خطاب الولي 2013 م


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-11

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 

المقدمة

9

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

19

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

33

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

41

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في درس بحث الخارج بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

51

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

59

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقى جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم

65

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في حشد من أهالي آذربيجان

69

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي

87

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري

93

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم

99

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في يوم التشجير

103

رسالة الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقي 7000 شهيدة إيرانية

107

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

111

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

119

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

133

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

141

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الحرم الرضوي الطاهر

149

الإمام الخامنئي دام ظلّه يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ

175

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

179

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

191

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

205

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

219

خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

231

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

243

لقاء الإمام الخامنئي دام ظلّه بالعاملين في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ

257

خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء حشود من مختلف شرائح الشعبّ

261

خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في جامعة الإمام الحسين عليه السلام

275

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه نوّاب مجلس الشورى الإسلاميّ

285

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في مراسم الذكرى الـ 24 لارتحال الإمام الخميني قدّس سرّه

301

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مسؤولي النظام وسفراء البلدان الإسلاميّ

321

لكلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه المشاركين في مسابقات القرآن الكريم الدوليّة

329

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه حشد من مختلف شرائح الشعب

335

بيانه دام ظلّه بمناسبة المشاركة الملحميّة للشّعب الإيرانيّ في انتخابات رئاسة الجمهوريّة

347

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في العاملين في القوّة القضائيّة

353

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في محفل الأنس بالقرآن

367

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مع رئيس الجمهوريّة والهيئة الوزاريّة للحكومة العاشرة

373

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مسؤولي النظام والعاملين فيه

383

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في حشد من الشعراء والمدّاحين

403

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء الجامعيّين

409

حكم تنفيذ (إمضاء) رئاسة الشيخ حسن روحاني

431

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في مراسم تنفيذ (إمضاء) حكم رئاسة الجمهوريّة

435

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أساتذة الجامعات

445

خطبة الإمام الخامنئي دام ظلّه في صلاة عيد الفطر السعيد

459

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مسؤولي النّظام وسفراء الدّول الإسلاميّ

467

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء رئيس الجمهوريّة وأعضاء الحكومة

473

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه لملتقى الصلاة الثاني والعشرين

491

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء رئيس وأعضاء مجلس الخبراء

495

لقاء الإمام الخامنئي دام ظلّه مع أئمة الجمعة

509

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء المسؤولين في بعثة الحجّ

515

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء قادة قوّات حرس الثورة الإسلاميّ

525

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في مراسم التخرّج المشتركة لجامعات الضباط في جيش الجمهوريّة الإسلاميّ

541

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مُعدّي كتاب لشكر خوبان - جيش الطيّبين

547

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه المشاركين في الملتقى الوطني السابع للشّباب النخب

555

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى حجّاج بيت الله الحرام لعام 1434هـ

569

بيان الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى العاملين على إقامة المؤتمر الوطني لـ التغيير السكاني ودوره في تحولات المجتمع المختلفة 

577

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه آلاف الطلبة الإيرانيين

585

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه أعضاء المجلس المركزيّ لهيئة رزمندكان اسلام

601

خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أكبر حشد تعبويّ  

609

جواب الإمام الخامنئي دام ظلّه على رسالة رئيس الجمهوريّة الإسلامية الإيرانية

633

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه مع أعضاء المجلس الأعلى للثورة الثقافية

637

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في حفل تكريم عشرة آلاف شهيد في محافظة مازندران

661

 الفهارس

669

 

 

 

 

 

8


4

المقدمة

 المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيّد الرسل وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والشهداء والصديقين وبعد.

يُمثّل الإمام الخامنئي دام ظله دائرة معارف حضارية حية، فهو فقيه وأصولي ومفسّر للقرآن الكريم ومحقّق وسياسي عالمي وقائد حكيم.

وهو من القادة الحقيقيين، الذين يحرّكون البشر نحو الخير المطلق، نحو خالق الكون، ولا يعرفون الاعوجاج في الحياة، ويزرعون الطمأنينة في قلوب الناس. وهو نموذج للأخلاق الفاضلة، ومن حواري روح الله الذين أضحوا عاصفة خير هبّت على دنيا الإسلام، فأشعلوا قناديل النصر وأيقظوا ضمير الأمة، واستبدلوا الزمن السيّئ بزمن الكرامة... وهو من أولئك الرجال الأفذاذ الذين تتجلّى في فكرهم وسلوكهم أخلاق الأنبياء، وتتجسّد في روحهم ثورة الإسلام، التي أثمرت صموداً رائعاً، وانتصارات على كل المكائد الشيطانية في العالم. ولا سيما بعد تحقّق الانتصار الكبير على النظام الشاهنشاهي في إيران الذي بشّر به الإمام الخامنئي دام ظله حيث
 
 
 
 
 
 
 
9

 


5

المقدمة

 كان يقول للجلّادين في السجون المظلمة: "أرض إيران مكفّنة بالصور الملوّنة لجنكيز خان، لرضا خان، لمحمد رضا خان، هؤلاء جعلوا الوطن رمالاً وسراباً، سيهدم عرش طغيانكم روح الله، سيكتب الزمن الآتي على شفاه الأجيال، سيكتب اسم النصر على محاريب الجوامع، فوق أكواخ الفلاحين في سواعد الثوار".


الإمام الخامنئي دام ظله شخصية مجاهدة عاشت نهضة الإمام الخميني قدس سره وثورته خطوة خطوة... ووفّق - بعد وفاة الإمام الخميني قدس سره - لإكمال مسيرة الثورة والدولة وقيادة الأمة، فكان شمساً تبعث ضياء العلم والمعرفة والحكمة والعزة والانتصار... كما أراده الإمام الخميني قدس سره. ومع تعدّد وتنوّع القضايا التي أرسى الإمام الخامنئي دام ظله مبادءها في هذا العصر، فإنّنا سنسلّط الضوء على ثلاث قضايا أساسية وهامة احتلت حيّزاً مهمّاً في الخطاب الفكري والثقافي للإمام الخامنئي طبعاً بما ينسجم مع مقدمة الكتاب، وهي:
- أصالة فكر الإمام الخميني قدس سره.
- قضية "الغزو الثقافي". 
- رؤية الإمام الخامنئي دام ظله حول الدين.

أولاً: أصالة خط الإمام الخميني وفكره:
مرَّ الفكر الإسلامي المعاصر بالعديد من المحطات والتحوّلات، وقد كان لكلِّ محطةٍ خطابها وثقافتها المميّزة. وكان الإمام الخميني قدس سره مؤسِّساً لمرحلةٍ انتقالية في واقع الإسلام المعاصر، وهي مرحلة شهدتْ تغييراً جذرياً في التعاطي مع الأنظمة المستبدة وأسلوب طرح الإسلام بوصفه منظومة حاكمة ونظام حياة. هذا التأسيس الخميني استصحب تأسيساً نوعياً على مستوى الخطاب والثقافة العامة، ويمكن القول باطمئنان بأنّ الإمام الخميني قدس سره كان رائداً في تأسيس "ثقافة الثورة" في الوعي الفقهي والشعبي الإسلامي على السواء.

ولهذا فقد أعلن الإمام الخامنئي دام ظله صراحةً التمسّك بخط الإمام الخميني وفكره، حيث قال: كنّا قد أعلنّا من بعد رحيل الإمام أنّنا سنواصل السير على نهجه، ولم
 
 
 
 
 
 
 
10

6

المقدمة

 يكن الباعث على مثل هذا القرار هو التقليد، وإنّما انطلاقاً عن وعي وتجربة، لأنّ نهج الإمام هو النهج الأمثل لإنقاذ هذا البلد، سواء في بداية الثورة أم في عهد الإمام القائد أم في الوقت الحاضر. (04/05/1999) 


وحذّر من الابتعاد عن خط الإمام فقال: وإنّه لمن الاعوجاح الفكري أن ننكر مواقف الإمام. وهذا الاعوجاج، وللأسف، يقوم به البعض ممّن كانوا في زمن ما مروّجين لأفكار الإمام، أو كانوا من أتباع الإمام. واليوم، فإنّ الطرق إذا انحرفت لأيّ سبب كان، فإنّ الأهداف تضيع، والبعض يتراجعون، وبعد أن كانوا لسنوات متمادية يتحدّثون لصالح الإمام، ومن أجل هذه الأهداف، ويتحرّكون على أساسها، أصبحوا ضدّ هذه الأهداف وهذه المباني. (04/06/2010)

فقد ترك الإمام بكلامه وسلوكه هداية مستمرة لأمّته، ترشدنا في كافّة منعطفات الحياة، ومن أقوى وأفضل مواريث الإمام هي وصيّته التي من المناسب للجماهير والمسؤولين والشباب إعادة قراءتها والتدبر فيها من حين لآخر.

ولهذا فمن الخطر الكبير الانفصال عن الخطّ المبارك للإمام الخميني. هذه أخطار على بلادنا. فإذا تمّ الحفاظ على هذه الهيكلية المتينة التي أوجدتها الثورة، فسوف يمكن ترميم الكثير من المشكلات، هنا وهناك، على مرّ الزمان. لا تسمحوا بتحطّم هذه الهيكلية المتينة، فإذا تحطّمت لن يعود بالإمكان معالجة أي جرح، ولن يمكن ترميم أيّة زاوية خربة. الهيكلية المتينة للنظام الإسلامي، والتي علمنا الإمام إياها، يجب أن تُصان وتحفظ. (04/06/2009)

وما يميّز الفكر الذي طرحه الإمام الراحل:
- انطلاق التحرّك الثوري من داخل الوسط الحوزوي وعلى يدِ مرجعيةٍ دينية قديرة. هذا الانطلاق أسّس بشكل واسع ونوعي لمرحلةِ انفتاح الفقيه / المرجع على الواقع السياسي وإدخال العنصر السياسي باعتباره مادة حيوية ومحوراً متحرِّكاً داخل الحوزة العلمية.

- وشاخصٌ آخر في خط الإمام هو قضية الحسابات المعنوية والإلهية. فالإمام كان
 
 
 
 
 
 
 
11

7

المقدمة

 يضع الحسابات المعنوية في المقام الأول، عند اتّخاذه للقرارات وفي تدابيره. وهذا يعني أنّ على الإنسان عندما يريد أن يقوم بأي عمل، أن يجعل هدفه بالدرجة الأولى كسب رضا الله، لا الحصول على النّصر، أو الوصول إلى القدرة، أو تحصيل الوجاهة عند زيد وعمرو. فالهدف الأوّل هو رضا الله. هذا واحدٌ. ثم بعدها الاطمئنان والثّقة بالوعد الإلهي. فعندما يكون هدف الإنسان رضا الله فإنّه يثق ويطمئن لوعد الله، وهناك لن يكون لليأس من معنى، ولا للخوف أو الغفلة أو الغرور كذلك.


- المطالبة الجذرية القائمة على أساس رفض أصل الانحراف، وعدم الاعتراف بأي توافق أو مساومةٍ معه. فقد كان خطاب الثورة الخمينية يُطالب بإزاحة النموذج الشاهنشاهي وفي المقابل تثبيت نظام الحكم الإسلامي مكانه. 

- إنّ أول وأساس الثوابت في مباني الإمام وآرائه هي قضية الإسلام المحمّدي الأصيل، أي الإسلام المخالف للظلم، إسلام العدالة، الإسلام المجاهد، الإسلام المدافع عن المحرومين، الإسلام المدافع عن حقوق الحفاة والمستضعفين والبائسين. 

- جماهيرية تحرّك الخطاب الثوري للإمام الخميني قدس سره. فلم يأخذ هذا الخطاب البُعد الفردي أو المعارضة النفسية المغلقة المحكومة بفكرة التقية، بل كان خطاباً جماهيرياً انتفض معه الواقع بأكمله.

- إنّ قيام فكر الإمام على أساس المرجعية والولاية العامة للفقيه، هيّأ للإمام الراحل أن يُنهي مرحلة الجمود القيادي في الواقع الإسلامي ويفرض على علماء الدين خوض المشاركة في الواقع العام بشكل أو بآخر.

ثانياً: الغزو الثقافي حقيقة قائمة:
يوضح الإمام الخامنئي المقصود من الغزو الثقافي بقوله: الثقافة الإسلامية ثقافة قيّمة فيها أرقى القيم للمجتمع وللمنظومة الإنسانية، وبوسعها فعلاً تحقيق الشموخ والسعادة والعزة والتقدّم للمجتمع. "أما معنى الغزو الثقافي فهو أن تشن قوة سياسية أو اقتصادية حرباً على المبادئ الثقافية لشعب من الشعوب، 
 
 
 
 
 
 
 
12

8

المقدمة

 لتنفيذ أهدافها الخاصة والتحكّم بمصير ذلك الشعب. إنهم يفرضون بالقوة عقائد جديدة على تلك الدولة وعلى شعبها من أجل ترسيخها بدلاً من ثقافة ومعتقدات ذلك الشعب"، ثم يضيف: "الهدف من الهجوم الثقافي هو اجتثاث أصول الثقافة الوطنية والقضاء عليها". 


وكمدخل لبيان الفكرة نشير وبإيجاز إلى الجدل القائم بين المفكّرين والباحثين العرب والمسلمين حول حقيقة "الغزو الثقافي" من حيث واقعيته وصحّة الإطلاق. حيث يمكن إجماله بثلاث اتجاهات:

استحالة الغزو: فالبعض يرى استحالة وقوع غزو على مستوى الفكر، لأنّ المسألة في موضوع الغزو هي أن نستولي على منقطةٍ وموقعٍ ما، وهو ما لا يُتصوَّر في المجال الفكري إلا مع وجود قابلية لهذا الغزو. 

واقعية الغزو: وفي المقابل هناك منْ يؤكّد على "حقيقة" المعنى الواقعي للغزو الثقافي، ويستشهد على ذلك بالواقع المعاصر للمسلمين والذي يعيش "اختراقاً" غربياً بفضل الإعلام ووسائل الدعاية.

الجمع بين الأمرين: وبين هذين الموقفين هناك محاولة للجمع والتوفيق تؤكّد على مفهوم "قابلية الغزو" في الوقت الذي تؤكّد فيه الهيمنة الثقافية الغربية الحاصلة على الواقع.

موقف الإمام الخامنئي دام ظله: يصوغ الإمام الخامنئي دام ظله موقفه حول "الغزو الثقافي" بشكل مختلف نوعاً ما. فهو يطرح هذا المفهوم في مقابل مفهوم "التبادل الثقافي"، ليُعطي التأكيد الجازم على نفيّ كل ما يتضمّنه القبول بمفهوم "الغزو الثقافي" من إيحاءات سلبية. فليس في استخدام واقع "الغزو الثقافي" إشارة إلى نزعةٍ انغلاقية على الآخر، ولذلك يأتي تأكيد سماحته على ضرورة "التبادل الثقافي" بين الحضارات وفي كلِّ مجالات الفكر والحياة. ومثل هذا التبادل يجري من خلال أدوات "التبادل" الحواري الطبيعي الذي يُنتج من خلال التلاقي والتعارف بين الشعوب. أما "الغزو الثقافي" فهو إشارة إلى أسلوب
 
 
 
 
 
 
 
13

9

المقدمة

 الحرب والاستئصال التي تُمارس تجاه ثقافة معينة، بقصد إلغائها وإحلال ثقافة أخرى على أنقاضها، وبالتالي فإنّ أساس فكرة التكامل والتلاقي الإنسانية والتي تتضمّنها مقولة "التبادل الثقافي" تنتهي وتصبح في مقابلها فكرة الاجتثاث الثقافي، أو قل الهيمنة الثقافية. ومع الواقع الراهن وفي ظلّ "غول العولمة" يتأكّد الكثير من المعطى السلبي لمفهوم "الغزو الثقافي"، حيث تهميش الثقافات الفرعية، والهيمنة على قيم الشعوب الأخرى ومفاهيمها، واستزراع قيم جديدة متصالحة مع "قيم العولمة" والتي تتحالف فيها مؤسسات السوق والثقافة على السواء. وبالتالي يظهر بوضوح ما يُشير إليه الإمام الخامنئي من حقيقية المعنى الخارجي للغزو الثقافي وبالتالي ضرورة التصدّي له ومواجهته عبر فعلٍ مقاوم.


المقاومة الثقافية: وهنا تكمن ضرورة ملاحظة هذا الخطاب الذي يظهر فيه بوضوح إلحاح الإمام الخامنئي دام ظله على ضرورة تأسيس وعي جديد يقوم على مبدأ المقاومة الثقافية. وقد قدّم سماحته عدداً من الطروحات التي تؤكّد هذا المبدأ، منها:

- تأكيد مفهوم "الغزو الثقافي"، كخطر لا بد من الاعتراف به وبالتالي الاستعداد لمواجهته، وفي نفس الوقت تثبيت مفهوم "التبادل الثقافي" لنفي أية دلالة سلبية يمكن أن تُفهم من تبنّي مفهوم "الغزو الثقافي".

- نقد الواقع الديني القائم واعتباره دون مستوى مقاومة الثقافة الأخرى ومحاورتها بالنقد، وفي ذات الوقت ممارسته النقدية للتيارات الثقافية التي تتبنّى أطروحات الغرب الثقافية دون وعي ومناظرة.

- دعوته الفعلية لتصحيح الجهاز الحوزوي وحثّه على تطويره والارتقاء به، ليكون في مستوى تمثيل الفكر الإسلامي وثقافته، ومن ناحية أخرى يكون قادراً على إنتاج الأجيال التي تقوى على التصدّي "الثقافي" للأفكار التي تحاول أن تغزو وتهيمن على مجالنا الثقافي الإسلامي، وتجعله تابعاً لها حتى في الفكر والثقافة.
 
 
 
 
 
 
 
14

10

المقدمة

 ثالثاً: رؤية الإمام الخامنئي دام ظله في دور الدين في الحياة:

الدين هو بالدرجة الأولى رؤية كونية ومعرفية، معرفة لهذا العالم، والإنسان، والمسير والطريق والهدف، مجموعة هذه المعارف تشكّل أساس الدين. فالدين يعتبر الإنسان محور العالم.

والدنيا هي الساحة الأساسية لوظيفة الدين ومسؤولياته ورسالته. وقد جاء الدين ليمنح مجموعة جهود الإنسان في هذه الساحة الهائلة والمتنوّعة شكلها واتجاهها ويهديها. الدين والدنيا وفق هذا التفسير وهذا المعنى للدنيا غير منفصلين عن بعضهما. لا يمكن للدين أن يجد ساحة أخرى لأداء رسالته غير الدنيا. والدنيا من دون هندسة الدين ويده الخلاّقة المبدعة ستكون خالية من المعنوية والحقيقة والمحبة والروح. أن يستطيع الإنسان في هذه الساحة العظيمة أن يشعر بالأمن والسكينة ويفتح الميدان للتعالي والتكامل المعنوي.

فصل الدين عن الدنيا بهذا المعنى، معناه تفريغ الحياة والسياسة والاقتصاد من المعنوية، ونسف العدالة والمعنوية. الدنيا بمعنى الفرح في حياة الإنسان، والنعم المبثوثة في العالم، والجماليات والطيبات والمرارات والمصائب، إنّما هي وسيلة لنمو الإنسان وتكامله. وهذه من وجهة نظر الدين أدوات يستطيع الإنسان بها مواصلة طريقه نحو التعالي والتكامل وتفجير طاقاته التي أودعها الله فيه. الدنيا بهذا المعنى لا تقبل الفصل عن الدين... لكن للدين مفهوماً آخر. وردت الدنيا في النصوص الإسلامية بمعنى أهواء النفس والأنانية والخضوع للأهواء والوساوس الذاتية وإخضاع الآخرين أيضاً لأهواء الذات ونزواتها.. هذه حسب رواياتنا هي الدنيا المبغوضة التي لا تجتمع مع الدين.

نعتقد أنّ الشعب هو أصل الأمور وأساس كل شيء. محورية الله لا تتنافى إطلاقاً مع محورية الشعب والناس حسب التصوّر والفكر الإسلامي. هذان شيئان متطابقان. أولاً ما لم يكن الناس متدينين مؤمنين بدين معين، لن يمكن أساساً ظهور الحكومة الدينية والمجتمع الديني في ذلك البلد. إذن، وجود الحكومة الدينية في بلد معناه
 
 
 
 
 
 
 
15

11

المقدمة

 تديّن الناس. أي إن الناس هم الذين أرادوا هذه الحكومة.


والغاية من سيادة الدين الإلهي متابعة وضع المظلومين، والعمل بالفرائض والأحكام والسنن الإلهية. ذلك أن السعادة تكمن في العمل بأحكام الدين، والعدالة في العمل بأحكام الدين، وحرية الإنسان في العمل بأحكام الدين. أين يريدون أن يجدوا الحرية؟! تحت مظلة أحكام الدين تتحقّق كل مطالبات الإنسان.

إنسان اليوم لم يختلف إطلاقاً عن إنسان قبل ألف عام، وإنسان قبل عشرة آلاف عام من حيث حاجاته الأصلية. حاجات الإنسان الأصلية هي: الأمن، والحرية، والمعرفة، والحياة الرغيدة، وعدم التمييز، وعدم الظلم. الحاجات الزمنية المتبادرة للذهن هي ما يمكن تأمينه في هذا الإطار وتحت هذه المظلة. هذه الحاجات الرئيسة ممكنة التأمين فقط بفضل الدين الإلهي ولا غير.

وقد جاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالدين والاتجاه العام، وشدّد على المعنويات، لكنّه وفّر للناس الأدوات المادية أيضاً. في بعض الحالات قدّم بنفسه مباشرةً العلم للناس أي علم الحياة والعلم الخاص بإدارة شؤون الحياة. وأحياناً حينما كانت الأمور تزداد تعقيداً وتحتاج إلى التخصص كان يأمر الناس بإتقان العلوم والتوفّر على المعرفة والنظر في الأشياء والأمور.

والذين يقولون تحت عناوين نصرة الدين أنّ الدين يجب أن لا يتدخّل في الشؤون السياسية، لا يعلمون أنّ هذه هي الحيلة الجديدة للإعلام الاستكباري والاستعماري ضد سيادة الإسلام وتجديد حياته. طبعاً، فكرة فصل الدين عن السياسة مطروحة منذ قرون. طرحها أولاً المستبدّون العتاة الذين قبضوا على زمام المجتمع بطريقة استبدادية، وأرادوا أن يفعلوا كل ما يحلو لهم بالشعب والبلاد بكل حرية، ومن البديهي أنّهم لم يرغبوا في تدخّل أحكام الإسلام والمنادين بها في شؤون الحكم. لذلك يعد الحكّام والسلاطين المستبدّين طليعة الفكرة المضلّلة القائلة بفصل الدين عن السياسة.

ومن المهم هنا أنّ نرى كيف مارس الإمام الخامنئي دام ظله رؤيته وطبّقها بشكل
 
 
 
 
 
 
 
16

12

المقدمة

 علمي ومنطقي في حفظ الجمهورية الإسلامية وقوّتها. وهذا ما يرتكز على الآتي:

نقل الجمهورية الإسلامية في إيران من التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية إلى الاستقلال التام وجعل إيران الجديدة نموذجاً يقتدى بها في العالم الثالث.

تنتقل رؤية الإمام الخامنئي دام ظله بعد ذلك إلى مشاكل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وفي مقدمة تلك المشاكل مشكلة فلسطين والتي هي جوهر مشاكل المنطقة وأساسها، فبقاء إسرائيل يعرّض العالم الإسلامي إلى مخاطر أمنية كبرى، لذلك ربطت الجمهورية الإسلامية في إيران أمنها القومي بأمن القضية الفلسطينية، وسعت إلى نقل الشرق الأوسط من بؤرة الحرب إلى بر السلام الدائم، وإنّ نيران الحرب لا تنطفئ إلا عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

ويرى الإمام الخامنئي دام ظله إمكانية تحقيق هذا الأمر بالمقاومة التي قام بها الشعب اللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد تحوّل ذلك الاحتلال إلى هزيمة لإسرائيل سياسياً وعسكرياً ومعنوياً، وعلى هذا الأساس فإن بإمكان النضال أن يحقّق انتصارات كبرى على مختلف الجبهات وأن يقيم مرة ثانية وطناً للشعب الفلسطيني على كامل ترابه الوطني.

تنتقل رؤية الإمام الخامنئي دام ظله من مشاكل الشرق الأوسط إلى مشاكل كتلة عدم الانحياز والتي تضم أكثر من مئة دولة، وتقوم الرؤية على أساس أن حل تلك المشاكل يتطلّب موقفاً إنسانياً وأخلاقياً وحضارياً من قادة عدم الانحياز عبر الابتعاد عن جرّ بلدانهم إلى مدار السياسة الأمريكية وتحويل أراضيهم ومياههم الإقليمية إلى مسرح دائم للقواعد الأجنبية.

تنتقل رؤية الإمام الخامنئي دام ظله بعد ذلك إلى الآثار السلبية لنظام القطبية الثنائية الذي ساد العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والذي أقيم على أساس الهيمنة والتسلّط، والتحفيز على سباق التسلّح، وتصعيد الخطر على السلام في العالم بأسره من خلال الحروب الإقليمية والأهلية التي اندلعت في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وعبر تدهور الاقتصاد والتجارة الدولية وعبر موجات التحلّل الأخلاقي.
 
 
 
 
 
 
 
 
17

13

المقدمة

 وبعد انهيار سلطة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وانتهاء نظام القطبية الثنائية في العالم، يرى الإمام الخامنئي دام ظله أنّ النظام الدولي القائم على أساس القطب الواحد سوف يؤجّج خطر الكارثة في العالم ويؤدّي بالإنسانية إلى الهلاك الشامل، وعلى هذا الأساس يتنبّأ الإمام الخامنئي دام ظله بحدوث هزة داخلية كبرى في الولايات المتحدة على غرار الهزة السياسية السوفيتية، وسوف تزيل النظام الرأسمالي من جذوره مثلما أزالت الهزة السوفيتية النظام الشيوعي من جذوره.


لم تغفل رؤية الإمام الخامنئي دام ظله دور الإعلام في العالم، وطالبت أصحاب الفكر والقلم والموقف الشريف بحماية القيم الإيمانية للشعوب والوقوف أمام إعلام الدول الاستعمارية، ونادت بتشكيل جبهة إنسانية سلاحها الكلمة الصادقة ومدادها العلم والحضارة الأصيلة.

كما توضح رؤية الإمام الخامنئي دام ظله ملامح النظام العالمي الجديد والقائم على أعمدة الحوار المتكافئ والجدي بين العالم الإسلامي وأوربا الموحدة وعلى انبثاق محاور عالمية جديدة بعيد عن التسلّط والاحتكار وشن الحروب، وفي طليعة تلك المحاور: مشاركة دول عدم الانحياز في إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد والقيام بدور أكبر في الحياة السياسية العالمية، وإنهاء المساعي المحمومة للدول الاستعمارية القاضية بتقويض الإنجازات التي حقّقتها البلدان المستقلة والبلدان النامية.

ختاماً: هذا الكتاب "خطاب الولي 2013" يحمل في صفحاته باقة من الكلمات التي أفاض بها الإمام الخامنئي دام ظله على الأمة الإسلامية والمجتمع الإنساني، حيث تزخر كلماته بقيم الإنسان والحياة والفكر الوضّاء الذي يشعّ أنواراً وحكماً في قلب كل مسلم حي... 

والحمد لله رب العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
18

14

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم



المناسبة: الذكرى السنوية لانتفاضة التاسع عشر من شهر "دي" 
الحـضـور: جمع من أهالي قم المقدسة 
الـمكــان: طهران
الزمان:
19/10/1388 ﻫ.ش.
25/02/1434 ﻫ.ق.
08/01/2013م.
 
 
 
 
 
 
 
 
19

15

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
أرحّب بجميع الإخوة والأخوات وشباب قم الأعزّاء، وعلمائها وطلّابها المحترمين، والعلماء الكبار الذين أفاضوا بحماسهم وعواطفهم ومشاعرهم وعقلانيتهم مرّة أخرى على أجواء حسينيّتنا، في هذه المناسبة المهمّة جدّاً،. لقد أحييتم مرّةً أخرى تلك الذكرى التي لا تُنسى للتاسع عشر من شهر دي1، الخالد عبر التّاريخ. والشكر على البرنامج الذي قُدّم والأنشودة ذات المحتوى الجيّد التي قام الأخوة والأخوات بتكرارها وإنشادها.
 
19 دي، تضحيات عظيمة
إنّ قضيّة التاسع عشر من دي وإبقاءها حيّة في الذاكرة ليست مجرّد قضية روتينيّة أو عادة، بل هي قضيّة أساسيّة وأصوليّة. إنّ جميع المناسبات الكبرى في تاريخنا هي من هذا القبيل. في البداية، فليتعرّف الجيل الشاب والجديد، الذي يحمل على عاتقه اليوم المسؤولية التي كانت على عاتق شباب ذلك اليوم، إلى جذوره التاريخية والسوابق التاريخيّة لحركته من خلال هذه الذكريات وليستشعرها. ثانياً، فليعلم قدر كل ذلك الجهاد الذي تحمّله ذاك الجيل من أجل الوصول بشعب إيران


 

1 دي 9ك2/ 1978-، تاريخ مفصلي في مسار الثورة, يوم انتفاضة أهالي قم في وجه النظام وجلاوزته حيث قُمعت التظاهرات التي خرجت استنكاراً لمحاولة الشاه توهين حركة الإمام وصورة الحجاب في إيران, وكان ذلك في مقال طلب وزير مخابرات الشاه نشره في جريدة اطلاعات بعد فترة وجيزة من شهادة السيّد مصطفى ابن الإمام في ت2/ 1977وقيام مجالس العزاء في مختلف المناطق, حيث صمم الشاه حينها على إلحاق الأذى والإهانة بالإمام. فكان المقال وكانت ردة فعل الناس وطلاب الحوزة في قم قوية وعامة حيث أعلنوا الإضراب والتعطيل في 18 دي, وكانت الحركة الواسعة في 19 دي, التي واجهها النظام بعنف شديد, وسقط على أثرها عدد كبير من الشهداء والجرحى واعتقل المئات.... وأقيمت ذكرى أربعين شهداء انتفاضة 19 دي في مختلف المدن وحصلت مواجهات في كل مدينة, وهكذا توالت سلسلة الأربعينيات. وكان لهذه الحركة نتائجها في دعم حركة الإمام وانزواء تيار فصل الدين عن السياسة, وتسريع عجلة الثورة التي أطاحت بالنظام بعد سنة تقريبا أي في 11/شباط/1979....
 
 
 
 
 
 
 
21

16

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 إلى ما هو عليه اليوم، وكل تلك الصعاب التي مرّ بها، والمخاطر التي واجهها الناس بصدورهم، فلتُبيّن هذه الأمور وليتّضح أنّ ما حقّقه شعب إيران اليوم لم يكن نعمة سهلة المنال أو حادثة وقعت بمحض الصّدفة. 

 
"من كان عنده هدف يستخرجه من فم الأسد ـ وهنا ينبغي أن أقول من فم الذئب"1. لقد واجه شعب إيران المخاطر والمتاعب وبذل التضحيّات مقابل البوليس الشقيّ والجبّار لنظام الطاغوت وثَبُتَ مقابله، فقدّم القتلى والشهداء والجرحى حتّى تمكّن في النّهاية من تسيير هذه القافلة العظيمة العازمة وإيصالها إلى هنا. هذه هي النقطة الثانية. 
 
النقطة الثالثة، هي درسٌ نستلهمه ليومنا هذا. إنّ شبابنا الأعزّاء لم يشهدوا ذاك اليوم ولم يعلموا ما جرى فيه. لكن أولئك الذين أدركوا تلك الأيّام يعلمون. ففي ذاك اليوم لم يكن الوقوف مقابل القدرة الظاهريّة المدجّجة لنظام الطاغوت عملاً سهلاً بالنسبة لأيّ أحد. فلو قيل للكثير من هؤلاء الّذين يفكّرون بالمصالح وهم أسرى الظواهر، إنّ شعب إيران ـ وأهل قم نموذجٌ عنه ـ يريد أن يواجه نظام الطاغوت البهلوي، ويريد أن يقضي عليه لسخروا منه، ولقالوا هل يمكن ذلك؟! ولكنّه حصل. فما كان يبدو مستحيلاً صار ممكناً وتحقّق وبقي خالداً. هذا هو الدّرس. 
 
أعداء مسلحون بالمال والقوة والإعلام والسياسة
وفي يومنا هذا يحمل شعب إيران مبادئ، ولديه شعارات ورسائل كبرى، سواءٌ فيما يتعلّق ببلده أم بالعالم الإسلاميّ أم بعالم البشرية. ويوجد في مقابل شعب إيران ذئابٌ جائعة، وسباعٌ مطلقة العنان، وهذه الشركات المهيمنة والمتسلّطة، وتلك الجماعات المنهومة بالدنيا وعبادتها، كلّها اصطفّت صفّاً واحداً، يصنعون الأسلحة ويصدِّرونها ويشعلون الحروب ويديرون منظّمة الأمم المتّحدة بحسب ميولهم 



1 ترجمة بيت للشاعرة الأفغانية حنظلة بادغيسي, من شعراء القرن الثالث الهجري. وقد استبدل سماحته كلمة الأسد بكلمة الذئب لأنّه يشير إلى البوليس الشقيّ الجبّار للنّظام الطاغوتي. والبيت هو: "مهترى كر بكام شير در است رو خطر كن ز كام شيره بجوى".
 
 
 
 
 
 
22

17

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 ورغباتهم، وأينما أرادوا يرسلون العسكر، ويرتكبون الجرائم، ويدعمون الظلم، ويدعمون الصهاينة الغاصبين، ويرتكبون الظلم في المجتمع البشري، بهذه القدرة الظاهريّة، وهذه القرقعة والجعجعة الاستعراضية. وعهد الطاغوت في إيران كان أنموذجاً من هذا القبيل. واليوم هناك من يقول: هل يمكنك أيّها السيّد أن تقف مقابل هذا الاصطفاف والاتّحاد الذي يظهر بين الأعداء المسلّحين بالمال والقوّة والإعلام والاقتصاد والسياسة وكل شيء؟ فهل يمكن تحقيق أي تقدّم؟ فاليوم نسمع تلك الكلمات نفسها. هذه تجربة. 

 
لو قاتلتم لنصركم الله
أجل، إنّ هذا ليس كلامنا، هذا هو كلام القرآن: إذا نزلتم إلى الميدان في سبيل الله وصمدتم فإنّ النصر أمرٌ قطعيّ: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾1. هذا الأمر لا يتعلّق بما جرى في معارك صدر الإسلام فقط ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ هي سنّة الله.
 
أجل، عندما لا نعرف ما هي قضيتنا والأفكار الأساسية لدينا، أو عندما لا نعرف كيف نعرضها أو عندما لا نتمسّك بها أو نضعف وسط الطريق بسبب الوساوس الشيطانية أو وساوس النفس أو كل أنواع الكسل، فإنّ الجهاد لن يؤتِ ثماره، فهذا معلومٌ. فالبحث كلّه هو حول هذه النقطة ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾2 فلا يوجد أعلى وأشدّ من هذا التأكيد. لو نصرنا الله ـ وهذه النصرة تكون بالتفكير، واختزان وتحصيل الأفكار الأصيلة، وعرضها بشكل صحيح في العالم والتمسّك بها وإعمال التدبير من أجل التقدّم بها ومواجهة كل المخاطر لأجلها، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ﴾ فإنّ الله تعالى سينصر حتماً وقطعاً. ومعنى "لينصرنّ" هو هذه القطعيّة والحتميّة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾3.
 
لقد جرّب شعب إيران هذه الأمور عمليّاً. فلو أنّكم يا شعبنا العزيز وشبابنا



1 سورة الحج، الآية: 40.
2 سورة النساء، الآية: 122.
3 أي نداؤكم ورسالتكم حسب سياق الكلام-.
 
 
 
 
 
 
 
23

18

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 المفعمين بالروحيّة الحسنة، والاقتدار، والعزم، سلكتم هذا الطريق وثبتم عليه، فلا تشكّوا في أنّ جميع آمالكم وأمانيكم ورسائلكم وشعارات شعب إيران، سوف تتحقّق في زمانكم وفي الوقت المناسب، ليس على مستوى هذا البلد فحسب، بل على مستوى كلّ العالم الإسلاميّ والأمّة الإسلاميّة والمجتمع البشريّ. لكلّ عملٍ زمانه ومرحلته، وسوف تتحقّق هذه الأماني والآمال في وقتها المناسب. إنّ شعب إيران سيصل إلى تلك النقطة التي يتطلّع إليها، ويتحرّك نحوها، ويهتم بها، وسبيله إلى ذلك هو: المقاومة.

 
تاريخ العالم إلى مرحلة جديدة
فماذا سيحدث عندها؟ سيتغير مسار تاريخ العالم. إنّ مسيرة التاريخ اليوم هي مسيرة الظلم، والتسلّط والإذعان للهيمنة. هناك جماعة تتسلّط على العالم، وأخرى تقبل بتسلّطها. فلو أنّ كلمتكم6 يا شعب إيران سارت قدماً، ولو أنّكم استطعتم أن تنتصروا، ووصلتم إلى تلك النقطة الموعودة، فإنّ مسار التاريخ عندها سيتبدّل، وسوف تتهيّأ الأرضية لظهور وليّ الأمر ووليّ العصر أرواحنا له الفداء، وسوف يدخل العالم في مرحلة جديدة. إنّ ذلك اليوم مرتبطٌ بعزمنا أنا وأنتم، وبمعرفتنا في هذا الزمن أنا وأنتم.
 
ولأجل أن يربط الله تعالى على هذه القلوب بتحقّق الوعود المستقبلية، فإنّه يحقّق بعضها في المدى القريب. فالله تعالى أوحى إلى أمّ موسى ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾، ثمّ قال ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾1. قدّم الله تعالى لها وعدين: "ألقيه في اليم" ـ ولا تخافي ـ فإنّنا سنرجعه إليك وسوف نوصله إلى مقام النبوّة والرسالة. إنّ تلك النبوّة هي التي كان بنو إسرائيل ينتظرونها لسنين طويلة، ولعلّه لعدّة قرون. وبعد أن رجع موسى إلى حضن أمّه في قصر فرعون، يقول الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾2. لقد حقّقنا الوعد الأوّل لها، وأرجعناه لتعلم أنّ وعد الله حقّ، وأنّ الوعد الثاني سيتحقّق.



1 سورة القصص، الآية: 7.
2 سورة القصص، الآية: 13.
 
 
 
 
 
 
24

19

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 حقيق الوعود الإلهية 

وهكذا فعلالله تعالى مع شعب إيران، لقد حقّق له الكثير من الوعود، وأنجز له الكثير من الأعمال الكبرى. يا شبابنا الأعزّاء! اعلموا أنّه في ذاك الوقت ما كان أحدٌ ليصدِّق أنّه يمكن هزّ النظام الملكيّ الطاغوتيّ، ناهيك عن أن يريد أحدٌ القضاء عليه. وأنتم اليوم ترون أنّ النّظام الطاغوتيّ هو أكثر نظام ممقوت في عالم الإسلام، ولقد تمّ القضاء عليه في إيران بالكامل ـ وبحسب القول المعروف: رُمي في زبالة التاريخ. لو قيل في ذاك اليوم أنّه يمكن لإيران أن تتحرّر من أغلال السلطة الأميركيّة، لقال أولئك الذين كانوا مطّلعين على قضايا البلد جيّداً: إنّ هذا الأمر غير ممكن قطعاً ويقيناً. فجميع أمور البلد وكلّ سياساتها الكبرى كانت بيد الأميركيّين، كانوا يتدخّلون أحياناً حتّى في الجزئيّات: من الذي يكون وزير الحقيبة الفلانيّة ومن لا يكون، وإلى أي مدى ترتفع أسعار النفط ولا ترتفع. من كان ليتصوّر زوال ذلك النظام مع كل هذه الهيمنة التي مارسها الأميركيّون على بلدنا، وشعبنا، ومصادرنا، وثرواتنا، وسمعتنا، ومعهم أتباعهم وحواشيهم وباقي الأراذل والأوباش العالميين؟ أنتم اليوم ترون أنّه إذا أراد شعبٌ ما في العالم أن يأتي على اسم دولةٍ مستقلّة عن السياسات الاستكبارية الأميركيّة وأمثالها، لأتى على ذكر اسم إيران. إنّ الشعوب الأخرى تنظر إلى إيران وتنفعل وتتحمّس جرّاء هذا الصمود، وهذه القاطعية والشجاعة والاستقامة التي أظهرها شعب إيران.

شعب إيران ومباني الثورة
لقد تعاضد كلّ العالم الاستكباري والدول المستكبرة علّهم يحاصرون إيران بالحظر، وينهكون شعب إيران ويركعونه. هم أنفسهم يقولون إنّنا نريد أن نجبر الشعب على الوقوف بوجه نظام الجمهوريّة الإسلاميّة لكي يبدّل مسؤولو النظام حساباتهم! إنّهم يعلنون ذلك بصراحة. في البدايات عندما كنّا نحلّل الأمور لم
 
 
 
 
 
 
 
 
25

 


20

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 يكونوا ليصرّحوا بذلك، ولكنّهم يفعلونه الآن. والنتيجة هي ما حصل حيث تلاحظون أنّ شعب إيران يزداد يوماً بعد يوم توجّهاً إلى مباني الإسلام والثورة والصّمود وهذه العزّة التي منحها الله تعالى لهذا البلد، وقد تحقّقت النقطة المقابلة تماماً لما أرادوه.

 
مفاخر قم: الحوزة، انتفاضة 19 دي، نهضة الإمام
هذه دورسٌ كبرى علّمنا إيّاها الله تعالى، وأحدها هو يوم التاسع عشر من شهر دي الذي تفخرون به أيّها القمّيّون. بالطبع، لا تنحصر مفاخر قم بهذه النقطة، فلديها الكثير في تاريخها. ففي السنوات التسعين أو المئة الأخيرة، تفجّرت عيونٌ فوّارة عذبة كثيرة من قم. القمّيّون هم الذين استضافوا بالأحضان المرحوم الحاج الشيخ1 رضوان الله عليه، فهم الذين أحضروه لتتشكّل هذه الحوزة العظيمة. إنّ هذه التربية الإلهية وغير المتوقّعة والتي حصلت في هذه الحوزة هي من بركات همّة أهالي قم، حوزةٌ تخرّج منها شخصٌ مثل إمامنا الجليل وأوجد هذه الحادثة العظيمة في العالم، لا ينبغي القول إنّها حادثة عظيمة في هذا البلد. كان لقم وجهٌ مشرق وعظيم - في قضايا العام 1342 هـ. ش2. وفي قضايا الثورة3 وفي قضايا الحرب المفروضة4 - نأمل أن يبقى هكذا دوماً.



1 المقصود هنا: الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم. ولد في يزد عام 1276هـ ، هاجر إلى سامراء وتتلمذ على كبار علمائها، كما سافر إلى النّجف ودرس فيها, ثمّ إلى كربلاء وأقام فيها حلقات دراسية عديدة. رجع إلى قم عام 1340هـ ووضع الهيكل الأساس للدراسة الحوزوية, من تلامذته: الإمام الخميني، آيات الله: صدر الدين الصدر، محمد تقي الخونساري, محمد الداماد, القزويني وغيرهم... كان مراجعاً في التقليد وتقدم على غيره من المراجع, وكانت له مواقف صارمة من بعض أعمال الشاه الأبرضا خان- خاصة قضية الحجاب, عندما حاول الشاه تطبيق قانون منع الحجاب, فقال: سأقف ضد هذا القرار إلى آخر حياتي. وقام بمشاريع مهمة في قم, فقد أسس دارا لإطعام الفقراء, ومستشفىً, وسدا, وقلعة لإسكان متضرري السيول...
2 15خرداد 1342هـ ش5/6/1963م-: حدث مفصلي في تاريخ إيران الحديث، يوم انطلاق الثورة والخطاب المدوي للإمام الخميني, الذي هاجم فيه الشاه و فضح أعماله وكشف مخططات الغرب وعمالته لهم, ودعا العلماء واصحاب الكلمة إلى النهوض والثورة ضد الظلم والتعسف الذي يقوم به الشاه.
3 قضايا الثورة: سلسلة الأحداث التي تلت خطاب الإمامما بعد1963-, وحوادث اعتقال الإمام وإبعاده, وردة فعل الناس والتظاهرات والاعتصامات وقمع الشاه لها...
4 الحرب المفروضة على الجمهوريّة الاسلامية التي قادها النظام البعثي البائد بدعم ومؤازرة علنية من قطبي العالم آنذاك وأكثر الأنظمة العربية بدفع من المخابرات الغربية والامريكية خصوصا.
 
 
 
 
 
 
 
 
26

21

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 التقوى الجمعية

نقطةٌ مهمّة ـ أذكرها لكم يا شباب قم الأعزّاء ـ وهي أنّه في هذه الحركة يجب على المرء أن يراقب بذكاء وحنكة تحرّكات العدوّ ويضعها تحت المجهر ويكشف أهدافه. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدّاً. إذا وقفتم في منازلة شخصيّة أو دفاع عن النّفس مقابل خصم ما وتمكّنتم من توقّع حركاته فإنّكم لن تتعرّضوا لأيّة ضربة. وإذا ما تشتّتت حواسكم وغفلتم وفقدتم التركيز وانشغلتم بأمور أخرى فلن تتمكّنوا من توقّع ما سيفعله وسوف تتعرّضون للضرب. العدوّ لا ينام، وهو مستيقظ، "وإنّ أخ الحرب الأرق ومن نام لم يُنم عنه"1. فلو غفلتم عن موقعيّتكم فهذا لا يعني أنّ عدوّكم الذي يقف في المواجهة قد غفل وتشتتت حواسه، فمن الممكن أن يكون متيقّظاً فيضرب. فيجب أن تركّزوا انتباهكم. ولهذا السبب نطلق كلّ هذا الكلام وهذه التوصيات المؤكّدة والمتكررة، سواء للمسؤولين أم للشعب، بأن لا ينشغلوا بالقضايا الفرعيّة. وهذه التوصية المستمرّة للصحافة ووسائل الإعلام والجرائد ومواقع الانترنت، التي انتشرت كثيراً في أيّامنا هذه، هي أن يجتنبوا الدخول في التصريحات والقضايا غير الصحيحة التي تشغل أذهان الناس. يجب على أي شعب أن يكون متنبّهاً بشكل جيّد ليعلم أين يضع قدميه ـ وهذه هي التقوى الجمعيّة ـ وليعلم ما ينبغي أن يقوم به، وليلتفت من أين يمكن أن تأتيه الضربة. فإذا كنّا أتقياء في العمل الفرديّ فسنراقب أعمالنا وسنراقب أنفسنا، فلا نضع أقدامنا في المنزلقات والمواضع التي يخشى السقوط فيها. هذا هو الأمر المطلوب.
 
عين العدو على الانتخابات
ما شخّصته، أنا العبد، في هذه الأيام ـ وهو ما تدل عليه حركات العدوّ ـ هو: مع أنه ما زالت تفصلنا خمسة أشهر عن الانتخابات، فإنّ ذهن عدوّنا متوجّهٌ إلى انتخاباتنا. الانتخابات الآتية في شهر خرداد2 هي برأينا مهمّة، وهي كذلك



1 نهج البلاغة، كتاب 62.
2 في حزيران 2013.
 
 
 
 
 
 
 
27

22

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 بنظر العدوّ ولهذا يركّز عليها. فلو استطاع العدوّ القيام بعملٍ ما لكي لا تتحقّق هذه الانتخابات فإنّه سيفعل. ولأنّ هذا الأمر غير ميسور ولا مقدور بالنسبة لهم فإنّهم آيسون من أن يتمكّنوا من القيام بهذا الأمر. ذات يوم كان البعض يسعون لتؤجّل انتخابات المجلس أو تؤخّر، حتى قالوا لنا إذا أمكن تأخير الانتخابات أسبوعين. قلنا لا يصح، فالانتخابات يجب أن تُجرى في موعدها، ولا ينبغي أن تؤخّر يوماً واحداً. لم يتمكّنوا من ذلك، ولم تصل أيديهم إلى شيء. لقد جرّبوا هذا ويعلمون أنّ الانتخابات لا يمكن تأجيلها، لذلك فهم يسلكون طرقاً أخرى.

 


الانتخابات، نزاهة لا نظير لها
وإنّ من أهدافهم هو أن تجري الانتخابات دون مشاركة شعبية واسعة وحماسية. وليعلم الجميع هذا الآن: أولئك الذين يمكن أن يوجّهوا التوصيات العامّة انطلاقاً من الحرص فيما يتعلّق بالانتخابات، ويقولون فلتكن الانتخابات هكذا ولا تكن هكذا، فليلتفتوا جيداً حتى لا يعينوا العدوّ على ما يريد. فلا يؤيّسوا الناس من الانتخابات ولا يقولوا إنّ الانتخابات ينبغي أن تكون حرّة. حسنٌ، من الواضح أنّ الانتخابات ينبغي أن تكون حرّةً. لقد كان لنا منذ بداية الثورة وحتى الآن، ثلاثون عملية انتخاب ونيّف، فأيّ منها لم يكن حرّاً؟ في أي بلد تقام فيه الانتخابات بحريّة أكثر مما هي عليه في إيران؟ وفي أي بلد لا ينظر في كفاءات (المرشّحين) ليبدأ التركيز على هذه المسألة والحديث عنها وإكثار الكلام بشأنها؟ كل ذلك من أجل أن يزرعوا في أذهان الناس مثل هذه التصوّرات شيئاً فشيئاً، حتى يُقال إنّ هذه الانتخابات لا جدوى منها.. إنّ هذا ما يطمح إليه العدوّ. من الممكن أن يكون أولئك الذين تصدر عنهم مثل هذه الكلمات في الداخل، غافلين. أنا أقول لا تغفلوا وانتبهوا ولا يكوننّ عملكم وفق الأجندة التي حدَّدها العدوّ، ولا تكملوا أهدافه. وهذا أحد أساليب إخماد الحماس والحيوية في الانتخابات.
 
 
 
 
 
 
 
28

23

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 القانون هو الفيصل

قضيّةٌ أخرى، هي أنّه يُقال للنّاس ويُعمل على تلقينهم أنّ الانتخابات فاقدة للنزاهة المطلوبة. وبالطبع أنا العبد أؤكّد على أن تجري الانتخابات بنزاهة، غاية الأمر أنّ لهذا طريقه. ففي الجمهوريّة الإسلاميّة وفي قوانيننا تمّ النظر بدقّة إلى الطرق القانونية الممتازة لحفظ نزاهة الانتخابات. وبالطبع هناك من يريد أن يعمل بالطرق غير القانونيّة، وهم يريدون الإضرار بالبلد، مثلما أنّهم في العام88 1 دخلوا من طرق غير قانونيّة. وقد حمّلوا هذا البلد أعباء وأوجدوا للناس أسباباً للتّعب، وصاروا سبباً لتعاسة أنفسهم وافتضاحهم في الأرض وفي الملأ الأعلى. يوجد طرق قانونية جيّدة. أجل، أنا العبد أصرّ على أن تجري الانتخابات بنزاهة تامّة ورعاية كاملة للأمانة. وعلى مسؤولي الحكومة وغيرها، الذين يعملون في الانتخابات، وهم مسؤولون أن يعملوا طبق القانون وبدقة تامّة وبرعاية كاملة للتقوى والنّزاهة لكي تتحقّق الانتخابات النزيهة، وبالتأكيد سوف يكون الأمر كذلك.
 
الانتخابات حق وواجب
ومن الطرق، سعيهم في وقت الانتخابات لأن يشغلوا أذهان الناس بأمور أخرى، وأن يصطنعوا حادثةً أو قضيّة سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم أمنية. وبالطبع، إنّ هذا من خطط العدوّ، لكنّني أنا العبد واثقٌ أنّ شعب إيران أكثر بصيرة ووعياً من أن ينخدع بمثل هذه الحيل العدائيّة للأعداء أو عملائهم. كلا، فإن شاء الله ستكون الانتخابات بإذن الله وبحوله وقوّته وفضله انتخابات جيّدة وحماسيّة.
 
بالطبع، لدي الكثير من الكلام فيما يتعلّق بالانتخابات. ولو كُتب لنا أن نعيش



1 فتنة عام1388ش 2009م-, محاولة الإطاحة الفاشلة بالنظام التي قادها موسوي وكروبي في العلن- بحجة عدم نزاهة الانتخابات, وكانت الأيادي الخبيثة للعملاء ورؤوس الأجهزة الغربية تدعم وتؤازر في الخفاء, وقد انتهت هذه الجولة من المواجهة بفشل ذريع نتيجة الصفعة القوية التي وجهها الشعب وسماحة الإمام القائد إلى رؤوس الفتنة وأسيادهم الغربيّين, حيث كان للقائد حفظه الله الدور الأبرز, سواء على مستوى مخاطبة الجماهير وفضح خطة الغرب التي ألبست ثوب الحرية وبعض شعارات الثورة والجمهوريّة نفسها, أم على مستوى بث الوعي والبصيرة في مسؤولي النظام والدولة ومختلف مستويات النخب.. فكانت التظاهرات المليونية للشعب التي أعقبت سلسلة اعتصامات وتظاهرات غوغائية لأنصار تيار مدعي التزوير مخربة لممتلكات الناس والأملاك العامة ومهينة للشعائر الحسينية في العاشر من محرم الحرام....
 
 
 
 
 
 
 
29

24

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 فسوف نتحدّث في المستقبل أيضاً. لديَّ وصايا وكلام ونقاط لكنّنا نكتفي الآن بهذا المقدار. فالتفتوا إلى أنّ الانتخابات هي حقّ وواجب. إنّ كلّ واحدٍ منّا، كأحد أبناء هذا الشعب، لديه الحق في أن يشارك في الانتخابات ويتحمّل أيضاً مسؤولية. إنّ أولئك المؤمنين بنظام الجمهوريّة الإسلاميّة والذين يقبلون بالدستور، يريدون أن يستفيدوا من هذا الحقّ ويريدون أن يؤدّوا هذا التكليف. يجب على الجميع أن يؤدّي هذا التكليف. قد يكون تكليف أحدهم هو أن يعرض على الناس كفاءاته لينتخبوه. فكلّ من يشعر بوجود هذه الكفاءة لديه ويتقن العمل التنفيذيّ فليأتِ ويرشّح نفسه للانتخاب. إنّ إدارة البلاد والعمل التنفيذيّ ليسا أمراً بسيطاً. فالأعمال الكبرى والأعباء الثقيلة ملقاة على عاتق التنفيذيين في المستويات العليا. من الممكن للبعض أن يكونوا عاملين في المستويات الأخرى وبعضهم لا يعرف بالدقّة أبعاد هذا العبء وإلى أي درجة الحمل ثقيل. فالذين ينزلون إلى هذا الميدان يجب أن يكونوا ممّن يقدر على حمل هذا العبء ويجدوا في أنفسهم الكفاءة التي يؤكّد عليها الدستور والمجلس المحترم لصيانة الدستور، وليكونوا في الواقع مرتبطين وتابعين للنظام والدستور، ومستعدّين لتطبيق الدستور، لأنّ رئيس الجمهوريّة يقسم على تطبيق الدستور ولا يصح أن يقسم كذباً. فالذين يشعرون بمثل هذا (الاستعداد) فليأتوا إلى الميدان، ومن لا يجد ذلك في نفسه ولا يعتزم المشاركة (أي الترشح) في هذه الساحة فليشارك في ساحة الانتخاب ويساعد في جعل الانتخابات حماسيّة.

 
إنّني أقول لكم وبالثقة التي نشعر بها بوعد الله ـ ووعد الله حقٌّ وصدقٌ ـ أنّه لا شكّ بأنّ الله تعالى سوف ينصر هذا الشعب على أعدائه في هذه المرحلة أيضاً وفي جميع المراحل المقبلة. نشكر الله أنّه لم يبتلنا بسوء الظن به ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾1 ولم يجعلنا منهم. لدينا ظنٌّ حسنٌ بوعد الله ونثق به. فمن جانبٍ نرى أن الله تعالى قد وعد بالنصر، ومن جانب آخر، يشاهد المرء حضور هذا الشعب وحرصه وهمّته، وإخلاص هؤلاء الشّباب وطهارتهم، والآباء والأمّهات المؤمنين 



1 سورة الفتح، الآية: 6.
 
 
 
 
 
 
 
30

25

في الذكرى السنوية لانتفاضة أهالي قم

 والمحبّين، على مستوى البلد ومن مختلف الشرائح وبكل الأشكال والظواهر. يشاهد المرء كيف أنّ هذا الشعب هو شعبٌ حاضرٌ في الساحات بحمد الله.


نسأل الله تعالى أن يمنحكم يا أهالي قم الأعزّاء رحمته ولطفه وتوفيقه وعافيته ويشمل بذلك الحوزة العلميّة المعظّمة في قم. 

اللهمّ! احشر روح إمامنا الجليل المطهرّة الذي فتح علينا هذا الطريق مع أوليائه. 

اللهمّ! اشمل برحمتك وبركاتك وفيضك الأرواح الطيّبة لشهدائنا الأعزّاء الذين ضحّوا في هذا الطريق وكذلك كلّ المجاهدين في طريق الحقّ، واجعلنا من ثابتي القدم عليه.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
 
 
 
31

26

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة




المناسبـة: ذكرى مولد رسول الإسلام المكرّم صلى الله عليه وآله وسلم وحفيده الإمام الصادق عليه السلام
الحــضـور: مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة 
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
10 /11/1391 هـ.ش.
17/03/1434 هـ.ق.
29/01/2010م.
 
 
 
 
 
 
 
 
33

 


27

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
أبارك هذا العيد السعيد والعظيم لجميع الحاضرين المحترمين والضيوف الأعزّاء الذين شرّفونا في هذا المكان من باقي الدّول، وسفراء الدّول الإسلاميّة، وكذلك لجميع أبناء شعب إيران العظيم الذين أثبتوا بالعمل حبهم لمقام النبوّة وثباتهم عليه. كذلك أهنئ جميع أبناء الأمّة الإسلاميّة الذين يستشعرون وحدتهم وانسجامهم حول محور الاسم المبارك لنبيّ الإسلام. وأبارك أيضاً بهذا العيد السّعيد لكلّ أحرار العالم، وذلك لأنّ بُشرى مولد النبيّ والبركات الإلهيّة الحاصلة جرّاء مولده العظيم هي في الحقيقة بُشرى لكلّ أحرار العالم، ولكل الذين يسعون خلف الحرّيّة والعدالة والوصول إلى القيم الإلهيّة السامية.
 
 
ربيع الأول ربيع الحياة
يعتقد بعض أهل المعرفة1 والسلوك المعنويّ أنّ شهر ربيع الأوّل هو ربيع الحياة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك لأنّه في هذا الشهر قد وُلد النبيّ الأكرم بوجوده المقدّس وكذلك حفيده الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصّادق. وولادة النبيّ هي مبدأ جميع البركات التي قدّرها الله تعالى للبشريّة. نحن الذين نعتبر الإسلام وسيلة سعادة البشريّة وطريق نجاة الإنسان نؤمن بأنّ هذه الموهبة الإلهيّة حاصلة من الوجود المبارك للنبيّ الذي يصادف في هذا الشهر. وواقعاً، يجب اعتبار هذا الميلاد العظيم مبدأ جميع البركات التي قد أنزلها الله تعالى على المجتمع الإنساني والأمّة الإسلاميّة وأتباع الحقيقة. 



1  قد يكون المقصود "العرفاء" لأنه يطلق عليهم أيضاً "أهل المعرفة".
 
 
 
 
 
 
35

28

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 الارتباط المعنويّ والقلبيّ

إنّ مجرّد الاحتفال ليس كافياً، ففي الدرجة الأولى يجب أن نزيد من قوّة ارتباطنا القلبيّ بالنبيّ. ويجب على العالم الإسلاميّ أن يزيد من قوّة ارتباطه المعنويّ والقلبيّ والعاطفيّ بالنبيّ المكرّم يوماً بعد يوم، فهذه هي القضيّة المشتركة بين جميع مسلمي العالم. أولئك الذين تخفق قلوبهم من أجل تشكيل الأمّة الإسلاميّة يجب عليهم أن يعتمدوا على هذه القضيّة: وهي الارتباط المعنويّ والعاطفيّ بوجود النبيّ المقدّس. أي في الدّرجة الأولى أن يكون العزم على اتّباعه في جميع الأمور وبصورة جدّيّة. ففي الآيات القرآنية الكريمة تمّ التفصيل بشأن أخلاق النبيّ وسلوكه السياسيّ وطريقة حكمه ومشاعره تجاه النّاس، سواءً كانوا مسلمين أم غيرهم. فتربية الصّحابة الأجلّاء وسلوكهم يدلّ على تلك الجّهة التي ينشدها الإسلام والنبيّ في قضيّة تعليم الأمّة الإسلاميّة وتربيتها. يجب علينا أن نطبّق هذه الأمور في حياتنا ولا يكفي مجرّد القول والكلام.

بذرة الصحوة وأمنيات الشعوب
لقد تحقّقت الأرضيّة اليوم لهذه القضيّة. فالصحوة الإسلاميّة واقعٌ قد حصل. فبعد عقود متمادية من هيمنة أعداء الإسلام وأعداء المسلمين على المجتمعات الإسلاميّة - سواء بصورة الاستعمار المباشر أم بصورة الاستعمار الجديد، والاستعمار غير المباشر سواء بصورة الهيمنة الثقافية أم التسلّط الاقتصاديّ أم الهيمنة السياسيّة - فبعد كلّ هذه السنين المتمادية التي عانت فيها الشعوب المسلمة من الضغوطات الهائلة للسلطات الغربية والحكومات الأوروبية والأمريكية على بلدانهم، تفتّحت نواة الصحوة واليقظة الإسلاميّة ونمت تدريجياً وها هي الآن تظهر نفسها. يشعر أبناء العالم الإسلاميّ اليوم أنّ طريق عزّتهم ووسيلة رفعتهم واستقلالهم هما الإسلام. فببركة الإسلام يمكن أن تتحقّق جميع الأمنيات الوطنيّة لأيّ شعب في العالم الإسلاميّ. وببركة الإسلام يمكن للشعوب الإسلاميّة أن تقف في مقابل الهيمنة الغربيّة وتكبُّر حكوماتها، وفي مواجهة تسلّطهم الظالم وفي مقابل استغلال هذه الحكومات الغربيّة واستكبارها.
 
 
 
 
 
 
 
 
36

29

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 الشعوب الإسلاميّة على طريق الانتصار

والغرب مجبرٌ على التراجع. ها أنتم تشاهدون اليوم هذه التّجربة في العالم الإسلاميّ. لقد حدث هذا الأمر قبل أكثر من ثلاثين سنة في إيران، وها أنتم تشاهدونه اليوم في العالم الإسلاميّ وفي شمال أفريقيا. فالأقدام تتحرّك نحو الانتصار. وبالطبع يوجد مشاكل، لكن ما دمنا يقظين فإنّ هذه المشاكل لا يمكن أن توجد سدّاً أمام طريقنا. يقول القرآن: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾1. أجل إنّهم يؤذون ويختلقون الصّعاب، لكن إذا ما عزمنا وتوكّلنا على الله وقرّرنا التحرّك لن يمكنهم أن يوجدوا سدّاً أمام طريقاً.
 
ها هي الشعوب الإسلاميّة اليوم قد استيقظت، تستشعر أنّها ببركة الإسلام قادرة على أن تثبت كلمتها في مقابل أعداء العالم الإسلاميّ وفي وجه الشبكة الصهيونيّة الفاسدة المهيمنة على سياسات الدول الغربية. فلهذه الانتصارات قيمة عظيمة ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ ـ فهذا قسمٌ من الوعد الإلهيّ الذي تحقّق ـ ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾2. إنّ كل انتصار يحقّقه أيّ شعب في مواجهة الأعداء والدّعايات والإعلام والأساليب الخبيثة يُعدّ بشارة وعلامة إلهيّة وآية ربّانيّة ـ ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً﴾ ـ بحيث إنّكم إذا تحرّكتم ستصلون إلى نتيجة.
 
أيادي التفرقة، أهمّ سلاح الأعداء
ها هو العالم الإسلاميّ اليوم في مواجهة مؤامرات الأعداء. أقول لكم أيّها الأخوة والأخوات الأعزّاء ـ أكنتم إيرانيين أو غير ذلك ـ: إنّ أهم ما يتوسّل به العدوّ اليوم لمواجهة الصحوة الإسلاميّة هو إيجاد الخلافات، فيجعل المسلم يقف مقابل المسلم، ويجعل المسلم يقتل أخاه المسلم، ويشغلهم بعضهم ببعض. فأيّ شيء



1 سورة آل عمران، الآية: 111.
2 سورة الفتح، الآية: 20.
 
 
 
 
 
 
 
37

30

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 أفضل لأعداء الاستقلال الإسلاميّ من أن يشغلوا المسلمين ببعضهم بعضاً؟ فمنذ اليوم الأوّل الذي انتصرت فيه الثورة الإسلاميّة في إيران، اتّبع هذا العدوّ سياسة إثارة الخلافات بين شعبنا وداخل بلدنا. لكنّ الجمهوريّة الإسلاميّة وقفت بحزم قاطع مقابل هذه القضيّة. وقد عملوا على الخلافات المذهبيّة على مستوى الدّول الإسلاميّة، لكن الجمهوريّة الإسلاميّة رفعت راية الوحدة الإسلاميّة. هذا ما أعلنّاه، وتحدّث إمامنا الجليل عن هذا الأمر مرّات ومرّات، وأكّد شعب إيران وكرّر في زمن (الإمام) وما بعده: أننا نؤمن بالأخوّة الإسلاميّة.


الوحدة أهم علاج مقابل حيل الأعداء
إنّنا نرفض أيّ شقاق بين المسلمين. وهذه هي النقطة المقابلة تماماً لأعمال الأعداء الذين يستغلّون أيّة ظاهرة صغيرة من أجل إيجاد الخلافات بين المسلمين. لو نظرتم لرأيتم اليوم كيف أنّ سياسة أعداء الصحوة الإسلاميّة في بلدان شمال أفريقيا هي عبارة عن إيجاد الخلافات. هذه هي سياسة الاستكبار، أن يجعل الجميع يتنازعون ويقتتلون.

علاج هذا المرض هو شعور الوحدة بين المسلمين، فعلى الشعوب المسلمة أن تتّحد فيما بينها. يجب أن يتعاضد الجميع ويمدّوا أيديهم لبعضهم بعضاً داخل كل بلد أو بين الجماعات المختلفة والمذاهب المتعدّدة والأجنحة المختلفة. وأن لا يجعلوا الخلافات الفكرية والعقائدية والسياسيّة والسلائقية والحزبية حاكمة على تحرّكاتهم الأساسية، كي يتمكّنوا من الوقوف مقابل العدوّ، فلا طريق سوى هذا. ها هم يستعملون أنواع الحيل من أجل إيجاد الخلافات وأنتم ترون. عندما ينشغل المسلمون بالخلافات فيما بينهم تصبح قضيّة فلسطين على الهامش، وكذلك تتهمّش عندهم قضيّة الصمود مقابل سياسة الاستكبار و"النهب" الأمريكي والغربي، اللذين يجدان عندها فرصةً لتنفيذ مخطّطاتهم.
 
 
 
 
 
 
 
38

31

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 نفوذ العدو بحجّة الاختلافات

يشاهد اليوم أنّ الغربيّين قد بدأوا بحركة جديدة في أفريقيا من أجل الهيمنة على شعوبها وللعودة مجدّداً إلى ساحة حياتهم. فعندما تشتعل نيران الخلافات يجد العدوّ فرصة لتنفيذ كلّ ما يريد. أنتم ترون أيّة فجائع يصنعون في جارتنا باكستان بحجّة الاختلافات، وترون كيف يتقاتل النّاس فيما بينهم في سوريا. وتشاهدون كيف أنّهم يخمدون صوت الشعب بصورة كاملة في البحرين، وهم يقاطعون شعباً من جميع الجّهات، وفي مصر وفي المناطق الأخرى كيف يجعلون الشعب يتواجه فيما بينه. إنّها سياساتٌ يمكن أن نجد لها دوافع شخصيّة واعتقاديّة عند الأشخاص، لكنّها على صعيد التخطيط الكامل هي خطّة العدوّ.

الوحدة الجدية على مختلف المستويات
إنّني لا أتّهم شخصاً محدّداً بأنّه ينفّذ خطّة العدوّ عالماً وعامداً، لكنّني أقول قطعاً ويقيناً: إنّ كلّ حركة اختلافية بأيّ شكل كانت: بين الشعوب المسلمة، أو بين أبناء أيّة دولة، هي لعبٌ في الملعب الذي حدّده العدوّ وهي إعانة لهذا العدوّ. يجب أن نأخذ قضيّة الوحدة بجدّية، النّخب السياسيّة والدينيّة والجامعيّة والحوزويّة في كلّ مكان بالدرجة الأولى. وعلى الجميع في بلدنا أن يأخذوا قضية الوحدة بجدّيّة. فإيجاد الخلافات المذهبيّة بين الجماعات المسلمة المختلفة هو خطرٌ كبير. لو استطاع الأعداء أن يشعلوا نيران الخلافات المذهبيّة في أيّ مكان فإنّ إخمادها سيكون من أصعب الأعمال. يجب الحؤول دون حصولها، وهذا لا يتحقّق إلا بالمبادرة والمجاهدة والإخلاص من قبل النّخب في أيّ بلدٍ. وعلى العلماء والجامعيين والسياسيّين وكل من له تأثير ونفوذ أن يبيّن للناس خطّة العدوّ وينشر الوعي بين الناس فيما يتعلّق بتفاؤل العدوّ بإيجاد الخلافات بين الناس، وبين الدّول الإسلاميّة، وبين الأجنحة الإسلاميّة، وبين السنّة والشّيعة، وبين التيّارات المختلفة في المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة.
 
 
 
 
 
 
 
39

32

في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة

 هذا هو الخطر العظيم الذي يسعى فيه الأعداء. وللإنكليز في هذا المجال باعٌ طويل. ونحن نقرأ في سيرتهم على مرّ التاريخ ونرى أيّة أفاعيل قاموا بها من أجل إيجاد الخلافات. فهم خبراء والآخرون يتعلّمون منهم. يسعون لإيجاد الخلافات. فيجب الحذر. ولا ينبغي الاعتماد على المشاعر السطحية لإخماد هذه النيران، فمثل هذا يسوّد مصير الشعوب، ويغرقها بالتعاسة والبؤس، ويجعل أعداء الإسلام والمسلمين وأعداء الاستقلال يحقّقون ما يريدون وينفّذ خطّتهم، فيجب الصحوة واليقظة.

 
الشعار المقدّس: عزيز عليه ما عنتّم
إنّ شعار الوحدة الإسلاميّة هو شعار مقدّس. فلو كان النبيّ المقدّس صلى الله عليه وآله وسلم موجودٌ بيننا اليوم فإنّه بمقتضى الآية الشريفة ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾1 فإنّه كان ليدعونا إلى الوحدة ويمنعنا من إيجاد مثل هذه الخلافات. لو كنّا محبّين لنبيّ الإسلام المكرّم فيجب أن نحقّق له هذه الإرادة القطعيّة.
 
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً لنتمكّن من العمل بما نقول.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



1 سورة التوبة، الآية: 128.
 
 
 
 
 
 
 
40

33

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة



المناسبـة: ذكرى بيعة القوّة الجوّيّة التاريخية للإمام الخمينيّ قدس سره
الحــضـور: القادة ومنتسبو القوة الجوّيّة للجيش
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
19/11/1391 هـ.ش.
25/03/1434 هـ.ق.
07/02/2013 م.
 
 
 
 
 
 
41

34

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
أنا سعيد جدّاً، كوني بحمد الله ألتقي بكم من جديد في الموعد السنويّ، أيّها الإخوة، والأبناء، والشّباب الأعزّاء في القوّات الجوّيّة المحترمة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة. أرحّب بكم جميعاً. لقد كان النشيد الذي أنشدتموه، جيّد الشعر واللحن، والأداء، وعالي المضامين. نسأل الله سبحانه أن تكون قلوبنا وقلوبكم دائماً في معرض نفحات الرحمة والهداية الإلهيّة، التي هي الرصيد الأهمّ. 
 
القوات الجوية، نحو الاكتفاء الذاتيّ
بنظرة عاديّة وبسيطة إلى القوّات الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة على امتداد هذه السنوات، يدرك الإنسان حقائق مهمّة. لقد كنتم، ذات يوم، لا تستطيعون ولا يُسمح لكم بإصلاح حتّى قطعة واحدة من الطائرات التي كانت بحوزتكم، أو العمل عليها. أنتم اليوم تصنعون طائرات تدريب، وطائرات مقاتلة، وأجهزة (غرف) محاكاة1. أنتم تنجزون أعمالاً مهمّة على مستوى الرادارات (الدفاعات الجوية)، تصنعون قطعاً معقّدة. فهذه الحركة الهائلة من الاستعداد والعشق والابتكار والسير نحو الثقة بالذات والاكتفاء الذاتيّ في القوّات الجوّيّة، وفي الجيش كلّه، وفي القوّات المسلّحة وفي البلاد كلّها، حركة وتيار لا يستطيع اليوم إنكاره حتّى معارضو الجمهوريّة الإسلاميّة وأعداؤها.



1 "simulation" أجهزة تعمل على محاكاة الأعمال الواقعية.
 
 
 
 
 
 
 
43

35

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 لا لنظام الهيمنة، شعار إيران

(إنه) نظام الهيمنة الذي سعى بواسطة القوة والسلاح والحملات العسكريّة إلى مصادرة قرار الشعوب والبلاد في جميع أنحاء العالم، وإلى جعل هذه الشعوب مقتنعة بأنّه من دون الاستناد إلى القوى العظمى - ومن ورائها اللوبيّات الصهيونيّة وغير الصهيونيّة - لا يمكنها شقّ طريقها نحو العظمة وتحقيق شخصيّتها وهويّتها واستقلالها. لقد أحبطتم أنتم كلّ هذا. لاحظوا، وقارنوا الشّعب الإيرانيّ بالشعوب التي لا تزال ترزح منذ ثلاثين عاماً تحت السيطرة الأميركيّة. انظروا أين أنتم وأين هم. لقد قالت إيران كلمتها المستقلّة منذ ثلاثين سنة، وكرّرت كلامها المحقّ، قالت "لا" للقوى المهيمنة. وهنا ثمّة دول وشعوب كانت ولا تزال منذ ثلاثين سنة تحت السيطرة الأميركيّة ـ دول خضعت لأميركا، وأخضعت شعوبها للقوى المهيمنةـ ، انظروا أين هم، وأين أنتم الآن. لقد اثبت الشّعب الإيرانيّ، بحركته، باستقلاله، بثقته بنفسه، بالتوكّل على الله، أنّه يستطيع، بل وينبغي له، الوقوف في وجه الهيمنة الخارجيّة وأصحاب النزعات التسلّطيّة. هذا ما أثبته الشّعب الإيرانيّ. أين كان الشّعب الإيرانيّ قبل ثلاثين سنة على خطّ سير العلم والحضارة والتقدّم والتقانة والنفوذ السياسيّ، وأين هو اليوم؟ بفضل الصمود، بفضل التوكّل على الله، بفضل استنفار (استحضار) جميع استعداداته إلى الميدان. هذا اختبار، هو اختبار للشّعب الإيرانيّ نفسه وللأجيال القادمة، وأيضاً اختبار للشعوب الأخرى. والقوّات الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة كانت إحدى النماذج في هذا الصمود والحركة المستندة إلى احترام الذات. علينا الاستمرار في هذا الطريق. علينا نحن الشّعب الإيرانيّ الاستمرار في هذا الطريق. وهذا الطريق هو طريق مفعم بالبركة.

أصناف الضغوط، في مواجهة صمود الشعب
لقد سعى أعداء الشّعب الإيرانيّ في السنوات الثلاث والثلاثين الماضية جهدهم في العمل ضدّ هذا الشعب. لم يتركوا وسيلةً إلّا وجرّبوها، أثاروا القلاقل، شنّوا
 
 
 
 
 
 
 
44

36

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 الحرب، دعموا عدوّ الجمهوريّة الإسلاميّة بكلّ الإمكانيّات، صنعوا معارضةً صلبة ومعارضة ناعمة. لقد حاربوا هذا الشعب بكلّ ما أوتوا من قوّة، لكنّ الشعب وقف، وصمد، ليس فقط لم يمكنهم تركيع هذا الشعب وكسره، بل لم يستطيعوا الوقوف في وجه تطوّره - لقد تطوّر هذا الشعب - لقد استفادوا في هذه الثلاث والثلاثين سنةً من كلّ إمكانيّاتهم وقدراتهم، تآمروا، قاموا بالانقلابات، حرّكوا الجيوش، شنّوا هجوماً على الطائرة، نفّذوا عقوبات قاسية ومحكمة، وضاعفوا هذه العقوبات يوماً فيوماً، على أمل إخراج الشّعب الإيرانيّ من الساحات، وعلّهم يوقعون الشعب باليأس، على أمل أن ينظر الشعب إلى الإسلام والجمهوريّة الإسلاميّة نظرةً تشاؤميّةً، لكنّهم فشلوا. هذا برنامج عمل الجمهوريّة الإسلاميّة. 

 
ومكروا ومكر اللّه
هذه الأيّام، أيّام عشرة الفجر، هي فرصة جيّدة لقيام نخبنا، الواعين منّا، وشبابنا، وعموم أفراد الشعب بتقييم الأعمال التي أنجزوها في هذه الثلاث والثلاثين سنة، ليروا تطوّرهم، ليروا نجاحاتهم، ليروا المدد الإلهيّ، وضعف مكر الأعداء، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾1. أصبح هذا خارطة طريق عامّة لنا لنرى كيف ينبغي أن نختار طريقنا. عليكم أنتم في القوّات الجوّيّة أن تتقدّموا على أساس هذه النظرة، وتتحرّكوا بهذا الاتّجاه. وعلى الإدارات الحكوميّة المختلفة، وعموم أفراد الشعب، والمسؤولين أن يتحرّكوا على أساس هذه النظرة. 
 
لن يضرُّوكم إلّا أذىً
بالطبع، إنّ العدوّ سيعمل على أذيّتنا، وعلى الإضرار بنا، فهو لن يتأتّى منه إلّا الأذى. لقد قلت قبل عدّة أيّام إنّ الله يقول: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾2 لكنّهم لن 



1 سورة آل عمران، الآية: 54.
2 سورة آل عمران، الآية: 111.
 
 
 
 
 
 
 
45

37

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 يتمكّنوا من الوقوف بوجهكم، ولن يمكنهم سدّ الطريق عليكم. كلّ هؤلاء الأميركيّين، الذين كانوا في هذه الثلاثين سنةً يرتجزون ويتوعّدون، ويسخّرون ما استطاعوا من إمكانيّات، قولاً وعملاً، اختلقوا الدعايات، أعملوا سلطة الإعلام الخبيثة ضدّ الشّعب الإيرانيّ، والنتيجة كانت، أن أصبح الشّعب الإيرانيّ اليوم بفضل الله سبحانه أكثر سعادةً وعزماً، وحزماً، ونشاطاً، وهو يشهد الآن ازدهاراً أكبر في الميادين المختلفة. حاولوا فصل الشعب عن نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، وعن الثورة. في كلّ عام في الثاني والعشرين من شهر بهمن، يحبط الشّعب الإيرانيّ من خلال مشاركته الجماهيريّة والحماسيّة الواسعة في هذا الميدان، مخطّطات الأعداء. إنّ سعيهم ينصبّ على فصل هذا الشعب. وقد قالت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة العديمة الخبرة بصراحة: إنّنا نفرض هذه العقوبات، لكي نضع الشّعب الإيرانيّ في مواجهة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، وقد ردّ الشّعب الإيرانيّ عليها في تحرّكاته، وفي مسيراته، وسوف ترون الشّعب الإيرانيّ في الثاني والعشرين من بهمن، كيف سيفشل الأعداء بحركته الساحقة من جديد...1.

 
شعبٌ واعٍ وبصيرةٌ نافذة
الجميل في الأمر أنّ الشعب يتحلّى بالبصيرة والوعي، يفهم معنى أفعال الأعداء، يكشف وجهات حركات الأعداء، يفهم لِمَ اعتمد العدوّ هذه السياسة، يقف بوجهه، يتمسّك بإنجازاته (إمكاناته)، يظهر مشاركته في هذا المشهد العظيم من مشاهد عزّة الأمّة، يظهر نفسه، يثبت مشاركته، هذا هو الجميل في الأمر. وإنّ البصيرة والوعي العامّ للشعب في مقابل الدعايات التي يثيرها الأعداء ـ وخاصّة الأميركيّون والصهاينة ـ تجعله لا يضلّ الطريق، ولا يقع في ذلك الاشتباه والخطأ الذي يسعى العدوّ إلى إيقاعه فيه. هذا هو الجميل في قضايانا الوطنيّة والمصيريّة العظيمة. 



1 انطلاق هتافات الحضور بالتكبير.
 
 
 
 
 
 
 
 
46

38

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 أداؤكم دليل نواياكم

ها هم الأميركيّون يطرحون مسألة المباحثات مجدّداً. يكرّرون القول إنّ أميركا مستعدّة لإجراء مباحثات مباشرة مع إيران. وهذا ليس بالأمر الجديد. فالأميركيّون يعاودون طرح مسألة المفاوضات في كلّ مرحلة مفصليّة. وها هم الآن من وردوا الميدان حديثاً، يطرحون مجدّداً ويقولون: فلنجرِ المفاوضات، الكرة الآن في ملعب إيران، الكرة في ملعبكم. عليكم أنتم أن تجيبوا، وتقولوا ما معنى المباحثات التي تُجرى تحت الضغط والتهديد. المباحثات تكون من أجل إظهار حسن النوايا. وإنّكم قمتم بعشرات الأعمال الحاكية عن سوء نواياكم، وتسمّون هذا بالمباحثات؟ هل تتوقّعون من الشّعب الإيرانيّ أن يصدّق أنّ نواياكم حسنة؟ نحن نعلم بالطبع، يعاود الأميركيّون طرح مسألة المباحثات مجدّداً، ويكرّرون طرح هذه المسألة بطرق مختلفة. نحن نعلم السبب في ذلك وعلى حدّ قول الأميركيّين أنفسهم، إنّ سياستهم الشرق أوسطيّة فشلت. لقد فشلت سياسة الأميركيّين في المنطقة. وهم بحاجة إلى إظهار ورقة رابحة على حدّ تعبيرهم. وهذه الورقة الرابحة بنظرهم هي جرّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الثوريّ والشعبيّ إلى طاولة المباحثات. إنّهم يحتاجون إلى ذلك. يريدون أن يظهروا للعالم أنّ نواياهم حسنة. لا، إنّنا لا نرى حسن نيّة في البين. قبل أربع سنوات - مع بداية الدورة الرئاسيّة الأميركيّة الجديدة - حيث كانوا يطلقون الكلام نفسه، أعلنت وقلت إنّنا لن نحكم مسبقاً، ولن نتسرّع في أحكامنا، فلننتظر ونرَ كيف سيكون أداؤهم، عندها سنحكم. والآن بعد أربع سنوات، ماذا سيكون حكم الشّعب الإيرانيّ؟ لقد دعموا الفتنة الداخليّة، وساندوا مثيري الفتن، وعلى صعيد المنطقة، قاموا بهجمات في أفغانستان بحجّة محاربة الإرهاب1، سحقوا كلّ هؤلاء الناس، قتلوهم، وها هم اليوم يتعاونون في سوريا مع هؤلاء الارهابيّين أنفسهم، يدعمونهم. استخدموا هؤلاء الإرهابيين في كلّ مكان من إيران استطاعوا



1 عبر القائد: هجموا على أفغانستان..
 
 
 
 
 
 
 
47

39

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 استخدامهم فيه. اغتال عملاؤهم، والمتواطئون معهم، وعملاء النظام الصهيونيّ، العلماء في الجمهوريّة الإسلاميّة، ولم يكن هؤلاء مستعدّين حتىّ لإدانة هذا العمل، بل قدّموا الدعم من أجل ذلك، كان هذا برنامجهم، لقد نفّذوا برنامج العقوبات على الشّعب الإيرانيّ، وأرادوا لهذه العقوبات أن تكون مشلّة، وأعلنوا ذلك بصريح القول. من تريدون أن تشلّوا؟ تريدون أن تشلّوا الشّعب الإيرانيّ؟ أنتم لديكم حسن نيّة؟ المباحثات التي تكون عن حسن النيّة، يكون لها معنى لو كانت في ظروف متكافئة بين الطرفين اللذين لا يريد أحدهما خداع الآخر. المباحثات من أجل التكتيك، ومن أجل المباحثات، ومن أجل التقاط صور أكثر للقوى العظمى أمام العالم. هذه المباحثات هي حركة ماكرة، وليست حركة حقيقيّة. أنا لست دبلوماسيّاً. أنا رجل ثوريّ أقول كلمتي بصراحة وصدق. الدبلوماسيّ يقول كلمةً ويريد معنى آخر. إنّنا نقول كلمتنا بصراحة وصدق، نقولها بحزم وقاطعيّة. المفاوضات لها معنى عندما يظهر الطرف حسن نيّته، وعندما لا يبدي حسن نيّة، أنتم تقولون ضغط ومباحثات؟! فهذان لا يتلاءمان. تريدون أن ترفعوا سلاحكم بوجه الشّعب الإيرانيّ وتقولون إمّا أن تجروا المباحثات أو نطلق عليكم النار. وما ذلك إلّا لترهيب الشّعب الإيرانيّ، لكن اعلموا أنّ الشّعب الإيرانيّ لا ترهبه مثل هكذا أمور...1.

 
قد يفرح بعضهم لسذاجته، وبعضهم الآخر لكونه مغرضاً ـ ولا يصحّ للإنسان أن يحكم حكماً جازماً على الأشخاص، لكنّ أعمال السذّج والمغرضين لا تختلف من حيث الماهيّة ـ ويقولون نعم، تعالوا (تفاوضوا معهم) لا، فالمسألة ليست كذلك، المباحثات لن تحلّ مشكلةً. متى نفّذ هؤلاء وعودهم؟ منذ ستّين سنةً أي منذ 19/8/1953م2، وحكّام هذا البلد يتلقّون الضربات في كلّ مورد اعتمدوا فيه على الأميركيّين. ذات يوم وثق مصدّق بالأميركيين، واعتمد عليهم، وعدّهم أصدقاء له، وجاء الثامن والعشرون من شهر مرداد حيث صار محلّ الانقلاب 



1 تكبير الحضور.
2 أي 28 مرداد من العام 1332هـ. ش وهو تاريخ الإطاحة بحكومة مصدّق من خلال الانقلاب المعروف الذي دبرته المخابرات الأميركيّة والبريطانية بالإغراءات المالية وشراء الذمم, وأعادوا الشاه إلى الحكم.
 
 
 
 
 
 
 
48

40

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 في أيدي الأميركيّين، وجاء عامل الانقلاب إلى طهران حاملاً معه حقيبة ملأى بالأموال، ووزّعها على الأراذل والأوباش ليقوموا بالانقلاب. كان أميركيّاً. ولقد اعترفوا أنفسهم وأقرّوا بتدبير هذا الأمر. بعدها سلّطوا الحكومة البهلويّة الظالمة لسنوات متمادية على هذا البلد، شكّلوا جهاز السافاك، قيّدوا المناضلين بالسلاسل، عذّبوهم، كان هذا طابع تلك الحقبة. بعد الثورة أيضاً، وفي فترة ما، وثق مسؤولو البلاد بهم عن حسن نيّة، من ناحية أخرى وضعت سياسة الحكومة الأميركيّة إيران على لائحة محور الشرّ.


أميركا مظهر الشرّ
أنتم مظهر الشرّ، أنتم من يفعل الشرّ في هذا العالم، تشنّون الحروب، تغيرون على الشعوب، تدعمون النظام الصهيونيّ، تقمعون الشعوب الثائرة في هذه الأحداث (الصحوة الإسلاميّة) بكلّ ما أوتيتم من قوّة، وتجرّونهم نحو الاستضعاف وتنثرون بينهم بذور الفرقة. الشرّ مرتبط بكم، وهو من شؤونكم. لقد اتّهموا الشّعب الإيرانيّ بالشرّ، وهذه إهانة كبرى. هكذا فعلوا في كلّ مكان وُثق فيه بهم. عليهم أن يظهروا حسن النيّة. إنّ اسم المفاوضات واقتراحها لا يتلاءمان مع الضغط، طريق الضغط لا يلتقي مع طريق المباحثات، فالشّعب الإيرانيّ لا يمكنه القبول بالمجيء وإجراء المباحثات تحت الضغط، والتهديد، مع الطرف المهدّد والممارس للضغوط. لِمَ نجري المباحثات؟ وعلامَ سنحصل؟

الشّعب الإيرانيّ اليوم يتحلّى بالوعي. وقد كُشف القناع عن وجه أميركا، ليس في إيران فحسب بل في المنطقة بأسرها، فالشعوب تسيء الظنّ بأميركا. وهناك قرائن متعدّدة لسوء ظنّهم هذا. وقد عرف الشّعب الإيرانيّ عملاء أميركا، وفهم مقصودهم، الشعب واعٍ. اليوم، لو أراد أحد أن يعيد سلطة أميركا على هذا البلد، أن يغضّ الطرف عن المصالح الوطنيّة، عن التقدّم العلميّ، عن الحركة المستقلّة، إرضاءً للأمريكيين، فإنّ الشعب سيأخذ بعنقه. وأنا أيضاً، إن أردت السير بخلاف هذه الحركة العامة
 
 
 
 
 
 
 
49

41

ظلّه في لقاء جمع من القادة والعاملين في القوّة الجوّيّة في جيش جمهوريّة إيران الإسلاميّة

 والإرادة الشعبيّة، فإنّ الشعب سيعترض. وهذا واضح. المسؤولون كافّةً مكلّفون برعاية المصالح الوطنية، رعاية الاستقلال الوطنيّ، بالحفاظ على الشّعب الإيرانيّ.


لقد أجرينا المباحثات، وعقدنا الاتّفاقات، وأقمنا العلاقات مع دول لم يكن لديها حركات تآمريّة على الشّعب الإيرانيّ وما زالت كذلك. الشّعب الإيرانيّ شعب مسالم. الشّعب الإيرانيّ شعب حليم، إنّ وحدة الشّعب الإيرانيّ هي في خدمة المصالح العامّة للبشريّة، ما يقوم به الشّعب الإيرانيّ اليوم، هو من أجل المصلحة الوطنيّة، ومنفعة الأمّة الإسلاميّة، ومنفعة البشريّة. ولا شكّ أنّ الشّعب الإيرانيّ محاط دوماً بالرعاية والمدد الإلهيّ. الشّعب الإيرانيّ بهذه البصيرة، وهذا العزم الراسخ، هذا الثبات الذي يبديه على نهجه الواضح، وسوف يبقى كذلك بعون الله تعالى، سوف يوصل بعون الله تعالى، ليس الأمّة الإيرانيّة فحسب، بل الأمّة الإسلاميّة إلى أوج قمم الافتخار. وهذا يتحقّق بالحفاظ على البصيرة، والحفاظ على وحدتنا، وبحفاظ مسؤولي البلاد على مصالح البلد. هذه التصرّفات السيّئة التي تُرى أحياناً في بعض الميادين والمجالات من بعض المسؤولين ـ سأقوم في المستقبل إن شاء الله بالتصدّي لها، سوف أتكلّم مع الناس ـ لكي ينحّوا جانباً هؤلاء الأناس السيّئين. الشعب متّحد، مصمّم، فعّال. وإن كان هناك اختلاف في الرأي في المسائل المختلفة بين أفراد الشعب، فإنّ هذا الشعب بمسؤوليه وأفراده يد واحدة أمام الأعداء والمستكبرين ومقابل مَن عقد الهمّة على اقتلاع هذا الشعب وهذا النظام من الجذور، ولا اختلاف بين عموم أفراد الشعب من هذه الناحية. وسوف يظهر الشعب بعون الله تعالى وتوفيقه مجدّداً في الثاني والعشرين من بهمن أنّه كلّه في الميدان من أجل الحفاظ على أسس هذه الثورة، وأنّه مستعدّ ومتّحد، ومتّفق وفي الاتّجاه نفسه. ولا شكّ أنّ التوفيق الإلهيّ سيشمله كلّه. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

42

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران



المناسبـة: 22 بهمن (الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلاميّة)
الحــضـور: جمع من طلبة العلوم الدينيّة
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
23/11/1391 هـ.ش.
29/03/1434 هـ.ق.
11/02/2013 م
 
 
 
 
 
 
 
 
51

43

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين. ولا سيّما بقية الله في الأرضين.
 
الناس معادن
ومن كلام له صلى الله عليه وآله وسلم: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة"1. إنّ المقصود من هذه الجملة الشريفة والموجزة والغنية بالمعاني، هو وجود استعدادات وقابليات كامنة في كلّ فرد من أفراد الإنسان. وبعضهم2 يربط هذا البحث بمبحث الجبر والتفويض وأمثال هذه الأمور، لكنه بعيد عن المضمون الواضح والظاهر والصريح لهذا الحديث الشريف. ففي هذا الحديث يريد أن يقول: مثلما أنّ هناك معادن، منها معدن الذهب ومنها معدن الفضة - وهذان النوعان من المعادن قد ذُكرا على سبيل المثال، وتوجد معادن متنوِّعة ومتعدِّدة - وظاهر الأمر هي حجر، هي تراب، ومن الأرض، وليست إلا أمراً مادياً محسوساً، لكنكم إذا ما بحثتم، وتعرّفتم، وإذا عرفتم قدرها، ستجدون في داخل الحجر ذاته، والتراب العاديّ عنصراً ثميناً، لا يمكن مقارنة قيمته بالقيمة التي جرت ملاحظتها ومشاهدتها في الظاهر. 
 
استعدادت قيِّمة وقابليّات عظيمة
والناس والبشر هم أيضاً على هذا المنوال، لهم ظاهر يراه الإنسان في حركات



1 الشافي, ص 827.
2 المقصود: بعض العلماء.
 
 
 
 
 
 
 
 
53

44

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 وسكنات وأقوال وسلوكيات وأفعال البشر، ولكن أيضاً لهم باطن، وهو عبارة عن وجود قابليات واستعدادات متراكمة، قد وضعها وجعلها الله تعالى في وجود الإنسان. ولكن هذه الاستعدادات والقابليات ليست على حدّ سواء - مثلما أنّ المعادن ليست متساوية - إلا أنّ الجميع يتشابهون من هذه الحيثية، فما هو في حالة الكمون، وما هو في باطن وجود الإنسان، يعتبر أكثر قيمة بكثير ممّا أنتم تشاهدونه في الظاهر. مثلما إذا ما عملتم على المعدن وسعيتم وبذلتم الجهد، فإنّه يمكنكم أن تصلوا إلى تلك المادة القيّمة الموجودة فيه. فالإنسان أيضاً كذلك، يحتاج إلى السعي، ينبغي للأشخاص أن يسعوا لكي يوصلوا هذه الاستعدادات إلى مرحلة الفعلية. والشرط اللازم هو أن تتعرّفوا إلى هذه المادة. فالشخص الذي لا يعرف ما هو الذهب أو ما هي الفضة، لو صادف (وجد) الذهب في هذا المعدن، سيصرف النظر عنه لأنه لا يعلم. عليكم أن تعرفوا ما هو الذهب، وما هي قيمته، وفيما بعد اذهبوا لاستخراجه، وابذلوا الجهد، واستخرجوا الذهب. وبالنسبة للإنسان الأمر هكذا، ينبغي لمربي البشر والأطفال وبالأخصّ الشّباب، الذين يريدون أن يستفيدوا من هذه الاستعدادات الفطرية الموجودة عند البشر، أن يتعرّفوا إلى هذه الاستعدادات والقابليات، أن يعرفوا قيمة هذه الاستعدادات والقابليات، وفيما بعد يتحرّكون باتّجاهها. كما في علم الجيولوجيا، فإنّنا نتحرك ونبحث، لنرى هل تحتوي هذه الأرض على المعادن أم لا، وما هو ذلك المعدن، وكم يبلغ مقداره وكميته وحجمه، وما هي طريقة استخراجه وإظهاره... وفيما يتعلّق بالبشر الأمر أيضاً كذلك، فلدى بعضهم قابليات واستعدادات بارزة ومميّزة وكثيرة، وبعضهم لديه استعدادات وقابليات أقلّ. 


اكشفوا عن استعداداتهم
وأيضاً هناك فروقات في نوعيّة الاستعدادات والقابليات، فالذهب هو لازم وضروريّ في محلّ، والفضة أيضاً لازمة وضرورية في محلّ آخر. فحيثما ينبغي أن 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

45

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 تستفيدوا من الفضة، ان استخدمتم الذهب، لن تصلوا إلى نتيجة ، وحيثما ينبغي أن تستفيدوا من الحديد، إن استخدمتم الذهب، لن تصلوا إلى نتيجة. فكلّ منهما لازم وضروريّ لأجل عمل ما. فالناس بقابلياتهم واستعداداتهم المتنوِّعة، يؤمّنون حاجة المجتمعات البشرية، للسير إلى الله والسير إلى الكمال، وينبغي أن تستخرج كافة هذه الاستعدادات، وهذا ما يجعل وظيفة ومهامّ مربّي المجتمعات ثقيلة، وأيضاً يجعل وظيفة ومهامّ الحكومات ثقيلة. إنّ العثور على الاستعداد، ومعرفة الاستعداد، ومعرفة قيمة الاستعداد، ومعرفة سبيل استخراج هذه الاستعدادات وإيصالها إلى مرحلة الفعلية، ثم بعد ذلك متابعتها بدقة وبراعة تامة، هو ذلك الشيء الذي سيثمر بروز الاستعدادات.

 
ليثيروا لهم دفائن العقول
ولقد كان الأنبياء يمارسون هذا الفعل "ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته... ويثيروا لهم دفائن العقول"1
 
الأنبياء كانوا يثيرون عقول البشر، وكانوا يبعثونها، ويحثّونها على العمل، وهذا كلّه استخراج للاستعدادات. وانطلاقاً من أنّ "الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة"، لا ينبغي أن ينظر إلى أيّ إنسان نظرة احتقار وازدراء، كلّا، فهو لديه الاستعداد، وما أحوج المجتمع إلى ذلك الاستعداد.
 
صحيح، هناك بعض الناس يأتون إلى عالم الدنيا، ويعمّرون سبعين عاماً، وثمانين عاماً، ومن ثمّ يرتحلون. ولكن لا يُكشف عن استعداداتهم هذه، في الحقيقة هم يُظلمون. فلو كُشف عن استعداداتهم وقابليّاتهم، كان من الممكن أنْ يصبح أحدهم نابغة والآخر شخصية بارزة ومميزة. وهذا يزيد ويثقل من وظيفة ومهمة مربّي المجتمع ومنهم علماء الدين والمعلّمون وإدارات الحكومة، وكافة الأجهزة التربوية على تنوّعها... وحذار أن لا يجري الاعتناء والاهتمام بهذه الاستعدادات والقابليّات.



1  نهج البلاغة, خطبة 1.
 
 
 
 
 
 
 
55

46

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 حضورٌ قلَّ نظيره

قبل أنْ نَرِد البحث، يلزم هنا التنويه بنحو من الفخر والعظمة بهذه الحادثة العظيمة، التي حدثت من قبل (الشّعب الإيرانيّ) في الذكرى الخامسة والثلاثين ليوم الثاني والعشرين من بهمن، وأن أشكر الله المتعال على عظمة هذه النعمة الكبرى. واقعاً إنّها ظاهرة وحادثة مدهشة. انظروا إلى البلدان التي قامت بثورات، انظروا كيف يحتفلون بالذكرى السنوية للثورة، فهم يحدّونها كثيراً1، فبعد مرور سنتين، أو ثلاث سنوات، تؤول ذكرى الثورة إلى أن تقف مجموعة هناك، وتأتي مجموعة أيضاً وتقف قي قبالهم لتقيم الاستعراضات، من قبيل القوّات المسلّحة وأمثالها. أمّا هنا فالعمل على عاتق الناس أنفسهم، الناس هم الموجودون ويعتبرون أنفسهم أصحاب الثورة. الناس الموجدون يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد. ولهذا أتقدّم بالشكر من أفراد الشعب فرداً فرداً- فتكليف هذا العبد وأمثال هذا العبد حقيقة هو تقديم الشكر - وليس هذا بمعنى أنّ صلتنا بالثورة أوثق من صلة الناس بها، ولهذا نحن نتقدّم بجزيل الشكر من الشعب الذي ساند ودعم الثورة، كلّا، فالثورة ملك لهذا الشعب، البلاد هي لهذا الشعب، وكذلك نظام الجمهوريّة. والعمل الحسن، والفنّ الكبير والمميز، هو أن يعلم ويعي الشعب والناس أنهم يساندون ويدعمون من خلال الشجاعة، والبصيرة، وتحديد الفرص ما حازوا عليه، وهذه الثروة العظيمة التي هي أساس عزّتهم واستقلالهم. ومن الصحيح أنّه في المكان الذي ينبغي لهم أن يظهروا فيه حضورهم، هم يظهرونه. لاحظتم البارحة في طهران، وفي سائر أنحاء البلاد، لقد جاء الشعب بكامل وجوده، وحضر إلى هذه الساحة. وهذه ظاهرة مدهشة جداً. هذه حادثة مهمة جداً. لقد اعتدنا نحن على الكثير من الحوادث والظواهر، كما اعتدنا على ظاهرة طلوع الشمس، واعتقدنا أنّ هذا أمر حتميّ ولا بدّ منه. لذا نحن لا نلتفت إلى أهميته. لكن من المهمّ جداً أنّه بعد مضيّ 34 عاماً على أوّل 22 بهمن، أنّ يوجد الناس بهذا الشكل في الساحة، فالرجل، والمرأة، والعجوز، 



1 يقللون من حجمها..
 
 
 
 
 
 
 
 
56

47

في درس "بحث الخارج" بعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي عمّت مدن ايران

 والشاب، ومن أمكنة مختلفة، وشرائح متنوّعة، وكلّ الأطياف، وكلّ المناطق، وكلّ الناس، هم حاضرون وموجودون. هذا الأمر يعدّ في الحقيقة أكبر نعمة إلهية، فلو أمكن للإنسان أن يشكر الله طوال عمره عليها، لا يمكنه أن يؤدّي شكر الله. وكذلك لا بد أن أتقدّم بالشكر من أفراد الشعب فرداً فرداً. واقعاً قاموا بعمل عظيم، في الوقت والظرف المناسب، في الوقت الذي يترقّب فيه أعداء هذه الأمّة، أعداء استقلال هذه الأمة، أعداء عزة هذه الأمّة، أن لا يلبي ولا يستجيب الشعب لنداء الثورة، ونداء الجمهوريّة الإسلاميّّة، وان يشاهدوا الانفصام ما بين الشعب والنظام الإسلاميّ والإسلام. ولكنّ الشعب بحضوره ووجوده خيّب آمال العدو، وآيسه. ولا شك أنّه في إعلام الأعداء يسعون للتغافل، ولكنهم يدركون ويفهمون. إن هذا الأمر الذي شاهدتموه البارحة في الساحات الكبرى والذي أوجده الشعب، هم أيضاً يرونه ويفهمونه ويحلِّلونه، ولهذا يستنتجون أنّه لا يمكن مواجهة هذه الأمة.


نسأل الله المتعال، أن ينزل توفيقاته، وبركاته، ورحمته، وتفضّله، وعافيته، يوماً بعد يوم أكثر على هذا الشعب. 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

48

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

 تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه  السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ



الزمـــان:
25/11/1391 هـ.ش.
02/04/1434 هـ.ق.
13/02/2013 م.
 
 
 
 
 
 
59

49

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

 تنفيذاً للبند الأول من المادة "110" من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة، أبلغ قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمي السيد علي الخامنئي السياسات العامّة للإنتاج الوطني ودعم العمل ورأس المال بعد تشاوره مع مجمع تشخيص مصلحة النظام الإسلاميّ، وكلّف الحكومة الإسراع في تنفيذ هذه السياسات خلال أقل مدة زمنية ممكنة، ووضع الأساليب والطرق اللازمة ومتابعة الأطر والجهات القانونية. وفيما يلي نص السياسات: 


بسم الله الرحمن الرحيم
السياسات العامة للإنتاج الوطني ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ
1- رفع مستوى القدرات التنافسية وزيادة الإفادة من عوامل الإنتاج عن طريق:
أ- إصلاح وإعادة تشكيل بنية الإنتاج الوطني.
ب- خفض التكاليف وتحسين جودة الإنتاج.
ج- اتخاذ تدابير تشجيعية وجزائية.
د- تحسين تفاعل عوامل الإنتاج. 

2- توجيه وتعزيز البحث العلمي والتنمية والإبداعات وبناها التحتية، والاستفادة منها بهدف:
أ- رفع المستوي النوعي والكمّي للإنتاج الوطني.
ب- رفع وتكميل الصناعة الداخلية إلي مستوى المنتج النهائي.
ج- دعم الطابع التجاري للإنتاج التقني والاستفادة من استقطاب ونقل العلوم التقنية والتقنيات العصرية وإيجاد نظام وطني للإبداع. 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

50

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

 3- تنمية الاقتصاد علمي المحور بالتشديد علي تنمية عناصره الأصلية بما فيها: 

البني التحتية الاتصالاتية، ومجالات تمهيدات تبديل منجزات البحوث العلمية إلي تقنيات ونشر استخدامها، والحماية القانونية لحقوق الشخصيات الطبيعية والاعتبارية، وربط القطاعات العلمية والبحثية بقطاعات الإنتاج في البلاد.

4- دعم إنتاج المنتجات ذات الطبيعة الاستراتيجية التي يحتاجها الاستهلاك العام أو قطاع الإنتاج في البلاد. 

5- استكمال سلسلة الإنتاج من المواد الخام إلي المنتجات النهائية بمراعاة مبدأ التنافس والابتعاد عن بيع الخامات خلال فترة زمنية معينة. 

6- دعم إنتاج المنتجات التنافسية ذات المردودات الإيجابية من العملة الصعبة أو المردودات السلبية من استهلاك العملة الصعبة. 

7- إدارة مصادر العملة الصعبة مع التشديد علي تأمين احتياجات الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل واستقرار قيمة العملة الوطنية. 

8- تحسين أوضاع العمل والتجارة بغية زيادة الإنتاج الوطني وإصلاح الأرضيات الثقافية والقانونية والتنفيذية والإدارية. 

9 - زيادة أسهم القطاعات التعاونيّة والخاصّة في الإنتاج الوطني عن طريق:
أ- تعزيز المحفزات والعزيمة الوطنية والتشديد والتسريع في التنفيذ الكامل لسياسات المادة 44 ، ومراعاة النظام المالي والموازني للحكومة.

ب- رفع التمييز بين القطاعات الحكومية والقطاعات الخاصة والتعاونية. 

ج- تنظيم وحماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بهدف تطوير كفاءتها. 

10- تنظيم دور المؤسسات الاقتصادية العامة غير الحكومية لجهة الإنتاج الوطني. 

11- مضاعفة الشفافية وإعلان الإحصائيات والمعلومات في الوقت المناسب، وتسهيل الحصول عليها، والإعلان عن أبعاد وفرص الاستثمار والمستثمرين
 
 
 
 
 
 
 
62

51

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

 في المجالات المختلفة، والمواجهة الجادة بالاستفادة من أشكال وسبل الحصول على المعطيات الخاصة. 


12- تأهيل القوي العاملة والارتقاء بها من خلال زيادة المحفزات والمهارات والإبداع وتوفير حالة تلاؤم بين المراكز التعليمية والبحثية وبين احتياجات سوق العمل. 

13- تنظيم العمّالة وتهيئة الأرضية لها وفرص العمل وحركة القوي الإيرانيّة العاملة علي المستوي الوطني والإقليمي والعالمي. 

14- الارتقاء بالرأسمال البشري والطبيعي والاجتماعي والمادي مع التشديد علي تنمية المؤسسات الشعبية بهدف تطوير الإنتاج الوطني. 

15- تنمية ثقافة دعم رأس المال والعمل والبضائع والخدمات الإيرانيّة والاستفادة من آراء المتخصصين والخبراء في اتخاذ القرارات الاقتصادية. 

16- الحؤول دون إهدار وتجميد الأرصدة المادية والإنسانية الإيرانيّة بالتشديد علي إيجاد وتنمية خدمات تقنية واستشارية أعمّ من المؤسسات (المتوسطة والصغيرة)، ورفع مستوي المردودات الاقتصادية لهذه الأرصدة في شتي القطاعات الاقتصادية. 

17- تنمية تنوّع أدوات الاستثمار في سوق المال وهيكلتها، واتخاذ سياسات تشجيعية لمشاركة عموم الناس والمستثمرين المحليين والدوليين وخصوصاً الإقليميين في سوق المال. 

18- دعم الباحثين والمستثمرين وتشجيع دخول الرساميل الإيرانيّة إلي مجالات الاستثمار التي تتقبّل المخاطرة التي تنطوي على البحث والتنمية، مع تأسيس صناديق شراكة أو ضمانة للاستثمار في هذا المجال. 

19- تأهيل إدارة المصادر الموجودة في صندوق التنمية الوطنية باتجاه تحسين وتعضيد الإمكانيات الإنتاجية ورفع المستوي النوعي للعمل ورأس المال الإيرانيّ. 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

52

تبليغ الإمام الخامنئي دام ظلّه السياسات العامّة للإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيّ

 20- تنقيح وإصلاح القوانين والمقرّرات (ومنها إصلاح القوانين المالية والمصرفية والضمان الاجتماعي والضرائب) لتسهيل العمل والنشاط في القطاعات الإنتاجية ورفع عقبات الاستثمار علي المستوي الوطني وفق منحي الثبات النسبي في القوانين. 


21- تأهيل نظام توزيع البضائع والخدمات باستخدام الأساليب الشفافة والإعلام الواضح، والتقليل من الوسائط غير الضرورية وغير الكفوءة. 

22- تنمية المصادر المالية وتفعيل إدارتها لجهة رفع قدرة الإنتاج الوطني، وخفض تكاليف التأمين المالي اللازمة خصوصاً عن طريق تنظيم وتطوير ودعم المؤسسات المالية التنموية والتأمينية. 

23- الحؤول دون ظهور حالات احتكار في عجلة الإنتاج والتجارة إلي حين الاستهلاك.
 
 
 
 
 
 
 
64

53

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقى "جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم"

 نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه  إلى ملتقى "جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم"




الزمـــان:
26/11/1391 ه.ش.
03/04/1434 ه.ق.
14/02/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
65

54

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقى "جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم"

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

تكريم "جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم" خطوة مناسبة لتكريم نصف قرن من المساعي المخلصة لهذه المؤسسة الحوزوية المباركة المتكوّنة من العلماء الواعين أصحاب البصيرة.. المؤسسة التي تشكّلت في واحدة من أصعب فترات عمر هذه الحوزة العظيمة نتيجة الشعور بالحاجة الماسّة، وواصلت جهادها المقدّس الصعب في مختلف الظروف سواء خلال حقبة القمع المريرة خلال فترة سيادة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

لقد أوصلت هذه المؤسسة الصوت الشجاع القويّ للحوزة العلمية في قم، دون خوف أو وجل، لأسماع الجميع خلال سنوات الكفاح الصعبة. ولم تستطع أساليب التهديد والضغوط والسجن والنفي أن تفرض التردّد والتراجع على العلماء المجاهدين في هذا التنظيم العلمائيّ الذين كانوا يضفون الاعتبار والقيمة بتواقيعهم الصريحة على البيانات التنويرية لهذه المؤسسة المقدسة. وبعد انتصار الثورة وسيادة نظام الجمهوريّة الإسلاميّّة أيضاً، كان لمشاركة أعضاء هذه الجماعة، في الكثير من الميادين السياسية والجهادية والعلمية والبحثية، دورٌ في الدلالة على الأهمية البالغة للحوزة العلمية في هذه الميادين. وقد تألقت وجوه بارزة من هذه الجماعة المباركة في مقام المرجعية الرفيع، وفي سائر المسؤوليات العلمائية والسياسية الكبيرة. وتقبّل قطاع هائل من الشّعب الإيرانيّ، ومن أعماق القلوب والأرواح، كلامهم في أمور الدين والسياسة باعتباره حجّة شرعية ومعتمداً سياسياً.

واليوم تواجه هذه الجماعة الأمينة، بعد نصف قرن من التجارب السياسية 
 
 
 
 
 
 
66

55

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقى "جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قم"

 والثورية، احتياجات جديدة وميادين غير مسبوقة. 


إن روح الجدّ والسعي والإبداع والمبادرات الشجاعة في كلّ الميادين، إلى جانب الإخلاص والنقاء الذي تبدّى فيها على الدوام، بإمكانه ترسيخ خطوات هذا السائر ذي الخمسين عاماً أكثر فأكثر. 

تتطلّع الطاقات الشابة الفاضلة التي أثمرتها شجرة الحوزة العلمية الطيبة اليوم إلى الآفاق البعيدة. والأهداف ممكنة، والهمم عالية وراسخة جداً. 

الفرص والأمل رأسمال (ذخيرة) مِنَ الله. أهّل الجهادُ الصعبُ الذي خاضه الشّعب الإيرانيّ هذا الشعبَ الكبير لنيلها من ينابيع الفيض الإلهيّ. الميزة الكبرى للعظماء والرواد في الحوزة، ومنهم مؤسسة جماعة المدرسين العريقة المتجذرة، هي أن ينتفعوا أكبر الانتفاع من هذا الرصيد الثمين لصالح التيار الديني والثوري في هذا البلد الإلهي، وأن يستثمروا ما يملكون اليوم لصناعة غد أكثر إشراقاً، ويحققوا بذلك الكلام والوعد الإلهي حيث قال عزّ شأنه: 

والسلام عليكم ورحمة الله
السيّد علي الخامنئي.
25 بهمن 1391
 
 
 
 
 
 
67

56

في حشد من أهالي آذربيجان

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في حشد من أهالي آذربيجان



المناسبـة: الذكرى السنويّة لانتفاضة أهالي آذربيجان في 29 بهمن 1356
الحــضـور: حشود غفيرة من أهالي آذربيجان
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
28/11/1391 هـ.ش.
05/04/1434 هـ.ق.
16/02/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
69

57

في حشد من أهالي آذربيجان

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

أرحّب بكم جميعاً أيّها الإخوة الأعزّاء والأخوات العزيزات والشّباب الأعزّاء، خصوصاً أهالي الشّهداء المعزّزين والعلماء والمسؤولين، حيث قطعتم هذه المسافة الطويلة وجئتمونا بهديّتكم النفيسة من المحبّة واللطف ونداء الاستقامة الصادر عن أهالي آذربيجان الأعزّاء في هذه المناسبة. نسأل الله تعالى أن ينزّل عليكم عنايات لطفه الكامل والعميم ورحمته الشاملة. وإنّني أحيّي جميع أهالي أذربيجان وتبريز، مؤمنين ومؤمنات.
 
قلب إيران النابض
لقد كان حضور آذربيجان وتبريز وغيرهما من مدن تلك المنطقة في الحقيقة، في هذا المكان وبواسطتكم أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، على مدى عهودنا الماضية منذ أكثر من 100 سنة أو 150 سنة وإلى اليوم، حضوراً مصيريّاً في حركة شعب إيران. واليوم هو كذلك. أنتم الذين بهممكم ونخوتكم وإيمانكم وعزمكم الرّاسخ استطعتم أن تحفظوا عزّة هذا البلد وهذا الشّعب في قبال الأعداء. وكذلك مع كلّ يومٍ يمضي يزداد تألّق آذربيجان في الميادين المختلفة. لقد مضى35 سنة على 29 بهمن عام 1356 1، وآذربيجان باتت اليوم أكثر تألّقاً من تلك العهود المهمّة والمصيريّة من ناحية الإيمان والاستقامة والبصيرة والثّبات. فكلّ هذه المؤامرات،



1 الموافق لـ 18/2/1978م. ذكرى مفصلية في تاريخ الثورة الإسلاميّة. في ذلك اليوم انتفض أهالي تبريز في أعقاب إحياء ذكرى أربعينية شهداء انتفاضة قم 19 دي -. وقد حدثت ملحمة تاريخية إذ نزل الشعب إلى الساحات والشوارع في مواجهة أمن الشاه وعساكره وامتدت هذه الانتفاضة إلى العديد من المدن الأخرى...
 
 
 
 
 
 
 
71

58

في حشد من أهالي آذربيجان

 وكلّ هذه النّوايا السيّئة من أجل قطع الروابط العاطفيّة بين الفئات المختلفة لهذا الشّعب، كانت آثارها معكوسة تماماً. أنتم الّذين استطعتم أن تكونوا دوماً متقدّمين وفي الرّيادة. أنتم الذين كنتم، في الواقع، صمّام أمان هذا البلد. وكما قلتم في الواقع في أشعاركم، فأنا العبد أقول: (بالتركيّة) أنتم قلب إيران المطمئن"1

 
حركةٌ شعبيّةٌ دينيّة 
هناك خصوصيّة يشاهدها المرء بوضوح في أهالي آذربيجان الأعزّاء ـ وهي موجودةٌ في بعض مناطق البلد أيضاً، لكنّها في آذربيجان موجودة بصورة بارزة ـ وهي أنّ جهاد أهالي آذربيجان وحركتهم النّاشئة من النّخوة والغيرة وفي المراحل المختلفة سواءٌ في قضيّة المشروطة2 أم في قضيّة الاحتلال العسكريّ3 أم في غيرهما من القضايا المختلفة ـ حيث كانوا السبّاقين في معظم هذه القضايا ـ كانت متلازمةً مع الدّين والإيمان الدّيني. وبالرّغم من أنّ التيّار الثقافيّ اليساريّ وكذلك التيّار الثقافيّ المرتبط بالغرب، كانا ناشطين في منطقة آذربيجان ـ وذلك من الأيّام الأولى لمجيء التيّار الثقافيّ (التنويريّ) المريض إلى بلدنا ـ كانوا يسعون لفصل النّاس عن الدّين. لكن في نفس الوقت لو نظرتم إلى النّهضات التي تشكّلت في آذربيجان، وكان الكثير منها نهضاتٍ عامّة في شعب إيران، فإنّ الآذربيجانيين كانوا متقدّمين على من سواهم. فترون، بالرّغم من وجود تلك المساعي، أنّ حركة الأهالي والروّاد وسلسلة التحرّكات الشعبيّة في آذربيجان، من ناحية التأكيد على القضايا الدينيّة والالتصاق بها، كانت الأشدّ وضوحاً وصراحةً من بينها جميعاً. في



1 انطلاق الهتافات بالتركيّة: لحفظ القائد والجمهوريّة الإسلاميّة..
2 أي الحركة الدستورية1905-1907-: حركة قادها جماعة من علماء الدين في إيران ابان الحكم البهلوي، طالبت بالتأسيس لدستور وإنشاء مجلس شورى للبلاد، في وقت كان الشاه يعارض هذه الأفكار بشدّة مصرّحاً ذات مرة "أنه يودّ أن يكون محاطاً بحاشية من الأغبياء لا يعرفون هل بروكسل مدينة أو نوع من الخسّ". استطاعت حركة المشروطة أن تجد حلاً وسطاً بين التراث والحداثة، بإيجاد برلمان منتخب مباشرة من الأمة، وتخصيص خمسة مقاعد للفقهاء، علماً أن المرجعيات الدينية كانت ترشح عدداً معيناً يختار منه البرلمان خمسة فقط، لا للقيام بالتشريع بل لإسداء النصح للبرلمان حول تساوق تشريعاتهم مع مقاصد الشريعة عامة. وقد أدى صعود الحرية الدستورية إلى إطلاق موجة عارمة ضد ذلك القسم من المؤسسة الدينية المتناغم مع حكومة الاستبداد، وقد فُتحت الطريق أمام حركات أخرى كحركة جيلان الدستورية..
3 التدخل العسكري الروسي ابان الحركة الدستورية...
 
 
 
 
 
 
72

59

في حشد من أهالي آذربيجان

 تبريز كان ستار خان1 يقول: إنّ فتاوى علماء النّجف هي في جيبي. أي أنّ هذا الرّجل الكبير المجاهد الشّجاع، كان ينظّم عمله بتوجيه من علماء النّجف ومراجعها، وهو، بالكامل، خلاف ما كانت تريد إعماله في هذا البلد آراء وأفكار التيّارات الثقافيّة للشرق والغرب آنذاك. كان الأمر دائماً على هذا المنوال، واليوم هو كذلك، وسوف يكون غداً على هذا النّحو.

 
هذا هو شعب إيران 
إنّ شعب إيران بأجمعه قد جعل إيمانه الدينيّ معياراً وملاكاً ومرشداً. لقد ضربنا آذربيجان مثلاً، لكنّ شعب إيران كلّه على هذا النحو في جميع أطراف البلاد مع بعض التفاوت شدةً وضعفاً. فالحركة حركة متلازمة مع الغيرة والشّجاعة والشّعور بالمسؤولية، لكنّها بهداية الدّين وخلفيّة الإيمان الدّيني، وهذا مهمٌّ جدّاً. ولأجل هذا أنتم تلاحظون كيف أنّ المخاطر التي تتوجّه في العادة من جانب القوى المتسلّطة العالميّة نحو الشعوب وتزلزلها، كيف أنّها لم تزلزل شعب إيران. وها هم اليوم يريدون قضيّة الحظر والضّغوط، ويعدّون لشعب إيران حظراً يشلّه. وقد أعدّوا لهذا عدّته. وقبل عدّة أيّام من الثاني والعشرين من شهر بهمن2، دخل الحظر والحصار مرحلةً جديدة. وقبل عدّة أشهر ـ في شهر مرداد لهذا العام ـ قاموا مجدّداً بالأمر نفسه. أي إنّهم في الثاني والعشرين من شهر بهمن لهذا العام، وبزعمهم، رفعوا من مستوى الضّغط على الشّعب. فعلى أيّ أمل؟! على أمل إضعاف الشّعب. وماذا كان الردّ؟ لقد كان ردّ شعب إيران أنّ مظاهراته في ذكرى انتصار الثّورة لهذا العام كانت أكثر حماسةً من الأعوام السّابقة. فالكلّ جاؤوا من جميع المناطق بروحيّة عالية وبسمة ظاهرة. هذا هو شعب إيران. وفي كلّ عامٍ يوجّه شعب إيران في الثاني والعشرين من شهر بهمن ضربةً إلى الأعداء تنزل على رؤوسهم وعلى رؤوس المعارضين (للثورة)



1 ستار خان: أحد قادة حركة المشروطة في مدينة تبريز، وعُدَّ زعيماً وطنياً، جرت محاصرته في تبريز، بعد أن تحركت قوات روسية بالاتفاق مع محمد على شاه في ذلك الوقت وبالتواطؤ مع الإنكليز...
2 11 شباط، الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلاميّة، في إيران عام 1979م.
 
 
 
 
 
 
 
73

60

في حشد من أهالي آذربيجان

 كالانهيار الثلجيّ1. وفي عامنا هذا أيضاً قد حصل هذا الانهيار الثلجيّ. وأنا العبد أرى من الضروريّ أن أجدّد ـ ولو كرّرته مئة مرّة لما كان كثيراً ـ شكري لشعب إيران على هذه المشاركة المهابة والمليئة بالعزّة. فأمام هذه المشاعر والعواطف والبصيرة لا يملك المرء إلّا أن يعظّم ويقدّر عالياً. هذا هو شعب إيران. 

 
العدوّ: انفعال وتصرُّفٌ غير منطقيّ
لقد أصبح الأعداء منفعلين مقابل هذه الحالة. هذا ما أقوله لكم. والأمر على خلاف ما يظهر من أنّهم في موقع الفاعليّة والفعل. لا ، ليس كذلك، فالأعداء هم في حالة انفعال مقابل شعب إيران. شعبٌ بعزمٍ راسخ وبصيرة وإيمان يعلم ما يريد ويدرك طريقه ويتحمّل الصّعاب بشجاعة تامّة، ففي مقابل هذا الشّعب، تتعطّل الأسلحة السياسيّة والعسكرية والأمنية والاقتصادية المختلفة. لهذا فإنّ العدوّ في حالة انفعال. ولأنّ الأعداء في حالة انفعاليّة فإنّهم يتحرّكون بصورة غير منطقية.
 
أقول لكم هذا: إنّ زعماء أميركا هم أشخاصٌ غير منطقيين، وكلامهم غير منطقيّ، وكذلك عملهم، بل إنّهم متسلّطون ويتوقّعون من الآخرين أن يستسلموا لعملهم غير المنطقيّ والتسلّطيّ. حسناً، إنّ بعض الحكومات وبعض النّخب السياسيّة في بعض الدّول يستسلمون لتظاهرهم وهيمنتهم. لكنّ شعب إيران ونظام الجمهوريّة الإسلاميّّة لا يقبل الاستسلام. فلنظام الجمهوريّة الإسلاميّّة كلام ومنطق واقتدار، لهذا لا يمكن أن يستسلم أمام كلامهم غير المنطقيّ وعملهم غير المنطقيّ.
 
كيف نفسّر حالتهم غير المنطقيّة؟ إنّ من علامات مخالفتهم للمنطق هو تلك التناقضات الموجودة بين كلماتهم وأفعالهم، فإنّهم يتحدّثون بطريقة ويعملون بطريقة أخرى. حسنٌ، فهل يوجد من علامة أوضح من هذه على عدم منطقيّتهم؟ الإنسان المنطقيّ يتفوّه بكلامٍ مقنع، ثمّ يتحرّك تبعاً لهذا الكلام. هؤلاء السّادة، زعماء أميركا وغيرهم من أتباعهم الغربيّين ليسوا كذلك، ينطقون بكلام ويصدرون ادّعاءات لكنّهم في العمل يتصرّفون خلاف ذلك تماماً.



1 بهمن باللغة الفارسيّة يعني أيضاً الانهيار الثّلجيّ.
 
 
 
 
 
 
74

 


61

في حشد من أهالي آذربيجان

 نماذج واضحة لادّعاءات كاذبة

 

وهنا سوف أعرض لعدّة نماذج:
أ- حقوق الإنسان
يدّعون أنّهم ملتزمون بحقوق الإنسان. أجل، إنّ الأميركيّين قد رفعوا راية حقوق الإنسان ويقولون نحن ملتزمون بها. وادّعاؤهم هذا لا ينحصر ببلدهم ـ الذي هو أميركا ـ بل يشمل كلّ العالم. حسنٌ، هذا كلامهم وادّعاؤهم، لكن ماذا عن الفعل؟ إنّهم في ميدان العمل قد وجّهوا أكثر (أشدّ) الضربات لحقوق الإنسان، وإن أسوأ الإهانات، التي وُجهت لحقوق الإنسان في الدّول المختلفة وإلى الشعوب المختلفة، كانت منهم. فمعتقلاتهم السريّة في كل أنحاء العالم ومعتقلهم في غوانتنامو وفي العراق ـ أبو غريب ـ وهجومهم على المدنيين في أفغانستان وباكستان والمناطق المختلفة، هي نماذج من حقوق الإنسان المدّعاة من قبل الأميركيّين! إنّهم يرسلون الطائرات دون طيّار، يتجسّسون ويجعلون النّاس تحت الضّغط، حيث تسمعون يوميّاً أخبار ذلك من أفغانستان وباكستان. بالطبع إنّ هذه الطائرات دون طيّار نفسها - وحسب قول إحدى المجلّات الأميركيّة التي نشرت ذلك قبل عدّة أيّام - ستجلب لهم الأزمات في المستقبل.

ب- السلاح النوويّ
يقولون إنّنا ملتزمون بعدم انتشار السّلاح النوويّ. ومبرّر غزوهم للعراق قبل 11 سنة كان ـ كما ذكروا ـ نظام صدّام في العراق يقوم بإنتاج السّلاح النوويّ. بالطبع ذهبوا ولم يجدوا شيئاً وعُلم أنّ الأمر كذبٌ. يقولون إنّنا ملتزمون بعدم نشر السّلاح النوويّ في حين أنّهم يدافعون عن دولةٍ شرّيرة تمتلك السّلاح النوويّ وتهدّد به ـ أي الكيان الصهيونيّ ـ ويدعمونها. هذا هو كلامهم وذاك هو عملهم.

ج- نشر الديمقراطية
يقولون إنّنا ملتزمون بنشر الديمقراطية في العالم ـ ونحن الآن لسنا بصدد تناول نوعيّة الديمقراطية الموجودة في أميركا، فلن نبحث في هذا المجال ـ وعلى الرغم
 
 
 
 
 
 
 
75

62

في حشد من أهالي آذربيجان

 من هذا الادّعاء فإنّهم في حالة معارضة ومواجهة مستمرّة مع دولةٍ كالجمهوريّة الإسلاميّة التي تمثّل أوضح نظام شعبيّ وديمقراطيّ في هذه المنطقة، في حين أنّهم يقفون خلف دُول في هذه المنطقة ويدعمونها بكلّ وقاحة في الوقت الذي لا يُستشمّ منها رائحة الديمقراطيّة، ولم تشاهد شعوبها لون الانتخابات والاقتراع وصناديق الاقتراع. هذا هو التزامهم بشأن الديمقراطيّة! فانظروا، فهل ترون مدى الفاصل بين أقوالهم وأعمالهم؟

 
د- قضاياهم مع إيران
يقولون نريد أن نحلّ قضايانا مع إيران. لقد ذكروا هذا الكلام مرّات ومرّات، ومؤخّراً ردّدوه بكثرة. يقولون نريد أن نفاوض وأن نحلّ قضايانا مع إيران ـ هذا هو كلامهم ـ لكنّهم في العمل يتشبّثون بالحظر والدّعايات الكاذبة والكلمات غير اللائقة. وينشرون المسائل المخالفة للواقع بشأن نظام الجمهوريّة الإسلاميّة وشعب إيران.
 
وقبل عدّة أيّامٍ نطق رئيس أميركا وتحدّث بشأن الملف النوويّ الإيرانيّ وكأنّ الخلاف بين إيران وأميركا هو أنّ إيران تريد إنتاج السّلاح النوويّ. يقول إنّنا سنفعل أيّ شيء لنمنع إيران من إنتاج السّلاح النوويّ. حسنٌ، إذا أردنا نحن أن ننتج السّلاح النوويّ فكيف لكم أن تمنعونا؟ لو أرادت إيران أن تمتلك السّلاح النوويّ فإنّ أميركا لن تتمكّن بأيّ شكل من منعها1.
 
نحن لا نريد إنتاج السّلاح النوويّ. ليس لأنّنا لا نريد أن نزعج خاطر أميركا، بل لأنّ عقيدتنا مبنيّة على ذلك. إنّنا نؤمن بأنّ السّلاح النوويّ هو جريمة بحقّ البشريّة ولا ينبغي إنتاجه. ويجب إزالة ما هو موجودٌ الآن والتخلّص منه. هذه هي عقيدتنا، والأمر ليس متعلّقاً بكم. لو لم نكن نمتلك هذه العقيدة وعزمنا على إنتاج السّلاح النوويّ فلا يوجد قدرة في العالم تستطيع أن تمنعنا من ذلك، مثلما حدث في قضايا أخرى حيث لم يتمكّنوا من المنع كما في الهند وباكستان وكوريا الشماليّة. لقد كان 



1 انطلاق الهتافات المرددة: الموت لأميركا.
 
 
 
 
 
 
 
76

63

في حشد من أهالي آذربيجان

 الأميركيّون معارضين لكنّهم أنتجوا السّلاح النوويّ.


وأمّا قولكم: إنّنا لن نسمح لإيران بإنتاج سلاح نوويّ فإنّه تزوير في الكلام. فهل كانت القضية تدور حول السلاح النوويّ؟ ففي الملفّ النوويّ الإيرانيّ لم يكن البحث دائراً حول السلاح النوويّ بل إنّ القضيّة كانت أنّكم تريدون أن تمنعوا شعب إيران من حقّه القطعيّ والمسلّم به في تخصيب اليورانيوم والاستخدام السلميّ للقدرة المحليّة لشعب إيران. وبالطبع إنّكم لن تتمكّنوا من هذا أيضاً، وسوف ينجز ما هو حقّه.

يتحدّث الزّعماء الأميركيّون بطريقة غير منطقيّة. ولا يصحّ لامرئ يعتمد على المنطق أن يجلس ويفاوض إنساناً غير منطقيّ. حسنٌ، إنّه غير منطقيّ. اللامنطقيّة تعني التسلّط أي تفوّه الإنسان بكلام لا طائل منه. هذه واقعيّة وقد أدركناها على مدى 30 سنة عند التّعامل مع القضايا العالميّة المختلفة بصورة واضحة. نحن نعي من هو الطّرف المقابل لنا وكيف ينبغي التّعامل معه. 

كلمات لشعب إيران
لقد دوّنت بعض النّقاط لأعرضها عليكم أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء وعلى كل شعب إيران في هذه المجالات. بالطبع إنّ هذه الكلمات هي لشعب إيران. 

زعماء أميركا: خداعٌ وتضليل
أولئك الذين يتحدّثون، بما في ذلك رئيس أميركا وأعوانه وأنصاره من زعماء أميركا، فإنّهم يتحدّثون من أجل خداع الرأي العام، سواء الرأي العامّ العالمي أم الرأي العامّ لشعوب المنطقة أو إذا تمكّنوا الرأي العام لشعبنا. ونحن الآن نغضّ النّظر عن الرأي العامّ العالميّ. فالشّبكة الصهيونيّة - الأميركيّة الإعلاميّة التّابعة في العالم لا تعكس كلامنا كما هو، فإمّا أنّهم لا يظهرونه أو يظهرونه بصورة ناقصة أو ينقلونه بصورة معاكسة. إنّني أتحدّث هنا مع شعبنا. إنّ اقتدار الجمهوريّة الإسلاميّة
 
 
 
 
 
 
 
77

64

في حشد من أهالي آذربيجان

 ليس متعلّقاً بالرأي العامّ العالميّ. لم تحقّق الجمهوريّة الإسلاميّة اقتدارها وعزّتها وشرفها من خلال الرأي العام العالميّ، بل ما حقّقته كان من خلال هذا الشّعب نفسه. فذاك البناء الرّاسخ والمحكم الذي صنعه شعب إيران، ونداؤه الذي يصدح اليوم في كلّ العالم وينتشر بذاته، يعتمد على شعب إيران نفسه. إنّني أتحدّث هنا مع شعبنا ولا شأن لي بالآخرين، ـ سواء أرادوا الإصغاء أم لم يريدوا، وسواء أرادوا نقل هذا الكلام أم أبوا ـ، لكنّ شعبنا العزيز عليه أن يعلم. والنّقطة الأولى هي أنّهم غير منطقيين وحديثهم غير مبنيّ على الاعتقاد وكلامهم مغايرٌ لعملهم.


لن نأتي إلى هكذا مفاوضات
النّقطة الثانية: لقد طرحوا قضيّة المفاوضات، أنّ على إيران أن تأتي وتجلس على طاولة المفاوضات. وذاك السّلوك غير المنطقيّ موجودٌ في هذه الدّعوة إلى المفاوضات. إنّ هدفهم ليس حلّ المشاكل والقضايا ـ وسوف أوضّح هذا لاحقاً ـ بل هدفهم هو العمل الدّعائيّ من أجل أن يظهروا أمام الشعوب المسلمة أنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة هو الذي كان يصرّ ويعاند، لكن ها هو في النّهاية أصبح مجبوراً أن يأتي للصّلح والمفاوضات معنا. فإذا أصبح شعب إيران هكذا، فكيف بكم أنتم؟ وذلك من أجل إخماد الشعوب المسلمة، التي تشمخ اليوم، ومن أجل بثّ اليأس فيها، حيث إنّ الكثير من الدّول الإسلاميّة اليوم هبّ عليها نسيم الصّحوة وهي تشعر بالعزّة بسبب الإسلام. كان هذا أحد الأهداف منذ بداية الثّورة. منذ السّنوات الأولى للثّورة كان من أهدافهم أن يجرّوا إيران إلى طاولة الصّلح والتفاوض ليقولوا: انظروا هذه هي نهاية الأمر، فإيران التي كانت تدّعي أنّها مستقلّة وصامدة وشجاعة ولا تخاف، قد أصبحت مضطرّة لأن تأتي وتجلس على طاولة المفاوضات! وها هم اليوم يتّبعون الطريق نفسه إلى ذاك الهدف. إنّ هذا أمرٌ مهمّ. عندما يكون الهدف من المفاوضات هو هدف لا علاقة له بالقضايا الأساسيّة بل هدفٌ دعائيّ، حسناً، من المعلوم أنّ الطّرف المقابل، الذي هو الجمهوريّة الإسلاميّة، ليس ساذجاً
 
 
 
 
 
 
 
 
78

65

في حشد من أهالي آذربيجان

 مغمض العينين، فهو يعلم ما هو هدفكم، لهذا سوف يردّ عليكم بما يتناسب مع نواياكم.


النّقطة الثالثة هي أنّ المفاوضات في عرف الأميركيّين والقوى المتسلّطة تعني أن تأتوا وتجلسوا وتتفاوضوا من أجل أن تقبلوا بكلامنا ـ هذا هو هدف المفاوضات ـ تعالوا واجلسوا وتحدّثوا حتّى تصلوا في نهاية كلامكم ومحادثاتكم إلى نتيجة أنّ ذلك الأمر الذي لم تكونوا تقبلون به، اقبلوا به الآن. هذا هو الأمر الذي يفعله الأميركيّون بشأن الدّعايات حول المفاوضات ـ فلا بدّ أنّكم سمعتم قبل مدّة عنه ـ وها هم يحدثون كلّ هذه الضوضاء والضجيج حول أنهم: أجل يريدون أن يفاوضوا إيران بصورة مباشرة، يريدون أن يفعلوا، إنّهم يظهرون هذا المعنى بصورةٍ كاملة في كلامهم الذي أطلقوه اليوم أيضاً: تعالوا لنجلس حتّى نقنع إيران بالتخلّي عن التخصيب، والتخلّي عن الطاقة النوويّة. هذا هو الهدف. لا يقولون تعالوا لنجلس ونتفاوض حتّى تبيّن لنا إيران أدلّتها فنرفع أيدينا عن الضّغط حول الملف النوويّ والحظر والتدخّلات الأمنيّة والسياسيّة وغيرها، بل يقولون تعالوا لنتفاوض حتّى تقبل إيران بكلامنا!

حسنٌ، إنّ هذه المفاوضات لا تنفع ولا توصل إلى نتيجة. ولنفرض أنّ إيران قبلت وذهبت إلى المفاوضات مع الأميركيّين، فعندما يكون الهدف هو هذا، فأيّة مفاوضات ستكون؟ حسنٌ، من المعلوم أنّ إيران لن تتخلّى عن حقوقها. أينما رأوا أنّ الطرف المقابل يتحدّث بصورة منطقيّة ويخضعهم أثناء المفاوضات فإنّهم يقطعون المفاوضات مع إيران ويقولون إنّ إيران ليست مستعدّة للتّفاوض! فالشّبكات الإعلاميّة والسياسيّة هي بأيديهم وهي التي تنشر الدّعايات. هذا ما خبرناه. فخلال الخمس عشرة سنة الماضية حدث هذا الأمر مرّة أو مرّتين حيث كان الأميركيّون يبلّغون مسؤولين حول موضوعٍ مشخّص ويصرّون على أنّه أمرٌ في غاية الحساسيّة والفوريّة والوجوب، فتعالوا لنجلس ونتحدّث. حسنٌ، بعض المسؤولين في الحكومة ـ عادة شخص أو شخصان ـ كانوا يذهبون ويجلسون ويتحدّثون وبمجرّد أن كانوا يبيّنون
 
 
 
 
 
 
 
79

66

في حشد من أهالي آذربيجان

 كلامهم المنطقيّ ولا يمتلك الطرف المقابل ردّاً عليه كانوا يقطعون المفاوضات مباشرةً! وبالطبع، كانوا يستغلّون الأمر بصورة دعائيّة. هذه هي تجربتنا. حسنٌ، من جرّب المجرّب حلّت به النّدامة"1.

 
النّقطة الّرابعة، يظهرون في الإعلام أنّه لو جلست إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا فسوف يُرفع الحظر. وهذا كذب. فهدفهم هو حمل شعب إيران على الرّغبة بالتفاوض مع أميركا من خلال الوعد برفع الحظر. فتصوّرهم هو أنّ شعب إيران سوف يركع مقابل كلّ هذا الحظر وسيفقد قدرته وأعصابه وأنّ كلّ شيء سيذهب هباءً. عندها سنقول حسناً جداً تعالوا لنتفاوض حتّى نرفع الحظر فيصبح شعب إيران كلّه دفعةً واحدة مطالباً بالمفاوضات. 
 
إنّ هذا الكلام من تلك التصريحات غير المنطقيّة المتلازمة مع الخداع، وهي وسيلة من أجل التسلّط. أوّلاً ـ كما ذكرنا ـ إنّ غرضهم من الدّعوة إلى التفاوض هو في الواقع بعيدٌ عن المفاوضات العادلة والمنطقيّة، فالمفاوضات عندهم هي أن نأتي ونقبل بما يملونه علينا ونسلّم حتى يرفعوا الحظر. حسنٌ، لو أراد شعب إيران أن يستسلم فلماذا قام بالثورة؟! لقد كانت أميركا مهيمنة على أوضاع إيران وكانت تفعل كلّ ما يحلو لها. فثار شعب إيران من أجل أن يخرج من نير أميركا وقيودها. والآن يريدون أن نأتي ونجلس مجدّداً لنخضع لهم. هذا هو الإشكال الأوّل. 
 
حصن النظام ودعامته
الإشكال الثاني هو أنّ أنواع الحظر لن تُرفع بالتفاوض، أقول لكم هذا. إنّ هدف الحظر والحصار هو شيءٌ آخر، وهو عبارة عن إتعاب الشّعب الإيرانيّ وفصله عن النّظام الإسلاميّ. ولو حصل التفاوض، ولو بقي الشّعب الإيرانيّ في السّاحات وأصرّ على حقوقه فسوف يبقى هذا الحظر. فماذا يفعل الشّعب الإيرانيّ مقابل هذا الفكر الخاطئ للعدوّ؟



1 مفاد أحد الأمثال المتداولة في إيران.
 
 
 
 
 
 
 
80

67

في حشد من أهالي آذربيجان

 انظروا، يوجد أمرٌ نلاحظه في ذهن الأطراف المقابلة لنا لو فنّدناه وحلّلناه. إنّهم يقولون إنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة يعتمد على الشعب، فلو استطعنا أن نفصل هذا الشعب عن نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، فسوف نسلب هذا النّظام قدرة المقاومة. هذا هو تفكير الطّرف المقابل لنا. حسنٌ، لهذا التفكير شقّان، الشقّ الأوّل هو أنّهم فهموا بشكل صحيح، والشقّ الآخر هو أنّهم أخطأوا في الفهم واشتبهوا. الأمر الذي فهموه جيّداً هو أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة هي حقّاً تعتمد على الشّعب، وأنّ دعامة النّظام الإسلاميّ ليست سوى جماهير الشّعب الإيرانيّ العظيم. فقلعة هذا البلد وهذا النّظام هي هذا الشّعب نفسه. والشيء الذي أخطأوا فيه هو تخيّلهم أنّهم بممارسة الحظر والهيمنة في مجال القضايا الدّوليّة والتّجاريّة والإنتاج وغيرها فإنّهم سوف يتمكّنون من إركاع شعب إيران وجعله عاجزاً. فلو ظنّوا أنّهم سيتمكّنون من سلب الجمهوريّة الإسلاميّة مثل هذه الدّعامة فإنّهم مخطئون في تفكيرهم.


أجل، إنّ شعب إيران سيتّخذ موقفاً ويتصرّف إزاء ما يريد العدوّ القيام به. فشعب إيران يسعى وراء الازدهار الاقتصاديّ والرّونق الاقتصادي والرّفاه الكامل. لكنّ شعب إيران لا يريد تحقيق ذلك عن طريق التذلّل للعدوّ، إنّه يريد تحقيق ذلك بقدرته وعزمه وشجاعته وتقدّمه واقتدار شبابه لا غير. نعم، الحظر ضغطٌ وأذى ـ لا شكّ في ذلك ـ ولكن يوجد طريقان في مواجهة هذا الضغط والأذى: عندما تتعرّض الشعوب الضّعيفة لضغط العدوّ فإنّها تتّجه نحو التسليم له والخضوع والتّوبة أمامه. لكنّ شعباً شجاعاً كشعب إيران بمجرّد أن يرى أنّ العدوّ يمارس الضّغوط فإنّه يسعى لتفعيل قدراته الذّاتيّة والعبور بقدرة وشجاعة من منطقة الخطر، وهذا ما سوف يقوم به. وهذه هي تجربة السّنوات الثلاثين عندنا. 

نموّ وازدهار تحت الضغط
هناك دولٌ في منطقتنا كانت لمدّة 33 سنة في قبضة أميركا وكانت حكوماتها عبيداً لأميركا ومطيعة ومنقادة لها، فأين هي اليوم؟ أمّا شعب إيران فقد وقف أكثر
 
 
 
 
 
 
 
81

68

في حشد من أهالي آذربيجان

 من 30 سنة مقابل أميركا فأين هو اليوم؟ لقد حقّق شعبنا في مواجهة الضّغط الأمريكيّ، بلحاظ التقدّم العلميّ والاقتصاديّ والثّقافيّ، سمعةً دوليّة ونفوذاً واقتداراً سياسيّاً لم تكن تحلم به الأنظمة في عهود البهلويين والقاجاريين1 لا الشعب ولا المسؤولون. لقد جرّبنا واختبرنا وصمدنا لثلاثين سنة مقابل الضغوط الأميركيّة وها نحن هنا، وهناك شعوبٌ استسلمت لأميركا طيلة هذه الثلاثين سنة وهي متخلّفة بدرجات عديدة. نحن لم يسؤنا الصمود والمقاومة. فالمقاومة تحيي القوى الذاتية لأيّ شعبٍ وتوصلها إلى الفعليّة. إنّ كل هذا الحظر الذي يقومون به سوف ينتهي لصالح شعب إيران. وإنّ شعب إيران بإذن الله وحوله وقوّته سوف يصل إلى النموّ والازدهار. فهذه قضيّة مهمّة. 

 
الإسلام حلّال المشاكل
حسنٌ، لقد رأيتم ماذا فعل النّاس هذا العام في هذه المظاهرات. لا يصحّ القول إنّ النّاس لا يشتكون من الغلاء والمشاكل، فالغلاء موجودٌ والمشكلات الاقتصاديّة حاصلة والناس يشعرون بذلك ويلمسونه ـ خصوصاً الطبقات الضعيفة ـ ولكن هذا لا يؤدّي إلى أن يفصل النّاس أنفسهم عن النّظام الإسلاميّ. النّاس يعلمون أنّ تلك اليد المقتدرة التي يمكن أن تحلّ هذه المشاكل هي النّظام الإسلاميّ وذاك الإسلام العزيز المقتدر والمسؤولون المتمسّكون بالإسلام، هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يحلّوا المشاكل، أمّا الاستسلام للأعداء فلا يزيل أيّة مشكلة.
 
أوقفوا اعتداءاتكم... وأهلاً بكم
النّقطة الأخرى: نحن، خلافاً لهم، أناسٌ منطقيّون، فمسؤولونا منطقيّون، وكذلك شعبنا. ونحن نتقبّل الكلام المنطقيّ والعمل المنطقيّ. فليظهر الأميركيّون أنّهم 



1 عهد القاجاريين, أي حكم ملوك القاجار, سلالة تركمانية 1780-1925- تتحدّر من إحدى قبائل القزلباش, ابتداء من زعيم القبيلة آغا محمد خان وانتهاءً بمظفر الدين شاه وأحمد ميرزا. والعهد البهلوي: الحكم الملكي الذي أعقب حقبة القاجار 1925 ـ 1979م- أي حكومة رضا بهلوي وقد خلفه ابنه محمد رضا- ولم يدم طويلاً حتى أطاحت به الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني، وكان تابعاً للغرب، مطيعاً لإملاءاته, وقد قمع الشعب ومارس أبشع الظلم بحقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
82

69

في حشد من أهالي آذربيجان

 لا يبتغون الهيمنة ولا يستعملون الإكراه وليظهروا أنّهم لا يريدون الشرّ، وكذلك لا يخرجون عن المنطق في كلامهم وأعمالهم وليظهروا أنّهم يحترمون حقوق الشّعب الإيرانيّ، وليظهروا أنّهم لا يريدون إشعال الحروب في المنطقة، وليظهروا أنّهم لا يريدون التدخّل في قضايا الشّعب الإيرانيّ، مثلما فعلوا في فتنة عام 2009 1 حيث دعموا مثيري الفتنة وجعلوا شّبكات التواصل الاجتماعية تلك بخدمتهم ـ إحدى شبكات التواصل2 أرادت أن توقف نشاطها في تلك الأيام بهدف القيام بإصلاحات، فقيل لها لا تتوقّفي من أجل أن يتمكّنوا من صبّ الزّيت على نيران الفتنة ـ فلا تفعلوا مثل هذه الأمور وسوف تجدون أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة هي نظام يريد الخير وأنّ الشعب هو شعبٌ منطقيّ. إنّ طريق التعامل مع الجمهوريّة الإسلاميّة ينحصر بما ذكرناه ولا غير. فمن هذا الطريق يمكنهم أن يتعاملوا مع الجمهوريّة الإسلاميّة. يجب على الأميركيّين أن يثبتوا حسن نواياهم ويظهروا أنّهم ليسوا بصدد الإملاء والإكراه، فلو أثبتوا ذلك سوف يجدون أنّ شعب إيران سوف يستجيب. فلا ينبغي أن يكون هناك شرّ وتدخّل وهيمنة، بل ينبغي أن يكون هناك اعتراف بحقوق الشّعب الإيرانيّ، حينها سوف يسمعون ردّاً مناسباً من إيران.

 
لا تسيئوا للإسلام
نقطة أخرى ترجع إلى القضايا الدّاخلية في بلدنا، وهي قضية مهمّة أعرضها، قضية حدثت في المجلس وكانت سيّئة وغير مناسبة وقد أزعجت الشّعب وكذلك النّخب. أنا العبد الحقير قد انزعجت من جهتين: فإنّني شخصيّاً أتأثّر أمام هذه القضايا وكذلك بسبب انزعاج النّاس وتألّمهم. يتّهم رئيس سلطةٍ سلطتين أخريين بالاستناد إلى اتّهام لم يثبت ولم يُعرض على المحكمة. إنّ هذا عمل سيّئ وغير مناسب. إنّ مثل هذه الأعمال مخالفة للشرع وللقانون، وهي خلاف الأخلاق وهي 



1 محاولة الإطاحة الفاشلة بالنظام الإسلاميّ في إيران عقب إعلان نتائح انتخابات الرئاسة وادعاء التزوير.. يراجع مشكاة النور ـ أعداد سابقة -.
2 مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت..
 
 
 
 
 
 
 
83

70

في حشد من أهالي آذربيجان

 تضييع للحقوق الأساسية للشعب. فإنّ من الحقوق الأساسيّة المهمّة للشعب أن يعيش هدوءاً نفسيّاً وأمناً نفسيّاً وأن يكون في البلد أمن أخلاقيّ. فلو اتُّهم شخصٌ بالفساد لا يصحّ اتّهام شخص آخر بذلك من أجله، حتّى لو ثبت، فكيف إذا لم يكن ثابتاً ولم يصل إلى المحكمة أو يُحاكم. فبالاعتماد على اتّهام شخص يُتّهم الآخرون والمجلس والسّلطة القضائية، فهذا أمرٌ غير صحيح، إنّه عملٌ خاطئ. أنا العبد أوجّه النّصيحة الآن. إنّ هذا العمل لا يتناسب ولا يليق بنظام الجمهوريّة الإسلاميّة، وذلك الطرف من القضيّة وهذا الاستيضاح الذي حصل في المجلس هو خطأ من أساسه. حسنٌ، إنّ الاستيضاح (والمساءلة) ينبغي أن يكون ذا فائدة. بقيت عدّة أشهر على انتهاء عمل الحكومة، فما معنى مساءلة أي وزير وكذلك لسبب ودليل لا يرتبط به نفسه، لماذا ذلك؟ إنّ هذا كان عملاً خاطئاً. ما سمعته من تفوّه بعضهم في المجلس بكلامٍ غير مناسب هو أيضاً خطأ. فجميع هذه القضايا لا تليق بنظام الجمهوريّة الإسلاميّّة، سواء كان الاتّهام أم ذاك التصرّف أم الاستيضاح والمساءلة. والدّفاع الّذي قام به رئيس السّلطة المحترم عن نفسه كان فيه أيضاً نوع مبالغة، فما كان لازماً. عندما نكون جميعاً متآخين وعندما يبرز عدوّنا المشترك أمامنا، وعندما نشاهد المؤامرة فماذا ينبغي أن نفعل؟ فحتّى الآن كان المسؤولون يقفون معاً في مواجهة مؤامرات العدوّ، واليوم ينبغي أن يكونوا كذلك وعلى الدّوام. إنّني طالما دعمت مسؤولي السّلطات الثلاث ومسؤولي البلد، وأنا العبد سوف أبقى كذلك مع كلّ شخصٍ يتحمّل مسؤوليّةً وسوف أقدّم له العون، لكنّني لا أرضى بهذه الأفعال، وهذه الأفعال لا تتناسب مع الالتزامات ومع كلّ قَسمٍ أُدّي. فلنتوجّه إلى هذا الشّعب العظيم فإنّ ما يليق به سلوكٌ آخر. واليوم يجب على المسؤولين أن يبذلوا قصارى جهودهم من أجل حلّ المعضلات الاقتصاديّة وإزالة المشكلات. أنا العبد، وقبل أربع سنوات، وفي حديثي في أوّل العام قلت بصراحة للشعب وللمسؤولين إنّ خطّة أعداء الشّعب الإيرانيّ من الآن ولاحقاً وأكثر من أيّ شيء هي خطّة اقتصاديّة. حسنٌ، إنّكم ترون أنّ الأمر كان كذلك. فالحكومة والمجلس عليهم أن يركّزوا كلّ 

 

 

 

 

 

84


71

في حشد من أهالي آذربيجان

 قواهم وفكرهم وذكرهم على السّياسات الاقتصاديّة الصحيحة. كنت أنا العبد قبل عدّة سنوات قد أرسلت برسالة إلى رؤساء السّلطات بشأن الفساد الاقتصاديّ. حسنٌ، عليكم أن تحاربوا الفساد الاقتصاديّ. والأمر لا يتحقّق بمجرّد القول، بل يجب العمل على ذلك، أن نبقى نتحدّث عن محاربة الفساد الاقتصاديّ. حسنٌ، وأين؟ وماذا أنجزنا على صعيد العمل؟ ماذا فعلتم؟ هذه هي الأمور التي تثير انفعال الإنسان.


التقوى... التقوى... التقوى
إنّ ما أتوقّعه أنا العبد من المسؤولين هو أن تقوّوا من صحبتكم وتكونوا معاً أكثر، فسلوك العدوّ الآن قد تضاعف. التقوى، التقوى، التقوى، الصّبر، عدم فسح المجال للمشاعر العناديّة. ما نتوقّعه هو ملاحظة مصالح البلد، ومركَزة كلّ الطّاقات والقوى من أجل حلّ مشكلات النّاس والبلد. أملنا إن شاء الله هو أن يتوجّه المسؤولون المحترمون وخصوصاً مسؤولو المراتب العليا إلى هذه النّصيحة الخيّرة المشفقة، وأن يلتزموا بهذه القضيّة.

ونقول هذا أيضاً، إنّ هذا الكلام الّذي ذكرته اليوم وشكواي من بعض المسؤولين وزعماء البلد، لا ينبغي أن يكون سبباً كي يقوم بعضهم بإيجاد الذّرائع والبناء عليها من أجل إطلاق الشّعارات ضدّ هذا وذاك، كلّا، أنا العبد أعارض هذا الفعل. إنّني أخالف أن تقوموا بتحديد شخصٍ ما كمعادٍ للولاية والبصيرة أو غير ذلك، ثمّ يقوم بعض آخر بالبدء بإطلاق شعارات ضدّه وإدخال الناس ببعضها بعضاً في المجلس. إنّني أقول هذا بصراحة. أنا العبد أعارض مثل تلك الأعمال التي جرت في قم. أنا العبد أخالف أيضاً تلك الأمور التي حدثت في مرقد الإمام. فقد ذكّرت المسؤولين وكلّ من يمكنه أن يمنع من وقوع مثل هذه الأمور مرّات ومرّات. أولئك الذين يقومون بهذه الأمور، لو كانوا حزب اللهيين ومؤمنين في الواقع لما فعلوا ذلك. ترون أنّ تشخيصنا هو أنّ هذه الأفعال تضر بالبلاد ولا فائدة منها. إنّ إطلاق الشّعارات 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

72

في حشد من أهالي آذربيجان

 ضدّ هذا وذاك، والتحرّك انطلاقاً من المشاعر لا يقدّم شيئاً. كلّ هذا الغضب وهذه المشاعر حافظوا عليها لوقتها. في مرحلة الدّفاع المقدّس لو أراد التعبويّون أن يفعلوا ما يحلو لهم ويهجموا انطلاقاً من رؤيتهم للأمور لقُضي على البلد. فالنّظام لازمٌ وكذلك الانضباط والرّعاية. أمّا إذا لم يكونوا ممّن يعتني بهذا الكلام فإنّ حسابهم يكون بشكل آخر، لكنّ الّذين يعتنون بهذا الكلام، ويلتزمون بعدم التحرّك بخلاف موازين الشّرع يجب عليهم أن يكونوا ملتفتين وأن لا يصدر عنهم مثل هذه الأمور.


بالطّبع، إنّ شعب إيران هو بلطف الله وهدايته شعبٌ بصير. أنا أقول لكم أيّها الشّباب اعلموا أنّ ذاك اليوم الذي لا نكون فيه وتكونون أنتم، سيكون فيه وضع شعب إيران وأفقه وحياته المادّيّة والمعنويّة أفضل بدرجات من اليوم. إنّ حركة شعب إيران هي حركة باتّجاهٍ وأفقٍ واضح. يجب علينا أن نكون ملتفتين إلى أنفسنا أكثر.

يجب علينا أن نستعين بالله تعالى وبالأرواح الطّيّبة للشهداء وروح إمامنا المطهّر، وأن يشملنا ويشملكم دعاء حضرة بقيّة الله الأعظم أرواحنا فداه بمشيئة الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
 
 
 
86

73

في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي


المناسبـة: إقامة مهرجان "عمّار" السينمائي 
الحــضـور: عدد من القائمين والمسؤولين على مهرجان "عمّار" السينمائي
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
01/12/1391 هـ.ش.
08/04/1434 هـ.ق.
19/02/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
87

74

في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي

 استقبل سماحة الإمام الخامنئي دام ظلّه عدداً من المسؤولين والعاملين في مهرجان "عمار" الشعبي السينمائي، وأبرز ما جاء في كلمته:


بسم الله الرحمن الرحيم
ينبغي أن يُنظر إلى الفن الإسلاميّ والسينما الدينية بمنظار طويل الأمد مع التخطيط الدقيق والأمل بالمستقبل والاستفادة المناسبة من أدوات الفن للوصول إلى أكبر قدر ممكن من التأثير. 

إنّ اختيار اسم "عمّار"، وهو من كبار صحابة رسول الإسلام الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ومن أصحاب الإمام علي عليه السلام المقرّبين، لهو اختيارٌ محمود.

لم يتزلزل عمّار في شتي أحداث صدر الإسلام، وكذلك في الامتحانات والاختبارات الصعبة لفترة ما بعد رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. وإن معرفته للظروف وحضوره ومشاركته في الوقت المناسب، ودوره التبييني الإيضاحي في الأحداث والأمور خلال فترة خلافة الإمام علي عليه السلام هي من الخصائص والخصال البارزة فيه. 

من أهداف الثورة الإسلامية ومبادئها المهمة جداً النظرة المتفائلة للمستقبل، وتوسيع الآفاق. إن مسيرة الثورة الإسلامية التي انطلقت بانتصارها عام 1979، وانهيار هيمنة أمريكا، والأحداث المختلفة التي وقعت طوال هذه الأعوام الـ 34 ، كلها مقدمات للوصول إلي الأهداف الأصلية للنظام الإسلاميّ. لذلك يجب عن طريق عقد الهمم وبذل المساعي المضاعفة وعدم الخوف من العدو ومؤامراته واجتناب اليأس والنظرة التشاؤمية، التقدم بمزيد من السرعة نحو القمم والأهداف. 
 
 
 
 
 
 
89

75

في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي

 هذه النظرة ضرورية في موضوع الفن الإسلاميّ والسينما الدينية، ففي هذا الميدان يعدّ الشّباب المتدينون النشطون أصحاب النظرات الجديدة والهمم العالية المولّد المحرّك لهذه المسيرة المتقدّمة نحو الأمام. وعلي الروّاد أن ينقلوا تجاربهم ويخرّجوا طاقات جديدة وكفوءة ليزيدوا من سرعة هذه الحركة. 


إن صيانة النفس هي الشرط الأصلي للالتحاق المؤثّر للمتديّنين والثوريين بحيّز السينما وعدم التأثّر بأجوائه. وإنّ السبيل الوحيد لصيانة النفس هو الارتباط المستمر بالله، وأداء النوافل والتضرّع إلي الله، وهكذا صان عمّار نفسه ولم يتزلزل... فالعبادة وذكر الله والتوجّه إليه أعلي من أية لذة فنية. 

هناك دور للمسؤولين والمراكز الجامعية ذات الصلة في التأثير علي الأجواء السينمائية والإعلامية للبلاد. وإنّ إصلاح هذا الميدان بحاجة لإصلاح منافذه ومداخله. 

إنّ العاملين حالياً في مجال الأفلام ذات المضامين الثورية والدفاع المقدس هم في حالة جهاد حقيقية. 

إنّ الاستفادة المناسبة من أدوات الفنّ والقصة والسيناريو المتين من الضروريات الأساسية في إنتاج الأفلام، فكتابة القصة والرواية في بلادنا تفصلها مسافة عن المستوي المطلوب، ولا بد من تقوية هذا المجال وتنضيجه. 

الموضوعات ذات الصلة بتاريخ الثورة الإسلامية والدفاع المقدس وفلسطين والصحوة الإسلامية هي من جملة الموضوعات المهمة والغنية الصالحة للاستخدام في إنتاج الأفلام.

من الأكاذيب التي يروّج لها في العالم قولهم إن الفن يجب أن لا يختلط بالسياسة. والحال أن المنظومات الفنية في الغرب بما في ذلك هوليوود سياسية تماماً، ولو لم تكن كذلك فلماذا لا يسمحون للأفلام الإيرانية المناهضة للصهيونية بالمشاركة في المهرجانات السينمائية؟... 

وإنّ إنتاج الأفلام السياسية ضد إيران أو منح الجوائز لهذه الأفلام من المؤشرات 
 
 
 
 
 
 
 
90

76

في لقاء عددٍ من القائمين علي مهرجان عمّار السينمائي

 الواضحة لامتزاج السياسة بالفن في أمريكا والغرب. 


فيما يتعلّق بخصوص علاقة العلوم الإنسانية بالفن والسينما وضرورة حصول تحوّل في العلوم الإنسانية، إنّ العلوم الإنسانية هي الهواء الذي تتنفسه منظومات النخبة في البلاد والتي تتولي توجيه المجتمع، لذا فإن تلوّث أو نقاء هذا الهواء قضية علي جانب كبير من الأهمية. 

إنّ مشكلة العلوم الإنسانية الغربيّة هي في أساسها المعرفي الخاطئ. فالإصلاح في العلوم الإنسانية والتحوّل في السينما والتلفزيون غير ممكن من دون إصلاح الأسس المعرفية للعلوم الإنسانية الغربيّة. وإصلاح هذه الأسس بدوره منوط بالارتباط المؤثر بالحوزات العلميّة وعلماء الدين. 

على التيارات السينمائية المحبّة للدين والثورة تجنُّب الانجرار إلى المواضيع الهامشية والانشغال بالاختلافات عديمة الجدوي. وإنّ المؤمنين بالدين والثورة في مجال السينما والذين قد تكون لهم أذواق متنوعة، يجب أن يركزوا هممهم ومساعيهم علي الأعمال والمشاريع الأساسية الأصلية.
 
 
 
 
 
 
 
91

77

في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري1

 
المناسبـة: إقامة مؤتمر تكريم مكانة العلامة السيد الجزائري
الحــضـور: أعضاء اللجنة المسؤولة عن إقامة المؤتمر التكريمي
الـمكــان: محافظة خوزستان مدينتي شوشتر وأهواز
الزمـــان:
07/12/1391 هـ.ش.
14/04/1434 هـ.ق.
28/02/2013 م.


 
 

1  تلا الكلمة آية الله السيد محمد على الموسوي الجزائري ممثل الوليّ الفقيه في محافظة خوزستان وإمام جمعة مدينة أهواز صباح يوم الخميس 28/02/2013 م. وقد أقيم هذا المؤتمر بالتعاون مع وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، وجمعية الآثار والمفاخر الثقافية، ومكتب ممثل الوليّ الفقيه في خوزستان، ومحافظية خوزستان، ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون مركز خوزستان.
 
 
 
 
 
 
 
93

78

في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
نتقدّم بالشكر الجزيل لحضرة السيد الجزائري وسائر السادة الذين فكروا في تعريف هذه الشخصية الكبيرة المغمورة.
 
الجزائري: عائلة علمائيّة بارزة
إنه مغمور لأنه رغم اشتهاره بكتابيه المعروفين: "زهر الربيع" و"الأنوار النعمانية"1، لكن شأن المرحوم السيد نعمة الله أرفع من هذا بكثير. فقد كان فقيهاً ماهراً ومحدّثاً خبيراً ومتوسّعاً في كتب الأخبار والأحاديث، وكان إلى ذلك أديباً. واللافت أن عائلته كانت إلى جانب كونها عائلة فقاهة وحديث، عائلة أدب ولغة وما شاكل. المرحوم السيد نور الدين - نجله - وضع كتاباً معروفاً باسم "فروق اللغات"2 وهو ليس مجرد كتاب لغة، بل يعني التمكّن التام من اللغة العربية. وحفيده المرحوم السيد عبد الله الجزائري، أي ثلاثة أجيال متعاقبة، كانوا من العلماء البارزين والمعروفين في الحوزات العلمية. وطبعاً كان هؤلاء الثلاثة كلهم من الإخباريين. والمرحوم السيد عبد الله كان أكثر إخبارية، والسيد نعمة الله والسيد نور الدين أقل إخبارية. لكن السيد نعمة الله رغم كونه من الإخباريين فقد كان يهتم بآراء الأصوليين ونظرياتهم، وله كتاب - لا أتذكر اسمه الآن - في ضرورة مراجعة كتب الفقهاء، ومراده من الفقهاء بالطبع الفقهاء الأصوليون. كان رجلاً كبيراً.


 

1 الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية.
2 فروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات.
 
 
 
 
 
 
 
 
95

79

في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري

 عالم متبحِّر وفقيه مدقّق 

وآثاره وتأليفاته كثيرة. وقد تفضلتم بأنها نحو 60 كتاباً، وحسب ما في ذهني وخاطري فإن له نحو ثلاثين أو أربعين كتاباً بينها شروح مهمة لكتبنا الأربعة، أي شرح التهذيب، وشرح الاستبصار، وأظن شرح الكافي، وشروح الكثير من كتب الصدوق، مثل كتاب التوحيد للصدوق وما إلى ذلك. لقد كان شخصية مبرّزة جدّاً ومتبحّراً ومحيطاً بأحاديث الشّيعة، وبنظرة فقهية دقيقة، وليست حديثية صرفة. إنه من تلامذة العلامة المجلسي، والعلامة المجلسي رجل عظيم جدّاً، وحين ينظر المرء لشروحاته في "بحار الأنوار" تعقيباً على الروايات والأحاديث، يدرك أنه كان بدوره فقيهاً ومتكلماً ومن أهل العقليات. العلامة المجلسي شخصية كبيرة جداً، لكنه عرف بالحديث فقط، والحال إنه ليس كذلك، فهو محدّث - وكتابه في الحديث "بحار الأنوار" كتاب ضخم - وكذلك فقيه ومتكلم وصاحب رأي، وله في بعض الأحيان آراء ممتازة جداً تعقيباً على الروايات حول القضايا الكلامية والعقلية. والمرحوم السيد نعمة الله تلميذ مثل هذه الشخصية... تلميذ المرحوم العلامة المجلسي. وأظن أنه كان تلميذ المرحوم الفيض أيضاً. على كل حال كان شخصية بارزة.

الترويح عن النفس 
كتاب "زهر الربيع" مع أنه عُرف في الحوزات العلمية أنه كتاب فكاهة وما إلى ذلك، لكنه يدلّ على أن فقهاءنا وعلماءنا وشخصياتنا الكبيرة إلى جانب أعمالهم العلمية والفقهية العميقة كانوا يهتمون بمثل هذه الأمور. يقول في بداية "زهر الربيع" - وقد نظرت في "زهر الربيع" ربما قبل خمسين أو ستين عاماً - إنني وجدت طلاب العلم بحاجة للترفيه والفكاهة فكتبت هذا الكتاب لهم. أي إنه وضع كتاباً لطلبة العلوم الدينية الغارقين في الأعمال العلمية والمدارس وحجرات الدراسة كي يتفكّهوا به، أي إنهم لم يكونوا غافلين عن هذه الأمور. والآن قد نجلس متزمّتين 
 
 
 
 
 
 
 
96

80

في لجنة إقامة المؤتمر الخاص بتكريم العلامة السيد نعمة الله الجزائري

 متصلّبين، ما إن يتمازح شخص هنا أو هناك حتى ننزعج! علماؤنا لم يكونوا هكذا، وخصوصاً عالم مثل السيد نعمة الله وهو إخباري ومتصلّب. لكنهم كانت لهم مثل هذه الأمور. أعتقد أن فنون علمائنا الماضين على جانب كبير من الأهمية، ومثالها كتاب "فروق اللغات" الذي ذكرنا أن السيد نور الدين نجله قد وضعه في اللغة مع أنه رجل فقيه ومحدّث وتلميذ والده. على كل حال نعتقد أن المرحوم السيد نعمة الله شخصية مبرّزة. 

 
تكريمٌ للعلم وللمعارف الإلهيّة
وعائلته أيضاً عائلة علمية، ولله الحمد لا تزال هذه العائلة إلى اليوم عائلة علم، ونتمنى أن تبقى هكذا دوماً. وتكريمه تكريم للعلم والمعارف الإلهية. من المناسب جداً تعريف هؤلاء الأجلّاء، خصوصاً إذا استطعتم أن تحققوا كتبهم وتطبعوها. وقد طبع كتاب "الأنوار النعمانية" مراراً، وهو بالطبع كتاب معروف، لكن كتبه الأخرى غير متوفرة، أي قلّما جرى الاهتمام بكتبه الحديثية وشروحه للأحاديث. نتمنى لكم من الله التوفيق والتأييد. ونشكر السيد حسيني1 الذي يساعد على مثل هذه الأعمال والمشاريع. 
 
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته



1  وزير الثقافة والإرشاد الإسلاميّ الذي كان حاضراً في الجلسة.
 
 
 
 
 
 
 
 
97

81

في لقاء أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم


الحـضـور: عدد من المفكّرين والنخب وأساتذة الحقول العلمية المختلفة
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
14/12/1391 هـ.ش.
21/04/1434 هـ.ق.
04/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
99

82

في لقاء أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم

 استقبل سماحة آية الله العظمي السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية يوم الاثنين 04/03/2013 م أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم ومراكز الأبحاث المرتبطة به. 


وقد حضر اللقاء عدد من المفكرين والنخب وأساتذة الحقول العلمية المختلفة من الجامعات والحوزات العلميّة. وأبرز النقاط التي تحدّث عنها الإمام الخامنئي خلال اللقاء:
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
إن صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم عملية كبيرة جداً وفاخرة وعميقة وطويلة الأمد، وإنّ من لوازم تحقق النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم ورسوخه بين النخبة هو جعله خطاباً في المجتمع. 

إنّ تصميم وصياغة نموذج إسلامي - إيراني للتقدّم هو في الحقيقة عرضٌ لنتاج الثورة الإسلامية، وطرحٌ لحضارة جديدة ومتقدمة في كل الأبعاد علي أساس الفكر الإسلاميّ، وعليه فإن أفق العمل يجب أن يكون طويل الأمد وعميقاً جداً. 

إنّ العالم اليوم يتأثّر بالنموذج الحضاري الغربي والتقدم الحاصل في الغرب، وهيمنة الحضارة الغربيّة علي كل ميادين الحياة. في مثل هذه الظروف فإن صياغة نموذج إسلامي - إيراني للتقدّم بحاجة إلي جرأة وشجاعة ومحفزات قوية. والفكر هو الروح الأصلي لهذه العملية، وينبغي بالإضافة إلي تجنُّب كل أشكال التسرّع، الاستفادة من التجارب الجديدة المواهب الشابة لكي لا ينطفئ المولّد المحرّك أبداً. 

لدينا علماء شباب متحفّزون ونشطون، يعملون في المراكز العلمية المتطوّرة نظير المراكز المختصة بتقنيات النانو والطاقة النووية وصناعات الدفاع، وينبغي
 
 
 
 
 
 
 
101

83

في لقاء أعضاء الشوري العليا في مركز صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم

 الوثوق بالشّباب، لأن الشّباب ومحفزاتهم وحيويتهم لا تنتهي.


في كل أطوار صياغة هذا النموذج ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار مباني الإسلام بنحو جامع ودقيق، وينبغي عدم التردّد في ذلك علي الإطلاق. 

ينبغي في صياغة النموذج الإسلاميّ - الإيرانيّ للتقدّم التشديد علي أربعة أركان: الفكر والعلم والمعنوية والحياة، وركن "الفكر" أهم من باقي الأركان. 

إنّ الحضارة الغربيّة ومراحل تكوّنها وذروة صعودها وبالتالي ظهور علامات سقوطها في العصر الراهن، هي نموذجٌ عينيّ لدراسة إشكالات الحضارة ونواقصها، فقد قامت الحضارة الغربيّة علي أساس الفكر الإنساني (الأومانيسم) ورؤية الاقتدار السياسي ومن ثم تشكّلت على أساس الرؤية الرأسمالية، وبعد فترة الذروة التي مرّت بها، بدت اليوم علامات فسادها وانحطاطها، وأهمّها الانحطاط الجنسي وشيوع التحلل الأخلاقي والجنسي. 

إنّ الحروب الكثيرة المدمّرة جداً في القرون الأخيرة من الإشكالات الأساسية الأخرى علي الحضارة الغربيّة، فبروز المعضلات وحالات الانحطاط في الحضارة الغربيّة ناجم عن فقدان المعنوية. 

إنّ الشرط الأساس لبناء حضارة متقدّمة بأقلّ مشاكل هو المعنوية القائمة علي الدين الإسلاميّ، فالمعنوية الدينية تمهّد الأرضية لمعرفة المواهب والاستفادة المناسبة منها والتقدم المطلوب في كل الأبعاد وبأقل الأضرار. 

وإنّ النهوض بهذه العملية المهمة والدقيقة جداً والطويلة الأمد بحاجة إلي الجهاد والإخلاص. إنّ "صناعة الخطاب" هو الشرط الأساس لتحقق النموذج هذا النموذج. 

إنّ رسوخ هذا النموذج في أفكار النخب ومن ثم الشّباب وكل أبناء الشعب وأرواحهم منوط بصناعة الخطاب. يجب عن طريق "صناعة الخطاب" ومن خلال الاستفادة من آراء النخب والمتخصصين، والتحلّي بالصبر والدقة، تدوين نموذج فاخر متين قيّم.
 
 
 
 
 
 
102

84

في يوم التشجير

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في يوم التشجير



المناسبـة: أسبوع المصادر الطبيعية ويوم التشجير في إيران
الحــضـور: عدد كبير من المسؤولين، من بينهم وزير الزراعة، ورئيس مؤسسة الحفاظ على البيئة، ومحافظ مدينة طهران
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
15/12/1391 هـ.ش.
22/04/1434 هـ.ق.
05/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
103

85

في يوم التشجير

 شارك سماحة الإمام الخامنئي دام ظلّه في يوم غرس الأشجار، وبعد غرسه لشجرتين كانت له الكلمة الآتية:

بسم الله الرحمن الرحيم
ستكون زراعة الأشجار إن شاء الله، سواء في هذا اليوم وهذه الأيام المعروفة بأيام التشجير أم في باقي الأيام التي يمكن زراعة الأشجار فيها، سببَ بركة البلاد وعمرانها. وحقيقة القضية هي أن النباتات والأشجار بالنسبة لكل بلد ولكل جماعة بشرية سبب بركة، لذلك أوصى شرعُنا الإسلاميّ المقدّس وأحاديثنا بالأشجار والمحافظة عليها والحيلولة دون قطعها. هذه توصية إسلامية. والناس جميعهم في الوقت الحاضر مهتمّون بهذه القضية، وربما أمكن القول إن الناس والمجتمعات البشرية كانت مهتمّة بقضية الأشجار دوماً. 

ولكن يجب أن أوجّه عتاباً لمجموعة المسؤولين عن قضية الأشجار وغرس الأشجار والغابات وما شاكل، وهو إننا هنا نغرس الأشجار واحدة واحدة (بالمفرق)، لكن الأشجار تقطع ( بالجملة) بالمئات والآلاف في الأماكن التي يجب أن لا تقطع. هذه مشكلة كبيرة قائمة. هذا بالإضافة إلي إحالة المعمورات والمساحات الخضراء في أطراف المدن الكبري خطأ وغصباً لأشخاص أرادوا إساءة استغلال الأرض ولا زالوا يستغلونها، وتبدّلت المساحات الخضراء إلي إسمنت وحديد وما إلي ذلك - وهذه مصيبة للمدن - وتعرّضت وتتعرّض مجموعة الغابات في البلاد لتهديدات وأخطار جادة، فيجب الحيلولة دون ذلك بكل جدّ. وهذا من واجب الحكومة ومجلس الشوري الإسلاميّ وواجب البلديات، وواجب السلطة القضائية أيضاً. كل واحدة 
 
 
 
 
 
 
 
105

86

في يوم التشجير

 من هذه المؤسسات يجب أن تحول بشكل من الأشكال دون تفاقم هذه الممارسات الخاطئة الموجودة للأسف في بلادنا حالياً. 


تلزمنا قوانين للحفاظ على الغابات وحمايتها. إنّنا نفتقد هذه القوانين، ونحتاج إلي إرادة قوية وعزيمة راسخة للحؤول دون الاستيلاء علي الأراضي المحيطة بالمدن الكبري، حيث يستولي عليها أشخاص ويبدّلونها إلي أبنية وعمارات عالية. هذه العملية فضلاً عن أنها توجد مشاكل متنوعة للبشر، فإن أول خطأ فيها هو قضاؤها علي البيئة الخضراء المحيطة بالمدن وعلي الهواء الذي تحتاجه المدن للتنفّس. قد تبذلون الجهود في المدن وتزرعون الغرسات في البيوت واحدة واحدة، ولكن أين هذا من أن تكون المدينة محاطة ببيئة خضراء؟ هذا مع أنه أنجزت أعمال جيدة، حيث زرعت غابات أحياناً في أطراف المدن، وهذا بدوره ما لا ينبغي إنكاره، ولكن ينبغي حماية الثروة الأصلية للبلاد وهي المناطق الخضراء المحيطة بالمدن، والحدائق داخل المدن، وخصوصاً الغابات. من واجب منظمة البيئة، والأجهزة الحكومية المعنية، والمسؤولين ونواب مجلس الشوري الإسلاميّ، والمسؤولين في السلطة القضائية، والبلديات في ما يخصّ المدن وحدودها، في كل أنحاء البلاد متابعة هذه الأمور. إننا نكرّر هذه القضية دائماً، ولكن لا نزال نجد أنه لم يجر إنجاز عمل صحيح! يجب أن يعقد الكل هممهم إن شاء الله لتحقيق هذا الشيء الذي يتفق الجميع علي صحّته وضرورته. موفقين إن شاء الله.. في أمان الله يا سادة.
 
 
 
 
 
 
106

87

رسالة الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقي 7000 شهيدة إيرانية

 رسالة الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقي 7000 شهيدة إيرانية




الزمـــان:
15/12/1391 هـ.ش.
23/04/1434 هـ.ق.
06/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
107

88

رسالة الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقي 7000 شهيدة إيرانية

 بعث سماحة الإمام السيد علي الخامنئي دام ظلّه نداءاً لملتقي سبعة آلاف شهيدة إيرانية، هذا نصه:

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
اجتمعتم اليوم لتكريم جيش من آلاف النسوة الشهيدات، اللواتي أدّين دوراً كبيراً في تغيير مسار التاريخ الإسلاميّ. هذا الجيش من الملائكة اللواتي ضحّين بأرواحهن المقدسة في سبيل الإسلام، لم يبالين وسرن في طريق العمل وظهرن كبانيات لصرح إيران الجديدة. هن نسوة عظيمات قدّمن للشرق والغرب تعريفاً جديداً لـ"المرأة".

فغالباً ما تقدّم المرأة في النظم الشرقية كعنصر هامشي لا دور لها في صناعة التاريخ، وفي النظم الغربيّة باعتبارها موجوداً يتفوق جنسه على إنسانيته ووسيلة جنسية بيد الرجال، وفي خدمة الرأسمالية الجديدة. فالنسوة الإيرانيات الشجاعات في الثورة والدفاع المقدس قدّمن نموذجاً ثالثاً جديداً: "المرأة اللاشرقية واللاغربية". 

لقد فتحت المرأة الإيرانيّة المسلمة تاريخاً جديداً أمام أعين النساء في العالم، وأثبتت أنه يمكن للمرأة أن تكون امرأة وعفيفة ومحجبة وشريفة، وتمارس في الوقت ذاته دورها في مركز الأحداث. يمكنها أن تحافظ على طهارة خندق العائلة، وأن تبني خنادق جديدة في الميادين السياسية والاجتماعية وتحقق الكثير من الفتوحات والإنجازات الكبرى. هن نسوة مزجن بين ذروة المشاعر والرقّة والرحمة النسوية وبين روح الجهاد والشهادة والمقاومة، وخضن بشجاعة وإخلاص وتضحية أكثر السوح رجوليّة.
 
 
 
 
 
 
109

89

رسالة الإمام الخامنئي دام ظلّه إلى ملتقي 7000 شهيدة إيرانية

 لقد ظهرت في الثورة الإسلاميّة والدفاع المقدّس نسوة حيث يمكنهنّ أن يقدّمن للعالم تعريف المرأة وحضورها في ساحات الرشد والتهذيب وفي ساحة حفظ سلامة المنزل والعائلة المتوازنة، وفي ساحة الولاية الاجتماعية والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد الاجتماعي، ويستطعن تحطيم واقتحام أكبر الطرق المسدودة. 


لقد ظهرت حالة جديدة من الاقتدار والهيبة بفضل دماء هؤلاء النسوة المجاهدات في العصر الحديث، تركت تأثيراتها أولاً علي المرأة في العالم الإسلاميّ، وسوف تترك تأثيراتها عاجلاً أم آجلاً علي مصير مكانة المرأة في العالم. 

طالما بقيت شمس سيدتنا خديجة الكبرى المتألّقة، وسيدتنا فاطمة الزهراء، و سيدتنا زينب الكبرى ساطعة مشرقة، فإن المخططات القديمة والجديدة المعادية للمرأة سوف لن تنتج شيئاً. 

وإن الآلاف من نسوتنا الكربلائيات لم يحطمن الخطوط السوداء للظلم الظاهري وحسب، بل وفضحن أيضاً حالات الظلم الحديث ضد المرأة، وأثبتن أن حق المرأة في الكرامة الإلهية هو أعلي حقوق المرأة، وهو حق غير معروف بالمرة في العالم الذي يسمّي بالحديث، وقد آن الأوان اليوم لمعرفته.

أبارك لعوائل شهيداتنا العظيمات، وأتمنى بفضل دماء هؤلاء النسوة الشريفات المجاهدات، أن تستطيع وسائل الإعلام والفنانون والواعون والسينمائيون أن يعرضوا علي العالم مشاهد من الجهاد الكبير الذي خاضته المرأة الإيرانيّة المسلمة. وستكون المرأة المسلمة الإيرانية المجاهدة المعلم الثاني لنساء العالم، بعد المعلم الأول لهن وهو نساء صدر الإسلام.

سلام الله على سيدة الإسلام العظيمة فاطمة الزهراء، وعلى كل نساء صدر الإسلام العظيمات وعلى النسوة المضحيات في إيران الإسلاميّة.
 

السيد علي خامنئي
15 إسفند 1391
 
 
 
 
 
 
110
 

90

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة


المناسبـة: الجلسة الدورية لمجلس الخبراء.
الحــضـور: رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
17/12/1391 ه.ش.
24/04/1434 ه.ق.
07/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
111

91

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 استقبل سماحة الإمام السيد علي الخامنئي دام ظلّه رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة، وأدلي بحديث مهمّ قدّم فيه تحليلاً شاملاً للمسيرة التقدّمية والنجاحات المذهلة التي حققها الشعب الإيرانيّ بعد مضي 34 عاماً علي انتصار الثورة الإسلامية، والتحديات التي تواجهه، ومن النقاط التي تحدّث عنها:

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
إنّ الإيمان بالإسلام، والعزيمة الراسخة، والاعتماد علي الشعب، وصيانة وتعزيز روح الأمل، هي العوامل الأصلية في استمرار المسيرة التقدمية، وتحقيق نجاحات أكبر، واجتياز العقبات والصعاب الآتية. 

إنّ النظرة البعيدة المدى للقضايا الإدارية والمؤسساتية، وكذلك لأهداف النظام الإسلاميّ ومبادئه، من اللوازم المهمة للحركة المستمرة والصحيحة نحو الأهداف المرسومة في النظام الإسلاميّ. وفي هذه النظرة ثمة معرفة صحيحة للأهداف، والعدو، ومسار الحركة. وعلي هذا الأساس يمكن تخمين (تقدير) الصعاب والمنعطفات. ولو لم تكن هناك مثل هذه الرؤية البعيدة المدى خلال مرحلة المواجهة، لانتهي الجهاد إلي الفشل بالتأكيد، لكن الإمام الخميني الجليل قدس سره وقف بإيمان واستقامة وقوة روحية وأمل بالمستقبل، وانتهي الجهاد رغم كل صعوباته بالنصر. إنّ الظروف الحالية أصعب وأعقد بكثير من فترة الكفاح. في هذه الظروف ينبغي تجنُّب الرؤى القصيرة المدى والمرحلية، وتأمين استمرار الحركة نحو الأمام بفضل الإيمان بالإسلام، والاعتماد علي الشعب، والروح الآملة المتفائلة. 
 
 
 
 
 
 
113

92

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 إنّ من واجبات علماء الدين ورجال الدين الحفاظ علي روح الأمل لدي الناس وخصوصاً الشّباب وتعزيزها. وينبغي بث روح الأمل باستمرار، خصوصاً وأنّ مؤشرات الأمل كثيرة. 


ضمن مؤشرات الأمل: استمرار النجاحات المتصاعدة لشعب إيران، وهذه العظمة الراهنة للشعب الإيرانيّ ومركزيته الفكرية في العالم الإسلاميّ، وسيادة الخطاب الديني في البلاد، وحالات التقدّم العلمي والتقني، والنفوذ السياسي والدولي للنظام الإسلاميّ، والمشاريع التحتية المتعلقة بالعدالة في البلاد، مكتسبات كبيرة لم يكن بالإمكان تصوّرها قبل الثورة الإسلامية أو في بداية انتصارها. 

هذه المكتسبات دليلٌ علي تقدم النظام الإسلاميّ. وهناك مؤشر آخر من مؤشرات التقدم، هو اضطراب العدو وتخبّطه وغضبه وحدّة تصرفاته. فلو لم يكن النظام الإسلاميّ قد حقّق تقدماً، لما أصيب الأعداء بكل هذا الاضطراب والغضب. 

إنّ الملف النووي من التحدّيات التي تواجه النظام الإسلاميّ. طبعاً لم يكن هذا التحدي خلاف مصلحتنا ولن يكون. 

إنّ الحظر الاقتصادي أحد هذه التحديات. وذريعة الحظر الاقتصادي هي بالظاهر الملف النووي، لكن سببه الرئيسي هو هدف طويل الأمد يرنو إليه الغربيون. فالهدف الرئيس من هذا الحظر، جعل الشعب الإيرانيّ في مواجهة النظام الإسلاميّ. فقد كان أمل الغربيّين أنه بالضغط علي الشعب سوف يتجّه لمواجهة النظام الإسلاميّ، لكن ما حدث في 22 بهمن هذا العام كان بخلاف ميولهم وطموحاتهم. فالمشاركة الملحمية الواسعة للشعب في تظاهرات 22 بهمن لهذه السنة موضوع كبير ومهم. وتشير التقديرات الدقيقة ودراسات الخبراء وأصحاب التجارب إلي أن مشاركة الشعب في تظاهرات 22 بهمن لهذا العام كانت أضخم من السنوات الماضية وأكثر كثافة وصلابة وحيوية. 

ما معني مثل هذه المشاركة، التي كان يظلّلها التفاؤل من قبل الجماهير، علي الرغم من المشكلات الاقتصادية، وبعد مضي 34 عاماً علي انتصار الثورة
 
 
 
 
 
 
114

93

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 الإسلامية؟ إنّ معني هذه المشاركة الصلبة هو في الحقيقة ردّ الشعب الإيرانيّ علي ما سمّاه الأعداء حظراً شالّاً، وتأثير هذه المشاركة مشهود في الساحات الدولية. 


إنّ الانتخابات في نظام الجمهورية الإسلامية من أفضل الانتخابات في العالم وأكثرها حرية ومطابقة للموازين والمعايير. وإنْ أصرَّ بعضهم علي اعتبار دراسة أهلية المرشّحين للانتخابات إشكالاً في النظام الإسلاميّ، فهذا كلام غير علمي وصبياني، لأن دراسة أهلية المرشّحين واجتيازهم المعايير القانونية شيء موجود في ديمقراطيات العالم. وإنّ الهدف من دراسة أهليّة المرشّحين للانتخابات تقديم أشخاص يتحلون بالشروط اللازمة وبما يتناسب مع ميول الشعب وأهدافه في الانتخابات، ولذلك يجب أن يشارك في الانتخابات أفراد ذوو أهلية وقدرات ومستويات كافية لتولي مسؤولية رئاسة الجمهورية. 

هناك مسؤولية جسيمة على مجلس صيانة الدستور في دراسة الأهليّات، يجب علي أعضاء مجلس صيانة الدستور كما عملوا لحد الآن علي أساس القانون، أن يعملوا في انتخابات رئاسة الجمهورية أيضاً ضمن إطار القانون، وفي نهاية المطاف يستطيع الشخص الذي يجتاز هذه الغربلة علي أساس الضوابط القانونية الترشُّح للانتخابات. 

بعض المشكلات الاقتصادية ناجمٌ عن الحظر الاقتصادي، وبعضها له علاقته بالإدارة والسياسات الاقتصادية، لكن النقطة المهمة هي أن هذه المشكلات ممكنة الحل. ولقد أوصيت المسؤولين توصيات مؤكدة بحلّ مشكلة الغلاء، ويجب عليهم الآن أن يقدّموا تقاريرهم حول ما فعلوه. علي المسؤولين أن يخططوا ويبرمجوا ويسعوا لحلّ هذه المشكلات ، لأن هذه المشكلات ممكنة الحل بالتأكيد. 

إنّ التحديات التي تواجه النظام الإسلاميّ بما في ذلك الحظر، وخصوصاً منع استيراد بعض البضائع، هي لصالح البلاد وستكون نتيجة هذا الحظر العودة إلي الذات والتدفق الداخلي، كما حدث بالنسبة لليورانيوم المخصّب بنسبة 20 % الذي يحتاجه مفاعل طهران للبحوث. 
 
 
 
 
 
 
115

94

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 إنّ أعداء الشّعب الإيرانيّ بسبب عدم معرفتهم بهذا الشعب، وأخطائهم في الحسابات، اقترحوا في هذه القضية، (إنتاج الأدوية الراديوية في مفاعل طهران)، طرقاً معقدة ومتعرّجة وعجيبة وغريبة، وكان احتمال وصول اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 % عن هذه الطرق صفراً، لذلك لم يرضح النظام الإسلاميّ لهذه الاقتراحات. وقد رسموا خطة أخري لتحريض الرأي العام العالمي وأصدقاء إيران، فطالب الرئيس الأمريكي من رئيسيّ تركية والبرازيل أن يتوسّطا لتقبل إيران حلاً وسطاً. وقد قلتُ للمسؤولين في ذلك الحين إن متابعة هذا الحل لا إشكال فيه، لكن اعلموا أن الأميركيّين لن يقبلوه، وهذا ما حصل. حيث أراد الأميركيّون الإيحاء للرأي العام العالمي بأن إيران لا توافق على الحلول المنطقية، لكن ما حدث أثبت حقيقة مهمة هي لا منطقية الأميركيّين أنفسهم. 


ومثلما أنّ الحظر في خصوص اليورانيوم المخصّب أدي بالخبراء الشّباب في البلاد إلي اعتمادهم علي علومهم وقدراتهم الذاتية، والوصول إلي تقنيات اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 % وتبديله إلي صفائح وقود، يمكن أيضاً في الحالات الأخرى أن تنتهي الضغوط لصالح البلاد. 

فالواقع أن البلدان التي فرضت حالياً الحظر علي الشعب الإيرانيّ تعاني هي نفسها من مشكلات اقتصادية أصعب وأثقل وأعصي علي الحلّ بكثير مما لدينا. لقد وقعت أمريكا وأوروبا اليوم بين محذورين، وراحتا تسيران نحو استهلاك قوّتهما الاقتصادية. فالغربيون، فضلاً عن مشاكلهم الاقتصادية، يعانون من مشكلات ناجمة عن الحظر علي إيران، هذا في حين لا يمتلكون حلاً لمشاكلهم، بينما تمتلك إيران حلاً لمعضلاتها الاقتصادية. 

من المهمّ والضروري تعزيز روح الأمل بين الناس أكثر فأكثر. إذا كان لنا عقيدة قلبية حقيقية بأن جميع الأمور بيد الله تعالي، وهو حاضر وناظر وسامع ومجيب، فإن كل همومنا ومشكلاتنا ستزول، خصوصاً وأن النظام الإسلاميّ ذو عزيمة راسخة، وله شعبه الصالح المؤمن، وأهدافه الواضحة، وطريقه المرسوم. 
 
 
 
 
 
 
116

95

استقبال الإمام الخامنئي دام ظلّه أعضاء مجلس خبراء القيادة

 أبارك انتخاب آية الله الشيخ مهدوي كني لرئاسة مجلس خبراء القيادة ثانية. وشعور نواب مجلس خبراء القيادة بالمسؤولية حيال قضايا البلاد المهمة وموضوعات من قبيل الإذاعة والتلفزيون علي جانب كبير من الأهمية، ويجب أن تستمر. 


إن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون منظومة تقنية فنية سياسية مؤسساتية معقّدة، والمسؤولون في الإذاعة والتلفزيون أشخاص صالحون ومتديّنون وملتزمون بالقيم، لكن التوقّعات والآمال من الإذاعة والتلفزيون أيضاً عالية. 

إنّ تحقيق التوقّعات المرجوّة من الإذاعة والتلفزيون منوطٌ بنظرة طويلة الأمد للمسؤولين فيها واجتناب النظرات المؤقتة وقصيرة المدى.
 
 
 
 
 
 
 
117

96

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة



المناسبـة: اللقاء السنوي مع الرياضيين
الحــضـور: حشد من الأبطال الرياضيين والفائزين بميداليات في المسابقات الرياضية الدولية والألعاب الأولمبية والباراولمبية
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
21/12/1391 هـ.ش.
28/04/1434 هـ.ق.
11/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
119

97

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 بسم الله الرحمن الرحيم

إنّني مسرورٌ جدّاً بلقائكم أيّها الأعزّاء، الأبطال وصنّاع المفاخر، لأنّكم بحمد الله تمكّنتم، بهمّتكم وإرادتكم وعزمكم الرّاسخ، من فتح القمم. وكما يبلغ متسلّقو الجبال قمم الجبال بكدحهم وسعيهم الحثيث وتخطّيهم للموانع الصخريّة وسيرهم على الأرض الحجريّة فيتحوّلون إلى أسباب الفخر، فإنّ قمم المفاخر المعنويّة والوطنيّة عندما تُفتتح بواسطة الشّباب فإنّها تكون ذات قيمة عظيمة حقّاً وهذا ما فعلتموه أنتم.

الرياضيّ: إرادةٌ قوية وعزمٌ راسخ
يوجد مؤثّران وعاملان مهمّان في الأبطال، يجب الالتفات إليهما: الأوّل هو المسألة الشخصيّة، والثاني المسألة ذات البعد الاجتماعيّ والعموميّ. ففي المسألة الشخصيّة يُظهر الشّباب الذين ينالون البطولات ويثبتون أنّهم يتمتّعون بخصائص مميزة، على سبيل المثال: الإرادة القويّة. فلو لم يكن الرياضيّ صاحب إرادة قويّة وعزمٍ راسخ حتماً لما تمكّن من الوصول إلى مرحلة البطولة. فلو لم يكن هناك إرادة، لا تتحقّق الرياضة من أساسها. وبالرغم من كل ما يُقال حول الرياضة ـ الرياضة العاديّة والليونة الصّباحيّة ـ لكنّ بعض الناس ليسوا مستعدّين لتمضية عشر دقائق أو ربع ساعة من وقتهم في هذا الأمر. وهذا يعبّر عن قلّة الإرادة. وهنا عندما يقوم الشاب بالتمارين الرياضية ويتحمّل المتاعب والمصاعب الجسمانيّة للرياضة ويتحرّك بكلّ حماس ورغبة نحو تنمية استعداداته الجسمانيّة والبدنيّة، فإنّه يظهر هذا العزم الرّاسخ. هذه هي النّقطة المتعلّقة بالخاصّيّة الشخصيّة.
 
 
 
 
 
 
 
121

98

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 الرياضيّ: ذكاءٌ فائق وثقةٌ عالية

النقطة الأخرى، مسألة الذكاء. فما من بطلٍ يمكنه الوصول إلى البطولة دون امتلاك ذكاء متفوّق. فجميع أنواع الرياضة هي من هذا القبيل أي أنّ هذا الأمر لا يتحقّق بمجرّد أن يكون الإنسان صاحب قوّة ويمارس هذه القوّة، كلّا، فالقوّة غير كافية، والذكاء ضروريٌّ، سواء في التمارين الجماعيّة (الرياضة المشتركة) أم في التمارين الفرديّة، سواء في المصارعة أم في رفع الأثقال أم في تسلّق الجبال أم في الرّياضات القتاليّة وأمثالها، فما لم يكن هذا الإنسان وذاك المقاتل وهذا الرياضيّ متمتّعاً بالذكاء، ولم يكن الذهن فعّالاً وحادّاً وباحثاً متفحّصاً فلا توجد إمكانيّة للوصول إلى المراحل الأعلى. لهذا، عندما ننظر إلى أيّ بطلٍ، نشاهد فيه مظهر الذكاء والهمّة والإرادة والاقتدار الجسمانيّ والكثير من الخصال الأخرى. وبالطبع إنّ الثّقة بالنّفس تكون عالية لدى الأبطال الرياضيّين. وبحسب القاعدة فإنّه لا يحتاج إلى تلك الأمور التي يقوم بها الأفراد الضّعفاء، كالتملّق والكذب والغشّ والظهور بوجهين. وبالطبع، نحن لا نقول إنّ جميع الرياضيين ليسوا متّصفين بهذه الصّفات وهم بريئون منها، كلّا، فالبشر يزلّون، لكنّ طبيعة البطولة هي أنّها يمكن أن تكون غريبة وبعيدة عن هذا النّوع من الخصال الأخلاقيّة ورذائل الأخلاق. لهذا، هذا هو الجانب الشخصيّ للأبطال.  

الرياضيّ: أحد مظاهر اقتدار الشعب
الجانب العموميّ والاجتماعيّ للبطل هو أنّه يزيد من الثّقة الوطنيّة ويفيض على أفراد شعبه حالة الثّقة بالنّفس لأنّه بمثابة مظهر من مظاهر الاقتدار في أيّ شعبٍ في فرعٍ. ويمكن من خلال رياضة أيّ بطلٍ الترويج للرياضة العامّة. والرّياضة العامّة هي من ضروريات الحياة كالغذاء والتنفّس، ويجب الاعتناء بها. وهذا من الجوانب الأخرى للائحة الطويلة للآثار الاجتماعيّة للرياضة.
 
 
 
 
 
 
 
122

99

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 الرياضيّ: حامل رسالة ومبلِّغ حقيقيّ

والمسألة الأخرى، أنّ الألعاب الرياضية والبطولات، حيث أصبحت المباريات الدّوليّة اليوم رائجة وشائعة وتشيع، هي مظهر ميول واستعدادات أيّ شعبٍ وتشخُّص هويّته. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدّاً. فإن ظهوركم في ميادين الرّياضة بهذه الأخلاق الإنسانيّة وهذه الفتوّة ـ ولحسن الحظّ أنتم كذلك ـ يجعلكم بنظر المشاهدين عبر العالم وهم يتعدّون الملايين، والمليارات في بعض الحالات ، حملةَ رسالة (وحقيقة) من داخل بلادكم، لا يمكن تبليغها بأيّ لسانٍ آخر. فالبطل بفتوّته وتديّنه وإنسانيّته هو مبلّغٌ حقيقيّ. ونساؤنا وبناتنا الرّياضيّات بنزولهنّ إلى الميادين بالحجاب، يقدّمن أمراً مهمّاً جدّاً. أنا لا أعلم إن كان لدى أولئك الذين يدرسون ويقيّمون أحداث البلد تقييمٌ صحيحٌ لهذه المسألة أم لا. لكنّ هذا أمرٌ استثنائيّ. ففي دولةٍ من دول أوروبا، يتمّ فيها التجرّؤ على امرأة بجرم أنّها محجّبة ويضربونها بالمطرقة حتى تُقتل وذلك في المحكمة وأمام عينّي القاضي، هذا يحدث. فهم لا يخجلون، يتعرّضون للنّساء المحجّبات، في الجامعة وفي المنتديات الرياضيّة وفي الحدائق العامّة وفي الشوارع تحت حجّة القانون الذي وضعوه بأنفسهم. هناك وفي هذه الأجواء وداخل هذه البلدان تأتي امرأةٌ محجّبة وفي مستوى البطولة وتقف على منصّة البطولة وتفرض على الجميع تكريمها وإجلالها، فهل هذا أمرٌ بسيط؟ إنّ هذا عملٌ عظيمٌ جدّاً.

لقد تفوّقتم على أميركا 
وفي الواقع يجب على الجميع أن يشكروا من أعماق قلوبهم نساءنا الرّياضيّات اللواتي ينزلن إلى الميادين محجّبات عفيفات بكلّ وقارٍ وهيبة. وكذلك بالنّسبة لرياضيّينا الجرحى والمعوّقين الذي يبعث أمرهم على الحيرة. فعندما يرى النّاس كيف أنّ العاهة الجسمانيّة التي أصيب بها هذا الشاب لم تحُل بينه وبين الحياة العاديّة، بل إنّه كان بمستوىً من الهمّة والعزم والإرادة القويّة بحيث تمكّن من أن يصبح رياضيّا، وأن يصل بالرّياضة إلى المستوى الذي يوصله إلى منصّة البطولة، إنّ هذا مؤشّرٌ لعزم وإرادة
 
 
 
 
 
 
 
123

100

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 شعبٍ وهو يدلّ على امتيازه وهويّته. وعندما أقوم أنا بشكركم، عندما تنالون فوزاً ما، فإنّ خلفيّة هذا الشكّر هو الشعور الصّادق والحقيقيّ الموجود في نفسي، فأشعر في الواقع أنّكم بهذا العمل قد قدّمتم خدمةً لبلدكم وشعبكم وأهلكم وأنتم تبلّغون رسالاتٍ لا يمكن إيصالها بأيّة وسيلةٍ أخرى: رسالة العزم والإرادة، ورسالة الصّمود، ورسالة الإيمان. فالرياضيّ منّا بعد فوزه في تلك الميادين، ونيله المرتبة الأولى على العالم، يطلق شعار "يا حسين"، أو يخرّ ساجداً أو يرفع يديه شكراً للّه...هل تعلمون أيّ حماس يحدث في الأمّة الإسلاميّة وبين الشعوب المسلمة بمثل هذا العمل؟ في هذا العالم الذي يسعى إلى سوق الجميع وخصوصاً الشّباب نحو اللاإيمان واللامبالاة والإعراض عن المعنويّات، يأتي منّا شابٌّ مميّزٌ في ميدان الرّياضة ـ وليس شابّاً عاديّاً ـ ويظهرمثل هذا التوجّه نحو المعنويّات. فهذه الأعمال مؤثّرة جدّاً ومهمّة كثيراً. ما أريد أن أقوله لكم هو أن تعرفوا قدركم. فهناك الكثير من الأعمال الكُبرى تُنجز في ميادين البطولات. 


ولحسن الحظّ إنّ إيران الإسلاميّة وبعد انتصار الثّورة قد حقّقت تقدّما مذهلاً في هذا الاتّجاه وعلى هذا الطّريق. فأنتم اليوم متقدّمون في الكثير من الميادين. ففي وقت تصارعون فيه وتصرعون خصمكم الّذي جاء من دُولٍ ذات قدرٍ، أرضاً، وتقفون على منصّة الفوز والبطولة، حسناً إنّ هذا مميّزٌ جدّاً ومهمٌّ للغاية، ولكن إذا حسبتم هذه الأعمال بالمجموع فإنّها تكون هكذا أيضاً. يعني افرضوا أنّه في إحدى المباريات العالميّة ـ وهذا ما حدث ـ أنتم تشاركون بـ54 رياضيّاً، وتنالون 12 ميداليّة، والولايات المتحدة الأميركية تشارك بـ 530 رياضيّاً وتحصل على 110 ميداليّات. ولو أرادت أميركا أن تنال ميداليّات بقدركم لكان يجب عليها أن تحصل على 120 ميداليّة. فأميركا تشارك بعشرة أضعافٍ من الرياضيين ويجب أن تنال عشرة أضعاف الميداليّات التي تحصلون عليها، أي 120 ميداليّة، ولكنّها لم تحصل عليها، أي أنّها كانت أقلّ منكم. وهذا يعني أنّه لو أردتم أن تشاركوا في الفروع المختلفة وبمثل هذه القدرة والطّاقة والاستعداد الموجود عندكم لتقدّمتم وتفوّقتم على الجميع. إنّ هذه أمورٌ ذات أهميّة. وهذه وقائعُ تدلّ على استعداداتنا.
 
 
 
 
 
 
 
124

101

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 إيران: موطن القابليّات والاستعدادات 

وها نحن اليوم نتكلّم عن الرّياضة، بيد أنّ القضيّة لا تنحصر بالرّياضة، فلحسن الحظّ الأمر هو كذلك في مجال العلم، وأيضاً بالنسبة للتحقيقات والأبحاث وسعة التدقيق والتحقيق فيما يتعلّق بالقضايا سواءٌ في المجالات الاقتصاديّة أم السياسيّة أم الإداريّة أم الدّوليّة، فأينما كان هناك عملٌ صادرٌ عن الطاقات الإيرانيّة، فإنّنا نشاهد علامات التقدّم والتطوّر فيه. هذه هي استعداداتنا وقابليّاتنا وهذا هو بلدنا. وإنّما نال تاريخنا كلّ هذا المستوى من السموّ والذّروة لأجل هذا. فابن سينا والفارابي ومحمّد بن زكريّا الرّازي وسعدي وحافظ وأمثال هؤلاء ما كانوا قد نشؤوا وترعرعوا في مجتمعٍ ذي مستوىً متدّنٍّ بل إنّ هذا يدلّ على وجود قابليّات واستعدادات متراكمة في هذه المنطقة من العالم. حسنٌ، إنّ هذه الاستعدادات وبسبب هيمنة القوى القامعة والمستبدّة والمعزولة عن الشّعب والعلمانيّة والفاقدة للفضائل المعنويّة والإنسانيّة قد ابتُليت بالرّكود. واليوم لحسن الحظّ، قامت الثّورة بعملٍ أدّى إلى بروز هذه الاستعدادات في جميع الأماكن وبالخصوص في مجال الرّياضة.

حسنٌ، هذه مناقبكم أيّها الأعزّاء التي قلت فيها إنّكم قمم. فأنتم بأنفسكم تُعتبرون قمماً، وكذلك ما تقومون به في الواقع هو حركة نحو القمّة وتحريكٌ جمعيٌّ باتّجاه القمم. وكلّ ذلك فائق الأهميّة. لقد قلنا إنّكم سفراء إيران وهويّتها وامتيازها، فحافظوا على هذه الخصائص. فما تقومون به عند سفركم من إظهار شعبكم كشعبٍ صاحب إرادة وعزمٍ راسخ وإيمانٍ وتمسّك بالشّرع وامتلاك الاستعدادات والامتياز، كلّ ذلك له أهميّته الفائقة. يجب عليكم أن تحافظوا على هذه الأمور ولا تسمحوا بأن تُخدش.

فليمارس جميعنا الرياضة
إنّ شباب البلد ينظرون إليكم وأنتم تروّجون الرّياضة بعملكم، وأنا أوصيكم أن 
 
 
 
 
 
 
 
125

102

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 تقوموا بهذا بألسنتكم أيضاً. بمعنى أن تشجعوا شباب البلاد من خلال أحاديثكم وتصريحاتكم ولقاءاتكم العامّة والاجتماعيّة والإعلاميّة وفي اللقاءات التلفزيونيّة وأمثالها، واطرحوا تجاربكم في الرّياضة حتّى تشجّعوا الشّباب. نحن بحاجةٍ إلى أن يمارس جميع أبناء الشعب الرّياضة. هذه هي حاجة البلاد في الواقع. فوجود الطاقات البشرية السّالمة يُعدّ من حيث الأهمّيّة في الدّرجة الأولى للبلاد، لأنّ تقدّم أيّ بلدٍ يكون بطاقاته البشريّة. إنّ المصادر والمناجم والثّروات الباطنيّة والطبيعيّة هي أمورٌ جيّدةً جدّاً، ولكن لو لم يكن هناك طاقات بشريّة وقدرات في البلد فسوف يحصل ما تشاهدونه اليوم في بعض الدّول التي تمتلك مثل هذه الثّروات الطبيعيّة حيث يأتي الآخرون ويستغلّون هذه الثّروات ويقومون بسوق أبناء هذا البلد نحو المزيد من الكسل. يجب تنمية المواهب البشريّة لكي تصبح الثّروات الطبيعيّة في خدمة المجتمع حقّاً. لهذا، فإنّ القوى البشريّة هي أهمّ عاملٍ.


يجب أن تكون الطّاقات البشريّة عالمة، وصاحبة همّة، ومتديّنة، وسالمة. والسّلامة الجسمانيّة هي الشرط الأساسيّ. فإقبال النّاس على الرّياضة يحلّ الكثير من المشاكل والمعضلات الاجتماعيّة والأخلاقيّة، كقضيّة الإدمان والنّزاعات العائلية والمحليّة، ومشاكل العمل والأعصاب وغيرها وغيرها...فلو راجت الرّياضة وصارت حالةً عامّة في البلد ـ وبالطبع إنّها اليوم أفضل من السّابق، ولكنّنا ما زلنا بحاجة إلى هذا الأمر حتّى الآن ـ فإنّ الكثير من المشاكل سوف تُحلّ، ويمكنكم أن تكونوا في هذا المجال مؤثّرين أي تصبحوا مروّجين للأخلاق والتقاليد الإيرانيّة.

وما قام به بعض شبابنا في ميدان المباراة من رفضهم للتّباري مع الصّهيونيّة يُعدّ أمراً مهمّاً جدّاً. ولأجل هذا نجد مستكبري العالم يغضبون بشدّة. فقد حدث هذا الأمر عدّة مرّات، وأظهروا ردّات فعلٍ شديدة. إنّ ما قام به شبابنا هؤلاء هو في غاية الأهمّيّة، أي أنّه في الواقع مسعىً دبلوماسيّ حسّاسٌ جدّاً ومهمّ للغاية في مواجهة الكيان الصهيونيّ. إنّ هذا العمل الذي أُنجز كان له أهميّة فائقة.
 
 
 
 
 
 
 
126

103

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 لرياضةٍ ملؤها الأخلاق 

وقضيّة أخرى أؤكّد عليها هي قضيّة الأخلاق في الرّياضة. لقد قال أعزاؤنا، وأنا لديّ اطّلاع وأوافقهم، إنّ مجتمعنا الرياضيّ ولحسن الحظّ يُعدّ مجتمعاً سالماً من النّاحية الأخلاقيّة، لكن يجب الإصرار كثيراً على هذه القضيّة، إذ يوجد مزلّات. فالشّابّ الرياضيّ عندما يصبح في معرض الموجات الإعلاميّة وتحت أنظار العالم وعلى مرأى ومسمع من الرأي العام فإنّه يصبح في معرض الخطر الأخلاقيّ. يجب علينا أن نحرص على صون أنفسنا من هذا الخطر الأخلاقيّ. فأنتم الرّياضيّون في الدّرجة الأولى ومن بعدكم المسؤولون الرّياضيّون وأولئك الّذين لديهم اهتمام بهذه القضايا من مختلف المديريّات وعلى ارتباطٍ مع هذه القضايا يجب أن يلتفتوا إلى القضيّة الأخلاقيّة في الرّياضة. إنّ قضيّة الأخلاق في الرّياضة مهمّة جدّاً. فعدم الاغترار والحفاظ على الرّوحيّة الشعبيّة والفتوّة والحضور بين النّاس والتحرّق والحرص عليهم هي أمور مهمّة جدّاً. ووجود مثل هذه الخصائص في الإنسان هو قضيّة، وبقاؤها فيه قضيّة أصعب. فيجب على الإنسان أن يحافظ على مثل هذه الأمور.

برأيي إنّ بعض الناس من خلال نشر التّهم والأكاذيب وبثّ النّزاعات بين الفئات الرّياضيّة، يقومون بتخريب الأجواء الرّياضيّة. وللأسف فإنّ دور وسائل الإعلام الرّياضيّة في هذه الممارسات الخاطئة ليس قليلاً. وهنا يجب عليّ أن أذكّر وأحذّر. فبعض الوسائل الإعلامية الرّياضيّة يصبح أكثر فرحاً وسروراً عندما تكتشف شيئاً صغيراً ضدّ شخصٍ أو تيّارٍ رياضيّ أو فريقٍ أو اتّحادٍ، وتستغلّ هذا الأمر وتجعله سبباً للنّيل من هذا وذاك وإيجاد النّزاعات وتحصل التّصريحات فيقوم هذا بالرّد بشدّة. وكلّما ازدادت هذه التّصريحات سوءاَ وشدّةً وكلّما ازداد فيها الكلام البذيء والفضائح تزداد تلك الوسائل الإعلاميّة فرحاً وسروراً! إنّ هذا أمرٌ سيّئ. ويجب على هذه الوسائل الإعلاميّة أن تتحرّك بالاتّجاه المقابل تماماً وأن تعمل عكس ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
127

104

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 قدرات تحقِّق بطولات

هناك نقطةٌ أخرى ذكرتها مراراً ـ فهي ترتبط بمسؤولي الرّياضة ـ وهي ضرورة مراعاة الأولويّات في الحقول الرّياضيّة. لبعض الفروع الرّياضيّة في بلادنا سوابق واستعدادات جيّدة وتجارب ـ أي أنّنا نمتلك قدرات مختلفة فيها ـ ومثل هذه الفروع تحقّق البطولات. وقد كنت في السّنوات السّابقة آتي على ذكر بعضها.
 
حسنٌ، نحن لا نملك أيّة مرتبة في العالم في هذا النوع من الرّياضات، وليس لدينا أيّ حظّ، ولا نسعى لنيل هذه الرّتبة ـ ولهذا أيضاً أسبابه بالطّبع ـ ولكن حقّقنا في بعض الأقسام الرّياضيّة في العالم درجات. أنتم اليوم قد وقفتم على منصّة البطولة في العالم ـ في المصارعة أو في رفع الأثقال أو في بعض الأقسام الأخرى ـ وهذا مهمٌّ جداً. قبل عدّة سنوات ـ لا أذكر في أيّة سنة ـ وعندما جاء بعض أعزّائنا الرياضيين إلى هنا والتقينا بهم، أتيت على ذكر "التشوغان"1 على سبيل المثال. حسناً إنّ التشوغان هي رياضتنا نحن الإيرانيين، وهي من عندنا، وهي رياضة جيّدة وممتعة أيضاً. ويوجد في إيران استعداد لهذه الرّياضة. ولو لم يكن ذلك لما وُجدت. وطوال التّاريخ، كانت رياضة التشوغان في إيران أمراً معروفاً، وأيضاً بعض الرّياضات القديمة التي عُمل عليها وبُذل فيها الكثير من المساعي. إنّ هذه أعمالٌ جميلة عندما تُنجز. وعلى كلّ حال حافظوا على الأولويّات واهتمّوا أكثر بتلك الفروع الرّياضيّة التي لها جذور وأصول، وخصوصاً تلك التي توجد فيها القدرات والاستعدادات وبالأخصّ إذا وُجد لها مدرّبون محلّيّون.
 
لا مانع من ذلك
قال أحد الإخوة إنّه علينا أن نستفيد من المدرّبين الأجانب. وأنا لا أعارض. فلا ينبغي أن يُتصوّر أنّني أعارض الاستفادة من مدرّبٍ أجنبيٍّ جيّدٍ نافع، لكنّكم 



1 إحدى الألعاب الإيرانية القديمة. تضم فريقين, أربعة لاعبين لكل فريق. تعتمد على ركوب الفرس وضرب الطابة بعصا خشبية نحو شبكة الفريق المقابل, ويحسب دخول الطابة في الشباك نقطة, وتحتسب فقط النقاط التي تكون من خلال الرمي ركوبا. ولهذه اللعبة أشواط عديدة...
 
 
 
 
 
 
 
128

105

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 عندما تستفيدون من مدرّبٍ محلّيٍّ في كرة القدم أو كرة السلّة أو الكرة الطّائرة أو المصارعة أو أيّة رياضة أخرى، فإنّني أشعر بالسّرور والعزّة. إنّه لأمرٌ ممتاز أن يكون مدرّب أبنائنا وشبابنا واحداً منّا، وأن يكون ممّن تدرّب هنا. بالطّبع، إنّ بعض المدرّبين الأجانب جيّدون، وبعضهم الآخر ليس كذلك، فمنهم من يأخذ الكثير من المال وينتظر الكثير وفي بعض الأحيان لا يقوم بالعمل المطلوب، يوجد من هم كذلك. لهذا، إذا جرى الحديث في بعض الأحيان عن المدرّب الأجنبيّ، فكلامي يكون متوجّهاً إلى هذا الأمر.


أدخلوا العلم في الرياضة
وقد تحدّث بعض الأصدقاء عن إدخال الجانب العلميّ في الرّياضة. وهذا أمرٌ صحيحٌ تماماً. وهذا رأيي وذكرته مراراً. ففي المجالات الرّياضيّة ـ تلك التي لها قواعد علميّة ـ فليجرِ التعمّق العلميّ ولتجرِ الأعمال المتضافرة على الأبحاث العلميّة. 

افرضوا أنّ شيئاً ما في عالم اليوم قد اكتُشف في مجال الرياضة الفلانيّة وصار يُعمل عليه، فإنّ هذا لن يكون آخر الكلام ـ كالكثير من الأعمال العلمية الأخرى ـ فمن الممكن أن يضاف إليه الكثير من الكلام ويُنتقد بحيث يمكن أن تنضج (هذه الأمور المكتشفة) وتتكامل أو تنسخ. حسنٌ، فلنقم بهذه الأعمال في إيران. نحن الذين لدينا كلّ هذا التطوّر في المجالات العلميّة الصّعبة إنّما حصلنا على ذلك بواسطة هؤلاء الشّباب. لقد أنجزنا أعمالاً ما كان ليخطر على بال أعدائنا أن الإيرانيّ يمكنه القيام بها. حسنٌ، لقد أنجزنا هذا أيضاً.

لقد كان وقود المفاعل النوويّ البحثيّ في طهران على وشك النفاد، فقيل لنا يجب عليكم أن تعطوا اليورانيوم الموجود عندكم بنسبة 3.5 % إلى الدولة الفلانيّة لكي تقوم بتحويله إلى 20 % ثمّ بعد ذلك تقوم هذه الدّولة بنقله إلى دولةٍ أخرى لتحويله إلى وقود، ثمّ بعد ذلك إذا سمح سادة العالم يمكن أن نحصل على هذا الوقود! أي ينبغي أن يعبر عدّة منازل وهو بالتأكيد لم يكن ليحصل فعلاً. لو أردنا أن
 
 
 
 
 
 
 
129

106

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 نشتري منهم الوقود النوويّ الذي تحتاجه هذه المفاعل البحثيّة الموجودة عندنا، ما كانوا ليعطونا منه حتى ذرّة واحدة ما لم يذلّوا شعب إيران ويهينوه. لقد قلت ذات يوم إنّه لو كان هذا النفّط الذي نمتلكه اليوم للأوروبيين وأردنا أن نشتريه منهم أو نشتري البنزين لباعونا إيّاه بالقنّينة وبأثمان باهظة. هكذا هم. حسنٌ، لقد كانوا يظنّون أنّنا سنضطرّ إلى أن نخضع لهم من أجل شراء الوقود بنسبة 20 % فأوجدوا لنا هذه الموانع. لكنّ شبابنا جاؤوا وقاموا بكلّ هذه الأبحاث واستطاعوا أن يصنعوا هذا الوقود بنسبة 20 %. 

 
وبعدها ظنّ أولئك أنّنا لن نتمكّن من صناعة رقائق وقضبان الوقود لكنّ شبابنا تمكنّوا وحصل هذا الأمر. ها هم اليوم حيارى أمام إنجازات شعب إيران!
 
ها هي الأعمال المعقّدة والضخمة تُنجز، فما هي المشكلة في إنجاز أعمالٍ كبرى في مجال الرّياضة؟ القواعد الموجودة اليوم فيما يتعلّق بالرّياضة في العالم سواءٌ الرّياضات الفرديّة كالمصارعة أو رفع الأثقال أم الرّياضات الجماعيّة ينبغي أن تخضع للبحث العلميّ الدقيق ويضاف إليها، ويتمّ إصلاح بعض أقسامها.
 
فتقدّموا بالرياضة من الناحية العلميّة. هذا فيما يتعلّق بالرّياضات التي لها قواعد رياضيّة وعلميّة في العالم وهي عادية. وبعض الرّياضات الموجودة عندنا والتي ليس لها قواعد علميّة معروفة، يجب أن نضع لها قواعد علميّة ـ حيث يمكن ذلك ـ مثل تلك الرّياضات القديمة التي ذُكرت. بعض هذه الرّياضات المحلية القديمة هي رياضات جميلة جدّاً. مثل هذه المسمّاة بـ "ميل غرفتن"1 والتي يسمّيها المشهديّون "غوارغيه"، فهذه رياضة جميلة، أو مثلاً رياضة الدولاب " تشرخ". حسنٌ، فما هي المشكلة في أن نصنع لهذه الرّياضة قواعد ولتصبح في عداد الرّياضات العامّة؟ أو هذه الرياضات المشابهة الموجودة في رياضاتنا القديمة.
 
على كلّ حال أملنا أنّ الله تعالى بمشيئته سيوفّقكم جميعاً. وإنّني أشكر شبابنا الّذين شاركوا في المباريات في الميادين المختلفة على ما قاموا به من أفعال ـ 



1 نوع من حمل الأثقال وتحريكها.
 
 
 
 
 
 
130

107

في الرياضيين الروّاد والمدرّبين والفائزين في المسابقات العالميّة

 كقراءة الأذان على القمم التي تناطح السّحاب أو السّجود في ميادين المباريات أو رفع الأيدي بالدعاء أو ذكر أسماء الأئمّة أو الحفاظ على العفاف الدّينيّ، أشكرهم من صميم القلب جميعاً. إن شاء الله تنالون توفيق الله فأنتم نور عين شعب إيران وستكونون كذلك إن شاء الله.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
 
 
131

108

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد 

محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

المناسبـة: إقامة مؤتمر تكريمي للعلّامة اليزدي قدس سره
الحــضـور: أعضاء هيئة تكريم العلامة اليزدي قدس سره
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
24/12/1391 هـ.ش.
01/05/1434 هـ.ق.
14/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
133

109

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية، أشكر السادة المحترمين الذين بذلوا جهدهم للتعريف بشخصيّة بارزة مثل شخصيّة المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم اليزدي1، وهذا نفسه يستحقّ الثناء الكبير من قبلي.
 
فقيهٌ مشهور... ولكن 
على الرغم من أنّ السيّد اليزدي هو في مجالسنا العلميّة الفقهيّة من فقهاء الدرجة الأولى ـ أي إنّ كتابه "العروة الوثقى"2 هو في متناول الجميع، والجميع قد كتب التعليقات عليه، فمنذ ظهور كتاب العروة الوثقى، قلّما رأينا فقهاءنا ومراجعنا الذين كانوا يكتبون التعليقات على الكتب الفقهيّة أمثال "نجاة العباد" وبقيّة الكتب الأخرى، يكتبون التعليقات عليها، أي إنّ جامعيّة "العروة الوثقى"، والذوق الرفيع للسيّد في تنظيمه، والمميّزات الكبيرة التي يتحلّى بها، على الرغم من عدم اكتمال أبوابه الفقهيّة، مع ذلك، انصبّت كلّ الاهتمامات على هذا الكتاب، وهذا يدلّ على أهميّة هذا الكتاب وصاحبه ـ وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة لهذه الشخصيّة في الحوزات العلميّة وبين الفقهاء، إلّا أنّ الأمر بين الناس على عكس ذلك، أي أنّ هذه الشخصيّة العلميّة البارزة والعظيمة، غير معروفة لدى الناس. وها أنتم الآن في الحقيقة، تتداركون هذا الأمر، وهو أمر في غاية الأهميّة. (في مؤتمر)



1 بعد إشارة قائد الثورة الإسلاميّة أثناء زيارته لمحافظة يزد في العام 2007م في خصوص إقامة مؤتمر لتجليل المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم الطباطبائي، توبعت هذه المسألة بجهود ممثّل الوليّ الفقيه في محافظة يزد وجهود المحافظة.
2  كتاب العروة الوثقى، في الفقه.
 
 
 
 
 
 
 
135

110

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم، يرتاح بال المرء كون الأعمال العلميّة تُسلّم إلى جناب الشيخ الأستادي، فهو حقّاً وإنصافاً، وكما في الأعمال الأخرى، كامل ومستوفٍ للشروط، ويطمئنّ المرء أنّ العمل سيسير بإتقان إن شاء الله تعالى، و (أنّه لن يكون) كبعض مؤتمرات التكريم والتجليل التي غالباً ما تُقام للشكليّات، وهنا، سوف يُتعاطى مع المسألة بعمق أكبر بعونه تعالى.

 
بالنسبة للأعمال التحقيقيّة، حيث أشار هو إلى كتب المرحوم السيّد1، المسألة كما قال. فكتب المرحوم السيّد طُبعت لكثرة رواجها وشهرتها. والأساس هو العروة الوثقى الذي طُبع كثيراً إلى ما شاء الله، بعدها يأتي حاشية المكاسب، وإنّ حاشية السيّد على كتاب المكاسب هو إجمالاً من أفضل الحواشي على هذا الكتاب. مع أنّ لبعض الحواشي الأخرى ـ كحاشية المرحوم الآخوند وآخرين ـ ميّزاتها الخاصّة. أمّا لو نظرنا فيها جميعاً، (من ناحية) متانة الاستدلال، الجامعيّة، النضج الفقهي، الإحاطة بالأبواب المتنوّعة والاستفادة منها في تنقيح المسألة، فإنصافاً، إنّ حاشية السيّد لا نظير لها. حسنٌ، لأنّ هذه الكتب كانت مورد اهتمام، ولها قيمة ذاتيّة، فقد راجت بنفسها، ولم تكن بحاجة إلى تجديد الطباعة على سبيل المثال. كما لا ينبغي إعطاء كتاب "التعادل والتراجيح" صفة "الرسالة" فهو كتاب مفصّل، وقد طُبع مؤخّراً، (أو) "أسئلة وأجوبة السيّد" أو تلك المواضيع التي أثارها، فإنّها كتب جيّدة جدّاً يجدر نشرها. لكنْ إلى جانب هذا، برأيي، يلزم التعمّق والتحقيق في المباني الفقهيّة للسيّد، لأنّ كتاب العروة كتاب يحوي مواضيع جديدة، وكلاماً جديداً. فلتجمع المباني الفقهيّة للسيّد. 



1 إشارة مسؤول الهيئة العلميّة للمؤتمر بأنّ مؤلّفاته كانت محدودة، وهي عبارة عن: الحاشية على المكاسب المحرّمة، العروة الوثقى وملحقاتها، رسالة التعادل والتراجيح، رسالة جواز اجتماع الأمر والنهي، رسالة منجّزات المريض، رسالة حكم الشكّ في الصلاة، الصحيفة الكاظميّة، كتاب سؤال وجواب (مجلّدان)، الرسالة الإلهيّة، الكلمات القصار (الكلمة الجامعة والحكم النافعة) و...., وكان من المقرّر أن يتمّ طباعة معظم هذه الآثار (التي تقارب العشرين مجلّداً) في المؤتمر، على أن لا تُطبع مجدّداً الآثار التي يوجد لها (في الأسواق) طبعات جيّدة.
 
 
 
 
 
 
 
136

 


111

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 هكذا يكون التكريم

لقد تعوّدنا، على امتداد الزمان، عندما نريد البحث حول العظماء، أن نأتي مثلاً وننقّح كتابه ذاك، ونطبعه. ليس هذا تكريم عالمٍ. أنتم ترون الآن، أنّهم حين يريدون مثلاً البحث حول حقوقيّ، أو فيلسوف أجنبيّ، فجأةً ترون أنّه يجري البحث من مئات الجهات حول صفاته الفكريّة، يُعمل عليها، فلنعمل نحن على هذا الأمر. ما هي الشاكلة الفقهيّة للسيّد اليزدي؟ وما هي خصوصيّات مبانيه الفقهيّة التي ميّزته عن الآخرين؟ أن نستخرج جهات الاختلاف بينه وبين أستاذه الميرزا الشيرازي، وبين أساتذته الآخرين، بينه وبين الشيخ، حيث آراء الشيخ الأنصاريّ متداولة ورائجة في الحوزات العلميّة. أن نستخرج الجهات الخاصّة لهذا العظيم التي تحدّد صفاته (شاكلته) الفكريّة الذهنيّة الفقهيّة. برأيي إنّ هذا الأمر يتطلّب تحقيقاً متيناً. 
 
يمكن الآن أن يكون في عداد المقالات التي ذكرها1، تحقيقات في هذا المجال، لكنّها بالنهاية جزء من مجالات العمل. يمكن أن يأتي أحد الأشخاص أو العلماء والفضلاء ويستنبط استنباطاً ما، ويأتي رجل دين آخر ويعمل بشكل مستقلّ، برأيي يجب العمل على هذا.
 
فاق أقرانه 
يوجد في المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم اليزدي ثلاث ميّزات قلّما وجدت مجتمعةً في رجل دين في مستواه. الأولى تمكّن هذا الرجل وتبحّره ومهارته الفقهيّة. هو، إنصافاً، فقيهٌ كبيرٌ. وكما قرأت في هذه المقالات ـ وكذا في كتاب المرحوم منذر2، وكما ورد في بعض الأماكن الأخرى ـ فإنّ المرحوم الآخوند الخراسانيّ الغنيّ عن التعريف والوصف، قد رجّحه من الناحية الفقهيّة على جميع المعاصرين



1  إشارة مسؤول الهيئة العلميّة للمؤتمر إلى التنسيق الذي تمّ مع المجلّات التخصّصيّة لإعداد أربعين مقالة نوعيّة بالحدّ الأدنى، ونشرها إلى حين موعد إقامة المؤتمر.
2  "آية الله العظمى السيّد كاظم الطباطبائي اليزدي، عَلمُ ساحة الجهاد والاجتهاد"، تأليف المرحوم حجّة الإسلام علي أبو الحسني (منذر).
 
 
 
 
 
 
 
137

112

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 له. ومعاصروه هم المرحوم آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي ـ مع ذلك المقام الحسّاس الذي كان يتمتّع به هذا الرجل ـ المرحوم آية الله السيّد إسماعيل الصدر الذي كان من العلماء الكبار، كذلك المرحوم الحاج آية الله رضا الهمداني، والمرحوم آية الله السيّد محمد الأصفهاني، هؤلاء من المعاصرين له. يُسأل المرحوم الآخوند أنت أفقه أم آية الله السيّد محمد كاظم ـ الظاهر أنّه عادةً ما كان يعبّر عن السيّد محمد كاظم بالـ "آغا" (السيّد) ـ فيظهر تردّداً، بعدها يُسأل عن أفضلية الآخوند على الآخرين، فيقول: عندما يكون "الآغا" (السيّد محمد كاظم) هكذا، يتبيّن حال الآخرين!" أي هناك ترجيح واضح له من قبل الآخوند. وهذا أمر في غاية الأهميّة. أن يبجّل ويعظّم إنسان معاصر في مستوى المرحوم الآخوند الخراسانيّ، معاصراً له بهذا الشكل، لهو أمر بالغ الأهمّيّة. وعليه، فإنّ جنبته العلميّة هذه هامّة جدّاً برأيي. وهذا المعنى واضحٌ في العروة أيضاً، وكذا في الحاشية على "المكاسب". هذه ميزة في شخصيّة هذا العظيم.


دقّة واحتياط
هناك ميزة أخرى في شخصيّته وهي ميزة التقوى والملاحظات الفرديّة والشخصيّة والاعتبارات المعنويّة، والتي هي واضحة في الكثير ممّا يُتناقل عنه. حتّى في قضيّة المشروطة، فالمرحوم آية الله السيّد محمد كاظم كان واحداً من أوائل الأشخاص الذين وافقوا على المشروطة وقبلوا بها منذ البداية. وعندما كتب المرحوم آية الله فضل الله النوري أنّ هكذا عملاً يُنجز الآن في طهران، كان المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم من أوائل الأشخاص الذين وافقوا على هذا الأمر وأيّدوه. بعدها حين طُرح القانون الأساسي، قال: ينبغي أن أرى القانون الأساسي، عليّ أن أرى ما الذي سأوافق عليه. كتب له المرحوم آية الله الشيخ فضل الله النوري من طهران أنّني رأيته وهو صحيح، وجيّد. حسنٌ، فآية الله الشيخ فضل الله النوري كان معاصراً لهؤلاء، ومن مرحلتهم، كان رجلاً عظيماً، وكانوا يثقون به. فقال (السيّد
 
 
 
 
 
 
138

113

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 كاظم) لا، عليّ أن أراه بنفسي! وهذا يبيّن مدى اهتمام هذا الرجل، إذ على الرغم من أنّ شخصاً كآية الله النوري، والذي كان مورد ثقة الجميع، كان يؤّيده، مع ذلك يقول: (ينبغي أن أراه)، لأنّ العمل كبير وخطير. كان يعلم أن للعمل جذوراً وتبعات، ولا ينبغي تجاوزه بسهولة، حيث وافق على المسائل اللاحقة والتي كانت نفسها صحيحة. أي كان ينبغي من الأوّل أن يفعل هذا الشيء. كم عانى المرحوم الشيخ فضل الله النوري نفسه في طهران من مسألة ملحق القانون الأساسي! وماذا حصل بالنهاية، وبأيّ أوضاع ابتلي هو، ومخالفوه من العلماء الأجلّاء. هذا يشير إلى دقّة هذا الرجل واحتياطه في أمر الدين. وهذا بنظري غاية في الأهميّة. فقد وقف على الرغم من شدّة الضغوط عليه ـ أي أنّ الظروف، لم تكن ظروفاً عاديّة، كانت هناك ضغوط فكريّة، وسياسيّة، تمارس على هذا الرجل من حوله. كانت عشائر النّجف والعشائر الأخرى من مريديه، لكنّ الأغلبيّة في حوزة النّجف كانوا مخالفين له هذه هي الجنبة التقوائيّة والمعنويّة لهذا الرجل.


ابني واحدٌ منهم
الميزة الثالثة أيضاً ـ ولعلّها ترجع إلى الميزة الثانية ـ وهي ميزة الاستعداد للجهاد. فقضايا مواجهة الانكليز المحتلّين والحرب التي جرت في العراق، تتمحور حول المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم اليزدي. فقد أرسل ابنه ـ المرحوم السيّد محمداً ـ. بالطبع إنّ المرحوم السيّد محمد لم يستشهد في الحرب، وقد توفّي فيما بعد، لكنّه أرسل ابنه. كان هناك علماء كبار في تلك الفترة ـ المرحوم السيّد علي داماد، المرحوم السيّد مصطفى الكاشاني والد المرحوم السيّد الكاشاني، وعلماء أجلّاء آخرون ـ لكنّ المحور كان ابن المرحوم آية الله السيّد محمد كاظم، والذي اتبعه الجميع كشخصيّة بارزة. أتوا وحاربوا وقاتلوا في المناطق الجنوبيّة للعراق ـ في المناطق الحدوديّة بين إيران والعراق. في الزيارة التي قمت بها قبل عدّة
 
 
 
 
 
 
 
 
139

114

كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء أعضاء هيئة تكريم العلّامة السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدس سره

 سنوات إلى خوزستان1، جاء عدد من كبار السنّ الذين عاصروا فترة الحرب تلك للقائي، وجاؤوا براية تلك الحرب ـ كانت راية مهترئة وبالية ـ قدّموها لي وقالوا: هذه راية المرحوم السيّد محمد كاظم اليزدي. فالخوزستانيّون العرب كانوا ملتفتين إلى اختصاص هذه الراية بهذا الرجل العظيم. بناءً على هذا، كان شخصيّة عظيمةً جامعةً. لو كان أُخذ برأيه في قضيّة المشروطة، وتحقّقّ الشرط الذي وضعه، أظنّ أنّ مسير المشروطة كان سيتغيّر، أي أنّ المرء يحتمل أن يتغيّر مسير المشروطة، وهذه التساهلات التي تمّت ما كانت لتتمّ.

 
على كلّ حال، أشكركم كثيراً. وأؤكّد على أن تسعوا لإنجاز هذا العمل بعمق - من حسن الحظّ أنّ الشيخ الأستادي موجود، ويعمل على هذا الهدف - وأن يُعمل على إحياء هذه الشخصيّة في عيون عامّة الشعب (حتّى) يتعرّف الرأي العامّ إلى هذا الرجل العظيم. 
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



1 زيارة قائد الثورة الإسلاميّة إلى محافظة خوزستان في شهر شباط من العام 1996م.
 
 
 
 
 
 
 
140

115

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) 

عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية


المناسبـة: عيد النوروز وحلول العام الإيراني الجديد 1392
الزمـــان:
30/12/1391 هـ.ش.
07/05/1434 هـ.ق.
20/03/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
141

116

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 بسم الله الرحمن الرحيم

يا مقلّب القلوب والأبصار، يا مدبّر الليل والنهار، يا محوّل الحول والأحوال، حوّل حالنا إلى أحسن الحال.
 
اللهمّ صلّ على حبيبتك سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت محمّد صلّى الله عليه وآله. اللهمّ صلّ عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها. اللهمّ كن لوليّك الحجّة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى  آبائه، في هذه الساعة وفي كلّ ساعة، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلاً.. اللهمّ أعطه في نفسه وذرّيته وشيعته ورعيّته وخاصّته وعامّته وعدوّه وجميع أهل الدنيا ما تقرّ به عينه و تسرّ به نفسه. 
 
مباركٌ لكلّ أبناء وطننا الأعزاء في كلّ أنحاء البلاد، ولكلّ الإيرانيين في أية منطقة من العالم كانوا، ولكلّ الشعوب التي تُعظِّم النوروز، وخصوصاً المضحّين الإيرانيين الأعزاء، والمعوّقين وعوائلهم، ولكلّ العاملين والناشطين في سبيل خدمة النظام الإسلاميّ وبلادنا العزيزة. نتمّنى أن يجعل الله تعالى هذا اليوم ومطلع السنة هذا سببَ سرورٍ وتقدّمٍ ونشاطٍ لكلّ المسلمين في العالم، ويوفّقنا لأداء واجباتنا. أقول لأبناء وطننا الأعزاء أن يتنبّهوا إلى أنّ الأيام الفاطمية ستصادف أواسط أيام العيد1، ومن اللازم على الجميع تكريم هذه الأيام واحترامها. 



1 عيد النوروز للعام 1392ش (2013), رأس السنة الهجرية الشمسية الإيرانية، التي تبدأ من 21 آذار من كل عام ميلادي. بداية التقويم من الهجرة النبوية, وقد دوّن في الدستور بُعيد انتصار الثورة الإسلاميّّة عام 79م. أمّا التقويم السابق ( التقويم الملكي الشاهنشاهي) الذي يبدأ من يوم تتويج الملك الفارسي قورش عام 559 ق. م. (أي لحوالى 2578سنة) فقد كانت الحكومات الملكية السابقة تعتمده تقويماً رسمياً للبلاد, لكن مع انتصار الثورة الإسلاميّة تمّ تعديل التقويم لتصبح بدايته منذ الهجرة النبوية الشريفة.
 
 
 
 
 
 
143

117

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 بداية السنة ودروس الماضي

ساعة تحويل السنة ووقت التحويل هما في الحقيقة حدّ فاصل بين نهاية وبداية، نهاية العام الماضي وبداية السنة الجديدة. طبعاً نظرتنا العامة يجب أن تكون باتّجاه الأمام، وأن نرى السنة الجديدة، ونعدّ أنفسنا لها ونخطّط لها، إلّا أنّه من المؤكد أنّ النظرة للماضي وللطريق الذي سلكناه ستكون مفيدة لنا من أجل أن نرى ماذا فعلنا، وكيف سرنا، وما كانت نتائج عملنا،  فنستلهم من ذلك الدروس ونتعلّم التجارب. 
 
عام 1391 هـ ش. (2012) كان مثل كلّ السنين عاماً متنوّعاً ذا ألوان وأدوار مختلفة، فقد كانت فيه الحلاوة وكانت فيه المرارة، وكان فيه الانتصار، وكان فيه التراجع. وهكذا هي حياة البشر على مدى الزمان، فيها المدّ والجزر والمنعطفات المتنوّعة. المهمّ هو الخروج من المنعطفات وإيصال أنفسنا إلى الذرى. 
 
التحديات السياسية والاقتصادية 
ما كان واضحاً وجلياً طوال عام 1391 هـ ش. من حيث مواجهتنا للعالم الاستكباريّ هو قسوة الأعداء على الشّعب الإيرانيّ وعلى نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. طبعاً ظاهر القضية هو تشدّد الأعداء، لكن باطنها تمرّس الشّعب الإيرانيّ وانتصاره في مختلف الميادين. ما اتخذه أعداؤنا هدفاً لهم هو ساحات ومجالات مختلفة، أهمّها المجال الاقتصاديّ والمضمار السياسيّ. 
 
على الصعيد الاقتصاديّ قالوا وصرّحوا إنّهم ينوون شلّ الشّعب الإيرانيّ عن طريق الحظر الاقتصاديّ، لكنهم لم يستطيعوا شلّ الشّعب الإيرانيّ، وقد حقّقنا في الكثير من المجالات، وبتوفيق وفضل من الله، الكثير من التقدّم، وقد ذُكرت تفاصيل ذلك لشعبنا العزيز، وسوف تُذكر، وسأذكرُ إجمالاً، إن شاء الله، بعض النقاط في كلمتي يوم الأول من فروردين1 إذا بقيتُ على قيد الحياة. 



1 أي اليوم التالي (31/ 3/ 2013).
 
 
 
 
 
 
 
 
144

118

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 من الناحية الاقتصادية تعرّض الشعب طبعاً لبعض الضغوط والمشكلات، خصوصاً أنّه ظهرت في الداخل أيضاً بعض المعضلات، حيث كانت هناك بعض حالات التقصير والتساهل ساعدت مخطّطات العدوّ، ولكن على العموم كانت مسيرة النظام والشعب متقدّمة نحو الأمام، وستظهر إن شاء الله في المستقبل آثار هذا التمرّس ونتائجه. 


وعلى الصعيد السياسيّ، انصبّت جهودهم (الأعداء) من ناحية على عزل الشّعب الإيرانيّ، ومن ناحية أخرى على بثّ حالة التردّد وعدم التصميم في الشّعب الإيرانيّ وزعزعة همّته وتقصير مداها. وفي الواقع حصل عكس ذلك. من حيث عزل الشّعب الإيرانيّ لم يفشلوا في تطويق سياساتنا الدولية والإقليمية وحسب، بل وكانت هناك نماذج من قبيل إقامة مؤتمر عدم الانحياز بحضور عدد كبير من الرؤساء ومسؤولي بلدان العالم في طهران، فحصل عكس ما كان يريده أعداؤنا، ما أثبت أنّ الجمهوريّة الإسلاميّّة ليست غير معزولة وحسب، بل ينظرون لها ولإيران الإسلاميّة ولشعبنا العزيز في العالم بعين التكريم والاحترام.

وعلى الصعيد الداخليّ، في المناسبات التي يعبّر فيها شعبنا العزيز عن مشاعره - وهي في الغالب ذكرى 22 بهمن سنة 1391 هـ ش - عبّر الشعب عمّا يثبت حماسه واندفاعه، إذ شارك في الساحة بملحمية وشوق وكثافة أكبر من الأعوام الماضية. ومن النماذج الأخرى على ذلك، حضور أهالي محافظة خراسان الشمالية في خضمّ الحظر، ما يكشف عن نموذج لوضع الشّعب الإيرانيّ ومعنويّاته تجاه النظام الإسلاميّ ومسؤوليه الخدومين. وقد أنجزت والحمد لله طوال العام الماضي أعمال ومشاريع كبرى، وأبدى المسؤولون والشعب الكثير من الجهودوالمساعي العلمية والتحرّك وإنجاز المشاريع الخاصّة بالبنى التحتية. وقد توفّرت مقدّمات السير نحو الأمام، بل وظروف قفزات نوعية إن شاء الله، سواء في المضمار الاقتصاديّ أم على الصعيد السياسيّ، أو كلّ المجالات الحياتية الأخرى.
 
 
 
 
 
 
 
 
145

119

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 سنة92، عام تقدّم الشعب

إنّ سنة 92 بناء للآفاق والتوقّعات (المتفائلة) التي رُسِمت لنا بلطف من الله وهمّة الشعب المسلم، ستكون سنة تقدّم الشّعب الإيرانيّ وتحرّكه وتمرّسه، لا بمعنى أن عداء الأعداء سيقلّ، بل بمعنى أنّ جاهزية الشّعب الإيرانيّ ستكون أكبر، ومشاركته أكثر تأثيراً، وبناءه للمستقبل بيديه وبهمّته وكفاءته سيكون إن شاء الله أفضل وباعثاً أكثر على الأمل. 

طبعاً، ما يُشخَّص أمامنا في سنة 1392هـ ش لا يزال يختصّ بالمجالين الاقتصاديّ والسياسي. على المستوى الاقتصاديّ يجب الاهتمام بالإنتاج الوطنيّ، كما جاء في شعار العام الماضي. وقد أُنجزت بعض الأعمال بالطبع، بيد أنّ ترويج الإنتاج الوطنيّ ودعم العمل ورأس المال الإيرانيين قضيّة طويلة الأمد، ولا تُنجز في سنة واحدة. لحسن الحظ جرت في النصف الثاني من عام 1391هـ ش المصادقة على سياسات الإنتاج الوطنيّ وإبلاغها - أي جرى في الواقع رسم الطريق والخطّة لهذه الأعمال - حيث يستطيع مجلس الشورى الإسلاميّ والحكومة البرمجة على أساس ذلك والبدء بمسيرة جيدة والتقدم إلى الأمام إن شاء الله بهمم عالية وجهود دؤوبة. 

وعلى الصعيد السياسيّ فإنّ القضية الكبيرة في سنة 1392هـ ش هي انتخابات رئاسة الجمهوريّة، والتي تُبرمج في الحقيقة للمقدّرات التنفيذية والسياسيّة، وبمعنى من المعاني لمقدّرات البلاد العامة لأربعة أعوام قادمة. وسيستطيع الشعب إن شاء الله بمشاركته في هذه الساحة أن يسجّل للبلاد ولنفسه مستقبلاً حسناً. طبعاً من الضروريّ إنْ على المستوى الاقتصاديّ أو على المستوى السياسيّ أن يكون حضور الشعب حضوراً جهادياً. يجب المشاركة بملحمية وحماس وشوق، وبهمّة عالية ونظرة متفائلة، وقلوب مفعمة بالأمل والحيوية، للوصول إلى أهدافهم بطريقة ملحمية. 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

120

نداء الإمام الخامنئي دام ظلّه بمناسبة عيد النوروز (حلول العام الإيراني الجديد) عام الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية

 بهذه النظرة، نسمّي سنة 1392هـ ش باسم "سنة الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية"، ونتمنّى بفضل من الله أن تتحقّق ملحمة اقتصادية وملحمة سياسية في هذه السنة على يد شعبنا العزيز ومسؤولي البلاد المخلصين. 


على أمل أن تشملنا نظرات الخالق وعنايته، وأدعية سيّدنا بقيّة الله الإمام المهديّ المنتظر (أرواحنا فداه)، ومع تحيّاتنا لروح الإمام الخميني الجليل وأرواح الشهداء الأبرار الطاهرة.
 
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
147

121

في الحرم الرضوي الطاهر

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الحرم الرضوي الطاهر



المناسبـة: بدء السنة الإيرانيّة 1392 هـ ش 
الحــضـور: جمع من المسؤولين وجموع غفيرة من أبناء الشعب الإيراني
الـمكــان: مدينة مشهد المقدّسة
الزمـــان:
01/01/1392 هـ.ش.
08/05/1434 هـ.ق.
21/03/2013م.
 
 
 
 
 
 
 
149

122

في الحرم الرضوي الطاهر

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين المعصومين، لا سيما بقية الله في الأرضين. السلام على الصدّيقة الطاهرة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها).
 
المحاسبة الوطنية
أبارك وأسلّم على كلّ الإخوة والأخوات الأعزّاء الحاضرين في هذا المحفل الحماسيّ والمفعم بالدفء، وأشكر الله من أعماق القلب أنْ أمهل ومنّ بفرصة اللقاء بكم يا أهالي مشهد الأعزّاء والزوّار المحترمين القادمين من أرجاء البلاد إلى جوار المرقد الملكوتي لسيّدنا أبي الحسن الرضا (عليه آلاف التحية والسلام)، وأتحدّث إليكم حول القضايا المهمّة الجارية في البلاد. نسأل الله تعالى أن يهدي قلوبنا وألسنتنا ويُجري على قلوبنا وألسنتنا ما يُرضيه. إنّه لتوفيقٌ كبير أن تتوفّر لنا كلّ عام هذه الفرصة بجانب الأفراح والجماليات التي تكتنفها الطبيعة في النوروز، ونكون بينكم في مثل هذا اليوم، ونلقي نظرة على قضايا البلاد، ونقيّم الوضع الراهن وننظر إلى الماضي والمستقبل، وندرس ونحسب بنظرة إجمالية حالة مدخلاتنا ومخرجاتنا السنويّة على مستوى الأبعاد الوطنية العامّة. إنّها محاسبة للنفس الوطنية أو محاسبة للنفس العامّة. كما أنّ محاسبة النفس ضروريّة لنا في القضايا الشخصية، حيث قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"1.. يجب أن



1 بحار الأنوار، ج7، ص 265.
 
 
 
 
 
 
 
151

123

في الحرم الرضوي الطاهر

 تكون لنا محاسبة لأعمالنا وتصرفاتنا الشخصية، وكذلك المحاسبة الوطنية عملية مهمّة وقيّمة.. فلنحاسب أنفسنا ولننظر إلى أنفسنا، ولنعد النظر والتأمّل فيما مرّ علينا ونستلهم منه الدروس والعبر لنستفيد منها للمستقبل. 

 
شامخ رغم التحدّيات 
يتنبّه الإخوة والأخوات الأعزّاء إلى أنّنا ـ نحن الشّعب الإيرانيّ ـ لسنا وحدنا من ينظر لنفسه وقضاياه ويقيّمها ويحكم عليها، إنّما هناك أشخاص آخرون يدرسون أعمالنا وينظرون إليها ويصدرون الأحكام والآراء بشأن قضايانا وأعمالنا وخطواتنا. ثمّة شعوب تستفيد من تجاربنا، وهناك آخرون يدرسون أوضاع الشّعب الإيرانيّ، فيفرحون لتقدّمنا ويبتهجون لنجاحاتنا، وإذا أحرزنا انتصاراً شعروا هم بالانتصار أيضاً، وإذا كانت في أمورنا مرارات شعروا أيضاً بالمرارة. ثمّة آخرون في العالم يرصدون أعمالنا وأمورنا تحت المجهر، وهم على العكس من الفريق الأول يفرحون لزلّاتنا ويشعرون بالضيق لنجاحاتنا، فهم يريدون ويُبطنون السوء للشّعب الإيرانيّ... وهم أيضاً يرصدون أفعالنا. وهؤلاء الذين غالباً ما كان كل شيء في البلاد تحت تصرّفهم طوال أعوام متمادية، وكانوا مسلّطين على كل مقدّرات البلد، فجاءت الثورة وقصّرت أيديهم، لذلك هم يخاصمون الثورة ويعادون الجماهير الثورية، ويخاصمون الحكومة الثورية، ويعادون النظام الثوريّ. وعليه، فنحن تحت أنظار مجتمع كبير من أفراد البشر ينظرون لأعمالنا وسلوكياتنا ويقيّمونها ويدرسونها. 
 
وعليه، حين ننظر إلى أدائنا وبرامجنا في الماضي والمستقبل، يجب أن تكون نظرتنا واقعية، وينبغي أن يكون تقييمنا تقييماً صحيحاً. بعض أبناء شعبنا حين ينظرون إلى أوضاع البلاد لا يرون إلّا نقاط الضعف، فهم يرون الغلاء وانخفاض الإنتاج في بعض الوحدات الإنتاجية، وضغوط الأعداء. هذه نظرة ناقصة. ولديّ نظرة مختلفة. حين أنظر لأوضاع البلاد والشعب، أشاهد ساحة هائلة مليئة بالتحدّيات يظهر فيها الشّعب الإيرانيّ شامخاً منتصراً على الرغم من الأعداء1



1 انطلاق هتافات التكبير.
 
 
 
 
 
 
 
 
152

124

في الحرم الرضوي الطاهر

 الشعب يواجه التحدّيات

هناك نقاط ضعف وهناك مشكلات، وتوجد مرارات وآلام في مجموع أحداث البلاد ووقائعها، ولكن ثمة أشخاص من أقوياء العالم المادي حاولوا، بكلّ ما لديهم من قوةٍ، شلّ الشّعب الإيرانيّ، وصرّحوا بذلك علناً. لقد وقفت تلك السيدة الضعيفة (القاصرة)، التي كانت تتولّى مسؤولية السياسة الخارجية الأميركيّة، وقالت نريد فرض حظر على الجمهوريّة الإيرانيّة يشلّها! لقد صرّحوا بذلك بألسنتهم. وسوف أذكر ماذا كانت أنشطتهم وأعمالهم، وماذا حصل، وإلى أين آلت. فمن جهة، توجد مساعي العدوّ في هذه الساحة الكبيرة التي يتحدّى فيها الشّعب الإيرانيّ الأعداء ويجابههم، ومن جانب آخر توجد مكاسب كبرى تدلّ على الإمكانيات والقدرات والذكاء العالي لهذا الشعب العظيم. حين يُلاحظ المرءُ هذا المشهد يجده يشبه ساحة منازلة بين رياضيين أقوياء، فيها المشاقّ والمساعي والجهود والتعب، لكنّ البطل في هذه الساحة يستطيع أن يفوز، ويثني عليه الجميع، ويباركون له. وهذا البطل في هذه الساحة العظيمة التي تتراءى أمامنا هو الشّعب الإيرانيّ. كل من ينظر إلى هذه الساحة بدقّة ويدرسها بطريقة صائبة يثني على شعب إيران. ونحن اليوم نسمع أصوات ثناء الواعين المدقّقين في العالم، ففي هذه البلدان نفسها التي تعادي شعب إيران وتخاصمه، هناك نخب سياسية وجامعية، وأشخاص واعون عارفون بأوضاع العالم، وأصحاب تجارب يرصدون الأحداث والأمور، ويثنون على الشّعب الإيرانيّ. هذا مشهد يتراءى أمام أنظارنا.

إذن، النظر إلى نقاط الضعف فقط عملية خاطئة. يجب النظر كيف يجري مجموع هذه الأحداث والجهود على مستوى البلاد وإلى أين ستؤول. حين ننظر إلى السّاحة من هذه الزاوية، يجب الثناء على إيران والإيرانيّ المسلم. 

العين الواحدة
ذكرنا أنّ بعضهم يُحزنهم تقدّم الشّعب الإيرانيّ ويزعجهم. فمن هم هؤلاء؟ 
 
 
 
 
 
 
 
153

125

في الحرم الرضوي الطاهر

 هذا ما سأذكره لاحقاً. يوجد في مخطّطات الأعداء، الذين لا يرغبون أن يروا تقدّم الشّعب الإيرانيّ ورقيّه ونموّه الشامل، جانبان أساسيان:


الجانب الأوّل: هو أن يخلقوا العقبات والموانع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، حتى لا يحقّق الشعب هذه الحالات من التقدّم والنموّ، يفعلون ذلك بفرض الحظر، والتهديد، وإشغال المسؤولين بالأمور الفرعيّة الثانوية، وبصرف اهتمام الشّعب الإيرانيّ الكبير والنخبة في البلاد نحو ممارسات لا تعدّ ضمن لائحة الأمور الأصلية المهمة. أي إنهم يمارسون العرقلة العمليّة.

والجانب الثاني: هو أن ينكروا حالات التقدّم في إعلامهم ويعتّموا عليها. تعمل حالياً شبكة إعلامية واسعة جداً من خلال آلاف الوسائل الإعلامية المتنوّعة المنتشرة في العالم، لتثبت أنه لا يوجد لدى الشّعب الإيرانيّ وفي إيران أي تقدّم... ينكرون انتصارات الشّعب الإيرانيّ، وإذا كانت ثمّة نقاط ضعف يضخّمونها ويكبّرونها في أنظار الجميع، لكنّهم يخفون عن الأنظار نقاط القوة والحركة الهادرة التي تعبّر عن نفسها في كل أنحاء البلاد وفي كل ركن منه أمام أعين المنصفين. 

يتحدّث الرئيس الأمريكي في تصريح رسمي له عن المشكلات الاقتصادية في إيران، وكأنه يتحدّث عن انتصاراته، ويقول: نعم، انخفضت في إيران قيمة العملة الوطنية، والمشكلات الاقتصادية هناك كيت وكيت.. وهو طبعاً لم يشر لنقاط قوة هذا الشعب وللجهود الإيجابية والبنّاءة التي تجري في هذا البلد، أو للانتصارات الكبيرة التي حققها هذا الشعب، ولن يشير أبداً. منذ 30 عاماً ونحن نواجه مثل هذه التحديات ـ وسوف أشير لاحقاً إلى نقطة حول تقييم هذه الأعوام الثلاثين ـ إلا أنّ هذه التحدّيات التي يواجهها الشّعب الإيرانيّ والأعداء الذين يحاولون عملياً وإعلامياً أن يحولوا دون ظهور وسطوع التقدّم الملحوظ لإيران التي تعيش في ظلّ الإسلام، قد ازدادت اليوم عدّة أضعاف. 
 
 
 
 
 
 
 
154

126

في الحرم الرضوي الطاهر

 مركز التآمر وأساس العداء

كانت السنّة الماضية، سنة 1391هـ ش (2012 م)، من السنوات المليئة بالعمل والمشاغل لأعدائنا في هذا المجال. قالوا: إننا نريد بهذا الحظر أن نشلّ الشّعب الإيرانيّ. و(لكن) إذا بقيت الجمهوريّة الإسلاميّة واقفة صامدة حيويّة نشطة سائرة باتّجاه التطور، فسوف يراق ماء وجههم في العالم، وتذهب سمعتهم أدراج الرياح، لذلك يجب أن لا يسمحوا بذلك ما استطاعوا. وعند خروج الأمر من أيديهم فلا أقلّه أن يصوّروا الأمر بشكل آخر في الإعلام. إنهم يقومون راهناً بهذين العملين بكل ما أوتوا من قوّة.. الممانعة العملية عن طريق الضغوط والتهديدات والحظر وما إلى ذلك، والعمل الإعلامي لتصغير نقاط القوة وتضخيم نقاط الضعف. 

قلنا إنّ هناك أعداء. فمن هم هؤلاء الأعداء؟ وأين هو الوكر الأصليّ للتآمر ضدّ الشّعب الإيرانيّ؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست بصعبة. منذ 34 عاماً وذهن الشّعب الإيرانيّ ينصرف إلى الحكومة الأميركيّة متى ما ذُكرت كلمة العدوّ. لا بأس أن يتنبّه السّاسة الأميركيّون إلى هذه النقطة ويفهموها، وهي أنّ الشّعب الإيرانيّ شهد وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً أموراً ومرّ بمراحل وأطوار جعلته ما أن تُذكر كلمة العدوّ حتى ينصرف ذهنه إلى أميركا. هذه مسألة على جانب كبير من الأهميّة لحكومةٍ تريد أن تحفظ سمعتها وماء وجهها في العالم. إنّها قضية جديرة بالاهتمام والتدقيق. عليهم أن يركّزوا على هذه النقطة. هنا مركز التآمر وأساس العداء.

سنسوّي تل أبيب وحيفا بالتراب
طبعاً هناك أعداء آخرون لا نعدّهم من الدرجة الأولى.. هناك العدوّ الصهيوني، لكن الكيان الصهيونيّ. ليس بمستوى وحجم أنْ نعتبره في صفّ أعداء شعب إيران. أحياناً يُهدّدنا زعماء الكيان الصهيونيّ بالهجوم العسكريّ، ولكن أعتقد أنّهم يعلمون، وإن كانوا لا يعلمون فليعلموا أنّه إذا صدرت عنهم حماقة، فإنّ الجمهوريّة الإسلاميّة
 
 
 
 
 
 
 
155

127

في الحرم الرضوي الطاهر

 سوف نسوّي "تل أبيب" و"حيفا" بالتراب1. والحكومة البريطانيّة الخبيثة أيضاً تعادي الشّعب الإيرانيّ، وهي من الأعداء التقليديّين والقدماء للشّعب الإيرانيّ، لكنّ الحكومة البريطانية تمارس دور المكمّل لأميركا في السّاحة. الحكومة البريطانية نفسها غير مستقلّة حتّى يعتبرها الإنسان عدوّاً مستقلّاً، بل هي تابعة لأميركا.

 
بعض الحكومات الأخرى لها عداواتها أيضاً. وأرى من المناسب هنا أنْ أقول إنّ ساسة الحكومة الفرنسية أبدوا حالات عداء واضحة تجاه الشّعب الإيرانيّ في السنوات الأخيرة. وهذا ينمّ عن عدم وعي السّاسة الفرنسيين. لا ينبغي للإنسان العاقل، لا سيّما السياسيّ العاقل، أن يندفع أبداً نحو تبديل طرفٍ ليس بعدوّه، إلى عدوّه. لم تكن لنا مشكلة مع الحكومة الفرنسية ومع فرنسا، لا تاريخيّاً، ولا في الحقبة الراهنة، لكن السياسة الخاطئة التي بدأت في زمن ساركوزي هي معاداة الشّعب الإيرانيّ، وللأسف، فإنّ الحكومة الحالية ما زالت تنتهج نفس هذه السياسة. إنّنا نعتقد أن هذه الممارسات خاطئة، وهي خطوات غير واعية يعوزها التدبّر والتعقّل. 
 
حين يتحدّث الأميركيّون يقولون "المجتمع الدولي". يطلقون على عددٍ قليلٍ من البلدان اسم "المجتمع الدولي"، وعلى رأسهم أميركا، ومن خلفها الصهاينة والحكومة البريطانية وبعض الحكومات الصغيرة الأخرى! لم يكن المجتمع العالميّ يوماً بصدد معاداة الإيرانيّ وإيران الإسلاميّة. 
 
صداقةٌ كاذبة
إنّ إلقاء نظرة على العام الماضي، 1391هـ ش، يحدونا للقول إنّ الأميركيّين شرعوا بمخطّطهم الجديد منذ بداية ذلك العام، رغم ادّعائهم للصّداقة بألسنتهم. لقد كانوا يظهرون لنا الصّداقة أحياناً من خلال رسائلهم ونداءاتهم وما شاكل، وأحياناً أخرى كانوا يظهرون هذه الصداقة للشّعب الإيرانيّ في الوسائل الإعلاميّة. ولكنّ الواقع العمليّ كان مخالفاً لهذه التصريحات غير الحقيقيّة، حيث 



1 انطلاق هتافات قوية ومدوية: الله اكبر الموت لأميركا الموت لإسرائيل.
 
 
 
 
 
 
156

128

في الحرم الرضوي الطاهر

 حاولوا التشدّد تجاه إيران والشّعب الإيرانيّ، وفرضوا حظراً شديداً منذ بدايات عام 91 ـ حظر النفط، وحظر المصارف، وحظر المبادلات المصرفيّة والماليّة بين الجمهوريّة الإسلاميّة وباقي البلدان ـ وقاموا بالكثير من الأمور على هذا الصعيد.


إنّ هذه من طرائف العالم، أن يمارس الأميركيّون عداءهم وعدوانيّتهم، ويقولون إنّكم لم تدركوا أنّنا نعاديكم ونمارس المعارضة والعناد ضدّكم! يتوقّعون أن لا يدرك الشّعب الإيرانيّ أنّهم يمارسون العناد والعدوان! لقد بدأت هذه السّياسة ضدّ إيران منذ أواخر فترة بوش، وللأسف ما زال السّاسة الأميركيّون مستمرّين بها إلى الآن... إنّها القبضة الحديديّة المغطّاة بقفّاز مخمليّ. قبل عدّة سنوات ذكرتُ هنا بجوار المرقد المبارك للإمام الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام في كلمتي في الأوّل من شهر فروردين، وقلتُ: احذروا (أيها الأميركيّون) من أن يكون إبداؤكم للمودّة والصّداقة والوئام بمعنى أن تغطّوا القبضة الحديدية بقفّاز مخمليّ، وتريدون التّظاهر بالصّداقة، لكنّكم في الباطن تمارسون العداء. لقد أرسل الأميركيّون مبعوثين خاصّين لإيقاف بيع النّفط ونقل الأموال إلى إيران. بعثوا بأشخاصٍ بارزين وخاصّين من أميركا ليتّصلوا بالبلدان ويسافروا إليها، بل وتحدّثوا مع مسؤولي الشركات من أجل متابعة قضيّة تواصلهم مع الجمهوريّة الإسلاميّة وعلاقاتهم الاقتصاديّة معها فيما يخصّ النفط، ولمعاقبتهم على علاقاتهم المالية بالجمهوريّة الإسلاميّة. بدأوا هذه الأعمال بقوة منذ بداية العام 1391هـ ش وخصوصاً في شهر مرداد (آب 2012 م). وكانوا يتوقّعون أن تتخلّى إيران عن أنشطتها الإنمائيّة العلميّة، وأن تستسلم لتعسّف الأميركيّين، نتيجة تحرّكاتهم المبرمجة هذه التي كانوا يتابعونها بكلّ شدة.

لاقتصادٍ متعدّد الموارد
وبالطّبع أقول، وقد قلتُ ذلك قبل عدّة أشهر، لقد أبدى الأميركيّون فرحهم وقالوا إنّ فلاناً اعترف بأنّ الحظر ترك تأثيره. نعم، الحظر لم يكن عديم التأثير،
 
 
 
 
 
 
 
157

129

في الحرم الرضوي الطاهر

 وليفرحوا إذا أرادوا أن يفرحوا. لقد ترك الحظر تأثيراته، والمشكلة هي فينا نحن. إنّ اقتصادنا يعاني من مشكلة الاعتماد على النفط والتبعيّة له. علينا فصل اقتصادنا عن النّفط، وعلى حكوماتنا أن تدرج هذا الهدف في خططها وبرامجها الأساسيّة. لقد قلت - قبل 17 أو 18 عاماً - للحكومة الإيرانيّة التي كانت تتولّى الأمور آنذاك وذكرتُ للمسؤولين أن يقوموا بما يخوّلنا إغلاق آبار النفط متى ما شئنا. وفي حينها تبسّم السادة، الذين يسمّون أنفسهم تكنوقراط، ابتسامة استنكار وكأنهم يقولون: وهل هذا ممكن؟ نعم، إنّه ممكن، ولكن يجب العمل والمتابعة والمبادرة والبرمجة. إذا ارتهن اقتصاد بلد معين لشيء محدّد وكان تابعاً له، فإن الأعداء سيركّزون على ذلك الشيء المحدّد. نعم، لقد ترك الحظر تأثيره، ولكن ليس بتلك الصّورة التي كان العدوّ يريدها، وسوف أشرح هذه القضية. هذا بخصوص الشأن الاقتصادي. 


المشاركة الفاعلة
وعلى الصّعيد السياسيّ، لقد حاولوا طيلة العام 1391هـ ش عزل إيران عن العالم بحسب تعبيرهم، أي جعل الحكومات تتردّد في علاقاتها مع الجمهوريّة الإسلاميّة وفي نظرتها لها، وألا يسمحوا لها بنشر وتنفيذ سياساتها على مستوى المنطقة والعالم وعلى مستوى بلدها نفسه. وقد مُنيت هذه المؤامرة بالفشل التامّ. لقد انصبّت محاولاتهم في الشؤون الدولية على أن يُقام مؤتمر عدم الانحياز بشكل ضعيف وهزيل لأننا أردنا إقامة هذا المؤتمر في طهران فعملوا على ألّا يشارك الجميع، وإن شاركوا على أن لا تكون مشاركتهم فعّالة. وما حدث كان عكس ما يرومونه تماماً. لقد شارك ثلثا شعوب العالم الأعضاء في حركة عدم الانحياز في مؤتمر طهران. وحضر رؤساء البلدان في طهران وحضر كذلك المسؤولون رفيعو المستوى، وقد أثنى الجميع على إيران وأبدوا اندهاشهم من التقدّم العلميّ والتقنيّ والاقتصاديّ في البلاد. شعر الجميع بالإكبار والإعجاب حيال الشّعب الإيرانيّ. وقد ذكروا هذا لنا، وفي حواراتهم، وعندما عادوا لبلدانهم، وصدّقوا هذه الإيجابيات. وكان هذا خلاف ما أراده أعداء 
 
 
 
 
 
 
 
158

130

في الحرم الرضوي الطاهر

 الشّعب الإيرانيّ تماماً حيث لم يستطيعوا التأثير بهذا الاتجاه. 


وفيما يتعلق بالسياسة الداخلية، كان هدفهم من هذا الحظر جعل الشّعب الإيرانيّ شاكّاً ومتحيّراً في طريقه الذي ينهجه، والفصل بين شعب إيران والنظام الإسلاميّ، وبثّ اليأس في نفوس أبناء الشعب. وفي يوم 22 بهمن، سجّل الشّعب الإيرانيّ مشاركة مكثّفة في تظاهرات إحياء ذكرى الثّورة، وساهم بحماس وشوق وأظهر مشاعره تجاه الإسلام والثورة الإسلاميّة والنظام الإسلاميّ، فوجّه بذلك صفعة قوية على أفواههم. 

لولا الجمهوريّة الإسلاميّة
وعلى الصعيد الأمنيّ أيضاً، لقد حاولوا إفساد الأمن في البلاد ـ وقد أوضح المسؤولون تفاصيل ذلك للناس في حواراتهم ومقابلاتهم ـ لكنّهم لم ينجحوا في هذا الجانب أيضاً. ولقد جرّبوا اقتدار الجمهوريّة الإسلاميّة ونفوذها مرة أخرى على الصعيد السياسيّ في المنطقة. وعلى مستوى قضايا المنطقة. لقد وصل بهم الأمر لأن يعترفوا بأنّه لا يمكن معالجة أية مشكلة كبيرة في المنطقة من دون مشاركة إيران ورأيها. 

في أحداث هجوم الكيان الصهيونيّ على غزّة، لقد أدّى الحضور المقتدر للجمهوريّة الإسلاميّة في مواقع الدعم الخلفي إلى اعترافهم بهزيمتهم مقابل المجاهدين الفلسطينيين، وهم الذين قالواـ لم نقل نحن، بل هم قالوا وأصرّوا: إنّه لولا مشاركة الجمهوريّة الإسلاميّة وحضورها وما أبدته من اقتدار، لما تمكّن المجاهدون الفلسطينيون من المقاومة أمام إسرائيل، ناهيك عن أن ينتصروا على إسرائيل ويركعوها. وقد تمكّن الفلسطينيّون في حرب الأيّام الثمانية من تركيع إسرائيل، وكانت هذه هي المرّة الأولى منذ تاريخ تشكيل الكيان الصهيونيّ الزائف الغاصب.
 
 
 
 
 
 
159

131

في الحرم الرضوي الطاهر

 أعمالٌ تُفرح القلب

لقد ذكرنا أنّ مساعيهم لم تكن عديمة التأثير، نعم، لم تكن عديمة التأثير، ولكن إلى جانب الآثار السلبية فقد حصل تأثير إيجابيّ كبير كنّا نتوقّعه، بمعنى أنّ الحظر أدّى إلى تفعيل الطاقات الداخلية والإمكانات الهائلة لدى الشّعب الإيرانيّ، وبروز مواهبه وتحقّق أعمال ومشاريع عظيمة. ولولا الحظر لما أُنجزت هذه الأعمال. لقد استطعنا بفضل الحظر إنجاز أعمال كبيرة. ولقد حقّق شبابنا نجاحات، بالتأكيد لم نكن لنحقّقها لولا الحظر. فلقد تحقّق على مستوى مشاريع البنى التحتية ـ وسوف أذكر عنها شيئاً لاحقاً ـ في سنة 1391هـ ش حالات من التقدّم جعلت من هذه السنة سنة ممتازة بالمقارنة مع السنوات التي سبقتها. لقد أُنجز كمّ هائل من مشاريع البنى التحتية، في مجالات الطرق والطاقة واكتشاف مصادر وحقول جديدة للنفط، وفي مجال اكتشاف مصادر جديدة لليورانيوم، وإنشاء وتنمية محطات الطاقة والمصافي والعشرات من الأعمال الصناعية الكبرى. وهذه كلّها بنى تحتية اقتصادية لمستقبل البلاد. نعم، لو كنا قد أعددنا هذه البنى التحتيّة قبل الآن لما كان ترك حظر الأعداء حتى هذا المقدار من التأثير السلبيّ الذي تركه. لقد قمنا بأعمال واستطعنا ملاحقة خطوات الأعداء في الجهات الإيجابيّة، ولقد أنجزت أعمال عظيمة. واحدة منها، التقدّم العلميّ الكبير الذي حصل خلال العام 1391هـ ش.

"ناهيد" إلى الفضاء
في مجال العلوم والتقنيات، لقد أنجزت أعمال ومشاريع مفرحة تملأ العين وجديرة بالتأمّل لمن يهمّه مستقبل البلاد. أي في السنة التي أرادوا فيها الضغط على الشّعب الإيرانيّ والتشدّد معه أطلق شبابنا الأعزاء وعلماؤنا القمر الصناعيّ "ناهيد" إلى الفضاء، وأطلقوا مركبة "پيشكام" بكائن حيّ إلى الفضاء، وصنعوا طائرة مقاتلة متطورة للغاية. إنّ لكلّ واحد من هذه المشاريع أهميّة بحيث يجدر بالشعب أن يفرح ويرتاح لكلّ واحد منها، وأن ينشد الأناشيد ويقيم مهرجاناً لها.
 
 
 
 
 
 
 
160

132

في الحرم الرضوي الطاهر

 ونتيجة كثافة وتراكم هذه المشاريع والأعمال فإنّه لا يتمّ الإعلان عنها بصورة صحيحة ولا يجري الإخبار عنها بنحوٍ كامل. حين تمّ إرسال الكائن الحيّ إلى الفضاء وعاد سليماً، كان هذا الشيء مدهشاً بالنسبة للعلماء في العالم والمراقبين الدوليين إلى درجة أنهم أنكروا الأمر في البداية، ولكن عادوا واضطرّوا لتصديقه وتأييده بعد أن وجدوا أنه لا مفرّ أمامهم من ذلك، وأن الحقائق والعلامات والمؤشّرات والوقائع كلّها تؤيّده.


في مضمار الصحّة والهندسة الطبيّة لقد تمّ إنجاز أعمال كبيرة تتعلّق بصحّة المواطنين وسلامتهم. لقد أحرزنا المرتبة الأولى في المنطقة على صعيد تقنيّات الأحياء. وقد أُنجزت في هذا المجال أعمال تخصّصية بارزة، وجرى إنتاج أنواع متعدّدة من الأدوية على هذا الأساس، في السّنة نفسها التي تشدّدوا فيها مع الشّعب الإيرانيّ لحرمانه من الحياة ومن كلّ نتاجات المواهب البشرية. ولقد أحرزنا في هذه السّنة نفسها وفي مجال تقنيات النانو ـ وهي ثورة في التقنية والصناعة ـ المرتبة الأولى في المنطقة. لقد تقدمنا في سجلّات العلم القياسيّة والإنتاج العلميّ، وفي إصدار المقالات العلميّة، وفي سرعة التطوّر العلمي، وفي حصّة البلاد من الإنتاج العلميّ العالميّ. وفي هذه السّنة نفسها وعلى عدّة صعد علمية مهمة كنا الأوائل في إنتاج العلم في المنطقة. ولقد سجّل البلد نموّاً بنسبة 31 % بالمقارنة مع العام المنصرم في المسابقات العلمية التقنية للطلبة الجامعيين. ولقد ازداد في العام 91 عدد الطلبة الجامعيين حتى أصبح أكثر من عدده بداية الثورة بـ25 ضعفاً. فعدد طلبتنا الجامعيين اليوم هو أكثر من عددهم في بداية الثورة بخمس وعشرين مرّة. هذه كانت حالات ونماذج من التقدّم العظيم للشّعب الإيرانيّ. ولقد استطاع البلد تحقيق تقدّم كبير بخصوص الماء والبيئة، والخلايا الجذعية والأشكال الجديدة للطاقة والنباتات الدوائية والطاقة النووية. وهذا كله كان في السنة التي صبّ أعداء الشّعب الإيرانيّ كلّ همّهم وجهدهم على شلّ الشّعب الإيرانيّ وتكبيله. 
 
 
 
 
 
 
 
161

133

في الحرم الرضوي الطاهر

 الشعبُ الحيّ

لقد حملت أحداث سنة 91 لنا درساً كبيراً، وهو أنّ الشعب الحيّ لا ينهار بالتهديدات والضغوط وتشدّد العدوّ أبداً. تبيّن لنا ولكلّ الذين يتابعون الشأن الإيرانيّ أنّ المهم بالنسبة للشعب هو الاعتماد على مواهبه الذاتية، والتوكّل على الله العظيم، والاتكال على نفسه وعدم الاتكال على الأعداء. هذا هو الذي يمكن أن يتقدّم بالشعب إلى الأمام. كان عام 91 بالنسبة لنا ساحة مناورات وتدريب. فالشّعب الإيرانيّ، ورغماً عن أنوف الأعداء، لم يُشلّ، ليس هذا فحسب، بل استطعنا إبداء الكثير من امتيازاتنا ومواهبنا في ساحة المناورات. وبالطبع لقد تعرّفنا إلى نقاط ضعفنا. وهذه هي خصوصيّة المناورات. تتعرّف المجموعة المناورة في التدريب القتالي وفي المناورات إلى نقاط قوّتها وإلى نقاط ضعفها فتزيلها. وقد تعرّفنا إلى نقاط ضعفنا. إنّ ضعفنا في الاقتصاد، والذي يؤدّي إلى صعوبة معيشة شرائح من الناس، هو الاعتماد على النفط ـ وقد ذكرتُ أنّ هذا من نقاط ضعفنا ـ وعدم الاهتمام بالسياسات الاقتصادية العامة، واتخاذ سياسات وقرارات متتابعة ذات طابع يوميّ. فليتنبّه مسؤولو البلاد ـ المسؤولون اليوم، وخصوصاً المسؤولون في المستقبل الذين سيتولّون الأمور بعد انتخابات هذه السنة ـ لهذه النقطة... يجب أن تكون للبلد سياساته الاقتصادية العامّة والواضحة والمدوّنة والمبرمجة، بحيث لا تستطيع الأحداث المختلفة تغييرها وتبديلها.

حوِّلوا التهديدات إلى فرص
والدرس الكبير الثاني هو أنّ بنية البلاد قويّة، وحين تكون البنية قوية تنخفض التأثيرات العدوانية للأعداء إلى أدنى المستويات. فلو تحمّل المسؤولون المسؤوليّة في هذا البلد الكبير وذي البنية القوية وعملوا بتدبير، وتكاتف المسؤولون وعملوا سوية بحزمٍ وتدبير - وهذه هي التوصية التي نوصيها دوماً للمسؤولين والمدراء في البلاد - فيمكننا عندئذ تبديل أي تهديد إلى فرصة، كما صنعنا من تهديدات العدوّ 
 
 
 
 
 
 
 
162

134

في الحرم الرضوي الطاهر

 عام 91 فرصاً، واستطعنا السّير نحو الأمام. ما قام به مسؤولو البلاد والشّعب الإيرانيّ العزيز في سنة 91 يجب أن تظهر آثاره إن شاء الله في حياة الناس في المستقبل والسنوات القادمة، وهذا ما سيحصل. 


بالطبع، إنّ قضيّة الاقتصاد على جانب كبير من الأهمية، وقد أكدّتُ عليها مراراً وتكراراً في السنوات الأخيرة الماضية، إلّا أنّ الاقتصاد ليس القضية الوحيدة، فأمن البلاد أيضاً مهمّ، وصحّة الشعب وسلامته أيضاً مهمّة، وعمليات التقدّم العلمي مهمّة هي الأخرى، وهي أساس الأمور وبنيتها التحتية فإذا تطوّر العلم في البلاد ستسهل كل الأمور الأخرى ـ واستقلال البلد وعزّته أيضاً مهمة، وعدم رضوخ الشعب لهذا وذاك مهمٌّ أيضاً، وكذا الحال بالنسبة لنفوذ الشعب واقتداره الإقليمي فهما رصيد استقلال البلاد وأمنها، وعلى جانبٍ كبير من الأهمية. وقد حقّقنا تقدّماً في كل هذه الميادين، سواء في مضمار الأمن أم في مجال الصحّة أم في حيّز النّفوذ الدولي، أم على صعيد التحكّم والسيطرة على الأحداث المختلفة التي تقع للبلاد والمنطقة. 

ازدهارُ الأحرار
لقد أثبت شعبنا بتقدّمه أنّ عدم العيش في ظلّ أميركا لا يعني التخلّف. هذه نقطة مهمّة جداً. يريد أقوياء العالم والمستعمرون ـ يوم كان هناك استعمار مباشر ـ وأميركا اليوم أن يثبتوا لشعوب العالم أنّكم إذا أردتم أن تعيشوا حياة جيّدة ومتقدّمة فيجب أن تنضووا تحت مظلّتنا. وقد أثبت شعب إيران أنّ هذا الكلام كذب. لقد أثبت شعبنا أنّ عدم التبعيّة لأميركا والقوى الكبرى لن يتسبّب بالتخلّف أبداً وحسب، بل ويؤدّي إلى التقدّم والتطوّر والازدهار، والدليل الواضح على ذلك هو المقارنة بين الجمهوريّة الإسلاميّة طيلة هذه الأعوام الثلاثين، مع الأعوام الثلاثين في تلك البلدان التي عاشت في ظلّ أميركا واستسلمت، وكانت تمنّي نفسها بمليارين أو ثلاثة مليارات دولار من المساعدات الأميركيّة في السنة. لاحظوا أين هم الآن وأين نحن؟ ثمّة بلدان ارتبطت بأميركا وصارت تابعة لها، وتجربة هذه الأعوام الثلاثين بين
 
 
 
 
 
 
 
163

135

في الحرم الرضوي الطاهر

 أيدينا.. لاحظوا كيف قضت الجمهوريّة الإسلاميّة هذه الأعوام الثلاثين، وإلى أين وصلت، وماذا حقّق الشّعب الإيرانيّ خلالها، وما هو وضع تلك البلدان بعد 30 عاماً. كل من يطالع حول هذا الأمر سيدرك أن عدم التبعية للقوى الكبرى إنّما هو فرصة لأيّ شعب من الشعوب، وليس تهديداً أو خطراً. وقد حصل شعب إيران والحمد لله على هذه الفرصة بقوّته وشجاعته وفطنته. 


المبادرة أساس النجاح
يجب أن أطرح هنا موضوعين يتعلقان بالمستقبل: أحدهما هو أننا يجب أن نكون متقدّمين دائماً على العدوّ من حيث التخطيط. ينبغي أن لا يكون البلد في حالة ردة الفعل أمام أنشطة العدوّ. ينبغي تخمين مخطّطات العدوّ بفطنة ووعي، والمبادرة قبل العدوّ. لقد عملنا بهذه الطريقة في بعض الأحيان وأحرزنا النّجاح، والمثال على ذلك قضية تأمين الوقود المخصّب الذي يحتاجه مفاعل طهران للأبحاث بنسبة 20 %، حيث يتمّ إنتاج "الأشعة (العلاجية)" المهمّة التي يحتاجها البلد. هذا المفاعل الصغير كان بحاجة إلى وقود مخصّب بنسبة 20 %، ولم نكن ننتجه بهذه النسبة، بل كنا نستورده من الخارج دوماً. ففكّر أعداؤنا باستغلال هذه الفرصة واتخاذ هذه الحاجة الوطنيّة رهينة من أجل أن يفرضوا على الجمهوريّة الإسلاميّة الإذعان لسيطرتهم وتحكّمهم والقبول بإرادتهم. وقد تمكّن شبابنا وعلماؤنا من إنتاج الوقود المخصّب بنسبة 20 % ومن أن يبدّلوا هذا الوقود إلى صفحات وقود يحتاجها المفاعل المذكور، من قبل أن يصل الأمر إلى النقطة الحسّاسة الضاغطة.

اليورانيوم 20 % 
لم يكن معارضونا يحتملون قدرتنا على القيام بهذه المهمّة، لكنّ مسؤولي البلاد تنبّهوا في الوقت المناسب لهذه الحاجة وبادروا وعملوا، وازدهرت المواهب الإيرانيّة وبرزت، وأنجزوا هذه العملية بنجاح. ففي الوقت الذي كان أولئك يتوقّعون أن تتوسّل 
 
 
 
 
 
 
 
164

136

في الحرم الرضوي الطاهر

 الجمهوريّة الإسلاميّة بهم لتحصل على الوقود المخصّب بنسبة 20 %، أعلنت الجمهوريّة الإسلاميّة أننا أنتجنا هذا الوقود في الداخل، ولسنا بحاجة إليكم. فلو لم يقم علماؤنا وشبابنا بهذا الشيء، كان يجب علينا اليوم أن نصرّ ونتوسّل وندفع تكاليف كبيرة أمام أناس ليسوا من أصدقائنا لنطلب منهم الوقود المخصّب بنسبة 20 %، أو "الأشعة (العلاجية)" ومنتجات المفاعل المذكور. لكن مسؤولي البلاد خمّنوا الأمر والاحتياجات وأدركوا المسألة في حينها، وقاموا في الوقت المناسب بما يجب عليهم القيام به، لذلك نجحنا. يجب أن يكون هذا الشيء برنامجاً لنا لكل قضايا البلاد الأساسية، ولكل احتياجات البلد. 


على الحكومات في إيران، والصناعيين، والمزارعين، وأصحاب رؤوس الأموال، وأرباب فرص العمل، والباحثين العلميين، والمصممين العلميين والصناعيين، وعلى الجميع أن يعملوا بهذا الواجب الأخلاقيّ والعقلانيّ الكبير، وهو أن يعدّوا أنفسهم قبل بروز الحاجة، وأن يسبقوا مخطّطات الأعداء. على المدراء الاقتصاديين، وأساتذة الجامعات، والاتحادات العلميّة، والمسارح العلميّة والتقنيّة، والكل، أن يمسكوا بزمام المبادرة، وتكون هذه هي وجهة هممهم. فإذا كتبوا الدراسات والبحوث العلمية كانت بهذا الاتجاه، وإذا قاموا بالبحوث العلمية قاموا بها في هذا الاتجاه، وإذا أنجزوا أعمالاً صناعيّة وتقنيّة وعلميّة كانت كلّها في هذا الاتجاه. عموماً، على مسؤولي الحكومة ومدراء الجامعات والمدراء العلميين وكل أبناء الشعب السير بهذا الاتجاه. 

واجبنا جميعاً أن نعمل على تمتين بنية البلد وجعله غير قابل للنفوذ والتغلغل وألا يتأثر بمخططات الأعداء، وأن نحافظ عليه ونصونه. هذا من مقتضيات "الاقتصاد المقاوم" الذي طرحناه. من الأركان المهمة والأساسية في الاقتصاد المقاوم هو مناعة الاقتصاد وقدرته على مجابهة التحديات. يجب أن يكون الاقتصاد مقاوماً ويستطيع الصمود أمام مؤامرات الأعداء. هذا هو الموضوع الأول الذي كان يلزم الإشارة إليه. 
 
 
 
 
 
 
165

137

في الحرم الرضوي الطاهر

 لن نخضع للضغوط

الموضوع الثاني هو أنّ الأميركيّين يبعثون لنا برسائل بطرق مختلفة ومتنوعة يقولون فيها تعالوا نتحاور بشأن الملف النووي. يبعثون بالرسائل لنا ويطرحون هذا في إعلامهم العالمي. يقول المسؤولون الأميركيّون من مستوى الصف الأول والمتوسط، مراراً وتكراراً، تعالوا نُقِم إلى جانب مفاوضات 5 + 1 حول الملف النووي، مفاوضات ثنائية بين أميركا والجمهوريّة الإسلاميّة حول الملف النووي الإيرانيّ. لست متفائلاً بمثل هذه المفاوضات. لماذا؟ لأن تجاربنا الماضية تشير إلى أن الحوار في منطق السادة الأميركيّين لا يعني أن نجلس للتوصّل إلى حلّ منطقي، وليس هذا قصدهم من الحوارات والمفاوضات، بل قصدهم من الحوار أن نجلس نتحدّث لتوافقوا أنتم على ما نقوله نحن!. الهدف معلن منذ البداية. يجب على الطرف الذي يفاوضهم أن يقبل ويوافقهم الرأي. لذلك أعلنّا وقلنا دوماً أن هذا ليس بحوار، إنما هو فرض، وإيران لا تخضع للضغوط.

كفى خداعاً
إنني لست متفائلاً بهذه التصريحات، لكنني لا أعارض في الوقت نفسه. يجب أن أوضّح عدة نقاط بهذا الخصوص: النقطة الأولى هي أنّ الأميركيّين يبعثون بالرسائل دوماً ـ يكتبون أحياناً ويبعثون برسائل أحياناً أخرى ـ ويقولون فيها إنّنا لا نقصد تغيير النّظام الإسلاميّ. هكذا يقولون لنا. والجواب هو أنّنا لسنا قلقين من أنّكم تريدون أو لا تريدون تغيير النظام الإسلاميّ، حتى تصرّوا على أنكم لا تريدون تغيير النظام. يوم كنتم تنوون تغيير النظام الإسلاميّ وتعلنون هذا بصراحة لم تستطيعوا فعل أي شيء، وسوف لن تستطيعوا فعل شيء بعد الآن أيضاً. 

النقطة الثانية هي أنّ الأميركيّين يرسلون بالرسائل دوماً وتباعاً يقولون فيها
 
 
 
 
 
 
 
166

138

في الحرم الرضوي الطاهر

 إنّنا صادقون في اقتراح المفاوضات، أي نطلب منكم بصدقٍ أن تتفاوضوا ونتفاوض بصورة منطقية، أي أن لا تكون المفاوضات مفروضة. وأقول جواباً على هذا: لقد قلنا لكم مراراً إننا لا نسعى لامتلاك سلاح نووي، وتقولون إننا لا نصدّق ذلك، فلماذا يجب أن نصدّق نحن كلامكم؟! حين لا تكونوا على استعداد لتقبّل كلام منطقي وصادق، فلماذا ينبغي أن نتقبّل كلامكم الذي أثبتم مراراً خلافه؟ تصوّرنا هو أن اقتراح المفاوضات من قبل الأميركيّين هو تكتيك أمريكي لخداع الرأي العام في العالم وفي إيران. ويجب عليكم أن تثبتوا أنه ليس كذلك. فهل تستطيعون إثبات ذلك؟ أثبتوا ذلك.


وأقول هنا إن من تكتيكاتهم الإعلامية أن يشيعوا أحياناً أنّ القيادة (القائد) أرسلت أشخاصاً للتفاوض مع الأميركيّين، وهذا تكتيك إعلاميّ آخر وكذب محض. لم يوفد أي شخص من قبل القيادة لحدّ الآن للتفاوض معهم. في بعض الحالات، وعلى مدى سنوات طويلة، وفي زمن حكومات متعدّدة، تفاوض أشخاص معهم حول موضوعات مؤقتة ولم نخالف ذلك، لكن ذلك كان أمراً يرتبط بالحكومات. وطبعاً حتى أولئك كانوا مكلّفين بمراعاة الخطوط الحمراء للقيادة، واليوم أيضاً هم مكلّفون بمراعاة هذه الخطوط. 

النقطة الثالثة هي أنّ تصوّرنا انطلاقاً من التجارب والنظر الفاحص الدقيق للساحة هو أنّ أميركا لا ترغب في إنهاء المفاوضات النوويّة. لا يرغب الأميركيّون بإنهاء المفاوضات النووية، وحلّ الاختلافات النووية. وإلا لو كانوا راغبين في إنهاء هذه المفاوضات وحلّ هذه المشكلة فإنّ الحلّ قريب وسهل جداً. لا تريد إيران في إطار ملفّها النوويّ سوى أن يعترف العالم بحقّها في التخصيب، وهذا هو حقّها الطبيعي. ليعترف ساسة الدول المخاصمة بأنّ التخصيب النووي للأغراض السلميّة من حقّ الشّعب الإيرانيّ، ويمكنه أن يقوم به في بلاده وبنفسه.. هل هذا توقّع كبير؟ هذا هو ما قلناه دوماً، لكنهم لا يريدون حتى هذا. 
 
 
 
 
 
 
 
167

139

في الحرم الرضوي الطاهر

 شلّ الشعب بيت القصيد

هم يقولون إنّنا قلقون من أن تسيروا وتتحرّكوا نحو إنتاج الأسلحة النووية ـ وهم عدد قليل من البلدان ليس إلّا، وقد ذكرتُها، ويسمّون أنفسهم "المجتمع الدولي" ـ فيقولون إنّ المجتمع الدولي قلق. كلا، المجتمع الدولي ليس بقلق على الإطلاق. معظم بلدان العالم تقف إلى جانب الجمهوريّة الإسلاميّة، وتدعم مطالبنا، لأنها مطالب حقّة. لو كان الأميركيّون يريدون حلّ القضية فهذا الحلّ سهلٌ جداً.. بوسعهم الاعتراف بحقّ الشّعب الإيرانيّ في التخصيب، ولأجل أن لا تكون هناك أشياء تقلقهم بمقدورهم اتّباع المقرّرات والأنظمة القانونية للوكالة النووية، ولم يكن لدينا منذ البداية أيّ اعتراض على ممارسة هذا الإشراف وتطبيق هذه المقررات. كلما اقتربنا من الحلّ يمارس الأميركيّون عرقلات معينة ليحولوا دون ذلك. إنّ هدفهم حسب فهمي وتصوّري هو أنهم يريدون لهذه القضية أن تبقى هكذا لتكون ذريعتهم للضغط من أجل شلّ الشّعب الإيرانيّ، كما قالوا هم أنفسهم. بالطبّع، إنّ الشّعب الإيرانيّ لن يُصاب بالشّلل رغماً عن أنوفهم.

كُفُّوا أيديَكم عنّا
النقطة الرابعة والأخيرة في هذه القضية هي لو كان الأميركيّون يريدون حقّاً إنهاء هذا الموضوع، فإنني أقدّم الحلّ، وهو أن يقلعوا عن معاداة الجمهوريّة الإسلاميّة والشّعب الإيرانيّ. اقتراح المفاوضات ليس بالكلام المنطقي والرصين والمستند إلى الدليل، إنمّا الكلام الصحيح هو لو كانوا يريدون حلّ ورفع المشكلات بين الجانبين - هم يقولون إننا لا نريد وجود مشكلة بين إيران وأميركا - فليكفّوا عن العداء. منذ 34 عاماً والحكومات الأميركيّة المختلفة تنطلق من فهم خاطئ لإيران والإيرانيّين، وتخطّط وتمارس مختلف صنوف العداء. منذ العام الأول لانتصار الثورة وتأسيس النظام الإسلاميّ وقفوا منّا موقف العداء ورسموا المخطّطات ضدّنا على الصّعد الأمنية، وتصرّفوا بطريقة عدائيّة، وكانت لهم مبادراتهم ضدّ 
 
 
 
 
 
 
168

140

في الحرم الرضوي الطاهر

 وحدة أراضينا، ودعموا أعداءنا الصغار والكبار طوال أعوام متمادية، ونشطوا ضدّ اقتصادنا الوطني، واستخدموا كل الأدوات والوسائل ضدّ شعب إيران، وقد فشلوا في كلّ ذلك والحمد لله. وإذا ما استمرّوا بعد الآن أيضاً بعداواتهم ضدّ الشّعب الإيرانيّ فسوف يُهزمون. وعليه، فإنني أنصح المسؤولين الأميركيّين، إذا كانوا يسعون للحلّ العقلائي، فالحلّ العقلائيّ هو في تصحيح سياساتهم وأعمالهم والإقلاع عن معاداة الشّعب الإيرانيّ. انتهى هذا الموضوع. 


الملحمة: سياسية واقتصادية
هناك موضوع آخر يجب أن أشير إليه على وجه الإجمال ألا وهو قضية الانتخابات بالغة الأهمية. الانتخابات في بلادنا مظهر "الملحمة السياسية". ما ذكرتُ إنه واجبنا وواجب مختلف شرائح الشعب ويجب أن نقوم به كان مظهر "الملحمة الاقتصادية". والانتخابات هي مظهر وتجسيد لـ "الملحمة السياسية". وهي مظهر اقتدار النظام الإسلاميّ، وبلورةٌ لسمعة النظام. سمعة الجمهوريّة الإسلاميّة تكمن في الانتخابات وفي مشاركة الشعب عند صناديق الاقتراع وتأثير كل واحد من أبناء الشعب في انتخاب مسؤولي البلاد. الانتخابات مظهر الإرادة الوطنية، ورمز السيادة الشعبية الإسلاميّة. لقد طرحنا السيادة الشعبية الإسلاميّّة مقابل الديمقراطية الليبرالية الغربية، ومظهر السيادة الشعبية الإسلاميّة هو مشاركة الشعب في الانتخابات. وبسبب الأهمية البالغة للانتخابات حاول أعداء الشّعب الإيرانيّ دوماً تبديد الطابع الحماسي والملحمي للانتخابات... خطّطوا لصرف الجماهير عن الحضور عند صناديق الاقتراع، وبثّ البرود واليأس في نفوسهم. وقد سعى الأعداء دوماً طوال الأعوام التي كان لنا فيها انتخابات ـ سواء انتخابات مجلس الشورى الإسلاميّ، أم انتخابات رئاسة الجمهوريّة على وجه الخصوص ـ لأن تكون انتخاباتنا ضعيفة وبلا رونق. ومردّ هذا إلى أهمية الانتخابات في أمور البلاد.

أذكر جملة من النقاط تتعلّق بالانتخابات. بالتأكيد، ما زال هناك مسافة تزيد 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

141

في الحرم الرضوي الطاهر

 على الشهرين تفصلنا عن الانتخابات. وإذا بقي لنا من العمر شيء سأعود لأذكر نقاطاً بهذا الشأن في فرص أخرى. أما الآن فأشير إلى هذه النقاط.


الحماس الانتخابيّ
النقطة الأولى هي أهمية المشاركة الواسعة والحضور الشامل للجماهير في الانتخابات، وهذا يتمتّع بالدرجة الأولى من الأهمية. الحماس الانتخابي في البلاد وحضور الجماهير عند صناديق التصويت باستطاعته إحباط تهديدات الأعداء، وبث اليأس في نفوسهم، وتأمين أمن البلاد. ليعلم أبناء شعبنا العزيز هذا الأمر أينما كانوا في أنحاء البلاد. إنّ لمشاركتهم الواسعة عند صناديق الاقتراع تأثيرها في مستقبل البلد وأمنه واستقلاله وثروته الوطنية واقتصاده وفي كل قضاياه المهمة. هذه هي النقطة الأولى وهي أن تقام الانتخابات إن شاء الله وبتوفيقه وعونه وبهمّة الشّعب الإيرانيّ بأعلى درجات المشاركة الجماهيرية. 

المشاركة الشاملة
النقطة الثانية هي ضرورة مشاركة كلّ الأذواق والتيارات المؤمنة في الجمهوريّة الإسلاميّة في الانتخابات. فهذا حق يتمتع به الجميع وواجب على عاتق الجميع. ليست الانتخابات ملكاً لتوجّه خاصّ، أو لتيّار فكريّ وسياسيّ معيّن. كل الذين يؤمنون بنظام الجمهوريّة الإسلاميّة وباستقلال البلاد، ويهتمّون لمستقبلها، ويخلصون للمصالح الوطنية، يجب عليهم المشاركة في الانتخابات. الإعراض عن الانتخابات يناسب الذين يعارضون النظام الإسلاميّ. 

صوّتوا للأصلح
النقطة الثالثة هي أنّ أصوات الشعب هي التي تحسم الأمر في نهاية المطاف. المهمّ هو تشخيصكم وأصواتكم. عليكم أنتم أن تحقّقوا وتبحثوا وتلاحظوا وتدقّقوا وتسألوا من تثقون به لتصلوا إلى المرشّح الأصلح فتنتخبوه. القائد ليس له سوى 
 
 
 
 
 
 
 
170

142

في الحرم الرضوي الطاهر

 "صوت" واحد. إنني كباقي أبناء الشعب لي "صوت" واحد لا علم لأحد به إلى أن يُلقى في صندوق الاقتراع. والذين بيدهم الصندوق قد يفتحونه بعد ذلك ويعرفون خطّ يدي فيعلمون لمن أدليتُ بصوتي، ولكن إلى ما قبل التصويت لن يطّلع أحد على صوتي. ولا يصحّ أن يأتي شخص فينسب ويقول إنّ القائد رأيه فلان وليس فلاناً. إذا حصلت مثل هذه النسبة فهي غير صحيحة. طبعاً في هذه الأيام يشيع وللأسف بوسائل الاتّصالات والإعلام العجيبة هذه ـ رسائل الهواتف الجوّالة وما إلى ذلك ـ كلام كثير وتنسب مسائل متنوعة لأشخاص متعدّدين. أحياناً يمكن لشخص واحد أن يرسل آلاف الرسائل بالهاتف الجوّال. رفعت لي تقارير تقول إنه قد تُرسل في أيام الانتخابات مئات الملايين من رسائل الهواتف الجوّالة كل يوم. دققوا واحذروا ولا تتأثروا بهذه الأشياء.. انظروا وشخّصوا واعرفوا الأصلح، وصوّتوا له من أجل أداء الواجب والتكليف. طبعاً بوسع أي شخص، وكذلك الناشطون السياسيون، أن يدعوا الآخرين إلى رأيهم ـ لا إشكال في ذلك ـ ولكن لن يسمع أحد مني شيئاً بهذا الخصوص. وفي الوقت نفسه يمكن للناس أن يذكروا آراءهم لبعضهم بعضاً، ويوصوا بهذا أو بذاك، ويؤكّدوا على شيء معين، ويوصوا ويرشدوا بعضهم بعضاً، ويساعد أحدهم الآخر لمعرفة الأصلح. على كل حال، ملاك الأمر هو أصوات أبناء الشعب.

 
التسليم للقانون
النقطة الرابعة هي أنّ على الجميع في قضية الانتخابات أو غير الانتخابات أن يسلّموا لما يقوله القانون ويرضخوا له ولا يتمرّدوا عليه. إنّ الأحداث التي وقعت عام 1388هـ ش(2009م)1 وقد كان فيها ضرر وخسائر للبلاد ـ نجمت كلّها عن أن بعض الناس لم يريدوا التسليم للقانون والرضوخ لرأي الشعب وأصواته. قد يكون 



1 فتنة انتخابات الرئاسة عام 2009م وادعاء التزوير والحملة الغربية التي لاقت عملاء لها في الداخل, حيث روجوا بقوة للتزوير وقاموا باضطرابات وأعمال شغب أدت إلى ردة فعل قوية ومعاكسة من قبل الشعب, حيث خرج بالملايين في كل إيران وأعلن ولاءه للنظام الإسلاميّ ولحاكمية ولاية الفقيه وأحبط بذلك أهم محاولة للغرب وعملائه للإطاحة بالنظام من الداخل.
 
 
 
 
 
 
 
 
171

 


143

في الحرم الرضوي الطاهر

 تصويت الشعب بخلاف ما أرغب به أنا شخصياً، لكنني يجب أن أسلّم لرأي الشعب. ما تختاره أكثرية الشعب وأغلبيته يجب على الجميع التسليم له وعدم مناهضته. ولحسن الحظّ فإنّ الآليات القانونية لرفع الإشكالات والأخطاء والشبهات موجودة، فليستفيدوا من هذه الآليات القانونية. أما إذا حصل ما هو بخلاف رغبتنا ودعونا الناس للتمرّد في الشوارع ـ وهو ما حصل في سنة 1388هـ ش ـ فهذا من الأخطاء التي لا تعوّض. لقد كانت هذه تجربة لشعبنا، وسيقف شعبنا دوماً في وجه مثل هذه الأحداث. 


الرئيس اللائق
والنقطة الأخيرة التي يجب أن يعلمها الجميع هي أننا بحاجة لرئيس جمهورية في المستقبل يتوفّر على الامتيازات الموجودة اليوم من دون نقاط الضعف. ليتنبّه الجميع لهذه النقطة. يجب على رئيس الجمهوريّة في كلّ دورة أن يتحلى بالامتيازات والإيجابيات المكتسبة لرئيس الجمهوريّة السابق من دون أن تكون فيه نقاط ضعفه. في النهاية إنّ لكلّ إنسان نقاط قوّة ونقاط ضعف. ولرؤساء الجمهوريّة ـ سواء رئيس الجمهوريّة اليوم أم رئيس الجمهوريّة المقبل ـ نقاط قوة ونقاط ضعف. كلنا على هذا النحو، لدينا نقاط قوة ونقاط ضعف. ما يعدّ نقاط قوّة للحكومة ولرئيس الجمهوريّة حالياً يجب أن تتوفّر في رئيس الجمهوريّة الآتي.. يجب أن يوفّرها في نفسه. وما يعدّ نقاط ضعف حاليّاًـ قد تذكرونها أنتم، وقد أذكرها أنا، وقد يذكرها الآخرون ـ يجب عليه أن يبعدها عن نفسه وأن لا تكون فيه. بمعنى أننا يجب أن نتقدّم إلى الأمام في سلسلة الحكومات التي تتوالى على الحكم وأن نرتقي ونتكامل، ونبعث تدريجياً أفضل الشخصيات. كل من يأتي يجب أن يكون ملتزماً بالثورة، وبالقيم، وبالمصالح الوطنية، وبالنظام الإسلاميّ، وبالعقل الجمعي، وأن يكون مدبّراً. هكذا ينبغي إدارة هذه البلاد. البلد بلد كبير، والشعب شعب عظيم، والأمور الإيجابية المبشرة بالخير كثيرة، والمشكلات موجودة في طريق شعبنا كما في طريق أي شعب. الذين يعدون
 
 
 
 
 
 
172

144

في الحرم الرضوي الطاهر

 أنفسهم لهذه الساحة يجب أن يعملوا بمنتهى القوة وبكل اقتدار، وبالتوكّل على الله، وبالاعتماد على قدرات هذا الشعب. 


اللهم قدّر لهذا الشعب ما هو خيره وصلاحه. اللهم أرضِ عنا القلب المقدس لإمامنا المهدي المنتظر. ربنا أرضِ عنا الروح الطاهرة لإمامنا الخميني الراحل وأرواح الشهداء الأبرار. اجعل ما قلناه لك وفي سبيلك وتقبّله منا بكرمك. 

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
173

145

الإمام الخامنئي دام ظلّه يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ

 الإمام الخامنئي دام ظلّه يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ


المناسبـة: وفاة العلّامة الفضليّ قدس سره
الزمـــان:
20/01/1392 هـ.ش.
28/05/1434 هـ.ق.
09/04/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
175

146

الإمام الخامنئي دام ظلّه يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ

 بعث الإمام السيّد علي الخامنئيّ رسالة تعزية بمناسبة رحيل عالم الدين والمفكّر الإسلاميّ آية الله الدكتور عبد الهادي الفضليّ والذي وافته المنيّة في السعودية. فيما يلي نصّ الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم
تلقّيت ببالغ الحزن والأسى نبأ رحيل العلّامة آية الله الدكتور عبد الهادي الفضليّ إلى جوار ربّه.

لقد قضى العلّامة الفقيد عمره الشريف في الجهاد العلميّ والسياسيّ والدفاع عن مقدّسات الأمّة الإسلاميّة وقضاياها العادلة.

كان الفقيد من روّاد الفكر والمنظّرين الإسلاميّين البارزين، وخير دليل على ذلك ما نجده في مؤلّفاته وآثاره الجليلة.

كان رحمه الله ملاذاً لعلماء الأمّة حيث جسّد بفكره وحركته وجهاده وجهوده الوحدويّة قدوة لتأليف القلوب وتوحيد الصفّ الإسلاميّ ولمّ الشمل ونبذ الخلافات وتوجيه الأنظار والأفكار نحو العدوّ المشترك لأبناء أمّتنا الإسلاميّة العظيمة. كما قدّم الفقيد الراحل من خلال صبره على الابتلاء الإلهيّ في أواخر حياته حيث ألمّ به المرض وكبّده الكثير من العناء مثالاً رائعاً للإنسان المؤمن الصابر الشاكر المحتسب المتوكّل على الله العليّ القدير.

إنّني بهذه المناسبة الأليمة إذ أتقدّم بأحرّ التعازي لأعضاء أسرته الكريمة ورفاق دربه وتلامذته ومحبّيه ولاسيّما لعلماء أمّتنا الإسلاميّة والحوزات العلميّة الدينيّة، أسال الله أن يتغمّده برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جنانه ويدخله في سعة 
 
 
 
 
 
 
 
177

147

الإمام الخامنئي دام ظلّه يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ

 رضوانه ويلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان، كما أسال الله جلّ وعلا أن يمنّ على جميع علمائنا الأخيار بوفور الصحّة ودوام التوفيق والاقتداء بفقيدنا السعيد فكراً وسلوكاً وجهاداً وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.


الإمام الخامنئي دام ظلّه 
يعزّي بوفاة العلّامة الفضليّ
 
 
 
 
 
 
 
178

148

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج


المناسبـة: يوم العامل 
الحــضـور: حشد من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج 
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
07/02/1392 هـ.ش.
16/06/1434 هـ.ق.
27/04/2013 م.

 
 
 
 
179

149

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 بسم الله الرحمن الرحيم


أرحّب بكم أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، الطاقات المكرّمة العاملة على ازدهار البلاد وتقدّمها. أنتم شخصيّات كريمة ونجيبة وملتزمة، أخذتم على عاتقكم واحدةً من أصعب مهمّات إدارة البلد وتقدّمه، وتحمّلتم في سبيل سعادة هذا الشعب، أعباء العمل الثقيلة. الله تعالى يقدّر جهودكم ومساعيكم، ونسأله أن يجزل لكم الأجر والثواب. 

العامل ضمان مسيرة التقدّم
من المتعارف عليه، بمناسبة يوم العمّال، أن يثني أصحاب الأقلام والبيان والخطابة على شريحة العمّال ومناقبهم، وهذه ممارسة محمودة وفي مكانها طبعاً، بغضّ النظر عن مدى تأثير الكتابات والخطابات في رفع مرتبة العامل، فإنّ المنقبة الأصليّة والمحوريّة للطاقات العاملة في المجتمع هي أنّ العامل يضمن بجسمه وروحه وعقله مسيرة تقدّم البلاد إلى الأمام وتوفير الراحة والخدمات للشعب. صحيح أنّ ثمة عوامل أخرى مؤثّرة في هذا المضمار - نظير الطاقات التي تُوفّر رؤوس الأموال والطاقات الإدارية - وينبغي تثمينها وتقديرها في مواطنها، لكنّ العامل يقوم بهذا العمل بجسمه وروحه، ولهذه القضيّة قيمة وأهميّة مضاعفة. 

إذا لم تتوفّر في بلد من البلدان طاقات إنسانيّة عاملة، أو إذا كانت هذه الطاقات ضعيفة، أو غير ماهرة، أو إذا شابت أذهانها وأفكارها طرائق سياسيّة متنوّعة، فإنّ ذلك البلد سيصاب بالشّلل. أنتم (المنظومة العمّالية في البلد) العمود الفقريّ

 
 
 
 
 
181

150

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 للبلد، وأنتم الذين تعملون غالباً على الحيلولة دون إصابة البلد بالشلل. هذا شيء يجب أن يعلم ويكون واضحاً ويتوجّب أن يعلمه ويفهمه جميع الناس. على مستوى صناعة الثقافة يجب أن يعرف الناس قيمة العمل والعامل، وعلى المستوى العمليّ أيضاً ينبغي للمشرّعين والتّنفيذيّين أن يولوا هذه الأمور أهميّة دائمة, فإذا تمتّعت شريحة العمّال في بلد من البلدان بالرعاية والأمل والأمن المهنيّ، فستكون مسيرة ذلك البلد نحو التقدّم سهلة يسيرة. هذه حقيقة يجب أن يعلمها ويدركها الجميع.


حركة العمّال، أحد مفاتيح النصر:
و أنا أعتقد أنّ أهميّة طبقة العمّال أعلى حتّى من هذا. ما سلف ذكره أمرٌ يتعلّق بكلّ مكان وبجميع البلدان. ولكنّ ثمّة حالة مضاعفة هنا (في إيران)، وهي أنّ العمّال - إضافة إلى قيامهم بواجباتهم المهنيّة والعمليّة ـ قاموا على أحسن نحو بالوظائف الثوريّة والوطنيّة. في بداية انتصار الثورة الإسلاميّة كانت حركة العمّال العظيمة أحد مفاتيح النصر - عمّال شركة النفط وغيرهم وغيرهم - وكذلك في فترة الدفاع المقدّس. ففي جبهات القتال, أين ما كان ينظر المرء يجد العمّال الشّباب والكهول يملؤون الجبهات. وفي الأحداث السياسيّة المختلفة لم يرضخ العمّال لإغراءات ووساوس الذين أرادوا أن يكون للعمّال مواقف مناهضة للثورة والنظام الإسلاميّ. هذه ليست بالأمور القليلة. طبعاً الكثيرون لا يعلمون هذه الحقائق، ونحن قد لمسناها عن قرب. 

في الأيّام الأولى لانتصار الثورة الإسلاميّة حضرتُ شخصيّاً وسط جماعة عمّاليّة في غرب طهران، وشاهدتُ ماذا يفعل أعداء الإسلام والثورة, وكيف يخطّطون ويبرمجون، وما هي مخطّطاتهم ليستطيعوا - منذ البداية ومع بزوغ أنوار الثورة وبوساطة طبقة العمّال - تكريس نفوذهم السياسيّ التّابع لبعض القوى الكبرى. هذا ما شاهدته عن كثب. وشاهدتُ، في مقابل ذلك، الشريحة العاملة المؤمنة المتديّنة, بفضل ما لها من إيمان وبفضل ثقتها بالإمام الخميني الجليل ورجال الدين، شاهدتها

 
 
 
 
182

151

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 تقف بصراحة وشجاعة مقابل أولئك، وهذا ما تكرّر على مدى سنوات طويلة. وقد مضى على تلك الأيام 34 عاماً. حاول الكثيرون وسعوا وأنفقوا الأموال ليضعوا طبقة العمّال في مقابل النظام الإسلاميّ. لكنّ الطبقة العاملة وقفت وقاومت، وهذا على جانب كبير من الأهميّة. هذه حقائق تكشف لنا قيمة المنظومة العمّاليّة في إيران، قيمتها الإنسانيّة والثوريّة والحضاريّة. هذه أمور يجب أن تتحوّل إلى ثقافة ليعلمها ويدركها الجميع. وعليكم أيّها العمّال أن تفخروا بذلك. 


في العام الماضي أطلقنا شعار دعم العمل ورأس المال الإيرانيَّيْن. وهذه المسألة لا تنتهي في سنة واحدة. يرفع الأعزّاء والمسؤولون تقارير عن إنجاز كذا وكذا، لا بأس، بارك الله في أيّ عمل ينجز بنيّة صالحة خيّرة، ولكن ينبغي متابعة الأمر بصورة جدّيّة ومحوريّة، وهذا يقع على عاتق كلّ الناس. هذا جانب مهمّ من صناعة الثقافة التي أشرنا إليها. 

المنتجات المحليّة أوّلاً
رفعنا شعار: الإنتاج الداخليّ، العمل ورأس المال الإيرانيّ. هذا معناه أن لا يختطف بريق وسحر الأسماء الأجنبيّة الأنظار. فليعلم الجميع أنّ هذا المنتج الذي يشترونه إمّا يزيد من رفاهيّة عامل إيرانيّ أو يتسبّب في حرمانه وفقره ويزيد من رفاه العامل الأجنبيّ. طبعاً نحن نحبّ البشريّة كلّها، لكن العامل الإيرانيّ يعمل لرفعة بلاده وشموخها, وهو جزء مهمّ وثمين وعزيز من جسد هذا الشعب, فينبغي تعضيده وتأييده وتقويته. بعضهم لا يفهمون هذا ولا يدركونه، أو لا تختلف بالنسبة إليهم علامات المنتجات الإيرانيّة والأجنبيّة، أو حتّى على العكس، بدل أن يبحثوا عن علامات الإنتاج الإيرانيّ يبحثون عن علامات الإنتاج الأجنبيّ. هذا انحراف وخطأ. كلّ الناس مخاطبون بهذا الكلام. 

إنّني أؤكّد وأصرّ وأطلب من كلّ الشّعب الإيرانيّ أن يتجّه نحو استهلاك المنتجات الداخليّة. هذه ليست بالقضيّة الصغيرة ولا بالعمليّة القليلة الأهميّة، إنّما هي قضيّة

 
 
 
 
 
183

152

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 وممارسة كبرى. طبعاً الأجهزة والمؤسّسات الحكوميّة وأجهزة الدولة - الحكوميّة بالمعنى العامّ للكلمة - تتحمّل من هذه الناحية واجبات مضاعفة. الوزارة الفلانيّة والمؤسّسة الفلانيّة والدائرة الفلانيّة حينما تريد تأمين ما تحتاج إليه من بضائع ولوازم يجب أن لا تستخدم البضائع الأجنبيّة مطلقاً، بل تستخدم المنتجات الداخليّة. طبعاً من الجانب الآخر يطالَبُ المنتِج الداخليّ - سواء كان مديراً أو عاملاً أو مستثمراً - ويؤكّد عليه بأن يقدّم منتجات جيّدة وكاملة ومناسبة. فكلا الجانبين ممّا أشار إليه ديننا الإسلاميّ المقدّس واهتمّ به. يطالبنا الله سبحانه بمتانة العمل، ويطالبنا أيضاً باحترام العامل، وبتأمين أمنه الحياتيّ والمهنيّ، ويطالبنا الله كذلك بتأمين أمن رأس المال. 


الرأسماليّة، انحدار إلى الهاوية
حينما تُلاحَظ هذه الأمور كلُّها إلى جانب بعضها، فلن تحصل هذه الحالات من الإفراط والتفريط تحت مسمّيات مختلفة، سواء في حيّز نشاط الاقتصاد الليبراليّ الذي يسمّونه الحرّ - الحرّ يعني حرّاً لأصحاب رأس المال، وسجناً وحبساً وضغوطاً على الطبقات المظلومة والفقيرة، وتلاحظون اليوم ردود الأفعال على ذلك في أوروبا - أو في الحيّز الاشتراكيّ. الدليل الأكبر على خطأ الاقتصاد الذي يسمّى ليبراليّاً هو الأحداث الجارية اليوم في أوروبا بشكل، وفي أميركا بشكل آخر. لقد أثبت الاقتصاد الرأسماليّ خطأه وإخفاقه على الصعيد العمليّ وعلى صعيد التجربة، وهو لا ينفع حتّى الطبقات التي تَكَوَّنَ هذا الاقتصاد وظَهَرَ لحمايتها. والطبقة العمّاليّة تُسحق منذ سنوات طويلة هناك، لكن الوضع حتّى ليس في صالح أصحاب الرساميل والبنوك والكارتلات أنفسهم. وهذه هي بداية المطاف، وسوف يزداد الأمر سوءاً في المستقبل. وهم لا يكفّون عن إطلاق الوعود بإصلاح الأمور، لكنّهم لن يستطيعوا إصلاحها، فطريقهم طريق منحدر زلق، وهم ينحدرون إلى الأسفل، وهذا جزء من تضعضع الحضارة الغربيّة الماديّة الخاطئة. هذا ناهيك عن مشكلاتهم الأخلاقيّة

 
 
 
 
 
184

153

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 والعقيديّة والنظريّة والفكريّة. هذه تجارب بالنسبة إلينا. والعالم الاشتراكيّ أثبت عجزه وإخفاقه منذ سنوات طويلة. 


للإسلام نظرته المتوازنة الإنسانيّة العادلة لكلّ المجالات والميادين، بما في ذلك هذا المجال، فهو يراعي هذا الطرف وذاك الطرف, ويدعو إلى الأخوّة بينهم وليس إلى التعارض والاختلاف، والجميع يركّزون على الواجب الإلهيّ ويعلمون أنّ الله تعالى حاضرٌ ناظرٌ يراهم. هذه يجب أنْ تكون ثقافة حياتنا، وينبغي أنْ نعمل على هذه الشاكلة.

الملحمة السياسيّة والاقتصاديّة
رفعنا شعار "الملحمة السياسيّة" و"الملحمة الاقتصاديّة". والملحمة الاقتصاديّة ليست بيد الحكومة فقط، فلا مراء أنّ التخطيط والبرامج الحكوميّة هي على جانب كبير من الأهميّة. الملحمة تعني الحدث الجهاديّ الحماسيّ الكبير. هذا شيء يجب أن يأخذه الشّعب الإيرانيّ ومسؤولو البلاد بنظر الاعتبار، ويردموا الهوّات ويملؤوا الفراغات بعد أنْ يعرِفوها ويشخّصوها. يجب النظر إلى حياة الطبقات الضعيفة والفقيرة، وأخذها بعين الاعتبار في كلّ البرامج والتخطيطات.. هذه هي الملحمة. على كلّ الناس، سواء في ما يتعلّق باستهلاكهم أو إنتاجهم، والقطاعات الإنتاجيّة بشكل والقطاعات المستهلكة بشكل، والقطاعات الخدميّة بشكل، على الجميع أنْ يعلموا أنّه لا بدّ من قفزة واسعة لتقدّم البلاد، ولا بدّ من صناعة ملحمة. عندها ستتقدّم البلاد وتستقرّ. الملحمة السياسيّة والملحمة الاقتصاديّة توأمان. كلّ واحدة منهما تعزّز الثانية وتصونها وتحفظها. 

حين قلنا في بداية السنة "الملحمة السياسيّة والملحمة الاقتصاديّة" قلنا ذلك عن وعي وإدراك، وأدرك العدوّ أيضاً ماذا نقول؟ حاول العدوّ بالحظر والضغوط الاقتصاديّة المختلفة إخراج الشعب من الساحة، ويقول مع ذلك: إنّني لا أعادي الشعب. هو يكذب.. يكذب بكلّ سهولة وبكلّ وقاحة! معظم الضغوط هي من أجل

 
 
 
 
 
185

154

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 إزعاج الناس وإيذائهم والتضييق عليهم وتعريضهم للضغوط عسى أن يستطيعوا الفصل بين الشعب والنظام الإسلاميّ، الهدف هو الضغط على الناس. إذا جرى الاهتمام بهذه الحركة الاقتصاديّة العظيمة وهذه القفزة الاقتصاديّة وهذه البرمجة الصحيحة، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى التنفيذ، وعلى سائر المستويات، فسوف يتمّ إحباط كلّ هذه الضغوط. على الشّعب الإيرانيّ ومسؤولي البلاد إبداء عزيمة راسخة لفرض اليأس على العدوّ. 


عدوّ يجهل شعب إيران
و كذا الحال بالنسبة إلى الملحمة السياسيّة. الملحمة السياسيّة تعني الحضور الواعي للشعب في الساحة السياسيّة وفي ساحة إدارة البلاد. والنموذج البارز لهذا التواجد هو المشاركة في الانتخابات التي ستقام بعد فترة وجيزة (حزيران2013م) إن شاء الله وبتوفيق من الله في وقتها المقرّر، وبمشاركة وحضور واندفاع من قبل جماهير الشعب. ولأنّهم أدركوا ما هو هدف الملحمة السياسيّة والملحمة الاقتصاديّة بدأوا بالتخريب والتشويه - حسب ما تُمليه عليهم أوهامهم - من الآن. اليوم ثمّة صنوف من الإعلام والدعاية غايتها بثّ اليأس في نفوس الناس على الصعيد الاقتصاديّ، والتقليل من محفّزات الشعب للحضور في الساحة السياسيّة وخصوصاً في ساحة الانتخابات. إنّهم لم يعرفوا الشّعب الإيرانيّ بعد. هذه الحركة العظيمة للشّعب الإيرانيّ في الميادين المختلفة لم تستطع بعدُ أن تنبّه المخطّطين وواضعي السياسات الاستكباريّة خلف الكواليس من غفلتهم وجهلهم، فهم لا يعلمون من هو الجانب الآخر. لقد صبر الشّعب الإيرانيّ وقاوم طوال أكثر من ثلاثين عاماً على الرغم من كلّ هذه المعارضات والعداوات. إذا كان المسؤولون قد صبروا وقاوموا، فما ذلك إلّا بدعم من الشعب. الفضل الأوّل يعود للناس والثناء الأكبر تستحقّه جماهير الشعب. هم الذين ربطوا على قلوب المسؤولين وساندوهم ليتمكّنوا من المقاومة - أينما قاوموا - أمام تعسّف الأعداء

 
 
 
 
 
186

155

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 والمستكبرين وضغوطهم وجشعهم. وكذا الحال اليوم أيضاً، وسيكون الوضع على نفس الشاكلة في المستقبل بتوفيق من الله.


الانتخابات ساحة الظهور والبروز
قضيّة الانتخابات قضيّة مهمّة. ساحة الانتخابات ساحة ظهور الاقتدار الوطنيّ في البلد. الشعب الحيّ والنشط والمعتمد على الإرادة الإلهيّة والواثق بتعضيد الله وعونه، هذا الشعب سوف ينتصر في كلّ الساحات والميادين. وكذا الحال في هذه الساحة أيضاً.

قلنا: لتنزل إلى الساحة كلّ الأذواق والتيّارات المختلفة وكلّ من يشعر بأنّ لديه المقدرة، وسوف تشارك كتل الشعب الهائلة البالغة عشرات الملايين في الساحة إن شاء الله، ولكن لا يخطئ الذين يرشّحون أنفسهم في حساباتهم، وليعلموا ما هي إدارة البلاد تنفيذيّاً. لا يخطئوا في تقييم حاجة البلاد لقوّة وسلطة تنفيذيّة، ولا يخطئوا في تقييم قدراتهم على حمل هذه الأعباء. إذا كانت لهم تقييماتهم الصحيحة فليخوضوا غمار الساحة، والشعب ينظر وينتخب.

آلية اختيار المرشّحين
آليّة الانتخابات في بلادنا آليّة متينة. اعتراضات البعض هنا وهناك غير منطقيّة وفي غير محلّها حقّاً. وجود مجلس صيانة الدستور في دستور البلاد - والذي شدّد عليه الإمام الخميني قدس سره مراراً وتكراراً - وجودٌ مباركٌ بحقّ. تشخيص مجلس صيانة الدستور هو تشخيص مجموعة من الأفراد العدول والمحايدين وذوي البصيرة في ما يخصّ أهليّة المرشّحين. هذا شيء مبارك وممدوح بالنسبة إلينا وإلى كلّ أبناء الشعب. وأبناء الشعب يبحثون ويحقّقون بين الذين تمّ تأييد أهليّاتهم وصلاحيّتهم، ويستفسرون من الذين يثقون بهم، وينظرون لسوابق المرشّحين وشعاراتهم وكلامهم وأقوالهم، ثمّ يتخذون قرارهم.

 
 
 
 
187

156

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 المرشّح للانتخابات يجب أن يكون:

أوّلاً: مؤمناً معتقداً بالله وبهذه الثورة وبدستور البلاد وبهذا الشعب.
ثانياً: متحلِّياً بروحيّة مقاومة. لهذا الشعب أهدافه وطموحاته السامية ومشاريعه الكبرى، وهو شعب غير مستسلم، ولا أحد بوسعه التحدّث مع هذا الشعب بلغة القوّة. الذين يتولّون المسؤوليات العليا في السلطة التنفيذية يجب أن يكونوا مقاومين أمام ضغوط الأعداء، فلا يسارعوا إلى الخوف والفزع، ولا يسارعوا لترك الساحة. هذا من الشروط اللّازمة.

ثالثاً: من الأفراد المدبّرين وذوي الحكمة. رفعنا في السياسة الخارجيّة شعارات "العزّة والحكمة والمصلحة". وكذا الحال في إدارة البلاد، وفي القضايا والشؤون الداخليّة، وكذلك في الشؤون الاقتصاديّة. يجب أن ينظروا إلى الأمور والأعمال من زاوية التخطيط والبرمجة وبحكمة وتدبير، وبنظرة طويلة الأمد وشاملة، وبهندسة صحيحة للأعمال والمهمّات. 

التفكير الاقتصاديّ بطريقة يوميّة مؤقّتة حالة مضرّة، وتغيير السياسات الاقتصاديّة بشكل دائم ممارسة مضرّة - إنّها مضرّة في كلّ القطاعات وخصوصاً في المجال الاقتصاديّ - والاعتماد على الآراء والقرارات غير الخبرويّة حالة مضرّة، وانتهاج الأساليب التعضيديّة في الاقتصاد المفروضة من قِبَل الشرق والغرب أيضاً أمرٌ مضرّ. السياسات الاقتصاديّة يجب أن تكون سياسات اقتصاد مقاوم. والاقتصاد المقاوم يجب أن يكون مقاوماً في بُنيته الداخليّة، وبمقدوره أن يصمد ولا يتلاطم بالتغييرات المختلفة في العالم هنا وهناك. هذه أمور ضروريّة ولازمة. رئيس الجمهوريّة الذي يريد إدارة هذا البلد الكبير والسير في هذا الدرب الزاخر بالمفاخر بمساعدة الناس، يجب أن يتحلّى بمثل هذه الخصوصيّات. 

رابعاً: متحلِّياً بالتهذيب الأخلاقيّ وعدم الخوض في القضايا الجانبيّة. هذه أمور ضروريّة. وقد كانت هذه توصيتي دائماً لكلّ الحكومات. وتعلمون أنّني دعمت دوماً الحكومات ورؤساء الجمهوريّة طوال هذه الأعوام. وقد أوصيتهم بتوصياتي

 
 
 
 
188

157

عند لقائه حشداً من العمّال والناشطين في قطاع الإنتاج

 أيضاً، وفي حالات كثيرة طالبتهم بإيضاحات. ما شدّدتُ عليه هو أن لا يخلقوا للناس تكاليف ومشاكل وهموماً وقلقاً، ولا يسبّبوا لهم التشويش والاضطراب. وطبعاً يجب أن لا يطلقوا وعوداً اعتباطيّة من دون أساس، ولا يوهموا الناس بأمنيات حالمة غير منطقيّة. بل يتحرّكوا بطريقة منطقيّة ومعقولة ومتطابقة مع الواقع وبالتوكّل على الله تعالى. ويجب أن يكون هذا هو الحال في المستقبل أيضاً إن شاء الله. 


ما فهمناه من تجربة الثورة طوال سنين، هو أنّ الله تعالى سينصر بفضله وهدايته هذا الشعب على كلّ أعدائه. والأعداء أنفسهم سيعترفون - وهم يعترفون اليوم - أنّ كلّ من يصطدم بهذا الشعب وبهذه المسيرة العظيمة وبهذه المحفزّات الإيمانيّة العميقة لدى هذا الشعب، سوف يسقط ويهزم لا محالة.

نسأل الله تعالى أنْ يجعل مستقبل هذا الشعب العزيز وهذا البلد أفضل من ماضيه يوماً بعد يوم، وأن يمنّ عليكم أيّها الشعب العزيز بالانتصارات المتعاقبة. وستستطيع طبقة العمّال والمنظومة العمّالية الهائلة في البلاد التي خلقت لحدّ الآن كلّ هذه المفاخر، أن تُضاعف مفاخرها في المستقبل، وتزيد من إشراق الوجه المشرق للطاقات العمّاليّة بين الناس إن شاء الله.

و السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
189

158

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في المؤتمر العالميّ

لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة


المناسبـة: إنعقاد مؤتمر الصحوة الإسلامية
الحــضـور: جمع غفير من علماء الدين من البلدان الإسلامية
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
09/02/1392 هـ.ش.
18/06/1434 هـ.ق.
29/04/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
191

159

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد المصطفى، وآله الأطيبين وصحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أرحّب بكم أيّها الضيوف الأعزّاء، وأسأل الله العزيز الرحيم أن يبارك في هذا الجهد الجماعيّ، وأن يجعله شوطاً فاعلاً على طريق حياة فُضلى للمسلمين، إنّه سميعٌ مجيب.

موضوع الصحوة الإسلاميّة الذي ستتناولونه في هذا المؤتمر هو اليوم في رأس قائمة قضايا العالم الإسلاميّ والأمّة الإسلاميّة.. إنّه ظاهرة عظيمة لو بقيت سليمة واستمرّت بإذن الله لاستطاعت أن تقيم الحضارة الإسلاميّة في أفق ليس ببعيد للعالم الإسلاميّ، ومن ثَمّ للبشريّة جمعاء.

شمسُ الإسلام أطلَّت
إنّ البارز أمام أعيننا اليوم، ولا يستطيع أيّ إنسان مطّلع وذي بصيرة أن ينكره هو أنّ الإسلام اليوم قد خرج من هامش المعادلات الاجتماعيّة والسياسيّة في العالم، واتخذ موقعاً بارزاً وماثلاً في قلب العناصر المشكّلة لحوادث العالم، ليقدّم رؤية جديدة على ساحة الحياة والسياسة والحكم والتطوّرات الاجتماعيّة. ويشكّل ذلك، في عالمنا المعاصر الذي يعاني بعد هزيمة الشيوعيّة والليبراليّة من فراغ فكريّ ونظريّ عميق، ظاهرةً ذات مغزى وأهميّة بالغة.

وهذا أوّل أثر تركته الحوادث السياسيّة والثوريّة في شمال أفريقيا والمنطقة
 
 
 
 
 
 
 
193

160

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 العربيّة على الصعيد العالميّ، وهو بدوره يبشّر بظهور حقائق كبرى في المستقبل.

 
إنّ الصّحوة الإسلاميّة التي يتجنّب المتحدّثون باسم جبهة الاستكبار والرجعيّة ذكرها، بل يخافون أن يجري اسمها على ألسنتهم، هي حقيقةٌ نرى معالمها اليوم في أرجاء العالم الإسلاميّ كافّة. وأبرز معالمها تطلّع الرأي العامّ، وخاصّة جيل الشّباب، إلى إحياء مجد الإسلام وعظمته، ووعيهم لحقيقة نظام الهيمنة العالميّة، وانكشاف الوجه الخبيث والظالم والمستكبر لحكومات ودوائر أنشبت أظفارها الدامية لأكثر من قرنين في المشرق الإسلاميّ وغير الإسلاميّ، وجعلت مقدّرات الشعوب عرضة لنزعتها الشّرسة والعدوانيّة نحو الهيمنة، وذلك بقناع المدنيّة والثقافة.
 
بشائر النصر
أبعاد هذه الصحوة المباركة واسعة غاية السّعة وذات امتداد رمزيّ، ولكن ما حقّقته من نتائج ناجزة في بعض بلدان شمال أفريقيا من شأنه أن يجعل القلوب واثقة بنتائج مستقبليّة كبرى وهائلة. إنّ تحقّق معاجز الوعود الإلهيّة يحمل دائماً معه دلالات أمل يبشّر بتحقّق وعود أكبر. وما يحكيه القرآن الكريم عن الوعدين الإلهيّين لأمّ موسى هو نموذج من هذه السنّة الربانيّة.
 
إذ في تلك اللحظات العسيرة، حيث صدر الأمر بإلقاء الصندوق حامل الرضيع في اليمّ، جاء الخطاب الإلهيّ بالوعد: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾1 إنّ تحقّق الوعد الأوّل، وهو الوعد الأصغر الذي شدّ (ربط) على قلب الأمّ، أصبح منطلقاً لتحقّق وعد الرسالة، وهو أكبر بكثير، ويستلزم طبعاً تحمّل المشاقّ والمجاهدة والصبر الطويل: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ...﴾2 هذا الوعد الحقّ هو تلك الرسالة الكبرى التي تحققت بعد سنين وغيّرت مسيرة التاريخ.
 
ومن النماذج الأخرى، التذكير بالقدرة الإلهيّة الفائقة في قمع مهاجمي الكعبة،



1 سورة القصص، الآية: 7.
2  سورة القصص، الآية: 13.
 
 
 
 
 
 
194

 


161

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 والذي ورد في القرآن بلسان الرسول الأعظم ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾1 وذلك لتشجيع المخاطبين علي امتثال الأمر الإلهيّ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾2.

 
وفي موضع آخر يذكّر سبحانه رسوله بما أغدقه عليه من نعم تشبه المعجزة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾3، ليكون ذلك وسيلة لتقوية معنويات نبيّه الحبيب وإيمانه بالوعد الإلهيّ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾4، ومثل هذه الأمثلة كثيرة في القرآن الكريم.
 
إنَّ معيَ ربِّي
حين انتصر الإسلام في إيران، واستطاع أن يفتح قلاع أميركا والصهيونيّة في أحد أكثر البلدان حساسية بامتياز من هذه المنطقة المهمّة، عَلِم أهل العبرة والحكمة أنّهم إذا انتهجوا طريق الصبر والبصيرة فإنّ فتوحات أخرى ستتوالى عليهم، وقد توالت فعلاً.
 
إنّ الحقائق الساطعة في الجمهوريّة الإسلاميّة والتي يعترف بها الأعداء قد تحقّقت بأجمعها في ظلّ الثقة بالوعد الإلهيّ والصبر والمقاومة والاستمداد من ربّ العالمين. دائماً كان شعبنا يرفع صوته بالقول: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾5 أمام وساوس الضعفاء الذين كانوا يردّدون في الفترات الحرجة: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾6.
 
هذه التجربة الثّمينة هي اليوم في متناول الشعوب التي نهضت بوجه الاستكبار والاستبداد، واستطاعت أن تسقط أو تزلزل عروش الحكومات الفاسدة الخاضعة والتابعة لأميركا. بإمكان الثبات والصبر والبصيرة والثقة بالوعد الإلهيّ في قوله



1 سورة الفيل، الآية: 2.
2 سورة قريش، الآية: 3.
3 سورة الضحى، الآية: 7,6.
4 سورة الضحى، الآية: 3.
5 سورة الشعراء، الآية: 62.
6 سورة الشعراء، الآية: 61.
 
 
 
 
 
 
 
195

162

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾1 أن تمهّد طريق العزّ هذا أمام الأمّة الإسلاميّة حتى تصل إلى قمّة الحضارة الإسلاميّة.

 
الصحوة: نقاط لا بدّ من ذكرها 
إنّني في هذا الاجتماع المهمّ لعلماء الأمّة بمختلف أقطارهم ومذاهبهم أرى من المناسب أن أبيّن بضع نقاط ضروريّة حول قضايا الصحوة الإسلاميّة:
1- العلماء رأسُ الحربة 
إنّ الأمواج الأولى للصحوة في بلدان هذه المنطقة، والتي اقترنت ببدايات دخول الغزو الاستعماريّ، قد انطلقت غالباً على يد علماء الدين والمصلحين الدينيين. لقد خلّدت صفحات التاريخ وللأبد أسماء قادة وشخصيات بارزة من أمثال السيّد جمال الدين الأسد آبادي (الأفغاني)، ومحمّد عبده، والميرزا الشيرازيّ، والآخوند الخراسانيّ، ومحمود الحسن، ومحمّد علي، والشيخ فضل الله النوريّ، والحاجّ آقا نور الله، وأبي الأعلى المودوديّ، وعشرات من كبار علماء الدين المعروفين والمجاهدين وذوي النفوذ، من إيران ومصر والهند والعراق. 
 
ويبرز في عصرنا الراهن اسم الإمام الخميني العظيم مثل كوكب ساطع على جبين الثورة الإسلاميّة في إيران. وكان لمئات العلماء المعروفين وآلاف العلماء غير المعروفين في الحاضر والماضي دورٌ في المشاريع الإصلاحيّة الكبيرة والصغيرة في ساحات مختلف البلدان. وقائمة المصلحين الدينيّين من غير علماء الدين كحسن البنّا وإقبال اللّاهوريّ هي طويلة أيضاً ومثيرة للإعجاب.
 
وقد كانت المرجعيّة الفكريّة لعلماء الدين ورجال الفكر الدينيّ بدرجة وأخرى، وفي كلّ مكان. لقد كانوا سنداً روحيّاً قويّاً للجماهير، وحيثما قامت قيامة التحوّلات الكبرى ظهروا في دور المرشد والهادي، وتقدّموا لمواجهة الخطر في مقدّمة صفوف الحراك الشعبيّ، وازداد الارتباط الفكريّ بينهم وبين الناس، وغدوا أكثر تأثيراً في



1 سورة الحج، الآية: 40.
 
 
 
 
 
 
 
196

163

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 دفع الناس نحو الطريق الصحيح. وهذا له من الفائدة والبركة لنهضة الصحوة الإسلاميّة بمقدار ما يجرّ من انزعاج وامتعاض على أعداء الأمة والحاقدين على الإسلام والمعارضين لسيادة القيم الإسلاميّة ما يدفعهم إلى محاولة إلغاء هذه المرجعية الفكرية للمؤسّسات الدينيّة واستحداث أقطاب جديدة عرفوا بالتجربة أنّه بالإمكان المساومة معها بسهولة على حساب المبادئ والقيم الدينيّة. وهذا ما لا يحدث إطلاقاً مع العلماء الأتقياء ورجال الدين الملتزمين.

 
هذا ما يضاعف ثقل مسؤوليّة علماء الدين. فعليهم أن يسدّوا الطريق أمام الاختراق بفطنة ودقّة متناهية وبمعرفة أساليب العدوّ الخادعة وحيله، وأن يحبطوا مكائده. إنّ الجلوس على الموائد الملوّنة بمتاع الدنيا هو من أكبر الآفات، وإنّ التلوّث بهبات أصحاب المال والسلطة وعطاياهم، والارتباط المادي بطواغيت الشّهوة والقوّة من أخطر عوامل الانفصال عن الناس والتفريط بثقتهم ومحبّتهم. فالأنانيّة وحبّ الجاه الذي يجرّ الضعفاء إلى أقطاب القوّة يشكّلان أرضيّة خصبة للتلوّث بالفساد والانحراف. لا بدّ أن نضع نصب أعيننا قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾1.
 
إنّنا اليوم، في عصر حراك الصحوة الإسلاميّة وما تبعثه في النفوس من أمل، نشاهد أحيانًا مساعيَ خَدَمِ أميركا والصهيونيّة لاصطناع مرجعيّات فكريّة مشبوهة من ناحية، ومساعي الغارقين في المال ومستنقع الشهوات لجرّ أهل الدين والتقوى إلى موائدهم المسمومة الملوّثة من ناحية أخرى.
 
فعلى علماء الدين والرجال المتديّنين والمحافظين على الدين أن يراقبوا هذه الأمور بشدّة ودقّة.
 
2- إقامة "الحضارة الإسلاميّة المجيدة"
التأكيد على ضرورة رسم هدف بعيد المدى للصحوة الإسلاميّة في البلدان المسلمة يوضع أمام الجماهير ليكون البوصلة في حركتها للوصول إليه. وبمعرفة 



1 سورة القصص، الآية: 83.
 
 
 
 
 
 
 
197

164

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 هذا الهدف يمكن رسم خريطة الطريق وتحديد الأهداف القريبة والمتوسّطة. هذا الهدف النهائيّ لا يمكن أن يكون أقلّ من إقامة "الحضارة الإسلاميّة المجيدة". فالأمّة الإسلاميّة، بكلّ أجزائها في إطار الشعوب والبلدان، يجب أن تعتلي مكانتها الحضاريّة التي يدعو إليها القرآن الكريم.

 
إنّ من الخصائص الأصليّة والعامّة لهذه الحضارة استثمار أبناء البشر لجميع ما أودعه الله في عالم الطبيعة وفي وجودهم من مواهب وطاقات ماديّة ومعنويّة لتحقيق سعادتهم وسموّهم. ويمكن، بل وينبغي مشاهدة مظاهر هذه الحضارة في إقامة حكومة شعبيّة، وفي قوانين مستلهمة من القرآن، وفي الاجتهاد وتلبية الاحتياجات المستحدثة للبشر، وفي رفض الجمود الفكريّ والرجعيّة، ناهيك عن البدعة والالتقاط، وفي إنتاج الرفاه والثروة العامّة، وفي استتباب العدل، وفي التخلّص من الاقتصاد القائم على الاستئثار والربا والتكاثر، وفي إشاعة الأخلاق الإنسانيّة، وفي الدفاع عن المظلومين في العالم، وفي السعي والعمل والإبداع.
 
ومن مستلزمات هذا البناء الحضاريّ النظرة الاجتهاديّة والعلميّة للساحات المختلفة بدءاً من العلوم الإنسانية ونظام التربية والتعليم الرسميّ، ومروراً بالاقتصاد والنظام المصرفيّ، وانتهاء بالإنتاج الصناعيّ والتقنيّ ووسائل الإعلام الحديثة والفنّ والسينما، بالإضافة إلى العلاقات الدوليّة وغيرها من الساحات.
 
وتدلّ التّجربة علي أنّ كلّ ذلك ممكن وفي متناول مجتمعاتنا بطاقاتها المتوفّرة. لا يجوز أن ننظر إلى هذا الأفق بنظرة متسرّعة أو متشائمة. التشاؤم في تقويم قدراتنا كفران بنعم الله، والغفلة عن الإمداد الإلهيّ ودعم سنن الخلق انزلاق في ورطة: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾1.
 
نحن قادرون على أن نكسر حلقة الاحتكارات العلميّة والاقتصاديّة والسياسيّة لقوى الهيمنة، وأن نجعل الأمّة الإسلاميّة سبّاقة لإحقاق حقوق أكثريّة شعوب العالم التي هي اليوم مقهورة أمام أقليّة مستكبرة.



1 سورة الفتح، الآية: 6.
 
 
 
 
 
 
 
198

165

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 الحضارة الإسلاميّة بمقوّماتها الإيمانيّة والعلميّة والأخلاقيّة، ومن خلال الجهاد الدائم، قادرة علي أن تقدّم للأمّة الإسلاميّة وللبشريّة المشاريع الفكريّة المتطوّرة والأخلاق السامية، وأن تكون منطلق الخلاص من مظالم الرؤية الماديّة للكون ومن الأخلاق الغارقة في مستنقع الرّذيلة التي تشكّل أركان الحضارة الغربيّة القائمة.

 
3- التبعيّة للغرب: تجارب مرّة 
ينبغي في إطار حركات الصحوة الإسلاميّة الالتفات دائماً إلى التجربة المرّة والفظيعة التي تركتها التبعيّة للغرب على السياسة والأخلاق والسلوك ونمط الحياة.
 
لقد مُنيت البلدان الإسلاميّة، خلال أكثر من قرن من التبعيّة لثقافة الدول المستكبرة وسياستها، بآفات مهلكة مثل: الذّيلية (التبعيّة) والذّلة السياسيّة والفقر الاقتصاديّ وتهاوي الأخلاق والفضيلة، والتخلّف العلميّ المُخجِل، بينما الأمّة الإسلاميّة تمتلك تاريخاً مشرقاً من التقدّم في جميع هذه المجالات.
 
لا ينبغي اعتبار هذا الكلام مناصبة العداء للغرب، نحن لا نكنّ العداء لأيّة مجموعة إنسانيّة بسبب تمايزها الجغرافيّ. نحن تعلّمنا من الإمام عليّ عليه السلام ما قاله عن الإنسان أنّه: "إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق"1. اعتراضنا إنّما هو على الظلم والاستكبار والتحكّم والعدوان والفساد والانحطاط الأخلاقيّ والعمليّ الذي تمارسه القوى الاستعماريّة والاستكباريّة ضدّ شعوبنا. ونحن الآن أيضاً نشاهد تحكّم وتدخّل وتعنّت أميركا وبعض ذيولها في المنطقة داخل البلدان التي تَحوّلَ فيها نسيم الصحوة إلى نُهوض عاصف وإلى ثورة. وإنّ وعود هؤلاء وتهديداتهم ينبغي أن لا تؤثّر في قرارات النّخب السياسيّة ومبادراتها وفي الحركة الجماهيريّة العظيمة.
 
وهنا أيضاً يجب أن نتلقّى الدروس من التجارب. أولئك الذين تعلّقت قلوبهم لسنوات طويلة بوعود أميركا وجعلوا الركون إلى الظالم أساساً لنهجهم وسياستهم لم يستطيعوا أن يحلّوا مشكلة من مشاكل شعوبهم، أو أن يبعدوا ظلماً عنهم أو عن



1 نهج البلاغة، الكتاب رقم 53.
 
 
 
 
 
 
199

166

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 غيرهم، بل إنّ هؤلاء باستسلامهم لأميركا لم يستطيعوا أن يحولوا دون هدم بيت فلسطينيّ واحد على الأقلّ في أرضٍ هي ملك للفلسطيّنيين.

 
على السّاسة والنخب المخدوعة بالتطميع أو المرعوبة بتهديد جبهة الاستكبار والذين يخسرون فرصة الصحوة الإسلاميّة أن يخشوا ما وجّهه الله سبحانه إليهم من تهديد إذ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾1.
 
العدوّ وعملاؤه وراء كلّ فتنة
إنّ أخطر ما يواجه حركة الصحوة الإسلاميّة اليوم هو إثارة الخلافات ودفع هذا الحراك نحو صدامات دمويّة طائفيّة ومذهبيّة وقوميّة ومحليّة. تتابع تنفيذ هذه المؤامرة اليوم أجهزة الجاسوسيّة الغربيّة والصهيونيّة بجدٍّ واهتمام في منطقة تمتدّ من شرق آسيا حتّى شمال أفريقيا، وخاصّة في المنطقة العربيّة، بدعم من دولارات النفط والسّاسة المأجورين. وإنّ الأموال التي يمكن استخدامها في تحقيق رفاه خلق الله، تُنفق في التهديد والتكفير والاغتيال والتفجير وإراقة دماء المسلمين وإضرام نيران الأحقاد لفترات طويلة. أولئك الذين يرون في قوّة اتّحاد المسلمين مانعاً لتطبيق أهدافهم الخبيثة رأوا في إثارة الخلافات داخل الأمّة الإسلاميّة أيسر طريق لتنفيذ أهدافهم الشّيطانيّة، وجعلوا من اختلاف وجهات النظر في الفقه والكلام والتاريخ والحديث، وهو اختلاف طبيعيّ لا مفرّ منه، ذريعة للتكفير وسفك الدماء والفتنة والفساد.
 
إنّ نظرة فاحصة إلى ساحة النزاعات الداخليّة تكشف بوضوح يد العدوّ وراء هذه المآسي. هذه اليد الغادرة تستثمر دون شك الجهل والعصبيّة والسطحيّة في مجتمعاتنا، وتصبّ الزيت على النار. إنّ مسؤوليّة المصلحين والنخب الدينيّة والسياسيّة في هذا الخضمّ ثقيلة جدّاً. فليبيا اليوم بشكل، 



1  سورة إبراهيم، الآيتان: 28 و29.
 
 
 
 
 
 
200

167

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 ومصر وتونس بشكل آخر، وسوريا بشكل، وباكستان بشكل آخر، والعراق ولبنان بشكل، تعاني أو أنّها عرضة لهذه النيران الخطرة. لا بدّ من المراقبة الشديدة والبحث عن العلاج.


من السذاجة أن نعزو كلّ ذلك إلى عوامل ودوافع عقائديّة أو قوميّة. فالدعاية الغربيّة والإعلام الإقليميّ التابع والمأجور يصوّران الحرب المدمّرة في سوريا بأنّها نزاع سنّيّ ــ شيعيّ، ويوفّران بذلك مساحة آمنة للصهاينة وأعداء المقاومة في سوريا ولبنان. بينما النزاع في سوريا ليس بين طرفين سنّيّ وشيعيّ، بل بين أنصار المقاومة ضد الصهيونيّة وبين معارضي هذه المقاومة. ليست حكومة سوريا حكومة شيعيّة، ولا المعارضة العلمانية المعادية للإسلام مجموعة سنيّة، إنّما المنفّذون لهذا السيناريو المأساويّ كانوا بارعين في قدرتهم على استغلال المشاعر الدينيّة للسذّج في هذا الحريق المهلك. وإن نظرة إلى الساحة والفاعلين فيها على المستويات المختلفة توضّح هذه المسألة لكلّ إنسان منصف.

هذه الموجة الإعلاميّة تؤدّي دورها بشكل آخر، في البحرين، في اختلاق الكذب والخداع. توجد في البحرين أكثرية مظلومة محرومة لسنوات طويلة من حقّ التصويت وسائر الحقوق الأساسيّة للشعب، وقد نهضت للمطالبة بحقّها. ترى هل يصحّ أن نعتبر الصراع شيعيّاً سنيّاً لأنّ هذه الأكثريّة المظلومة هي من الشّيعة، والحكومة المتجبّرة العلمانيّة تتظاهر بالتسنّن؟!

المستعمرون الأوربيّون والأميركيّون ومن لفّ لفهم في المنطقة يريدون طبعاً أن يصوّروا الأمر بهذا الشكل، ولكن أهذه هي الحقيقة؟!

هذا ما يدعو جميع علماء الدين المصلحين والمنصفين إلى الوقوف أمامه بتأمّل ودقّة وشعور بالمسؤوليّة، ويحتّم عليهم أن يعرفوا أهداف العدوّ في إثارة الخلافات الطائفيّة والقوميّة والحزبيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
201

168

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 لا تنسوا فلسطين 

المسألة الخامسة: إنّ سلامة مسيرة حركات الصحوة الإسلاميّة يجب أن نبحث عنها، فيما نبحث، في موقفها تجاه قضيّة فلسطين. فمنذ ستين عاماً حتّى الآن لم تنزل على قلب الأمّة الإسلاميّة كارثةٌ أكبر من اغتصاب فلسطين.
 
كانت مأساة فلسطين منذ اليوم الأوّل وحتّى الآن مزيجاً من القتل والإرهاب والهدم والغصب والإساءة للمقدّسات الإسلاميّة. وإنّ وُجوب الصمود والنّضال أمام هذا العدوّ المحارب هو موضع اتفاق جميع المذاهب الإسلاميّة ومحلّ إجماع كلّ التيّارات الوطنيّة الصّادقة والسليمة.
 
إنّ أيّ تيار في البلدان الإسلاميّة يتناسى هذا الواجب الدينيّ والوطنيّ انصياعاً للإرادة الأميركيّة المتعنّتة أو بمسوِّغات غير منطقيّة يجب أن لا يتوقّع غير التشكيك في وفائه للإسلام وفي صدق ادعاءاته الوطنيّة.
 
إنّ هذا هو المحكّ. كلّ من يرفض شعار تحرير القدس الشريف وإنقاذ الشعب الفلسطينيّ وأرض فلسطين، أو يجعلها مسألة ثانويّة، ويدير ظهره لجبهة المقاومة، فهو متّهم.
 
يجب أن تضع الأمّة الإسلاميّة نصب عينيها هذا المؤشّر والمعيار الواضح الأساسيّ في كلّ مكان وزمان.
 
أيّها الضيوف الأعزّاء.. أيّها الإخوة والأخوات..
 
لا تبعدوا عن أنظاركم كيد العدوّ، فإنّ غفلتنا توفّر الفرصة للعدوّ.
 
من نامَ لم يُنَم عنه
إنّ درس الإمام عليّ عليه السلام لنا هو أنّه: "من نام لم يُنَم عنه"1. وإن تجربتنا في الجمهوريّة الإسلاميّة مليئة بدروس العبرة في هذا المجال. إذ بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، بدأت الحكومات الغربيّة والأميركيّة المستكبرة التي كانت منذ



1 نهج البلاغة، الكتاب رقم 62.
 
 
 
 
 
 
 
202

169

في المؤتمر العالميّ لعلماء الدين والصحوة الإسلاميّة

 أمد بعيد تسيطر على طواغيت إيران وتتحكّم في المصير السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ لبلدنا، وتستهين بالقوّة الضّخمة للإيمان الإسلاميّ في داخل المجتمع، وكانت غافلة عن قوّة الإسلام والقرآن في التعبئة والتوجيه، بدأت تفهم فجأة ما وقعت فيه من غفلة، فتحرّكت دوائرها الحكوميّة وأجهزتها الاستخباريّة ومراكز صنع القرار فيها لِتَجبُرَ ما مُنيت به من هزيمة فاقت الحدود.


الثبات والحضور
رأينا خلال هذه الأعوام الثلاثين ونيّف أنواع المؤامرات والمخطّطات، والذي بدّد مكرهم أساساً عاملان: الثبات على المبادئ الإسلاميّة، والحضور الجماهيريّ في الساحة.

هذان العاملان هما مفتاح الفتح والفَرَج في كلّ مكان. العامل الأوّل يضمنه الإيمان الصادق بالوعد الإلهيّ، والعامل الثاني سيبقى ببركة الجهود المخلصة والبيان الصادق. الشعب الذي يؤمن بصدقِ قادته وإخلاصهم يجعل الساحة فاعلة بحضوره المبارك. وأينما حضر الشعب بعزم راسخ، في أيّ ساحة، فستعجز أيّ قدرة عن إنزال الهزيمة به. هذه تجربة ناجحة لكلّ الشعوب التي صنعت بحضورها الصحوة الإسلاميّة.

أسأل الله تعالى لكم ولكلّ الشعوب أن يسدّدكم ويأخذ بأيديكم ويعينكم ويغدق عليكم شآبيب رحمته، إنّه تعالى سميع مجيب. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
203

170

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام



المناسبـة: ذكرى ولادة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام
الحــضـور: جمع من الشعراء والمدّاحين
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
11/02/1392 هـ.ش.
20/06/1434 هـ.ق.
01/05/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
205

171

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

أُبارك لكم أيّها الأعزّاء، الإخوة والأخوات، بلابل حديقة مَدائح آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومدّاحي أسمى وأفضل خلائق العالم والبشر، هذا العيد الشريف، والمولد السعيد، الذي هو يومُ فرحٍ ومسرّةٍ لقلوب المسلمين على طول التاريخ، وأسأل الله المتعال، أن يَتَقبَّلَ منكم أيّها الأعزّاء القيّمون على المراسم، من مُنشدين، شعراء، مُلحّنين، وكلّ أفراد مجموعتكم، هذا التوسّل بقبولٍ حَسَنٍ. وأشكُر الله، أنا العبد الحقير، أن شملني بلطفه ووفّقني، فنحن نُقيمُ مراسم التوسُّل في هذا اليوم، منذ أكثر من 30 عاماً. وبحمد الله يَشْهدُ الإنسان مع تقدُّم السنين، تألُّق وعظمة ومعنويّة ونضوج مفاهيم ومعاني هذه المراسم. لقد كانت البرامج التي قدّمتموها هذا العام جيّدة جدّاً، سواء من حيث المضمون أم من حيث القالب (الأسلوب)، كان الشعر جيّداً، والألحان والإنشاد جيّدين جدّاً. وفّقكم الله أيّها الأحبّة والأعزّاء، يوماً بعد يومٍ، في سبيل نشر المعرفة، ونَشر الضياء في أذهان المجتمع.

تناغم العقل والعاطفة
هناك موضوعان للحديث في هذا المجلس- وإن كان هناك كلام أكثر من هذا بكثير- الموضوع الأوّل، يدورُ حول مَدحِ آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. المَهمّة التي حَملتموها على عواتقكم. اليوم، وبحمد الله، قد انتشرت في أنحاء البلاد شبكة واسعة من مدّاحي آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّة أعداد كبيرة، مواهب كثيرة، وقلوب مُشتاقة بين المدّاحين أنفسهم ـ من هؤلاء السّباقين، ومن شبابنا وأساتذتنا ـ الذين وبحمد الله، ينتشرون بين الناس، فيهيّئون لهم وسائل التوسّل، ويمدّون مائدة بركات آل البيت عليهم السلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
207

172

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 هذه فُرصة لبلادنا، كغيرها من الفرص الأخرى التي نملكها. بينما لا يملك إخواننا المسلمون في البلدان الأخرى، الكثير من الفرص التي نملكها نحن، وهذه إحداها. إنّ هذه السلسلة وهذا التّيار وشبكة التوسّل بأهل البيت عليهم السلام، ومحبّتهم عليهم السلام وإثارة العواطف، لهي فرصةٌ مهمّةٌ جدّاً. ولسببٍ ما، لا يتمتّع الآخرون في البلدان الأخرى، وبهذا الشكل، بهذه النعمة الكبرى، والبركةِ العامّة، ونحن نملكها. يقيناً إنّ العواطف هي أحد عوامل حفظ الدين، المعنويّات، العقيدة، والأخلاق في مجتمع ما، وعلى طول التاريخ، إلى جانب العقل والتعقّل والاستدلال. لم يتحدّث أنبياء الله ورسله إلى الناس بلغةٍ فلسفيّة، مع أنّ فهم كلامهم، والتعمّق في بيانهم، كان وما زال يستلزم عقلاً فلسفيّاً. بمعنى أنّ الفلاسفة الكبار، هم أكثر المُستفيدين من مائدة عموم أنبياء الله الممدودة. بيد أنّ هذه المائدة، ليست مائدةً خاصّةً، لذا فإنّ لغتها ليست لغة البراهين العقليّة والجدل وإن قلتَ قلتُ وما إلى ذلك. هذه اللغة، لغةٌ مركبّة من الفكر والعقل والعواطف. العاطفة هي التي تستطيع مجاراة الفهم العقليّ، والحركة العقليّة والتيّار العقليّ. ونحن نملك هذا التيّار بشكل طبيعيّ، في جلسات المدح والعزاء والفرح والموالد والتعزية، وأيضاً في جلسات الدعاء، كدعاء كميل، ودعاء الندبة، ودعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة، والأدعية التي هي خاصّة بنا. فلا نجد عند الآخرين، هذا الكمّ من الأدعية الجميلة اللفظ، الجميلة المعنى، والجميلة المضمون. هذا أمر وبحمد الله يختصُّ ويمتازُ به أتباع أهل البيت عليهم السلام. وهذا كلّه عقل وعاطفة امتزجا معاً على طول التاريخ، ويجريان في عمق أذهان البشر والعواطف الإنسانيّة.


مهمّتكم إثارة العواطف
إذاً، هذه مهمّة المدّاح، أي إثارة العواطف، وجعلها في خدمة الفكر والعقل. مهمّةُ المدّاح ـ هذه الحرفة المنتشرة، وبحمد الله، بكثرة في بلادنا ـ أن تتمكّن وعبر البيان الفنّيّ، الأسلوب الفنّيّ، والأداء الفنّيّ، من نشر المعرفة بين الناس. هذا هو المحور الرئيسيّ فيصبح اختيار الشعر، واختيار اللّحن، وأسلوب التخاطب مع الناس، في
 
 
 
 
 
 
208

173

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 خدمة هذا الهدف، وهو زيادة المعرفة، والتعمّق في هداية الناس، ومعرفتهم بالدين وطرق الحياة. وهذا ما يستطيع المدّاحون فعله على أحسن وجه.


لا تضيّعوا الفرص
لقد ذكرتُ غير مرّة، وهذه حقيقة واقعة، أنّ إلقاءكم لقصيدة أو شعر يحتوي معارف (دينيّة) في مجلسٍ ما سيكون له، في بعض الأحيان، أثرٌ أبلغُ وأعمق من خطاب فصيحٍ وبليغٍ لساعات طوال. هذه فرصة، يجب استغلالها وعدم تضيّعها. فالشعر الأجوف، يُضيّع هذه الفرصة. أو فيما لو كان فيه أحياناً نقطة ضعيفة أو خاطئة، فسوف يضيّع هذه الفرصة. وكذلك لو تخطّى الإجراء (الإنشاد والأداء) الضوابط الشرعيّة، فهذا ضياع للفرصة، وكذلك فيما لو غفل عن ذكر ما تحتاج الناس لمعرفته، فهذا ضياع للفرصة. فلو افترضنا أنّه في زمن الحرب المفروضة، احتاجت البلاد "لحماس ثوريّ"، عمليّ وجهاديّ، فكان الشّباب على أهبة الاستعداد، وكذا الآباء والأمّهات، فأنشد أحدهم في مجالسه ومحافله، شعراً بطريقة جيّدة، لكنّه لم يُشر إلى الحاجة القائمة آنذاك، فهذا تضيّيع للفرصة. لقد قام المدّاحون في ذلك اليوم بدورٍ بارزٍ. وكانت الأعمال التي قام بها مدّاحونا في الجبهة، والأثر العميق الذي تركوه في أعماق جنودنا، منقطع النظير. وأنا على علمٍ ببعضها فللمدّاحين باللغة التركيّة دورهم، وكذا للمدّاحين باللغة الفارسية. وعلى سبيل المثال المدّاحون الزنجانيّون، الذين أنشد أحدهم اليوم هنا، ومن أماكن أخرى، ومن كلّ مكان، وكذا الشعراء الذين يواكبون المدّاحين، لقد قام الجميع بواجبهم في ذلك اليوم. واليوم، عندما أنظر، أرى أنّ عدداً من الأشعار التي أُنشدت، قد اهتمّت بالحاجة والمناسبة. ويُعتبر شعر "السيد سازكار" نموذجاً متكاملاً لها والذي هو على هذا الشكل في كلّ عام. فهو من خلال الأشعار والأناشيد، يبني جسراً ورابطاً فنيّاً لطيفاً بين السماء والأرض، ينساب من الملكوت الأعلى، بكلّ هدوء وبأسلوبٍ فنيّ، نحو حاجة هي موضع اهتمام اليوم، فيعبّر عنها. أرأيتم! هذا يسمى تركيباً فنِّيّاً. وكان الشعر جيداً.
 
 
 
 
 
 
 
209

 


174

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 الشعر الجامع

أنتم تستخدمون حناجركم وهي نعمة إلهية، واللحن والنغم، وهما أيضاً نعمتان إلهيّتان. وتستخدمون الشعر وقريحته وهي نعمة إلهيّة. هذه النعم تحت تصرّفكم، فلأيّ شيء تستخدمونها؟ في خدمة نشر المعرفة. فإذا ما استخدمت لنشر الفرقة، أو في خدمة إثارة العصبيّات، واليوم وبدافع هذه العصبيات، يقوم المتعصّبون المعاندون في أنحاءٍ من العالم، بقطع عشرات الرؤوس، فهذا استخدام سيّئ، خذوا حِذركم من هذا الأمر عندما تُلقون شعراً هنا، ومع وجود الأفلام والإنترنت ووسائل نقلِ الرسائل المتنوّعة، ستُنقل الصورة وجزئيّات هذا الشعر، إلى نقطة ما فتثير عصبية عددٍ من الأشخاص الجاهلين، فينقضّون على مجموعة من النساء والأولاد الأبرياء، ويُريقون دماءهم. احذروا هذا الأمر. أنا أصرُّ وأؤكّد على هذا، بهدف التخفيف من حدّة الخلافات المذهبيّة والدينيّة. هو من أجل هذا. لا يتصوَّرنَّ أحد، أنّ هذا هو السبيل لشكر الله على نعمه. هذا العشق، الذي وبحمد الله قد غمر قلوب شعبنا، المفعم بحبّ أهل البيت عليهم السلام، أو لإثارة هذه العواطف! لا، فهذا خطأ. فلا مصلحة من إثارة الخلافات، لا اليوم ولا في زمن الإمام الصادق عليه السلام. وقد تصدّى الأئمّة عليهم السلام لها، لكنّ بعض الأشخاص السطحيّين لا يلتفتون إلى ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخلافات الدينيّة والمحليّة. 
 
قلبٌ ينبض بالحماس
يجب أن يمتلك شعبنا الأمل، فإن وُجِد الأمل وُجِدَ الحماس1، لقد عنيتُ "الملحميّة" والملحمة ليست دستوراً2، أو قانوناً ما، فنُصدرُ القانون، ويقوم شعبنا بصنع "الملحمة"! فهل يمكن هذا؟ وهل يُعقل هذا؟ الحماس ينبع من القلب، ويُهدى بالعقل، ويُدعّم بالإيمان. وهذا ليس دستوراً. فإذا فرغ القلب من الأمل، والفكر من



1 قد يقصد من الحماس الملحمة.
2 المقصود: لا يأتي من خلال اشتراع القوانين.
 
 
 
 
 
 
 
210

 


175

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 المنطق السويّ، فلن ينوجد "الحماس والملحمة". وهل ينوجد الحماس، إذا زرعنا التردّد في الأذهان، وحقنّا القلوب باليأس؟ بالطبع لا، فخلقُ "الملحمة"، يستوجب عدم وجود أجواء التشاؤم وسوء الظنّ. ويستوجب إيجاد أجواء الأمل، التفاؤل وتوسيع الآفاق. الآفاق المؤكّدة، اليقينيّة، الحقيقيّة وليس التلقينيّة.

 
فلو قلنا على سبيل المثال في - ثمانينيّات القرن الماضي، أي منذ 30 عاماً، إنّ المستقبل سيكون كيت وكيت، لقال بعضهم: إنّهم يقومون بتلقيننا". لكن لا مجال لهذا الكلام اليوم فنحن نشاهد اليوم، حركةً عميقةً، واسعةً ومتوثبةً للثورة والبلاد نحو تحقيق الأهداف. سواء الأهداف الماديّة أو المعنويّة، وأيضاً الأهداف السياسيّة والاجتماعيّة، كما الأهداف الداخليّة والدوليّة. إنّها ماثلة أمام أعيننا، فهل يستطيع أحد ما أن يُنكرها؟ في هذه الآفاق التي نرسمها لأنفسنا يأتي من يحاول زرع التردّد، واليأس، والشكّ فيها، وأيضاً في الحركة والجهاد الدؤوب الذي يحتاج إليه البلد والأمّة والتاريخ.
 
ببركة الجهاد...
الجهاد الدؤوب، حاجة للجميع، فكلّ التقدّم والحضارة هو ببركة الجهاد المستمرّ، ولا يعني الجهاد الدؤوب، التعب والمعاناة، إنّما هو عمليّة شيّقة، يخلقُ النشاط والحيويّة ويبعث على البهجة. واليوم إذ نحتاج إلى الجهاد، فيأتي أحدهم، ويدعو إلى التراخي والكسل والانزواء والبطالة، بالطبع يُعتبر هذا ضرباً من كفران النعم الإلهيّة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾1 يجب أن لا يحدث هذا.
 
يوجد بينكم أيّها الأعزّاء، وبحمد الله، روّاد وسبّاقون في هذا المجال، وكذلك شباب ومواهب جيّدة. كما وأشاهد بينكم براعم وزهوراً طريّة يافعة، وقد استطعتم التقدّم جيّداً إلى وسط السّاح. واستطعتم ليس فقط ملأ فراغ السابقين وحسب، بل كنتم الأجدر والأفضل، فاستمرّوا. 



1 سورة إبراهيم، الآية: 28.
 
 
 
 
 
211

176

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 ما أريد قوله لكم: إنّ المدح، هو نشر المعرفة، المدح هو الحكمة، والأمل، والعقيدة الراسخة. المدح هو تفجير العواطف الجيّاشة في القلوب، وبالإفادة من فنون الشّعر والأداء.


أفعالكم تحت المجهر 
بالطبع هناك أساس مُسلَّم به، يا أعزّائي! الناس، تُعجبهم أصواتكم، ويستمتعون بأشعاركم وبإنشادكم، سواء في المدح أو في التعزية تتأثّر قلوبهم، ويسكبون الدموع. لكنّهم يراقبونكم أيضاً. فإذا كنتم نموذجاً يُحتذى به من ناحية الأخلاق، التديّن والعفة، فسيكون لكلّ ما ذكرناه، أثرٌ مُضافٌ في الناس، بيد أنّه لو كان العكس من ذلك، لا سمح الله، وشاهد الناس فيكم علائم هشاشة الأخلاق، والتراجع في السلوك والأخلاق، وأيضاً لا سمح الله، في العفة وما شابه، فإنّ تأثيرات هذه الفنون والجماليّات في أعمالكم سوف تنمحي وتزول. لذا كونوا حذرين، علينا جميعاً أن نكون حذرين، نحن المعمَّمين أكثر من غيرنا، والخطباء ودعاة الدين، والمعروفين في مجال الدين والتقوى أكثر من الآخرين، علينا جميعاً أن نكون حذرين وأنتم أيضاً.

أنتم العاملين في مجال الدين والمعرفة والأمور الإلهيّة عليكم أن تكونوا حذرين جدّاً، فتراعوا الأخلاق، وصون اللسان، العفّة، الطهارة والنزاهة. وسيساعدكم الله المتعال. حين يتبوّأ مدّاح الحضرة الفاطمية عليها السلام هذا الموقع، فهو شخصيّة مرموقة. وكما شاع بيننا وعلمنا به، وآمنّا به، فإنّ الأشخاص الذين يمدحون الأئمّة عليهم السلام ويخلصون لهؤلاء العظماء ويهدون القلوب نحوهم، هم محبوبون عند الله العزيز المتعال.

لكلّ مقامٍ مقال
هناك نقطة من المستحسن أن أذكرها في مجلسنا هذا، فقد كنت أعترض طوال السنوات الماضية، وفي أغلب الأوقات على الإخوة المدّاحين الذين يُنشدون هنا واعتراضي كان بسبب تحويلهم مجلس المولد إلى قراءة التعزية واستدرار
 
 
 
 
 
 
212

177

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 الدمع، لكل مقام مقال، يُقال لكم "مدّاحون" فماذا يعني المدّاح؟ الشاخص الأساس فيكم هو المدح، وليست قراءة التعزية. اقرأوا التعزية، فأنا من المؤيّدين لقراءتها، وأنا نفسي قارئ تعزية. لكن ليس من المفترض أن يُقرأ العزاء في مجلس مولد الأئمّة عليهم السلام، وأن تُزفرَ آه ويُستدرَّ دمع، لا حاجة لذلك أبداً.


دَعُوا العواطف التي تحملها الناس تُجاه الأئمّة عليهم السلام لا تظهر للخارج فيفهم منها الآخرون وكأنها محصورة بالبكاء ولطم الصدور والتعزية فحسب. لا! فللعزاء مكانه وللمدح والموالد والفرح مكانها أيضاً. يجب عدم المزج بين الاثنين.

المدنية الغربيّة: خداعٌ وتزوير
الموضوع الآخر والذي يستحقّ الحديث عنه، هو مسألة المرأة. من مساوئ الحضارة الماديّة، تلك الحركة التي قاموا بها تجاه المرأة. وما أكثر الحديث في هذا المجال. فالجرم الكبير الذي ارتكبته الحضارة الغربيّة، بحقّ المرأة، لا يمكن محوه بهذه السرعة ولا يمكن التعويض منه بهذه السرعة، كما لا يمكن تبيانه بهذه السهولة، وهؤلاء يطلقون على ذلك مسمّيات عدّة كبقيّة أعمالهم، يرتكبون الجرائم، ويُطلقون عليها حقوق الإنسان. يظلمون، ويطلقون عليه اسم مناصرة الشعوب. يشنّون الهجوم العسكريّ، ويسمّون ذلك دفاعاً. فمن طبائع المدنيّة الغربيّة الخدّاعة، التزوير، النفاق، الكذب، التناقض في التصرّفات والأقوال. وهذا ما فعلوه في مسألة المرأة. وللأسف فقد روّجوا لثقافتهم في أنحاء العالم.

أـ نزع حياء المرأة
لقد قاموا بأمرٍ، جعلوا فيه إحدى أهم وظائف المرأة، إن لم نقل الأهمّ على الإطلاق، التبرّج وإبراز جمالها بهدف تلذّذ الرجال، حتى أصبحت هذه من الخصائص الحتميّة واللّازمة للمرأة. للأسف هذا هو حال عالمنا اليوم. ففي الوقت الذي يحضر الرجال في أكثر المجالس رسميةً - الاجتماعات السياسية وغيرها - بالبنطال الطويل والثياب المحتشمة، نجد أن لا إشكال في أن تحضر
 
 
 
 
 
 
213

178

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 النساء بمزيد من التعري وعدم الاحتشام. فهل هذا أمرٌ عاديّ وطبيعيّ؟ هل يتوافق ذلك مع الطبيعة البشريّة؟ أجل لقد فعلوا ذلك. على المرأة أن تعرض نفسها أمام الرجال، لتكون وسيلة لتلذُّذه. فهل من ظلم أكبر من هذا؟ ويطلقون عليه اسم "الحريّة"، بينما يُطلقون على نقيض هذا التوجّه اسم "الأسر" أو (القيد)! في حين، أنّ احتجاب المرأة وحجابها، هو تكريم لها، احترام لها، حُرمة لها. لقد حطّموا هذه الحرمة، ويمعنون في تحطيمها يوماً بعد يوم، مُطلقين على ذلك مُسمّيات عدّة. إنّ أُولى أو ربّما إحدى أوائل النتائج السلبيّة لهذا الأمر، هو تلاشي العائلة، فقد تهاوى بُنيانها، وعندما يتزلزل بُنيان العائلة في مجتمعٍ ما ويتهاوى، تتأصّل المفاسد.


ب ـ إشاعة الفاحشة
من مشاكل الغرب اليوم، في هذا العصر، تلك القوانين البلهاء والخبيثة التي يُقرّونها في الأمور الجنسيّة. فهي تَسيرُ بهم نحو الهاوية، ولا يمكن وقف هذا الانحطاط. إنّهم في معرض السقوط، وسواء شاءت المدنيّة الغربيّة أم لم تشأ، لم تعد قادرة على منع هذا السقوط، فقد تعطّلت المكابح، والطريق زلق ومنحدر بشدّة. لقد ارتكبوا معصية بتعطيلهم المكابح، ووضعوا أنفسهم على حافّة الهاوية، لذا فقد حُكم عليهم بالهزيمة.

زوال الحضارات كظهورها أمر تدريجيّ، وليس بالأمر الدفعيّ والفوريّ. وهذا الزوال التدريجيّ آخذ بالحدوث. ولا أخال أنّ هذا الحدث سيكون بعيداً عن أنظار هذا الجيل أو الجيل الذي سيليه، بل سيرون ما يحصل.

الزهراء عليها السلام: حجّة الله على الأئمّة عليهم السلام
لقد وضع الله المتعال حدوداً لتكريم المرأة في القرآن الكريم. فالمرأة كالرجل عند الله المتعال. ولا فرق بين الاثنين في طيّ المراتب المعنويّة والإلهيّة. فقد وُضعت هذه الطريق للإنسان، وليس للرجل أو للمرأة. ولقد خلق الله المتعال امرأة كالسيّدة فاطمة الزهراءعليها السلام حيث قال عنها الإمام العسكريّ عليه السلام وطبقاً للحديث الذي
 
 
 
 
 
 
 
 
214

 


179

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 نُقل عنه: "نحن حُجج الله على خلقه، وفاطمة حُجّة الله علينا"1.

 
فاطمة الزهراءعليها السلام حجّة حُجّةِ الله، إمام الأئمّة عليهم السلام. فهل من شخصيّة أسمى منها؟! وهيعليها السلام معصومة وهي امرأة. وأعظم نساء العالم هنّ: السيّدة مريم، سارة، آسيا وغيرهُنَّ، كُنّ عظيمات، ومن أفضل خلق الله، فالإنسان هو من الذي يسير على طريق التكامل والتعالي، ولا فرق بين الرجل والمرأة في الحقوق الاجتماعيّة، كما لا فرق بين الرجل والمرأة في الحقوق الشخصية والفرديّة. ولقد أعطي للمرأة بعض الامتيازات في بعض المسائل الشخصية والخاصة. وكذا الأمر بالنسبة إلى الرجل. وذلك طبقاً لِما تقتضيه طبيعة كلّ منهما. هذا هو الإسلام.. إنه الأمْتن والأكثر منطقيّة والأكثر قوانينَ عملانيّة وضوابطَ، التي يمكن للإنسان أن يفترضها لكلا الجنسين (من بين القوانين والحدود الموجودة).
 
العائلة: الأساس الأهمّ 
يجب السّير في هذا الطريق إلى نهايته، ومن أهم أُسسه، تشكيل العائلة، ومن أهم أُسسه حفظ حريم العائلة والأنس بالعائلة وإفشاء المودّة. وهذا ما تتولّاه ربّة البيت. تستطيع الأمّ أن تُربّي أولادها على أفضل نحو، تربية الأمّ لأولادها ليس كالتربية على مقاعد الدراسة، بل هو بالتصرّف، بالكلام، بالعاطفة، بالملاطفة، بغناء هدهدة ما قبل النوم، بالعيش. الأمّ تربي أولادها بالحياة والعيش، فكلّما كانت المرأة أصلح، أعقل، أذكى، كلّما كانت التربية أفضل. لذلك ينبغي البرمجة ووضع الخطط في البلاد، من أجل رفع مستوى الإيمان، العلم والذكاء لدى السيّدات.
 
التدبير المنزليّ: عملٌ عظيم
ومن أهمّ وظائف المرأة، التدبير المنزليّ، الجميع يعلم أنّني لا أؤمن بفكرة أن لا تعمل المرأة في المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة، لا، لا مشكلة في ذلك، لكن إن



1 العاملي، الانتصار، ج7، ص237.
 
 
 
 
 
 
 
215

180

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 قصدنا بذلك تحقير التدبير المنزليّ، فهذا ذنب. فالتدبير المنزليّ عمل عظيم، عمل مهمّ، عمل حسّاس، عمل لبناء المستقبل، فإنجاب الأطفال جهاد عظيم، ونحن للأسف بسبب أخطائنا، أو عدم دقّتنا، غفلنا عنه لمدّةٍ من الزمن، ونشهد مخاطر هذه الغفلة في أيّامنا هذه، لقد ذكرت هذا الأمر مراراً، إنّ هرم البلاد، وانخفاض جيل الشّباب في الأعوام القادمة، سيترك آثاره المستقبليّة السيّئة، حينها لن نتمكّن من معالجة الأمر. لكن يمكننا تدارك الأمر.


أهمّ أشكال جهاد المرأة 
إنجاب الأبناء من أهمّ أشكال الجهاد بالنسبة إلى النساء ووظائف النساء، لأنّ الإنجاب هو في الحقيقة فنّ (صنعة) المرأة، فهي التي تتحمّل مشاقّه ومصاعبه وآلامه، وهي التي منحها الله تعالى أدوات ولوازم تربية الأطفال. والله تعالى لم يعط أداة التربية هذه إلى الرجل، إنّما جعلها لدى السيّدات، فأعطاها الصبر والتحمّل، ومنحها العاطفة والأحاسيس، وأعطاها القامة والتركيب الجسميّ لذلك، في الواقع هذا فنّ المرأة. فإذا لم نغفل عن هذا الأمر في مجتمعنا، عندها سنتقدّم إلى الامام.

احترام المرأة من أولويّاتنا
اليوم احترام المرأة وتكريمها مسألة ينبغي إعطاؤها اهتماماً وعناية خاصَّيْن، ومسألة تصرّفات المرأة في محيط العائلة، في محيط العمل، في محيط السياسة، في محيط الاجتماع شيء، وكيفيّة التصرّف مع النساء شيء آخر. على الرجال ـ سواء رجال العائلة كالآباء والإخوة والأزواج، أو الرجال في محيط عملها ـ أن يتصرّفوا معها بكلّ احترام ومحبّة، إلى جانب النجابة والعفّة، لذا يجب وضع الخِطط والبرامج من أجل تكريم المرأة، وواجبات المرأة، وأيضاً واجباتنا تجاه المرأة، بشكل منفصل.

لحسن الحظّ فإنّ يوم المرأة، متزامن في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة ويوم 
 
 
 
 
 
 
 
216

181

في جمع من مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 مولود سيّدة نساء العالمين السيّدة فاطمة الزهراءعليها السلام. على الجميع الانتباه لهذه النقاط. إذا استطعنا أن نفكّر بشكل صحيح، ونقرّر بشكل صحيح، ونعمل بشكل صحيح، في قضيّة المرأة والعائلة والأمّ والزوجة، فيمكننا حينها أن نطمئنّ إلى مستقبل البلاد.


جزاكم الله جميعكم خيراً. ومنحكم البركة. وبارك في حناجركم وصدوركم.
 
 
 
 
 
 
 
 
217

182

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات



المناسبـة: إقامة الانتخابات في إيران 
الحــضـور: الهيئات المشرفة على إقامة الانتخابات
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
16/02/1392 هـ.ش.
25/06/1434 هـ.ق.
06/05/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
219

183

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 بسم الله الرحمن الرحيم


أرحّب بجميع الإخوة والأخوات الأعزّاء، حاملي الأمانة الوطنيّة والإسلاميّة الكبرى والمهمّة. فكلّ واحد منكم في أيّ موقع كان، وفي أيّ قسمٍ من هذه المجاميع الكبرى كان، سوف يحمل على عاتقه عملاً مهمّاً، أساسيّاً، مؤثّراً، قيّماً وباقياً ـ إن شاء الله تعالى ـ وسوف يؤدّيه، سواءٌ مجلس صيانة الدستور والهيئات المشرفة التابعة لهذا المجلس، أم وزارة الداخليّة المحترمة والهيئات الشعبيّة والرسميّة العظيمة المرتبطة بهذا النظام، أم المسؤولون عن حفظ الأمن وتوفير الأجواء الانتخابيّة السليمة، كالشرطة والآخرين. 

نبش قبر حجر بن عديّ
قبل البدء بالملاحظات القصيرة التي سأعرضها عليكم، يجدر بي الإشارة إلى حادثة أليمة حدثت في هذه الأيّام، والتي هي بنفسها حادثة مرّة، وتحكي أيضاً عن أيادٍ خفيّة كثيرة، حادثة نبش قبر الصّحابي الجليل القدر، حجر بن عديّ (رضوان الله تعالى وسلامه عليه) وهتك جثّة هذا العظيم. هذه القضيّة مؤلمة من عدّة جهات: 

1- حادثةٌ مؤلمة ومفجعة
فهي نفسها إهانة لصحابيّ هو من أكابر صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حواريّي أمير المؤمنين عليه السلام وشهيد في سبيل الله، فيُفتتح قبره بعد ألف وأربعمائة عام، ويُخرج جسده، ويُهان، إنّها لحادثة مؤلمة جدّاً ومحزنة.

2- أفكار فاسدة ومتحجّرة
مضافاً إلى هذا، هناك مرارة أخرى، وهي أنّ هناك في جماعة المسلمين
 
 
 
 
 
 
 
221

184

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 والأمّة الإسلاميّة، أشخاصاً يعتبرون بأفكارهم الفاسدة والمتحجّرة والمتخلّفة والخرافيّة، تعظيم الأكابر والمبرّزين والشخصيّات النورانيّة في صدر الإسلام، شركاً وكفراً، إنّها واقعاً لمصيبة. هؤلاء هم الأشخاص أنفسهم الذين هدَمَ أسلافهم قبور الأئمّة عليهم السلام في البقيع. في ذلك اليوم، نهض العالم الإسلاميّ ضدّهم، من شبه القارّة الهنديّة إلى أفريقيا. ولو كانوا يجرؤون لقاموا أيضاً بهدم قبر النبيّ المطهّر صلى الله عليه وآله وسلم، وسّووه بالأرض. أنظروا أيّ فكر فاسد، وأيّ روحيّة قذرة، وأيّ أناس سيّئي التفكير، يريدون أن ينقضُوا احترام العظماء ويهتكوهم بهذه الطريقة، ويعدّون هذا جزءاً من تكاليفهم الدينيّة! اعلموا، أنّه في ذلك الوقت، حين هدموا قبور البقيع، اعترض عليهم العالم الإسلاميّ من أقصاه إلى أقصاه. وكما قلتُ هبّ العالم الإسلاميّ بوجههم، من شرقه ـ من الهند ـ إلى غربه. 

3- أنتم المشركون
هؤلاء يقومون بهذه الأعمال الخبيثة، بحجّة أنّ هذه الأعمال هي عبادة! وهل الذهاب إلى قبر أحدهم وطلب المغفرة له من الله تعالى، وطلب المغفرة للنفس في ذلك الجوّ المعنويّ والروحيّ شرك؟ الشرك هو أن يصبح الإنسان أداةً في أيدي سياسات التجسّس البريطانيّة والسي آي إي الأميركيّة، ويُحزِن بهذه الأعمال قلوب المسلمين ويؤذيها. 

هؤلاء لا يعدّون الطاعة والعبوديّة والخنوع للطواغيت الأحياء شركاً، ويعتبرون احترام العظماء شركاً! هذه مصيبة بحدّ ذاتها. الحركة التكفيريّة الخبيثة المنتشرة اليوم في العالم الإسلاميّ بفضل بعض التمويلات - وللأسف هؤلاء يملكون المال والإمكانيّات - هي واحدة من مصائب الإسلام.

4- لن تخدعنا مؤامراتُكم
بحمد الله، لقد أظهر الشّيعة في أيّ مكان كانوا ـ سواءً هنا أو في العراق أو في باكستان، أو في أيّ مكان يواجه فيه الشّيعة هذه القضيّة المستجدّة ـ أنّهم يتمتّعون بالنضوج الفكريّ. يريد العدوّ من خلال هذه الأعمال أن يؤجّج نار الصراع بين الشّيعة والسنّة،
 
 
 
 
 
 
222

185

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 لكنّ المجتمع الشيعيّ الكبير، العائلة الكبيرة لأتباع أهل البيت عليهم السلام، أظهرت أنّها لا تنخدع بهذه الألاعيب. كما أنّ الإخوة من أهل السنّة في كثير من الأماكن، قد أدانوا هذا العمل، لقد أظهروا أيضاً وعيهم وبصيرتهم. وهذا ما ينبغي أن يستمرّ. هذه ليست من القضايا، التي تثير ضجيجاً ليومين أو ثلاثة أو خمسة أيّام أو أسبوع، ومن ثمّ تُنسى. وإن لم تُدَنْ بأشدّ الإدانة من قبل المسلمين، وإن لم يقم الأكابر من أهل العلم والمتنوّرين والسياسيّين بوظائفهم في مقابل هؤلاء، فهذه الفتنة لن تنحصر بهذه الأمكنة، بل ستجرّ البلاء على روح المجتمع الإسلاميّ، وسوف تمتدّ هذه النيران يوماً فيوماً. عليهم أن يقفوا بوجه هذه الفتن، سواءً بالوسائل السياسيّة، أو عن طريق إصدار الفتاوى الدينيّة، أو عن طريق المقالات التنويريّة للمتنوّرين والنخب الفكريّة والسياسيّة في العالم. 

 
ينبغي الالتفات إلى أنّ الأيادي الخفيّة للأعداء تفصح عن نفسها في هذه الأعمال، وهذا أمر لا يمكن للإنسان التغاضي عنه. أولئك الذين يقيمون المآتم ويثيرون الضّجيج في العالم من أجل هدم أحد الآثار القديمة، يسكتون مقابل هذه الظاهرة، سواءٌ المؤسّسات الدوليّة، أم الشخصيّات العالميّة، أم السياسيّون الذين يدعمون عمي القلوب هؤلاء، هذا يشير إلى أنّ لهم يداً في هذه المسألة، هذه القضيّة تُظهر الأيادي الخفيّة لهؤلاء.
 
اعلموا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾1 يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾2، إنّهم يمكرون، لكنّ مكر الله سيغلب مكرهم حتماً، وهذه الحركة التي تريد أن تقف حجر عثرة أمام اتّحاد الأمّة الإسلاميّة وتقدّمها، سوف تتوقّف.
 
الحدث المهمّ
مسألة الانتخابات على امتداد الأربع والثلاثين سنةً هذه، كانت مسألة مصيريّة ومجدّدة لحياة الحركة العامّة في بلدنا. على امتداد هذه السنوات، استطاعت هذه



1 سورة الفجر، الآية: 14.
2 سورة الطارق، الآيتان: 15 و16.
 
 
 
 
 
 
 
 
223

186

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 الانتخابات المقامة في كلّ مرّة، والتي تجاوز عددها الثلاثين، وحضر فيها الشعب أمام صناديق الاقتراع، أن تدفع جملة من المصائب عن البلاد، وأن تنفخ قوّة جديدة، وروحاً جديدة، في جسد البلد والشعب والثورة، وهذه المرّة أيضاً، ولأسباب عدّة، هي أهمّ من بعض الانتخابات الماضية، إذ إنّ أحد الأسباب الآن ـ وكما تمّت الإشارة ـ هو اجتماع انتخابات رئاسة الجمهوريّة، وانتخابات المجالس البلديّة، وفي بعض المناطق، الانتخابات الفرعيّة لبعض الانتخابات الأخرى معاً.


إنّ انتخابات رئاسة الجمهوريّة مهمّة جدّاً، وانتخابات المجالس البلديّة مهمّة جدّاً. 

ولنلتفت إلى أنّ الاهتمام بانتخابات رئاسة الجمهوريّة لا يمكنه التقليل من أهمّيّة انتخابات المجالس البلديّة في أعين المسؤولين، والناس والنخبة. إنّنا إذ نوكل الأعمال والقرارات إلى الشعب، على صعيد القرية مروراً بالمدينة ومن ثمّ على صعيد الوطن ككلّ، لهو أمر مهمّ جدّاً. المجالس البلديّة مظهر لمثل هذا الأمر. كما أنّ أهميّة مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة واضحة. فالقانون الأساسيّ والأنظمة المرعيّة للبلد، كلّ هذه الفعّاليّة والجهد والإمكانيّات والميزانيّة ومسارات تحقيق الأهداف تقع أمام الجهاز الرسميّ ورئيس الجمهوريّة، لذا هي فائقة الأهميّة.

من مفاخر الجمهوريّة الإسلاميّة
إنّ إجراء الانتخابات في البلد، من مفاخر الجمهوريّة الإسلاميّة. في ذلك اليوم، الذي جرى فيه الحديث عن الانتخابات في هذا البلد، ابتداءً من حركة المشروطة وإلى عهد الجمهوريّة الإسلاميّة ـ قبل ذلك لم يكن من معنى لهذا الكلام ـ ففي الحقيقة، لم تحدث انتخابات واقعيّة حماسيّة شاملة وعامّة بالمعنى الواقعيّ للكلمة،. وحتّى لو حدثت انتخابات واقعيّة في زمن النهضة الشعبيّة، إلّا أنّها لم تكن بمستوى طموحات الشّعب الإيرانيّ، حيث يأتي الناس من أقاصي القرى إلى صناديق الاقتراع، هم يعرفون، هم يعلمون، هم يقترعون، هذا الأمر لم يحدث سوى في 
 
 
 
 
 
 
224

187

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 الجمهوريّة الإسلاميّة، وكان إمامنا العظيم هو المبتكر والمصمّم والمهندس لهذا البناء. لقد أصرّ منذ البداية على وجوب إجراء استفتاء عامّ على وجه السرعة لتعيين النظام الرسميّ في الجمهوريّة الإسلاميّة.


بعد أقلّ من 50 يوماً
في ثورات العالم، يحدث هذا بعد ثلاث أو أربع أو خمس سنوات، وأحياناً أكثر من ذلك، لكن في الجمهوريّة الإسلاميّة، جرى استفتاء عامّ وشامل بعد أقلّ من 50 يوماً على انتصار الثورة، وجاءت تلك الجموع الغفيرة والنسب العالية إلى صناديق الاقتراع، واقترعت. أمّا هم لمن صوّتوا، فهي مسألة أخرى، المسألة الأساسيّة هي أنّ الناس برهنوا بكلّ وجودهم أنّهم حاضرون في الميدان، وأنّهم مستعدّون للعمل واتخاذ القرارات ورسم الخطط للمستقبل. حينذاك وُضعت اللِّبنة الأولى لهذا الأمر، أُسّس له، واستمرّ بعدها. 

بحضوركم نبقى
في بداية الثورة، حيث لم يكن الدستور قد أُعدّ بعد، وكان من اللّازم تشكيل مجلس الخبراء، لم تمضِ بضعة أشهر حتّى استدعى الإمام مجلس قيادة الثورة إلى قمّ. كنت أنا من بين المدعوّين. تعاطى الإمام معنا بحدّة: لِمَ لا تُقدمون على تشكيل مجلس يمكنه أن يعدّ الدستور؟ كان الإمام يرى أنّ الأمر قد تأخّر. هذه هي طبيعة الجمهوريّة الإسلاميّة، وهذه الطبيعة باقية بحمد الله في الجمهوريّة الإسلاميّة. أراد الكثيرون أن يجعلوا الانتخابات باهتة، أن يؤجّلوها عن موعدها المقرّر، أن يفقدوا حضور الشعب فيها أهمّيّته ورونقه ـ لديهم دوافعهم للقيام بهذا العمل ـ لكنّهم أخفقوا، ولم يوفّقوا إلى الآن، ولن يُوفّقوا بعد هذا بعون الله تعالى. لماذا يطمحون إلى التقليل من أهميّة الانتخابات؟ لأنّ العدوّ يعلم أنّ قوام الجمهوريّة الإسلاميّة يستند إلى مشاركة الشعب. في الجمهوريّة الإسلاميّة، إن لم يحضر الشعب في
 
 
 
 
 
 
225

188

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

  الميادين، فلا قيمة للجمهوريّة الإسلاميّة. الجمهوريّة الإسلاميّة لا تتلخّص بوجود أربعة مسؤولين على شاكلتي، الجمهوريّة الإسلاميّة تعني مشاركة الشّعب الإيرانيّ عامّةً، والحركة العامّة نحو تحقيق الأهداف والأمانيّ الكبرى والعمليّة، هذا هو معنى الجمهوريّة الإسلاميّة.


إنّ اعتماد الجمهوريّة الإسلاميّة وقوّتها على قلب الشعب، على مشاعر الشعب وأحاسيسه، على عقل الشعب وفكره وبصيرته.

إنّهم(الأعداء) إذ لم يستطيعوا، مع كلّ هذه الجهود على امتداد السنوات الأربع والثلاثين، زعزعة الجمهوريّة الإسلاميّة، فبفضل هذا، وإلّا أيمكن لهذا العالم المادّي، وهذا العالم المستكبر، وهذه القوى الظالمة والقاسية والخبيثة، أن تسمح ببقاء نظامٍ حيّاً مع هذه المسوّغات التي تملكها الجمهوريّة الإسلاميّة؟ انظروا ماذا يفعلون مع البلدان التي انطلقت فيها الثورات باسم الإسلام، يمارسون الضغوط عليها. يفرضون عليها رغباتهم بالقوّة، يجبرونهم.

الفضل لكم
لم تحصل هذه الأمور في الجمهوريّة الإسلاميّة، لم يقدروا على ذلك. يريد العدوّ أن يفرض رغباته على الجمهوريّة الإسلاميّة، وأن تستسلم الجمهوريّة الإسلاميّة لأوامرهم، وهذا يمكن أن يحصل حين تكون الجمهوريّة الإسلاميّة ضعيفة. الجمهوريّة الإسلاميّة تستمدّ قوّتها من الشعب، لا يريدون لهذه القوّة أن تكون موجودة، لذا، ففي جميع انتخاباتنا، على امتداد هذه السنوات، بدأت الدعايات الإعلاميّة للعدوّ ضّدنا قبل موعد الانتخابات، أي إنّه قبل أن يبدأ مسؤولونا ووسائلنا الإعلامية وصحفنا بالعمل من أجل الانتخابات، كان العدوّ يضع خطّة ويبدأ بتنفيذها، والأمر كذلك هذه المرّة أيضاً.

لدينا معلومات أنّه هذه المرّة أيضاً، أنّ وسائل إعلام العدوّ الرسميّة والمعروفة ـ وهي عملت حيثما استطاعت ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة ـ تخطّط منذ فترة، تضع
 
 
 
 
 
 
226

189

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 الخطط، والبرامج، لجعل الناس يتعاملون مع مسألة الانتخابات ببرودة، وقد باشروا بذلك أيضاً، بالنتيجة، إنّ مخطّطاتهم أوسع بكثير من هذا، يريدون ثني الناس عن الحضور أمام صناديق الاقتراع، يريدون للشعب أن لا يشارك في إدارة البلاد وتولّي أمورها، يريدون له أن لا يحضر في الساحات، لذا هم يسعون جهدهم. لو لم يكن الشعب حاضراً في الميادين، لأمكنهم بكلّ سهولة مضاعفة هجومهم عدّة مرّات. إنّ حضور الشعب يصون النظام الإسلاميّ وبلدنا العزيز. حضور الشعب هو من يقوّي عوامل القدرة والقوّة فينا: يطوّر علمنا، ويزيد من بصيرتنا، ويطوّر آليّات الإدارة لدينا ـ كما طّورها على امتداد هذه السنوات ـ فهذا بسبب حضور الشعب، بسبب دوافع الشعب، يريدون لهذه الدوافع أن تزول، لذا يسعون لتبهيت (للتقليل من شأن) هذه الانتخابات.


القانون فوق الجميع
أقول، بفضل الله تعالى وبهمّة الشعب العزيز، إن شاء الله تعالى، وبتوفيقه، ستكون هذه الانتخابات المقبلة، إحدى أفضل انتخابات لدينا وأكثرها حماسةً. بالطبع، يسعى العدوّ لإبطال جهود الشعب ـ كما فعل في العام 1388هـ ش (2009م) - فهذا أيضاً كان من أفعال العدوّ، فقد حملوا بعضهم على أن يتوقّع أموراً مخالفة للقانون، وأن يسعى على أساس هذه التوقّعات، وإلى وقوف الناس بوجه النظام، وقد أخفقوا ـ حتماً ـ بعون الله تعالى.

وإنّ السبيل الأساسيّ لمنع حصول مثل هذه المشاكل الانتخابيّة، هو الالتزام بالقانون، أؤكّد على ذلك. على عموم أفراد الشعب في كلّ نقطة من نقاط البلاد، في المدينة، في القرية، في العاصمة، في المدن الكبرى وفي كلّ مكان، أن يسعوا إلى تحقيق هذا الأمر وهو أنّ كلّ من يتكلّم أن يكون كلامه على أساس القانون، كلّ من ينتظر ويتوقّع، أن تكون توقّعاته موافقة للقانون. أولئك الذين في تلك السنة حمّلوا البلد والشعب تلك الخسائر، لو كانوا سلّموا للقانون لما حدث ما حدث. ينصّ
 
 
 
 
 
 
 
227

190

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 القانون على أنّ من لديه اعتراض فليأتِ وليعترض. في تلك السنة قيل، حتّى أنا طلبت من مجلس صيانة الدستور، وحينها مدّدوا الوقت أيضاً لإعادة فرز الأصوات، وقلنا فَلْيُعَدْ فرز الأصوات بالعدد المعقول ولكلّ صندوق يريدونه، حسنٌ، لم يرضوا! كانت أعمالهم غير منطقيّة، وغير معقولة، لقد كلّفوا البلاد ميزانيّات كبيرة. حسنٌ، فالبلد يعلو على هذه المسائل.

 
نظام الجمهوريّة الإسلاميّة قويّ. هذه الأعمال التخريبيّة، ووضع الإصبع في العين، وهذا الإزعاج والأذيّة، لا تُرضِخ الجمهوريّة الإسلاميّة. لقد واجهت الجمهوريّة الإسلاميّة على امتداد هذه السنوات مختلف أنواع السياسات والسياسيّين، لكنّها تقدّمت على الرغم من وجود كلّ هذه المعارضات وكلّ هذه الزوايا ـ التي كانت توجد أحياناً ـ، وهكذا ستكون في قادم الأيّام. الجمهوريّة الإسلاميّة لن تتزحزح بهذا الكلام. بالنتيجة، كلّفوا البلد خسائر. وإن الطريق لعدم تكليف البلد الخسائر هو الالتزام بالقانون. وصيّتي لكم أيّها المسؤولون المحترمون عن الانتخابات هي: اتّخذوا القانون معياراً. في الآية الكريمة التي تُليت، تمّت الإشارة إلى أداء الأمانة - ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾1- أداء الأمانة هو بالعمل طبقاً لنصّ القانون، سواءً في مرحلة تحديد الصلاحيّات ـ بالنسبة إلى رئيس الجمهوريّة، أو بالنسبة إلى المجالس البلديّة، أو الموارد الأخرى التي سوف نواجهها ـ وسواءً في مرحلة فرز الأصوات، وأيضاً في مرحلة حماية الأصوات والصناديق. ينبغي مراعاة نصّ القانون، بمنتهى الأمانة، والتي كانت ولا زالت كذلك بحمد الله إلى الآن. 
 
الصبر الثوريّ
من البديهيّ في كلّ انتخابات، أن لا يصل البعض إلى مبتغاه - لا أريد أن أسمّيه خاسراً في الانتخابات، لا ينبغي علينا استخدام تعبير الخاسر والرابح وأمثال هذه العبارات والاصطلاحات الغربيّة الماديّة. إذا كنّا نخوض الانتخابات من



1 سورة النساء، الآية: 58.
 
 
 
 
 
 
228

191

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 أجل أداء التكليف، فليس هناك ربح وخسارة - حسنٌ، اعترض هؤلاء. هكذا هو الأمر عندما يذهب الإنسان إلى القاضي، تصدر المحكمة حكمها، فالشخص الذي نال مبتغاه يكون مسروراً، والآخر يكون منزعجاً، على الشخص الآخر أن لا يتّهم المحكمة أنّها عملت خلاف الحقّ، لا، فهي محكمة، وتعمل على أساس القانون، لكنّه بالنتيجة، يستاء، ويكون غير راضٍ. علينا أن نتحمّل كلّ ما يحصل ويكون قائماً على أساس القانون، علينا جميعاً أن نتعلّم هذا الدرس، هذا هو الصبر الثوريّ، هذا هو التحمّل الثوريّ. نسأل الله تعالى أن يهدي القلوب إلى ما هو الأفضل للبلد.


الإدارة التنفيذيّة العليا في البلد، هي أمر كبير، وعمل مهمّ. إنّ كلمةً واحدةً قد تترك أثرها، وإنّ عملاً صغيراً أو كبيراً من قبل المسؤولين التنفيذيّين الرفيعي المستوى في البلاد - كرئيس الجمهوريّة، والوزراء - يترك أثراً، الأجهزة التنفيذيّة أيضاً كذلك. خدماتهم لهذا البلد لها تأثيرها الكبير، لا قدّر الله أن يترك تقصيرهم آثاره السلبيّة الكبيرة. هذا يوجب علينا نحن الذين نريد أن ننتخب، توخّي الدقّة.

سيهدي الله قلوبنا
لنزِنِ الالتزام، والتديّن، والاستعداد والقدرات، ولنعمل طبقاً للتشخيص. إذا خضنا أنا وأنتم، نحن الذين نريد التصويت، الميدان بنيّة صادقة وخالصة ومن أجل أداء التكليف ومستقبل البلد، وأردنا اتّخاذ القرار، فإنّ الله تعالى في هذه الصورة سيهدي قلوبنا، إن الله تعالى يهدي القلوب بشرط أن يكون عموم أفراد الشعب واقعاً في صدد القيام بتكليفهم. لقد قيل مراراً، إنّ الانتخابات هي حقّ للشعب، وتكليفه أيضاً، علينا أن نستنقذ الحقّ، وأن نقوم أيضاً بتكليفنا على أكمل وجه. وهذه الانتخابات توفّر هذا الأمر.
 
 
 
 
 
 
229

192

في لقاء الجهات المشرفة على إقامة الانتخابات

 فلتكن هذه مواصفاته

على الأشخاص الذين يريدون دراسة الصلاحيّات، ويتّخذوا القرارات بناءً على ذلك، عليهم أن يلحظوا جميع الأمور إلى جانب بعضها. ينبغي أن يكون رئيس الجمهوريّة فعّالاً، شعبيّاً، مقاوماً، مبدئيّاً، مدبّراً، ملتزماً بالقوانين والمقرّرات ـ منفّذاً للقوانين ـ كما ينبغي أن يكون متحسّساً لآلام الناس، يلحظ مختلف شرائح المجتمع، هذه هي الخصائص التي تقوم بدورٍ في انتخاب من نريد تسليمه المفاتيح التنفيذيّة للبلاد. نحن الشعب، من يقرّر في هذا المجال. لا يقولنّ أحد: ماذا سيؤثّر رأيي أنا الشخص الواحد؟ فملايين الأصوات تتشكّل من هذه الأصوات الآحاديّة. على الجميع أن يشعر بالمسؤوليّة وسيردون الميدان بإذن الله. وهذا ما سيحصل بعون الله تعالى. من المؤكّد أنّ أمن البلد، وصيانته وتقدّمه، سيزداد من خلال المشاركة العامّة للشعب وبنسبها العالية، وسوف يتمكّن هذا البلد بعون الله أن يخطو خطوةً أخرى نحو الأهداف العليا للثورة الإسلاميّة.

نسأل الله المتعالي، أن يهدي بعونه قلوبنا جميعاً، سواءً التنفيذيّين، والمسؤولين، والمشرفين، وعموم أفراد الشعب، لنقوم بما فيه رضا له، وما فيه مصلحة للبلد. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
 
 
230

193

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 
المناسبـة: ذكرى استشهاد آية الله مطهري ويوم المعلّم1
الحــضـور: حشود غفيرة من المعلِّمين من مختلف أنحاء البلاد
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
18/02/1392 هـ.ش.
27/06/1434 هـ.ق.
08/05/2013 م.



1 يلتقي سماحته سنوياً بحشد من المعلّمين وأركان مديريات التربية والتعليم بمناسبة عيد المعلم في الجمهوريّة الإسلاميّ, وهو يوم استشهاد الشهيد مرتضى مطهّري.
 
 
 
 
 
 
231

194

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
أرحّب بكم جميعاً أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، يا من تعتزّون بأنّكم تعملون في مجال التعليم والتربية في المجتمع الإسلاميّ، أو أنّكم ستعملون في هذا المجال في الأيّام اللاحقة، وهذا واقعاً، فخر كبير. 
 
إنّنا إذ نحيي ذكرى شهيدنا العزيز الكبير، المرحوم الشهيد مرتضى مطهّري1 رضوان الله عليه، وكذا شهداء التربية والتعليم ـ المعلّمين، والطلّاب ـ الذين يمثّلون أجمل وأعظم مشاهد الدفاع المقدّس، نطلب من الله سبحانه أن يحميكم وأن تكون يده دوماً فوق رؤوسكم أيّها المعلّمون الأعزّاء ومسؤولي التربية والتعليم، وأن تصبح هذه الشجرة المثمرة والمباركة، يوماً فيوماً أكثر بركةً لبلدنا وشعبنا.
 
التعليم: المقام اللّائق
أوّلاً، هذه الجلسة هي من أجل تكريم المعلّمين والاحتفاء بهم. ما ينبغي طرحه في باب التربية والتعليم ـ سواءً اللجان المركزيّة للتربية والتعليم2، أم صفوف التدريس المنتظِمة في كافّة أنحاء البلاد ـ غالباً ما يُطرح على المسؤولين والعاملين التنفيذيين، ما هو اليوم، مهمّ بالدرجة الأولى لنا، هو أن نظهر الاحترام القلبيّ اللّائق لمقام التربية والتعليم. الأصل هو أن يتمتّع "المعلّم" بالمنزلة اللّازمة في المجتمع



1 آية الله الشهيد مطهّري, تلميذ الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي ومفكّر الثورة, الفيلسوف والنابغة الأصيل, والعقل الذي ترجم أفكار الإمام وكلماته في محاضراته وكتاباته في المدارس والجامعات قبيل انتصار الثورة وبعدها, وخاطب جيل الشّباب, وواجه بقوة وشجاعة الأفكار الالتقاطية والمتحجّرة وكذلك التيارات الفكرية العلمانية والماركسية آنذاك. تميّز بسعة إطلاعه, وبرهانه المتين, وسلاسة بيانه وعمقه في آن وتناسبه مع متطلبات العصر وجيل الشّباب,.. تألّم الإمام كثيراً لفقده, دعا جيل الشّباب والطلاب إلى عدم ترك قراءة كتبه والاستفادة من فكره.
2 يتفرّع من وزارة التعليم والتربية, مؤسسات ولجان مركزية تشرف وتقوم بأعمالها في التربية والتعليم, وقد يقال مديريات التعليم..
 
 
 
 
 
 
 
233

195

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 الإسلاميّ. وإنّه لقصر نظر كبير، أن يضع الإنسان عمل التعليم في مصافّ سائر مشاغل الحياة المُتعارفة، بحيث يكون وسيلة فقط من أجل اكتساب لقمة العيش، ويساعد الإنسان على الحياة، يؤمّن الخبز ويساعد على تمضية الحياة، هذا لا حقيقة له، والتعليم ليس كذلك، وهو ليس في مستوى الأعمال الأخرى، إنّه يفوقها شرفاً.


إذا التفتنا إلى حقيقة التربية والتعليم ومنزلة المعلّم، علينا واقعاً أن نشبّه المسألة: بمن يصقل وينحت جوهراً ثميناً، بحيث يضفي عليه القيمة والأهمّيّة. هذه الجواهر الثمينة هي أولادنا، وأطفالنا، أطفال الشعب، الذين يشكّلون جيل المستقبل بجميع خصائصه ومميّزاته، ويوجدونه. أنتم المعلّمين من تشكّلون هذه الشخصيّات، تصقلونها. ليست المسألة مجرّد أن تلقوا كلمتين، أو تعطوا درساً في الصفّ، جميع تصرّفاتكم، حركاتكم، طريقتكم، أخلاقكم، تترك أثرها بصورة مباشرة في هذا المخاطبَ المستهدَف (المتلقّي)، وتُشكّله. وما تزرعوه في ذهنه أيضاً تحت عنوان التعليم، هو من أكثر الحقائق بقاءً، في ذهن الإنسان. بعد خمسين، أو ستّين عاماً، يبقى في ذهن الإنسان الكثير من التفاصيل التي قالها المعلّم له، والكثير من الخصائص التي ينقلها (المعلّم) للتلميذ بتصرّفاته، بأخلاقه، بطريقة كلامه، وطريقه تعامله مع التلاميذ، تبقى في الإنسان. أحياناً يلتفت الإنسان إلى ذلك، وأحياناً لا يلتفت، جميعنا نسير دون التفات في الطريق نفسه، الذي خطّ المعلّمون الجزء الأكبر منه في نفوسنا، وهذا أمر بالغ الأهميّة.

نحو الأهداف الإسلاميّ
إنّ البلد الذي يريد أن يصل إلى العلى، إلى الغنى والرفاه، إلى العلم والتفوّق، والذي يريد رفد المجتمع البشري بأناس شجعان، أحرار، واعين، عاقلين، عقلاء ومفكّرين، عليه أن يعدّ هذه البنية التحتيّة الأساسيّة، البنية التحتيّة للتعليم في مرحلة الطفولة والحداثة. هذا هو شأن المعلّم. لذا، ينبغي أن نكنّ احتراماً فائقاً للمعلّم. ولإيجاد الأهليّة اللّازمة في المعلّم، ينبغي صرف الكثير من الوقت. فلكي 
 
 
 
 
 
 
234

196

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 نعدّ آليةً، تكون التربية والتعليم فيها مؤثّرين، ويتّجهان في الاتّجاه الصحيح، علينا الاستثمار كثيراً. وإنّ اعتمادنا على هذا التحوّل الأساسيّ في التربية والتعليم في السنوات الماضية هو من أجل هذا الأمر، ومن الجيّد اليوم، بحمد الله، أنّ وثيقة هذا التحوّل1 هي في متناول مديريّة التربية والتعليم، وقد حُدّدت وشُخّصت، في الواقع، معالم الطريق. فالتحوّل في بني البشر، والتغيير الحقيقيّ في النفوس والمعتقدات والحركات والأخلاق وأمثالها، يحتاج إلى بنية تحتيّة قويّة، وهذه البنية التحتيّة هي التربية والتعليم. 

 
فقد تشكَّلت التربية والتعليم في بلدنا على أساس مبَانٍ فكرية وعقائدية أخرى، إنّنا أيضاً على امتداد عشرات السنين ـ منذ بداية العمل بمنهج التربية والتعليم الجديد في البلد ـ قد سرنا على هذه القاعدة نفسها، في الحقيقة، كنّا نسير على تلك السكّة ذاتها، نعم لم تكن السكّة الصحيحة. ينبغي أن توجّهنا وثيقة التحوّل هذه، نحو الأهداف الإسلاميّ، ينبغي أن تتقدّم بالمجتمع نحو نمط الحياة الإسلاميّ الحقيقي، ينبغي أن تتمكّن من إيجاد الخصال الإنسانيّة السامية فينا. إنّنا اليوم، نشاهد في أخلاقنا، في سلوكنا، عيوباً، ينبغي العمل على إزالتها. إنّ القابليّات الإنسانيّة في المجتمع الإيرانيّ هي قابليّات كبيرة وفيّاضة. وينبغي لهذه القابليّات أن تجد طريقها إلى الظهور، أن تعثر على الوجهة الصحيحة. ووثيقة التحوّل هذه، ناظرة إلى مثل هذه الأمور.
 
انتظروا وقت حصاده 
لقد تمّت الإشارة إلى البُنى التحتيّة لوثيقة التحوّل. أنا هنا أقول، إنّ وثيقة التحوّل هي متن ينبغي أن يترجم عمليّاً، بالمحصّلة، لا ينبغي التسرّع (التعجّل) به بأيّ وجه من الوجوه، ينبغي التقدّم من خلال التدبّر والتأمّل فيه، مع الملاحظة الصحيحة 



1 وثيقة التحوّل في التربية والتعليم في الجمهوريّة الإسلاميّ الإيرانية, نظام جديد متطوّر يحدّد حاجات التربية وشروطها ومعاييرها, تم صياغته وإقراره منذ سنوات, بتوجيه من سماحة الإمام القائد, وهو حالياً في معرض التطبيق, يتناول مختلف أبعاد عملية التربية والتعليم, ويضع لها معايير وأنظمة مستنبطة من روح التعاليم الإسلاميّ, ولا يهمل الاستفادة من الوسائل والتقنيات والتجارب البشرية العصرية.


 
 
 
 
 
235

197

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 للجوانب. العمل عمل عميق. والأعمال العميقة ليست قصيرة الأمد، ليست سريعة النتيجة، هي طويلة الأمد، ونتيجتها تأتي متأخّرة، إذا ما تشكّلت بشكل صحيح، سوف تبقى، وتثمر، إذا لم تُتقَن، وتُعُجّل فيها، سوف لن تعطي الثمرة المرجوّة. جاء في الحديث عن المعصوم عليه السلام: "ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها، كالزارع في غير أرضه"1، فإذا قطفتم الثمرة قبل نضوجها، فأنتم في الواقع لم تحصلوا على شيء، وضاعت جهودكم سدًى. انتظروا الثمرة حتّى تينع، ومن ثمّ اقطفوها حتّى تستفيدوا من جميع منافعها.

 
ربّما يلزمنا سلسلة دراسات متعدّدة من أجل إيجاد برامج إجرائيّة وعملانيّة لوثيقة التحوّل هذه، حتّى يُعبر(يسلك) هذا الطريق واقعاً بالنحو الصحيح، عندها يسير هذا القطار على السكّة. بالطبع، يجب على الحكومة، وعلى المجلس أيضاً، أن يتأمّلوا ويفكّروا بنحو جدّيّ، في الدعم الماليّ للتربية والتعليم، من أجل التطوّر في هذا المجال.لا يصحّ أن تترك مديريّة التربية والتعليم لحالها، ولا يقدّم الدعم اللّازم لها، ومن ثَمّ نتوقّع منها التقدّم.
 
حسنٌ، بحمد الله، أُنجزت في هذه السنوات أعمال جيّدة جدّاً ـ ولديّ تقارير عنها ـ ما أُنجز جيّد، لكنّ ما لم يُنجز وكان من اللّازم إنجازه كثير جدّاً، وإن لم نباشر العمل عليه، فإنّ الوقت قطعاً سيفوتنا، تلك أيضاً لائحة طويلة، ينبغي لمسؤولي التربية والتعليم المحترمين ـ سواءً في لجان التعليم المركزيّة، أم في صفوف التدريس المنتظمة ـ أن يلتفتوا إليها إن شاء الله تعالى.
 
جامعة المعلِّمين
مسألة جامعة المعلّمين هي أيضاً مسألة مهمّة جدّاً، وهي أيضاً من جملة الأشياء التي ينبغي الالتفات إلى تنظيمها الداخليّ بشكل جدّيّ. فما لم يبن المعلّم شخصيّته، لن يستطيع إعطاء شيء لتلميذه، ومخاطَبه. هنا، تُبنى شخصيّة المعلّمين. إنّه وإن



1 نهج البلاغة، ج1، ص40.
 
 
 
 
 
 
 
236

198

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 أُلحقت هذه الجامعة بمديريّة التربية والتعليم، وكانت مرتبطة بها، إلّا أنّه يجب على مديريّة التعليم العالي، أن توفّر كلّ الدعم الممكن لهذه الجامعة. هذه أمور ينبغي أن تتحقّق على صعيد التربية والتعليم. 

 
أهميّة جهاز التربية والتعليم
إنّ جهاز التربية والتعليم ليس جهازاً عاديّاً يقع في عرض سائر الأجهزة الأخرى، هذا موقع أساسيّ ومهمّ، والآن، يمكن أن تعبّروا عنه كمحرّك لقطار، كمركز لتموين (وتغذية) مجموعة ما، على كلّ حال يفترق عن الأجهزة التنفيذية الأخرى. العمل في هذه الوزارة عميق وأساسيّ بحيث لا يمكن إيجاد مثيل له في سائر الوزارات، وحتّى الوزارات الثقافيّة المشابهة ليس لديها ذلك المقدار من الحساسيّة والدقّة التي يلزم مراعاتها في هذه المجموعة. على كلّ حال هي مجموعة في غاية الأهمّيّة. 
 
كما علينا أن نشكر معلّمينا الأعزّاء الذين اختاروا هذا العمل وتكلّفوا هذه المشقّات. ما أكثر الذين يمكنهم العمل في مجالات أخرى، ذات مداخيل أكبر، ويمكن أن يكون لهم مراكز سياسيّة واجتماعيّة أكثر، لكنّهم نذروا أنفسهم لهذا العمل، وهذا أمر مهمّ جدّاً. على امتداد هذه السنوات، وقف المعلّمون دوماً على مصالح الثورة، وكمثال له مسألة الدفاع المقدّس والحرب المفروضة، حيث أشرنا إلى شهداء التربية والتعليم من المعلّمين والتلامذة، كما أنّ له نماذجه الأخرى في أماكن مختلفة. كثيرون خطّطوا للمعلّمين، للمدارس، وكان لهم وراء ذلك أغراضٌ سياسيّة1، وكان المعلّمون هم من تصدُّوا لها. هذه كلّها حسنات عند الله تعالى، هذه كلّها أعمال مؤثّرة ومهمّة، إذ يمكن في كثير من الأحيان أن تُرى غير صحيحة بعيون بعضهم، لكنّها لا تعزب عن عيون الكرام الكاتبين. 



1 هنا تلميح إلى بعض الحكومات السابقة التي كان بعض المسؤولين فيها يسعون إلى استقطاب المعلّمين في السياسة أو غيرها, سعيا وراء أهدافهم الخاصة, حتى في مجال التربية والتعليم..
 
 
 
 
 
 
 
237

199

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 ادرسوا احتياجاتهم

إنّ موضوع الكتب الدراسيّة هي أيضاً مهمّة. ينبغي على الدوام، تطوير مضامين هذه الكتب ومحتوياتها والارتقاء بها ، حسبما تقتضيه الحاجة. ينبغي وجود أجهزة مراقبة ذكيّة في جميع مؤسّسات التربية والتعليم، بحيث تراقب التطوّرات المبنيّة على وثيقة التحوّل، ولينظروا أين توجد ثغرة، أين يوجد خطأ، أين توجد تجربة غير ناجحة، فلتُصلح فوراً ـ يلزمنا النظر الثاقب ـ كما علينا أن ندرس الاحتياجات في مجال الموادّ التدريسيّة والكتب الدراسيّة. منذ سنوات ونحن ندخل مسائل ومطالب في الكتب، فيتمّ إخراج بعضها وإدخال بعضها الآخر. فلننظر أيّاً من المعارف الإلهيّة، من المعارف الإسلاميّ، من المعارف المدنيّة، من معارف بناء الحضارات، من معارف بناء الإنسان، المعارف التي تعزّ شعباً ما، تطوّره، تجعله رياديّاً، فلندخلها في كتبنا إن لم تكن موجودة، وأيّ الأمور هي في الجهة المقابلة مخدّرة، مضلّة، فلنحذفها، أيّ الأمور تلزم الأجيال أو الفتية والفتيات، فلندخلها. فلنفرض أنّ بعض الأمور قد تكون لازمة في الكتب الدراسيّة للفتيات، وذلك على صعيد تدبير المنزل، تربية الأبناء وأمثالها، وأنّ بعض الأمور قد تكون لازمة في الكتب الدراسيّة للفتيان من قبيل مواجهة أمور العمل، الحياة وأمثالها. هذه تحتاج إلى المراقبة اللّازمة والرصد الدائم، وينبغي لهذه الأعمال أن تُنجز. على كلّ حال، العمل عمل مهمّ للغاية.

الملحمة متوقّفة عليكم
لقد طرحنا السنة شعار: "الملحمة السياسيّة والملحمة الاقتصاديّة". كلتا المقالتين (الموضوعين) من الموضوعات التي يمكن لعامّة أفراد الشعب أن يؤدّي دوره فيها، وطالما أنّ عامّة أفراد الشعب لم تؤدِّ دورها، لن توجد أيّ ملحمة. بالطبع، يمكن لبعضهم أن ينشغل، ولآخرين أن يتكاسلوا، وقد لا يمتلك بعضهم الرغبة والحماسة اللّازمة، عندما يمتلك عامّة أفراد الشعب، ونوع الشعب في جميع أنحاء
 
 
 
 
 
 
238

200

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 البلاد، الدافع اللّازم من أجل التحرّك، من خلال النظر إلى ذلك الأفق النيّر، سوف تحدث هذه الملحمة، وإن شاء الله بفضل الله، وبتوفيقه، سوف تحدث هذه الملحمة. وللتربية والتعليم في هذا المجال دور خلّاق. قد يكون هناك تلميذ ما لم يبلغ السنّ القانونيّة للإدلاء برأيه، لكن بإمكانه التأثير في والديه لجهة ولوج هذا الميدان، ولـتأدية المسؤولية. هذه الأعداد الكبيرة من المعلّمين في كافّة أنحاء البلاد، يمكنها أن تؤثّر في قضيّة الانتخابات هذه ـ التي هي بيت القصيد الأبرز في الملحمة السياسيّة، هي هذه الانتخابات القادمة ـ وأيضاً في الملحمة الاقتصاديّة التي هي مسألة طويلة الأمد، ويمكن أن يكون لها دور فعّال.

 
بفضل الثورة
إنّ بلدنا وشعبنا العظيم، بالنظر إلى الأهداف والمبادئ التي يحملها، بحاجة إلى تجسيد الملاحم في الأقسام المختلفة. علينا أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء أن نتوثب في التقدم1! فهذا الشعب، مع كلّ الاستعداد الذي لديه، على امتداد سنوات القمع والتضييق الطويلة2 - حيث ترافق هذا التضييق، فيما بعد، مع تدخُّل الأجانب وهيمنتهم السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة على البلاد - قد تراجع، لقد تخلّفنا عن طريق العلم، عن طريق البناء، عن الاقتصاد، وابتُلينا بآفات ثقافيّة ومعرفيّة متعدّدة. لقد أتاحت الثورة هذه الفرصة أمام الشّعب الإيرانيّ، لجبران هذا التخلف، ورأيتم أيّ خبرات اكتسبها الشّعب الإيرانيّ على امتداد العقود الثلاثة الماضية، وأيّ تقدّم حقّق، وأيّ استعداد أظهر لجميع المراقبين في أنحاء العالم. إنّ تقدّم الشّعب الإيرانيّ في هذه العقود الثلاثة، غير متناسب مع الثلاثين عاماً، كنموذج له، التقدّم العلميّ الذي لم تجد المجاميع العلميّة بدّاً من الاعتراف به، وهذا ما فعلت. إنّ سرعة تقدّمنا العلميّ تُعادل ثلاثة عشر ضعفاً 



1 أي أن نحقِّق قفزة نوعية، بمعنى الوصول إلى طفرة اقتصادية مثلاً.
2 المقصود خلال العهود التي سبقت انتصار الثورة الإسلاميّ.
 
 
 
 
 
 
239

201

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 لمتوسّط التقدّم العالميّ، أهذا مزاح؟ وإنّنا في الوقت نفسه، مع سرعة التقدّم هذه، لا زلنا متخلّفين من الناحية العلميّة. انظروا كم كنّا متأخّرين! مع أنّنا نسير بسرعة تفوق متوسّط السرعة العالميّة بأكثر من عشرة أضعاف، ومع ذلك لا زلنا متخلّفين. إذاً، علينا أن نحافظ على هذه السرعة. هذا هو الجزء الذي يعترف به العدوّ، هناك أجزاء أيضاً لا يتأتّى للعدوّ الاعتراف بها، ولا يعترفون أصلاً، كما على الصعيد السياسيّ، والصعيد الاجتماعيّ، وعلى صعيد بناء البلد، وعلى صعيد الوعي والبصيرة العامّة، هذه أمور لا يرى أعداؤنا في دعاياتهم وتصريحاتهم، أنّ من المصلحة ذكرها، وذلك حتّى لا يشجّعوا شعبنا على التقدّم بهذا الأمر. بالنسبة إلى الاقتدار الشعبيّ والسّمعة العالميّة، ينبغي أن تُلحظ سرعة التقدّم بهذه النسبة أيضاً. هذا التقدّم هو ببركة الثورة. لكن في الوقت عينه، يبقى هذا التقدّم قليلاً، وينبغي أن يزداد.

 
الحماسة ثمّ الحماسة
إذا ما حافظ الشّعب الإيرانيّ على هذه السرعة في التقدّم - سواءً على الصعيد العلمي، أم على الصعيد السياسيّ، أم الاجتماعيّ، أم الثقافيّ والمعرفيّ ـ فلن يستغرق الأمر طويلاً حتّى يحتلّ مكانته اللّائقة، وهذا هو ما يليق بشعب إيران. إنّ جزءاً كبيراً من هذه المسألة يرتبط بالتربية والتعليم، وجزءاً مهمّاً منها يرتبط بالمسؤولين التنفيذيّين في البلاد، هؤلاء الذين يجعلون قضايا البلاد حسّاسة في نظر كلّ إنسان بصير، هؤلاء الذين يتحلّون بالحماسة والاندفاع المطلوب1. من دون الملحمة (الحماسة)، لا تتحقّق هذه الطفرات. عندما تكون الحماسة موجودة، الرغبة والنشاط موجودين، يمكن للطفرة أن تُتصوَّر، يمكن الافتراض بأنّ الطفرة ستتحقّق. لقد خبُرنا هذا الامتحان في مرحلة حرب الدفاع المقدّس. وإن شاء الله تعالى، سيرى الشّعب الايرانيّ، هذا أيضاً بأمّ العين، على صعيد الملحمة السياسيّة



1 أي الحيوية والاندفاع المستمر..
 
 
 
 
 
 
 
240

202

في لقاء جمع من الهيئات التعليميّة

 والملحمة الاقتصاديّة، وجزء كبير منه هو بعهدتكم أيّها المعلّمون الأعزّاء.


أسأل الله المتعال أن يوفّقكم جميعاً، ويرضي عنكم وعنّا أرواح شهدائنا المطهّرة وروح إمامنا العظيم، وأن يهدينا بعونه تعالى، في مجال التكاليف المهمّة التي لدينا في أمور البلاد المتنوّعة، إلى طريق الهداية القويم ويأخذ بأيدينا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
241

203

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات


المناسبـة: ولادة السيدة فاطمة الزهراء عليه السلام 
الحــضـور: جمع من السيدات والحوزويات والجامعيات
الـمكــان: طهران 
الزمـــان:
21/02/1392 هـ.ش.
30/06/1434 هـ.ق.
11/05/2013 م.
 
 
 
 
 
 
243

204

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 بسم الله الرحمن الرحيم

أتقدّم بالشكر الجزيل من السيّدات المحترمات والكريمات اللّواتي نظَّمنَ هذا اللقاء الجيّد والمُثمر. لقد انتفعت واستفدت اليوم حقّاً من كلمات السيّدات، وشكرت الله لما يشهده الإنسان من عمق في بحوث، جهود وفكر السيّدات البارزات والمتميّزات في بلدنا، والحمد لله. المواضيع التي طرحتُنّها، كانت في أغلبها مواضيع جيّدة. وسنضع إن شاء الله، المقترحات المُقدّمة قيد الدرس. أمّا المقدار المتعلّق بي، والمُتوجب عليَّ متابعته، فسوف أتابعه إن شاء الله. 

أشيعوا رأي الإسلام
بالنسبة إلى قضيّة المرأة، وما يتعلّق بها، هناك الكثير ليُقال، نحن نعاني من التخلّف، ولقد أشرتم أنتنّ السيّدات - بعض السيّدات اللّواتي تحدثنَ - إليه. والتخلّف في هذا المجال، ليس من نوع التخلّف في العلوم ـ كأن نقول مثلاً بأنّنا متخلّفون فيه ـ وتعبيرنا عن التخلف، هنا، هو من باب أنّ لدينا في مجال المرأة، جنس المرأة، والأمور التي تتحقّق وتجدُ لها معنىً، بوجود المرأة ـ كالعائلة والأولاد والزواج والسكن وما شابه ـ كلاماً مهمّاً لم نوفّق في نقله وطرحه أمام العالم. فالتخلّف إذاً من هذه الناحية. في حين أنّ العالم بحاجة إلى مبانٍ ومفاهيم واضحةٍ شاملةٍ ومُقدّمةٍ للحلول، وكما لاحظتنّ، فقد قالت بعض السيّدات: إنّنا حين نطرح تلك المفاهيم في العالم، فإنّها تحظى بالترحيب والإقبال. وقالت سيّدات أخريات: إنّ الاكتشافات العلمية في مجال علم النفس، تؤيّد أحكام الإسلام فيما يتعلّق بالمرأة. حسناً، فهذا
 
 
 
 
 
 
 
245

205

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 جزء من قدرات النظام الفكريّ الإسلاميّ في هذه المسألة الحسّاسة، ولم نستطع نحن أن نُبيّن هذه القُدرات ونُعرّفها بالشكل الصحيح. وكذا الأمر في الكثير من الميادين والساحات الفكريّة المتنوّعة. لم نستطع حقّاً نقل وجهات نظر الإسلام إلى العالم. وعندما نقول: "لم نستطع" لا نقصد إدانة نظام الجمهوريّة الإسلاميّ، فالمقدار الذي أُنجز كان ببركة نظام الجمهوريّة الإسلاميّ، وببركة تغلغل فكر الثورة وفكر الإمام، اسم الثورة واسم الإمام، الذي وبحمد الله، قد انتشر إلى حدٍّ ما. لكن علينا القيام بأكثر من هذا، لأنّنا بحاجة إلى ذلك، وسوف أوضح ذلك أكثر، نحن، ومن أجل امتلاك جبهة "هجوميّة" - تشكيل هجوميّ- مصونةٍ من هجمات الآخرين، بحاجة إلى نشر هذه الأعمال، هذه الأفكار والآراء، وإعلامها، هذا ما نحتاج إليه حقيقةً. في الواقع إنّ لهجماتنا هذه جانباً تحصينيّاً وقائيّاً، لذا، برأيي، كلّما عملتم من أجل رفع هذا التخلّف، فهو مفيد ولازم. في مجال هذه النهضة ـ يجب القول إنّه في نهضة الصحوة وفي القضايا المتعلِّقة بالمرأة- يجب عدم الإهمال وعدم التوقّف أو التقاعس في منتصف الطريق. مع أنّنا نمتلك هذا الخطاب الكامل والمفيد والمقنع للإسلام، إلّا أنّنا عمليّاً وضعنا أنفسنا في موضع الانفعال مقابل خطاب الغرب بخصوص المرأة.


خطاب الغرب، تقهقر وانحطاط
خطاب الغرب حول المرأة، خطاب سياسيّ مدروس بدقّة. بمعنى أنّه أُجريت محاسبات دقيقة، قبل بدء العمل بهذا الفكر وهذا الخطاب. بالطبع هذا ليس خبراً أنقله لكنّ، استناداً إلى معلومات ووثائق. لكنّ القرائن تؤيّد هذا التحليل وتدعمه. فمع بداية عصر النهضة، وما تبعه من ظهور الصناعة الحديثة وانتشارها في الغرب، تنامى هذا الخطاب الغربيّ تدريجيّاً، ووصل إلى أوجه في عصرنا. لكن بالطبع، سيصاحب هذا "الأوج" انحطاطٌ وتنزّل، وإن شاء الله ذلّ هذا الخطاب وانهياره.

لخطاب الغرب حول المرأة، أجزاء مختلفة، لكنّ جزءَيْن منه هما الأبرز:
 
 
 
 
 
 
246

206

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 ترجيل المرأة

الأول: "تَرْجيل" المرأة، أي تشبُّهها بالرجل، وهو جزء مهمّ من هذا الخطاب. والآخر، أن تصبح المرأة وسيلة سهلة لتلذّذ الرجل جنسيّاً. سواء أكان تلذّذاً بصريّاً (أي بالنظر)، أم ما يلي ذلك من مراحل أسوأ وأبعد من التلذّذ البصريّ، وهذا جزء آخر من خطاب الغرب بخصوص المرأة. أمّا مسألة الـ "فمينيسم" (الدفاع عن حقوق المرأة) وما شابه من الأمور الرائجة في عالمنا الحاليّ، فهي في الواقع نتاج الخطاب الغربيّ ذاك (من إفرازاته)، والذي سيوصل الأمور إلى هنا في نهاية المطاف.
 
الهدف من "ترجيل المرأة"، دفعها للقيام بأعمال أكثر انسجاماً مع بنية الرجل الجسديّة، العصبيّة والفكريّة، وجعلُ ذلك افتخاراً وامتيازاً للمرأة. ونحن في المقابل انفعلنا1، وخُدعنا وقبلنا عن جهل أو عن غير التفات لهذا الخطاب. انظروا كيف أنّنا نفتخر بوجود هذا العدد من النساء، في المراكز التنفيذيّة الفُلانيّة في البلاد. لا يخطئنّ أحد فهمي، فأنا لا إشكال عندي من وجود هؤلاء السيّدات في تلك المناصب التنفيذيّة، أعني بأنّني لا أعارض ذلك ولا أنفيه، ولا أجد فيه أيّة مشكلة ـ لنفترض بأن وزير الصحة عندنا كان امرأة، أو كانت بعض السيّدات معاونات لرئيس الجمهوريّة، أو تولَّينَ مناصب أخرى في البلاد. ولا أرى إشكالاً في ذلك ـ إلّا أنّ المشكلة تكمن في الافتخار والتباهي أمام العالم، أن انظروا كم سيّدة لدينا في المراكز التنفيذيّة للبلاد! هذا ما يسمّى الانخداع والانفعال. لا حاجة للافتخار هنا.
 
سلبية النظرة الانفعاليّة
حسناً، فقد وُجدت سيّدة تمتلك خصائص وقُدرات أهّلتها لهذا المنصب، هذا جيد، ولمَ لا؟! فهو ليس مخالفاً للقانون. لكن أن نُفاخر بأن لدينا هذا العدد من السيّدات المسؤولات في المراكز التنفيذيّة، فهذا خطأ. لو أنّنا افتخرنا بوجود هذا



1 بمعنى التأثر السلبي.
 
 
 
 
 
 
247

207

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 العدد من السيّدات المثقّفات، المتعلّمات، فهذا جيّد، وهذا في مكانه، إذا قُلنا إنّ لدينا هذا العدد من السيّدات المؤلّفات والناشطات الثقافيّات والسياسيّات، فلا إشكال في ذلك، وإذا قُلنا بأنّ لدينا هذا العدد من السيّدات الاستشهاديّات والمجاهدات في مختلف الميادين، فهذا جيّد، لو قلنا بأنّ لدينا هذا العدد من النساء الفعّالات في المجالات السياسيّة والثوريّة، مذيعات وكاتبات، فهذا جيّد، ومن الجيّد أن نفخر بهنّ. لكن أن نفخر بأنّ لدينا هذا العدد من الوزيرات وهذا العدد من النوّاب والمعاونات في المراكز التنفيذية المختلفة، وهذا العدد من مديرات المؤسّسات التجاريّة، فهذا خطأ، وهذا انفعال في مقابلهم. وهل تقرّر إحالة أعمال الرجال للنساء؟! لا، فمقام المرأة، هوية المرأة وشخصيّة المرأة، يكمن في جنس المرأة ذاتها- هويةٌ جدّ سامية ومكرّمة- وهي تتفوّق في بعض النواحي على الرجال. نجد أنّه في الإجمال لا فرق بين المرأة والرجل، ونجد أنّه من حيث الخِلقة، ومن جهة الخصوصيّات الطبيعيّة التي خلقها الله المتعال فيها، هناك بعض الامتيازات للمرأة وبعض الامتيازات للرجل، وقد وهب الله تعالى قدراً من الخصوصيّة لهذا الجنس وكذا للجنس الآخر. يمتلك هذا الجنس بعض المميّزات والخصائص، وكذا الجنس الآخر، لذلك، ففي الأمور الإنسانيّة، لا فرق أو تفاوت بينهما، كما لا فرق في الأمور التي جعلها الله للإنسان، لناحية الحقوق الإنسانيّة، والحقوق الاجتماعيّة ومن ناحية القيم المعنويّة والسير التكامليّ المعنويّ. أي أنّ رجلاً يصبح كعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وامرأة كالسيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ورجل كعيسى عليه السلام وامرأة كمريم عليها السلام. لا فرق بين الاثنين. إذاً، هي نظرة صائبة، أن نعرف المرأة في إطار جنسها، كما هي، امرأة واقعيّة، أنثى. وأن نعرف أيّ قيم يمكن أن نُنمّيها ونُرقّيها في هذا الفرد المنتمي إلى هذا الجنس، أو ذلك المجتمع (الجماعة) المنتمي إلى هذا الجنس. هذه النظرة هي نظرة صائبة، علينا أن لا ننفعل أمام النظرة الغربيّة، لكن للأسف، هذا ما أصابنا.

 

 

 

 

248


208

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 وسيلة للتلذُّذ

بالنسبة إلى الجزء الثاني، حيث جعلوا المرأة وسيلةً لتلذّذ الرجل جنسيّاً، هو ليس بالتلذّذ المعنويّ والروحيّ ولا بالتلذّذ العلميّ، إذ يمكن لشخصين الجلوس معاً فيستمتع أحدهما بحديث الآخر، بمعلوماته، لكن لا، فهذا ليس مطروحاً، الهدف (عندهم) هو أن يتمكّن الرجل وبكلّ سهولة من التلذّذ جنسيّاً بالمرأة. وقد دخل هذا الأمر من الغرب كصفعة على وجه الدول غير المحصّنة وغير المسلّحة بسلاح الإسلام، بما في ذلك بلادنا. ولحسن الحظّ جاءت الثورة، وتمّ التصدّي لهذا المدّ بشكل كبير، لكن يجب أن تصبح سدّاً في مواجهة هذا الخطر الداهم والبلاء العظيم. فالحجاب أحد مقدّمات هذه المواجهة، وكذلك مسألة الثياب والزّي، ومسألة المعاشرة والاختلاط بين الرجل والمرأة ومعرفة حدودهما، أيضاً من مُقدّمات مواجهة هذا البلاء العظيم، الذي هو بلاء للمرأة والرجل على السواء، وفيه بالطبع مسألة تحقير المرأة، دون الالتفات إلى ذلك.

الغرب الخائف
يجري اليوم وبشكل متعمّد إثارة هذه القضايا، وأنا على اطّلاع بذلك، فقد قرأت كتابات وصحفاً ومؤلّفات لمفكّرين غربيّين، بدأوا يشعرون تدريجيّاً بالخوف والاندهاش من هذه الأوضاع، الحقّ معهم، لكنّهم تأخّروا في إدراك ذلك. لقد أثاروا مسألة الشهوة والتي ترتكز على موضوع المرأة، لكن نشاهد اليوم حدوث الأسوأ من ذلك، وهو موضوع "السَّحاق" و"المثليّة"، والزواج وتشكيل عائلة من زوجين مثليّين، وما شاكل. أمور يبدو التحدّث عنها سهلاً، لكنّها هاويات عظيمة، سحيقة وخطرة، حُفرت في طريق الحضارة وفي طريق من يُدير تلك الحضارة ويُسيّرُها. منزلق عجيب، سوف يقضي عليهم. إنّهم في منتصف الطريق، منتصف المُنحدر، وبرأيي لم يعودوا قادرين على وقف الانزلاق، فقد تخطّت المشكلة مرحلة المعالجة.

لقد قرأت في صحف الدول الأجنبيّة منذ عدّة سنوات،
 
 
 
 
 
 
249

209

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 قبل حوالي سبع أو عشر سنوات، أنّ الأمريكيّين يبحثون عن كتب المؤلّف الفلانيّ مثلاً، أو ذلك الروائيّ أو القصصيّ الذي تتمحور كتاباته حول العائلة بغية تحويلها إلى فيلم سينمائيّ وما شابه. حسناً، لقد قاموا بشيء ما، وما زالوا يحاولون، بيد أنّ مساعيهم لا تساوي أكثر من جدولٍ مائيّ صغير، مقابل سيل عظيم صنعوه بأنفسهم، فابتلوا به، ولسوف يبلوهم أكثر فأكثر.


نحن نملك نوعاً من الحصانة والتحصّن في هذه القضيّة، بسبب وجود الحجاب وبقيّة الضوابط، لكن يجب أن لا نستسهل الأمر، وأن نأخذه على محمل الجدّ. ما أشارت إليه السيّدات في هذا الإطار، وما قلن إنّهنّ يعملن عليه، كقضيّة الانجذاب الجنسيّ وخطره على المرأة والرجل والمجتمع والعائلة. برأيي ينبغي النظر إليه بجدّ وأهميّة كبرى.

الخطاب الهجوميّ
حسناً، ذكرنا بأنّ خطاب الإسلام هو "المرأة الحقيقيّة". وكما أشرت ويجب أن نطرح هذا الخطاب بنحو "هجوميّ"، وأن لا يأخذ موقع الدفاع على الإطلاق. قالت بعض السيّدات إنّ الساعين وراء مواثيق المرأة أو المؤسّسات التابعة للأمم المتّحدة، يهدّدون بأنّكم إذا فعلتم كذا أو كذا، فسنصدر قراراً ضدّكم. حسناً، فليفعلوا، للدرك الأسفل! يجب أن يُطرح الخطاب الإسلاميّ حول المرأة بشكل "هجوميّ"، (انتزاعيّ)، فإذا قالوا لمَ لا تسمحون للمرأة بالتّجول دون حجاب؟ يجب القول: لمَ تسمحون لهذا النوع من الحريّة المُضرّة والمُرعبة الموجودة حاليّاً في الغرب؟! ما يجري اليوم حقيقةً، بخصوص عدم الاحتشام والحجاب في الغرب، يجعل الإنسان يُصاب بالدهشة والتساؤل عمّا سيفعلونه فيما بعد، وإلى أين هم سائرون؟ لا ريب وأنّكنَّ تملكنَ معلومات أكثر منّي، لكنّني أيضاً أملك معلومات كثيرة حول ما يجري في هذا المجال، وعلى شتّى المستويات: من المستويات العليا إلى مستوى العمل والمعيشة المتعارف عليها في الحياة والمهنة وما إلى ذلك".
 
 
 
 
 
 
250

210

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 المرأة، قدرات خلّاقة

من خصوصيّات المرأة المطروحة في هذا الخطاب: كرامة المرأة، عزّة المرأة، ظرافة المرأة، وليس فقط ظرافتها البنيويّة، بل أيضاً ظرافتها الفكريّة، العصبيّة والعملانيّة. فهذه الحزم البالغة الرقّة للأطفال والأعصاب الظريفة جدّاً، لا يمكن إلّا لأنامل الأمّ الظريفة واللطيفة، أن تفصلها عن بعضها بحيث لا تتشابك وتتحوّل إلى عُقد، وما من أحد آخر يقدر على ذلك. أي لا يستطيع أيّ إنسان آخر غير جنس المرأة، القيام بذلك، فهذا العمل هو عمل نسويّ (أنوثيّ). فبعض الأعمال ظريفة جدّاً إلى حدٍّ يجعل الإنسان مندهشاً لهذه القدرة الإلهيّة التي خلقت كلّ هذا الاقتدار مع هذه الظرافة في النساء. كنت أقول دائماً للأصدقاء والأقارب والنساء، وبعكس ما هو متداول، إنّ المرأة هي الأقوى بين الجنسين، النساء أقوى من الرجال. بإمكان المرأة بالتدبير والدقّة والظرافة أن تدير الرجل بيدها. ويستطيع الإنسان مشاهدة ذلك بالتجربة، ويمكنه إثباتها بالقياس الفكريّ والعقليّ. هذه حقيقة. نعم هناك نساء عديمات التدبير فلا يستطعن القيام بذلك. لكنّ المرأة صاحبة التدبير بإمكانها ترويض الرجل لنفسها، مثلُها كمثلِ شخص يقوم بترويض الأسد البريّ، فيضع عليه اللجام ويمتطيه، وهذا لا يعني أنّ الرجل أقوى جسديّاً من الأسد، لكنّ معناه أنّه استخدم قدراته المعنويّة في ذلك. تمتلك المرأة هذه القدرة، لكن مع الظرافة، والظرافة التي أقصدها، ليست الظرافة الجسديّة والتركيب الجسميّ، إنّما الظرافة في الفكر والتفكّر والحكمة وجهاز اتخاذ القرارات أودعها الله فيها.

لذا، برأيي يجب أن يكون أساس العمل على هذا الشكل، يجب تعزيز هذا الخطاب والسير به قُدماً. 

مسألتان مهمّتان
الأمر الثاني الذي ذكرناه، يتعلّق بالقضايا الحاليّة للمرأة، باعتقادي أنّ هناك مسألتين أهمّ من غيرهما، بل الأولى القول: إنّهما عاجلتان أكثر من غيرهما،
 
 
 
 
 
 
 
251

211

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 الأولى: مسألة إعطاء أهميّة واعتبار أكبر للمنزل والعائلة. أي أن يكون للمنزل شأن أكبر، إذ لا يمكن تصوّر إنسان بدون منزل، بدون مسكنٍ ومأوى، فكلّ إنسان يحتاج إلى المنزل، وإلى بيئة المنزل، والعائلة عبارة عن روح المنزل. ويجب الاهتمام بها، والتفكّر والتدبّر في أمرها. الثانية: الحيلولة دون ضعف المرأة وظلمها وفي مختلف المستويات، لدينا في بلادنا نساء ضعيفات، محرومات، نساء مظلومات مقهورات، يجب الحؤول دون هذا الظلم الواقع. ويجب وضع قوانين مهمّة، ولا بد من وجود خُلقيّات لازمة، وآداب وأعراف ينبغي أن تتحقّق في شتّى المستويات، لحماية المرأة من التعرّض للاضطهاد في الأمور التالية: المعاشرة، الجنس، الثقافة والفكر. أي من الأمور الشخصيّة والخصوصيّة جدّاً كالجنس، الذي يمكن أن تضطهد المرأة فيه، إلى المسائل العامّة، كالمعاشرة والعائلة، ففي مسألة العائلة: الاحترام من قبل الزوج، من الأبناء، من الأب ومن الأخ، فإذا كانت المرأة محترمة ومُكرّمة في محيط العائلة، فإنّ جزءاً مهمّاً من مشاكل المجتمع سيُحلّ. يجب أن نجعل الأبناء يُقبّلون يد الأم. وهذا ما يصبو إليه الإسلام، أن تكون العائلات أكثر تديُّناً وأخلاقاً وقُرباً من المفاهيم الدينيّة. أن تكون العلاقة بين الأبناء والأمّ تكريميّة. وهذا لا يتنافى أبداً مع العلاقات العاطفيّة والحميمة بين الأم والأبناء. 


الغرب المتوحّش
يجب أن يكون هذا الاحترام قائماً. أن تكون المرأة محترمة في عائلتها. هكذا يكون رفع الظلم عنها. ولو افترضنا أنّه في عائلة ما ومنزلٍ ما، يهين الرجل زوجته بشتّى أنواع الإهانات، من الإهانات السلوكيّة إلى الإهانات اللغويّة، فالإهانات العُنفيّة باستخدام اليدين، والتي للأسف ما تزال موجودة في بعض مناطق البلاد، ويجب أن لا تكون موجودة أساساً. وبالطبع هي موجودة في المجتمعات الغربيّة، وبشكل كبير. وهذا ليس بخلاف المتوقَّع، فالغربيّون لا سيّما الأوروبيّين هم وحشيّون عنيفون، حتّى لو تمظهروا بالأناقة، ووضعوا "الكرافات" والعطور، إلّا أنّهم ما زالوا 
 
 
 
 
 
 
252

212

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 يحملون ذات الباطن العنيف(المتوحّش) الذي اتصفوا به عبر التاريخ. فهم يقتلون بكلّ سهولة، ويرتكبون الجرائم بدم بارد.


لذا فإنّ (عادة) ضرب المرأة في المنزل من قبل الأوروبيّين، ومن قبل الأمريكيّين من بعدهم ليس بالأمر المُستبعد. لكن يجب عدم تصوّر وجود ذلك في البيئة الإسلاميّ، والذي هو وللأسف موجود. وبالتالي فهاتان النقطتان أساسيّتان، وبرأيي مهما عملنا ووضعنا برامج في هذا المجال فهو مناسب وجدير.

أمور تَشغل البال
بعد هاتين النقطتين، يوجد مسائل مهمّة أخرى: مسألة الزواج والنجاة من العزوبيّة، فيجب إحصاء عقبات الزواج، الأمر الذي أشارت إليه السيّدات اللواتي ينْشطن في هذا المجال، وأنا راضٍ جدّاً، لأنّه، وبحمد الله، يجري الخوض في هذه المسائل، مسألة الستر، مسألة المعاشرة، فنحن بحاجة للقيام بعمل أساسيّ في هذا المجال، مسألة الحماية المالية والحقوقيّة للنساء المحرومات أو المظلومات، وكانت المحاكم من الأمور التي تشغل بالي، وقد أشارت السيّدة "خُراساني رضوي" إلى أنّه يتمّ العمل على ذلك في المحاكم، أتمنّى حقّاً أن يتحقّق ذلك بشكل عملانيّ.

ومن الأمور الأخرى التي تشغل بالي وتقلقني، أن لا تمتلك هؤلاء السيّدات القدرة في الدفاع عن أنفسهنّ في المحاكم وأمام القضاء، أن لا يمتلكن المال الكافي لتعيين المحامين الجيّدين، وأن لا يتمكّنَّ من الدفاع بأنفسهنّ عن أنفسهنّ، فيقع الظّلم عليهنّ. فهذه من جملة الأمور المهمّة التي يجب متابعتها. 

مسألة عمل المرأة، حدود هذا العمل، نوع هذا العمل، كيفيّة هذا العمل وما تحدّثنا عنه في مجال حرّية العمل، فهذه من الأمور التي يجب القيام بها، لكنّ الأولويّة للمسألتين اللتين تحدّثت عنهما في البداية.
 
 
 
 
 
 
 
 
253

213

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 شؤون المرأة: نحو عملٍ جامعٍ

من الأمور الأخرى التي تشغل بالي أيضاً، وجود كلّ هذه الأنشطة المتنوّعة في مجال المرأة وقضيّة المرأة في البلاد ـ من القضايا الحقوقيّة والقانونيّة والفقهيّة إلى القضايا الاجتماعيّة والتنفيذيّة، إلى العاطفيّة، وكلّ المواضيع المطروحة في مجال المرأة ـ يجب أن تتّخذ شكلاً تنظيميّاً، وهندسيّاً عامّاً. بعض التقارير التي وصلت إليَّ، أو بعض ما قيل هنا، يشير إلى أنّه، قد طُرحت بعض الأفكار في هذا المجال، لكن وباعتقادي، يجب أن يكون العمل جامعاً في هذا المجال. أن نتصوّر ونرسم لجميع قضايا المرأة وشؤونها، شكلاً تنظيميّاً وهندسيّاً صحيحاً. وأن يُؤسّس مركز متقدّم وثابت، مع فريق مقتدرٍ وخطّة بعيدة المدى، فأنا لا أؤمن بالخطط القصيرة المدى في الأمور المهمّة.

وبعدها يتمّ تعيين اللجان والمؤسّسات المُلحقة والمناسبة وفي مختلف القطاعات. فيطَّلعون على إنجازات بعضهم ويُنشئون بنكاً للمعلومات. حيث إنّ هناك الكثير من الأعمال، ومن الممكن أنّ بعض السيّدات المشاركات في هذا اللقاء غير مطّلعات على أعمال وإنجازات بعضهنّ بعضاً. حسن، لدينا والحمد لله، هذا الكم من النساء العاقلات والنُخب، في مختلف المجالات، وبآراء مختلفة، فيجب الإفادة من هذه المجموعة العظيمة.

الحضور الفعّال
نقطة أخرى أيضاً ـ ولأن الوقت داهمنا وقد حان وقت الظهيرة ـ فسأطرحها كآخر المواضيع. هي أنّ السيّدات الفعّالات في جبهة الثورة، قمن بدور بارز في يومٍ من الأيّام ـ قبيل انتصار الثورة بقليل، وفي أوائل الثورة، وطوال الحرب المفروضة - فكان لهنّ حضور فعّال. فلا تَدَعْنَ حضور السيّدات الفعّال في جبهة الثورة، يَخْفت، فالآخرون يحاولون في مواجهة الثورة ومعارضة الثورة، الإفادة من عنصر المرأة الفعّال. بينما للثورة عدد أكبر من النساء الفعّالات، البارزات، الكاتبات، والعالمات،
 
 
 
 
 
 
 
 
254

214

في لقائه جَمْعاً من السيّدات الحوزويّات والجامعيّات

 وعلى السيّدات المِقدَامات، المفكّرات، من أصحاب القلم والتأليف والخطابة، من اللواتي يُقدّمنَ الأفكار، أن لا يدعْنَ ساحة الثورة والدفاع عن الثورة، هذه نقطة. وسأستكمل النقطة الأخيرة بهذه الجملة.


لإعلامٍ ملتزم
من أجل تقدّم وتطوّر ما عرضناه حول المرأة، وما سمعناه منكنَّ، وما يُفكَّرُ فيه، يستوجب أن يكون لمؤسّسة الإذاعة والتلفزيون دور كبير. هم يستطيعون ذلك، تستطيع مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، أن تقوم بعمل ثقافيّ تجعل فيه السيّدات المؤمنات، الفعّالات، المجاهدات في سبيل الله، المحجّبات، المتمتّعات بخصائص المرأة المسلمة، محترمات ومُكرّمات في المجتمع. بينما يريد الآخرون حصول عكس ذلك، وللأسف فإنّ بعض البرامج في مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون تصب في خانة أولئك الجماعات، ويجب العمل عكس ذلك، أعني أن تكون المؤسّسة 100 % في خدمة هذا الفكر.

على كلّ حال، ما يمكن التفكير فيه وتصوّره كمحصّلة لمجموعة الأعمال هو أنّنا والحمد لله حقّقنا تقدّماً في قضايا المرأة في نظام الجمهوريّة الإسلاميّ، بيد أنّ هذا التقدّم ليس ممّا يتناسب مع الاحتياجات والتوقّعات والإمكانيّات التي في الإسلام.. إذاً، نحن نعاني من حالة تخلّف، وسوف تتلافين أنتنَّ أيّتها السيّدات هذا التخلّف إن شاء الله على أحسن وجه. 

ليحفظكنّ الله تعالى بحفظه وَلْيَزِدْ من توفيقاتكنّ، وسنتمكّن إن شاء الله من الاقتراب يوماً بعد يوم، ممّا يريده الإسلام على هذا الصعيد. 

والسلام عليكنّ ورحمة الله و بركاته.
 
 
 
 
 
 
 
255

215

في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ

 لقاء الإمام الخامنئي دام ظلّه بالعاملين في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ



المناسبـة: لقاء العاملين في دائرتي أدب المقاومة والثورة 
الحــضـور: جمع من العاملين في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلامية
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
23/02/1392 هـ.ش.
02/07/1434 هـ.ق.
13/05/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
257

216

في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ

 أبرز ما جاء في كلمته:


بسم الله الرحمن الرحيم
 
إنّ إطلاق حركة عظيمة ومُلهِمة ومحفّزة في آداب المقاومة والثورة الإسلاميّ، وكذلك الحؤول دون إثمار إرادات بعض التّيارات المعاندة للثورة الإسلاميّ الرامية لعزل وتهميش مفاهيم الثورة الإسلاميّ وحقائقها، هما خصوصيّتان مهمّتان ومميّزتان في أنشطة مركز الفكر والفنّ الإسلاميّ، وهذه الحركة الرائدة والمؤثّرة أغنت البلاد عن الأدب المستورد. 

هناك محاولات للتيّار المسمّى بالتنويريّ لقلب الحقائق والتعتيم على الثورة الإسلاميّ بوصفها ملحمة كبيرة وعظيمة وما يتعلّق بها من قضايا وأمور.

وإنّ شرح الإمكانيّات والطاقات المعرفيّة والمعنويّة الهائلة المنبثقة من الثورة الإسلاميّ من قبل الفنّانين الملتزمين غيّر السياق والتقليد الخاطئ في أعمال المستنيرين والاكتفاء بالأعمال المترجمة، وأدّى إلى استغناء في النتاجات وتقديم أعمال جدّ قيمة وفاخرة في مختلف المجالات الأدبيّة والفنيّة. 

ضرورة تعزيز القسم البحثيّ وتطويره في مجال أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ، وهذا طبعاً لا يعني الاقتصار على مناهج البحث الغربيّة، إنّما ينبغي إلى جانب استخدام تلك المناهج، العمل على إطلاق ابتكارات ذكيّة وعقلائيّة.

أهميّة أسلوب "التاريخ الشفهيّ" في تدوين الأعمال الأدبيّة في قسم المقاومة والثورة الإسلاميّ، وضرورة الاهتمام بحقوق الكتّاب والعاملين على إعداد هذه الأعمال والكتب، وإنّ دور مدوّني وكتّاب الأعمال إلى جانب رواتها أشبه بالصياغة
 
 
 
 
 
 
 
259

217

في دائرتي أدب المقاومة وأدب الثورة الإسلاميّ

 الفنية للأعمال الفنيّة التي تخرجها بشكل جذاب وشيق، لذلك ينبغي الاهتمام اهتماماً جادّاً بالعاملين على إنتاج هذه الأعمال وكتابتها. 


ضرورة إنجاز دراسات مقارنة بين ملحمة الدفاع المقدّس في إيران وسائر الحروب المعاصرة، وكذلك المقارنة بين الثورات الكبرى في العالم والثورة الإسلاميّ في إيران.

تمتاز الثورة الإسلاميّ، مقارنةً بغيرها من الثورات الكبرى في العالم، بمزيد من العمق والقوة والكفاءة والفاعليّة، ومع ذلك، وخلافاً لسائر الثورات الكبرى، لم يجر التطرّق لها ودراستها والبحث فيها بالمقدار اللّازم، ومن الضروريّ العمل أكثر على تدوين الكتب التاريخيّة والروايات وما شاكل من هذه الأعمال. 

أهميّة "البرمجة لنشر أعمال مكتوبة جيّدة على شكل نتاجات فنيّة متنوعة" 

أهمية "التوزيع الواسع والممنهج للأعمال المنتجة". 

"ضرورة ترجمة الأعمال المميّزة لأدب المقاومة والثورة إلى اللغات الأجنبيّة".

"نشر أدب المقاومة والثورة في الأجواء الجامعيّة".

"ضرورة تكريم الأعمال القيمة والشخصيّات البارزة الناشطة في مجال أدب المقاومة والثورة الإسلاميّ". 
 
 
 
 
 
 
 
260

218

في لقاء حشود من مختلف شرائح الشعب

 خطاب الإمام الخامنئي دام ظلّه في لقاء حشود من مختلف شرائح الشعب



المناسبـة: حلول شهر رجب المبارك
الحــضـور: شرائح مختلفة من محافظات مازندران، كيلان، كلستان وكهكيلويه وبوير أحمد
الـمكــان: طهران
الزمـــان:
25/02/1392 هـ.ش.
04/07/1434 هـ.ق.
15/05/2013 م.
 
 
 
 
 
 
 
261

219

في لقاء حشود من مختلف شرائح الشعب

 بسم الله الرحمن الرحيم

أرحّب بجميع الإخوة والأخوات الأعزّاء، الجماهير المؤمنة، الشّباب المتحمّس، العلماء الأعلام، بالخصوص عوائل الشهداء الكرام، الذين أتوا من مناطق بعيدة، وأضفوا اليوم على جمعنا، وعلى حسينيّتنا نورانيّةً وصفاءً. أسأل الله المتعال أن يشمل فضله ورحمته وعنايته الخاصّة في هذا الشهر الشريف عباده المؤمنين والمخلصين، ويشملكم جميعاً أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، وعموم أهالي تلك المحافظات الذين تكبّدوا عناء السفر من تلك المحافظات إلى هنا، وعموم أفراد الشّعب الإيرانيّ.

رجب، شهر التطهير
أوّلاً أرى من اللّازم أن ألفت نظر الإخوة والأخوات الأعزّاء، خصوصاً الشّباب إلى أهمّيّة شهر رجب. لا يمكن تجاوز هذه المناسبات وهذه الخصوصيّات المرتبطة بالأيّام والشهور بسهولة. يعتبر العلماء وأهل المعنى وأهل السلوك أنّ شهر رجب هو مقدّمة لشهر رمضان. فشهرا رجب وشعبان، هما محطة من أجل أن يتمكّن الإنسان من الدخول مستعدّاً إلى شهر رمضان الذي هو شهر ضيافة الله. الاستعداد لماذا؟ في الدرجة الأولى، الاستعداد لتوجّه القلب وحضوره، أن يعتبر نفسه في محضر العلم الإلهيّ، في محضر الله ـ "سبحان من أحصى كلّ شيء علمه" ـ أن يعتبر جميع حالاته، حركاته، نيّاته، خواطره القلبيّة في معرض العلم الإلهيّ ومحضره، هذا مهمّ في الدرجة الأولى، وإذا ما حصل هذا، عندها سيزداد التفاتنا إلى أعمالنا، أحاديثنا، مخالطاتنا ومعاشراتنا، سكوتنا، كلا