المقدّمة
المقدّمة
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
الحمد لله الذي خصّ شهر رمضان بالخيرات والبركات، وجعل فيه الفضائل لا تُعدّ ولا تُحصى، وفتح فيه أبواب الطاعة، وجعل سُبل الاجتهاد في العبادة معمورة، وقرّب القلوب إلى الهدى والرشاد، والصلاة والسلام على نبيّه الأكرم محمّد، خير مَن صام وقام، وعلى آله الطيّبين الأبرار.
أما بعد، فإنّ هذا الكتاب يأتي ضمن سلسلة «زاد المبلِّغ في شهر الله»، ليكون رفيقاً للعلماء والمبلِّغين الأفاضل في شهر الصيام والقيام، ويقدّم لهم مادّة غنيّة من المواعظ والمواضيع التي تصلح أن تُلقى في المساجد، والمجالس الرمضانيّة، وحلقات العلم والمعرفة.
يحتوي الكتاب على مجموعة من المواعظ التي صيغت لتتناسب مع مقاصد شهر رمضان الروحيّة، فتتناول الفضائل العمليّة، والقِيَم الأخلاقيّة، والعبادات التي تُقوّي الروح، وتربّي النفس على الصبر واليقين والثبات، من صِلة الرحم، والتصدّق، والدعاء، والاعتكاف، إلى حبّ أهل البيت (عليهم السلام)، والتقرّب إلى الله، وإعداد النفس للثبات أمام الابتلاءات والفتن، واستثمار الفرص
6
المقدّمة
قبل فوات الأوان.
لقد جُمعت هذه المواعظ في سياقٍ متدرّج، ليجد المبلِّغ فيها مادّة صافية وسهلة الاستخدام، ومرجعاً متكاملاً يمكّنه من أداء رسالته في هذا الشهر المبارك.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب زاداً يعين على إيصال رسالة الحقّ في شهر الطاعة، ويكون سبباً في هداية القلوب وإصلاح النفوس، وأن ينفع به علماءنا ومبلِّغينا في ما يبذلونه من جهد وقدرات في عمليّة التبليغ والوعظ والإرشاد.
والحمد لله ربّ العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
7
الموعظة الأولى: شهرُ الفُرَص
الموعظة الأولى
شهرُ الفُرَص
هدف الموعظة
تنبيهُ المؤمنين إلى حقيقة شهر رمضان المبارك بوصفه شهرَ الفُرَص الإلهيّة، والدعوة إلى اغتنام هذه الفرص في التزكية، والقرب من الله، وإصلاح النفس، وعدم التفريط بالضيافة الإلهيّة.
محاور الموعظة
شهرُ رمضان فرصة مصيريّة
ضيافةِ الله شرفٌ ومسؤوليّة
أصناف الناس في ضيافة الله
كيف نغتنم فرص شهر رمضان؟
الخسارة الحقيقيّة في شهر الفرص
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ»[1].
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
8
الموعظة الأولى: شهرُ الفُرَص
شهرُ رمضان فرصة مصيريّة
يُطلّ علينا شهرُ رمضان المبارك كنفحةٍ إلهيّةٍ عظيمة، تحمل في طيّاتها البركة والرحمة والمغفرة، وتفتح أمام القلوب أبواباً لم تُفتح في غيره من الشهور. شهرٌ تتأهّب له الأرواح قبل الأجساد، وتنتظره القلوب؛ لأنّه موسمُ الإنقاذ، ومحطّةُ التحوّل، وفرصةُ العمر التي قد لا تُدرَك مرّةً أخرى.
لم يكن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يترك هذا الشهر يمرّ على الناس من دون أن يوقظهم إلى عظمته وخطورة التفريط به، فيقول: «قد أقبل إليكم شهرُ الله بالبركةِ والرحمةِ والمغفرة»، وكأنّه ينادي الأمّة: انتبهوا، فقد فُتحت لكم خزائن السماء، فلا تكونوا من الغافلين.
وإذا أردنا أن نختصر حقيقة شهر رمضان في كلمةٍ جامعة، نقول: إنّه شهرُ الفُرَص المصيريّة. فهو ليس مجرّد أيّامٍ يُمسك فيها الإنسان عن الطعام والشراب، بل هو موسمٌ شامل لإعادة بناء النفس، وفرصةٌ نادرة للتوبة الصادقة، ومجالٌ واسع لغفران الذنوب، وميدانٌ لتزكية الروح وتصحيح المسار.
وقد شاء الله أن يجعل هذا الشهر مهوى النور ومصدر الهداية، فقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1].
ضيافةِ الله شرفٌ ومسؤوليّة
إنّ من أبرز ما ورد في بيان منزلة شهر رمضان، قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافةِ الله»[2]، وهذا التعبير يكشف عن حقيقةٍ
[1] سورة البقرة، الآية 185.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
9
الموعظة الأولى: شهرُ الفُرَص
أساسيّة، وهي أنّ الصيام ليس مجرّد تكليفٍ تعبّديّ، بل هو إدخالٌ للإنسان في مقام القرب من الله تعالى تحت عنوان الضيافة الإلهيّة.
وهذه الضيافة ليست كغيرها من ضيافات البشر؛ لأنّ الداعي هو الله عزّ وجلّ، وهو الغنيّ عن عباده، وإنّما دعاهم تفضّلاً ورحمةً وتكريماً لهم. غير أنّ هذه الدعوة، وإن كانت عامّة لكلّ المكلّفين، إلّا أنّ الانتفاع الحقيقيّ منها يتوقّف على وعي الإنسان واستعداده؛ فالصيام فريضة، أمّا ثمرة الضيافة فهي مرتبطة بمدى التزام الصائم بآدابها ومقتضياتها.
وفي هذا السياق يقول الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه): «لقد دُعيتُم إلى ضيافة الله في هذا الشهر، فأنتم ضيوفه إذاً، وقد طلب منكم صاحب الضيافة أن تصوموا؛ فأغلقوا أبواب الدنيا كلّها، وابتعدوا عن الشهوات الدنيويّة»[1]. فالصيام تدريبٌ على ضبط النفس، وقطع التعلّق بالمحرّمات، وتوجيه القلب نحو الله تعالى، وهو ما يحقّق معنى الضيافة الإلهيّة في بعدها العمليّ والسلوكيّ.
أصناف الناس في ضيافة الله
شبّه العلماء حال الناس في شهر رمضان بمن دُعي إلى ضيافةٍ عظيمة، فكانت مواقفهم على أقسام:
1. الغافلون عن الدعوة: وهؤلاء لا يشعرون بقدوم رمضان ولا بانقضائه، لأنّهم غارقون في الدنيا، مستغرقون في الشهوات، لا يلتفتون إلى نداء السماء، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾[2]، فهؤلاء كمن وصلته بطاقة الدعوة، فلم يفتحها، ولم يقرأها، وبقيت يداه فارغتين.
[1] الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام، ج13، ص33.
[2] سورة الروم، الآية 7.
10
الموعظة الأولى: شهرُ الفُرَص
2. العارفون بالدعوة والمتخلّفون عنها: وهؤلاء يعلمون بقدوم الشهر، ويدركون عظمته، ولكنّهم لا يستجيبون؛ إمّا تهاوناً، أو كسلاً، أو استثقالاً للطاعة، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[1]، فهؤلاء يعرفون، ولكن لا يعملون.
3. الداخلون إلى الضيافة من دون اغتنام: وهؤلاء هم الأكثر، يصومون، ولكن بلا روح، يقرؤون القرآن بلا تدبّر، ويمرّ الشهر من دون أثرٍ واضح في السلوك. حضروا الضيافة، لكنّهم لم يحسنوا الاستفادة منها، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَه مِنْ صِيَامِه إِلَّا الْجُوعُ والظَّمَأُ، وكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَه مِنْ قِيَامِه إِلَّا السَّهَرُ والْعَنَاءُ»[2].
4. الفائزون بالفرصة: وهم قلّة، دخلوا الضيافة بقلوبهم، فخرجوا منها مغفوراً لهم، مبدَّلين، متحوّلين، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مَن صامَ شهر رمضان إيماناً واحتساباً، وكفّ سمعه وبصره ولسانه عن الناس، قبِل الله صومه، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وأعطاه ثواب الصابرين»[3].
كيف نغتنم فرص شهر رمضان؟
إنّ شهر رمضان لا يُعطي نفسه لمن لا يطلبه، ولا يمنح بركاته لمن لا يُحسن طرق الباب، ومن أهمّ مفاتيح اغتنام الفرصة:
1. الوعي بقيمة الزمان: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّما أنتَ عدد
[1] سورة الماعون، الآيتان 4 - 5.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص495، الحكمة 145.
[3] الشيخ المفيد، المقنعة، ص305.
11
الموعظة الأولى: شهرُ الفُرَص
أيّام، فكلّ يوم يمضي عليك يمضي ببعضك، فخفِّض الطلب وأجمل في المكتسب»[1]، وأيّام شهر رمضان هي أعزّ هذه الأيّام.
2. الإقبال على القرآن: قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[2]، فالقرآن هو مائدة الضيافة الكبرى.
3. الدعاء والمناجاة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[3]، وشهر رمضان شهر الدعاء والقرب من الله.
4. تهذيب النفس: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك، ولحمك، ودمك، وجلدك، وشعرك، وبشرك، ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك»[4].
الخسارة الحقيقيّة في شهر الفرص
إنّ أعظم الخسارة أن يمرّ شهر رمضان من دون تغيير، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «رَغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ عليه شهر رمضان، ثمّ انسلخَ قبل أن يُغفَرَ له»[5]، فهي فرصة، ولكنّها امتحان أيضاً، إمّا فوزٌ، وإمّا خسران.
شهر رمضان بين أيدينا الآن؛ أيّامُه تمضي سريعاً، وساعاته تُطوى بلا رجعة. فطوبى لمن عرف قدر الفرصة، وأحسن الدخول في ضيافة الله، وجعل من هذا الشهر نقطة تحوّل في حياته.
[1] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص178.
[2] سورة الفرقان، الآية 32.
[3] سورة البقرة، الآية 186.
[4] الشيخ المفيد، المقنعة، ص310.
[5] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج71، ص86.
12
الموعظة الثانية: بيت الله في شهر الله
الموعظة الثانية
بيت الله في شهر الله
هدف الموعظة
بيان البعد التربويّ والاجتماعيّ والروحيّ للمسجد في شهر رمضان المبارك، وإبراز دوره في صناعة الإنسان المؤمن وبناء المجتمع الصالح.
محاور الموعظة
المسجد في التجربة الإسلاميّة الأولى
المسجد موضع العبوديّة
المسجد في شهر رمضان
عمارة المسجد وأثرها في بناء الفرد
تصدير الموعظة
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ﴾[1].
[1] سورة التوبة، الآية 18.
13
الموعظة الثانية: بيت الله في شهر الله
المسجد في التجربة الإسلاميّة الأولى
عرف الإسلام المسجد منذ اللحظة الأولى لتأسيس المجتمع الإسلاميّ في المدينة المنوّرة، لا بوصفه مكاناً للصلاة فقط، بل باعتباره القلب النابض للحياة الإسلاميّة. ففي المسجد كان يجتمع المسلمون للذكر والتعليم، وللتشاور في شؤونهم، ولحلّ مشكلاتهم، ولتلقّي التوجيهات المصيريّة، ولتعبئة الطاقات في مواجهة الظلم والانحراف.
لقد كان المسجد في التجربة النبويّة مشروعاً حضاريّاً متكاملاً، ومؤسّسة تربويّة واجتماعيّة وسياسيّة بالمعنى القيميّ للكلمة، وقد أشار النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى هذه الحقيقة حين قال: «المساجد أنوار الله»[1]، وقال أيضاً: «بيت كلّ مؤمن»[2]. فالمسجد منذ نشأته لم يكن هامشاً في الحياة الإسلاميّة، بل كان مركزها ومحورها.
المسجد موضع العبوديّة
إنّ السرّ في المكانة العظيمة للمسجد أنّه موضع العبوديّة الخالصة، ومحلّ التقاء الإنسان بربّه. فإذا دخل المؤمن المسجد، انتقل من فضاء الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضجيج المصالح إلى سكينة القرب، ومن منطق الحسابات إلى منطق الطاعة.
ولهذا ورد في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ المساجد بيوت الله في الأرض، وأنّها مواضع الرحمة والمغفرة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «عليكم بإتيان المساجد؛ فإنّها بيوتُ الله في الأرض، ومن أتاها مُتطهِّراً طهّره
[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج3، ص448.
[2] جلال الدين السيوطيّ، الجامع الصغير، ج2، ص667.
14
المقدّمة
اللهُ من ذنوبه، وكُتِب من زوّارِه؛ فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء»[1]، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «في التوراة مكتوب: إنّ بيوتي في الأرض المساجد؛ فطوبى لعبدٍ تطهّر في بيته، ثمّ زارني في بيتي»[2]. فالدخول إلى المسجد دخول وانتقال روحيّ إلى مقام الضيافة الإلهيّة.
المسجد في شهر رمضان
وفي شهر رمضان تتجلّى منزلة المسجد بأوضح صورها؛ لأنّ الصيام ليس مجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عمليّة إعداد داخليّ للإنسان ليستقبل الفيض الإلهيّ بقلبٍ حاضرٍ وروحٍ واعية. ومن هنا كان المسجد هو الحاضن الطبيعيّ لهذا الاستعداد؛ ففيه يكتمل أثر الصيام وتتحوّل العبادة من ممارسة فرديّة إلى تجربة تربويّة جماعيّة متكاملة.
فالصيام يطهّر الجسد من سلطان الشهوة، والصلاة في المسجد تزكّي الروح بالخشوع والانضباط، وتلاوة القرآن فيه تنير العقل بالهداية، والدعاء الجماعيّ يربط القلوب بروابط الإيمان والمحبّة، فينشأ الإنسان الرمضانيّ المتوازن: جسداً طاهراً، وروحاً حيّة، وعقلاً مستنيراً، وقلباً متّصلاً بإخوانه.
ولهذا، فإنّ الحضور في المسجد هو عبادة ذات أثر مضاعف في بناء الشخصيّة الإيمانيّة، جاء في الحديث الشريف: «من كان المسجدُ بيتَه، بنى الله له بيتاً في الجنّة»[3]، وفي حديث آخر: «نقلَ الأقدام إلى المساجد وانتظارَ الصلاة بعد
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص440.
[2] الشيخ الصدوق، الهداية، ص132.
[3] الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال، ص27.
15
الموعظة الثانية: بيت الله في شهر الله
الصلاة، تغسلُ الخطايا غسلاً»[1]، في إشارة إلى أنّ المسجد ليس موضع صلاة فحسب، بل موضع تربية وتطهير دائم للنفس.
وهكذا يتحوّل المسجد في شهر رمضان إلى مدرسة شاملة: مدرسة للصبر من خلال الصيام والقيام، ومدرسة للأخلاق من خلال المخالطة والالتزام بآداب الجماعة، ومدرسة للوحدة حين تجتمع القلوب على قبلة واحدة، ومدرسة للوعي حين يُتلى القرآن وتُستعاد معانيه في واقع الناس.
وقد أكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذه الخصوصيّة بقوله: «الصلاة في المسجد الحرام مئة ألف صلاة، والصلاة في مسجد المدينة عشرة آلاف صلاة، والصلاة في بيت المقدس ألف صلاة، والصلاة في المسجد الأعظم مئة صلاة، والصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة، والصلاة في مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، وصلاة الرجل وحده في بيته صلاة واحدة»[2]، فهذا التفاوت في الأجر يكشف بوضوح أنّ العبادة في المسجد ليست عبادة مكان فحسب، بل عبادة تصنع الإنسان وتعيد تشكيله في حضن الجماعة المؤمنة، حيث تتضاعف آثارها الروحيّة والتربويّة والاجتماعيّة معاً.
عمارة المسجد وأثرها في بناء الفرد
إنّ عمارة المسجد هي عمارة قلوب وسلوك؛ فالمسجد لا يُحيا بالجدران المزخرفة، بل بالمصلّين الخاشعين، وبالذاكرين الصادقين، وبالعقول التي تتربّى فيه على القيم؛ ولهذا ربط القرآن الكريم بين عمارة المساجد وبين الإيمان الحقيقيّ، فقال: ﴿إِنَّمَا
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج85، ص18.
[2] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص148.
16
الموعظة الثانية: بيت الله في شهر الله
يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَن بِاللهِ﴾[1]، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا رأيتُم الرجلَ يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان»[2]، فالحضور إلى المسجد شهادة عمليّة على صدق الإيمان، لا مجرّد ادّعاء.
من هنا، فإنّ من يعتاد المسجد يعتاد النظام، ويعتاد الطهارة، ويعتاد الوقوف بين يدي الله في أوقات محدّدة، وهذا ينعكس بالضرورة على سلوكه خارج المسجد: في بيته، وفي عمله، وفي تعامله مع الناس... وفي روايةٍ لأميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) يبيِّن فيها ثمارَ التردُّد إلى المساجد، يقول: «مَنِ اختَلَفَ إلى المَسجِدِ، أصابَ إحدَى الثَّماني: أخاً مُستَفاداً في اللَّهِ، أو عِلماً مُستَطرَفاً، أو آيَةً مُحكَمَةً، أو رَحمَةً مُنتَظَرَةً، أو كَلِمَةً تَرُدُّهُ عنْ رَدًى، أو يَسمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّهُ على هُدًى، أو يَترُكُ ذَنباً خَشيَةً أو حَياءً»[3].
وفي زمننا هذا، تشتدّ الحاجة إلى استعادة هذا الدور الأصيل للمسجد، ولا سيّما في شهر رمضان، حيث تكثر التحدّيات الفكريّة والأخلاقيّة، وتتناثر المغريات، ويعيش الإنسان حالة من التشويش والضغط.
إنّ المسجد يمكن أن يكون ملجأً نفسيّاً وروحيّاً من هذه العواصف، إذا أحسنّا تفعيله، وأحسنّا الحضور فيه، وأحسنّا ربط الشباب به ربطاً واعياً لا شكليّاً.
ويوصي الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) الشبابَ بتوطيد العلاقة مع المسجد، وعدمِ قطعه، فيقول: «لا تَدعوا علاقتَكم بالمسجد تضعف؛ فالتعبئةُ وليدةُ المساجد،
[1] سورة التوبة، الآية 18.
[2] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، ج2، ص 32.
[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص390.
17
الموعظة الثانية: بيت الله في شهر الله
تمّ إرسالُهم إلى الجبهات من المساجد، وإلى المساجد عادَت أجسادُ الشهداء المطهّرة، وغالباً ما جرى توجيهُهم في المساجد. لا تنقطعوا عن المسجد»[1]، فالشاب الذي ينتمي إلى المسجد إنّما ينتمي إلى منظومة من القيم.
[1] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، بتاريخ 27/11/2019م.
18
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
الموعظة الثالثة
الرحمة في شهر الله
هدف الموعظة
إظهار حقيقة الرحمة الإلهيّة، وخصوصيّتها في شهر رمضان المبارك، وبيان مظاهرها العمليّة، والتنبيه إلى الشروط السلوكيّة التي تحفظ للإنسان نصيبه منها وتمنعه من الحرمان.
محاور الموعظة
الرحمة الإلهيّة أصل الوجود
خصوصيّة الرحمة في شهر رمضان
مظاهر الرحمة في شهر رمضان
شروط الانتفاع بالرحمة
تصدير الموعظة
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[1].
[1] سورة الأعراف، الآية 156.
19
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
حين يستقبل المسلم شهر رمضان، فإنّه لا يستقبل مجرّد موسمٍ من مواسم العبادة، بل يدخل في زمنٍ تتكثّف فيه مظاهر الرحمة الإلهيّة، وتتضاعف فيه فرص القرب من الله تعالى. وقد لخّص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حقيقة هذا الشهر بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ»[1]، فهذه الثلاثيّة: البركة والرحمة والمغفرة، ترسم الإطار العامّ لمعنى شهر رمضان ووظيفته التربويّة في حياة الإنسان.
والحديث عن الرحمة في شهر رمضان إنّما هو حديث عن نظامٍ إلهيّ متكامل، له جذوره في العقيدة، وله آثاره في السلوك، وله شروطه التي يتوقّف عليها نيل الإنسان لهذا الفيض الربّاني.
الرحمة الإلهيّة أصل الوجود
الرحمة من الصفات الفعليّة لله تعالى التي يقوم عليها نظام الكون كلّه؛ فكلّ ما في الوجود قائم على فيضٍ من رحمة الله، سواء أدرك الإنسان ذلك أم غفل عنه. وقد تكرّر ذكر الرحمة في القرآن الكريم بصيغٍ متعدّدة، من أبرزها اسما «الرحمن» و«الرحيم»، اللذان افتتح الله بهما سور كتابه العزيز، سوى سورة براءة.
وقد بيّن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سعة هذه الرحمة بقوله: «إنَّ اللهَ تعالى خلقَ مئةَ رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ ملءُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، قسَّمَ منها رحمةً بينَ الخلائقِ، بها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، وبها يشربُ الوحشُ والطيرُ الماءَ، وبها يتراحمُ الخلائقُ»[2]. وهذا الحديث يكشف أنّ ما نشهده من مظاهر العطف والحنان في
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
[2] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص96.
20
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
الحياة، إنّما هو أثرٌ لجزءٍ يسير من الرحمة الإلهيّة، أمّا بقيّتها فهي مدّخرة ليوم القيامة.
ومن هنا قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ليسَ العجبُ ممَّن نجا كيفَ نجا، إنّما العجبُ ممَّن هلكَ كيفَ هلكَ معَ سعةِ رحمةِ اللهِ»[1].، فالرحمة هي القاعدة، والهلاك استثناء ينشأ من إعراض الإنسان وإصراره على الانفصال عن هذا الفيض الإلهيّ.
خصوصيّة الرحمة في شهر رمضان
مع أنّ رحمة الله واسعة في كلّ زمان، إلّا أنّ لشهر رمضان خصوصيّة واضحة في تعاظم هذه الرحمة وتجدد مظاهرها؛ ولهذا وصفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه شهر أقبل بالرحمة. وهذا الوصف يدلّ على أنّ أبواب الرحمة في هذا الشهر مفتوحة على نحوٍ أوسع، وأنّ الله يهيّئ لعباده أسباب القرب والمغفرة بصورةٍ استثنائيّة.
فالزمن في الإسلام عنصرٌ تربويّ، يضاعف أثر الأعمال ويكشف عن قيمة السلوك. وشهر رمضان يمثّل قمّة هذا المعنى؛ إذ يتحوّل فيه الامتناع عن المباحات إلى طريقٍ لتربية الإرادة، ويصبح الجوع والعطش وسيلةً لتزكية النفس وإيقاظ الضمير.
مظاهر الرحمة في شهر رمضان
1. تيسير طريق الطاعة
من مظاهر الرحمة الإلهيّة في هذا الشهر أنّ الله يعين عباده على الطاعة، فيفتح لهم أبواب الجنّة، ويغلق أبواب النار، ويقيّد الشياطين. وهذا المعنى لا يعني انعدام
[1] السيّد المرتضى، الأمالي، ج1، ص113.
21
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
المعصية، بل يعني أنّ الموانع الروحيّة للطاعة تخفّ، وأنّ البيئة الإيمانيّة تصبح أكثر استعداداً لقبول الخير.
وهذا التيسير يضع الإنسان أمام مسؤوليّة مضاعفة؛ لأنّ التقصير في هذا الشهر لا يُفسَّر بقلّة الفرص، بل بضعف الإرادة.
2. مضاعفة الأجور
من أبرز مظاهر الرحمة في رمضان مضاعفة ثواب الأعمال، فقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِصَلاةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرْضاً كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَمَنْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيَّ، ثَقَّلَ اللَّهُ مِيزَانَهُ يَوْمَ تَخِفُّ الْمَوَازِينُ، وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ»[1]، وهذا يدلّ على أنّ الله يربّي عباده على الاستثمار الروحي في هذا الشهر، ويجعل العمل القليل ذا أثرٍ كبير.
فالتلاوة، والصلاة، والصدقة، والدعاء، كلّها تتحوّل في هذا الشهر إلى أعمال ذات وزنٍ خاصّ في ميزان الآخرة، لا لأنّ طبيعتها تغيّرت، بل لأنّ الظرف الزمانيّ منحها قيمة مضاعفة.
3. الأنفاس تسبيح والنوم عبادة
ومن أعجب مظاهر الرحمة في رمضان أنّ الأنفاس تُحسب تسبيحاً، والنوم يُعدّ عبادة. وهذا يعني أنّ الإنسان إذا دخل في مناخ الطاعة بنيّةٍ صادقة، فإنّ حركاته الطبيعيّة تُحتسب له في سجلّ القرب من الله. وهنا يظهر أنّ الرحمة ليست محصورة
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
22
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
في الأعمال الشاقّة، بل تشمل الإنسان في كلّ حالاته إذا كان متوجّهاً إلى الله.
4. الدعاء في أوقات الصلاة
يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَارْفَعُوا إِلَيْهِ أَيْدِيَكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السَّاعَاتِ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ؛ يُجِيبُهُمْ إِذَا نَاجَوْهُ، وَيُلَبِّيهِمْ إِذَا نَادَوْهُ، وَيُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوهُ، وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ»[1].
شروط الانتفاع بالرحمة
مع سعة الرحمة الإلهيّة، إلّا أنّ القرآن والسنّة يؤكّدان أنّ لها شروطاً سلوكيّة وأخلاقيّة، وأهمّها عدم قطع الرحم، وعدم الظلم، وعدم الإصرار على المعصية.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ»[2]، وهذا يدلّ على أنّ العلاقات الاجتماعيّة جزء أساس في البناء الروحيّ للإنسان، وأنّ الظلم الاجتماعيّ يحجب الرحمة الإلهيّة مهما كثرت الأعمال الظاهريّة.
كما نبّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى أنّ بعض الناس بأعمالهم يغلقون على أنفسهم أبواب الجنّة ويفتحون أبواب النار، برغم أنّ الله قد فتحها لهم في هذا الشهر، يقول (صلّى الله عليه وآله): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا
[1] المصدر نفسه.
[2] المصدر نفسه، ص154.
23
الموعظة الثالثة: الرحمة في شهر الله
يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ»[1]، وهذا يكشف أنّ الرحمة عطاء مشروط بالاستعداد الداخليّ.
[1] المصدر نفسه، ص155.
24
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
الموعظة الرابعة
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
هدف الموعظة
شرح حقيقة التلاوة المطلوبة، والتنبيه إلى خطر هجر القرآن، والدعوة إلى بناء علاقة يوميّة واعية بالقرآن قائمة على التدبّر.
محاور الموعظة
عظمة القرآن الكريم ومكانته في الإسلام
خصوصيّة التلاوة في شهر رمضان
خطر هجر القرآن
ترتيل وتدبّر
الأثر التربويّ للقرآن في الإصلاح
النموذج العمليّ في علاقتنا بالقرآن
تصدير الموعظة
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1].
[1] سورة البقرة، الآية 185.
25
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
يتميّز شهر رمضان المبارك عن سائر الشهور بأنّه شهر القرآن الكريم، فهو الشهر الذي نزل فيه هذا الكتاب العظيم على قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو الشهر الذي تتضاعف فيه بركات التلاوة وأجورها، وتتهيّأ فيه القلوب لاستقبال نور الهداية الإلهيّة؛ فالقرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل هو كتاب هداية وبناء وتغيير، وقد أراده الله مشروعاً متكاملاً لإخراج الإنسان من الظلمات إلى النور: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[1].
عظمة القرآن الكريم ومكانته في الإسلام
القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للتشريع، وهو كلام الله المنزل على خاتم أنبيائه (صلّى الله عليه وآله)، وقد جعله الله حجّة على عباده إلى يوم القيامة، وهو أحد الثقلين اللذين أوصى بهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند رحيله، فقال: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله عزَّ وجلَّ وعترتي؛ كتابُ الله حبلٌ ممدودٌ بين السماء والأرض، وعترتي أهلُ بيتي، وإنَّ اللطيفَ الخبيرَ أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوضَ، فانظروا بماذا تخلفوني»[2].
وقد شبّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) القرآن بالحبل الممدود بين السماء والأرض، فمن تمسّك به نجا، ومن أعرض عنه تاه وضلّ، ولهذا ورد في الحديث: «فضلُ القرآن على سائر الكلام كفضلِ الله على خلقه»[3].
فالقرآن ليس مجرّد نصّ دينيّ، بل هو ميزان القِيَم، ومصدر الرؤية الإلهيّة للوجود والإنسان والحياة، وهو المرجع الأعلى في بناء الأخلاق، وتنظيم العلاقات،
[1] سورة إبراهيم، الآية 1.
[2] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص90.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج89، ص19.
26
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
وتصحيح المسار الفرديّ والاجتماعيّ.
خصوصيّة التلاوة في شهر رمضان
من خصائص شهر رمضان أنّ تلاوة القرآن فيه لها منزلة خاصّة وأجر مضاعف، كما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَمَنْ تَلا فِيهِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ»[1].
وهذا لا يعني الاكتفاء بالكمّ، بل يعني فتح باب الارتباط اليوميّ بالقرآن، وجعل التلاوة برنامجاً ثابتاً في حياة المؤمن. فشهر رمضان مدرسة تربويّة، والتلاوة اليوميّة هي غذاء الروح في هذه المدرسة.
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ هذه القلوبَ تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: فما جلاؤها؟ قال: «ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن»[2].
خطر هجر القرآن
من المشكلات الشائعة أنّ كثيراً من الناس يكثرون من تلاوة القرآن في شهر رمضان، فإذا انتهى الشهر عادوا إلى القطيعة معه، وكأنّ القرآن مرتبط بموسم زمنيّ لا بمنهج حياة دائم. وهذا ما حذّر منه أهل البيت (عليهم السلام)، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما يمنعُ التاجرَ منكم المشغولَ في سوقِه، إذا رجع إلى منزلِه أن لا ينامَ حتّى يقرأَ سورةً من القرآن، فتُكتَبَ له مكان كلِّ آيةٍ يقرؤها عشرُ حسنات، ويُمحى عنه عشرُ سيّئات؟!»[3].
بل إنّ هجر القرآن لا يقتصر على ترك التلاوة، بل يشمل ترك العمل بمضامينه.
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
[2] قطب الدين الراونديّ، الدعوات (سلوة الحزين)، ص237.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص611.
27
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
وهذا هو الهجر الأخطر الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان النبيّ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾[1].
فالهجر قد يكون هجر قراءة، وقد يكون هجر تدبّر، وقد يكون هجر تطبيق، وكلّها صور من القطيعة مع مشروع الهداية الإلهيّة.
ترتيل وتدبّر
لم يرد في القرآن الأمر بالتلاوة السريعة أو اللفظيّة المجرّدة، بل قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[2]، وقد فسّر أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك بقوله: «بيّنه تبييناً، ولا تنثرْه نثرَ الدَقَل[3]، ولا تهذُّه هذَّ[4] الشعر، قفوا عند عجائبِه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكونَنَّ همُّ أحدِكم آخرَ السورة»[5]، فالترتيل يعني القراءة المتأنّية التي تفتح باب الفهم والتأمّل، لا القراءة الآليّة التي تنتهي بانتهاء الصوت.
ولهذا قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «آياتُ القرآن خزائن، فكلَّما فتحْتَ خزانةً ينبغي لك أن تنظرَ ما فيها»[6]؛ أي إنّ المطلوب من المؤمن أن يتعامل مع القرآن باعتباره كنز معرفة، لا مجرّد نصّ للتلاوة التعبّديّة.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «إنّ الأنس بالقرآن سوف يجعل قلوبنا أكثر ألفة بمعارفه؛ فكلّ نقصٍ يعاني منه العالم الإسلاميّ هو بسبب الابتعاد عن
[1] سورة الفرقان، الآية 30.
[2] سورة المُزَّمِّل، الآية 4.
[3] الدقل: هو التمر الرديء، وينتثر من الشجر بأدنى حركة من الريح.
[4] الهذّ: سرعة القراءة.
[5] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص161.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص609.
28
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
المعارف الإلهيّة والمعارف القرآنيّة، فالقرآن كتاب الحكمة والعلم والحياة»[1].
الأثر التربويّ للقرآن في الإصلاح
إنّ الغاية من التلاوة هي تحريك القلب وإصلاح السلوك، فالقرآن مشروع تغيير، وهو الذي يصنع الإنسان القرآنيّ المتوازن.
وقد ظهر هذا الأثر في قصص كثيرة، منها قصّة الفضيل بن عيّاض، وقد كان في أوّلِ أمره شاطراً [أي سارقاً]، يقطع الطريقَ، وكان سبب توبته أنّه عشق جاريةً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تالياً يتلو ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾[2]، قال: فلمّا سمعها، قال: بلى يا ربِّ، قد آن، فرجع، فآواه الليلُ إلى خربة، وإذا فيها سابِلة[3]، فقال بعضُهم: نرتحل، وقال بعضُهم: حتّى نصبح، فإنَّ فُضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكّرتُ، وقلتُ: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقومٌ من المسلمين هاهنا يخافونني! وما أرى اللهَ ساقني إليهم إلّا لأرتدع. اللهمَّ، إنّي قد تبتُ إليك، وجعلتُ توبتي مجاورةَ البيتِ الحرام[4]. وهذا يدلّ على أنّ القرآن إذا دخل القلب بصدق أحدث انقلاباً جذريّاً في حياة الإنسان.
النموذج العمليّ في علاقتنا بالقرآن
يُعدّ علماء الأمّة قدوة في علاقتهم بالقرآن، ومن أبرز النماذج الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه)، الذي رغم انشغاله بقيادة الثورة وبناء الدولة، لم ينقطع عن القرآن،
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 02/08/2011م.
[2] سورة الحديد، الآية 16.
[3] السابِلة: المسافرون الّذين يسيرون على الطريق، كلٌّ على مقصده.
[4] البيهقيّ، شعب الإيمان، ج5، ص468.
29
الموعظة الرابعة: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
بل جعل له أوقاتاً ثابتة في يومه وليله.
يقول السيّد أحمد نجل الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرُّه): «كان الإمامُ يتلو ما تيسّر من القرآن في سبعة أوقات كلَّ يوم، يُنهي فيها أربعةَ أجزاءٍ من القرآن، وهذه الأوقات هي: قبل صلاة الفجر، بعد صلاة الفجر، في الساعة التاسعة صباحاً، قبل صلاة الظهر، عصراً بعد قيامه بممارسة رياضة المشي، قبل صلاة المغرب، بعد صلاة العشاء».
ويقول أحد العلماء: «طلبت يوماً من أحد المقرَّبين من الإمام، أن يخبرَني بما يفعله الإمامُ طوال نهارِه وليلِه، فقال -ضمن توضحِيه لفقرات برنامج عمل الإمام اليوميّ-: إنّه يتلو القرآنَ ثمانيَ مرّاتٍ كلَّ يوم، ويختمه كلَّ عشرة أيّام مرّةً على الأقلّ».
ولشهر رمضان خصوصيّة بالغة لدى الإمام (قُدِّس سرُّه) في ما يتعلّق بتلاوة الكتاب الكريم، يقول العلّامة الشيخ الناصريّ: «كان الإمامُ يقرأ في شهر رمضان عشرةَ أجزاءٍ من القرآن يوميّاً، فكان يختمُهُ بالكامل مرّةً كلَّ ثلاثة أيّام. وكان بعض الإخوةِ يفرحون لإكمالِهم ختمَ القرآن مرّتين في هذ الشهر المبارك، ثمّ عرفوا لاحقاً أنَّ الإمامَ يختمُه عشر مرّاتٍ أو إحدى عشرة ختمةً في هذا الشهر المبارك»[1].
[1] غلام علي رجائي، قبسات من سيرة الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرُّه) - الحالات العباديّة والمعنويّة، ص6 - 9 - 10.
30
الموعظة الخامسة: تعطّروا بالاستغفار
الموعظة الخامسة
تعطّروا بالاستغفار
هدف الموعظة
إحياء روح الاستغفار في شهر رمضان المبارك، بوصفه عبادةً قلبيّةً ولسانيّةً وسلوكيّة، تُعالج مرض الذنوب، وتفتح أبواب الرحمة، وتحصّن الإنسان في دنياه وآخرته.
محاور الموعظة
الاستغفار دواء وعلاج
الاستغفار سترٌ إلهيّ
الاستغفار ذخرٌ وأمانٌ في الآخرة
كثرة الاستغفار سبب القوّة ونزول البركات
تصدير الموعظة
﴿وَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾[1].
[1] سورة نوح، الآيات 10 - 12.
31
الموعظة الخامسة: تعطّروا بالاستغفار
شهرُ رمضان شهرُ العودة إلى الله، وموسمُ التوبة الصادقة، ومحطّةُ المراجعة العميقة لمسار الإنسان في علاقته مع ربّه. وفي هذا الشهر الشريف تتضاعف الفرص، وتُفتح أبواب السماء، وتتهيّأ القلوب للإنابة، ويبرز الاستغفار في مقدّمة الأعمال التي تُعيد للإنسان توازنه الروحيّ، وتُصلح ما أفسدته الذنوب في القلب والسلوك.
فالذنب ليس مجرّد مخالفة عابرة، بل هو أثرٌ يتراكم، ويترك ظلاله على النفس، ويُثقِل الروح، ويُضعف الإرادة، ويَحجِب العبد عن فيوضات القرب الإلهيّ. ومن هنا كان الاستغفار هو العلاج الإلهيّ الذي يُعيد للقلب صفاءه، وللروح طهارتها، وللإنسان مكانته عند ربّه.
الاستغفار دواء وعلاج
إنّ الاستغفار في الرؤية الإسلاميّة ليس مجرّد لفظٍ يُردَّد باللسان، بل هو وعيٌ بحقيقة الذنب، واعترافٌ بالتقصير، وانكسارٌ بين يدي الله، وعزمٌ على التصحيح. وقد عبّر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن هذه الحقيقة تعبيراً بالغ العمق حين شبّه الذنوب بالداء، وجعل الاستغفار دواءها، فقال: «ألا أدلّكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار»[1].
فالذنب داءٌ يفسد القلب، ويُظلم البصيرة، ويقطع مدد التوفيق؛ أمّا الاستغفار فهو الدواء الذي يعيد التوازن، ويُصلح الخلل، ويمنح الإنسان فرصة الشفاء قبل أن يستفحل المرض. وشهر رمضان هو الزمن الأنسب لتناول هذا الدواء؛ لأنّ القلب يكون أكثر استعداداً، والنفس أكثر قابليّة، والرحمة الإلهيّة أقرب.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «من المهمّ أن نطهِّر قلوبنا ونفوسنا من الرذائل
[1] البيهقيّ، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، ج5، ص428.
32
الموعظة الخامسة: تعطّروا بالاستغفار
والأحقاد، ولا يحصل ذلك إلّا بالاستغفار؛ لذا نجد في كثير من الروايات التأكيد عليه، واعتباره أهمّ الأدعية»[1].
الاستغفار سترٌ إلهيّ
إنّ من أخطر آثار الذنوب أنّها تُعرّي الإنسان معنويّاً، وتجعله مكشوفاً أمام نفسه وأمام الآخرين، وربّما أودت به إلى الهوان والفضيحة. غير أنّ الله، بلطفه، جعل الاستغفار ستراً يحفظ به كرامة عبده، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «تعطّروا بالاستغفار، لا تفضحْكم روائح الذنوب»[2].
والتعبير هنا بالغ الدقّة؛ فالذنب له «رائحة»؛ أي أثرٌ خفيّ يظهر في السلوك والملامح والهيئة، والاستغفار هو الطيب الذي يُخفي هذا الأثر، ويمنع انكشاف العيوب. ومن أعظم نِعَم الله على عباده أن فتح لهم هذا الباب ليبقَوا في دائرة الستر، لا في دائرة الهتك والفضيحة.
وفي شهر رمضان، حيث تصفو الأجواء الروحيّة، يكون الاستغفار أماناً إضافيّاً، يحفظ للإنسان هيبته، ويصون له مقامه، ويمنعه من السقوط المعنويّ.
الاستغفار ذخرٌ وأمانٌ في الآخرة
لا تقتصر آثار الاستغفار على الدنيا، بل تمتدّ إلى الآخرة، حيث تُعرض الصحائف، ويُحاسَب العباد على ما قدّموا. وقد بيّن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قيمة الاستغفار حين يُقرَن بالذنب في صحيفة العمل، ففي الحديث عن الإمام الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): طوبى لمَن وُجِد في صحيفة عمله يوم القيامة تحت كلّ ذنب: أستغفر
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 14/09/2007م.
[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص372.
33
الموعظة الخامسة: تعطّروا بالاستغفار
الله»[1].
إنّ هذا الحديث يفتح نافذة أملٍ عظيمة؛ فليس المطلوب العصمة المطلقة، بل المطلوب الوعي، والرجوع، وعدم الإصرار. أن يرى العبد ذنبه، ثمّ يضع تحته استغفاراً صادقاً، فهذا ما يصنع الفارق يوم القيامة.
وشهر رمضان فرصة ثمينة لملء الصحيفة بالاستغفار، ولتحويل الذنوب من أسبابٍ للهلاك إلى محطّاتٍ للإنابة، ومن نقاط سوداء إلى مواضع رحمة.
كثرة الاستغفار سبب القوّة ونزول البركات
من يتدبّر القرآن الكريم يكتشف أنّ الاستغفار ليس عبادة فرديّة روحيّة فحسب، بل له آثار اجتماعيّة وحضاريّة، وهو سبب لنزول الخيرات، وتحقّق القوّة، واتّساع الرزق، قال الله تعالى على لسان نبيّه هود (عليه السلام): ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾[2].
فالاستغفار سبب لنزول الغيث، وسبب لزيادة القوّة، سواء كانت قوّة الإيمان، أو قوّة الإرادة، أو قوّة المجتمع. وهذا المعنى ينسجم تماماً مع فلسفة شهر رمضان، الذي يُراد منه بناء الإنسان القويّ من الداخل، القادر على مواجهة التحدّيات، لا الإنسان المنهك بالذنوب والأثقال.
إنّ كثرة الاستغفار في شهر رمضان ليست عملاً ثانويّاً، بل هي روح هذا الشهر، ومفتاح التحوّل الحقيقيّ فيه. فبالاستغفار تُغفَر الذنوب، ويُحفَظ الستر، وتُصلَح
[1] الشعيريّ، محمّد بن محمّد، جامع الأخبار، ص56.
[2] سورة هود، الآية 52.
34
الموعظة الخامسة: تعطّروا بالاستغفار
الصحائف، وتُستجلَب البركات، وتُبنى القوّة.
35
الموعظة السادسة: لين الجانب خُلُق الصائم
الموعظة السادسة
لين الجانب خُلُق الصائم
هدف الموعظة
إبراز خُلُق لين الجانب بوصفه قيمةً إيمانيّةً وسلوكاً عمليّاً، وبيان علاقته الوثيقة بالصيام، وكون شهر رمضان مدرسةً تربويّةً لتهذيب النفس، وكبح الغضب، وبناء الإنسان، ليكون الصائم مرآةً لأخلاق الإسلام في المجتمع.
محاور الموعظة
لينُ الجانب في الرؤية الإسلاميّة
لِينُ الجانب بالقول
لِينُ الجانب بالفعل والمعاملة
لِينُ الجانب أثناء الصيام
لِينُ الجانب وسيلة لتهذيب النفس
تصدير الموعظة
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[1].
[1] سورة آل عمران، الآية 159.
36
الموعظة السادسة: لين الجانب خُلُق الصائم
ليس الصوم في منطق الإسلام مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، ولا هو طقسٌ تعبّديٌّ منفصلٌ عن السلوك، بل هو عمليّةُ تهذيبٍ شاملة، تُعيد ترتيب الداخل الإنسانيّ، وتُهذّب اللسان، وتُليِّن الجانب، وتكسر حدّة النفس الأمّارة.
ومن هنا كان لين الجانب من أبرز ثمرات الصيام الصادق؛ لأنّ الجوع والعطش إذا لم يتحوّلا إلى خُلُق، لم يُؤدِّيا غايتهما.
لينِ الجانب في الرؤية الإسلاميّة
لين الجانب هو رقّةُ الطبع، وسهولةُ المعاملة، وتركُ الفظاظة والغلظة، وهو خُلُقٌ جامعٌ بين القول والفعل؛ فالإنسان الليّن لا يُعرف فقط بكلامه الهادئ، بل بطريقة تعامله، ونظرته، وردّة فعله عند الاستفزاز.
وقد جعل القرآن الكريم اللين سمةً من سمات الخطاب الإيمانيّ، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[1]، بل إنّ الله تعالى أمر نبيَّيه موسى وهارون (عليهما السلام) باللين، وهما ذاهبان إلى أعتى طغاة الأرض: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[2].
فإذا كان القول اللين مطلوباً مع فرعون، فكيف لا يكون مطلوباً مع المؤمنين والناس كافّة؟
لِينُ الجانب بالقول
لين الجانب بالقول يعني أن يكون اللسان خاضعاً للعقل والإيمان، لا للغضب والانفعال؛ فلا صراخ، ولا سبّ، ولا فُحش، ولا تَعالٍ، ولا كلمات جارحة، بل هدوء، واعتدال، واحترام، وفي وصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذرّ
[1] سورة البقرة، الآية 83.
[2] سورة طه، الآية 44.
37
الموعظة السادسة: لين الجانب خُلُق الصائم
الغفاريّ: «يا أبا ذرّ، لا تكن عيّاباً ولا مدّاحاً ولا طعّاناً ولا ممارياً... يا أبا ذرّ، الكلمة الطيّبة صدقة»[1]، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ الرفق لم يُوضَع على شيء إلّا زانه، ولا نُزع من شيء إلّا شانه»[2].
فالكلمة اللينة ليست ضعفاً، بل قوّةٌ أخلاقيّة، وضبطٌ للنفس، وانتصارٌ على الغضب.
لِينُ الجانب بالفعل والمعاملة
أمّا لِين الجانب بالفعل، فهو ترجمة الأخلاق الإيمانيّة إلى سلوكٍ يوميٍّ ملموس؛ أن يكون الإنسانُ سهلَ العِشرة، قريباً من الناس، متفهّماً لضعفهم، متجاوزاً عن زلّاتهم، لا يستفزّه كلّ خطأ، ولا تخرجه الإساءة عن وقاره، ولا يُقابل الجفاء بمثله، بل يجعل الحِلم خُلُقَه، والعفو منهجَه، والتواضع طريقَه في التعامل.
وقد أكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى تأكيداً عمليّاً، حين أوصى عامِلَه على الصدقات مِخْنَفَ بنَ سُلَيْمٍ الأزديّ بوصيّةٍ جامعة، وهو يبعثه إلى الناس، «أمره فيها بتقوى الله ربّه في سرائر أموره، وخفيّات أعماله، وأن يلقاهم ببسط الوجه ولين الجانب، وأمره أن يلزم التواضع ويجتنّب التكبّر؛ فإنّ الله يرفع المتواضعين، ويضع المتكبّرين»[3].
ولم يكن هذا الخُلُق خُلُقَ الأوصياء وحدهم، بل هو من صميم الهدي النبويّ؛ إذ يفتح القلوب، ويطفئ جذوة الخصومات، ويحوّل التوتّر إلى مودة، والعداوة إلى
[1] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص467.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص119.
[3] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص252.
38
الموعظة السادسة: لين الجانب خُلُق الصائم
ألفة، وفي هذا السياق ورد عن الإمام الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ألا أخبركم بِمَن يحرم عليه النار غداً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الهيِّن القريب الليِّن السهل»[1].
لِينُ الجانب أثناء الصيام
وهنا تتجلّى العلاقة العميقة بين الصيام ولين الجانب؛ فالصائم يعيش حالاتٍ من الجوع والعطش، وقد تشتدّ أعصابه، لكنّ الامتحان الحقيقيّ هو: هل يضبط نفسه أم يطلقها؟
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما الصوم جُنّة، فإذا كان أحدكم صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إنّي صائم»[2].
فالصوم ليس عذراً للحدّة، بل هو تدريبٌ عمليٌّ على الحِلم، وكبح الغضب، ولين الجانب عند الاستفزاز، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك»، قال الراوي: وعدّد أشياء غير هذا، وقال: «لا يكون يوم صومك كيوم فطرك»[3].
فالصيام الحقيقيّ هو صيام الجوارح والأخلاق، وليس الامتناع عن المفطرات فحسب.
لِينُ الجانب وسيلة لتهذيب النفس
النفس بطبيعتها تميل إلى الشدّة والانتقام والانتصار للذات، لكنّ الإسلام يريد
[1] الشيخ الصدوق الأمالي، ص397.
[2] الفيض الكاشانيّ، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج2، ص132.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص87.
39
الموعظة السادسة: لين الجانب خُلُق الصائم
نفساً مهذّبة، رحيمة، متواضعة؛ ولذلك كان لين الجانب من أعظم وسائل تهذيب النفس وتربيتها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾[1].
ولا تزكية للنفس مع الفظاظة، ولا تهذيب مع الغلظة، بل التزكية تبدأ من ضبط اللسان، ولين القول، وحُسن المعاملة، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَن كفَّ غضبه عن الناس، كفَّ الله عنه عذاب يوم القيامة»[2].
[1] سورة الشمس، الآية 9.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص305.
40
الموعظة السابعة: الصدقة في شهر الله
الموعظة السابعة
الصدقة في شهر الله
هدف الموعظة
حثّ المؤمنين على الصدقة في شهر رمضان المبارك، وتربية النفس على البذلِ والعطاء، وبيان أثرها في تزكية الفرد وبناء المجتمع.
محاور الموعظة
مفهوم الصدقة وسعتها في المنهج الإسلاميّ
ثقل الصدقة على إبليس
الصدقة في القرآن الكريم بين التزكية والبركة
الصدقة كلّ معروف في السنّة النبويّة
شهر رمضان موسم مضاعفة الصدقات
آثار الصدقة الفرديّة والاجتماعيّة
تصدير الموعظة
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾[1].
[1] سورة البقرة، الآية 245.
41
الموعظة السابعة: الصدقة في شهر الله
مفهوم الصدقة وسعتها في المنهج الإسلاميّ
ليست الصدقة في المنظور الإسلاميّ محصورةً في بذل المال فحسب، وإن كان المال أحد أبرز مصاديقها، بل هي مفهومٌ واسعٌ يشمل كلَّ ما يقدّمه الإنسان من معروف، مادّيّاً كان أو معنويّاً، بقصد التقرّب إلى الله عزّ وجلّ. فالصدقة قد تكون درهماً يُعطى، وقد تكون جهداً يُبذل، أو وقتاً يُخصَّص، أو كلمةً طيّبةً تُقال، أو أذىً يُزال.
وقد وسّع الإسلام دائرة الصدقة توسعةً تجعلها في متناول كلّ إنسان، مهما قلّ ماله أو ضاقت ذات يده، ليبقى باب القرب إلى الله مفتوحاً أمام الجميع، قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾[1].
فالآية تُبيّن أنّ كلّ خيرٍ ينفقه الإنسان، مادّيّاً كان أو معنويّاً، فإنّ عائدَه الحقيقيّ يرجع إليه، في دنياه وآخرته.
ثقل الصدقة على إبليس
إنّ من المعاني العميقة التي وردت في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الصدقة من أثقل الأعمال على إبليس؛ لأنّها تُحطّم مشروعه القائم على الأنا والبخل وقطع أواصر الرحمة بين الناس، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «وليس شيءٌ أثقلَ على الشيطان من الصدقة على المؤمن، وهي تقع في يد الربّ تبارك وتعالى قبل أن تقع في يد العبد»[2].
هذه الرواية تفتح لنا أفقاً إيمانيّاً عظيماً؛ فالصدقة ليست مجرّدَ انتقالِ مالٍ من يدٍ إلى يد، بل هي أوّلاً تقعُ في القَبول الإلهيّ، وتُسجَّل عملاً صالحاً قبل أن تصل
[1] سورة البقرة، الآية 272.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص3.
42
المقدّمة
إلى يد المحتاج. وكذلك فإنّها لا تُقوِّض إلّا البخل وحيل إبليس، بل تقوّي النفوس وتربّيها على السخاء والعطاء، وهذا ما يجعلها عملاً ذا أثرٍ مزدوج: أثرٌ في الدنيا على الفرد والمجتمع، وأثرٌ في الآخرة عند ربّ العالمين.
الصدقة في القرآن الكريم بين التزكية والبركة
لقد أكّد القرآن الكريم ضرورة الصدقة والإنفاق في مواضع عدّة، وربط بينها وبين تزكية النفسِ ونَماء المال وبركة العيش، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[1].
فالصدقة تطهيرٌ للنفس من أمراض الشحِّ والبخل، وتزكيةٌ لها بالرحمة والإحسان، وقال تعالى أيضاً: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾[2]؛ فالإنفاق لا يُنقِص المال، بل يُضاعفه أضعافاً كثيرة، وإن لم تظهر هذه المضاعفة دائماً بصورةٍ مادّيّةٍ عاجلة، فإنّها محفوظة عند الله، ومضمونةُ العاقبة.
الصدقة كلّ معروف في السنّة النبويّة
جاءت السنّة النبويّة لتؤكّد هذا الفهم الواسع للصدقة، وتُخرجها من الإطار الضيّق إلى رحابة الحياة اليوميّة، فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ على كلّ مسلمٍ في كلّ يومٍ صدقة»، قال رجلٌ: مَن يُطيق ذلك؟! قال (صلّى الله عليه وآله): «إِماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجلَ إلى الطريق صدقة، وعيادتك المريضَ صدقة، وأمرك بالمعروف [صدقة]، ونهيك
[1] سورة التوبة، الآية 103.
[2] سورة البقرة، الآية 261.
43
الموعظة السابعة: الصدقة في شهر الله
عن المنكر صدقة، وردّك السلامَ صدقة»[1].
إنّ هذه الرواية تجعل المؤمن في حالة عبادةٍ دائمة؛ إذ يمكنه في كلّ يوم، بل في كلّ ساعة، أن يتقرّب إلى الله تعالى بأعمالٍ يسيرة، إذا صَحَّت النيّة، وكان القصدُ وجهَ الله سبحانه.
شهر رمضان موسم مضاعفة الصدقات
إنّ شهر رمضان هو شهر الضيافة الإلهيّة، وشهر تربية النفس على الإحساس بالآخرين، وقد ورد في الروايات أنّ الأعمال فيه تُضاعف، والصدقات فيه أعظمُ أجراً. فالصائم الذي ذاق ألم الجوع والعطش، يكون أقدر على الإحساس بحال الفقير، وأقرب إلى البذل والعطاء.
وقد وردت رواية صريحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) يبيّن فيها حكمة الصيام وعلّته، قال (عليه السلام): «العلّة في الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير؛ وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير؛ لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم، ليُحسن على الضعيف ويُطعم الجائع»[2].
تبيّن هذه الرواية أنّ الصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو وسيلةٌ لتربية النفس على الرحمة والإحسان، ولإشعار الغنيّ بمعاناة الفقير، حتّى يكون عطاؤه ومساعدته صادقةً ومن القلب، ويستشعر قيمتها الحقيقيّة في تقوية أواصر التراحم بين أفراد المجتمع.
[1] الراونديّ، الدعوات، ص98.
[2] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص102.
44
الموعظة السابعة: الصدقة في شهر الله
ومن هنا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فالصدقة في هذا الشهر ليست عملاً فرديّاً فحسب، بل هي مساهمة في بناء مجتمع متراحم، يشعر فيه الغنيّ بمسؤوليّته، ويشعر الفقير بأنّه غير متروك أو منسيّ.
آثار الصدقة الفرديّة والاجتماعيّة
للصدقة آثارٌ عميقةٌ في نفس المتصدّق قبل أن يكون لها أثرٌ في حياة المتصدَّق عليه؛ فهي تُربّي النفس على السخاء، وتكسر تعلّقها بالدنيا، وتغرس في القلب الطمأنينة والرضا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾[1].
أمّا على المستوى الاجتماعيّ، فعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عبادَ الله إخواناً»[2].
فهنا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يحثّ على نبذ الحسد والبغضاء بين الناس، ويأمرهم بأن يكونوا إخوة في الله، وهذه الروحيّة لا تتحقّق إلا بوجود التكافل بين أفراد المجتمع والتعاون على الخير؛ ومن أهمّ وسائل هذا التكافل الصدقة التي تربط الغنيّ بالفقير، وتُقلِّل من الفوارق الطبقيّة، وتشيع المودّة، وتُشعر الإنسان بأنّ الآخرين إخوةٌ له وليسوا خصوماً أو غرباء.
[1] سورة سبأ، الآية 39.
[2] المتقي، الهندي، كنز العمّال، ج9، ص175.
45
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
الموعظة الثامنة
الدعاء عبادة
هدف الموعظة
بيان حقيقة الدعاء بوصفه عبادةً تربويّة تغيّر علاقة الإنسان بربّه، وتؤثّر في مصيره الروحيّ والأخلاقيّ، وشرح دوره في دفع البلاء وتبديل القضاء، مع توضيح أهمّ آدابه الشرعيّة التي تجعل الدعاء أقرب إلى القبول.
محاور الموعظة
الدعاء عبادة
الدعاء وتغيير المصير
الدعاء شفاء للنفس والروح
آداب الدعاء ومنهجه
تصدير الموعظة
الإمام الصادق (عليه السلام): «الدعاء هو العبادة التي قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، ادعُ اللهَ عزّ وجلّ، ولا تقل إنّ الأمر قد فُرِغ منه»[1].
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص467.
46
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
شهر رمضان المبارك موسم لإعادة بناء الصلة بين العبد وربّه، ومن أبرز مظاهر هذه الصلة الدعاء؛ ففي هذا الشهر تتجلّى حقيقة الفقر الإنسانيّ إلى الله تعالى، وتنكشف حاجة الإنسان إلى مَن بيده ملكوت السماوات والأرض. لذلك ارتبط شهر رمضان بالدعاء في نصوص القرآن والسنّة، كما في أدعية الأسحار، وليالي القدر، وأدعية الإفطار، ليكون الدعاء جزءاً من المشروع التربويّ لهذا الشهر الكريم.
الدعاء في حقيقته ليس مجرّد طلب حاجة مادّيّة أو دفع بلاء، بل هو إعلان عبوديّة، وإقرار بالعجز، وتسليم بأنّ الأمر كلّه لله. ومن هنا كان الدعاء من أعظم وسائل تهذيب النفس، وكسر روح الكبر، وإحياء روح التواضع.
الدعاء عبادة
وصف القرآن الكريم الدعاء بأنّه عبادة، وجعل الإعراض عنه لوناً من ألوان الاستكبار، فحين يقول تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ثمّ يعقّب بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، فإنّه يكشف أنّ حقيقة الدعاء هي العبوديّة نفسها.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ادعُ الله عزّ وجلّ، ولا تقل إنّ الأمر قد فُرغ منه»، ففي هذا الحديث ردّ واضح على الفهم السلبيّ للقضاء والقدر، الذي قد يؤدّي إلى ترك الدعاء بحجّة أنّ كلّ شيء قد كُتب وانتهى. فالدعاء جزء من منظومة القضاء الإلهيّ، ووسيلة مشروعة للتغيير والإصلاح، وليس حالةً شكليّة بلا أثر.
من هنا يتّضح أنّ الدعاء موقف إيمانيّ يتجسّد فيه التوحيد العمليّ؛ لأنّ الداعي يعترف بأنّ لا قدرة في الوجود تعلو قدرة الله، ولا ملجأ له سواه.
47
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
الدعاء وتغيير المصير
ومن أهمّ أبعاد الدعاء أنّه يؤثّر في مسار حياة الإنسان، ويغيّر ما قد يبدو ثابتاً من القضاء. وقد أكّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى بوضوح، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الدعاء يردّ القضاء، ينقضه كما يُنقَضُ السلْكُ، وقد أُبرِم إبراماً»[1]. وعنه (عليه السلام) أيضاً: «الدعاء يردّ القضاء، بعدما أُبرِم إبراماً؛ فأكثروا من الدعاء، فإنّه مفتاح كلّ رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا ينال ما عند الله عزّ وجلّ إلّا بالدعاء»[2].
إنّ هذه النصوص تبيّن أنّ للدعاء أثراً حقيقيّاً في الواقع؛ لأنّه يرتبط بإرادة الله تعالى التي جعلت له دوراً في تغيير المقدّرات. وهذا يفتح أمام الإنسان باب الأمل، فلا يستسلم عند الشدائد، ولا ييأس من رحمة الله، بل يرى في الدعاء طريقاً عمليّاً للخروج من الأزمات الروحيّة والاجتماعيّة.
وفي شهر رمضان، حيث تتنزّل الرحمة وتُفتح أبواب السماء، يكون الدعاء أبلغ أثراً وأقرب إلى القبول؛ لأنّ الظرف الزمانيّ نفسه يحمل خصوصيّة روحيّة عالية.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «من جملة الأبواب التي فتحها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليدخل منها ويحقّق ما أحبّ في الدنيا والآخرة، من جملة الأسلحة التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها الإنسان من أجل الدنيا والآخرة: الدعاء»[3].
[1] المصدر نفسه، ج2، ص469.
[2] المصدر نفسه، ج2، ص470.
[3] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في ليلة القدر الكبرى، 2015م.
48
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
الدعاء شفاء للنفس والروح
لم يقتصر أثر الدعاء على تغيير المصير الخارجيّ، بل تعدّاه إلى شفاء الداخل الإنسانيّ من القلق والحزن والاضطراب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «عليك بالدعاء؛ فإنّه شفاء من كلّ داء»[1].
والمراد بالداء هنا لا يقتصر على المرض الجسديّ، بل يشمل أمراض القلب من خوفٍ ويأسٍ وحقدٍ واضطراب. فالدعاء يزرع الطمأنينة في النفس؛ لأنّه يربط الإنسان بمصدر القوّة المطلقة، ويمنحه شعوراً بالأمان الروحيّ.
ولهذا نجد أنّ الإنسان حين يمرّ بأزمات نفسيّة أو اجتماعيّة، فإنّ الدعاء الصادق يخفّف من ثقل هذه الأزمات، ويعيد ترتيب الأولويّات، ويمنح القلب قدرة على الصبر والتحمّل.
آداب الدعاء ومنهجه
لكي يكون الدعاء مؤثّراً وقريباً من القبول، بيّنت النصوص الشرعيّة مجموعة من الآداب التي تنبغي مراعاتها، نذكر منها:
1. الطهارة والصلاة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «[...] ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غَمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضّأ، ثمّ يدخل مسجده، فيركع ركعتين، فيدعو الله فيها؟»[2].
فالطهارة والصلاة تمهّدان القلب للدعاء، وتضعان الإنسان في حالة خشوع واستعداد روحيّ.
2. الابتداء بالبسملة: عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «لا يُرَدّ دعاء
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج59، ص89.
[2] المصدر نفسه، ج66، ص342.
49
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
أوّله بسم الله الرحمن الرحيم»[1]؛ فالبسملة إعلان بأنّ هذا الدعاء مرتبط بالله وحده، لا بغيره.
3. الصلاة على النبيّ وآله: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يُصلّى على محمّد وآل محمّد»[2]، وهي مفتاح من مفاتيح القبول، لما لها من منزلة خاصّة عند الله تعالى.
4. التوسّل بأولياء الله: عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «الأوصياء منّي إلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هادٍ مهتدٍ، لا يضرّهم مَن خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، فبهم تُنصَر أمّتي، بهم يمطرون، وبهم يُدفع عنهم البلاء، وبهم يُستجاب دعاؤهم»[3]، فالتوسّل ليس بديلاً عن الله، بل هو توجّه إلى الله عبر أحبّ خلقه إليه.
5. حسن الظنّ بالله: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «قال الله عزَّ وجلَّ: من سألني وهو يعلم أنّي أضرّ وأنفع، استجبت له»[4]، فالدعاء بلا يقين ضعيف الأثر؛ لأنّه يخلو من الثقة برحمة الله وقدرته.
6. تسمية الحوائج: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا دعاه، لكنّه يحبّ أن تُبثّ إليه الحوائج، فإذا دعوت فسمِّ حاجتك»[5]؛ إذ إنّ في ذلك تعبيراً عن وعي الداعي بما يريد، وإظهاراً للفقر
[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج5، ص304.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص491.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج36، ص257.
[4] الشيخ الصدوق، الخصال، ص153.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص476.
50
الموعظة الثامنة: الدعاء عبادة
الحقيقيّ بين يدي الله.
7. رفع اليدين والتضرّع: قال الله تعالى: ﴿وَاذكر رَبَّكَ في نَفسكَ تَضَرّعاً وَخفيَةً﴾[1]، وقد فسّر الإمام الباقر (عليه السلام) التضرّع عندما سُئل عن قوله تعالى: ﴿فَمَا استَكَانوا لرَبّهم وَمَا يَتَضَرَّعونَ﴾، فقال (عليه السلام): «الاستكانة هي الخضوع، والتضرّع رفع اليدين والتضرّع بهما»[2].
8. الإلحاح وعدم الانقطاع: قال الله تعالى: ﴿وَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضرٌّ دَعَا رَبَّه منيباً إلَيه ثمَّ إذَا خَوَّلَه نعمَةً منه نَسيَ مَا كَانَ يَدعو إلَيه من قَبل﴾[3]. وإنّ الإلحاح في الدعاء يحفظ للإنسان وعيه الدائم بنعمة الله، ويمنعه من الغفلة بعد الرخاء، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تكن ممّن [...] إن أصابه بلاءٌ دعا مضطرّاً، وإن ناله رخاءٌ أعرض مغترّاً»[4].
[1] سورة الأعراف، الآية 205.
[2] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص480.
[3] سورة الزمر، الآية 8.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص498.
51
الموعظة التاسعة: صلة الرحم عبادة رمضانيّة
الموعظة التاسعة
صلة الرحم عبادة رمضانيّة
هدف الموعظة
إحياء صلة الرحم بوصفها عبادةً أصيلة، لا تقلّ شأناً عن سائر العبادات الفرديّة، وبيان موقعها الخاصّ في شهر رمضان، والتحذير من خطر قطيعتها.
محاور الموعظة
صلة الرحم أمر إلهيّ ومعيار إيمان
صلة الرحم في شهر الله باب رحمة
الصلة عند القطيعة امتحان حقيقيّ
كيف نصل أرحامنا؟
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ»[1].
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
52
الموعظة التاسعة: صلة الرحم عبادة رمضانيّة
صلة الرحم أمر إلهيّ ومعيار إيمان
إنّ صلة الرحم ليست خُلُقاً اجتماعيّاً مستحبّاً فحسب، بل هي تكليف شرعيّ، وأمرٌ إلهيٌّ صريح، جعله الله قريناً للإيمان به، يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾[1].
ويقول سبحانه محذّرا من القطيعة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾[2].
إنّ اقتران صلة الرحم بتقوى الله في الخطاب القرآنيّ يكشف عن خطورتها، ويُبيّن أنّ القطيعة ليست مجرّد خلاف عائليّ، بل انحراف أخلاقيّ له تبعات دينيّة خطيرة.
وقد أكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى بقوله: «وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ»، فجاء الأمر مطلقاً، غير مقيّدٍ بحال الرحم أو سلوكه؛ لأنّ الصلة عبادة، والعبادة لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الامتثال.
صلة الرحم في شهر الله باب رحمة
ويتميّز شهر رمضان بأنّه شهر مضاعفة الأعمال، لكنّه في الوقت نفسه شهر المحاسبة الدقيقة؛ فكما تتضاعف فيه الحسنات، تتضاعف فيه تبعات التفريط.
وقد لفت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأنظار إلى هذه الحقيقة حين قال: «وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ»[3].
[1] سورة النساء، الآية 1.
[2] سورة محمّد، الآيتان 22 - 23.
[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
53
الموعظة التاسعة: صلة الرحم عبادة رمضانيّة
إنّها معادلة واضحة: صلة في الدنيا تقابلها صلة في الآخرة، وقطيعة هنا يقابلها حرمان هناك. ولذلك، لا يكفي أن نصوم عن الطعام والشراب، بينما نُفطر على القطيعة، ولا معنى لقيام الليل مع قلبٍ يحمل قهراً، أو خصومة، أو هجراً.
شهر رمضان، شهرٌ أرادنا الله فيه أن نُصلح علاقتنا بالله عبر الصلاة والصيام، وأن نُصلح علاقتنا بالناس عبر العفو، والتواصل، وردم هوّة القطيعة، وفي مقدّمتها قطيعة الرحم.
الصلة عند القطيعة امتحان حقيقيّ
قد يظنّ بعض الناس أنّ صلة الرحم واجبة فقط عند حسن المعاملة، لكنّ الإسلام نقل هذه العبادة من منطق المعاملة بالمثل، إلى منطق السموّ الأخلاقيّ.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ رجلاً أتى النبيَّ (صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا رسولَ الله، أهلُ بيتي أبَوْا إلّا توثّباً عليَّ وقطيعةً لي وشتيمةً، فأرفضُهم؟ قال: «إذاً يرفضُكم اللهُ جميعاً»، قال: كيف أصنع؟ فأرشده (صلّى الله عليه وآله) إلى الطريق الأصعب، لكنّه الطريق الإلهيّ، قال: «تصِل مَن قطعَك، وتُعطي مَن حرمَك، وتعفو عمَّن ظلمَك، فإنّك إذا فعلتَ ذلك، كان لك من اللهِ عليهم ظهيرٌ»[1].
هذه الرواية تُعيد تعريف القوّة؛ فالقوّة ليست في القطيعة، بل في القدرة على الوصل، وليست في الانتقام، بل في ضبط النفس. وصلة الرحم هنا تتحوّل إلى جهاد أخلاقيّ، يحتاج إلى صبر، وإخلاص، ونيّة صادقة.
كيف نصل أرحامنا؟
قد يتذرّع بعض الناس بصعوبة الظروف، أو تعقيد العلاقات، لكنّ الشريعة
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص150.
54
الموعظة التاسعة: صلة الرحم عبادة رمضانيّة
جعلت باب الصلة واسعاً، ولم تحصره بشكل واحد، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ»[1].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاء، وَأَفْضَلُ مَا تُوصَلُ بِهِ الرَّحِمَ كَفُّ الْأَذَى»[2].
إذاً، الصلة قد تكون كلمة طيّبة بعد جفاء، اتّصالاً بعد انقطاع، مساعدة ماليّة عند الحاجة، كفّ أذى عند العجز عن العطاء...
وفي شهر رمضان، تتيسّر هذه الصلة أكثر: مائدة إفطار، دعوة صادقة، رسالة سلام، أو حتّى دعاء بظهر الغيب.
[1] الشيخ الصدوق، الخصال، ص613.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص151.
55
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
الموعظة العاشرة
خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
هدف الموعظة
إبراز النموذج الرفيع الذي جسّدته السيّدة خديجة (عليها السلام) في الإيمان والبذل والصبر والوفاء، وربط هذه القيم بشهر رمضان المبارك؛ شهر التضحية والإنفاق والثبات مع الحقّ.
محاور الموعظة
مقام الاصطفاء والرضا
حين كان الطريقُ موحشاً
المال في خدمة الرسالة
مكانةٌ بين نساء العالمين
الرحيل في شهر الصبر
رسالة السيّدة خديجة في شهر الله
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «صدّقَتْني حينَ كذَّبَني الناسُ، وآزرَتْني على دينِ اللهِ، وأعانَتْني عليهِ بمالِها»[1].
[1] ابن أبي الفتح الإربليّ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج1، ص370.
56
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
مقام الاصطفاء والرضا
حين نقرأ سيرة السيّدة خديجة (عليها السلام)، ندرك أنّنا أمام امرأةٍ لم تبلغ العظمة بمالها، ولا بمكانتها الاجتماعيّة، بل بإيمانها الصادق، وتسليمها الكامل لله، حتّى بلغت مقاماً لم يبلغه كثيرون، وقد رُويَ أنّ جبرئيل (عليه السلام) أتى النبيَّ (صلّى الله عليه وآله)، يسأله عن خديجة، قائلاً: «أخبرْها أنَّ ربَّها يُقرِئُها السلامَ»[1].
أيّ مقامٍ هذا، أن يُبلِّغ اللهُ سبحانه سلامَه لأمةٍ من عباده؟! إنّه مقام الرضا الإلهيّ، ومقام الاصطفاء، ومقام القرب. ولمّا بلّغها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هذا السلام، قالت: «اللهُ السلامُ، ومنهُ السلامُ، وعلى جبريلَ السلامُ»[2].
إنّه جواب العارفين بالله، جواب مَن امتلأ قلبه توحيداً وتسليماً، فلم تغرّه الكرامة، ولم تُبعده عن أدب العبوديّة.
وفي شهر رمضان، حيث تتنزّل الرحمات، وتُفتح أبواب القرب، نتعلّم من السيّدة خديجة (عليها السلام) أنّ الطريق إلى الله إنّما يُقاس بالإخلاص، لا بكثرة العمل، فالإخلاص روح العبادة، والصدق معيار قبولها
حين كان الطريقُ موحشاً
كانت السيّدة خديجة (عليها السلام) أوّل النساء إسلاماً، وآمنت بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) يوم كذّبه الناس، وصدّقته يوم خذله الأقربون، وتحمّلت الأذى يوم تراجع الكثيرون.
وحين تعجّبت إحدى زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من كثرة ذكره لها،
[1] فتّال النيشابوريّ، روضة الواعظين وبصيرة المتّعظين، ج2، ص269.
[2] ابن هشام الحميريّ، السيرة النبويّة، ج1، ص159.
57
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
أجابها (صلّى الله عليه وآله) بتلك الكلمات الخالدة: «صدّقَتْني إذْ كذّبَني الناسُ…».
إنّها شهادة نبيّ، لا تُقال مجاملةً، بل تُقال حقّاً، فقد وقفت السيّدة خديجة (عليها السلام) إلى جانب الدعوة في أصعب مراحلها، حين كان الإسلام غريباً، والحقّ محاصراً، وأهل الباطل متسلّطين.
وهنا يتجلّى درسٌ رمضانيّ عظيم: أن تكون مع الحقّ حين يقلّ أنصاره، وأن تثبت على الطاعة حين تكثر المغريات، وأن يكون الإيمان موقفاً راسخاً.
المال في خدمة الرسالة
لم تكن السيّدة خديجة (عليها السلام) مجرّد مؤمنةٍ بقلبها، بل كانت مجاهدةً بمالها، سخّرت ثروتها كلّها في سبيل الله، ووضعتها بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من دون مِنّة أو تردّد.
وهذا المعنى يتجلّى في شهادة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه، حين قال: «وآزرَتْني على دينِ اللهِ، وأعانَتْني عليهِ بمالِها».
وقد قرن القرآن الكريم بين الإيمان الصادق والجهاد بالمال، فجعل الإنفاق في سبيل الله عنواناً من عناوين النصرة الحقيقيّة، فقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[1].
وفي شهر رمضان، شهر الصدقة والإنفاق، تتجلّى سيرة السيّدة خديجة (عليها السلام) كنموذجٍ عمليّ: المال ليس غاية، بل وسيلة؛ ليس للتفاخر، بل لخدمة
[1] سورة التوبة، الآية 41.
58
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
الدين، وسدّ حاجات المؤمنين، ونصرة الحقّ.
مكانةٌ بين نساءِ العالمين
لقد بلغت السيّدة خديجة (عليها السلام) مقاماً سامياً، حتّى عدّها الوحي من المصطفَيات، فقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ اختارَ مِنَ النساءِ أربعاً: مريمَ وآسيةَ وخديجةَ وفاطمةَ»[1].
إنّه اختيارٌ إلهيّ، لا يقوم على النسب، ولا على الظاهر، بل على الإيمان والجهاد والصبر والبذل، وهذا يعلّمنا أنّ أبواب القرب من الله مفتوحة لكلّ من صدق في سيره، رجلاً كان أو امرأة.
الوفاءُ النبويّ
لم ينسَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خديجة (عليها السلام) بعد رحيلها، بل ظلّ يذكرها، ويبكي لفراقها، ويحدّث عن فضلها.
عن أمّ سلمة: لمّا ذكرْنا خديجة، بكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ قال: «خديجة! وأينَ مثلُ خديجةَ؟! صدّقَتْني حينَ كذَّبَني الناسُ، وآزرَتْني على دينِ اللهِ، وأعانَتْني عليهِ بمالِها؛ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمرَني أنْ أُبشِّرَ خديجةَ ببيتٍ في الجنّةِ مِنْ قصبِ الزمرُّدِ، لا صخبَ فيهِ ولا نَصَبَ»[2].
هكذا يكون الوفاء، وهكذا يُكافئ الله الصادقين: بيتٌ في الجنّة، بلا صخبٍ ولا تعب، بعد عمرٍ مليءٍ بالجهاد والتضحية.
الرحيل في شهر الصبر
كانت وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام) في اليوم العاشر من شهر رمضان،
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج14، ص201.
[2] الشيخ الإربليّ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج1، ص360.
59
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
قبل الهجرة بثلاث سنوات، في عام الحزن.
وفي لحظات الوداع، أوصت ابنتها فاطمة (عليها السلام) بوصيّةٍ تهزّ القلوب: «يا حبيبتي وقرّةَ عيني، قولي لأبيكِ: إنَّ أمّي تقولُ: أنا خائفةٌ منَ القبرِ، أريدُ منكَ رداءَكَ الّذي تلبَسُهُ حينَ نزولِ الوحيِ، تُكفِّنُني فيهِ»؛ فخرجَتْ فاطمةُ، وقالَتْ لأبيها ما قالَتْ أمُّها خديجةُ، فقامَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله)، وسلَّمَ الرداءَ إلى فاطمةَ، وجاءَتْ بهِ إلى أمِّها، فسُرَّتْ بهِ سروراً عظيماً، فلمّا تُوفّيَتْ أخذَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) في تجهيزِها، وغسَّلَها وحنَّطَها، فلمّا أرادَ أنْ يكفِّنَها، هبطَ الأمينُ جبرئيلُ، وقالَ: «يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ يُقرِئُكَ السلامَ، ويخصُّكَ بالتحيّةِ والإكرامِ، ويقولُ لكَ: يا محمّدُ، إنَّ كفنَ خديجةَ، وهوَ منْ أكفانِ الجنّةِ، أهدى اللهُ إليها»، فكفّنَها رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) بردائِهِ الشريفِ أوّلاً، وبما جاءَ بهِ جبرئيلُ ثانياً، فكانَ لها كفنانِ؛ كفنٌ مِنَ اللهِ وكفنٌ مِنْ رسولِ اللهِ»[1].
رسالة السيّدة خديجة في شهر الله
إنّ خديجة الكبرى (عليها السلام) لهي تجربة إيمانيّة حيّة، تُقرأ في كلّ زمان؛ في سيرتها تتجسّد معاني الإيمان الصادق حين يكون موقفاً، والبذل حين يتحوّل إلى تحمّل للمسؤوليّة، والوفاء حين يثبت في لحظات العسر قبل اليسر.
وفي شهر رمضان، شهر مراجعة النيّات وترتيب الأولويّات، تضعنا سيرتها العطرة أمام سؤالٍ واضح: ماذا نملك؟ وكيف نضعه في خدمة الحقّ؟ لقد قدّمت كلّ ما عندها حين كان العطاء أثقل ما يكون، فصار مالها موقفاً، وصبرها نصرة، وثباتها
[1] الشيخ محمّد مهدي الحائريّ، شجرة طوبى، ج2، ص235 - 237.
60
الموعظة العاشرة: خديجةُ الكبرى مدرسةُ الوفاء والعطاء
شراكة حقيقيّة في بناء الرسالة.
من هنا، لا يُستعاد ذكرها للتأثّر العابر، بل للاقتداء العمليّ، بأن يكون القرب من الله صدقاً في النيّة، وسخاء في العطاء، وثباتاً في الموقف.
فسلامٌ عليها يوم وُلِدَت، ويوم ماتَت، ويوم تُبعَث حيّة.
61
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
الموعظة الحادية عشرة
الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
هدف الموعظة
تعريف حقيقة الارتباط بالإمام المهديّ (عجّل الله فرجه)، وأنّه ارتباط عمليّ وسلوكيّ قبل أن يكون شعوريّاً أو فكريّاً، وتوضيح أهمّ المعالم التي يستطيع المؤمن من خلالها أن يعزّز علاقته بإمامه، ولا سيّما في شهر رمضان المبارك.
محاور الموعظة
تقوية العلاقة بالإمام (عليه السلام)
صِلة الإمام (عليه السلام)
إظهار الحبّ والمودّة الصادقة
تجديد البيعة في شهر رمضان
الاغتمام لفراقه
الدعاء بتعجيل فرجه
تصدير الموعظة
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[1].
[1] سورة القصص، الآية 5.
62
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
في شهر رمضان المبارك، شهر بناء الإنسان، ومدرسة تزكية النفس، وضبط السلوك، وتصحيح المسار، تتأكّد مسؤوليّة المؤمن تجاه إمام زمانه الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه)؛ لأنّ الانتظار الحقيقي ليس حالة سكون، بل حالة إعداد واستعداد.
إنّ الارتباط بالإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) لا يقتصر على الحبّ والمشاعر العاطفيّة، ولا على الإقرار العقليّ والعقديّ بوجوده وغيبته، بل هو ارتباط تفاعليّ وسلوكيّ، يظهر في طريقة عيش الإنسان، وفي التزامه بالدين، وفي موقفه من الظلم والانحراف، وفي تبنّيه لقضايا الحقّ والعدل.
فالمنتظر للإمام هو إنسان يعمل على أن يكون جزءاً من مشروعه الإصلاحيّ، لا مجرّد متفرّج على أحداث العالم، ولا مكتفٍ بالدعاء من دون عمل.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «علينا أن نعملَ لإعدادِ أنفسِنا كي نكونَ جنوداً لإمامِ الزمان (عجّل الله تعالى فرجَه)؛ جنوداً مستعدّينَ لمواجَهةِ جميعِ مراكزِ الاستكبارِ والتجبّرِ والفسادِ في العالم»[1].
تقوية العلاقة بالإمام (عليه السلام)
إنّ تقوية العلاقة بالإمام تعني أن يتحوّل الإيمان به إلى عنصرٍ فاعلٍ في حياة الإنسان اليوميّة. فكما أنّ المسلم يجعل القرآن مرجعاً لسلوكه، ويجعل النبيّ قدوة له، فإنّ الإمام المهديّ هو الامتداد الحيّ للإمامة، وهو قائد مشروع العدالة الإلهيّة في الأرض.
والذي لا يعمل على إصلاح نفسه، ولا يلتزم بأوامر الله، ولا يبتعد عن المحرّمات،
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 22/10/2002م.
63
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
يكون بعيداً عمليّاً عن خطّ الإمام، مهما ادّعى حبّه وانتظاره. ولهذا، فإنّ شهر رمضان يُعدّ فرصة استثنائيّة لتجديد هذا الارتباط؛ لأنّه شهر المحاسبة، وشهر تصحيح النيّات، وشهر بناء الإرادة.
وقد ورد في الروايات أنّ من علامات المنتظر الصادق أن يكون ثابتاً على الطاعة، ملتزماً بالورع، متحلّياً بالأخلاق؛ لأنّ مشروع الإمام هو مشروع عدل، ولا يمكن أن يكون أنصاره من أهل الظلم أو الانحراف، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن سَرَّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق»[1].
صِلة الإمام (عليه السلام)
إنّ من معالم الارتباط العمليّ بالإمام صلته بما يستطيع المؤمن من مالٍ أو جهدٍ أو عمل خير. وقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) التأكيد على صلة الإمام في كلّ عام، قليلاً كان ذلك أو كثيراً، وأنّ الغاية من هذه الصلة ليست حاجة الإمام إليها، بل تزكية الإنسان نفسه، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أمَرَ اللّهُ بِهِ أن يُوصَلَ﴾[2]، قال: «هو صلة الإمام في كلّ سنة ممّا قلّ أو كثر»، ثمّ قال (عليه السلام): «وما أريد بذلك إلّا تزكيتكم»[3].
وفي زمن الغيبة، تتحقّق صلة الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) بإنفاق المال في وجوه الخير التي ترضيه، كإعانة الفقراء، ودعم مشاريع الخير، وخدمة المؤمنين،
[1] ابن أبي زينب النعمانيّ، الغَيبة، ص207.
[2] سورة الرعد، الآية 21.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص216.
64
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
بنيّة أنّ ثواب ذلك يُهدى للإمام. وهذا المعنى يربط العمل الاجتماعيّ بالإيمان بالإمام، ويحوّل الصدقة من مجرّد فعل فرديّ إلى جزءٍ من مشروع الانتظار.
إظهار الحبّ والمودّة الصادقة
إنّ الحبّ للإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) ليس مجرّد عاطفة، بل هو التزام عمليّ بطريقه ونهجه. قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[1].
وقد ورد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أُريَ الأئمّة (عليهم السلام) ليلة المعراج، وكان الإمام المهديّ في وسطهم كالكوكب الدرّي، فقال (صلّى الله عليه وآله): «يا ربِّ من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الأئمّة، وهذا القائم، يحلُّ حلالِي ويحرِّم حرامي، وينتقم من أعدائي. يا محمّد، أحببه فإنّي أحبّه وأحبّ من يحبّه»[2].
وهذا الحبّ الحقيقي يؤثّر في سلوك الإنسان، فيجعل قلبه حيّاً، ويمنعه من اقتراف المعاصي، ويجعله أكثر التزاماً بالصلاة، وأكثر حرصاً على الحلال والحرام، وقد عبّر الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذه الحقيقة حين أنشد قائلاً:
«لو كان حبّك صادقاً لأطعتَه إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيعُ»[3].
تجديد البيعة في شهر رمضان
من أهمّ مظاهر الارتباط بالإمام (عليه السلام) تجديد البيعة له؛ أي العزم على نصرته والالتزام بطاعته والسير في خطّه، وقد ورد في دعاء العهد: «اللّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبيحةِ يَوْمِي هذا وَما عِشْتُ مِنْ أيّامِي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ
[1] سورة الشورى، الآية 23.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج36، ص222.
[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص294.
65
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
فِي عُنُقِي، لا أَحُولُ عَنْها وَلا أَزُولُ أَبَداً»[1].
وشهر رمضان هو أفضل زمن لهذا التجديد؛ لأنّ الإنسان يكون فيه أقرب إلى الله، وأصدق مع نفسه، وأشدّ استعداداً لتغيير واقعه. وتجديد البيعة يعني أن يسأل الإنسان نفسه: هل أنا مستعدّ لأن أكون من أنصار الإمام؟ هل أخلاقي وسلوكي ينسجمان مع مشروعه؟ هل أبتعد عمّا يسخط الله، أم أكتفي بالأمنيات؟
الاغتمام لفراقه
ورد في الروايات أنّ غيبة الإمام ستكون طويلة، وأنّ المؤمنين سيتألّمون لفراقه، وتدمع عيونهم شوقاً إليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «والله، ليغيبنّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولَتُمحَّصُنّ حتّى يُقال: مات أو هلك، بأيّ وادٍ سلك، ولَتدمعَنّ عليه عيون المؤمنين»[2].
وهذا الحزن ليس حزناً سلبيّاً، بل هو شعور بالمسؤوليّة، وإحساس بالفقد القياديّ في عالم مليء بالظلم والانحراف. وهو حزن يدفع إلى العمل، لا إلى اليأس، ويولّد في النفس رغبة صادقة في أن تكون من الممهّدين لظهوره.
الدعاء بتعجيل فرجه
الدعاء للإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) من أعظم مظاهر الارتباط به، وقد ورد في التوقيع الشريف: «وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج؛ فإنّ ذلك فرجُكم»[3].
فالدعاء هو إعلان ولاء، وتجديد أمل، وتأكيد على أنّ مشروع الإمام هو مشروع
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج83، ص285.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص336.
[3] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج2، ص384.
66
الموعظة الحادية عشرة: الارتباط العمليّ بصاحب الزمان
خلاص للبشريّة من الظلم. وشهر رمضان هو شهر الدعاء، ولا سيّما في لياليه المباركة، حيث يُستجاب الدعاء، وتُرفع الأعمال.
إنّ شهر رمضان شهر بناء الإنسان الرساليّ، الذي يعيش همّ أمّته، ويرتبط بإمامه، ويهيّئ نفسه ليكون من أنصار العدل الإلهيّ. والارتباط بالإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) هو منهج حياة، يظهر في الأخلاق، وفي الطاعة، وفي خدمة الناس، وفي رفض الظلم، وفي الدعاء الصادق.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «أيّها الشباب، يجبُ أن تعرفوا أنّه كلّما عملتم وبذلتم جهداً في إصلاحِ أنفسِكُم في مجالاتِ المعرفةِ والأخلاقِ والسلوك، واكتسابِ الفضائل والملكات، كلّما اقتربَ ذلك المستقبلُ إليكم أكثرَ فأكثر. إنّ اقترابَ عصرِ الظهورِ منوطٌ بإرادتِنا نحن، وهو موكَلٌ إلينا، فكلّما اقتربنا من صلاحِ أنفسِنا أكثر، دنا ذلك اليومُ الموعودُ مِنّا أكثرَ فأكثر»[1].
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 19/02/1992م.
67
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
الموعظة الثانية عشرة
وأنفقوا في سبيل الله
هدف الموعظة
تعريف المؤمن بأهمّيّة التكافل الاجتماعيّ في الإسلام، وبيان أنّه عبادة كبرى في شهر رمضان، وطريق عمليّ لتحقيق التقوى، وبناء مجتمع متراحم متماسك، مع بيان أجره العظيم في الدنيا والآخرة.
محاور الموعظة
الإسلام دين التكافل الاجتماعيّ
الصيام وسيلة للشعور بالفقير
أحبّ الأعمال وأحبّ الناس إلى الله
التكافل في شهر رمضان
التكافل ضمان لوحدة المجتمع وقوّته
تصدير الموعظة
الإمام الباقر (عليه السلام): «والله، لأنْ أحجَّ حجّةً أحبُّ إليَّ مِن أنْ أعتق رقبةً ورقبةً، ومثلها ومثلها حتّى بلغ عشراً، ومثلها ومثلها حتّى بلغ السبعين، ولأنْ أَعولَ أهلَ بيتٍ من المسلمين؛ أسدَّ جوعتهم، وأكسو عورتهم، فأكفَّ وجوههم عن الناس، أحبُّ إليَّ مِن أنْ أحجَّ حجّةً وحجّةً، ومثلها ومثلها حتّى بلغ السبعين»[1].
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص195.
68
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
الإسلام دين التكافل الاجتماعيّ
إنّ التكافل الاجتماعيّ في الإسلام فريضة إلهيّة، تهدف إلى خلع ربقة الأنانيّة من النفس الإنسانيّة، وإشعار الإنسان بأنّه جزء من مجتمع، ومسؤول عن آلامه وآماله. وجوهر هذا المبدأ أنّ لكلّ فرد في المجتمع حقّاً في أن تُؤمَّن حاجاته الأساسيّة، ليعيش حياةً كريمة لا يداخلها ذلّ ولا امتهان.
ومن يطالع كتاب الله تعالى وسيرة النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام)، يجد عنايةً واضحة بالمجتمع والآخرين، من خلال التكاليف العباديّة ذات البعد الاجتماعيّ كالحجّ، أو التكاليف الماليّة كالزكاة والخمس والكفّارات والصدقات.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[1]، وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[2]، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن: أن يشبع جوعته، ويواري عورته، ويفرّج عنه كربته، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده»[3]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان حقّ المؤمن على أخيه: «أيسرُ حقٍّ منها أن تحبَّ له ما تحبُّ لنفسك، وتكرهَ له ما تكرهُ لنفسك»[4].
وهذا يدلّ على أنّ التكافل ليس تفضّلاً أخلاقيّاً، بل حقّاً ثابتاً بين المؤمنين،
[1] سورة البقرة، الآية 195.
[2] سورة البقرة، الآية 261.
[3] الشيخ الكلينّي، الكافي، ج2، ص169.
[4] المصدر نفسه.
69
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
وركناً من أركان المجتمع الإسلاميّ.
الصيام وسيلة للشعور بالفقير
إنّ من الحكم العظيمة في تشريع الصيام أن يشعر الإنسان بمعاناة غيره، وأن ينتقل من الغفلة إلى الإحساس، ومن الأنانيّة إلى الرحمة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن علّة فرض الصيام، قال: «إنّما فرض الله عزّ وجلّ الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير؛ وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع، فيرحم الفقير؛ لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم، ليرقّ على الضعيف، فيرحم الجائع»[1].
فالصيام ليس حرماناً، بل تربية، وليس تعباً جسديّاً، بل يقظةً أخلاقيّة، تعلّم الإنسان أن يرى في الجائع أخاً، وفي المحتاج مسؤوليّة.
أحبّ الأعمال وأحبّ الناس إلى الله
إنّ كثيراً من الأعمال المحبوبة عند الله تندرج تحت عنوان التكافل الاجتماعيّ، كقضاء حاجة المؤمن، وإدخال السرور عليه، وتنفيس كربته، وإطعامه وكسوته وإكرامه.
وقد جسّد أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى في سلوكهم العمليّ. فقد ورد أنّ الزهريّ رأى عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في ليلة باردة مطيرة، وعلى ظهره دقيق وحطب، وهو يمشي، فقال: يابن رسول الله، ما هذا؟ قال (عليه السلام): «أُريد سفراً أُعدُّ له زاداً، أحمله إلى موضع حريز[2]»، فقال الزهريّ:
[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص73.
[2] أي حصين.
70
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى، قال: أنا أحمله عنك، فإنّي أرفعك عن حمله، فقال (عليه السلام): «لكنّي لا أرفع نفسي عمّا يُنجيني في سفري، ويُحْسن ورودي على ما أرد عليه، أسألكَ بحقّ الله لما مضيت لحاجتك وتركتني»، فانصرفتُ عنه. فلمّا كان بعد أيّام، قلت له: يابن رسول الله، لستُ أرى لذلك السفر الذي ذكرتَه أثراً، قال: «بلى يا زهريّ، ليس ما ظننتَه، ولكنّه الموت، وله كنتُ أستعدُّ، إنّما الاستعداد للموت تجنُّب الحرام، وبذل النَّدى[1] والخير»[2].
وفي قضاء حاجة المؤمن، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى الله له يوم القيامة مئة ألف حاجة»[3].
وفي إدخال السرور عليه، قال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما عُبِد الله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرور على المؤمن»[4].
وفي تنفيس كربته وإطعامه وسقايته، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه كُرب الآخرة… ومن أطعمه من جوع، أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومن سقاه شربة، سقاه الله من الرحيق المختوم»[5].
وفي إكرامه، قال (عليه السلام): «مَن أتاه أخوه المسلم فأكرمه، فإنّما أكرم
[1] الجود والكرم.
[2] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص231.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص193.
[4] المصدر نفسه، ج2، ص188.
[5] المصدر نفسه، ج2، ص200.
71
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
الله عزّ وجلّ»[1].
التكافل في شهر رمضان
قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[2]، وإنّ شهر رمضان هو موسم مضاعفة الأعمال، ولا سيّما أعمال الإحسان والإنفاق، بل هو أفضل من الصيام نفسه، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام): «فِطرك أخاك الصائم أفضل من صيامك»[3].
كما أنّ زكاة الفطر في نهاية الشهر تمثّل صورة عمليّة لهذا التكافل، إذ لا يُقبَل تمام الصيام إلّا ببذلها للفقراء والمحتاجين.
التكافل ضمان لوحدة المجتمع وقوّته
إنّ المجتمع الذي يسوده التكافل مجتمع متماسك، يشعر فيه الفقير بالكرامة، والغنيّ بالمسؤوليّة، وتقلّ فيه الأحقاد الطبقيّة، وتسود فيه روح الأخوّة.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً»[4].
وهكذا يصبح الصيام مشروعاً اجتماعيّاً، لا مجرّد عبادة فرديّة، وتصبح التقوى حالةً عامّة تشمل الفرد والمجتمع معاً.
إنّ التكافل الاجتماعيّ في شهر رمضان ليس عملاً ثانويّاً، بل هو من صميم
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج71، ص298.
[2] سورة آل عمران، الآية 92.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص68.
[4] كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج15، ص917.
72
الموعظة الثانية عشرة: وأنفقوا في سبيل الله
حقيقة الصيام، ومن جوهر التقوى التي أرادها الله لعباده. فالصيام الذي لا يولّد رحمة، ولا يثمر إحساناً، ولا يحرّك الضمير تجاه الفقراء، هو صيام ناقص الأثر.
73
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
الموعظة الثالثة عشرة
التوكّل مقام الإيمان
هدف الموعظة
بيان حقيقة التوكّل، وشرح مراتبه وآثاره في حياة الفرد والمجتمع، مع توضيح الفرق بين التوكّل الصحيح والتواكل، وبيان ثمراته الروحيّة والنفسيّة والاجتماعيّة.
محاور الموعظة
التوكّل مقام عقائديّ وسلوكيّ
مراتب التوكّل عند الناس
التوكّل بين الفرد والمجتمع
التوكّل لا ينافي الأخذ بالأسباب
ثمرات التوكّل على الله
تصدير الموعظة
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾[1].
[1] سورة الطلاق، الآيتان 2 و3.
74
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
التوكّل مقام عقائديّ وسلوكيّ
إنّ من أعظم المقامات التي يصل إليها الإنسان في علاقته بالله تعالى مقام التوكّل، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدته وثقته بالله وحسن ظنّه به. فالمتوكّل هو الذي يفوّض أمره إلى الله بعد أن يعرف أنّه المدبّر الحقيقيّ لشؤون الكون، وأنّ ما يجري في حياته لا يقع خارج دائرة الحكمة والعلم والقدرة الإلهيّة.
والتوكّل ليس حالة نفسيّة عابرة، بل هو ثمرة معرفة بالله، فإذا رسخ الإيمان بأنّ الله هو الفاعل الحقيقيّ، وأنّ الأسباب كلّها بيده، استقرت النفس، واطمأنّ القلب، ولم يعد الإنسان يتخبّط بين الخوف والجزع واليأس.
ولهذا أكّد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع كثيرة، فجعل التوكّل علامة من علامات الإيمان، وربطه بالتقوى واليقين والرضا بالقضاء.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «إنّ القلعة التي ينبغي أن توجد في قلوبكم هي قلعة الإيمان بالله والتوكّل على الله»[1].
مراتب التوكّل عند الناس
إنّ الناس في التوكّل على الله ليسوا في درجة واحدة، بل يمكن تقسيمهم إلى مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: الغافلون عن التوكّل في شؤون الدنيا
وهم الذين يعتمدون اعتماداً كاملاً على الأسباب المادّيّة، ويرَون أنّ النجاح والفشل، والغنى والفقر، والصحّة والمرض، أمور محكومة فقط بالحسابات الظاهريّة. فإذا نجحوا نسبوا النجاح إلى ذكائهم، وإذا فشلوا جزعوا وحزنوا وانهاروا.
هؤلاء لا يذكرون الله إلّا عند الحديث عن الآخرة، فإذا ذُكر الموت قالوا: الله
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 13/10/2011م.
75
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
رحيم، وإذا ذُكر الحساب قالوا: الله غفور. أمّا في تفاصيل حياتهم اليوميّة، فقد قطعوا صلتهم بالله عمليّاً، واعتمدوا على الأسباب وحدها، وغفلوا عن أنّ وراء هذه الأسباب يداً إلهيّة هي التي تقدّر وتمنع وتعطي.
وهذا اللون من التفكير يولّد القلق الدائم؛ لأنّ الإنسان إذا جعل الأسباب الماديّة هي العلّة التامّة، فإنّه سيخاف من فقدانها، ويضطرب عند اختلالها.
المرتبة الثانية: التوكّل العقليّ دون الاطمئنان القلبيّ
وهؤلاء يعترفون في عقولهم بأنّ الله هو المدبّر والحاكم، ويقيمون على ذلك الأدلّة العقليّة، لكنّ قلوبهم لم تصل إلى مرحلة السكون والطمأنينة، فهم يعيشون حالة تردّد بين ما يؤمنون به نظريّاً وما يشعرون به نفسيّاً عند البلاء.
قد يقول أحدهم: أنا مؤمن بأنّ الأمر بيد الله، ولكن عندما تصيبه المصيبة يجزع، وعندما تضيق به السبل ييأس، وعندما يتأخّر الفرج يضطرب، وهذه حالة وسطى بين الغفلة الكاملة والتوكّل الكامل.
المرتبة الثالثة: التوكّل القلبيّ الكامل
وهم الذين انعقد التوكّل في قلوبهم، فسلّموا أمرهم لله، واطمأنّت نفوسهم بما قدّره سبحانه لهم؛ لأنّهم يعلمون أنّه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، وأنّ كلّ ما يجري في حياتهم داخل في دائرة الخير الحقيقيّ، وإن خفي وجهه عليهم.
هؤلاء لا يسخطون عند البلاء، ولا ييأسون عند الشدّة، ولا يتكبّرون عند النعمة، لأنّ قلوبهم معلّقة بالله لا بالأسباب.
وهذه المرتبة هي التي أشار إليها الإمام الكاظم (عليه السلام) حين ربط التوكّل بالعلم والرضا والتفويض والثقة بالله، فقال (عليه السلام): «التوكّل على الله
76
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
درجات؛ منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلّها، فما فعل بك كنت عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثِق به فيها وفي غيرها»[1].
التوكّل بين الفرد والمجتمع
إنّ التوكّل لا يختصّ بالفرد وحده، بل يشمل المجتمع أيضاً. فقد يكون المجتمع متوكّلاً على الله، وقد يكون فاقداً لهذه الروح. وقد ضرب القرآن مثالاً على ذلك بقوم موسى (عليه السلام)، حين أمرهم بدخول الأرض المقدّسة: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[2]، لكنّهم رفضوا، وقالوا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[3].
فكان جزاؤهم التيه أربعين سنة؛ لأنّهم فقدوا روح التوكّل والشجاعة والثقة بالله.
وفي المقابل، يمدح القرآن أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾[4].
وهكذا يظهر أنّ التوكّل عنصر أساسيّ في نهضة الأمّة وثباتها أمام التحدّيات.
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص65.
[2] سورة المائدة، الآية 23.
[3] سورة المائدة، الآية 24.
[4] سورة آل عمران، الآيتان 173 و174.
77
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
التوكّل لا ينافي الأخذ بالأسباب
يظنّ بعض الناس أنّ التوكّل يعني ترك السعي والعمل والأسباب الطبيعيّة، فيقعد عن طلب الرزق، أو يترك العلاج، أو يهمل التخطيط، بحجّة أنّ كلّ شيء بيد الله تعالى.
وهذا فهم خاطئ؛ لأنّ الله تعالى جعل للكون سنناً وقوانين، وأمر الإنسان أن يأخذ بها، ثمّ يتوكّل عليه في النتائج، وقد لخّص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هذه القاعدة بقوله للرجل الذي سأله عن ناقته: أعقلها وأتوكّل، أو أُطْلِقها وأتوكّل؟ قال: «اعقلها وتوكّل»[1]. ورُوي أيضاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى قوماً لا يزرعون، قال: «ما أنتم؟»، قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: «لا، بل أنتم متّكلون»[2].
فالتوكّل الصحيح هو الجمع بين السعي بالأسباب والثقة بالله في النتائج، لا ترك أحدهما.
ثمرات التوكّل على الله
يّنت الروايات الشريفة آثار التوكّل في حياة الإنسان، ومنها:
1. القوّة: عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «من أحبّ أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله»[3].
2. الغنى والعزّ: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الغنى والعزّ يجولان،
[1] الترمذيّ، السنن، ج1، ص144.
[2] الشيخ الطبرسيّ، مستدرك الوسائل، ج2، ص288.
[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص27.
78
الموعظة الثالثة عشرة: التوكّل مقام الإيمان
فإذا ظفرا بموضع التوكّل أوطنا»[1].
3. قوّة القلب: عن الإمام عليّ (عليه السلام): «أصل قوّة القلب التوكّل على الله»[2].
4. تذليل الصعاب: عن الإمام عليّ (عليه السلام): «من توكّل على الله، ذلّت له الصعاب وتسهلّت عليه الأسباب»[3].
وهذه الثمرات لا تعني زوال البلاء، بل تعني القدرة على تحمّله بثبات وطمأنينة.
إنّ شهر رمضان هو شهر تدريب القلوب على التسليم لله، ففيه يترك الإنسان شهواته بإرادته، ويخضع لأمر الله في طعامه وشرابه ووقته، فيتعلّم عمليّاً معنى الاعتماد على الله. والتوكّل حالة تعيشها القلوب، تظهر في السلوك عند الشدائد، وفي المواقف عند الأزمات، وفي القرار عند الحيرة؛ فمن أراد الطمأنينة الحقيقيّة، فطريقها التوكّل على الله، ومن أراد القوّة والثبات، فبابها الثقة بالله، ومن أراد النجاة في الدنيا والآخرة، فزادُه تفويض الأمر إلى الله مع العمل بما أمر.
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص65.
[2] اللّيثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص120.
[3] المصدر نفسه، ص426.
79
الموعظة الرابعة عشرة: التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
الموعظة الرابعة عشرة
التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
هدف الموعظة
إظهار موقع توقير الكبير ورحمة الصغير في المنظومة الإسلاميّة، وخصوصاً في شهر رمضان، بوصفهما خُلقَين مركزيَّين في حفظ تماسك الأسرة، وصيانة المجتمع من التفكّك، وإحياء روح المسؤوليّة الأخلاقيّة بين أفراده.
محاور الموعظة
توقير الكبير قيمة دينيّة
أدب المجالس: الكبير أوّلاً
الرأفة في تربية الناشئة
شهر رمضان شهر بناء الأخلاق
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ»[1].
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
80
الموعظة الرابعة عشرة: التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
جعل الله تعالى منظومة القيم الاجتماعيّة جزءاً من الدين، وربط العبادة بالأخلاق، وربط القرب منه بحسن التعامل مع عباده، فجاء الأمر الإلهيّ واضحاً في تقديم الإحسان، وفي ترسيخ ثقافة الرحمة، وصيانة الكرامة الإنسانيّة في مختلف مراحل العمر. ولم يكن هذا التوجيه مجرّد خطاب نظريّ، بل قاعدة لبناء المجتمع الصالح، المتوازن، المتراحم.
توقير الكبير قيمة دينيّة
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ».
هذا الحديث النبويّ يضع قاعدة عامّة في التعامل داخل الأسرة والمجتمع، ويؤكّد أنّ الاحترام ليس مسألة ذوق أو عرف، بل واجب أخلاقيّ ودينيّ.
إنّ من أعظم الأخطاء الاجتماعيّة أن يُختزل الكبير في ضعفه الجسديّ، أو يُنظر إليه بوصفه عبئاً، أو يُدفع به إلى هامش الحياة، كما نشهد في بعض المجتمعات المعاصرة، حيث يُفصل الكبير عن أسرته، ويُعزل في دُورٍ خاصّة، وكأنّ العمر الطويل لم يكن رصيداً من التجربة، بل مشكلة يجب التخلّص منها!
هذا المسار يتناقض جذريّاً مع الرؤية الإسلاميّة، التي جعلت توقير الكبير جزءاً من تعظيم الله تعالى، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مِن إجلالِ الله عزّ وجلّ إجلالُ المؤمن ذي الشَّيْبة»[1].
فالكبير ليس مجرّد شخص تقدّم به العمر، بل هو حامل تجربة، وذاكرة قيم، وشاهد مراحل، وصوته في المجتمع ليس ترفا، بل ضرورة.
بل إنّ الرواية تذهب أبعد من ذلك، فتربط بين احترام الكبير وكرامة الإنسان
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص658.
81
الموعظة الرابعة عشرة: التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
نفسه، إذ يقول (عليه السلام): «ومَن أكرم مؤمناً فَبِكرامة اللهِ بدأ، ومَن استخفّ بمؤمنٍ ذي شَيْبة أرسل اللهُ إليه مَن يستخفّ به قبل موته»[1]، فهنا يتحوّل الاستخفاف بالكبير إلى تهديد أخلاقيّ يرتدّ على صاحبه؛ لأنّه خروج عن قانون الفطرة قبل أن يكون مخالفة دينيّة.
أدب المجالس: الكبير أوّلاً
قد يظنّ بعض الناس أنّ توقير الكبير يعني تعطيل النقد، أو إضفاء العصمة على رأيه، لكنّ الإسلام لم يجعل السنّ وحده مصدراً للحقّ، ولا معياراً لإصابة الرأي، بل جعله موقعاً أدبيّاً يُراعى، وحدّاً أخلاقيّاً يُحفظ، من غير أن يتحوّل إلى سلطة قهر أو حصانة من المراجعة.
ولهذا نجد في سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عناية دقيقة بتنظيم الخطاب والسلوك العامّ، لا بترجيح المضمون على أساس العمر، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «جاء رجلان إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، شيخٌ وشابٌّ، فتكلّم الشابُّ قبل الشيخ، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): الكبير الكبير»[2].
لم يكن الاعتراض على ما قيل أو تفضيلاً لرأي الشيخ على رأي الشابّ، بل تنبيهاً إلى عدم تجاوز الأدب الاجتماعيّ الذي يحفظ هيبة المجالس، ويمنع اختلال النظام القيميّ القائم على الاحترام.
إنّ تقديم الكبير في الحديث، وفي المجالس، ليس تفضيلاً شكليّاً أو ترجيحاً
[1] المصدر نفسه.
[2] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج8، ص393.
82
الموعظة الرابعة عشرة: التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
معرفيّاً، بل هو صيانة للنظام الأخلاقيّ العامّ، وحفظ لميزان الاحترام بين الأجيال، كي لا يتحوّل المجتمع إلى ساحة يتقدّم فيها الصوت الأعلى على الأدب، ولا تُكسَر فيها الحدود التي تحفظ الوقار وتُقيم السلوك على أساس الاحترام لا الغلبة.
الرأفة في تربية الناشئة
وكما دعا الإسلام إلى توقير الكبير واحترامه، دعا إلى رحمة الصغير والرأفة به؛ لأنّ الصغير موضع بناء، لا موضع محاسبة قاسية، ومرحلة التكوين لا تحتمل القسوة ولا الإهمال، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ، ولْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ، ولَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّة»[1].
إنّ هذه الرواية ترسم معادلة التوازن: الكبير قدوة، والصغير أمانة؛ فالصغير لا يُطلب منه ما يُطلب من الكبير، ولا يُحاسَب بعقله المحدود، ولا يُقاس بثبات من تجاوز مراحل التجربة. فالمراد من الرحمة هنا الوعي التربويّ؛ إذ إنّ بناء الإنسان يبدأ بالاحتواء لا بالقمع، وبالفهم لا بالتوبيخ.
وحين تغيب الرحمة عن التعامل مع الصغار، يتحوّل المجتمع إلى بيئة طاردة، تُنتج العنف، والتمرّد، والانفصال القيميّ، بدل أن تُنتج التوازن والاستقرار.
شهر رمضان شهر بناء الأخلاق
إنّ شهر رمضان لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو موسمٌ لتقويم السلوك، وضبط اللسان، وإعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة والمجتمع على أساس الاحترام والرحمة والمسؤوليّة.
وفي هذا السياق، يشكّل هذا الشهر الكريم فرصة لإعادة الاعتبار للكبير في الأسرة والمجتمع، عبر الجلوس إليه، والاستماع إلى تجربته، والاستفادة من حكمته،
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص240، الخطبة 166.
83
الموعظة الرابعة عشرة: التوازن التربويّ بين الكبير والصغير
وعدم التعامل معه بوصفه مجرّد ذكرى من الماضي. وهو في الوقت نفسه فرصة لاحتضان الصغير بالصبر عليه، وفهم مراحل نموّه، وتربيته بالقدوة والحوار، لا بالعنف والإكراه.
إنّ الأسرة التي تُحسن تنظيم العلاقة بين الكبير والصغير تُنشئ مجتمعاً متماسكاً، يعرف فيه كلّ فرد موقعه ودوره، من دون صراع أو قطيعة أو استعلاء، ومَن ظنّ أنّه يتقرّب إلى الله بكثرة العبادة، وهو يسيء في بيته، فيقسو على ضعيف، أو يحتقر كبيراً، فقد أخطأ فهم جوهر الدين والرسالة الإسلاميّة.
في هذا الشهر المبارك، نحن مدعوّون إلى عبادةٍ تتجسّد في أسلوب تعاملنا مع الآخرين، وفي قدرتنا على بناء علاقات قائمة على الاحترام والمسؤوليّة، وقد حدّد الله تعالى الهدف من إرسال النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فقال جلّ وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[1]، وقد لخّص (صلّى الله عليه وآله) الغاية من بعثته المباركة، إذ يقول: «إنّما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق»[2]، والدين الذي لا يثمر أخلاقاً في البيت، ورحمةً في المجتمع، وتوازناً بين أفراده، هو دين لم يبلغ غايته، ولم يتحقّق مقصده.
[1] سورة الأنبياء، الآية 107.
[2] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص8.
84
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
الموعظة الخامسة عشرة
وارث أخلاق النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
هدف الموعظة
بيان المنهج الأخلاقيّ والتربويّ للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوصفه نموذجاً عمليّاً لبناء الإنسان المؤمن في شهر رمضان، وإبراز دور حُسن الخُلُق في إصلاح الفرد والمجتمع.
محاور الموعظة
الأخلاق جوهر الدين
الصوم تربية اجتماعيّة
الإمام المجتبى وارث أخلاق النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
الحلم في مواجهة الإساءة
التواضع والعيش مع الناس
الكرم بوصفه خُلُقاً إيمانيّاً
الأدب في التعليم والإصلاح
الإمام الحسن وشهر رمضان
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للإمام الحسن (عليه السلام): «أشبهتَ خَلقي وخُلُقي»[1].
[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص185.
85
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
الأخلاق جوهر الدين
إنّ الإسلام لم يجعل العبادة مجرّد أعمال شعائريّة منفصلة عن الواقع السلوكيّ للإنسان، بل ربطها دائماً ببناء الشخصيّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة. فالغاية من الصلاة والصيام وسائر العبادات ليست الحركة الجسديّة، بل صناعة الإنسان القادر على التعايش مع الناس بروح الرحمة والعدل والحلم. ولهذا كان ميزان التفاضل في الإسلام أخلاقيّاً قبل أن يكون شكليّاً أو طقوسيّاً.
ومن هنا نفهم قول الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «إنّ أحسنَ الحسنِ الخُلُقُ الحسَن»[1]؛ أي إنّ أعلى مراتب الجمال الإنسانيّ ليست في الصورة ولا في المال ولا في الجاه، بل في السلوك الذي يعكس طهارة القلب وصفاء النيّة.
وقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن حدّ حسن الخلق، فقال: «تُليِّن جناحَك، وتُطيِّب كلامَك، وتلقى أخاكَ ببشرٍ حَسَن»[2]، وهذا تعريف عمليّ يربط الأخلاق بثلاثة عناصر: التواضع، والقول الطيّب، والبشاشة، وهي أسس العلاقات السليمة في المجتمع.
الصوم تربية اجتماعيّة
شهر رمضان ليس موسماً للعبادة الفرديّة فحسب، بل هو مشروع تربويّ شامل لإعادة بناء العلاقات الإنسانيّة على أساس التقوى. فالصيام يدرّب الإنسان على كبح الغضب، وضبط اللسان، واحترام الآخر، وتحويل العبادة إلى سلوك اجتماعيّ راقٍ.
وقد أكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى بقوله: «يا أيّها الناس، مَن
[1] الشيخ الكلينالصدوق، الخصال، ج1، ص29.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص103.
86
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
حسَّن منكُم في هذا الشهرِ خُلُقَه، كان له جوازٌ على الصراطِ يومَ تزلُّ فيه الأقدام»[1].
ففي هذا الحديث ربطٌ مباشر بين حسن الخلق في شهر رمضان وبين النجاة في الآخرة، مما يدلّ على أنّ الصوم الحقيقيّ لا يكتمل إلّا بتحسين العلاقة مع الناس، لا بالاكتفاء بالجوع والعطش.
الإمام المجتبى وارث أخلاق النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) النموذج الأعلى للأخلاق، حتّى شهد له القرآن بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[2]. وقد ورث الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هذه السجيّة النبويّة، فكان أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وهَدياً وسؤدداً[3].
وإنّ سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) هي منهج تربويّ متكامل لإدارة الصراع، ومعالجة الجهل، وبناء المجتمع على أساس الرحمة والإحسان.
الحلم في مواجهة الإساءة
وإنّ من أشهر المواقف الدالّة على سموّ خُلُقه (عليه السلام) قصّة الرجل الشاميّ الذي شتمه علناً، فلم يقابله الإمام بردّ الإساءة، بل أقبل عليه ضاحكاً، وخاطبه بلغة الإحسان، فقال له: «أيّها الشيخ، أظنُّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
[2] سورة القلم، الآية 4.
[3] الإربليّ، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج2، ص139.
87
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجةٌ قضيناها لك، فلو حرّكت رحلَك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعودَ عليك؛ لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كبيراً».
إنّ هذا الموقف يعبّر عن فلسفة أخلاقيّة عميقة: تحويل الخصومة إلى فرصة للهداية، وتحويل العداوة إلى محبّة. وقد أثمر هذا السلوك تغييراً جذريّاً في نفس الرجل، حتّى قال: أشهد أنَّك خليفةُ الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنتَ أنت وأبوك أبغضَ خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ[1].
وهنا يظهر الفرق بين منطق القوّة ومنطق الأخلاق؛ فالأوّل يُخضِع الناس خوفاً، أمّا الثاني فيُكسِب القلوب حبّاً.
التواضع والعيش مع الناس
لقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) يعيش الأخلاق في الواقع اليوميّ، فقد رُوي أنّه كان يجالس الفقراء ويأكل معهم، وقيل إنّه مرّ (عليه السلام) بصبيان يلعبون، وبين أيديهم كسر خبزٍ يأكلونها، فدعَوه، فنزل وأكل معهم، ثمّ حملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم، وقال: «الفضل لهم؛ لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممّا أطعمناهم»[2].
وهذا الموقف يقدّم نموذجاً عمليّاً في كسر الحواجز الطبقيّة داخل المجتمع الإسلاميّ، ويؤكّد أنّ الكرامة الإنسانيّة لا تُقاس بالموقع الاجتماعيّ، بل بالقرب
[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص184.
[2] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص198.
88
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
من الله.
الكرم بوصفه خُلُقاً إيمانيّاً
لم يكن كرم الإمام الحسن (عليه السلام) فعلاً عاطفيّاً، بل موقفاً عقديّاً نابعاً من فهمه لمعنى الاستخلاف في المال، فقد «خرج من ماله مرّتين لله، وقاسم الله ماله ثلاث مرّات، حتّى كان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً»[1].
ورُوي أنّه رأى غلاماً يطعم كلباً من طعامه، فقال: «ما حملك على هذا؟» فقال: إنّي أستحي أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن (عليه السلام): «لا تبرح المكان حتّى آتيك»، فذهب، فاشترى الغلام والبستان، وأعتقه وملّكه إيّاه[2].
الأدب في التعليم والإصلاح
ومن أروع صور أخلاق الإمام الحسن (عليه السلام) ما رُوي في قصّة الشيخ الذي لم يكن يحسن الوضوء، فأخذ يتنازع مع أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)؛ يقول كلّ واحد منهما: «أنت لا تُحسِن الوضوء»، فقالا: «أيّها الشيخ، كن حكماً بيننا، يتوضّأ كلّ واحدٍ منّا بالسويّة»، ثمّ قالا: «أيّنا يُحسِن؟»، فقال الشيخ: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل -يشير إلى نفسه- هو الذي لم يكن يُحسن، وقد تعلّم الآن منكما، وتاب على يديكما، ببركتكما وشفقتكما على أمّة جدّكما[3]. وهذا يقدّم قاعدة تربويّة في الإصلاح: تصحيح الخطأ من دون كسر النفس.
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج43، ص358.
[2] ابن كثير، البداية والنهاية، ج8، ص42.
[3] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص169.
89
الموعظة الخامسة عشرة: وارث أخلاق النبيّ
الإمام الحسن وشهر رمضان
إذا كان شهر رمضان مدرسة لتزكية النفس، فإنّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هو النموذج التطبيقيّ لهذه المدرسة؛ إذ إنّه (عليه السلام) كان تجسيداً لأسمى الأخلاق الإلهيّة، ومثلاً لأعلى قيم الإسلام، من إدراكٍ للملهوف، وإغاثةٍ للمحتاج... حتّى قيل فيه: كان الحسن له مناقب كثيرة: سيّداً، حليماً، ذا سكينة ووقار وحشمة، جواداً[1].
ومن هنا تصبح ولادة الإمام الحسن (عليه السلام) في شهر رمضان مناسبة لإعادة قراءة مفهوم الصيام بوصفه مشروعاً أخلاقيّاً لا مجرّد عبادة فرديّة. وشهر رمضان هو الفرصة الكبرى لتجسيد هذا المعنى، بأن نربط الصيام بحسن المعاملة، والقيام بحسن الكلام، والدعاء بالعفو والصفح، ليكون المجتمع أقرب إلى روح الإسلام التي جسّدها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في حياته كلّها.
[1] جلال الدين السيوطيّ، تاريخ الخلفاء، ص189.
90
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
الموعظة السادسة عشرة
المتحابّون في الله
هدف الموعظة
إحياء روح المودّة والمحبّة في الله كركن من أركان الإيمان، وسبب لحفظ المجتمع من العذاب، وضمان لاستمرار الرحمة الإلهيّة، وأنّ شهر رمضان هو الموسم الأسمى لتجديد هذه الروابط الإيمانيّة وترسيخها.
محاور الموعظة
ودّ المؤمنين يحفظ المجتمع من العذاب
ودّ المؤمنين شرط في صدق الانتظار
معيار التفاضل في الدنيا وجواز العبور إلى الآخرة
شهر رمضان وليلة القدر امتحان القلوب
تصدير الموعظة
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
91
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
إنّ شهر رمضان ليس شهراً للعبادة الفرديّة فحسب، بل هو شهر إعادة بناء الإنسان من الداخل، وإعادة بناء المجتمع من خلال القلوب؛ ففيه تجتمع القلوب قبل الأجساد، وتتوحّد الأرواح قبل الألسنة، وتُمحى كثير من الأحقاد تحت ظلال الصيام والقيام وتلاوة القرآن.
وحين نتأمّل في النصوص الشرعيّة، نجد أنّ الإسلام لم يكتفِ بالأمر بالصلاة والصيام، بل قرن ذلك دائماً بإصلاح ذات البين، وبالمحبّة بين المؤمنين، وببناء مجتمع متراحم متوادّ؛ لأنّ العبادة من دون أخلاق، والطاعة من دون محبّة، تفقد كثيراً من ثمرتها الروحيّة والاجتماعيّة.
فالقلوب المتنافرة تُضعف المجتمع ولو كثرت عبادته، أمّا القلوب المتحابّة في الله فإنّها تحفظ المجتمع ولو قلّ عددها.
ودّ المؤمنين يحفظ المجتمع من العذاب
عن الإمام الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «إنَّ اللّهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا رَأى أهلَ قَريَةٍ قَد أسرَفوا فِي المَعاصي وفيها ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنَ المُؤمِنينَ، ناداهُم جَلَّ جَلالُهُ، وتَقَدَّسَت أسماؤُهُ: يا أهلَ مَعصِيَتي، لَولا مَنْ فيكُم مِنَ المُؤمِنينَ المُتَحابّينَ بِجَلالي، العامِرينَ بِصَلاتِهِم أرضي ومَساجِدي، وَالمُستَغفِرينَ بِالأَسحارِ خَوفاً مِنّي، لَأَنزَلتُ بِكُم عَذابي، ثُمَّ لا أبالي»[1].
لقد وسعت رحمة الله كلّ شيء، ولكنّ لهذه الرحمة أسباباً تحفظها وتستدام بها؛ فالله تعالى لا يعجّل بالعقوبة على مجتمعٍ فيه فئة صالحة تتحابّ في الله، وتُحيي
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص199.
92
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
المساجد بالصلاة، وتستغفر في الأسحار.
وهنا نلاحظ أمراً بالغ الأهميّة، ألا وهو أنّ الله لم يشترط كثرة العدد، بل ذكر ثلاثة فقط، بشرط أن يكونوا متحابّين في الله، عامرين للمساجد، مستغفرين بالأسحار، وهذا يدلّ على أنّ الودّ الإيماني ليس حالة عاطفيّة عابرة، بل هو عنصر أمان للمجتمع كلّه، وسدّ يحول دون نزول العذاب، وجدار رحمة يحمي المذنبين ببركة الصالحين.
ودّ المؤمنين شرط في صدق الانتظار
وإنّ هذه الحقيقة لا تقف عند حدود حفظ المجتمع، بل تمتدّ إلى مشروع الظهور المبارك للإمام المهديّ (عليه السلام)، فقد ورد عنه (عليه السلام) قوله: «ولو أنّ أشياعنا -وفّقهم الله لطاعته- على اجتماعٍ من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليُمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا»[1].
وهذا النصّ الشريف يكشف بوضوح أنّ الغيبة ليست أمراً زمانيّاً فقط، بل لها بعد تربويّ وأخلاقيّ؛ فالتفرّق القلبيّ، والتنازع، والتباغض، وتمزّق العلاقات بين المؤمنين، كلّها من أسباب تأخّر الفرج.
إنّ الانتظار الحقيقيّ ليس مجرّد دعاء باللسان، بل هو بناء مجتمع متحابّ، متماسك، متراحم، قادر على حمل مشروع الإمام. وكأنّ الإمام (عليه السلام) يقول لنا: إنّ الظهور يحتاج إلى قلوب مجتمعة قبل أن يحتاج إلى سواعد قويّة، ويحتاج إلى وحدة النفوس قبل وحدة الصفوف.
[1] الشيخ الطوسيّ، تهذيب الأحكام، ج1، ص40.
93
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
فودّ المؤمنين هنا يصبح شرطاً في صدق الانتظار، وجزءاً من التمهيد للظهور المبارك، وعنصراً من عناصر الوفاء بالعهد للإمام (عليه السلام).
معيار التفاضل في الدنيا وجواز العبور إلى الآخرة
جاء في الروايةِ عَنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «ما التقى مؤمنانِ قطُّ، إلَّا كانَ أفضلُهُما أشدَّهُما حبّاً لأخيه»[1].
يضع هذا الحديث ميزان التفاضل الحقيقيّ بين المؤمنين، لا في المال ولا في الجاه ولا في المظهر، بل في عمق المحبّة الصادقة التي تنبع من الإيمان بالله، وتترجم سلوكاً عمليّاً من عفوٍ وإيثار، وسترٍ ونصيحة، ودعاءٍ بظهر الغيب. ومن هنا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وُدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الْإِيمَانِ. أَلَا وَمَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَأَعْطى فِي اللَّهِ، وَمَنَعَ فِي اللَّهِ، فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللَّهِ»[2]، فالحبّ الذي يريده الإسلام ليس حبّ المصلحة ولا العصبيّة، بل حبّ تحكمه القيم، وتضبطه التقوى، ويقوده الحقّ.
ولا يقف أثر هذه المحبّة عند حدود إصلاح القلوب في الدنيا، بل يتجاوزها إلى رسم المصير في الآخرة، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين، قام منادٍ ينادي بصوتٍ يسمع الناس، فيقول: أين المتحابّون في الله؟ فيقوم عنق من الناس، فيُقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب، فتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب، فيقولون: أيّ حزب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابّون في
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص127.
[2] المصدر نفسه، ج2، ص125.
94
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
الله، قالوا: وأيّ شيء كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحبّ في الله ونبغض في الله، فيقولون: نِعمَ أجر العاملين»[1].
وهكذا يتبيّن أنّ المحبّة في الله ليست مجرّد فضيلة أخلاقيّة، بل هي عمل إيمانيّ كامل، له وزنُه في ميزان الأعمال، وله مقامُه يوم الحساب. فهي في الدنيا معيار التفاضل بين المؤمنين، وفي الآخرة سبب للكرامة الإلهيّة، وجواز عبورٍ إلى الجنّة بغير حساب. ومن أحبّ في الله، إنّما أحبّ على أساس الحقّ، ومن أبغض في الله، إنّما أبغض الظلم والانحراف، فصار حبّه وبغضه امتداداً لتوحيده، وترجمةً عمليّة لإيمانه.
شهر رمضان وليلة القدر امتحان القلوب
شهر رمضان موسم إحياء هذه الروح؛ لأنّه شهر الجماعة في الصلاة، وشهر الإفطار المشترك، وشهر الدعاء الجماعيّ، وشهر الصفح والمسامحة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[2].
ولكنّ الخطر كلّ الخطر أن يدخل الإنسان ليلة القدر بقلبٍ مملوءٍ حقداً وضغينة، فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه يقول في ليلة القدر: «يا جبرئيل، ما صنع الله تعالى في حوائج أمّة محمّد؟»، فيقول جبرائيل (عليه السلام): «إنّ الله تعالى نظر إليهم في هذه الليلة، وعفا عنهم، وغفر لهم، إلّا
[1] البرقيّ، المحاسن، ج1، ص264.
[2] سورة الحشر، الآية 10.
95
الموعظة السادسة عشرة: المتحابّون في الله
أربعة»، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وهؤلاء الأربعة: رجل مدمن الخمر، وعاقّ لوالدَيه، وقاطع رحم، ومشاحن»[1].
فليلة القدر، مع عظمتها، لا تفتح أبواب المغفرة لمن يحمل في قلبه خصومة وحقداً على مؤمن؛ لأنّ القلب المشحون بالبغضاء لا يصلح أن يكون وعاءً لرحمة الله. وهنا تتجلّى خطورة الشحناء في أنّها قد تحرم الإنسان من أعظم فرصة مغفرة في السنة.
إنّ شهر رمضان هو الفرصة الذهبيّة لإعادة ترميم القلوب، وردم فجوات الخصام، وبناء جسور الرحمة بين المؤمنين، والتهيؤ الحقيقيّ لنصرة الإمام المهدي (عليه السلام).
[1] الفتّال النيسابوريّ، روضة الواعظين، ص347.
96
الموعظة السابعة عشرة: معادن القوّة والثبات
الموعظة السابعة عشرة
معادن القوّة والثبات
هدف الموعظة
ترسيخ مفهوم الجهاد الواعي القائم على البصيرة والإيمان بالله، وتصحيح النظرة إلى النصر والموت والشهادة، وبناء الثقة بوعد الله تعالى باعتبار الطاعة والتكليف الشرعيّ معيار الفوز الحقيقيّ.
محاور الموعظة
البصيرة سلاح المجاهد
الإيمان سرّ الثبات
الموت والشهادة في ضوء الإيمان
الاعتماد على الله والثقة بوعده
تصدير الموعظة
أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الله كتب القتل على قومٍ والموت على آخرين، وكلٌّ آتيه منيّته كما كتب الله له، فطوبى للمجاهدين في سبيله، والمقتولين في طاعته»[1].
[1] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، ج3، ص184.
97
الموعظة السابعة عشرة: معادن القوّة والثبات
البصيرة سلاح المجاهد
لا يقتصر دور المجاهد في الإسلام على القوّة الجسديّة أو المهارة العسكريّة، بل يمتدّ ليشمل حكمة الرؤية ووضوح البصيرة، التي تمكّنه من التمييز بين الخطأ والصواب، واتّخاذ القرار السليم في خضمّ معترك الجهاد والحياة. وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذا المبدأ في وصفه حال المجاهدين الأوائل في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، ودَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ»[1].
إنّ البصيرة، في جوهرها، هي ضوء العقل وقوّة القلب معاً، وهي ما يجعل المجاهد قادراً على تمييز الطريق المستقيم في ميدان الفتنة، والابتعاد عن الأخطاء التي قد تُفقده كرامته أو دينه. لذا، فالسعي لتحصين العقل والفكر بروح وعي صائب، لا يقلّ أهمّيّة عن التدريب الجسديّ والتسلّح بالشجاعة، بل هو الأساس الذي يُرتكز عليه نجاح كلّ عمل.
الإيمان سرّ الثبات
إنّ المجاهد الذي يعي وجود الله تعالى ويربط كلّ شيء بقدرتِه ورضاه، لا يرى العالم إلّا بمنظور الخالق، ويجعل فيضه ولطفه سبباً لاستمراريّة الحياة والقدرة. فهو يستمدّ قوّته من نصر الله للمؤمنين والمجاهدين، ويعلم أنّ كلّ عون أو فلاح في الدنيا مرتبط بإرادة الله وحده. وهذه العقيدة تمنع المجاهد من الانجرار وراء الأهداف المادّيّة، فيظلّ همّه الأوّل والوحيد السعي في سبيل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص209، الخطبة 150.
98
الموعظة السابعة عشرة: معادن القوّة والثبات
أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾[1].
إنّه يرضى بقضاء الله وقدره، ويعوّل على نصرة الله ورحمته، ويعلم أنّ كلّ انتصار أو نتيجة في ساحة الوجود لا تتحقّق إلّا بإرادة الله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[2]، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾[3].
بهذا الإيمان والتوحيد العمليّ، يظلّ المجاهد ثابتاً غير مغرور، يدرك أنّه مجرد أداة في يد الله، وأنّ القوّة الحقيقيّة والنجاة لا تتحقّق إلّا بولاية الحقّ والثبات على طريق الله.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «إنّ المؤمن لا يمكن أن ييأس، بل ينظر بعين الله... ولا يمكن أن ينتهي الأمل؛ لأنّه ينطلق من الثقة بالله وبوعده سبحانه وتعالى»[4].
الموت والشهادة في ضوء الإيمان
وإنّ المجاهد المؤمن ينظر إلى الموت بعين العقيدة، فيراه جسراً للعبور من دار الفناء المحدودة إلى دار الخلود عند الله تعالى، فلا يخشاه، بل يسرع إليه متى اقتضت الواجبات الإلهيّة ذلك. وقد أعدّ أهل الإيمان أنفسهم لقبول كلّ نوع من أنواع الموت، مؤمنين بأنّ الخروج من هذه الحياة في سبيل الله وبلوغ الشهادة أعظم شرف يمكن أن يناله العبد. وقد عبّر الإمام عليّ (عليه السلام) عن هذا التوق
[1] سورة النساء، الآية 76.
[2] سورة التوبة، الآية 51.
[3] سورة الأنفال، الآية 17.
[4] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 17/09/2022م.
99
الموعظة السابعة عشرة: معادن القوّة والثبات
في قوله: «إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ. والَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِه، لأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّه»[1].
وفي وصيّته (عليه السلام) لمالك الأشتر، دعا الله لنفسه وله بأن يختم لهما الحياة بالشهادة: «وأَنَا أَسْأَلُ اللَّه بِسَعَةِ رَحْمَتِه وعَظِيمِ قُدْرَتِه عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ... وأَنْ يَخْتِمَ لِي ولَكَ بِالسَّعَادَةِ والشَّهَادَةِ»[2].
وهذا الوعي كان دافعاً للتسابق إلى الشهادة بين جند صدر الإسلام وأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن سار على خطّهم من مجاهدي الأمة، مستلهمين من آيات القرآن وسيرة المعصومين (عليه السلام) أن الشهادة خير أنواع الموت عند الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[3].
الاعتماد على الله والثقة بوعده
إن قوّة العدوّ المادّيّة وعديده قد تثير أحياناً الرهبة والخوف، وهو ما يسعى الأعداء لتحقيقه عبر دعايتهم الإعلاميّة وحربهم ضدّ المجاهدين. لكنّ تاريخ الإسلام يبرهن على أنّ الوعي والبصيرة والصبر والتوكّل على الله تغيّر المعادلة، كما فعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والمسلمون الأوائل؛ إذ شهدت معركة بدر مثلاً 313 مسلماً ضدّ 950 من المشركين، وفي معركة الخندق واجه المسلمون بثلاثة آلاف عشرة آلاف من الأعداء على أقلّ تقدير، ومع ذلك لم يخشَوا كثرتهم أو قوّتهم، بل زادهم ذلك توكلاً وإيماناً: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص180، الخطبة 123.
[2] المصدر نفسه، ص445، الرسالة 53.
[3] سورة آل عمران، الآية 169.
100
الموعظة السابعة عشرة: معادن القوّة والثبات
قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[1].
والنصر الحقيقيّ مرتبط بمعرفة حقيقة الأمر، كما يؤكّد الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾[2]، فالالتزام بالعبوديّة والطاعة والعمل الصالح هو المعيار الأساسيّ، وليس مجرّد التفوّق العدديّ أو الانتصار المادّيّ. فالمجاهد المؤمن يرى نفسه فائزاً طالما أنّه يؤدّي تكليفه بإخلاص، ويعلم أنّ النصر مرهون برضا الله، بينما مَن يقصّر في ذلك، يُعدّ مهزوماً حتّى لو غلب العدوّ ظاهريّاً.
لذلك، فإنّ الطمأنينة والاعتماد على وعد الله ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[3]، تجعل المجاهد واثقاً بأنّ الغلبة له ولأصحابه، سواء تحقّق النصر المادّيّ أو تحقّقت الشهادة، فالثقة بالله والعمل بطاعته هما مصدر القوّة والتميز الحقيقيّ.
[1] سورة آل عمران، الآية 137.
[2] سورة محمّد، الآية 7.
[3] سورة آل عمران، الآية 139.
101
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
الموعظة الثامنة عشرة
خيرٌ من ألف شهر
هدف الموعظة
بيان معنى القدر، وسرّ إخفاء الليلة، وكيفيّة اغتنامها، باعتبارها مشروع تحوّلٍ روحيّ شامل، تُراجع فيه النفس حساباتها، وتُجدّد عهدها مع الله، وعلاقتها بالإمام الحجّة (عجّل الله فرجه).
محاور الموعظة
ليلة القدر في سيرة المعصومين
ليلة القدر فرصة لا تُعوَّض
معنى «القدر»: ماذا يُكتب في هذه الليلة؟
ليلة القدر وصاحب الزمان (عجّل الله فرجه)
سرّ إخفائها
الإحياء الفعليّ
تصدير الموعظة
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾[1].
[1] سورة القدر، الآيات 1 - 4.
102
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
نحن على أعتاب أيّامٍ ليست كسائر الأيّام، وليالٍ ليست كسائر الليالي؛ ليالٍ فتح الله فيها خزائن رحمته، فيها يُعاد ترتيب الوجود الإنسانيّ: أعمار تُمدّ، وأرزاق تُوسَّع، وذنوب تُمحى، وأقدار تُكتب بقلم الرحمة.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «ليلة القدر هي ليلة الدعاء، وليلة توجّهٍ إلى الله سبحانه وتعالى، وليلة الابتهال إلى الله عزّ وجلّ، والطلب من الله، والسؤال من الله»[1].
ليلة القدر في سيرة المعصومين
لقد تعامل أهل البيت (عليهم السلام) مع ليلة القدر بوصفها معركة روحيّة ضدّ الغفلة، فكانوا يتهيّؤون لها قبل حلولها، ويُعدّون لها القلوب كما يُعدّ المجاهد سلاحه.
لقد نُقل أنّ السيّدة فاطمة (عليها السلام) كانت لا تدع أحداً من أهلها ينام تلك الليلة، وتداويهم بقلّة الطعام، وتتأهّب لها من النهار، وتقول: «محرومٌ مَن حُرِم خيرها»[2]؛ أي إنّ الحرمان الحقيقيّ ليس الفقر ولا المرض، بل أن تمرّ ليلة القدر ولا يُكتب اسم الإنسان في سجلّ المتغيّرين إلى الله.
ويُروى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)، وهو في حال المرض الشديد، أصرّ على أن يُنقل إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليُحيي ليلة الثالث والعشرين هناك[3]. وكأنّه يريد أن يقول: إنّ الجسد المريض لا يعفي الروح من واجب الوقوف على باب السماء.
[1] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في ليلة القدر الكبرى، 2015م.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج94، ص10.
[3] المصدر نفسه، ج94، ص4.
103
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
ليلة القدر فرصة لا تُعوَّض
ورد في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، فمن حُرمها فقد حُرم، (يردّد ذلك ثلاث مرّات)»[1]. إنّ هذه الكلمة ليست تهويلاً بل حقيقة؛ لأنّ ليلة واحدة تساوي في ميزان الله عبادة ألف شهر؛ أي ما يزيد على ثلاثٍ وثمانين سنة، فهل هناك استثمار أعظم من هذا؟
وفي الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «يأمر الله ملكاً ينادي في كلّ يومٍ من شهر رمضان في الهواء: أبشروا عبادي! فقد وهبتُ لكم ذنوبكم السالفة، وشفّعت بعضكم في بعض في ليلة القدر، إلّا مَن أفطر على مُسكرٍ أو حقد على أخيه المسلم»[2]. إذاً، هي ليلة تقدير وغفران، شريطة أن يغتنمها المكلّف كما ينبغي، من حيث الإحياء وحضور القلب، وصدق التوبة، وترك الحقد، والانفصال عن الذنوب التي تُغلق أبواب السماء.
معنى «القدر»: ماذا يُكتب في هذه الليلة؟
القدر في معناه العميق هو التقدير الإلهيّ المنظّم لشؤون الحياة. ليس قدراً عشوائيّاً، بل هندسة دقيقة لمسار الإنسان في السنة القادمة: صحّته، رزقه، لقاءاته، نجاحاته، ابتلاءاته، وربّما خاتمته، ففي حديث أبي الحسن (عليه السلام) ليونس مولى عليّ بن يقطين: «أوتدري ما قدر؟»، قال: لا، قال: «هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء»[3].
[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص74.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج94، ص5.
[3] المصدر نفسه، ج5، ص122.
104
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾[1]؛ أي إنّ كلّ أمرٍ في حياة الإنسان يُفصل ويُحدّد بحكمة، لا بعبث. ولكن هذه الحكمة لا تُقصي الدعاء، بل تجعله جزءاً من هذا التقدير. فما يُكتب في ليلة القدر ليس قدراً جامداً، بل قدراً يتفاعل مع صدق العبد وتوجّهه وتوبته. وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في هذه الآية: «يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل؛ خير وشرّ وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق، فما قُدّر في تلك الليلة وقُضي فهو المحتوم، ولله عزّ وجلّ فيه المشيئة»[2].
وهنا نفهم أنّ ليلة القدر ميدانٌ للتغيير. مَن دخلها كما دخل العام الماضي، خرج منها كما دخلها، ومن دخلها بقلب جديد، خرج منها بكتاب جديد.
ليلة القدر وصاحب الزمان (عجّل الله فرجه)
إنّ من أعظم أسرار هذه الليلة ارتباطها بوليّ الله في الأرض، الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه). فالملائكة لا تنزل في فراغ، ولا تحمل الأقدار إلى العدم، بل تنزل إلى حجّة الله، وتعرض عليه ما قُدّر لعباد الله في سنتهم القادمة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الناس في تلك الليلة في صلاة ودعاء ومسألة، وصاحب هذا الأمر في شغل، تنزل الملائكة إليه بأمور السنة من غروب الشمس إلى طلوعها من كلّ أمر، سلامٌ هي له إلى أن يطلع الفجر»[3].
هذا الارتباط يُعطي ليلة القدر بُعداً حيّاً: ليست علاقة الإنسان بالله فقط، بل علاقته بالإمام الذي هو واسطة الفيض الإلهيّ في الأرض. إنّ إحياء ليلة القدر
[1] سورة الدخان، الآيتان 4 و5.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص157.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج94، ص22.
105
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
من دون استحضار الإمام، إحياءٌ ناقص؛ لأنّها ليلة يُدار فيها ملفّ العالم بيده المباركة.
سرّ إخفائها
لعلّ أعظم حكمة في إخفاء ليلة القدر هي حماية الإنسان من الكسل الروحيّ، فلو علم الناس أنّها ليلة واحدة محدّدة، لناموا عن بقيّة الليالي، وجعلوا العبادة موسميّة، لا مستمرّة.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الله أخفاها رحمةً بالناس، ليجتهدوا في عدّة ليالٍ، فتتّسع دائرة القرب، ولا تضيق بليلة واحدة، إذ يقول: «ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها، ولستُ أشكّ أنّ الله إنّما يسترها عنكم نظراً لكم؛ لأنكم لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها، وأرجو أن لا تُخطِئكم إن شاء الله!»[1].
وهذا يعلّمنا أنّ الله يريدنا في حالة استعداد دائم، لا في يقظة مؤقّتة. يريد قلباً حيّاً طوال الشهر، لا قلباً ينتفض ليلةً، ثمّ يموت بعدها.
الإحياء الفعليّ
ليس الإحياء بالسهر فقط، بل بثلاثة أبعاد متكاملة:
إحياء العقل: بالتفكّر في مسار السنة الماضية، ومحاسبة النفس على التقصير، وسؤالها: إلى أين أنا ذاهب؟
إحياء القلب: بالبكاء بين يدي الله، لا خوفاً فقط، بل شوقاً، لا رهبة فقط، بل حبّاً.
إحياء السلوك: باتّخاذ قرار عمليّ بالتغيير: ترك ذنب معيّن، إصلاح علاقة
[1] المصدر نفسه، ج94، ص5.
106
الموعظة الثامنة عشرة: خيرٌ من ألف شهر
مكسورة، أو فتح باب خيرٍ دائم.
ليلة القدر هي ليلة القرار، هي ليلة يُكتب فيها الإنسان من جديد: إمّا في سجلّ السائرين إلى الله، أو في سجلّ المفرّطين في الفرصة؛ فمَن وقف فيها صادقاً، خرج منها مختلفاً، ومَن مرّت عليه كما مرّت عليه غيرها من الليالي، فقد مرّ على أعظم كنز من دون أن يمدّ يده إليه.
107
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
الموعظة التاسعة عشرة
حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
هدف الموعظة
ترسيخ مفهوم أنّ محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام) هي ولاية تُترجَم سلوكاً وطاعةً واقتداءً عمليّاً، وأنّها تمثّل ميزان الإيمان، وشرط قبول الأعمال، وضمان النجاة في الدنيا والآخرة.
محاور الموعظة
معنى محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام)
حبّ علي (عليه السلام) علامة الإيمان والنجاة
آثار محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام)
درجات المحبّة ومراتب الإيمان
تصدير الموعظة
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُداً﴾[1]، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ولايةُ أميرِ المؤمنينَ هيَ الوُدُّ الذي قالَ الله»[2].
[1] سورة مريم، الآية 96.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج35، ص354.
108
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
نعيش في هذا الشهر المبارك حالة مراجعة مع أنفسنا، نسأل: أين نحن من الإيمان؟ وأين نحن من حقيقة القرب من الله؟ وهل عباداتنا مجرّد حركات وأقوال، أم هي انعكاس لمودّةٍ صادقةٍ وولايةٍ راسخة؟
إنّ القرآن الكريم حين يقول: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدّاً﴾، إنّما يتكلّم على مودّةٍ إلهيّة تُغرس في القلوب، وتثمر طاعةً، وسلوكاً، وثباتاً على الحق؛ وقد فسّر أهل البيت (عليهم السلام) هذه الآية بأنّها ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ أي إنّ حبّه هو مظهر هذا الودّ الإلهيّ الذي جعله الله علامة للإيمان.
معنى محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام)
إنّ محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست شعاراً يُرفع، أو عاطفةً مجرّدة تُقال باللسان، بل هي موقفٌ إيمانيّ كامل، والتزامٌ واعٍ بنهجه وسيرته ومنهجه في الحياة. فالمحبّة في منطق أهل البيت (عليهم السلام) طاعةٌ واقتداء، وليست انفعالاً وجدانيّاً، هي سلوكٌ عمليّ يُترجَم في العدل والصدق والأمانة ونصرة الحقّ.
حين نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة وصفهم بأنّهم: «أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، وَأَعْلَامُ التُّقَى، وَذَوُو النُّهَى، وَأُولو الْحِجَى، وَكَهْفُ الْوَرَى، وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَالدَّعْوَةُ الْحُسْنَى، وَحُجَجُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأُولَى»[1]، فإنّ هذا المعنى لا يقتصر على الثناء، بل يحمل في طيّاته الاعتقاد بأنّهم الميزان في الفهم والسلوك، والمرجع في التمييز بين الحقّ والباطل، وأنّ الاقتداء بهم واجبٌ شرعيّ، وليس خياراً شخصيّاً.
[1] راجع: الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص610.
109
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ»[1]، فَجَعْلُ محبّته (عليه السلام) طريقاً إلى محبّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومحبّة الرسول طريقاً إلى محبّة الله تعالى، دليل على أنّها محبّة ذات بعد عقديّ وسلوكيّ، وليست مجرّد ولاء لفظيّ.
وعليه، فإنّ محبّة عليّ (عليه السلام) تعني: العدل في الحكم كما عدل، والزهد في الدنيا كما زهد، والصدق مع الله كما صدق، والشجاعة في نصرة الحقّ كما ثبت، والرحمة بالمستضعفين كما رحم، والتواضع مع الناس كما تواضع... ومن هنا كان كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر: «يا عمّار، إذا رأيتَ عليّاً سلك وادياً، وسلك الناسُ وادياً غيرَه، فاسلُك مع عليٍّ ودعِ الناس؛ إنّه لن يُدَلِّيَك في ردىً، ولن يخرجَك من الهدى»[2]، فإنّ انتماءَنا لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومحبّتنا له، يفرضان علينا أن نقتديَ به، ونهتديَ بهديه، ونترجمَ حبَّنا له ومودَّتَنا في سلوكنا وأفعالنا؛ فالمودّة الصادقة إنّما تكون بصدق الاتّباع، وثبات الموقف. فمن أحبّ عليّاً حقّاً، سار على خطاه، وحمل همّ الحقّ كما حمله.
حبّ علي (عليه السلام) علامة الإيمان والنجاة
لم تجعل النصوص النبويّة محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام) مجرّد فضيلة أخلاقيّة، بل قرنتها بالإيمان نفسه، وجعلتها حدّاً فاصلاً بين طريق الهداية وطريق الجاهليّة، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ألا مَن أحبّكَ حُفّ بالأمن والإيمان،
[1] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول، ص459.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج38، ص32.
110
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
ومَن أبغضكَ أماته الله ميتة الجاهليّة»[1]. وفي حديث آخر بالغ الدلالة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «لوِ اجتمعَ النّاسُ على حبِّ عليِّ بنِ أبي طالبٍ لَمَا خلَقَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ النار»[2].
إنّ هذه النصوص تتكلّم على انتماءٍ واعٍ إلى خطّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، الخطّ الذي يحفظ الإنسان من الانحراف، ويقيه من السقوط في جاهليّة جديدة، جاهليّة القيم، وجاهليّة الظلم، وجاهليّة عبادة الهوى والمصلحة.
ولذلك جاءت الروايات الكثيرة لتؤكّد المعيار العقديّ لمودّة أمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام)، وانّ محبّتهم إيمان، وعداوتهم نفاق، والموت على ولايتهم شهادة في سبيل الله. والغاية من هذا التأكيد المتكرّر إيجاد تيّارٍ أمين يسير في خطّهم وعلى نهجهم، ويحمي الدين من التحريف، ويمنع تشكّل مسارٍ معادٍ لتعاليم القرآن ومعارف الإسلام.
وقد جاء في الحديث العظيم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عنْ أربع: عنْ عُمُرِه فيما أفناه، وعنْ جسَدِه فيما أبلاه، وعنْ مالِه فيما أنفقه، ومِنْ أينَ كسبَه، وعنْ حبِّنَا أهلَ البيت. فقيل: يا رسولَ الله، فما علامةُ حبِّكُم؟ فضربَ بيدِه على مَنكِبِ عليّ (عليه السلام)»[3].
فالحساب يوم القيامة لا يقتصر على الصلاة والصيام، بل يشمل موقع الإنسان
[1] الموفّق الخوارزميّ، المناقب، ص39.
[2] الشيخ الديلمي، إرشاد القلوب إلى الصواب، ج2، ص234.
[3] راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج36، ص79. وج7، ص267.
111
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
من أهل البيت، ومدى صدق هذه المحبّة في حياته وسلوكه. وضرب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على منكب عليّ (عليه السلام) هو إعلان واضح بأنّ حبّه ميزان عمليّ لمعرفة صدق الولاء، ومعيار الانتماء إلى خطّ الإيمان.
آثار محبّة أمير المؤمنين (عليه السلام)
إنّ هذه المحبّة وهذه الولاية التي تُترجَم بالعمل والسلوك، لها آثار بالغة ونتائج عظيمة، بيّنتها الروايات والأحاديث الشريفة، منها:
1. الأمن والإيمان: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا مَن أحبّكَ حُفّ بالأمن والإيمان، ومَن أبغضكَ أماته الله ميتة الجاهليّة»[1].
2. قبول الأعمال وإجابة الدعاء: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن أحبّ عليّاً قَبِل اللهُ منه صلاتَه وصيامَه وقيامَه، واستجاب دعاءَه»[2].
3. غفران الذنوب: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «حُبُّ عليٍّ يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب»[3].
4. المنفعة عند الموت: عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أنفع ما يكون حبُّ عليٍّ لكم، إذا بلغت النفس الحلقوم»[4].
5. براءة من النار، وجواز على الصراط: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ألا ومَن أحبَّ عليّاً، كتب الله له براءة من النار، وجوازاً على الصراط،
[1] الموفّق الخوارزميّ، المناقب، ص39.
[2] المصدر نفسه، ص72.
[3] علي بن يونس النباطيّ، الصراط المستقيم، ج1، ص198.
[4] القاضي النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص72.
112
الموعظة التاسعة عشرة: حبُّ أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق الإيمان
وأماناً من العذاب»[1].
درجات المحبّة ومراتب الإيمان
عن رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه): «يا أبا الحَسَن، مَثَلُكَ في أُمَّتي مَثَلُ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، فمَنْ قَرَأها مَرّةً فَقَدْ قَرَأ ثُلُثَ القرآنِ، ومَنْ قَرَأها مَرَّتَينِ فَقدْ قَرأَ ثُلُثَيِ القرآن، ومَنْ قَرَأها ثَلاثاً فَقدْ خَتَمَ القرآن؛ فمَنْ أحَبَّكَ بلِسانِهِ فقدْ كَمُلَ لَهُ ثُلُثُ الإيمان، ومَنْ أحَبَّكَ بلِسانِهِ وقَلبِهِ فَقدْ كَمُلَ لَهُ ثُلُثا الإيمان، ومَن أحَبَّكَ بلِسانِهِ وقَلبِه، ونَصَرَكَ بيَدِهِ فَقدِ استَكمَلَ الإيمان. والّذي بَعَثَني بالحَقِّ -يا عليُّ- لَو أحَبَّكَ أهلُ الأرضِ كمَحَبَّةِ أهلِ السّماءِ لَكَ، لَمَا عُذِّبَ أحَدٌ بالنّارِ»[2].
هنا يضع النبيّ مراتب واضحة؛ محبّة اللسان: بالكلمة، محبّة القلب: بالعقيدة، محبّة اليد: بالفعل والنصرة
إنّ الإيمان الكامل هو الذي يجمع الثلاثة؛ فليس كافياً أن نقول: نحبّ عليّاً، بل: هل ننصر الحقّ كما نصره؟ هل نقف مع المظلوم كما وقف؟ هل نترك الحرام كما ترك؟ هل نلتزم بأوامر الله كما التزم؟ هذه هي محبّة أمير المؤمنين الفعليّة؛ أي كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار: «فاسلُك مع عليٍّ».
في هذا الشهر المبارك، ونحن نقف بين يدي الله صائمين قائمين، فلنجعل حبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ميزاناً نزن به أعمالنا، ومحرّكاً نغيّر به أنفسنا. ليكن حبّه طريقاً للإصلاح، وجسراً إلى الطاعة، وحصناً من المعصية، وثباتاً عند الموت،
[1] الشيخ الصدوق، فضائل الشيعة، ص4.
[2] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص50.
113
الموعظة العشرون: الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
الموعظة العشرون
الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
هدف الموعظة
حثّ المؤمنين على عبادة الاعتكاف بوصفه عبادةً تربويّة وروحيّة، تُسهم في تهذيب النفس، وتجديد العلاقة بالله تعالى، وإحياء القلب في شهر رمضان، مع إبراز فضله ومكانته.
محاور الموعظة
الاعتكاف رياضة للنفس
سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الاعتكاف
فضل الاعتكاف وثوابه العظيم
الاعتكاف وليالي العشر الأواخر
الاعتكاف ضرورة تربويّة
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، يَعْدِلُ حِجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْن»[1].
[1] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص286.
115
الموعظة العشرون: الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
تميل النفس الإنسانيّة إلى الشهوات، وتتأثّر بمغريات الدنيا وزينتها، وتضعف أمام زخارف الحياة وصخبها المتواصل. وقد جعل الله تعالى للإنسان مواسمَ يتزوّد فيها بالتقوى، ويعيد فيها ترتيب أولويّاته، ويستعيد فيها صفاء قلبه، ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان المبارك.
غير أنّ الصيام وحده قد لا يكفي لتحقيق الكمال الروحيّ، ما لم يُرفَق بالخلوة والتفكّر والانقطاع إلى الله تعالى. فالإنسان يحتاج في حياته إلى محطّات ينسحب فيها من ضجيج العالم، ليقف مع نفسه وقفة صدق، ويتأمّل في مسيره، ويحاسب قلبه، ويجدّد عهده مع ربّه. وهنا تتجلّى حكمة تشريع الاعتكاف بوصفه عبادة تجمع بين العبادة الظاهرة والتربية الباطنة، و«الغاية منه هي الاقتراب من الله»[1]، كما يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه).
الاعتكاف رياضة للنفس
إنّ السيطرة على ميول النفس وشهواتها، والسعي لتحليتها بالحلم ومكارم الأخلاق، والعمل على تهذيبها وتربيتها، يحتاج إلى عوامل مساعدة. ومن أبرز هذه العوامل في شهر الله تعالى: ابتعاد الإنسان عن متعلّقات الدنيا الزائلة التي تُغفل القلب عن ذكر الله.
فالاعتكاف هو انقطاعٌ اختياريّ عن الناس، وخلوة واعية مع الله، يعيش فيها المؤمن حالةً من الصفاء الروحيّ، ويتلذّذ بحلاوة الذكر والدعاء والقرآن. وقد شُرّع الاعتكاف ليكون فرصة لإحياء القلب بعد طول انشغال، وتجديد العزم بعد فتور، وتقوية الصلة بالله بعد تفرّقها في زحمة الحياة.
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 05/05/2014م.
116
الموعظة العشرون: الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «العكوف يعني الإغلاق والإقفال، وحصر النفس في نقطة معيّنة، لكي تتحقّق خلوة في القلب، فيستطيع الإنسان أن يجد فرصة للاتّصال الصميميّ والصافي مع ربّ العالم، الاعتكاف هو هذا؛ أي إنّه عبادة تتضمّن الرياضة»[1].
سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الاعتكاف
لقد جسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذه العبادة في حياته العمليّة، وذلك برغم انشغاله بالدعوة والتعليم والجهاد وإدارة شؤون الأمّة. ومع ذلك، لم يترك الاعتكاف في شهر رمضان.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ، ثُمَّ اعْتَكَفَ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْعَشْرِ الْوُسْطَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ فِي الثَّالِثَةِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ»[2].
بل نجد من شدّة حرصه (صلّى الله عليه وآله) أنّه إذا فاتَه الاعتكاف قضاه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: «كَانَتْ بَدْرٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ قَابِلٍ اعْتَكَفَ عَشْرَيْن؛ عَشْراً لِعَامِه، وعَشْراً قَضَاءً لِمَا فَاتَه»[3].
وهذا يدلّ على أنّ الاعتكاف ليس نافلة عابرة، بل عبادة ذات منزلة عالية في
[1] المصدر نفسه.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص175.
[3] المصدر نفسه.
117
الموعظة العشرون: الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
المنهج النبويّ.
فضل الاعتكاف وثوابه العظيم
لقد وردت نصوص كثيرة في فضل الاعتكاف وعظيم أجره، منها قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، يَعْدِلُ حِجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْن»[1].
وهذا التشبيه بالحجّ والعمرة يدلّ على عظمة هذه العبادة؛ إذ إنّ الحجّ رمز للهجرة إلى الله، والاعتكاف هجرة بالقلب والروح إلى الله، وترك لما سوى الله، والانقطاع لعبادته وحده.
فالاعتكاف ليس مجرّد مكثٍ في المسجد، بل هو عبادة جامعة للصلاة، والذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتوبة، والتفكّر في المصير.
الاعتكاف وليالي العشر الأواخر
وقد رد عن الإمام الباقر (عليه السلام) وصفٌ بليغ لما كان عليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في العشر الأواخر من شهر رمضان: «أنّه (صلّى الله عليه وآله) قَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ كَفَاكُمُ اللهُ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَوَعَدَكُمُ الْإِجَابَةَ، فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[2]... ثُمَّ شَمَّرَ (صلّى الله عليه وآله) وَشَدَّ مِئْزَرَهُ، وَبَرَزَ مِنْ بَيْتِهِ وَاعْتَكَفَهُنَّ، وَأَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَغْتَسِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ»[3].
[1] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص286.
[2] سورة غافر، الآية 60.
[3] النعمان المغربيّ، دعائم الإسلام، ج1، ص286.
118
الموعظة العشرون: الاعتكاف هجرة القلب إلى الله
وهذا النصّ يبيّن لنا أنّ الاعتكاف كان ذروة البرنامج العباديّ في حياة النبيّ، حيث جمع بين الخلوة، وإحياء الليل، والدعاء، والتوجّه الكامل إلى الله تعالى.
الاعتكاف ضرورة تربويّة
نعيش اليوم في زمن كثرت فيه الفتن، وتراكمت فيه المشاغل، وغزت القلوبَ وسائل اللهو والانشغال، حتّى ضعفت مساحة الخلوة بالله في حياة كثير من الناس. ومن هنا تبرز ضرورة الاعتكاف بوصفه علاجاً روحيّاً، ودواءً للقلب، وفرصة لمراجعة الذات.
الاعتكاف يعلّم الإنسان الصبر، والانضباط، وضبط الشهوة، وتنظيم الوقت، وتعظيم المسجد، وإحياء علاقة القلب بالله، بعيداً عن الضجيج والهواتف والمشاغل اليومية. وهو يربّي في الإنسان معنى العبوديّة الخالصة، ويجعل الله محور حياته، ويعيد ترتيب سلّم القيم في داخله.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «الشابّ الذي يخرج من الاعتكاف بعد ثلاثة أيّام سيكون طاهراً مغتسلاً، وسيتحلّى بطهارة معنويّة، ويكون ذلك ذخراً له. هذا شيء على جانب كبير من الأهمّيّة والعظمة، ثلاثة أيّام من الصيام والانقطاع عن متابعات الحياة المتعارفة والتوجّه لله تعالى وللمعنويّات وللمعارف والتوحيد، هذه أشياء لها قيمة كبيرة»[1].
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 05/05/2014م.
119
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
الموعظة الحادية والعشرون
ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
هدف الموعظة
توضيح البعد العقائديّ والتاريخيّ والرساليّ لمدينة القدس في الإسلام، وبيان فلسفة إعلان يوم القدس العالميّ من قِبل الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه)، وشرح أبعاده.
محاور الموعظة
القدس ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
انحراف بني إسرائيل عن رسالة القدس
فلسفة إعلان يوم القدس
البعد الرمضانيّ ليوم القدس
تصدير الموعظة
رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا تزال طائفة من أمّتي، على الدين ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم مَن خالفهم»[1].
[1] أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج5، ص269.
120
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
حين نتحدّث عن القدس، فإنّنا لا نتحدّث عن قضيةٍ جغرافيّة محدودة، بل عن رمزٍ عقديّ ورساليّ ارتبط بتاريخ الأنبياء، ومشروع السماء، ومسيرة الإنسان نحو الله. ومن هنا جاء إعلان يوم القدس العالميّ في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، ليكون حدثاً ذا دلالة روحيّة وسياسيّة وحضاريّة في آنٍ واحد، يجمع بين العبادة والوعي، وبين الصيام والموقف، وبين الدعاء والمسؤوليّة.
إنّ اختيار شهر رمضان لهذا اليوم كان اختياراً تربويّاً واعياً؛ لأنّ هذا الشهر هو شهر بناء الإنسان من الداخل، ويوم القدس هو تجلٍّ لبناء موقف الإنسان من قضايا الأمّة، وفق القاعدة النبويّة: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»[1].
القدس ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
لقد جعل الله تعالى هذه الأرض مقدّسةً ومباركة، فهي ميقات الأنبياء وملتقى الرسالات؛ من سليمان النبيّ (عليه السلام) الذي آتاه الله الملك والحكمة، إلى موسى كليم الله (عليه السلام) الذي خاطب قومه قائلاً: ﴿ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾[2]، فرفضوا الدخول طائعين، وتمرّدوا على الأمر الإلهيّ.
ثمّ كانت القدس مهد النبيّ عيسى (عليه السلام)، ومسرح دعوته، ومقام رسالته. وبعد ذلك كانت معراج النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) في رحلة الإسراء والمعراج، حين انتقل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ليؤكَّد أنّ القدس
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص163.
[2] سورة البقرة، الآية 58.
121
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
جزء من الهويّة الإسلاميّة والرساليّة.
ويمتدّ هذا البعد الرساليّ إلى المستقبل الموعود، حيث ستكون القدس موضع صلاة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ويأتمّ به النبيّ عيسى (عليه السلام)، في مشهد يجسّد وحدة الرسالات الإلهيّة في مواجهة الظلم والانحراف.
انحراف بني إسرائيل عن رسالة القدس
لقد طُلب من بني إسرائيل أن يدخلوا القدس خاشعين، قائلين: «حِطّة»، أي طالبين المغفرة والتوبة، لكنّهم رفضوا ذلك، وتحوّلوا من ورثة رسالة إلى حملة ظلم، ومن أهل عهد إلى أهل عدوان.
واليوم نشهد صورة أخرى لهذا الانحراف، حيث تُدخَل القدس ظلماً وعدواناً، وتُسفك فيها دماء المستضعفين، ويُدنَّس المسجد الأقصى، ويُراد تحويل أرض الرسالات إلى مشروع استكبار عالميّ.
من هنا، لم تعد قضيّة القدس قضيّة شعبٍ واحد، بل قضيّة الأمّة كلّها؛ لأنّها قضية الحقّ في مواجهة الباطل، وقضيّة المستضعفين في مواجهة المستكبرين.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «إنّ إسرائيل كيان غاصب، ومحتلّ وسارق وناهب، وأنجز ذلك كلّه بالإرهاب. هذا الكيان لا يجوز الاعتراف به، ولا التسليم له، ولا تقديم التنازلات، ويجب أن يزول من الوجود، وأن يعود الحقّ كاملاً إلى أهله وأصحابه»[1].
فلسفة إعلان يوم القدس
أعلن الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) يوم القدس العالميّ ليكون يوماً تتجسّد فيه
[1] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في يوم القدس العالميّ، 2016م.
122
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
هذه الحقيقة الكبرى: أنّ القدس ليست قضيّة فلسطينيّة فحسب، بل قضيّة إسلاميّة وإنسانيّة.
قال (قدّس سرّه): «يومُ القدس يومٌ عالميّ، ليس فقط يوماً خاصّاً بالقدس، إنّه يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين»[1].
فهو يوم تتلاقى فيه القيم القرآنيّة مع الواقع السياسيّ، ويتحوّل فيه الصوم من عبادة فرديّة إلى موقف جماعيّ، ويتحوّل الدعاء إلى وعي، والوعي إلى مسؤوليّة.
1. يوم إعلان المستضعفين في مواجهة المستكبرين
البعد الأوّل ليوم القدس هو أنّه يوم إعلان المواجهة بين جبهة الاستضعاف وجبهة الاستكبار، يقول الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه): «إنّه اليوم الذي يجب أن يتجهّز فيه المستضعفون في مقابل المستكبرين؛ ليمرّغوا أنوف المستكبرين في التراب»[2].
وهذا البعد ليس دعوة إلى الفوضى أو العنف، بل دعوة إلى الوعي، والثبات، ورفض الخضوع، وإحياء روح الكرامة في الأمّة، والقرآن نفسه أقام هذه المعادلة حين قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾[3]؛ أي إنّ مشروع الله في التاريخ هو نصرة المستضعفين، لا تمكين الظالمين.
2. يوم توحيد كلمة المستضعفين
البعد الثاني ليوم القدس هو توحيد كلمة المستضعفين، وتجاوز الحدود المصطنعة بين شعوب الأمّة، يقول الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه): «آمَلُ أن يكون هذا الأمر
[1] الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام، ج9، ص221.
[2] المصدر نفسه.
[3] سورة القصص، الآية 5.
123
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
مقدّمةً لتأسيس حزبٍ للمستضعفين في كلّ أنحاء العالم»[1].
وهذا المفهوم لا يعني حزباً سياسيّاً بالمعنى التنظيميّ الضيّق، بل يعني وحدة موقف، ووحدة وعي، ووحدة هدف في مواجهة الظلم العالميّ. إنّ يوم القدس يحوّل القضيّة من شأن محلّيّ إلى شأن أمميّ، ويجعل من القدس محوراً لصحوة الضمير الإسلاميّ.
3. يوم الإسلام ويوم حياة الأمّة
البعد الثالث ليوم القدس هو أنّه يوم الإسلام نفسه، يقول الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه): «يوم القدس يوم الإسلام، يوم يجب فيه إحياء الإسلام وتطبيق قوانينه في الدول الإسلاميّة»[2].
فالقدس ليست فقط أرضاً محتلّة، بل هي معيار لمدى حضور الإسلام في السياسة، وفي الاجتماع، وفي وعي الشعوب. وإذا غابت القدس عن وجدان الأمّة، غابت معها قِيَم العدل والكرامة والاستقلال.
البعد الرمضانيّ ليوم القدس
إنّ تحديد يومٍ للقدس في شهر رمضان يحمل دلالة تربويّة عميقة؛ فالصيام يربّي الإنسان على ضبط الشهوة، ويوم القدس يربّيه على ضبط الموقف. والصلاة تقوّي علاقة الإنسان بالله، ويوم القدس يقوّي علاقته بقضايا أمّته. وبذلك يصبح رمضان مدرسةً مزدوجة: مدرسة للعبادة الفرديّة، ومدرسة للمسؤوليّة الجماعيّة.
إنّ يوم القدس هو موقف رساليّ دائم، يُعيد للأمّة وعيها، ويربطها بتاريخها،
[1] الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام، ج9، ص224.
[2] المصدر نفسه، ج9، ص222.
124
الموعظة الحادية والعشرون: ميقات الأنبياء ومهوى الرسالات
ويوجّهها نحو مستقبلها.
وفي شهر رمضان، حيث تتفتّح القلوب على معاني الإيمان، يكون إحياء يوم القدس إحياءً لمعنى العبوديّة لله، ورفض العبوديّة للطغيان، وتجديداً للعهد مع طريق الأنبياء، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن الرسالة إلى العدالة، ومن الصيام إلى التحرّر.
125
الموعظة الثانية والعشرون: وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
الموعظة الثانية والعشرون
وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
هدف الموعظة
بيان أنّ وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) في أيّامه الأخيرة هي دستور للأمّة الإسلاميّة، يحدّد معالم الطريق في العلاقة مع الله، ومع الدنيا، ومع الحقّ، ومع الناس، ومع قضايا الظلم والعدل.
محاور الموعظة
التقوى أساس المنهج
الموقف من الدنيا والزهد الحقيقيّ
قول الحقّ والثبات عليه
العمل للأجر والآخرة
الموقف من الظلم والمظلوم
الوصيّة للأمّة كلّها
تصدير الموعظة
أمير المؤمنين (عليه السلام): «أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّه»[1].
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص421، الوصيّة 47.
126
الموعظة الثانية والعشرون: وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
الوصيّة في سياقها الزمنيّ والروحيّ
إنّ ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك هي الليلة الأولى من ليالي القدر، وهي الليلة التي ضُرب فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) في محراب مسجد الكوفة. وفي هذه الليالي التي يجتمع فيها معنى القدر الإلهيّ مع الفاجعة الكبرى، عاش الإمام (عليه السلام ثلاثة أيّام بين الألم والوصيّة.
لقد نادى أولاده واحداً بعد واحد، صغيرهم وكبيرهم، مودّعاً لهم، ثمّ خصّ الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) بوصيّة جامعة، أراد لها أن تكون خلاصة تجربته في الحياة، ونتيجة مسيرته مع الإسلام والقرآن والجهاد والعدل. هذه الوصيّة لم تكن مجرّد كلمات أخيرة، بل كانت مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع.
التقوى أساس المنهج
يفتتح أمير المؤمنين (عليه السلام) وصيّته بقوله: «أوصيكما بتقوى الله».
التقوى هي الضابط الأعلى للسلوك الإنسانيّ، وهي التي تجعل الإنسان يراقب الله في أقواله وأفعاله ومواقفه. لم يوصِ بالعلم وحده، ولا بالشجاعة وحدها، ولا بالعبادة وحدها، بل أوصى بما يجمع ذلك كلّه: التقوى.
ومن دون التقوى، تتحوّل القيم إلى شعارات، وتتحوّل الأعمال إلى مظاهر بلا روح؛ ولهذا جعلها الإمام (عليه السلام) أساس الوصيّة؛ لأنّها الجذر الذي تنبت منه باقي الفضائل.
من هنا يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[1]: إذا كانت
[1] من ذلك سورة البقرة، الآية 189.
127
الموعظة الثانية والعشرون: وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
التقوى موجودة، تحقّق الفلاح للإنسان. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾[1]، كما في بعض الآيات، فالتقوى تبعث على الهداية، وحينما تنتهجون التقوى، فسوف تزول المشكلات والعقد والعقبات من أمامكم، وسيتبيّن لكم الطريق الصحيح. وإذا تحلّيتم بالتقوى، كان ذلك لكم فرقاناً: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[2]»[3].
الموقف من الدنيا والزهد الحقيقيّ
ثمّ يقول (عليه السلام): «وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وإِنْ بَغَتْكُمَا، ولَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا»
هذه العبارة ترسم الموقف الصحيح من الدنيا: لا طلب لها بوصفها غاية، ولا حزن عليها إذا فاتت؛ لأنّها مرحلة عابرة. وقد عبّر الإمام عن هذا المعنى عمليّاً في سيرته، حين كان يخاطب الدنيا قائلاً: «يَا دُنْيَا، يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ؟! لَا حَانَ حِينُكِ، هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا؛ فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وطُولِ الطَّرِيقِ، وبُعْدِ السَّفَر،ِ وعَظِيمِ الْمَوْرِدِ!»[4]، والزهد هنا لا يعني ترك العمل ولا تعطيل الحياة، بل يعني أن لا تكون الدنيا هي المعيار في القرارات، ولا الميزان في المواقف، ولا الهدف الأعلى في المسير.
وقد لخّص الإمام الباقر (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: «مَلَكٌ ينادي كلَّ
[1] من ذلك سورة البقرة، الآية 53.
[2] سورة الأنفال، الآية 29.
[3] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 14/05/2019م.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص480، الحكمة 77.
128
الموعظة الثانية والعشرون: وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
يومٍ ابنَ آدم: لِدْ للموت، واجمعْ للفناء، وابنِ للخراب»[1]، فالإنسان الذي يدرك فناء الدنيا لا يجعلها مركز اهتمامه، بل يجعلها وسيلة للآخرة.
قول الحقّ والثبات عليه
ثم يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وقُولَا بِالحَقِّ».
إنّ الحقّ ليس مجرّد فكرة نظريّة، بل هو موقف عمليّ، وقد يكون ثقيلاً في تحمّله؛ ولهذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الحقّ ثقيل مرّ، والباطل خفيف حلو»[2].
والثبات على الحقّ يحتاج إلى شجاعة خاصّة وروحيّة عالية؛ لأنّ الإنسان قد يخسر موقعاً أو مصلحة أو راحة مقابل قوله. ومع ذلك، أكّدت الروايات أنّ النجاة الحقيقيّة في قول الحقّ، ولو كان على النفس، عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «اِتَّقِ الله، وقلِ الحقَّ، وإن كان فيه هلاكُك، فإنّ فيه نجاتَك»[3]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان مكارم الأخلاق، قال: «العفو عمَّن ظلمك، وصلة مَن قطعك، وإعطاء مَن حرمك، وقول الحقِّ ولو على نفسك»[4].
وهكذا تتحوّل الوصيّة من توجيه أخلاقيّ إلى مشروع مقاومة للباطل، وإلى رفض عمليّ للانحراف والظلم.
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص131.
[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص533.
[3] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص408.
[4] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص191.
129
الموعظة الثانية والعشرون: وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج حياة
العمل للأجر والآخرة
ثمّ يقول (عليه السلام): «واعْمَلَا لِلأَجْرِ».
أي ليكن العمل موجّهاً إلى الله والآخرة، لا إلى المدح والسمعة، ولا إلى المكاسب الزائلة. فالفرق كبير بين عملٍ تذهب لذّته وتبقى تبعته، وعملٍ تذهب مشقّته ويبقى أجره، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ؛ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُه وتَبْقَى تَبِعَتُه، وعَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُه ويَبْقَى أَجْرُه»[1].
وقد أكّد القرآن هذا الميزان بقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[2].
فالإنسان العاقل هو من يحسب نتائج أعماله في ميزان الآخرة، لا في ميزان اللحظة العابرة.
الموقف من الظلم والمظلوم
ثمّ يقول (عليه السلام): «وكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ولِلْمَظْلُومِ عَوْناً».
هذه الجملة تنقل الوصيّة من دائرة الفرد إلى دائرة المجتمع، يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، معلِّقاً على هذه العبارة من الوصيّة: «والظلم يأتي ممّن يملك الإرادة والاختيار؛ أي من الإنسان، فعندما نتحدّث عن الظلم ومواجهته، ورفض معونة الظالمين ومواجهتهم، إنّما نتحدّث في البعد الإنسانيّ والبشريّ»[3]، فالدين ليس علاقة خاصّة بين العبد وربّه فقط، بل هو موقف من قضايا العدل والظلم، وقد جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
[1] السيّد الرضي، نهج البلاغة، ص490، الحكمة 121.
[2] سورة يوسف، الآية 57.
[3] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 26/11/2001م.
130
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
«يقول اللهُ عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي، لأنتقمّنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمّنّ ممّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصرَه فلم ينصره»[1]، وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْه»[2]، فالسكوت عن الظلم مشاركة غير مباشرة فيه، ونصرة المظلوم واجب دينيّ وأخلاقيّ.
الوصيّة للأمّة كلّها
إنّ هذه الوصيّة لم تكن موجّهة إلى الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) فحسب، بل من خلالهما أيضاً إلى الأمّة ككلّ؛ ولهذا التفت أمير المؤمنين إلى محمّد بن الحنفيّة، وقال له: «هل حفظتَ ما أوصيتُ به أخويك؟»، قال: نعم، قال: «فإنّي أوصيكَ بمثلِه»[3]، وهذا يدلّ على أنّ وصيّته (عليه السلام) في ليلة القدر، موجّهة إلى كلّ مسلم في كلّ زمان؛ لأنّها ترسم منهجاً شاملاً للحياة؛ فهي تربط الإنسان بالله بالتقوى، وتحرّره من أسر الدنيا، وتثبّته على الحقّ، وتوجّهه إلى الآخرة، وتجعله عنصر عدل في مجتمعه.
[1] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص505.
[2] الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، ص166، الدعاء 38.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج42، ص245.
131
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
الموعظة الثالثة والعشرون
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
هدف الموعظة
إظهار حقيقة الابتلاء في حياة الإنسان، وشرح دور شهر رمضان في بناء شخصيّة المؤمن الثابتة، وبيان أهمّ عوامل الصمود الدينيّ والنفسيّ في زمن التحدّيات، استناداً إلى القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام).
محاور الموعظة
الابتلاء سنّة إلهيّة لا تنفكّ عن الإيمان
شمول الابتلاء لجميع الناس
تنوّع صور الامتحان
عوامل الانهيار في زمن الفتن
عوامل الثبات في الامتحان الإلهيّ
تصدير الموعظة
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[1].
[1] سورة البقرة، الآية 45.
132
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
يجتمع في شهر رمضان المبارك الصيام، والقرآن، والدعاء، والمراقبة الذاتيّة، لتكوين شخصيّة قادرة على مواجهة الامتحانات الإلهيّة بثباتٍ ووعيٍ وصبر. إنّ الحاجة إلى الثبات اليوم أشدّ من أيّ وقت مضى؛ لأنّ الفتن لم تعد محصورة في الألم والفقر والخوف، بل امتدّت إلى الشبهات الفكريّة، والانحرافات السلوكيّة، وضغوط الدنيا وزخارفها.
وهنا تبرز قيمة الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) التي يصف المؤمن فيها، فيقول: «المؤمن أصلب من الجبل؛ الجبل يُستقَلُّ منه، والمؤمن لا يُستقَلُّ من دينه شيء»[1].
الابتلاء سنّة إلهيّة لا تنفكّ عن الإيمان
يقرّر القرآن الكريم بوضوح أنّ الإيمان لا يُترك بلا امتحان، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾[2]. فالإيمان حقيقة تُختبر في المواقف الصعبة، وفي التنازل أو الثبات، وفي الإغراء أو المقاومة.
والفتنة في أصل معناها تعني وضع الذهب في النار لاكتشاف صفائه من شوائبه. وهكذا يُمتحن الإنسان ليظهر ما في داخله من صدق أو ضعف، من يقين أو تردّد، لا لأنّ الله يجهل حال عباده، بل لأنّ الإنسان نفسه لا يعرف حقيقة نفسه إلّا عند الشدائد.
وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) فلسفة الابتلاء بقوله: «ولَكِنَّ اللَّه يَخْتَبِرُ عِبَادَه بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، ويَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، ويَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص241.
[2] سورة العنكبوت، الآية 2.
133
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
الْمَكَارِه إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ»[1]، فالامتحان الإلهيّ وسيلة تربية قبل أن يكون وسيلة كشف.
شمول الابتلاء لجميع الناس
الابتلاء لا يختصّ بالضعفاء ولا بالمذنبين، بل يشمل الجميع، حتّى الأنبياء والأولياء، قال تعالى في شأن إبراهيم (عليه السلام): ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾[2]، وقال في شأن سليمان (عليه السلام): ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾[3].
فالامتحان ليس علامة غضب إلهيّ، بل قد يكون علامة قربٍ واصطفاء. وكلّما عظمت المسؤوليّة، عظمت الفتنة، وكلّما ارتفع المقام، اشتدّ البلاء.
ويؤكّد الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: «إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ؛ لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ»[4]، فالابتلاء قد يكون رحمة خفيّة توقظ الإنسان من غفلته.
تنوّع صور الامتحان
يقرّر القرآن أيضاً أنّ الامتحان لا يكون بالشرّ فقط، بل بالخير أيضاً: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾[5]. فالمرض امتحان، كما أنّ الصحّة امتحان، والفقر
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص294، الخطبة 192.
[2] سورة البقرة، الآية 124.
[3] سورة النمل، الآية 40.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص199، الخطبة 143.
[5] سورة الأنبياء، الآية 35.
134
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
امتحان، كما أنّ الغنى امتحان، والخوف امتحان، كما أنّ الأمن امتحان.
من الناس من يُمتحن في بيئة فاسدة أخلاقيّاً، فيكون امتحانه في حفظ دينه وسط الانحراف. ومنهم من يُمتحن بالفقر والحرمان، فيكون امتحانه في صبره وكرامته. ومنهم من يُمتحن بالنعمة والقدرة، فيكون امتحانه في شكره وعدله وإنفاقه.
وهناك من يُمتحن في أجواء الحروب والتهديد، فيكون امتحانه في الثبات وعدم التراجع عن الحقّ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «والَّذِي بَعَثَه بِالْحَقِّ، لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، ولَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ، وأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ»[1]، أي ليتميّز الصادق من المتزلزل.
عوامل الانهيار في زمن الفتن
إنّ من أبرز أسباب السقوط في الامتحان الإلهيّ:
1. حبّ الدنيا: قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[2]، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»[3]، فحين تصبح الدنيا الهدف، يسهل التنازل عن الدين.
2. الجهل وقلّة البصيرة: كثير من الانحرافات تبدأ بشبهة فكريّة لم تجد جواباً علميّاً.
3. ضعف النيّة والإخلاص: من يعمل للدنيا لا يصمد أمام البلاء، أمّا مَن يعمل لله فثباته نابع من الداخل.
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص57، الخطبة 16.
[2] سورة آل عمران، الآية 185.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص131.
135
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
شهر رمضان وبناء المؤمن الثابت
إنّ شهر رمضان هو برنامج متكامل لتقوية الإرادة وضبط النفس؛ فالصيام يعلّم الإنسان كيف يقول «لا» لشهوته، وهذه هي الخطوة الأولى في عمليّة الثبات، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، قال: «الصبر هو الصوم»[1]، والقرآن في شهر رمضان يعمّق الوعي، والدعاء يربط القلب بالله، والمراقبة اليومية تدرّب الإنسان على محاسبة نفسه؛ ولذلك كان شهر رمضان موسم صناعة المؤمن القويّ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[2]، والتقوى هي جوهر الثبات.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «في هذا الشهر المبارك، شهر الصيام والكفّ عن المشتهيات، تُعاد صناعة العزم والإرادة في الإنسان، والتي بها يستطيع الإنسان أن يكون سيّداً على نفسه، لا عبداً لها»[3].
عوامل الثبات في الامتحان الإلهيّ
1. العلم واليقين: فاليقين يحمي الإنسان من الشبهات، سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن قول الله لإبراهيم (عليه السلام): ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[4]، أكان في قلبه شكّ؟ قال (عليه السلام): «لا، كان على
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص254.
[2] سورة البقرة، الآية 183.
[3] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 22/11/2001م.
[4] سورة الأنعام، الآية 75.
136
الموعظة الثالثة والعشرون: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
يقين، ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه»[1]، فالإيمان يحتاج إلى تغذية معرفيّة مستمرّة.
2. إخلاص النيّة: مَن يعمل لله لا يتغيّر بتغيّر الظروف، ولا يبيع موقفه بثمن؛ لأنّ مرجعيته ليست الناس بل الله.
3. الاقتداء بالمعصومين (عليهم السلام) والتأسّي بهم: الاقتداء بسيرتهم يخفّف ثقل البلاء؛ لأنّ الإنسان يرى أنّ طريق الحقّ محفوف بالصبر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾[2].
4. المراقبة والمحاسبة: إنّ الإنسان إذا لم يراقب نفسه تسرّبت الفتن إلى قلبه تدريجيّاً، عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كلّ يوم؛ فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله منه وتاب إليه».
إنّ المؤمن الحقيقي ليس من يعيش بلا ابتلاء، بل من يخرج من الابتلاء أصلب إيماناً، وأوضح موقفاً، وأقرب إلى الله. وشهر رمضان فرصة سنويّة لإعادة بناء هذه الصلابة الداخليّة، عبر الصيام، والقرآن، والدعاء، والمجاهدة.
[1] البرقيّ، المحاسن، ج1، ص247.
[2] سورة الأحزاب، الآية 21.
137
الموعظة الرابعة والعشرون: فرصة التدارك وثمار الختام
الموعظة الرابعة والعشرون
فرصة التدارك وثمار الختام
هدف الموعظة
ترسيخ القيمة التربويّة والروحيّة للأيّام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، والتنبيه إلى أنّها مرحلة حصاد الأعمال وميدان التدارك لما فات، والدعوة إلى اغتنام الليلة الأخيرة بوصفها محطّة فاصلة في مسيرة الإنسان الإيمانيّة.
محاور الموعظة
بين الخسارة والفوز
فلسفة الختام في العبادة
الأيّام الأخيرة مرحلة التدارك
الليلة الأخيرة: الفرصة الأخيرة
تصدير الموعظة
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[1].
[1] سورة آل عمران، الآية 133.
138
الموعظة الرابعة والعشرون: فرصة التدارك وثمار الختام
حين يقترب شهر رمضان من نهايته، يقف المؤمن على عتبة مرحلة فاصلة بين زمنَين: زمن الضيافة الإلهيّة وزمن العودة إلى إيقاع الحياة اليوميّة. وهذه اللحظة ليست مجرّد انتقال زمنيّ، بل هي وقفة محاسبة ومراجعة؛ إذ إنّ شهر رمضان لم يُشرّع ليكون مجرّد موسم عاطفيّ، بل ليكون مدرسةً للتغيير وبناء الإنسان من الداخل.
وقد أكّدت النصوص الشرعيّة أنّ الغاية العظمى من هذا الشهر هي المغفرة والعتق من النار والفوز بالرضوان الإلهيّ، وأنّ الخسارة الحقيقيّة هي الخروج منه من غير أن ينال الإنسان نصيبه من هذه الفيوضات. لذلك، فإنّ الحديث عن الأيّام الأخيرة من رمضان حديث مسؤوليّة وفرصة أخيرة للتدارك.
بين الخسارة والفوز
تقيّم الروايات النبويّة حال الإنسان في ختام هذا الشهر بميزان واضح: إمّا فائز وإمّا خاسر، يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الشقيّ حقّ الشقيّ، مَن خرج عنه هذا الشهر ولم تُغفر ذنوبه، فحينئذٍ يخسر حين يفوز المحسنون بجوائز الربِّ الكريم»[1].
هذا الحديث يضع معيار الشقاء والسعادة في نهاية شهر رمضان، لا في بدايته؛ فليس الشقيّ هو من دخل الشهر مثقلاً بالذنوب، بل من خرج منه كذلك. وهذا يدلّ على أنّ شهر رمضان مرحلة تحويليّة، من حال إلى حال، ومن مسار إلى مسار، ومن غفلة إلى يقظة.
وقد عبّر السيّد ابن طاووس (رحمه الله) عن هذه الحقيقة بلغة أخلاقيّة دقيقة،
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص109.
139
الموعظة الرابعة والعشرون: فرصة التدارك وثمار الختام
حين شبّه شهر رمضان بالضيف الكريم الذي يحمل معه الهدايا الإلهيّة، فقال: «لا تكن -أيّها الإنسان- ممّن نزلَ به ضيفٌ غنيٌّ عنه، وما نزلَ به ضيفٌ منذ سنةٍ أشرف منه، وقد حضرَه للإنعام عليه، وحملَ إليه معه تُحفَ السعادات، وشرفَ العنايات، وما لا يبلغه وصفُ المقال من الآمال والإقبال، فأساء مجاورةَ هذا الضيف الكريم، وجفاه وهوّن به، وعامله معاملة المضيف اللئيم، فانصرف الضيفُ الكريم ذامّاً لضيافتِه، وبقي الذي نزلَ به في فضيحةِ تقصيرِه وسوءِ مجاورتِه، أو في عار تأسّفِه وندامتِه»[1].
هذا التشبيه يحمّل الإنسان مسؤوليّة سلوكه في هذا الشهر؛ فكما أنّ إكرام الضيف دليل على كرم المضيف، فإنّ حسن استقبال شهر رمضان دليل على وعي الإنسان بحقيقة العبادة ومعناها.
فلسفة الختام في العبادة
تُولي الشريعة الإسلاميّة للختام أهمّيّة خاصّة؛ لأنّ الأعمال تُقاس بعواقبها وخواتيمها، والسلوك يُعرف بنهاياته. ولذلك جاءت النصوص لتؤكّد «أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّ وجلّ»[2]؛ إذ إنّ الورع هو الثمرة العمليّة للصيام، وهو الدليل على أنّ العبادة لم تبقَ مجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل تحوّلت إلى ضبطٍ للشهوة، وتحكّمٍ بالسلوك، واستقامةٍ في المسار.
ومن هنا نفهم قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «هو شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار»[3].
[1] السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص421.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص84.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج96، ص342.
140
الموعظة الرابعة والعشرون: فرصة التدارك وثمار الختام
فالختام ليس مرحلةً عاديّة، بل هو ذروة العطاء الإلهيّ، حيث يبلغ الإنسان أقصى درجات القرب من الرحمة والمغفرة والنجاة.
الأيّام الأخيرة مرحلة التدارك
من خصائص الأيّام الأخيرة من شهر رمضان أنّها مرحلة تعويض عمّا فات، ومجال مفتوح لمن قصّر في بدايته أو وسطه. فالله تعالى لم يُغلق باب التوبة بانتهاء الليالي الأولى، بل جعله مفتوحاً إلى آخر لحظة من الشهر.
وهذا يعكس بُعداً تربويّاً بالغ الأهمّيّة، وهو أنّ الإسلام لا يربط الإنسان بالماضي، بل بالمستقبل؛ فالميزان ليس: ماذا فعلت في أوّل الشهر فقط، بل: ماذا ستفعل في آخره أيضاً؛ ولهذا ورد في النصوص أنّ العاقل هو من يُحسن الخاتمة، لا مَن يكتفي بحسن البدايات فحسب.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى أن تكون الأيّام الأخيرة أيّام مراجعة حقيقيّة للنفس: هل تغيّر سلوكي؟ هل ازداد التزامي بالفرائض؟ هل تركت ذنوباً كنت أمارسها؟ هل أصبحت علاقتي بالله أعمق من قبل؟ فإجابات هذه الأسئلة هي من معايير تحديد نجاح المشروع الرمضانيّ في حياة الإنسان.
الليلة الأخيرة: الفرصة الأخيرة
تحتلّ الليلة الأخيرة من شهر رمضان مكانة خاصّة في النصوص، فقد ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أُعطيَت أمّتي في شهر رمضان خمساً، لم يُعطهنّ أمّة نبيّ قلبي: ... وأمّا الخامسة: فإذا كان آخر ليلة غُفر لهم جميعاً»، فقال رجلٌ: ليلة القدر يا رسول الله؟! فقال: «ألم ترَ إلى العمّال إذا فرغوا من أعمالهم، وُفّوا»[1].
[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص130.
141
الموعظة الرابعة والعشرون: فرصة التدارك وثمار الختام
هذا الحديث يبيّن أنّ الليلة الأخيرة ليست أقلّ شأناً من ليالي القدر، بل هي ليلة الوفاء والجزاء. فهي أشبه بمحطّة تسليم الجوائز بعد انتهاء موسم العمل.
ومن الناحية التربويّة، تمثّل هذه الليلة نموذجاً لثقافة الأمل في الإسلام؛ إذ لا يُغلَق باب المغفرة حتّى آخر لحظة، ولا يُحكَم على الإنسان بالفشل ما دام باب التوبة مفتوحاً أمامه.
إنّ الأيّام الأخيرة من شهر رمضان ليست أيّام وداع فحسب، بل هي أيّام حصاد، وتقرير مصير، ومراجعة مسار. وهي الفرصة التي تُظهر حقيقة تعامل الإنسان مع هذا الشهر: هل كان ضيفاً مكرَّماً أم موسماً عابراً؟
من هنا، فإنّ المطلوب من المؤمن في هذه المرحلة أن يجمع بين ثلاثة أمور: الاستغفار عمّا مضى، والاجتهاد في ما بقي، والعزم على الاستمرار بعد انقضاء الشهر؛ إذ لا معنى لشهرٍ عظيمٍ كهذا أن ينتهي بانتهاء أيّامه، بل معناه الحقيقيّ أن يمتدّ أثره إلى بقيّة السنة.
وبذلك يكون وداع شهر رمضان انتقالاً من مدرسة العبادة المكثّفة إلى مدرسة الحياة العمليّة، حيث يُختبر صدق التوبة، وثبات الورع، وعمق الأثر الروحيّ الذي زرعه هذا الشهر في القلب والسلوك.
142
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
الموعظة الخامسة والعشرون
العفّة حصن المجتمع
هدف الموعظة
تعميق الوعي بضوابط الاختلاط في الإسلام، والتحذير من مزالق الانحراف، والدعوة إلى العفّة والحياء اقتداءً بالسيّدة الزهراء (عليها السلام).
محاور الموعظة
الاختلاط في الرؤية الإسلاميّة
الاختلاط ومزالق الانحراف
سُبل الوقاية
السيّدة الزهراء (عليها السلام) والعفّة
تصدير الموعظة
أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الإمام الحسن (عليه السلام): «واكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَاهُنَّ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ خَيْرٌ لَكَ ولَهُنَّ مِنَ الِارْتِيَابِ، ولَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَا تَثِقُ بِه عَلَيْهِنَّ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ مِنَ الرِّجَالِ فَافْعَلْ»[1].
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص338.
143
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
الاختلاط في الرؤية الإسلاميّة
أولَت الشريعة الإسلاميّة عناية بالغة بالأعراض والكرامة الإنسانيّة، وجعلت ذلك من ركائز الاستقرار الاجتماعيّ وسلامة البناء الأخلاقيّ للأمّة. فشرّعت مجموعة من الضوابط التي تنظّم العلاقات بين الأفراد، ولا سيّما بين الرجال والنساء، بما يحفظ النفوس من الانزلاق إلى مواطن الريبة والفساد، ويصون المجتمع من التفكّك والانحراف.
ولم يقف التحذير الإسلاميّ عند حدود الفعل المحرّم فقط، بل شمل كذلك المقدّمات التي قد تُفضي إليه، فسدّ الذرائع المؤدّية إلى الانحراف، ونبّه إلى خطورة التساهل في أسباب الفتنة، ومن أبرزها الاختلاط غير المنضبط الذي يفتح أبواب الشبهة ويضعف الحواجز الأخلاقيّة.
ومع ذلك، فإنّ الإسلام لم يحرّم الاختلاط على نحوٍ مطلق، بل ميّز بين الاختلاط المشروع الذي تفرضه ضرورات الحياة والعبادة، وبين الاختلاط المؤدّي إلى الفساد. فقد اجتمع الرجال والنساء في مواطن عباديّة كالحجّ والطواف والصلاة جماعة، ضمن أطر منضبطة تحفظ الحشمة والوقار وتمنع الانزلاق إلى المحرّم.
الاختلاط ومزالق الانحراف
يُعدّ الاختلاط غير المنضبط من أخطر المداخل إلى الانحراف السلوكيّ والنفسيّ، لما يترتّب عليه من إزالة الحواجز الأخلاقيّة وإضعاف مقاومة النفس أمام وساوس الشيطان، فيغدو الإنسان أكثر عرضةً للوقوع في الخطأ. وقد نبّه الإمام الصادق (عليه السلام) إلى خطورة النظر بقوله: «النظر سهم من سهام إبليس مسموم، وكم من نظرةٍ أورثَت حسرةً طويلة»[1].
[1] المصدر نفسه، ج5، ص559.
144
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
فالاختلاط يستتبع النظر والكلام والتواصل، ومع غياب الضوابط الشرعيّة يتدرّج الأمر إلى كسر الحياء والمزاح والمفاكهة، كما ورد في قصّة أبي بصير، قال: كنتُ أُقرئ امرأةً القرآن، وأعلّمها إيّاه، فمازحتُها بشيء، فلمّا قدمْتُ على أبي جعفر (عليه السلام)، قال لي: «يا أبا بصير، أيَّ شيء قلتَ للمرأة؟!»، فقلتُ بيدي هكذا؛ يعني غطّيتُ وجهي، فقال: «لا تعودنَّ إليها»[1].
ومن هنا، شدّد القرآن الكريم على اجتناب المقدّمات المؤدّية إلى الفاحشة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[2]، فالنهي لم يقتصر على الفعل نفسه، بل شمل كلّ ما يقرّب إليه من نظرٍ وخلوةٍ وسفورٍ واختلاطٍ غير منضبط. وبذلك يتبيّن أنّ صيانة الأعراض واجبٌ شرعيّ، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ مالُه وعرضُه ودمُه»[3].
سُبل الوقاية
يقول الشهيد الشيخ مطهّري: «الإسلام يعارض الاختلاط، ولا يعارض مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعيّة مع التحفّظ على الستر. والإسلام يقول: لا للحبس، ولا للاختلاط، بل للحدّ. إنّ سيرة المسلمين العمليّة منذ زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قائمة على عدم منع النساء من المشاركة في الفعاليّات العامّة، ولكن مع رعاية الحدود الشرعيّة»[4].
[1] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص316.
[2] سورة الإسراء، الآية 32.
[3] السجستانيّ، سنن أبي داوود، ج2، ص452.
[4] الشهيد الشيخ مطهّري، مسألة الحجاب، ص157.
145
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
وإنّ مقتضى رعاية الحدود والضوابط الشرعيّة الالتزام بما يأتي:
1. غضّ البصر عمّا حُرِّم النظر إليه: يقول تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾[1]، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من ملأ عينه من الحرام، ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلّا أن يتوب»[2].
2. مراعاة الحجاب والستر: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[3].
3. عدم إظهار المرأة زينتَها أمام الأجانب: يقول تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾[4].
4. مراعاة العفّة والحياء: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحياء يصدّ عن الفعل القبيح»[5].
5. تجنّب الخضوع في القول: بمعنى ترقيق المرأة كلامَها بأسلوبٍ يلزم منه الإغراء، فعلى المرأة المسلمة أن تتحدّث بأسلوب متّزن، بعيداً عن الأساليب الّتي تتسبّب بفتنة المستمِع من الرجال، يقول تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء
[1] سورة النور، الآية 30.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج76، ص234.
[3] سورة الأحزاب، الآية 59.
[4] سورة النور، الآية 31.
[5] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص28.
146
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾[1].
6. عدم الخلوة: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا يخلونّ رجلٌ بامرأة؛ فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطانُ ثالثَهما»[2].
السيّدة الزهراء (عليها السلام) والعفّة
رُوي عن السيّدة الزهراء (عليها السلام) قولها: «خيرٌ للنساء أن لا يرَيْنَ الرجال، ولا يراهُنَّ الرجال»[3]، ومن الواضح أنّها (سلام الله عليها) تبيّن في كلامها الدرجة الأكمل في العلاقة بين الجنسين، وتعالج مسألة الاختلاط الّذي قد يؤثّر سلباً على الطهارة الروحيّة للرجل والمرأة معاً؛ فإنِ استطاعت المرأة الابتعاد عن دائرة الاختلاط فهو خيرٌ لها.
لكن هذا لا يعني العزلة التامّة عن قضايا المجتمع، فإذا اقتضت الحاجة والضرورة إلى المشاركة والعمل، فإنّه ينبغي لها ذلك، لكن مع مراعاة الضوابط الشرعيّة والأخلاقيّة الكاملة.
وفي شأن عمل المرأة واختلاطها بالمجتمع، يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «لا يمكن للبلد أن يستغني عن طاقة العمل عند النساء في المجالات المختلفة. ولكن يجب أن لا يتنافى هذا العمل مع كرامة المرأة وقيمتها المعنويّة والإنسانيّة، ويجب أن لا يذلّوا المرأة ولا يدفعوها إلى التواضع والخضوع؛ فالتكبّر مذموم من جميع الناس إلّا من النساء أمام الأجانب؛ فيجب أن تكون المرأة متكبّرةً أمام الرجل
[1] سورة الأحزاب، الآية 32.
[2] السيّد البروجرديّ، جامع أحاديث الشيعة، ج20، ص309.
[3] الشيخ الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص233.
147
الموعظة الخامسة والعشرون: العفّة حصن المجتمع
الأجنبيّ ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. وهذا هو من أجل المحافظة على كرامة المرأة، والإسلام يريد هذا، وهذه هي أسوة المرأة المسلمة»[1].
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 17/12/1992م.
148
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
الموعظة السادسة والعشرون
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
هدف الموعظة
توجيه المؤمنين نحو اغتنام فضل شهر رمضان بالتوبة النصوح والإنابة الصادقة، وإبراز أهمّيّته، مع التأكيد على اتّقاء السيئات كدرع واقٍ يحفظ العبد من الزلل ويمنحه مكانة عند الله.
محاور الموعظة
التوبة مفتاح القلوب وسبيل النجاة
خصوصيّة التوبة في شهر رمضان
اتّقاء السيّئات درعٌ واقٍ
تصدير الموعظة
الإمام الباقر (عليه السلام): «التائب من الذنب كمَن لا ذنب له، والمقيم على الذنب، وهو مُستغفِر منه، كالمُستهزئ»[1].
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص435.
149
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
التوبة مفتاح القلوب وسبيل النجاة
إنّ التوبة من المعصية هي الطريق الأوّل للسالكين إلى الله، وركيزة الفائزين، ومفتاح استقامة القلوب المريدَة للحقّ، وأساس النجاة من الضلال والمهالك. فهي التي تُطهّر الروح، وتعيد الإنسان إلى صراط الاستقامة. وقد بيّن الله عظيم فضلها في كتابه الكريم حين قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِين﴾[1].
تُظهر لنا النصوص الشريفة عظمة التوبة وعلوّ منزلتها؛ إذ التائب الصادق يُحسب كمن لم يذنب قطّ، ويُمسح عن قلبه كلّ أثر للخطايا الماضية. وشهر رمضان يمثّل فرصة استثنائيّة لهذا العمل العظيم، فهو شهر الرحمة والرضوان، تُفتَح فيه أبواب الجنة، وتُغلَق أبواب النار، وتُكبَّل الشياطين، فتتدفق من الله تعالى فيوضاته على عباده، لتطهّر القلوب وتعيدها إلى حضن الخالق. فما أعظم أن يغتنم الإنسان هذه الفرصة الثمينة للتوبة النصوح والإنابة الصادقة!
إنّ هذا الشهر الذي يدعونا إلى مواجهة ضعفنا وندمنا، والالتزام بالعزم الصادق على عدم العودة إلى ما فات. فالتوبة قرار قلبيّ صادق، يتجسّد في الندم على المعاصي، والعزم على الإصلاح، والعودة إلى الله سبحانه. وقد وجّهنا الله تعالى إلى هذا الطريق في كتابه الكريم، مؤكّداً أنّه سبيل الفلاح والسعادة الحقيقيّة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[2].
خصوصيّة التوبة في شهر رمضان
ولا شكّ في أنّ التوبة في شهر الرحمة والمغفرة تكون أكثر قبولاً وتيسيراً؛ إذ إنّ لشهر رمضان خصوصيّة كبيرة في جميع العبادات، ومن بين أهمّ هذه العبادات
[1] سورة البقرة، الآية 222.
[2] سورة النور، الآية 31.
150
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
التوبة، فهذا الشهر يتميّز عن غيره من الأشهر بأنّ التوبة فيه تكون أشد تأثيراً في تطهير القلوب ورفع الدرجات. ويمكن بيان هذه الخصوصيّة في جوانب عدّة:
1. شهر هداية ومغفرة
لقد جاء ذكر شهر رمضان في الكتاب الكريم في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1]، تبيّن هذه الآية الكريمة أنّ شهر رمضان هو شهر الهداية، وأنّه شهر لا يُشبِهُه شهر آخر، فيه يفتح الله تعالى أبواب المغفرة والرحمة على مصراعَيها، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور»[2]، ولا شكّ في كون التوبة أقرب إلى التحقّق والقبول؛ لأنّ الله في هذا الشهر لا يردّ تائباً، ولا يحرمه من مغفرته ورحمته.
2. أبواب الجنان مُفتَّحة وأبواب النيران مُغلَّقة
إنّ من أعظم خصوصيّات شهر رمضان وفضائله، أنّ الله سبحانه وتعالى يفتح فيه أبواب الجنّة ويغلق أبواب النيران، كما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أيّها الناس، إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مُفتَّحة، فاسألوا ربّكم أن لا يغلقها عنكم، وأبواب النيران مُغلَّقة، فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة، فاسألوا ربّكم أن لا يسلِّطها عليكم»[3]، فهذا
[1] سورة البقرة، الآية 185.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
[3] المصدر نفسه.
151
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
الوضع الخاصّ يجعل الفرصة أمام التائبين عظيمة؛ إذ تكون أبواب الجنّة مفتوحة لاستقبال التائبين، وتقلّ فرص المعاصي بفعل تقييد الشياطين، ممّا يجعل القلب أكثر استعداداً للعودة إلى الله.
3. ليلة القدر
إنّ ليالي شهر رمضان هي أعظم الليالي، وثمّة ليلة بينها هي خير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، وهي الفرصة الذهبيّة التي يتقبّل فيها الله الدعاء والتوبة بشكلّ خاصّ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه»[1]، ولا شكّ في عِظَم الأمل بقبول التوبة في هذه الليلة المباركة.
4. الاستغفار
إنّ شهر رمضان هو شهر التطهّر والاعتراف بالتقصير أمام الله، ويُستحبّ فيه أن يكثر المؤمن من الاستغفار، وفي ذلك محو للذنوب والآثام، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام): «قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء؛ فأمّا الدعاء فيُدفَع به عنكم البلاء، وأمّا الاستغفار فيُمحي ذنوبكم»[2].
5. توجّه المؤمن إلى الله
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «الأسباب المادّيّة والدوافع والمغريات المادّيّة تشبه الأشواك والقمامة التي تعتلي هذا الجوهر، وعندما يأتي شهر رمضان فكأنّ
[1] الشيخ الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص136.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص88.
152
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
نسيماً هبّ ليزيل هذه الزوائد كلّها ويُظهِر ذلك الجوهر، وليحلَّ محلّه ذلك التوجّه إلى الله تعالى»[1].
من مميّزات شهر رمضان أنّ المؤمن يمتنع عن المفطرات في نهاره، من طعام وشراب... الأمر الذي يتيح له فرصةً أكبر للتوجّه إلى الله بالدعاء والعبادة. وهذا البُعد عن الملهيات يعزّز من قدرة المؤمن على التوبة والإقبال على الله، ويُتيح له الوقت والتفرّغ لتصفية قلبه من الذنوب والآثام، فيكون أكثر استعداداً للندم والعزم على عدم العودة إلى المعاصي.
6. الدعاء المستجاب
يتميّز شهر رمضان بأنّ الدعاء فيه مستجاب، خصوصاً في الأوقات الفضيلة كوقت الإفطار، وقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ للصائم عند إفطاره دعوةً لا تُرَدّ»[2]، فالدعاء في رمضان له قبول خاصّ، فكيف إذا كان دعاءً بالتوبة والمغفرة.
اتّقاء السيّئات درعٌ واقٍ
إنّ التوبة ليست مجرد وسيلة لمحو الذنوب بعد وقوعها، بل هي باب للرحمة والمغفرة كما بيّن الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾[3]. وقد أكّد القرآن الكريم أنّ التوبة الصادقة المرتبطة بالإيمان والعمل الصالح تُحوّل السيّئات إلى حسنات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 10/09/2010م.
[2] الراونديّ، الدعوات، ص27.
[3] سورة البقرة، الآية 275.
153
الموعظة السادسة والعشرون: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾[1].
غير أنّ الاتّقاء من ارتكاب السيّئات يبقى أعظم منزلة، وأفضل درعٍ واقٍ للعبد، فالله سبحانه وتعالى جعل الابتعاد عن المعاصي أرفع من التوبة بعد الوقوع فيها. فقد أوضح تعالى أنّ المعاصي في حقيقتها تنشأ من وساوس شيطانيّة، أما المؤمن المخلص، فهو الذي يتجنّب هذه الوساوس قبل أن تغريه، فيكون صامداً لا تزل قدمه ولا يعثر قلبه.
وقد مدح الله هؤلاء المخلصين في كتابه الكريم، مبرزاً تميّزهم على غيرهم من عباده الصالحين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[2]، فهؤلاء عباد اختصّهم الله بمقام العبوديّة اختصاصاً لا يشاركهم فيه غيرُهم من الصالحين التائبين.
[1] سورة الفرقان، الآيتان 70 - 71.
[2] سورة الحجر، الآيات 39 - 42.
154
الموعظة السابعة والعشرون: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
الموعظة السابعة والعشرون
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
هدف الموعظة
إحياء معنى الاعتصام بحبل الله بوصفه طريقاً إلى وحدة الصفّ، وصفاء القلوب، وتماسك المجتمع الإيمانيّ.
محاور الموعظة
وحدة المؤمنين ونبذ الفرقة
مرتكزات الأخوّة في المجتمع الإيمانيّ
جسور المودّة بين المؤمنين
تصدير الموعظة
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾[1].
[1] سورة آل عمران، الآية 103.
155
الموعظة السابعة والعشرون: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
وحدة المؤمنين ونبذ الفرقة
جُبل الإنسان على العيش ضمن جماعة، وتتشكّل علاقاته بالآخرين عبر روابط شتّى كالعائلة والمجتمع والانتماء والمنطقة، غير أنّ أسمى هذه الروابط وأرسخها هي رابطة الإيمان بالله والتقوى. فالأخوّة الإيمانيّة تتقدّم على كلّ انتماء آخر؛ لأنّها توحّد القلوب قبل أن تجمع الأجساد، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ... وَإِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالاً بِرُوحِ اللَّهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا»[1].
ومن هنا شدّد الإسلام على نبذ كلّ ما يزرع العداوة والبغضاء بين الناس، وحذّر من التفرّق والاختلاف؛ لأنّهما طريق الضعف والهلاك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[2]، وقد عدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) معاداة الناس رأس الجهل[3].
مرتكزات الأخوّة في المجتمع الإيمانيّ
وانطلاقاً من مبدأ الاعتصام بحبل الله ووحدة الصفّ التي دعا إليها القرآن الكريم، تبرز الحاجة إلى ترسيخ الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين المؤمنين، وتتحوّل بها الأخوّة من شعارٍ يُرفع إلى سلوكٍ يُمارَس في الواقع اليوميّ. فالمجتمع الإيمانيّ لا يقوم على مجرّد الانتماء الظاهريّ، بل على قواعد أخلاقيّة وروحيّة تحفظ تماسكه، وتمنع تسلّل أسباب الشقاق والنزاع إلى أفراده. ومن أهمّ هذه المرتكزات ما يأتي:
1. الأخوّة رابطة إلهيّة: عن الإمام الباقر (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص166.
[2] سورة آل عمران، الآية 105.
[3] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص264.
156
الموعظة السابعة والعشرون: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينَةِ الْجِنَانِ، وَأَجْرَى فِي صُوَرِهِمْ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ؛ فَلِذَلِكَ هُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ»[1].
2. الخدمة المتبادلة مظهر الأخوّة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُونَ خَدَمٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ»، قيل: وَكَيْفَ يَكُونُونَ خَدَماً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ؟ قَالَ: «يُفِيدُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً»[2].
3. الحقوق عنوان المسؤوليّة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَشْبَعَ وَيَجُوعُ أَخُوهُ، وَلَا يَرْوَى وَيَعْطَشُ أَخُوهُ، وَلَا يَكْتَسِيَ وَيَعْرَى أَخُوهُ، فَمَا أَعْظَمَ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ»، وهي من أعظم مصاديق العبادة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ حَقِّ الْمُؤْمِنِ»[3].
4. حرمة المؤمن مقياس الإيمان: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لَا يُعَظِّمُ حُرْمَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَنْ قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ حُرْمَتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ كَانَ أَبْلَغَ حُرْمَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ أَشَدَّ تَعْظِيماً لِحُرْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنِ اسْتَهَانَ لِحُرْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ هَتَكَ سِتْرَ إِيمَانِهِ، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله): إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ، إِعْظَامَ ذَوِي الْقُرْبَى فِي الْإِيمَانِ...»[4].
جسور المودّة بين المؤمنين
ومن الوسائل العمليّة التي أكّدتها النصوص الشريفة في توثيق عُرى الأخوّة الإيمانيّة
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص167.
[2] المصدر نفسه، ج2، ص167.
[3] المصدر نفسه، ج2، ص170.
[4] الإمام الصادق (عليه السلام) [منسوب]، مصباح الشريعة، ص69.
157
الموعظة السابعة والعشرون: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
وإحياء روح المحبّة بين المؤمنين: التزاور والتصافح؛ فهما ليسا سلوكَين اجتماعيَّين عابرَين، بل عبادتان لهما أثرهما العميق في تزكية القلوب وتقوية الروابط الروحيّة، وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ زَائِراً أَخَاهُ، لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ، الْتِمَاسَ وَجْهِ اللَّهِ، رَغْبَةً فِي مَا عِنْدَهُ، وَكَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُنَادُونَهُ مِنْ خَلْفِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ: أَلَا طِبْتَ وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ»[1].
وعنه (عليه السلام) أيضاً: «إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَنَّةً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ، وَرَجُلٌ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ، وَرَجُلٌ آثَرَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ»[2].
كما جعلت الروايات للمصافحة منزلةً خاصّة في إزالة ما قد يعلق في النفوس من آثار الشحناء، فقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا وَتَصَافَحَا، أَدْخَلَ اللَّهُ يَدَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَصَافَحَ أَشَدَّهُمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ»[3].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «تَصَافَحُوا فَإِنَّهَا تَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ[4]»[5].
والتزاور لا يقتصر أثره على تقوية العلاقات الاجتماعيّة فحسب، بل يبعث الحياة في القلوب، ويجعل مجالس المؤمنين موطناً لذكر أهل البيت (عليهم السلام)
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص177.
[2] المصدر نفسه، ج2، ص178.
[3] المصدر نفسه، ج2، ص179.
[4] السخيمة: الحقد والحسد.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص183.
158
الموعظة السابعة والعشرون: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
والتراحم فيما بينهم، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «تَزَاوَرُوا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِكُمْ إِحْيَاءً لِقُلُوبِكُمْ، وَذِكْراً لِأَحَادِيثِنَا، وَأَحَادِيثُنَا تُعَطِّفُ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ»[1].
[1] المصدر نفسه، ج2، ص186.
159
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
الموعظة الثامنة والعشرون
المداومة على العمل
هدف الموعظة
بيان أنّ العبادة ليست موسميّة مرتبطة بشهر رمضان فقط، بل هي منهج حياة مستمرّ، وأنّ المداومة على العمل الصالح -وإن كان قليلاً- هي الميزان الحقيقيّ لقبول الأعمال وثبات الإنسان على طريق الطاعة.
محاور الموعظة
شهر رمضان مدرسة الاستمرار
معنى المداومة في ميزان الشريعة
كيف نصنع المداومة؟
مدّة الالتزام وحدّ الاستمرار
الحكمة من المداومة
المداومة بعد شهر رمضان
خطر الانقطاع بعد المواسم العباديّة
تصدير الموعظة
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[1].
[1] سورة الحجر، الآية 99.
160
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
شهر رمضان مدرسة الاستمرار
يشهد المؤمن في شهر رمضان المبارك حالةً خاصّة من النشاط الروحيّ والانضباط السلوكيّ؛ فيُكثِر من الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، وضبط الجوارح عن المعاصي، ويجاهد نفسه على ترك كثير من العادات السيّئة. وهذه الحالة ليست مقصودة لذاتها في هذا الشهر فحسب، بل المقصود منها أن تكون تدريباً عمليّاً على نمط حياةٍ دائم.
إنّ الخطر الحقيقيّ لا يكمن في ضعف الإنسان أثناء الشهر، بل في أن يكون رمضان موسماً مؤقّتاً للطاعة، ثمّ يعود بعده إلى الفتور والغفلة. من هنا، جاءت وصايا أهل البيت (عليهم السلام) بتأكيد الاستمراريّة والمداومة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الْمُدَاوَمَةَ الْمُدَاوَمَةَ! فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ غَايَةً إِلَّا الْمَوْتَ»[1].
معنى المداومة في ميزان الشريعة
المداومة تعني الاستمرار على العمل الصالح من غير انقطاع، ولو كان ذلك العمل قليلاً في حجمه، ما دام ثابتاً في وقته وأثره، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِنْ قَلَّ»[2].
إنّ هذه الرواية تؤسّس لمبدأ مهمّ: قيمة العمل ليست فقط في كثرته، بل في ثباته. فعملٌ قليل مستمرّ خير من عملٍ كثير منقطع؛ لأنّ الاستمرار يعبّر عن رسوخ العلاقة بالله تعالى، بينما الانقطاع يدلّ على ارتباط ظرفيّ أو موسميّ بالطاعة.
[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج1، ص130.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص82.
161
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
كيف نصنع المداومة؟
يرشدنا الإمام الباقر (عليه السلام) إلى منهج عمليّ في صناعة المداومة، إذ يقول: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَدُومَ عَلَى الْعَمَلِ إِذَا عَوَّدَتْنِي نَفْسِي، وَإِنْ فَاتَنِي مِنَ اللَّيْلِ قَضَيْتُهُ مِنَ النَّهَارِ، وَإِنْ فَاتَنِي مِنَ النَّهَارِ قَضَيْتُهُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دِيمَ عَلَيْهَا»[1].
يتّضح من هذا الحديث عدّة معالم: أنّ العمل الصالح ينبغي أن يتحوّل إلى عادة، وأنّ الفوات لا يعني الترك، بل القضاء، وأنّ المؤمن ينبغي أن يربط نفسه ببرنامج عباديّ ولا يقطعه بسبب الكسل أو الانشغال، وهذا المنهج يربّي في الإنسان روح الالتزام، لا روح الاندفاع المؤقّت.
مدّة الالتزام وحدّ الاستمرار
يُوصي الإمام الصادق (عليه السلام) بأن تكون للمداومة مدّة معتبرة، فيقول: «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ سَنَةً، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَكُونُ فِيهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ»[2].
وهذه الرواية تكشف عن بُعد تربويّ دقيق؛ فالإنسان قد يبدأ العمل بحماس، لكنّ النفس لا تستقرّ عليه إلّا إذا استمرّ عليه زمناً كافياً. والسنة تمثّل دورةً كاملة من الزمن، يمرّ فيها المؤمن بمواسم مختلفة من النشاط والفتور، فيتعلّم الثبات في جميع الأحوال.
الحكمة من المداومة
لقد شدّد أهل البيت (عليهم السلام) على المداومة؛ لأنّ العمل الصالح هو
[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج1، ص129.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص82.
162
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
الرفيق الحقيقيّ للإنسان بعد الموت. فقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الحقيقة في حديثه المشهور حين مثّل للإنسان ماله وولده وعمله عند الموت، وأنّ الوحيد الذي يبقى معه هو عمله، فقال: «إِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَلْتَفِتُ إِلَى مَالِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَيْكَ حَرِيصاً شَحِيحاً، فَمَا لِي عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: خُذْ مِنِّي كَفَنَكَ.
قَالَ: فَيَلْتَفِتُ إِلَى وَلَدِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ لَكُمْ مُحِبّاً، وَإِنِّي كُنْتُ عَلَيْكُمْ مُحَامِياً، فَمَا ذَا لِي عِنْدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نُؤَدِّيكَ إِلَى حُفْرَتِكَ نُوَارِيكَ فِيهَا.
قَالَ: فَيَلْتَفِتُ إِلَى عَمَلِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ فِيكَ لَزَاهِداً، وَإِنْ كُنْتَ عَلَيَّ لَثَقِيلاً، فَمَا ذَا عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا قَرِينُكَ فِي قَبْرِكَ، وَيَوْمِ نَشْرِكَ، حَتَّى أُعْرَضَ أَنَا وَأَنْتَ عَلَى رَبِّكَ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيّاً، أَتَاهُ أَطْيَبَ النَّاسِ رِيحاً، وَأَحْسَنَهُمْ مَنْظَراً وَأَحْسَنَهُمْ رِيَاشاً، فَقَالَ: أَبْشِرْ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ، وَمَقْدَمُكَ خَيْرُ مَقْدَمٍ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، ارْتَحِلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْجَنَّةِ»[1].
فإذا كان العمل هو الرفيق في القبر، فالعاقل لا يفرّط في هذا الرفيق، ولا يتركه ضعيفاً أو منقطعاً.
المداومة بعد شهر رمضان
ليس الميزان الحقيقيّ لنجاح الإنسان في شهر رمضان كثرة دموعه أو شدّة خشوعه فيه فقط، بل ما يبقى معه بعده. فإن بقي على صلاة الليل ولو مرّة في
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص231 - 232.
163
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
الأسبوع، وعلى قراءة القرآن ولو صفحة في اليوم، وعلى ضبط لسانه وجوارحه، فقد نجح في الامتحان التربويّ للشهر؛ أما إذا انتهى الشهر وانتهت معه الصلاة والقرآن والمراقبة، فهذا يدلّ على أنّ شهر رمضان لم يتحوّل إلى مشروع تغيير دائم.
ومن مصاديق المداومة التي يمكن لكلّ مؤمن الالتزام بها: المحافظة على الصلوات في أوّل وقتها، وقراءة مقدار ثابت من القرآن يوميّاً، والالتزام ببعض الأدعية والتعقيب بعد الصلوات اليوميّة، والصدقة الدائمة ولو بالقليل، ومراقبة اللسان عن الغيبة والكذب، ومحاسبة النفس قبل النوم.
يُوصينا الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، فيقول: «الأسباب المادّيّة والدوافع والمغريات المادّيّة تشبه الأشواك والقمامة التي تعتلي هذا الجوهر، وعندما يأتي شهر رمضان فكأنّ نسيماً هبّ ليزيل كلّ هذه الزوائد ويظهر ذلك الجوهر... فما حصلتم عليه من ذخائر في هذا الشهر المبارك احفظوه، والأنس بالقرآن الذي جرّبتموه حافظوا عليه، وكذلك صلاة الجماعة في أوّل وقتها، والصلاة في المسجد، والصلاة بتوجّه وحضور قلب، احفظوها طوال السنة»[1].
خطر الانقطاع بعد المواسم العباديّة
إنّ من أخطر ما يصيب السلوك الدينيّ أن يتحوّل إلى موسميّة: موسم شهر رمضان، موسم عاشوراء، موسم الحجّ... بينما يريد الإسلام أن تكون العلاقة بالله مستمرّة؛ لأنّ الإنسان محتاج إلى الهداية في كلّ أيّامه، لا في بعض أشهره، ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ غَايَةً
[1] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 10/09/2010م.
164
الموعظة الثامنة والعشرون: المداومة على العمل
إِلَّا الْمَوْتَ»؛ أي إنّ نهاية العمل ليست آخر شهر رمضان، بل آخر العمر.
165
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
الموعظة التاسعة والعشرون
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
هدف الموعظة
إظهار مفهوم لقاء الله في بعده المعنويّ، وبيان أثر المراقبة والمحاسبة في ضبط السلوك الدينيّ، مع إبراز شهر رمضان بوصفه إطاراً تربويّاً لترسيخ هذا الوعي السلوكيّ.
محاور الموعظة
مفهوم لقاء الله
المراقبة والمحاسبة وأثرهما في السلوك الدينيّ
شهر رمضان وتنمية الشعور بالرقابة الإلهيّة
تصدير الموعظة
﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾[1].
[1] سورة الحشر، الآية 18.
166
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
لا سعادة أسمى للإنسان من أن يشعر أنّه يسير في طريق القرب الإلهيّ؛ لأنّ الله تعالى هو الكمال المطلق، ومنتهى الرحمة، ومصدر الطمأنينة، ولا استقرار للنفس إلّا بالرجوع إليه، وقد بشّر القرآن الكريم بالوعد الإلهيّ بلقاء المؤمنين به، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]، ووعد الذين يرجون لقاءه بأنّ لهم ما يأملون: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّميعُ الْعَليمُ﴾[2].
وإن شهر رمضان يُعَدّ مرحلة مركّزة لإعادة توجيه الإنسان نحو غايته الوجوديّة، وهي القرب من الله تعالى، من خلال منظومة سلوكيّة تشمل ضبط الغرائز، وتنظيم القول، وتهذيب النيّة، وتحويل العبادة إلى حالة وعيٍ بالحضور الإلهيّ.
مفهوم لقاء الله
وإنّ «لقاء الله» يُستعمل في النصوص القرآنيّة بمعناه المعنويّ لا الحسّي؛ لأنّ الله تعالى منزَّه عن الجهة والمكان والرؤية البصريّة، كما قال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾[3]. وعليه، فاللقاء لا يدلّ على مشاهدة مادّيّة، بل على تحقّق نوعٍ من الوعي والارتباط المعرفيّ بالله تعالى.
ويتحقّق هذا اللقاء على مستويين:
الأوّل في الدنيا، ويتمثّل في حضور الله في وعي الإنسان حضوراً دائماً، بحيث تنتظم أفعاله وسلوكاته على أساس الاعتقاد برقابة الله وسلطانه المطلق. وهذا المعنى يقتضي زوال الغفلة، وتحويل الإيمان من تصديق نظريّ إلى توجّه عمليّ
[1] سورة البقرة، الآية 223.
[2] سورة العنكبوت، الآية 5.
[3] سورة الأنعام، الآية 103.
167
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
مستمرّ في العبادة والطاعة وعدم الالتفات إلى غير الله في مقام الاعتماد والطلب.
والثاني في الآخرة، وهو ظهور النتائج النهائيّة لهذا الوعي والسلوك في المصير الأخرويّ، حيث يتجلّى قرب الإنسان من الله أو بُعده عنه بحسب درجة التزامه بمقتضيات العبوديّة في حياته الدنيا.
وبناءً عليه، فإنّ إدراك الإنسان أنّ الله خالقه ومالك أمره، وأنّه محيط به في كلّ أحواله، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾[1]، يفرض عليه أن يجعل توجّهه الدينيّ قائماً على الإخلاص في العبادة، وحصر الطلب والاستعانة بالله وحده، وتنظيم السلوك وفق مبدأ المسؤوليّة أمامه تعالى.
المراقبة والمحاسبة وأثرهما في السلوك الدينيّ
إذاً، تقوم الرؤية الإسلاميّة لكمال الإنسان وسعادته الحقيقيّة على مبدأ القرب من الله تعالى، وهو قربٌ معنويّ يتحقّق من خلال منظومة تربويّة وسلوكيّة متكاملة، في مقدّمتها عنصران أساسيّان: المراقبة والمحاسبة؛ فالمراقبة تمثّل وعي الإنسان الدائم بأنّه في محضر الله تعالى، وأنّ جميع أفعاله الظاهرة والباطنة خاضعة لعلمه وإحاطته، أمّا المحاسبة فهي المرحلة اللاحقة التي يقوم فيها الفرد بتقويم سلوكه ومراجعة أعماله على ضوء هذا الوعي المستمرّ.
إنّ إدراك الإنسان لكونه واقعاً تحت الرقابة الإلهيّة يشكّل أساساً لضبط سلوكه؛ إذ تنتقل العبادة عندئذٍ من مجرّد التزام شكليّ إلى ممارسة واعية قائمة على الشعور بالمسؤوليّة والمساءلة الذاتيّة. فحين يتيقّن الإنسان بأنّ الله مطّلع على
[1] سورة الحديد، الآية 4.
168
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
أفعاله، يصبح السلوك منضبطاً بمعيار الرضا الإلهيّ لا بالمصالح الآنيّة أو الرقابة الاجتماعيّة الخارجيّة، ويتحوّل الامتثال للأحكام الشرعيّة إلى خيار نابع من الداخل.
وقد قرّر القرآن الكريم هذين الأصلين بوضوح في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾[1]، حيث يجمع النصّ القرآنيّ بين التقوى بوصفها حالة مراقبة دائمة، وبين النظر في العمل بوصفه محاسبة ذاتيّة مستمرّة. كما يعبّر القرآن عن شمول هذه الرقابة بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[2]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سُئل عن «المؤمنون» في الآية الكريمة، قال: «هم الأئمّة»[3]؛ ممّا يدلّ على أنّ أفعال الإنسان تقع ضمن منظومة متكاملة من الرقابة الإلهيّة والرساليّة.
وتؤكّد الروايات الواردة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا البعد التربويّ بأسلوب عمليّ مباشر، إذ يقول: «حاسبوا نفوسكم بأعمالها، وطالبوها بأداء المفروض عليها وخذوا من فنائها لبقائها، وتزوّدوا وتأهّبوا قبل أن تُبعَثوا»[4]. وتكشف هذه النصوص عن رؤية أخلاقيّة تجعل الإنسان شريكاً فاعلاً في تقويم ذاته، لا مجرّد متلقٍّ للأوامر، فيتحوّل إلى عنصر واعٍ بمصيره ومسؤوليّته السلوكيّة.
وعلى هذا الأساس، فإنّ استحضار المراقبة والمحاسبة يؤدّي إلى التزام عمليّ
[1] سورة الحشر، الآية 18.
[2] سورة التوبة، الآية 105.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص219.
[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص234.
169
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
باجتناب المعاصي وأداء الواجبات، كما يسهم في ترسيخ عنصر الإخلاص في النيّة؛ لأنّ العمل يصبح موجّهاً إلى الله وحده، بعيداً عن دوافع الرياء أو العادة أو الضغط الاجتماعيّ. ومن هنا وُصفَت بعض العبادات، كالصلاة، بأنّها «قربان كلِّ تقيّ»[1]، لكونها نموذجاً عمليّاً لسلوك يصدر في إطار هذا الوعي الرقابي المتكامل.
أمّا الغفلة عن هذا المعنى، فتؤدّي تدريجيّاً إلى ضعف الحسّ بالمسؤوليّة والتهاون في التكاليف الشرعيّة، إذ يفقد السلوك مرجعيّته الأخلاقيّة الداخليّة، ويصبح تابعاً للظروف الخارجيّة بدل أن يكون منضبطاً بمعيار القرب من الله تعالى. وبذلك يمكن القول إنّ المراقبة والمحاسبة تشكّلان ركيزتين أساسيتين في بناء الإنسان المؤمن، وفي تحقيق التوازن بين العبادة والسلوك، وبين النيّة والعمل، ضمن إطار أخلاقي متكامل.
شهر رمضان وتنمية الشعور بالرقابة الإلهيّة
وإنّ ممّا يساعد على تحقيق هذا الشعور أيضاً وتنميته هو هذا الشهر الشريف، فـ«هو شهر دُعيتُم فيه إلى ضيافة الله، وجُعِلتُم فيه من أهل كرامة الله»[2]؛ لذا هو فرصة تجلّي العلاقة بالله تعالى، وإنّ من أهمّ ما يمكن أن يتقرّب به الإنسان الله في هذا الشهر هو اجتناب المحارم، إذ يسأل أميرُ المؤمنين (عليه السلام) رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله): «يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟»، فيجيبه (صلّى الله عليه وآله): «يا أبا الحسن، أفضلُ الأعمال الورعُ
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص265.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
170
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
عن محارم الله»[1]، وما يعين الإنسان على الورع معرفةُ خصائص هذا الشهر الكريم ومزاياه، نذكر منها:
1. شهر القرآن والهداية: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رمَضانَ الّذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدىً لِلنّاسِ وبيّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان﴾[2].
2. شهر التكريم بالتكليف: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّما فرَضَ اللهُ صيامَ شهر رمضانَ على الأنبياء دون الأُمم، ففضّل اللهُ به هذه الأُمّة، وجعل صيامَه فرضاً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعلى أُمّته»[3].
3. شهر تثبيت الإخلاص: عن فاطمة الزهراء (عليها السلام): «فرَضَ اللهُ الصيامَ تثبيتاً للإخلاص»[4].
4. شهر زكاة الأبدان: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لكلّ شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام»[5].
5. شهر العبادة والثواب الجزيل: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ومَن تطوّع فيه بصلاةٍ كتَبَ اللهُ له براءةً مِن النار، ومَن أدّى فرضاً كان له ثوابُ مَن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه من الشهور، ومَن أكثرَ فيه مِن الصلاةِ علَيّ ثقّل اللهُ ميزانَه يومَ تخفّ الموازين، ومَن تَلا فيه آيةً مِن القرآن كان له
[1] المصدر نفسه، ص155.
[2] سورة البقرة، الآية 185.
[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص100.
[4] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج1، ص134.
[5] الشيخ المفيد، المقنعة، ص304.
171
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
عن محارم الله»[1]، وما يعين الإنسان على الورع معرفةُ خصائص هذا الشهر الكريم ومزاياه، نذكر منها:
1. شهر القرآن والهداية: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رمَضانَ الّذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدىً لِلنّاسِ وبيّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان﴾[2].
2. شهر التكريم بالتكليف: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّما فرَضَ اللهُ صيامَ شهر رمضانَ على الأنبياء دون الأُمم، ففضّل اللهُ به هذه الأُمّة، وجعل صيامَه فرضاً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعلى أُمّته»[3].
3. شهر تثبيت الإخلاص: عن فاطمة الزهراء (عليها السلام): «فرَضَ اللهُ الصيامَ تثبيتاً للإخلاص»[4].
4. شهر زكاة الأبدان: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لكلّ شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام»[5].
5. شهر العبادة والثواب الجزيل: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ومَن تطوّع فيه بصلاةٍ كتَبَ اللهُ له براءةً مِن النار، ومَن أدّى فرضاً كان له ثوابُ مَن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه من الشهور، ومَن أكثرَ فيه مِن الصلاةِ علَيّ ثقّل اللهُ ميزانَه يومَ تخفّ الموازين، ومَن تَلا فيه آيةً مِن القرآن كان له
[1] المصدر نفسه، ص155.
[2] سورة البقرة، الآية 185.
[3] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص100.
[4] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج1، ص134.
[5] الشيخ المفيد، المقنعة، ص304.
172
الموعظة التاسعة والعشرون: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ
مِثلُ أجرِ مَن ختم القرآنَ في غيره من الشهور»[1].
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص155.
173
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
الموعظة الثلاثون
يوم الحصاد
هدف الموعظة
تحفيز المؤمن على اغتنام ليلة العيد ويومه بالطاعات والعبادة، مع محاسبة النفس وتجديد العهد مع الله، والحفاظ على ما اكتسبه من الطاعات خلال شهر رمضان.
محاور الموعظة
أعياد المسلمين
العيد يوم الجوائز
إحياء ليلة العيد
تصدير الموعظة
سُئِل رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا رسول الله، ما شهر رمضان؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): «أرمضَ اللهُ تعالى فيه ذنوبَ المؤمنين، وغفرها لهم»، قيل: يا رسول الله، فشوّال؟ قال: «شالَت فيه ذنوبهم، فلم يبقَ فيه ذنبٌ إلّا غفره»[1].
أعياد المسلمين
[1] السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج2، ص14.
174
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
أعياد المسلمين
سُمّيَ العيد عيداً؛ لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مُجدَّد. والعِيدُ كلُّ يوم فيه جَمْعٌ، واشتقاقه من عاد يَعُود، كأَنّهم عادوا إِليه؛ وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأَنّهم اعتادوه... وعَيَّدَ المسلمون: شَهِدوا عِيدَهم[1].
وإنّ أعياد المسلمين أربعة؛ ثلاثةٌ منها تكون مرّة في السنة، وواحد منها في كلّ أسبوع؛ فأمّا الّذي في كلّ أسبوع، فيوم الجمعة؛ وأمّا الثلاثة، فعيد الفطر وعيد الغدير وعيد الأضحى، وهو يوم العاشر من ذي الحجّة. وقد جُمعَت هذه الأعياد في روايةٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حينما سأله المفضّل بن عمر: كم للمسلمين من عيد؟ فقال (عليه السلام): «أربعة أعياد»، قال: قلت: قد عرفتُ العيدين والجمعة، فقال لي: «أعظمها وأشرفها يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو اليوم الذي أقام فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أميرَ المؤمنين (عليه السلام) ونصبه للناس علماً...»[2]؛ أي عيد الغدير.
العيد يوم الجوائز
إنّ يوم العيد في جوهره هو يوم الجوائز الإلهيّة، يوم الحصاد الروحيّ الذي يفيض الله فيه على من اجتهد في الطاعات خلال الشهر الكريم بنعمة غفران الذنوب وكفران السيّئات. لذلك، ينبغي للمؤمن أن يتهيأ لهذا اليوم المبارك ويجتهد قبله، كي لا يكون من الذين حُرِموا العطايا الإلهيّة والجوائز الثمينة.
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إذا طلع هلال شوّال، نُودِي المؤمنون أنِ اغْدُوا إلى جوائزكم؛ فهو يوم الجائزة»، ثمّ قال (عليه السلام): «أما والّذي
[1] ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص319.
[2] الشيخ الصدوق، الخصال، ص264.
175
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
نفسي بيده، ما هي بجائزة الدنانير ولا الدراهم»[1]، مؤكّداً أنّ مكافأة الله لا تُقاس بالدنيا، بل بالجزاء الربّانيّ العميم.
وقد نظر الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) إلى أناسٍ في يوم فطرٍ يلعبون ويضحكون، فقال لأصحابه، والتفت إليهم: «إنّ الله عزّ وجلّ جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه، فسَبَق فيه قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجب كلُّ العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الّذي يُثاب فيه المحسنون ويخيب فيه المقصّرون! وأيم الله، لو كُشِف الغطاء، لشُغِل مُحسنٌ بإحسانه ومسيءٌ بإساءَتِه»[2].
من هنا، يتبيّن أنّ ليلة العيد يجب أن تكون ليلة مراقبة واعتبار، لتدارك أي نقص أو تقصير وقع في رمضان قبل فوات الأوان. فهي من الليالي الشريفة التي ورد فيها فضل العبادة وإحياؤها، فليكن العيد مناسبة للتأمّل في أعمال الشهر، واستعداداً لتلقّي الجوائز الإلهيّة بروح يقظة وحسّ المسؤوليّة.
إحياء ليلة العيد
إنّ ليلة العيد فرصة ثمينة وهبها الله لعباده، ليلة مباركة تتجلّى فيها رحمة الرحمن وغفرانه، وفرصة للتزوّد بالطاعات ورفع الأعمال الصالحة إلى بارئها؛ فلنغتنم هذه الليلة بما يرضي الله، بالخشوع والابتهال والدعاء، فإنّه كما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من أحيا ليلة العيد، لم يمُت قلبُه يوم تموت القلوب»[3]، فلتكن هذه الليلة محطة لتجديد العهد مع الله، ومجالاً لمحاسبة النفس واستدراك
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص68.
[2] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص511.
[3] قطب الدين الراونديّ، الدعوات (سلوة الحزين)، ص279.
176
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
ما فات من القربات.
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «كان عليّ بن الحسين (عليهم السلام) يحيي ليلة العيد (عيد الفطر) بصلاة حتّى يُصبح، ويبيت ليلة الفطر في المسجد، ويقول: يا بُنيّ، ما هي بدون ليلة؛ يعني ليلة القدر»[1].
من أعمالها
وقد سأل أحدُهم الإمامَ الصادق (عليه السلام)، فقال: جُعِلتُ فداك! ما ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال (عليه السلام): «إذا غربت الشمس فاغتسل، وإذا صلّيتَ الثلاثَ المغرب، فارفع يديك، وقل: «يا ذا المنّ، يا ذا الطول، يا ذا الجود، يا مُصطفِياً محمّداً وناصرَه، صلِّ على محمّد وآله، واغفر لي كلَّ ذنب أذنبتُه، أحصيتَهُ عليَّ ونسيتُهُ، وهو عندك في كتابك»، وتخرّ ساجداً، وتقول مئة مرّة: «أتوب إلى الله» وأنت ساجد، وتسأل حوائجَك»[2].
وأيضاً ورد في أعمالها زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام): «ثلاث ليالٍ، من زار الحسين (عليه السلام) فيهنّ، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر: ليلة النصف من شعبان، وليلة ثلاثٍ وعشرين من رمضان، وليلة العيد»[3].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «من زار الحسين بن عليّ (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة عرفة في سنة واحدة، كتب الله له
[1] السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص464.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص167.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج98، ص101.
177
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
ألف حجّة مبرورة، وألف عمرة متقبَّلة، وقُضِيَت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة»[1].
إنّ ثمرة هذا الإحياء أن يستزيد المحسن من إحسانه، وأن يتدارك المقصِّر في شهر رمضان، لعلّ الله يقبل منه ذلك، فيُكتَب مع الفائزين، وينال رحمة ربِّ العالمين، ويدخله في عباده الصالحين.
المغفرة حقيقة العيد
إنّ الفوز العظيم في هذا اليوم المبارك، يوم عيد الفطر، هو في نيل مغفرة الله تعالى ورضوانه، فقد دخل سويد بن غفلة على أمير المؤمنين (عليه السلام) يومَ عيد، فإذا عنده فَاثُور[2]، عليه خبز السمراء، وصفحة فيها خَطِيفَة[3] وملبنة، فقال له: يا أمير المؤمنين، يوم عيدٍ وخطيفة؟! فقال (عليه السلام): «إنّما هذا عيدُ مَن غُفِر له»[4].
لذا، ينبغي لنا أن نتعرّف واقعَ هذا اليوم، ونعي أهمّيّته، وندرك حقيقته، وذلك من خلال ملاحظة ما يأتي:
أوّلاً: إنّ العلاقة بين شهر رمضان ويوم العيد، كالعلاقة بين العمل ونتيجته، فهو عيدٌ لِمَن قبِل منه الله صيامه وقيامه، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّه صِيَامَه وشَكَرَ قِيَامَه، وكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّه فِيه
[1] المصدر نفسه، ج98، ص90.
[2] الفاثور: المائدة.
[3] الخطيفة: لبنٌ يُطبَخ بدقيق.
[4] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص368.
178
الموعظة الثلاثون: يوم الحصاد
فَهُوَ عِيدٌ»[1].
ثانياً: يوم العيد محطّة للمؤمنين، ينظرون فيها إلى مستقبل أيّامهم، ليستأنفوا العمل بعد ما غنموه في شهر رمضان المبارك، محافظين على ما غنموه، وساعين إلى التزوّد، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «واعلموا عبادَ الله، أنّ أدنى ما للصائمين والصائمات، أن يناديَهم ملكٌ في آخر شهر رمضان: أبشروا عبادَ الله! فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم، فانظروا كيف تكونون في ما تستأنفون»[2].
ثالثاً: هو يوم يُثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المسيئون، فهو أشبه بيوم القيامة، وإلى هذا يشير أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقول: «أيّها الناس، إنّ يومَكم هذا يومٌ يُثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المسيئون، وهو أشبه يوم بيوم قيامتكم؛ فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلّاكم خروجَكم من الأجداث إلى ربّكم، واذكروا بوقوفكم في مصلّاكم وقوفَكم بين يدي ربّكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعَكم إلى منازلكم في الجنّة أو النار»[3].
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص551، الحكمة 428.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص160.
[3] المصدر نفسه.
179