مبادئ علم العرفان


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-10

النسخة: 2014


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

11

المقدمة

15

الدرس الأوّل: علم العرفان

17

تعريف علم العرفان

18

أقسام العرفان

19

موضوع علم العرفان ومسائله

20

هدف العرفان الإسلامي

21

المنهج في العرفان

25

السيد علي القاضي الطباطبائي

27

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

29

الفرق بين التصوّف والعرفان

31

الفرق بين الأخلاق والعرفان

32

خصائص العرفان الإسلامي

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

34

بداية العرفان الإسلامي

39

الشيخ بهجت

41

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

43

ثلاثة نظريات حول العرفان

44

القرآن الكريم

45

الحديث

46

سيرة المعصومين عليهم السلام

47

الشريعة

50

ابن الفارض

51

الدرس الرابع: العرفان النظري

53

الرؤية الكونية العرفانية

54

نظرة العارف إلى الوجود

55

نظرة العارف إلى العالم

57

نظرة العارف إلى الإنسان

61

الخواجة عبد الله الأنصاري

63

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

65

مقدّمة

65

تعريف السير والسلوك

66

حقيقة السلوك عند العرفاء

67

شروط السلوك

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

67

المناسبة بين الحقّ والخلق

68

قمع هوى النفس

68

رفع الحجب

69

الشيخ والمرشد

71

صدر الدين محمد القونوي

73

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

75

تعريف المقام والحال

78

أعداد المقامات والأحوال والاختلاف فيها

80

دور المقامات والأحوال في السير والسلوك

83

الحسن البصري

85

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

87

مقام اليقظة

87

حقيقة اليقظة

88

آثار اليقظة في وجود السالك

90

عوامل قبول نور اليقظة

90

مقام التوبة

92

آثار التوبة في وجود السالك

95

محيي الدين عربي

97

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

99

مقام الرضا

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

101

مقام التسليم

102

مقام التوحيد

105

الجنيد البغدادي

107

الدرس التاسع: الكشف والشهود

109

تعريف الكشف

110

أقسام المكاشفات

111

دور المكاشفات في السلوك

112

طرق نفوذ الخطأ إلى المكاشفات

112

معايير صحّة المكاشفات

115

السيد حيدر الآملي

117

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

119

التوجّه إلى الله تعالى

120

القرآن الكريم، المرجع الأساس للعرفان

121

الأدعية والمناجاة

121

الابتعاد عن حب الدنيا والرياسة

123

التصدّي للشأن السياسي والاجتماعي

124

الإخلاص

124

أداء التكليف الشرعي

127

ابن تركه الأصفهاني

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

129

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

131

وحدة الوجود

133

الأعيان الثابتة

134

العوالم والحضرات

134

الأحديّة والواحديّة

135

الشريعة والطريقة والحقيقة

135

الفيض الأقدس والفيض المقدّس

139

الإمام الخميني قدس سره

 

 

 

 

 

9


5

المقدمة

 المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
علم العرفان مثل بقية العلوم الإسلامية التي نشأت في حضن الثقافة الإسلامية ونمت وتكاملت في ربوعها. وهو علم يهدف إلى أمرين أساسيين:
الأول: تفسير الوجود من خلال تقديم رؤية كونية نظرية صحيحة ومطابقة للواقع حول الله والعالم والإنسان، وهو ما يصطلح عليه بعلم العرفان النظري. ففي هذا القسم يبحث العارف حول علاقات الإنسان مع نفسه ومع العالم ومع الله، وعمدة نظره تتجه نحو علاقة الإنسان بالله. وبرأي العرفاء واعتقادهم فإنّ الوصول إلى هذه المرحلة لا يكون إلا عبر إعمال العقل والتفكير، بالإضافة إلى القلب والمجاهدة والسير والسلوك وتصفية النفس وتهذيبها. فالأدوات المعرفية التي يعتمد عليها العارف في تفسيره للوجود لا تعتمد على العقل فقط كالفيلسوف بل يتعداه أيضا إلى القلب والحركة الباطنية، بالاضافة إلى القرآن والسنة الشريفة.

الثاني: تقديم برنامج عملي تطبيقي لكيفية سير الإنسان المعنوي للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما يسمى عند العرفاء بالعرفان العملي أو بالسير والسلوك العرفاني. والعارف في هذا القسم يتحدّث عن نقطة البدء وعن المقصد وعن المنازل والمراحل ينبغي أن يطويها السالك بالترتيب حتى يصل إلى المنزل النهائي، وهو التوحيد. 

وعلم العرفان لكونه علماً إسلامياً، ويدرّس بشكل رسمي في معاهدنا وحوزاتنا الدينية. ولكونه علماً خاصاً وليس متاحاً لأي كان دخول صرحه إلا بعد تجاوز
 
 
 
 
 
 
11

6

المقدمة

 المقدمات المطلوبة، وبعد التأكّد من حصول الطالب على المؤهّلات العلمية والسلوكية الخاصة. ونظراً للّغط الكبير الذي دار وما زال حول مدى صحّة هذا العلم وحجّيته، ومن أجل رفع اللّبس عن أهمّ التّهم التي ألصقت به دون دراسة وتفحّص علمي ومنطقي، كان لا بد من تعريف الشريحة المثقّفة والمتعلّمة على بعض جوانب هذا العلم، من خلال التعريف به وبمسائله وشروطه وأهدافه الحقيقية. 


فكان هذا الكتاب إطلالة أولى تمكّن الطالب المتعلّم من تكوين تصوّر أولي ومنهجي حول علم العرفان بكلا قسميه النظري والعملي.

مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
12

7

الدرس الأوّل: علم العرفان

 الدرس الأوّل: علم العرفان





أهداف الدرس:
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى علم العرفان وأقسامه.
2- يبيّن موضوع علم العرفان وأهم مسائله.
3- يذكر هدف علم العرفان وغايته.
 
 
 
 
 
 
 
15

8

الدرس الأوّل: علم العرفان

 علم العرفان الإسلامي، واحد من العلوم التي نشأت في خضمّ تعاليم الدين الإسلامي، واستقت منه أسسه وقواعده، وأخرجته في مرحلة لاحقة على نزول الوحي إلى عالم الوجود الخارجي، فأضحى منذ القرنين الثالث والرابع على أقلّ تقدير، علماً قائماً بنفسه، يمتلك كلّ المقوّمات الأساسية للعلم. وهذا يعني أنّ العرفاء حدّدوا لهذا العلم موضوعاً خاصاً به مستقلّاً عن كافّة العلوم، ومسائل يجري البحث فيها، وبيّنوا المنهج المعرفي الذي يمكن من خلاله القيام بمهمّة الإثبات والنفي والقبول والرفض على مستوى المسائل.

 
تعريف علم العرفان
العرفان في اللغة مشتقّ من "عَرَفَ"، ويُعْنى به المعرفة. يقول ابن منظور: "عرف: العرفان: العلم... عَرَفَه، يَعْرِفُهُ، عِرْفَة وعِرْفاناً وعِرِفَّاناً وَمَعْرِفَةً واعترفه... ورجل عروفٌ: وعَروفة: عارف يعرف الأمور، ولا ينكر أحداً رآه مرة... والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم... والجمع عرفاء..."1 



[1] ابن منظور، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، قم، إيران، 1405، مادة عرف، ج 9، ص 236.
 
 
 
 
 
 
 
 
17

9

الدرس الأوّل: علم العرفان

 العرفان في الاصطلاح عبارة عن المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبية، لا بواسطة العقل ولا التجربة الحسّية... وهذا اللون من المعرفة يحصل في ظلّ العمل المخلص بأحكام الدين، وهو الثمرة الرفيعة والنهائية للدين الحقيقي1.

 
وعلى هذا الأساس قدَّم أصحاب الاختصاص تعاريف متعدّدة للعرفان، من أبرزها ما جاء على لسان القيصري: "هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأحدية ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة, لتخليص النفس عن مضايق القيود الجزئية واتّصالها إلى مبدئها واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّية"2.
 
ويتّضح من خلال التعريف المتقدّم أمور، أبرزها: أقسام علم العرفان، موضوعه ومسائله.
 
أقسام العرفان
يظهر من التعريف المتقدّم أن العرفان يقسم قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي.
أمّا العرفان النظري، فهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتجلّياته. ويُراد منه إعطاء رؤية كونية عن المحاور الأساسية في عالم الوجود، وهي "الله" و"الإنسان" و"العالم".
 
والعرفان العملي عبارة عن العلم بطريق السير والسلوك، فمن أين يبدأ، وإلى أين ينتهي، وما هي المنازل والمقامات التي يجب أن يسلكها العارف للوصول إلى 



1 اليزدي، محمد تقي مصباح، محاضرات في الإيديولوجية المقارنة، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، دار الحق، قم، ط 1، ص 20 ـ 21.
2 القيصري، شرف الدين محمود، رسائل القيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية، ص 7، نقلاً عن: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، مركز الدراسات والتحقيقات الإسلامي، قم، ص 19.
 
 
 
 
 
 
 
 
18

10

الدرس الأوّل: علم العرفان

 الله تعالى، وكيفيّة مجاهدة النفس للتغلّب على ميولها وتحريرها من علائقها، حتى تستطيع طيّ المراحل والجدّ في سيرها إلى الله تعالى1.

 
أمّا القسم الأول من العرفان، فهو يشبه علم الفلسفة لجهة محاولته تقديم تفسير للوجود، يُراد منه تقديم رؤية كونية عرفانية يكون لله فيها الأصالة الأساسية والوحيدة، وكلّ ما سوى الله ما هو إلا مظهر وتجلٍ لتلك الحقيقة الواحدة.
 
وإذا كان الفيلسوف يحاول تقديم رؤية ترتكز على محورية الله كواجب للوجود، وتكوين صورة جامعة عن الله وعلاقته بالكون، فقد استخدم الفيلسوف لذلك الدليل والبرهان, أمّا العارف في محاولته تقديم رؤيته الكونية هذه، فهو غير مهتمّ بالعقل والفهم، بل العارف يقدّم رؤيته ليصل إلى كنه وحقيقة الوجود2.
 
أمّا القسم الثاني من العرفان, أي العرفان العملي، فهو عبارة عن ذاك الجانب الذي يبيّن العلاقات والواجبات المفروضة على الإنسان مع نفسه ومع العالم ومع الله. فيوضح فيه للسالك، من أين يجب أن يبدأ، وإلى أين يجب أن ينتهي، وكيف يسلك ليصل إلى تلك الحقيقة الواحدة، ويتطلّب الأمر توضيح المقامات والمنازل التي يجب قطعها للوصول3.
 
موضوع علم العرفان ومسائله
يتّضح من التعريف السابق أنّ موضوع علم العرفان هو الحقّ تعالى. طبعاً يدرس العرفاء موضوعهم باعتبار تعيّنه بواحد من تعيّناته الخاصة، على أساس أنّ العرفاء يعتقدون بالوحدة الشخصيّة للوجود، وهذا يعني أنّ الموضوع الجدير بالبحث



1 رحيميان، سعيد، مبادئ العرفان النظري، طهران، مؤسسة سمت، 1388، ط 4، ص 8.
2 مرتضى، مطهري، العرفان، بيروت، دار المحجّة البيضاء، ط 1، 1992، ص 22. يشار هنا إلى نظرية العرفاء في الوجود حيث يعتقدون بأنّ الوجود هو الحقّ تعالى من باب أنّ  الوجود لا يمكن أن يُحمل بالحقيقة إلّا على موجود واحد، هو الحقّ تعالى أي علّة العلل، حيث إنّ كلّ ما سواه يحتاج في الوجود إليه تعالى.
3 المصدر نفسه، ص 14.
 
 
 
 
 
 
 
 
19

11

الدرس الأوّل: علم العرفان

 عندهم هو الله تعالى ومعرفة وجوده، ولكن إذا كان الله تعالى الكامل على الإطلاق، يفيض منه الوجود بمقتضى كماله، ثمّ إنّ الموجودات لا بدّ أن تتحرّك للوصول إلى الله تعالى. هنا لم يجد العرفاء بداً من دراسة المسائل الآتية:

1- توضيح حقيقة الوجود.
2- معرفة الله.
3- معرفة العالم.
4- معرفة الإنسان.
 
هدف العرفان الإسلامي
إنّ الإطلالة على هدف العرفان الإسلامي، يساعد - وإلى حدّ بعيد - في فهم حقيقته. فما هو الهدف من علم العرفان؟
 
إنّ الهدف الأساس لعلم العرفان الإسلامي، الوصول إلى الله تعالى والفناء فيه, أي الوصول إلى حيث لا يرى الإنسان إلا الله تعالى، ولا يبصر إلا وجهه جلّ وعلا. يعتقد العرفاء أنّ من يصل الى هذا المقام، أي لا يرى إلا الله تعالى، فقد وصل إلى مقام كان فيه غافلاً عن كلّ ما سوى الله, باعتبار أن الحق تعالى هو حقيقة الحقائق التي ليس وراءها حقيقة.
 
يبيّن العرفاء أنّ من يصل إلى أعلى المقامات الوجودية، فهو شخص يرى الله تعالى في كلّ شيء، وفي كلّ حركة من حركاته، أو حركات الأشياء الأخرى المحيطة به. ولكنّ السؤال: هل يبتعد هذا الشخص عن رؤية الأشياء؟ وهل ينظر إليها على أنّها معدومات؟ هنا يؤكّد الأستاذ الشهيد مطهري أنّ العارف في هذا المقام لا يغفل عن الخلق، بل يشاهد الخلق وحركاتهم إلا أنّه ينظر إلى الجميع على أنّها تحكي عن الإله وعن عظمة الخالق1.



1 مطهري، مرتضى، العرفان، ص 93-94.
 
 
 
 
 
 
 
20

12

الدرس الأوّل: علم العرفان

 ومن هنا يمكن القول: إنّ العرفان الإسلامي بقسميه يهدف إلى الوصول بالإنسان إلى أرقى مراتب الكمال الإنساني، والطريق إلى ذلك لا يحصل إلا بالمجاهدة والرياضة.

 
المنهج في العرفان 
المنهج هو الطريق الذي يوصل إلى الهدف. وإذا كان لكلّ علم منهج، يمكن من خلاله إثبات أو نفي المدّعيات والفرضيات، فعلم العرفان أيضاً واحد من العلوم التي تمتلك منهجاً خاصاً. ولكن ما هو المنهج في علم العرفان؟
 
الواضح من خلال كلمات العرفاء أنّ المنهج والطريق الوحيد الموصل إلى الحقائق هو الكشف والشهود. والمقصود من الكشف والشهود مشاهدة الحقائق الغيبيّة الواقعة وراء عالم الشهادة. وأمّا السبيل إلى ذلك، فقد أشار العرفاء إلى أمور، من أبرزها تربية النفس وتهذيبها، والمواظبة على العبادات وكلّ ما يؤدّي إلى القرب من الله تعالى، وخلوص النفس له.
 
أطلق العرفاء على العلم الحاصل من الكشف والشهود، العلم الإلهي، وبيّنوا أنّ الطريق لذلك يجب أن يحصل في إطار التفرّغ للعبادة. يقول العارف السيّد حيدر الآملي: "وأمّا كيفيّة تحصيل العلوم الحقيقية فهو في غاية السهولة, لأنّها موقوفة على فراغ القلب وصفاء الباطن، وهذا يمكن بساعة واحدة وبيوم واحد وبليلة واحدة..."1
 
تحدّث العرفاء حول أهمّية هذا المنهج. طبعاً، لم يجعل العرفاء هذا المنهج مخالفاً، لمنهج العقل، بل قد يُفهم من كلام بعضٍ منهم أنّ منهج الكشف والشهود أرفع وأعلى، وهو الذي يساهم في كمال المعرفة الحاصلة بواسطة العقل. وبعبارة أخرى: المنهج العقلي مقبول، إلّا أنّه ليس كافياً في الوصول إلى المعرفة الصحيحة.
 
ولعلّ كلام ابن سينا واضح في تبيين طبيعة العلاقة بين العقل والكشف، إذ يظهر



1 الآملي، حيدر، جامع الأسرار ومنبع الأنوار في رسالة نقد النقود في معرفة الوجود، طهران، شركة المنشورات العلمية والثقافية،2002، ص 472.
 
 
 
 
 
 
 
 
21

13

الدرس الأوّل: علم العرفان

 منه انصراف الفكر بالكامل إلى الحقّ، وهو الذي يساهم في الوصول إلى المعارف الحقيقية الصادقة.1

 
ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر، فما لك يا أخي، تبقى في هذه الورطة، ولا تدخل طريق الرياضيات والمجاهدات والخلوات التي شرّعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!"2.
 
ولكن، لماذا فَضَّل العرفاء منهج الشهود على المنهج العقلي، والجواب يكمن فيما يأتي3:
1- إنّ المعارف التي يحصل عليها الإنسان بواسطة العلوم هي نتيجة الاستدلالات والتجارب التي عاشها البشر طوال التاريخ، ولطالما اكتشف البشر خطأ معارفهم, فقاموا بإصلاحها أو تعديلها أو إلغائها... لذلك يعتبر العرفاء أنّ ما يحصل من معارف بواسطة المناهج الموجودة، هي أمور لا تسكن النفس إليها ولا تستريح, لأنّ احتمال الخطأ فيها يبقى وارداً، وهذا ما لا وجود له في المعارف الحاصلة عن طريق الكشف والشهود، طبعاً إذا كانت هذه المعارف تتطابق مع المعايير والضوابط التي وضعوها للصحّة والخطأ في الكشف.
 
2- الأمر الثاني الذي يدعو إلى تفضيل المنهج الشهودي، أنّ مناهج العلوم على اختلافها تؤدّي إلى إدراك العالم وخالقه عن طريق المفاهيم التي تحصل عليها بالأسلوب الحصولي، الذي يعني حصول صورة المعلوم عند العالم، وأمّا المنهج الشهودي فيجري مشاهدة الأمور والحقائق عياناً دون توسّط صور.



[1] راجع: ابن سينا، الحسين بن علي، الاشارات والتنبيهات، شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا، مؤسسة النعمان، 1992م، ج3، ص369
[2] جامع الأسرار،ص 491.
[3] المصدر نفسه، ص 492
 
 
 
 
 
 
 
22

14

الدرس الأوّل: علم العرفان

 أسـئلـة الـدرس

1- ما معنى علم العرفان اصطلاحاً؟
2- ما هو موضوع علم العرفان وتحدث عن أهم مسائل هذا العلم؟
3- ما هو المنهج الذي اتبعه العارف ليصل إلى الهدف والغاية من العلم؟



المفاهيم الرئيسة
1- علم العرفان الإسلامي، واحد من العلوم التي نشأت في خضمّ تعاليم الدين الإسلامي، واستقت منه أسسه وقواعده.

2- العرفاء حدّدوا لهذا العلم موضوعاً خاصاً به مستقلّاً عن كافّة العلوم، ومسائل يجري البحث فيها، وبيّنوا المنهج المعرفي الذي يمكن من خلاله القيام بمهمّة الإثبات والنفي والقبول والرفض على مستوى المسائل.

3- العرفان في اللغة مشتقّ من "عَرَفَ"، ويُعْنى به المعرفة. وفي الاصطلاح هو عبارة عن المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبية. 

4- يظهر من التعريف المتقدّم أن العرفان يقسم قسمين: العرفان النظري، والعرفان العملي.

5- العرفان النظري، فهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتجلّياته.

6- العرفان العملي عبارة عن العلم بطريق السير والسلوك، والمنازل والمقامات التي يجب أن يسلكها العارف للوصول إلى الله تعالى. 

7- موضوع علم العرفان هو الله تعالى ومعرفة وجوده. وأهم مسائله تدور حول حقيقة الوجود، معرفة الله، معرفة العالم، معرفة الإنسان.
 
 
 
 
 
 
 
23

15

الدرس الأوّل: علم العرفان

 8- الهدف الأساس لعلم العرفان الإسلامي، الوصول إلى الله تعالى والفناء فيه, أي الوصول إلى حيث لا يرى الإنسان إلا الله تعالى، ولا يبصر إلا وجهه جلّ وعلا.


9- المنهج هو الطريق الذي يوصل إلى الهدف. المنهج والطريق الموصل إلى الحقائق عند العارف هو الكشف والشهود. 
 
 
 
 
 
 
 
24

16

الدرس الأوّل: علم العرفان

 للمطالعة


السيد علي القاضي الطباطبائي
هو السيّد علي بن حسين القاضي الطباطبائي، ولد عام 1285هـ. في مدينة تبريز، ونشأ في أسرة علمية موسومة بالفضل. يعتبر السيد علي أبرز العرفاء المتأخّرين، عاش أغلب حياته في النجف الأشرف، وكان أستاذاً في الأخلاق والسير والسلوك، تتلمذ على يديه الكثير من أعاظم العلماء والمراجع. توفّي في النجف الأشرف عام (1366هـ).

درس المقدّمات في تبريز، ثمّ انتقل في العام 1313هـ. إلى النجف الأشرف، وحضر دروس بعض العلماء الكبار، من أمثال الشيخ المامقاني وشيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ محمد كاظم الخراساني...

عاش حياته فقيراً، مع ذلك فلم يبدُ عليه أيّ قلق، ولم تأخذ الحاجة المادّية حيّزاً من تفكيره، بل كان كلّ تفكيره وهمّه عبادة الله عزّ وجلّ، وكان يقول: الأفضل لي أن أبقى فقيراً, لأنّ في ذلك تحسّن حالتي الروحية والمعنوية.

كان السيد القاضي يتخفّى في عبادته إلا الفرائض، وكان له غرفة في مسجد الكوفة يتعبّد فيها أو يذهب إلى مسجد السهلة، وكان كثير الصمت يحي ليله بالتهجّد والعبادة، ونهاره بالتفكير والمطالعة.

كان السيد القاضي صاحب خلق رفيع، وقد هذّب نفسه تهذيباً كاملاً من رذائل الأخلاق، وتحلّى بالصفات المحمودة، وتحرّر من شهواته الحيوانية، فأصبح إنساناً ملكوتياً تنكشّف له الحقائق والأحداث. وقد نقل العلماء الكبار، أمثال السيد الخوئي والعلامة الطباطبائي، الكثير من الكرامات التي حصلت معه.
 
 
 
 
 
 
 
 
25

17

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه




أهداف الدرس:
1- يبيّن الفرق بين العرفان وكل من التصوّف والأخلاق.
2- يذكر نبذة عن خصائص العرفان الإسلامي.
3- يعرّف بشكل مختصر على تاريخ العلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
27

18

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 الفرق بين التصوّف والعرفان

التصوّف حركة ظهرت في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، وذلك استجابة لبعض النصوص الدينية التي تدعو الإنسان المسلم للابتعاد عن الدنيا، والانشغال بالعبادة والطاعة.
 
والتصوّف في اللغة مصدر على وزن تفعّل، فهو مصدر اشتق من اسم، ويعني لبس الصوف، مثل: تقمّص, فهي تعني لبس القميص1. وتطلق في بعض معانيها على الميل: "يقال" صاف السهم عن الهدف, بمعنى "مال عنه..."2 ويطلق التصوّف ويراد به النسبة إلى الصوف, لأنّ بعض الزّهاد اختاروا هذا اللباس للدلالة على الزهد، وقد يراد النسبة إلى "الصُفّة" أو إلى الصفاء.
 
جاء في كتاب "كشّاف اصطلاحات الفنون" ما نصّه: "في اللغة، التصوّف يعني ارتداء الصوف, وهذا نتيجة الزهد وترك الدنيا، وفي نظر أهل العرفان تطهير القلب من محبّة ما سوى الخالق، وتقويم الظاهر من حيث العمل والاعتقاد بالتكليف أو المأمور به، والابتعاد عن المنهي عنه، والالتزام بما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء جماعة من المتصوّفة المحقّة"3.

 


[1] مقدّمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، ضياء الدين سجادي، أحمد الاشتياني، كريم الاميري فيروز كوهي، دار الهادي، بيروت 2001، ص 4.
[2] لسان العرب، مادة (صوف)، ج 11، ص 102 ـ 103.
[3] التهانوي، محمد علي، كشّاف اصطلاحات الفنون، حقّقه محمد وجيه عبد الغني وغلام قادر، طبعة الهند ـ انتشارات خيام، 1346هـ. ش، ج 1، ص 841.
 
 
 
 
 
 
 
 
29

19

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 قد عرّفوا التصوّف بتعاريف متعدّدة، من جملتها ما ذكر أبو الحسن النوري: "التصوّف هو الابتعاد وترك العلائق النفسيّة فالمتصوّفة هم الذين اطلقوا أنفسهم من كدر البشرية، وتخلّصوا من الآفات النفسيّة وهواها, وذلك من أجل أن يكونوا في مقدّمة الصفّ..."1.

 
أمّا ابن خلدون، فيحدّد التصوّف بشكل أدقّ، ويقول: "هو العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه..."2 وهناك العديد من العبارات الأخرى التي ذكرها الصوفية في تعريف التصوّف والصوفي3.
 
أمّا ما هو الفرق بين التصوّف والعرفان؟ 
بداية لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العرفان الإسلامي ظهر بداية على شكل حركة صوفية4، كان المراد منها تربية النفس وتهذيبها عملياً، وإبعادها عن كلّ ما له علاقة بالدنيا وزخارفها، ثمّ تحوّلت هذه الحركة الصوفية - ونتيجة اتّساعها - إلى أن تصبح حركة أكثر تكاملاً، تمتلك نظرية خاصة ورؤية محدّدة لله والإنسان والوجود، وبناءً على ذلك. فإنّ الاختلاف بين التصوّف والعرفان يعود إلى وجهتي نظر:
الأولى: أنّ للعرفان والتصوّف معنى واحداً من حيث الاصطلاح، وما يميّزهما هو اختلاف بسيط. فقد درس الباحثون الإسلاميون العرفان في بُعْدين: الأوّل باعتباره حركة ثقافية معرفية، والثاني باعتباره حركة اجتماعية وُجِدت في 



[1] مقدّمات تأسيسية، ص 8 ـ 9.
[2] ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد، ط 1، لجنة البيان العربي، القاهرة 1379هـ ـ 1960م، ص 157.
[3] لمزيد من المعلومات راجع: مقدّمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، المقال الأوّل.
[4] راجع: حسيني، قوام الدين العرفان الإسلامي (بالفارسية)، مركز الدراسات الإسلامية، ط 1، مطبعة سبهر، قم، ص 21 ـ 22.
 
 
 
 
 
 
 
30

20

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 العالم الإسلامي بعد نزول الوحي. وإذا كان العرفان يدخل على كلا البعدين، فإنّ التصوّف يدلّ على البعد الاجتماعي للعرفان. وهذا يعني أنّ الحركة الصوفية هي حركة اجتماعية وُجِدت في المجتمع الإسلامي، كانت تدعو للعمل بالتعاليم الدينية فيما له علاقة بالزهد والابتعاد عن الدنيا...1.

 
الثانية: أنّ العرفان أعلى من التصوّف, لأنّ التصوّف أسلوب وطريقة نابعة من العرفان. وهذا يعني أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. فكلّ عارف متصوّف، وليس من الضروري أن يكون كلّ متصوف عارفاً.
 
ولعلّ إلى هذا البحث أشار الشيخ الرئيس ابن سينا في حديثه حول الزاهد والعابد والعارف، حيث قال:2 "المُعْرِض عن متاع الدنيا وطيّباتها يُخَصُّ باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات، من القيام والصيام ونحوها، يُخَصُّ باسم العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً بشروق نور الحقّ في سرّه يُخَصُّ باسم العارف، وقد يتركَّب بعض هذه مع بعض".
 
الفرق بين الأخلاق والعرفان
أشرنا إلى أنّ العرفان العملي علم يوضّح كيفية السير والسلوك للوصول إلى الحقيقة المطلقة، وهو بهذا الأسلوب يبيّن ما ينبغي على السالك أن يفعله وما لا ينبغي. وعلى هذا الأساس، فالعرفان العملي لا يختلف كثيراً عن علم الأخلاق الذي هو علم يبيّن كيفية اكتساب الفضائل والابتعاد من الرذائل. ومع ذلك يمكن الإشارة إلى بعض العناوين التي تشكّل الفوارق الأساسية بين العرفان، بشقّيه النظري والعملي، والأخلاق.



[1] راجع: مطهري، مرتضى، العرفان، ص 11 ـ 12.
[2] ابن سينا، الحسين بن علي، الإشارات والتنبيهات، شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا مؤسسة النعمان، 1992م، ج3، ص369.
 
 
 
 
 
 
 
31

21

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 الفارق بين الاثنين هو ما عبّر عنه الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري، عندما أشار إلى أنّ العرفان علم مَرِن، بينما الأخلاق علم جامد ثابت. والمقصود من ذلك أنّ العرفان العملي يبيّن عملية السير والسلوك عند العارف، حيث يجب تحديد نقطة البداية والمقصد والمنازل التي يجب أن يطويها العارف للوصول. وهذه المنازل لا يمكن أن تُطوى إلا بالتدريج، ومنزلاً بعد منزل. أمّا الحديث في الأخلاق. فليس حول منازل تتحقّق بالتدريج وواحدة بعد أخرى، بل الحديث حول سلسلة من الفضائل، من قبيل الصدق والعدل والعفّة والإحسان والإنصاف والإيثار... من دون وجود أيّ تراتبيّة في الموضوع.

 
العناصر الأخلاقية محدودة بمعانٍ ومفاهيم معروفة في الغالب، أمّا العناصر العرفانية فواسعة جداً وعميقة. قد نقول على سبيل المثال: إنّ الشخص الفلاني صادق، فهذا معنى واضح ومعروف، ويدلّ على حالة خاصّة عنده، أما عندما نقول: إنّ العارف تحصل له المقامات والأحوال الفلانية، كالرضا على سبيل المثال، فهذا ليس أمراً واضحاً محدّداً، ولا محصوراً بمفاهيم لفظية وغير لفظية.
 
ما تقدّم عبارة عن الفارق بين العرفان العملي والأخلاق، أمّا ما يميّز العرفان النظري عن الأخلاق، هو أنّ العرفان النظري مذهب فكري، يُعني بتفسير الوجود ومعرفة الله والعالم والإنسان، فالعرفان النظري من هذه الجهة كالفلسفة، وهذا يخالف علم الأخلاق1.
 
خصائص العرفان الإسلامي
يمتاز العرفان الإسلامي بمجموعة من الخصائص والعناوين التي تميّزه عن غيره من الحركات "العرفانية" التي وُجِدت على امتداد الأديان والمذاهب البشرية، ونشير هنا إلى أبرز هذه الخصائص:



[1] مطهري، مرتضى، العرفان، ص 15 ـ 17.
 
 
 
 
 
 
 
32

22

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 1- محورية الله تعالى:

يتمحور العرفان الإسلامي حول الله تعالى، فالعرفان بكلا قسميه مرفوض وغير صحيح إذا حذفنا منه الله تعالى. ومحورية الله تعالى تتضمّن الإيمان به تعالى، وفهم كافة الوجود في إطار وجوده، ومن ثمّ العمل والحركة أو السير والسلوك نحوه.
 
2- الولاية:
يعتبر السالك إلى الله في العرفان الإسلامي من أصحاب الولاية، وهذا يعني معرفة الإنسان الكامل والمعصوم وحبّه والالتزام العملي بسيرة أولياء الله تعالى.
 
3- العمل بالشريعة:
يمتاز العرفان الإسلامي بأنّه يتحرك طبقاً للشريعة, أي طبقاً للأحكام الفقهية الإسلامية. والشريعة تشكّل المحور الأساس الذي يستقي منه العرفاء مادّة سيرهم وسلوكهم، وبها يعرفون مدى الإصابة والخطأ فيهما. فالعرفان من دون الشريعة ضلال. عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا وأنّ شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة, فمن أخذ بها لحق وغنم، ومن وقف عنها ضلّ وندم"1.
 
4- العقلانية:
العرفان الإسلامي ليس بعيداً عن العقل والعقلانية. فالعارف لا ينكر دور العقل، بل يضع المعرفة الشهودية والسلوكية في طول المعرفة العقلية. وبعبارة أدقّ: يستعين العارف بالعقل عندما يفرغ من عملية السير والسلوك، وينتقل إلى مرحلة إثبات الحقائق والكشفيات للآخرين, إذ إنّ إقناع الآخرين يحتاج إلى وسيلة مقبولة، وهي من دون شكّ العقل. طبعاً للعرفان خصائص أخرى، نكتفي بما ذكرناه منها.



[1] نهج البلاغة، الخطبة 12.
 
 
 
 
 
 
 
 
33

23

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 بداية العرفان الإسلامي

بدأ العرفان الإسلامي في مرحلة متأخّرة على ظهور الحركة الصوفية في العالم الإسلامي، والتي بدأت تباشيرها مع بداية نزول الوحي، وهذا ما نجده في حال الزهّاد والعباد الذين شكّلوا نواة المتصوّفة في العالم الإسلامي، حيث عُرِفوا في المرحلة الأولى باسم الزهّاد والنسّاك، وليس باسم الصوفية. وكان اعتقاد هؤلاء الأشخاص صافياً، وإيمانهم نقياً خالصاً، لم تُدَاخلهم الأفكار الفلسفية والكلامية، وكان جلَّ ما يريدون، الاستجابة لنداء الوحي، وأن يكونوا من عباد الله المخلصين.

اتّسعت الحركة الصوفية وانتشرت، وأصبحت تجمع شيئاً فشيئاً العدد الكبير من الأشخاص الذين شكّلوا في مرحلة لاحقة مدرسة خاصّة، كان لهم أفكارهم وسلوكياتهم ومظاهرهم التي تميّزهم عن غيرهم، والتي انتهت في المرحلة اللاحقة على القرن السابع، وأدّت إلى ظهور علم العرفان. وبشكل عام يمكن التمييز بين مراحل ثلاث للعرفان الإسلامي:
المرحلة الأولى: ظهور وتكامل العرفان العملي.
المرحلة الثانية: تدوين وشرح العرفان النظري.
المرحلة الثالثة: أفول مشايخ الصوفية من الناحيتين العلمية والعملية، والتوجّه نحو العرفان العملي القائم على أساس الفكر الشيعي.

المرحلة الأولى: تبدأ المرحلة الأولى من القرن الأوّل الهجري إلى القرن السادس، وتمتاز بالخصائص الآتية:
1- رواج وشيوع حالات التصوّف بين الأفراد.

2- بداية ظهور العرفان العملي من خلال ميل بعض المؤمنين نحو الزهد والعبادة (القرن الأول الهجري).
 
 
 
 
 
 
 
34

24

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 3- ظهور بعض المفاهيم التي راجت على ألسنتهم، كالعشق والحبّ الإلهيين، والتوجّه نحو باطن الشريعة (القرن الثاني الهجري).


4- الشروع بالاهتمام بالعرفان النظري (القرن الثالث).

5- تكامل العرفان العملي، وتدوين أصول السير والسلوك، والبدء بالحديث عن دور الشريعة في الوصول إلى الحقيقة (القرن الرابع).

6- وصول العرفان إلى أعلى مراتبه، وإقبال الناس عليه، وظهور مشايخ العرفاء وامتزاج أبحاثهم بالأفكار الكلامية والفلسفية (القرنين الخامس والسادس).

من أبرز الشخصيات في هذه الفترة: الحسن البصري، إبراهيم الأدهم، رابعة العدوية، أبو هاشم الصوفي، بايزيد البسطامي، بشر الحافي، السري السقطي، الجنيد البغدادي، الحسين بن منصور الحلاج، أبو سعيد أبو الخير، الهجويري، 
الخواجه عبدالله الأنصاري...

المرحلة الثانية: تتراوح هذه المرحلة بين القرنين السابع والعاشر من الهجرة، وتمتاز بانتشار العرفان وسيطرة العرفان النظري بالأخصّ، مع وجود شخصيات كبيرة من أمثال ابن عربي (م 638هـ.) وظهور الشروحات على أفكار وكتابات ابن عربي، ووجود بعض الحركات الصوفية والعرفانية الشيعية. وفي هذه المرحلة أيضاً بدأ الجمع بين العرفان والدين، وفي هذا الإطار تأتي الجهود التي بذلها الشيخ البهائي (م1030هـ.) وأمثاله، وقد أدّت في النهاية إلى أفول التصوّف. من أبرز الشخصيات في هذه المرحلة: شهاب الدين السهروردي الزنجاني، ابن عربي، القونوي، جلال الدين الرومي، محمود الشبستري، السيد حيدر الآملي، صائن الدين علي بن تركه الأصفهاني، الفناري...

المرحلة الثالثة: بدأ مشايخ الصوفية يفقدون الأبعاد العلمية والثقافية التي كانت تحيط بهم، وغرق التصوّف في المظاهر والكثير من البدع. وفي هذه المرحلة,
 
 
 
 
 
 
35

25

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 أي ما بعد القرن العاشر الهجري، بدأ التخصّص في العرفان النظري، واتّسعت الدراسات التي تناولت ابن عربي، واقترب

العرفان والتصوّف من الشرع والفلسفة والكلام، وذلك مع وجود شخصيات هامّة في العالم الإسلامي من أمثال صدر الدين الشيرازي (م 1050هـ. ق).
 
والخلاصة، أنّ العرفان بدأ في القرون الأولى على صورة ممارسات يشكّل الزهد والعبادة جوهرها، ثمّ انتقل ليشكّل حالة وحركة خاصة لها ما يميزها، ومن ثمّ أصبح مدرسة علمية وفكرية لها أسسها ومبادؤها ونظرياتها1.



[1] راجع: حسيني، السيد قوام الدين، العرفان الإسلامي، ص 25 وما بعدها.
 
 
 
 
 
 
 
 
36

26

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 أسـئلـة الـدرس

1- ما هو الفارق الجوهري بين علم العرفان والتصوّف؟
2- عدد خصائص علم العرفان وتحدّث عن واحدة منها بالتفصيل.
3- عدد المراحل التاريخية للعلم العرفان وتحدث عن واحدة منها بالتفصيل.
 
 
المفاهيم الرئيسة
1- التصوّف حركة ظهرت في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، وذلك استجابة لبعض النصوص الدينية التي تدعو الإنسان المسلم للابتعاد عن الدنيا، والانشغال بالعبادة والطاعة.
 
2- العرفان الإسلامي ظهر بداية على شكل حركة صوفية1، كان المراد منها تربية النفس وتهذيبها عملياً، ثمّ تحوّلت هذه الحركة إلى أن تصبح حركة أكثر تكاملاً، تمتلك نظرية خاصة ورؤية محدّدة لله والإنسان والوجود.
 
3- العرفان أعلى من التصوّف, لأنّ التصوّف أسلوب وطريقة نابعة من العرفان. وهذا يعني أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. فكلّ عارف متصوّف، وليس من الضروري أن يكون كلّ متصوف عارفاً.
 
4- الفرق بين الأخلاق والعرفان هو ما عبّر عنه الشهيد الأستاذ مرتضى مطهري، عندما أشار إلى أنّ العرفان علم مَرِن فيه منازل ومقامات، بينما الأخلاق علم جامد ثابت يدور حول سلسلة من الفضائل.



[1] راجع: حسيني، قوام الدين العرفان الإسلامي (بالفارسية)، مركز الدراسات الإسلامية، ط 1، مطبعة سبهر، قم، ص 21 ـ 22.
 
 
 
 
 
 
 
37

27

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 5- يمتاز العرفان الإسلامي بمجموعة من الخصائص هي:

- محورية الله تعالى.
- الولاية.
- العمل بالشريعة.
- العقلانية.

6- بدأ العرفان الإسلامي في مرحلة متأخّرة على ظهور الحركة الصوفية في العالم الإسلامي. وبشكل عام يمكن التمييز بين مراحل ثلاث للعرفان الإسلامي:
المرحلة الأولى: ظهور وتكامل العرفان العملي.
المرحلة الثانية: تدوين وشرح العرفان النظري.
المرحلة الثالثة: أفول مشايخ الصوفية والتوجّه نحو العرفان العملي. 

7- الخلاصة، أنّ العرفان بدأ في القرون الأولى على صورة ممارسات يشكّل الزهد والعبادة جوهرها، ثمّ انتقل ليشكّل حالة وحركة خاصة لها ما يميزها، ومن ثمّ أصبح مدرسة علمية وفكرية لها أسسها ومبادؤها ونظرياتها.
 
 
 
 
 
 
 
38

28

الدرس الثاني: خصائص علم العرفان وتاريخه

 المفاهيم الرئيسة


الشيخ بهجت
ولد الشيخ محمد تقي بهجت عام 1334هـ.، في عائلة متدينة في مدينة فومن، في محافظة كيلان. بدأ دراسته الأولى في مدينته، وفيها بدأ دراسة العلوم الإسلامية. هاجر في عمر الرابعة عشر إلى العراق، حيث بدأ الدراسة في كربلاء.

في العام 1352هـ. غادر كربلاء إلى النجف، حيث درس على أيدي أساتذة كبار، أمثال مرتضى طالقاني والميرزا النائيني والسيد ضياء الدين العراقي والسيد أبي الحسن الأصفهاني ومحمد كاظم الشيرازي. ودرس العلوم العقلية عند السيد حسن بادكوبه، والعلوم الأخلاقية والعرفانية عند السيد علي القاضي.

عاد إلى إيران عام 1364هـ.، واستقرّ في قم، حيث بدأ التتلمذ على أيدي أساتذة من أمثال السيد البروجردي، وكوه كمره اي. بالإضافة إلى ذلك بدأ التدريس في قم، حيث افتتح في منزله حلقة تدريس البحث الخارج. عُرف كمرجع تقليد بعد رحيل آية الله العظمى الآراكي. توفي آية الله بهجت عام 1430هـ.ق في قم.

عرف عن آية الله بهجت سلوكه العرفاني, فأصبح أستاذاً للسالكين في هذا الزمان، وقد ترك الكثير من الوصايا العرفانية الأخلاقية التي تشكّل الزاد للراغبين في سلوك طريق الحقّ.

ترك الشيخ بهجت العديد من الآثار أبرزها:
- حاشية على ذخيرة العباد للغروي الأصفهاني.
- دورة الصلاة.
- دورة الأصول.
- وسيلة النجاة.
- ثلاثة مجلدات في الشعر العرفاني، وغير ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
39

29

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي




أهداف الدرس:
1- يتعرّف إلى القرآن الكريم كمصدر أساسي للعرفان.
2- يتعرّف إلى الحديث وسيرة المعصوم كمصدر أساسي للعرفان.
3- يتعرّف إلى الشريعة الإلهية كمصدر أساسي للعرفان.
 
 
 
 
 
 
 
41

30

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 ثلاثة نظريات حول العرفان

إنّ البحث عن مصادر العرفان الإسلامي من جملة الأبحاث ذات الأهمية الكبيرة, إذ يمكن من خلال ذلك معرفة أصالة هذا العلم ومقدار نسبته للإسلام، أو دخوله إلى العالم الإسلامي عبر الأديان والتيّارات الفكرية الأخرى. فالسؤال المطروح هنا: هل نشأ العرفان الإسلامي في ظلّ تعاليم الدين الإسلامي، أم أنّه تأثّر بغير الإسلام؟
 
يتحدّث الشهيد مرتضى مطهري عن نظريات ثلاث في هذا الإطار1:
1- النظرية الأولى: التي ينسبها الشهيد مطهري إلى العرفاء، تبيّن أنّ العرفان قد استمدّ كافة مواده الأساسية من دين الإسلام على أساس أنّ الفكر العرفاني يقوم على عقيدة التوحيد، وهي عقيدة قد اقتبس العرفاء كافة تفصيلاتها ممّا ذكر في دين الإسلام، هذا في خصوص العرفان النظري. أمّا في العرفان العملي، فيتحدّث العرفاء عن أنّهم استعانوا بالنصوص القرآنية وسيرة المعصومين عليهم السلام وكلماتهم, لتحديد إطار السير والسلوك، وما المفاهيم التي استعملها العرفاء في عملية السير والسلوك إلا استجابة لما ورد في النصّ الديني.
 
2- النظرية الثانية: المنسوبة إلى المستشرقين، تبيّن أنّ العرفان الإسلامي



[1] مطهري مرتضى، العرفان، ص 34 ـ 45.
 
 
 
 
 
 
 
43

31

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 دخل إلى العالم الإسلامي من خارجه، وأوضحوا أنّ جذور العرفان تعود إمّا إلى المسيحية من خلال الارتباط بين المسلمين والرهبان المسيحيين، وإمّا أنّها تعود إلى تيّارات إيرانية، وإمّا أنّها تعود إلى تطوّر الفلسفة الأفلاطونية الجديدة والتي هي تركيب من أفكار أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس. وقد أوضح المستشرق ماسينيون الآراء في مصادر التصوّف فاعتبره دخيلاً على الإسلام، مُسْتمدّاً إمّا من رهبانية الشام، وإمّا من أفلاطونية اليونان الجديدة، وإمّا من زرادشتية الفرس أو قيد الهنود1.

 
3- النظرية الثالثة: تشير هذه النظرية إلى أنّ العرفان قد استوحى أصوله الأولى من الإسلام، وقد وضع العرفاء أصول وقواعد وضوابط لهذه الحالة، ومع ذلك استفادوا من التطوّرات والتحوّلات الخارجية. وهذا يعني أنّ العرفان يعود إلى الإسلام من حيث الأصول والمبادئ، وإن كان العرفاء قد استعانوا بالتجارب العرفانية للشعوب الأخرى ما دامت لا تتعارض مع الأصول. ثمّ إنّ الشهيد مطهري، وبعد عرضه للرأيين الأولين بيّن أنّ المسلّم به أنّ العرفان قد استمدّ مواده الأولى من الإسلام، حيث بدأ ذكر نماذج على ذلك2. وفيما يلي نركّز البحث على أبرز المصادر الإسلامية للعرفان.
 
القرآن الكريم
يوضّح العرفاء أنّ العديد من آيات القرآن الكريم تدعو إلى الابتعاد عن الدنيا والعمل للآخرة، وهذا ما يجعل النفوس نقية بعيدة من الآثام والمعاصي. يضاف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم يصوّر وبشكل واضح الأفكار والعقائد والسلوكيّات التي يؤمن ويعمل بها العرفاء.



[1] كيلاني، قمر، في التصوّف الإسلامي، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت 1962، ص 15.
[2] مطهري، مرتضى، العرفان، ص 34-45.
 
 
 
 
 
 
44

32

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 يتحدّث القرآن الكريم حول الله تعالى باعتباره خالق العالم، وهو الموجود في كلّ مكان: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾1، وقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾2.

 
ويتحدّث القرآن الكريم حول تزكية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾3.
 
والقرآن يحثّ على الزهد والتوكّل والتوبة والصبر: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾4. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾5. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾6، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾7.
 
الحديث
يعتبر الحديث منبعاً أساسياً وكبيراً للعرفاء، فقد اعتمد العرفاء، في أغلب نظرياتهم ومفاهيمهم والمصطلحات التي استخدموها، على الحديث، ولا فرق في ذلك بين الأحاديث القدسية والأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام. لعلّ من أبرز الأحاديث القدسية التي تمسّك بها العرفاء، الحديث الآتي: "كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق كي أعرف..."8. وقد أراد العرفاء من خلال هذا الحديث تصوير حقيقة العلاقة بين الله والكون بكلّ ما فيه, إذ بناءً عليه يمكن استخراج أهمّ نظريات العرفاء, أي الوحدة الشخصية للوجود، وأنّ الكون بما فيه ما هو إلا مظهر وتجلٍّ للوجود الواحد.



[1] سورة البقرة، الآية 115.
[2] سورة الواقعة، الآية 85.
[3] سورة الشمس، الآيتان 9 ـ 10.
[4] سورة الحديد، الآية 20.
[5] سورة فاطر، الآية 5.
[6] سورة آل عمران، الآية 200.
[7] سورة التحريم، الآية 8.
[8] ابن عربي، الفتوحات المكّية، دار إحياء التراث العربي، ج 2، ص 112.
 
 
 
 
 
 
 
 
45

33

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 وفي مجال الفناء في الله يتمسّك العرفاء بالحديث الشريف: "لا يزال العبد يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها, فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يعقل، وبي يبطش، وبي يمشي..."1

 
أمّا الأحاديث المنقولة عن المعصومين عليهم السلام فكثيرة, لعلّ من أبرزها قصّة الحوار بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشاب في المسجد، وقد سأله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً. تعجّب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قوله، وقال: إنّ لكلّ يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ فسرد عليه الشاب حقيقة يقينه. عند ذلك خاطب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه: "هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان"2
 
جاء عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذوات عقولهم..."3
 
سيرة المعصومين عليهم السلام
تشكّل سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام أحد مصادر العرفان الإسلامي، حيث كان المعصومون عليهم السلام المثال الأعلى في العبادة والزهد والتواضع والابتعاد عن الدنيا... في سلوكهم العملي وفي حياتهم مع المجتمع.
 
المعروف أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان كثير العبادة، وكان زاهداً متعبداً، حياته بسيطة، ولم يهتمّ بزخارف الدنيا وزبرجها. يروى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يتهجّد حتى تتورّم 



[1] ابن عربي، التفسير، تصحيح وضبط الشيخ عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية، ط 1، 2001،ج 1، ص 35.
[2] الكليني، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، ط 5، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج 2، ص 53.
[3] نقلاً عن: مغنية، محمد جواد، نظرات في التصوّف والكرامات، بيروت، المكتبة الأهلية، ص 16.
 
 
 
 
 
 
 
 
46

34

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 قدماه. روي عن إمامنا الباقر عليه السلام أنّه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لِمَ تُتْعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة، ألا أكون عبداً شكوراً"1.

 
وروي أنّ الإمام الصادق عليه السلام ارتدى لباس الصوف، فقال له الراوي: إنّ الناس لا يرغبون في رؤية من يلبس الصوف, فردّ عليه الإمام عليه السلام بقوله: "إنّ أبي وعلي بن الحسين كانا أثناء الصلاة يلبسان خشناً ـ من الصوف ـ ونحن نفعل كذلك"2، وفي هذا السلوك دلالة على زهد المعصوم عليه السلام في الدنيا. 
 
والأخبار في هذا الخصوص كثيرة نحن في غنى عن ذكرها, إذ إنّ حياة المعصومين عليهم السلام شكّلت المصدر الأساس لسلوك العرفاء, لذلك نراهم في الأمور التي كانوا يقومون بها ينسبونها إلى المعصومين عليهم السلام ليشيروا إلى صحّتها.
 
الشريعة
يعتقد العرفاء أنّ الغاية التي أُرسل الأنبياء لأجلها، إيصال الخلق إلى كمالهم المحدّد لهم والمتناسب مع استعدادهم وقابليّاتهم، ونقلهم من ظلمات الجهل إلى نور الكمال والعلم. وأمّا هذه الغاية فلا تتحقّق إلا إذا تمكّن الإنسان من تكميل قوّتي العلم والعمل. فالإنسان يجب أن يمتلك العزيمة للعمل بما جاء لأجله الأنبياء، حيث يصل إلى الكمال بواسطة ذلك دون سواه. وهذا يعني أنّ الإنسان إذا عزم على المسير في طريق الشرع أمكنه الوصول إلى حيث الكمال. ويبيّن العرفاء أنّ



[1] الكافي: ج2، ص95.
[2] نقلاً عن: سجادي، ضياء الدين، مقدمات تأسيسية في التصوّف والعرفان والحقيقة المحمدية، ص 6. وجاء في رواية أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار... قال: رأيت أبا عبدالله عليه السلام وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، وفوقها جبّة صوف، وفوقها قميص غليظ، فمسستها، فقلت: إنّ الناس يكرهون لباس الصوف، فقال عليه السلام: "كلا، كان أبي محمد بن علي عليهما السلام يلبسها، وكان علي بن الحسين عليهما السلام يلبسها، وكانوا عليهم السلام يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة, ونحن نفعل ذلك " (الكافي، الشيخ الكليني، ج 6، ص 450).
 
 
 
 
 
 
47

35

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 طريق الشرع هو أقرب الطرق لتكميل قوّتي العلم والعمل، والالتزام بضوابطه كفيل بإيصاله إلى ذلك1.

 
من هنا، بحث العرفاء حول أصول الاعتقادات، وبيّنوا أعدادها، واستدلّوا على ضرورتها ووجودها، والنصوص التي تؤكّدها، وكذلك رأيهم العرفاني فيها، وإلى جانب ذلك تحدّثوا حول فروع الاعتقادات، وبيّنوا ضرورتها ودورها في عملية السلوك العرفاني. يقول السيد حيدر الآملي حول حقيقة الشرع وضرورة العمل به: "إنّ الله كامل حكيم، والأنبياء والرسل - كما سبق - أطباء النفوس... وقوانينهم في الشرائع كالمعالجين لمرض الناس... فلو عرفوا هناك دواءً لدائهم أنفع وأنسب من هذا لأمروا به، وأظهروه للناس ليستعملوه في إزاله أمراضهم, لأنّ ذلك واجب عليهم من باب اللطف... فعرفنا أنّ هذا الدواء المعبَّر عنه بالفروع كافٍ في إزالة مرض الجهل والكفر والشكّ والنفاق"2.



[1]حمية، خنجر، العرفان الشيعي، ص 587.
[2] الآملي حيدر، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، تحقيق محمد خواجوي، ط 1، طهران، مؤسسة الدراسات والتحقيقات الثقافية، 1362 ش، ص 175.
 
 
 
 
 
 
48

36

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 أسـئلـة الـدرس

1- هناك ثلاثة نظريات حول مصادر علم العرفان، أذكرها وبيّن الرأي الصحيح.
2- كيف يشكل القرآن الكريم مصدراً أساسياً لعلم العرفان الإسلامي؟
3- ما هي العلاقة الحاكمة بين العرفان الإسلامية والشريعة الإسلامية؟


المفاهيم الرئيسة
1- يوجد العديد من النظريات حول مصادر العرفان الإسلامي أهما النظرية الأولى التي ينسبها الشهيد مطهري إلى العرفاء، تبيّن أنّ العرفان قد استمدّ كافة مواده الأساسية من دين الإسلام.

2- أبرز المصادر الإسلامية للعرفان هي:
أ- القرآن الكريم.
ب- الحديث.
ج- سيرة المعصوم.
د- الشريعة.

3- يعتبرٍ العرفاء أنّ القرآن الكريم يصوّر وبشكل واضح الأفكار والعقائد والسلوكيّات التي يؤمن ويعمل بها العرفاء.

4- يعتبر الحديث منبعاً أساسياً وكبيراً للعرفاء، فقد اعتمد العرفاء، في أغلب نظرياتهم ومفاهيمهم والمصطلحات التي استخدموها، على الحديث. 

5- تشكّل سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام أحد مصادر العرفان الإسلامي، حيث كان المعصومون عليهم السلام المثال الأعلى في في سلوكهم العملي وفي حياتهم مع المجتمع.

6- يعتقد العرفاء أنّ طريق الشرع هو أقرب الطرق لتكميل قوّتي العلم والعمل، والالتزام بضوابطه كفيل بإيصاله إلى ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
49

37

الدرس الثالث: مصادر العرفان الإسلامي

 للمطالعة


ابن الفارض
هو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، حموي الأصل، مصري الولادة. عُرف بابن الفارض, لأنّ أباه كان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام. ولد عام 576هـ، وقيل عام 577هـ.

تعلّم المقدّمات عند والده الذي كان من علماء ذاك الزمان، وكان مقرّباً من الحكام الأيوبيين. سمع في القاهرة الحديث عن بهاء الدين قاسم بن عسكر ثمّ مال بعد ذلك نحو التصوّف، فاعتزل في جبل المقطّم منشغلاً بالرياضة والمجاهدة.

هاجر إلى الحجاز، وبقي مدّة 15 عاماً يمارس الرياضة والتزكية في الجبال المحيطة بمكّة، ورجع بعد ذلك إلى مصر. توفي عام 636هـ.، ودُفن في سفح ذاك الجبل إلى جانب الشيخ الذي أرشده إلى مكّة ليرتاض فيها. 

صحيح أنّ ابن الفارض واحد من أبرز عرفاء العالم الإسلامي، إلا أنّه لا يمكن اعتباره صوفياً بالمعنى المتداول للكلمة، حيث نقل أبناؤه أنّه كان يرتدي أجمل الثياب ويستعمل العطر.

تعتبر قصيدته التائية من أبرز الآثار العرفانية التي تركها، وهي مليئة بعبارات الصوفية، من أمثال الاتّحاد، الفناء، الوجد، الفقد، الفرق، الحج، صحو الجمع، و... عارضه الكثير من الأشخاص، واتّهموه بالاتّحاد والحلول، ولعلّ من أبرز الذين خالفوه تقي الدين ابن تيمية. 

دوّنت شروحات كثيرة على قصيدته، أبرزها: منتهى المدارك لسعيد فرعاني، كشف الوجوه الغرّ لمعاني نظم الدرّ لعبد الرزاق الكاشاني.
 
 
 
 
 
 
50

38

الدرس الرابع: العرفان النظري

 الدرس الرابع: العرفان النظري




أهداف الدرس:
1- يبيّن رؤية العارف الكونية للوجود.
2- يبيّن نظرة العارف للعالم وكل ما سوى الله.
3- يبيّن نظرة العارف للإنسان.
 
 
 
 
 
 
 
51

39

الدرس الرابع: العرفان النظري

 أشرنا إلى أنّ العرفان النظري جزء من علم العرفان وهو يدرس أحوال الواجب تعالى من حيث أسماؤه وصفاته وتجلّياته وكيفية العلاقة بينها وبين الله تعالى، حيث يُتوقّع من العرفان النظري تقديم نظرية تبيّن تلك الأمور, لذلك سنحاول في هذا الفصل الإطلالة على مجموعة من العناوين ذات العلاقة.


الرؤية الكونية العرفانية
المقصود من الرؤية الكونية العرفانية، النظرية التي يقدّمها العرفاء، والتي تفسّر رؤيتهم لله تعالى والعالم والإنسان، بالاعتماد على المعرفة القلبية والشهودية، وكذلك بالاعتماد على المعرفة العقلية الاستدلالية، وهذا ما نشاهده بوضوح في أفكار القيصري وابن تركة.

وبما أنّ العرفاء يعتقدون بأنّ الوجود لله فقط، وأنّه هو الموجود والوحيد الذي يصح أن يُطلق عليه هذا المفهوم، وأنّ كافة ما سواه ما هي إلا تجلّيات ومظاهر لله تعالى، فالرؤية الكونية العرفانية تبدأ من مسألة وحدة الوجود.

لقد بنى العرفاء كافة أفكارهم على نظرية الوحدة الشخصية للوجود واعتبارية الكثرات. وبهذا المعنى يكون وجود الله تعالى هو الوجود والموجود الحقيقي والوحيد وما سواه ليس إلا ظلاً وتجلياً الله تعالى. ثمّ إنّ العرفاء يتحدثون عن بعدين عند حديثهم عن ذات الإله: الأوّل هو كنه الذات التي لا يمكن إدراكها، الخفيّة على كلّ 
 
 
 
 
 
 
53

40

الدرس الرابع: العرفان النظري

 ما سواه، والثاني البعد الظاهر الذي يقبل التجلّي، وهو الذي يمكن معرفته وإدراكه للبشر.

 
أمّا في ما يتعلّق بإثبات الوحدة الشخصية للوجود، قدّم العرفاء أبحاثهم على نحوين: الأوّل: إثبات الوحدة الشخصية عن طريق الكشف والشهود، والثاني: عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي.
 
الأوّل: هو سيرة أكثر العرفاء الذين يعتقدون بأنّهم وصلوا إلى هذه المرحلة من التوحيد عن طريق الكشف والشهود. وبعبارة أخرى يعتقد العرفاء بأنّ مَنْ نوّر الله بصيرته يرى أن ليس في الوجود إلا الله، وكلّ ما عدا ذلك فهو سراب وتجلّ1
 
الثاني: أي طريق الاستدلال العقلي، فقد قدّم بعض العرفاء أدلّة برهانية لإثبات أنّ الوجود لا يمكن أن يكون إلا الواجب، وبما أنّ الواجب واحد فالوجود كذلك. طبعاً العرفاء يعتقدون بأنّ الطريق الأوّل لإثبات الوحدة الشخصية للوجود هو الأكثر قدرة على إيجاد اليقين، فهو كافٍ في الإيمان بهذه الرؤية، وأما الطريق الثاني فهو لمن لم يتمكن من الاستفادة من مشاهدات العرفاء، بل هو للذين حصروا معرفتهم بالعقلية فقط2.
 
نظرة العارف إلى الوجود
إنّ كلمة "الوجود" هي أهمّ العبارات عند العرفاء أوضحها على أساس أنّ كافّة نظرياتهم من دون استثناء تتمحور حوله، وهو عندهم الحقّ تعالى. ويوضح العرفاء أنّ الوجود بديهي وواضح بحيث لا يحتاج الإنسان إلى دليل للقبول به، بل هو أمر بديهي مقبول عند كافة العقول السليمة. ثمّ يبيّنون أنّ هذا الوجود واحد، بمعنى أنّه 



[1] راجع: ابن عربي الفتوحات المكية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 3، ص 247.
[2] المصدر نفسه، ص 17 ـ 18.
 
 
 
 
 
 
 
54

41

الدرس الرابع: العرفان النظري

 يطلق على كافّة الأشياء بمعنى واحد. 

 
من جهة أخرى فإنّ كلّ ما سوى الله تعالى ظلّ وتجلٍّ له، فوجوده وظلّيته تابعة لوجود الحقّ تعالى1.
يتحدّث العرفاء حول أحكام الوجود، وهي على النحو الآتي:
1- الوجود بديهي، وليس هناك ما هو أوضح منه، ولا يحتاج إلى دليل لإثباته.
2- ليس للوجود سوى مصداق واحد، هو الحقّ تعالى.
3- إنّ كلّ كمال وخير يعود إلى الوجود, إذ لولاه لما ظهر الكمال والخير.
4- ليس للوجود الواحد مراتب، بعضها قوي وبعضها ضعيف.
5- الوجود مساوٍ للوحدة.
6- الوجود مساوٍ للوجوب2.
 
نظرة العارف إلى العالم
العالم عند العرفاء عبارة عن كلّ ما يعلم به الله تعالى, لأنّ العالم مأخوذ من العلامة، وهي التي بها يعلم الشيء3. وبهذا المعنى يصبح كلّ ما هو موجود في العالم من مظاهر وتجلّيات علامات تدلّ على الله تعالى، فهي عوالم. 
 
يتحدّث العرفاء عن عالمين، الكبير والصغير. والعالم الصغير هو الوجود الإنساني الذي استحقّ الخلافة الإلهية، والعالم الكبير هو الإنسان الكبير، أي الكون. فالكون خلق على شاكلة الإنسان الصغير, لأنّ الصغير خليفة الله والمظهر الأول والتجلي الأكمل4



[1] راجع: شرح فصوص الحكم، المقدمة، ص12
[2] رحيميان، سعيد، مباني عرفان نظري، ص 113 ـ 114.
[3] شرح فصوص الحكم، المقدمة، ص 89.
[4] المصدر نفسه، ص 91.
 
 
 
 
 
 
55

42

الدرس الرابع: العرفان النظري

 وللعالم في الرؤية العرفانية خصائص، أبرزها:1

1- العالم مرآة وآية: إنّ العالم مخلوق للحقّ تعالى، ومنه استمدّ كافة كمالاته، فهو يحكي عن كمالات الحقّ ويدلّ عليها, لذلك كان مرآة لكمالات الحقّ وعلامة تدلّ عليها.
 
2- نظام العالم هو الأحسن: بما أنّ العالم ظلّ الله ومظهر أسمائه، وبما أنّ كلّ اسم من الأسماء هو الاسم الأحسن بحكم الأسماء الإلهية الحسنى، فالنظام في العالم هو الأحسن. وإلى هذا يشير ابن عربي عندما يبيّن أنّ الحقّ تعالى إذا كان يشكل هويّة العالم، فأحكام وصفات العالم ليست إلا منه تعالى، وعلى هذا الأساس فليس من الممكن وجود عالم أعلى وأجمل منه, لأنّ هذا العالم ظلّ الرحمان2.
 
3- سريان الحياة والشعور في العالم: يعتقد العرفاء أنّ العالم وكافة أركانه أعمّ من الجماد والنبات والحيوان أو غير ذلك تمتلك حياة وشعوراً. وهذه حقيقة يمكن فهمها بواسطة الكشف بداية، وبهذا نطقت الآيات الشريفة التي تحدّثت عن تسبيح كافة الموجودات3.
 
يتحدّث العرفاء عن خمسة عوالم أساسية، مع اعتقادهم بأنّ العوالم لا تتناهى, لأنّ العلامات التي تدلّ على الحقّ تعالى لا تتناهى، والسبب في كونها خمسةً أنّه يمكن جمعها على سبيل التقريب, أي إنّ الاستقراء يبيّن أنّ الأنواع التي تندرج تحتها العوالم خمسة فقط.



[1] رحيميان، سعيد، مباني عرفان نظري، ص 222 ـ 225.
[2] ابن عربي، محي الدين، فصوص الحكم، الفص الأيوبي.
[3] شرح فصوص الحكم، المقدمة، ص 90.
 
 
 
 
 
 
56

43

الدرس الرابع: العرفان النظري

 والمقصود أنّ العالم الذي هو العلامة، يدلّ على الحقّ تعالى, فيطلق على ما تدلّ عليه العلامة الحضرة، وهذا يعني أنّ الحضرات الخمس هي الإله في ظهور وتعين خاصّين.

 
وأما الحضرات والعوالم فهي:
1- حضرة الناسوت، وعالمها عالم الأجسام والمواد.
2- حضرة الملكوت، وعالمها عالم المثال.
3- حضرة الجبروت، وعالمها عالم المجرّدات من العقول والنفوس.
4- حضرة الواحدية، وعالمها عالم الأعيان الثابته.
5- الحضرة الجامعة، وعالمها الإنسان الكامل.
 
نظرة العارف إلى الإنسان
يحتلّ الإنسان موقعاً هامّاً للغاية في الرؤية العرفانية تميّزه عن باقي التجلّيات والمظاهر. يعتقد العرفاء أنّ الإنسان الكامل يحتلّ موقعاً أرفع وأعلى من كافة العوالم, إذ إنّه الجامع لكافة كمالات العوالم الأربعة الأخرى.
 
الإنسان الكامل، إنسان نوعي وأكمل تجلّيات الحقّ، وهو الموجود، والذي سجدت الملائكة له. وهو الذي يظهر في عالم الناسوت على شكل إنسان خارجي. من جهة أخرى، فإنّ الاسم الأعظم الإلهي، جامع لكافة صفات الحقّ تعالى، ومظهر الحقّ يجب أن يكون جامعاً لكافة كمالات المظاهر، وعليه فالإنسان الكامل إذا كان مظهر الاسم الأعظم فيجب أن يمتلك كافة كمالات المظاهر1.
 
ويمتاز الإنسان الكامل بخصائص:
1- الجامعية: وقد تقدّم أنّه مظهر الاسم الأعظم الجامع لكافة صفات الكمال.
 
2- الوساطة: يعتقد العرفاء أنّ الإنسان الكامل هو أوّل مظهر للحق، تعالى, لأنّه خليفة الله، ولهذا فهو أكمل الموجودات، وهو واسطة في فيضانها عن الحقّ.



[1] المصدر السابق.
 
 
 
 
 
 
57

44

الدرس الرابع: العرفان النظري

 3- الخلافة: الإنسان الكامل، وعلى أساس أنّه التعيّن الأوّل، هو المظهر الوحيد الذي يستحقّ الخلافة الإلهية. ومن حيث خلافته الإلهية يمكنه التصرف في العالم بواسطة الأسماء الإلهية التي علمه الله إياها.

 
4- الاختيار: يعتقد العرفاء أنّ الإنسان من بين كافة موجودات العالم مظهر إرادة واختيار الحقّ تعالى، ومنشأ اختياره ليست سوى كونه مظهراً لأسماء الله بالأخصّ المريد والمختار1.



1 مباني عرفان نظري، ص 242 ـ 248.
 
 
 
 
 
 
 
58

45

الدرس الرابع: العرفان النظري

 أسـئلـة الـدرس

1- ما هو المقصود من الرؤية الكونية العرفانية؟
2- ما هي أحكام الوجود عند العارف؟
3- ما معنى العالم؟ وما هي العوالم والحضرات عند العارف، عددها؟


المفاهيم الرئيسة
1- المقصود من الرؤية الكونية العرفانية، النظرية التي يقدّمها العرفاء، والتي تفسّر رؤيتهم لله تعالى والعالم والإنسان، بالاعتماد على المعرفة القلبية والشهودية، وكذلك بالاعتماد على المعرفة العقلية الاستدلالية. 

2- وبما أنّ العرفاء يعتقدون بأنّ الوجود لله فقط، وأنّه هو الموجود والوحيد الذي يصح أن يُطلق عليه هذا المفهوم، فالرؤية الكونية العرفانية تبدأ من مسألة وحدة الوجود.

3- لقد بنى العرفاء كافة أفكارهم على نظرية الوحدة الشخصية للوجود واعتبارية الكثرات. وبهذا المعنى يكون وجود الله تعالى هو الوجود والموجود الحقيقي والوحيد وما سواه ليس إلا ظلاً وتجلياً الله تعالى. 

4- أمّا في ما يتعلّق بإثبات الوحدة الشخصية للوجود، قدّم العرفاء أبحاثهم على نحوين: الأوّل إثبات الوحدة الشخصية عن طريق الكشف والشهود، والثاني عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي.

5- إنّ كلمة "الوجود" هي أهمّ العبارات عند العرفاء أوضحها على أساس أنّ كافّة نظرياتهم من دون استثناء تتمحور حوله، وهو عندهم الحقّ تعالى. 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

46

الدرس الرابع: العرفان النظري

 6- العالم عند العرفاء عبارة عن كلّ ما يعلم به الله تعالى, لأنّ العالم مأخوذ من العلامة، وهي التي بها يعلم الشيء1. وبهذا المعنى يصبح كلّ ما هو موجود في العالم من مظاهر وتجلّيات علامات تدلّ على الله تعالى، فهي عوالم. 

 
7- يحتلّ الإنسان موقعاً هامّاً للغاية في الرؤية العرفانية تميّزه عن باقي التجلّيات والمظاهر. يعتقد العرفاء أنّ الإنسان الكامل يحتلّ موقعاً أرفع وأعلى من كافة العوالم, إذ إنّه الجامع لكافة كمالات العوالم الأربعة الأخرى.



[1] شرح فصوص الحكم، المقدمة، ص 89.
 
 
 
 
 
 
 
60

47

الدرس الرابع: العرفان النظري

 للمطالعة


الخواجة عبد الله الأنصاري
هو شيخ الإسلام أبو اسماعيل عبد الله بن أبي منصور محمد. ولد عام 369هـ. في هرات. وهو من أحفاد الصحابي أبو أيوب الأنصاري. بدأ منذ صغره دراسة العلوم الأدبية والدينية وبرع في علم الحديث. 

تتلمذ في التصوّف على أيدي متصوّفة معروفين، أمثال أبي الحسن الخرقاني. بقي طيلة حياته في هرات يشتغل بالتعليم والإرشاد.

كان الأنصاري أستاذاً في العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والعقائد، ومع ذلك خالف أهل الكلام، واعتبر أنّ القرآن الكريم هو الدليل والمرشد الوحيد للمؤمن.

أدّى شيوع الأشعرية في زمان الغزنويين والسلاجقة إلى التضييق على الشيخ الأنصاري، وقد بقي مدّة عام سجيناً في بوشنك.

فقد في السبعين من عمره البصر، إلا أنّه استمرّ بنشاطه، فكان يملي على الطلاب ما يريده، توفي عام 481هـ.

ترك الخواجه عبد الله الأنصاري العديد من الكتب والرسائل العرفانية، أبرزها:
- منازل السائرين.
- طبقات الصوفية.
- زاد العارفين.
- مناقب أهل الآثار.
- ذم الكلام.
- المناجاة.
- رسالة القلب والروح وغيرها من الرسائل والكتب.
 
 
 
 
 
 
61

48

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)




أهداف الدرس:
1- يبيّن معنى السير والسلوك عند العارف.
2- يشرح حقيقة السير والسلوك عند العارف.
3- يتعرّف على شروط السير والسلوك عند العارف.
 
 
 
 
 
 
 
63

49

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 مقدّمة

يعتقد العرفاء أنّ لكلّ موجود من الموجودات حركة بها يطلب كماله، لا فرق في ذلك بين الموجودات السفلية المنتمية إلى عالم المادة، والعلوية الروحانية، حيث تسير بأجمعها إلى غاياتها الكمالية. وأعظم مقصد لها هو الحقّ تعالى، فهو غاية الغايات ومقصد المقاصد ونهاية النهايات. وقد أشارت العديد من الآيات الشريفة إلى هذه الحقيقة1. وأمّا سبب التوجّه نحو الله تعالى، فهو لأجل معرفته وعبادته بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾2.
 
تعريف السير والسلوك
إنّ الوصول إلى المقصد الأعلى يقتضي اجتياز المنازل والمراحل والمقامات، وهذا ما يسمّى، في لسان العرفاء بالسير والسلوك3. وقد عرفوا السير والسلوك فقالوا.



[1] سورة الأنعام، الآية 38، سورة الحج، الآية 18، سورة النور، الآية 41، سورة الإسراء، الآية 44 وغيرها من الآيات الشريفة التي جعلها العرفاء مصدرًا لاعتقادهم بالتوجّه نحو الكمال.
[2] الآملي، حيدر، أسرار الشريعة، تحقيق محمد خواجوي، ط 1، طهران، مؤسسة الدراسات والمطالعات الثقافية، 1392هـ.ش، ص 7.
[3] رزق، خليل، العرفان الشيعي، أبحاث السيد كمال الحيدري، بيروت، دار الهادي، ط 1، 2008، ص 307.
 
 
 
 
 
 
 
 
65

50

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 السلوك هو العلم والبرنامج الذي يُبْحث فيه عن كيفية منازل السير نحو القرب الإلهي وخصائصه1. والسلوك بهذا المعنى هو طيّ الطريق، أمّا السير كما يعبّر صاحب لبّ اللباب عبارة عن مشاهدة آثار وخصائص المنازل والمراحل أثناء الطريق2.

 
وقيل في تعريف السلوك أيضاً إنّه: "هيئة نفسية روحية للترقّي والتكامل، والانتقال في الأصول والمقامات..."3.
 
وبعبارة مختصرة يمكن القول: إنّ السلوك عبارة عن الطريقة التي ينتهجها الشخص للوصول إلى المقصد والغاية, أي الله تعالى. فكلّ عارف إذا كان يعمل لأجل القرب من الله والفناء فيه، فلا بدّ أن يتّبع طريقة محددة توصله إلى المقصود، وليس إلى سواه.
 
وبما أنّ العرفاء يعتقدون بأنّ كافّة الموجودات تسير نحو التكامل، وتتّبع طريقاً معيّنًا في الوصول إليه، فليس السير والسلوك مختصّاً بالإنسان، بل كافة المخلوقات تتوجّه إليه، وتطلب الوصول إليه.
 
حقيقة السلوك عند العرفاء
يبيّن العرفاء أنّ السلوك هو الطريقة التي يقطع بها السالك المسير للوصول إلى الحقّ تعالى، ويضيفون بأنّ هذا السلوك هو في الحقيقة سلوك معنوي، أي إنّه يتمّ بواسطة النفس وليس البدن، ويوضّحون أنّ سلوك النفس ومسيرها يقع ضمن أربع مراحل أطلقوا عليها الأسفار الأربعة، أي الرحلات الأربع4، وهي:



[1] المصدر السابق، ص 309.
[2] الطهراني السيد محمد حسين الحسيني، رسالة لبّ اللباب في سير وسلوك أولي الألباب، ترجمة عباس نور الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1412هـ. ص 24.
[3] حمية، خنجر، العرفان الشيعي، دار الهادي، بيروت، ط 1، 2004، ص 532.
[4] المصدر نفسه، ص 541.
 
 
 
 
 
 
 
 
66

51

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 الأوّل: السير إلى الله من منازل النفس والوصول إلى الأفق المبين. هنا يفترض أن ينسى الإنسان الظاهر المادي، وينطلق نحو الباطن المعنوي المختزن فيه.

 
الثاني: السير في الله بالاتّصاف بصفاته، والتحقّق بأسمائه، والوصول إلى الأفق الأعلى، وهو نهاية الحضرة الواحدية.
 
الثالث: الترقّي إلى عين الجمع والحضرة الأحدية، وهو المسمّى عندهم بقاب قوسين.
 
الرابع: هو مقام زوال الاثنينية، والبقاء بالله بعد الفناء فيه.
 
شروط السلوك
تحدّث العرفاء عن مجموعة من الشروط التي يجب توافرها ليتمكّن العارف من السلوك نحو الحقّ تعالى، وأبرز هذه الشروط:
المناسبة بين الحقّ والخلق
يقصد العرفاء من المناسبة مطلق العلاقة والارتباط بين شيئين، وهي أمر ضروري بين المحبّ والمحبوب. والمناسبة أعمّ من المجانسة، وتتحقّق بمحض الارتباط. يعتقد السيد حيدر الآملي أنّ العقل السليم يحكم بأنّه لو لم يكن بين الحقّ والخلق مناسبة أصلاً، لم يمكن تصوّر محبّة بينهما، وإذا كانت المحبة قائمة لم يكن بدٌ من وجود مناسبة بأيّ شكل وقعت، وعلى أيّ نحو تحقّقت1.
 
والمناسبة لا بدّ أن تحصل من جانب الخلق، لا من جانب الخالق, لاستحالة أن يحصل التبدّل في ذاته، هذا الإنسان الذي يجب أن ينزّه نفسه ويحصّنها لتصبح في مقام التناسب مع الخالق.



[1] أسرار الشريعة، ص 52.
 
 
 
 
 
 
67

52

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 وقد حدّد العرفاء المناسبة من وجهين:

الأول: أنّ الكثرة والتغيّر وكلّ ما يحيط بالعبد من خصائص لا يؤدّي إلى إيجاد تغيير في الحقّ تعالى.
الثاني: أن يتّصف العبد بصفات الحقّ، ويتحقّق بأسمائه كلّها. وقد أشار العرفاء إلى إمكان تحقّق الأمرين معًا. فلا بدّ للعارف من التعالي والترفّع عن حدود البشرية إلى صقع عالم القدس وحضرة التجرّد المحض على أساس أنّ المحبّ يجب أن يعمل كلّ جهده للوصول إلى المحبوب، ولا بدّ لذلك من الاتّصاف بصفات المحبوب وكمالاته1.
 
قمع هوى النفس
إنّ هوى النفس هو الذي يجعل النفس تميل نحو شهواتها ومقتضياتها الطبيعية البدنية، وإذا مالت النفس إلى ذلك جذبت القلب إليها، فيموت وتنعدم حياته الحقيقية العلمية بالجهل. وأمّا إذا تمكّن السالك من إزالة النفس عن الميل للهوى، انصرف القلب إلى عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل العدم والموت أصلاً. وإلى ذلك أشارت الآية الشريفة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. يشير الآملي إلى أنّ إماتة النفس وأبعادها عن الهوى هو الذي يعبّر عنه بالتوبة، بمعنى أنّ من تاب فقد قتل نفسه وأماتها بالموت الإرادي الاختياري بقمع الهوى والشهوة2.
 
رفع الحجب
إذا كان لا بدّ للسالك من السير نحو الكمال فقد يعترض طريقه بعض الحجب التي تمنعه عن رؤية المحبوب الحقيقي, إذ عدم رؤيته يمنع الشهود القلبي. لذلك 



[1] حمية، خنجر، العرفان الشيعي، 549 ـ551.
[2] أسرار الشريعة، ص 114.
 
 
 
 
 
 
 
68

53

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 لا يمكن للعارف الوصول إلا إذا رفع الحجب. ويقصد العرفاء من الحجب والموانع، الأخلاق الذميمة كلّها وقبائح الصفات والملكات الرديئة. وأمّا وسائل الإزالة فكثيرة عندهم، ومن أبرزها: ترويض النفس على الفضائل، وتعويدها على محاسن السلوك وجميل الصفات، وكبح جماح النفس وقمع هواها، وكذلك العزلة والخلوة والعمل بمقتضى التكاليف الشرعية والتزامها1.

 
الشيخ والمرشد
يعتقد العرفاء أنّ السلوك لا يستقيم إلا إذا تمّ بمساعدة شيخ ومرشد، باعتباره أنّه الإنسان الكامل في الرؤية العرفانية، والسبب في ذلك أنّه مطّلع على الحقائق وعارف بالمقامات وكيفية قطعها والانتقال من واحد إلى آخر، وأنّه يمتلك القدرة على تعريف السالك وإيقافه في المواقف وإيصاله إلى المطالب من دون تعب ولا عناء، وهو الذي يعرف أيسر الطرق وأسهلها في الوصول وبه يَطْمئِنُ السالك إلى وصوله2.
 
يقول العارف السيد حيدر الآملي: "أما لو قصد السالك الطالب الغاية بنفسه، ومن دون معاونة شيخ، فإنّه يحتاج إلى معاناة. وربما سلك طرقًا متعدّدة لم يستطع أن يميّز الأصلح بينها، وربّما سلك طريقاً معتقدًا صلاحه فبان له بعد جهد ومزاولة أنّه لا يؤدّي إلى شيء فسلك غيره، فإن وصل فلا بدّ أن يكون ذلك بعد جهد وعناء، وربّما لم يوصله شيء ممّا سلكه من طرق إلى مقصوده"3.



[1] حمية، خنجر، العرفان الشيعي، ص 558.
[2] المصدر نفسه، ص 559.
[3] الآملي، حيدر، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، تحقيق هنري كوربان وعثمان يحيى، طهران، اللجنة الفرنسية للدراسات الإيرانية، 1318 هـ.ش، ص 246.
.
 
 
 
 
 
 
69

54

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 أسـئلـة الـدرس

1- للسير والسلوك معان عديدة أذكر المعنى الصحيح عند العارف.
2- للسير والسلوك عند العارف أربعة مراحل تحدث عنها.
3- عدد شروط السير والسلوك عند العارف وتحدث عن واحدة منها.


المفاهيم الرئيسة
1- يعتقد العرفاء أنّ لكلّ موجود من الموجودات حركة بها يطلب كماله، حيث تسير بأجمعها إلى غاياتها الكمالية. 

2- أعظم مقصد للموجودات هو الحقّ تعالى، فهو غاية الغايات ومقصد المقاصد ونهاية النهايات. وقد أشارت العديد من الآيات الشريفة إلى هذه الحقيقة. 

3- إنّ الوصول إلى المقصد الأعلى يقتضي اجتياز المنازل والمراحل والمقامات، وهذا ما يسمّى، في لسان العرفاء بالسير والسلوك.

4- السلوك بهذا المعنى هو طيّ الطريق، أمّا السير كما يعبّر صاحب لبّ اللباب عبارة عن مشاهدة آثار وخصائص المنازل والمراحل أثناء الطريق.

5- يبيّن العرفاء أنّ السلوك هو في الحقيقة سلوك معنوي، أي إنّه يتمّ بواسطة النفس وليس البدن، ويوضّحون أنّ سلوك النفس ومسيرها يقع ضمن أربع مراحل أطلقوا عليها الأسفار الأربعة.

6- تحدّث العرفاء عن مجموعة من الشروط التي يجب توافرها ليتمكّن العارف من السلوك نحو الحقّ تعالى، وأبرز هذه الشروط:
أ- المناسبة بين الحقّ والخلق.
ب- قمع هوى النفس.
ج- رفع الحجب.
د- الشيخ والمرشد.
 
 
 
 
 
 
 
70

55

الدرس الخامس: العرفان العملي (السير والسلوك)

 للمطالعة


صدر الدين محمد القونوي
من أهل قونيّة (تركية) وهو تلميذ ومريد وابن زوجة محي الدين العربي. عاصر الخواجة نصير الدين الطوسي والشاعر المولوي الرومي. وجرت بينه وبين الخواجة الطوسي سلسلة من المراسلات وكان الطوسي يكن له الاحترام، كذلك كانت تربطه علاقة حميمة مع المولوي في قونيه. كان القونوي يؤم المصلّين في الجماعة فيأتي إليه المولوي، والظاهر- كما ينقل- أن المولوي كان تلميذه وأن العرفان المحي الديني الذي يظهر في أشعاره إنما كان نتيجة الدروس التي تلقاها منه. يروى أنه دخل ذات يوم على محضر القونوي. فتحرك القونوي من مسنده وأعطى مكانه للمولوي ليجلس. قال المولوي: بماذا أجيب الله إذ أنا جلست مكانك؟ فأبعد القونوي المسند وقال: إن المسند الذي لا تجلس عليه حقيق علي أن لا ألمسه.

يعتبر القونوي أفضل شارح لأفكار محي الدين، ويمكن القول أنه لو لم يكن موجوداً لما أمكن فهم محي الدين. وتعرُّف المولوي على مدرسة محي الدين إنما كان من خلال القونوي، فعندما يقال أن المولوي كان تلميذ القونوي فذلك بما يرتبط بأخذ أفكار محي الدين: هذه الأفكار التي ظهرت في المثنوي وفي ديوان شمس (التبريزي). وتعتبر كتب القونوي من الكتب الدراسية العرفانية في الحوزة طيلة ستة قرون. من كتبه المعروفة: مفتاح الغيب، النصوص، الفكوك. توفي القونوي سنة 672 (أي سنة وفاة المولوي والخواجة نصير الدين) أو سنة 673هـ.
 
 
 
 
 
 
71

56

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 الدرس السادس: الأحوال والمقامات





أهداف الدرس:
1- يبيّن معنى كل من الحال والمقام عند العارف.
2- يعدّد أنواع المقامات والاختلاف فيما بينها.
3- يبيّن العلاقة بين المقامات والأحوال والسير والسلوك عند العارف.
 
 
 
 
 
 
73
 

57

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 يعتبر بحث الأحوال والمقامات من الأبحاث الهامّة في الفكر العرفاني, لما لذلك من أثر على عملية السير والسلوك، إذ بهما يعرف السالك كيفية السير والسلوك والمواطن والمنازل والحالات التي توصله إلى المقصد النهائي.

 
تعريف المقام والحال
1- المقام:
المقام هو المكان الذي يقيم به العارف، وهو القيام بنفسه، وقد ذكروا للمقام تعاريف متعدّدة، من أبرزها: مُقام بضم الميم يعني الإقامة، ومَقام بفتح الميم يعني محلّ الإقامة، وهذا المعنى في لفظ المفاهيم خطأ. ففي اللغة العربية مُقام بضم الميم, يعني الإقامة ومكان الإقامة، ومَقام بفتح الميم يعني القيام، ولا يعني المكان الذي أقيم فيه، فهو طريق الحقّ وإعطاء الحقّ حقّه في هذا المقام، إلى أن يدركه الكمال1.
 
وقيل أيضاً: "المقام ما يتحقّق به العبد بمنازلته في الآداب، ممّا يتوصّل إليه بنوع تصرّف، ويتحقّق به بضرب تطلّب ومقاساة تكلّف. فمقام كلّ أحد موضوع إقامته عند ذلك وما هو مشتغل بالرياضة له، وشرطه أن لا يرتقي من مقام إلى مقام آخر ما لم يستوفِ أحكام ذلك المقام"2.



1 كشف المحجوب للهجويري، ص 224، نقلاً عن: مقدّمات تأسيسية، ص 23.
2 القشيري، عبد الكريم، الرسالة القشيرية، تصحيح بديع الزمان فروزانفر، مركز النشر العلمي والثقافي، ط 2، 1361، ش، ص 124.
 
 
 
 
 
 
 
75

58

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 والواضح من خلال هذا التعريف أنّه يبيّن أنّ العبد في طريقه إلى الكمال يجب أن يرتقي درجاته، وذلك لا يتمّ إلا من خلال إدراك كلّ واحد من تلك الدرجات والمنازل والوصول إليها، وهذا يقتضي العمل على مستوى العبادة والرياضة والانقطاع، وبعبارة أخرى السير والسلوك.


تحدّث العرفاء على خصائص المقامات، ومن أبرزها:
- أنّ المقام ثابت مستقرّ لا يطرأ عليه التغيير، وعلى العبد أن يدرك المقامات ويجهد نفسه للوصول إليها, لذلك قالوا: إنّ المقامات مكاسب, أي هي أمور يجب أن يكتسبها السالك.

- إنّ وصول العبد السالك إلى المقامات وعبوره عنها لا يجري إلّا مع تعب وجهد, لأنّه لا يمكن أن يصل إلى مقام أو يرتقي إلى آخر إلا بعد عمل دؤوب ومقاساة تكلّف.

- أضاف العرفاء، أنّ صاحب المقام مُمكّن في مقامه, بمعنى أنّ الذي يصل إلى مقام معيّن فلا يمكن أن يزول أو يتنزّل عنه، على أساس أنّ شخصيته المعنوية قد تماهت وتمازجت مع ذلك المقام حتى أصبح هو بعينه، فالتائب من الذنب حقيقة لا يمكن له أن يعود إلى ارتكاب المعاصي, لأنّ التوبة قد خالطت لحمه ودمه.

- المقامات مترتبة صعودًا, بمعنى أنّ كلّ مقام هو أعلى من الآخر، ويكون جامعاً لكمالات الأدنى، فالذي يصل إلى مقام الزهد فقد عَبَرَ عن مقام التوبة، ومقام الزاهد يتضمّن التوبة, بمعنى أنّ الزاهد لا يمكن أن يكون إلّا تائبًا، وهكذا، حتى تصل إلى أعلى المقامات، فيكون قد جمع كمالات المقامات الأولى.

2- الحال:
الحال عبارة عن حالة معنوية تعتري العبد السالك أثناء سلوكه إلى الله تعالى. جاء في تعريف الحال: "الحال عند القوم معنى يَرِد على القلب من غير تعمّد 
 
 
 
 
 
 
 
76

59

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

منهم ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم في طرب أو حزن أو بسط أو قبض..."1.
 
وفي مصباح الهداية أن "الحال عبارة عن شيء يَرِد في القلب، وينزل حينًا حينًا من العالم العلوي بقلب السالك. وعندما يتمّ ذلك يقع السالك في الجذبة الإلهية، فيؤخذ من المقام الأدنى إلى المقام العلوي..."2 والحال لمحات غيبيّة تحدث في قلب السالك وهي مثل البرق، تعبر وليس لها دوام3.
 
أمّا أبرز خصائص الأحوال:
- الحال حالة معنوية غير مستقرّة تأتي وتزول، وعلى العارف السالك أن ينتظر فيضان الأحوال من عند الله ليقع في الجذبة الإلهية ويرى الحقائق الكمالية, لذلك قيل: العارف ابن الوقت، وفي هذا إشارة إلى أنّ العارف الحقيقي هو الذي ينتظر وقت نزول الحال عليه، فيستفيد منه في إطار السير والسلوك.
 
- الحال موهبة يمنّ الله تعالى بها على العبد، وذلك خلافًا للمقام على أساس أنّ المقام يتطلّب عملاً من العبد، أمّا الحال فهو لا يقتضي عملاً ولا مشقّة، بل الله تعالى، ومن باب فيضه ولطفه، يتفضل على العبد بأن ينزل عليه بعض المعاني المعنوية.
 
- الأحوال ليست ثابتة ولا مستقرة, بمعنى أنّ العبد قد يحصل له حال معيّن، ولكن ليس من الضروري أن يحصل له نفسه في وقت آخر. لذلك قيل إنّ صاحب الحال مترف عن حاله، فالحال عنده لا يحصل بناءً على طلبه، بل لا أثر لطلبه في ذلك، لأنّ الله هو الذي يعطيها.



[1] المصدر نفسه، ص 125.
[2] مقدّمات تأسيسية، ص 24.
[3] أسرار الشريعة، ص 731.
 
 
 
 
 
 
 
77

 


60

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 أعداد المقامات والأحوال والاختلاف فيها

اختلف العرفاء في عدد الأحوال والمقامات، فاعتبر صاحب كتاب اللمع أنّ المقامات سبعة والأحوال عشرة1، أمّا المقامات فهي: التوبة، الورع، الزهد،الفقر، الصبر، التوكّل، الرضا، والأحوال: المراقبة، القرب، المحبّة، الخوف، الرجاء، الشوق، الأُنس، الاطمئنان، المشاهدة، واليقين. واعتبر ذو النون المصري أنّ المقامات تسعة عشر، بينما ذكر الجنيد أنّها أربعة2
 
ولعلّ كتاب منازل السائرين للشيخ عبد الله الأنصاري أفضل أثر في تبيين المنازل وعددها، واللافت فيه أنّه جعل المقامات مئة مقسومة عشرة أقسام ذكرها بالتفصيل3. وقد أضاف العرفاء مقامات أخرى إلى ما ذكر، من أبرزها: مقام الخوف، مقام الشكر، مقام الرجاء، مقام الطلب، مقام العشق، مقام المعرفة، مقام الاستغناء، مقام التوحيد، مقام الحيرة.... وغيرها.
 
وكذلك زاد العرفاء أحوالاً أخرى غير ما ذكر، من جملتها: المحبّة، الغيرة، الحياء، القبض، البسط، الاتّصال، الشوق، الأنس، الهيبة، الغيرة، الخاتمة، الوصية، الجمع، التفرقة، الصحو، السكر، الذوق، المحو، الإثبات، الستر، التجلّي، والمكاشفة، وغيرها4.
 
أمّا لماذا اختلف العرفاء في عدد المقامات والأحوال؟ في الجواب يمكن القول:
أولاً: إنّ أغلب العرفاء كانوا لا يفرّقون بين المقام والحال، وبالتالي كان عدد الأحوال والمقامات يختلف من عارف إلى آخر.



[1] مقدمات تأسيسية، ص 25 و 37.
[2] رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 320.
[3] المصدر نفسه، ص 323.
[4] راجع: مقدمات تأسيسية، ص 51 ـ 52.
 
 
 
 
 
 
78

61

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 ثانياً: إنّ إطلاق أسماء الأحوال والمقامات عند العرفاء، كان يخضع إلى ما كان يعاينه العرفاء بأنفسهم. وبعبارة أخرى: الأحوال والمقامات نتيجة تجربة عرفانية شخصية عاشها العرفاء, لذلك أطلقوا عناوين الأحوال والمقامات على كلّ ما عاينوه، وإذا كانت الحالات العرفانية تختلف من عارف إلى آخر، كان اطلاق العناوين مختلفًا أيضًا.

 
ثالثاً: إنّ بعض العرفاء اعتمد طريقة التعميم، بينما اعتمد آخرون التفصيل، فمن أشار إلى العناوين العامّة كانت المقامات والأحوال عنده أقلّ من الذي ذكرها التفصيلية. ولعل السبب في ذلك أن بعضهم كان يميّز بين بعض المقامات أو الأحوال، وبعضهم الآخر لا يميّز مثال ذلك أنّ بعضهم تحدّث عن: المحبّة، الشوق، الوجد، الود، الوله، والهيمان على أنّها أحوال متعدّدة، بينما اختصرها آخرون بعنوان واحد.
 
رابعاً: أنّ العرفاء، وكما يستخرجون أسماء الأحوال والمقامات من الحالات العرفانية الشخصية التي تحصل له، كذلك يستخرجونها من النصوص الدينية التي بين أيديهم, ولذلك اختلفت أعداد الأحوال والمقامات باختلاف النصوص الموجودة بين يدي العارف وعددها، واختلفت باعتبار طريقة قراءته للنصوص وتأويلها.
 
تجدر الإشارة إلى أنّ العرفاء قد استخرجوا عبارة المقام من الآيات الشريفة، بالأخصّ قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾1، و﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾2.



[1] سورة الصافات، الآية 164.
[2] سورة الإسراء، 79.
 
 
 
 
 
 
 
79

62

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 دور المقامات والأحوال في السير والسلوك

أشرنا في بحث السير والسلوك إلى أنّ الهمّ الأساس للعارف الوصول إلى الغاية النهائية والمقصد الأكمل, ولذلك لا بدّ له من طريقة خاصّة يتّبعها للوصول، نصّ عليها مشايخ العرفاء ومتقدّميهم، عدا عن الوصايا الدينية المنطلقة من الآيات والروايات. من هنا تبرز أهمّية الأحوال والمقامات في عملية السير والسلوك:

أولاً: يظهر من خلال المقامات والأحوال أنّ عملية السير والسلوك ليست عملية عبثية، وليست عملية غير منظمة، بل هي سير وسلوك محدّد ومؤطّر بمنازل وحالات معيّنة، فلا يمكن الوصول إلا من خلالها. وبهذا الأسلوب يصبح السير والسلوك أمرًا ميسّرًا لكل من أراد، إذ إنّ الطريق واضح.

ثانياً: تساهم المقامات والأحوال في التفريق بين السالك الحقيقي ومدعي السلوك.

ثالثاً: إنّ توضيح العرفاء للأحوال والمقامات ورسمهم إيّاها عن طريق النصوص الدينية، يجعل السلوك حالة معنوية مؤطّرة في إطار الدين والشرع، وبذلك يتمّ إبعاد كلّ الحالات الشاذّة عن ذلك، وبعبارة مختصرة يمكن القول: إنّ الأحوال والمقامات يسهلان عملية السير والسلوك، ويوضّحان الطريق، ويضمنان الوصول.
 
 
 
 
 
 
80

63

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 أسـئلـة الـدرس

1- ما معنى المقام، ومتى يتحقق به السالك إلى لله؟
2- ما هو أثر معرفة المقامات والأحوال على عملية السير والسلوك؟
3- ما هو مقصود العارف بـ "الحال"، وما الفرق بينه وبين "المقام"؟


المفاهيم الرئيسة
1- يعتبر بحث الأحوال والمقامات من الأبحاث الهامّة في الفكر العرفاني, لما لذلك من أثر على عملية السير والسلوك.

2- المقام هو المكان الذي يقيم به العارف، وقد ذكروا للمقام تعاريف متعدّدة، من أبرزها: مُقام بضم الميم يعني الإقامة، ومَقام بفتح الميم يعني محلّ الإقامة. 

3- المقام ثابت مستقر لا يطرأ عليه التغيير وعلى العبد أن يدرك المقامات ويجهد نفسه للوصول إليها لذلك قالوا إن المقامات مكاسب أي هي أمور يجب أن يكتسبها السالك.

4- وصول العبد السالك إلى المقامات وعبوره عنها لا يجري إلا مع تعب وجهد، لأنه لا يمكن أن يصل إلى مقام أو يرتقي إلى آخر إلا بعد عمل دؤوب ومقاساة تكلف.

5- المقامات مترتبة صعودًا بمعنى أن كل مقام هو أعلى من الآخر بمعنى أنه جامع لكمالات الأدنى. 

6- الحال عبارة عن حالة معنوية تعتري العبد السالك أثناء سلوكه إلى الله تعالى. وهي غير مستقرة تأتي وتزول. 
 
 
 
 
 
 
81

64

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 7- الحال موهبة يمنّ الله تعالى بها على العبد، وذلك خلافًا للمقام على أساس أن المقام يتطلب عملاً من العبد.


8- اختلف العرفاء في عدد الأحوال والمقامات وهناك آراء متعددة بشأنها.

9- إن توضيح العرفاء للأحوال والمقامات ورسمهم إياها عن طريق النصوص الدينية، يجعل السلوك، حالة معنوية مؤطرة في إطار الدين والشرع وبذلك يتم ابعاد كل الحالات الشاذة عن ذلك.

10- إن الأحوال والمقامات يسهلان عملية السير والسلوك ويوضحان الطريق ويضمنان الوصول.
 
 
 
 
 
 
 
82

65

الدرس السادس: الأحوال والمقامات

 للمطالعة

 
الحسن البصري
يبدأ تاريخ العرفان الاصطلاحي أيضاً مثل علم الكلام من الحسن البصري المتوفي سنة 110هـ.
 
فقد ولد الحسن البصري سنة 22 للهجرة، وعاش حوالي 88 سنة قضى 9 أعشارها في القرن الأوّل. 
 
وبالطبع فإن البصري لم يعرف باسم "الصوفي"، وإنما عُدَّ واحداً منهم لأنه ألف كتاباً سماه "رعاية حقوق الله" يمكن تصنيفه كأول كتاب في التصوّف. والنسخة الوحيدة لهذا الكتاب موجودة في أكسفورد. ويدّعي نيكلسون أن: "أوّل مسلم كتب حول منهج حياة الصوفية كان الحسن البصري، وقد بيّن طريقة في التصوّف والوصول إلى المقامات العالية، ما زال العلماء يشرحونها حتى اليوم: أوّلها التوبة، تليها سلسلة من الأعمال الأخرى ينبغي أن يراعى فيها الترتيب للوصول إلى المقامات العليا"1
 
الأمر الثاني أن العرفاء أنفسهم يرجعون بعض سلاسل الطريقة إلى حسن البصري ومنه إلى حضرة أمير المؤمنين عليه السلام: كسلسلة مشايخ أبو سعيد أبو الخير2. ويُرجع ابن النديم في كتابه "الفهرست" الفن الخامس من المقالة الخامسة سلسلة أبي محمد جعفر الخُلدي إلى الحسن البصري أيضاً ويقول أن الحسن كان قد أدرك 70 رجلاً من أصحاب "بدر".
 
والأمر الثالث أن بعض الحكايات التي نقلت تبيّن أن الحسن البصري كان عملياً أحد أفراد جماعة عرفوا فيما بعد بالصوفية. وكان الحسن البصري إيراني الأصل.


 

[1] ميراث الإسلام ص 85 ـ وأيضاً مراجعة محاضرات الدكتور عبد الرحمن البدوي في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية لسنة 52 ـ 53 الدراسية. والنقطة الملفتة والبارزة هي وجود العديد من كلمات ونصوص نهج البلاغة في تلك الرسالة. وتبرز هذه النقطة أيضاً إذا علمنا أن بعض الصوفية يوصلون سلسلة أسانيدهم عن طريق الحسن البصري إلى حضرة أمير المؤمنين عليه السلام.
[2] تاريخ التصوف في الإسلام ص 462. نقلاً عن كتاب "حالات وأحاديث أبي سعيد أبو الخير".
 
 
 
 
 
 
 
83

66

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة



أهداف الدرس:
1- يبيّن أن المنزلبن الأولين للسير والسلوك هما, اليقظة والتوبة.
2- يتعرّف إلى حقيقة اليقظة والتوبة وموقعيتهما في السلوك المعنوي.
3- يتعرّف إلى أهم آثار وشروط كلا المقامين بشكل مختصر.
 
 
 
 
 
 
 
 
85

67

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 أشرنا إلى أنّ المقامات كثيرة عند العرفاء، إلا أنّهم يهتمّون ببعضٍ منها، سنحاول في هذا الدرس الإطلالة على مقامين هامّين: اليقظة والتوبة.

 
مقام اليقظة
يعيش الإنسان في حياته الدنيوية حالةً من الغفلة، فينسى أصله وحقيقته، ولا يدرك سبب هذه الحياة الدنيوية القصيرة ولا يفكّر فيها ولا يستعدّ للانتقال إلى العالم الآخر. وما دام الإنسان واقعًا في شراك الغفلة، ولم ينهض لنجاته وسعادته، فلن يبدأ الحركة نحو الله تعالى.
 
يعتبر العرفاء أن الخطوة الأولى في السير نحو الله تبدأ من اليقظة.
 
حقيقة اليقظة
اليقظة حالة من العودة إلى الذات، حيث تنهار بواسطتها الحجب الكبيرة التي منعت الإنسان من التوجّه نحو الله تعالى. واليقظة نور يلقيه الله تعالى على قلب السالك فتضيء حياته: "اليقظة نور والغفلة غرور"1.
 
تحدّث الخواجه عبد الله الأنصاري في منازل السائرين، فاعتبرها: "هي أوّل ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه"2، وبناءً عليه عندما يتنبّه العبد إلى 



[1] الخوانساري، جمال الدين محمد، شرح غرر الحكم، ج1، ص 37
[2] الأنصاري، الخواجة عبد الله، منازل السائرين، باب اليقظة، ص 24.
 
 
 
 
 
 
 
 
87

68

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 ما هو فيه من غفلة، ويدرك أنّ الحياة الحقيقية ليست فيما يعمل، ويقرّر الانتقال إلى عالم آخر، يبدأ من التوبة، وبالتالي التوجّه نحو الله تعالى، في هذه الحالة تكون اليقظة، فهي إذاً التنبّه لما هو موجود، ولما يجب أن يكون عليه الشخص. ويترتّب على هذا النور الحياة الطيبة في الحياة الدنيا والسلوك نحو الله تعالى. جاء في القرآن الكريم: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾1.

 
ونور اليقظة، إفاضة ربّانية وجذية إلهية، تحرق أصول الجهل وتزرع المعرفة والشوق نحو الكمال. جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الإيمان، فإذا أراد استنارة ما فيها فتحها بالحكمة وزرعها بالعلم، وزارعها والقيم عليها ربّ العالمين"2 ثمّ إنّ الجذبة الإلهية عامّة تشتمل على الجميع، وتوجّههم نحو الحقّ تعالى، أمّا الذين يتأثّرون وينجذبون فهم المستعدّة قلوبهم. العارف يحتاج إلى اليقظة في كافّة مراحل سلوكه على أساس أنّ لكلّ منزل شروطه وظروفه والانتقال إلى الآخر يتطلّب الالتفات والانتباه.
 
آثار اليقظة في وجود السالك
تبعث اليقظة على وجود تحوّلات أساسية عند العارف، من أبرزها: 
1- الاهتمام بالنعم الإلهية:
يصبح للنعم الإلهية معنًى جديدًا بعد حصول اليقظة، فعندما ينظر العارف إلى أيّ مكان فيراه مليئًا بنعم الله تعالى، تلك النعم اللامتناهية التي تشعره بأنّه غارق فيها وعاجز عن شكره لأجلها. وهذا يعني أن اليقظة تؤدّي إلى إيجاد معرفة عند العارف، تجعله يدرك مدى تقصيره في ما أسلف في التعامل مع تلك النعم.



[1] سورة الأنعام، الآية 122.
[2] أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب سهو القلب، ج 2، ص 422.
 
 
 
 
 
 
 
 88

69

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 يقول الخواجه عبد الله الأنصاري: "واليقظة هي ثلاثة أشياء: الأوّل لحظ القلب إلى النعمة على الاياس من عدّها... والوقوف على حدّها، والتفرّع لمعرفة المنّة بها..."1.

 
2- معرفة الحق:
تختلف معرفة الحقّ عند الإنسان بمقدار يقظته، والغفلة عن عظمة الحقّ تعالى يترك عليه آثارًا مهلكة، من أبرزها: استصغار الذنب، نقصان العبادة والطاعة، عدم رعاية أدب العبودية، وعدم الخوف من الله...
 
أمّا السالك فيدرك عظمة الخالق من خلال نور اليقظة، وعند ذلك يكبر الذنب في عينيه، وينظر إلى عبادته على أنّها ناقصة لا تتناسب مع مقام العظمة والجلال, فيسعى ويعمل ويبذل جهده ليصل إلى أعلى المراتب.
 
3- التعرّف إلى الأخطاء:
يتمكّن السالك من خلال اليقظة من الالتفات إلى أخطائه فتكبر في عينيه، ثمّ يتحرّك لجبران الخطأ والبحث عن طرق النجاة، يقول الأنصاري: "والثاني مطالعة الجناية، والوقوف على الخطر فيها... والتشمّر لتداركها، والتخلّف من ربقها... وطلب النجاة بتمحيصها"2.
 
4- معرفة النفس الأمارة:
اليقظة تجعل السالك عارفًا بالنفس وأهوائها، وبواسطتها يدرك أنّ أعظم حجاب نُصب بينه وبين الله هو النفس وأهواؤها. وبذلك يدرك حقيقة الحديث الشريف: "أعدى عدوّك، نفسك التي بين جنبيك"3.



[1] منازل السائرين، ص 24.
[2] المصدر نفسه، ص 26.
[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1983، ج 67، ص 64.

 
 
 
 
 
 
89

70

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 وإذا عرف ذلك تحرّك نحو النجاة، وفتّش عن طريق محاربة النفس، وكبح جماحها.

 
طبعاً هناك آثار أخرى تترتّب على اليقظة، من أبرزها: اغتنام فرصة الحياة الدنيا، والتصديق بالوعيد الإلهي، و... 
 
عوامل قبول نور اليقظة
إذا كان فيض الله تعالى موجّهًا لجميع الخلق، فإنّ الذي يقبله ويتأثّر به هو المستعدّ قلبه. هناك أسباب عديدة تجعل من القلب مستعدًّا لقبول نور اليقظة، من أبرزها:1
1- تلاوة القرآن والتدبر فيه، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾2.
2- الارتباط بالمعصومين الذين هم أصحاب الولاية الحقّ، ومجاري فيض الله تعالى.
3- التفكير في الموت، عن الإمام الصادق عليه السلام: "ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقطع منابت الغفلة، ويقوّي القلب بمواعد الله..."3.
 
مقام التوبة
1- حقيقة التوبة:
هو المقام الذي يحصل للعارف بعد اليقظة. والتوبة هي الرجوع الاختياري عن السيئة والمعصية إلى الطاعة والعبودية4. وفي تعريف آخر هي الرجوع عمّا كان



[1] راجع: حسيني، قوام الدين، العرفان الإسلامي، ص 131.
[2] سورة ص 29.
[3] بحار الأنوار، ج 6، ص 133.
[4] رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 334.
 
 
 
 
 
 
 
 
90

71

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه1. والتوبة ضرورية للعارف, إذ بدونها لا يمكن الشروع بالسير والسلوك، إذا ما دام الشخص مذنبًا أو مصرًّا على الذنب، كان عاجزًا عن البدء بمسيره السير والسلوك. وعندما نقول التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى، يعني ذلك رفض كل ما هو مرفوض من قبل الله، والعمل بما هو مقبول عنده، وبعبارة أخرى: ترك المعاصي، والإقبال نحو الطاعات.

 
2- أركان التوبة وشروطها:
تتحدّث الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام عن شروط وأركان للتوبة، اقتبسها العرفاء وجعلوها من أساسيات التوبة، ومن أبرز هذه الشروط: 
أ- الندم على ما مضى من الذنوب والمعاصي.
ب- والعزم على عدم العودة إليها لاحقًا.
ج- ترك الذلّة في الحال.
 
أما أركان التوبة: أداء الفرائض، قضاء ما فات، طلب الحلال، ردّ المظالم ومجاهدة النفس2.
 
جاء في حديث عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لقائل قال بحضرته: "أستغفر الله": "ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ:
أولها: الندم على ما مضى.
والثاني: العزم على ترك العودة إليه أبدًا.
والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم، حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة.



[1] مقدمات تأسيسية، ص 25.
[2] مقدمات تأسيسية، ص 26.
 
 
 
 
 
 
 
91

72

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 والرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها، فتؤدّي حقّها.

 
والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت، فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد.
 
والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة، كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله"1.
 
آثار التوبة في وجود السالك
تحمل التوبة العديد من الآثار للسالك، من أبرزها:
1- التائب, حبيب الله تعالى:
إنّ التائب هو الذي بدأ الخطوة الأولى في مسير القرب إلى الله، فهو محبوب عنده. جاء في القرآن الكريم: ﴿اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾2، وفي الحديث الشريف: "التائب حبيب الله"3. ومحبّة الله تعالى ليست كمحبّة العباد، فهي ليست من الحالات النفسانية، بل بمعنى جذب الحقّ العبدَ إليه، ورفع الحجب من أمام عينيه.
 
2- طهارة الباطن:
وعد الله تعالى التائبين بالعفو والمغفرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾4. وعفو الله ومغفرته تطهّر الباطن، وتمحو آثار الذنوب والمعاصي, لذلك جاء في الحديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"5.



[1] نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، دار الذخائر، قم، ط 1، ج 4، ص 97.
[2] سورة البقرة، الآية 222.
[3] النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، تحقيق السيد محمد كلانتر، دار النعمان، النجف، ج 3، ص 65.
[4] سورة الشورى، الآية 25. 
[5] جامع السعادات، ج 3، ص 65.
 
 
 
 
 
 
 
92

73

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 3- زيادة الرزق:

إذا تاب العبد توبة صادقة، وسّع الله تعالى من رزقه له، سواء أكان من الرزق الظاهري أو الباطني: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾1.
 
4- تبدّل السيئات بالحسنات:
من دواعي لطف الله تعالى على العبد التائب أن يبدّل سيئاته بالحسنات  ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾2.
 
 
في الختام نقول: إنّ التوبة واجبة على الجميع، ومن غير المقبول تأخيرها، وما دام الإنسان يرتكب المعاصي والذنوب فعليه أن لا يؤخّر التوبة على الإطلاق حتّى يلقى الله تعالى وليس في ذمّته شيء من الحرام.



[1] سورة هود، الآية 3.
[2] سورة الفرقان، الآية 70.
 
 
 
 
 
 
 
93

 


74

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 أسـئلـة الـدرس

1- ما معنى اليقظة، ولماذا عدّها العارف المنزل الأول للسير والسلوك؟
2- ما هي أهم الآثار التي تحدثها اليقظة في نفس السالك، عددها، وتحدّث عن واحدة منها بالتفصيل؟
3- التوبة عند العارف لها أركان وشروط تحدث عنها.


المفاهيم الرئيسة
1- أشرنا إلى أنّ المقامات كثيرة عند العرفاء، إلا أنّهم يهتمّون ببعضٍ منها، خصوصا التي تقع في بدايات السلوك كمقام اليقظة والتوبة.

2- يعتبر العرفاء أن الخطوة الأولى في السير نحو الله تبدأ من اليقظة.

3- اليقظة حالة من العودة إلى الذات، حيث تنهار بواسطتها الحجب الكبيرة التي منعت الإنسان من التوجّه نحو الله تعالى. 

4-  تبعث اليقظة على وجود تحوّلات أساسية عند العارف، من أبرزها: 
أ- الاهتمام بالنعم الإلهية.
ب- معرفة الحق.
ج- التعرّف إلى الأخطاء.
د- معرفة النفس الأمارة.

5- هناك أسباب عديدة تجعل من القلب مستعدًّا لقبول نور اليقظة، من أبرزها:
أ- تلاوة القرآن والتدبر فيه. 
ب- الارتباط بالمعصومين.
 
 
 
 
 
 
94

75

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 ج- الذين هم أصحاب الولاية الحقّ، ومجاري فيض الله تعالى.

د- التفكير في الموت. 

6- التوبة هو المقام الذي يحصل للعارف بعد اليقظة. والتوبة هي الرجوع الاختياري عن السيئة والمعصية إلى الطاعة والعبودية. 

7- للتوبة شروط وأركان عند العارف أبرزها: 
أ- الندم على ما مضى من الذنوب والمعاصي والعزم على عدم العودة إليها لاحقًا.
ب- أداء الفرائض، وقضاء ما فات.
ج- طلب الحلال، وردّ المظالم. 
د- مجاهدة النفس.
 
 
 
 
 
 
 
95

76

الدرس السابع: أوّل المنازل: اليقظة والتوبة

 للمطالعة

 
محيي الدين عربي
هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من أبناء عبد الله بن حاتم، أخي عدي بن حاتم الطائي. كان يُكنّى بأبي بكر، ويلقّب بمحي الدين، ويُعرف بابن عربي.
 
ولد في بلدة مرسية في الأندلس، أواخر شهر رمضان عام 560هـ.، هاجر عام 568هـ. مع أسرته إلى إشبيلية عاصمة الأندلس، وأقام فيها حتى العام 598هـ. درس في هذه الأثناء القرآن على أبي بكر محمد بن خلف اللخمي، وتعلّم الأدب والحديث عن بعض المشايخ. حصل له في هذه الفترة تحوّل معنوي كبير. نال من خلاله مقام الكشف والشهود، فَذاعت شهرته، ووصلت أخباره إلى الفيلسوف ابن رشد الذي أصر على لقائه.
 
انهمك ابن عربي في المجاهدة والرياضة، وانبرى لاكتساب معارف العرفاء ومطالعة آثار الصوفية, فنال بعض الفتوحات وشاهد بعض المبشرات.
 
انتقل في العام 598هـ. إلى المشرق بهدف الحج، إلا أنّه لم يرجع إلى الأندلس، فأقام في الحجاز مدّة، وزار أماكن أخرى أمثال مصر وبغداد والموصل... وأخيراً وصل إلى دمشق التي أقام فيها حتّى آخر حياته. توفّي عام 638هـ. وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنة.
 
يعتبر ابن عربي واحداً من أغزر المؤلفين، وقيل: إنّ كتاباته بلغت 240 مؤلفاً. وقال آخرون: إنها بلغت الأربعمئة...1. من أبرز مؤلفاته:
- الفتوحات المكّية.
- فصوص الحكم.
- مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية.
- مفاتيح الغيب، وكتب أخرى.



[1] راجع: محي الدين بن عربي, الشخصية البارزة، في العرفان الإسلامي، د. محسن جهانكيري، دار الهادي، بيروت، ط1، 2003م.
 
 
 
 
 
 
 
96

77

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد



أهداف الدرس:
1- يتعرّف إلى المنازل الثلاث الأخيرة للسير والسلوك إلى الله.
2- يتعرّف إلى معنى وحقيقة مقامي الرضا والتسليم ودرجاتهما.
3- يبيّن معنى التوحيد عند العارف وأنواعه.
 
 
 
 
 
 
 
97

 


78

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 مقام الرضا

 
1- تعريف الرضا وحقيقته:
الرضا هو موافقة النفس لفعل من الأفعال، دون وجود تعارض بينهما، يقال: رضي بكذا، أي وافقه، ولم يمتنع منه. ويتحقّق بعدم كراهته إياه سواء أحبّه أم لم يحبّه ولم يكرهه، فرضى العبد عن الله هو أن لا يكره بعض ما يريده الله، ولا يحبّ بعض ما يبغضه، ولا يتحقّق إلا إذا رضي بقضائه تعالى، وما يظهر من أفعاله التكوينية وما أراده منه تشريعًا1.
 
يعتبر الرضا المحور الذي تدور حوله أخلاق العرفاني، إذ منه ينبع التوكّل والزهد، وهو يورث السكينة في القلوب والاطمئنان إلى أحكام قضاء الله، وهو ثمرة المحبّة, لأنّ شأن المحبّ أن يرضى بكلّ ما يفعله المحبوب, لأنّه منّة من الله على العبد.
 
الرضا من المقامات التي يصل إليها السالك بعد أن تصفو نفسه عن طريق التوبة والطاعة والإخلاص، وترتقي من حال النفس الأمارة إلى مقام النفس اللوامة، ثمّ إلى مقام النفس الملهمة، حتّى تصل إلى مقام النفس المطمئنّة، فالمرضية2.
 
يعتقد بعضهم أنّ الرضا مقام مختصّ بمن وصلوا، وليس من هم في طريق السلوك, لأنّ الذي رضي بما أراده الله له، وأصبحت نفسه مطمئنّة لذلك، فهو في



[1] رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 380 ـ 381.
[2] نقلا عن مقدمات تاسيسية، ص34.
 
 
 
 
 
 
99

79

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 أعلى مقام المعرفة والعرفان، ويترتّب على ذلك تغيير في نظرة العارف لكل شيء إذ يراه على أنّه من الله تعالى، وهو الذي أراد له أن يمون على هذا الحال1.

 
2- درجات الرضا:
للرضا درجات ثلاث كما ذكرها العرفاء:
الدرجة الأولى: الرضا بربوبية الله تعالى، وهو رضا العامّة به يطهِّر الإنسان السالك من الشرك الأكبر.
وشروطه ثلاثة:أن يكون رضا الله عزّ وجلّ أحبّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقّ الأشياء بالطاعة2.
 
الدرجة الثانية: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، فهو راضٍ عن كلّ ما يحصل له، سواء أكان حسنًا أو غير حسن، ويكون ذلك عنده سيّان، حيث يعتبرها جميعها نِعم من الله تعالى. 
 
وشروطه ثلاثة: أن لا تختلف حالات العبد عند أي شيء، وترك مخاصمة الخلق، والإخلاص من المسألة والإلحاح3.
 
الدرجة الثالثة: الرضا برضا الله تعالى، وهي خاصّة بأهل المحبّة, هؤلاء الذين لا ينظرون إلى رضاهم، بل همّهم الأساس رضا الله تعالى.
 
أمّا الذي يوصل السالك إلى مقام الرضا، الاعتقاد بلطف الله تعالى وخيره، واعتبار كافّة أفعاله جميلة، ومن ثمّ محبّته. ويترك الرضا آثارًا عديدة، من أبرزها: حسن الظن، وشرح الصدر، والتخلية من الحرص والحسد، ومن ثمّ مناعة الطبع، وعلوّ الهمة4.



[1] المصدر نفسه، ص 35.
[2] رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 384.
[3] المصدر نفسه، ص 384.
[4] حسيني، قوام الدين، العرفان الإسلامي، ص 320.
 
 
 
 
 
 
 
 
100

80

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 مقام التسليم

التسليم أعلى درجات سلوك الإنسان في مرحلة البدايات وقبل دخوله الأخلاقيات. وهو عبارة عن القبول المطلق بما يريده الحق سواء أوافق أغراض الشخص أو خالفها1.
 
عند توضيح العرفاء لمقام التسليم، يذكرون الآية الشريفة: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾2. فقالوا: إنّ درجة الإيمان لا تكتمل إلا بالتسليم. فيما حكم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، ولا يخالفون ما أراد، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا في قبول ذلك3.
 
وللتسليم درجات ثلاث:
الدرجة الأولى: التسليم أمام الأمور التي تعجز العقول عن إدراكها وأرادوا بذلك عدم البحث عن الأسباب, لأنّ العقول تدرك الأمور بأسباب معينة، وأما إذا كان هناك من الأمور ما هو فوق العقل، فلا يجب إنكاره، بل يجب التسليم به، بالأخصّ إذا كان صادرًا من مكان ثقة يعلو العقول بقدرته على كشف حقائق الوجود, لذلك قال التلمساني: "فمن حقّق مقام التسليم حتّى صحّ له وكمُل عنده، فهو تسليم إلى الله تعالى مما هو غيب عنه ممّا يزاحم العقول والأوهام، فلا يلتفت إلى السبب في كلّ ما غاب عنه من أمور الدنيا والآخرة"4.
 
وهذا من جهة التسليم بما هو غائب، ولكن للتسليم وجه آخر، وهو التسليم مقابل الأمور غير الغائبة والتي تتعارض مع العقول. يعتقد العرفاء أنّ السالك تحصل له حالات أثناء حركته السلوكية تجعله يرى من المعاني الغيبية ما لا يمكن فهمه



[1] التلمساني، عفيف الدين، شرح منازل السائرين، انتشارات بيدار، قم، ط 1، 1413هـ.، ص 211.
[2] سورة النساء، الآية 65.
[3] شرح منازل السائرين، ص 211.
[4] المصدر نفسه، ص 212.
 
 
 
 
 
 
 
 
101

81

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 والإذعان له في عالم العقول، فهل ينكر العارف ما رآه، أم يسلّم؟ الواضح أن التسليم يقتضي القبول والرضوخ.

 
الدرجة الثانية: التسليم للحال التي تحصل للسالك1. والمقصود منها التسليم لوجود المعاني الباطنية عند السالك، والتي لا يدل العلم عليها، وهذا أعلى درجة من الأول والانتقال من الحجاب إلى الكشف ومن الخبر إلى العيان. وهذا يعني أنّ الحال التي تسيطر على العارف أثناء سيره وسلوكه يجعله يسلّم، ويقبل الحقائق التي لا يمكن قبولها من دونه, لأنّ ظاهرها مخالف للعلم.
 
والانتقال من الرسم إلى الحقيقة عبارة عن أن يسلّم السالك نفسه ليفنى في شهود الحقيقة.
 
الدرجة الثالثة: تسليم ما دون الحقّ إلى الحقّ. إنّ هذه الدرجة تكمّل الدرجة السابقة، وبناءً عليها فإنّ كلّ ما سوى الحقّ ليست سوى مظاهر وظِلال، وإذا أدرك السالك أنّ كل ما سوى الله تعالى ليس إلا هذه الرسوم الظاهرية، وأنّ الحقيقة هي لله تعالى وحده، فقد سلّم به.
 
والخلاصة: أنّ من وصل إلى مقام التسليم فقد وجد نفسه مسلمة إلى الحقّ.
 
مقام التوحيد
مقام التوحيد هو المقام الأخير عند العرفاء، وهو عبارة عن تنزيه الله تعالى من الحدث2.
 
وللتوحيد أوجه ثلاثة:
1- توحيد العامة: وهو عبارة عن استخدام الأدلّة والبراهين والعقول لإثبات وحدانية الصانع.



[1] المصدر نفسه، ص 214.
[2] المصدر نفسه، ص 601.
 
 
 
 
 
 
 
102

82

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 2- توحيد الخاصة: وهو عبارة عن التوحيد الذي يحصل من خلال الحقائق للمتوسطين من أهل السلوك. والحقائق عندهم عشر، هي: المكاشفة، المشاهدة، المعاينة، الحياة، القبض، البسط، السكر، الصحو، الاتّصال، والانفصال1.

 
3- توحيد خاصّة الخاصّة: وهو توحيد اختصّه الله تعالى لنفسه، لا يدركه إلا خواصّ الخواصّ الذين أراد الله لهم الاطّلاع على الأسرار، وأخرس ألسنتهم عن النطق بما يشاهدونه ويعيشونه في حالات سلوكهم. وهذا يعني أنّ السالك يصل إلى درجة من التوحيد تعجز عباراته عن الإفصاح بشيء، فلا دليل ولا شهود، بل فناء كامل، وأمّا إذا تمكّن العارف من وصفه، فهو لم يصل إليه2.



[1] المصدر نفسه، ص 602 ـ 603.
[2] المصدر نفسه، ص 608.
 
 
 
 
 
 
 
 
103

83

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 أسـئلـة الـدرس

1- ما هو مقام الرضا عند العارف، وكيف يصل إليه السالك؟
2- للتسليم ثلاث درجات تحدّث عنها.
3- ما هي حقيقة التوحيد عند العارف، وما هي أنواعه؟

المفاهيم الرئيسة
1- الرضا هو موافقة النفس لفعل من الأفعال، دون وجود تعارض بينهما، يقال: رضي بكذا، أي وافقه، ولم يمتنع منه.

2- لا يتحقّق العبد بمقام الرضا إلا إذا رضي بقضائه تعالى، وما يظهر من أفعاله التكوينية وما أراده منه تشريعًا.

3- يعتبر الرضا المحور الذي تدور حوله أخلاق العرفاني، إذ منه ينبع التوكّل والزهد، وهو يورث السكينة في القلوب والاطمئنان إلى أحكام قضاء الله، وهو ثمرة المحبّة. 

4- الرضا من المقامات التي يصل إليها السالك بعد أن تصفو نفسه عن طريق التوبة والطاعة والإخلاص، وترتقي من حال النفس الأمّارة إلى مقام النفس اللوّامة، ثمّ إلى مقام النفس الملهمة، حتّى تصل إلى مقام النفس المطمئنّة، فالمرضية.

5- للرضا درجات ثلاث كما ذكرها العرفاء:
أ- الرضا بربوبية الله تعالى. 
ب- الرضا بقضاء الله تعالى وقدره. 
ج- الرضا برضا الله تعالى، وهي خاصّة بأهل المحبّة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

84

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 6- التسليم أعلى درجات سلوك الإنسان في مرحلة البدايات وقبل دخوله الأخلاقيات. وهو عبارة عن القبول المطلق بما يريده الحق سواء أوافق أغراض الشخص أو خالفها.


7- للتسليم درجات ثلاث:
أ- التسليم أمام الأمور التي تعجز العقول عن إدراكها.

ب- التسليم للحال التي تحصل للسالك. 

ج- تسليم ما دون الحقّ إلى الحقّ. 

8- مقام التوحيد هو المقام الأخير عند العرفاء، وهو عبارة عن تنزيه الله تعالى من الحدث.

9- للتوحيد أوجه ثلاثة:
- توحيد العامة. 
- توحيد الخاصة. 
- توحيد خاصّة الخاصّة. 
 
 
 
 
 
 
 
105

85

الدرس الثامن: آخر المنازل: الرضا والتسليم والتوحيد

 للمطالعة


الجنيد البغدادي
وُلد الجنيد في بغداد عام 215هـ , وتوفّي عام 297هـ.، وعاصر اثني عشر خليفة من خلفاء بني العباس.

عاش الجنيد في زمان احتدام الصراع الفقهي الكلامي بين المعتزلة والأشاعرة والصراع الفقهي الصوفي، وقد أدّى ذلك في السنوات اللاحقة إلى مقتل الحلّاج. 

توفّي والده وكان ما يزال صغيراً, فتولى الاهتمام به خاله السري السقطي (توفي عام 251)، وهو من أبرز المتصوّفة في ذاك الزمان.

وكان يتردّد بالإضافة إلى السري السقطي على الحارث المحاسبي، وهو من أبرز متصوّفة ذاك الزمان، وهذا يبيّن أنّه كان يعيش في وسط صوفي بالكامل.

اهتمّ الجنيد بعلوم الفقه، وبلغ مرتبة الافتاء، وقيل إنّه كان يفتي وهو ابن عشرين عاماً. وهذا يعني أنّ الجنيد لم يعتزل الدنيا ولم يبتعد عن الناس، بل كان يجالس الناس ويقدّم لهم من علومه، يضاف إلى ذلك أنّه كان يذهب كلّ يوم إلى دكّانه ليمارس مهنته في بيع الأقمشة.

يؤكّد الجنيد في عباراته أنّ الطريق التي تسلكها الصوفية هي اتّباع نبويّ، لا إبداع صوفي، يقول: الطرق كلها مسدودة عن الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واتّبع سنّته، ولزم طريقه... ويقول أيضاً: من لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء ويأخذ أدبه من المتأدّبين، أفسد من اتّبعه. عاصر الجنيد مجموعة من كبار المتصوّفة الذين شكّلوا أعمدة التصوّف في القرن الثالث الهجري، ومن أبرزهم: أبو زيد البسطامي، أبو سعيد الخراز، سهل التستري، ذو النون المصري، وأبو حسين النوري...

ترك الجنيد العديد من الكتب والرسائل التي بقي أغلبها مخطوطاً أو مذكوراً ضمن كتب أخرى، ومن أبرزها: كتاب الميثاق، وكتاب دواء الأرواح، كتاب أدب المفتقر إلى الله، كلام في الإلوهية، كتاب في الفرق بين الإخلاص والصدق، وغيرها من الكتب والرسائل...
 
 
 
 
 
 
106

86

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 الدرس التاسع: الكشف والشهود



أهداف الدرس:
1- يتعرّف إلى معنى الكشف, أقسامه وأنواعه.
2- يبيّن دور وأهمية الكشف في سير العارف وسلوكه.
3- يشرح الميزان الذي على أساسه نميّز الكشف الصحيح عن الكشف الباطل.
 
 
 
 
 
 
107

87

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 عندما يتقدّم العارف في مسير السير والسلوك، تشرق الأنوار الإلهية في قلبه وقواه الإدراكية، وتفتح له أبواب المشاهدات والكشوفات، فيصل إلى مستوى أعلى من الإدراك، ويرى حقائق لم تكن قد انكشفت له من قبل.

 
ترافق الكشوفات السالك طوال حركته السلوكية، وتتفاوت باختلاف قربه وبعده من المقصد، وباختلاف استعداده الروحي.
 
تعريف الكشف
يتحدّث القيصري في شرحه على فصوص الحكم حول معنى الكشف، فيقول: "اعلم أنّ الكشف لغةً رفع الحجاب. يقال: كشفت المرأة وجهها, أي رفعت نقابها. واصطلاحاً هو الاطّلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية"1.
 
ويفهم من خلال هذا التعريف:
1- أنّ الكشف نوع من الإدراك والعلم.
2- أنّ الكشف هو من الإدراكات والعلوم الشهودية والحضورية.
3- أنّ الكشف عن الحقائق يحصل من خلال إزاحة الحجب من أمام السالك.



[1] شرح القيصري، ص 107.
 
 
 
 
 
 
 
109

88

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 أقسام المكاشفات

قسّم القيصري المكاشفات نوعين: صوري ومعنوي. ثمّ شرح أشكال كلّ واحد من النوعين:
1- الكشف الصوري: 
"وهو ما يحصل في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس..."1. ولتوضيح المقصود، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العرفاء يقسّمون العوالم إلى ثلاثة، هي: عالم المادة، عالم المثال، وعالم التجرّد. وأنّ للإنسان أيضاً مراتب ثلاث: الحسّ والمثال، والتجرّد، حيث يمكنه بواسطتها إدراك موجودات العالم والتعاطي معها. وعالم المثال هو عالم يتوسّط عالم المادّة وعالم التجرّد التام، والأحلام والمنامات التي يراها الإنسان أثناء نومه هي درجة متدنّية منه. 
 
العرفاء يعتقدون أنّ للإنسان، وبالإضافة إلى حواسه الخمس الظاهرية: الباصرة، الذائقة، الشامة، اللامسة، وحاسة السماع، حواساً خمساً باطنيةً أخرى بموازاتها، هي باطن هذه الحواس الظاهرية، بل وتكون الباطنية أساس الظاهرية ومنشأها. فإذا أدرك الإنسان بالحواس الظاهرية، كانت معرفته محصورة بعالم المادّة، وإذا ادرك بالحواس الباطنية، أمكنه الاطّلاع على ما هو فوق عالم المادّة. والإنسان السالك، ونتيجة جهوده في طريق الوصول إلى القرب الإلهي، يدرك بحواسه الباطنية، الحقائق الموجودة في عالم المثال.
 
وهذا الكشف الصوري أو المثالي قد يحصل في اليقظة، وقد يحصل في النوم. وفي كلّ الأحوال، فهو متعلّق بالحواس الخمسة, أي الباصرة، الذائقة، الشامة، اللامسة، وحاسة السماع، ولكن على المستوى الباطني لا الظاهري. وفيما يأتي نذكر نموذجاً واحداً لذلك. عن الإمام الصادق عليه السلام: "... مازلت أكرر آيات القرآن



[1] شرح فصوص الحكم، ص 107.
 
 
 
 
 
 
 
110

89

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 حتى بلغت إلى حال كأنّني سمعت مشافهة ممّن أنزلها على المكاشفة والعيان، فلم تعمّ القوة البشرية بمكاشفة الجلالة الإلهية..."1.

 
2- الكشف المعنوي:
الكشف المعنوي عبارة عن: "ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية"2، وهو كشف بعيد عن عالم المادّة والحواس, إذ تُكْشف الحجب بأكملها، فيرى السالك حقائق من ذاك العالم المجرّد. وللكشف المعنوي مراتب نذكرها على نحو التعداد فقط، وهي:
أ- الكشف الحدسي. 
ب- الكشف القدسي. 
ج- الكشف الإلهامي. 
د- الكشف الوحي. 
هـ- الكشف السرّي. 
أ- الكشف الخفي والأخفى. 
 
دور المكاشفات في السلوك
الكشف من العنايات الإلهية الخاصّة للسالكين، والمكاشفات تحمل للسالك بشائر وتحذيرات فيطّلع من خلالها على مقامه، ويدرك نقائصه، فيبادر إلى إزاحتها للوصول إلى الأعلى. ويحمل الكشف فوائد عديدة، من أبرزها:
1- يتمكّن السالك بواسطتها من الاطّلاع على نقائصه، ويعرف مقامه ومنزلته.
2- يجعل الكشف السالك يستأنس بما هو فيه, فيجتهد ويجدّ في السلوك.



[1] ابن طاووس، فلاح السائل، مكتبة أهل البيت، ص 107 ـ 108، نقلاً عن "الأربعون حديثاً" للإمام الخميني قدس سره ص 436.
[2] شرح فصوص الحكم، ص 110.
 
 
 
 
 
 
 
111

90

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 3- الكشف يساعد السالك في الوصول إلى بعض المقامات التي لا يمكن له الوصول إليها إلا به1.

 
طرق نفوذ الخطأ إلى المكاشفات
المعرفة الشهودية، كما المعارف الأخرى، لا تخلو من الاشتباهات والاشكالات أحياناً. فالوصول إلى المعرفة الشهودية الصحيحة يتطلّب مقدمات، يؤدّي فقدانها إلى وقوع الخلل والاشتباه في المكاشفات. والمقدّمات عبارة عن تهذيب الباطن، وتوجّه النفس، واشتغالها بالأمور التي توصل إلى المعرفة الصحيحة، وابتعادها عن الدنيا وتعلّقاتها، والالتزام الدقيق بأحكام الشريعة، كذلك صحّة السير والسلوك...
 
وقد ذكر العرفاء مجموعة من العوامل التي تؤدّي إلى انحراف المكاشفات، من أبرزها:
1- ضعف الجسم بسبب الأمور الطبيعية، كالمرض...
2- السير والسلوك بناءً على اعتقادات باطلة وغير صحيحة.
3- الابتعاد عن الشريعة.
4- عدم تطهير الباطن بشكل كامل من الرذائل والصفات الباطلة2.
 
معايير صحّة المكاشفات
إذا كان الخطأ والخلل يدخل إلى مكاشفات السالك، فهو بحاجة إلى معايير وقوانين يتمكّن بواستطها من تميز الخطأ والصواب فيها. في هذا الإطار تحدّث العرفاء عن معيارين أساسيين، أحدهما عام والآخر خاص.



[1] المصدر نفسه، ص 242.
[2] المصدر نفسه، ص 244.
 
 
 
 
 
 
 
112

91

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 1- المعيار العام:

يندرج تحت عنوان المعيار العام أمور، منها: القرآن الكريم والروايات الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام. فما دامت المكاشفات لا تخالف النصّ القرآني الصريح، ولم تأتِ الأخبار والروايات بما يناقضها ويطعن فيها، فهي صحيحة1.
 
ومن جملة الأمور الأخرى التي ذكرها العرفاء في هذا العنوان: البرهان الصحيح، حيث أوصى بعض العرفاء بإتقانه، لأنّ المكاشفات العرفانية يجب أن لا تخالف العقل، ويجب أن يتمكّن السالك من الإتيان ببرهان ودليل عليها، حتّى أنّ بعضاً منهم اعتبر المعارف اليقينية النظرية بمثابة علم المنطق بالنسبة للحكمة والفلسفة2.
 
2- المعيار الخاص:
يعتقد العرفاء أنّ السالك، وبسب الحالات الروحية التي يعيشها، يتمكّن بنفسه من معرفة مدى صحّة وصدق مكاشفاته. يقول القيصري في هذا الخصوص: "... ومنها ما هو خاص، وهو ما يتعلّق بحال كل منهم الفايض عليه من الاسم الحاكم والصفة الغالبة عليه..."3.



[1] شرح فصوص الحكم، ص 101.
[2] راجع: تركه، صائن الدين علي، تمهيد القواعد، مقدمة وتصحيح جلال الدين الآشتياني، انجمن حكمت وفلسفه إيران، 1355هـ.ش، ص 273.
[3] شرح فصوص الحكم، ص 101.
 
 
 
 
 
 
113

92

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 أسـئلـة الـدرس

1- ما هو معنى الكشف عند العارف، وما هي أنواعه؟
2- ما هو المعيار في صحة الكشف وصدقه عند العارف؟
3- ما هو دور وأثر الكشف في السلوك المعنوي عند العارف؟



المفاهيم الرئيسة
1- الكشف لغةً رفع الحجاب. يقال: كشفت المرأة وجهها, أي رفعت نقابها. واصطلاحاً هو الاطّلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية.

2- الكشف نوع من الإدراك والعلم، وهو من الإدراكات والعلوم الشهودية والحضورية.

3- الكشف عن الحقائق يحصل من خلال إزاحة الحجب من أمام السالك.

4- قسّم العرفاء المكاشفات نوعين: صوري ومعنوي. 

5- الكشف الصوري وهو ما يحصل في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس. 

6- الكشف المعنوي عبارة عن: ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية، وهو كشف بعيد عن عالم المادّة والحواس, إذ تُكْشف الحجب بأكملها، فيرى السالك حقائق من ذاك العالم المجرّد. 

7- للكشف المعنوي مراتب وهي:
و- الكشف الحدسي. 
ز- الكشف القدسي. 
 
 
 
 
 
 
114

93

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 ح- الكشف الإلهامي. 

ط- الكشف الوحي. 
ي- الكشف السرّي. 
ب- الكشف الخفي والأخفى. 

8- الكشف من العنايات الإلهية الخاصّة للسالكين، والمكاشفات تحمل للسالك بشائر وتحذيرات فيطّلع من خلالها على مقامه، ويدرك نقائصه. 

9- تحدّث العرفاء عن معيارين أساسيين لتمييز الكشف الصادق عن الكاذب: أهمهما أن لا تخالف المكاشفات النص القرآني الصريح، ولم تأتِ الأخبار والروايات بما يناقضها ويطعن فيها. 
 
 
 
 
 
 
 
115

94

الدرس التاسع: الكشف والشهود

 للمطالعة


السيد حيدر الآملي
هو حيدر بن علي بن حيدر، عرف بألقاب عديدة، ومنها: ركن الدين، العلوي، الحسيني والمازندراني... وأمّا أشهر ألقابه فهو الآملي، نسبة إلى آمل، وهي البلدة التي ولد فيها وترعرع. وُلِد عام 719هـ.

درس مبادئي العلوم وأصول العقائد في بلدته، ثمّ في مدن الجوار. كخراسان واسترآباد، وبعد ذلك قصد أصفهان التي كانت إحدى أهمّ المراكز الفكرية والسياسية.

لا نعلم شيئاً عن أساتذته أو الكتب التي درسها، إلّا أنّه يشير في بعض المقاطع التي كتبها إلى أنّه واظب على العبادات والرياضيات، وحصلت له بعض المكاشفات في أصفهان.

ترك أصفهان بعد مدّة من مكوثه فيها راجعاً إلى آمل، حيث اشتغل بصحبة الملوك وتعاطى أمور السياسة، وتولَّى مناصب حكومية، فأصبح في مدّة وجيزة من أصحاب الحظوة، وبعد الثلاثين من العمر ترك آمل قاصداً أماكن أخرى للتعلم والرياضة، وقد انقطعت أخباره بعد العام 782هـ. 

كانت هذه المرحلة، عبارة عن مرحلة النصوح الروحي، والاشتغال بالعلوم الإرثية، والمواظبة على إنجاز الإنتاج الفكري. وفي هذه المرحلة قرأ العديد من الكتب العرفانية الهامّة، كفصوص الحكم ومنازل السائرين، وتتلمذ على أيدي أساتذة، من أبرزهم: عبد الرحمان بن أحمد المقدسي، والشيخ فخر الدين الحلّي... وأقام عقد الأخوّة والفتوّة مع الشيخ المحقّق نور الدين الطهراني.

لم يحدّد المؤرخون عام وفاته، إلا أنّ أخباره انقطعت بعد العام 782هـ. تميّز السيد حيدر الآملي، بالأخص في الفترة الثانية من حياته، بانغماسه في الرؤى والمكاشفات، وقد ذكر ما حصل له في اليقظة والنوم، وأورد ذلك في كتبه.
 
 
 
 
 
 
 
116

95

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره



أهداف الدرس:
1- يذكر أهم أركان عرفان الإمام الخميني قدس سره.
2- يبيّن موقعية القرآن والحديث في عرفان الإمام قدس سره.
3- يبيّن موقعية السياسة وأداء التكليف الشرعي في عرفان الإمام قدس سره.
 
 
 
 
 
 
117

96

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 يُعْتبر الإمام الخميني قدس سره واحدًا من الذين عاشوا تجربة عرفانية خاصة، يمكن الإشارة إليها باعتبار أنّها تجربة فريدة، قليلاً ما نجد مثيلاً لها في عالم العرفان. فالإمام الخميني قدس سره العارف من حيث السلوك والمعرفة، رجل سياسة وجهاد، أسّس وقاد الدولة الشيعية القوية في العالم المعاصر، وهو بالإضافة إلى ذلك حكيم وفقيه وأصولي من الطراز الأول. وإذا كان الموضوع على هذه الشاكلة، فما هي مميزات وخصائص عرفان الإمام الخميني قدس سره؟ سنحاول هنا الإطلالة على بعض عناوين العرفان العملي عند الإمام قدس سره.

 
التوجّه إلى الله تعالى
لا بدّ أن يعيش العارف حالة الشعور بالفقر والحاجة إلى الغني المطلق، وعندما يشعر العارف بأنّه لا يملك شيئاً، وأنّه محتاج إلى كلّ شيء وأنّ الوجود الذي يعيش فيه ليس منه، ويدرك أنّ كلّ ذلك يعود إلى الغني المطلق الأوّل وهو ربّ العباد، عند ذلك يبلغ أعلى درجات المعرفة بالله تعالى. يقول الإمام الخميني قدس سره مخاطباً ابنه: "اعلم أنّ العالم سواء أكان أزلياً وأبدياً أو لا، وسواء أكانت سلاسل الموجودات غير متناهية أو لا، فإنّها جمعياً محتاجة, لأنّ وجودها ليس ذاتياً لها، ولو تفكّرت، وأحطت عقلياً بجميع السلاسل غير المتناهية، فإنّك ستدرك الفقر الذاتي والاحتياج في كمالها..."1.



[1] زرق، خليل، العرفان الشيعي، ص 396 ـ 397، نقلاً عن المظاهر العرفانية للإمام الخميني قدس سره.
 
 
 
 
 
 
 
119

97

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 ويبيّن الإمام قدس سره أنّ الشعور بهذا الفقر أمر فطري، لا يحتاج إلى دليل إقناعي، ويضيف بأنّ هذه الفطرة بعينها تعترف بحاجتها إلى من ليس محتاجاً في وجوده.

 
إنّ التوجّه إلى الله تعالى يتطلّب الشعور بالفقر الذاتي، ولكن هذا لا يكفي، إذ إنّه يقتضي أن يشعر العارف بأنّه غير محتاج لأحد سوى الله تعالى، فالتوجّه إلى الله تعالى، يستلزم نفي كلّ ما سواه, لأنّ ما سوى الله عاجز عن تحويل الفقر إلى غنى, لذلك يقول: "ارْتَبِطْ بالغني المطلق، حتّى تستغني عمن سواه، واطلبْ التوفيق منه حتى يجذبك من نفسك ومن جميع من سواه"1.
 
القرآن الكريم، المرجع الأساس للعرفان
يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ القرآن الكريم هو كتاب معرفة الله ومعرفة طريق السير والسلوك2. يذهب الإمام قدس سره إلى أبعد من ذلك، حيث يعتبر أنّ العرفان ومسائله من معجزات القرآن الكريم. وإنّ من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان3.
 
وبما أنّ تلك المسائل العرفانية لم تكن معروفة من قبل، فقد أخذها السابقون من القرآن، فهو كتاب انفرد بذكر تلك المسائل العرفانية، فانعكس على شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "وإنّها لمعجزة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، إذ كان على درجة عالية من المعرفة بالله، بحيث إنّ الباري جلّ وعلا كان يوضح له أسرار الوجود..."4.
 
لذلك لا بدّ من التعرف على القرآن الكريم لاستلهام تلك المعارف والحقائق الغائبة عنّا، يوصي الإمام ابنه قائلاً: "بني، تعرّف إلى القرآن ـ كتاب المعرفة 



[1] مصدر سابق.
[2] المصدر نفسه، ص 398.
[3] المصدر نفسه، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 14.
[4] المصدر نفسه.
 
 
 
 
 
 
120

98

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 العظيم ـ ولو بمجرّد قراءته، واجعل منه طريقاً إلى المحبوب، ولا تتوهّمنّ أنّ القراءة من غير معرفة لا أثر لها، فهذه وساوس الشيطان، فهذا الكتاب كتاب من المحبوب إليك وإلى الجميع... واعلم أنّنا لو أنفقنا أعمارنا بتمامها في سجدة شكر واحدة على أنّ القرآن كتابنا لما وفينا هذه النعمة حقّها من الشكر"1.

 
الأدعية والمناجاة
يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ الأدعية، بالأخصّ المأثورة منها، إحدى الوسائل التي يمكن السير والسلوك بواسطتها، على أساس أنّ الأدعية الواردة عن المعصومين عليهم السلام، أعظم دليل إلى معرفة الله تعالى وأسمى وسيلة لسلوك طريق العبودية، وأرفع رابطة بين الحقّ والخلق2.
 
والأدعية من وجهة نظر الإمام قدس سره تحمل في طياتها مختلف المعارف الإلهية، وهي وسيلة يمكن أن يركن إليها السالك للأنس بالله تعالى. يقول الإمام: "وتمثّل وسيلة يشكرها أهل بيت الوحي، للأنس بالله جلّت عظمته، فضلاً عن أنّها تمثّل نموذجاً لحال أصحاب القلوب وأرباب السلوك"3.
 
الابتعاد عن حب الدنيا والرياسة
الواضح أنّ حب الدنيا والتعلقّ بها من وجهة نظر الإمام الخميني قدس سره مانع من السلوك، فالدنيا تقع على رأس الموبقات، يقول الإمام قدس سره: "إنّ السبب الرئيس للندم وأساس ومنشأ جميع ألوان الشقاء والعذاب والمهالك ورأس جميع الخطايا والذنوب إنّما هو حبّ الدنيا الناشىء من حبّ النفس"4.



[1] مصدر سابق.
[2] المصدر نفسه، ص 399.
[3] المصدر نفسه، ص 400، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 17.
[4] المصدر نفسه، ص 401، نقلاً عن المظاهر العرفانية، ص 20.
 
 
 
 
 
 
 
 
121

99

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 ويؤكّد الإمام قدس سره في وصيّته لابنه على ضرورة عدم إتعاب النفس في طلب الدنيا والمناصب والمقامات الدنيوية, لأنّ ذلك لن يحمل معه سوى الشقاء والعذاب: "ولا تتعب نفسك بالانتقال بطرق باب، هذا الباب أو ذاك الباب، للوصول إلى منصب أو الشهرة التي تشتهيها النفس، فأنت مهما بلغت من مقام، فإنّك سوف تتألمّ وتشتدّ حسرتك وعذاب روحك لعدم بلوغك ما فوق ذلك"1.

 
وليست دعوة الإمام الخميني قدس سره إلى ترك الدنيا، القعود عن العمل والسعي في هذه الدنيا، بل للإمام قدس سره فهم خاص للدنيا لا بدّ من العمل وبذل الجهود عن أساسه, لذلك يقول في فهمه للدنيا: "إنّ عالم الملك ليس مذموماً في حدّ ذاته، فهو مظهر الحقّ ومقام ربوبيته تعالى، ومهبط ملائكته، ومسجد أحبّاء الله، ومكان تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام ومعبد وموطن تجلّي الحقّ على قلوب عشّاق المحبوب الحقيقي"2.
 
إذاً، للدنيا فهم خاص عند الإمام قدس سره، وبناءً على هذا الفهم ينبغي للسالك أن ينظر إليها على أنّها مكان لخدمة خلق الله ومساعدة المجتمع: "ولا يعني ما ذكرت أن تترك خدمة المجتمع وتعتزل وتكون كَلّا على خلق الله.... بني، لا تُلقِ عن كاهلك حمل المسؤولية الإنسانية التي هي خدمة الحقّ في صورة خدمة الخلق"3.
 
ومن هنا نفهم أن على عاتق الإنسان مسؤوليّات في عالم الدنيا، وأنّ الدنيا ليست مذمومة بحدّ ذاتها، بل المذموم فيها هو الانشداد إليها والتعلق بها يقول الإمام قدس سره: "إنّ ما ورد في القرآن والأحاديث من ذمّ هذه الدنيا، لا يكون عائداً في الحقيقة للدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجّه نحوها وانشداد القلب بها وبحبّها"4.



[1] الإمام الخميني، وصايا عرفانية، مركز باء للدراسات، ط 2، 2001م.
[2] وصايا عرفانية، ص 25.
[3] وصايا عرفانية، ص 58 ـ 59.
[4] الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، تعريب محمد الغروي، دار الكتاب، قم، ط 2، 2002، ص 120.

 
 
 
 
 
122

100

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 هذه هي الدنيا التي هرب منها العرفاء ورفضها بعض أصحاب العقول. فالله تعالى خلق آدم من تراب، والتراب مكان أساسي لنشاط الفرد في الدنيا، فكيف يُذَمّ ما خلق الله للإنسان لتكون فيه حياته.

 
لقد تمكّن الإمام الخميني قدس سره من رسم خطّ فاصل بين الدنيا المذمومة والدنيا التي يجب أن يعيش فيها الإنسان السالك والإنسان العابد، الذي ينطلق في تعامله مع الدنيا من باب المسؤولية التي ألقاها الله تعالى عليه1.
 
التصدّي للشأن السياسي والاجتماعي
من جملة الأمور التي تتوقّف على موقف الإمام الخميني قدس سره من الدنيا، التصدّي للمسؤوليّات الاجتماعية والسياسية.
 
تميّز عرفان الإمام الخميني قدس سره بأنه تمكّن من المزج بين السلوك العرفاني والحياة الاجتماعية والسياسية، على أساس أنّ تحمّل السالك والمسلم لمسؤولياته الاجتماعية، والسياسية هو وسيلة للقرب الإلهي، يقول الإمام قدس سره: "وما أكثر ما يرتقي المتصدّي لشؤون الحكومة، فيحظى بلبِّ قرب الحقّ لما يحصّله من دافع إلهي كداود وسليمان عليهما السلام، بل وأفضل منهما منزلة، كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وخليفته بالحقّ علي بن أبي طالب عليه السلام، وكالمهدي (أرواحنا لمقدمه الفداء) في عصر حكومته العالمية"2.
 
وعلى هذا الأساس، فالاعتزال عن المحيط مرفوض، بل يجب على الإنسان القيام بمسؤولياته التي فرضها الله تعالى عليه في التعامل معه.
 
في الحقيقة، إنّ الكلام عن عرفان الإمام الخميني قدس سره طويل وطويل، وهو الذي ترك لنا إرثاً فكرياً عرفانياً كبيراً، وهو الذي تجسّدت مظاهر السير والسلوك 



[1] راجع: علي، محمد أحمد، مقامات العرفان، الانتشار العربي، بيروت، / 1، 2007، ص 92 ـ 99.
[2] رزق، خليل، العرفان الشيعي، ص 404، نقلاً من المظاهر العرفانية، ص 64.
 
 
 
 
 
 
 
123

101

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 في حياته الشخصية الاجتماعية والسياسية... فكان نموذجاً للعارف الحقيقي الذي جعل من المعصومين عليهم السلام قدوته وأسوته.

 
الإخلاص 
يعتقد الإمام الخميني قدس سره أنّ الوصول إلى الفوائد المعنوية وحصول الآثار النورانية للعمل يتوقّف على جملة من الآداب المعنوية، ومن أبرزها الإخلاص، يقول الإمام قدس سره: "وحقيقته تصفية العمل عن شائبة سوى الله، وتصفية السرّ عن رؤية غير الحقّ تعالى في جميع الأعمال الصورية واللبية والظاهرية والباطنية. وكمال الإخلاص ترك الغير مطلقا..."1 ثمّ إنّ الإمام فصّل الحديث في أقسام الإخلاص ومراتبه والنتائج المترتّبة عليه.
 
أداء التكليف الشرعي
اتّسم عرفان الإمام الخميني قدس سره بخاصيّة أداء التكليف الشرعي، وكان في حياته مثالاً يُحْتَذَى به في هذا الإطار. شدّد الإمام قدس سره في الكثير من كلماته على أنّ الإنسان مأمور بأداء التكليف، بصرف النظر عن النتائج التي تترتّب على ذلك، يقول الإمام قدس سره: "كلّنا مأمورون بأداء التكليف والواجب، ولسنا مأمورين بتحقيق النتائج"2
 
وأداء التكليف من وجهة نظره عبارة عن الالتزام بما أمر الله تعالى، والذي وصل إلينا عبر الشريعة الإلهية. وقد أشار الإمام قدس سره إلى أنّ هذا التكليف قد حدّده الإسلام، حيث لا حاجة لتقليد واتّباع غير المسلمين إذا كانت قوانين الإسلام تضمّنت كلّ شيء: "حدّد الإسلام التكليف في كلّ شيء، ووضع القوانين لكلّ شيء، ولا حاجة بالمسلمين لتقليد أحد، أو اتّباعه في قوانينه"3.



[1] الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 294.
[2] الإمام الخميني، روح الله، صحيفة الإمام، ج21، ص259.
[3] المصدر نفسه، ج2، ص34.
 
 
 
 
 
 
 
124

102

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 أسـئلـة الـدرس

1- كيف يتحقق التوجه التام إلى الله عند الإمام الخميني قدس سره؟
2- ما معنى الإخلاص وما هي موقعيته في عرفان الإمام قدس سره؟
3- ما هي موقعية التكليف الشرعي في عرفان الإمام الخميني قدس سره؟


المفاهيم الرئيسة
1- يُعْتبر الإمام الخميني قدس سره واحدًا من الذين عاشوا تجربة عرفانية خاصة، يمكن الإشارة إليها باعتبار أنّها تجربة فريدة، قليلاً ما نجد مثيلاً لها في عالم العرفان.
 
2- الإمام الخميني قدس سره العارف من حيث السلوك والمعرفة، رجل سياسة وجهاد، أسّس وقاد الدولة الشيعية القوية في العالم المعاصر، وهو بالإضافة إلى ذلك حكيم وفقيه وأصولي من الطراز الأول.

3- يبيّن الإمام قدس سره أنّ الشعور بالفقر الذاتي التوجه إلى الله تعالى أمر فطري، لا يحتاج إلى دليل إقناعي، ويضيف بأنّ هذه الفطرة بعينها تعترف بحاجتها إلى من ليس محتاجاً في وجوده.

4- يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ القرآن الكريم هو كتاب معرفة الله ومعرفة طريق السير والسلوك. ويذهب أبعد من ذلك، حيث يعتبر أنّ العرفان ومسائله من معجزات القرآن الكريم. 

5- يعتبر الإمام الخميني قدس سره أنّ الأدعية، بالأخصّ المأثورة منها، إحدى الوسائل التي يمكن السير والسلوك بواسطتها، وأسمى وسيلة لسلوك طريق العبودية، وأرفع رابطة بين الحقّ والخلق. 
 
 
 
 
 
 
 
125

103

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 6- الواضح أنّ حب الدنيا والتعلقّ بها من وجهة نظر الإمام الخميني قدس سره مانع من السلوك، فالدنيا تقع على رأس الموبقات، وهذا ما يؤكّد الإمام قدس سره في وصيّته لابنه السيد أحمد. 


7- ليست دعوة الإمام الخميني قدس سره إلى ترك الدنيا، القعود عن العمل والسعي في هذه الدنيا، بل للإمام قدس سره فهم خاص للدنيا لا بدّ من العمل وبذل الجهود عن أساسه.

8- تميّز عرفان الإمام الخميني قدس سره بأنه تمكّن من المزج بين السلوك العرفاني والحياة الاجتماعية والسياسية، على أساس أنّ تحمّل السالك والمسلم لهذه المسؤوليات هو وسيلة للقرب الإلهي. 

9- اتّسم عرفان الإمام الخميني قدس سره بخاصيّة أداء التكليف الشرعي، وشدّد قدس سره في الكثير من كلماته على أنّ الإنسان مأمور بأداء التكليف، بصرف النظر عن النتائج التي تترتّب على ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
126

104

الدرس العاشر: عرفان الإمام الخميني قدس سره

 للمطالعة


ابن تركه الأصفهاني
هو صائن الدين علي ابن تركه الأصفهاني، حكيم، عارف وشاعر وأديب. وُلِد في أصفهان عام 770هـ. جدّه أبو حامد صدر الدين تركه الأصفهاني، من أشهر عرفاء ذاك الزمان. درس العلوم الدينية عند أخيه الأكبر، ودرس العلوم العقلية عند أساتذة ذاك الزمان، وتبحّر في الجفر والأعداد.

عندما احتل تيمور أصفهان، غادر مع أخيه إلى سمرقند، ومن هناك قصد الحجّ، وعاد إلى مصر والشام، حيث تعرّف خلال أسفاره إلى مشايخ العرفاء والصوفية.

عاد إلى أصفهان عام 807 هـ. بعد وفاة تيمور، وسافر من هناك إلى شيراز، حيث اشتغل بالتبليغ والتدريس. توفّي حوالي العام 830هـ. بعد تعرّضه للسجن والتعذيب.

تتلمذ في العرفان على أيدي أساتذة، من أبرزهم شمس الدين الفناري، مؤلّف مصباح الأنس.

تبرز أهمّية صائن الدين بما يمثّل من حلقة اتّصال فكرية بين ابن سينا والسهروردي وابن عربي، فكان من أكثر الأشخاص نجاحاً في التوفيق بين الحكمة المشّائية والإشراقية والطريقة العرفانية، قبل صدر المتألهين. ترك صائن الدين العديد من الكتابات باللغتين العربية والفارسية، من أبرزها:
- تمهيد القواعد.
- المناهج في المنطق.
- الأربعينية.
- شرح فصوص الحكم.
- كتاب أسرار الصلاة.
- رسالة ضوء اللمعات.
- نفث المصدور.
- الأطوار الثلاثة، وغيرها.
 
 
 
 
 
 
 
127

105

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان



أهداف الدرس:
1- يتعرّف إلى نبذة من أهم المصطلحات التي يستخدمها العارف.
2- يتعرّف إلى مراتب التوحيد الثالث بحسب رؤيا العارف.
3- يتعرّف إلى العوالم والحضرات الخمس بحسب التقسيم العرفاني لها.
 
 
 
 
 
 
 
129

106

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 المصطلحات التي استخدمها العرفاء كثيرة، بل يمكن القول: إنّ من الصعب إحصاءها والوقوف على عددها. بعض هذه المصطلحات يحكي عن المفاهيم التي تشكّل عناوين النظريات والعقائد العرفانية، وهي أمور استخرجوها بواسطة الكشف والشهود وتأويل الآيات الشريفة. وبعضها الآخر عبارة عن حالات كان السالك يعيشها أثناء عملية السير والسلوك، فكان يعبّر عنها بالأسلوب الذي يُرضي فهمه وإدراكه. الثالث منها، مجموعة من المصطلحات التي تتناول عناوين شتّى في السير والسلوك والتوجّه نحو الله، وكيفية طيّ المقدّمات وأغلب هذه المصطلحات، استخرجها العرفاء بالتأمّل في الآيات والروايات.


هنا سنحاول الإطلالة على بعض المصطلحات الهامّة عند العرفاء وبأسلوب مختصر.

وحدة الوجود
يعتقد العرفاء أنّ ليس في الوجود سوى مؤثر واحد، وهو الله تعالى، لا بل ويضيفون إلى ذلك أنّ ليس ثمّة موجود سواه تعالى. وبهذا المعنى، فالموجودات منحصرة في الله تعالى، والوجود ليس له إلا معنى واحد يصدق على الله تعالى، أمّا باقي المخلوقات فهي تجلّيات ومظاهر للذّات الإلهية باختلاف مراتبها.
 
 
 
 
 
 
 
131

107

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 وعلى هذا الأساس، فوحدة الوجود عند العارف تعني أنّ الله تعالى هو الحقّ، وليس في العوالم كلّها إلا وجود واحد هو، الوجود الحقّ المطلق1.

 
يؤكّد العرفاء على أنّ للتوحيد مراتبًا:
1- توحيد العامّة: ويسمّى التوحيد الفعلي وتوحيد أهل الشريعة. وهو التوحيد الظاهر الجلي عند عامّة المسلمين، من التشهّد بأن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، والذي به تُحْقن الدماء والأموال، وتترتّب عليه أحكام ظاهر الإسلام. وتوحيد العامّة على نوعان:
الطائفة الأولى: طائفة عامّة الناس التي لا تقوم بحقّ الاستدلال النظري والعقلي.
الطائفة الثانية: التي تعتقد بالتوحيد من خلال الأدلّة العقلية والنظرية.
 
2- توحيد الخاصّة: ويسمّى التوحيد الوصفي وتوحيد أهل الطريقة. وهو أن يشاهد السالك بعد حصول التوحيد البرهاني بعين البصيرة القلبية أنّه الإله الواحد، وأنّه ليس في الوجود غيره، ولا فاعل سواه. وهذه الدرجة من التوحيد يصل إليها السالك من خلال مشاهدة الحقّ وإسقاط التعلّق بالأسباب الظاهرية، فيقطع النظر عن الأسباب والمسبّبات فلا يرى وسيلة إلا الحقّ، فيسلّم الأمر إليه بالكليّة، ويتّكل عليه في أموره، ويرضى بحكمه. وبالتالي من أهمّ آثار هذا النوع من التوحيد أن يصل السالك إلى مقام التوكل والتسليم والرضا. ويسمّى هذا النحو من التوحيد بـ "توحيد إسقاط الأسباب الظاهرة".
 
3- توحيد خاصّة الخاصّة: ويسمّى التوحيد الذاتي وتوحيد أهل الحقيقة. وهو التوحيد الذي يفنى فيه السالك بربّه، وهو مبنيّ على الفناء المحض، محواً وطمساً ومحقاً، والعبور عن جميع المقامات والمراتب والاعتبارات حتى 



[1] المدرسي، محمد تقي، العرفان الإسلامي بين نظريات البشر وبصائر الوحي، دار البيان العربي، بيروت، ط 3، 1992م، ص 150.
 
 
 
 
 
 
132

108

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 الوجود وتوابعه. وهو التوحيد الذي يقولون فيه: "التوحيد إسقاط الإضافات". فالعارف في هذه المرتبة من التوحيد لا يرى في الوجود إلا الله وحده، ويغيب غيره عن النظر بالكامل، وهو لا يفنى عن غيره فقط، بل عن نفسه أيضا، بسبب استغراقه في مشاهدة الحقّ، فهو - إذاً - فناءٌ عن كلّ ما سوى الحقّ تعالى1.

 
وعند العرفاء التوحيد الحقيقي الذي ينادون به، والذي يحكي عن حقيقة العبودية لله تعالى، هو توحيد خاصّة الخاصّة.
 
الأعيان الثابتة
الأعيان الثابتة عبارة عن الصور العلمية للمظاهر والشؤون في العلم الإلهي.
يعتقد العرفاء أنّ لله شؤونًا باعتبار أنّه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وأنّ له بحسب تلك الشؤون أسماء وصفات، هي في الحقيقة أعيان المظاهر في المراتب على اختلافها. وبما أنّ هذه الأسماء والصفات موجودة في علم الله تعالى قبل أن تظهر في المراتب، فحقيقتها تعود إلى العلم, لذلك أطلق العرفاء الأعيان الثابتة على صور المظاهر عند وجودها في العلم.
 
يقول القيصري: "اعلم أن للأسماء الإلهية صورًا معقولة في علمه تعالى، لأنّه تعالى عالم بذاته لذاته وأسمائه وصفاته. وتلك الصور العلمية من حيث إنّها عين الذات المتجلّية بتعيّن خاص ونسبة معيّنة هي المسماة بالأعيان الثابتة2.
 
ثمّ إنّ هذه الصور العلمية قد تكون كليّة، وقد تكون جزئية. يطلق الفلاسفة على كلّياتها عنوان الماهيّات والحقائق، وعلى جزئيّاتها الهويّات، أمّا كيف تحصل هذه



[1] راجع، الكاشاني، عبد الرزاق، موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي، صحّحه وعلّق عليه مجيد هادي زاده، مؤسسة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط 1، 2000م، ص 198.
[2] شرح فصوص الحكم، ص 61.
 
 
 
 
 
 
 
 
133

109

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 الأعيان؟ يعتقد العرفاء أنّها نتيجة الفيض الإلهي الأوّل, إذ إنّ الله تعالى يُوجد الأعيان بدايةً بفيضه الأول (الأقدس)، وبالثاني (المقدس) يخرجها إلى الخارج1.

 
العوالم والحضرات
العوالم جمع عالم، والعالم من العلامة، فهو كلّ ما يشار به إلى الله تعالى. وبما أنّ ما يدلّ على الله تعالى غير متناه، فالعوالم غير متناهية أيضًا.
 
أمّا الحضرات، فهي المراتب الكلّية للتجلّيات، وبعبارة أخرى هي مظاهر الحقائق المنسوبة إلى الله تعالى. يعتقد القيصري أنّ الحضرات متناهية وهي خمس, أي إنّ مراتب التجلّيات خمسة، وبما أنّ لكل حضرة عالم، لذلك لا بدّ وأن تنتهي العوالم أيضًا من هذه2 الناحية. ومن هنا يتحدّث العرفاء عن العوالم الخمسة والحضرات الخمس. فالعوالم خمسة بتبع الحضرات، وهي على النحو الآتي: وأوّل الحضرات، حضرة الغيب المطلق، وعالمها عالم الأعيان الثابتة، ويقابلها حضرة الشهادة المطلقة، وعالمها عالم الملك، والثالثة حضرة الغيب المضاف إلى الغيب وعالمها عالم الجبروت، والرابعة حضرة الغيب المضاف إلى الشهادة، وعالمه عالم المثال، والخامسة الحضرة الجامعة، وعالمها العالم الإنساني الجامع لجميع العوالم وما فيها.
 
الأحديّة والواحديّة
الأحدية عبارة عن الذات الإلهية التي ليس للأسماء ولا الصفات فيها ظهور. فهي اسم لصرافة الذات المجرّدة عن الاعتبارات الحقّية والخلقية. وهي مرتبة لا يمكن لأحد إدراكها ولا الوصول إليها.



[1] المصدر نفسه.
[2] المصدر نفسه، ص 89.
 
 
 
 
 
 
 
134

110

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 الواحدية عبارة عن الذات الإلهية التي تظهر فيها الأسماء والصفات. فهي مرتبة يمكن معرفتها بما تمتلك من صفات وأسماء ظاهرة في المراتب1.

 
الشريعة والطريقة والحقيقة
الشريعة والطريقة والحقيقة عند العرفاء مراتب لشيء واحد وهو الشرع2، وأمّا في التفريق بينها فيمكن القول أنّ الشريعة اسم موضوع للسبل الإلهية، مشتمل على أصولها وفروعها، والطريقة هي المسلك والأسلوب الأحسن الذي نأتي به بالشريعة. والحقيقة هي إثبات الشيء كشفًا وعيانًا, ولذلك قيل: "الشريعة أنْ تعبده، والطريقة أنْ تحضره، والحقيقة أنْ تقوم به"3.
 
ويقال أيضًا: إنّ الشريعة هي تصديق أفعال الأنبياء قلبًا، والعمل بموجبها. والطريقة هي تحقيق أفعالهم وأخلاقهم فعلاً، والقيام بحقوقها. والحقيقة هي مشاهدة أحوالهم ذوقًا، والاتّصاف بها.
 
يعتقد العرفاء أنّ الشريعة مرتبة البداية، فما لم يصبح السالك متشرّعًا عاملاً بمقتضيات الشرع لا يمكنه الانتقال إلى مرتبة الطريقة, أي لا يمكنه الإتيان بالشرع بطريقة خاصّة، وهكذا بالنسبة إلى المرتبة الثالثة, أي الحقيقة.
 
الفيض الأقدس والفيض المقدّس
الفيض في اللغة يدلّ على جريان الشيء بسهولة، فيُقال: فاض الماء يفيض4. استخدم العرفاء الفيض للدلالة على فيضان التجلّيات (الموجودات) من الله تعالى، فهو العلّة التامّة لها، وخالقها.



[1] العجم، رفيق، مصطلحات التصوّف الإسلامي، مكتبة لبنان، ناشرون، ط 1، 1999، ص 12، 1018.
[2] حمية، خنجر، العرفان الشيعي، ص 361.
[3] المصدر نفسه، ص 361، نقلاً عن أسرار الشريعة للسيد حيدر الآملي.
[4] راجع: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الأعلام الإسلامي، 1404، ج 4، ص 465.
 
 
 
 
 
 
 
135

111

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 والفيض في اصطلاح العرفاء قسمان أقدس ومقدّس، والأول سابق على الثاني. بالفيض الأقدس تُعطى الاستعدادات للأشياء، و بالفيض المقدّس يُعطى ما يترتّب على هذه الاستعدادات. كما يقول القيصري: "فإنّ الفيض الأقدس يُعطي الاستعداد للعين، والفيض المقدّس يُعطي ما يترتب على الاستعداد"1.

 
الفيض المقدّس هو تجلّي الذات الإلهية الأحدية لنفسها، وما يستتبع هذا التجلّي من ظهور استعدادتات الأشياء ولكن في الحضرة الإلهية. أمّا الفيض المقدّس فهو تجلّي الذات الإلهية الواحدة، ولكن ليس لنفسها، بل في صور الموجودات الخارجية, أي في حضرة الشهادة، ولكن على نحو ما هي عليه في ثبوتها في الحضرة الإلهية.
 
يقول القيصري: "الفيض الأقدس، وهو عبارة عن التجلّي الحُبِّي الذاتي، الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية2، ثمّ العينية3 كما قال: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف". والفيض‏ المقدّس، عبارة عن التجلّيات الأسمائية الموجبة لظهور ما يقتضيه استعدادات تلك الأعيان في الخارج. فالفيض المقدّس مترتب على الفيض الأقدس"4.



[1] شرح الفصوص، ص774.
[2] هي الحضرة الغيبية الإلهية.
[3] هي عالم الشهادة والحضرة الخارجية.
[4] شرح فصوص الحكم:ص 336.
 
 
 
 
 
 
 
136

112

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 أسـئلـة الـدرس

1- ما هو مقصود العارف من مصطلح "الشريعة، الطريقة، الحقيقة"؟
2- التوحيد عند العارف على ثلاثة درجات وأنحاء تحدث عنها.
3- العوالم والحضرات عند العارف خمسة، عددها، وتحدّث عنها.


المفاهيم الرئيسة
1- المصطلحات التي استخدمها العرفاء كثيرة، بل يمكن القول: إنّ من الصعب إحصاءها والوقوف على عددها.

2- بعض هذه المصطلحات يحكي عن المفاهيم التي تشكّل عناوين النظريات والعقائد العرفانية، وهي أمور استخرجوها بواسطة الكشف والشهود وتأويل الآيات الشريفة. 

3- وبعضها الآخر عبارة عن حالات كان السالك يعيشها أثناء عملية السير والسلوك، فكان يعبّر عنها بالأسلوب الذي يُرضي فهمه وإدراكه.

4- الثالث منها، مجموعة من المصطلحات التي تتناول عناوين شتّى في السير والسلوك والتوجّه نحو الله، وكيفية طيّ المقدّمات وأغلب هذه المصطلحات، استخرجها العرفاء بالتأمّل في الآيات والروايات.

5- وحدة الوجود عند العارف تعني أنّ الله تعالى هو الحقّ، وليس في العوالم كلّها إلا وجود واحد هو، الوجود الحقّ المطلق.

6- الأعيان الثابتة عبارة عن الصور العلمية للمظاهر والشؤون في العلم الإلهي.

7- العوالم جمع عالم، والعالم من العلامة، فهو كلّ ما يشار به إلى الله تعالى. وبما أنّ ما يدلّ على الله تعالى غير متناه، فالعوالم غير متناهية أيضًا.
 
 
 
 
 
 
 
137

113

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 8- الأحدية عبارة عن الذات الإلهية التي ليس للأسماء ولا الصفات فيها ظهور. والواحدية عبارة عن الذات الإلهية التي تظهر فيها الأسماء والصفات.


9- الشريعة والطريقة والحقيقة عند العرفاء مراتب لشيء واحد وهو الشرع، وأمّا في التفريق بينها فيمكن القول أنّ الشريعة اسم موضوع للسبل الإلهية، مشتمل على أصولها وفروعها، والطريقة هي المسلك والأسلوب الأحسن الذي نأتي به بالشريعة. والحقيقة هي إثبات الشيء كشفًا وعيانًا. 

10- الفيض في اللغة يدلّ على جريان الشيء بسهولة. والفيض في اصطلاح العرفاء قسمان أقدس ومقدّس، والأول سابق على الثاني. 
 
 
 
 
 
 
 
138

114

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 للمطالعة


الإمام الخميني قدس سره
ولد روح الله الموسوي الخميني في العشرين من جمادي الثانية سنة 1320 هـ، الموافق 24 أيلول 1902 م, في مدينة خمين إحدى مدن المحافظة المركزية، في بيت عُرف بالعلم والتقوى والجهاد والهجرة، ومن أسرة تنتسب إلي الصديقة فاطمة الزهراء, ورث منها سجايا آباء وأجداد سعوا جاهدين جيلاً بعد جيل لهداية الناس، والنهل من المعارف الإلهيّة. 

عاصر المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي -والد الإمام الخميني - المرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي رَضي اللهُ عَنهُ. ودرس العلوم والمعارف الاسلامية في النجف الأشرف لعدة سنوات، وبعد أن بلغ مرتبة الاجتهاد عاد إلى إيران ليقيم في خمين ويصبح ملجأً وملاذاً وموجِّهاً للناس في أمور دينهم. 

لم يُتم "روح الله" الخمسة أشهر، حتي استشهد والده في طريقه من خمين إلي أراك علي يد قطاع الطرق والخوانين المدعومين من قبل عملاء السلطة، انتقاماً من مساعيه في إحقاق الحق والوقوف في وجه الطغاة والظلمة.

درس الإمام منذ نعومة أظفاره ـ مستفيداً مما حباه الله من ذكاء متّقد، جانباً من المعارف الشائعة في عصره ومقدمات العلوم والسطوح المعروفة في الحوزات الدينية، مثل آداب اللغة العربية والمنطق والفقه والأصول, كما درس العروض والقوافي والفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية، ثم واصل دراسته مع العلوم المعنوية والعرفانية، ودرس أعلى مستويات العرفان النظري والعملي، ولمدة ستة أعوام عند المرحوم آية الله الميرزا محمد علي الشاه آبادي أعلى الله مقاماتهم اجمعين.

بعد وفاة آية الله العظمى الحائري اليزدي، أثمرت الجهود التي بذلها الإمام الخميني برفقه عدة من المجتهدين في الحوزة العلمية بقم في اقناع آية الله العظمى البروجردي للمجيء إلي قم وتسلّم زعامة الحوزة العلمية فيها. وخلال هذه الفترة 
 
 
 
 
 
 
 
139

115

الدرس الحادي عشر: مصطلحات علم العرفان

 عُرف الإمام الخميني بصفة أحد المدرسين والمجتهدين وأولي الرأي في الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق. وكان زهده وورعه وتعبده وتقواه يتردد علي لسان الخاصة والعامة. 


وترك الإمام الخميني قدس سره العديد من المؤلفات الفقهية والأصولية والعرفانية نذكر منها:
1- قيح الأصول.
2- جواهر الأصول.
3- البيع.
4-ـكتاب الطهارة.
5- الآداب المعنوية للصلاة.
6- مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية.
7- شرح دعاء السحر.
8- الأربعون حديثاً.
 
 
 
 
 
 
 
140

116
مبادئ علم العرفان