دروس في تزكية النفس

دروس في تزكية النفس


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2014-12

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيِّدنا ونبيِّنا أبي القاسم محمَّد بن عبد الله, وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

 

وبعد، فإنَّ هذا الكتاب (دروس في تزكية النفس) هو من ضمن سلسلة العلوم والمعارف الإسلاميِّة الذي يتناول بالبحث والتحليل موضوعات هامّة في مادة الأخلاق الإسلاميِّة، وتزكية النفس الإنسانيّة.

 

وقد اعتمدنا في إعداد هذا الكتاب على كتاب العلامة الشيخ إبراهيم الأميني (تزكية النفس وتهذيبها), حيث تمّ تلخيص بعض أبحاث هذا الكتاب وتبويبها، وإضافة العديد من المطالب على الدروس ووضعها في إطار منهجيّ ودراسيّ مفيد مع جملة دروس إضافية أخرى. وذلك تلبية لحاجة الشرائح التي يخاطبها هذا الكتاب.

 

وقد عمدنا في هذه الطبعة الجديدة إلى تنقيح أكثر للمطالب السابقة، وتحقيقها، وإعادة تبويبها، وترتيبها موضوعيّاً.

 

كما اهتمّ المركز بإخراج الكتاب في حلّة جديدة، باعثة على سهولة القراءة والعود إلى الكتاب والرغبة فيه.

11


1

المقدمة

 ونحن إذ نقدِّم هذا الكتاب لطلاب المعرفة والفضيلة, ننصح الطلاب والأساتذة الرجوع إلى المصدر الذي استمدَّ منه هذا الكتاب أبحاثه إن أرادوا التوسّع، سائلين المولى سبحانه أن ينفع بكتابنا هذا المجاهدين وكلّ الساعين إلى الكمال والسعادة والوصول إلى مقامات القرب الإلهيّ، والله من وراء القصد.

 

 

والحمد لله ربِّ العالمين

مركز نون للتأليف والترجمة

12


2

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرف الطالب إلى معنى التزكية وأهميتها.

2- أن يتعرف إلى حقيقة النفس الإنسانية وقيمتها.

3- أن يمتلك الدافع للبدء بعملية تزكية النفس.

13


3

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

معنى التزكية

كما أن الإنسان يهتم بجسده وبصحته، فيغذيه بما يوجب نموه وسلامته، ويقيه من الآفات والأمراض، ويبادر إلى الطبيب عند شعوره بالمرض أو الألم أو حتى عوارضهما ليعالجه منه، فيستعين بالجسد السليم القوي على قضاء حوائجه، فكذلك النفس البشرية، ينبغي الاهتمام بها وتغذيتها بما يوجب رقيها وسلامتها، وينبغي العمل على وقايتها من الامراض، وإذا أُصيبت بآفة أو مرض بادر إلى علاجها مستعيناً بتقوية الجانب الإنساني فيها. فتنميتها بالفضائل والأخلاق الحسنة وتهذيبها من الرذائل الأخلاقية والذنوب حتى يقوى فيها جانبها الإنساني وبعدها المعنوي، وهذا هو معنى تزكية النفس وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار"[1].

 

أهمية تزكية النفس

تظهر أهمية تزكية النفس بملاحظة الأمور التالية:

 

1- الهدف من بعثة الأنبياء عليهم السلام:

فقد وصلت تزكية النفس إلى درجة أن الله تعالى جعلها هدفاً أساسياً لبعثة الأنبياء عليهم السلام، وقد جاء الأنبياء عليهم السلام من أجل مساعدة الناس على بناء أنفسهم،

 



[1] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص 351.

15


4

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 وذلك بتعليمهم مكارم الأخلاق وفضائلها، وتربيتهم عليها، وإرشادهم إلى طرق كبح الميول والرغبات النفسية المخالفة للعقل والشرع.

 

قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ[1].

 

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله عز وجل بعثني بها"[2].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[3].

 

2- النجاة يوم القيامة:

أما عن أثر التزكية يوم القيامة فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: "ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق"[4].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق"[5].

 

اهتمام الإسلام بتزكية النفس

لقد أكد الإسلام كثيراً على التزكية واهتم اهتماماً خاصاً بالأخلاق، ولذلك نجد أن الآيات ذات المضمون الأخلاقي في القرآن الكريم أكثر من آيات الأحكام والتشريع، بل القصص القرآنية ذات أهداف أخلاقية، والأحاديث الواردة عن المعصومين، كثير منها يرتبط بالأخلاق.

 




[1] سورة آل عمران, الآية: 164.

[2] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 69، ص 375.

[3] النمازي، علي، مستدرك سفينة البحار، ج 2، ص 282.

[4] الكليني، الكافي، ج 2، ص 99.

[5]  م. ن، ص100.

16


5

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين يديه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "حُسن الخلق"، ثم أتاه من قبل يمينه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "حُسن الخلق"، ثم أتاه من قبل شماله فقال: ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "حُسن الخلق"، ثم أتاه من ورائه فقال: ما الدين؟ فالتفت إليه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أما تفقه؟! هو أن لا تغضب"[1].

 

كما أن الثواب والعقاب اللذين يترتبان على الأمور الأخلاقية ليسا بأقل من الثواب والعقاب اللذين يترتبان على بقية الأمور.

 

معرفة النفس ومراتبها

النفس والروح في معنى واحد، وهي ذات حقيقة واحدة إلا أن لها أبعاداً وجهات متعددة:

1- جهة رشد ونمو مع نمو الجسد.

 

2- جهة حركة وشهوة وغضب.. كما في بقية الحيوانات وهذا هو بعدها الحيواني، ومنها الأكل والشرب وحب البقاء....

 

3- جهة كمال، لأنها تدرك وتفكر وتعقل، وهذا هو بعدها الإنساني وهو أسمى المراتب الإنسانية وأرقاها.

 

وبذلك تكون للنفس مرتبتان: مرتبة دنيا، ومرتبة عليا.

 

فالنفس بمرتبتها الدنيا هي حيوانية الميول، لها صفات وآثار الحيوان، وتميل كما يميل أي حيوان، وبمرتبتها العليا هي إنسانية ملكوتية طاهرة كاملة، إلا أنها تحتاج لكمالها إلى التربية والتهذيب، فالإنسان يحتاج في المرتبة الدنيا إلى الماء والطعام والمسكن والهواء والزواج وغير ذلك، فهو حيوان بالفعل، إلا أن النفس تقبل النمو والتربية، وتميل إلى الكمال والصفات الكمالية من علم

 




[1] الفيض الكاشاني، المحجّة البيضاء، ج5، ص 89.

17


6

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 ومعرفة وإحسان وإيثار وعدالة وعفو واستقامة وصدق وأمانة وشجاعة وكرم وحب للخير ودفاع عن المظلومين وغير ذلك، وبهذا يكون كمالها وبذلك تصل إلى مرتبتها العليا.

 

كرامة الإنسان بروحه

إن الذي يجعل الإنسان إنساناً ويميزه عن سائر الحيوانات, هو بعده الإنساني وروحه الملكوتية المجردة، وهذا الجانب بالذات هو مورد التكريم الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[1].

 

كما أن هذا الجانب هو الذي يشكل موضوعاً للتزكية والتربية وليس الجانب الحيواني المادي. صحيح أن الإنسان حيوان وله حاجات على هذا المستوى، لكن تلبية حاجات البعد الحيواني ليست هدفاً بذاتها، بل هي من أجل خدمة البعد الإنساني وتكميل حياته الإنسانية، فلو جعل الإنسان بعده الحيواني هدفاً، ولم يكن همه في الحياة إلا الأكل والشرب واللباس وإرضاء شهواته وغرائزه الحيوانية، لَفَقَد إنسانيته ولسقط في دَرْكِ الحيوانية وإن كان بصورة إنسان، وهذا ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[2].

 

أقسام النفس

1- قسم يعتبر النفس جوهراً ثميناً وأمراً ملكوتياً جاء من عالم الكمال، وأنها منشأ كل الفضائل والقيم الإنسانية، ولذلك فيجب تربيتها على الأخلاق

 



[1] سورة الإسراء، الآية:70.

[2] سورة الأعراف، الآية: 179.

18


7

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 والقيم، من قبيل قول أمير المؤمنين عليه السلام: "إن النفس لجوهرة ثمينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها"[1].

 

2- وقسم يصف النفس بأنها عدو وموجود شرير، وأنها منشأ السيئات، فيجب لذلك محاربتها وتعنيفها، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ[2].

 

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"[3].

 

ولا تعارض بين هاتين الطائفتين من النصوص، لأن مورد المدح في الطائفة الأولى هو البعد الإنساني، والمرتبة العليا من النفس، بينما مورد الذم في الطائفة الثانية هو البعد الحيواني منها، فإذا قيل: احفظ نفسك وربها، فالمراد من ذلك المرتبة الإنسانية. وإذا قيل: اقهرها، فالمراد بذلك المرتبة الحيوانية، وذلك لأن كلتا المرتبتين في حالة صراع وتجاذب دائمين، فالذات الحيوانية تسعى دائماً لإرضاء رغباتها وميولها، وتحاول أن تقطع طريق الرقي والتكامل على النفس الإنسانية، وعلى العكس من ذلك، فإن الذات الإنسانية تسعى دائماً للسيطرة على الرغبات والغرائز الحيوانية من أجل طي المراحل الرفيعة للكمالات الإنسانية، حتى تنال مقام القرب الإلهي. فإذا تغلب البعد الإنساني في هذا الصراع ارتقى الإنسان في مدارج الكمال، ولو تغلب البعد الحيواني فيه انحدر الإنسان في وادي الضلال والإنحراف.

 

ضرورة تنمية البعد الإنساني

إن الإنسان إذا التفت إلى حقيقته وبعده الإنساني وعرف نفسه حق المعرفة سيدرك أنه أتى من عالَم الكمال، عالَم القدرة والعلم والمعرفة والرحمة



[1] الأمدي، غرر الحكم، ص 139.

[2]  سورة يوسف، الآية: 53.

[3] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 70، ص64.

19


8

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 والإحسان والخير والعدالة، وأنه لا بد أن يسعى إلى الكمال، وأن يكون هدفه هو الوصول إلى مقام القرب الإلهي، حتى يتلاءم مع ذلك العالَمِ الذي أتى منه، والقيم الأخلاقية والإنسانية هي تلك الكمالات التي تحتاجها النفس لبلوغ الكمال، والإنسان يستطيع أن يدرك تلك القيم والفضائل بفطرته.

 

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَواهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَساهَا[1].

 

ومن هنا، فقد جاء الأنبياء عليهم السلام لإيقاظ الفطرة وتعريف الناس بحقيقتهم، وإرشادهم إلى طريق المعرفة والفضائل والمكارم الأخلاقية، من أجل إعانتهم على طي مدارج الكمال ونيل مقام القرب الإلهي.

 

ولذلك أكد الإسلام على معرفة النفس كمقدمة للتزكية وأَولى ذلك اهتماماً خاصاً. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "معرفة النفس أنفع المعارف"[2].

 

وقال أيضاً: "من عرف نفسه جل أمره"[3].

 

المقصود من معرفة النفس

والمقصود من معرفة النفس معرفة هويتها الإنسانية، بمعنى أن يعرف الإنسان مقامه الواقعي في عالم الخلقة، فيعلم أنه ليس حيواناً، ولم يخلق لأجل أن يعيش حياة حيوانية، بل هو موجود ملكوتي خلق عاقلاً ومختاراً وحراً، وإن عليه أن ينمي بُعدهُ الإنساني لا الحيواني، ويلاحقه بالتزكية، ويربي فيه القيم والفضائل الأخلاقية، حتى يصل إلى الكمال المنشود ويكون لائقاً بحمل الأمانة وخلافة الله على الأرض.

 



[1] سورة الشمس، الآيات: 7-10.

[2] غرر الحكم، ص 139.

[3] م. ن.

20


9

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 خلاصة الدرس

- تزكية النفس، تنميتها بحسن الأخلاق حتى يقوى جانبها المعنويّ.

 

- إنَّ تزكية النفوس هدف مهمّ وأساس للأنبياء عليهم السلام.

 

- لتزكية النفس آثار مهمّة جدّاً وهي مفتاح سعادة الإنسان.

 

- مورد التزكية هو البعد الإنسانيّّّ من نفس الإنسان.

 

- للإنسان بعدان: إنسانيّ وحيوانيّ، وهما في حالة صراع حتّى يغلب أحدهما الآخر.

 

- إنَّ هدف الإنسان هو بلوغ الكمال والوصول إلى مقام القرب الإلهيّ، ولا يكون ذلك بدون تزكية النفس

21


10

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 للمطالعة

 

العناية الإلهيّة

من عناية الله سبحانه بعباده أنَّه وهبهم العقل، ووهبهم القدرة على تهذيب نفوسهم وتزكيتها، وأرسل الأنبياء والأوصياء ليعملوا على هدايتهم واصلاحهم ليتخلَّصوا من عذاب جهنّم..

 

وعندما لا تنفع كلّ هذه الوسائل في تنبيه الناس وإلفاتهم، فإنَّ الله سبحانه ينبّههم بوسائل أخرى وعن طرق أخرى، بالإبتلاء... بالمصائب.. بالفقر.. بالمرض.. كالطبيب الحاذق وكالممرّض الماهر الحنون الذي يحاول تخليص مريضه من داء عضال..

 

إذا كان العبد مورد عناية الله سبحانه، فإنَّه يبتلى بصنوف الابتلاء حتى يلتفت إلى خالقه تعالى إسمه، ويهذّب نفسه، هذا هو الطريق ولا طريق غيره، ولكن إذا لم يطو الإنسان بنفسه هذا الطريق ولم يحصل على النتيجة المطلوبة وكان مستحقّاً لنعمة الجنّة، فإنَّ الله يشدِّد عليه في حال النزع، لعلَّه يتذكر ويتنبَّه، وإذا لم ينفعه هذا تأتي موقظات القبر وعالم البرزخ والعقبات التي تتبعه.. وكلها تستهدف إيقاظ هذا الإنسان حتى لايصل به الأمر إلى جهنّم.. وكلّ هذه المراحل الإيقاظية عناية إلهية تستهدف المنع من وصول الإنسان إلى جهنّم واستحقاقه لها..

 

فلو أنَّ إنساناً لم تنفع معه كلّ هذه الموقظات والملفتات فماذا تكون عاقبته؟ هنا لا مجال بعد لأيِّ شيء، ويصبح لزاماً أن يوقظ بالنار.

 

إنَّ الإنسان الذي لا تنفع معه كلّ هذه الوسائل لا بدّ من إصلاحه بالنار، كالمعدن الذي لا يمكن تحويله إلى معدن خالص إلَّا بالنار.

22


11

الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

 إحذروا أن توصلكم أعمالكم إلى هذه الدرجة فيحلَّ عليكم غضب الله. إنَّ أحدكم لا يستطيع أن يقبض لمدّة دقيقة واحدة على حصاة محماة، فاتَّقوا نار جهنّم، وأبعدوا عن الحوزات العلمية هذه النيران، هذه الاختلافات، طهِّروا قلوبكم من النفاق، حسِّنوا سلوككم مع عباد الله، وانظروا إليهم بعطف وحنان. ليكن لكم موقف صارم من العصاة لعصيانهم. مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر.

 

وأمَّا المؤمنون والصالحون فاحترموا العالم منهم لعلمه، واحترموا من هو في سبيل الهداية لأعماله الصالحة، ليكن سلوككم مثالياً. أحبّوا الناس وحادثوهم وآخوهم. هذِّبوا أنفسكم، أنتمّ تريدون هداية الأمَّة وإرشادها... والشخص الذي لا يستطيع إصلاح نفسه وإرادته فكيف يستطيع هداية الآخرين وإصلاح إرادتهم؟!

 

الإمام الخميني قدس سره،"الجهاد الأكبر"

23


12

الدرس الثاني: القلب

 الدرس الثاني: القلب

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى حقيقة القلب ودوره.

2- أن يبيّن خطورة أمراض القلب.

3- أن يتعرّف من هم أطبّاء القلوب.

4- أن يعدّد مراحل تزكية النفس.

 25 


13

الدرس الثاني: القلب

 حقيقة القلب

للقلب مكانة خاصّة في القرآن الكريم، والمراد به "الإنسان بمعنى النفس والروح"[1]، لأنّ كلّ معاني التعقّل والتفكّر والحبّ والبغض والخوف حتّى لو تمّ نسبها إلى القلب، إلا أن الكسب والاكتساب لا ينسب إلّا إلى الإنسان.

 

وله نظير في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ[2]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ[3].

 

سلامة القلب ومرضه

إنَّ كلّ أعمال الإنسان تنبع من قلبه، ولذا هو مفتاح السعادة، ومن الضروريّ أن يُعتنى به؛ لأنَّه قد يُصاب بالمرض، يقول تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً[4].

 

والأمراض التي تصيب القلب كثيرة كالكفر والنفاق، والتكبّر، والحقد، والغضب، والخيانة، والعُجْب، والخوف، وسوء الظنِّ، وقول السوء، والتهمة،

 



[1] السيد محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ج2، ص 223.

[2] سورة البقرة، الآية: 283.

[3] سورة ق، الآية: 33.

[4] سورة البقرة، الآية: 10.

27


14

الدرس الثاني: القلب

 والغيبة، والظلم، والكذب، وحبِّ الجاه، والرياء، والقساوة، وغير ذلك من الصفات السيّئة. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ[1]، وقد يكون القلب سليماً من هذه الأمراض، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[2].

 

ولا بدَّ من التأكيد على أنَّ أمراض القلب ذات أثر خطير، لأنَّه إذا كانت أمراض البدن يقتصر ضررها على الدنيا، فإنَّ أمراض القلب يعمّ ضررها الدنيا والآخرة معاً، وتوقع الإنسان في الشقاء الأبديّ: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾[3].

 

إنَّ الإيمان والعمل الصالح وحسن الأخلاق، كلّ ذلك ينير القلب ويدفع عنه أمراضه، في حين أنَّ الكفر والعمل السي‏ءّ وسوء الأخلاق، كلّ ذلك يؤدّي إلى اسوداد القلب وإصابته بالآفات.

 

القلب في الأحاديث

ركَّزت الأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام على مسألة القلب، فعن الإمام الباقر عليه السلام: "القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي على شيء من الخير وهو قلب الكافر، وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشر يعتلجان[4]، فما كان منه أقوى غلب عليه، وقلب مفتوح فيه مصباح يزهر فلا يُطفأ نوره إلى يوم القيامة، وهو قلب المؤمن"[5].

 

وما يستفاد من هذا الحديث هو أنَّ القلب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

 

1- قلب الكافر: قلب انحرف عن فطرته فلا خير فيه، ولم يعد له من هدف إلَّا الدنيا، وأعرض عن ربِّه فأصيب بالعمى وغشيته الظُلْمَة.

 

2- قلب المؤمن: قلب قِبْلَتهُ الله، أضاء فيه مصباح الإيمان، يرغب في العمل الصالح ومكارم الأخلاق، عيناه مبصرتان بنور إيمانه.

 

3- القلب المنكّت: وهو قلب فيه من نور الإيمان، لكن فيه أيضاً من سواد المعصية، وخيره وشرّه في حال صراع، فما غلب منهما سيطر على هذا القلب.

 



[1] سورة التوبة، الآية: 125.

[2] سورة الشعراء، الآيتان: 88 و89.

[3] سورة الإسراء، الآية: 72.

[4]  أي يتصارعان.

[5] الكليني، الكافي، ج 2، ص 423.

28


15

الدرس الثاني: القلب

 قساوة القلب

يكون القلب في بداية الأمر مستعدّاً للإستجابة لنداء الفطرة، فإن لبَّى النداء أصبح قلباً نورانيّاً، يضيء فيه مصباح الإيمان، أمَّا إذا تجاهل نداء فطرته، وخالف ميول الخير لديه، فإنَّ هذا القلب سوف تخيِّم عليه الظلمة، وتعرض عليه القسوة شيئاً فشيئاً.

 

ويتحدّث القرآن الكريم عن هذا الأمر فيقول: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[1].

 

نعم إنَّ لقسوة القلب آثاراً خطيرة جدّاً في الدنيا وفي الآخرة، حيث يصبح قلباً مقفلاً لا يصدر منه الخير، ويظهر في الآخرة بأبشع الصور.

 

أطبّاء القلوب

إذا أردنا أن نحافظ على سلامة قلوبنا ونتجنَّب الأمراض، فلا بدّ من الطبيب الحاذق، أمَّا أطبّاء القلوب فهم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، لأنَّهم العارفون بحقيقة القلوب وما يصلح لها وطرق علاجها، ولذا يتحدّث أمير المؤمنين عليه السلام



[1] سورة الأنعام، الآية: 43.

29


16

الدرس الثاني: القلب

 عن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: "طبيب دوَّار بطبِّه قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه[1]، يضع من ذلك حيث الحاجة إليه"[2].

 

وعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[3]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الذكر أنا والأئمّة أهل الذكر"، وقوله عزّ وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[4]، قال أبو جعفر عليه السلام: "نحن قومه ونحن المسؤولون"[5].

 

تهذيب النفس وتكميلها

بعد أن علمنا أنَّ لتزكية النفس أهميَّة خاصّة في الإسلام، وأنَّ لها نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة، وأنَّه لا بدّ للإنسان أن يسعى لتزكية نفسه ما دام أنَّ هناك صراعاً حقيقيّاً بين بُعدَيهِ الإنسانيّ والحيوانيّ، نشير هنا إلى أنَّ عمليَّة تزكية النفس تتمُّ في مرحلتين: مرحلة التخلّي، ومرحلة التحلّي.

 

المرحلة الأولى: ويعمل فيها على تصفية القلب والنفس من الأمراض والأخلاق السيّئة وآثار الذنوب.

 

المرحلة الثانية: ويعمل فيها على تكميل النفس وتربيتها بالمعارف الحقّة ومكارم الأخلاق والعمل الصالح.

 

والسالك إلى الله تعالى يجب أن يقوم بالأمرين معاً، وإلّا لن يبلغ درجات القرب، لأنَّهما يكملان بعضهما، وسوف نتحدَّث عن هاتين المرحلتين في الدروس القادمة إن شاء الله تعالى.



[1] مواسمه جمع ميسِم وهو المكواة، يُجمع على مواسم ومياسم.

[2] نهج البلاغة، خطبة: 108.

[3] سورة الأنبياء، الآية: 7.

[4] سورة الزخرف، الآية: 84.

[5] الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 210.

30


17

الدرس الثاني: القلب

 خلاصة الدرس

- المراد بالقلب الشعور والإحساس الذي ترتبط به إنسانيّة الإنسان، وهو تعبير آخر عن النفس الإنسانيّة.

 

- كما أنَّ البدن يتعرّض للمرض فإنَّ القلب أيضاً يتعرّض للأمراض.

 

- المرض الذي يصيب القلب ذو أثر خطير، لأنَّ نتائجه لا تقف عند حدود الدنيا.

 

- قسمت روايات المعصومين عليهم السلام القلب إلى ثلاثة أقسام: قلب المؤمن، قلب الكافر، والقلب المنكّت.

 

- تزكية النفس تكون بأمرين:

الأول: تصفية القلب، وخصوصاً من مرض القسوة.

الثاني: تكميل النفس بالمعارف الحقَّة، والأخلاق الحسنة، والعمل الصالح.

31


18

الدرس الثاني: القلب

 للمطالعة

 

علاج المفاسد الاخلاقية

إنَّ أفضل علاج لدفع المفاسد الأخلاقيّة، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل السلوك، وهو أن تأخذ كلّ واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك، وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى أمد، وتعمل على عكس ما تروّجه وتتطلَّبه منك تلك الملكة الرذيلة.

 

وعلى أيّ حال، اطلب التوفيق من الله تعالى لإعانتك في هذا الجهاد، ولا شكّ في أنَّ هذا الخُلُق القبيح سيزول بعد فترة وجيزة. ويفرُّ الشيطان وجنوده من هذا الخندق، وتحلُّ محلّهم الجنود الرحمانية.

 

فمثلاً من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان وتوجب ضغطة القبر، وتعذِّب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار والجيران أو الزملاء في العمل أو أهل السوق والمحلّة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان الإنسان المجاهد يفكّر في السمو والترفّع، عليه عندما يعترضه أمر غير مرغوب فيه، حيث تتوهّج فيه نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسيّء من القول، عليه أن يعمل بخلاف النفس، وأن يتذكّر سوء عاقبة هذا الخُلُق ونتيجته القبيحة، ويبدي بالمقابل مرونة، ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ بالله منه.

 

إنِّي أتعهد لك بأنَّك لو قمت بذلك السلوك، وكرَّرته عدّة مرات، فإنَّ الخُلُق السيّء سيتغير كليِّاً، وسيحلّ الخُلُق الحسن في عالمك الباطن.

 

ولكنَّك إذا عملت وفق هوى النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه. وأعوذ بالله تعالى من الغضب الذي يهلك الإنسان في آنٍ واحد في كلا

32


19

الدرس الثاني: القلب

 الدارين، فقد يؤدّي ذلك الغضب لا سمح الله إلى قتل النفس. ومن الممكن أن يتجرَّأ الإنسان في حالة الغضب على النواميس الإلهيّة. كما رأينا أنَّ بعض الناس قد أصبحوا من جرَّاء الغضب مرتدِّين، وقد قال الحكماء: "إنَّ السفينة التي تتعرض لأمواج البحر العاتية وهي بدون قبطان، لهي أقرب إلى النجاة من الإنسان وهو في حالة الغضب".

 

الإمام الخميني قدس سره "الأربعون حديثاً

33


20

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 المرحلة الأولى:

تهذيب النفس

 

 

- أمراض القلوب

 

- كيف نهذِّب أنفسنا

 

- المراقبة والمحاسبة

 

- إزالة حبّ الدّنيا

 

- التوبة

 

- التقوى

 

- العصبيّة

35


21

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 الدرس الثالث: أمراض القلوب

 

 

 

أهداف الدرس

1- أن يتعرف الطالب إلى وسائل تهذيب النفس.

2- أن يكتشف أسباب الإعراض عن تهذيب النفس.

3- أن يتعرف إلى طريقة معرفة أمراض القلب.

4- أن يحصل دواعي التصميم على معالجة أمراض النفس.

 

37


22

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 تمهيد

بعد أن أدركنا أن تهذيب النفس أمر أساسي في عملية التزكية، وأنه يمثل المرحلة الأولى من مراحل تزكية النفس، نشير إلى أنه في مرحلة التهذيب يجب علينا القيام بثلاثة أمور:

أ- تهذيب النفس من العقائد الباطلة والأفكار الفاسدة والخرافات.

ب- تهذيب النفس من الرذائل والأخلاق السيّئة.

ج- ترك المعاصي والذنوب التي أرشدنا الشارع المقدس إلى مفاسدها ونتائجها الوخيمة.

 

مشكلة وحل

ومع أننا ندرك بالفطرة مساوى‏ء هذه الأمور التي يجب تطهير النفس منها، ومع أن الأنبياء عليهم السلام عرفونا بها وبطرق علاجها، إلا أننا غالباً ما لا نهتمّ بهذا الجانب، ولا نرى أنفسنا أسيرة للشيطان وللنفس الأمارء بالسوء!

 

1- أسباب المشكلة

يتوقف علاج المشكلة - كما في كل مشكلة - على معرفة أسبابها، وتعود هذه المشكلة إلى سببين رئيسيين.

 39 


23

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 الأوّل: عدم علمنا بأننا مرضى، لجهلنا بأمراضنا الأخلاقيّة، كمن يعلم بأن هناك مرضاً ولا يعلم بأنه مريض به.

الثاني: استصغارنا للأمراض والذنوب والرذائل الأخلاقيّة.

 

هذان الأمران هما السبب في غفلتنا عن نسبة الأمراض هذه إلى أنفسنا، فنحن ندرك جيّداً الأمراض في الآخرين، ولكننا لا نلتفت إلى الأمراض الموجودة فينا، ولهذا لا نتحرّك في الغالب لإصلاح أنفسنا وتهذيبها.

 

2- حلّ المشكلة

الأوّل: بالتعرّف على أمراضنا الأخلاقيّة والنفسيّة.

الثاني: بالتصميم على علاجها ومعرفة طرق العلاج.

 

الأول: طرق الكشف عن أمراض القلب

لمعرفة أمراض القلب ينبغي الاستفادة من بعض الطرائق التي تساهم في الكشف عن هذه الأمراض، وهي:

 

1- العقل: وهو ما يميّز الإنسان عن الجماد والحيوان، وهو منشأ التفكير والإدراك، وله موقع مميز في النصوص الإسلاميّة.

 

قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا[1]، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرجْسَ عَلَى الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾[2].

 

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "لمَّا خلق الله العقل استنطقه ثمَّ قال له: أقبِل. فأقبَل، ثمَّ قال: أدبِر، فأدبَر، ثمَّ قال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبَّ



[1] سورة الحج، الآية: 46.

[2] سورة يونس، الآية: 100.

40


24

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 إليَّ منك، ولا أكملتك إلّا فيمن أحبّ، أما وإنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أعاقب، وإيّاك أثيب"[1].

 

والعقل ضروريّ لمهمتين أساسيّتين:

أ- للتعرّف على الله سبحانه وصفاته وأنبيائه والمعصومين عليهم السلام: فنطيعهم، وعلى المعاد فنتجهّز له، وبالعقل نتعرّف على محاسن الأخلاق ومساوئها.

 

وبذلك يتّضح أنَّ للعقل دوراً مهمّاً في إيصال الإنسان إلى كماله، وذلك فيما لو استطاع أن يسيطر على الغرائز من خلال كبح جماحها.

 

ب- للتفكّر: وهو التفكر بعواقب الأمور ونتائجها الحسنة أو السيّئة دنيويّاً وأخرويّاً قبل القيام بها، وقد جاءت الأحاديث لتؤكد ذلك، فقد روي أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "فهل أنت مستوصٍ إن أوصيتك؟" حتى قال ذلك ثلاثاً في كلها يقول الرجل نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فإني أُوصيك إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يكُ رشداً فامضه، وإن يكُ غياً فانتهِ عنه"[2].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما أهلك الناس العجلة، ولو أن الناس تثبتوا لم يهلك أحد"[3].

 

2- التأمل بالنفس: فإن الإنسان إذا تأمل في نفسه سوف يعرف ما فيها من أمراض وعيوب.

 

قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ[4].

 



[1] الكليني، الكافي، ج1، ص10.

[2] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 71، ص 339.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج27، ص169.

[4] سورة القيامة، الآيتان: 14 و15.

41


25

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 وإذا حكمنا على أنفسنا فغالباً ما ننحاز لصالحها، لأنّنا ننظر إليها دون عيوب ونواقص في الأقوال والأفعال، إنها النفس الأمارة بالسوء التي تزين القبيح حسناً وتدعونا لحسن الظن بها.

 

قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُينَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِن اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ[1].

 

وأحسن طريق عندئذٍ لإصلاح النفس هو ألا نحسن الظن بأنفسنا، بل ينبغي أن نتهمها ونسي‏ء الظن بها، لكي تتكشف عيوبها ونسعى في إصلاحها.

 

يقول الإمام علي عليه السلام: "إن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زارياً[2] عليها ومستزيداً لها"[3].

 

3- مراجعة الطبيب الروحيّ: فإن من أهم الأمور التي تساعد على معرفة عيوب النفس وأمراضها، مراجعة العالم بالأخلاق الإسلاميّة، فيستطيع الإنسان مراجعة عالم صالح خلوق استطاع تهذيب نفسه من أجل أن يساعده في اكتشاف عيوب نفسه.

 

4- مصاحبة الصديق العالم المحبّ للخير: فإنَّ الصديق إذا كان عالماً، يميّز بين الصفات الحسنة والصفات السيّئة، وكان ناصحاً ومحبّاً للخير فيمكن الاستعانة به من أجل معرفة عيوبنا، فإنَّ المؤمن يستطيع أن يساعد أخاه المؤمن ليرى نفسه فيه، إذا كان ناصحاً مشفقاً حريصاً على سمعة أخيه وحرمته.

 



[1] سورة فاطر، الآية: 8.

[2] زارياً أي عائباً لنفسه.

[3] نهج البلاغة، خطبة 176

42


26

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 قال الإمام الصادق عليه السلام: "أحبُّ إخواني إلي مَنْ أهدى إلي عيوبي"[1].

 

5- أخذ العبرة من عيوب الآخرين: وهذه إحدى الوسائل لمعرفة العيوب النفسيّة، وطالما رأى الإنسان النقطة الصغيرة من عيوب الآخرين، ولا يرى القبائح الكبيرة من نفسه، والعاقل إذا رأى عيباً في الآخرين يدرك قبحه، ويعتبر من ذلك، فيرجع إلى نفسه فإن وجد فيها ذاك العيب أصلحه.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "السعيد من وعُظ بغيره"[2].

 

وقد ذكر الله سبحانه قصص الأقوام السابقة في القرآن للاعتبار وأخذ الموعظة منها، حيث قال عزّ وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾[3].

 

6- الاستفادة من النقد: فيمكن للإنسان أن يستمع إلى نقد الآخرين، فيرجع إلى نفسه، فإن صح‏َّ النقد أصلحها وشكر نقدهم، وإن لم يصحّ، يكن قد علم خلوَّها من العيب فيشكر ربَّه على ذلك.

 

7- التعرُّف على علامات العيوب: فإن بعض الأمراض البدنيّة تعرف بعلامات تظهر في أعضاء البدن، فإن ضعف أداء وظيفة العضو مثلاً علامة على مرضه، وكذلك النفس وميولاتها الفطرية. فالإنسان مفطور على التوجّه إلى الله سبحانه وحبّه وعشقه وشكره وعبادته وطاعته، فإذا رأينا ضعف ذلك في أنفسنا فإن هذا علامة على مرض قلوبنا، واذا رأى الإنسان أنه يتحاشى قراءة القرآن والدعاء والتوسّل إلى الله سبحانه، أو أنه يحبُّ الدنيا والمال والجاه، ولا يرى في خدمة الناس لذّة، ولا



[1] الحرّاني، تحف العقول، ص 385.

[2] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 71، ص 324.

[3] سورة يوسف، الآية: 111.

43


27

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 يتأثر بمعاناة المظلومين، ولا ينفعل لآلامهم وحاجاتهم، فإن هذا يعني أن صفاته الحيوانية أقوى من صفاته الإنسانيّة، وهذا من أكبر عوارض مرض النفس.

 

الثاني: التصميم على العلاج

لا بدّ من التصميم على العلاج، فبعد معرفة العيوب والأمراض ينبغي أن لا نستصغرها، وأن نبادر بعزم على علاجها، فنحذر مكر الشيطان الذي يحاول بشتّى الوسائل أن يثنينا عن القيام بمهمَّتنا، فقد يوحي لنا الشيطان بأنَّ هذا العيب موجود في الآخرين، حتى يقلِّل لنا من أهميَّته، في حين أنَّ مرض الآخرين لا يبرّر أن أكون مريضاً مثلهم، بل قد يسوّل لنا الشيطان بأنَّ السوء الفلانيّ هو ممّا اعتدنا عليه، أو أنَّ الله سوف يغفره، في حين أنَّ العادة قابلة للتغيير والتبديل، ففي مثل هذه الحالات علينا أن لا نأبه لأيّ وسوسة شيطانيّة، بل لا بدّ من المبادرة فوراً لعلاج العيوب، والسعي بعزم أكيد لتهذيب نفوسنا، وإذا ما سارع الإنسان إلى العلاج وأصرَّ على التغلّب على النفس الأمَّارة بالسوء، وذلك بإخضاعها لإرادة العقل والشرع معاً، اللذين يأخذان بيد الغرائز الحيوانيّة نحو الاعتدال والتوازن، فعندئذٍ تأمن حياة الإنسان دنيا وآخرة، وتعمر بالسعادة الكاملة الحقيقيّة.

 44 


28

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 خلاصة الدرس

- تهذيب النفس يكون من أمور ثلاثة:

أ- من العقائد الباطلة.

ب- من الأخلاق السيّئة.

ج- من الذنوب والمعاصي.

 

- من الأسباب التي تحول دون تهذيب نفوسنا، جهلنا بأمراضنا. ولذلك لا بدّ من الالتفات إلى أمراضنا كمقدّمة لعلاجها.

 

- طرق علاج الأمراض القلبيّة بأمرين:

أ- معرفة الأمراض كمقدّمة للعلاج عبر طرق عديدة منها: العقل، والتفكّر بعاقبة الأمور، وسوء الظنِّ بالنفس، مراجعة الأطبّاء الروحيّين، ومصاحبة الصديق العالِم، وأخذ العبرة من الآخرين، والاستفادة من النقد، ومعرفة عوارض المرض.

 

ب- إنَّ الشيطان، والنفس الأمَّارة بالسوء، لن يتركانا وعملنا، فعلينا الاستعداد لمواجهتهم بالتصميم على تهذيب نفوسنا.

45


29

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 للمطالعة

 

وعد بالجنّة

يقول أبو بصير أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام: كان أحد أعوان وعمّال السلاطين جاراً لي، كانت كلّ أمواله من الحرام، ومنزله مركز فساد ولهو ولعب ورقص وغناء، كنت أتأذّى من جيرته، نصحته مراراً دون فائدة، ذات يوم أصرَّيت عليه كثيراً فقال: لقد أصبحت أسيراً للشيطان، اعتدت على اللهو والمعصية ولا أستطيع تركها، مريض ولكنّي لا أستطيع معالجة نفسي. أنت جار جيّد ولكنّي لك جار سيّء، ماذا أفعل، أنا أسير الهوى ولا أستطيع أن أجد طريقاً للنجاة، إذا زرت الإمام الصادق عليه السلام أخبره بحالي لعلَّه يرشدني إلى طريق النجاة، يقول أبو بصير: تأثَّرت لكلامه، صبرت برهة حتّى قصدت الإمام الصادق عليه السلام في المدينة، عندما تشرفت بلقائه ذكرت له القصّة، فقال

له الإمام عليه السلام: إذا ما رجعت إلى الكوفة قل له: يقول لك جعفر بن محمّد: "اخرج ممّا أنت فيه وأنا أضمن لك الجنّة". يقول أبو بصير: بعد أن انتهيت من كلّ أعمالي رجعت إلى الكوفة. كان الناس يأتون لزيارتي إلى أن جاءني الرجل زائراً، بعد سؤاله عن أحوالي اعتذر هامّاً بالإنصراف، أشرت له بالبقاء لوجود أمر أريد التحدّث بشأنه، عندما فرغ المنزل من الزائرين قلت له: ذكرت قصَّتك للإمام الصادق عليه السلام، فطلب منّي إيصال سلامه إليك وأن أبلِّغك بعبارته: "اخرج ممّا أنت فيه وأنا أضمن لك الجنّة".

 

دخل كلام الإمام عليه السلام إلى قلبه فبدأ بالبكاء، ثمَّ أقسم عليَّ للتأكّد من صحّة الحديث فأقسمت. قال: هذا كافٍ ثمَّ خرج ولم أسمع عنه شيئاً لأيّام خلت.

 

بعدها أرسل خلفي، فذهبت إليه وطرقت الباب فأجابني من خلف الباب: يا

46 


30

الدرس الثالث: أمراض القلوب

 أبا بصير أعدت كلّ الأموال الحرام لأصحابها، وحتى الألبسة التي كانت لدي وأنا الآن عارٍ، يا أبا بصير لقد عملت بحسب أمر الإمام الصادق وتركت كلّ المعاصي، يقول أبو بصير: تأثّرت لكلامه وتوبته وتعجّبت لمدى تأثير كلام الإمام فيه، عدت إلى منزلي وجهّزت له شيئاً من الطعام وبعض اللباس وأخذتها له. بعد مدّة أرسل خلفي فذهبت، لأجده مريضاً عليلاً، بقيت أعوده مدّة من الزمن، لم ينفع العلاج معه في شيء، حتى اشتدّ المرض عليه وبدأت علامات الاحتضار واضحة عليه. جلست بِقُرْبِهِ وكان غائباً عن الوعي، وفجأةً فتح عينيه وقال: يا أبا بصير لقد وفى الإمام الصادق عليه السلام بوعده. قال هذا وفارق الدنيا. بعد مدّة وفّقت للحجّ وزرت الإمام الصادق عليه السلام، مجرَّد أن وطأت عتبة داره ناداني سلام الله عليه وقال: "يا أبا بصير لقد وفيت وعدي لجارك وأعطيته الجنّة التي وعدت".

 

منتهى الآمال، الشيخ عباس القمي، ج2،ص86.

47


31

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 الدرس الرابع: كيف نهذِّب أنفسنا؟

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى أفضل طرق تهذيب النفس.

2- أن يتعرّف إلى الوسائل المساعدة على تهذيب النفس.

3- أن يفهم مانعين من موانع تهذيب النفس: أصدقاء السوء، وضعف الإرادة.

49


32

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 تمهيد

وصلنا في الدرس السابق إلى معرفة الطرق التي تُعرّفنا على أمراض نفوسنا, وأكَّدنا على ضرورة علاجها, وبيَّنا أنَّ هذا العمل سيقودنا إلى تهذيب نفوسنا، وتطهيرها من الأمراض التي تصيبها.

 

أمَّا في هذا الدرس فسوف نتعرّف على طرق تهذيب النفس، والأمور التي تساعدنا على القيام بذلك.

 

طرق تهذيب النفس

إذا أراد الإنسان أن يهذّب نفسه، فلا بدَّ من أن يلتفت إلى الطرق التي يمكن استخدامها للقيام بهذا الأمر، وهذه الطرق هي:

 

1- الوقاية: وهي بمعنى التوقِّي من أوّل الأمر بالحيطة والحذر، وتجنّب ما يؤدّي إلى الوقوع في المعاصي والأخلاق السيّئة، وهي أفضل وأسهل وسيلة لتهذيب النفس، لأنَّ النفس قبل إصابتها وتلوّثها تكون أكثر استعداداً للتخلّق بأخلاق الله وعمل الخير، وتكون أقدر على مواجهة إغراء الدنيا ووسوسة الشيطان، ولذا فإنَّ ترك المعاصي أيسر من الحصول على التوبة.

 

ومن أمثلة الوقاية: غض البصر عمّا حرّم الله سبحانه لأنّ: "العيون طلائع

51


33

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 القلوب"[1] كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وأيضاً عليه السلام: "إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة"[2].

 

فإنّ الإمام الصادق عليه السلام يوضح لنا الصورة بقوله عليه السلام: "مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله"[3]، فعلينا أن نتجنب أي موطن من المواطن التي توجب القرب من المعاصي والانغماس بها.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة، وكم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً"[4].

 

ولذلك فإنَّ عمر الشباب هو عمر مناسب جدّاً لهذا الأمر، حيث ينبغي ألّا يكون قد حصل التلوّث بحبِّ الدنيا في هذا العمر ومن سنّ التكليف.

 

2- الترك المباشر: لو فرضنا أنَّ الوقاية لم تنجح بشكل كامل، وابتلى الإنسان بالمعاصي وسوء الخلق، فإنَّ أفضل وسيلة لعلاج ذلك هو الترك المباشر والدفعيّ للمعاصي، والتوبة مباشرة بتصميم قاطع، وإرادة قويّة، والتغلّب على الشيطان والنفس الأمَّارة بالسوء دفعة واحدة، وربما يحصل هذا الأمر نتيجة سماع آية أو حصول حادثة أو غير ذلك، ويمكن أن نلحظ هنا ذلك التحوّل الكبير والسرّيع الذي حصل في حياة بشر الحافي، ولم يكن هذا التحوّل إلّا نتيجة كلمة قالها الإمام الكاظم عليه السلام وهي: ".. لو كان (بشر) عبداً لخاف من مولاه".

 

وبالترك المباشر والدفعيّ للسيّئات، نقطع الطريق على إبليس وأعوانه، ونتخلّص من هذه الأمراض كما تخلَّص منها بشر الحافي.




[1] الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ص 38.

[2] الآمدي، غرر الحكم، الحكمة 4063.

[3] الكليني، الكافي، ج 2، ص 136.

[4] م.ن، ج 2، ص 451.

52


34

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 3- الترك التدريجيّ: إذا لم نستطع تهذيب أنفسنا دفعة واحدة، فيمكن أن نقوم بذلك بشكل تدريجيّ وفق الأمور المساعدة القادمة إن شاء الله تعالى، بأن نقوم بترك ذنب أو مجموعة ذنوب، وبذلك نكون قد بدَّلنا نقطة سوداء في قلوبنا إلى نقطة بيضاء، ومن ثمَّ نقوم بترك ذنب آخر، وهكذا إلى أن نكون بعد فترة قد ابتعدنا تماماً عن الذنوب، وأخرجنا الصفات السيّئة من أنفسنا، وسدّدنا ضربة موجعة للشيطان، تضعفه عن محاولة إضلالنا وإسقاطنا في وادي الهلاك.

 

 

والإنسان يقوم على ما اعتاد عليه، فعند اعتيادنا على اجتناب ذنب ما فإننا سنجد أنفسنا تلقائياً قد تركناه وعصمنا أنفسنا عن فعله.

 

الأمور المساعدة على تهذيب النفس

وأمَّا الأمور التي يمكن لها أن تساعدنا على تهذيبنا لأنفسنا، فهي:

 

1- التفكّر: إنَّ الإنسان إذا انشغل بأموره الدنيويّة، وغفل عن الآخرة وآثار أعماله فيها، فإنَّه لن يندفع لتهذيب نفسه، وهنا ما الحلّ؟

 

الحلّ في التفكّر، التفكّر في العاقبة، وفي نتائج أعماله في الآخرة، وفيما سيحصل له في عالم القبر ويوم القيامة. إنَّ هذا التفكّر سيلجم الإنسان عن ارتكاب ما يؤدّي إلى سوء العاقبة.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "من عمر قلبه بدوام الفكر حسنت أفعاله في السرّ والجهر"[1].

 

2- التأديب والمجازاة: يمكن للمرء أن يتوعّد نفسه بالعقاب فيما لو ارتكبت المعصية، فإن فعلت عاقبها بأحد هذه الأمور: إمَّا بالصوم يوماً، أو بدفع



[1] الآمدي، غرر الحكم، ص 353، حكمة 1050.

53


35

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 مبلغ ماليّ، أو بالقيام لصلاة الليل لمدّة محدّدة، أو بحرمان النفس من وجبة طعام تحبّها، أو ممّا تشتهيه وهكذا.. وإن أقلعت يكون قد كبح جماحها، فلا يتهاون معها ولا ينساق مع العادات السيّئة التي تحكّمت بها.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "تولَّوْا من أنفسكم تأديبها واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها"[1].

 

ويقول عليه السلام: "نعم العون على أسر النفس وكسر عادتها الجوع"[2].

 

3- الإلتفات إلى قيم الذات وتقوية القيم الإنسانيّة: إنَّ نفس الإنسان جوهرة ثمينة، جاءت إلى الوجود من عالم الكمال والجمال، فإذا أدرك الإنسان ذلك فإنَّه سوف ينأى بنفسه عن ارتكاب ما لا ينسجم مع مقامه كخليفة لله ومحلٍّ لتكريمه، لأنَّ تلك النفس خلقت لتترفّع عن الدنس والخطايا، ولترتقي في عالم القرب إلى الله، وهذا ما يدفع نحو تهذيب النفس.

 

فعلى السالك عندها أن يقوم بأمرين:

 

الأول: أن لا يستجيب لتلك الصفة السيّئة في نفسه.

 

الثاني: أن يعمل على تقوية تلك الصفة الحسنة المقابلة لها، ويفرض على نفسه العمل بها حتّى يعتاد عليها تدريجيّاً، لتتحوّل إلى ملكة وصفة راسخة في نفسه، وفي ذلك يقول الإمام عليّ عليه السلام "عوّد نفسك فعل المكارم، وتحمَّل أعباء المغارم، تشرف نفسك، وتعمر آخرتك، ويكثر حامدوك"[3].

 

موانع تهذيب النفس

كما ينبغي على الإنسان أن يهتمّ بطرق التهذيب، عليه أيضاً أن يزيل الموانع التي تحول دون تهذيب نفسه، وذلك بالكفّ عن أمرين:




[1] م. س، ص 178، حكمة 129.

[2] م. ن، ص 773.

[3] م. ن، ص 261، حكمة 261.

54


36

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 1- معاشرة أهل السوء: إنَّ الإنسان يتأثّر بأقرانه، سواءً من حيث يشعر أم لا يشعر، فإن كان لا بدّ من صحبة فيجب أن يكون الأصحاب من الأخيار، الذين يُقرِّبُون من الجنَّة ويُبعِّدون عن النار، من هنا أكَّدت الروايات كثيراً على اتّخاذ الأصحاب من المؤمنين الصالحين، وضرورة الابتعاد عن قُرنَاء السوء، لما لذلك من أثر طيّب على المرء في أخلاقه وأعماله، بل وفي دينه، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "احذر مجالسة قرين السوء فإنّه يُهلك مقارنه ويُردي مصاحبه"[1]، وعنه عليه السلام: "عجبت لمن يرغب في التكثّر من الأصحاب، كيف لا يصحب العلماء الألباء الأتقياء، فيغنم فضائلهم..."[2].

 

 

2- الموارد التي يحتمل أن يضعف فيها: بما أنَّ الإنسان يتأثَّر بالأمور التي تحيط به، فإنَّه من الممكن أن يضعف في بعض المواطن، أو الحالات التي تتهيّأ فيها أجواء المعصية، كمجالس الفسق والفجور ومراكز السوء، والخلوة بالمرأة الأجنبيّة والمزاح معها، والنظر إلى المشاهد المثيرة للغرائز والشهوات أو يستمع إليها، من هنا كان عليه أن يبتعد عن تلك الموارد التي يقوى فيها الشيطان عليه، حتّى لا يقع في المعصية، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "إذا أبصرتِ العينُ الشهوة، عمي القلب عن العاقبة"[3].

 

إنَّ الإنسان الذي يهتمّ بتهذيب نفسه لا بدّ أن يقدم على كلّ ما من شأنه أن يوصله إلى هدفه السامي، لكي يحثّ السير ويسرع في الوصول قبل فوات الأوان.

 

3- حبّ الدنيا: والمراد بها حبّ الدنيا المذمومة بالنظرة الإسلاميّة ويأتي الحديث عن هذا الأمر لأهميّته في درس مستقلّ.



[1] الآمدي، غرر الحكم، ص 91، حكمة 19.

[2] الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ص 330.

[3] غرر الحكم، ص 155، حكمة 4.

55


37

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 خلاصة الدرس

- إنَّ الوقاية من الذنوب والأخلاق السيّئة هي من أهمّ طرق تهذيب النفس.

 

- الإقلاع عن المعاصي دفعة واحدة يعدّ من أساليب تهذيب النفس، ويكون بعد التلوّث بالذنوب ويحتاج إلى همّة عالية.

 

- الإقلاع عن المعاصي تدريجيّاً يكون مطلوباً إذا لم ننجح في الابتعاد عنها دفعة واحدة.

 

- ممّا يساعد على تهذيب النفس: التفكّر، تأديب النفس، إدراك الإنسان لكرامته ومكانته عند الله.

 

- على الإنسان أن يجتنب موانع تهذيب النفس وهي عبارة عن معاشرة قرين السوء، والموارد التي يحتمل أن تضعف فيها النفس امام المعصية.

56


38

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 للمطالعة

 

قصّة بشر الحافي

في عصر الإمام الكاظم عليه السلام كان يعيش في بغداد رجل معروف يقال له بشر. وكان ممّن يشار إليه بالبنان، وحدث يوماً أن كان الإمام الكاظم عليه السلام مارّاً من أمام بيت بشر، وكانت أصوات اللهو والطربّ تملأ المكان، فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات، وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام عليه السلام قائلاً: "يا جارية! هل صاحب هذه الدار حرّ أم عبد"؟!

 

فأجابته الجارية وهي مستغربة سؤاله هذا، وبشر رجل معروف بين الناس، وقالت: بل هو حرّ!! فقال الإمام عليه السلام: "صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه".

 

الإمام عليه السلام قال هذه الكلمة وانصرف. فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر، فسألها: ما الذي أبطأك؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام عليه السلام، وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام عليه السلام: "صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه" اهتزَّ هزَّاً عنيفاً أيقظه من غفلته، وأيقظه من نومته، نومة الغفلة عن الله. ثمَّ سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجّه إليها الإمام، فأخبرته، فانطلق يعدو خلفه، حتّى أنَّه نسي أن ينتعل حذاءه. وكان في الطريق يحدّث نفسه بأنّ هذا الرجل هو الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام فتاب على يده، واعتذر وبكى، ثمَّ هوى على يدي الإمام يقبلها وهو يقول: سيّدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله، لا أريد هذه الحريّة المذلّة التي تأسر الإنسانيّة فِيَّ، وتطلق العنان للشهوة الحيوانيّة. لا أريد حريّة السعي وراء الجاه والمنصب، لا أريد حريّة الخوض في مستنقع الذنوب وأغدو أسيراً لها، لا أريد أن تؤسر فِيَّ الفطرة السليمة والعقل السليم. من هذه

 

57


39

الدرس الرابع: كيف نهذب أنفسنا؟

 الساعة أريد أن أصبح عبداً لله ولله وحده، حُرَّاً تجاه غيره.

 

وتاب بشر على يد الإمام الكاظم عليه السلام، ومنذ تلك اللحظة هجر الذنوب ونأى عنها وأتلف كلّ وسائل الحرام، وأقبل على الطاعة والعبادة. بشر هذا هو مهاجر أيضاً لأنّ "المهاجر من هجر السيّئات".

 

العلامة الحلي، مفتاح الكرامة، ص59 (بتصرّف)

58


40

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى أهميَّة محاسبة النفس.

2- أن يمتلك وينفّذ برنامجاً للمحاسبة.

3- أن يعزّز الشعور بالرقابة الإلهيّة.

4- أن يمتلك الجديَّة اللازمة في الالتزام الدينيّ.

59


41

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 تمهيد

بعد أن تعرّفنا على أمراض القلوب، وأهميّة تزكية أنفسنا للوصول إلى السعادة والكمال، ومواجهة حبال الشيطان ومكائد إبليس، لا بدّ لنا بعد ذلك من أن نقدّم مرحلة عمليّة مهمّة في بناء النفس، وهي المراقبة والمحاسبة. وتبرز أهميتها بأنَّها العامل الأساس للوصول إلى التقوى وتهذيب النفس.

 

تعريف المراقبة والمحاسبة

المراقبة هي أن يراقب الإنسان نفسه عند الخوض في الأعمال في كلّ حركة وسكون، ويشعر بالرقابة الإلهيّة له في كلّ لحظة من لحظات حياته فهو الذي ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ[1] و ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[2]. لذلك تكون المراقبة عامل وقاية من الذنوب والأمراض. والمحاسبة هي أن يعيّن الإنسان وقتاً في كلّ يوم يحاسب نفسه بموازنة طاعاته ومعاصيه العمليّة منها والنفسيّة، لذلك تكون المحاسبة عامل علاج من الذنوب والأمراض بعد الأعمال.

 



[1] سورة النحل، الآية: 19.

[2] سورة طه، الآية: 7.

61


42

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 أهميّة المراقبة والمحاسبة

لكي ندرك أهميّة المراقبة والمحاسبة علينا أن نلاحظ الأمور التالية:

1- تسجيل الأعمال: حيث يستفاد من القرآن الكريم أنَّ كلَّ أعمالنا، حتّى الأنفاس والأفكار والنوايا محفوظة في صحيفة أعمالنا، وتبقى ليوم القيامة لتكون ماثلة أمامنا. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا الغفلة عن عواقب هذه الأعمال، وعدم المبادرة إلى مراقبة أنفسنا والانتباه إلى أقوالنا وأعمالنا ونوايانا؟!

 

يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾[1].

 

وفي آية أخرى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا[2].

 

وفي آية ثالثة ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[3].

 

2- الحساب على الأعمال يوم القيامة: إنَّ الحساب يوم القيامة حساب دقيق، حيث لا تترك صغيرة أو كبيرة إلّا ويحاسب عليها المرء يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ[4].

 

وفي آية أخرى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ[5].



[1] سورة الزلزلة، الآيات: 6 - 8.

[2] سورة آل عمران، الآية: 30.

[3] سورة ق، الآية: 18.

[4] سورة الأنبياء، الآية: 47.

[5] سورة البقرة، الآية: 284.

62


43

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 ويقول تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[1].

 

إنَّ جميع أعمال الإنسان وأقواله وأفكاره وعقائده تأتي معه يوم القيامة، ليحدّد مصيره يوم القيامة على ضوء هذا الحساب، الذي تختلف مدّته وشدّته بين شخص وآخر، حيث إنَّ بعض الناس يكون حسابه شديداً وطويلاً، وبعض آخر يكون حسابه سهلاً يسيراً. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده إنَّه ليخفف على المؤمن حتّى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا"[2].

 

ولذلك كلِّه فإنَّ على الإنسان أن يكثر من مراقبة نفسه، لتبقى تحت سيطرته.

 

3- الشهود على الانسان يوم القيامة:

- الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[3].

 

- الأعضاء والجلود: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[4].

 

ثمرة المحاسبة

إنّ لمحاسبة النفس ومراقبتها نتائج وثماراً متعدّدة نشير إلى بعض منها:

 

1- الشعور بالندم والبدء بالاستغفار: مع ملاحظة شروط الاستغفار.

 



[1] سورة الكهف، الآية: 49.

[2] مجمع الزوائد، ج1، ص337.

[3] سورة النحل، الآية: 89.

[4] سورة فصلت، الآية: 20.

63


44

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 2- التعويض: وذلك من خلال تدارك ما فاته بأمور خيّرة كثيرة ليمحو ما مضى من ذنوبه قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[1].

 

 

3- التزوّد: وهو الدخول في كثير من المستحبّات والأعمال الفاضلة لتثقيل الميزان يوم القيامة.

 

ففي وصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "يا أبا ذر! حاسب نفسك قبل أن تُحاسب، فإنَّه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل أن توزن، وتجهَّز للعرض الأكبر يوم لا تخفى على الله خافية"[2].

 

كيف نحاسب أنفسنا؟

في الحديث القدسي: "يا بن عمران كذب من زعم أنّه يحبّني وإذا جنّه الليل نام عنّي أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه"[3].

 

إنَّ محاسبة النفس ليست بالأمر السهل، ولا بدَّّ أن تتمّ هذه العمليّة في ثلاث مراحل حتّى يعتاد الإنسان عليها:

 

1- المشارطة والعهد: فيخلو الإنسان إلى نفسه، فيعظها ويطلب منها أن تغتنم عمرها، وبالتالي يأخذ منها العهد بألَّا ترتكب المعصية ولا تترك الطاعة، وكذلك يستطيع أن يتوجّه إلى لسانه ويحذّره الغيبة، والكذب، وبقيّة المعاصي التي تؤدّي إلى إفساد حياته في الآخرة، ويأخذ منه العهد على ألَّا يقع في هذه المحرَّمات، والشيء نفسه يمكن أن يفعله مع بقيّة الجوارح.

 

2- المراقبة: مرحلة مراقبة النفس هي مرحلة دائمة مستمرّة في كلّ حالات الإنسان فيكون متيقّظاً ومستعدّاً لمواجهة مكائد الشيطان، من أجل أن

 



[1] سورة هود، الآية: 114.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج11، ص 379.

[3] م. ن، ج7، ص78.

64


45

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 يردعها عن محاولة التخلّي عن الالتزام بالعهد، فمن كان دائماً في حال ذكر الله تعالى، ويرى أنَّه في محضره عزَّ وجلّ، فإنَّه سيلتفت دائماً إلى نفسه وإلى عهده، ويداوم على مجاهدتها ولا يغفل عنها، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "إنَّ الحازم من شغل نفسه فأصلحها وحبسها عن أهوائها ولذّاتها فملكها، وإنَّ للعاقل بنفسه عن الدنيا وما فيها وأهلها شغلاً"[1].

 

3- حثّ النفس وعتابها: بعد انتهاء المراقبة، يجب أن يحدّد الإنسان ساعة كلّ يوم من أجل أن يحاسب نفسه، ولعلَّ الوقت الأفضل هو وقت المساء، فيجلس ليرى ما فعله في نهاره ساعةً بساعة، فإن فعل خيراً حمد الله تعالى على توفيقه لفعل الطاعة، وإن فعل المعصية وبَّخ نفسه وانتهرها، وأعلن توبته لله تعالى وخاطبها: أيَّتُها النفس المحرومة، لقد أعطاك الله، ما أعطاك حتّى تصبحي من المقرّبين، فماذا تفعلين؟ لقدكفرتِ بنعمة الله، وتجعلين نفسك وقوداً لسجّين, فلا يزال

يشدّد عليها حتّى تنزجر، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "من وبَّخ نفسه على العيوب ارتدعت عن كثرة الذنوب"[2].

 

إنَّ حساب النفس من الأهميَّة بمكان، فإنّ الإمام الكاظم عليه السلام جعله مقياساً لمن ينتمي إلى أهل البيت عليهم السلام، يقول عليه السلام: "ليس منَّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله وتاب إليه"[3].

 

وبالتالي إنَّ من يدرك شدّة الحساب يوم القيامة، فلا بدّ أن يسعى لتخفيف حسابه وجعله يسيراً، وهو ما يتطلّب أن يحاسب نفسه في الدنيا، مستفيداً من المشارطة والمراقبة، وهو ما يعني تزكية نفسه وتهذيبها لتبتعد عن المعصية وتقترب من الطاعة وتقدم على فعل الخيرات.



[1] غرر الحكم، ص 126، حكمة 100.

[2] م.ن، ص 368 ح 1556.

[3] الكليني، الكافي، ج1 ص 453.

65


46

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 خلاصة الدرس

- المراقبة هي أن يراقب الإنسان نفسه عند الخوض في الأعمال. والمحاسبة هي تعيين وقت لموازنة طاعاته ومعاصيه.

 

- إنَّ من العوامل المهمّة لتزكية النفس، مراقبتها ليمنعها من المعصية.

 

- إنَّ كلّ أعمال الإنسان صغيرها وكبيرها تكون مسجَّلَةً يوم القيامة.

 

- يحاسب الإنسان يوم القيامة حساباً دقيقاً على كلّ معتقداته وأفكاره وأعماله وأخلاقه.

 

- يستطيع الإنسان أن يحاسب نفسه في الدنيا، فيخفّف حسابه في الآخرة.

 

- لا بدَّ للمرء أن يأخذ العهد من نفسه على عدم ارتكاب معصية ما أو فعل قبيح. ثمَّ يراقبها فإن وفت بعهدها شكر، وإلَّا أغلظ عليها واستغفر.

66


47

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 للمطالعة

المشارطة والمراقبة والمحاسبة

من الأمور الضروريّة للمجاهد المشارطة والمراقبة والمحاسبة، فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في أوّل يومه على أن لا يرتكب اليوم أيّ عمل يخالف أوامر الله، ويتّخذ قراراً بذلك ويعزم عليه. وواضح أنّ ترك ما يخالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير للغاية، ويمكن للإنسان بكلّ سهولة أن يلتزم به.

 

فاعزم وشارط وجرّب، وانظر كيف أنّ الأمر سهل يسير.

 

ومن الممكن أن يصوّر لك إبليس اللعين وجنده أنّ الأمر صعب وعسير. فأدرك أنَّ هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنه قلباً وواقعاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرّب ليوم واحد، فعند ذلك ستصدّق هذا الأمر.

 

وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى "المراقبة"، وكيفيّتها هي أن تنتبه طوال مدّة المشارطة إلى عملك وفْقَها، فتعتبر نفسك ملزماً بالعمل وفق ما شارطت، وإذا حصل - لا سمح الله - حديث لنفسك بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم أنَّ ذلك من عمل الشيطان وجنده، فهم يريدونك أن تتراجع عمّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من شرّهم، وأخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل للشيطان: "إنِّي اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم -وهو يوم واحد-بأيّ عمل يخالف أمر الله تعالى، وهو وليّ نعمتي طول عمري، فقد أنعم وتلطّف عليّ بالصحّة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أنيّ بقيت في خدمته إلى الأبد لما أدّيت حقّ واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط كهذا"، وآمل - إن شاء الله - أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر جنود الرحمن.

67


48

الدرس الخامس: المراقبة والمحاسبة

 والمراقبة لا تتعارض مع أيّ من أعمالك، كالكسب والسفر والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة.

 

وأمَّا "المحاسبة" فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على نفسك مع الله، ولم تخن وليّ نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟ إذا كنت قد وفيت حقّاً، فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسّر لك سبحانه التقدّم في أمور دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحوّل إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا العمل بالنسبة إليك سهلاً ويسيراً للغاية، وستحسُّ عندها باللذة والأنس في طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أنَّ هذا العالم ليس هو عالم الجزاء، لكن الجزاء الإلهيّ يؤثّر ويجعلك مستمتعاً وملتذّاً بطاعتك لله وابتعادك عن المعصية.

 

واعلم أنّ الله لم يكلّفك ما يشقّ عليك به، ولم يفرض عليك ما لا طاقة لك به ولا قدرة لك عليه، لكنَّ الشيطان وجنده يصوّرون ذلك الأمر وكأنّه شاقٌّ صعب.

 

وإذا حدث - لا سمح الله - في أثناء المحاسبة تهاون وفتور تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله واطلب العفو منه، واعزم على الوفاء بكلّ شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى الصراط المستقيم للإنسانيّة.

 

الأربعون حديثاً، الإمام الخميني قدس سره، الحديث الأول.

68


49

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يميّز الطالب درجات الحبّ الذي يستقطب القلب.

2- أن يعدّد درجات حبّ الدنيا.

3- أن يميّز الدنيا الممدوحة من الدنيا المذمومة.

4- أن يحدّد دور الإنسان في هذه الدنيا.

69


50

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 تمهيد[1]

إنّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع في قلبٍ واحدٍ ولاءين، ولا يجمع حبّين مستقطِبين, فإمّا حبُّ الله، وإما حبّ الدنيا. أمّا حبُّ الله وحبّ الدنيا معاً فلا يجتمعان في قلب واحد، فلنمتحن قلوبنا، لنرى، هل تعيش حبَّ الله سبحانه وتعالى، أو تعيش حبَّ الدنيا، فإن كانت تعيش حبَّ الله, زدنا ذلك تعميقاً وترسيخاً، وإن كانت - نعوذ بالله - تعيش حبَّ الدنيا، فلنحاول أن نتخلّص من هذا الداء الوبيل، ومن هذا المرض المهلك.

 

درجات الحبّ

إنّ كلّ حبّ يستقطِب قلب الإنسان يتّخذ إحدى درجتين:

الدرجة الأولى: أن يشكّل هذا الحبّ محوراً وقاعدةً, لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان، قد ينصرف عنه في قضاء حاجة، في حدودٍ خاصّة، ولكن سرعان ما يعود إلى القاعدة، لأنّها هي المركز، وهي المحور، فقد ينشغل بحديثٍ، وقد ينشغل بكلامٍ، وقد ينشغل بعملٍ، أو طعامٍ، أو شرابٍ، أو بعلاقاتٍ ثانويّة، أو بصداقاتٍ، لكن يبقى ذاك الحبّ هو المحور.



[1] قمنا باقتطاع بعض فقرات هذا الدرس من كلمات للشهيد السعيد السيّد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) من محاضرته المعروفة بحبّ الدنيا.

71


51

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 الدرجة الثانية: أن يستقطب هذا الحبّ كلّ وجدان الإنسان، بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، فيرى محبوبه، وقِبلته، وكعبته، أينما توجّه، فأينما توجّه سوف يرى ذلك المحبوب.

 

وينطبق هذا التقسيم الثنائي على حب الله تعالى، كما ينطبق على حب الدنيا.

 

درجات حبّ الله

تتجلّى هاتان الدرجتان في حب الله، في طريقة حب المؤمنين والأولياء لله تعالى:

الدرجة الأولى حب المؤمنين لله: إنّ المؤمنين الصالحين الطاهرين، الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنيّة، هؤلاء يجعلون من حبّ الله محوراً لكلّ عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم، قد ينشغلون بوجبة طعام، بمتعةٍ من المتع المُباحة، بلقاءٍ مع صديق، بتنزّه في شارع، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرّد أن ينتهي هذا الانشغال الطارئ.

 

الدرجة الثانية حب الأولياء لله: وهذه الدرجة التي يصل إليها أولياء الله من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي قال: "ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه"[1]، لأنّ حبّ الله في هذا القلب العظيم، استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير الله، حتّى حينما كان يرى الناس، كان يرى فيهم عبيد الله، حتّى حينما كان يرى النعمة الموفورة، كان يرى فيها نعمة الله سبحانه وتعالى، كان يتجسّد هذا الربط بالله دائماً وأبداً أمام عينه, لأنّ محبوبه الأوحد، ومعشوقة الأكمل، وقبلة



[1] اختلفت عبائر هذه الرواية، فأكثر ما ورد هو "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه، أو قبله. وذكرت مجتمعة كما أوردنا في بعض التحقيقات. يراجع: أمير المؤمنين عليه السلام يدفع الشبهات، مركز المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ج2.

72


52

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 آماله وطموحاته، لم يسمح له بشريكٍ في النظر، فلم يكن يرى إلّا الله سبحانه وتعالى. حتى الأمور المتعلّقة بالدنيا يجعلها في مسار حب الله سبحانه فإنّ الطعام والشراب والنوم يجعلها من أجل البقاء على قيد الحياة والتقوّي على عبادته سبحانه.

 

درجات حبّ الدنيا

نفس التقسيم الثنائيّ يأتي في حبّ الدنيا أيضاً، الذي هو رأس كلّ خطيئة، فحبُّ الدنيا يتّخذ درجتين:

الدرجة الأولى: أن يكون حبُّ الدنيا محوراً للإنسان، وقاعدةً له في تصرّفاته وسلوكه يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يتحرّك، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يسكن، يتعبّد حينما تكون المصلحة الشخصيّة في أن يتعبّد، وهكذا، الدنيا تكون هي القاعدة، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا، فيشتغل أشغالاً أخرى نظيفةً وطاهرة، فقد يصلّي لله سبحانه، وتعالى، وقد يصوم لله سبحانه وتعالى، لكن سرعان ما يرجع مرّة أخرى إلى ذلك المحور، وينشدّ إليه، فهي فلتات، يخرج بها من إطار ذلك الشيطان، ثمّ يرجع إليه مرّة أخرى.

 

الدرجة الثانية: وهي الدرجة المهلكة، حيث يعمي حبُّ الدنيا هذا الإنسان، يسدّ عليه كلّ منافذ الرؤية، وحبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلّا ويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه، حتّى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا، وتتحوّل عنده إلى متعة، وإلى مصلحة شخصيّة، حتّى الصلاة، وحتّى الصيام، ومساعدة الناس وكلّ الأمور الراجحة في الشريعة والمحبوبة عند الله سبحانه إذا كانت بنيّة القربة منه، كلّها تتحوّل إلى دنيا، ولا يرى شيئاً إلّا من خلال الدنيا، إلّا من خلال مقدار ما

73 


53

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 يمكن لهذا العمل أن يعطيه، من حفنةِ مال، أو من كومة جاه، أو لذّة نفسيّة أو ماديّة زائلة واهية لا يستمرّ معه إلّا بضعة أيّام معدودة.

 

الدرجة الثانية أشدّ هلكة

وكلٌّ من الدرجتين مهلِكة، والدرجة الثانية أشدّ هلكةً من الدرجة الأولى, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حبُّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة"، قال الإمام الصادق عليه السلام: "مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله"[1]، لا تقل: لآخذ هذه الحفنة من الدنيا، ثمّ انصرف عنها، لأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثمّ انصرف إلى الله، ليس الأمر كذلك، فإنّ أيّ مقدارٍ تحصل عليه من مال الدنيا، أو من جاه الدنيا، أو من مقامات هذه الدنيا وشهواتها الزائلة، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الأخرى.

 

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتّت أمره.."[2]. هذا الكلام يعني قطع الصلة مع الله، فإنّ ولاءين وحبّين لا يجتمعان في قلبٍ واحدٍ، ومن كان ولاؤه للدنيا فليس له من الله شيء وسيتركه الله ويشتت أمره، لأنّ حبّ الدنيا يُفرغ الصلاة من معناها، ويُفرغ الصيام من معناه، ويُفرغ كلّ عبادةٍ من معناها، ولا يبقى أيّ معنى لهذه العبادات، وذلك إذا استولى حبّ الدنيا على قلب الإنسان. فحب الدنيا رأس كلّ خطيئة ومُنطلق البعد عن الله سبحانه.



[1] الكافي، الكليني، ج2، ص136.

[2] م. ن. ج2، ص319.

74


54

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 ما هي الدنيا المذمومة؟

هنا يجب أن نعرف أيّة دنيا هي الدنيا التي ذمَّتها الروايات، لأنَّ الإنسان هو ابن هذه الدنيا، وهو يحيا فيها ويأكل ويتناسل فيها.. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"[1].

 

فهل المذموم هو ما نراه أمامنا من المأكل والملبس والمسكن... أم هو شيء آخر؟

 

الذي يستفاد من القرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم السلامأنَّ المذموم من الدنيا، هو الاستغراق فيها والتعلّق بها، بحيث تصبح عائقاً أمام حركة الإنسان نحو الله، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بـ "حبّ الدنيا"، الذي لا يعني مجرَّد الاستفادة من الأمور الدنيويّة، بل أن يرتبط القلب بهذه الأمور وتصبح له عُلْقَة شديدة بها، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاك وحبّ الدنيا فإنَّها أصل كلّ خطيئة ومعدن كلّ بلية"[2].

 

الدنيا ممرّ للآخرة

من المناسب هنا أن نبحث في حقيقة الدنيا، وهو ما يساعد على توضيح المطلب السابق.

 

يعتقد الإسلام بوجود عالَمَين: عالَم الدنيا، وهو الذي نحيا فيه، وعالَمُ الآخرة، وهو الذي نصير إليه، وعالَم الدنيا ليس إلَّا مجرَّد ممرّ للآخرة, إنَّها المكان الذي نبني فيه آخرتنا، ونحدّد فيه مصيرنا في الآخرة، ولهذا من يدرك حقيقة الدنيا هذه فإنَّه لن يركن إليها، بل سيعمل للتزوّد منها إلى دار البقاء، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "فإنَّ الدنيا لم تُخْلَق لَكُمْ دارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتُزَوَّدُوا منها الأعمَالَ إلى دارِ القَرارِ.."[3].

 



[1] الكليني، الكافي، ج 5، ص 78.

[2] الآمدي، غرر الحكم، ص 95، ح 47.

[3] نهج البلاغة، خطبة: 132.

75


55

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 نتيجة الرؤية الإسلاميّة للدنيا

إنَّ لهذه الرؤية نتائج عديدة على المستوى العمليّ، وعلى مستوى تزكية النفس، نجملها بأنَّ من يحمل هذه الرؤية، فإنَّه سيسعى جاهداً لإقامة علاقة متوازنة بين أمرين:

 

1- من خلال الاستفادة من الدنيا للآخرة: وذلك عبر الاستفادة من جميع الفرص المتاحة له فيها، لزيادة أجره وثوابه في الآخرة، لأنَّها الهدف ودار القرار.

 

فعن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "إنَّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها وأحجّ وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق، قال عليه السلام: "ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة"[1].

 

2- التمتّع بنعم الدنيا: يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[2].

 

إنّ الرؤية القرآنيّة للدنيا تبصّر المؤمن بأنّ الدنيا طريق للعبور إلى الآخرة، فلا بأس بالتمتع ببعض رزق الله سبحانه في الدنيا شرط أن لا تُنسي الآخرة، وأن يكون المرجوّ في كل عمل رضوان الله تعالى.

 

أهل الدنيا وأهل الآخرة

إنَّ الرؤية السابقة تسهم في التمييز بين فئتين:

1- أهل الدنيا: وهم الذين جعلوا الدنيا هدفاً، ورضوا بها، وأصبحوا عبيداً لها، يقول تعالى في وصفهم وبيان مآلهم: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا



[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 63.

[2] سورة الأعراف، الآية: 32.

76


56

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[1].

 

إنَّ أهل الدنيا قلوبهم متعلّقة بالدنيا منجذبة إليها، وهذه القلوب لن تكون محلّاً لنور الله تعالى، يقول الإمام عليّ عليه السلام "حرام على كلّ قلب متولِّه بالدنيا أن يسكنه التقوى"[2].

 

2- أهل الآخرة: وهم الذين جعلوا الآخرة هدفاً، وعملوا لها، ولم ينظروا للدنيا إلّا كجسر يعبر بهم إلى دار الآخرة. يقول الإمام عليّ عليه السلام: "الناس في الدنيا عاملان: عامل عمل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يَخْلُفُهُ الفقر ويأمنه على نفسه، فيفني عُمُرَهُ في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظّين معاً وملك الزَّادَيْنِ جميعاً، فأصبح وجيهاً عند الله"[3].



[1] سورة يونس، الآيتان:7 و8.

[2] الآمدي، غرر الحكم، ص 192، ح 32.

[3] نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 271.

77


57

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 خلاصة الدرس

- الحبّ الذي يستقطب قلب الإنسان على درجتين:

 

أ- الحبّ المحور، الذي يشكل القاعدة والأساس.

 

ب- الحبّ الذي يستقطب كلّ وجدان الإنسان. وهاتان الدرجتان توجدان في حبّ الله وفي حبّ الدنيا.

 

- من عَزَمَ على تهذيب نفسه عليه أن يزيل حبّ الدنيا من قلبه.

 

- إنَّ المذموم من الدنيا هو حبّها بمعنى التعلّق بها والانجذاب لمظاهرها.

 

- حقيقة الدنيا أنَّها دار ممرّ وأنَّها الدار الذي نحدّد فيه مصيرنا في الآخرة.

 

- أهل الآخرة هم الذين عملوا في الدنيا للآخرة وأهل الدنيا هم الذين عملوا في الدنيا للدنيا.

78


58

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 للمطالعة

 

قصّة عيسى والحواريين

ورد في أصول الكافي بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: "مرَّ عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابُّها، فقال: أمَّا إنَّهم لم يموتوا إلّا بسخطة (من الربِّ)، ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا.

 

فقال الحواريِّون: يا روح الله وكلمته، ادع الله أن يحييهم لنا، فيخبرونا ما كانت أعمالهم (حتّى كان هذا جزاءهم) فنتجنّبها.

 

فدعا عيسى عليه السلام ربَّه، فنودي من الجوّ: أن نادهم.

 

فقام عيسى عليه السلام بالليل على شَرَفٍ من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية.

 

فأجابه منهم مجيب: لبّيك يا روح الله وكلمته.

 

فقال: ويحكم، ما كانت أعمالكم؟

 

قال: عبادة الطاغوت، وحبّ الدنيا، مع خوف قليل (من الله) وأمل بعيد، وغفلة في لهو ولعب.

 

فقال: كيف كان حبّكم للدنيا؟

 

قال: كحبّ الصبيّ لأمّه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا أدبرت عنَّا بكينا وحزنَّا.

 

قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت؟ قال: الطاعة لأهل المعاصي. قال: كيف كان عاقبة أمركم؟

 

قال: بتنا ليلة في عافية، وأصبحنا في الهاوية. فقال: وما الهاوية؟ فقال: سجّين. قال: وما سجّين؟

 79


59

الدرس السادس: إزالة حبّ الدنيا

 قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة. قال: فما قلتم، وما قيل لكم؟ قال: قلنا: ردّنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم. قال: ويحك! كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح الله، إنَّهم ملجمون بلجام من نار على أيدي ملائكة غلاظ شداد، وإنّي كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما نزل العذاب عمَّني معهم، فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنَّم، لا أدري أأكبّ فيها أم أنجو منها.

 

فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريّين فقال: "يا أولياء الله، أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل، خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة".

 

ويكفي لمعرفة عظم ذنب حبّ الدنيا، أنَّه في هذه الرواية سبب التعجيل بالعقوبة والهلاك الأبديّ.

 

الكليني، الكافي، ج2، ص318

80


60

الدرس السابع: التوبة

 الدرس السابع: التوبة

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى فلسفة التوبة.

2- أن يتعرّف إلى حقيقة التوبة وضرورتها.

3- أن يحدِّد أركان وشرائط التوبة.

4- أن يتعرّف إلى ما يجب التوبة منه وكذلك ثمار التوبة.

 81 


61

الدرس السابع: التوبة

 تمهيد

إنَّ أفضل طريق للتزكية هو عدم التلوّث بالمعصية من أساس، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ترك الذنب أهون من طلب التوبة"[1].

 

لكن لو فرضنا أنَّ الإنسان ابتلي بالمعصية، فيجب ألّا ييأس من رحمة الله تعالى، لأنَّه قد فتح لعباده باب التوبة، فالتوبة: هي من المهذِّبات للنفس، وهي الوسيلة لغسل النفس من قذارات الذنوب، وهي عبارة عن وسيلة جعلها الله سبحانه برحمته لعباده الخطّائين سبيلاً للتخلّص من تبعات أعمالهم السيّئة يوم الحساب وهي عبر التصميم على اجتناب الذنوب والمعاصي، والندم عليها مع الحذر الشديد من الشيطان واغراءاته، الذي يدعونا باستمرار للإستهانة بالمحرَّمات والمعاصي والعودة إليها، وقد شجَّع الإسلام على التوبة، وحذَّر من اليأس من رَوْح الله سبحانه الذي هو من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله تعالى وعقابه، بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[2].



[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 364.

[2] سورة الزمر، الآية: 53.

83


62

الدرس السابع: التوبة

 فلسفة التوبة

إنَّ الذي عصى في هذه الدنيا وتحدَّى إرادة الله سبحانه، يكون قد ابتعد عن مقام الإنسانيّة واقترب من مقام الحيوانيّّة، وعندئذٍ يحرم هذا الإنسان من بركات القرب من الله في الجنّة، ولا يبقى أمامه سوى التوبة والاستغفار، والذي أمر بالتوبة هو الذي يقبل التوبة، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[1].

 

ضرورة التوبة

إذا كنَّا ندرك تلك الآثار الخطيرة للذنوب في الدنيا والآخرة، كأن تنزل النقم وتحبس النعم وتمنع الرزق وتجرّنا إلى العذاب الأليم، فإنَّ العاقل المؤمن بالمعاد وبربِّ العباد، لا بدّ أن يبادر إلى إعلان توبته، وتطهير نفسه حتّى لا يكون محروماً في الدنيا وشقيّاً في الآخرة، وإنَّ التوبة من الذنوب تؤدّي إلى تطهير القلوب.

 

عن أبي جعفر عليه السلام: "ما من عبدٍ إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطىّ البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ[2].[3]

 

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه"[4].

 

حقيقة التوبة وشروطها

إنَّ الندم على الذنب هو توبة، لكن المقصود هو الندم الحقيقيّ، الذي يكون له آثاره



[1] سورة التوبة، الآية: 104.

[2] سورة المطففين، الآية: 14.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 15، ص 361.

[4] الكليني، الكافي، ج 2، ص 435.

84


63

الدرس السابع: التوبة

 ونتائجه على المستوى العمليّ، قد يتصوّر البعض أنَّ مجرَّد قوله "تبت إلى الله" أو "أستغفر الله" يكفي لتحقّق التوبة، وهو غير صحيح لأنَّ التوبة لها شروط لا تتحقَّق إلّا بها وهي:

 

1- أن يشعر بالنفور من ذنبه وتغلِبه الحسرة عليه.

 

2- أن يصمِّم على عدم العودة إلى الذنب مجدَّداً.

 

3- أن يسعى لجبران ما أمكن جبرانه، كأن يؤدّي حقَّ أحد من الناس كان قد غصبه حقَّه، أو أن يطلب المسامحة ممّن استغابه، أو أن يُرضي من ظلمه، أو أن يقضي ما فاته من فرائض وواجبات، كالصلاة والصوم، وهكذا..

 

قال الإمام عليّ عليه السلام بعد أن سمع رجلاً يقول استغفر الله: "ثكلتك أمُّك، أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان، أوّلها: الندم على ما مضى, والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً, والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقّهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة, والرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيَّعتها فتؤدّي حقّها, والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان، حتّى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد, والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله"[1].

 

الأمور التي يجب التوبة منها

يجب على الإنسان أن يتوب من كلّ ما يحول بينه وبين السير والسلوك إلى الله تعالى، يجعله متعلّقاً بالدنيا، ويمكن تقسيم الذنوب التي يجب أن نتوب منها إلى قسمين: أخلاقيَّة وعمليَّة:

 

1- الذنوب الأخلاقيّة: والمراد بها الأخلاق السيّئة والصفات القبيحة، التي تلوّث النفس وتجعل الحجب بينها وبين الله تعالى، كالرياء، والنفاق، والغضب، والتكبّر، والعجب، والمكر، والخداع، والغيبة، والبهتان، والكذب، وخلف الوعد،

 



[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 332.

85


64

الدرس السابع: التوبة

 وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، وحب الدنيا، واليأس من روح الله، والأمن من مكره سبحانه، والحسد، وسوء الظنِّ، وغير ذلك من الصفات السيّئة.

 

2- الذنوب العمليَّة: وهي كلّ الذنوب التي ترتبط بالأعمال كالسرقة، وقتل النفس، والزنا، والتعامل بالربا، وغصب أموال الناس، والتبذير والإسراف، والفحش، والسباب، وتتبّع عيوب الناس، واحتقار المؤمن وإذلاله، والغشّ في المعاملة، والفرار من الجهاد، وخيانة الأمانة، وشرب الخمر، وترك الصلاة والصيام والحجّ والخمس، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكل الطعام النجس وغير ذلك من المحرّمات.

 

ثمار التوبة

للتوبة ثمار جليلة في الدنيا وفي الآخرة أهمّها:

 

1- تكفير السيّئات ودخول الجنّة: إنَّ التوبة تؤدّي إلى إزالة سيّئات الإنسان من صحيفة أعماله، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[1].

 

2- محبّة الله: إنَّ التائب الحقيقيّ سوف يحصل على محبّة الله تعالى وينال رضاه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[2].

 

3- الستر: إنَّ توبة العبد تؤدّي إلى الستر عليه، فيأتي يوم القيامة لا يُدرى بذنبه، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إذا تاب العبد توبةً نصوحاً أحبَّه الله فسترَ عليه، فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، ويوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله عزَّ وجلَّ حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب"[3].

 



[1] سورة التحريم، الآية: 8.

[2] سورة البقرة، الآية: 222.

[3] الكليني، الكافي، ج 2، ص 236.

86


65

الدرس السابع: التوبة

 خلاصة الدرس

- أفضل سبيل للتزكية عدم المعصية.

 

- فلسفة التوبة أنّها تفتح باباً للرحمة والقرب من الله سبحانه.

 

- حقيقة التوبة الندم الذي يستلزم ترك الذنب وتأدية الحقوق.

 

- من يدرك خطورة الذنب لا بدّ أن يقدم على التوبة.

 

- ما يجب التوبة منه ليس فقط الذنوب العمليّة كالسرقة وقتل النفس والزنا. بل أيضاً الذنوب الأخلاقيّة والرياء والنفاق والغضب.

 

- للتوبة ثمار كثيرة، منها تكفير السيّئات وتبديلها إلى حسنات ومحبّة الله والستر و..

87


66

الدرس السابع: التوبة

 للمطالعة

 

مالك بن دينار

جاء في (تفسير روح البيان) عن مالك بن دينار، أنَّه سُئل عن سبب توبته وتوجّهه إلى الله عزَّ وجلّ، فأجاب:

 

"كنت في مطلع العمر قاسياً، شارباً للخمرة، وكانت لديَّ جارية قد تعلَّقت بها، ورزقني الله منها ابنة، وكانت محبَّتها تزداد في قلبي يوماً بعد يوم، ولمّا أصبحت قادرة على المشي كانت محبَّتها قد بلغت عندي مبلغاً كبيراً، وكانت تألفني وتأنس بي كثيراً، كما كنت أبادلها الألفة والأنس.

 

كانت كلّما تناولتُ كأس الشراب أخذتها من يدي وسكبت ما فيها على ثيابي, ولمّا بلغت عامين من عمرها ماتت، فملأت قلبي الغصص المرَّة على فقدها، ولم أستقرّ من يومها على حال.

 

وفي ليلة جمعة من ليالي شعبان، تناولت الشراب ونمت دون أن أصلّي العشاء، فرأيت فيما يراه النائم أنَّ أهل القبور خرجوا من قبورهم، وحشروا جميعاً وأنا معهم. وفجأةً سمعت من ورائي صوتاً، وحين استدرت رأيت أفعى سوداء كبيرة، لا يمكن تصوّر ما هو أكبر منها، وكانت تتّجه نحوي بسرعة وفمها مفتوح، أصابني الهلع والخوف، فانطلقت هارباً، لكنّها اندفعت خلفي بسرعة كبيرة.

 

لقيت في طريقي شيخاً مسنّاً حسن الوجه والرائحة، حيّيته فردَّ تحيّتي، رجوته أن يغيثني ويحميني، فأجاب: يؤسفني أنّي لا أقدر على شيء أمام هذه الأفعى، فاذهب من هنا بسرعة، لعلّ الله يهيّىء لك أسباب النجاة.

 

فعدت إلى الهرب بسرعة، حتّى بلغت منزلاً من منازل القيامة، ورأيت من هناك طبقات جهنَّم وأهلها، وكدت من شدّة خوفي من الأفعى أن ألقي بنفسي فيها.

88


67

الدرس السابع: التوبة

 ارتفع صوت حادّ يقول: هيا ارجع، فلست من أهل هذا المكان.

 

سكن قلبي بعد سماعي لهذا الصوت، وعدت أدراجي، ورأيت أن الأفعى ما زالت تلاحقني، حتّى وصلت إلى ذلك الشيخ، فقلت له: أيّها الشيخ الطيب، لقد رجوتك أن تغيثني فلم تأبه لي, بكى الشيخ وقال: لم أستطع. ولكن اذهب نحو هذا الجبل، ففيه أمانات للمسلمين، فإن كانت لك فيه أمانة فإنَّها ستمدّ لك يد العون.

 

تطلّعت إلى الجبل فرأيت فيه غرفاً وحجرات قد أسدلت عليها الستائر، وأبوابها من الذهب الأحمر المحلَّى بالدرّ والياقوت، فأسرعت نحو ذلك الجبل، والأفعى في أثري، وما إن اقتربت منه حتّى ارتفع صوت ملائكي يقول:

 

ارفعوا الستائر وافتحوا الأبواب واخرجوا، فلعلَ لهذا المسكين أمانة بينكم، تغيثه من شرّ الأعداء.

 

نظرت فرأيت أطفالاً وجوههم تشعّ كالبدور، يخرجون إليَّ، والأفعى أضحت قريبة منّي كذلك، وأنقذني من حيرتي صراخ الأطفال وهم يقولون: عجّل، فالعدوّ قريب منك!

 

وبدأوا يتوافدون نحوي فوجاً إثر الآخر، وفجأةً رأيت ابنتي التي توفّيت بينهم، فما أن رأتني حتّى صاحت وهي تبكي:

 

إنَّه أبي والله!

 

ثمَّ سارعت فأخذت يمناي بيسراها، بينما أشارت بيمناها إلى الأفعى، فاستدارت الأفعى وانطلقت هاربة.

 

ثمَّ أجلستني وجلست إلى جانبي، وراحت تداعب لحيتي، وقالت:

 

أي أبه، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ[1]؟ فبكيت. وقلت:أي



[1] سورة الحديد، الآية: 16.

89


68

الدرس السابع: التوبة

 بنيّة، وهل تحسنين تلاوة القرآن المجيد؟!

 

قالت: نحن بالقرآن أكثر معرفة منكم يا أبي.

 

قلت: أخبريني عن هذه الأفعى، ما قصَّتها؟

 

قالت: إنَّها عملك السيّء يا أبي، فقد كنت تعطيها القوّة، وكانت تريد أن تبعث بك إلى جهنّم.

 

قلت: وهذا الشيخ المسنّ،من هو؟

 

قالت: إنّه عملك الحسن، وقد كنت تعمل على إضعافه (أي فاق عملك السيّء عملك الحسن) فلم يستطع مدّ يد العون إليك أمام عملك السيّىء.

 

قلت: وماذا تعملين يا ابنتي في هذا الجبل؟

 

قالت: نحن أطفال المسلمين، الذين قدمنا من الدنيا في طور الطفولة إلى هذا المكان، وقد أقرَّنا الله عزَّ وجلّ فيه إلى يوم القيامة، وأعيننا على الطريق الذي يسلكه آباؤنا وأمهاتنا إلينا، فنشفع لهم.

 

وهنا استيقظت من نومي فزعاً، وتركت شرب الخمرة وغيرها من الذنوب كلِّياً، وتوجّهت إلى الله نادماً تائباً. وهذا هو سبب توبتي".

 

السيد دستغيب، القلب السليم، ج2، ص 18-21.

90


69

الدرس الثامن: التقوى

 الدرس الثامن: التقوى

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى حقيقة التقوى.

2- أن يثمّن أهميّة التقوى.

3- أن يكتشف آثار التقوى: الأخرويّة والدنيويّة.

91


70

الدرس الثامن: التقوى

 تمهيد

إنَّ تقوى الله تعالى عامل مهمٌّ لتزكية النفس وتهذيبها، ويترتّب عليها آثار مهمّة في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[1].

 

وقبل أن نتوسَّع في الحديث عن التقوى، لا بدّ أن نوضّح مفهوم التقوى ومعناها.

 

تعريف التقوى

يمكن تعريف التقوى بأنَّها: قوّة داخليّة وقدرة نفسيّة تمتلك من خلالها النفسُ القدرةَ على إطاعة الأوامر الإلهيّة، وعلى مقاومة ميولها وأهوائها.

 

ومنشؤها: الخوف من الله، وأثرها: تجنّب معصيته وسخطه، وهي تساعد الإنسان على تجنُّب حبائل الشيطان وإغراءات الدنيا.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "اعلموا عباد الله أنَّ التقوى دار حصن عزيز، والفجورُ دارُ حصنٍ ذليل، لا يمنع أهله، ولا يُحْرِزُ من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حُمَةُ الخطايا"[2].



[1] سورة الحجرات، الآية: 13.

[2] نهج البلاغة، خطبة 157.

93


71

الدرس الثامن: التقوى

 أهميّة التقوى

1- هدف تشريع الأحكام: يستفاد من القرآن الكريم أنَّ لتقوى الله عزَّ وجلّ قيمة أخلاقيَّة أصيلة، وأنَّها الهدف لتشريع الأحكام، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[1].

 

فالهدف من عبادة الله تعالى الوصول إلى التقوى، كما أنَّ العبادة يمكن أن تكون تعبيراً عن هذه التقوى، وفي آية أخرى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[2]، حيث بيّنت أنَّ الهدف من القصاص هو التقوى.

 

2- تورث البصيرة: يُستفاد من عدّة آيات وروايات أنَّ تقوى الله تمنح الإنسان بصيرة تمكّنه من معرفة الحقّ لاتّباعه، يقول تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً[3].

 

إنَّ التقوى تداوي القلب وتهبه البصيرة، والبصيرة هي ملكة تمكّن الإنسان من تشخيص سبيل سعادته، وتجنّب سبل المهالك، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنَّ تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم"[4].

 

3- أثر الابتعاد عن الذنوب وتركها: إنَّ أهواء النفس يمكن أن تشوّش على العقل رؤيته للسبيل المنجي وسبب السعادة الذي خلق للوصول إليه وهو كماله في القرب الإلهي، ومن هنا يأتي دور التقوى في علاج ذلك الخلل، فالتقوى هي من يكبح جماح الشهوات فيستعيد العقل قدرته على هذه الرؤية.

 

4- طريق التقوى والحريَّة: إنَّ الإسلام لا يرى في التقوى تقييداً للحريّة، بل على العكس من ذلك، يرى أنَّها هي التي تمنح الإنسان حريَّته من شهواته



[1] سورة البقرة، الآية: 21.

[2] سورة البقرة، الآية: 179.

[3] سورة الأنفال، الآية: 29.

[4] نهج البلاغة، خطبة 198.

94


72

الدرس الثامن: التقوى

 وغرائزه، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنَّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة"[1].

 

جزاء التقوى في الآخرة

للتقوى نتائج أخرويّة جليلة جدَّاً:

منها: الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ[2].

 

ومنها: إنَّ من يتَّقي الله لا يتسرَّب الحزن إلى قلبه في الآخرة ولا يخاف عليه، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[3].

 

ومنها: أنَّ التقوى جزاؤها الجنّة وهي دليل الفوز، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ[4].

 

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "شرف كلّ عمل بالتقوى، وفاز من فاز من المتّقين، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا[5]"[6].

 

آثار التقوى في الدنيا

إنَّ لتقوى الله تعالى نتائج عديدة في الدنيا، من المفيد أن نشير إلى بعضها:

 

منها: أنَّها تحفّز الإنسان على الأخلاق الحسنة، ولا شكّ أنَّ الأخلاق لها أثرها في الدنيا كما في الآخرة. عن الإمام عليّ عليه السلام: "التقوى رئيس الأخلاق"[7].

 



[1] نهج البلاغة، خطبة 23.

[2] سورة آل عمران، الآية: 172.

[3] سورة الأعراف، الآية: 35.

[4] سورة الطور، الآية: 17.

[5] سورة النبأ، الآية: 31.

[6] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج78، ص 110.

[7] نهج البلاغة، الكلمات القصار.

95


73

الدرس الثامن: التقوى

 ومنها: أنَّ التقوى تبعث الرزق، وتمكّن الإنسان من تجاوز العقبات والأزمات، والتغلّب على مشاكل الحياة، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[1]، ويقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[2].

 

وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يوضّح ذلك: "فمن أخذ بالتقوى عَزَبَتْ عنه الشدائدُ بعد دنوِّها، وَاحلَوْلَت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، وأَسْهَلَتْ له الصعاب بعد إنْصَابِهَا"[3].

 

ومنها: صحّة البدن، فقد ثبت وجود علاقة بين نفس الإنسان وبدنه، وأنَّ كلاً منهما يؤثّر بنحو ما على الآخر، ولهذا فإنَّ بعض الأمراض البدنيّة والنفسيّة قد تنشأ من الأخلاق السيّئة، كالحسد، والحقد، والغضب، والطمع، والتكبّر، وحبّ الذات، والغرور.. فالتقوى واجتناب الأمور السيّئة لها تأثير مهمّ وأساس في علاج الأمراض الجسديّة والنفسيّة، وهي تساعد على تأمين سلامة الإنسان من هذه الأمراض.

 

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنَّ تقوى الله... شفاء مرض أجسادكم وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم"[4].



[1] سورة الطلاق، الآيتان: 2 و 3.

[2] سورة الطلاق، الآية: 4.

[3] نهج البلاغة، خطبة 198.

[4] م. ن، خطبة 198.

96


74

الدرس الثامن: التقوى

 خلاصة الدرس

- التقوى حالة روحيّة وقدرة داخليّة نفسانيّة، يستطيع الإنسان من خلالها إطاعة الله واجتناب معاصيه.

 

- تبرز أهميّة التقوى بملاحظة الأمور التالية:

أ- الهدف من تشريع الأحكام.

ب- تورث البصيرة.

ج- طريق للحريّة.

 

- للتقوى ثمار أخرويّة كثيرة منها: الأجر العظيم وعدم الحزن والنعيم.

 

- للتقوى ثمار دنيويّة عديدة، كالرزق وقدرة الإنسان على تجاوز مشاكله، وصحّة البدن.

97


75

الدرس الثامن: التقوى

 للمطالعة

 

الشاب المتيقّن

ذهب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد ليؤدّي صلاة الفجر، فلّما أتمّ الصلاة بالناس، كان الظلام قد سحب أثوابه خوفاً من أن يحرقها وهج الصباح، ولمَّا أوشك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مغادرة المسجد، إذا بشابّ مصفرِّ اللون قد ضعف جسمه ونحف، وغارت عيناه في رأسه.

 

فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟

 

فأجاب الشاب: أصبحت موقناً يا رسول الله.

 

فتعجّب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟

 

فقال الشاب النحيل: إنَّ يقيني يا رسول الله هو الّذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ نهاري، فزهدت نفسي في الدنيا وما فيها، فكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتمتّعون في الجنّة، ويتعافون على الآرائك متّكئون، وكأنِّي أنظر إلى أهل النَّار وهم فيها معذّبون مستغيثون، وكأنّي الآن أسمع زفير النَّار يدور في مسامعي.

 

فالتفت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه وقال: هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان. ثمَّ أوصى الشاب قائلاً: التزم ما أنت عليه.

 

فقال الشاب: اُدع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في إحدى غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة أشخاص فكان هو العاشر.

 

قصص الأبرار للشهيد مطهّري قدس سره

98


76

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 الدرس التاسع: العصبيـَّة

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى حقيقة العصبيَّة ومخاطرها.

2- أن يزداد انتباهاً لخطورة التعصّب العائليّ والعشائريّ...

3- أن يتعرّف إلى حقيقة العلاقة التي تمثّلها الأخوَّة بين المؤمنين.

99


77

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 تمهيد

إنّ من أهمّ الأمور التي ينبغي الالتفات لها في عمليّة تهذيب النفس، هي العصبيّة، حيث قد يتحلّى الإنسان المؤمن بكثير من الصفات الحسنة والممدوحة، وتبقى هذه الصفة وهي العصبيّة كامنة في باطنه قبل أن تثيرها الأحداث والمناسبات، فعلى الإنسان المؤمن أن يستثير هذه الصفة، ويلتفت إلى الموقف الذي ينبغي أن يتّخذه فيما لو ابتلى بمورد تتحرّك فيه المشاعر التي قد تؤدّي إلى العصبيّة، فما هي العصبيّة؟ وما هي آثارها؟ وما هو موقف الإسلام منها؟

 

تعريف العصبيّة

إنَّ العصبيّة صفة سيّئة، تمنع صاحبها من القرب الإلهيّ، وتحجبه عن رؤية الحقّ، وقد تلقي به في نار جهنّم، وهي الدفاع عن جهة أو شخص، بحيث يرى باطلها حقّاً، وإن كانوا على باطل، ويرى من يقف في مقابلهم على باطل وإن كانوا محقّين.

 

العصبيّة في الرؤية الإسلاميّة

حذَّر القرآن الكريم من العصبيّة، وجعلها من أوصاف الكافرين، يقول تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾[1]، ولذا كان من



[1] سورة الفتح، الآية: 26.

101


78

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 يتّصف بها كأنَّه يتّصف بصفة الكفر، وتترتّب عليه آثار الكفر يوم القيامة.

 

عن الإمام الباقر عليه السلام: "من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة"[1].

 

وتفسير هذه الصفة الواردة في الرواية, من حشره مع أعراب الجاهلية, لأنَّ هذا المقدار من العصبيّة حتّى لو كان قليلاً إلى هذا الحدّ(حبّة من خردل) لكنَّه من الممكن أن يودِيَ بصاحبه إلى جهنّم، وأن يخرجه عن الصراط المستقيم، وهو ليس كلاماً على ورق، بل قد حصل ويحصل، وممّن حصل معهم إبليس - لعنه الله - إمام المتعصّبين: إنَّ إبليس هو أوّل من تعصَّب، وهو إمام المتعصّبين، يستفزّهم في الدنيا ويقودهم في الآخرة إلى نار جهنّم.

 

إبليس رأس العصبيّة

إنَّ من يتعصَّب فليعلم أنَّ إبليس قد نفخ في أوداجه، لأنّ العصبيّة هي ريح إبليس، بغضِّ النظر عمَّن يتعصّب له، إذ أنَّ المتعصِّب قد يتعصَّب لعائلته، أو منطقته، أو عشيرته، أو غير ذلك، وكلّه من العصبيّة التي مصيرها النار وغضب الجبَّار، فإنَّ إبليس قد تعصَّب لأصله كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "... فافتخر على آدم بخلقه وتعصَّب عليه لأصله، فعدوّ الله إمام المتعصّبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبيّة.."[2].

 

ويقول عليه السلام: "اعتَرَتْهُ (إبليس) الحميَّة وغلبت عليه الشِّقْوَة، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصَّلصَالِ"[3].



[1] الكليني، الكافي، ج2، ص 308.

[2] نهج البلاغة، ج2، ص 138.

[3] م. ن، خطبة 1.

102


79

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 وهنا يشير إلى تعصُّب إبليس لخلقته الناريّة، في مقابل خلقة آدم الطينيّة، حيث نظر إليها بعين التوهين والاحتقار. ويوضّح عليه السلام ذلك فيقول في مورد آخر من نهج البلاغة: "ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصَّب لشي‏ءٍ من الأشياء، إلَّا عن علَّة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجَّة تليط بعقول السفهاء غيركم، فإنَّكم تتعصَّبون لأمر ما يعرف له سبب ولا علَّة، أمَّا إبليس فتعصَّب على آدم لأصله، وطعن عليه في خلقته، فقال: أنا ناريّ وأنت طينيّ، وأمَّا الأغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم، فقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين"[1].

 

العصبيّة المذمومة

إنَّ هذا التعصُّب المذموم في الرؤية الإسلاميّة, هو التعصُّب الذي يُخرج المرء عن جادّة الصواب، ويتمسّك بعصبيّة حتّى لو كان في ذلك نصرة للباطل وانتهاكاً للحرام وتجاوزاً للشرع، وإلَّا فإنَّ مودَّة الرجل لأهله وأبناء قومه ليست عصبيّة.

 

فعن الإمام زين العابدين عليه السلام بعد أن سئل عن العصبيّة قال: "العصبيّة التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبيّة أن يحبّ الرجل قومه، ولكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظلم"[2].

 

العصبيّة الممدوحة

نلحظ في كلام المعصومين عليهم السلام إشارة إلى تعصُّب غير مذموم، لكنَّه في الواقع ليس تعصُّباً، بل هو تمسّك بالدين، وبأخلاق سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وهو




[1]  نهج البلاغة, خطبة:1.

[2] م. ن، خطبة: 192.

103


80

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 ما نراه واضحاً في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: "فإن كان لا بدَّ من العصبيَّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور، التي تفاضلت فيها المُجداء والنُّجداء من بيوتات العرب، ويعاسيب القبائل، بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة، والأخطار الجليلة، والآثار المحمودة. فتعصَّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبرّ، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكفّ عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض"[1].

 

العلاقة مع الأخوة المؤمنين:

حثّ الإسلام على مساعدة المؤمنين بعضهم بعضاً، ولكن ليست المساعدة العمياء التي توصل إلى العصبية المذمومة, فإذا كان أخي المؤمن على خطأ فكيف أساعده؟ هل أدخل معه في نزاعه وأساعده على ظلمه؟

 

عندها سأكون شريكاً له في الظلم والحل ما رسمه ونهجه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حين قالوا له عن مبدأ العرب في الجاهلية انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم: "ترده عن ظلمه فذلك نصرك إياه"[2].

 

النتيجة:

لذا يجب أن نلتفت إلى هذا المرض الخطير والداء الكبير، فإذا أردنا أن نسعى لمقام القرب، وأن نزكّي أنفسنا، فلا بدَّّ من استئصاله حتّى لا نقع في شرك إبليس ونكون من جنوده وأعوانه.




[1] المجلسيّ، بحارالانوار، ج14، ص472.

[2] الكليني، الكافي، ج 7، ص 393.

104


81

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 خلاصة الدرس

- العصبيّة هي أن ينتصر المرء لشخص أو جماعة وإن كانوا على باطل.

 

- للعصبيّة أكثر من منشأ كالعرق والعشيرة والأهل والمنطقة والبلد.

 

- إنَّ إبليس إمام المتعصّبين، فهو أوّل من تعصَّب حين فضَّل نفسه على آدم عليه السلام.

 

- إنَّ مودّة الرجل لبني قومه ليست من العصبيّة.

 

- إنَّ التعصّب لمكارم الأخلاق هو في الواقع تعصّب للدين وليس من العصبيّة المذمومة بشي‏ء.

105


82

الدرس التاسع: العصبيـَّة

 للمطالعة

 

لا تغضب

أتى المدينة رجل من البادية وذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يستنصحه فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تغضب".

 

وعندما رجع إلى قبيلته أُخبر بأنَّ بعض صبيانها سرقوا مالاً من قبيلة أخرى فعوملوا بالمثل، فأسفرت النتيجة باصطفاف القبيلتين للقتال وإشعال نار الحرب، فلمّا سمع الأعرابيُّ بهذا الخبر اضطرمت نار الغضب في داخله، فقام وطلب سرجه والتحق بصف قومه. وبينما هو كذلك إذا بشريط الذكريات يتوالى في ذهنه، فتذكَّر أنَّه ذهب إلى المدينة وطلب من النبيّ أن ينصحه، وكانت نصيحة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له: "لا تغضب".

 

ساعتئذٍ ثاب الأعرابيُّ إلى رشده ورجع إليه عقله، ففكّر في نفسه: "فيم الانفعال؟ ما هذا الاستعداد للحرب والقتال؟ وفيمَ الغضب من غير سبب"؟ وإذا بنصيحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تدعوه إلى نصح زعماء أعدائه فناداهم قائلاً: يا قوم علام هذا النزاع؟ إن كان لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر، فعليّ في مالي أنا أوفيكموه، فليس هنالك من سبب للقتال وسفك الدماء.

 

فلمّا سمع زعماء القوم كلامه تحرّكت في نفوسهم الغيرة والشهامة وقالوا: "فما كان فهو لكم، ونحن أولى بذلك منكم" فتصالح الطرفان ورجع الصفّان كلّ إلى قبيلته.

 

الشهيد العلامة الشيخ مرتضى مطهري، قصص الأبرار، القصّة 13 ص23.

106


83

الدرس العاشر: القرب من الله

 المرحلة الثانية:

تربية النّفس

 

 

 

- القرب من الله تعالى

 

- طرق الوصول إلى الله تعالى

 

- ذكر الله سبحانه

 

- مكارم الأخلاق

 

- العمل الصالح وخير الأعمال

 

- النوافل وصلاة الليل

 

- الجهاد والشهادة

 

- كتمان السرّ

 

- النظم والانضباط

107


84

الدرس العاشر: القرب من الله

 الدرس العاشر: القرب من الله تعالى

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى أنواع القرب.

2- أن يعدّد أقسام الناس يوم القيامة.

3- أن يتعرّف إلى حقيقة حركة النفس وهدفها.

4- أن يميّز شروط القرب الإلهيّ.

109


85

الدرس العاشر: القرب من الله

 تمهيد

ينبغي للمرء بعد أن يزيل أمراض نفسه، أن يسعى لتكميلها وتربيتها، حتّى تغدو قادرة على حثّ الخطى في طريق السير والسلوك إلى الله تعالى. ولمّا كانت طبيعة النفس البشريّة في حركة دائمة، وهي إمَّا أن تتحرّك في الصراط المستقيم، أو أن تنحرف في طريق الضلال.

 

ولمّا كان القرب من الله تعالى هو غاية المنى، لا بدّ لمن جعل القرب هدفاً أن يسعى لتزكية نفسه، لأنَّه لا قرب بلا تزكية, ومن هنا فإنَّ العبد كلّما زكَّى نفسه، كلّما حاز على درجة من درجات القرب، وإذا ارتقى في سبيل القرب، فليس إلَّا لأنَّه أفلح في تزكية نفسه وتهذيبها.

 

أنواع القرب

توجد أنواع عديدة للقرب، منها:

1- القرب المكانيّ: وهو تقارب شيئين من حيث المكان.

 

2- القرب الزمانيّ: وهو تقارب شيئين من حيث الزمان.

 

وهذه المعاني قطعاً ليست هي المقصودة في تعبيرنا "القرب من الله".

 

3- القرب المجازيّ: كأن نقول إنَّ فلاناً قريب من فلان بمعنى أنّه يحبّه.

111


86

الدرس العاشر: القرب من الله

 4- القرب الحقيقيّ: وهو نحو رابع مختلف عمّا سبق، يظهر معناه من خلال النفس البشريّة، بأنّها في حركة مستمرّة حقيقية وواقعيّة. من هنا كان لا بدّ لها في حركتها هذه على الصراط المستقيم من أن تصل إلى مقام القرب.

 

 

إذاً، القرب هو بمعنى: تكامل النفس وارتقائها المعنويّ والروحيّ، وبلوغها تلك الدرجات العالية في سيرها وسلوكها إلى الله تعالى. يقول تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ[1].

 

السابقون هم المقرّبون

بعد أن عرفنا معنى القرب، نرجع إلى القرآن الكريم لتحديد من هم المقرّبون، فنجده يقسّم البشر يوم القيامة إلى فئات ثلاث:

1- أصحاب الميمنة: وهم السعداء، وهم الذين كتبت لهم النجاة من العذاب.

2- أصحاب المشأمة: وهم الأشقياء, وهم المعذّبون بالنار.

3- السابقون: وهم الذين نالوا درجة القرب الإلهيّ.

 

يقول تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ[2].



[1] سورة المطففين، الآيات: 18 - 21.

[2] سورة الواقعة، الآيات: 7 - 12.

112


87

الدرس العاشر: القرب من الله

 شروط القرب

لكي يصل الإنسان إلى درجة القرب الإلهيّ عليه أن يحقِّق شروطه: وهي عبارة عن المعرفة والإيمان.

 

فإنَّ المعرفة والإيمان بالله تعالى هما أساس التكامل والقرب الإلهيّ، إنَّ من لا يعرف هدفه، والمصير الذي يؤول إليه، ولا يؤمن بهما، فإنَّه لن يسعى للتزكية والقرب من الله تعالى، وبالتالي فإنَّه لن يقطع مسافة على الصراط المستقيم, وبما أنَّه في الدنيا لم يطوِ الطريق فإنَّه في الآخرة لن يجوز الصراط.

 

يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[1].

 

ويقول تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[2].

 

إنَّ من لا يعرف الآخرة ولا يؤمن بها، فإنَّه لن يسعى لقطع المسافة على الصراط المستقيم، بل سيضلّ عنه، ومن يضلّ عنه في الدنيا فإنَّه لن يتجاوزه في الآخرة. ولذا على السالك أن يسعى لتقوية إيمانه وزيادة علمه حتّى يرتقي أكثر في مقام القرب.

 

يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ[3].

 

العمل والإيمان

وثمّة شرط ثالث للقرب, وهو العمل المقرون بالإيمان، فإنَّ عمل الإنسان حتّى لو كان عملاً صالحاً فإنَّه لن يثمر تلك الحياة الطيّبة إذا لم يكن مقروناً بالإيمان، فالإيمان شرط أساس لوصول الإنسان إلى الحياة الطيّبة: ﴿مَنْ عَمِلَ



[1] سورة المجادلة، الآية: 11.

[2] سورة الملك، الآية: 22.

[3] سورة المؤمنون، الآية: 74.

113


88

الدرس العاشر: القرب من الله

 صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[1].

 

والطيِّب لا يبقى في الأسفل بل يصعد إلى الله تعالى، حيث مقام القرب، يقول تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[2].

 

وعليه: فإنَّ الإيمان بالله تعالى وبالمعاد، والمعرفة بهما، يساعدان الإنسان على الوصول إلى مقام القرب الإلهيّ، ولا يمكن أن يصل إلى درجات القرب من لم يطهّر نفسه من دنس المعاصي ومساوىء الأخلاق، فالتزكية أساس لمن عزم على أن يكون من المقرَّبين.

 

أسباب التكامل والقرب

يمكن الاستفادة من مجموعة وسائل لتكميل النفس وتربيتها، والوصول بها إلى مقام القرب الإلهيّ، وسنشير في الدروس الآتية إلى أهمّها وهي:

الأوّل: التعرّف على طرق الوصول وموانعه.

الثاني: ذكر الله.

الثالث: مكارم الأخلاق.

الرابع: العمل الصالح والصلاة الواجبة والنوافل وصلاة الليل.

الخامس: الجهاد والشهادة.

السادس: الإحسان وخدمة الناس، وغير ذلك ممّا سيأتي إن شاء الله.



[1] سورة النحل، الآية: 97.

[2] سورة فاطر، الآية: 10.

114


89

الدرس العاشر: القرب من الله

 خلاصة الدرس

- هناك أنواع من القرب، والقرب الإلهيّ هو تكامل النفس في حركتها على الصراط المستقيم.

 

- إنَّ الغاية لحركة الإنسان في الحياة هي القرب من الله سبحانه.

 

- إنَّ تزكية النفس وتربيتها شرط للقرب من الله تعالى.

 

- المقصود بالقرب تكامل النفس معنويّاً وارتقاؤها روحيّاً.

 

- يقسَّم البشر يوم القيامة إلى أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة والمقرّبين.

115


90

الدرس العاشر: القرب من الله

 للمطالعة

 

إرشادات الإمام الصادق عليه السلام للبصريّ

كان عنوان البصريّ شيخاً كبيراً، قد أتى عليه أربع وتسعون سنة، قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلمَّا قدم جعفر الصادق عليه السلام المدينة اختلفت إليه، وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوماً: إنّي رجل مطلوب، ومع ذلك لي أوراد في كلّ ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك، واختلف إليه كما كنت تختلف إليه، فاغتممت من ذلك، وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرَّس فيَّ خيراً لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسلَّمت عليه، ثمَّ رجعت من الغد إلى الروضة وصلَّيت فيها ركعتين وقلت: أسألك يا الله يا الله أن تعطف عليَّ قلب جعفر عليه السلام وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتمّاً ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حبّ جعفر عليه السلام، فما خرجت من داري إلَّا إلى الصلاة المكتوبة حتّى عيل صبري، فلما ضاق صدري تنعَّلت وتردَّيت، وقصدت جعفرا عليه السلام، وكان بعدما صلَّيت العصر، فلّما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلّاه، فجلست بحذاء بابه فما لبثت إلّا يسيراً إذ خرج خادم فقال: أدخل على بركة الله، فدخلت وسلَّمت عليه، فردَّ السلام وقال: اجلس غفر الله لك، فجلستُ فأطرق مليّاً، ثمَّ رفع رأسه، وقال: أبو مَن؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبَّت الله كنيتك ووفّقك. يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثمَّ رفع رأسه، ثمَّ قال: ما مسألتك؟ فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك عليَّ

 

116 


91

الدرس العاشر: القرب من الله

 ويرزقني من علمك، وأرجو أنّ الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته، فقال: يا أبا عبد الله، ليس العلم بالتعلّم، إنَّما هو نور يقع في قلب مَن يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبوديّة، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك. قلت: يا شريف، فقال: قل يا أبا عبد الله، قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوَّله الله ملكاً، لأنَّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوَّله الله تعالى ملكاً، هان عليه الإنفاق فيما أمره تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوَّض العبد تدبير نفسه على مدبره هانت عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه، لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس. فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاث هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً، أو تفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيَّامه باطلاً، فهذا أوّل درجة التُقَى، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[1]. قلت: يا أبا عبد الله أوصني، قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنَّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، واللهُ أسأل أن يوفّقك لاستعماله، ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإيّاك التهاون بها، قال عنوان: ففرغت قلبي له.

 

فقال: أمَّا اللواتي في الرياضة (تهذيب الأخلاق النفسيّة): فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنّه يورث الحماقة والبله. ولا تأكل إلَّا عند الجوع، وإذا أكلت فكُل حلالاً وسمِّ الله، واذكر حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ آدميّ وعاءً شرّاً من بطنه،



[1] سورة القصص، الآية: 83.

117


92

الدرس العاشر: القرب من الله

 فإن كان ولا بدّ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه".

 

وأمَّا اللواتي في الحلم: فمَن قال لك: إن قلت واحدةً سمعت عشراً فقل: إن قلت عشراً لم تسمع واحدةً، ومَن شتمك فقل له: إن كنت صادقاً فيما تقول فاسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذباً فيما تقول فاللهُ أسأل أن يغفر لك، ومَن وعدك بالخنى (الفحش في الكلام) فعده بالنصيحة والرعاء.

 

وأمَّا اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإيّاك أن تسألهم تعنتاً وتجربة، وإيَّاك أن تعمل برأيك شيئاً، وخذ بالإحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسراً. قم عنّي يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد عليّ وردي، فإنّي امرئ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى".

 

العلامة المجلسي قدس سره، بحار الأنوار ، ج1، ص 224.

118


93

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يعدِّد الطالب طرق الوصول إلى الله.

2- أن يستذكر الأمور المساعدة على الوصول تعالى.

3- أن يتعرّف الموانع من الوصول.

119


94

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 تمهيد

بعد أن عرفنا أهميّة القرب من الله سبحانه وتعالى، وضرورة السعي للوصول إلى هذه الدرجة، فإنّ الوصول إليها لا يمكن إلَّا عبر طرقٍ يأمن باتِّباعها من الإنحراف ويضمن النجاة يوم القيامة.

 

طرق الوصول

إنَّ من أراد أن يرتقي في درجات القرب من الله تعالى، وأن يزكّي نفسه وينال المقامات العالية، يمكن له أن يستفيد من الطرق التالية:

 

1- التفكّر والبرهان: إنَّ التفكّر في البراهين التي أقيمت على وجود الله تعالى، يمكن أن تكون عاملاً مساعداً للقرب منه سبحانه، فإنَّ البراهين التي حفلت بها كتب الحكمة والعرفان والكلام، تثبت أنَّ كلّ ظواهر الكون ممكنة وفقيرة في وجودها لواجب الوجود، الذي هو منتهى الكمال والغنيّ بالذات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[1].



[1] سورة فاطر، الآية:15.

121


95

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 2- التفكّر في الآيات الإلهيّة: يرى القرآن الكريم أنَّ كلّ ظاهرة من ظواهر الكون، تنطوي على آيات تدلّ على الله تعالى وتعرّفنا به، ولذلك دعانا القرآن الكريم للتفكّر في الآيات الكونيّة، من باب أنَّ التفكّر فيها يساعدنا على الاندفاع والسير في طريق التكامل. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[1].

 

 

3- العبادة والعمل الصالح: إنَّ العبادة توأم الإيمان والمعرفة، والعبادة والأعمال الصالحة تجعل الإيمان أكثر كمالاً، وكلّما أصبح أكثر كمالاً كلّما دنا من مقام القرب أكثر، فالعمل الصالح يرتقي بالإيمان عالياً حتّى ينال مقام القرب الإلهيّ.

 

يقول تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[2].

 

4- الأذكار والأدعية: إنَّ الذكر والأدعية من العبادة، وقد ورد التأكيد عليها كثيراً في الآيات والروايات، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لمّا أُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة، فرأيت ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وربما أمسكوا، فقلت لهم: ما لكم ربما بنيتم وربما أمسكتم؟

 

فقالوا: متى تجيئنا النفقة؟

 

فقلت لهم: وما نفقتكم؟

 

فقالوا: قول المؤمن في الدنيا: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، فإذا قال بنينا وإذا أمسك أمسكنا"[3].



[1] سورة آل عمران، الآية:191.

[2] سورة فاطر، الآية: 10.

[3] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص169.

122


96

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "من قال سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنّة. فقال رجل من قريش: يا رسول الله، إنَّ شجرنا في الجنّة لكثير، قال: نعم، ولكن إيَّاكم أن ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ[1].

 

إنَّ كلّ كلام يكون مفهومه تمجيداً وتحميداً وتسبيحاً لله تعالى يكون ذكراً، وإن كانت الأحاديث قد صرَّحت بأذكار خاصّة، كما أنَّه يوجد تأكيد على أذكار بعينها، فعن رسول الله‏ صلى الله عليه وآله وسلم: "سيّد القول لا إله إلّا الله"[2]، لكن يمكن القول بما أنَّ الهدف من الذكر توجّه الإنسان نحو الله تعالى، ولا شكّ في أنّ من يرث الجنّة يكون قد فاز بمرتبة القرب من الله سبحانه. وكلّ ذكر يوصل إلى الهدف أكثر يكون أفضل بالنسبة لذاكره.

 

من الأمور المساعدة على الوصول

ويوصي بعض أهل المعرفة بأمورٍ تساعد أيضاً على اجتياز الطريق وهي قسمين أفعال وتروك:

 

أوّلاً: غسل التوبة وتجديد التوبة والاستغفار دائماً، بشكل مستمر: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[3].

 

ثانياً: أن يسعى ليرى نفسه في محضر الله تعالى، وأن يذكر الله في كلّ حال فلا يغفل عنه أبداً ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾[4].

 

ثالثاً: أن يبقى دائم الوضوء ويصلّي صلاة الليل، ويكرّر ذكر: "يا حيّ يا قيّوم يا من لا إله إلَّا أنت".



[1] سورة محمد، الآية: 33.

[2] المجلسيّ، بحار الانوار، ج90، ص204.

[3] سورة البقرة، الآية:222.

[4] سورة البقرة، الآية: 77.

123


97

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 رابعاً: أن يقرأ يوميّاً مقداراً من القرآن مع حضور القلب ويتفكّر ويتدبّر في معاني الآيات.

 

خامساً: أن يسجد كلّ يوم سجدة طويلة يكرّر فيها: "لا إله إلَّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين".

 

سادساً: ترك الكلام الذي لا فائدة منه.

 

سابعاً: ترك ما زاد عن حدّه الطبيعي المعتدل من المأكل والمشرب ونحوه.

 

ثامناً: ترك معاشرة أهل السوء وكلّ من لا يقرّب من الله سبحانه.

 

تاسعاً: ترك كثرة النوم، ومحاولة الاستفادة من الوقت بما يرضي الله سبحانه.

 

ويمكنه أن يكرّر هذه الأمور لمدّة أربعين يوماً، لعلَّه تساعده على اجتياز الطريق بشكل أسرع وأفضل ليصل إلى درجة القرب من الله.

 

موانع الوصول إلى الله

ثمَّة موانع في الطريق، وعلى السالك أن يجاهد نفسه لإزالتها، وإلَّا فلن يصل إلى هدفه، نذكر منها:

 

المانع الأوّل: عدم قابليّة القلب: فالقلب الملوَّث بالمعاصي والذنوب لا يمكن أن تدخله ملائكة الرحمة، وبالمعصية تسير النفس وتتحرّك بعكس السير المطلوب، فلا بدّ من تطهير النفس من الذنوب والآثام بالتوبة منها، حتّى تصبح هذه النفس قابلة للسير إلى الله تعالى بتلقّي الفيوضات والإشراقات الإلهيّة.

 

قال الإمام الصادق عليه السلام: "إذا أذنب الرجل خرج من قلبه نكتة سوداء فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً"[1].



[1] الكليني، الكافي، ج2، ص 272.

124


98

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 المانع الثاني: التعلّقات الدنيويّة الماديّة: كالمال والثروة والبيت والجاه وسائر وسائل الحياة.

 

وهذه التعلّقات بالمعنى المتقدّم في حبّ الدنيا تكون رأس كلّ خطيئة، إن أنستنا، أنستنا ذكر الله ويوم الوقفة بين يدي الله تعالى للحساب.

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أوّل ما عُصي الله تبارك وتعالى بستّ خصال: حبُّ الدنيا، وحبُّ الرياسة، وحبُّ النساء، وحبُّ الطعام، وحبُّ النوم، وحبُّ الراحة"[1].

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتّى لا يبالي من أكل الدنيا"[2].

 

المانع الثالث: اتباع هوى النفس وميولها وشهواتها: إنَّ من يسعى ليلاً نهاراً لإرضاء غرائزه وشهواته لا يستطيع أن يحلّق نحو مقام القدس الإلهيّ.

 

قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ[3].

 

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أشجع الناس من غلب هواه"[4].

 

د- المانع الرابع: الامتلاء بالأكل: لأنَّ هذا يمنع من العبادة والدعاء والتوسّل والتضرُّع.

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أراد الله صلاح عبده، ألهمَه قلّة الكلام وقلّة الطعام وقلّة المنام"[5].

 

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "إنَّ الله يبغض كثرة الأكل"[6].




[1] المجلسيّ، بحار الانوار، ج7، ص94.

[2] الفيض الكاشاني، الوافي،ج4، ص387.

[3] سورة ص، الآية:26.

[4] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 7، ص 76.

[5] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 16، ص213.

[6] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج24، ص24.

125


99

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 المانع الخامس: الكلام غير الضروريّ، وغير المفيد.

 

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسّي القلب، إنَّ أبعد الناس من الله القلب القاسي"[1].

 

قال الإمام الرضا عليه السلام: "من علامات الفقه: الحلم والعلم والصمت، إنَّ الصمت باب من أبواب الحكمة. إنَّ الصمت يكسب المحبّة، إنَّه دليل على كلّ خير"[2].

 

المانع السادس: حبُّ الذات: على السالك إلى الله أن يبدِّل حبَّ ذاته بحبّ الله، وأن يؤدّي كلّ أعماله بداعي الرضا الإلهيّ، فيأكل لأنَّ الله سمح له بدوام الحياة كما يصلّي لأنَّ الله أمر بذلك... وهكذا.

 

المانع السابع: ضعف الإرادة: وعدم القدرة على التصميم، وهذا يمنع من البدء بالعمل، والشيطان يعمل جاهداً لإضعاف إرادتنا، فيصوّر عبر الوهم أنَّ العبادة صعبة، أو أنَّ السلوك إلى الله غير مطلوب، أو أنَّ المهمّ هو العبادة الصوريَّة الخالية من المضمون.

 

والحلّ هو بتقوية الإرادة التي تحتاج إلى جهاد وتضحية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[3].



[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 8، ص 536.

[2] الكليني، الكافي، ج2، ص113.

[3] سورة العنكبوت، الآية: 69.

126


100

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

 خلاصة الدرس

 

- توجد عدّة طرق أساس يمكن للسالك أن يستفيد منها لنيل مقام القرب الإلهيّ.

 

- التفكّر في البراهين يؤكّد حقيقة أنَّ كلّ الوجود مفتقر لله تعالى.

 

- التفكّر في الآيات الكونيّة يقود الإنسان إلى الله جلَّ شأنه.

 

- إنَّ الذكر من أهمّ العوامل التي تدفع بالإنسان في طريق التكامل.

 

- العبادة تؤثّر في زيادة الإيمان وأثمار المعرفة.

 

من موانع الوصول إلى مقام القرب:

 

- عدم قابليّة القلب الملوَّث بالمعاصي.

 

- التعلّق بالماديّات من مال وغيره.

 

- إتّباع الهوى والشهوات.

 

- الأكل حتّى التخمة.

 

- الثرثرة من غير فائدة.

 

- حبُّ الذات والاقتصار على الملذَّات الحيوانيّّة.

 

- ضعف الإرادة.

127


101

الدرس الحادي عشر: طرق الوصول إلى الله تعالى

للمطالعة

 

وصيّة الملا محمّد تقيّ المجلسيّ

يمكن الاستفادة من وصايا بعض العلماء في هذا الموضوع، ومنها وصيّة الملا محمّد تقي المجلسيّ (رضوان الله تعالى عليه)، التي هي من أروع تلك الوصايا في هذا المجال، حيث ينقل عن أحد السالكين قوله: ما أخذته من مرحلة الرياضة وبناء النفس يعود إلى الوقت الذي كنت مشغولاً فيه بمطالعة التفسير. ذات ليلة رأيت النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وكنت بين النوم واليقظة. فقلت لنفسي: من المفيد أن أدقّق في كمالات وأخلاق النبيّ بشكل جيّد. كنت كلّما أدقّق أكثر أرى نورانيّته وعظمته تزداد، بحيث سطع نوره في كلّ مكان، عندها استيقظت (عدت إلى نفسي ووعيي) وجاءني إلهام يقول: خُلُق رسول الله القرآن ويجب أن أُكثِرَ الغوص فيه. كنت كلّما دقّقت في الآية أكثر انكشفت لي حقائق أكثر، حتّى دخلت على قلبي حقائق ومعارف جمّة، وكان ذلك دفعة واحدة. كلّما دقّقت في آية أنال تلك الموهبة. طبعاً يصعب تصديق هذا الأمر لمن لم يوفّق إليه، بل عادة يكون غير ممكن، لكن هدفي من هذا الكلام إرشاد الأخوة في الله.

 

 

قصص العلماء

128


102

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يشرح الطالب حقيقة الذكر وأن يميّز أنواعه ومراتبه.

2- أن يكتشف طرق ارتقاء الإنسان في مراتب الذكر.

3- أن يزداد تعلّقاً بذكر الله من خلال معرفة آثاره.

129


103

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 تمهيد

ذِكرُ الله هو أهم وسائل تكميل النفس، ولسيرها نحو القرب من الله سبحانه، فإنَّ السير والسلوك إلى الله ينطلق من ذِكره تعالى، وإنَّ أكثر ما يساعد السالك على طيّ المسافات، هو المداومة على ذكره تعالى، ولذلك أكَّد القرآن الكريم على حقيقة الذكر، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا[1].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام في رسالة لأصحابه: "وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كلِّ ساعة من ساعات الليل والنهار، فإنَّ الله أمر بكثرة الذكر، والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا أنَّ الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلَّا ذكره بخير"[2].

 

ولهذه الأهميّة قمنا بجعل درسٍ مستقلّ للذكر، بعد أن كان أحد أهمّ العوامل المساعدة على الوصول.

 

ما المقصود من الذِكر؟

لا بدّ أن نعرف ما هو الذكر، وما هي حقيقته؟ فهل هو مجرَّد الذكر اللفظيّ أم ماذا؟




[1] سورة الأحزاب، الآية: 41.

[2]  الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج4، ص 1183.

131


104

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّ عليه السلام: "يا عليّ، ثلاث لا تطيقها هذه الأمّة: المواساة للأخ في ماله، وإنصاف الناس من نفسه، وذكر الله على كلّ حال، وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرم عليه خاف الله عزَّ وجلّ‏ عنده وتركه"[1].

 

لم يُرِد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفي كون هذه العبارات من ذكر الله تعالى، بل المراد في هذا الحديث الإشارة إلى تلك المرتبة الكاملة من الذكر، التي تعني أن يرى العبد ربَّه حاضراً وناظراً إليه، وأن يرى نفسه في محضره، فيمتنع عن معصيته، ويقدم على طاعته، ومن هنا أكَّدت الروايات على الذكر بمعنى التوجّه القلبيّ والحضور الباطنيّ، باعتبار كونه الفرد الأكمل من الذكر، وهذا يقود إلى الحديث عن مراتب ذكر الله تعالى.

 

مراتب الذكر

للذكر مراتب كثيرة، تبدأ من الذكر اللسانيّ حتّى تصل إلى الانقطاع إلى الله تعالى، وسنشير إلى بعضٍ منها:

 

المرتبة الأولى: أن يؤدّي الذاكر أوراداً خاصّة بقصد القربة, دون الالتفات إلى معانيها.

 

المرتبة الثانية: أن يردّد الإنسان الأذكار بقصد القربة, مع الالتفات إلى معانيها.

 

المرتبة الثالثة: أن يكون القلب متوجّهاً إلى الله تعالى, وهو يدرك معاني الأذكار، ثمَّ يأمر اللسان بالقيام بالذكر.



[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص 151.

132


105

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 المرتبة الرابعة: أن يكون السالك متوجّهاً توجّهاً كاملاً إلى الله تعالى، فيرى الله حاضراً وناظراً، ويشاهد نفسه أنَّه في محضره تعالى، ولا يلتفت إلى شي‏ء من ظواهر هذه الدنيا، لأنَّه وصل إلى مصدر الكمال فلا يرى غيره.

 

يقول أمير المؤمنين عليه السلام في مناجاته الشعبانية: "إلهي هبْ لي كمال الإنقطاع إليك، وأنرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلَّقة بعزِّ قدسك"[1].

 

مراتب الكمال

تختلف أحوال السالكين في هذا المقام، فمنهم الكامل ومنهم الأكمل، ويكون الواحد منهم مأنوساً ومتعلّقاً بالله، بنفس المقدار الذي قطع علاقته بغيره تعالى.

 

فعندما يتوجّه السالك إلى عظمة الله وجماله وكماله، تحدث لديه مقامات وأحوال روحيّة راقية:

- الذكر الدائم لله تعالى.

 

- الإحساس بحضوره عزّ وجلّ.

 

- الأنس بالله.

 

- الإنقطاع إلى الله وترك ما سواه في سبيله.

 

- محبّة الله والاشتياق إليه.

 

- الخوف من الله وحْدَه.

 

- الرضا بقضاء الله وقدره.




[1] ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج3، ص 299.

133


106

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 - المرحلة التي لا يرى فيها سوى الله عزّ وجلّ، ويغفل عن كلّ شي‏ء سواه، وهو ما يسمّيه العرفاء بالفناء في الله، وهذا ما نجد التعبير عنه في الآيات والروايات، ونجدها أيضاً في أدعية المعصومين عليهم السلام الغنيّة بتلك المعاني الثمينة، والجواهر النادرة، التي لا يلتفت لعظمتها إلَّا القليل من الناس: قال الإمام عليّ عليه السلام: "ما رأيت شيئاً إلَّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه"[1].

 

 

وسُئل عليه السلام: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟

 

فقال عليه السلام: "أفأعبد ما لا أرى؟!".

 

فقيل وكيف تراه؟

 

قال عليه السلام: "لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان"[2].

 

آثار الذكر

1- الإلتزام بطاعة الله: فإنَّ من وصل إلى مرحلة يشعر فيها بشكلٍ دائمٍ بوجود الله وحضوره عزّ وجلّ، ووجد نفسه في محضر الله، فسوف يدفعه ذلك إلى الالتزام بطاعة الله تعالى والعمل بأوامره.

 

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان ذاكراً لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلاً عنه فهو عاص"[3].

 

2- الخضوع والخشوع: إنَّ من شاهد عظمة الله تعالى سيكون خاضعاً له منكسراً أمامه، خاشعاً لديه، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "ومعرفتك بذكره لك، يورثك الخضوع والاستحياء والانكسار"[4].



[1]  ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج3، ص 299.

[2] نهج البلاغة، ج 2، ص 99.

[3] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص 158.

[4] م. ن.

134


107

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 3- عشق العبادة: إنَّ من آثار الذكر الدائم لله والإحساس بحضوره، التعلّق الشديد بالعبادة والالتذاذ بها، لأنَّ مَن أدرك عظمة الله ورأى نفسه في محضره، رجَّح لذّة المناجاة والتضرّع والتوسّل على أيّة لذّة أخرى.

 

 

4- السكينة والطمأنينة: إنَّ الدنيا مليئة بالبلاء والآلام والأمراض، وهذه الأمور والخوف منها يسلبان الإنسان راحته وطمأنينته، إذا كان بعيداً عن ذكر الله، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾[1].

 

أمّا عباد الله المخلصون، الذاكرون لله، الذين تعلّقت قلوبهم بمصدر الكمال والخير، فإنَّهم لا يجزعون ولا يضطربون لفقد شي‏ء من حطام هذه الدنيا، وهم في سكينة وطمأنينة عند نزول البلاءات الإلهيّة: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[2].

 

5- ذكر الله لعبده: إذا ذكر العبد ربَّه فإنَّ الله تعالى سيذكره ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[3]، ومعنى ذكره تعالى لعبده أنَّه يصبح محلّاً لعنايته ورعايته ولطفه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى: إذا علمت أنَّ الغالب على عبدي الاشتغال بي، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلتُ بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي حقّاً، أولئك الأبطال حقّاً، أولئك الذين إذا أردت أن أُهلك الأرض عقوبةً، زويتها عنهم من أجل أولئك الأبطال"[4].



[1] سورة طه، الآية: 124.

[2] سورة الرعد، الآية: 28.

[3] سورة البقرة، الآية: 152.

[4]  المجلسيّ، بحار الأنوار، ج93، ص 162.

135


108

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 6- محبّة الله لعبده: من نتائج الذكر محبّة الله لعبده، عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أكثرَ ذكر الله أحبّه الله"[1].

 

 

7- المعرفة: قد يصل السالك الذاكر لله إلى حيث يرى الحقائق والمعارف من خلال قلبه وعين بصيرته، على ما تفيده الآية الكريمة: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[2].



[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج4، ص 1181.

[2]  سورة النجم، الآية: 11.

136


109

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 خلاصة الدرس

 

- حقيقة الذكر ليست مجرَّد حركة اللسان، بل هي التوجّه القلبيّ والحضور الباطنيّ الذي يؤدّي إلى تحريك اللسان.

 

- للذكر مراتب عديدة، تبدأ من الأذكار اللسانيّة لتصل إلى الإنقطاع إلى الله والفناء فيه.

 

- توجد أحوال عديدة للسالك، ولكلّ حال من تلك الأحوال سبب يبعث عليه.

 

- إنَّ تلك المراتب والأحوال والمقامات هي أمور حقيقيّة وواقعيّة.

 

- للذكر آثار عديدة، كطاعة الله، والخضوع له، ومحبّة الله لعبده وذكره له، والطمأنينة.

137


110

الدرس الثاني عشر: ذِكرُ الله سبحانه

 للمطالعة

 

دعاء العلامة المجلسي

نقل من خطّ الملّا محمّد باقر المجلسيّ قدس سره هذه العبارة: يقول العبد الخاطي محمّد باقر بن محمّد تقي: إنّني مررت في ليلة من ليالي الجمعة على أدعيتي، فوقع نظري على دعاء قليل اللفظ كثير المعنى، فقرّرت أن أقرأه في تلك الليلة وقرأته. وفي ليلة الجمعة المقبلة أردت أن أقرأ ذلك الدعاء وإذ بي أسمع صوتاً من سقف البيت: "أيُّها الفاضل الكامل، لم يفرغ حتّى الآن الكرام الكاتبون من كتابة ثواب هذا الدعاء في ليلة الجمعة السابقة حتّى تقرأه مرّة ثانية". وليُعلم أنَّ قراءة هذا الدعاء ذات ثواب عظيم في ليالي الجمعة وغيرها من الليالي وفي كلّ وقت، وهذا الدعاء هو: "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله من أوّل الدنيا إلى فنائها، ومن الآخرة إلى بقائها، الحمد لله على كلّ نعمة، واستغفر الله من كلّ ذنب وأتوب إليه، يا أرحم الراحمين".

 

قصص العلماء

138


111

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 الدرس الثالث عشر: مكارم الأخلاق

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يدرك الطالب ارتباط مكارم الأخلاق بسرعة السير والسلوك.

2- أن يكتشف أهميَّة أن يكون الإنسان نافعاً للناس.

3- أن يمتلك روحيّة خدمة الخلق.

139


112

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 تمهيد

إنَّ من أهمّ الطرق لتربية النفس والسير والسلوك ونيل مقام القرب، تربية الفضائل ومكارم الأخلاق في نفوسنا، وللفضائل الأخلاقيّة آثار جليلة في الدنيا والآخرة، ولذا أكَّدت عليها الآيات والروايات، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما يوضع في ميزان امرىءٍ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق"[1].

 

وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أحبَّكم إليّ وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً، أحسنُكم خُلُقاً وأشدُّكم تواضعاً"[2].

 

وقد فصَّل المعصومون عليهم السلام الحديث عن حسن الخلق، فقد سُئل الصادق عليه السلام: ما هو حدّ حسن الخلق؟ قال عليه السلام: "تلين جانبك، وتطيّب كلامك، وتلقى أخاك ببِشْرٍ حَسَنٍ"[3].

 

من الأخلاق الاجتماعيّة

إنَّ الأخلاق الحسنة كثيرة وعديدة، وينبغي للسالك أن يهتمّ بها كلّها، لأنَّ لكلّ منها أثره وثماره، وعدم الاهتمام بها سيؤدّي إلى الحرمان من فوائدها،



[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 8، ص 506.

[2] المجلسي، بحار الانوار، ج 68، ص 385.

[3] م. ن، ج 68، ص 389.

141


113

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 وسنبيّن بعض تلك الأمور الأخلاقيّة التي تعدّ ضروريّة في حياتنا الاجتماعيّة، لأنَّ العبادة لا تقتصر في الإسلام على الصلاة، والصيام، والحجّ، والزيارة، والذكر، والدعاء، ولا تنحصر بالمساجد والمعابد والمزارات، بل يعتبر القيام بالمسؤوليّات الاجتماعيّة والإحسان وخدمة عباد الله، إذا كان مع قصد القربة من أفضل العبادات، حيث يمكن أن يكون وسيلة لبناء وإكمال النفس والتقرّب من الله. فالسير والسلوك في الإسلام لا يستلزم الانزواء، بل يمكن أن يكون من خلال قبول المسؤوليّات الاجتماعيّة في وسط المجتمع، والتعاون في الخير والإحسان، والسعيّ في حوائج المؤمنين، وإدخال السرّور إلى قلوبهم، والدفاع عن المحرومين والمستضعفين، والاهتمام بأمور المسلمين، وقضاء حاجاتهم، وحلّ مشاكلهم، ومساعدة عباد الله, وكلّ هذه الأمور تعتبر في الإسلام من العبادات الكبيرة، وثوابها أكبر من عشرات الحجج المقبولة المبرورة.

 

1- لين الجانب:

إنَّ هذه الصفة عظيمة، وهي تعبّر عن وصول الرحمة إلى قلب الإنسان، وهي التواضع والرفق بالناس، فهي الخاصيّة التي ميّزت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾[1]، و﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[2]، وقد وصف الله تعالى بها رسوله الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾[3].

 

2- إدخال السرّور على المؤمن:

وهو من الأهميَّة بحيث أنَّ أهل البيت عليهم السلام قرنوا بين إدخال السرّور إلى قلب المؤمن وبين سرورهم، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يرى أحدكم إذا




[1] سورة الفتح، الآية:29.

[2] سورة المائدة، الآية:54.

[3] سورة آل عمران، الآية:159.

142


114

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 أدخل على مؤمن سروراً أنَّه أدخله عليه فقط بل والله علينا، بل والله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"[1].

 

ومن أروع ما نجده في هذا المجال، وصيّة الإمام الصادق عليه السلام للنجاشيّ حيث يقول فيها: "يا عبد الله إيّاك أن تخيف مؤمناً، فإنَّ أبي حدَّثني عن أبيه عن جدّه، من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله، يا عبد الله وحدّثني أبي عن آبائه عن عليّ عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال:"نزل جبرئيل عليه السلام، فقال: من أدخل على أخيه المؤمن سروراً فقد أدخل على أهل بيت نبيّه‏ عليهم السلام سروراً، ومن أدخل على أهل بيته سروراً فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سروراً، ومن أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سروراً فقد سرّ الله، ومن سرَّ الله فحقيق على الله أن يدخله مدخله..."[2].

 

ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ إدخال السرور إلى قلب المؤمن لا بدّ أن يكون بأمور محلّلة، فلا أكذب عليه لأفرحه مثلاً.

 

3- الرفق والمداراة:

وقد وردت الروايات في الحثّ عليها، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش"[3].

 

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ التحبّب إلى الناس"[4].

 

وعن الصادق عليه السلام: "جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمّد ربُّك يقرئك السلام ويقول لك: دارِ خلقي"[5].



[1] المشكيني, مسلكنا, ص 372.

[2] الشيخ الأنصاري, المكاسب المحرمة, ج 1, ص 181 - 183.

[3] الكليني، الكافي، ج2، ص 117.

[4] المجلسي، بحار الأنوار، ج1، ص 131.

[5] الكليني، الكافي، ج2، ص 117.

143


115

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم، فسَعُوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء"[1].

 

وعنه عليه السلام: "دَارِ الناس تستمتع بإخائهم، والقهم بالبشر تُمِت أضغانهم"[2].

 

عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "تبسُّم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرف الأذى عنه حسنة، وما عبد الله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرّور على المؤمن"[3].

 

وقال الصادق عليه السلام: "مَن سرّ مؤمناً فقد سرَّني، ومَن سرَّني فقد سرَّ رسول الله، ومَن سرَّ رسول الله فقد سرَّ الله، ومَن سرَّ الله أدخله جنّته"[4].

 

4- الكلام الطيِّب:

إنَّ الكلام اللطيف مع الآخرين هو من مكارم الأخلاق، حتّى أنَّ الروايات قد فسّرت حسن الخلق به، كما مرَّ معنا في حديث الصادق عليه السلام.

 

5- الصفح عن الآخرين:

وهو من أعظم المكارم، فقد خاطب الإمام الصادق عليه السلام أحد أصحابه بقوله: "ألا أحدّثك بمكارم الأخلاق؟: الصفح عن الناس، ومواساة الرجل أخاه في ماله، وذكر الله كثيراً"[5].

 

وحثّ الله سبحانه المؤمنين على هذه الخصلة في القرآن في عدد في الآيات، وعلى لسان المعصومين عليهم السلام وبأفعالهم فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي




[1] المجلسي، بحار الانوار، ج 68، ص 383.

[2] الريشهري، ميزان الحكمة، ج 2، ص 865.

[3] الكليني، الكافي، ج2، ص 188.

[4] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج74، ص 413.

[5] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 15، ص 200.

144


116

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 بينما هو ساجدٌ وإذا بمشركي قريش يلقون على رأسه الشريف القاذورات فينهي صلاته ويرفع يده بالدعاء "اللهم اغفر لقومي".

 

6- قضاء حاجة المؤمن:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الخلق عيال الله، فأحبّ الخلق إلى الله مَن نفع عيال الله، وأدخل على أهل بيت سروراً"[1].

 

وعنه عليه السلام: "لَقَضاء حاجة امرى‏ء مؤمن أحبّ إلى الله من عشرين حجّة، كلّ حجّة ينفق فيها صاحبها مائة ألف"[2].

 

وعنه عليه السلام: "مشي المسلم في حاجة المسلم خير من سبعين طوافاً بالبيت الحرام"[3].

 

وعنه عليه السلام: "إنَّ لله عباداً من خلقه يفزع العباد إليهم من حوائجهم، أولئك هم الآمنون يوم القيامة"[4].

 

وقد وصفتها الروايات بالرحمة، وأنَّها تفرّج الهمّ يوم القيامة، وتيسّر الحوائج في الدنيا، وعن الصادق عليه السلام: "إنَّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكِّل الله عزَّ وجلَّ به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربَّه ويدعوان بقضاء حاجته.."[5].

 

وعنه عليه السلام: "أيُّما مؤمن قصده أخوه في حاجة، أو مستجيراً به في بعض أحواله، فلم يعنه ولم يجره، وهو يقدر على ذلك، فقد قطع ولاية الله، وأيُّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً ممّا يحتاج إليه، وهو يقدر عليه من عنده أو من عند




[1] م. س، ج2 ص 164.

[2] الكليني، الكافي، ج2، ص 193.

[3] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج74، ص 311.

[4] م. ن، ج74، ص 318.

[5] م. ن، ج 2، ص 194.

145


117

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 غيره، أقامه الله يوم القيامة مسودّاً وجهه، مزرقّة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، ويقال له: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثمَّ يؤمر به إلى النار"[1].

 

وقد وردت في هذا الخصوص مئات الأحاديث عن الرسول‏ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة الأطهار عليهم السلام: منها ما عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله عزّ وجلّ: الخلق عيالي فأحبّهم إليّ ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم"[2].

 

الإمام الخمينيّ قدس سره وخدمة الناس

يعتبر الإمام الخمينيّ قدس سره أنَّ خدمة الناس والسعي في قضاء حاجاتهم، والعمل على رفع الحرمان عنهم، أحد أهمّ الوظائف التي ينبغي للمؤمنين أن يقوموا بها، بل إنَّه يعتبر خدمتهم خدمة للحقّ المطلق سبحانه وتعالى.

 

وحيث إنَّ النفس الإنسانيّة تنزع إلى الشعور بالفضل والامتياز حينما تقوم بالإحسان وخدمة الناس، أو قد تنطلق في هذا العمل بهدف الحصول على مكاسب ذاتيَّة، كالشهرة، والسمعة، وكسب ودّ الناس، فإنَّه قدس سره يحذّر بشدّة من هذا وذاك، ويعتبر أنَّ الناس هم الذين ينبغي أن يكونوا في موقع المنَّة، لأنَّهم وفَّروا للآخرين وسيلة للتقرُّب إلى الله ونيل رضاه سبحانه.

 

يقول قدس سره في رسالته لابنه:

"ما دمنا عاجزين عن شكره تعالى ونعمائه التي لا نهاية لها، فحبّذا أن لا نغفل عن خدمة عباده، فخدمتهم خدمة للحقِّ تعالى، ولو أنَّ الجميع منه.



[1] م. س، ج 2، ص 367.

[2] الكليني، الكافي، ج2، ص 199.

146


118

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 لا تَرَ لنفسك أبداً فضلاً على خلق الله حين تخدمهم، فهم الذين يمنُّون علينا حقَّاً بفضل كونهم وسيلة إلى الله جلّ وعلا، ولا تَسْعَ لكسب الشهرة والمحبوبيَّة عن طريق الخدمة، فهذا بحدِّ ذاته حيلة من حبائل الشيطان الذي يوقعنا في شباكه.

 

واختر في خدمة عباد الله ما هو أكثر نفعاً لهم لا لك، ولا لأصدقائك، فهذا الاختيار علامة الصدق في الحضرة المقدَّسة لله جلَ وعلا".

 

ويقول قدس سره في موضع آخر: "أيُّها المستضعفون، نحن مرتهنون لإحسانكم وإذا كنّا نليق فنحن خدَّامكم".

147


119

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 خلاصة الدرس

- من أهمّ ما يساعد على نيل مقام القرب، تربية النفس على مكارم الأخلاق.

 

- لحسن الخلق ثمار كثيرة، منها أنَّها تثقل الميزان يوم القيامة.

 

- على السالك أن يهتمّ بكلّ الأمور الأخلاقيّة، وخصوصاً ما يرتبط منها بمعاملة الآخرين.

 

- ركَّزت الآيات والروايات على مفاهيم أخلاقيَّة عديدة، مثل لين الجانب، والمداراة وقضاء حاجات الناس والعفو عنهم.

 

- ركز الإمام الخمينيّ قدس سره في وصاياه على قضاء حوائج الناس، وأنّها تعتبر خدمة للحقّ سبحانه، وتكون المنّة لهم لا لنا.

148


120

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 للمطالعة

 

أخلاق الآخوند الخراساني

كان الآخوند الشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ رحمه الله، إلى جانب نبوغه الباهر ومواهبه العظيمة، يتحلَّى بسجايا أخلاقيَّة وصفات نبيلة متميّزة، كان مخالفاً لهواه، يتجنّب الترويج لنفسه، وكان يحبّ الحقيقة ويعشقها، وكان يقول: إنَّ تديّن أبنائي إنَّما يثبت لديّ‏ إذا قلَّدوا غيري، لأنَّهم ما داموا يقلّدونني لا يمكنني أن أميّز هل دفعهم إلى تقليدي تشخيصهم غير المتحيّز للواجب والوظيفة الدينيّة، أم أنَّ أهواءهم هي التي دفعتهم إلى ترويج أمر والدهم.

 

كان هناك شخص يهاجمه في المحاضرات وعلى المنابر، فاحتاج ذات مرَّة إلى مال لتردّي أحواله الاقتصاديّة، فحضر عند الآخوند مع جماعة من مقلّديه قدس سره ومعهم مبلغ كبير من الحقوق الشرعيّة، فطلبوا منه بأن يسمح لهم بإعطاء المبلغ المذكور لذلك الشخص، فالتفت إليهم وقال: "إنِّي لأعجب منكم كيف أتيتم إليَّ ولديكم مثل هذا الشيخ الفاضل، ألا تعلمون أن يده بمنزلة يدي، وأنَّ ما تعطونه من سهم الإمام عليه السلام مهما كان مقداره موضع قبول من قبلي... قوموا وقدّموا له هذا المبلغ، وأنا أعطيكم إيصالاً به". ثمَّ كتب الشيخ الآخوند أعلى الله مقامه الإيصال المتعارف ووشّحه بتوقيعه وسلَّمه إليهم.

 

وحاول أحدُ الحضور من أصحاب الآخوند أن ينبّهه على ماهيَّة ذلك الشخص، ظنّاً منه بأنّ الآخوند لا يعرفه، فأتى باسم شخصيّة علمية كان يعارض الآخوند في بعض تفاصيل حركته السياسيّة، وسأل ذلك الرجل عن حاله، وقد كان من أتباع تلك الشخصيّة، فبادر الآخوند وقال: "لا حاجة إلى هذا السؤال فأنا

149


121

الدرس الثالث عشر: مكارم الاخلاق

 التقيت بتلك الشخصيّة العلميَّة اليوم في أثناء الطريق وتعرَّفت على صحَّته، فهي ولله الحمد على ما يرام".

 

ثمَّ لمَّا قام الرجل المذكور مع مرافقيه ليخرج من منزل الآخوند، نهض الآخوند رحمه الله وودَّعه إلى الباب احتراماً وتأدبّاً.

 

وفي اليوم الآخر حضرَ الرجل المذكور إلى منزل الآخوند وقال: مولاي أنا ممَّن أعارضكم، وبقيت أهاجمكم في محاضراتي وعلى المنابر، وأنتمّ مع ذلك تحسنون إليَّ!! فقال الآخوند قدس سره: "أنا لم أجد في الكتب الفقهية أنَّ استحقاق شخص لأخذ الحقوق الشرعيّة مشروط بممالأة الآخوند الخراسانيّ ومودّته".

 

قصص العلماء

150


122

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يميّز الطالب بين مكارم الأخلاق والعمل الصالح.

2- أن يتعرّف إلى أهميَّة الإخلاص ومراتبه.

3- أن يعدّد مراتب حضور القلب والعوامل المؤثّرة فيه.

151


123

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 تمهيد

ممّا يساعد الإنسان على نيل مقام القُرب الإلهيّ، العمل الصالح، وهو يدفع بالنفس الإنسانيّة في طريق التكامل، يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[1].

 

وقد أكَّد القرآن الكريم كثيراً على العمل الصالح، وأنَّه الوسيلة الوحيدة لسعادة الإنسان وتكامله، وهذا العمل إمَّا واجب أو مستحب، وقد حددت الواجبات كما حدّدت المستحبّات في الشرع الحنيف، ومن الواضح أنَّ الأهمّ هو القيام بالواجبات، فإذا فرغ من الواجبات ينتقل إلى المستحبّات، فلا يمكن لشخص أن ينال مقام القرب إذا قصَّر في الواجبات، حتّى لو بذل جهوداً مضاعفة في المستحبّات، ومن هنا سوف نبدأ بالحديث عن الواجبات، ونشير إلى بعضٍ منها، ثمَّ نتحدَّث بعد ذلك عن بعض المستحبّات، لكن بما أنَّ الإخلاص في العمل مشترك بينهما، ويعدّ شرطاً أساساً للقرب، فسنتعرّض له ولمراتب العبادة أوّلاً.




[1] سورة النحل، الآية: 97.

153


124

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 الإخلاص

إنَّ مقام الإخلاص من أرفع المقامات، وله آثار جليلة جدّاً ذكرتها الروايات بالتفصيل، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أخلص عبد أربعين صباحاً إلّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"[1].

 

وتلك القلوب المخلصة تصبح مواضع لنظر الله تعالى، يقول الإمام عليّ عليه السلام: "أين الذين أخلصوا أعمالهم لله، وطهَّروا قلوبهم لمواضع نظر الله"[2].

 

وللإخلاص مراتب عديدة، أدناها أن يخلّص المرء عباداته من الشرك والرياء والعجب، وأن يؤدّيَها لله تعالى فقط، وهذا المستوى هو شرط لصحّة العبادة، فلا تكون العبادة صحيحة من دونه، ولا شكّ أنَّ نيّة المرء تؤثّر في مصيره يوم القيامة، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا عملت عملاً فاعمل لله خالصاً، فإنَّه لا يقبل من عباده الأعمال إلا ما كان خالصاً"[3]، ويقول الإمام الصادقَ‏ عليه السلام: "إنَّ الله يحشر الناس على نيَّاتهم يوم القيامة"[4].

 

مراتب العبادة

ليست العبادة مرتبة واحدة، بل هي تختلف باختلاف نيَّة الذين يؤدّونها، وهم على فئات:

 

الفئة الأولى: الذين يعبدون الله تعالى خوفاً من عذابه.

 

الفئة الثانية: الذين يعبدون الله طمعاً في جنَّته.




[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج70، ص 242.

[2] الآمدي، غرر الحكم، ص 102، ح 17.

[3] المجلسي، بحار الانوار، ج7، ص 103.

[4] م. ن، ج 7، ص 219.

154


125

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 هذه الأهداف لا تضرّ بالعمل، وهي توجب القرب الإلهيّ، وإن كان الذين لديهم هذه الأهداف لا تكون عبادتهم بمستوى الذين يقومون بها لأهداف أسمى.

 

الفئة الثالثة: وهم الذين يعبدون الله شكراً لنعمه، وهذا القصد هو أفضل من غيره.

 

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "إنَّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجَّار، وإنَّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار"[1].

 

ولا بدّ من التأكيد على حقيقة هامّة وهي: أنَّ الجدَّ في العبادة يوصل الإنسان إلى الإخلاص، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "الإخلاص ثمن العبادة"[2]، وهنا يكمل الإيمان، فعنه‏ عليه السلام: "من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فهو ممَّن يكمل إيمانه"[3].

 

خير الأعمال

الصلاة هي من أفضل الأعمال الصالحة التي تدفع الإنسان في طريق القرب من الله تعالى، يقول الإمام الرضا عليه السلام: "الصلاة قربان كلّ تقيّ"[4].

 

والصلاة هذه هي الصلاة التي تُقبل فيها على الله، وتؤدّيها بشروطها، ويكون قلبك فيها حاضراً، ولذا سوف نتحدَّث عن حضور القلب في الصلاة.




[1] نهج البلاغة، ج4، ص 53.

[2] الآمدي، غرر الحكم، ص 14, ح 44.

[3] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 7، ص 248.

[4] الكليني، الكافي، ج3، ص 265.

155


126

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 حضور القلب في الصلاة

الصلاة تركيب ملكوتيّ، وهي وسيلة الاتصال بالله تعالى، والتضرّع له وذكره، وهي معراج المؤمن، وميزان قبول الأعمال، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي كلّ جزء من أجزائها سرّ إلهيّ، لكن بشرط أن يكون فيها روح وحياة، وروح الصلاة حضور القلب والتوجّه إلى الله والخشوع بين يديه، لأنَّ الصلاة بدون قلب، كالجسد من دون روح، فحضور القلب هو روح الصلاة، ومن دونه تكون الصلاة ميتة. وربّما يقال بأنّ الصلاة أوّل الوقت ولو بدون حضور القلب، أفضل من الصلاة متأخّراً ولو مع حضور القلب.

 

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر، وإنَّ منها لما يلفّ كما يلفّ الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها، وإنَّما لك من صلاتك ما أقبلت عليه بقلبك"[1].

 

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "لا يقومنّ‏ أحدكم في الصلاة متكاسلاً ولا ناعساً، ولا يفكّرن في نفسه فإنّه بين يدي ربِّه، وإنَّما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه"[2].

 

وروي عن عليّ بن الحسين عليه السلام أنَّه صلَّى فسقط الرداء عن منكبيه، فتركه حتّى فرغ من صلاته، فقال له بعض أصحابه: يابن رسول الله سقط رداؤك عن منكبيك فتركته ومضيت في صلاتك؟ فقال عليه السلام: "ويحك تدري بين يدي من كنت؟ شغلني والله ذلك عن هذا، أتعلم أنَّه لا يقبل من صلاة العبد إلَّا ما أقبل عليه؟"، فقال له: يابن رسول الله هلكنا إذاً، قال عليه السلام: "كلا إنَّ الله يتمُّ ذلك بالنوافل"[3].




[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج84، ص 26.

[2] م. ن، ج84، ص 239.

[3] م. ن، ص 265.

156


127

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 مراتب حضور القلب

لحضور القلب مراتب عديدة، نشير إلى بعضٍ منها بشكل مجمل:

 

الأولى: أن يكون المصلّي ملتفتاً في صلاته بالإجمال لله تعالى، وإن لم يكن ملتفتاً لمعاني الألفاظ بالتفصيل.

 

الثانية: أن يلتفت المصلّي لمعاني الكلمات، فضلاً عن كونه متوجّهاً إلى أنّه يكلّم الله تعالى ويتضرّع إليه.

 

الثالثة: أن يصبح المصلّي عارفاً بحقيقة كلّ ذكر من أذكار الصلاة، فضلاً عن كونه ملتفتاً مع من يتكلَّم.

 

الرابعة: أن تدخل تلك المعارف إلى باطنه بشكل كامل، وهنا يكون اللسان تابعاً للقلب في أفعاله.

 

الخامسة: أن يصل المصلّي إلى مرتبة الحضور الكامل، فلا يرى غير الله ويغفل عن كلّ ما سواه.

 

العوامل المؤثِّرة في حضور القلب

بمجرَّد أن يقف المصلّي للصلاة، حتّى تبدأ رياح الأفكار تأخذه يميناً وشمالاً، فكان من الضروريّ الالتفات إلى أمور قد تكون مفيدة في حضور القلب:

 

1- مكان الخلوة: الأفضل للمصلِّي أن يختار مكاناً ليس فيه ما يلفت انتباهه عن التوجّه لله تعالى، ويحاول ألَّا يلتفت إلى ما حوله من أمور تصرفه عن التوجّه له تعالى.

 

2- رفع الموانع: من قبيل إذا كان مضطرباً لجهة العطش، بأن يشربَ ثمَّ يصلّي، أو إن كان تعباً يرتاح ثمَّ يصلّي، وهكذا كلّ الأمور التي تمنعه عن التوجّه للصلاة، ولعلّ من أخطر الموانع التعلّق بأمور الدنيا، كالمال

157


128

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 والجاه وغيرهما، لذلك على المصلّي أن يقطع علاقته بهذه الأمور، حتّى يسهل عليه حضور القلب والتوجّه نحو الله.

 

3- تقوية الإيمان: إنَّ توجّه الإنسان لله تعالى يرتبط بمقدار معرفته، فمن يصل إلى أكمل الإيمان، ويتعرَّف على عظمة الله وقدرته، ويرى الله تعالى حاضراً، سيكون قلبه حاضراً لدى الصلاة.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعبد الله كأنَّك تراه، فإن كنت لا تراه فإنَّه يراك"[1].

 

وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّي رأيت عليَّ بن الحسين عليه السلام إذا قام في الصلاة غشي لونَه لونٌ آخر، فقال لي: "والله إنَّ عليَّ ابن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه"[2].

 

4- ذكر الموت: إذا التفت الإنسان إلى أنَّ الموت قد يأتيه في أيّ وقت، وأنَّ هذه الصلاة قد تكون آخر صلاة يصلّيها، فلن تكون صلاته كصلاة الغافلين، ولذا من المستحسن أن يتصوَّر المصلِّي أنَّ هذه الصلاة التي يصلّيها قد تكون آخر صلاة، وأنَّه لم يبقَ أمامه إلَّا هذه اللحظات لتختمَ صحيفة أعماله.

 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا صلّيت صلاة فريضة فصلِّها صلاة مودّع, يخاف أن لا يعود إليها أبداً، ثمَّ اصرف ببصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم من عن يمينك وشمالك لأحسنت صلاتك، واعلم أنَّك بين يدي من يراك ولا تراه"[3].

 

5- التهيّؤ والاستعداد للصلاة: على المصلّي أن يتهيّأ للصلاة، فيقوم بكلّ ما ذكرناه قبل صلاته، ويبدأ بالأذان والإقامة، ويقرأ الأدعية الواردة في




[1] نهج الفصاحة، ص 65.

[2] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج84، ص 236.

[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 4، ص 685.

158


129

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 هذا المجال، ويقول: "يا محسن قد أتاك المسيء".. فإذا حصل الخشوع كبَّر تكبيرة الإحرام وشرع في صلاته.

 

يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إذا استقبلت القبلة فانسَ الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك عن كلّ شاغل يشغلك عن الله، وعاين بسرّك عظمة الله، واذكر وقوفك بين يديه، يوم تبلو كلّ نفسٍ ما أسلفت وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ، وقف على قدم الخوف والرجاء، فإذا كبَّرت فاستصغر ما بين السماوات العلى والثرى دون كبريائه، فإنَّ الله تعالى إذا اطَّلع على قلب العبد وهو يكبّر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال: يا كاذب أتخدعني؟ وعزّتي وجلالي لأحرمنَّك حلاوة ذكري، ولأحجبنَّك عن قربي والمسارّة بمناجاتي"[1].




[1] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص 230.

159


130

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 خلاصة الدرس

 

- العمل الصالح يوصل المرء إلى مقام القرب الإلهيّ.

 

- الإخلاص من أرفع المقامات، وآثاره عظيمة في الدنيا والآخرة وأدنى مراتبه شرط لصحّة العمل.

 

- للعبادة مراتب تختلف بحسب قصد وهدف الذين يقومون بها، أعلى مراتبها من يعبد الله تعالى حبّاً له ولأنّه أهل للعبادة.

 

- الصلاة من أفضل الأعمال التي تقرّب العبد إلى الله تعالى، وهي التي تكون مع حضور القلب.

 

- لحضور القلب مراتب أعلاها أن يصلَ المصلّي إلى مرتبة الحضور الكامل.

 

- توجد عوامل عديدة مؤثّرة في حضور القلب، منها رفع الموانع، وذكر الموت، والتهيّؤ للصلاة.

160


131

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 للمطالعة

 

الصلاة هبة إلهيّة

إنَّ الصلاة تمثّل أعظم الفرائض في الميدان الأبديّ للبحث عن الحقيقة، والذي فُرض على الإنسان بل جُبل عليه وأكثرها تأثيراً، ولعلّ البعض تعرَّف على هذه الخصوصية من خلال الجهد الفرديّ نحو الكمال فقط، ولم يسمع بدورها في ميدان الجهاد الجماعيّ لمواجهة القوى الدنيويّة المناهضة، لذا يجب أن نعرف أنَّ الرجولة والثبات في المواجهات المختلفة، مرتبطة بكون القلوب والإرادات مليئة بالصفاء والتوكّل والثقة بالنفس والأمل بحسن العاقبة.

 

إنَّ الصلاة تمثّل النبع الفوَّار الذي يفيض بكلّ هذه، وفيوضات كثيرة أخرى على قلب وروح المصلّي، وتصنع منه إنساناً نقيّاً متفائلاً ثابت الإرادة والعزم.

 

وما جاء في القرآن بأنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ووصفت على لسان النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّها معراج المؤمن، وقربان كلّ تقيّ، وفي كلمة واحدة أنَّها عمود الدين، ووصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّها "قرّة عيني" يجب أن يحثّنا إلى التأمّل والعمُق في فهم عظمة الصلاة.

 

طبعاً، يجدر بنا أن نعلم أنَّ الصلاة لا تعني التفوّه ببعض الكلمات، وأداء بعض الحركات، فلا تترتّب كلّ هذه الفيوضات والبركات على إيجاد أمواج صوتيّة، وأعمال بدنيّة، دون أن تبعث في هذا البدن روح الذكر والتوجّه. فروح الصلاة هي ذكر الله، والخشوع والحضور أمامه، وهذه الكلمات والأفعال التي فُرضت على المكلّف بالتعليم الإلهيّ، أفضل إطار لروحه، وأقرب الطرق لوصوله إلى المحلّ المقصود.

161


132

الدرس الرابع عشر: العمل الصالح وخير الأعمال

 فصلاة بلا ذكر وحضور، كبدن بلا روح، وإطلاق لفظ الصلاة عليها وإن لم يكن على سبيل المجاز، لكن لا ينبغي أن يرتجى منها أثر وخاصيّة الصلاة أيضاً.

 

وقد ورد الحديث عن هذه الحقيقة في الآثار الدينية بعنوان "قبول الصلاة"، وهكذا ورد أنّه "ليس لك من صلاتك إلَّا ما أقبلت عليه".

 

إنَّ هذه الصلاة موهبة ليس لها بديل، ومنبع فيض لا يزول، نستثمرها لإصلاح أنفسنا أوّلاً، ومن نحبّ ثانياً، وهي بوابة مفتوحة إلى جنّة واسعة يسودها الصفاء، وأنَّه لَمِن المؤسف أن يقضي الإنسان عمره بجوار هذه الجنّة ولا يحاول أن يزورها، أو يدعوَ أحبَّاءه إليها، فقد أبلغ الوحي النبيَّ العظيم صلى الله عليه وآله وسلم: "وأمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها".

 

واليوم اعتبروا هذا الخطاب موجّهاً إليكم وقدّروا أهميّة الصلاة، هذه الحقيقة المقدّسة والدرّ الساطع الذي هو هبة إلهيّة لأمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ولكلّ منكم سهمه الخاصّ إزاء هذه الوظيفة.

 

فعلى الآباء والأمّهات هداية الأبناء بالقول والعمل نحو الصلاة. وعلى المعلّمين إرشاد طلّاب المدارس والجامعات نحو هذه الحقيقة الساطعة.

 

الإمام الخامنئيّ دام ظله

162


133

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يدرك الطالب وجه اللطف الإلهيّ بتشريع النوافل.

2- أن يدرك أهميّة صلاة الليل.

3- أن يحدّد عدداً من آثار صلاة الليل.

163


134

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 تمهيد

ذكرنا في الدرس الماضي أنَّ الصلاة هي أفضل وسيلة للسير والسلوك والتقرّب إلى الله سبحانه، هذا والصلوات إجمالاً تنقسم إلى قسمين: واجبة، ومستحبّة.

 

فالصلوات الواجبة هي الصلوات اليوميّة، وصلاة الآيات، وصلاة الميت، وصلاة الطواف الواجب، والصلاة التي تجب على الإنسان بنذر أو يمين أو عهد، وقضاء الابن الأكبر ما فات على الأب والأم من صلاة واجبة.

 

النوافل اليوميّة

وأمَّا الصلوات المستحبّة فكثيرة أهمّها: النوافل اليوميّة، وهي أربع وثلاثون ركعة على الشكلّ التالي: نافلة الظهر ثماني ركعات، نافلة العصر ثماني ركعات، نافلة المغرب أربع ركعات، نافلة العشاء ركعتان من جلوس تعدّان بركعة، ونافلة الصبح ركعتان، صلاة الليل إحدى عشرة ركعة.

 

وقد ورد التأكيد في الأحاديث على أداء النوافل اليوميّة، وأنَّها مكملة للصلوات الواجبة، وأنَّ لها ثواباً وآثاراً في الدنيا والآخرة.

165


135

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 فعن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال: "صلاة النوافل قربان كلِّ مؤمن"[1].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ العبد لترفع له من صلاته نصفها أو ربعها أو خمسها، وما يرفع له إلَّا ما أقبل عليه منها بقلبه، وإنَّما أمرنا بالنوافل ليتمّ لهم بها ما نقصوا من الفريضة"[2].

 

وعنه عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى: ما تحبَّب إليّ عبدي بشيء، أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، وإنَّه يتحبّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته"[3].

 

أهميّة صلاة الليل

صلاة الليل من أهمّ النوافل التي لها أثر كبير في نيل مقام القرب الإلهيّ وتزكية النفس، فقد أمر تعالى بها نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ووعده عليها بالمقام الرفيع قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾[4].

 

وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[5].




[1] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج84، ص 36.

[2] م. ن، ص 28.

[3] م. ن، ص31.

[4] سورة الإسراء، الآية: 79.

[5] سورة السجدة، الآيتان: 16 و17.

166


136

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 وقد وصف الله تعالى عباده بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾[1].

 

وقد حثَّت الروايات الشريفة على صلاة الليل، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الله جلّ جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمِك، واخدمي من رفضك، وإنَّ العبد إذا تخلَّى بسيّدِّه في جوف الليل المظلم، وناجاه أثبت الله النور في قلبه، فإذا قال يا ربّ! يا ربّ! ناداه الجليل جلّ جلاله: لبيّك عبدي، سلني أعطك، وتوكَّل عليّ أكفك, ثمَّ يقول جلّ جلاله لملائكته: ملائكتي انظروا إلى عبدي فقد تخلَّى في جوف هذا الليل المظلم، والبطَّالون لاهون، والغافلون ينامون، اشهدوا أنِّي قد غفرت له"[2].

 

آثار صلاة الليل

ذكرت لصلاة الليل آثار كثيرة، من قبيل أنَّها تحسِّن الأخلاق، وتدر الأرزاق، وتذهب بالهمِّ، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "صلاة الليل تحسِّن الوجه، وتحسِّن الخلق، وتطيّب الريح، وتدرُّ الرزق، وتقضي الدين، وتُذهب بالهمّ، وتجلو البصر"[3].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاة الليل مرضاة الربّ، وحبّ الملائكة، وسنَّة الأنبياء، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وراحة الأبدان، وكراهية الشيطان، وسلاح على الأعداء، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وشفيع بين صاحبها وملك الموت، وسراج في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب مع منكر ونكير، ومونس وزائر في قبره إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة




[1] سورة الفرقان، الآيتان: 63 و64.

[2] المجلسيّ، بحار الأنوار، ج84، ص 137.

[3] م. ن، ج87، ص 148.

167


137

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 كانت الصلاة ظلّاً فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجّة للمؤمن بين يدي الله تعالى، وثقلاً في الميزان، وجوازاً على الصراط، ومفتاحاً للجنّة, لأنّ الصلاة تكبير، وتحميد، وتسبيح، وتمجيّد، وتقديس، وتعظيم، وقراءة دعاء، وإنّ أفضل الأعمال كلّها الصلاة لوقتها"[1].

 

كيفيّة صلاة الليل

صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، تؤدّى ركعتين ركعتين، كصلاة الصبح، ثماني ركعات تؤدّى بنيّة نافلة الليل، وركعتان بنيّة الشفع، وركعة بنيّة الوتر، ولهذه الصلاة آداب وأدعية عديدة، تزيد في آثارها وفوائدها.

 

 

 

 

خلاصة الدرس

- النوافل اليوميّة وسيلة من وسائل تزكية النفس والتقرّب إلى الله.

 

- صلاة الليل من أهمّ النوافل التي تؤدّي إلى مقام القرب الإلهيّ.

 

ولذلك أمر تعالى بها نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ووعده عليها المقام المحمود.

 

- لصلاة الليل آثار جليلة، منها تحسين الأخلاق، ودرّ الأرزاق، ونيل المقام الرفيع يوم القيامة.

 

- صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، تؤدّى ركعتين ركعتين، كصلاة الصبح، والركعة الأخيرة تؤدّى لوحدها.



[1] المجلسي، بحار الأنوار، ج 87، ص 161.

168


138

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 للمطالعة

 

زينب عليها السلام ليلة الحادي عشر من المحرّم

في ليلة العاشر من شهر محرَّم كانت زينب عليها السلام، وكان الحسين عليه السلام، كانت زينب عليها السلام وكان الجميع.. كلُّ شخص، وكلُّ شيء.. في ليلة الحادي عشر كانت زينب ولم يكن غير زينب، زينب سيّدة النساء.. في هذه الليلة كانت زينب هي الراعي، هي قائدة قافلة الأسرى وملجأ الأيتام.. رغم ثقل المصائب ومرارتها.. كانت زينب طوداً شامخاً واجهت المصائب ولم يرمش لها جفن.

 

تولَّت حراسة الأسرى، تولَّت جمع النساء والأطفال.. تولَّت تجميع الهائمين على وجوههم في الصحراء، تولَّت تمريض العليل الضعيف.. كانت الروح للأجساد التي فقدت الروح.. والبهجة للقلوب التي فقدت البهجة، والرمق للنفوس التي فقدت الرمق.

 

كانت تمضي مسرعةً من هذه الجهة إلى تلك.. تبحث عمَّن افتقدت.. كان ضربُ السياط يؤلمها..

 

وأشواك الصحراء تدميها.. إلَّا أنَّ زينب تبحث عن اليتامى.. كان كبدها يحترق ولكنّها تبحث عن اليتامى..

 

هذا الجسد الذي هدَّه الألم.. كان معجزة.. أثبتت زينب كفاءة منقطعة النظير، فلم يسقط طفل تحت حوافر الخيل.. ولا احترقت امرأة بالنار.. ولا ضاع طفل في تلك الليلة المشؤومة.

 

وبعد أن أنجزت زينب كلّ هذه المهامّ، واطمأنّت على سلامة الجميع، توجَّهت إلى الله، وانصرفت إلى العبادة، وصلَّت صلاة الليل. لقد كانت متعبة جداً، بحيث

169


139

الدرس الخامس عشر: النوافل وصلاة الليل

 أنَّها لم تستطع أن تصلّيها وقوفاً.. فصلَّت صلاة الليل من جلوس وتضرَّعت إلى الله تعالى وابتهلت.

 

كانت زينب إلهيّة.. والإلهيّون هكذا يواجهون المصائب ولا يرمش لهم جفن.. صابرين.. شاكرين.

 

سيماء الصالحين، الشيخ رضا مختاري، ص181

170


140

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يدرك الطالب أجر ومقام الجهاد والشهادة.

2- أن يعدّد بعض أهداف الجهاد الشخصيّة والاجتماعيّة.

3- أن يذكر ميزة الجهاد.

171


141

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 تمهيد

إنَّ الجهاد لنشر الدين، وإعلاء كلمة التوحيد، ولمواجهة الظلم والفساد، من العبادات التي تبعث على تكامل النفس وتزكيتها، وتوجب القربة من الله تعالى، وقد أكَّد القرآن الكريم كثيراً على الجهاد وأجره ومنزلته عند الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ *يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[1].

 

منزلة الشهيد

أكَّد القرآن الكريم على فضل الشهداء ومكانتهم وأجرهم ونورهم، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[2].

 

ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[3].




[1] سورة التوبة، الآيات: 20-22.

[2] سورة آل عمران، الآية: 169.

[3] سورة البقرة، الآية: 154.

173


142

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 وهاتان الآيتان تبيّن ذلك المقام الشامخ للشهداء، لأنَّ القرآن الكريم لا يصفهم فقط بكونهم أحياء، بل يبيّن أنّ لهم مقام "العنديّة" "عند ربِّهم" حيث يحيون في ذلك المقام، ويأتيهم رزقهم فيه، وينعمون بالأجر الوفير.

 

إنَّ للشهيد منزلة عظيمة عند الله تعالى، وقد أشارت آيات عديدة وروايات كثيرة إلى منزلته، من قبيل أنَّه تغفر ذنوبه وتكفَّر عنه سيّئاته، ويكون له المقام الرفيع يوم القيامة، ويكون له أجره ونوره.

 

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للشهيد سبع خصال من الله:

 

أوّل قطرة من دمه: مغفور له كلّ ذنب.

 

والثانية: يقع رأسه في حجر زوجتين من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك لهما.

 

والثالثة: يكسى من كسوة الجنّة.

 

والرابعة: تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه.

 

والخامسة: أن يرى منزله.

 

والسادسة: يقال لروحه اسرحي في الجنّة حيث شئتِ.

 

والسابعة: أن ينظر في وجه الله[1] وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد"[2].

 

تجارة الجهاد

يشبّه القرآن الكريم القتال في سبيل الله والشهادة بالتجارة مع الله تعالى، إنَّها دعوة للجهاد بأسلوب يبيّن حقيقته، ويشير إلى نتيجته العظيمة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ




[1] المقصود أنّه ينظر إلى ألطاف الله سبحانه وتعالى وفيوضاته اللامتناهية, فيعيش بذلك آفاق الرحمة الإلهيّة الواسعة.

[2] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج15، ص 16.

174


143

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[1].

 

إنَّها معاملة تجاريّة من أروع المعاملات، الطرف الأوّل هو الله تعالى الغنيّ عن العالمين، الطرف الثاني هم المؤمنون بالله واليوم الآخر، والثمن: هو الجنّة الخالدة والمثمن: هو أنفس المؤمنين وأموالهم، ثمَّ يشير تعالى إلى نتيجة هذه المعاملة: "ذلك هو الفوز العظيم".

 

أهداف الجهاد

الجهاد في سبيل الله عبادة كسائر العبادات، وله أهداف شخصيّة واجتماعية:

أ- الهدف الشخصيّ: وهو الهدف الأسمى والأساس والذي يشترك فيه كلّ المجاهدين، متى كان هو رضا الله سبحانه وتعالى، فساحة المعركة هي من الأمكنة الخاصّة التي يكون المجاهد فيها قريباً من الله عزّ وجلّ، يقول الإمام الخامنائيّ دام ظله: "ساحة القتال هي ساحة التعبّد، فلا تأثير فيها لأيّ عامل آخر حتّى للعقل، وإذا كنّا ملتفتين إلى هذه المسألة وجعلنا التقوى هدفنا والتحرّك لرضا الله غاية لنا عندها ستتحقّق كلّ أهدافنا".

 

ب- الهدف الاجتماعيّ: وهو الهدف الذي يراد منه نشر راية الإسلام وإعلاء كلمة الله، والقيام لله بحفظ حدوده وأحكامه وتعاليمه.

 

الإيثار ميزة الجهاد

إنَّ المجاهد مستعدّ أن يضحّي بأغلى ما لديه في سبيل الوصول إلى هدفه،




[1] سورة التوبة، الآية: 111.

175


144

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 وهو القرب من الله تعالى والحصول على رضوانه، إنَّ روح المجاهد تضيق بعالم المادّة والماديّات، وهو يترك كلّ ما في عالم الدنيا من مغريات، إنَّه يريد الوصول سريعاً إلى الله تعالى ليصل إلى مقام اللقاء الخالد، فإنّك عندما تتحدّث عن الجهاد في سبيل الله تعالى، تتحدّث عن البذل والعطاء، حيث إنَّ المجاهد يعطي من وقته وحياته وراحته في سبيل الله تعالى، وهذا ما يسمّى بالبذل، ولو اقتضى أن يضحّي المجاهد بأكثر ممّا يبذل لنفسه صار هذا البذل يدعى إيثاراً، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[1].



[1] سورة الحشر، الآية:9.

176


145

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 خلاصة الدرس

 

- إنَّ الجهاد عبادة توصل إلى مقام القرب، وتبعث على تزكية النفس.

 

- للشهيد منزلة كبيرة عند الله تعالى، حيث وصل إلى مقام اللقاء، لقاء الله تعالى، ليبقى عنده ويرزق من رزقه.

 

- شبَّه القرآن الكريم الجهاد بالتجارة، حيث يبيع المؤمنون أرواحهم ليشتروا الجنّة.

 

- إنَّ المجاهد له أهداف سامية من جهاده، ولذا ينال المقام الرفيع.

 

- إنَّ المجاهد يؤثِر عالم البقاء على عالم الفناء، وهو يريد أن يترك الدنيا ليصل إلى آخرته.

177


146

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 للمطالعة

 

الدعاء المستجاب

"اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة"، سمعت هذه الجملة من زوجها عمر بن الجموح، عندما لبس لامة حربِه واتجه ليشترك مع المسلمين، ولأوّل مرّة، في معركة أحد، كانت المرّة الأولى التي يساهم فيها عمرو بن الجموح بالجهاد مع المسلمين، لأنَّه كان أعرجَ. وطبقاً للآية الكريمة ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾[1] فإنَّه كان معذوراً من الجهاد، بالإضافة إلى ذلك، فقد كان له بنون أربعة يشهدون مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المشاهد، ولم يكن يظنّ أحد بأنّ عمرواً مع ما هو عليه من العذر الشرعيّ، يحمل سلاحاً ويلتحق بجيش المسلمين للاشتراك في هذه المعركة.

 

لهذا السبب أراد قومه أن يمنعوه فقالوا له: أنت رجل أعرج ولا حرج عليك، وقد ذهب بنوك مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أيذهبون إلى الجنّة وأجلس أنا معكم؟ ولمَّا لم يجد بدّاً من التخلّص منهم، ذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: يا رسول الله، إنّ قومي يريدون أن يحبسوني عن الجهاد والخروج معك، والله إنِّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة.

 

- أمَّا أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك.

 

- أنا أعلم يا رسول الله بأنَّ الجهاد غير واجب عليّ، ولكنّي مع ذلك أريد الذهاب.

 

فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لقومه: لا عليكم أن تمنعوه، لعلّ الله يرزقه الشهادة، فخلّوا عنه.



[1] سورة النور، الآية: 61.

178


147

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 كان عمرو بن الجموح يحاربُ في الرعيل الأوّل، وهو يعرج في مشيته، وكان يقول: (أنا والله مشتاق إلى الجنّة) وكان ابنه يعدو في أثره حتّى قُتلا، بعد أن حاربا شوقاً للشهادة وزهداً في الحياة، وبعد أن خمدت نار الحربّ الشؤوم، عادت النساء وكانت عائشة مع من عاد منهنّ، وفي الطريق وقع نظرها على هند زوجة عمرو بن الجموح، وهي تقود بعيراً متّجهة جهة المدينة، فسألتها: عندك الخبر فما وراءك؟

 

خير، أمَّا رسول الله فصالح، وكلّ مصيبة بعده جلل، ردّ الله الذين كفروا بغيظهم.

 

- مَنْ هؤلاء القتلى؟

 

- أخي وابني وزوجي.

 

- إلى أين تذهبين بهم؟

 

- إلى المدينة لأدفنهم فيها.

 

قامت هند، وقادت بعيرها نحو المدينة، كان البعير يمشي متثاقلاً نحو المدينة، وأخيراً برك، فقالت عائشة: برك بعيرك لثقل ما حمل.

 

- لا، ليس لهذا السبب لأنّه قوي جدّاً ولربما حمل ما يحمله البعيران، يجب أن يكون هناك سبب آخر، وزجرته فقام، فلمَّا وجَّهت به إلى المدينة، برك مرّة أخرى، فلمَّا وجَّهته راجعة إلى أُحُد أسرع في مشيه، فما رأت (هند) هذا الوضع العجيب من بعيرها، رجعت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقالت له يا رسول الله، إنّي وضعت جسد أخي وابني وزوجي على البعير، حتى أدفنهم في المدينة ولكن هذا الحيوان لا يقبل بالمسير إلى المدينة، ويتّجه بسرعة إلى أُحُد.

 

- فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الجمل لمأمور.

179


148

الدرس السادس عشر: الجهاد والشهادة

 هل قال عمرو زوجك شيئاً عندما توجّه إلى أُحُد؟

 

عندها تذكرت هند وقالت: نعم يا رسول الله، إنّه لما توجّه إلى أُحُد، استقبل القبلة، ثمَّ قال: اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة.

 

- لذلك لا يمضي الجمل نحو المدينة، إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يرجع هذا الجسد إلى المدينة، ثمَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ منكم يا معشر المسلمين من لو أقسم على الله لاستجاب له ومنهم زوجك عمرو بن الجموح.

 

بعد ذلك، أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدفنهم في أُحُد فدفنوا، ثمَّ قال لهند: قد ترافقوا في الجنّة جميعاً عمرو بن الجموح بعلك، وخلاد ابنك، وعبد الله أخوك.

 

- يا رسول الله، ادعُ لي عسى أن يجعلني معهم.

 

مرتضى مطهري، قصص الأبرار، دار التعارف، ص 186

180


149

الدرس السابع عشر: كتمان السر

 الدرس السابع عشر: كتمان السرّ

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يدرك الطالب أهميَّة كتمان السرّ.

2- أن يحذر من أخطار إفشاء الأسرار على الأشخاص والمسيرة.

3- أن يعمل على اكتساب ملكة كتمان السرّ وقلّة الكلام.

181


150

الدرس السابع عشر: كتمان السر

 تمهيد

إنَّ كتمان السرّ من قضايا الأخلاق العمليّة، التي ينبغي أن لا يُغفل عنها وعن أهميَّتها، من قِبَلِ المؤمنين الذين يهتمُّون بتربية أنفسهم وتزكيتها على مكارم الأخلاق.

 

إنّ كلّ سرّ يؤدّي إفشاؤه إلى مفسدة، سواء على المستوى الفرديّ، أم الاجتماعيّ، فهذا السرّ يجب كتمانه من باب حرمة الإضرار بالنفس أو الآخرين أو إيذائهم، فلا يعطى هذا السرّ إلى من يمكن أن تترتّب على إعطائه له تلك المحاذير، ولا ريب في كون هذا الأمر سوف يؤدّي إلى المساعدة على نجاح المؤمنين في أعمالهم العامّة الاجتماعيّة والدينيّة، ممّا يؤدّي إلى توفير كثير من الأجواء والإمكانيّات والعوامل التي تساعد الكثيرين على الأخذ بسبيل التديّن، ما يعني التوجّه نحو بناء النفس وتهذيبها والسير في طريق القرب الإلهيّ.

 

عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "يُحشرُ العبدُ يومَ القيامةِ وما ندى دماً فيُدفعُ إليهِ شبهُ المحجمة أو فوق ذلك. فيُقالُ لهُ: هذا سهمُكَ من دمِ فلان، فيقولُ: يا رب إنك لتعلمُ أنَّك قبضّتني وما سفكتُ دماً، فيقول: بلى سمِعتَ من فلان رواية كذا وكذا، فرويتَها عليه، فَنُقِلتَ حتى صارت إلى فلان الجبَّار فقتلهُ عليها وهذا سهمك من دمه"[1].



[1] الكليني، الكافي، ج2، ص 371.

183


151

الدرس السابع عشر: كتمان السر

 أهميّة الكتمان

أعطى المعصومون عليهم السلام للكتمان اهتماماً خاصّاً، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"[1]، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "سرّك أسيرك، فإن أفشيته صرت أسيره"[2].

 

وعنه عليه السلام أيضاً: "جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ ومصادقة الأخيار، وجمع الشرّ في الإذاعة ومواخاة الأشرار"[3].

 

موارد الكتمان

توجد موارد كثيرة لكتمان السرّ، منها ما يتعلّق بالجانب الشخصيّ والعائليّ، ومنها ما يرتبط بالجانب السياسيّ والاقتصاديّ، ومنها ما يرتبط بالجانب الأمنيّ والعسكريّ، والجانب الدينيّ:

 

أ- الجانب الشخصيّ والعائليّ: ففيما يرجع إلى حياة الإنسان اليوميّة والعائليّة، والتي تبقى على حفظ بعض الأسرار الخاصّة، والخاضعة للتبدّل والتغيّر، فمن كتم سرّه أمكنه تجنب الأخطاء. فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام قوله: "من كتم سرّه كانت الخيرة بيده"[4].

 

ب- الجانب السياسيّ والاقتصاديّ: وهو خاصّ بالعاملين في هذا المجال، وعليهم التحرّز من إفشاء أيّ معلومة يمكن لها أن تضرّ بمصالح المسلمين.

 

ج- الجانب الأمنيّ والعسكريّ: ولعلّه أكثر الموارد أهميّة لكتمان السرّ، لأنّ العدوّ يستفيد من المعلومات المفشاة بسرعة، ويلحق الضرر بالمسلمين.




[1] الريشهري، ميزان الحكمة، ج 1، ص63.

[2] م. ن، ج2، ص 1282.

[3] المجلسي، بحار الانوار، ج 71، ص 178.

[4] م. ن، ج 72، ص 69.

184


152

الدرس السابع عشر: كتمان السر

 د- الجانب الدينيّ: وهذا يرتبط بإفشاء بعض أسرار الدين، ممّا قد يستغلّه الأعداء للتشنيع على الدين والمسلمين.

 

عمَّن نكتمْ السرّ؟

إنَّ كتمان السرّ يجب أن يكون عن:

1- الأعداء: ومنهم المنافقون، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "كن من عدوّك على أشدّ الحذر"[1].

 

وعنه عليه السلام: "لا تشاور عدوّك واستره خبرك"[2].