العلم في مشروع الإمام الخامنئيّ

نهوض واقتدار بأخلاقيّات سامية متأصّلة


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2019-10

النسخة:


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الرؤية بكلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله

الرؤية بكلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله

 

"إنّني أتوقّع أنّنا سوف نعلن بعد خمسين عاماً، أنّنا قد وصلنا إلى المرتبة العلميّة الأولى على المستوى الدوليّ في العالم، أي إنّنا سوف نقوم برسم الخطوط العلميّة اللازمة لها بأيدينا"[1]

 

 


[1] خطاب بتاريخ 5/10/2006، بعنوان: "تكريم العلم والعلماء"، بحضور جمع من الأساتذة وأعضاء الهيئة العلميّة.

 

 

7


1

المقدّمة

المقدّمة

 

لا يخفى على عاقلٍ إنجاز الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره في هذه الحقبة التاريخيّة، وبشكل قياسيّ من عمر الأمم والشعوب، وكيف استطاع خليفته، ومن كان في عنايته ورعايته، في حمل هذه الأمان العظيمة، أن يرقى بهذه الثورة والدولة معاً إلى مصافّ الأمم والشعوب المتقدّمة على مستوى العلوم الفنّيّة والتقنيّة، وإلى ما هو أرقى وأسمى على المستوى الإنسانيّ والقيميّ الذي أذهل ويُذهل عمالقة الفكر والتنظير في العالم، أمام رؤيته وحكمته ونفاذ بصيرته.

 

والدكتور الفاضل عبد الله زيعور، واحدٌ من أولئك الذين خاضوا في أعماق لُجين أفكار الإمام الخامنئيّ دام ظلّه لتقديمه إلى محبّيه وكلِّ عالم، بما يليق وينسجم.

 

وجمعيّة مراكز الإمام الخمينيّ الثقافيّة في لبنان، وانطلاقاً من مسؤوليّتها في تقديم الفكر الأصيل وبثّه من منابعه، تتشرَّف بنشر هذا الكتاب القيِّم "العلم في مشروع الإمام الخامنئيّ، نهوضٌ واقتدارٌ بأخلاقيَّات سامية متأصِّلة".

 

جمعيَّة مراكز الإمام الخمينيِّ الثقافيَّة في لبنان

 

 


2

تقديم

تقديم

إنّ العودة إلى تاريخ الأمّة الإسلاميّة، الموغل في الصراعات الداخليّة والتفتّت والانقسامات، والاستقواء بالأجنبيّ منذ أيّام الصليبيّين حتّى اليوم، يترك انطباعَين اثنَين، وفي اتّجاهَين مختلفَين: انطباعاً بالمرارة والأسى على واقع الأمّة الغارق في الفتن والتناحر والتخلّف، وشعوراً بالمسؤوليّة، فرديّاً وجماعيّاً، لغياب مشروع استنهاض يغيّر من مفاهيم السلطة والمجتمع ويمسك بأسباب القوّة نحو التحرّر وصياغة نموذج تقدّمه الأمّة الإسلاميّة وتباهي به الأمم كمشروع إنقاذ عالميّ، ذي أعماق إنسانيّة، يكون ترجمة واقعيّة لإرادة الأنبياء والرسل. وهذا المشروع ليس ترفاً فكريّاً أو اصطفافاً لنظريّات نُرضي بها النفوس ونرفع الملامة والسؤال عنّا، نصوغه نحن ونحتسي الشاي على مقاعد مريحة، وإنّما هو واجب الوجود، وعلى الأمّة أن تجده وتعمل به، وإلّا فالمسؤوليّة والحساب سيكون حتماً حساب فرد وحساب أمّة في آن.

 

وفي إطار العمل لتغيير هذا الواقع، انطلقت الثورة الإسلاميّة في إيران لتواجه تحدّيات الوجود بدايةً، ثمّ تحدّيات الاستقرار والنمو، ثمّ الصمود والمنعة أمام تهديدات النماذج الأخرى عالميّاً، باعتبار أنّ الفشل في التجربة على مستوى الوطن الراقي والمقتدر هو

 

11

 


3

تقديم

تهديد استراتيجيّ ينفذ منه الأعداء، داخليّاً وخارجيّاً للانقلاب على الثورة وأَخذِ إيران إلى معسكر الدول التابعة المحتاجة، والتي تستمرّ بفضل رضا الدول الكبرى عليها فقط، لا بقرارها وبمشروعها الوطنيّ المستقلّ. ولكي لا نذهب بعيداً، فقد سقطت المنظومة السوفياتيّة عندما فشلت التجربة في النموّ والتقدّم من الداخل، وليس بالسلاح النوويّ التكتيكيّ أو الاستراتيجيّ ضدّ الخصم.

 

وفي اتّجاه السعي للخروج من دائرة الدول المحتاجة، كان مشروع الإمام الخمينيّ قدس سره واضحاً في أبعاده الثلاثة: الوحدة الإسلاميّة، تحرير العالم الإسلاميّ من الاستكبار، وإزالة الكيان الصهيونيّ من جسم الأمّة الإسلاميّة.

 

ومن الواضح أنّ تحرير العالم الإسلاميّ من الاستكبار الغربيّ كان يستلزم امتلاك القوّة وأسباب الاستغناء عن الآلة الغربيّة ومواجهة تبعات هذا الاستغناء، من حرب أو حصار دوليّ أو تحريك لقوى متناغمة معه في الداخل. ولكي تبقى الأمّة حرّةً واقفةً على أقدامها في هذه المعركة، كان العلم والاقتدار سرّاً من أسرار المواجهة، فمن يمتلك العلم يربح، أو على الأقلّ يفتّت مشروع العدوّ، ويحمي وجود الأمّة، ويسمح لها على المدى الطويل بأنْ تنجح في تقديم التجربة النموذج... فمن وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله، -وهو يترجم مضمون المشروع التاريخيّ للإمام الخمينيّ قدس سره- يعتبر أنّ امتلاك العلم بيد الغرب مكّنه من امتلاك أداة التسلُّط على البلدان

 

12

 


4

الرؤية بكلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله

المستضعفة، فسحق الشرق وتسلّط عليه سياسيّاً واستعماريّاً، لا بل عمد الغرب إلى فرض ثقافته وأولويّاته على الشعوب الأخرى، فعمليّة فرض الثقافة على الآخرين أدّت إلى عدم حصول هذه الشعوب على أيّ حظٍّ من التقدّم العلميّ مطلقاً، فلم يسمح الغرب لهم بأخذ العلم من مصادره، ولم يقدّم لهم أيّ نوع من التشجيع، وبدلاً من هذا، كان يضع العراقيل أمامهم... وإذا كان العالم الإسلاميّ متخلّفاً اليوم، سياسيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً، فهذا بسبب أنّ الخصم الغربيّ تسلّح بسلاح العلم، وهم يستخدمونه من أجل الغلبة في ميدان السياسة والاقتصاد والثقافة... فعلينا أنْ نحصل على هذا السلاح، والحصول على هذا السلاح هدف استراتيجيّ رفيع للأمّة جمعاء.

 

تلك هي، وبسطور قليلة، مضامين نظرة الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى العلم، كشرط من شروط النهوض والاقتدار للأمّة، فاستمرار الأمّة ونجاحها في مواجهة مشاريع الإلغاء، ثمّ في مشاريع التقدّم وتقديم النموذج، يستلزمان الحصول على السلاح، فكان سلاح العلم الذي أفرد له سماحته عناية خاصّة، ترجمها، طيلة أكثر من ثلاثين عاماً أثناء قيادته مشروع الجمهوريّة الإسلاميّة، في نفسه، وفي الحثّ على الأخذ بأسباب العلم، موجّهاً الخطاب للإنسان، ثمّ للجامعة ودوائر الأبحاث والحكومة. ولقد نجح في تقديم تجربة لم يشهد العالم مثيلاً لها في المنعة والتقدّم، والأهمّ، أثناء حصار دوليّ ظالم، توافقت فيه إرادات الدول الكبرى لمنع خروج أيّ من الدول

 

13


5

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

المستضعفة نادي القهر والاستضعاف، ولمنع كسر التوازنات الدوليّة التي تؤمّن كافّة مصالح الغرب على حساب تجهيل الأمّة والاستفادة أحاديّاً من قدراتها وثرواتها، مستعينةً على ذلك بحكّام متآمرين، وفي أحسن الظنون، بلا أفق ولا انتماء.

 

العناية الخاصّة للإمام الخامنئيّ دام ظله تجاه العلم وعالم العلم والعلماء كانت لافتة وظاهرة للعيان، لا بل مؤثّرة وجدانيّاً ومحفّزة للعمل، فلقد تجلّت في حركته وتخصيصه الوقت والجهد والمتابعة الدؤوبة، فيتوقّف المتابع مليّاً أمام العلاقة التي تربط الإمام الخامنئيّ دام ظله بالعلم، وهو قد عبّر عنها في خُطب جاوزت العشرات، وأفرد عدداً منها عن العلم وما تريده الجمهوريّة من العلم تحديداً، وكأنّه يعتبر أنّ العلم بات اليوم إكسير الأمم الحيّة نحو الحرّيّة والانطلاق إلى مستقبل واعد. ويحتار المتابع أيضاً أمام كثرة اللقاءات التي كان يعقدها ليس مع النُخَب العلميّة ومسؤولي مراكز الأبحاث فقط، بل مع الشعراء والفنّانين، من رسّامين ونحّاتين ومسرحيّين وسينمائيّين، بعيداً عن الرسميّات. وعلى الرغم من مشاغله في صنع المسار السياسيّ والعقائديّ للأمّة، مقتنعاً في قرارة نفسه أنّ هؤلاء جزء من حركة تكامل الأمّة حول تطلّعاتها المستقبليّة، وأنّ الفنّ يجب أن يكون حلقة اتّصال مركزيّة تربط شرائح المجتمع كلّه مع المشروع بعناصره ورؤيته، وتعيش هذا المشروع بأحاسيسها وعواطفها ولحظات الفرح والحزن معها، لأجل

 

14


6

تقديم

أن يسري في عروق الأمّة، فتدافع عنه عند الشدائد، أمّا اللقاءات مع النُخَب العلميّة، وعلى كثرتها، فلم تكن كلّها لسماع توجيهات الإمام الخامنئيّ دام ظله ومواعظه حول العلم... وإنّما أتت ليتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله التفاصيل، باعتبارها أموراً تنفيذيّة، لا بدّ من السعي لإنجازها واعتبار التخلّف عنها موضع مساءلة ومحاسبة، وكان يتوقّف عند نقاط القوّة ونقاط الضعف، ويسمع الشكوى، ويعيش المشروع في أحاسيسه، ومن ثمّ كان يوجّه ويقدّم النصيحة والإرشاد، ويرسم أفق الطموحات وما تريده الأمّة في المستقبل وتحدّياته.

 

في المحصّلة، كان الإمام الخامنئيّ دام ظله إنسانَ علم وعى لخطورة العلم والأهمّيّة الاستراتيجيّة للعلم في قوّة الأمّة ومنعتها، وحثّ على ذلك بصناعة توجّه عامّ على مستوى الأمّة نحو العلم لأجل تقدّم الأمّة، من خلال تعزيز الموازنات، واستحداث مراكز الأبحاث، والالتفات إلى صناعة هذا المفهوم لدى الأجيال الطالعة، عبر تغيير المناهج منذ مراحل التعليم الأوّليّ، وحتّى الشهادات العليا، فعندما يلمس الشباب الجهد والاندفاع في بيئة العلم سيتشجع وتزداد القلوب شوقاً ورغبة في التطوّر أكثر من ذي قبل، فيقول مؤكّداً:

"إنّ الجيل الصاعد في بلدنا وشعبنا في الوقت الراهن، لا يقلّ مكانة عن الجيل الأوّل للثورة، وأظهرتم -أيّها الشباب- أنّكم تقدّمتم خطوة إلى الأمام، في الجامعات وخارج الجامعات. وبناءً عليه، يجب أن نجعل الدين والأخلاق توأمين للعلم"[1].

 


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، بعنوان: "أهمّيّة الاستقلال الثقافيّ"، في لقاءٍ مع نخب شبابيّة.

 

15


7

تقديم

فالوسيلة التي أرادها الإمام الخامنئيّ دام ظله للوصول إلى إيران النموذج هي أن يدخل مفكّرو البلد وحكماؤه أنفسهم في معترك القضايا الكبرى، فالبلد لديه مسائل أساسيّة وأعمال كبرى يجب أن تُنجز، وهناك طاقات كبيرة يجب أن تجنّد لخدمة هذا التوجّه، وهذه المسائل الأساسيّة والأعمال الكبرى لن تتحقّق إلّا إذا ربط المفكّرون والنخب والحكماء أنفسهم بها، واشتغلوا فيها على قاعدة أنّ الجميع مسؤول، كلٌّ في دائرته، وكلٌّ في تخصّصه.

 

ولقد أمسك الإمام الخامنئيّ دام ظله بمفاصل المشروع كلّه، وعالجها - وبأدقّ التفاصيل - مع أهل الجامعات والأبحاث، وأراد إشراك الجميع بحكم الدور والمسؤوليّة لكلٍّ منهم، وأن يعملوا بإيقاع واحد ضمن هدف واحد ومرسوم.

 

ولقد امتدّ طموح الإمام الخامنئيّ دام ظله ليس فقط إلى مستوى النهوض والاقتدار، بل إلى المنافسة وصناعة النموذج المتكامل، فالتقدّم الذي أحرزته الأمّة والمكانة التي وصلت إليها الجمهوريّة الإسلاميّة -وهي الآن في المراتب الأولى عالميّاً- ليست بالمكانة التي ترضيه ويقف عندها، فتطلّعاته امتدّت نحو رفع مستوى الاستعداد والقابليّة للاستجابة للعلم وثمراته ونحو مضاعفة الجهد للوصول إلى القمة العلميّة عالميّاً، ولأجل ذلك دعا الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى جهاد علميّ[1]، لإضفاء المشروعيّة العقائديّة على عمل العلم،


 


[1] خطاب بتاريخ 5/9/2010م، بعنوان: "دور العلم"، في لقاءٍ مع أساتذة الجامعات في طهران.

 

16


8

تقديم

ولربط الجهد العلميّ بالأجر والثواب الإلهيَّين على مستوى الفرد أو على مستوى الأمّة، ورفع الصوت في العديد من الخطب التي سنفصّل بها لاحقاً، إلى الحركة والعمل الدؤوب ومواجهة ما يعترض الأمّة من تحدّيات، فمواجهة التحدّيات شرط من شروط وجود الأمّة، وبدونها لا تكون: "ولو أراد المرء ألّا يسقط أرضاً، فعليه ألّا يسير أبداً"[1].

 

في السطور القادمة، سيمتدّ البحث باتّجاه تفصيل موقع العلم الخاصّ والمميّز عند شخص الإمام الخامنئيّ دام ظله قبل الثورة وبعدها، ثمّ نستعرض بشيء من التركيز مرتكزات رؤية الإمام الخمينيّ قدس سره للعلم في منظورها الرساليّ الإسلاميّ ببعدها الروحيّ، وفي استلهام الإمام الخامنئيّ دام ظله من فكر الإمام الخمينيّ قدس سره وتجربته، ثمّ في رسالة الجمهوريّة الإسلاميّة تجاه الشعب والأمّة بأسرها.

 

بعدها، سوف نعالج مفهوم التقدّم العلميّ وأبعاده وآثاره، والذي سيولد من ذات المفهوم الإسلاميّ للتقدّم، والمرتبط بستة عوامل نعرضها مفصّلة كلّاً على حدة، وهي: الحوزة، والأستاذ الجامعيّ، والطالب، والتربية والتعليم، والخطاب الثقافيّ، ومفهوم العلم القيميّ الهادف من وجهة النظر الإسلاميّة.

 

ثمّ نفصّل الحديث عن مواصفات العلم الذي تحدّث عنه الإمام الخامنئيّ دام ظله، أي العلم الذي يصبّ في منفعة الإنسان، والذي


 


[1] المصدر نفسه.

 

17


9

تقديم

يتحرّك في إطار القيم الإنسانيّة الإسلاميّة العليا، لننتقل إلى مرحلة النتائج العلميّة للرؤية، والمتمثّلة بظهور ثورة علميّة هائلة ولدت من رحم الثورة الإسلاميّة المباركة، وتجسّدت بين الثورتين علاقة الحماية المتبادلة، لنصل في الخاتمة إلى التشديد على عمق إيمان الإمام الخامنئيّ دام ظله بالمضيّ بالثورة العلميّة وعمق إيمانه بوصول الأمّة إلى المرحلة المتوجّبة عليها شرعاً وعقلاً، وهي الاستقلال والكرامة والاقتدار.

 

أمّا الفقرة الأخيرة، فهي تحوي تظهيراً متأنّياً لرؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله، والمتعلّق منها تحديداً بأخلاقيّات العلم الناجحة نظريّاً باستدلالها العمليّ، والقائمة على الربط المحكم بين قيم العلم العليا وموقعه في مشروع النهضة، جاعلةً من العدالة قيمةً ارتكازيّة تتفرّع عنها سائر القيم، في عمليّة تكافل وتضامن بين أفراد الأمّة لتصل جميعاً بالإنسان إلى موقع المقتدر والإنسانيّ في آن معاً، ومن ثمّ إلى المستوى الأسمى، ألا وهو خلافة الله - تعالى - على الأرض.

 

وسنبيّن من خلال هذه الفقرة، أنّ قضيّة أخلاقيّات العلم لا تنحصر بقضيّة باحث ومشروع بحثيّ فقط، كما أراد الغرب تصويرها وحصرها في هذا الإطار، وإنّما هناك المشكلة المفصليّة المتمثّلة بالنظام السياسيّ المحرِّك للأبحاث الكبرى وصاحب الموازنات الضخمة، وحقيقة مشروعه الكامن وراء صناعة مشاريع البحث

 

18


10

تقديم

وتمويلها وتوجيهها، ونوعيّته، وهذا هو الوجه الحقيقيّ للمعضلة التي تخلّف وراءها الكوارث الطبيعيّة والبيئيّة وإزهاق الأرواح وإراقة الدماء وقهر إرادة الشعوب المتطلّعة إلى الحرّيّة والانعتاق، جيلاً إثر جيل...

 

ومن نافل القول أنْ نؤكد أنّ مقاربة كلّ فصل من فصول الرؤية منفرداً دون البقيّة لن يقدّم الصورة واضحة وكاملة، ولكنّ النظرة إلى كلّ فصل ضمن المشهد العامّ للرؤية يوضّح الصورة. ولتسهيل مقاربة القارئ للرؤية والمشروع، قمنا بإنشاء مخطّط عن الرؤية، حدّدنا فيه مرتكزاتها، ثمّ المفهوم الإسلاميّ ومندرجاته وعوامل التأثير به، وبعدها كانت الثورة العلميّة التي تمظهرت بالخطّة الشاملة للبلاد وآثارها في مجالات صناعيّة وعلميّة وعمرانيّة، وصولاً إلى أن تكون الجمهوريّة دولة تنتزع احترام سائر الأمم بالموقع الذي فرضته وتفرضه، بالإنجازات والأداء والرسالة الإسلاميّة العظيمة.

 

19

 


11

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

الإمام الخامنئيّ دام ظله

والعلم منذ ما قبل الثورة

 

الإسلام والعلم

إنّ المكانة الخاصّة التي أولاها الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم والتي ترجمها حيّة في تواصله الدؤوب مع الجامعات وأساتذة الجامعات ومراكز الأبحاث، وفي الطفرة العلميّة الرائدة التي شهدتها الجمهوريّة، إنّما نشأت في عقله وقلبه وارتكزت بشخصيّته الجهاديّة في دراسته الحوزويّة، وخلال مراحل الجهاد قبل الثورة. ولقد عبّر عن ذلك في مناسبات عدّة، أشار فيها إلى أنّ أصل الانتماء إلى الإسلام هو انتماء إلى بيئة العلم والانسياب في فضاءاته. فالمسلم متعلّم، ولا حجّة لعدم النهل من روافد العلم والمعرفة، فجاء في خطبة له:

"كان الإسلام يوماً ما مركزاً لنشر العلم في العالم. وقد أخذ هذا العلم بالانتشار في صورة سلميّة، فوصل إلى جميع الأرجاء، واستفاد منه الجميع، وانتفعوا به"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، بعنوان: "أهمّيّة الاستقلال الثقافيّ"، بحضور نخب شبابيّة.

 

21


12

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

2- تقديره دام ظلّه للعلم وأهله

وخلال مراحل الجهاد وقبل انتصار الثورة، انطلق الإمام الخامنئيّ دام ظله من بيئة الجامعة، وتحديداً جامعة طهران، مقتنعاً أنّ قماشة التغيير لا توجد صافية بهيّة إلّا بالجامعة وبين أهل العلم والمعرفة، وأنّ أهل الانتصار إنّما هم طلّاب الجامعة، مؤمناً أنّ ما تقدّمه الجامعة من علوم صحيحة صافية هو منطلق التغيير، ولقد عبّر عن تقديره الشخصيّ لأهل العلم في مراكز الأبحاث العلميّة وأساتذة الجامعات بالقول: "إنّني أشعر بالاحترام والتكريم والتواضع في قلبي للعالم وللعلم"[1].

 

كما عبّر عن حبّه الخاصّ للطلبة، فهم من سيكون القيّم على الجامعات وعلى الوظائف العليا والمراكز الحسّاسة في الأمّة لاحقاً، فكانت لقاءاته بالطلّاب دوريّة، وكان يطمح إلى ملتقيات عامّة مع العلماء والطلّاب والباحثين على مرّ السنة، وقد وصف ذات مرّة لقاءاته بالطلّاب: "إنّ الاجتماعات الطلّابيّة من أجمل الاجتماعات بالنسبة إليّ على الإطلاق"[2].

 

ولشدّة ارتباطه بالجامعة، وصفه أحد الباحثين بالقول: إنّه جامعيّ التفكير، فردّ بالقول:

 


[1] خطاب بتاريخ 24/9/2008م، بعنوان: "التقدّم العلميّ والسموّ في ميدان العلم"، بحضور نخب علميّة وأساتذة جامعات في طهران.

[2] خطاب بتاريخ 19/1/2006م، بعنوان: "الجامعة ودورها في صناعة الثورات الفكريّة والعلميّة"، مع أساتذة جامعة الإمام الصادق عليه السلام وطلّابها.

 

22


13

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

"على الرغم من أنّني لست فرداً جامعيّاً، لكنّني ارتبطت بالجامعة وطلّاب الجامعات والجامعيّين منذ القِدم، وكان لي عمل في جامعة طهران، وعندما كنت آتي إلى الجامعة، كنت أشعر أنّني دخلت في أجوائي الخاصّة"[1]، ولعلّ هذا ما أدّى إلى أن يختار العاملون والمسؤولون عن أمور استقبال الإمام الخامنئيّ دام ظله بعد أن تمّ تأخير مجيئه في مثل هذه الأيام، أن يختاروا جامعة طهران كمحلّ للتحصّن، فلم يكن هذا محض صدفة، بل كان مؤشّراً على نوع من الارتباط المعنويّ والروحيّ مع الجامعة، وخصوصاً هذه الجامعة طهران.

 

3- قدوة في العلم والتعلّم

واللافت في علاقة الإمام الخامنئيّ دام ظله بالعلم كانت - وعلى الرغم من انشغالاته بأمور قيادة الأمّة ومواجهة تحدّيات وجود الأمّة، بمعنى أن تكون الثورة أو لا تكون والتي لم تتوقّف منذ انطلاقها - قراءاته الواسعة لكتب العلم، الأجنبيّة منها والوطنيّة. وعندما يتحدّث في فلسفة العلم نراه يحلّق عالياً، فيوافق رؤيةً لعالم ما وينتقد آخر، فيغدو باحثاً مواكباً لحركة العلم الإنسانيّ وقضاياه وإشكاليّاته. ولربّما شكّلت هذه المطالعات أحد روافد الخصوصيّة التي أظهرها تجاه العلم وضرورة طلب العلم، مهما كلّف الأمّة من جهاد وتضحيات. وشكّلت هذه الخصوصيّة عند الإمام الخامنئيّ دام ظله حالة فريدة تميّز بها عن


 


[1] خطاب بتاريخ 21/3/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، مع وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

23


14

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

سائر قادة شعوب العالم، فقلّما دلّنا تاريخ الشعوب على قادة جمعوا بين هموم الأمّة الحياتيّة والوجوديّة، وهمِّ طلب العلم، وهمِّ نشره والتحفيز عليه. ولعلّنا نعيش في هذه الأيام سقوط عتاة من قادة الدول الإسلاميّة، ممّن ظَلَموا ونهبوا ثروات الأمّة، وكيف تكشف الوقائع عن سِيَرهم الذاتيّة وأملاكهم الخاصّة على نحو يقترب من الخيال، فيما الأمّة تعيش الفقر المدقع في أسوأ ظروفه. فكان هذا الأمر سرّاً من أسرار نجاح الجمهوريّة في الإمساك بتلابيب العلم والمعرفة نحو نجاح شبيه بالمعجزة عندما نقيس الإنجازات الهائلة في الاكتفاء الذاتيّ الصناعيّ والتقنيّ العالي والاستنساخ، والاستنسال وغزو الفضاء... وذلك كلّه في ظلّ حصار دوليّ ظالم يهدف إلى كسر طموحات الجمهوريّة وإلحاقها بركب الدول التابعة والمحتاجة إلى الغرب، وعلى رأسه أميركا. وأخيراً وليس آخراً، الجهد الجبّار في ميدان الطاقة النوويّة، وذلك على فترة الأعوام الثلاثين التي عاشتها الجمهوريّة وحتّى اليوم.

 

وبهذه العلاقة المتوقّدة بين سماحته والعلم، شكّل الإمام الخامنئيّ دام ظله القدوة والنموذج على المستوى العلميّ تحديداً، فكان في أدائه وبقربه من العلم، النموذج الذي يقرّب الناس من العلم ويدفعهم إلى حبّ العلم، انطلاقاً من حبّهم للإمام النموذج. فالإمام القريب من شعبه والمُطاع في قراراته الحكيمة التي كانت دائماً تروم المصلحة العليا للأمّة بكلّ الترفّع والإيثار، كان - في ذاته - حالة تدرّس، ويتوقّف عندها الناس، فيحبّون ما يحبّ، ويكرهون ما

 

24

 


15

الإمام الخامنئيّ دام ظله والعلم منذ ما قبل الثورة

يكره، ذلك كلّه بدافع الحبّ له والثقة بما يفعل وما يهوى. فالأمر تماماً على قاعدة كلام الإمام الصادق عليه السلام: "كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم"[1].

 

4- تأثيره دام ظلّه الشخصيّ في الثورة العلميّة

إنّ نجاح الإمام الخامنئيّ دام ظله في أسر قلوب الملايين من الأمّة، كان أحد الدوافع التي ربطت الأمّة بالعلم. وليس لنا أن نقلّل من أهمّيّة هذه النقطة، فالجانب الشخصيّ حاضر في أصعب القرارات لدى البشر. وعندما تقترب المسافة بين شخصين يسهل الحديث والتبادل والتواصل والتأثّر، فيأخذ كلّ منهما عن الآخر، ويؤثّر أحدهما في الآخر، وتكون الحواجز النفسيّة للقبول المتبادل قد سقطت. ولا زالت الأمّة كلّها، تعيش التناقض بين ما تريد وتتطلّع وتأمل من المستقبل، وبين حكّامها الغارقين في ليل الدنيا وحطامها، نهباً وتجهيلاً وإفقاراً وعَمَالة. ولقد وعى الغرب تماماً هذه النقطة، وعمل عليها باستمرار، فأنتج القيادات الضعيفة في داخلها وفي قراراتها، والتابعة تبعيّة مطلقة له. لقد ازداد حبّ الناس للعلم حبّاً بالإمام الخامنئيّ دام ظله. ولسنا في هذا المقام لنبالغ في أن الدافعيّة الأبرز لثورة الشعب الإيرانيّ تجاه العلم والمعرفة، كان منشؤها هذه الناحية، وكانت - بلا شكّ - عاملاً من العوامل التي سهّلت تقبّل الشعب للخيار الذي يريده الإمام الثقة العادل، والعطوف على رعيّته.

 

 


[1] الكلينيّ، الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفّاري، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج2، ص87.

 

25


16

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

مرتكزات رؤية

الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

 

 

رسالة الإسلام

1- قداسة تحصيل العلم

إنّ الموقع الدينيّ للإمام الخامنئيّ دام ظله جعل من البعد الإسلاميّ للعلم أساساً حاضراً في ثنايا كلّ خطبه في حضرة أهل العلم، فتحدّث عن موقع الإيمان العميق بما يقول وبما يقوله الإسلام في العلم، وجعل من البعد الإسلاميّ السلاح السحريّ الذي يصل إلى قلب الإنسان وعقله، ويولّد فيه تلك الدافعيّة الكبرى، هذه الدافعيّة التي كان من شأنها أن تصالح قلب الإنسان مع عقله، فتصبح طاقاته متناسقة وواثبة ضمن مواصفات الفرد الإيجابيّ في المجتمع. ولذا، كان البعد الإسلاميّ في كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله عن العلم رقيقاً وشفّافاً ينفذ إلى القلب والوجدان، ويصل العلم إلى الهدف المطلوب ضمن سلسلة قناعات الإنسان الفلسفيّة والروحيّة وترجمتها العلميّة، لتُحدث التناغم المطلوب، وينطلق الإنسان الحرّ

 

 

27


17

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الواعد العارف بما يفعل وإلى أين يصل، لمصلحة الناس ولمنعة الأمّة ودفاعاً عن الإنسان ولنصرة المستضعفين وإنقاذ البشريّة، وصولاً إلى الغاية الأسمى والأنبل، ألا وهي رضا الله - سبحانه وتعالى -. فالكلام عن العلم عند الإمام الخامنئيّ دام ظله كان جزءاً من المشروع العقيديّ الروحيّ ومنطلقاً منه وعاملاً لأجله، فتحصيل العلم وجهاد العلم واجب سيسأل عنه القادر عليه وسيُثاب بعظيم الثواب من عند الله – تعالى -، من حمله وخدم به، ففي كلام الإسلام عن العلم، قال الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"لقد أضفى الإسلام قدسيّة على العلم، فالعلم شيء مقدّس والتحصيل العلميّ يتميّز بقدسيّة خاصّة. إنّ العلم يختلف عن باقي الأمور، فهو ليس مجرّد وسيلة لتحقيق الثراء كغيره من الوسائل، مع أنّه يحقّق الثراء، ولكن ينبغي الحفاظ على قدسيّته... إنّ العلم نور، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو أحد شؤون الجامعة الإسلاميّة"[1].

 

ويتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله في الخطبة نفسها:

"إنّ أحد مصاديق العمل الصالح هو النشاط العلميّ نفسه الذي تقومون به في الصفّ، أو العمل الذي تقومون به في المصنع، أو في المزرعة. إنّ نشر العلم وتوفير فرص العمل عبادة، كما أنّ الصلاة وقراءة القرآن عبادة، وهذا ليس بالأمر الهيّن".

 

 


[1] خطاب بتاريخ 19/1/2006م، بعنوان: "الجامعة ودورها في صناعة الثورات العلميّة والفكريّة"، مع أساتذة جامعة الإمام الصادق عليه السلام وطلّابها.

 

28


18

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

ويربط الإمام الخامنئيّ دام ظله العلم والتعليم والعمل بالسموّ الإنسانيّ المتوجّه إلى رضا الله -تعالى-، فيقول في الخطبة نفسها:

"إنّ الهدف من وراء جعل الثواب على التعليم والعمل هو أنّ الله – تعالى - جعل كمال البشريّة في العلم والعمل. والمجتمع العاطل عن العمل أو الذي يتكاسل في العلم، وكذلك المجتمع الجاهل، لا يستطيعان ارتقاء مدارج الكمال البشريّ. وكلّما كان العمل أكثر نفعاً كان الثواب أكثر. والثواب هنا، ليس فقط لتعليم القرآن وعلوم الدين، وإنّما أيضاً لتعليم الجبر والمثلّثات والفيزياء والهندسة. فما دمتم تصنعون من أولاد الناس علماء يفيدون المجتمع بعلمهم، فإنّ تدريسكم هذا فيه ثواب وأجر، هذا هو منطق الإسلام. إذاً، المكسب الأوّل هو تحصيل الثواب الإلهيّ، والمكسب الآخر الذي لا يقلّ أهمّيّة هو المساهمة في بناء صرح مستقبل مجتمعكم".

 

إذاً، فالعلم العمليّ، بحثاً وتدريساً، عند الإمام الخامنئيّ دام ظله، هو عبادة، كما الصلاة وقراءة القرآن، فالصلاة وقراءة القرآن هما جزء من بناء روحيّة الإنسان، فيما العمل العلميّ هو جزء من بناء روحيّة المجتمع، وقد جعل الله – تعالى - في كِلا الأمرين ثواباً، طالما كان القصد منعة الأمّة بفردها ومجتمعها.

 

2- العلم لسعادة الإنسان

ثمّ يحدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله أيّ علم نريد، وعن أيّ علم نتحدّث، فيقول في الخطبة:

"إنّ الاختلاف بين نظرة الإسلام والعالم المادّيّ تجاه مسألة العلم هو أنّنا نريد العلم لسعادة البشر وتكاملهم وتفتّح استعداداتهم

 

29

 


19

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

واستقرار العدالة التي هي أكبر الأماني البشريّة، فيما يراد من العلم أن يكون خادماً لأكثر الناس والمجتمعات ظلماً، ويجب أن يخرج من هذه الوضعية... إنّ نظرة الإسلام إلى العلم هي نظرة الشرف والنظافة والبعد عن الهوى والهوس، هي نظرة التوجّه المعنويّ. فنحن، إنّما نريد العلم لأجل هذا. ولهذا، ينبغي أن نسعى في هذا المجال، وهذه الرؤية التي تعرّضنا لها يجب أن تكون موجودة في الطالب الجامعيّ، ومثل هذا العمل ممكن"[1].

 

فلم يرَ الإمام الخامنئيّ دام ظله العلم إلّا في سبيل الإنسان وكرامة الإنسان وسعادته، العلم المنطلق من القيم الروحيّة السامية، والذي يتكامل فيها مع سيرة الإنسان ومسؤوليّته في خلافة الله على الأرض، وتلك المسألة كانت المفصل في الخلاف حول النظرة إلى العلم مع الغرب الذي ألحق بنفسه عار إدخال العلم وسيلة لقهر الشعوب الأخرى، ومنع التقنيّة والرفاهيّة عنها، وحصارها بالجهل المقيت طيلة قرون من الزمن، ونراه يؤكّد في خطبة له:

"حاجة البشريّة إلى العلم والأخلاق، مع تقديم أولويّة الأخلاق على العلم، ليشكّل البيئة الحاضنة نحو علم إنسانيّ"، لا العلم الذي تلحق به خطيئة قتل الإنسان لأخيه الإنسان عن طريق التفوّق التقنيّ والاستعلاء العرقيّ والعنصريّ المتجلّي في سلوك الغرب، فيقول أيضاً، وفي الخطبة نفسها:

"إنّ تحصيل العلم والمعنويّة، والعلم والإيمان، والعلم والأخلاق،


 


[1] خطاب بتاريخ 21/3/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، مع وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

30


20

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

هو ما يفتقر إليه العالم اليوم. وإنّ الجامعة الإسلاميّة توفّر العلم مع الإيمان، والعلم مع المعنويّة، والعلم مع الأخلاق، بلا فصل لأحدهما عن الآخر. إنّها تمنح العلم والمعرفة استمداداً من الأخلاق والإيمان.

 

إنّ الذين يقولون: ثمّة تناقض بين العلم والدين، لم يشاهدوا منطقة نفوذ العلم والدين، فلكلٍّ منهما منطقة نفوذ معاً، والمزج بينهما يعني أن يوجّه الإيمان سلاح العلم نحو الجهة المطلوبة، لأنّ سلاح العلم يمكن أن يستهدف الأخيار والأشرار، ولكنّ الأمر يتوقّف على من يمتلك هذا السلاح. إنّه سلاح العلم، أمّا الإيمان فهو الذي يسير به في الاتّجاه الصحيح.

 

فلو كان الإيمان يتحكّم بالعلم في الدول الغربيّة، لما اتّجه الغرب نحو تصنيع القنبلة الذريّة، ثمّ ما لبث أن وقف أمامها عاجزاً، لا يستطيع أن يسيطر عليها، أو يتركها تدمّر العالم. إنّ هذا لم يكن ليحدث لو كان الإيمان توأماً للعلم. ولما كانت هناك أصلاً ظاهرة الاستعمار والاستعمار الجديد - الذي هو وليد العلم -، ولما عانت الدول والشعوب من التسلّط السيطرة والقهر ونهب الثورات خلال القرنين الماضيين. إنّ كلّ هذه الكوارث تعود إلى مسألة الفصل بين العلم والإيمان".

 

فما ورد في كلامه يؤكّد أن لا فصل بين الجهتين، العلم والمعرفة، اللذين يستمدّان النور والألق من الأخلاق والإيمان. ومن هذه النقطة ينطلق لِيمتّن اللحمة بين العلم والدين، عازياً سبب ادّعاء الخلاف من قبل بعضهم أنّهم لا ينظرون إلى المنطقة المشتركة بينهما، فالعلم علم الله المودع في الأرض، وعلى الإنسان الخوض في غماره

 

 

31


21

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

واكتشافه وتسخير نتائجه إلى بني آدم، وفق ما أمر الله - تعالى - به، والعلم المودع في الأرض إنّما هو رسالة من الله - تعالى - لعقل الإنسان لكي يتدبّر، ولكي يزداد اطّلاعاً وسعةَ أفق، ولكي يخرج من دوائر الدنيا الضيّقة إلى رحاب الإشارات الإلهيّة التي توقظ القلب والعقل، فالعلم باب إلهيّ فتحه الله - تعالى - لتتّضح طريق معرفته -تعالى -، ولتزداد قلوب العارفين خشيةً منه.

 

3- سلاح العلم يقوده الإيمان

ومن هذا التأسيس، يؤكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ العلم سلاح، ولكن الإيمان هو من يقوده في الاتّجاه الصحيح. وهذا ليس كلاماً نظريّاً، إنّما هو مستمدٌّ من التجربة السوداء والمُرّة في تاريخ الإنسانيّة، إذ عندما تعِب الغرب في حربه المُكلفة تجاه الشرق، اتّجه إلى صناعة القنبلة النوويّة، ثمّ عجز عن السيطرة عليها، فسبّبت أعظم كوارث البشريّة وأكثرها كلفة في الأرواح. فليس هذا العلم الذي يُراد، وليس العلم مطلوباً في ذاته ترفاً أو وسيلة فتك الإنسان بأخيه الإنسان، بل إنّ الإمام الخامنئيّ دام ظله يطرح شعار التوأمة بين الجهتين، والتي تحتاج كلّ منهما إلى الأخرى لكي تندفع في نفوس البشر. وفي ذلك الطرح مدخل لحلّ المشاكل التي عانت منها الأمم في علاقاتها بعضها ببعض، ولا تزال، ونعني بها مشاكل استعمار الشعوب الغنيّة ومالكة العلم للشعوب الفقيرة المستضعفة والإمعان في قهرها وسلب ثرواتها، وتحديداً منذ القرنين الماضيين

 

32

 


22

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وإلى الآن. وبالطبع، فإنّنا لا نقدّم هذا الحلّ كخلطة سحريّة تُحَلّ عبرها قضايا العلاقات البشريّة ومشاكل العالم المتّصف حالياً بكونه واحد القطبيّة الأميركيّة لا متعدّد الأقطاب، ولكن نقدّمه كأساس وأرضيّة صالحة نبني عليها مفاهيم جديدة مستمدّة من القيم الصالحة والمتعارف عليها بين الأمم، وبالطبع على قاعدة ما أتى وبشّر به الأنبياء عليهم السلام، وتحديداً أولو العزم منهم.

 

4- العلم والتعليم، عبادة وعمل صالح

ثمّ ترقى نظرة الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى العلم بوصفه كلّ حركة علميّة وثقافيّة وعمليّة تنجز لصالح النظام والجمهوريّة الإسلاميّة بأنّها عبادة، فليس فقط طلب العلم عبادة، وإنّما كلّ إنجاز أو مشروع ينطلق من أسس العلم والثقافة والعلم الصالح هو عبادة، ثمّ يوسّع أفق العبادة والثواب الإلهيّين، فيقول: "فلو أنّ المُعلِّم حاليّاً في إيران الإسلاميّة علَّم الطالب كلمة بقصد تقديم خدمة إلى هذه البلاد - التي هي حالياً مهد الإسلام وساحة عظمة الأحكام الإسلاميّة وإشعاعها -، فإنّ هذه الكلمة حسنة، وإن صارت مئة كلمة غدت مئة حسنة، وإن استوعب التعليم ليله ونهاره ملأت الحسنات أوقاته.

 

إنّ العامل الذي يعمل في مصنع أو يخطّط أو يشرف أو يقدّم أيّ مجهود آخر، لأجل تطوير إيران الإسلاميّة - التي هي اليوم ساحة المظاهر المعنويّة والإلهيّة - وتقدّمها وازدهارها، ولكي تستغني عن الأجانب ولا تقلق من ناحية الحظر الاقتصاديّ الذي تفرضه هذه

 

 

33


23

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

القوّة العظمى أو تلك، فإنّ هذا العامل يحصل في كلّ لحظة من عمله على حسنة ويكون قد أتى بعبادة، وكلّ من يتعاون معه في هذا العمل سيشاركه في هذه العبادة دون أن ينقص ثواب العامل الأوّل. إنّ العطاء الإلهيّ هو بهذا الشكل، فأحياناً يشترك عشرة أشخاص بإنجاز عمل واحد، لكنّهم يحصلون على عشر حسنات، لا أن تتقسّم الحسنة الواحدة بينهم، بل إنّ لكلّ واحد منهم ثواباً مستقلاً عند الله - تعالى -. واليوم أيضاً لدولتكم هذه الخصوصيّة.

 

قلّما توجد في الدنيا قاعة درس وصالة مصنع أو مختبر أو جامعة يشملها الله برضاه، بل وحتّى ساعات استراحة المعلِّم والعامل - الذي يستريح بقصد أن يكون قادراً على العمل في الغد - يكون مشمولاً برضا الله"[1].

 

إنّ الربط الرائع الذي قدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم والدين على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمّة، إنّما أراد به تعزيز المفهوم الإسلاميّ، بأنّ معرفة الله -تعالى- إنّما هي عن طريق العلم، والخشية من الله تزاد بالعلم السويّ الصالح المبنيّ على تغليب قيم الإنسانيّة العليا في المجتمعات المتباينة بأعراقها وأهدافها، لكن هذا الرابط إنّما أراده الإمام الخامنئيّ دام ظله ليمتدّ باتّجاه تقدّم البلاد واستعادة الحقّ والكرامة المسلوبَين من المستكبر، وبثّ الأمل في قلوب المستضعفين في الأرض جميعاً، فيقول في خطبة:


 


[1] خطبة بتاريخ 12/12/1416ه، في طهران، بعنوان: "غاية العلم والعمل"، مع العمّال والمعلِّمين وطلّاب الجامعات.

 

34


24

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"إنّ العمل والعلم والثقافة وقاعة الدرس والمختبر والجامعة والجوّ العماليّ والمصنع، يمكنها التأثير على التقدّم وبثّ الأمل في قلوب الشعوب وإذلال العدوّ وإبعاد المستبدّين في العالم، المتمثّلين بحكومة أميركا، عن أهدافهم الشيطانيّة يوماً بعد يوم، وهذه هي هدفيّة العمل، وحاليّاً ينبغي أن تكون هي القضيّة في الجمهوريّة الإسلاميّة"[1].

 

5- كوِّنوا النموذج

فالإمام الخامنئيّ دام ظله يشدّد ويكرّر في العديد من خطبه على ربط العلم بالدين لنهضة الأمّة، ويمتدّ هذا الربط ليشمل المدى المتوسّط أيضاً، ثمّ البعيد، بمعنى أن يقدّم الشعب المسلم في إيران النموذج والأمل لخلاص البشريّة، فيتساءل في الخطبة نفسها قائلاً:

"فما هي إيران؟ إنّ إيران الإسلاميّة هي اليوم مظهر لخلاص البشريّة ونجاتها".

 

وهذا الطموح ليس بالأمر السهل، وهو العارف بأوضاع الجمهوريّة والحصار الدوليّ عليها، فيتابع في الخطبة نفسها:

"مع أنّنا لا نمتلك علاقات واسعة مع البشريّة، ولكن ما ينبغي لنا أن نصنع؟ إنّ القضيّة تكمن هنا، فالطموح كبير والحصار مستمرّ منذ ثلاثة عقود علميّاً وتقنيّاً قبل أيّ شيء آخر، ورغم ذلك عليكم المبادرة وتحقيق هذا الطموح!".

 

 


[1] خطبة بتاريخ 12/12/1416ه، في طهران، بعنوان: "غاية العلم والعمل"، مع العمّال والمعلِّمين وطلّاب الجامعات.

 

35


25

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

6- جامعيّون متديّنون

إنّ التحدّي يكمن هنا. إنّ من أهمّ مزايا القائد ألّا يضيّع البوصلة، وأن يحافظ على الربط بين دقائق الأمور وتفاصيلها مع التوجّهات الاستراتيجيّة، وهو العارف بما يريد والمتحكّم بأوراق القوّة لديه، يرعاها ويقلّبها ورقة ورقة، فيما رهانه الكبير بعد التوكل على الله – تعالى - والإخلاص له، هو على قلوب الشباب الصافية المفعمة بالحيويّة والصدق، وهو يوصي دائماً بأن يتخرّج الشاب من الجامعة، حائزاً قبل الشهادة على مستوى عالٍ من الأهليّة الدينيّة والأخلاقيّة، نظراً لخصوصيّة الطالب الشابّ في الاعتبار الإسلاميّ، ولموقعه المميّز لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله الذي يقول عنه:

"فأين تجدون أفضل من الجامعة لينهل الطالب علمه منها؟ وأيّ القلوب أكثر نورانيّة من قلوب طلّاب الجامعات الفتيّة؟ إنّكم تشاهدون اليوم كم يسعَون لإبعاد شبابنا عن الأجواء الدينيّة..."[1].

 

في الخلاصة، ثمّة قداسة للعلم والتحصيل العلميّ، وهناك ضرورة للحفاظ على قدسيّته. والإنفاق على العلم استثمار للأمّة، والله - تعالى - جعل كمال البشريّة في العلم والعمل، وكما أنّ تحصيل علوم القرآن والفقه هو عبادة، فإنّ تحصيل سائر العلوم، بنيّة منفعة الأمّة والدفاع عنها، هو عبادة أيضاً. إنّ المراد من العلم - كما رآه الإمام الخامنئيّ دام ظله - هو سعادة البشريّة ورفعة الإنسانيّة، ووقف

 

 


[1] خطبة بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، مع رؤوساء الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث.

 

36


26

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الظلم وتحقيق العدالة في الأرض، فلا فصل بين العلم والدين، فثمّة أرض مشتركة بينهما. والعلم سلاح للمستضعفين، عليهم الأخذ به والجهاد فيه، وإلّا فهلاك الأمّة ينتظرها في صراع قاسٍ مع الغرب الذي لا يرحم والذي يفتقد الإنسانيّة لديه ويفتخر بذلك، حيث القتل والإبادة ممكنان لديه، فيما لو اقتضت ضرورات المنفعة والاستقرار والمصالح الدوليّة. إذاً، فالعلم حصن وسلاح لا غنى عنه لتحقيق الكرامة.

 

الاستلهام من مشروع الإمام الراحل الخمينيّ قدس سره

1- على نهج الإمام قدس سره

في الذكرى الثالثة لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره في (2 ذو الحجّة 1413 هـ)، حدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله معالم خطّ الإمام الخمينيّ قدس سره، بأنّه السلوك والمنهج الحكوميّ لإمام الأمّة المفسّر لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة، والمشتمل على الخصوصيّات الإحدى عشْرة. وممّا يعنينا في بحثنا بجانبه العلميّ، نورد الأسس والمنطلقات التي تحرّك منها الإمام الخامنئيّ دام ظله في نظرته لتطوير الأمّة علميّاً وتقنيّاً، وفيها إعطاء الأهمّيّة لقدرات الشعوب واعتبارها مبدءاً من المبادئ. فالإمام الخمينيّ قدس سره كان يعتقد أنّ التحوّلات الكبرى في العالم لا تحدث إلّا على أيدي الشعوب، وتستطيع الشعوب أن توجد التحوّل في الدنيا وتغيّر المحيط الذي تعيش فيه.

 

أكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله على الحرص والتوجّه الصارم للإمام

 

37

 


27

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الخمينيّ قدس سره لإعادة بناء البلاد وتقديم نموذج عمليّ للعالم. ولهذه المسألة موضع مهمّ في نظر الإمام الراحل في الأشهر الأخيرة من حياته المباركة، وهو الذي أصرّ على بناء البلاد والنهوض بها اقتصاديّاً وعلى المستويات كلّها، وبلحاظ تأمين الدخل العائد للشعب وللدولة، حتّى نتمكّن من أن نقدّم نموذجاً عينيّاً وعمليّاً من البناء الإسلاميّ.

 

2- أرادوا لـِ "إسرائيل" أن تكون هي المحور

أمّا بالإطلالة على المشهد الاستراتيجيّ للمنطقة ككلّ، فإنّ بعض المؤرّخين يعتبر أنّ ثمّة حدَثين هائلَين أثّرا بعيداً في المسار الاستراتيجيّ للأمور، وحصلا بعد انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة، الأوّل نشوء الكيان الصهيونيّ، والثاني نشوء الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، فمنظومة المنطقة محورها "إسرائيل"، وإيران الشاه كانت آنذاك عاملاً مساعداً لأميركا و"إسرائيل".

 

من هنا، كان الأمر في إعطاء "إسرائيل" أقصى مدى من الاقتدار العلميّ والسياسيّ والإعلاميّ والعسكريّ والأمنيّ، وأن يكون لها الوجود المتفوّق في المنطقة والوجود المؤثّر والوجود الطاغي، أمّا بقية دول المنطقة فهي دول مساعدة، وليس لها شأنيّة أمام "إسرائيل". لذلك، كان واضحاً تماماً أن تكون الاستراتيجيّة الغربيّة بجانب "إسرائيل". ومن جهة ثانية منع الحرب على "إسرائيل" وسلب قدرة الدول العربيّة على الاستقلال في امتلاك السلاح، أي

 

38

 


28

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

سلب قدرتهم على أن يكونوا دولاً منتجة ودولاً علميّة، وسلب قدرتهم على الاستقلال الاقتصاديّ والمادّيّ حتّى على صعيد الإنتاج، وسلب قدرتهم حتّى على إنتاج الأمور الضروريّة البسيطة، ووضع اليد على منابع الثروة في المنطقة. هذه سياسات الغرب، والتي ردّت عليها الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران بالدور والمهمّة والرؤية والهدف. وقد اعتبر الإمام الخمينيّ قدس سره بكلماته أنّ المشكلة الرئيسيّة هي "إسرائيل"، وحدّد مصادر الخطر والتهديد، ليس على إيران وحدها، بل على شعوب المنطقة وثرواتها.

 

3- المواجهة والأخذ بأسباب القوّة

إنّ المشهد برمّته يوحي بأنّ المواجهة مع أميركا ليست بالأمر السهل، وأنّ الأمّة مثقلة بجراح التاريخ في استعماره القديم واستعماره الحالي المقنّع، والذي يستهدف إنتاج نفوس تابعة مستهلكة لا منتجة. إنّ هذا التحدّي يتطلّب شحذ الهمم والتوجّه بكامل الإصرار والجدّية نحو الأخذ بأسباب القوّة، المنطلقة من سلاح العلم والمعرفة، والموصل للتكنولوجيا التي تحقّق هذه القوّة وتعطي المنعة والردع للأعداء فيما لو فكّروا في إعادة الجمهوريّة إلى موقعها السابق في المنظومة الأميركيّة التي تجعل من إيران وسائر الدول العربية ملحقاً لخدمتها.

 

4- الحكّام الفاسدون سبب تأخّرنا

وبالعودة إلى جذور المرتكز الثاني ذي المعالم الواضحة في

 

39

 


29

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المشروع السياسيّ للإمام الخمينيّ قدس سره الراحل، فقد حدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله التناقض الذي تعيشه الأمّة في خطاب، جاء فيه:

"تحتلّ إيران موقعاً استراتيجيّاً حساساً على خارطة العالم. وإنّ بلداً يتمتّع بمثل هذا الموقع الجغرافيّ والطاقات والمصادر الطبيعيّة والإنسانيّة والمعدنيّة، من شأنه أن يكون من أكثر البلدان تقدّماً وثراءً في العالم، إلّا أنّ الحكومات القاجاريّة والبهلويّة كانت تتحوّل إلى حكومات متخلّفة وعميلة تتّسم بالذلّ والهوان، يتحمّل المسؤوليّة الحكّام الفاسدون وغير الأكفّاء بالدرجة الأولى، فهم لم يكونوا يهتمّون إلّا بحياتهم الشخصيّة، وبما يحفظ استمرار مراكزهم ومصالحهم وقبولهم إملاءات المستعمر والغربيّ.

 

لقد رفض الشعب هذه السياسة وانتفض، كحركة الميرزا الشيرازيّ وآية الله المدرّس، ثمّ كانت النهضة المظفّرة للإمام الخمينيّ قدس سره، حيث الجمهوريّة الإسلاميّة الآن بقدراتها رفعت لواء المعنويّات الكبرى عالياً: السعادة والأمان والتقدّم العلميّ والاستقلال. وقد ثبت أنّ ذلك أمر ممكن، رغم أنّ الاستكبار يعتبره ادّعاءً مبالغاً فيه، لأنّه سوف يُبطل فلسفاتهم ويُسقط أساليبهم.

 

فبلوغ ذرى التقدّم العلميّ عندنا سوف يفتح الباب واسعاً أمام شعوب العالم للانطلاق نحو الحياة الكريمة والفضلى. والغرب سوف يحبط محاولاتنا، فيما عزمنا وعزم شعبنا راسخان، ولسوف نواصل المسيرة بكلّ ثقة بطاقات شبابنا"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 9/5/2007م، بعنوان: "مسؤوليّات الشباب"، بحضور أعضاء الاتّحادات الإسلاميّة.

 

40


30

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

5- الثقة بالنفس والأخذ بمعايير القوّة

إنّ إحدى ضرورات الأخذ بالعلم والوصول فيه إلى درجات الأمم المنافسة، تظهر في كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله في شعوره - والأمّة كلّها معه - بالاستفزاز في الكرامة والقدرة لهما، وباستخدام الغرب معايير التفوّق والعنصريّة والاعتدال، ووصم خصومه بالإرهاب والتطرّف في كلّ مرّة يصطدم الغرب بحركات استقلاليّة استنهاضيّة تريد شقّ طريق خارج عن التبعيّة للاستعمار. فقد دفع الشعب الإيرانيّ غالياً ثمن حريّته وكرامته، وتعرّض لحصار غير مسبوق في التاريخ، جاوز الثلاثين عاماً، ولا يزال أمام صمت مريب لقوى الديمقراطيّة كلّها في العالم. فمعايير الاعتدال والديمقراطية إنّما تطبّق داخل دول الغرب وفي العلاقات بينها، ولكن الأمر يختفي فجأة وتتعطّل القيم الإنسانيّة كلّها، وتحديداً قيم الحقّ والعدالة والحرّيّة، عندما يبدأ تعاطي الغرب مع دول الاستضعاف، أو عندما تواجه الدول الإسلاميّة الكيان الصهيونيّ المزروع أصلاً في قلب العالم الإسلاميّ كلّه. فقد وصف الإمام الخامنئيّ دام ظله عنجهيّة الغرب هذه واستفزازه للأمّة بالقول:

"لقد وجّه الغرب العديد من الإهانات لشعب إيران وحكومته، فقد قال أحد الأميركيّين: يجب استئصال جذور الشعب الإيرانيّ، وقال آخر لاحقاً: إنّ الإيرانيّ الجيّد والمعتدل هو الإيرانيّ الميت. هكذا أُهين الشعب، وفرضوا عليه الحصار لمدّة ثلاثين سنة، وانتهى

 

41


31

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الحظر لصالح الشعب والحكومة في إيران، فيما ذنب هذا الشعب دفاعه عن هويّته واستقلاله"[1].

 

ولعلّ ذكر هذه السطور إنّما بغرض الإشارة إلى أنّ الإمام الخامنئيّ دام ظله إنّما يريد استثارة الحميّة الشخصيّة والوطنيّة والإسلاميّة لتعزّز حافزية الأخذ بالعلم، وشحذ الهمم للانطلاق بالعلم وتوجيه رسالة للغرب ولسائر الأمم إلى موقف المسلمين من العلم وقدرتهم على التعاطي معه بكفاءة عالية، وصولاً إلى تقديم نموذج تحثّ به إيران الدول المستضعفة كلّها أن تحذو حذوها في التحرّر والاستقلال وصناعة القرار الوطنيّ بكلّ كرامة واقتدار، مستوحياً من رؤية الإمام الخمينيّ قدس سره المؤسّس، والتي - كما رأينا - تنطلق من ضرورة أخذ الأمّة بكل معايير القوّة والثقة بالنفس والدفاع عن الهوية التاريخيّة والعقائديّة والانعتاق من الغرب ونماذجه المخربة لثقافة الأمّة ودفاعاتها، ومترجماً العنصر الأساس في مشروع الإمام الخمينيّ قدس سره بأنّ التغيير والنهوض إنّما يتمّان على يد الشعوب الحيّة، لا الخانعة، فالشعوب معنيّة بالاضطلاع بالمسؤوليّة العينيّة عليها فرداً فرداً، وبمشروع النهوض المطلوب منها إزاء تحدّيّات الغرب ومشاريعه المتوحّشة.

 

ويمكننا القول: إنّ نجاحات الإمام الخامنئيّ دام ظله في عمليّة البناء، والتي يسجّلها له الأعداء قبل الحلفاء، إنّما تعود إلى الإمام


 


[1] خطاب بتاريخ 9/5/2005م، بعنوان: "التخطيط للمستقبل"، بحضور أساتذة جامعات كرمان وطلّابها.

 

42


32

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الخمينيّ قدس سره الذي رسم النهج الأساس وخطّه بيمينه للأمّة، بحيث أكمل الإمام الخامنئيّ دام ظله، وأخذ بالثورة عالياً إلى مصاف الأمم المؤثرة، وبات العالم يحسب لإيران ألف حساب دوليّاً.

 

رسالة الجمهوريّة الإسلاميّة والدور المناط بها إنسانيّاً وعالميّاً

1- قيام الثورة على العلم

في كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله في خطبة له، بحضور وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران، حدّد سماحته إحدى مرتكزات رؤيته للعلم بالقول:

"إنّ الثورة قامت على أساس العلم"[1], قاصداً العلوم كلّها اللازمة لإنجاح الثورة، علوم الدين وعلوم الدنيا. وقد جرى تسخير العلوم كلّها في اتّجاه الهدف الإنسانيّ والعالميّ للثورة، نافياً بذلك كلّ ادّعاء لمسافة مصطنعة بين العلم والدين، أو اتّهامٍ بأنّ الثورة تجافي العلم والتطوّر والتنمية، ولم تكن تلك الادعاءات إلّا في إطار الحرب النفسيّة ضدّ الثورة ومحاصرتها أمام جمهور الناس عندما أسقط في يد أعدائها، وتبيّن لهم أنّ الثورة ليست انقلاباً على السلطة أو مجموعة من مجازفين أو ضبّاط يريدون إزاحة أطراف ومصادرة مناصبهم على قاعدة قم لأجلس مكانك. ثمّ يتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله في الخطبة نفسها ليحدّد توجّهات الثورة واهتماماتها داخل الجمهوريّة وخارجها، ويربط بين الأهداف السامية للثورة ومتطلّبات ترجمة


 


[1] خطاب بتاريخ 21/3/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، بحضور وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

43


33

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

هذه الأهداف ومواجهة التحدّيات المتحرّكة في الزمان والمكان:

"فقضيّة دولتنا وثورتنا ونظام الجمهوريّة الإسلاميّة في عالم اليوم، ليست متعلّقةً بدولةٍ أو شعبٍ من بين عدّة مئات من الشعوب الأخرى. لا شكّ في أنَّني في بعض الأحيان أذكر في محضر تجمّع ما أنّ أرضنا تمثّل واحداً في المئة من مجموع دول العالم، وعدد سكّاننا يقارب الواحد في المئة من المجموعة البشريّة في هذا العالم، ولكنّ القضيّة لا تتعلّق بقناعتنا بالواحد في المئة في غيرها من القضايا، فنحن لدينا رسالة. إيران الإسلاميّة لها رسالة أكبر من هذه الكلمات. لا علاقة للأمر بفتح البلاد والهيمنة أبداً. فلا يرِد في خاطر أيّ إنسان مسلم أن يكون فاتحاً للبلدان، بل القضيّة قضيّة الرسالة تجاه البشريّة. فالبشريّة اليوم، وكذلك في الأزمنة الماضية، تعاني من ابتلاءات كبرى، مثلما أنّ لكلّ واحد منّا مسؤوليّاتٍ مشتركةً تجاه أسرته ومدينته ووطنه، وإذا كنّا نستطيع أن نفعل شيئاً لبلدنا ولم نفعل نكون قد ارتكبنا ذنباً، فإذا كنّا نستطيع أن نزيل غبار الهمّ عن وجه شعبنا فقد ارتكبنا معصية، وهذه القضيّة نفسها موجودة بشأن البشريّة. فلو رأينا أنّ الناس في العالم يعيشون تحت ظلّ نظام سياسيّ باطل وقمعيّ، وكنّا قادرين على أن نتقدّم خطوةً من أجل نجاتهم، ولم نفعل، فنكون قد أذنبنا. فإذا رأينا أنّ قسماً مهمّاً من سكّان العالم يعانون من الجوع والفقر والعِوز، وهم غرضٌ للبلاءات، وكنّا قادرين على أن نفعل شيئاً، ولم نفعل فإن هذا يُعدّ ذنباً. وبهذه النظرة ينبغي أن نتطلّع إلى قضايا البشريّة وقضايا العالم. إذا كان هذا الأمر هكذا، ينبغي أن يكون هناك بلدٌ مقتدر، فينبغي أن يكون الشعب والدولة ومؤسّسات النظام والبلد قويّة ومقتدرة. إذا لم

 

44

 


34

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

نكن مقتدرين، فإنّ القوى العالميّة ستؤثّر فينا، ولن يبقى مجالٌ لكي نؤثّر حتّى في جيراننا أو مواطنينا، فماذا بشأن كلّ البشر؟! فيجب الحصول على القدرة. ولا شكّ في أنّ هذه القدرة ليست في الآلات العسكريّة، حتّى إنّها ليست في القدرة على الإنتاج والتقدّم التكنولوجيّ.

 

فما هو مهمٌ بالدرجة الأولى في إيجاد القدرة الوطنيّة هو بنظري شيئان، أحدهما العلم، والثاني الإيمان. فالعلم أساس القدرة، سواء اليوم أو على مرّ التاريخ، وسوف يبقى الأمر كذلك في المستقبل. إنّ هذا العلم يؤدّي أحياناً إلى ابتكارٍ ما أو اختراعٍ ما، وفي بعض الأحيان لا يكون كذلك. وكذلك المعرفة، فإنّها أساس الاقتدار، وهي تخلق الثورات، وتؤدّي إلى الاقتدار العسكريّ والسياسيّ. ففي رواية قيل: "العلم سلطان، من وجده صال به، ومن لم يجده صيل عليه"[1]، أي إنّ للقضيّة بعدين: إذا كنتم تمتلكون العلم، يمكن أن تكون لكم الكلمة العليا واليد العليا- "صال" يعني هذا-، وإذا لم تمتلكوا ذلك، فلا يوجد حالة برزخيّة، بل "صيل عليه". فالذي يمتلك العلم يكون له اليد العليا عليكم، وسوف يتدخّل في ثرواتكم وفي مصيركم. وإنّ كنوز المعارف الإسلاميّة مليئةٌ بمثل هذه الكلمات"[2].


 


[1] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله‏، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمّد أبو الفضل إبراهيم، نشر مكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ‏، إيران - قم، 1404ه‏، ودار إحياء الكتب العربيّة - عيسى البابي الحلبيّ وشركاه، 1378ه - 1959م، ط1، ج20، ص319.

[2] خطاب بتاريخ 21/3/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، بحضور وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

45


35

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

2- العلم: قوّة واقتدار

من ثمرات الثورة الإسلاميّة أنّها كانت شعلة الأمل الحقيقيّة لتجربة نموذجيّة ورائدة، ينطلق بها المجتمع والدولة نحو نهوض حقيقيّ بعد حقبات من الظلام والتخلّف. نهوض يسمح لها بقول ما تريد للعالم، ويسمح لها بدعوة العالم إلى دين الله وتقديم التجربة الإسلاميّة الحقيقيّة بعد قرون وقرون من العبث والتخلّف. وليس الدافع فقط ما يحقّقه العلم من ثراء وقوّة ونفوذ سياسيّ أفضل في عالم السياسة، وإنّما ثمّة دافع دينيّ شرعيّ، يعيش في أعماق كلّ مسلم، إلى تقديم المثل الحيّ لدولة العدل الإسلاميّة. هذه التجربة التي يحلم بها السائرون على نهج الإسلام الحقيقي والتوّاقون لتجسيد مدرسة النبوّة وأهل البيت، والتي لم تسمح لها التطوّرات التاريخيّة داخل البنية الإسلاميّة من الظهور، والتعبير عن نفسها، وتقديم التجربة في الحدّ الأدنى. إنّ الوصول إلى هكذا حلم شجاع متوقّد لن يكون بالأماني وبرجز الشعر، وإنّما بالكفاح والعمل، استناداً إلى رؤية علميّة تعي العلم سلاحاً، وتتعاطى مع العلم كسلطان حاكم، من امتلكه "صال به"، ومن نأى عنه "صيل عليه"، وليس أبلغ من تعبير "صال به" ليصف الإمام الخامنئيّ دام ظله حال الدول المستكبرة، كيف تصول وتجول وتتحكّم بمعايير الحقّ والعدالة، وتبثّ مفاهيم ترفض تعريفها قانونيّاً ودوليّاً، كمفهوم الإرهاب، مخافة أن ينطبق المفهوم على الكيان العنصريّ الصهيونيّ،

 

46


36

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

ويجري ذلك كلّه بامتلاك سلاح العلم والتقنيّة وحرمان الآخرين منه في احتكارٍ ظالم، كثيراً ما ولّد الثورات المتنقّلة في العالم، في تأكيد أنّ العلم وسلاح العلم بمفرده لم يكن يوماً ليجلب السعادة والاستقرار للإنسانيّة، والشواهد أكبر من أن تحصر في هذه السطور.

 

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظلّه

"إنّ العلاقات الدوليّة تقوم على الغلبة والقوّة، فالقوى الدوليّة تُملي قراراتها على الآخرين، استناداً إلى ما تملكه من قوّة وسيطرة، بعيداً عن العقل والمنطق، وأمّا جريرة العديد من الحكومات أنّها ترضخ لمثل هذه القوّة، بلا أدنى رفض أو مقاومة. ولذا، أصبح من الشائع أن تقوم الغطرسة على القوّة، وخير مثال على ذلك قضيّة "الطاقة النوويّة" ومسألة "الشرق الأوسط". إنّ العلم هو الذي يرقى بالبلدان إلى ذروة القوّة والاقتدار، واكتساب العلم والمعرفة هو الذي يوصل إلى الاستقلال والكرامة ونبذ التبعيّة"[1].

 

3- بالعلم يسود الأمن ويُشرق المستقبل

ثمّ يشدّد دام ظلّه في موقف آخر على الدور المفصليّ للعلم في التحرّر والانطلاق نحو صناعة بلد آمن ومستقبل مشرق، فنراه يقول[2]:

"فما هو السبيل للحصول على هذه القوّة (الاقتصاديّة والسياسيّة والنفوذ الثقافيّ)؟ إنّ أصل وأساس ذلك كلّه هو القوّة العلميّة! إنّ


 


[1] خطاب بتاريخ 15/5/2007م، بعنوان: "العمل على رفع المستوى العلميّ للجامعات"، بحضور أساتذة جامعة فردوسي.

[2] خطاب بتاريخ 19/1/2006م، بعنوان: "الجامعة ودورها في صناعة الثورات العلميّة"، بحضور أساتذة جامعة الإمام الصادق عليه السلام وطلّابها.

 

47


37

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الشعوب التي تتمتّع بالقوّة العلميّة هي التي تستطيع إيصال صوتها إلى جميع سكّان المعمورة، وأن تستحوذ على سياسة أقوى ونفوذ سياسيّ أفضل في عالم السياسة. ومن هنا، ينتعش الاقتصاد، فالمال مصدره القوّة، كما هي الحال في هذا العصر.

 

إنّ من الممكن أن يتحوّل العلم إلى ثراء، فيرتفع المستوى الاقتصاديّ.

 

وهي هي أهمّيّة العلم والمعرفة.

 

لقد تأخّرنا علميّاً، ليس فقط خلال مرحلة الأعوام الخمسين من الشؤم في العصر البهلويّ، حيث جرّدوا هذا الشعب من مكتسباته العلميّة كلّها خلال تلك الفترة، وهي قضيّة مهمّة تحتاج إلى تحليل تاريخيّ واجتماعيّ، بل وحتّى قبل ذلك. إنّ الحقبتين القاجاريّة والبهلويّة هما مظهر هذا التخلّف العلميّ، ولكنّنا نبذل قصارى جهدنا اليوم لإصلاح ما فسد.

 

إنّ واجب جميع الجامعات هو أن تعمل بجدّ على سد هذا الفراغ العلميّ، وأن ترفع من مستوى أدائها الدراسيّ قدر الإمكان".

 

4- لا نجاح بلا علم

وفي مطالعة خطب الإمام الخامنئيّ دام ظله عن العلم، يتوقّف المرء أمام التكرار لأهمّيّة العلم وربطه بالدور المناط بالجمهوريّة إقليميّاً وعالميّاً. ويمكننا فهم هذا التكرار تشديداً في ربط توجّه الأمّة نحو العلم، وإثارة الأجواء نحو الجهاد العلميّ الذي دعا إليه، والذي كنا قد بينّاه في الفصول السابقة، فيقول في خطبة أمام رؤساء الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث:

 

48


38

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"مع أنّ الحديث عن العلم أصبح مكرراً، إلّا أنّه في الوقت نفسه يحتاج إلى التكرار، وعلينا أن نتكلّم بملء أفواهنا وبكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى، بالقدر الذي يكون كافياً للإيمان بهذه المسألة الضروريّة، ونقوم بإنقاذ البلد من المرض المزمن الذي ابتُلي به على مدى العهود المتمادية، ليتّجه نحو الاهتمام بالعلم والتركيز على البحث.

 

بناءً على ذلك، فإنّ العلم هو مسألة حياتيّة بالنسبة إلى حاضرنا ومستقبلنا، فإذا ما افتقرنا في المجال العلميّ، فإنّ أيّ عمل آخر نقوم به، سوف يكون عقيماً ومن ودون نتيجة.

 

إنّ طاقاتنا البشريّة للغور في ميدان العلم، والتقدّم فيه، طاقات جيدة، فهي أفضل وأعلى من معدّل الطاقات التي يمتلكها أفراد العالم، وهذا يعتبر من المسلّمات في الوقت الراهن"[1].

 

5- بالعلم نقوم بدورنا المطلوب

فالرسالة التي تحدّث عنها الإمام الخامنئيّ دام ظله، والتي استعرضناها في أوّل الفصل، تبدأ إرهاصاتها في إنقاذ البلاد من براثن الجهل والتخلّف، ثمّ لتنطلق في مراكمة المعرفة والتجربة والبحث العلميّ، وصولاً إلى التأثير وقيادة الأمّة نحو النجاحين اللذين يُنتظران، نموّ وتقدّم في الداخل، وتقديم النموذج لسائر الأمم، وصولاً إلى التدخّل لإحقاق الحقّ الدوليّ ومنع الباطل الدوليّ. ثمّ يعطي الإمام الخامنئيّ دام ظله النموذج الحيّ عن عقبات تحقيق


 


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، بحضور رؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث.

 

49


39

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

هذه الرسالة، فرسالة إيران هي أكبر من هذه الكلمات: منع الظلم في العالم، تحقيق العدالة بين الأمم، مساعدة الأمم الضعيفة على النهوض، لأجل ذلك ينبغي أن تكون إيران بلداً مقتدراً، مؤهلاً للقيام بهذا الدور العظيم ولأجل ذلك يتطلّب الاقتدار الوطنيّ الأخذ بأسباب العلم والإيمان: العلم يؤدّي للثروة والاقتدار السياسيّ والعسكريّ... هذا هو تفسير رواية: "العلم سلطان"، فمن يمتلك العلم يمتلك اليد العليا، وهذه اليد إمّا لكم وإمّا عليكم، ولا حالة برزخيّة، وإذا خسرتم ميدان العلم فستجدون من يتدخّل في قراركم وثرواتكم وفي مصيركم... بهذه الكلمات، حدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله أخطر المرتكزات وأوضحها، التي يؤسّس عليها رؤيته للعلم: العلم معيار الغلبة أو الهزيمة، وهو يتحرّك بالتكامل مع معيار الإيمان الذي يقود نحو الإرادة، ثمّ كسر الموانع نحو تحقيق النصر من خارج الموازين الوضعيّة.

 

6- كونوا منتجين للعلم

ويحذّر الإمام الخامنئيّ دام ظله في إحدى الخطب السابقة من الاعتماد على الآخرين في طلب العلم، فيصف العلم بأنّه:

"أساس التقنيّة المتطورة وتقدّم الحضارة المادّيّة والمدنيّة المتعلّقة بالمسائل الحياتيّة. ولو كان همّكم الاعتماد على الآخرين في هذا العلم والقيام بعمليّة الاستهلاك، فسوف لن تتمكّنوا من تحقيق أيّ هدف، فالعلم ليس سلعاً استهلاكية نستوردها، بل على الأمّة إيجادها، وإلّا حرمت منها، وهذا هو تماماً ديدن الغرب في

 

50

 


40

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

التعاطي مع ملف الطاقة النوويّة السلميّة لإيران. لا يريد الغرب امتلاك إيران تقنيّة الطاقة النوويّة السلميّة، لكي تبقى محتاجة إليهم وأسيرة قرارهم السياسيّ، يعطونها متى رضوا، ويحرمونها متى خرجت من منظومتهم السياسيّة والاقتصاديّة"[1].

 

7- تقدُّمنا لصالح البشريّة كلّها

عن أيّ تقدّم علميّ يتحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله؟

ثمّة كلامٌ متنوّعٌ ذكره الإمام الخامنئيّ دام ظله في أزمة مختلفة حول التقدّم العلميّ في الجمهوريّة: ماهيته، دوره، عناصره، وقد بدت لنا الصورة الجلية لما يريد من التقدّم، وعن أيّ تقدّم علميّ يتحدّث، عندما بدأ يؤسّس للنموذج الإسلاميّ الإيرانيّ للتقدّم بشكل انفرد به عن غيره من سائر قادة العالم الذين عرفناهم طيلة قرون عدّة، فيقول في إحدى خطبه أمام جمهور من أهل العلم والبحث العلميّ:

"إنّ ركب التقدّم انطلق مع انطلاقة الثورة، وإنّ الاعتقاد بأنّ التطوّر العلميّ عندنا يجب أن يكون مناطاً بالنماذج الغربيّة هو خطر داهم على بلدنا ككلّ، فالتقدّم هو تقدّم الغرب، بينما الآخرون لا يزالون في تخلّف، هذا هو النموذج الغربيّ للتقدّم.

 

إنّ علينا البحث عن نموذج إسلاميّ - إيرانيّ للتقدّم، وهذه مسألة حيويّة لنا، وهذا النموذج لا بدّ من وأن يكون قائماً على المثل النظرية والفلسفيّة الإسلاميّة ومبادئ الإسلام في معرفة الإنسان،


 


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، بحضور رؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث.

 

51


41

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وشعبنا قادر على تقديم نموذج إسلاميّ.

 

ثمّة بونٌ شاسعٌ بين نظرة المجتمع الغربيّ والفلسفة الغربيّة إلى الإنسان، وبين نظرة الإسلام إلى الإنسان، وهذا التفاوت عميق، وثمّة معنى آخر للتطوّر في المنطق والفلسفة الغربيّة للتطوّر. التقدّم عند الغرب هو التقدّم المادّيّ، والملاك هو الربح المادّيّ، فكلّما كان الربح المادّيّ أكبر كان التقدّم أكبر، فالمعيار هو تضاعف السلطة والثروة المادّيّة، وهذا يعني التضحية بالأخلاق والقيم المعنويّة، أمّا التقدّم من وجهة نظر الإسلام فهو تقدّم مادّيّ ولا غبار عليه، لكن بشرط أن يكون وسيلة لا غاية، فالغاية هي رفعة الإنسان وسموّه، وتقوية الهويّة الإنسانيّة للإنسان، والتقدّم الذي ننشده، نريده ليكون لصالح البشريّة والإنسانيّة بأجمعهم، لا الإنسان الإيرانيّ فقط"[1].

 

8- "تقدُّم" وفق الأصول الإسلاميّة

فالتقدّم بنموذجه الإسلاميّ - الإيرانيّ إذاً، يتعارض وبالعمق مع مفهوم التقدّم المادّيّ للغرب، حيث المعيار هو المنفعة المادّيّة، بحيث يصح التقدّم كلّما كبرت المنفعة المادّيّة، فيما المفهوم الذي يريد الإمام الخامنئيّ دام ظله تقديمه إنّما ينبع من الأصول والقواعد الإسلاميّة المرتكزة على رفعة الإنسان وعلوّ إنسانيّته. ولا نغفل هنا، أنّ التقدّم الغربيّ أنتج أسلحة دمار شامل بيولوجيّة وكيميائيّة وتقليديّة مع قوّة نوويّة كافية لتدمير الكرة الأرضيّة أربع مرّات!

 

وفي إطلاق عبارة "المفهوم الإسلاميّ-الإيرانيّ للتقدّم"، يقول

 

 


[1] خطاب بتاريخ 15/5/2007م، بعنوان: "العمل على رفع المستوى العلميّ للجامعات"، بحضور أساتذة جامعة فردوسي.

 

52


42

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"إنّنا قد اخترنا كلمة "تقدّم" بدقّة، ولقد تعمّدنا تجنّب استعمال كلمة تنمية، لأنّ الكلمة تحمل في طيّاتها وجهة قيميّة مفهوميّة، وتتضمّن التزامات لا ننسجم معها أحياناً ولا نوافق عليها. نحن لا نريد أن نزجّ بمصطلح عالميّ معروف ومركّز ذي معنًى خاصّ داخل فريق عملنا، نحن نطرح المفهوم الذي نريد. هذا المفهوم هو عبارة عن "التقدّم" الذي يتحدّد في مجال محدّد واتّجاه محدّد، وهذا تماماً كمثال الثورة التي لم تستخدم كلمة "الإمبرياليّة"، بل استخدمت كلمة الاستكبار.

 

وبما أنّ الظروف التاريخيّة والجغرافيّة والثقافيّة والمناخيّة والجغرافيّة السياسيّة كلّها تؤثّر في هذا النموذج، وهذا صحيح بالطبع، فإنّ المفكّرين الإيرانيّين هم مصمّمو هذا النموذج، وهذا سبب وجيه لتسميته بالإيرانيّ، أي إنّنا لا نريد أن نستورده من الآخرين، بل نريد أن نحدّد ما نراه مناسباً ومفيداً لبلدنا، وما يمكّننا من صناعة مستقبلنا. بناءً عليه، فإنّ هذا نموذج إيرانيّ، ومن جهة أخرى هو إسلاميّ، لأنّ أهداف هذا العمل وغاياته وقيمه ونماذجه تأخذ مادتها الأساسيّة من الإسلام، وكونه إيرانيّاً إسلاميّاً لا يعني مطلقاً أنّنا لن نستفيد من إنجازات الآخرين، فنحن لا نضع لأنفسنا أيّ حدّ على طريق تحصيل العلم"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 1/12/2010م، في الملتقى الأوّل للأفكار والاستراتيجيّة، بحضور جمع من النخب والمفكّرين.

 

53


43

الرؤية بكلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله

"الخطّة العلميّة للبلاد"

إنّ الشروع في خطى التقدّم يتطلّب ما دأب الإمام الخامنئيّ دام ظله على تسميته: "الخطّة العلميّة للبلاد".

 

1- لخطّة علميّة جامعة، حيويّة، ومتجدّدة

فالتقدّم أمر لن يحصل إلّا على المدى الطويل، أو المتوسط في أحسن الأحوال. والنموذج الإسلاميّ للتقدّم سيكون مستنداً حاكماً على جميع أصول البرامج والرؤى المستقبليّة والسياسات في البلاد. ويتحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله دوماً عن رؤى ممتدة في الزمن، كالرؤية العشرينيّة ورؤية الأعوام العشرة، والتي يجب أن تكون السياسات العامّة على أساسها. ويصف الإمام الخامنئيّ دام ظله هذا النموذج بالمرن وغير النهائيّ، وإنّما مقتضيات الزمان المتجدّدة ستوجب إحداث تغييرات عليه، فالأهداف محدّدة لكن الاستراتيجيّات يمكن أن تتعدّل وَفق الظروف المختلفة. وبالدخول في عمق المواصفات المطلوبة للخطّة العلميّة للبلاد، يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"ينبغي للجميع أن يكونوا ملتزمين بها. فهي أوّلاً بحاجة إلى برنامج تنفيذيّ. وعلى مسؤولي أجهزة الحكومة أن يجلسوا لإعدادها حتّى يمكن نقلها إلى مرحلة الإجراء والعمل. وبتعبير أحد السادة: لا ينبغي أن نكتفي بإنتاج العلم دون نشره، أو بإنتاجه ثمّ نضعه جانباً، ولا نستفيد منه، فعلينا أن نستخدمه. وثانياً، يجب أن تكون الخطّة العلميّة الجامعة حيويّة ومتجدّدة وقابلة للتحديث، فنحن لا نريد

 

54

 


44

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

إعداد شيء يبقى لسنوات مديدة كما هو. فهي متعلّقة بأيّامنا هذه، ولربّما نحتاج بعد خمس سنوات إلى تعديل بعض أقسامها، وعلينا أن نفعل ذلك. فالخطّة ينبغي أن تبقى قابلة للتحديث وحيويّة. ويجب أن يكون هناك من يراقب ويتابع هذا الأمر. وثالثاً، يجب إعداد البرامج المتعلّقة بالخطّة الخمسيّة للتنمية في ما يتعلّق بالعلم والتعليم العالي وفق هذه الخطّة وبدقّة، ويجب أن تكون البرامج تابعة لها، وكذلك ضرورة العمل بقوّة على الإشراف.

 

النقطة الأخرى، هي أن تكون التنمية في مجال التعليم العالي متوجّهة نحو الأهداف، وعلى مسؤولي التعليم اجتناب التنمية غير الهادفة بشدّة، لأنّ فيها إهدار للمال وإهدار للموارد البشريّة، وعلينا أن ننظر إلى ما نحتاج إليه وما هو الهدف، وإلى أين نريد أن نصل؟ وعلى أساس ذلك تكون تنمية البيئة المتعلّقة بالتعليم العالي وتطويرها، فنسير على هذا الأساس نحو أهدافنا. وبرأيي، فإنّ هذه القضيّة حسّاسة جداً ومهمّة، ويجب إحصاء الحاجات الأساسيّة للبلد في مجال العلوم والتكنولوجيا، وكذلك في مجال العلوم الإنسانيّة، والقيام بوضع الخطط على أساسها، فنكون على علم بالعدد المطلوب من الجامعيّين والجامعات، وما هي الفروع المطلوبة، وما هي المستويات اللازمة فيها"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 5/9/2010م، بعنوان: "دور العلم"، في لقاءٍ مع أساتذة الجامعات في طهران.

 

55


45

الرؤية بكلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله

2- آليّات الوصول إلى التقدّم

وفي آليّات الوصول إلى التقدّم، يطرح الإمام الخامنئيّ دام ظله مفهوم السلسلة المتكاملة لمراحل التعليم التي من واجبها أن تنتج التقدّم، فالتقدّم لا يبدأ انطلاقاً من الجامعة، بل يبدأ من مراحل الدروس الأولى للأطفال، والتقدّم لا ينتهي أيضاً بالجامعة، وإنّما من مسؤوليّة الجامعة تحقيق الارتباط مع مراكز الأبحاث والقطاع الصناعيّ والتقنيّ في البلاد، فيحدّد في خطاب له: "إنّ الجامعة ليست جزيرة مفصولة عمّا قبلها وما بعدها، فلو أردنا التمكّن من تحقيق التقدّم العلميّ للبلد - بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى - ينبغي لنا ضمان تحقيق هذه الظاهرة، على أن يكون الشروع في ذلك من المراحل الابتدائيّة حتّى الدراسات العليا، ما بعد المرحلة الجامعيّة، وصولاً إلى مراحل ما بعد الدراسات العليا في الجامعة، ومراكز الأبحاث، والتحوّلات التي حدثت في هذا الميدان، وارتباط ذلك مع القطاع الصناعيّ والتقدّم التقنيّ في البلد، وإيجاد قفزات نوعيّة في التقنيّة على الصعيد المختلفة في البلد، التي ترتبط في ما بعد بالمراحل الجامعيّة العالية، إلّا أنّ ذلك كلّه يجب أن يبدأ من المراحل الابتدائيّة"[1].

 

3- إنتاج العلم لا اكتسابه فقط

ثمّ يتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله تحديده لآليّات التقدّم مميزاً بين اكتساب العلم وإنتاج العلم، فهو لا يمانع من اكتساب العلم من

 

 


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، مع رؤساء الجامعات ومؤسّسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث.

 

56


46

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

جهات الأرض كافّة، لكنّه يولي العناية الخاصّة لإنتاج العلم كشرط لبلوغ التقدّم البريء من التبعيّة والخنوع، لأنّ الغرب لا يريد لنا التقدّم ويمنع وسائله الفعليّة عنّا، ويرهن حصولنا على الوسائل بانقيادنا الأعمى لإرادته.

 

4- لتحقيق حلم التقدُّم إلى واقع

يقدّم في خطبة له ملاحظات أربع، رآها ضروريّة لتحقيق حلم التقدّم إلى واقع، وهي:

"إنّ التقدّم العلميّ ضرورة حيويّة للبلاد على اختلاف الحقول العلميّة.

 

يحصل التقدّم العلميّ باكتساب العلم من البلدان والمراكز العلميّة الأكثر تقدّماً، لكنّ اكتساب العلم شيء، وإنتاج العلم شيء آخر.

 

في قضيّة العلم يجب أن لا نربط عربتنا بقاطرة الغرب. طبعاً، لو كانت هذه التبعيّة موجودة لحصل تقدّم معيّن... هذا ممّا لا شكّ فيه، بَيْد أنّ التبعيّة، وعدم الإبداع، والخضوع المعنويّ من التداعيات الحتميّة لمثل هذه الحالة، وهذا غير جائز.

 

إذاً، علينا أن ننتج العلم بأنفسنا ونفجّره من أعماقنا. كلّ درجة يرتفع بها الإنسان في سلالم العلم تعدّه للخطوة اللاحقة والارتفاع إلى درجة أعلى. علينا مواصلة هذا التحرّك من أنفسنا ومن كلّ أعماقنا، وباستخدام مصادرنا الفكريّة وكنوز تراثنا الثقافيّ.

 

وينبغي أن يرافق هذا التقدّم العلميّ الثقة بالذات أوّلاً، والأمل بالنجاح ثانياً، والحركة الجهاديّة ثالثاً، وهذا ما ينبغي أن يشكّل

 

 

57

 


47

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المنحى العامّ لحركتنا العلميّة.

 

ولا يجوز في هذه الحركة الركون إلى الكسل والتقاعس والنزعة الاتّكاليّة، بل ينبغي العمل بطريقة جهادية، إذ ليس الجهاد في سوح الحرب فقط، إنّما لا بدّ من الجهاد في ميدان العلم أيضاً، كسائر ميادين الحياة. الجهاد معناه العمل بلا توقّف وتقبّل الأخطار - بالحدود المعقولة طبعاً - والتقدّم والأمل بالمستقبل"[1].

 

ثمّ يربط في موضع آخر، عناصر التقدّم بالإنتاج الوطنيّ، باعتبار أنّ فلسفة التقدّم قائمة على الانتفاع به، وذلك عن طريق وصله بعجلة الإنتاج الوطنيّ والقومي. فلا معنى للتقدّم إذا لم يحلّ مشاكل الأمّة وأزماتها، ويحلّ المشاكل الاقتصاديّة كافّة والإنتاجيّة الموجودة داخل المجتمع نتيجة ضعف الأداء، أو الكامنة في أشكالها الخارجية كالحصار الظالم، ومنع الأمّة من الوصول إلى التقنيّة اللازمة لتنطلق كغيرها من الأمم.

 

إذاً، للحصول على الثقافة من الغرب ثمن فادح وهو الاستقلال، وكثير من دول العالم الثالث فرّطت بهذا الاستقلال مقابل الحصول على هذا السلاح، ولكن هذا السلاح غالباً ما كان يوظّف لاستقرار قادة الأنظمة ولإرهاب شعوبها وتنفيذ رغبات الغرب ومآربه الاستراتيجيّة، فيما القادة يعيشون هاجس البقاء على كراسيهم، وهكذا تتقدّم


 


[1] خطاب بتاريخ 24/9/2008م، بعنوان: "التقدّم العلميّ والسموّ في ميدان العلم"، بحضور نخب علمية وأساتذة جامعات.

 

58


48

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الأمّة بالعلم، فالإبداع العلميّ الذي يجب أن نربطه بالإنتاج القوميّ المؤدّي إلى الكرامة والنهضة في آن[1].

 

5- عناصر التقدّم المادّيّ

"إنّ التقدّم المادّيّ للبلد يعتمد - بالدرجة الأولى - على عنصرين، الأوّل عنصر العلم، والثاني عنصر الإنتاج، فما لم يوجد العلم سيخفق الإنتاج. فالبلد يتقدّم بالعلم. وإذا وُجد العلم، ولكن لم يُبنَ الإنتاج على أساسه في تطوّره وتكامله ونموّه، فإنّ البلد سيُصاب بالجمود أيضاً. لقد كان العيب في مجال العمل في عصر حكومة الطواغيت هو أنّه لم نكن نمتلك العلم، ولأنّنا لم نكن نمتلكه فلم يكن لدينا إنتاجٌ يعتمد على أسس العلم، إنتاجٌ متطوّر ومتكامل. لهذا، فإنّ العالم عندما نزل إلى ميدان الصناعة تطوّر، فقارّة آسيا التي جاءت إلى هذا الميدان متأخّرة عن أوروبا تطوّرت، أمّا نحن، وبسبب حكومة هؤلاء الطواغيت وغيرها من الأسباب، بقينا متأخّرين. إذا أردنا أن نجبر ما فات - ونحن نريد، وشعبنا قد تحرّك في هذا الاتّجاه، وحقّق الكثير - فعلينا أن نولي اهتماماً للعلم والإنتاج، فيجب المتابعة في مراكز العلم، في مراكز الأبحاث بالمناهج الحديثة. لسنوات عدّة، وأنا أؤكّد على قضيّة العلم، والحمد لله! فإنّ عجلات التقدّم العلميّ والإنتاج العلميّ قد انطلقت في البلد، لا شكّ بأنّ هذا ينبغي أن يتسارع، فنحن لا زلنا في أوّل الطريق"[2].


 


[1] خطاب بتاريخ 28/4/2010م، بعنوان: "عناصر تقدّم العلم والإنتاج"، بحضور عمّال نموذجيّين من إيران.

[2] المصدر نفسه.

 

59


49

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

6- التقدّم في مجال الإنتاج

"والثاني هو الإنتاج. فإنّ الإنتاج، سواءٌ في مجال الصناعة أو الزراعة، يتمتّع بالأولويّة. فالبلد غير المنتج سيُبتلى بالتبعيّة، شاء أم أبى، ولو كان هذا النفط والغاز كلّه في العالم موجوداً تحت أرضنا وفي آبارنا، فإنّه لن ينفعنا. مثلما أنتم ترون بعض الدول التي تحتوي على ثروات هائلة من المعادن وغيرها، سواءٌ كانت ثروات الطاقة، أو المعادن النفيسة والنادرة، ومع ذلك فإنّهم يعيشون عيشةً مأساويّة فوق تلك الأرض المليئة بتلك الكنوز الباطنيّة كلّها. ينبغي أن يتقدّم الإنتاج في البلد وخصوصاً الإنتاج القائم على العلم والمعتمد على المهارات العلميّة والتجريبيّة. وهذا الأمر بيد العامل وربّ العمل، وإدارته بيد الدولة، التي عليها أن تنظّم الأمور بجدٍّ وجهد"[1].

 

أمّا في مجالات التقدّم المنشود، فيحدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله أربعة مجالات أساسيّة، تشكّل بمجموعها الإطار الكلّيّ للتقدّم، وهي:

"التقدّم في مجال الفكر وصولاً إلى مجتمع مفكّر، حيث تعدّدت الآيات التي تصف ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾, ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾, وبحيث نحوّل توقّد الفكر والتأمّل والتدبّر في المجتمع إلى حقيقة ظاهرة، تبدأ من عموم النُخَب، وتتدفّق إلى عموم الناس.

 

التقدّم في مجال العلم، العلم الذي هو محصول الفكر، وصولاً إلى الإبداع العلميّ والتوجّه نحو الاستقلال، والنهل من العلم، ينبغي أن يكون بشكل عميق وبنيويّ.

 

 


[1] خطاب بتاريخ 28/4/2010م، بعنوان: "عناصر تقدّم العلم والإنتاج"، بحضور عمّال نموذجيّين من إيران.

 

60


50

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

التقدّم في مجال الحياة: الأمن، العدالة، الرفاهيّة، الاستقلال، الكرامة الوطنيّة، والحرّيّة والتعاون والحكم"[1].

 

7- المعنويّات روح العلم

"التقدّم في المجال الروحيّ، وهو أهمّها، بحيث يتقدّم المجتمع باتّجاه المزيد من المعنويّات، فالمعنويّات هي الروح للعلم والسياسة والحرّيّة، ويمكن الوصول إلى قمم العلم وفتحها بواسطة المعنويّات، فعندما توجد القيم المعنويّة يوجد العلم، وعندها تصبح الدنيا دنيا إنسانيّة.

 

إنّ النموذج الكامل لتلك الدنيا سيتحقّق في زمان الظهور، ونحن اليوم نتحرّك في المجالات التمهيديّة نحو العالم الإنسانيّ"[2].

 

8- مواجهة الخطر وعدم الخوف من الفشل

وبرأي الإمام الخامنئيّ دام ظله، إنّ التقدّم لا يُحرز إلّا بروحيّة الشجاعة والثبات والتضحية في نفس كلّ عالم أو باحث، فيحدّد لإحرازه عنصرين، من الضروريّ أن يكونا في الجانب الشخصيّ للعالمِ، أوّلاً مواجهة الخطر، وثانياً العمل الشاقّ والدؤوب والجدّي دونما خوف من الفشل، وهذه من مميّزات الغرب التي حملها باتّجاه ثورته الصناعيّة التي أعطته السيادة على أصقاع الأرض.


 


[1] خطاب بتاريخ 24/9/2008م، بعنوان: "التقدّم العلميّ والسموّ في ميدان العلم"، بحضور نخب علميّة وأساتذة جامعات.

[2] المصدر نفسه.

 

61


51

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

9- معالم التقدّم الإسلاميّ

إنّ معالم التقدّم الذي أوضحه الإمام الخامنئيّ دام ظله بكافّة أبعاده: البعد الإسلاميّ للتقدّم متميّز عن المفهوم الغربيّ، والتقدّم المتكامل الذي يتأسّس في كافّة مراحل الدراسة وصولاً إلى الجامعة، والذي يمدّ أغصانه مع الأمم الأخرى، والقائم في أساسه على الإبداع والثقة وعدم الخوف، والمرتبط بعجلة الإنتاج القوميّ، فيحلّ أزماته وينطلق به. إنّ هذا التأسيس للتقدّم إنّما يتمّ استثماره باتّجاه الرؤية العلميّة الكبرى للأمّة جمعاء، لنصل بالأمّة إلى برّ الأمان السياسيّ والاقتصاديّ والاستراتيجيّ. والوصول إلى مستوى كهذا من الأمان يتمظهر من خلال المعالم التي تسمح بالقفزة الواسعة الموعودة نحو القوّة والعدالة، فيحدّدها الإمام الخامنئيّ دام ظله بعوامل ثلاثة:

"العامل الأوّل: تواجد جيل الشباب من الخرّيجين في ميادين البحث العلميّ والنشاطات السياسيّة والاجتماعيّة وبالملايين.

 

العامل الثاني: عامل التجربة التي ساهمت في مواجهة المشكلات المختلفة من قبل نخب البلاد ومفكّريها ومسؤوليها.

 

العامل الثالث: تحسّن البنى التحتية للبلاد، فالأشياء اللازمة للتقدّم الواسع في الاتصالات والمواصلات والبحث العلميّ والبناء صارت موجودة.

 

المراد من التقدّم هو أن يكون في جميع الجوانب، في الثروة الوطنيّة، في العلم والتقنيّة، في الاقتدار الوطنيّ والعزّة الدوليّة،

 

62


52

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

في الأخلاق المعنويّة، وفي أمن البلاد الاجتماعيّ والأخلاقيّ، وأن نعطي أحسن ما عندنا وبأفضل طريقة.

 

التقدّم المراد يجب أن يكون مصحوباً بالعدالة، والعدالة كمفردة يجب البحث فيها بأن يشارك الجميع ويستفيد الجميع، وأن نخفّض الفواصل الطبقيّة والجغرافيّة ونوفّر المساواة في الاستفادة من الإمكانات والفرص، ونكافح الفساد الماليّ والاقتصاديّ"[1].

 

تجدر الإشارة إلى انّ المراد من التقدّم الذي نصّ عليه الإمام الخامنئيّ دام ظله، قد أرسى ركائز عميقة في نفوس الإيرانيّين، فاليوم تعيش إيران نهضة تقترب من المعجزة، نهضة تتجلّى في مستوى هائل من التقانة والإنتاج والنموّ والتطوّر خلال ثلاثين سنة. وتستمّر المسيرة الظافرة مع إعلان جديد للإمام الخامنئيّ دام ظله بأنّ السنوات العشر القادمة ستوسم بعنوان: عقد التقدّم والعدالة، ما يعني اقتران الرؤية الساطعة للعلم والتقدّم مع التجربة الناجحة التي تتجلّى من خلال النجاح في النانوتكنولوجيا، والاستنساخ والاستنسال، وغزو الفضاء، والعدالة والكفاية الاجتماعيّة، والأهمّ تقديم النموذج الإسلاميّ الحيّ للتقدّم على مستوى تجربة بناء الدولة، أو على مستوى الحضور الإقليميّ والدوليّ الرياديّ تجاه الدول الإسلاميّة، وتجاه قضايا العدالة والتحرّر والاستقلال لدول العالم المستضعفة.


 


[1] خطاب بتاريخ 31/3/2009م، بعنوان: "عقد التقدّم والعدالة"، بحضور أهالي مشهد وزوّار المرقد الطاهر للإمام الرضا عليه السلام.

 

63


53

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

في مواصفات العلم

1- العلم أساس القدرة

إنّ العنوان الأبرز الذي وضعه الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم ضمن سياق عمليّة النهوض والاقتدار كافٍ في إطار ما ورد في الرواية عن أنّ العلم سلطان، سلطان يقود لامتلاك القدرة، ثمّ الثروة، ثمّ الاقتدار العسكريّ والسياسيّ. فوضع العلم في موقع صمّام الأمان للدفاع عن الجمهوريّة في الداخل والخارج، ومثلما أنّ وزارات الأمن والدفاع تحفظ البلاد من الأخطار وتؤمّن قدرة الدفاع عن الجمهوريّة ودستورها، فإنّ العلم - بحسب الإمام الخامنئيّ دام ظله - يأتي في الموقع ذاته. لا بقاء للجمهوريّة الإسلاميّة من دون علم وثقافة وإبداع، تحفظ المسيرة أمام تحدّيات وأخطار الوجود التي تفرضها أمم الاستكبار علينا. لذا، جاء في خطبة له:

"العلم أساس القدرة، سواء اليوم أو على مرّ التاريخ، وسوف يبقى الأمر كذلك في المستقبل. إنّ هذا العلم يؤدّي أحياناً إلى اختراع أو ابتكار ما وفي بعض الأحيان لا يكون كذلك، وكذلك المعرفة فإنّها أساس الاقتدار، وهي تخلق الثروات وتؤدّي إلى الاقتدار العسكريّ والسياسيّ، ففي رواية قيل: "العلم سلطان، من وجده صال به، ومن لم يجده صيل عليه"، أي إنّ للقضيّة بعدين: إذا كنتم تملكون العلم يمكن أن تكون لكم الكلمة العليا، واليد العليا - وهذا معنى صال - وإذا لم تمتلكوا ذلك فلا يوجد حالة برزخيّة، بل صيل عليه. فالذي يمتلك

 

64

 


54

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

العلم ستكون له اليد العليا عليكم وسوف يتدخّل في ثرواتكم وفي مصيركم. وإنّ كنوز المعارف الإسلاميّة مليئة بمثل هذه الكلمات"[1].

 

2- لإنتاج علمٍ هادف

وفي إطار المفهوم الإسلاميّ الذي يحضّ على العلم ويشجّع على نيل أعلى الدرجات العلميّة، يتناول الإمام الخامنئيّ دام ظله عدداً من الإشكاليات المتعلّقة بمفهوم العلم وكيفيّة ترجمتها ليتحوّل العلم سويّاً مستقيماً في إطار مشروع التقدّم والاقتدار للأمّة، فيؤكّد على الحدود الإنسانيّة التي يضعها الدين للعلم، وعلى الترجمة العمليّة لرؤية الإسلام للعلم في إطار اقترانه بالعمل، ثمّ ينتقل ليعالج أدوات النمو للعلم في المجتمع وعدم القبول بالنموذج الغربيّ للعلم. وحول أهداف العلم والحثّ على إنتاجه، يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"إنّ من بين العوامل التي تضاعف قيمة العلم هو أن يكون للعلم هدف، وأن يتحرّك العلم باتّجاه التقدّم والتطوّر بأهداف محدّدة جرى تنظيمها وفقاً للمتطلبات.

 

إنّ ما نشاهده من تطوّر للعلم وتوسّعه ورواجه وحب العلم وطرح العلم، إنّما يعود لمرحلة ما بعد الثورة، فقد كان العلم مهجوراً ولم يكن محسوباً من قضايا البلاد بالمعنى الحقيقيّ للكلمة.

 

إنّ إنتاج العلم إنّما يعني سلوك طرق يبدو أنّها لم تسلك بعد، وهناك الكثير من الأمور المجهولة التي لم يصلها العلم المتطوّر


 

[1] خطاب بتاريخ 21/03/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، بحضور وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

 

65


55

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المعاصر إلى الآن، وثمّة احتمال كبير أنّها تفوق بكثير الأمور التي توصّل إليها حتّى الآن.

 

ففي يوم من الأيام كانت الكثير من الأمور التي يعرفها العالم وتعرفها البشريّة مجهولة، فتجرّأ الناس وعرفوا هذا المجهول، فما الدليل على أنّنا عاجزون عن اكتشاف مجهول آخر؟ وليس كلّ اكتشاف جديد يحتاج إلى أرفع العلوم وأعلى التقنيّات"[1].

 

3- نحو ميادين علميّة جديدة

ولأنّ ثمّة استحقاقات داهمة تطال الأمّة في كرامتها واستقلالها، لجهة إحكام الحصار الدوليّ الظالم على الجمهوريّة، لا يضع الإمام الخامنئيّ دام ظله العلم لأجل العلم، بل يربط بين العلم والعمل على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأمّة جمعاء، ويدفع في اتّجاه البحث نحو آفاق وميادين عليمة جديدة تطبيقيّة وإنسانيّة، فيقول في كلام له[2]:

"في الحقيقة لو أمعنّا النظر جيّداً لوجدنا أنّ كلّ أمة وجماعة وفرد إنّما ترتبط دنياهم وأخراهم ارتباطاً وثيقاً بهذين الأمرين: العلم والعمل، ولا يمكن لكلٍّ منهما أن يحتفظ بكامل خصائصه ما لم يُقرن بالآخر. فالعلم بلا عمل لا يجدي نفعاً، وقد ورد: "العالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر"، كذلك حال العمل بلا علم، حيث ورد: "المتعبّد بلا علم كحمار الطاحون". إذاً، لا فائدة من العمل بلا علم وإن


 


[1] خطاب بتاريخ 10/3/1424ه، بعنوان: " الجامعات بين الواقع والطموح"، مع أساتذة جامعة الشهيد بهشتي وطلّابها.

[2] خطاب بتاريخ 3/12/1415ه، بعنوان: "تلازم العلم والعمل"، بحضور حشد من العمّال والمعلّمين وموظّفي وزارة التربية والتعليم.

 

66


56

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

كان ذلك العمل عبادة لله - عزّ اسمه -، فهو أشبه ما يكون بدوران الشخص حول نفسه، إذ لا ينتج عن مثل هذه الحركة أيّ تقدّم.

 

إنّ وطننا محتاج إلى العلم، كما هو محتاج إلى العمل، وقد جعل الله لكلٍّ منهما ثواباً وأجراً، فللعلم أجر وثواب، وللعمل كذلك.

 

نحن، إذ نشيد بالعلم، نشيد بالمعلِّم حقيقةً، لأنّه هو الذي يمنح العلم للآخرين، ولا يمكن الحصول على العلم دون معلِّم، فمن أراد علماً أخذه عنه.

 

أعود وأقول: لا علم دون معلِّم، وكذا حال العمل، تكريم العمل إنّما هو -في الواقع- تكريم للعامل وتثمين لدوره، إذ لا معنى لعمل دون عامل. لاحظوا جيّداً مدى الترابط الموجود بين هذه المفاهيم، إذ يمكننا أن نعتبر العلم والعمل جناحي الشعب اللذين ينهض بهما به نحو التطوّر والتكامل، فالشعب الفاقد للعلم والعاطل عن العمل لا يمكنه التقدّم والتطوّر".

 

4- معالم العلم في نظره الإمام الخامنئيّ دام ظله

وفي قراءة متأنّية لكلام الإمام الخامنئيّ دام ظله وفي محطّات متنوّعة، مضموناً وحضوراً مشاركاً، يمكننا استقراء معالم العلم الذي يريده الإمام الخامنئيّ دام ظله، في حدوده وفي ضوابطه وقيمه الإسلاميّة وفي موقعه في مسيرة تقدّم البلاد، وأيضاً في محاوره التي تشترك جميعاً في صناعة الأبعاد الجديدة للتقدّم. لذا، سنعرض كلّ ما سلف مبوّباً في قالب يقدّم العلم في صورته الكاملة المتكاملة وفق ما قدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله.

 

67

 


57

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

عن أيّ علم يتحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله؟

- يحتلّ العلم المرتبة الأولى من حيث تقدّم البلاد.

 

- لا علم بلا أهداف تحملها الأمّة في طريق نموّها واقتدارها.

 

- لا علم بلا عمل، فالعالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر.

 

- إنّ من روافد العلم التوجّه نحو سلوك طرق استكشاف لم يبلغها أحد من قبل، ولا شيء لا الكفاءة ولا الإرادة ولا العزيمة تمنع من حدوث ذلك والوصول إلى نتائج. يجب أن يتوجّه العلم نحو الإبداع، وعلينا تربية الأطفال على الذهنيّة المبدعة الخلاّقة منذ نعومة أظفارهم.

 

- إنّ نموّ العلم يجب أن يطال كلّاً من قطاع العلوم التطبيقيّة وقطاع العلوم الإنسانيّة، وبشرط ألّا يكون أحدهما على حساب الآخر. التوسّع في الفروع العلميّة، وتجاهل الفروع الإنسانيّة يُظهران - فيما لو دقّقنا النظر - سوء نيّة في مكان ما.

 

- يجب أن يكون النموّ العلميّ ظاهرة من ظواهر البلد.

 

- إنّ التوسّع في العلم يجب أن يطال الإلمام بعلماء المسلمين.

 

- إنّ على الباحث والدارس التحلّي بروح الشجاعة العلميّة والثقة بالله وبالنفس في الاتّجاه نحو دراسة نظريّة أو الوصول إلى إبداع أو ابتكار.

 

- إنّ من مميّزات البحث العلميّ أن يكون حرّاً، ولكن بشرط أن يكون عُقلائيّاً ودقيقاً.

 

 

68

 


58

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

- إنّ من الضروريّ تفادي التكرار العلميّ والتقليد العلميّ للغرب لما أراده لنا طيلة عقود.

 

- إنّنا لا ندعو إلى عدم أخذ العلم من الآخرين، لكن لا ندعو إلى بقائنا تلامذة أبد الدهر، فالنظرة التقليديّة إلى العلم معناها أن نكون تلامذة فقط.

 

- إنّ العلم المستورد ليس علماً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، ولكنّ العلم الذاتيّ هو الذي يمنح القوّة.

 

- إنّ من المهم الالتفات إلى عدم التعبّد بآراء المفكّرين الغربيّين في مجال العلوم الإنسانيّة. فالأساتذة الذين لا يتورعون عن السجود للأوثان دون الله - تعالى -، ويربّون الطلّاب على هذه التبعية الفكريّة لأصنام الفكر الغربيّ، فهذا لا قيمة له، وهو خطأ فادح، وإنّني لا أثق بمثل هؤلاء الأساتذة، فوجودهم لا يدرّ نفعاً مهما كانت درجاتهم العلميّة، مع أنّ الآراء الصنميّة نفسها ربّما تكون قد باتت منسوخة في الغرب.

 

- العلم لا ينفصل عن الذوق والصناعة والفنّ والزراعة والخدمات العامّة والعلاقات الخارجيّة، فيجب أن تتقدّم جميعها وإلى الأمام.

 

- إنّ أفضل مشجّع على نشر العلم هو تكريم حامله.

 

- إنّ الخطاب المطلبيّ النقابيّ للأساتذة والعاملين في مجال العلم يجب أن يأتي من منطلق التشجيع والتحفيز، لا من

 

69

 


59

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

منطلق التثبيط وتخييب الآمال.

 

- عدم التفريط بالطاقات ذات القابليّة الواعدة.

 

- الدين ليس حائلاً أمام التقدّم العلميّ، بل يدعمه.

 

- ليقف الدين أمام تجاوز العلم وتعدّيه الحدود الإنسانيّة، والتي من الممكن أن يبتلى بها.

 

- إنّ البحوث العلميّة التي تتوقّف على تقدّمها حياة الناس اليومية هي كالنقود التي يضعها الإنسان في جيبه ليقوم بصرفها مستقبلاً.

 

- ضرورة التركيز على الأساتذة الجامعيّين الشباب وإعطاء الأولويّة للمتفوّقين.

 

- إنّ العلوم بناءٌ متكامل ومستقلّ، علينا أن نظهره.

 

- إنّ علينا أن نعتبر العلم والعمل جناحي الأمّة اللذين تنهض بهما نحو التطوّر والتكامل. فالشعب الفاقد للعلم والعاطل عن العمل لا يمكنه التقدّم والتطوّر.

 

5- دقّقوا في المباني العلميّة الغربيّة

وبين سطور كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله، نجده يركّز وبشدة على عدم اقتباس المباني العلميّة الغربيّة دون تدقيق وتمحيص عميقين، لكي لا نقع في الخطأ نفسه الذي ارتكبه هؤلاء، فلقد أقدم البنك الدوليّ والمؤسّسات الماليّة والنقديّة العالميّة على تقديم العديد من المشاريع والأطروحات الاقتصاديّة لدول وشعوب العالم، طبقاً

 

 

70


60

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

للآراء والنظريات الغربيّة، وإذا بالغربيّين أنفسهم يهاجمون تلك النظريات ويوجهون الانتقادات اللاذعة لها، ومع ذلك نجد من يأتي ليكرّر تلك النظريّات نفسها بحذافيرها مرّة أخرى.

 

والأمّة تحتاج إلى تفكير وتجربة عمليّة من أجل جمع وتدوين وتنسيق ما لدينا من علوم، وإلى نظرة علميّة فاحصة إلى المبادئ والأسس التي وضعها الغربيّون لهذه العلوم. فالهويّة العلميّة الخاصّة بالأمّة هو ما يريده الإمام الخامنئيّ دام ظله. وهذه الهويّة لها كامل الحرّيّة عندما تكون في إطار مصلحة الأمّة ونهوضها، حتّى ولو كانت نتائجها البحثيّة مخالفة لرأي القيادة[1]: "فواجب العلماء البحث والتحقيق، وإعمال الفكر، والمثابرة في العمل، والتوصّل إلى النتائج، حتّى تعتمد القيادة وسواها هذه النتائج العلميّة، من أجل وضع البرامج لخدمة البلد".

 

وعليه، فلا حدود لحركة العلم والبحث العلميّ لدى القطاعات المختصّة، طالما بقي العلم في إطارين اثنين:

- المصلحة المباشرة للأمّة، والتي ترتسم في مشروع النهوض فالاقتدار، فالاستقلال.

 

- القيم الإسلاميّة ليكون العلم ترجمة حيّة لها نحو المصلحة العليا لإنسانيّة الإنسان، ليكون الإنسان في آخر المشروع خليفة الله على الأرض، ولكي نتجنّب تطور العلم الأعمى


 


[1] خطاب بتاريخ 19/1/2006م، بعنوان: "الجامعة ودورها في صناعة الثورات العمليّة"، بحضور أساتذة جامعة الإمام الصادق عليه السلام وطلّابها.

 

71


61

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

نحو امتلاك القدرة لدى الشعوب القويّة لاستضعاف الشعوب المحتاجة، والتفلّت بطرق الإفناء المتبادل بأسلحة الدمار الشامل وخصوصاً بالسلاح النوويّ الذي أوصلته قدرات الإنسان، إلى أن يدمّر الكرة الأرضيّة أربع مرّات!

 

6- هذه نتيجة فصل الأخلاق عن العلم

والمفارقة التي يتحدّث عنها الإمام الخامنئيّ دام ظله هي أنّ أكثر البلدان التي تعاني فقدان الأمن اليوم هي التي وصلت إلى أعلى المراتب من الناحية العلميّة. والأمر يتعدّى فقدان الأمن ليصل إلى فقدان السعادة الإنسانيّة والعدالة. ويعاني الغرب من التمييز والفروقات الاجتماعيّة الهائلة بين ثروات هائلة وفقر مدقع يؤدّي غالباً إلى الموت نتيجة الجوع... فهل إنّ البلدان المتقدّمة من الناحية العلميّة قضت على مشاكل الإرهاب والجريمة؟ وهل يتمتّع الأطفال بهذه البلدان بالتربية الحسنة في أحضان آبائهم وأمّهاتهم... ولعلّ عناوين الأمن والسعادة والكفاية والأسرة هي أهمّ الاحتياجات الإنسانيّة التي يتطلّع إليها البشر من بداية الخليقة وإلى اليوم. وهذه العناوين ما زال مجتمع العلم في الغرب يبحث عنها ولا يجدها، لأنّ الإنسان في الغرب فصل الأخلاق عن العلم، وربطها بالمنفعة المادّيّة البحتة، وبات المجتمع الغربيّ فاقداً للأهليّة ليكون الطليعيّ في موضوع الطموحات الإنسانيّة، وهو بالتالي ليس الجهة الصالحة لتقدّم النموذج، تماماً على قاعدة "فاقد الشيء لا يعطيه".

 

 

72

 


62

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

أمّا تركيز الإمام الخامنئيّ دام ظله على ربط العلم بالقيم، فقد أفرد له مساحة من التحليل والتعمّق. فصحيح أنّ الهدف هو العلم، لكن شرط هذا الهدف الأوعية والقلوب النيّرة التي تريد البحث في أسرار الكون، والتي سوف تجد الله وقدرته وعظمته، والتي ستعقل الخطاب الإلهيّ الموجّه نحو عقول البشر، ولكن من خلال الإبداع في أسرار مكنوناته.

 

 

73


63

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المهام الموزّعة لإنجاح الرؤية

دور الأبحاث العلميّة

في إشارة إلى الدور المفصليّ للأبحاث العلميّة في عمليّة التغيير والنهوض الملازمين لتحقيق الرسالة ثمّ الدور، اللذين يقعا على عاتق الجمهوريّة الإسلاميّة، تفرّد الإمام الخامنئيّ دام ظله بوصف الأبحاث العلميّة، كالأذكار العباديّة التي يقوم بتكرارها الإنسان، فجاء في خطاب له[1] حول مشروع التغيير والتقدّم:

"إنّ قضيّة الأبحاث العلميّة تعتبراً -بلا أدنى شكّ- من بين القضايا المحوريّة والأساسيّة للحفاظ على هويّتنا ووجودنا واستقلالنا ومستقبلنا. إنّ البحث العلميّ الهادف نحو احتياجات البلد واحتياجات الصناعة وبقيّة القطاعات هو إحياء للبلد، أي بثّ روح الحياة في مفاصله".

 

1- البحث العلميّ طريق الاقتدار

إنّ وضع الأبحاث العلميّة في موقع الأذكار العباديّة أتى ليضفي الطابع الدينيّ الشرعيّ على لزوم القيام بها، وإلّا لأثمت الأمّة جميعاً، وهي إحياء للبلد بأكمله، فلو قرأنا الآية الكريمة: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا


 


[1] خطاب بتاريخ 15/5/2007م، بعنوان: "العمل على رفع المستوى العلميّ للجامعات"، بحضور أساتذة جامعة فردوسي.

 

75


64

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[1] لوجدناها تقرن أجر إحياء نفس واحدة بإحياء أمم أهل الأرض، فما بالنا بالبحث العلميّ الذي هو إحياء للبلد بأفراده وبقوّته الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، فعن أيّ أجر عظيم نتحدّث؟ ولعلّ هذا التعظيم لدور الأبحاث في أبعادها الدينيّة الشرعيّة والإنسانيّة والسياسيّة إنّما يدخل في إطار الحثّ على القيام بها، باعتبارها الحلقة التي لا بدّ من اجتيازها وصولاً إلى الهدف الاستراتيجيّ، ألا وهو الاقتدار على مستوى الأمّة ككلّ. فمن جهة تؤدّي الأبحاث العلميّة دور اكتشاف المجهول، وتأتي بغنى حقيقيّ على مستوى الاكتشاف وسبر أغوار عوالم المعرفة وتقدّمه للأمّة، ومن جهة أخرى تغني مشروع نهضة الأمّة مقابل الأمم الأخرى، وتكفّ يد العوز لها والركون إلى شروطها السياسيّة والاقتصاديّة مقابل الحصول على مساحات متقطّعة من العلم والمعرفة، تبقي بها دول الاستكبار الحاجة إليها، ولا تمكّن الدولة المحتاجة من الاستقلال وربط هذه المساحات نحو تصوّر نهضويّ متكامل يسمح لها بالسير باستقلاليّة في درب العلم والتقانة.

 

2- لأبحاث تفيد الأمّة

وفي إطار تحقيق القفزة النوعيّة للأمّة نحو مستقبل الكرامة والاستقلال العلميّ، يدخل الإمام الخامنئيّ دام ظله في تفاصيل البحث العلميّ، فيحثّ على أداء البحوث المفيدة للأمّة، لا البحوث النظريّة


 


[1] سورة المائدة، الآية 32.

 

76


65

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

التي قد نتّفق على بعض مضمونها، لسبب وجيه وأساسيّ، وهو أنّنا لا نوافق على منطلقاتها في النظرة إلى الإنسان ودوره في الحياة، كما يحثّ على توجيه البحوث التي يحتاج إليها المجتمع مباشرة في إطار سياسة تفعيل أداء مراكز الأبحاث ورفع مستوى الإنتاج البحثيّ نوعاً، لا كمّاً، فيقول[1]:

"يجب أن يجد البحث العلميّ طريقه لسدّ احتياجات البلاد، أي أن ننجز بحوثاً علميّة نحن بحاجة إليها، وعلينا أن نشخّص ماذا يجب أن نكتب من بحوث...".

 

الكثير من العلوم الإنسانيّة مبنيٌّ على فلسفات مادّيّة، وعلى فلسفات مبنيّة على أنّ الإنسان مجرّد حيوان، وأنّه غير مسؤول أمام الله – تعالى -، وعلى عدم الاكتراث للنظرة المعنويّة للإنسان والعالم. فعلينا ألّا ننقل لأجيالنا مفاهيم الشكّ والارتياب وعدم الإيمان بالمباني الإلهيّة والإسلاميّة والقيم الذاتيّة.

 

وقبل تنويع المؤسّسات البحثيّة وتراكمها، لكونها لا تحلّ المشكلة، علينا رفع كفاءة المؤسّسات البحثيّة الموجودة، وفي المنظومات الإداريّة التي تتابع وتراقب سير عمل هذه المؤسّسات.


 


[1] خطاب بتاريخ 30/8/2009م، بعنوان: "المستقبل العلميّ للبلاد"، بحضور أساتذة جامعات.

 

 

77


66

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

3- لأبحاث وفق الخارطة العلميّة

وتفادياً لإشكاليّة تراكم الأبحاث دون النظر إلى مردودها على مستوى تقدّم الأمّة، يشدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله وفي مناسبات عدّة، على ضرورة وجود الخارطة العلميّة للبلاد، وعلى دورها في تحديد الموضوع الذي نحتاج إلى البحث فيه، وماهيّة المحاور المراد توسعتها وتطويرها، ثمّ الانطلاق في مرحلة ثانية لجمع شتات الأجزاء العلميّة المتفرّقة، وتحديد المفيد منها لمستقبل البلاد.

 

وهكذا تبدو الرؤية العلميّة للإمام الخامنئيّ دام ظله سلسلة حلقات تعمل كلّ واحدة في إطار مهامها المحدّدة، لكنّها تتناغم في إيقاع واحد لتأدية الغرض المطلوب، تماماً كالسيارة التي تحوي نحو عشرة آلاف قطعة متماسكة ومترابطة، تعمل وفق أداء المحرّك الداخليّ، لكنّها في مظهرها نموذج واحد يهدف إلى إنجاز مهمّة واضحة ومحدّدة سلفاً، وهي نقل ركّابها من مكان إلى الآخر...

 

المسؤوليّة الدقيقة على عاتق الأستاذ الجامعيّ

1- الأستاذ الجامعيّ الرساليّ

يصف الإمام الخامنئيّ دام ظله مشروع النهوض العلميّ للأمّة بالمشروع العملاق، ويصف الأجهزة التنفيذيّة الحكوميّة، كوزارة التعليم العالي ووزارة الصحّة وسائر مؤسّسات الدولة الإداريّة الملحقة، بمقاولي المشروع. لكن، ثمّة دور مميّز يوكله إلى الأستاذ الجامعيّ في حلقات المشروع، فيتحدّث مراراً وتكراراً حول رسالته

 

 

78


67

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وأدائه وأخلاقه في التعاطي مع أهل الجامعة وطلّابها، وكأنّه يناشده بالتحلّي بأخلاق الإسلام وآدابه قبل القيام بأدائه الحسّاس في مشروع التقدّم. ولذا، سننتقي النقاط التي أوردها الإمام الخامنئيّ دام ظله كعناوين ومواصفات لرسالة الأساتذة تجاه نفسه وأمّته[1]:

- إنّ أداء الأستاذ الجامعيّ يجب أن يكون أداء عشق وحبّ للعلم واندفاع نحو تربية الطالب.

 

- التعاطي مع الطالب هو تعاطٍ أبويّ وأخويّ، ويجب ألّا يُترك الطالب وحده.

 

- من المهمّ جدّاً تخصيص الوقت للإجابة عن أسئلة الطالب كلّها، ومدّ يد العون العلميّ له، حتّى ولو اقتضى الأمر ساعات من الوقت، فهذا جهاد ثقافيّ، تماماً مثلما يحدث في الحوزات العلميّة.

 

- العمل على ترسيخ حالة البحث والنقاش العلميّ، والاستقلاليّة، والثقة العلميّة بالنفس، والفضول العلميّ في نفوس الطلّاب الجامعيّين.

 

- تحقيق الإبداع العلميّ والثقة بالنفس، وتلافي التلقين والتكرار في الأداء العلميّ.

 

- امتلاك الروح الوطنيّة في نفوس الأساتذة الجامعيّين.


 


[1] خطاب بتاريخ 30/8/2009م، بعنوان: "المستقبل العلميّ للبلاد"، بحضور أساتذة جامعات.

 

 

79


68

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

- زرع الأمل بالمستقبل في نفس الأستاذ وفي نفوس طلّابه، فروح اليأس من المستقبل سهم مهلك للمشاريع العلميّة والاجتماعيّة والسياسيّة كافّة، والأمل هو الطاقة التي تتقدّم بالإنسان، وهي التي قادت إلى الاكتشافات الكبرى في ميادين العلوم التجريبيّة.

 

- العمل على تشخيص الاحتياجات والأولويّات العلميّة، وأخذها بالاعتبار في البرمجة التعليميّة".

 

2- أوجدوا الطالب المتديّن والباحث معاً

يجهد الإمام الخامنئيّ دام ظله من خلال مواصفات الأستاذ الجامعيّ ودوره المنشود أن يردم الهوّة بينه وبين الطالب، وعلى أيدي الأساتذة، وبالمبادرة منهم. ففضلاً عن زرع حبّ العلم والأمل بالتقدّم، فإنّ الطالب يتعلّم ويتأثّر بكلام أستاذه عن حبّ الوطن والاعتزاز بتاريخ البلاد، وبإمكان الأستاذ إيجاد الطالب المتديّن والباحث في آن. فجمع العلم والإيمان في عقل الطالب مسألة دقيقة، لأنّ العلم بمفرده ليس شرطاً كافياً لحضارة سليمة، وأصحاب العلم الغربيّون شهود على الحضارة اللئيمة الانتقائيّة والاستنسابيّة لأبناء عرقهم ومَن يسير في ركبهم.

 

3- صفاء النفس عند الأستاذ

ويولي الإمام الخامنئيّ دام ظله الأهمّيّة الفائقة لنوعية الذات العاملة في بيئة العلم وفي الجامعة. فالقلوب أوعية كما يقول

 

80

 


69

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الإمام عليه السلام، والعلم لا يستقيم إلّا بعماد "النورانية" في النفس العاملة بالعلم والطالبة له، فيقول في خطاب مع أساتذة الجامعات في طهران[1]:

"إنّ طهارة النفس وصفاءها للجميع، وله تأثير في حياة الجميع، ولكنّه – بنظري - أكثر أهمّيّة وفائدة ونفعاً للأساتذة والعلماء، وذلك أوّلاً، لأنّكم أساتذة، فإنّ سلوككم وتصرّفكم له تأثير أكبر من كلامكم في تكوين شخصيّة التلميذ والشاب، وغالباً ما يكون الأمر كذلك، بحيثإنّه لو كان كلامكم سبباً لسوقه نحو جهة ما، ولم يكن سلوككم مصاحباً لكلامكم في هذا التوجيه، فإنّ هذا السلوك والتصرّف سيؤثّران في مخاطبكم وتلميذكم، أي في ذلك المتعلِّم والشاب، فهذا أحد أبعاد أهمّيّة صفاء النفس. لو تمتّع أستاذنا بالروحيّة المعنويّة الصافية،فإنّه سينوّر أجواء صفّه وقلوب المتعلِّمين. فنحن نحتاج إلى هذا الأمر، ومضافاً إليه فأنتم علماء. لهذا، فإنّ العلم إذا صوحب بالنورانية، فإنّه سيجد وجهته الصحيحة".

 

4- التخطيط للأبحاث العلميّة

ولهذا، فإنّ مسؤوليّة الأستاذ الجامعيّ إذاً، التخطيط لنظام يرغِّب شباب الأمّة في البحث العلميّ بما لديهم من مواهب مشهودة، وتحقيق النهضة العلميّة التي تطوِّر العلوم وتخترق الحجب العلميّة، والتوجّه نحو العمل الذي لم يتوصّل إليه الذهن البشريّ إلى الآن. وإذا كان طلّاب الجامعات هم ضبّاط المواجهة في الحرب على


 


[1] خطاب بتاريخ 21/3/2010م، بعنوان: "العلم سلطان"، بحضور وزير العلوم وأساتذة جامعة طهران.

 

81


70

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الجامعة والأمّة، فإنّ الأستاذ الجامعيّ هو القائد لهذه المسيرة. والطرفان عليهما التبصّر بالقضايا العامّة وتشخيص العدوّ بصورة صحيحة[1]:

"نحن نحتاج إلى الأستاذ الرائد من أصحاب الخبرة السابقة والأستاذ الجديد في آن معاً، ولا يمكن الاستغناء عن أيٍّ منهما. هذه مواصفات الأستاذ الجامعيّ المناسب لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة، حاليّاً ومستقبلاً".

 

5- مواكبة الأستاذ للعلوم والمعارف

ولقد شدّد الإمام الخامنئيّ دام ظله على ضرورة أن يرتقي الأستاذ الجامعيّ الدرجات العلميّة الحقيقيّة، وينضج حركته الحضاريّة. فمثلما يخصّص وقتاً للطلّاب، عليه تخصيص وقت للمطالعة، "فالأستاذ الذي لا يطالع سوف يكون درسه فارغاً". وهذا يدخل في إطار واجب الأستاذ الجامعيّ في إنتاج المعرفة التي تستلزم منه مواكبة للعلوم والمعارف. وللتأكيد على دقّة الدور الذي يضطلع به الأستاذ الجامعيّ، وضرورة استعداده لمهامه التربويّة الحسّاسة أمام الجمهور الواسع من الطلّاب، وحرصاً على تأمين كافّة السبل اللازمة لأفضل تدريس وأفضل نتائج، ورفعاً للمظلوميّة التي قد تقع على الطالب الجامعيّ، في حال كان هناك ثمّة تقصير لدى الأستاذ، يقارن الإمام الخامنئيّ دام ظله التدريس الحوزويّ مع


 


[1] خطاب بتاريخ 5/9/2010م، مع أساتذة الجامعات في طهران.

 

82


71

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

التدريس الجامعيّ، فيقول[1]:

"إنّ حسن دروسنا الحوزوية يتأتّى من هذا الأمر، وهو في ما إذا حضر الأستاذ قاعة الدرس دون مطالعة مسبقة، وتكلّم كلاماً غير متقن، لا يحضر الطالب درسه في اليوم الآخر، وبعد مدّة يبدأ الطلّاب بالانصراف من درسه شيئاً فشيئاً، فمثلاً لو كانوا مئة يصبحون خمسين أو عشرين شخصاً، وأحياناً يؤدّي ذلك إلى تعطيل درسه.

 

أمّا الجامعة ليست كذلك، فالطالب الجامعيّ المسكين مجبور على أن يأتي، ومجبور أن يقضي هذه المراحل مع هذا الأستاذ، وكذلك عليه أن ينتظر الدرجة دون أن يتجرّأ من الاعتراض على ذلك.

 

إذاً، فمن هذه الجهة، يعتبر هذا أحد عيوب الجامعة، ومحاسن الحوزة.

 

وعلى كلّ حال، عليكم أن تعملوا على أن يتمكّن الأستاذ من التقدّم على الصعيد العلميّ ومستواه الدراسيّ".

 

إنّ المقارنة التي طرحها الإمام الخامنئيّ دام ظله في التدريس بين الحوزة والجامعة هي في طيّاتها دعوة ملطّفة إلى الجامعة لأن يكون الأستاذ على مستوى الأهليّة والضمير المهنيّ في أدائه لواجبه التعليميّ أو البحثيّ، لأنّ لا خيار للطالب في تغيير أستاذه، فهو مجبور على أن يمضي مراحل دراسته مع أستاذ يملأ موقعاً أكاديميّاً، وبالتالي فلا خيار للأستاذ إلّا أن يقوم بواجبه كاملاً في أن يتحلّى بالمستوى العلميّ اللائق للأستاذ الجامعيّ كمنتج للمعرفة،


 


[1] خطاب بتاريخ 30/8/2009م، بعنوان: "المستقبل العلميّ للبلاد"، بحضور أساتذة جامعيّين.

 

 

83


72

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وبالمستوى الأخلاقيّ المحفّز لأن يكون أداؤه عشقاً للعلم واندفاعاً نحو تنشئة أجيال مسؤولة جديرة بقيادة الأمّة في مستقبلها نحو برّ الأمان.

 

6- لا يكون هدفكم مجرّد الحصول على درجة علميّة

وفي سياق العناوين والمواصفات المطلوبة من الأستاذ الجامعيّ، فإنّ الإمام الخامنئيّ دام ظله يشدّد على روحيّة الأستاذ الذي يجب ألّا يسعى من أجل الحصول على درجة علميّة بتأليف أو بإعداد مقالات وأبحاث ليس لها فائدة بالنسبة إلى البلاد ولا شأن لها بأيّ دور أو بملء أيّ فراغ فيه، وأن يكون همّه تحسين ملفّه العلميّ سعياً للوصول أو الترقية. فليس من الصحيح أن نمنح الشهادات والامتيازات العلميّة، وهي لا تتناسب ولا تنسجم مع احتياجات البلد، وتكون امتداداً لبرنامج البحوث فيه.

 

هكذا إذاً، دور الأستاذ الجامعيّ في عمليّة البناء إنّما هي في إطار متكامل لجامعة إسلاميّة ذات رسالة مفصليّة بدور إسلاميّ، يملأ كلٌّ من الطالب والأستاذ والإداريّ ما هو مطلوب منه كاملاً. هكذا تكون الجامعة النموذجيّة الطموحة التي يريدها الإمام الخامنئيّ دام ظله، والتي يعرّفها بكلمات هادفة تحمل الصفة الإسلاميّة والجوهر الإسلاميّ الوقّاد، بعيداً عن المظاهر الخاوية في مضمونها مثلما هي الجامعات في معظم البلاد الإسلاميّة، بقوله[1]:


 


[1] خطاب بتاريخ 19/1/2006م، بعنوان: "الجامعة ودورها في صناعة الثورات الفكريّة والعلميّة"، بحضور أساتذة جامعة الإمام الصادق عليه السلام وطلّابها.

 

84


73

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"إنّ الجميع يعتقدون بأنّ الجامعة الإسلاميّة لا تعني سوى الحجاب للطالبات، وألّا يرتدي الفتيان القمصان ذات الأكمام القصيرة، وألّا يطيلوا سوالفهم، مع أنّ هذا كلّه لا يعني الجامعة الإسلاميّة بشيء. إنّ ما يميّز الجامعة الإسلاميّة هو الإيمان والطموح والحماس المقدّس والخلق الإسلاميّ، والإيمان بالعلم والمعرفة، فهذه خصائص الجامعة الإسلاميّة".

 

فالإيمان، والطموح، والحماس المقدّس، والخُلق الإسلاميّ، والإيمان بالعلم والمعرفة، كوسائل وشروط النهوض والاقتدار، هي بالضرورة مواصفات الأستاذ الجامعيّ الناشط في الجامعة الإسلاميّة التي يجب أن نؤسّس عليها طموحات التغيير نحو الاتّجاه الإسلاميّ الأفضل للأمّة. فالترابط بين دور الجامعة الإسلاميّة ومقتضيات النهوض والاقتدار لا لبس فيه.

 

يحضرني هنا شيء من المقارنة في الأدوار المتباينة بعمق بين الجامعة في إيران وبعض الجامعات الرسميّة والخاصّة في لبنان، حيث يسير بعض الأساتذة الجامعيّين في لبنان بلا أفق ورؤية، وحيث تنتج بعض الجامعات أجيالاً تتحوّل لاحقاً إلى وقود الحروب الداخليّة والمذهبيّة، أو إلى أجيال تابعة تذوب أمام النموذج الغربيّ، وتموت شخصيّتها الحضارية الإسلاميّة، أو أن تكون الجامعات حلقة ضروريّة لهجرة الكفاءات والأدمغة للخارج. لذا، لا شأن لمعظم الجامعات عندنا - ومع الأسف - بأيّ إصلاح، ولا دور للجامعات في أيّ تغيير إيجابيّ، بل الأدهى من ذلك، أنّ الدولة في لبنان تنظر إلى

 

85


74

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الجامعة الرسميّة على أنّها عبء تحاول بشتّى الوسائل التخلّص منه، على أن توكَل المهمّة الأساس في تربية الأجيال إلى الطوائف، والتي أثبتت الوقائع أنّ رسالتها التربويّة محصورة ومنغلقة بين جدران كلّ طائفة في غياب كامل للقوانين الناظمة بشكل كافٍ، وفي غياب المشاريع البحثيّة الموجّهة والموازنات الكافية، كعناصر النمو والتطوّر الضروريين للبلاد ككلّ، ومع وجود جامعيّ يحمل مشروعاً غالباً ما يكون تجاريّاً لا يرحم، أو فرديّاً ذاتيّاً لحماية نفسه ومستقبل أسرته فاقداً لطموح التغيير على مستوى الجامعة والتربية، ليتحوّل إلى جزء من أزمة شاملة تنتظر شعلة تغيير لتنطلق نحو الحلّ.

 

ضرورة التغيير في التربية والتعليم

1- ضرورة الربط بين النهضة العلميّة والتربية والتعليم

تحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله في مواضع كثيرة عن الربط المحكم بين النهضة العلميّة والتربية والتعليم، في إطار السيطرة على الدائرة المغلقة بين البحث العلميّ والإنتاج الرائد على مستوى الأمّة مع أجيال مهيّأة لتأخذ المبادرة وتكمل المشروع. واعتبر سماحته أنّ مهمّة التربية والتعليم في مختلف المواقع هي إنشاء القابليّة للإنسان نحو العلم والتدرّج في العلم، ولكن ليس أيّ إنسان، بل الإنسان الإنسانيّ الطاهر النفس، القادر على التمييز بين قدسيّة القيم التي يحملها، وخبث وسائل الإعلام والدعاية الأجنبيّة التي من شأنها صناعة إنسان يفكّر ويعمل وفق القواعد الأميركيّة، كمقدّمة

 

 

86


75

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

لجيل كامل يفكّر فيهم ويلجأ اليهم كنموذج تسقط منه روح الثورة وقيم الإسلام الصافية.

 

2- التربية والتعليم، العمود الفقريّ لأيّ بلد

فقد وصف الإمام الخامنئيّ دام ظله مسألة التربية والتعليم بالعمود الفقريّ لأي بلد، واعتبر كلّ ما يجري إنفاقه في هذا الميدان استثماراً للمستقبل الوطنيّ، سيعود حتماً بالفائدة على الأمّة في أيّامها القادمة، استثماراً للإنسان الواعد الذي يجب أن يكون جديراً بمهمّة قيادة دفة قطاعات الوطن السياديّة منها والثانويّة. واللافت في كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّه يعي تماماً أيّ نوع من التربية تريد الأمّة لصلاحها، ويعي مشاكل التربية التي كانت قائمة قبل الثورة، ويعي موقع التربية في مشروع النهوض العلميّ الشامل للأمّة. إنّها تربية الإنسان، ذي القابليّة للعلم والتقانة. تربية ننفق عليها بسخاء ثروة استراتيجيّة ستعود حتماً بالنفع والأمل للأمّة في عقودها القادمة، تربية إنسان متديّن مجاهد يحيا بالفضائل والإرادة بالتقدّم والأمل ببلوغ القمة، فيقول:

"التربية والتعليم هما العمود الفقريّ لأيّ بلد من البلدان، وصولاً إلى الكرامة المادّيّة والسعادة المعنويّة، والسيطرة السياسيّة والتقدّم العلميّ والرفاهية.

 

التربية والتعليم هي المدخل الأصليّ لنشوء ذلك العنصر الأساس ونموّه، وهو الإنسان، الإنسان ذو القابليّة نحو العلم.

 

التربية والعليم ليسا قطاعَين استهلاكيَّين، بل هما قطاعان

 

 

87

 


76

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

إنتاجيَّان، لأنّهما ينتجان لنا أهمّ العناصر وأكثرها فاعليّة لتقدّم البلاد، ويدّخران لنا ثروة معنويّة طائلة، ستعود على البلاد بالنفع التدريجيّ.

 

ثمّة خللان كانا يعيقان التطبيق الناجح للتربية والتعليم:

- الناحية العقائديّة والإيمانيّة لدى واضعي مناهج التربية والتعليم.

 

- الناحية السياسيّة والإداريّة في البلاد، حيث إنّ النظام السابق كان مضطراً إلى استبعاد الدين من منظومته القومية، لأنّه كان فاقداً للإيديولوجيا، لكنّ تبعيّتهم ازدادت يوماً بعد يوم... لقد كان نظام التعليم متغرّباً.

 

- الدعوة إلى نظام تعليم قائم على الإبداع، لا حفظ الدروس.

 

نريد لخرّيجي البلاد أن يكونوا حائزين على الفضائل الأخلاقيّة، ومتميّزين بالقابليّة الفكريّة والعقليّة، وأن يكونوا متمسّكين بالدين. الفضائل تعني الشجاعة، حسن الفطرة، الأمل، الإرادة... القابليّة الفكريّة والعقليّة: الإبداع، حبّ التفكير والتجديد، الميل لاقتحام الميادين العلميّة الواسعة، أمّا سلوكيّاً، فينبغي أن يكون خرّيج البلاد منتظماً، يعرف القانون ويحترمه.

 

إنّ المطلوب من التربية والتعليم التأثير في الحياة العائليّة، بما لديها من القدرة على تربية الإنسان الصالح، الهدف: جيل مثالي. هذه هي فلسفة التربية والتعليم.

 

وبالطبع، فإنّ إكمال الحلقة بين النهضة العلميّة والتربية والتعليم يتطلّب أن يكون المعلِّم متحلّياً بهذه المواصفات ومقتنعاً بها ويعيش في تفاصيلها. وزيادة على ما تقدّم، فعلى المعلِّم أن

 

88

 


77

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

يكون محبّاً للعلم، ومتحلّياً بروح البحث العلميّ، لكي يبثّ هذه الروح في أجيال الناشئة من الطلّاب"[1].

 

3- المؤسّسات التربويّة، غرف حَجر صحّيّ

وتأكيداً للقناعة بالدور الدقيق للمعلِّم، يشبّه الإمام الخامنئيّ دام ظلّه المؤسّسات التربويّة بغرف الحجر الصحيّ، التي تهدف إلى تنقية الناشئة من أدران القيم الغربيّة، وتنتج إنساناً صحيحاً سليماً خالياً من أعراض التغريب والأمركة على وجه الخصوص، فيقول في خطاب له:

"إنّ مدارس التربية والتعليم في مراحلها الابتدائيّة والإعداديّة والثانويّة تعتبر ورشة عامّة يمرّ بها أفراد المجتمع كافّة، فهي كغرفة الحَجر الصحّيّ التي يدخلها جميع أفراد المجتمع، ثمّ يخرجون من الباب الآخر"[2].

 

4- احترام المعلِّم وتقديره

وفي الإطار ذاته، يكرّر الإمام الخامنئيّ دام ظله مهام المعلِّم، ويدعو أيضاً إلى تكريمه وإجلاله، فيصفه بأرقى الأوصاف، ويمعن في تقديره، ويشبّهه بفارس العلم الذي يؤثّر بسلوكه وشخصيّته على الناشئة، وليس فقط بإلقاء الدروس، وبصاحب الرسالة التي تقود نحو اقتدار الأمّة، فيقول في الخطبة ذاتها:

"إنّ مهام المعلّم بناء مجتمع يكون أفراده ذوي قابليات ممتازة

 

 


[1] خطاب بتاريخ 25/7/2007م، بعنوان: "الآفاق المستقبليّة للتربية والتعليم"، بحضور مدراء وزارة التربية والتعليم.

[2] خطاب بتاريخ 2/5/2007م، بعنوان: "مكانة العلم"، بحضور حشد من المعلِّمين ومسؤولي التعليم.

 

89


78

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وأخلاق رفيعة، وشجاعة بطولية، وأفكار نيّرة، وعلى قدر كبير من الاستقلاليّة والتوقّد الخلّاق وحسن السيرة والإيمان بالنظام والقانون. وهنا نؤكّد على احترام وتقدير المعلّم وإجلاله، وهو المكانة الرفيعة في المجتمع، وهو صاحب الموقع الحسّاس فيه، وهو فارس الميدان، والمعلّم يؤثّر في شخصيّة تلاميذه بسلوكه وشخصيّته، ليس فقط بإلقاء الدروس، والمعلّم ليس فقط ذا مهنة لكسب العيش، ولكنّه صاحب رسالة ومسؤوليّة كما أسلفنا. إنّ مهام الأعداء في مجتمعنا هي: التخلّف العلميّ، التخلّف الاقتصاديّ، وتحطيم عُرى الوحدة الوطنيّة، وهم يستهدفون المعلِّمين بصفتين من أهدافهم الثلاثة: التخلّف العلميّ والوحدة الوطنيّة".

 

5- التربية والتعليم وصناعة الإنسان

ويمتدّ طموح الإمام الخامنئيّ دام ظله في مجال التربية والتعليم إلى أن يصل تأثيرهما في مجالات الحياة كلّها، بدءاً من الاقتصاد والسياسة، حتّى التأثير في الدين والفلسفة والأخلاق، وصولاً إلى ما يسمّيه الإمام الخامنئيّ دام ظله "المجتمع العلميّ". وتستوقفنا متابعة الإمام الخامنئيّ دام ظله للجوانب التربويّة في الأمم الأخرى بعمق وتأنٍ، فنراه يدعو إلى أخذ إيجابيّاتها، وذلك كلّه لحرصه الشديد على حفظ الناشئة ولإحكام القبضة على الأجيال البريئة، وللحؤول دون ضياعها في النموذج الغربيّ، وكأنّه يقول: إنّ إحدى ساحات المواجهة مع العدوّ المتربّص شرّاً بالأمّة هي عند الناشئة وطلّاب الجامعات، فقد وصف في خطاب له رؤيته لمفاهيم التربية والتعليم بالقول:

 

90

 


79

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"إذا ما ارتقى مجال التربية والتعليم وأُوليَ اهتماماً، فسوف يؤدّي إلى تحسين الأوضاع في مجالات الاقتصاد والسلامة والصحّة والبيئة ومصير الإنسان والثقة والفنّ والسلوك العامّ، علاوة على ذلك كلّه، يكون مؤثّراً في الدين والفلسفة والأخلاق.

 

إنّ مدارس العالم اليوم تقوم بتعليم الأطفال الفلسفة، الأمر الذي يعتبره بعض مفكّري بلدنا ليس ذا معنى، ويعتقدون بأنّه مقتصر على أصحاب اللحى والشعر الكثيف من كبار السن.

 

إنّ النظرة الحضاريّة إلى قضايا الحياة، أوصلت روّاد العلم في العالم اليوم إلى وجوب تعليم التلاميذ الفلسفة بأسلوب سلس في المراحل الابتدائيّة.

 

ولقد جئت بهذا المثال من أجل إيضاح ما للتربية والتعليم من قدرة على التأثير في مستقبل البلد، وهو واضح لديكم أيضاً.

 

فإنّ الاقتصاد والسياسة اليوم معتمدان على العلم، ولهذا فإنّ أحد الشعارات التي تُرفع اليوم شعار "المجتمع العلميّ".

 

ولو أردنا أن لا نتخلّف عن مواكبة الحركة العلميّة في العالم -فضلاً عن أن يكون لنا دور مشخّص ورائد وناجح - فنحن مضطرون إلى القيام بنظرة جذريّة أساسيّة تجاه التربية والتعليم، وكذلك في مسألة العدالة.

 

هذه هي الحقيقة التي بسببها تأخّرنا عشرات السنين. ولسوء الحظ، أنّها وقعت في عهود التفتّح والتقدّم العلميّ، فلقد أخّرنا ذلك عقوداً من الزمن -منذ أواخر العهد القاجاريّ وحتّى نهاية العهد الشاهنشاهيّ - دون إرادتنا أو رغبتنا.

 

 

91

 


80

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

فعلينا أن نكدح ونجاهد، ونبذل طاقتنا كلّها من أجل ردم الهوّة التي وقعت في مجال التربية والتعليم قدر الإمكان، وإنّني أعتقد - على ضوء التجارب والنظريّات العلميّة التي قام بها أصحاب الخبرة في هذا المجال - بأنّنا قادرون على ذلك، فإنّ هذه ليست بعيدة المنال. وهناك الكثير من الطرق المختصرة التي توجد في السنن الإلهيّة وقوانين الخلقة، والفنّ هو القدرة على الوصول إلى هذه الطرق من قِبَل الإنسان.

 

بناءً على ذلك، فإنّنا قادرون، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى السعي.

 

إنّ التربية والتعليم هي من أهمّ الأجهزة المنتجة، فهي جهاز مُنتج لا مستهلك، فعلينا أن نهيّئ مصادر الدعم في مجال التربية والتعليم، وليس المال فقط، المال جزءٌ من ذلك، لكنّ الأهمّ من المال هو الفكر، وأفضل الأفكار وأهمّها، الجلوس والتباحث في مسائل التربية والتعليم، من أجل أن تكون الرؤية الفلسفيّة للتربية والتعليم واضحة وجليّة، وعلى أساس هذه الرؤية سوف تكون آفاق مستقبل التربية والتعليم واضحة في بلدنا، وسيُعلم حينها ما الذي نريده، وما هو الهدف الذي نصبو إليه، لكي نقيم برامجنا على أساس الخطّة التي توصلنا إلى تحديد ذلك الهدف، هذا هو ما نحتاج إليه.

 

لا بدّ من أن تتجنّب التربية والتعليم مسألة الروتين، وهذا هو بيت القصيد"[1].

 

فالمعالجة المتأنيّة للخلل التاريخيّ الذي أصاب ميدان التربية

 

[1] خطاب بتاريخ 2/4/2006م، بعنوان: "أهداف التربية والتعليم"، بحضور جمع من المعلِّمين.

فعلينا أن نكدح ونجاهد، ونبذل طاقتنا كلّها من أجل ردم الهوّة التي وقعت في مجال التربية والتعليم قدر الإمكان، وإنّني أعتقد - على ضوء التجارب والنظريّات العلميّة التي قام بها أصحاب الخبرة في هذا المجال - بأنّنا قادرون على ذلك، فإنّ هذه ليست بعيدة المنال. وهناك الكثير من الطرق المختصرة التي توجد في السنن الإلهيّة وقوانين الخلقة، والفنّ هو القدرة على الوصول إلى هذه الطرق من قِبَل الإنسان.

 

بناءً على ذلك، فإنّنا قادرون، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى السعي.

 

إنّ التربية والتعليم هي من أهمّ الأجهزة المنتجة، فهي جهاز مُنتج لا مستهلك، فعلينا أن نهيّئ مصادر الدعم في مجال التربية والتعليم، وليس المال فقط، المال جزءٌ من ذلك، لكنّ الأهمّ من المال هو الفكر، وأفضل الأفكار وأهمّها، الجلوس والتباحث في مسائل التربية والتعليم، من أجل أن تكون الرؤية الفلسفيّة للتربية والتعليم واضحة وجليّة، وعلى أساس هذه الرؤية سوف تكون آفاق مستقبل التربية والتعليم واضحة في بلدنا، وسيُعلم حينها ما الذي نريده، وما هو الهدف الذي نصبو إليه، لكي نقيم برامجنا على أساس الخطّة التي توصلنا إلى تحديد ذلك الهدف، هذا هو ما نحتاج إليه.

 

لا بدّ من أن تتجنّب التربية والتعليم مسألة الروتين، وهذا هو بيت القصيد"[1].

 

فالمعالجة المتأنيّة للخلل التاريخيّ الذي أصاب ميدان التربية

 

 


[1] خطاب بتاريخ 2/4/2006م، بعنوان: "أهداف التربية والتعليم"، بحضور جمع من المعلِّمين.

 

92


81

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

والتعليم تعني - من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله - تصالح الأجيال الجديدة مع هوّيتها، وربط زخمها وطاقاتها الواعدة بدورة التغيير والتقدّم لدى الأمّة، ومعالجة "التسرّب" من جسمها، لكي تتكامل الطاقات كلّها في اتّجاه التقدّم، بما يعني كسب المعركة على مستقبل الأمّة في ظلّ تربّص غربيّ دائم يحاول تقديم سمّ القيم الغربيّة في دسم الحضارة والمدنية، ويربط بين المدنيّة وأحاديّة النموذج الغربيّ، وبما يعني إحكام السيطرة على دورة التغيير والتقدّم في بلادنا التي تعتبر ساحة التربية والتعليم الحلقة الأخطر، لكونها صانعة لإنسان لديه قابليّة للسير في مستقبل الأمّة باتّجاه التقدّم أو باتّجاه التبعيّة بنتائجها الكارثيّة، وحسبنا في نماذجنا العربيّة عبرة وتبصّراً.

 

الطالب في مشروع النهضة

1- الطالب الجامعيّ، مفعم بنور العلم، طاهر وسويّ

أولى الإمام الخامنئيّ دام ظله أهمّيّة خاصّة لموقع الطالب في عمليّة التغيير، وتحدّث في مناسبات مختلفة عن تربية الطالب، وما المطلوب تقديمه للطالب ليكون مدماكاً في قنطرة المشروع، فسلّط الضوء على مسألة تربيته دينيّاً وعلى ضرورة مواجهة الحقيقة التي كانت سائدة أيّام ما قبل الثورة، بأن يدخل الشاب الجامعة مؤمناً متديّناً، ثمّ يخرج منها بعد إنهاء دراسته متخلّياً عن قناعاته ومكانته الدينيّة والثقافيّة، وحمّل المسؤوليّة للمعلِّمين وللأساتذة

 

93

 


82

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الجامعيّين بضرورة أن يتحلّى الطالب بمستوى عالٍ من الأخلاق والقناعة بالعقيدة، متسائلاً:

"أين تجدون أفضل من الجامعة؟ وأيّ الأماكن أكثر نورانيّة من قلوب طلّاب الجامعات الفتيّة؟"[1].

 

وقد دعا في هذا الإطار إلى صلاة الجماعة في الجامعة، مشدّداً على أنّ معدّل حضور طلّاب الجامعات فيها يجب أن يكون مرتفعاً أكثر من غيره في أماكن أخرى.

 

وقد وصف الإمام الخامنئيّ دام ظله بلهفة، طلّاب الجامعة قائلاً بهم، وفي الخطبة نفسها:

"إنّ الشاب الجامعيّ ليس من العوامّ الذين لا يفقهون شيئاً، بل إنّ قلبه مفعم بنور العلم، فضلاً عن أنّه طاهر وسويّ، وعلينا السعي من أجل تهيئة الجوّ الدينيّ والفضاء التربويّ والثقافيّ للطاقات والقابليّات التي يمتلكها طلّاب الجامعات".

 

كما دعا إلى إكمال حلقة الرعاية لهم بمعالجة مسألة التسرّب من المرحلة الثانويّة إلى المرحلة الجامعيّة، فدعا إلى زيادة عدد الطلّاب الثانويّين الناجحين الذين يودّون الانضمام إلى الجامعة.

 

ثمّ يتحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله بلغة تقترب من العرفان عن قلب الطالب النورانيّ، فيصفه:

"إنّه مهبط اللطف الإلهيّ، وقلبه في كثير من الموارد مظهر


 


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، مع رؤساء المراكز البحثيّة والجامعات ومؤسّسات التعليم العالي.

 

94


83

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

تجلّي العنايات الربّانية الخاصّة. إنّ صفاء الروح التي بإمكان الإنسان أن يكتسبها وأن يتجاوز بها كدر الحياة المادّيّة ومشاكلها والعادات السيّئة والخبائث، هي عند الشباب أكثر من غيرهم، فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "عليكم بالأحداث"، ولا سيّما إن كانوا أهلاً للعلم والمعرفة والكمالات الفكريّة، حيث إنّ طلّاب المدارس والجامعات وطلّاب العلوم الدينيّة في مجتمعنا ضمن هذه الفئة. بناءً على ذلك، فإنّ الشباب طبقة ممتازة من حيث الوعي السياسيّ ودورهم في تطوير المجتمع، لكنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو الأمر المعنويّ الروحيّ، وذلك الميل العرفانيّ الإلهيّ"[1].

 

2- الطلّاب والشباب، أكثر قبولاً وأسرع تقبّلاً

وتبياناً لأهمّيّة الخطاب الموجّه للطلّاب والشباب، يدعو الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى أن تتوجّه المنابر التبليغيّة بخطابها إلى الشباب، وذلك للأسباب الآتية:

أوّلاً: يشكّل الشباب والطلّاب أغلبية مجموع الناس في إيران، ويقارب الرقم ثلثي السكّان.

 

ثانياً: دأب أعداء الثورة على التخطيط لمخاطبة هؤلاء الشباب، وإن كنّا في غفلة، فالعدوّ لا يغفل، وهو يحاول اجتذابهم والسيطرة على عقولهم وأفكارهم، وصولاً إلى مستقبلهم.


 


[1] خطاب بتاريخ 7/6/1416ه، بعنوان: "العلماء حصون الأمّة"، مع جمع من طلّاب المدارس والجامعات.

 

95


84

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

ثالثاً: إنّ الشباب والطلّاب هم أكثر قبولاً وأسرع تقبلاً من غيرهم، لأنّهم يحملون قلوباً لم تتلوّث بعد بقدر تلوّث من تصرّمت أعمارهم.

 

3- تكريم الطلّاب المتفوّقين

وفي إطار تشويق الطالب الجامعيّ إبّان دراسته، اقترح الإمام الخامنئيّ دام ظله على القيّمين على الجامعات تأسيس الورشات العلميّة والتعليميّة في الجامعات، وتفعيل الرحلات العلميّة للطلّاب، ومنح الجوائز للمتفوّقين في أجواء دفع الطلّاب إلى بذل أفضل ما لديهم علميّاً، وصولاً إلى الإبداع العلميّ. والإمام الخامنئيّ دام ظله مقتنع بشدّة بفاعليّة دورهم وكفاءتهم فيما لو أمنّا لهم الوسائل اللازمة. ووصل الأمر لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله بإيلاء المسؤوليّة لدى الطالب بأن يخترع مثلاً أجهزة تقنيّة يكون من شأنها تعزيز الصِلة بين الجامعة والقطاع الصناعيّ في البلاد، مكمّلاً دورة الإبداع والتقانة في مشروع الاقتدار. فالجامعيّون لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله[1] مثلهم كمثل عامل قضبان السكك الحديديّة، الذي يوجّه القضبان واحداً مع الآخر لتحديد مسيرة القطار وسلامة راكبيه...

 

4- مسؤوليّة الطالب تفعيل المطالعة وتكوين الثقافة الإسلاميّة والعلميّة

وأمّا لجهة مسؤوليّة الطالب، فقد دعا الإمام الخامنئيّ دام ظله


 


[1] خطاب بتاريخ 15/5/2007م، بعنوان: "العمل على رفع المستوى العلميّ للجامعات"، بحضور أساتذة جامعة فردوسي.

 

96


85

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الطلّاب إلى تفعيل المطالعة وتكوين ثقافتهم الإسلاميّة والعلميّة، وذلك إبّان كلام له أمام نخب شبابيّة[1]، محذّراً من الخوف ومن الهجرة دون العودة إلى البلاد، وموصياً برفع روحيّتهم ومعنويّاتهم بالقدر الذي يعملون فيه للعلم بالمختبر أو قاعة المحاضرات أو مركز البحوث، وموصياً كذلك بالصلاة أوّل وقتها بتوجّه وشعور بالحضور أمام الباري عزّ وجلّ.

 

وقال دام ظله: "إنّ أداء هذا الأمر يكون بتطهير قلوبكم، فأنتم شباب وقلوبكم نيّرة، فهي كالمرآة الناصعة التي تجلب أنوار اللطف والعناية الإلهيّة بسرعة، وتقوم بعكسها كذلك، أي إنّكم عندما تكونوا صالحين من الناحية الدينيّة، وعفيفين وطاهرين من الناحية الروحيّة وذاكرين لله، فسوف يكون وجودكم، في أيّ مجال كنتم، في الجامعة أو مكان العمل أو البيت أو الأقرباء، له تأثير نورانيّ، أي إنّكم عندما تكونوا صالحين ونيّرين فسوف تهبون النور للآخرين أيضاً".

 

ويتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله في الخطاب نفسه مؤكّداً:

"إنّ الجيل الصاعد في بلدنا وشعبنا في الوقت الراهن لا يقلّ مكانة عن الجيل الأوّل للثورة". فمسؤوليّة بناء الدولة وتحصين منعتها واستقلالها لا تقلّ بجهادها عن جهاد الجيل الأوّل للثورة، فكلا الطرفين كان يعمل للدولة الإسلاميّة التي يعتزّ بها الإسلام وأهله ويُخذل بها النفاق وأهله...


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، بعنوان: "أهمّيّة الاستقلال الثقافيّ"، بحضور جمع من النخب الشبابيّة.

 

97


86

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

5- نصائح للطلّاب الجامعيّين

وفي الخطاب الذي يقدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله للطلّاب، يمكننا تبويب عدد من النصائح والإرشادات التي يراها الإمام الخامنئيّ دام ظله مدخلاً لحماية الأجيال الجديدة من الطلّاب وإشراكهم في عمليّة التغيير الشاملة:

1- العمل على تمتين البنية العقائديّة والأخلاقيّة.

 

تقوية العلاقة بالله -سبحانه- لأجل صقل الشخصيّة والتأثير في القلب.

 

المواظبة على الصلاة في وقتها وبالحضور القلبي، فهي الماء الذي يروي به الإنسان فؤاداه.

 

4- الاهتمام بالدراسة والتهذيب والرياضة، فبالدراسة تترسّخ ملكات الحكمة والفكر والعقل.

 

5- تقوية النفس على الصعيد العلميّ، لا لكي يؤثّر خطاب الشباب في الآخرين فحسب، بل لكي يكونوا عماداً قويّاً لصرح الحضارة والتقدّم العظيمين لدى الشعب الإيرانيّ.

 

6- السعي لتشكيل الهويّة الإنسانيّة لدى الشباب، بترويض النفس وجعلها تعتاد على الأعمال الطيّبة والأخلاق الحسنة والسلوك السويّ.

 

7- الالتفات إلى السلوك الحسن مع الوالدين بحبّهم، وتقديم الاحترام والتقدير والإطاعة لهم. فسلوك الشباب الحسن داخل

 

98


87

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المنزل من شأنه أن يبني أسرة سليمة.

 

8- الاستفادة من أوقات الفراغ بالقراءة والمطالعة والمشاركة في النشاطات الرياضيّة والاجتماعيّة، والتعاون مع جمعيّات العمل التطوعيّ.

 

9- الاستفادة من مرحلة الشباب ككلّ، فهي نعمة كبرى يمنحها الله للإنسان مرّة واحدة في حياته، وفي سنّ معينة.

 

10- إنّ ادّخار ثروة الشباب البدنيّة والفكريّة والروحيّة والنفسيّة، وفي مرحلة الشباب، تصبح عوناً لهم في مراحل الحياة اللاحقة إلى نهاية الحياة، كما تصير متاعاً لهم في الآخرة، والآخرة خير وأبقى.

 

11- التعرّف، وعن قرب، إلى الأجواء السياسيّة، وضرورة أن يشارك الطلّاب في التأثير فيها، وهذا بالطبع علاوة على مسؤوليّة متابعة الدراسة والتفوّق، وصولاً إلى الإبداع.

 

6- ضرورة تهيئة الجوّ الدينيّ والفضاء التربويّ والثقافيّ للطلّاب

أمّا في إطار المسؤوليّة والواجب تجاه الطالب الجامعيّ، يعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ أفضل الأشخاص الذين يستطيعون أن يثيروا الأسئلة في المسائل الدينيّة والاعتقاديّة والسياسيّة والعلميّة والتوحيديّة هم الشباب من طلّاب الجامعات. لذا، يدعو سماحته إلى بذل الجهد لتهيئة الجوّ الدينيّ والفضاء التربويّ والثقافيّ للطاقات

 

99

 


88

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

والقابليّات التي تمتلكها طلّاب الجامعات، منبّهاً تحديداً إلى بثّ مسألة الثقة بالنفس على المستوى الوطنيّ، وأن يدرس الطالب، وبأولويّة، تاريخ علماء المسلمين الذين كانوا الأساس في نهضة الغرب، مثل الخيّام، مستنكراً كيف يعلّم الغرب عن علمائنا عبر التاريخ، وكيف يكتب عنهم بكلّ تقدير واحترام، وكيف يقسّم هذا الغرب العصور العلميّة الإسلاميّة إلى عصر جابر بن حيّان، وعصر الخوارزميّ... فيما طالبنا الجامعيّ لا يعرف علماءنا كما ينبغي، فعدم تعريف الطالب الجامعيّ على ماضيه وتراثه العلميّ العظيم، وعدم معرفته بمفاخره العلميّة التي تحقّقت في الماضي يؤدّي إلى فقدان الثقة الوطنيّة بالنفس.

 

فالعنوان الوطنيّ لدى الطالب[1] هو:

"حبّ الوطن، والتعلّق بمستقبل البلاد، والاعتزاز بتاريخ البلد وماضيه. وهذه عناصر تؤثّر عميقاً وإيجابياً في روح الطالب الشاب، لأنّ الحميّة الوطنيّة لدى الطالب، وخلافاً لما يتبادر للأذهان، ليست مفهوماً سلبيّاً وسيّئاً على الدوام، فحالات التعصّب الضروريّة قد يطيش الإنسان بدونها، ويتحرّك كالفراش المبثوث في الرياح. والالتزامات ضروريّة لشخص الإنسان وهويّته، مهما كان هذا الإنسان عالماً أو صناعيّاً أو محترفاً لأيّ عمل آخر، فهناك التزام يُلزمه".


 


[1] خطاب بتاريخ 10/3/1424ه، بعنوان: "الجامعات، بين الواقع والطموح"، مع أساتذة جامعة الشهيد بهشتي، طهران.

 

100


89

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

7- أيّها الطلّاب، إنّكم مستهدَفون

وفي تأكيد الإمام الخامنئيّ دام ظله على استهداف الطالب في جهود الفساد كلّها، يقول[1]:

"إنّ أعداءنا يسعَون لقتل هذه العناصر الحيويّة والفعّالة في نفوس شبابنا، ويحاولون تجريده من إيمانه وثقته بنفسه كدأبهم في العهد الطاغوتيّ".

 

فالغرب الذي يستهدف الشباب والطلّاب خصوصاً، لسلبه ثقته بنفسه، وجعله يتخلّى عن إيمانه وروحه الإبداعيّة الخلّاقة، وجرّه إلى مهالك الشهوات والأباطيل والانحرافات، إنّما يستهدف مستقبل الأمّة وصناعة أجيال خانعة تقتدي، بلا عناء، بالنموذج الغربيّ، وتُسقط إيران في فلك التبعيّة السياسيّة والثقافيّة والعلميّة والاقتصاديّة، لذا، يصل الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى حدّ مناشدة المسؤولين في التربية والتعليم والأساتذة الجامعيّين بأن يتحمّلوا المسؤوليّة كاملة تجاه القلوب النورانيّة للطلّاب، لأنّه من المؤمّل تحويل تخلّف الأمّة إلى تقدّم ينافس الدول أخرى، وذلك بإنقاذ الغرقى من أجيال الشباب، ليتمّ إنقاذ الأمّة كلّها ومستقبلها.

 

كما يلخّص الإمام الخامنئيّ دام ظله في كلمات ما يبذله الأعداء للسيطرة على شباب الأمّة وطلّابها، فيقول[2]:

 


[1] خطاب بتاريخ 9/5/2001م، بعنوان: "مسؤوليّات الشباب"، بحضور طلّاب وأعضاء في الاتّحادات الإسلاميّة.

[2] المصدر نفسه.

 

101


90

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"إنّ الأعداء تكاد تتقطّع أنفاسهم سعياً لحرف قافلة الشباب عن مسيرها، ولديّ علم ببعض الشواهد، إلّا أنّ الأساليب المتّبعة تفوق ذلك بكثير".

 

8- ضرورة النشاط السياسيّ في الجامعات

وبالحديث عن الطالب ومسؤوليّاته، ولا سيّما في ميدان الوعي السياسيّ، استحسنّا مقاربة إشكاليّة العمل السياسيّ في الجامعات، وتحديد أبعاده وإيجابيّاته، والالتفات إلى سلبيّاته، ودائماً وفق تصوّر الإمام الخامنئيّ دام ظله، الذي يعتبر أنّ النشاط والعمل السياسيّين في الجامعات أمر إيجابيّ وأساسيّ، ليس من أجل ملء فراغ الطالب فحسب، بل هو أمر واجب، وعلى الطالب أن يتعلّم السياسة، وأن يكون ذهنه ناضجاً ومنتجاً على الصعيد السياسيّ، بمعنى أن يصبح قادراً، وبالضرورة، على التحليل والفهم السياسيّ، وإلّا فسوف يُغلب، وسوف يجد من يستثمر جهوده في الاتّجاه الخاطئ.

 

ويقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "إنّ ممّا يؤسَف له أنّ التيّارات السياسيّة في خارج الجامعة، التي تتطاول على الجامعات باستمرار من أجل الوصول إلى أهدافهم السياسيّة، لا تهتمّ بذلك مطلقاً.

 

إنّ هذه التيّارات السياسيّة - مع الأسف - هي التي مارست هذا الاستغلال الذي ابتُلينا به على الصعيد الاقتصاديّ والثقافيّ والسياسيّ لعهود طويلة في حقّ الطلّاب في الجامعات، خصوصاً في هذه الأعوام القليلة الأخيرة.

 

إنّ هذا أمر خاطئ، إلّا أنّ عليكم أن تفكّروا من أجل أن تُسحب 

 

102


91

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

هذه التيّارات الطلّابية السليمة - سواء كانت لجاناً، أو تعبئة، أو من التشكيلات المختلفة الأخرى، حيث يوجد اليوم تشكيلات طلّابية جيدة في الجامعات - نحو إيجاد القدرة على التحليل السياسيّ، إلى جانب النشاط الفكريّ العلميّ، لأنّ مع عدم وجود القدرة التحليليّة، سوف يُخدع الشخص إزاء التحاليل المضلّلة للأجانب.

 

لا يمكن أن يوجد أحد في عالم السياسة يأتي ويقول بكلّ صراحة: أريد أن أظلمك، سواء أراد أن يظلم شعباً، أو شخصاً ما، فلا يمكن أن يدّعي أحد مثل ذلك، بل يتوسّل بـ "المغالطات السياسيّة" ليتمكّن من التسلّط على رقاب الشعوب، وإنّ ذلك شبيه بالمغالطات الفلسفيّة، التي يقوم الخصم فيها بتضليل المقابل من خلال طرح بعض الشبهات العلميّة. ويعتبر هذا نوعاً من التحايل في الحقيقة"[1].

 

وتلافياً لعدم إخراج الجامعة والطالب عن هدف البناء العلميّ والعمليّ والاستغراق في موجة التسييس غير الهادف والمقنّن، يقدّم الإمام الخامنئيّ دام ظله تعريفاً لنوع السياسة التي يريدها لكلّ بيئة علميّة ولكلّ طالب جامعيّ، ويضعها على مستوى الوجوب الشرعيّ، فيقول أمام مجموعة منتقاة من الطلّاب الجامعيّين المتفوّقين[2]:

"إنّ لدنيا نوعين من السياسة: السياسة الرعناء العابثة، وهذا نوع من السياسة لا أؤيّده بتاتاً لا في الجامعة ولا في خارجها.

والنوع الثاني: التخصّص السياسيّ، أي التمكّن من الفهم الحقيقيّ


 


[1] خطاب بتاريخ 14/8/2006م، بعنوان: "أهمّيّة العلم"، مع رؤساء الجامعات ومراكز الأبحاث ومؤسّسات التعليم العالي.

[2] خطاب بتاريخ 17/10/2006م، بعنوان: "الرؤى والتطلّعات الهادفة"، أمام مجموعة من الطلّاب المتفوّقين.

 

103


92

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

للسياسة والقدرة على التحليل السياسيّ.

 

إنّني أؤكّد على اللجان الجامعيّة بأن يخصّصوا للطلّاب الجامعيّين أنواعاً من البرامج والنشاطات التي تجعل منه ذا قدرة على التحليل السياسيّ، بحيث لا يوافق على أيّ أمر بسهولة، ولا يسمح لذهنه بتقبّل أيّ فكرة محتملة ببساطة أو ردّها، وهذه هي القدرة على التحليل السياسيّ التي تعتبر مهمّة للغاية".

 

9- الجامعة بلا سياسة لا روح لها

أمّا من وجهة الجامعة، يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ الجامعة التي تبتعد عن السياسة وتتجنّبها بشكل تامّ سوف تخلو من الحماس والنشاط، وستصبح مكاناً تنمو فيه الميكروبات الخطرة على صعيد الفكر والسلوك. لهذا، يجب أن تكون السياسة موجودة في الجامعة، فوجوب العمل السياسيّ يطال كلّاً من الطالب والجامعة، لكن يوضّح الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ تسييس الجامعة أو تواجد السياسة في الجامعة لا يعني أن تصبح الجامعة محلّاً تستغلّه التيّارات السياسيّة والجماعات السياسيّة والعناصر السياسيّة من أجل أغراضها السياسيّة، وهذا لا ينبغي أن يحدث، وبل يجب العمل للحؤول دونه.

 

يتّضح لدينا ممّا تقدّم، النظرة الخاصّة والرائدة التي يوليها الإمام الخامنئيّ دام ظله للطالب في استعداداته الصافية لتقبّل ما يعطى له، وهو صاحب القلب النورانيّ، وفي أهمّيّة العمل لمعالجة تسرّب الطلّاب من المرحلة الثانويّة إلى الجامعيّة، ومن خلال إشراكه بدورة الإنتاج بين الجامعة والمصنع، ليكون في عجلة الإبداع،

 

104

 


93

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

فجيل اليوم من الطلّاب لا يقلّ أهمّيّة عن أجيال الثورة. ويحمّل الإمام الخامنئيّ دام ظله الجامعة وأهلها مسؤوليّة كبرى في بثّ روح العنفوان في قلب الطالب وحبّ الوطن والاعتزاز بتاريخ البلاد وسيرة العلماء المسلمين. ولذا، نرى الإمام الخامنئيّ دام ظله يقدّم النصائح ذات العمق الأبويّ والمسؤول للطالب، ويضع مشاركة الطالب في السياسة في مستوى الوجوب الشرعيّ، وذلك للحؤول دون فقدانه مناعة حبّ الوطن والعقيدة. ويعتبر دام ظله أنّ عالم الطلّاب والشباب هو ميدان أشدّ المواجهات مع الأعداء الذين تكاد تتقطّع أنفسهم سعياً لكسب عنصر الشباب في الأمّة، لأنّ من يكسب معركتهم كسب معركة مستقبل الأمّة والثورة في آن.

 

مسؤوليّة الحوزة العلميّة

يعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ اهتمامات الحوزة تمتدّ لتطال شؤون المجتمع بأكمله، بل هي لا تنفكّ تكوّن قضايا التاريخ أيضاً. فالحوزة والبنية العلمائيّة ليست جزيرة منعزلة عمّا حولها من العالم، وهي بمثابة الدم[1] الذي لا يتوقّف عن الجريان في هيكل المجتمع، حيث يتحرّك في كلّ مكان، ويرتبط بجميع الأجزاء، ممّا يجعل لقضايا الحوزة والعلماء ارتباطاً وثيقاً بقضايا البلاد والنظام الإسلاميّ، وقضايا عالم اليوم وقضايا الماضي والتاريخ.


 


[1] خطاب بتاريخ 7/7/1421ه، "دور العلماء في بناء الحضارة الإسلاميّة"، في قم المقدّسة.

 

105


94

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

ثمّة عنصران أساسيّان لتحقيق الحضارة الإسلاميّة، هما: إبداع الفكر وتربية الإنسان. أمّا تربية الإنسان، فلعلماء الدين دور أساس في سبيل تنمية إيمان الجماهير، كما أنّ إدارة المجتمع تحتاج إلى علماء الدين لكي يكون دورهم سليماً، فمن الممكن أن يومض ضوء كلمات عالم الدين الزاهد والعارف بزمانه، فيكون سبباً في انجلاء الظلمات عن الأفئدة، وكثيراً ما حدث ذلك، وإنّ دوراً من هذا النوع لَهو دور فريد، ونحن لا نحصره بعلماء الدين، ولكنّنا نراه لعلماء الدين أبرز منه لدى الفئات الأخرى. ولهذا، فمن الواضح أنّ الفكر والإيمان الدينيَّين والإبداع الفكريّ كلّها من الأمور الضروريّة اللازمة للإنسان لاختيار هذا الطريق، ومن الطبيعيّ، فلا بدّ أنّ تتوفّر في عالم الدين الشروط اللازمة للقيام بهذا الدور.

 

2- الإمام الخمينيّ قدس سره، النموذج الحيّ لعلماء الدين

ويعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره هو النموذج الحيّ لعلماء الدين. فلولا وجود الإمام الخمينيّ قدس سره، بحماسه وصدقيّته ومنطقه السديد وثباته، لما استطاع أن يجمع حوله هذا الحشد الغفير كلّه من علماء الدين، ولما قام الشعب الإيرانيّ بثورته التاريخيّة المظفّرة، فذلك هو دور عالم الدين الحائز للشروط اللازمة، والذي يظهر في الوقت المناسب. فعلى طالب الحوزة العلميّة أن يصبو للقيام بدور خلّاق في هذه الحركة الشعبيّة العظيمة، وأن يواجه التحدّيات والكمائن الماثلة أمام النظام

 

106

 


95

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الإسلاميّ. فالمشاكل وتخطّي العقبات هي نِعَم إلهيّة، لأنّها سبيل التطور، كما يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله.

 

3- عقبات على الحوزة مواجهتُها

أمّا العقبات التي على الحوزة أن تواجهها، فهي من وجهة نظره:

- معارضو الدين في الأساس، وهؤلاء يرفضونه في قرارة أنفسهم، ولا يرَون فيه حلّاً في السياسة وإدارة شؤون الناس.

 

- المصابون بالنفاق الدينيّ، ممّن يعتقدون بضرورة الدين اسماً وعنواناً، ويرفضونه في حقيقته وكنهه.

 

- المتغرّبون ممّن يحملون لواء التبعيّة للثقافة الغربيّة، والمبهورون بالغرب، والذين ينظرون إلى شعبهم وحضارتهم وتراثهم العلميّ وماضيهم، نظرة ضِعة واحتقار، وهؤلاء هم أنفسهم ممّن سبّب التخلّف للأمّة مقدار مئة عام.

 

- عشّاق السلطة والمتعطّشون للقوّة، ممّن لا شأن لهم بالدين أو الأخلاق أو العقيدة، وما يهمّهم بالدرجة الأولى هو الأخذ بزمام السلطة.

 

- القاصرون عن استيعاب المفاهيم الإسلاميّة على النحو الصحيح. ويندرج تحت هذا العنوان محبّو الراحة، وأصحاب الطباع السيّئة والانتهازيّون، وما سوى ذلك.

 

- العدوّ الخارجيّ، وضرورة مواجهة خطّته القاضية باستخدام جميع الإمكانات وتكريسها لمواجهة النظام في الداخل والنفاذ إليه عبر نقاط الضعف في المجتمع و الأمّة. والنظام

 

 

107


96

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الإسلاميّ يتعرّض - وما زال - لحقد مراكز السيطرة العالميّة في الساحة الدوليّة وعدائها.

 

بناءً على ما تقدّم، يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ على الحوزات العلميّة أن تواجه هذه التحدّيات وجهاً لوجه في إطار مهامها العظيمة نحو النهوض بصرح الحضارة الإسلاميّة الشامخ، وإضاءة مشعل الهداية الإسلاميّة، والقيام بما قام به كافّة الأنبياء والمرسلين، وإرشاد البشريّة إلى الصراط الإلهيّ المستقيم.

 

4- فرادة الحوزة

يصف الإمام الخامنئيّ دام ظله فرادة الحوزة بأنّه لا يوجد مجمع علميّ عريق وعظيم كالحوزة العلميّة منذ بداية تاريخ الإسلام، ولذلك فعلى الحوزة أن تعتبر نظام الجمهوريّة الإسلاميّة جزءاً منها، وأن تبذل أقصى جهودها للرقيّ به إلى مدارج الكمال وسدّ فراغاته، لا بل عدم مبادرة الحوزة إلى إصلاح نقاط الضعف لدى النظام هو مدّ يد العون لأعداء النظام، ثمّ ترقى مهام الحوزة لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى مستوى أن تكون قادرة على استشراف المستقبل والتنبّؤ بالأزمات الفكريّة، خصوصاً وأنّ الأزمات الفكريّة ليست كالأزمات السياسيّة، حيث إنّها تتسلّل بهدوء وتترك بصماتها بالتدريج، ثمّ تبرز فجأة عندما لا يكون العلاج أمراً يسيراً.

 

 

108


97

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

5- العلماء في الخطّ الأوّل

وفي إطار آخر، يعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ كلّ حركة إصلاحيّة، وكلّ كفاح سياسيّ واجتماعيّ، وكلّ تحوّل عظيم حدث في إيران، كان العلماء قادته أو من ضمن قادته[1]. وقضايا النفط والتنباك والامتيازات وتأميم النفط، والكفاح ضدّ النظام البهلويّ نماذج حيّة لتلك المقولة. ويعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ كلّ من يتحايل على العلماء فقد أثلج أفئدة أميركا والصهاينة الذين يأملون بإزاحة العلماء والقضاء عليهم.

 

6- الحوزة والمسؤوليّة الاستثنائيّة

وفي استعراضٍ لمهامّ الحوزة بشكل مباشر ومبوّب، أمكننا حصر المهام التي ذكرها الإمام الخامنئيّ دام ظله، ومن خلال خطب متعدّدة في مناسبات متفرّقة، منطلِقاً من المسؤوليّة الاستثنائيّة للحوزة في حفظ النظام الكامل للجمهوريّة، والتصدّي لأعدائه من الداخل والخارج، وذلك على النحو الآتي:

- "الوقوف في وجه الشبهات التي يثيرها المعادون لحكم الإسلام، عبر بناء منظومة كاملة لمواجهتها والإجهاز عليها.

 

- تطبيق الفقه على المجتمع في جوانبه الفرديّة كلّها، العباديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، بمعنى أن يكون "فقه "الله أكبر" يدير حياة الإنسان".

 


[1] خطاب بتاريخ 7/6/1416ه، بعنوان: "العلماء حصون الأمّة"، مع جمع من طلّاب المدارس والجامعات.

 

109


98

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

- توجيه الأبحاث نحو مقتضيات مصلحة الأمّة، كالمعاملات والقضاء والمسائل الاقتصاديّة والماليّة، ولا سيما المستجدّة والغامضة، والتي يُفترض تبيانها.

 

- صناعة الإنسان وتربيته لأن يكون صالحاً مع نفسه ومع الأمّة، وهذا التغيير هو عمل شاقّ وطويل.

 

- التحلّي بالمرونة والتواضع والمدارة، والتأثير في الناس خلال مهام التبليغ، والتواصل مع أفراد الأمّة، فالحوزة تحتاج إلى رفق الآخرين وتعاونهم واستمالة قلوبهم.

 

- مساعدة الحكومة الإسلاميّة على معالجة كلّ خلل أو منطقة فراغ حاصلة.

 

- الدعوة إلى انتخاب المسؤولين الصالحين والمتديّنين والفاعلين في عمليّات الانتخاب أو التعيين أو الاستفتاء أو غير ذلك.

 

- النضال ضدّ الظلمة وسلاطين الجور في كلّ مكان من العالم.

 

- تحقيق الإبداع في الفكر الإسلاميّ وبيان الأصول الإسلاميّة"[1].

 

7- الحوزة وصناعة القادة

وإلى جانب ما تقدّم، يخصّ الإمام الخامنئيّ دام ظله الحوزة العلميّة بمهمّة دقيقة وحسّاسة في صناعة مستقبل وهويّة الجمهوريّة الإسلاميّة، وهي - تحديداً - صنع القيادة الحكيمة والراشدة، والتي ستحمل المسؤوليّة الكبرى في البلاد، فيقول:

 


[1] خطاب بتاريخ 21/6/1422ه، بعنوان: "الحوزات العلميّة والواجب الأهمّ"، مع طلّاب درس البحث الخارج.

 

 

110


99

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

"يجب على الحوزة أن تصل إلى مرحلة تكون فيها قادرة على تقديم عشر شخصيّات أو عشرين شخصيّة، بحيث لو عرضوا على الأمّة لأجمعت على كونهم صالحين للقيادة. إنّ هؤلاء العشر أو العشرين، يجب أن يكونوا مهيّئين للقيادة وتولّي ذلك المنصب"[1].

 

8- الجامعة نظير الحوزة

وفي إطار المساحة المشتركة بين الحوزة والجامعة، لمواجهة مؤامرات الفرقة والتباعد بين الطرفين، ينصح الإمام الخامنئيّ دام ظله أهل الحوزة بإفشال مؤامرة التفرقة بينهما[2]، ويدعوهم إلى اعتبار الجامعة نظيراً لهم. فالجامعة عند الإمام الخامنئيّ دام ظله نظير الحوزة، إلّا أنّ فروع الدراسة متفرّعة، والإطاران مجمعان علميّان، لكنّ جهود العدوّ منصبّة على خلق الكراهية والعداوة والبغضاء بين الحوزة والجامعة. ولهذا، يدعو الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى تقوية الصلة العاطفيّة بين الحوزة والجامعة، فيما الصلة العلميّة والعمليّة يمكن تحقيقها بينهما بفضل المدراء، ذلك أنّ كِلا الطرفين يعملان في إطار حفظ نظام الجمهوريّة ومنعته وتطوّره. فالحوزة تُعنى برصّ صفوف الأمّة دينيّاً، ومواجهة الأفكار والفتن والشبهات، فيما تُعنى الجامعة بإنتاج العلم الدنيويّ الذي تحتاج إليه الأمّة في مسارها، لتحقيق النموّ والاقتدار.


 


[1] خطاب بتاريخ 15/8/1421ه، بعنوان: "تطوير الحوزات العلميّة"، في قم المقدّسة.

[2] خطاب بتاريخ 7/7/1421ه، بعنوان: "دور العلماء في بناء الحضارة الإسلاميّة"، بحضور أساتذة وطلبة العلوم الدينيّة.

 

111


100

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

بهذا العرض يتّضح لنا أنّ المهمّة الاستراتيجيّة للحوزة هي الدفاع عن الجوهر الإسلاميّ لمفاصل حركة المجتمع كافّة، في حركته الاجتماعيّة والتربويّة والسياسيّة، وبثّ روح الجهاد، ليكون حيّاً أمام أيّ تحدٍّ، سواء أكان من الداخل أم من الخارج.

 

الحوزة تصنع الإنسان، وتحافظ على روحيّته الإسلاميّة، وتراقب منافذ هجوم الأعداء على روح الأمّة وعقلها وحيويّتها، وتواجه الحوزة التحدّيات التي تهدّد المسار الإسلاميّ للثورة والدولة، فتستشرف المستقبل وتترصّد الأفكار المضلّلة، وتعتبر أنّ من أعظم واجباتها حماية الحكومة الإسلاميّة، والأخذ بها إلى مدارج الرقيّ والكمال.

 

وبناءً عليه، يؤسّس الإمام الخامنئيّ دام ظله رؤيته للعلم الذي سينبثق عنه النموذج الإسلاميّ للتقدّم، ثمّ الخطّة العلميّة الشاملة، على قاعدة أنّ دفاعات المشروع وأركانه الصلبة، أي الحفاظ على روح الإسلام وعمقه، هي على عاتق الحوزة. فطالما أنّ الحوزة في عافية وتقوم بدورها المذكور آنفاً وعلى نحو كامل، فمعنى ذلك أنّ مشروع النهوض والاقتدار هو في عافية أيضاً، فلا يسعنا الحديث عن تقدّم علميّ في ظلّ تهديدات وجوديّة تمسّ مسيرة النظام الإسلاميّ وهويّته، وبالتالي تصبح الرؤية نحو النهوض والاستقلال مسألة عديمة الجدوى إذا تخلّت الحوزة عن دورها الخطير في ديمومة الحكومة الإسلاميّة وبقائها، فهي إذاً، صمّام الأمان للحكومة الإسلاميّة ولمشروعها المستقبليّ، وعليها تخريج قادة الجمهوريّة

 

112

 


101

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الذين يأخذونها برشد وحكمة وتقوى نحو برّ الأمان، لتكون تجربة الجمهوريّة نموذجاً ناجحاً يُقتدى به من قِبل سائر شعوب العالم الإسلاميّ، ليبقى عنوان حاكميّة الإسلام يعلو ويتألّق مع انتظارات المستضعفين في الأرض.

 

العامل الثقافيّ ومشروع "النهوض العلميّ"، حماية متبادلة

1- السعي لبناء النموذج الإسلاميّ

إنّ السعي لبناء النموذج الإسلاميّ مسألة شغلت تفكير الإمام الخامنئيّ دام ظله طويلاً. فأن تكون البلاد مثالاً أخلاقيّاً، لا يُظلم فيها أحد ولا تُرتكب فيها مخالفة إنسانيّة، وتُحفظ كرامات الناس ويكرم الأقوياء الضعفاء، وأن تكون البلاد أيضاً متقدّمة وسبّاقة من الناحية العلميّة، لها علماؤها الأجلّاء ومحيطها الاجتماعيّ وجهودها المثمرة، يتطلّع فيها الشباب إلى مستقبل مشرق، ويحصد فيه الشيوخ ومتوسّطو العمر جهودهم الفكريّة خلال السنوات الماضية، مجتمع عمل وابتكار وجهد وعلم وصناعة، يفيض بالخيرات والبركات في أرجاء المعمورة... فهذا هو الهدف الذي يُقنع الإمام، ولا يرضى بأقلّ منه.

 

2- السند الثقافيّ ضمانة الوصول

والوصول إلى هذا النموذج الإسلاميّ يحتاج إلى العمل والإخلاص والتضامن والشوق والأمل قبل أيّ شيء آخر، لأنّ الشعب لو امتلك الثروة والعلم والاقتصاد من دون هذه العناصر فلن يصل أبداً للنموذج. فالعامل الثقافيّ يشكّل الضمانة

 

113

 


102

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المستقبليّة، وهو الضمانة الفعليّة لسائر العوامل الأخرى، ويعطي الإمام الخامنئيّ دام ظله للعامل الثقافيّ نسبة 75% من مئويّة التأثير مقابل 25% لسائر العوامل[1]. فلا يمكن للثروات الموجودة في باطن الأرض ولا الصناعة أن تغيّر من الواقع لولا السند الثقافيّ والضمانة الثقافيّة. فضعف العامل الثقافيّ كان سبباً في سقوط الحضارات وزوال المدنيّات عبر التاريخ، وعلى الرغم من أنّ العلم جزء من الثقافة، فإنّ الأخلاق والبعد الأخلاقيّ للثقافة لها الأثر الأوفر في ضمان المستقبل. وعلى الأمّة العمل جدّيّاً لضمان الجوانب الأخلاقيّة والثقافة العامّة. والأخلاق تعني لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله الأخلاق الفرديّة والأخلاق العامّة في آن معاً. وإنّ تأطير أخلاق المجتمع بأطر قانونيّة وحقوقيّة ترسي دعائم السير نحو تلك الحضارة. وبالطبع، فإنّ ذلك من مهام المجلس الأعلى للثورة الثقافيّة الذي عليه تبيان السلوكيّات الاجتماعيّة التي تهيّئ الأرضيّة اللازمة للسير نحو المدنيّة المنشودة والقيام بحركة عظيمة لإدخال هذه السلوكيّات في حياة الناس.

 

إنّ الأخلاق الاجتماعيّة والقوميّة تقرّر مصير شعب أو أمّة. فالعزم والإرادة والكبرياء الوطنيّة والإحساس بالقوّة والعنفوان والشعور بالقدرة على العمل والبناء، وكذلك الانضباط والتعاون والمشاركة، إلى جانب ما تمتلكه من إيمان وعقيدة، هي كلّها عوامل تشدّ


 


[1] خطاب بتاريخ 6/7/1415ه، بعنوان: "العامل الثقافيّ ضمان الحضارة"، بحضور أعضاء المجلس الأعلى للثورة الثقافيّة.

 

114


103

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

أزر الأمّة نحو بلوغ أهدافها وطموحاتها. ولهذا، يقول الإمام الخامنئيّ  دام ظله:

"إنّ مقولة الثقافة لا يمكن مقارنتها بشيء آخر، من حيث تأثيرها على مستقبل بلد أو أمّة. والهمّ الثقافيّ نابع من القلق حيال إنسانيّة الإنسان، وحيال الأهداف الإنسانيّة السامية، وحيال تلك الأشياء والمقاصد التي نريد بلوغها في الحقيقة، والتي نسعى ونعيش من أجلها. وبالتالي، فإنّنا لو افترضنا أنّ نتاجاً ثقافيّاً غير صحيح ينتشر في بلد ما، كالفكر غير الصحيح، والأخلاق السيّئة، والسلوك غير المناسب، والوسائل الثقافيّة غير الموضوعية، والإعلام غير السليم، والكتاب غير المفيد، والأساليب الفنّيّة غير اللائقة، والذي من شأنه المساس بالعقائد وإضعافها عن طريق الخرافات والأفكار والأساليب غير الصحيحة المنحرفة، فلا بدّ وأن ننظر إلى هذا النتاج على أنّه نتاج معادٍ للإنسانيّة، وأنّه لا بدّ من مواجهته بهدف الدفاع عن الإنسانيّة"، ويتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله في السياق ذاته فيقول، في الخطبة ذاتها:

"إنّ واجبات الحكومة الإسلاميّة ألّا تتخلى عمّن تُسيِّس أموره - أي الشعب -، وتتركه يتخبّط في تلك السوق المضطربة أو حتّى غير المضطربة، وهي سوق الثقافة والعقيدة والأخلاق، أي إنّه لا بدّ للحكومة من أن تشعر حيال أبناء الشعب ذلك الإحساس نفسه الذي يشعر به الإنسان إزاء عائلته من زوجة وأبناء. فما هو ردّ الفعل الذي سيبديه أحدكم إذا علم أنّ واحداً من أبنائه قد تعرّض للانحراف أو الانحطاط الأخلاقيّ، أو أنّه على شفا الوقوع في ذلك،

 

115


104

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

ممّا يُعدُّ أمراً سيّئاً في نظر الفرد والمجتمع؟

 

كما أنّ من واجبات المجلس الأعلى للثورة الثقافيّة أن يشخّص الحالات التي ينبغي لها تجاهلها أو عدم إبداء الحساسيّة تجاهها، فذلك كلّه بحاجة إلى مجموعة متخصّصين يضمّهم مركز معين، فيدرسون ويبحثون ويخرجون بالقرارات النهائيّة. إنّه ليس من الممكن إبداء عدم الاكتراث أو اللامبالاة إزاء مقولة الثقافة، وإنّ الذين ينصحوننا بعدم الاكتراث نجدهم على قدر كبير من التعصّب والحساسيّة في ما يخصّهم في هذه المجالات، وإنّ البروتوكولات الغربيّة في الكثير من المجالات تتعلّق بالعادات والتقاليد التي لا يمكن تجاهلها أو انتهاكها، وذلك كما لاحظتم في زيارة السيّد رئيس الجمهوريّة إلى فرنسا، حيث لم يكن الأمر سوى بروتوكول ليس إلّا، عندما قامت تلك الضجّة كلّها، وحدث ذلك الجدال بين الجانبين، إلى أن عثروا هم أنفسهم على حلّ متعقّل لهذه الأزمة، لأنّهم لم يكن بوسعهم التمادي في الأمر أكثر من ذلك"[1].

 

وبالدخول في تفصيل ما تقدّم، فإنّنا نلاحظ أنّ الإمام الخامنئيّ دام ظله يميّز بين نوعين من الثقافة العامّة، الأوّل هو ما يرتبط بحركة وحياة الشعوب، كالأزياء وهندسة البيوت وطريقة عيش الناس، كأسلوب الكلام وطريقة الأكل... ولهذا النوع من الثقافة تأثير على مصير المجتمع، ولكنّه بعيد المدى. والنوع الثاني، تكوّنه الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة لأبناء المجتمع، كأهمّيّة


 


[1] خطاب بتاريخ 21/09/1421ه، بعنوان: "المقولة الثقافيّة بين الرؤية المادّيّة والنظرة الإسلاميّة"، بحضور أعضاء المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة.

 

116


105

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الوقت المتعلّقة مباشرة بمصير ومستقبل المجتمع برمّته، والإخلاص والمسؤوليّة في العمل الناتجَين من شعور وجدانيّ بالإتقان والكمال، وكذلك الاستعداد لخوض المخاطر والصبر. وذلك كلّه مظاهر إيجابيّة لأخلاق المجتمع ككلّ.

 

وبناءً على ما تقدّم، ثمّة مسؤوليّة مباشرة للكتب المنشورة والإذاعة والتلفزة والعلماء والمبلّغين وخطباء الجمعة وسواها. ويقول الإمام الخامنئيّ دام ظله في هذا المجال:

"نحن إذا استطعنا أن نفعّل الأخلاق الإسلاميّة، ونحيي في نفوس شعبنا تلك الخصال التي خلقت من جماعة صغيرة في صدر الإسلام مجتمعاً عظيماً مقتدراً، فإنّنا سنوفّق للحصول على أهمّ النتائج وأطيب الثمار"[1].

 

3- نتيجة إرساء القيم الإسلاميّة في المجتمع والدولة

لقد أوصل التراجع عن تحقيق القيم الإسلاميّة في المجتمع إلى مرحلة شعور المجتمع برمّته بعدم القدرة على النهوض والحضور في ميادين العلم والثقافة، وإلى النظرة السلبيّة لما نمتلك من ماضٍ ثقافيّ وميراث علميّ. ومن هذا الشعور يتسلّل الغرب ومخططو سياسته إلى تعظيم هذه المسائل وسلب الثروة والقرار السياسيّ والاقتصاديّ للبلاد. ثمّ أثبتت التجربة أنّ الشعب المسلم في إيران حقّق أسرع نسبة تطوّر في العالم عندما ثبّت القيم الإسلاميّة والثقافة الإسلاميّة على مستوى المجتمع والدولة. وطلب


 


[1] خطاب بتاريخ صفر 1416ه، بعنوان: "الثقافة العامّة للمجتمع"، بحضور أعضاء المجالس الثقافيّة.

 

117


106

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

العلم بات إحدى النقاط المهمّة لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة. وقد أوصى الإمام الخامنئيّ دام ظله، وما زال يوصي بالحثّ على العمل الشاقّ والدؤوب، وعلى مواجهة الخطر والسير نحو المجهول في ميادين العلم، لكي تصل الأمّة إلى مرحلة ربيع العلم الذي يقود نحو الاقتدار.

 

4- الدين والأخلاق توأما العلم

ولأنّ العلم يقترن بالأخلاق والدين، فهو محكوم، من وجهة نظر الإسلام، بأن يحقّق السعادة الإنسانيّة ويبقى في خدمتها، وإلّا يصبح العلم أداة استعمار وقتل وتهديد للإنسانيّة، وبالتالي، يبقى العلم محكوماً بخطاب ثقافيّ مكثّف ومركّز حتّى ينمو به ويتعزّز من خلاله بالتصويب الصحيح نحو الإنسان وإنسانيّته، أوّلاً وآخراً. ويعبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله مباشرة عن هذا المعنى بالقول: "يجب أن نجعل الدين والأخلاق توأمين للعلم"[1].

 

5- سلب ثقافة الأمّة، سلاح العدوّ الفتّاك

وحيث إنّ إيران تعرّضت لغزو ثقافيّ وتعرّضت لحرب شعواء على مبادئها الثقافيّة، حاول فيها الأعداء أن يفرضوا بالقوّة عقائد جديدة على الدولة وشعبها من أجل ترسيخها وإلغاء ثقافة الشعب وهوّيته الخاصّة به. فهذا الغزو ما كان ليحدث لو أنّ إيران مقتدرة وذات ثقافة قوميّة


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، بعنوان: "أهمّيّة الاستقلال الثقافّي"، بحضور جمع من النخب الشبابيّة.

 

118


107

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وإسلاميّة تدافع بها عن نفسها. ويحدّثنا التاريخ عن أنّ المستعمرين الأوروبيّين عندما قصدوا احتلال آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّة، أرسلوا الهيئات المسيحيّة والحركات التبشيريّة قبل أن يرسلوا رجال السياسة والجيش إلى تلك البلاد. ولهذا، فإنّ أوّل عمل يقوم به العدوّ سلب ثقافة الأمّة، والتي هي بمثابة الدفاعات الأساسيّة عن الأمّة.

 

وفي ذلك يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"يجب أن يعرف الشباب الثوريّ أيَّ عصر تخطّينا حتّى وصلنا إلى تفجير هذه النهضة العظيمة. يجب أن يطّلع الشعب الإيرانيّ على هذا المقطع التاريخيّ، أي الـ 150- 200 سنة الماضية، والممتدّة من أواسط العهد القاجاريّ وحروب إيران مع الروس وما بعد ذلك، حيث كانت التبعيّة الفكريّة في أوْجها"[1].

 

فهيمنة الغرب كانت تتمّ عبر العلم والتكنولوجيا، ولكنّ أساسها كان بتغيير الثقافة والوصول إلى الاستلاب الفكريّ، بحيث تكون - إيران أو أيّ بلد إسلاميّ - مكشوفةً أمام محاولات التدخّل السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، فلا يعود هناك بلد بالمعنى الحقيقيّ...

 

إنّ تغيير التقاليد والعادات الشعبيّة، ومنع الطقوس الدينيّة، ومحاربة الزيّ الإسلاميّ والحجاب، هي مظاهر من الهجوم الثقافيّ، الذي كان يسوّق له قادة هذا الشعب سابقاً، وتصاعدت خطورته خلال السنوات الثلاثين الأخيرة قبل الثورة الإسلاميّة التي وجّهت ضربة قاصمة للعدو، فتعاظمت القيم المعنويّة، كالعفو، وانحسر


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، بعنوان: "أهمّيّة الاستقلال الثقافّي"، بحضور جمع من النخب الشبابيّة.

 

119


108

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الطمع والحرص، وانتشرت حالة التعاون واللجوء إلى الدين. لقد انحسر الإسراف، وازدادت حالة القناعة، واشتدّ التوجّه للدين والأخلاق والآداب الإسلاميّة. استعمل العدوّ الحرب المباشرة، وعندما أيقن أنّ الحرب العسكريّة لم تؤتِ ثمارها الخبيثة المنشودة، شدّد الحصار الاقتصاديّ، فصمد الشعب، وتوكّل على الله. عند هذا الحدّ أدرك العدوّ أنّ عليه تدمير الخطوط الخلفيّة للأمّة، وقطع خطوط الإمداد عن هذه الثورة، عن طريق حملات التغريب وتقديم النموذج الغربيّ كبديل. لقد كان صمود الثورة وانتصارها واستمرارها بفضل الله، وبجهاد الشعب الإيرانيّ المتمسّك بالثقافة والأخلاق الإسلاميّة.

 

6- الهجوم الثقافيّ كدبيب النمل

إنّ الهجوم الثقافيّ كالعمل الثقافيّ تماماً، يتمّ بهدوء ومن دون ضجّة، عبر التغلغل الهادئ والبطيء إلى ذهن الشعب وقلبه وعواطفه، ولكنّ صلابة الإيمان النابع من الإسلام كمصدر، والوازع الدينيّ، وعنصر الإيمان في قلوب الناشئة، هذه كلّها كفيلة بوقف الهجوم الثقافيّ المعادي، والانطلاق نحو المشروع الثقافيّ الحقيقيّ للأمّة، الحامل لخطاب واحد موجّه وواضح الأبعاد.

 

7- وحدة الخطاب الثقافيّ

وبهذا العرض، يتّضح لنا، أنّ مجتمع العلم ومشروع النهضة والاقتدار يستلزمان وجود أمّة تحمل خطاباً ثقافيّاً واحداً يحمل في طيّاته تجانساً في التفكير، وفهماً مشتركاً للعقيدة، وبنياناً قيميّاً

 

 

120


109

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

موحّداً، ويحقّق هذا الخطاب المناعة الثقافيّة التي تحول دون نفاذ الفكر الغربيّ فيه، ويؤمّن الحافزيّة أو الدافعيّة للجهاد، واللهفة لتحقيق النجاح والتقدّم، أملاً في مجتمع الاستقلال والكرامة. فجهاد العلم يبقى ناقصاً ومهدّداً ما لم يُستكمل بالخطاب الثقافيّ الواحد والتفكير المشترك الواحد في قضايا الأمّة، فيما الأمّة الحاملة للمشروع الثقافيّ تبقى بحاجة إلى الحماية والتغذية الراجعة منه، وذلك لمواجهة تحدّيات الغرب وتقنيّته التي تجعل منه صاحب القوّة والسلطان، بتعبير الإمام الخامنئيّ دام ظله. فلا بدّ للأمّة من أن تشهر سلاح العلم، وتنطلق لتصول به، وتؤدّي دورها كأمّة ذات رسالة، قبل أن تصول عليها الأمم الأخرى بمنطق وأداء لا يرحمان. ولهذا، نرى الإمام الخامنئيّ دام ظله يعطي أهمّيّة العامل الثقافيّ نسبة ثلاثة أرباع المسؤوليّة ويعتبره الضمانة والسند لأيّ عمليّة نهوض علميّ أو مدنيّ، لا بل هو يقرّر مصير شعب أو أمّة، ويحمّل الحكومة الإسلاميّة مسؤوليّة، الحفاظ على العامل الثقافيّ ورصد حالات الانحراف الفكريّ أو المدنيّ، بالزيّ أو العادات والسلوك المعبّرة عن التطلّع لنموذج غربيّ آخر، هو في حقيقته معادٍ للأمّة من دون الدخول في التفاصيل إلّا التي تمليها المصلحة العليا للبلاد.

 

8- مسؤوليّة الثقافة في أوساط مثقّفي الأمّة

ويعبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله في كلمات صريحة عن موقع الثقافة

 

121


110

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

والخطاب ومسؤوليّتهما في أوساط مثقّفي الأمّة، في تشييد نموذج التقدّم والسعي نحو الأفضل، فيقول في ملتقى الأفكار الاستراتيجيّة:

"إنّ ثمّة ثقافةً ما وخطاباً ما يظهران أوّلاً في أوساط النُخَب، ثمّ ينتقلان لتتبنّاهما أوساط المجتمع كافّة، وعنوانهما: التفكير في نموذج التقدّم ونمط الحركة إلى الأمام، والإحساس بأنّنا ينبغي أن نكون مستقلّين، وأن نقف على أرجلنا ستتّضح أمامنا أكثر عيوب التبعيّة والاعتماد على الغير"[1].

 

إننّا في هذا الإطار لا نبتدع نماذج نظريّة في الحديث عن الأهمّيّة الفائقة للعامل الثقافيّ. فالثورة الإسلاميّة تقدّم النموذج الحيّ والمتألّق في مشروع ثقافيّ رساليّ هادف واعٍ لما يفعل وعارف لما يريد، أطلقه الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره وأرسى ركائزه في الأمّة، وحمل الإمام الخامنئيّ دام ظله شعلته وانطلق بها، ليتولّد منه مشروع الدولة ذات الرسالة تجاه نفسها وتجاه العالم الإسلاميّ والمستضعف والذي تطلّب مشروعاً علميّاً نهضويّاً، نجح أيّما نجاح. والتجربة تدلّ على أنّ التقدّم العلميّ في إيران يفوق غيره من بلدان المنطقة بأشواط، وهو يحقّق القفزات الواعدة على الساحة العالميّة. فنجاح المشروع الثقافيّ استولد خطاباً ثقافيّاً حمل في رحمه رؤية علميّة ثاقبة عند الإمام الخامنئيّ دام ظله، ومشروعاً علميّاً لامعاً متألّقاً محميّاً بشكل متين بأهداف المشروع الثقافيّ وخطواته. وبالتالي، نجح المشروع الثقافيّ للأمّة في استيلاد نهضة


 


[1] خطاب بتاريخ 1/12/2010م، في ملتقى الأفكار الاستراتيجيّة في طهران.

 

122


111

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

علميّة. والنهضة العلميّة الناجحة والرصينة تحكي في طيّاتها نجاح المشروع الثقافيّ، والاثنان محكومان بالنجاح والحماية المتبادلين.

 

طلائع التغيير نحو النهضة والاقتدار

1- أداء الأمم تجاه مسألة العلم

في مقارنةٍ لأداء الأمم تجاه مسألة العلم، يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله:

"أنّ الإسلام كان مركزاً لنشر العلم في العالم، بدون أن يتّجه العالم الإسلاميّ من خلال سلاح العلم نحو استعمار أوروبا أو أفريقيا أو أيّ نقطة في العالم. فعلم المسلمين أخذ بالانتشار بصورة سلميّة، ووصل إلى جميع الأرجاء، واستفاد الجميع منه وانتفعوا به، أمّا عندما أصبح العلم بأيدي أولئك، جعلوه أداة للتسلّط على البلدان، ثمّ أخذ الاستعمار بالظهور شيئاً فشيئاً، فسحق بلدان آسيا واستعمرها على امتداد مئتين أو ثلاثمئة عام. ولم يستفد الغربيّون من العلم للتسلّط السياسيّ والاستعماريّ الذي كانوا يستخدمونه من أجل الضغط على الشعوب والسيطرة على عصارة جهدهم وإمكاناتهم وثرواتهم وحسب، بل استفادوا من ذلك في فرض ثقافتهم على الشعوب المتخلّفة. وفرض الثقافة يؤدّي إلى عدم حصول هذه الشعوب على أيّ حظٍّ من التقدّم العلميّ مطلقاً، ولا يسمح لهم بذلك، ولا يقدّم لهم أيّ نوع من التشجيع، بل قاموا بوضع العراقيل أمامهم، وهذا ما حدث بالفعل"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، في لقاءٍ مع نخب شبابيّة في طهران.

 

123


112

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

2- سلاح تحصيل العلم

لذا، فإنّ على الأمّة التعويض عن هذا التخلّف التاريخيّ، لأنّ الضرر الذي لحق بها كان جرّاء الجهل، فإذا كان العالم الإسلاميّ اليوم متخلّفاً في الناحية الاقتصاديّة أو الثقافيّة أو السياسيّة، فهذا بسبب أنّ الخصم - أي العالم الغربيّ - كان متسلّحاً بسلاح العلم، وهم يستخدمونه من أجل الغلبة في ميدان السياسة والاقتصاد والثقافة، فعلينا أن نحصل على هذا السلاح، التمكّن من تحصيل العلم.

 

3- تقديم نموذج الدولة الإسلاميّة المقتدرة والعادلة، الحلقة الأخطر في مشروع الثورة

العقدة الإضافيّة، كما يراها الإمام الخامنئيّ دام ظله، كانت من نقطة البداية، أي شرارة الانطلاقة العلميّة. فالغرب لا يريد لنا أن نبدأ وهو يضع العراقيل المادّيّة والمعنويّة وحتّى النفسيّة أمامنا. وكان المانع الأكبر أمام البداية هو الأنظمة التي زرعها في العالم الإسلاميّ، والتي ذهبت إلى حدّ معاقبة أفراد الأمّة على التفكير في الانعتاق من التبعية السياسيّة والعلميّة والاقتصاديّة للغرب. ويعطي الإمام الخامنئيّ دام ظله مثلاً يكرّره في أكثر من مناسبة، وهو قطع غيار الطائرات التي كانت تستورَد من أميركا قبل الثورة، فلم يكن مسموحاً لحرفيّي سلاح الجوّ الإيرانيّ وضبّاطه بفتح القطعة، وعندما كانوا يفعلون ذلك كانوا يقدّمون للمحاكمة، وكان

 

124


113

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المطلوب تقديم أيّ قطعة معطّلة إلى المستشار الأمريكيّ ليأتي بأخرى من أميركا، من دون معرفة سبب العطل وإمكانيّة إصلاحه، أمّا اليوم، فقد وصلت الصناعة الجويّة الإيرانيّة إلى مستوى صنع طائرة تحلّق اليوم في سماء الوطن وتدافع عنه، بهمّة المبدعين في إيران وسواعدهم.

 

وعند اندلاع الثورة، أدرك الغرب، وفي مقدّمته أميركا، أنّ مشروع الثورة سيطال الامتيازات الأميركيّة كلّها في إيران، سياسيّاً واقتصاديّاً، وأنّ الحلقة الأخطر في مشروع الثورة كانت تقديم نموذج الدولة الإسلاميّة المقتدرة والعادلة، والتي يصل طموحها إلى كسر احتكار أميركا للعلم والمعرفة والانطلاق نحو ميدان العلوم والمعارف وصناعة ما تحتاجه إيران دون استجداء من أحد، وامتلاك التقنيّات اللازمة للنهوض، وبقرار إيرانيّ ذاتيّ، في إطار توجّه عامّ نحو السير في مصافّ الأمم الفاعلة والمقتدرة، والانتقال من معسكر البلد المستهلِك إلى معسكر البلد المنتِج. ولذا، عمد إلى قتال الثورة بشراسة وفي أكثر من موقع. فنجاح النموذج يعني بداية انحلال عقد التسيّد والتسلّط على العالم الإسلاميّ، وقرب سقوط الغدّة السرطانيّة في جسم العالم الإسلاميّ، "إسرائيل".

 

4- مِنْ "إنّنا غير قادرين" إلى "إنّنا قادرون"

وفي مقارنة له لأوضاع ما قبل الثورة بأوضاع ما بعدها، يتحدّث الإمام الخامنئيّ دام ظله عن الثقافة التي كانت سائدة قبل الثورة، بأنّها

 

125

 


114

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

كانت ترجّح ترجيحاً مطلقاً أيّ شيء غربيّ على أيّ شيء إيرانيّ، ويحمل عملها شعار: "إنّنا غير قادرين". ثمّ يصف الصورة التي هزّت ضمائر الشعب كلّها، وبعثت فيه روح اليقظة، وجعلته يعتزّ بهويته، وأبرزت له قدراته بأنّها صدحت بشعار العلم والعمل: "إنّنا قادرون". فالشعب الإيرانيّ اقتحم الميدان وخاض التجربة، فوجد في نفسه القدرة، وأصبح استقلاله الثقافيّ والعلميّ يتعزّز يوماً بعد يوم.

 

5- في طريق الاكتفاء والاستقلال، امضوا قُدُماً

ويذهب الإمام الخامنئيّ دام ظله بعيداً بالتوجّه نحو الاكتفاء والاستقلال الذاتيّين، فيخاطب الشباب بالقول:

"إنّكم إذا لمستم أيّ مورد للتعارض مع روحيّة الاكتفاء والاستقلال، فعليكم أن تنظروا إليه بريبة، واعلموا أنّ ذلك مخطَّط له مسبقاً من قِبل الأعداء"[1].

ثمّ يحثّ سماحته دام ظله الشباب على المضيّ قُدماً في مشروع النهضة والاقتدار العلميّين، ويحذّرهم من الخوف من عدم النجاح، فيقول في الخطبة نفسها:

"كأنّنا نقوم بترك الميدان خوفاً من عدم النجاح، أو نتوقّف عن التحرّك خوفاً من عدم الوصول، أو لا نقدم على شيء خوفاً من الرفض".

 

6- هذا هو النموذج

وبعد إعلان عقد "التقدّم والعدالة"، أعلن الإمام الخامنئيّ دام ظله


 


[1] خطاب بتاريخ 16/9/2006م، في لقاءٍ مع نخب شبابيّة في طهران.

 

126


115

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

العام 2011 عام الجهاد الاقتصاديّ[1]، وحدّد اقتصاد إيران الذي يتطلّع إليه بأنّه اقتصاد إنتاج وعلم، ويستند إلى المعرفة، والجهاد الذي أراده ليس مجرّد سعي اقتصاديّ، بل جهاد. وللجهاد معنى خاصّ، فليس كلّ سعي يمكن أن يُقال عنه جهاد. ففي الجهاد يُفترض أن يكون هناك حضور ومواجهة للعدوّ. ولو أردنا أن نجد في أدبيّاتنا معادلاً للجهاد، فيمكن أن نعبّر عنه بالمواجهة. فالجهاد الاقتصاديّ يعني المواجهة الاقتصاديّة. اليوم، لا يمكن مقارنة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة من حيث العمق والتجذّر بما كان عليه قبل عشرة أعوام أو عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً، إذ ثمّة حالات من التقدّم المتنوّعة علميّاً وتقنيّاً وصناعيّاً، وتقدّم اجتماعيّ ونضج للأفكار، وحركة علميّة هائلة في البلاد. لقد بلغت إيران في بعض المجالات مستوى البلدان الأولى في العالم... هذا هو النموذج. صناعة النموذج هذه أوجدت وعزّزت خطاب الهويّة الإسلاميّة والعزّة الإسلاميّة. فالشعور بالهويّة الإسلاميّة بين شعوب العالم حاليّاً لا يقبل بالمقارنة بما كان عليه قبل ثلاثين سنة...

 

7- عاملان يُضعفان النموذج

عندما يتوفّر النموذج تتحرّك الجماهير وتتشجّع، لكن ثمّة عاملان يساعد أحدهما الآخر في إضعاف هذا النموذج، العامل الداخليّ المتمثّل في النواقص الموجودة والتقصير والكسل والابتلاء بأمور


 


[1] خطاب بتاريخ 28/3/2011م، بعنوان: "خطاب الجهاد الاقتصاديّ"، مع العاملين في صناعة النفط.

 

 

127


116

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

مضرّة بالحركة، كالاختلافات والمخالفات المتنوّعة، والميل للدنيا، والانجرار إليها، والعطش للسلطة، وعدم التدبير السياسيّ، والعامل الآخر يرتبط بالعدوّ، وهو أن يعمل العدوّ على تضخيم نواقصنا مئات المرّات، ويعرضه أمام أنظار الآخرين، مضافاً إلى اتّهامه لنا بالعيوب التي ليست فينا.

 

لقد أعلن الإمام الخامنئيّ دام ظله، وفي الخطاب نفسه، أنّه في تقارير المراكز العالميّة المتخصّصة بإنتاج العلم، مشاركة الجمهوريّة في إنتاج العلم على صعيد المنطقة تزيد على 11%، وأنّ هذه النسبة تصل إلى 6% لدى البلد الذي يأتي بعد إيران. ولذا، فإنّ مسيرة التقدّم تكتسب يوماً بعد يوم سرعة أكبر، وهي نتيجة جهود ومساعي المسؤولين والشعب طوال الأعوام الماضية. وإيران اليوم تدخل العام الثالث من عقد التقدّم والعدالة. ولحسن الحظّ، يشعر المرء بهذه الحركة التي انطلقت على مستوى العالم الإسلاميّ ككلّ.

 

8- الغرب ونظرته القلقة إلى النموذج

ومن المنطقيّ جدّاً، أن ينظر الغرب إلى صرح الجمهوريّة الإسلاميّة - ونعني به الصرح السياسيّ ذا المرتكزات الإسلاميّة الأصيلة والدور الواسع للشعب الإيرانيّ الذي يشارك في الحكم ويراقب بدقّة أداء الطبقة السياسيّة والصرح العلميّ الشامخ، والذي لا تزيده الأيّام إلّا قوّةً ورسوخاً - بقلق بالغ على مشروعه القائم على السيطرة

 

128

 


117

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

السياسيّة والأمنيّة على بلاد المسلمين ومقدّراتهم، ولا سيّما النفطيّة منها، حيث تقدّم الجمهوريّة الإسلاميّة النموذج الناجح الذي تشير به متألّقاً لمسلمي العالم، وتُلقي عليهم الحجّة البالغة، أنّ درب الاستقلال والكرامة ممكن الحدوث، ولا يكلّف سوى العزم والثقة بنصر الله - تعالى -، وقد ورد في خطبة الجمعة للإمام الخامنئيّ دام ظله رأيٌ لعالم غربيّ، يقول فيه:

"شيئان إذا تناولهما المسلمون من يد ليد، وتعرفّت عليهما الشعوب المسلمة، فسوف تتحطّم جميع المحظورات الغربيّة - أي الأصول الغربيّة القطعيّة - وتصبح باطلاً، وهما:

1- دستور الجمهوريّة الإسلاميّة، وهو الدستور الذي يطرح أمام أنظار المسلمين في العالم نظام حكم جماهيريّ شعبيّ تقدّميّ عصريّ، وفي الوقت نفسه دينيّ. إنّه دستور يدلّ على أنّ بالإمكان تأسيس نظام حكم يتّصف بالحداثة والعصريّة والتقدّم، ويكون دينيّا تماماً.

2- حصيلة النجاحات العلميّة والاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة للجمهوريّة الإسلاميّة، وهي ما لو توفّرت للمسلمين، لوجدوا أنّه أمر ممكن، ولو أنّ الشعوب الإسلاميّة اطّلعت على هذه الإمكانيّة، فسيكون من الصعب على الغرب التصدّي لموجة ثورات مقبلة"[1].


 


[1] خطبة الجمعة في طهران، بتاريخ 4/2/2011.

 

129


118

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

9- مستقبل الأمّة، اعتزاز وتفاؤل

ويعبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله عن اعتزازه وتفاؤله بمستقبل الأمّة، عندما يلاحظ أنّ فكرة النموذج تتموضع تدريجيّاً، وبصورة هادئة، في أذهان الشعوب، وتنمو وتتّضح، ثمّ تبرز على النحو الذي نراه في مسلسل الثورات العربيّة الرافضة لإمبراطوريّات العائلات الحاكمة وسياسة الاستبداد والتوريث وتجهيل الأمّة، والتسبّب في ضياع فلسطين، والوصول بالأمّة إلى التسليم الكامل لإرادة أميركا والكيان الصهيونيّ عن طريق شياع ثقافة "إنّنا غير قادرين". ويعطي الإمام الخامنئيّ دام ظله النموذج الحيّ والبليغ المتمثّل بالملفّ النوويّ حيث استطاعت الجمهوريّة إحراز تقدّم لم يتوقّعه أحد، رغم الضغوط والتهديدات كلّها، المباشرة وغير المباشرة، ورغم تفعيل الحصار الظالم الذي لم تشهده مسيرة المجتمع الدوليّ منذ تأسيسها بعد الحرب العالميّة الأولى، حيث أقرّت الشرعيّة الدوليّة المموَّلة من قبل أمريكا -والتي تعتبرها أمريكا نافذة لتمرير إرادتها في جنبات المسرح الدوليّ كلّه- عقوبات حادّة وقاسية، أتت بناءً على شكوك وتوقّعات، لا على أفعال حدثت! وهذا، في ذاته، سابقة في عمل المؤسّسات الدوليّة، لكنّ الردّ الأشدّ من الجمهوريّة وقائدها، كان المضيّ في تحقيق الحلم وفرض إرادة الجمهوريّة على الأعداء في الساحة الدوليّة، بفضل صمود الأمّة وشجاعتها، قيادة وقاعدة، واستحقاقها للبركة والرحمة الالهيّين.

 

130


119

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

في إيران ثورة علميّة

1- في معنى الثورة

تتحفنا الأدبيّات المتنوّعة بتعاريف كثيرة لمصطلح الثورة، والتي تعمّم استخدامها، ليطال المجالات العلميّة والمعرفية والمجالات السياسيّة والاقتصاديّة، إلّا أنّ المشترك بالتعاريف الكثيرة بأنّها التحوّل والتغيير. أمّا من منظار علم الاجتماع، تعني الثورة تغييراً جذرياً أساسيّاً وعميقاً في المجتمع وبناه الاجتماعيّة حين يكون فجائيّاً ومصحوباً بالعنف. وللثورة في علم الاجتماع ثلاث خصائص رئيسة[1]:

1- يتدخّل فيها الفعل الإراديّ.

2- تنطوي على عامل القداسة والتسامي، أي إنّ التغيير نحو النقص والسقوط لا يسمّى ثورة.

تنطوي على عامل الرفض والنفي، بمعنى أنّ الثورة من الناحية الاجتماعيّة تهدم وضعاً بنحو إراديّ، لتشييد وضع أفضل منه[2].

 

وحيث يرى الدكتور شريعتي أنّ الثورة هي فعل أكثريّة الجماهير على شكل تجلّي إرادة المجتمع، حيث يروم تعيين السلطة والمسؤوليّة على أرضه، يعتبر الشهيد مطهّري أنّ الثورة هي انفجار


 


[1] منوچـهر محمّدي، "الثورة الإسلاميّة في إيران، ظروف النشأة والقيم القياديّة"، ترجمة حيدر نجف، ص7.

[2] هانا أنِت، "الثورة"، ترجمة عزّت الله قولادوند، ص57.

 

131


120

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الجماهير وتمرّدها في منطقة معيّنة من الأرض ضدّ النظام الحاكم، لتأسيس نظام مطلوب[1].

 

والمظاهر الأساسيّة لكلّ ثورة تمرّ أوّلاً بعمليّة تفتيت المؤسّسات القائمة بأساليب سريعة، ثمّ تتشكّل الأطر والجماعات الجديدة المشاركة في العمليّة التغييريّة، ثمّ لاحقاً تتشكّل المؤسّسات الجديدة، تحت قيادة قائد الثورة المنظّر وإشرافه، والقائد الميدانيّ والزعيم لمرحلة ما بعد الانتصار، ويبقى أنّ شرط عدم إخفاق الثورة هو حركتها الدائمة وسعيها لتطبيق كافّة مبادئها، وعلى جميع الأصعدة، ومحاربة الانتهازيّة وعدم العودة للقيم الثقافيّة السابقة.

 

أمّا في الإطار العلميّ للثورة، فيعرِّف توماس كون: "إنّ الثورة العلميّة هي عبارة عن تلك الأحداث التطوريّة غير المتراكمة التي يستبدل فيها نموذج قديم كلّه، أو في جزء منه، بنموذج جديد يناقضه. وحيث إنّ الثورات السياسيّة تبدأ عن طريق إحساس متزايد بالنموّ، غالباً ما يكون قاصراً على قسم من المجتمع السياسيّ، فإنّ الأمر ذاته يحدث مع الثورات العلميّة التي تبدأ عن طريق إحساس متزايد بالنموّ، غالباً ما يكون قاصراً على تقسيم ضيّق للمجتمع العلميّ، حتّى أنّ النموذج قد توقّف عن أن يؤدّي دوراً في الكشف عن جانب من الطبيعة التي يمهّد فيها الطريق هذا النموذج نفسه، وفي كلٍّ من التطور السياسيّ والتطور العلميّ يكون الإحساس بسوء الدور الذي


 


[1] علي شريعتي، الإمام عليّ عليه السلام، الأعمال الكاملة 26، بحث الأمّة والإمامة، ص571.

 

132


121

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

قد يؤدّي إلى أزمة شرطاً أساسيّاً للثورة، وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا التوازي لا يمسك بالتغييرات الكبرى في النماذج فحسب، بل يطالها إلى النماذج الصغيرة، والثورات العلميّة تحتاج إلى ثوريّة فقط.

 

إنّ الدراسة التاريخيّة لنموذج التغيير السياسيّ تكشف عن صفات مماثلة ومتشابهة جدّاً في تطور العلوم"[1].

 

2- الثورة السياسيّة حاضنة الثورة العلميّة

إنّ هذا التماثل بين الثورة السياسيّة والثورة العلميّة يؤكّد أنّ ارتدادات الثورة السياسيّة قد تمتدّ لتصل إلى أن تولد ثورة علميّة، التي تحتاج قبل انطلاقتها إلى مناخ سياسيّ داعم، مادّيّاً ومعنويّاً، ويعطي فرصة حريّة البحث والتعبير عن المدلولات الثوريّة للبحث، على نحوٍ يؤدّي إلى انقلاب المفاهيم السائدة. فالثورة السياسيّة تولِّد البيئة الحاضنة للثورة العلميّة، والتي يظهر فيها مجتمع علميّ يتجلّى في جامعات منتجة للمعرفة، ومراكز دراسات متوثّبة في نوعيّة الجديد العلميّ، لتستثمره علميّاً وإنتاجيّاً نحو مستوى اكتفاء الأمّة الذاتيّ، فتظهر الاكتشافات وتظهر معها أدبيّات المجتمع العلميّ وقضاياه ومصطلحاته، ويصبح عمل العلماء بعد الثورة، مختلفاً جذريّاً عنه قبل الثورة، فيلاحظون ويشاهدون الأشياء بنظرة جديدة تجعلهم يعتقدون أنّهم يعيشون في عالم مختلف عن العالم السابق الذي سبق الثورة العلميّة.


 


[1] توماس كون، فلسفة العلوم، ترجمة ماهر محمّد عليّ، ص 153- 155.

 

133


122

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

وبالعودة إلى تجربة الثورة الإسلاميّة في إيران، فإنّنا نسجّل[1] أنّ "مكوّنات المنهج التربويّ بأطرها المعرفيّ والسلوكيّ والمعنويّ المرتبط تحديداً بالمثل الأعلى الذي يختاره الإنسان، قد اتّضحت في إيران، وبنيت على أساسها البرامج والاحتياجات التفصيليّة". والمشكلة قبل الثورة كانت في البرامج والتوظيفات الموضوعة لهما. "ولقد تمّ حقن الواقع ببرامج وقيم تدميريّة للقوى الإنسانيّة والفكريّة، ولإرادات النموّ والتكامل، وذلك عبر الخوف وعدم الثقة بالذات، عبر قيم ثقافيّة واستعماريّة"[2]. ولهذا، أرادت الثورة أن تجعل الإرشاد التربويّ ومضامينه منطلقة من قلب الأصول الإسلاميّة وفروعها العباديّة، وربطتها في خيارات الإنسان وإرادته، وربطت أصل استمراريّة الإرشاد وبرامجه بارتباطها بالأصول الإسلاميّة، "وقد عمل الإمام الخمينيّ قدس سره على إيجاد وجهة تربويّة لمفاصل الإسلام كلّها وجماعة المسلمين ومراكزهم وولاءاتهم التقليديّة، الأسريّة والاجتماعيّة، ليحرّك فيها طاقة الاقتدار، يربطها بالهدف الإلهيّ والمعنويّة الإلهيّة، فيجعل منها حركة دؤوبة تبني العدالة وتهزم الظلم، وهو بمثل هذه الوجهة انعطف بمعالم الحياة الإسلاميّة كلّها، ليرسي فيها نهجاً فاعلاً وباعثاً مقتدراً على المواجهة والتغيير"[3].

 

وهكذا، فقد طال التغيير بمفهومه الانقلابيّ الشامل أهداف


 


[1] الشيخ شفيق جرادي، الإمام ونهج الاقتدار، ص 61.

[2] المصدر نفسه، ص 65.

[3] المصدر نفسه، ص 72.

 

134


123

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

المناهج التربويّة، وبات للأمّة هدف استراتيجيّ انعكس في ساحة التربية والعلم والمعرفة، صار هناك مفهوم للتقدّم بنموذجه الإسلاميّ، فتألّق بتضافر جهود المكوّنات الستّة: الطالب، والأستاذ الجامعيّ، والحوزة، والعلم القيميّ، والخطاب الثقافيّ والوجهة الواضحة للتربية، إلى خطّة علميّة شاملة، ألقت بالموروثات العلميّة والتربويّة جانباً، وانطلقت بمفاهيم جديدة ونتائج ثوريّة، فبات العلم للإنسان، وأكّدت الرؤية العلميّة الجديدة على الإنسان ومنفعة الإنسان، كمبرّر للسير في مشروع العلم نحو النهضة والاقتدار، وخلاف ذلك لا تريده الجمهوريّة. بات العلم سبيلاً وسلاحاً نحو الاستقلال والكرامة والرفاه، ووسيلة لتحقيق رسالة الجمهوريّة نحو مسلمي العالم ومستضعفيه، وصار جزءاً من مشروع التغيير الشامل، فتحقّقت النقلة النوعيّة الهائلة من قيم القصور الذاتي "إنّنا غير قادرين" إلى قيم الاقتدار والإمساك بالمبادرة نحو الآخر، وارتسمت النتيجة في الميدان: قيم وأهداف وبرامج تربويّة جديدة وخطط مركّزة لرصّ بنيان التعليم العالي برمّته، ثمّ مجتمع علميّ يتحرّك كخليّة النحل بعمل دؤوب وإيقاع واحد وانسجام كامل بين مكوّناته، بدأ يردف الصناعة وعالم التقانة بإنجازاته الباهرة، فيما الدولة وقطاعات إنتاجها تمدّ البحث العلميّ بالتمويل ومواضيع البحث اللازمة للانطلاق والتقدّم، وبات الزمن عامل قوّة ومنعة، تتعزّز به مسيرة البحث العلميّ والإنتاج، ليطرق أبواباً جديدة كلّ

 

 

135


124

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

يوم، وصارت إيران قادرة على مدّ يد العون لمسلمي العالم، فكانت فترة عمر الثورة التي امتدّت نحو الثلاثين سنة إلى اليوم قياسيّة بكلّ المعاني، أمام هذا الكمّ الهائل من النتائج العلميّة والصناعيّة على نحو لا يفسّره الخبراء بنظريّات النمو والتقدّم التقليديّة، فكانت تجربة الثورة في ميدان العلم والتقدّم ثورة علميّة بكلّ المعاني، وفق التعريفات الآنفة الذكر، انقلبت فيها المفاهيم والنظم والبرامج ووسائل العمل، وأتت النتائج لتكمل عناصر الثورة العلميّة على مستوى الطاقة النوويّة السلميّة والنانوتكنولوجيا، وعلم الخلايا، وغزو الفضاء، والكفاية الاقتصاديّة والذاتيّة منها تحديداً، وصولاً إلى ازدهارٍ لم تعرفه الجمهوريّة من قبل. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ أعداء إيران قد ساعدوها عن غير قصد عبر حصار ظالم، لا زالت مفاعيله منذ بداية الثورة، فحرمت من التقنيّات اللازمة التي تحتاج إليها، فتحوّل التهديد إلى فرصة، فبادر الشعب، ومعه الدولة، إلى سبر أغوار المجهول العلميّ، وتمكّن من إنتاج ما يحتاج إليه، وتعزّزت عنده بذلك حالة البحث العلميّ وحالة الكفاية الاقتصاديّة، معتمداً على مناخ ثقافيّ واضح حرّك فيه مشاعر الكرامة والعنفوان الوطنيّ، ونصب عينيه تجربة قيادة نزيهة حكيمة، تشاركه همومه وأفراحه وتحدّياته، وترسم له آفاق المستقبل المشرق، فتعلن له عقد "التقدّم والعدالة"، وتضع له رؤية علميّة يمتدّ طموحها خمسين عاماً قادماً، وتقدّم له جميع المستلزمات التربويّة والفكريّة والمادّيّة، فيقول

 

 

136


125

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الإمام الخامنئيّ دام ظله لذلك:

"فإنّ الشعب الإيرانيّ الذي لا يحصل على عون أحد، وتقفل في وجهه أبواب المنتوجات الصناعيّة والتقنيّات المتطوّرة، ثمّ يتمكّن من تصنيع الجيل الثاني والثالث والرابع من الطارد المركزيّ... فيدهش كلّ أولئك الذين يمتلكون الطاقة النوويّة والتصنيع النوويّ في العالم. حسناً، فهؤلاء، من أين تعلّموا هذا؟ هذا الشعب الذي لم يُعِنْهُ أحد في مجال علوم الحياة، فجأةً، ينظرون، فيرَون أنّه يتمكّن من استنساخ حيوان بواسطة الخلايا الجذعيّة. ففي هذا العالم، كم هي الدول التي تتمكّن من هذا؟ ثمانية أو تسعة أو عشرة من بين جميع هذه الدول، وكلّ هؤلاء المدّعين. فجأةً، تنتقل (هذه الدولة) من المرتبة العشرين -على سبيل الفرض- إلى المرتبة الثامنة. فعن أيّ شيء تحكي هذه؟ أليست حاكيةً عن الاستعداد الاستثنائيّ! في بداية الحرب، هذا الشعب، ما كنّا نعلم ما هي الأر بي جي - الأر بي جي عبارة عن صاروخ صغير، فهؤلاء الذين كانوا في الحرب شاهدوه واستعملوه كثيراً - فلم نكن نمتلك، ولم نكن نعلم، ولم يكن من أسلحتنا النظاميّة. والآن، وبعد مرور سنوات عدّة، ومع الحظر، ها هو بلدنا يصنّع صاروخ سجّيل، صاروخاً فضائيّاً، فيقف العالم كلّه هكذا وينظر مندهشاً. في البداية أنكروا، وقالوا: هذا هذو وكذب، فإنّه لا يمكنهم، وفي ما بعد رأَوا أنّ الأمر ليس كذلك.

 

وفي جميع القطاعات، الأمر كذلك. فماذا تعني هذه الأمور؟ هذا يعني أنّ هذا الشباب مليءٌ بالاستعداد والإمكانيّات، فهذا الشعب يحتوي على استعدادات هائلة. هذه الطاقات الإنسانيّة ذات قيمة

 

 

137


126

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

عالية ووادعة، فيجب الاستفادة من هذا الأمر، فنحن قادرون. والهمّة المضاعفة تعني أن نوصل هذا الاستعداد إلى الفعليّة"[1].

 

3- صمود الجمهوريّة الإسلاميّة، المعجزة الإلهيّة

إنّ المتدبّر في تجربة الجمهوريّة الإسلاميّة، في تضافر محاور العالم عليها، سياسيّاً وعسكريّاً، ومنذ انطلاقة الثورة، وصولاً إلى تشكيل تحالفات دوليّة غزت المنطقة من حولها، في الحرب المفروضة، ثمّ بعدها في غزو الكويت، ثمّ بعدها في غزو العراق، وقبلها سقوط منظومة الاتّحاد السوفياتيّ والوجود الأمريكيّ الدائم في قواعد عسكريّة في جمهوريّات آسيا الوسطى، بحيث باتت إيران مطوّقة من جميع الجهات بالاحتلال الأمريكيّ لأراضي الأمّة الإسلاميّة، وممّا يؤسَف له، بالضوء الأخضر الكامل للأنظمة المفروضة على الشعوب الإسلاميّة، وبعار التشريع الدوليّ لهذه الاحتلالات عبر مجلس الأمن والحلف الأطلسيّ ومعظم الدول العربيّة. وإنّ المتدبّر في السلوك السياسيّ الشامخ للجمهوريّة في مواجهتها للتهديد الأمريكيّ، وفي دعم حركات التحرّر ضدّ الاستعمار والظلم في بلدان العالم الإسلاميّ، والردّ الأشدّ بلاغة في نهضة علميّة ثابتة نحو استقلال واقتدار، يقف ليسأل: أيّ معجزة تجعل من إيران بلداً، بهذه التهديدات وبهذا العنفوان، باقياً إلى اليوم على خريطة العالم؟ وأيّ بلد في العالم بقي، أو يكون قابلاً للبقاء، في ظروف التضافر


 


[1] خطاب بتاريخ 28/4/2010م، بعنوان: "عناصر تقدّم العلم والإنتاج"، بحضور عمّال نموذجيّين من إيران.

 

138


127

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

الدوليّ الظالم، كما هي الحال مع الجمهوريّة؟ أمام هذه التحدّيات الوجوديّة التي تعيشها الجمهوريّة تقف بكلّ اعتزاز وثقة بالله، لتردّ على سائر الأمم، بحمل مشروع الإمام الخمينيّ قدس سره نحو الوحدة الإسلاميّة وتحرير العالم الإسلاميّ، وإزالة الغدّة السرطانيّة الصهيونيّة من الوجود.

 

إنّ هذا المشهد الذي لا تفسّره توازنات السياسة ولا مدارس السياسة التقليديّة في العالم، لا جواب له إلّا بالرسالة التي أناطت الجمهوريّة نفسها بها، وفرادة قادة هذه الثورة الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره والإمام القائد الخامنئيّ دام ظله، وإخلاص شعب الجمهوريّة وثباته. هذه العوامل الثلاثة ليست سوى تجلّيات للمعجزة الإلهيّة التي وحدها تفسّر صمود الجمهوريّة ومعاناتها وانطلاقتها الرائدة نحو الاقتدار.

 

في إيران ثورة نجحت، وانطلقت، فأولدت من رحمها ثورة علميّة، لكنّ الثورتين نجحتا وقدّمتا نصراً مظفّراً يتعزّز يوماً بعد يوم، وكلاهما ترعاهما معجزة إلهيّة تسقط أمامها حسابات الدنيا كلّها، والعبرة بالقادم من الأيّام.

 

إنّ ما يعزّز من صدقيّة اعتبارنا للتحوّلات العميقة في ميدان العلم بأنّه ثورة علميّة، هو أصل ولادتها في الحصار، ومن بين الضغوط، لتكسر القيود المفروضة كلّها، وتحدّيها لمجريات إرادة الكبار في العالم والمنطقة، وتحويلها للمخاطر إلى حوافز للنهوض.

 

139

 


128

مرتكزات رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم

فأصل استمرار هذا النهج هو الثورة، وأصل نهوضها من رماد الحرائق الاستعماريّة هو الثورة المظفّرة، وأصل هذا النهج وديمومته هو ثورة في ذاتها.

 

140

 


129

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من

وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

 

 

في جذور المسألة

إنّ أوّل ما بانت به قضيّة أخلاقيّات العلم، عندما جعل بعض رجال الكنيسة في القرون الوسطى بعض النظريّات العلميّة آنذاك جزءاً من الدين المسيحيّ، وأتت الدعوة من النُخَب في مجتمعات الغرب إلى فصل العلم عن الدين، كردّ فعل متطرّف على موقف بعض رجال الكنيسة، وتأكّد الانشقاق بظهور التيّارات العلمانيّة، ومنها المتطرّف، وبالدعوة إلى حصر الدين بالإطار الألوهيّ الكنسيّ المستقلّ تماماً عن الحياة وعن مسار العلم والبحث العلميّ تحديداً، فتسيّد منطق النفعيّة واعتبرت الحقيقة الكاملة في الكون كامنة في العلم فقط دون غيره، وأنّ الإنسان قادر على تذليل جبروت الطبيعة كلّه، والتحكّم بها، وفي قوانينها، والتجربة دون غيرها سبيل وحيد، ومعيار متكامل للمعرفة.

 

وكان لهذا الصدع الأثر البارز في نفي القيم الروحيّة العليا في

 

141


130

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الرسالات السماويّة، وفي رفض الدين في المجتمع، واعتباره شأناً داخليّاً لا يحتاج إليه المجتمع، طالما أنّ القوانين الوضعيّة والقوانين العلميّة هي الحاكمة، فصار المفهوم السائد مرتكزاً على المادّة كإله، وباتت المصلحة الفرديّة أساساً، وباتت المنفعة قيمة منطقيّة يعُمل بها. وهذه المفاهيم قد تبلورت مجتمعة في عدد من الفلسفات الإلحاديّة والوضعيّة، وتوّجت بالايديولوجيا الماركسيّة، وجرى تعميمها إلى العلاقات البشريّة، لتعلن ولادة مستقبل جديد في الغرب، لم يلبث إلّا وظهرت عثراته الشديدة، وعلا صوت الإنسان كإنسان، تجاه عدد من المشاكل الحقيقيّة التي حكت عن الآلام الكامنة في مجتمع الغرب، ومنها، للذكر فقط، لا للحصر: تفكُّك الروابط الأسريّة، والاستعاضة عنها بالرفق بالحيوان، كمظهر من مظاهر فشل الثقة بالإنسان، المرأة سلعة في دورة الاقتصاد، بروز تيّارات صوفيّة وبوذيّة وروحانيّة متنوّعة، ظواهر اللّاأفق والانتحار وما شابه.

 

وفي السياق عينه، أتت الأحزاب السياسيّة والعقائديّة لتستفيد من سيادة هذه القيم الجديدة، وتبرّر المصلحة العليا للدولة، وترتكب تحت رايتها خطايا الاستعمار ونهب ثروات الأمم المستضعفة، وتستبيح سيادتها وحقّ الشعوب الفقيرة في القرار، فكانت مآسي الاحتلالات، وكان الاستعمار، ثمّ كان الانتداب، وبعده صار لهذه الدول استقلال شكليّ، لأنّ المجتمع المستضعف بات

 

142

 


131

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

منتجاً لقيادات ولسلطات تحمل الولاء والطاعة للغرب، وتنحني أمام نموذجه الأصمّ، فبقيت دائرة المعاناة، من دون أن نغفل مسؤوليّة الشعوب والقيادات في الأمم المستضعفة بالقبول بالخنوع وعدم الثورة. ولا زالت سياسة الدول الصناعيّة عينها تنتج سباق التسلّح فيما بينها، وتمعن في تغيير طبيعة الكرة الأرضيّة، وترفع حرارتها، وتصدع توازناتها البيئيّة بالتلوّث الذي بات عالميّاً، وبأزمات التسمّم الغذائيّ، وبروز الأمراض السرطانيّة المستعصية، على نحو لم تعرفه البشريّة من قبل. ويبقى علينا ألّا ننسى مآثر الغرب وإنتاجاته المشينة للإنسانيّة التي دفعت، ولا تزال، ثمن طغيان مادّيّته ومصالحه، نعني بذلك الحربين العالميّتين اللتين اندرجتا تحت عنوان صراع الأمم للسيطرة على الثروات والموادّ الخامّ وأسواق التصدير، واللتين سبّبتا سقوط ما يناهز مئة مليون قتيل. وهذه الحروب، وما جرى فيها، ندبة على وجه الإنسانيّة، وجرح لا يندمل بسهولة، ووصمة في تاريخ الإنسان، نأمل ألّا تتكرّر، مع عدم إغفال تعمّد بلد يتشدّق بالحرّيّة والعلم، كالولايات المتّحدة، في استعمال السلاح النوويّ مرّتين، ضدّ مدن آمنة مكتظّة بالمدنيّين، متعمّدةً القتل والإيذاء للأبرياء، فقط للضغط على الخصم اليابانيّ، والانتصار عليه.

 

إذاً، وبعد عرض التطبيقات السلبيّة لأخلاقيّات العلم لدى الغرب، فإنّنا نسجّل أيضاً الاستغراق النظريّ حول أدبيّات العلوم والبحث العلميّ وأخلاقيّاتها في مجتمع الغرب، والواضحة في إطارها الفرديّ

 

 

143


132

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

والمخبريّ، وفصل هذه العناوين عن التجربة وميدان العمل العامّ السياسيّ، بحيث إنّ المفارقة عند الغرب تظهر من خلال تأسيسٍ جدّيّ لموضوع أخلاقيّات العلم لدى الأوساط السياسيّة والعلميّة الغربيّة، يقابله اجتياح القرار السياسيّ الغربيّ لكافّة مندرجات أخلاقيّات العلم لديه، ووضع الكلام كلّه معطوفاً على حلول سطحيّة لا تكاد تلامس جوهر الأزمة، وهو قد تشدّد بصناعة مفاهيم أخلاقيّة، أرادها حاكمة على عمله العلميّ، وأطال الحديث عنها، لكنّه لم يحترم مضامينها، ولم يتقيّد بمندرجاتها، وهي قد تحوّلت في الواقع إلى متنفّس لبعض الحركات الاجتماعيّة والمدنيّة والإنسانيّة بداخله، لكن في الواقع كانت قواعد المنفعة والسيطرة والاستحواذ إلهاً يُعبَد في مراكز الأبحاث ومؤسّسات التعليم لديه، ومرتكزات الاستعمار والطغيان لدى الدول الغربيّة الحاضنة للبحث العلميّ، والباحثة عن اقتصاد متين، ولو على جماجم سائر بني البشر.

 

كما أنّ قالب الأخلاقيّات التي قدّمها، وبحسب ما تقدّم في الفصل الأوّل، اتّسم بطابع النفعيّة، ثمّ الفرديّة البحتة، فمضامينها تركز على مواصفات الباحث الفرد، وتتحدّث عن سلوكيّات الباحث، وتأسّست عليه مواصفات محدّدة، وفي أبعد الأحوال سلوكيّات منظومة البحث ومؤسّسته التعليميّة العليا الراعية لبرامجه... وهنا، يمكن القول: إنّ ثمّة التزاماً وسطيّاً بمبادئ أخلاقيّات البحث العلميّ ومضامينها لدى الفرد كفرد في الغرب، لكن بمجرد أن نخرج من

 

 

144


133

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

شروط الباحث الفرد ومعاييره نصطدم فوراً بالمشكلة، وهي إحاطة نتائج العلم والبحث العلميّ الراقية بمنظومة القناعات الفلسفيّة، ثمّ الاجتماعيّة والسياسيّة الحاكمة على الجماعة ككلّ، والتي تقوم على المنفعة والليبراليّة والسماح باستغلال ثروات الأمم الأخرى واحتكار التفوّق واستغلاله باتّجاه السيطرة والتسيّد العالميّ، والنتيجة ضياع منظومة القيم وبقاؤها عناوين راقية برّاقة يتغنّى بها الجميع، وتقف مفاعيلها عند حدود المصالح القوميّة والقيم الحاكمة على سياسة الدول والأمم في الساحة العالميّة.

 

هذا الاستعراض لتاريخ ومنشأ القيم وإسقاطها للعلم وفق المنظور الغربيّ، كان كأرضيّة صحيحة نحاول أن نفهم من خلالها خلفيّات المفهوم الغربيّ للعلم وأخلاقيّاته، والذي اعتمد المنفعة هدفاً من العلوم والمعارف، وبرّرها في إطار المفهوم العامّ لليبراليّة، ومن ثمّ سننطلق لتشخيص الحلّ وإيجاد البديل، باقين في إطار الالتزام بمعايير إنسانيّة الإنسان كمرتكز نتحرّك من خلالها لنفهم أيّ علم نريد، وإلى أين نصل به، وإلى أين يصل بنا في نهاية المطاف، حيث هذا الجوّ القاتم. ونظراً لشدّة الحاجة إلى نموذج تستكين له الإنسانيّة، وتطمئنّ إلى مستقبلها، وتعالج فيه قلقها المتناهي من التطوّر العلميّ الآخذ بها إلى المجهول، فإنّنا سنتوقّف من جديد عند كلام تأسيسيّ عميق ومحكم صدر ويصدر في أكثر من مناسبة، وطيلة أكثر من خمس عشرة سنة، ولا زال تحديداً حول أزمة

 

145

 


134

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

أخلاقيّات العلم، ونعني به كلام الإمام السيّد علي الخامنئيّ دام ظله، والأمر المثير للانتباه هو شدّة الوضوح لديه، والرؤية الثاقبة، والترابط في تناوله للمسألة على نحو يجعله الوحيد في الساحة العالميّة الذي يخوض في عمليّة تعريفيّة موحّدة لأخلاقيّات العلم، يقدّمها كبديل في إطار رؤية تقييميّة شاملة لتعاطي الغرب مع أخلاقيّات العلم، وينتقد بقوّة وبإحكام هذه التجربة، ثمّ يقدّم البديل الإسلاميّ للتقدّم والنظرة الإنسانيّة العميقة إلى العلم وأهدافه من وجهة النظر الإسلاميّة، ويعالجها كسبيل خلاص للإنسانيّة تمنع احتكاره وتجعله ذا بعد إنسانيّ متاح لبني البشر، وتبرّر السعي إليه في الصالح الإنسانيّ العامّ فقط.

 

وهذا الأمر قد أثار الفضول، ودفعنا إلى دراسة أطروحة الإمام الخامنئيّ دام ظله، من خلال رصد العديد من خطاباته وكلماته وتجميعها وصياغتها كبديل يقدّم، على أن تكون التجربة العلميّة لنهوض الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة كمصداق على صحّة الطرح وتماسكه، وكعلامة فارقة في تجارب النهوض الدوليّة، حيث شكّل عمر الجمهوريّة الإسلاميّة الممتدّ لأكثر من ثلاثين عامّاً فترة زمنيّة قياسيّة، عجزت عن تفسيرها نظريّات الاختصاص الاقتصاديّ والإنمائيّ، وأنتجت - كما أسلفنا - ثورة علميّة تألّقت في مختلف المقاييس، أكّدت بدورها، وعلى المستوى العمليّ، صحّة المباني والمنطلقات والنتائج لرؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله لأخلاقيّات العلم،

 

146

 


135

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

والتي سنطرحها كنموذج متألّق نفتخر به أمام سائر الأمم، ونقدّمه جزءاً من رسالة الإسلام لإنسان القرن الحادي والعشرين، الغارق عنوةً في سكرة الحداثة والنموذج الغربيّ للحياة الاجتماعيّة، والذي يحاول التفلّت من القبضة الضاغطة لهذا النموذج الغربيّ، من خلال الحروب الناعمة وعناوين الليبراليّة، على أن تكون البديل الروحيّ والأخلاقيّ والعمليّ في آن، القادر على صناعة السعادة والسلام الآمن في العالم، والقادر على تحقيق التوازن الفعليّ بين الروح والمادّة لإنسان اليوم والمستقبل.

 

1- انفتاح الدين على التطوّر العلميّ

وانطلاقاً من هذه الأولويّة للعلم ووجوبه على كلّ مسلم ومسلمة، فقد انفرد الإمام الخامنئيّ دام ظله بتذليل العقبات أمام البحث العلميّ في إيران، وقدّم العديد من الفتاوى الحديثة والجريئة، والتي رسّخت الموقف الإسلاميّ الإيجابيّ والمتين للقضايا المستحدثة في العلم، وخصوصاً الطبّ منه، وكانت رؤيته تتحرّك من أساس أنّ كلّ فكرة علميّة تندرج تحت واحدة من ثلاثة:

1- أن تكون محرّمة، كفكرة القتل الرحيم.

2- أن تكون مستحسنة في الدين والعقل، ككلّ منجَز علميّ ذي بعد إنسانيّ يخفّف من معاناة البشريّة، كاختراع أدوية شافية للأمراض المتنوّعة.

3- أن تكون في طور التكوّن، حيث لم تظهر نتائجها الإيجابيّة أو

 

147

 


136

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

السلبيّة بشكل وافٍ، كالاستنساخ مثلاً أو عمليّات التلقيح من خارج الرحم أو وهب الأعضاء، ومع ذلك فإنّ الرأي الشرعيّ للإمام أقرب إلى الإيجابيّة، لما فيها من إيجابيّة على المرضى، ولعدم احتوائها على ما يسبّب هتك النفس المحترمة.

 

وكانت فرادة الإمام الخامنئيّ دام ظله في هذه الفتاوى، والتي نقدّمها كنموذج فقط، لتؤكّد انفتاح الدين على التطوّر العلميّ، ورفده بالتغطية الشرعيّة، ودعمه معنويّاً ومادّيّاً، طالما يصبّ في دائرة القيم والتقيّد بالهالة المطلوبة على إنسانيّة الإنسان والالتزام بها كأولويّة.

 

ومن مظاهر تميّزه في فهم العلم، قدَّر الإمام الخامنئيّ دام ظله دوراً مفصليّاً للمرأة في عمليّة التطوّر العلميّ وعمليّة تقدّم أبحاثه في الميادين كافّة، ودعاها إلى تحمّل مسؤوليّاتها، وكسب العلم، والانطلاق في تحقيق الإنجازات العلميّة العريقة، معتبراً أنّ المرأة قادرة تماماً على تحمّل المسؤوليّة، ولديها القابليّة الكاملة على التقدّم والارتقاء والمساهمة في ترشيد مجتمعها، ولكن يشدد الإمام الخامنئيّ دام ظله على أن تكون المرأة في بيئة تعليميّة وبحثيّة سليمة أخلاقيّاً، معتبراً أنّ طلب العلم مرتبط بالموازين الأخلاقيّة والشرعيّة السليمة. والمسؤوليّة الإسلاميّة الملقاة على عاتق المرأة إنّما هي على أساس ترتيب الأولويّات، وعلى أساس دراسة قدرتها وقابليّتها، وهما قدرة وقابليّة حقيقيّتان، لا يُستهان بهما. وللمفارقة،

 

148

 


137

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

فإنّ موضوع المرأة هو من أهمّ أسلحة الظلم التي يواجه بها الغرب تجربة الدولة في إيران، فيما تؤكّد الوقائع أنّ دور المرأة طليعيّ وزاهر في مشروع نهوض الأمّة. فالمرأة حاضرة في السياسة، في الفكر، في الإعلام، وفي كافّة الميادين، النظريّة والعمليّة. ودورها متميّز عن أدوار المرأة في غالبيّة البلاد الإسلاميّة، لها عالمها، مشاريعها، استقلاليّتها الاقتصاديّة والعلميّة، وهي رائدة في الجامعة، في مراكز الأبحاث، وحاضرة في عوالم النُخَب والمتفوّقين... وإيران الدولة تعطيها كافّة الفرص، وتتيح لها جميع التقديمات لتنطلق وتقارع الرجل في الأبحاث، في الانتاج، وفي السياسة، وتشارك الرجل، لا، بل تتفوّق عليه، في العديد من مجالات الدراسة والبحث، وذلك كلّه في إطار البيئة الأخلاقيّة السليمة لها، كإنسان في الحياة العامّة، وكأنثى أمام زوجها فقط...

 

رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله لأخلاقيّات العلم

ركّز الإمام الخامنئيّ دام ظله مليّاً على ربط العلم بالقيم، وأفرد له مساحة مهمّة من التحليل والتعميق. فصحيح أنّ الهدف هو العلم، لكنّ شرط هذا الهدف الأوعية والقلوب النيّرة التي تريد البحث في أسرار الكون، والتي سوف تجد الله وقدرته وعظمته، والتي ستعقل الخطاب الإلهيّ الموجّه نحو عقول البشر، ولكن من خلال الإبداع في أسرار مكنوناته.

 

149

 


138

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

1- تنمية العلم نحو الأهداف المرسومة

كما اعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ من أخلاقيّات العلم تنميته نحو الأهداف المرسومة، بعيداً عن التشتّت في إجراء الأبحاث لأجل الأبحاث، لما في الأمر من ضياع للمقدّرات الإنسانيّة ومصادرها. إنّ في هده الدعوة توجيهاً إلى المقدّرات العلميّة للأمّة نحو خيرها وصلاحها، انطلاقاً، من العناوين الأخلاقيّة للعلم، فيقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "إنّ تنمية التعليم العالي يجب أن تكون باتّجاه الأهداف المرسومة. على مسؤولي التعليم العالي اجتناب التنمية غير الهادفة بشدّة، لأنّ في هذا إتلافاً للمال وإتلافاً للمصادر الإنسانيّة. يتوجّب النظر إلى ما نحتاج إليه، وما هو الهدف، وإلى أين نريد الوصول، ونقوم بتنميةٍ في المناخ التعليميّ في التعليم العالي على هدا الأساس. إذاً، لنتابع أهدافنا حسب احتياجاتنا. أعتقد أنّ هذه قضيّة حسّاسة ومهمّة جداً، يجب إحصاء احتياجات البلاد الرئيسة في مجال العلوم والتقنيّة، وكذلك في مضمار العلوم الإنسانيّة، ولا بدّ من البرمجة على أساس هذه النتائج"[1].

 

2- تكامل الدين والعلم

وفي رأي الإمام الخامنئيّ دام ظله، أنّ الانطلاق بالعلم وحده لا يحلّ المشاكل، ولا تدرك البشريّة سعادتها، وإنّ العلم لا يعالج مشاكل الإنسان، لا يعالج أمنه النفسيّ، ولا يحلّ مشاكل تفكّك الأسرة، والتي أضحت سمة بارزة من سمات المجتمع الغربيّ، ولا يرقى بالنفس

 


[1] خطاب بتاريخ 5/9/2010م، في لقاءٍ أساتذة الجامعات.

 

150


139

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الإنسانيّة إلى السعادة المرجوّة. ولذا، يدعو الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى تكامل الدين والعلم. والمراد من الدين هنا تحديد المعرفة الدينيّة الحقيقيّة والإيمان العميق بالله - تعالى - أصل الوجود، وأنّ إرادة الله في الكون ليست إلّا لمصلحة الإنسان وخير سعادته:

"فلو تحولّت جامعاتنا إلى جامعات علميّة بحتة، وخلت من الدين والأخلاق، فسيكون مصيرها ذات المصير الذي منيت به المجتمعات العلميّة الغربيّة. فالمجتمع الغربيّ مجتمع علميّ، لكنّه مجتمع يفتقد لعنصر السعادة، مجتمع يعاني فراغاً في الأمن الخلقيّ، والأمن النفسيّ، والانسجام الأسريّ، كما يعاني اضمحلالاً خلقيّاً ومعنويّاً. وهذا أهمّ فراغ يعاني منه البشر. فهذا ليس سعادة، ونحن لا نطمح لذلك. إنّنا نبتغي السعادة، نبتغي الأمن الحقيقيّ والمعنويّ، وهذا لا يتحقّق بدون العلم، كما لا يتحقق مع وجود العلم وغياب الدين. فالدين ضروريّ أيضاً، ولا بدّ أن يصبح المجتمع مجتمعاً دينيّاً. المجتمع الذي تقع الجامعات في طليعته، فلا بدّ أن تكون البيئة الجامعيّة بيئة متديّنة، وأرجو أن لا يُساء فهمي حول مفهوم التديّن، فالمراد بالتديّن المعرفة الدينيّة العميقة، الإيمان العميق والاعتقاد الثابت الرصين بالدين والمعارف الدينيّة، الذي يستتبع العمل طبعاً. لا بدّ أن يكون هدفنا هو هذا، فهذه مسؤوليّة الجميع، بمن فيهم أنتم أيّها الأساتذة الكرام. فكلمةٌ منكم في ساعة الدرس قد يفوق تأثيرها ساعة أو ساعتين من خطاب هذا العبد الضعيف. ولا دخل للاختصاص في ذلك، فالعالم، أيّاً كان اختصاصه، قد يكون لحديثه في ساعة الدرس أثر كبير على بنية عقل الشاب

 

151

 


140

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

وفكره وسلوكه وقلبه وعقيدته، تأمّلوا في ذلك، وفكّروا فيه، فهذا أمر مهمّ للغاية"[1].

 

ويوضح الإمام الخامنئيّ دام ظله تكامل الدين والعلم في أوساط العلم والمعرفة ومراكز الأبحاث بالقول: إنّ الإيمان بالله والعمل وفق تعاليم الإسلام هما حاجة قصوى في أوساط التعليم العالي، أشدّ منها في أيّ مكان آخر. والآية الكريمة تؤكّد أنّ العلماء هم أكثر من يؤمن بالله ويتّقيه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾[2].

 

فالعلم في نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله أمر معنويّ، ذو قيمة معنويّة وروحيّة، أوّلاً وآخراً. وعليه، لا بدّ من تلاقي العلم والإيمان في الجامعة. ومن الضروريّ أن تكون الجامعة ومركز البحث نقطتين نعرف بهما الله - تعالى - ويتعزّز إيماننا به فيهما، وأن تكون استقطاباً لأصحاب النفوس السويّة، انطلاقاً من النزعة المبدئيّة للعلم، وفق ما يؤكّده الإمام الخامنئيّ دام ظله: "يتصوّر بعضهم أنّ الالتحاق بالجامعات يستلزم عدم التقيّد واللامبالاة تجاه الدين والأخلاق والحجاب والطهارة والنزاهة الدينيّة والأخلاقيّة. هذا شيء لا واقع له، ونظرة غير صحيحة. الجامعة قطب معنويّ، لأنّ العلم أمر معنويّ - أيّ علم كان - قيمة معنويّة وروحيّة. البيئة الجامعيّة بيئة شابة ومتديّنة، الأكثر تديناً في البلاد هم من الشباب، وأكثرنا تضحية، كانوا وما زالوا، من الشباب. إذاً، فما المبرّر لأن تكون البيئة


 


[1] خطاب بتاريخ 6/8/2012م، في لقاءٍ مع أساتذة الجامعات.

[2] سورة فاطر، الآية 28.

 

152


141

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الشبابيّة لأهل العلم في الجامعات بيئة غير دينيّة؟ كلّا، إنّها بيئة دينيّة. توقّعي هو أنّ الذي يلتحق بالجامعة، إذا كان تقيّده الدينيّ قبل التحاقه بالجامعة ضعيفاً، يجب أن يقوّي التزامه وتقيّده الدينيّ بعد التحاقه بالجامعة. إذاً، النزعة المبدئيّة في المعنويّة والأخلاق أيضاً أمر معتبر ومهمّ، كما هي النزعة المبدئيّة في السياسة، وكما هي النزعة المبدئيّة في العلم، وفي شؤون الحياة كلّها"[1].

 

3- العلم اليوم ليس محايداً

وفي إطار آخر، يرفض الإمام الخامنئيّ دام ظله أيّ حديث عن حياد العلم في عالمنا اليوم، وتحديداً في استعمال الغرب له وسيلة هيمنة. ونرى الإمام الخامنئيّ دام ظله يفصل بين العلم الذي يجب أن يكون محايداً في مرحلة اكتشاف الحقائق، والذي يجب أن يتجاوز المعتقدات والأفكار المسبقة كافّة، وبين ما يجري استعماله وتوجيهه من مكتشفات علميّة ونتائج إنسانيّة. والتاريخ المشين للغرب يؤكّد ارتباط العلم بالمشاريع الاستكباريّة للغرب في بلاد المسلمين، وارتباطه بالحروب والقتل الجماعيّ الذي امتهنه لتأكيد سيطرته على الأمم المستضعفة في آسيا وإفريقيا، ويعبّر عن هذه الحقيقة بالقول:

"قد ترد هنا شبهة، أحياناً يطرحون شبهات ومغالطات، وهي مغالطات "حياديّة العلم". يقولون: لا تخلطوا العلم بالسياسة، فالعلم محايد! نعم، العلم في مرحلة اكتشاف الحقائق محايد. فالعلم


 


[1] خطاب بتاريخ 6/8/2012م، في لقاءٍ مع أساتذة الجامعات.

 

153


142

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

حينما يريد اكتشاف حقيقة من حقائق علم الوجود، سواء الحقائق المادّيّة أو الحقائق غير المادّيّة، لن يمكنه ذلك، طبعاً إذا كانت له أحكام مسبقة، بل يجب أن نذهب ونكتشف. العلم هنا محايد. أمّا إذا أراد العلم أن يخدم اتّجاهاً معيّناً، فإنّه لن يكون محايداً أبداً، وهو ليس بمحايد اليوم أبداً. لقد ظفر الاستعمار بالعلم، ولو لم يكن لهم علم لما استطاعوا استعمار هذه البلدان كلّها وتخزين الأسلحة في العالم. هذا العدد الهائل من الحروب التي فرضها الغربيّون والأوربيّون، ومن بعدهم الأمريكيّون، على العالم وعلى الشعوب، وهؤلاء البشر كلّهم الذين قُتِلوا في هذا السبيل، من مناطق آسيا البعيدة إلى إفريقيا إلى أمريكا اللاتينيّة... ماذا فعل هؤلاء؟ فعلوا ما فعلوه كلّه بالعلم. استُخدِم العلم لصالح الظلم ولخدمة الاستكبار ولخدمة الهيمنة والتسلّط، فلماذا لا يُستخدَم لصالح العدل، ولخدمة القيم؟! ولماذا لا يُستَخدم لصالح نشر رسالة الإسلام، رسالة حريّة البشر وسعادتهم؟!"[1].

 

4- لا قيود على تناقل العلم

ويدعو الإمام الخامنئيّ دام ظله الأوساط العلميّة إلى أن تتبادل العلاقات العلميّة مع جامعات العالم ومراكز الأبحاث فيه، وليس هناك من حرج في طلب العلم والتتلمذ لدى أستاذٍ ما. ويدعو أيضاً إلى عدم الاكتفاء بأن تتلقّى الأمّة العلم، بل أن تقوم بإنتاجه، وذلك كلّه انطلاقاً من أنّ العلم، بحسب الإمام الخامنئيّ دام ظله، نور تهتدي به الإنسانيّة نحو الرقيّ والتقدّم والسلام، وأنّ نبراس العلم بيد الله.


 


[1] خطاب بتاريخ 21/8/2012م، في لقاءٍ مع أساتذة جامعيّين.

 

154


143

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

هذا كلام سبق الإسلام به أفكار البشر وحضاراتها كلّها، وهذا كلام لم يقله أحد عن العلم من قبل، وهو ما يبشّر به الإسلام سائر الأمم، العلم ملك الإنسانيّة، ولا قيود على تناقله، ولا حقّ لأحد باحتكاره. وهذه من أهمّ عناوين أخلاقيّات العلم الواجب أن تعيشها الإنسانيّة، لا أن تستمتع بكتابتها أو تلاقيها في الأروقة العلميّة، ففي هذا الإطار يعبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله مباشرة بالقول:

"إنّنا، إذا لم ننظر إلى البحث العلميّ بجدّ، وجب علينا البقاء لأعوام طويلة أخرى نستمدّ من المصادر الخارجيّة، وننتظر أن يقوم شخص في طرف من أطراف العالم ببحث علميّ، لننتفع نحن منه أو من الأعمال المنشورة على أساس بحوثه وما توصّل إليه، وندرسها هنا. ليس هذا من الصواب، هذه تبعيّة، وهذه هي نزعة الترجمة وعدم الاستقلال في الشخصيّة العلميّة بالنسبة إلى البلد وبالنسبة إلى جامعات البلد. جامعات البلد والبيئة العلميّة في البلاد إلى جانب حفاظها على العلاقات العلميّة مع العالم، لا تتحرّج أبداً من التبادل العلميّ والأخذ والانتقاء العلميّ. قلت مراراً: إنّنا لا نشعر بالعار من التتلمذ وطلب العلم... إذا كان هناك أستاذ، فإنّنا نتتلمذ على يديه، لكنّنا نشعر بالعار من أن نبقى تلاميذ دائماً، وفي المجالات كلّها... هذا غير ممكن. إنّها منقصة بالنسبة إلى منظومة علميّة أن تكون ضعيفة في التحقيق والبحث العلميّ الذي يعدّ مصدر النماء العلميّ. إنّما يجب أن تستطيع الاعتماد على نفسها من الناحية العلميّة، وطبعاً لها أن تستفيد من الآخرين، ويكون لها تبادلها وتعاطيها مع الآخرين، وعندئذٍ ستكتسب مكانتها اللائقة في

 

155

 


144

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

التبادلات العلميّة في العالم. حين تكون هذه المنظومة معتمدة على علومها وبحوثها العلميّة وأدائها العلميّ، فإنّ هذا سيترك تأثيراته في العالم. وفي حالات التواصل والتبادل العلميّين... كان هذا تأكيداً مرّة أخرى على أهمّيّة البحث العلميّ وطرح نقاش جيّد حول نظرة الإسلام والدين إلى العلم وكون العلم نوراً، وأنّ نبراس العلم بيد الله... هذه موضوعات جيّدة. يخطئ من يتصّور أنّه حين يكون في البيئات الأجنبيّة (الأوروبيّة والأميركيّة)، فعليه تكرار كلامهم الذي يطرحونه منذ مئة أو مئتي عام وإلى اليوم، ويعيده عليهم... ليس بالكلام المطلوب هناك، فالإسلام له كلامه ورسالته وأفكاره"[1].

 

5- لا للفوضى العلميّة

وفي إطار رسمه لمعالم الرؤية للعلم، أي العلم النافع ذي الأثر الفاعل لوقف معاناة الأمم وللمساهمة في نهوضها وتكاملها مع سائر مكوّنات الكون، يستدرك الإمام الخامنئيّ دام ظله في أنّ الحداثة والإبداع ينبغي ألّا يقودا إلى العبث والعشوائيّة في عمل العلم، وينصح بعدم الدخول إلى ميدان العلوم الإنسانيّة دون الأسس الإيمانية والأخلاقيّة اللازمة، حتّى لا نكون مستهلكين لما يرميه الغرب لنا دون ضوابط قيميّة، فيعبّر في الخطبة نفسها:

"إنّنا لا نوصي أحداً بالتوّرط في الفوضى العلميّة. والذين لا يتمتّعون برصيد علميّ في أيّ مجال، إذا ما أرادوا أن يحقّقوا الإبداع حسب ظنّهم، فإنّهم سيتورّطون في اللغو العلميّ. هذا ما نلاحظه

 


[1] خطاب بتاريخ 1/10/2007م، في لقاءٍ مع أساتذة جامعيّين.

 

156


145

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

على صعيد عدد من العلوم الإنسانيّة والمعارف الدينيّة، فهناك من الجهلة من اقتحموا الساحة دون أن يتمتّعوا برصيد علميّ كافٍ ويتحدّثون، ويتصوّرون أنّهم يحقّقون الإبداع، وما هو من الإبداع في شيء، بل إنّه فوضويّة، لذلك لا أنصح بذلك على صعيد القضايا العلميّة. فلا بدّ من كسب العلم، وعلينا أن لا نتحوّل إلى مستهلكين للنتاجات العلميّة التي قدّمها الآخرون. لا بدّ من إنتاج العلم بالمعنى الحقيقيّ لمفهوم الإنتاج، طبعاً، لهذا العمل منهجيّته وضوابطه. المهمّ هو أن تحيا روح الإبداع العلميّ، وأيضاً فعليهم أن يضعوا يداً بيد للرقيّ بالمستوى العلميّ للبلد"[1].

 

إنّ أحد أسباب الفوضى العلميّة كانت نظرة الغرب إلى العلم كأداة قهر، ونظرة الفرد إلى العلم كوسيلة ارتزاق ومنفعة شخصيّة يحقّقها في إطار سعيه للأمان الاجتماعيّ فقط، وهذا من شأنه أن يقتل روح التوثّب وروح الأمل، ويقطع سبيل الإبداع للباحث، ويغرقه في روتين الحياة اليوميّة الخالية من الإثارة والحافزيّة التي يشترطها تقدّم العلم.

 

كما يعلّق الأهمّيّة البالغة على إعادة قراءة بعض الميادين في العلوم الروحيّة، وتحديداً منها التي تحقر الإنسان وتنأى بالبعد الروحيّ لديه، وتنطلق من الفلسفات المادّيّة في اتّجاه الأخذ بها نحو السموّ والأمان والسعادة، وأنّ الإنسان خليفة الله – تعالى - على الأرض، وبالتالي، فلا إمكانيّة للعلم الحقيقيّ إلّا أن يؤدّي إلى خير الباحث فيه وإلى خير الإنسانيّة جمعاء ومنفعتها،


 


[1] خطاب بتاريخ 1/10/2007م، في لقاءٍ مع أساتذة جامعيّين.

 

157


146

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

فيقول في هذا الإطار: "الكثير من قضايا العلوم الإنسانيّة يبنى على فلسفات مادّيّة، وعلى فلسفات تنظر إلى الإنسان على أنّه حيوان، وعلى عدم مسؤوليّة الإنسان قِبال الله -تعالى-، وعلى عدم الاكتراث للنظرة المعنويّة للإنسان والعالم. فإذا عمدنا إلى هذه العلوم الإنسانيّة وترجمناها، وأخذنا ما قاله الغربيّون وكتبوه، كما هو، ودرّسناه لشبابنا، نكون في الواقع قد نقلنا لشبابنا مفاهيم الشكّ والارتياب واللاإيمان بالمباني الإلهيّة والإسلاميّة والقيم الذاتيّة على شكل موادّ دراسته"[1].

 

6- مواجهة الحرب لثقافيّة الناعمة

ولقد وسّع الإمام الخامنئيّ دام ظله أطر الدفاع عن أخلاقيّات العلم لتطال مواجهة الانحراف الفكريّ، كمظاهر الحرب الناعمة، والتي كثيراً ما نبّه إلى مخاطرها، ونبّه إلى ضرورة التصدّي لها من جذورها، معتبراً أن مواجهة هذا الانحراف إنّما تتمّ بهدف الدفاع عن الإنسانيّة، وأنّ مشاريع الحرب الناعمة كلّها هي -من منظور الإمام الخامنئيّ دام ظله- نتاجات مخالفة للفطرة الإنسانيّة، ومعادية للإنسانيّة. وعليه، فلا بدّ من مواجهتها وإعلان النفير لمواجهتها، محمّلاً مسؤوليّة التخاذل إلى كلّ من له سلطة أو تأثير من سلطات حكوميّة ودينيّة، إذ من غير المعقول أن ننظر إلى البنيان يحترق ونحن نلهو، وكأنّ الأمر لا يعنينا. وبالتالي، فإنّ الرؤية المتكاملة للإمام لأهداف العلم ودوره، وأيضاً لأخلاقيّاته، تستوجب يقظة كبيرة لما يجري


 


[1] خطاب بتاريخ 30/8/2009م، في لقاءٍ مع أساتذة جامعيّين.

 

158


147

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

المناسب، والوسائل الثقافيّة غير الموضوعيّة، والإعلام غير السليم، والكتاب غير المفيد، والأساليب الفنّية غير اللائقة - والتي من شأنها المسّ بالعقائد وإضعافها عن طريق الخرافات والأفكار، والأساليب غير الصحيحة المنحرفة، فلا بدّ من أن ننظر إلى هذا النتاج على أنّه نتاج معادٍ للإنسانيّة، وأنّه لا بدّ من مواجهته بهدف الدفاع عن الإنسانيّة". ويتابع الإمام الخامنئيّ دام ظله في السياق ذاته، فيقول في الخطبة ذاتها: "إنّ واجبات الحكومة الإسلاميّة ألّا تتخلى عن تسييس أموره - أي الشعب -، وتتركه يتخبّط في تلك السوق المضطربة أو حتّى غير المضطربة، وهي سوق الثقافة والعقيدة والأخلاق، أي إنّه لا بدّ للحكومة من أن تشعر حيال أبناء الشعب بذلك الإحساس نفسه الذي يشعر به الإنسان إزاء عائلته، من زوجة وأبناء. فما هو ردّ الفعل الذي سيبديه أحدكم إذا علم أنّ واحداً من أبنائه قد تعرّض للانحراف أو الانحطاط الأخلاقيّ، أو أنّه على شفا الوقوع في ذلك، ممّا يُعدّ أمراً سيّئاً في نظر الفرد والمجتمع؟"[1].

 

ويعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ الاستعمال البغيض للعلم والثقافة يساعد في مشاريع سلب الهويّة وقطع تواصل المستضعفين مع قيمهم وتاريخهم، ويساهم في تضخيم الفعل الجرميّ الغربيّ ضدّ الممانعين ثقافيّاً وسياسيّاً، ويلجأ الغرب في كثير من الأحيان إلى أشكال متعدّدة من الحرب الناعمة لإسقاط المستضعفين واستسهال السيطرة عليهم والإطباق على مصيرهم، فيحدّثنا التاريخ


 


[1] خطاب بتاريخ 21/09/1421ه، بعنوان: "المقولة الثقافيّة، بين الرؤية المادّيّة والنظرة الإسلاميّة"، بحضور أعضاء المجلس الأعلى للثورة.

 

160


148

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

عن أنّ المستعمرين الأوروبيّين عندما قصدوا احتلال آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينيّة أرسلوا البعثات المسيحيّة والحركات التبشيرية قبل أن يرسلوا رجال السياسة والجيش إلى تلك البلاد. ولهذا، فإنّ أوّل عمل يقوم به العدوّ سلب ثقافة الأمّة والتي هي بمثابة الدفاعات الأساسيّة عن الأمّة.

 

7- الحداثة والإبداع في العلم

كما دعا الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى الحداثة والإبداع في العلم وتلافي ترداد النصوص الأجنبيّة وكسر صنميّتها، على أن يقترن الإبداع بهدى الإيمان والتوجّهات السليمة والمعرفة المستنيرة، وبهذين العنوانين يكون المضيّ لتحقيق النهضة العلميّة أمراً ممكناً، وتكون المعاجز والإنجازات الكبرى في انتظارنا كما يقول أمام أساتذة جامعة أمير كبير وطلّابها[1]:

"ما هو واجب مبدئيّ للوسط العلميّ والجامعيّ هو تحقيق الحداثة على صعيد القضايا العلميّة. هذا هو المعنى الحقيقيّ لإنتاج العلم. إنتاج العلم لا يعني نقله فحسب، بل الإبداع العلميّ يحظى بالأهمّيّة بالدرجة الأولى، وهو ما أقوله، لأنّه يجب أن يتحوّل إلى ثقافة. هذه الحداثة العلميّة أو التجدّد الفكريّ لا ينحصر بالأساتذة فحسب، بل مخاطبها هم الطلّاب والوسط العلميّ عموماً، هذا الإبداع العلميّ، الذي يُعبَّر عنه في قاموس المعارف الإسلاميّة بالاجتهاد، بحاجة إلى أمرين، أحدهما الكفاءة العلميّة والآخر


 


[1] خطاب بتاريخ 27/2/2001م، في لقاء أساتذة جامعة أمير كبير وطلّابها.

 

161


149

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الشجاعة العلميّة، الكفاءة العلميّة أمر ضروريّ. حدّة الذكاء والرصيد العلميّ اللازم والسعي الدؤوب لكسب العلم، يعتبران من الأمور الضروريّة لبلوغ الكفاءة العلميّة، لكنّها لا تكفي.

 

إنّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والقضايا المتنوعة الضروريّة لإدارة أيّ مجتمع وأيّ بلد بأسلوب علميّ، كلّها بحاجة إلى الابتكار والحداثة العلميّة، أي الاجتهاد. ما يُلاحظ في أوساطنا العلميّة، وأعتبره من أكبر العيوب، هو أنّنا نردّد الكتب والنصوص الأجنبيّة وندرسها ونحفظها ونتعلّمها ونعلّمها على طول عشرات السنين، لكنّنا لا نجد في أنفسنا القدرة على التساؤل وتوجيه الإشكاليّات! ينبغي طبعاً دراسة النصوص العلميّة وكسب العلم من أيٍّ كان، لكنّ العلم لا بدّ أن يقترن بروح قويّة وثابتة وكفاءة تتمتّع بالقابليّة على التقدّم بالعلم إلى الأمام، ليتسنّى له المضيّ قُدماً في طريق الرقيّ. هكذا جاءت النهضات العلميّة في العالم".

 

تطلّعات الإمام الخامنئيّ دام ظله لمستقبل الإنسانيّة بالعلم

1- على العلم تحقيق الأهداف السامية

أراد الإمام الخامنئيّ دام ظله، من خلال مفهومه للعلم وضوابطه، أن ينحى به نحو سعادة الإنسانيّة وإنهاء الظلم، وأن يستجيب لحاجة البشريّة إلى القيم الراقية، من عدل وطهارة، فلم يوافق على انحراف الغرب المتمثّل في الانفصام بين الخطاب المنمّق عن العلم وقداسة أخلاقيّاته التي عدّدها وتفاخر بها أمام الملأ، وبين الوقائع المحزنة التي تكتب تاريخاً مشيناً للغرب، بدءاً بالاستعمار وانتهاءً

 

 

162


150

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

باستعمال القنابل النوويّة في اليابان، ضدّ مدن آمنة مطمئنة، ووصل به الأمر إلى تبرير حروبه الاستباقيّة التي تعطيه الحقّ، ومن خارج ما ابتدع من شرعيّة دوليّة، في ضرب أيّ بلد آخر في العالم، طالما أنّ مصالحه مهدّدة. وقد عبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله، وبشكل واضح، عمّا يريده من العلم، وعمّا تحتاج إليه البشريّة. وإيران اليوم هي ضحيّة من ضحايا الاستخدام السيّئ للعلم وللعبث بأخلاقيّاته عندما تُمنع من حقّها في استخدام الطاقة النوويّة سلمياًّ. ورغم ذلك، ينظر شعبها بعين ثاقبة إلى مستقبل بعيد تستجيب فيه الإنسانيّة لفطرتها الهاتفة للحقّ والرافضة للباطل بأوجهه، ويقترن فيها العلم مع التقوى والورع، وتقود أخلاقيّات العلم إلى إنسان يعيش التكامل في ذاته والتكامل مع الكون والموجودات في حركتها، فيعبّر عن ذلك بالقول:

"فكم كانت البشريّة ترجو أن يسود العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، وتنتهي سطوة الظلم وتنقشع سحائبه عن شتّى أنماط الحياة، لكنّ ذلك الطموح بقي رهين الآمال، ولم يجد فرصة تُذكَر لينعكس على أرض الواقع.

 

ولطالما كانت البشريّة متعطّشة للمبادئ الإنسانيّة، المبادئ الثابتة التي لا تتغيّر، بتغيّر الزمان والمكان.

 

إنّ العلم يتقدّم، وأساليب الحياة تتطوّر، والعلاقات الاجتماعيّة تتغيّر، لكنّ الآمال الكبيرة التي تحملها البشريّة والمبادئ العظيمة التي تتطلّع نحوها تبقى ثابتة، على الرغم من تغيّر الزمان والأوضاع

 

 

163

 


151

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

والأحوال. فالبشريّة متعطّشة للطهارة والنقاء والصدق والعدل والإنصاف والحقيقة والأخوّة والاهتمام بالجانب المعنويّ، ومرتاعة ومنهكة من مظاهر التزوير والكذب والظلم والنفاق واستباحة الحقوق.

 

أحبّتي، عليكم، مع مرور الأيام، أن ترتقوا بمستوى هذا التركيب المتجانس. فليكن العلم مقروناً بالدين والورع والتقوى، وليكن جميع هذا مقروناً بما تتلقَّونه من تدريب وتمارين في الانضباط العسكريّ، الذي يُعتبر أمراً هامّاً لكلّ مؤسّسة عسكريّة، واجعلوا من ذلك وحدة واحدة متماسكة تُكسبكم المجتمع، وتجعله قريباً منكم، وتعزّز أواصر العلاقة بينكم وبينه".

 

فربط العلم بأخلاقيّاته على نحو أمين وصادق هو جزء من منظومة آراء يقدّمها الإمام الخامنئيّ دام ظله كمشروع جديد للإنسانيّة، التي باتت تعيش العقم في هذا المجال، بحيث يستشعر الإنسان اليوم خواءً متزايداً في العالم تجاه إنسانيّة الإنسان، تتراجع معه الطروحات التي تجمع ولا تفرّق، وننتظرها لتكون البداية المتينة لعهد جديد للإنسان، تماماً كما أرادته الرسالات السماويّة. لقد تقدّم الإمام الخامنئيّ دام ظله بجملة عناوين للنقاش الموضوعيّ، وأراد توجيه إنسان اليوم إليها كسبيل خلاص من أزمات وتعقيدات تتزايد مع التقدّم التقنيّ. ولا تبدو حضارة الغرب قادرة، أو على حجم المسؤوليّة لحلّها. ومن هذه الطروحات: الديمقراطيّة الدينيّة، وابتناء الحضارة على المعنويّات، وكرامة الإنسان، وامتزاج الدين

 

164

 


152

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

بالحياة. ونحن على يقين من أنّ عنجهيّة الغرب ومقياس المصالح المادّيّة والنفعيّة له، لا يسمحان لهذه الأفكار بأن تأخذ حقّها في النقاش عنده، وسيقوم - كالعادة - بتشويهها وتحميلها ما لا تقول زوراً، تماماً على النحو الذي يتعاطى به مع الإسلام كدين رحمة وتسامح ودليل سعادة لروح الفرد وللمجتمع. ولقد سبقت التجربة مع الغرب في فرض قيمه وأفكاره كعناوين وحيدة، على العالم اعتمادها وتبنّيها، وإلّا واجه الحصار والعقوبات والتشويه الفكريّ والمعنويّ الظالم ومفهومه للإرهاب القائم على فكرة أنّ العنف هو فقط ينحصر ضدّ مصالح الغرب، و"إسرائيل" واحد منها... وقد عبّر الإمام الخامنئيّ دام ظله عن هذه النقطة بالقول[1]:

"في مقابل عقم الغرب في تصدير أفكاره الجديدة، وبعد الأومانيّة والمدارس المعتمدة على الأومانيّة والفلسفات الناتجة عن الأومانيّة الغربيّة (Humanity)، لم يكن للغرب ولادات فكريّة، ولم يطرح أفكاراً جديدة للبشريّة والحياة الإنسانيّة، كان للجمهوريّة الإسلاميّة ولادات فكريّة. لدينا كلام جديد لمشكلات الإنسان الروحيّة وقضاياه الاجتماعيّة والحكوميّة. والكلام الجديد، لا يعني أنّه إذا قيل فسوف يقبله العالم كلّه، بل معناه أنّه سيوجد تيّار جديد في بحيرة الفكر البشريّ الهائلة، ويطلق أمواجاً. إنّنا نطرح في حيّز القضايا السياسيّة الراهنة فكرة الديمقراطيّة الدينيّة، وفي مجال القضايا الاجتماعيّة العامّة، نقدّم فكرة "الحضارة على المعنويّة"، ونطرح


 


[1] خطاب بتاريخ 12/8/2012م، في لقاءٍ مع أساتذة جامعيّين.

 

 

165


153

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

في شتّى القضايا الأخرى فكرة كرامة الإنسان، وفكرة "امتزاج الدين بالحياة". وهذه طروحات جديدة لم تكن في العالم من قبل أبداً. حتّى قبل حقبة النزعة المادّيّة والأمانيّة في الغرب وسيادة الأفكار العلمانيّة، لم يكن الدين ممتزجاً بالحياة ومرافقاً لها".

 

2- الإيمان بالذات مقابل الإيمان بالغرب

ولا تعني مواجهة ثقافة الغرب التي تعاني في مهدها من تفكّك الأسرة وانتهاء الحياة الاجتماعيّة وبؤس الإنسان الروحيّ والعاطفيّ، أن نعارض التبادل العلميّ وكسب العلم منهم على الإطلاق، وإنّما أراد الإمام الخامنئيّ دام ظله ألّا نعيش ونموت تلاميذ عقيمي الإنتاج العلميّ والفكريّ أمامهم. وأمّا النقطة المفصليّة التي أراد الإمام الخامنئيّ دام ظله التنبيه لها فهي الإيمان بالذات والثقة الفرديّة والوطنيّة مقابل الإيمان بالغرب والانقياد الأعمى والتسليم له، وذلك كخطوة تأسيسيّة لا بدّ منها لإطلاق المواهب والقدرات، تماماً وفق النموذج الذي تقدّمه الجمهوريّة الإسلاميّة لبلاد الأمّة الإسلاميّة وللإنسانيّة ككلّ، فقال الإمام الخامنئيّ دام ظله في ذلك:

"ربّما سمعتم هذا منّي كثيراً. أنّنا لا نعارض كسب العلم من الأجانب على الإطلاق. قلت مراراً: إنّنا لا نشعر بالعار من أن نكون تلامذة لأحد نتعلّم منه، ولكنّنا نشعر بالعار من أن نتصوّر أنّ علينا أن ننظر دوماً نظرة احتياج وتطلّع وشعور بالدونيّة والحقارة إلى الآخرين وأفكارهم وأعمالهم. هذا شيء سيّئ، ويجب استئصاله. يلاحظ المرء أنّنا نروم أحياناً إيجاد خُلق حسن وإفشاءه في

 

166

 


154

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

المجتمع، فنسوق المثال في مدح ذلك الخُلق الحسن من البلدان الغربيّة! ما الضرورة لذلك؟ لماذا نكرّس هذه الروح لدى مخاطبينا دوماً بأن تكون نظراتهم إلى الغرب دائماً لتشخيص الحسن وتمييزه من القبيح، والممتاز من غير الممتاز؟ وهو ما ذكره بعض الأعزّاء الآن: الإيمان بالغرب والإيمان بالذات يقف في مقابل ذلك. وهذا لا يعني معاداة أحد، ولا يعني العصبية ضدّ منطقة جغرافيّة أو سياسيّة معيّنة، إنّما يعني أنّ الشعب إذا أعرض عن قدراته ومواهبه ومنتجاته، ولم يؤمن بها، سيكون مصيره المصير نفسه الذي منيت به البلدان التابعة، سواء بلادنا في العهد البهلويّ أو البلدان الأخرى التي نشاهدها"[1].

 

إنّ الفهم الشامل الذي قدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله عن العلم وميادين التعامل مع أخلاقيّات العلم وأهداف العلم قد أنتج دوراً جديداً ورائداً للتعليم العالي عموماً وللجامعة خصوصاً، جامعة تكسر قيود التقليد الأعمى للغرب، وتعتزّ بهويّتها وقدراتها على النهوض، وجامعة تبرّر وجودها من خلال تقديم الخدمة والمشورة للناس وللمجتمع.

 

وفي المقابل، لا زال الغرب يحاول العودة إلى البلاد التي طرد منها مذؤوماً مدحوراً، متسلّحاً بسلاح العلم الذي يعتبره سلاح غلبة وقهر وسطوة، ومتّخذاً من الجامعات أداة عبور، ومتّهماً كلّ من يعاديه بالاستبداد، لكي تتحوّل سائر الأمم أداة طيّعة لمشاريعه،


 


[1] خطاب بتاريخ 11/10/2012م، في لقاءٍ مع المعلِّمين وأساتذة الجامعات في محافظة خراسان الشماليّة.

 

167


155

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

فيطرح عنوان "العولمة"، لكي تُفتح كافّة الطرق أمام أفكاره وثقافته، ويريد من الآخرين أن يعيدوا قراءات إيمانهم وأفكارهم ويشكّكوا فيها، وفي المقابل لا يسمح الغرب بهذه القراءات وبالتشكيك عندما يتعلّق الأمر به، ويمكن القول: إنّ العديد من المتابعات السياسيّة على المستوى العالميّ قائمة على تبرير الغرب لأعماله وجرائمه في حقّ الإنسانيّة، تحت عنوان المصلحة والأمن والسلام العالميّين، من غزو أفغانستان، وغزو العراق أوّلاً وثانياً، والتدخّل لقلب الأنظمة المعادية للغرب، وحماية الأنظمة الملكيّة العاتية والكاسرة لأبسط قواعد الحرّيّة والكرامة للإنسان...

 

ولمواجهة ذلك كلّه، ينطلق الإمام الخامنئيّ دام ظله دوماً من احترام البعد الإنسانيّ للعلم ومن تعميم المعايير الإيجابيّة لأخلاقيّات العلم لتطال العالم بأسره دونما استنساب وتجاوز، وليؤكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله من خلال استعراض النموذج الظالم للغرب، أنّنا نحن من نحترم أخلاقيّات العلم، ودور العلم، وأنّ الغرب مهما ادّعى الموضوعيّة في العلم، ومهما كانت قوّة شعاراته، فقد خرج عن هذه الحدود ووضع معايير ظالمة لها، عنوانها مصلحته التي تسبق أيّ اعتبار آخر. وعليه، فإنّ المزيد من المآسي تنتظر البشريّة التي لن تعرف طريق خلاصها الواضح المعالم، وأنّ الإنسانيّة تخسر فرص تقدّمها المادّيّة والروحيّة، وتخسر سعادتها واطمئنانها لمستقبلها الآمن والسالم من الحروب والفتن والمظالم، وأنّ أخلاقيّات العلم، يجب أن تظهر في التعاطي

 

 

168

 


156

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

السياسيّ وتعاطي أصحاب القرار مع ميادين العلم كلّها، وفي جامعة تعمل بهذه المعايير وتعمل راسخة بإيمانها وبتوكّلها على الله، جامعة مستقلّة غير تابعة، منسجمة مع ثقافة الأمّة ومواكبة لآمال ولطموحات. وقد قال الإمام الخامنئيّ دام ظله في ذلك:

"كانت الجامعات منبهرة بالغرب، ولم تتوفّر لديها الإرادة للسير نحو الإبداع. هذا لا يعني أنّهم لم تكن لديهم الرغبة في هذا الهدف، إنّما كانت هي الثقافة السائدة في الجامعة. الثقافة السائدة كانت ثقافة التبعيّة التي كانت حكومة الشاه تعمل على إشاعتها بقوّة. حتّى إنّ أولئك الذين كانوا يدعون إلى التجديد في الوسط الجامعيّ لم يكونوا مستنيرين شعبيّين، بل كانوا يتميّزون بالبعد والانفصال عن الشعب! العديد منهم غادروا البلد بعد انتصار الثورة إلى البلدان الأوروبيّة، وهم الآن يعيشون حياة الترف، ويقضون أكثر أوقاتهم في المقاهي! هكذا كان وضع الجامعات، فجاءت الثورة وأنقذت الجامعة من هاتين الآفتين الكبيرتين، وجعلت منها جامعة مستقلّة خلّاقة، وأثارت فيها الثقة بالنفس، والتميّز بالقابليّة على إنتاج العلم والفكر المنسجم مع ثقافة الشعب بكافّة شرائحه، ومواكبة طموحات الجماهير ومعتقداتها والعلاقات السائدة فيها، هذا ما يحظى بالأهمّيّة الفائقة.

 

طبعاً، ما زالت الأجهزة وأصحاب النظريّات في الغرب تردّد هذه الأحاديث على مدى عشرين عاماً. ومنذ بضعة سنين راح بعض المغفّلين الجهلة في الداخل، أو المغرضين والمنبهرين بالغرب، راحوا يردّدون تلك الأحاديث والأقوال نفسها بلهجات

 

169

 


157

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

مختلفة، فالقضيّة المهمّة بالنسبة إلى نظام الديمقراطيّة الليبراليّة على الظاهر - وهي في الحقيقة ليست ديمقراطيّة ولا ليبيراليّة، بل هي نظام الاستكبار العالميّ - والشركات الصهيونيّة وأنصارها، ليست إلّا ما يمكّن لهم الاستثمار ومحاولة احتكار الهيمنة على المراكز الرئيسيّة للثروة العالميّة، انطلاقاً من مراكز سلطتهم. هؤلاء يتّهمون الثورة بالاستبداد حتّى لا تقف عقبة في طريق استبدادهم.

 

يصفون العالم بأنّه قرية عالميّة كي يتولّوا هم القيمومة عليه، يطلقون شعار الوحدة الثقافيّة والعولمة الثقافيّة كي يفرضوا ثقافتهم على كافّة ثقافات العالم. إنّهم لا يسمحون لأحد بإثارة أدنى مؤاخذة على المستوى الدوليّ في ما يتعلّق بثقافتهم التي مهّدت السبيل للاستعمار، لكنّهم يريدون منكم أن تنتهجوا سبيل التعدّدية والقراءات المتعدّدة في ما يتعلّق بإيمانكم وأفكاركم وثقافتكم، وأن تسمحوا لكلّ مقال ووجهة نظر أن تُطرح حول إيمانكم وأفكاركم وثقافتكم وقواعدكم العقائديّة المتينة، لكنّهم لا يسمحون بمثل هذا في ما يخصّ شؤونهم! فلا يحقّ لأحد أن تكون له قراءات متعدّدة إزاء المصالح الأمريكيّة. فهم يدخلون بكلّ قوّة حيثما اقتضت مصالحهم. إذا ما سُئلوا عن المبنى في تدخّلهم يختلقون له أساساً فكريّاً! قبل أيّام عدّة طُرح في الكونغرس الأمريكيّ مشروع يسمح للرئيس الأمريكيّ باغتيال أيّ معارض في أيّة نقطة من العالم! وإذا ما واجهوا استفساراً عن السبب، فإنّهم يختلقون أدلّة لتبرير مصالح

 

 

170

 


158

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

أمريكا! ويريدون منّا أن ننظر إلى تلك الأدلّة برؤيتهم، ونتقبّلهم بكلّ كياننا وإيماننا. هل هناك غطرسة فوق هذه؟!"[1].

 

3- العلم ملكٌ للإنسانيّة

وإنّ من أهمّ السبل لتصويب مسار العلم واحترام أخلاقيّاته أن يتعزّز المفهوم الحقيقيّ للعلم لدى الأمم المتأخّرة تقنيّاً عن الغرب، بمعنى أن تتكرّس النزعة المبدئيّة للعلم، والتي تقوم على أنّ العلم ملك للإنسانيّة، وليس لأمة دون أخرى، وأنّ العلم لا يُحتكر بالمعايير الإنسانيّة وبالمعايير الدينيّة، وأنّ العلم يمتّن هويّة الأمم ويصنع للأمم معها الاقتدار والاستقلال، ويعينها على تجاوز التبعيّة والغزو الثقافيّ، وأن يقودنا العلم إلى أعلى مراتب التقنيّة والقدرة، لكي نوظّفها بالأطر الإنسانيّة تحت سقف التعاليم السماويّة المقدّسة. والنزعة المبدئيّة تعني أيضاً اقتران العلم بالإيمان ومعرفة الله -تعالى- والتمسّك بالأخلاق، وأيضاً أن تنشأ أجيال وفق هذه المعايير، لا تشعر بالدونيّة أمام الغرب ولا تجترّ أفكاره، ولا تكون صدىً واستنساخاً للغرب ولمجتمعاته التي وقعت في أسر التفلّت من أخلاقيّات العلم لصالح المكاسب والمصالح التوسّعيّة والسيطرة والاستعمار، وقد دعا الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى النزعة المبدئيّة في العلم صراحةً، وأوضح مبتغاه في ذلك بالقول:


 


[1] خطاب بتاريخ 27/2/2001م، في لقاء أساتذة جامعة أمير كبير وطلّابها.

 

 

171


159

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

 

"النزعة المبدئيّة في العلم، معناها أن نسعى في المسائل العلميّة إلى القِمم، وهذا ما يجب أن يتمخّض عن اهتمامكم بالدراسة وحُسن الدراسة، وأقولها لكم: إنّ الدراسة، وطلب العلم، والبحث العلميّ، والجدّ في الوظيفة الأصليّة للطالب الجامعيّ تُعدّ جهاداً.

 

ويجب التحلي بالنزعة المبدئيّة في مجال المعنويّة والأخلاق أيضاً. البيئة الجامعيّة، وبسبب إنّها بيئة شبابيّة، يجب أن تكون بيئة طاهرة نظيفة. بعضهم يتوهّم أنّ الجامعة هي البيئة التي لا ضرورة، وليس من المحبّذ فيها كثيراً التقيّد بالدين والالتزام بالتديّن والأخلاق. هذا ناجم عن البناء الخاطئ الذي أُرسي في عهد الطاغوت وفي بداية ظهور الجامعات. أوجد الجامعات في ذلك الحين أشخاص لا يؤمنون بأصل الدين والمعنويّة والأخلاق، وكانوا والهين بالغرب ومخدوعين بأن يخطّطوا ويعملوا في داخل البلاد، بحيث يواصلوا هيمنتهم التي كانت لهم بنحو من الأنحاء في العهد القاجاريّ، يواصلونها في العهد البهلويّ، وبشكل مضاعف، ولكن على نحو آخر أكثر هدوءً، تربية جيل مستنير متعلّم دارس يفكّر بطريقة غربيّة، وإعداه. إنّه جيل إيرانيّ، لكنّه يفكّر بطريقة فرنسيّة وبريطانيّة وأمريكيّة، وآماله آمال شخص أمريكيّ، وأعماله وممارسته أعمال فرد أمريكيّ أو بريطانيّ، مع أنّ هويّته إيرانيّة، ويسكن إيران. كانوا يسعَون لتخريج مثل هذا الجيل"[1].


 


[1] خطاب بتاريخ 6/8/2012م، في لقاءٍ مع أساتذة الجامعات.

 

172


160

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

4- لأخلاق غير محكومة باعتبارات المصالح

وحيث أثبتت الوقائع في بلدان الغرب عجز العلم بمفرده عن تحقيق السعادة والسلام، وزاد الأمر غرابة أنّه كلّ ما نما العلم في هذه البلدان ظهرت فيه أعراض فقدان الأمن وتفكّك الأسرة وطغيان العلاقات المادّيّة بين البشر، فقد كان طرح الإمام الخامنئيّ دام ظله متميّزاً بطرح ركائز ثابتة وراسخة للالتزام بأخلاق العلم، أخلاق غير محكومة باعتبارات المصالح وصراع الأمم ولمن تكون السيادة في العالم، بل أعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من صميم الأخلاق الإنسانيّة، وحلقة لا تنفكّ عن حلقات الثقافة الإسلاميّة المترابطة، وقد لمسنا في خطبه المتعدّدة هاجس الالتفات إلى مسألة الثقافة وقضايا الأمّة الثقافيّة، بكونها المدخل للاستقامة والانضباط والمشاركة والإرادة والكبرياء الوطنيّ والإحساس بالقوّة والعنفوان والإقدام. وبدوره، فالهمّ الثقافيّ للإمام نابع من إنسانيّة الإنسان، ومنطلق من الأهداف الإنسانيّة السامية.

 

5- القيم السامية شروط لازمة للتغيير

لقد اعتبر الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ القيم العليا والسامية هي عناوين وشروط لازمة للتغيير، وأنّ دعوة الإسلام إنّما تجاوزت المواقع والعراقيل كلّها بقوّة التزامها بهذه القيم، وأنّ الثقافة تتولّد من هذه الدعوة وتلازم الإنسان، فتصبح كالهواء الذي يتنشّقه، فإن كان نقيّاً يجدّد القوى وينطلق قُدماً نحو الأمام، وإن كان فاسداً فسيفسد

 

173


161

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

البدن وأحلامه وتطلّعاته للمستقبل الواعد. والعامل الثقافيّ المتين هو بالتالي ضمانة لبلوغ الرقيّ والتقدّم وأعلى المراتب بين الأمم، وكلّما تأسّس العلم على بنيان متين، كلّما سمت أهدافه وتضاعفت قيمة العلم ونتائجه لصالح البشريّة، لا لفئة أو أمّة من بين الأمم.

 

6- التبادل العلميّ يغاير الغزو العلميّ

وردّاً على الغزو الثقافيّ الذي تتعرّض له الأمّة، يطرح الإمام الخامنئيّ دام ظله التبادل العلميّ كجزء من مفهومه للتبادل الثقافيّ، ويميّز بشدّة بين التبادل العلميّ والغزو العلميّ، ويقول: إنّ التبادل ترميم لثقافة الأمّة ومداركها، تأخذ منه ما يكمل ثقافتها، وتعدّل منه ما تراه مناسباً، فيما الغزو الثقافيّ هجوم يستهدف اجتثاث أصول الثقافة الوطنيّة، ويحصل عندما تضعف الأمّة، مترافقاً بالانحراف بأوجه الحرّيّة الغربيّة والإرساليّات والأخلاق والمرأة... ولذا، يدمج الإمام الخامنئيّ دام ظله أخلاقيّات العلم بالأخلاق الإسلاميّة، كجزء من منظومة الثقافة الإسلاميّة الراسخة والصلبة: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[1].

 

ويربط الإمام الخامنئيّ دام ظله طموحات وغايات النظام الإسلاميّ بالعدل: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2], وغاية بعث الأنبياء على وجه الأرض والأمل الحقيقيّ لوقف معاناة الإنسانيّة التي لا زالت تعاني


 


[1] سورة التوبة، الآية 109.

[2] سورة الحديد، الآية 25.

 

174


162

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

من فراغ العدالة بين بني الإنسان، ويعتبر أنّ من مظاهر العدالة والكمال للبشريّة العلم النافع والعمل الصالح، اللذين كلّما كانا أكثر نفعاً كان ثوابهما أكبر، ويصل بحمله لهم العدالة إلى أن يطرح شعار العقد الحاليّ الذي نعيش فيه بعقد "التقدّم والعدالة" كعنوان يجب أن تتميّز به أهداف الأمّة وطموحاتها، والأفراد والحكومة داخل إيران.

 

7- إعمار الأرض بالعلم والعمل، أعلى مراتب الجهاد

وحيث إنّ الإمام الخامنئيّ دام ظله يعتبر أنّ البلد المهيمن والمستكبر سيفرض على البلد الخاضع آدابه وعاداته وأخلاقيّاته التي يرتضيها، وحيث إنّ الغرب لم ينزع عنه عدوانيّته للاستحواذ، متذرّعاً بالمصالح السياسيّة والاقتصاديّة، ولا زال يفصل في مواقفه بين الأخلاق والعقائد وموقفه تجاه قضايا المال والسلطة، وحيث إنّ شريعة الغاب كامنة في نفوس قادة الغرب بلبوس الديمقراطيّة والحريّات وحقوق الإنسان، فإنّ أحداً لن يرحم أحداً، ولن يتسامح البلد القويّ مع البلد الضعيف، فقد أكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله على متانة القيم المعنويّة للجمهوريّة الإسلاميّة، ورفع شعارات الاستقلال، ووقف التبعيّة والعدالة والحرّيّة والصحوة، واعتبر أنّ أعلى مراتب الجهاد تتمثّل بإعمار الأرض بالعلم والعمل، وبإظهار بركاتها، خدمة لأهل الأرض، وأنّ الالتزام بالخطّ الإلهيّ المستقيم هو العدالة بعينها. وكمصداق لذلك، نلفت إلى أنّ جميع العقوبات

 

 

175


163

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الجائرة والحرب المفروضة على إيران التي فاقت بوقاحة أصحابها، وبامتدادها الزمنيّ، تجارب الحضارات العاتية في التاريخ، لم تدفع إيران إلى ردّ فعل بالطريقة الغربيّة عينها، بل اعتبرت أنّ العلم للأمّة، وما هو متوفّر لها متاح لكلّ من يحتاج إليه، ودعت إلى التشدّد في الالتزام بأخلاقيّات العلم، والتي لم يقتصر ظهورها في مراكز الأبحاث ومختبرات التقنيّة، وإنّما في الإدارة والفنّ والسينما والمسرح وأدبيّات التخاطب العلميّ والإعلاميّ، ودعت، ولا تزال، للاحتفاظ بكنوز المعرفة وآثار الحضارات العريقة، وعملت على إغناء الثروات الثقافيّة والفكريّة لها ولسائر الأمم على السواء.

 

تجاوز أخلاقيّات العلم، الطاقة النوويّة نموذجاً

1- التعاطي الغربيّ، خرق فاضح لأخلاقيّات العلم

إنّ علوم الذرّة هي من أكبر النتائج العلميّة التي تستطيع أن تكون، ويجب أن تكون، في خدمة رفاه شعوب العالم، وتقدُّم المجتمعات الإنسانيّة كافّة وتنميتها، سواء في علوم الطبّ أو الطاقة أو الصناعة. كما أنّ حقّ الاستفادة من هذه التقنيّة هو لجميع الشعوب، لضمان الاستقرار والازدهار الاقتصاديّ عندها، ولحفظ مكانتها الفُضلى للأجيال اللاحقة.

 

ويمثّل التعاطي الغربيّ مع إيران خرقاً فاضحاً وفاقعاً لأخلاقيّات العلم، واستغلالاً سيّئاً للعلم وتقنيّاته، ولأصول التعاطي السياسيّ النموذجيّ بين الأمم. فالعرقلة الغربيّة للبرنامج العلميّ السلميّ

 

 

176

 


164

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

للجمهوريّة الإسلاميّة تستهدف مصادرة حقّها في الحصول على موارد طاقة مهمّة وتقنيّات صناعيّة وطبيّة، وتأتي – للمفارقة - من قِبل دولة، هي الولايات المتحدة، التي انفردت في التاريخ باستعمال السلاح النوويّ ضدّ مدن آمنة مطمئنّة، وشكّلت فاجعة إنسانيّة ذات أبعاد غير مسبوقة في الأمن الإنسانيّ، وتهديداً لأصل الوجود البشريّ على كوكب الأرض!

 

إنّ احتكار الطاقة النوويّة ومنع معارف العلوم عن الآخرين هما تجاوز أخلاقيّات العلم كلّها، التي تتحرّك في اتّجاه إشاعة المعرفة والثقافة لصالح البشريّة ورفاهها ولوقف معاناتها. ويتحرّك الغرب من خلال مفاوضات تسير مترافقة مع عقوبات ظالمة، ومعظمها هو من قِبل الولايات المتّحدة وأوروبّا من خارج القانون الدوليّ، تهدف إلى احتكار موارد الطاقة النوويّة ومنع الدولة الخارجة عن الإدارة الغربيّة، الأمريكيّة والأوربيّة، من امتلاك هذه الطاقة، في وقت تمعن فيه هذه الدول في إنتاج الأسلحة النوويّة وتخزينها، مع إصرارها على تطوير هذه الأسلحة وقدرتها التخريبيّة وصرف الأموال الطائلة لأجل ذلك في سباق تسّلح يضمن ما يسمّى بالردع المتبادل والقائم على أساس الدمار الشامل المتبادل والمؤكّد، وهو ليس في حقيقته إلّا الجنون المتبادل، وتمعن دول الغرب التي تتشدّق بعناوين الأمن والسلامة العالميّين في خرق المعاهدات الدوليّة، وفي طليعتها معاهدة منع انتشار الأسلحة النوويّة، وتذهب

 

 

177

 


165

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

بعيداً في ضمان السلاح النوويّ عدداً وعدةً لدى الكيان الصهيونيّ الغاصب لأرض فلسطين.

 

2- أخلاقيّات العلم، الدفاع عن الأمان والاستقرار في العالم

إنّ الكلام في هذا المضمار عن ضرورة التحلّي بأخلاقيّات العلم، إنّما يستهدف العمل على وقف الأخطار الناتجة عن استخدام السلاح النوويّ من قِبل الغرب ومعالجتها، والذي ذهب بعيداً في استخدامه، كسلاح تهديد لكلّ من يخالفه الرأي في ساحة العالم، وبالطبع من خارج القانون الدوليّ، ومعالجة جميع الأخطار الناتجة عن إنتاج الأسلحة النوويّة وتخزينها. ونعني بهذه الأخطار أخطار التلوّث البيئيّ والأضرار الإشعاعيّة الهائلة والأخطاء التقنيّة المحتملة، والتي تؤدّي إلى انفجارات نوويّة مدمّرة على شاكلة "تشرنوبيل" في الاتّحاد السوفياتيّ سابقاً. وبالتالي، على رافعي عناوين الالتزام بأخلاقيّات العلم كلّهم في الغرب أن يتعاونوا مع سائر الأمم لضبط الأساليب العمليّة لمواجهة هذه التهديدات ضدّ الإنسانيّة.

 

لكي تكون أخلاقيّات العلم عناوين واقعيّة، يجب أن تترجم في مسيرة الدفاع عن الأمان والاستقرار في العالم وحفظ الجنس البشريّ المهدّد بوجوده في الاستخدام المشين للطاقة النوويّة عسكريّاً من قِبل الغرب، وطبعاً من دون أن نغفل الأسلحة الكيميائيّة والجرثوميّة في هذا العنوان، كما أنّ الإمعان في انتهاك الأخلاقيّات العلميّة على المستوى النوويّ، قد طال مؤسّسات الشرعيّة الدوليّة، كمجلس

 

 

178

 


166

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الأمن والأمم المتّحدة والوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، حيث يتصاعد الحديث يوماً بعد يوم عن ضرورة إصلاح هيكليّة مجلس الأمن ومبدأ حقّ الفيتو المُعطَى لدول انتصرت في الحرب العالميّة الثانية دون أخرى، حيث لم يجرؤ مجلس الأمن على محاكمة الولايات المتّحدة على جريمتها في حقّ اليابان، وبات إصرار أمريكا وبعض دول الغرب على امتلاك الأسلحة النوويّة أمراً مسيئاً لهم ولتاريخهم. فأميركا اليوم -صاحبة الألفين وخمسمئة رأس نوويّ حربيّ، موجّهة إلى أهداف محدّدة في دول العالم، والتي انفردت باستخدام السلاح النوويّ لأهداف مدنيّة بحقّه، رافقها سقوط مئتي ألف قتيل في هيروشيما ونكازاكي اليابانيّتين، لأجل زرع الرعب وفرض سيطرتها على الساحة العالميّة- هي من يطالب بتنظيم السلاح النوويّ، وهي من تعطي حقّ امتلاكه لـ "إسرائيل"، وهي من تريد منعه عن خصومهما. وللعلم، لم تقدّم أمريكا اعتذاراً للمجتمع الدوليّ على جريمتها النوويّة ضدّ الإنسانيّة، ولم تقدّم الوعد بعدم العودة إليها ثانيةً، حتّى باتت الأصوات مرفوعة على الساحة الدوليّة تقول: إنّ الغرب، ومعه مؤسّسات الشرعيّة الدوليّة التي أنشأها ورعاها، لم تحقّق العدالة، ولم تكن حكماً نزيهاً في أيّ صراع، لا بل إنّ تاريخهم تاريخ الخروج عن المؤسّسات الدوليّة، كغزو العراق وأفغانستان ودعم الكيان الصهيونيّ وتغطية مخطّطاته التوسّعيّة والإقصائيّة لأهل فلسطين. وعليه، فإن لم يكن هؤلاء دعاة سلام، فليتركوا

 

 

179

 


167

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

الأمم الأخرى وشأنها لتتدبّر أمرها وتعيش بأمنها وسلامها، وتتنعّم بمقدّراتها، دون وصاية أو استغلال دوليّين.

 

إنّ الولايات المتّحدة، ومعها حلفاؤها، إنّما يقدّمون بهذا المشهد نموذجاً لمفهوم معيب عن السلام والأمن الدوليّين، وهو مفهوم تقول فيه رئيسة وزراء "إسرائيل"، ربيبة الولايات المتحدة، عقب قرارات مجلس الأمن الشهيرة 272 و338: "إنّ قرارات الأمم المتّحدة ليست مدافع مصوّبة تجاه "إسرائيل"". وليس هذه العربدة إلّا نتاج العلم والثقافة المأخوذ نحو السيطرة والغلبة وفتح الأسوار والأسواق بالقوّة، في تناقضٍ مدوٍّ مع أخلاقيّات العلم وأهدافه السلميّة العليا، والتي يقول فيها الإمام الخامنئيّ دام ظله في المقابل: "إنّ العلم نبراس الله في الأرض"، وفي موضوع آخر يقول: "إنّه قيمة ذاتيّة ونور إلهيّ، وُجد لأجل الإنسانيّة كلّها، دون تمييز في الجنس أو اللون أو الانتماء".

 

3- على الأمم المتّحدة نزع السلاح النوويّ ووقف انتشاره

وعليه، يتطلّب الالتزام بالحدود والضوابط الأخلاقيّة للعلم، نزع السلاح النوويّ ووقف انتشاره. وعلى الأمم التوحّد وإملاء إرادتها في وجهه الدول النوويّة المتغطرسة، وعدم السماح للمجرمين في حقّ الإنسانيّة أن يقدّموا النموذج عن السلام، واحترام المعايير العلميّة الموحّدة، لتطبّق على الجميع دون استثناء، ووقف سياسات الأحلاف العسكريّة، والأهمّ إماطة اللثام عن الاتّفاقات النوويّة العسكريّة السريّة بين أمريكا والكيان الصهيونيّ، إذ إنّ التقنيّات العسكريّة وصناعتها

 

 

180


168

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

السريّة هي من العناوين البارزة لخرق مبادئ أخلاقيّات العلم التي تلحّ في جعل البحث العلميّ واضحاً ومتاحاً للجميع، وتحت أعين المنظّمات الدوليّة، التي من المفترض أن تأخذ دورها بفاعليّة، وأن تكون غير منحازة لأحد. كما أنّ من الواجب تطوير اتّفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة، بأن تشمل رقابتها على الترسانة النوويّة الصهيونيّة والزيارات الرقابيّة الصارمة والمشدّدة لمراكز الأبحاث فيها، وأن تتشكّل لجانٌ رقابيّة دوليّة مع صلاحيّات واسعة من الأمم المتّحدة، تتمثّل فيها الدول كلّها، وتدار جماعيّاً، لمراقبة إنتاج سلاح الدمار الشامل والسلاح النوويّ وانتشارهما، وأن تتبلور آليّات التفتيش لديها، وتكون شفافيّة وعلميّة بحتة، وأن تتعاون لحلّ مشاكل النفيات النوويّة، وإيجاد حلول دوليّة لها في إطار التكامل والتعاون العلميّ البنّاء، وصولاً إلى إزالة العقيدة العسكريّة النوويّة من الدول الحاملة للسلاح النوويّ، وتفعيل الثقافة التربويّة ضدّ واستعمال السلاح النوويّ واستعماله، وألّا تكتفي الدول النوويّة بالعمل على منع انتشار السلاح النوويّ، وإنّما أن ترتدّ إلى داخلها لوقف برنامج التسلّح والتدريب الهجوميّ، ولتفكيك قدراتها النوويّة العسكريّة، لنصل إلى عالم مسالم خالٍ من السلاح النوويّ، وإلى دول قد توقّفت عن تهديد العالم المخالف لإرادتها باستعماله، لأنّ الاستعمار واستغلال مقدّرات الأمم الأخرى مسألة قد انتهت.

 

181


169

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

فالشعوب تتحلّى اليوم بالوعي والإرادة، وهي لم تعد ترضى بالذلّ والخنوع، ولم تعد الأكاذيب والوعود الغربيّة تنطلي عليها، والسلام بات هو المصير المحتوم للإنسانيّة.

 

4- العالم عاجز عن حلّ معضلة انتشار السلاح النوويّ

وحالياً، لا يزال العالم عاجزاً عن حلّ معضلة انتشار السلاح النوويّ، حيث تحاول العديد من الدول الخارجة عن إطار مجلس الأمن الحصول على أسلحة ذريّة، وكذلك تحاول جماعات الإرهاب والتكفير، وهي بالطبع لن تألو جهداً للحصول على السلاح النوويّ فيما لو بانت فرصتها في الأفق، وقد أتت مؤتمرات الأمن النوويّ خطوة في هذا الاتجاه، لكنّها اتّسمت بالاستعراض، فأهل القرار في أمريكا وسائر دول الغرب لن يسمحوا بنزع السلاح النوويّ لديهم. والمعضلة الأكبر: من يقنع "إسرائيل" بالتخلّي عن سلاحها النوويّ. كما أنّ الوصول إلى عالم خالٍ من الأسلحة النوويّة هو في الحقيقة ضرب من الخيال في ظلّ التوازنات الدوليّة القائمة. فالمطلوب أوّلاً: تغيير خارطة هذه التوازنات لفرض مثل هذا الواقع، وتغيير نظام عمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتحديداً إعادة النظر بمسألة حقّ الفيتو. والغريب هنا، أنّ الدول الداعمة لعالم خالٍ من السلاح النوويّ هي الدول التي لا تملكه، والتي لا أفق لها أن تمتلكه في المدى القريب. ويمكن القول هنا: إنّ أصل وجود السلاح النوويّ يعدّ استثماراً بائساً ومقيتاً للعلم، وهو تطوير لأدوات القتل وإفناء

 

182

 


170

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

البشريّة من خلاله، في تعارض عميق مع أخلاقيّات العلم التي نظّر لها الغرب وتفاخر بها، ولكنه كان أوّل الخارقين لمبادئها، إلّا أنّه يظلّ يعمل لها ويجهد لتطبيقها، لكن على الدول الأخرى، لا عليه، وتحديداً على الدول غير الدائرة في فلكه، ويصرف النظر عن تجاوزات الكيان الصهيونيّ الفاضحة، متجاهلاً كلّ ذلك بمعيار ضرورات الهيبة والنفوذ وتأكيد السيطرة العسكريّة على العالم، والتي تستبطن سيطرة اقتصاديّة وثقافيّة استعماريّة، وهذا يبقى بيت القصيد في حركة السياسة الدوليّة، مع الأسف!

 

خلاصة ما تقدّم

عرضنا ماهيّة أخلاقيّات العلم والقيم الحاكمة للبحث العلميّ في الإطار المتعارف عليه في كافّة مراكز البحث ومؤسّسات التعليم العالي في العالم، وقدّمنا نموذج الأخلاقيّات الصحيحة السائدة في أروقة البحث، والتي يربطها بعضهم، وبغير وجه حقّ، بمفاهيم الحرّيّة في إطارها الليبراليّ. ولعلّ هذا الإطلاق في مفهوم الحرّيّة أوصلنا إلى التحكّم، ومن ثمّ العبث بشكل المخلوق وجنسه وجيناته، وأوصلنا إلى عالم قادر على تدمير نفسه بقرار منه. وتطوير الإنسان بات في عصرنا الحاضر أولى من تطوير العلم الذي أوصلنا إلى مرحلة غير مسبوقة من الرفاهيّة ومن الراحة، وأوصلنا إلى القمر، لكنّه لم يحلّ لنا المشكلة الإنسانيّة القابعة في جوهر الذات البشريّة، فلا زالت المجاعة تهدّد أمماً، ونحن نتفرّج عليها،

 

 

183

 


171

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

ولا زال الطغيان الأميركيّ يفرض نفسه ويريد أحاديّة وجوده، حتّى لو كلّف ذلك حرباً عالميّة ثالثة، سيكون منشؤها - لا محالة - الجشع والسيطرة، وإيجاد الأسواق لتصدير المنتجات، وإيجاد مصدر الطاقة والمواد الخامّ لتحريك الصناعة ومعالجة بطالة الدولة الصناعيّة. وها هي بلدان العالم الثالث تدفع ثمن الهستيريا المتوقّدة في الغرب نحو الصناعة والتقانة دون حدود وقيود، وقد صار بعضها مكبّاً للنفايات التي تصدرها معامل الغرب، وهي باتت في أتون التلوّث النوويّ والكيمائيّ والبيئيّ الذي تسبّبه الصناعة الهوجاء في الغرب، وهي أسيرة لتوجّه خطير، كان قد اتّخذه الغرب منذ ما قبل الحرب العالميّة الأولى في منع التحرّر لشعوبها، وتأكيد غلبة القرار السياسيّ الغربيّ عليها.

 

من جهة أخرى، تبيّن لنا أنّ بعض التجارب العلميّة في الغرب يهدّد وجود الإنسان وحريّته وإرادته. ولذلك، فلا حقّ للعلماء، أينما وجدوا، أن يستفردوا في مسارات أبحاثهم ونوعيّتها، ولا حرّيّة لهم في المضيّ بهذا الطريق دون ضوابط ومساءلة، ذلك أنّ الآثار السلبيّة المترتّبة على أبحاثهم تطال المجتمعات، وتصل إلى حدّ تهديد الوجود الإنسانيّ وحرّيّته، بل ومستقبله، ولهذا هو أمر مصيريّ وهو مسؤوليّة الجميع، رأي عامّ، ساسة، مفكّرون، فلاسفة، منظّمات المجتمع المدنيّ[1].


 


[1] ناهدة البقصميّ، الهندسة الوراثيّة والأخلاق، سلسلة عالم المعرفة 174، الكويت، حزيران 1993.

 

184


172

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

وعليه، إنّ القيود على حرّيّة البحث العلميّ أمر يتوجّب النقاش فيه تمهيداً لبتّه. في عصرنا هذا، خاض العلم معركة حرّيّته منذ القرن السادس عشر وما بعده، وصولاً إلى اعتباره قيمة وحقّاً في نفسه، لكن اليوم نجد أنّ حرية العلم قد سيئ استخدامها من خلال علماء ومختبرات ومشاريع دول عرّضت وتعرّض الوجود الإنسانيّ للخطر، وبات مصير الإنسانيّة ومستقبل الأجيال على المحكّ، ومن حقّ البشر أن يخافوا ويتحسّبوا لهذه الحرّيّة المتفلّتة من أيّ عِقال.

 

ولقد كان التصدّع كبيراً بين أفكار العلماء الذين كنّا قد ذكرناهم، ولا سيّما كارل بوبر، حول وظيفة العلم السامية وفلسفته التي اندفعت في البحث عن الحقيقة وكسر هيبة الطبيعة من جهة، وبين أهل القرار في الغرب الذين غرقوا في توجيهات استعماريّة عنيفة هزّأت الذات الإنسانيّة ولعبت بالغرائز وشحن الطوائف بالبعد الدينيّ والغرائزيّ، واستخدمت أسلحة العنصريّة والتوسّعيّة.

 

ومن جهة أخرى، فقد لاحظنا ثمّة إطناباً في الحديث عن أدبيّات البحث العلميّ ومواصفات الباحث والقيود الأخلاقيّة لعمله، وتبيّن أنّ الغرب يحترم واقعاً العديد من هذه الأدبيّات والقيود، ولكنّه ينتقي منها ما هو لمصلحة بحثه الذي يصبّ في مصلحة الدول المكوّنة للغرب ولأمنها القوميّ، وقد أجرى اتّفاقيات عدّة حول الموضوع عبر الأمم المتّحدة وسائر المنظّمات الأوربيّة، وكتب كثيراً عن سلامة العلاقة

 

185

 


173

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

بين مراكز الأبحاث والمجتمع، وعلى وجه الخصوص كان يلتزم بالقيود والأخلاقيّات الفرديّة للبحث وللباحث، محترماً الكرامة الشخصيّة لمواطنيه فقط، ولكن عندما كان يقارب المصالح العليا لدوله كان يطيح بجميع المعايير والأخلاقيّات اللازمة للبحث العلميّ ولأهداف العلم، ويسدل ستائر السريّة على تجاربه ويحتجز النتائج الاقتصاديّة منها، ليحرم الدول النامية منها، ويستعمل العسكريّة منها لقهر إرادة الأمم الأخرى في إطار مشروع السيادة والسيطرة لديه، محتكراً العلم وحارماً فرصة النهوض والتقدّم لسائر البشر. إنّها ازدواجيّة المعايير التي ينفّذها الغرب مرّة أخرى وتبتعد الأمم بسببها عن السلام والرفاه، ولكن هذه المرّة في إطار العلم وأهدافه وأخلاقيّاته....

 

كما برزت تيّارات متنوّعة في الغرب نادت بتوحيد المعارف وتعميم فائدتها والتمسّك بالبعد الروحيّ المحرّك للعلم، ذلك ما اصطُلح عليه بالدعوة إلى صوفيّة المعرفة، ويماثلها في العالم الإسلاميّ دعوات إلى أسلمة المعرفة والتوازن بين المادّة الصمّاء والبعد الروحيّ القائم على تركيز محوريّة الإنسان في تكافله وتعاطفه مع أخيه الإنسان، كأساس نبني عليه، وهذا التلاقي إنّما يأتي في ذات اتّجاه الرؤية التي أطلقها الإمام الخامنئيّ دام ظله.

 

وأمام البون الشاسع بين ما هو قائم في الغرب من أطر نظريّة لأخلاقيّات العلم وأهدافه الإنسانيّة السامية من جهة، والوقائع العمليّة التي يمعن فيها الغرب بازدراء أهدافه هذه، ويتحرّك

 

 

186


174

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

في سباق تسلّح وسباق تقنيّ للوصول إلى مرحلة التفوّق بالقتل أكثر من غيره، وصولاً إلى مرحلة يخشى فيها العالم بأسره مصيره القائم في حال نشبت حروب نوويّة أو جرثوميّة أو كيمائيّة من جهة، فإنّنا ومن خلال شخص الإمام الخامنئيّ دام ظله وطروحاته الأخلاقيّة المتقدّمة للعلم بتنا نتلمّس الحلّ. والحلّ هذا ليس جملاً أدبيّة مصفوفة ومنمّقة، وإنّما قائم على تجربة وأداء، تطوّرت معه إيران علميّاً، وامتزج الدين بالعلم، حيث -وللمفارقة- ردّت على العقوبات الظالمة عليها وعلى الحصار الخارج عن مؤسّسات الشرعيّة الدوليّة بالدعوة إلى تدمير أسلحة الدمار الشامل، ووجّهت العلم في اتّجاه مصلحة البشر ورفاهيّتهم، واقترحت في إطار الردّ على حرمانها من حقّها بامتلاك تقنيّات الطاقة النوويّة السلميّة، بوضع كلّ ما تملك من علوم وخبرات نوويّة للدول التي تعاني من مشاكل الطاقة، وبإطار السلام والأمان الدوليّين. وتبقى فرادة الطرح الإسلاميّ الذي قدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله عن العلم وقيمة أخلاقيّاته قائمة على عناصر، هي مفخرة نعتزّ بها ونقدّمها للعالم، سنعيد إيجازها وفق الآتي:

1- العلم نور، ونبراس العلم بيد الله - تعالى -.

2- العلم هو العلم الهادي، وهو شرف وسموّ إنسانيّ، وبُعد عن الهوى والهوس، وباب نحو العدالة على الأرض.

3- للعلم قيمة ذاتيّة عالية، معنويّة وروحيّة، مقرونة بالورع والتقوى، وعلى الأمم احترام الإبداعات العلميّة، قانونياً وأخلاقيّاً.

 

187

 


175

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

4- لا يستقيم العلم إلّا بعماد النورانيّة في نفس طالب العلم وأستاذه.

5- محوريّة العلم هي الإيمان والأخلاق، وهما وحدة متكاملة لا تنفكّ عروتها، والعلم سلاح الإيمان، يسير به في اتّجاه الحقّ والأمان والرفاه للإنسانيّة جمعاء.

6- إنّ نقل وإنتاج العلوم والمعارف من مهام الأنبياء، ويكفي المعلِّمين والأساتذة شرفاً أن تقارب مهامهم مهامَ الأنبياء.

7- العلم يُبنى بالإيمان بالذات، قبل الإيمان بالغرب أو بسواه، ويُبنى مقترناً بالثقة بالكفاية والشجاعة لحامليه وطالبيه.

8- العلم طريق الكرامة، أي طريقٌ للكفاية والنهوض والاقتدار.

9- العلم مُتاح للجميع، وخصوصاً للمستضعفين، ولا يمكن احتكار العلم ولا ابتزاز الأمم الأخرى به.

10- العلم ملك الإنسانيّة جمعاء، وعلى الأمم تبادل العلوم والمعارف لصالح البشريّة ككلّ.

11- العلم عقلانيّ ومحايد في مرحلة الاكتشافات، لكنّه عندما يُساق به لخدمة مشاريع ودول، فهو غير محايد، وهو واقعاً غير محايد في العالم اليوم.

12- يجب الالتفات إلى الآثار الثقافيّة المدمّرة لسوء استعمال التقنيّات العلميّة.

13- البحث العلميّ بحث هادف موجّه، لا فوضى فيه ولا هدر لموارد البشريّة.

 

188


176

المثال الحيّ والأمين للرؤية العلميّة

المثال الحيّ والأمين للرؤية العلميّة

السياسات العامّة للبرنامج الرابع للتنمية

في الجمهوريّة الإسلاميّة

 

 

لقد تجسّدت ثمار الرؤية التي وضعها الإمام الخامنئيّ دام ظله حيويّة وواقعيّة في السياسات العامّة للبرنامج الرابع للتنمية التي أعلنتها الجمهوريّة وطرحتها أمام المجالس المعنية لمناقشتها وإبداء الرأي فيها. ولقد أردنا إيرادها في إطار المثال الحيّ والجليّ، والذي تتجلّى فيه منظومة النموذج الإسلاميّ للتقدّم وما تفرّع عنه من ثورة علميّة هائلة تحمل معاني الثورة الكاملة، متأتّية من قلب الإمام الخامنئيّ دام ظله وعقله، وأمينة على تجسيد نهج الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره، الذي كان قد وضع نصب عينيه الشروع في عمليّة إعادة بناء الجمهوريّة الإسلاميّة في السنوات الأخيرة من حياته الشريفة.

 

وكما سنرى، تتجلّى طموحات القيادة والمجتمع الإيرانيّ ثقافيّاً واقتصاديّاً وعلميّاً واجتماعيّاً، على أن تكون رسالة الجمهوريّة الإسلاميّة الكبرى واضحة تجاه ذاتها وتجاه الشعوب المسلمة

 

 

189


177

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

والشعوب المستضعفة في آن معاً. وهذه السياسات أتت لتؤكّد أنّ إيران ستصبح قوّة عظمى، اقتصاديّاً وسياسيّاً، كاستجابة لرؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله في إطار الأعوام الخمسين المقبلة. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ السياسات العامّة هذه، الواردة بوضوح وتفصيل دقيقين، هي عمل انفردت به الجمهوريّة عن سائر دول العالم الإسلاميّ ودول العالم كلّها التي هي في طور النموّ، جاء ليعكس الجدّيّة والاحتراف في قيادة الأمّة وتناغم الشعب معها واستعداده للتضحية بكلّ ما يملك في سبيل رسالة الجمهوريّة والنهج الذي بدأه الإمام الخمينيّ قدس سره وأكمله الإمام الخامنئيّ دام ظله. وهي عمل، إنّما أتى ليشحذ الهمم ويحفّز الناس عن طريق تشخيص الهدف الأسمى الذي يطمحون إليه أمام أعينهم، وليضع حداً للتعثّر في إدارة الأمّة والضياع يميناً وشمالاً دون أفق واضح، بما يعني ذلك وقف الهدر في طاقات الأمّة وأوقاتها وأموالها، تماماً مثلما يحدث ومثلما تتخصّص به دول الأنظمة العربيّة المتهالكة، التي لا مشاريع تنمية أمامها، والتي تكدّس أموال المسلمين في مصارف أمريكا وأوروبّا دون أيّ إمكانيّة استعادة لها، كما يجري أمام أعيننا في المدّة الأخيرة في عدد من البلدان العربيّة في الشرق الأوسط.

 

البرنامج الرابع للتنمية، والممتدّ على مدى عشرين عاماً، هو أمانة يسلّمها الجيل الحاليّ إلى الجيل القادم، موضّحاً وجهة العمل لكي تكون مسؤوليّة الجيل القادم صناعة أفق جديد للعشرين عاماً

 

190

 


178

الضوابط القيميّة، أخلاقيّات العلم من وجهة نظر الإمام الخامنئيّ دام ظله

القادمة. وهكذا، من جيل لآخر، بحيث تنجح الأمّة في حمل أمانة الجمهوريّة التي تأسّست بعرق الأبطال وتضحياتهم، والتي عمر مسيرتها مئات الألوف من الشهداء، وفي مقدّمهم قادة الجمهوريّة في أيّامها الأولى. هذا طبعاً مضافاً إلى المسؤوليّة العظيمة أمام الله -تعالى- عن قيادة الملايين، إمّا نحو الخير، وإمّا نحو الباطل والخنوع والسقوط في دوّامة الإرادة الاستعماريّة المتجدّدة على العالم الإسلاميّ، والشواهد أكثر من أن تحصر في هذه السطور.

 

إنّ ما سوف نعرضه ليس إلّا ترجمة أمينة لرؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله للعلم ولموقع العلم ضمن مشروعه الذي كتّل الطاقات والجهود والخبرات كلّها لأجله، ولا يزال، مشروع النهضة والاقتدار. وهو المشروع الذي يتقدّم بخطى ثابتة وأكيدة مستعيناً بالتوفيق والتسديد الإلهيّين، وداحراً جميع الغزوات والمؤامرات التي ما انفكّت تتجدّد على الجمهوريّة، والتي -كما أسلفنا- يعجز المحلّلون في السياسة عن إدراك حقيقة تقدّم الجمهوريّة وعمرانها واقتدارها في ظلّ إرادة دوليّة غاشمة، تمتدّ من أوروبا كلّها فأمريكا فكندا فـ "إسرائيل" والدول العربيّة الساقطة في الفلك الأمريكيّ، اجتماع دوليّ على إلغاء نظام الجمهوريّة وشطبه من خارطة السياسة الدوليّة، والجواب: إيران تتقدّم، وتنظر إلى أفق العشرين عاماً القادمة بثبات وعنفوان. حبّذا لو أدرك الخلص من مسلمي العالم نجاحاته، واقتدوا به، بدلاً من أن يصفّق العديد منهم لسيّدهم

 

191

 


179

المثال الحيّ والأمين للرؤية العلميّة

الأمريكيّ، وهو يحذّرهم من الخطر الشيعيّ، وهم يقبلون المقولة الأمريكيّة، متناسين حقيقة أداء الكيان الصهيونيّ الغاصب والجاثم على قلوب ملايين الأمّة بأسلحته المتطوّرة وبصواريخه النوويّة ومشروعه، ولكن هذه الدول القاصرة إنّما تقبل الاملاءات الأمريكيّة فقط، لأنّ السيّد الأمريكيّ يمتلك الخلطة السحريّة لهم، الحماية السياسيّة والعسكريّة واستمرار النظام، حتّى ولو كلّف الأمر علاقة سرّيّة وعلنيّة مع أعدى أعداء الأمّة من صهاينة العالم.

 

وهذا نصّ هذه السياسات:

بالاتّكال على القدرة الإلهيّة الأزليّة، وفي ضوء الإيمان والإرادة الوطنيّة، وبفضل الجهد المنظّم والإدارة الجماعيّة، وفي سبيل تحقيق الشعارات والمبادئ التي يتضمّنها دستور الجمهوريّة الإسلاميّة، فإنّ إيران، كما نراها خلال السنوات العشرين القادمة، على النحو الآتي:

سوف تكون إيران بلداً نامياً متطوّراً، وفي الصدارة على المستوى التقنيّ والعلميّ والاقتصاديّ، على الصعيد الإقليميّ، مع المحافظة على الهويّة الإسلاميّة والثوريّة، وسوف تكون مصدر إلهام للشعوب الإسلاميّة، كما أنّها سوف تكون مؤثّرة وفاعلة على مستوى العلاقات الدوليّة على الساحة العالميّة.

 

المجتمع الإيرانيّ، في ضوء هذه الخطّة العشرينيّة، سوف يتمتّع بالخصوصيّات الآتية:

1- سوف يتمتّع المجتمع الإيرانيّ بالتنمية المطلوبة المتناسبة

 

 

192

 


180

المثال الحيّ والأمين للرؤية العلميّة

مع مقتضيات البيئة الثقافيّة والجغرافيّة والتاريخيّة التي ينتمي إليها هذا المجتمع، وسوف يبقى محافظاً على المبادئ الأخلاقيّة والقيم الإسلاميّة، والوطنيّة والثوريّة، مع التأكيد على الديمقراطيّة الدينيّة، والعدالة الاجتماعيّة، والحريّات المشروعة، وحفظ الكرامة الإنسانيّة لأفراد هذا المجتمع وحقوقه، وذلك كلّه مع التمتّع بالأمن الاجتماعيّ والقضائيّ.

2- وسوف يتمتّع المجتمع الإيرانيّ بالتطوّر العلميّ، بحيث يكون قادراً على إنتاج العلوم والمعارف والتقانة، ومعتمداً على المصادر الإنسانيّة الاجتماعيّة في الإنتاج الوطنيّ.

3- وسوف يكون مجتمعاً آمناً ومقتدراً، مجهّزاً بمنظومة دفاعيّة مبنيّة على الردع، متعدّد الجوانب، قائم على العلاقة الوثيقة بين الشعب والدولة.

4- وسوف يكون مجتمعاً متمتّعاً بالسلامة والرفاه والأمن الغذائيّ، والتأمين الاجتماعيّ، والفرص المتساوية، والتوزيع العادل للثروة الوطنيّة، والاستقرار الأسريّ، ومجتمعاً خالياً من الفقر والفساد والتمييز، مضافاً إلى البيئة السليمة.

5- مجتمعاً فاعلاً متحمّلاً للمسؤوليّات، مُؤْثِراً، مؤمناً، راضياً، متحلّياً بالضمير المهني، منضبطاً، يتحلّى بروحيّة التعاون والانسجام الاجتماعيّ، وملتزماً بالثورة والنظام الإسلاميّ، ومهتماً بتطوير إيران، وفخوراً بانتمائه الوطنيّ.

 

 

193


181

المثال الحيّ والأمين للرؤية العلميّة

6- وسوف يكون في الصفّ الأوّل على المستوى الاقتصاديّ والعلميّ والتقنيّ، على صعيد منطقة جنوب غرب آسيا (بما في ذلك آسيا الوسطى، والقوقاز، والشرق الأوسط، ودول الجوار)، مع الاهتمام المستمرّ بحركة التنمية العلميّة والتطوّر الاقتصاديّ المستمر، والرقيّ النسبيّ لمستوى الدخل العامّ والفرديّ، والقضاء على البطالة بشكل كامل.

7- وسوف يكون مجتمعاً ملهماً في العالم الإسلاميّ، وفاعلاً ومؤثّراً في مجال تثبيت مفهوم الديمقراطيّة الدينيّة، والتنمية المجدية، وسوف يكون مجتمعاً أخلاقيّاً، حديث التفكير، متطوّراً على المستوى الفكريّ والاجتماعيّ، ومؤثّراً في مجال التعاون بين الشعوب المسلمة، كما بين دول الجوار والمنطقة، وفق أسس التعاليم التي أطلقها الإمام الخمينيّ قدس سره.

8- كما أنّه سوف يكون مجتمعاً فاعلاً ومؤثّراً على الصعيد العالميّ، على قاعدة مبادئ العزّة الإسلاميّة والحكمة والمصلحة.

 

 

194

 


182

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران

 

- الأمور الثقافيّة

1- إتمام مشروع الهندسة الثقافيّة للبلاد وتنفيذه، وإعداد الملحقات الثقافيّة للمشروعات المهمّة والأساسيّة.

 

إحياء وتظهير الفكر الدينيّ والسياسيّ للإمام الخمينيّ قدس سره، وإبراز دوره بوصفه المعيار الأساس في جميع السياسات والخطط.

 

تثبيت روحيّة الالتزام بالقانون، والانضباط الاجتماعيّ، والضمير المهنيّ، والثقة بالنفس، وثقافة العمل الجماعيّ، والابتكار، وصوابيّة العمل، والقناعة، والحذر من الإسراف، والاهتمام بالكيفيّة في الإنتاج.

 

مواجهة الانحرافات في مجال الدين، وتخليصه من شوائب الخرافات والأوهام.

 

الاستفادة المناسبة من تقنيّات الاتّصالات والعلاقات لتحقيق الأهداف الثقافيّة للنظام.

 

 

195


183

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

6-إيجاد فهم مشترك للخطّة العشرينيّة، وتقوية العزيمة الوطنيّة لتحقيقها.

 

- الأمور العلميّة والتقنيّة

7-إحداث تحوّل أساسيّ في نظام التعليم العالي في الموارد الآتية:

أ- رفع موازنات البحث العلميّ إلى مستوى ثلاثة في المئة من الدخل الوطنيّ، من الآن وحتّى انتهاء أمد الخطّة الخامسة، وزيادة عدد المتعلّمين في مراحل الإجازة والتحصيل العلميّ التكميليّ، بنسبة عشرين في المئة.

ب- نيل الدرجة الثانية على صعيد المنطقة في مجال الإنتاج العلميّ، والحفاظ على هذا المستوى في الخطّة الخامسة.

ت- إيجاد علاقة فاعلة ومؤثّرة بين الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسّسات الصناعيّة، أو ما يتعلّق بالمجتمع.

ث- دعم المؤسّسات غير الحكوميّة في مجال الإنتاج العلميّ والتقنيّ.

ج- الحصول على التقنيّات المتطوّرة التي هي محلّ للحاجة الوطنيّة.

 

8- إيجاد تحوّل وتطوّر في النظام التربويّ والتعليميّ، بهدف الارتقاء الكيفيّ على أساس الحاجات والأولويّات الوطنيّة، في المجالات العلميّة الثلاثة، أي المهارة والتربية وتطوير السلامة الروحيّة والجسديّة للمتعلّمين.

 

196


184

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

9- الارتقاء بالعلوم الإنسانيّة، من خلال إعلاء شأنها والاهتمام بها، وتشجيع الطلّاب المستعدّين والراغبين في دراستها، وإعادة النظر في مقرّراتها الدراسيّة ومناهج تعليمها، ورفع مستوى المراكز والمؤسّسات التعليميّة التي تشتغل في هذه المجالات كمّاً وكيفاً، وترويج روحيّة النقد والتنظير وحرّيّة التفكير في هذه الميادين.

 

10- توسعة الدعم الهادف، المادّيّ والمعنويّ، للنخب والمبدعين، علميّاً وتقنيّاً، من خلال: تحسين المستوى الاجتماعيّ، رفع المستوى العلميّ والمهارات، رفع كلّ موجبات القلق الماليّ في مراحل البحث العلميّ والاختبارات الهادفة إلى الإبداع والتجديد، ومساعدة المبدعين على ترويج إنجازاتهم تجاريّاً.

 

11- تكميل الخريطة العلميّة العامّة للبلاد وتنفيذها.

 

- الأمور الاجتماعيّة

12- دعم مؤسّسة الأسرة، وموقع المرأة فيها وفي الساحات الاجتماعيّة، واستيفاء حقوقها الشرعيّة والقانونيّة، في جميع المجالات، والاهتمام بالدور الفاعل والمؤثّر للمرأة في المجتمع.

 

13- تثبيت الهويّة الوطنيّة للشباب، بما يتناسب مع شعارات الثورة الإسلاميّة وأهدافها، وتهيئة بيئة مساعدة على النموّ الفكريّ والعلميّ لهذه الشريحة الاجتماعيّة، ورفع موجبات القلق كلّها، على صعيد العمل، والمسكن، والمشاكل الاجتماعيّة، والاهتمام

 

197


185

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

اللازم بمقتضيات مرحلة الشباب وحاجاتهم، والاستفادة من قدراتهم.

 

14-إصلاح النظام القضائيّ والإداريّ، على صعيد: الحركة والفعاليّة، تحسين مستوى خدمة الشعب، تأمين الكرامة والعيش الكريم للعاملين، توظيف القضاة المؤهّلين والأمناء، إلغاء أو دمج المؤسّسات الإداريّة الموازية، والتأكيد على التخفيف من المركزيّة في مجالات الإدارة والتنفيذ، مكافحة الفساد الإداريّ، وتشريع القوانين التي يحتاج إليها.

 

15-تحديد معالم المدينة والريف، وإعادة الخلّاقيّة إلى العمارة الإيرانيّة - الإسلاميّة، مع مراعاة أعلى معايير السلامة في مجال العمارة والبناء.

 

16- تقوية نظام الرقابة والمحاسبة، وإصلاح القوانين والمقررات بهدف رفع كافّة أشكال التداخل في الصلاحيّات بين مؤسّسات الرقابة والمحاسبة.

 

17- إعطاء الأولويّة لأهل الإيثار (مصطلح يُقصد به المجاهدين الجرحى وأهل التضحية في سبيل الوطن) في الثورة الإسلاميّة، في مجال الاستفادة من الأموال العامّة واستلام المسؤوليّات الإداريّة على المستوى الثقافيّ والاقتصاديّ.

 

18- الاهتمام بتنمية الرياضة ودعم الأنشطة السياحيّة، مع الاهتمام بالسياحة الدينيّة.

 

198

 


186

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

19- التأكيد على مفهوم الإنسان السالم، وعلى السلامة من جميع الجوانب، وذلك بالنظر إلى:

أ- توحيد الأساليب في رسم السياسيّات، والبرامج، والتقييم، والرقابة والاستفادة من الأموال العامّة.

ب- رفع مؤشّرات سلامة الهواء، والأمن الغذائيّ، والبيئة، والصحّة الجسميّة والروحيّة.

ت- خفض منسوب المخاطرة، والتلوّث المهدّد للسلامة العامّة.

ث- إصلاح طرائق التغذية في المجتمع الإيرانيّ، مع تحسين مستوى المواد الغذائيّة.

ج- رفع حصّة الصحّة في الميزانيّات العامّة في الخطّة الخامسة، وخفض التكلفة على الشعب بمعدّل 30%.

 

20- رفع مستوى الأمن الاجتماعيّ، من خلال:

أ- مكافحة الاتّجار بالمخدِّرات وترويجها، ووضع السياسات الصالحة لمواجهة هذه الآفة الاجتماعيّة.

ب- تحسين الوضع الاجتماعيّ في المناطق المهمّشة، وتحسين الرقابة، وضبط المخالفات الناجمة عن التهميش.

ت- الاستفادة من الآليّات الثقافيّة والتعليميّة، ومن وسائل الإعلام والاتّصال لمواجهة الانحرافات الثقافيّة والاجتماعيّة.

 

199


187

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

- الأمور الاقتصاديّة

1- التنمية الاقتصاديّة، مع التأكيد على:

21- تحقيق النمو الاقتصاديّ المستمرّ والسريع، بمعدّل 8% لتحسين الدخل الوطنيّ، مع:

تنمية الاستثمار، من خلال ردم الهوة بين الاستثمار والادّخار، مع حفظ نسبة الادّخار إلى الناتج المحلّيّ، بمعدّل 40 في المئة، وجذب الاستثمارات الخارجيّة.

 

ب- تطوير الاستفادة من النموّ الاقتصاديّ إلى الثلث، إلى انتهاء الخطّة.

 

ت- تحسين بيئة الاتّجار والكسب والعمل، مع الاهتمام باستقرار البيئة الاقتصاديّة الكلّيّة، وتأمين البنى التحتيّة المساعدة في مجال: الاتّصالات، المعلوماتيّة، القانون، العلم، والتقنيّة مورد الحاجة. وخفض منسوب المخاطر الاقتصاديّة، وتقديم إحصاءات دائمة وشفّافة إلى المجتمع.

 

ث- تفعيل نظام مواصفات الجودة وتنميته.

 

22- تغيير النظرة إلى النفط والغاز والمداخيل النفطيّة، وتحويلها من مداخيل للاستهلاك إلى مداخيل منتجة، وتأسيس صندوق التنمية الوطنيّ، بالتعاون مع مجلس الشورى الإسلاميّ لتشريع القوانين التأسيسيّة المرتبطة به، خلال السنة الأولى من سنوات تطبيق هذه الخطّة، للاستفادة من المزايا النسبيّة للنفط والغاز

 

 

200


188

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

في الصناعة والخدمات، وما يرتبط بهما، مع مراعاة ما يأتي:

أ- إيداع 20 في المئة، في الحدّ الأدنى، من الدخل الحاصل من صادرات النفط والغاز والمشتقّات النفطيّة، في صندوق التنمية الوطنيّة.

 

تقديم تسهيلات وقروض من صندوق التنمية الوطنيّ للمؤسّسات الخاصّة، والتعاونيّة، والعامّة غير الحكوميّة، بهدف الإنتاج وتنمية الاستثمار في داخل البلاد وخارجها، مع مراعاة شروط التنافس وملاحظة العوائد الاقتصاديّة.

 

إيقاف الاعتماد الكلّيّ على النفط والغاز، في مجال النفقات الجارية مع انتهاء أمد هذه الخطّة.

 

23- إصلاح بنية النظام المصرفيّ، وتطبيق وتحديث النظام المصرفيّ غير الربويّ، ومأسسة نظام القرض الحسن، وتأمين الاعتمادات اللازمة للاستثمارات الكبيرة.

 

24- الرقيّ الكمّيّ والكيفيّ بالأسواق الماليّة (النقد، ورؤوس الأموال، والتأمين)، مع الاهتمام بأعلى درجات الشفافيّة والسلامة.

 

25-تحقيق السياسات الكلّيّة المنصوص عليها في المادّة 44 من الدستور، ومقتضياتها المرتبطة بكلّ بند منها، مع الاهتمام بالآتي:

أ- دعم الأسواق التنافسيّة.

ب- توفير بنى مناسبة لتحقيق الحاكميّة وآليّاتها (وضع السياسات، والإرشاد، والرقابة).

 

201

 


189

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

ت- تنظيم السياسات المشجّعة لتحويل الأنشطة الاقتصاديّة من أنشطة غير منظّمة (عائليّة) إلى مؤسّسات حقوقيّة.

 

توفير أجواء تنافسيّة في مجال التأمين الصحيّ والخدمات المرتبطة به.

 

الاهتمام بالقيمة الاقتصاديّة والأمنيّة والسياسيّة والبيئيّة للماء، على صعيد التحصيل، والعرض، والحفظ، والاستهلاك، وتخفيف حجم المياه التي تخرج من البلاد، وإعطاء الأولويّة للمصادر المائيّة المشتركة.

 

27- الاستثمار في مجال استخراج النفط والغاز والمعادن في الحقول المشتركة مع دول الجوار، ومع مراعاة السياسات العامّة المنصوص عليها في المادّة 44 من الدستور.

 

28-حفظ الذخائر الاستراتيجيّة النقديّة، بمقدار ما يضمن مصالح البلاد ويؤمّن حاجاتها الأساسيّة خلال مدّة محدّدة.

 

29- الاهتمام بتنمية الصادارت على المستوى الاستراتيجيّ، وبخاصّة في مجال الخدمات والتقنيّات، للتقليل من حجم الاعتماد على الصادرات النفطيّة.

 

30- تطوير التعاون مع دول الجوار، وبخاصّة منطقة جنوب غرب آسيا في مجال التجارة، والاستثمار، والتقانة.

 

31- الوصول إلى تنمية بشريّة متوازنة، على مستوى التعليم والصحّة وفرص العمل.

 

202

 


190

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

32- تبديل نظام الميزانيّة والنظرة إليها.

 

33- ملاحظة العلاقة الكمّيّة والكيفيّة بين الخطّة الخمسيّة وبين الموازنات السنويّة من جهة، وبين الوثيقة الأساسيّة، مع مراعات الشفافيّة وتسهيل الرقابة.

 

2- بسط العدالة الاجتماعيّة من خلال:

34-تنظيم جميع الأنشطة المرتبطة بالتنمية الاقتصاديّة على أساس العدالة الاجتماعيّة، وردم الهوّة الاقتصاديّة الفاصلة بين الطبقات الاجتماعيّة، مع التأكيد على الآتي:

أ- جبر حالات عدم المساواة والتفاوت غير المبرّرة في مجال الدخل، وتقديم مساعدات هادفة.

ب- استكمال بنك المعلومات المتعلّق بالطبقات الاقتصاديّة الضعيفة وتحديث البيانات المرتبطة بهم.

ت- تحديد أهداف واضحة ومحدّدة للمساعدات والدعم الحكوميّ، وتطبيق الدعم غير المباشر بطريقة هادفة.

ث- تأمين الحدّ المطلوب من المعلومات الاقتصاديّة لجميع أفراد المجتمع.

 

35- الإقدام على ما يلزم لجبران حالات التخلّف الحاصل من السنوات السابقة، مع الاهتمام بما يأتي:

أ- رفع مستوى الدخل، وتحسين حياة سكّان الأرياف والمزارعين، وتطوير الصناعات الزراعيّة، والصناعات الريفيّة، وتقديم خدمات جديدة وإصلاح نظام تسعير المحاصيل الزراعيّة.

 

 

203


191

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

ب- تفعيل الأنشطة الاقتصاديّة في المناطق الحدودية والسواحل الجنوبيّة والجزر، للاستفادة من التجارة الخارجيّة.

 

ت- خفض التفاوت في الدخل بين الطبقة العليا والدنيا، مع انتهاء البرنامج.

 

ث- القيام بالإجراءات التي تؤدّي إلى انخفاض نسبة البطالة إلى سبعة في المئة.

 

ج- تأمين الضمان الاجتماعيّ وتوسعة دائرة المستفيدين منه، ورفع مستوى فعاليّته، وخاصّة التأمين في المجالات المتعلّقة بالصحّة.

 

ح- تنمية الأنظمة التي تهدف إلى الوقاية من الأضرار الفرديّة والاجتماعيّة، وتطويرها.

 

دعم الطبقات المحرومة، وخاصّة النساء المعيلات.
 

د- تطوير الاقتصاد التعاونيّ، بهدف تحسين أوضاع الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود، بحيث تصل حصّة الاقتصاد التعاونيّ إلى 25 في المئة، حتّى نهاية الخطّة.

 

- الأمور السياسيّة والدفاعيّة والأمنيّة

36- دعم الحضور الشعبيّ، ومشاركة الشعب في ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة.

 

37- توجيه التيّارات السياسيّة نحو الالتزام بالقيم الإسلاميّة الثوريّة، والدفاع عن المصالح الوطنيّة، والخضوع للقانون ومقتضيات الأخلاق.

 

 

204

 


192

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

38- الدفاع عن الحرّيّات المشروعة، وحماية الحقوق الأساسيّة للأمّة.

39- إعلاء شأن الجمهوريّة الإسلاميّة في المنطقة، وتثبيت حضورها في الساحة الدوليّة، والمحافظة على أمنها الوطنيّ، من خلال:

أ- تفعيل العلاقات الثنائيّة بين إيران والعالم الخارجيّ، وإعطاء الأولويّة لدول المنطقة ودول الجوار.

ب- تمتين العلاقات البنّاءة بين الدول غير المتخاصمة.

ت- الاستفادة من العلاقات الخارجيّة لمصلحة البلاد.

ث- مواجهة الأطماع الخارجيّة، ومحاولات الاعتداء في العلاقات بين الدول.

ج- السعي لتحرير المنطقة وتطهيرها من الوجود العسكريّ الأجنبيّ.

ح- الدفاع عن المسلمين والشعوب المستضعفة، وبخاصّة الشعب الفلسطينيّ.

خ- بذل الجهد الكافي من أجل التعاون والتنسيق بين الدول الإسلاميّة.

د- السعي من أجل إصلاح بنية منظّمة الأمم المتّحدة.

ذ- تنظيم الجهود المشتركة من أجل الوصول إلى علاقات وأنظمة جديدة، في مجال السياسة، والاقتصاد، والثقافة، على صعيد المنطقة والعالم، بهدف تأمين العدالة والسلام والأمن العالميّ.

 

205


193

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

40- الحضور الفاعل والهادف في المنظّمات الدوليّة والإقليميّة، وبذل الجهد الكافي من أجل تحقيق تحوّل في النظرة إلى القيم الإسلاميّة.

 

41- الارتقاء بالدور الإداريّ لإيران في مجال توزيع الطاقة ونقلها، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات والتقنيّات المتطوّرة، والمساعدة على استقرار النظام الماليّ والمصرفيّ، والوصول به إلى مستوى الاستقلال عن النظام الماليّ الدوليّ السلطويّ.

 

42- رفع مستوى التفاعل القانونيّ والسياسيّ والثقافيّ والاقتصاديّ بين إيران والعالم، وبخاصّة في مجال الحضارة الإسلاميّة - الإيرانيّة.

 

43- تنمية الإحساس بالهويّة الإسلاميّة والإيرانيّة عند الإيرانيّين المقيمين في الخارج، والمساعدة على نشر اللغة الفارسيّة بينهم، والدفاع عن حقوقهم، وتسهيل مشاركتهم في التنمية الوطنيّة.

 

44- تثبيت الأمن الشامل، وضمان المصالح الوطنيّة، مع التأكيد على:

      أ- تعزيز دور الشعب في مجال الاستخبارات وكشف التحرّكات المخلّة بالأمن.

 

ب- تعزيز التفاعل بين المؤسّسات الأمنيّة، والعسكريّة، والقضائيّة، وتنسيق الأدوار فيما بينها، لمواجهة حالات الإخلال بالأمن العامّ، الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

 

ت- إيجاد جهاز أمنيّ معلوماتي مشترك، ورفع مستوى المعلوماتيّة الإلكترونيّة، بهدف تسهيل تبادل المعلومات، لمواجهة الاعتداءات الناعمة، وحفظ الكرامات الفرديّة والاجتماعيّة.

 

206


194

السياسات العامّة للخطّة الخامسة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة

ث- تثبيت الهويّة الوطنيّة، وتعزيز روحيّة التعاون الوطنيّ، ومنع ظهور حالات التشتّت على صعيد الهويّة الاجتماعيّة والثقافيّة والاعتقاديّة.

 

45-تعزيز القدرات الدفاعيّة والردعيّة، من أجل حفظ مبدأ الحاكميّة، ووحدة الأرض، والمصالح الوطنيّة، والأمن الوطنيّ، في مقابل التهديدات الخارجيّة، وتحقيق التوازن الإقليميّ، مع التأكيد على:

أ- اكتساب المعارف والعلوم والتقنيّات الدفاعيّة المتطوّرة، والابتكار في مجال الصناعات الدفاعيّة، ورفع مستوى الاكتفاء الذاتيّ، مع تطوير البحث العلميّ في هذه المجالات، والاستفادة من الطاقات الوطنيّة المتاحة كلّها.

ب- الاهتمام بالحضور الشعبيّ في مجال الدفاع عن البلاد والثورة، ودعم التعبئة (البسيج)، كمّاً وكيفاً.

ت- تطوير مفهوم الدفاع السلبيّ.

ث- الأمن الثابت والكامل للمناطق الحدوديّة، والرقابة الفاعلة للحدود.

 

 

207


195

خاتمة

خاتمة

يتّضح لنا ممّا تقدّم عمق الإصرار لدى الإمام الخامنئيّ دام ظله للوصول بالأمّة نحو دولة العدالة والتقدّم، وعمق إيمانه بأنّ الأمّة ستصل في نهاية المطاف إلى الكرامة والاقتدار. ويتوقّف المتابع، وبتقدير عالٍ أمام شخص الإمام الخامنئيّ دام ظله الملمّ بتفاصيل البيئة العلميّة في محطّاتها ومشاكلها وسبل النهوض بها، وكأنّه واحد منها، يعيش معها يوماً بيوم، وساعة بساعة. لقد كانت فرادة الإمام الخامنئيّ دام ظله في كونه قائد الأمّة يحمل هموم الأمّة كلّها، ويتحدّث عن العلم والبحث العلميّ ومواضيعه بهذا الوضوح اللافت، في تميّز واضح عن كثير من قيادات الأمّة على امتداد قرون خلت، وهو الشخص الذي تدرّج في المسؤوليّة، في قيادة الحرس، فرئاسة الجمهوريّة، ثمّ المرشد الأعلى، ثمّ المرجع، والذي حمل راية الجمهوريّة الإسلاميّة بكلّ شجاعة، لم يتوانَ، ولم يتراجع أمام الغزوات الأميركيّة لجهات إيران الأربع، ولم تزده تهديدات أمريكا بالضربة العسكريّة إلّا تصميماً وعزماً على المواجهة، فكان شجاعاً في المواجهة، حكيماً حليماً في إدارته لدفّة المسؤوليّة في الجمهوريّة، وهو الإمام الخامنئيّ دام ظله المتبصّر الزاهد العارف لحدود ما أنزل الله، فكان خير خلف لخير سلف، وهو الإمام الخمينيّ قدس سره.

 

لقد حمل الإمام الخامنئيّ دام ظله مشروع النهوض بالأمّة، ونجح في بناء صرح إيران السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ والعلميّ، وتوجّه

 

 

208


196

خاتمة

بالخطاب إلى أبناء الأمّة كلّهم، من متديّنيها وسواهم، ويستثير فيهم الحسّ الوطنيّ ويدخل في تفاصيل متابعات الشؤون العلميّة والثقافيّة، ويجلس ساعات طوالاً، حتّى مع الفنّانين والمخرجين والرسّامين والنحّاتين، بأفق رفيع وسعة اطّلاع لافتة ومميّزة، فباتت قيادة الإمام الخامنئيّ دام ظله الحكيمة والعلاقة المتينة والراسخة بين الشعب والقائد عنصر القوّة الأساسيّ لدى الجمهوريّة الإسلاميّة، ولو نجح الأعداء في أن يحدثوا مسافة بين الطرفين، فسيكون ثمّة خلل كبير في الجمهوريّة، ينقل إيران من وضع القوّة والاقتدار إلى وضع التداعي والانهيار، وما كان التوجّه العظيم للإمام ومشروعه العلميّ لينجح لولا الثقة الكاملة بأهل العلم في إيران بقائدهم وببعد نظره وتبنّيهم مشروعه العلميّ الرائد في إطار مشروع النهوض والاقتدار... لقد ظهر الإمام الخامنئيّ دام ظله بمسؤوليّته المقدّسة عندما أشار إلى الذين أسّسوا الجامعات في إيران على النسيج الأجنبيّ، ولم يأخذوا بالاعتبار القيم الإسلاميّة والمصلحة الوطنيّة، وأوصلوا الأمّة إلى التخلّف والهوان، داعياً إلى عدم تكرار جريمتهم، موضّحاً أنّه لو قصّرنا، فستحكم علينا الأجيال القادمة بمثل ما نحكم على السابقين، ولن ترحمنا أبداً...

 

وبرأينا، لم تُعطَ شخصيّة الإمام الخامنئيّ دام ظله حقّها بالفهم والإحاطة بما قَدّمت، وساهمت في مشروع تغيير وجهة الأمّة، وأضاءت الأمل بالتغيير، فالاقتدار للجمهوريّة الإسلاميّة وللعالم

 

 

209


197

خاتمة

الإسلاميّ كلّه. ولسوف يأتي الزمان الذي يدرج فيه اسم الإمام الخامنئيّ دام ظله باني الجمهوريّة الإسلاميّة، واسم الإمام الخمينيّ قدس سره واضع الركائز الصلبة لها، كمجدِّدَين في العالم الإسلام، أرسيا الأسس والآليّات اللازمة لتأخذ الأمّة إطارها القياديّ المبادر على مستوى العالم والإنسانيّة جمعاء، تماماً على النحو الذي أراده الله -تعالى-، وجسّدته السيرة النبويّة العطرة وسيرة الأئمّة الأبرار.

 

لقد ربط الإمام الخامنئيّ دام ظله رؤيته العلميّة بالمشروع الصلب للجمهوريّة، فانطلق من الأساس الأوّل، أي مشروع قيادة الأمّة، إلى الصراط المستقيم، متحرّكة نحو العروج المعنويّ والكمال الإنسانيّ ومعرفة الله وتأمين مستقبلها الذي هو الهدف الرئيسي للحياة، أي مرحلة ما بعد الموت وتأمين مقدّمات الحياة الأبديّة، فالأعمال والرؤى والمشاريع كلّها يجب أن تتّصف بروحيّة السير على الصراط المستقيم.

 

ومن هذا الأساس العقائديّ الراسخ، سعى الإمام الخامنئيّ دام ظله بهدوء لإعداد النموذج الإسلاميّ لإيران، وجعله بلداً بارزاً ومثاليّاً، لا ظلم فيه، وبلداً يتمتّع بالعدل والأخلاق والإيثار، ومتقدّماً علميّاً، ومستقلّاً عن إملاءات القوى الكبرى، ويتطلّع فيه الشباب إلى مستقبل مشرق، يفيض بالخير ويدعم مستضعفي الأرض. والجمهوريّة الإسلاميّة اليوم، هي البلد الديمقراطيّ بامتياز في المنطقة، بحسب قواعد الديمقراطيّة المتداولة، والذي شهد 32 عمليّة انتخاب خلال

 

 

210

 


198

خاتمة

32 سنة من عمر الثورة، أي بمعدّل انتخابات واحدة في كلّ عام، على قاعدة مشاركة الجماهير الإسلاميّة في الحكم، فالشعب يحكم وفق رؤية الإمام الخمينيّ الراحل قدس سره ومسؤولي البلاد، ابتداءً من خبراء القيادة الذين يعينون القائد، إلى رئيس الجمهوريّة، إلى مجلس الشورى، إلى مجالس البلديّة، هم من المنتخبين من قِبل الشعب. ولهذا الأمر بالذات، يمكننا أن نفسّر استقرار الجمهوريّة وعدم وجود شعب يريد إسقاط النظام أو يريد إسقاط الرئيس أو حتّى يطالب بالإصلاح والحرّيّة والتخلّي عن الوصاية الأميركيّة، لأنّ إرادة الشعب سبق وعبّر عنها بحرية كاملة في صناديق الاقتراع، ليصبح النظام والشعب نواة صلبة متماسكة، تتطلّع إلى المستقبل بقوّة وتفاؤل وفلاح.

 

كما أنّ رؤية الإمام الخامنئيّ دام ظله المتينة المتكاملة لمنظومة الثقافة فالأخلاق والسلوك، وما يتفرّع عنها بخصوص أخلاقيّات العلم، تمثّل في حقيقة الأمر قَبس نور قدّمه الإمام الخامنئيّ دام ظله للإنسانيّة، لتنير دربها الجامح بطموحات الموت والقتل المترافق مع ابتسامات الحرّيّة والديمقراطيّة، وهي التي ما انفكّت تخوض الحروب وتتسابق للتسلح. والرؤية هي قيمة أخلاقيّة عالية نطرحها كنموذج ليدرس في مؤسّسات التعليم العالي في الغرب والشرق، في إطار البحث عن سبيل نجاة يعصم الإنسانيّة من الدمار الشامل بأسلحة الإفناء المتبادل، ولتتحقّق عمليّاً في سلوكيّات الأفراد والمجتمعات،

 

211


199

خاتمة

وهي سبق أن تحقّقت ونجحت في الجمهوريّة الإسلاميّة. وهذه الصورة المشرقة إنّما تؤكد البعد الإنسانيّ للإسلام القائم على الرحمة والسلام والخير للفرد الذي يمثّل الخير للبشريّة كلّها، وهي تأتي نقيضاً لما يراه المجتمع الدوليّ من ممارسات القتل والإبادة باسم الإسلام على يد جماعات أمعنت التشويه في صورة الإسلام، وأوصلت إلى ما عُرف مؤخّراً في الوسط الغربيّ بالإسلام وفوبيا، بتنسيق بينها وبين المعادين أصلاً للإسلام في الغرب. والدرب لولوج هذه الرؤية إلى الإنسانيّة لن يكون سهلاً، فأجهزة الإعلام والتواصل في الغرب مدعومة من اللوبي الصهيونيّ في أوروبّا وأمريكا، وبتفهّم وقَبول لدى حكومات هذه الدول، إنّما تقوم بتشويش هائل وتخوض حرباً دعائيّة مضلِّلة ضدّ الجمهوريّة وإنجازاتها ويتعاطى معها الغرب كلّه بتسخيف واستعلاء وتحريض وإقامة أحلاف سياسيّة واقتصاديّة ضدّها، ولكن أنّى لنور الشمس أن يُحجب! إنّ الجهل المتعمَّد من قِبل الغرب للغنى الثقافيّ والروحيّ في الإسلام، والتعامي المقصود عن نجاحات النموذج المتمثّل بالجمهوريّة الإسلاميّة، هو إدانة لثقافة الغرب كلّها وقيمه الانتقائيّة، التي لا تقبل بالآخر كشريك، وإنّما كتابع فقط، والتي تعبّر أن ثمّة مركزيّة للعلم وقرار العلم عند الغرب، وبالتالي مركزيّة في حقّ السيادة على العالم... ولن يكون قدر المستضعفين أن يتحوّلوا وقود صراعات تاريخيّة بين العلم والدين داخل الغرب وبين أهل الغرب أنفسهم، وأن يستكينوا لواقع

 

 

212

 


200

خاتمة

مفروض مفاده: لنا العلم، إذاً لنا الغلبة.

 

وستُظهر الأيام والوقائع، دونما شكّ، ضلالهم وزيفهم، وسيبقى نور الإسلام ناصعاً، يسطع في فطرة الإنسان، وأملاً وحيداً وأخيراً للمستضعفين. هذا الإسلام الذي يربّي المرء رابطاً بين السموّ العقائديّ في فلسفة الوجود مع دقائق أمور الحياة والعبادة، تماماً على النحو الذي يربط به أخلاقيّات العلم بمنظومة السلوك والأخلاق والثقافة، وصولاً إلى العقيدة... إنّها فرادة الإسلام الذي يسطع نوره أيضاً في عالم البحث العلميّ، وإنّها فرادة الإمام الخامنئيّ دام ظله الذي أحسن حمل الشعلة وقدّم النموذج في جنبتيه، القيميّة والعمليّة، وهي – للحقّ - درب نور تستشرف بها الإنسانيّة نجاتها من مخاطر الاستخدام السيّئ للعلم، وتكمل سموّها نحو عدالة وسلام ورفعة للذات والكرامة الإنسانيّتين.

 

وبالإخلاص والتفاني، وبالترفّع عن الزخارف المادّيّة على مستوى الفرد والأمّة، رفعت الجمهوريّة الإسلاميّة بالقيادة الرشيدة للإمام لواء المعنويّات عالياً وخفّاقاً، طامحةً للوصول بالبشريّة إلى شاطئ السعادة والرفاه والأمان والتقدّم العلميّ، فتعرّضت للحرب الشرسة بكلّ أبعادها، في الميدان والإعلام والاقتصاد، لأنّ وصول الجمهوريّة إلى طموحها سوف يبطل ادّعاءات الاستبكار وفلسفته ويضع علامات الاستفهام حول أساليبه كافّة، وسوف يفتح أفقاً واسعاً أمام شعوب العالم للانطلاق نحو الحياة الكريمة، والانعتاق من جور الاستعمار ومآسيه... ويؤكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله في هذا المجال

 

 

213

 


201

خاتمة

على عزم القيادة والشعب لمواصلة المسيرة، ويعطي الأمّة الحافز والأمل، معتبراً أنّ اقتدار النظام السياسيّ للجمهوريّة الإسلاميّة هو اقتدار ذاتيّ متأصّل، كذلك الجبل الذي لا يُرى إلّا ظاهره، بينما تمتدّ قواعده وجذوره إلى أعماق الأرض، فيزداد قوّة وصلابة، يوماً بعد يوم. والعدوّ لا يروق له مثل هذا الصمود، وهو يمارس ديمقراطيّةً ما في بلده، ولكن سياسته الدوليّة سياسة دكتاتوريّة عنيفة، لكنّ الأمّة تتحرّك اليوم في المجالات التمهيديّة للعالم الإنسانيّ، إنّ مثلنا كمثل الذين يسيرون في المنحدرات والهضاب والمسالك الوعرة كي يصلوا إلى الجادّة الأصيلة، وعندما نصل إلى الجادّة الأصيلة يبدأ حينها المسير نحو الأهداف العليا. ما زالت البشريّة تعبر طوال بضعة آلاف من السنين من عمرها هذه الطريق الوعرة، كي تصل إلى هذه الجادّة، في زمان ظهور بقيّة الله، حيث ستبدأ هناك حركة الإنسان، الحركة السريعة للإنسان، الحركة الناجحة والسهلة، فالمشقّة هي فقط في أن يتحرّك الإنسان في هذه الطريق ويمضي... بعدها لن يكون ثمّة حيرة أبداً.

 

 

214


202
العلم في مشروع الإمام الخامنئيّ