الاستخدام المفرط لموارد البيئة بما يشكل خطراً وضرراً على البيئة ومواردها:﴿...وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ1.

 

 

﴿... وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً2.
 
فهذا النص القرآني عامّ فيشمل كل سلوك إنساني.
 
والحق أن الإسراف في استخدام موارد البيئة قد يهدّد البشرية بأخطار كثيرة فمثلاً الإسراف في قطع الأشجار والنباتات أدى إلى مثل جرف التربة الفيضانات العنيفة انتشار التصحّر، الاختلال في دورة الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون وغير ذلك. والقرآن دعا من خلال هذه الايات إلى الاعتدال والوسطية، أي الاستخدام الراشد والاستثمار دون استنزاف لأن اللَّه جعل لكل شي‏ء قدراً ومنها البيئة، والموازنة بين القدرة الانتاجية للبيئة
 
 
 

1- الاعراف:31.
2- الاسراء:26-27.
 
 
 
 
 
 
 
 
20

12

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 وبين النمو السكاني، والموازنة بين الأعمال اللازمة لاشباع احتياجاته المتسارعة وبين المحافظة على البيئة سليمة خالية من العطب والخلل، فلا تعني حماية البيئة أن نترك كنوز الأرض في مواقعها، ولا التحريم المطلق للاستفادة من ثروات الأرض الحيوانية والنباتية بل تعني الاستفادة دون إسراف لأن البيئة ليست ملكاً لجيل بعينه يتصرف بها كيف يشاء بل هي ميراث البشرية.

 
رعاية الأحياء الفقيرة:
 
كما دعا الإسلام إلى الحفاظ على موارد البيئة ومكوّناتها، ودعا إلى عدم الإسراف في استخدامها فإنه حارب أيضاً كل ما يؤدي إلى فسادها، ولا شك أن الفقر هو أحد الأسباب الكامنة لانتشار الأمراض والأوبئة، لذلك رغب الإسلام في بناء مجتمع يتكامل أبناؤه اجتماعياً، وإضافة إلى ما أوجبه من فرائض مالية كالخمس والزكاة، دعا إلى الإنفاق والتصدق بما يرفع حاجة المحتاجين، وما أكثر الآيات الشريفة الواردة في ذلك:
 

 

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ1.
 
 
 

1- البقرة:256.
 
 
 
 
 
 
21

13

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 الدعوة إلى استزراع الأرض وحماية البيئة:

 
أودع تعالى في مكونات البيئة الحيوية الكثير من المنافع الملموسة وغير الملموسة التي سخرها بقدرته وحكمته لخدمة الإنسان وتوفيراً لمتطلبات حياته قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا...1.
 

 

﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ2.
 
وهذه الآيات واردة في مقام المِنّة على الإنسان وأنه تعالى أنعم بها على الإنسان فواجبه هو أن يقوم بشكرها والمحافظة عليها من التلف أو التلوّث أو غير ذلك.
 
لأن هذه المخلوقات والكائنات تشاركه الحياة وأن وجودها مهم لاستمراره.
 
الابتعاد عن المعاصي:
 
فإن المعاصي لا يقتصر أثرها على العقاب الأخروي بل إن بعضها سبب في انتشار الأمراض الخبيثة.
 
فعن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي في الزنا ست خصال ثلاث منها في الدنيا، وثلاث في الاخرة فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء ويقطع الرزق"3.
 
 

1- النحل:14.
2- النحل:5.
3- ميزان الحكمة، ح‏7648.
 
 
 
 
 
 
 
22

14

الفصل الثاني: قواعد ومبادىء تقنن علاقة الانسان ببيئته

 وعن الإمام الباقر عليه السلام: "... وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذرانّ الديار بلاقع من أهلها... "1.

 
وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام: وجدنا في كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "... وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها"2.
 
وبمضمون هذه الروايات وردت روايات أخرى كثيرة تثبت الأثر الدنيوي للذنوب وخصوصاً على مستوى الرزق والثمر والمطر.
 
وليس أدل على ذلك من الآية الكريمة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ3.
 
وهكذا فإن اتباع الإنسان لهواه، وركضه وراء شهواته واشباع غرائزه على حساب المثل العليا، وترجيحه لرغبات يومه دون التفات إلى غده، يُحدث الفساد في الكون كلّه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ...4.
 
 
 

1- وسائل الشيعة، ج‏21، ص‏493.
2- الكافي، ج‏2، ص‏374.
3- النحل:112.
4- المؤمنون:71.
 
 
 
 
 
 
23

15

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 الفصل الثالث:

كيف نحافظ على البيئة؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25
 

16

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 في الأحاديث الشريفة دعوة صريحة إلى التعاطي الإيجابي مع مكوّنات البيئة بمائها ونباتها وحيوانها وهوائها وغيرها وفي ما يلي إطلالة على ذلك:

 
1- في مجال الحفاظ على الثروة النباتية:
 
دعا الإسلام منذ أربعة عشر قرناً إلى استزراع النباتات والأشجار وحمايتها وحث على التشجير والزراعة ولدينا كمّ كبير من الروايات في هذا المجال نذكر منها:
 
روي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال لرجل سأله فقال له: جعلت فداك أسمع قوماً يقولون إن الزراعة مكروهة؟ فقال عليه السلام: "ازرعوا وأغرسوا فلا واللَّه ما عمل الناس عملاً أجلّ ولا أطيب منه"1.
 
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: "كان أبي يقول خير الأعمال الحرث يزرعه فيأكل منه البرّ والفاجر"2.
 
 

1- الكافي، ج‏5، ص‏26.
2- م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
27

17

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيباً أخرجه الله عز وجل وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة ويدعون المباركين"1

 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له به صدقة"2.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"3
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من نصب شجرة وصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شي‏ء يصاب من ثمرها صدقة عند الله"4
 
فهذه الأحاديث وغيرها دعوة جادّة نحو التخضير ونشر الخضرة في كل مكان بل يظهر مدى الاهتمام الذي أولاه الإسلام بزرع الأرض واستصلاحها أنه أعلن قانوناً عاماً في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له"5.
 
 
 

1- حلية المتقين، ص‏662.
2- مستدرك الوسائل، ج‏13، ص‏460.
3- ميزان الحكمة ج‏2، ص‏1410.
4- كنز العمال، الحديث 9081.
5- مستدرك الوسائل، ج‏17، ص‏111.
 
 
 
 
 
 
 
28

18

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 فلا شك أن هكذا قانون يوجد الحافز الكبير لدى الناس لاستثمار الأرض. بالإضافة إلى ثواب الآخرة الذي اشارت له الرواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من امرئ يُحيي أرضاً فتشرب منها كبد حرى أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به أجراً"1.

 
مكافحة التصحر:
 
وكما حث الإسلام على الزرع فقد نهى عن الفعل المعاكس أي القلع وقطع الأشجار فقد ورد عن الإمام أبي عبد اللَّه عليه السلام: "لا تقطعوا الثمار (أي الأشجار المثمرة) فيصبّ الله عليكم العذاب صباً"2.
 
بل ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: "أخرج يا علي فقل عن اللَّه لا عن الرسول: لعن اللَّه من يقطع السدر"3.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من نبت إلا ويحفّه ملك موكّل به حتى
 
 
 

1- ميزان الحكمة، ج‏2، ص‏1410.
2- وسائل الشيعة، ج‏19، ص‏39.
3- ميزان الحكمة، ج‏2، ص‏1410.
 
 
 
 
 
 
 
29

19

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 يحصده فأيما امرئ وطئ ذلك النبت يلعنه ذلك الملك"1.

 
كما وأكدت بعض الروايات على عدم قطع بعض أنواع الأشجار التي كانت موجودة بندرة في بعض الأماكن وما ذلك إلا للحفاظ على الثروة النباتية ولا سيما في المناطق الصحراوية التي تكافح الدول اليوم لجعلها مناطق خضراء وارفة ففي الحديث عن الإمام الصادق ‏عليه السلام: "إنما يكره قطع السدر بالبادية لأنَّه بها قليل"2.
 
بل كانت الأوامر الصريحة تصدر من النبي لقواده وجيشه تنهاهم عن قطع الأشجار أو تدميرها وضرورة المحافظة عليها "ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها"، ونتيجة إغفال الإنسان لهذه التوجيهات وإفراطه في بناء مدنيته على حساب الموجودات الطبيعية لهذه العناصر الضرورية للحياة ازداد التلوث ونسبة ثاني أوكسيد الكربون الذي يقول العلماء إن تزايده لا يرجع فقط إلى استهلاك مصادر الوقود (الفحم، النفط) وإنما جاءت نتيجة التدهور الذي أصاب الغطاء النباتي المستهلك الرئيسي لثاني أوكسيد الكربون، ما سبب إخلالاً في مكوّنات الهواء.
 
 

1- ميزان الحكمة، ج‏2، ص‏1410.
2- ميزان الحكمة، الحديث 9150.
 
 
 
 
 
 
 
30

20

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 2- في مجال الحفاظ على الثروة الحيوانية:

 
وعندنا من النصوص والأحكام ما يكفي لإلقاء ضوء على مدى العناية بهذه الثروة، كحكم صيد اللهو الذي يشكل هدراً وإتلافاً لثروة حيوانية من دون مسوغ وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أيقصر في صلاته أم يتم؟
 
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصّر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة"1.
 
فإذا كان صيد الحيوانات برية كانت أو مائية حلالاً شرعاً فقد نهى الإسلام عنه طالما كان لغير منفعة، لذا ورد في الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قتل عصفوراً عبثاً عج إلى اللَّه تعالى يوم القيامة يقول يا ربّ إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني لمنفعة"2.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه نهى عن قتل كل ذي روح إلا أن يؤذي"3.
 
 
 

1- الكافي، ج‏3، ص‏438.
2- بحار الأنوار، ج‏61، ص‏306.
3- ميزان الحكمة، ج‏2، ص‏713.
 
 
 
 
 
 
 
31

21

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 وعنه أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من دابة يقتل بغير الحق إلا ستخاصمه يوم القيامة"1.

 
وفي مضمونه روايات أخرى.
 
بل لنا في الروايات التي ترشد إلى التعاطي بالرفق مع الحيوان ما يكفي لعكس صورة واضحة على مدى الحرص على حياة المخلوقات.
 
3- في مجال المياه:
 
في هذا المجال نرى القرآن الكريم قد تحدث عن الماء فأشار إلى صبّه من السماء وأنه السبب في إنبات النبات: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ2.
 

 

﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ3.
 
 
 

1- ميزان الحكمة، ج‏2، ص‏713.
2- الحج:63.
3- عبس:25- 32.
 
 
 
 
 
 
32

 


22

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

  فالعلاقة واضحة بين الماء وإنبات النبات، وهناك موضوعان أساسيان في الماء ينبغي ملاحظتهما:

 
أ- الاقتصاد وعدم الإسراف: 
 
لا شك أن قلّة الماء تؤثر سلباً على نمو النبات وبالتالي على حياة الحيوان، فالواجب يقتضي الحفاظ على هذا الماء وعدم الإسراف في استخدامه، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء"1.
 
فالنهي عن الإسراف يشمل استخدام هذه الثروة المائية التي بدأ العلماء يتحدثون عن قلتها وعدم كفايتها لسد حاجات البشر نتيجة الإسراف وسوء الاستخدام.
 
ب- المحافظة على نظافته ونقائه:
 
كمنع إلقاء الأقذار الإنسانية قريباً من مجاري المياه وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "أنه يمنع التغوّط على شطوط الأنهار"2.
 
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الماء، وفي الظل، وفي طريق الناس"3.
 
كما روي أن أمير المؤمنين عليه السلام نهى أن يُبال في الماء الجاري و: "لا يبولن في ماء جارٍ"4.
 
 
 

1- ميزان الحكمة، ج‏3، ص‏6921.
2- سائل الشيعة، ج‏1، ص‏324.
3- بحار الأنوار، ج‏69، ص‏113.
4- وسائل الشيعة، ج‏1، ص‏249.
 
 
 
 
 
 
 
 
33

23

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "وكره أن يتبول في الماء الراكد"1.

 
وقد أكد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أمته أن تتخذ مكاناً خاصاً للتخلي وهو الكنيف حيث اعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المروى عنه: "من فقه الرجل أن يرتاد موضعاً لبوله"2.
 
هذا الموضع هو الموضع الخاص حيث يحصر فيه ما يلوث البيئة في مكان واحد عوضاً عن أن تصبح البراري والطرقات والساحات والأنهار مصارف صحية متعددة بما يشكل ذلك من انتشارٍ للأوبئة المختلفة.
 
4- في مجال الهواء:
 
يمثل الهواء العامل الرئيس لاستمرار الأحياء، لأن التغذية لا تقوم من دونه، فالأوكسجين عنصر أساسي في تغذية الحيوان والإنسان وبمركباته هو عنصر أساسي في تغذية النبات، ولكن الصناعات الحديثة تسببت بإنتاج كثيف لثاني أوكسيد الكربون مما قد يحدث خللاً في تركيب الهواء، و في هذا المجال نجد أن من صلاحيات المحتسب أن يحول دون أن
 
 
 

1- وسائل الشيعة، ج‏1، ص‏143.
2- وسائل الشيعة، ج‏1، ص‏338.
 
 
 
 
 
 
34

24

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

  ينصب المالك تنوراً في داره يؤذي الجار بدخانه، فإذا كان هذا الأمر ممنوعاً، فما بالك في غير ذلك مما يشكل ضرراً أكبر يتجاوز الجار ليعم البشر كما هو الحال في الغازات السامة والاشعاعات النووية.

 
كما أننا نجد في السنّة الشريفة أن الرسول كان يمنع أن يلقى السمّ حتى في بلاد العدو وإذا كان السمّ في زمن النبي يُقرّ في الأرض فهو اليوم ينتشر في الهواء.
 
وهذا ما يمكن التمسك به في مجال الحفاظ على التربة وخلوّها من النفايات السامة التي تؤثر في النبات وما يتغذى بها.
 
5- محيط الإنسان:
 
النظافة والتطهير:
 
وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ1.
 
إن الطهارة هي من الوسائل التي حرص الإسلام عليها واعتمدها كوسائل مجدية في حفظ البيئة، والدين الإسلامي لا نظير له في مدى اهتمامه بالنظافة حتى ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال: "النظافة من الإيمان"2.
 
فجعلها من مقتضيات الإيمان. ويتجلى هذا الاهتمام
 
 
 

1- المدثر:4.
2- مستدرك سفينة البحار، ج‏10، ص‏93.
 
 
 
 
 
 
35

25

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

  بالطهارة والنظافة من خلال نظرة إلى أحكام الشريعة في الإسلام حيث نجد أهم عبادة من عباداته وهي الصلاة مشروطة بالوضوء والاغتسال وإزالة الخبائث عن البدن واللباس وأعلنها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم واضحة جلية: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور"1.

 
الطرقات:
 
إن حسن استخدام الطرق وإزالة الأذى والضرر عنها قد أكد عليه الإسلام ورغب فيه انطلاقاً من أحاديث النبي وأهل بيته فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا اللَّه وأدناها إماطته الأذى عن الطريق..."2.
 
وفي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إن على كل مسلم في كل يوم صدقة".
 
قيل: من يطيق ذلك؟
 
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إماطتك الأذى عن الطريق صدقة"3.
 
 

1- وسائل الشيعة، ج‏1، ص‏398.
2- ميزان الحكمة، ج‏1، ص‏199.
3- مستدرك الوسائل، ج‏2، ص‏402، باب 16، الحديث السادس.
 
 
 
 
 
 
 
36

26

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 والأذى هنا يشمل كل ما يضرّ بالطريق ويشوه جماله ونظافته عن النبي ‏صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق"1.

 
أيضاً ورد عنه: "من سلّ سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين"2.
 
ورد عن الإمام الصادق: "من أضرّ بشي‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن"3.
 
لكل ذلك أفرد الفقهاء باباً في كتب الفقه أسموه بالمشتركات والمراد بها الطرق والشوارع والمساجد وغيرها مما كان الانتفاع بها عاماً ذكروا فيه أحكام التصرف فيها فقالوا مثلاً: لا يجوز التصرف لأحد في (الشارع العام) ببناء حائط أو حفر بئر، أو شق نهر أو غرس أشجار ونحو ذلك وإن لم يكن مضراً بالمستطرقين نعم لا بأس بما يعدّ من مكملاته ومحسّناته.
 
ويدخل ضمن الأذى الذي دعا الإسلام إلى رفعه وإماطته عن الطريق كل ما يضرّ بمستخدمي هذه الطرق،
 
 
 

1- المهذب البارع، ج‏3، هامش الصفحة السادسة.
2- السنن الكبرى للبيهقي، ج‏1، ص‏98.
3- وسائل الشيعة، ج‏29، ص‏241.
 
 
 
 
 
 
37

27

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 كإلقاء الزجاجات الفارغة وبقايا الطعام والإخلال المضر بقوانين السير بحيث يمنع من تعدّي السيارات على الأماكن المعدّة للمشاة، ففي ترك هذه التجاوزات إماطة أذى عن الطريق ومستخدميه يؤجر عليه الإنسان.

 
6- التلوّث الضوضائي:
 
من أنواع التلوث البيئي الذي يشكو منه الكثيرون التلوث الضوضائي أو السمعي، ويراد به الضجيج والأصوات العالية التي تؤذي السمع وتقلق الراحة وتتلف الأعصاب، وخصوصاً المرضى والأطفال ومن عملهم يحتاج إلى فكر وسكينة وهدوء.
 
والمحرك لهذه الأمور كلّها هو الإنسان، فهو المسؤول عما يعانيه هو نفسه، والسبب في كل هذا السلوك غير السوي هو الغفلة عن نتائج تصرفاتنا تجاه الآخرين والاستهتار بمشاعرهم وحرياتهم، والانغماس في محبة الذات وما يرضيها، لذا تجد في الأحاديث والروايات ما يحث الفرد المسلم على الإحساس بالآخرين حتى يتخلى عن النوازع الذاتية والعوامل الفردية: "اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك فأحب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها"1.
 
 
 

1- نهج البلاغة، ج‏3، وصية 31، من وصية الإمام علي لابنه الحسن عليهما السلام.
 
 
 
 
 
 
 
38

28

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 فهذه الأطر العامة تعطي الجواب الجلي لأي تساؤل عن الموقف الشرعي والرواية الإسلامية في مجال ما يمكن أن تسميه بالتلوث الضوضائي، ولكن ماذا عن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الخاصة الواردة في هذا المجال.

 
الموقف القرآني:
 
في البداية نقف عند قوله تعالى: ﴿... وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ1.
 
فنجد ذلك الأسلوب الذي يركّز على إبعاد الإنسان نفسياً عن رفع صوته، بتجريد علو الصوت عن كل قيمة جمالية أو عقلانية، ويا له من تشبيه فصوت الحمير أنكر الأصوات لمبالغتها في رفعه ولذا أمر تعالى بغض الصوت أي النقص والقصر فيه، وليس القبح من جهة ارتفاع الصوت وطريقته فحسب، بل من جهة كونه بلا سبب أحياناً قالوا أن هذا الحيوان (الحمار) يطلق صوته أحياناً بدون مبرّر أو داعٍ، ومن دون أي حاجة أو مقدمة، ويطلقه في محله ووقته وفي غيره.
 
وما يستهدفه القران الكريم هو تربية الذوق الإنساني
 
 
 

1- لقمان:19.
 
 
 
 
 
 
 
39

29

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

 على أن يمارس الإنسان وظائف أعضائه بحكمة وهدوء، دون أن يسيئ إلى نفسه وإلى الآخرين.


وما قدمناه من شجب الإسلام للأصوات العالية والجلبة والضجيج هل يقتصر فيه على مضمون دون مضمون أم أن الأمر مرتبط بطبيعة الصوت أيّاً كان المحتوى؟

هناك أمور ورد الشرع برفع الصوت فيها من شأنها ألا تحدث ضجيجاً إذا روعيت فيها تعاليم الشرع وآدابه كالأذان والتلبية في الحج، ومن الأمور التي يرجح رفع الصوت فيها صيحات التكبير في الحرب التي لها تأثيرها في تقوية قلوب الجنود المؤمنين وبث الرعب في قلوب أعدائهم.

أما إن تطلق الأصوات والمكبرات في أي وقت كان وأن ترفع إلى أبعد الحدود بحجة تضمنها القرآن الكريم أو غير ذلك مما هو راجح في نفسه، فهذا خاضع للقاعدة العامة القاضية بضرورة عدم الإساءة إلى الآخرين.

ومن هنا أفتى بعض الفقهاء بحرمة استعمال الجهاز الصوتي بشكل مزعج إذا كان في ذلك إيذاء للناس وإن تضمن قراءة القرآن الكريم.
 
 
 
 
 
 
 
40

30

الخاتمة: ثقافة حفظ البيئة

 الخاتمة:

ثقافة حفظ البيئة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41
 

31

الخاتمة: ثقافة حفظ البيئة

 للإسلام وسائله العديدة لحماية البيئة، وتنميتها وتحسينها، ومحور هذه الوسائل هو الإنسان نفسه لأن الطبيعة من حولنا لا مشكلة منها ولا خطر في ذاتها، وإنما المشكلة تنبع من صلة الإنسان بها وتصرّفه فيها وتعامله معها. وهذه الوسائل تتمثل في:

 
1- تربية الناشئة:
 
عبر غرس فكرة العناية بالبيئة والحفاظ عليها، والاعتدال في الاستفادة منها بلا شح ولا إسراف، وخلق حس المسؤولية تجاه ما حوله وليس البشر فقط، عملاً بقول أمير المؤمنين عليه السلام: "اتقوا اللَّه في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم"1.
 
هذه المعاني والمضامين يجب غرسها في عقول ووجدان الأطفال منذ نعومة أظفارهم وأن تكون مواد تدريسية في المناهج التعليمية والكتب التدريسية، إن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، وفي هذه السنّ تتكوّن العادات وتكتسب الفضائل.
 
2- التوعية والتثقيف للكبار:
 
وذلك عن طريق المؤسسات الثقافية والجمعيات
 
 

1- نهج البلاغة، ج‏2، الخطبة 167.
 
 
 
 
 
 
 
43

32

الخاتمة: ثقافة حفظ البيئة

 البيئية ووسائل الاعلام بشتى وجوداته مقروءاً ومسموعاً ومرئياً، وحتى عن طريق الخطب الدينية والندوات وبيان الموقف الشرعي من هكذا موضوعات.
 
وفي الإسلام كل المواد الأساسية الكافية لاستنباط تشريعات تحمي البيئة وهي بحاجة إلى إضاءة اعلامية مركّزة كغيرها من مفردات التشريع.
 
3- رقابة الرأي العام:
 
عملاً بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن إصلاح البيئة ورعايتها من المعروف، وإن إفسادها وتلويثها من المنكر. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ1.
 
وأن نبني الضمير والوازع المسؤول والملتزم لدى الإنسان وترسيخ السلوكيات البيئية الصحيحة لحماية البيئة ليصحح الإنسان مسار علاقته مع بيئته بمسار إسلامي بحيث يضبط ويمنع أي سلوك غير بيئي. 
 
 
 

1- التوبة:71.
 
 
 
 
 
 
44

33

الفهرس

 الفهرس

مقدمة

5

الفصل الأول: ما هي البيئة وكيف ينظر إليها الشرع‏

7

تعريف البيئة

10

البيئة في المنظور الإسلامي‏

12

1  البيئة خلقت بدقة بالغة ومتوازنة

13

2  البيئة خلقت بدقةبالغة ومتوازنة

13

3  البيئة يحفظها اللَّه تعالى‏

14

قواعد ومبادى‏ء تقنن علاقة الإنسان ببيئه‏

17

الدعوة إلى الإصلاح والنهي عن الفساد والإفساد

19

الدعوة إلى الإعتدال‏

19

رعاية الأحياء الفقيرة

21

الدعوة إلى استزراع الأرض وحماية البيئة

22

الإبتعاد عن المعاصي‏

22

الفصل الثالث: كيف نحافظ على البيئة؟

25

1  في مجال الحفاظ على الثروة النباتية

27

مكافحة التصحر

29

2  في مجال الحفاظ على الثروة الحيوانية

31

3  في مجال المياه‏

32

أ  الاقتصاد وعدم الإسراف‏

33

 

 

 

 

 

 

45


34

الفهرس

 

ب  المحافظة على نظافته ونقائه‏

33

4  في مجال الهواء

34

5  محيط الإنسان‏

35

النظافة والتطهير

35

الطرقات‏

36

6  التلوّث الضوضائي‏

38

الموقف القرآني‏

39

الخاتمة: ثقافة حفظ البيئة

41

1  تربية الناشئة

43

2  التوعية والتثقيف للكبار

43

3  رقابة الرأي العام‏

44

 

 

 

 

 

 

46


35
البيئة