مقدّمة المركز
مقدّمة المركز
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[1].
تتجسّد حقيقة الإنسان في ارتباطه بالمطلق، في سعيه لأن يتجاوز ذاته المحدودة نحو معنى أرحب وأفق أسمى. ومنذ لحظة وعيه لوجوده، ظلّ يبحث عن صلة توصله بذلك المعنى، فوجد في العبادة أعظم وسيلة لبناء هذه الصلة. لكنّ العبادة -كما أرادها الله- لم تكن طقساً جامداً، ولا حركاتٍ بلا روح، بل كانت موقفاً شاملاً من الحياة، ومشروعاً لتكميل النفس وربطها بالله، وتحريرها من كلّ ما سواه.
هذا الكتاب هو محاولة جادّة للكشف عن «حقيقة العبادة»، كما عاشها الأنبياء، وأدركها أهل البصائر، وعمّقها الإسلام في قلب التجربة الإيمانيّة. وقد أراد الشهيد الهاشمي السيّد هاشم صفيّ الدين (قدس سره) أن يعيد ترتيب الوعي العباديّ لدى الإنسان المؤمن، ليعيد العبادة إلى موقعها المركزيّ في بناء الذات والمجتمع.
[1] سورة طه، الآية 14.
7
مقدّمة المركز
في هذا الكتاب، يبدأ البحث من ماهيّة العبادة، ويتقدّم نحو تساؤل محوريّ: أيّة عبادة أرادها الله منّا؟ لينتقل بعد ذلك إلى فلسفة العبادة، وبيان مقاصدها الكبرى، ثمّ يتكلّم على عبادة التفكّر، مميّزاً بين العبادات المنصوص عليها وتلك التي لا نصّ فيها، في ضوء روح الشريعة ومقاصدها.
كما يتناول الكتاب العلاقة بين العبادة والعبوديّة ضمن المسار الإيمانيّ التكامليّ، ويُشخّص الأسباب الكامنة وراء تراجع الشأن العباديّ عند كثير من المؤمنين، قبل أن يرسم خريطة واضحة للطريق نحو العبادة: كيف نبدأ؟ وما الذي يجعلنا مؤمنين عابدين؟ ويعالج مظاهر الاتّجاه التفريطيّ، ويُعيد التذكير بحقّ العبادة على النفس، وضرورة التخطيط والبرمجة لها بوصفها مشروعاً لحياة الإنسان وغايتها.
لقد كتب الشهيد الهاشميّ هذا الكتاب بعقلٍ مؤمنٍ، وقلبٍ عابدٍ، ومسيرةٍ جهاديّةٍ عاشها في خدمة الإسلام والمقاومة والناس. لم تكن العبادة في نظره منفصلة عن الحياة، بل كانت روحاً تسري في الموقف، والفكر، وساحات المواجهة. وكان -(قدس سره)- نموذجاً حيّاً للمؤمن العابد الذي دعا إليه في هذا الكتاب.
رحم الله شهيدنا الهاشميّ، وأعلى مقامه، وجعل هذا الكتاب صدقة جارية في ميزان أعماله، ونوراً يسير به السالكون إلى الله.
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
8
مقدّمة المؤلّف
مقدّمة المؤلّف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، الذي خلق فسوّى، وأعطى، وهدى، وآوى، ونصر، وأرانا في آياته الحجج الباهرة التي ما انقطعت يوماً، ولا تزال في كلّ لحظة تَشهد على ربوبيّته وألطافه الكبرى، وبه نستعين على إتمام كلّ عمل، ومنه نستمدّ القدرة والتوفيق والاستقامة.
وأفضل الصلاة والتسليم على رسوله الأمين، خير خلقه، وأتّمهم حجّةً في ما قال وفعل، البرهان الساطع الذي لا يغيب، والصراط القائم الذي لا يميل، أنفاسه المباركة في كلّ آية في التنزيل، وهو الهدى في الدنيا والآخرة. وأفضل السلام والتحيّة، أيضاً، على الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، الذين أكملهم الله لِيكونوا الخلفاء والأمناء والهداة، وليقدّم كلّ واحد منهم مصاديق تحكي كمال الدين والشريعة، فلا يبقى عذرٌ لِمُقصّر أو محتاج لِيلجأ إليهم على سبيل التعلّم والاقتداء. أسأل الله تعالى ألّا يفرّق بيننا وبينهم، وأن يعرّفنا حقّهم، ويثبّتنا على ولايتهم والانقياد لتعاليمهم ونهجهم، وأن يُحكم رابطة الولاء والمحبّة بيننا وبين آخرهم، قائم آل محمّد (عجل الله تعالى فرجه).
9
مقدّمة المؤلّف
أمّا بعد، فقد انقدح في ذهني أمر لَطالما اعتقدتُ أنّه غاية في الأهمّيّة لأهل الإيمان، إذ أرى -في نفسي أوّلاً، وفي الآخرين- حالات من التشتّت والضعف التي لا تنسجم مع روح الإيمان. وقد فكّرتُ كثيراً وتأمّلتُ جليّاً وطويلاً في أسباب التخلّف عن ركب الأولياء والعظماء الذين امتحن الله قلوبهم وإيمانهم، وتجاوزوا مِحَن الضياع والنسيان والغفلة، فثَبَتوا حيث انزلق آخرون، وَجَدّوا حيث توقّف كثيرون. وإنّني لَأعرف جيّداً أنّ النجاح في هذا الطريق يحتاج إلى توفيقٍ وعنايةٍ خاصّة مِن الله تعالى، واقترابٍ شديدٍ مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، وما بذلَه العلماء في هذا السبيل ليس قليلاً، وَعظاً وتأليفاً وتجاربَ يتناقلها الخواصّ والعوامّ، والآية واضحة وصريحة، إذ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[1].
وقد اعتقدتُ -كما تعلّمت من الأساتذة والكبار- أنّ جهاد النفس شأن جليل، وسلوكه لازمٌ في بداية الطريق والتقدُّم نحو الرقيّ الإيمانيّ الذي يدفع التشتّت ويُفضي إلى التركيز حتّى بلوغ الغايات؛ واحدة تلوَ الأخرى، إلى أن يَقضي الله أمره. لكن ما توصّلتُ إليه، واعتقدتُ أنّه قد يكون مفيداً في هذا المجال، هو التمعُّن والتدبُّر في شأن العبادات التي يؤدّيها أهل الإيمان، فهي أبرز مظاهر الالتزام بعد التكليف، وهي ضرورة في حدّها الواجب، ومهمّة جدّاً في سائر
[1] سورة العنكبوت، الآية 69.
10
مقدّمة المؤلّف
أحوالها، وهي الطريقة التي شرّعها الله تعالى لعباده للوصول إليه، وهي الأنس عند أنبيائه ورسله وأوليائه (عليهم السلام)، وهي التي جعلها غاية في خلقه الإنسان؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1]. لذا، فهي رأس الهرم في بناء روح الإيمان وضياء النور في القلب، والسبب في الهداية والعناية الإلهيّة. وإذ إنّ بعضهم قد يغفل عن هذا الأمر لِسببٍ أو تقليل زائف أو إهمال أو فهم خاطئ أو غيره، فإنّه يفقد مفتاح باب الهداية الحقيقيّة، ويبقى -في أحسن أحواله- كمَن يطرق الباب كثيراً، عاقداً الأمل على غيره لِيفتحه له، بينما لكلّ فرد مفتاحه الخاصّ الذي عليه أن يكتشفه وأن يعتمد عليه. وعلى ما يبدو، فإنّ العبادة هي التي تحوي السرّ الخاصّ لِمفتاحِ كلّ مؤمن.
لذا، توكّلتُ على الله تعالى، وطلبتُ منه العَون في تخليص نيّتي من الشوائب، وهدايتي لأساعد نفسي وإخواني وأحبّائي، عسانا نُوفَّق لإدراك أهمّيّة العبادة في حياتنا، فنُقدّمها على كلّ شيء مهما حسبناه عظيماً، والأهمّ أن نُوفَّق لأداء عباداتنا بالنحوِ الذي يليق بِعَبدٍ مخلوق لا حول ولا قوّة له حين يقِف بين يَدي خالقه ليُحدّثه بما في قلبه أو عقله مِن معرفة وحبّ وتعلُّق، ما يُعينه على فتح أبواب الخير والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
[1] سورة الذاريات، الآية 56.
11
ماهيّة العبادة
ماهيّة العبادة
قبل تعرُّف حقيقة العبادة، من المفيد الإشارة إلى أنّه، ومنذ القِدم، رافقت العبادةُ الإنسانَ ووجوده ومراحل تطوُّر حياته والتغيُّر الذي كان ينشأ في كلّ حقبة تاريخيّة؛ إذ بقيَت العبادة موجودة في متن الحياة، سواء أكانت منبثقة من اعتقاد دينيّ أو من تقليد طقسيّ، لكنّها في الأحوال كلّها كانت تعبّر عن نقصٍ اكتشفه الإنسان في ذاته، وخوفٍ ممّا هو مجهول، فَكان يطفئ غائلة النفس ولهيب الخوف بالركون إلى مَن كان يعتقد أنّه الأقوى والأقدر، أو كانت تعبّر عن انتماء دينيّ لِنبيّ أو وليّ أو أيّ سبب آخر.
إلّا أنّ الذي يجب أن يسجّل مِن مراجعة تاريخ الإنسان في تأدية العبادات وتجليل شأنها هو أنّ المعتقدات اختلطَت بالصالح كما اختلطت الأفكار والمعتقدات بالأوهام والمبالغات، إذ لا يعقل أن تكون الأنماط المتعدّدة ذات المشارب المختلفة والكثيرة جدّاً أفعالاً عباديّةً حقيقيّةً تنتمي إلى منظومات فكريّة متعدّدة، وقد ثبتَ عكس ذلك بِدوافع عصبيّة أو سياسيّة في بعض الأحيان، ناهيك عن الاختراعات التي لجأ البشر إلى اعتمادها من دون أيّ دليل أو مستند عقليّ أو دينيّ.
هذه الأمور كلّها تجعلنا نقسّم العبادات المتعارف عليها إلى أقسام ثلاثة:
12
ماهيّة العبادة
1. عبادات حقيقيّة
2. عبادات وهميّة
3. عبادات مختلطة بين الحقيقة والوهم
ولا أقصد مِن كلمة «الحقيقة» هنا «الحقّ»، بل ما كان مُطابقاً للاعتقاد وناشئاً عنه، مُقابل الداخل عليه بِفضل العوامل الخارجيّة.
إنّ عَدَّ بعض العبادات موهومة أو مختلطة لا يتنافى مع صدق بعض الذين يؤدّونها بِصفاء قلب؛ لذا فإنّهم يستفيدون من الآثار المباشرة -نفسيّاً وجسديّاً- للعبادات، بصرف النظر عن الأثر الروحيّ المرتبط بالحقّ الذي يَدور مدار القسم الثالث من العبادات. وبناء على هذا، فإنّ تحقُّق معنى العبادة يحتاج عناصر ثلاثة:
1. العبد
2. المعبود
3. العلاقة التي يبدؤها العبد مع المعبود
فالعبادات الحقيقيّة تحتاج -في حدّها الأدنى- إلى أن تتطابق هذه العناصر الثلاثة مع الواقع لتكون حقيقيّة، أمّا إذا انتفى أحد هذه العناصر فإنّها تبقى عبادة من المنظور الخاصّيّ للعابد أو لغيره،
13
ما المقصود من تحقيق العناصر الثلاثة؟
فتفقد قيمتها الواقعيّة المفترضة، والتي ستكون محلّ حديثنا ومقصدنا.
إذاً، يتّضح ممّا ذكر أنّ المدخل الطبيعيّ لعبادة فاعلة ومؤثّرة ومحقّقة لغاياتها هو تحقيق الحدّ الأدنى منها، ثمّ يبحث المؤمن في المراتب التي يسعى إلى نيل بركاتها؛ وهذا يستلزم التفكُّر والتأمّل بالعناصر الثلاثة لِتحقيقها. كما يجب أن تَنبت منها النيّة الصالحة، وتتهيّأ النفس للعروج إلى عوالم البَركة والرحمة الخاصّة، وهي مِن أهمّ فوائد ومقاصد العبادة، كما سيظهر لاحقاً.
ما المقصود من تحقيق العناصر الثلاثة؟
المقصود هو الاعتقاد بأنّ الإنسان عبد حقيقيّ لله تعالى، بمترتّبات هذا المعنى كلّها، مِن الإذعان والخضوع والتسليم، بعد الاعتقاد بأنّه الخالق والموجود والرزّاق والمعطي. لذا، هو واجب الطاعة والانقياد إليه، وهو الذي يستحقّ هذه العبادة، بل إنّ القيام بها تقرُّباً منه شرف وفخر يسعى إليهما الإنسان. وسيأتي تفصيله كمقدّمة لازمة، بل قاعدة للعبادات كلّها التي ترتكز عليها حتّى تكون في سياقها التكوينيّ والتشريعيّ.
ثمّ إنّ للعبادة الحقيقيّة غرضاً، إذا انسلخَت عنه بطلَت، وَسارَت في مسارها الآخر الخاطئ؛ وهذا ما يُفسّر معضلة كثرة الأدعية عند بعضهم من دون أن تلمس أرواحهم اللطف الإلهيّ، فَلا يجوز أنّ
14
ما المقصود من تحقيق العناصر الثلاثة؟
ينفكّ عن العبادة الحقيقيّة والصحيحة. إذاً، لكي يتحقّق الغرض والهدف الخاصّ من العبادة ثمّة أمران:
1. الرضا من المعبود
2. القبول
إنّ غاية العبد في عبادته أن يحصل على رضا المعبود، فيتقرّب منه لِيزيد معرفة وإيماناً ويحظى بالأجر الجزيل؛ إذ إنّ العبادة التي لا تقرّب من الله، ولا تأتي بالرضا الإلهيّ، تبقى مبتورة؛ والآيات التي تحدثّت عن الرضوان الإلهيّ كثيرة جدّاً. وكذلك موضوع القبول، فَلَو دقّقنا في قربانَي هابيل وقابيل لَوجدنا أنّ الفرق بين الشخصَيْن والتجربتَيْن: أنّ الأوّل قَبِل الله تعالى قربانه، والثاني لم يَقبله؛ يقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ
مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[1]. فالقبول نحوٌ مِن أنحاء الحظوة عند المعبود؛ لذا فالعبادة الحقيقيّة والصحيحة هي التي تحظى بالرضا والقبول، مع التفاوت في مستويات كلٍّ مِنهما في العبادات بِحَسبها، وتبعاً لاستكمال شروطها في المراتب المتعدّدة.
[1] سورة المائدة، الآية 27.
15
أيّة عبادة؟
نستخلص ممّا ذٌكر أنّ العبادة عمل أو أداء، سواءٌ أكان قولاً أو فعلاً يؤدّيه العبد لِكَسب رضا المعبود وقبوله.
وهذا المعنى يجب أن يرافق العبادات كلّها، بل أن يبدأ منها، وأن يكون المحور لتمييز العبادة بمعناها الصحيح عن العبادة بمعناها الخاطئ. لذا، فإنّ الجدّ في العبادة يجب أن يرتكز على هذه القاعدة، حتّى نتحدّث بعدئذٍ عن الآثار والنتائج. والمقصود هنا ليس مجرّد حركات وأفعال يؤدّيها بعض المؤمنين الملتزمين بمطابقة مظهرها للمقرّر فقهيّاً من دون الالتفات إلى روح المعنى في تحقّق العبادة.
أيّة عبادة؟
إذا كانت العبادة -كما أسلفنا- عمل يقوم به العبد للتقرّب من الله تعالى، فإنّ المؤمن يقوم بالعبادة بأنماط عديدة، سواءٌ أكانت حديثاً مع خالقه أو طقساً أو شعيرة أو أيّ أمر آخر. بناء على هذا، فإنّ بعضهم يسأل عن إمكانيّة أن يؤدّي المؤمن أيّة عبادة تخطر في باله أو أنّ الأمر محصور بما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وآله الكرام (عليهم السلام). وأهمّيّة هذا السؤال لا تكمن في أصل العبادة، بل في العبادات التي تحقّق الرقيّ المعنويّ، وتزيد القرب مِن الله تعالى أكثر من غيرها، وأسرع وأفضل وأثبت.
إنّ هذا السؤال ينقلنا للحديث عن نمطَيْن مِن العبادة:
16
أيّة عبادة؟
1. العبادة الحرّة والعامّة
2. العبادة الخصوصيّة
الصنف الأوّل هو الذي يدخل ضمن دائرة المباح فقهيّاً؛ أي إنّه لا مانع منه، شرطه الوحيد ألّا يصطدم بالممنوعات، بحيث لا يحتاج في مقدّماته أو في نتيجته إلى ارتكاب المحرّم؛ ومثال ذلك الشعوذات التي يقوم بها بعض المؤمنين، أو التي يبتكرها الإنسان أو يقلّد فيها آخرين، فإن كانت غير محرّمة فهي مباحة ولا مانع منها، إلّا أنّ أثرها ونتائجها غير معلومة، وإن كان الأصل في أيّ أداء عباديّ هو نيّة التقرّب إلى الله تعالى، فهذا أمر جيّد ومستحسن، حتّى لو كان خارجاً عن منظومة العبادات المقرّرة في الشريعة؛ وهنا نقطة الافتراق الأساسيّة.
بين هذا الصنف والصنف الآخر المعتمد على ما طلبته وأقرّته الشريعة، أنماط عديدة وموارد مختلفة، ومِن المفيد قبل الشروع فيه أن أُشبّه العبادة الحرّة العامّة كَمن يريد أن ينتقل من منطقة إلى أخرى لِيقصد غاية وهدفاً محدّداً من دون أيّ تحديدٍ لِطرق الوصول كالطرقات والإشارات، فَقد يَصل القاصد وقد يَضيع في الطريق، بينما الصنف الآخر في العبادة المخصوصة أشبه بالقاصد الذي يسلك طريقاً محدّداً يعتمد على علامات وضوابط، وقد سلكه آخرون ووصلوا إلى المقصد.
17
فلسفة العبادة
فالصنف الآخر إذاً، هو العبادة المخصوصة؛ ويُقصد بذلك العبادة التي تُؤدّى بطريقة خاصّة -شكلاً ومضموناً- وهي -في الشريعة الإسلاميّة- العبادات المتوقّف تشخيصها وتحديدها على أوامر الله تعالى، فالإنسان لا صلاحيّة له بتعديلها أو تغييرها -إضافةً أو إنقاصاً- لأنّها وردت كما جاءت على لسان النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكما دلَّت عليه الروايات الشريفة.
إنّ التفصيل في هذا مهمّ لأهمّيّته من جهة، ولخطورته من جهة ثانية؛ لذا أتوقّف عند الأمور الآتية.
فلسفة العبادة
إنّ المؤمن الموحِّد الذي يعتقد بأنّ الله تبارك وتعالى هو الخالق والبارئ، وهو المعطي والرازق، وهو الذي أوجدنا على هذه البسيطة لِيمتحننا، وأنّ البعث بعد الموت حقيقة بِيَده سبحانه، وأن لا شيء ينتقل معنا إلى عالم الآخرة سوى الأعمال التي تلتصق بالنفس، وأنّ هناك حساباً وعذاباً وجزاءً يُوّفاه الإنسان... فَلِماذا كانت -ولا تزال- العبادة ركناً من أركان السلوك الإيمانيّ تجاه الخالق والربّ العظيم؟ الحديث هنا عن أصل العبادة وليس أنماطها، فلا يختلطَنّ الأمر على أحد؛ لأنّ بعض المذاهب أو الطرق المتّبعة ترى أنّ العبادة في التأمّل والتفكّر من دون ممارسة خارجيّة أو التزام حرفيّ بنمط أو طقس دينيّ مُتّبع. إنّ هذه العبادة داخلة في بحثنا عن فلسفة العبادة وليست خارجها -كما قد يتوهّم
18
فلسفة العبادة
بعضهم- فيمكن لِفلسفة العبادة أن تكون بأوجه متعدّدة. وما سأذكره هنا أعمّ ممّا يذهب إليه العقل أو تشير إليه الشريعة:
1. إظهار الإيمان والإذعان والخضوع للربّ، إذ يفرض العقل واجب القيام بِشكر المنعم والمعطي. فالله تعالى، إذ أنعم على الإنسان بنعمة الإيجاد، يلجأ إلى العبادة -في مقام التعبير عن الشكر والحمد- لِيُثبت أنّه إنسان سويّ وسليم -عقليّاً ونفسيّاً وروحيّاً- لأنّه التفت إلى مصدر نعمته وخلقه، فالتزم مقتضى الشكر. وفي هذا الإظهار إثبات لاستقامة الإنسان المؤمن وسلامته، بصرف النظر عن النتائج المتوخّاة، فهذه النظرة لا تمنع طلب رضا الخالق والأجر والثواب، كما لا تمنع عدم الالتفات إلى هذا الأمر. لذا، فهي فلسفة تتضمّن الجانبَيْن معاً. ولتوضيح الفكرة وتقريبها: لَو أنّ إنساناً ميسوراً أو مقتدراً أنعم على أحدهم بِنعمة وافرة ومشهودة، فإنّ الحدّ الأدنى المطلوب مِن الذي أنعم عليه أن يلتفت إلى المنعم فيوجّه اليه التحيّة، تعبيراً عن شكره على ما فَعل. وفي بعض الحالات يترّقى الشخص إلى إظهار الشكر بحركة أو كلمة أو سلوك خاصّ أو إعلان الاستعداد للتضحية في سبيل من أنعم عليه. وهذه الحالات كلّها تعبيرات عن حقيقةٍ واحدة هي أنّ المنعم عليه أظهر الشكر والتفت إلى النعَم، فيُثبت أنّه سويٌّ عقليّاً وعقائديّاً، وأنّه متوازن وسليم نفسيّاً وعاطفيّاً وإنسانيّاً.
2. التقرّب من الربّ المعطي والمنعم والغنيّ والقادر، فالعبد -بعد الإيمان والتوحيد- يكتشف في نفسه الضعف والحاجة للإله الذي
19
فلسفة العبادة
أوجده من العدم وأمّن له مستلزمات البقاء والحياة، مِن أبوَيْن عطوفَيْن كادَّيْن في سبيل تأمين راحته، وليس انتهاءً بالعطايا الأخرى كلّها التي وفّرها تعالى له. فإنّ اللجوء إلى العبادة عند العبد المخلوق يؤمّن له علاقة ورابطة قويّة بمصدر القوّة والقدرة والغنى، فيأمن على نفسه ويدفع عنها المخاطر بِفضل هذه العلاقة الخاصّة بربّه الذي لا يتركه في حالتَي الرجاء والخوف. إذاً، تنشأ هذه
العبادة مِن حاجة الضعيف إلى القويّ، وتهدف إلى تمتين الرابطة وتقويتها مع الربّ، لِيكون محطّ نظره وعطفه ولطفه وإعانته في لحظات الحاجة. وهذه الفلسفة، وإن كان قوامها المصلحة التي تعود على الإنسان، فإنّها مقبولة عقلاً وعقلائيّاً، بل ممدوحة ومطلوبة؛ لأنّ دَفع الضرر وجَلب المصلحة مِن الأمور المطلوبة عقلاً. وفي السياق نفسه، تأتي العبادة التي يكون هدفها الخلاص من عذاب الجحيم بعد الموت، والطمع في الحصول على الجنّة والنعيم بعد الوفاة، لِمن كان يعتقد بالآخرة والحساب والجزاء.
3. توسُّل العبادة لاكتساب المعرفة الشخصيّة بالربّ والخالق غايةٌ شريفة وجليلة، يسعى إليها أهل الإيمان والتوحيد لسلوك دروب العبادة والطاعة التي تقرّب من الباري تعالى مِن أجل معرفته بنحوٍ أفضل وأكبر وأوسع وأعمق. ومَن يطرق هذا الباب يرغب في إدراك معاني ومعارف لا يؤمّنها العقل مجرّداً، ولا التجارب المستفادة أو العِبر المتداولة، بل تحتاج فتحَ نوافذ القلب وتوسعة
20
فلسفة العبادة
أوعيته المعنويّة واستعداد النفس لِتحمّل هذه المعاني، ولأنّها الأمر كذلك، فإنّ العبادة والاجتهاد فيها يكون منصبّاً على الأثر الذي تتركه في القلب من نورانيّة واختلاجات وانجذابات كفيلة بِوَضع الإنسان على سكّة معرفة الخالق، ما يتيح له تعلُّقاً وأنساً واكتفاءً يحضّه على الانشغال عمّا سوى الله تعالى.
4. الحبّ والشغف بالمحبوب حالة تنتج عن المعرفة والاعتقاد الجازم والقرب مِن الله تعالى، فالعبادة فرصة مغتنمة للحبيب ليتفرّغ إليه محادَثةُ وطلباً وتوسُّلاً وإفصاحاً عمّا في قلبه من تعلّق وانشداد. وهذا نوع من أنواع الحاجة
21
العبادة المقصديّة
والنقص عند الإنسان، لكنّه ينشدُ العبادة لا مِن أجل الاستقواء ودفع المخاوف، بل من أجل الامتلاء الروحيّ والعاطفيّ، محاكاةً وتنفيذاً لحاجة الروح في تجلّيها الإحساسيّ ورهافة المشاعر الصادقة؛ فالعبادة عند هؤلاء الخواصّ بمثابة الموعد المضروب للقاء المحبوب.
يتبيّن ممّا ذُكر أنّ كلّ فهم للعبادة يستدعي غاية خاصّة، وهذه الغايات تتعدّد بِحَسب الفلسفات والأفهام، وهي ليست متضاربة أو متعارضة، بل يمكن أن تأتي في طول بعضها، لكنّ التأمّل في هذه الدواعي والخلفيّات يوضّح ما سأذكره.
العبادة المقصديّة
لقد ذكر الفقهاء أنّ أداء العبادات -خاصّة الفرائض- تحتاج إلى قصد النيّة الصالحة البعيدة عن الشرك، وبهذا تكون خالصة لله تعالى. بينما نرى في تنوّع الدواعي والفلسفات أغراضاً وغايات متفاوتة، وإن كانت متداخلة أو مرتّبة، كما أسلفنا. وهذا يعني أنّ العبادة، لِتأخذ مكانتها وتكتسي رونقها وحقيقتها، لا بدّ مِن أن تكون مغيّاة بإحدى الغايات الصحيحة المبنيّة على فَهم صحيح -عقلاً أو عقلانيّاً- طلبه الشارع المتديّن أو امتدحه. لذا، من الصعب -إن لم يكن مستحيلاً- أن نتصوّر عبادة مجرّدة عن إحدى الغايات، وهذه الغايات إضمار قلبيّ بين العبد وربّه؛ فحتّى الصلاة الواجبة، إنْ غفل المصلّي عن غايتها -وَلَو باستحضار إحداها- فإنّها ستكون
22
العبادة المقصديّة
نافدة لروحها ومضمونها وأثرها، كما سيأتي لاحقاً. ولأنّ الغاية من العبادة تحصيل الأثر المعنويّ الذي يفتح القلب على محبّة الله وإدراك العالم الآخر، وصولاً إلى الأنس والراحة بين يَدي
المحبوب والكريم، فإنّ الجهة المقصودة مِن كلّ عبادة هي قدرتها على إيصال العبد العابد إلى المقصد. وعلى أساس هذا المعيار تتفاوت العبادات تأثُّراً بعاملَيْن:
1. العامل الأوّل: الإقبال القلبيّ ومستوى التفاعل الباطنيّ والاستعداد الذاتيّ لتلقّي النتائج النورانيّة للعبادة. وممّا لا شكّ فيه أنّ الناس متفاوتون مِن ناحية الظرف الذي يؤدّون به هذه العبادة؛ كأن تكون الأحوال والأوضاع المحيطة بالعبد ملائمة لذلك ومساعدة على تصفية القلب والتوجّه والتمعّن بنحوٍ أفضل، أو لا.
2. العامل الثاني: اختلاف العبادات مِن ناحية الأهمّيّة التي أعطاها الشرع وقدرة كلّ عبادة على الصعود والرقيّ بالمؤمن درجات، بصرف النظر عن كون العمل طويلاً أو مليئاً بالأذكار أو غير ذلك. كما أنّ ارتباط العمل بزمان أو مكان أو حالة له خصوصيّة إضافيّة؛ فالصلاة، مثلاً، ليست كغيرها من العبادات، إذ جعلَت عمود الدين إنْ قُبلَت قُبل ما سواها وإن ردَّت رُدّ ما سواها، فهي، إذاً، مقدَّمةٌ على غيرها. حتّى أنّنا، في الصلاة نفسها، نجد فوارق بين أدائها في أوّل وقتها -نسبة إلى الفرائض- أو تأخيرها، وكذلك إن كانت جماعةً أو غير جماعة. إلى ما هنالك من خصوصيّات
23
العبادة المقصديّة
لاحظها الشرع الحنيف في مقام بيان أهمّيّة العبادة المنصوصة وخصوصيّتها مِن جهة قدرتها وقوّتها في الإيصال إلى المقصد المطلوب منها.
يعرف بعض الناس -وهُم قلّة نادرة- أنّ الاستجابة تمّت، وفي بعض الأحيان يحتاج الأمر إلى وقت لِظهور هذه الاستجابة. وكيف ما كان، يمكن للداعي الطالب أن تكون له إحدى حالتَيْن:
24
العبادة المقصديّة
أ. حالة الاطمئنان والثقة بربّه سبحانه وتعالى، نتيجة اليقين والإخلاص في الدعاء وصفاء النفس، وأنّ الذي يطلبه أمر راجح شرعاً وعقلاً، وأنّه قام بما عليه للحصول على مطلبه، مِن مقدّمات لازمة وجهد مطلوب كي لا يكون دعاؤه ناتجاً عن كسل أو ضعف في تحمّل المسؤوليّة، ومراعاة ما يعرفه الراعي من شروط الدعاء؛ وهذه الحالة -في الحقيقة- أشبه ما تكون بمن يضَع حاجته عند قاضي الحاجات ويُسلّم بقضاء الله تعالى، سواءٌ أأدرك بِعقله المصلحة أو لا. وهنا ينبغي على المؤمن أن يستغفر الله لِضعف إدراكه في تشخيص المصالح، فما يختاره الله تعالى له هو الخير، لئلّا يُصاب باليأس أو القنوط أو التراجع في ثقته بربّه فيما لو لم يتحقّق ما يطلبه وما يريده.
ب. حالة ضعف الثقة بربّه أو تضعضع اليقين في نفسه أو التقصير في ما يجب أن يقوم به. فإنّ وجود هذه الحالات وأمثالها يضعف الأمل باستجابة الدعاء، وإذا صادف أن تحقّق مطلوب الداعي بعد الدعاء، فقد يكون لعلّة يجهلها، لا لِرِفعة معنويّة له. والعلل المجهولة كثيرة في أبعادها المادّيّة أو المعنويّة؛ فَعلى سبيل المثال، قد يكون الأمر غاية في الأهمّيّة وَلا يريد الباري تفويت المصلحة فيه، وقد يكون استجابةً لِداعٍ آخر، وقد يكون إفهاماً لإنسان مُعتدٍ، وقد يكون تثبيتاً لإيمان الداعي لِسبب يستحقّ به هذه العناية، وغير ذلك ممّا لا مجال لإحصائه ومعرفته. إلّا أنّ الطبيعيّ أنّ هذه الحالة لا تتوقّع الاستجابة تلقائيّاً، ما لم يكن هناك سبب آخر.
25
العبادة المقصديّة
وبناء على ما ذكر، فإنّ الأثر المعنويّ للدعاء والعبادة لا ينبغي أن يتخلّف عند أهل الإيمان واليقين والإخلاص، بل
26
العبادة المقصديّة
يجب أن يُراكم عليه، ويعتمد عليه المؤمن، ويحفظه من التضييع بالعصبيّة أو عدم الشكر والحمد، حتّى لو لم تكن هناك استجابة مشهودة حال الطلب.
ويتلخّص ما ذكر في أنّ العبادة تحتاج -في تحقيق الأثر المعنويّ- إلى الإخلاص الناشئ مِن التوحيد الصادق، فكلّما اشتدّ وارتقى الإخلاص ازداد الأثر المعنويّ في قلب المؤمن. ويبقى الكلام لإتمامه بكيفيّة العبادة، فَهل يشترط أن تكون على نحو خاصّ حدّده الشرع، أو يمكن للعبد المؤمن الموحِّد والمخلص أن يختار أيّ نوعٍ من العبادة بالكيفيّة التي يراها؟ أو إنّ ثمّة تفصيلاً يحتاج إلى تبيين؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، مِن المفيد تأكيد أنّ العبادات ليست مقتصرة على كيفيّة خاصّة، إذ منها الصلاة والصوم والحجّ والأدعية والذكر وتلاوة القرآن والتأمّل والتفكّر والواجب والمستحبّ؛ وهذا كلّه إذا اقتصرنا في الكلام على العبادة بالمعنى الخاصّ، أمّا إذا وسّعنا المعنى، فإنّه يشمل كلّ ما يمكن أن يؤدّيه المؤمن، مع قصد القرب مِن الله تعال، كإغاثة الملهوف وخدمة الفقراء وقضاء الحوائج وبناء المساجد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وإصلاح المجتمع. وهذا الموضوع ليس محلّ كلامنا الآن، قد نتطرّق إليه لاحقاً، أو ربّما يحتاج إلى بحث خاصّ.
27
عبادة التفكّر
عبادة التفكّر
لقد وردت روايات كثيرة حثّت على التفكّر في خلق الله وآياته، بل إنّ الآيات التي دعَت إلى التأمّل والتفكّر في خَلق
28
عبادات منصوص عليها
الله كثيرة ومهمّة وذات مقاصد. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه العبادة تثبّت أركان التوحيد في القلب وتقوّي الإيمان وتنشر الطمأنينة في داخل الإنسان وتفتح أبواباً للعقل والإبداع الإيجابيّ، كما أنّها من المواعظ الفعّالة لأنّها حديث النفس أمام الوقائع القاهرة التي لا مجال لإنكارها، فإنّ نفس المتفكّر هي التي يجب أن تتثبّت منها وتبني عليها، إذ لا واسطة تُلقي وعظاً أو تركّز نفساً أو ترشد عقلاً؛ وأبلغ المواعظ حين يجعل الإنسان من نفسه واعظاً. أمّا كيفيّات التفكّر فإنّها أكثر من أن تحصى، وهي مرتبطة بالمجالات المتاحة لكلّ مؤمن، تختلف باختلاف الأماكن التي يعيش فيها، سواءٌ أكانت قريبة في شواطئ البحار أو في أعالي الجبال أو في الصحراء، في الليل أو في النهار، وسط الكوارث أو بعدها... وعلى أيّة حال، فإنّ عبادة التفكّر يحتاجها ويقوم بها كلّ مؤمن، ولا مجال لتحديدها ضمن ضوابط وكيفيّات خاصّة.
عبادات منصوص عليها
هي مدار الكلام عن العبادات التي يجب العمل بها والتمسّك بمعانيها، وهي التي يطمئنّ الإنسان إلى أنّها توصل إلى مقاصد العبادات؛ لأنّها مختارة من الله تعالى، سواءٌ أوردَت في نصّ القرآن، كالصلاة والصوم والحجّ، أو وَردَت في سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، كما هو حال بعض المستحبّات والأعمال الواردة في أيّام
29
عبادات منصوص عليها
محدّدة أو أماكن معيّنة أو مناسبات مخصوصة. الأصل في العبادات هو الإيمان بما فيه نصّ، لأسباب عديدة:
1. إذا كانت الغاية تحصيل القرب من الله تعالى، فإنّ ما حدّده سبحانه هو المضمون بأنّه يقرّب ويُحرز رِضاه.
2. إنّ اللجوء إلى غير ما ورد فيه نصّ لا يحقّق تمام الأثر، وإن كان مقتضى الإخلاص يُحقَّق.
3. إنّ ما ورد مِن نصوص وما وصل إلينا كثير جدّاً ومُلهم جدّاً، وما سلكه الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) في هذا المجال من سُبل أغنى التراث الدينيّ من فيوضات تجاربهم. والمتيقَّن أنّها تامّة وكاملة، فَلِماذا نتوسّل السبل الأخرى؟ ثمّ لو عدنا إلى المحدّدات المرسومة مِنهم، فإنّها خالية مِن الخطأ والاشتباه، بِلحاظ تناسُبها مع الخصوصيّة، سواءٌ أكانت زمانيّة أو مكانيّة.
4. إنّ في الأدعية والمناجيات والزيارات والتوسّلات الواردة بالنصوص من الأصالة والمعاني واللطائف التي لا نجدها في غيرها.
5. إنّ الوصول إلى العبادات في إطار مسلك مضمون لا خلل فيه، يوجِب اتّباع مَن سلكه ووصل حتماً، وهُم -بالدرجة الأولى- رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)؛ فعلى سبيل
30
عبادات منصوص عليها
المثال، لَو أراد أحدنا أن يَصل إلى قمّة جبل شاهق، بِلا طريق معبّدة أو محدّدة بعلامات أو إشارات دالّة على الطريق الأفضل، أو تُحذِّر من الوقوع في المحاذير والمخاطر، فإنّ السالك إلى القمّة سيسلك طريقاً وعرة مليئة بالأشجار والأشواك والمنزلقات، وقد يَصِل منها وقد لا يَصِل، وقد يسقط في الطريق نتيجة الإنهاك والخطأ، بينما الطريق الآمن والمعبّد هو الذي رسمه وسلكه أولياء الله تعالى، وهو أَوْلى بالسلوك.
ولكن، وقبل أن أُنهي هذا المقطع، لا بدّ مِن الإشارة إلى أنّ سلوك الطريق يتمّ حتماً بالفرائض والواجبات، وهي -ولله
الحمد- محدّدة وواضحة وبيّنة وكافية، إذا تمّت تأديتها بالنحو الجيّد والإخلاص اللازم، فَيَصل الإنسان درجات عالية ورفيعة كافية لتحقيق الغرض، لكنّ المستحبّات الواردة تزيد أيضاً الخير والثبات والسرعة في طريق الوصول إلى الله تعالى.
وكلّ ما لم يرِد فيه نصّ ثابت أو قطعيّ بِحَسب الأصول المتّبعة عند العلماء وغير ذلك، فإنّه يعود إلى المبنى الفقهيّ عند مرجع التقليد حول ما اصطلح عليه بالتسامح في أدلّة السنن، اتّباعاً لِما ورد في هذا المجال من أنّه في غير الواجبات يمكن أداء الأعمال قربة إلى الله تعالى برجاء الورود عن المعصومQ. ولكن، حتّى لو قلنا بالتسامح في أدلّة السنن، فإنّ بعض الأعمال الواردة تحتاج إلى
31
عبادات لا نصّ فيها
شيء من التنقيب والتفحّص والعَرض على القواعد العامّة، إلّا أنّ هذا الأمر عسير لا يقوى على خوضه سوى أهله.
عبادات لا نصّ فيها
لا يمكن ادّعاء أنّ كلّ عمل عباديّ يجب أن يكون فيه نصّ خاصّ تحت عنوان البدعة؛ لأنّ الاعتماد على عمل عباديّ مبتكَر مِن الفرد يحدّد طريقة في إظهار الخضوع والعبوديّة لله تعالى من دون ادّعاء أنّه من الدين، فَليس فيه إدخال في الدين ما ليس منه. فَأين النهي على هذا؟ أعتقد أنّ المسألة المطروحة ليست في أصل جواز أيّ أداء عباديّ إن لم يكن فيه سعي، بل المسألة: ما الحاجة إلى ذلك؟ وما الضوابط التي يجب أن تتقيّد بها مثل هذه الادّعاءات؟
أوّلاً، لا أعتقد أنّ هناك حاجة لِما أسلفنا، فَالوارد في النصوص من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) كبير، بل
فائض؛ للتنوّع الموجود فيه، والذي يلبّي احتياجات الإنسان الذي يريد أن يتعبّد وحالاته وأوضاعه؛ لذا فإنّ أيّ جديد يمكن أن يُدخله الفرد المؤمن يَفوق ما جاءت به النصوص، هو غير متصوَّر نظريّاً، فضلاً عن عدم وجوده عمليّاً وواقعاً.
32
عبادات لا نصّ فيها
أمّا في الضوابط -وهي التي تشير إلى ندرة هذا النمط من العبادات، إن لم نقل إلى عدم الحاجة إليه مُطلقاً، ما يُساوي عمليّاً عدم وجوده- أمور خاصّة ببعض الأعمال العباديّة المنسوبة إلى علماء أو عرفاء -وهي شبه سرّيّة- تتحدّد بالآتي:
1. ألّا تكون هناك مخالفة شرعيّة لظاهر الأحكام الشرعيّة والفقهيّة بنحوٍ مباشر أو غير مباشر؛ ومثال ذلك كَمَن يفرّغ حياته كلّها للعبادة ويتخلّى عن سائر المسؤوليّات الشرعيّة، على قاعدة أنّ هذه العبادات هي الأَوْلى، ولا التفات إلى غيرها. أو كحالات الانحراف الواردة عند بعض المذاهب من أنّ التفكّر والاعتبار هو العبادة الأهمّ، وأنّ غاية العبادات الظاهريّة تسقط إذا ما حقّقنا النتيجة من دونها، كأن يُقال إنّ هدف الصلاة النهي عن المنكر، فإنّ مَن ينتهي عن المنكر بترويض نفسه وذِكر الله في باطنه والانعزال عن الناس فَلا حاجة له بالصلاة! وهكذا في فلسفة سائر العبادات.
صحيح أنّ هذا المسلك الانحرافيّ والخاطئ غير موجود عند المسلمين عموماً إلّا نادراً، ولكن ما ينبغي الحذر منه هو تكريس فلسفةِ كلِّ عبادةٍ بطريقة توحي بالتقليل من أهمّيّة العبادة نفسها وشروطها الفقهيّة. كما أنّ مِن جملة ما يَقع فيه بعضهم الخلط بين ترويض النفس وحرمانها من بعض الملذّات والاستمتاعات، وبين أداء العبادة؛ إذ ربّما يذهب بعضهم إلى الربط بينها، فيُدخل على العبادة أمراً غير معهود
33
عبادات لا نصّ فيها
تحت عنوان الضغط على النفس وكسرها، كَمَن يتلو القرآن وهو يَقِف على رِجل واحدة، فأيّة نتيجة متوخّاة من هذا؟ أو أن يَصوم بطريقة تجعل البدن هزيلاً تحت عنوان حرمان النفس وكسرها، فإنّ هذا الخلط لا يخلو من إبهامات شرعيّة غير محمودة العواقب، ولا ندري ما الدليل عليها. ومَن يقوم بها، يمكنه أن يفرّق بين العبادة الواردة -كالصلاة والصوم- وبين عمليّة ترويض النفس بأمور أخرى تخرج عن إطار أداء الفريضة أو المستحبّ. فعمليّة ترويض النفس، وإكسابها قوى الصبر والتحمّل، وتعويدها على الزهد ونكران التجمّلات، كلّها أمور نجد لها أصولاً في شرعنا وروايات أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، لكنّ إدخالها في العبادات يحتاج إلى دقّةٍ شرعيّةٍ ومراعاةٍ كبيرة؛ لكي لا يدخل على العبادة أمر ربّما يخلّ بها، خاصّة إذا كان مفهومنا للعبادة -كما أسلفنا- تحقيق القرب مِن الله تعالى عبر ممارسة قلبيّة أو جسديّة في إطار طبيعيٍّ واضح النتائج. إلّا إذا كان بعضهم يلجأ إلى هذه الرياضات في العبادة مُعتمداً على دليل ومستنَد لا أعرفه، والله العالم.
2. ثمّة أذكار وأدعية خاصّة مُسلَّم بها عندنا، تتضمّن آيات قرآنيّة أحياناً، وأدعية أحياناً أخرى، وقد ورد فيها نصوص، وهي من الأمور الجيّدة والمهمّة والمفيدة؛ إذ إنّها أشبه بوصفة الدواء من الطبيب الحاذق للمريض أو رقابة من الأمراض البدنيّة. وإذ إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) هم الأدلّاء على الله تعالى، الذين سلكوا أرفع مراتب الكمال الإنسانيّ والدينيّ، فإنّهم أدرى ببعض الأذكار التي تفيد والتي ترتقي
34
عبادات لا نصّ فيها
بالإنسان أو تزيل عنه أدران الذنوب، وهُم الأعرف بأوقاتها وأعدادها وحالاتها؛ وهذا أمر مفهوم وجيّد، إلّا أنّ ما يجب التوقّف عنده عدم ورود هذه الأذكار في نصٍّ شرعيّ،
35
عبادات لا نصّ فيها
فإنّ ما ورد عن بعض العلماء والأتقياء والعرفاء ممّا هو متداول، ينبغي أن يكون ممّا ورد فيه نصّ. وهؤلاء قد يَصِلون إلى مستنده من دون أن نعرفه، وهذا لا عيب فيه، المهمّ الاطمئنان إلى أنّه جاء من أهله، كعمليّة المراقبة والمداومة والرعاية التي يُبديها بعضهم لتلامذته مثلاً، وبِتدرُّج، ولكنّ هذا التدرّج يجب أن يكون بين يَدي عالم معتبر، والأفضل أن يكون فقيهاً. ويجب أن يبقى المعيار دائماً هو سلوك طريقٍ سلكه أهل البيت (عليهم السلام)، أو دلّوا عليه.
3. يجب الحذر في العبادات الخاصّة مِن توَقُّع أمور استثنائيّة أو حالات تصبح هدفاً في العبادة؛ لأنّ هذا مُنافٍ للإخلاص وغاية القرب من الله تعالى. ولا أريد أن أصِف ما هو أكثر من ذلك، فكيف إذا كان العابد يتوقّع وينتظر ليتحدّث بما حصل معه؟ هذا الباب خطير جدّاً، والمقدار الذي نفهمه هو ضرورة الابتعاد عن هذه المطالب والغايات، فضلاً عن ترويجها، وَلَو في غرف مغلقة، ومع أشخاص محدودين، فلا أدري ما المصلحة في ذلك، إلّا إذا كان العبد مأموراً لِمَصلحة كبيرة، كدفع خطر. هذا الأمر شائك ومعقّد، ولا يمكن الغَوص في تفاصيله حتّى لا يكون الكلام تعدّياً على ساحات لا نعرفها، ومجالات أهلها أدرى بها. فنقتصر على القدر المتيقّن الذي يجب أن يكون الحذر فيه كبيراً، حِفظاً لغايات العبادة ومقاصدها. وتكفينا في الاعتبار أحوال مَن سبقنا مِن السلف الصالح والعلماء الكبار الذين التزموا التصوّف والخزعبلات والرياضات الباطلة، مع أنّهم قد يكونون مظلومين، لكنّ الإجراءات المثارة حولهم والهمهمات بينهم ومن حولهم، تُثير غباراً يُخرج العبادات
36
عبادات لا نصّ فيها
عن حدّ الاعتدال فيها؛ وهذا ما سنشرحه لاحقاً إن وُفّقنا إلى ذلك. أمّا حديث الخواصّ الذين
يلجأ إليهم بعضهم، مُستدلّاً بما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال، فأنا لا أنكره، لكن حين يُعمل على تعميمه -عن قصد أو غير قصد- لا يبقى حديث الخواصّ؛ وهذا هو مَربط الفرس في القضيّة، والله العالم.
إنّ التفحّص والتأمّل في النصوص القرآنيّة والروايات الشريفة لا يحتاج إلى جهد لِيَصل إلى نتيجة حاسمة في أصل خِلقة بني آدم، فالعبادة لله الواحد الأحد تَقَع في سلسلة الغايات المقصودة من الخلق أساساً؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1]، وتفسير كلمة (تعبدون) هو (تعرفون)؛ لأنّ المعرفة -وهي غاية شريفة وجليلة- اختصرَت العبادة لأهمّيّة شأنها ورفعته. وكذلك الأمر في الروايات الواردة مِن أنّ الله تعالى أرسل الأنبياء لِيُخرج الناس من عبادة العِباد إلى عبادة الله الواحد.
يُبيّن المضمون هنا أنّ الإنسان الذي يعرف الله تعالى ويوحّده، إذا أراد الاستقامة وتأدية الوظيفة الأساسيّة التي خلق من أجلها، وإذا أراد أن يحقّق غاية بعثة الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، فعليه أن يكون عابداً لله تعالى دون سائر المخلوقات والموجودات. إنّ الفرائض والواجبات والمستحبّات وسائر الأحكام، لها وظيفة
[1] سورة الذاريات، الآية 56.
37
عبادات لا نصّ فيها
مشتركة وإجماليّة، هي أن تضع المؤمن الموحِّد موضع العبادة لله تعالى، وَلَو أنّ المؤمن يُترك لحاله وخياراته فقد يتخلّف عن أداء هذه الوظيفة كما يجب، فيُحرَم من نتائج العبادة وآثارها. لذا، فإنّ تعيين العبادات هي مزيد من الرحمة الإلهيّة واللطف الخاصّ بأمر التوحيد؛ لأنّها تضعهم على طريق الرقيّ والكمال المعنويّ
والسعادة والطمأنينة، ما يفرض على المؤمن أن يُحسِن استثمار هذه الفرصة، ويتزوّد مِن فيض العبادة، فتتشرّب روحه ونفسه من رحيقها وحلاوتها، ويكون بذلك عبداً قويماً عابداً. وأصل التشريعات العباديّة أن تجعل المؤمن عابداً، فَلِماذا يتخلّى عن هذه الصفة أو يزهد بها؟ وهل إنّ السيرة الناقصة والمخدوش بها لِبعض المؤمنين تدعوهم إلى وضع مسافة بين كون الإنسان مؤمناً وكونه عابداً؟ إذاً، العبادة صفة المؤمن التي أرادها الله تعالى له؛ فحين تكون الصلاة واجبة مثلاً، على المؤمن أن يصلّي لِيعبد الله -وهكذا في سائر العبادات- فَلماذا نقول في الاستخدام الشائع إنّ ثمّة مؤمناً مصلّياً وصالحاً وملتزماً، ثمّ نقول مرّة أخرى إنّ ثمّة مؤمناً عابداً؟ لأنّنا نلحظ فيه صفات الإكثار مِن العبادة. ألا يكون المصلّي والصائم عابداً؟ لا يمكن لأحد أن ينكر هذا الأمر، لكنّ التساهل في الموضوع يوصل إلى هذه النتيجة، وهذا مردّه إلى التسرّع أو الخطأ في إطلاق المفاهيم أو في فهم الواقع الخارجيّ للمؤمن الملتزم بالأحكام. وقد سرى هذا التساهل إلى أداء العبادة نفسها، خاصّة الصلاة، فيقال إنّ فلاناً مؤمناً وملتزماً ومصلّياً لكن لا يقال إنّه عابد؛ وفي هذه النظرة -في الحقيقة- استخفاف بالصلاة نفسها،
38
عبادات لا نصّ فيها
وكأنّ الصلاة تؤدّى كيفما كان. وقلّة هم مَن يعتنون بها وبخصوصيّتها، فيصبحون عُبّاداً إذا تفرّغوا أكثر للعبادة والصلاة. وَلَو راجعنا كلمة (العابدون) أو (عباد الرحمن) في القرآن لَرأينا أنّها تشمل المصلّين كلّهم، فالشارع المقدّس افترض أنّ كلّ صلاة يصلّيها المؤمن يجب أن تحظى بأهمّيّتها وقيمتها المعنويّة، حتّى لا تصبح مجرّد طقس يُؤدّى كيفما كان. وَلو دقّقنا في الأحكام الشرعيّة، خاصّة العباديّة منها، فإنّها، إن تمّت تأديتها بنحوٍ جيّد، تُحوّل
39
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
المصلّي إلى عابد بكلّ ما للكلمة من معنى. ومثل ذلك سائر العبادات، فالمطلوب من أدائها المصاديق الجيّدة والفعّالة والمؤثّرة، إنْ فَهِمنا المراد الإلهيّ مِن التشريعات والأحكام العباديّة.
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
المخلوقات الإلهيّة كلّها في هذا الكون الفسيح لها مسارات ومآلات جبريّة أو اختياريّة، وكمال كلّ مخلوق يتحدّد بحسب مساره نحو الكمال الخاصّ به؛ فالكائنات المادّيّة والسماوات والأرضون والكواكب والأشجار لها تسبيحاتها الخاصّة بِنصّ القرآن الكريم. وتفسير أو تأويل معنى التسبيح الخاصّ بها هو سيرها الطبيعيّ والتلقائيّ والذاتيّ نحو كمالها المرصود لها؛ فالشجرة التي تتحوّل إلى خشب أو إلى ثمرة يُستفاد منها، وهذا هو كمالها. وكذلك سائر المخلوقات، تدور بشكلٍ دائم بين خلقٍ جديد وأداء حكيم ومتقَن للوطنيّة الطبيعيّة لها.
أمّا الإنسان، فمخلوق آدميّ خاصّ له كمالاته ومآلاته في المراحل كلّها التي مرّت بها البشريّة -صعوداً أو هبوطاً، تقدُّماً أو تخلُّفاً- بصرف النظر عن المعتقدات والصراعات والمصالح والأشكال المتنوّعة التي أفرزتها التجارب الإنسانيّة، فإنّ لكلّ إنسان كماله الخاصّ، وهو تعبير عن سيره بالاختيار نحو هذا الكمال الذي يعبّر عنه بالوظيفة التي خُلق من أجلها أو الدور الذي ينبغي أن يؤدّيه في هذه الحياة الدنيا. ولقد اختار الإنسان -من وحي تجاربه
40
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
ومعارفه وفطرته أحياناً، أو غريزته أحياناً أخرى- أنماطاً عديد من مناهج الحياة والفلسفة للوجود والمسار المطلوب منه، بناء على فلسفة خاصّة بكلّ
41
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
فرد أو مجموعة. أمّا الإيمان التوحيديّ فيفترض أنّ الاختيارات والخطوات كلّها، بصرف النظر عن طبيعتها وغاياتها المرصودة إنسانيّاً، يجب أن توصل إلى المعنى الأصليّ والحقيقة التي تعبّر عن هذا الارتباط بين الخالق والمخلوق، والتي تحكي فلسفة أصل الإيجاد، وهذا المعنى وهذه الحقيقة ليست سوى العبوديّة لله تعالى. وثمّة مساران كبيران للبشريّة:
1. القائم على نكران الإله الواحد الأحد والخالق؛ إن اختار بعضهم الإلحاد -بالمعنى الاعتقاديّ ضمن تفاسير متعدّدة- أو اختار آلهة من الطبيعة، أو أيّ نظريّة مشابهة. لذا، فإنّ هذا المسار لا يفترض مسؤوليّة وواجباً تجاه ما يدّعيه أهل التوحيد بالخالق.
2. القائم على الإيمان التوحيديّ، وَلو بتأويلات متفاوتة، ولكنّ الجامع الأصليّ هو الإقرار بوحدانيّة الخالق الأزليّ، وأنّ الانسان هو المخلوق الذي أودع الله فيه الاختيار؛ لذا يتحمّل مسؤوليّة وواجباً تجاه خالقه. هذه هي الخلاصة الإجماليّة من دون الدخول في المناحي المتكثّرة عند الديانات والمذاهب والفرق التي ظهرَت عند التجربة والتاريخ. بناءً على ما ذكر، فإنّ السير ضمن المسار التوحيديّ يحتاج إقراراً وإيماناً والتزاماً، وهي لا تحقّق مضموناً ما لم ترتبط بالغاية الواحدة التي إذا تحقّقَت وتثبَّتت نتائجها، فإنّ المسار الفعليّ يبدأ؛ وهي العبوديّة لله تعالى. وفي هذه العبوديّة أمران:
42
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
أ. الإقرار والإنابة والخضوع لله -فالإنسان مخلوق لله تعالى وعبد له بمعنى المالكيّة- ومعرفته والتسليم لمشيئته. وعلى أساس هذا الفَهم تتفرّع سائر المعتقدات والأحكام والمفاهيم الدينيّة.
ب. نفي الخضوع والإقرار لكلّ ما سوى الله تعالى؛ أي ما يصطلح عليه (بالسلب)، فلا يكون الإنسان عبداً لأيّة آلهة مدّعاة أخرى، أو أيّ مفهوم أو عنوان آخر، ربّما نتحدّث عنه بعد قليل في تفصيل.
إنّ الإقرار بهذه العبوديّة يمثّل الجانب الاعتقاديّ بِبُعدَيْه العقليّ والقلبيّ؛ فالإيمان يشعل جذوة الحبّ والتعلّق والشوق تجاه المعبود، أمّا الالتزام فهو تسخير القوى الظاهريّة للإنسان وسَوقها في مسار العبوديّة. وبناءً على هذه الأبعاد الثلاثة، فإنّ العبادة -بمعناها التقليديّ- تصبح تلقائيّة ونتاجاً طبيعيّاً لها. وتتجلّى هذه الأبعاد في أنماط ثلاثة من العبادة:
الأوّل: التفكّر، وهو من أرقى العبادات؛ لأنّه يوفّر الغذاء العقليّ والروحيّ للمؤمن العابد، كما سيأتي بالتفصيل لاحقاً.
الثاني: المناجيات والأدعية الخاصّة التي تمجّد الإله وتجذّر الإيمان في النفس، وتنشره عمقاً وانشراحاً، وتكشف مساحات هائلة في نورانيّة العلاقة مع الخالق؛ وهذا أيضاً له تفصيل يأتي.
الثالث: أداء الفرائض والمستحبّات الواردة في سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم
43
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
السلام) بالانصياع لأحكام الله تعالى في التشريعات، ما يؤدّي إلى ضبط المسار الدينيّ والإيمانيّ والتوحيديّ للفرد والمجتمع معاً، ويترك آثاره وبركاته على مناحي الحياة كلّها في إطار الاعتدال وتحقيق العدالة؛ وهما منظومتان متكاملتان سنشرحهما إنْ وَفّقنا الله لذلك.
إنّ الغرض من ذكر السياق الطبيعيّ للعبوديّة لله تعالى هو الوصول إلى نتيجة أنّ العبادة تختلف بأبعادها وصورِها، وحالاتُها وتضع الإنسان المؤمن على خطّ العبادة، فالعبادة هي المحقّق الأوّل والضروريّ للعبوديّة؛ وهذا هو معنى أنّ المؤمن المعتقد بالتوحيد يجب أن يكون عابداً، فَبِمقدار فقدان هذه الصفة أو انخفاض وجودها يفقد الإنسان حقيقة الإيمان أو ينخفض إيمانه. وهذه العلاقة تفسّر الكثير من حالات الضعف التي تنتاب المؤمنين الذين يقرّون ظاهراً بالتوحيد ويدافعون عن هذه العقيدة وربّما يبذلون جهوداً استثنائيّة في الدفاع عن هذا المبدأ ويَصفون أنفسهم بأنّهم جماعة العقيدة والدين والالتزام، لكنّهم، بابتعادهم عن تحقيق العبوديّة عبر ضعف الأداء العباديّ، يفقدون أهمّ عنصر من عناصر السير في مسار المعرفة الإلهيّة والقرب من الله تعالى، وسيفقدون تبعاً لذلك الكثير من أسرار التوفيق وأسبابه ومفاتيح السكينة الإيمانيّة التي يجب أن تكون -بحسب الادّعاء- ملازمة للإيمان؛ قال الله
44
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[1]. فحين يفقد الذكر الكثير مِن حقيقته ينخفض منسوب الطمأنينة، بينما تعطي مداومة المؤمن على العبادة المركّزة نتائج باهرة على هذا الصعيد. حين يطلب الشارع المقدّس منّا عبادات، فإنّه يفترض أن يتمّ تأديتها كما يجب من ناحية المقدّمات والشروط، وكذلك في جهة النتائج والآثار المعنويّة التي تترتّب على أداء هذه العبادات. وحين نقول إنّ المؤمن عابد، فلأنّ المتوقَّع أن يؤدّي العبادات ويلتزم الأحكام كما يجب، وكما هي غايتها. والضعف الذي يعتريه يقلّل الأثر ويخفّض مستوى النتائج، ولهذا أسباب عديدة، قبل أن نذكرها في محاولة
[1] سورة الرعد، الآية 28.
45
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
لِفهمها وتحديدها مِن أجل تداركها، فإنّ القدر المتيقّن هو الذهول عن الاهتمام بفكرة العبوديّة ومقتضياتها، وهي التي يجب أن تشغل بال الإنسان المؤمن دائماً، ما يُحيجه إلى مراقبة للأعمال والنوايا التي تصدر عنه. وهذا ينقلنا إلى فكرة الانشغال عن العبوديّة وأسبابها ونتائجها. ولغفلة المؤمن عن عبوديّة ربّه حالتان:
1. الحالة الأولى تتمثّل في الاستغراق بما يشغل النفس عن هذا المعنى، فيكون نسيان الله تعالى متمادياً ومتّصلاً، ولا يكاد صاحب هذه الحالة يتنبّه إلّا جرّاء صدمات مفاجئة أو أحداث استثنائيّة، فيؤدّي بعض التكاليف الشرعيّة الظاهريّة، لكنّها تكون بمثابة طقوس اعتاد عليها أو عادات لازمة يؤدّيها من دون أن ينفد أثرها وفعلها في القلب. وهذا يُلحظ عن طريق أولويّات حياته وكثرة اهتماماته بشؤون الدنيا ومتعلّقاتها، وكأنّه خالد فيها. وقد يصِل التمادي والنسيان إلى مرحلة استحكام الأنانيّة وعبادة الذات واللهاث وراء إشباع تطلّعاتها؛ وهذا هو المعنى المتحصّل من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[1]. فَنسيان النفس يعني الذهول عن طبيعتها، كونها مخلوقة لله تعالى، لِتصبح مُطوّقةً ومشبعةً بالرغبات الذاتيّة وتحقّق مفهوم أمارتها بالسوء. ثمّ يزداد الأمر سوءاً، فيدخل في مفهوم الاستكبار، ويكون مثالاً للشيطان الإنسيّ. وهذا المعنى خطير جدّاً، ليس لنتائجه الفادحة فَحسب، بل لأنّه قد يصيب علماء وأفراداً لا تبدو في
[1] سورة الحشر، الآية 19.
46
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
ظاهرهم أيّة إشارة إلى هذا الشأن، ولكن حين يمتحن اللهُ هواهم يسقطون لِيكتشفوا بعد مدّة طويلة أنّهم -في
47
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
الحقيقة- عُبّاد ذواتهم بعد أن أخرجوا أنفسهم من عبوديّة الله تعالى.
2. الحالة الثانية تخطر في قلب الإنسان أحياناً، نتيجة ضعف في فَهم الإيمان والتوحيد ومقتضياتهما، أو نتيجة اليأس وعدم القدرة على مراجعة الوقائع القاسية، فينجرّ إلى حالة مِن الشكّ أو التردّد ليتضعضع الإيمان والتسليم في قلبه، ويركن إلى غير الله تعالى. وقد يكون الملجأ الذي يلوذ به سلطاناً وحاكماً أو صاحب مال وقدرة، فيخضع لهذه العناوين، لكنّه بعد مدّة يعود نادماً، إلّا أنّ الزهو عن الحقيقة حَصل وَلو مؤقّتاً.
في هاتَيْن الحالتَيْن لا أتحدّث عن البُعد الأخلاقيّ والسلوكيّ أو ما يُعبّر عنه بالشرك الخفيّ في ظلّ الالتباس والتداخل في نوايا بعضهم، وإنّما أتحدّث عن البُعد الاعتقاديّ وتزلزله الذي يتجلّى بالشكّ أو التردّد أو الاستخفاف، ما ينتج أعراضاً نفسيّة وانشغالاً قلبيّاً، بصرف النظر عن المظهر الخارجيّ لصاحب هذه الحالة، فَقد يكون مظهراً يُنبئ باستهتار ونكران ولا مبالاة، وقد يكون مظهراً محافظاً دينيّاً ومعتدلاً لكنّه يخفي خلفه عبادة صنم الذات واستعلائها. لذا، نجد أنّ بعض الذين توضع حولهم إشارات ربّما تكون ضعيفة عقائديّاً وفكريّاً، لكنّهم في مراحل متقدّمة تظهر أمورهم بنحوٍ جليّ، ويتّضح أنّهم كانوا بعيدين جدّاً عن مغزى التوحيد ومستلزماته. وفي هذا المجال تظهر الأهمّيّة الفائقة لثبات العقيدة، سواءٌ أكان بالأدلّة المتينة أو بِكثرة التفكّر أو بكلّ وسيلة
48
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
علميّة أو عمليّة، لكي ترسخ نبتة التوحيد في القلب وتشتدّ وتقوى، بمراعاة جوانب بقائها وقوّتها وتجذّرها. كما أنّ التدبّر في معنى
49
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
العبوديّة لله تعالى يفتح آفاقاً رحبة للمؤمن في المعارف التي أشار إليها القرآن الكريم والكلمات النورانية للرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، الذين يُفاخرون ويعتزّون ويتعاطون على أنّهم عبيد الله تعالى. فالإقرار بالعبوديّة لله مقام، وَلو لم يكن كذلك لَما اقترن بذكر خير خلق الله محمّد (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّها ليست فكرة عابرة تكشف مجرّد العلاقة بين العبد وربّه، بل هي قيمة مفعمة بالحبّ والتعلّق والافتخار؛ لأنّ (السيّد) هنا هو ربّ العالمين وخالق الخلائق أجمعين ومن بِيَده ملكوت السماوات والأرضين. وَلو دقّق المرء بين العبوديّة الله تعالى والعبوديّة للأفراد أو الشهوات والرغبات أو المصالح والمنافع -وكلّها محدودة وزائلة- لَفَهم الفارق الكبير بينهما، ولا مجال للمقايسة! فهل ثمّة أجمل وأعظم مِن أن يكون المؤمن عبداً لِمالك الملك والقادر على كلّ شيء، الرحيم ذي الصفات المطلقة، الذي لا ينفد ما عنده ولا يُحدّ، وهو أكرم الأكرمين، وهو الذي إذا أقرّ العبد بالعبودية له رفعه وعظّم شأنه، وكلّما تواضع وتذلّل له زاده منعةً وقوّةً ووصله بحبله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها.
ولا ينبغي التقليل من أهمّيّة الجهل وتأثيره في الإعراض والغفلة عن العبوديّة لله تعالى، فإنّ ضعف المعرفة بالله ينعكس على المؤمن في إدراك عَظَمة العبوديّة وجلالها، بل قد يَضعها أحياناً في موقع لا يليق بها، ما يُعرّضها للتراجع في عقل الإنسان المؤمن وقلبه وأولويّاته. وكذلك الحال في فَهم التوقّعات وإدراك آثارها على
50
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
نفس الإنسان، ما يُسقطه أو يُضعِفه مقابل الامتحانات والبلاءات المختلفة، من دون التأمّل في العبر المستفادة من تجارب الأنبياء والأولياء السابقين (عليهم السلام)، الذين استشعروا لذّة العبوديّة والتعلّق بالله
51
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
تعالى في أقسى المراحل والعذابات التي مرّوا بها في حياتهم. مُضافاً إلى الاستعجال، نتيجة الجهل بِطبيعة العلاقة مع الله تعالى ومقتضياتها، إذ يتوخّى بعضهم النتائج التي يتخيّلها بطريقة غير صحيحة، حين يعزلها عن منطق التسليم والرضا، وغير ذلك من الأمور التي إذا تأمّلنا فيها دلّتنا بِوضوح على أنّها تنبت المعرفة في القلب وتعمّق العبوديّة، كأصل ومحور في الإيمان التوحيديّ؛ فكلّما تقلّصت هذه المساحة انكمش مفهوم العبوديّة وأُقصيَ عن واقعيّته، ما يولّد ضياعاً وتشتّتاً يشغل المؤمن عن جمال العبوديّة لله تعالى وجلالها. ويتّضح ممّا ذُكر أنّ لِغيابِ محوريّة العبوديّة في عقيدة أهل الإيمان ورؤيتهم نتائج خطيرة في حصيلةِ الإيمان التوحيديّ وناتجه وآثاره الأخرويّة قبل الدنيويّة. ومن التشبيهات والأمثلة التي تُقرّب الفكرة، تعطيل مصدر الضوء في معمل إنتاج يقوم عمله كلّه على هذا الضوء، ثمّ يلجأ صاحب المعمل إلى المصابيح، فلا يَصِل إلى نتيجة في الإنتاج، لكنّه قد يأنس ببعض الضوء المؤقّت الذي يراه من المصابيح التي سرعان ما تُطفئ. فالعبوديّة منشأ البركات والتوفيقات، وكما أسلفنا، تتّضح في العبادات روحاً، وتعطيها رونقاً وثباتاً وأصالةً في المسار الإيمانيّ، بمراحله ومآلاته في الدنيا كلّها لتخطّي الامتحانات، وفي الآخرة لِنيل الفيوضات في عوالم القرب من الله تعالى، والالتحاق بركب الأولياء الذي سبقوا، فيحظى بِلقاء الله والرضوان في جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام). ثمّ لو تأمّلنا في الأدعية المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) وما فيها من مضامين عالية
52
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
ورفيعة، بحيث لم تَدَع مجالاً من مجالات الحاجة والبوح والشوق والتعلّق والتقرّب إلّا وفتحت له أبواباً عجيبة في آفاقها وآثارها وبركاتها، وجدنا أنّها قائمة على
53
العبادة والعبوديّة في المسار الإيمانيّ
التذلّل والخضوع والخشوع، بل إنّ عبارات التفرّغ والتسليم للإله الخالق والمعبود والرازق بأسمائه وصفاته المطلقة كلّها تنضح بالإقرار بالعبوديّة والمالكيّة لله تعالى. فَلولا هذا المعتقد، لَما أمكن لهذه الأدعية كلّها وسائر العبادات أن تأخذ مكانتها وأن تفعل فعلها في إحكام رابطة الإيمان وعقيدة التوحيد والتسليم ونَيل درجات القرب مِن الساحة المقدّسة التي تصنع وتصقل إنساناً ربّانيّاً. ونستنتج من هذا كلّه -بسهولة ويُسر ويقين- أنّ طريق الاعتقاد بالعبوديّة وما نشأ عنه هو الذي يوصل إلى الغاية والمبتغى من خَلق الإنسان وإرسال الأنبياء والرسل(عليهم السلام)، بالحجج الظاهرة والباطنة الوافية. فإذا اهتدى المؤمن إلى هذا السبيل أمكنه أن يسرع في فَهم قول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1] وإدراكه والتزام مفاده.
وحيث إنّنا -في هذه الفقرة- نعالج فكرة أنّ الأصل في المؤمن أن يكون عابداً، وحيث إنّنا ذكرنا -ولو باختصار- أنّ الغفلة عن العبوديّة في مجال الاعتقاد أحد أهمّ أسباب التقليل من شأن العبادة. ومن أجل إتمام الموضوع المرتبط بالعبادة، سأحاول أن أسلّط الضوء على بعض الأسباب التي تخفّف من الاهتمام بشأن العبادة على المستوى العمليّ والفعليّ، وتؤدّي إلى تراجع الشأن العباديّ عند المؤمنين، وتساهم بنحوٍ كبير وأساسيّ في الفصل -ذهنيّاً وواقعيّاً- بين المؤمن والعابد. ومرادنا -كما سنبيّن في هذا الفصل-
[1] سورة الذاريات، الآية 56.
54
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
أنّ التلازم هو مراد شرعيّ وإلهيّ، والانفكاك من علامات الضعف الكبير في الشخصيّة الإيمانيّة وفي تحصيل آثار الإيمان والتديّن وبّرّكاتهما.
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
لهذه الأسباب عناوين عديدة من الصعب حصرها، إلّا أنّ التعرّض لأهمّها ولِما هو محلّ ابتلاء -عادة- سيكون مفيداً ومهمّاً لِمعالجات واقعيّة وعمليّة. والعناوين هي:
1. أسباب فكريّة
مُضافاً إلى ما ذكرناه سابقاً من أهمّيّة الاعتقاد بموضوع العبوديّة، فإنّ القضيّة مبنيّة فقط أو بنحوٍ أساسيّ على:
أ. الإيمان الفلسفيّ والتجريديّ من دون النفاذ إلى القلب، فإنّه لا يقتضي بالضرورة -بحسب بعضهم- الالتزام بالمنهجيّة التي تقرّها الشريعة والأحكام الدينيّة، أو عدم الالتزام بالأحكام الإلهيّة الخاصّة، ما يجرّ إلى الاعتقاد بأنّ العبادات مجرّد طقوس لا داعي للالتزام بها. فَيصِل بعضهم إلى حدّ اعتبار أنّ أصل الاعتقاد بوجود خالق وموجد لهذا الكون كافٍ. ويتفاوت أصحاب هذا الرأي في هذه النظرة، من ناحية المبالغة أو الاقتصار على قدرٍ يَسير من أداء العبادات، وقد يفصلون -بحكم العقل- بين هذا المعتقد وبين الإيمان
55
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
بالآخرة وطبيعة العالم الآخر، ما يؤثّر في أصل عقيدة المعاد والبعث والحساب والجزاء. ثمّ إنّ هذا التديُّن الفلسفيّ المجرّد قد يؤثّر على بعض المجتمعات الدينيّة الخاصّة، وتحديداً فئة المثقّفين أو النخب، مع احتمال تكريس عبادات لها مزاراتها وشعائرها.
إنّ هذا الاتّجاه الذي يبالغ في الاعتماد على العقل النظريّ له أنصار وأتباع يعطون لآرائهم أبعاداً علميّة، ويؤثّرون -بحسب موقعيّاتهم- بالأساليب والمصطلحات على العِلم. وحيث إنّنا -في هذا المختصر- لسنا في موقع مناقشة هذه الأفكار -إذ له محلّ آخر- إلّا أنّنا قد نتعرّف بيان الخلل المترتّب على هذه الطريقة حين نتطرّق إلى المعالجة التي تخدم غرض البحث، وهو الاهتمام بالعبادات لأهمّيّتها في المنهج الدينيّ الإسلاميّ كلّه.
ب. الإيمان ذو الاتّجاه المادّيّ: يشبه هذا المنحى -في نتائجه على صعيد النظر إلى الأمور العباديّة- الاتّجاه الأوّل، ولكن مِن وجهة نظر مختلفة. وخلاصة هذا الاتّجاه المزج والخلط بين الإيمان والأهداف والغايات المادّيّة للإنسان، من دون ترتيب؛ أي إنّ الإيمان التوحيديّ لا يتنافى -بحسب هؤلاء- مع المنظومة الحياتيّة القائمة على المنفعة المادّيّة، على قاعدة الفصل بين ما هو لله وما هو لشؤون الدنيا. فالإيمان والطقوس والعبادات لها مسار وتنظيم وترتيب وتحقيق لمصالح دنيويّة، ولها مسار منفصل. ولعلّ هذا المنحى هو الأخطر في عصرنا الحاضر، إذ يُحاكي طريقة الغرب المادّيّ، ما يدعو -في النهاية- إلى عدم إرهاق الفرد والمجتمع
56
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
بعبادات وشعائر وجدت من زمنٍ ماضٍ، ولا داعي للكثير منها اليوم، فتبقى المحافظة على بعض العبادات الأساسيّة والأكثر شهرة، كالصلاة والصوم والحجّ وما شابه، بل حتّى يمكن التلاعب بهذه العبادات تحت عناوين الحداثة والتطوُّر ومحاكاة العصر ومجاراة التقدّم العلميّ وانخراط المجتمعات في منظومات فكريّة واجتماعيّة جعلَت المنفعة المادّيّة والمصلحة الشخصيّة مقدَّمة على أيّ شيء آخر. ولا تكمن خطورة هذا المنحى في التقليل من أهمّيّة العبادات فقط، بل بمسحها والتلاعب بها؛ وهذه الطريقة لا تختلف كثيراً عمّا فعله الأمويّون في سبيل تحويلهم الدين التوحيديّ لِصالح
57
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
التسلّط وإفراغ قيَمه من جوهر معانيها وأهدافها، وهي عبادةُ الناس اللهَ الواحد الأحد، لتكون العدالة الاجتماعيّة الإنسانيّة من نتائج هذه العبوديّة لله تعالى في أبعادها المختلفة. وكما ذكرنا في الاتّجاه الأوّل، لسنا في وارد قياس هذا المنحى الفكريّ كمنظومة حياتيّة؛ وبهذا يختلف عن الأوّل، فالأوّل يبقى مقتصراً على فئة محدودة في المثقّفين والنخب، بينما لهذا المنحى تأثيرات مثبتة ممتدّة، وله مروّجون -للأسف- مِمّن يحمل شعار العلم والتبليغ، فينخرط في هذه المنظومة التي تترك تأثيراتها على المجتمع كلّه والحياة، مُستعيناً بالإعلام والدعاية الكاذبة التي تسُوق الإنسان نحو تحقيق طموحاته وتطلّعاته المادّيّة، وَلَو على حساب الأحكام والشريعة. ومن ضمن ما يجرف هذا الاتّجاه الأهمّيّة الاستثنائيّة للعبادة، فيحصرون العبادات بِدُور العبادة ومناسبات محدّدة. وعلى أيّة حال، فإنّنا سنتحدّث عن هذا الأمر بالمقدار المناسب لنعالج مِن أجل الحفاظ على أهمّيّة العبادات وأولويّتها في حياة المؤمن والمجتمع الإيمانيّ عموماً.
ج. الاجتهادات الخاطئة والحادّة في فَهم رسالة الدين والإيمان؛ فما هي الوظيفة الإسلاميّة التي جعلها الله تعالى في عهدة أهل الإيمان؟ وما المراد من غاية وجود الإنسان على هذه الأرض؟ ثمّة مصطلح جيّد يُستخدم كثيراً هو الإيمان الرساليّ؛ أي التديّن الذي يُحمّل صاحبه مسؤوليّة ورسالة يجب أداؤها في مقابل الإيمان الفرديّ الخاصّ، من دون التطلّع إلى مسؤوليّات أخرى. في المبدأ، لا نقاش في أنّ عمل الرسالة والمسؤوليّة ذو خلفيّات تحمل تكاليف
58
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
وأحكام فُرضَت على العباد، ويتحمّلها تحديداً أهل الإيمان والتوحيد، سواءٌ أكانت تجاه الأفراد المسلمين أو سائر أفراد البشريّة؛ وهذا هو مقتضى الخلافة
على الأرض ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1]، لتأدية دور إلهيّ. وكذلك حال الأمانة التي حملها الإنسان فكان ظلوماً جهولاً؛ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[2]؛ لأنّ تحمّل هذه المسؤوليّات -بأبعادها الرساليّة اجتماعيّاً وسياسيّاً وغيرها- يضَع -بحسب فهمنا- الوظائف الشرعيّة كلّها والأحكام العامّة والمنهج الدينيّ العامّ في سياقها الطبيعيّ والتكامليّ، ولكنّ الخطأ الذي ينشأ يكون نتيجة الغفلة أو عدم التدقيق في الجوانب المختلفة والأبعاد المتعدّدة لبناء الشخصيّة الإيمانيّة. وكذلك الأحكام المرتبطة بالجماعة والمجتمع والحياة العامّة، ما يجعلنا ندرك أنّ للعبادات دوراً أساسيّاً ومحوريّاً لا يصحّ إهماله أو إغفاله أو التقليل من شأنه. لذا، فإنّنا نعتقد أنّ النظرة الحادّة والأحاديّة وغير الموضوعيّة وغير الشاملة لِمَقاصد الشريعة والدين تجعل بعضهم يستغرق في الشأن العامّ من دون العناية بالأمور العباديّة؛ مَثله كالذي يتفرّغ لطلب العلم في الحوزة أو لأداء دور تبليغيّ أو اجتماعيّ، فإنّ عدم الالتفات يجعله غير مُبالٍ بالعبادات، ما يُنتج رؤية فكريّة تتفهّم -بالتدريج- مكانة العبادة؛
[1] سورة البقرة، الآية 30.
[2] سورة الأحزاب، الآية 72.
59
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
وهذا تفريط في غير محلّه. وفي المجال نفسه، فإنّ الاجتهادات الخاطئة والحادّة التي تبالغ في الشأن العباديّ الخاصّ على حساب التكاليف الأخرى تُنتج ثقافة تطيح أحياناً بالتكاليف الأخرى؛ وهذا نهج إفراطيّ. وسنعمد للمعالجة في إطارَيْن؛ نعتمد أحدهما في فصل خاصّ حول التوازن في المعالجات العمليّة، بإذن الله تعالى.
60
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
د. الآراء الساذجة والسريعة التي يلجأ إليها بعض مَن تعلّم شيئاً وغابت عنه أشياء، فيروّج لثقافة تقلّل من شأن الأعمال العباديّة، ويتعاطى باستخفاف في غير محلّه مع ما ورد في الروايات أو في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) مِن أمور عباديّة أو أعمال لها آثار كبيرة على حياة الإنسان ومستقبله في الدنيا والآخرة. وقد يَصل الأمر عند بعضهم إلى التأويل والرفض والتلاعب بآثار العبادات الواردة، على أنّها ليست سوى أحاديث تشجيعيّة غير موضوعيّة. وفي العموم، فإنّ هذا المنهج الفكريّ، بصرف النظر عن خلفيّاته وكيفيّة نشوئه، فإنّه نمط قد يوصل إلى الأمن مِن مكر الله تعالى، على قاعدة أنّ الوعود الواردة في القرآن الكريم أو في الأحاديث هي إشارات عامّة لا يقصد فيها مدلولها الطبيعيّ؛ وهذا كلّه في غير محلّه. لكنّ الذي يهمّنا هو أنّ ناتج هذا الاستخفاف عدم التوجّه بنحوٍ مركّز إلى العبادات للتزوّد منها.
أكتفي بهذا المقدار من ذكر الأسباب الفكريّة التي لا يمكن أن نستهين بتأثيرها على المزاج العامّ والبيئة الخاصّة لأهل الإيمان والتوحيد، فقد تُلقى الكثير من الالتباسات والشبهات التي تكون -للأسف- سبباً في تراجع الاهتمام بالعبادات وشؤونها. ولنا عودة للحديث عن هذه الأمور.
2. أسباب ثقافيّة وتربويّة
61
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
من الثابت أنّ الثقافة السائدة في المجتمع حول موضوعٍ ما، تؤثِّر بصورة مباشرة في السلوكيّات تجاهه، فَهل تولي الثقافةُ الرائجة عند المؤمنين العباداتِ اهتمامها الخاصّ بالنحو الذي يعكس توجّهات أهل البيت (عليهم السلام)؟ إنّ مَن يتفحّص ويدقّق يجد أنّ هناك اتّجاهاً ثقافيّاً عامّاً عند المؤمنين يشجّع
62
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
ويحثّ على التزام الفرائض عند بلوغ سنّ التكليف، وهذا -بحدّ ذاته- جيّد، ولكن يغلب على جهة الاهتمام تبيان الجوانب الفقهيّة التي تؤمّن الظاهر في التزام الفرائض والعبادات، أمّا رعاية حقيقة العبادة ودورها في صيانة الشخصيّة الإيمانيّة وشرح هذا المستوى وتطبيقه فإنّه يبقى ضعيفاً. وتظهر هذه النتيجة في عدم -أو قلّة- المعرفة، مُضافاً إلى التعلّق الشديد بالشأن العباديّ، أو قد يكون المنشأ هو التركيز عند المبلّغين على الجوانب الفقهيّة، ما يجعل الجوانب المعنويّة المقصودة في العبادات تبدو كأنّها ثانويّة. ومن الإشارات والعلامات على هذه القضيّة هو قلّة معرفة المؤمنين واهتمامهم بشروط قَبول العبادات، لا شروط الصحّة الفقهيّة الظاهريّة، وقلّة تشديد المنحى العامّ على الشوق والمسارعة في الاهتمام بالشأن العباديّ وتأمين الشروط والظروف الملائمة لأداءٍ يساعد على تحقّق الأثر المعنويّ، مُضافاً إلى نمط الحياة والعيش الذي لا يعطي الأولويّة للشأن العباديّ، سواءٌ أكان في أوقات أداء الفرائض أو التزام بعض المستحبّات والأعمال الواردة. ومن الدلائل على هذا الأمر إعطاء الأولويّة للجوانب الأخرى، فالثقافة العامّة بين المؤمنين لا تجعل فكرة المؤمن العابد حاضرة في الواقع، بل إنّ المؤمن مَن يلتزم الأحكام الظاهريّة فقط، بصرف النظر عن أيّة نتائج أخرى. أمّا على الصعيد التربويّ، فيُمكن أن نلحظ هذا الجانب في التربية والتوجّهات والممارسات التي يقوم بها الأبوان في المنزل، وكذلك المدرسة. فالمناهج التربويّة والعادات والتقاليد الاجتماعيّة والإعلام المؤثّر جدّاً -خاصّة في
63
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
الآونة الأخيرة- كلّها لا تعطي الجانب العباديّ أهمّيّة خاصّة، بينما يرتبط الأمر بالجوانب المعنويّة المهمّة للعبادات؛ لذا تجب المسارعة إلى تحصيلها وكسب بركاتها.
64
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
في الخلاصة، إنّ الغائب الكبير -على الصعيدَيْن الثقافيّ والتربويّ- هو العمل على تحصيل سعادة الروح وصفاء النفس ونقاوة الذات والقلب، فَمن الطبيعيّ، حين تغيب هذه الأهداف، أن تقلّل المناهجُ والبرامج المعمول بها من الاهتمام في تحصيل الأسباب. لذا، فالشأن العباديّ هو الأساس والمحور في تحصيل السعادة الروحيّة.
ومِن الأمور التي تبعث على الأسف شدّة الاهتمام ثقافيّاً في تحقيق الأهداف المادّيّة الموضوعيّة الاجتماعيّة، ما يصرف الهمّ والجهد في سبيل ذلك. ونلمس هذا بوضوح في مجتمع المؤمنين الذين لا يزالون محكومين للنظرة المادّيّة في قيم التعليم والتربية، على قاعدة أنّ نجاة الإنسان في تأمين فرصة العمل والعيش الرغيد، وَلَو على حساب نجاته الحقيقيّة؛ وثمّة فارق منهجيّ ومفصليّ بين التربية التي تهدف إلى تحصيل آخرة سعيدة وحياة مفعمة بتحصيل الرضا الإلهيّ وبين تربية تكون الأولويّة فيها للمقام والمكانة في الدنيا، وِفاقاً للمعايير والقيم المادّيّة.
3. أسباب روحيّة ومعنويّة
تصرف الأسباب الروحيّة المؤمن عن الاهتمام الخاصّ بالعبادات، وسوف أذكر سببَيْن رئيسَيْن قد يخلّفان أسباباً ودواعي أخرى.
أ. ممّا لا ريب فيه أنّه كلّما تراكمت الذنوب انعكست آثارها على القلب وهبطت روحيّة الإنسان المؤمن وابتعد عن القرب من الله
65
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
تعالى، وكلّما ابتعد المؤمن عن مصدر الإلهام المعنويّ انشدّت نفسه إلى الدنيا ومغرياتها بنحوٍ أكبر. فَيَضع
66
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
العاصي نفسه في موقع البائس ويزداد جفاءً ونسياناً لله تعالى، حتّى ينسى نفسه ويغفل عنها، ثمّ إذا ازداد إصراراً على المعصية وتراكمت الذنوب بدأ القلب بإغلاق نوافذه ناحية الرحمة الإلهيّة إلى أن يَصل إلى مرحلة الأقفال؛ ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾[1]. إذاً، هذه الحالة، كما تنشأ مِن الفرد نفسه، كذلك تنشأ من غياب الروحيّة وضعفها في الجماعة التي يكون مِن ضمنها، إذ يؤثّرون ويتأثّرون، فتكون النتيجة ضعف الداعي أو انعدام التوجّه نحو العبادة، فلا يَنال من فيوضاتها وبركاتها. ثمّ إذا تنبّه وعاد إلى الله سيكون مُثقلاً، فإذا أدّى بعض العبادات فَإنّه لن يستشعر حلاوتها ولذّتها، بل بالكاد يأنس بها؛ وهكذا يفقد أعظم النعم الإلهيّة التي كانت كفيلة بتحصينه ومنعه من الانزلاق، لكنّه -بسوء اختياره- رمى بنفسه في موارد التهلكة وحُرم من بركات العبادة، وإن كان يؤدّيها ظاهراً، فهي ضعيفة ولا تقوى على مواجهة إصراره على اللهاث وراء الدنيا ومشتهيات النفس ونوازعها. وإنّه لَمُحزن ألّا يستفيد المؤمن من هذه النعمة وهي متوفّرة بين يديه، وخلفها تقِف منتظرة رحمة الله الواسعة الجاهزة لانتشاله من مصيبته التي أوقع نفسه فيها. إنّ عنوان الذنوب المانع من الاعتناء بالعبادة كما يجب هو عنوان التعلّق بالدنيا، ومصاديقه كثيرة وكبيرة.
ب. الخمول والكسل: قد لا تنقص بعض المؤمنين القناعة في أهمّيّة العبادات ودورها في تحقيق الرقيّ المعنويّ والقرب من الله تعالى،
[1] سورة محمّد، الآية 24.
67
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
لكنّهم يفقدون الشوق أو الإرادة المهمّة. وهذا، وإن كان يمكن وضعه في إطار الكسل الفرديّ، لكنّه
68
أسباب تراجع الشأن العباديّ عند المؤمن
-في الحقيقة- يكشف عن ضعف في الإيمان؛ لأنّ الإيمان إذا كان مُتحقّقاً في القلب كما يجب، فإنّه يوجِد التعلّق الخاصّ بالله تعالى، وكذلك الشوق والمصلحة، ثمّ الإرادة والهمّة. أمّا تعلُّق المؤمن بعناوين دنيويّة تجعله يركن إليها، فيُسبّب الخمول والاستئناس بمتطلّبات النفس ومشتهياتها. والقاعدة واضحة: كلّما ارتقى الإنسان في حضن الدنيا، نَقُص مستوى إيمانه ونسبة تعلّقه بالله تعالى. أمّا كيفيّة معالجة هذه الحالة فسيأتي ذكرها بإذن الله تعالى.
المحصّلة النهائيّة لهذا الفصل إذاً، هو أنّ التأمّل في التشريعات ومضامينها، يُظهر أنّها تحثّ وتطلب من كلّ مؤمن أن يكون عابداً وموحِّداً حقيقيّاً، إلّا أنّ الخلل الموجود مردّه إلى ضعف في الإيمان -فَهماً أو عملاً- ما يعني أنّ الله تعالى -برحمته ومحبّته ورأفته بِعبده- أراد منه أن يكون عبداً صالحاً يقترب منه ويقرّبه إليه، بصرف النظر عن المهامّ الأخرى التي يؤدّيها في حياته. فالمطلوب القيام بأيّة مهمّة أخرى ضمن إطار محوريّة العبوديّة، وهي مظهر التجلّي الإلهيّ لِخلقه، كما أنّها مظهر العبادة الخالصة التي تدور في فلك التوحيد. لذا، سنحاول التوقّف عند المشهد الذي يفترض أن يقدّمه المؤمن الملتزم -انطلاقاً من كونه عابداً وموحِّداً- كما سنحاول أن نقدّم أفكاراً قد تساهم في معالجة أسباب التراجع العباديّ لهذا المؤمن.
69
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
حين نتكلّم على ضرورة سلوك الطريق لعبادة صحيحة فإنّنا لا نبتكر جديداً، وإنّما نحاول أن نؤكّد ونوضّح المبادئ
والأسس التي يثبّتها الدين، فقد جاءت التشريعات لِتَضع المؤمن على هذا الطريق، وِفاقاً لرؤية كاملة وغايات محدّدة وسامية ونتائج متوقَّعة تعود كلّها بالنفع والفائدة على العبد نفسه؛ لأنّ الله تعالى لا تزيده طاعة من أطاعه كما لا تضرّه معصية من عصاه، فهو الغنيّ المطلق الذي لا يضيف إليه أحدٌ شيئاً. وبعد أن أكّدنا الأهمّيّة الاستثنائيّة للعبادة في النصوص الدينيّة وفي سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، وأشرنا إلى عوامل الضعف والتراجع التي تؤثّر سلباً في سلوك بعض المؤمنين ورؤيتهم، فإنّنا سنحاول رسم الصورة المطلوبة -ما أمكن- وتحديد العلامات التي تفيدنا في سلوك الاتّجاه الصحيح والمؤدّي للغرض الإلهيّ مِن العبادة. ولتحقيق هذا الأمر أُوضح ما يأتي:
1. تثبيت مفهوم العبوديّة
إنّ تثبيت مفهوم العبوديّة لله سبحانه وتعالى هو المنطلق الأساس الذي يُبنى عليه، وهو الذي يَضَع العبد المؤمن على طريق العبادة تلقائيّاً، بِرغبة وشوق، حتّى لو لم تكن هناك أوامر إلهيّة خاصّة تدعو إلى العبادة؛ لأنّ العقل والمنطق يحكمان بضرورة تأدية
70
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
فرائض العبادة تجاه الخالق والموجد والسعي لإرضائه والتقرّب منه؛ وهذا نفهمه ممّا يأتي:
أ. الله تعالى هو المالك الحقيقيّ الذي أوجد الإنسان من العدم، وهو علّة بقائه وحدوثه، وحياة الإنسان ووجوده مرهونان بهذه العلّة الأولى والدائمة، التي إذا انتفَت لحظةً واحدة انتهى حال الإنسان؛ وهذا يبيّن وجه المالكيّة لله تعالى، ويحدّد العلاقة القائمة بين المالك والملوك. فالعبادة مِن المملوك فعلٌ طبيعيّ تجاه مالكه وخالقه، وهي إقرار
71
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
وخضوع منه وتسليم بأنّ مصدر القدرة هو الله سبحانه وتعالى.
ب. العبادة تعبير حقيقيّ عن الحمد والشكر على النعم التي أنعمها الخالق على عبده، من دون أيّ استحقاق مُسبق، بل تفضُّل محض؛ ابتداء من نعمة الإيجاد، مروراً بالنعم الأخرى كلّها، كالرزق والعناية وتسخير الكائنات له وتفضيله على سائر المخلوقات بالعِلم والعقل.
ج. العبد مفطور على معرفة الله تعالى وعلى الإقرار بوحدانيّته. وهذه المعرفة يميل إليها المخلوق البشريّ والمؤمن من موقع إدراكه لهذه الحقيقة وتيقّظه تجاهها، فإنّه يأمل أن تفتح له أبواباً يحبّها ويطمح إليها. والله تعالى هو الرزّاق العليم الذي كلّما اقترب العبد منه فتح له أبواباً من المعرفة أثبت وأشدّ وأوسع.
د. العبد المؤمن الذي عرف الله تعالى بالفطرة الحيّة التي فطره عليها وزرعها فيه يتوق إلى التقرّب من ساحة الخالق والمعطي بِدافع الحبّ والشوق إلى لقائه، والعبادة لقاءٌ مع الله تعالى.
إنّ هذه العناصر وأمثالها -مجتمعة أو متفرّقة- تشكّل الأرضيّة الصلبة لمفهوم العبوديّة الذي يفاخر به العبد تجاه الخالق والرزّاق والمعطي والمنعم الذي لا حدود لصفاته ولا منتهى لبركات كلماته وأسمائه، فهو الجدير بأن يُعبد دون غيره من الذي وضعوا أنفسهم موضع الآلة أو رَفَعهم الناس لأسباب وعلل محدودة. بينما الإله
72
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
الواحد الأحد صفاته مطلقة لا تُحدّ. مُضافاً إلى أنّ قربَه ومعيّته قائمة على أيّة حال، فإنّ
73
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
الله تعالى قوام وجود الإنسان، وحين يَعبده فإنّه يُعبّر عن هذا القرب التكوينيّ بعبادة هي أقرب إلى الشكر والحمد. وقد أسلفنا سابقاً، ومِن باب التأكيد، فإنّ المصحِّح للعبادة والمقدِّم لها في آن واحد هو العبوديّة حين تتجسد بالاختيار من العبد، وما العبادات التي يمارسها العبد المؤمن إلّا إثباتاً لجدارته في أن يكون عبداً لائقاً بمن اختاره خليفة له على الأرض دون سائر المخلوقات.
2. العبادة ضرورة في توازن الشخصيّة الإيمانيّة
إنّ الدين الإسلاميّ، بما يشمل من أهداف وقيم وتعاليم، يعمل على بناء الشخصيّة السليمة في إطار الاستقامة لتحقيق الغايات، وكأيّة عقيدة، إن لم تلحظ جوانب تكوين الشخصيّة جيّداً -من الرؤية والأولويّات- فإنّها ستكون عرضة للإفراط أو التفريط؛ وهذا أمر طبيعيّ كناتج للإهمال والتمادي في جانب دون آخر. مُضافاً إلى أسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، وهي ليست محلّ بحثنا.
وَلو دقّقنا إجمالاً في المطلوبات الدينيّة -واجبات وضرورات ومستحبّات وأخلاق وقيم اجتماعيّة وحياتيّة- سنجد أنّ هناك كمّاً هائلاً من التشريعات التي لا يمكن فصلها عن مقاصدها، سواءٌ أفي بناء الشخصيّة المتديّنة والملتزمة أو في بناء المجتمع أو في موقعيّة المسلمين عموماً.
74
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
إنّ مكوّنات الشخصيّة عادة تكون أموراً فكريّة وقيماً عقائديّة أو سلوكيّة، وكلّها تفرض أداء معيّناً وسلوكاً محدّداً، والتكوين السليم -عادة- هو ما يكون منسجماً ومتلائماً مع المسار الهادف الذي يَصِل إلى الغرض المقصود من المشرّع أو الموجّه أو
75
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
واضع الرؤية والعقيدة؛ هذا بشكل عامّ. أمّا المسلمون، فإنّهم انقسموا فِرقاً ومذاهب ومدارس متعدّدة في تحديد الأولويّات التي فَهِموها من الدين، مع تداخل الأسباب.
3. الاتّجاه التفريطيّ
هم صنف العلماء والمتديّنين والنخب الذين يميلون إلى عدم التركيز على العبادات بنحوٍ كبير، وإن كانوا لا ينكرون أهمّيّتها وضرورتها، خاصّة الفرائض الواجبة، لكنّهم -إجمالاً- من الداعين إلى ما يُصطلح عليه بالإسلام الرساليّ والمنفتح على شؤون الحياة، ويميلون إلى أنّ المطلوب دينيّاً عمارة الأرض وإنشاء الحضارة الإسلاميّة وتقديم النموذج الدينيّ ومنظومته في إدارة المجتمع والحياة. وهؤلاء يعدّون أنّ أولويّة صرف الوقت يجب أن تكون في التقدّم العلميّ والتقنيّ ومنافسة أتباع الحضارات الأخرى والمنظومات المادّيّة، وهم يجنحون إلى بعض العبادات التي يذكرها الإفراطيّون، فيستنكرون الطريقة التي يبالغ بها بعضهم في إعطاء الشعائر والطقوس الدينيّة اهتماماً بالغاً، ويعتمدون في ذلك على أنّ الإسلام دين دعوة الآخرين للسلام. وقد يَصل بعضهم إلى المبالغة في الجهة المقابلة، إذ يقلّلون من أهمّيّة العبادات المدّعاة، بل يواجهون الروايات والحالات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) بِطريقة عقلانيّة -كما يدّعون- ويستنكرون التركيز على الجانب العاطفيّ والأحاسيس الوجدانيّة، ويطلقون العنان لِما يسمّونه (حكم العقل). ويغلب على هؤلاء إنكار بعض الحالات
76
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
المدّعاة مِمّن اشتهروا بالزهد وكثرة العبادة أو التفرّغ لها. وعلى أيّة حال، هم ليسوا نمطاً واحداً، بل قد يختلفون كثيراً في ما بينهم. ونكتفي بهذا الإجمال.
لَو عرضنا هذه الاتّجاهات على ديننا ومبادئه وقواعده لَما احتجنا إلى كثير من التأمّل لِنَصل إلى تحديد الأصحّ، من دون أن ننكر أنّ الاتّجاهَيْن الآخرَيْن -الإفراطيّ والتفريطيّ- فيهما بعض الأفكار السليمة، لكنّ المشكلة تكمن في النظرة الحادّة التي تبتعد عن الميزان والاعتدال الموجود في ديننا العزيز والحكيم؛ لذا فإنّ منهج الاعتدال يلبّي مختلف الجوانب المرتبطة بالأفراد والتكاليف، كما يحكي الاحتياجات العمليّة للمجتمع والأمّة والحياة العامّة، مع إضافة مهمّة هي أنّ كثرة العبادة مطلوبة مع أداء التكاليف الأخرى، فالتوازن المنطقيّ والعاقل الذي يحقّق أهداف الخلقة الإلهيّة وأهداف الأنبياء (عليهم السلام) لا يمكن أن يتمّ من دون إعطاء العبادات أهمّيّتها الكبيرة؛ لأنّ أصل التديّن والإيمان التوحيديّ قائم على العبوديّة لله تعالى، كما ذكرنا سابقاً. وما لم تكن هذه العلاقة وثيقة ومتينة بين العبد وربّه لَما أمكن أن تكون هناك دعوة لله سبحانه وتعالى، لكنّ ضعف الروحيّة والرابطة القلبيّة مع الله تعالى تقدّم مظهراً ناقصاً، حتّى على مستوى النموذج الفكريّ والحضاريّ؛ وفي هذا شبهة كبيرة يقع فيها بعض النخب والمثقّفين، إذ يحجبون بعض الأمور الروحيّة من أجل أن يتقبّلهم الآخرون، غافلين عن أنّ ما يقدّمونه سيكون نموذجاً آخر غير الذي أراده الله تعالى. فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الأسوة
77
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
الصالحة والحسنة، بِحسب القرآن الكريم؛ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾[1]، فإنّ الجانب الروحيّ والعباديّ والملكوتيّ في شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحياته هو الأهمّ، بل القاعدة التي ترتكز عليها الجوانب الأخرى كلّها؛ لأنّه رسولٌ من الله، ويُلقى
إليه الوحي الإلهيّ، فلا يقدّم للناس أفكاراً ومناهج وتجارب خاصّة، فأفكاره وآراؤه وتجاربه (صلى الله عليه وآله) كما أهل البيت (عليهم السلام) هي الإسلام بِعينه والقرآن والوحي.
أمّا الذي يظنّون أنّه يمكن تقديم الإيمان العقلانيّ والمجرّد للناس فَهُم أيضاً مخطئون؛ لأنّ الإيمان الحقيقيّ هو الذي يحلّ في القلب ويشعل جذوة الحبّ والتعلّق بالله تعالى، فالإيمان ليس فكرة أو عمليّة ذهنيّة أو معادلة رياضيّة أو قاعدة فلسفيّة، بل إنّ حقيقته هي العلاقة مع ربّ العالمين، والتي لا توجد ولا تتعزّز ولا تنمو إلّا بالعبادة.
ثمّ إذا أردنا أن نحسم الأمر بنحوٍ واضح لا يحتمل الالتباس، علينا أن نعود إلى سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، إذ نرى بوضوح شدّة اهتمامهم بالعبادات على اختلاف أنماطها، وفي الوقت نفسه، لم يهملوا التكاليف الأخرى، مع تأكيدهم تلبية الضرورات المختلفة. وهُم بذلك قدّموا
[1] سورة الأحزاب، الآية 21.
78
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
النموذج والأسوة والحجّة القائمة والقدر المعلوم الذي لا يصحّ تجاوزه إلّا بدليل خاصّ. وقد لاحظت الروايات الواردة عنهم أموراً عديدة مرتبطة بِعباداتهم الشريفة، نورد بعضها:
أ. الشوق والحالة الخاصّة التي كانوا يعيشونها قبل الصلاة وأثناءها، فضلاً عن أدائها بطريقة لافتة، وما يعتريهم (عليهم السلام) من أحوال بنحوٍ يجعلنا نفكّر ونتأمّل في هذه العلاقة الخاصّة بربّهم، والتي يعبّرون عنها بالعبادة. ثمّ إنّهم يعقّبون على ذلك بأحاديث خاصّة يجلّلون فيها هذا الموقف، كالوضوء أو الوقوف بين يدي الله وفي حالة لقائه تعالى.
ب. إحياء الليالي بالعبادات وتفرّغهم لذلك، والمواظبة على العبادات الخاصّة بكلّ ليلة؛ وفي ذلك روايات واردة عنهم (عليهم السلام).
ج. القيام بسائر المستحبّات من صلوات خاصّة أو قراءة القرآن أو الأدعية الواردة عنهم (عليهم السلام) فِعلاً وقولاً، وتشويق اتّباع هذه العبادات. وما يجب التوقّف عنده هو مضامين الأدعية الراقية التي تكشف عن العوالم الخاصّة في العلاقة مع الله سبحانه عبر الدعاء؛ وهو من العبادات المهمّة التي تظهر فيها مضامين التسليم والعبوديّة والشغف والتعلّق والتَوق إلى لقاء الله تعالى، ناهيك عن المضامين الفكريّة والعقائديّة.
79
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
د. الأدوار والمهامّ العظيمة التي قاموا بها، ولم تكن العبادات لِتَمنعهم عن ذلك. فَالمستوى المعيشيّ والعائليّ والاجتماعيّ والتبليغيّ العامّ وحماية الدين بالعِلم والمعرفة والتدريس وتربية العلماء والمتخصّصين وملاحقة شؤون الناس في موقع الأمانة والمسؤوليّة، مُضافاً إلى المواقف السياسيّة والجهاديّة التي اتّخذوها؛ هذه الأمور كلّها مجتمعة توضّح ما لا مجال للالتباس فيه، وهو أنّ المطلوب تغطية هذه العناوين كلّها بنحوٍ متوازن ومعتدل، وإعطاء كلّ شأن حقّه كما يستحقّه.
بعد هذا الشرح الموجز، كيف يمكن لأحد أن يدّعي أنّ العبادة في ديننا هي أمر ثانويّ لا داعي للاهتمام به؟ وكيف يمكن لأحد أن يدّعي أنّ المطلوب أن نُمضي أوقاتنا كلّها وننشغل عن أولويّاتنا بالعبادة فقط؟ أين هذا من سيرة آل البيت(عليهم السلام)؟
80
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
طالما أنّنا تحدّثنا -وَلو باقتضاب- عن عبادات أهل البيت (عليهم السلام) فإنّه من المفيد الإشارة إلى معنى عميق جدّاً في الطريقة المعتمدة للأئمّة (عليهم السلام) في ممارسة العبادات وتأكيدها، وفي ماهيّة هذه العلاقة الخاصّة والمميّزة مع ربّ العالمين، مع أنّهم الأئمّة الميامين والصراط المستقيم والشفعاء يوم الدين والمباشرون على حوض الكوثر، ولهم المقام والمكانة التي لا نقاش فيها، وهم المطهّرون بِنصّ القرآن الكريم، فَلِماذا هذه العبادات كلّها؟ لِماذا هذا البكاء والخشوع في الصلوات والنهارات والليالي؟ لِماذا هذا الحنين والوله والشوق كلّه المعبَّر عنه بطريقة وعبارات ومضامين تفوق الخيال العلميّ والمعرفيّ والأدبيّ والعرفانيّ والغزليّ والأبعاد المقصودة كلّها؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لَو اهتدينا إلى الإجابة عنها لَفاقت إدراكنا وتحمّلنا. قد يحاول بعضهم أن يعطي تفسيرات بسيطة وغير دقيقة وسطحيّة من قبيل أنّهم يعلّمون أتباعهم؛ هذا كلام لا يليق بهم، فهُم المعلّمون الأوائل والمربّون الأفاضل للبشريّة كلّها، لا لأتباعهم فقط. ولكنّ ما هو موجود في الأدعية أعظم مِن هذا بكثير. وقد يحاول بعضهم الورود إلى ساحة العشق الخاصّة بهم لعلّهم يفهموا أو يتحسّسوا بعض هذا الدفء الخاصّ بعلاقتهم بربّهم، ولكن أيّ عقل أو قلب أو نفس أو روح تتحمّل هذا؟ إنّ الذي يقنعنا -ويسكتنا في آنٍ- هو الاعتراف بالعجز أمام هذه العبادات؛ لأنّها تعبّر عن حقائق فوق مستوى إدراكنا وطاقتنا الروحيّة، وهذا لا يلغي ضرورة وحتميّة الاقتداء بهم، بل يَضعنا أمام حقيقة أنّهم، على الرغم من مكانتهم وقربهم
81
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
الخاصّ من الله تعالى، لا ينفكّون يؤكّدون الاهتمام الشديد بالشأن العباديّ، فَما حال أمثالنا؟ فالمتحصّل والضروريّ
82
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
-على أيّة حال- ضرورة الاهتمام بالعبادات وإعطائها الوقت الكافي والمطلوب وامتطاء صهوة المعرفة والمحبّة لله تعالى لتحصيل ما أمكن من درجات القرب والرضوان الإلهيّ؛ وهذا مرادنا ممّا ذكرناه. ولتتمّ الفائدة، يهمّ التدقيق في حياة كبار علمائنا والعظماء الذين اتّصلت سيرتهم بحياة الأئمّة (عليهم السلام) ومَن جاء بعدهم إلى يومنا هذا؛ لأنّنا سنجد أنّ العبادات ضمن أولويّات حياتهم، بل السبب الأساسيّ في نيلهم درجات العلم والمعرفة والقيادة والريادة على مستوى المذاهب؛ وهذا حجّة قائمة ودليل على صحّة هذا المسار الطبيعيّ؛ إذ إنّ غيره هو محلّ التساؤل والاستفهام. لذا، نجد أنّ الفقهاء والعلماء الذين تمكّنوا من حفظ المذهب والترويج له وصنّفوا المؤلّفات وخرّجوا الآلاف من طلّاب العلم، كانوا -إلى حدّ كبير جدّاً- يمثّلون هذا النهج الذي قرن العلم والتبليغ والتصنيف والمهامّ المترتّبة على ذلك -اجتماعيّاً وسياسيّاً على مستوى حفظ الأمّة والرسالة- بالعبادة وصفاء القلب ونقاوة الروح، حفاظاً على عدالتهم أوّلاً، ولأنّ هذا المسلك العباديّ هو الذي يحفظ التقوى والإخلاص ويفتح أبواباً من المعارف والعلوم وتحديد الوظائف والتكاليف ثانياً، ومن المعنويّات نوافذ الغيب التي تفتح لهم فيستمدّون العون والقدرة على تشخيص موارد التكاليف العامّة والصعبة في ظروف معقّدة مرّت بها أمّتنا وعانى فيها أتباع هذا المذهب. ومن المفيد -لِمن يريد أن يتحقّق- مراجعة حياة بعض هؤلاء العظماء، فَليست وظيفة هذا المختصر سرد هذه القضايا والقصص المثبتة عن طريق الثقة مِن زملائهم أو طلّابهم، ما
83
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
يجعلنا نطمئنّ إلى صحّتها -وَلو إجمالاً- إذ نقل عن كثير منهم أنّهم كانوا -منذ بداية شبابهم وانخراطهم في عالم الحوزة وطلب
84
الطريق إلى العبادة: كيف نبدأ؟
العلم- يواظبون على عبادات وتهجّدات وهم يعتقدون أنّ هذا هو سبب كلّ خير وصلوا إليه، وبعضهم كان يعتقد أنّ ساعة العبادة والتفرّغ لها تُبدّل ساعة الاشتغال بالعلم إلى ساعات، فالفطنة والنباهة وصفاء السريرة تساعد على الفهم والإدراك لعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، ناهيك عن الذين كانوا يلجؤون إلى التوسّلات الخاصّة التي تساعدهم في معالجة معضلات علميّة وعمليّة وغير ذلك ممّا يُطلب في مظانّه.
ما يهمّني هنا هو هذه النتيجة التي نجد أصولها في القرآن الكريم، والتي يجسّد حقيقتها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، والتي سار عليها خيرة العلماء ذَوي العقل والفهم والروحيّة العالية. وهذا كلّه يكفي في تأكيد أنّ هذا هو الطريق الصحيح الذي يحدّد لنا مسار العبوديّة لله تعالى، وهو نهج واضح وثابت تتفرّع منه وظائف كثيرة ومتعدّدة، قد يتّفق عليها العلماء -اجتهاداً أو تطبيقاً لمصالح أو آراء- وقد يختلفون، لكنّ الاهتمام بالعبادة -كما يجب- أمر لا يصحّ التهاون فيه مهما كانت الظروف والأحوال؛ في الحرب كما في السِلم، في الرخاء كما في الشدّة، في الغنى كما في الفقر، في السلطة كما في خارجها، في الحوزة كما في التبليغ، وفي الموارد كلّها؛ لأنّ التهاون والضعف في هذا الجانب سيكون سبباً للوهن في البنية الأساسيّة التي تتّكئ عليها مشاريع الدعوة إلى الدين أو التديّن في مختلف الأبعاد. لذا، سنتحدّث -إن وُفّقنا لذلك- عن هذا الموضوع بشيء من التفصيل بعد قليل.
85
حقّ العبادة
حقّ العبادة
بعد أن بيّنّا بنحوٍ واضح موقعيّة العبادة في حياة المؤمن،
86
حقّ العبادة
وأنّ هذه المكانة الخاصّة هي -في الحقيقة- الغاية المرصودة منذ أن خلق الله الإنسان، ثمّ أهبطه إلى الأرض لِيقدّم نموذجاً آدميّاً مختلفاً عن الجنّ والملائكة الذين كانوا يعبدون ويسبّحون الله تعالى. وتكمن الميزة في هذا المخلوق الآدميّ في أنّه دُعيَ إلى العبادة التي يجب عليه أن يؤدّيها باختياره في إطار شريعة محدّدة، عبر الأنبياء (عليهم السلام) والرسالات السماويّة. وعلى أيّة حال، فإنّ ضرورة الاهتمام بالعبادة للمؤمن ثابتة، ولا يصحّ التفريط فيها مقابل أيّ أمر آخر، كما أسلفنا. ولكي يصبح المشهد المطلوب قائماً، من المفروض أن نتحدّث عن الكيفيّة والحالات، بعد أن حدّدنا سابقاً الطبيعة والماهيّة والضرورة.
والسؤال المطروح: هل ثمّة كيفيّات متعدّدة للعبادة؟ وهل هناك مصاديق وحالات مختلفة؟ الجواب -بكلّ بساطة- نعم. فالعبادات المطلوبة والمشرّعة -سواء أكانت واجبة أو مستحبّة، فضلاً عن كيفيّاتها الشرعيّة المنصوصة التي تشكّل إطاراً وضوابط للصحّة- لها كيفيّات توضَع للعابد نفسه الذي سيقوم بهذا الفعل، كأيّ فعل آخر يحتمل الصحّة أو عدمها، كما يحتمل الجودة والضعف. وهكذا بالنسبة إلى الأفعال كلّها التي تصدر عن الناس، على الرغم من تفاوتها بِحسب كلّ عمل، لجهة الهدف والفائدة وسهولة الاستفادة وغير ذلك من معايير تذكر مع كلّ عمل مشروع يسعى الإنسان إلى تنفيذه.
87
حقّ العبادة
إذاً، محمل الكلام المفيد ليس الاهتمام بالأداء الشكليّ فقط، وإنْ كان الحفاظ على الشرائط الفقهيّة -في حدّه الأدنى- يبدو عند بعضهم حفاظاً على الهيئة الخارجيّة؛ وهذا غير دقيق؛ لأنّ الحركات أثناء أداء الصلاة، مثلاً، وَلَو كانت
88
حقّ العبادة
مطابقة للمراد فقهيّاً، إلّا أنّ النيّة هي التي لا تساهل فيها على الإطلاق، فيفترض أن تكون تقرّباً إلى الله تعالى، وهذا مقوّم لعباديّة هذه الحركات الصلاتيّة. وهكذا في المصاديق العباديّة الأخرى، إذ تكون العبادة إحدى أهمّ مظاهر العبوديّة، فالاعتناء بها يكشف عن مدى قناعة العابد بالعبوديّة نفسها وتقديره للمعبود الذي يؤدّي له هذه العبادة. بناء على هذه النظرة، لا يجب أن تكون هناك عبادة هزيلة أو ضعيفة، وأيّة عبادة يُرى فيها التهاون -على مستوى الظاهر- يفترض أن تكون محلّ إشكال أخلاقيّ، إن لم نقل إشكالاً شرعيّاً؛ كالذي يؤخّر الفريضة إلى آخر وقتها المتاح شرعاً من دون أيّ سبب، أو يُظهر التأفّف وكأنّ سيفاً مسلّطاً فوق رأسه ليؤدّيها. طبعاً لا أقصد من كلامي أنّ الفرض الشرعيّ يخلو من فائدة، فقد تتعلّق به الكثير من الفوائد العامّة والخاصّة، بل المقصود أنّ أداء العبادة -وتحديداً الفرائض- بهذا النحو لا يكشف عن عقيدة سليمة وفهم لِمُنطلقات العبادة وخلفيّاتها، فلا تتحقّق الغايات المرجوّة من أدائها. ونعود هنا من جديد إلى الأثر المعنويّ للعمل العباديّ في الدنيا والآخرة؛ فكلّما كان الأداء أكثر جودة، كانت النتيجة أفضل وأبلغ وأعمق بالنسبة إلى العابد.
ورد مصطلح (حقّ العبادة) في بعض النصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام)، وإذا سلّطنا الضوء على هذا المفهوم أمكن لكلّ مؤمن أن يدرك الكيفيّات المتصوّرة والمتوقّعة، وأن يقيس أداءه ويعرف النواقص التي يحتاج إلى جبرانها وتصحيحها.
89
حقّ العبادة
ولكي يتحقّق حقّ العبادة -كحقيقة خارجيّة- تحتاج عناصر عديدة:
1. اليقين: ذكرنا سابقاً أنّ الإيمان المستقرّ في القلب ركن
90
حقّ العبادة
أساسيّ من أركان العبوديّة؛ أي إنّه يوجِد نوراً في القلب. ومن المعلوم -بِحسب بعض الروايات- أنّ اليقين مِن أرفع درجات الإيمان، وهو نتاج جهود الفكر والتفكّر وإحياء الفطرة ونقاوة القلب، بحيث إنّ أيّ تشويش في العقيدة أو الرؤية غير وارد. ومن هذا المعنى يُعرف أيضاً أنّ لليقين مراتب، وأرفعها هو ما كان عند الأئمّة (عليهم السلام)؛ وهذا موضوع آخر سأشير إليه في نهاية الكلام على حقّ العبادة. والخلاصة أنّه كلّما كان اليقين أثبت وأقوى، كان انشراح القلب وانبساطه على حقيقة العبوديّة أمتن وأقوى في الإقبال على العبادة وفي تحصيل الفوائد النورانيّة بنحوٍ أفضل. وليس من وظيفتنا أن نشرح أكثر، فموضوع اليقين -كما غيره ممّا سيذكر- يحتاج إلى بحث، فتكفينا الإشارة.
2. المعرفة الشخصيّة بالله تعالى: أهمّيّة المعرفة والفهم غنيّة عن البيان في طريق تحقّق العبوديّة. وقد أشارت الروايات بنحوٍ جليّ إلى العلاقة الوثيقة بين المعرفة وكيفيّة العبادة؛ وهنا لا أقصد بالمعرفة الاعتقاد القائم على البرهان العقليّ -فهو عمود من أعمدة المعرفة- ولا أقصد المعرفة المستندة إلى معرفة الآخرين -وإن كانت مهمّة وكاشفة ومضيئة في دلالاتها، خاصّة إذا استندت إلى معرفة الأولياء، كرسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، فإنّ معرفتهم بالله تعالى تفتح لنا أبواباً في هذا المجال لكنّها ليست كافية لإحداث تقدّم جوهريّ وفارق في أداء العبادة- بل المقصود المعرفة القلبيّة التي يحصّلها المؤمن العابد، والتي ورد في الروايات أنّ الإنسان يدرك بها شؤون الآخرة؛ أي الانفتاح على
91
حقّ العبادة
الغيب، والله تعالى غَيب مطلق لا تدركه الحواسّ ولا العقول، «الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ
بُعْدُ الْهِمَمِ وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ»[1]. وهذه الرؤية القلبيّة خاصّة، ليست كما ترى العين الحسّيّة، ولا كما يرى القلب غير الله تعالى؛ وهذا هو المقصود من رواية «مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ»[2]. لذا، أكّدنا ضرورة المعرفة الشخصيّة، فعندما يتحدّث المؤمن أو يستغفر في قلبه، فإنّه يستغفر ويذكر موجوداً عرفه بالاقتراب منه، سواءٌ أكان بالتجربة الشخصيّة أو بأداء عبادات أو رياضات. المهمّ أنّ هذه الحالة القلبيّة تعبّر عنها روح الإنسان المؤمن، وتضفي سكينة خاصّة في القلب، وانجذاباً وتعلّقاً يغطّي القناعة ويُهدّئ الروع ويسكت العقل وتستسلم النفس لِمَشيئته. وكلّ عابد يحتاج هذه المعونة، التي كلّما ازدادَت فتحَت في القلب آفاقاً أوسع تجعل الإقبال على العبادة أكثر حماسة وشوقاً، كما سياتي.
3. الإخلاص: سمعت من أحد أصحاب الخبرة الكبار في هذا الشأن أنّ الإخلاص ليس معقّداً كما نتخيّل، وكلّما فكّرتُ بهذا الكلام وجدتُ أنّه ربّما يتحدّث عن نفسه وأمثاله. ثمّ بعد التفحّص في
[1] الرضيّ، السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسن الموسويّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ ، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387هـ - 1967م، ط1، ص39، الخطبة الأولى.
[2] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفّاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج1، ص98.
92
حقّ العبادة
الروايات الواردة، سواءٌ أتحدّثت عن الإخلاص أو الرياء والشرك الخفيّ، ازددتُ حيرة في القدرة على تنقية الدافع والنيّة والمقصد، فهي سهلة وبسيطة! وكلّما خلَت من التعقيد كانت أسرع إلى التحقّق، إلّا أنّها -في الوقت نفسه- تحتاج إلى المزيد من التركيز والتدقيق لتبقى أثناء العمل العباديّ أو غيره. فالإخلاص -على ما يبدو- أسهل الأمور
في التوصيف؛ إذ إنّه «تخليص النيّة من الشوائب»[1]، لكنّه صعب في الأداء، وهو -في العبادة- أشبه برأس الرمح، بينما المكوّنات الأخرى كلّها أشبه بالأدوات المكوّنة لهذا الرمح، فإنّها كلّها مهمّة، لكنّ الرأس هو الذي يصيب أو يخيب؛ ورد في الحديث القدسيّ: «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي»[2]. إذاً، يُوفَّق للإخلاص مَن ارتقى مباشرةً إلى مرتبة خاصّة الأولياء؛ وهذا دليل على أهمّيّته الاستثنائيّة في العبادة. ويُفهم ممّا ذكر أنّ قوام العبادة هو الإخلاص فيها؛ فكلّما كانت خالية من غرض آخر غير رضا الله تعالى والقرب منه، استقامَت وصلحَت وأفادَت وتركَت آثارها على القلب. وثمّة إشارات أو علامات يمكن للإنسان أن يختبر فيها عباداته؛ كَأن تكون صلاته أمام الناس مختلفة عن صلاته وحيداً منفرداً، وأكثر من يُبتلى بهذا
[1] راجع: المصطفويّ، الشيخ حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران، 1417ه، ط1، ج3، ص102.
[2] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط2، ج76، ص249.
93
حقّ العبادة
طلّاب العلوم الدينيّة والمبلّغون، فقد نُقِل عن أحد العظماء أنّه في بداية شبابه وبداية طلب العِلم وسلوكه درب الاعتناء بنفسه وتزكيتها، كان مواظباً على صلاة الليل، فجاءه الأمر مِن والده بمنعه من أدائها، فالتزم ولم يُؤدِّها طالما والده حيّ؛ وهذا يكشف أنّ هدفه رضا الله تعالى، لا العمل نفسه مع أهمّيّته، وقد كان بإمكانه أن يجد طريقاً شرعيّاً يخرجه من الحرج فيمضي في صلاة الليل، لكنّه لم يفعل. إنّ بعض الذي يقومون بِعبادات خاصّة في بيئة مساعدة، أو يتتلمذون على أيدي
94
حقّ العبادة
علماء صالحين، يصرّون أحياناً على بعض المواقف والآراء، فيكون هذا مانعاً من التقدّم والرقيّ في طريق الإخلاص والعبوديّة لله تعالى؛ لذا فإنّ التمييز بالنسبة للآخرين أمر في غاية الصعوبة وشائك، فلا يستحسن أن يسلك أحد طريق التصنيف -كما يفعل بعضهم- لأنّ الإخلاص سرّ مِن أسرار الله تعالى، والأفضل أن تبقى هذه الأسرار والحالات بين العبد وربّه. هذا لا يعني أنّ بعض الناس أو العلماء أو مُدّعي المقامات تفوح منهم رائحة الرياء بنحوٍ جليّ، ولكن يبقى الإعراض عن التصنيف هو الأَولى، إلّا إذا كان هناك ما يَلزم شرعاً، وتشخيص الأمر يحتاج إلى أهله وإلى توفيق خاصّ. لذا، ما ذهب إليه الخواصّ في الكتمان حول كثير من الحالات الخاصّة هو المنهج الصحيح، وغيره -في الحدّ الأدنى- يثير تساؤلات، حتّى لا نقول أكثر من ذلك. استعذنا الله مِن شرور أنفسنا بحقّ محمّد وآله الطاهرين.
4. العناية الخاصّة في الأداء: إنّ كلّ أمر ذي بال وشأن ينعكس على الإنسان في فكره وتخطيطه وعمله؛ لذا فإنّ العبادة تتطلّب من المؤمن العابد أن يعمل على توفير الشروط الأفضل، لكي يحظى بعبادة أكثر فاعليّة. وتحقيقاً للغرض، نتحدّث في العنوان الآتي عن البرمجة كجزء من الاعتناء الخاصّ؛ لأنّ شدّة الاهتمام بالمكان والزمان وكلّ ما يساعد على إفراغ القلب للعبادة ويصرف العابد عن الهموم الأخرى التي -وإن كانت مهمّة وضروريّة أحياناً- لا تنتهي عند الإنسان، فيجب أن تكون فرصة العبادة مهيّأة. على أيّة حال، قد تستغرب إذا قلتُ إنّ أحد الأمور التي تخلّ وتُضعف العبا
95
حقّ العبادة
هو الاستخفاف بمقدّماتها وظروفها المساعِدة، فَمن تعلّق بشيء يسعى بطاقته كلّها لتأمين مقدّماته، ومنها الإقبال
96
حقّ العبادة
النفسيّ والروحيّ. فالعبادة تحتاج إلى إقبال، وقد نُقل عن بعض العلماء أنّه كان يؤخّر قليلاً أداء الفريضة، على الرغم من إدراكه أهمّيّة الإتيان بها في أوّل وقتها، حتّى يجد في نفسه الإقبال، وهذا لا يعني أن ينشغل بأمور أخرى، بل كان يجلس في مصلّاه ويتفكّر ويصفّي الذات والنيّة عن المشاغل الذهنيّة والنفسيّة، حتّى يؤدّي صلاته جيّداً. طبعاً أنا لا أدعو إلى هذا، ولا أقول إنّ فيه عيباً، لكنّ الأفضل -على أيّة حال- الإتيان بالفرائض في وقتها -كما سأذكر لاحقاً- مع تهيئة المقدّمات التي تساعد على الإقبال، وهكذا في سائر العبادات والمستحبّات. ويجب الحذر من أن تصبح العبادات لقلقة لسان من دون تدبّر، فإنّ جوهر الذكر التوّجه، لتحقيق الغاية من القرب وتجذير التوحيد في القلب وإعانة النفس على كبح جماح متطلّباتها. كما أنّ العناية تمتدّ إلى الشكل واللباس ومشاركة الجماعة أحياناً، وهذا يختلف من مؤمن إلى آخر.
5. الشوق إلى العبادة: هل تشتاق إلى العبادة؟ هل تُقدِم على أداء العبادات بحالة من الرغبة والاشتياق؟ السؤال بسيط، ولكنّ الجواب يحدّد الحالة النفسيّة التي يشعر بها العابد المؤمن، ويحدّد الفارق بين عبادة يؤدّيها بتثاقل أو يؤدّيها بخفّة روحيّة تنتج له طاقة كبيرة على أداء العبادات وزيادتها، بِحسب طاقة التحمّل والظرف المساعِد. وكما هو معلوم، فإنّ الشوق حالة نفسيّة تنشأ من الرغبة والحبّ والتعلّق، ما يجعلنا نسأل عن مدى تعلّق المؤمن بالعبادة، وهل إنّه يعتقد أنّ محبّة الله في قلبه تدعو إلى حبّ العبادة، كونها وقوفاً بين يديه ومحادثة معه ولقاء خاصّاً مدعوّ إليه دائماً. إنّ طَرق
97
حقّ العبادة
باب الشوق مهمّ جدّاً للتفتيش في إيماننا عن التعلّق الخاصّ والحبّ لله تعالى، وقد عرّف بعض العلماء الحبّ
98
حقّ العبادة
على أنّه تعلُّق وجوديّ بين علّة مكمّلة ومعلول مستكمل بها، فهل نجد الحاجة الدائمة لهذا الكمال الروحيّ والوجوديّ الذي ننشده؟ وبتعبير آخر، إن حُرمنا العبادة، هل نشعر بنقص وانخفاض وخفوت في روحنا وجودنا؟ الحبّ الصادق والصافي -عادة- يدعو إلى إرضاء الحبيب وإلى الشوق للقائه، والعبادة يجب أن تعبّر عن هذا الشوق للقاء الله تعالى، فهل الدين إلّا الحبّ؟ إنّ حبّ الله تعالى يجعل المؤمن جاهزاً للتضحية بكلّ شيء في سبيل إرضائه؛ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ﴾[1]، فإذا وُجد وتفرّع منه الشوق فإنّ الأداء سيكون أكثر حرارة، حتّى لو تخلّفَت فيه بعض الشروط، فالحبّ يعوّضها، كما أنّ الشوق يدفع بقوّة نحو الإقبال الذي تحدّثنا عنه قبل قليل.
6. الشغف والأنس: ورد في بعض الروايات أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يقضون ساعات طويلة ومتواصلة في العبادة، كالإمام زين العابدين والإمام الباقر L. والسؤال هنا: لماذا هذا الوقت كلّه؟ ألا يمكن للعابد أن يعبّر عن حبّه وشوقه وتعلّقه وعبوديّته بقليل من الوقت أو يكتفي ببعض الواجبات والفرائض وقليل من المستحبّات؟ طبعاً هذا يمكن، ولكن لا مانع مِن أن ينشغل العبد المؤمن كثيراً بالعبادة في ما إذا اشتدّ شوقه وصولاً إلى الشغف؛ وهو حالة خاصّة وراقية في التعلّق بالعبادة، والاستفادة من أيّة فرصة متاحة للخلوّ بالحبيب ومحادثته وإظهار العبوديّة له، ما لم يتعارض مع أيّ
[1] سورة آل عمران، الآية 31.
99
حقّ العبادة
واجب آخر؛ وهذه قاعدة عامّة. ثمّة حبّ من دون شغف، وثمّة حالة من الحبّ تجعل المؤمن هائماً لا يرتاح له بال ولا
100
حقّ العبادة
يركن إلى استقرار إلّا إذا كان مع حبيبه؛ وهنا لا أتحدّث عن حالة خياليّة -وإن كان أمثالي لا يرقى إدراكه إلى هذه الحالة أو عيش هذه الحقيقة- فَلَو دقّقنا في بعض الوارد من الروايات التي تتحدّث عن الأنس والتلذّذ الخاصّ بالعبادة، لَوَجدنا أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) كانوا هكذا؛ وهذا يدلّ على عدم الممانعة منه، بل إنّه جيّد لِمَن يطيق ويقدر. وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من التعلّق بالعبادة يقسّم وقته وحياته على هذا الأساس، فَكما يحتاج إلى وقت للنوم والطعام، يحتاج وقتاً معتبراً للعبادة التي يتلذّذ بها.
ربّما تكون هذه العناوين كافية للوصول إلى حقّ العبادة، كما يمكن أن يقوم به العبد المؤمن العاديّ، أمّا العبادة كما يستحقّه المعبود فهذا أمر آخر لا طاقة إلى مبلغه؛ لذا نجد أنّ الأئمّة (عليهم السلام) في أدعيتهم ومناجياتهم يعبّرون عن هذه الحقيقة بنحوٍ أو بآخر، فلا ينبغي على أحد أن يعدّ أنّه قام بأمر عظيم جدّاً إذا أعطى العبادة شأناً كبيراً في حياته، وأولويّة لافتة؛ لأنّ العبد المؤمن مهما فعل يبقى بعيداً عمّا وصل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام). وقد لا تفي بالغرض كلمة (بعيداً)، فأحياناً نرى العباد في مكان وأهل البيت (عليهم السلام) في مكان آخر، إذ لا يقوى أحدٌ على ما ورد عنهم (عليهم السلام)؛ «أَلَا وَإِنَّكُمْ
101
التخطيط والبرمجة
لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ»[1].
وأختم هذا العنوان بأنّ حقّ العبادة يحتاج إلى جعل العبادة أولويّة في حياة المؤمن، كأيّة أولويّة لازمة وضروريّة في حياته، حينها يبدأ بِطَيّ هذا الطريق الطويل. أمّا إذا لم
تكن العبادة كذلك في حياته، فإنّه سيبقى عرضة للخسران المبين؛ لأنّ العبادة إحدى المؤمنات والحصون التي تطوّق المؤمن بهالة من الحفظ ورعاية الملائكة وعطف الأولياء المقرّبين وعناية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيه الأطهار (عليهم السلام)، وهذه كلّها عناصر يحتاجها كلّ مؤمن ليكون عابداً، ويبقى كذلك حتّى يلقى الله تعالى اللقاء الأخير، قبل أن ينتقل إلى عالم البرزخ والآخرة.
التخطيط والبرمجة
ذكرنا أهمّيّة العبادة ومكانتها عند المؤمن، فهي مرتبطة بمصير الإنسان الأبديّ في الآخرة وتحقيق الغاية القصوى من خلقه وإيجاده وإنزاله إلى الأرض، من دون إغفال الأهمّيّة الكبيرة لها على مستوى الدنيا والاستعانة بها لِطَيّ مراحلها وعقباتها ومصاعبها؛ وهذا كلّه قامت عليه الأدلّة الخاصّة الواضحة. فإذا كان الأمر بهذا المستوى من الأهمّيّة، وحيث إنّ للإنسان عمراً
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص417، الكتاب 45.
102
التخطيط والبرمجة
كان الأمر بهذا المستوى من الأهمّيّة، وحيث إنّ للإنسان عمراً واحداً يجب أن يحسن استثماره جيّداً بما يليق بهذه النعمة التي أنعمها الله تعالى على العبد المخلوف -خاصّة بعد أن وفّقه الإيمان ليكون عابداً مخلصاً- من باب تقدير هذه النعمة والحفاظ على أفضل مستقبل للمؤمن بالأبعاد المختلفة والمتعدّدة، فإنّه حريّ به أن يستفيد من عقله وعمره وطاقته وإمكاناته في سبيل تحديد المسار الأفضل الذي يسلكه، بعد أن أصبحت واضحة لديه الأمور والأولويّات؛ وهذه حجّة إضافيّة عليه ليكون الأمر ضروريّاً ولازماً. والحجّة قائمة على الإنسان مِن أجل أمور عديدة نذكرها:
103
التخطيط والبرمجة
1. ثبوت القناعة والاعتقاد بضرورة أن يكون المؤمن عابداً -وهو المطلوب الأساسيّ من تشريع العبادات- وأنّ هذا الشأن يستحقّ عناية منه لئلّا يبقى ضائعاً في تحديد الخيارات وتحصيل الفائدة المرجوّة والتثبّت من الاستعداد للعمل وِفاقاً لبرنامج محدّد، متنبّهاً إلى أنّ الذين وُفّقوا لتحصيل نتائج طيّبة هم من الذين التزموا وألزموا أنفسهم بسلوك مسارات منظّمة. وهذا هو دأب الملتزمين بوصايا الأئمّة (عليهم السلام) وتعاليمهم. ويكفينا قناعة أنّ الله تعالى حدّد لنا عبادات في أوقات معيّنة ومناسبات وأماكن محدّدة؛ لأنّ انتظامها يؤدّي دوراً حيويّاً ويفتح الآفاق أمام المؤمنين.
2. لا بدّ مِن وَضع غاية وأهداف للبرامج العباديّة المتوخّاة، والتي يجب أن تصبّ في النهاية بجدّيّة الهدف الأساسيّ والكبير، وهو تحصيل القرب من الله تعالى، على قاعدة امتثال مقتضيات العبوديّة. ولكي يكون المؤمن عمليّاً وتكون برامجه فاعلة، من المفترض أن يحدّد أسئلة يجيب عنها: أين هو الآن؛ قبل وضع البرنامج؟ ما مدى التزامه بالعبادات الواجبة؟ هل يؤدّي الصلاة في أوقاتها؟ هل يؤدّيها جماعة أو فُرادى؟ هل يتردّد إلى المسجد أم لا؟ أين هو من إحياء الليل بالصلاة أو الأدعية؟ هل يصوم الواجب والمستحبّ؟ هل يتلو القرآن ويزور الأئمّة (عليهم السلام) مِن قرب بُعد؟ المطلوب من تفصيل الإجابات تشخيص نقاط قوّته وضعفه، وأوقات إقباله وإدباره. ثمّ ليس من الضروريّ أن يكون البرنامج لعامٍ كامل، بل يمكن أن يكون لأشهر، يكشف خلالها مدى التزامه، وإن أخفق.
104
التخطيط والبرمجة
كما عليه أن يوائم البرنامج مع طبيعة معيشته وأعماله، ليكون قادراً على التحكّم بمساره. ولا ينبغي عليه في المراحل
الأولى أن يضغط نفسه كثيراً، فالمهمّ المداومة، وَلَو بعبادات قليلة. كما أنّ مراجعة بعض أهل العلم الموثوقين والمعروفين باتّزانهم يساعده في ذلك.
3. ثمّة قاعدة عامّة صلبة ومأمونة تُعتمد -حتّى لا يُفهم الأمر بنحوٍ خاطئ أو يكون سبباً في المبالغة أو التقصير- وهي مفيدة ولا ضرر فيها، ويستطيع كلّ شخص أن يَسلكها، ليس طلباً للمقامات الخاصّة -كما يتخيّل بعضهم- وتعتمد على أساتذة يراقبون ويتابعون ويتحمّلون مسؤوليّة هذه التوصيّات أو تلك. وما نقصده هو الحدّ الأدنى الذي لا نقاش فيه، والمعتمد في الروايات، والذي لا يختلف حوله العلماء، بل يمارسه عموم الناس بنحوٍ طبيعيّ، من دون التفات خاصّ أو برنامج مركّز؛ وهذا هو الهدف الذي نتوخّاه، وهو أن نحقّق المصداق الطبيعيّ من دون تكلّف أو زيارة أو نقصان، ليكون المؤمن عابداً مهتمّاً وملتفتاً لشؤونه العباديّة. والمصلحة في هذا لا نقاش فيها، وكما أنّني لا أعتقد أنّ النتيجة قليلة؛ لأنّ المعيار هو الالتزام الصادق والمخلص الذي يعين على أداء عباديّ مقبول. وهذه القاعدة تعتمد على الاهتمام الصارم بالواجبات والفرائض وإعطاؤها الوقت الكافي للتدبّر والاطّلاع على ما ذكره علماء الأخلاق حول خلفيّاتها أو فلسفة كلّ منها؛ وهذا ما نجده في كتب علمائنا المعتبرة الذين صنّفوا في هذا المجال. وفي موضوع
105
التخطيط والبرمجة
كما عليه أن يوائم البرنامج مع طبيعة معيشته وأعماله، ليكون قادراً على التحكّم بمساره. ولا ينبغي عليه في المراحل
الأولى أن يضغط نفسه كثيراً، فالمهمّ المداومة، وَلَو بعبادات قليلة. كما أنّ مراجعة بعض أهل العلم الموثوقين والمعروفين باتّزانهم يساعده في ذلك.
3. ثمّة قاعدة عامّة صلبة ومأمونة تُعتمد -حتّى لا يُفهم الأمر بنحوٍ خاطئ أو يكون سبباً في المبالغة أو التقصير- وهي مفيدة ولا ضرر فيها، ويستطيع كلّ شخص أن يَسلكها، ليس طلباً للمقامات الخاصّة -كما يتخيّل بعضهم- وتعتمد على أساتذة يراقبون ويتابعون ويتحمّلون مسؤوليّة هذه التوصيّات أو تلك. وما نقصده هو الحدّ الأدنى الذي لا نقاش فيه، والمعتمد في الروايات، والذي لا يختلف حوله العلماء، بل يمارسه عموم الناس بنحوٍ طبيعيّ، من دون التفات خاصّ أو برنامج مركّز؛ وهذا هو الهدف الذي نتوخّاه، وهو أن نحقّق المصداق الطبيعيّ من دون تكلّف أو زيارة أو نقصان، ليكون المؤمن عابداً مهتمّاً وملتفتاً لشؤونه العباديّة. والمصلحة في هذا لا نقاش فيها، وكما أنّني لا أعتقد أنّ النتيجة قليلة؛ لأنّ المعيار هو الالتزام الصادق والمخلص الذي يعين على أداء عباديّ مقبول. وهذه القاعدة تعتمد على الاهتمام الصارم بالواجبات والفرائض وإعطاؤها الوقت الكافي للتدبّر والاطّلاع على ما ذكره علماء الأخلاق حول خلفيّاتها أو فلسفة كلّ منها؛ وهذا ما نجده في كتب علمائنا المعتبرة الذين صنّفوا في هذا المجال. وفي موضوع
105
التخطيط والبرمجة
الفرائض، أعتقد أنّ أهمّ مسألة ومُنطلَق للعبادة المعتبرة التي إذا رُوعيَت نقلَت المؤمن مِن حالة إلى أخرى أهمّ -معنويّاً وعمليّاً- وامتدّت آثارها على كلّ شيء، هي الصلاة. فهي، أهمّ من كونها واجبة أو مستحبّة، فريضة واجبة يجب أن تكون محور التحوّل في شخصيّة المؤمن وحياته. وما سأذكره مختصَراً هو حصيلة الروايات وما
106
التخطيط والبرمجة
أوصى به العلماء الأجلّاء أصحاب الخبرة والمعرفة في هذا المجال، انطلاقاً من أنّ الصلاة عمود الدين، التي إن قُبلَت قُبل ما سواها، وأنّها معراج المؤمن وقربان كلّ تقيّ. وَلَو دقّقنا في هذه الروايات لَعَرفنا أنّ في الصلاة أسراراً:
أ. كونها عمود الدين يعني أنّها إذا استقامت استقام دين الفرد؛ وهذه خطوة مهمّة ونوعيّة إلى الأمام.
ب. إذا تمّت تأديتها بالنحو المقبول عند الله تعالى، فإنّها تفتح الباب لِغيرها من العبادات والأعمال مهما بلغَت. واللافت هنا كيفيّة قبولها عند الله تعالى، فكيف نثبت ذلك؟ هذا الشأن أكبر وأوسع من الشروط الفقهيّة التي ذكرت في الرسائل العمليّة.
ج. كونها معراج المؤمن يعني أنّها الوسيلة التي ترفع شأنه معنويّاً؛ وهذا هو الأثر المباشر الذي يترك نتائجه الطيّبة والنورانيّة في القلب. وهذه النورانيّة هي الحاجة الروحيّة التي تحدّثنا عنها سابقاً.
د. كونها قربان الأتقياء يعني أنّها الوسيلة التي يعتمدها الأتقياء ويتوسّلونها. والأهمّ من هذا كلّه، أنّ هذه النتائج وغيرها نجدها في كلمات المعصومين (عليهم السلام)؛ وهذا كافٍ لإعطاء الموضوع ميزته الخاصّة. وَلَو لاحظنا قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾[1]، وضممنا إليها الروايات التي تتحدّث عن
[1] سورة النساء، الآية 103.
107
التخطيط والبرمجة
الصلاة في وقتها والفضيلة والجماعة في المسجد وغير ذلك، فإنّنا نعمل على الآتي:
- المسارعة لأداء الصلاة في وقتها والحرص الشديد على ألّا يؤخّر المؤمن صلاته عن وقتها ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، بل إنّ أعماله الأخرى هي التي يجب أن تتقيّد بهذا القيد. وقد يكون المفهوم من الآية ﴿كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ تأكيد أدائها أوّل الوقت، ففي الروايات، شرّعت الصلاة أساساً في أوّل وقتها، ثمّ جاءت الإباحة بعد مدّة من الأعذار، فأفتى العلماء باستحباب أدائها أوّل الوقت وأباحوها في سائر الوقت المتاح شرعاً، والله العالم. أمّا على مستوى الأثر، فما يتحقّق في أوّل الوقت ليس كما يتحقّق في الوقت المتراخي.
- الأفضل أن تكون جماعة وفي المسجد؛ وهذان أمران يرفعان من شأن الصلاة التي يؤدّيها المؤمن. ويكفينا في ذلك الروايات الدالّة على ذلك.
- توفير الظرف الملائم للفريضة من ناحية المكان والوقت المتاح واللباس والطهارة وما يساعد على حضور القلب، وإذا أمكن أن يجلس المصلّي في مصلّاه قبل البدء بالفريضة للتأمّل والتفكّر والتهيّؤ أو تلاوة القرآن، فليفعل. المهمّ أن يحيط صلاته بأجواء مساعِدة على التوجّه اللازم.
108
التخطيط والبرمجة
- أن يؤدّيها بتأنٍّ وهدوء وسكينة واستحضار نيّة وخنوع وتأمّل في التلاوة، فيتلو الآيات وكأنّها تنزل مباشرةً عليه -كما قال بعض العلماء- ويعلم أنّه بين يَدي الله، وأنّه في لقاء مع الله تعالى الذي يعترف بين يديه بالتقصير والذي بِيَده ملكوت السماوات والأرض، ويَعمل على حرف ذهنه وقلبه عن كلّ شيء سوى الله تعالى. وَليتذكّر قبل كلّ صلاة كيف كانت أحوال الأئمّة (عليهم السلام) حين يقِفون بين يَدي الله تعالى، فيسعى ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً.
109