خطاب الولي 2012 م


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-11

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

 

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعد...
لقد التقت مجموعة هامّة من الخصال القيادية النفيسة في شخصية الإمام الخميني قدس سره، يصوّرها تلميذه الإمام الخامنئي حفظه الله بقوله: "... ذلك العظيم الذي جمع قوّة الإيمان مع العمل الصالح، والإرادة الفولاذية مع الهمّة العالية، والشجاعة الأخلاقية مع الحزم والحكمة، وصراحة اللهجة والبيان مع الصدق والمتانة، والصفاء المعنوي والروحي مع الذكاء والكياسة، والتقوى والورع مع السرعة والقاطعية، وهيبة القيادة وصلابتها مع الرقّة والعطف"1.
 
وهذه الخصال نفسها بتمامها وكمالها نقرؤها في شخصية الإمام الخامنئي حفظه الله ومسيرته القيادية, فهو الذي يذوب في شخصية أستاذه، ويتبّع فكره ونهجه، كما يصرّح قائلاً: "إنّني أعتبر نفسي تلميذاً متواضعاً، وابناً مطيعاً، ومحبّاً عاشقاً لروح الله..."2.
 
وهذا ما نلمسه بوضوح عندما ننظر في الثوابث والأصول التي حرص الإمام الخامنئي حفظه الله على ترسيخها في وجدان الأمّة، والتزمها سلوكاً عملياً في قيادته وإدارته لمختلف المراحل الصعبة والمعقّدة التي واجهت الأمّة الإسلامية بشكل عام، والجمهورية الإسلامية بشكل خاص، ومن هذه الأصول:
 
روح التوحيد نفي العبودية لغير الله: يرى الإمام الخامنئي حفظه الله أنّ دائرة التوحيد ونهجه في الحياة وفي النظام الاجتماعي لا تعني عدم عبادة غير الله فقط ليكون الإنسان موحّداً، بل لا بدّ من شروط أخرى، أهمّها عدم إطاعة أعداء الله والطواغيت، وبهذا البيان يمكن التعبير عن عبادة الله - التي هي روح التوحيد - بالعبودية والطاعة المنحصرة بالله، وأنّ عبودية وطاعة غير الله تعدّ شركاً... سواء أكانت في الأوامر الشخصية، أم في القوانين العامّة، أم في شكل النظام الاجتماعي وكيانه.
 
تجلّي نفي العبودية لغير الله بالولاية: يعتبر الإمام الخامنئي أنّ الولاية نسيج من الترابط والاتّحاد الفكري والعملي الذي ينتج انصهار المجتمع والأمّة في بوتقة الإسلام، ما يحفظ قوّة الأمّة ووحدتها، ويمنع من الذوبان أو الانخراط في التيّارات الفكرية والعملية المنحرفة والمخالفة، ويشكّل جبهة محكمة وقويّة لا يمكن اختراقها.
 
 
 

1- من خطبة له، ألقاها بتاريخ: 18/3/1969 هـ.ش.
2- المصدر نفسه. 
 



 
 
 
5

1

المقدمة

ويعتبر حفظه الله "أنّ المجتمع يكون صاحب "ولاية" عندما يكون "الولي" مصدراً لجميع النشاطات والفعاليات الإنسانية. أمّا الفرد فإنّه يكون صاحب "ولاية" عندما يمتلك معرفة صحيحة بـِ "الولي"، ويسعى دائماً لأجل تحقيق المزيد من الارتباط به, لكونه مظهر الولاية الإلهية, فـ"الولي" هو خليفة الله، ومظهر القدرة الإلهية العادلة على الأرض، وهو بدوره يستفيد من جميع القدرات والقابليات المودعة في وجود البشر لتحقيق تكاملهم وتعاليهم، ويقف سدّاً منيعاً بوجه كلّ ما يمكن أن يؤدّي إلى ضررهم"3.


نهج الإسلام يجب أن يبقى محمديّاً أصيلاً: لقد أولى الإمام الخامنئي حفظه الله فكرة "الإسلام المحمّدي الأصيل" اهتماماً وتركيزاً بالغين، واعتبره محوراً رئيساً في فهم الأمّة للدين والتزامها بتعاليمه وسعيها للاقتدار والتقدّم. وفي هذا دعوة واضحة للأمّة كي تذوب في الإسلام الذي دعا إليه وعمل به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يقرن الإيمان بالعمل الصالح الدؤوب. حيث يعتبر حفظه الله أنّ الإسلام المحمّدي الأصيل إسلام العدل والقسط، إسلام العزّة، إسلام حماية الضعفاء والحفاة والمحرومين ... إسلام الدفاع عن حقوق المظلومين والمستضعفين، إسلام الجهاد ضدّ الأعداء وعدم مداهنة المتغطرسين والمتفرعنيين ... إسلام الأخلاق والفضيلة والسموّ المعنوي. 


الروح الحسينية ثورة مستمرّة على الظلم: ينطلق الإمام الخامنئي حفظه الله في حديثه عن الثورة الحسينية من أنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لتأدية واجب عظيم، ألا وهو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الخطّ الصحيح، والثورة ضدّ الانحرافات الخطيرة في المجتمع الإسلامي، وذلك بصرف النظر عن النتيجة، الحكومة أو الشهادة، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام مستعدّاً لكلتا النتيجتين. ويُفهم من هذا أنّ الإمام الخامنئي حفظه الله يرى أن مواجهة الظلم تكون باستمرار الاندفاع المعنوي، والعرفان، والابتهال إلى الله والفناء فيه، وعدم رؤية الذات أمام إرادته المقدَّسة، الذي أضفى على واقعة كربلاء هذا الجلال والعظمة والخلود.


وهذا الكتاب (خطاب الولي2012) هو الكتاب الثالث على التوالي، الذي نعمل على إصداره لنضعه مادّة علمية موثّقة لخطب وبيانات ومحاضرات الإمام الخامنئي حفظه الله، والتي تتميّز بغناها المنهجي والمعرفي والفكري والسياسي المتقدّم، كلّ ذلك في إطار خطاب موضوعي واعٍ وحكيم، يعتمد الإسلام منطَلَقاً، ومصالح الأمّة الإسلامية والمستضعفين في العالم غايةً وهدفاً.


نسأل الله تعالى أن ينير قلوبنا بنور الولاية المشرق في عصر غيبة صاحب الزمان بنائبه الإمام السيد علي الخامنئي حفظه الله.


مركز نون للتأليف والترجمة




3- الإمام الخامنئي، الخطوط العامّة للفكر الإسلامي في القرآن، جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة.


 

 

6

 

 


2

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة


المناسبة: ذكرى "19 دي".
الحضور: حشدٌ من أهالي قمّ المقدّسة، وعلماء الحوزة وفضلائها.
المكان: طهران.
الزمان: 9/1/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
9

3

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ                      

      

نشكر الله تعالى أن عطّر أجواء هذه الحسينية مرّةً أخرى بالأنفاس الدافئة والقلوب المفعمة بالنشاط لشباب قم, وذلك بمناسبة التاسع عشر من دي. فإنّ وعي ويقظة وبصيرة أهالي قم الأعزّاء ودفاعهم المستميت عن الحوزة العلمية ومراجع تقليدهم تُعدّ حادثةً خالدةً على مرّ الزمان، وسوف تبقى.
 
لو اعتبرنا أنّ حادثة التاسع عشر من دي1 هي مبدأ تأريخ التحوّلات الجديدة في العالم فلا عجب في ذلك، ولا جزاف في الكلام. إنّ أحداث المجتمع البشري وهذا العالم الكبير تخضع لقانون التأثّر المتبادل، فكل حادثة تترك أثراً على غيرها من الحوادث، وبدورها تنتج سلسلة الأحداث التاريخية الوقائع الكبرى. فلو أنّنا عرضنا المسألة بهذه الصورة، وهي أنّ حركة أهالي قم في التاسع عشر من دي لعام 1356 هـ.ش. 9-1-1978م كانت بمثابة شرارةٍ وسط ظلمة القمع الحالكة في ذلك الزمان، حيث إنّ الحديث التفصيلي عن ذلك القمع في بلدنا الذي كان آنذاك مدعوماً من العالم كلّه الذي يُقال عنه إنّه مناصرٌ للحرية، ويدافع ويحمي الحكّام والمتسلّطين المستبدّين والدكتاتوريين بكلّ وجوده، يستلزم كتباً كثيرة ـ ففي مثل تلك الأجواء، كانت الدماء الطاهرة التي أُريقت في شارع "چهار مردان"2 في قم وأوجدت تلك الحركة العظيمة لأهالي تلك المدينة هي الشرارة التي أصابت المستودع الإيماني العظيم لهذا الشعب وقلبت الأجواء بشكل مفاجئ.
 
لو لم تحصل تلك الحادثة ذاك اليوم في مدينة قم، لما حصلت تلك الحوادث المختلفة في المحافظات وسلسلة الأربعينيات التي جرّت الناس إلى ميدان المواجهة. ولو لم تجرِ تلك التحوّلات والأحداث لما تحقّق الثاني والعشرون من شهر بهمن، (11-2-1979يوم انتصار الثورة الإسلامية) ولما وصلت الثورة الإسلامية إلى هذا النصر. الثورة الإسلامية وصلت إلى النصر وبدأ التحدّي مع الاستكبار، تحطّمت هيبة الاستكبار وهيبة أمريكا والصهيونية. فلو لم يتمّ تحطيم هذه الهيبة المزيّفة للقوى العظمى ـ حيث تهيمن على عالم البشرية بهالة زائدة عن واقعيتها (هيبتها اللاواقعية) ـ لما فكّر المسلمون في الدول المختلفة واستيقظوا. ثبات شعب إيران ومظلوميته في الأحداث المختلفة وفي الحرب المفروضة وفي مرحلة الدفاع المقدّس الشديدة المترافقة مع الحظر الصعب (الحصار الاقتصادي) - وصموده بمثل هذا الإحكام وتقدّمه بهذا الثبات - قد هزّ 
 
 

1- يوم انتفاضة أهالي مدينة قمّ تنديداً بمقال نشرته السلطات الإيرانيّة في صحيفة اطلاعات وأهانت فيه الإمام الخميني قدس سره.
2- اسم شارع وحيّ كبير في مدينة قم المقدسة.
 
 
 
 
 
 
 
 
11

4

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 الشعوب. لو أنّ هذا الثبات لم يكن، ولو أنّ هذا الصمود لم يتحقّق، ولولا جرّ هيبة القوى العظمى الكاذبة إلى التحدي، لما نزلت الشعوب إلى الميدان ولما تحقّقت الصحوة الإسلامية، حتى أنّ هذه الأحداث التي تقوم الآن بتغيير المنطقة وتصنع عهداً جديداً ما كانت لتتحقّق. فالأحداث تبدأ من نقطةٍ وتتحرّك وفق سلسلة متصلة. ففي ظل الاستقامة والصبر والاستمرار على الطريق والمداومة على العمل، تترتّب جميع الخيرات وكلّ البركات.

 
الصبر والبصيرة شرطا الانتصار
إنّ الصمود هو الشرط الأول. فعلى الشعوب التي تبدأ السير أن تستقيم، ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾1. نجد في القرآن الكريم أنّ الأمر المتوجّه إلى نبيّ الإسلام المكرّم بالاستقامة قد ورد في أماكن متعدّدة، وسرّه هو هذا الأمر: يجب الثبات، والعمل عليه، وعدم إضاعة الطريق، والتوجّه دوماً نحو الهدف، والمواظبة على التقدّم. فلو حصلت هذه الأمور، ستتوالى الانتصارات، كما حدث لشعب إيران.
 
شعب إيران يُقدّم اليوم تجربته العظيمة هذه للشعوب الأخرى. تجربة النجاح الناشئة من عامليّ البصيرة والصبر. 


البصيرة تعني عدم فقدان الطريق وعدم الاشتباه في تحديده، وعدم الابتلاء بالانحرافات والاعوجاجات، وعدم التأثر بوساوس الخنّاسين، وعدم الخلط بين العمل والهدف. والصبر يعني الصمود. وكل جيل ينقل إلى الجيل اللاحق. واليوم بحول الله وقوّته، فإنّ لجيل الشباب في بلدنا حضوراً وتواجداً مع أنّه لم يشهد مرحلة الثورة، ولم يدرك مرحلة الحرب جيداً, إلا أنّه في الوقت نفسه يتمتّع بتلك الروحية والأحاسيس والدافعية، وبذاك العزم القاطع يصمد في الميدان, فهذا مهمٌّ جداً. هذا هو فنّ الثورة الإسلامية، ويجب علينا أن نقوّي عوامل هذا الصمود وهذه البصيرة في أنفسنا.
 
عاملا اقتدار الشعب (اقتدار النظام وثبات الشعب)
هناك عاملان مترابطان يشكّلان سلسلة اقتدار الشعب:
العامل الأول، هو الموقف الحازم لنظام الجمهورية الإسلامية المقدّس بعدم الانحراف
 
 
 

1- الشورى، 15.
 
 
 
 
 
 
 
12

5

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 وعدم الخضوع، الصمود مقابل التجاوز والتسلّط الذي تمارسه القوى العظمى والاستكبار. إنّ النظام الإسلامي بمجموعه، وبهويّته الجمعية، يُدرك تماماً ماذا يفعل، وقد اختار الطريق وثبت عليه. هذا هو العامل الأول. 


والعامل الثاني، هو الحضور الواعي الفائض بالعزم للشعب الوفي. فلو أنّ هذين الشيئين انفصلا عن بعضهما بعضا، ولو أنّ مسؤولي النظام ومدراء البلاد كانوا متواجدين والشعب لم يكن متواجداً، فلا شكّ أنّ العمل لن يتقدّم. لو أنّ مدراء النظام ابتُلوا بزيغ النوايا ووهن القدرة على التشخيص والفهم واتّخاذ القرارات أمام حشود الكفر والضلالة التي اصطّفت مقابلهم، فمن المؤكد أنّه سيكون لذلك أثره في اختلال النظام، وسيُخرج الناس من الساحة. فهذان العاملان موجودان معاً، وهما اليوم كذلك، وسيبقيان في المستقبل إن شاء الله. فمع هذين العاملين لن تؤثّر أيّ من الضربات والمؤامرات والمكائد والأحابيل التي يمارسها العدوّ مع هذا الشعب.

إنّ الجبهة التي تواجهنا اليوم ـ والتي تتزعمها أمريكا والصهيونية ـ تتوسّل بجميع الطرق التي يمكن استخدامها وتتشبّث بها, وتستعمل كل الوسائل التي يمكن استخدامها في مواجهة شعب إيران، علّهم يتمكّنون بذلك من إضعاف هذين العاملين والقضاء عليهما، وهما عامل اقتدار النظام، وعامل ثبات الشعب وصموده في الساحة. وهم بأنفسهم يُصرّحون بهذا الأمر ويقولون إنّ كل هذا الحظر الذي نُقرّه ونفرضه على إيران ـ ويتابعونه بمنتهى العناد ـ من أجل أن نُنهك هذا الشعب فيخرج من الساحة ويُعرض الناس عن النظام الإسلامي. فإمّا أن يحدث هذا الأمر، أو أن يتسلّل الوهن إلى إرادة المسؤولين فيعيدون النظر في حساباتهم. وبحسب تعبيرهم: إنّنا نريد أن يشعر مسؤولو الجمهورية الإسلامية أنّهم سيدفعون ثمناً باهظاً مقابل قراراتهم، وذلك من أجل إيجاد ثلمة وصدع في إرادة مسؤولي البلاد. فهم يلاحقون هذين الأمرين بكل ما أوتوا من قوّة وبجميع الوسائل التي يعرفونها. فإمّا أن يوجدوا الترديد والشكّ في قلوب الشعب ويبعدوه عن النظام، وإمّا أن يوجدوا التزلزل في المسؤولين ويحملوهم على إعادة النظر في قراراتهم وخياراتهم. لقد أخطؤوا, فإنّهم لن يتمكّنوا من تحقيق أيٍّ منهما. ذات يوم، في صدر الإسلام، ظنّ الأعداء أنّه بإمكانهم أن يخضعوا المسلمين في شِعب أبي طالب بالحصار الاقتصادي، ولكنّهم لم يتمكّنوا. وهؤلاء أصحاب الوجوه المُظلمة والحسابات الخاطئة، يتصوّرون أنّنا اليوم نعيش في أوضاعٍ مشابهة لشِعب أبي طالب. الأمر ليس كذلك، نحن الآن لسنا في ظروف تشبه ظروف شِعب أبي طالب، فنحن الآن في أوضاع بدرية وخيبرية. إنّنا نعيش في ظروفٍ شاهد شعبنا فيها علائم الانتصار بعينيه، وقد اقترب منها، وقد أنجز العديد من مقدّمات الانتصار بشموخ. فهل يخاف شعبنا اليوم من الحصار الاقتصادي؟! أفبهذه 
 
 
 
 
 
13

6

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 الكلمات وهذه الأحابيل يريدون أن يُخرجوا الشعب من الساحة؟! وهل يمكن هذا الشيء؟! أم يريدون اليوم أن يُلقوا الوهن في إرادة المسؤولين  ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي1﴾، هذا هو الطريق الذي اختير ببصيرة، وقد افتُتح بالجهاد، وقد تم تعبيده بدماء أعزّائنا. لقد سلكنا هذا الطريق، وقد تسنّمنا القِمم، ولن نتوقّف، وإن شاء الله سنتقدّم أكثر وإن كنّا قد بلغنا إلى اليوم الكثير من القِمم. أين هي الجمهورية الإسلامية اليوم؟ وأين كانت قبل عشرين أو ثلاثين سنة؟ أين كانت هيمنة أعداء الجمهورية الإسلامية، وصخبهم وضجيجهم في ذاك الزمان؟ وأين هو ضعفهم وانكسارهم اليوم؟ إنّ هذه دلائل تشجّع شعب إيران. إنّ إرادة المسؤولين ستبقى مُحكمة في الاستمرار على طريق الإسلام الذي هو طريق الله، وطريق الدين، وطريق سعادة الدنيا والآخرة.والشعب اليوم وفي الغد سيبقى ثابتاً في هذه الحركة العظيمة.

 
الانتخابات
أهمّيّة الحضور في الانتخابات (المشاركة)
إنّ من المجالات التي يمكن للشعب أن يُظهر حضوره فيها هي الانتخابات. أمّا هم (الأعداء) فلم يبدؤوا بذلك (أن يوجدوا الترديد في قلوب الشعب) من اليوم، لقد شرعوا به منذ مدّة، علّهم يتمكّنون من تقليل حضور الناس في هذه الانتخابات. تسمعون ثم ترون، والآن كذلك بالمقدار الذي يصل إلى أسماع الناس وإلى أعينهم من خلال المطبوعات والوسائل الإعلامية المختلفة، فإنّ أعداءنا ومن أعلى المستويات حيث مراكز القيادة لجبهة الكفر والاستكبار، وحتى تلك الدمى والأيادي الصغيرة، وعملاء نظامهم الذين نشروهم في كل مكان، فهنا يوجد منهم وفي الخارج أيضاً، استنفذوا سعيهم علّهم يستطيعون أن يقوموا بعملٍ لكي لا يشارك الناس في هذه الانتخابات. وإنّني من خلال تجربتي مع سلوك هذا الشعب وبالثقة بلطف الله تعالى، أتوقّع بلطف الله وفضله وبحوله وقوّته أن يكون حضور الناس في هذه الانتخابات حضوراً يكبت العدوّ ويهب بهذه الانتخابات دماً جديداً لكيان الثورة والبلد ونظام الجمهورية الإسلامية, حيث سيمنحه ذلك حركة جديدة ويجلب المزيد من النشاط، مثلما كانت جميع الانتخابات. إنّ الانتخابات هي مظهر حضور الشعب ومظهر تدخلّه في رسم مصيره.
 
 
 

1- يوسف، 108.
 
 
 
 
 
 
 
14

7

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 بالطبع، يوجد آفات وعلينا أن نسعى لكي لا تحصل. فشعبنا وبلدنا يحمل من انتخابات العام 2009م أجمل الذكريات وأسوأها. فأجملها نتج عن الحضور العظيم لأربعين مليون نسمة أمام صناديق الانتخابات ممّا أدهش العالم، وأسوأ الذكريات ما يتعلّق بتلك المناكفات السياسية لمجموعة من الجهلة عديمي اللياقة وبعض المعاندين. في كلّ قضية وحادثة قد يكون هناك من لا يقبل ويعترض، فكيف يجب أن يُظهر اعتراضه؟ لقد عيّن القانون طريق هذا الأمر، فلماذا يُخالفون القانون؟ ولماذا يُرهقون الناس؟ ولماذا يجعلون البلد سبباً لإدخال السرور على قلوب الأعداء؟ ولماذا يُنفّذون البرامج التي تفوح منها الروائح العفنة للخطط والبرامج التي أعدّها العدوّ؟ لقد عيّن القانون السبيل. هناك قلنا للجميع: كلّ الأطراف ملزمون بالعمل وفق القانون - محض القانون - فلماذا لم يعملوا؟!


هؤلاء لم يتمكّنوا من فعل شيء. وما دام هذا الشعب في الساحة، وما دام هذا الترابط موجوداً فلا يمكن لأي أحد في هذا البلد أن يُحقّق شيئاً من خلال المخالفات. إنّهم لم يتمكّنوا من فعل شيء ولن يتمكّنوا، ولكنّهم جلبوا خسائر للبلد والشعب. فهل لبلد أن لا يدفع ثمناً مع تلك الانتخابات العظيمة والمجيدة؟ 

هناك عوامل مختلفة. ويجب أن تكون بالنسبة لنا تجربةً، ويجب أن تكون صحيحة، ويجب أن نكون جميعاً حذرين, فالانتخابات مظهر حضور الشعب ونتاجه، وهي مظهر الرأي العام ومطالب الأُمّة، ويجب احترامها.

نزاهة الانتخابات
يجب أن تكون الانتخابات نزيهة وتنافسية. والتنافس هو غير الخصام، التنافس يختلف عن الطعن المتبادل ويجب على الجميع أن يكونوا ملتفِّين، فالتنافس لا يعني توقّف إثبات الذات على نفي الغير. التنافس لا يعني أن يقوم الأشخاص ومن أجل جذب أنظار الناس بإطلاق الوعود المخالفة للدستور وللقوانين العادية، فهذا لا ينبغي أن يكون. أولئك الذين يريدون أن يدخلوا في ميدان الانتخابات سواء أكانوا من العاملين فيها والمسؤولين عنها، أم من المرشحين، يجب عليهم أن يلتزموا بالآداب والشروط المتعلّقة بالحركة العامة النزيهة، وأن يكونوا ملتزمين. فهذا أمر ضروري.
يجب على جميع المشرفين على الانتخابات أن يبذلوا كل ما في وسعهم ليكونوا أمناء. ولحسن الحظّ، إنّ انتخاباتنا وطوال هذه السنوات المتمادية، كلّ هذه الانتخابات التي كانت من نصيبنا ـ قد حصلت أكثر من ثلاثين عملية انتخابية طوال هذه السنوات الـ 32 ـ كانت انتخابات نزيهة. وبعض الأوقات ادُّعي 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

8

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 أنّ الانتخابات لم تكن نزيهة، فأرسلنا من يُحقّق ويُدقّق ـ سواء أكان في حياة الإمام المباركة لإ أم فيما بعد ـ

ووجدوا أنّ الأمر ليس كذلك. فمن الممكن أن يكون هناك بعض الأعمال المخالفة هنا وهناك، لكن ما يجعل الانتخابات غير نزيهة ويمكن أن يُغيّر نتائجها لم يحصل بتاتاً, فما انتخبه الناس قد تحقّق في الخارج. يجب أن يسعوا لجعل الانتخابات سالمةً ونزيهة, وهذا الأمر يقع على عاتق المشرفين، سواء أكان يعمل في الدولة ووزارة الداخلية أم في جهاز مجلس صيانة الدستور المحترم.

أهمّيّة القانون
على الجميع أن يكونوا متيقّظين فلا يوجد شيء أعلى وأعزّ من القانون. وفي العالم هناك أمر رائج حيث يُقال إنّ القانون السيّئ هو أفضل من عدم القانون. وليس ببعيد أن يقبل المرء بمثل هذا. لأنّه بدون القانون يحصل الهرج والمرج, فالقانون السيّئ على الأقل هو ضابطة وعلى الإنسان أن يقوم بإصلاحه. ولحسن الحظّ إنّ قوانين انتخاباتنا هي قوانين جيدة ومن الممكن تكميلها فيما بعد لتصبح أفضل.

سلوكيّات المرشّحين للانتخابات
أولئك الذين ينزلون في الحملات الانتخابية يجب عليهم التقيّد بمجموعة من الأمور والالتزام بها. فهذا الخطاب موجّه لكلّ الذين يُشاركون في الانتخابات كمرشّحين وكذلك لغيرهم من الناس. شعبنا العزيز عليه أن يتحرّى هذه السلوكيات في المرشّحين ويُدقّق فيها. فعلى المرشّح أن يُشارك في الانتخابات بقصد الخدمة. أمّا إذا كان بقصد تحصيل القدرة وجمع المال وأمثالها، وانطلاقاً من دوافع غير سليمة فإنّه لن يُقدّم أية خدمة للبلاد. إنّ مرشّح الانتخابات يجب أن يشارك بنيّة الخدمة. وهذا الأمر ينبغي تشخيصه وفهمه والتحرّي عنه, فلو إنّ المرشّحين كانوا متّصلين بمراكز الثروة والسلطة, فإنّ الأمر سيصبح خراباً، كما هو حال ما يسمّى بديمقراطيات العالم في أمريكا وغيرها, فالشركات وأصحاب الثروة يدعمون مرشّحي الانتخابات في رئاسة الجمهورية أو في انتخابات الكونغرس بالمال، فيكون المرشّح في المقابل ملزماً تجاههم. إنّ رئيساً للجمهورية يفوز بفضل أموال الأجهزة المختلفة ومراكز الثروة سيكون ملزماً تجاههم. ذاك النائب في المجلس الذي يفوز بفضل أموال الشركة الفلانية أو الشخصية الفلانية أو الرأسمالي الفلاني سيكون مضطراً أن يُقرّ قانوناً أو يُلغيه إذا اعتبر أولئك ذلك ضرورياً، ويكون عندها مستعداً لتوسعة القانون أو تضييقه. فوجود مثل هذا النائب لن يكون لصالح الشعب. فلا ينبغي أن يكون مرتبطاً بمراكز الثروات الشخصية وبطريقٍ أولى بالثروات العامّة. فالذي يأتي ويُنفق من بيت المال من أجل أن يصل إلى نيابة المجلس قد وقع في إشكالين، أي إن الإشكال مضاعفٌ. فهذه الأمور
 
 
 
 
 
 
 
 
16

9

في لقاء حشدٍ من أهالي قم المقدّسة وعلماء الحوزة

 ينبغي أن يُراقبها الناس. وبالطبع، لا يجوز توجيه الاتهام لأي شخصٍ، ونقول إنّ هذا السيد مرتبطٌ بذاك المكان أو بهذا الشخص أو بتلك الأموال، فيجب استكشاف هذه الأمور وإثباتها.

 
يجب على الناس أن يفتحوا أعينهم ويلتفتوا. ولحسن الحظّ فإنّ الناس متيقظين. والذين يمكن أن يشكلوا للإنسان حجّة بينه وبين ربه، فليتم الاعتماد عليهم والثقة بهم، وحيث يمكن للمرء أن يُحقّق، فليُحقّق. هذه أمورٌ ضرورية، يجب التدقيق. وأسأل الله أن تجري الانتخابات بشكل جيد, وتكون مليئةً بالحيوية والحضور الشعبي ويُشخّص الناس فيها جيداً وينتخبون بشكل صحيح, وأسأل الله أن يتم تشكيل مجلسٍ لائق بالنظام الإسلامي. وبلطف الله - إن شاء الله - سيتحقّق هذا الأمر في المستقبل.
 
لو أردنا العون من الله، وشاركنا، وانطلق كل واحد منّا بدافع المسؤولية وكان هدفنا رفعة النظام الإسلامي والإسلام وشعب إيران، وأردنا أن نسعد وأن نؤمّن سعادة دنيانا وآخرتنا فطريق الله ليس مسدوداً. ولو تقدّمنا على هذه الأُسس فإنّ الله سيفتح لنا الطريق. المهمّ أن نبذل الهمّة ونعزم وننطلق.
 
إنّني مطمئن أنّ هذه الانتخابات ستكون معلماً للشعوب الأخرى. وبسبب هذا فإنّ الأجهزة الاستكبارية الخبيثة من إنكلترا وأمريكا والصهيونية وغيرها، سينشطون لتخريب هذه الانتخابات بأي شكلٍ وللطعن بها. الدول الأخرى تتطلع إلى هذه الريادة الانتخابية والثورية، أي إلى شعب إيران وما سيفعله. إنّ شعب إيران هو من السبّاقين في هذا المجال، فالشعوب الأخرى تنظر لترى إلى أين ستصل الانتخابات في إيران. الاستكبار يريد أن تجري الانتخابات في بلدنا بطريقة تجعل الشعوب يائسة...5 حسناً، لقد نطقتم بآخر الكلام! الموت لأمريكا هو آخر الكلام.
 
اللّهم، بمحمّد وآل محمّد اشمل بفضلك وهدايتك ورحمتك وعنايتك حال هذا الشعب العزيز.
اللّهم، اشمل شبابنا بنظرة عناية حضرة بقية الله أرواحنا فداه ودعاء هذا العظيم. وزد يوماً بعد يوم من انتصارات شعب إيران.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 

1- هنا يهتف الحضور: "الموت لأمريكا".

 
 
 
 
 
 
17

10

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء المشاركين في الملتقى
الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة


المناسبة: الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة.
الحضور: جمعٌ من العلماء والمفكّرين والمسؤولين والنخب.
المكان: طهران.
الزمان: 14/1/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
19
 

11

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اللّهم، سدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة.
أُرحِّب بجميع الإخوة والأخوات وأشكر الحاضرين المحترمين على مشاركتهم في هذا العمل الجماعي البالغ الأهمية. كذلك أوجّه شكراً خاصاً للمتكلّمين والخطباء، سواء أكانوا الذين قدّموا مطالب أو الذين أبدوا حججاً وانتقادات على ما طُرح. كذلك أشكر من كل قلبي رئيس ومدير البرنامج جناب الدكتور واعظ زاده على الإدارة الحسنة لهذا اللقاء، وبشكل أكثر على تمهيده وتنظيمه لشكل هذا اللقاء ومضمونه، هو وثلّة من العاملين على مدى عدّة شهور.

هدف اللقاءات الاستراتيجيّة
إنّ الهدف من هذا اللقاء ومن هذه الاجتماعات هو تبادل وجهات النظر بشكل علمي مع مجموعات النخب حول المسائل الأساسية للبلاد. إذا قيل إنّها أفكار استراتيجية فهذا صحيح، في الحقيقة إنّ السعي هو وصولنا للفكر، بيد أنّه يمكن إجراء تقسيم وتنويع, الفكر في مجال العدالة، الفكر في مجال المرأة والأسرة، ثم إنّ لدينا لائحة طويلة تصل إلى أكثر من عشرين موضوعاً، كلّ منها يحمل صفة الفكر, الأفكار (وتنوّعها) هي بهذا اللحاظ، وإلاّ فإنّ المرجو بأن نصل إلى رؤية واحدة وفكر واحد في كلّ مجال من خلال التلاقي والمخاض الفكري والمعنوي لهذا الجمع من النُخب والمساعدة التي سيقدّمونها للإسلام ولنظام الجمهورية الإسلامية. وبالطبع فليس المقصود بأن نقوم في هذه اللقاءات ببحث موضوع ما من الصفر إلى المئة، فهذا الأمر ليس عملياً أيضاً، وإنّما الهدف شقّ طريق التعامل مع المسائل الهامّة والمطروحة والمستقبل. نريد - وخاصة في البعد النظري - أن يُفتَح طريق كي تتولى نُخب البلاد وعقولها الفعالة وأهل الخبرة في كل اختصاص جزءاً من المسؤولية لإنضاج فكر سليم، يتحول بدوره إلى قاعدة للتنفيذ والعمل والبرمجة, ما أقصده هو أنّ هناك نقاط ضعف وكذلك نقاط قوّة في المجال النظري وكذلك في المجال التطبيقي، وفي هذه اللقاءات يتم كشف هذه النقاط من خلال البحث الذي يتمّ مع المفكّرين وأهل الخبرة في كل اختصاص وبالاستناد إلى معلوماتهم وإنجازاتهم العلمية، ويمكننا أن نشخّص نقاط قوّتنا وكذلك نقاط ضعفنا وأن ننهض لمعالجتها، وأن نُرمّم النقاط المتزعزعة أو المتصدعة، وأن نُصلحها ونُزيل مواطن الضعف.
 
 
 
 
 
 
 
 
21

12

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 ينبغي لنا أن نعرف موقعيتنا في عالم التنظير، أين نحن متقدّمون وأين نحن متأخرون, في الواقع هناك أماكن نحن فيها في المقدمة وفي مجالات أخرى نحن في الخلف، وفي مجال مسألة المرأة وما نبحثه الآن. كل المصادر والتعاليم الإسلامية في متناول أيدينا، والآيات القرآنية الكريمة, سواء ما يتعلّق بهذه المسألة بشكل مباشر أو ما يشملها في كلياته من خلال عمومه وإطلاقه, ينبغي لنا أن نضعها في قالب نظري, أن نُخرجها بشكل نظريات ومجموعات لديها قابلية الاشتقاق والاستخدام والاستنتاج، ومن ثم نضعها بين أيدي الجميع - بين أيدينا لكي نحوّلها إلى برامج، وكذلك بين أيدي المخالفين والمستفسرين - حيث أشار بعضهم لهذا - والحقّ معهم، لقد ازداد اليوم في الدنيا عدد المستفسرين والمتسائلين حول رؤى الجمهورية الإسلامية التي تحمل في طياتها تجربة ثلاثين عاماً، وأنتم تُدركون هذا بالطبع ونحن على اطلاع بشكل كلّي, هناك كثر يراجعون ويسألون، يريدون أن يعرفوا المواضيع المختلفة حول ما هو موجود في الجمهورية الإسلامية، حسناً، ينبغي أن توفّر الإجابات لهؤلاء.


في السابق كان لنا لقاءان، أحدهما حول الأطروحة الإسلامية - الإيرانية للتقدّم، والآخر حول العدالة. مع أنّ هذين الموضوعين منفصلان الواحد عن الآخر، إلاّ أنّهما في طول بعضيهما بعضا. لقد أُنجزت أعمال جيدة، وأرغب أن يعرف الإخوة والأخوات بهذا، لأنّه - من الآن فصاعداً- يؤثّر على ما سأذكره بالنسبة لموضوع الليلة، اعلموا أنّ العمل يتقدّم بشكل جدي. لقد أشار السيد واعظ زاده لهذا, إلا أنّ تفاصيل الأعمال التي جرت هي أكثر مما ذكره في حديثه كتقرير، لأنّه كان على سبيل الاختصار. لقد أُنجزت أعمال جيّدة وجدّيّة، وخاصّة في هذا المركز الذي تأسّس للأطروحة الإسلامية الإيرانية للتقدّم، فهو بهمّة الباحثين يقوم بأعمال جيدة جداً. في الحقيقة، إنّ كل من هذه اللقاءات ينثر بذرة في أرض خصبة. مهمة ري وسقي هذه الأرض تقع على عاتق مجموعة من العاملين الذين تم تعيين بعضهم حتى الآن، وبعضهم الآخر نقوم بالتفكير بتحديدهم إن شاء الله، وبالطبع فإنّ الجو العام للبلاد يساعد على الازدهار. ونحن كذلك لسنا مستعجلين. بالطبع، نرغب في أن تتقدّم الأعمال بسرعة أي إنّنا لا نقبل بالكسل والتخلّف وما شابه, ولكن لا يوجد تسرّع في العمل، لا نريد أن نعمل بتسرّع، نريد للعمل أن يخرج متيناً وعميقاً وخالداً ويملك قابلية العرض والدفاع عنه. إن شاء الله، فإنّ هذه الجلسات - هذه الجلسة وما سبقها - ستؤدي هذا الدور، وأنا متأكد من هذا الأمر.
 
 
 
 
 
 
 
22

13

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 المرأة والأسرة

دور المرأة في الثورة
إنّ مسألة المرأة والأسرة هي من مسائل الدرجة الأولى بالنسبة للبلاد. ولقد أثبت الأصدقاء والسيدات والسادة الذين حضروا وتحدّثوا هنا هذا المعنى، لا ضرورة لأن نضيف شيئاً على ما قلتم وبيّنتم بشكل واسع وجيد، لقد دلّ الكلام هذا على أنّ المسألة مهمة جداً. إنّ دور وحصة السيدات في النظام دور استثنائي وممتاز, مثلما كان دور السيدات في أصل الثورة ممتازاً. ربما لا يعرف الشباب الأعزاء الحاضرون في هذا اللقاء - ممن لم يكونوا في زمان الكفاح أو الثورة - ما الذي حدث حينها، ومعلوماتهم هي عن طريق التقارير التي يشوبها النقص جميعاً, وللأسف، التقارير والأخبار كلّها التي خرجت من قلب الكفاح والثورة ناقصة وذات بُعد واحد ومختصرة. لدينا عمل كبير ينبغي إنجازه في هذا المجال - وإن لم يكن هذا من الأفكار الاستراتيجيّة إلا أنّه من الأعمال الاستراتيجيّة - وينبغي أن تتم متابعته إن شاء الله, أولئك الذين شاركوا وكان لهم حضور فعال منذ بداية الثورة يعلمون بأنّ النساء كان لهنّ دور (مميّز) سواء أكان في بدايات النهضة أم في زمن الثورة, أي في تلك السنة والنصف من التحركات الجماهيرية الثورية، كان للنساء دور مؤثّر ولا بديل له حتى أنّهن لو لم يشاركن فقط في هذه التحرّكات والتظاهرات الحاشدة والعظيمة، لما كان لهذه التحرّكات كل ذلك الأثر، بل إنّه في بعض الاماكن - مثلاً عندنا في مشهد - كان انطلاق التظاهرات بواسطة النساء, أي إنّ أول حركة شعبية كانت حركة نسائية وقد تصدّت لهنّ الشرطة، وانطلقت فيما بعد التحرّكات من الرجال، هكذا كان الأمر في الثورة والمواجهات. وكذلك بالنسبة إلى دورهن في تشكيل النظام وما جرى بعده بشكل سريع، أي زمن الحرب، زمن المحنة، زمن الامتحان الصعب ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ1 لقد كانت الأوضاع قاسية في زمن الحرب. والحال، فإنّ بعضهم شاهد الحرب عبر التلفاز والإذاعة وما شابه، وبعضهم كان في ميدان الحرب بجسده وروحه، ما يتم عرضه من تقارير وأخبار مفعمة بالحماس والشوق في الحرب، كلّه صحيح وحقيقي، حيث إنّني أقرأ الكثير من الكتب المتعلّقة بذكريات المقاتلين وأعلم بأنّها صحيحة، كلّ ذلك الشوق والحرقة والعشق للجهاد والاشتياق للشهادة وعدم الرهبة من الموت وما شابه، هو ما يُعرض في التقارير وهو صحيح، لكنّ النظرة العامة للحرب كانت نظرة مثقلة بالمحنة والحزن. حسناً، تلك الكتيبة التي تتقدّم وتحارب بشوق ولهفة لا تعلم ما 
 
 
 

1- التوبة، 118.
 
 
 
 
 
 
 
23

14

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 هي الحالة الموجودة في المركز الرئيس حول كل أوضاع الجبهة، وما هي نقاط الضعف، وما هي الهواجس الجدية. وما وراء المركز الرئيس على المستوى العام للبلاد، ماهي النواقص والمخاوف الموجودة. لقد كان زمناً صعباً، وفي هذا الزمن الصعب كان دور النساء دوراً استثنائياً, دور أمهات الشهداء، دور زوجات الشهداء، دور النساء المباشر المتصل بساحة الحرب مباشرة في أعمال الدعم والمؤازرة، وأحياناً وبشكل نادر في الأعمال العسكرية والعمليات. ولقد شاهدتُ عن قرب أعمال الدعم الحربي للنساء في الأهواز حيث كان دوراً منقطع النظير. لقد كانت النساء فاعلات حتى في الأقسام العسكرية. القصة "دا" التي كتبتها السيدة حسيني تدلّ على هذا الأمر، لقد شكّلن فريق عمل لا يمكن قياسه بأيّ معيار ولا ميزان. أن تكون أمّاً، أمّاً لشهيد، أمّاً لشهيدين، لثلاثة شهداء، لأربعة شهداء، ليس الأمر بالطرفة التي يسهل ذكرها على اللسان. إذا تعرّض طفل للزكام وسعل عدّة مرات، كم نقلق عليه؟ فماذا لو ذهب الولد فقُتل، ثم قُتل الثاني، ثمّ الثالث، هل هذه طرفة؟ وهذه الأمّ بكل عواطفها الأمومية المرهفة والملتهبة تؤدّي دورها بشكل تتشجّع معه مئة أمّ أخرى لإرسال أولادهن إلى ساحة الحرب، لو أنّ تلك الأمهات - حين وصلتهن جثامين أبنائهن أو لم تصل - صدرت منهنّ آهات وأنين، عتاب وشقّ للجيوب أو اعتراض على الإمام (الخميني) وعلى الحرب، فلا شكّ أنّ الحرب كانت ستُشلّ في تلك السنوات والمراحل الأولى للحرب، وهذا هو دور أمهات الشهداء، والزوجات الصابرات للشهداء. نساء شابات يفقدن أزواجهن في بداية الحياة الجميلة التي كنّ يتمنينها، أن يرضين أولاً بأن يذهب أزواجهن الشباب إلى حيث من الممكن أن لا يرجعوا، ومن ثمّ يتحملن شهادتهم، ثم يفتخرن بهذا ويرفعن رؤوسهن شموخاً، هذه أدوار لا بديل لها ولا مثيل. ثمّ المعاناة المستمرة حتى الآن لزوجات المعوّقين من جرحى الحرب. سيدات تزوّجن بمعوّق جسده ناقص، وفي بعض الأحيان يكون سيء الخُلُق بسبب وضعه الجسدي أو العوارض الناشئة من حالات الصرع والتشنّج العصبي، أن تقوم سيدة بملء إرادتها وبشكل ملتزم ومسؤول وتتحمّل هذا بشكل تطوّعي وبدون أي إجبارتكون قد قامت بعمل فدائي كبير. أحياناً قد تَقُلنَ (أيتها السيدات) إنّنا نجيء في اليوم لزيارة أحد الجرحى لمدة ساعتين، حسناً في كل مرة تذهبن تُشكرن على تعبكن، ولكن أحياناً يكون العكس، أنتن تخترن أن تكنّ زوجات لهؤلاء الجرحى، تصبحن دائنات! أي إنّ طبيعة الحال أن تقمن أنتنّ بهذا العمل، لكن أولئك النسوة قمن بتلك التضحية. وفي الحقيقة إنّ دور النساء لا يمكن أن يُحدّ ويُحسب.

 

 

 

 

24


15

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 دور الشعب في فكر الإمام الخميني

وإنّني أقرّ وأعترف بأنّ إمامنا العظيم كان أول من أدرك هذا الدور - كالكثير من الأمور الأخرى التي كان أول من أدركها ولم يكن أحد منّا يعرفها، ولذلك فقد أدرك الإمام دور الشعب، أدرك الامام تأثير حضور الشعب، في الوقت الذي لم يكن أحد يُدرك ذلك. بعض كبار الشخصيات كانوا بتعابير قبيحة يقولون لنا: هل تظنّون أنّه يمكن القيام بأعمال كبيرة مع هذا الشعب؟! كانوا يتكلّمون بشكل يحتقر هؤلاء الناس وكأنّهم لا يتحدّثون عن بشر! أمّا الإمام - فعلى العكس من ذلك - عرف قدر الشعب، وعرف الشعب، أدرك قدراته وكشفها واستنهضها, لأنّ الإمام كان صادقاً، لأنّ كلامه كان يخرج من ذلك القلب النوراني الكبير، فإنّه كان يؤثّر في الناس، لذلك فإنّ الجميع قد نزل إلى الساحة.

في ذلك اليوم الذي تشكّلت فيه اللجان، جميع الفئات جاءت إليها، من الطالب الجامعي إلى الأستاذ وطالب العلم، عالم الصف الأول، الناس العاديين، كلّهم جاؤوا وانتسبوا للجان. حين بدأت الحرب توجّه الجميع إلى جبهات الحرب بأمر الإمام. وحين قال الإمام في أواخر عمره: يجب أن تذهبوا وتبنوا وتصنعوا للوصول إلى الاكتفاء تحرّك الجميع نحو إعادة البناء، لكن الفتوحات لا تزال مستمرة حتى اليوم.

أعتقد أنّنا حيثما تقدّمنا اليوم إلى الأمام فإنّ ذلك بفضل الإمام، لقد أطلق عنان هذه الحركة بشكل متين بحيث إنّ أمثالي ينبغي أن يركضوا اليوم وراءه. لقد تحرّك هذا الشعب، ولا تزال الراية تنتقل من جيل إلى جيل ومن يد إلى يد.

دور المرأة في الثورة عند الإمام الخميني
وهكذا كان الإمام أيضاً في مجال المرأة، لقد أدرك الإمام دور النساء، وإلاّ فقد كان هناك علماء كبار حيث كنّا نتجادل معهم حول مسألة مشاركة النساء في التظاهرات أو عدم المشاركة، وكانوا يقولون بعدم مشاركة النساء في التظاهرات.

فكر الإمام حصن منيع
ذلك الحصن المنيع الذي كان الإنسان يعتمد عليه ويطمئنّ ليقدر على الوقوف في مواجهة هكذا آراء صادرة من مراكز هامّة، كان حصن رأي الإمام وفكر الإمام وعزمه. رحمة الله تعالى على هذا الرجل العظيم إلى أبد الآبدين.
 
 
 
 
 
 
 
 
25

16

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 أسباب البحث في دور المرأة

على أي حال، فإنّ دور النساء لا بديل له، لذا فإنّ هذا الدور ضروري لأنّ له مستقبلاً، لقد مضى على عمر الثورة 32 عاماً، وهو عمر شباب حتى عند الإنسان، فما بالك بمدة كهذه في التاريخ. ينبغي أن يُعمّر هذا النظام الإلهي لمئات السنين، نحن لا نزال في ريعان شبابه، المستقبل محتاج لهذا الحضور النسائي في حشود الحضور الوطني، لذا فإنّ علينا أن نبذل الجهد في مسألة المرأة والحفاظ على هذه السّعة الموجودة في مجتمعنا، وهذا هو السبب الأول لكي نتصدى لبحث مسألة المرأة.

السبب الثاني هو مسألة الأسرة، لقد كان للمتكلّمين المحترمين بالأمس أبحاث جيدة، إن أردت أن أحكم، فسأقول إنّ متوسط الأبحاث كان فوق مستوى "الجيد"، كلام صحيح، إحصاءات جيّدة، استنباطات واستنتاجات جيدة من زوايا مختلفة. فقضية متعدّدة الأبعاد قام كلّ مفكر بدراستها من أحد أبعادها، سلّطوا الأضواء على تفاصيل هيكل هذا الموضوع المهمّ والحساس. يمكن للإنسان أن يشاهد هذه الزوايا، في الواقع، كانت محل إفادة لنا.

أهمّيّة الأسرة في المجتمع
بناءً على هذا، إنّ مسألة الأسرة هي مسألة مهمّة جداً، القاعدة الأساس للمجتمع، الخلية الأساس في المجتمع، وليس بمعنى أنّه إذا كانت هذه الخلية سليمة، فإنّ السلامة ستُرى في بقية الأجزاء أو أنّها إذا فسدت فإن باقي الأجزاء ستفسد بتبعيتها، بل إنّها إذا كانت سليمة فإنّ الجسم سالم، لأنّ الجسم ليس شيئا آخر غير الخلايا، كل جهاز هو عبارة عن مجموعة من الخلايا. إذا استطعنا أن نحفظ هذه الخلايا سالمة، فسيكون الجهاز سليماً. المسألة مهمّة إلى هذا الحدّ.

في الأساس, لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يتقدّم ما لم ينعم البلد بمؤسسة أسرية سليمة وحيوية ونشيطة. لا إمكان للتقدّم في المجالات المختلفة والمجالات الثقافية خاصة بدون أُسر جيدة, فالأسرة ضرورة، ولا يتناقض ذلك مع القول بأنّه لا يوجد أسرة في الغرب ولكن يوجد تقدّم. إنّ ما تظهر مؤشراته بشكل أكبر يوماً بعد يوم في خراب مؤسسة الأسرة في الغرب، سوف يلقي بظلاله وآثاره (على الغرب)، لا داعي للاستعجال، فالأحداث العالمية والتاريخية ليست بالأمر الذي تظهر آثاره فوراً وبسرعة، بل تظهر بشكل تدريجي, مع أنّه لا تزال تؤثّر حتى الآن. في الزمن الذي أنتج الغرب هذا التطوّر كانت الأسرة هناك لا تزال محافظة على بنيانها، حتى مسألة العلاقة بين الجنسين كانت لا تزال مضبوطة من خلال رعاية الأخلاق الجنسية - بالطبع ليس بشكلها الإسلامي، وإنّما بأسلوبها الخاص. من لديه اطّلاع على المعارف الغربية سواء 
 
 
 
 
 
 
 
26

17

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 في أوروبا أو في أمريكا يرى ويشاهد هذا الأمر، حيث كان هناك رعاية للأخلاق بين الجنسين وكان هناك حياء واجتناب للتهم وما شابه. لقد نشأ هذا الفلتان وهذه الإباحية بشكل تدريجي، وقد مهّدوا الأرضية لهذا في ذلك الزمن، واليوم وصلوا إلى هذا المستوى. لذلك فإنّ أوضاعهم اليوم ستنتج غداً 1مرّاً وصعباً جداً لهم. هذا هو السبب الثاني.

 
والسبب الثالث هو أنّه في هذه الاثنتين والثلاثين عاماً، لطالما كانت مسألة المرأة على رأس لائحة الاعتراض علينا من قبل الأعداء، منذ بداية الثورة، اعترضوا علينا وجعلوها في مستوى الإرهاب ونقض حقوق البشر، يومها لم يكن معلوماً (بالنسبة لهم) كيف سيتعامل المجتمع الإسلامي مع جنس النساء، بدأوا بحملتهم: الإسلام ضد المرأة، الإسلام هو هكذا وهكذا. وبالطبع فإنّهم لا يزالون مستمرين في هذا حتى اليوم.
 
حسناً، كان علينا أن نواجه وندافع. في المقابل، لا يمكن الاستخفاف بالرأي العام العالمي، فلا يمكن اعتبار الجميع مُغرضين وليس الكلّ خبيث، الخباثة خاصة بمجموعة معيّنة، من السياسيين وصنّاع السياسة والمخططين وأمثالهم، ينبغي لنا أن لا نسمح بأن يصبح عامّة الناس عرضة لهذا التضليل الكبير، لذا ينبغي أن نتصدّى.
 
علينا أن نذكر أيضاً، أنّ الغرب يتهرّب عمداً من طرح مسألة الأسرة، في جميع الأبحاث التي يجرونها، هناك بحث للمرأة ولكن لا يوجد أثر لبحث الأسرة، إنّ الأسرة هي نقطة ضعف الغرب، إنّهم يطرحون مسألة المرأة ولكن لا يذكرون حتى اسم الأسرة، مع أنّ المرأة ليست منفصلة عن الأسرة, وبناءً على هذا، فإنّ التصدّي لهذه المسألة أمر ضروري.
 
مسؤوليّة المؤسّسات والنُخب في مجالي المرأة والأسرة
1- مجال التنظير
حسناً، لقد كان هذا اللقاء أيضاً جيداً جداً، ما أدركناه في هذا اللقاء، بالإضافة إلى ما كسبناه من مضمون أبحاث الأصدقاء - وهو مهمّ - أنّنا عرفنا أنّه في مجال المرأة والأسرة لدينا على المستوى العلمي التخصّصي من الأعمال التي تنتظر الإنجاز إلى ما شاء الله تعالى، هناك من الأعمال المطلوب إنجازها والتي قد اقترحها بعض الأصدقاء - بتشكيل المركز الفلاني أو مركز كذا - وكل هذا صحيح، ينبغي أن
 
 
 

1- مستقبلاً.

 
 
 
 
 
 
27

18

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 يُنجز في الواقع. ولقد تكلّمنا سابقاً مع الإخوة في المكتب، مع (السيد واعظ زاده) وآخرين حول متابعة عمل هذا الملتقى في مسائل المرأة والأسرة، في أذهانهم العديد من الأعمال. في مجال التنظير سيتم إنجاز أعمال مهمّة إن شاء الله.

 
2- إنتاج الخطاب
كذلك في مجال إنتاج الخطاب وأيضاً في مجال تقريب هذا الخطاب من مرحلة التنفيذ، والذي - بطبيعة الحال - إن تمّت صياغته بشكل خطاب فلن يكون من الصعب إجراؤه عملياً. أي إنّ تلك الإشكالات الموجودة مع مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور وغيره، يتم حلها وإزالتها. إنّ الخطاب في المجتمع هو مثل الهواء يتنفسه الجميع - سواء أعرفوا بهذا أم لم يعرفوا، سواء أرادوا أم لم يريدوا - ينبغي صياغة هذا الخطاب الذي يقع دور بارز ومهم فيه على عاتق وسائل الإعلام، وكذلك بشكل خاصّ على علماء الدين وكبار الشخصيات وأساتذة الجامعات. حسناً، علينا أن نملأ الفراغ النظري في هذا المجال. وستكون النتيجة بأنّ الاستثمار في مجال الأبحاث أمر ضروري بأكبر قدر ممكن، ونحن نؤيّد هذا. لقد وصلتُ إلى هذه النتيجة من خلال مراجعتي لمقالات الأصدقاء - التي وصلتني خلاصاتها ونصوصها سابقاً - وكذلك قمتُ بتصنيفها بأنّه على مؤسسات النظام بمجموعها أن تُخصّص استثماراً وتمويلاً بقدر المستطاع بقدر طاقاتها وإمكاناتها في البحث والدراسات في هذا المجال.
 
3- دراسة النظريّات الرائجة ونقدها
يجب دراسة النظريات الرائجة في العالم ونقدها بدون انفعال، والتأكيد على عدم الانفعال هو أمر مهمّ جداً. ولقد شاهدتُ الليلة هذه الروح من الكلمة الأولى للمشاركين وحتى الكلمة الاخيرة، حيث رأيتُ أنّ النظرة هي نظرة انتقادية للوضع الموجود في الغرب فيما يتعلّق بالمرأة وخاصة في مسألة الأسرة. 
 
نظرة الغرب للمرأة
والملاحظ أنّ أغلب الانتقادات التي وجهتموها للغرب كانت في مجال الأسرة، ولكنني أعتقد أنّ الجريمة الأكبر التي اقترفها الغرب في مسألة المرأة والأسرة كانت في نظرته للمرأة، وهذا لا يمكن وصفه بجملة أو اثنتين. إنّ السياسة الغربية توجِّه أكبر ضربة وإهانة لكرامة المرأة، حتى هؤلاء النسويون (الفمينيزم)1 والمتشدّدون
 
 
 

1- النسوية: هي مجموعة مختلفة من النظريات الاجتماعية، والحركات السياسية، والفلسفات الأخلاقية، التي تحرّكها دوافع متعلّقة بقضايا المرأة.
 
 
 
 
 
 
 
28

19

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 - ولديهم مستويات وطبقات مختلفة - يوجّهون ضربة للمرأة من حيث لا يشعرون، فهم يتصرّفون من باب حسن الظنّ - أي إنّ العاملين في هذا المجال حسب الظاهر لا يفهمون ماذا يفعلون - ويحتمل أن يكون صنّاع السياسات والمخططون للبرامج خلف الكواليس على علم كامل بما يفعلون.


كما أنّ هذا الاحتمال قد ورد في بروتوكولات بني صهيون بشكلٍ كامل، حيث إنّ تضييع جنس النساء وجعلهن مظهراً للاستغلال الشهواني للرجال قد ذُكِر في مواد ذلك الكتاب. وهنا قد يأتي شخص ويُشكّك في سند واعتبار هذه البروتوكولات, لكن عندما يشاهد الإنسان المؤسّسات الصهيونية والشبكات الإعلانية الصهيونية يُدرك أنّ هذا الأمر يتمّ تنفيذه بشكل عملي، فهو وإن لم يصبح واجباً بالنسبة لهم، لكنّهم يقومون به بشكل مستحب، لقد التزموا بهذا العمل وهم ينفّذونه، يهملون المرأة ويحقّرونها, أي إنّهم قاموا بتثبيت رسوم وأعراف وعادات لا تقبل المخالفة ولا التجرؤ عليها. (فعندهم مثلاً) ينبغي للرجل في أي مجلس عام (لقاء رسمي)، أن يرتدي بزّة رسمية، وأن يضع "بابيون" ويقفل ياقة البزّة ويسدل أكمامه حتى المعصم، وليس له أن يرتدي بنطلوناً قصيراً ولا قميصاً قصير الأكمام، ولكن على السيدة في ذلك اللقاء الرسمي نفسه أن تُظهر أقساماً من جسدها بشكل عار، وإذا حضرت بلباس كامل فهذا محل اشكال! إن لم تكن متبرجة ومتزينة فهذا محل إشكال! لقد أصبح هذا عرفاً، ويفتخرون به أيضاً.

يوجد في الغرب وخاصة في أميركا وفي شمال أوروبا - البلدان الإسكندنافية - مراكز مهمّة، عملها الأصلي هو عرض النساء للرجال، ويتم الإعلان عن هذا في الصحف والمجلات، ولا أحد يعترض! أصبح هذا عرفاً وعادة. أيُّ ضربة أشدّ على النساء من هذا؟ بأن يتم صناعة نموذج للنساء على تلك الشاكلة - لنسائهم هم وللبلدان التي تتبعهم وليس لنسائنا - فهذه من أشدّ الضربات التي يوجّهونها حالياً. وعليه ينبغي ألا يتملّكنا الانفعال في مواجهة هذه الثقافة الخاطئة. إنّ الغرب في مسألة المرأة والأسرة يعيش في ضياع وضلالٍ عميق، لا الأسرة فقط، بل الأمر يتعلّق بشخصية المرأة وهوية المرأة، والغرب واقع في ضلالٍ عجيب.

إنّ علينا أن نستفيد في هذه الدراسات من مخزوننا العلمي - وهو ليس بقليل - حيث يمكن استخراج عشرات النظريات والنماذج الراقية في مجال المرأة والأسرة. ينبغي صياغتها بشكل نظريات، وتدوينها وعرضها بتفاصيلها وأجزائها. هذه أعمال متوسطة المدى وطويلة المدى وينبغي أن تُنجز. ينبغي الاستفادة من التعاليم الأصيلة والراقية للإسلام في القرآن والحديث.
 
 
 
 
 
 
 
29

20

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 المرأة والأسرة في المنظور الإسلامي

ولقد دوّنتُ هنا عدّة ملاحظات، ولكن بما أنّ الوقت ضيّق، وكذلك فإنّ الكثير من الأفكار قد تمّ طرحها، فعليه لا حاجة لأن أكرّرها، ومن مجموع الأمور التي كتبتُها، ما أرغب أن أطرحه هنا، هو أنّ نظرة الإسلام بشكل إجمالي للمرأة - كجنس - هي نظرة مميّزة ومتعالية جداً، وكذلك نظرته للمرأة في العائلة, باعتقادي أنّ الكثير من هذه المشكلات المتعلّقة بالمرأة ناشئة من مشكلات الحياة الجمعية للأسرة، حيث إنّ المرأة هي محورها. لدينا فراغات قانونية وعرفية وتقليدية عجيبة ومتعدّدة، أحياناً حين تتصل بنا السيدات - من مجلس الشورى أو من الحوزة أو من المراجعات المتنوّعة للناس أو من مراكز أخرى - وتطرحن مشكلاتهن، نلاحظ أنّ هذه المشكلات تتعلّق بشكل أساسي بالمشكلات داخل الأسرة، إذا كان للمرأة داخل الأسرة أمان نفسي وأمان أخلاقي وراحة وسكن، وكان الزوج لباساً لها بشكل حقيقي - كما أنّها هي لباس للزوج أيضاً- وكما أراد القرآن أن يكون بينهما مودة ورحمة، وإذا تمّ رعاية ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ1في الأسرة - هذه الأمور التي هي أصول كلية وأساسية, حينها ستكون مشكلات المرأة خارج الأسرة قابلة للتحمّل، وستتمكّن المرأة من التغلب على هذه المشكلات. إذا تمكّنت المرأة أن تُخفِّف من هذه المشكلات في مركز استراحتها وفي متراسها الأساسي، فستتمكّن بلا شكّ، من أن تفعل ذلك في ساحة المجتمع.
في كلتا المسألتين, في قضيّة المرأة نفسها وكذلك في قضيّة الأسرة، لدى الإسلام أفكار جذّابة وبارزة ومهمّة.
أولاً: إنّ نظرة الإسلام إلى الجنس، هي نظرة من الدرجة الثانية. النظرة الأولى وذات الدرجة الأولى، هي البعد الإنساني، والتي لا دور فيها للجنس. الخطاب للإنسان، وهناك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾2 ولا يوجد "يا أيتها اللواتي آمنّ" أي إنّ الصيغة آمنوا هي صيغة ذكورية وليست صيغة أنثوية، ولكن هذا لا يعني أبداً بأنّ هناك أفضلية للرجل على المرأة في هذا الخطاب، وإنّما هذا ناشئ من عوامل أخرى، وتلك العوامل واضحة بالنسبة لنا. ولا أريد هنا أن أدخل في بحث، مثلاً لماذا نقول في اللغة الفارسية للشعب "مردم" (كلمة فارسية تعني رجل) وهي مشتقّة من الرجل "مرد" ولا نقول 
 
 
 

1- البقرة، 228.
2- الأنفال، 15.
 
 
 
 
 
 
 
30

21

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 "زنّم" مثلاً (زن = امرأة)، وكذلك في الإنكليزية هناك human لماذا man؟, فليست هذه علامة على أنّها موجودة بسبب غلبة الثقافة الذكورية وقد تصرّفوا في اللغة على أساسها، لا، ليس كذلك بل هناك عوامل أخرى.

 
في نهاية الأمر، الرجل هو الواجهة الخارجية داخل الأسرة، والمرأة هي الواجهة الداخلية، وإن شئتم أن تُعبّروا بلطفٍ أكثر، فإنّ الرجل هو غلاف (قشرة) حبة اللوز بينما المرأة هي لبها. ويمكن استخدام مثل هذه التعابير، الرجل هو اكثر ظهوراً، بنيته هي هكذا، لقد خلقه الله وجعله لهذا العمل، وخلق المرأة لعمل آخر. بناءً على هذا فإن البروز والظهور والعرض والإطلالة هي أكثر عند الرجل لهذه الخصوصيات وليس بمعنى الأفضلية. في القضايا الأساسية للإنسان - والتي تتعلق بالإنسان - فلا فرق بين الرجل والمرأة.
 
حسناً انظروا إلى مسألة التقرّب من الله، هناك نساء - كالزهراء وكزينب وكمريم - مقامهنّ فوق قدرة أمثالنا على الوصف والتصوّر. ففي الآية الشريفة من سورة الأحزاب، لا فرق بين المرأة والرجل، ولعلّ المقصود ضرب التصوّرات الجاهلية حول المرأة  ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ1 فهناك فاصلة بين الإسلام (المسلمون والمسلمات) والذكر (الذاكرون والذاكرات) في الآية، إذ توجد سلسلة أوصاف لو دقّق المتأمل فيها يجد هذا: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾2. فحيثما وجد الرجل هناك امرأة، رجل خاشع، امرأة خاشعة، رجل متصدّق، امرأة متصدّقة، لا فرق بينهما أبداً, ففي سورة آل عمران المباركة، يقول بعد تكرار "ربّنا":  ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ3 لا فرق بين الرجل والمرأة، حتى أنّه في مورد - ولأجل ضرب تلك الأفكار الجاهلية التي ذكرتها - رَفع من شأن المرأة أكثر من الرجل، حيث إنّ حالة كهذه لا يجدها المرء في القرآن سوى في أشخاص  ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾4، كمثالٍ للكفار، هاتان الامرأتان
 
 
 

1- الأحزاب، 35.
2- الأحزاب، 35.
3- آل عمران، 195.
4- التحريم، 10.
 
 
 
 
 
 
 
 
31

22

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 ليستا مثالاً للنساء، بل إنّهما مثالٌ للمرأة والرجل معاً، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا1إلى آخر الآية.  ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ2هنا أيضاً سمّى الله للمؤمنين امرأتين. لاحظوا أنتم، على مرّ التاريخ وإلى نهاية العالم، كم عدد المؤمنين، من الكبار الصلحاء الأولياء والأنبياء جاؤوا وذهبوا. عندما يريد الله أن يعرفهم على معيار، نموذج، رمز، يعرّفهم على امرأتين: "الأولى امرأة فرعون ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ3إلى آخر الآية، والثانية مريم بنت عمران ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾4 إنّه أمر عجيب. 

 
إنّ الجنس هو أمر ثانوي، هو أمر عارض يتجلّى عملياً في الحياة. في السير الأساسي للبشر ليس له أي تأثير ولا معنى. حتى إنّ أعمالهم تختلف فيما بينها، "جهاد المرأة حسن التبعل"5 لكنّه جهاد, أي إنّ ثواب ذلك الشاب المجاهد الذي وضع دمه على كفّه وذهب إلى ميدان الحرب يُعطى لهذه المرأة, لأنّ هذا العمل لا يقّل تعباً عن الجهاد. بالتأكيد إنّ التبعّلَ أمرٌ صعبٌ جداً، مع توقّعاتهم، انتظاراتهم، مع سوء أخلاقهم، وصوتهم المرتفع وطولهم الفارع (بعض صفات الرجال), فأن تستطيع امرأة مع هذه الظروف أن تحافظ على محيط المنزل دافئاًوهانئاً، وحنوناً وفيه سكينة وهدوء، ذلك فنّ كبير. هذا حقاً جهاد. هذا فرع من ذلك الجهاد الأكبر الذي تكلّموا عنه، الجهادٌ مع النفس. 


دور المرأة في الحياة الزوجيّة
بالنسبة لموضوع العائلة، يوجد كلام كثير، مسألة الزوجية، مسألة الأمومة، كلّها مسائل ينبغي التفصيل فيها. لدى المرأة في الأسرة دور الزوجية، دور الزوجية هذا هو دور استثنائي, حتى لو لم يكن هناك دور أمومة. افرضوا أنّ هناك امرأة، إمّا أنّها لم ترغب في الإنجاب، أو أنّها ولأي سبب آخر لم تنجب، ولكنّها زوجة, لا ينبغي الاستخفاف بدور الزوجية. إذا أردنا أن يكون الرجل شخصاً مفيداً في المجتمع، ينبغي لهذه المرأة



1- التحريم، 10.
2- التحريم، 11.
3- التحريم، 11.
4- التحريم، 12.
5- الكافي، ج5، ص9.

 
 
 
 
 
 
 
32

23

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 أن تكون امرأة جيّدة في المنزل، وإلا فلن يحصل هذا. نحن اختبرنا (هذا الأمر) في زمن المقاومة وما بعدها في زمن انتصار الثورة, الرجال الذين كانت ترافقهم زوجاتهم في حركتهم استطاعوا أن يصمدوا في نضالهم، وكذلك استطاعوا أن يتابعوا استقامتهم على الطريق الصحيح. وبالطبع، كان هناك حالات معاكسة. أحياناً عندما كنتُ أقوم بعقد قران لأولئك الشابات والشباب الذين كانوا يأتون - فيما مضى كنتُ أقوم بهذا ولكن حالياً لا أحظى بهذا التوفيق - كنتُ أقول لهم: إنّ الكثير من السيّدات يجعلن أزواجهن من أهل الجنة، والكثير من السيّدات أيضاً يجعلن أزواجهن من أهل النار، هذا رهنٌ بهنّ. وبالتأكيد فإنّ للرجال هذا الدور أيضاً. في مجال الأسرة لا ينبغي تجاهل دور الرجال كذلك. بناءً على هذا، إنّ دور الزوجية هو دور بالغ الأهمية. ثم هناك دور الأمومة.وحسناً، لقد أُلقيت كلمات مفصلة وجرى بحث وافر حوله. 


عمل المرأة
من جملة المسائل التي تُطرح، مسألة عمل السيدات. إنّ عمل السيدات هو من جملة الأشياء التي نوافق عليها. إنّني موافق على أنواع المشاركة سواء كان من نوع العمل الاقتصادي أو من نوع العمل السياسي والاجتماعي والأنشطة الخيرية وأمثالها, فهي جيدة أيضاً. النساء نصف المجتمع، وأمر جيد جداً أن نتمكّن من الاستفادة من نصف المجتمع هذا في المجالات المتنوّعة. ولكن خلاصة القول: إنّ هناك أصلين أو ثلاثة ينبغي رعايتها وعدم تجاهلها.

1- الأول: أن لا يلقي هذا العمل بظلاله على العمل الأساسي - والذي هو عمل الأسرة والزوجية والأمومة والتدبير المنزلي - وهذا أمر ممكن. أعتقد أن لدينا نماذجَ من سيدات كنّ يقمن بهذا ولا شكّ بأنهنّ واجهن بعض الصعوبات, درسن وكذلك درَّسن، أنجزن أعمال البيت، أنجبن أطفالاً، قمنَ بتربيتهم والاهتمام بهم. فإذن نحن موافقون على العمل والمشاركة، على ألا تؤثّر وتضرّ بهذه المسألة الأصلية, لأنّه لا بديل عنهنّ فيها. فإن لم تقمن بأنفسكن بتربية أبنائكن في المنزل أو لم تقمن بفكّ عقد خيوط عواطف الطفل الظريفة جداً - والتي هي أنعم من خيوط الحرير - حتى لا يتعقّد عاطفياً، فلا يمكن لأي أحد آخر أن يقوم بهذا العمل, لا أبوه، ولا غيره بطريق أولى، إنّه عمل الأم فقط. أمّا ذلك العمل الذي لديكن في الخارج، فإن لم تقمن به أنتن فإنّ هناك عشرة أشخاص آخرين سيقومون بهذا العمل. بناءً على هذا، فإنّ الأولوية هي للعمل الذي لا بديل عنكن فيه، هذا هو المطلوب والمتعيّن. 
 
 
 
 
 
 
 
33

24

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 وهنا تقع مسؤولية على عاتق الحكومة، ينبغي القيام بمساعدة تلك النساء اللواتي ولأي سببٍ أو أي حيثية أو ضرورة، يقمن بعمل بدوامٍ كاملٍ أو جزئي، كي يتمكنّ من الاهتمام بشؤون الأمومة وأمور المنزل, من خلال الإجازات وسنّ التقاعد وساعات الدوام اليومي، ينبغي على الحكومة أن تساعد بشكلٍ ما كي تتمكّن هذه السيدة التي تقوم بالعمل لأي سبب من الأسباب من متابعة تلك الشؤون. 


2- الثاني: هي مسألة المحرَّم وغير المحرَّم (الاختلاط). إنّ هذه المسألة جدية في الإسلام، ولا شكّ بأنّ الجزء الأكبر من هذه القضية يرجع إلى الأسرة, أي إنّ العين الطاهرة والقلب الخالي من الوسوسة والشك لكل من الزوجين يؤدّي إلى تمتين أواصرالأسرة وبثّ الحنان فيها, مثل مدفأة للحرارة تبعث الدفء في محيطها. إذا كان الطرف المقابل طاهر العين والقلب، فإنّ هذا سيصبح من كلا الطرفين، وستكون أجواء الأسرة مفعمة بالحنان والمحبة. 

إن لم يكن الأمر كذلك، فكانت العين خائنة واليد خائنة واللسان ذا وجهين والقلب خالٍ من المحبة، ولم يكن هناك إعتقاد بالزواج والزوجية، فإنّ أجواء الأسرة ستكون باردة حتى إن كان هناك تظاهر وتمويه. 

قرأتُ في مقالات الأصدقاء أنّ الخروج والعمل يؤدي أحياناً إلى نشوء سوء ظنّ في غير محله. ولكن لا يوجد فرق, فحينما ينشأ سوء الظنّ فإنّه سيترك أثره، سواء أكانت الأسباب وجيهة أو لا، مثل الرصاصة التي تخرج من فوهة السلاح، حين تصطدم بصدر أحدهم فإنّها تقتله، سواء أكان الرامي قاصداً أم أنّ يده ضغطت خطأ على الزناد، الرصاصة لا تُميّز، ولن تقول: "لأنّ الذي أطلقني لم يكن يقصد ذلك، فلن أؤذي الطرف المقابل"، كلا فالرصاصة تقتل. سوء الظن هذا يفعل فعله، سواء أكان منشؤه صحيحاً، أو كان ناتجاً عن الوسواس، أو الأوهام الباطلة مثلاً. 

ضرورة المحافظة على قداسة الزواج
هناك نقطة أيضاً في مسألة الزواج، إنّ للزواج قداسةً من وجهة نظر الأديان التي أعرفها. وأنا لم أدقّق كثيراً في هذا الخصوص، لا بأس كذلك بأن يقوم بعض الأصدقاء المستعدّين للعمل في التدقيق في هذا المجال. في الغالب، مراسم الزواج هي مراسم دينية يجريها المسيحيون في الكنيسة، واليهود في معابدهم، المسلمون وإن لم يجروا مراسم الزواج في المساجد، إلا أنّهم يجرونها حين يقدرون في المشاهد المشرّفة أو في الأيام المباركة وبواسطة علماء الدين، حين يقوم عالم الدين بعقد القران فإنّه يُبيّن بعض التعاليم الدينية. بناءً على هذا، فإنّ الصبغة صبغة دينية. إنّ للزواج بُعداً مقدّساً،
 
 
 
 
 
 
 
 
34

25

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 ولا ينبغي نزع هذا البُعد المقدّس عن الزواج. سلب القداسة يتم عبر هذه الأعمال القبيحة والتي للأسف أصبحت رائجة في مجتمعاتنا. هذه المهور الباهظة التي يتمّ وضعها، ويتخيّلون أنّها تستطيع أن تدعم الزوجيّة وتحفظ الأسرة، والحال أنّها ليست كذلك. فالحدّ الأقصى أن يقوم الزوج بالامتناع عن دفع المهر، فيؤخذ إلى السجن، ليبقى هناك سنة أو سنتين. وفي هذه الحال لا تستفيد المرأة شيئاً, لا تحظى بشيء سوى أنّ بنيان الأسرة سيتهدّم. 


في الإسلام حين يُنقل عن الإمام الحسين عليه السلام قوله: "إنّنا لم نزوّج بناتنا وأخواتنا ونساءنا إلاّ على مهر السُنّة"، فلأجل هذا الأمر، وإلاّ فإنّه كان يستطيع. لو شاء الإمام أن يُزوّج بألف دينار لفعل ولم يكن من الضروري مثلاً أن يُلزم نفسه بخمسمئة درهم - المعادل لاثنتي عشر أوقية ونصف - لقد كانوا يستطيعون ذلك لكنّهم قلّلوا المهور. هذا التقليل للمهور كان مدروساً ومحسوباً بدقّة، هذا جيد جداً. وهناك أيضاً المبالغات الزائدة في الزواج ـ صرف المبالغ الطائلة وإقامة الحفلات المتعدّدة ـ والتي يغتمّ قلب الإنسان في الحقيقة عندما يسمع بها. هذه من النقاط التي ينبغي صياغة خطاب لها والترويج لثقافة حولها. حيث إنّ السيدات مؤثّرات والسادة مؤثّرون، وكذلك أساتذة الجامعات وعلماء الدين، وبشكل خاص الإذاعة والتلفاز ووسائل الإعلام، إنّ عليهم جميعاً أن يعملوا في هذا المجال، وأن يُخلّصوا الأجواء من هذه الحالة. 

تقدير دور المرأة
كذلك نطرح هنا أمراً حول دور الرجال، حيث دائماً يُقال دور المرأة في الأسرة والسبب واضح، وهو أنّ المرأة هي عنصر محوري في الأسرة. ولكن هذا لا يعني أن لا دور ولا واجب ولا مسؤولية للرجل في الأسرة. الرجال اللامبالون، والرجال غير العاطفيين، والرجال اللاهون، والرجال الذين لا يُقدّرون أتعاب النساء في البيت، هؤلاء يوجّهون ضربة إلى أجواء الأسرة. على الرجل أن يكون معترفاً بالجميل. على المجتمع أن يكون عارفاً بهذا الفضل معترفاً بالجميل. ينبغي أن يتم تقدير عمل النساء في المنازل بشكلٍ خاص. بعضهن يستطعن أن يذهبن إلى العمل، بعضهن يستطعن الحصول على الشهادات العليا، وبعضهن لديهن شهادات عليا، أنا شاهدتُ نساءً من هذا النوع وقد قُلنَ نحن نريد أن نهتم بهذا الطفل ونربّيه تربيةً جيدة، لذا لم نذهب للعمل خارج المنزل. لم تذهب تلك المرأة للعمل، وبدوره فإنّ العمل هذا لم يبقَ معطّلاً، أولئك العشرة أشخاص الآخرون ذهبوا وقاموا به. 
 
 
 
 
 
 
35

26

في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة

 ينبغي تقدير هكذا امرأة. في الكلمات التي أُلقيت ذُكرت مسائل كالضمان والتأمين لتلك النساء، أجل ينبغي تخصيص هذه المسائل الضرورية لهنّ، كالتأمين الاقتصادي والضمان وباقي الأمور اللازمة. كذلك فإنّ الأبناءَ لهم دور، فهم من أهمّ أجزاء الأسرة، دورهم هو احترام الوالدين. وهذا الأمر له حكاية مفصلة. 


على كل حال فإنّني أشكركم إنني راضٍ عن هذا اللقاء. الحمد لله كان لقاءً جيداً. نسأل الله أن يكون راضياً عنّا وعنكم، وأن تكون جهودكم مشمولة بنظر بقية الله أرواحنا فداه، وأن تجري متابعة هذا العمل وإكماله إن شاء الله. 

التمهيد لمشروعٍ دوليٍّ حول المرأة
طرح هناك مشروع جيد لعمل دولي حول المرأة حيث لم تسنح الفرصة للحديث حوله، لقد رأيتُ هذا المشروع وأؤيّده. يمكن الاستفادة من وجهات نظر السيدة التي تكلمت حول المسائل الدولية. أمر جيد أن يتم القيام بعمل دولي في مجال النساء. جزاكم الله خيراً. 

اللّهم، أنزل رحمتك وفضلك وهدايتك على هذا الجمع.
اللّهم، اجعل ما قلناه وسمعناه وفعلناه وما سنفعله لك وفي سبيلك واجعله خالصاً ومُخلصاً.
اللّهم، أنزل توفيقاتك على هذا الجمع وعلى الشعب الإيراني وخاصّة على المسؤولين الذين يحملون على عاتقهم مسؤوليات جسام في هذا المجال. 
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
36

27

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة


المناسبة: مؤتمر شباب الصحوة.
الحضور: شباب الصحوة الإسلاميّة (73 بلداً).
المكان: طهران.
الزمان: 30/1/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
37

28

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وسيد الخلق أجمعين، سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين، وصحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ملامح العصر الجديد للعالم
أُرحّب بكم جميعاً أيّها الضيوف والشباب الأعزاء, حملة البشائر الكبرى لمستقبل الأمّة الإسلاميّة. كلّ واحد منكم يحمل بشارة كبيرة، حينما يستيقظ الشباب في بلد من البلدان يتضاعف الأمل بالصحوة العامّة في ذلك البلد. واليوم إنّ شبابنا في أرجاء العالم الإسلامي كلّه قد استيقظوا. الشراك كلّها منصوبة أمام شبابنا، لكن الشباب المسلم الغيور ذو الهمّة العالية خلّص نفسه من هذه القيود. لاحظوا ما الذي حدث في تونس، وفي مصر، في ليبيا وفي اليمن، وفي البحرين، وأية حركة انطلقت في بقية البلدان الإسلامية، كل هذه بشائر. 

ما أقوله لكم أيّها الشباب الأعزاء ويا أبنائي، هو أن تعلموا أنّ تاريخ العالم وتاريخ البشرية اليوم يسير في منعطف تاريخي كبير، عصٌر جديد بدأت تلوح معالمه في العالم كلّه. والعلامة الكبرى والواضحة لهذا العصر عبارة عن التوجّه إلى الله تعالى، والاستمداد من القدرة الإلهية التي لا تزول، والاعتماد على الوحي. لقد تجاوزت البشرية المدارس والإيديولوجيات الماديّة. فاليوم لا الماركسية لها جاذبية تُذكر، ولا الليبرالية الديمقراطية في الغرب لها مثل هذه الجاذبية ـ وتُلاحظون ما الذي يحدث في مهد الليبرالية الديمقراطية الغربية، في أمريكا وأوروبا، حيث يعترفون بالهزيمة ـ، ولا القومية العلمانية لها جاذبية, الجاذبية الأشدّ بين الأُمّة الإسلامية في الوقت الراهن هي للإسلام وللقرآن ولمدرسة الوحي، وقد وعد الله تعالى أنّ بوسع المدرسة الإلهية والوحي الإلهي والإسلام العزيز أن يُوفّر السعادة للبشر. هذه ظاهرة جدّ مباركة وعلى جانب كبير من الأهمية، وذات معنىً ومغزىً عميق.

لقد قامت اليوم ثورات في البلدان الإسلامية ضد الدكتاتوريات العميلة، وهذه مقدمة للثورة على الدكتاتورية العالمية والدكتاتورية الدولية، وهي دكتاتورية الشبكة الفاسدة الخبيثة للصهيونية والقوى الاستكبارية - الاستبداد الدولي - والدكتاتورية الدولية في الوقت الحاضر متجسدة في دكتاتورية أمريكا وأتباع أمريكا والشبكة الصهيونية الشيطانية الخطيرة. هؤلاء اليوم يمارسون الدكتاتورية بأساليب مختلفة وبأدوات 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

29

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 متنوعة في كل أنحاء العالم. ما قمتم به في مصر، وفي تونس، وفي ليبيا، وتقومون به في اليمن، وتقومون به في البحرين، وظهرت دوافعه بقوة في بلدان أخرى، هو جزء من الكفاح ضد هذه الدكتاتورية الخطيرة المضرّة التي تمارس ضغوطها على البشرية منذ قرنين من الزمان. هذا المنعطف التاريخي الذي ذكرتُه عبارة عن التحوّل من سيطرة هكذا دكتاتورية إلى حرية الشعوب وسيادة القيم المعنوية والإلهية. هذا ما سوف يحدث، لا تستبعدوا ذلك.

 
الوعد الإلهي بالنصر
في الوعد الإلهي:﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ1 يؤكّد الله تعالى على أنكم إذا نصرتموه فسوف ينصركم. قد يبدو الأمر بعيداً في النظرة العادية القائمة على الحسابات الماديّة، لكن كثيراً من الأشياء كانت تبدو بعيدة وقد حدثت. هل كنتم تتصورون قبل سنة وشهرين أو ثلاثة أشهر أن يُذَلّ طاغوت مصر ويقضى عليه؟ لو قيل يومذاك لبعضهم إن نظام مبارك العميل الفاسد سوف يسقط لاستبعد الكثيرون ذلك، لكنه حدث. لو ادعى أحد قبل سنتين أن هذه الأحداث العجيبة سوف تقع في شمال أفريقيا لما صدّق الناس ذلك في الغالب. لو قال قائل إنّه في بلد مثل لبنان ستتمكن جماعة شابة مؤمنة من هزيمة الكيان الصهيوني والجيش الصهيوني المدجّج بالسلاح، لما صدّق ذلك أحد. لكن هذه الأحداث وقعت. لو قال قائل إنّ نظام الجمهورية الإسلامية بكل هذا العداء الذي ينصب له من الشرق والغرب، سيستطيع المقاومة 32 عاماً ويقوى يوماً بعد يوم، ويتقدم إلى الأمام، لما صدّق ذلك أحد. لكنه حدث.  ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾2 هذه الانتصارات آية إلهية. إنها علامات قدرة الله الفائقة التي يظهرها الله تعالى لنا. عندما تنزل الجماهير إلى الساحة، وحينما نأخذ ما نملكه إلى الساحة، ستكون النصرة الإلهية قطعية أكيدة. وقد دلّنا الله تعالى على الطريق. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾3، فالله يهدي ويعين ويأخذ بالأيدي إلى الأهداف العليا، بشرط أن نكون متواجدين في الساحة.
 
ما حدث حتى اليوم كان كبيراً جداً، حكم الغربيون الأمّة الإسلامية مئتي عام (200) بفضل تقدّمهم العلمي، واحتلوا البلدان الإسلامية. احتلوا بعضها مباشرة واحتلوا 
 
 
 

1- الحج،40.
2- الفتح،20.
3- العنكبوت، 69.
 
 
 
 
 
 
 
 
40

30

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 بعضها الآخر بشكل غير مباشر وبمعونة دكتاتوريين محليين. فهيمنت بريطانيا وفرنسا ومن بعدهم أمريكا ـ وهي الشيطان الأكبر ـ على الأمّة الإسلامية، وأذلّوا الأمة الإسلامية ما استطاعوا، وزرعوا الغدّة السرطانية الصهيونية في قلب الشرق الأوسط في هذه المنطقة الحساسة، وعملوا على تقويتها في كل المجالات، وكانوا واثقين من أن مقاصدهم وسياساتهم في هذه المنطقة المهمة جداً من العالم قد تأمّنت، لكن الهمّة الإيمانية والهمّة الإسلامية والتواجد والمشاركة الشعبية بدّدت كل هذه الأحلام الباطلة، وأوقفت كل هذه الأهداف.

 
يشعر الاستكبار العالمي اليوم بالعجز أمام الصحوة الاسلامية. أنتم غالبون، منتصرون، المستقبل لكم. ما تمّ إنجازه عملٌ عظيمٌ جداً. ولكن ذلك ليس ختام العمل، هذا هو المهم، هذه البداية والانطلاق. على الشعوب الإسلامية أن تكمل جهادها حتى إزالة العدو من مختلف الميادين.
 
كفاح الشعوب المسلمة
الكفاح، كفاح الهمم والعزائم والإرادات. أي جانب تكون إرادته أقوى يكون هو الغالب. الشخص الذي يعتمد قلبه على الله تعالى هو الغالب. ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾1 إذا ظفرتم بالنصرة الإلهية فلن يتغلب عليكم أحد، وسوف تتقدّمون وتظفرون. إنّنا نريد أن تكون الشعوب المسلمة التي تشكل الأمة الإسلامية الكبرى حرّة، مستقلة، عزيزة، أبية الذل، تنظم حياتها وفقاً لأحكام الإسلام الراقية والمتقدمة، والإسلام قادر على ذلك. لقد أبقونا لسنين متمادية متخلفين من الناحية العلمية، وقد سحقوا ثقافتنا، وقضوا على استقلالنا، لقد استيقظنا اليوم، وسوف نقتحم ميادين العلم الواحد تلو الآخر.
 
حينما تأسّست الجمهورية الإسلامية قبل 30 عاماً كان الأعداء يقولون إن الثورة الإسلامية قد انتصرت لكنها لا تستطيع إدارة ميادين الحياة الواحد تلو الآخر، وسوف تتراجع إلى الوراء. واليوم فإن شبابنا استطاعوا ببركة الإسلام إنجاز أعمال كبيرة في المضمار العلمي، إنجازات لم تكن في الماضي لتخطر حتى ببالهم أنفسهم. واليوم بفضل التوكل على الله تعالى ينجز الشباب الايراني أعمالاً علمية كبيرة، فهم يخصّبون اليورانيوم، وينتجون الخلايا الجذعية ويطوّرونها، وقد قطعوا خطوات واسعة في تقنيات الأحياء، واقتحموا الفضاء، وهذا كله بفضل التوكل على الله تعالى 
 
 
 

1- آل عمران، 160.
 
 
 
 
 
 
 
41

31

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 وبشعار "الله أكبر"1. يجب أن لا نستهين بقدراتنا. من أكبر الآفات التي أدخلتها الثقافة الغربية إلى بلداننا الإسلامية تصوران خاطئان ومنحرفان, أحدهما بث فكرة عجز الشعوب المسلمة، حيث يقولون إنكم لا تستطيعون فعل شيء، لا في ميدان السياسة، ولا في مضمار الاقتصاد، ولا على مستوى العلم. وقالوا: إنكم ضعفاء. ولقد بقينا نحن البلدان الإسلامية على هذه القناعة الخاطئة عشرات السنين وبقينا متخلفين. الفكرة الثانية التي بثوها فينا هي لانهائيّة قوة أعدائنا وعدم قابليتها للهزيمة. أفهمونا أن أمريكا لا يمكن أن تهزم، ولا يمكن فرض التراجع على الغرب، ولا سبيل لنا سوى أن نتحمّلهم.

 
وقد بَانَ للشّعوب المسلمة اليوم عياناً أن هاتين الفكرتين خطأ في خطأ. بإمكان الشعوب المسلمة أن تتقدم وبمقدورها إحياء المجد والعظمة الإسلامية التي كانت ذات يوم في ذروة الفخر وعلى قمة التألق العلمي والسياسي والاجتماعي، والعدو مضطر للتراجع في ميادين عديدة. 
 
هذا القرن هو قرن الإسلام. هذا القرن قرن المعنوية. الإسلام يقدّم العقلانية والمعنوية والعدالة مجتمعة هديةً للشعوب. إسلام العقلانية، إسلام التدبّر والتفكر، إسلام المعنوية، إسلام التوجّه إلى الله تعالى والتوكل عليه، إسلام الجهاد، إسلام العمل، إسلام الإقدام والمبادرة. هذه هي تعاليم الله تعالى وتعاليم الإسلام لنا.
 
التنبّه لمؤامرات العدو
المسألة المهمة اليوم هي أن العدو يعمل على التخطيط والتآمر مقابل الضربة التي تلقاها بدرجات مختلفة في مصر وتونس وليبيا وبقية بلدان المنطقة. يجب التنبّه لمؤامرات الأعداء، يجب الحذر من أن يختطفوا ثورات الشعوب منهم أو أن يحرفوا مساراتها. استفيدوا من تجارب الآخرين. يمارس العدو الكثير من الأعمال لأجل حرف الثورات ولأجل أن يحبط التحركات، ولكي يجهض الجهاد والدماء المبذولة... يجب الحذر واليقظة. أنتم الشباب أساس هذه الحركات, فكونوا يقظين واعين. 
 
لدينا الكثير من التجارب على مدى 32 عاماً. واجهنا ألوانَ العداء طوال 32 عاماً، وقد صمدنا وتغلّبنا على العدوان2. ما من مؤامرة كان بوسع الغرب وأمريكا أن يقوموا بها ضدّ الجمهورية الإسلامية ولم يفعلوها. وأي عمل لم يقوموا به ولم يكن بوسعهم القيام به. وكل ما استطاعوا أن يفعلوه فعلوه، وقد تلقوا الضربات والصفعات وهزموا في
 
 
 
 

1- ارتفاع نداءات التكبير من قبل حشود الحاضرين.
2- ارتفاع نداءات التكبير، وشعارات "لبيك يا خامنئي" من الحضور.
 
 
 
 
 
 
 
 
42

32

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 المراحل والأطوار كافّة1. وكذلك سيكون الحال بعد الآن أيضاً، سوف يهزمون بعد الآن أيضاً في كل مؤامراتهم ضدّ الجمهورية الإسلامية, هذا هو الوعد الإلهي لنا ولا نرتاب فيه.

 
إنّنا لا نشك في صدق الوعود الإلهية، إننا لا نسيىء الظن بالله تعالى, الله سبحانه يلوم الذين يسيؤون الظن به: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا2﴾.
 
وعدُ الله تعالى وعدٌ صادق, لأنّنا في داخل الساحة وفي ميدان الكفاح ـ والشعب الإيراني أخذ إمكاناته وقدراته و طاقاته كلّها إلى الساحة ـ فالنصرة الإلهية أكيدة قاطعة، وكذا الحال في البلدان الأخرى كلّها. ولكن يجب أن نكون يقظين، كلنا يجب أن نكون يقظين، كلنا يجب أن نتنبّه لمكائد الأعداء, يحاول العدو إحباط الحركات والأنشطة وإجهاضها، وزرع الخلافات.
 
هدفنا هو الإسلام
النهضة الإسلامية في العالم الإسلامي اليوم لا تعرف شيعةً وسنّةً، ولا تعرف شافعياً وحنفياً وجعفرياً ومالكياً وحنبلياً، ولا تعرف عرباً وفرساً، وقوميّات أخرى. فالجميع هم في هذه الساحة العظيمة. فلنسع كي لا يبث العدو التفرقة بيننا. لنشعُر كلنا بالأخوة ولنحدد الهدف. الهدف هو الإسلام. الهدف هو الحكومة القرآنية والإسلامية. طبعاً ثمة مشتركات بين البلدان الإسلامية وثمة فوارق. ما من نموذجٍ واحدٍ لكل البلدان الإسلامية. الظّروف الجغرافية والتاريخية والاجتماعية مختلفة في البلدان المختلفة. ولكن ثمّة أصولٌ مشتركة أيضاً, فكلّنا أعداءٌ للاستكبار، وكلنا نعارض الهيمنة والسيطرة الغربية الخبيثة، وكلنا نعارض وجود الغدة السرطانية الإسرائيلية3
 
أينما كان ثمة شعور لدينا بأن عملاً ما يُقام به لصالح إسرائيل ولصالح أمريكا، حينها علينا أن نكون يقظين ونعلم أن هذا التحرك تحرك أجنبي وغريب، وليس تحركاً ذاتياً أصيلاً. وحينما يكون التحرك تحركاً إسلامياً ومناهضاً للصهيونية والاستكبار والاستبداد والفساد فهو تحرك صحيح. هناك سيكون الجميع مع بعضهم ومن بعضهم ولا فرق في أن نكون شيعة أو سنّة أو من هذا البلد أو ذاك. علينا جميعاً أن
 
 
 

1- شعارات الحضور: "الموت لأمريكا".
2- الفتح، 6.
3- شعارات الحضور: "الموت لإسرائيل".
 
 
 
 
 
 
 
43

33

في لقاء المشاركين في المؤتمر العالمي للشباب والصحوة الإسلاميّة

 نفكر بطريقة واحدة. لاحظوا، إنّ جميع الأجهزة الإعلامية في العالم اليوم ـ وهذا مثال بسيط وماثل أمامنا ـ تُحاول عزل الشعب البحريني والحركة في البحرين. فما سبب هذا الذي يقومون به؟ لأنّ القضية قضية شيعة وسنة. يريدون زرع الخلافات ورسم الخطوط والفواصل والفوارق. لا فرق بين المسلمين والمؤمنين من هذا المذهب الإسلامي وذاك المذهب الإسلامي، فالوجه المشترك بينهم جميعاً هو الإسلام. الوجه المشترك بين الجميع هو الأمة الإسلامية. وحدة الأمة الإسلامية1. سر الانتصار واستمرار التحرك هو التوكل على الله، وحسن الظن بالله، والاعتماد عليه تعالى، وحفظ الوحدة والتلاحم.



ضرورة الاستقامة والسير إلى الأمام
يا أعزائي ويا أبنائي، احذروا من أن يوقف العدو حركتكم. يخاطب الله تعالى رسوله في موضعين من القرآن الكريم فيقول:  ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ2﴾، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ3﴾، والاستقامة هي الصمود والمواصلة، ومتابعة الطريق وعدم التوقف. هذا هو سرّ العمل.
 
يجب أن نسير إلى الأمام. هذه الحركة حركة ناجحة, لأنّ لها آفاقاً مشرقة، الآفاق مشرقة وجليّة، المستقبل مستقبل مشرق جداً. سيأتي اليوم الذي تصل فيه الأمّة الإسلامية بحول الله وقوته إلى ذروة الاقتدار والاستقلال4، وتنضوي الشعوب المسلمة - مع حفظ خصوصياتها وتمايزاتها - تحت مظلة واحدة هي مظلة الدعوة إلى الله وإلى الإسلام، ويكون الجميع متآزرين. وعندئذ سوف تكتسب الأمة الإسلامية عزّتها.
 
لدينا في بلداننا مصادر جوفية ومناطق استراتيجية وثروات وخيرات طبيعية جمّة ولدينا شخصيات ممتازة وطاقات بشرية متقدمة وموهوبة. يجب أن نعقد الهمم، وسوف يبارك الله تعالى في هذه الهمم.
 
أقول لكم أيها الشباب إن المستقبل لكم، وسترون أيها الشباب بحول الله وقوته وبإذنه ذلك اليوم، وسوف تسلمون إن شاء الله مفاخركم وأمجادكم للأجيال التي تليكم.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 

1- هنا علت نداءات التكبير وشعارات: "وحدة وحدة إسلامية".
2- هود، 112.
3- الشورى، 15.
4- شعارات الحضور: "هيهات منّا الذلة".

 
 
 
 
 
 
44

34

في صلاة الجمعة – طهران

 خطبتا الإمام الخامنئي دام ظله في صلاة الجمعة – طهران


 المناسبة: صلاة الجمعة.
 الحضور: حشد من المصلين.
 المكان: طهران.
 الزمان:3/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
45

35

في صلاة الجمعة – طهران

 الخطبة الأولى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وسيد الخلق أجمعين، سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين، وصحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
مقدّمة الخطبة
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستغفره وأتوكّل عليه، وأصلي وأسلم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه حافظ سرّه ومبلغ رسالاته، بشير رحمته ونذير نقمته، سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين، وصحبه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وصلّ اللهم على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين، وصلّ على بقية الله في الأرضيين. 
 
الوصيّة بتقوى الله
أوصيكم عباد الله بتقوى الله ونظم أمركم، أوصي جميع الإخوة والأخوات المصلين ونفسي بتقوى الله، فهو أساس مسيرة الإنسان نحو الكمال والتعالي. إذا استطعنا بتوفيق من الله أن نراعي تقوى الله في أعمالنا الفردية والجماعية والسياسية والاجتماعية فسوف تشملنا كل الخيرات وكل الألطاف الإلهية.
 
ذكرى عشرة الفجر
إنها أيام عشرة الفجر المباركة1. يجب علينا في هذه الأيام توجيه شكرين اثنين:
الأول: شكر الله. نعفّر جبهة الشكر على عتبة الله بكلّ خشوع وتواضع, أن وفّق شعب إيران للقيام بهذه الحركة العظيمة، وهذا العمل الكبير وهذه النهضة التاريخية على يديه وبقيادة الإمام الجليل، حيث تشكل النظام الإسلامي، وانطلقت مسيرة الشعب الإيراني إلى الله، ونحو الأهداف والقيم الإلهية. ما من نعمة أكبر من هذه، وشكر الله على هذه النعمة الكبرى أمرٌ واجب على الدوام، وهو أوجب في أيام عشرة الفجر.
 
والثاني: هو شكر شعب إيران، الذي أبدى وفاءً ومروءةً وتضحيةً وإيثاراً وشجاعةً
 
 
 
 

1- الأيام العشرة الأولى التي سبقت إعلان انتصار الثورة الإسلامية في إيران 11/2/1979م.
 
 
 
 
 
 
 
 
47

36

في صلاة الجمعة – طهران

 وبصيرةً، وحافظ على حضوره الدائم طوال هذه الأعوام الاثنين والثلاثين، بحيث ترسّخت هذه الغرسة يوماً بعد يوم رغم الأخطار والعقبات، وازدادت رونقاً وازدهاراً وطراوة. وهي اليوم كتلك الشجرة الطيبة التي ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾1 قد تجذّرت في أرض الحياة البشرية وباتت تؤتي أُكُلها في كل حين.

 
لعشرة الفجر في هذا العام - خصوصاً - طعم آخر، فنحن في أجواء الثورات المنتصرة في هذه المنطقة سواء في تونس أو في مصر أو في ليبيا حيث أثمرت التحرّكات الثورية للشعوب، وأُنجزت أعمالٌ كبيرة، وهذه بشارة كبرى لنا نحن الشعب الإيراني، وهي حدث مبارك وطيب. إنّنا وخلال إحيائنا لذكرى عشرة الفجر، والثاني والعشرين من بهمن (شباط) (ذكرى انتصار الثورة الإسلامية) في مثل هذه الأجواء. يجب القول إنّ الشعب الإيراني خرج من غربته بانتصار هذه الثورات بنحو نسبي، وسوف أذكر شيئاً عن هذا اليوم باختصار إن شاء الله.
 
في هذه الخطبة سوف أطرح على الإخوة والأخوات المصلّين الأعزاء وعلى الشعب الإيراني ثلاثة مواضيع رئيسة، وفي الخطبة الثانية سأتحدّث للإخوة العرب أكثر. أحد هذه الموضوعات الثلاثة حول ثورتنا والطريق الذي قطعناه خلال هذه العقود الثلاثة والمكتسبات التي حقّقناها والمستقبل الذي ينتظرنا. والموضوع الثاني إطلالة على قضايا المنطقة والعالم. والموضوع الثالث بعض النقاط المختصرة حول الانتخابات المقبلة. 
 
حول الموضوع الأول هناك من الكلام ما يعادل كتباً. لكن ما سأذكره كخطوط أساسية لثورتنا جملتان أو ثلاث من هذا الكلام وشرحه طويل ومفصّل جداً. 
 
خصوصيّات الثورة الإسلاميّة
كانت لثورتنا هذه الخصوصيّات:
أ- لقد قضت على نظام مناهض للإسلام وجاءت بنظام إسلامي إلى الحكم.
ب- محقت نظاماً دكتاتورياً مستبدّاً، وأقامت نظام حكم شعبي بدلاً عنه.
 
ج- محت التبعية التي كانت بلادنا تعاني منها طوال سنين متمادية - حيث وصلت إلى أفجع وأفظع أحوالها في العهد البهلوي- ومنحت الشعب استقلالاً شاملاً.
د- قضت على القمع والتعسّف الرهيبين اللذين كانا مسلّطين على شعبنا، ومنحته 
 
 
 

1- إبراهيم، 24.

 
 
 
 
 
 
48

37

في صلاة الجمعة – طهران

 الحرية ومكّنت أبناء الشعب من طرح آرائهم وكلامهم بحرية، وأضحت الأجواء أجواء حرية. وأزالت حالة الذلة والمهانة التاريخية التي عانى منها الشعب الإيراني، ومنحته العزّة الوطنية. لقد أُذلّ شعبنا لعشرات الأعوام. أُذلّ هذا الشعب الكبير- مع ما له من السوابق التاريخية وهذه الموروثات الثقافية والعلمية والتاريخية العظيمة - مقابل الحكام المتغطرسين الفاسدين، ومن وراءهم المستعمرين والمهيمنين الدوليين. لقد أزالت ثورتنا هذا الوضع وبدّلته إلى عزّة وطنية. والشعب الإيراني اليوم يشعر بعزته وشخصيته.


هـ- قضت الثورة على الضعف النفسي وعقدة الدونية لدى شعبنا، وأحلت محلها الثقة بالنفس الوطنية. لقد كان لدينا عقدة دونية، وكنا نتصور أننا لا نستطيع القيام بعمل علمي أو سياسي أو عسكري عظيم. كنا نعتقد أننا شعب ضعيف. هذا ما لقّنونا إياه وبثّوه فينا. وقد أخرجت الثورة هذه الحالة من الشعب وبدّلتها إلى ثقة بالذات الوطنية. لدينا حالياً ثقتنا بأنفسنا في كل الميادين، ونعلم أنّنا قادرون ونسير وراء هذه القدرة ونتابعها، ونصل والحمد لله إلى مقاصدنا في كل المجالات.

و- كان شعبنا معزولاً ومُعرِضاً عن الشؤون السياسية ولا يهتم لأحداث البلاد. وقد انتزعت الثورة هذه الحالة من شعبنا وجعلتنا شعباً واعياً وسياسياً. فشبابنا وناشئتنا - أينما كانوا في أقاصي البلاد - لديهم في الوقت الحاضر تحليلاتهم السياسية، وهم يدركون الأحداث السياسية، ويُحلّلون كل مسألة من المسائل. ولم يكن الحال كذلك قبل الثورة. كانت الاتجاهات السياسية ووعي القضايا السياسية حالة مقتصرة على عدد قليل جداً في البلاد. كان الناس - عموماً - بعيدون عن أحداث البلاد، تأتي الحكومات وتذهب، وتبرم المعاهدات الدولية، وتُنجِز أموراً وأعمالاً كبيرة في العالم، والشعب غير مطّلع عليها. هذه هي الخطوط الأصلية لهذه الثورة التي أوجدت هذه الأحداث في هذا البلد. لقد تمأسست هذه الأصول وتكرّست مؤسساتياً وترسّخت. هذه ليست تحوّلات سطحية ومقطعية. شعارات الثورة اليوم هي نفسها شعارات اليوم الأول، وهذا مؤشّر على سلامة الثورة. فالشعارات بمثابة الإصبع الذي يشير إلى الأهداف ويرسمها. حينما تبقى الشعارات في نظام معيّن وثورة معينة وتترسّخ فمعنى ذلك أنّ الأهداف في ذلك النظام لا تزال نفسها الأهداف الأولى ولم تتغير، والمسؤولون والجماهير لم ينحرفوا عن الصراط المستقيم والأهداف الأصلية. إنّ شعارات الشعب الإيراني في الوقت الحاضر هي نفسها شعارات بدايات الثورة.
 
 
 
 
 
 
 
49

38

في صلاة الجمعة – طهران

 معرفة نقاط القوّة ونقاط الضعف

لقد كانت حياتنا خلال هذه المرحلة - الممتدة لنيّف وثلاثين سنة - متأثّرة بهذه الخطوط الأساسية. لقد حقّقنا تقدّماً وكانت لدينا نقاط ضعف ونواقص. يجب أن نعرف حالات التقدّم التي حققناها و كذلك علينا تشخيص مواطن ضعفنا, إذا تكتّمنا على نقاط ضعفنا ولم نعرفها وتجاهلناها فسوف تبقى وتتكرّس وتتجذّر ولن ترتفع. علينا معرفة كلّ نقاط القوة ونقاط الضعف.

توجد نقاط إيجابية ونقاط سلبية كذلك، وهناك صعود وهبوط، لكن المسيرة والحركة كانت مستمرة وهذا هو المهمّ. ليعلم شبابنا الأعزّاء أنّه طوال هذه الأعوام الاثنتي والثلاثين أو الثلاثة والثلاثين كانت هناك محطّات أبدينا فيها ضعفاً، وكان لهذه الحركة صعود وهبوط، ولم تكن دوماً على وتيرة واحدة، فقد كانت أحياناً سريعة وفي أحيان أخرى كانت أقلّ سرعة لكنّها لم تتوقّف أبداً، وقد تقدّمنا في الاتجاه الرئيس للمسيرة نفسه، ونشاهد اليوم ثمار ذلك.

نقاط القوة في الثورة
أذكر بعض نقاط القوة التي لدينا طوال هذه المدّة، وسأذكر أيضاً بعض نقاط الضعف:
أ- الانتصار على التحديّات
نقطة القوّة الأهمّ في هذه السنوات الاثنتي والثلاثين هي الانتصار على التحدّيات، وهذا الشيء على جانب كبير من الأهمية. لم نكن شعباً ننكّس رؤوسنا ونسير في طريقنا ولا أحد يهتم بنا, لا، فمنذ البداية كانت القوى العالمية المهيمنة تتربّص بنا، وعمدت إلى إيذائنا وعرقلة مسيرتنا، وقد فرضوا الحرب علينا، وأطلقوا صدّاماً علينا، وشغلونا لمدة ثمانية أعوام، وبعثوا لنا الإرهابيين، وفرضوا الحظر الاقتصادي. وقد تغلّبنا إلى الآن على كل هذه التحديات، فلم يُخضعنا أيّ تهديد، ولم يبعث شعبنا وثورتنا على الندم والاستسلام. لقد واصلنا طريقنا والحمد لله بهامات مرفوعة. هذه هي نقطة القوّة الأهمّ لدينا.

ب- تنامي الخدمات
ونقطة القوّة التالية التي توفّرت خلال هذه الفترة هي تنامي واتساع الخدمات المقدمة للشعب كمّاً وكيفاً. هذه الخدمات لا تقارن بالماضي القريب قبل الثورة ولا حتى بالماضي البعيد. الخدمات الهائلة التي انتشرت وتنامت في أنحاء البلاد كلّها كانت ذات نوعية وجودة عالية ومن الدرجة الأولى - الخدمات المادية والمعنوية - وكانت كمّيتها وسعتها أيضاً كبيرة جداً. هذه نقطة قوّة مهمّة.
 
 
 
 
 
 
 
50

39

في صلاة الجمعة – طهران

 ج- التقدّم العلمي

ونقطة القوّة الأخرى: التقدّم العلمي. يا أعزائي، لا تستهينوا بهذا التقدّم العلمي, هذا التقدم على جانب كبير من الأهمية. العلم هو أساس التقدم الشامل لأيّ بلد. سبق أن قرأت الحديث القائل: "العلم سلطان"1.. أي العلم اقتدار. كل من يتوفر لديه هذا الاقتدار يستطيع أن يبلغ كل مقاصده. وقد استطاع مستكبرو العالم - بفضل العلم الذي حازوا عليه - فرض قوتهم على كل العالم. ونحن طبعاً لن نميل إلى منطق القوّة أبداً، لكن العلم ضروري لنا بالتأكيد من أجل التقدّم.
 
تقدّمنا العلمي الذي أحرزناه طوال هذه الأعوام الثلاثين ونيف كان مذهلاً حقاً. والتقنية النووية بالمناسبة هي معروفة وقد جعلتنا محط أنظار الجميع في داخل البلاد وخارجها، لكن الأمر لا يقتصر عليها فقط، فهناك تقنية نووية، وهناك أيضاً علوم الفضاء والطيران، والعلوم الطبية - ولحسن الحظ إنّ بلادنا اليوم تحتل في الطبّ مراتب مهمة جداً وصعبة المنال، وقد أُنجزت أعمالٌ طبية كبيرة في هذا البلد - وهناك تقنيات الأحياء، وتقنيات النانو وهي من العلوم الحديثة في العالم، وهناك تقنيات الخلايا الجذعية وهي من أعظم الأعمال والإنجازات في ميدان العلم، وهناك الاستنساخ، وصناعة الحواسيب العملاقة، وتقنيات الأشكال الجديدة من الطاقة، والأدوية الراديوية والأدوية المضادة للسرطان، والقائمة متواصلة.
 
ما أذكره ليس من باب الارتجال، إنّما هي شهادات المراكز العلمية المعتبرة في العالم. هم يقولون إنّ أسرع نمو علمي في العالم كله حصل خلال هذه الأعوام كان في إيران. فتقرير عام 2011م يقول "إنّ أسرع نمو علمي في العالم كله حصل في إيران". وحسب التقارير التي أطلقتها المراكز العلمية المعتبرة في العالم، فإنّ إيران تحتل المرتبة العلمية الأولى في المنطقة. وكنّا قد حددنا لأنفسنا سنة 1404 هـ . ش. (2025 م)، كي نصل إلى هذه المرتبة العلمية الأولى، أي لا يزال أمامنا 14 عاماً. في العام الميلادي الماضي قالوا إنّ إيران هي الأولى في المنطقة من حيث المرتبة العلمية، والـ17 في العالم. أي إنّ المرتبة العلمية لبلادنا على مستوى العالم هي السابعة عشرة، وهذا شيء على جانب كبير من الأهمية، فتقدّمنا العلمي إذاً هو من نقاط قوتنا. 
 
د- تأسيس البنى التحتية
من نقاط قوتنا الأخرى، تقدّم البلاد في تأسيس البنى التحتية، الفنية والمعمارية والصناعية, فكلما زارتنا وفود من خارج البلاد وشاهدت هذه الإنجازات، 
 
 
 

1- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج20، ص 319.

 
 
 
 
 
 
51

40

في صلاة الجمعة – طهران

 أثنت عليها. أمّا الأعمال العظيمة التي أُنجزت على مستوى الاتصالات والطرق والمواصلات والبنى التحتية المختلفة الفنية والصناعية والمعمارية وأمثال ذلك، فهذه لها قصة أخرى مستقلة. وأنا في واقع الأمر آسف كثيراً، عندما أرى هذه التقارير الواضحة والوافية، وما ينبغي وما لا ينبغي، ولا يعرض ذلك على الشعب ليسرّ ويفرح، ويعلم أي حدث يجري في البلاد. 


هـ- نقل قيم الثورة للأجيال
ومن نقاط قوتنا خلال هذه المدة نقل قيم الثورة للجيلين الثاني والثالث. عندما تنظرون إلى الشباب ترون أنّهم تلقّوا هذه القيم وأدركوها. شهيدنا العزيز الأخير مصطفى أحمدي روشن - الشهيد الذي تركت شهادته لوعة وحرقة في قلوبنا - أو الشهيد الشاب الذي سبقه الشهيد رضائي نجاد الذي استشهد مطلع هذه السنة. كان هذان الشهيدان شابين عالمين في 32 من العمر، لم يدركا زمن الإمام الخميني، ولم يدركا زمن الحرب، ولم يدركا زمن الثورة، لكنّهما كانا يدرسان ويكسبان العلم ويقطعان المراحل والمراتب العلمية تباعاً بكل شجاعة وشهامة، وكانا على علم ووعي بأنّهما مُعرّضان للخطر والتهديد. هذا شيء مهم جداً وهو قيمة من القيم.. هذه هي قيم الثورة في الجيل الثالث. أحمدي روشن ورضائي نجاد وأمثالهما من الجيل الثالث للثورة. الخطوة العظيمة التي قام بها الشباب بعد استشهاد أحمدي روشن حيث أعلنوا عن استعدادهم للعمل خطوة مهمة جداً، ويجب عدم الاستهانة بهذا. من نقاط قوتنا ومن نقاطنا الإيجابية انتقال هذه القيم للجيلين الثاني والثالث. طبعاً كانت هناك بعض حالات التساقط، وكان هناك بعض التائبين من الثورة والنادمين عليها، لكن النماء عندنا كان أكثر من التساقط. القوى المهترئة تتساقط لكن القوى الشابة الطريّة تتصاعد وتنمو.

و- التأثير في القضايا الأساسية
نقطة أخرى من نقاطنا الإيجابية خلال هذه المدة القفزات الواسعة في التأثير في القضايا الأساسية في المنطقة والعالم. فنظام الجمهورية الإسلامية اليوم هو نظام بلد مؤثّر. "النعم" أو "اللا" التي يقولها في قضايا المنطقة وحتى في القضايا العالمية مؤثّرة. وهذا شيء مهم جداً للبلد.

ز- البنية القوية للنظام
من نقاط القوة الأخرى لدينا البنية القوية والمتينة للبلد والنظام في مواجهة الأعداء. نحن لا نضطرب مقابل العداء ولا نقلق ولا تتملّكنا الهموم. وإنّ بنية النظام والبلاد بنية متينة.
 
 
 
 
 
 
 
 
52

41

في صلاة الجمعة – طهران

 ح- ارتقاء مراكزنا العلمية

من نقاط القوّة الأخرى عندنا الارتقاء الكمّي والكيفي لمراكزنا العلمية، أي جامعاتنا وحوزاتنا العلمية. لقد ارتفع مستوى حوزاتنا العلمية من الناحية الكمّية ومن الناحية النوعية، وكذا الحال بالنسبة لجامعاتنا. هذه من نقاط قوتنا، وكل واحدة من هذه النقاط تتطلب شرحاً مطوّلاً، وثمة إحصائيات تدلّ عليها، وتوجد غيرها الكثير من نقاط القوّة.

تتمة لنقاط القوّة أُذكّر أنّه على الشعب الإيراني أن يتنبّه إلى أنّ كل هذا التقدم العلمي والاجتماعي والتقني تحقّق في ظروف الحظر والمقاطعة، وهذه مسألة على جانب كبير من الأهمية. لقد أغلقوا أبواب العلم وأبواب التقنية بوجهنا، وسدّوا الطرق، ولم يبيعونا المنتجات اللازمة، ومع ذلك تقدّمنا على هذا النحو. لقد حصلت هذه الأمور والتطورات في ظروف الحظر، وهذا ما يضاعف الآمال.

نقاط الضعف
ولدينا طبعاً نقاط ضعف، ويجب التغلّب على نقاط الضعف هذه وإزالتها. وسأعود لقضية الحظر والظروف التي فُرضت وأتطرّق لها بعض الشيء. 

أمّا نقاط ضعفنا فهي الأخطار التي تعترض طريقنا، وكانت موجودة خلال هذه المدة وينبغي علينا بعد ذلك أن نتغلّب عليها:
أ- النزوع إلى الدنيا
نقطة ضعفنا الأولى هي النزوع إلى طلب الدنيا، حيث تتمكّن من بعضنا وتسيطر عليه. فطلب الدنيا والماديات أصاب بعضنا - نحن المسؤولين - وشيئاً فشيئاً سقط من قاموسنا قبح الميل للثروة والبذخ والتشريفات والعيش برفاهية والنزعة الارستقراطية. وحينما نصبح هكذا فإنّ هذه الحالة تتسرّب إلى الناس, فالميل للارستقراطية والبذخ وجمع الثروات، والتمتّع بها بشكل غير مشروع وغير مستساغ موجود لدى كثير من الناس بشكل طبيعي. لكن عندما نطلق العنان لأنفسنا ونصاب بهذه الآفات، فسوف تتطرق هذه الأحوال إلى الناس، وتظهر فيهم.

نحن نعاني اليوم، للأسف، من الإسراف والنزعة الاستهلاكية. لقد قلتُ هذا مراراً وأقوله مرّة أخرى، هذا خطر يعترض طريقنا. يجب التقليل من النزعة الاستهلاكية والحرص على الدنيا ومتاع الدنيا. ما إن تنتشر إشاعة بأنّ الشيء الفلاني قد ندر وشحّ حتى يهجم الناس لجمعه وامتلاكه خوفاً من أن يفقدوه، والحال أنّ ذلك الشيء قد لا يكون من الأشياء الضرورية في الحياة. وحتى لو لم تكن تلك البضاعة شحيحة فإنّ 
 
 
 
 
 
 
 
53

42

في صلاة الجمعة – طهران

 هجوم الناس عليها سيجعلها شحيحة، ونحن لا نتنبّه لهذه النقطة. هذه من مواضع ضعفنا، ويجب علينا رفع هذا النقص والضعف.

 
ب- الضعف على مستوى التزكية والأخلاق
من نقاط ضعفنا الأخرى أننا لم نحقق تقدماً أخلاقياً وتزكية أخلاقية ونفسية بموازاة العلم والتقدم العلمي، وهذا نوع من التخلف. طبعاً، الوضع اليوم أفضل بكثير مما كان عليه قبل الثورة -ولا ريب في هذا أبداً- لكن كان يجب علينا أن نتقدم. لقد تقدمنا في العلم وتقدّمنا في السياسة، وكان ينبغي لنا أن نتقدم في المعنوية وتزكية النفس. في القرآن الكريم أين ما ورد ذكر التزكية والتعليم عن لسان الخالق قدّم سبحانه التزكية على التعليم، والتعليم هنا هو تعليم الكتاب والحكمة، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ1 في موضع واحد فقط جرى تقديم التعليم على لسان إبراهيم. وهكذا فقد غفلنا عن التزكية الأخلاقية والنفسية.


ج- العدالة الاجتماعية
وعلى صعيد العدالة الاجتماعية لم نصل بعد إلى المستوى الذي يريده الإسلام وهو ما نطمح إليه بدورنا. هذه أيضاً من نقاط ضعفنا. 
 
واجبات ومسؤوليّات في التغلّب على الضعف
يجب علينا تلافي نقاط الضعف هذه. إنّها مواطن نقص وضعف لا يمكن تخطيها وعدم الاكتراث بها. على المسؤولين وكذلك على أبناء الشعب أن يشعروا أنّ من واجبهم تلافي هذه النواقص والسلبيات. يجب أن نطلب العون من الله تعالى ونتغلّب على هذه النواقص ونرفعها. ورفعها أمر ممكن طبعاً, إنّها سلبيات يمكن التغلّب عليها ومعالجتها.
 
أ- النظر للمستقبل وتحمّل المسؤولية
أعتقد أنّ الأعمال التي يجب أن نقوم بها للتغلّب على هذه السلبيات والنواقص هي بالدرجة الأولى النظر للمستقبل وتحمّل المسؤولية. علينا جميعاً أن نشعر بالمسؤولية، خصوصاً مسؤولو البلاد وخدمة الشعب يجب أن يشعروا بالمسؤولية، ويجب أن لا نلقي النواقص والتقصيرات على عاتق بعضنا. إذا ظهر نقص في موضع من المواضع يجب أن لا يقول مجلس الشورى إنّ الحكومة مقصّرة وتقول الحكومة إنّ مجلس الشورى مقصّر، ويقول ذاك إنّ السلطة القضائية مقصّرة، لا، الحدود واضحة. الدستور عيّن 
 
 
 

1-  الجمعة، 2.
 
 
 
 
 
 
 
54

43

في صلاة الجمعة – طهران

 الخطوط والحدود. وواجبات الجميع معلومة. للقيادة مسؤولياتها، وللحكومة مسؤولياتها، ولمجلس الشورى مسؤولياته، وللسلطة القضائية مسؤولياتها، ولقوات الشرطة مسؤولياتها، والأجهزة التنفيذية كل واحد منها له مسؤولياته، فلا نلقي اللوم على بعضنا. إذا ظهر إشكال يختصّ بالقيادة فعلى القيادة أن تتقبل الأمر بتواضع لأنّه يختص بها وتحاول رفعه. هذا من الأعمال والأمور الأساسية. 


ب- عدم الغفلة عن القيم الأصولية
المهمّة الأصلية الأخرى هي أننا يجب أن لا نغفل عن القيم الأصولية (الأساسية)، ولا ننشغل بالقضايا الفرعية والهامشية، ونغفل عن الأصول. وهذه النقطة بدورها لها شرحها المفصّل.

ج- الحفاظ على الاتّحاد والتعاطف
ومن واجباتنا أيضاً الحفاظ على الاتحاد والتعاطف. قلنا مراراً إنّه لا بد من توفّر الاتحاد والتعاطف بين المسؤولين. السلطات الثلاث والآخرون يجب أن يكونوا متعاطفين ومتواكبين ومتعاضدين، حتى لو كان بينهم اختلاف في وجهات النظر في بعض المواطن. لا ضير في الاختلاف في وجهات النظر، ولكن يجب أن لا يقفوا ضد بعضهم في توجّهات النظام والبلاد والثورة، بل يشدّوا على أيدي بعضهم بقوة ويتقدّموا إلى الأمام، هذا ما يجب عليهم وعلى أبناء الشعب فيما بينهم وعلى أبناء الشعب في علاقتهم بالمسؤولين. هذا الاتحاد والتعاطف علاج حاسم لكثير من المشكلات الموجودة في البلاد.

د- عدم الانخداع بوعود العدو
من المهام الأصلية التي يجب أن ننهض بها وعلى الجميع التنبّه لها هو أن لا ننخدع بابتسامات العدو والوعود الكاذبة لجبهة الأعداء، ولدينا تجارب خلال هذه الأعوام الثلاثين، فقد ابتسموا لنا أحياناً، وفي البداية صدّقهم بعضنا، وشيئاً فشيئاً أدركنا ما الذي يجري وراء الستار. يجب أن لا ننخدع بابتسامات العدو ووعوده الكاذبة. بسهولة تامة تنكث جبهة القوى المادية المهيمنة على العالم اليوم عهودها. تنكث عهودها وأقوالها دون خجل أو همّ. لا يخجلون من الله، ولا من خلق الله، ولا من الجانب الذي يفاوضونه.. يكذبون بكل سهولة! لدي نماذج حية ليس هنا موضع مناقشتها، وربما أذكرها إذا اقتضت الضرورة ونفس هذه التصريحات التي أطلقها الأمريكان ورئيس جمهورية أمريكا، والرسالة التي كتبها لنا، والجواب الذي بعثناه، ثم رد الفعل والخطوة التي قاموا بها مع مضمون هذه الرسائل. هذه أمور سوف تعرض يوماً ما 
 
 
 
 
 
 
 
55

44

في صلاة الجمعة – طهران

 على الرأي العام في العالم - يوم تستدعي الضرورة - وسيرى العالم ما هو حال هؤلاء وواقعهم، وكم هي أهمية كلامهم وقيمته، وكم هي قيمة وعودهم. إذاً، من مهماتنا الأساسية أن لا ننخدع بابتساماتهم ووعودهم الكاذبة. 


هـ- اجتناب الكسل
ومن النقاط أيضاً اجتناب الكسل وقلّة العمل. الكسل والخمول وقلّة العمل تدمّر الإنسان، والعائلة، والبلد، والشعب. على الجميع أن يعملوا... يجب أن يعملوا عملاً جهادياً. حينما أعلنا هذا العام عاماً للجهاد الاقتصادي، فمعنى ذلك أن الحركة الاقتصادية يجب أن تكون حركة جهادية. هذا ما يتعلّق بقضايا الثورة والكلام كثير والوقت قليل، ويجب أن نطرح القضايا الأخرى.

نهضة الشعوب وثورات المنطقة
أمّا قضايا المنطقة والعالم. في غضون العام الذي انقضى من عشرة الفجر في السنة الماضية إلى عشرة الفجر في هذه السنة، نجحت شعوب المنطقة في إسقاط أربعة طواغيت، وهذا شيء على جانب كبير من الأهمية. لا بد من جهود كبيرة من أجل أن يُسقط شعبٌ أحد هؤلاء الطواغيت. خلال هذا العام الفاصل بين عشرة الفجر من السنة المنصرمة وعشرة الفجر الآن جرى إسقاط أربعة طواغيت خطيرة وخبيثة في هذه المنطقة. هذا حدث على جانب كبير من الأهمية.

حدث مهم آخر هو أنّ الجماهير في تونس ومصر منحت أصواتها للإسلام. في مصر ذهب إلى صناديق الاقتراع نحو 75% من الشعب وصوّتوا لصالح الجماعات والفئات الإسلامية. والوضع في تونس يشبه ذلك. هذا شيء له أهمية بالغة. فمعناه أنّ كل الجهود والمساعي التي بذلها الأمريكان والغربيون والأجهزة الإعلامية وهوليوود وغيرها وغيرها لمخاصمة الجمهورية الإسلامية طوال هذه الأعوام للتخويف من الإسلام ومن الحكومة الإسلامية ذهبت أدراج الرياح، و الناس منحازون للإسلام.

من آثار هذه التحرّكات ضعف الكيان الصهيوني وعزلته، وهذا شيء على جانب كبير من الأهمية. فالكيان الصهيوني هو بحقّ غدّة سرطانية في هذه المنطقة ويجب استئصالها وسوف تستأصل، وبالتالي فقد أصيب بمزيد من الضعف والعزلة نتيجة هذه التحركات. لقد تضاعفت حيوية الشباب الفلسطينيين وآمالهم بكفاحهم ومستقبلهم. والشعوب أيضاً تُضاعف أملها. 

مظلوميّة شعب البحرين
طبعاً، الشعب البحريني هو الأكثر مظلومية بين هذه الشعوب, لأنّه يواجه للأسف صمت الإعلام العالمي ومقاطعته. دعواتهم ليست مرفوضة في أي منطق إنساني وعالمي، إنّما هي مطالب مُحقّة لكنّها تعرّضت للظلم، وقد أخرجوهم تماماً من دائرة الإعلام والضوء، بل راحوا يوجّهون الإعلام ضدهم باستمرار، وهذا لن يؤثر طبعاً، وسينتصر الشعب البحريني أيضاً بتوفيق من الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
56

45

في صلاة الجمعة – طهران

 وأقول هنا بهذه المناسبة إنّ حكام البحرين ادّعوا أنّ إيران تتدخل في قضايا البحرين، وهذا كذب. لا، نحن لا نتدخّل، إنّنا نعلن بصراحة عن المواطن التي نتدخّل فيها. فقد تدخّلنا في الشؤون المناهضة لإسرائيل وكانت النتيجة انتصاراً في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً، وحرب الإثنين والعشرين يوماً. وبعد الآن أيضاً إذا كان ثمة شعب أو جماعة تكافح ضد الكيان الصهيوني وتجابهه فسوف نساندها ونساعدها، ولا نتحرّج أبداً من قول ذلك، هذه حقيقة وواقع. أمّا أن يأتي حاكم جزيرة البحرين ويقول إنّ إيران تتدخل في أحداث البحرين، فلا، هذا الكلام غير صحيح وهو خلاف الواقع, لو تدخّلنا في البحرين لأصبحت الأوضاع في البحرين مختلفة.


الغرب في ضعف متزايد
والأوضاع في العالم أيضاً غريبة. أمريكا أصيبت بالضعف - الضعف الاقتصادي والمالي، والضعف السياسي - وهذه بدورها حقيقة واقعة. لقد هُزمت أمريكا في سياستها للشرق الأوسط، فقد فشلت في قضية فلسطين وفي قضية العراق. أراد الأمريكان أن يديروا العراق بأنفسهم مباشرة فلم يستطيعوا، ووقف الشعب العراقي ولم يسمح بذلك. وأرادوا أن يوجدوا حكومة عميلة فلم يستطيعوا. أرادوا البقاء مع وجود حصانة قضائية لهم، فلم تسمح الحكومة والشعب العراقي بذلك. الحكومة في العراق اليوم حكومة شعبية والشعب العراقي شعب حيّ يقظ، وهذا ما جعل الأمريكان يخرجون من العراق بلا أية مكاسب ومن دون أن يتحقّق ما أرادوا. طبعاً لديهم تدخلاتهم النفطية والأمنية هناك، وهذا ما سيعالجه الشعب والحكومة في العراق إن شاء الله في المستقبل.

وأُصيبت أمريكا بالضعف أيضاً في قضاياها الداخلية وهذا ما يحاول الأمريكان إخفاءه والتكتّم عليه. لا يريدون الاعتراف بضعفهم. لم يشر أوباما في كلمته قبل أيام في الكونغرس أدنى إشارة إلى أنّ الشعب الأمريكي يتظاهر في الشوارع منذ أكثر من أربعة أشهر. في هذا الجو البارد وفي كل أنحاء أمريكا، في الولايات المختلفة، يخرج كل
 
 
 
 
 
 
 
57

46

في صلاة الجمعة – طهران

 هؤلاء الناس إلى الشوارع ويصمدون مقابل ضغوط الشرطة وضرباتهم الشديدة، ألم يكن هذا جديراً بالإشارة؟! لكنّه لم يشر له إطلاقاً. يريدون التكتّم على الأمر. فهذه هي حقوق الإنسان لديهم. وكذا الحال بالنسبة لأوروبا. أوروبا أيضاً مصابة بالضعف, إضافة إلى القضايا الاقتصادية والمالية والنقدية - وهي نقاط ضعف عجيبة قد أغضبت الناس - فقد أصيبت أوروبا بالضعف من الناحية السياسية أيضاً.


أضرب لكم مثالاً: الحكومة الفرنسية في عهد رئيس جمهورية فرنسا الجنرال ديغول لم تسمح لبريطانيا بالدخول في الاتحاد الأوروبي. لماذا؟ قالوا إنّ بريطانيا مرتبطة بأمريكا، ونوع العلاقات والارتباط بين بريطانيا وأمريكا يُسقط استقلال الاتحاد الأوربي. لم يسمح ديغول لبريطانيا بالدخول في الاتحاد الأوروبي بسبب الارتباط والاتصال والتبعية لأمريكا. هذا ما يتعلّق بفرنسا ذلك الحين. بينما الرجل الذي يتولى الأمور في فرنسا اليوم يردّد الكلام الأمريكي ويعيد ما يقوله الأمريكان وما يصطنع في داخلهم، فصار تابعاً محضاً لهم! وهذا بالطبع ضعف. وصل الأمر بأوروبا إلى هذا الحد. هذا عن فرنسا، وباقي البلدان الأوروبية هي هكذا أيضاً من باب أولى. هذا ضعف في الأجهزة والمؤسسات. 

يعاني الغربيون في الوقت الراهن من ضعف في الشؤون الاقتصادية وفي الشؤون السياسية وفي القرارات الدولية، ومن ذلك قرار الحظر علينا. 

الحظر الاقتصادي وتنامي القدرات الداخليّة
لقد أرادوا في الواقع معاقبة الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني بسبب الإسلام. وهدّدوا بأنّ الحظر سيكون باعثاً على الشلل وموجعاً! قالوا وقالوا، وكان الحظر لصالحنا من ناحيتين:
أولاً، حينما نقاطَع سوف نتوجّه للمواهب والإمكانيات الداخلية وننمو من الداخل، وهذا ما حدث طوال هذه الأعوام الثلاثين. لو لم نُقاطَع في المجال التسليحي لما كنّا حقّقنا اليوم هذا التقدّم العجيب. وفي القضية النووية لو كانوا هم الذين بنوا لنا محطة بوشهر للطاقة لما تقدّمنا في مجال التخصيب. ولو لم يغلقوا أبواب العلم بوجهنا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه في الخلايا الجذعية والفضاء والطيران وإطلاق الأقمار الصناعية للسماء. إذن كلما فرضوا علينا مزيداً من الحظر نميل إلي إمكانياتنا وقدراتنا الذاتية، فتزدهر هذه المواهب والإمكانيات يوماً بعد يوم كينبوع متدفق. إذن، هذه المقاطعة والحظر كانا لصالحنا. 

الناحية الثانية التي يتحول فيها الحظر لصالحنا هي أنّهم يُكرّرون في إعلامهم باستمرار إننا سنفرض هذا الحظر وذاك الحظر على إيران لنرغمها على التراجع في القضية النووية
 
 
 
 
 
 
 
 
58

47

في صلاة الجمعة – طهران

 مثلاً. وعندها سيدرك العالم كله أن هذه العقوبات والمقاطعة من أجل الضغط على إيران للتراجع عن ملفها النووي وقضايا أخرى. وحينما لا نتراجع فماذا سيحدث؟ فهذا الحظر من أجل فرض التراجع على إيران وإيران لن تتراجع, فستكون النتيجة انهيار هيبة الغرب وهيبة التهديدات الغربية في أعين شعوب المنطقة الثائرة، وتزايد عزة الشعب الإيراني واقتداره في أعينهم، وهذا لصالحنا. إذن، هذا الحظر لصالحنا ويعدّ بمثابة خدمة لنا، ولكن من هاتين الناحيتين اللتين ذكرتهما.


هذا هو وضع أوروبا. أوروبا تعاني من مشكلات اقتصادية مستعصية. الشعوب الأوروبية غاضبة ومعترضة على الوضع الاقتصادي. وسبق أن قلت إنّ الشعوب الأوروبية يوم تعلم أن هذا الواقع الضعيف الذي تعاني منه إنّما هو بسبب تدخلات أمريكا والشبكة الصهيونية العالمية، سوف تتحول هذه الاعتراضات على الأوضاع الاقتصادية إلى نهضة اجتماعية عظيمة، وعندها يجب توقع ظهور عالم جديد ودنيا جديدة. 

التهديد بالحرب مضرّ بأمريكا
وأقول كلمة بخصوص هذه التهديدات الأمريكية. هم يهدّدون باستمرار، يُهدّدون بلغة: أنّ كل الخيارات موجودة على الطاولة! أي حتى خيار الحرب. هذا التهديد بالحرب بهذه اللغة مضرّ لأمريكا. الحرب ذاتها تضرّ أمريكا عشرات الأضعاف. لماذا هذه التهديدات مضرة لأمريكا؟ لأن هذه التهديدات نفسها دليل على عجز أمريكا في المواجهة المنطقية والكلامية. ليس لديهم خطاب مقابل خطاب الجمهورية الإسلامية، ولا يستطيعون تحقيق انتصار في ساحة المواجهة الفكرية والمنطقية، لذلك يضطرون للاستعانة والتشبّث بالقوة. معنى ذلك أن أمريكا ليس لديها من منطق سوى منطق القوة، ولا سبيل عندها للتقدم سوى سفك الدماء، وهذا سوف يبدّد اعتبار أمريكا في أعين شعبها والشعوب الأخرى أكثر مما تبدد إلى الآن. هذا هو الشيء الذي يحدّد مصير الأنظمة. فالنظام الذي يسقط اعتباره في أعين شعبه مصيره معروف, كالنظام السوفيتي السابق. ومن اللافت أنّ بعض أهل الرأي والخبراء الغربيين قالوا قبل أيام إنّ وضع أمريكا والغرب اليوم شبيه بوضع الاتحاد السوفيتي في أواخر عقد الثمانينات الميلادي والذي أدى إلى سقوطه. فأي نظام يسقط في أعين شعبه من حيث الخطاب والمنطق لن يعود هناك أمل في بقائه. لذا كلما هدّدوا رجع ذلك بالضرر عليهم. طبعاً ليعلموا وليعلم غيرهم وهم يعلمون أن لنا مقابل التهديد بالحرب والتهديد بالحظر النفطي تهديداتنا التي سوف تطلق إن شاء الله في الوقت اللازم.
 
 
 
 
 
 
 
59

48

في صلاة الجمعة – طهران

 أهمّيّة المشاركة في الانتخابات النيابيّة

وأشير إلى بعض النقاط بخصوص الانتخابات. أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أيها الشعب الإيراني العزيز، الانتخابات تصون البلاد. الشيء الذي يحفظ هيبة هذا الشعب ويبسط قدراته المعنوية بوجه الأعداء ويخيفهم ويصدّهم عن التطاول عليه هو التواجد والمشاركة الشعبية، ومن مظاهرها المشاركة في الانتخابات، ومن مظاهرها المشاركة في 22 بهمن الذي هو على الأعتاب أمامكم. كلما تكثّف الحضور وتنوّع كلما قوي اعتبار البلد وقيمته الوطنية. وكذا الحال بالنسبة للانتخابات. كلما كان الزحام على صناديق الاقتراع أشد ومشاركة الشعب أوسع كلما قويت الثقة بالبلاد وتضاعفت مناعته وحصانته. يمكن لمشاركة الجماهير تأمين مستقبل البلاد وضمانه. مجلس الشورى الصالح والنزيه والقوي يستطيع التأثير على أداء كل الأجهزة والمؤسسات في البلاد، فهو يؤثّر على أداء الحكومة وعلى أداء السلطة القضائية، وحتى على أداء القوات المسلحة. والمجلس القوي والصالح والنزيه والسليم له مثل هذا الوضع والدور. فمتى يمكن تشكيل مثل هذا المجلس من دون الشعب؟ هذا ما لا يريده الأعداء. منذ شهرين أو ثلاثة والأبواق الإعلامية للعدو تعمل على بثّ اليأس والقنوط في نفوس الناس كي لا يشاركوا في الانتخابات. وبعض الناس في الداخل دون أن يتفطنوا إلى ما يقومون به يتناغمون معهم للأسف! أولئك مغرضون، وهؤلاء غافلون.

يتوّجب عدم تضخيم القضايا الصغيرة، وعدم الإيحاء بأن هناك أزمة. يحاولون بألف وسيلة إثبات وجود أزمة في إيران. أية أزمة؟ ما هي الأزمة؟ البلد هادئ، والشعب قوي ونشيط وفعّال، كل هذه الأعمال يجري إنجازها من قبل الأجهزة المختلفة ومن قبل أبناء الشعب في هذا البلد. والأمن مستتب تماماً بتوفيق من الله. لتتعاون الأجهزة مع بعضها، فإذا تعاونت فسوف تسير الأمور ووالأعمال بنحو أفضل. وهذا ما لا يريده الأعداء. 

التنافس السليم والإجراء النزيه
ما هو ضروري في الانتخابات هو التنافس السليم، التنافس من دون تراشق بالاتهامات والإساءات. يجب أن تكون أجواء الانتخابات سليمة ونزيهة. إذا كان الناس أنفسهم يعرفون المرشحين للانتخابات فليعملوا طبقاً لتشخيصهم، وإذا لم يكونوا يعرفونهم فليستشيروا ذوي البصيرة والمتدينين في من يختارونه. وليعمل من عليهم إدارة العملية الانتخابية بمنتهى الدقة لإجراء انتخابات سليمة. هذه أمور يمكنها أن تحقق للبلاد انتخابات جيدة. كانت الانتخابات الاثنتان والثلاثون أو الثلاثة والثلاثون جميعها 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

49

في صلاة الجمعة – طهران

 التي أقيمت منذ بدء الثورة وإلى اليوم ولحسن الحظ نزيهة. طبعاً كان في كل منها من اعترض، وقد توبعت اعتراضاتهم، وكانت هناك مخالفات أحياناً، إلا أنّه لم يكن هناك عدم نزاهة في الانتخابات أبداً. ويجب أن يكون الحال كذلك بعد الآن أيضاً.


أهليّة المرشّحين
وأذكر نقطة أو نقطتين حول مسألة أهلية المرشحين. مجلس صيانة الدستور المحترم يحرز أهلية بعض الأفراد ولا يحرز أهلية بعضهم الآخر. أذكر هنا ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: هي أن من وظائف مجلس صيانة الدستور من الناحية القانونية إحراز الأهليات، فيجب عليه التشخيص والوصول إلى نتيجة أن هذه الأهلية متوفرة. طبعاً كانت توصيتنا الدائمة بعدم رفع سقف الأهلية بحيث لا يشمل إلا عدداً محدوداً من الأفراد. لينظروا بمزيد من المسامحة لسقف الأمور التي تسبّب الأهلية.

النقطة الثانية: هي أنّ هناك من يعترض على إشراف مجلس صيانة الدستور والعاملين على الإشراف. وقد يكون اعتراضه في محله وصحيحاً فعلاً، ولكن ينبغي التنبّه إلى أنّنا يجب أن نسلّم للقرار الذي تتخذه مؤسسة قانونية مسؤولة هي محل ثقة، كلنا يجب أن نتبع ما تقرره، فعلى سبيل المثال يشرع مجلس الشورى الإسلامي قانوناً، وقد أكون معترضاً على هذا القانون وأقول: إنّ هذا القانون فيه عيب وخلل، لكنّه قانون ويجب أن أعمل وفقاً له، حينما تتخذ جهة مسؤولة هي محل ثقة - كمجلس صيانة الدستور - قراراً فيجب التسليم له واتباعه.

النقطة الثالثة: وأعلنها وليعلم الجميع أن الذين تُرفض أهليتهم ليسوا بالضرورة أفراداً غير مؤهّلين. لا يُظن لأن فلاناً رفضت أهليته فهو إذن لا أهلية له إطلاقاً، لا. طبقاً للقانون لا يستطيع المشاركة في الانتخابات كمرشح، ولكن قد يكون أخطأ الموقع الذي رفض أهليته. وقد يكون غير مؤهّل لهذا العمل لكن له أهليات متعددة أخرى. يجب أن لا يكون معنى رفض أهلية شخص أنه فاقد لكل أهلية ولكلّ شيء، لا، هناك أهليات كثيرة أخرى. 

النقطة الأخيرة: بشأن الانتخابات هي أنّ المسؤولين يجب أن لا يغفلوا عن مؤامرات الأعداء بخصوص قضية الانتخابات. والذين لا يحصلون على الأصوات اللازمة في الانتخابات ليحذروا من أن يقعوا في الخديعة التي وقع فيها الذين لم يحصلوا على الأصوات في سنة ثمان وثمانين. ليعتبر كل المرشحين وكل أنصارهم أنفسهم
 
 
 
 
 
 
 
61

50

في صلاة الجمعة – طهران

 مسؤولين عن الأمن مقابل مؤامرة الأعداء المحتملة، ولا يتهموا الانتخابات، ولا يسندوا العدو ويعضدوه، ولا يكون هناك في الإعلام إيحاء وترويج لأجواء الخلافات واليأس، حتى تكون لنا انتخابات جيدة إن شاء الله. 

 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾1 .


الخطبة الثانية
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين، ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين، وصلّ على علي أمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وصلّ على الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعلى علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف القائم المهدي، حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك، وصلّ على أئمّة المسلمين، وحماة المستضعفين، وهداة المؤمنين.
 
أدعو كل الإخوة والأخوات المصلين مرّة أخرى لتقوى الله. ما نقوله في الخطبة الثانية عادة ذكرته لكم أيّها الإخوة والأخوات في الخطبة الأولى. وفي هذه الخطبة أعتذر لكلّ المصلين الأعزّاء وأخاطب إخوتنا العرب الذين يمرّون بفترة حساسة، وألقي الخطبة بالعربية.
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه المنتجبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


يا أبناء أمتنا الإسلامية في كل مكان، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله.
 
أغتنم فرصة شهر ربيع الأول، واقتراب أسبوع المولد النبوي، والذكرى الأولى لربيع الصحوة الإسلامية، ونهضة إخوتنا العرب رجالاً ونساءً من مصر وتونس وليبيا حتى البحرين واليمن، وبعض البقاع الإسلامية الأخري، لأتقدم باسم الشعب الإيراني وجميع المسلمين في العالم بأحرّ التهاني وأطيب التبريك.
 
 
 
 

1- العصر،1-2-3.
 
 
 
 
 
 
 
 
62

 


51

في صلاة الجمعة – طهران

 إرادة الشعوب العربيّة

مرّ عام مفعم بالحوادث، فلأول مرّة في تونس ومصر روعيت حرمة رأي الشعب، وأدلت الجماهير بصوتها للتيار الإسلامي. وسيكون الأمر في ليبيا على هذا النحو أيضاً. وهذا التوجه الإسلامي المتصف برفض الصهيونية والدكتاتورية، وبطلب الاستقلال والحرية والتقدم تحت راية القرآن، سيكون المسير الحتمي والإرادة الحاسمة لجميع الشعوب الإسلامية. هذه الموجة التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ إيران الإسلام أيضاً قبل ثلاثة عقود في مثل هذه الأيام (الثاني والعشرين من شهر بهمن المصادف للحادي عشر من شباط) وأنزلت أول ضربة بجبهة أمريكا والناتو والصهيونية، وأطاحت بأكبر دكتاتور علماني عميل في المنطقة.. أصبحت في الأيام نفسها وبالطريقة ذاتها وبالمطاليب عينها تعمّ الشرق الأوسط الإسلامي والعربي بأجمعه و الحمد لله.

إنّ إرادة الله سبحانه شاءت لهذه الشعوب أن تستيقظ. فقد حلّ قرن الإسلام وعصر الشعوب، وسيكون له التأثير على مصير كل البشرية. أما كان تدفّق الشباب والمثقفين في واشنطن ولندن ومدريد وروما وأثِنا بإلهام من ميدان التحرير؟!

لقد عمّت نهضة العودة إلى الإسلام واستعادة العزّة والهويّة والانعتاق أكثر مناطق العالم الإسلامي حساسيّة، وفي كل مكان يرتفع شعار "الله أكبر". الشعوب العربية لم تعد تتحمل الحاكم الدكتاتور وسيطرة العملاء والطواغيت. لقد ضاقت ذرعًا بما تعانيه من فقر وتخلّف وتحقير وعمالة. وجرّبت العلمانية في ظل الاشتراكية والليبرالية والقومية، ورأت أنها جميعاً وصلت إلى طريق مسدود. الشعوب العربية طبعاً ترفض أيضاً التطرف والعنف الطائفي والعودة إلى الوراء، والنعرات المذهبية والسطحية الساذجة المغلَّفة بالإسلام.

انتخابات تونس ومصر، وشعارات وتوجّهات الشعوب في اليمن والبحرين وسائر البلدان العربية تدلّ بوضوح أنهم يريدون أن يكونوا مسلمين معاصرين دونما إفراط متعجرف أو تفريط متغرّب، وبشعار "الله أكبر" يريدون ضمن مشروع إسلامي وبالتأليف بين المعنوية والعدالة والتعقّل وبأسلوب السيادة الشعبية الدينية، أن يتحرّروا من قرن من التحقير والاستبداد والتخلّف والاستعمار والفساد والفقر والتمييز. وهذا هو الطريق الصحيح.

ما هي خصائص الأنظمة العربية التي تعرّضت لغضب شعوبها؟ 
إنها معارضة التوجه الديني، والخضوع، والاستسلام والعمالة للغرب, أي أمريكا وبريطانيا ونظائرهما، والتعاون مع الصهاينة وخيانة القضية الفلسطينية، والتسلط
 
 
 
 
 
 
 
 
63

52

في صلاة الجمعة – طهران

 الدكتاتوري الأسَري والوراثي، وفقر العباد وتخلّف البلاد، إلى جانب الثروات الطائلة للعوائل الحاكمة، والتمييز وانعدام العدالة، وفقدان الحرية القانونية والمسائلة القانونية، كل هذه من الخصائص المشتركة لتلك الأنظمة.


حتى التظاهر بالإسلام أو الجمهورية في بعض المواضع لم يستطع أن يخدع الجماهير. هذه أوضح العلامات لمعرفة طبيعة نهضة الشعوب العربية، سواء تلك التي حققت انتصارات كبيرة، أو التي ستحقق ذلك بإذن الله تعالى.

كل ادعاء آخر بشأن طبيعة هذه الثورات التي انطلقت بشعار "الله اكبر" إنما هو تجاهلٌ للواقع من أجل أهداف مبطَّنة وبالتالي لدفع هذه الثورات نحو الانحراف.

هذه الأصول ستكون معياراً لمستقبل هذه الثورات وميزانًا لمدى أصالتها أو انحرافها، فإن الأشياء تُعرف بأضدادها، وتعرف الثورات بضدّيتها للأنظمة التي تزلزلت بفعلها. الثوريون يجب أن يواصلوا حذرهم من افتعال الأهداف الموهومة ومن محاولات تغيير الشعارات.

إنّ الغرب يسعى دون شك إلى أن يبدّل الثورات إلى ثورات مضادّة، ويحاول في النهاية أن يرمّم النظم القديمة بأسلوب جديد، ليُبقي سيطرته على العالم العربي لعشرات أخرى من السنين، وذلك بتفريغ مشاعر الجماهير وبالتقديم والتأخير بين الأصول والفروع، وتغيير صنائعه وإجراء إصلاحات شكلية متصنّعة، والتظاهر بالديمقراطية.

إرادة الغرب وأهدافه
إنّ الغرب خلال عقود اليقظة الإسلامية وخاصة في السنوات الأخيرة، بعد أن مُني بهزائم متلاحقة من إيران وأفغانستان حتى العراق ولبنان وفلسطين، والآن من مصر وتونس وغيرها، سعى بعد فشله في نهج محاربة الإسلام واللجوء إلى العنف العلني، إلى نهج آخر وهو اصطناع البديل الكاذب والنموذج المزيّف، كي يجعل الإرهاب المعادي للإنسانية بدل العمليات الاستشهادية، و يجعل التعصب والتحجّر والعنف بدل التوجه الإسلامي والجهاد، والتعصب القومي والقبلي بدل الشعور بالانتماء الإسلامي والانتماء إلى الأمة الإسلامية، و يجعل التغرّب والتبعية الاقتصادية والثقافية بدل التطور القائم على أساس الاستقلال، والعلمانية بدل العِلميّة، والمداهنة بدل العقلانية، والفساد والفوضى بدل الحرية، والدكتاتورية باسم حفظ الأمن والنظام، والروح الاستهلاكية والالتصاق بالأهداف الدنيوية التافهة والبذخ باسم التنمية والرقي، والفقر والتخلف باسم الزهد والمعنوية.
 
 
 
 
 
 
 
 
64

53

في صلاة الجمعة – طهران

 إن ما كان عليه العالم من انقسام إلى قطبين متصارعين حول القوة والثروة وهما الرأسمالية والشيوعية قد انتهى، واليوم فإن الاستقطاب بين مستضعفي العالم بقيادة النهضة الإسلامية وبين المستبكرين بقيادة أمريكا والناتو والصهيونية. 


لقد برز إلى الساحة معسكران ولا معسكر ثالثاً لهما.
لا أريد في هذه الفرصة القصيرة أن استغرق في استعراض الماضي وفي تثمين يقظة الشعوب العربية. إننا والعالم بأجمعه دون شك نرنو إلى المنطقة، وننظر بعين التقدير لشعوبها الناهضة من الجزيرة العربية وحتى شمال أفريقيا. لكني أريد أن أتحدث عن الحاضر والمستقبل.

الأطراف الحاضرة في الثورات
إنّني في العام الماضي ومن هذا المنبر في صلاة الجمعة تحدثت إلى الشعب المصري النبيل حين كان ظلّ اللامبارك حسني يثقل على رؤوسهم، واليوم قد بدأت مرحلة جديدة والدكتاتور يمثل أمام المحكمة، وكلنا يحدونا الأمل بمستقبل نهضة مصر العزيزة وسائر العرب النشامى.

أطرح أولاً هذا السؤال: ماهي الأطراف المختلفة الحاضرة في ساحة الثورات؟إنها طبعاً أولاً: أمريكا والناتو والنظام الصهيوني ومن لفّ لفهم وانخرط معهم في بعض الأنظمة العربية.

وثانياً: الجماهير عامة والشباب.
وثالثاً: الأحزاب والناشطون السياسيون الإسلاميون وغير الإسلاميين.

وما هي مكانة كل واحد من هذه الأطراف وما هي أهدافه؟
الفريق الأول: هم الخاسرون الأصليون في مصر وتونس وفي سائر البلدان الناهضة.
إنّ مشروعية - وها هي اليوم موجوديّة - القطب الرأسمالي والنموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي يتعرض في داخل أوروبا وأمريكا أيضاً لخطر الاضمحلال. وأصبحت بلدان هذا المعسكر في وضع يشبه وضع المعسكر الشرقي في الثمانينات من القرن الماضي. فالانهيارات الأخلاقية والاجتماعية، والأزمات الفريدة الاقتصادية، والهزائم العسكرية الكبرى في العراق وأفغانستان ولبنان وغزّة، وسقوط أو تزلزل أكثر النظم الدكتاتورية العميلة التابعة لهم في البلدان المسلمة والعربية، وخاصة فقدانهم مصر، وتعرض الكيان الصهيوني للخطر من الشمال والغرب ومن داخله بشكل لم يسبق له نظير، وانفضاح طبيعة التبعية والذيلية للمنظمات الدولية، والتعامل
 
 
 
 
 
 
 
65

54

في صلاة الجمعة – طهران

 السياسي والمزدوج مع مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ووقوعهم في المواقف المتناقضة والمضطربة والمزدوجة تجاه مسائل ليبيا ومصر والبحرين واليمن. كل ذلك قد عرّض هذه المجموعة الأولى إلى أزمة ثقة عالمية، وأزمة عميقة في قدرة اتخاذ القرار.


إنّ هدفهم الأكبر اليوم بعد عجزهم عن قمع الشعوب والسيطرة عليها هو السعي للسيطرة على غرفة قيادة الثورات واختراق الأحزاب الفاعلة، وحفظ ما أمكن من هيكل الأنظمة الفاسدة الساقطة والاكتفاء بالإصلاحات السطحية والمسرحية، وإعادة بناء عملائهم في داخل البلدان الثائرة، ثم اللجوء إلى عمليات تطميع وتهديد. وقد يلجأون في المستقبل إلى الاغتيالات أو شراء ذمم بعض الأفراد والجماعات من أجل وقف عجلة الثورات أو دفعها إلى الخلف، وبثّ اليأس في قلوب الجماهير أو إشغالها بصراعات داخلية بإثارة مسائل فرعية، وإضرام نيران العصبيات القومية والقبلية أو الدينية أو الحزبية، واختلاق الشعارات المنحرفة لتغيير الثورات، والتأثير المباشر أو غير المباشر على أذهان الثوريين وألسنتهم، ودفعهم إلى ألاعيب سياسية أو إثارة الفُرقة بينهم ثم توسيع نطاق هذه التفرقة لتشمل فئات الناس، والسعي للمساومة خلف الكواليس مع بعض الخواص بالوعود الكاذبة كالمساعدات المالية وغيرها وغيرها من عشرات الحيل الأخرى مما أشرت إلى نماذج منها من قبل في المؤتمر العالمي للصحوة الإسلامية بطهران.

إنّ بعض الأنظمة التابعة والمحافظة العربية أيضاً تقف إلى جانب أمريكا والناتو، ولو من أجل حفظ كراسيها، وتسعى بكل قواها لإيقاف عجلة الزمن ودفع ثورات المنطقة إلى الوراء أو سوقها نحو طريق مجهول، ورأسمالهم الوحيد في هذه المساعي دولارات النفط، وهدفهم الأساس هزيمة الشعوب في مصر وتونس واليمن والبحرين. وحفظ ثبات الكيان الصهيوني وضمان بقائه وإنزال الضربة بجبهة المقاومة في المنطقة.

وجهة الشعوب الإسلاميّة 
أمّا المجموعة الثانية والأصلية فهي الشعوب، أرقام الإحصائيات الأمريكية المكررة في مصر وأكثر البلدان الإسلامية تكشف عن الواقع وتقول لهم: إن ميزان التوجه نحو المساجد والالتزام بالمظاهر الإسلامية ومنها الحجاب والزيّ الإسلامي للمرأة قد ازداد - خلال السنوات الخمس من 2003 إلى 2008م - بنسبة 40 إلى 75% بين الشعوب من مصر والأردن حتى تركيا وماليزيا وغيرها من البلدان الإسلامية.

كما ازداد ميزان السخط والنفور من أمريكا بمعدل خمس وثمانين بالمئة في البلدان العربية والإسلامية، وقد تضاعف الأمل بالنصر والمستقبل بين الشباب خاصة بعد
 
 
 
 
 
 
 
66

55

في صلاة الجمعة – طهران

 مشاهدة انتصارات شباب حزب الله وحماس في حربي الثلاثة والثلاثين يوماً والاثنتين والعشرين يوماً وبعد اندحار وهزيمة أمريكا دونما مكاسب من العراق.


الشخصيات المحبوبة بين شباب مصر، وفق تلك الإحصائيات، هم المجاهدون المسلمون ضد الكيان الصهيوني.
النفرة من الصهيونية، والاهتمامُ بالقضية الفلسطينية والتمسكُ بالعزّة الإسلامية من الخصائص الأصلية للشعوب. 75% من الشعب المصري أدلى بصوته لصالح الشعارات الإسلامية. في تونس أيضاً رفعت الأكثرية هذا اللواء، وفي ليبيا فإن النسبة إن لم تكن أكثر فليست بأقل. والشعوبُ تطلب من مندوبيها ومن الحكومات الجديدة تحقيقَ هذه الأهداف نفسِها أيضاً في المستقبل. الشعب يريد مصرَ عزيزةً كريمة ومحترمة وحرّة، لا يريد مصر كمب ديفيد. لا يريد مصرَ الفقيرةَ والتابعة، لا يريد مصرَ الخاضعةَ لأوامر أمريكا والحليفة لإسرائيل، لا يريد مصرَ متحجرةً ومتطرفةً ولا مصر متغرّبةً وعلمانيةً وتابعة. مصرُ الحرةُ العزيزة والإسلامية والمتطورةُ هي المطلبُ الأساس للشعب والشباب ولا يبغون اصطداماً. جيشُ مصر مع الشعب، وهناك في داخل مصر وخارجها من يريد الوقيعةَ بين الجيش والشعب في المستقبل، على الجميع أن يكونوا على حذر شديد. الجيش المصري سوف لا يتحمّل نفوذ أمريكا وحلفاء إسرائيل.

كذلك فإن الحديث حين يدور حول التوجه الإسلامي في مصر أو تونس أو ليبيا فإنه إسلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الإسلام الذي شمل في المدينة المسيحيين واليهود بالرحمة والأمن، وليس الإسلام بمعنى إثارة الحروب الدينية بين عباد الله، ولا بمعنى الحرب المذهبية والطائفية بين المسلمين. مصر هي مصر دار التقريب بين المذاهب الإسلامية والشيخ شلتوت.

مسؤوليّات الجميع تجاه الثورات
على أهلنا في مصر وتونس وليبيا أن يعلموا أن ما حقّقوه هو ثورة لم تكتمل، فهم وإن قطعوا خطوات رحبة، فإنهم في بداية طريق ذات الشوكة. العقبات التي أوجدوها أمامنا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ولا تزال مستمرة، وقد فشلت بفضل الله ورحمته الواحدة تلو الأخرى، هذه العقبات فاقت مئات المرات ما كان أمامنا قبل سقوط نظام الشاه. لابدّ من التحلّي باليقظة وبدفع عجلة الثورة خطوة فخطوة حتى آخر المراحل ضمن برنامجٍ متوسطِ الأمد وطويلِ الأمد. 
 
 
 
 
 
 
 
67

56

في صلاة الجمعة – طهران

 نظام طواغيت مصر كان أول حكومة عربية خانت القضية الفلسطينية وفتح الطريق أمام التراجع العربي، حتى أن الأنظمة العربية إلا واحداً -هو سوريا- باعوا فلسطين، واتجهوا إلى مصالحة الصهيونية. إن النظام المصري البائد كان أحد نظامين عربيين هما موضع ثقة أمريكا وإسرائيل. والرئيس الأمريكي المرائي الحالي اختار مصر حسني مبارك ليوجّه رسالة الخداع والنفاق إلى المسلمين، لكن الشعب المصري في ثورته أعلن موقفه بوضوح، وأزال الأوهام من أذهان الجميع.


إنّ مصر اليوم يجب أن تستعيد دورها في الخط المقدم للدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن تسحق بأقدامها معاهدة كمب ديفيد الخيانية وتحرقها. مصر الثورة لم تعد تستطيع أن تغدق بالطاقة والغاز على الكيان المتدهور الإسرائيلي على حساب قوت الشعب المصري ومعاناته.

أمّا مخاطبنا الثالث فهم الأحزاب والنُخب السياسية في مصر وسائر البلدان الناهضة.
إنّ المفكرين والمناضلين الإسلاميين في شمال أفريقيا من مصر وتونس وحتى الجزائر والمغرب، وخاصة مصر، كانوا يحتلون مكانة الأبوّة الفكرية للصحوة الإسلامية، ولدعاة وحدة الأمة وعزّتها، ثم لتحرير القدس. أنتم اليوم ترثون دماء آلاف الشهداء وعشرات الآلاف ممن عانوا زنزانات السجون والنفي والتعذيب، وما بذله المجاهدون والمناضلون ممن قدموا التضحيات خلال عقود متوالية في انتظار بزوغ فجر مثل هذه الأيام وهذه الانتصارات.

أيها الإخوة والاخوات. حافظوا على هذه الأمانة الكبرى. الغرور والسذاجة آفتان كبيرتان لمرحلة ما بعد الانتصار الأول. أنتم تتحملون المسؤولية الأكبر في ساحة إقامة النظام وصيانة مكتسبات الشعب وحلّ مشاكل النهضة. القوى العالمية والإقليمية التي نزلت بها الضربة تخامر ذهنَها دون شك أفكار شيطانية من التفكير بالحذف والانتقام إلى مشروع ممارسة المكر والتزلزل والإخافة والتطميع بحقكم، وبالنهاية، تفكر في الإطاحة بالثورات وخلق أوضاع أسوأ مما كانت عليه و العياذ بالله.

إن قراراتكم ومواقفكم وإقداماتكم ستكون لها أبعاد تاريخية، وهذه المرحلة هي "ليلة القدر" في تاريخ بلدانكم.
لا تثقوا بأمريكا والناتو. هؤلاء لا يفكرون بمصالحكم ومصالح شعبكم. وكذلك لا ترهبوهم. فهؤلاء واهون ويزدادون ضعفًا بسرعة. حاكميتهم على العالم الإسلامي كانت فقط نتيجة خوفنا وجهلنا خلال مئة وخمسين عاماً. فلا تعقدوا عليهم الآمال، ولا تخافوهم. اعتمدوا فقط على الله سبحانه و ثقوا فقط بشعبكم. هؤلاء انهزموا في العراق وخرجوا بخفّي حنين. وفي أفغانستان لم يكسبوا شيئاً، وفي لبنان انهزموا أمام
 
 
 
 
 
 
 
68

57

في صلاة الجمعة – طهران

 حزب الله، وفي غزّة أمام حماس. وها هم الآن ينزلون من صياصيهم في مصر وتونس بيد الشعب. لم يتحقق أي تقدم في برنامجهم. الصنم الغربي قد انهزم مثل الصنم الشيوعي وانهار جدار خوف الشعوب، فاحذروا أن يعيدوا إليكم الشعور بالخوف في المستقبل.


إحذروا ألاعيبهم، وكذلك احذروا ألاعيب الدولارات النفطية لعملاء الغرب وحلفائه من العرب، إذ سوف لا تخرجون بسلام في المستقبل من هذه الألاعيب. إسرائيل زائلة لا محالة ولا ينبغي أن تبقى وسوف لا تبقى بإذن الله تعالى. بدء الانحراف في الثورات الراهنة هو الرضوخ لبقاء الكيان الصهيوني، ومواصلة محادثات الاستسلام التي وضعت أساسها الأنظمة الساقطة.

المطلب الأساس لشعوبكم العودة إلى الإسلام، وهو لا يعني طبعاً العودة إلى الماضي. لو أن الثورات حافظت بإذن الله على طابعها الحقيقي واستمرت ولم تتعرض للتآمر أو الاستحالة، فإنّ المسألة الأساس لكم هي كيفية إقامة النظام وتدوين الدستور وإدارة شؤون البلاد والثورات. وهذه هي نفسها مسألة إعادة بناء الحضارة الإسلامية في العصر الحديث.

في هذا الجهاد الكبير، مهمتكم الأصلية ستكون جبران ما عاناه بلدكم في حقب التخلف، والاستبداد، والابتعاد عن الدين، والفقر، والتبعية، في أقصر مدّة بإذن الله، وستكون كيفية بناء مجتمعكم بتوجّه إسلامي وبأسلوب حاكمية الشعب مع مراعاة العقلانية والعلم، وتتجاوزوا التهديدات الخارجية واحدة بعد أخرى، وكيف تؤسسون "الحرية والحقوق الاجتماعية" بدون الليبرالية، و"المساواة" بدون "الماركسية"، و"النَّظم والانضباط" بدون "الفاشية الغربية". حافظوا على التزامكم بالشريعة الإسلامية التقدمية دون أن تقعوا في جمود وتحجّر، واعرفوا كيف تكونون مستقلين دون أن تنزووا، وكيف تتطورون دون أن تكونوا تابعين، وكيف تمارسون الإدارة العلمية دون أن تكونوا علمانيين ومحافظين.

تجب إعادة قراءة التعاريف وإصلاحها. الغرب يقترح عليكم نموذجين: "الإسلام التكفيري" و"الإسلام العلماني"، وسوف يواصل التلويح بذلك كي لا يستقوي الإسلام الأصولي المعتدل والعقلاني بين ثورات المنطقة. استعيدوا تعريف الكلمات مرة أخرى وبدقّة.

إذا كانت "الديمقراطية" بمعنى الشعبية والانتخابات الحرة في إطار أصول الثورات فلتكونوا جميعاً ديمقراطيين. وإذا كانت بمعنى السقوط في شراك الليبرالية الديمقراطية التقليدية ومن الدرجة الثانية فلا يكن أحد ديمقراطياً.
 
 
 
 
 
 
 
 
69

58

في صلاة الجمعة – طهران

 و"السلفية" إذا كانت تعني العودة إلى أصول القرآن والسنة، والتمسك بالقيم الأصيلة، ومكافحة الخرافات والانحرافات، وإحياء الشريعة، ورفض التغرّب فلتكونوا جميعاً سلفيين، وإذا كانت بمعنى التعصّب والتحجّر، والعنف في العلاقة بين الأديان أو المذاهب الإسلامية، فإنّها لا تنسجم مع روح التجديد والسماحة والعقلانية التي هي من أركان الفكر والحضارة الإسلامية، بل ستكون داعية لرواج العلمانية، والتخلّي عن الدين.


كونوا متشائمين من الإسلام الذي تطلبه واشنطن ولندن وباريس، سواء من النوع العلماني المتغرّب، أو من نوعه المتحجّر والعنيف. لا تثقوا بإسلام يتحمّل الكيان الصهيوني لكنه يواجه المذاهب الإسلامية الأخرى دونما رحمة، ويمدّ يد الصلح تجاه أمريكا والناتو، لكنه يعمد في الداخل إلى إشعال الحروب القبلية والمذهبية. وراء هذا الإسلام من هم أشداء على المؤمنين رحماء بالكافرين.

كونوا متشائمين من الإسلام الأمريكي والبريطاني إذ إنّه يدفعكم إلى شَرَك الرأسمالية الغربية والروح الاستهلاكية والانحطاط الأخلاقي.

في العقود الماضية كانت النخب وكذلك الحكام يفخرون بمقدار قوة تبعيتهم لفرنسا وبريطانيا وأمريكا أو الاتحاد السوفيتي السابق، وكانوا يفرون من النموذج الإسلامي، والأمر اليوم على عكس ذلك.

اعلموا أن الغرب سيكون في صدد الانتقام، الانتقام الاقتصادي والعسكري والسياسي والإعلامي.
لو أن شعوب مصر وتونس وليبيا وغيرها من الشعوب واصلت طريقها نحو الله بإذن الله فمن الممكن أن تتعرض لهذه التهديدات.

الاستفادة من تجربة الثورة الإسلاميّة
وأما الكلام الأخير، فهو إعلان استعداد الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني الكبير لخدمتكم والتعاون معكم و خدمة بعضنا بعضا.

الثورة الإسلامية الإيرانية هي التجربة الإسلامية الأكثر نجاحاً في العصر الحديث على صعيد إعادة الثقة بالنفس إلى الجماهير، وإعادة الثقة إلى النخب بالجماهير، وعلى صعيد رفض أسطورة القوة التي لا تقهر للأنظمة الطاغوتية وأربابها، وفي ساحة كسر غرور الشيوعية والرأسمالية، وتقديم نماذج فاعلة للتطورات الكبرى في البلاد، مع حفظ سيادة الشعب والدفاع عن القيم الأساسية.
 
 
 
 
 
 
 
 
70

59

في صلاة الجمعة – طهران

 أيها الإخوة والأخوات، لسنوات يوجهون إليكم أكاذيب بشأن إخوتهم الإيرانيين، والحقيقة بشأن إيران الإسلام هي هذه التي أبينها لكم:

ثورتنا حقّقت انتصارات في العقود الثلاثة الأخيرة، وكانت لها نقاط ضعف أيضًا. لكن أية نهضة إسلامية في العالم بعد سيطرة الغرب والشرق على المسلمين في القرن الماضي لم تتقدم إلى هذا الحد ولم تتجاوز كل هذه الموانع.

لنا معكم أيها الإخوة حديث طويل في المستقبل إن شاء الله. في الإعلام الرأسمالي وأبواق الصهيونية العالمية "إيران" متهمة بالإرهاب، وما ذلك إلا لأنها رفضت أن تترك الإخوة العرب في فلسطين ولبنان والعراق لوحدهم وأن تعترف بالمحتلين، والحال أننا أكبر ضحية للإرهاب في العالم، وهذا الإرهاب لا يزال مستمرًا بحقنا.

لو أن الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية قد تركت الإخوة المظلومين في أفغانستان والبوسنة ولبنان والعراق وفلسطين لشأنهم كما فعلت سائر الحكومات المتظاهرة بالإسلام، ولو كنا مثل أكثر الأنظمة العربية التي خانت القضية الفلسطينية، قد آثرنا السكوت وطعنّا من الخلف، لما وصمونا بمساندة الإرهاب والتدخل. نحن نفكر بتحرير القدس الشريف وكل الأرض الفلسطينية، هذه هي الجريمة الكبرى التي يرتكبها الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية!!

إنهم يتحدّثون عن التمدد الإيراني والشيعي، بينما لم نعتبر الثورة الإسلامية إطلاقًا شيعية صرفة أو قومية وإيرانية، ولن نعتبرها كذلك أبدًا. خلال العقود الثلاثة ما دفعنا ثمنه وتعرضنا من أجله للتهديد إنما هو توجهنا الإسلامي وانتماؤنا إلى الأمة الإسلامية وشعار الوحدة والتقريب المذهبي والحرية والعزّة للمسلمين جميعًا من شرق آسيا حتى عمق أفريقيا وأوروبا.

إيران الإسلام قطعت خطوات رحبة فريدة في ساحة العلم والتقانة والحقوق الاجتماعية والعدالة الاجتماعية والتنمية والصحة وتأمين كرامة المرأة وحقوق الأقليات الدينية وغيرها من الساحات. ونحن نعرف أيضاً مواضع ضعفنا وبعون الله وقوته نعمل على علاجها إن شاء الله.

معادلة المقاومة في المنطقة قد تغيرت بمساعدة الجمهورية الإسلامية، وارتقاء الحجر في يد الفلسطينيين إلى "صاروخ في جواب الصاروخ" في غزة وسائر فصائل المقاومة الإسلامية أمام المحتلين.

إيران لا تستهدف نشر التوجّه الإيراني أو الشيعي بين المسلمين. إيران تنهج طريق الدفاع عن القرآن والسنة وإحياء الأمة الإسلامية. الثورة الإسلامية تعتقد أن مساعدة المجاهدين من أهل السنّة في منظمات حماس والجهاد، والمجاهدين الشيعة في حزب
 
 
 
 
 
 
 
 
71

60

في صلاة الجمعة – طهران

 الله وأمل واجبًا شرعيًا وتكليفًا إلهيًا دونما تمييز بين هذا وذاك. وحكومة إيران تعلن بصوت مرتفع قاطع أنها تؤمن بنهضة الشعوب (لا بالإرهاب)، وبوحدة المسلمين (لا بالغلبة والتناحر المذهبي)، وبالاخوّة الإسلامية (لا بالتعالي القومي والعنصري)، وبالجهاد الإسلامي (لا بالعنف تجاه الآخر، وهي ملتزمة بذلك إن شاء الله).

 
أسأل الله سبحانه أن يمنَّ على كل الشعوب المسلمة بالسعادة والسؤدد، وأن يوفقنا لفهم مسؤولياتنا الثقيلة والنهوض بها، وأن نعلم بيقين أنّ الله غالب على أمره.


عباد الله اتقوا الله وكونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾1.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 

1- النصر،1-2-3.
 
 
 
 
 
 
 
 
72

61

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش


المناسبة: ذكرى التاسع عشر من شهر بهمن (شباط).
الحضور: قادة القوّة الجويّة للجيش.
المكان: طهران - حسينية الإمام الخميني قدس سره.
الزمان: 8/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
73

62

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 سْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

أرحّب بكم أيّها الأعزّاء والإخوة والشباب، وأهنّئكم بهذه الأيام المباركة المليئة بالذكريات،، سواء العيد الشريـف لمولد النبيّ المكرّم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام الصادق عليه السلام، والثاني والعشرين من شهر بهمن، وكذلك التاسع عشر منه، الذي سجّل ذكرى لا تُنسى، ونقطةً ساطعةً على صفحات أيّام الثورة النورانيّة.

إحياء ذكرى التاسع عشر من شهر بهمن (شباط)
إنّ إحياء ذكرى التاسع عشر من شهر بهمن، الذي نصرّ أن يُقام كلّ سنةٍ، وقد كانت لنا لقاءاتٌ وأحاديث متبادلةٌ طيلة هذه السنوات المتمادية، في مثل هذا اليوم مع أعزّائنا في القوّة الجوية، ليس لأجل إحياء ذكرى فحسب ـ وإن كان إحياء الذكريات العزيزة والجليلة يُعدّ قيمةً بحدّ ذاته ـ ولكن ما هو مهمٌّ بالنسبة لنا، مسألتان أخريان:

أ- أخذ الدروس والعِبر من الماضي
الأولى: أخذ الدروس والعبر من الماضي. عندما نمرّ على ذكرى التاسع عشر من بهمن، فإنّنا نستلهم درساً من هذه الحادثة، وهو درس الإقدام والابتكار والصمود والعمل في الوقت المناسب وتأثيره في حركة المجتمع والدولة،، فقد أضحى ذلك عبرةً. صحيحٌ أنّ بنية وجسم الجيش قبل الثورة لم يكن جسماً طاغوتياً، لكنّ رؤساءه وقادته كانوا طاغوتيين، فالجسم كان للشعب، وهو أمرٌ واضح، وكان الأمر بالنسبة لنا منذ البداية واضحاً، وقد اتّضح لشعبنا على مرّ السنوات المتمادية، ولكن ظهور هذا الجانب الشعبيّ، وبروز مثل هذا الدور في ساحة الحركة الشعبية يُعدّ شيئاً آخر. وما كان هذا ليحدث إلا عندما برزت من داخل الجيش حركةٌ اتّسمت بالعظمة ولفت الأنظار،، وقد كان يوم التاسع عشر من بهمن شاهداً على هذاالإنجاز.

اليوم عندما تنظرون إلى حادثة التاسع عشر من بهمن، من المحتمل أن لا تبرز أهمية هذه الحادثة. لكن نحن الذين كنّا في تلك الأيّام، وأنا العبد الذي شهدت تلك الحادثة، وقد كنت في المدرسة العلوية مع جمع الإخوة في القوّة الجوّية، وشاهدت حركتهم الشجاعة، فإنّ شعورَ وإحساسِ من كان مثلي، ممّن عاش تلك الأوضاع كان شعوراً مختلفاً. لقد كانت حادثة التاسع عشر من بهمن تمثّل اقتحاماً عظيماً، واختراقاً كبيراً. أن يأتي ضباط ورتباء ويعلنون بصراحة انضمامهم للثورة، ويُوجّهون أعينهم صوب أعين حرّاس النظام الطاغوتي ويقولون لهم، كلا،، فإنّه لعمل عظيم جداً. وقد كان لمثل هذا الإقدام أثره. إقدام في محلّه، وفي وقته، لأنّ المشاعر المكبُوتة وغير المعلنة لا يمكن أن تؤدّي مثل هذا الدور. وإنّ للإقدام والابتكار في جميع الميادين والمجالات مثل 
 
 
 
 
 
 
 
75

63

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 هذا الأثر. لقد كان ميدان ذلك اليوم وساحته هو هذا الميدان،، وكان لمرحلة الحرب ساحاتٌ أخرى. وفي يومنا هذا، تختلف مثل هذه الساحة، وفي كلّ زمانٍ، وفي كل ميدانٍ وساحةٍ، يمكن أن يكون للتواجد في الوقت، والعمل في الوقت، والإقدام في الوقت المناسب، مثل هذا الأثر الكبير،، هذا درسٌ. 


ب- استلهام الدروس للمستقبل
الثانية: أن نستلهم من هذه الحادثة درساً للمستقبل ولا نتوقّف عند الماضي. فإنّ من آفات المجتمعات والتجمّعات والشعوب والجماعات، التوقّف والجمود عند أمجاد الماضي. فنستحضر تلك الأمجاد السابقة ونتفاخر بها، لكنّنا لا نتحرّك في زماننا الحالي بما يتناسب معها. وبالطبع، إنّ القوّة الجوّية، وجيشنا اليوم لا يمكن مقارنتهما بما كانا عليه تلك الأيّام،، فقد اختلف الأمر بينهما كالفارق بين الأرض والسماء. 

وتمّ إنجاز الأعمال الكبرى، وتحققت إنجازات خالدة، فلا شك في ذلك. لكن انظروا إلى المستقبل، فإنّ المستقبل مستقبلٌ مهم وخطر. ولو أنّ بلداً أراد أن يحصل على عزّته وهويّته ومصالحه وأمنه، فإنّه يحتاج إلى الابتكار والعمل والسعي. فبالقعود والنوم والغفلة عما يجري حوله، لا يمكن الوصول إلى الأهداف العليا. ما ترونه من ابتلاء المجتمع الإسلامي، والدول الإسلامية طيلة القرون الماضية ـ المئتي أو الثلاث مئة سنة ـ بالتخلّف، حيث نعاني اليوم جميعاً من ضربات ذلك التخلّف، فإنّ ذلك كان بسبب كل أنواع الغفلة. وهنا وفي الجهة الغربية لبلدنا، وفي غيرها من المناطق الإسلامية، كان هناك أعمال ظاهرية للحكومات، لكن لم يكن من تحرّكٍ مناسبٍ مع الزمان والمستقبل. فالآخرون، يتعلّمون ويجرّبون ويحصلون على التقنيّات، وقد بدأوا حركتهم لأجل احتلال العالم،، ونحن وقعنا في شباك صيدهم، وأضعنا كلّ ما نملك. ولا أقصد بقول "نحن" إيران فقط، بل إيران ودول المنطقة ودول شمال أفريقيا، والبلاد الواقعة شرقنا، فكلّ المنطقة الإسلامية ابتُليت بالغفلة. فمثل هذه الغفلة والانشغال بالأعمال الظاهرية وعدم التفكير بالتحرّك وبناء المستقبل، سيكون لها مثل هذه الأضرار والخسائر.

وبالطبع، عندما استيقظت الشعوب، فإنّ يقظتهم سيتبعها تحرّكات تلقائية، لكن مثل هذه التحرّكات قد تتّسم بالسّرعة أوالبطء. فمن الممكن أن تكون حركاتٍ سريعة وفعّالة وجيّدة، تتجاوز المعدّل العام لسرعة العالم، ومن الممكن أن تكون حركات بطيئة لا تصل إلى مستوى الآخرين،، لأنّ الآخرين ليسوا عاطلين عن العمل. إنّنا نعمل ونسعى ونبذل الجهد، ونبني. لكن، ألا يفعل الآخرون مثل هذا؟ فالآخرون
 
 
 
 
 
 
 
76

64

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 في الجبهة المواجهة لنا، في طور العمل والهمّة والبناء والسعي. ويجب علينا أن نعمل، بحيث يفوق مجموع مساعينا من حيث السرعة سرعة الجبهة التي تواجهنا، عندها يمكننا أن نأمل بالمستقبل.


لقد كانت هذه وصيّتي الدائمة لكلّ الشباب في هذا البلد، وهي تشملكم اليوم أيّها الأعزّاء في القوّة الجوية، وفي كلّ الجيش، وكلّ القوّات المسلّحة. سواء في التنظيم، أو في صناعة القطع والأجهزة، أو في التعليم والتدريب، أو في التربية الأخلاقية وتقوية ذلك العامل المعنوي الأساسي، فيجب أن تبذلوا جهداً مضاعفاً. يجب على الجميع أن يضاعفوا جهودهم: الحكومة والمسؤولون والقطاعات المختلفة في البلاد، ومنهم القوّات المسلّحة التي تمثّل جسماً كبيراً من أعضاء الدولة المؤثّرة. يجب أن تكون هذه المساعي هادفة ومليئة بالمضمون والمحتوى. 
 
 
حقّانيّة حركة الجمهوريّة الإسلاميّة
لحسن الحظ، اتّضحت اليوم سلامة حركة الجمهورية الإسلامية وحقانيتها. فأنتم ترون تلك الشعارات التي كان شعب إيران يلهج بها حتى الأمس، فإنّها ذاعت وانتشرت في كلّ هذه المنطقة. فالدول التي كانت من جملة الأذناب، والمحطّات العسكرية المحقّرة لجبهة الاستكبار، أضحت اليوم بفضل شعوبها، من القوى الطالبة للرقيّ إلى جانب شعب إيران،، وها هم اليوم يسلكون تلك الأهداف نفسها، ويطلقون الشعارات نفسها، فهذا هو تقدّمكم. ومعنى ذلك أنّ شعب إيران استطاع وعلى مرّ هذه العقود الثلاثة أن يكسب أنصاراً وأصدقاءً ورفقاءً. نحن لا نقول إنّنا قد أوجدنا هذه الحركات، فهذا ليس كلاماً منطقياً. 

لكنّه من غير المنطقيّ أن نقول أنّ نهضة أي شعب بكلّ هذا الصخب العجيب، الذي أوجد هذه الصحوة طيلة هذه العقود الثلاثة، لم يكن له أيّ تأثيرٍ في صحوة الآخرين،، فهذا ليس أمراً منطقياً أيضاً، وهو من الأمور المسلّمة بالكامل. فجميع التحليلات والتفسيرات الموجودة في العالم اليوم، هي هكذا، حيث يُقال إنّ أمّ الصحوة والحركة الإسلامية هي هنا (أي الجمهورية الاسلامية). في تلك الأيام، وفي تحليلات المحلّلين الأجانب التي ظهرت في المنشورات والوسائل الإعلامية والمواقع المختلفة، تنطق بهذا المعنى. فمثل هذا يُظهر أن حركتنا على حق.

إنّ حركة النظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية والثورة التي أوجدت هذه الحركة، هي حركةٌ باتّجاه الهوية الواقعية والخالدة والمحكمة والقابلة للاستمرار والمواجهة لكل أنواع الغزو، وهي الهوية الإسلامية، وباتجاه الاعتماد على الله تعالى، والشعور بالعزّة كونك مسلماً، والاعتماد على الطاقات والقوى التي منحنا الله إيّاهاـ سواء
 
 
 
 
 
 
77

65

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 تلك القدرات الشخصية لكلّ واحدٍ منّا، أو الطاقات العظيمة الوطنية المجتمعة، أو تلك الطاقات الإنسانية، أو الثروات الطبيعية ـ ودعوة العالم إلى القيم المعنوية. 

 
لم ينل العالم من الاستغراق في المادية أيّة فائدة. ولم تحصل أيّة فائدةٍ من ترويج التحرّر الجنسي. هذه البشرية لم تنتفع بتلك التحرّكات المادية التي وُجدت في أوروبا، سواء الفرار من المعنويات، أو التحرّر من الضوابط الإلهية،، فلا العدالة تحقّقت، ولا الرفاه العام، ولا الأمن، ولا تماسك الأسرة، ولم تتمكّن من تربية الأجيال اللاحقة بشكل صحيح، فقد أضرّت بكل هذه الأمور. نعم، لقد جنى بعض أصحاب الشركات والبنوك وصنّاع الأسلحة على الآلاف والألوف، ولكن الحضارة الغربية والمادية لم يكن لها ثمار إنسانية، ولم يتمكّنوا من إسعاد أنفسهم، ولم يسعدوا تلك المجتمعات التي كانت تنهج طريقهم وتعيش تحت ظلّهم وتقلّدهم.
 
إنّ رسالة الثورة الإسلامية هي رسالة الانعتاق من هذه الحركة المشؤومة والمهلكة. وإن التوجّه إلى المعنويات والأخلاق الإلهية - هذا في الوقت الذي ننهض فيه بأعباء الحاجات البشرية- هو ما يدعو إليه الإسلام، وهو الحدّ الوسط بين إفراط الكنائس الكاثوليكية والأرثوذوكسية، وكل أنواع التشدّد المغلوط، والتفلّت والتحلّل الذي يُعدّ في مقابل ذلك الإفراط في المجتمعات الغربية، والذي حصل نتيجة حركتهم المادّية. فلا هذا صحيحٌ ولا ذاك. كلاهما خطأٌ بخطأ. إنّ خط الإسلام هو خطّ الاعتدال، وخط العدالة. وللعدالة معنىً واسعٌ وشامل. والعدالة يجب أن تكون ملحوظةً في جميع المجالات، وهي تعني وضع الشيء في موضعه، وهي الخط الوسطي للإنسانية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ1﴾.
 
واليوم إنّ شعب إيران يُعدّ من روّاد هذه الحركة. إنّنا نبني مجتمعاً ونظاماً، ولدينا حركة واسعة وشعبية. لقد مرّ ثلاث وثلاثون سنة على الثورة، ولا يوجد أيّ مكانٍ في العالم يتمّ فيه إحياء ذكرى الثورة بهذه الحالة الشعبية. إنّها ثورتنا، هي الوحيدة التي يحتفل الشعب كل سنة في ذكراها. ففي كلّ أنحاء البلاد، يتدفّق الملايين ويتظاهرون ويطلقون الشعارات، فمثل هذا لا يوجد في أيّة ثورة. لقد كان هناك ثوراتٌ كبرى، وقد شهدنا بعضها في زماننا، وبعضها اطلعنا عليه في التاريخ: عندما تأتي الذكرى السنوية لتلك الثورات، يأتي بعض الأشخاص ويقفون لاستعراض العسكر وإلقاء التحية العسكرية. هكذا تُقام احتفالات ذكرى الثورات. يتمّ إقامة احتفال، ويُدعى بعضهم، فيأكلون ويشربون. أمّا إحياء ذكرى الثورة من خلال الشعب، فهو من اختصاص الثورة الإسلامية. في ذكرى 22 بهمن من كل سنة، يأتي الناس إلى الميدان، 
 
 
 

1- البقرة، 143.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

66

في لقاء قادة القوّة الجويّة للجيش

 مع قساوة الطقس وهطول الأمطار أو تساقط الثلوج والبرد القارس. وفي عامنا هذا، سترون كيف أنّ الشعب سيأتي مرّة أخرى إلى الميدان، بتوفيق الله وهدايته، وبيد القدرة الإلهية. فهذه الحركة، حركةٌ شعبية، وسوف تستمرّ وبتوفيقٍ من الله. إنّها حركة عامّة شاملة في البلاد، والقوى المسلّحة تمثّل جزءاً أساسياً، من هذه الحركة الشعبية.


وصيّة للقوى المسلّحة والقوّة الجوّية
إنّني أوصي جميع الشباب الأعزّاء في القوى المسلحّة وفي القوّة الجوّية، أن ينهضوا لبناء أنفسهم، وتربيتها معنوياً،، فيرفعون من مستوى التدريبات، والتنظيم، والانضباط، والوعي، والأخوّة والتراحم بين الرّتب المختلفة مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. فمثل هذه مؤشّرات وعلائم الجيش الإسلامي والديني. فمع وجود الانضباط، توجد الأخوّة بين مختلف الرتب، ومع وجود الانضباط والتنافس الإيجابي بين الفروع المختلفة، والأقسام المتعدّدة ـ في العمل التقني وفي الدعم وفي القتال ـ توجد روح الأخوّة والتعاون والتكامل والمحبّة، فهذه هي الخصائص التي تتّصف بها أيّة مجموعة عسكرية إسلامية. 

والأعلى من ذلك روحية الجهوزية والتضحية،، الشيء المفقود في مختلف جبهات أعدائكم. وقد أظهر شبابنا هذا الأمر عملياً في أيام الحرب، وبعد الحرب، وأينما تطلّب الأمر، فقد ظهر هذا الشيء وبان. فهم مستعدّون لحمل أرواحهم على أكفّهم والنزول إلى الميادين، فمثل هذا الشيء يتمتّع بأهمية فائقة. فاحفظوا روحية الفداء والصمود والمعاملة مع الله، وزيدوا من الطهارة والتقوى المعنوية يوماً بعد يوم، وإن شاء الله، إنّ الله تعالى سيعينكم من جميع الجهات.

نسأل الله تعالى بمشيئته، أن يشمل مسؤولي القوّة الجوّية والعاملين فيها، وعوائلهم المحترمين، وأبناءهم وأزواجهم، بأنواع فضله، ويوفّق العناصر في كلّ قطاعٍ من قطاعات هذه المؤسّسة المهمّة والعظيمة والمحورية، للقيام بوظائفهم على أفضل وأكمل وجه. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
79

67

في ذكرى المولد النبوي

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في ذكرى المولد النبوي


المناسبة: ذكرى المولد النبوي الشريف.
الحضور: شخصيّات عربيّة وإسلاميّة، وحشدٌ من مختلف شرائح الشعب.
المكان: طهران.
الزمان: 10/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
81

68

في ذكرى المولد النبوي

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

نبارك الميلاد السعيد للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومولد الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام، لجميع الحضور المحترمين، والإخوة والأخوات الأعزّاء، وخصوصاً الضيوف المحترمين والأعزّاء الذين يتواجدون ويشاركون في هذا اللقاء من الدول الأخرى. وكذلك نبارك هذه الظاهرة التاريخية الميمونة والعظيمة، لكلّ الأمّة الإسلامية ولكلّ البشرية، وخصوصاً شعب إيران العزيز المتواجد في ساحات البلاد.

مصادفة انتصار الثورة الإسلاميّة مع المولد النبوي الشريف
هذا العام بحمد الله، يشهد اقتران هاتين الحادثتين الكبيرتين ـ المولد السعيد الذي هو أساس الخير ومفتاح الحركة التاريخية الإسلامية العظيمة، وحادثة انتصار الثورة الإسلامية، التي تُعدّ من آثار وثمار تلك الحركة الإسلامية العظيمة في التاريخ. يحتفل شعب إيران اليوم بهذين العيدين،، عيد المولد وعيد ولادة الثورة الإسلامية. فإنّ ولادة هذه الثورة في الواقع، تُعدّ ولادةً جديدة للإسلام،، في ذلك اليوم، الذي كان العالم المادّي، والقوى المادية المتسلّطة، بمساعيها لعشرات السنين، تتصوّر أنّه قد طُوي بساط الدين والمعنويات - وخصوصاً الإسلام - من ساحات الحياة البشرية، في مثل تلك الظروف، صدح هذا النداء العظيم التاريخيّ والخالد في هذه الدولة، فحيّر الأعداء، أعداء الإسلام، وأعداء استقلال الشعوب، وأعداء البشرية، وبعث الأمل في الأصدقاء الواعين ومن هم أهل البصيرة، في كلّ العالم. في ذاك اليوم الذي تحقّقت الثورة الإسلامية في إيران، لم يكن هناك مَن يتصوّر في هذا العالم الكبير، أن تتمكّن راية الإسلام - وبهذه الطريقة، وفي مثل هذه المنطقة، وفي مثل هذا البلد الذي كان حكراً على المتسلّطين - من الخفقان، وأن تستطيع هذه الحركة الإسلامية البقاء والنموّ والمقاومة بوجه الأعداء. ما كان لأحدٍ أن يتصوّر ذلك في كلّ العالم.

كان أعداء نظام الجمهورية الإسلامية يعِدون أنفسهم أنّهم خلال شهرٍ أو شهرين، أو سنةٍ كحدٍّ أقصى، سيتمكّنون من القضاء على الجمهورية الإسلامية، وقد بذلوا كلّ الجهود من أجل هذا الهدف. وفي الواقع، إنّ يوميّات تاريخ ثورتنا هي عبرة. فيوماً بيوم، يمكن أن تكون تلك السنوات المليئة بالنشاط والسعي منذ انطلاقة الثورة الإسلامية في إيران، معلماً ورايةً أمام أعين الشعوب، وتكون منطلقاً للعبرة. 

فمع كل تلك المؤامرات، وجميع أنواع الضغوط التي مورست، بمختلف الأشكال، وصمود
 
 
 
 
 
 
83

69

في ذكرى المولد النبوي

 شعب إيران بقيادة ذلك الرجل العظيم، الذي هو بلا شك لُمعة ولمحة من الأنوار الطيبة للنبوّات، جعلها الله تعالى فيه. فإمامنا الجليل، هذا الرجل الكبير، مضى على هذا الطريق، وبتلك الكيفية والتحرّك، وقد أظهر شعب إيران الوفاء والصدق والصمود في الساحات، وتحمّل الضغوط، وتغلّب بعزمه وإرادته على مؤامرة الأعداء. لهذا، بقيت هذه الشجرة الطيبة، وتجذّرت ونمت، وبمشيئة الله ستزداد يوماً بعد يوم تكاملاً وثباتاً وقوّةً واقتداراً. كلّ هذه من بركة الإسلام، وجميعها من بركة المولد. 

 
ضرورة التعرّف على شخصيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
نحن المسلمون، ولأجل أن نكتشف طريق الهداية، يكفي أن نتعرّف على شخصية النبيّ. فباعتقادنا أنّ على كلّ البشرية الاستفادة من وجود النبيّ، وهم يستفيدون. ولكن من هو أولى بالاستفادة، نحن الأمّة الإسلامية. فهذا الموجود العظيم صاحب الخلق العظيم والشخصية التي أعدّها الله تعالى لأجل أعظم رسالة عبر تاريخ البشرية، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه، فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب، قال: إنّك لعلى خلقٍ عظيم، ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأُمّة ليسوس عباده"1، فقد ربّى الله تعالى هذه الشخصية العظيمة وأعدّها ومنحها كل ما يلزم لهذا العمل التاريخيّ العظيم، وأودع ذلك في وجوده المطهّر والمقدّس، ثمّ وضع على عاتقه هذا الحمل الثقيل للرسالة التاريخية. لهذا، فإنّ هذا اليوم، الذي هو يوم 17 ربيع الأوّل، يوم ولادة النبيّ المكرّم، لعلّه يمكن القول إنّه أعظم عيدٍ للبشرية طوال تاريخها، حيث أهدى الله تعالى مثل هذا الإنسان العظيم لها، ولتاريخ البشر، وقام هذا العظيم بمستلزمات هذا العمل.
 
اليوم، نحن المسلمون، لو ركّزنا على شخصية النبيّ الأكرم، ودقّقنا وأردنا أن نستخلص الدروس، لكان الأمر كافياً لديننا ودنيانا. لأجل استعادة عزّتنا، فإنّ النظر إليه والتعلّم وأخذ الدروس منه يكفينا. فقد كان مظهر العلم، ومظهر الأمانة، والأخلاق، والعدالة، فماذا يحتاج البشر؟ هذه هي احتياجات البشرية. هذه الاحتياجات لم تتغيّر على مرّ تاريخ البشرية. فجميع هذه التحوّلات والتطوّرات في حياة البشر، منذ بداية الخلقة وإلى اليوم ـ حين تغيّرت الأوضاع والأحوال الحياتية، وتعرّضت أنماطها إلى العديد من التغييرات ـ فإنّ مطالب البشر الأساسية لم تتغيّر. فمنذ البداية وإلى يومنا هذا، كان البشر يبحثون عن الأمن، والاستقرار والعدالة والأخلاق الحسنة، والارتباط الوثيق 
 
 

1- أصول الكافي، ج1، ص266، ح4.
 
 
 
 
 
 
84

70

في ذكرى المولد النبوي

 بمبدأ الخلقة. هذه هي الحاجات الأساسية للبشر التي تنبع من فطرتهم. ومظهر جميع هذه الأشياء هو النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. نحن الأمّة الإسلامية اليوم، بحاجة إلى كل هذه الخصائص. فالأمّة الإسلامية اليوم بحاجة إلى التقدّم العلمي، وإلى الثقة، والطمأنينة بالله وإلى العلاقات السليمة والأخلاق الحسنة فيما بيننا، حيث ينبغي أن نتعاطى مع بعضنا بعضا بأخوّة وبالصفح والحلم، والتجاوز. والنبيّ الأكرم هو مظهر جميع هذه الخصائص. فعلمه وحلمه وتجاوزه ورحمته وتودّده للضعفاء، وعدالته بالنسبة لكلّ أفراد المجتمع، كل هذه ظهرت فيه، فلنتعلّم من النبيّ، ونحن بحاجة إليها. إنّنا اليوم بحاجة إلى الاطمئنان بالله تعالى، والثقة به وبمواعيده. فقد وعدنا الله تعالى وقال إنّكم إذا جاهدتم وسعيتم، فإنّه تعالى سيوصلكم إلى الأهداف والمقاصد، في ظلّ الصمود والثبات. ففي مقابل الشهوات الدنيوية، لا ينبغي أن نضعف ونتراجع، وفي مقابل المال والمنصب والوساوس النفسانية المختلفة لا ينبغي أن نشعر بالضعف، بل نصمد. هذه هي الأشياء التي توصل البشر إلى أوج الكمال، وتمنح أي شعب عزّته وأي مجتمعٍ سعادته الواقعية. فنحن بحاجة إلى هذه الأمور، ومظهر هذه الأشياء كلّها هو نبيّنا. 


هذه هي حياة النبيّ المكرّم، وتلك هي طفولته وشبابه قبل البعثة. لقد كانت أمانته بحيث إنّ كلّ قريش وكلّ عربيّ كان يعرفه، لقّبه بالأمين. فإنصافه بالنسبة للأشخاص، ونظرته العادلة بالنسبة للأفراد، كانتا بحيث أنّهم إذا أرادوا وضع الحجر الأسود في مكانه، حين تنازعوا فيما بينهم (قبائل العرب وطوائفها)، اختاروه ليحكم بينهم، في حين أنّه كان ما زال شابّاً. فهذا ما يشير إلى إنصافه بالنسبة للجميع، وكان الجميع يعلم ذلك. كانوا يعتبرونه صادقاً وأميناً. هذه هي مرحلة شبابه، ثم جاءت مرحلة البعثة فكانت مرحلة التجاوز والجهاد والصمود، فكلّ الناس في ذلك الزمان واجهوه ووقفوا في مقابله وتحرّكوا ضدّه. كلّ هذا الضغط، طيلة السنوات الـ الثلاثة عشرة في مكّة، أيّ سنواتٍ صعبة كانت؟! وقف النبيّ وكان صموده الذي أوجد المسلمين المقاومين والصامدين ممن لم تؤثّر فيهم كل الضغوط. هذه دروس لنا. ثمّ تمّ تشكيل المجتمع المدنيّ، ولم يحكم أكثر من عشر سنوات. لكنه شيّد بناءً شكّل طوال القرون المتمادية قمّة البشرية في العلم، وفي التمدّن، وفي التقدّم المعنوي، وفي التقدّم الاخلاقي، وفي الثروة، وقد كان هذا المجتمع نفسه،، مجتمعا أسّسه الرسول وأرسا دعائمه.

حسنٌ، المسلمون من بعده تراخوا، ووهنوا،، نحن المسلمون قد تراجعنا بأيدينا. والآن نحن بأيدينا نسعى خلفه من جديد، ونتقدّم. الأمّة الإسلامية اليوم محتاجة إلى الاتحاد، محتاجة إلى التراحم، محتاجة إلى التعارف. اليوم من خلال هذه النهضات التي قامت
 
 
 
 
 
 
 
 
85

71

في ذكرى المولد النبوي

 في دنيا الإسلام وفي العالم العربي، صحوة الشعوب هذه، هذا الحضور للشعوب في الميادين، هذا التقهقر المتتالي لأمريكا والأجهزة الاستكبارية، هذا الضعف المتزايد يوماً بعد يوم للنظام الصهيوني، هذه جميعاً تُشكّل فرصة لنا نحن المسلمين، إنّها فرصة للأمّة الإسلامية. لنرجع إلى أنفسنا ونتعلّم الدرس، ولا ريب أنّ هذه الحركة بهمّة الأمّة الإسلامية والشخصيات والمثقّفين والنخب العلمية والسياسية والدينية، سوف تستمر، وستبصر دنيا الإسلام يوم عزّتها من جديد إن شاء الله.


أسأل الله المتعالي أن يعجّل هذا الحدث، وهذا اليوم، وأن يوفّقنا لأن نكون شركاء ومساهمين في هذه الحركة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
86

72

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء أهالي إقليم آذربيجان


المناسبة: ذكرى انتفاضة أهالي تبريز في 19 بهمن.
الحضور: جمعٌ من علماء وأهالي إقليم آذربيجان.
المكان: طهران - حسينية الإمام الخميني قدس سره.
الزمان: 15/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
87

73

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أرحّب بجميع الإخوة والأخوات الأعزاء، وقد تجشّمتم عناء السفر وقطعتم هذا الطريق الطويل في هذا الجوّ البارد من تبريز وبعض المدن الأخرى من إقليم آذربيجان، وعطّرتم حسينيتنا بحضوركم اليوم بأجواء معنوية ملكوتية عاطفية، وأشكركم شكراً جزيلاً. 
 
ذكرى التاسع والعشرين من شهر بهمن
يذكّرني الـ 29 من شهر بهمن1 كل سنة بذكرى طيبة ومحبّبة هي أنني ألتقي في هذا المكان المحدود بحشد من الشباب الأعزاء والرجال الأبطال الغيارى من إقليم آذربيجان، فهذا اللقاء طيب ومرغوب عندي كثيراً. أسأل الله تعالى أن يضاعف يوماً بعد يوم من فضله وهدايته ومعوناته عليكم أيها الأهالي الأعزاء، وسترون إن شاء الله مستقبلاً أكثر إشراقاً وحلاوة وازدهاراً في أرض إيران العزيزة. 
 
عزيمة الشعب الإيراني وبصيرته 
ما تعلمنا إياه الدروس والعبر المتنوعة للثورة ونظام الجمهورية الإسلامية من مسائل وقضايا خالدة لا تُنسى، تُرشد شعبنا ومسؤولينا وترشدكم أنتم أيها الأعزّاء وخصوصاً الشباب خطوة خطوة نحو القمم السامقة. هذا ما تقوله العبر التي مررنا بها، وتجاربنا ومشاهداتنا، وليس معلوماتنا فقط، بل ما نشاهده بأعيننا يدلنا على هذه الحقيقة. من نماذج ذلك، نموذج، أرى من الضروري أن أذكره هو المظاهرات العارمة للشعب الإيراني في الثاني والعشرين من بهمن هذه السنة. الكل قالوا إنّ الحشود كانت هذا العام أكثر من الأعوام الماضية وأشد حماساً وأكثر حيوية وبهجة. لماذا؟ هذه ليست أخبار شخص وشخصين، فقد كان الأمر كذلك في طهران وفي المدن وفي تبريز وفي إصفهان وفي مشهد وباقي المدن الكبيرة التي وصلتنا الأخبار منها. والسؤال هو لماذا؟ ما الذي حصل هذه السنة حتى شارك الشعب بحرارة أكبر وانجذاب أشد وشوق أكبر وحماس أعظم من السنوات الماضية في هذه الساحة الشعبية العظيمة؟ الإجابة عن هذا السؤال فيه عبرة ودرس لنا. الإجابة هي أن الشعب الإيراني شعر هذا العام أنّ بلاده ونظامه وإسلامه العزيز بحاجة لهذه المشاركة.
 
 
 

1- بهمن 29(هجري شمسي) موافق لـ 19 شباط 1978م: مناسبة تاريخية في الجمهورية الإسلامية، يوم قيام أهالي آذربيجان ضد نظام الشاه، عندما قاموا بإحياء أربعينية شهداء مدينة قم إثر انتفاضة الأهالي 9ك2 1978م.
 
 
 
 
 
 
 
 
89

74

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 إنّ جبهة العدو الشرير واللئيم الذي يمتلك كل أجهزة الاتصالات في العالم ويقبض على وسائل الإعلام في العالم، والكثير من الساسة في العالم الغربي هم ممن نصّبتهم هذه الجبهة الشريرة،، أي جبهة الرأسماليين وأصحاب الكارتلات والشركات الكبرى، والرأسماليين مصّاصي الدماء والصهاينة، والشبكة الصهيونية العالمية التي تمتلك معظم وسائل الإعلام في العالم والوسائل الإعلامية الأكثر تطوراً كقنوات التلفزة وفوق كل ذلك شبكات الانترنت، ركّزت إعلامها - منذ عدة شهور - على أنّ الشعب الإيراني قد ضعف ارتباطه بالنظام وبالإسلام والأهداف المعلنة. بثوا هذه الأقاويل في إعلامهم بشكل متواصل ووسعوا الهجمات الإعلامية حتى يقنعوا شعبنا العزيز بهذه الكذبة الكبيرة. فما هو الهدف من كل ذلك؟ الهدف هو إضعاف عزيمة الشعب الإيراني الشجاع المؤمن الذي خرج مرفوع الرأس من الامتحانات الصعبة الكبرى. وإذا ضعف الشعب وتراخى أضحت البلاد هشّة بلا دفاع. وحينما لا يكون الشعب في الساحة سيبقى المسؤولون لوحدهم. ما من مجموعة سياسية في العالم تستطيع أن تعمل وتتقدم من دون مؤازرة شعبها. هذا هو غرضهم. وقد شدّدوا بشكل خاص على الثاني والعشرين من بهمن (ذكرى انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية)، واستخدموا مختلف الحيل الإعلامية عسى أن يستطيعوا إخلاء هذه الساحة وإطفاءها وتقليل رونقها، لكن الشعب أدرك هذا. إنّ ما يدعو الإنسان إلى الإعجاب والدهشة، وما يُشعره بالضعة مقابل عظمة هذا الشعب - فيدرك كم هو شعب عظيم - هو بصيرة الشعب الإيراني ومعرفته بأوضاع عصره وظروفه1

 
هذه البصيرة المنقطعة النظير، وهذه المعرفة بالظروف تثير إعجاب الإنسان. وهذا هو الذي يصون الشعب ويحفظه. لقد أدرك الشعب الإيراني أن العدو يحمل اليوم هذا الهدف، فوجه صفعة للعدو من خلال ما قام به عملياً، أي أحبط إعلام العدو بمشاركته وحضوره. الناشئة والشباب والشيوخ والمقعدون والنساء والرجال حضروا في الساحة في كل أنحاء البلاد. حسب التقرير الذي زودوني به - وهو تقرير موثق - فقد خرجت المظاهرات بهذا الشكل الواسع في ما لا يقل عن 850 مدينة في البلاد، والتلفزة غير قادرة على عرض كل هذا. هذا هو الشعب الإيراني وهذه هي بصيرته، وهذه هي معرفته بمكانته ومشاركته وحضوره. لن يهزم هذا الشعب. ومن عليهم أن يتلقوا الرسالة، فها قد وصلتهم. أولئك الذين ينسجون في أدمغتهم المخمورة خيالات واهمة حول الشعب الإيراني أدركوا ما الذي يجري في إيران. طبعاً حاولوا
 
 

1- شعارات الحضور باللغة الآذربيجانية: "آذربيجان يقظة، تحامي عن الثورة".
 
 
 
 
 
 
 
90

75

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 منع انعكاس هذه الحقيقة في الإعلام، لكن من يجب أن يفهم الأمر فقد فهمه. الأجهزة المخابراتية لأعدائنا وواضعو السياسات في البلدان المعارضة للجمهورية الإسلامية قد فهموا أن الشعب الإيراني البطل متواجد في الساحة هكذا. طبعاً حاولوا أن يمنعوا الرأي العام العالمي من الاطلاع على هذه الحقيقة. وهذا بحد ذاته يفضحهم. هؤلاء هم أنفسهم المتشدّقون بحرية الاتصالات والأخبار والمعلومات، ويزعمون أنهم لا يُعتّمون على الخبر ولا يتكتمون عليه ولا يحذفون منه. ولو كانوا لا يحذفون منه لما قالوا عن هذه الحشود التي بلغت عشرات الملايين في المظاهرات في كل أنحاء البلاد بأنها في طهران آلاف الأشخاص! هل هؤلاء آلاف الأشخاص؟! الحشود المليونية المتواجدة في الساحة في الثاني والعشرين من بهمن في طهران هل كانوا آلاف الأشخاص؟! قالوا إن المتظاهرين في كل أنحاء إيران هم مئات الألوف! هل كان هؤلاء مئات الألوف؟! في كل واحدة من المدن الكبرى في البلاد اجتمع مئات الألوف، وحضر عشرات الملايين من الناس في الساحة. هكذا هو الإعلام. ولم تكن قليلة حالات الكذب والغشّ والخداع والتزوير الحقيرة التي شهدناها من الأعداء. كان الوضع هكذا منذ بداية الثورة وإلى اليوم. وسيبقى هكذا، لكن أهدافهم لن تتحقق. 


مستقبل العالم
حينما تخرج الرسالة الصادقة لشعب من أعماق قلبه فسوف تفعل فعلها. قلنا مراراً إنّ حسّ الحضور والمشاركة والمشاعر الثورية والإحساس بالمسؤولية والحركة بعزيمة راسخة أشبه بنسيم ربيعي طيب سوف يسري في كل مكان، وسوف ينتفع منه الجميع رويداً رويداً. ونشاهد نموذج ذلك في شمال أفريقيا وفي كل البلدان العربية وفي كل العالم الإسلامي، وفي قلب كل مسلم صاحب فكر ووعي لدى الأقليات - في البلدان التي يُشكّل فيها المسلمون الأقلية - وفي البلدان الإسلامية، حيث تشعر كل القلوب طوال هذه الأعوام المتمادية تدريجياً بالهوية والشخصية. لقد وصل الإسلام في مسيرته العظيمة إلى نقطة حساسة. والأجيال القادمة سوف تشهد الكثير من الأشياء الكبرى والمهمّة، وسوف يتغيّر العالم تغيراً جذرياً. وتضمحلّ تدريجياً السياسات المادية الاستكبارية المهيمنة التي قيدت الشعوب وكبّلتها، وتذوب وتنتهي. هذا هو مستقبل العالم. هذه هي النقطة المركزية، بداية التحرك من هنا، فهذه الأمّة صمدت والأمر المهم هو هذا الثبات وهذه الاستقامة.
 
 
 
 
 
 
 
91

76

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 فائدة إحياء المناسبات

أعزائي، أيها الشباب، أيها الرجال والنساء الغيارى من تبريز وآذربيجان، النقطة الرئيسة تكمن في هذا الصمود. لماذا نحيي التاسع والعشرين من بهمن كل عام؟ ليست المسألة أننا نريد البقاء على الماضي. الكثير من الحشد الموجود هنا والكثير من شباب آذربيجان ومدينة تبريز لم يشهدوا ذلك اليوم، ولم يكونوا قد ولدوا حينذاك، لكنهم يحيونه. هذا ليس مراوحةً في الماضي، إنّما هو تدليلٌ على المسار الصّحيح للحركة نحو المستقبل. 

الدور البارز لأهالي آذربيجان في قضايا البلاد
وأما تبريز وآذربيجان. قلنا مراراً إنّ أهالي آذربيجان وخصوصاً أهالي تبريز والكثير من المدن الأخرى في آذربيجان كانوا منذ أكثر من مئة عام في الخطوط الأمامية لأهم الأحداث والتطورات الإيجابية في البلاد، وقد مارسوا دورهم فيها. من قضية تحريم التنباك حيث نزل إلى الساحة المرحوم الحاج ميرزا جواد مجتهد التبريزي، وإلى الحركة الدستوريّة - سواء نهضة الدستور الأولى، أو الذي حدث بعد الاستبداد الصغير - كانت آذربيجان ومدينة تبريز بؤرة تفجّر المواجهات. وكان الرجال الأبطال المشاهير من تبريز يحملون في جيوبهم رسائل وأحكام كبار العلماء، ويستشهدون بها ويستندون عليها، ويصرحون بها، وهم من أمثال ستار خان وباقر خان. هذا ما عدا العلماء الكبار الذين شاركوا في هذه النهضة. حتى أمثال هؤلاء الأبطال والجنود البسلاء من آذربيجان كانوا يصرّحون أنهم تابعون لعلماء الدين ولأحكام مراجع التقليد. هذا ما تقوله لنا الوثائق والمستندات الموثوقة المتبقية من ذلك العهد. لم تكن تلك الحركة تلقائية دون وجهة محدّدة، بل كانت حركة دينية منبعثة من مشاعر الغيرة والحمية الدينية. الجميع كانوا متدينين في كل أرجاء البلاد، لكن في بعض المناطق برزت هذه الحركة الدينية بشكل أوضح بسبب الخصال المحلية - من غيرة وحمية وشجاعة ورجولة - وهكذا كانت تبريز وآذربيجان. 

وهكذا كان الوضع بعد أن انطلقت النهضة الإسلامية في الخامس عشر من خرداد سنة 1342هـ .ش. (5 حزيران 1963م.)،، فقد سُجن علماء الدين آنذاك ونُفوا ونقلوا إلى سجون طهران. كان الوضع على هذه الشاكلة طوال تلك الأعوام. وفي بداية الثورة كان يوم التاسع والعشرون من بهمن يوماً مشهوداً وعلامة في هذا الطريق 
 
 
 
 
 
 
 
92

77

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 العظيم لمسيرة الشعب الإيراني. لقد قلت دوماً ولا أريد التكرار بأنه لولا الـ29 بهمن لم يكن من المعلوم أن يكون للـ19 من شهر دي1 في قم كل هذا التأثير. إنما انتفاضة 29 بهمن لأهالي تبريز هي التي جعلت دماء الشهداء المظلومين في 19 دي في قم تغلي، وهي التي أحيت تلك الدماء وأوصلت رسالتها إلى العالم كله ولجميع أنحاء البلاد. هكذا كان تأثير انتفاضة الشعب في تبريز. ثم في قضايا الثورة وقضايا الحرب.

 
فأول إمام جمعة شهيد وشهيد محراب كان من تبريز. من بين خمسة شهداء محراب هناك اثنان من تبريز. ومن بين الألوية البارزة ومن بين القادة العسكريين المعروفين كان لواء عاشوراء2 والجنود الآذربيجانيون والتبريزيون والقادة من تلك المحافظة. اللواء مجموعة من الشباب وليس فيه كل الناس، ولكن لو لم يكن كل الناس على هذا الطريق وقلوبهم جميعاً في هذا الاتجاه لما تكوّن لواءٌ بطلٌ شجاعٌ مثل ذلك اللواء. يأتون بجثامين الشهداء ويشيعونها باستمرار فيزداد الناس شوقاً، ويبعث الآباء والأمهات أبناءهم للجبهات أكثر. هذا كله له معنى. هذا هو سرّ نجاح الشعب الإيراني.
 
بركات مقارعة الظلم والاستكبار العالمي
أعزائي. لقد وجهوا إلينا الإهانة نحن الشعب الإيراني في عهد النظام الشاهي. كانوا يهينوننا ويغتصبون حقنا وينهبون نفطنا ويخنقون مواهب شبابنا، فبقينا متخلفين في العلم وفي التقنية وفي السياسة الدولية وفي التأثير على شعوب العالم. لقد قيدوا الشعب الإيراني وكبّلوه. فتحرك الشعب وغيّر الطريق. وما ينادي به الشعب الإيراني اليوم هو مقارعة الظلم والاستكبار العالمي، وهذا بالطبع له خيراته وبركاته للشعب. حينما يقف الشعب ولا يخاف شبكة الأعداء ذات الهيمنة والضجيج الكبير، فإن علومه سوف تتقدم واقتصاده سوف يتقدم، وشؤونه الاجتماعية سوف تتقدم، وشبابه سيزدادون وعياً، وسوف يؤثر في الشعوب الأخرى، وسوف تعمّ أفكاره ودينه وشعاراته العالم. الشعارات التي كنا نطلقها ذات يوم هاهنا ونحن مظلومين حيث كان الشعب الإيراني
 
 
 

1- 19 دي (هجري شمسي) موافق لـ 9 ك2 من السنة الميلادية.
2- لواء عاشوراء 31: من الألوية الاساسية التي شاركت في الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وأوكلت إليه عمليات مهمة منها ، رمضان - مسلم بن عقيل - وتشكيله الأساسي كان من منطقة آذربيجان الإيرانية الشمالية. وكان على رأسه الشهيد مهدي باقري. 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

78

في لقاء أهالي إقليم آذربيجان

 وحيداً، تحوّلت إلى شعارات في كل مكان من العالم الإسلامي تقريباً. الشعب يمكن أن يكون مؤثراً ويستطيع أن يكون متماسكاً قوياً. وسوف يستمر هذا التماسك والقوة. سوف نتقدم في العلم إن شاء الله، وسوف نتقدم في الاقتصاد، ونتقدم أيضاً في البناء والعمران. هذا الشعب وهؤلاء الشباب وهذه الهمم وهذا الصمود سوف تبني البلاد وتجعلها كباقة ورود، وستكون إن شاء الله نموذجاً للعالم الإسلامي. ما يجب علينا أن نتابعه هو الخط الصواب والصراط المستقيم صراط الله وسبيل الله ودرب الإسلام وجادة الدين وطريق الشريعة. يجب أن نكون واعين يقظين ونعمل بواجباتنا.

 
الانتخابات صفعة على وجه العدو
تقام الانتخابات بعد أسبوعين تقريباً (انتخابات مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية). وقد بدأت دمى المسرحيات المعهودة في وسائل الإعلام العالمية تعمل لتقلل من أهمية هذه الانتخابات ورونقها. وأنا أقول، وقد قلت سابقاً وأكرر: مشاركة الشعب في الانتخابات يمكنها أن تتقدم بالبلاد إلى الأمام، وتحفظها وتصونها من شرور الأعداء، وتبثّ الشكوك والتزلزل في مؤامرات العدو، وتفرض عليه التراجع. 
 
الانتخابات الحماسية الملحمية صفعة على وجه العدو. 
الله معكم... الله معكم. "من كان لله كان الله له". حينما يسير الشعب في سبيل الله فإن الله سوف يعينه وسوف تعينه السنن الإلهية. قلوب الناس بيد الله. هذه العزائم والإرادات الراسخة صنيعة يد القدرة الإلهية، وسوف يعين الله تعالى بإذنه هذا الشعب في هذه الانتخابات أيضاً. ستقام انتخابات المجلس التاسع إن شاء الله بحماس ومحبة وبصيرة ومشاركة غفيرة من قبل الشعب ليتشكل بتوفيق من الله مجلس جيد للشعب، ويصعد نواب جيدون إن شاء الله بانتخابكم أيها الشعب، فيدخلون ساحة العمل والخدمة. شكراً جزيلاً1
 
أسأل الله تعالى لكم التوفيق. وحفظكم الله تعالى وأبقى حيويتكم ونشاطكم وأيّدكم إن شاء الله.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 

1- شعارات الحضور باللغة الآذربيجانية: "آذربيجان الفدائية لا تنفصل عن الخامنئي".
 
 
 
 
 
 
 
94

79

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد


الحضور: مسؤولو المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة. 
المكان: طهر ان.
الزمان: 22/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
95

80

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أنا سعيد جداً للقائي بكم اليوم هنا أيّها الأعزاء الإخوة والأخوات المحترمون الفاعلون في مجال يبعث على الفخر الوطني والتاريخي. وبالطبع، فقد ذكرناكم بالخير كثيراً في غيابكم، ونحن نحبّكم ونودّكم من أعماق قلوبنا. وهذا اليوم، إنّما هو فرصة لأن نبدي لكم مودّتنا و إخلاصنا شفهياً ووجهاً لوجه. نشكر الله على ذلك. وطبعاً، فهذه النعم من الله. كل النعم هي من عند الله ربّ العالمين. ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّه﴾1.
 
وإنّ امتلاك طاقات إنسانية كفوءة وواعية وعالمة وذات أفكار جيدة ودوافع قوية هو نعمة من النعم الإلهية. حينما نشكركم فهذا شكر محفوظ في مكانه. إلا أنّنا نشكر الله تعالى كذلك، لأنّه منَّ بكم على هذا الشعب وهذا النظام. 
 
ضرورة إدراك العامل لأهمّيّة عمله
يوجد مسألة هنا، وهي أنّه على كل إنسان أن يعرف قدر الخدمة التي يقدّمها في أي مكان أو مجال يعمل فيه. فإذا عرف هذا العامل الذي يقدّم الخدمات قدر هذه الخدمة، فإنّ هذا العمل وهذه الخدمة سوف تتواصل وتستمر على أحسن وجه. وإذا كان الحال على العكس، أي أنّ الشخص الذي يحرس هذا الخندق أو يقف فوق هذا البرج ويرصد أطراف السور، أو يقف في نقطة معينة وينجز عملاً مهماً، إذا لم يكن عارفاً بأهمية عمله الذي يقوم به، فمن الطبيعي أن يغفل وينام ويترك العمل. إذن، القضية الأولى هي أن ندرك حجم العمل الكبير الذي نقوم به في نطاق مهمتنا ووظيفتنا.
 
أذكر جملة واحدة فقط،، بالطبع فإنّ لعملكم الكثير من الأبعاد المتنوعة، ومن أبعاده أنّه منح الشعور بالعزّة الوطنية لهذا الشعب ولهذا البلد، و هذا أمر على جانب كبير من الأهمية.


تُبتلى الشعوب حينما تفقد عزّتها، عندما تنسى قيمتها الذاتية سوف تقبل أن تُستعبد من الآخرين وبالمجان. هذه هي عزّة النفس. والشعب المظلوم ينهض ويثور - كما فعلت شعوب شمال أفريقيا وبعض البلدان الأخرى - حينما تشعر أنّ لها عزّة سُحقت على مرّ الزمن. عندئذ ستثور، ولن تتمكن أيّ قوة من إسكاتها، وهذا ما تشاهدونه، وقد حدث بالفعل. هذه هي عزّة النفس. الثورة منحت شعبنا وبلادنا عزّة النفس. 
 
حاوَلوا مراراً وتكراراً أن يغرسوا في أفكار هذا الشعب ومعنوياته ويقولوا له "إنّك شعب عاجز وغير قادر،، أجل، قمتَ بثورة، لكنك لا تستطيع إدارة نفسك 
 
 
 

1- النحل،53.
 
 
 
 
 
 
 
97

81

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 والتقّدم إلى الأمام، ومواكبة العالم". إنّ كل تقدم علمي هو حركة كبيرة وبشارة كبيرة لهذا الشعب بأنّه قادر، وعملكم هذا - في المجال النووي - استطاع أن يمنح الشعب عزّة النفس. هذا أحد أبعاد أهمية العمل الذي تقومون به. 


لا يمكن قياس هذه القِيم وفق المعادلات المادية. أجل، إنّ العالم المادي يقيس كل هذه الأشياء بالمال، وكل القيم الإنسانية تنتهي عنده إلى المال. وهذه هي مشكلة العالم المادي، وهذا ما سوف يسقطه ويصرعه أرضاً. لكنّ حقيقة الأمر أنّ هناك أشياء لا يمكن قياسها بالمال أصلاً. وقد يأتي الإنسان في مقام المقارنة ومن باب التسامح على ذكر المال. كنتُ في زيارة لإحدى محافظات البلاد، ومن اللقاءات التي كانت لي هناك لقائي بالجامعيين والطلبة والأساتذة الجامعيين، وكان لقاءً جميلاً وحميماً جداً. أحد الأساتذة ـ وكان عالماً أعرفه ولا يزال هناك ـ ألقى كلمة. تحدث عدة أشخاص، ومنهم هذا الرجل العالم. 

ومن أجل أن يسترعي انتباهي أنا العبد، وانتباه باقي الأجهزة والمسؤولين بدأ يعدد امتيازات تلك المحافظة، ويقول إنّ فيها مثلاً هذه الميزة وتلك الميزة، وإن هذا يعادل مثلاً كذا مليار، ومن المناسب أن يُنفَق له كذا وكذا من المبالغ. وكان مضمون كلامي الذي قلته حينها - ولا أستطيع تذكر الألفاظ بدقّة - هو أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها أمور مادية، وأنت نفسك تساوي من المليارات ما هو أكثر من هذا، فهل يمكن أن يُقاس العالِم والأستاذ في مدينة أو في مركز محافظة بالامتيازات المادية لأية محافظة؟! هذا هو الفكر، وهذا هو الإنسان، وهذه هي الشخصية. يجب أن تعلموا أن ما تقومون به مهمّ. 

وبالطبع، إنّ أبعاد المسألة ـ كما ذكرتُ ـ متعددة جداً. حاوَلوا ويحاولون في الإعلام أن يُصوّروا أنّ هذا العمل أيديولوجي صرف، أي لا صلة له بمصالح الشعب والبلد، والحال أنّ عملكم متصل مباشرة بالمصالح الوطنية. هكذا هو العمل في الطاقة النووية. له صلة مباشرة بالمصالح الوطنية. في التقرير الذي قدمه الآن الدكتور عباسي ذكر بعض جوانب ارتباط هذا الأمر بالمصالح الوطنية. الطاقة النووية مشروع للشعب والبلاد والمستقبل. 

استغلال العلم لاستعباد الشعوب
مستكبرو العالم وأولئك الذين يرون أنّ من حقهم حكم العالم ـ هذه البلدان المستكبرة - يسمّون أنفسهم المجتمع الدولي، والأمر ليس كذلك، المجتمع الدولي هو الشعوب وحكوماتهم. عدد من البلدان تُطلق على نفسها اسم المجتمع الدولي وتُصدر الأحكام وتتحدث وترد وتُعلن التوقّعات! تُبرّر هذه البلدان هيمنتها على العالم باحتكارها للعلم
 
 
 
 
 
 
 
98

82

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 والتقنية. جزء من هذا الضجيج الذي يُثيرونه هو من أجل أن لا يُكسَر هذا الاحتكار. إذا استطاعت الشعوب التقدّم في القضية النووية وفي مجالات الفضاء والالكترونيات ومختلف القضايا الصناعية والتقنية والعلمية، فلن يبقى مجال لتسلّطهم التعسفي المتغطرس على العالم.


من أكبر الجرائم التي ارتكبت ضد البشرية هي أن العلم أصبح في الثورة الصناعية خلال القرنين أو الثلاثة الماضية وسيلة للتسلّط. البريطانيون وهم من روّاد الثورة الصناعية استخدموا إمكانياتهم هذه للانطلاق إلى أنحاء العالم وأسر الشعوب وتقييدها بالأغلال. تعلمون ما الذي جرى خلال فترة حكم البريطانيين في شبه القارة (الهندية)، في تلك الساحة الكبيرة والثرية؟ ولم يكن الأمر محصوراً بشبه القارة، وإنّما عمّ منطقة شرق آسيا كلها.. كانت لسنوات طويلة - لأكثر من قرن - تحت نعالهم، حيث تسلّطوا على الناس بأدوات العلم التي امتلكوها، وعانى الناس منهم الويلات، فكم من البشر أبيدوا، وكم من الآمال سحقت، وكم من الشعوب تخلّفت، وكم من البلدان خُرّبت. هكذا استخدموا أدوات العلم، وهذه أكبر خيانة للعلم، كما أنّها أكبر خيانة للبشرية. ويُريدون لهذا الاحتكار أن لا يُكسر. أيّ شعب يستطيع الوقوف على أقدامه باستقلاله - لا بفضل بطاقاتهم، وتراخيصهم، وتحت هيمنتهم، وفي قبضتهم - يكون قد وجّه ضربة لهذا الاحتكار،، وهذا ما يحصل اليوم لحسن الحظ في إيران.

يجب أن تتابعوا هذا الحقل المهم وهذا العمل الأساسي الكبير بكل جدّية. توكلوا على الله وسوف يُعينكم الله تعالى. ثمّة مواهب وطاقات بشرية وطاقات طبيعية، ولحسن الحظ فإنّ الإمكانيات السياسية أيضاً متوفرة اليوم بشكل كامل. أحياناً تكون هناك إمكانيات طبيعية وبشرية من دون أن تتوفر الإمكانيات السياسية، فلا تسمح هيمنة العدو لهذا الشعب بأن يتنفس، ولا تسمح لهذه الإمكانيات البشرية والطبيعية بالظهور. جاءت الثورة فأوجدت ووفرت هذه الإمكانيات والفرص السياسية. تستطيعون أن تتقدّموا وعليكم أن تتقدّموا.

امتلاك السلاح النووي لا يُوفّر الاقتدار
الضجيج الذي يثيرونه هدفه إيقافنا وصدّنا عن هذا الطريق. يعلمون أننا لا نسعى للحصول على السلاح النووي، فهذا ما أدركوه وعلموه. أنني لا أشكّ في أنّ أجهزة اتخاذ القرار وصناعة القرار في هذه البلدان التي تقف بوجهنا تعلم وعلى اطلاع بأننا لا نسعى للحصول على سلاح نووي. في الواقع إنّ السلاح النووي لا ينفعنا وغير مجد بالنسبة لنا، مضافاً إلى أنّنا نعتبر هذا الشيء مرفوضاً من الناحية الفكرية والنظرية 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

83

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 والفقهية، ونعتبر التحرك في هذا الاتجاه تحركاً مرفوضاً. إننا نعتبر استخدام هذه الأسلحة ذنباً كبيراً، والاحتفاظ بها عملاً عبثياً كثير الأضرار والمخاطر ولا نسعى له أبداً. وهم يعلمون ذلك لكنهم يضغطون على هذه المسألة ليوقفوا هذه المسيرة. 


نريد أن نثبت للعالم أن امتلاك السلاح النووي لا يؤمّن الاقتدار، والدليل على ذلك أنّ القوى التي تمتلك السلاح النووي تعاني اليوم أصعب المشاكل. لقد تسلّطوا على العالم بالتهديد النووي، لكن هذا التهديد لم يعد فعّالاً اليوم. نريد أن نقول إننا لا نسعى لامتلاك السلاح النووي ولا نرى الاقتدار في هذه الأسلحة، ونستطيع كسر الاقتدار القائم على السلاح النووي. وسوف يفعل شعبنا هذا الشيء إن شاء الله. 

الضغوط علامة ضعف الأعداء
وطبعاً، أقولها لكم، إنكم تعلمون أنّ هذه الضغوط التي يمارسونها - ضغوط الحظر والتهديد والاغتيالات وما إلى ذلك - هي علامات على ضعفهم، وهي دليل على أنّ كل ما يفعلونه يزيد من قوة شعبنا وصموده ومتانته، وبذلك يعلم الشعب أنه أصاب كبد الحقيقة، ويعلم أنه اختار هدفه بشكل صحيح، ويسير على الدرب بنحو جيد. ولذلك فقد أغضب العدو وأغاظه. 

وهذه الحركة ليست مجرد حركة نووية. ذريعتهم اليوم هي الذريعة النووية، يفرضون الحظر بذريعة النشاط النووي. فهل كانت القضية النووية مطروحة في بلادنا قبل سنوات؟ الحظر موجود منذ ثلاثين سنة. لماذا كانوا يفرضون الحظر حينما لم يكن للقضية النووية أي ذكر؟ القضية قضية مواجهة شعب أراد أن يكون مستقلاً وأن لا يخضع للظلم، وأراد أن يفضح الظالم ويقف مقابل ظلمه، وأن يوصل هذه الرسالة لكل العالم، وقد أوصلناها، وسوف نوصلها أكثر إن شاء الله. والحظر والضغوط السياسية وما إلى ذلك لن تؤثر شيئاً. حينما يقرّر الشعب أن يقف، وحينما يؤمن بحماية الله له وبقدراته ومواهبه الذاتية، فلن يستطيع شيء الوقوف بوجهه وصدّه. 

وصيتي هي: شدّوا هممكم، وضاعفوا حوافزكم ودوافعكم لمواصلة هذا الطريق في منظمتكم وعلى صعيد جميع الأفراد الذين يتولون هذه المهمة. عملكم عمل كبير ومهم وهو صانع مستقبل لهذا البلد إن شاء الله. ليست القضية هي أننا سنستطيع استخدام الصناعة النووية للمواد الاستهلاكية التي تنفع مصالح الشعب، إنما القضية هي أن هذا التحرك يمنح شباب البلد وعلماء البلد وكل أبناء البلد العزم والتصميم الراسخين ويثبت أقدامهم في هذا الطريق. هذا هو المهم. الحفاظ على الشعب وعلي
 
 
 
 
 
 
 
100

 


84

في لقاء مسؤولي المنظّمة الوطنيّة للطاقة النوويّة وعلماء الذرّة في البلاد

 أبناء الشعب واقفين مندفعين أهم من المصالح والاستفادات المتاحة لهذه الصناعة. وهذا ما تقومون به،، وسوف يعينكم الله تعالى بإذنه وبمشيئته.


ونحن ندعو لكم، وأين ما اقتضت الحال أن نقدم الدعم وأن أقدم أنا المساعدة فسنقوم بذلك بالتأكيد. ونعتقد أنكم سوف تزيلون من طريقكم العقبات والموانع الواحدة تلو الأخرى - إن شاء الله - وتتقدمون إلى الأمام. وسيكون غدكم أفضل من يومكم بمرات إن شاء الله. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 
 
 
 
 
 
 
 
101

85

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين


المناسبة: لقاء عوائل الشهداء والمضحّين.
الحضور: عوائل الشهداء والمضحّون. 
المكان: طهران.
الزمان: 29/2/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
103

86

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أهلاً وسهلاً بجميع الإخوة والأخوات الأعزّاء. بحمد الله، إنّ لقاءنا اليوم في الحسينية1 فائضٌ بعطر الشهادة والذكر المبارك للشهداء الأعزّاء، وحضور الجرحى الأعزّاء، وعوائل الشهداء والجرحى. 
 
قيمة مثل هذا المجلس وقدره معروفٌ لدى هذا العبد الحقير. فعند ذكر الشهادة والشهداء وتمجيد عظمة الشهداء، فإنّ كلّ إنسانٍ وكل قلبٍ يشعر بالعظمة، ويشعر بالغنى عن ما سوى الله. ونسأل الله تعالى أن يجعل كلّ أنواع فضله ورحمته وعطاءاته من نصيبكم أيّها الأعزّاء. وأن يحشر الأرواح الطيبة لشهدائنا الأعزّاء، وكذلك إمام الشهداء مع أوليائهم.
 
ذكرى الإمام العسكري عليه السلام
هذه الأيّام تعود إلى الإمام العسكري عليه السلام الذي يمكن أن يكون قدوةً لجميع المؤمنين، وخصوصاً الشباب. هذا الإمام، الذي اعترف الموالي والشيعي والمخالف وغير المؤمن، اعترفوا جميعاً، وشهدوا بفضله وعلمه وتقواه وطهارته وعصمته، وشجاعته مقابل الأعداء، وبصبره واستقامته في الشدائد. هذا الإنسان العظيم، بشخصيته الفذّة، عندما استُشهد لم يكن قد تجاوز الثامنة والعشرين سنة من العمر. في تاريخ الشيعة المليء بالمفاخر، هذه النماذج ليست قليلة،، فإنّ والد إمام الزمان الذي نعزّه جميعاً، وله من الفضائل والمقامات والكرامات، عندما ارتحل مسموماً بجناية الأعداء، لم يكن قد تجاوز هذا السنّ ( الثامنة والعشرون). وهذا ما يصحّ أن يكون قدوةً، فيشعر الشاب بوجود نموذجٍ رفيع المستوى أمام ناظريه. وإمامنا الجليل، جواد الأئمة عليهم السلام قد استُشهد في سنّ الـ الخامسة والعشرين،، وإمامنا العسكري عليه السلام استُشهد في سن الثامنة والعشرين من العمر، وكلّ هذه الفضائل والمكارم والعظمة والتي لا نقول بها ونترنّم بها نحن فقط، بل إنّ أعداءهم ومخالفيهم، وأولئك الذين لم يعتقدوا بإماماتهم، اعترفوا بذلك جميعاً.
 
الشهداء قدوة للشعب
وفي زماننا أيضاً، والذي يُعدّ زماناً استثنائياً حقاً وإنصافاً ـ هذه المرحلة التي مرّ بها نظام الجمهورية الإسلامية وإلى اليوم، هو عصرٌ استثنائي في تاريخنا، ومقطعٌ ذهبي ـ فكل هؤلاء الشهداء الذين تعرفونهم، هؤلاء أعزّاؤكم وشبابكم هم جميعهم قدوة. إنّ كلّ شاب، اندفع بالإيمان المقدّس والطهارة، وخرج من بيته، وتخلّى عن راحته
 
 
 

1- حسينية الإمام الخميني قدس سره- طهران.
 
 
 
 
 
 
105

87

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 وحضن الأب والأم، وآثر تلك الأحداث الدموية المليئة بالاضطراب والأهوال على النسائم الباردة في حرّ الصيف، والأجواء الدافئة في عزّ الشتاء، ووضع جسمه وروحه على كفّه ليجعلها فداءً للتكليف والمسؤولية، هذا يُعدّ نموذجاً وقدوةً. هذه عظمةٌ تجسّمت مقابل أعيننا.

 
أمثالنا ممّن أصبحوا مسنّين وشيوخاً، يلتذّون لرؤية هؤلاء، التذاذاً قلبياً،، لكنّ الشباب بالإضافة إلى هذه الحظوة الروحية والقلبية، يستلهمون الدروس ويتّخذون الأسوة والقدوة. وشهداؤنا أحياء، كما أخبر الله تعالى عنهم، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾1، فهم عند الله أحياء، ومشرفون على هذا العالم، ويشاهدون الأحداث، ويرون المصائر، ويطّلعون على أعمالي وأعمالكم. هنالك عندما تعيق الحواجز أقدامنا وعندما نعجز عن توجيه أنفسنا توجيهاً صحيحاً على طريق الهداية والإدارة، أو عندما نسقط أرضاً فإنّهم يقلقون. حينما نفهم ونرى ونخطو بإحكام، ونتحرّك على الطريق المستقيم، ونقترب من الهدف، فإنّهم يشعرون بالسرور. عندما ينتصر شعب إيران في أي ميدان، فإنّ تلك الأرواح الطيّبة تستبشر. وعندما يتأخّر الشعب لا سمح الله، بسبب غفلتنا وتقصيرنا، ويعاني من مشاكل أساسية وعامّة فإنّهم يضطربون. وإنّني أقول لكم، أنّ العدوّ في هذا المقطع الزماني الذي نعيش فيه، قد أنشأ جبهةً واسعةً في مقابلنا، وهو ينهزم يوماً بعد يوم، فإنّ المرء لا يحدس بأنّ شهداءنا الأعزّاء يعيشون السرور والحبور والرضا. فشعبٌ بهذا الانسجام وهذه العظمة، ومع كل هذه المصاعب على الطريق وأثناء التحرّك، ومع كل هذه العداوات الخبيثة واللدودة، عندما يتحرّك بمثل هذا الثبات، ويخطو بمثل هذا الإحكام، ويتّجه نحو الهدف، فإنّهم يستبشرون، وإنّ روح إمامنا المطهّر والأرواح الطيبة للشهداء، تُسرّ وتفرح. لا نريد هنا أن نصوّر الساحة والقضية خلافاً للواقع، بل إنّ ما ذكرناه هو الواقع بعينه. 


تآمر الأعداء لم يضعف الشعب
إنّ عالم القوّة والقهر والاستكبار اليوم، وكل هذه الغطرسة والخباثات، وكل أولئك الذين تلوّثت أيديهم بدماء الشعوب إلى المرافق، كلّ هؤلاء الذين يكذبون على شعوبهم، أولئك الذين هم على استعداد أن يُفرغوا جيوب الشعوب من أجل ملء جيوبهم، كلّ هؤلاء قد اصطفّوا مقابل الجمهورية الإسلامية وشكّلوا جبهةً واحدة. لأجل أيّ شيءٍ يفعلون ذلك؟ لأجل أن يهزموا هذا الشعب، ويمنعوا شعب إيران من 
 
 
 

1- آل عمران، 169

 
 
 
 
 
106

88

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 سلوك هذا الطريق والاستمرار في هذه الحركة التي بدأها، والتي قد انتهت بصحوة عامّة في عالم الإسلام ـ وهذا أوّل الغيث، وهناك إن شاء الله مستقبلٌ أكثر وضوحاً وسطوعاً. لو أنّ أمريكا والغرب والصهيونية والرأسماليين، وكذا اليهود المتسولين المرتبطين بمنظّمة الصهيونية، استطاعوا أن يمنعوا شعب إيران، أو يركعوه أو يجبروه على التراجع، لأمكنهم أن يقولوا للعالم: انظروا إنّ هؤلاء الذين كانوا شعباً رائداً قد حللنا مكانهم. هذا هو الهدف، وكلّ تلك المساعي من أجل هذا. وفي السابق ما كانوا ليعلنوا ذلك، بل كانوا يخفونه، واليوم يعلنونه ويصرّحون به. إنّهم يقولون إنّنا نريد أن نفرض الحظر، الحظر النفطي، والحظر على البنك المركزي، وكذا وكذا ـ وتصدر القرارات بواسطة مجلس الأمن في الأمم المتّحدة، وهكذا قراراً بعد قرار. فمن أجل أي شيءٍ؟ من أجل إرهاق شعب إيران. هذا عجيبٌ، فإنّ شعب إيران كلّما مرّ الزمان، يصبح أكثر سروراً وحياةً واستقامةً وتصميماً. 


هذا العام كانت مشاركتكم في الـ22 من شهر بهمن (شباط) (ذكرى انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية) - بهذا التحرّك الشعبي العظيم دعماً للنظام - صفعةً على وجه الاستكبار. لقد كانت أمانيهم أن يتمكّنوا من إنزال الجماعات إلى الشوارع ضدّ النظام. فالحادثة التي أرادوا أن تحدث لإيران حتى يقوم الشعب ضدّ إيران، وقعت عليهم! انظروا إلى الدول الأوروبية، فالذين ينزلون إلى الشوارع ويرفعون قبضاتهم ويكسرون الزجاج، هم شعوب تلك الأنظمة، فما حلموا به تجاهكم، انقلب وكان تفسيره عليهم، والسهم الذي أطلقوه على شعب إيران والجمهورية الإسلامية في إيران، ارتدّ إلى نحورهم، فهذا هو انتصار شعب إيران.

إنّنا اليوم في جميع الأبعاد، نتحرّك وفق نقطة استراتيجية. ومن الممكن أن يكون هناك تقصيرٌ هنا، أو تقصيرٌ هناك، لكنّ الحركة العظيمة تتقدّم بشكلٍ عام نحو الأمام، وإنّ الشعب لن يسمح للعدوّ المتآمر أن يصبح مسروراً، فالجميع قد شاركوا في العمل: شبابنا استشهدوا في الشوراع، وعلماؤنا استُشهدوا على يد عملائهم القتلة وإرهابييهم،، وها هم يمارسون كلّ أنواع الأعمال السياسية والإعلامية والاقتصادية والأمنية ـ يبعثون الجواسيس ـ بشكلٍ دائمٍ، وينفقون ما ينفقون من أجل أن يرهقوا شعب إيران. انظروا سترون أنّ شعب إيران اليوم أكثر نشاطاً وحيويّةً وعزماً من السابق. إنّ الشاب اليوم، إذا لم يكن أكثر حيويةً ونشاطاً واندفاعاً من الشاب الذي كان قبل عشر سنوات أو عشرين سنة فهو ليس بأقل. وهذا دليلٌ على الحركة التقدّمية لشعب إيران، ودليلٌ على تراجع هؤلاء (الاعداء).
 
 
 
 
 
 
 
107

89

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 الانتخابات الحماسيّة مظهر الحياة

وقد دبّر الله تعالى أمراً لهذا الشعب. فهذه الانتخابات والاندفاع نحو صناديق الاقتراع، كل هذا مظهر حضور الشعب واقتداره. لعلّهم شرعوا قبل ستّة أشهر أو أكثر بالهجمات الإعلامية على انتخابات يوم الجمعة ـ بكلّ أنواعها وأقسامها - من أجل أن يجعلوا هذا الشعب غير مبالٍ، ومن أجل أن تخلو صناديق الاقتراع.

في كلّ العالم تكون الانتخابات الحماسية مظهر الحياة والتواجد والمشاركة الحرّة ذات العزم الراسخ لأيّ شعبٍ في الساحات. فأينما جرت انتخابات بمشاركةٍ شعبيةٍ واسعة، دلّ ذلك على أنّ شعب هذه الدولة حيٌّ ويقظٌ وواعٍ ومؤيدٌ للنظام، وهذا ما يريدون سحبه من يد شعب إيران. فكلّ هذه الوسائل الإعلامية التي تبلغ المئات والآلاف ـ وإذا حسبنا تلك الوسائل الجديدة المبتكرة في الإنترنت، لوصلت إلى الملايين ـ كل ذلك من أجل ان يجعلوا شعب إيران شعباً غير مبال وغير مكترثٍ. فأحياناً، يقولون إنّ شعب إيران لن يشارك، وأحياناً يقولون بأنهم سيفرضون الحظر، وأحياناً يقولون هناك تزوير، وكلّ مرّةٍ يقولون كذا وكذا، من أجل التقليل من إقبال الجماهير على صناديق الاقتراع، ولكي تُصاب بالفتور. وما أشعر به من اللطف الإلهي وأحتمله بقوة أنّ شعب إيران سيسدّد يوم الجمعة الآتي صفعةً قوية جداً لوجه الاستكبار. 

إنّ يد الله معكم. إنّ هداية قلوبنا وأرواحنا بيد الله. أزمّة الأمور كلّها بيده. عندما يكون قلب الشعب، وقلوب المسؤولين، وقلوب المتحرّقين مع الله، فإنّ الله ييسّر الطريق ويسهّله ويفتحه ويوفّق، وبمشيئته سينال شعب إيران هذا التوفيق.

في الحقيقة إنّ الانتخابات هي صفعة على وجه أعداء هذا الشعب. والمهم هو أن يشارك الناس. وبالطبع، ما هو مهم هو أن ينتخبوا المرشّحين الصالحين، فكلاهما مهم. لكنّ التواجد والمشاركة تقع في الدرجة الأولى. فكلّما زاد حضور الناس، تصبح دعامة مجلس الشورى الإسلامي أقوى، ويتشكّل مجلسٌ أقوى وأشجع وأثبت،، فنداء عموم الشعب يمكن أن يصل إلى أسماع العالم بكلّ قوّة واقتدار. من هنا كان هذا الحضورحضوراً فائق الأهمية، حضوراً فائق العظمة. وإنّني أتصوّر هذه المرّة أنّ هذه الانتخابات ستكون حساسيتها أكثر من الانتخابات السابقة، وذلك لأن السهام الموجودة في جعبة الاستكبار ضدّكم أيها الشعب قد انتهت، فكل ما كانوا يقدرون عليه قد فعلوه وأطلقوه، وكل ما كان بأيديهم ووصلت إليه عقولهم قد استخدموه، فهذه هي آخر سهامهم. ويجب عليكم أن تصمدوا وأن تظهروا للعدوّ إرادتكم وعزمكم بتوفيقٍ من الله وفضله، حتى يفهم أنّه لا يستطيع مقاومة هذا الشعب.
 
 
 
 
 
 
108

90

في لقاء فئات من الشعب وعوائل الشهداء والمضحّين

 نسأل الله أن ينزل عليكم الخير. والله تعالى سينزل بمشيئته بركاته على شعب إيران العزيز، وعليكم أيها الشباب الأعزاء.

إنّني مرّةً أخرى أرحّب بكم جميعاً، وأعتزّ بقدومكم وخصوصاً عوائل الشهداء الأعزّاء، وخصوصاً الجرحى الأعزّاء وعوائلهم، نسأل الله بمشيئته أن يشملكم بألطافه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
109

91

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 

المناسبة: لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة الدوري.
الحضور: أعضاء مجلس خبراء القيادة.
المكان:طهران. 
الزمان: 8/3/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
111

92

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أُرحّب بالسادة المحترمين، الخبراء الكرام والأجلّاء لنظام الجمهورية الإسلامية، وأشكرهم على ما أبدوه من مسائل في هذا الملتقى، والتي تدلّ على حساسيّتهم تجاه قضايا البلاد وأحداثها، وعلى شعورهم بالمسؤولية تجاه مستقبل هذا البلد، ونسأل الله أن يمدّنا جميعاً بالعون لكي نقوم بمسؤولياتنا الملقاة على عاتقنا بنيّةٍ خالصة. إنّ تأثير ذلك هو من الله، كما إنّ قبوله مرتبطٌ بكرمه ولطفه تعالى، لكن على كلّ منّا أينما كان أن يسعى ويبذل الهمّة للتقدّم في العمل.
 
الشكر للشعب على مشاركته في الانتخابات
من الضروري أن نتوجّه ـ قبل ذكر المسألة التي دوّنتها ـ إلى شعبنا العزيز بالشكر والتقدير والإجلال، لأجل مشاركته وحضوره في الوقت المناسب والفائق التأثير في هذه الانتخابات. إنّه لحقّ أنّ شعبنا العزيز قد أدّى ما عليه، واستجلب القدرة، الناشئة من الإيمان والبصيرة، إلى الميدان في مواجهة جبهة المعارضين وأعداء البلد والشعب. إنّ كل من علم بما جرى في الأشهر الماضية من مساعٍ من قبل الأعداء،، من أجل أن يُفقدوا يوم الثاني عشر من شهر إسفند1 بريقه وتألّقه، وكم أنفقوا واستعملوا وخطّطوا واختلقوا من أمورٍ في غرف التفكير من أجل أن ينقلوها إلى أذهان الشعب لتؤثّر في أدائه، سيدرك كم كانت حركة هذا الشعب عظيمةً وجبّارة وعمله كذلك.
 
على المرء أوّلاً أن يتوجّه بالشكر إلى الله،، لأنّه هو الذي أعطى، ولأنّ كلّ شيءٍ متعلّقٌ به وناشئٌ من إرادته ورحمته وفضله،، عندها يجب على الإنسان أن يشكر هذا الشعب من أعماق وجوده،، لأنّ هذه الرحمة الإلهية لا تتنزّل على أيّ شعبٍ أو إنسانٍ أو أمّةٍ أو بلدٍ من دون سببٍ أو وجه. نحن نقرأ في الدعاء: "اللهمّ إنّي أسألك موجبات رحمتك"، فعلينا أن نؤمّن موجبات الرحمة، وعندها ستهطل على رؤوسنا أمطار رحمة الله وفضله الفيّاضة والهادرة. لقد وفّر شعبنا موجبات رحمة الله. فحضوره في الساحة، وصموده مقابل هجمات الأعداء، وبصيرته،كلّ هذه تُعدّ موجبات للرحمة الإلهية. كما أنّ توفيق نيل هذه الموجبات متعلّق بالله تعالى أيضاً. فنحن شاكرون لله، وله نعفّر جباه الشكر بالتراب، وكذلك نشكر شعبنا العزيز بكلّ وجودنا، ونسأل الله أن يفيض عليه بالثواب الكافي والوافي.
 
 
 

1- اسفند: هو الشهر الأخير في السنة الهجرية الشمسيّة الإيرانية، ويوافق شهر آذار في السنة الميلادية الشمسيّة، وفي 12 اسفند أقيمت الانتخابات البرلمانية الإيرانية للعام 2012م.
 
 
 
 
 
 
 
113

93

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 الانتخابات ركن النظام المهمّ

ما أريد أن أبيّنه هنا، يدور حول قضية الانتخابات. فالانتخابات ليست حادثةً عابرة، بل هي حادثة تترك بصمات تأثيرها، لهذا يجب أن نتأمّل فيها. فالانتخابات أوّلاً، هي ركن النظام المهم. فنظام السيادة الشعبية الدينية يعتمد على الانتخابات، وبدون الانتخابات لن يكون لنا مثل هذا النظام.

ومعيار الاعتماد على الشعب هو معيارٌ مشهودٌ وملموسٌ، ويمكن قياسه، وهو هذه الانتخابات. لهذا، إنّ كلّ من يعتقد بهذا النظام الإسلامي، ويكون صادقاً في اعتقاده هذا، سيعدّ المشاركة في الانتخابات مسؤوليةً ملقاة على عاتقه،، ولو أنّه يحتمل أن يكون لديه اعتراضٌ على شيءٍ في هذه الانتخابات أو شكلٍ من أشكالها، لكنّه في الوقت الذي يعترض ينزل إلى ميدان الانتخابات، فهذه وظيفةٌ وتكليف. لهذا، فإنّ كلّ من نزل إلى هذا الميدان، وفي جميع أنحاءالبلد، يكون قد أدّى تكليفه،، وقد عبّر عن فهمه الصحيح. وهذا الفهم الصحيح يدلّ على أنّ قضية الانتخابات هي قضية أساسية في النظام. ونحن لا يمكننا أن نغضّ النظر عن هذه القضية لمجرّد أنّنا نعترض على زيد أو عمرو أو على هذا الشيء أو ذاك. فمثل هذه الاعتراضات لا تحول دون هذا الأمر،، وهذه قضية أساسية وأصلية.

الانتخابات صفعة موقظة ومنبِّهة
وأحد الآثار الناجمة عن هذه الانتخابات ـ وللانتخابات في الأغلب مثل هذا الأثر ـ هو القضاء على الأوهام. فالانتخابات تشبه صفعة موقظة ومنبهة لأولئك الذين غاصوا في أوهامهم ويدورون في فلك خيالاتهم، سواء أكان فيما يتعلّق بمستقبل النظام أو أصله،، أو فيما يتعلّق بالشعب والبلد والأعداء. فالانتخابات تخرجهم من هذه الأوهام وتظهر الحقيقة جليّةً أمامهم. لقد سمعنا قبل يومين رئيس أمريكا وهو يقول "إنّنا لا نفكّر بمحاربة إيران". حسنٌ جداً، هذا جيّد، هذا كلامٌ عقلائي وخروجٌ من الوهم،، لكنّه بالإضافة قد قال "إنّنا سنُركِع شعب إيران" بحسب النقل بالمضمون ـ 

وهذا وهمٌ. فالخروج من ذلك الوهم في القسم الأوّل جيّد، والبقاء في مثل هذا التوهّم في القسم الثاني سيؤدّي إلى أن يتلقّوا ضربة. فعندما تكون حسابات المرء مبنيّةً على الأوهام، وبعيدةً عن الوقائع، من الواضح أنّه سيخطّط بناءً على هذه الحسابات وسيفشل، وهذا هو بالتأكيد.

حسنٌ، ها قد مرّت سنةٌ على أنواع الحظر التي بحسب قولهم ستشلّ وتفعل ما تفعل - وبالطبع إنّنا تحت حصارٍ وحظرٍ منذ 33 سنة - وقيل إنّ الهدف هو فصل الشعب عن النظام الإسلامي،، لكنّهم رأوا أنّ الشعب قد جاء وأيّد
 
 
 
 
 
 
114

94

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 النظام الإسلامي. إنّ انتخاب أيّ مرشّحٍ والمجيء إلى صناديق الاقتراع هو تأييدٌ وانتخابٌ للنظام الإسلامي، وهذا ما أظهره الشعب. لقد قلنا إنّ الانتخابات صفعةٌ،، ولهذه الصفعة أنواعٌ وأقسام، وأحد هذه الأنواع هو الصفعة الموقظة والمنبّهة. لهذا، فقد كان لانتخاباتنا هذه خاصّيّة توجيه الصفعة أيضاً.


الانتخابات مظهر ثقة الشعب بالنظام
النقطة الثانية التي ذُكرت بالإشارة، هي أنّ الانتخابات مظهر ثقة الشعب بالنظام. فبعد انتخابات عام 2008 م المليئة بالصخب والضجيج، كان بعض الأشخاص يتوقّع أنّ ثقة الشعب بالنظام قد سُلبت، وأنّ الناس لن يأتوا مرّةً أخرى إلى صناديق الاقتراع. وقد كانت هذه الانتخابات رداً حاسماً وقاطعاً على هذا التصوّروالاستنتاج المغلوط، والتخرّص الخاطئ. لقد قام هذا الشعب بتخطئة هذه التخرّصات، وأظهر أنّ الأمر ليس كذلك،، بل أنّه ملتصقٌ بالنظام، ويثق به ويستجيب لندائه حينما يدعوه إلى المجيء إلى صناديق الاقتراع وتقديم برنامجه.

وهكذا، نزل إلى الميدان. وكما ذكرنا، إنّ كلّ صوتٍ هو في الواقع تصويتٌ لنظام الجمهورية الإسلامية. فهذه الأكثرية القاطعة التي جاءت إلى هذا الميدان تُعتبر من أعلى النسب التي سجّلتها انتخاباتنا عبر هذه السنوات الـ 33. فبعد مرور 33 سنة، عندما يأتي الشعب بهذه النسبة، لهو دليلٌ على الثقة الكاملة.

الانتخابات مظهر بصيرة الشعب
والمسألة الأخرى التي كان الإنسان يشاهدها في هذه الانتخابات هي بصيرة الشعب، وسموّه الفكري. فالشعب قد شارك في الانتخابات برؤية تحليلية وأعطى صوته. لقد كنتم تشاهدون ذاك الشاب الذي يصوّت لأوّل مرّة، وحتى الرجل والمرأة العجوز عندما كانوا يُسألون لماذا تصوّتون، فإنّهم كانوا يُقدّمون تحليلاً، ويذكرون دليلاً، ولم يكن الأمر مجرّد انتخابات نشارك فيها. كلا، كانوا يذكرون السبب وراء تصويتهم،، ذلك لأنّ العدوّ يكمن لنا، وتلك الذئاب المتعطّشة نصبت لنا شراكها. وبمشيئة الله، أنا العبد سأقوم بتفصيل هذا الأمر في حديثٍ آخر، وكيف أنّ هؤلاء الأعداء قد كمنوا من أجل الانقضاض والافتراس، متصوّرين أنّ هذه الفريسة تشبه الحمل الوديع الذي يمكن افتراسه، وغير عالمين أنّه أسد، ولا يمكن الاقتراب منه! لقد شاهد الشعب هذه الجبهة، وهؤلاء الأعداء، وأدركوا أهدافهم وجبهتهم المعاندة، لهذا جاؤوا ببصيرةٍ ورؤية تحليلية،، وهذا مهمٌ جداً.
 
 
 
 
 
 
 
115

95

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 المسؤوليّة الثقيلة على عاتق مجلس الشورى

والنقطة الأخرى التي تترتب على هذه الانتخابات هي المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتق هذا المجلس المنتخب. لقد كان الأمر كذلك دوماً، فرؤساؤنا المنتخَبون من قِبَل الشعب، وكل مسؤولٍ في أي مستوىً كان - وهو منتخبٌ من قبل الشعب - يكون عبء المسؤولية على عاتقه بمقدار ثقل. ففي مثل هذه الظروف، ومع هذا الصخب الذي يثيره العدوّ، وبمجيء الناس إلى هذا الميدان، فإنّ المجلس الذي سيتشكّل من جرائها هو مجلسٌ يتحمّل مسؤوليات جمّة. ونحن من هنا سنقول للإخوة والأخوات الذين سيأتون إلى هذا المجلس إن شاء الله ـ أولئك الذين انتُخبوا، وأولئك الذين سيُنتخبون في المرحلة الثانية ـ أنّ عليهم أن يعلموا حجم المسؤولية وثقلها الملقى على عاتقهم، فليأتوا ويؤدّوا ما عليهم بحكمةٍ وتدبير.

تنظيم القوانين
أهميّة البلد بتنظيم قوانينه (التشريعات)،، فنحن نحتاج إلى التشريعات التي تشقّ السبل في كلّ القضايا. وعلى نوّاب المجلس أن يتطلّعوا إلى هذه الحقيقة ويتعرّفوا على الاحتياجات، ويقدّموا للمسؤولين ذاك العلاج المناسب لكلّ داء أو شكايةٍ.
 
فالقانون يجب أن يكون نافذاً، وحلّالاً للمشاكل. إنّ القانون الذي يسدّ الطرق ويزيد المشاكل، أو لا يمكن تنفيذه، أو يؤدي إلى مشاكل كثيرة، أو يكتنف تناقضاً،لا فائدة منه.

نعلم أن القانون هو الذي يكون حلّالاً للمشاكل، وقائماً على التدبير. فلا يكفي أن نجلس ونعدّ القوانين. 

تشكيل الحكومة
إنّ تشكيل الحكومات يقع على عاتق المجالس. وعليهم أن يعرفوا في تعييناتهم كيف ينتخبون الشخص، وفق أيّة حاجة، وأيّ مقصد، وأيّة مزايا وخصائص. فليُدقّقوا وليُنصفوا. نحن لا نوصي بالتدقيق حتى لو لم يكن في الأمر إنصاف، حيث قد يحصل هذا الأمر أحياناً، بل ليُدقّقوا بما يتلازم مع الإنصاف،، وليتحرّكوا بوعيٍ مقرون بالإخلاص. فالإخلاص هو أساس كل قضية. وقد أشار السيد مهدوي في كلمته أنّ نفوذ كلمة الإمام وتحقّق ما كان قد خطّط له يعود بالدرجة الأولى إلى إخلاصه. فالواقع هو هذا الأمر. لقد كان رجلاً مخلصاً امتزج وجوده بالإخلاص. لو كنّا نحن 
 
 
 
 
 
 
 
116

96

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 مُخلصين فإنّ أعمالنا ستتقدّم. وسواء كنّا مسؤولين في السلطة التشريعية أو القضائية أو كنّا في المقامات الروحانية (العلمية) أو العسكرية أو في أيّ منصبٍ آخر، فإنّ ما هو ضروريّ هو أن نتعرّف على التكليف ونعمل من أجل تكليفنا، وأن لا نُدخل فيه أيّ شيءٍ آخر.

 
الشكر للعاملين على الانتخابات
وبالطبع، إنّني أشكّر العاملين على الانتخابات. وقد أشار الشيخ اليزدي إلى أنّ الشكر قد توجّه إلى مجلس الصيانة. والواقع هو هذا الأمر. فعندما يتعرّف الإنسان عن قرب على حجم العمل ودقّته وصعوبته، فإنّ تكريم هؤلاء الأفراد يستقرّ في قلبه. إنّني أقول لجناب الشيخ جنّتي، وبعض السادة، أنّني عندما أتذكّر ما قمتم به من عمل، فإنّ تكريمكم يقع في قلبي. مراراً وتكراراً دَعَوْنا أن يهبهم الله القوّة والقدرة: سواء أكانوا هم أو الحكومة أو وزارة الداخلية أو مسؤولي الحماية والأمن، الذين استطاعوا توفير أمن الانتخابات، وكذلك مسؤولي الإعلام والتلفزيون والإذاعة وغيرهم. لقد قام هؤلاء في الواقع بأعمالٍ عظيمة ومميّزة،، لقد تمكّنوا من أداء ما عليهم من مسؤوليةٍ كبرى وعملٍ عظيم ومشروعٍ ثقيلٍ جداً ومهم وحيوي على أفضل وجهٍ. حسنٌ، هذا هو أنموذجنا: أنموذج السيادة الشعبية الإسلامية. 
 
السيادة الشعبيّة بين النظرة الإسلاميّة والنظرة الغربيّة
في السيادة الشعبية الإسلامية1، إنّ الروح واللب والمادّة الأساسية عبارة عن الإسلام، ولا ينبغي تخطّي هذا الأمر أبداً، وهذا غير موجود، وإن شاء الله لن يكون موجوداً. ففي إعداد التشريعات واختيار الأفراد يكون الإسلام معيارنا. إنّ شكل العمل وقالبه ونهج الإدارة هو السيادة الشعبية. فالناس الذين يدخلون إلى ساحات العمل يحملون عقيدةً راسخةً بالإسلام، ولو كان من الممكن أن يبدو لبعضهم بحسب الظواهر أنّهم ليسوا ملتصقين بالإسلام والنظام الإسلامي، ولكنّهم في الواقع كذلك، وهم يحبّون الإسلام.
 
 

1- السيادة الشعبية الإسلامية: (بالفارسية مردم سالاري ديني) مصطلح جديد أطلقته القيادة الإيرانية على هوية نظام الحكم والجمهورية الإسلامية الحالية، وهو منبثق من تعاليم الدين الإسلامي ورؤيته في الحكم والدولة، ويقوم على مبدأ ولاية الفقيه ودور الشعب في اختيار مسؤولية وممثليه باستثناء الولي الفقيه.

 
 
 
 
 
 
117

97

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 إنّ تجربة هذه السنوات الـ 33 تدلّ على أنّ الإسلام يمكنه أن يمنح العزّة لأيّ بلد، ويمكن أن يرفع رأس أي شعب، ويمكن أن يرسم أهدافاً جيدّة، ويمكن أن يُعبِّد الطرق نحو هذه الأهداف، ويمكن أن يوجد حركةً علميّة، ويمكن أن يُحقّق حركةً تقنية وصناعية، ويمكن أن يوجد حركةً تقوائية وأخلاقية، ويُمكِن أن يُبيِّض وجوههم في مقابل الشعوب الأخرى، هذه أحداثٌ جرت في بلدنا، وهذه أعمالٌ كبرى أُنجزت ببركة الإسلام في هذا البلد،، فالإسلام دوماً هو لبّ حركة نظامنا ومحتواه ومادّته الأساسية، أمّا الشكل فهو شكل السيادة الشعبية، وهما أمران لا تفكيك بينهما،، أي إنّ هذه السيادة الشعبية هي أيضاً نابعة من الإسلام. إنّ ما يُقال بأننا اقتبسنا السيادة الشعبية من الغرب هو خطأٌ،، إنّ الصورة بحسب الظاهر واحدة. أمّا سيادتنا الشعبية فلها أصولٌ وجذورٌ تمتدّ في معرفةٍ دينية ورؤية كونية مختلفة،، فماذا يقول هؤلاء؟ إنّنا نؤمن بكرامة الإنسان ونعتقد بأهمية صوته، ونعتقد بأنّ مشاركته أمرٌ ضروري لتحقّق الأهداف الإلهية، ولا يمكن ذلك بدونها. 


أمّا الغربيون فإنّهم يعملون بطريقةٍ أخرى - وبالطبع، لدينا أُطر ولديهم أُطرٌ كذلك - إنّ الأُطر التي يتحرّكون وفقها هي أُطرٌ ظالمة،، إذا اعترض أحدٌ في بلدٍ على أسطورة الهولوكوست (المَحْرَقَة) وقال إنّني لا أقبل بذلك، يرمونه في السجن، ويُدينونه على إنكاره لحادثةٍ خياليةٍ تاريخية! وحتى لو قلنا بأنّها ليست خيالية بل واقعية، فلماذا يُعدّ إنكار حادثةٍ تاريخيةٍ واقعيةٍ جُرماً؟! فلو لم يثبت لشخصٍ ما مثل هذا، وأنكره أو شكّك فيه، فإنّهم يرمونه في السجن. الآن، في الدول التي تدّعي الحضارة في أوروبا، هكذا هي القضية: لو اعترض أحدٌ أو شكّك ولم يقبل (بقضية الهولوكوست)، فإنّ المحاكم تحكم عليه، أمّا عندما تتمّ إهانة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بصلافة - هذا الإنسان العظيم على مرّ التاريخ - ويتم إهانة مقدّسات أكثر من مليار ونصف مليار مسلم، لا يحقّ لأحد أن يعترض ويقول لماذا قمتم بهذا العمل؟ فانظروا هذه هي الأُطر الخاطئة والمشينة، هذه هي أُطرهم. لو أنّ واحدةً ظهرت بحجابها ـ سواء أكان في الجامعة أو في مكان العمل ـ تكون مجرمة! هذه أُطرٌ في النهاية، لكنّها أُطرٌ خاطئة ومعوجّة، ومخالفة لفطرة الإنسان ولفهمه الصحيح. أمّا أُطرنا فهي أُطرٌ إلهية،، فنحن نعارض الفساد والفحشاء وجميع أنواع وأقسام الانحرافات البشرية، وذلك وفق ما نتعلّمه من الشريعة والدين. نحن نعتقد بضرورة الوقوف بوجه هذه الانحرافات، وبوجوب استلهام طرق الحياة من الإسلام والقرآن والوحي الإلهي. هذا هو إطارنا، وبهذا تكون السيادة الشعبية الدينية، وهذا هو أنموذجنا.
إنّ تجربة هذه السنوات الـ 33 تدلّ على أنّ الإسلام يمكنه أن يمنح العزّة لأيّ بلد، ويمكن أن يرفع رأس أي شعب، ويمكن أن يرسم أهدافاً جيدّة، ويمكن أن يُعبِّد الطرق نحو هذه الأهداف، ويمكن أن يوجد حركةً علميّة، ويمكن أن يُحقّق حركةً تقنية وصناعية، ويمكن أن يوجد حركةً تقوائية وأخلاقية، ويُمكِن أن يُبيِّض وجوههم في مقابل الشعوب الأخرى، هذه أحداثٌ جرت في بلدنا، وهذه أعمالٌ كبرى أُنجزت ببركة الإسلام في هذا البلد،، فالإسلام دوماً هو لبّ حركة نظامنا ومحتواه ومادّته الأساسية، أمّا الشكل فهو شكل السيادة الشعبية، وهما أمران لا تفكيك بينهما،، أي إنّ هذه السيادة الشعبية هي أيضاً نابعة من الإسلام. إنّ ما يُقال بأننا اقتبسنا السيادة الشعبية من الغرب هو خطأٌ،، إنّ الصورة بحسب الظاهر واحدة. أمّا سيادتنا الشعبية فلها أصولٌ وجذورٌ تمتدّ في معرفةٍ دينية ورؤية كونية مختلفة،، فماذا يقول هؤلاء؟ إنّنا نؤمن بكرامة الإنسان ونعتقد بأهمية صوته، ونعتقد بأنّ مشاركته أمرٌ ضروري لتحقّق الأهداف الإلهية، ولا يمكن ذلك بدونها. 

أمّا الغربيون فإنّهم يعملون بطريقةٍ أخرى - وبالطبع، لدينا أُطر ولديهم أُطرٌ كذلك - إنّ الأُطر التي يتحرّكون وفقها هي أُطرٌ ظالمة،، إذا اعترض أحدٌ في بلدٍ على أسطورة الهولوكوست (المَحْرَقَة) وقال إنّني لا أقبل بذلك، يرمونه في السجن، ويُدينونه على إنكاره لحادثةٍ خياليةٍ تاريخية! وحتى لو قلنا بأنّها ليست خيالية بل واقعية، فلماذا يُعدّ إنكار حادثةٍ تاريخيةٍ واقعيةٍ جُرماً؟! فلو لم يثبت لشخصٍ ما مثل هذا، وأنكره أو شكّك فيه، فإنّهم يرمونه في السجن. الآن، في الدول التي تدّعي الحضارة في أوروبا، هكذا هي القضية: لو اعترض أحدٌ أو شكّك ولم يقبل (بقضية الهولوكوست)، فإنّ المحاكم تحكم عليه، أمّا عندما تتمّ إهانة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بصلافة - هذا الإنسان العظيم على مرّ التاريخ - ويتم إهانة مقدّسات أكثر من مليار ونصف مليار مسلم، لا يحقّ لأحد أن يعترض ويقول لماذا قمتم بهذا العمل؟ فانظروا هذه هي الأُطر الخاطئة والمشينة، هذه هي أُطرهم. لو أنّ واحدةً ظهرت بحجابها ـ سواء أكان في الجامعة أو في مكان العمل ـ تكون مجرمة! هذه أُطرٌ في النهاية، لكنّها أُطرٌ خاطئة ومعوجّة، ومخالفة لفطرة الإنسان ولفهمه الصحيح. أمّا أُطرنا فهي أُطرٌ إلهية،، فنحن نعارض الفساد والفحشاء وجميع أنواع وأقسام الانحرافات البشرية، وذلك وفق ما نتعلّمه من الشريعة والدين. نحن نعتقد بضرورة الوقوف بوجه هذه الانحرافات، وبوجوب استلهام طرق الحياة من الإسلام والقرآن والوحي الإلهي. هذا هو إطارنا، وبهذا تكون السيادة الشعبية الدينية، وهذا هو أنموذجنا.
 
 
 
 
 
 
 
118

98

في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة

 لو أنّ الشعوب المسلمة أرادت أن تعرف ما هو خطاب الجمهورية الإسلامية وادّعاؤها فلتعلم أنّ هذا هو: أنّنا لا نتخلّى عن الإسلام، ونرى وجوب اتباعّ الأحكام الإلهية والشريعة الإلهية التي هي الشريعة الإسلامية في جميع أمور حياتنا، وإنّ سعينا هو لأجل أن نصل إلى هذا الهدف، وإنّ إطارنا وقالبنا من أجل الدخول في هذا الميدان هو السيادة الشعبية الدينية. وعلى الشعب أن يحضر للانتخاب، وعلى المُشرِّع الذي يريد أن يضع تشريعاً أن يتوجّه إلى الناس. فعلى الناس أن يُحدّدوا المنفّذ،، فكلّ شيءٍ هو بانتخاب الشعب وحضوره وبعزّته وكرامته. 


نأمل أن يُوفّقنا الله تعالى لكي نستمرّ على هذا الطريق بشكلٍ صحيح، وأن نصون أنفسنا من الانحرافات ونتمكّن بمشيئة الله من الوصول إلى الأهداف العليا، وتشملنا الأدعية الزاكية لبقية الله أرواحنا فداه. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

99

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام


المناسبة: بداية العام الإيراني الجديد 1391هـ .ش.
الحضور: حشودٌ غفيرة من أهالي مشهد المقدّسة، وزوّار الإمام الرضا عليه السلام.
المكان: مشهد المقدّسة. 
الزمان: 20/3/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

100

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبينّا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

أشكر الله المتعال من أعماق القلب أن أتاح لنا الفرصة ووفّقنا مرّة أخرى ولسنة أخرى، للّقاء بكم أيّها الشعب العزيز، الشباب الأعزّاء، سواء أهل مشهد ومجاوريها، أو الزوّار المحترمين من الأخوة والأخوات، في المشهد المقدّس للإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام، وللتبرّك في اليوم الأوّل من السنة بالجلوس في ظلّ حرم هذا العظيم ومرقده المبارك.

أبارك لكم عيد النوروز وحلول السنة الجديدة، وأرجو أن تكون هذه السنة التي دخلناها لكلّ الشعب الإيراني سنة خير، ويسر وسعادة، ونشاط وفعالية، وتوفيق في طريق كسب المعارف الحقّة، والتقوى الإلهيّة.

سأتناول في هذا اللقاء ـ أيّها الإخوة والأخوات ـ عدّة مواضيع:
الموضوع الأوّل: إطلالة مختصرة على ما جرى العام الماضي معنا ومع شعبنا وفي بلدنا، وما جرى من أحداث في العالم والمنطقة وهو على علاقة بنا. والسبب في تناولي لمجريات العام 1390هـ.ش. (الموافق للعام 2011م تقريباً) - وخاصّة نجاحات الشعب الإيراني في هذا العام - هو تهويلات الأعداء والمتربّصين بنا. 

"نحن قادرون" شعار علّمنا إيّاه الإمام
لقد سعى قادة الاستكبار، المتربّعون على عرش المال والقوّة، وكذا أزلامهم في منطقتنا، بكلّ قواهم ـ الماليّة، الإعلاميّة والدعائيّة، والسياسيّة ـ إلى إرعاب الشعب الإيراني، وبثّ اليأس في نفوس أبنائه. 

إنّ المتتبّع للتبليغات الدعائيّة السياسيّة التي يروّجها أعداء الشعب الإيراني يجد أنّ كافّة المساعي العمليّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، والتهديدات الأمنيّة والعسكريّة، كلّها لمنع هذا الموجود الفعّال، والحيّ، والمفعم بالنشاط والهمّة المقتدرة، أعني شعب إيران الحاضر بشجاعة تامّة في الميدان، والسائر قُدُماً في التطوّر، أن ييئسوه، أن يخوّفوه من التواجد في هذا الميدان. في الحقيقة، يريدون في مقابل شعار "نحن نقدر" الذي علّمنا إيّاه الإمام الخميني العظيم، والذي جعلتنا الثورة نجرؤ على قوله، أن يقنعوا الشعب الإيراني أنّكم "غير قادرين"،، إنّهم يسعون بكلّ ما أوتوا لتحقيق هذا الهدف. كان العام 1390 ذروة فعاليّاتهم. وأنا أريد التركيز على هذه المسألة، فرغم أنوفهم، أثبت الشعب الإيراني في العام 1390 للعالم أجمع - ومن
 
 
 
 
 
 
 
 
123

101

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 جملتهم الأعداء - مراراً وتكراراً من خلال أفعاله، وتقدّمه، ومواقفه "نحن قادرون".

 
إنّنا نركّز على الايجابيّات ونقاط القوّة لإثبات أنّ الشعب الإيراني قد استفاد من هذه القدرات، وأنّ الشعب الإيراني قد أثبت قدرته رغم توق الأعداء إلى إثبات عدمها. لسنا غافلين عن نقاط الضعف، لدينا أيضاً نقاط ضعف،، لكن في التصنيف النهائي، فإنّ نقاط قوّتنا تفوق نقاط ضعفنا بكثير.
 
مشروع ترشيد الدعم الحكومي1
لقد أعلنّا العام 1390 عام "الجهاد الاقتصادي"،، لذا سأشرع بالمسائل الاقتصاديّة. فالنشاط الاقتصادي لمسؤولي البلاد على امتداد العام الماضي1390 - بمشاركة الشعب الذي يضرب به المثل ويستحقّ الثناء - جدير بالذكر،، من جملة ما يمكن ذكره في هذا المجال، مسألة ترشيد الدعم. لقد اتّفق جميع الخبراء الاقتصاديّين، سواء في الحكومات السابقة، أم في الحكومة الحاليّة، على أنّ ترشيد الدعم يشكّل حاجةً وضرورةً للبلد، وقد أقرّ الجميع بذلك. وعلى الرغم من اتفاق الجميع على هذه الأمر، إلّا إنّ هذا الإجراء اللازم بقي دون تطبيق للصعوبات الكامنة فيه، والتعقيدات المترافقة معه. لقد جدّت الحكومة والمجلس النيابي في العام 1390- عام فرض العقوبات - في ظروف زادت فيها صعوبات هذا الأمر وتعقيداته عن أيّ وقت، وباشرت، وطوت مراحل هامّة من هذا العمل. لم يُنجز العمل بالكامل،، إلّا إنّ ما قام به مسؤولو البلاد إلى الآن ـ سواء في الحكومة أو في المجلس النيابي ـ ودعم الشعب ومؤازرته ومشاركته الذي جعل النجاح قرينهم، هو غاية في الأهمّية ولافت للنظر.
 
أهداف ترشيد الدعم الحكومي
الأهداف الأساسيّة لهذا القانون، عبارة عن عدّة أمور أساسيّة أشير إليها. وقد سمع بها أفراد شعبنا العزيز، لكن ينبغي لهم التأمّل والتعمّق. 


أ-العدالة في التوزيع
هذا العمل "العدالة في التوزيع" عملٌ عظيم، عملٌ هامّ. أحد أهداف هذا القانون التوزيع العادل للدعم الذي يقدّمه النظام والحكومة للشعب. لقد بيّنا في كلام سابق أنّ الدعم كان يُقسّم دائماً بنحو غير متكافئ، وغير عادل بين طبقات الشعب المختلفة،،
 
 
 

1- ترشيد الدعم الحكومي: برنامج اقتصادي ـ اجتماعي، يهدف إلى تأمين وصول الدعم الحكومي إلى مختلف فئات الشعب، وخاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وإلى توجيه دعم الحكومة لإنتاج السلع الأساسية داخلياً كالبنزين والمشتقات النفطية.
 
 
 
 
 
 
124

102

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 وهذه طبيعة الدعم العامّ. في ترشيد الدعم، جرى في الواقع تكافؤ، وتطبيق للعدالة في التقسيم والتوزيع. ولديّ تقارير موثّقة من كافّة أنحاء البلاد تحكي عن الدور المؤثّر لهذا العمل في تحسين أوضاع الطبقات ذات الإمكانيات المحدودة. هذا واحد من الأهداف، والذي هو الهدف الأهمّ لهذا القانون.


ب- إصلاح بنية الإنتاج
هناك هدف آخر هو إصلاح بنية الإنتاج في البلاد وأسس اقتصادها. لقد كانت دورة الإنتاج في البلاد دورةً غير سليمة. ما كنّا نحصل عليه في الدورة الإنتاجية في البلاد، كان يتحصّل عن طريق بذل نفقات ومخارج تفوق بكثير المردودات والأرباح. طبقاً لتشخيص خبراء الاقتصاد ـ وهم متفّقون عليه ـ يمكن لترشيد الدعم إصلاح هذا الأمر،، إيقاف زيادة الإنفاق على المردود، وتكافؤ النفقات والأرباح في عمليّة الإنتاج.

ج- إدارة استهلاك مصادر الطاقة
هدف آخر هو إدارة استهلاك مصادر الطاقة. فحيث إنّ بلدنا بلد زاخر بالنفط، اعتدنا منذ البداية على استهلاك البنزين، والغاز، والغازوئيل، والنفط الأبيض من دون رويّة. لقد كان استهلاكنا لهذه المواد أكثر ـ وربّما فاق بمعنىً ما استهلاك جميع الدول ـ من بلدان كثيرة، وبنحو عشوائيّ. ترشيد الدعم هذا، أدّى إلى ترشيد استهلاك مصادر الطاقة. تشير الدراسات المنتشرة والإحصاءات القائمة المعتبرة، أنّه لو لم يُطبّق قانون ترشيد الدعم إلى اليوم، لبلغ استهلاك البنزين في البلاد ضعفي ما هو مستهلك اليوم. عندما يفوق استهلاك البنزين الإنتاج المحلّي، ماذا سيُحتَّم علينا؟ علينا أن نستورد البنزين،، أي أن نضع يد الشعب الإيراني تحت حدّ سيف المتربّصين بنا والأعداء. لقد تمّ الاقتصاد في المصرف من خلال هذا العمل. وإنّ استهلاك البنزين في البلاد اليوم يساوي الإنتاج المحلّي له تقريباً،، لسنا بحاجة إلى استيراد البنزين،، وهذا امتياز عظيم بالنسبة للبلاد. هذا الأمر أنجز في العام 1390، في الوقت الذي فرض فيه أعداؤنا عقوبات علينا،، من أجل أن يركعوا الشعب،، لكنّ شباب هذا الشعب جدّوا واجتهدوا واستطاعوا بهذه الأعمال إفشال خطّط الأعداء ومؤامراتهم.

العلم والتقانة
ميدان آخر من الميادين الاقتصاديّة الهامّة التي أنجزت في العام 1390 بهمّة هذا الشعب، هو ميدان العلم والتقانة العلم والتقانة ركن من أركان القوّة الاقتصاديّة لشعب ما. إنّ شعباً يمتلك العلم المتطوّر، والتقنيّة المتطوّرة، سوف يصل إلى الثروة، والاستغناء السياسي، كما سينال الاحترام، وسيصبح صاحب يد طولى. ولأنّ مسألة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

103

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 التطوّر العلمي والتقني مسألة مفصليّة، فإنّي حسّاس جدّاً تجاهها. تصلني بشكل مستمرّ من طرق مختلفة، وقنوات متنوّعة، تقارير مختلفة، ويمكنني الجزم بشكلٍ قاطع، أنّ مستوى تطوّر البلاد هو أكثر بكثير ممّا يعرفه الناس إلى الآن. 


التطوّر العلمي السريع
طبقاً لتقارير المراكز العلميّة المعتبرة في العالم ـ هذا التقرير ليس صادراً عن مراكزنا العلميّة ـ إنّ أسرع تطوّر علمي في العالم، يحصل اليوم في إيران. تفيد تقارير المراكز العلميّة المعتبرة أنّ التطوّر والتقدّم العلميين لدى الشعب الإيراني في العام 1390 الذي انقضى منذ حوالي ثلاثة أشهر ـ قد زاد 20 % عن العام السابق، ما معنى هذا؟ هذا ما حقّقه الشعب الإيراني في الظروف التي كان يراهن فيها أعداؤه على سقوطه، ويقولون إنّنا نفرض عقوبات من شأنها أن تشلّ الشعب الإيراني.

إيران الأولى علميّاً في المنطقة
تفيد التقارير ـ وهذه أيضاً تقارير المراكز العلمية المعتبرة في العالم ـ أنّ إيران تقع في المرتبة الأولى في المنطقة على المستوى العلمي، والسابعة عشر على المستوى العالمي. هذا تقرير أشخاص لو أمكنهم تقديم تقارير معاكسة ضدّنا لما امتنعوا،، هكذا يعترفون. في العام 1390 تقدّمنا في مجال التقانة، تقدّمنا في تكنولوجيا النانو، في سبر الفضاء ـ حيث أُطلق القمر الصناعي "نويد" ـ تقدّمنا في الصناعات النوويّة، حيث كان التخصيب بنسبة 20% من إنجازات العام 1390. هذا التخصيب بنسبة 20% هو نفسه الذي كان الأميركيّون والآخرون يضعون الشروط لإنتاجه عام 1389. كان ينبغي علينا توفير الأورانيوم المخصّب بنسبة 20% لمركز طهران الذرّي المخبري الخاصّ بالأدوية الإشعاعيّة،، لأنّ الوقود المخصّب بهذه النسبة قد نفد لدينا. لقد اشترطوا للقيام بهذا الأمر إرسال اليورانيوم الذي أنتجناه إلى الخارج،، ولكنّنا لم نقبل. لقد أرسل الأميركيّون وسطاء للبحث معنا ومقاربة الموضوع،، للتوصّل إلى توافق، فقبلنا. جاء المسؤولون الأتراك والبرازيليّون، جلسوا مع رئيس جمهوريّتنا، وتباحثوا الموضوع، ووقّعوا على إتفاقيّة. وبعد أن أُمضيت تلك الاتفاقيّة تراجع الأميركيّون عن أقوالهم! لم يكونوا يريدون لهذه الاتفاقيّة أن تُقرّ،، كانوا يريدون الحصول على امتيازات كبيرة، أن يمارسوا التهديد والابتزاز. أُحرجت كلّ من البرازيل وتركيّا جرّاء الوعد الذي نكثت به أميركا.هذه كانت قصّة الـ 20 % من اليورانيوم المخصّب.

على الرغم من كلّ هذه المشاكل، وهذه الذرائع، قال شبابنا نحن نتصدّى للمسألة. فأنتجوا في العام 1390 الأورانيوم المخصّب بنسبة 20% لموقع طهران النووي،
 
 
 
 
 
 
 
 
126

104

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 وأعلنوه إلى العالم،، بقي أعداؤنا متحيّرين! وعلى الرغم من علمهم أنّ مركز طهران النووي مختص بالأدوية الإشعاعيّة ـ أي هو لسدّ احتياجات مستشفياتنا ومختبراتنا في سائر أنحاء البلاد ـ ومع ذلك لم يعطوا، لم يبيعوا، وكانوا يضعون الشروط، ويمارسون الابتزاز. لقد قام شبابنا بسدّ هذه الحاجة. كان الأمر معقّداً، لكنّهم استطاعوا ذلك، ويتمّ الآن إنتاج أنواع الأدوية الإشعاعيّة في مركز طهران هذا عن طريق الوقود المحلّي. هذا من إنجازات العام 1390.


إنتاج صفائح الطاقة النوويّة
في العام 1390، وفي قطاع إنتاج الطاقة النوويّة نفسها، تمّ إنتاج صفائح (قضبان) الوقود النووي في البلاد،، وإذا أردت شرح الأمر، سيستغرق ذلك الكثير من الوقت. والخلاصة، أنّه في الوقت الذي كان يتمّ الحديث فيه عن تبادل اليورانيوم المنتج محلّيّاً، كانوا يقولون، فلتسلّموا اليورانيوم المخصّب بنسبة 3،5% إلى روسيا، ترفع روسيا من نسبة تخصيبه إلى 20%، تسلّمه إلى فرنسا، تعدّ فرنسا بدورها صفائح الوقود، ومن ثمّ تسلّمه لكم،، أي من هالك إلى مالك! قال شبابنا وعلماؤنا: نحن نصنع صفائح الوقود هذه بأنفسنا،، جدّوا، صنعوا، قدّموا تقريراً، وبيّنوه. وكان هذا من إنجازات العام 1390.
 
ارتفاع نسبة الأدوية المستحدثة ستّة أضعاف، زيادة صادرات البضائع وخدمات العلوم البنيوية،، هذه جميعاً مرتبطة بالعام 1390. هذا بعض من إنجازات "عام الجهاد الاقتصادي". هذه التطوّرات العلمية، والتطوّرات التكنولوجية، تدلّ على قوّة البلاد العلمية، ولكن لها تأثيراً مباشراً على اقتصاد البلاد، وهذا هو الجهاد الاقتصادي.

الخصائص التي يتميّز بها علماء البلاد
قمت في نهاية العام 1390 ـ الأسبوع الفائت ـ بجولة تفقّديّة على مختبر صناعة النفط. يشاهد المرء هناك أموراً، يرى نظائرها في بعض الجولات التفقّديّة الأخرى، في المختبرات العلميّة المختلفة للبلاد، ويصل إلى النتيجة التالية: أنّ ما رآه ليس استثناءً، إنّه قاعدة. هذه الظواهر الهامّة، إذ لم يكن شعبنا يوماً ليرى هذه التطوّرات حتى في الأحلام، تحقّقت وتحوّلت إلى قاعدة. 

أولاً: الروحانية الجهادية
أذكر لكم بعض هذه الخصائص والظواهر التي شاهدتها هناك. في الدرجة الأولى الروحيّة والفكر الجهادي الذي كان حاكماً على المجموعة. تلك المجموعة من العلماء
 
 
 
 
 
 
 
127

105

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 كانت تعمل بروحيّة جهاديّة، وكأنّهم كانوا يؤدّون فريضة الجهاد، وكأنهّم في ساحة الجهاد في سبيل الله. يختلف الأمر بين أن يعمل المرء من أجل تحصيل المال أو المقام أو الشهرة أو فقط من أجل العلم بحدّ ذاته، وبين أن يعمل بعنوان الجهاد في سبيل الله، ويسعى في سبيل الله. هذه الروحيّة حاكمة على هذه المجموعة ومجموعاتنا العلميّة، وهذا في غاية الأهميّة.


ثانياً: العقوبات فرصة 
الخاصيّة الثانية، أنّني وجدت علماءنا هؤلاء يرون في هذه العقوبات المفروضة على شعبنا فرصةً. خلال هذه الجولة التفقّديّة الطويلة، قال لي عدّة أشخاص: الحمد لله أن فرضوا علينا العقوبات،، لقد عدنا إلى رشدنا، راهنّا على أنفسنا، انطلقنا من تلقاء أنفسنا. روحيّة الإحساس بكون عقوبات الأعداء فرصةً غاية في الأهميّة،، لذا، أُخذ الإنتاج الداخلي على محمل الجدّ، أُتيحت الفرص أمام الشباب، وفُتحت الطرق أمام الابتكارات والإبداعات، وهكذا يسير العمل بنحو متّسق، يتدفّق كنبع فوّار.

ثالثاً: الثقة بالنفس 
الخاصيّة الثالثة، أنّني وجدت فيهم ثقة عالية بالنفس. بعض أنواع صناعة النفط منحصرة فقط بـ3 أو 4 دول من دول العالم،، إنّهم لا يجيزون لشخص آخر معرفة أسرار هذه الصناعات وتقنيّتها. وكان بلدنا أيضاً على امتداد تلك السنوات الطويلة، في مجال أمثال هذه الأعمال المعقّدة والهامّة، يطلب منهم دوماً، ويأخذ منهم، ويدفع لهم الأموال. رأيتهم يشمّرون عن سواعد الهمّة ويقولون "نحن نقدر"، نحن نقوم بهذا العمل، نحن نصنع. هذه الثقة بالنفس لدى شعب ما، لدى علماء شعب ما، وشباب شعب ما، هامّة جدّاً.

رابعاً: الشباب العلماء
خاصيّة أخرى موجودة هي النزعة الشبابيّة، فالعمل بيد الشباب، والخبرة بالأمور بيد الشباب. الشباب مركز الإبداع، ومركز الخلاقيّة والابتكار. 

خامساً: ارتباط الصناعة بالجامعة
خاصيّة أخرى أيضاً، هي ارتباط الصناعة بالجامعة،، والتي هي من الأمنيات القديمة لي. ودائماً كنت أوصي مسؤولي الأقسام المختلفين العاملين في الحكومات السابقة بالسعي لإيجاد الارتباط بين الصناعة والجامعة. ولحسن الحظّ وجدت هنا أنّ الارتباط قد تمّ بين الصناعة والجامعة. بالطبع، ينبغي لهذا الأمر أن يُعمّم، وأن 
 
 
 
 
 
 
 
128

106

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 ترتبط صناعاتنا كافّة بالجامعات، وترجع إليها،، وبهذا يتطوّر علمنا، وكذا صناعتنا. لقد وجدت هذه الخاصّيّة هناك، ولكنّها ليست مختصّة بمركز النفط العلمي والتقنيّ هذا،، شاهدتها في جولات تفقّديّة أخرى. وهذا يدلّ على أنّ القاعدة في هذا البلد تجري على هذا النحو،، الحراك على مثل هذا النحو. 

 
كان هذا الجانب الاقتصادي في العام 1390، العام الذي علت من أوّله إلى آخره أصوات أعداء الشعب الإيراني والمتربّصين به،، أحياناً كانوا يهدّدون، وأحياناً يمارسون الضغوط السياسيّة، وأحياناً يفرضون العقوبات. يسعى موظفو الحكومة الأميركيّة اليوم في كافّة أنحاء العالم لتطبيق هذه العقوبات، ظنّاً منهم أنّهم بذلك يوجّهون ضربةً للشعب الإيراني، ويوجدون شرخاً بين الشعب الإيراني ونظام الجمهوريّة الإسلامية.
 
الدبلوماسيّة النشطة
في العام 1390 كانت هناك أيضاً إنجازات كبرى أخرى،، من جملتها الدبلوماسيّة النشطة في شؤون المنطقة. فمؤتمر الصحوة الإسلاميّة، ومؤتمر فلسطين، ومؤتمر نزع السلاح، ومؤتمر العالم من دون إرهاب، ومؤتمر شباب الصحوة الإسلاميّة، كانت أنشطة تمّت في طهران،، لقد أصبح نظام الجمهوريّة الإسلاميّة مركز اهتمام عالم الإسلام الذي قد صحا.
 
الخدمات العامّة
في مجال الخدمات الاقتصاديّة، بُنيت عشرات الآلاف من البيوت ووُضعت في تصرّف الناس. هذه الإحصاءات، إحصاءات كبيرة،، إحصاءات مهمّة. لقد بُنيت المساكن الريفيّة، شُقّت الطرقات، والجادّات والأوتوسترات السريعة. وهذه طليعة الخطّة العشريّة للتطوّر والعدالة. لقد قلنا إنّ هذه العشريّة "عقد التطوّر والعدالة"1 سوف تُنجز، وهذه طليعتها. لقد طوينا ثلاث سنوات من هذه العشريّة. في مواجهة هؤلاء الأعداء، والمتربّصين الحقودين والخبثاء، استطاع هذا الشعب الفعّال والمفعم بالنشاط أن يحدث هذه الانجازات. 
 
 
 

1- الخطّة العشريّة للتطور والعدالة التي أطلقت العام 1388هـ.ش.(2009 م).
 
 
 
 
 
 
129

107

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 الانتخابات وسيلة إعلاميّة ضخمة

مثّلث انتخابات الثاني عشر من شهر إسفند جانباً عظيماً من فعاليّات الشعب الإيراني الجديرة بالمدح في العام 1390. أقول هنا طبعاً، أنّ الانتخابات لم تنتهِ بعد،، وعلى شعبنا أيضاً في المرحلة الثانية من الانتخابات أن يظهر - بعونه تعالى - العظمة والجمال نفسيهما. لقد كان لهذه الانتخابات أهميّة كبيرة. أقول لكم، وقد قلت لكم سابقاً، لقد سعى هؤلاء جهدهم منذ حوالي الستة أشهر ليجعلوا الناس تتعامل مع مسألة الانتخابات بتراخٍ،، فحيناً قالوا يحصل التزوير في الانتخابات، وحيناً قالوا إنّ عدم مشاركة الشعب في الانتخابات ستقلّل من عداوة الأعداء، قاموا بمختلف أنواع الدعايات الإعلامية بغية صرف الناس عن مراكز الانتخابات وصناديق الاقتراع. أحياناً، حاولوا تخويف الشعب وجعله متراخياً ويائساً عن طريق اغتيال علمائنا - إذ بأقلّ من ستّة أشهر نفّذوا ثلاثة اغتيالات - في مثل هذه الأجواء أقيمت هذه الانتخابات، لكن بمثل هذه المشاركة! المشاركة بأكثر من 64% هي إنجاز عظيم جدّاً. أقول لكم،، هذا الرقم هو أعلى من متوسّط نسبة المشاركة في انتخابات المجالس في العالم. إنّ متوسّط نسبة المشاركة في انتخابات الكونغرس هو 35%. في السنوات العشر الماضية، لم تبلغ مشاركة الشعب الأميركي في انتخابات الكونغرس ومجلس النوّاب ومجلس الشيوخ نسبة 40%. قارنوا هذا مع مشاركة الشعب الإيراني ـ هذا النشاط، هذه المشاركة، هذا الإظهار للوجود ـ عندها تتضّح أهميّة الأمر. كان هؤلاء يريدون من خلال هذه الضغوطات، ومن خلال الحرب النفسيّة، من خلال هذه التهديدات، أن يجعلوا يوم الثاني عشر من إسفند يوم خيبة للشعب الإيراني ونظام الجمهوريّة الإسلامية،، لكن هذا اليوم أصبح خلافاً لرغباتهم، ورغم أنوفهم يوم فخر للنظام الإسلامي وللشعب الإيراني. لقد عملت هذه الانتخابات كوسيلة إعلاميّة صادقة وقويّة. إنّهم يلفّقون الأخبار عن إيران، يخبرون عن حوادث كاذبة من داخل إيران، يكتمون الأخبار الصحيحة، لكنّهم لم يستطيعوا إنكار هذه الانتخابات،، لقد أصبحت "واقعاً" أمام أعين الجميع. لقد استطاعت هذه الانتخابات وكوسيلة إعلاميّة ضخمة وقويّة، أن تظهر الشعب الإيراني والنظام الإسلامي للعالم.

امتلاك إيران الثروات النفطيّة محور المشكلة مع الغرب
هذه الأحداث كانت في العام 1390، العام الذي وظّف فيه الأعداء الأموال الطائلة من أجل توجيه ضربة للشعب الإيراني وللنظام الإسلامي. هذه بعض إنجازات العام 1390. لماذا يكنّون كلّ هذا العداء؟ أنا أشير إلى هذه المسألة،، حجج الأعداء
 
 
 
 
 
 
 
130

108

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 تختلف من وقت لآخر. منذ أن طُرح الملفّ النووي، كانت حجّة الأعداء هي الملف النووي. هم حتماً يعلمون ويقرّون بأنّ إيران لا تسعى وراء السلاح النووي. وهذا هو واقع الأمر. إنّنا لقناعاتنا الخاصّة لا نسعى بأيّ وجه وراء السلاح النووي، لم ولن ننتجه، يعلمون هذا، لكنّهم يتّخذونه ذريعةً. في يوم تكون هذه المسألة حجّةً، وفي يوم آخر تكون مسألة حقوق الإنسان هي الحجّة، وفي يوم ثالث تكون القضيّة الفلانيّة الداخليّة هي الحجّة،، لكن كلّ هذه الأمور حجج. ما هي القضيّة الأساسيّة؟ القضيّة الأساسيّة هي الحماية القويّة لثروات النفط والغاز العظيمة في هذا البلد من قبل نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. فاليوم والغد ـ كما الأمس ـ تتوقّف القوّة الاقتصاديّة والسياسيّة، وتبعاً لها القوّة العلميّة والعسكريّة على الطاقة، وعلى النفط. العالم سيكون محتاجاً إلى النفط والغاز لعشرات السنين الأخرى،، وهذا من المسلّمات. يعلم الاستكبار والقوى المستكبرة أنّ شريانهم الرئيسي مرتبط بالنفط والغاز. في اليوم الذي لا يستطيعون فيه الحصول على النفط بأرخص الأثمان، في اليوم الذي يُجبَرون فيه على تقديم التنازلات مقابل النفط والغاز، وعلى التخلّي عن التهديد، سيكون ذلك اليوم يوماً كارثيّاً بالنسبة لهم.


آبار النفط في الغرب آيلة إلى النفاد
من ناحية أخرى، تواجه الدول الغربيّة مشاكل في مصادر النفط، وسوف تكبر مشكلتهم يوماً فيوماً. آبار النفط في الدول الأوروبيّة وبشكل عام في جميع الدول الغربيّة آيلة إلى النفاد، فبعضها سينفد بعد 4 سنوات، وبعض بعد 6 سنوات، وآخر بعد 9 سنوات، لذا هم مجبرون على الاستفادة من آبار غيرهم. فأميركا التي لديها اليوم حوالي بضع وثلاثين مليار برميل من احتياطي النفط، وطبقاً لحسابات خبرائنا ـ الذين يستندون إلى إحصاءات الأميركيّين أنفسهم ـ سوف ينفد النفط لديها عام 2021م، أي بعد 9 سنوات. إنّ نفط العالم الذي يُستخرج 50% منه من الخليج الفارسي، سوف يعتمد يومئذٍ على ثلاثة مصادر نفطيّة رئيسة في منطقتنا وفي الخليج الفارسي،، حيث تُعتبر إيران بالطبع، واحدة من هذه المصادر الثلاثة، كما سأعرض الآن لذلك. 

إيران الأولى في احتياطي النفط والغاز معاً
تعدّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران الدولة الأغنى في العالم بإحتياطي النفط والغاز مجموعين إلى بعضهما بعضاً، وهذا لا يرتبط بعد بالخليج الفارسي. بعض الدول مخزون الغاز فيها أكثر من مخزوننا، وبعضهم الآخر مخزون النفط فيها أكثر من مخزوننا. إنّنا نُعدّ الدولة الثانية الأغنى في العالم في مصادر الغاز ـ الدولة الأولى روسيا ونأتي 
 
 
 
 
 
 
 
131

109

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 نحن بعدها بالدرجة الثانية ـ وفي مصادر النفط، نُعدّ نحن الدولة الرابعة في العالم، فهناك ثلاث دول تفوقنا في مصادر النفط، لكنّنا لو أضفنا النفط والغاز إلى بعضهما، لوجدنا أنّ مصادر (النفط والغاز) في الجمهوريّة الإسلاميّة - بلدكم العزيز ـ طبقاً لما اكتُشف إلى اليوم ـ تفوق جميع دول العالم،، هذا أمر لافت جدّاً لمستهلكي النفط في العالم، لأجهزة الاستكبار التي يرتبط شريانها الحيويّ بمصادر الطاقة، بالنفط والغاز. بناءً على هذا، إيران بلد يمتلك مثل هكذا ثروة. هم سينفد نفطهم لأربع سنوات لاحقة، لعشر سنوات، لخمسة عشر سنةً،، أمّا الجمهوريّة الإسلاميّة ـ وطبقاً للمصادر التي اُكتشفت إلى اليوم ـ سوف تستفيد من النفط والغاز للثمانين سنةً القادمة،، وهذا أمر لافت جدّاً. حسناً، ماذا تريد القوى المستكبرة من بلد يتربّع على قمّة ثروات النفط والغاز؟ يريدون أن يكون هذا البلد في يد حكومة، في يد نظام مطواع كالشمع بين أيديهم،، كبعض دول المنطقة. هذه الدول لديها نفط، الكثير منه أيضاً، لكنّها مثل الشمع بين أيدي الأميركيّين: أنتجوا الكميّة الكذائيّة، سمعاً وطاعة،، بيعوا بالسعر الفلاني، كما تشاءون،، بيعوا لهذا، لا تبيعوا لهذا، حاضر. عندما يكون في بلد غنيّ كإيران عائم على حقول النفط والغاز، نظام حاكم يحرس بحميّة هذه الثروة الوطنيّة، لا يسمح بنهب الثروات، ولا بالتطاول، ولا يستسلم لسياسات الأعداء، سوف يعادون هذا البلد. ولهذا السبب كان عداؤهم لإيران الإسلاميّة. 


أولئك الذين يظنّون أنّنا إذا تراجعنا في الملفّ النووي، سوف تنتهي عداوة أميركا لنا، غافلون عن هذه الحقيقة. ليست مشكلتهم الملفّ النووي. هناك دول تمتلك السلاح النوويّ، وهم أيضاً في منطقتنا، هؤلاء "بعوضهم لا يلسع!" المسألة ليست مسألة السلاح النووي أو الصناعة النوويّة، ليست مسألة حقوق البشر،، المسألة مسألة الجمهوريّة الإسلاميّة التي تقف بوجههم كالأسد. لو كانت الجمهوريّة الإسلاميّة حاضرةً أمامهم، كبعض أنظمة المنطقة، لخيانة شعبها، والاستسلام أمامهم، لتركوها. ما يهمّ هؤلاء هو التوسّع الاستكباري،، هذا هو سبب العداء للشعب الإيراني.

الأميركيّون حتماً مشتبهون. إذا ظنّوا أنّهم من خلال المخاصمة والعداء والتهديد يمكنهم إجبار الجمهوريّة الإسلاميّة على الانكفاء، أو يمكنهم إقصاءها، فإنّهم يرتكبون خطأً كبيراً وعظيماً،، وسوف يتلقّون صفعةً جرّاء هذا الخطأ. يمكنهم أن يتعاطوا مع الشعب الإيراني باحترام، يمكنهم أن يقنعوا بما لديهم، يمكنهم أن يروا 
 
 
 
 
 
 
 
132

110

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 ويعرفوا الكارثة التي يقبلون عليها. إنّ الدول الغربيّة لا تسمح لشعوبها بالاطلاع على كارثة النفط المستقبليّة. هم لا يريدون لشعوبهم أن تعي ما ينتظرها في مسألة النفط ومصادر الطاقة، لا يريدون إخبار شعوبهم. هؤلاء يظنّون أنّهم من خلال الخصومة مع الشعب الإيراني يمكنهم إنجاح الأمر، لكنّهم لن يقدروا.

 
أمريكا اليوم في موقع ضعف
اعلموا أيّها الأخوة والأخوات الأعزّاء، يا شعب إيران العزيز، أنّ أميركا بكلّ استعراضات القوّة لديها، بكلّ الضجيج والفوضى اللذين تثيرهما، هي اليوم في موقع ضعف، وموقع متزلزل لا اريد أن أستشهد بما يجري داخل الكواليس، أو بالأشياء الظاهرة،، حساباتنا قائمة على "واحد زائد واحداً يساوي اثنين". أنظروا، لقد وصل رئيس الولايات المتحدة إلى الحكم تحت شعار "التغيير". ما معنى التغيير؟ يعني أنّ وضعنا مزرٍ جدّاً، وقد أتيت لأغيّره. لقد خاض المعترك بهذا الشعار. وقد صوّت له الشعب أيضاً بسبب هذا الشعار،، وإلّا لم يكن الشعب العنصري ليصوّت لرجل من العرق الأسود،، ولكنّهم صوّتوا لصالحه على أمل التغيير. إنّ تأثير شعار "التغيير" على الناس بهذا الحجم، يظهر وخامة الوضع القائم. أي الوضع الذي كان حاكماً على أميركا في فترة ترشّح هذا الرجل لرئاسة الجمهوريّة، لقد كان وضعاً سيّئاً باعتراف الشعب الأميركي، وقد وعد هو بالتغيير. إذاً، من المسلّم به أنّ الوضع سيء. نحن لا نرغب بقول هذا، الشعب الأميركي هو الذي يقرّ بأنّ وضعه سيّئاً. حسناً، الآن وقد انتُخب هذا الرجل، هل أحدث تغييراً؟ هل استطاع أن يغيّر؟ هل أمكنه تبديل هذا الوضع السيئ؟ أميركا اليوم مديونة بـ 15000 مليار دولار. هذا الدين يفوق أو يساوي الناتج الإجمالي المحلّي لهذا البلد،، وهذا يشكّل مصيبةً وكارثةً لأيّ بلد. وهكذا بالنسبة لوضعهم على المستوى السياسي، اضّطُروا للانسحاب من العراق من دون تحقيق أيّ إنجازات. في أفغانستان يسوء وضعهم يوماً فيوماً. في باكستان التي هي واحدة من الدول التي كانت متعاونة معهم، تسوء سمعتهم يوماً فيوماً. في البلدان الإسلاميّة، في مصر، في شمال أفريقيا، في تونس، فقد الأميركيّون هيمنتهم بالكامل. مضافاً إلى ذلك كلّه، انطلقت حركة "احتلّوا وول ستريت" في المدن الأميركيّة نفسها. هل هذا الوضع هو وضع جيّد؟ هذا معادلة واحد زائد واحداً يساوي اثنين، إنّها ليست مسألة معقّدة. الشعب الأميركي هو الذي قبل بالتغيير، وهذا يعني أنّ الوضع الراهن وضع سيّء، وذلك الوضع السيّئ لم يتغيّر إلى الآن. بناءً عليه، أميركا تعيش أزمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
133

111

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 قوتّنا ليست بامتلاك السلاح النووي

يمكن لأميركا أن تخلق مخاطر للدول الأخرى، يمكن أن ترتكب حماقات. بالطبع، أقول من هذا المكان، إنّنا لا نحوز السلاح النووي، ولن نسعى إلى تصنيعه، لكنّنا في مقابل هجوم الأعداء ـ سواء أميركا أو النظام الصهيوني ـ وفي سبيل الدفاع عن أنفسنا، سوف نهجم على الأعداء بالمستوى نفسه الذي يهجمون به علينا. 
 
لقد بشّرنا القرآن الكريم قائلاً: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾1 لم يرد في أيّ مكان في القرآن أنّكم إذا ابتدأتم بالحرب وهجمتم، ستنتصرون حتماً،، قد تنتصرون وقد تُهزمون ـ كما حدث في معارك صدر الإسلام، عندما شنّ المسلمون الحملات، أحياناً هُزموا وأحياناً انتصروا ـ لكنّه وعد أنّه إذا ابتدأ الأعداء بالهجوم، فإنّ هذا العدوّ حتماً سينهزم. لا ينبغي أن تقولوا أنّ هذا خاصّ بصدر الإسلام،، لا، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا2﴾،، هذا قانون إلهي. شعب إيران شعب صاحب عزم، نشيط، لا يفكّر بالهجوم والاعتداء،، لكنّه بكلّ كيانه متمسّك بوجوده، بثروته، بهويّته، بإسلامه، بجمهوريّته الإسلاميّة. 


شعار "الإنتاج الوطني وحماية العمل"
لقد وضعنا لهذا العام شعار "الإنتاج الوطني"، وقد أُتبع بتوضيح: "حماية العمل ورأس المال الإيراني"،، أي عندما تستهلكون البضاعة الداخليّة، تقدّمون المساعدة للعامل الإيراني، توجدون فرص العمل، تنعشون رأس المال الإيراني، وتساهمون في التنمية والتطوّر. إنّها لثقافة خاطئة ـ تلك المسيطرة على بعضنا ـ عندما نستهلك البضائع الأجنبيّة، هذا يؤدّي إلى الإضرار بدنيانا، وإلى الإضرار بتطوّرنا، وإلى الإضرار بمستقبلنا. المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وعلى الحكومة مسؤوليّة أيضاً، بأن تدعم الإنتاج الوطني وتقوّيه.
 
من حسن الحظّ، لقد صُودق على سياسات "صندوق التنمية الاقتصاديّة"،، وصوّبه مجلس الشورى. يوجد اليوم مخزون احتياطي هامّ بين أيدي المسؤولين، يمكنهم أن يضعوه في خدمة الإنتاج الوطني. ينبغي تسهيل العمل،، على مجلس الشورى أيضاً أن يتعاون، وعلى الحكومة أيضاً أن تجدّ،، ليمكنهم إضفاء رونق على الإنتاج الوطني. كما على الشعب ـ سواء أكانوا من أصحاب رؤوس الأموال، أو ممّن امتلك القدرة 
 
 
 

1- الفتح، 22-23.
2- الأحزاب، 62.
 
 
 
 
 
 
 
 
134

112

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 على العمل ـ أن يتعاون من خلال تقديم السلع المتقنة الصنع. ينبغي للإنتاج الداخلي أن يكون مطلوباً، وأن يتمّ إنتاجه بجودة بحيث تطول مدّة استهلاكه. ينبغي علينا أن نقلّل قدر الإمكان من قيمة ثمن الكلفة. هذا الأمر يتطلّب تعاون الجميع. على الوزارات المختلفة أن تتعاون في هذا المجال ـ سواء الماليّة، أو الاقتصاديّة ـ كما على مجلس الشورى أن يتعاون حتى يحقّقوا هذه المسألة في بلدنا.

 
الشعب هو العمدة. ينبغي عليكم أن تطلبوا البضاعة الإيرانية. إنّه ليس مدعاةً للافتخار، إنّه لتفاخر خاطئ أن نرجّح الماركات الأجنبيّة ـ في ملابسنا، في وسائلنا المنزلية، في أثاثنا، في احتياجاتنا اليوميّة، في مأكلنا ـ على الماركات الوطنيّة،، في حال أنّ الإنتاج الداخلي هو أفضل بدرجات في كثير من الموارد. لقد سمعت أنّ الألبسة الوطنيّة التي تُنتَج في بعض المناطق، تؤخذ وتوضع عليها الماركات الأجنبيّة، ومن ثمّ تُعاد! لو بيعت هنا لما وجدت لها مشترين إيرانيّين،، لكن كون ماركة فرنسيّة أُلصقت بها، فإنّ المشتري الإيراني سوف ينتقي ذاك اللباس نفسه، وتلك البزّة نفسها، والقَصَّة نفسها،، وهذا أمر خاطئ. 
 
الإنتاج الداخلي غاية في الأهميّة. أنظروا ماذا أنتج العامل الإيراني، ماذا استثمر المتموّل الإيراني. في مجال الاستهلاك، أساس المسألة في يد الناس،، وهذا جزء من ترشيد الاستهلاك الذي توجّهت به إلى الشعب الإيراني قبل سنتين من هذا المكان، وجزء من الجهاد الاقتصادي الذي عرضته السنة الفائتة. الإنتاج الوطني هامّ جدّاً، ينبغي أن يُجعل هدفاً لنا.
 
الاتّحاد والوحدة بين فئات الشعب
وعلى الصعيد السياسي، لي أيضاً توصيّة. أيّها الأعزّاء، الأخوة والأخوات، في كافّة أنحاء البلاد، نحن اليوم بحاجة إلى الاتحاد والوحدة. إنّ ذرائع الاختلاف كثيرة، فأحياناً لا يتّفق ذوق اثنين في مسألةٍ ما،، لا ينبغي لهذا الأمر أن يصبح ذريعةً للاختلاف. قد تكون ميول ما موجودة في شخص، وغير موجودة في آخر،، لا ينبغي لهذا أن يصبح مصدراً للاختلاف، إنّ آراء وأفكار الجميع محترمة،، الاختلاف الداخلي، والخصام الداخلي يؤدّي إلى الفشل. يحذّرنا القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾1 إذا تنازعنا على قضايا مختلفة ـ قضايا سياسيّة، قضايا اقتصادية، قضايا شخصيّة ـ وتعاركنا، يتجرّأ العدوّ. إنّ بعض الجرأة التي أظهرها العدوّ في السنوات السابقة، كانت بسبب الاختلافات. يعلّمنا أمير المؤمنين عليه السلام درساً فيقول: "ليس من
 
 

1- الأنفال، 46. 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

113

في لقاء أهالي مشهد المقدّسة وزوّار الإمام الرضا عليه السلام

 طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه"1. المعارضون قسمان: معارض يطلب الحق، يتّبع الجمهوريّة الإسلاميّة، ويتّبع الثورة، يتبّع الدين وأوامر الله، لكنّه في النهاية قد أخطأ، لا ينبغي أن نعادي هذا،، هذا يختلف عن المعادي للنظام الإسلامي، الذي يتحرّك من خلال مطلب معاند ضد النظام الإسلامي. ألّفوا بين القلوب، فليكن تعاملكم مع بعضكم بعضاً أكثر عطفاً ومحبّةً.

 
إنّ الإعلام الالكتروني وشبكات الإنترنت، وللأسف أدّى إلى تناول الأفراد بعضهم بعضاً بكلام خارج عن الأدب، وإلى اغتياب بعضهم الآخر. ينبغي أيضاً على مسؤولي البلاد أن يعالجوا المسألة بنحو ما. 
 
ولكنّ الأساس هو أن نلتزم، نحن الناس، بالأخلاق الإسلاميّة، أن نلتزم بالقانون. لا يُتَّخَذَنَّ الآن كلامي ذريعة فتذهب جماعة لتلوم الشباب الثوري وتشمت بهم، بصفتهم شباباً "حادّي الطباع"،، لا، إنّني أعتبر كافّة شباب الوطن الغيورين، والشباب الثوري المؤمن في البلاد أبنائي، وإنّي أدعمهم، إنّي أدافع عن الشباب الثوري المؤمن والغيور، لكنّي في النهاية أوصي الجميع أن يجسّدوا الأخلاق الإسلاميّة في تصرفّاتهم ويراعوا القانون، على الجميع أن يراعي القانون،، إنّ تجسيد الثورة هو في إتّباع قانون الجمهوريّة الإسلامية. 
 
على مسؤلي البلاد أن يكونوا كذلك،، فالحكومة تحفظ حرمة المجلس، والمجلس يحفظ حرمة الحكومة، وحرمة رئيس الجمهوريّة،، ينبغي أن يكونوا متّحدين ومتآزرين. هذا لا يعني أن يفكّر الجميع بطريقة واحدة، معناه إذا اختلفوا في التفكير أن لا يأخذوا بتلابيب بعضهم،، كلّ خلاف فيما بيننا، كلّ خصومة ونزاع، يطمع فينا الأعداء ويسرّهم.
 
آمل أن يكون العام 1391هـ.ِش. الذي حلّ اليوم، من الأعوام المفعمة بالنشاط والعمل والمكلّلة بالنجاح والسعادة لشعب إيران.
 
إلهي، بمحمّد وآل محمّد، ثبّت أقدام شبابنا الأعزّاء، وشعبنا العزيز على الصراط المستقيم.
إلهي، ادحر أعداء هذا الشعب واقهرهم.
إلهي، حقّق الأماني الكبرى لهذا الشعب العزيز والمجاهد والمقاوم. ارضِ عنّا القلب المقدس لوليّ العصر (أرواحنا له الفداء)، واشملنا بدعائه. 
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 

1- نهج البلاغة، شرح محمد عبده، الخطبة رقم 58.
 
 
 
 
 
 
 
136

114

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش


 
المناسبة: لقاء قادة القوّة البريّة للجيش.
الحضور: جمعٌ من قادة الوحدات العملياتيّة والقتاليّة في القوّة البريّة.
المكان: مقرّ أركان القوّة البريّة. 
الزمان: 22/4/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
137

115

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنّه ليومٌ جميلٌ ومؤنس لي - أنا العبد - أن أكون بينكم أيها الأعزّاء والإخوة والشباب وطليعة القوّات المسلّحة،، لكي أراكم عن قرب وأتحدّث معكم ببضعة جمل، وأستفيد من مظاهر الاندفاع والحيوية ومن قلوبكم الصافية والنورانية. مباركٌ لكم يوم الجيش. وأملي أن يكون كلّ واحدٍ منكم بمشيئة الله نموذجاً وخندقاً ومظهراً رفيعاً لمستقبل البلد وعزّته ورفعة هذا الشعب واقتداره، وأن يجعل الله تعالى ذلك عنده مقدّراً.
 
حسناً، إنّ القوّة البرّية للجيش - بحمد الله - قد نمت وتسامت، وهذا مما يشعر به المرء. فقد بدأ هذا التحرّك، وهذا المسار المبارك، منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية وتشكيل نظام الجمهورية الإسلامية. ولا يعني ذلك طبعاً، كما يمكن أن يتصوّر بعض الناس، أنّه لم يكن في زمن الطاغوت أفراد مؤمنين أو كانوا قلّة داخل الجيش، كلا لم يكن الأمر كذلك. فإنّني أنا العبد في ذلك الزمان، كنت على علاقة مع بعض المنتسبين للجيش ـ بعضهم كان لنا معهم روابط صداقة، وبعضهم الآخر كان لنا معهم علاقات ثورية وجهادية ـ وكان من بينهم أشخاصٌ مؤمنون ومحبون وحريصون وصادقون، وهؤلاء لم يكونوا قلّة. وكان المرء يرى أمثال هؤلاء في المناسبات المختلفة وفي الأماكن المتعدّدة،، وقد رأيت بعضهم أنا العبد. كان لنا رفقاءٌ آخرون، لديهم معارف في الأجهزة المختلفة والمواقع المتعدّدة. غاية الأمر أنّ توجّهات الأفراد لها معنى، وتوجّهات المنظّمة لها معنىً آخر. فعندما يكون التوجّه العام لأيّ مجتمعٍ أو منظّمةٍ أو جماعةٍ خطأ، فإنّ المساعي الفردية مهما كانت عظيمةً لن تصل إلى مطلوبها، وهكذا كان الأمر في ذلك الزمان.
 
النظام الإلهي طريق النجاح
لقد نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام ـ الظاهر أنّه حديثٌ قدسي يُروى عنه ـ حيث قال: "لأعذّبنّ كلّ رعيّة في الإسلام أطاعت إماماً جائراً ليس من الله عز وجل،، وإن كانت الرعية في أعمالها برّة تقية"1. فمضمون هذا الحديث هو أنّه لو كان زمام أمور أي مجتمع بيد الفاسدين وغير الكفوئين والظالمين والمنحرفين، فإنّ التحرّكات الإيمانية للأفراد في هذا المجتمع لن تصل إلى نتيجة. ففي هذه الحالة إنّ الذين يطيعون هؤلاء الظالمين ويسلّمون لهم سيعذّبهم الله. وهنا في نفس الحديث يوجد عكسه أيضاً: "ولأعفونّ عن
 
 

1- بحار الأنوار، ج 27، ص 202.
 
 
 
 
 
 
 
 
139

116

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 كلّ رعية في الإسلام أطاعت إماماً هادياً من الله عزّ وجلّ، وإن كانت الرعية في أعمالها ظالمةً مسيئة". وهذا ما يحتاج إلى شرحٍ هنا حيث لا ينبغي الاكتفاء بظاهره.


وخلاصة الأمر ولبّ المطلب هو أنّه لو كان النظام والحاكمية في أي نظامٍ أو جماعةٍ أو بلدٍ أو مجتمعٍ هو النظام الإلهي والعادل،، فإن الذين يطيعون هذا النظام سينالون عفو الله ولو كانوا خطّائين. ويمكنكم أن تجعلوا هذا مقياساً لأيّ بلدٍ، وتحاسبوا على أساسه أيّ شعبٍ أو مجتمعٍ،، وفي المعيار المتعلّق بأيّ منظمة كمنظمة الجيش يمكننا أيضاً ملاحظة هذا الأمر وأن نحاسب على أساسه.

عقيدة الجيش وفكره
ذاك اليوم كان الجيش بيد غير أهله، لكن عندما بدأت حركة الشعب فإنّ تلك الفئة المؤمنة والقليلة من ذوي الرتب العالية أدركوا طريقهم ووجدوا موقعيتهم. ومنذ الأيام الأولى للثورة الإسلامية كان هناك أشخاص يأتون ويقدّمون الدعم للعناصر الثورية لعلّهم يتمكّنون من إيجاد لغة مشتركة مع الجيش والبدء بالحوار. حسنٌ، لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضاً، فلا المسؤولين ولا الثوريين ولا المجاهدين ولا العلماء ولا الفئات الجامعية كان لها ارتباط أو تواصل مع الجيش، ولهذا لم يكونوا يمتلكون لغةً مشتركة. وبفضل الثورة تمّ إيجاد هذه اللغة المشتركة.

وفي يومنا هذا يُعدّ الجيش من أكثر المؤسسات شعبيّةً في بلدنا. فبين المؤسسات المختلفة التي تشكّل هيكلية الدولة والنظام، عندما تنظرون إلى الجيش تجدونه الأقرب إلى أفراد الشعب ورغباتهم وتوجّهاتهم وأحاسيسهم، والأقرب في تقديم الدعم لحركته العامّة،، ومثل هذا الأمر قيّمٌ جداً ومهم. صحيحٌ أنّ جيوش العالم تتشكّل تحت شعار حفظ المصالح القومية وتعمل على هذا الأساس، لكن هل هذا الأمر واقعاً كذلك؟ فهل كان جيش أمريكا في العراق وفي أفغانستان يحافظ على المصالح القومية لأمريكا؟ وهل أنّ شعب أمريكا استفاد من احتلال أفغانستان؟ وهل هو راضٍ ومسرور من قتل شعب أفغانستان؟ وهل أنّ مصالح أمريكا يتمّ تأمينها من خلال قيام مرتزقتهم بإطلاق الرصاص على الناس، والتمثيل بجثثهم، والتقاط الصور مع أعضاء جثثهم؟ لو أنّ أحداً سأل زعماء الولايات المتحدة ماذا تريدون من كلّ هذا الجيش الكبير وهذه الأجهزة الحديثة وفوق الحديثة لقالوا: من أجل المصالح القومية. لكن هل أنّ جوابه صادقٌ؟ وهكذا الأمر في كل بلاد العالم. وبالتأكيد إنّني لا أدّعي على وجه التحقيق أنّ الأمر كذلك لأنني لست على إطّلاعٍ كامل،، من الممكن أن نجد في بعض الزوايا هنا وهناك ما يمكن أن ينقض كلامنا ـ ولكن ما شاهدناه وعرفناه هو هكذا على الأغلب
 
 
 
 
 
 
 
140

117

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 في كل بلاد العالم،، فالجيوش يتمّ تشكيلها تحت عنوان المصالح القومية، ولكنها ليست في خدمة هذه المصالح، بل إنّها تكون في خدمة طلّاب الزعامة السياسية. وقد كان الأمر هكذا طيلة التاريخ. فأن ينطلقوا من هنا ويسوقوا أكثر من مليون جندي نحو اليونان - ما يُعدّ من المفاخر التاريخية لطاغوتنا (الشاه خشايار)1- ولأجل أن يتمكّن من السيطرة على اليونان وبعد ذلك هزم، وتراجعت سفنه تجرّ أذيال الخيبة. لم يكن هذا من أجل المصالح القومية. وطوال التاريخ كانت جيوش العالم في الأغلب هكذا ـ إلى الحدّ الذي وصلت إليه مطالعاتنا وعرّفنا عليه التاريخ، وما يمكن أن نصل إليه أنا وأنتم ونشاهده اليوم أيضًا في العالم، إمّا أن تكون الجيوش في خدمة المطامع الشخصية أو لحفظ القوى الطاغوتية.

 
وفي بدايات الثورة، وفي واحدٍ من هذه القصور الملكية حيث وُضع قسم من قوّات الجيش من أجل الحراسة، كان هناك لوحة إعلانات كبيرة، كُتب عليها ما مضمونه: نحن - أي الجيش - قد التحقنا من أجل حفظ حياة هذا الطاغوت! حسنٌ، وهذا بعيدٌ جداً عن المصالح الوطنية. ولو أنّنا وجدنا في هذا العالم جيشاً يحمل نفس اعتقادات الشعب ومشاعره ولا يرى نفسه لخدمة الأفراد،، بل، لخدمة الشعب ومصالحه بالمعنى الحقيقي، فمثل هذا الجيش له أهمية وقيمة عظيمة، وهذا هو جيشكم. وفي الحقيقة ليس عندي موردٌ آخر شبيه. أما بالنسبة لهذه الدول التي شهدت الثورات مؤخّراً، فلنرَ ماذا ستثمر وماذا سيفعلون،، ولكن إلى الآن، فإنّني لا أرى جيشاً مثيلاً،، جيشٌ لا يكون في خدمة طلّاب القدرة الشخصية ولا يفني نفسه من أجل شخص. وهذا ما أريد أن أؤكّد عليه،، فلا الله يرضى، ولا أحكام الإسلام تجوّز أن نقول أن جيشنا أو قوّاتنا المسلّحة أو عناصرنا تفدي نفسها لفلان، كلا. أجل، فليمت الجميع من أجل الإسلام وليمت هذا الفلان من أجل الإسلام. ومن أجل رفع راية استقلال البلاد خفّاقةً - وهي دولة إسلامية - فليكن الجميع مستعدّين للموت في هذا الطريق، وهذا الموت يُدعى شهادة. في هذه الحالة يكون الجيش جيشاً إلهياً ومعنوياً، ويكون حينها إسلامياً، وهذه هي الشجرة الطيبة التي ذكرتها، أنا العبد. فمنذ بداية الثورة وإلى اليوم كان هذا هو الهدف، ولحسن الحظ أصبحنا على مقربة من هذا الهدف أكثر فأكثر، وهذا ما أريد أن أذكره لكم. إنّني أراقب عن قرب هذه الحركة الممتدّة على مدى أكثر من ثلاثين سنة للجيش. وفي المراسم الأولى، في التاسع والعشرين من شهر فروردين (نيسان)،



1- خشايار الأول (بالفارسية، خشايارشاه) يطلق عليه أيضاً أحشويروش ملك فارسي، مع أنه كان صغيراً بين إخوته وقد تم اختياره خلفاً لأبيه داريوشالأول. حكم بين 485 و465 ق.م. الملك الرابع في سلالة الأخمينيين ببلاد فاس.حاول غزو بلاد اليونان وفشل بعد تعرض جيشه لخسارةٍ كبيرةٍ في العدد، وتأخّرٍ في التحرك مع فوزه في النهاية في معركة ترموبيل.
 
 
 
 
 
 
 
 
141

118

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 كنت - أنا العبد - حاضراً. في ذاك الوقت حينما كان الإمام عام 1358 هـ .ش. (1980م) في المستشفى، قاموا بتجهيز مكانٍ مقابل المستشفى وجاءت جماعات من الجيش وألقوا التحية وهناك تمّ الإعلان عن يوم الجيش بواسطة الإمام. إنّني أرى أوضاع الجيش. فمن بينكم من يحضر هنا ـ أولئك الذين كانوا منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا في الجيش ـ فلعلّه لا يوجد أي أحد منهم لم أشارك أنا في مراسم تخرّجه. فبالظاهر أنا العبد قد حضرت في جميع مراسم التخرّج والترقية لكلّ واحدٍ منكم، فأنتم الذين انخرطتم في الكلية وأصبحتم ضبّاطاً، ونلتم الرّتب. إنّني أنظر وأرى أنّ جيشنا اليوم قد تقدّم بالنسبة لما قبل خمس عشرة أو عشرين سنة، وقد تقدّم كثيراً مقارنةً ببداية الثورة. وهذه حركةٌ جيدة، ويجب أن تستمرّ. ففي هذه الحركة تكمن سعادة الدنيا والآخرة.


النظام الدولي المعاصر
واليوم يوجد تحرّكٌ في العالم عرفه الجميع وأدركه وهو تحرّكٌ مخالفٌ لنظام التسلّط. إن قضيّتنا ليست مع الأشخاص ـ من أي جهةٍ كانوا وفي أيّ اتجاه، يمين يسار...- القضية هي قضية نظام التسلّط. فماذا يعني هذا النظام؟ إنّه عبارة عن ترتيب لتقسيم دول العالم وشعوبه إلى قسمين، إلى المتسلِّط والقابل بالتسلّط. ولا شكّ أنّ بعض هؤلاء المتسلّطين الخبثاء يكتمون هذا المعنى وهذا المضمون وينكرونه، ولا يأتون على ذكره،، لكن بعضاً منهم وبسبب حماقتهم الذاتية يصرّح به كرئيس أمريكا السابق الذي صرّح قائلاً: إنّ كلّ من لا يكون في قضية أفغانستان وقضية الهجوم على البرجين وأمثالها مع أمريكا فهو ضدّنا! حسنٌ، هذه حماقة، فالمتسلّطون في العالم هكذا يقيمون علاقاتهم مع العالم، وينبغي في المقابل أن يوجد الذي يقبل مثل هذا التسلّط.

الحركة الإسلاميّة في مواجهة المشروع العالمي
إنّ مشكلة الأجهزة المقتدرة المتسلّطة في العالم هي أنّ هناك تحرّكٌ في العالم قد انطلق وهو يعارض هذا الترتيب. وفي مركز هذا التحرّك تقع إيران الإسلامية وأنتم، وقد كان صبر إيران الإسلامية كبيراً. ففي اليوم الأول الذي بدأنا به هذا التحرّك لم يكن هناك في العالم من يستجيب لنا. ونحن كنا نتصوّر أنّ بعض الشعوب ستنضم إلى هذا التحرك بسرعة لكن هذا الأمر لم يحدث. وبعد مضي السنوات وبالتدريج شيئاً فشيئاً استقرّ هذا التفكير في ذهنية الشعوب وبدأ يأخذ موضعه، حتى جاء وقته وتهيّأت ظروفه. وجميع الحركات التاريخية على هذا المنوال. فإنّ التحرّكات التاريخية وإن كانت تبدو للوهلة الأولى دفعيةً، لكنها ليست كذلك بتاتاً، إنّها متدرّجة، لكنّها تنتظر نقطة النضج 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

119

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 والتفتّح،، فتقع حادثةٌ أو تحدث قضية، وفجأةً، فإنّ ذلك الاستعداد وتلك القدرة المتراكمة المتجمعة والمتضافرة تبرز بنفسها، وتنفلت من عقالها، فيحدث كما حدث في مصر وبقية الأماكن. ثلاثون سنة مرّت حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. لهذا فإنّ هذه الحركة هي حركة مهمة. المستعمرون والمقتدرون بالمعنى الواقعي للكلمة يخافون من هذه الحركة. وكل هذه الاضطرابات والتهديدات والحظر والحصار والإيثارات وغيرها ناشئة من الخوف. إنّني لا أدّعي أنّهم يخافون الجمهورية الإسلامية بالخصوص كدولةٍ أو كجيشٍ بل يخافون من هذه الحركة، من هذه الظاهرة غير المسبوقة والتي بالنسبة لهم هي مجهولة بالكامل. وهذه الحركة هنا تتفاقم وهنا تُنفخ وهنا تتجدّد يوماً بعد يوم. إنّهم يخافون من شبابنا المؤمنين أولي العزم، ومن مشاعرنا الوطنية المتأججة المصحوبة بالمعرفة الجيدة ـ ولا نقول العالية - ففي يومنا هذا يُعدّ مستوى المعرفة والبصيرة في بلدنا وللإنصاف جيداً.


أهمّيّة القوات المسلّحة
وأنتم جزءٌ من هذه المجموعة الحسّاسة والمهمّة، فالقوّات المسلّحة لها موقعية حسّاسة، ويجب أن تحافظوا على هذا الأمر وأن تستمرّوا عليه. وإنّني الآن وفي جمع القادة المحترمين قد نقلت جملةً من أقوال أحد القادة العسكريين. وقد جاءني في بداية الثورة وقال لي جملةً واحدة، وقد أُعجبت كثيراً بمقولته ـ وهي صحيحة ـ وما زلت أذكرها إلى اليوم، قال: "في المسؤولية يوجد عنصر أو جزء من القيادة". أنتم مسؤولو القوة والجيش المستقبليون، ويجب أن ترفعوا من مستوى القدرة القيادية في أنفسكم. فالمسؤولية تعني افعل ولا تفعل، أو الأمر والنهي، والقيادة تعني التحرّك، والسلوك، وإظهار المعايير والشواخص التي تحل محل افعل ولا تفعل. وبدون افعل ولا تفعل يوجد القائد حركةً، وهذه الحركة تنبع من القلب. وبدل الارتباط بالأجسام يجب الارتباط بالقلوب،، ويجب عليكم أن توجدوا مثل هذا الأمر في أنفسكم وتقوّوه. ولو حصل ذلك فإنّ النصر لبلدنا ولشعبنا سيكون حتمياً. أي في اللحظات الصعبة والشديدة، فإنّ هذا الشعور وتلك الحالة ستأتي إلى إعانة الإنسان. وأنا في هذه الخصوص لديّ نماذج. وهنا كما تعلمون يوجد وجوه معروفة جداً، والكل يعرفها
 
 
 
 
 
 
 
 
143

120

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 كالشهيد صيّاد الشيرازي والشهيد البابائي1 فهؤلاء كانوا منذ بداية الحرب وإلى آخرها، وقد استُشهدوا. ولكنني قد شاهدت العديد من أمثال هؤلاء في الجسم،، في القوات المسلحة وفي مرحلة الحرب، وكذلك أيضاً في الجبهة نفسها، وفي جلسات القرار والتخطيط خلف الجبهة، فهذه مهمّةٌ جداً. 

 
أغلب التحرّكات التي تُنجز في الصفوف الأمامية تكون ناشئةً من العزائم ومن الإرادات التي تنعقد وتتشكّل خلف الجبهات. فلو كانت هذه الإرادات صادقةً وتمكنت من إيصال نفسها إلى الطبقات الأمامية، حينها تحدث مواقف الشجاعة تلك، حيث يمكن للإنسان حينها أن يشاهدها بصورة بارزة ومميزة. فيجب أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار.
 
المحافظة على الجمهوريّة في جميع المستويات
على كل حال إنّ القوّة البرية مهمّة،، فإنّها تمثل في مجموع أركان الجيش قسماً غاية في الأهمية. ودائماً ما يُقال أنّ العمود الفقري للجيش هو القوّة البرية. من الممكن في حروب العالم اليوم أنّ احتمال وقوع المعارك الأرضية أصبح أقل ـ وهو كذلك في الواقع، فاليوم ازداد احتمال وقوع المعارك البحرية والجوية وأمثالها ـ لكنّ القوة البرية يجب أن تحافظ على جهوزيتها الحقيقية وتزيدها رقيّا. والاستعداد الحقيقي يعني الإيمان والدافع، والتدريب والتعلّم، والاختصاصات اللازمة والتخصصات المطلوبة والجاهزة للاستخدام، وثبات الشخصية، فالشخصية الأخلاقية والسلوكية يجب أن تتمتع بصلابة لا يمكن أن تؤثر فيها الإغراءات المختلفة وتذلها. فأحياناً، تلك الإغراءات المختلفة في الحياة تذل الناس، ويرى المرء أحياناً كيف أنّ بعض الأشخاص 
 
 

1- الشهيد صياد شيرازي (1944م): من أبرز القادة العسكريين في إيران، كان له دور مهم خلال الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية، ساهم في تنظيم القوى البحرية في الجيش. عقب انتصار الثورة اطّلع بمهمّة قائد عمليات شمال غرب البلاد، وكان له دور في اخماد اضطرابات تلك المناطق وخاصة كردستان التي افتعلها أعداء الثورة. شغل عدة مناصب عسكرية، أبرزها قائد القوّة البريّة في الجيش، وممثل القائد الأعلى في مجلس الدفاع الأعلى، ونائب رئيس الأركان العامة، ومساعد التفتيش فيها. استشهد عام 1999م على أيدي منافقي خلق أمام منزله، حيث تنكّروا بثياب عمال التنظيفات.
الشهيد بابائي: هو عباس بابائي (4/12/1950م)، من مدينة قزوين، عيّن بدرجة ملازم ثانٍ في قاعدة دزفول الجوية عام 1972م انتخب لقيادة طائرات اف - 14 المتطورة بعد ضمها لسلاح الجو الإيراني. وبعد انتصار الثورة، وإضافة إلى مسؤولياته الأخرى في القوة الجويّة، انتخب مسؤولاً في الاتحاد الاسلامي للقاعدة الجوية الثامنة في أصفهان، ثمّ رقّي إلى درجة مقدّم، وعين قائداً لقاعدة أصفهان الجوية. عُرف بذكائه وكفاحه ونضاله وخدمته المستضعفين والمحرومين. استشهد وهو يؤدّي مهمّة جويّة على مواقع العدو بتاريخ 5/8/1987م 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

121

في لقاء جمعٍ من قادة القوّة البريّة للجيش

 يذلّون لأجل المال ولأجل المنصب والدوافع الجنسية، فهذه هي مذلّة الإنسان. وإنّ أعزّ الناس وأكثرهم قدرة هم أولئك الذين لا تخضعهم هذه الإغراءات. وبالتأكيد لا يعني ذلك الإعراض عن ملذات الحياة، بل يعني ذلك أن لا نُذل ونخضع لها. فالإسلام لا يقول بتاتاً أن لا تملكوا المال، أو لا تتولوا المناصب، ولا يقول أن لا تتمتعوا بالملذات، ولكن ينبغي ألّا تكونوا أسرى لها، ولا تُقهروا لها أو تذلّوا، فيجب أن يكون لديكم قدرة المقاومة والثبات، وقدرة الامتناع والرفض، وهذا ما يعدّكم.


عندي كلامٌ كثير معكم أيّها الأصدقاء والإخوة والشباب وأبنائي الأعزّاء، لكن الوقت لا يتسع. نسأل الله تعالى أن يوفّقكم ويؤيّدكم جميعاً.

اللهمّ، أنزل بركاتك على هذا الجمع. 
اللهمّ، أنزل بركاتك على شعب إيران، وأنزل بركاتك وفضلك على قوّاتنا المسلّحة وجيش الجمهورية الإسلامية.
اللهمّ، زد من الرحمة والترابط والأخوّة والحميمية بين مؤسّسات القوّات المسلّحة من الجيش والحرس والتعبئة والقوى الأمنية وغيرها.
اللهمّ، بمحمّد وآل محمد اشملنا مع أولئك الذين قلت عنهم "رضي الله عنهم ورضوا عنه".
اللهمّ، اجعلنا من عبادك الذين وعدت الدفاع عنهم.
اللهمّ، اشملنا بدعاء وليّ العصر أرواحنا فداه، واجعل دعاءه مستجاباً فينا.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
 
 
 
 
145

122

في اليوم العالمي للعمّال

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في اليوم العالمي للعمّال


 
المناسبة: يوم العمّال، وبداية عام "الإنتاج الوطني". 
الحضور: حشدٌ من العمّال النموذجيّين من مختلف مناطق البلاد، وجمعٌ من عمّال الوحدات الصناعيّة.
المكان: طهران - مصنع "داروبخش". 
الزمان: 29/4/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
147

123

في اليوم العالمي للعمّال

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محّمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، سيّما بقّية الله في الأرضين. 

تقدير عمل العامل
أبارك أسبوع العامل، لا لشريحة العمّال الأعزّاء فحسب، بل للشعب الإيراني العاملة والأدمغة والمبدعين والطاقات البشرية الماهرة في أيّ مجتمع،، فإنّ ذلك المجتمع سوف يسير في ركب التطوّر. أن يقوم نبيّ الإسلام المكرّم برفع يد العامل وتقبيلها،، فإنّ ذلك لم يكن تقديراً لشخصٍ واحد. بل هو ترسيخ لقيمة ليكون درساً، فهو يقول لنا أنّ يد العامل والمنتج والطاقة الإنسانية لها من القيمة بحيث أنّ شخصاً كالنبيّ المقدّس ـ الذي يُعدّ قطب رحى عالم الخلقة ـ ينحني ويقبّلها،، هذا درسٌ لنا.

إنّ العمل بالمعنى الواسع للكلمة يشمل العمل اليدوي والبدني والفكري والعلمي والإداري وهو في الواقع محور تقدّم وتحرّك المجتمع وحياته المستديمة، وعلينا جميعاً أن نعرف هذا. فلولا العمل، فلن تكون كل الرساميل والموارد والطاقات والمعلومات مفيدةً ونافعةً للإنسان. إنّ العمل يشبه الروح التي تُنفخ في الرساميل والطاقة والمواد الأولية وتبدّلها إلى شيءٍ قابلٍ للاستهلاك لكي يستفيد منها البشر، هذه هي قيمة العمل.

والقضية هنا أنّ الجمهورية الإسلامية لا يوجد فيها مجاملة تجاه العامل. 
في مقطعٍ من الزمان، قامت مجموعة بتشكيل دولة عمّالية بالإسم، وشغلوا العالم عشرات السنوات، ولم يصل إلى العمّال منهم خيرٌ ونفع. فمدراء الدول الاشتراكية والشيوعية حصلوا على الكثير من المكاسب من مجتمعاتهم، وبلغوا مراتب الزعامة والسلطة، وعاشوا في حياتهم كغيرهم من طواغيت العالم، كل ذلك باسم العامل. وهذا كذبٌ وخداع.

العلم يهتف بالعمل
وفي عالم الغرب أيضاً فإنّ التأمين على العمل، ودعم العامل وغيرها، كلها في الأساس من أجل أن يعمل العامل حتى ينال ـ بحسب القول المعروف اليوم ـ 1% من اللذة والبهجة. فهم ليسوا صادقين، ولا صريحين مع العامل. أما الإسلام فهو صادقٌ وشفّاف تجاه العامل، ولديه منطق. فإنّ العمل يخلق القيمة وهو قيمة بذاته. فقد ورد 
 
 
 
 
 
 
 
149

124

في اليوم العالمي للعمّال

 في رواية: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجاب وإلا ارتحل"1. العلم مرهونٌ بالعمل. ففي هذه الرواية ـ وهي بيان نموذجي ورمزي ـ يقول أنّ العلم يدعو إلى العمل فإن أجاب العمل يبقى العلم ويتّسع ويزداد، وإن لم يجب العمل العمل سيزول العلم. فانظروا ما أجمل هذا البيان،، أي إنّ بدء العلم ووجوده وبقاءه وثباته وتطوّره مرهونٌ بالعمل. كل هذا يدلّ على المنطق وهو يشكّل المباني الفكرية، الإسلام هو هكذا، الإسلام يتعامل مع شريحة العمّال بصدقٍ.

 
تقدير العمل والرأسمال الوطني 
بالطبع، إنّ هذه الأمور يجب أن تُترجم عملياً ويجب أن تظهر في التنفيذ والتخطيط،، لقد بُذل الكثير من الجهد والعمل ويجب بذل المزيد. لهذا قلنا هذه السنة: دعم العمل والرأسمال الإيراني "العمل الإيراني والرأسمال الإيراني". فالرأسمال هو عدل العمل. لو لم يكن هناك رأسمال، فالعمل لا يتحقّق، فهما جناحان يحلّق الإنتاج الوطني بهما. فلرأسمال الإيراني احترامه، وكذلك العمل. وإنّ نتيجة الرأسمال والعمل عبارة عن الإنتاج الوطني، ويجب أن يتحقق.
 
كل سنة وبمناسبة أسبوع العامل، يأتي العمّال الأعزّاء إلينا في الحسينية وهناك نلتقي ونتحدث ببضع كلمات، وهذا العام لقد جئت إلى خدمة العمّال،، وقد اخترنا هذا المصنع ـ شركة داروبخش ـ كمركز نموذجي. أنتم عمّال هذا المصنع، والعمّال الذين شرّفوا من المصانع الأخرى، التفتوا إلى أنّني هذه السنة ومن أجل أداء الاحترام والشكر للعمل والعمّال الإيرانيين عدّلت برنامج هذه السنة على هذا النحو. 
 
ما لم نحترم العمل والرأسمال الإيراني، فلن يتحقق الإنتاج الوطني. وإذا لم يتحقّق الإنتاج الوطني، فلن يتحقّق استقلال البلد الاقتصادي، وإذا لم يتحقّق الاستقلال الاقتصادي لأيّ مجتمع ـ أي أنّه إذا لم يتمكن في مسألة الاقتصاد من اتّخاذ القرار بنفسه والوقوف على قدميه ـ فلن يتحقق الاستقلال السياسي لهذا البلد. وإذا لم يتحقّق الاستقلال السياسي لأيّ مجتمع فإنّ كلّ كلامٍ آخر لن يكون سوى كلام ليس أكثر، وإنّ أيّ بلدٍ ما لم يتمكن من تقوية اقتصاده والثبات فيه والاعتماد على نفسه والاستقلال فيه، فلن يتمكّن من أن يكون مؤثّراً على الصعيد السياسي والثقافي وغيره.
 
إنّ بلدنا يحتاج إلى اقتصادٍ قويٍّ وراسخ. وأنا منذ ثلاث أو أربع سنوات، وفي الخطابات التي ألقيتها على التجمعات العامّة الكبرى نبّهت شعبنا وأعزاءنا وشبابنا
 
 
 

1- نهج البلاغة، الحكمة 363.
 
 
 
 
 
 
 
150

125

في اليوم العالمي للعمّال

 ومسؤولينا وقلت: اعلموا أنّ مؤامرة العدوّ تنصبّ اليوم على اقتصادنا. والآن هل تلاحظون ذلك؟ ترون أنّ مؤشّرات هذه المؤامرة الكبرى التي خطّط لها، تظهر واحدة تلو الأخرى.


بالطبع، أنتم يا شعب إيران، بذاك العزم الراسخ الذي عبرتم به كلّ الموانع الأخرى، بمشيئة الله ستجتازون هذا المانع أيضاً. ومثل هذه الهمّة يبذلها العامل وصاحب الرأسمال والمدراء الحكوميّون، ومدراء القطاع الخاص، وأفراد الشعب كلّهم يظهرون عزمهم الراسخ فيما يتعلّق باستهلاك الإنتاج المحلي والوطني.

تطوير الإنتاج والعمل الإداري 
يجب القيام بأعمال أساسية، ولحسن الحظ فالعمل على قدم وساق. وكما أطلعنا الأعزّاء المسؤولون المحترمون في الحكومة، فمنذ بداية السنة انصبت اللقاءات وأعمال التخطيط والنقاشات على هذه القضية، وإنّني أؤكّد على هذا الأمر. يجب رفع العوائق. فلأجل أن يبلغ الإنتاج الوطني رونقه، ويحصل الاقتصاد المحلي على المتانة والثبات يجب على الجميع أن يبذلوا الجهود،، وعلى المسؤولين بالدرجة الأولى بذل الجهد سواء في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو حتى السلطة القضائية. فأحياناً قد ينتهي الأمر عند هذه السلطة القضائية. إنّ المسار السليم الذي هو محط الإهتمام والدقّة في اقتصاد البلد وفي العمل والإنتاج والاستثمار يحتاج إلى إشراف السلطات مجتمعه. 

ويجب إنجاز أعمال متنوعة في الأبعاد المتعدّدة: قضية رفع مستوى المهارات في محل العمل، والأنماط الصحيحة للإدارة، وتأهيل القوى العاملة، وإشاعة الجو الآمن،، سواء بالنسبة للعامل أو بالنسبة للمستثمر ـ أي البرامج والقوانين والأنظمة التي ينبغي تشعر العامل بالأمن والاستقرار وكذلك المستثمر ـ وقضية مواجهة المخالفات الاقتصادية بشكل صحيح، ومنها موضوع التهريب. ومن المخالفات الاقتصادية أنواع الاستغلال للثروات الوطنية،، والثروات المرتبطة بالشعب في مصارف البلد حيث يأتي من يستفيد من التسهيلات في مكان ثمّ ينفقها في مكانٍ آخر، وهذه خيانة وسرقة. ففي بعض الأحيان تكون السرقة أن يؤخذ من جيب فلان، وأحياناً تكون من جيب الشعب وهو أسوأ، ويجب مواجهة هذه المخالفات.

قبل عدّة سنوات، عندما وجهت كتاباً إلى مسؤولي السلطات الثلاث حول الفساد الاقتصادي وأكّدت عليهم، خاف بعضهم وقال من الممكن أن يتراجع المستثمر بسبب هذه التحذيرات. وأنا قلت أن الأمر عكس ذلك،، إنّ المستثمر الذي يريد أن 
 
 
 
 
 
 
 
151

126

في اليوم العالمي للعمّال

 يكون له نشاطٌ اقتصادي بالطريق الصحيح في هذا البلد ـ عندما يرى أنّنا نحارب الفساد الاقتصادي والمفسدين الاقتصاديين، فإنّه سوف يسر ويطمئن. يجب علينا أن نتمكّن من إنجاز هذه المواجهة الصحيحة على المستوى القانوني. يجب علينا أن نلتفت إلى إيجاد الميزات التنافسية. نحن نتحدّث عن الإنتاج المحلّي. وبالطبع ولحسن الحظ، فهناك تقدّمٌ ملحوظٌ على صعيد الإنتاج المحلي. وبالتأكيد ذاك المقدار المستقر في الذاكرة العامّة للشعب هو أقل مما أُنجز. وهذا الإنجاز الجديد والمميّز ـ والذي لحسن الحظ قد أُنجز في هذه الشركة وقد شاهدناه ـ له أهمية كبرى،، التأسيس والإيجاد والإطلاق بواسطة الطاقات المحلية وبمدّة قصيرة، التصميم المحلّي والصناعة المحلّية والأدوات المحلية. لكن فيما يتعلّق بتقوية الإنتاج المحلّي فإنّ مسألة النوعية مهمة جداً. حيث يجب على إدارات الإنتاج والعمّال الأعزّاء أن يلتفتوا إلى هذه القضية. فكون الأسعار منافسة مسألة مهمة، ويجب الالتفات إليها، وهذا ما يتطلّب مساعدة الحكومة. هذه أعمالٌ كثيرة يجب إنجازها، وهي لا تنحصر بمسؤولية الحكومة،، فالحكومة ومجلس الشورى الإسلامي والأجهزة الإدارية المختلفة والقطاع الخاص وأبناء الشعب وصنّاع الثقافة في المجتمع ـ أولئك الذين يصنعون بكلماتهم ثقافة الشعب ـ ودعايات الإذاعة والتلفزيون عليها جميعاً أن تكون في خدمة الإنتاج الوطني. وإذا نجحنا في إنجاز هذا العمل نكون قد وجّهنا ضربةً قاصمةً لأعدائنا الناهبين.


إنّ السياسات القائمة على محورية الإنتاج وترسيخ ثقافة استهلاك الإنتاج المحلّي، والارتقاء بنوعية المنتجات المحلّية والتطوير والابتكار في الآلات والمحاصيل والإدارة والصناعة، كلّها أعمالٌ يجب القيام بها، وأملنا بمشيئة الله أن تُنجز.

إنّني أعتذر من الأصدقاء والإخوة والأخوات الذين جلسوا تحت الشمس في هذا الجو الحار.

أملنا بمشيئة الله أن تكون حياتكم حياةً طيبة ومليئة بالنشاط والبهجة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 
 
 
 
 
 
 
 
152

127

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 
 
المناسبة: يوم المعلّم.
الحضور: حشدٌ من معلمي البلاد.
المكان: طهران.
الزمان: 2/5/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

128

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

أرحّب بكم كثيراً أيها الإخوة والأخوات الأعزّاء، المعلّمون المحترمون لأبناء هذا الشعب وأجياله الصاعدة. من الضروري في بداية الكلام الإعراب عن تقديرنا العظيم لذكرى شهيدنا الجليل الشهيد مطهري،، لأن هذا العظيم كان معلّماً لكافّة المستويات بأسلوبٍ فعّالٍ لا يمحقه الدهر. وقد مهر صحّة عمله بدمائه. وقد جُعل اسمه على لوح تكريم معلّمي البلد، وإنه لأمرٌ جديرٌ،، رحم الله ذاك الجليل.

إنّ الهدف الأساسي لهذا اللقاء هو التعبير عن محبّتنا لكم أيّها المعلّمون الأعزّاء. ويوجد كلامٌ في مجال التعليم والتربية والتنظيم والتشكيلات والمضمون والشكل وغيرها. وقد ذكرنا الكثير منه في مناسباتٍ مختلفة. لقد جعلنا لقاءنا السنوي ليوم المعلّم من أجل أن نظهر ونثبت ونعلن عن اعتقادنا بمنزلة مقام المعلّم وعلو شأنه.إن حقيقة القضية تكمن في هذا، وهو أمر لائق.

رسالة العلم وأهمّيّة المعلّم
إنّ ما يضفي على المعلّم القيمة هو عدّة أمور،، أحدها المادّة الخام التي هي بيده ويريد إيصالها من خلال عمله وسعيه إلى النتاج النهائي وهذه المادة ليست بلا روحٍ،، إنها الإنسان وهذا أمرٌ مهمٌّ جداً. أحياناً يبدّل الإنسان مادةً جامدة من خلال بذل الجهد والابتكار، والعرق وساعات العمل إلى نتاجٍ مطلوب، وهو أمرٌ قيّمٌ في محلّه. وأحياناً تكون هذه المادّة التي بيدنا موجوداً إنسانياً بما يحمله من استعدادات، وعواطف وأحاسيس، وقابلياتٍ هائلة. فهذا الفتى يمكن أن يصبح في المستقبل مثل إمامنا الجليل، يمكن أن يصبح مصلحاً اجتماعياً، ويمكن أن يكون عالماً فذّاً، ويمكن أن يصبح إنساناً صالحاً وسامياً. إنّ جميع هذه الاستعدادات موجودة في هذه الفئة من الأطفال والأحداث،، والتي توضع في تصرّف المعلّم. ونحن نريد نقل هذه الاستعدادات إلى الفعلية،، فانظروا كم هو مهمٌّ هذا العمل. وإنّ جلّ خطابي إلى عامّة شعبنا وشرائح مجتمعنا المختلفة ليعرفوا قدر المعلّم ومنزلته.

وليعرف معلّمنا العزيز أهمية موقعيته، وعظم مسؤوليته، ومهمّته بشكلٍ صحيح، وليعرف قدر نفسه،، فليعلم أنّه إذا أدّى هذا الدور بهمة صحيحة، ونيّة صافية، وقصدٍ إلهي، وجهدٍ متناسب، فكم سيضفي على هذا المجتمع من معنىً وقيمة. ومثل هذه القيمة المضافة ليست أمراً عادياً،، فهي أمرٌ استثنائي. لعلكم تعلمون أهمية تربية إنسانٍ صالحٍ وعالمٍ ومقتدرٍ. كما أنه من الممكن أن يتبدّل إنسانٌ ما من بين هؤلاء الذين صاروا بين أيادي المعلّمين إلى شخصٍ دنيويٍّ. فمن الممكن لهذا الطفل إذا لم يُربَّ 
 
 
 
 
 
 
155

129

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 بشكل صحيح أن يصبح مثل هتلر أو جنكيزخان، هذه هي المسألة. إنّ أهمية عمل المعلّم، وسموّ حركته وسعيه وحرصه وتفكيره الصحيح وعمله اللائق، تُعلم من هذه الجهة. كذلك، فإن الخطاب يتوجّه إلى العاملين في مؤسسة التربية والتعليم،، حسناً، فهؤلاء المعلّمون يعملون في هذه المؤسسة، وضمن أنظمتها وبرامجها،، ولهذا فإنّ على عامّة الناس، والمعلّمين أنفسهم، وكذلك هذه المؤسسة الفاعلة أن لا ينسوا موقعية المعلّم. فالمعلّم هو ذاك المنتج والعامل وصاحب الأنامل الماهرة التي تبدّل أفضل محاصيل الخلقة، وأهم المواد الخام إلى أفضل النتاجات النهائية التي يمكن الاستفادة منها.

قيمة العلم
ولهذا، لنا الحق أن نقول هذه السنة أننا اجتمعنا هنا من أجل التعبير عن حبنا للمعلّمين. نريد أن نقول أنّنا نعرف قدر هذه المنزلة الرفيعة والمرتبة العالية التي لكم أيّها المعلّمين. فلو أنّ المعلّم عمل بشكل جيد وصحيح وتدبير وحرص، فسنرى أن جميع مشكلات هذا المجتمع ستُحل. لا أننا نريد أن نقول أنه لا يوجد عوامل مؤثرة في تربية شبابنا خارج محيط المدرسة، فالأسرة مؤثّرة، ووسائل الإعلام كذلك، والبيئة الاجتماعية العامة ـ فلا شك في ذلك أبداً ـ لكنّ الصانع الأساسي واليد الماهرة الأصلية التي يمكن أن تبني بناءً محكماً، لا يمكن أن تؤثّر فيه كل هذه العوامل المختلفة تأثيراً جوهرياً، هي المعلّم، وهذه هي قيمة المعلّم.

أقول لكم أنّ هذه القيمة لها عند الله تعالى الكثير من الحسنات. فأنتم في محلّ التعليم، وفي البيئة التعليمية، حيث تتفاعلون مع هؤلاء الأطفال والأحداث، اعلموا أن الكرام الكاتبين الإلهيين يدوّنون كل لحظةٍ من عملكم حسنة. فكيف يمكن حساب هذا حين يكون عمل الإنسان وحياته وشغله في كلّ لحظةٍ عبادة.

وبالطبع، إلى جانب هذه الأهمية الفائقة التي أشرنا إليها، يوجد نقطة أخرى وهي تظهر أهمية هذا العمل وهي الجهد والتعب الذي يلقيه المعلّم على عاتقه. ففي غرفة الدرس وأجواء التعليم يواجه المعلّمون الأطفال والأحداث بأخلاقهم المختلفة ومشاعرهم المتنوّعة وفورانهم الشبابيّ، وعليهم أن يتحمّلوهم ويصبروا.. وهذا ما يرفع من قيمة هذا العمل. لهذا فإنّ يوم المعلّم هو يومٌ مبارك، وإن شاء الله يكون مباركاً على جميع المعلّمين، وكذلك على الشعب الإيراني. 
 
 
 
 
 
 
156

130

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 تطوير مؤسّسة التربية والتعليم

ونقطة أخرى تتعلّق بالتعليم والتربية. فإنّ التعليم والتربية منظّمة واسعة الانتشار في هذا البلد. وأحد الفرص التي وُضعت بيد هذا البلد والثورة هي فرصة مؤسسة التعليم والتربية. أنتم المسؤولون وكبراء التربية والتعليم لديكم مؤسسة تضمّ عدّة ملايين، تنتشر كالجهاز العصبي في كل هذا الجسم الواسع،، كعروق الدم التي تتحرّك في بدن الإنسان. فهذه المؤسسة تصل إلى أعماق المدن والقرى. ولحسن الحظ، وخصوصاً بعد الثورة، لعلّه لا يوجد نقطة في هذا البلد لا يكون للتربية والتعليم فيها تواجد. فهذه المؤسسة عظيمة ونحن ليس لدينا مثلها من حيث الحجم والسعة في هذا البلد. فالناس يأتون بأبنائهم برغبة وإرادة وأمنية، ويضعون أبناءهم تحت تصرّف هذه المنظّمة. 

هذه المؤسسة مسؤولة عن أعمال كبيرة، ومثل هذه الفرصة السانحة تُعظِم مسؤوليتها. وأنا أريد أن أؤكد على هذه القضية، وهي "مضاعفة المسؤولية". وكما أشار الوزير المحترم مؤخراً، وأنا العبد على اطّلاع، وهناك جهود طيبة تُبذل على مستوى الوزارة من حيث الوقت والسعي، والاجتماعات الكثيرة، وتبادل وجهات النظر وتوحيد الآراء، فكلّ هذه مهمّة جداً، وإنّنا نقدّر هذه المساعي التي تُبذل، غاية الأمر التفتوا إلى أنّ عظمة العمل هي بدرجة مهما بذلنا معها من جهد لا ينبغي أن نرضي أنفسنا ونقول: حسناً لقد أتممنا عملنا.

وثيقة التحوّل البنيوي
لقد ذكرنا بعض المسائل في السابق بشأن التحوّل البنيوي. ولقد كنت دائماً أكرّر في لقاءاتي مع المعلّمين والمسؤولين الثقافيين، والمجلس الأعلى للثورة الثقافية وغيرهم هذا الأمر، ولحسن الحظ، قد وصل إلى نتيجة،، بحيث إنّ "وثيقة التحوّل البنيوي" قد أعدّت وصُوّبت. فاليوم لهذه المؤسسة "وثيقة" مدوّنة تحدّد منهج التحوّل البنيوي في التعليم والتربية. وحسنٌ جداً، لقد تمّ إنجاز قسم من هذا العمل. غاية الأمر أنّ هذه الوثيقة مثل الوصفة الطبّية. فإنّنا إذا ذهبنا إلى الطبيب، وأدّينا حقّ المعاينة، والطبيب قام بالمعاينة أو التشخيص، وكتب لنا وصفةً ووضعناها في جيبنا، ثمّ ذهبنا إلى البيت وظننّا أنّ الأمر قد انتهى، فهل يختلف هذا الأمر عن عدم مراجعة الطبيب بشيء سوى أنّه قد أنفقنا المال وقطعنا مسافة على الطريق، ينبغي تناول الدواء،، ففي هذه الوصفة قد دُوّن اسم الدواء ومقدار ما ينبغي تناوله منه وفي أيّ وقت، ويجب تنفيذ هذا وتطبيقه،، ولو لم نفعل، فالذهاب إلى الطبيب وأخذ الوصفة كأن لم يكن. حسنٌ، لدينا الآن "وثيقة
 
 
 
 
 
 
 
157

131

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 التحوّل البنيوي" في التربية والتعليم، وهذه الوصفة تحتاج إلى تخطيطٍ دقيق فيما يتعلّق بكل بنودها. فإنّ الحديث هو حول التحوّل البنيوي لا الشكلي الظاهري.


كان الشكل الجديد للتربية والتعليم لدينا عبارة عن شيءٍ مزخرف ومستوردٍ وكانت له غايات. حسنٌ، لقد عملنا بهذا الشكل لسنوات. وحتى لو كان ذاتياً ونابعاً من الداخل، فإنّ المرء سيواجه بعد عدّة سنوات إشكالات،، لهذا يجب القيام بالتحديث، ولهذا فإنّ هذا التحوّل البنيوي عملٌ ضروري. لو أردنا تحقيق هذا التحوّل البنيوي في التربية والتعليم، أي إنّ هذه الأموال التي تنفقونها والأوقات التي تقضونها، وكل هؤلاء المعلّمين الذين ترسلونهم إلى مختلف أنحاء البلد، في المدارس ولأجل الطلّاب، لو أردنا أن يكون تأثيرهم مضاعفاً، وأن يُستفاد منهم بالنحو الأمثل فيجب أن يتحقق هذا التحوّل، وهذا التحوّل يحتاج إلى تخطيط،، يجب وضع هذه الوثيقة موضع التخطيط خطوة خطوة.

يجب أن يكون هناك خارطة للطريق. ولا يكون الأمر بحيث إنّ أي مسؤول أو وزير أو مدير في أي قطاع يقوم اليوم باتّخاذ قرارٍ ثم يقوم في اليوم التالي بتغييره بحسب سليقته. فكلّ هذا هو إهدارٌ للأوقات والطاقات. وهذه نقطةٌ أساسية. ويجب أن يكون هناك تخطيطٌ محكمٌ ودقيقٌ لأجل هذا التحوّل البنيوي، يجب أن نضع بين الأيادي خارطةً للطريق، وهذا ما ينبغي أن يقبل به الجميع ويؤيّدوه ويؤمنوا به ويُضمن فيه أنّ التربية والتعليم ستسلك هذا الطريق حتى النهاية وطبق هذا البرنامج.

النشاط الدائم
وهنا يوجد نقطة ثانيةٌ وهي قضية عدم إيقاف العمل، وهي ترتبط بالنقطة السابقة نفسها. فلا ينبغي ترك العمل. فيجب متابعته حتى الوصول إلى النتيجة النهائية،، أمّا إذا بدأنا عملاً ما، وأثرنا حوله الضجيج ففرح أناسٌ وأثنى آخرون وانتقد غيرهم، ثم بعد مدّة خبت نيراننا، وبردت حركتنا، فإنّ النتيجة لن تتحقّق من وراء العمل،، وفي هذه الحالة فإنّ أساس العمل سيتلقّى ضربةً قاصمة. إنّني أذكر هذا للمدراء والمدراء العامّين ومدراء الوزارة ومدراء المحافظات والمدن والمراكز.

حسناً، إنّ قضية الكتاب مهمّة جداً، وكذلك التخطيط والمقرّرات،، وقضية المعلّم أهم من الكل. لو أنّنا أردنا تحسين عمل المعلّمين فإنّ هذا يتطلّب التدريب وإقامة الدورات اللازمة،، فإنّها ضرورية لأنّها من الأعمال الأساسية والأوّلية،، فيجب إقامتها.
 
 
 
 
 
 
 
158

132

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 أهمّيّة التعليم والتربية

ومن بين هذه المطالب أريد أن أستنبط أهمية التعليم والتربية.فلو أن الإنسان في الواقع أراد أن يقسّم أعمال البلد وقطاعاته المختلفة ويضعها بحسب الأهمية، فإنّ التربية والتعليم توضع في أعلى اللائحة وعلى رأسها.

إنّ وضع شبابنا اليوم يرتبط بالتربية والتعليم، وكذلك أخلاقنا. وهناك من يشكو لماذا لم نتقدّم على صعيد الأخلاق، وهذا بالطبع صحيحٌ، ونحن نقول بأنّ علينا أن نتقدّم في المجال الأخلاقي،، غاية الأمر أنّ من شرائطه أن يكون لشبابنا قدوة. فإنّ بعض الأشخاص بسلكوهم وعملهم ومنطقهم، يصبح نموذجاً سيئاً لشبابنا.إن صناعة النموذج القدوة هو من أكثر الأعمال ضرورة.
ونحن لدينا الكثير من هؤلاء. ففي هذا الزمان يوجد لدينا من الشباب الجيدين ومن النماذج النورانية اليوم ـ تخلّد في التاريخ ـ بحيث يكفي، بمقدار تعريف كلٍّ منهم، أن نضع نماذج مميزة وقدوة أمام شبابنا. هؤلاء شباب سبقوا من كان متقدما عليهم،، شبابٌ حضروا درس هذا العبد وأمثاله، لكنّهم سبقونا بمئة خطوة، نحن ذكّرنا وهم عملوا، ولكن نحن لم نعمل. كم من هؤلاء الشباب، وكم من هؤلاء الشهداء من كانوا قد تعلّموا من أمثالنا، ولكنهم أصبحوا أفضل منّا، وتقدّموا علينا، ومنحوا هذا البلد عزّته، ونالوا عند الله المزيد من العزّة،، "فلماذا وعدت أنت، وهو أدّى"، نحن وعدنا وهو عمل. إنّ لدينا كل هؤلاء الشباب،، فاستحضروا كلّ واحدٍ منهم واجعلوه أمام أعين الجيل الحاضر، وعرّفوا هؤلاء الشباب - من الجيل الحالي - على نخوة أولئك وهمّتهم وصدقهم وصفائهم وتضحياتهم ووعيهم المميزّ، وسلوكهم الحسن مع الناس والزملاء والوالدين والأسرة والأصدقاء، كلّ هذا يُعدّ ملهماً.

وعلى كلّ حال يوجد أمامنا أعمالٌ كثيرة، ينتظرنا الكثير من الأعمال، في التربية والتعليم وفي الأجهزة الإعلامية والتبليغية وفي الإذاعة والتلفزيون وفي أجهزة الدولة، وأمثالي المتلبسين بلباس هذا العبد، علينا القيام بالكثير من الأمور. نحن مسؤولون، ويفترض أن تنحني عواتقنا تحت ثقل المسؤولية،، فلنتحمّل المسؤولية ونعمل، يجب على الجميع أن يعملوا.

أهمّيّة الانتخابات النيابيّة
وهناك جملة واحدة تتعلّق بالانتخابات. فواحد من الأعمال ما يتعلّق بالانتخابات التي ستجري بعد غد. لقد أدّى شعب إيران، وطيلة هذه السنوات الـ 33، العمل المطلوب بوعيٍ وذكاء وفي الوقت المناسب. وقبل انتصار الثورة كان الأمر كذلك، 
 
 
 
 
 
 
 
159

133

في لقاء جمعٍ من معلّمي البلاد

 وهو ما أدّى في النهاية إلى انتصارها. وهكذا كان الأمر طيلة هذه العقود الثلاثة. وأينما وجد هذا الوعي الزائد والتشخيص اللازم للحظات الحساسة والمصيرية، كان شعب إيران يقطف النتائج الجيدة والمهمة،، ومنها هذه الانتخابات الأخيرة في شهر اسفند الماضي، حيث قام الشعب الإيراني بعملٍ جيّد، فتألّق،، وترك بصماته. ولكن حسن، هناك ما أُنجز وقد بقي عمل. وإنّ شعب إيران وبهذه الخطوة العملاقة التي سيخطوها إن شاء الله في يوم الجمعة، حيث سيُقبل على صناديق الإقتراع، ويتم عمل مجلس الشورى الإسلامي، إن شاء الله سيظهر المزيد من التألّق، ويكون مثار إعجاب العالم.


وعي الشعب
إنّ العالم اليوم هو عالمٌ يجب على الشعوب فيه أن تعبّر عن نفسها. وأيّ شعبٍ لن يصل إلى أيّة نتيجة فيما لو اعتزل وتباطأ وتطلع إلى هنا وهناك. إنّ الشعوب بوعيها ونزولها إلى الميادين وبطاقاتها واستعداداتها يمكنها أن تحقق النجاح،، هكذا هو العالم اليوم، وهكذا كان دائماً، غاية الأمر أنّ هذا الوعي في يومنا هذا قد ازداد بين الشعوب. فأحياناً، نجد شعباً عظيماً بتاريخٍ عريقٍ وأحياناً بتراثٍ علميٍّ عظيم، عندما يغفل عن نفسه ولا ينزل إلى الميدان ولا يبذل الجهود نجده فجأةً يصطف إلى جنب الشعوب المتخلّفة الفاقدة لأي سوابق وتراث وجذور.

إنّ شعب إيران في الساحة جاهز - ولحسن الحظ - هو شعب صاحب بصيرةٍ ومدركٍ لموقعه، وبحمد الله هو يعرف عدوّه. وخلال هذه السنوات الـ 33 عرفنا أعداءنا وعرفنا من هم، وكيف أنّهم في بعض الأحيان يتظاهرون بالصداقة رياءً وكذباً لكنّهم أعداء، ولكي يتمكّن شعب إيران في هذا العالم الكبير- وفي مثل هذه النزاعات التي تجري بين القوى المادية - من الدفاع عن حقّه ومستقبله وأجياله الآتية، عليه أن يكون واعياً حذراً، ومتواجداً في الساحات، ومن نماذج ذلك كله هذه الانتخابات،، وبالطبع يوجد نماذج أخرى كثيرة.

إنّنا نرى الأفق الواضح. إنّني بحمد الله وبسبب اللطف الإلهي لم أشعر في لحظةٍ واحدة أنّ هذا الأفق المشرق بالأمل قد عرض عليه أي رين أو تردد في قلبي. فأنّى نظرت شعرت أنّ المستقبل مشرقٌ، وبحمد الله إنّ ذلك سيتحقق. إنني أقول لكم وبفضل الرب، إن مستقبل إيران الإسلامية، عندما يصبح هؤلاء الشباب أنفسهم في ساحات العمل، سيكون أفضل بدرجات من يومنا هذا. نسأل الله تعالى أن يوفّقكم جميعاً وأن يوفّق شبابنا ويعين الجميع،، وإن شاء الله يتمكّن كل واحد منا وأينما كان من القيام بعمله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
160

134

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 
 
المناسبة: ولادة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
الحضور: جمعٌ من الشعراء والمدّاحين لأهل البيت عليهم السلام.
المكان: حسينية الإمام الخميني - طهران. 
الزمان: 12/5/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

135

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

نبارك هذا اليوم العظيم، هذا اليوم التاريخي الذي لا يُنسى في التاريخ، يوم ولادة زهراء الطهر - والذي يصادف بحمد لله ذكرى ولادة قائدنا المحبوب وإمامنا وإسوتنا قدس سره - نباركه لكم جميعاً أيها الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات مدّاحو أهل البيت عليهم السلام، و ذاكرو الفضائل البارزة الناصعة في خيرة خلق الله (عزوجل).
 
نعمة معرفة أهل البيت عليهم السلام
معرفة أهل البيت عليهم السلام ومحبّتهم نعمة كبيرة. لو أنفقنا أعمارنا كلها لشكر هذه النعمة الكبرى بأن لم يجعل الله تعالى أعيننا كليلة عاجزة عن إدراك الحقيقة، واستطعنا أن نبصر هذه الأنوار الطالعة المضيئة بقدر استعداداتنا، وندركها ونعشقها ونحبّها ولا نغفل عنها، لكان ذلك قليلاً، والحقّ يقال. 
 
رحمة الله على الآباء والأمهات والماضين والروّاد والقادة الذين فتحوا لنا هذه النافذة المضيئة نحوالشموس المعنوية، ورتّلوا في أسماعنا ترانيم محبة أهل البيت عليهم السلام منذ بداية حياتنا، وفي فترة طفولتنا، وحين كنا في المهد، وجعلوا أفئدتنا ترتوي من محبة هؤلاء العظماء. اللهم اجعل هذه الشموس المعنوية، المحبّة والمعرفة أعمق وأرسخ في قلوبنا وأرواحنا يوماً بعد يوم، ولا تسلبنا هذه النعمة حتى لحظة واحدة.
 
عمل المدّاحين نعمة
وإنها لنعمة أخرى أن يصبح المرء من مدّاحيهم والصادحين بالثناء عليهم. أحياناً يرى المرء حقيقة ويعرفها، لكنه أحياناً يعبّر عن هذه المعرفة، وهذه المحبة بقوالب الشعر والنثر وينشرها. هذه نعمة أخرى منّ بها الله على المدّاحين والخطباء في هذا السبيل. عليكم أن تعرفوا قدر هذا. نفس هذا المدح العلني هو مدح للمادح نفسه. يقول الشاعر:
مدّاح الشمس مدّاح لنفسه، فهو يقول إنّ عينيه بصيرتان وليستا كليلتين1.



1- المولوي جلال الدين الرومي، مثنوي معنوي، الدفتر الخامس.
 
 
 
 
 
 
 
163

136

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 حينما يمدح المرء نوراً وجمالاً ويثني عليه، فإنه في الحقيقة يمدح نفسه، لأنه يثبت بأنه عارف بالجمال، وأن له عينين تريان، وأنه يفهم ويدرك. أضف إلى ذلك أن نشر هذه الفضائل والمعنويات بين الناس يساعد على تربيتهم. يمكن للناس - بمعرفة النماذج وبالاستمداد من تبعية هذه النماذج - الارتقاء في المدارج العليا والمقامات السامية. إذا سرتم في هذا الدرب فقد أنجزتم عملاً كبيراً.

 
اجعلوا النوايا إلهية
هذا هو أساس القضية، إذا كانت نوايانا في هذا المدح والثناء نوايا إلهية وبقصد تنوير القلوب وجلاء الأذهان، وإذا عبّر الإنسان عن هذا وقاله، عندئذ سيكون واحداً من جنود الله.  ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾1. أحد جنود الله هو الشخص الذي ينشر هذه الحقائق بلسانه وبيانه وقريحته وذوقه. سيكون جندياً من جنود الله. أما إذا كانت النية شيئاً آخر فلا. أي عمل أرفع من الجهاد؟ يقول: إذا سار المرء للجهاد من أجل هدف مادي، فلا هو مجاهد ولا يكون شهيداً إذا قتل. مع أنه سار إلى ساحة الحرب. إذا خضنا هذه الميادين لأجل أهداف مادية - ناهيك عن أن تكون أهدافنا لا سمح الله وضيعة - فإنها لن تسبب لنا الرفعة والسمو. وليس هذا وحسب بل ستؤدي إلى تسافلنا وسقوطنا. وهذا أمر لا يختص بالمدح. بل كذلك الأمر بالنسبة للتفقه في الدين، وصيرورة الانسان عالماً أو مجتهدا أو مفكراً. النية هي الروح التي في جسد أعمالنا، "إنّما الأعمال بالنيات"2، النوايا هي التي تضفي القيمة على الأعمال.
 
حسن، إذا تقرر أن تكون النوايا إلهية، إذن يجب أن تنظروا وتروا ما هو البيان والمنقبة والفضيلة التي تؤدي إلى هداية متلقيكم. هذه هي النقطة التي كررتها طوال هذه الأعوام المتمادية التي قد تصل إلى نيف وعشرين عاماً، حيث نجتمع في مثل هذا اليوم مع مدّاحي وبلابل عشق هذه الروضةالمغرّدين. أنظروا ماذا تقرأون للناس وما تقولون ليتنوّر مستمعكم بنور فاطمة الزهراء عليها السلام. ثمّة أشياء لا يؤدي ذكرها وقولها إلى أي فتح، أو فائدة في أذهان مستمعيكم، ولا يفضي إلى أي بهجة في أرواحكم. فلا تقولوها.أذكروا الأشياء التي ترقّق القلوب، وتزيدها خشوعاً، وترّغب في اتباع فاطمة الزهراء عليها السلام اذكروا الأشياء التي يمكنها أن تشجع وتحث مستمعيكم على السير في الدرب الذي سارت تلك السيدة العظيمة. وهذا ما يحتاج إلى تفكير وتعليم، وهو ليس بالأمر السهل الهين.
 
 
 
 

1- الفتح، 4.
2- التهذيب، ج1، ص83.


 
 
 
 
 
 
164

137

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 استخدام الفن في المدح

يشكل مدّاحو أهل البيت عليهم السلام في الوقت الحاضر - لحسن الحظ - جماعة كبيرة في كل أنحاء البلاد. مهمة المدّاح استخدام الفن للتعبير عن الحقيقة. فهذا الوقوف بحد ذاته، وقراءة أشعار بصوت حسن، ولحن جميل - الشعر فن، واللحن فن، والصوت فن - وأن يعبّر الإنسان بعدة فنون عن حقيقة، فهذا ما يمكنه أن يترك تأثيراً مضاعفاً في أذهان المستمعين، والحضور في المجلس والمخاطبين. هذه نعمة كبيرة جداً وفرصة كبيرة جداً.

أهمّيّة المدّاحين وطريقة عملهم
وجماعة مدّاحي أهل البيت عليهم السلام - والحمد لله - تنمو وتزداد يوماً بعد يوم، و الناس يتقبلونهم ويحبّونهم ويندفعون ويرحبون، هكذا تكون كل الأشياء متوفرة. إذا انقضى وقت الجلسة (جلسة المدح والأشعار) بشيء آخر، وإذا أنفقت عدّة فنون - فن الشعر، وفن الصوت، وفن اللحن - في شيء لا فائدة فيه لمستمعكم إطلاقاً، لكان هذا خسراناً،، لذا فمهمّة المدح مهمة صعبة. لا يصحّ أن نقول لأنّ أصواتنا حسنة، ونحفظ بعض الأشعار - والمدّاحون الآن يقرؤن عن الورق والحمد لله، وفي الماضي كان من العيب على المدّاح أن يستخرج من جيبه ورقة ويقرأ عنها، بل كانوا يقرؤون القصائد الطوال من خمسين أو ستين بيتاً عن ظهر قلب، وطبعاً لا ضرورة لهذا اليوم، ولا إشكال في القراءة عن الورقة - ونأخذ شعراً عن أحدهم ونقرؤه بصوت حسن، ليست هذه هي القضية، يجب أن تنظروا وتدققوا وتفحصوا الأمور. هذه مسألة تتعلق بمدّاحي أهل البيت عليهم السلام الأعزاء. 

إنكم تعلمون أنّنا نحبّكم يا مدّاحي أهل البيت عليهم السلام وأوفياء لكم، ونعتبر عملكم قيماً، لكنني اشترطت دوماً هذا الشرط الكبير على المدّاحين، وأغلبكم شباب وفي منزلة أبنائنا، وهذه نصيحة أبوية سوف تتابعونها إن شاء الله: عليكم بالأشعار الجيدة والمليئة بالمضامين وطبعاً الجميلة،، فن الشعر نفسه يترك تأثيراته. حينما يكون الشعر جيداً وتكون هيكليته وألفاظه جيدة - الشعر الجيد بالمضامين الجيدة - فإنّ تأثيره سيكون أكبر، مضافاً إلى أنّه سيرفع مستوي ذهنيات الناس وتفكيرهم.
 
 
 
 
 
 
 
165

138

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 الالتفات إلى حاجات المجتمع

أنظروا إلى المجتمع، ولاحظوا ما الذي يحتاج إليه، هذه ليست أموراً خافيةً اليوم على أمثالكم من الشباب، وأنتم متعلّمون ومثقّفون وأصحاب فهم وبصيرة، مستوى التفكير في مجتمعنا حالياً هو مستوى عالٍ - والحمد لله - وشعبنا صاحب بلوغ ونضج فكري، وأنتم جماعة مدّاحي أهل البيت عليهم السلام أيضاً، أنتم تعلمون ما الذي يحتاجه الناس. تحتاج الناس اليوم إلى الدين والأخلاق والإيمان الراسخ والبصيرة، ومعرفة الدنيا ومعرفة الآخرة... كلنا بحاجة لهذا. أن تقولوا إنّ فاطمة الزهراء عليها السلام تدخل المحشر وينبهر المحشر كله بعظمة ابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن نعرف المحشر، ونعرف القيامة، ونعلم هيبة الجلال الإلهي في المحشر، وهذه أمور تحتاج إلى معرفة ووعي. والقرآن الكريم زاخر بالبيانات التي تدلنا على هذه المعاني، وكذا الحال بالنسبة للروايات والأحاديث. عبرّوا عن هذه الأمور بلغة الشعر، وبالفن الذي تحملونه.

تعلمون أن البدء بأيّ عمل أمر صعبة جداً، ولكن بعد أن يبدأ العمل ويسير على سكّته، فإنه سوف يسهل. أن يستخرج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من مجتمع جاهلٍ متعصّبٍ بعيدٍ عن الأخلاق، أسير لشتى صنوف الفساد، أمثال عمار وأبي ذر، فهل هذه عملية سهلة؟ ما الذي فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ ما هي القطعة التي استطاعت تحريك هذه الماكنة؟ أنظروا في الآيات المكية، فيها بالدرجة الأولى ذكر القيامة والعذاب الإلهي، والتخويف من النقمة الإلهية للكافرين والمعرضين والعمي، هذا هو الشيء الذي حرّك الناس الحركة الأولى. يجب أن لا نغفل عن هذه النقطة. الشفاعة محفوظة في محلّها، والمحبّة محفوظة في محلّها، والولاية محفوظة في محلّها، لكن الله تعالى له رحمته وله سخطه. يجب أن نتذكر السخط الإلهي أيضاً. يجب أن نذكر به أنفسنا أولاً ومن ثمّ نذكر به الناس. هذا ما يهزّ قلوبنا وينتشلنا من أعماق الجهل والماديات والمشكلات، هذا مما نحتاجه،، لنعرف الدنيا ولنعرف الآخرة ولنعرف واجباتنا ولنعرف الجهاد.

شعبنا اليوم شعب حديث الولادة في عالم غارق في المصاعب، بخلقة أخرى وهيئة أخرى وشاكلة أخرى وأبعاد وجودية جديدة. في عالم تتضافر فيه كل العوامل وتسعى وتواصل العمل من أجل إبعاد القلوب و الناس عن المعنويات، ولد شعب يتخذ من الإيمان بنية تحتية له، فهل هذا بالشيء القليل؟ إن هذا يتلألأ كالماس، ولا ضرورة لأن نزيد من الزخارف والحلي، فهو شيء يسطع كالشمس. إن لنا مثل هذا الشعب. المعنويات وكذلك المعارف الدنيوية، وجواهر العلم، والمساعي
 
 
 
 
 
 
 
 
166

139

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 السياسية والعمل الإعلامي الصحيح، والبناء والإعمار وبناء المجتمع، والوصول إلى البنية الاقتصادية المتينة، والوصول إلى البنية الأخلاقية الرصينة... هذه كلها من أعمالنا ومهماتنا. انظروا ما الذي تستطيعون فعله في هذه القطاعات والجوانب المختلفة، وكم تستطيعون أن تعملوا على توعية الآخرين. لينتبه شعراؤنا إلى هذه النقاط، ولينتبه خطباؤنا إليها، وكذلك مدّاحو أهل البيت عليهم السلام، وانظروا عندئذ ماذا سيحدث. 

 
إذا كان لنا ذخائر وعرفناها جيداً واستخدمناها، فسوف يكون شعبنا والمسلمون أغنى خلق الله. هذه الصلاة بحدّ ذاتها من هذه الذخائر. نؤدّي الصلاة ونتجاوزها بغفلة، كإنسان مصاب بفقر الدم، ونقص في الفيتامينات والبروتينات، ويحتاج إلى المواد الضرورية، وتتوفر له علبة مليئة بكل هذه المواد التي يحتاجها، فيشمّها ويضعها جانباً! عليه طبعاً أن يفتحها ويتناول منها، ويرسل الطاقة إلى جسمه، لكنّه يشمّ العلبة ويضعها جانباً! أما الذين لا يأبهون أصلاً فلا كلام عنهم. إنّنا نشمّ الصلاة هكذا، ونضعها جانباً! كلّ كلمة في الصلاة إنّما هي درس، وكلّ كلمة في الصلاة إنّما هي لذّة معنوية لو عرفنا قدرها. وكذا الحال بالنسبة للصيام، وكذا الحال بالنسبة للزكاة، وكذا الحال بالنسبة للجهاد. هكذا هو الأمر بالنسبة لتعاليم الدين. وهكذا هو الحال في ما يخص مدح أهل البيت عليهم السلام.كل كلمة في المدح الذي تقومون به يمكنه أن تشكل غذاء وبوسعها أن تنمّي المستمع وتعمل على تكامله.كان هذا كلاماً حول مدح أهل البيت عليهم السلام.
 
 
ألسنتنا قاصرة عن مدح الزهراء عليها السلام
وثمّة كلام عن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام إنني - للحقّ، وليس من باب المجاملة، ولا من باب كلام جرى تكراره آلاف المرات - إنني قاصر، واللسان قاصر، والقلب قاصر، والذهن قاصر إذا أراد مدح وتمجيد هذا المقام الشامخ، هذا الموجود الإنساني، وهذه الفتاة الشابة، وكل هذه الفضائل، وكل هذا التألق، وكل هذا الكبرياء والعظمة، إلى درجة أن شخصاً مثل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عندما كانت تدخل عليه فاطمة الزهراء عليها السلام كان يقوم إليها1، ولا يقوم فقط بل يقوم ويسير إليها. أحياناً يدخل شخص للغرفة فتقوم احتراماً له، وأحياناً يدخل شخص إلى الغرفة فتندفع نحوه، فهل هذا مزاح أو هزل؟ ليست هذه قضيّة أب وابنته. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرّم فاطمة الزهراء عليها السلام بهذه الصورة، ويعتبر رضاها رضاه، ورضاه 



1- فضائل الخمسة، ج3، ص127.

 
 
 
 
 
 
167

140

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 رضا الله، وسخطها سخطه، وسخطه سخط الله. ناهيك عن حياتها مع الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام، وتربيتها أولئك الأبناء، فهل يمكن لأمثالنا التحدّث عن هذه الامرأة الجليلة؟ ومع كلّ هذا فإن هذه السيدة الجليلة نموذج وقدوة. مراتبهم ومقاماتهم بلا شك أعلى من الملائكة المقربين، ومع ذلك لم يعيشوا ولم يتحدثوا ولم ينهجوا نهجاً غير ممكن الوصول إليه، كلا، على حدّ تعبير المرحوم العلامة الطبطبائي، إنهم كالذي يقف على قمّة الجبل، ويقول للناس اصعدوا إلى هنا، إليّ وإلى القمة، ويدعوهم لبلوغ الذروة، لا كالشخصيات المصطنعة في العالم المادي، وأصحاب المواهب المعنوية الزائفة، يقبعون في أبراجهم العاجية، وغرفهم الزجاجية ولا يصل إليهم أحد، كلا، بل يقولون لنا تعالوا تعالوا، هذا هو الطريق. علينا أن نسير خلف الأئمة الأطهار فحياتهم نموذج وقدوة لنا. نعم، "ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك"1 لا نستطيع أن نسير مثلهم، وليست لنا لياقة ذلك، ولا طاقة لنا بذلك، لكننا نستطيع أن نجعل الدرب الذي ساروا عليه مساراً لحياتنا، واتجاهاً لنا، ونسير في هذا الاتجاه.

 
يوم المرأة العالمي
والنقطة الثالثة تتعلق بمناسبة اليوم... يوم المرأة. قال الإمام الخميني قدس سره في إحدى كلماته مخاطباً النساء: "إنكنّ حين رضيتنّ بأن يكون يوم ولادة فاطمة الزهراء عليها السلام يوماً للمرأة، فهذا يرتب على عواتقكنّ مسؤوليات وتكاليف". يومكم، يوم المرأة ويوم الأم، وهو يوم فاطمة الزهراء عليها السلام، فما معنى هذا؟ إنّها خطوة رمزيّة وعمل رمزي (شعائري). ومعناه أنّ المرأة يجب أن تسير على هذا الصراط، والعظمة والجلالة، وعلو المقام والقدر يتحقّق للمرأة في هذا الدرب، الدرب الذي تتوفر فيه التقوى والعفاف، والعلم والخطابة، والصمود في مختلف الميادين التي تحتاج إلى الصمود، وتربية الأبناء، والحياة العائلية، وفيه الفضائل والجواهر المعنوية كلّها. على النساء السير في هذا الاتجاه.
 
لحسن الحظ، فإن نساء مجتمعنا كنّ هكذا - للحق والإنصاف - لا في الثورة فقط، بل لقد كنّ هكذا في الماضي أيضاً. النساء الإيرانيات المتدينات كنّ من الروّاد في مختلف الميادين، وفي كلّ القضايا. لقد كنّ في الساحة قبل بدء الكفاح الشديد في النهضة الدستورية، وخلال برهة معينة من الزمن خمد كفاح النهضة الدستورية، ثم اشتدّ ودخل فيه الجميع. عندما لم يكن الجميع قد دخلوا في هذا الكفاح، وكان هناك في الواقع عدد من العلماء والخواص يتابعون هذه الأمور قامت النساء وشكّلن اجتماعاً وجئن وسددن طريق الحاكم يوم ذاك، فهرب منهنّ وذهب واختبأ في قصره! فلحقنه 
 
 
 

1- نهج البلاغة، الكتاب رقم 45. 

 
 
 
 
 
168

141

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 وإذ بمأموري الحكومة ينهالون عليهنّ بالضرب، نزلن إلى الساحة يومذاك بالشادور والشاقشور - غالبيتكم بل ربما جميعكم لم يروا "الشاقشور"1 - نزلن إلى الساحة بهذه الحالة. ويظنّ بعضكم أنّ المرأة ما لم تكن سافرة وعديمة الأخلاق، فلن تستطيع الدخول في الميادين الاجتماعية والسياسية المختلفة. في ثورتنا وفي بعض مناطق البلاد شكّلت النساء التجمعات قبل الرجال، وسرن في الشوارع وواجهن السلطة، ولدينا معلومات أكيدة عن هذا. لقد كان الحال هكذا في فترة الثورة، وفي حالات النضال المتنوعة بعد انتصار الثورة، وكذلك في الحرب المفروضة. 

لقد قلتها مراراً!. إنني في زياراتي لعوائل الشهداء غالباً ما أجد أمهات الشهداء أشجع وأكثر مقاومة من آباء الشهداء. وهل يمكن مقارنة محبة الأم وعاطفتها بعاطفة الأب؟ فالمشاعر النسوية الرقيقة،،وخصوصاً تجاه فلذة كبدها بعد أن ربّته وكبّرته وأنشأته كباقة ورد، ثم ترضى بأن يتوجّه لساحات الحرب ويستشهد، ثم لا تبكي على جنازته من أجل أن لا يفرح أعداء الجمهورية الإسلامية! وقد قلت - أنا العبد - لعوائل الشهداء مراراً ابكوا! لماذا لا تبكون؟ لا عيب في البكاء. لكنهم لا يبكون، ويقولون نخشى أن يفرح بذلك أعداء الجمهورية الإسلامية. 
لا تسمّها امرأة بل سمّها صانعة رجال العصر2... 
هؤلاء هنّ نساء إيران، وقد خرجن من الامتحان مرفوعات الرؤوس.
 

مراقبة النفس
طبعاً الإنسان معرض للزلل، الرجال معرضون للزلل، والنساء معرضات للزلل، والشباب عرضة للزلل، وكذلك الشيوخ، والعالم والجاهل والكل معرضون للزلل... "والمخلصون في خطر عظيم"3. أين المخلص الآن؟ كلنا سيجري علينا هذا المعيار. حتى لو حقّقنا هذا المعيار وكنا من المخلصين، فإن المخصلين في خطر عظيم أيضاً! لذلك علينا أن نراقب، أعداء دنيانا وأعداء آخرتنا وأعداء عزتنا وأعداء نظام الجمهورية الإسلامية يستغلون نقاط ضعفنا: ميلنا للشهوات عندنا، ومشاعر الغضب عندنا، وسعينا للسلطة، وحبّنا للتباهي والتظاهر. يجب أن نراقب أنفسنا. والسيدات العزيزات أيضاً يجب أن يراقبن أنفسهن، والفتيات الشابات أيضاً يجب أن يراقبن.
 
هذه الحياة تنقضي، ملذاتها وصعابها تنقضي بطرفة عين. إنّكم في فترة الشباب لا
 
 

1- الشادور والشاقشور والروبند: أنواع من الحجاب الإسلامي الإيراني المغلق.
2- عمان الساماني، ديوان الأشعار.
3- ذكرها سماحته بالعربيّة في سياق خطبته.
 
 
 
 
 
 
 
 
169

142

في لقاء مدّاحي أهل البيت عليهم السلام

 تدركون هذا الكلام جيداً. الإنسان في فترة الشباب يتصوّر أنّ الدنيا ثابتة وساكنة، وأنّه هكذا هو الأمر دائماً. حينما تصلون إلى أعمارنا وتلقون نظرة تجدون كم الدنيا سريعة الانقضاء، تنقضي بطرفة عين، وفي ذلك الجانب: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾1، الحياة هناك، ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾2- التي قرئت اليوم في جملة الآيات الكريمة - وهناك البشارات الإلهية. من أجل العالم هناك ومن أجل صيانة عزة البلاد وتقدمها، على النساء أن يراقبن وضع الحجاب والعفاف والضوابط والالتزام، هذا واجب،، فالاستعراض والتمظهر بالزينة لحظة واحدة، وآثاره السيئة على البلاد وعلى المجتمع وعلى الأخلاق، وحتى على السياسة، آثار تخريبية دائمة. والحال أن مراعاة العفاف والحدود الشرعية في سلوك السيدات وتحركاتهن حتى لو كان فيه صعوبة فهي صعوبة قصيرة الأمد لكن آثاره عميقة باقية. السيدات أنفسهن يجب أن يراقبن بدقة قضية الحجاب والعفاف. فهذا من واجبهن وفخر لهن، ويمثّل شخصيتهن.

 
الحجاب مدعاة لرفعة شخصية المرأة وحريتها، خلافاً للدعايات البلهاء والسطحية للماديين، ليس الحجاب مدعاة لأسر المرأة. المرأة بتركها حجابها وبتعرية الشيء الذي أراد الله تعالى والطبيعة أن تستره، إنمّا تصغر نفسها وتحطّ من قدرها وتهين نفسها. الحجاب وقار ورصانة وقيمة للمرأة، إنّه رجحان كفة سمعتها واحترامها. ينبغي معرفة قدر ذلك حق المعرفة، ويجب تقديم الشكر للإسلام لقضيّة الحجاب هذه، فهذا من النعم الإلهية.
 
على كلّ حال الكلام في هذا السياق أيضاً كثير. نتمنى أن يوفقكم الله تعالى وإيّانا لنستطيع النهوض بواجباتنا، إن بقينا أحياء للعام القادم واستطعنا المشاركة في اجتماعكم إن شاء الله. نتمنى أن يشعر المدّاحون بأنّهم قطعوا خطوات واسعة بالاتجاه الذي جرى ذكره.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 

1- العنكبوت، 64.
2- الشورى، 23.

 
 
 
 
 
 
170

 


143

في مراسم تخريج دفعة من الضبّاط والرتباء

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في مراسم تخريج دفعة من الضبّاط والرتباء

 

 

المناسبة: ولادة الإمام الباقر عليه السلام، وذكرى تحرير خرّمشهر.
الحضور: جمعٌ من القادة والعسكريين الحرس، ودفعة من الضبّاط والرتباء الخرّيجين. 
المكان: جامعة الإمام الحسين عليه السلام للضبّاط الحرس.
الزمان: 23/5/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
171

144

في مراسم تخريج دفعة من الضبّاط والرتباء

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

نبارك حلول شهر رجب المبارك، وولادة الإمام الباقر عليه السلام، وسنوية الثالث من خرداد المجيدة1، وكذلك نبارك لكم أيها الشباب الأعزاء نيل الترقيات والرتب في جهاز حرس الثورة.
 
لقد منّ الله تعالى علينا بنعمة الخدمة في الجمهورية الإسلامية، وهي نعمةٌ كبرى يتوجّب علينا شكرها. إنّ ميدان اليوم الذي كان بحمد الله غنياً بالابتكار والإبداع، وقد هيمنت مشاهد الإستعراض الجميلة الرمزية على كلّ مراسمه وبرامجه، هو نموذجٌ من نداء الثورة الإسلامية المتوجّه إلينا وإلى كلّ الأجيال الآتية. يقول الله تعالى في القرآن:﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾2، فالذين بايعوا رسول الله فقد بايعوا الله في واقع الأمر، وتلك اليد التي علت على أيديهم هي في الواقع يد الله. فالمبايعة للإسلام والدين وتحمّل المسؤولية الإلهية هي مثل هذه البيعة. فالإنسان إنما يبايع الله. ثم يقول تعالى ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾3، فكلّ من ينقض البيعة فإنّه يجلب الضرر لنفسه. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾4، فالأوفياء بالعهد والثابتون عليه سينالون من الله تعالى الثواب العظيم. ولا ينحصر هذا الثواب بالآخرة ـ وإن كان ثواب الآخرة من العظمة والعمق والمضمون ما لا تقدر على استيعابه أذهاننا المادية والدنيوية ـ بل يشمل الدنيا أيضاً. ثواب أولئك الذين يتحرّكون بهذه البيعة الإلهية على طريق الله ويثبتون هو العزّة والرفعة والحرية والعظمة. 
 
أتعلمون من أيّ مستنقعٍ للذلّ ـ والذي فُرض من قبل سلطة الملوك والسلاطين الظلمة طيلة قرونٍ ـ خرج شعب إيران إلى أوج العزّة اليوم! فاليوم شعب إيران عزيزٌ مقتدرٌ رائدٌ ومتقدّم، يحدوه الأمل والثقة بمستقبله والأفق الآتي يبتسم له. وفي عمق الكيان يشعر أفرادنا وشبابنا وشيوخنا وشرائحنا المتنوعة بالهوية، ويعلمون إلى أين يتّجهون وكيف أنّ مساعيهم ذات معنى. فكلّ هذه ذات قيمة. 
 
 

1- ذكرى تحرير خرمشهر (أيار). 
2- الفتح، 10.
3- الفتح، 10.
4- الفتح، 10.
 
 
 
 
 
 
 
173

145

في مراسم تخريج دفعة من الضبّاط والرتباء

 إنّ الشعوب وعلى أثر الانفصال عن الدين والمعنويات والله تصبح فارغة، وتفقد هويتها، وتُبتلى بالضياع والحيرة. إنّ الشعوب عندما تبتعد عن أحكام الله تسقط في المذلّة، مثلما ابتُليت الأمة الإسلامية وعلى مرّ القرون بالذلّ. إنّها استقامة ووفاء شعب إيران التي وضعت مقابل هذا الشعب هذه الجادّة المحكمة المعبّدة ذات العاقبة الحسنة. ولا شك بأنّ الجادّة المعبّدة لا تعني الجادّة الخالية من المتاعب. فالمصاعب كثيرة لكنّها تحقق وتظهر فضل وعظمة وفتوّة البشر. 

 
نعمة الشباب
شبابنا الأعزّاء، اعرفوا قدر نعمة الشباب، والطاقات الذهنية والجسمانية، ونعمة القلوب الصافية والنورانية التي حباكم الله بها. اسعوا فهذا البلد لكم والمستقبل إليكم، أنتم الذين يجب عليكم أن تتقدموا الأمة الإسلامية وهذه القافلة، فتتحركوا نحو رفعة الأمة الإسلامية بشدّة وسرعة وتصاعد. لقد بدأ السابقون هذا الطريق فجاهدوا وضحّوا.
 
نشكر الله على أنّ قوّاتنا المسلّحة وقوّات الحرس عندنا، وجيش الجمهورية الإسلامية، وجميع منظّمات القوى المسلّحة، قد ثبتت في هذا الطريق وأصرّت عليه، وتركت تجارب خالدة للذكرى.
إنّ الطريق أمامكم، والعمل عملكم. فاسعوا لكلّ ما يمكنكم في هذا المجال. ها هو شعب إيران يتوجّه نحو العزّة والرفعة المتنامية يوماً بعد يوم. فتطوّرنا ورقيّنا واستقرار العدالة بيننا ـ حيث أن هذا العقد1 قد تعهّد بذلك ـ ستساعد على تطوّر وانتشار العدالة في العالم الإسلامي، وفي النهاية في كلّ العالم.
إنّ جبهة الظلم والاستكبار والتسلّط في العالم آيلة إلى الضعف، وأما صخب ضجيجها الظاهر فهو ليس مظهراً على قدرتها الحقيقية. وأينما انبعث نور المعنويات والإيمان، فإنّ الظلمات ستبهت بشكل طبيعي لتزهق بالتدريج. وهذا ما يجري الآن في العالم. وإنّ أقساماً مهمة من هذا العمل ملقاة على عاتق شبابنا الأعزاء، وإنّ أحد أكثر هذه الأقسام حساسية ملقىً على عاتقكم أنتم أيها الشباب الأعزاء.
نسأل الله تعالى أن يوفقكم وأن يوفّقنا أيضاً لمعرفة قدركم أيها الشباب الأعزاء. وبمشيئة الله نقرأ في وجوهكم النورانية وجباهكم الشامخة مستقبلاً مليئاً بالفخر لشعب إيران والأمة الإسلامية.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 

1- أي عقد التطور والعدالة الذي اطلقته الجمهورية الإسلاميّة كبرنامج اصلاحي تنموي لمدّة عشر سنوات.


 
 
 
 
 
174

146

نداء الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول رأس السنة الإيرانية

 نداء الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول رأس السنة الإيرانية


المناسبة: يوم النوروز، وحلول العام الإيراني الجديد 1391 هـ .ش.
الزمان: 20/3/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
175

147

نداء الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول رأس السنة الإيرانية

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يا مقلب القلوب والأبصار، يا مدبّر الليل والنهار، يا محوّل الحول والأحوال، حوّل حالنا إلى أحسن الحال.
اللهم كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً.
اللهم، اعطه في نفسه وذريّته وشيعته ورعيّته وخاصّته وعامّته وعدوّه وجميع أهل الدنيا ما تقرّ به عينه وتسرّ به نفسه.
أبارك عيد النيروز وحلول العام الجديد لكلّ أبناء الوطن العزيز في كل أنحاء البلاد، ولكل الإيرانيين الساكنين في أي مكان من العالم، ولكل الشعوب التي تحيي عيد النيروز، وأبارك خصوصاً لعوائل الشهداء الكريمة، وللمعاقين وعوائلهم، ولكل المضحين، ولكل الناشطين في شتّى المجالات. أتمنى وأدعو الله تعالى أن يقدّر للشعب الإيراني في هذه السنة الجديدة حسن الحال والسرور والنشاط وبهجة القلب، وأن يقدّر لمن يريدون لهذا الشعب السوء الإخفاق في أهدافهم إن شاء الله.
العام الذي مضى، عام 1390هـ .ش. (2011م) كان من الأعوام المليئة بالأحداث على مستوى العالم وفي المنطقة وفي بلادنا. ما يلاحظه المرء على العموم هو أن هذه الأحداث انتهت عموماً لصالح شعب إيران وسارت على سبيل المساعدة في تحقيق أهدافه. الذين تجول في رؤوسهم أهداف سيئة في البلدان الغربية تجاه الشعب الإيراني وإيران والإيرانيين، يعانون من مشكلات متنوعة. وعلى مستوى المنطقة فإن الشعوب التي دعمتها الجمهورية الإسلامية دائماً حقّقت أهدافاً كبيرة، سقط بعض الديكتاتوريين، وجرت في بعض البلدان المصادقة على دساتير قائمة على الإسلام، وتمّت محاصرة العدو الأول للأمة الإسلامية والشعب الإيراني - أي الكيان الصهيوني - وفي داخل البلاد كان عام 1390عام تجلي اقتدار الشعب الإيراني بالمعنى الحقيقي للكلمة. وعلى المستوى السياسي أبدى الشعب الإيراني في هذه السنة سواء في تظاهرات الثاني والعشرين من بهمن أو في إنتخابات الثاني عشر من إسفند، أبدى مشاركة، وسجّل مؤشراً للإقتدار الوطني في تاريخ المنطقة قلّ ما شاهدناا نظيراً له في الماضي.
على الرغم من كل هذه الخصومات، وكل هذه الإعلام، وكل هذه الهجمات العدائية المسيئة، استطاع الشعب الإيراني - طوال هذه الأعوام - وبكل كيانه إظهار وإثبات تواجده في الساحة، وإظهار نشاطه وحيويته، واستعداده في مختلف الميادين العلمية
 
 
 
 
 
 
 
 
177

148

نداء الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول رأس السنة الإيرانية

 والاجتماعية والسياسية واللاقتصادية. كان والحمد لله عاماً تحقّقت فيه مكتسبات كبيرة على الرغم من كل الصعاب. وكما سبق وقلنا، فإنّ الظروف كانت تشبه ظروف بدر وخيبر، أي ظروف تقبل التحديات والصعاب والانتصار عليها.


وكما أعلن في بداية العام الماضي، فقد كان عام 1390 عام الجهاد الاقتصادي. مع أن الواعين والمطلعين كانوا يعلمون أن هذه التسمية وهذا التوجّه وهذا الشعار كان أمراً ضرورياً لسنة 1390هـ .ش.، لكن مساعي الأعداء في هذه السنة أثبتت بعد ذلك هذا الشيئ ودلّت عليه. بدأ أعداؤنا منذ بداية السنة تحركاتهم العدائية ضد الشعب الإيراني في المضمار الاقتصادي، لكن الشعب الأيراني والمسؤولين وكل أبناء الشعب والأجهزة المختلفة استطاعوا بتدابيرهم الواعية مجابهة هذا الحظر وكل أشكال المقاطعة، واستطاعت مواجهتهم إلى حدّ كبير إحباط هذا الحظر، وإكلال حراب العدو. كانت سنة 1390 سنة النشطة العلمية الكبرى، وسوف اشرح لشعبنا العزيز في فرصة الخطاب إن شاء الله بعض جوانب التقدم العلمي والاقتصادي والجهود المتنوعة. كان عام 1390 مليئاً بالتحديات وعاماً زاخراً بالنشاطات، وعاماً استطاع فيه الشعب الإيراني بفضل من الله الانتصار على التحديات التي واجهته.

أمامنا هذه السنة عاماً آخر، وسوف يستطيع الشعب الإيراني مرة أخرى - على أمل الله وبالتوكل عليه وبجهوده ونشاطاته ومساعيه ووعيه - أن يحقّق لنفسه الكثير من التقدّم في هذه السنة. حسب تشخيصي وطبقاً للتقارير والاستشارات مع الأفراد المطلعين والواعين نصل إلى نتيجة أن ميدان التحدي المهم في هذه السنة الجارية - التي تبدأ اليوم ومن هذه الساعة - هو الميدان الإقتصادي. الجهاد الاقتصادي ليس بالشيء الذي ينتهي. الجهاد الاقتصادي والتواجد الجهادي في الميادين الاقتصادية حالة ضرورية لشعب إيران.

أقسّم هذه السنة القضايا ذات الصلة بالجهاد الاقتصادي، فأقول إن قسماً مهماً من القضايا الاقتصادية يتعلق بقضية الإنتاج الداخلي. إذا استطعنا بتوفيق من الله وبإرادة الشعب وعزيمته الراسخة وبجهود المسؤولين، أن نتقدم في قضية الإنتاج الداخلي، ونحقق فيها الازدهار كما ينبغي لها، فلا مراء أن جانباً مهماً من مساعي العدو سوف يكتب له الإخفاق. إذن، جانب مهم من الجهاد الاقتصادي هو قضية الإنتاج الوطني. إذا استطاع الشعب الإيراني بهمّته وعزيمته ووعيه وذكائه، وبمواكبة المسؤولين ومساعدتهم، وبالبرمجة والتخطيط الصحيح، إذا استطاع معالجة مشكلة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

149

نداء الإمام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول رأس السنة الإيرانية

 الإنتاج الداخلي والتقدم في هذا الميدان، فلا مراء أنه سينتصر انتصاراً تاماً وجاداً على التحديات التي يسبّبها العدو. وإذاً، فقضية الإنتاج الوطني قضية مهمة.


إذا استطعنا إضفاء الرونق والازدهار على الإنتاج الداخلي فسوف تعالج مشكلة التضخم، وسوف تعالج مشكلة فرص العمل، وسوف يتقوّى الاقتصاد الداخلي بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهنا سوف ييأس العدو بمشاهدة هذه الحال. وعندما ييأس العدو فسوف تتوقف مساعيه ومؤامراته ومكائده.

لذلك أدعو كل المسؤولين في البلاد وكل المعنيين بالمجال الاقتصادي وكل أبناء شعبنا الأعزاء لجعل هذه السنة سنة ازدهار الإنتاج الداخلي. وهكذا فشعار هذه السنة هو "الإنتاج الداخلي، دعم العمل والرأسمال الإيراني". ينبغي دعم عمل العامل الإيراني، ودعم رساميل أصحاب الرساميل الإيرانيين، وهذا غير ممكن إلا بتعزيز الإنتاج الوطني. نصيب الحكومة في هذه العملية هو دعم الإنتاج الصناعي والزراعي. ونصيب أصحاب الرساميل والعمّال هو تعزيز عجلة الإنتاج، والإتقان في عملية الإنتاج. ونصيب الناس - وأعتقد أنه الأهم من كل هذا - هو استهلاك المنتوجات الداخلية. يجب أن نعوّد أنفسنا ونجعلها ثقافة لنا ونعتبرها فريضة علينا أن تستهلك من الإنتاج الداخلي ونتحاشى بجدّ استهلاك المنتجات الخارجية في ما يخّص أية بضاعة يوجد نظيرها الداخلي ويتركز الإنتاج الداخلي عليها. وذلك في كل المجالات. في مجال الاستهلاك اليومي، وفي المجالات الأهم، وعليه، نتمنى بهذا التوجّه والمنحي أن يستطيع الشعب الإيراني في سنة 1391 أيضاً التغلب على مؤامرة الأعداء، وكيد المسيئين ومكرهم في المجال الاقتصادي.

أسأل الله تعالى أن يوفق الشعب الإيراني ويؤيده في هذا الميدان وفي كل الميادين، وأن يسرّ روح إمامنا الخميني الجليل ويجعلها راضية عنّا، وأن يحشر الأرواح الطيبة لشهدائنا الأبرار مع أوليائهم. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

150

رسالة الإمام الخامنئي دام ظله إلى مجلس الشورى الإسلامي

 رسالة الإمام الخامنئي دام ظله إلى مجلس الشورى الإسلامي

 

المناسبة: انعقاد الدورة التاسعة لمجلس الشورى الإسلامي.
الحضور: أعضاء المجلس. 
الزمان: 27/5/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
181

151

رسالة الإمام الخامنئي دام ظله إلى مجلس الشورى الإسلامي

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

إنّ افتتاح الدورة التشريعية التاسعة في الجمهورية الإسلامية - وبمشيئة الله الحكيم القدير- يمثل رسالة قوية يخاطب بها الشعب الإيراني العالم المعاصر، ويسجّل حقائق خالدة في ذاكرة الرأي العام للشعوب.ومن جملة هذه الحقائق المؤثر والخالدة انتصار العزيمة الوطنية على الكمّ الهائل لحالات العداء، والبنية المتينة الرصينة للنظام المنبثق من الثورة الإسلامية، والدور الفذ والفريد للإيمان والبصيرة في تكوين مسيرة حياة الشعب ومصيره، ومن ثم الصورة الحقيقية لشعب أنزل إلى الساحة ولأول مرة، الحاكمية الشعبية الإسلامية لا بلسانه بل بجهاده الصعب، وأبطل ادعاءه عزلة الدين عن الحياة الاجتماعية. نجاح الشعب الإيراني في بعث هذه الرسالة العميقة المغزى والمنوّرة للرأي العام العالمي هو لطف آخر من الله القدير الرحيم الذي منّ بمعونته وهدايته طوال هذه المسيرة الزاخرة بالتحديات، ولم يترك هذا الشعب المؤمن المجاهد وحيداً. أشكر الله عزّ وجلّ من كل كياني، وأمرّغ جبهة الحمد على عتبة عظمته.كما أجد لزاماً أن أقدم التحيات بقلب مفعم بالتكريم والعرفان للشعب الإيراني الكبير صانع التاريخ، وأشكر تواجده ومشاركته في الوقت المناسب في ساحة هذا الاختبار، والتي عبّرت كما كان الحال دائماً عن بصيرته وثقته بالنفس، ومعرفته الصحيحة للزمن والظروف. كما أجد من واجبي أن أشكر وأقدّر المسؤولين والعاملين على إقامة الانتخابات في وزارة الداخلية، ومجلس صيانة الدستور، والأجهزة والمؤسسات المساعدة في هذه العملية، وخصوصاً مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وقوات حفظ النظام والأمن، والتيارات والشخصيات الدينية والسياسية التي مارس كل واحد منها دوره في إقامة هذه الملحمة الجماعية.كما أجد من الضروري أن أتقدم بالشكر الصميمي لكل نواب المجلس الثامن ورئيسه المحترم على الخدمات التي وفقوا لها خلال دورة مسؤوليتهم. والآن، في مستهل المجلس التاسع، فإن توصيتي الأهم لنوّابه المحترمين هي أن لا يفكروا في هذا الموقع الخطيرالذي حصلواعليه بأصوات الجماهير بسوى المسؤولية الإلهية وأداء الواجب الثقيل لنيابة الشعب، ولا يشركوا المحفزات والحبّ والبغض الشخصي والفئوي والطائفي والمحلي في عملية التشريع التي تعتبر أهم واجبات مجلس الشورى الإسلامي، وكذلك في عملية الإشراف على تنفيذ القوانين، وطبعاً في اتخاذ المواقف التي تترك تأثيراتها على أجواء البلاد.والقانون هو في صدر 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

152

رسالة الإمام الخامنئي دام ظله إلى مجلس الشورى الإسلامي

 كل هذه الأمور. يجب أن يكون كفؤاً وعصرياً وشفافاً ومرتبطاً بالاحتياجات العامة، وضامناً للمصالح الوطنية. في عقد التقدّم والعدالة يجب أن تساعد جميع القوانين على تحقيق هذين المؤشرين العامين، وأن تكون لها وفق نظرة طويلة الأمد، أطول وأوسع ما يمكن من المديات. يجب إحصاء أولويات البلد لتحتل مكانتها المناسبة في عملية التشريع. مجلس الشورى الإسلامي ركن أساسي للبلاد والنظام الإسلامي. كل ما هو بارز وجليّ في النظام الإسلامي يجب أن يتبلور وينعكس في المجلس. الإيمان والشجاعة والريادة والصمود على مباني النظام، والصمود أمام الأعداء، والعصرية والتجديد، والوحدة والانسجام الوطني، والعمل والجدّ التضحوي، واستخدام كل الإمكانيات الفردية والجماعية، علامات يمكن معرفة المجلس الناجح بها. ومن العلامات المهمة الأخرى التعاون الحقيقي والصميمي مع السلطات الأخرى وتحاشى التحديات غير المبررة، وهي علامة ذات نصيب حاسم في الاتحاد الوطني الذي أصرّعليه المخلصون للبلاد دوماً، واعتبروا المصالح العامة ماء وجه الشعب الإيراني في أنظار العالم منوطاً به. وهذا التوصية موجّهة بعينها لسائر السطات في البلاد، ولكل الأشخاص والمؤسسات المسؤولة. الكل يجب أن يعتبروا القانون فصل الخطاب. لقد قدمت للنوّاب المحترمين في الدورات السابقة من المجلس بعض التوصيات، وذكّرت بأداء الواجب الإلهي الذي هو مسؤوليتهم في هذه الدنيا العاجلة الانقضاء، وأمام حضرة العدل الإلهي الذي لا يتغاضى عن شيء في نشأة الآخرة. والآن أيضاً أحيلكم أيها النواب المحترمون إلى تلك التوصيات المخلصة.


وفي الختام، أنهى الكلام بإهداء السلام والتحيات للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام، ولسيدنا ولي الله الأعظم (روحي فداه)، وبالسلام على أرواح الشهداء الطيبة، والروح المطهرة لإمام الشهداء، وأسأل الله التوفيق والهداية والعون لكم جميعاً. 
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السيد علي الخامنئي
7 خرداد 1391هـ .ش.
 
 
 
 
 
 
 
 
184

153

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 

المناسبة: الذكرى 23 لرحيل الإمام الخميني.
الحضور: حشودٌ غفيرة من جماهير الشعب. 
المكان: ضريح الإمام الخميني قدس سره - طهران.
الزمان: 3/6/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

 


154

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، وصحبه المنتجبين المصطفين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وصلّ على بقية الله في الأرضين الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
 
قال الله الحكيم في كتابه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ *الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾1.
 
أحمدُ الله سبحانه وتعالى أن منّ علينا بفرصة الاجتماع ثانية إلى جوار الضريح الطاهر للإمام والقائد والمرشد وزعيم هذه الأمّة الكبير، لنجدّد العهد والبيعة مع هذا الإمام الهمّام عجل الله تعالى فرجه الشريف، ونعيد قراءة سيرته، ونقتبس منها دروساً ـ دروس الثورة الإسلامية ـ من أجل أن تنير طريق مستقبلنا، وتصحّح مسيرتنا.
 
شخصيّة الإمام الأبويّة
تتصادف هذه الأيّام مع العيد السعيد لمولد أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أبو هذه الأمّة. لقد أطلق شعبنا على اليوم الثالث عشر من رجب اسم "يوم الأب". إمامنا الكبير كان له حقّ الأبوّة على هذا الشعب وعلى هذا البلد. أبو الأمّة يعني مظهر الشفقة والرحمة، ومظهر القدرة والصلابة والشخصيّة. قوّة الشخصيّة الأبوية إلى جانب المحبة والرحمة الأبوية. إضافة إلى ذلك، فإنّ الإمام هو أبو النهضة الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي. أحد المواضيع الرئيسة في سيرة الإمام وسلوكه، والتي سنتطرّق إليه اليوم ونتحدّث عنه، هو نفخ روح العزة الوطنية في هيكل البلد.
 
 
العزّة الحقيقيّة
الكلام حول هذه النهضة العظيمة للإمام التي أحيت العزة الوطنية في بلدنا وشعبنا بحث يستند إلى وقائع المجتمع، وليس مجرّد بحث ذهني صرف. ماذا تعني العزة؟ العزّة هي البنية الداخلية المتينة لأيّ فردٍ أو أي مجتمع التي تهبه الاقتدار في مواجهة العدوّ والعقبات، وتجعله يتغلب على التحديات.
 
 
 

1- الشعراء، 217-220.
 
 
 
 
 
 
 
 
187

155

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 بدايةً، سأعرض بحثاً قرآنياً مقتضباً. في المنطق القرآني، العزّة الواقعية والكاملة هي لله، ولكلّ من يختار أن يكون في جبهة الحق. وفي المواجهة بين جبهة الحق وجبهة الباطل، بين جبهة الله وجبهة الشيطان، تكون العزّة لأولئك الذين يختارون أن يكونوا في جبهة الله، هذا هو المنطق القرآني ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾1، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾2، العزّة لله، العزّة للرسول وللمؤمنين، فما لم يدرِك المنافقون والكافرون هذا الأمر، فإنّهم لن يفهموا أين تكمن العزّة، وأين هو قطب العزّة الواقعية. في سورة النساء، يقول القرآن الكريم بشأن أولئك الذين يربطون أنفسهم بمراكز القوى الشيطانية من أجل الحصول على الشأنية والقوة ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾3، فهل يبتغي العزة من يلجأ إلى أنداد الله وأعدائه، وإلى القوى المادية؟ إنّ العزة عند الله. وفي سورة الشعراء المباركة هناك تقريرٌ عن مجموعة من التحدّيات التي واجهها الأنبياء العظام ـ فيما يخصّ النبي نوحاً والنبي إبراهيم، والنبي هوداً والنبي صالحاً، والنبي شعيباً والنبي موسى ـ يتحدّث بالتفصيل حول التحديات التي واجهها هؤلاء الأنبياء ويقدّم تقريراً إلهياً عن الوحي إلى أسماع الناس. وفي كل مقطع من المقاطع التي واجهها هؤلاء كانت الغلبة لجبهة النبوة على جبهة الكفر، يقول ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾4، أي إنّه بالرغم من أنّ الطرف المقابل كانوا هم الأكثرية، وكانت السلطة والأموال والأسلحة بأيديهم إلا أن جبهة التوحيد هي التي انتصرت عليهم، وهذه هي آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وربك هو العزيز الرحيم. بعد ذلك يكرر القرآن هذا التقرير على مدى هذه السورة المباركة، فإنّه يتوجّه إلى النبي في آخر السورة ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾5 أي توكّل على الربّ العزيز والرحيم، واعتمد عليه، فهو الضامن لغلبة الحقّ على الباطل ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾6، هو الذي يراك في كل الأحوال، في حال القيام والسجود والعبادة والعمل والسعي، هو حاضر وناظر (يراك)، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾7. إذاً في منطق القرآن، يجب طلب العزّة من الله.

 
 
 

1- فاطر، 10.
2- المنافقون، 8.
3- النساء، 139. 
4- الشعراء، 8-9.
5- الشعراء، 217.
6- الشعراء، 218-219. 
7- الأنفال، 61.
 
 
 
 
 
 
 
 
188

156

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 العزّة حصانة المجتمع

عندما تشمل العزّة حال أي إنسان، فرداً أو مجتمعاً، فإنّها تصبح كالسور والحصن المنيع أمام الأعداء، يصعب النفوذ إليه، ومحاصرته والقضاء عليه، فيحفظ الإنسان من نفوذ وغلبة العدوّ. وكلما رأينا هذه العزة متجذّرة أكثر في وجود الفرد والمجتمع، كانت تأثيرات هذا التماسك والحصانة أكثر، ويصل الأمر بالإنسان إلى أن يبقى مصوناً من غلبة ونفوذ العدوّ السياسي والعدوّ الاقتصادي، ويكون أيضاً محفوظاً من غلبة ونفوذ العدوّ الأكبر والأساسي أي الشيطان. أولئك الذين لديهم العزة الظاهرية، ولا يكون لهذه العزّة وجود في قلوبهم ووجدانهم وفي عمق وجودهم، سيكونون عزّلاً مسلوبي الإرادة أمام الشيطان، وسينفذ إليهم.
 
عزّة النفس وقهر الأهواء
من المعروف أن الإسكندر المقدوني كان يمر في إحدى الطرق، وكان الناس يعظِّمونه، وكان هناك رجلٌ ورع مؤمن يجلس في إحدى الزوايا، فلم يبدِ احتراماً أو يقف له إجلالاً، فتعجّب الإسكندر وأمر بإحضاره فأحضروه. فقال له: لماذا لم تنحن أمامي؟ قال: لأنك عبدٌ لعبيدي، فلماذا أنكّس رأسي لك؟ فقال الاسكندر: كيف ذلك؟ قال: لأنك أنت عبد شهوتك وغضبك، والشهوة والغضب عبداي، وهما تحت إرادتي، ولي الغلبة عليهما. 
 
بناءً عليه، إذا كانت عزّة النفس نافذة في عمق وجود الإنسان، عندها لن يكون للشيطان ولأهواء النفس تأثير على الإنسان، ولن يتلاعب الغضب والشهوة بهذا الإنسان.
 
الإمام الخميني أعزَّ الشعب
ونحن عرفنا الإمام قدس سره على هذه الحال. كان الإمام قدس سره طوال حياته المباركة، سواء في ميدان العلم والتدريس، أم في مرحلة النضال العصيبة، أم في ميدان الإدارة والحكم ـ عندما كان على رأس السلطة وممسكاً بزمام المجتمع ـ في كل هذا كان مصداقاً لهذه الآية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾1. ولهذا غدت الأمور والأعمال الكبيرة، التي كان الجميع يقولون عنها إنها مستحيلة، ممكنة مع بزوغ شمس الإمام، وتحطّمت بحضور الإمام جميع السدود التي قيل إنّها لا تتحطّم. ففضلاً عن أنّه كان نفسه مظهر عزة النفس والقوّة المعنوية، فقد نفخ روح العزة في الشعب أيضاً. هذا، كان هو الإنجاز
 
 
 

1- الشعراء، 217.
 
 
 
 
 
 
 
189

157

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 الكبير للإمام الجليل. وسأوضح هذه النقطة مرة أخرى. إن شعبنا من خلال الشعور بالعزة الذي تعلّمه من الثورة ومن الإمام، استطاع أن يكتشف نفسه، واكتشف قدراته، وكانت النتيجة أنّنا شاهدنا بأمّ العين تحقّق الكثير من الوعود الإلهية في هذه العقود الأخيرة، فالأشياء التي كنا نقرأ عنها في التاريخ، ونراها في الكتب، إذ بنا نشهدها أمام أعيننا، انتصار المستضعفين على المستكبرين، وكيف أنّ قصور المستكبرين الرائعة بالظاهر بدت مبنية على شفا جرف هار، وغيرها الكثير من الحوادث الأخرى التي شاهدناها في هذه السنوات.

مرحلة ما قبل الثورة
أريد أن أركّز على هذه القضية "العزة الوطنية" حتى أصل إلى النقطة المطلوبة. اليوم هو يوم عظيم، إنّه يوم ذكرى ارتحال مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران. إن ذكرى إمامنا الجليل اليوم أكثر حياةً من أي وقت مضى. إن تراثه المبارك موجود اليوم في هذا البلد، وهو في العالم الإسلامي جلي أمام أعين الجميع. فلنعتمد على بعض أبعاد وجود هذه الحركة.
العزة الوطنية، لقد مررنا نحن الإيرانيين على مدى تاريخنا الطويل بحقب وفترات مختلفة... كان لدينا عزّة، وكان لدينا ذلّة أيضاً، ولكن على مدى الحقبة الطويلة التي امتدت لمائتي عام وانتهت بالثورة، عشنا فترة عصيبة حالكة من الذل. الكثيرون غير مطلعين على التاريخ، وكثيرون قد ينظرون نظرة خاطفة إلى التاريخ. يجب التعمق في التاريخ وأخذ الدروس منه. فنحن في المئتي سنة هذه، غرقنا في فترة مظلمة من الذلة. علامات هذه الذلّة كثيرة. نحن، في تمام هذه المرحلة، كنا شعباً منعزلاً عن الحياة السياسية، لم يكن لدينا أي تأثير بأحداث منطقتنا، فكيف بالأحداث العالمية. في مرحلة المئتي سنة هذه، وُجد الاستعمار، وجاءت الدول المستعمرة إلى منطقتنا من أقصى نقاط العالم، واستولت على بلداننا، وأسرت شعوباً، ونهبت ثروات شعوب. في هذين القرنين، كانت الحكومة الإيرانية والشعب الإيراني غافلين ولا علم لهم بما يجري من أحداث. فحتى أنهم لم يكونوا مطلعين على المجريات، ناهيك عن أن يريدوا التدخل أو التأثير فيها. كان وضعنا في المجال الاقتصادي يتّجه يوماً بعد يوم إلى مزيد من الانحطاط. وفي مجال العلم والتقنيات كنا متخلّفين تماماً، لم نكن نمتلك في مقابل تلك الحركة العلمية العظيمة في العالم، أية علوم مهمة قابلة للحديث عنها. وفي سياستنا الداخلية، كنا نحذوا حذو السياسات الأجنبية. وكان المستعمرون والقوى العالمية المسيطرة يؤثّرون على حكوماتنا، و يجرّونها ذات اليمين وذات الشمال، ويتحكّمون بها، ويستغلونها، ولم يكن يصدر عن حكوماتنا وملوكنا وأصحاب السلطة أيّ ردّ فعل
 
 
 
 
 
 
 
 
190

158

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 لائق يفتخر به الإنسان. وحتى فيما يختصّ بالحفاظ على أراضي البلاد كلها، وحفظ سيادة الدولة، شاهدنا وعشنا الضعف المخجل في مرحلة المئتي سنة هذه.


في نفس مرحلة المئتي سنة هذه، التي تمّ فيها توقيع معاهدة تركمنچاي المذلة وقبلها معاهدة كَلستان، حيث تم اقتطاع 17 مدينة من مدن القوقاز عن إيران. في هذه الفترة التي امتدت لقرنين، احتلوا بوشهر، من دون أية مقاومة ولو بسيطة من قبل الدولة أو الحكومات. في تلك الفترة أيضاً جاءت حكومة أجنبية إلى منطقة قزوين وعسكرت فيها وهدّدت الحكومة المركزية في طهران بأنه يجب عليها أن تقوم بكذا وكذا، وأن تبعد الشخص الفلاني، وإلا فإننا سوف نهاجم طهران! أي إنّهم ما إن تقدّموا إلى قزوين حتى هدّدوا طهران، وكانت الحكومة المركزية في طهران ترتعد فرائصها. و لولا بضع شخصيات نادرة آنذاك لاستسلمت الحكومة بالتأكيد لإملاءات تلك الدولة الأجنبية. وفي تلك الفترة أيضا، جاءت الحكومة البريطانية، وأوجدت الحكم البهلوي في إيران، واختاروا رضا خان ورفعوه من مكانه الوضيع إلى أعلى سلطة في البلاد، وجعلوا حكمه الملكي في البلاد بشكل قانون، وسلّموه زمام جميع الأمور، وهو بدوره كان في قبضتهم وتحت إرادتهم. وفي تلك المرحلة أيضاً، عقدت معاهدة 1919م المهينة، فوفقاً لهذا الاتفاق المعاهدة أصبح اقتصاد البلد في أيدي الأجانب، وأصبح تقرير مصير البلد السياسي والاقتصادي بيد أعداء إيران. وفي تلك المرحلة بالذات، جاء رؤساء ثلاثة بلدان - متحالفة في الحرب - إلى طهران من دون حصول على إذن من الحكومة، ومن دون أدنى اكتراث بالحكومة المركزية وعقدوا اجتماعاً. جاء روزفلت وتشرشل وستالين، بملء رغبتهم، إلى طهران وعقدوا الجلسة، ولم يأخذوا إذن أحد، ولم يظهروا أي جواز سفر. كان محمد رضا ملك إيران يومذاك فلم يأبهوا له أبداً، ولم يذهبوا لزيارته، بل ذهب هو للقائهم، وعندما دخل الغرفة لم ينهضوا له ولم يعبؤوا بحضوره! انظروا إلى ذلة هذه الحكومة المركزية التي تُفرض على الشعب إلى أين وصلت؟ هذا هو حضيض المذلة لأية حكومة أو شعب. كان هذا في حقبة القرنين اللذين مرّا علينا. 

بالطبع وسط هذا، توجد استثناءات: مثلاً، تولّى أمير كبير العمل لثلاثة أعوام. وأيضاً فتوى الميرزا الكبير الشيرازي التي حسمت قضية التنباك، أو تدخّل العلماء في قضية المشروطة، أو قيام نهضة تأميم النفط في إيران في إحدى المراحل. كل هذه حالات استمرت لفترات قصيرة ومؤقتة ولم يكتب لبعضها النجاح بتاتاً، أمّا الجو العام الداخلي والحركة الكلية، فإنّها كانت حركة ذلّة، فُرضت على إيران العظيمة، وعلى هذا الشعب الكبير الصانع للتاريخ، هذا الشعب صاحب التراث التاريخي العريق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

159

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 الإمام أيقظ الاستعدادات

غيّرت الثورة الإسلامية الكبيرة الاتّجاه كلياً، وقلبت الصفحة. إنّ همةّ الإمام - الذي كان قائد هذه الثورة، والممسك بزمام هذه الثورة، وزعيمها - هي التي أحيت روح العزة الوطنية في هذا الشعب، وأعادت له عزّته. إنّ الإمام الجليل لقّن الناس ثقافة "نحن نستطيع"، وثبّتها في قلوبهم، وهذه هي أيضاً الثقافة القرآنية التي تقول: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾1، إن الإيمان يعني العلوّ. إنّ الإيمان وسيلة للعلوّ المادّي، ولكنه لا ينحصر بهذا، فالإيمان منشأ العلوّ، والعزّة، ورشد الشعوب. تقدم الإمام نفسه إلى الأمام وقاد، وعندها استثار الدوافع في الناس، وتفتحت الهمم والاستعدادات، وهنا صار عمل الناس وحضورهم في الساحات سبباً لاستجلاب الرحمة الإلهية. هذه نقطة عظيمة جداً، إن رحمة الله واسعة، ولكن ما لم يهيّئ الإنسان وعاءه فإن أمطار الرحمة لن تنزل. لقد نزل شعبنا إلى الساحة، وجعل نفسه وسط الميادين، فصار ذلك محلاً للرحمة والهداية الإلهية، فشملته الهداية الإلهية، وكذلك الرحمة، وشرع بحركة لا تعرف التوقّف، الحركة نحو العزة والتقدّم وصناعة العزّة، وبالطبع فقد كانت هذه الحركة سريعة أحياناً وبطيئة أحياناً أخرى، لكنها لم تتوقف ولم تتعطل.
 
عوامل الانتصار
عندما تتأمّلون في أدبيّات ثورة الإمام، تجدون أن الاعتماد الأساسي هو على البنية الداخلية للشعب، وإحياء روح العزة، لا التفاخر، ولا الغرور، ولا التقوقع حول النفس، بل باستحكام البنية الداخلية. ما ينبغي أن نلتفت إليه هو أنّ هذا العمل لم يكن مقطعياً، بل كان عملاً مستمراً متواصلاً، يجب على الشعب أن يواجه عوامل الركود والخمود. ثمّة عوامل تفرض التوقّف على الإنسان السالك سبيل التقدّم، وتفعّل الأمر نفسه مع الأمّة المتقدّمة. بعض هذه العوامل موجودة في داخلنا وبعضها الآخر من فعل العدوّ. فإذا أردنا أن لا نُبتلى بالركود والذلّة والتخلّف، وتلك الوضعية الوخيمة التي كانت قبل الثورة، ينبغي أن لا تتوقّف حركتنا، هنا سنكون أمام مفهوم "التقدّم"، يجب أن نكون دائماً في حالة تقدّم. إنّ هذه العزّة الوطنية وهذا الاستحكام الداخلي، وهذه البنية المحكمة، يجب أن تكون دائماً في حال تقدّم وأن توصلنا إلى التقدّم. إنّ هذا 
 
 
 

1- آل عمران، 139.

 
 
 
 
 
 
 
192

160

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 العقد الزمني قد أُطلق عليه "عقد التقدّم والعدالة"1. والعدالة هي في قلب التقدّم. فالتقدّم لا يكون في المظاهر الماديّة فقط، بل يشمل جميع الأبعاد الوجودية للإنسان. ففي داخله توجد الحرية والعدالة والسموّ الأخلاقي والمعنوي، كلّ هذه ملحوظة في مفهوم التقدّم. وبالطبع، في ذلك أيضاً يوجد تقدّم مادّي، وتقدّم على صعيد مظاهر الحياة، وتقدّم علميّ.

 
الإمام شقّ جادّة التقدّم
والإمام بحركته قد وضعنا على تلك الجادّة التي ينبغي أن نتقدّم فيها إلى الأمام. وأيّ نوع من التوقّف في هذه الجادّة يوصلنا إلى التخلّف. الشعب الذي يتمتع بحقيقة العزة، والسائر على طريق التقدم إذا كفر هذه النعمة فسيكون مصداقاً للآية الشريفة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾2. فالدنيا ستعود مرة أخرى إلى وضعية جهنّم، وتتبدّل الحياة إلى حياةٍ مريرة. فالشعوب ما لم تنهض وتتقدّم ستعود مرة أخرى إلى حالة الشدة وستظلّلها عهود الذلة الحالكة تلك.
 
الغرب الضالّ وآفاق التحدّي (نماذج التقدّم ببركة ثورة الإمام)
النموذج الأول: العزّة الوطنية
إنّنا اليوم نقف مقابل أنموذج حي فيما يتعلّق بالعزة الوطنية والتقدّم الناتج عنها. لقد قلت إنّ بحثنا ليس بحثاً ذهنياً محضاً، فهناك أنموذجٌ حيٌّ أمامنا، وهو هذا الشعب وهذا المجتمع نفسه، إنّه نموذج مجرّب وخارج من الامتحان بنجاح. إنّ شعب إيران قد نزل إلى الميدان بهذا النموذج. وإنّني سأتعرّض هنا لبعض النماذج من تقدّم الشعب الإيراني، ولكلٍّ منها شرحٌ مفصّل ومصاديق متعدّدة. وأحد نماذج تقدّم الشعب الإيراني هو تغلّبه على جميع التحدّيات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية طيلة هذه السنوات الـ 33. لقد كان هدفهم من وراء هذه التحدّيات، القضاء على النظام وإزالته من الوجود. فتعرّضوا لوجود أصل هذا النظام. وقد انتصر هذا الشعب
 
 

1- عقد التقدّم والعدالة: برنامج إصلاحي تنموي، اقتصادي اجتماعي، أطلقته الجمهورية الإسلامية مطلع عام 2010 م.
2- إبراهيم، 28-29.

 
 
 
 
 
 
 
193

161

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 على كلّ هذه التحدّيات. وفي هذا الميدان، عندما كان العالم بيد الشرق والغرب، انتصر شعب إيران على الشرق والغرب، وفي يومنا هذا بحسب الظاهر فإنّ العالم هو بيد الغرب الضال، واستطاع شعب إيران أن ينتصر على هذا الغرب الضال.


النموذج الثاني: القوة السياسية
النموذج الآخر لتقدّم الشعب الإيراني هو أن هذا الشعب اليوم أقوى بكثير مما كان عليه في بداية الثورة، من حيث الاقتدار السياسي، ومن حيث التأثير في أحداث العالم، ومن حيث حضوره في الأحداث الإقليمية، بل وسائر بلدان العالم. ولهذه القضية نماذج متعدّدة وشواهد عديدة. وهذا ما يصرّح به أعداؤنا. ويعترف أحد زعماء النظام الصهيوني المختلق - وهو العدوّ الأول لشعب إيران والثورة الإسلامية - ويقول ـ والكلام بعبارته نفسها ـ "توجد اليوم قوّة مقتدرة تتحرّك خلافاً لتوجّهاتنا، وإيران قد أمسكت بقيادة هذه القوّة"، فهذا السياسي العاجز والمتحيّر يعترف ويقول إنّ الخميني يضرب خيامه خلف حدودنا. وأحد السياسيين الأمريكيين المخضرمين والذي نعرفه جيداً في إحدى الاجتماعات، قارن بين أمريكا في العام 2001م وأمريكا في العام 2011م، ويقول: ـ وكلّ هذا الكلام صادرٌ في الشهرين الأخيرين ـ "أيّ مجنونٍ قد بدّل وضع أمريكا، القوّة العظمى في بداية الألفيّة، إلى تلك الظروف المحزنة التي آلت إليها عام 2011م؟" ثم يقول: "هذه التحوّلات التي وقعت وأفضت إلى هذا الوضع كانت إيران هي المثيرة والمحفّزة لها". ومعنى هذه الكلمات أنّ شعب إيران اليوم قد استطاع بحضوره واستقامته وعزّته وصلابته أن يترك بصمات واضحة وعميقة على أحداث العالم المهمة، وحوادث المنطقة ذات الأهمية. وهذا أحد مؤشّرات التقدّم، والذي كما ذكرت هو أمرٌ واقعي وماثل للعيان.

النموذج الثالث: الثورة الصناعية والعمرانية
المؤشّر الآخر هو ما يتعلّق بحجم الخدمات العمرانية في هذا البلد. بوسعكم اليوم مشاهدة الخدمات العمرانية بالمعنى الوسيع للكلمة في كل أنحاء وجوانب هذا البلد، وهي خدمات تزداد عاماً بعد عام. وهذا من جملة المؤشّرات المهمة لتقدم شعب من الشعوب. فمن مؤشرات التقدّم هو أنّ أعقَد المشاريع والأجهزة الصناعية، والمشاريع الهندسية، ومصانع الفولاذ، ومحطّات الطاقة، والأعمال الكبرى تُنجز في هذا البلد، وتجري بشكل تام على أيدي المتخصّصين الإيرانيين، والشباب الذين صنعتهم هذه الثورة.
 
 
 
 
 
 
 
 
194

162

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 إنّنا اليوم في غنى تام عن المتخصصين الأجانب في الكثير من المشاريع والأعمال المهمة التي يجري إنجازها في هذا البلد. هذا البلد الذي كان عندما يريد أن يعبّد طريقاً أو يبني جسراً في شارعٍ ما كان عليه أن يستقدم الأشخاص من الخارج، هو اليوم يقوم بالأعمال الكبرى والمشاريع الهندسية العظيمة والإنجازات المعقّدة. إنّ الذين ينجزون مثل هذه الأمور هم هؤلاء الشباب الذين تربّوا في بيئة الثورة، فتكاملوا وسموا ووضعوا على عواتقهم تلك الأثقال. 

النموذج الرابع: الحركة العلمية المتسارعة
المؤشّر الآخر هو الحركة المتسارعة العلمية للبلد ـ والتي أُعلن عنها مراراً وتكراراً ـ تلك الابتكارات التي عُرضت، والمرتبة العلمية للبلاد عام 2011م، تُعدّ كلها مفاخر. وليس هذا حكماً نحن نصدره فإنّ ذلك هو تقييم المراكز العلمية الرسمية في العالم، حيث يقولون إن النموّ العلمي للبلد هو أسرع بـ 11 مرة من المعدّل العام العالمي، وعام 2011م كان قد ازداد هذا النموّ بنسبة 20% عما كان عليه في العام السابق، وهذا ما يقولونه أنفسهم. وفي بعض المجالات، كالمجال النووي والنانو تكنولوجي والخلايا الجذعية والفضاء وتقنيات الأحياء فإن وضعنا متألّقٌ. إن الأعمال التي يتم إنجازها هي أعمال متألقة، نظائرها في العالم معدودة. ومن بين جميع هذه الدول في العالم ـ الدول المتطورة وغيرها ـ فإن بعض هذه الأعمال لا وجود لها إلا في خمس أو عشر أو خمس عشرة دولة، ولم يقدّم لنا أحد أي مساعدة على المستوى العلمي. وقد أغلقوا الأبواب وسدّوا الطرق أمام طلّاب جامعاتنا في المراكز العلمية المتطوّرة في العالم، وكلّ ذلك قد نبع من الداخل. وهنا أقول أيضاً: إنّ مختلف أنواع الحظر التي طبّقوها علينا قدّمت لنا أكبر الخدمات في هذا المجال.
 
النموذج الخامس: نظام السيادة الشعبية الإسلامية
ومن مظاهر ونماذج ومؤشرات التقدّم هو السيادة الشعبية الإسلامية13 والتي ينبغي التوجّه إليها نظراً لأهميّتها الفائقة. لقد كان لدينا في هذا البلد انتخاباتٌ حماسية، انتخابات رئاسة الجمهورية في العهود المختلفة والتي كان أكثرها ملحمية وحماسةً، (الدورة العاشرة التي جرت قبل ثلاث سنوات)، وكذلك تلك الانتخابات لمجلس الشورى، فقد جرى تسع دورات تشريعية في هذا البلد، وجميع هذه الدورات التسع قد افتُتحت في اليوم السابع من شهر خرداد من دون أي تأخير، فهل هذا أمرٌ بسيط؟ طيلة 33 سنة كان هناك 9 دورات انتخابية للمجلس، وتشكّل مجلس الشورى 
 
 
 

1- راجع حاشية الصفحة 117. 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

163

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 الإسلامية تسع مرات بدون أي تأخير ولو ليومٍ واحد. فلا يوجد أية حادثة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو أي من تهديدات العدوّ استطاع أن يؤخر هذه الانتخابات يوماً واحداً. وفي جميع هذه الدورات كان السابع من شهر خرداد هو يوم تشكيل المجلس الجديد.


النموذج السادس: الشعارات الثورية الحية
المورد الآخر هو الدوافع والشعارات الثورية للناس. انظروا إلى احتفالات ذكرى الثورات في العالم، كيف تجري في تلك الدول، فإنّهم يجرون مراسم رسمية ويجتمع عددٌ من الرجال في مكانٍ ما، وفي بعض الأحيان يتم استعراض القوى المسلّحة. وفي إيران، فإنّ ذكرى انتصار الثورة ـ أي 22 من بهمن ـ يتمّ التعبير عن ذلك بواسطة ملايين الناس في سائر أنحاء البلاد بكامل الشوق والرغبة، وفي كل سنة يتعاظم هذا الشوق وهذا الحماس قياساً إلى السنة السابقة، وتكون المشاركة أكثر حماسة وأهم وأوسع، وهذا دليل على حياة هذا الشعب وتقدّمه على صعيد الأهداف الثورية.

النموذج السابع: التوجّه نحو المعنويات
وفي مجال تهذيب وتطهير الروحية الأمر كذلك، بعض الناس ينظرون إلى بعض المظاهر ويرون أنّ هناك عدداً من النساء والرجال يقومون ببعض الأعمال المخالفة، وفوراً يصدرون أحكاماً عامّة، فهذا خطأٌ. فالناس يهتمون بالمعنويات. اذهبوا في هذه الأيام إلى مساجد الجامعات سترون ماذا يحدث في أيام الاعتكاف، فمن الغد سيتوجّه شبابنا إلى المساجد للاعتكاف. وإنّ مساجد جامعاتنا تُعدّ من أكثر مراكز الاعتكاف ازدحاماً وحماساً ودفئاً، عدا عن المساجد العامة والكبرى التي يشارك فيها الجميع. هذا مؤشّر على حركة الشعب و الناس نحو المعنويات. فبهذه يمكننا أن نشخّص ونحكم على أنّ بلدنا وشعبنا في حال تطوّر. إنّ بلدنا يتقدّم في مختلف الأبعاد، وكلّ ذلك تحت راية الإسلام، وفي ظلّ الدعوة الإلهية لهذا الرجل الجليل والإنسان الشامخ والخليفة بحقّ للأنبياء والأولياء الإلهيين. هذا الرجل العظيم فتح الطريق أمام شعبنا. 
 

الخوف من إيران الإسلاميّة لا النوويّة
المحافل السياسية والإعلام العالمي يتشدّق بخطر إيران النووية، وأن إيران النووية هي خطر! وأنا أقول إن هؤلاء يكذبون ويخادعون. إنّ ما يخشونه، وينبغي أن يخشوه، ليس إيران النووية، بل إيران الإسلامية. إنّ إيران الإسلامية هي التي زلزلت أركان 
 
 
 
 
 
 
 
196

164

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 القدرة الاستكبارية. لقد أثبت شعب إيران أنّه شعبٌ يستطيع أن يصل إلى التقدّم الواقعي بدون الاعتماد على أمريكا أو على القوى المدّعية، بل في ظلّ عداءات أمريكا وتلك القوى. هذا درسٌ، وهم يخافون من هذا الدرس. إنّهم يريدون إقناع الشعوب والنخب السياسية أنّه بدون مساعدة أمريكا وفي خارج فلك نفوذ أمريكا لا يمكن تحقيق التقدّم. لقد أثبت شعب إيران أنه يستطيع الوصول إلى التقدّم بدون أمريكا بل في ظل عداء أمريكا. هذا درسٌ كبير وهم يخافون منه.

حسناً، هنا أصل إلى آخر الكلام في هذا المجال.
 
مواجهة الدنيا والذات الإنسانيّة
أعزائي، أيها الشباب الأعزاء، أيها الشعب المؤمن، لقد سجّلنا رقماً قياسياً وتقدّمنا، ولكن لو أردنا أن نرضي أنفسنا بما وصلنا إليه فإنّنا سنُهزم، فلو توقّفنا فسنرجع للخلف، ولو أُصبنا بالغرور والعجب فإنّنا سنسقط أرضاً، لو أنّ مسؤولي البلد ـ وبالخصوص ما يتعلق بنا نحن المسؤولين ـ لو أنّهم ابتلوا بمحورية الذات والتكبّر والعجب، فإننا سنُكبّ على مناخرنا. هذا هو العالم وهذه هي السنّة الإلهية. فلا ينبغي أن نكون في سعي للحصول على المحبوبية ومتاع الدنيا، ونيل الحياة الأرستقراطية والحصول على الكماليات. علينا - نحن المسؤولين - أن نصون أنفسنا كما صان هذا الرجل الجليل نفسه. فإذا أخطأنا هنا سنكون مصداقاً لتلك الآية الشريفة ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾1
 
إنّ التوقّف على طريق التقدّم ممنوعٌ، والعجب والانبهار بالذات ممنوع. والغفلة ممنوعة، والنزعة الارستقراطية ممنوعة، والسعي وراء الملذات ممنوع. وكذلك الرغبة في نيل زخارف الدنيا، كل ذلك ممنوعٌ على المسؤولين، فمع هذه الممنوعات يمكننا أن نصل إلى القمم. إننا نسير على السفح ولم نصل إلى القمّة بعد، وتفصلنا عنها مسافة. يوم يصل الشعب الإيراني إلى القمة سوف تنتهي حالات المعارضة والخصام الخبيثة. وأمامنا مسافة حتى ذلك اليوم. يجب مواصلة المسير دون توقّف... إنّني أقول للشباب والمسؤولين والجامعيين والعلماء الأجلّاء ولكلّ من يمتلك القدرة على مخاطبة الناس ولأولئك الذين يؤثّرون على أذهانهم: يجب أن نكمل هذه الحركة نحو التقدّم دون
 
 

1- إبراهيم، 28-29.
 
 
 
 
 
 
 
 
197

165

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 توقّف، سواء في المجال السياسي أم العلمي والتقني، وبالخصوص في مجال الأخلاق والمعنويات. يجب أن نهذّب أنفسنا ونصلحها ونشخّص عيوبنا ونسعى لرفعها. فلو قمنا بهذا الأمر فإنّ تلك الموانع التي يوجدها أعداؤنا على طريقنا لن يكون لها أي تأثير. لن يكون للحظر أثر ولا يمكن له أن يمنع شعب إيران من التحرّك نحو الأمام. والأثر الوحيد الذي يمكن أن تتركه كل أنواع الحظر التي تُمارس من جانب واحد أو عدة جوانب على شعب إيران هي أنها تعمّق النفور والعداء للغرب في قلوب شعبنا.


الإسلام الأساس الفكري للصحوة الإسلاميّة
حسناً، إن الحديث يجري عن العزّة الوطنية. إنّ هذه النهضات والثورات التي تحدث في المنطقة ـ والتي إذا نظرتم إليها سترون أنّها جميعاً مرتبطةٌ بالعزّة الوطنية ـ من اليمن والبحرين وحتى مصر وليبيا وتونس، وكذلك تلك الدول التي ما زال الجمر فيها تحت الرماد وسوف يشتعل يوماً ما، كلّ هذه ذات دوافع ترتبط بالرجوع إلى العزّة الوطنية والعدالة الاجتماعية والحرية، وكلّ ذلك تحت ظلّ الإسلام. عندما نقول الصحوة الإسلامية فإنّ هذا الكلام له جذورٌ وأصول. فالشعوب المسلمة تريد العدالة والحرية والسيادة الشعبية، واحترام الهوية الإنسانية، وكلّ ذلك يرونه في الإسلام لا في المذاهب الأخرى، لأنّ المذاهب الأخرى قد جرّبت وفشلت. وبدون المباني الفكرية لا يمكن الوصول إلى تلك الأهداف السامية. وذاك المبنى الفكري بحسب إيمان واعتقاد شعوب المنطقة هو عبارة عن الإسلام والصحوة الإسلامية، هذه هي ماهية هذه النهضات. الغربيون والحكومات التابعة للغرب في هذه المنطقة يريدون إظهار القضية بصورةٍ أخرى، ويريدون الإيحاء للرأي العام بشيء آخر، ولكن لا فائدة من ذلك. على الشخصيات المؤثرة أن تحذر وتدقق من الالتفاف عليها. والشعوب أيضاً يجب أن تحذر من الالتفاف عليها. لقد قامت هذه الشعوب بعملٍ كبير. 

مصر الثورة وأساليب الغرب الخبيثة
وقد تبدّل المناخ السياسي والاجتماعي للمنطقة تبدلاً أساسياً. وهذا ما يتعلق بالوضع الحالي: في الخطوة الأولى تغيّر المناخ السياسي في المنطقة. ونموذج ذلك أنه في مصر مثلاً حينما وصلت نهضة الشعب إلى نقطة الغليان والذروة حاول الكثير من الغربيين والحكومات المستبدة في المنطقة أن تدعم مبارك وتنقذه وتقمع الجماهير. ولكن بعد أن انتصرت الجماهير، الآن، راحت هذه القوى نفسها- وأشدّها استبداداً ودكتاتورية وذلة أمام الغربيين - تتحدث عن حقوق الشعب والديمقراطية! هذا معناه أن الديمقراطية 
 
 
 
 
 
 
 
 
198

166

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 تحوّلت اليوم إلى عملة شائعة، وشعار حتمي في المنطقة بحيث اضطر حتى الذين لم يكونوا على استعداد لأن يصل اسم الشعب وحقوقه لأسماع أحد، اضطروا من أجل كسب الرأي العام للتحدث عن الديمقراطية وحقوق الشعب! إنّ مسألة هذه الثورات مهمّة جداً. وأؤكد على مصر، فمصر بلد كبير وشعب عريق ومنطقة أساسية في العالم الإسلامي، لكن الحكّام الفاسدين والمرتزقة والمنحطين والأذلاء أذلوا شعب مصر وحولوا مصر إلى كنز استراتيجي للكيان الصهيوني، وهذا تعبير أحد الزعماء الصهاينة. لقد حوّلوا دولة مصر وشعبها العظيم إلى كنزٍ للنظام الصهيونيّ الغاصب المختلق. فهل يوجد ما هو أذلّ من ذلك؟ وها هو الكنز الآن يسقط. وهو يخرج من أيدي مغتصبي دولة فلسطين. لقد ضمن نظام مبارك أمن إسرائيل طيلة 30 سنة، بل كانوا على استعداد لحبس مليون ونصف المليون من أهالي غزة في سجن كبير. مليون ونصف المليون من أهالي غزة كانوا تحت القصف الخبيث للصهاينة، ومن جهة أخرى أغلقت عليهم كل طرق عبور المؤن الحيوية عبر مصر من قبل نظام حسني مبارك، وهذا شيء لن ينساه التاريخ.


الكيان الصهيوني في حيرة
في أيام حرب الـ 22 يوماً قال أحد المجاهدين الفلسطينيين في حوار معه إنه منذ الأيام التسعة عشر التي مضت على الحرب لم نستطع استيراد حتى 19 كيلوغراماً من القمح والدقيق من مصر! كانوا قد أغلقوا طريق نقل الطعام والأدوية وسائر المستلزمات والإمكانيات في رفح، من أجل أن يجوّعوا ويضغطوا على مليون ونصف المليون إنسان ويحبسوهم في السجن لصالح الكيان الصهيوني! ها هو هذا النظام قد سقط. والنظام الصهيوني يشعر بالحيرة والضياع. وكل هذا الضجيج والصراخ الذي تسمعونه من تصريحات الزعماء الصهاينة، ورفع عقيرة إعلان العمل العسكري والهجوم العسكري يحكي عن خلوّ أيديهم ورعبهم وحيرتهم. يعلمون أنهم في مثل هذه الظروف قد أصبحوا أكثر ضعفاً من أي وقتٍ. فأي خطوة معوجّة يخطونها، وأية حركة غير مناسبة يقومون بها ستنزل على رؤوسهم كالصاعقة.

أمريكا والغرب غارقون في الأزمة
الغربيون والأمريكيون الذين كانوا دوماً يدعمون النظام الغاصب من دون قيد وشرط، أصبحوا اليوم متورطين أكثر من أي وقت مضى. فاليوم صُفع الغرب وصار وجهه بسبب هذه الصفعة محمرّاً. فهم يعانون من المشاكل المالية والاقتصادية والاجتماعية، وهم عاجزون أمام شعوبهم. فقد تهاوت عدة حكومات داعمة 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

167

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 لأمريكا في أوروبا. ولو وجد الناس هناك مجالاً فسيزيلون أي أثر من آثار الاستكبار الأمريكي في أوروبا بحضورهم وقدرتهم. هذا هو وضعهم اليوم، وأمريكا هي أسوأ من الجميع، فالشعوب تكره أمريكا، وأمريكا غارقة في الأزمة. وبالطبع أمريكا تريد نقل هذه الأزمة إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، يريدون التستر على ضعفهم من خلال اختلاق الحوادث في البلاد المختلفة والمناطق الأخرى. ومن جملة الأمور التي يريدون القيام بها تحويل هذه الثورات الشعبية العظيمة إلى ضدها، وإلهاء الناس بالخلافات القومية والمذهبية والطائفية، ونحن علينا أن نكون يقظين. 


اليقظة والاستعداد لمخططات أمريكا والغرب
ونحن علينا أن نكون يقظين، ها هم الأمريكيون اليوم يستفيدون من تجربة البريطانيين في إيجاد الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنّة. الإنكليز متخصصون في بث العداوات بين الفرق والجماعات بما في ذلك بين الشيعة والسنة في العالم الإسلامي. كان هذا عملهم واختصاصهم منذ مئات السنين. والأمريكان الآن يستفيدون من تجاربهم.. تأتي قضية فلسطين وتحدث قضية مصر، وبمجرّد أن يصبحوا مقابل الشعوب حتى يسارعوا إلى طرح قضية مذهبية بطريقة ما وبخدعة معيّنة. فعلى الجميع أن يكونوا يقظين سنّة وشيعة، وعلماء الدين والنُخب الجامعية عليهم أن يكونوا يقظين، وكذلك كل أبناء الشعب. فليفهموا ماذا يُفعل، وليعرفوا مؤامرة العدوّ وخطّته، ولا يقدّموا العون والمدد للعدو. هذا ما يفعلونه اليوم. 

بالطبع، إن الغربيين ومنهم الأمريكيون يتحرّكون بطريقة جنونية. إنّهم يضخّمون الملف النووي من أجل أن يغطّوا على قضاياهم أمام الأنظار. ويجعلون الملفّ النووي الإيراني على رأس قضايا العالم، في حين أن القضية ليست كذلك. وكذباً يأتون على ذكر السلاح النووي، ويضخّمون بأكاذيبهم هذه القضايا في الإعلام وهدفهم هو صرف الأذهان والرأي العام عن الأحداث التي تجري في أمريكا نفسها وفي أوروبا بالذات وحرفها عن ذلك. وبالتأكيد لن ينجحوا في ذلك.

إنّ نظرتنا إلى المنطقة متفائلة. إنّ مصر اليوم مشغولة بقضاياها الداخلية الخاصة وهذا طبيعة الثورات. فتقع أحداثٌ لا بدّ من حلّها، ويصبح الشعب مشغولاً بها.ومثل هذه الأحداث توجد بعض الفراغ فتمنح بعض الدول فرصة للتدخل في قضايا المنطقة بما ينسجم مع رغبة الغرب وأمريكا، فبالنيابة عن أمريكا ينفقون الأموال ويتحرّكون 
 
 
 
 
 
 
200

168

في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الإمام الخميني قدس سره

 ويسافرون هنا وهناك. ولكن إن شاء الله فإنّ الدول التي حدثت فيها الثورات وخصوصاً بلاد مصر الكبيرة سوف ترجع إلى استقرارها، وتتغلّب على المشاكل والخدع. لقد سقط النظام الدكتاتوري وسوف تُطوى صفحة الأذناب إن شاء الله، وستعود الشعوب إلى القيام بدورها.

 

مظلوميّة شعب البحرين
هنا بالطبع يلزم أن أقول بصراحة إنّ شعب البحرين في وسط أحداث المنطقة يعاني من مظلومية مضاعفة، فهم في الواقع مظلومون. إن شعب البحرين يتم قمعه بواسطة النظام المستبد والدكتاتوري بدون سببٍ، فيتم الرد على اعتراضاتهم بأعنف الطرق، في حين أنهم ماذا يريدون؟ إنهم يطالبون بأبسط الاحتياجات الإنسانية لأيّ دولةٍ شعبية، لا يريدون شيئاً كثيراً. هناك يطرحون قضية الشيعة والسنة فيُقال أنهم شيعة. إنها ليست قضية الشيعة والسنة، إنها قضية شعب. ويصادف أن هذا الشعب بنسبة 70% من الشيعة، ولو كان 70% من الشعب على مذهبٍ آخر، وكان الحكام من مذهب مخالف تبقى القضية كما هي لا فرق. إنّ شعب البحرين - الذي هو على مذهب التشيّع واتباع أهل البيت عليهم السلام - يواجه حكومة مستبدة، القضية ليس أن هذه الحكومة لها مذهبٌ معين وللشعب مذهبٌ آخر. فالشعب الإيراني واجه نظام الشاه الذي كان في الظاهر مسلماً وشيعياً ويزور حرم الإمام الرضا عليه السلام. لهذا إن القضية ليست قضية الشيعة والسنة. فيأخذون القضية إلى حيز الخلافات المذهبية والطائفية من أجل التغطية على حق الجماهير. ولكن بمشيئة الله سيصل كل هذا الجهاد إلى خاتمة طيبة، ويجب علينا أن نلتفت جيداً حتى لا تشتعل نيران القومية والطائفية والمذهبية. هذه هي رغبتنا وطلبنا وهذه هي نصيحتنا إلى كل أطراف القضية.

نسأل الله تعالى أن يعين، وسوف يعين حتماً وبلا شك. إنّ مستقبل الشعوب المسلمة والإسلام والمسلمين وشعب إيران سيكون أفضل من الماضي.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
201

169

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 

 

المناسبة: انتخابات الدورة التاسعة. 
الحضور: نوّاب المجلس التاسع. 
المكان: طهران.
الزمان: 13/6/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
203

170

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أرحّب بالإخوة والأخوات الأعزّاء، والنوّاب المحترمين والإخوة المنتخبين من شعب إيران الواعي والمؤمن. 
 
التنظيم والمتابعة
أشكر حضرة السيد لاريجاني على النقاط الجيدة والمفيدة التي ذكرها، سواء فيما يتعلق بتاريخ المؤسسة التشريعية و مجلس الشورى في البلاد خلال تاريخنا القصير، أم على صعيد ما يتوقّع من مجلس الشورى الإسلامي. النقاط التي ذكرها نقاط صحيحة. إذا برمج نواب المجلس المحترمون ونظّموا أعمالهم إن شاء الله - وهناك أمل ورجاء واثق بهذا الشيء - من نفس هذا الموقع، باستقلالية وحريّة فكرية ورعاية لمصالح البلاد وانطلاقاً من روحية الشجاعة مقابل العدوّ والأمل بالمستقبل، ونظّموها وتابعوها، فإنّ البلد سينتفع حتماً، وسوف نتقدّم على هذا الطريق.
 
هكذا انتصرت الثورة 
أداء التكليف وإخلاص النيّة (الإمام الخميني نموذجاً)
توجد نقطةٌ أساسية هنا يجب علينا جميعاً أن نلتفت إليها ـ وأنا العبد أكثر احتياجاً منكم إلى هذا الالتفات وكذلك أنتم جميعاً بحاجةٍ إلى ذلك بما تقتضيه المسؤولية ـ وهي الشعور بالتكليف، الإخلاص في النية والعمل لله. فلو حصل هذا، فإنّ جميع مشاكلنا سوف تُحلّ، وسوف تُفتّح الأبواب والطرق. لو حصل ذلك ستشملنا رحمة الله وعونه، ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾1ـ نفس هذه الآيات التي تُليت2 ـ فلو حصل ذلك سيزول الوهم الخاطئ للانهزام مقابل العدوّ وتسلّطه. التوكّل على الله والارتباط به ـ الذي ينشأ من النية الخالصة ـ يحلّ جميع المشاكل. هكذا انتصرت الثورة. لو أنّ إمامنا الجليل ـ الذي كان قائداً بكلّ ما للكلمة من معنى ـ لم يكن لديه مثل هذا التوكّل وهذا الإخلاص لما كانت هذه الثورة لتنتصر حتماً. لو أنّ الناس الذين نزلوا إلى الميادين والنّخب التي جرّت الناس إلى وسط الميدان لم تكن تحمل هذا الإخلاص وهذا العمل لله، لما تقدّم العمل. وكان الأمر كذلك في مرحلة الدفاع المقدّس. 



1- الأنفال، 29.
2- الآيات التي تليت في افتتاحية اللقاء.
 
 
 
 
 
 
 
 
205

171

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 الشهادة تجارة خالصة

قيل إنّ عدداً كبيراً منكم كانوا في مرحلة الدفاع المقدّس. حسناً، هؤلاء الذين كانوا يعلمون عن قرب، ماذا كان يحدث وكيف؟ وما هي الوقائع؟. السرّ الأساسي هو: فليكن اهتمامنا بالتكليف والسعي لكسب رضا الله. إذا نظرنا إلى الحياة نظرة تجارية لخلُصنا إلى نفس هذه النتيجة أيضاً. أنا العبد في السنوات السابقة كرّرت قائلاً: إنّ الشهادة في سبيل الله هي موت تجارة، أي إنّه موتٌ يتمحور حول النفع. وفي الواقع هو هكذا. فالذي لا يستشهد في سبيل الله ولا يقدّم هذه النفس التي أودعت في أيدينا كعارية1 في سبيل الله، فهو في النهاية لن يستطيع أن يحتفظ بها وسوف يقدّمها، "ما أجمل أن يكون هذا الزيت المراق قد جُعل نذراً لابن الإمام"2. ما أجمل أن يكون هذا الأمر الذي لا بدّ منه ـ حيث إنّ الموت حادثةٌ لا مفرّ منها بالنسبة لنا ـ وسيلةً لسعادتنا، ووسيلةً لتمتّعنا في الحياة الواقعية باللطف الإلهي. إنّ الشهادة في الواقع هي موتٌ كسبيّ (تجارة رابحة).
 
ونفس هذه القضية فيما يتعلّق بمساعينا الدنيوية. ولو أنّنا تجاوزنا المال والمتع والمتاع، وكل أنواع الأهواء العبثيّة والمحرمة، فإنّنا نكون قد قمنا بفعل التجّار وربحنا، لأنّ الله تعالى، ولأجل هذا الإيثار، يعطينا من الثواب ما يجعل كل ما يمكن أن نتمتّع به ونحصل عليه من متاع (الدنيا) صفراً وتحت الصفر بل لا شيء، إذا ما قورن به. فالعمل في سبيل الله هو هكذا. وبرأيي إنّ هذا هو أصل قضايانا.
 
 
هويّة المجلس الدعوة إلى القيم والمعنويّات
أنتم كركنٍ أساسيّ ـ حيث إن مجلس الشورى الإسلامي هو ركنٌ أساسيّ ـ قد وجدتم أنفسكم في وسط نظام يعيش في عالمٍ مهووسٍ بالماديات، وهو (مجلس الشورى) يطرح في المقابل نداء المعنويات، ولهذا فإنّه يكشف عن خطأ مسار حركة العالم المادّية. حسنٌ، فمن الطبيعي عندها أن يواجه العداوات. ما يذكره بعض الناس من إشكالات ـ بالتلميح والتصريح ـ ويقول يا جماعة لا تجعلوا العالم كلّه يقف مقابلكم، برأيي هذا كلامٌ صادرٌ عن عدم تفكير. فأنتم عندما تكونون دعاة الحكومة المعنوية والدينية، وعندما تعلنون عن السيادة الشعبية الدينية أو الإسلامية، فهذا بحدّ ذاته بدء النزاع. إنّ مشكلة العالم هي مواجهة الدعوة الدينية. وعندما نذكر العالم فمرادنا هو تلك الأجهزة التي تديره، 
 
 
 

1- العارية: مصطلح فقهي، من الإعارة أي إعطاء الشيء دون مقابل بهدف الانتفاع منه وإعادته إلى مالكه.
2- مثل شعبي يقال عند حالات البخل وإهدار فرص الخير والبذل.


 
 
 
 
 
 
206

172

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 وأولئك الأشخاص الذين تقوم هويّتهم وشخصيّتهم على أساس نهب البشر وتوجيه الضربات للإنسانية والقيم الإنسانية من أجل متعهم المادية. لقد سمعتم عن فراعنة التاريخ ورأيتم. حسناً، فراعنة التاريخ كانوا يقفون بوجه القيم الإنسانية والعالم بأيديهم. وفي مواجهة هؤلاء عندما تتمكّنون من إيجاد جهازٍ إداريّ وحكوميّ، دعوته عبارة عن التوجّه إلى المعنويات والدفاع عن القيم الإنسانية والقيم الإلهية ـ حيث إنّ روح القيم الإنسانية ومعناها هو هذه القيم الإلهية ـ فمن الطبيعيّ أن تُواجهوا باعتراضات ومعارضات ـ حسناً، وفي طريق هذه المعارضة يجب أن تعتمدوا على قدرةٍ، وهذه القدرة ليست السلاح المادّي والقنبلة الذرّية وأمثالها، بل إنّها القدرة المعنوية والاتّكال على الله، هذا هو أساس القضية. أنا وأنتم ـ وأنا العبد أكثر منكم ـ نحتاج إلى أن نجعل نيّاتنا وقلوبنا وأهدافنا إلهية أكثر فأكثر. ولو حصل ذلك ستُحلّ مشاكلنا، ولو حصل هذا فسوف نتقدّم، ولو حصل ذلك فسوف ييأس العدوّ من التغلّب علينا. 


العلاقة بالله معيار النجاح
إنّ نقائص العدوّ كثيرة، ولهذا بحثٌ طويلٌ مفصّل ليس مكانه هنا. وأنتم بحمد الله جميعاً تتمتّعون بمستويات رفيعة من حيث الفكر والعلم والثقافة. ويمكنكم أن تدركوا المسائل جيداً وتحلّلوها. وواقع القضية هو هذا، فلو أنّ الإنسان استطاع أن يُحكم علاقته بالله في هذا النظام الإلهي، فإنّه بأي نسبةٍ نتقدّم على هذا الطريق فإنّه ستكثر نجاحاتنا ولا شك في مواجهة العدوّ، سوف ترتفع الموانع، يجب أخذ هذا بعين الاعتبار. وبالتأكيد هناك لكلّ منصبٍ أو عملٍ أو مهمّةٍ متطلباته وللمجلس بالطبع متطلباته، ولو كنتم في الحكومة لكان الأمر كذلك، وهكذا بالنسبة للأجهزة المختلفة أو حتى خارج الأجهزة الحكومية. يجب أن يكون الهدف هو أن نعمل لله. إنّ الكثير من الإشكالات التي تعترضنا اليوم ـ حيث إنّ الكثير منها يرد علينا ـ فإنّنا لو أصلحنا هذه النية وهذا التوجّه فإنّ هذه الإشكالات ستزول بنفسها.
 

خصائص المجلس
وفيما يتعلّق بمجلس الشورى الإسلامي، فإنّ ما يمكنني أن أعرضه في جملتين تحت عنوان الجمع، هو أنّ على المجلس أن يكون حيّاً وسالماً، فهاتان الخصوصيتان ضروريتان في المجلس.
 
 
 
 
 
 
 
207

173

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 الخصّيصة الأولى: حياة المجلس 

أ- القانون الجيد والرقابة الصحيحة
إنّ حياة المجلس هي في إظهاره للنشاط والتحرّك والحيوية النابعة من نفسه. فلو كان المجلس راكداً وخامداً وليس فيه أيّ ناتجٍ صحيحٍ ومناسبٍ في القطاعات المختلفة فهو ناقصٌ. فالتحرّك والنشاط علامة الحياة ودليل الحياة، كيف يمكن تجسيد هذا النشاط والحركية عملياً في الواقع؟ يجب إنجاز الوظائف بشكلٍ صحيح، القانون الجيّد. في ذيل هذه الكلمة "القانون الجيّد" يمكن تحديد 10 أو 15 مؤشراً ومعياراً: أن يكون منسجماً مع الزمان، وأن لا يكون تكرارياً، وأن لا يكون له معارض وغيرها وغيرها، هذه تحدّد القانون الجيّد. الثاني، هو الرقابة الصحيحة. فهاتان هما وظيفتا المجلس الأساسيتان. في الدرجة الأولى التشريع ومباشرةً تأتي قضية الرقابة الصحيحة. فالرقابة الصحيحة يمكن ترجمتها. ولها معايير محدّدة، فقوموا بتحديدها. وليس من الضروري أن أذكرها، فأنتم تعلمونها، وهي من معارفنا الواضحة. فالرقابة التي تنشأ من النوايا السيئة هي رقابة غير صحيحة. فالرقابة المنحازة لهذا أو ضدّ ذاك ليست من الرقابة الصحيحة. والرقابة التي ليس فيها تعمّقٌ ليست صحيحة، لهذا كان للرقابة الصحيحة معايير عليكم أن تحدّدوها.

ب- مؤشّر الحضور الفعّال
والتواجد المفيد في بيئة العمل يُعدّ من علامات الحيوية. وبالتأكيد إنّ ما أذكره هنا يمثّل ما يُتوقّع من جماعة المجلس وهي بذاتها تعتمد على الأفراد. وكلّ واحدٍ بشخصه إذا لم يكن حاضراً أثناء عمل المجلس أو في الجلسات العلنية أو في اللجان، صحيحٌ أنّه سيقول إنّني واحدٌ من مئتين وتسعين لكن لهذا تأثيره، سواء على مستوى قدر الشخص أم تأثيره على الآخرين. أي أنتم الذين لا تحضرون، عدم الحضور في المجلس يكون سهلاً بهذه الدرجة، وغيركم ممن كان متقيداً بالحضور، يتوقّف عن الحضور. وهذه من مصائب المجلس. فاسعوا لإزالة هذه المصيبة من المجلس التاسع. فالحضور المفيد في بيئة العمل من علامات الحيوية.
 
 
 ج- المجلس والمشاركة السياسية الداخلية والخارجية
المشاركة السياسية في أجواء البلاد والعالم. إنّ المجلس يُعدّ واجهةً للثورة والرأي العام الشعبي والسياسات العامّة للبلد. تلك القضايا التي تحدث في المنطقة وفي العالم، يجب على المجلس أن يبيّن موقفه منها. وبالطبع، ولحسن الحظ، فإنّ المجالس الأخيرة كانت في هذا المجال فعّالة وجيّدة. فانظروا إلى المنطقة اليوم تجدونها مليئة بالاضطرابات. إنّ ما تبثّه وكالات الأخبار صدقاً أو كذباً فيما يتعلّق بالأخبار والمظاهرات الخارجية هو
 
 
 
 
 
208

174

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 جزءٌ صغير من تلك الحادثة التي تقع الآن في المنطقة. فهذه المنطقة ليست جزءاً عادياً من مناطق العالم، إنّ هذه المنطقة هي قلب العالم، فهي محلّ اتّصال ثلاث قارّات، وهي منطقة نفطية مهمّة، وكذلك على مستوى السياسة الاستعمارية للغرب، مع وجود هذه الحكومة الصهيونية. فهي منطقة عجيبة. ولهذا فإنّ قضايا هذه المنطقة هي قضايا العالم. فليس الأمر كما نقول: إنّه يوجد في زاوية من العالم مشكلةٌ في أربع دول، كلا، هنا قلب العالم. حسنٌ، هنا مسائل تحدث فما هو موقفنا منها؟ فهذه قضايا مهمّة. إنّ حياة المجلس هي أن يكون له رأي ومشاركة في هذه القضايا. ولهذا الكلام تأثيرٌ. فاليوم من الممكن أن يكون لموقفكم تأثير في كلّ بلدٍ من هذه البلدان التي أشير إليها، بلدان المنطقة هذه. لو أنّنا فكّرنا جيداً واخترنا العبارات اختياراً صحيحاً وأطلقناها في الوقت المناسب، فسوف يكون لذلك تأثيرٌ على هذه التحرّكات التي تقع من جهتين في هذه المنطقة، سواء من جهة جهاز الغرب الشيطاني والمهاجم، أم من جانب الناس الذين هم أصحاب الحق. لهذا فإنّ الحياة هي هذه. إنّ المجلس الحيّ هو المجلس الذي يقدّم قانوناً في الوقت المناسب وبشكلٍ صحيح ويراقب ويكون له في قضايا البلد وقضايا المنطقة مشاركةٌ وعمل. 


لا ينبغي الغفلة عن هذه اللجان، فهي مهمّةٌ، إنّها غُرف التفكير من أجل إنضاج القضايا في ساحة المجلس، وفيه يتمّ اتّخاذ القرارت التي تمسّ مصير البلد للسنوات الأربع التالية. قد تشرّعون قانوناً ويكون له تأثيرٌ في البلد على مدى عشرين عاماً، ويحدّد مساراً معيّناً.
 
 
الخصّيصة الثانية: سلامة المجلس 
أ- السلامة السياسية والمالية
وإلى جانب حياة المجلس، فإنّ قضية سلامته مهمّةٌ أيضاً. فيجب أن يكون حيّاً وسالماً. وذلك من جهاتٍ عدّة سياسياً وأخلاقياً ومالياً، فهذه قضايا تتعلّق بكلّ واحدٍ من أصدقائنا الأعزّاء، ونوّابنا المحترمين. فلو ظهر توجّهٌ في المجلس، يتنافى وبعض أسس الثورة ـ بالتأكيد إنّ مثل هذه التوجّهات عموماً، تكون توجّهات صغيرة أو محدودة، ولن تكون توجّهات عامّة وكلّية ـ فهذا دليل عدم السلامة. أو إذا زال هم وهاجس أداء الواجب في المجلس فهذا دليل عدم السلامة. فلو استحكمت حالة اللامبالاة فيما يتعلّق بالقضايا المالية ـ أخذ المال وإعطائه والتبعية والواسطة وغيرها من الأمور الشائعة ـ فهذا مؤشّر عدم الصحة، فهذا مهمٌّ جداً. فالإنفاقات العبثية للمجلس هي عدم صحّة. لقد تحدّثنا في الأمس مع الأستاذ لاريجاني في هذا المجال حديثاً مفصّلاً. فينبغي أن يكون تحّول المجلس إلى قدوة للأجهزة المختلفة في موضوع 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

175

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 تقليل الإنفاقات، من أعمال المجلس. المصارفات المتعلّقة بالأسفار التي لا طائل منها أحياناً، والمصارفات التي تتعلّق بالأمور الشخصية للنوّاب، حيث إنّ قسماً مهمّاً من هذا العمل يرتبط بهيئة رئاسة المجلس المحترمة التي عليها أن تشرف على الأمور وتراقب، وكذلك بكلّ النوّاب واحداً واحداً. بالطبع أنا أعلم ـ حيث إنّه لديّ اطّلاعٌ عام واطلاعٌ خاص ـ أنّه يوجد في الواقع بين النوّاب من المحتاطين والملتفتين عددٌ غير قليل. أفرادٌ يشعر الإنسان أنّ قلبه يمدحهم ويفرح بهم ويشكر الله على وجودهم في المجلس، إنّ القضية مهمّة.

 
ب- السلامة الذاتية والنفسية
لقد ذكرت قبل نحو سنتين في نفس هذا اللقاء مع النوّاب المحترمين، مسائل تتعلّق بالمراقبة الذاتية في المجلس، وقد تمّت المصادقة على قانون في هذا المجال. انظروا هذه الآية التي تُليت هنا: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾1 هو أمرٌ مهمٌّ جداً. فمن الممكن أن يريق البنزين في مبنىً، شخص واحد، ولا يراعي شروط السلامة ويشعل عود ثقاب، لكنّ من يحترق لن ينحصر بهذا الشخص فقط، من الممكن أن يثقب شخصٌ واحد سفينة ما، ولكن من يغرق لن يكون هو وحده. والقرّآن يقول اتّقوا مثل هذه الفتنة التي إذا حصلت لن تشمل فقط أولئك الذين أشعلوها ولن تنحصر بالظالمين، بل ستشمل الأبرياء وأولئك الذين لم يكن لديهم أية دخالة في إيجادها. "واتّقوا" أي اجتنبوا هذه الفتنة وراقبوا. فما هي لوازم هذا الأمر؟ إنها الرقابة الذاتية، أي أن نراقب بعضنا بعضاً، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾2، فتواصوا بشكل دائم إنّ هذه من علامات الصحة والسلامة.
 
 

1- الأنفال، 25.
2- العصر، 3.

 
 
 
 
 
210

176

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 ج- الاختصاص العملي والحوار الفكري

من الأمور التي تدلّ على وجود السلامة في المجلس هو اجتناب التعرّض لسمعة هذا وذاك. حسناً، لقد أصبح لديكم منبرٌ وهو منبرٌ عمومي. فعندما تتحدّثون فإنّكم في الواقع تقفون خلف منبرٍ وطنيّ وهو يصل إلى أسماع الجميع. فلو وُجد في هذه التصريحات التي تصدر عنكم في المجلس أمورٌ تتعرّض لسمعة أيّ إنسان واتّهامه ـ ولو كان بنظركم مذنباً ولكن ذنبه لم يثبت ـ أو تتعرض لأمرٍ وهو قد حدث واقعاً ولكنه ليس من صلاحياتي وصلاحياتكم، كخصوصيات الأفراد، فلماذا ينبغي الإتيان على ذكر هذه الأشياء من على منبر المجلس؟ يجب اجتناب هذه الأمور بشدّة، وإذا تمّ اجتنابها فهذا من علامات السلامة.
لقد ذكرت في السابق هذه النقطة لبعض النوّاب المحترمين، والآن حيث إنّكم جميعاً حاضرون أقول لكم: إن مجلس الشوري هو مكان الحوارات الحكيمة والعقلائية. تقولون كلمتكم وتأتون بأدلتكم وبراهينكم، فيأتي شخص آخر ويقول إن كلامكم خطأ لهذه الأسباب وأدلتكم خاطئة واستدلالكم خاطئ، ثمّ تكون المسألة في النهاية أن تصوّت جماعة لهذا الرأي أو لذاك الرأي، هذا هو الصحيح. أما لو أنّه قام شخصٌ أثناء نطق شخصٍ آخر بمقاطعته والصراخ من أجل أن لا يصل صوته إلى المستمع، فهل هذا عملٌ حكيم؟! فيجب استئصال هذه العادة من المجلس عندما يكون أحد النوّاب أو وزيرٍ أو مسؤولٍ في الحكومة في معرض الحديث وينهض مجموعةٌ أو أربعة أشخاصٍ من زاويةٍ ويصرخون. إنّ هذا أمرٌ سيئٌ جداً، وللأسف إنّ هذا كان في المجلس الثامن، وأنا لا أعلم الآن هل كان ذلك في المجلس السابع أم لا. عندما واجهت هذه القضية في البداية تحيّرت: هل يمكن أن يحدث هذا؟! رأيت أنّه قد حدث في المجلس. ليس المجلس محلّ هذه الأمور. أجل، في التجمّعات العامّة يمكن لعامّة الناس أن يفعلوا ذلك، فيأتي شخصٌ يتحدّث ويصدر شخصٌ آخر أصواتاً. وقد كان هذا دوماً على مرّ التاريخ، ويقول القرآن: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾1. عندما كان النبيّ يتحدّث كان بعض الناس لا يدعون صوته يصل إلى أسماع الآخرين، فيعلو ضجيجهم، ولكن هذا لا يليق بالجمهورية الإسلامية، ولا بمجلس الشورى الإسلامي. إنّ مجلس الشورى هو محلّ الكلام، ولكلٍّ أن يعرض ما يريد إلى النهاية، فإذا لم يكن كلامه صحيحاً أو كان غير منطقيّ فليأتِ (الشخص المعني) ويستدلّ ويعترض وينفي وجود أيّ منطقٍ أو مبنىً فيه ويردّه فلا إشكال في ذلك.
 
 
د- استقلالية المجلس
إنني أولي أهمية بالغة لاستقلال مجلس الشورى، واعتقد أن المجلس المستقل هو حقاً من النعم الكبري. بعضهم يتصورون، وبعضهم يطرحون هذا في وسائل الإعلام، ويخالون أن علامة الاستقلال عن الحكومة هي التهجّم على الحكومة. ليس الأمر كذلك. ليس الكلام عن هذه الحكومة أو تلك. في كل الدورات طوال هذه الأعوام - وتعلمون أنه كانت هناك حكومات مختلفة - نبّهت دوماً إلى هذه النقطة. الاستقلال عن الحكومة ليس معناه أن يتهجّم المرء دوماً على الحكومة لسبب أو بدون سبب، ويعارض أعمالها.. الأعمال التي لا ضرورة أصلاً للاعتراض عليها. يمكن أن تسنّوا قانوناً بخلاف الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة. علي كل حال هذه أمور لازمة. 
 


1- الأنعام، 26.

 
 
 
 
 
 
211

177

في لقاء نوّاب المجلس التاسع

 هـ - الاتّحاد والاختلاف في الرأي

أعتقد أن من الأمور المهمة التي نحتاجها في البلاد راهناً هو الاتحاد. ولا يعني الاتحاد تساوي الأفكار وتطابقها. أنتم جميعاً والحمد لله في مستويات فكرية وعلمية عالية، وهذا ممّا لا يحتاج إلى كلام. إننا نحتاج لمن يذكّرنا حتى نعمل وإلا فإننا نعرف الكثير. اليوم يجب أن يكون الاتّحاد موجوداً. فالشقاق والاختلاف والتفرقة هي مظهر ضعف أي شعب وانحطاطه وانهزامه، فلا تسمحوا لهذا أن يقع. هناك اختلافٌ في وجهات النظر ولا مانع من إظهاره. أجل يمكن أن نختلف حول قضية ما ولكننا في نفس الوقت نضع يداً بيد. فيقول مثلاً أحدهم يجب القيام بهذا العمل، وأنا أقول إنه لا ينبغي. في النهاية، يوجد مرجع محدّد، فالمرجع إما هو القانون، أو الجهاز القضائي، أو مجلس الصيانة، أو أيةٍ جهة أخرى، فهذا المرجع سيحدّد المسؤولية، ولكن يجب أن لا نتنازع ونمسك بتلابيب بعضنا بعضاً. ينبغي أن يوجد هذا الاتّحاد. وفيما يتعلّق بالمصالح العليا للدولة، يجب أن يكون بين الأجهزة انسجامٌ ويجب أن يظهر. وبالتأكيد إنّ الجميع يقولون مثل هذا. وعندما يقوم أحدٌ بالدفاع عن شيءٍ ما بعصبيّةٍ، وينهض شخصٌ ليقول له لماذا تغضب هكذا، فيصرخ بكلّ تلك العصبية والغضب: إنّني لست غاضباً! والآن نجد من الأجنحة من يتحدّث دائماً عن الاتّحاد لكنّه في نفس الوقت يظهر علامات التفرقة ومظاهرها. إنّني أرجو أن تتوجّهوا إلى هذه القضية، سواء داخل المجلس فيما بين أعضائه، أم بين المجلس والسلطات الأخرى ـ التنفيذية والقضائية ـ حافظوا على هذا الاتّحاد وهذا التوافق ـ واعلموا أن هذا الشعب وهذا البلد وهذا النظام وهذا التوجّه مبشِّرٌ بالتوفيق والانتصار. هذا لطف الله، وهذا ما تقتضيه السنن الإلهية.

إنّ شعبنا شعبٌ طيّب ومؤمن، وشبابنا كذلك. إنّ شعبنا ولحسن الحظ هو شعبٌ شاب، والفكر الديني، والتوجّه الديني، والإسلاميّ هو بحمد الله محورٌ أساسيّ لحركة البلد. حسناً، إنّ نوّاب المجلس ومسؤولي الدولة وموظّفي الحكومة ورجال القضاء هم من المعتقدين بمباني الإسلام والثورة وهذه مسألةٌ فائقة الأهمية. الشعب متديّن وكذلك المسؤولون، وبمشيئة الله إنّ التوفيق الإلهي سيشملنا ونحن في حال تقدّم. في هذا العقد الزماني الذي هو عقد التقدّم والعدالة، بتوفيق الله، إن شاء الله، بإذن الله، سوف نحقّق تطوّراً ملموساً، ومع نهاية هذه المدّة إن شاء الله سوف نصل إلى مستوىً بارز من العدالة. 
 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
212

178

في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة


 
المناسبة: البعثة النبويّة الشريفة.
الحضور: حشدٌ من مسؤولي النظام والمؤسّسات وسفراء وممثلي البلدان الإسلامية، وجمعٌ من عوائل الشهداء. 
الزمان: 18/6/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
213

179

في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مبارك هذا العيد الكبير لكم أيّها الحضور المحترمون في هذه الجلسة الرائعة، وخصوصاً الضيوف الحضور من بلدان أخرى، وكذلك سفراء البلدان الإسلاميّة المحترمون. كما نهنّئ الشعب الإيراني الكبير الذي جعل البعثة وجهة مسيرته وعمله، وجاهد وتحمّل الصعاب من أجل تحقيق الأهداف الكبرى لبعثة خاتم الأنبياء، وقد شمله الوعد الإلهي والحمد لله، فقد وعد الله تعالى الشعوب السائرة في هذا الدرب بالفتح والتقدّم والسعادة، ووعد الله تعالى لا خلف فيه. كما نهنئ الأمة الإسلامية التي توجّهت اليوم بعد عقود من التجارب نحو الدين المحمدي. بعد أن جرّب رواد الفكر والنخبة وقادة الشعوب المسلمة طوال الأعوام المتمادية المدارس والدعوات والمذاهب والأيديولوجيات الشرقية والغربية، وأدركوا إخفاقها وعقمها، أصبح توجّه الأمّة الإسلامية اليوم وإقبالها على مضمون بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهدافها. اليوم يوم مبارك عليهم، ونتمنّى أن تتمتّع البشرية كلّها ببركات هذه البعثة.
 
أهم نتائج البعثة
إثارة الفكر وتهذيب النفوس
ما أريد أن أقوله اليوم هو إنّ للبعثة جهاتاً وأبعاداً. حُزم النور التي سطعت على البشريّة من هذا الحدث - البعثة - ليست واحدة أو اثنتين، لكن البشريّة اليوم بأمسّ الحاجة لقضيتين ناجمتين عن البعثة: إحداهما إثارة الأفكار والتفكير، والثانية تهذيب الأخلاق. لو توفرت هاتان المسألتان فسوف تؤمّن المطالب المزمنة للبشرية. سوف تؤمّن العدالة والسعادة والرفاه الدنيوي. المشكلة الأساسية كامنة في هذين الجانبين.
 
أ- تهذيب النفوس
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"1، وقال القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾2، وبعد التزكية يقول: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، هذا هدف سامٍ. تزكية النفوس وتطهير القلوب والارتقاء بالأخلاق البشرية وإنقاذ البشر من قمامة المعضلات الأخلاقيّة والضعف الأخلاقي والشهوات النفسية. هذا مقصد وهدف.
 
 
 

1- مجموعة ورّام، ج 1، ص 89.
2- الجمعة،2.
 
 
 
 
 
 
 
215

180

في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة

 ب- إثارة التفكير

وقضيّة التفكّر أيضاً قضيّة أساسيّة ومهمّة، وهي لا تختصّ بنبيّنا، فكل الأنبياء بعثوا لإحياء القوّة العاقلة وطاقة التفكير لدى البشر. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة في نهج البلاغة: "ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته،... ويثيروا لهم دفائن العقول"3، بعث الأنبياء ليستثيروا دفائن العقول وليستخرجوا كنوزها عند البشر في ذواتهم وبواطنهم.
 
نحن البشر لدينا موهبة تفكير عظيمة كامنة في داخلنا. حينما لا نتدبّر في الآيات الإلهية، وفي تاريخنا، وفي ماضينا، وفي الأمور والقضايا المختلفة التي حدثت للبشرية، وفي مشكلات الماضي، وفي عوامل الانتصارات الكبرى للشعوب، نبقى محرومين من الكنوز المعنوية التي أودعها الله فينا. "ويذكروهم منسي نعمته،... ويثيروا لهم دفائن العقول"، البشريّة اليوم بحاجة لهذين الأمرين.
 
الظلم ووجوب الانتفاضة
تحتاج المجتمعات البشرية إلى التفكير والتأمّل في مكمن تعاسة الإنسان، وهل يوجد شك في وجود ظلم، ووجود تمييز، ووجود منطق مزدوج وكيل بمكيالين يسود القوى المهيمنة على العالم؟ الظلم البارز الذي يجري على البشرية في الوقت الراهن مشهود للجميع. الظلم الذي تمارسه القوى المتسلّطة على الشعوب العُزلاء من أدوات الدفاع قائم أمام أنظار الجميع، وأنتم ترونه. تنطلق قوّة وتزحف عن بعد آلاف الكيلومترات وتأتي إلى هنا إلى منطقتنا وتفرض سلطتها وهيمنتها بالقوّة على بلد أعزل لا قدرة له ولا إمكانيات، فتبدّل مواكب الأعراس إلى عزاء، وتصبّ مروحياتهم الموت على رؤوس الناس. تهدم بيوت الناس، وليس بوسع أحد أن يقول لهم شيئاً، ولا يعتذرون عن أفعالهم! هذا هو واقع العالم. وهو كذلك حتى في البلدان المتقدّمة. حين تلاحظون الواقع الاقتصادي اليوم تجدون نفس الحالة. القضية في أوروبا اليوم ليست حلّ مشكلة الناس بل حلّ مشكلة البنوك وأصحاب الرساميل والثروات الطائلة. هذه هي مشكلتهم اليوم. أبناء البشر والجنس البشري ليسوا مهمّين للقوى المهيمنة. هذه حقائق موجودة في العالم. لتفكّر البشرية في مصدر هذه الحالة، في مصدر نظام الهيمنة، ومصدر وجود قطبين أحدهما مهيمن، والثاني خاضع للهيمنة. فما لم يكن هناك إنسان مهيمن فإنّ نظام الهيمنة سيزول، كذلك إذا لم يقبل الخاضع للهيمنة بهيمنة الأعداء والعتاة فنظام الهيمنة سيزول أيضاً. هنا يكون الواجب على عاتق الشعوب. وفي داخل 
 
 
 

1- نهج البلاغة، الخطبة1.
 
 
 
 
 
 
 
216

181

في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة

 الشعوب يقع الواجب على عاتق النخبة السياسية والثقافية. حينما يشاهد الشياطين التابعون لأجهزة الاستكبار تحرّكاً كبيراً وتحرّرياً تقوم به الجماهير في أيّ مكان من العالم - ويكون هذا التحرّك خالصاً وأصيلاً - يركّزون طاقاتهم وقدراتهم كلها على تبديل هذا التحرّك إلى ضدّه أو يبطلون مفعوله. ترون ما يحدث في منطقتنا حالياً. يثور الناس في البلدان للتحرّر من التبعية لأمريكا ومن الذل في مقابل الهيمنة الصهيونية، ولإبداء البغض والكراهية لوجود هذه الغدّة السرطانية في قلب البلدان الإسلاميّة، فتنطلق كل الأجهزة السياسية والمخابراتية والمالية الاستكبارية والتابعة لها لإحباط هذا التحرّك، هذه هي القضية.

 
الاستفادة من نعم الله لتحقيق النصر
أ- حسن الظن، والتفكير
على الشعوب أن تقف على أقدامها، وعليها الاستفادة من نعم التفكير والعقل التي منّ الله بها عليها. على الشعوب أن تعتمد على نفسها وطاقاتها وربّها. عليها إبداء حسن ظنّها بالله. لقد وعد الله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾4. هذا تأكيد إلهي. حينما تقف الشعوب وتقاوم وتصمد فسوف تنتصر بلا شك. والنموذج الحي لذلك هو شعبنا. يحاول العدوّ بآلاف الوسائل والأدوات الإعلامية أن يبعد الحقائق عن أنظار الناس في العالم، لكن الواقع هو ما نشاهده. طوال هذه الأعوام الثلاثة والثلاثين، ومنذ اليوم الأول، تعرّضت ثورتنا وشعبنا وبلدنا العزيز للهجمات والمؤامرات. 
 
جاءت سياسات مختلفة واختلفت في مئة قضية لكنها اتفقت على مواجهة الثورة الإسلامية، وتوجيه الضربات للجمهورية الإسلامية، وإقصاء هذا النموذج الحي عن الساحة لكي لا يكون أمام أنظار المسلمين، ومارسوا كل هذا بمختلف الأساليب. وكذا الحال اليوم أيضاً.. تعاضدوا عسى أن يتمكنوا من إقصاء الشعب الإيراني عن الساحة. وأقولها لكم بيقين وضرس قاطع إنهم سيفشلون تماماً في مساعيهم هذه.
 
ب- النصر موقوفٌ على الجهاد والصبر
طبعاً لا يمكن الانتصار من دون جهاد وتحرّك وتقبّل للأخطار. لم يعِد الله تعالى أحداً بالنصر من دون تحرّك. ولا يكفي لذلك مجرّد أن يكون المرء مؤمناً متديّناً، بل لا بدّ
 
 
 

1- الحج، 40.
 
 
 
 
 
 
 
 
217

182

في لقاء مسؤولي الدولة وسفراء وممثلي البلدان الإسلاميّة

 من الجهاد والصبر. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾1، هذا كلام الأنبياء لمعارضيهم... إنّنا نصمد ونقاوم، لقد صمد الأنبياء والرسل عليهم السلام، ومنطق الأنبياء اليوم رغم كل ما تعرّضوا له من القمع هو المنطق الشائع في العالم. لقد انتشر كلام الأنبياء ولم ينتشر منطق الفراعنة. وهذه المسيرة وهذه التوجّهات سوف تزداد يوماً بعد يوم. لا بدّ من الصبر والصمود. لقد أظهر شعبنا من نفسه هذا الصمود والثبات. وأعداؤنا لا يريدون أن يفهموا ويستفيدوا من التجارب الماضية. يجب أن يعلموا أنّ العناد والتكبّر وجنون العظمة مقابل هذا الشعب وتوقّع أمور في غير محلّها منه لن يجدي أيّ نفع. هذا الشعب واقف ثابت وقد عرف الطريق والهدف وعرف نفسه. 

 
القرآن دروس الجهاد والصمود والاتّحاد بين الشعوب الإسلاميّة
الدرس الذي استلهمناه من القرآن ومن الإسلام هو درس الصمود والجهاد والوحدة والاتّحاد. اتّحاد القلوب والأيدي. وهذا الأمر لا يختص بشعبنا، بل هو اتّحاد في العالم الإسلامي. لاحظوا اليوم أنّ من النقاط التي يشدّد عليها أعداؤنا بقوّة، تأجيج الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة. أشخاص لا يؤمنون بالتشيع ولا بالتسنّن، ولا يعترفون بأساس الإسلام، يعملون خدمة لرغبات الأجهزة التجسّسية الأمريكية والإسرائيلية، وتعلو أصواتهم من على المنابر ليبدوا قلقهم من انتشار التشيّع! وهل تفهمون ما هو التشيّع؟! وهل تفهمون ما هو التسنّن؟! إنّكم لا تؤمنون بأصل الدين. تقوم سياسة الاستكبار وسياسة الأجهزة التجسّسيّة في الوقت الحاضر على أن تخيفنا من بعضنا بعضاً، الشيعة من السنّة، والسنّة من الشيعة... وبثّ الخلافات وإشعال النزاعات.
 
سبل مواجهة الأعداء
سبيل الغلبة على الأعداء هو التفكير والاتحاد وتقريب القلوب وتعاضد الأيدي. وبهذه الطريقة يتحقّق قوله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾2، وينصر الله تعالى بفضله ولطفه أهداف البعثة ودساتيرها وبرامجها على كل مؤامرات الأعداء. نرجو أن ينزل الله تعالى بركاته عليكم وعلى الشعب الإيراني وعلى الأمّة الإسلامية أكثر فأكثر، ويحشر الروح الطاهرة لإمامنا الخميني الجليل ـ وهو الذي دلّنا على هذا الطريق وفتحه أمامنا ـ مع أوليائه ومع الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 

1- إبراهيم، 12.
2- التوبة،33.
 
 
 
 
 
 
 
218

183

في لقاء المشاركين في المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء المشاركين في المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم


المناسبة: إقامة المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم.
الحضور: المشاركون في المسابقات.
المكان: مشهد المقدّسة ـ الحرم الرضوي المطهّر. 
الزمان: 24/6/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
219

184

في لقاء المشاركين في المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

أرحّب بالضيوف الأعزّاء لهذه المدينة المقدّسة، وبضيوف بلدنا القرآنيين الذين وفدوا من مختلف البلاد. نشكر الله على أنّه أقرّ عشق القرآن في قلوبنا وقلب شعبنا. نشكر الله أنّه منح توفيق دراسة القرآن والأنس به وتلاوته لشعبنا. 

التدبّر غاية التلاوة
في زمن الطاغوت كان القرآن في بلدنا مهجوراً، ولم تكن هناك أيّة حركة جماعيّة لترويج القرآن، أيّ شيءٍ كان فإنّه انطلق من مبادرات فرديّة. وفي زمن الجمهوريّة الإسلاميّة وحاكميّة الإسلام، فإنّ من البرامج الأساسية لمسؤولي البلاد ترويج القرآن، فتلاوته والأنس به وفهمه وحفظه من البرامج، والتي تُعدّ هذه المسابقات الدولية من مظاهرها. ولكن تلاوة القرآن والقراءة الحسنة للآيات الإلهية هي مقدّمة من أجل التدبّر في القرآن. نحن لا نريد أن نشغل أنفسنا ونلهيها بالتلاوة، والقراءة القرآنية والألحان القرآنية، كموضوع أساسي، بل هذه مقدّمة وطريق.

إنّ تلاوة القرآن بصوتٍ عذب تؤدّي إلى تليين القلوب وخشوعها وتهيئتها لفهم المعارف القرآنيّة والآيات القرآنيّة، وهذا ما نحتاج إليه.

دروس القرآن واهبة للحياة
يحتاج العالم الإسلامي إلى فهم المعارف الإسلامية. فهو بحاجة اليوم إلى الدرس الذي يقدّمه القرآن للشعوب للاستقامة والصمود والحياة الطيبة والعزّة الإسلامية. فدروس القرآن في هذا المجال هي دروسٌ مانحة وواهبة للحياة ونحن نحتاج إلى هذه الدروس. بمقدار ما تشعّ المفاهيم الأساسية للقرآن في البلاد الإسلامية فإنّكم سترون أنّ التوجّهات العامّة للحركات الشعبية ستصبح إسلامية. ولم يكن الأمر كذلك في السابق، ففي الماضي أينما نشأت حركة اجتماعية في البلدان الإسلامية، فإنّ توجّهاتها كانت يسارية وماركسية واشتراكية. ولكن اليوم أينما وجدنا تحرّكاً فإنّ توجّهه هو توجّه إسلامي. بالطبع، إنّ لهذه التحرّكات أعداءً غدّارين متوحّشين بلا رحمة. إنّ الاستكبار العالمي- هذا العدوّ الدموي - يقف اليوم بجدّية مقابل التحرّكات الإسلامية. فأمريكا تواجه هذه التحرّكات بجدّية وكذلك الصهيونية، وهم يقاومون. ولا شكّ بأنّ العدوّ لا يجلس متفرّجاً على الشعوب الإسلامية التي تطبّق برامج الإسلام ومخطّطه، بل يواجه ذلك. فالكلام هو أنّ القرآن قد علّمنا أنكم إذا صبرتم وصمدتم ولم تبدّلوا تبديلاً، ولم تحوّلوا وجهتكم، فسوف تنتصرون. 
 
 
 
 
 
 
 
221

185

في لقاء المشاركين في المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم

 هذا هو درس القرآن. يقول لنا القرآن إنّكم إذا مضيتم على هذا الطريق وآمنتم بهذه الأهداف وتحرّكتم على أساس هذا الإيمان فلا شكّ أنّكم منتصرون. هذا هو درس القرآن ويجب أن تتعلّمه الشعوب المسلمة وتؤمن به، لأنها إذا آمنت فإنّها ستنتصر على أعقد الوسائل العسكرية والأمنية للعدوّ، ولو ضعُفت وشعرت بالهزال وضعُف توكّلها على الله، ولو ركَنَت لابتسامة العدوّ ووثقت بخداعه فلا شكّ بأنها ستُهزم.


يحتاج عالمنا الإسلامي اليوم إلى هذه الدروس. ولأجل نشر هذه الدروس فإنّ أفضل وسيلةٍ وأفضل كتابٍ هو القرآن الكريم نفسه. لهذا يجب أن ننشر بقدر استطاعتنا بين الشعوب وبين شعبنا والشعوب المسلمة، هذا الأنس بالقرآن مع التدبّر وأن يكون متلازماً مع الاعتقاد بالوعد الإلهي، وننشر ذلك لنساعد على نهضة الشعوب، فهذا تكليفٌ.

الاهتمام بالقرآن وسيلةٌ للتدبّر
لا ينبغي الاكتفاء بالقراءة والألفاظ والألحان المتعدّدة، بل يجب النظر إليها على أنّها وسيلة. إنّ اللحن الجميل والصوت العذب أمران ضروريان للقرآن، ولكن من أجل أن تخشع القلوب وتلين وتصل إلى المعاني القرآنية. وليس الأمر أن نتصوّر أنّ هذا أمرٌ مستقلٌّ، كلا، إنّها مقدّمات، ويجب أن ننجز المقدّمة من أجل ذي المقدّمة، وبالطبع من دون هذه المقدمة يكون الأمر صعباً. وإصرارنا على حفظ القرآن وتلاوته ونشر الجلسات القرآنية على مستوى البلد، وتعليم العلوم القرآنية والفنون القرآنية ـ من التلاوة والكتابة وبقية القضايا المختلفة التي تدور حول القرآن ـ لأجل أنّ معرفة هذه الأمور وصرف الوقت من أجل هذه الفروع يجعل الأجواء في البلد أجواءً قرآنية. ونحن بحاجة إلى هذه الأجواء وهذا المناخ. فعندما يكون الجوّ قرآنياً، فإنّ الأنس بالقرآن يزداد ويعمّ، والأنس بالقرآن يؤدّي إلى التدبّر فيه وفي معارفه. إنّ عالمنا الإسلامي بحاجة اليوم إلى هذا التدّبر. ونحن شعب إيران بحاجة إلى هذا التدبّر أيضاً.

حاكميّة القرآن والتطوّر العلمي
نفتخر أنّنا أول من رفع راية حاكمية القرآن والإسلام في هذا العالم المادي. وقد ثبتنا على هذه الدعوة الكبرى وتحمّلنا متاعبها وأثبتنا أنّ أيّ شعبٍ إذا صبر وتحمّل واستقام فلن تكون النتيجة هزيمة العدوّ وفشله فحسب، بل التطوّر أيضاً والتقدّم، وهذا ما حصل في بلدنا.
 
 
 
 
 
 
 
222

186

في لقاء المشاركين في المسابقات الدوليّة للقرآن الكريم

 لقد سعوا منذ البداية لإطفاء هذا النور في هذا البلد. وطوال 33 سنة أعملوا كلّ قواهم لكنّ هذا النور ازداد يوماً بعد يوم، وازداد تألّقه، ولم يعجزوا عن إنزال راية حاكميّة الإسلام في هذا البلد فحسب، بل إنّ هذا الشعب ازداد تطوّراً مع الأيام. ففي يومنا هذا يُعتبر معدّل التسارع العلميّ لشعب إيران أكثر من المعدّل العالمي العام بـ 11 مرّة، وهذا طبق الإحصاءات والأرقام التي تنشرها المراكز العلمية الدولية وتعلن عنها. اليوم نجد أنّ بلدنا في حال تطوّر سريع في الأبعاد المختلفة والمجالات المتعدّدة ـ المجالات السياسية والعلمية - والبناء وتطوّر إعادة البناء.


الشباب ذخيرة الثورة
كما أنّ المعنويات في بلدنا بحمد الله في حالة نموّ. إنّ شبابنا هم أهل الذكر والدعاء والقرآن والاعتكاف. إنّ ذاك العدد من الشباب في هذا البلد، الذي لديه توجّهات معنوية إذا قورن بأي مكان آخر لم يجد لهم مثيلاً ولم نسمع عن ذلك. ومن خلال القرائن الموجودة التي نشاهدها لا يوجد مثل هذا العدد من الشباب المؤمن العاشق رغم كل عوامل التخريب والإغواء التي تُمارس على الشباب في كل بلاد العالم اليوم، وبالوسائل الحديثة.

إنّ شبابنا مؤمنون صالحون، وهذه شوكة في عين العدوّ. إنّ العدوّ كان يريد أن يستلب راية حاكمية الإسلام وانتصار الإسلام من يد هذا الشعب، ويرميها أرضاً، ولكن ما حدث أنّه لم يتمكّن، بل إن بلدنا تطوّر - رغم أنفه - باللحاظ المادي والمعنوي وهو أيضاً في حال تطوّرٍ وسوف يتطوّر. إن شاء الله سيأتي اليوم حيث يكون الإسلام والمجتمعات الإسلامية وتجمّعات المسلمين نماذج رفيعة لكلّ العالم من ناحية التطوّر المادي والمعنوي، حيث تتطلّع شعوب العالم إليهم وتقلّدهم ولا شكّ بأنّ هذا اليوم سيأتي وسيكون ذلك ببركة القرآن.

الوصيّة هي أن تعملوا على الأنس بالقرآن مهما استطعتم، واشتغلوا بالقرآن أكثر فأكثر، وتعلّموا منه أكثر، وتدبّروا أكثر، واجعلوه درساً وعبرة لحياتكم وسلوككم.

نسأل الله تعالى أن يوفّقكم ويوفّقنا للحياة على أساس القرآن والموت عليه. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
223

187

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة


المناسبة: يوم السلطة القضائيّة، والذكرى السنويّة لاستشهاد الشهيد بهشتي. 
الحضور: مسؤولو السلطة القضائيّة.
المكان: طهران.
الزمان: 27/6/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
225

188

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنّ أسبوع السلطة القضائية، وهذا اللقاء السنوي فرصة سانحة للتعبير عن إجلالنا لشهيدنا العظيم والعزيز الشهيد البهشتي، وشهداء السابع من شهر تير (حزيران)، حيث تفتخر سلطتنا القضائية - بحمد الله - بأنّ يومها هو في هذه المناسبة المليئة بالمعنى والمضمون. وكذلك نتشكّر ونقدّر بخالص محبّتنا المساعي الواسعة والمستديمة لأعزّائنا الفاعلين في السلطة القضائية، القضاة المحترمين والعاملين المختلفين والمديرين البارزين وشخص رئيس السلطة القضائية المحترم جناب الشيخ الآملي، الذي هو بحمد الله بلحاظ الفكر والعلم والنشاط والابتكار والكثير من الخصائص المهمّة في المديرين العامّين، بارزٌ. نجلّ ذكرى أعزّائنا، وخصوصاً الشهيد البهشتي الجليل، ونعرب عن احترامنا، فقد كان حقّاً وإنصافاً شخصية عظيمةً بارزة، وفي تلك المدّة المحدودة لإدارته للسلطة القضائية أشاد بنية محكمة وثبّتها، وسوف يبقى هذا باسمه، هو عبرة لنا لأجل أن نسعى بالجدّ والابتكار للاستفادة من الأوقات المحدودة لإنجاز أعمالٍ كبرى ومخلّدة. وكذلك أضيف صوتي وحديثي لحديث الرئيس المحترم للسلطة القضائية، لأتشكّركم أيّها العاملون المحترمون في السلطة، ومديري الرتب العليا والمتوسّطة والقضاة المحترمون والشرفاء على أمل أن تحقّق مساعيكم وهممكم القضية الأساسية للبلد، وهي إقامة العدالة القضائية في مختلف مناطقه. 

الارتقاء بالقضاء، والسلطة القضائيّة
لو أردنا أن نختصر في جملة واحدة جميع أمانينا فيما يتعلّق بقضية القضاء في البلد، لكانت عبارة عن الارتقاء بالسلطة القضائية. فيجب علينا أن نرتقي بالسلطة القضائية بشكلٍ دائم. فكلّ هذه التقارير المرضية سواء التي سمعناها اليوم أم التي تصلنا بصورة تقارير مكتوبة أو شفهية، لها محلّها من التقدير والشكر، ولكن ما هو متوقّعٌ هو الارتقاء بالسلطة القضائية بمعنى تحقيق كفاية العدل القضائي في البلد، وهذا لن يكون ممكناً ولن يتحقق إلا عندما يشاهد المرء النتائج. فجميع هذه المقدّمات هي من أجل أن تتحقق في مجتمعنا تلك العدالة القضائية. فإذا تحقّقت، سوف تُقتلع المفاسد وتُقطع أيادي الأشرار من الوصول إلى المراكز الحيوية للمجتمع، ويصل الصلحاء إلى المراكز اللائقة بهم. هذا كلّه مربوطٌ بتمامية السلطة القضائية وكمالها. فلو استطاع النظام الإسلامي أن يصنع سلطة قضائية بحسب الرؤية الإسلامية، وبحسب ما هو مطروحٌ في مصادرنا الدينية والفقهية، وقام بتنظيمها على هذا الأساس، فإنّ أكثر مشاكل مجتمعنا ـ وكلّ مجتمعٍ ـ ستزول. وستزول المشاكل الناشئة من كل أنواع الطغيان والأنانيات والاعتداءات والتعدّيات.
 
 
 
 
 
 
 
227

189

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 لهذا فإنّ الهدف يجب أن يكون عبارة عن الارتقاء بالسلطة القضائية. ولا ينبغي أن نقنع بأي حدٍّ حتى نصل إلى المستوى المطلوب. فيجب أن نصل إلى هذا السقف - وبرأيي - وإن كان الطريق طويلاً، لكن يمكن الوصول إليه. ولا ينبغي أن نقول إننا ندعو أنفسنا والآخرين إلى أمنية غير قابلة للتحقّق، كلا، إنّ ذلك ممكن الوصول إليه. أنتم تقدرون. وفي بلدنا يوجد مثل هذا الاستعداد والإمكان. ويجب طيّ هذا الطريق والتقدّم عليه بالسعي والابتكار، وعدم إظهار التعب، وبإعمال الطاقات والأشخاص والشخصيات الكفوءة، ومن ذوي الاستعداد.

 
ولأجل مجموع هذا الأمر، توجد أجهزة ودوائر تحتية، قد أشار إلى الكثير منها رئيس السلطة المحترم. وإنّني راضٍ لأنني أرى وجود توجّه إلى هذه النقاط الضرورية، وتوجد مساعٍ تُبذل من أجل القيام بها ـ كما كان مشهوداً في هذا التقرير، وما أحسن أن يُجعل هذا التقرير وأمثاله أمام الرأي العام، ليُعلم أنّ هذه الأعمال يتم إنجازها أو أنها أُنجزت ـ لكنّني أريد أن أؤكّد على نقطتين أو ثلاث.
 
 
أساليب تطوير السلطة القضائيّة
أوّلها: الخطة الشاملة والجامعة
إنّ قضية الخطة الشاملة التي أُشير إليها1. فلو لم يكن للسلطة القضائية خطة شاملة وكاملة ودقيقة ومستوعبة لجميع الأبعاد من أجل ارتقائها ووصولها إلى الهدف الذي تقصده، فإنّ سلوك هذا الطريق، إمّا أن يكون غير ممكنٍ أو أنّه سيواجه تناقضات مختلفة، أو أنّه سيكون أمراً صعباً جداً. لهذا من الضروري وجود خطّة شاملة. وهذا عملٌ كبير، ورئيس السلطة المحترم في بداية قبوله لهذه المسؤولية، ذكر هذا الأمر وأعلنه. وبالطبع، في آخر التقرير الذي قُدّم لي، قيل أخيراً إنّه تمّ إعداد برنامج لخمس سنوات (خطّة خمسية)، ولكن الآن سمعنا في كلمته أنّه قد تمّ الاتفاق على إعلانه. ولا ينبغي تأخير هذا العمل، فهو مهمٌّ جداً. فإنّ الخطّة الشاملة (البرنامج الجامع) هي من أكثر الأعمال ضرورةً وأهميّة.
 
النقطة الأساسية هي أنّ إعداد هذه الخطة الشاملة هو قضية، وأن شق الطرق أمام تطبيقها وإجرائها قضية أخرى. فلا ينبغي أن نشعر بالراحة، بمجرّد أنّ الخطة قد أُعدت وأُعلنت، ونقول حسناً لقد أُنجز هذا العمل الكبير. كلا، إن الخطة الشاملة هي نسخة، ويجب أن يتم تفصيل هذه النسخة وتحديد مسؤولية ووظائف كل أجزائها 
 
 

1- رئيس السلطة القضائية.
 
 
 
 
 
 
228

190

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 بشكل دقيق وعمليّ. وفي الأقسام المختلفة يجب متابعة هذا الأمر لكي يتحقّق هذا البرنامج ويصبح عملياً.


برأيي، يجب المسارعة في جعل هذه الخطة عملياتية، وكذلك كل ما هو متضمنٌ فيها، حيث إنّني سأشير إلى عدّة نقاط فيه. إنّني لا أوصي بالعجلة، فالمسارعة هي غير العجلة، بل أن يكون ذلك بعناية ودقّة ودون تأخير. أي أنّ "عدم التأخير" ينبغي أن يكون أصلاً في الأعمال. ولا ينبغي أن يحصل أي تأخيرٍ. وطبق الاصطلاحات الرائجة في الأخلاقيات الإسلامية لا ينبغي وجود أي تسويف "سوف أفعل، سوف أفعل"، عندما نصل إلى نقطة التشخيص والتحقيق يجب أن نقدم على التنفيذ دون أي توقّف ولا ينبغي أن يحصل فيه أي تأخير. 

ثانيها: إتقان الأحكام القضائيّة
نقطة أخرى أذكرها فيما يتعلّق بالارتقاء بالسلطة القضائية ـ وبالطبع، تمّ التأكيد عليها مراراً فيما سبق ولكن لأهميتها نكرّرها ـ وهي قضية إتقان الأحكام. فالأحكام القضائية يجب أن تكون أبعد ما يكون عن التساهل. فأنتم كقضاة محترمين عندما تصدرون حكماً يجب فيما لو عُرض على آراء المتخصّصين في الأمور الفقهية والحقوقية أن لا يكون فيه أية إشكاليات، فلا يكون لديكم أي هاجس من هذا الأمر، وتكونون واثقين تماماً بالحكم الذي أصدرتموه. فالقاضي عندما يتمتّع بالعلم الكافي، ويراقب عمله وحكمه، يجب أن يكون عندما يصدر هذا الحكم مستعداً لعرضه على جميع آراء المتخصّصين والخبراء ويتمكن من الدفاع عنه. هكذا ينبغي إتقان الحكم. فأيّ هزالٍ وضعفٍ في الحكم سيوجّه ضربةً إلى بنية الجهاز القضائي بأسره. لقد ذكرنا فيما مضى أنّ النقض المكرر للأحكام القضائية الابتدائية في محاكم الاستئناف أو في الديوان الأعلى للبلد يدلّ على أنّ في الأحكام القضائية الابتدائية نقصاً، ولا تتمتّع بالإتقان أو أنّها باللحاظ الشكلي ناقصة ولا تُراعى فيها المقرّرات اللازمة. فالتأكيد على هذا المعنى يجب أن ينتشر في كل أنحاء هذه السلطة ليذعن الجميع ويقبلوا ويتابعوا، لأنّ الأحكام ينبغي أن تكون متقنة.

ثالثها: قضيّة السجون، والتوقيف المؤقّت
مسألة أخرى ذات أهمية في قضايا السلطة القضائية هي قضية السجون. فالسجن هو جزاءٌ. وحبس أي إنسان وتقييده، من العقوبات الموجودة في قانوننا الجزائي وموجودة أيضاً في بعض موارده في الفقه الإسلامي، فلا إشكال في ذلك. يجب علينا أن نعمل ليكون هذا الشيء بعنوان عقابٍ ومجازاة للأفراد، وفي غير العقاب لا ينبغي أن يحصل
 
 
 
 
 
 
229

191

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 أبداً. بالطبع، في القانون موارد يتمّ فيها الاعتقال المؤقّت في حال توجيه الاتّهامات لوجود دلائل، لكن في هذه الاعتقالات يجب مراعاة كونها مؤقّتة بالمعنى الدقيق للكلمة وبذاك المعنى الموجود في روح القانون. من الممكن أن يقول أحدٌ: حسناً أيّها السيد، خمسة أشهر وستة أشهر هي "مؤقتة". أجل، إنّ عشر سنوات أيضاً تعني مؤقّتاً، لكنّ ذاك القانون الذي قيّد "المؤقّت" بالاعتقال قد أدرج قصر المدّة في ذلك أيضاً، أي إنّه لعلّة الاضطرار الحاصل من هذا الاتّهام ووجودالدلائل المختلفة وراء هذا الكلام يجب الاعتقال والحبس قبل إثبات الجريمة، لكن يجب أن يكون ذلك في أقصر مدّة ومع رعاية الشروط القضائية. فهذه النقطة يجب الالتفات إليها.


وفي الموارد التي تكون المشكلات فيها مالية، ويوجد إعسارٌ ـ وأحد الأبحاث التي أجريناها مع الأصدقاء هي: هل يجب إثبات الإعسار لأجل المجازاة؟ فلهذه القضية مشاكل تتبعها ـ ففي مثل هذه الموارد التي لم يحصل فيها جرمٌ بالمعنى الدقيق للكلمة لا ينبغي أن نستخدم السجن. فاعملوا في مجموع السلطة على أن يكون الاعتقال في السجن بحدّه الأدنى، ومثل هذا يحتاج إلى تدبير. بالطبع، كان هناك تدابير قد اتّخذت بعضها صحيحٌ وبعضها غير صحيح ـ ونحن هنا لا نريد أن ندخل في الجزئيات والقضايا ـ ولكن من حيث المجموع فإنّ السجن هو ظاهرةٌ غير مطلوبة. مشكلات السجن وتبعاته والتبعات التي تقع على عاتق السجين والعوائل، والتبعات التي تلحق ببيئة العمل. لهذا اجعلوا سياسية السلطة القضائية على هذا الأساس وتابعوا الأمر، فكّروا وليكن الأمر علاجياً، أحدها أن تُحل قضية السجن، سواء من ناحية أن لا تتبدّل الجهة أو البعد الجزائي للسجن إلى شيء آخر، والثاني أن تقلّ المجازاة أو عقوبة السجن إلى أقل قدر ممكن أو أن تتبدل إلى عقوبات أخرى لكي لا تصيب تبعات السجن هذا المجتمع.

رابعها: حفظ سمعة الأشخاص
مسألة أخرى مهمة بالنسبة للسلطة القضائية ـ وبالتأكيد ليس المخاطب في هذا الكلام السلطة القضائية فحسب، بل إنّ الأمر متوجّه أكثر إلى الأجهزة الإعلامية ـ وهي قضية سمعة الأشخاص. فيجب الالتفات كثيراً إلى حفظ سمعة الأشخاص. إنّ الشريعة الإسلامية قد جعلت عرض المؤمن إلى جنب نفسه. ولا ينبغي للسلطة القضائية والأجهزة والمحاكم والأجهزة الإدارية للسلطة القضائية أن تقع تحت تأثير ضوضاء الإعلام وتأثيراته. حسناً، للأجهزة الإعلامية مشاكل في هذا المجال، خصوصاً فيما يحدث الآن، في مواقع الإنترنت، حيث إنّ الكثير من الأمور التي يلزم رعايتها لا تتم رعايتها، وحقيقة الأمر هي هذا، وهذه من عيوب حياتنا ونقائص أعمالنا. حسناً، لهذا 
 
 
 
 
 
 
 
 
230

192

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 علاجٌ في محلّه فمعالجة قضية الشائعات والأعمال التي تحصل في الإعلام والمنشورات هي مقولة أخرى، لكن السلطة القضائية لا ينبغي أن تقع تحت تأثير هذه الأمور، وإن كانت جميع المنشورات وكلّ مواقع الإنترنت التي تثير الأجواء وتصنع مناخات وآراء عامّة وتوجّهها نحو جهة خاصة، فإنّ السلطة القضائية سواء في المحكمة الخاصة أم تلك المحكمة المسؤولة عن متابعة أي ملف يجب أن تقوم بعملها دون أن تقع تحت تأثير أي شيء. فهذه القضية مهمّة جداً. فذكر أسماء المتّهمين قبل إثبات الجرم، أو عدم ذكرها، ولكن تبيين الأمر كأنهم ذكروا الاسم، فيه إشكال، فمثل هذه تؤدي إلى حصول خللٍ في ارتقاء السلطة القضائية وأجهزة القضاء في البلد. فهذه مسألةٌ يجب الالتفات إليها حتماً.


خامسها: إعداد الكادر الكفء
مسألةٌ أخرى، موجودة في السلطة القضائية ـ ورأيت أنها مورد اهتمام رئيسها المحترم، لكن ينبغي العمل عليها بشكل أكثر جدّية ـ هي قضية إعداد الكادر المناسب لمواقع الإدارة، والمناصب العليا في السلطة القضائية. إعداد الأفراد المناسبين وخصوصاً للمواقع الإدارية، وإن كان بالنسبة لكل جهاز السلطة أمرٌ مهمٌ جداً، وضروري. يجب الاستفادة من الحوزات والجامعات. فالشخصيات البارزة ليست قليلة بحمد الله، والطاقات المستعدة النابضة في مجتمعنا ليست قليلة. وهذا أمرٌ يجب الالتفات إليه. وإن شاء الله يتم العمل عليه وبذل الرأسمال المناسب والبرامج المطلوبة.

سادسها: التعاون بين السلطات
توجد نقطة هي بنظري أساسية، وإن كانت لا ترتبط بعمل السلطة القضائية، لكنها مع ذلك متعلقة بالحركة العامة للسلطة القضائية ومسيرتها ـ وهي مسألة تعاون السلطات فيما بينها، وهذا ما يحتاح إليه البلد في يومنا هذا.

حضور الجمهوريّة الإسلاميّة على مستوى العالم
إنّني أقول لكم إنّ القوى المتسلّطة في عالم اليوم قد وصلت إلى هذه النتيجة وهي أنّ عليها أن تبذل كلّ قوّتها عسى أن تتمكّن من توجيه ضربة أو خدشة إلى الجمهورية الإسلامية. فقد ركّز الشيطان كلّ قواه من أجل مواجهة هذه الحركة العظيمة التي أحدثها وجود الجمهورية الإسلامية وبقائها وتقدّمها في العالم. هذا وإن لم يقرّوا به ولكن حدّدوه. فهذه الصحوة التي قد وُجدت في العالم الإسلامي وهذا الشوق والتوجّه عند جماهير الشعوب إلى الشعارات الإسلامية والقيم والأهداف الإسلامية 
 
 
 
 
 
 
 
 
231

193

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 يقولون أنّها بسبب حضور الجهورية الإسلامية في الرأي العام للعالم الإسلامي. فأيّ عملٍ علميٍّ مهم تقومون به وأيّ نجاحٍ اجتماعيّ أو سياسيّ تحقّقونه وكلّ حركة اجتماعية عظيمة تحدث داخل هذا البلد ـ من قبيل الانتخابات الحماسية ـ وكلّ صمودٍ ومقاومة تبديها الجمهورية الإسلامية مقابل تسلّط وهيمنة الاستكبار تنعكس في العالم الإسلامي. فإنّ كل عمل من هذه الأعمال الكبرى يُعدّ حافزاً للشعوب التي تسعى للاستقلال على قاعدة الإسلام. لقد أعلن شعب إيران أنّ الإسلام هو راية التقدّم للشعوب، وهذا ما يفهمه الأعداء، لهذا فإنهم يركّزون على أن تفقد هذه القاعدة الأساسية رونقها. وكل هذا الضجيج والصخب الذي تلاحظونه في القضايا المختلفة ـ في قضية حقوق الإنسان وفي الملف النووي وباقي القضايا ـ بسبب هذه المواجهة. بالتأكيد إنّهم يسمّون أنفسهم "المجتمع الدولي"! لكنّهم ليسوا كذلك، بل هم بضع قوى متسلّطة في العالم، أمريكا وبعض القوى التابعة لها هنا وهناك.


الشعب دعامة النظام
إنّهم يبذلون أقصى ما لديهم من أجل مواجهة الجمهورية الإسلامية. والهدف هو سلب هذا النظام المقدّس دعامته الشعبية وهي دعامة عظيمة. فكلّ هذا الحظر وأمثاله ممّا تشاهدونه يهدف إلى هذا الأمر بالدرجة الأساسية. وبالطبع، إنّهم يدّعون كذباً، أنّ الشعب ليس مستهدفاً من كل هذا الحظر، لا نريد أن نوجّه ضربةً للشعب. وهذا مثل باقي ادّعاءاتهم، كذبٌ وخداعٌ. كلا، بل إنّ هدفهم الأساسي هو الناس، وكلّ هذه الضغوطات هي من أجل إخضاع هذا الشعب وإيقاعه في المشاكل حتى يتخلّى عن نظام الجمهورية الإسلامية وتنقطع علاقته المعنوية به. وبالطبع بفضل الله وبحوله وقوّته سيُهزمون في هذا الميدان. فإنّهم لا يعرفون شعبنا ولا يعرفون مسؤولينا. فهذه الخدعة التي يمارسها العدوّ قد أصبحت معلومة لشعبنا، وهو يعلم أنّ الهدف اليوم إتعابه، لذلك تشاهدون وتلاحظون أنّ كل هذا الضغط يزيد حضور الجماهير في الميادين المختلفة حماسةً. والمسؤولون أيضاً مشغولون. وهم للحق والإنصاف يبذلون وسعهم في مواجهة مساعي العدوّ.

الشعب والإمكانات وعامّة الدولة
إنّ أمريكا اليوم تمركز كلّ قوّتها من أجل أن تحاصر الجمهورية الإسلامية بحسب زعمها اقتصادياً، لكنّهم يحاصرون أنفسهم، وهم الذين يعانون من المشكلات، فأوروبا وأمريكا اليوم تعاني من مشاكل أساسية غير ممكنة الحل. فهي في الحقيقة غير قابلة للحل أبداً. إنّ أوضاعهم تختلف عن أوضاعنا، فنحن بحمد الله لدينا كل شيء، 
 
 
 
 
 
 
 
 
232

194

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 لدينا إمكانات وثروة داخلية وشعب طيّب ومصادر مالية، وموارد بشرية، وليس علينا ديوناً خارجية، فإمكانات بلدنا عظيمة جداً. وكلّ الأذى الذي يريده العدوّ ويسعى نحوه هو من أجل أن يتمكّن من الحدّ من وصول الجمهورية الإسلامية إلى مثل هذه الإمكانات. وإنّ سعي مسؤولينا هو لأجل إبطال هذه المؤامرة، وإن شاء الله سينجحون وهم يبذلون جهوداً جيدة أيضاً.


تكاتف السلطات الثلاث
في مثل هذه الظروف ما هو ضروريٌّ لبلدنا ويُعدّ فريضةً وحتماً هو أن تتعاضد جميع الأجهزة المسؤولة في البلد من أجل مواجهة هذا التمركز عند عدوّنا. فهم هنا يركّزون على نقطة الحق. فإنّ أي انفصال بين القوى والسلطات الثلاث سيلحق الضرر بالبلد والنظام. فيجب على الجميع أن يتعاونوا ويتعاضدوا. الحكومة والمجلس والسلطة القضائية كلّهم في جبهةٍ واحدة وهي جبهة الدفاع عن الإسلام، والدفاع عن هذا الشعب العزيز والشريف، والدفاع عن استقلال البلد وهوية الثورة، هذه الثورة، التي أعطت الهوية لشعبنا وأمتنا بل لهذه الأمّة الإسلامية. هذه هي اليوم أهدافنا الكبرى، لهذا يجب التعاون والتكاتف.

إنّ بعض المناوشات وبعض الطعن الذي نوجّهه إلى أعمال بعضنا بعضاً يمكن بالكامل أن نشطبه من صفحة التعاون، فهو ليس بالأمر الأساسي والأصولي، فأغلبه أوهام. فأنتم كسلطة قضائية قوموا بدوركم على أكمل وجه.

أداء التكليف والوظيفة هو الأساس
فلو أنّ كلّ قطاعٍ في هذا البلد أوقف عمله حتى يقوم الطرف الآخر بعمله، فلن يؤدّى أيّ عمل. وأن يقول أحدنا لأنّ الآخر لم يؤدِّ ما عليه فأنا سوف أقلّل وأتراجع، كلا، نحن نؤدّي تكليفنا على أكمل وجه. 

هذا، بالإضافة إلى أنّه أداءٌ لتكليفٍ إلهي وحقٍّ ربّاني فإنّه يعين الآخرين على أن يقوموا بعملهم وتكليفهم على أكمل وجه.

هذه وصيّتنا وأملنا إن شاء الله تعالى أن يوفّقكم جميعاً وكلّ المسؤولين لتؤدّوا حقّ هذا الشعب الكبير وحقّ الإسلام العظيم. فاطمئنوا أنّكم سوف تنجحون. لقد وعد الله تعالى وهو لا يخلف الميعاد، وسوف يتحقّق وعده حتماً. إنّ وعد الله هو نصرة الحق وأهله. أولئك الذين يتحرّكون في سبيل الحق، فإنّ الله تعالى سيعينهم ويهديهم ويسدّدهم ويضمن لهم الوصول إلى الهدف. واليوم فإنّ عمل الشعب الإيراني 
 
 
 
 
 
 
 
233

195

في لقاء مسؤولي السلطة القضائيّة

 والمسؤولين وهذه الفئة العظيمة للعاملين والمسؤولين في أجهزة النظام في مختلف القطاعات هو هذا. فللإنصاف إنّ نواياهم جيدة جداً، ومساعيهم صادقة، ونسأل الله تعالى أن يبارك ذلك.


نسأل الله تعالى بمشيئته أن يوفّقكم جميعاً وأن يفتح عليكم أبواب الفتوحات الكبرى يوماً بعد يوم لتتمكّنوا بمشيئته من القيام بمسؤولياتكم المهمّة الملقاة على عاتقكم بأفضل وجه. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
234

196

في لقاء المشاركات في المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة

 كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء المشاركات في المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة


المناسبة: المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة.
الحضور: المشاركات في المؤتمر (من 84 دولة).
المكان: طهران.
الزمان: 11/7/2012م.
 
 
 
 
 
 
 
 
235

197

في لقاء المشاركات في المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بدايةً، أرحّب بكنّ جميعاً، الأخوات العزيزات، وبناتي العزيزات، والسيّدات النّخب من سائر البلاد الإسلامية. هذا المكان هو بيتكن1. نسأل الله تعالى أن يبارك هذا المؤتمر وهذا اللقاء للأمّة الإسلامية.


هويّة المرأة المسلمة والثقافة الغربيّة
اجتماعكنّ هذا بالنسبة لي يحوز على أهمّية فائقة، إنّ اجتماع النساء النخبة من شرق العالم الإسلامي وغربه له أهميّة تفوق أهميّة أي مؤتمر للصحوة الإسلامية، وهذه الأهمية نابعة من أنّه فرصة لتعرّف النساء النّخب في العالم الإسلامي إلى بعضهنّ بعضاً في هذا المؤتمر. وهذا مهمّ جداً. لقرنٍ من الزمن والثقافة الغربية تسعى مدعومة بالمال والقوّة والسلاح والدبلوماسية من أجل فرض الثقافة الغربية وأسلوب الحياة الغربية على المجتمعات الإسلامية بين النساء. لمئة سنة كان السعي من أجل أن تفقد المرأة المسلمة هوّيتها. فقد استُخدمت جميع العوامل المؤثّرة وعناصر القوّة: المال، والإعلام، والسلاح، والخدع المادية المختلفة، واستخدام الغرائز الجنسية الطبيعية للإنسان، كلّ هذه استُخدمت من أجل إبعاد المرأة المسلمة عن هويتها الإسلامية. واليوم إذا كنتنّ أيتها السيدات النخبة الإسلامية تسعين لاسترجاع هذه الهوية للمرأة المسلمة، فإنّكنّ تقدّمن أكبر خدمة للأمّة الإسلامية وللصحوة الإسلامية، والعزّة والكرامة الإسلامية.


هذا الاجتماع يمكن أن يمثّل خطوة كبيرة ومؤثّرة على هذا الطريق. فلا تكتفينّ بالجلوس معاً، والتباحث لعدّة أيام، بل، اجعلنَ هذا اللقاء مقدّمةً لحركة كبيرةٍ وخالدة، تؤثّر على العالم الإسلامي، ويمكنها ذلك، فصحوة النساء، والشعور بالشخصية والهوية بينهنّ، والوعي والبصيرة في المجتمع النسائي سيكون لذلك كلّه تأثيرٌ مضاعفٌ على الصحوة الإسلامية والعزّة الإسلامية. وهذا هو المطلب الأوّل.


بعض الأخوات اقترحن في كلماتهنّ المفيدة والناضجة والدقيقة اقتراحات ونحن نوافق على متابعتها.


الغرب: المرأة وسيلة لمتعة الرجل
هناك مسألة أساسية فيما يتعلّق بنظرة الإسلام إلى جنس المرأة. حيث إنّ هذه النظرة هي في المقابل تماماً للثقافة الغربية التي تنظر إلى المرأة نظرةً مهينةً. ويضعون لذلك



1- الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
 
 
 
 
 
 
 
 
237

198

في لقاء المشاركات في المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة

 عنواناً هو الحرية، لكنّ الواقع ليس كذلك. إنّ الغربيين وطيلة هذه القرون الثلاثة الأخيرة، قد وضعوا لجميع جرائمهم أسماءً جميلة. فعندما كانوا يقتلون ويستعبدون وينهبون الثروات، وعندما كانوا يفتعلون الحروب المفروضة بين الشعوب وغيرها من الجرائم، كانوا يضعون على كلّ واحدةٍ منها أسماءً برّاقة وخدّاعة، كأسماء الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وأمثالها. إنّ إطلاق اسم الحرية على التوجّه الموجود في الثقافة الغربية للمرأة، هو اسمٌ كاذب، فهذه ليست حرية. إنّ أساس ثقافة الغرب مبني على جعل المرأة بضاعةً لمتعة الرجل في المجتمع. فالترغيب والحثّ على التعرّي يعود إلى هذه الجهة. في الغرب، نجد أنّ عذابات المرأة طيلة القرنين الأخيرين قد ازدادت ولم تقلّ، فالتحرر الجنسي والتحلّل الجنسي في الغرب لم يؤدِّ إلى خمود فوران قدر الشهوة البشرية التي هي غريزية وطبيعية. وكانوا في السابق يعلنون أنّه إذا كان بين المرأة والرجل علاقة حرّة فإنّ الشهوة الجنسية ستضعف، ومن الناحية العملية اتّضح أنّ القضية على العكس من ذلك، فأينما ازدادت حرية العلاقات بين المرأة والرجل في المجتمع بحسب الوضعية التي أوجدوها، فإنّ الميول الشهوانية للبشر تتأجّج أكثر. وفي هذا اليوم فإنّ الغربيين لا يخجلون ويعرضون قضية الشذوذ الجنسي كقيمة. فالإنسان الكريم يندى جبينه من الخجل، أمّا أولئك فلا يخجلون. إنّ نظرة الغرب إلى المرأة هي نظرة منحطة وناقصة ومضلَّلة وخاطئة. أما نظرة الإسلام إلى المرأة فهي نظرةٌ تمنح العزّة والكرامة والتكامل واستقلالية هوية المرأة وشخصيتها، وهذا هو ادّعاؤنا. نحن نستطيع أن نثبت ادّعاءنا بأقوى الأدلّة.


فخر المرأة أن تكون نواة الأسرة 
ففي البيئة الإسلامية تتكامل المرأة علمياً ونفسياً وأخلاقياً وسياسياً، وتتقدّم الصفوف في أهمّ القضايا الاجتماعية (في الوقت نفسه) وتبقى امرأة. فأن تكون المرأة امرأةً يُعدّ بالنسبة لها نقطة امتياز وافتخار، وليس فخراً للمرأة أن نبعدها عن المحيط النسائي والخصائص النسائية وأخلاقها. فهؤلاء يعتبرون إدارة المنزل وتربية الأبناء والحياة الزوجية عاراً عليها. لقد فككت الثقافة الغربية الأسرة ودمرتها. وفي زماننا هذا فإنّ من المشاكل الكبرى للعالم الغربي هو انهيار العائلة، وازدياد عدد الأولاد الذين لا هوية لهم. ومثل هذا سوف يخنق الغرب ويمسك بزمامه، فالأحداث الاجتماعية إنّما تظهر مع مرور الزمن. وسوف يتلقّى الغرب من هذه الجهة بالذات أقوى الضربات، وسوف تنهار الحضارة المادية بكلّ زخارفها وزبارجها من هذه الجهة بعينها.
 
 
 
 
 
 
 
238

199

في لقاء المشاركات في المؤتمر العالمي للمرأة والصحوة الإسلاميّة

 المرأة والكرامة الإنسانيّة

إنّ الإسلام ينظر إلى المرأة من زاوية الكرامة. فجميع الخصائص الإنسانية مشتركةٌ بين المرأة والرجل. فالإنسان قبل أن يتّصف بالأنوثة و الذكورة فإنّه متّصفٌ بالإنسان، وفي الإنسانية لا وجود للمرأة والرجل، فالجميع سواسية، هذه هي نظرة الإسلام.

لقد جعل الله سبحانه خصائص جسمانية في كلّ من الجنسين، بحيث يكون لكل منهما دورٌ في استمرار الخلقة وفي تكامل الإنسان ورقيّه وفي حركة التاريخ