فن التدبير في المعيشة - رؤية قرآنية روائية -


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-12

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة:


تتباين وجهات النظر في تحديد الهدف من حياة الإنسان المادّيّة، ويمكن إيجازها في رؤى ثلاث، هي: 
1- إنّ الهدف الأساس من هذه الحياة يكمن في تحقيق أكبر قدرٍ ممكنٍ من الرغبات المادّيّة والملذّات. وسبب الاعتقاد بهذه الرؤية يعود: إمّا إلى ضعف الإيمان بالله تعالى، وإمّا إلى عدم الإقرار بالحياة الآخرة وما فيها من نعيمٍ, الأمر الذي أدّى إلى ضيق نطاق فكر أصحابها وإهمالهم الأمور المعنويّة، وسعيهم الحثيث لكسب متاع الحياة الدنيا فحسب. 

2- إنّ الأمور المادّيّة والدنيويّة بشكلٍ عامٍّ تعتبر عائقاً أمام السّعي لبلوغ نعيم الآخرة، وقد تمسّك أصحاب هذه الرؤية بظاهر القرآن الكريم وبعض الأحاديث، وأعرضوا عن الدّنيا، واعتبروها لهواً ولعباً. وعدّوا كلّ مكسبٍ دنيويٍّ, هو في حقيقته خسارةٌ, لأنّ الدّنيا فانيةٌ، والغنى المادّيّ فيها سببٌ لفقر العبد في الحياة الآخرة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

المقدمة

 3- إنّ الشارع المقدّس وضع برامج شاملةً لجوانب الحياة كافّةً، بما فيها التدبير في المعيشة، حيث يؤمن أصحاب هذه الرؤية بأنّ الإسلام دينٌ شاملٌ، وأنّ الصّلة بين الدنيا والآخرة وثيقةٌ، لذلك لا يمكن إهمال القضايا المادّيّة التي تعدّ ضروريّةً لاستمرار الحياة في الدنيا، ومقدّمةً للحياة الأخرويّة. 

 
وفي الواقع: إنّنا لو تمعّنّا في القرآن الكريم وأحاديث الأئمّة المعصومين عليهم السلام، سوف لا نجد أيّ تعارضٍ بين انهماك العبد في شؤون حياته المادّيّة، وتوفير سُبُل معيشته من خلال الكسب والعمل والإنتاج، وبين العبادة والعمل للحياة الآخرة. وهذه الرؤية هي المتبنَّاة في هذا الكتاب. 
 
وهناك الكثير من الكتب التي تناولت موضوع التدبير في الحياة الدّنيا بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ، لكنّ القليل منها تناول هذا الموضوع في إطار التعاليم الواردة في النصوص الدينيّة. لذا فمن الضروريّ دراسة الموضوع في هذا المضمار، كي ندرك كُنه كلام أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حين قال: "حُسن التَّدبيرِ يُنمِي قليلَ المالِ، وسوءُ التَّدبيرِ يُفنِي كثيرَهُ"1
 
 

1- الليثي الواسطي، علي بن محمد: عيون الحكم والمواعظ: تحقيق الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، ط1، لام، دار الحديث، لات، ص227-228.‏
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
6

2

المقدمة

 وممّا لا شكّ فيه أنّ انخفاض مستوى الدّخل العامّ، والغلاء الفاحش، وعدم مراعاة الاعتدال في شؤون المعيشة، مضافاً إلى التحلّل الخُلُقي للفرد والمجتمع الناشئ من الجهل بفنّ تدبير المعيشة طبق المعايير الإسلاميّة، وعدم الانسجام بين أعضاء الأسرة الواحدة، كلّها أُمورٌ تقتضي البحث والتدقيق في النصوص الدينيّة المبيّنة لأُسس التدبير، الكفيلة باستثمار نِعَم الحياة الدنيا خير استثمارٍ في رحاب العمل بتعاليم الشّريعة المقدّسة، تمهيداً لتحقيق هدفنا السامي الذي نطمح إليه، ألا وهو: التوفيق بنيل نعيم الآخرة الدائم. 


وقد تمّ تقسيم الكتاب إلى: مقدمة وأربعة فصول، وفق التالي: 
الفصل الأوّل: يتألّف من مباحث عامّة، تشمل خلفيّة الموضوع، وأهمّيّته، والمفاهيم الأساسيّة التي يتمحور حولها البحث، مثل: التدبير، والمعيشة، والرزق. 
الفصل الثاني: استراتيجيّة التدبير في المعيشة. 
الفصل الثالث: الطُّرق المثلى للتدبير. 
الفصل الرابع: النتائج الإيجابيّة لحسن التدبير والعواقب السيّئة لسوء التدبير. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

المقدمة

 وتجدر الإشارة إلى أنّ أُسلوب البحث المتّبع في هذا الكتاب نظريٌّ تحليليٌّ، حيث قمنا بجمع المعلومات من المصادر المعتبرة. 


أمّا الآراء المطروحة فيه فهي مستوحاة من النصوص الدينيّة الإسلاميّة القرآنيّة والحديثيّة. كما تمّ الرجوع فيه إلى أهمّ تفاسير القرآن الكريم، والمصادر الإسلاميّة المعتبرة التي يمكن الاستفادة منها في موضوع التدبير في الحياة.

مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
8

4

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه


أوّلاً: حقيقة التدبير:
إنّ التدبير من الأفعال التي نسبها الله تعالى إلى نفسه، إذ وصف ذاته المقدّسة بالمدبّر، كما ألهم عباده هذه الخصلة الحميدة، وحثّهم على التحلّي بها، والسعي الجاد لاكتسابها، بوصفها فضيلة من أسمى الفضائل. 

وعلى مرّ العصور، نشهد أنّ الحياة الجماعيّة المتمثّلة في القبيلة وسائر المجتمعات البشريّة، دائماً ما يشوبها تضارب في المصالح، وتخيّم عليها الحروب، أو يسودها السلام وروح التعاون. وفي خضمّ هذه الأوضاع، نجد أنّ العقل السليم يحكم بضرورة حُسن التدبير في شؤون الحياة، ووجوب التفكير في عواقب الأمور، لكي يتسنّى للناس التمتّع بحياةٍ طيّبةٍ. 

وخلال التطوّر التدريجيّ الذي شهدته الحياة البشرية، واتّساع رقعة المدنيّة، اتّضحت أهمّيّة التدبير، وبات ضرورة حياتية ملحّة، فانتهجه الناس، لترشيد أفكارهم وأعمالهم،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9

5

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 في مختلف شؤون الحياة، السياسيّة، والثقافيّة، وغيرهما، نحو الاتّجاه الصحيح، بغية بلوغ الكمال المنشود. 

 
وشجّعت الأديان السماويّة - بدورها - الإنسان على التدبّر في عظمة خلق الله تعالى، مسترشداً بهدي فطرته السليمة التي فطره الله تعالى عليها، وذلك لكي يستلهم من تدبير خالقه الطريقةَ المثلى لتدبير شؤون حياته. 
 
وأولى القرآن الكريم هذا المفهوم السامي أهمّيّةً بالغةً، حيث زخر بمضامين تؤكّد هذه الأهمّيّة في إطار مفرداتٍ عديدةٍ، مثل(مدبّر) و(تدبير) وما شابههما، والتي توحي لنا المعنى المراد اليوم من كلمة (الإدارة) السائدة بين الناس، وتشمل مفاهيم البرمجة، والتّخطيط، والتّنظيم، والانسجام، والتّوجيه الصحيح، الكامنة في مبدأ تدبير الأمور. ولا شكّ في أنّ الإنسان لا يمكنه أن يرجو خيراً من أفعاله دون تحقّق هذه الأمور. 
 
وقد صوّر القرآن الكريم واقع التدبير في حياة الأنبياء عليهم السلام، ولا سيّما تدبير النبيّ يوسف عليه السلام الذي كان أميناً على خزائن مصر، حيث انتشل أهل مصر من الفقر والمجاعة، بحنكته، وتدبيره، وتخطيطه الصحيح، حينما حلّ بهم القحط والجدب1
 
 
 

1- يوسف: 47-49. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

 


6

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 ومن هذا المنطلق، كان التدبير ذا تأثيرٍ مباشرٍ على مجالات الحياة كافّةً، ولا يختصّ بالمأكل والمشرب فقط، لأنّ تأثيره مشهودٌ على ثقافة الإنسان وعقائده وحياته، الاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة1. لذا أكّد المعصومون عليهم السلام على وجوب اتّباع منهج التّدبير الصّحيح في مختلف شؤون الحياة2

 
ثانياً: أهميّة التدبير:
لا يختلف اثنان في أنّ تدبير شؤون الحياة يُعدّ من الأمور الهامّة لكلّ إنسانٍ. وبالطبع، فإنّ هذا الأمر مرهونٌ بتطبيق تعاليم الشريعة، والانتهال من منهلها العذب، والاستعانة بما أنعم الله علينا من قوى إدراكيّة. 
 
فتنظيم شؤون الحياة حسب تعاليم ديننا الإسلاميّ التي وردتنا عن طريق الوحي المقدّس، من شأنه أن يفتح لنا باب السّعادة على مصراعيه. والمجتمعات البشريّة اليوم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التّعاليم الدينيّة، والعمل بالوصايا المُطَابِقَة للفطرة التي فطر الله النّاس عليها. 

 
 

1- تجدر الإشارة إلى وجود عدّة كتب مدوّنة بصدد التّدبير، ما يؤكّد اهتمام العلماء والباحثين بهذا الموضوع الحسّاس، ونذكر منها ما يلي: 
ـ (تدبير المنزل) أو (السياسة الأهليّة)، تأليف الشيخ الرئيس أبي عليّ الحسين بن عبد الله بن سينا، طبع في بغداد سنة 1347هـ. 
ـ تدبير المنزل ورعاية الطفولة(تدبير منزل ودستور بچه داری)، تأليف بدر الملوك تكين، طبع في طهران. 
ـ تدبير المنزل (تدبير منزل)، تأليف بدر الملوك بامداد، طبع في طهران. 
2- الحكيميّ، محمّد رضا، علي رضا: الحياة، ط1، طهران، منشورات مكتب ترويج الثقافة الإسلاميّة، 1368هـ.ش، ج4، ص346-354. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

7

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 وحسب اعتقادنا، فإنّ الشريعة الإسلاميّة تكفّلت بوضع برنامج شامل ومتكامل يهدي الإنسان إلى السعادة المنشودة في الدّنيا والآخرة، لأنّها تتناول جميع جوانب الحياة المادّيّة والمعنويّة، للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. 

 
ومن الطبيعيّ أنّ الإنسان في بادئ الأمر بحاجةٍ ماسّةٍ إلى معرفة الدّين، وإدراك مفاهيمه، فالذي لا دين له لا حياة له. ومن هنا، ينبغي عليه المثابرة، لتنظيم شؤون معيشته، بحُسن التقدير، ثمّ بعد ذلك لا بدّ له من الصبر وتحمّل المصاعب التي تعترض طريقه. وقد أكّد الإمام جعفر الصادق عليه السلام على هذه الحقيقة، بقوله: "لا يَصلُحُ المؤمنُ إلا على ثَلاثِ خِصالٍ: التَّفقُّهِ في الدِّينِ، وحُسنِ التَّقديرِ في المعيشةِ، والصَّبرِ على النّائبَةِ"1
 
إذن، تدبير شؤون الحياة لا بدّ وأن يكون متزامناً مع أمرين هامّين، هما: التعمّق في تعاليم الدين، والصبر على النوائب. 
كما أنّ هناك أمران يُعدّان جوهر المعيشة وأساسها، وهما: الاعتدال، بمعنى: عدم الإسراف، واجتناب تبديد الجهود، وإهدار الثّروة، والتّدبير، بمعنى: التّفكير في عواقب الأمور، وحسن التخطيط، والإدارة الصحيحة. وروي أنّ رجلاً قال
 
 
 
 

1- الحراني، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لاط، قم المقدّسة، منشورات الشريف الرضيّ، لات، ص263. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

8

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  للإمام جعفر الصادق عليه السلام: بلغني أنّ الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب! فقال عليه السلام: "لا، بَل هُو الكسبُ كلُّهُ، ومِن الدِّينِ التَّدبيرُ في المعيشةِ"1

 
ويكون التّدبير - دائماً - متناغماً مع العلم، والمعرفة، والخبرة، والعقل، فهو بطبيعته بعيدٌ عن العمل من دون تعقّلٍ. ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامٌ رائعٌ عن التدبير، عندما خاطب ابن مسعود، قائلاً: "يا ابن مسعود، إذا عملتَ عمَلاً فاعملْ بعلمٍ وعقلٍ، وإيّاكَ وأنْ تعملَ عملاً بغيرِ تدبّرٍ وعلمٍ، فإنّه جلَّ جلالهُ يقولُ: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثَاً"2
 
آثار حسن التّدبير:
أكّد الإمام عليّ عليه السلام على وجوب اتّصاف المؤمنين برؤيةٍ مستقبليّةٍ تدبيريّة، حين قال: "المؤمِنُونَ هُم الَّذينَ عَرَفُوا ما أمامَهُمْ".3 


فلحُسن التدبير تأثيرٌ كبيرٌ على رقيّ شخصيّة الإنسان، من




1- الطوسي، محمد بن الحسن: الأمالي، لاط، قم المقدّسة، منشورات مكتبة الداوريّ، لات، ج2، ص458. 
2- الطبرسي، الفضل بن الحسن: مكارم الأخلاق، ط1، طهران، منشورات دار المعرفة، 1365هـ.ش، ص458. 
3- المجلسي، محمّد باقر: بحار الأنوار، ط2، بيروت، منشورات مؤسّسة الوفاء، 1403هـ.ق، ج75، ص25. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

9

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 خلال ما يمدّه من نفاذ بصيرة في شؤون الحياة كافّة، ويمكّنه من تحقيق أهمّ متطلّبات حياته في مختلف المجالات، مثل: 

1- استثمار الثروة بطريقةٍ مُثلى. 
2- اجتناب الإسراف في النعمة أو إتلافها بغير وجه عقلائي. 
3- عدم الاضطرار إلى تكرار عملٍ ما. 
4- المكانة الرفيعة في المجتمع. 
5- الثقة بالنفس. 
6- صحّة التعامل الماليّ مع الآخرين. 
7- سلامة النفس، والعزّة، وراحة البال. 
 
آثار سوء التّدبير:
إنّ لسوء التدبير عواقب وخيمة على حياة الإنسان، قد تؤدّي إلى هلاكه وسقوطه والحيلولة بينه وبين كماله المنشود، منها ما يلي: 
1- عدم الاستقرار والضَّياع. 
2- التبعيّة الفكريّة والاقتصاديّة. 
3- الفقر والحرمان. 
4- الفساد الخُلُقيّ. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

10

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 5- الذلّة والوضاعة الاجتماعيّة. 

6- تسلّط الآخرين. 
7- التخلّف الفكريّ والرجعيّة. 
8- فقدان النعمة. 
9- الاختلاف بين أعضاء العائلة الواحدة وتهديد كيانها. 
 
فلو أمعنّا النظر في النتائج الحميدة لحسن التدبير والعواقب القبيحة لسوء التدبير، لأدركنا مدى أهمّيّة التدبير ووجوب اتّخاذه منهجاً في حياتنا. وتتأكّد هذه الأهمّيّة عندما نأخذ بعين الاعتبار بعض الأمور التي لها تأثيرٌ مباشر على حياة البشر قاطبةً، مثل: الدخل المحدود أو المتدنّي لبعض أبناء المجتمع، وارتفاع مستوى التضخّم المالي، والغلاء الفاحش، والصعوبة في توفير مستلزمات العيش، والإفراط أو التفريط في بعض الأمور، إضافةً إلى وجوب مراعاة الأصول الخلقيّة، والسلوكيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة في جوانب الحياة كافّة1
 
ثالثاً: مفاهيم البحث الأساسيّة: 
يرتكز موضوع الكتاب على ثلاثة مفاهيم أساسيّة، هي: 
 
 
 

1- هناك تفاصيل كثيرة عن نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير في خاتمة الكتاب. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

11

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 التدبير، والمعيشة، والرزق1. لذا، فمن الأجدر أن تنال هذه المفاهيم قسطاً أكبر من الشرح والتحليل، ولا بدّ من بيان معانيها العامّة، لغويّاً واصطلاحيّاً، ومداليلها الخاصَّة في الآيات والروايات. وأحياناً ينفرج البحث، ليشمل عناوين فرعيّةً أخرى، حيث يتمّ توضيحها بإيجازٍ. 

 
وفي ما يلي بيانٌ لهذه المفاهيم الثلاثة: 
1- التدبير: 
التدبير، هو: التفكير بعاقبة الأمور، وإمعان النظر، والتحسّب لما سيكون. وأن يُدبِّر الإنسان أمره، هو: أن ينظر إلى ما تَؤول إليه عاقبته وآخرته. والتَّدَبُّر: التفكر في الأمر2


وبعبارةٍ أخرى: إنّ التدبير هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء، ويُراد به: ترتيب الأشياء المتعدّدة المختلفة، ونظمها، بوضع كلّ شيءٍ في موضعه الخاصّ به، بحيث يلحق بكلٍّ منها ما يُقصَد به من الغرض والفائدة، ولا يختلّ الحال بتلاشي الأصل وتفاسد الأجزاء وتزاحمها3
 
 
 
 

1- بما أنّ تدبير شؤون المعيشة غالباً ما يكون مرتبطاً بمقدار دخل الإنسان ورزقه، لذلك سوف يكون هذا المفهوم أحد محاور البحث الثلاثة. 
2- انظر: الإفريقي، ابن منظور: لسان العرب، لاط، بيروت، لان، لات، ج4، ص273، مادة "دبر"، ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، لاط، قم المقدّسة، منشورات مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1404هـ..ق، ص324، مادة "دبر"، الأصفهاني، الراغب: المفردات في غريب القرآن، لاط، بيروت، منشورات دار المعرفة، لات، مادة "دبر". 
3- الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، لاط، قم المقدّسة، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، ج11، ص289-290. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

12

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 أ ـ تدبير المنزل:

تدبير البيت، هو: تنظيم الحياة المنزليّة على الصعيد الماليّ والمادّي. وفنّ تدبير المنزل، هو: مجموع الطرق التقنيّة الحديثة، لتسهيل مهمّة ربّة البيت، ومساعدتها في توفير أسباب الراحة، وترتيب داخل البيت وتجميله1. وكذلك يُقال: دبَّرَ أمر البيت، أي نظَّمَ أموره، والتصرّفات العائدة إليه، بما يؤدّي إلى صلاح شأنه، وتمتّع أهله بالمطلوب من فوائده2
 
التدبير في القرآن والسنّة:
أشار القرآن الكريم إلى أنّ التدبير صفةٌ من صفات الله تعالى3 وملائكته4. والتدبير الإلهيّ للعالم، هو: نظم أجزائه نظماً جيّداً مُتقناً، بحيث يتوجّه فيه كلّ شيءٍ إلى غايته المقصودة منه، وهي آخر ما يمكن أن يحصل له من الكمال الخاصّ به، ومنتهى ما ينساق إليه من الأجل المسمّى. وتدبير الكلّ يعني إجراء النظام العامّ العالميّ، بحيث يتوجّه إلى غايته الكلّيّة، وهي: الرجوع إلى الله والقرب منه. 
 
لذلك، فإنّ الله يدبّر الأمرَ، أي يقدّر، "ويُنْفِذُه على وجهه، 
 
 
 

1- معلوف، لويس: المنجد(قاموس عربي - فارسي)، ترجمة محمّد بندر ريقي، لاط، إيران، منشورات بازار بين الحرمين، لات، ج1، مادة "دبر". 
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص290.
3- السجدة: 5، يونس: 31، الرعد: 2. 
4- النازعات: 5.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

13

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 ويرتّبه على مراتبه على أحكام عواقبه"1، وهذا التدبير يشمل الهداية التكوينيّة والتشريعيّة للمخلوقات اللتان تتحقّقان عبر بعثة الأنبياء عليهم السلام والرسل عليهم السلام. 



أمّا تدبير الملائكة، في قوله تعالى: ﴿فَالمْـُدَبِّراتِ أَمْرَاً﴾2، ففيها أقوالٌ - أيضاً -، أحدها: أنّ الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة إلى السنة، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام3
 
إذن، يمكن القول: إنّ التدبير والتحسّب لعواقب الأمور، والتخطيط الصحيح، ونظم شؤون الحياة، تعدُّ الأركان الأساسيّة للرقيّ، وبلوغ الكمال المنشود. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "الكَمالُ كُلُّ الكَمالِ: التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ، وَالصَّبرُ عَلَى النّائبَةِ، وَتَقديرُ المعيشةِ"4. فمن خلال التدبير واتّباع النهج الصحيح في الأمور الاقتصاديّة، يمكن الوصول إلى الكمال. 
 
ولا ريب في أنّ تدبير الإنسان، في استثمار ما لديه من إمكانيّاتٍ اقتصاديّةٍ محدودةٍ، واجتناب الإسراف في تسخيرها، يُعدّ أفضل من حيازته إمكانيّاتٍ اقتصاديّةً كبيرةً يُسرف في استثمارها، فينبغي للعبد أن يكون على صوابٍ من
 
 
 

1- الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج5، ص136. 
2- النازعات، 5.
3- الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج10، ص652. 
4- الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط5، طهران، دار الكتب الإسلامية، مطبعة حيدري، 1363هـ.ش، ج1، كتاب العقل والجهل، باب صفة العلم...، ح4، ص32.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

 


14

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  التقدير، وحكمةٍ من التدبير1. فالتدبير سببٌ في قوّة اقتصاد الحياة ورقيّه. وعن أيّوب بن الحرّ: سمعتُ رجلاً يقولُ لأبي عبد الله عليه السلام: بلغني أنّ الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب، فقال أبو عبد الله عليه السلام: "لا، بَلْ هُو الكَسْبُ كُلُّهُ".2 

 
وقد أكّد الإمام عليّ عليه السلام على أنّ التدبير سبيلٌ للرقيّ الاقتصاديّ، حين قال: "حُسنُ التَّدبيرِ يُنمِي قليلَ المالِ"3


ومن هنا، كان المسؤول اللائق بإدارة شؤون العائلة أو شؤون فئةٍ اجتماعيّةٍ ما، هو الذي يتمكّن من تمهيد الأرضيّة اللازمة، لاستثمار القابليّات والإمكانيّات أفضل استثمارٍ، وذلك عبر تخطيطٍ صحيحٍ، ومنهجيّةٍ مثاليّةٍ، وتنسيقٍ بين كافّة الأعضاء، على مختلف مستوياتهم ومسؤوليّاتهم. كما لا بدّ له من نظم نشاطاته وفعّاليّاته، ووضع كلّ شيءٍ في موضعه، وتأدية ما عليه من تكاليف في وقتها المناسب، حتى يستحق بذلك صفة المدبِّر. 
 
ويُعدّ تدبير شؤون الحياة بطبيعته جزءاً من الدين4، لذا، فإنّ حسن التدبير كان صفة لازمة للمؤمنين بحيث يمتازون بها 
 
 
 

1- انظر: الجعفي، المفضل بن عمر: التوحيد، تعليق كاظم المظفر، ط2، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1404هـ.ق/ 1984م، المجلس الأوّل، ص10.
2- الطوسي، الأمالي، م. س، ج2، ص458.
3- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص227.
4- عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "مِن الدِّينِ التَّدبيرُ في المعِيشَةِ": الطوسي، الأمالي، م.س، مجلس يوم الجمعة، ح17، ص670.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

15

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 عن غيرهم، لأنّهم لا يستهلكون أموالهم عبثاً، ولا يبذّرونها، بل يراعون الاعتدال في إنفاقها، ويخشون فيها غضب الله تعالى، في ما لو أفرطوا أو فرّطوا في إنفاقها، بخروجهم عن الحدود التي أجازها الله تعالى لهم في الإنفاق1.

 
2- المعيشة: 
كلمة (المعيشة): مشتقّةٌ من مادّة (عَيَشَ)، وهي تعني: الحياة، وتستعمل لذوات الأرواح فقط. وهذه الكلمة أخصّ من كلمة (الحياة)، لأنّ تعبير الحياة يمكن إطلاقه على البارئ عزَّ وجلَّ، وعلى الملائكة، بينما تختصّ كلمة العيش بحياة الإنسان والحيوان فحسب2
 
و(معايش) جمع (معيشة)، وهي: عبارة عن الوسائل والمستلزمات التي تتطلّبها حياة الإنسان، بحيث يحصل عليها بالسعي تارةً، أو تأتيه بنفسها من دون سعي تارةً أُخرى. ومع أنّ بعض المفسّرين حصر كلمة(معايش) بالزراعة والنبات، أو الأكل والشرب فقط، ولكنّ مفهومها اللغويّ أوسع من أن يُخصّص، ويُطلق ليشمل كلّ ما يرتبط بالحياة من وسائل العيش3.
 
وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها
 
 
 

1- تتّضح نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير في خاتمة الكتاب. 
2- انظر: الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن م.س، مادة "عيش".
3- الشيرازي، ناصر مكارم: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ط1، قم المقدّسة، منشورات مدرسة الإمام عليّ عليه السلام، 1421هـ.ق، ج8، ص51، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج18، ص99.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

16

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  مَعايِشَ﴾1. فـ(المعاش) في هذه الآية: يحتمل أن يكون اسم زمانٍ أو اسم مكانٍ، بمعنى زمان أو الحياة مكانها، ويمكن أن يكون مصدراً ميميّاً، فيكون له محذوفٌ، والتقدير: (سبباً لمعاشكم)2

 
ويُذكر أنّ مشتقّات كلمة (عيش) تكرّرت ثماني مرّاتٍ في القرآن الكريم، كما أنّ الأحاديث والراويات تطرّقت إليها بكثرةٍ. وبالطبع، فإنّ رؤية القرآن الكريم والسنّة الشريفة لمعنى هذه الكلمة لا تنحصر في كسب المال وبذله، بل نجد فيها تحفيزاً لربّ العائلة إلى السعيّ في توفير حياةٍ هنيئةٍ ومرفّهةٍ لأفراد أسرته، على جميع المستويات المادّيّة، والمعنويّة، لكي تحتلّ الأسرة مكانتها المحترمة في المجتمع. 
 
3- الرّزق: 
معنى الرّزق: العطاء والبذل المستمرّ3، وهو عبارة عن ما يمدّ الإنسانَ في بقائه، من الأمور الأرضيّة، من مأكولٍ، ومشروبٍ، وملبوسٍ، وغيرها. ولو توسّعنا في معناه، لوجدنا أنّه يشمل كلّ ربحٍ يناله الإنسان، وإن لم يكن غذاءً. 
 
إذن، الرزق - حقيقة - عبارة عن كلّ عطاءٍ ومزيةٍ في
 
 
 

1- الحجر: 20.
2- الأمثل في كتاب الله المنزل، م.س، ج19، هامش الصفحة332.
3- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن م.س، مادة "رزق".

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

17

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  الحياة يمنحهما الله تعالى لخلقه، مثل: الطعام، واللباس، والمقام، والعشيرة، والأصحاب، والجمال، والعلم، والعقل، والفهم، والإيمان، والإخلاص، وما إلى ذلك1. وبما أنّ الرزق هو العطاء المستمرّ، فإنّ عطاء الله المستمرّ للموجودات هو - أيضاً - رزقٌ. وينبغي الإلفات إلى أنّ مفهوم الرزق غير منحصرٍ في الحاجات المادّيّة، بل يشمل كلّ عطاءٍ ماديٍّ أو معنويٍّ، ولذلك نقول - مثلاً -: "اللّهمّ ارزقني علماً كاملاً، أو نقول: اللّهمّ ارزقني الشهادة في سبيلك"2

 
من هنا، كان للرزق معنىً واسعاً لا يمكن تقييده بالأمور المادّيّة، فالذين يقيّدون معناه بالمادّيّات ليس لديهم إلمامٌ دقيقٌ بموارد استعماله. وتشير الآيتان الكريمتان التاليتان إلى بعض موارد استعمال كلمة الرزق بمعناها الشامل: 
 
- ﴿وَرَزَقَكُمْ مِن الطَّيِّباتِ﴾3: فالطيّبات لها معنىً واسعٌ جدّاً، حيث تشمل الجيّد من الطعام واللباس، والزوجة، والمسكن، والدوابّ، كما تشمل الكلام والحديث الطيّب الزكيّ النافع4


- ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾5: من الواضح أنّ رزق الشّهداء 
 
 
 

1- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص137.
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج6، ص463. 
3- غافر: 64. 
4- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج15، ص308. 
5- آل عمران: 169.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

18

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 في عالم البرزخ ليس متحقّقاً بنعم مادّيّة، بل هو عبارةٌ عن المواهب المعنويّة التي يصعب علينا تصوُّرها في هذه الحياة المادّيّة1

كما نستوحي من بعض الأدعية المباركة معانٍ أخرى للرِّزق، منها ما يلي: 
"اللّهُمَّ ارزُقنِي حَجَّ بَيتِكَ الحرامِ"2
"اللّهُمَّ ارزُقنِي فيه طاعَةَ الخاشِعينَ"3
"اللّهُمَّ ارزُقنا تَوفيقَ الطّاعَةِ وبُعدَ المعصِيَةِ"4
 
من خصائص مفهوم الرزق:
يمكن بيان مفهوم الرّزق في نطاقه الواسع، كما يلي: 
1- الرزق عطاءٌ من الله تعالى ورحمةٌ منه لخلقه، وهو- مثل الرحمة - على قسمين، هما: 
أ- رزقٌ عامٌّ، وهو: عطاءٌ ربّانيٌّ يشمل جميع المخلوقات في 
 
 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج6، ص465.
2- ابن طاووس، علي بن موسى(رضي الدين): إقبال الأعمال، تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، لام، مكتب الإعلام الإسلامي، 1414هـ.ق، ج1، باب4، فصل11، في ما نذكره من دعاء زائد عقيب كلّ فريضة من شهر رمضان، ص79.
3- ابن طاووس، إقبال الأعمال، م.س، ج1، باب19، فصل1، في ما يختصّ باليوم الخامس عشر من دعاء غير متكرر، ص297. 
4- الكفعمي، إبراهيم: المصباح(جنّة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية)، ط3، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1403هـ.ق/ 1983م، دعاء مروي عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ص280.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

19

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 الحياة الدنيا، سواءٌ أكانوا مؤمنين أم كافرين، تُقاةً أم فجرةً، بشراً أم غير بشرٍ. 



ب – رزقٌ خاصٌّ، وهو: الواقع في مجرى الحِلِّ1
2- الرزق: هو ما ينتفع به المرزوق، فلو جمع العبد أموالاً طائلةً، فإنّ رزقه الحقيقيّ هو ما يستهلكه من هذه الأموال، وما فضل عن ذلك ليس رزقاً له. 


إذن، سعة الرزق وضيقه لا صلة لهما بكثرة المال أو قلّته، فما أكثر الذين يملكون ثرواتٍ عظيمةً، ولكنّهم لا يستهلكون منها سوى القليل، وما أكثر الذين لا يملكون سوى القليل من المال، ولكنّهم يبذلونها في معيشتهم دون ادّخار شيءٍ منها. 


3- ليس لأحدٍ حقٌّ على الله تعالى، إلا ما فرضه تعالى لعباده على نفسه. وقد أشار عزّ وجلّ إلى هذا الأمر بقوله: ﴿وَما مِنْ دابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾2، ولا ريب في أنّ أحداً لم يفرض وجوب رزق العباد على الله تعالى، وإنّما بعزّته وجلاله كتب على نفسه رزق كلّ مخلوقٍ خَلَقَه. 


لذا، فالرزق حقّ على الله تعالى، بمعنى أنّه حقٌّ مجعولٌ من قِبَله، وعطيّةٌ منه من غير استحقاقٍ للمرزوق من جهة نفسه، بل
 
 
 

1- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص140. 
2- هود: 6.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

20

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 من جهة ما جعله على نفسه من الحقّ. 

ومن هنا، يظهر أن ليس للإنسان المرتزق بالمحرّمات، رزقاً مقدّراً من الحلال بنظر التّشريع، فإنّ ساحته تعالى منزّهةٌ من أن يجعل رزق إنسانٍ حقّاً ثابتاً على نفسه، ثمّ يرزقه من وجه الحرام، ثمّ ينهاه عن التصرّف فيه ويعاقبه عليه1
 
ولا ضير في أن يثبُتَ عليه تعالى حقٌّ لغيره، إذا كان تعالى هو الجاعل المُوجِب لذلك على نفسه، من غير أن يداخل فيه غيره، ولذلك نظائرُ في كلامه تعالى، كما قال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾2، وقال: ﴿وَكانَ حَقَّاً عَلَيْنا نَصْرُ المْـُؤمِنِينَ﴾3، إلى غير ذلك من الآيات. كما أنّ العقل يؤيّد ذلك، فالرزق هو ما يُدِيم بهِ المخلوق الحيّ وجودَه، وبما أنّ وجوده من فيض جوده تعالى، فما يتوقّف عليه من الرزق يكون من قِبله، وإذ لا شريك له تعالى في إيجاده، فلا شريك له في ما يتوقّف عليه وجوده، ومنه: الرزق4
 
4- قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾5: توصيف الرزق بكونه بغير حسابٍ، إنّما هو لكون الرّزق من الله تعالى بالنّظر
 
 
 
 

1- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص140. 
2- الأنعام: 12. 
3- الروم: 47. 
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص149. 
5- آل عمران: 27.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

21

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 إلى حال المرزوقين، بلا عوضٍ، ولا استحقاقٍ، لكون ما عندهم من استدعاءٍ، أو طلبٍ، أو غير ذلك، مملوكاً له تعالى ملكاً حقيقياً محضاً، لا يقابل عطيَّته منهم شيءٌ، فلا حساب لرزقه تعالى. وأمّا كون نفي الحساب راجعاً إلى التّقدير، بمعنى: كونه غير محدودٍ ولا مقدّرٍ، فيدفعه المفهوم من آيات القدر، كقوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقناهُ بِقَدَرٍ﴾1، فالرزق منه تعالى عطيّةٌ بلا عوضٍ، لكنّه مقدّرٌ على ما يريده تعالى2

 
5- مقدار الرزق بيد الله سبحانه وتعالى3: وهذا لا يعني - فقط - أنّ الرزق - في زيادته ونقصانه - بيد الله عزّ وجل، بل نستفيد من آيات أُخر أنّ الله سبحانه وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء، وينقصه عمّن يشاء. ولكن ليس كما يعتقده بعض الجهلة، من عدم الكسب، والجلوس في زاوية البيت، حتّى يبعث الله لهم الرزق، بل معيار الرزق يكون على أساس المصالح التي يراها الله ضروريّةً، لابتلاء عباده ونظام معيشتهم، فما أكثر من ذهب ضحيّةً لثروته وأمواله الطائلة من دون أن يرى راحةً في حياته. 
 
إنّ هؤلاء الذين يُعتبر تفكيرهم السَّلبي ذريعةً لمن يقول: "إنّ الدين أفيون الشّعوب"، قد غفلوا عن نقطتين أساسيّتين، هما: 
 
 
 
 

1- القمر: 49. 
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص141. 
3- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج7، ص398. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

22

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 أ- إنّ المشيئة الإلهيّة التي أشارت إليها الآيات القرآنيّة ليست مسألةً اعتباطيّةً وغير محسوبةٍ، بل هي غير منفصلةٍ عن حكمته جلَّ وعلا، وللاستعداد والتّوفيق دورٌ محوري فيها.



ب- إنّ المشيئة الإلهيّة لا تعني نفي الأسباب، لأنّ عالم الأسباب هو عالم الوجود، وهذه العوالم وُجِدَت بإرادة الله، وهي غير منفصلةٍ عن المشيئة التشريعيّة. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ إرادة الله في مجال بسط الرزق وضيقه، مشروطةٌ بظروفٍ تتحكّم بحياة الناس، كالسعي، والإخلاص، والإيثار. وبعكس ذلك: الكسل، والبخل، وسوء النيّة. لذلك نرى القرآن الكريم يشير مراراً إلى أنّ الإنسان رهينٌ بسعيه، وإرادته، وعمله، وما يستفيده من حياته إنّما هو بمقدار هذا السعي والاجتهاد1
 
6- إنّ القرآن الكريم في سياق توجيهه نحو المستقبل الاقتصاديّ للمجتمع بشّر النّاس بحياةٍ هنيئةٍ ورغيدةٍ، على العكس من نظريّات بعض علماء الاقتصاد المتشائمين، فهؤلاء يعتقدون أنّ مستقبل البشريّة الاقتصاديّ مبهمٌ ولا وضوح لمعالمه، إذ بازدياد الكثافة السكّانيّة، ونقص الإمكانيّات الموجودة لدى البشر، سوف ينحدر المجتمع نحو الفقر، ومن ثمّ يضمحلّ. 
 
ولكنّ هؤلاء غفلوا عن المفاهيم السامية التي أكّد عليها القرآن الكريم، في أنّ نِعَم الله تعالى لا حدود لها، وبركات 
 
 
 
 

1- انظر: الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج7، ص402. 



 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

23

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 خزائنه لا تنفد، وأنّه كرّم البشر بمصادر طبيعيّةٍ جمّةٍ تكفيهم مهما زاد عددهم. كما أنّهم غضّوا الطرف عن أنّ الله تعالى قد تكفّل برزق خَلْقِه كافّةً، سواءٌ أكانوا بشراً أم غير بشر، لذا جعل القرآن الكريم رجاءَ الرزق من الله تعالى بديلاً عن الخوف من الفقر1


 
وهذا الرزق ملحوظٌ بحيث يناسب حال الموجودات، من حيث الكمّيّة، والكيفيّة، وهو مطابقٌ تماماً لمقدار الحاجة والرغبة، فغذاء الجنين الذي في رحم أُمّه - على سبيل المثال - يتفاوت كلّ شهرٍ عن الشهر السابق في النوعيّة والكمّيّة، بل كلّ يومٍ عن اليوم السابق، على الرغم ممّا يبدو من أنّ الدّم نوعٌ واحدٌ لا أكثر2
 
7- يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُو الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾3- ولا سيما بلحاظ أنّ المقام مقام الحصر -، ما يلي: 
أ- إنَّ الرزق في الحقيقة لا يُنسب إلا إلى الله تعالى، وهو الرازق لا غير، ونسبة الرزق إلى غيره، تعني نسبة عمله تعالى إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾4. 
 
 
 

1- رجائي، محمد كاظم، وآخرون: المعجم الموضوعيّ للآيات الاقتصاديّة في القرآن(معجم موضوعى آيات اقتصادى قرآن)، ط1، قم المقدّسة، 1382هـ..ش، ص71. 
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج6، ص463-464. 
3- الذاريات: 58. 
4- الجمعة: 11. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

24

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 ب- إنّ كلّ ما ينتفع به الإنسان انتفاعاً محرّماً، لا يكون رزقاً من الله تعالى، لأنّه تعالى نفى نسبة المعصية إليه، إذ قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾،1 وقال: ﴿يَنْهَى عَنْ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾2، فليس من الممكن نسبة أسباب المعاصي إليه تعالى، لأنّه لم ينسبَ معاصي العباد إلى نفسه، ونفى تشريع كلّ عملٍ قبيحٍ عن ذاته المقدّسة، وحاشاه سبحانه أن ينهى عن شيءٍ، ثمّ يأمر به، أو ينهى عنه، ثمّ يحصر رزقه فيه. 

 
ولا منافاة بين عدم كون نفعٍ محرّمٍ رزقاً بحسب التشريع، وكونه رزقاً بحسب التكوين، إذ لا تكليف في التكوين حتّى يستتبع ذلك قبحاً، وما بيّنه القرآن من عموم الرزق، إنّما هو بحسب حال التكوين، وليس البيان الإلهي بموقوفٍ على الأفهام الساذجة العامّيّة، حتّى يضرب صفحاً عن التعرّض للمعارف الحقيقيّة، وفي القرآن شفاءٌ لجميع القلوب. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ القُرْآنِ ما هُو شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلا خَساراً﴾3
 
على أنّ الآيات التي تنسب المُلْك الذي وُهِبَ لأمثال: نمرود، وفرعون، والأموال والزخارف التي بيد أمثال قارون، إلى إيتاء الله سبحانه، فيُراد بها: أنّ ذلك كلّه بإذن الله، بحيث آتاهم ذلك، امتحاناً منه لهم، وإتماماً للحجّة عليهم، وخذلاناً واستدراجاً لهم، ونحو ذلك.
 
 
 
 

1- الأعراف: 28. 
2- النحل: 90. 
3- الإسراء: 82. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

25

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  وهذه كلّها نِسَبٌ تشريعيّةٌ، وإذا صحّت النسبة التشريعيّة - من غير محذورِ لزومِ القبح -، فصحّة النسبة التكوينيّة - التي لا مجال للحسن والقبح العقلائييّن - فيها أوضح. 

 
إذن، جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير - وكلّه خيرٌ يُنتَفع به - هو رزق بحسب انطباق المعنى، إذ ليس الرزق إلا العطيّة التي ينتفع بها المرزوق1


8- تحدّثت الآيات والرّوايات عن تقدير الرزق، وهي في الواقع بمثابة الكابح للحريصين وعبّاد الدنيا الذين يَلجون كلّ بابٍ، ويرتكبون أنواع الظلم والجنايات، ويتصوّرون أنّهم إذا لم يفعلوا ذلك لم يؤمّنوا حياتهم! غافلين عن أنّ الآيات والروايات تحذّر هذا النمط من الناس ألاّ يمدّوا أيديهم وأرجلهم عبثاً، وألاّ يطلبوا الرزق من طُرقٍ غير مشروعةٍ ولا معقولةٍ، بل يكفي لهم أن يسعوا لتحصيل الرزق عن طريقٍ مشروعٍ، والله سبحانه يضمن لهم الرزق، فالله تعالى لم يُهمِلهم حتّى في ظلمة الرحم2
 
9- خلق الله تعالى جميع المخلوقات، وأوجب على نفسه رزقها،
 
 
 

1- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص139. 
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج6، ص468.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

26

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

  وهذا دليلٌ على وجود صلةٍ بين الخالق ورِزق المخلوق. فلو عُدِمَ الرزق، لعُدِمَ الخَلْق، وفي الوقت نفسه لو عُدِمَ الخَلْق، لما وُجِدَ الرزق. والله تعالى هو الذي أبدع بني البشر، وأسكنهم الأرض، وجعلهم بحاجةٍ إلى الرزق، وهذا الرزق ليس محض المأكل والمشرب، وما يُحتَاج إليه من أمور مادّيّةٍ، بل يشمل الفِكْر، والتعقّل، والقدرة على العمل، وطلب العلم، والشعور بالمسؤوليّة. 

 
إذن، رازقيّة الله تعالى لا تعني مجرّد السعي والتفكير في كسب الرزق، والدفاع عن الحقوق الشخصيّة. فالمخلوق، ورزقه، وقدرته على كسبه، وتعقّله في ذلك، وتديّنه بشريعةٍ تسدّده إلى الحلال من الرزق، كلّها أمورٌ تعكس رازقيّة الله تعالى. 
 
لذا، يجب على الإنسان أن يسلك أفضل طُرُق كسب الرزق وأنقاها، وأن يتوكّل على الله عزّ وجلّ الذي سدّده لسلوك هذا الطريق الأمثل1.
 
 
 

1- مطهّري، مرتضى: عشرون كلمة(بيست كفتار)، ط5، لام، منشورات صدرا، 1358هـ.ش، ص136.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

27

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 خلاصة الفصل الأول: 

- المفاهيم الأساسيّة التي يرتكز عليها البحث، هي: التدبير، والمعيشة، والرزق. 
- التدبير فعلٌ نسبه الله تعالى إلى نفسه، إذ وصف ذاته المقدّسة بالمدبّر، كما أكرم عباده بهذه الخصلة الحميدة، لتكون زينةً لهم، وتتجلّى في أفعالهم، بوصفها فضيلةٍ من أسمى الفضائل. 
- شجّعت الأديان السماويّة -بدورها- الإنسان على التدبّر في عظمة خِلْقَة الله تعالى، من منطلق فطرته السليمة التي أودعها الله تعالى فيه، وذلك بغية أن يستلهم من تدبير خالقه الطريقة المثلى في تدبير شؤون حياته. 
- يصوّر لنا القرآن الكريم حقيقة التدبير في حياة الأنبياء عليهم السلام، ولا سيّما تدبير النبيّ يوسف عليه السلام، الذي كان أميناً على خزائن مصر. 
- الرّقيّ الاقتصاديّ مرهونٌ بالتدبير الصحيح، والتدبير دائماً ما يكون متناغماً مع العلم والمعرفة والخبرة والعقل، وهو بطبيعته بعيدٌ عن العمل من دون تعقّلٍ.
- يؤدّي كلّ من: حسن التدبير، والنظرة المستقبليّة للأمور، دوراً مشهوداً في نفاذ بصيرة الإنسان، بحيث يمكنه من
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

28

الفصل الأول‏: التدبير: حقيقته وأنواعه

 خلال ذلك تحقيق أمورٍ هامّةٍ في حياته، مثل: الاستثمار الصحيح لأمواله، واجتناب الإسراف، وحفظ عزّة نفسه، والحرص على سلامتها. 

- إنّ لسوء التدبير عواقب وخيمة في حياة الإنسان، من قبيل: عدم الاستقرار، والضَّياع، والتبعيّة الفكريّة والاقتصاديّة للآخر، والفقر، وفقدان نظم الحياة، والفساد الخلقيّ، والتخلّف، والذلّة، والانحطاط الاجتماعي. 
- إنّ التدبير بما يتضمّن من تفكير في عواقب الأمور، وتخطيط صحيح على جميع المستويات، العائليّة والإداريّة، يُعدّ ركناً أساسيّاً لبلوغ أعلى درجات الرقيّ. 
- الرّزق هو العطاء والبذل المستمرّ، وهو كلّ عطاءٍ مادّيٍّ ومعنويٍّ يمنحه الله تعالى لخلقه. 
- المعيار في سعة الرّزق يكون حسب ما قدَّر الله تعالى من مصالح وأمورٍ يراها ضروريّةً لامتحان خلقه. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

29

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة



استراتيجيّة للحياة
إنّ الاستراتيجيّة بمعناها الشامل، تعني: البرامج العامّة التي يجب اتّباعها، لتسخير شتّى الأمور السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والعسكريّة، وغيرها، من أجل تحقيق أهدافٍ معيّنةٍ مخطّط لها مسبقاً1
 
والاستراتيجيّة في المعيشة، تعني اتّباع برامج محدّدةٍ، لاستثمار المصادر المُتاحة خير استثمارٍ، بغية التمكّن من تحقيق الأهداف المعيشيّة البعيدة الأمد والقريبة الأمد بشكلٍ أمثل. 


أمّا استراتيجيّات تدبير المعيشة، فهي: عبارةٌ عن البرامج العامّة التي من خلالها تتحقّق الرفاهيّة النسبيّة، والطمأنينة، والضمان الاقتصاديّ، وزوال مشاكل المعيشة، وذلك لا يحصل
 
 
 

1- دريك، فرانج، هاثييير، سافارد: ثقافة الإدارة(فرهنك مديريت)، ترجمة محمّد صائبي، ص602، بخشي، علي آغا: قاموس العلوم السياسيّة(فرهنك علوم سياسي)، ط1، إيران، منشورات مركز المعلومات والوثائق العلميّة في إيران، 1374هـ.ش، ص329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

30

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 إلا في ظلّ إدارةٍ رصينةٍ. 

 
ونشير في ما يلي إلى أهمّ هذه الاستراتيجيّات: 
أوّلاً: النَّظم والانضباط: 
لا شكّ في أنّ النظم والانضباط يُعدَّان من أهمّ استراتيجيّات التدبير في المعيشة. وهذه الاستراتيجيّة تعني: "ترتيب مناهج الحياة وتنظيمها"، بحيث يُؤدَّى كلُّ عملٍ في الزمان والمكان المناسبين، على أن لا يمنع هذا الأداء عملاً آخر أو يزاحمه. 
 
فالمدير والمدبّر الكفء: هو الذي يراعي النظم والانضباط في عمله، ولا يُوكِل عمل اليوم إلى غدٍ، لأنّ الإنسان المتديّن يؤمن بأنّ كلّ يومٍ يتطلّب عملاً خاصّاً به. وأكّد الإمام عليّ عليه السلام على هذا الأمر بقوله: "فِي كُلِّ وَقْتٍ عَمَلٌ"1، فالإنسان - بالتالي - هو مسؤولٌ عن كلّ لحظةٍ في حياته. 
 
وفي رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ينقل فيها موعظةً للقمان الحكيم في هذا الصدد، يقول فيها: "إِعْلَم أَنَّكَ سَتُسأَلُ غَدَاً إَذا وَقَفتَ بَينَ يَدَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَن أربعٍ: شبابِكَ في ما أَبلَيتَهُ، وَعُمرِكَ في ما أَفنيتَهُ، وَمالِكَ مِمّا اكتَسبتَهُ وَفي ما أَنفَقتَهُ، فَتَأَهَّبْ لِذلِكَ، وَأَعِدَّ لَهُ جَوابَاً"2.
 
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحِكم والمواعظ، م.س، ص354. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا...، ح20، ص135.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

31

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 إذن، يعتبر - وفق هذه التعاليم السامية - التماهل في أداء عمل اليوم، وإيكاله إلى وقتٍ لاحقٍ، من الأخطاء التي لا يمكن تداركها. وبالطبع، فإنّ رواج هذه الظاهرة في المجتمع، سيؤدّي إلى انحطاطه وانهياره، لأنّ يوم غدٍ لا يأتي إلا في الغد. 


وفي الواقع: إنّ مَن يتوهّم قطعيّة بقائه على قيد الحياة في الغد، وأنّه سيتمكّن فيه من تحقيق رغباته، فهو غافلٌ عن الحقيقة. 

ولا شكّ في أنّ نظمَ المدير وانضباطه يوجبان عليه أن يدبّر الأمور بطريقةٍ صحيحةٍ يمكنه معها الوفاء بالتزاماته في أوقاتها المحدّدة، من دون أن يخلف وعداً في أيّ عملٍ من أعماله. وبالتالي فهو سيحظى بمكانةٍ اجتماعيّةٍ مرموقةٍ، وسيحفظ مكانة المؤسّسة التي يديرها، ويبقى عزيزاً بين النّاس ومحترماً. 

وكذلك، فإنّ النشاطات التي يمارسها الإنسان لتوفير معيشته، والخدمات التي يقدّمها للمجتمع، وتوزيع الأعمال بين أفراد الأسرة الواحدة، كلّها أمورٌ تنطوي تحت مبدأي النظم والانضباط، كما كان يفعل أئمّتنا المعصومون عليهم السلام، حيث روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: "كانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام يَحتطِبُ ويَستقِي ويَكنِسُ، وكانتْ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

32

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 فاطمةُ عليها السلام تَطحَنُ وتَعجِنُ وتَخبُزُ"1
 
فاتّصاف الإنسان بالنّظم والانضباط في تكاليفه المُلقاة على عاتقه، يحفّزه على السعي لأدائها، ويجنّبه اللامبالاة، كما يمكّنه من الوفاء بالتزاماته ووعوده في أوقاتها المحدّدة، فلا يخالف قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُولاً﴾2
 
إنّ اجتناب الإفراط والتفريط في أداء الوظائف على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ، والتقيّد بمنهجٍ منظّمٍ في الحياة، وإنجاز الأعمال والمشاريع في جميع جوانب الحياة، هي أوامر نابعةٌ من روح تعاليم ديننا الحنيف. فديننا يدعونا إلى تنظيم أوقاتنا، لكي نستثمرها خير استثمارٍ، خدمةً لأنفسنا ومجتمعنا، حيث أشار الإمام موسى الكاظم عليه السلام إلى هذه الحقيقة بقوله: "اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمانُكُمْ أَرْبَعَ ساعاتٍ: ساعَةً لِمُناجاةِ اللهِ، وساعَةً لأَمْرِ الْمَعاشِ، وساعَةً لِمُعاشَرَةِ الإِخْوَانِ والثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ ويُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْباطِنِ، وسَاعَةً تَخْلُونَ فِيها لِلَذّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وبِهذِهِ السّاعَة تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلاثِ ساعاتٍ. لا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُمْ بِفَقرٍ، ولا بِطُولِ عُمُرٍ، فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْفَقرِ بَخِلَ، ومَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمُرِ يَحْرِصُ. اجْعَلُوا لأَنفُسِكُمْ حَظّاً مِن
 
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، كتاب المعيشة، باب عمل الرجل...، ح1، ص86. 
2- الإسراء: 34. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

33

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الدُّنْيا، بِإِعْطائِها ما تَشْتَهِي مِن الْحَلالِ، وما لا يَثْلِمُ الْمُرُوَّةَ وما لا سَرَفَ فِيهِ، واسْتَعِينُوا بذلِكَ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ: لَيْسَ مِنّا مَنْ تَرَكَ دُنْياهُ لِدِينهِ، أَو تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْياهُ"1.

 
ثانياً: العمل والجهد الحثيث2
لا يختلف اثنان في أنّ السعي الحثيث يُعدّ من الاستراتيجيّات الأساسيّة في تدبير المعيشة. ويُعدّ هذا الأمر - بالنسبة للقوانين الحاكمة على وجود الإنسان - وسيلةً لبناء شخصيّته وترسيخها، وفي الوقت نفسه هو وازعٌ لاكتمال قدراته البدنيّة والعقليّة، ونضوج طاقاته الفطريّة والذاتيّة. 
 
وتطرّق كتاب الله المجيد - بدوره - إلى العمل والسعي في مواطن عديدةٍ، وأكّد على أهمّيّة ذلك في نظام التكوين والتشريع، حيث جاء في إحدى آياته المباركة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾3
 
وفي الحقيقة: إنّ الجهد الحثيث هو الذي يصقل شخصيّة الإنسان في الحياة الدنيا ويشذّبها. وحسب قانون الطبيعة، فإنّ
 
 
 

1- الحراني، تحف العقول، م.س، ص409.
2- إنّ العمل وبذل الجهد هما كاللقاح الذي يحصّن الإنسان من الأمراض الجسديّة والنفسيّة التي تطرأ عليه إثر البطالة والكسل، فينقذانه بالتالي من عبء البطالة الذي يثقل كاهله، ولذا فإنّهما جزءٌ من 
استراتيجيّة الإنسان التي يجب عليه اتّباعها، لبلوغ أهدافه المعيشيّة على المديين القريب والبعيد. 
3- البلد: 4. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

34

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الحركة والعمل والكبَد(المعاناة) هي أمورٌ ضروريّةٌ في حياة البشر، ولا بدّ لكلّ إنسانٍ من مكابدتها. لذا، يُعدّ الإنسان بذاته ظرفاً للحاجة، وبإمكانه أن يلبّي حاجاته ممّا هو موجودٌ في الطبيعة من ثرواتٍ. وبالتأكيد، فإنّ هذه الثروات ليست مُعدّة على طَبَقٍ من ذهب، بل إنّ استثمارها بحاجةٍ إلى جهدٍ وعملٍ دؤوبٍ، وهذه الضرورة فرضتها قوانين الطبيعة على الإنسان، من أجل أن يتسنّى له الخلاص من الفقر، والحرمان، وكلّ ما من شأنه الإخلال بنظم حياته الفرديّة والاجتماعيّة.

 
1ـ الأنبياء والأئمة عليهم السلام والعمل الدؤوب: 
حثّ الله عزّ وجلّ عباده على العمل الدؤوب والجهد الحثيث، وكان ديدن أنبياء الله تعالى وأوليائه الصّالحين عليهم السلام على هذا النهج، حيث أشار الإمام موسى الكاظم عليه السلام إلى هذه الحقيقة. فعن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، قال: رأيتُ أبا الحسن عليه السلام يعمل في أرضٍ له وقد استنقعت قدماه في العرَق، فقلت: جُعلت فداك، أين الرجال؟ فقال عليه السلام: "يا عَليُّ، قَد عَملَ بِاليدِ مَن هُو خيرٌ مِنّي في أِرضِهِ، ومِن أبي". فقلت: ومن هو؟ فقال: "رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وأَميرُ المؤمِنينَ عليه السلام، وآبائي كُلُّهُم كانوا قَد عَملُوا بأَيدِيهِم، وهُو مِن عَملِ النَّبييِّنَ والْمُرسَلينَ والأوصياءُ والصّالِحينَ"1
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ح10، ص75-76. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

35

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 كما أكّد الإمام جعفر الصادق عليه السلام على ذلك، عندما أعرب عن حبِّه لمن يكسب من عرق جبينه، ويعمل تحت حرارة الشمس، لتأمين لقمة عيشه، فقد روي عن أبي عمرو الشيبانيّ أنّه قال: رأيتُ أبا عبد الله عليه السلام وبيده مسحاةٌ، وعليه إزارٌ غليظٌ يعمل في حائطٍ له، والعرقُ يتصابُّ عن ظهرهِ، فقلتُ: جُعلتُ فَداك، أعطني أكفِكَ. فقال عليه السلام لي: "إنِّي اُحبُّ أنْ يَتأذَّى الرّجُلُ بِحرِّ الشَّمسِ في طَلبِ المعيشَةِ"1

 
لذا، فإنّ الحياة الطيّبة الكريمة ستكون من نصيب المجتمع الإسلاميّ، متى ما اتّخذ أبناؤه الإيمانَ منهجاً لهم، لأنّ العمل شعارُ المؤمن، وجزءٌ من الإيمان2


وفي الواقع: إنّ العمل يصقل ذات الإنسان ويظهرها على حقيقتها، ولا ريب في أنّ المتخاذل عن العمل جاهلٌ بتعاليم الدين، لأنّ فحوى تعاليم ديننا تتجلّى في النشاط والعمل، وكلّ متديّنٍ يرى العمل كرامةً له. ويظهر ذلك في وصية الإمام جعفر الصادق عليه السلام لأحد أصحابه، حينما سأله كيف يَحفَظ كرامة نفسه، إذ أوصاه عليه السلام: أن يعتمد على نفسه، ويعمل لكسب رزقه. فقد روي عن علي بن عقبة قوله: قال أبو عبد الله عليه السلام لمولىً له: "يا عبدَ اللهِ، إحفظْ عِزَّكَ". قال: وما عزِّي! جُعلت 
 
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ح13، ص76.
2- الآمدي، أبو الفتح: غرر الحكم ودرر الكلم، ترتيب وتدقيق عبد الحسن دهيني، ط1، بيروت، دار الهادي، 1413هـ.ق/ 1992م، ح1507.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

36

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 فداك؟ قال عليه السلام: "غُدُوُّكَ إلى سُوقِكَ وإكرامُكَ نَفسَكَ". وقال عليه السلام لشخصٍ آخر: "مالي أراكَ تَركتَ غُدُوّكَ إلى عِزِّكَ؟!". قال: جنازةُ أردتُ أن أحضرها. قال عليه السلام: "فَلا تَدَعْ الرَّواحَ إلى عِزِّكَ"1

 
وبالطبع، فإنّ العمل النزيه يُعدّ أمراً ضروريّاً لإصلاح حياة الفرد والمجتمع، ولا بدّ منه لحفظ المبادئ والقيم الأصيلة، ومن خلاله يتمُّ تأمين كلّ حاجةٍ في المجتمع. 


لذا، فإنَّ تعاليم ديننا لا تجيز لنا ترك أعمالنا، ومدّ أيدينا للآخرين، طلباً للرزق، حتّى في أصعب الظروف. 
 
روي عن زرارة: أنّ رجلاً أتى الإمام الصادق عليه السلام، فقال له: إنّي لا أُحسن أن أعمل عملاً بيدي، ولا أُحسن أن أتّجر، وأنا محارفٌ2 محتاجٌ! فقال له الإمام عليه السلام: "إعْمَلْ، فَاحمِلْ على رَأسِكَ، واسْتغنِ عَن النّاسِ، فإنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَد حَمَلَ حَجَراً عَلى عُنُقِهِ، فَوَضَعَهُ في حائطٍ مِن حيطانِهِ، وإنَّ الحجَرَ لَفِي مَكانِهِ ولا يُدرى كَمْ عُمقُهُ"3.
 
2ـ تطوّر الإنسانية يكون بالعمل:
إنّ تطوّر شخصيّة الإنسان ورقيّ المجتمع مرهونان
 
 
 
 

1- الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج7، كتاب التجارات، باب فضل التجارة...، ح12، ص4. 
2- المحارف: المحروم، يطلب فلا يُرزق، وهو خلاف المبارك.
3- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على الطلب...، ح14، ص67-77.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

37

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

  بالجهد والنشاط، فالمجتمع الذي لا وجود للعمل الحثيث فيه، والمتكاسل الذي لا عمل دؤوب له، لا يشهدان أيّ تطوّرٍ أو رقيٍّ. ومن هذا المنطلق، فإنّ ترك العمل يُعدّ من الأخطاء الفادحة التي تؤدّي إلى الكسل والخمول، وتحول دون نضوج شخصيّة الإنسان وانتعاش المجتمع. فذات يومٍ جاء تاجرٌ إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال: إنّه وفّر مالاً كثيراً، ويريد ترك العمل، لأنّه ليس بحاجةٍ إليه. فنهره الإمام عليه السلام وأخبره بأنّ تفكيره هذا غير صائبٍ، فالإنسان الذي يترك العمل سوف لا يكون مفيداً لمجتمعه1

 
ويثبت لنا ممّا ذُكر من نصائح وإرشادات أنّ أئمّتنا عليهم السلام يريدون تحفيزنا على السّعي، والعمل الحثيث، وعدم الاكتفاء بالقليل، في مجال الإنتاج، وخدمة العائلة، والمجتمع، إذ أنّ العمل يجعل الحياة طيّبةً، وينعش الجسم والروح على حدٍّ سواء، حيث إنّ العمل والإنتاج يرسّخان دعائم المجتمع الإسلاميّ والعالميّ معاً، حتّى وإن كان الشخص بذاته ليس بحاجةٍ إليه. 
 
أ- العمل قوّةٌ للجسم والرّوح: 
من المؤكّد أنّ العمل سببٌ لسلامة الجسم، ووازعٌ لتنامي قدرة الإنسان. وعلى العكس منه، البطالة، التي تتسبّب في
 
 
 

1- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب فضل التجارة...، ح4، ص148، ح10-11، ص149.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

38

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 إهدار الطاقة، وحصول خلق الهمّ والأرق في نفس العاطل عن العمل. والإمام عليّ عليه السلام الذي يُعدّ مثالاً للعامل المجدّ، أشار إلى هذه الحقيقة، بقوله: "مَن يَعْمَل, يَزدَدْ قُوّةً، ومَن يُقَصِّر في العَمَلِ يَزدَدْ فَترَةً"1

 
كما قال عليه السلام: "مَن قَصَّرَ فِي العَمَلِ, ابتُلِيَ بالْهَمِّ, ولا حاجَةَ للهِ في مَن لَيسَ للهِ فِي مالِهِ ونَفسِهِ نَصِيبٌ"2
وللعمل فوائد على جسد الإنسان وروحه، فالإنسان لا يكون فعّالاً في مجتمعه إلا من خلال عمله وجهده. وبالطبع، فإنّ العمل يُوجب عليه أن يتغذّى, لأنّ العمل والتغذيّة يمنحان البدن الطاقة الضروريّة لاستمرار الحياة. فالإنسان عندما يتغذّى, فسوف لا تُصرَف الطاقة التي ادّخرها الجسم إلا من خلال نشاطه البدني وعمله, أي بواسطة الجهد العضليّ، حيث يكتسب جسم الإنسان طاقةً، ويخزّنها، ثمّ يحرقها. 
 
لذا، فإنّ الطاقة سوف لا تتكدَّس في جسم الإنسان النّشيط, لأنّه يصرف السّعرات الحراريّة الزّائدة عبر العمل، فتتنشّط بواسطة ذلك أعضاؤه التي تخزّن الطاقة وتصنّعها في عمليّتي 
 
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص454.
2- الرضي، محمد بن الحسين بن موسى(الشريف الرضي): نهج البلاغة(الجامع لخطب الإمام علي عليه السلام ورسائله وحكمه)، شرح الشيخ محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر, مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، الحكمة127، ص30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

39

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الادّخار والتّصريف، وهذا الأمر بذاته يُعدُّ سبباً لسلامته الرُّوحيّة أيضاً. 

 
أمّا العاطلون عن العمل, الذين لا نشاط بدنيَّ لهم, بحيث يعيشون حياة الخمول، والكسل، والاتّكال على الآخرين, فسوف تضمحّل أجسامهم، وتضطرب عمليّة التغذيّة وتخزين الطاقة فيها، وبالتالي سوف يفقدون كلّ ما لديهم من قدرةٍ بدنيّةٍ1
 
ومن الواضح، أنّه ليس بدن الإنسان فقط بحاجةٍ إلى العمل، بل روحه وجميع قواه المعنويّة والفكريّة بحاجةٍ إليه أيضاً، وكذلك هو الحال بالنسبة إلى أوضاعه الثقافيّة والتربويّة. فالبطالة لها تأثيرٌ سلبيٌّ على معنويّات الإنسان، وكثيراً ما تسوق الإنسان والمجتمع إلى الفساد والفشل والانهيار. وقد تطرّق الإمام الصادق عليه السلام إلى هذا الأمر في حديثٍ بليغٍ ومعبّرٍ للمفضّل بن عمر، جاء فيه: "فانظُر كيفَ كُفيَ الخِلقَةَ التي لم يكُن عندَهُ فيها حِيلةٌ، وتركَ عليه في كلِّ شيءٍ من الأشياءِ موضِعَ عمَلٍ وحرَكةٍ, لما لهُ في ذلكَ مِن الصّلاحِ, لأنّهُ لو كُفيَ هذا كُلَّهُ حَتّى لا يكونَ لهُ في الأشياءِ موضِعَ شُغلٍ وعمَلٍ, لما حملتهُ الأرضُ أشراً وبطراً، ولبلغَ بهِ كذلكَ إلى أن يتعاطَى أُموراً فيها تَلَفُ نفسِهِ. ولَو كُفيَ النّاسُ كُلَّ ما يحتاجونَ إليهِ،
 
 
 

1- الحكيمي، محمد: المعايير الاقتصادية في التعاليم الرضوية(معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى)، ط1، مشهد المقدّسة، منشورات الروضة الرضويّة المقدّسة، 1370هـ.ش، ص222-223.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

40

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 لما تهنَّؤوا بالعيشِ، ولا وَجَدوا لهُ لَذَّةً. ألا تَرَى لَو أنّ امرءاً نَزلَ بقومٍ فأقامَ حِيناً، بَلغَ جميعَ ما يحتاجُ إليهِ من مَطعَمٍ ومَشرَبٍ وخِدمةٍ, لتَبَرَّمَ بالفراغِ، ونازعَتهُ نفسُهُ إلى التّشاغُلِ بشيءٍ! فكيفَ لَو كانَ طولَ عُمرِهِ مَكفِيّاً لا يحتاجُ إلى شيءٍ؟! وكانَ من صوابِ التّدبيرِ في هذه الأشياءِ التي خُلِقَتْ للإنسانِ أن جُعلَ لَهُ فيها مَوضعَ شُغلٍ, لِكي لا تُبرِمهُ البطالةُ، ولِتَكُفُّهُ عَن تَعاطي ما لا يَنالُهُ ولا خَيرَ فيهِ إنْ نالَهُ. واعلمْ يا مُفضّلُ أنّ رأس معاشِ الإنسانِ وحياتَهُ: الخبز والماء, فانظُر كيفَ دبّرَ الأمرَ فيهما"، إلى أن قال: "وهكذا الإنسانُ: لَو خَلا مِن الشّغلِ, لخرَجَ مِن الأشرِ والعبثِ والبطرِ، إلى ما يعظُمُ ضرَرُهُ عَليهِ، وعَلى مَن قَرُبَ مِنهُ، واعتَبرَ ذلكَ بِمَن نَشَأ في الجدَةِ ورَفاهيَةِ العَيشِ والتَرفّهِ والكِفايةِ وما يُخرجُهُ ذلك إليهِ"1



ب ـ ذمّ التّكاسل والبطالة: 
نستلهم من ثقافتنا الدينيّة أنّ النشاط والعمل ضرورةٌ من ضرورات الحياة التي لا يمكن التخلّي عنها بوجهٍ، فالمجتمع الذي يسوده الكسل، وتنتشر فيه البطالة, سوف تتزلزل أركانه. كما نستوحي منها ضرورة اشتراك جميع أبناء المجتمع في الجهد الإنتاجي بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، وكذلك وجوب تحمُّلهم مسؤولية ما فرضته عليهم الشّريعة العادلة من
 
 
 

1- الجعفي، التوحيد، م.س، الخبز والماء رأس معاش الانسان وحياته، ص45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

41

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 تكاليف1. لذلك، فإنّ الكسل، والبطالة، والحياة الاتّكاليّة, هي أُمورٌ ذمّتها تعاليمنا الدينيّة، وقبّحتها أشدَّ تقبيحٍ، بل لُعِن مَن يتّكل على الآخرين, حيث قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "إنّ اللهَ لَيُبغِضُ العبدَ النَّوّامَ، وإنّ اللهَ لَيُبغِضُ العبدَ الفارِغَ"2

 
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَلعونٌ مَلعونٌ مَن ألقَى كَلَّهُ عَلى النّاسِ"3
ولو تصفّحنا التأريخ لوجدنا أنّ أنبياء الله تعالى عليهم السلام وأولياءه الصالحين عليهم السلام كانوا مثالاً يُحتذى وأُسوةً صالحةً, للعمل الحثيث، وتأمين متطلّبات الحياة بعرق الجبين، فقد أعاروا العمل أهمّيّةً بالغةً، وعدّوا ثوابه أعظم من ثواب المجاهدين في سبيل الله تعالى. إذ أشار الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام إلى هذا الأمر بقوله: "الذي يَطلُبُ مِن فَضلِ اللهِ ما يَكُفُّ بهِ عيالَهُ, أعظَمُ أجراً مِن المجاهدِ في سبيلٍ اللهِ"4
 
 


1- السبحاني، جعفر: الخطوط الأساسيّة للاقتصاد الإسلامي(سيماى اقتصاد إسلامى)، ط1، لام، منشورات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام للأبحاث والتعليم، 1378هـ.ش، ص40. 
2- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط2، قم المقدّسة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1404 هـ.ق، ج3، كتاب المعيشة، كسب الحجام وكاهته، ح3635.
3- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب كفاية العيال...، ح9، ص12.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب من كدّ على عياله، ح2، ص88.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

 


42

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 إذن، الروايات ذات الصّلة بهذا الموضوع1 تؤكّد جميعها على أنّ العمل الحثيث خصلةٌ من خصال أنبياء الله تعالى وأوليائه الصالحين عليهم السلام، إذ أنّهم يعدّونه عبادةً، كما أنّهم ذمّوا البطالة والتكاسل بشدّةٍ. 

 
وبالطبع، علينا أن نتّخذ الروايات الكثيرة التي تحفّز على العمل الحثيث، منهجاً نتّبعه في اختيار نوع العمل الذي يناسبنا، اقتداءً بأنبياء الله تعالى وأوليائه الصالحين عليهم السلام الذين كانت لهم نشاطاتٌ على جميع المستويات، مثل: التجارة، والمضاربة، والزراعة، وتربية الماشية، والسقاية، وما إلى ذلك من أعمالٍ كريمةٍ شجّعوا العباد على مزاولتها2
 
ثالثاً: الاستثمار: 
إنّ استثمار الأموال يُعدّ أحد العوامل الأساسيّة في النموّ الاقتصاديّ. وعلى الرغم من ضرورة هذا الأمر، إلا أنّه لا يزال غير متعارفٍ في النشاطات الاقتصاديّة الأُسريّة، إذ أنّ الأُسرة هي المصدر الأساس للاستثمار. 
 
لذا، من الضروريّ السعي في إصلاح برنامج تخصيص الأموال وإنفاقها، بحيث يتمّ اجتناب الإسراف، والتبذير، وهدر الثروات، أو خمودها، وذلك لكي يتمّ تسخير الاستثمار والادّخار
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ص73-77. 
2- م.ن. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

 


43

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 في خدمة التطوّر الاقتصاديّ. وهذه الاستراتيجيّة في تدبير المعيشة تؤدّي إلى القضاء على الفقر والحرمان، وتكون ذخراً لا ينضب لأبناء المجتمع. 

 
فالمال والثروة - بطبيعة الحال - رصيدٌ للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. وبعبارةٍ أخرى: إنّ المال قَوّامٌ عليهما، والخطابات القرآنيّة في هذا المجال جاءت بصيغة الجمع1، وذلك للدلالة على أهمّيّة الرصيد المالي وقوّاميّته في المجتمع. 
 
فأصل قوّاميّة المال تبيّن لنا أهمّيّة الاستثمار، حتى وإن كانت الثروة بأيدي الناس، لأنّ الثروة لو سُخّرت لخدمة المجتمع، وتأمين مصالحه، سوف لا تفقد قوّاميّتها، لكنّها لو ادُّخرت وأصبحت خاملةً، ستفقد هذه القوّاميّة2. عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّما أعطاكُمْ اللهُ هذهِ الفُضولَ مِن الأموالِ، لتُوجِّهوها حيثُ وَجّهَها اللهُ، ولَم يُعطِكُموها، لتكنِزُوها"3
 
وأكّد الدين الإسلاميّ على خاصّية العمل والاستثمار في جميع المجالات الاقتصاديّة التي تخدم المجتمع، كالزراعة، والصناعة، والتعدين، والخدمات العامّة، وما إلى ذلك من
 
 
 

1- وردت في القرآن الكريم عبارات عديدة بصيغة الجمع في هذا المجال، مثل: ﴿خلقَ لكم﴾، ﴿جعلَ لكم﴾، ﴿للنّاس﴾، ﴿رزقاً لكم﴾...
2- فينومينولوجيا الفقر والتنمية(بديده شناسي فقر وتوسعه)، إشراف محمّد الحكيميّ، ط1، قم المقدّسة، منشورات المركز الإعلاميّ في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، 1380هـ.ش، ج3، ص266. 
3- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب في أداء المعروف، ح5، ص32.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

44

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 نشاطات. وتطرّقت المصادر الإسلاميّة إلى هذا الأمر وشجّعت الناس عليه، تحت عناوين مختلفةٍ: إمّا بشكلٍ مباشرٍ، مثل: إصلاح المال، والعمران، والإحياء، وإمّا بشكلٍ غير مباشرٍ، مثل: منع ركود الثروة، وحرمة الإسراف والتبذير، وحرمة إتلاف المال، وترويج مبدأ القناعة، والاقتصاد في استهلاك الأموال1

 
وسنذكر في ما يأتي بعض الآيات المباركة والأحاديث الشريفة التي تشجّع على استثمار الأموال: 
1ـ آياتٌ مشجِّعة على الاستثمار:
أ- صرّح القرآن الكريم بمشروعيّة جمع الثروة، وأهمّيّة تأمين المصادر الاقتصاديّة واستثمارها في مجال الإنتاج، وأشار إلى أنّ الله تعالى خلق الإنسان من الأرض، وسخّرها له، وأوكل إليه إعمارها، حيث قال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾2، وبالطبع، فإنّ عمران الأرض لا يتمّ إلا عن طريق الاستثمار.
 
- نستلهم من قصّة النبيّ يوسف عليه السلام أنّه وضع برنامجاً
 



1- الحسينيّ، رضا: نمط توزيع الدخل وسلوك المستهلك المسلم (اُلكوي تخصيص درامد ورفتار مصرف كننده مسلمان)، ط1، لام، منشورات مركز الثقافة والفكر الإسلاميّ، 1379هـ.ش، ص159. 
2- هود: 61. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

45

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 اقتصاديّاً، لإدارة مصر لأكثر من عقدٍ، وتمكّن من القيام باستثماراتٍ ضخمةٍ في هذه البلاد العظيمة. وهذه الاستثمارات قد بُرمِجَت في إطار خطّةٍ طويلة الأمد، وفي ثلاثة محاور، هي: توفير عناصر الإنتاج، وإنشاء ثروةٍ ماليّةٍ واستثمارها، وبناء مخازن للموادّ الغذائيّة، بغية حفظها لسنوات الجدب. قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾1

 
- خلق الله تعالى السماء والأرض، وسخّر كلّ ما فيهما، لخدمة الإنسان، وتلبية حوائجه، وأكرمه بالعقل الذي مكّنه من استثمار ما في الطبيعة من خيراتٍ، كصناعة السفن التي تقطع البحار، لكي يتسنّى له كسب رزقٍ حلالٍ. وبالطبع، لا بدّ له من أن يشكر الله تعالى على هذه النعم العظيمة. ومن المؤكّد أنّ استغلال هذه النعم لا يكون ميسّراً إلا بعد برنامجٍ استثماريٍّ مناسبٍ، وإن كان محدوداً. فعلى سبيل المثال: إنّ استخراج لحمٍ طريٍّ من البحر: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأكُلُونَ
 
 
 

1- يوسف: 47-49.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

46

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 لَحْمَاً طَرِيَّاً﴾1 لا يكون ميسّراً من دون تسخير بعض الأموال في صناعة السفن والزوارق، أو على أقلّ تقديرٍ توفير وسائل الصيد. 

 
- تحدّث القرآن الكريم عن استثمارٍ ضخمٍ في أحد المشاريع العظيمة إبّان العهود السالفة من خلال تسخير أموالٍ طائلةٍ، واستخدام تقنيةٍ متطوّرةٍ. وهذا المشروع هو: بناء سدٍّ بين جبلين يحول دون عبور الأعداء من تلك الفسحة، حيث تمّ إنشاؤه من قِبَل ذي القرنين، تلبيةً لطلب سكّان المنطقة، وذلك إمّا باستثمار أموال السكّان وذي القرنين معاً، وإمّا باستثمار أموال السكّان فحسب. وذكر القرآن الكريم نجاح هذا المشروع العظيم، وأنّ ذا القرنين اعترف بأنّ هذا النجاح لم يكن ممكناً لولا رحمة الله تعالى ولطفه، إذ أكرمه تعالى بقدرةٍ مكّنته من صناعة ذلك السدّ. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾2
 
 
 

1- فاطر: 12. 
2- الكهف: 94-97.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

47

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 - أمر الله تعالى المسلمين بأنّ يعدّوا أنفسهم لمواجهة الأعداء قدر المستطاع، وذلك حتّى لا يطمع أحدٌ بالإغارة على أراضيهم وسلب أموالهم. قال عزّ وجلّ في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾1

 
فهذه الآية المباركة تدلّ على ضرورة اقتناء الأسلحة المتطوّرة من قِبَل المسلمين في كلّ زمانٍ، كما أنّها تحتّم عليهم تقوية عزائم الجند، ورفع معنويّاتهم، ليزدادوا قوّةً. وهي بالتأكيد لا تختصّ بالاستعداد العسكريّ وحسب، بل نستوحي منها ضرورة الاهتمام بسائر القضايا الاقتصاديّة، والثقافيّة، والسياسيّة، التي تندرج تحت مفهوم(القوّة)، لما لها من تأثيرٍ بالغٍ في مواجهة الأعداء2
 
- هناك آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم تطرّقت إلى نماذج عديدةٍ من استثمار الأموال في مختلف المشاريع، منها الآيتان 37 و38 من سورة هود، والآية 27 من سورة المؤمنين التي تشير إلى توفير بعض الأمور، من أجل صناعة سفينة نوح عليه السلام عن طريق الوحي. والآيتان 12 و13 من سورة 
 
 
 
 

1- الأنفال: 60. 
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج5، ص472. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

 


48

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 سبأ تشيران إلى خطّة النبيّ سليمان عليه السلام الاستثماريّة في صناعة جدران، وتماثيل، وأواني طعام كبيرة، وقدور ثابتة. وكذلك الأمر في الآيتين 10 و11 من سورة سبأ، والآيات 26 إلى 28 من سورة القصص التي تذكر مشروع النبيّ داوود عليه السلام الاستثماريّ في صناعة الدروع الحربيّة، وكذلك تشير إلى الاتّفاقيّة التي عُقِدَت بين النبيّ شعيب عليه السلام والنبيّ موسى عليه السلام في استثمار خدمات الأخير1



ب ـ روايات مشجِّعة على الاستثمار:
وفي ما يلي نذكر بعض الروايات المباركة التي تناولت قضيّة استثمار الأموال: 
- روى زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "ما يَخلُفُ الرّجُلُ بَعدَهُ شَيئاً أشَدَّ عَلَيهِ مِن المالِ الصّامِتِ". قال زرارة: قلت له كيف يصنع به؟ قال عليه السلام: "يَجعَلهُ فِي الحائطِ والبُستانِ أو الدّارِ"2
- روى محمّد بن عذافر، عن أبيه، قال: أعطى أبو عبد الله عليه السلام أبي ألفاً وسبعمائة دينارٍ، فقال له: "اتَّجِر لِي بِها". ثمّ قال عليه السلام : "أَما إنّهُ لَيسَ لِي رَغبَةٌ في رِبحِها، 
 
 
 

1- لمعرفة المزيد عن الخطط الاستثماريّة التي وردت في القرآن الكريم، انظر: رجائي، وآخرون، معجم موضوعى آيات اقتصادى قرآن(باللغة الفارسية)، م.س، ص104-110. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب شراء العقارات...، ح2، ص91. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

 


49

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 وإنْ كانَ الرّبحُ مَرغوباً فيهِ، ولكِنِّي أحبَبتُ أن يَراني اللهُ عزَّ وجلَّ مُتعرِّضاً لفَوائدِهِ". قال: فربحت له فيه مائة دينارٍ، ثمّ لقيته، فقلت له: قد ربحت لك فيها مائة دينارٍ، ففرح أبو عبد الله عليه السلام بذلك فرحاً شديداً، وقال لي: "أَثبِتْها في رَأسِ مالِي"1

 
- أوصى الإمام جعفر الصادق عليه السلام أحد أصحابه أن يشتري مزرعةً أو بستاناً، لأنّ الذي يمتلك رصيداً مادّيّاً يؤمّن حاجاته وحاجات عياله، سوف لا يعاني كثيراً، ويرتاح باله، لو تعرّض إلى نائبةٍ أو حادثةٍ. فقد روى محمّد بن مرازم، عن أبيه: أنّ أبا عبد الله عليه السلام قال لمصادف مولاه: "اتّخِذْ عقدةً أو ضَيعةً، فإنّ الرّجلَ إذا نزَلت بهِ النّازِلةُ أو المصيبةُ، فذَكرَ أنّ وَراءَ ظهرَهُ ما يقيمُ عيالَهُ، كانَ أسخَى لنفسِهِ"2
 
- وأوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس باستثمار أموالهم، وعدَّ ذلك من المروءة، حيث قال: "مِن المروءَةِ استصلاحُ المالِ"3. كما أكّد الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام على هذا الأمر - أيضاً - بقوله: "استثمارُ المالِ تمامُ المروءَةِ"4
 
وإضافةً إلى ما ذُكر، فإنّ جميع الروايات التي وردت في
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة عليهم السلام، ح12، ص76.
2- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الدين، ح5، ص92.
3- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، م.س، ح3616.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب العقل والجهل، ح12، ص20.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

50

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 العقود التجاريّة، مثل: عقد المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، والشراكة، والجعالة، والإجارة، وما شاكلها، تجوّز استثمار الأموال، وتسخيرها، خدمةً للفرد والمجتمع. 


2- فوائد الاستثمار: 
لا ريب في أنّ الاستثمار ذو فوائد عظيمة للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، ونذكر من هذه الفوائد ما يلي: 
أ- الرقيّ الاقتصاديّ: إنّ استقطاب رؤوس الأموال، من شأنه أن يمهّد الأرضيّة المناسبة لاستغلال الطاقات البشريّة والاقتصاديّة بشكلٍ أمثل، وبالتالي سيؤدّي إلى رفع مستوى الإنتاج الوطنيّ الذي يترتّب عليه ارتفاع مستوى الدخل القوميّ، وتوفير فرص العمل، وتقليص مستوى التضخّم، والقضاء على البطالة، كما يصون اقتصاد المجتمع من الأزمات التي تطرأ عليه. 
ب- التقدّم الاجتماعي: فمن شأن الاستثمار أن يكون نقطة انطلاقٍ لمنهجٍ تنمويٍّ ينصبُّ في تحسين الأوضاع المعيشيّة للفرد والمجتمع معاً، وكذلك من شأنه أن يصقل القدرات الفرديّة والجماعيّة. كما أنّه سببٌ لبلوغ أقصى درجات الاقتدار السياسيّ والاقتصاديّ. 
ج- الاستقلال السياسي: للاستثمار دورٌ هامٌّ في الاستقلال 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

51

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 عن سلطة الأجانب، وبلوغ درجة الاكتفاء الذاتيّ، كما له تأثيرٌ فاعلٌ على مكافحة الفقر، واجتثاث جذوره من المجتمع، وفي الوقت نفسه يعدُّ أساساً للسياسة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في الإسلام. فالثروة تكون مفيدةً حسب التعاليم الإسلاميّة، حينما تُسخَّر في خدمة مصالح المجتمع الإسلاميّ وتحفظ كرامة أبنائه1



د- استغلال الطاقات: من الطبيعيّ أنّ إهدار الثروات، واستهلاك الأموال، بأسلوبٍ غير مبرمجٍ، سوف يحول دون التطوّر والإعمار. لذا، فإنّ استثمار الثروة والمال ذو أهمّيّةٍ بالغةٍ في تسخير الطاقات البشريّة والماليّة بشكلٍ صحيحٍ2


هـ- الدفع في عجلة التطوّر: يُعدّ الاستثمار من الأسباب البارزة والمؤثّرة في تطوّر الفرد والمجتمع في جميع مجالات الحياة، وهو يؤدّي دوراً هامّاً في إصلاح البنية التحتيّة لاقتصاد المجتمع ورقيّه، ولا سيّما في مجالَي الزراعة والصناعة. 
 
 
 
 

1- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية، بديده شناسي فقر وتوسعه، م.س، ج3، ص259. 
2- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية، بديده شناسي فقر وتوسعه، م.س، ج3، ص259-268، الحسيني، هادي: الفقر والتنمية في المصادر الدينيّة(فقر وتوسعه در منابع ديني)، ط1، قم المقدّسة، منشورات مكتب الإعلام الدينيّ، 1381هـ.ش، ص374-380. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

52

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 رابعاً: الرقابة والسّيطرة: 

إنّ الإشراف على العمل يُعدّ أمراً هامّاً في شتّى الأمور ومن شأنه ضمان استثمار الفرص بطريقةٍ مُثلى، كما يساهم في رفع كفاءة الإمكانيّات الموجودة، ويُعدّ عاملاً مساعداً لوليّ أمر المؤسّسة أو العائلة في أداء مهامّه. 
 
لذا، يجب على الإنسان مراقبة نفسه وجميع تصرّفاته، فيصلح ما كان غير لائقٍ منها. من هنا، أكّد الإمام عليّ عليه السلام على هذا الأمر بقوله: "مَن حاسَبَ نَفسَهُ، وَقَفَ عَلى عُيوبِهِ، وأحاطَ بذُنوبِهِ، واستقالَ الذّنوبَ، وأصلَحَ العُيوبَ"1
 
والإشراف الصحيح على الأعمال في مؤسّسةٍ ما، سوف يُصلحها ويؤدّي إلى رفعة رأس المسؤول عنها أمام مَنْ هم أعلا منه رتبةً. وعلى العكس من ذلك، فإنّ فقدان الإشراف الصحيح على الأعمال، سيؤدّي إلى حدوث خللٍ فيها، وبالتالي فسادها، ويعدّ علامةً على ضعف الإدارة وسوء التدبير. 
 
ولا بدّ أن تكون الرقابة على الأعمال بالعلن والخفاء في آنٍ واحدٍ، ففي تعاليمنا الدينيّة يوجد أخبارٌ تشير إلى أهمّيّة الرقابة الخفيّة، وتأثيرها الكبير على نجاح الأعمال. أمّا الرقابة الخفيّة التي أشار إليها القرآن الكريم، فهي على مستوىً عالٍ من
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص435.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

53

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

  الدقّة، لدرجة أنّها تدرك أحاسيس الإنسان وأفكاره الباطنيّة، حيث قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾1

 
فالرقابة الخفيّة عن طريق الرقابة والتفتيش، لها دورٌ فعّالٌ في تشخيص الطاقات الكامنة، ورفع مستوى العطاء، وكذلك من شأنها كشف الانتهازيّين والمتصيّدين في الماء العكر، والمتملّقين، وتمييز الصالحين والمخلصين في العمل عن غيرهم. وما أكثر الذين يرتدون ثياب الصُّلحاء، لكنّهم يكنُّون في أنفسهم المكر والأحقاد، كما أنّهم في الوقت نفسه حمقى ومتحجّرون، حيث ينظرون إلى الحياة من زاويةٍ ضيّقةٍ. 
 
لذلك فإنّ تقويم الأمور، حسب آراء هؤلاء، أمرٌ مخالفٌ للصواب والمنطق. وللإمام عليّ عليه السلام كلامٌ رائعٌ في هذا المجال في عهده إلى مالك الأشتر النخعيّ، حينما نصحه بحسن اختيار عمّاله، حيث قال: "ثُمَّ لا يَكُن اختِيارُكَ إِيّاهُمْ عَلَى فِراسَتِكَ واسْتِنامَتِكَ وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِراساتِ الوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، ولَيْسَ وَراءَ ذلِكَ مِن النَّصِيحَةِ والأَمانَةِ شَيءٌ، ولكِنِ اختَبِرهُمْ بِما وُلُّوا لِلصّالِحِينَ قَبلَكَ، فَاعمِدْ لأَحْسَنِهِمْ كانَ فِي العامَّةِ أَثَراً، وأَعرَفِهِمْ بِالأَمانَةِ وَجْهاً"2
 
 
 

1- ق: 16. 
2- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج3، الرسالة53، ص98-99. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

54

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 كما جاء في هذا العهد - أيضاً -: "ثُمَّ انظُرْ فِي أُمُورِ عُمّالِكَ، فَاستَعْمِلهُمُ اختِباراً، ولا تُوَلِّهِمْ مُحاباةً وأَثَرَةً، فَإِنَّهُما جِماعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيانَةِ. وتَوَخَّ مِنهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ والْحَياءِ" إلى أن قال: "ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمالَهُمْ، وابْعَث الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفاءِ عَلَيهِمْ، فَإِنَّ تَعاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُم عَلَى اسْتِعمالِ الأَمانَةِ والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ"1

 
وروى الريّان بن الصلت أنّ الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال: "كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إذا وَجّهَ جَيشاً فَأمَّهُم أميرٌ، بعثَ مَعهُ مِن ثِقاتِهِ مَن يَتَجَسَّسُ لَهُ خَبرَهُ"2
 
إذن، الرقابة التي أُشير إليها في هذه الروايات تختصّ عموماً بالمؤسّسات والمراكز العامّة، وكذلك فهي من البديهيّ تشمل المكوّن الأصغر في المجتمع، كالأسرة، إذ يمكن تطبيق تلك التعاليم فيها حسب الظروف الزمانيّة والمكانيّة. 
 
الرقابة على الاستهلاك1
إنّ الرقابة على إنفاق الأموال تُعدّ من الأمور الهامّة في مجال تدبير شؤون المعيشة، وقد تكون أهميّتها أكثر من الإنتاج
 
 
 

1- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج3، الرسالة53، ص95.
2- مسند الإمام الرضا عليه السلام، تحقيق عزيز الله عطارديّ خبوشانيّ، منشورات مكتبة الصدوق، 1406هـ.ق، ص76. 
3- إنّ الإشراف لا ينحصر في صرف الأموال وحسب، بل يعدّ لازماً في جميع شؤون الحياة، ولكن بما أنّ صرف الأموال يحتلّ مكانةً هامّةً في مجال المعيشة، لذا تطرّقنا إليه في هذا البحث. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

55

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

  أحياناً. والمقصود من رقابةٍ كهذه هو تحديد صرف الأموال بمستوىً يتناسب مع دخل الفرد أو المجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار واجتناب الإسراف، والتبذير، وعدم إتلاف المال بأيّ طريقةٍ كانت، مع مراعاة أحوال الأجيال اللاحقة في الإنفاق، بغية إيصال المجتمع نحو التقدّم والرقي. 

 
فالنبيّ يوسف عليه السلام عندما تولّى إدارة الشؤون الاقتصاديّة في مصر، أشرف على الأموال والمحاصيل في السنوات السبع ذات النعمة الوفيرة إشرافاً دقيقاً، فتمكّن من ادّخار أكبر قدرٍ ممكنٍ من المحاصيل الزراعيّة لسنوات الجدب. وحسب ما أشارت إليه بعض الروايات، فإنّه عليه السلام تجاوز محنة سنوات الجدب، وجنّب الناس القحط والمجاعة، من خلال حسن تدبيره في القضاء على الاستثمار الطبقيّ في المجتمع، وإزالة الفواصل بين فئات المجتمع المصريّ1. فمن خلال الإشراف بدقّةٍ على إنفاق الأموال في سنوات الخير السبعة، تمكّن من ادّخار مقادير عظيمةٍ من المحاصيل الزراعيّة لسنوات الجفاف والجدب.
 
فبحسن تدبيره وإدارته الصحيحة قام بمعاوضة المحاصيل الزراعيّة في سنوات القحط مع الدراهم، والدنانير، والمواشي، والغلمان، والجواري، والدور، والأراضي الزراعيّة، ثمّ بعد ذلك
 
 
 

1- الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج5، ص372.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

56

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 أعاد هذه الأموال والممتلكات إلى أهلها بشكلٍ عادلٍ، لأنّ هدفه كان إنقاذ أهل مصر من المجاعة والبلاء. 

 
إنّ النبيّ يوسف عليه السلام في الواقع لم يكن مجرّد مفسّرٍ للأحلام، بل كان قائداً يخطّط من زاوية السجن لمستقبل البلاد، حيث قدّم مقترحاً من عدّة موادٍّ لخمسة عشر عاماً على الأقلّ. وكما سنرى، فإنّ هذا التعبير المقرون بالمقترح للمستقبل حرّك الملك وحاشيته، وكان سبباً لإنقاذ أهل مصر من القحط القاتل من جهة، وخلاص يوسف من سجنه، وإخراج الحكومة من أيدي الطغاة من جهة أُخرى1
 
أمّا في الجانب الفرديّ، فإنّ وفور النعمة يجب أن لا يكون وازعاً للتبذير والإسراف، بل لا بدّ من اتّخاذ منهجٍ صحيحٍ، وإشرافٍ دقيقٍ عند استهلاك المواهب والنِّعم الإلهيّة، بغية ادّخارها للمستقبل، وذلك كي لا يُجبر الإنسان يوماً على أن يمدّ يده للآخرين، طلباً للعطاء. كما يمكن من خلال هذا الإشراف الصحيح مساعدة الفقراء والمساكين، وأداء التكاليف الشرعيّة والاجتماعيّة بأفضل وجهٍ. 
 
وكذلك لا بدّ للإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار حياته الأخرويّة. 
 
 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج7، ص424. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

57

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 خامساً: مشورة الآخرين: 

إنّ مشورة الآخرين ومعرفة آرائهم تُعدّ من استراتيجيّات التدبير في جميع المستويات الفرديّة، والعائليّة، والإداريّة. ومهما كان الإنسان عبقريّاً وذا حصافةٍ، فإنّه لا يستطيع أن يُدرِك زوايا الحياة كافّةً، وأن يحيط بجميع مشاكل المعيشة. فالمسؤول الذي لا يستشير الآخرين في إدارة مؤسّسته، يُعدّ فاشلاً في إدارته، ويتعرّض لانتكاساتٍ في عمله. 
 
لقد حظيت مسألة المشورة بأهمّيّةٍ بالغةٍ في التعاليم الإسلاميّة، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رغم امتلاكه قدرةً فكريّةً كبيرةً تؤهلّه لتسيير الأُمور وتصريفها من دون حاجةٍ إلى مشاورة أحد، وبغضّ النظر عن الوحي الإلهي، ولكنّه فعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم كي يُشعر المسلمين بأهمّيّة المشاورة وفوائدها، فيتخذوها ركناً أساسيّاً في برامجهم، وحتّى ينمّي فيهم قواهم العقليّة والفكريّة. لذا، نجده يشاور أصحابه في أُمور المسلمين العامّة التي تتعلّق بتنفيذ القوانين والأحكام الإلهية - لا أصل الأحكام والتشريعات التي مدارها الوحي - ويقيم لآراء مشيريه أهمّيّةً خاصّةً، ويعطيها قيمتها اللائقة بها، حتّى أنّه كان أحياناً ينصرف عن الأخذ برأي نفسه، احتراماً لهم ولآرائهم، كما فعل ذلك في واقعة أُحد. ويمكن القول: إنّ هذا الأمر بالذات كان أحد العوامل المؤثّرة وراء نجاح الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في تحقيق أهدافه الإسلاميّة العليا1
 



1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج2، ص750. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

58

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 وحيث إنّه لا شكّ في أصل أهمّيّة المشورة في تدبير أمور المعيشة، سوف نتطرّق إلى بعض فوائدها وآثارها في ما يلي: 

1- حدود المشورة:
أمر الله تعالى نبيّة الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاور المسلمين في الآية الكريمة: ﴿شاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ1. وصحيحٌ أنّ كلمة(الأمر) في هذه الآية ذات مفهومٍ واسعٍ يشمل جميع الأُمور، لكن من المسلّم - أيضاً - أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يشاور الناس في الأحكام الإلهيّة مطلقاً، بل كان في هذا المجال يتّبع الوحي فقط. وعلى هذا الأساس، كانت المشاورة في كيفيّة تطبيق الأحكام الإلهيّة على أرض الواقع. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يشاور أحداً في التقنين، بل كان يشاور في كيفيّة التطبيق، ويطلب وجهة نظر المسلمين في ذلك، ولهذا عندما كان يقترح أمراً - أحياناً -، يبادره المسلمون بهذا السؤال: هل هذا حكمٌ إلهيٌّ لا يجوز إبداء الرأي فيه، أو إنّه يرتبط بكيفيّة التطبيق والتنفيذ؟ فإذا كان من النوع الثاني، أدلى الناس فيه بآرائهم، وأمّا إذا كان من النوع الأوّل، لم يكن منهم تجاهه سوى التسليم والتفويض2
 
2- الاختلاف بين الشورى والمشورة: 
إنّ الشورى عبارة عن المشورة المتبادلة بين أهل المعرفة 
 
 
 

1- آل عمران: 159. 
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج2، ص749.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

59

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 والمتخصّصين وأصحاب الخبرة والمفكّرين بشأن موضوعٍ معيّنٍ، لأنّ أفضل طريقٍ للوصول إلى النتيجة هو: البحث والنقاش في ما بينهم1



ومن خلال تلاقح هذه الأفكار، يسطع نورٌ يستنير به الناس، وسبيلٌ يمكنهم سلوكه2
 
وفي بعض الأحيان، يخلط البعض بين الشورى والمشورة، فالقرار في الشورى يكون جماعيّاً، إذ يتشاور المختصّون في قضيّةٍ ما، ويكون القرار مطابقاً لرأي الأغلبيّة. أمّا القرار في المشورة، فيتّخذه شخصٌ واحدٌ بعد استشارته لشخصٍ أو أشخاصٍ، ويكون هذا القرار حسب ما يراه المستشير مناسباً، أي أنّ القرار النهائيّ يكون طبق ما يستسيغه هو3
 
3- المشورة في الأسرة: 
إنّ المشورة من الأصول التي يجب الاعتماد عليها في إدارة شؤون الأسرة، لذلك، فإنّ أفضل طريقٍ لاجتناب الخلافات التي تَحْدُث في بعض العوائل، في مختلف المجالات المعيشيّة، وفي تبادل الزيارات بين الأهل والأصدقاء، وفي الأعراف والتقاليد، وفي المسائل المتعلّقة بالضيافة، هو استشارة الزوجين،
 
 
 

1- الطالب، هشام: الإدارة والقيادة في المنظمات الإسلاميّة(مديريّت ورهبرى در تشكّلهاى اسلامى)، ترجمة السيّد عليّ محمّد الرفيعي، منشورات المؤسّسة العالميّة للفكر الإسلاميّ، طهران، الطبعة الأولى، 1380هـ.ش، ص314. 
2- الكمالي، علي: القرآن والمجتمع(قرآن وجامعه)، ط2، لام، منشورات أسوة، 1373هـ.ق، ص423. 
3- الطالب، مديريّت ورهبرى در تشكّلهاى اسلامى، م.س، ص115. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

60

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

  واستشارة سائر أعضاء العائلة بعضهم للبعض الآخر، وقبول الرأي الآخر برحابة صدرٍ ومحبّةٍ متبادلةٍ. فعلى جميع أعضاء العائلة التفاهم في ما بينهم، وأن يعيروا أهمّيّةً لجميع الآراء والمقترحات، كما عليهم التخلّي عن الأنانيّة وتحكيم العقل، لأنّ الاستشارة المتبادلة تصقل الأفكار وتشذّبها. 

 
ولا يمكن لأحدٍ إنكار فوائد المشورة في العائلة، فمن شأنها تقليص الخلافات لأدنى درجةٍ ممكنةٍ، أو القضاء عليها تماماً، وبالتالي خلق أجواءٍ من الطمأنينة والاستقرار، الأمر الذي يساعد على حسن التدبير في المعيشة. 
 
وقد يؤدّي ترك مشورة الآخرين إلى الحسرة والندامة، إذ في معظم الأحيان يكون القرار الصادر إثر المشورة صائباً لا يعقبه ندم. ومن هنا، فإنّ فوائد المشورة بين أعضاء الأسرة كثيرةٌ. كما لا يجب غضّ النظر حتّى عن مشورة الصغار، أو تجاهل دورهم في المجتمع، فلربّما تكون لديهم آراء ومعلومات ذات أبعادٍ جديدةٍ تعين الكبار على اتّخاذ القرار1
 
4- فوائد المشورة: 
إنّ استشارة الآخرين ومعرفة آرائهم - حسب ثقافتنا الدينيّة -، تعني مشاركتهم في عقولهم، وتوسعة أُفق اتّخاذ القرار، الأمر 
 
 
 

1- الطالب، الإدارة والقيادة في المنظمات الإسلامية، (مديريّت ورهبرى در تشكّلهاى اسلامى)، م.س، ص314. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

61

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الذي أكّد عليه الإمام عليّ عليه السلام في قوله: "مَن شاوَرَ الرِّجالَ شارَكَهُا فِي عُقُولِهِا"1

 
لذا، فإنّ القرار الذي يتّخذه المتشاورون لا يكون فرديّاً، إذ يكونون شركاء فيه، ولا يشعرون بأنّه فُرِضَ عليهم فرضاً. أضف إلى ذلك أنّ الذي يستشير الآخرين في أُموره وأعماله، لو تمكّن من تحقيق نجاحٍ، قَلّ أن يتعرّض للحسد، لأنّ الآخرين يرون أنفسهم شركاء في تحقيق ذلك النجاح، وليس من المتعارف أن يحسد الإنسان نفسه على نجاحٍ حقّقه. وأمّا إذا استشار، ولم يتمكّن من تحقيق نجاحٍ، وتعرّض لنكسةٍ، فسوف لا يلومه الناس، ولا يتعرّض لسهام نقدهم واعتراضهم، لأنّ الإنسان لا يعترض على عمل نفسه، ولا ينقد فعل ذاته، بل سيشاطرونه الألم، ويتعاطفون معه، ويشاركونه في التبعات، كلّ ذلك لأنّهم شاركوه في الرأي، وشاطروه في التخطيط، ولأنّه لم يكن مستبدّاً في الرأي، ولا متفرّداً في العمل2
 
كما أنّ المشورة تعين الإنسان على تشخيص الخطأ، كما قال الإمام عليّ عليه السلام: "مَن استَقبَلَ وُجُوهَ الآراءَ عَرَفَ مَواضِعَ الخطَأ"3
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحِكم والمواعظ، م.س، ص440. 
2- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج2، ص751. 
3- الرضيّ، علي بن الحسين بن موسى: خصائص الأئمّة، ط1، مشهد، منشورات الروضة الرضويّة المقدّسة، 1406هـ.ق، ص110. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

62

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 فالرؤية العقلائيّة تشجّع الإنسان على طلب آراء الآخرين، حيث قال الإمام عليّ عليه السلام: "العاقِلُ مَن اتَّهَمَ رَأيَهُ، ولَم يَثِق بِما سَوَّلَتهُ لَهُ نَفسُهُ".1 وقال عليه السلام في مناسبةٍ أُخرى: "كَفاكَ مِن عَقْلِكَ ما أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِن رُشْدِكَ"2

 
وهناك فائدةٌ أُخرى للمشورة، تكمن في أنّها خير محكٍّ لمعرفة جواهر الآخرين، والعلم بما يكنّونه للمستشير، من حبٍّ أو كراهيةٍ، وولاءٍ أو عداءٍ، ولا ريب في أنّ هذه المعرفة تمهّد سبيل النجاح. 
 
وللمشورة فوائد جمّة في حُسن تدبير المعيشة، نذكر منها ما يلي، أنّها: 
- تحول دون تكرار العمل. 
- تحول دون وقوع أخطاء لا تُحمد عقباها. 
- تجنّب الإنسان الملامة والندم. 
- تصون الإنسان من خسائر فادحة. 
- تجنّب الإنسان الديون التي لا مسوّغ لها. 
- تمنع بعض القرارات الطائشة التي تُتّخذ لأسبابٍ عاطفيّةٍ محضة. 
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص55.
2- الرضيّ، علي بن الحسين بن موسى(الشريف الرضي): نهج البلاغة(الجامع لخطب الإمام علي عليه السلام ورسائله وحكمه)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، لاط، لام، مؤسّسة إسماعيليان، لات، الحكمة429، ص65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

63

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 - ترفع من المستوى المعيشيّ للإنسان. 

- تمكّن الإنسان من استثمار تجارب الآخرين وأفكارهم في قضايا المعيشة. 
- تكون وازعاً لكسب رضا الآخرين وعطفهم. 
- تحول دون إنفاق أموالٍ طائلةٍ في مختلف المجالات. 
- ترفع مستوى الاستثمار الماليّ إلى أعلى درجةٍ. 
 
5- عواقب الاستبداد بالرّأي: 
إنّ الاستبداد بالرأي - حسب تعاليمنا الدينيّة - يعدُّ آفةً عظيمةً تزلُّ قدم الإنسان بها عن طريق الصواب، وتوقعه في المهالك. قال الإمام عليّ عليه السلام: "الاستبدادُ بِرأيكَ يزلُّكَ ويهوّرُكَ فِي المهاوِي"1. لذا، فإنْ تصوّر العقل أنّه غنيٌّ فسوف يزلّ2. وهذا الأمر بذاته ناشئٌ من جهل الإنسان3. وبالطبع، فالعاقبة هي الهلاك لا محالة4
 
ولا ريب في أنّ الاستبداد في الرأي يقضي على الشخصيّة في الجمهور، ويُوقف حركة الفكر وتقدّمه، ويميت المواهب 
 
 
 

1- الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، م.س، ح1208.
2- الكراجكي، أبو الفتح: كنز الفوائد، لاط، لام، لان، لات، ص88. 
3- الواسطي، عيون الحِكم والمواعظ، م.س، ص385. 
4- المحموديّ، محمّد باقر: نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ط1، بيروت، منشورات مؤسّسة التضامن الفكريّ، 1412هـ.ق، ج7، ص276. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

64

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 المستعدّة، بل يأتي عليها، وبهذا الطريق تُهدر أعظم طاقات الأمّة الإنسانيّة1. لذلك، فإنّ عاقبة الاستبداد سيّئةٌ، ولا خير فيها أبداً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا سَعَدَ بِاستِغناءِ رأي"2

 
إذن، عاقبة الاستبداد بالرأي وترك المشورة في شؤون الحياة، هي الجهل بالأعمال، ولا سيّما ما يتعلّق منها بأمور المعيشة، فالمستبدّ برأيه سيكون بعيداً كلّ البعد عن حسن التدبير الذي لا تُحمد عقباه. 
 
6- اتّخاذ القرار بعد المشورة: 
إنّ التشاور هو مجرّد إبداء الرأي من قِبَل الأكثريّة، والقرار الحاسم يكون لقائد الجماعة3، والآية الكريمة تشير إلى هذا المعنى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ4. فقد أكّدت الآية على مشورة الجماعة (شاورهم)، ولكنّ القرار النهائيّ أوكلته إلى المستشير(عزمتَ) الذي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الأمر إشارة إلى قضيّةٍ هامّةٍ تكمن في أنّ التطرّق إلى مختلف القضايا الاجتماعيّة، والسياسيّة، والثقافيّة، وغيرها، يجب أن يكون بشكلٍ جماعيٍّ ومشتركٍ، ولكن عند بلوغ مرحلة 
 
 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج2، ص752. 
2- المحمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، م. س، ج7، ص274. 
3- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج12، ص62.
4- آل عمران: 109.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

65

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 التطبيق، فمن الضروريّ أن يُتّخذ القرار من جانبٍ واحدٍ، وإلا سوف تعمّ الفوضى. 


وهناك مسألةٌ هامّةٌ في هذا المضمار، هي: وجوب التوكّل على الله عند اتّخاذ القرار النهائيّ، أي عند الاستعداد لأداء العمل، لا بدّ من الاستعانة بقدرة الله تعالى العظيمة، إذ التوكّل يعطي الإنسان دفعةً معنويّةً تعينه على مواجهة المصاعب. لذلك، فالمشورة في مسائل الحياة، والمعيشة، والتدبير، يجب أن تتزامن مع التوكّل على الله تعالى، فيتمّ تنفيذ العمل بإرادةٍ واحدةٍ، حيث تظهر آثار التوكّل في هذه المرحلة. 

سادساً: الحزم في اتّخاذ القرار: 
إنّ اتّخاذ القرار هو اختيار أمرٍ من بين عدّة أمورٍ، ويتمّ ذلك عن طريق جمع المعلومات، وتحليل المعطيات بشكلٍ عمليٍّ، الأمر الذي يوسّع الأفق لحلولٍ متنوّعةٍ. وبالطّبع، هناك مسائلُ عديدة لها تأثيرٌ في اتّخاذ القرار في موضوعٍ ما، نذكر منها ما يلي: 
- مطالعة المعلومات ذات الصلة بالموضوع وتحليلها. 
- معرفة حقيقة الموضوع. 
- تشخيص الموضوع بشكلٍ صحيحٍ. 
- سعة أفق التفكير. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

66

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 - الحصول على حلولٍ مناسبةٍ. 

- الاطّلاع على عيوب الموضوع ومحاسنه. 
- معرفة أهمّيّة القرار. 
- معرفة الجوانب المختلفة للموضوع. 

ويمكن تشبيه اتّخاذ القرار بقارئ الأقراص المدمجة المصوّرة، حيث يستقبل المعلومات على شكل رموزٍ رقميّة، ثمّ يترجمها إلى صورةٍ وصوتٍ. فعمليّة اتّخاذ القرار تشمل دراسة جوانب الموضوع من كافّة النواحي وتقويمها، وبعد ذلك يتمّ الاختيار.

1ـ شروط الصحّة في اتّخاذ القرار: 
يوجد مجموعة من الشروط المؤثّرة في صحّة اتّخاذ القرار، حيث تتعلّق بشهامة صاحب القرار، وحزمه، وقدرته على ذلك، وهذه الشروط نراها جليّةً في سيرة أنبياء الله تعالى عليهم السلام، ولا سيّما نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام عليهم السلام. فهؤلاء الأفذاذ لم يتماهلوا عن أداء واجباتهم طرفة عينٍ، وكانوا أهلاً للمسؤوليّة في إبلاغ رسالتهم، ففي المواقف الصعبة كانوا يتّخذون أصعب القرارات من دون تردّدٍ. ومن خلال حُسن تدبيرهم، كانوا يختارون الطريق الأمثل في الحياة، ويقطعونه بعزمهم الراسخ، وإرادتهم الصلبة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

67

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 وفي دعوة رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم التي دامت ثلاث وعشرين سنةً، نجد الكثير من تلك القرارات الحاسمة التي اتّخذها بإرادةٍ حديديّةٍ غيّرت مجريات الأمور، مثل: تحطيم أصنام الكعبة، وتخريب مسجد ضرار، وإصراره على إقامة حدود الله تعالى، وما إلى ذلك من أحداث تحكي عن حزمه في الأمور. 

 
وكذلك هو الحال بالنسبة للإمام عليّ عليه السلام، حيث اتّخذ قراراتٍ مصيريّةً لا يجرؤ على اتّخاذها سوى أصحاب الهمم العالية. ونلمس هذا الأمر جليّاً في أحاديثه وخطبه، فقال مرّةً بشأن الأموال التي تُنهب من بيت مال المسلمين: "وَاللهِ لَو وَجَدتُهُ قَد تُزُوِّجَ بِهِ النِّساءُ ومُلِكَ بِهِ الإِماءُ لَرَدَدتُهُ"1
 
لذا، فإنّ الخوفَ المُفرِط الذي لا يكون في محلّه، هو علامةٌ على ضعف الشخصيّة، وفقدان الإرادة، الأمر الذي لا يليق بأُولي الأمور2. فالمدير أو المسؤول المقتدر والمدبّر في قضايا المعيشة، هو الذي يتمكّن من اتّخاذ القرارات اللازمة بعزمٍ راسخٍ، متى ما رأى أنَّ المصلحة تقتضي ذلك. وبالتالي، فإنّه قبل أن يتَّخذ أيَّ قرارٍ، عليه القيام بما يلزم من مشورةٍ وتحقيقٍ، قدرَ المستطاع، بغية سلوك الطريق الصحيح، ومعرفة 
 
 
 

1- ابن شهر آشوب، محمد بن علي: مناقب آل أبي طالب، لاط، النجف الأشرف، منشورات الروضة الحيدريّة المقدّسة، 1376هـ.ش، ص377. 
2- قال الإمام عليّ عليه السلام: "شِدَّة الجبنِ مِن عَجزِ النَّفسِ". الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص298.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

68

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 مكامنه، وحينها تكون قراراته صائبةً تُحمد عقباها. والنتيجة، فإنَّ ثمرة ذلك النّجاح1.

 
وأكّد الإمام عليّ عليه السلام على هذه الحقيقة، بقوله: "الظَّفَرُ بالْجَزمِ والْحَزمِ"2
فالحزم في مجال المشورة، لتدبير شؤون المعيشة، لا بدّ أن يكون في إطار الليونة والمرونة، ولكن عند اتّخاذ القرار يجب الخروج من هذا الإطار، واتّخاذ جانب القطع والجزم. وهذه الاستراتيجيّة في تدبير المعيشة تعدّ سبباً لتنفيذ الأعمال في مواعيدها المقرّرة، وتقف حائلاً أمام أطماع الآخرين، كما أنّها تمهّد الأرضيّة اللازمة لنظم شؤون الحياة، وتمنع تدخّل الآخرين في الشؤون الخاصّة. 
 
2ـ أنواع القرارات: 
إنّ القرارات التي يتّخذها الإنسان هي على نوعين، هما: 
- قراراتٌ ذات أهداف قصيرة الأمد: تتضمّن قضايا الحياة اليوميّة، وغالباً ما تتكرّر. 
- قراراتٌ استراتيجيّةٌ ذات أهداف بعيدة الأمد: وغالباً ما تتأثّر بقضايا مجهولةٍ لم يحسب لها حسابٌ. 
 
 


1- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية(بديده شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج3، ص462-463. 
2- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج74، ص165.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

69

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 وعلى الإنسان قبل اتّخاذ أيّ قرارٍ، أن يأخذ بعين الاعتبار العواملَ ذات الصلة بالمعيشة وسائر العوامل الهامّة، كالأوضاع الاقتصاديّة، فأحياناً تكون القرارات مصيريّةً، ومن شأنها أن تقضي على كيانٍ ما بالكامل1

 
سابعاً: الأولويّة في إنفاق الأموال: 
لا ريب في أنّ الدخل المحدود، والإمكانيّات القليلة، وغلاء الأسعار، أمورٌ تحول دون قدرة الإنسان على تلبية جميع متطلّبات حياته. لذا، فإنّ حسن التدبير في المعيشة يقتضي تقنين إنفاق الأموال حسب الأولويّات التي تتطلّبها ظروف المعيشة، أي يجب تسخير الأموال لتوفير المتطلّبات الضروريّة، أمّا الأمور الثانويّة، التي لا ضرورة لها، فهي في الدرجة الثانية في سُلّم الترتيب. فلو لم ينتهج الإنسان هذا النهج، ولم يُعِرْ أهمّيّةً لمتطلّبات حياته الضروريّة، ولم يقنّن كيفيّة صرف أمواله، خصوصاً إذا كان دخله محدوداً وثابتاً، فسوف يضطرّ إلى الاقتراض، وبالتالي فإنّ القرض يسبّب ضغوطاً تنهك حياة الفرد والأسرة. ومن هنا، تبرز أهمّيّة إيلاء الأولويّة لبعض الأمور الهامّة في المعيشة. 
 
استغلال الوقت والفرص المناسبة من القضايا الهامّة في تعيين الأولويّة بتخصيص الأموال، وما يؤيّد ذلك قول الإمام
 
 
 

1- الطالب، الإدارة والقيادة في المنظمات الإسلامية(مديريّت ورهبرى در تشكّلهاى اسلامى)، م.س، ص103-109.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

70

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 عليّ عليه السلام: "إِنَّ رأيَكَ لا يَتَّسِعُ لِكُلِّ شَيءٍ، فَفَرِّغهُ لِلمُهمِّ"1. 

 
ويقول الشيخ الكفعمي رحمه الله: "طُوبى لمن أطاعت نفسه ناصحاً يهديه، وتجنّبت غاوياً يرديه، وقصر همّته على ما يعنيه، وجعل كلّ جدِه لما ينجيه، وطوبى لمن بادر أجله، وأخلص عمله، وقصر أمله، واغتنم مهله"2
 
وهناك مسألتان هامّتان يجب التأكيد عليهما في هذا المجال، هما: 
- لا بدّ من التصرّف بوعيٍ، وكسب معلوماتٍ لازمةٍ، في كيفيّة تسخير الأموال لموردٍ ما، وإنفاقها فيه. فعلى سبيل المثال: يجب العلم بمقدار الموادّ البروتينيّة اللازمة لجسم الإنسان، ومعرفة مصادر هذه المواد ونوعيّتها، فمن خلال هذه المعلومات يمكن للإنسان أن يشتري ما يحتاج إليه من دون إسرافٍ. 
 
- يجب كسب معلوماتٍ بخصوص أسعار البضائع والخدمات التي تقدّم في مختلف الأماكن، بغية اتّخاذ القرار المناسب. 
وأصحاب الدخل المحدود لو لم يأخذوا هاتين المسألتين بعين الاعتبار، ولم يكن لديهم الاطّلاع الكافي على طريقة
 
 
 

1- الواسطي، عيون الحِكم والمواعظ، م.س، ص156. 
2- الكفعميّ، تقيّ الدين إبراهيم: محاسبة النفس، ط1، قم المقدّسة، منشورات مؤسّسة قائم آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، 1413هـ.ق، ص70. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

71

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الاستهلاك الصحيحة، سوف لا يتسنّى لهم استثمار أموالهم بشكلٍ صحيحٍ، وبالتالي سيواجهون مصاعب في حياتهم. أمّا الأثرياء، فإنّهم بفقدان هذا التقنين الصحيح من خلال استهلاكهم المُفْرِط، سوف يتعرّضون لأضرارٍ قد لا يكون لها تأثيرٌ بالغٌ على المدى القريب، بل ستظهر آثارها السيّئة على المدى البعيد. 

 
فالتدبير الصحيح يقتضي التدرّج في الإنفاق الصحيح، وتعيين الأولويّة في بذل الأموال، ففي بادئ الأمر، يجب الإنفاق في الموارد المهمّة، ثمّ الإنفاق في الموارد الأقلّ أهمّيّةً1
 
1- أقسام الإنفاق: 
يمكن تقسيم إنفاق الأموال، وتصنيف ذلك حسب الوقت الذي يتمّ فيه الإنفاق، وحدّ الأموال التي يجب صرفها على المدى القريب - النّفقات الثّابتة - وعلى المديَين المتوسّط والبعيد. 
فالنّفقات الثّابتة، هي الأموال التي يتمّ إنفاقها يوميّاً، مثل: أجور المأكل، والتنقّل، وإيجار المنزل. 
والنّفقات التي تُخصّص للاستهلاك في مدّةٍ طويلةٍ نسبيّاً - على المدى المتوسّط - هي التي لا يتمّ إنفاقها يوميّاً، مثل: ثمن
 
 
 

1- الكفعميّ، محاسبة النفس، م.س، ص166-168. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

 


72

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الثياب، والأحذية، وما شابههم. 



أمّا النّفقات التي تُخصّص للاستهلاك على المدى البعيد، فهي التي تؤثّر على اقتصاد الأسرة، مثل: شراء منزلٍ، وسيارةٍ، وسائر الأجهزة المنزليّة. 


وبالتأكيد لا يمكن توفير هذه النفقات شهريّاً عن طريق الدّخل الشهريّ، لذلك يجب وضع منهجٍ مناسبٍ للنّفقات قريبة الأمد ومتوسّطة الأمد، يمكن من خلاله توفير النفقات بعيدة الأمد1
 
2- تدوين النفقات: 
تُعدّ عمليّة تدوين النّفقات من الأمور الهامّة، لأنّها تُمكّن الإنسان من معرفة مقدار ما يحتاج إليه من أموالٍ في حياته، إذ يسعى من خلالها إلى رفع مستوى دخله. 


ومن هنا، فإنّ رفع مستوى الدَّخل منوطٌ بالسّعي والعمل الحثيث، لذا شجَّع الإسلام على ذلك، بشرط مراعاة الاعتدال والتوازن بين العمل والعبادة. ومن جانبٍ آخر، فإنّ الظُّروف المحيطة بالإنسان، والأسعار، ومستوى أجور العمل، تُعدّ من الأمور التي تؤثّر على معدّل الدخل، وهي خارجةٌ عن إرادة 
 
 


1- رزاقي، إبراهيم: الأنموذج الأمثل في الإنفاق والهجمة الثقافيّة(الكوي مصرف وتهاجم فرهنكي)، ط1، طهران، منشورات تشابخش، 1374هـ.ش، ص164-165. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

73

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الإنسان، غير أنّ تغيير مقدار النفقات غالباً ما يكون منوطاً بإرادة الإنسان. 

 
أمّا تدوين النفقات اليوميّة، والأسبوعيّة، والشهريّة، والسنويّة، فيمكّن الإنسان من معرفة مدى الإنفاق المطلوب، وتحليل معطياته، فيعرف ما يحتاج إليه، لتأمين مؤونته، وكذلك يتمكّن من معرفة أهمّيّة هذه النفقات، ومدى تأثيرها على التوازن الماليّ لعائلته. لذا، فإنّ التدوين يعين الإنسان على وضع برنامجٍ مناسبٍ لنفقات العائلة، من أجل ضمان المستقبل. 
 
إنّ الإنسان يكتسبُ الخبرة اللازمة في تنظيم نفقاته من خلال حُسن التدبير، والبرنامج المنظّم لأمور المعيشة، في الموازنة بين متطلّبات الحياة والإمكانيّات المادّيّة المتوافرة، بعد إنفاق ما يلزم. لذلك، فإنّ تدوين مقدار النفقات وتحليلها، من شأنه أن يخفّف الضغط المادّيّ على العائلة ويوصله إلى أدنى مستوىً له، ويقلّص الشعور بالحرمان من السلع والخدمات التي يحتاجها. كما أنّ استخدام الطريقة الصحيحة في تدوين النفقات، من شأنه أن يُقنِعَ بعض أعضاء العائلة المعارضين لبرنامج الإنفاق المتّبع، وهو بحدّ ذاته يحول دون الإسراف1
 
وهناك مرحلة هامّةٌ في موضوع تدوين النفقات، تتأتّى في 
 
 
 

1- رزاقي، أنماط الإستهلاك والغزو الثقافي(الكوي مصرف وتهاجم فرهنكي)، م.س، ص187-188.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

74

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 نهاية كلّ دورةٍ يتمّ تدوينها، حيث، لا بدّ من الاطّلاع على مقدار النفقات، وتقويم مدى صحّة الإنفاق أو عدمه. فإذا كان الدّخل والإنفاق متوازنين، فهذا يدلّ على أنّ الخطط الاقتصاديّة صحيحةٌ. ولكن، إذا كان الدخل والإنفاق غير متوازنين، أي كان الإنفاق أكثر من الدخل، يجب حينها تشخيص أسباب عدم الاتّزان، ومعرفة هل إنّه ناشئٌ من التضخّم والغلاء، أم من البذخ في الضيافة، أم من النّفقات غير الضروريّة، أم من سوء التّدبير، أم إنّها ناشئى من أسباب وعوامل أخرى؟ وبعد معرفة هذه الأسباب، يجب التخطيط للمرحلة القادمة، واجتناب الأخطاء التي حصلت، لكي يتسنّى لربّ العائلة إيجاد توازنٍ بين مقدار الدخل والإنفاق، وبالتالي، تحقيق تناسقٍ مطلوبٍ بين أمور المعيشة ومقدار نفقاتها. 


وهناك فوائد كثيرة لتدوين النفقات، نذكر منها ما يلي: 
- تنظيم مستوى الإنفاق، وتحقيق ضبطٍ اقتصاديٍّ. 
- معرفة متطلّبات الحياة، وتحديد الأولويّات اللازمة. 
- استثمار الطاقات والإمكانيّات المُتَاحة، استثمارٍ أفضل. 
- الحؤول دون إهدار الطاقات والثروات المادّيّة. 
- اجتناب الإسراف والتبذير. 
- معرفة قيمة النعمة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

75

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 - تمهيد الأرضيّة اللازمة للادّخار. 

- الرقيّ مادّيّاً ومعنويّاً. 
- تنامي روح القناعة لدى الإنسان. 
- حصول توازنٍ بين الدخل والنفقات. 
 
وقد عُبّر عن التدوين في الأحاديث الشريفة، بالتقدير والتدبير، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "التَّقدِيرُ نِصفُ العيشِ"1
وكما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "قِوامُ العيشِ حُسنُ التَّقدِيرِ، ومِلاكُهُ حُسنُ التَّدبيرِ"2
 
إذن، تدوين النفقات في مجالات الإنفاق العامّة - وكذلك الخاصّة -، ووضع برنامجٍ صحيحٍ لمداولة الأموال في إطار نظامٍ اقتصاديٍّ فرديٍّ وجماعيٍّ على جميع المستويات، يعدّ حلّاً ناجعاً للمشاكل الاقتصاديّة. 
 
ثامناً: التّخطيط: 
إنّ التخطيط لمختلف شؤون الحياة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، يُعدّ من أهمّ استراتيجيّات التدبير في المعيشة. فهذا التخطيط من شأنه أن يرسّخ الدعائم الاقتصاديّة للعائلة، وأن
 
 
 

1- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، م.س، ح5904، ص416.
2- الآمدي، غرر الحِكم ودرر الكلِم، م.س، ح6807.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

76

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 يكون وازعاً لنجاح الأبناء في دراستهم، وأن يساعد على تحقّق الحسابات الصحيحة في الدخل والإنفاق، وتنظيم أمور العائلة، وكما أنّه يخلق توازناً في الكثافة السكّانيّة. 

 
ومن الطبيعي أن يسلك الإنسان طُرُقاً فرعيّةً عديدةً في مسيرته نحو هدفه المنشود، وعبر التخطيط الصحيح، سوف لا يحيد عن هذا الطريق، وسيتغلّب على الكثير من مشاكله. ولو لم يحدّد الإنسان مسلكه الصحيح، ولم يضع خطّةً مناسبةً، فإنّه لن يصل إلى هدفه أبداً. وبعبارةٍ أخرى: عند انعدام التخطيط، أو عند اتّباع خطّةٍ غير صحيحةٍ، فإنّ الإنسان سوف يبتعد عن هدفه وربّما لا يتمكّن من بلوغه أبداً. وفي بعض الأحيان يكون هذا الأمر سبباً للفقر والتخلّف، كما قال الإمام عليّ عليه السلام: "سُوءُ التَّدبِيرِ مِفتاحُ الفَقرِ"1
 
فالعائلة أو المؤسّسة التي تفقد حسن التدبير والتخطيط الصحيح في برامجها المعيشيّة، سوف تُحرَم من الخير. قال الإمام عليّ عليه السلام: "أيُّهَا النّاسُ، لا خَيرَ فِي دُنيا لا تَدبِيرَ فِيها"2
 
ومن المؤكّد، أنّ التخطيط الصحيح وحسن التّدبير، يعدّان وسيلةً لكسب المال، والتمكّن من ادّخاره، ولكنّ سوء التدبير 
 
 


1- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص284.
2- البرقي، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن، تصحيح وتعليق السيد جلال الدين الحسيني، لاط، طهران، 1370هـ.ق/ 1330هـ.ش، كتاب الأشكال والقرائن، باب الثلاثة، ح9، ص5.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

77

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 والتخطيط الخاطئ يحولان دون كسب المال، بل قد يؤدّيان إلى اهدار ما في اليد من مالٍ، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا مالَ لِمَن لا تَقدِيرَ لَهُ"1. 

 
أقسام التّخطيط: 
يمكن تعريف التخطيط في العائلة، كما يلي: هو هدايةٌ عقلانيّةٌ وآليّةٌ لاتّخاذ القرار في مختلف شؤون الحياة، على المديَين القريب والبعيد، بغية استثمار الأموال، والإمكانيّات المتاحة بشكلٍ مناسبٍ، لتوفير متطلّبات العائلة. 
 
لذا يمكن تقسيم التخطيط في ثلاثة محاور: 
1- التّخطيط القصير المدى: هو توجيه الأسرة نحو فعّاليّاتٍ معيّنةٍ وتنفيذها، وعادةً ما تكون نتائجه منطقيّةً خلال مرحلة التطبيق في فترةٍ قصيرةٍ، كما يُطلق عليه اصطلاحاً البرنامج التنفيذيّ - أيضاً -. وزمان تنفيذ الخطط وأداء النشاطات في هذا البرنامج، لا يتجاوز سنةً واحدةً. 
 
2- التخطيط متوسّط المدى: هو توجيه الأسرة نحو فعّاليّاتٍ مخطّطٍ لها مُسبقاً، عادةً ما تكون مُستوحاة من البرامج بعيدة المدى. وزمان تنفيذ الخطط في هذا البرنامج يكون خلال سنةٍ أو سنتين. 
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب النوادر، ح52، ص317.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

78

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 3- التخطيط بعيد المدى: وهو عبارةٌ عن توجيه الأسرة نحو فعّاليّاتٍ تتضمّن أهدافاً بعيدة الأمد، ويطلق عليه - أيضاً - اصطلاح البرنامج الاستراتيجيّ. وزمان تنفيذ الخطط فيه يتراوح بين خمس وعشرة سنواتٍ1

 
ما يجب اتّباعه في التخطيط: 
هناك أمورٌ لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط للمعيشة، إذ لها تأثيرٌ كبيرٌ على نجاحه، ونذكر منها ما يلي: 
تحديد الأهداف المرجوّة من وراء البرنامج الذي تمّ وضعه بشكلٍ واضحٍ وشاملٍ. 
استشارة جميع أعضاء الأسرة، وكلّ من له صلةٌ بهذا البرنامج بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، وكذلك استشارة ذوي الخبرة في هذا الصدد.
تشخيص القضايا الهامّة، ومعرفة الأولويّات اللازمة في شتّى المجالات. 
تحديد البرنامج حسب الإمكانيّات المتاحة، والقيام بدراسةٍ واقعيّةٍ للمصادر الاقتصاديّة.
جمع كافّة الحقائق والمعلومات عن آراء الآخرين وتجاربهم، التي لها صلةٌ بالبرنامج الذي تمّ وضعه. 
 
 
 

1- الطالب، مديريّت ورهبرى در تشكّلهاى اسلامى(باللغة الفارسيّة)، م.س، ص133. 



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

79

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الأخذ بعين الاعتبار الظروف الزمانيّة والاجتماعيّة، ودراسة ما قد يطرأ مستقبلاً.

الاعتماد على النتائج الجديدة التي تمّ الحصول عليها، إثر التطوّرات الحديثة، وتجارب الآخرين، بغية الرقيّ بمستوى الخطّة الموضوعة، من خلال تشخيص الأخطاء، ومعرفة الطرق الصحيحة لمواجهتها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

 


80

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 خلاصة الفصل الثاني: 

الاستراتيجيّة - بمعناها الشامل -، هي البرامج العامّة التي يجب اتّباعها، لتسخير شتّى الأمور السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والعسكريّة، وغيرها، لأجل تحقيق أهدافٍ معيّنةٍ ومخطّط لها مسبقاً. 

وتقسم هذه البرامج إلى ما يلي: 
أ - النَّظم والانضباط، أي: ترتيب مناهج الحياة وتنظيمها، حيث ينُجز كلّ عملٍ في وقته ومحلّه. 
ب- العمل والجهد الحثيث: ويُعدّ هذا الأمر - بالنسبة للقوانين الحاكمة - وسيلةً لصناعة شخصيّة الإنسان وترسيخها، وفي الوقت نفسه هو وازعٌ لاكتمال قدراته البدنيّة، والعقليّة، ونضوج طاقاته الفطريّة والذاتيّة. 

ج- الاستثمار: يُعدّ استثمار الأموال أحد العوامل الأساسيّة في الرقيّ الاقتصاديّ. ومن الضروريّ السعي في إصلاح برنامج تخصيص الأموال وإنفاقها، بحيث يتمّ اجتناب الإسراف، والتبذير، وهدر الثروات أو ركودها، لكي يكون الاستثمار والتوفير في خدمة النموّ الاقتصاديّ. 

وللاستثمار فوائد عظيمة على الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، منها ارتفاع مستوى النموّ الاقتصاديّ، ورفع مستوى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

 


81

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 الإنتاج الوطنيّ، وارتفاع مستوى الدخل القوميّ، وتوفير فرص العمل، وتقليص نسبة التضخّم، والقضاء على البطالة، وتطوّر الفرد والمجتمع في جميع المجالات. 


د- الإشراف والسّيطرة: إنّ الإشراف على العمل ذو أهمّيّةٍ بالغةٍ في مختلف المجالات، ويُعدّ ضماناً لاستثمار الفرص بطريقةٍ مُثلى، كما يساهم في رفع كفاءة الامكانيّات الموجودة. وللإشراف نوعان: علنيٌّ وخفيٌّ. وللإشراف الخفيّ تأثيرٌ أكبر من الإشراف العلنيّ. 

هـ- مشورة الآخرين: مشورة الآخرين ومعرفة آرائهم، تعني مشاركتهم في عقولهم، واتّساع أُفق اتّخاذ القرار، الأمر الذي يقلّل من احتمال وقوع الخطأ. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومون عليهم السلام يستشيرون الآخرين. والشورى تختلف عن المشورة، فالقرار في الشورى يكون جماعيّاً، وفي المشورة يكون فرديّاً. 

و- الحزم في اتّخاذ القرار: إنّ اتّخاذ القرار يعني اختيار أمرٍ ما بين عدّة خياراتٍ، وهذا القرار يتمّ عن طريق جمع المعلومات، وتحليل المعطيات بشكلٍ عمليٍّ، ما يوسّع الأفق لحلولٍ متنوّعةٍ. فالمسؤول القدير والمدبّر في قضايا المعيشة، هو الذي يتمكّن من اتّخاذ القرارات اللازمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

82

الفصل الثاني‏: التدبير في المعيشة

 بعزمٍ راسخٍ. لذا، عليه أن يتّخذ القرار بحزمٍ متى ما رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك. 

ز- الأولويّة في إنفاق الأموال: إنّ حسن التدبير في المعيشة يقتضي تقنين إنفاق الأموال، حسب الأولويّات التي تتطلّبها ظروف المعيشة، وغضّ النظر عن النفقات الزائدة. 

ح- تدوين النفقات: يُعدّ تدوين النفقات من الأمور الهامّة في تدبير المعيشة، لأنّه يجعل الإنسان على اطّلاعٍ بمقدار ما يحتاج إليه من أموالٍ في حياته، إذ يسعى من خلاله إلى رفع مستوى دخله. 

ط- التخطيط: إنّ التّخطيط لمختلف شؤون الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، يُعدّ من أهمّ استراتيجيّات التدبير في المعيشة. 

وقد يكون التخطيط الخاطئ سبباً لعدم بلوغ الهدف أو الابتعاد عنه، وقد يؤدّي إلى الفقر والتخلّف، لأنّ الثروة التي يمتلكها الإنسان، فإنّه سيفقدها، بسبب سوء تخطيطه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

83

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

إنّ طريقة التدبير في المعيشة، هي الأسلوب الذي يتمّ من خلاله تنفيذ السياسات الاستراتيجيّة العامّة في أمور المعيشة وإدخالها في حيّز الإجراء. وهذه الطرق تشمل ثلاثة محاور أساسيّة ستكون مدار بحثنا في هذا الفصل، وهي: الدخل، والإنفاق، والادّخار. 
 
أوّلاً: الدخل: 
الدخل: هو المبالغ اللازمة، لاقتناء المؤونة، وسائر الأموال التي يُحظى بها الإنسان، أو مجموعةٌ من الناس، أو أيّ مؤسّسةٍ أو كيانٍ اقتصاديٍّ في زمنٍ معيّنٍ. ومصدر الدخل قد يكون إنتاجيّاً، كأجرة العمل، والربح، والإجارة، أو قد يكون هديّةً أو أيّ مبلغٍ مدفوعٍ1. ويُعدّ الدخل من المواضيع الهامّة جدّاً في علم الاقتصاد، وله تأثيرٌ ملحوظ على اختيار أسلوب الاستهلاك الأمثل، كونه عاملاً يحدُّ من كثرة الإنفاق، حيث إنّ الإنسان ذا
 
 
 

1- مريدي، سياوش، نوروزي، علي رضا: القاموس الاقتصاديّ(فرهنك اقتصادي)، ط1، طهران، منشورات مؤسّسة كتاب بيشبرد، منشورات نِكاه، 1373هـ.ش، ص343.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

84

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الدخل المحدود لا يتمكّن من الإنفاق أكثر من وارده الماليّ، لأنّ التدبير في المعيشة يُلزِمُه بتخصيص دخله الثّابت لشراء السّلعِ التي يحتاجها فحسب. 

 
وفي دراستنا لموضوع الدّخل، سيتركَّز محور البحث عموماً حول دخل الإنسان المسلم، وبيان ما إذا كان مصدر الدخل لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلاميّة أم لا، أي تمييز الكسب المحلَّل عن الكسب المحرَّم. 
 
1- مصادر الدخل: 
إنّ مصادر الدخل حُدِّدت حديث مروي عن الإمام علي عليه السلام في خمسة محاور، حيث قال عليه السلام: "إنَّ مَعايشَ الخلقِ خمسَةٌ، الإمارَةُ والعِمارةُ والتِّجارَةُ والإجارَةُ والصَّدَقاتُ"1
 
وسائر الآراء التي يطرحها المتخصّصون في هذا الصدد ذكرت مصادر الدخل بشكلٍ عامٍّ، وبمصاديق متعدّدةٍ، بحيث تندرج جميعها تحت العناوين المذكورة في الحديث المتقدّم. 
وبما أنّ الدخل من مواضيع الأحكام الإسلاميّة، فمن الضروريّ للمسلم أن يعلم مصدر تحصيل دخله، وكيف يحصل عليه، وأين ينفقه. والتدبير الصحيح في المعيشة يقتضي 
 
 
 

1- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، قم المقدّسة، مطبعة مهر، 1414هـ.ق، ج19، كتاب المضاربة، باب استحباب الزرع، ح10، ص35. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

85

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 دراسة أُطُر الدخل، وبيان أقسامه، ومشروعيّته، وأهمّيّته، لذا سنذكر في ما يلي بعض التفصيلات في هذا الصدد: 


أ ـ أُطُر الدخل: 
إنّ مقدار دخل الإنسان يختلف في كلّ زمانٍ ومكانٍ، والاقتصاد الإسلاميّ لم يعيّن معدّلاً محدّداً له، لأنّ النشاط الاقتصاديّ من ناحية الدخل والإنفاق للمسلم في عصر صدر الإسلام يختلف عمّا هو عليه في عصرنا هذا، حيث لا يمكن المقارنة بينهما. لذا، لا يمكن تعيين حدودٍ ثابتةٍ لمقدار الدخل، تكون متطابقة في مختلف الأزمنة، وإنّما يمكن تعيين نوعيّة الدخل لشتّى المجتمعات وفي جميع العصور. 

لذلك، فإنّ كلّ نظامٍ اقتصاديٍّ من شأنه تعيين الدخل حسب المعيار النوعيّ والأصول المتبنّاة فيه. ومن هذا المنطلق، فالنظام الاقتصاديّ في الإسلام حدّد الدخل من الناحية النوعيّة، وهذا التعيين سوف يُيسّر تحديد الكمّيّة - أيضاً -. 

ب ـ التحديد النوعي للدخل:
ومن الواضح أنّ قواعد التحديد النوعيّ للدخل تختلف في ما بينها في جوانب مختلفةٍ، ويتجلّى هذا الاختلاف في موارد عديدة. ومن هذه القواعد ما يلي: حرمة المعاملات التجاريّة المحرّمة، وحرمة اقتناء كلّ ما يترتّب على هذه المعاملات،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

86

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وحرمة الرّبا، وحرمة صناعة الخمور، وحرمة القمار، وحرمة الاحتكار. 

 
لذا، فإنّ تأثير التحديد النوعيّ للدخل لا يقتصر على نوعيّته فقط، بل له تأثيرٌ على كمّيّته -أيضاً-. وبالتالي، فإنّ هذا التأثير لا يعني عدم مزاولة النشاطات الاقتصاديّة، أو ترك مختلف المعاملات التجاريّة، والحؤول دون مكافحة الظلم والحرمان في المجتمع1
 
وبعبارةٍ أخرى: إنّ قوانين الشريعة الإسلاميّة أقرّت حقّ الإنسان في طلب متاعه، والسعي في كسبه، ومنحته الحريّة الكاملة في اختيار طريقة الكسب، إلا أنّها منعته من سلوك طريقٍ منحرفٍ يؤدّي إلى فساده وسقوطه الخلقيّ، أو يتسبّب في المساس بمدنيّة البشر وحضارتهم. فالشريعة الإسلاميّة لم تحرّم جميع المنكرات والفواحش فحسب، بل إنّها حرّمت جميع الطرق التي تؤدّي إليها، كإنتاجها، والتوسّط بين الآخرين لتحصيلها، والمعاملة بها، واستخدامها بأيّ شكلٍ كان. 
 
أمّا الأحاديث الشريفة فإنّها نهت بشكلٍ عامٍّ عن سلوك أيّ طريقٍ يؤدّي إلى تحقّق الفساد في المجتمع، أيّ أنّها لم تذكر بالتفصيل جميع الطرق المشروعة وغير المشروعة في 
 
 


1- أنظر: أصول الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، المكتب التنسيقيّ للحوزة والجامعة، ط1، طهران، منشورات سمت، 1371هـ.ش، ص324-327. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

87

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 المعاملات التجاريّة. ومن هذه الأحاديث، ما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "وأمّا وُجوهُ الحرامِ، مِن البيعِ والشِّراءِ، فكُلُّ أمرٍ يكونُ فيه الفسادُ مِمّا هو مَنهيٌّ عَنهُ، مِن جِهةِ أكلِهِ، وشُربِهِ، أو كِسبِهِ، أو نِكاحِهِ، أو مُلكِهِ، أو إمساكِهِ، أو هِبَتِهِ، أو عاريَتِهِ، أو شَيءٌ يَكونُ فيهِ وَجهٌ من وُجوهِ الفَسادِ"1

 
وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الروايات أطلقت على اقتناء المال الحرام عنوان (أكل السُّحت) وعدّته من كبائر الذنوب، إذ نهت عنه نهياً شديداً. لذا يجب القول: إنّ المراد من أكل السُّحت لا يعني بالضرورة الأكل والشرب، بل يعني مطلق التصرّفات بالأموال المحرّمة، وعدم إرجاعها إلى أهلها، سواءٌ بتسخيرها للأكل والشرب، أم باقتناء أشياء أخرى بها، كثيابٍ أو منزلٍ، أم مطلق حيازتها وعدم إنفاقها. ففي جميع هذه الحالات يتحقّق موضوع أكل السُّحت، كما هو الحال في حرمة أكل مال اليتيم والمال المكتسب من المعاملات الربويّة، حيث تحرم جميع أنواع التصرّف فيه. 
 
أضف إلى ذلك أنّ المفهوم من لفظ (السُّحت) هو شموله لجميع أقسام المال الحرام، أي أنّ كلّ مالٍ يكتسبه الإنسان من طريقٍ غير مشروعٍ يُعدّ أكلاً للسُّحت2. على سبيل المثال: 
 
 
 

1- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص245-246. 
2- دستغيب، عبد الحسين: كبائر الذنوب(كناهان كبيرة)، ط6، لام، لان، 1363هـ.ش، ج1، ص384-385. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

88

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فالشخص الذي يعمل في مجالٍ ما، ويتقاضى أجراً مقابل عمله، لكنّه يقصّر في أدائه، هو آكل للسُّحت. وكذلك الحال بالنسبة لمن ينفق أموال بيت المال في مصالحه الخاصّة. 


أقسام الدخل: 
يمكن تقسيم الدخل من حيث مصادر اكتسابه المختلفة إلى نوعين: دخلٌ مشروعٌ(حلالٌ)، ودخلٌ غير مشروعٍ(حرامٌ)، وسنتطرّق في ما يلي إلى كلا القسمين: 

أ- الكسب الحلال: 
وهو عبارةٌ عن الأموال التي يكتسبها الإنسان من طرقٍ أجازها الشرع. 

أهمّيّة الكسب الحلال: 
أكّد القرآن الكريم على وجوب مراعاة المسلم طهارة غذائه الجسديّ، وفي الوقت نفسه أوجب عليه مراعاة طهارة غذائه الروحيّ، الأمر الذي صرّحت به السنّة الشريفة وحثّت عليه. وبعبارةٍ أخرى: يجب على المسلم أن يراعي طهارة غذائه، ظاهريّاً، وباطنيّاً، حتّى في أصعب الظروف. 

ونستلهم من قصّة أصحاب الكهف في القرآن الكريم أنّهم، وإن كانوا بعد يقظتهم بحاجةٍ شديدةٍ إلى الطعام، ولكنّهم قالوا للشخص الذي كلَّفوه بشراء الطعام: لا تشترِ الطعام من أيٍّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

89

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 كان، وإنّما انظر أيُّهم أزكى طعاماً وأطهر، فأتنا منهُ1

 
إنّ معظم البشر في عصرنا الراهن أدركوا أهمّيّة طهارة الغذاء من اللَّوث الظاهريّ، لكنّهم ما زالوا غافلين عن أهمّيّة طهارته من اللَّوث الباطنيّ، الذي يؤثّر على الإنسان، إثر أكل السُّحت، من خلال المعاملات الربويّة، والغشّ، وغير ذلك. 
 
ويوجد روايات مستفيضة حثّت الناس على ضرورة السعي في كسب لقمة العيش بطُرُقٍ مشروعّةٍ، نذكر منها ما يلي: 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العِبادَةُ سَبعونَ جُزءاً، أفضلُها طَلَبُ الحلالِ"2
وروي عن- أيضاً -: "مَن باتَ كالاً مِن طَلَبِ الحلالِ، باتَ مَغفُوراً لَهُ"3
 
كما روى خالد بن نجيح، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: "أقرِؤوا مَن لَقيتُم مِن أصحابِكُم السَّلامَ، وقُولُوا لَهُم: إنَّ فُلان بِن فُلان يُقرِؤكُم السَّلامَ، وقُولُوا لَهُم: عَلَيكُم بِتقوَى اللهِ وما يُنالُ بهِ ما عِندَ اللهِ. إنِّي واللهِ ما آمُركُم إلا بما نأمُرُ بهِ أنفُسَنا، فعَليكُم بالجِدِّ والاجتِهادِ، وإذا صَلَّيتُم الصُّبحَ، 
 
 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج12، ص375. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على...، ح6، ص78. 
3- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): الأمالي، المجلس48، تحقيق ونشر تحقيق مؤسّسة البعثة، ط1، قم المقدّسة، 1417هـ.ق، ح9، ص364. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

90

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فانصرَفتُم، فبَكِّروا في طَلبِ الرِّزقِ، واطلُبوا الحلالَ، فإنَّ اللهَ سيرزُقُكُم ويُعينُكُم عَليهِ"1

 
حدّد الإمام عليّ عليه السلام أوقات المؤمن، حيث جعل الوقت المخصّص للنشاط الاقتصاديّ، بمحاذاة العبادة، والمبادئ الخلقيّة، وقال: "وَليس للعاقِلِ أن يكون شاخصاً، إلاّ فِي ثَلاثٍ: مرمة لمعاش، أو خطوة في معادِ، أو لَذَّةٍ فِي غَيرِ مُحرَّمٍ"2
 
فأُطُر المعاملات التجاريّة والنشاطات الاقتصاديّة وما تختصّ بها من شروط، ذُكِرَت في أحاديث وروايات مستفيضة تتمحور برمّتها حول وجوب الكسب الحلال. 


روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طَلَبُ الحلالِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ"3
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم-أيضاً-: "طُوبَى لِمَن اكتَسَبَ مِن المؤمِنينَ مالاً مِن غَيرِ مَعصِيَةٍ"4
 
كما أكّدت الروايات على وجوب مشروعيّة الدخل، فإنّها في الوقت نفسه حثّت على وجوب كون الإنفاق مشروعاً - أيضاً -، أي يجب على الإنسان أن يُنفق من ماله الذي يمتلكه بشكلٍ لا يتعارض
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحثّ على...، ح8، ص78-79.
2- الرضي، نهج البلاغة، م.س، الحكمة 390، ص93. 
3- المتّقي الهندي، علاء الدين: كنز العمّال، كنز العمّال، ضبط وتفسير الشيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة الشيخ صفوة السقا، لاط، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1409هـ.ق/ 1989م، ج4، ح9204، ص5.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح190، ص169.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

91

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  مع أحكام الشرع، فلو أنفق مالاً اكتسبه من طريقٍ محرّمٍ، فعليه إرجاعه إلى أصحابه، وإن أنفقه في معاملة، فإنّ معاملته باطلةٌ. 

 
والقرآن الكريم - بدوره - أشار إلى هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿أنفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبتُم﴾1، وفسَّر الإمام جعفر الصادق عليه السلام هذه الآية بقوله: "إنَّها نَزلَت فِي أقوامٍ لَهُم رِباً فِي الجاهِلَيَّةِ، وكانُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنهُ، فنَهاهُم اللهُ عَن ذلكَ، وأمرَ بالصَّدَقَةِ مِن الطيِّبِ الحلالِ". 
 
وهذا الأمر الربّانيّ يبيّن أهمّيّة الكسب الحلال وعدم الافراط في اكتناز الأموال2
 
ثِمار الكسب الحلال: 
إنّ كلّ طعامٍ يتناوله الإنسان له آثاره الوضعيّة، فالطعام المهيّأ من مالٍ حرامٍ سببٌ لظلمة القلب، وعدم استفاضته من الأنوار القدسيّة، وهو يحول دون معرفة الحقّ وتمييزه عن الباطل، وبالتالي يؤدّي إلى سقوط الإنسان في الهاوية. أمّا الطّعام الطّاهر المهيّأ من مالٍ حلالٍ، فيُنير القلب، ويزكّي الذَّات، ويعين الإنسان على معرفة الحقّ وتمييزه عن الباطل، ويكون سبباً لاستجابة الدعاء، وبالتّالي يُتيح للإنسان بلوغ الكمالَ المنشود. ولو تصفّحنا التأريخ وطالعنا سيرة السعداء والأشقياء
 
 
 

1- البقرة: 267. 
2- الطبرسي، مجمع البيان، ج2، ص191.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

 


92

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 لبانت لنا هذه الحقائق جليّةً. لذا، ركّزت النصوص الدينيّة على ذلك، وأمرتنا باجتناب الحرام، من المأكل والمشرب، وحثّتنا على السعي في طلب الحلال منه فقط، لأنّ طهارة المال لها تأثيرٌ كبيرٌ على نقاوة القلب واستجابة الدعاء. رُوي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أُحبّ أن يُستجاب دعائي. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "طَهِّر مَأكَلتَكَ ولا تُدخِل بَطنَكَ الحرامَ"1

 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في موضعٍ آخر: "مَن أحبَّ أن يُستَجابَ دُعاؤه، فَليُطَيِّب مَطعَمَهُ ومَكسَبَهُ"2
 
وللمال الحلال آثار وبركاتٌ كثيرةٌ ينعَم بها الإنسان، ذُكِرَت في الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، ونشير في ما يلي إلى بعضها: 
- ينوّر الله تعالى به قلب الإنسان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ الحلالَ أربعينَ يوماً، نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ"3
- يعين الإنسان على عبور الصراط بيسرٍ: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يدِهِ، مَرَّ عَلَى الصِّراطِ كالبَرقِ الخاطِفِ"4
 
 


1- العاملي، وسائل الشيعة، ج7، باب67 من أبواب سجدتي الشكر، ح5، ص145. 
2- الحلّي، أحمد بن فهد: عدّة الداعي ونجاح المساعي، لاط، قم المقدّسة، منشورات مكتبة وجداني، لات، ص128. 
3- الحلّي، عدّة الداعي ونجاح المساعي، م.س، ص140.
4- النوري، حسين: مستدرك الوسائل، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، بيروت، 1408هـ.ق/ 1988م، ج13، باب7 من أبواب مقدّمات التجارة، ح5، ص23. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

 


93

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 - ينال الإنسان به ثواب المجاهد في سبيل الله تعالى: قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "مَن طَلَبَ هذا الرِّزقَ مِن حِلَّهِ، ليعُودَ بِهِ عَلَى نفسِهِ وعيالِهِ، كانَ كالمجاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ"1

- ينال الإنسان به رحمة الله الواسعة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ، نَظَرَ اللهُ إليهِ بالرَّحمةِ، ثُمَّ لا يُعَذِّبهُ أبَداً"2
- ينال الإنسان به ثواب الأنبياء عليهم السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّهِ، يكونُ يَومَ القيامةِ فِي عِدادِ الأنبياءِ، ويأخُذُ ثوابَ الأنبياءِ"3.
- ينال الإنسان به ثواب الصدقة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما كَسَبَ الرَّجلُ كَسباً أطيَبَ مِن عَمَلِ يَدهِ، وما أنفَقَ الرّجلُ عَلَى نفسِهِ وأهلِهِ وولَدهِ وخادِمهِ فهو صَدَقَةٌ"4
- يفتح الله تعالى للإنسان بسببه أبواب الجنّة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ مِن كَدِّ يَدِهِ حلالاً، فُتِحَ لَهُ أبوابُ الجنَّةِ، يدخُلُ مِن أيِّها شاءَ"5
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الدين، ح3، ص93.
2- النوري، مستدرك الوسائل، م.س، ج13، باب7 من أبواب مقدّمات التجارة، ح7، ص24.
3- النوري، مستدرك الوسائل، م.س، ج13، باب7 من أبواب مقدّمات التجارة، ح8، ص24.
4- الهندي، كنز العمّال، م.س، ج4، ح9229، ص4.
5- النوري، مستدرك الوسائل، م.س، ج13، باب7 من أبواب مقدّمات التجارة، ح6، ص24.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

94

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ب- الكسب الحرام: 

نهى القرآن الكريم عن اتّباع الطرق غير المشروعة في الكسب نهياً شديداً، مثل أكل المال بالباطل، والرّبا، والظلم، والفساد. أمّا الأحاديث والروايات، فإنّها عدّت هذه الطرق من الكبائر، بل شبّهت بعضها، مثل: الاحتكار، والخيانة، والرّبا، بأقبح الذنوب، كالقتل، لأنّ هذه الأعمال تشلّ النشاط الاقتصاديّ للإنسان، وتسوقه إلى الهلاك التدريجيّ1. وللإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام كلامٌ طويلٌ ذكر فيه ما حرّم الله تعالى، منه: "واجتنابُ الكبائرِ، وهي قَتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ اللهُ تعالى، وأكلُ الرِّبا بَعدَ البيٍّنَةِ، والبَخسُ فِي المكيالِ والميزانِ، والإسرافُ، والتَّبذيرُ، والخيانَةُ"2
 
ومسألة الكسب الحرام تُعدّ من المسائل الهامّة جدّاً في حياة الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، لدرجة أنّ أحد أهمّ أبواب علم الفقه اختصّ بعنوان(المكاسب المحرّمة)، حيث تتمّ فيه دراسة طرق الكسب غير المشروعة حسب الرؤية الإسلاميّة، والتي تؤدّي إلى أضرار فرديّةٍ واجتماعيّةٍ، وتؤثّر سلبيّاً على روح الإنسان وجسمه، وتلوّث أفكاره وأخلاقه، وتزلزل الأركان
 
 
 

1- الحكيمي، المعايير الاقتصادية في السيرة الرضوية(معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى)، م.س، ص55. 
2- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): عيون أخبار الرضا عليه السلام، لاط، طهران، منشورات الأعلميّ، لات، ج2، ص125. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

95

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  الاقتصاديّة لحياة الفرد والمجتمع معاً. ومن خلال هذه الأبحاث يمكننا تمييز الاختلاف بين المدرسة الاقتصاديّة الإسلاميّة مع سائر المدارس الاقتصاديّة. 


نماذج من الكسب الحرام:
نذكر في ما يلي بعض موارد الكسب الحرام: 
كسب المال عن طريق إغراء الناس بأشياء باطلةٍ، واستغلال جهلهم في بعض الأمور، وبالتالي ترسيخ بعض العقائد الواهية والخرافات، مثل: التجارة بالأصنام أو الخمور... 
كسب المال عن طريق إغفال الناس وإضلالهم، مثل: بيع كتب الضلال. وقد أوجب الإسلام إتلاف العملة المزيّفة وكتب الضلال، ولكنّ شراء هذه الكتب من قِبَل أصحاب الفكر النيِّر الذين لا تؤثّر فيهم الأفكار المنحرفة، يُعدّ جائزاً، بينما الحرمة محدودةٌ في ضِعَاف الفكر. وللأسف الشديد، فإنّ هذه الكتب التي حرّمت الشريعة تأليفها واقتناءها تُطبَع وتُبَاع في الأسواق تحت شعار حرّيّة العقيدة والفكر. 

-الحصول على المال من خلال عملٍ من شأنه تقوية الأعداء، على أيّ نحوٍ من الأنحاء، كبيع السلاح، والنفط، والكتب الأثريّة المخطوطة إلى الأعداء. بل إنّ أيّ معاملةٍ تجاريّةٍ تؤدّي إلى تقويّة العدوّ، وإضعاف الصديق، تُعدّ من المحرّمات في الإسلام. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

96

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 -كسب المال من التجارة بأشياء تسبّب ضرراً، ولا تعود فائدة منها، مثل: الخمر، وآلات القمار، والغشّ في المعاملات، كالتحايل والخيانة. 

-كسب المال من عملٍ عبثيٍّ أو مُضرٍّ، مثل: اللَّهو، والغناء، وهجاء المؤمن. 
 
-كسب المال بأخذ أُجرةٍ على الأعمال التي رفع الإسلام من شأنها وجعلها فوق المسائل المادّيّة، مثل: القضاء بين الناس، وتعليم أحكام الدين والقرآن الكريم والأذان وإفتاء الناس، فهذه الأعمال تجب على الإنسان دون أجرةٍ، إذ يمكن أن يُحدّد لمَنْ يقوم بها أجرةٌ من بيت المال. فالإسلام جعل هذه الأعمال أسمى من المعاملات التجاريّة، وبالطبع، فإنّ أجرها الأخرويّ عظيمٌ عند الله تعالى. 
 
-كسب المال عن طريق إنتاج مصوغاتٍ ذهبيّةٍ، وفضيّةٍ، وغيرها، لا فائدة منها، سوى الزينة المفرطة1
إذن، يجب على المسلم أن يُلمَّ بالمسائل الخاصّة، بالبيع، والشراء، وسائر المعاملات التجاريّة التي يزاولها، كي يُحسن تدبير معيشته، ويصون ماله من مخالطة الحرام، وبالتالي اجتناب أكل السُّحت. 
 
 
 

1- مطهّري، مرتضى: لمحة على النظام الاقتصادي للإسلام(نظرى به نظام اقتصادى اسلام)، ط1، إيران، منشورات صدرا، 1368هـ.ش، ص211-212. للاطلاع أكثر، يمكن مراجعة المباحث الخاصّة بالمكاسب والمعاملات المحرّمة في الكتب الفقهيّة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

97

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ضرورة اجتناب الكسب الحرام: 

أكّدت الأحاديث الشريفة على أنّ اجتناب ما كان محرّماً من المأكل والمكسب، أهمّ من لزوم سائر العبادات في ما لو ينتهِ المكلّف عن المحرّم من المأكل والمكسب، ونذكر منها ما يلي: 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تَركُ لُقمَةِ الحرامِ، أحبُّ إلى اللهِ مِن صَلاةِ ألفَي رَكعَةٍ تَطوُّعاً"1
 
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "جِدُّوا واجتهِدُوا، وإن لَم تعمَلُوا فَلا تَعصُوا، فإنَّ مَن يَبنِي ولا يَهدِمُ يَرتفِعُ بناؤهُ، وإنْ كانَ يَسيراً، وإنَّ مَن يَبنِي ويَهدِمُ يُوشِكُ أنْ لا يَرتفِعُ لَهُ بِناءٌ. فَعلَيكَ بالاجتِهادِ في تَحصِيلِ الطَّرَفَينِ، لتَستَكمِلَ حَقيقتَها، وتكونَ قد سلِمتَ وغنِمتَ، وإنْ لَم تبلُغ إلا إلى أحدِهُما، فَليَكُن ذلكَ شَطرَ الاجتِنابِ، فتَسلَم إنْ لَم تَغنَم، وإلا خَسرتَ الشَّطرينِ جميعاً، فَلا ينفعُكَ قِيامُ اللَّيلِ وتَعبُهُ، مَع تَمَضْمُضِكَ بأعراضِ النّاسِ"2

 
وعنه عليه السلام -أيضاً-: "رَدُّ دانِقٍ حَرامٍ يَعدِلُ عِندَ اللهِ سبعينَ حَجَّةً مَبرورَةً"3
 
 
 

1- الحلّي، عدّة الدّاعي، م.س، ص128. 
2- الحلّي، عدّة الدّاعي، م.س، ص294. 
3- الحلّي، عدّة الدّاعي، م.س، ص129. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

98

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 عواقب الكسب الحرام: 

إنّ الطعام الذي يتغذّى عليه الإنسان بمثابة البذور التي تُزرَع في الأرض، وإنّ الأرض تُثمر ممّا يُزرَع فيها. لذا، إن كان طعام الإنسان حلالاً ولا شائبة فيه، وسوف تظهر آثاره على نفسه، وتكون مصدر خيرٍ وإحسانٍ له. لكن، إن كان طعامه حراماً وتكتنفه الشبهات، فسوف يكدّر نفسه، ويجعلها قاسيةً لا يُرجَى منها خيرٌ، كما أنّه سيتّصف بالعناد ولا يُذعن للحقّ، وحتّى النصيحة لا تؤثّر فيه مطلقاً. لذلك، فإنّ قلبه لا يرقّ لأقسى الحوادث التي يتعرّض لها الآخرون. وخطاب الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء الذي وجّهه إلى عسكر عمر بن سعد، خير دليلٍ على هذه الحقيقة، حيث قال عليه السلام: "فَقَدْ مُلِئتْ بُطونُكُم مِن الحرامِ، وطُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُم، وَيْلَكُم ألا تنصتُونَ؟! ألا تسمعُونَ؟!"1
 
فأكل الحرام سببٌ لتضييع الأعمال وعدم قبولها2، وهو يحول دون استجابة الدعاء3، ويوجب لعنة الملائكة4، وضَعف تديّن المرء. وينقل لنا التأريخ أنّ أحد الفقهاء الأتقياء خسر
 
 
 

1- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج45، ص8.
2- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أكَلَ حَراماً، لَم يَقبَلْ اللهُ مِنهُ صَرفاً ولا عَدلاً". الحلّي، عدّة الداعي، م.س، ص140. 
3- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أحبَّ أن يُستجابَ دُعاؤهُ، فليُطَيِّب مَطعَمَهُ ومَكسَبَهُ". الحلّي، عدّة الداعي، م.س، ص128. 
4- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا وَقَعت اللُّقمَةُ مِن حرامٍ فِي جَوفِ العَبدِ، لَعَنَهُ كُلُّ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ والأرضِ". المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج63، ص314.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

99

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 دينه، وفقد فضائله، بتناوله طعاماً حراماً في وليمة الخليفة المهدي العبّاسي. 

 
إنّ أغلب الذين لا يتورّعون عن أكل الحرام يظنّون أنّهم لو تركوا ما يحصلون عليه من كسبٍ حرامٍ فسوف يتلكّأ معاشهم، وسيعانون من مصاعب، بسبب الفقر. وحقيقة الأمر: أنّ هذا الظنّ ليس سوى وهمٍ ووسوسةٍ شيطانيّةٍ، وهو يتعارض مع القرآن الكريم وأحاديث المعصومين عليهم السلام التي تؤكّد على أنّ الله تعالى ضَمِنَ الرُزق الحلال لمخلوقاته كافّةً، ولأنّ وعد الله حقٌّ، فلو قنع العبد بما لديه وتحلّى بالصبر، فسوف يصله ما قُدِّر له من رزقٍ دون أيّ ترديد. 
 
وأحياناً لا يُحسن ابن آدم الاختيار، ويسلك الطريق الخاطئ في الكسب، فيكون ماله حراماً، وبالتالي يحرم نفسه من الرزق الحلال الذي قدّره الله تعالى له. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع: "ألا وإنَّ الرُّوحَ الأمينَ نَفثَ فِي رَوعِي أنَّهُ لا تَموتُ نفسٌ حتَّى تَستكمِلَ رِزقَها، فأجمِلُوا فِي الطَّلبِ، ولا يَحمِلَنَّكُم استبطاءُ شَيءٍ مِن الرِّزقِ أن تطلبُوهُ بِمعصِيةِ اللهِ، إنَّ اللهَ قَسمَ الأرزاقَ بَينَ خَلقهِ حلالاً ولَم يَقسم حراماً، فمَن اتَّقَى وصَبرَ، أتاهُ رِزقُ اللهِ، ومَن هَتكَ حِجابَ السِّترِ وعَجلَ، فأخَذَهُ مِن غَيرِ حِلِّهِ، قُوصِصَ بهِ مِن رِزقهِ الحلالِ، وحُوسِبَ بهِ يَومَ القِيامَةِ"1
 
 
 

1- الحلّي، عدّة الدّاعي، م.س، ص73-74. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

100

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 3- إصلاح مصادر الكسب: 

إنّ إصلاح مصادر الكسب يُعدّ من الأمور المهمّة في مجال تدبير المعيشة، حيث يلعب دوراً فعّالاً في إقرار مبدأ العدالة الاقتصاديّة. وهذا الإصلاح لا يكون ممكناً إلا بعد تحقّق الانسجام بين الشعب والحكومة، بتأدية كلٌّ منهما مهامّه الخاصّة به. فمسؤوليّة الحكومة في هذا المضمار حسّاسةٌ جدّاً، إذ يجب عليها إصلاح النّظام الإداريّ في البلاد، وتقديم خدماتٍ إداريّةٍ شاملةٍ، والإشراف على الإنتاج، وتقسيم الحقوق بطريقةٍ مُثلى. لذلك، لا بدّ لها من الاعتماد على المفكّرين، وذوي الخبرة، لتثقيف الناس، وترسيخ الصلة في ما بينهم، وتوجيههم إلى مبدأ الكسب الحلال، وبعبارة أخرى: إيجاد أجواء اجتماعيّةٍ تنسجم مع تعاليم الشرع، والعقل، والعرف في شتّى المجالات. فالناس لا سبيل لهم دون اجتناب الكسب الحرام بكلّ أنواعه، حيث قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾1. لذا، يجب عليهم أن لا يلوِّثوا حياتهم بأعمالٍ غير مشروعةٍ، ولا بدّ لهم من سلوك السبيل القويم في كسب المعاش، اعتماداً على التعاليم الدينيّة، وذلك من أجل اجتناب الغلاء، والاحتكار، والغشّ،
 
 
 

1- النساء: 29.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

101

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والأعمال الباطلة، والمعاملات الربويّة، والعمل على استئصالها من المجتمع. فالجميع مكلّفون بترويج المبادئ السامية في المعاملات التجاريّة، الأمر الذي أكّد عليه القرآن الكريم في عدّة آياتٍ، منها: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين﴾1، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾2، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾3. 

 
ومن هذا المنطلق يجب علينا اختيار المنهج الأمثل في حياتنا الاقتصاديّة، من خلال الإيمان بلطف الله تعالى، والالتزام بالمبادئ السامية، لكي نلمس تأثيرَ التعاليم الإسلاميّة على حياتنا في شتّى المجالات، ولا سيّما الاجتماعيّة والاقتصاديّة4
 
5- السبُل الكفيلة برفع مستوى الدخل: 
هناك طرق عديدة يتمكّن الإنسان عبرها من زيادة دخله، وزيادة كسبه على مستويَين، محدودٍ وواسعٍ، نذكر بعضها في ما يلي: 
 
 
 
 

1- هود: 85. 
2- المطفِّفين: 1. 
3- البقرة: 275. 
4- الحسيني، الفقر والتنمية في المصادر الدينية(فقر وتوسعه در منابع دينى)، م.س، ص475-477. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

102

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 - كسب العلم، والتخصّص المهنيّ. 

- استثمار الأموال بطريقةٍ صحيحةٍ من الناحيتين الكمّيّة والنوعيّة. 
- وضع منهجٍ يضمن استثمار الحدّ الأقصى من الطاقة الإنتاجيّة. 
- تذليل المصاعب التي تعترض طريق الإنتاج. 
- إصلاح معدّات الإنتاج وتطويرها. 
- التسويق الصحيح للبضائع والمنتجات. 
- تحفيز العمّال والمنتجين على زيادة الإنتاج. 
- السعي إلى رفع مستوى المهارات، بالاعتماد على المراكز العلميّة المتخصّصة، في وضع مناهج صحيحة، لرفع مستوى الإنتاج، وتحسين نوعيّته، وذلك يتمّ عبر التنسيق الصحيح بين المراكز الأكاديميّة ومراكز الإنتاج. 
- إيجاد أجواءٍ آمنةٍ داخل البلاد وفي مناطقها الحدوديّة. 
- مكافحة جميع مظاهر الانحراف، كالتّمييز العنصريّ، والظلم الاقتصاديّ، والاحتكار، والمحسوبيّات، والوقوف بوجه من يُهدِر الثروة العامّة بحزمٍ. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

103

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ثانياً: الاستهلاك: 

يُعدّ الاستهلاك من أهمّ طرق التدبير في المعيشة، وهو من الأبحاث الأساسيّة في مجال الاقتصاد. ويجدر بجميع أبناء المجتمع دون استثناء، ولا سيّما المسؤولون منهم، أن يعيروه أهمّيّةً بالغةً، وهو يعني تسخير المصادر المُتاحة، بغية تحقيق متطلّبات الحياة الراهنة والمستقبليّة، أو أنّه يعني تسخير السلع الاقتصاديّة في مجال الاستثمار1
 
فيجب على المسؤول المدبّر أن يتّبع المناهج الصحيحة في الاستهلاك، ليتمكّن من تحقيق متطلّبات الرعيّة على المستويَين الماديّ والمعنويّ، كما يجب عليه اجتناب الإسراف والتبذير. 
1- أهمّيّة الاستهلاك في الاقتصاد:
لقد خصّص علماء الاقتصاد حيّزاً واسعاً من دراساتهم لمسألة الاستهلاك، كونها تتمتّع بأهمّيّةٍ بالغةٍ بين جميع الشعوب والأمَم، بحيث لا تضاهيها أيّ مسألةٍ أخرى بين مختلف المفاهيم الاقتصاديّة، وكثير منهم يعتقد أنّ الهدف وراء جميع النشاطات الاقتصاديّة يكمن في الاستهلاك، كالتوفير،
 
 
 

1- محمّدي، حميد رضا ملك: على هاوية النزعة الاستهلاكيّة(بر لبه برتكاه مصرف كرائي)، ط1، إيران، منشورات مركز وثائق الثورة الإسلاميّة، 1381هـ.ش، ص20.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

104

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والإنتاج، وتوزيع الثروة1

 
ويُعدّ الاستهلاك يعدّ هدفاً أساسيّاً في الإنتاج وتوزيع الثروة، إذ له بالغ التأثير في هذا المضمار. من هنا، وضع علماء الاقتصاد أصلاً اقتصاديّاً بعنوان (سيادة المستهلك)، وفحواه: أنّ المستهلك هو الذي يعيّن الإطار اللازم للإنتاج، وتخصيص مصادره، ويحدّد طريقة توزيع الثروة. واستناداً إلى هذه النظريّة، فإنّ الاستهلاك ليس محض تابعٍ للإنتاج والتوزيع، بل إنّ الانتاج والتوزيع تابعان له من جهةٍ ما. وبعبارةٍ أخرى: هناك علاقةٌ متبادلةٌ بين الاستهلاك من جهةٍ، وبين الإنتاج والتوزيع من جهةٍ أخرى: فالاستهلاك يُعدّ آليّةً هامّةً في كيفيّة الإنتاج. 


ولا شكّ في أنّ السياسات الاستهلاكيّة الصحيحة - ترشيد الاستهلاك - لها تأثيرٌ بالغٌ على السياسات الاقتصاديّة، فمن شأنها إيجاد حافزٍ في أسواق الاستهلاك، الأمر الذي يؤدّي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع مستوى الدخل العامّ. 
 
ولترشيد الاستهلاك فوائد جمّة، فإضافةً إلى كونه منهجاً ضروريّاً للادّخار والاستثمار، كذلك يُعدّ سبباً أساسيّاً للرقيّ الاقتصاديّ. 


وهناك مسألةٌ هامّةٌ تجدر الإشارة إليها، وهي: أنّ حاجات 
 
 
 

1- تفضّلي، فريدون: النظام الاقتصاديّ العام(اقتصاد كلان)، ط6، طهران، منشورات نَي، 1371هـ.ش، ص3.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

105

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الإنسان المادّيّة تُعدّ المحور الأساس للنظريّات الاقتصاديّة في النظامين الرأسماليّ والاشتراكيّ، وعند انعدام الحاجات المادّيّة الضروريّة، فإنّ عمليّة الاستهلاك سوف تستمرّ من خلال إيجاد حاجاتٍ مادّيّةٍ كاذبةٍ. لكنّ الاستهلاك في النظريّة الإسلاميّة لا يختصّ بالحاجات المادّيّة فحسب، بل إنّ بعض متطلّبات الإنسان المعنويّة تعتبر سبباً لإيجاد دافعٍ لدى الإنسان في ذلك، أي أنّ دوافع الاستهلاك في النظام الإسلاميّ أوسع نطاقاً من النظامين الرأسماليّ والاشتراكيّ1

 
2- أُسس الاستهلاك الأمثل في الإسلام: 
إنّ أُسس الاستهلاك الأمثل في النظريّة الإسلاميّة هي عبارة عن التعاليم التربويّة السامية التي تشكّل منهجاً صحيحاً ومتكاملاً لتدبير المعيشة، ويمكننا التعرّف عليها من خلال القرآن الكريم والأحاديث المباركة، نشير إلى بعضها في ما يلي: 
 
أ- وجوب اجتناب الإسراف2
"السّرف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعلٍ يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر"3.
 
 
 

1- أنظر: مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص285-286. 
2- سوف نتطرّق إلى بيان الفرق بين الإسراف والتبذير لاحقاً. 
3- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، م.س، مادة "سرف". 



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

106

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 نستلهم من آيات القرآن الكريم أنّ الإسراف يقابل التقتير، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامَاً﴾1

 
وتؤكّد تعاليمنا الدينيّة على أنّ الإسراف من الأعمال الذميمة جدّاً، حيث نهى القرآن الكريم نهياً شديداً عنه، وكذلك هو الحال بالنسبة للأحاديث الشريفة. فالله تعالى عدّه من السُّنَن الفرعونيّة: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾،2 وتوعّد المسرفين بعذابٍ أليمٍ: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾3
 
ويُعدّ الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعيّة تعدّياً على حقوق الآخرين، وإهداراً للثروة العامّة التي هي حقٌّ لجميع البشر والأجيال كافة. وحسب الرؤية الإسلاميّة، فإنّ نتيجة الإسراف والإنفاق المفرط 

ليست سوى إهدار الثروة العامّة، وبالتّالي حرمان الشّعب منها. قال الإمام عليّ عليه السلام في هذا الصدد: "السَّرفُ مَثواةٌ"4
 
 
 

1- الفرقان: 67. 
2- يونس: 83. 
3- غافر: 43. 
4- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج68، ص347.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

107

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 أسباب حرمة الإسراف: 

يُعدّ الإسراف خروجاً عن مستوى التوازن، أي عن حكم العقل والإذعان لأهواء النفس. فهو إهدارٌ للنعمة التي أكرم الله تعالى بها عباده، لإمرار معاشهم. ونتيجة هذا الإهدار هي البعد عن رحمة الله تعالى ورضوانه1
 
فكما أنّ للمجتمع حقاً في الأموال العامّة، كذلك فإنّ له حقاً - أيضاً - في أموال الناس الخاصّة، وبما أنّ الإسراف يُعدّ تعدّياً على حقوق المجتمع، فالنتيجة أنّ الإسراف في الأموال الخاصّة غير جائزٍ. يقول 

العلامة الشهيد مرتضى المطهّري رحمه الله في هذا الصدد: "إنّ الإسراف، والتبذير، وأيّ استخدامٍ غير مشروعٍ للأموال، ممنوعٌ. والمنع هنا ليس ناشئاً من حرمة هذا العمل فحسب، بل لأنّه - أيضاً - يُعدّ تصرّفاً في الثروة العامّة من دون إذنٍ. فهذا المال، وإن كان خاصّاً، فهو متعلّقٌ بالمجتمع - أيضاً -"2.
 
فضلاً عن ذلك، ونظراً لمحدوديّة المصادر الاقتصاديّة، فإنّ الإسراف هو سبب لحرمان بعض الناس من تلك المصادر. وكذلك، فإنّ اعتياد الإنسان على الإسراف سيجعل منه شخصاً 
 
 
 

1- مير معزيّ، حسين: نظام الإسلام الاقتصاديّ(نظام اقتصادى إسلام)، ط1، إيران، منشورات المؤسّسة الثقافيّة للعلم والفكر المعاصر، 1378هـ.ش، ج2، ص102. 
2- مطهّري، إطلالة على النظام الاقتصادي في الإسلام(نظرى به نظام اقتصادى اسلام)، م.س، ص55-56.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

108

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 أنانيّاً وبعيداً عن المثل العليا التي أرادها الله تعالى من عباده. والأصل - على أساس النظرة التوحيديّة -، أنّ الله تبارك وتعالى هو المالك الأصليّ، ونحن جميعاً مستخلفون من قبله، وكلّ نوعٍ من التصرّف 


من دون إذنه ورضاه، فهو قبيحٌ وغير مقبولٍ، ونحن نعلم أنّ الله لم يأذن بالإسراف ولا بالبخل1
 
الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ:
المراد من الإسراف تجاوز الحدّ في الإنفاق، أي أنّ الإنسان يتجاوز المستوى المتعارف في إنفاق المال، فينفق أكثر من حاجته، ويسرف في ذلك. فعلى سبيل المثال: شخص لا يتقاضى في اليوم أكثر من 

دولارين، لكنّه يشتري لنفسه ولأسرته ثياباً بمئات الدولارات. وقد تطرّق الإمام جعفر الصادق عليه السلام لهذا الأمر، حين قال: "ربّ فقير هو أسرف من الغني، إنّ الغني ينفق ممّا أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي"2
 
وهذه الرواية تشير إلى بعض الموارد النادرة التي لا يتّبع فيها الفقير برنامجاً صحيحاً في معيشته، وذلك حينما ينفق ما يكسبه من مالٍ يسيرٍ في مسائل لا تتناسب مع وضعه الماديّ، وبالتالي يُهدرِ دخله، 

بسبب إسرافه. وبالتأكيد، فإنّ هذا الفعل بالنسبة للأثرياء قد لا يكون إسرافاً، إذ أنّ إسرافهم يتحقّق 
 
 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج11، ص309.
2- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب كراهية السرف...، ح4، ص55.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

109

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 عبر إنفاقهم الأموال في أمورٍ أشدّ فداحة ممّا فعله هذا الفقير. 

ومن هنا، يتّضح أنّ معيار حقيقة الإسراف نسبيّ، حيث تكون بعض مصاديق الإنفاق الصادرة من بعض الأفراد مؤدّية إلى الوقوع في الإسراف، ولكنّها ليست كذلك بالنسبة للبعض الآخر. 
 
فبعض موارد الإنفاق التي لا يعدّها العرف تجاوزاً عن حدّ الاعتدال، بينما يعدّها العقل تجاوزاً عن ذلك، لا تُعدّ من أمثلة الإسراف، ولكنّه نُهي عنها في بعض الأحاديث، منها: قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إنَّ القصدَ أمرٌ يُحبُّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّ السَّرفَ أمرٌ يُبغضُهُ اللهُ عزَّ وجلَّ حتّى طرحَكَ النَّواةَ، فإنِّها تَصلحُ لشيءٍ وحتّى صبَّكَ فَضلَ شَرابِكَ"1، بينما هذه الأفعال لا يعدّها العرف اليوم إسرافاً. 
 
اختلاف الزمان والمكان ونسبيّة الإنفاق: 
ما يشير إلى أنّ الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ، هو اختلاف معدّل الإنفاق من مجتمعٍ إلى آخر، لأنّ مستوى رفاهيّة الشعب ورقيّه الاقتصاديّ أو تدنّي مستواه المعيشيّ مختلف من بلدٍ إلى بلدٍ. فلربّما اقتناء بعض السلع والمؤن أو تقديم بعض الخدمات، يُعدّ تجاوزاً عن الحدّ المتعارف في أحد المجتمعات النامية، لكنّه 
 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب فضل القصد، ح2، ص52.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

110

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ليس كذلك في مجتمعٍ متطوّرٍ، لذا يمكن القول: إنّ الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ1

 
والحال كذلك بالنسبة لاختلاف الزمان وتنوّع المسؤوليّات، أي حينما يتمتّع الناس بحياةٍ مرفّهةً في زمانٍ ما، ويشهد مجتمعهم تنامياً اقتصاديّاً، فسوف يحظون بحياةٍ أفضل، وبإمكانهم اقتناء سلعٍ أكثر وذات جودةٍ عاليةٍ، وهذا بدوره لا يعدّ إسرافاً، لكن بشرط عدم الإفراط والطغيان. ومن هنا، لو حاول البعض في هذه المجتمعات المرفّهة الإعراض عن نعم الله تعالى، وقيّدوا أنفسهم بحياة الفقر، والعوز، وارتداء الخرق من الثياب، فإنّ زهدهم هذا يحمل على الرياء. فالبعض قد يغفل عن حقيقة الحكمة العمليّة في الإسلام، وهؤلاء موجودون في كلّ عصرٍ ومكانٍ، إذ أنّ ضيق إطار أفكارهم يحفّزهم على مؤاخذة الآخرين جهلاً، حتّى أنّهم قد يعترضون على الأئمّة المعصومين عليهم السلام. فقد روى مسعدة بن صدقة أنّ سفيان الثوري دخل على الإمام الصادق عليه السلام فرأى عليه ثياباً بيضاء ناعمة، فقال له: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فأجابه عليه السلام: "اسمَعْ مِنِّي وعِ ما أقولُ لَكَ، فإنَّهُ خَيرٌ لَكَ عاجِلاً وآجِلاً إنْ أنتَ مِتَّ عَلَى السُّنَّةِ ولَم تَمُتْ عَلَى بِدعَةٍ، أُخبِرُكَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كانَ فِي زَمانٍ مُقفِرٍ جَدبٍ، فَأمّا إذا أقبَلَتْ الدُّنيا فَأحَقُّ أهلِها



1- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص290. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

111

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بِها أبرارُها لا فُجّارُها، ومؤمِنُوها لا مُنافِقُوها، ومُسلمُوها لا كُفّارُها، فَما أنكرتَ يا ثَوريّ؟! فَوَاللهِ إنِّي لَمَعَ ما تَرِى ما أتَى عَلَيَّ مُذ عَقِلت صباحَ ولا مساءَ وللهِ فِي مالِي حَقٌّ أمرَنِي أنْ أضَعهُ مَوضِعاً، إلا وَضَعتُهُ"1


كما روى عليّ بن أسباط أنّ سفيان الثوريّ قال للإمام الصادق عليه السلام: يُروى أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن من الثياب، وأنت تلبس القوهي المَرْوي! فقال له عليه السلام: "وَيحَكَ، إنَّ عَليّاً عليه السلام كانَ فِي زَمانِ ضِيقٍ، فَإذا اتَّسَعَ الزَّمانُ، فَأبرارُ الزَّمانِ أولَى بِهِ"2

فذوي الفكر المتحجّر من أمثال سفيان الثوريّ، يعتبرون ارتداء الإمام المعصوم عليه السلام الثياب الحسنة تجاوزاً عن الحدّ المتعارف، بينما هذا الأمر الذي لم يكن رائجاً في الأزمنة السالفة كان متعارفاً في ذلك العهد. 

إذن، لا بدّ أن تكون أفعال الإنسان وطريقة معيشته منسجمةً مع مقتضيات زمانه، فالإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ! 
والجدير بالذكر، أنّ بعض موارد الإنفاق تقتضي بذل أموالٍ كثيرةٍ، ولا يعدّ ذلك إسرافاً، لأنّ إنفاق المال بكثرةٍ - أحياناً - يكون سبباً لحفظها، وهو بالتالي جزءٌ من حسن التدبير في

 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب دخول الصوفية...، ح1، ص65.
2- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج5، كتاب الصلاة، باب7، ح11، ص19. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

112

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  المعيشة، كاقتناء ثيابٍ مختلفةٍ لأغراضٍ مختلفةٍ، مثل: الثياب المخصّصة للنوم أو للعمل أو للسفر أو للضيافة، أو ما يُرتدى في مختلف فصول السنة، وهذا الأمر لا يعتبر إسرافاً، حيث إنّه من ضرورات التدبير في المعيشة. رُوي عن إسحاق بن عمّار أنّه سأل الإمام موسى الكاظم عليه السلام: الرجل يكون له عشرة أقمصةٍ، أَيكون ذلك من السَّرف؟ فقال عليه السلام: "لا، ولكِنَّ ذلِكَ أبقَى لثِيابِهِ، ولكِنَّ السَّرفَ أنْ تَلبَسَ ثَوبَ صَونِكَ فِي المكانِ القَذِرِ"1.


لذلك، فإنّ اقتناء ثيابٍ كثيرةٍ بداعي الحاجة إليها حسب مقتضيات الزمان، لا يُعدّ من الإسراف بوجهٍ، لأنّها تستخدم عند الحاجة إليها، على العكس من ذلك، الذين يفرطون في امتلاك أنواع الثياب، ويكدّسونها في خزانتهم، بحيث لا يحتاجون إليها كافّة، وهذا هو الإسراف بعينه. 

ب- وجوب اجتناب التّبذير: 
التبذير: التفريق، وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكلِّ مُضيِّعٍ لماله، فتبذير البذر: تضييعٌ في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه2
والتبذير يخصّ الحالات التي يصرف فيها الإِنسان أمواله بشكلٍ غير منطقيٍّ وفاسدٍ. وبتعبيرٍ آخر: إنّ التبذير هو هدر

 
 

1- الطبرسي، مكارم الأخلاق، م.س، ص98. 
2- الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة "بذر". 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

 


113

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 المال في غير موقعه، ولو كان قليلاً، بينما إذا صُرِفَ في محلِّه، فلا يُعدّ تبذيراً، ولو كان كثيراً1


والتبذير - دائماً - ما يتلازم مع إتلاف المال، لأنّ إنفاق المال في أغراضٍ غير عقلائيّةٍ هو إهدارٌ للثروة. 
لذا، فإنّ إهدار المال وإنفاقه عبثاً يُعدّ من الأفعال المحرّمة دينيّاً، سواءٌ أكانت هذه العبثيّة من الناحيّة الكمّيّة أم من الناحية النوعيّة، إذ يجدر بالإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب النوعيّة لمؤونته التي يقتنيها، ومدى كفاية المصادر الإنتاجيّة والخدماتيّة التي يعتمد عليها في معيشته، أي عليه أن يسخّر كلّ مصدرٍ إنتاجيٍّ أو خدماتي، بطريقةٍ يمكنه معها بلوغ أقصى درجات الاستثمار، لكي يستغلّ طاقته الكامنة بشكلٍ أمثل2

والقرآن الكريم بدوره عدّ المبذّرين إخوانَ الشياطين، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.3
إنّ الله أعطى الشيطان قدرةً وقوّةً واستعداداً وذكاءاً خارقاً للعادة، ولكنّ الشيطان استفاد من هذه الأُمور في غير محلِّها، أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم.

 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص452.
2- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص292. 
3- الإسراء: 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

114

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 أمّا كون المبذّرين إخوان الشياطين، فذلك لأنّهم كفروا بنعم الله، حيث وضعوها في غير مواضعها تماماً، كما فعل الشيطان مع نِعم الله تعالى، ثمّ إنّ استخدام (إخوان) تعني أنّ أعمالهم متطابقةٌ ومتناسقةٌ مع أعمال الشيطان، كالأخَوين اللَّذَين تكون أعمالهما متشابهةً1


مصاديق الإسراف والتبذير: 
لكلمَتي الإسراف والتبذير معنىً واسعاً جدّاً يتجلّى في الأفعال اليوميّة للبشر، وقد تطرّقت النصوص الدينيّة إلى ذكرها بشكلٍ مجملٍ أو مفصّلٍ، نشير إلى بعضها في ما يلي: 
المأكل والمشرب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾2
الإنفاق والعطاء الذي يتجاوز الحدّ المتعارف: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾3

طلب المقام والاستكبار في الأرض: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾4
تجاوز الحدّ في القصاص: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ

 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص453.
2- الأعراف: 31. 
3- الفرقان: 67. 
4- الدخان: 30-31.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

115

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾1

ارتكاب المعاصي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾2

القضاء بين الناس بغير حقٍّ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾3

وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه مرّ بسعد، وهو يتوضّأ، فقال له: "ما هذا السّرفُ يا سَعدُ؟!". قال سعد: أَفي الوضوء سرفٌ؟ فأجابه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "نَعَم، وإنْ كُنتَ عَلَى نَهرٍ جارٍ"4

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الخلْقُ عِيالُ اللهِ"5، وكذلك هم أُمناؤه على ماله. وعليه، يتوجّب على الإنسان أن يُنفق أمواله في ما فرضه الله تعالى، بتسخيرها لقضاء حوائجه وتلبية متطلّبات معيشته. لذلك، فإنّ الإنفاق الزائد عن الحاجة، يُعدّ إتلافاً للمال، وسوء تصرّفٍ فيه، بما يؤدّي إلى الإسرافٌ والتبذيرٌ.

 
 

1- الإسراء: 33. 
2- الزمر: 53. 
3- غافر: 28. 
4- ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لاط، بيروت، دار صادر، لات، ج2، ص221.
5- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الاهتمام بأمور المسلمين...، ح6، ص164.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

116

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وحسب بعض الروايات، فإنّ الإسراف والتبذير يتحقّقان حتّى في طرح نواة التمر، وما فَضُل من الماء، أو ارتداء ثيابٍ فاخرةٍ أثناء العمل، أو اقتناء سلعٍ لا نفع منها1

فالبناء الذي يمكننا أن نقطنه أو نسخّره لمنافع أخرى، لا يجوز لنا تخريبه لمجرّد عدم مطابقته لموضة العصر، فهذا الخراب هو التبذير بعينه. وتدمير الحديقة التي تثرينا سنويّاً بمحاصيل زراعيّةٍ وثمار طريّةٍ، وتشييد أبنيةٍ محلّها، يُعدّ تبذيراً - أيضاً -، حيث يمكننا أن نُشيّد هذا البناء في الأراضي الفسيحة الموجودة في ضواحي المدينة، والتي هي أقلّ ثمناً وأكثر مساحةً. كما أنّ إهمال الحديقة، وعدم الاعتناء بأشجارها، وكذلك عدم صيانة المباني حتّى تندرس، هو في الحقيقة تبذيرٌ أيضاً. 

وحسب أحكام الفقه الإسلاميّ، يجب على مَن يمتلك حيواناً أن يوفّر له الماء والكلأ، وإذا لم يتمكّن من ذلك، عليه أن يُطلقه، ليرعى، وإذا لم يفعل، فإنّ حاكم الشرع يرغمه على ذلك، وإذا لم يستجب لهذا الأمر، فإنّ حاكم الشرع يتولّى ذلك. وبالطبع فإنّ ملكيّة الإنسان لماله تتيح له حرّيّة التصرّف فيه، لكنّ هذا التصرّف محدودٌ، إذ لا يجوز له أن يتلف ماله عامداً2.

 
 

1- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب فضل القصد، ص52-54.
2- المبادئ العامّة للاقتصاد الإسلاميّ(كليّات اقتصاد اسلامى)، إشراف محمّد واعظ زاده الخراسانيّ، ط1، مشهد المقدّسة، مؤسّسة الأبحاث الإسلاميّة في الروضة الرضويّة المقدّسة، 1369هـ.ش، ج1، ص266-267. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

117

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 إذن، يتّضح لنا ممّا ذُكِرَ سعة نطاق الإسراف والتبذير، ويجدر بالإنسان العاقل أن يراعي الدقّة والاعتدال في إنفاقه، ليصون نفسه من الإثم والزلل في هذا المجال.


الاختلاف بين الإسراف والتبذير:
تستعمل مفردتا الإسراف والتبذير في كثير من الأحيان بمعنىً واحدٍ، حيث يعطف أحدهما على الآخر، توكيداً، ونلاحظ ذلك في قول الإمام عليّ عليه السلام: "ألا وَإنَّ إعطاءَ المالِ فِي غَيرِ حَقِّهِ تَبذِيرٌ وَإسرافٌ، وَهوَ يَرفَعُ صاحبَهُ فِي الدُّنيا، وَيضَعُهُ فِي الآخِرةِ، ويُكرِمُهُ فِي النّاسِ، وَيُهينُهُ عِندَ اللهِ"1

في الواقع، لا يوجد هناك بحثٌ واضحٌ عند المفسّرين في التفاوت الموجود بين الإسراف والتبذير، ولكن عند التأمُّل بأصل هاتين الكلمتين في اللغة، يتبيَّن أنّ الإسراف، هو: الخروج عن حدّ الاعتدال، ولكن دون أن نخسر شيئاً، فمثلاً نلبس ثوباً ثميناً، بحيث يعادل ثمنه أضعاف سعر الملبس الذي نحتاجه، أو أنّنا نأكل طعاماً غالياً بحيث يمكننا إطعام عددٍ كبيرٍ من الفقراء بثمنه. كلّ هذه أمثلةٌ على الإسراف، وهي تمثّل خروجنا عن حدّ الاعتدال، ولكن من دون أن نخسر شيئاً. أمّا كلمة (تبذير)، فهي تعني: الصرف الكثير، بحيث يؤدّي إلى إتلاف الشيء وتضييعه، فمثلاً نهيّئ طعاماً يكفي لعشرة أشخاصٍ من

 
 

1- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج2، الخطبة126، ص7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

118

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 أجل إطعام شخصين، كما يفعل ذلك بعض الجهلاء، ويعتبرون ذلك فخراً، حيث يرمون الطعام الزائد في المزابل1


والحال نفسه بالنسبة لإقامة مجالس اللهو واللعب التي هي إثمٌ محضٌ، وكذلك السهرات والحفلات التي غالباً ما يرافقها تبذيرٌ وإسرافٌ. 
وفي النتيجة إنّ إنفاق كلّ مالٍ في غير طاعة الله تعالى، هو في حقيقته إسرافٌ وتبذيرٌ، كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "مَن أنفَقَ شَيئاً فِي غَيرِ طاعَةِ اللهِ، فَهوَ مُبَذِّرٌ، وَمَن أنفَقَ فِي سَبيلِ اللهِ، فَهوَ مُقتَصِدٌ"2

الآثار السلبيّة للإسراف والتبذير: 
تطرّقنا آنفاً إلى بعض نتائج الإسراف والتبذير السيّئة، وهناك نتائج أخرى، مثل: ابتلاء المجتمع بالاختلافات الطبقيّة. فأصحاب الدخل العالي يستولون على مقادير كبيرةٍ من الثروة العامّة، ويهدرونها في لهوهم وعبثهم، بينما هناك كثير من أصحاب الدخل المتدنّي الذين يعانون من الفقر، ويعيشون حياةً ماديّةً صعبةً، ولا يملكون ما يسدّ رمقهم. والسبب في ذلك يعود إلى الكمّيّة الكبيرة من الأموال التي يمتلكها أولئك الأثرياء وطريقة معيشتهم التي يعتمدونها، أي أنّ طبيعة الإسراف

 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص459.
2- النوري، مستدرك الوسائل، م.س، أبواب النفقات، باب23، ح4، ص269.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

119

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والتبذير في الأموال والمؤونة التي تسود أفعالهم تؤدّي إلى عدم مبالاتهم بالمجتمع، وتبديد ثرواته، وإعراضهم عن تقديم خدماتٍ لأبناء جلدتهم، وعدم توفير متطلّبات معيشتهم. 


ومن النتائج السيّئة الأخرى للإسراف والتبذير، ابتلاء الفرد والمجتمع بالفقر والحرمان. فالمُسرَف الذي لا يُحسن التدبير في معيشته، قد يُبتلى بالفقر، بسبب إسرافه، وبالتالي لا يتمكّن من تأمين متطلّبات معيشته. وكذلك، فإنّ عدداً من المسرفين قد يؤثّرون سلبيّاً على المجتمع برمّته إثر إسرافهم وإهدارهم الثروة العامّة، أي أنّهم يحرمون الآخرين من استثمار هذه الثروة، ليكون سوء تصرّفهم موجباً لحرمان المجتمع، ورواج الفقر فيه. يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام في هذا الصدد: "إنَّ السّرفَ يُورِثُ الفَقرَ، وَإنَّ القَصدَ يُورِثُ الغِنَى"1

وبتحريم الإسراف والتبذير، والمنع من اكتناز الأموال، والتشجيع على الإنفاق، فإنّ ديننا الإسلاميّ يكون كفيلاً بوضع منهج مناسب لاجتثاث الاختلافات الطبقيّة من المجتمع، إذ يتمّ ذلك عبر إتاحة الفرصة للطبقة المحرومة، لاستثمار ما كان زائداً عن حاجة الأثرياء، الأمر الذي يؤدّي إلى تقليص الفارق الطبقيّ، ورفع المستوى المعيشيّ للفقراء. فلو دقّقنا في إسراف بعض المترفين وعبثهم بالأموال، لوجدنا قطعاً

 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح8، ص53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

120

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 أنّ اجتناب هذه التصرّفات من شأنه أن يسدّ رمق الكثير من المحرومين، ويوفّر لهم الكسوة اللازمة. وكذلك، فإنّ المباني الشاهقة والقصور الضّخمة التي يشيّدها هؤلاء الأثرياء والتي تحفل بالكثير من الأمتعة والأغراض الفائضة عن الحاجة، يمكن الاستعاضة عنها بما هو أنسب، لاستثمار الفاضل منها، لبناء منازل بسيطةً تؤوي من لا قدرة له على اقتناء منزلٍ، فأصحاب القصور عادةً لا ينتفعون إلا من جزءٍ محدودٍ منها1.


والقرآن الكريم بدوره أنّب المسرفين والمبذّرين تأنيباً شديداً، وذمّ تصرّفاتهم في موارد كثيرة، حيث أكّد على أنّهم سيُحرَمون من محبّة الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾2. كما قال تعالى في الصدد نفسه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾3. وشبّههم في آيةٍ أخرى بالشياطين الذين عاقبتهم جهنّم وبئس المصير: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ

 
 
 

1- مباني الاقتصاد الإسلامي(مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص291. 
2- الأنعام: 141.
3- الأعراف: 31. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

121

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾1.


وأشار القرآن إلى سوء عاقبتهم ووجوب عذابهم في جهنّم: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾2. وإلى أنّ عاقبتهم هي الهلاك: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾3

النهي عن اتّباع المسرفين
نهى القرآن الكريم عن اتّباع المسرفين، وشبّه إسرافهم بالفساد في الأرض وعدم إصلاحها، في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُون﴾4 فـ(الإسراف) هو التجاوز عن حدّ قانون التكوين وقانون التشريع، ومن الواضح أيضاً أنّ أيّ تجاوزٍ عن الحدّ موجبٌ للفساد والاختلال، وبتعبيرٍ آخر: إنّ مصدر الفساد هو الإسراف، ونتيجة الإسراف هي الفساد أيضاً5

وللعلامة السيد محمّد حسين الطباطبائيّ رحمه الله بيانٌ رائعٌ في هذا المجال، حيث قال: "وذلك أنّ الكون على ما بين

 
 

1- الإسراء: 26- 27. 
2- غافر: 43. 
3- الأنبياء: 9. 
4- الشعراء: 151-152. 
5- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج11، ص430.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

122

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  أجزائه من التضادّ والتزاحم، مؤلّفٌ تأليفاً خاصّاً يتلاءم معه أجزاؤه بعضها مع بعضٍ في النتائج والآثار، كالأمر في كفّتي الميزان، فإنّهما على اضطرابهما واختلافهما الشديد، بالارتفاع والانخفاض، متوافقتان في تعيين وزن المتاع الموزون، وهو الغاية والعالم الإنسانيّ الذي هو جزءٌ من الكون. كذلك الفرد من الإنسان، بما له من القوى والأدوات المختلفة المتضادّة مفطورٌ على تعديل أفعاله وأعماله، بحيث تنال كلّ قوّةٍ من قواه حظّها المقدّر لها، وقد جُهِزّ بعقلٍ يميّز بين الخير والشرّ، ويعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه. فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غاياتٍ صالحةٍ مقصودةٍ، وهو في ما بين أجزائه من الارتباط التامّ يخطّ لكلٍّ من أجزائه سبيلاً خاصّاً يسيّر فيها بأعمالٍ خاصّةٍ، من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمينٍ أو يسارٍ، أو ينحرف بإفراطٍ أو تفريطٍ، فإنّ في الميل والانحراف، إفساداً للنظام المرسوم، ويتبعه إفساد غايته وغاية الكلّ. ومن الضروريّ أنّ خروج بعض الأجزاء عن خطّها المخطوط لها، وإفساد النظم المفروض لها ولغيرها، يستعقب منازعة بقيّة الأجزاء لها، فإن استطاعت أن تقيمه وتردّه إلى وسط الاعتدال فهو، وإلا أفنته وعفت آثاره، حفظاً لصلاح الكون، واستبقاءاً لقوامه. والإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون، غير مستثنىً من هذه


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

123

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  الكلّيّة، فإن جرى على ما تهديه إليه الفطرة، فاز بالسعادة المقدّرة له، وإن تعدّى حدود فطرته وأفسد في الأرض، أخذه الله سبحانه بالسنين، والمثلات، وأنواع النكال والنقمة، لعلّه يرجع إلى الصلاح والسداد. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِما كَسِبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾1. وإن أقاموا مع ذلك على الفساد، لرسوخه في نفوسهم، أخذهم الله بعذاب الاستئصال، وطهّر الأرض من قذارة فسادهم"2.


ج- ذمّ البخل والتقتير: 
إنّ البخل والتقتير (التفريط في الإنفاق) مفهومان يتضادّان مع الإسراف والتبذير (الإفراط في الإنفاق). وهذه الخُلق مذمومةٌ جملةً وتفصيلاً، لأنّ فيها انحرافاً عن الاعتدال في الإنفاق الذي أكّد عليه الله تعالى في كتابه المجيد، حيث نهى تعالى عن البخل والإسراف، وأوصى الناس باتّباع الوسطيّة في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَترُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامَاً﴾3.

والطريف أنّ البخيل، وإن كان ثريّاً، فإنّه لا يحيى حياةً

 
 

1- الروم: 41. 
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج15، ص306-307.
3- الفرقان: 67. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

124

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  كريمةً، ويحرم نفسه وأهله ممّا يحتاجون إليه رغم استطاعته من توفيره، فيبقى ذليلاً بين الناس ببخله وتقتيره. وقد نهى الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن طلب العون من هذا الشخص بقوله: "تُدخِل يَدَكَ فِي فَمِ التنِّينَ إلى المِرْفَقِ خَيرٌ لَكَ مِن طَلَبِ الحوائجِ إلى مَن لَم يَكُن لَه فَكانَ"1، فهذا الوصف كنايةٌ عن رسوخ البخل والتقتير في نفوس بعض الناس. 


كما أنّ التعاليم الإسلاميّة قبّحت هذه الخصلة الرديئة، لأنّ البخيل - في الحقيقة - يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، حيث يمتنع من إنفاق بعض أمواله لقضاء حوائجه، ولا ينتفع منها، ليتمتّع بها الآخرون بعد موته! وقد أشار الإمام عليّ عليه السلام إلى هذه الحقيقة المُرَّة، بقوله: "البَخيلُ يَبخلُ عَلَى نفسِهِ باليَسيرِ مِن دُنياهُ، وَيَسمَحُ لوِرّاثِهِ بِكُلِّها"2. فالثريّ البخيل يعيش في الدنيا حياة الفقراء، ويعاني كما يُعانون! بينما يُحشر يوم القيامة في زمرة الأثرياء ويُحاسب حسابهم! قال الإمام عليّ عليه السلام: "عَجِبتُ للبَخيلِ الّذِي استَعجَلَ الفَقرَ الّذِي مِنهُ هَرَبَ، وفاتَهُ الغِنَى الّذِي إيّاهُ طَلَبَ، يَعيشُ فِي الدُّنيا عَيشَ الفُقَراءِ، ويُحاسَبُ فِي الآخِرةِ حِسابَ الأغنِياءِ!"3.

 
 

1- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص365. 
2- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص56.
3- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص330.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

125

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فالبخيل لا ينفق أمواله في ما يجب، ويكتنزها لغيره، كما صرّح بذلك الإمام عليّ عليه السلام: "البَخيلُ خازِنٌ لِوَرَثَتِهِ"1. لذا فهو أسوأ خلق الله تعالى حسب وصف الإمام الصادق عليه السلام: "شِرارُكُم بُخَلاؤكُم"2. وبالتالي، فهو محرومٌ من نعيم الآخرة وجنان الخلد، الأمر الذي أكّد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حُرِّمَت الجنَّةُ عَلَى المنّانِ، وَالبَخِيلِ، والقتّاتِ"3. وبالطبع، فإنّ عاقبته ليست سوى جنّهم وبئس المصير، طبقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سِتَّةٌ يَدخُلُونَ النّارَ بِغَيرِ حِسابٍ... وَالأغنِياءُ بالبُخلِ"4


د- وجوب اجتناب الإفراط في التجمُّل: 
أجازت الشريعة للناس استثمار نِعَم الله تعالى بطريقةٍ معقولةٍ، حسب الضوابط والشروط التي حدّدتها لهم، كمشروعيّة مصادر الدخل، واجتناب الإسراف والتبذير، وأداء حقوق الآخرين. 
فالله تعالى ذكر بعض نِعَمه، وحفّز الناس للانتفاع منها، ودعا إلى شكره عليها، في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ

 
 

1- الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، م.س، ح464.
2- الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي، تقديم السيد شهاب الدين النجفي المرعشي، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيد الشهداء عليه السلام، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص371. 
3- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج4، ص17. 
4- الهندي، كنز العمل، م.س، ح44030، ص87. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

126

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾،1 وقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾2. 


كما أنّ كثيراً من الروايات والأحاديث - أيضاً - قد أكّدت بدورها على ضرورة شكر نِعَم الله تعالى، والاعتراف بها، وذمّت إنكارها، والتظاهر بالفقر والحرمان. فلو أنعم الله تعالى على إنسانٍ نعمةً تغيّر مسيرة حياته نحو الرقيّ والرفاهية، وجَب عليه الاعتراف بتلك النعمة، وعدم التظاهر أمام الناس بأنّه محرومٌ. روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الجمالَ وَالتَّجَمُّلَ، وَيُبغِضُ البُؤسَ والتَّباؤسَ، فَإنَّ اللهَ إذا أنعَمَ عَلَى عَبدِهِ بِنعمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرَى عَلَيهِ أثَرَها"3

وكما توصي تعاليمنا الدينيّة باستثمار النعمة، والترفيه عن النفس، والتجمّل وفق القواعد والأصول، فإنّها في الوقت نفسه تنهى عن حياة البذخ، والإفراط في التجمّل، واتّخاذه هدفاً في الحياة، إذ أنّ التجمّل المفرِط ذو عواقب وخيمةٍ على الفرد والمجتمع.

الآثار السلبية لحياة الترف والتجمّل:
نشير في ما يلي إلى بعض الجوانب السيّئة من حياة الترف

 
 

1- سبأ: 15. 
2- الضحى: 11. 
3- الطوسي، الأمالي، م.س، المجلس10، ح64، ص275.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

127

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والتجمّل المفرط: 


الغفلة عن ذكر الله تعالى: لو انتهج الإنسان أسلوب التجمّل المفرِطَ في حياته، فسوف يقع في شباك المظاهر الدنيويّة البرّاقة، ويغفل عن ذكر الله عزّ وجلّ، بحيث يطغى ويتمرّد بدلَ أن يستثمر النعمة بعقلٍ وتدبير، ويشكر خالقه عليها. قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾1، وقال - أيضاً -: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾2

ابتلاء الإنسان بالفخر والتكبّر: لا شكّ في أنّ أحد أهمّ أسباب التفاخر على الآخرين والتكبّر عليهم، هو: ترف الإنسان، وإفراطه في زينته وتجمّله. والقرآن الكريم بدوره ذمّ هذه الأخلاق السيّئة ذمّاً شديداً، حيث قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.3 وقال - أيضاً -: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾4

وذمّت الروايات - كذلك - تسخير النِّعَم لأهدافٍ منهيٍّ عنها، كالتكبّر، والتبختر، والفساد، حيث قال الإمام عليّ عليه السلام

 
 

1- العلق: 6-7. 
2- الإسراء: 83. 
3- الحديد: 23. 
4- الإسراء: 37.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

128

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوَّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسادَاً﴾1، "إنَّ الرَّجُلَ لَيُعجِبُهُ أنْ يَكونَ شِراكُ نَعلِهِ أجوَدَ مِن شِراكِ نَعلِ صاحِبِهِ، فَيدخُلُ تَحتَها"3، والمقصود تحت عنوان التكبر والتبختر. 


وحذّرت الأحاديث الشريفة بدورها من التكبّر على الآخرين، لما يكمن في هذا الأمر من سوءٍ وقبحٍ لا يقبله الشرع، ولا العرف، وإن كان في أبسط الأمور، كشراك النعل مثلاً. فهذا الخلُق الذميم مرفوضٌ بأيّ شكلٍ كان، وفي جميع مجالات الحياة، في الملبس، والمسكن، ووسائل الزينة، وما إلى ذلك. وربّما يكون السبب في دعاء أئمة أهل البيت عليهم السلام لأنفسهم ولأتباعهم، بأنْ يرزقهم الله ما فيه كفاية لمعيشتهم فحسب، هو حفظ أنفسهم من الغفلة، ومن الوقوع بشباك حبّ الدّنيا، وبالتّالي النّجاة من الابتلاء بالتكبّر. فقد كانوا يحضّون المؤمنين على عدم جمع ثرواتٍ طائلةٍ، والاكتفاء بما يسدّ حاجتهم، ويكفي أهلهم من رزقٍ104. 

عدم الاعتناء بالطبقة المحرومة من المجتمع: إنّ الإفراط

 

1- القصص: 83. 
2- ابن طاووس، علي بن موسى(رضي الدين): سعد السعود، لاط، قم المقدّسة، منشورات الرضي, مطبعة أمير، 1363هـ.ش، ص88. 
3- الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: الصحيفة السجاديّة، خط حاج عبد الرحيم أفشاري زنجاني، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة، 1404/ 1363هـ.ش، الدعاء30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

129

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  في التجمّل يجعل الإنسان غافلاً عن بني جلدته، ولا سيّما الطبقة المحرومة. فحياة البذخ من قِبَل البعض، وعدم اكتراثهم بحقوق الآخرين، من أهمّ أسباب رواج الفقر في المجتمع، الأمر الذي أشار إليه الإمام عليّ عليه السلام حين قال: "إِنَّ اللهَ سُبحانَهُ فَرَضَ فِي أَموالِ الأَغنِياءِ أَقْواتَ الفُقَراءِ، فَما جاعَ فَقِيرٌ إِلاّ بِما مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعالَى جَدُّهُ سائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ"1. وتطرّق عليه السلام إلى هذا الأمر في مناسبةٍ أخرى بتفصيلٍ أكثر، في قوله: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الأَغنِياءِ فِي أَموالِهِم بِقَدرِ ما يِكفِي فُقَراءَهُم، وإِن جاعُوا وعَرُوا وجَهدُوا، فَبِمَنعِ الأَغنِياءِ، وَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُحاسِبَهُم يَومَ القِيامَةِ ويُعَذِّبَهُم عَلَيهِ"2. 


فحقوق الفقراء في أموال الأثرياء غير مقصورةٍ في جانبٍ واحدٍ، بل هي ثابتةٌ في عدّة جوانب، كالزكاة، والخمس. ولو امتثل هؤلاء الأثرياء لحكم الشرع، وأدَّوا ما في ذمّتهم من حقوقٍ، لما ساد الفقر في المجتمع، ولعاش الناس حياة الرفاهية والكفاف. وقد أشار الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى هذه الحقيقة، عندما قال: "إِنَّما وُضِعَتْ الزَّكاةُ، اختِباراً للأَغنِياءِ، وَمَعُونَةً للفُقَراءِ، وَلَو أَنَّ النّاسَ أَدّوا زَكاةَ أَموالِهُم ما بَقِيَ مُسلِمٌ فَقيراً مُحتاجَاً، وَلاستَغنَى بما فَرَضَ اللهُ لَهُ، وإِنَّ النّاسَ ما افتَقرُوا وَلا احتاجُوا

 
 

1- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة 328، ص78. 
2- الهندي، كنز العمال، م.س، ج6، ح16840، ص528.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

130

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وَلا جاعُوا وَلا عَرُوا، إِلا بِذُنوبِ الأَغنِياءِ"1


حياة البذخ والإسراف في الإنفاق: لا شكّ في أنّ حياة التجمّل عادةً ما تترافق مع الإسراف والتبذير، وعاقبة تصرّفاتٍ كهذه - بالطبع - تتجلّى في زلزلة أركان المجتمع، ورواج الفساد فيه، بشتّى أنواعه. 

هـ- وجوب مراعاة الاعتدال في المعيشة: 
إنّ الحدّ المعقول من استثمار نِعَم الله تعالى والمقرّر حسب تعاليم ديننا الحنيف، هو ما كان مطابقاً للاعتدال والوسطيّة. فالإنفاق المعتدل، يعني: خلوّه من الإسراف والتقتير في آنٍ واحدٍ، وقد عبّرت عنه الأحاديث بـ (القصد) أو (الاقتصاد). والإمام عليّ بن الحسين عليه السلام يطلب من الله تعالى أن يكرمه بهذه النعمة بدعائه: "وَاحجُبنِي عَن السّرفِ وَالازدِيادِ، وَقَوّمنِي بالبَذلِ وَالاقتِصادِ"2

والاعتدال في استهلاك النِعمة هو أسلوبٌ يكون البذل فيه متنوّعاً، ويتمكّن الإنسان من خلاله من تلبية حوائجه، كما أنّه يؤدّي إلى نظم أمور معيشته. رُوِيَ أنّ أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام سأله، فقال: إنّا نكون في طريق مكّة فنريد الإحرام، فلا يكون معنا نخالةٌ نتدلّك بها من النورة،

 
 
 

1- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج2، كتاب الزكاة، باب علة وجوب الزكاة، ح1579، ص7.
2- الصحيفة السجاديّة، م.س، الدعاء30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

131

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فندلّك بالدقيق، فيدخلني من ذلك ما الله به أعلم. قال عليه السلام: "مخافة الإسراف؟". قلت: نعم. قال عليه السلام: "لَيسَ فِي ما أصلَحَ البَدَنَ إسرافٌ. أنا رُبَّما أمرتُ بالنّقي فيلت بالزَّيتِ فَأتَدلَّكُ بهِ، إنَّما الإسرافُ في ما أتلَفَ المالَ وأضَرَّ بالبَدنِ". قلت: فما الإقتار؟ قال عليه السلام: "أكلُ الخبزِ والملحِ، وأنتَ تَقدِرُ عَلَى غَيرِهِ". قلت: فالقصد؟ قال عليه السلام: "الخبزُ، والَّلحمُ، والَّلبَنُ، والزَّيتُ، والسَّمنُ، مَرَّةً ذا، ومَرَّةً ذا"1.


الميزان من الإسراف والتقتير:
كما أنّ هناك حدوداً خاصّةً لكسب المال، فإنّ بعض الروايات ذَكَرَت حدوداً خاصّةً في تصرّف الإنسان بأمواله الخاصّة، إذ حسب قواعد الملكيّة الخاصّة، فإنّ الإنسان غير مخوّلٍ بأن يتصرّف بأمواله من دون ضابطةٍ، وكيفما يشاء، بل هناك حدودٌ وشروطٌ في ذلك تقيّده، بالاعتدال، وعدم الإسراف. لذلك، لا يجوز لمالك المال أن يسرف في إنفاقه، ويتجاوز الحدّ عمّا تتطلّبه معيشته. فالإنفاق من أسمى أنواع التصرّف في الأموال الخاصّة، ولكنّ هذا التصرّف لا بدّ أن يكون محدوداً ومشروطاً، بالاعتدال، والوسطيّة، فلا الإسراف محمودٌ، ولا التقتير. 
لذا، فإنّ كيفيّة توفير مصاريف الأسرة يجب أن تكون متوازنةً

 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح10، ص53-54.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

132

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بين عدم الإسراف وعدم التقتير في آنٍ واحدٍ1. فالمال يكون سبباً، لبقاء الفرد، ونظم أمور المجتمع، عندما لا يكون مصدراً للإفراط والتفريط، لأنّه، إن أُنفِقَ بإفراطٍ أو حُفِظَ بتفريطٍ، لأصبح آلةً تقضي على الفرد والمجتمع معاً، حيث أكّد الإمام عليّ عليه السلام على ذلك حينما قال: "لَنْ يَهلِكَ مَن اقتَصَدَ"2. وكذلك قال في هذا الصدد: "مَن لَم يُحسِن الاقتِصادَ أهلَكَهُ الإسرافُ"3.


ومن المؤكّد أنّ الأسلوب الصحيح في الإنفاق له فوائد جمّةٌ، منها: رقيّ المجتمع اقتصاديّاً، ورفاهيّة جميع أبناء المجتمع، وارتفاع كفاءة الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى دوام النّعمة. وهناك كثير من الأحاديث في هذا المضمار، نذكر منها ما يلي: 
عن الإمام عليّ عليه السلام: "القَصدُ مَثراةٌ"4.
وعنه عليه السلام أيضاً: "الاقتصادُ يُنمِي القَليلَ"5.

وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "مَن اقتَصَدَ وَقَنَعَ، بَقِيَت عَلَيهِ النِّعمَةُ، وَمَن بَذَّرَ وَأسرَفَ، زالَت عَنهُ النِّعمَةُ"6.

 
 

1- الحكيمي، معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى(باللغة الفارسية)، م.س، ص83. 
2- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص85. 
3- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص445.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب فضل القصد، ح4، ص52.
5- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص39.
6- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص403.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

133

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وفي رحاب الإنفاق الصحيح، سيتسنّى لمعظم الناس الاستفادة من الثروات وجميع الإمكانيّات المتاحة لقضاء حوائجهم، وبالتالي سينجو المجتمع من مهلكة الفقر، ويتخلّص أبناؤه من مصاعب الغلاء المفتعل والحرمان من النعمة. 

 


و- القناعة(الرضا بالنصيب):
"القَناعة بالفتح: الرِّضا بالقِسْمِ"1. وفي اللغة تعني "الرضا باليسير من العطاء"2
و"القناعة ضدّ الحرص، وهي ملكةٌ للنفس تُوجِب الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال، من دون سعي وتعب في طلب الزائد عنه، وهي صفةٌ فاضلةٌ يتوقّف عليها كسب سائر الفضائل، وعدمها يؤدّي بالعبد إلى مساوئ الأخلاق والرذائل"3. 

وللقناعة نتائج حميدة أشار إليها المعصومون عليهم السلام في أحاديثهم، نذكر منها ما يلي: 
قال الإمام عليّ عليه السلام: "طَلَبتُ الغِنَى، فَما وَجدتُ إلا

 
 

1- لسان العرب، ابن منظور، م.س، ج8، ص298، مادّة"قنع". 
2- ابن الأثير، مجد الدين: النهاية في غريب الحديث والأثر، لاط، لام، منشورات المكتبة الإسلاميّة، لات، ج4، ص114. 
3- النراقي، محمد مهدي: جامع السعادات، لاط، لام، منشورات إسماعيليان، لات، ج2، ص101. والمقصود هنا طبعاً الاكتفاء بما يحتاجه الإنسان بنفسه من ضرورات حياته. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

134

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بالقَناعةِ، عَلَيكُم بالقَناعَةِ تَستَغنُوا"1

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "الغِنَى فِي القَناعَةِ، وَهُم يَطلبُونَهُ فِي كَثرَةِ المالِ فَلا يَجِدُونَهُ"2
كما قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "مَن رَضِيَ عَن اللهِ تَعالى بالقليلِ مِن الرِّزقِ، رَضِيَ اللهُ مِنهُ بالقَليلِ مِن العَملِ"، وقال عليه السلام أيضاً: "لا يَسلكُ طَريقَ القَناعَةِ إلا رَجُلانِ: إمّا مُتعَبِّدٌ يُريدُ أجرَ الآخِرةِ أو كَريمٌ يَتنَزَّهُ مِن لِئامِ النّاسِ"3

إذن، لا حيلة لابن آدم سوى أن يتّخذ القناعة منهجاً في معيشته، وإلا ستلتهمه نيران الحرص وتقضي عليه. وقد شكا رجلٌ إلى الإمام الصادق عليه السلام أنّه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال له: علّمني شيئاً أنتفع به، فقال له الإمام عليه السلام: "إنْ كانَ ما يَكفِيكَ يُغنِيكَ، فَأدنَى ما فِيها يُغنيك، وإنْ كانَ ما يَكفِيكَ لا يُغنِيكَ، فَكُلُّ ما فِيها لا يُغنِيكَ"4.

 

1- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج66، ص399. 
2- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): معاني الأخبار، لاط، طهران، منشورات مكتبة الصدوق، 1379هـ.ش، ص230. 
3- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج75، ص349. 
4- الكليني، الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب القناعة، ح10، ص139. والجدير بالذكر أنّ القناعة تكون في الإنفاق والاستهلاك، وليس في الإنتاج، فعندما قال شخصٌ لأحد المعصومين عليهم السلام أنّه يملك مالاً يكفيه حتّى آخر عمره ولا حاجة بالعمل والتجارة, نهره الإمام ولم يؤيّده في ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140
 

 


135

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وسبيل كسب القناعة والرضا بالنصيب، عيّنه لنا الإمام الصادق عليه السلام في قوله: "انظُر إلى مَن هُو دُونكَ فِي المقدِرةِ، ولا تَنظُر إلى مَن هُو فَوقكَ فِي المقدِرةِ، فإنَّ ذلِكَ أقنَع لَكَ بِما قُسِمَ لَكَ"1


ز- الإنفاق في سبيل المعروف ومساعدة الفقراء: 
من المفروض على كلّ مسلمٍ أن يُبرمج حياته الفرديّة والاجتماعيّة طبق أصول دينه ومبادئه، ويؤدّي أعماله وفق ذلك. كما أنّ الله تعالى منح الإنسانَ الحقَّ ببذل أمواله في ما يحتاج إليه، واستثمار نِعم الطبيعة، ففي الوقت ذاته كلّفه بواجباتٍ في هذا المضمار، وألزمه بأداء حقوق الآخرين، كالخمس، والزكاة، والحقّ المعلوم. والإذعان لهذا التكليف - بالتأكيد - من شأنه تقليص مستوى الفقر في المجتمع. وللفقراء والمساكين مكانةٌ هامّةٌ في المنهج الصحيح لبذل الأموال حسب التعاليم الإسلاميّة. 
وطبق الاصطلاح الدينيّ، فإنّ الفقير هو الذي لا يملك الكفاف في معيشته. 

والفقراء في المجتمع على قسمين، هما: 
- الذين لا يتمكّنون من استيفاء حقّوقهم في المجتمع، مهما بذلوا من جهودٍ، بسبب عجزهم عن العمل، كالمعاقين،

 
 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج8، كتاب الروضة، ح338، ص244. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

136

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والطّاعنين في السنّ، والأطفال القُصّر، والمرضى. 

- الذين يتمكّنون من العمل، لكنّ دخلهم لا يضاهي حاجتهم المادّيّة، ولا يتمكّنون من بلوغ درجة الكفاف. 
حيث إنّ لهاتين الفئتين حقاً في أموال الأثرياء وبيت المال، الأمر الذي أكّد عليه القرآن الكريم وكثير من الأحاديث، فقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائلِ وَالمحرُومِ﴾1، ويقول العلامة الطباطبائيّ رحمه الله في تفسير هذه الآية: "هذه الآية تبيّن - خاصَةً - سيرة المتّقين في جنب الناس، وهي: إيتاء السائل والمحروم، وتخصيص حقّ السائل والمحروم بأنّه في أموالهم - مع أنّه لو ثبت، فإنّما يثبت في كلّ مالٍ - دليلٌ على أنّ المراد أنّهم يرون بصفاء فطرتهم أنّ في أموالهم حقّاً، فيعملون بما يعملون، نشراً للرحمة، وإيثاراً للحسنة"2. 

طرق استفادة الفقراء من الأغنياء:
رُوي عن الإمام عليّ عليه السلام قوله: "إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوالِ الأَغْنِياءِ أَقْواتَ الْفُقَراءِ، فَما جاعَ فَقِيرٌ، إِلاَّ بِما مَنَعَ غَنِيٌّ، واللهُ تَعالَى جَدُّهُ سائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ"3. وهذا الحديث

 
 

1- الذاريات: 19. 
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج18، ص369.
3- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة328، ص78.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

137

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 يثبت أنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضةً تسدّ حاجتهم. ويمكن استيفاء حقوق الفقراء من أموال الأغنياء بعدّة طرقٍ، منها: 

الخمس: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾1
الزكاة: قال تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمساكِين﴾2
الحقّ المعلوم: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَموالِهِمْ حَقٌّ مَعلُومٌ * لِلسّائلِ وَالمحرُومِ﴾3. وقد سأل رجلٌ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام عن معنى (الحقّ المعلوم) في هذه الآية، فقال عليه السلام: "الحقُّ المعلومُ. الشَّيءُ يُخرجهُ الرَّجُلُ مِن مالِهِ لَيسَ مِن الزَّكاةِ، وَلا مِن الصَّدَقَةِ المفروضَتَينِ". فقال الرجل: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة، فما هو؟ فقال الإمام عليه السلام: "هُو الشَّيءُ يُخرِجُهُ الرَّجُلُ مِن مالِهِ، إنْ شاءَ أَكثَرَ، وإِنْ شاءَ أَقَلَّ عَلَى قَدرِ ما يَملكُ". فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال عليه السلام: "يَصِل بِهِ رَحِمَاً، وَيقرِي بِهِ ضَيفَاً، وَيِحملُ بِهِ كَلاًّ، أو يَصِلُ بِهِ أَخَاً لَهُ فِي اللهِ، أو لِنائبَةٍ تَنُوبُهُ". فقال الرجل: الله يعلم حيث يجعل رسالاته4.

 
 
 

1- الأنفال: 41. 
2- التوبة: 60. 
3- المعارج: 24-25. 
4- الكليني، الكافي، م.س، ج3، كتاب الزكاة، باب فرض الزكاة...، ح11، ص500.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

 


138

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فالحقّ المعلوم: هو المال الزائد على الخمس والزكاة، إذ يجب على صاحب المال أن يساعد الفقراء بحسب استطاعته. وختاماً، هناك ملاحظة تجدر الإشارة إليها في هذا الإطار، وهي أنّ حقّ الفقراء في أموال الأغنياء لا يُسوّغ لهم انتزاعه بأنفسهم، لأنّ هذا الأمر يؤدّي إلى اضطراباتٍ وأعمال شغب، لذا فإنّ المسؤول عن تحصيل هذا المال وتقسيمه بين الفقراء، إمّا أصحاب الأموال أنفسهم، أو الوليّ الفقيه الذي يتولّى مقاليد الحكم. 


3- النزعة الاستهلاكيّة المفرطة: 
إنّ الهدف الأساس للمذهبين الاقتصاديّين: الرأسماليّ والاشتراكيّ، محدودٌ في إشباع رغبات الإنسان المادّيّة، وتلبية شهواته، وليست لهما أهدافٌ أخرى تُذكَر. بينما جعل الإسلام هدفه الاقتصاديّ الأسمى: استثمارَ النِّعم والخدمات المتاحة، بطريقةٍ مُثلى، لكي ينعم الإنسان بسلامة النفس والجسم معاً، وذلك عبر الامتثال لأوامر الله تعالى. وبالتالي، فإنّه سينعم - أيضاً - برضا ربّه ويتقرّب إليه. 

وبالطبع، فإنّ الإعراض عن هذا الهدف، وعدم أخذه بعين الاعتبار من قِبَل البعض، ناشئٌ من جهلهم بحقيقة الحياة، وحرصهم الشديد على الدنيا. فهذا الحرص يسلبهم فرصة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

139

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 استثمار ما هو ميسّرٌ لهم من خدماتٍ وأموالٍ بشكلٍ مطلوبٍ. لذا، ذمّت تعاليمنا الدينيّة استهلاك الإمكانيّات المادّيّة المتاحة، رياءاً، وبهدف التباهي والتفاخر على الآخرين، ومنافستهم منافسةً غير مشروعةٍ، وما إلى ذلك من نوايا رذيلةٍ، واعتبرتها دوافع سلبيّةً لا تتناسب وشأن الإنسان الصالح. وتبدو هذه الحقيقة جليّة لنا في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن لَبسَ ثَوباً فَاختالَ فِيهِ، خَسَفَ اللهُ بِهِ مِن شَفِيرِ جَهَنَّم، وَكانَ قَرينَ قارونَ"1. 


إنَّ قيمة الإنسان في المجتمع الإسلاميّ لا تُقاس بقدرته الاستهلاكيّة، فليس من الصحيح أن تكون فضيلة الإنسان بين أبناء جلدته منوطةً بمقدار إنفاقه الأموال، أي: إذا زاد استهلاكه المادّيّ، علا مقامه! لذلك، كلّما ترسّخت القيَم والمبادئ الدينيّة في المجتمع، فإنَّ الرَّغبات الذَّميمة في الاستهلاك بين أبنائه تنحسر شيئاً فشيئاً، وتصل إلى أدنى درجةٍ لها. ويجدر بالمسلمين أن يعيروا هذه المسأله الحسَّاسة أهمّيّةً بالغةً، كي يصونوا أنفسهم من عواقبها الوخيمة. 

ومن أجل تسليط الضوء على هذا الموضوع الهامّ، يجب تقسيمه إلى أربعة أبواب، وفق التالي: أسباب شيوع النزعة الاستهلاكيّة

 
 

1- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج4، ص13.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

140

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 المفرطة، والعواقب الوخيمة للنزعة الاستهلاكيّة المفرطة، والمعيار الأنسب في الاستهلاك، وكيفيّة التصدّي للنزعة الاستهلاكيّة المفرطة. 


أ- أسباب النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطة: 
لا يختلف اثنان في أنّ الهدف الأساس من الاستهلاك هو توفير الظُّروف الملائمة للإنسان، ومنحه الطاقة اللازمة، كي تستمرّ عجلة حياته بالدوران. فهو يهيّئ جانباً من متطلّباته عن طريق استهلاك السلع، وتسخير بعض الخدمات، وهذا الأمر بذاته ليس اعتباطيّاً، بل إنّ له ضوابط ومعايير خاصّة لو راعاها كلّ شخصٍ، فسوف ينعكس تأثيرها على المجتمع برمّته. فالمجتمعات التي تبلغ أعلى درجات الرقيّ والتطوّر هي التي يسودها نظامٌ استهلاكيٌّ يطابق القواعد والمعايير التي لا تتعارض مع حكم العقل والمنطق، أي أنّ هناك تناسقاً بين الإمكانيّات المتوافرة فيها ومتطلّبات أبنائها، مثل: تشجيع الإنتاج المحلّي، وتقليص حجم البضائع المستوردة.

فالحياة التي تشوبها النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لوسائل التّرفيه وسائر الخدمات، هي حياةٌ مشوبةٌ بالمخاطر، ولا تبشّر بخيرٍ، ولن تعمّها السعادة. فعدم ترشيد الاستهلاك، وإهمال الجانب الإنتاجيّ في المجتمع، لهما أسبابٌ عديدةٌ، منها ما يلي:

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

141

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 حبّ التنافس: 

بعض أبناء الطبقة المتوسّطة والمحرومة في المجتمع يقعون في فخّ تنافسٍ غير متكافئ مع الطبقة المرفّهة، بسبب انبهارهم بحياة البذخ والترف لهذه الطبقة، إذ أنّهم يتأثّرون بمبادئ وهميّةٍ لا قيمة لها. فهم يعتقدون أنّ الاستهلاك المفرِط شأنٌ اجتماعيٌّ راقٍ، لذلك يسخّرون مواردهم الاقتصاديّة حسب معايير وهميّة، ويتناسون واقع حياتهم، فيتورّطون في مصاعب لا تُحمد عقباها.
 
والتنافس في الاستهلاك غير محدودٍ بفئةٍ معيّنةٍ أو موضوعٍ ما، بل له أمثلة عديدة، كالتنافس مع الأقارب، والجيران، والأصدقاء. فعلى سبيل المثال: قد يشتري الإنسان ثوباً هو في غنىً عنه أو باهظ الثمن بالنسبة له، أو يتناول طعاماً لا يرغب فيه أو لا يتناسب ودخله المحدود. والأمثلة من هذا القبيل كثيرةٌ لا حصر لها، أبرزها - اليوم -: التجمّلات الزائفة في حفلات الزواج وسائر المناسبات العائليّة في الأحزان والمسرّات، إذ تتجلّى فيها مظاهر الإسراف، والتبذير، والتجمّل، وحياة البذخ الذميمة بوضوحٍ. فهذا البذخ قد يجعل حياة البعض رهن القروض والديون المُنْهِكَة1، وأحياناً يشلّ اقتصاد الأسرة

 
 

1- لا شكّ في أنّ الإنفاق المُفرط من أموالٍ يقترضها الإنسان, يُعدّ من الأمور المذمومة، لكنّ استثمار القروض في أعمال إنتاجيّة وغيرها ليس من الأمور المذمومة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

142

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بالكامل. إذ أنّ حمّى التنافس المُفرِط في الاستهلاك، من شأنها أن تغيّر مسار حياة البعض، لدرجة أنّهم يقلّصون من إنفاقهم الضروريّ لمعيشتهم، ويدّخرونه لمثل مناسباتٍ كهذه! 


ومن ناحيةٍ أخرى: إنّ حبّ التنافس في الاستهلاك المُفرِط يتنافى مع مبادئ الأخلاق الحميدة، ويشكّل سبباً لرواج الفساد في المجتمع، ناهيك عن عواقبه الاقتصاديّة السيّئة. ولذلك، ردعت تعاليمنا الدينيّة عن كلّ هذه الأفعال، وأكّدت على وجوب التصدّي لها بشتّى السبُل. 

ويجب التمييز بين نوعٍ - كهذا - من التنافس السيّئ وبين التنافس المحمود، الذي يتجلّى في السبق إلى عمل الخير، وكسب رضا الإله. وبالتأكيد، فإنّ الأحاديث والروايات الشريفة نهت عن التنافس الذميم، وحذّرت منه: عن الإمام عليّ عليه السلام: "لا تَكُنْ مِمَّن يُنافِسُ فِي ما يَفنَى، وَيُسامِحُ فِي ما يَبقَى"1

ب- حبّ حياة البذخ من قبل الأثرياء: 
أحد أهمّ أسباب النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لدى البشر يكمن في حبّ العيش برفاهيةٍ وبذخٍ من قِبَل أثرياء المجتمع. فهؤلاء يستهلكون إمكانيّاتٍ مادّيّةً ضخمةً أكثر ممّا تتطلّبه معيشتهم بأضعافٍ مضاعفة، بسبب أنانيّتهم، وطلباً لإشباع

 
 

1- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة150، ص39. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

143

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 شهواتهم ورغباتهم المُفرِطَة، إذ أنّ الاستهلاك المُفرِط - باعتقادهم - يُعدّ من القيَم النبيلة! فيتنافسون في ما بينهم، فخراً، وزهواً، بغير حقٍّ. وهؤلاء الأثرياء لا يعيرون أهمّيّةً لأبناء جلدتهم، وهمّهم الوحيد هو المصالح المادّيّة فقط، بينما حوائج الفقراء والمحرومين، من المأكل، والملبس، والعلاج ليست لها أيّ أهمّيّةً لديهم، بل إنّهم يقتنون السلع الفاخرة والبرّاقة، حتّى لو استوجب الأمر استيرادها من خارج البلاد بأثمانٍ باهظةٍ. 


الآفات الثقافيّة: 
إنّ الانحراف الثقافيّ هو سببٌ آخر في رسوخ النزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة لدى البعض، وهو ناشئٌ من شيوع ثقافة تقليد الغير التي تتنافى مع حكم العقل. فشعوب بعض بلدان العالم الثالث ترجّح اقتناء البضائع المستوردة، وتُعرِض عن البضائع المحليّة، إثر سيطرة الثقافة الغربيّة الذميمة عليها. والأمور التي تساعد على ترويج هذه الثقافة بين الشعوب كثيرةٌ، منها: الدعايات والإعلانات التجاريّة، والسياسة الخاطئة لبعض المنتجين المحليّين، بسبب انحسار هدفهم في الربح، وإنتاج سلعٍ محلّية غير مرغوبٍ فيها، كونها متدنيّة الكفاءة، وإنتاج سلعٍ أجنبيّةٍ مرغوبٍ فيها، كونها عالية الكفاءة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

144

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 كما أنّ تدنّي المستوى الثقافيّ في المجتمع ذو تأثيرٍ على المنهج الاستهلاكيّ لدى الفرد والمجتمع. فالضعف الثقافيّ من شأنه أن يرسّخ في النفس نزعةً استهلاكيّةً مفرطةً. كما أنّ البرامج التربويّة الخاطئة تُعدّ من الأسباب المساعدة على شيوع هذا التوجّه المنحرف. وللتدنّي الثقافيّ عواقب وخيمة تؤثّر على اقتصاد البلد برمّته، إذ يسوق أبناءَ المجتمع إلى اقتناء سلع أجنبيّةٍ، وإهمال السلع المحلّيّة الصنع، لدرجة أنّ بعض المنتجين المحلّيّين يسوّغون لأنفسهم الغشّ من خلال عرض بضائعهم في السوق بعلاماتٍ تجاريّةٍ أجنبيّةٍ. وللأسف الشديد، فإنّ هذا الانحراف الثقافيّ سيرسّخ في أذهان الناس مبدأ أفضليّة البلدان الصناعيّة من جميع النواحي، وليس من الناحية الاقتصاديّة فحسب، فيتوهّمون بأفضليّتها في شتّى المجالات، مثل: اللغة، وتربية الأطفال، ونوع المأكل والملبس، وحتّى في الآداب والأعراف. وآثار هذه الثقافة ستظهر على الأجيال القادمة بشكلٍ جليٍّ، إذ ستسود بينهم روح الاتّكاليّة على الآخرين، وستتزلزل أركان مجتمعهم أمام أيّ نائبةٍ يتعرّض لها بكلّ سهولةٍ، لأنّهم مستهلِكُون فقط، ولا يفكّرون إلا في إشباع بطونهم، وتلبية رغباتهم الدنيويّة. 


النظام التعليميّ: 
إنّ لكلّ نظامٍ تعليميٍّ تأثيرٌ فعّالٌ على أبناء المجتمع في أسلوب

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

145

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الاستهلاك، سلبيّاً أو إيجابيّاً. وقد أثبتت التجربة أنّ وصايا المعلّمين وتعاليمهم التي يغذّون أذهان تلامذتهم بها، لها تأثيرٌ ملموسٌ عليهم، في تقبّلهم إيّاها بسهولةٍ. لذا، لو أوصى المعلّم تلامذته بترشيد استهلاك القرطاسيّة، وعدم الإسراف في الملبس والمأكل، وسائر الخدمات المعيشيّة، فإنّ ذلك سوف لا ينعكس على تصرّفاتهم وحسب، بل على المجتمع برمّته، فينشأ جيلٌ مقتصدٌ يتّبع مبادئ تربويّةً صحيحةً. لكن، لو كان الأمر بالعكس، وانتهج المعلّم أسلوب البذخ، وشجّع تلامذته على الاستهلاك المفرط، فسوف ينشأ جيلٌ مسرفٌ يُثقل كاهل المجتمع. 


الدعايات ووسائل الإعلام: 
إنّ وسائل الإعلام بأنواعها تلعب دوراً هامّاً في انتهاج الإنسان سياسةً صحيحةً في الاستهلاك أم سياسةً خاطئةً، مثل: الإذاعة، والتلفزيون، والصحف، بمختلف أنواعها، والكتب، والإعلانات التجاريّة. 

فالعديد من الناس يسلكون الطريق الخطأ، بسبب تأثّرهم بالمنهج الخاطئ لبعض وسائل الإعلام والدعايات العارية عن الحقيقة، فيقتنون سلعاً فاخرةً وزينةً لا هدف منها سوى التجمّل المُفرِط، وهناك آخرون ينتهجون المسلك الصحيح في الاستهلاك، متأثّرين بالطريقة الصحيحة التي تتّبعها بعض وسائل الإعلام.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

146

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 إذن، نستنتج ممّا ذُكِرَ أنّ أحد أسباب تخلّف بعض المجتمعات عن عجلة التطوّر يعود إلى الأسلوب المُفرِط في الاستهلاك. وبالطبع، فإنّ البلدان الصناعيّة هي المستفيد الوحيد من هذه الظاهرة المنحرفة. ويُعدّ الإفراط في الاستهلاك مرضاً فتّاكاً يصيب البلدان الفقيرة، لأنّه سببٌ لإهدار ثرواتها، وتزلزل أركان اقتصادها والحؤول دون انتعاش الاستثمار فيها1


ب- العواقب الوخيمة للنزعة الاستهلاكيّة المُفرِطة: 
إنّ الإنسان بطبعه يسعى وراء المشتهيات ولا يكتفي بما يسدّ حاجته منها، بل يطلب الزيادة منها، فلا يمكن إشباع رغباته مهما زاد من نطاق استهلاكه. وبعد تلبية كلّ رغبةٍ، ستظهر لديه رغبةٌ أخرى، وهذه العجلة ستستمر بالدوران على هذا المنوال. ومن جانبٍ آخر، فإنّ الإمكانيّات الاقتصاديّة ومصادرها في الكرة الأرضيّة محدودةٌ، ولا يمكنها تلبية الرغبات اللامحدودة للبشر. لذا، فإنّ هذه الرغبات المُفرِطة، ستؤدّي إلى تأزّم أوضاع الفرد النفسيّة، وقد تتمخّض عنها وقوع أحداث شغبٍ في المجتمع أو حتّى نزاعات وإراقة دماء. 

وطبق التعاليم الإسلاميّة، فكلّ إنفاقٍ غير متعارفٍ ويتجاوز حدّ الكفاف يُعدّ استهلاكاً مفرطاً. ولهذا الإنفاق نتائج سلبيّة

 
 

1- لمزيد من الاطّلاع، انظر: الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية(شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج2، ص212-224.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

147

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 وأضرار فادحة كبيرة جدّاً، حيث يتسبّب في: إهدار الثروات والإمكانيّات المتاحة، وعدم استثمار المصادر الاقتصاديّة بطريقةٍ مثلى، وهلاك الفرد، وتزلزل أركان المجتمع، وتحمّل نفقاتٍ إضافيّةٍ في المعيشة، وتحمّل أضرارٍ فادحةٍ، وحدوث اضطراباتٍ ومشاكل، والتبعيّة الاقتصاديّة، وتهديد سلامة الروح والجسد، وعدم التنعّم بالثروة بشكلٍ أمثل، وحرمان الإنسان من كرامة النفس وصفاء الباطن، والتخاذل والتكاسل، وخسارة الأموال المدّخرة، وما إلى ذلك من عواقب وخيمةٍ تُنهِك الإنسان، وتجعل المجتمع هزيلاً غير متماسك. 


فالاستهلاك المُفرِط للنعمة، يُعدّ سبباً لتنامي النفس البهيميّة في الإنسان وهيمنتها عليه، ومن ثمّ يؤدّي إلى انحطاطه في المجتمع. ولهذا السبب عدّت التعاليم الدينيّة المُفرطين في الاستهلاك بأنّهم آفاتٌ اجتماعيّةٌ، لأنّهم يخالفون المبادئ السليمة في الحياة، ويخلقون مشاكل جمّةً للمجتمع، بأسلوبهم الخاطئ في المعيشة، وميلهم المفرط نحو التجمّل1

وعبر الاستهلاك الأمثل للثروة، سيتسنّى تلبية جميع متطلّبات المجتمع، وتوزيع الثروة بعدلٍ وإنصافٍ، كما يمكن من خلاله تسخير مصادر الإنتاج لخدمة المجتمع، وبالتالي سيُحظى الناس بالسعادة والاستقرار الاقتصاديّ، لأنّهم

 
 

1- الحكيمي، الحياة، م.س، ج3، ص102-103. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

148

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 سينعمون بحياةٍ مثاليّةٍ لا تنافس فيها ولا إفراط. فالاستهلاك المعقول يتجلّى في الاعتدال والقناعة، الأمر الذي أكّدت عليه النصوص الدينيّة، وشجّعت الناس على انتهاجه. أمّا المنهج المُفرِط في الاستهلاك، فإنّه يؤدّي إلى بروز حاجاتٍ وهميّةٍ في المجتمع، ويقع حائلاً أمام التوزيع العادل للثروة، ويؤثّر سلبيّاً على إدارة مصادر الإنتاج، وكذلك يتسبّب في التنافس المذموم، وهذه الأمور برمّتها تهدّد مصالح المجتمع، وتعرّضه لمخاطر جمّة1


ج- المعيار الأنسب في الاستهلاك: 
إنّ الشريعة الإسلاميّة بيّنت لنا المعايير الصحيحة في استثمار النعمة، ووضعت منهجاً قويماً لاستهلاكها، كمراعاة القيَم الأصيلة واستهلاك الأموال طبق مصالح النظام الإسلاميّ.

د- وجوب مراعاة القيَم في الاستهلاك: 
القيَم هي الأصول والمعتقدات والسلوكيّات التي تتناسب مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة. وبالطبع، فإنّ القيَم لا تنحصر في أداء الواجبات وترك المحرّمات، بل تشمل كلّ أمرٍ حثّت عليه الشريعة، أي الأعمال المستحبّة. وعلى الرغم من عدم وجوب العمل بالمستحبّات، ولكنّها تُعدّ من القيَم

 
 
 

1- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية(شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج2، ص210، 225-232. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

149

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  السامية، وتشمل جميع المبادئ الحقوقيّة، والاجتماعيّة، والسلوكيّة. 


وقد بيّن لنا القرآن الكريم المعيار الصحيح في استثمار النِعمة، وقوامه مراعاة الأسس التالية: 
- التقوى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ1.

 

- العمل الصالح: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ2.

 

- الشكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ3.

 

- عدم الطغيان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ4.

 

- أداء الحقوق واجتناب الإسراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ5.

 


 
 

1- المائدة: 88.
2- المؤمنون: 51. 
3- البقرة: 172. 
4- البقرة: 172. 
5- الأنعام: 141.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

 


150

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 - ترك الذنوب وعدم اتّباع الشيطان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ1.

 

لقد خاطب الله تعالى خلقه بكلمة (كلوا) إيذاناً منه باستثمار نعمه التي أسبغها عليهم. والمراد من هذا الاستثمار أو الاستهلاك، مطلق التصرّف في النعمة، وليس الأكل فقط، فالأكل هو أحد مصاديق التصرّف بالنعمة. وكون مراعاة هذه التعاليم شرطٌ في الاستهلاك، فإنّ ذلك لا يعني الحرمة في تركها. فعلى سبيل المثال، الآية المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ2 تحضّ الناس على شكر نِعم الله تعالى، ولكنّ استهلاك النعمة من دون شكر الله تعالى لا يُعدّ حراماً من الناحية الفقهيّة، بل إنّ العبد يُحرز رضا الله تعالى بشكر النِعمة. 

 


ومراعاة القيَم السامية في استثمار الثروات غير مقيّدةٍ في مرحلةٍ محدّدةٍ، بل تشمل جميع المراحل، ابتداءاً من الإنتاج، ومروراً بالتوزيع، وانتهاءاً إلى الاستهلاك. فالإنسان مكلّفٌ بمراعاة هذه القيَم الأصيلة، لكي يتسنّى له تطوير واقعه الاقتصاديّ، والحفاظ على تماسك مجتمعه. ومن هنا، فعليه أن

 
 

1- البقرة: 168. 
2- البقرة: 172. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

151

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 يبذل قصارى جهوده في هذا المضمار، وأن يترك الأنانيّة في برنامجه الاستهلاكيّ، بحيث لا يعير أهمّيّةً لمصالحه الخاصّة، ويهمل المصالح العامّة، لأنّ الشريعة الإسلاميّة منعت الإفراط في استثمار الثروة وإهمال المصالح العامّة. فالإنسان الناجح في حياته هو من يحاول استثمار الثروة والإمكانيّات المتاحة بأسلوبٍ صحيح، حسب القيَم الدينيّة. وكذلك، فإنّ المجتمع المثاليّ في الاستهلاك هو الذي تروج فيه هذه المبادئ الأصيلة. 


هـ - استهلاك الثروة وفق مصالح النظام الإسلاميّ:
قد تقتضي المصالح الاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الإسلاميّ - أحياناً - تحريم استهلاك السلع المستوردة من البلدان غير الإسلاميّة، وذلك عندما تكون العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة بين الدولة الإسلاميّة وتلك البلدان سبباً لبسط سيطرة هذه البلدان، واتّساع رقعة نفوذهم، أو في التبعيّة السياسيّة أو الاقتصاديّة لهم، أو في الحطّ من شأن المسلمين وإضعافهم. وبالطبع، فإنّ جميع المسلمين مكلّفون بالدفاع عن كيانهم السياسيّ والاقتصاديّ، وحفظ استقلالهم، وهذا الدفاع يمكن أن يكون عن طريق مقاطعة استهلاك السلع المنتجة في تلك البلدان، أو من خلال عدم بيعهم منتجات السوق الإسلاميّ.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

152

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 قال الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب تحرير الوسيلة في هذا الصدد: "لو خِيف على حوزة الإسلام من الاستيلاء السياسيّ والاقتصاديّ المنجرّ إلى أسرهم السياسيّ والاقتصاديّ، ووهن الإسلام والمسلمين وضعفهم، يجب - عندها - الدفاع بالوسائل المشابهة، والمقاومات المنفيّة، كترك شراء أمتعتهم، وترك استعمالها، وترك المراودة والمعاملة معهم مطلقاً"1. 


وقال قدس سره في مورد آخر: "لو كان في الروابط التجاريّة، من الدول أو التّجار مع بعض الدول الأجنبيّة أو التجّار الأجنبيّين، مخافةً على سوق المسلمين وحياتهم الاقتصاديّة، وجب تركها، وحرمت التجارة المزبورة، وعلى رؤساء المذهب مع خوف ذلك أن يحرّموا متاعهم وتجارتهم، حسب اقتضاء الظروف، وعلى الأُمّة الإسلاميّة متابعتهم، كما يجب على كافّتهم الجدّ في قطعها"2

وفي أوضاعٍ كهذه، يجب على وليّ أمر المسلمين الحكم بحرمة المتاجرة بضائع كهذه، كما يجب على أبناء المجتمع الإسلاميّ الانصياع لهذا الحكم، ومقاطعة تلك البضائع، كما حدث في قضيّة تحريم التنباكو(التبغ) بعد فتوى الميرزا

 
 

1- الخميني، روح الله: تحرير الوسيلة، ط3، بيروت، دار التعارف، 1401هـ.ق، ج1، ص485، المسألة4.
2- الخميني، تحرير الوسيلة، م.س، ص487، مسألة10. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

153

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الشيرازيّ في عهد ناصر الدين شاه القاجاريّ1


و- كيفيّة التصدّي للنزعة الاستهلاكيّة المُفرِطَة: 
إنّ كلّ متبحّرٍ في المسائل الاقتصاديّة يُدرك أنّ إمكانيّة ادّخار ثروةٍ في بلدٍ ما، بغية تطويره، لها صلةٌ وثيقةٌ بالثقافة الاستهلاكيّة للشعب، ومدى توفير الأموال من دخلهم. فحينما تشوب النزعةُ الاستهلاكيّة ثقافةَ الناس، ويصبح إنفاقهم بمستوى دخلهم أو أعلى منه، فيسدّون الحاجة الزائدة عن الدخل عبر القروض والديون، فلا يتسنّى لهم توفير المال مطلقاً. لكن، حينما تكون ثقافتهم مقتصدةً، ويدّخرون ما زاد عن حاجتهم، فسوف تدور عجلة التطوّر في المجتمع، ويتّسع نطاق الاستثمار فيه، وفي الوقت نفسه سوف ينحسر نطاق الإسراف والتبذير. 

لذا، فالمجتمعات الإسلاميّة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى أنموذجٍ أمثلٍ في الاستهلاك، ومن الواضح أنّ ترويج الثقافة الصحيحة في الاستهلاك بحاجةٍ إلى تعليمٍ مستمرٍّ، لكي يترسّخ مبدأ القناعة بين الناس بصفته أصلاً دينيّاً، وفي الوقت نفسه يُستأصل مبدأ الإفراط في الاستهلاك. ونتيجةً لذلك، سوف تنصبّ جلّ جهود أبناء المجتمع في توسيع نطاق الإنتاج، وسيسخّرون طاقاتهم فداءاً لمجتمعهم من خلال الانصياع لتعاليم دينهم.

 
 
 

1- أنظر: مباني الاقتصاد الإسلامي (مبانى اقتصاد اسلامى)، م.س، ص293.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

154

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ولو دقّقنا في أوضاع البلدان الأوروبيّة وسائر البلدان المتطوّرة، سنلاحظ أنّه رغم امتلاكها ثرواتٍ طائلةً وقدرةً عظيمةً، فإنّها تحارب الإسراف في مجتمعاتها على كافّة الأصعدة، مثل: الكهرباء، والماء، والغذاء، والوقود، كما تشوّق شعوبها لأن يكونوا مقتصدين وقانعين، لدرجة أنّهم يعتبرون إسراف الوافدين إلى بلدانهم إهانةً لهم، ولولا هذه الخصال المنافية للإسراف، لما تمكّنوا من تطوير بلدانهم، والتربّع على سلَّم الرقيّ الاقتصاديّ في العالم. وبفضل مراعاة الثقافة الاستهلاكيّة الصحيحة تمكّنوا من بلوغ هذه المكانة1


ومن البديهيّ أن تكون ترويج فكرةٍ ما أو نشر ثقافةٍ معيّنةٍ في أيّ مجتمعٍ يقع على عاتق المسؤولين في البلاد. أمّا الحكومة الإسلاميّة، فيجدر بها أن تتّخذ إجراءاتٍ وتدابير منسجمةً مع المعايير الدينيّة، بغية تربية الأجيال الجديدة في مدارسهم وفي أحضان أسرهم تربيةً صالحةً، لتترسّخ في أذهانهم ثقافةً استهلاكيّةً صحيحةً يميّزوا من خلالها أضرار الاستهلاك المفرط وفوائد الاستهلاك المقتصد، وذلك من خلال الحدّ من رغباتهم، والتقليل من طلباتهم. وبالتالي، سوف يلعبون دوراً هامّاً في تحسين أوضاعهم المعيشيّة وأوضاع مجتمعهم مستقبلاً.

 
 

1- الحكيمي، دراسة ظاهرة الفقر والتنمية (شناسي فقر وتوسعه)، م.س، ج1، ص241.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

155

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ثالثاً: الادّخار: 

لا يختلف اثنان في تأثير ادّخار الأموال على تماسك الأسرة والمجتمع ورقيّهما، وهذا الأمر - طبعاً - من أهمّ سياسات حُسن التدبير في المعيشة. فلو تصفّحنا تأريخ الأنظمة الحاكمة المستقرّة، والمجتمعات البشريّة المتطوّرة والأسر الناجحة، للمسنا أهمّيّة التوفير، ومدى تأثيره الإيجابيّ عليها. أمّا النصوص الدينيّة فهي بدورها تطرّقت إلى أهمّيّة هذا الأمر، حيث سنشير إلى بعضها في الأبحاث التالية: 

1- أهمّيّة الادّخار: 
إنّ روح الانسجام والتعاون بين أعضاء الأسرة والمجتمع من أهمّ العوامل التي تساعد على تنامي الرغبة في التوفير لديهم. فعندما تسود هذه الروحيّة بينهم، ويتولّى زمام أمورهم وليّ أمرٍ مدبّرٍ، فسوف يتسنّى لهم الادّخار، ولكن لو فُقد الانسجام والتعاون بينهم وبين إدارتهم، أو أنّهم تمرّدوا على أوامر ولي أمرهم، فسوف لا يتمكّنون من ادّخار أموالهم، وسيواجهون مصاعب في إدارة أمورهم. 

إذن، لو سلك أعضاء الأسرة أو المجتمع نهج الإسراف والتبذير، فسوف لا يمكنهم ادّخار ما يلبّي متطلّباتهم عند الحاجة، حتّى وإن كان وليّ أمرهم مدبّراً وقانعاً. فإذا تمكّن

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

156

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

  الناس من ادّخار أموالهم وتسخيرها في النشاطات الإنتاجيّة، فسوف تتهيّأ الأرضيّة اللازمة للرقيّ الاقتصاديّ، وتتوافر فُرص العمل، ويرتفع المستوى المعيشيّ للناس. كما أنّ الادّخار بذاته يُعدّ سبباً للحيلولة دون الإسراف والتبذير. وكلّما زادت قدرة الناس على الادّخار، فسوف يبتعدون عن طبيعة الاستهلاك المُفرِط إلى حدٍّ كبيرٍ. 


ومصادرنا الدينيّة حافلةٌ بنصوصٍ تؤكّد على أهمّيّة الادّخار، منها: ما قاله الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "إنَّ الإنسانَ إذا أدخل (ادّخر) طَعامَ سَنَةٍ، خَفَّ ظَهرُهُ وَاستَراحَ. وَكانَ أبو جَعفر وَأبو عَبدِ اللهِ عليهما السلام لا يَشتَريانِ عُقدَةً، حَتَّى يُحرِزا طَعامَ سَنَتِهِما"1

فلو انتهج الإنسان هذا الأسلوب في المعيشة، سينعم براحة البال، ويستقرّ نفسيّاً. وبالطبع، فإنّ راحة بال أيّ إنسان لها تأثيرٌ كبيرٌ على نشاطاته، فهي تعتبر أساساً لتطوّره الفكريّ، ووازعاً لعطائه العمليّ، كما أنّها من أسباب تكامل شخصيّة الإنسان وسموّ المجتمع، وتعدّ ـ أيضاً ـ من دواعي امتثال أعضاء الأسرة لأداء مسؤوليّاتهم.
 
إذن، لا ريب في أنّ التوفير سيزرع روح الطمأنينة بين جميع أعضاء الأسرة والمجتمع، ولا يُبقي مجالاً للقلق والاضطراب

 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب إحراز القوت، ح1، ص89.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

157

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 بشأن المستقبل في أذهانهم. فوليّ أمر كهذه أسرةٍ أو مجتمعٍ كهذا، سيكون محترماً ومستّقلاً، حيث لا يضطرّ لأن يمدّ يده إلى الآخرين، طلباً للمعونة، وفي الوقت نفسه سوف لا يُجبر على مخالفة الأصول الأخلاقيّة والمعايير الدينيّة. 


لذا، فإنّ تأكيد الإمام الرضا عليه السلام على ضرورة توفير متطلّبات الحياة لمدّة عامٍ، هو مثالٌ على الادّخار الممدوح الذي سنتطرّق إلى ذكره لاحقاً، وهو في الحقيقة تأكيدٌ على أهمّيّة الادّخار بشكلٍ عامٍّ1

وتجدر الإشارة إلى أنّ الادّخار ليس دائماً، بمعنى: توفير الأموال في الحياة الدنيويّة، فهناكٌ ادّخارٌ معنويٌّ - أيضاً - أكّدت عليه النصوص الدينيّة، وفيه بركاتٌ عظيمةٌ لا تفنى، وتفوق بركات الادّخار المادّيّ. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ماتَ المؤمِنُ انقَطَعَ عَمَلُهُ، إلا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جاريَةٌ، أو عِلمٌ يُنتَفَعُ بهِ، أو وَلَدٌ صالِحٌ يَدعُو لَهُ"2

2- أنواع الادّخار: 
يمكن تقسيم التوفير حسب أهدافه العقلائيّة والشرعيّة

 
 

1- إنّ مسألة ادّخار مؤونة سنةٍ, هي برنامجٌ يتمّ إجراؤه في الظروف العاديّة، وليس في الظروف المتأزّمة، ففي هذه الحالة فإنّ أئمّتنا عليهم السلام حالهم حال سائر الناس, إذ يهيّؤون مؤونتهم يوميّاً، ولا يجوّزون ادّخارها لمدّة سنةٍ. وبطبيعة الحال، في وقتنا الحاضر لا يتحقّق الادّخار بتوفير الأطعمة، بل يتمّ من خلال توفير الدخل الماليّ الزائد عن الحاجة.
2- الإحسائي، عوالي اللئالي، م.س، ج2، ص53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

158

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 إلى قسمين، ممدوحٌ (ادّخارٌ مطلوبٌ)، ومذمومٌ (اكتناز منهيٌّ عنه): 


أ- التوفير الأمثل (الممدوح):
إنّ الادّخار أو التوفير الأمثل الذي يجب على المؤمن انتهاجه هو ما تتحقّق به أهدافٌ لا تتنافى مع العقل والشرع، بل يتمّ من خلاله حفظ كرامة المؤمن، وعزّته، وصيانته وعياله من الفقر والحرمان، كما يعينه على القيام بواجباته على أكمل وجهٍ. ويتجلّى هذا النوع من التوفير في أمورٍ كثيرة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع معاً، منها: الوقف، والإنفاق في سبيل الله، ومساعدة الفقراء، وإنشاء طرقٍ، وتوسيع شبكات المياه، وبناء جسور، وبناء مدارس، وبناء مستشفيات، وما إلى ذلك من أعمالٍ ممدوحةٍ. 

وقصّة النبيّ يوسف عليه السلام في القرآن الكريم خير دليلٍ على أهمّيّة الادّخار، وذلك عندما فسّر رؤيا فرعون مصر في البقرات السبع العجاف بسنوات الجفاف، والجدب، ومن ثمّ اقترح عليه توفير القمح، لتجاوز هذه المحنة. جاء في كتاب الله العزيز: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

159

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ1. نستلهم من هذه الآيات المباركة أنّ الهدف من الادّخار يكون حميداً، لو كان الهدف منه حماية اقتصاد المجتمع، والحفاظ على تماسكه، لدرجة أنّ نبيّاً من أنبياء الله تعالى قد تولّى هذه المهمّة بنفسه. 


والنصوص الحديثيّة - أيضاً - أكّدت على هذا المبدأ في تدبير المعيشة، أي ضرورة ادّخار مؤونة سنةٍ، كما جاء في الحديث المرويّ عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "فَإنَّ النّاسَ إنَّما يُعطَونَ مِن السَّنةِ إلى السَّنةِ، فَللرِّجُلِ أنْ يَأخُذَ ما يَكفِيهِ وَيَكفِي عِيالَهُ مِن السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ"2

كما أجاب الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام على سؤال معمّر بن خلاّد عن توفير طعام سنةٍ، قائلاً: "أنا أفعَلُهُ"، ويعني بذلك إحراز القوت3
واعتبر الإمام محمّد الباقر عليه السلام طلب الرزق في الدنيا، بهدف التعفّف عن سؤال الناس، وتلبيةً لمتطلّبات الأسرة، وإعانةً للجار، أنّه أمرٌ ممدوحٌ، وثوابه الأخرويّ عظيمٌ جدّاً.

 
 

1- يوسف: 46-49. 
2- ابن بابويه، معاني الأخبار، م.س، ص153. 
3- ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م.س، ج3، ح3620، ص167.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

160

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 حيث قال: "مَن طَلَبَ الرِّزقَ فِي الدُّنيا، استعفافاً عَن النّاسِ، وَتَوسِيعاً عَلى أهلِهِ، وتَعَطُّفاً عَلَى جارِهِ، لَقِيَ اللهَ عزَّ وَجلَّ يَومَ القِيامَةِ وَوَجهُهُ مِثلُ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ"1


خدمة المجتمع توفيرٌ واقتصاد: 
إنّ توفير الخدمات العامّة للمجتمع من شأنه المساعدة على ادّخار النعمة، وفي الوقت نفسه يُعدّ ذخراً معنويّاً للعبد في آخرته، كحفر بئرٍ، أو شقّ قناةٍ، لتأمين مياه الشرب والسَّقي للناس. ولهذا التوفير آثاره المعنويّة التي لا ينكرها أحدٌ. قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "سِتُّ خِصالٍ يَنتَفِعُ بِها المؤمِنُ بَعدَ مَوتِهِ: وَلَدٌ صالِحٌ يَستَغفِرُ لَهُ، وَمُصحَفٌ يُقرَأ فِيهِ، وَقُلَيبٌ يَحفِرُهُ، وَغَرسٍ يَغرِسُهُ، وَصَدَقَةُ ماءٍ يجرِيهِ، وَسُنَّةٌ حَسَنَةٌ يُؤخَذُ بِها بَعدَهُ"2.

وقد نقل المؤرّخون فضائل كثيرة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، منها: قيامه بحفر بئر "ينبُع" وقنواتٍ عديدةٍ، كقناة "أبو نيزر"، و"بغيبغة"، حيث جعلها وقفاً في سبيل الله تعالى. ولا زالت آثار بعضها باقيةً حتّى يومنا هذا في منطقةٍ تُعرف باسم آبار عليٍّ3.

 
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب الحث على الطلب...، ح5، ص78.
2- ابن بابويه، الأمالي، م.س، ص233. 
3- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج13، ص303-307.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

161

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام عليهم السلام كانوا مثالاً يُحتذى به في السبق إلى الخيرات، لأجل حفظ المصالح العامّة، وتوفير الخدمات لأبناء جلدتهم، ودائماً ما كانوا يوصون الناس بذلك. فقد روى معتب: قال لي الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "وَقَدْ يَزِيدُ السِّعرُ بالمدِينةِ، كَمْ عِندَنا مِن طَعامٍ؟". قلت: عندنا ما يكفينا أشهراً كثيرةً. قال عليه السلام: "أخرِجْهُ وَبِعْهُ". قلت: وليس بالمدينة طعامٌ؟! قال عليه السلام: "بِعْهُ". فلمّا بعته، قال عليه السلام: "اشتَرِ مَعَ النّاسِ يَوماً بِيَومٍ"، ثمّ قال عليه السلام: "يا معتبُ، اجعَلْ قُوتَ عِيالِي نِصفاً شَعِيراً، وَنِصفاً حِنطَةً، فإنَّ اللهَ يَعلَمُ أنِّي واجدٌ أنْ أُطعِمَهُم الحِنطَةَ عَلَى وَجهِها، وَلكِنِّي أُحِبُّ أنْ يَرانِي اللهُ عزَّ وَجَلَّ قَد أحسَنتُ تَقديرَ المعِيشةَ"1


وتأكيد تعاليمنا الدينيّة على أهمّيّة الادّخار وحثّنا على انتهاجه، دليلٌ على فائدته ومكانته السامية. فالشعب الذي يروم تحقيق الأهداف المنشودة في بلوغ درجات الرقيّ الاقتصاديّ، وتحقيق الاكتفاء الذاتيّ في الإنتاج المحليّ، لا بدّ له من تسخير الأموال والجهود في هذا المضمار، وتحمّل بعض المصاعب، وغضّ النظر عن بعض ملذّات الحياة، وإن كانت مشروعةً.

 
 

1- الطوسي، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ط4، لام، منشورات دار الكتب الإسلاميّة، 1365هـ.ش، ص161.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

162

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 ب- الادّخار المذموم (الاكتناز المنهيّ عنه):

التوفير هو جمع الأموال وادّخارها لوقت الحاجة، وحسب التعاليم الدينيّة، فإنّ جواز ذلك أو عدمه منوطٌ بالأهداف المتوخّاة منه، فإن كانت الأهداف تتّفق مع حكم العقل والشرع، يكون الادّخار مطلوباً، ولا بدّ منه. وأمّا إن كانت هذه الأهداف لا تنسجم مع حكم العقل والشرع، فسيكون الادّخار حينها مذموماً ومنهيّاً عنه، لأنّه يؤدّي إلى تسخير الثروة في غير رضا الربّ، ويحرم المجتمع والفقراء من منافعه. إذ أنّ أصحاب هذا المال المكتنز سيتنصّلون من أداء واجباتهم الماليّة تجاه أبناء مجتمعاتهم. لذلك، فإنّ جمع المال من قِبَل الأثرياء، بهدف جني ثروةٍ طائلةٍ، أو احتكار بضاعةٍ يحتاجها الناس، سيؤدّي إلى حرمانهم من حقوقهم المشروعة. 

وهذا العمل بذاته يُعدّ من أكثر الأفعال قبحاً، حيث أنّب الله تعالى هؤلاء في كتابه المجيد تأنيباً شديداً، وهدّدهم بالعذاب الأليم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ1

كما ذمّ عزّ وجلّ البخلاء، والذين يكنزون الأموال ولا ينفقوها، بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا

 
 

1- التوبة: 34. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

163

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا1


والنصوص الروائيّة هي الأخرى ذمّت اكتناز الأموال وادّخارها في ما نُهِيَ عنه، وذُكِرَ في بعضها أنّ عقوبة الله تعالى جرّاء هذا العمل، هي: ابتلاء الناس بالقحط والجدب، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أبغَضَ النّاسُ فُقَراءَهُم، وَأظهَرُوا عِمارَةَ أسواقِهِم، وَتَبارَكُوا عَلَى جَمعِ الدَّراهِمِ، رَماهُم اللهُ بِالقَحطِ مِن الزَّمانِ"2. إنّ الفعل البخيل مذمومٌ، لأنّه لا يُرجّح تلبية حاجات مجتمعه ودينه على ما يظنّه من حاجاتٍ قد تطرأ عليه وعلى أسرته. فالحريص أو البخيل لا يتقيّد بحدٍّ معيّنٍ لادّخار المال، بل يجمع المال بشرَهٍ، ويحاول جني ثروةٍ دون رويّةٍ، إذ تطغى عليه الأنانيّة، ولا يعير أيّ أهمّيّةٍ لمتطلّبات الآخرين وحوائجهم، حتّى لو كان ذوي الحاجات مؤمنين، لأنّ مصلحة المجتمع الإسلاميّ لا تمتّ إليه بصلةٍ، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، وهمّه الوحيد جمع أكبر قدرٍ ممكنٍ من المال. 

3- الأسلوب الأمثل في حفظ المال المدّخر وتناميه:
إنّ إدارة شؤون الحياة بأسلوبٍ مناسبٍ يتطلّب حُسن تدبيرٍ وتخطيطٍ صحيحٍ، ومَن يأخذ المستقبل بعين الاعتبار ولا يغفل عن عواقب أفعاله، سيضمن عيشاً رغيداً لنفسه ولأهله.

 
 

1- النساء: 37. 
2- النراقي، جامع السعادات، م.س، ج2، ص65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

164

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والتخطيط للمدى البعيد على المستوى الاقتصاديّ يُعدّ من المسائل الهامّة في ديننا الحنيف، إذ أعاره عظماء ديننا أهمّيّةً بالغةً. قال الإمام عليّ عليه السلام: "فَدَعْ الإسرافَ مُقتَصِداً، وَاذكُرْ فِي اليَومِ غَدَاً، وَأمسِكْ مِن المالِ بِقَدَرِ ضَرورَتِكَ، وَقَدِّمْ الفَضلَ لِيَومِ حاجَتِكَ"1


وذكر الإمام موسى الكاظم عليه السلام طريقة حفظ المال وادّخاره، عن والده الإمام جعفر الصادق عليه السلام، حيث روى معمّر بن خلاّد: أنّ رجلاً أتى الإمام جعفر الصادق عليه السلام شبيهاً بالمستنصح له، فقال له: يا أبا عبد الله كيف صرت اتّخذت الأموال، قطعاً متفرّقة، ولو كانت في موضعٍ واحدٍ كان أيسر لمؤنتها وأعظم لمنفعتها. فقال أبو عبد الله عليه السلام: "اتَّخذتُها مُتفَرِّقَةً، فإنْ أصابَ هذا المالَ شيءٌ، سَلِمَ هذا، وَالصّرَةُ تَجمعُ هذا كُلَّهُ"2

فالإمام الصادق عليه السلام يعلّمنا الأسلوب الصحيح في توفير المال، وذلك بادّخاره في عدّة أماكن، كاستثماره في عدّة مشاريع، فذلك أنسب وأحفظ له. فلو وقعت حادثةٌ، فإنّ المال لا يتلف كلّه، ويبقى منه شيءٌ، ولا يحتاج الإنسان إلى الآخرين حينها.

 
 

1- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج3، الرسالة21، ص19. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، باب شراء العقارات...، ح1، ص91.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

165

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 والذين يريدون اتّباع الأسلوب الأمثل في ادّخار المال، ويرغبون بتخصيص جزءٍ من دخلهم في هذا المضمار، يجدر بهم أن يدّخروه بطريقةٍ تحفظه من الركود، وفي الوقت نفسه يزداد ويتنامى وينتفع به سائر أبناء المجتمع الإسلاميّ، وذلك باستثماره. 


إضافةً إلى ما ذُكِرَ، يجب الأخذ بعين الاعتبار مدى التضخّم الاقتصاديّ، والسعي في مواجهته، عبر اجتناب ادّخار النقد المالي، أو ادّخاره، بطريقةٍ لا يفقد معها قيمته بمرور الزمان، بل في هذه الحالة يجب تبديله إلى بضاعةٍ تتزايد قيمتها بمرور الوقت. 

على سبيل المثال: لو أراد شخصٌ أن يدّخر مالاً لشراء أثاث منزلٍ لزواجه، فيجدر به أن لا يكتنز المال وينتظر أوان زواجه، فيشتري ما يحتاج إليه، بل عليه أن يُعدّ هذا الأثاث منذ حصوله على المال قبل أوان زواجه. أو إذا أراد شخصٌ شراء دارٍ ولم يتمكّن من ذلك، فلا يجدر به ادّخار المال حتّى يجمع ثمن منزلٍ، بل عليه أن يشتري بما لديه من مالٍ أرضاً، وبعد ذلك يبنيها بالتدريج.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171
 

166

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 خلاصة الفصل الثالث: 

- طريقة التدبير في المعيشة: هي الأسلوب الذي يتمّ من خلاله تنفيذ السياسات الاستراتيجيّة العامّة في أمور المعيشة وإدخالها في حيّز الإجراء. 
- الدخل: هو، جميع الأموال وأثمان السلع التي يحظى بها إنسانٌ، أو مجموعةٌ من الناس، أو مؤسّسةٌ، أو أيّ مكوّنٍ اقتصاديٍّ، في مدّةٍ معيّنةٍ. 
- لم يحدّد الاقتصاد الإسلاميّ مستوىً معيّناً للدخل من الناحية الكمّيّة، ولكنّه حدّد له إطاراً معيّناً من الناحية النوعيّة، أي وجوب كونه مشروعاً. 

- الدخل المادّيّ للإنسان نوعان، هما ما يكتسبه الإنسان من طريقٍ مشروعٍ (حلال)، وما يكتسبه من طريقٍ غير مشروعٍ (حرام). فالكسب الحلال ينوّر القلب، ويجعل العبد مستحقّاً ثواب المجاهد في سبيل الله تعالى. وبالتالي ستشمله رحمته الواسعة. أمّا الكسب الحرام، فهو من كبائر الذنوب، حيث يضيع معه العمل، ويحرم العبد من استجابة الدعاء، ويجعله مستحقّاً للّعنة ونار جهنّم. 

- الطريقة المُثلى في الاستهلاك حسب المعايير الدينيّة، تتجلّى في قضايا عديدة، منها: ترك الإسراف والتبذير، وفي

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

167

الفصل الثالث‏: الطُّرق المثلى للتّدبير

 الوقت نفسه اجتناب البخل والتقتير، وكذلك وجوب الابتعاد عن الإفراط في الزينة والتجمّل. ويجب على الإنسان مراعاة الاعتدال، والقناعة، والإنفاق في سبيل الله تعالى، وإعانة الفقراء. 

- تستعمل كلمتا الإسراف والتبذير في كثير من الأحيان بمعنىً واحدٍ، ويمكن القول: إنّ الإسراف هو الخروج عن حدّ الاعتدال من دون أن نخسر شيئاً. والتبذير: هو الإنفاق الكثير، بحيث يؤدّي إلى إتلاف النعمة وتضييعها. 

- الإفراط في الاستهلاك، بهدف التكبّر على الآخرين، والتفاخر، والتنافس، يُعدّ من الخُلُق الذميمة التي لا تتناسب مع شخصيّة الإنسان المحترم. 
- المعيار الأساس للاستهلاك لدى المسلم، هو: انسجامه مع مصالح النظام الإسلاميّ، وعدم مخالفته القيَم السامية. 
- للادّخار تأثيرٌ كبيرٌ على الرقيّ الاقتصاديّ، ويعتبر أحد العوامل الأساسيّة في انسجام أعضاء الأسرة أو المجتمع. وبالطبع، فإنّ هذا الإنسجام لا يتحقّق إلا بإشراف مسؤولٍ يُحسن التدبير.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

168

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 سنتطرّق في خاتمة الكتاب إلى قضايا ذات صلة بالمعيشة في إطار موضوعين أساسيّين، هما: حُسن التدبير، وسوء التدبير. وبالطبع، فإنّ نطاق التدبير واسعٌ جدّاً، لذا، سنكتفي بذكر بعض جوانبه. 


أوّلاً: النتائج الحميدة لحسن التدبير: 
1- التنعُّم بحياةٍ مثاليّةٍ: 
لا شكّ في أنّ حسن التدبير والتخطيط الصحيح للمعيشة، يمكّن الإنسان من التنعّم بحياةٍ مثاليّةٍ. والحياة المثاليّة حسب التعاليم الإسلاميّة، هي حياة الكفاف التي يتمكّن المسلم فيها من تأمين سلامته النفسيّة والبدنيّة، من خلال سعيه الحثيث، كما يتسنّى له فيها اجتناب الإفراط والتفريط في المعاش1، لذلك، فإنّ نبيّنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام حفّزوا الناس على القناعة والكفاف في المعيشة. فالإنسان في معيشةٍ كهذه،

 
 

1- انظر: الحسيني، فقر وتوسعه در منابع دينى(باللغة الفارسية)، م.س، ص614-615.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

169

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 سيتمكّن من توفير نفقات معيشته، والمتطلّبات المشروعة لأسرته ومجتمعه. 


فنفقات المعيشة على المستوى الشخصيّ تشمل جميع النفقات التي يحتاجها الإنسان في تأمين حياةٍ مثاليّةٍ ونزيهةٍ، حيث تشمل أجور الطعام، والثياب، والسكن، وأجور النقل، وما شاكل ذلك. كما يُفترض بالإنسان أن يسخّر الفاضل من دخله لبعض الموارد المعيشيّة، كاقتناء العطور، ووسائل النظافة، والصحّة، والتزيين المعتدل، والاهتمام باللباس، وكذلك عليه ادّخارها لزواجه. وإذا اقتضت الضرورة، يمكنه أن يستعمل خادماً يعينه، أو يشتري له ما يحتاج إليه من وسائل في حياته، أو يقوم بإصلاح ما لديه من وسائل تالفة أو تعميرها. 

أمّا نفقات الأسرة، فتشمل كلّ ما يحتاج إليه ممَّن تجب نفقتهم من أفرادها، إذ يجب على ربّ الأسرة أن يوفّر جميع متطلّبات والديه وزوجته وأبنائه، من مأكلٍ متنوّعٍ، وملبسٍ مناسبٍ. كما يجدر به أن يكون قادراً على ضيافة الأصدقاء والأقارب وإطعامهم، ويسعى لتحسين نوع الغذاء الذي يقتنيه في الأعياد وسائر المناسبات، ويحاول تأمين مؤونة عامٍ كاملٍ1.

 
 

1- طبعاً هذه الأمور جديرةٌ بالاهتمام في الأوضاع الطبيعيّة التي لا قحط فيها ولا جدب. وبالنسبة لتوفير متطلّبات الحياة لمدّة عامٍ كاملٍ، حسب ما ذكر في نصوص الحديث، دليلٌ على ضرورة ارتفاع المستوى المعيشيّ للناس في المجتمع الإسلاميّ، ووجوب استئصال الفقر والحرمان منه, أي لا بدّ وأن يتمتّع جميع أبنائه من توفير متطلّباتهم لمدّة عامٍ على أقلّ تقديرٍ. فتوفير المؤونة السنويّة يعدّ برنامجاً ناجعاً, لمكافحة الفقر، وبناء حياةٍ طيّبةٍ ينعم بها الإنسان ويُبرز فيها قدراته وكفاءاته, وهذا الأمر بذاته يُعدّ وازعاً لتكامل شخصيّة الفرد، ورقيّ المجتمع في آنٍ واحدٍ، وبالتالي من شأنه إعانة الإنسان لأداء واجباته الاجتماعيّة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

 


170

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 وأمّا النفقات الاجتماعيّة، فهي الأموال التي ينفقها الإنسان، لتحسين وضع المجتمع، ونظم أموره. فالحقوق الماليّة على قسمين: واجبةٌ ومستحبّةٌ، منها القرض والعارية. وبالطبع، فإنّ الإنسان مكلَّفٌ بأداء نشاطاتٍ إيجابيّةٍ في مجتمعه عبر بذل الأموال حسب استطاعته، مثل: إعانة ذوي الحاجة لتيسير زواجهم. كما يجب عليه المشاركة في العبادات الجماعيّة، كالحجّ الذي تُشرط فيه الاستطاعة الماليّة1


إذن، نستنتج ممّا ذُكِرَ أنّ الحياة المثاليّة تتحقّق عندما ينعم الإنسان بحياةٍ مناسبةٍ مادّيّاً في المجالين الكمّيّ والنوعيّ، وهذه هي الحياة التي تنطبق مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة، لما تتمتّع به من رفاهيةٍ وطمأنينةٍ. وبالتأكيد، فإنّ الرفاهيّة الشخصيّة وازعٌ لتحقّق الرفاه الاجتماعيّ - أيضاً -. وفائدة الرفاهيّة تكمن في قابليّة استثمار جميع أعضاء الأسرة أو المجتمع إمكانيّاتهم إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ، وقدرتهم على مزاولة مهامّهم العائليّة، والأخلاقيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، بدقّةٍ واهتمامٍ كبيرين. 

وهناك أمورٌ تتعلّق بموضوع الرفاهيّة في المعيشة، لا بدّ لنا

 
 

1- الحسيني، فقر وتوسعه در منابع دينى(باللغة الفارسية)، م.س، ص21-24. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

171

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

  من ذكرها هنا، وهي: 

أ- إنّ الله تعالى يريد لعباده أن يعيشوا حياةً مرفّهةً، حيث أكرمهم بنَعمٍ لا حصر لها، كما قال في كتابه المجيد: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾1. ويسّر تعالى لهم استثمار هذه النِّعم دون عناءٍ ومشقّةٍ، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾2

ب- إنّ توفير وسائل الراحة والرفاهيّة، من شأنه إعانة الإنسان لبلوغ درجة القرب الإلهيّ، لأنّ التنعّم بعطاء الله تعالى لا بدّ وأن يكون داعياً لزيادة شكر العبد، وتهذيب نفسه، فيتقرّب بذلك من ربّه. لذا، عليه أن لا يُعاند ولا يغفل عن ذلك. فالكثير من الناس عندما يُنعِم الله تعالى عليهم يغفلون عن ذكره وشكره، وقد تؤول بهم الأوضاع إلى الطغيان والتمرُّد على أوامره. 

ج- يختلف معنى الرفاهيّة في التعاليم الإسلاميّة عن معناها في الأفكار والنظريّات الأخرى، إذ توصي تعاليمنا الدينيّة بوجوب تحقّقها بطرقٍ مشروعةٍ، وعدم ابتنائها على أساسٍ

 
 

1- الأعراف: 32. 
2- النحل: 7. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

172

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

  محرّمٍ، أو تأديتها إلى التعدّي على حقوق الآخرين، أو الوقوع في الإسرافٌ والتبذير. 


د- إنّ المثل العليا للحياة المرفّهة في المجتمع الإسلاميّ تتطلّب تغييراتٍ جذريّةً في الرُّؤى والمبادئ، وهذه التغييرات لا تتحقّق إلا في ظلّ حكومة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، إذ بعد ظهوره الميمون، سوف تُخرِج الأرض بركاتها، وينعم الناس بخيراتٍ لا نظير لها على مرّ العصور. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تَتَنعَّمُ أُمَّتِي فِي زَمنِ المهديِّ عليه السلام نِعمَةً لَم يَتَنعَّمُوا مِثلها قَطُّ، يُرسِلُ السَّماءَ عَلَيهِم مِدراراً، وَلا تَدَعْ الأرضُ شَيئاً مِن نَباتِها إلا أخرَجَتهُ"1

2- العائلة الصغيرة: 
إنّ الانفجار السكّانيّ له مضرّاتٌ وآثارٌ سلبيّةٌ، إذ يؤدّي إلى تسخير الثروة والإمكانيّات، لتأمين حاجات المجتمع الابتدائيّة، ويحول دون تنفيذ برامج وخطط بعيدة الأمد، ترفع من مستوى النموّ الاقتصاديّ. وفضلاً عن المستوى المعيشيّ المتدنّي للناس في ظروفٍ كهذه، فإنّ المجتمع سيواجه حينها مشاكل عديدةً على جميع المستويات الأخلاقيّة، والعقائديّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة.

 
 

1- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج51، ص97. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

173

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 فحسن التدبير يقتضي السيطرة على معدّل التكاثر في المجتمع، أي تقليص العدد، ورفع مستوى الكفاءة. وبعض النصوص الدينيّة تحذّر الناس من التكاثر غير المحدود، كما قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "هَلَكَ صاحِبُ العِيالِ"1. والتدبير الصحيح في هذا المجال، من شأنه أن يُعين الحكومة في السّيطرة على معدّل الارتفاع السكّانيّ، ووضعٍ برنامجٍ منظّمٍ له. فالكثافة السكّانيّة المنسجمة مع الإمكانيّات الاقتصاديّة، تُعدّ من دعائم الرفاه الاقتصاديّ في المجتمع، الأمر الذي أكّد عليه الإمام عليّ عليه السلام، بقوله: "قِلَّةُ العِيالِ أحَدُ اليَسارَينِ"2.

 
3- زيادة الإنتاج وارتفاع مستوى الدخل: 
إنّ استقرار الفرد والمجتمع منوطٌ بكيفيّة استثمار الثروات المختلفة. وقد أكّدت الشريعة المقدّسة على ضرورة اتّخاذ أنسب السبُل في استثمار الأموال، كإيداعها في أيدٍ أمينةٍ ذات أفقٍ فكريٍّ اقتصاديٍّ ناضجٍ، وعدم تمكين السُّفهاء منها، حيث قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾3. كما ذمّت ركود الثّروة، وأنّبت الذين يكتنزون الأموال والذين يهدرونها عبثاً على حدٍّ سواء، لأنّ هذه التصرّفات تزلزل أركان المجتمع

 
 

1- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج62، ص281. 
2- الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج4، الحكمة141، ص34.
3- النساء: 5. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

174

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 اقتصاديّاً، وتحول دون تطوّره. 


فالإنسان يكون قادراً على التنعّم بحياته من خلال جهوده المثمرة، وحسن تدبيره في استثمار ما بحوزته من مصادر اقتصاديّةٍ، إذ من المؤكّد أنّ الاستثمار العشوائيّ للثروة، والإسراف، والإدارة العقيمة، والتكاسل، كلّها أمورٌ تسوق الإنسان نحو التبعيّة للآخرين، والفقر، والتخلّف. 

إنّ الماء والتراب هما من أهمّ العوامل الطبيعيّة في التطوّر والرقيّ، واقتصاد المجتمع متعلّقٌ بهما إلى أبعد الحدود، وبالتدبير الصحيح والتخطيط الأصيل في استثمار المياه العذبة، والأراضي الخصبة، وإحياء الأراضي المتروكة، يتسنّى للناس مضاعفة مقادير المحاصيل الزراعيّة والمنتجات الحيوانيّة، وترسيخ الدعائم الاقتصاديّة للأسرة والمجتمع، وبلوغ درجة الكفاف والاكتفاء الذاتيّ. 

إنّ تشجيع تعاليمِنا الدينيّة على الاستثمار في هذا المجال برهانٌ على أهمّيّته البالغة1. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الاستثمار السيّئ للثروات أمرٌ يبغضه الله تعالى، حتّى إهدار قليلٍ من الماء، حيث قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إنَّ السَّرفَ أمرٌ يُبغِضُهُ اللهُ عزَّ وَجلَّ... حَتَّى صَبُّكَ فَضلَ شَرابِكَ"2.

 
 

1- انظر: العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، ص44-46. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقة، باب فضل القصد، ح2، ص52.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

175

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 لذلك، فإنّ إهمال الأرض الخصبة ذات المياه الوفيرة، وعدم قدرة الناس على استثمارها، يُعدّ أمراً غير منطقيٍّ، ولا ينسجم مع العقل وأصول التدبير الصحيح، بل سيؤدّي إلى حرمان الناس من رحمة الله تعالى، فمن خلال استثماره بشكلٍ صحيحٍ يمكن اجتثاث جذور الفقر في المجتمع، ورفع مستوى الرفاهيّة فيه. وهذا ما رواه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، عن جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، حين قال: "مَن وَجَدَ ماءاً وَتُراباً ثُمَّ افتَقَرَ، فَأبعَدَهُ اللهُ"1


4- النجاة من النّدم: 
إنّ المسؤول الناجح هو المدبّر الذي يتمكّن من وضع مناهج اقتصاديّةٍ مناسبةٍ في نشاطاته الإداريّة، ويرجّح أداء الأهمّ على المهمّ، حسب الأولويّات المطروحة في عمله والنتائج المتوخّاة، أي أنّه قبل اتّخاذ أيّ قرارٍ لا بدّ له من القيام بدراسته على كافّة المستويات، وعليه بذل قصارى جهده لسلوك المسير الصحيح في إدارة الأمور. فوليّ الأمر الذي يتعقّل في أفعاله ويتّخذ التدبير منهجاً له، سوف لا يندم على تصرّفاته، لأنّ البرنامج الصحيح والمنسّق قبل العمل يحول دون الانحراف والزلل. وقد اختصر سيّد البلغاء الإمام عليّ عليه السلام هذه الأمور بجملةٍ قصيرةٍ بقوله:

 
 

1- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج17، أبواب مقدّمات التجارة، باب استحباب الغرس...، ح13، ص40-41.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
182

176

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

  "التَّدبِيرُ قَبلَ العَمَلِ يُؤمِنُكَ مِن النَّدَمِ"1


5- إتقان العمل: 
من المؤكّد أنّ العمل المُتقن، هو نتيجةٌ لحسن التدبير والتخطيط الصحيح. أمّا العمل العشوائيّ الذي لا إتقان فيه، فهو نتيجةٌ للتّخطيط السيّئ، وسوء التدبير أو عدمه، وهو مذمومٌ، ومنهيٌّ عنه، وعاقبته الحسرة والندم. لذا، فإنّ التعاليم الدينيّة أكّدت على ضرورة إتقان العمل وعدم التكاسل في أداء الواجبات، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"إذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلاً فَليُتقِن"2. وإتقان العمل مهمٌّ، لدرجة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل في مرقد سعد بن معاذ وسوّى اللّبن عليه، وجعل يقول ويكرّر: "ناوِلْنِي حَجَراً، ناوِلْنِي تُراباً رَطِباً"، لكي يسدّ به ما بين اللّبن. فلمّا فرغ وحثا التراب عليه وسوّى قبره، قال: "إنِّي لأَعلَمُ أنَّهُ سَيبلَى وَيَصِل إليهِ البلاءُ، وَلكِنَّ اللهَ يُحِبُّ عَبداً إذا عَمِلَ عَمَلاً أحكَمَهُ"3

6- ارتفاع مستوى الادّخار4 والاستثمار: 
الادّخار: هو حفظ الأموال التي يحصل عليها الإنسان من

 
 

1- ابن بابويه، الأمالي، م.س، ص532.
2- الكليني، الكافي، م.س، ج3، كتاب الجنائز، باب النوادر، ح45، ص263.
3- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): علل الشرائع، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، لاط، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، 1385هـ.ق/ 1966م، ج1، ص310.
4- المقصود من الادّخار: نوعيه: الماديّ والمعنويّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

 


177

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 دخله الحاليّ، من أجل إنفاقها في المستقبل. أمّا الاستثمار، فهو تسخير هذه الأموال في عجلة الإنتاج، وكسب دخلٍ جديدٍ1

والبرنامج الناجح في الادّخار والاستثمار ذو صلةٍ وثيقةٍ بالتدبيرٍ الصحيحٍ في أمور المعيشة وتخصيص الدخلٍ الفرديّ، لأنّ الاستهلاك المُفرِط للأموال أو ركودها لا يؤدّي إلى تحقيق أيّ عائدٍ منها، كما هو الحال في التقاعس عن أداء الواجبات الذي لا يتحقّق من ورائه أي ادّخارٍ. 

فالأراضي الزراعيّة ذات المحاصيل الوفيرة التي أوقفها الناس في عهد الأئمّة المعصومين عليهم السلام، ولا سيّما عهد الإمام عليّ عليه السلام، حُظِيَت باهتمامهم عليهم السلام، وبذلوا قصارى جهودهم في حفظها واستثمارها قدر المستطاع. وهذا الأمر بذاته شاهدٌ على حسن تدبيرهم، وأهمّيّة الادّخار والاستثمار عندهم عليهم السلام. وبالطبع، فإنّ إدارة مشاريع ضخمةٍ كهذه من دون تدبيرٍ صحيحٍ ومنهجٍ دقيقٍ، سوف تكون فاشلةً، لذلك يجب على الإنسان أن يقتدي بهم عليهم السلام في تدبير شؤون معيشته، كي يتمكّن من ادّخار ماله واستثماره.

 
 
 

1- رشاد، علي أكبر: موسوعة الإمام عليّ عليه السلام(دانشنامه إمام عليّ عليه السلام)، ط1، طهران، منشورات مركز الثقافة والفكر الإسلاميّ، 1380هـ.ش، ج7(الاقتصاد)، ص302. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
184

178

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 7- التنميّة الاقتصاديّة1

لو تمّ تحديد أهدافٍ صحيحةٍ في برامج المعيشة، فسوف يلوح أُفقٌ جديدٌ للمستقبل الزاهر. لذا، يجب على الإنسان تعيين زمنٍ مناسبٍ لأداء أيّ عملٍ برؤيةٍ دقيقةٍ، وكذلك عليه دراسة مدى الإمكانيّات المتاحة، لكي يتسنّى له وضع برنامجٍ منظّمٍ من جميع الجهات. وبالطبع، فإنّ ثمرة برنامجٍ كهذا تتجلّى في نظم الأوضاع المعيشيّة والاقتصاديّة للفرد والمجتمع. والحصيلة النهائيّة ستكون نموّاً اقتصاديّاً ورخاءاً للجميع. يقول الإمام عليّ عليه السلام: "حُسن التَّدبيرِ ينمي قَليلَ المالِ"2

8- حفظ كرامة النفس: 
لا شكّ في أنّ الإنسان الذي يُحسن التدبير في معيشته، سيحفظ كرامته وعزّته في المجتمع. وسنتطرّق إلى ذكر بعض المسائل عن هذا الأمر، لكي تتّضح مدى أهمّيّته لكلّ إنسانٍ. 
فالعزّة: "حالةٌ مانعةٌ للإنسان من أن يُغلَب. من قولهم (أرضٌ عِزازٌ)، أي صلبةٌ"3. والقرآن الكريم بدوره أكّد على سموّ هذه الصفة في آياتٍ عديدةٍ، نذكر منها ما يلي:

 
 

1- من الطبيعيّ أنّ النموّ الاقتصادي لا يكون إلا نتيجةً للتدبير الصحيح على مستوى الحياة الاجتماعيّة، ولكنّنا نطرح في هذا الكتاب بعض المواضيع التي تتناسب مع هذا المبدأ. 
2- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص227.
3- الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، م.س، مادّة "عزّ".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

179

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 أنّ العزّة الحقيقيّة لله جلّ شأنه: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾1.

كما أنّ العزّة لله تعالى، فكذلك لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾2.

وطريق كسب العزّة، هو التقرّب إلى الله عزّ وجلّ وطلبها منه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾3. وقد عقّب العلامة محّمد حسين الطباطبائيّ رحمه الله على هذه الآية، قائلاً: "هذا القول ليس بمسوقٍ لبيان اختصاص العزّة بالله، بحيث لا ينالها غيره، وأنّ من أرادها فقد طلب محالاً وأراد ما لا يكون، بل المعنى: من كان يريد العزّة، فليطلبها منه تعالى، لأنّ العزّة له جميعاً لا توجد عند غيره بالذات. فوضع قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ في جزاء الشرط، من قبيل: وضع السبب موضع المسبّب، وهو طلبها من عنده، أي اكتسابها منه بالعبوديّة التي لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح"4.

 
 

1- يونس: 65. 
2- المنافقين: 8.
3- فاطر: 10.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج17، ص22. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

180

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 فعزّة النفس تقوّي روح التحرّر وحبّ الاستقلال لدى جميع أعضاء المجتمع، لأنّ إحساس الإنسان بالاستغناء عن الآخرين يرسّخ دعائم التحرّر والاستقلال في نفسه. 


ولعزّة النفس فوائد في الجانب الاقتصاديّ - أيضاً -، منها أنّها: 
- تساعد على رفع مستوى الإنتاج، وتقليص الاستهلاك، وزيادة الادّخار. 
- تحفّز الإنسان على استثمار الفائض عن الحاجة من الدخل في مساعدة الفقراء، ووقف أشياءٍ يحتاجها المجتمع. 
- تكون وازعاً لعدم إنفاقِ المال في التجمُّل المُفرِط، وسبباً لاجتناب الإسراف وتبذير الأموال الخاصّة والعامّة. 

9- سعة الرّزق: 
هناك أسبابٌ عديدةٌ تؤدّي إلى زيادة الرزق، وارتفاع مستوى الدخل، أهمّها: البرنامج الصحيح، وحسن التدبير في أمور المعيشة. وكما ذكرنا سابقاً، فإنّ الرزق لا ينحصر في العطاء المادّي وحسب، بل إنّ العطاء المعنويّ هو رزقٌ -أيضاً-1

وقد قسّمت بعض الروايات الرزق إلى قسمين،2 هما:

 
 

1- انظر: المباحث التمهيدية. 
2- قال الإمام عليّ عليه السلام: "يا ابنَ آدمَ، الرِّزقُ رِزقانِ, رِزقٌ تَطلُبُهُ وَرِزقٌ يَطلُبُكَ فَإنْ لَم تَأتِهِ أتاكَ". الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج3، الكتاب31، ص55.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

181

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 القسم الأوّل: رزقٌ يهبه الله تعالى لعبده من دون مشقّةٍ وعناء، كالمطر، ونور الشمس، اللذين تحيا بسببهما المخلوقات كافّةً، وكذلك الهواء الذي يحيا باستنشاقه جميع البشر والحيوانات والنباتات، وأيضاً العقل والإدراك الذي يولد مع ولادة ابن آدم. 


القسم الثاني: رزقٌ لا يتحصَّلُ إلا عن طريق جهدٍ حثيثٍ، وبرنامجٍ منظّمٍ في الحياة، لأنّ الله تعالى يرزق الإنسان بمقدار جهوده ومساعيه، حيث قال في كتابه العزيز: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾1

إذن، الجهد الحثيث هو أساس النجاح في الحياة، والذين يبذلون جهوداً أكثر، سوف ينعمون بالتوفيق ورفعة الرأس، بينما الكسالى والاتّكاليّين، سوف لا يكون نصيبهم سوى الحرمان والحاجة. 

من شروط كسب الرزق
وتجدر الإشارة هنا إلى مسألتين: 
الأولى: أنّ كسب الرزق في الأساس يعتمد على العمل الصحيح البعيد عن أيّ إفراطٍ أو تفريطٍ. وما يصل إلى الإنسان من رزقٍ بغير سعي وعمل، إنّما هو شيءٌ ثانويٌّ وليس بأساسيٍّ.

 
 

1- النجم: 39. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

182

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

  ولعلّ هذا الأمر هو الذي دفع أمير المؤمنين عليه السلام لتقديم ذِكر الرزق الذي يَطْلُبُه الإنسان على الرزق الذي يَطْلِبُ الإنسان بقوله: "يا ابنَ آدمَ، الرِّزقُ رِزقانِ، رِزقٌ تَطلُبُهُ وَرِزقٌ يَطلُبُكَ"1


الثانية: صحيحٌ أنّ الاستفادة من مواهب الحياة مشروطةٌ بالجدّ والسعي والمثابرة، وأنّ الكسل والخنوع مدعاةٌ للتأخّر والحرمان من الخير، ولكنّه من الخطأ البيّن أن نتصوّر أنّ رزق الإنسان يزداد بالحرص، والولع، والأعمال الكثيرة، وأنّ رزقه يقلّ بالتعفّف، والتجلّد. ونلاحظ في الأحاديث الإسلاميّة تعابير دقيقة في هذا المجال، ففي حديثٍ عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّ الرِّزقَ لا يَجرُّهُ حِرصُ حَريصٍ، وَلا يَصرِفُهُ كُرهَ كارِهٍ"2. وفي حديثٍ آخر عن الصادق عليه السلام، جواباً على بعض أصحابه، حيث طلب منه أن يعظه وينصحه، فقال عليه السلام: "وَإِنْ كانَ الرِّزقُ مَقسُوماً، فَالحِرصُ لماذا؟!"3

وتجدر الإشارة إلى أنّ مراعاة الاستراتيجيّات الصحيحة في تدبير المعيشة، كالبرنامج المنظّم والنظم، والانضباط، والرؤية المستقبليّة، واتّباع الإنسان هذه الاستراتيجيّات، يؤدّي به إلى أن ينعم بحياةٍ مرفّهةٍ، ويحقّق طموحاته. فهذه الأمور هي في الحقيقة أبرز العوامل المادّيّة المؤثّرة في سعة الرزق، وهناك عوامل كثيرة معنويّة تؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على سعة الرزق،

 
 

1- الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، م.س، ج8، ص258. 
2- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب اليقين، ح2، ص57.
3- ابن بابويه، الأمالي، م.س، ص56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

183

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 الأمر الذي أشارت إليه نصوص روائيّة كثيرة. ففي الحياة الدنيا هناك نظامان علّيّان، أحدهما: مادّيٌّ. والآخر: معنويٌّ، وجميع العلل الدنيويّة تستفيض أساس علّيّتها من الله سبحانه وتعالى، فهو قادرٌ في كلّ آنٍ على أن يسلب العلّيّة من تلك العلل، إذا ما اقتضت المصلحة ذلك، كما حصل في سلب حرارة النار، عندما أُلقي فيها سيّدنا إبراهيم عليه السلام. 


إنّ أصحاب الرؤية المادّيّة البحتة يظنّون أنّ العلل المادّيّة هي الوحيدة التي تؤثّر على رزق الإنسان، واستئصال جذور الفقر من المجتمع. أمّا أصحاب الرؤية الدينيّة، فيعتقدون أنّ تأثير العلل المعنويّة في الرزق، واستئصال جذور الفقر من المجتمع، هو بمستوى تأثير العلل المادّيّة، بل يرون أنّ تأثير الأولى أكثر. لذلك، فإنّ القرآن الكريم يؤكّد على أنّ كلّ من الإيمان والتقوى سببٌ لنزول بركاتٍ من الله تعالى وفتح أبواب رحمته. وأحاديث الأئمّة المعصومين عليهم السلام تضمّنت أموراً معنويّةً كثيرةً تساعد على سعة الرزق وزيادة النعمة، منها: الشكر، وأداء الأمانة، وحُسن الخلُق، وحُسن الجوار، وإكرام الضيف، والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والإكثار من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلاة الليل، وتنظيف المنزل والثياب والأواني. فهذه الأمور، لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار في النظام الاقتصاديّ في

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

184

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 الإسلام، وفي جميع البرامج الاقتصاديّة، والمعيشيّة للأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء، بغية تحقيق الأهداف المنشودة. 


ثانياً: العواقب الوخيمة لسوء التدبير: 
1- الفقر والحرمان: 
يحصل - أحياناً - الفقر نتيجةً لسوء التّدبير في المعيشة، بحيث تُبتَلى به بعض العوائل، وربّما مجتمعات بأسرها. ويمكن تقسيم الفقر إلى نوعين، هما: فقرٌ مطلقٌ، وفقرٌ نسبيٌّ. 
فالفقر المطلق: هو عدم قدرة الإنسان على تلبية الحاجات الضروريَّة في حياته، كالمأكل، والملبس، والمسكن، والعلاج. 

أمّا الفقر النسبيّ: فهو عدم القدرة على توفير مستلزمات الحياة الطبيعيّة، أي أنّ الإنسان يحيى حياةً تتوافر فيها المستلزمات الضروريّة للعيش، ولكنّه يفتقر إلى بعض إمكانيات الرّفاهية، التي توفّر له سبُل الراحة بشكلٍ أكبر، وتساعده على رفع مستواه المادّيّ.

2- الإسراف والتبذير: 
من النتائج الأخرى لسوء التّدبير، وفقدان البرنامج الصحيح في المعيشة، ابتلاء الإنسان بالإسراف والتّبذير، حيث تطرّقنا إليهما آنفاً. فحياة البذخ حسب التعاليم الإسلاميّة تُعدّ كفراناً للنّعمة، ومن كبائر الذنوب التي تُوجب العقاب الإلهيّ في الحياة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

185

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 الآخرة قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾1. والعقلاء بدورهم ـ أيضاً ـ يذمّون حياةٍ كهذه ولا يستسيغونها، لذا يجب على الإنسان أن يراعي حُسن التدبير في معيشته، ويجتنب الإسراف والتبذير. يقول الإمام عليّ عليه السلام في هذا الصدد:"مِن العَقلِ مُجانَبَةِ التَّبذِيرِ وَحُسنُ التَّدبِيرِ"2


وتُعدّ حرمة الإسراف والتبذير من الأحكام الأساسيّة في النظام الاقتصاديّ في الإسلام، حيث يقضي هذا الإنفاق للأموال على روح العبوديّة لدى الإنسان، ويسلب منه الشعور بالمسؤوليّة، ويجعله أنانيّاً يعارض أيّ إصلاحٍ اجتماعيٍّ. وحياة الإسراف تمسخ شخصيّة الإنسان، وتفرغ ذهنه من القيَم المعنويّة، ولا تُبقي لديه أيّ دافعٍ للجدّ والنشاط في العمل، كما أنّها تمهّد الأرضية اللازمة لانتشار الفساد، ورواج المبادئ المنحرفة في المجتمع. 

ونذكر في ما يلي بعض أهمّ عواقب الإسراف الوخيمة: 
- الحرمان من محبّة الله تعالى: قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾3

- زوال النعمة والحرمان من البركة: قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام :"وَمَن بَذَّرَ وَأسرَفَ زالَتْ عَنهُ النِّعمَةُ"4. وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : "إِنَّ مَعَ الإسرافِ قِلَّةُ البَرَكَةِ"5

- عدم استجابة الدعاء: قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "أربَعةٌ لا يُستَجابُ لَهُم دعاءٌ: رَجُلٌ جالِسٌ فِي بَيتِهِ يَقولُ يا رَبِّ ارزُقنِي، فيقولُ لَهُ: أَلَم آمُرُكَ بالطَّلَبِ؟! وَرَجُلٌ كانَتْ لَهُ امرَأةٌ فَدَعا عَلَيها، فيقولُ لَهُ: أَلَم أَجعَل أمرَها بيدِكَ؟! وَرَجُلٌ كانَ لَهُ مالٌ فَأفسَدَهُ، فَيقُولُ يا رَبِّ ارزُقنِي، فيقولُ لَهُ أَلَم آمُرُكَ بالاقتَصادِ أَلَم آمُرُكَ بالإصلاحِ؟!6

- الفقر والحرمان: قال الإمام عليّ عليه السلام: "سَبَبُ الفَقرِ الإسرافُ"7
والجدير بالذكر: أنّ اعتقاد الإنسان بالمعاد والحساب في الحياة الآخرة يؤثّر على سلوكه، ويجعله دقيقاً في حساباته

 
 
 

1- غافر: 43. 
2-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص468.
3- الأنعام: 141. 
4- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص297. 
5- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الصدقات، باب كراهية السرف...، ح3، ص55. 
6- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الدعاء على العدو، ح2، ص511.
7- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، م.س، ص282.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193
 

186

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 الاقتصاديّة وإنفاقه، لذلك أمرت الشريعة الإسلاميّة العباد بوجوب اجتناب النشاطات الاقتصاديّة التي تتعارض مع مصلحة المجتمع، وتتنافى مع الأصول الدينيّة. وكذلك ألزمته بترك الإفراط والتفريط في ما يلي: الأموال العامّة، والنوم، والطعام، والثياب، والضيافة، والحفلات، والمناسبات العائليّة، والاستفادة من النِّعم، كالماء، والكهرباء، وما شاكل ذلك.


3- التبعيّة الاقتصاديّة: 
لو لم يتّبع الإنسان أو المجتمع منهجاً اقتصاديّاً صحيحاً يبتني على وضع خططٍ بعيدة الأمد لتدبير المعيشة، فلا محالة سيُبتلى بالتبعيّة للآخرين من الناحية الاقتصاديّة، أي أنّ زمام أموره المادّيّة ستكون بأيدي الآخرين. وبالطبع، فإنّ هذا الوضع لا تُحمد عُقباه، وله مساوئ كثيرة، منها ما يلي1:

أ- هدر الطاقات الفرديّة والاجتماعيّة: 
إنّ المجتمعات المرفّهة اقتصاديّاً والتي تتمتّع باكتفاءٍ ذاتيٍّ، تؤمِّن متطلّبات المجتمعات الأخرى المحرومة، من الأسس الاقتصاديّة التي تجعلها مستقلّة ومتحكِّمة بالمجتمعات الفقيرة. وهذه المجتمعات التابعة لغيرها اقتصاديّاً ليس

 
 
 

1- على الرغم من أنّ الموارد التي سنذكرها في هذا المضمار مطروحةٌ على مستوى الحياة الاجتماعيّة، لكن يمكن تطبيقها على مستوى الحياة الشخصيّة ـ أيضاً ـ. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

187

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 لأبنائها فكرٌ إبداعيٌّ يمكّنهم من توفير متطلّباتهم، بسبب توفّر سبُل العيش من مصدرٍ آخر، وبالتالي سوف تبقى قابليّاتهم كامنةً، ولن يتمكّنوا من استثمارها. وقد تقوم المجتمعات المُنتجة باستغلال قابليّات المجتمعات التابعة لها، وتسخّرها لمصالحها الخاصّة. 


ب- الشعور بالنقص: 
إنّ أبناء المجتمعات التابعة اقتصاديّاً لغيرها لا يجدون في أنفسهم قابليّة توفير متطلّباتهم المعيشيّة، لذلك، فهم يشعرون بالنقص، والذلّة أحياناً، وفي الوقت نفسه ينظرون إلى أبناء المجتمعات المتطوّرة اقتصاديّاً نظرة علوٍّ واحترام، لأنّهم تمكّنوا من بلوغ أهدافهم. 

ج - مسخ الثقافة الوطنيّة: 
إنّ المجتمعات النافذة من خلال تصدير بضائعها وخبرائها إلى المجتمعات الضعيفة اقتصاديّاً، تقوم في الوقت نفسه بتصدير ثقافتها، ونشر أفكارها في تلك المجتمعات. ومن جانبٍ آخر، فإنّ أبناء المجتمعات الفقيرة، من منطلق إحساسهم بالعجز، وانبهارهم بقدرة المجتمعات النافذة، يحاولون تقليدهم في شتّى المجالات، مثل: نوعيّة الثياب، والمسكن، والسلع الاستهلاكيّة، ووسائل الزينة، بل إنّهم يتأثّرون بخلُقهم

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

188

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 وطباعهم النفسيّة، وهذا الأمر سيؤدّي إلى التبعيّة الثقافيّة، ومسخ الثقافة الأصيلة. 


د- العبوديّة: 
من المؤكّد أنّ الفرد أو المجتمع لو كان ذليلاً أمام الآخرين، ولم يتمكّن من توفير متطلّبات حياته، سيكون عبداً لهم1

4- البطالة: 
إنّ البرامج الاقتصاديّة الخاطئة، وسوء التدبير في المعيشة، وطرق الكسب المنحرفة، وفقدان المواهب اللازمة، كلّها أمورٌ تتسبّب في شيوع ظاهرة البطالة التي تُعدّ من المشاكل الاقتصاديّة المستفحِلة في بعض المجتمعات. فالمجتمع الذي يزخر بالأيدي العاملة، وليس فيه فرص عملٍ كافيةٍ، لا بدّ لمسؤوليه من اتّخاذ تدابير لازمة لرفع هذه المشكلة، وإلا ستسود فيه البطالة، وربّما يكسب البعض فيه دخلاً من دون أيّ جهدٍ اقتصاديٍّ، من طرقٍ غير مشروعةٍ، وبالتالي سيتعرّض لأزماتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ مدمّرةٍ، وتسوده خلُقيّاتٌ منحرفةٌ. يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصدد: "وَكانَ النّاسُ أيضاً يَصِيرُونَ بِالفَراغِ إلى غايَةِ الأشَرِ وَالبَطَرِ، حَتَّى يَكثُرَ الفَسادُ، وَيَظهَرُ الفَواحِشُ"2.

 
 
 

1- مبانى اقتصاد اسلامى(باللغة الفارسيّة)، ص201-202. 
2- الجعفي، التوحيد، م.س، ص72.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
196

 


189

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 لذلك، فإنّ تطبيق التعاليم الدينيّة في مجال العمل يُعدّ أساساً لسلامة المجتمع، وبه يحظى الإنسان بحياةٍ مثاليّةٍ، فضلاً عن تطوّره اقتصاديّاً. فطيب العيش، وهناءته، والطمأنينة فيه، أمورٌ لا تتحقّق إلا عبر مزاولة الأعمال التي تُعدّ مصدراً أساسيّاً لتلاحم أبناء المجتمع، وانسجامهم، وأُلفتهم. فرواج العمل في كلّ مجتمعٍ، من شأنه توفير خدماتٍ لجميع أعضائه، وزرع البهجة في نفوسهم. 


وفي النتيجة: إنّ العمل أمرٌ ضروريٌّ لجميع أبناء المجتمع، كما روي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "لَيسَ لِلنّاسِ بُدٌّ مِنْ طَلَبِ مَعاشِهِمْ، فَلا تَدَعْ الطَّلَبَ"1. وكلمة (الناس) في هذا الحديث ذات معنىً شاملٍ. والمقصود أنّ جميع أبناء المجتمع مكلّفين بالسعي في تأمين متطلّبات معيشتهم، وإلا فإنّ الحياة من دون عملٍ ليست ممكنة2

ومن البديهيّ أنّ الإنسان الذي يفتقد المنهج الصحيح وحُسن التدبير في حياته، سوف لا يتسنّى له الحصول على عملٍ مناسبٍ، بل قد يفقد عمله. لذا، يجب اتّخاذ التدابير اللازمة من قِبَل مختلف المجتمعات والمؤسّسات، بغية اجتثاث جذور

 
 

1- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج17، أبواب مقدّمات التجارة، باب استحباب الاستعانة...، ح11، ص32.
2- الحكيمي، معيارهاى اقتصادى در تعاليم رضوى(باللغة الفارسية)، م.س، ص230.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
197

190

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

 البطالة وأضرارها المتجسّدة، بالفقر والانحراف1


4- إهدار المال: 
إنّ مفهوم إهدار المال يشمل كلّ عملٍ يُتلِف المال ويتسبَّب في ضياعه، مثل: الإسراف، والاستهلاك المُفرِط، والجهل بأُسس الإنفاق، واستغلال الثروة، والتقصير، واللامبالاة في إنفاق المال، وفقدان الإشراف الصحيح على إنفاق المال، وسوء التدبير في تسخير الأموال بشكلٍ عامٍّ. 

ومهما كان السبب في إهدار الأموال، فإنّ نتيجته واحدة، ألا وهي: إتلاف الثّروة. وبالتالي عدم القدرة على أداء الواجبات العائليّة والاجتماعيّة. وقد يؤدّي كذلك إلى تلكّؤ مسيرة الرقيّ المعنوي للإنسان، لأنّ المسيرة المعنويّة للعبد في الدنيا مرهونةٌ بتوافر السبُل المادّيّة، والظروف المعيشيّة المناسبة، التي تعطيه النشاط الضروريّ للعبادة. وبالطبع، فإنّ هذه الأمور يمكن تحقيقها من خلال المال. ولذلك اعتبر القرآن الكريم المالَ بأنّه سببٌ لتقويم حياة البشر، حيث قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾2. كما أنّ الأحاديث الشريفة - بدورها

 
 
 

1- من المؤكّد أنّ توفير فرص عملٍ وبرامج معيشيّةٍ شاملةٍ يقع على عاتق الحكومة، ولكن في الأطر المعيشيّة المحدودة يجب على الإنسان أن يهيّئ لنفسه عملاً, ليتخلّص من البطالة. 
2- النساء: 5
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
198

191

الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

  - تؤكّد أنّ توفير سبُل المعيشة ضرورة من ضرورات الحياة1، وعدّت إهدار الأموال أمراً بغيضاً. فعن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: "إِنَّ اللهَ يُبغِضُ القِيلَ وَالقالَ، وَإِضاعَةَ المالِ، وَكَثرَةَ السُّؤالِ"2


إذن، إذا لم يكن هناك برنامجٌ معيشيٌّ صحيحٌ، وحُسن تدبيرٍ في الأمور الاقتصاديّة، فسوف تتزلزل المعاملات الماليّة، وقد يتعرّض البعض إلى الغبن، وربّما يكون ذلك سبباً لإتلاف المال، وإهدار ثروات المجتمع. وهذا الأمر مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً.

 
 

1- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج5، كتاب المعيشة، ص65-89.
2- الحرّاني، تحف العقول، م.س، ص443
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

192

الفهرس

 الفهرس


المقدّمة‏

5

الفصل الأول: التدبير: حقيقته وأنواعه‏

9

أوّلاً: حقيقة التدبير

9

ثانياً: أهميّة التدبير

11

آثار حسن التّدبير

13

آثار سوء التّدبير

14

ثالثاً: مفاهيم البحث الأساسيّة

15

1- التدبير

16

التدبير في القرآن والسنّة

17

2- المعيشة

20

3- الرّزق

21

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

201

 


193

الفهرس

 

الفصل الثاني: التدبير في المعيشة‏

35

استراتيجيّة للحياة

35

أوّلاً: النَّظم والانضباط

36

ثانياً: العمل والجهد الحثيث‏

39

1- الأنبياء والأئمة عليهم السلام والعمل الدؤوب

40

2- تطوّر الإنسانية يكون بالعمل

42

أ- العمل قوّةٌ للجسم والرّوح

43

ب- ذمّ التّكاسل والبطالة

46

ثالثاً: الاستثمار

48

1- آياتٌ مشجِّعة على الاستثمار

50

ب- روايات مشجِّعة على الاستثمار

54

2- فوائد الاستثمار

56

رابعاً: الرقابة والسّيطرة

58

الرقابة على الاستهلاك

60

خامساً: مشورة الآخرين

63

حدود المشورة

64

 

 

 

 

 

 

 

 

202


194

الفهرس

 

2- الاختلاف بين الشورى والمشورة

64

3- المشورة في الأسرة

65

4- فوائد المشورة

66

5- عواقب الاستبداد بالرّأي

69

اتّخاذ القرار بعد المشورة  

70

سادساً: الحزم في اتّخاذ القرار

71

1- شروط الصحّة في اتّخاذ القرار

72

2- أنواع القرارات

74

سابعاً: الأولويّة في إنفاق الأموال

75

1- أقسام الإنفاق

77

2- تدوين النفقات

78

ثامناً: التّخطيط

81

أقسام التّخطيط

83

الفصل الثالث: الطرق المثلى للتدبير‏

89

أوّلاً: الدخل

89

1- مصادر الدخل‏‏

90

 

 

 

 

 

 

 

 

203


195

الفهرس

 

أ- أُطُر الدخل‏‏ ‏‏

91

ب- التحديد النوعي للدخل ‏‏

91

أقسام الدخل‏ ‏‏

94

أهمّيّة الكسب الحلال‏‏ ‏‏

94

ثِمار الكسب الحلال‏‏

97

ب- الكسب الحرام‏‏

100

نماذج من الكسب الحرام‏‏

101

ضرورة اجتناب الكسب الحرام‏‏

103

عواقب الكسب الحرام

104

3- إصلاح مصادر الكسب ‏‏

106

5- السبُل الكفيلة برفع مستوى الدخل‏‏

107

ثانياً: الاستهلاك‏‏

109

أسباب حرمة الإسراف‏‏

113

الإسراف مسألةٌ نسبيّةٌ

114

اختلاف الزمان والمكان ونسبيّة الإنفاق‏‏

115

مصاديق الإسراف والتبذير‏‏

120

 

 

 

 

 

 

 

 

204


196

الفهرس

 

الاختلاف بين الإسراف والتبذير‏‏

123

الآثار السلبيّة للإسراف والتبذير

124

‏‏النهي عن اتّباع المسرفين‏‏

127

الآثار السلبية لحياة الترف والتجمّل‏‏

132

الميزان من الإسراف والتقتير‏‏

137

طرق استفادة الفقراء من الأغنياء‏‏

142

النزعة الاستهلاكيّة المفرطة‏‏

144

حبّ التنافس‏‏

147

الآفات الثقافيّة

149

‏‏النظام التعليميّ

150

الدعايات ووسائل الإعلام

151

ثالثاً: الادّخار‏‏

161

أهمّيّة الادّخار‏‏

161

أنواع الادّخار‏‏

163

خدمة المجتمع توفيرٌ واقتصاد‏‏

166

الأسلوب الأمثل في حفظ المال المدّخر وتناميه

169

 

 

 

 

 

 

 

 

205


197

الفهرس

 

الفصل الرابع‏: نتائج حسن التدبير وعواقب سوء التدبير

175

أوّلاً: النتائج الحميدة لحسن التدبير‏‏

175

2- العائلة الصغيرة ‏‏

179

3- زيادة الإنتاج وارتفاع مستوى الدخل ‏‏

180

4- النجاة من النّدم ‏‏

182

5- إتقان العمل ‏‏ 

183

6- ارتفاع مستوى الادّخار والاستثمار ‏‏ 

183

7- التنميّة الاقتصاديّة

185

8- حفظ كرامة النفس

185

9- سعة الرّزق

187

‏من شروط كسب الرزق

188

ثانياً: العواقب الوخيمة لسوء التدبير

191

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

206


198
فن التدبير في المعيشة - رؤية قرآنية روائية -