ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ

﴿ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾


الناشر:

تاريخ الإصدار: 2026-01

النسخة:


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدّمة

المقدّمة

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

الحمد لله الذي جعل الهداية سبيلاً لمن استمع القول فاتّبع أحسنه، وأكرم عباده بالقرآن هدىً ونوراً، وجعل في أوامره ونواهيه وصايا تحفظ للإنسان قلبه وعقله وسلوكه، فكان الكتاب العزيز دستور الحياة، ومنهج التزكية، وسرّ الارتقاء إلى الله تعالى.

يأتي هذا الكتاب بعنوان «ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ»، استلهاماً من قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[1]، ليقدّم مجموعة من المواعظ التي تتناول قضايا الإنسان في إيمانه وسلوكه وعلاقاته، مستضيئةً بأنوار الوحي وسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام). فكلّ موعظة من هذه المواعظ تنبع من وصيّةٍ إلهيةٍ كبرى، تذكّر القلوب وتوجّه العقول نحو التزكية

 

[1] سورة الأنعام، الآية 153.


9

المقدّمة

والمعرفة والطاعة؛ فالغاية منها ليست مجرّد الوعظ اللفظيّ، بل بناءُ الإنسان المؤمن الذي يعي مسؤوليّته في الحياة، ويهذّب نفسه، ويُصلح مجتمعه، في ضوء الوصايا والتكاليف الإلهيّة.

وقد جُمعت هذه المواعظ في إطارٍ واحدٍ، ليكون هذا الكتاب ضمن سلسلة زاد الواعظ الثقافيّة معيناً للعلماء والمبلّغين الأفاضل في المواعظ المسجديّة وغيرها، سائلين الله تعالى أن يجعل هذا الجهد خطوةً على طريق الهدى، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنّه وليّ التوفيق.

مركز المعارف للتأليف والتحقيق


11

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

هدف الموعظة

بيان مفهوم القضاء والقدر، وعدم منافاة الإيمان به مع اختياريّة الإنسان.

محاور الموعظة

القضاء والقدر في القرآن الكريم
أنواع التقدير الإلهيّ
قضاء وقدر تكوينيّان وتشريعيّان
دخالة الإنسان في تغيير القدر

تصدير الموعظة

الإمام الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ»[1].

 

[1] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج2، ص58.


12

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

يُعَدّ القضاء والقدر من السنن الإلهيّة التي ترتبط بحياة الإنسان، حيث لا تتخلّف حركته عن هذا القانون الإلهيّ الذي وضعه لتنظيم وتدبير خلقه سبحانه، إلّا أنّ عدم فهمهما قد يوقع بعض الناس في شبهة القول بالجبر، وبأنّ الإنسان مسلوب الاختيار في الحياة. في هذه الموعظة نبيّن مفهومَي القضاء والقدر، ومنه يتّضح بطلان القول بالجبر.

القضاء والقدر في القرآن الكريم

ذُكر القضاء والقدر في عدّة آيات من القرآن الكريم، ومن ذلك:

قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَر﴾[1].

قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَر مَّعۡلُوم﴾[2].

 

[1] سورة القمر، الآية 49.

[2] سورة الحجر، الآية 21.


14

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

قوله تعالى في القضاء: ﴿وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾[1].

ويقول أيضاً: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِين ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلاۖ﴾[2].

فما هما القضاء والقدر؟

القدر هو التقدير، بأن يجعل الله تعالى مقداراً مخصوصاً للأشياء حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهيّة، وبهذا المعنى يرتبط القدر بكلّ المخلوقات من إنسان ونبات وحيوان، فيضع الله تعالى لكلٍّ منهم حدّاً مكانيّاً وزمانيّاً، والتي على إثرها تكون حركتهم وتنشأ الاختلافات والفوارق بينهم.

أمّا القضاء فهو الحسم والحتم، والحتميّة في وجود أيّ شيء وتحقّقه، إنّما هو على أساس قانون العلّيّة والمعلوليّة؛ أي إنّه رهن تحقّق علّته التامّة، التي تقع بدورها ضمن سلسلة نظام العلّيّة الذي ينتهي إلى الله تعالى، وبالتالي فإنّ حتميّة تحقّق أيّ شيءٍ يستند في الحقيقة إلى قدرةِ الله ومشيئته سبحانه.

[1] سورة البقرة، الآية 11.

[2] سورة الأنعام، الآية 2.


15

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

وهذا هو قضاءُ الله في مقامِ الفعل والخَلق. وعلمُ اللهِ الأزَليّ في مجال هذه الحتميّة يكون قضاءَ الله الذاتيّ.

وقد ورد ما يشير إلى هذا المعنى، كما عن الإمام الرضا (عليه السلام): «القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء والفَناء. والقضاء هو الإبرامُ، وإقامة العَيْن»[1].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص158.


16

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

أنواع التقدير الإلهيّ

1. تقدير الخلق: قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡء فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرا﴾[1]؛ أي إنّ الله تعالى قدّر كلّ ما أراد خلقه.

2. تقدير الكمّ والكيف: قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَر مَّعۡلُوم﴾[2].

3. تقدير الخاصّيّة: قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾[3]؛ فإنّه سبحانه قدّر أن تكون السماء على قدر مخصوص من التزيّن بالمصابيح.

4. تقدير الأجل: قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَ‍ٔۡخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾[4]؛ فإنّه تعالى قد جعل لكلّ أمّة أجلاً محدّداً لا خيرة لهم فيه.

 

[1] سورة الفرقان، الآية 2.

[2] سورة الحجر، الآية 21.

[3] سورة فصلت، الآية 12.

[4] سورة الأعراف، الآية 34.


17

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

5. تقدير المكان: قال سبحانه: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾[1]، فالشمس تجري وفق قدر زمانيّ معيّن حدّده الله تعالى لها.


 

[1] سورة يس، الآية 38.


18

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

قضاء وقدر تكوينيّان وتشريعيّان

يمكن تقسيم القضاء والقدر إلى قضاء وقدر تكوينيّين وقضاء وقدر تشريعيّين، والمقصود بالتشريعيّين هو الأوامر والنواهي، فإنّه سبحانه هو من يقدّر ويقضي ما يصلح للإنسان من أوامر ونواهٍ؛ لأنّه سبحانه أعلم به، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب مَن سَأَل عن حقيقة القضاء والقدر: «الأمرُ بالطاعَة، والنَّهْيُ عَنِ المعصِيَةِ، والتَمْكِينُ مِن فِعْلِ الْحَسَنَةِ، وتركُ المَعْصِيَة، والمعُونَةُ على القُرْبةِ إلَيْه، والخِذْلانُ لِمَنْ عصاهُ، والوَعْدُ والوَعِيْدُ، والتَرْغِيْب والتَرْهِيْبُ كُلُّ ذلكَ قضاءُ الله في أفعالنا وقَدَرُهُ لأعمالنا»[1].

التسليم بالقضاء والقدر روح الإيمان

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه،

[1] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط2، ج5، ص84.


19

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ»[1].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص58.


20

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

دخالة الإنسان في تغيير القدر

لا يستلزم الإيمان بالقدر والقضاء القول بالجبر وسلب اختيار الإنسان، فإنّ للإنسان قدرة التغيير في قدره طبقاً لعمله وفعله، على غرار قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾[1]، إلّا أنّ هذا لا يخرج عن دائرة القضاء والقدر الإلهيّين؛ إذ هو ضمن نطاق القانون الإلهيّ الذي وضعه الله سبحانه، ولأجل ذلك يؤمر الإنسان وينهى، ويلام ويؤنّب، ما لم يتحرّك في سبيل ابتعاده عن الخطر -مثلاً- إذا ما كان قادراً عليه. رُوي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتفرّ من قضاء الله؟ فقال: «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ»[2].

لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين

 

[1] سورة الشورى، الآية 30.

[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسينيّ الطهراني، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، لا.ت، لا.ط، ص369.


21

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

لقد اتّخذ الإيمان بالقضاء والقدر جدلاً واسعاً في أوساط


22

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

المسلمين في حقبة زمنيّة معيّنة، وكان ذلك سبباً في نشوء بعض التسميات التي اتّسمت بها بعض الفرق، كالمجبّرة الذين يقولون بالجبر، والمفوّضة الذين يقولون بالتفويض، وقد اتّخذ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) موقفاً معتدلاً انسجاماً مع ما ورد عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في مسألة الجبر والتفويض، فكانوا وسطيّين في المسألة، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا جَبْرَ ولا تفويضَ، ولكن أمرٌ بَين الأمرين»[1]. والأمر بين الأمرين يعني أنّ فعل الإنسان في حال كونه مستنداً إلى العبد، مستند إلى الله أيضاً؛ لأنّ الفعلَ صادرٌ مِن الفاعل، وفي الوقت نفسه يكون الفاعلُ وقدرتهُ التي بها قام بالفعل مخلوقين لله، وفي القرآن الكريم ما يدلّ على نسبة الفعل إلى الإنسان وإلى الله في آنٍ معاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾[2]. فما فعله النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وهو المخاطب في الآية، إنّما فعله بالقدرة الإلهيّة، وبالتالي تصحّ نسبة الفعل إلى نفسه وإلى الله تعالى.

 

[1] المصدر نفسه، ص352.

[2] سورة الأنفال، الآية 17.


23

المقدّمة

لا تَخُض في أمر القضاء والقدر

نلاحظ أنّ بعض الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) تنهى عن الخوض في الحديث عن القضاء والقدر، كما عن الإمام عليّ (عليه السلام) مخاطباً هذا الفريق من الناس: «طَريقٌ مُظْلمٌ فَلا تَسْلكوهُ، وبَحرٌ عَميق فَلا تَلِجُوهُ، وسِرُّ الله فلا تَتكَلَّفوه»[1]. وهذا لمن لم يمتلك القابليّة الذهنيّة والمعرفة الفكريّة الدقيقة في هذه المسألة الحساسّة، وإلّا وقع في شباك الشكّ والتردّد وقد تزلزل إيمانه ويقينه.

 

[1] الرضيّ، السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسن الموسويّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ Q)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387هـ - 1967م، ط1، ص526، الحكمة 287.


25

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

هدف الموعظة

بيان فضل كتمان السرّ والموارد التي ينبغي الكتمان فيها.

محاور الموعظة

المقصود بكتمان السرّ
كتمان السرّ في القرآن
متى نكتم السرّ؟
إشاعة الفاحشة

تصدير الموعظة

أمير المؤمنين (عليه السلام): «جُمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ ومصادقة الأخيار، وجُمع الشرّ في الإذاعة ومؤاخاة الأشرار»[1].

 

[1] الشيخ المفيد، الاختصاص، مصدر سابق، ص218.


26

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

إنّ كتمان السرّ من الخصال الحميدة والفضائل الجليلة، التي تظهر مروءة الإنسان واتّزانه واستقامته؛ وذلك لما له من آثار حسنة وطيّبة، في مقابل ما ينتج إفشاؤه من مساوئ ومفاسد.

المقصود بكتمان السرّ

لا يختلف التعريف اللغويّ لكتمان السرّ عن التعريف الاصطلاحيّ الذي أقرّه الفقهاء، فهو في اللغة بمعنى الإسرار، وهو خلاف الإعلان[1].

أمّا اصطلاحاً فيمكن تعريفه بأنّه: ضبط الإنسان كلامه عمّا يُضمره وكان في إظهاره ضرر. وبهذا، فإنّ كتمان السرّ يستبطن الصبر عن إظهار ما لا ينبغي إظهاره.

كتمان السرّ في القرآن

ذكرت بعض الآيات الكريمة ما يتطابق مع المعنى اللغويّ والاصطلاحيّ لكتمان السرّ، فتارةً قوبل

[1] راجع: الأنصاريّ، الشيخ محمّد عليّ، الموسوعة الفقهيّة الميسّرة، مجمع الفكر الإسلاميّ، إيران - قمّ، 1422هـ، ط1، ج4، ص288.


27

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

الإسرار بالإعلان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَ لَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾[1]،

[1] سورة البقرة، الآية 77.


28

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

وتارةً قوبل بالجهر، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّا وَجَهۡرًاۖ﴾[1]، وتارةً ثالثة ورد الكتمان في مقابل الجهر، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[2]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾[3].

أولياء وأنبياء كتموا الأسرار

ورد في قصص الأنبياء وبعض الأولياء الطاهرين، أنّ الله سبحانه وتعالى قد ذكر كتمان بعضهم للسرّ، وكان أن جزاهم على ذلك خيراً، كما في قصّة أمّ النبيّ موسى (عليه السلام)، حين كتمت سرّ ولادة موسى (عليه السلام) وألقته في اليمّ، قال سبحانه: ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[4]، فكان جزاؤها من الله أن ردّه إليها، قال

[1] سورة النحل، الآية 75.

[2]  سورة البقرة، الآية 33.

[3] سورة الأنبياء، الآية 110.

[4] سورة القصص، الآية 10.


29

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

سبحانه: ﴿فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[1]. وكذلك قصّة النبيّ يوسف مع أبيه يعقوب(عليه السلام)، حيث أوصاه يعقوب بكتمان رؤياه، وألّا يقصصها على أخوته: ﴿قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّ مُّبِين﴾[2]، فكان جزاؤه أن حفظه الله تعالى، بل مكّنه في الأرض، قال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾[3]، ﴿وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡر لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾[4].

وهذا ممّا يدلّ على أنّ لحفظ الأسرار فوائدَ عظيمة وآثاراً جليلة. هذا فضلاً عن الآيات الكثيرة التي تأمر الإنسان بعدم الإكثار من الكلام، وتبيّن أنّ

[1] سورة القصص، الآية 13.

[2] سورة يوسف، الآية 5.

[3] سورة يوسف، الآية 56.

[4] سورة يوسف، الآية 57.


30

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

الإنسان محاسب على كلّ كلمة يتلفّظ بها: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾[1].

 

[1] سورة ق، الآية 18.


31

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

متى نكتم السرّ؟

إنّ لكتمان السرّ موارد عدّة، فتارةً يتعلّق بالجانب الشخصيّ والفرديّ للإنسان، وتارةً أخرى يتعلّق بالجانب الاجتماعيّ أو السياسيّ أو الاقتصاديّ، وكذلك يتعلّق بموارد دقيقة وخطيرة للغاية، كالتي ترتبط بالجانب الأمنيّ والعسكريّ:

1. الجانب الشخصيّ والفرديّ

وهو ما يرتبط بالأمور التي تدور بين الناس، أكان بين فردين أو بين أفراد العائلة الواحدة، فينبغي في مثل الموارد أن يكتم المرء ما قد يؤدّي إلى الفتنة أو الحقد وغير ذلك من المساوئ.

مثال من القرآن

لقد ورد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أفضى لإحدى زوجاته سرّاً، وأوصاها بألّا تذكره أمام أحد من الناس، إلّا أنّها خالفت وصيّته، حتّى أنبأه الله تعالى بفعلتها، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ 


32

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾[1].

فالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) قد أمر بكتمان ذلك السرّ، وهذا يعني أنّه ثمّة مسائل عائليّة قد يتوجّب كتمانها، لئلّا يكون لها تداعيات سلبيّة.

وقد حذَّرت الأحاديث الشريفة من هذا الأمر، فعن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «إنّ من شرّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثمّ ينشر أحدُهما سرَّ صاحبه»[2].

2. الجانب الأمنيّ والعسكريّ

قد تكون المسائل الأمنيّة والعسكريّة -بل هي كذلك- من أهمّ موارد كتمان السرّ، حيث يحفظ به أمن الناس الشخصيّ والأمن العامّ للمجتمع، خاصّة إذا ما كان هناك عدوّ يتربّص بالمؤمنين والمجاهدين، فحينها يصبح كتمان سرّ المجاهدين

[1] سورة التحريم، الآية 3.

[2] المتّقيّ الهنديّ، علاء الدين عليّ المتقيّ بن حسام الدين، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسّسة الرسالة، لبنان - بيروت، 1409هـ - 1989م، لا.ط، ج16، 375.


33

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

وما يتعلّق بهم أمراً لازماً وواجباً، وفي المقابل يُعدّ إفشاء مثل تلك الأسرار محرّماً شرعاً، طبقاً لفتاوى فقهائنا العظام.

فلا يجوز نقل وبثّ وذكر المعلومات والخطط والأسرار المتعلّقة بالعمل الجهاديّ والعسكريّ والأمنيّ، مهما كان


34

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

نوع وحجم تلك المعلومات، وعبر أيّ وسيلة كانت، ولأيّ شخص كان. ولو أدّى نقل المعلومات إلى أثرٍ ما على المسيرة الجهاديّة، أو كان سبباً في استشهاد أو جرح بعض الأشخاص، فإنَّ ذلك يُعدّ مشاركةً في إراقة دمائهم[1].

3. الجانب التجاريّ والإداريّ

نجد في القران الكريم إشارة إلى ضرورة كتمان السرّ في الجانب التجاريّ، ففي قصّة النبيّ يوسف (عليه السلام) يقول سبحانه: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾[2]؛ فإنّ كلمة حفيظ تعني هنا الأمانة في كلّ شيء، فيحفظ أسرار العمل وأسرار العاملين وكلّ ما يتعلّق بمصلحة العمل.

إشاعة الفاحشة

يدخل ضمن إفشاء السرّ كلّ ما كان مخفيّاً ومستوراً وكان في إفشائه وإذاعته ضررّ على الآخرين؛ ولأجل ذلك تدخل إشاعة الفاحشة في

[1] انظر: استفتاءات الامام الخمينيّ، ج3، ص53، س44.

[2] سورة يوسف، الآية 55.


35

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

موارد إفشاء السرّ المنهيّ عنه، فالفاحشة المستورة، والتي قد يرتكبها بعضهم سرّاً، فإنّ في إذاعتها


36

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

وذكرها أمام الآخرين أضراراً بالغة، على الصعيد التربويّ والأخلاقيّ، وربّما الأمنيّ، ولهذا فقد نهى الإسلام عن إشاعتها.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيم فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾[1].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْه عَيْنَاه وسَمِعَتْه أُذُنَاه، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيم﴾»[2].

إفشاء السرّ يُسفَك به الدم

لا بدّ للمرء من أن يكون دقيقاً للغاية في ما يتلفّظ به، فقد يتحدّث بشيء يؤدّي كشفه إلى سفك دم، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله

[1] سورة النور، الآية 19.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص357.


37

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

تعالى: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّۚ﴾[1]، قالَ: «أَمَا والله مَا قَتَلُوهُمْ بِأَسْيَافِهِمْ، ولَكِنْ أَذَاعُوا سِرَّهُمْ، وأَفْشَوْا عَلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا»[2].

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة
وسبل علاجها

هدف الموعظة

بيان أبرز الأسباب التي تؤدّي إلى نشوء النزاعات الأسريّة وكيفيّة تفاديها.

محاور الموعظة

أسباب الخلافات الزوجيّة
غيرة أم سوء ظنّ؟

تصدير الموعظة

 

[1]  سورة آل عمران، الآية 112.

[2]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص371.


38

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»[1].

 

[1] الطبرسي، الشيخ الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضي، إيران - قمّ، 1392هـ - 1972م، ط6، ص216.


39

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

قد تتعرّض الحياة الزوجيّة إلى بعض النزاعات، وقد يصل الحال إلى مرحلة خطيرة، خاصّة إذا تعدّى فيها الطرفان الحدود الشرعيةّ، وأصبح الظلم والهتك بينهما حاكماً، أو وصلت العلاقة بينهما إلى مشارف التفكّك والانفصال.

من هنا، لا بدّ لكلّ زوجين من أن يتنبّها إلى ماهيّة الأسباب الرئيسة التي قد توقع النزاع، فيتجنّبانها، وما الأسباب التي توطّد العلاقة وتذلّل النزاعات، فيقدمان عليها.

أسباب الخلافات الزوجيّة

1. عدم التقيّد بالأحكام الشرعيّة

لقد وضع الإسلام أحكاماً شاملة لكلّ مناحي حياة الإنسان، ومنها ما يرتبط في علاقته مع الآخرين؛ وذلك لضمان سير كلّ فرد ضمن مسار واضح تُحفظ فيه الحقوق، ولعلّ العلاقة الزوجيّة من أكثر العلاقات التي ينبغي التنبّه فيها إلى الأحكام الشرعيّة؛ ذلك أنّها علاقة تفاعليّة ذات ديمومة، فكلّما كان الزوجان ملتزمَين بأحكام الشرع، كانت علاقتهما أكثر أماناً من الانزلاق ونشوء النزاعات والخلافات.


40

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

2. عدم الإقرار

تظهر بعض النزاعات بسبب عدم تقدير كلٍّ من الطرفين


41

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

لطبيعة الطرف الآخر وطبعه، سواءٌ أكان من ناحية القدرات الذهنيّة أو البدنيّة أو الماليّة وغير ذلك، فلا ينبغي لأيٍّ من الطرفين أن يتغافل عن أنّ طباع الناس تختلف وتتنوّع، وبالتالي لا بدّ من أن يوطّن نفسه على هذا الاختلاف والتنوّع، ما يجعله قادراً على تقبّل الكثير من تلك الاختلافات، ويذلّل طرق النزاعات التي قد تنشأ.

3. رتابة الحياة

تُعَدّ الرتابة في الحياة، أو ما يعرف بالروتين اليوميّ، من أبرز الأسباب التي قد توصل العلاقة الزوجيّة إلى التزلزل أو الوهن ولو بشكل تدريجيّ؛ ذلك أنّ الرتابة تجعل الفرد مع مرور الوقت في حالة خمول وضجر، وفي بعض الأحيان قد توصله الى البؤس، ومن أبرز معالم الرتابة هو عدم الاهتمام بالمظهر الشخصيّ لدى كلٍّ من الطرفين، ويُقصد بذلك الاهتمام هو العناية بالمظهر الشخصيّ من ملبس ونظافة وغير ذلك، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا غِنَى بالزوجة في ما بينها وبين زوجها المُوَافِقِ لها عن ثلاث خِصالٍ، وهُنَّ: صِيانَةُ نفسها عن كلّ دَنَسٍ حتّى يَطْمئِنّ قَلبُه إلى الثِّقة بها في حَالِ المَحْبُوبِ والمَكرُوه، وحِيَاطَتُهُ ليكون ذلك عَاطِفاً عليها عند


42

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

زَلَّةٍ تكون منها، وإِظهَارُ العِشقِ له بِالْخِلَابَة، والهَيْئَة الحَسَنَةِ لها في عَيْنِه»[1]، وكذلك الحال من قبل الزوج أيضاً.

4. تتبّع العيوب

من موجبات حدوث النزاعات الزوجيّة هو أن يتتبّع الطرفان عيوب بعضهما بعضاً، فيقدم الزوج مثلاً على مراقبة عيوب زوجته، ولا يلبث أن يقوم بنعتها بها، أو العكس، وهذا في الواقع منشأ للجفاء وعدم الاستقرار في العلاقة الزوجيّة، بل ربّما يُوصل إلى الكراهية والحقد. هذا، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يتغافل المرء عمّا يراه من صغائر الأمور التي تصدر عن الناس، بل إذا ما رأى عيباً فينبغي عليه أن يقوم بكتم هذا العيب، وألّا يتتبّع فاعله أو من به ذلك العيب.

فكيف الحال إذا كان الأمر مرتبطاً بالزوجين؟! عن الإمام الصادق (عليه السلام): «حَقُّ المرأة على زوجها أن يَسُدَّ جَوْعتَها، وأَن يَسْتُرَ عَوْرَتهَا، ولا يُقَبِّحَ لها وَجْهاً، فإذا فعل ذلك فقد والله أدَّى حَقَّهَا»[2]؛ والمقصود منه التستّر على العيوب

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج75، ص237.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص512.


44

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

والأخطاء التي قد تقع فيها الزوجة، فلا يُعيِّرها بها، ولا يفضحها في مجالسه.


45

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

5. التطاول وتعدّي الحدود

الإنسان معرّض للوقوع في الخطأ، وهذا أمر طبيعيّ لدى عامّة الناس، ولأجل ذلك لا بدّ لكلا الطرفين من أن يتوقّعا حدوث أخطاء وهفوات، وإذا ما وقع فأن يتعاملا مع الأمر برويّة وتعقّل، ولا يبادرا إلى تقريع بعضهما بعضاً بما فيه تعدٍّ على حدود الله، عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله): «خير الرجال من أمّتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحنّون عليهم، ولا يظلمونهم»، ثمّ قرأ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡض﴾[1] [2].

وفي ذلك يمكن القول، على فرض أنّ أحدهما فعل فعلاً سيّئاً، فهل يحقّ للآخر أن يقابل السيّء بالسيّء، فيقوم بما لا يرضي الله تعالى؟

6. عدم الرفق

إنّ عدم مراعاة قابليّة أحد الطرفين لفعل بعض الأمور أو تحمّلها، يُعَدّ من الأسباب التي تنشئ

[1] سورة النساء، الآية 34.

[2] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص216.


46

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

النزاعات بين الطرفين، وتُولِّد بيئة أسريّة مشحونة غير مستقرّة، ومن ذلك أن يقدم الزوج على بعض التصرّفات التي لا تتحمّلها المرأة عادة، كأن


47

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

يسهر طويلاً ويصدر أصواتاً وضجيجاً من دون مراعاة تعبها وإرهاقها، أو كأن يلزمها بما لا طاقة لها به من تحضير موائد بشكل دائم، ولا معين لها في ذلك، وغيرها من المظاهر التي قد يؤثم الرجل فيها ما لو كان ذلك يؤذي زوجته.

وكذلك في المقابل كأن تطلب الزوجة من زوجها أموراً لا طاقة له بها، أو ربّما لا يحبّها، وهي في الوقت عينه ليست ضروريّة وليست ذات أهمّيّة.

7. الغيرة المبالغ بها

الغيرة هي إحدى المفردات التي يمكن أن تُسبّب مشاكل كثيرة في الحياة الزوجيَّة إذا ما خرجت عن حدّها الشرعيّ، وإليك بيان ذلك:

أ. أمّا غيرة الرجل: يقول العلّامة الطباطبائيّ: «وهذه الصفة الغريزيّة لا يخلو عنها في الجملة إنسان، أيّ إنسان فرض، فهي من فطريّات الإنسان، والإسلام دين مبنيّ على الفطرة تؤخذ فيه الأمور التي تقضي بها فطرة الإنسان، فتعدل بقصرها في ما هو صلاح الإنسان في حياته، 


48

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

ويُحذف عنها ما لا حاجة إليه فيها من وجوه الخلل والفساد»[1].

 

[1]  الطباطبائيّ، العلّامة السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، 1417ه‏، ط5، ج4، ص175.


49

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

وقد ورد في العديد من الروايات الشريفة نسبة صفة الغيرة إلى الله وبعض أنبيائه (عليهم السلام)، كما ورد على لسان الملك في خطابه لإبراهيم (عليه السلام): «إنّ إلهك لَغيور، وإنّك لَغيور...»[1].

فالغيرة صفة شريفة، ودليل صحّة وعافية، ولكن إذا وُضِعَت في غير محلّها أو خرجت عن حدودها وطورها انقلبت إلى مرض. وقد تتسبَّب بالمشاكل إذا وصلت إلى حدٍّ شعرت الزوجة معها بعدم الثقة بها، فهنا ترفض المرأة هذا الواقع، وتطالب الرجل بإخراجها من هذا السجن الذي جعلها فيه؛ بسبب شكوكه، وتشير بعض الروايات إلى ذلك، كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لابنه الحسن (عليه السلام): «إيّاك والتغاير في غير موضع الغيرة، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة منهنَّ إلى

[1] راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج12، ص46. والمازندرانيّ، المولى محمّد صالح بن أحمد، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعرانيّ، ضبط وتصحيح السيّد عليّ عاشور، دار إحياء التراث العربيّ للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1421هـ - 2000م، ط1، ج12، ص535.


50

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

السَقَم، ولكنْ أحكِمْ أمرهنَّ، فإن رأيت عيباً فعجّل النكيرَ على الكبيرِ والصغيرِ»[1].

 

[1]  العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج74، ص214.


51

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من الغيرة ما يُحبّ الله، ومنها ما يكره الله، فأمّا ما يُحبّ فالغيرة في الريبة، وأمّا ما يكره فالغيرة في غير الريبة»[1].

غيرة أم سوء ظنّ؟

قد يخلط بعض الرجال بين مفهومَي الغيرة وسوء الظنّ، فالغيرة أن يسعى في حفظ زوجته وحمايتها من الوقوع في ما لا ينبغي؛ أمّا سوء الظنّ فهو أن يشكّ بها من دون أيّ مبرّر أو حجّة، ويعاملها طبقاً لشكّه هذا، وهذا من الأمور المحرّمة التي نهى عنها الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمۖ﴾[2].

ب. أمّا غيرة المرأة، فهي بلاء لا ينبغي عليها أن تصبح أسيرة له، فتتعدّى بذلك حدود الله سبحانه. إنّ غيرة المرأة قد تُعَدّ أمراً فطريّاً مغروزاً فيها، إلّا أنّ ما يجب عليها هو أن تتحكّم بغيرتها، وفي ذلك تتميّز النساء المؤمنات اللاتي يتّخذْنَ رضا الله

[1] المتقيّ الهنديّ، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، مصدر سابق، ج3، ص385.

[2] سورة الحجرات، الآية 12.


52

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

تعالى معياراً في علاقاتهنّ مع أزواجهنّ، فتصبر وتتغافل حتّى لا تقع في المحذور. رُوي أنّ رجلاً ذكر

 

 


53

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

للإمام الصادق (عليه السلام) امرأته، فأحسن عليها الثناء، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «أَغَرتَها؟» قال: لا، قال: «فأَغِرها»، فأغارها فثبتت، فقال لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي قد أغرتها فثبتت، فقال: «هي كما تقول»[1].

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «غيرة النساء الحسد، والحسد هو أصل الكفر. إنّ النساء إذا غِرْنَ غضبْن، وإذا غضبْن كفرْن، إلّا المسلمات منهنّ»[2].

 

[1]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص505.

[2]  المصدر نفسه.


54

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

هدف الموعظة

إيضاح الحجب التي تقف حائلاً دون استفادة المرء من علوم القرآن الكريم ومعارفه.

محاور الموعظة

حجاب الشعور بالاستغناء
حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة
حجاب شبهة التفسير بالرأي
حجاب الذنوب والمعاصي

تصدير الموعظة

﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَان كَرِيم ٧٧ فِي كِتَٰب مَّكۡنُون ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾[1].

 

[1] سورة الواقعة، الآيات 77 - 79.


55

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

إذا أراد المرء أن ينهل من معين القرآن الكريم ويستفيد من علومه وإرشاداته ومواعظه، فإنّ عليه أن يتنبّه إلى أمر مهمّ لا غنى له عنه، ألا وهو رفع الحجب، التي تحجب عقله وقلبه من الاغتراف من بحر هذا الكتاب الكريم.

ولأجل ذلك، فقد نبّهنا أهل بيت العصمة الأطهار (عليهم السلام)، إلى ضرورة أن يتخلّى المرء عمّا يكون عائقاً من الاستفادة من القرآن الكريم والتي على رأس تلك الحجب، حجب العقل والقلب.

حجب الاستفادة

1. حجاب الشعور بالاستغناء

من أشدّ الآفات النفسيّة أن يقع المرء في حجاب الشعور بالغنى عن التعرّف والتعلّم، حتّى يظنّ نفسه أكبر من أن يفحص ويتحرّى، بل ربّما يزيّن له الشيطان أنّه أصبح كاملاً، ويسترضيه بما هو عليه، كي لا يسعى إلى تطوير ذاته. وهكذا يعيش شعوراً بأنّ ما هو عليه كافٍ، ولا حاجة له إلى شيء آخر، فإذا ما كان مقتدراً على التجويد، يشعر 


56

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

وكأنّ التجويد هو أكمل ما يصل إليه الإنسان، وهكذا في باقي أبواب العلوم والفنون العلميّة.


57

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

ولنا في قصة النبيّ موسى والخضر درساً في أنّ المرء مهما وصل إلى مقام رفيع في العلم وغيره، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يُشعره بالكمال، وأنّ شيئاً ربّما لا يدركه وينبغي أن يسعى في سبيل تعرّفه، فالنبيّ موسى (عليه السلام) مع ما كان عليه من مقام إلّا أنّه كان متواضعاً، فقد وجد أنّ الخضر يدرك ما ينبغي تعرّفه حتّى طلب منه مصاحبته: ﴿هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدا﴾[1]، فلازمه بهذه النيّة والإرادة، وبأنّه يريد التعلّم منه.

2. حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة

لو تحرّينا سبب انحراف الكثيرين عن الحقّ، وعن إدراك ما يريده الله تعالى بآيات كتابه المجيد، لوجدنا أنّ التقليد الأعمى الذي يوسَم به هؤلاء هو سبب رئيسيّ في غفلتهم عن الحقّ، فالمرء الذي يتبنّى آراء فاسدة ويقلّد بها غيره من دون التفكّر بها، إنّما يضع حجاباً بينه وبين الحقّ؛ ولهذا لا يستطيع الاستفادة من كتاب الله، ويقف عند حدود من يقلّده.

 

[1] سورة الكهف، الآية 66.


58

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

3. حجاب شبهة التفسير بالرأي

يظنّ بعضهم أنّ فهم آيات القرآن الكريم أمراً غير ميسور،


59

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

ولا بدّ إزاء ذلك من أن يُكتفى بفهم ظاهره، من دون الولوج في تأويله والسعي في معرفة ما ليس ظاهراً، وحجّة هؤلاء أنّ هذا ممّا يعدّ تفسيراً بالرأي. وهذا الظنّ باطل ومرفوض، وذلك أنّ القرآن الكريم نزل بلغة عربيّة، وهو كالمائدة التي تُطرح على عباد الله كي يفقهوا ويسترشدوا بآياته، فلو قلنا بأنّ فهم القرآن أمراً غير ميسور مطلقاً، فإنّما نغيّر غرض هذا الكتاب المقدّس من أن يكون منيراً لدروب الناس.

نعم، إنّ بعض الآيات ممّا يحتاج فهمها إلى رعاية دقيقة توجب الرجوع إلى العلماء، ومن قبلهم روايات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، وهي عادة ما تكون في الآيات المتشابهة.

وما يقصد بالتفسير بالرأي، كما هو مفهوم بعض الروايات كقول الإمام الباقر (عليه السلام): «ليس شيءٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن»[1]،

[1] البرقيّ، أحمد بن محمّد بن خالد، المحاسن، تصحيح وتعليق السيّد جلال الدين الحسينيّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1370هـ - 1330ش، لا.ط، ج2، ص300.


60

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

وكذلك الرواية الشريفة: «إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول»[1]، هو أن تكون الآية غير ظاهرة المعنى،

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج2، ص303.


61

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

ثمّ يقوم المرء بتأويلها من دون الاستناد إلى قواعد التفسير العلميّة، ومن دون عرضها على آيات أخرى أو على ما ورد في أحاديث المعصومين (عليهم السلام).

إضافة إلى أنَّ المقصود من دين الله، كما في مثل هذه الأحاديث هو الأحكام التعبّديّة، وإلّا فباب إثبات الخالق ومسائل الاعتقادات إنّما هي من حقّ العقل.

4. حجاب الذنوب والمعاصي

إنّ للذنوب آثاراً تتعدّى في حدودها حدود ما يرتبط بأموره الدنيويّة، كأن يسلب التوفيق في عمله وغير ذلك، بل إنّ لها آثاراً على القلب والعقل حتّى تجعلهما كآلتين جافّتين لا تستنير بنور الهدى والحقّ، فيصل المرء إلى حالة من الضلال القلبيّ والانحراف العقليّ، ويكون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾[1].

 

[1]  سورة المطفّفين، الآية 14.


62

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

وقوله تعالى: ﴿لَهُمۡ قُلُوب لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُن لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَان لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾[1].

 

[1]  سورة الأعراف، الآية 179.


63

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾[1].

وكما أنّ غير المطهّر بالطهارة الظاهريَّة ممنوع عن ظاهر هذا الكتاب ومسّه في العالم الظاهر تشريعاً وتكليفاً، كذلك من كان ملوّثاً بأرجاس التعلّقات الدنيويّة والمحدودة والفانية فهو ممنوع من معارفه ومواعظه وباطنه وسرّه قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾[2]، وقال: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَان كَرِيم ٧٧ فِي كِتَٰب مَّكۡنُون ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُون﴾[3]، فغير المتّقي محروم من أنوار القرآن ومواعظه وعقائده الحقّة. والآية الشريفة الآتية تكفي لأهل اليقظة بشرط التدبّر فيها، إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُور وَكِتَٰب مُّبِين ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ

[1] سورة محمّد، الآية 24.

[2] سورة البقرة، الآية 2.

[3] سورة الواقعة، الآيات 77 - 79.


64

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰط مُّسۡتَقِيم﴾[1].

 

[1] سورة المائدة، الآيتان 15 - 16.


65

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

هدف الموعظة

بيان أنّ التزكية ليست مجرّد تركٍ للذنوب أو تهذيبٍ للأخلاق، بل هي عمليّة تربويّة متكاملة تُعيد الإنسان إلى صفاء الفطرة، وتُهيّئه لنيل القرب من الله تعالى.

محاور الموعظة

أهمّيّة التزكية ومعناها
وسائل التزكية
أثر التزكية القرب من الله

تصدير الموعظة

﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠﴾[1].

 

[1] سورة الشمس، الآيتان 9 - 10.


66

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

أهمّيّة التزكية ومعناها

إنّ تزكية النفس من أعمق المفاهيم التي تحدّث عنها القرآن الكريم؛ إذ جعلها طريق الفلاح الأوحد، فقال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾؛ أي إنّ الفلاح الحقيقيّ ليس في كثرة المال أو المنصب أو الجاه، بل في طهارة النفس من أدرانها، وصفائها من ظلمة الذنب والهوى. إنّ الإنسان مهما بلغ من مراتب العلم والعمل لا يمكن أن يقترب من الله إلّا إذا زكّى نفسه وراقبها وأصلح سريرته، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله): «مَن ازداد علماً، ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلّا بُعداً»[1].

التزكية في معناها العميق تعني النماء مع الطهارة؛ فهي ليست سلباً للنزعات البشريّة، بل توجيهها نحو الخير؛ فالغضب يُهذَّب ليصبح غيرة على الدين، والشهوة تُضبط لتكون طاقة بناء للأسرة، وحبّ الذات يتحوّل إلى حبٍّ لله ولأوليائه. من هنا، فالتزكية ليست انغلاقاً أو انكفاءً عن الحياة، بل هي توازنٌ بين مطالب الجسد ومقامات

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج2، ص37.


67

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

الروح، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن ملك نفسه إذا رغب، وإذا


68

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

رهب، وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي، حرّم الله جسده على النار»[1].

ولقد عني الأنبياء (عليهم السلام) بهذا المفهوم عنايةً بالغة، حتّى جعل الله تعالى مهمّتهم الأساس هي التزكية قبل التعليم، فقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ رَسُولا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾[2]، فالتزكية مقدَّمة على التعليم؛ لأنّ العلم بلا تزكيةٍ قد يُصبح وسيلةً للغرور أو أداةً للفساد.

ويُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) هذا، فيقول: «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلّا ارتحل عنه»[3]؛ فالإنسان إذا لم يُطهّر نفسه بالعمل الصالح والمجاهدة، فإنّ علمه يزول أثره، ولا يُثمر معرفةً حقيقيّة.

 

[1]  الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، الأمالي، تحقيق ونشر مؤسّسة البعثة، إيران - قمّ، 1417ه، ط1، ص408.

[2] سورة الجمعة، الآية 2.

[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص44.


69

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

وسائل التزكية

أمّا وسائل التزكية، فأهمّها المراقبة والمحاسبة والمجاهدة.

المراقبة تعني حضور الله في الوجدان، أن يعيش الإنسان إحساساً دائماً بأنّ الله مطّلع عليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يا إسحاق، خفِ الله كأنّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك»[1].

ويؤكّد الإمام الخميني(قدس سره) وجوبها، فيقول: «يجب على الإنسان في هذه الدنيا أن يراقب النفس الأمّارة كثيراً؛ إذ ربّما تقوم بعمليّة التعتيم للحقائق على الإنسان، وتذليل الصعوبات وتسهيلها»[2].

والمحاسبة أن يقف مع نفسه كلّ يوم، يطالبها بما فعلت، كما عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا قبل أن

[1] المصدر نفسه، ج2، ص68.

[2] الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله الموسويّ، الأربعون حديثاً، تعريب محمّد الغروي، دار التعارف للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1424ه - 2003م، ط7، ص530، الحديث التاسع والعشرون، بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة.


70

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

تُوزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر»[1]، فيسائلها عمّا

 

[1] ابن طاووس، السيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ، محاسبة النفس، انتشارات مرتضوى، 1376ش، ط4، ص13.


71

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

قصّرت فيه من حقوق الله وحقوق الناس.

وأمّا المجاهدة فهي مقاومة الشهوة والكسل والعُجب وحبّ الظهور، وهي ما عبّر عنه النبيّ(صلى الله عليه وآله) بعد رجوع سريّة بعثها إلى الحرب، قائلاً: «مرحباً بقومٍ قضَوا الجهاد الأصغر، وبقي الجهاد الأكبر»، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد النفس»[1].

ومن دون هذه المجاهدة لا تتحقّق التزكية؛ لأنّ النفس ميّالة إلى الهوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ﴾[2]. لذا، فإنّ التزكية ليست شعاراً ولا دعوى، بل جهادٌ متواصل مع النفس، يحتاج إلى صبرٍ ومثابرة ومداومة.

ومن وصيّة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول: «اتَّقِ اللَّه فِي كُلِّ صَبَاحٍ ومَسَاءٍ، وخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ، ولَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ، واعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوه، سَمَتْ بِكَ الأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ؛ فَكُنْ

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص13.

[2]  سورة يوسف، الآية 53.


72

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً، ولِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً»[1].

 

[1]  السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، الكتاب 56، ص447.


73

المقدّمة

أثر التزكية القرب من الله

وإذا طهرت النفس من شوائبها، أشرقت فيها أنوار الهداية، وأصبح القلب محطّ رحمة الله، كما ورد في الحديث القدسيّ: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن»[1]، وهذا هو القرب الحقيقيّ من الله؛ أن يُصبح القلب مستقرّاً لذكره، ومحلّاً لأنواره، وموضعاً لإلهامه وتسديده.

وللتزكية آثار عظيمة على الفرد والمجتمع، فهي تُولّد السكينة الداخليّة، وتُطهّر العلاقات من الأنانيّة والحسد والبغضاء، وتجعل الإنسان يعيش سلاماً مع نفسه ومع الناس. والمجتمع الذي يُزكّي أفراده أنفسهم هو مجتمعٌ تُزهر فيه الأخلاق، ويغيب عنه الفساد والظلم.

إنّ طريق التزكية يبدأ بخطوةٍ واحدة: أن يُدرك الإنسان حاجته إلى الله وضعفه أمامه، فيتوجّه إليه

[1] الأحسائيّ، ابن أبي جمهور محمّد بن زين الدين، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، إيران - قمّ، 1403هـ - 1983م، ط1، ج4، ص7.


74

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

تائباً خاشعاً، ويطلب منه العون على نفسه، فالله تعالى يقول: ﴿وَٱلَّذِينَ


75

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾[1]؛ أي إنّ من صدق في جهاده الداخليّ هداه الله إلى طريق الطهر والقرب.

فلنبدأ من داخلنا، فكلّ إصلاحٍ في الخارج لا يثبت ما لم يسبقه إصلاحُ الداخل. وكلّ علمٍ لا يُثمر تزكيةً فهو حجابٌ جديد على القلب. والتزكية هي مفتاح السعادة الحقيقيّة، وبها وحدها يُصبح الإنسان أهلاً لرضوان الله والقرب منه.

 

[1] سورة العنكبوت، الآية 69.


76

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

هدف الموعظة

إظهار نماذج رائدة من مواقف عدد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) المنتجبين وأخذ العبرة منها.

محاور الموعظة

صفات الأصحاب
مواقف ولائيّة عند أصحاب النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله)
بين معركة بدر ومعركة أحد
أداء التكليف من الولاء

تصدير الموعظة


77

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعا سُجَّدا يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّنَ ٱللَّهِ﴾[1].

 

[1] سورة الفتح، الآية 29.


78

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

شكّل الأصحاب المنتجبين للنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) عنصراً مهمّاً في مؤازرته (صلى الله عليه وآله) في نشر رسالته المباركة، وهم الذين لازموه في سرّائه وضرّائه، وكانوا سنداً له في مواجهة أعداء الرسالة، حتّى بذلوا لأجلها أرواحهم، وعانوا الشدائد فداءً للرسول والرسالة، ولم يكن هذا إلّا لأنّهم اتّصفوا بصفات تميّزوا بها عن غيرهم، وأبرز تلك الصفات هي صفة الولاء لنبيّهم.

صفات الأصحاب

لم يكن ولاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولاءً فارغاً من الوعي والبصيرة، بل إنّ سماتهم الأخلاقيّة والذاتيّة جعلت منهم رجالاً ولائيّين حقّ الولاية؛ ولأجل ذلك لم يخافوا في الله لومة لائم وصبروا وثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أحلك الظروف، ومن تلك السمات:

1. الإخلاص: وهو السمة التي زرعت في نفوسهم الحكمة، وأنارت لهم درب سيرهم في هذه الحياة، حتّى عرفوا حقّ المعرفة، وميّزوا بين جبهة الحقّ وجبهة الباطل.


79

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

2. البصيرة: وهي سمة تميّزوا بها حيث كانوا يدركون ما ينبغي فعله وما لا ينبغي، بناءً على ما أتاهم الله من صفاء قلب


80

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

ونقاء سريرة، اقتداءً برسولهم الكريم، وهذا ما جعلهم ثابتين لا يتزلولزن البتّة في أحلك الظروف.

3. التضحية: ولأنّهم أدركوا الحقّ ومقام رسولهم ورسالته، فلم يبخلوا في أن يضحّوا ويبذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله، وفي سبيل قوّة الإسلام وعزّته.

مواقف ولائيّة عند أصحاب النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله)

كان لأصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) مواقف كثيرة تجلّى فيها ولاؤهم وثباتهم، ومن ذلك:

1. موقف المقداد بن الأسود

عندما أتى خبر قريش ومسيرهم ليمنعوا عِيرهم، قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعقد اجتماع مع أصحابه، فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لأمر الله، فنحن معك. واللهِ، لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لنبيّهم: ﴿فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾[1]، ولكن اذهب أنت

[1] سورة المائدة، الآية 24.


81

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

وربُّك فقاتلا، إنّا معكما مقاتلون. والذي بعثك بالحقّ، لو سرتَ بنا إلى بُرك الغماد لسِرنا معك (وبرك الغماد من وراء مكّة بخمس ليالٍ


82

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

من وراء الساحل ممّا يلي البحر، وهو على ثمان ليالٍ من مكّة إلى اليمن)، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيراً، ودعا له بخير[1].

2. موقف سعد بن معاذ

عندما خطب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالأنصار، وقال لهم: «أشيروا عليّ أيّها الناس»، قام سعد بن معاذ، وقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنّك يا رسول الله تريدنا، قال: «أجل»، قال: إنّك عسى أن تكون خرجت عن أمرٍ قد أُوحي إليك في غيره، وإنّا قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ كلّ ما جئت به حقٌّ، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السّمع والطاعة، فامضِ يا نبيّ الله، فوالذي بعثك بالحقّ، لو استعرضتَ هذا البحر فخضتَه لخضناه معك، ما بقي منّا رجل، وَصِلْ مَنْ شئت، واقطعْ مَنْ شئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت، وما أخذتَ من أموالنا أحبُّ إلينا ممّا تركت. والذي نفسي بيده، ما سلكتُ هذا الطريق قطّ، وما لي به من علمٍ، وما نكره أن يلقانا عدوّنا غداً، إنّا

[1]  الواقديّ، محمّد بن عمر، المغازي، تحقيق الدكتور مارسدن جونس، نشر دانش إسلاميّ، لا.م، 1405ه، لا.ط، ج1، ص48.


83

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

لصبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء، لعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عينك[1].

 

[1]


84

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

بين معركة بدر ومعركة أحد

طبقاً لمجريات معركة بدر وأحداثها، يتبيّن أنّ النصر والفلاح لا يقف على الكمّ بقدر ما يقف على النوع، فإنّ قوّة المسلمين العسكريّة كانت أضعف بكثير ممّا كان عليه المشركون، ومع ذلك فقد انتصر المسلمون في هذه المعركة بعد أن سدّد الله المجاهدين فيها، وأردفهم بملائكة يعينونهم في الحرب، وليس هذا إلّا لما كان يتحلّى به المجاهدون في هذه المعركة من صفاء نيّة وإخلاص وولاء، قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡم لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥ ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة صَابِرَة يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡف يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[1].

بينما نجد أنّ المسلمين في معركة أحد قد أصيبوا بالهزيمة، بعد أن كانوا منتصرين! وليس هذا إلّا

[1] سورة الأنفال، الآيتان 65 - 66.


85

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

لتفلّت بعضهم ممّن أوكلوا في مهمّة محدّدة عن تكليفهم، فتغيّر بذلك وجه المعركة، ومني المسلمون بالهزيمة، قال سبحانه: 

﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ﴾[1].

نعم، إنّ في معركة أحد نموذج رائد في الولاء، ألا وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي حمى رسول الله بجسده، ومنع من أن ينال منه المشركون، وكان له بهذه المعركة بطولة لا نظير لها، تدلّل على شجاعته وحميّته وولائه.

أداء التكليف من الولاء

إنّ للولاية أثاراً في سلوك المرء، فهي أساس حركته وجوهر حميّته وعنفوانه، وكلّما كان ذائباً في الولاية كان أكثر انضباطاً وتقيّداً بما يراه الوليّ خيراً، وهذا هو سرّ نجاح وفلاح أصحاب النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأصحاب الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، وبهذا بالتحديد قد تميّزوا

[1] سورة آل عمران، الآية 152.


86

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

وارتقَوا علاوة على سماتهم الأخلاقيّة الرفيعة التي تحلَّوا بها.

من هنا، تأتي أهمّيّة الولاية في أن يقوم المرء بما عليه من تكليف، فلا يقدم على ما يخدش النظام ويشتّت الصفّ الواحد.


87

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

هدف الموعظة

بيان ضرورة معرفة أهل البيت (عليهم السلام)، ومدى ارتباط ذلك بسلوك الإنسان.

محاور الموعظة

معرفة أهل البيت (عليهم السلام)
لماذا تجب معرفتهم؟
صفات الشيعة
التحذير من الغلُوّ

تصدير الموعظة

الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّما يعرف الله عزّ وجلّ ويعبده، مَن عرف الله وعرف إمامه منَّا أهل البيت»[1].

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص181.


88

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

تكمن قيمة معرفة أهل البيت (عليهم السلام) في أنّهم الوسيلة الناصعة لمعرفة الباري سبحانه وتعالى، فهم الذين يشكّلون مع الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) الطريق إلى معرفة صفاته سبحانه، والتي قال فيها: ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[1].

ولو أنّ الإنسان بنفسه له القدرة على الإحاطة بمعرفة صفات الله، لما أرسل الأنبياء والرسل (عليهم السلام) ﴿رُّسُلا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾[2]، ولما أمر باتّباع أوصيائهم من بعدهم، قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾[3].

ضرورة معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

هذا، وقد شدّد رسول لله(صلى الله عليه وآله) على ضرورة التمسّك بأهل بيت العصمة (عليهم السلام)، حتّى قرن التمسّك بهم بالتمسّك بالقرآن،

[1] سورة الأنبياء، الآية 22.

[2] سورة النساء، الآية 165.

[3] سورة التوبة، الآية 119.


89

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

فهم عدله ومفسّروه: «يا أيُّها النَّاس إنِّي تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر، والثقل الأصغر، إن تمسكتم بهما لا تَضِلُّوا، وَلَا تَبَدَّلُوا، وإنِّي سألت اللَّطيف الخبير أن لا يتفرَّقا

حتَّى يردا عليَّ الحوض، فأعطيت ذلك، قالوا: وما الثقلَ الأكبر؟ وما الثقلَ الأصغر؟ قال: الثقلُ الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، والثقلُ الأصغر عترتي وأهل بيتي»[1]، ومن هنا ندرك لماذا حثّت الآيات والرّوايات على أهمّيَّة معرفتهم (عليهم السلام) وذمّت بشدَّة تركهم.

عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من منَّ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه»[2]. وقال سلمان الفارسيّ: دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوماً، فلمّا نظر إليَّ، قال: «يا سلمان، إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلَّا جعل له اثني عشر نقيباً...»، قُلتُ: يا رسول الله، بأبي أنتَ وأمِّي، ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: «يا سَلمانُ، مَن عرَفَهم حقَّ معرفتهم

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج23، ص140.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص561.


90

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

فهم عدله ومفسّروه: «يا أيُّها النَّاس إنِّي تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر، والثقل الأصغر، إن تمسكتم بهما لا تَضِلُّوا، وَلَا تَبَدَّلُوا، وإنِّي سألت اللَّطيف الخبير أن لا يتفرَّقا

حتَّى يردا عليَّ الحوض، فأعطيت ذلك، قالوا: وما الثقلَ الأكبر؟ وما الثقلَ الأصغر؟ قال: الثقلُ الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، والثقلُ الأصغر عترتي وأهل بيتي»[1]، ومن هنا ندرك لماذا حثّت الآيات والرّوايات على أهمّيَّة معرفتهم (عليهم السلام) وذمّت بشدَّة تركهم.

عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من منَّ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه»[2]. وقال سلمان الفارسيّ: دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوماً، فلمّا نظر إليَّ، قال: «يا سلمان، إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلَّا جعل له اثني عشر نقيباً...»، قُلتُ: يا رسول الله، بأبي أنتَ وأمِّي، ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: «يا سَلمانُ، مَن عرَفَهم حقَّ معرفتهم

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج23، ص140.

[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص561.


91

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

يعرف الله عزَّ وجلَّ و [لا] يعرف الإمام منَّا أهل البيت، فإنَّما يعرف ويعبد غير الله، هكذا والله ضلالاً»[1].

في المقابل ورد ذمّ عدم معرفتهم وعدم معرفة مقامهم (عليهم السلام)، فعن رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَن مات لا يَعرِف إمامَهُ، ماتَ ميتةً جاهليَّة»[2]، وعنه أيضاً(صلى الله عليه وآله): «مَن مات وليس له إمامٌ من وُلدي، ماتَ مِيتةً جاهليَّة، ويُؤخذُ بما عمل في الجاهليَّة والإسلام»[3].

لماذا تجب معرفتهم؟

إنّ لمعرفة أهل البيت (عليهم السلام) أثراً في تحديد السلوك الذي يسير على أساسه المرء، وكلّما كانت معرفتهم بقلبه أقوى، انقاد إلى إرشاداتهم وأوامرهم، ونهج منهجهم في الحياة، ومن أرفع ما يجنيه المرء في معرفتهم (عليهم السلام) هو معرفة الله سبحانه، فهم الأدلّاء عليه في فكرهم

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص181.

[2]  المصدر نفسه، ج2، ص20.

[3] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح الشيخ حسين الأعلمي، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1404هـ - 1984م، لا.ط، ج2، ص63.


92

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

وسلوكهم وأخلاقهم، يُروى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) خرج على أصحابه، فقال: «أيّها الناس، إنّ الله


93

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه»، فقال له رجل: يابن رسول الله، بأبي أنت وأمّي، فما معرفة الله؟ قال: «معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته»[1].

وهذا المعنى قد ورد بوفرة في أحاديث الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وأدعيتهم، ومن ذلك دعاء الندبة، حيث ورد فيه: «أَيْنَ بَابُ اللَّهِ الَّذِي مِنْهُ يُؤْتَى، أَيْنَ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ تَتَوَجَّهُ الْأَوْلِيَاءُ، أَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ»[2].

بل ربُط رضا الله برضاهم (عليهم السلام)، وهذا يؤكّد أنّهم الوسيلة إليه سبحانه، ففي خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكّة لمّا أراد التوجّه إلى

[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدرية، العراق - النجف الأشرف، 1385هـ - 1966م، لا.ط، ج1، ص9.

[2] ابن المشهديّ، محمّد بن جعفر المشهدي الحائريّ، المزار الكبير، تحقيق جواد القيومي الاصفهانيّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ‏، إيران - قمّ، 1419هـ، ط1، ص579.


94

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

كربلاء، قال: «رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين»[1].

 

[1]  الإربليّ، الشيخ عليّ بن أبي الفتح، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، دار الأضواء، لبنان - بيروت، 1405هـ - 1985م، ط2، ج2، ص239.


95

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

معرفتهم هي الأساس

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أسعد الناس من عرف فضلنا وتقرّب إلى الله بنا، وأخلص حبّنا، وعمل بما إليه نُدبنا، وانتهى عمّا نحن نهينا، فذاك منّا وهو في دار المقامة معنا»[1].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن أيّ الأعمال هو أفضل بعد المعرفة؟ قال: «ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة، ولا بعد المعرفة والصلاة شيء يعدل الزكاة، ولا بعد ذلك شيء يعدل الصوم، ولا بعد ذلك شيء يعدل الحجّ، وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا، وخاتمته معرفتنا»[2].

صفات الشيعة

لا يكفي أن يكون المرء عارفاً بحقّهم ما لم يتناغم سلوكه مع معرفتهم واتّباعهم والاقتداء بهم؛ ولأجل ذلك فقد قرن التشيّع لهم بالعمل كما عن

[1] الليثيّ الواسطيّ، الشيخ كافي الدين عليّ بن محمّد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسينيّ البيرجنديّ، دار الحديث، إيران - قمّ، 1418ه، ط1، ص124.

[2]  الطوسيّ، الشيخ محمّد بن الحسن، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسّسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، إيران - قمّ، 1414ه، ط1، ص694.


96

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

الإمام الصادق (عليه السلام): «يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيُّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فوالله


97

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

ما شيعتنا إلّا من اتَّقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشُّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران، من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفُّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء[...]»[1].

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ولاية الأئمَّة لوحدها لا تكفي، بل لا بدَّ من عداوة أعدائهم أيضاً، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «كمال الدِّين ولايَتُنا والبراءة من عدُوّنا»[2].

التحذير من الغلُوّ في أهل البيت (عليهم السلام)

تُعدّ حركة الغلاة من أخطر الحركات ضرراً على الإسلام والمجتمع الإسلاميّ؛ لأنَّها حركة عقائديَّة تستهدف ضرب الإسلام من الداخل وبعناوين

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص74 - 75.

[2]  ابن إدريس الحليّ، الشيخ أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد، مستطرفات السرائر، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، 1411هـ، ط2، ص640.


98

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

برّاقة، ولأجل ذلك واجهها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) بكلّ قوّة وحسم، وصلت إلى حدِّ تكفير


99

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

المغالين، عن الإمام عليّ (عليه السلام): «إيّاكم والغُلُوَّ فينا! قولوا: إنّا عبيدٌ مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم»[1]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «احذروا على شبابكم الغُلاة لا يُفسدونهم؛ فإنّ الغلاة شرّ خلق الله، يُصغّرون عظمة الله ويدَّعون الرُّبوبيَّة لعباد الله. والله، إنّ الغُلاةَ أشرُّ من اليهود والنَّصارى والمجوس والَّذين أشرَكوا»[2].

وقد تبرَّأ الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) من الغلاة، وحكموا بهلاكهم وكفرهم، قال الإمام عليّ (عليه السلام): «لا تتجاوزوا بنا العُبوديَّة، ثمّ قولوا ما شئتم ولن تبلُغوا، وإيّاكم والغلُوّ كغلُوِّ النَّصارى، فإنَّني بريءٌ من الغالين»[3]،

[1] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، الخصال، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، إيران - قمّ، 1403هـ - 1362ش، لا.ط، ص614.

[2] الشيخ الطّوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص650.

[3]  الطبرسي، الشيخ أبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب، الاحتجاج على أهل اللجاج، تعليق السيّد محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، العراق - النجف الأشرف، 1386هـ - 1966م، لا.ط، ص233.


100

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

وعنه (عليه السلام): «هَلَكَ فيَّ رجلان: محبّ غالٍ ومبغض قالٍ»[1].

 

[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص489، الحكمة 117.


101

الموعظة الثامنة: الأمانة

الموعظة الثامنة: الأمانة

هدف الموعظة

بيان فضل الأمانة وحدودها، وأثر الالتزام بها من الناحية الاجتماعيّة.

محاور الموعظة

الأمانة في القرآن الكريم والروايات
مصاديق الأمانة
الأثر الأجتماعيّ لأداء الأمانة
اِئتمن الأمين

تصدير الموعظة

﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾[1].

 

[1] سورة المؤمنون، الآية 8.


102

الموعظة الثامنة: الأمانة

لعلّ الأمانة من أكثر الفضائل التي ورد فيها مدح وحثّ في كتاب الله وروايات المعصومين (عليهم السلام)، وليس هذا إلّا لأنّها مفهوم أخلاقيّ يسري في كلّ مفاصل حياة الإنسان وعلاقاته، وعلى رأسها علاقته بالله سبحانه وتعالى من حيث العبادة والطاعة.

الأمانة في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة

لقد ورد لفظ الأمانة في آيات القرآن الكريم، وهي تدلّ على مطلق الأمانة من دون تخصيصها بما يرتبط بالأمانة الماليّة أو العينيّة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرا﴾[1].

وقوله أيضاً: ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِم قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيم﴾[2].

 

[1] سورة النساء، الآية 58.

[2] سورة البقرة، الآية 283.


103

الموعظة الثامنة: الأمانة

أمّا في الروايات الشريفة، فلقد قرنت الأمانة بالإيمان، وأنّه «لا إيمان لمن لا أمانة له»، كما عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)[1].

بل إنّها صفة من الصفات الملازمة للأنبياء (عليهم السلام)، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَم يَبعَثً نَبِيّاً إلّا بِصِدقِ الحِدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ إِلىَ البِرِّ وَالفـاجِرِ»[2].

مصاديق الأمانة

في الكثير من النصوص وردت كلمة الأمانة مطلقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾[3]. ولذلك، فإنّها غير محصورة بجهة من الجهات، فقد تكون مادّيّة أحياناً كما يمكن أن تكون معنويّة أو عهديّة، ويمكن تقسيمها على النحو الآتي:

 

[1] ابن الأشعث، محمّد بن محمّد، الجعفريّات (الأشعثيّات)، مكتبة النينوى الحديثة، إيران - طهران‏، لا.ت، ط1، ص36.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص104.

[3] سورة المؤمنون، الآية 8.


105

الموعظة الثامنة: الأمانة

1. المال: وهو أبرز مصاديق الأمانة، ويشمل كلّ ما يُملك وله ماليّة.

2. المنصب والجاه: وهما أيضاً ممّا يُعدّ من الأمانات، حيث

يؤتمن المرء على حيثيّة ما قد تربّع فيها، يمكن من خلالها أن يستغلّها بفعل الخير والمعروف، كما أنّه قد يستغلها بفعل السوء، ويؤدّي ذلك إلى فساد الناس والمجتمع، فصاحب المنصب مؤتمَن على أن يقدّم ما فيه صلاح أهله وناسه.

3. الأبناء: وهم من أبرز الأمانات، حيث يتطلّب من الوالدين أن يقوما بما عليهما تجاه أبنائهما من حيث التربية والتنشئة، وأيّ تقصير بإرادتهم سوف يلامون عليه بين يديّ الله.

4. التكليف والفرائض: قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوما جَهُولا﴾[1]، وعن الإمام عليّ (عليه السلام) عندما سُئل عن سبب تغيّر حاله وقت الصّلاة، قال: «جاء وقت

[1] سورة الأحزاب، الآية 72.


106

الموعظة الثامنة: الأمانة

الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض ﴿فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا﴾»[1].

5. عمل الإنسان: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً للأشعث بن قيس: «وإنّ عملك ليس لك بطعمة، ولكنّه في عنقك أمانة»[2].

6. الأسرار: في الحديث: «المجالس بالأمانات»[3]؛ لأنّ في المجالس أسراراً وخصوصيّات لا ينبغي إفشاؤها.

أداء الأمانة الماليّة

لقد ورد بخصوص الأمانة الماليّة آيات وروايات عديدة تحثّ عليها بشكل كبير، ففي وصف الله تعالى، للمؤمنين يقول: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾[4].

 

[1] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج1، ص324.

[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص366، كتاب 5.

[3]  الشيخ الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص253.

[4] سورة البقرة، الآية 283.


107

الموعظة الثامنة: الأمانة

وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أُقسم لسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاً: يا أبا الحسن، أدِّ الأمانة إلى البرّ والفاجر في ما قلّ وجلَّ، حتّى في الخيط والمخيطِ»[1].

وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «عليكم بأداء الأمانة، فوالّذي بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله) بالحقّ نبيّاً لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ (عليه السلام) ائتمنني على السَّيف الّذي قتله به، لأدّيته إليه»[2].

 

[1]  العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج74، ص273.

[2] المصدر نفسه، ج72، ص114.


108

الموعظة الثامنة: الأمانة

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر»[1].

الأثر الاجتماعيّ لأداء الأمانة

لو تتبّعنا تفاصيل علاقات الناس في ما بينهم، لوجدنا أنّ الأكثر أهمّيّة في حفظ تلك العلاقات هو الأمن والاستقرار، فطالما أنّ المجتمع مستقرّ وآمن لا نزاعات فيه، فإنّ أفراد الناس يعيشون حينها بطمأنينة وسلام، ومن أبرز مظاهر الأمن هو أن يأتمن بعضهم على بعض، في كلّ أشكال علاقاتهم، وخاصّة التجاريّة منها.

فبأداء الأمانة يقوم كلّ فرد بما عليه من واجب، ويحفظ حقوق الآخرين، وحينها تنتفي الشكوك وسوء الظّن، وتنتشر الثقة بينهم.

عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «لا تزال أمّتي بخير ما تحابّوا، وتهادوا، وأدّوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، ووقّروا الضَّيف،

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج68، ص2.


109

الموعظة الثامنة: الأمانة

وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسِّنين»[1].

 

[1] المصدر نفسه، ج72، ص115.


110

الموعظة الثامنة: الأمانة

بل إنّ للأمانة أثراً في التوفيق وزيادة الرزق، قال لقمان لابنه: «يا بُنيّ، أدِّ الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكُن أميناً تكن غنيّاً»[1].

ائتمن الأمين

لطالما يسيء بعضهم الظنّ بعامّة الناس من حولهم، فيشكّكون في كلّ مَن حولهم، ويتّهمونهم بأنّهم ليسوا أهلاً للثقة والأمانة، وهذا في الواقع ليس موضوعيّاً، فكما أنّ هناك من ليسوا أهلاً للأمانة، فهناك مَن هم أهلٌ لها، إلّا أنّ المرء ينبغي عليه أن يدقّق في اختيار مَن يأتمنه، فإذا ائتمن مَن لا يوثَق به وخانه، فالمشكلة هي في اختياره، ولا يُعمَّم هذا على كلّ الناس من حوله.

وقد ورد في هذا الأمر بعض الأحاديث التي تحذّر من ائتمان أصناف من الناس، كما عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله): «مَن ائتمن غير أمين، فليس له على الله ضمان؛ لأنّه قد نهاه أن يأتمنه»[2].

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج13، ص416.

[2] المصدر نفسه، ج76، ص127.


111

الموعظة الثامنة: الأمانة

وعنه أيضاً (صلى الله عليه وآله): «مَن ائتمن شارب الخمر على أمانة بعد علمه، فليس له على الله ضمان ولا أجر له ولا خلف»[1].

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «لم يخنك الأمين، ولكن ائتمنت الخائن»[2].

 

[1] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، إيران - قمّ، 1414ه، ط2، ج19، ص84.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص299.


112

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

هدف الموعظة

إيضاح مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدود وجوبه ومراتب العمل به.

محاور الموعظة

مفهوم المعروف والمنكر
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أهمّيّة أداء هذه الفريضة
دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تصدير الموعظة


113

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾[1].

 

[1] سورة آل عمران، الآية 104.


114

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لا شك في أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما من أعظم الواجبات الشرعيّة التي تلقى على عاتق المكلف إذا ما توفّرت شروطهما، والتي لا يقف أثرها على الفرد فحسب، إنّما على المجتمع عامّة، بل يمكن القول إنّها فريضة اجتماعيّة تؤكّد حرص الإسلام على سلامة المجتمع البشريّ والحدّ من الفساد فيه. فما هذه الفريضة؟

مفهوم المعروف والمنكر ووجوبه

المعروف في اللغة يعني العمل الحسن، والمنكر يعني العمل القبيح، يقول الراغب: المعروف اسم لكلّ فعلٍ يُعرف بالعقل أو بالشرع حُسنه، والمنكر ما يُنكر بهما[1].

تُعَدّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الشرعيّة التي لا خلاف فيها بين المسلمين، بل تُعَدّ ضرورة من ضروريّات الدين، والتي بها استقام المجتمع الإسلاميّ ولو بشكل متفاوت بين بقعة وأخرى أو زمان وآخر.

 

[1] راجع: الراغب الأصفهانيّ، أبو القاسم الحسين بن محمّد، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، طليعة النور، إيران - قمّ، 1427ه، ط2، ص561.


115

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة


116

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾[1].

وأيضاً قوله تعالى: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾[2].

أهمّيّة أداء هذه الفريضة

من المعروف لدى فقهائنا أنّ هذه الفريضة من الواجبات الكفائيّة التي إذا ما قام بها أحد سقط عن الآخرين، سواءٌ أكان ذلك على صعيد الفرد أم المجتمع، بمعنى أنّه إذا كان أحد الأفراد يقوم بارتكاب محرّم، وقام شخص آخر بنهيه عن ذلك، فحينها لا يجب على الأفراد الآخرين نهيه.

وكذلك إذا قام أحدهم أو مجموعة من الأفراد بالنهي عن ظاهرةٍ ما في المجتمع، فحينها يسقط عن باقي الأفراد. وإنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعلّق بعموم أبناء المجتمع، ولا

[1] سورة آل عمران، الآية 104.

[2] سورة لقمان، الآية 17.


117

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فرق في ذلك بين كبير أو صغير وغيرها من الفروقات الاجتماعيّة، فالمهمّ هو إقامة حكم الله.


118

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من أثار أداء هذه الفريضة

إنّ لأداء هذه الفريضة العظمى آثاراً جليلة ومن ذلك أنّها:

1. تحافظ على حدود الله: قال تعالى: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[1].

2. تحدّ من انتشار المعاصي: قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَر فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾[2].

3. تحدّ من انتشار الظلم: عن مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) يَقُولُ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ

[1] سورة التوبة، الآية 112.

[2] سورة المائدة، الآية 79.


119

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»[1].

4. تستجلب الرحمة الإلهيّة: مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ:

إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى»[2].

دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقع بعض الناس في شبهة القول إنّ المرء مسؤول عن نفسه، ولا يعنيه ما يفعله الآخرون، وبالتالي لا يجب عليه -حسب تصوّرهم- أن يأمر أو أن ينهى أحداً، بادّعاء أنّ ذلك تدخّل في شؤون الآخرين! بل ويستشهد هؤلاء بآيات وأقوال لا موضع لها في مثل هذا الأمر، كأن يردّدوا قوله تعالى: ﴿عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ﴾[3] أو ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾[4]، وغير ذلك.

 

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص56.

[2] المصدر نفسه، ج5، ص59.

[3] سورة المائدة، الآية 105.

[4] سورة الكافرون، الآية 6.


120

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهذا في االواقع مخالف لإرشادات الإسلام الذي دعا إلى الإصلاح، وأن يكون المؤمنون بعضهم أولياء بعض، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ 


121

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾[1]، والولاية هنا بمعنى المحبّة والاتّحاد.

ولو أردنا أن نحدّد دائرة الأمر والنهي، فيمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأوّل: ما بين المسلمين أنفسهم، بأن يتواصوا بالحقّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَواْ بِالحَقِّ﴾[2].

الثاني: ما بين المسلمين وغيرهم على صعيد المجتمع العالميّ، وقد يتجلّى ذلك في أبرز مصاديقه في إقامة الحكومة الإسلاميّة، والتي تستطيع المطالبة بإقرار القوانين التي تحفظ المبادئ الإنسانيّة التي تُرضي الله تعالى، وتصدّ كلّ ما يحرّف مسار الحياة البشريّة المستقيمة.

ولا بدّ من النظر في روح الإسلام بأنّه جاء لعامّة الناس، وليس لفئة خاصّة منهم، قال سبحانه بحقّ رسوله الكريم: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ

[1] سورة التوبة، الآية 71.

[2] سورة العصر، الآية 3.


122

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾[1]، بل إنّ مسؤوليّة الدعوة إلى إقامة حكم الله

[1] سورة التوبة، الآية 33.


123

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تُلقى على عاتق المسلمين أينما سنحت لهم الفرصة لذلك، وأن يسعَوا إلى تحقيق ذلك، قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾[1].

وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كلنا يعلم أنّ وسائل التواصل بين الناس في هذا الزمن قد أصبحت متاحة وسهلة، ومن ذلكم وسائل التواصل الاجتماعيّ والمواقع الإلكترونيّة وقنوات التلفزة والإذاعة، مضافاً إلى الكتب وترجمتها ونشرها، فإنّ ذلك كلّه أصبح أمراً في متناول اليد، وهذا ما يحتّم على كلّ فرد أن يظهر الحقّ وأن ينهي عن الباطل بقدر ما تسعفه قدرته.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الهدف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فعل الواجب وترك الحرام.

 

[1] سورة الحجّ، الآية 41.


124

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ القيام بهذه المسؤوليّة يجب أن يتمّ في عدّة مراحل،


125

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المرتبة الأولى: الإنكار القلبيّ، بأن يبدي نفوره واستياءه من المنكر أو من عدم فعل الطاعة، وهي المرحلة الأولى التي إذا ما تحقّق الهدف منها لا يجب الانتقال إلى المرحلة الثانية.

المرتبة الثانية: بأن ينكر بلسانه، ويظهر ما ينبغي إظهاره من وعظ، بشدّة أو بلين، طبقاً للمقام الذي يراه مؤثّراً.

المرحلة الثالثة: وهو الإنكار باليد، ولهذا طبعاً تحديده الشرعيّ من حيث الحدّ الذي ينبغي الوقوف عند وعدم تعدّيه.

عن الإمام الباقر (عليه السلام): «فَأَنْكِرُوا بِقُلُوبِكُمْ، وَالْفِظُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَصُكُّوا بِهَا جِبَاهَهُمْ، وَلَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَإِنِ اتَّعَظُوا وَإِلَى الْحَقِّ رَجَعُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ هُنَالِكَ فَجَاهِدُوهُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَأَبْغِضُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ غَيْرَ طَالِبِينَ سُلْطَاناً وَلَا بَاغِينَ مَالًا، وَلَا مُرِيدِينَ بِالظُّلْمِ ظَفَراً حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَيَمْضُوا عَلَى طَاعَتِهِ»[1].

 

[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج11، ص414.


126

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

هدف الموعظة

بيان فضل سورة الفلق وأهمّ النكات التي وردت في تفسير آياتها المباركة.

محاور الموعظة

فضل السورة
في تفسير السورة
شرور ثلاثة
معنى الاستعاذة

تصدير الموعظة

﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ١ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾[1].

 

[1] سورة الفلق.


127

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

فضل السورة

عن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَن أوتر بالمعوذتين وقل هو اللَّه أحد، قيل له: يا عبد اللَّه، أبشِر، فقد قبل اللَّه وترك»[1].

وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال لعقبة: «ألا أعلّمك سورتين هما أفضل سور القرآن، أو من أفضل القرآن؟» قلت: بلى يا رسول اللَّه، فعلّمني المعوذتين، ثمّ قرأ بهما في صلاة الغداة، وقال لي: «اِقرأهما كلّما قمت ونمت»[2].

في تفسير السورة

هي أمر للنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) بأن يستعيذ بالله سبحانه من كلّ شرّ، ومن بعض مصاديقه، وهذا الأمر إنّما يسري على كلّ عباد الله سبحانه، وليس مختصّاً به(صلى الله عليه وآله).

 

[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص115.

[2] الطبرسيّ، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1415ه.ق - 1995م، ط1، ج10، ص491.


128

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

العوذ هو الاعتصام والتحرّز من الشرّ بالالتجاء إلى من يدفعه[1]، ولأنّ القادر على دفع الشرّ هو الله، فكان الأمر بالاستعاذة به سبحانه.

[1] العلّامة الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، ج20، ص392.


129

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

أمّا الفلق، فهو الشقّ والفرق، والمقصود به هنا هو الصبح كما هو الغالب في معناه، وإن كان يأتي بمعنى أعمّ من الصبح، حيث يُقال بأنّ الفلق هو كلّ ما يفطر ويفلق بالخلق والإيجاد.

أمّا قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾؛ أي من شرّ من يحمل شرّاً من الإنس والجنّ والحيوانات وسائر ماله شرّ من الخلق فإنّ اشتمال مطلق ما خلق على الشرّ لا يستلزم الاستغراق.

أما قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، فالمقصود بالغسق هو أوّل ظلمة الليل. ومعنى ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي إذا دخل، ونسبة الشرّ إلى الليل إنّما هي لكونه بظلمته يعين‏ الشرير في شرّه لستره عليه، فيقع فيه الشرّ أكثر ممّا يقع منه بالنهار، والإنسان فيه أضعف منه في النهار تجاه هاجم الشرّ، وقيل: المراد بالغاسق كلّ هاجم يهجم بشرّه كائناً ما كان.

أمّا قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ﴾؛ أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن بالعقد على المسحور، وينفثن في العقد. وخُصَّت النساء بالذكر لأنّ السحر كان فيهنّ ومنهنّ أكثر من الرجال.


130

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

أمّا قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾؛ أي إذا تلبّس بالحسد، وعمل بما في نفسه من الحسد بترتيب الأثر عليه.

شرور ثلاثة

نلاحظ أنّ السورة المباركة قد ذكرت ثلاثة أنواع من الشرور على وجه التحديد، شرّ الليل وشرّ الحاسد وشرّ السحرة.

وإنّما هذا لأجل أنّ أكثر الشرور إنّما تكون في حلك الظلام، فإنّه أستر لمن يرمي افتعال الشرّ، كذلك شرّ الحاسد حيث إنّه أمر واقع لا يمكن نكرانه وله تداعياته على حياة الإنسان، حتّى أنّه ورد عن الإمام الصادق قوله (عليه السلام): «لو نُبِش لكم من القبور، لرأيتم أن أكثر موتاكم بالعين؛ لأنّ العين حقّ. ألا إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: العين حقّ، فمَن أعجبه من أخيه شيء، فليذكر الله في ذلك، فإنّه إذا ذكر الله لم يضرّه»[1].

 

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج92، ص127.


131

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

أمّا السحر، فهو كذلك من أكثر الأساليب الشرّيرة التي لا تزال حتّى الآن منتشرة في كثير من الشعوب.


132

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

معنى الاستعاذة

الاستعاذة -كما ذُكرت آنفاً- تعني الاعتصام والتحرّز من الشرّ بالالتجاء إلى من يدفعه، ولأنّ الإنسان خلق ضعيفاً محتاجاً، والله هو الغنيّ المطلق الذي يرجع إليه الأمر كلّه، فإنّ اللجوء إليه هو لجوء إلى من بيده تفريج الهمّ وكشف الكرب ودفع البلاء والشرور، وهذا مرتبط بالفعل بمدى إيمان المرء ويقينه وثقته بالله سبحانه؛ ولأجل ذلك فإنّ من كانت ثقته بالله كاملة وناشئة من معرفته بمقامه سبحانه، فإنّه يعيش حالة التوكّل، وكلّما خشي شيئاً لجأ إليه معتمداً ومستنداً، ويلوذ به ليخلّصه من شرّ ما حدث أو قد يحدث.

وهذا كلّه طبعاً، لا يتنافى مع أنّه ينبغي على المرء أن يتحرّك طبقاً للأسباب، على قاعدة «اعقل وتوكّل».

وفي الاستعاذة إبعاد لوسوسات الشيطان الذي ينفث في الصدور، وقد ورد أنّ من حدّثته نفسه بمعصية فليستعذ بالله سبحانه.

البلاء في الخير والشرّ


133

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

يُبتلى المرء في الحياة الدنيا بالخير والشرّ على حدّ سواء؛


134

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

ذلك أنّ البلاء إنّما هو في حقيقته امتحان وفتنة، ولا يقتصر على ما فيه شدّة وألم، بل يشمل ما كان فيه راحة وفرج، كأن يبتلى بالمال والصحة القويّة والسلطة والشهرة وغير ذلك ممّا يراه الناس مصدر خير وسعادة، قال سبحانه: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةۖ﴾[1].

روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مرض، فعاده قوم، فقالوا: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): «أصبحت بشرّ».

قالوا: سبحان اللّه هذا كلام مثلك؟!

فقال (عليه السلام): «يقول اللّه تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾، فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر، ابتلاءً واختباراً»[2].

ولطالما كانت المصائب التي تضفي في صورتها الظاهريّة سمة البؤس والشرّ، إلّا أنّها قد تستطبن خيراً كثيراً، على صعيد الدنيا والآخرة على حدّ سواء، فالمصائب تكون عادة مصدر قوّة وتهذيب

[1] سورة الأنبياء، الآية 35.

[2] قطب الدين الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله، الدعوات (سلوة الحزين)، مدرسة الإمام المهديّ (عليه السلام)، إيران - قمّ، 1407ه، ط1، ص‏168.


135

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

وتربية وتكامل للإنسان، عن الإمام عليّ (عليه السلام):

 

 


136

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

«أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَأَبْطَأُ خُمُوداً، وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ، وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ، وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا»[1].

 

[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص418، الكتاب 45.


137

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

الموعظة الحادية عشرة: فقه الخمس(1)

هدف الموعظة

بيان مفهوم الخمس في الشريعة الإسلاميّة، بوصفه نظاماً ماليّاً إلهيّاً لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، وتوضيح موارده ومصارفه وأحكامه العمليّة، ليكون المؤمن على بيّنةٍ من كيفيّة أداء هذا الحقّ الإلهيّ، وصيانة أمواله من الحرام.

محاور الموعظة

مقدار الخمس
فاضل المؤونة
الخمس حقّ لله
مصرف الخمس

تصدير الموعظة

﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ 


138

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء قَدِير﴾[1].[2]

[1] سورة الأنفال، الآية 41.

[2] لقد ذكر موارد الابتلاء فقط، وهما خمس المؤونة والمال المختلط.


139

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

إنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل المال مجرّد وسيلةٍ للتملّك والترف، بل جعله أمانةً في يد الإنسان، يطهّره به من دنس الطمع والأنانيّة، ويربّيه على البذل والمسؤوليّة. فكما للمال جانبٌ دنيويٌّ يُعين على المعيشة، له أيضاً جانبٌ عباديٌّ يسمو بالنفس ويقرّبها من الله. ومن هنا جاءت فريضة الخُمس، تلك الشعيرة الماليّة التي تُعبّر عن خضوع العبد لأمر مولاه، وتُذكّره بأنّ المال كلّه لله، وأنّ في كلّ ما يملك حقّاً معلوماً لأولياء الله وفقرائه وسبيله.

مقدار الخمس

يجب الخمس طبقاً لهذه الآية المباركة، وهو بنسبة واحد من خمسة من كلّ مال يصدق عليه عنوان الغنيمة، وهي ما يفوز به الإنسان وليس ما يقتصر على غنائم الحرب، وقد بيّنت الآية أنّ الخمس يكون ستّة أسهم، واحد لله تعالى، وثانٍ للرسول، وثالث لذوي قربى الرسول، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل من فقراء أقرباء الرسول.

فاضل المؤونة

1. يجب خمس ما يفضل من مؤونة السنة له ولعياله من


140

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

الصناعات والزراعات وأرباح التجارات، وسائر التكسّبات ولو بحيازة مباحات، أو غير ذلك ممّا يدخل في مسمّى التكسّب.

2. لا يجب الخمس في الأرباح التي لم تدخل في مسمّى التكسّب، كالهبات والهدايا، والجوائز، والميراث (الذي يُحتسب أو لا يحتسب)، والمهر، وعوض الخلع، كما ولا يجب الخمس في ما ملك بالخمس أو الزكاة، حتّى وإن زاد عن مؤونة السنة.

3. المراد بالمؤونة

أ. المراد بالمؤونة ما ينفقه -فعلاً- على نفسه وعياله (واجبي النفقة وغيرهم)، ومنها ما يصرفه في زياراته وصدقاته وجوائزه وهداياه وضيافاته، وما وجب عليه بنذر أو كفّارة ونحو ذلك، وما يحتاج إليه من سيّارة أو دابّة أو خادم أو دار أو أثاث أو كتب، وما يحتاج إليه في تزويج أولاده وطبابتهم، وما يصرفه عند موت بعض عياله، وغير ذلك ممّا يعدّ من احتياجاته العرفيّة، مع الاقتصار على اللائق بحاله، ويجب الخمس في ما يعدّ سفهاً وسرفاً. نعم، التوسعة المتعارفة من مثله تُعدّ من المؤونة، لا خمس فيها.


141

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

ب. لو كان المكلّف بحاجة لمؤونة ما، ولكنّه قتّر على نفسه، فصرف أقلّ من حاجته بحيث بقي معه شيء من المال وجب تخميس الباقي، فالمدار في المؤونة المستثناة على ما أنفقه بالفعل، وليس المدار على المقدار الذي يحتاجه. وكذا لو وجب عليه في أثناء السنة صرف المال في شيء كالحجّ أو أداء كفّارة ونحو ذلك ولم يصرف -عصياناً أو نسياناً ونحوهما- وجب خمس هذا المال.

4. ارتفاع القيمة السوقيّة

لو كان عنده من الأعيان التي لم يتعلّق بها الخمس أو أدّى خمسها، ثمّ ارتفعت قيمتها السوقيّة، ففيها ثلاث صور:

الأولى: أن تكون الغاية من شرائها وإبقائها هي الاقتناء والانتفاع بمنافعها ونمائها، فلا يجب خمس ارتفاع القيمة.

الثانية: أن تكون الغاية من شرائها وإبقائها هي الاتّجار بها، وكان بيعها ممكناً، ولكنّه لم يبعها لغاية، وجب خمس ارتفاع القيمة.

الثالثة: أن تكون الغاية هي الاتّجار بها، ولم يكن بيعها ممكناً، لا يجب تخميس الزيادة في تلك 


146

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

السنة، بل تكون الزيادة من أرباح السنة التي يمكن البيع فيها.


147

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

5. مبدأ السنة

مبدأ السنة حال الشروع في التكسّب في من عمله التكسّب واستفادة الفوائد تدريجاً (يوماً فيوماً مثلاً)، وفي غيره مبدأ سنته حصول الربح والفائدة، فالزارع مبدأ سنته حين حصول فائدة الزرع ووصولها بيده (وهو عند تصفية الغلّة)، ومن كان عنده الأشجار المثمرة مبدأ سنته وقت اقتطاف الثمرة واجتذاذها. نعم، لو باع الزرع أو الثمار قبل ذلك يكون مبدأ سنته وقت أخذ ثمن المبيع.

لو كان له أنواع من الاستفادات كالتجارة والزرع وعمل اليد وغير ذلك، يلاحظ المكلّف آخر السنة مجموع ما استفاده من الجميع، فيخمّس الفاضل عن مؤونة سنته (رأس سنة واحد).

6. رأس مال التجارة

إذا استفاد شخص مالاً بإجارة أو غيرها، ولم يكن عنده مال غيره، وأراد أن يجعله رأس ماله للتجارة ويتّجر به، يجب عليه إخراج خمسه، إلّا إذا احتاج إلى مجموعه في حفظ وجاهته أو إعاشته ممّا يليق بحاله، كما لو فرض أنّه مع إخراج خمسه 


148

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

يتنزّل إلى كسب لا يليق بحاله أو لا يفي بمؤونته، فلا يجب خمسه في هذه الحالة.

7. حصول النماء

لو كان عنده أعيان (من بستان أو حيوان أو غيرهما) ولم يتعلّق بها الخمس (كالموروث أو الموهوب...)، أو تعلّق الخمس بها لكنّه أدّاه، ثمّ حصل لها نماء، ففيها ثلاث صور:

الأولى: أن يبقيها للتكسّب بعينها، كالأشجار غير المثمرة التي لا ينتفع إلّا بخشبها وأغصانها فأبقاها للتكسّب بهما، وكالغنم الذكر الذي يبقيه ليكبر ويسمن فيكتسب بلحمه، ففي هذه الصورة يتعلّق الخمس بنمائها المتّصل، والمنفصل (كالصوف).

الثانية: أن يبقيها للتكسّب بنمائها المنفصل، كالأشجار المثمرة التي يقصد الانتفاع بثمرها، وكالأغنام الأنثى التي ينتفع بنتاجها ولبنها وصوفها، فيتعلّق الخمس بنمائها المنفصل، ولا يتعلّق بنمائها المتّصل.

الثالثة: أن يبقيها للتعيّش بنمائها وثمرها، بأن كان النماء والثمر لأكل عياله وضيوفه، فيتعلّق الخمس بما زاد على ما صرفه في معيشته.


149

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

جبران الخسران بالربح

لو اتّجر برأس ماله في السنة في نوع واحد من التجارة، فباع واشترى مراراً، فخسر في بعضها، وربح في بعض آخر، يجبر الخسران بالربح قبل الخمس، سواءٌ أكان الربح قبل الخسران أو معه أو بعده، فإن تساوى الربح والخسران فلا خمس، وإذا زاد الربح وجب خمس الزائد.

لو اتّجر في أنواع مختلفة من الأجناس، ففيه صورتان:

الأولى: أن يكون لجميع أنواع التجارة مركز واحد يجمعها، فجميعها حساب واحد، يجبر الخسران بالربح.

الثانية: لو كان أنواع مختلفة من التجارة ومراكز متعدّدة لا يرتبط بعضها ببعضها الآخر، بحيث كانت كلّ تجارة مستقلّة عن غيرها، وحساب بعضها مختلف عن حساب بعضها الآخر، فلا يجبر خسران نوع بربح نوع آخر، فيخمّس ما زاد من الأرباح من تجارة ولو كان خاسراً في أخرى مستقلّة.

ما المقصود بالمال الحلال المختلط بالحرام؟


150

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

يجب إخراج خمس المال الحلال المختلط بالحرام بشرطين:

الأوّل: إذا لم يتميّز صاحب المال الحرام أصلاً.

الثاني: إذا لم يحصل العلم بقدر المال الحرام أصلاً.

مصرف هذا الخمس كمصرف غيره.

لو علم قدر المال الحرام ففيه صورتان:

الأولى: إن علم صاحب المال الحرام وجب دفع المال إليه، ولا يجب الخمس من هذه الجهة. ولو علم صاحب المال في عدد محصور فالأحوط وجوباً التصالح معهم، فإن لم يمكن وجب الرجوع إلى القرعة.

الثانية: لو جهل صاحب المال، أو كان في عدد غير محصور فالأحوط وجوباً التصدّق بالمال المعلوم قدره على من يشاء، بإذن الحاكم الشرعيّ. نعم، إذا حصل ظنّ بأنّ شخصاً معيّناً هو صاحب المال فالأحوط وجوباً التصدّق بهذا المال عليه إن كان المظنون من أهل الصدقة، وذلك بإذن الحاكم الشرعيّ على الأحوط وجوباً.


151

المقدّمة

لو علم مالك المال وجهل المقدار وجب التصالح مع المالك.

لو كان الحلال المختلط بالحرام ممّا تعلّق به الخمس، وجب أوّلاً تخميس المال للتحليل، ثمّ يجب تخميسٌ آخر للمال الحلال.

لو علم أنّ مقدار الحرام أزيد من الخمس ولم يعلم مقداره، يكفي إخراج الخمس في تحليل المال وتطهيره.

 

الخمس حقّ لله

قد يظنّ بعض الناس أنّ ما يؤديه من خمس إنّما يؤدّيه من ماله هو، وهذا في الواقع ليس صحيحاً؛ إذ إن الخمس الذي وجب استيفاءه من المال إنّما هو حقّ لله تعالى بين يديه، ويجب أن يؤدّيه في ما أوجبه الله سبحانه.

مصرف الخمس


152

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

يقسم الخمس إلى ستّة أسهم؛ ثلاثة منها للإمام (عليه السلام) وثلاثة للسادة، أي لمن انتسب بالأب إلى عبد المطلب.

أ. سهم الإمام (عليه السلام) ويشمل سهم الله وسهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) وسهم الإمام (عليه السلام).

ب. سهم السادة ويشمل سهم الأيتام وسهم المساكين وسهم أبناء السبيل، ممّن انتسب بالأب إلى عبد المطّلب، ويُشتَرط فيهم الفقر.


153

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

هدف الموعظة

بيان وظائف الوليّ الفقيه، والدور الذي يلعبه في إدارة شؤون الأمّة.

محاور الموعظة

الولاية لغةً واصطلاحاً
وظائف الوليّ الفقيه

تصدير الموعظة

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾[1].

 

[1] سورة المائدة، الآية 55.


154

المقدّمة

إنّ كلمة «الولاية» هي من الكلمات التي وردت في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة، وفي كلمات العلماء (أعلى الله مقامهم)، وكان لها معانٍ عدّة، وذلك بحسب مواضع استخدامها واستعمالها. وفي ما يأتي في هذا الكتاب، نبحث في معنًى محدَّد لكلمة «الولاية»، وهو السلطة والحاكميّة. فالإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو إمام هذا الزمان، وصاحب الأمر والعصر، وغيبته الكبرى غير معلومة الأمد، فكان البحث حول الحاكميّة والحكومة في عصر الغيبة، هل تبقى الأمّة الإسلاميّة بلا رأس يديرها؟ وإنْ كان لا بدّ من حاكم لها، فمن هو الحاكم في عصر الغيبة؟ وما شروطه وصفاته وحدود ولايته؟

الولاية لغةً واصطلاحاً

إنّ مادّة الولاية في اللغة هي (و ل ي)، مأخوذة من فعل «وَلِيَ»، كما أنّها تستعمل بكسر الواو وفتحها، فنقول: «وِلاية» و«وَلاية»، وهي تدلّ على معانٍ عدّةٍ، منها النصرة والتدبير والقيمومة والقدرة والسلطة...


155

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

ينقل ابن منظور في لسان العرب: قال ابن الأَثير: وكأَنّ الوِلاية تُشعر بالتَّدْبير والقُدرة والفِعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي.


158

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

ابن سيده: وَليَ الشيءَ ووَليَ عليه وِلايةً ووَلايةً. وقيل: الوِلاية الخُطّة، كالإِمارة، والوَلايةُ المصدر.

ابن السِّكّيت: الوِلاية (بالكسر) السلطان، والوَلاية والوِلاية النُّصرة[1].

هذا من الناحية اللغويّة لمدلول هذه الكلمة، أمّا من الناحية الاصطلاحيّة:

لقد ورد لفظ «الولاية» مرّات عديدة في القرآن الكريم، وكذا في نصوص أهل البيت (عليهم السلام)، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾[2]، ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾[3]؛ فإنّ الآية الأولى تُظهر بأنّ الولاية هي لله جلّ وعلا. وعليه، تجب طاعته، وتحرم مخالفته، ثمّ تبيّن هذه الآية أنّ الله تعالى قد أعطى هذه الولاية لرسوله(صلى الله عليه وآله) وللأئمّة المعصومين (عليهم السلام). وعليه، تجب

[1] ابن منظور، لسان العرب، قم - إيران، نشر أدب الحوزة، محرّم 1405ه، لا.ط، ج15، ص407.

[2] سورة المائدة، الآية 55.

[3] سورة الأحزاب، الآية 6.


159

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

طاعتهم بمقتضى هذه المولويّة المفوَّضة إليهم من قِبله تعالى.


160

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

وكذا الأمر بالنسبة إلى الآية الثانية، حيث تبيّن بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ بمعنى أنّه مقدَّم عليهم في الأمور كافّة، شخصيّةً كانت أو اجتماعيّة، دنيويّةً كانت أو أخرويّة، فكلّ ما يثبت لمؤمن من سلطة وولاية على أمرٍ ما من الشؤون النفسيّة والماليّة والاجتماعيّة والسياسيّة وغيرها، يكون للنبيّ(صلى الله عليه وآله) الأولويّة على المؤمن في ولاية هذه الأمور.

وتأتي آية الطاعة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾[1]، لتظهرَ وجوب الطاعة للرسول(صلى الله عليه وآله) ولأولي الأمر (عليهم السلام)، وقد فصلت بين طاعة الله تعالى وبين طاعتهم؛ فطاعتهم إنّما تكون بالأمور المولويّة الصادرة عنهم في جوانب الحياة كافّة: اجتماعيّة، سياسيّة، قضائيّة... وليست الطاعة في ما يخصّ الأحكام الإلهيّة وبيانها، فهي ليست إلّا طاعةً لله تبارك وتعالى، كما إنّ عدم الفصل بين النبيّ وبين أولي الأمر في فعل

[1] سورة النساء، الآية 59.


161

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

الأمر ﴿أَطِيعُواْ﴾ يدلّ على كون طاعتهما واحدة، لا اختلاف فيها.


162

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

وعليه، فإنّ ولاية الفقيه في عصر الغيبة الكبرى، هي عبارة عن نيابة الفقيه الجامع للشرائط للإمام المهديّ | في قيادة الأمّة الإسلاميّة. وبتعبير آخر: «هي حاكميّة المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة». وهذه الحاكميّة مستمدّة من الإمام|، وبالتالي فإنّ للفقيه الجامع للشرائط جميع ما للمعصوم في ما يتعلّق بقيادة الحكومة وإدارة شؤون المسلمين. وفي هذا الصدد يقول الإمام الخامنئي}: «الولاية تعني الحاكميّة وقيادة المجتمع الإسلاميّ، ومن الطبيعيّ أنّها أمر مغاير للولاية والقيادة والحكومة في المجتمعات الأخرى. ولاية المجتمع في الإسلام مختصّة بالله تعالى، والله سبحانه تعالى، يُعمِلُ هذه الولاية والحاكميّة من قنوات خاصّة، أي عندما يُنتخب الحاكم الإسلاميّ ووليّ أمر المسلمين، سواءٌ على أساس تعيين الشخص، كما حدث، طبقاً لعقيدتنا، بالنسبة لأمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام)، أو على أساس المعايير والضوابط، عندما تُعطى له هذه الصلاحيّة بأنْ يدير أمور الناس، فإنّ هذه الولاية أيضاً هي ولاية الله، هذا الحقّ هو حقّ الله، وهذه هي السلطة والحكم الإلهيّان اللذان يجريان في الناس. ذلك الإنسان -مهما كان ويكون-


163

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

من دون الولاية الإلهيّة والسلطة الإلهيّة ليس له أيّ حقّ على الناس الآخرين. وهذه هي نفسها مسألة مهمّة جداً، وحاسمة في مصير المجتمع الإسلاميّ»[1].

وظائف الوليّ

بناءً على ما تقدّم في تعريف الولاية، ونظرة الإسلام إليها، يثبت للحاكم والوليّ الإسلاميّ المهام والوظائف التي كانت للنبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) من خلفائه، فما الوليّ الفقيه في المنظور الإسلاميّ إلّا خليفة الإمام المهديّ | في عصر الغيبة، وينبغي عليه التصدّي لإقامة أهداف الحكومة الإسلاميّة، والتي هي عينها أهداف الإسلام والرسالة والبعثة، وهذه الأهداف بيّنها الله تعالى في كتابه المقدّس، وبيّنها الرسول (صلى الله عليه وآله) في سنّته الشريفة، ووضّحها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في أحاديثهم وأفعالهم. وفي ما يأتي نذكر أهمّ الوظائف وأبرزها:

 

[1] من خطابٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 11/07/1990م.


164

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

1. حفظ الدين من البدع والشبهات، ونشر المعارف والثقافة الإسلاميّة، والعمل على توعية الناس فكريّاً، لمواجهة


165

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

الثقافات الدخيلة وأنواع الحروب الناعمة، والتي باتت سلاحاً فتّاكاً يضاهي البارود والنار في عصرنا الحاليّ.

2. تهذيب الناس وتأديبهم بالأخلاق الصالحة، والعمل على تربيتهم من الناحية المسلكيّة. وإنّ لأخلاق الحاكم ومَن معه في جهاز الحكم والإدارة دوراً كبيراً في التأثير العمليّ والمسلكيّ.

عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في خطابه لمعاذ بن جبل، لمَّا أرسله إلى اليمن: «يا معاذ، علِّمهم كتاب الله، وأحسِنْ أدبهم على الأخلاق الصالحة، وأنزل الناس منازلهم -خيرهم وشرّهم- وأنفذ فيهم أمر الله، ولا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنّها ليست بولايتك ولا مالك، وأدِّ إليهم الأمانة في كلّ قليل وكثير. وعليك بالرفق والعفو في غير ترك الحقّ. يقول الجاهل: قد تركت من حقّ الله، واعتذِر إلى أهل عملك من كلّ أمرٍ خشيت أن يقع منه عيب حتّى يعذروك، وأمِت أمر الجاهليّة إلّا ما سنَّه الإسلام، وأظهِر الإسلام كلَّه، صغيره وكبيره، وليكن أكثر همِّك الصلاة، فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، وذكِّر الناس بالله واليوم الآخر، واتّبع الموعظة، فإنّه أقوى لهم على العمل بما يحبُّ الله، ثمّ


166

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

بثّ فيهم المعلِّمين، واعبد الله الذي إليه ترجع، ولا تخفْ في الله لومة لائم»[1].

3. إقامة الحدود وتطبيق الأحكام الشرعيّة، وإحياء الشعائر المذهبيّة، من صلاة وصيام وحجّ وزكاة وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر؛ لِما في هذا الأمر من تأثير إيجابيّ واضح في المسلك العباديّ للناس. وهذه الأمور من وظائف الحاكم الأساس؛ لأنّها أمور تُعنى بالشأن الأخرويّ للناس، والحدّ من المعاصي والمنكرات، قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾[2].

4. حماية الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال تحصين الثغور للدفاع عن الدولة الإسلاميّة، وجهاد الأعداء الذين يتربّصون بالإسلام والمسلمين سوءاً، والعمل على إعداد العدّة وتأمين

[1] الحرّانيّ، الشيخ ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسولP، تصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفاريّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، 1404هـ - 1363ش، ط2، ص25 - 26.

[2] سورة الحجّ، الآية 41.


167

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

العدد والعتاد المناسبَين، وهذا الأمر لا يقتصر على الجانب


168

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

العسكريّ فقط، بل يشمل المجالات كافّة التي يمكن أن يسلكها العدوّ للفتك بالإسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ﴾[1].

5. تحقيق الأمن والأمان، وتطبيق العدالة الاجتماعيّة، ففي ظلّ الإخلال بالنظام لن تتمكّن الأمّة الإسلاميّة من الوصول إلى النموّ المعنويّ والاقتصاديّ، كما إنّ إحقاق الحقّ ومنع التعدّي عبر تطبيق الحدود الجزائيّة في الإسلام هو من أهمّ العوامل التي تساهم في تحقيق الأمن وإيجاد الأمان.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ،

[1] سورة الأنفال، الآية 60.


169

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ»[1].

 

[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص189، الخطبة 131.


170

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

6. إعمار البلاد، وتحسين الأوضاع الحياتيّة للناس، عبر إيجاد فرص العمل، والسعي في زيادة الإنتاج وتحسينه وتطوير موارده، وإلى جانب ذلك الاهتمام بالعلوم والفنون العصريّة التي تحتاجها الأمّة الإسلاميّة والمجتمع الإسلاميّ.

7. جباية الفيء والصدقات والضرائب والأموال العامّة، ثمّ وضعها في مواردها الضروريّة، من خلال تطبيق النظام الماليّ الإسلاميّ، الذي يضمن سلامة المجتمع من الفقر والعوز؛ إذ إنّ الحاجة لها أثرها الفعّال في الكثير من الانحرافات.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: «هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا»[1].

8. إقامة العهود والمواثيق مع الدول والشعوب الأخرى، وبناء علاقات حسنة في سبيل الحفاظ على استقلال الأمّة وعزّتها، وحمايتها من أنواع التسلّط والعلاقات مع أعداء الإسلام والمسلمين.

 

[1] المصدر نفسه، ص427، الكتاب 53.


171

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَة مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾[1].

وفي هذا يقول الإمام الخمينيّ (قدس سره): «علينا أن نفعل كما كان يفعل النبيّ(صلى الله عليه وآله) في صدر الإسلام، حيث كان يرسل السفراء إلى كلّ مكان ليقيم علاقات مع الدول، لذلك لا نستطيع أن نقعد ونقول: ما لنا والدول؟ هذا خلاف العقل والشرع. وعلينا أن نكوِّن علاقات وروابط مع الجميع، غاية الأمر أنّ هناك استثناءات لبعض الدول، ونحن لا نقيم معها علاقات الآن، أمّا أن لا تكون لنا علاقات مع الجميع، فهذا ما لا يقبله عقل ولا إنسان، إذ معنى هذا أن نفشل ونندحر ونفنى إلى الأبد. يجب علينا أن نوجد لنا روابط وعلاقات مع الدول والشعوب لنتمكّن من إرشادهم. بهذه الروابط نرشدهم، ونَحذَرَ صفعات مَنْ لا نتمكّن من

[1] سورة آل عمران، الآية 118.


172

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

إرشادهم. على هذا، أوصيكم بتقوية علاقاتكم وإِحكامها أينما كنتم»[1].

 

[1] زين العابدين، محسن، الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في رؤية الإمام الخمينيّ، مركز المصطفى العالميّ للترجمة والنشر، قم - إيران، 1432هـ، ص191.


173

خلاصات

الموعظة الأولى: القضاء والقدر

الإمام الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ».

القضاء والقدر في القرآن الكريم

قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَر مَّعۡلُوم﴾.

ما هما القضاء والقدر؟

الإمام الرضا (عليه السلام): «القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء والفَناء. والقضاء هو الإبرامُ، وإقامة العَيْن».

أنواع التقدير الإلهيّ

1. تقدير الخلق: قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡء فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرا﴾.

2. تقدير الكمّ والكيف: قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَر مَّعۡلُوم﴾.

3. تقدير الخاصّيّة: قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾.

4. تقدير الأجل: قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾.


174

المقدّمة

5. تقدير المكان: قال سبحانه: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾.

 

قضاء وقدر تكوينيّان وتشريعيّان

أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب مَن سَأَل عن حقيقة القضاء والقدر: «الأمرُ بالطاعَة، والنَّهْيُ عَنِ المعصِيَةِ، والتَمْكِينُ مِن فِعْلِ الْحَسَنَةِ، وتركُ المَعْصِيَة، والمعُونَةُ على القُرْبةِ إلَيْه، والخِذْلانُ لِمَنْ عصاهُ، والوَعْدُ والوَعِيْدُ، والتَرْغِيْب والتَرْهِيْبُ كُلُّ ذلكَ قضاءُ الله في أفعالنا وقَدَرُهُ لأعمالنا».

التسليم بالقضاء والقدر روح الإيمان

الإمام الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ».

دخالة الإنسان في تغيير القدر

رُوي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتفرّ من قضاء الله؟ فقال: «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ».


175

خلاصات

لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا جَبْرَ ولا تفويضَ، ولكن أمرٌ بَين الأمرين».

لا تَخُض في أمر القضاء والقدر

الإمام عليّ (عليه السلام) مخاطباً هذا الفريق من الناس: «طَريقٌ مُظْلمٌ فَلا تَسْلكوهُ، وبَحرٌ عَميق فَلا تَلِجُوهُ، وسِرُّ الله فلا تَتكَلَّفوه».


176

خلاصات

الموعظة الثانية: كتمان السرّ

أمير المؤمنين (عليه السلام): «جُمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ ومصادقة الأخيار، وجُمع الشرّ في الإذاعة ومؤاخاة الأشرار».

كتمان السرّ في القرآن

قال تعالى: ﴿أَوَ لَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾.

أولياء وأنبياء كتموا الأسرار

قال سبحانه: ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾.

متى نكتم السرّ؟

1. الجانب الشخصيّ والفرديّ: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾.

2. الجانب الأمنيّ والعسكريّ.

3. الجانب التجاريّ والإداريّ: قال سبحانه: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾.

إشاعة الفاحشة

الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْه عَيْنَاه وسَمِعَتْه أُذُنَاه، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيم﴾».


177

خلاصات

إفشاء السرّ يُسفَك به الدم

الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّۚ﴾، قالَ: «أَمَا والله مَا قَتَلُوهُمْ بِأَسْيَافِهِمْ، ولَكِنْ أَذَاعُوا سِرَّهُمْ، وأَفْشَوْا عَلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا».


182

خلاصات

الموعظة الثالثة: أسباب المشاكل الزوجيّة وسبل علاجها

الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

أسباب الخلافات الزوجيّة

1. عدم التقيّد بالأحكام الشرعيّة.

2. عدم الإقرار.

3. رتابة الحياة.

الإمام الصادق (عليه السلام): «لا غِنَى بالزوجة في ما بينها وبين زوجها المُوَافِقِ لها عن ثلاث خِصالٍ، وهُنَّ: صِيانَةُ نفسها عن كلّ دَنَسٍ حتّى يَطْمئِنّ قَلبُه إلى الثِّقة بها في حَالِ المَحْبُوبِ والمَكرُوه، وحِيَاطَتُهُ ليكون ذلك عَاطِفاً عليها عند زَلَّةٍ تكون منها، وإِظهَارُ العِشقِ له بِالْخِلَابَة، والهَيْئَة الحَسَنَةِ لها في عَيْنِه».

4. تتبّع العيوب.

الإمام الصادق (عليه السلام): «حَقُّ المرأة على زوجها أن يَسُدَّ جَوْعتَها، وأَن يَسْتُرَ عَوْرَتهَا، ولا يُقَبِّحَ لها وَجْهاً، فإذا فعل ذلك فقد والله أدَّى حَقَّهَا».

5. التطاول وتعدّي الحدود.

النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله): «خير الرجال من أمّتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحنّون


183

خلاصات

عليهم، ولا يظلمونهم»، ثمّ قرأ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡض﴾.

6. عدم الرفق.

7. الغيرة المبالغ بها.

أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لابنه الحسن (عليه السلام): «إيّاك والتغاير في غير موضع الغيرة، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة منهنَّ إلى السَقَم، ولكنْ أحكِمْ أمرهنَّ، فإن رأيت عيباً فعجّل النكيرَ على الكبيرِ والصغيرِ».

غيرة أم سوء ظنّ؟

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمۖ﴾.


184

خلاصات

الموعظة الرابعة: حُجب الاستفادة من القرآن الكريم

﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَان كَرِيم ٧٧ فِي كِتَٰب مَّكۡنُون ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾.

حجب الاستفادة

1. حجاب الشعور بالاستغناء.

قال تعالى: ﴿هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدا﴾.

2. حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة.

3. حجاب شبهة التفسير بالرأي.

الإمام الباقر (عليه السلام): «ليس شيءٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».

«إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول».

4. حجاب الذنوب والمعاصي.

قال تعالى: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿لَهُمۡ قُلُوب لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُن لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَان لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾.


185

المقدّمة

وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾.

 

 


186

خلاصات

الموعظة الخامسة: تزكية النفس أساس القرب من الله

﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾.

أهمّيّة التزكية ومعناها

رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَن ازداد علماً، ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلّا بُعداً».

وسائل التزكية

خوف الله: الإمام الصادق (عليه السلام): «يا إسحاق، خفِ الله كأنّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك».

المحاسبة: رسول الله(صلى الله عليه وآله): «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا قبل أن تُوزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر».

المجاهدة: رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد رجوع سريّة بعثها إلى الحرب، قائلاً: «مرحباً بقومٍ قضَوا الجهاد الأصغر، وبقي الجهاد الأكبر»، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: «جهاد النفس».


187

خلاصات

أثر التزكية القرب من الله

الحديث القدسيّ: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن».


188

خلاصات

الموعظة السادسة: التربية الولائيّة عند أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)

﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعا سُجَّدا يَبۡتَغُونَ فَضۡلا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰناۖ﴾.

صفات الأصحاب

1. الإخلاص.

2. البصيرة.

3. التضحية.

مواقف ولائيّة عند أصحاب النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله)

1. موقف المقداد بن الأسود.

2. موقف سعد بن معاذ.

بين معركة بدر ومعركة أحد

قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡم لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥ ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة صَابِرَة يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡف يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾.

 

 


189

خلاصات

قال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَة﴾.


190

خلاصات

الموعظة السابعة: معرفة أهل البيت (عليهم السلام)

الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّما يعرف الله عزّ وجلّ ويعبده، مَن عرف الله وعرف إمامه منَّا أهل البيت».

ضرورة معرفة أهل البيت(عليهم السلام)

رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من منَّ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه».

لماذا تجب معرفتهم؟

خرج الإمام الحسين (عليه السلام) على أصحابه، فقال: «أيّها الناس، إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه»، فقال له رجل: يابن رسول الله، بأبي أنت وأمّي، فما معرفة الله؟ قال: «معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».

معرفتهم(عليهم السلام) هي الأساس

أمير المؤمنين (عليه السلام): «أسعد الناس من عرف فضلنا وتقرّب إلى الله بنا، وأخلص حبّنا، وعمل بما إليه نُدبنا، وانتهى عمّا نحن نهينا، فذاك منّا وهو في دار المقامة معنا».


191

خلاصات

صفات الشيعة

الإمام الصادق (عليه السلام): «يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيُّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلّا من اتَّقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشُّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران، من الفقراء وأهل


192

خلاصات

المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفُّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء[...]».

التحذير من الغلُوّ في أهل البيت (عليهم السلام)

الإمام عليّ (عليه السلام): «إيّاكم والغُلُوَّ فينا! قولوا: إنّا عبيدٌ مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم».


193

خلاصات

الموعظة الثامنة: الأمانة

﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾.

الأمانة في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرا﴾.

مصاديق الأمانة

1. المال.

2. المنصب والجاه.

3. الأبناء.

4. التكليف والفرائض.

الإمام عليّ (عليه السلام) عندما سُئل عن سبب تغيّر حاله وقت الصّلاة، قال: «جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض ﴿فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا﴾».

5. عمل الإنسان.

أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً للأشعث بن قيس: «وإنّ عملك ليس لك بطعمة، ولكنّه في عنقك أمانة».

6. الأسرار.

في الحديث: «المجالس بالأمانات».


194

خلاصات

أداء الأمانة الماليّة

أمير المؤمنين (عليه السلام): «أُقسم لسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاً: يا أبا الحسن، أدِّ الأمانة إلى البرّ والفاجر في ما قلّ وجلَّ، حتّى في الخيط والمخيطِ».

الأثر الاجتماعيّ لأداء الأمانة

الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «لا تزال أمّتي بخير ما تحابّوا، وتهادوا، وأدّوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، ووقّروا الضَّيف، وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسِّنين».

ائتمن الأمين

النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله): «مَن ائتمن غير أمين، فليس له على الله ضمان؛ لأنّه قد نهاه أن يأتمنه».


195

خلاصات

الموعظة التاسعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾.

مفهوم المعروف والمنكر ووجوبه

المعروف في اللغة يعني العمل الحسن، والمنكر يعني العمل القبيح، يقول الراغب: المعروف اسم لكلّ فعلٍ يُعرف بالعقل أو بالشرع حُسنه، والمنكر ما يُنكر بهما

قال تعالى: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾.

من أثار أداء هذه الفريضة

1. تحافظ على حدود الله: قال تعالى: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾.

2. تحدّ من انتشار المعاصي: قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَر فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾.

3. تحدّ من انتشار الظلم: الإمام الكاظم (عليه السلام): «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ».


196

خلاصات

4. تستجلب الرحمة الإلهيّة: الإمام الرِّضَا (عليه السلام): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى».

دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المرتبة الأولى: الإنكار القلبيّ.

المرتبة الثانية: الإنكار باللسان.

المرحلة الثالثة: الإنكار باليد.

الإمام الباقر (عليه السلام): «فَأَنْكِرُوا بِقُلُوبِكُمْ، وَالْفِظُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَصُكُّوا بِهَا جِبَاهَهُمْ، وَلَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَإِنِ اتَّعَظُوا وَإِلَى الْحَقِّ رَجَعُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ هُنَالِكَ فَجَاهِدُوهُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَأَبْغِضُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ غَيْرَ طَالِبِينَ سُلْطَاناً وَلَا بَاغِينَ مَالًا، وَلَا 


197

خلاصات

مُرِيدِينَ بِالظُّلْمِ ظَفَراً حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَيَمْضُوا عَلَى طَاعَتِهِ».


198

خلاصات

الموعظة العاشرة: تفسير سورة الفلق

﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ١ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾.

فضل السورة

الإمام الباقر (عليه السلام): «مَن أوتر بالمعوذتين وقل هو اللَّه أحد، قيل له: يا عبد اللَّه، أبشِر، فقد قبل اللَّه وترك».

في تفسير السورة

﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾، الفلق، فهو الشقّ والفرق، والمقصود به هنا هو الصبح.

﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾؛ أي من شرّ من يحمل شرّاً من الإنس والجنّ والحيوانات وسائر ماله شرّ من الخلق.

﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، فالمقصود بالغسق هو أوّل ظلمة الليل. ومعنى ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي إذا دخل.

﴿وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ﴾؛ أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن بالعقد على المسحور، وينفثن في العقد.


199

خلاصات

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾؛ أي إذا تلبّس بالحسد، وعمل بما في نفسه من الحسد بترتيب الأثر عليه.

شرور ثلاثة

ذكرت ثلاثة أنواع من الشرور على وجه التحديد، شرّ الليل وشرّ الحاسد وشرّ السحرة.

البلاء في الخير والشرّ

روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مرض، فعاده قوم، فقالوا: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): «أصبحت بشرّ».

قالوا: سبحان اللّه هذا كلام مثلك؟!

فقال (عليه السلام): «يقول اللّه تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾، فالخير الصحّة والغنى، والشرّ المرض والفقر، ابتلاءً واختباراً».


200

خلاصات

الموعظة الحادية عشرة: فقه الخمس

﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء قَدِيرٌ﴾.

مقدار الخمس

وهو بنسبة واحد من خمسة من كلّ مال يصدق عليه عنوان الغنيمة، وهي ما يفوز به الإنسان وليس ما يقتصر على غنائم الحرب.

فاضل المؤونة

1. يجب خمس ما يفضل من مؤونة السنة له ولعياله من الصناعات والزراعات وأرباح التجارات، وسائر التكسّبات.

2. لا يجب الخمس في الأرباح التي لم تدخل في مسمّى التكسّب.

3. المراد بالمؤونة ما ينفقه -فعلاً- على نفسه وعياله (واجبي النفقة وغيرهم)، وما يصرفه في زياراته وصدقاته وجوائزه وهداياه وضيافاته، وما وجب عليه بنذر أو كفّارة ونحو ذلك، وما يحتاج إليه من سيّارة أو دابّة أو خادم أو دار أو أثاث أو كتب، وما يحتاج إليه في تزويج أولاده وطبابتهم، وما يصرفه عند موت بعض عياله، وغير ذلك ممّا يعدّ من احتياجاته العرفيّة.


201

خلاصات

4. مبدأ السنة: مبدأ السنة حال الشروع في التكسّب في من عمله التكسّب واستفادة الفوائد تدريجاً (يوماً فيوماً مثلاً)، وفي غيره مبدأ سنته حصول الربح والفائدة.


202

خلاصات

جبران الخسران بالربح

لو اتّجر برأس ماله في السنة في نوع واحد من التجارة، فباع واشترى مراراً، فخسر في بعضها، وربح في بعض آخر، يجبر الخسران بالربح قبل الخمس، سواءٌ أكان الربح قبل الخسران أو معه أو بعده، فإن تساوى الربح والخسران فلا خمس، وإذا زاد الربح وجب خمس الزائد.

المقصود بالمال الحلال المختلط بالحرام؟

يجب إخراج خمس المال الحلال المختلط بالحرام بشرطين:

الأوّل: إذا لم يتميّز صاحب المال الحرام أصلاً.

الثاني: إذا لم يحصل العلم بقدر المال الحرام أصلاً.

مصرف الخمس

يقسم الخمس إلى ستّة أسهم؛ ثلاثة منها للإمام (عليه السلام) وثلاثة للسادة، أي لمن انتسب بالأب إلى عبد المطلب.


203

خلاصات

الموعظة الثانية عشرة: وظائف الوليّ الفقيه

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾.

مفهوم الولاية

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ﴾.

وظائف الوليّ

1. حفظ الدين من البدع والشبهات، ونشر المعارف والثقافة الإسلاميّة، والعمل على توعية الناس فكريّاً.

2. تهذيب الناس وتأديبهم بالأخلاق الصالحة، والعمل على تربيتهم من الناحية المسلكيّة.

3. إقامة الحدود وتطبيق الأحكام الشرعيّة، وإحياء الشعائر الدينيّة.

4. حماية الإسلام والمسلمين.

5. تحقيق الأمن والأمان، وتطبيق العدالة الاجتماعيّة.

6. إعمار البلاد، وتحسين الأوضاع الحياتيّة للناس.


204

خلاصات

7. جباية الفيء والصدقات والضرائب والأموال العامّة.

8. إقامة العهود والمواثيق مع الدول والشعوب الأخرى.


205
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ