أسس الأخلاق


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-12

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

المقدّمة

9

مقدّمة المؤلّف‏

11

تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

15

العلاقة بين الأحكام القيميّة والصفات النفسانية مع الهدف من الحياة.

15

علم الأخلاق‏

19

3 ـ فلسفة الأخلاق‏

20

الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق

33

1 ـ النظرية الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق‏

33

2 ـ لوازم اللاواقعيّة

37

3 ـ لوازم الواقعيّّة

43

4 ـ منزلة الواقعيّّة واللاواقعيّة في فلسفة الأخلاق‏

47

قيمة الأخلاق ولزومها

59

 القيمة وأنواعها

59

 القيمة الأخلاقيّّة وأنواعها

64

  نطاق القيم الأخلاقيّّة

67

 اللزوم وأنواعه‏

68

5ـاللزوم الأخلاقيّّ‏

69


 

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

المفاهيم الأخلاقيّّة

81

1ـالجمل والمفاهيم الأخلاقيّّة

81

2-ـالحكاية الواقعيّّة للجمل الخبرية الأخلاقيّّة

84

3-واقعيّة الجمل الأخلاقيّّة الأمرية أو النهيية

91

4-   النتيجة

92

الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

103

  1-حقيقة الإطلاق والنسبيّة في الأخلاق)تذكير)

104

 2- أنواع أو مراحل النسبيّة الأخلاقيّّة

105

 3- تعارض أصل الحرية مع أصل التساهل والتسامح في بعض الموارد

116

المذاهب الأخلاقيّّة اللاواقعيّة

137

1-  الأمرية

138

2-الانفعالية

141

3-التعاهدية

145

4-تحليل المذاهب اللاواقعيّة

147

الواقعيّّة غير القابلة للاثبات

169

 ما هي الواقعيّّة غير القابلة للاثبات‏؟

170

 أنواع الواقعيّّة غير القابلة للاثبات‏

171

 النتيجة

181

الواقعيّّة القابلة للاثبات

203

 مذهب اللذة الشخصيّة

204

 مذهب الزهد وترك الدنيا

209

 مذهب القوة

211

 مذهب الانسجام العقلاني‏

213

 مذهب العاطفة

215

 النفعية العمومية

218

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

القيمة الذاتية

255

 مطلوبية الكمال الاختياريّ‏

256

 لزوم الملاك لتشخيص الكمال الاختياريّ‏

257

 ملاك تشخيص الكمال الاختياريّ‏

259

 نطاق الكمال الاختياريّ للإنسان‏

261

 القيمة النهائية

263

 لوازم القيمة النهائية

263

 القيمة النهائية وتأمين الأهداف الذاتية.

265

قيمة ولزوم الأفعال الاختيارية

285

 العاملان المعينان لمقدار القيمة الغيرية:

285

 ملاك أكثر الأفعال الاختيارية قيمة

288

 الدرجات المختلفة لقيم الأفعال الغيرية

289

 القيمة البديلة للأفعال الاختيارية

291

 الأنانية والغيرية

292

 الأنانية أو الإلهية

294

 أسلوب تشخيص قيم الأفعال‏

294

 الحدّ الأقلّ للقيمة واللزوم الأخلاقيّين‏

296

المذهب الأخلاقيّ في الإسلام

309

 المذهب الأخلاقيّ الإسلامي جزء من نطامٍ واحد

310

 معرفة الإنسان في الإسلام‏

311

 القيمة الذاتية والنهائية

312

 القيمة الغيرية

320

 القيمة البديلة

325

 الغيرية والأنانية )النفسية(

326

 الإلهية والأنانية)النفسية(

328

 أساليب تشخيص القيمة

328

 الحدّ الأقل للقيم واللزوم الأخلاقيين­‏

329

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

10ـ  الواقعيّّة القابلة للإثبات‏

333

المصادر العربية والفارسية

343

الكتب‏

343

المقالات‏

351

Bobliography

352

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

المقدمة

 المقدمة


الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إنّ علم الأخلاق من العلوم ذات البُعد العمليّ، والّتي يهدف من خلالها إلى بناء الشخصيّة الإنسانيّة المثاليّة، والّتي لا ترتبط بمجتمع دون آخر، ولا بدين دون دين، وإنّما هي عامّة لكلّ النوع البشريّ، وأمّا الفلسفة, فمن العلوم العقليّة الّتي تهدف لجلاء الشكّ وبروز اليقين، وإلى دحض السفسطة وسطوع الحقّ من خلال العقل والفكر، ومن خلال الدليل والبرهان.

وأمّا فلسفة الأخلاق، فهو العلم الّذي يؤّمن الطرق السليمة في الحياة الإنسانية، ويبيّن ملاكات هذه الطرق ويضيء عليها بنور العقل، وبتعبير آخر هو العلم الّذي يعقلن الأخلاق ويجعل الاختيار الإنسانيّ للسلوك العمليّ معتمداً على أُسس العقل والمعرفة، لتجعله ثابتاً أمام زعزعة العواصف وأمواج الشكّ والانحراف والتحلّل.

وبعد أن لاحظ مركز نون للتأليف والترجمة أهميّة هذا الكتاب، ومكانته العلميّة في بعض الجامعات في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، والركن الّذي ملأه هذا الكتاب في المكتبة الإسلاميّة، قام بنقله إلى اللغة العربيّة، وحاول قدر الإمكان المحافظة على التعابير والاصطلاحات العلميّة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9

5

المقدمة

 التخصصيّة، ليبقى الكتاب مالئاً مكانته العلميّة والمعرفيّة عند أهله.


نسأل الله سبحانه أن يتقبّل عمل كلّ من ساهم في إخراج هذا السفر إلى حيّز الوجود، إنّه نِعم المولى ونِعم المجيب.

مزكز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

6

المقدمة

 مقدّمة المؤلّف‏


تُعتبر الأخلاق من العلوم العمليّة، حيث إنّ الإطلاع عليها وتعلّمها يعتبر مقدّمة للعمل. ورغم أنّ الإنسان، وبسبب اختياره التكوينيّ، قد لا يعمل بما يعلم، إلّا أنّ هذا العلم ينفع في الحقيقة أولئك الساعين إلى الحياة السعيدة. ولقد سعى علماء الأخلاق وبشكل دائم إلى هداية الباحثين عن السعادة والكمال، وبالتالي وضعوا لهم هذا العلم لنيل مبتغاهم. وكذلك فقد اعتُبِرَ القادة الدينيّون - الّذين سعوا إلى تحقيق أهمّ أهداف الرسالات الدينيّة السماويّة أيّ هداية الإنسان إلى السعادة الحقيقيّة - من أعظم دعاة الأخلاق.

لقد واجهت هذه الهداية الكثير من العوائق والموانع كالتشكيك والنسبيّة اللّتين أثّرتا في مختلف مجالات الفكر البشريّ. وبطبيعة الحال لم تسلم منهما دائرة القيم الأخلاقيّّة. إلّا أنّه وفي القرون الأخيرة ظهر العديد من الاتجاهات الفكريّة، وبالتالي ظهرت في دائرة الأخلاق قيمٌ جديدة كالنزعة الإنسانية والليبرالية والتساهل والتسامح والإباحيّة. ومن جهة ثانية فإنّ التطور التكنولوجي جذب عامة الناس إلى اللذة وتأمين الرفاه المادي والربح الدنيويّ، ودفع القوى العظمى إلى بسط نفوذها العالمي، وبالتالي فقد اعتبرت هذه الاتجاهات من القضايا الإنسانية المعاصرة، ومن ثمّ ومن جهة أخرى فإنّ البلبلة والفراغ المعنويّ الناتج عن البعد الدنيويّ دفع بالعديد من الفرق إلى المذاهب الوضعيّة البشريّة لتحصيل الاطمئنان، وسدّ الفراغ. ولذا فقد سعت هذه 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

7

المقدمة

 الفرق والنحل إلى البحث عن القضايا الأخلاقيّّة والدعوة إليها في خطوة نوعية للابتعاد عن الأمور الدنيويّة.


وحيث إنّ الطبيعة البشريّة تميل نوعاً ما إلى كلّ تلك القضايا، فقد وجدت المذاهب الأخلاقيّّة أتباعاً لها ومريدين وجذبت إليها العديد من طوائف الإنسانية.

وعليه فقد اقترحت هذه المذاهب العديد من الطرق لتحصيل الحياة المطلوبة لأتباعها.

إلّا أنّ تأمين هذه الميول سيكون معقولاً إذا لم يقابل الفهم الصريح والواضح للعقل، ولذا فإنّ الساعين إلى الطرق المعقولة للحياة سيدركون بكل بساطة أنّ إرضاء هذه الميول بشكل غير معقول لن يكون أخلاقيّاً. ومن ثمّ فقد ترافقت هذه الميول، وفي الكثير من الموارد، مع الوساوس الذهنية، والتي أخذت أحياناً طابعاً فلسفياً. وفي هذه الحال فقد تعرضت مباني علم الأخلاق لنوع من الاضطراب والاختلال. وها هنا يسيطر على العقل غبار الأوهام ويضلّ أولئك الساعون في الاهتداء إلى طريق السعادة المنشودة. وبناءً عليه إذا خف نور العقل وامتلأ الفضاء بالغبار والضباب كيف لنا أنّ نهتدي إلى الحقيقة؟

إن هدف "الفلسفة" وبشكل عام هو جلاء غبار السفسطة والأوهام عن العقل. وأما هدف "فلسفة الأخلاق" بشكل خاص فهو جلاء الغبار الّذي يغطّي طريق العلم في مسير هذه الحياة. ولذا يُنتظَر من فلسفة الأخلاق، مضافاً إلى تأمين الطرق السليمة من أجل الحياة المنشودة، أنّ تؤمّن ملاكات اختيار هذه الطرق وأن تضيئها بنور العقل.

وبلا شكٍّ فإنّ وجود المباني المحكمة والاستدلالية في الأخلاق تعتبر خطوة أساسية للانتخاب الصحيح والمعقول من بين المذاهب الأخلاقيّّة.

إن وجود هذه المباني الصحيحة والمعقولة والمتقنة هي الّتي تمكّن الإنسان من الثبات أمام العواصف والأخطار الموجودة، أو الّتي يمكن حصولها، والتي ستهدّد القيم الأخلاقيّّة، وبالتالي ستدعوه إلى السير في الصراط المستقيم بكل عزمٍ واطمئنان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

8

المقدمة

 إنّ علم الأخلاق مقدّمة لسعادة الإنسان. وإنّ فلسفة الأخلاق تهدي العقل إلى المذهب الأخلاقيّ الّذي يؤمّن هذه السعادة ويبني الإنسان ويربيه.


إنّ هذا الكتاب الماثل بين يديك هدفه المعرفة الإجمالية لموضوع فلسفة الأخلاق وتعيين النطاق الكلّي للمذهب الأخلاقيّ الّذي يُرشد الإنسان إلى سعادته الحقيقيّة.

ومن ثمّ فإنّ المنهج المتّبع في هذه البحوث لأجل إيجاد ملاكات القيم الأخلاقيّّة والتحكيم بين مختلف نظريات المذاهب الأخلاقيّّة المتعدّدة في هذا المجال هو المنهج العقلي. وسوف نتعرّض عند اللزوم إلى توصيف هذه النظريات، إلّا أنّه لما كان توصيف كلّ النظريات الّتي ترتبط بشكل ما بفلسفة الأخلاق لا يتلاءم مع هدف وضع هذا الكتاب بشكل مباشر، فلن نلزم أنفسنا بذلك، ولهذا السبب سوف نعرض كليات هذه المذاهب في ثلاثة فصول وسنشير في الفصل الأخير إلى النطاق الكلي أيضاً للمذهب الأخلاقيّ في الإسلام.

إنّ أسلوب عرض الكتاب علمي وُضع للتدريس في وحدتين من الوحدات الجامعية. وأما المذكّرات الواردة في أواخر الفصول فالغرض منها التوضيح والتذكير والإرجاع إلى المصادر، وكذلك نقد بعض الآراء الواردة في المتن مع الإشارة إليها، وكذلك فإنّ هذه المذكّرات مفيدة للساعين إلى مزيدٍ من بزيادة الاطلاع والمعرفة حول المواضيع المذكورة. كما أنّنا نقترح على الأساتذة المحترمين الراغبين بتدريس هذه الفصول مطالعة الهوامش الملحقة بها مسبقاً.

وكذلك فإنّ قسم "الخلاصة" و"أكمل" قد وضعا بشكلٍ يسهل فيه تدوين الخلاصات وتجميعها نظراً للارتباط المنطقي بينها.

وأمّا "الأسئلة" فالغرض منها أيضاً التذكير بالموضوعات الّتي تم درسها وكذلك الإجابة عنها والاستفادة منها في بعض الأحايين.

وأخيراً فإنّ قسم "للبحث" يطرح موضوعات يمكن بحثها وتحليلها داخل الصف بمعونة الأستاذ، وفي بعض الموارد ربما تشكّل موضوعاً مستقلاً للتحقيق والبحث.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

9

المقدمة

 وأرجو من القراء الكرام أنّ يتفضلوا علينا بإبداء آرائهم المفيدة وانتقاداتهم البنّاءة سواء لجهة الأسلوب والمنهج أو محتوى الكتاب ومضمونه.


وكذلك أقدّم الشكّر لكلّ من ساهم في تهيئة وتدوين هذا الكتاب، وأخصّ بالذكر الأستاذ العلامة آية الله مصباح اليزدي، إذ إنّه مضافاً إلى توجيهاته الكلية فقد قام بمطالعة أغلب ما في هذا الكتاب ونقده، وكذلك أشكر الأساتذة المحترمين حجة الإسلام والمسلمين محمود فتحعلي، وحجة الإسلام والمسلمين محمّد حسين زاده، والأستاذ عبد الرسول عبوديت والذين لهم الحقّ الكبير عليّ لمطالعتهم هذا الأثر وإبداء الملاحظات عليه.

كما وأتقدم بالشكر لفريق فلسفة الأخلاق في "مؤسسة الإمام الخميني (قدس سره) التعليمية والتحقيقية" والذين ساهموا في تهيئة المقالات المرتبطة بموضوع الكتاب ووضعها في اختيارنا.

وأخص بالشكر الكبير أيضاً السيد علي رضا تاجيك، الّذي تقبّل تنظيم هذا الكتاب.

وفي الختام أشكر الله تعالى على كلّ نعمة. وأقدم هذا الأثر المتواضع في محضر مولاي صاحب العصر والزمان بقية الله الأعظم أرواحنا له الفداء راجياً منه دوام عنايته ولطفه.
 
مجتبى مصباح‏ خرداد 1382هـ.ش
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

10

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 
ربما يكون مصطلح "فلسفة الأخلاق" غريباً على من لم يطّلع مسبقاً على مسائل هذا العلم رغم معرفته بمصطلح "الفلسفة" ومصطلح "الأخلاق" كلاًّ على حدة.

إنّ مصطلح "الفلسفة" لوحده يشير إلى بيان العلوم النظرية الّتي تبين خصائص الوجود الكلية بالأسلوب العقلي.

وأمّا مصطلح "الأخلاق" فإنّه يحكي الصفات الفاضلة والمذمومة في الإنسان، وكذلك العلم الّذي يتكلم عن الصفات والسلوكيات القبيحة والحسنة.

لكن ما هو المراد من المصطلح التركيبي "فلسفة الأخلاق"؟ جواباً عن ذلك نقول إنّنا في هذا الفصل، ومع توضيح الأحكام القيميّة، وتقديم تصوّرٍ كاملٍ عن علم الأخلاق وأهميّته، سوف نتعرّف إلى فلسفة الأخلاق ومكانة هذا العلم بالمقايسة بعلم الأخلاق، وكذلك ضرورة التعرّض لمثل هذه البحوث.

1 ـ العلاقة بين الأحكام القيميّة والصفات النفسانية مع الهدف من الحياة.

1 - 1. الأحكام القيميّة

لطالما حكمنا وقضينا على سلوكنا وسلوك الآخرين مراراً وتكراراً. ومثالاً على ذلك قلنا: "إنّ ما قمت به بالأمس ليس صحيحاً" و"بدلاً من أن أخاف من توبيخ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

11

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 صديقي سأقول له الحقيقة". وكذلك من الممكن أنّ نقدّر الشجاع، الغيور، صاحب المروءة والكريم وفي المقابل نوبخ الحاقد، الحسود، والغافل، وغير ذلك الكثير الكثير من الأحكام الّتي نصورها يومياً والتي لها تأثيرٌ كبيرٌ في حياتنا العمليّة, إذ إنّه بناءً على هذه الأحكام نقوم بانتخاب الأصدقاء وتعيين طريقة عيشنا، وبالتالي ندرك أيضاً كيفية تنظيم سلوكنا وتقويمه ومع أيّ جماعة أو طائفة نتعامل دينياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وفي الواقع إن مثل هذه الأحكام تقع في نطاق "ما يجب" في سلوكنا.


ومع أنّنا نحكم بمثل هذه الأحكام عشرات المرات يومياً أو نتكلم بها مع الآخرين إلّا أنّه لربما لم نفكر دائماً في أهميّتها وفائدتها.

وفي الحقيقة هل يمكننا أنّ نعيش من دون وجود مثل هذه الأحكام؟ وما الّذي يلزمنا أنّ نفكر بها ونبحث حولها؟

لنتصور مجي‏ء ذلك اليوم الّذي تُحذف فيه كلّ هذه الأحكام من حياتنا، أيّ أنّه عندما نريد أنّ نقوم بأي فعل في ذلك اليوم الفرضي لن نعرف "ما يجب" علينا فعله.

مثلاً أنا أقوم الآن كلّ يوم من نومي وأذهب إلى الدراسة أو العمل، وبالتالي سأتصور أني في ذلك اليوم الافتراضي لا أعرف شيئاً عمّا يجب فعله يومياً، بل أكثر من ذلك أنّني لا أحكم عمّا لا يجب عليَّ فعله أيضاً، نعم من الممكن حينها أنّ أفكر في نفسي أنّه هل اللازم عليَّ أنّ أدرس أو أعمل لتنظيم أمور المجتمع أو خدمة الآخرين أو أيّ هدف آخر، لكن لا بد أنّ لا ننسى أنّه في ذلك اليوم الافتراضي لا يوجد أيّ هدفٍ من الأهداف المذكورة بل وحتى أضداد تلك الأهداف قابل للتقسيم في رأيي، أيّ أنني لا أعرف أنّ إدارة أمور المجتمع أو خدمة الآخرين أو أيّ هدف آخر هل هو "حسن" أو "قبيح" أو هل "يجب" أنّ أقوم به أم "لا يجب" عليَّ ذلك.

وبناءً على ذلك فليس لي حينها أيّ هدفٍ مشخص ينبغي عليَّ أو لا ينبغي عليَّ القيام به أو أيّ هدف منها أنتخب. وهذا التحير والحيرة يشمل كلّ الأفعال الّتي ترتبط باختياري في فعلها أو تركها، وفي ذلك اليوم العجيب لن أستطيع أنّ أستفيد وبشكل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

12

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  مطلوب من إرادتي وكأنني مسلوب الاختيار والإرادة، ولهذا سأكون حينها أشبه بخشبة فاقدة للاختيار ولست بإنسان أصلاً.


وفي الحقيقة فإنّ مثل هذه الأحكام الّتي أشرنا إليها تشير إلى ماهية الأهداف المنظورة في حياتنا وبالتالي توجب علينا أنّ نختار منها ما يتناسب مع أهدافنا القيمة فنقوم بها بمل‏ء إرادتنا.

وبشكل مختصر يمكن القول إنّ هذه الأحكام والقرارات ستصوّب حياتنا باتجاه هدف معيّن ومخصوص، وستؤثر حتماً في تقييم وانتخاب السلوك المناسب مع هذا الهدف. وبناءً على ذلك إذا كان هدف حياتنا مهماً لا بد أنّ يكون مهماً لنا أيضاً أنّ نعرف الأحكام والقرارات القيميّة لكي نوفق بينها وبين أفعالنا الاختيارية، حيث إنّ معرفة ما يجب فعله تعتبر الخطوة الأولى لاختيار العمل المناسب لهدفنا في الحياة.

1 ـ 2. الصفات النفسانية

من المقطوع به وجود عوامل أخرى غير "المعرفة" - والتي هي نوع من العلم - تؤثّر في اختيارنا وقيامنا بالأعمال المفيدة، ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى قسمين: داخلية وخارجية.
من جملة العوامل الخارجية يمكن الإشارة إلى الثقافة والآداب والتقاليد الاجتماعية، وكذلك أقوال وسلوك الّذين نعاشرهم غالباً سواء في العائلة أو الأصدقاء والأساتذة ووسائل الإعلام.
ومن جملة العوامل الداخلية يمكن الإشارة إلى بعض الصفات كالعفّة والغيرة والشجاعة أو الحسد والبخل والتكبّر.

ويشترك كلٌّ من العوامل الداخلية والخارجية في بحثنا وتحريكنا للاختيار والقيام بأفعال وسلوكيات خاصّة أو تتناسب معها، ومثالاً على ذلك لو عاشر الإنسان بعض الأفراد المتواضعين سيحرّكه ذلك ويشوّقه إلى التواضع، وكذلك من كان في طبعه الحسد وكانت هذه الصفة فعالة في نفسه فإنّه سيحسد في العادة، إلّا إنّهما يفترقان
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

13

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  في التأثير المباشر وعدمه، فالعوامل المحركة الخارجية يمكنها التأثير بشكل غير مباشر في اختيارنا وبالتالي تحريكنا ودفعنا للقيام ببعض الأعمال الخاصّة، وأما العوامل الداخلية فإنّها تؤثّر فينا بشكل مباشر لكن يمكن ترويضها والسيطرة عليها بالمعرفة والتمرين وبالتالي إيجاد التغيير فيها وتقويتها أو تضعيفها، وزيادة تأثيرها أو تقليله، وتفعيلها أو تحجيمها [1].


وبناءً عليه إذا استطعنا التعرّف بدقّة إلى الصفات المثبتة والإيجابية من بين الصفات الداخلية فسوف نعمل على تقويتها والتقليل من تأثير الصفات السلبية، وسوف نطمئن على صوابية أعمالنا وسلوكنا في الاتجاه الصحيح.

وفي الواقع فإنّ امتلاك الصفات النفسانية الفاضلة والحسنة عاملٌ محرك للقيام بالأعمال الحسنة وفي النتيجة تحصيل الهدف من حياتنا.

ومضافاً على ذلك وبناءً على الرؤية المعرفية للإنسان في الإسلام فإنّ حقيقة وجود الإنسان هي روحه المجردة والباقية بعد موته وأنّ الإنسان سيحشر مع صفاته النفسية. إذاً بناءً على ذلك فإنّ الصفات النفسية علاوة على تأثيرها في اختيار الأفعال والقيام بها فإنّها تؤثّر أيضاً في تكوين حقيقة وجود الإنسان.

إلّا أنّ السؤال المهم هو كيفية تشخيص الحسَن من القبيح في هذه الصفات، وبأي سلوكٍ يمكن تغييرها وتصحيحها.

وبعبارة أخرى ما هو العلم الّذي نحتاجه في سبيل الوصول إلى الهدف من الحياة المنشودة, أولاً لتعيين ما ينبغي أو لا ينبغي فعله من الأعمال والسلوكيات الحسنة أو القبيحة، وثانياً ليعرف لنا الصفات الداخلية الموجبة والسالبة والّتي من طرفٍ ما تؤثّر في سلوكنا بشكل مباشر ومن طرف آخر تتغير بناءً على ما نقوم به، وبالتالي تُكوِّن حقيقة وجودنا؟ وجواباً على ذلك نقول إنّ العلم المتكفّل بهذا الأمر هو "علم الأخلاق" [2] [3].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

14

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 2 ـ علم الأخلاق‏

 
يتكلّم هذا العلم عن السلوك الحسن والقبيح والصفات المقبولة وغير المقبولة وبعبارة أخرى عن الفضائل والرذائل.
 
وكذلك يتحدّث عن الأعمال الّتي ينبغي فعلها أو تركها، وعن الصفات الّتي ينبغي تنميتها أو تحجيمها.
 
إنّ علم الأخلاق يبحث أيضاً عن صفاتٍ كالكرم والبخل والشجاعة والجبن والتي يمكن تحصيلها أو إزالتها باختيارنا وإرادتنا أو الّتي يمكن السيطرة عليها والتحكم بها.
 
وكذلك يتعرّض هذا العلم للسلوك الاختياري الناشى‏ء عن تلك الصفات الداخلية الّتي تحدّد مسيرنا واتجاهنا وبالتالي تقوية هذه الصفات المحرّكة أو تضعيفها.
 
ونتعرّف في هذا العلم إلى قواعد عامّة لتقييم الصفات والسلوكيات الاختيارية والتي على أساسها نقوم بتقدير وتقييم صفاتنا وأعمالنا الاختيارية وكذلك صفات وأعمال الآخرين.
 
أي أنّه وبناءً على هذه الأسس والقواعد الأخلاقيّّة يمكن الحكم على أيّ عملٍ أو صفة بأنه حسن أو قبيح، وكذلك أيهما الصحيح وأيهما الخطأ، وكذلك المقبول منهما وغير المقبول، وما ينبغي فعله منهما وما لا ينبغي كذلك، وكما ترى فإنّ جميع هذه الأمور مفيدة في الوصول إلى الهدف المنشود من الحياة. وبشكل مختصر يمكن القول إنّ علم الأخلاق هو ذلك العلم الّذي يتكلم عن قيمة الصفات والسلوكيات الاختيارية وضرورة1 وجودها عند الإنسان [4].
 
 
 

1-  سوف نتكلّم في الفصل الثالث تفصيلاً عن مفهوم القيمة والضرورة بشكل عام وعن القيمة والضرورة في الأخلاق بشكل خاص. وقبل الوصول إلى تحقيق المراد منهما سوف نكتفي في بحوثنا الحالية بالمفهوم الارتكازي عندنا عن القيمة واللزوم الأخلاقيّين وبقليل من المسامحة نعبر عنهما بالحسن والقبيح وما يجب وما لا يجب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

15

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 3 ـ فلسفة الأخلاق‏


1 ـ 3. الأسئلة الأساسية في مجال الأحكام الأخلاقيّّة

تعرفنا حتى الآن إلى علم الأخلاق وأهميّته. لكن في الحقيقة هناك آراء ونظريات متعدّدة حول تعريف القيم والضرورات الأخلاقيّّة والتي تختلف فيما بينها في مجال تقييم الصفات والأفعال الاختيارية وضرورتها ولزومها. وها هنا ومن أجل تحصيل الهدف الهام الّذي نسعى إليه يجب علينا معرفة أيّ واحد نختار من بين هذه المذاهب الأخلاقيّّة:

ومجدّداً نعود إلى أحكامنا القيميّة والّتي قُبلت على أساس القواعد الأخلاقيّّة عندنا والّتي سوف نستفيد فيها من كلمات نظير: "الحسن" "القبيح" "يجب" و"لا يجب".

وهنا نسأل: ما هو معنى هذه الكلمات بالدقّة؟ وأيّ شي‏ء تُخبر؟ وهل الحسن والقبح صفتان واقعيّتان لأفعالنا وصفاتنا؟ وهل يمكن إثبات القواعد الأخلاقيّّة كما نُثبت القوانين الفيزيائية والقواعد الهندسية؟ وهل يمكن على أساسها تشييد مذهب أخلاقيّ قوي يمكن الدفاع عنه؟ وهل يمكن تقييم القواعد الأخلاقيّّة بناءً على ملاكات واقعيّة وثابتة أم أنّ مبنى تقييم هذه القواعد أمور متغيرة لا ثبات لها؟ وهل أنّ الأخلاق مطلقة أم أنها نسبية؟

وفي الحقيقة فإنّ تحقيق هذه الأسئلة والإجابة عنها لا يرتبطان بعلم الأخلاق [5]، لأنّ هذا العلم يفترض مسبقاً أنّنا نعرف معنى الحسَن والقبيح، وكذلك فإنّ هذا العلم يمتلك قواعد أخلاقيّّة خاصّة به ويمكن القبول بها، وإنّما نسعى نحن فقط إلى المعرفة التفصيلية بها.

إنّ علم الأخلاق يقدّم لنا جدولاً من الأفعال والصفات الحسنة والقبيحة، إلّا أنّه لا يأخذ على عاتقه بالضرورة لزوم الدفاع العقلاني عن جداوله، ولو كان هذا الأمر ضرورياً ولازماً فلا بد من الذهاب إلى علم آخر وطلب الإعانة منه [6].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

16

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 2 ـ 3. ضرورة الإجابة عن الأسئلة السابقة


ما هي أهميّة وضرورة معرفة الإجابة عن هذه الأسئلة؟ أوليس علم الأخلاق كافياً لنا للقيام بالأعمال الحسنة والابتعاد عن الأعمال القبيحة والسيئة؟ أوليس كافياً لنا لامتلاك الصفات الفاضلة وتهذيب أنفسنا من الصفات الرذيلة؟ لأجل إدراك أهميّة الإجابة عن هذه الأسئلة سوف نتصوّر مرّة أخرى واقعة افتراضية:

في هذه الواقعة ليس لدينا أيّ اطلاع على الإجابة عن أيّ سؤال جديد أيّ أنّنا لا نعرف ما معنى الحسن وما معنى القبيح، ولا نعرف أنّ القواعد الأخلاقيّّة مطلقة أو نسبية، وهل أنّ أحكامنا القيميّة صحيحة أم لا، وكذلك لا نعرف أيّ واحد هو المقبول والمعتبر من بين المذاهب الأخلاقيّّة المختلفة، وأيضاً كما نحتمل أنّ القواعد الأخلاقيّّة تشبه البيانات العلمية بحيث يمكن إثباتها، وأنها مبينة للحقائق العلمية، كذلك نحتمل أنها مجرد بيان لأحاسيسنا الداخلية أو أنها ناشئة عن نوع من التوافق والعقود الاجتماعية - كما نشير إلى توضيحها في الفصول اللاحقة - وفي هذه الصورة لا يمكننا الاطمئنان بدقّة إلى ما نصدره من أحكام وقرارات، وفي النتيجة سوف نتردد فيما نختاره ونقرره وسوف نتهاون في حفظ وحماية قيمنا الّتي قبلناها، ومضافاً إلى ذلك فإنّه في مثل هذه الواقعة لن يكون معقولاً أنّ ندافع عن آرائنا وبالتالي إثبات صحة قراراتنا للآخرين.

إذا لم تكن القيم الأخلاقيّّة ذات ملاكات واقعيّة وثابتة لا تتغير، وكانت مبتنَية على السلائق الفردية أو الجمعية فحينئذٍ لن يكون مفيداً أيّ سعي فكري أو نظري لتحقيق الهدف المنشود من الحياة وتأمين الطرق الموصلة إلى هذا الهدف، وكذلك لن يكون مفيداً أيّ بحث وحوار لإثبات قيمنا المقبولة عندنا وردّ تلك القيم الّتي لا نقبلها.

وكذلك سوف يكون أيّ نوعٍ من الجهاد العملي في سبيل حفظ قيمنا المختارة وتوطيدها في المجتمع ومواجهة الغزو الثقافي والقيم المعارضة والمنحرفة أمراً غير معقول.

ومن ثمّ فإنّ هذه القيم إذا لم تكن ذات ملاكات ثابتة سيؤثر ذلك بشكل مباشر على
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

17

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 مقدار اطمئناننا في التشخيص الصحيح لهذه الملاكات في ميزان اهتمامنا بحفظ هذه القيم، ونشرها.

 
نعم من المقطوع به أنّ عامة الناس تمتلك مثل هذه القرارات والأحكام القيميّة ولديها إجاباتها عن مثل هذه الأسئلة وبالتالي تحكم بناءً على هذه الإجابات على الرغم من كونها مجملة أحياناً أو أنها لا تستند إلى علم خاص أو معرفة باصطلاحات ذلك العلم، ولذا فإنّنا نراهم يقبلون بتسرّعٍ بعض تلك الأحكام والقرارات أو يرفضونها كذلك.
 
إلّا أنّه ولأجل الاطمئنان والتأكّد من صحّة أحكامنا فإنّنا نحتاج حتماً إلى تحليلها بشكل علمي، وتأكيداً لذلك نقول إنّ عامة الناس يستدلّون لإثبات مراداتهم مع أنّه من الممكن عدم تعلّمهم قواعد الاستدلال في علم المنطق، إلّا أنّه وللاطمئنان على صحة الاستدلال وللحذر من الوقوع في فخ المغالطات لا بد لنا من الاطلاع بشكل علمي على قواعد الاستدلال في علم المنطق.
 
3 ـ3. فلسفة الأخلاق هي الجواب عن الأسئلة المذكورة
 
وكما أشرنا فإنّ علم الأخلاق يبتدى‏ء عمله مع هذا الافتراض المسبق وهو امتلاكنا لإجابات - ورغم كونها إجمالية - عن تلك الأسئلة المذكورة، وهذا يعني أنّ البحوث المرتبطة بالإجابة عنها مقدّمة على بحوث علم الأخلاق، ولذا لو أردنا تقديم تحقيق هذه الإجابات ضمن علم مستقلٍ فإنّ مثل هذا العلم سيكون مقدّمة للدخول إلى علم الأخلاق لأنّه في الحقيقة يبحث عن أصوله ومبانيه وبالاصطلاح عن مبادى‏ء علم الأخلاق.
 
وبناءً عليه فإنّ العلم الّذي يبحث عن مبادى‏ء علم آخر يسمى "فلسفة" ذلك العلم ولذا يسمى العلم الّذي نبحث عنه بـ"فلسفة الأخلاق"1.
 
هذا ومن الواضح أنّ "الحسن" و"القبيح" و"القواعد الأخلاقيّّة" و"الواقعيّّة أو
 
 
 

1-  Ethics or Moral Philosophy.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

18

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  اللاواقعيّة في القيم والضرورات الأخلاقيّّة" وكذلك "ثبوت أو عدم ثبوت القواعد الأخلاقيّّة" و"الاطلاق والنسبيّة في الأخلاق" وأمثال هذه المفاهيم ليست أموراً حسية يمكن مشاهدتها، ولذا فإنّ المنهج التجريبي لن يكون مؤثّراً بشكل مباشر في حلّ مسائل هذا العلم [7].


وبناءً عليه فإنّ المنهج المتّبع في تحقيق هذا العلم سيكون منهجاً عقلياً.

فلسفة الأخلاق تحقيق فلسفيّ (عقليّ) حول المبادى‏ء التصوريّة والتصديقيّة لعلم الأخلاق.

أي أنّه يبحث في هذا العلم من وجهٍ طرفٍ ما حول مفاهيم "الحسن"، "القبح"، "يجب" و "لا يجب" - والّتي يستفاد منها في التعابير الأخلاقيّّة - وارتباطها مع الواقعيّات، ومن وجهٍ آخر يحقق فيه حول الأصول المؤثّرة في قبول أو عدم قبول الأمور الأخلاقيّّة اللازمة أو في كيفية اختيار المذهب الأخلاقيّ المطلوب، كلّ ذلك بناءً على المنهج العقلي والاستدلالي.

الخلاصة 

1 ـ الأحكام القيميّة موجودة في حياتنا اليومية، وتشير إلى هدفنا في الحياة، وتعتبر من العوامل المساهمة في قيامنا بالأعمال المختلفة وفي تحقيق هدفنا في الحياة.

2 ـ تنقسم العوامل المؤثّرة في قراراتنا للقيام بالأفعال الاختيارية إلى قسمين: العوامل الخارجية - كالثقافة والآداب والتقاليد الاجتماعية، والأصدقاء، والمعلمين ووسائل الإعلام ـ، والعوامل الداخلية نظير الصفات النفسانية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

19

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 3 ـ تلعب العوامل المحركة الخارجية دور المرشد والمحفّز، وأمّا العوامل المحرّكة الداخلية والّتي تؤثّر في سلوكنا بشكلٍ مباشر فيمكن السيطرة عليها عبر المعرفة والتمرين والرياضة.

 
4 ـ بناءً على الرؤية المعرفية للإنسان في الإسلام فإنّ العوامل المحركة الداخلية (الصفات النفسانية) مضافاً إلى تأثيرها في سلوكنا وأنها تقبل التأثير والتغير أيضاً فإنّها تشكل حقيقة وجود الإنسان.
 
5 ـ إنّ علم الأخلاق الّذي يُتكلَّم فيه عن قيمة الصفات والسلوك الاختياري للإنسان وضرورة وجودها يمكنه أنّ يعيننا، ولأجل نيل الهدف المنشود من الحياة، في أنّ نختار الأفعال الحميدة الّتي لا بدّ منها.
 
6 ـ إنّ فلسفة الأخلاق تحقيقٌ فلسفي (عقلي) حول المبادى‏ء التصورية والتصديقية لعلم الأخلاق ويُبحث فيه عن المفاهيم الأخلاقيّّة وارتباطها بالواقعيّات وكذلك عن الأصول المرتبطة بقبول أو عدم قبول البيانات الأخلاقيّّة.
 
7 ـ حيث إنّ فلسفة الأخلاق هي مبنى علم الأخلاق فإنّ اطمئناننا إلى صحّة أحكامنا الأخلاقيّّة يرتبط بهذا العلم، ومن ثمّ فإنّ ميزان الاطمئنان هذا يؤثّر بدوره في ميزان اهتمامنا بالثبات عليها في مقام العمل والسعي لحفظ وبسط القيم الأخلاقيّّة.
 
الأسئلة 
 
1 ـ أوضح ماهية الارتباط بين الأحكام القيميّة مع الهدف من الحياة، وكيف تؤثّر في نوعية سلوكنا الفردي والاجتماعي.
 
2 ـ ما هي العوامل المحركة الداخلية والخارجية المؤثّرة في طريقة اختيارنا؟ بيّن ماهية العامل المؤثر في طريقة اختيارنا عند كليهما.
 
3 ـ عمَّ يتكلّم علم الأخلاق؟ وكيف يمكن الاستعانة بهذا العلم للوصول إلى الهدف المنشود من الحياة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

20

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 4 ـ عرّف فلسفة الأخلاق واشرح نموذجين من مسائلها.


5 ـ ما هو السبب في تقديم فلسفة الأخلاق على علم الأخلاق؟ أوضح ذلك.

6 ـ أوضح أهميّة فلسفة الأخلاق من الناحية النظرية والعلمية.

7 ـ لنفترض أنك في مقام النهي عن المنكر أوصيت أحدهم بترك أمرٍ ما لا ينبغي فعله، ولكنه أجابك بالقول "إذا لم يعجبك هذا العمل فيمكنك أنّ لا تقوم به ولكنه حسن في رأيي وأريد القيام به".

أوضح ما يلي: هل أنّ اختلافك معه يرجع إلى علم الأخلاق أو إلى فلسفة الأخلاق؟ ومن أيّ علم تستفيد في مقام إجابته؟

للبحث 

مع الإشارة إلى ما استفدناه وعرفناه حول علم الأخلاق، هل يمكن برأيك تحقيق الهدف من الحياة بمجرد المعرفة بهذا العلم أم بالعمل به؟ وما هو دور علم الأخلاق في تحقيق هذا الهدف؟ وما هي الأشياء الأخرى الّتي نحتاج إليها من أجل الوصول إلى هذا الهدف؟
 
إقرأ 

من الممكن أنّ تتفاوت الصفات النفسانية بادى‏ء ذي بدء عند مختلف الأفراد. وربما يرتبط هذا الضعف الأوّليّ بطبيعة هؤلاء الأفراد وعوامل أخرى متعدّدة تؤثّر في ذلك كالوراثة مثلاً، إلّا أنّه يمكن بعد التعود الاختياري أنّ يقويها بتكرار العمل أو أنّ يضعفها بالتمرن على الترك (راجع، عبد الرزّاق لاهيجي، گوهر مراد، ص 667).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

21

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 وحتماً فإنّ هذه المراتب من الصفات والتي تُكتسب أو تُحفظ باختيار الإنسان وكذلك الأعمال الصادرة عنه باختياره هي الّتي تقبل التقييم الأخلاقيّ (وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى وأن سعيه سوف يرى) (سورة النجم، الآيتان: 39 ـ 40).


يُطلق على الصفة النفسية الثابتة في قلب الإنسان والتي أصبحت بمثابة الملكة عنده "الخُلُق" لغة، حيث إنّ الإنسان حينها يقوم فوراً بالعمل الّذي يتناسب مع هذه الصفات وبدون أيّ تأمّلٍ وتردّد.

ولكي تتعرّف أكثر إلى تعريف "الخُلُق" راجع قواميس اللغة، وكذلك: محمّد مهدي النراقي، جامع السعادات، تصحيح وتعليق محمّد كلانتر، ص‏22.

- محمّد بن شاه مرتضى الفيض الكاشاني، الحقائق في محاسن الأخلاق وقرة العيون في المعارف والحكم ومصباح الأنظار، تحقيق وتذييل إبراهيم الميانجي ص54.
- عبد الرزاق لاهيجي، گوهر مراد، ص667.

هذا وعلى الرغم من استعمال الخُلُق لغة في الصفة الثابتة والملكة النفسانية، وهذا هو المراد عادة عند استعماله في علم الأخلاق، إلّا أنّ هذا المصطلح قد يُستعمل بمعنى أعمّ فيُطلق حينئذٍ على مجمل الصفات النفسانية الّتي هي منشأ الأفعال الاختيارية - سواء كانت هذه الصفة ثابتة (ملكة) أم غير ثابتة (حال) - وبناءً على هذا المصطلح فإنّ ما يقوم به البخيل أحياناً من عطاءٍ ولو مع التكلّف يُعتبر عملاً أخلاقيّاً إيجابياً.

وفي المصطلح الثالث تطلق الأخلاق فقط على الصفات الحسنة والفاضلة وحينئذٍ فإنّ الأفعال القبيحة وغير المرضية تسمى باللّاأخلاقيّّة.

والجدير قوله أنّ الخُلُق يُستعمل أحياناً في المحاورات العرفية بمعنى الخُلُق الاجتماعي، وبناءً عليه فإنّ من يحسن التصرّف مع الآخرين يسمى بحسن الأخلاق، وفي مقابل ذلك فإنّ من يسي‏ء التصرّف معهم يسمى بسيئ الأخلاق، إلّا أنّه وبناءً على ما ذكرناه من المعنى اللغويّ والاصطلاحي للأخلاق فإنّ الأخلاق لا تختصّ فقط بالأخلاق الاجتماعية.

ربما يمكن اعتبار علم الأخلاق متّحداً مع الأخلاق المعيارية (No rmative Ethics) إلّا أنّ بعضهم اعتبر أنّ هذه الأخيرة قسمان: القسم الأوّل منها يتكلّم عن الملاكات الكلية للأخلاق والآراء المتعدّدة حولها، وفي القسم الثاني يتكلّم عن مصاديق تلك الملاكات الكليّة وقبح الأفعال وحسنها.

وبناءً على هذا التقسيم فإنّنا إذا اعتبرنا إمكانية تحقيق الملاكات الكلية للأخلاق بالبحث والتحقيق العقلي والفلسفي، فإنّ هذا القسم من الأخلاق المعيارية سيشترك مع علم ما بعد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

22

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  الأخلاق Meta Ethics ( ـ الأخلاق التحليلية Analytic Ethics ـ الأخلاق النقدية (Critical Ethics ـ والذي يُبحث فيه عن الواقع الظاهري للجمل الأخلاقيّّة ومجال عملها وتحليل المفاهيم الأخلاقيّّة في تشكيل فلسفة الأخلاق.


وأمّا لو اعتبرنا أنّ الأخلاق المعيارية تختصّ ببيان الملاك الكلّيّ ومصاديقه فقط، ولا ربط لهذا العلم بالتحقيق العقلي والفلسفي في انتخاب الملاكات، فحينئذٍ يمكن مساواة علم الأخلاق مع علم الأخلاق المعيارية.

وفي هذه الصورة إذا اعتبرنا التحقيق العقلي والفلسفي لانتخاب المعايير والملاكات جزءاً من ما بعد الأخلاق فإنّ فلسفة الأخلاق أيضاً ستكون مساوية لما بعد الأخلاق (يراجع حول هذا الموضوع علي شيرواني، فرا اخلاق، (ما بعد الأخلاق)، ص 15 ـ 20, وصادق لاريجاني، فلسفة أخلاق 1، المجلة التخصصية: كلام اسلامي العدد 11، ص71, وارنوك، فلسفه اخلاق در قرن بيستم ترجمة وحواشي ابو القاسم فنائي، مقدّمة المترجم، ص 32 ـ 35).

بالنسبة لموضوع علم الأخلاق والهدف الأصلي منه يوجد رأيان واتجاهان أساسيان:

أوّلهما: أنّ المتّصف أصالة بالقيم الأخلاقيّّة هي بعض الصفات الداخلية، وبالتالي فإنّ علم الأخلاق يتكفّل ببيان قيمة وضرورة وجود هذه الصفات النفسانية، وكذلك فإنّ هدف علم الأخلاق هو تزيين النفس بالملَكات النفسانية الفاضلة وتخليتها من الصفات الرذيلة والوصول إلى كمال النفس.

وأمّا الأفعال والسلوكيات - ومع أنّه يُبحث عن قيمتها بناءً على هذا الرأي - فإنّها في الواقع وسيلة لتحقّق الصفات الراسخة عند الإنسان، ومن آثار تلك الصفات النفسانية.

وقد اختار علماء الأخلاق المسلمون - بناءً على الرؤية المعرفية للإنسان عندهم - هذا الاتجاه القائل بأنّ حقيقة وجود الإنسان يتقدم بنفسه المجردة وأنّ الكمال والنقص الواقعيّ عند الإنسان يراد منه نفسه وروحه، وبعبارة ثانية فإنّ الكمال والنقص الحاصل للإنسان في هذه الدنيا بسبب أفعاله الاختيارية يبقى متعلقاً بروحه وأنّ الإنسان بعد موته سيحشر معها.

(راجع: محمّد مهدي النراقي، جامع السعادات، الباب الأول، نصير الدين الطوسي، أخلاق ناصري، تصحيح وتوضيح مجتبى مينوي وعلي رضا حيدري، ص48، ابن مسكويه، أحمد بن محمد، تهذيب الأخلاق، ص‏5, ابن مسكويه، أحمد بن محمد، كيمياي سعادت، ترجمة طهارة الأعراق، ترجمة أبو طالب زنجاني ص27). 

الثاني: وهو ما خرج عند علماء الأخلاق في الغرب، حيث يعتبرون أنّ القيم الأخلاقيّّة ناظرة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

23

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  فقط إلى السلوك الإنساني، وأنّ علم الأخلاق ينظر فقط إلى بيان قيمة السلوك وضرورته، وأنّ الهدف الأصلي لعلم الأخلاق هو تصحيح هذا السلوك ولا يوجد أيّ هدف له ما وراء ذلك، يقول فولكيه: "إنّ علم الأخلاق عبارة عن مجموعة قوانين السلوك الّتي تمكّن الإنسان من خلال العمل بها من الوصول إلى هدفه" (راجع: عبد الرحمن بدوي، الأخلاق النظرية، ص‏10)، ويذكر جكس أيضاً أنّ: "علم الأخلاق عبارة عن تحقيق السلوك الإنساني بالشكل الّذي يجب أنْ يكون عليه" (جكس، فلسفة اخلاق (الحكمة العمليّة)، ترجمة الدكتور أبو القاسم بور حسيني ص9). 


هذا ويذهب الاتجاه الأوّل إلى تسمية الأخلاق بالفضيلة فيقول أخلاق الفضيلة (Ethics of Virtue) وأما الاتجاه الثاني فيسميها بالوظيفة أو العمل ويطلق عليها أخلاق الوظيفة أو العمل (Ethicsof Duty).

وقد اختلف فلاسفة الأخلاق أيضاً حول مصداق هدف علم الأخلاق وتعيين ملاك التقييم للبيانات الأخلاقيّّة، وسوف نتعرض إلى ذلك بالبحث والتحقيق في الفصول الآتية.
لقد طُرحت حول "الأخلاق" أسئلة متنوّعة، وقد تكفّلت علوم متعدّدة الإجابة عنها. وفي هذا المجال وبغضّ النظر عن "علم الأخلاق" و"فلسفة الأخلاق" نشير إلى "الأخلاق العمليّة" والّتي تذكر الأساليب العمليّة للتحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل، وكذلك تبيّن طرق السير والسلوك من الناحية الأخلاقيّّة. وقد تعرّض علماء الأخلاق المسلمون إلى ذلك في كتبهم الأخلاقيّّة.

وكذلك نذكر "الأخلاق التوصيفية" Descriptive Ethics والتي تصف أخلاقيّات الأفراد وسيرتهم العمليّة، وتتكلّم عن المجتمعات والأديان والمذاهب.

كما ويمكن أنْ يكون نفس علم الأخلاق موضوعاً للبحث، حيث يبحث عن تاريخ هذا العلم والهدف منه وفائدته وحياة علماء الأخلاق العظام وغيرها من المسائل الّتي تُذكر عادة في مقدّمة علم الأخلاق أو يمكن اعتبارها علماً مستقلّاً بحدّ ذاته.

لقد ظهرت أنواع متعدّدة من العلوم بناءً على الحاجة إليها والتوسع في مسائلها حتى أصبحت علوماً مستقلة بحد ذاتها، وفلسفة الأخلاق من هذا القبيل ولا تُعدّ استثناءً من القاعدة، حيث إنّ مسائل فلسفة الأخلاق كانت متفرقة هنا وهناك أو تُذكر عند الابتلاء أو السؤال، فذُكر بعضها في كتب أصول الفقه (ومن جملتها بحث القبح العقلي للعقاب بلا بيان، والذي هو مبنى البراءة العقلية، وكذلك المستقلّات العقلية)، وذُكر بعضها في كتب الكلام (في بحث الحسن والقبح الذاتي والعقلي، عند الاستدلال العقلي على الحكمة الإلهية والعدل الإلهي)، وفي الفلسفة وعلم المعرفة أيضاً (في بحث المفاهيم الاجتماعية هل هي حقيقية أم اعتبارية، وكذلك ارتباط هذه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

24

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

  المفاهيم والبيانات الأخلاقيّّة بالواقع)، وكذلك ذُكرت في علم الأخلاق (عند بيان الخير والشر الحقيقيّين).

 
من الممكن أنّ يقال إنّنا لمّا كنّا مسلمين فإنّه يمكننا الإجابة عن هذه الأسئلة المتعدّدة بناءً على عقائدنا الدينيّة، وبناءً على ذلك فإنّنا لا نحتاج إلى تحقيقها من الناحية العقليّة.
ومن ثمّ وحيث إنّنا نعتقد بحقانيّة ديننا بالدليل والبرهان سوف ندعو الآخرين، وللتصديق بصحة إجاباتنا عن هذه الأسئلة، إلى التحقيق في أدلّة إثبات حقانية الإسلام، وعندئذٍ وفي ظلّ ذلك سوف يدركون حقانية مذهبه الأخلاقيّ. وبعبارة أخرى يمكن إثبات حقانية دين الإسلام بشكل كلّي بالاستفادة من علم الكلام أو الأصول العقائدية، ومن ثمّ سوف نجد إجابات هذه الأسئلة بالمطالعة التفصيلية من الداخل الديني.
 
ومثالاً على ذلك فإنّه بالاستناد إلى أنّ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان من جملة أهداف بعثته المباركة تتميم مكارم الأخلاق1 ، وكذلك إلى أنّ الدين الإسلامي قد اكتمل في زمان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا"2، وإلى أنّ رسالة نبيّ الإسلام عامّة وعالمية "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"5 "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا"3، وإلى أنّ الحلال والحرام المبيَّنينَ في هذا الدين ثابتان إلى يوم القيامة (فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)4، بالاستناد إلى كلّ ذلك يمكن القول إنّ الأخلاق ليست نسبيّة ولا توافقيّة ولا شخصيّة، وإنّ الأخلاق الواقعيّّة لا بدّ من البحث عنها من داخل الدين وتعلّمها والعمل بها.
 
إلا أنّه لا بد من الالتفات ها هنا إلى بعض الملاحظات الهامّة:
 
أوّلاً: لا بدّ لنا أنْ نقبل، وبنفس المقدار الّذي نعتبر فيه ضرورة تحقيق هذه الإجابات من خلال المطالعة الداخلية للدين، بضرورة وجود علم آخر يتكفّل بيان هذه الأمور، وكما هو الحال في علم الفقه وعلم الكلام واللذين هما علمان مستقلّان إلّا أنّهما يتكفّلان ببيان قسمٍ من المعارف الدينيّة. أما البحث 
 
 


1- بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق، بحار الأنوار، ج‏70، الباب 59، الحديث 18.
2- سورة المائدة، الآية: 3.
3- الأنبياء، الآية: 107.
4- الفرقان، الآية: 1.
5- بحار الأنوار، ج‏11، الباب الأول، الحديث 55، وكذلك الجزء 47، الباب 4 الحديث 33.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

25

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 حول أسلوب التحقيق في فلسفة الأخلاق أيّ أنّه هل يجب أنْ نجيب عن الأسئلة المذكورة بالأسلوب العقلي أو أنّه يمكن الإجابة عنها من خلال الدين فهو مسألة أخرى.


ثانياً: إنّ التحقيق العقلي حول هذه الأسئلة يعطينا فرصة مستقلّة للدفاع العقلاني عن الدين الإسلامي، وإثبات حقانيته، بغضّ النظر عن البحوث الكلامية كالنبوّة والإمامة والعصمة وغيرها. ومن الواضح أنّ مثل هذا الدفاع العقلاني عن أيّ مسألة من مسائل الدين وفروعه - والتي يمكن للعقل البشريّ تحقيقها - لن يكون غير مذموم فحسب بل يمكن اعتباره عاملاً مكملاً لإثبات حقانية الإسلام وكذلك عاملاً مهماً في استقطاب الباحثين عن الحقيقة إلى هذا الدين، بل ربما يمكن القول إنّ هذا الطريق هو أقصر الطرق وأفضلها لإثبات حقانية المذهب الأخلاقيّ في الإسلام في مقابل بقية المذاهب الأخرى.

ثالثاً: سنرى في الفصول الآتية أنّ الحاجة الأساسية للبشر إلى الدين في مجال الأخلاق إنّما هي في موقع عدم استطاعة عقل الإنسان لوحده التشخيص الصحيح لآثار سلوكه، وكذلك فإنّ الأوامر الدينيّة الأخلاقيّّة في الموارد الّتي لا يستقلّ العقل فيها بتشخيص جهات القبح والحسن فيها هي أوامر إرشادية.

وبناءً عليه لو كان لدينا بعض القيم الأخلاقيّّة الّتي يحكم بها العقل ولم يتبيَّن في المتون الدينيّة فلن يُعتبر هذا الأمر نقصاً في الدين ولن يكون بمعنى أنّنا لا نقدر على تشخيص تكليفنا في هذه الموارد، بل لا بدّ لنا حينها من اتباع حكم العقل، لكن ها هنا ما هو ملاك التشخيص الصحيح للعقل هي هذه الموارد؟ وبأي دليلٍ اعتمدنا على حكم العقل فيها؟ وهنا نسأل: ألا يعتبر الأشعري نفسه مسلماً مع أنّه يتعبّد فقط بالأخلاق المنصوصة ولا يقبل حكم العقل بحسن الأفعال وقبحها؟

والأهم من ذلك أنّ القيم الأخلاقيّّة إذا لم يكن لها أيّ ارتباط بالواقعيّات فلماذا يجب علينا إطاعة الأوامر الدينيّة وأوامر الله تعالى؟ ومن هو الّذي أصدر "يجب" الأولى وما هو ملاك صحّتها؟

وكما سنرى عند نقد نظريّة الأشاعرة (الأمر الإلهي) فإنّنا إذا لم نقبل بالحسن والقبح الذاتيّين وحجّيّة العقل في موردهما سيبقى لزوم إطاعة الأوامر الإلهية والمقرّرات الأخلاقيّّة الّتي صُرّح بها في النصوص الدينيّة بلا أيّ دليلٍ.

لنفترض ها هنا أنّه بعدما راجعنا النصوص الدينيّة علمنا أنّ الله ورسوله والإمام قد أمرونا بأنّه يجب القيام بالعمل "أ"، وهنا لو احتملنا أنّ "يجب" هذه كانت مجرّد بيان إحساس أو سليقة الآمر فحينئذٍ ما هو الدليل الملزم لنا بالعمل طبق سليقته؟.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

26

الفصل الأول: تعريف فلسفة الأخلاق ومكانتها

 وبناءً على ما تقدم فإنّ تحقيق هذه الإجابات من خارج الدين ضروري لإثبات حسن وقبح هذه الأمور الّتي حكم بها العقل ولم يصرح بها في النصوص الدينيّة، وكذلك لإثبات ضرورة إطاعة المقرّرات الأخلاقيّّة المنصوص عليها في المتون الدينيّة.


رابعاً: إنّ تحقيق القواعد الكلية للعقل في مجال حسن الأفعال وقبحها سيعيننا في تشخيص حسن وقبح الأفعال الّتي لم تُطرح في السابق واصطلاحاً الّتي تُسمّى بالمسائل المستحدثة، أو في تشخيص تغيّر قيم الأفعال أو عدم تغيّرها مع طرح الشرائط الجديدة وكذلك أيضاً في موارد تزاحم القيم.

خامساً: كما أنّ العقل القطعي يُعتبر من مصادر معرفة الأحكام كذلك يُعتبر من مصادر معرفة الأخلاق أيضاً، وحينئذٍ عندما يتعارض العقل القطعي مع النقل الظنيّ فإنّ الأوّل حاكمٌ عليه. وحيث إنّ سند بعض المتون الدينيّة أو دلالتها ظنّيّ فإنّ وجود الأحكام القطعية للعقل سوف يعيننا على الفهم الدقيق للقيم الأخلاقيّّة.

ومن جميع ما ذكرناه نستنتج أنّ تحقيق المسائل المذكورة يحتاج إلى علم مستقلٍّ يستخدم أسلوب التحقيق العقلي وهو مقدّم على علم "الأخلاق"، ومثل هذا العلم يسمى بـ "فلسفة الأخلاق".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

27

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 الفصل الثاني:

 
الواقعية1 واللاواقعية في الأخلاق2:
 
يُمكن القول إنّ بحثَي الواقعيّّة واللاواقعيّة من البحوث الأساسية والمحورية من بين البحوث المتعدّدة في فلسفة الأخلاق، حيث إنّ أهمّ مسائل هذا العلم تدور حول هذين البحثين، وكذلك يمكن اعتبارهما كمبنى لتقسيم المذاهب الأخلاقيّّة المتعدّدة. ومن ثمّ فإنّ نتيجة هذا البحث ستكون بمثابة الخطوة الأولى لاتخاذ المذهب الأخلاقيّ المعتبر. وسوف نشير في هذا الفصل ومن خلال توضيح كلٍّ من نظريّتي الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق إلى لوازم كلّ واحدة منهما، وفي الختام سوف نشير إلى موقعية هذا البحث بالمقايسة ببقيّة بحوث فلسفة الأخلاق. 
 
1 ـ النظرية الواقعيّّة واللاواقعيّة 3 في الأخلاق‏
 
تأمّل هذه الجمل:
 
1 ـ (يخاطب القائد جنوده قائلاً): مع الصافرة الأولى انتظموا في الصف، ومع الصافرة الثانية تأهبوا واستعدوا.
 
 


1- Realism.
2- Irrealism.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

28

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 2 ـ الأطعمة الهنديّة لذيذة.

 
3 ـ قرارات هذه الشورى تنفذ بأغلبية الثلثين.
 
4 ـ الحديد يتمدد إثر تعرضه للحرارة.
 
من الممكن ها هنا أنّ تسأل عن علاقة هذه الجمل مع "الأخلاق" أو "فلسفة الأخلاق"، والحقيقة أنّها لا ترتبط بأيّ وجهٍ مع "الأخلاق"، إلّا أنّ فلاسفة الأخلاق مختلفو الرأي في شباهة الجمل الأخلاقيّّة بأي واحدة منها، ومرّة ثانية نمر على هذه الجمل:
 
- الجملة الأولى غير خبرية بل هي مجرد أمرٍ وقرار عسكري أراد القائد من خلالها إظهار ما يريد من جنوده.
 
- الجملة الثانية وإن كانت خبرية إلّا أنّه بالتدقيق في معناها وقبل كونها توصيفاً واقعي4 للأطعمة الهنديّة فإنّها تظهر مذاق وسليقة المتكلّم بها، حيث إنّ الوصف "بكثرة البهارات" يمكن اعتباره وصفاً واقعياً لهذه الأطعمة، وأمّا كونها "لذيذة" فلا يعتبر وصفاً واقعياً لها، أيّ أنّها لا تحكي الواقعيّّة العينية1 للأطعمة الهنديّة.
 
والمعنى الثاني لهذه الجملة أنّ الأطعمة الهنديّة موافقة لذوق قائلها.
 
- الجملة الثالثة بيان لاتفاقٍ خاص يشير إلى أنّ قرارات هذه الشورى مثلاً يمكن تنفيذها إذا حصّلت عدداً معيناً من الآراء. وهذا يرجع إلى التوافق الحاصل بين أعضاء الشورى وبالتالي لا ربط لهذه الجملة بالواقع العيني.
 
- وأخيراً فإنّ الجملة الرابعة هي الّتي تصف فقط الواقع العيني، حيث إنّها تبيّن الرابطة الواقعيّّة 5 بين الحرارة وتمدّد الحديد، ومثل هذه الرابطة خالية من أيّ نوع من الأوامر والانفعالات والذوقيات أو توافق الأفراد واصطلاحاً تسمى الرابطة العينية والواقعيّّة.
 
 
 

1- Objective Reality.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

 


29

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 تعريف:

 
إنّ الجمل الواقعيّّة بياناتٌ تصف الواقع العيني بغضّ النظر عن الأوامر والتوصيات والانفعالات والذوقيات والتوافقات.
 
وبناءً على هذا التعريف فإنّ الجمل الأولى إلى الثالثة "غير واقعيّة" وأمَّا الجملة الرابعة فهي فقط "واقعيّة".
 
وعليه فالسؤال المطروح هنا: هل أنَّ الجمل الأخلاقيّّة تشبه أيّ واحدة من الجمل الأربع المذكورة؟.
 
لقد اختلفت إجابات المذاهب الأخلاقيّّة حول هذا السؤال، فذهب بعضها إلى اعتبار أنّ الجمل الأخلاقيّّة هي مجرّد إنشاء أوامر ونواهٍ وتوصيات1 بالقيام أو عدم القيام ببعض الأعمال، وبرأي بعضها الآخر فإنّ هذه الجمل بيان لسليقة الفرد وإبراز لإحساسه2. وذهب فريق ثالث إلى اعتبارها حصيلة لتوافق الجماعة3، وأمّا الفريق الرابع فقد اعتبر الجمل الأخلاقيّّة حاكية عن الواقعيات العينية. بغض النظر عن الأوامر والنواهي والتوصيات والإحساس والذوق والاتفاقات والمعاهدات.
 
ومثالاً على ذلك لنأخذ هذه الجملة الأخلاقيّّة "الصدق حسن". بناءً على المذاهب الأخلاقيّّة المختلفة فإنّ هذه الجملة تساوي إحدى هذه الجمل الأربعة:
 
أ - قل الصدق.
 
ب - الصدق مقبول.
 
ج - تعاهدنا على أنّ نكون صادقين.
 
د - للصدق وصف واقعيّ تشير كلمة "حسن" إليه.
 
إنّ كافة المذاهب الّتي لا تعتقد بالواقعيّّة العينية للقيم والضرورات الأخلاقيّّة بل
 
 
 

1- الآمرون: imperativists. الموصون: prescriptivist.
2- والانفعاليون:emotivists
3- المتعاهدون: conventionalist .

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

30

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

  تعتقد بأنّ الجمل الأخلاقيّّة شبيهة بالجمل الثلاث الأولى، وأنّ مثال "الصدق حسن" يعادل الجمل "أ" و"ب" و"ج"، تسمّى المذاهب الأخلاقيّّة اللّاواقعيّة. ومن ناحية أخرى فإنّ المذاهب القائلة بالواقعيّّة العينية للقيم والضرورات الأخلاقيّّة وأنَّ الجمل الأخلاقيّّة شبيهة بالجملة الرابعة الآنفة الذكر وإنّها تساوي في المثال السابق ـ"د"، تسمّى المذاهب الأخلاقيّّة الواقعيّّة.



وبناءً عليه يمكن تعريف الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق على هذا النحو:

الواقعيّّة في الأخلاق تعني أنّ القيم والضرورات الأخلاقيّّة لها واقعيّة عينية وأنّ الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع.

وأمّا اللاواقعيّة فتعني أنّ القيم والضرورات الأخلاقيّّة لا واقعيّة لها وأنّ الجمل الأخلاقيّّة لا تحكي الواقع67.

وبناءً عليه، من هنا فصاعداً سوف نعبِّر باختصار عن الواقعيّّة في الأخلاق "بالواقعيّّة"، وكذلك عن اللاواقعيّة في الأخلاق "باللاواقعيّة".

وقد تعرّفنا حتّى الآن إلى الواقعيّّة واللاواقعيّة. لكنْ أيّهما هي النظريّة الصحيحة؟ وكيف يمكن تشخيص النظرية الصحيحة؟

ربما يكون من المناسب قبل بيان الحلِّ وتوضيحه وإبداء رأينا في هذا المجال أنْ نبين أهميّة هذا البحث وما هي لوازم وآثار واقعيّة القيم واللوازم الأخلاقيّّة ولا واقعيتها، وكذلك مشابهة الجمل الأخلاقيّّة لإحدى الجمل الأربعة السابقة وعدمها، وهل أنّ البحث في معنى الجمل الأخلاقيّّة مجرّد بحثٍ أدبي، وما هو تأثير موقفنا في هذا المجال من مختلف مواقفنا في بقية بحوث فلسفة الأخلاق، بل هل سيؤثر في كلّ مواقفنا الأخلاقيّّة أم لا. ولتوضيح هذا الموضوع لا بدّ لنا من تحقيق وبيان لوازم الواقعيّّة واللاواقعيّة حتى يتبين معنا التفاوت الموجود بين هاتين النظريتين بما لا لبس فيه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

31

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 2 ـ لوازم اللاواقعيّة


لنفترض صحة نظرية اللاواقعيّة، وأنّ الجمل الأخلاقيّّة لا تحكي الواقع. وفي هذه الصورة فإنّ قولنا "الصدق حسن" شبيه بإحدى الجمل من (1) إلى (3) ويعادل إحدى الجمل من (ألف) إلى (ج). وعليه سوف نعالج لوازم هذه النظرية مع الالتفات إلى الجمل الشبيهة والمعادلة لها.

1 ـ 2. عدم قابليّة الصدق والكذب‏

أي واحدة من الجمل (1) إلى (3) صادقة وأيها كاذبة؟ وهل (ألف) و (ب) و(ج) كذلك أم لا؟

إنّ الصدق يعني مطابقة الخبر للواقع. وأمّا الكذب فيعني عدم هذه المطابقة. لكنّ هذه الجمل الثلاث لم يشر أيّ منها إلى الواقعيّّة العينية. وكما أشرنا فإنّ الجمل الأخلاقيّّة بناءً على اللاواقعيّة لا تحكي الواقع، أيّ أنّها لا تحكي الواقعيّّة العينية، وفي النتيجة فإنّ مطابقة أو عدم مطابقة الجمل الأخلاقيّّة للواقع العيني ستكون بلا معنى وبالتالي فإنّ الجمل المذكورة لا قابليّة لها للصدق أو الكذب8.

2 - 2. عدم إمكانية النفي والإثبات‏

"مؤتمر تحقيق لذّة الأطعمة الهنديّة أو عدم لذّتها" أوليس هذا مدعاة للسخرية والاستهزاء؟

ماذا يريدون القول في هذا المؤتمر؟ وما هو الشي‏ء الّذي يريدون إثباته أو نفيه؟

لو تصدّى أحدهم عن طريق البحث والحوار لإثبات صحة ذوقه وإقناع الآخرين به، أو لانتقاد سليقة الآخرين وردّها، فلن يكون هذا العمل معقولاً، لأنّ الإثبات يعني الإشارة إلى صدق القول و "النفي" يعني الإشارة إلى كذبه، والحال أنّ الجُمل الأمريّة والانفعاليّة والتعاهديّة لا تحتمل الصدق والكذب وبالتالي لا إمكانية لإثباتها أو نفيها.

وبناءً على قبول النظريّة اللاواقعيّة فإنّ الجُمل الأخلاقيّّة ستكون من قبيل الجُمل الأمرية والانفعالية أو التعاهدية أيضاً، وفي النتيجة لا يمكن توقّع واحتمال صدق وكذب 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

 


32

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 الجمل الأخلاقيّّة أو إثبات صحة وعدم صحة بعض المذاهب الأخلاقيّّة، ومن غير المعقول أنْ نلجأ إلى الحوار والبحث للدفاع العلميّ عن نظرياتنا الأخلاقيّّة، ولذا وبناءً على هذه النظريّة فإنّ كلّ من يقوم بالبحث والحوار في مجال الأحكام الأخلاقيّّة وكذلك الدفاع عن آرائه لإثباتها أو الإصرار على الترجيح المنطقي لمذهب أخلاقيّّ ما على غيره من المذاهب أو لأيّ سبب آخر - كتربية الآخرين - يصدر أوامره وتوصياته، ومن ثمّ يتوقّع من الآخرين قبولها والاعتقاد بصحتها، لنْ يُعتبر عمله معقولاً وصحيحاً.


3 ـ 2. عدم الرابطة المنطقية بين "يجب" و "موجود"9

تأمل في هاتين الجملتين أيضاً:

5- الأطعمة الهنديّة كثيرة البهارات.‏

إنّ هذه الجملة تشبه الجملة (4) في حكايتها للواقع، وحينئذٍ هل يمكن أنْ نستدل ونستنتج الجملة (2) والواردة أيضاً في خصوص الأطعمة الهنديّة (الأطعمة الهنديّة لذيذة) من الجملة الخامسة؟

من الناحية المنطقيّة هناك طريق وحيد وهو ضمّ الجملة الآتية إلى الجملة الخامسة:

6- الأطعمة المليئة بالبهارات لذيذة.

إلّا أنّ هذه الجملة لما كانت لا تحكي الواقع فهي شبيهة بالجمل(2)، وبناءً عليه نستنتج أنّه لا يمكن ترتيب أيّ استدلال تكون كلّ مقدماته حاكية للواقع للوصول إلى الجملة الثانية.

ولتعميم هذا المطلب يمكن بيانه على شكل قاعدة كلية:

لا يمكن استنتاج الجمل اللاواقعيّة من البيانات الواقعيّّة.

والآن لنفترض أنّ الجمل الأخلاقيّّة لا تحكي الواقع، وفي هذه الصورة وطبقاً للقاعدة الّتي بين أيدينا فإنّه لا يمكن استنتاجها من البيانات الواقعيّّة، وبعبارة أخرى فإنّه بناءً على اللاواقعيّة لا يوجد أيّ ارتباط منطقيّ بين الجمل الأخلاقيّّة والبيانات الواقعيّّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

33

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 تمرين: لاختبار القاعدة السابقة اذكر جملتين يمكن من خلالهما استنتاج (ألف)، وكرّر هذا النحو مع (ب) و(ج).

 
هل يمكن أنْ تكون كلّ الجمل الّتي تختارها واقعيّة؟ ولماذا؟
 
أحياناً وبدل القول إنّه لا يوجد أيّ ارتباط منطقيّ - بناءً على اللاواقعيّة - بين الجمل الأخلاقيّّة والبيانات الواقعيّّة، يقال إنّه وبناءً عليها لا يوجد أيّ ارتباط منطقيّ بين "يجب" و "موجود" أو بين "القيمة" و "الواقع"، أو بين "العمليّ" و "النظريّ".
 
وسوف نشير بالبيان التالي إلى سبب هذه التسميات: ذكرنا في الفصل السابق أنّ الجمل الأخلاقيّّة تبيّن القيم الأخلاقيّّة لصفات الإنسان وسلوكه، ولزومها، وكما سنرى في الفصل الرابع أنّ القيم الأخلاقيّّة سوف تُبيَّن بمصطلحات من قبيل "حسن" و "قبيح"، وأنّ اللزوم الأخلاقيّ أيضاً سوف يبيَّن بمصطلحات من قبيل "ينبغي" و "لا ينبغي"، لكنْ وبغضّ النظر عن تفاوت هذه المصطلحات فيما بينها من حيث المعنى أم لا فإنّه يمكن بيان كلّ الأحكام الأخلاقيّّة بصورة قيمية أو لزوميّة، ومثالاً على ذلك فإنّ هاتين الجملتين "الصدق حسن" و "ينبغي قول الصدق" يمكن استعمالهما بدل كلّ واحدة منهما ولهذا السبب تُعتبر الأخلاق من قبيل "القيم" و "اللزوم والناظرة إلى العمل".
 
وكما هو الحال في بعض العلوم الأخرى كالفيزياء والهندسة والتاريخ حيث إنّها تحكي الواقعيّات، لذا يمكن بيانها كلها بـ "موجود" أو "غير موجود" ولهذا اعتبرت من قبيل "الواقع" و "الموجود" ومرتبطة "بالنظر"1.
 
ومع الالتفات إلى هذا المصطلح يمكن القول بناءً على اللاواقعيّة إنّه لا يوجد أيّ ارتباط منطقيّ بين "القيمة" و"الواقع" و"العمل" و "النظر" وهناك هوة عميقة بين قولنا "ينبغي" و "موجود".
 
 
 

1- في الواقع فإنّ قولنا "ينبغي" و "موجود" يشير إلى نوع هذه الجمل حتى ولو لم نستعمل هاتين الكلمتين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

34

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 4 ـ 2. لزوم تعيين منشأ الأحكام الأخلاقيّّة وطريق الكشف عنها وأدلة اعتبارها


كيف تنشأ الأحكام الأخلاقيّّة؟ وكيف يُكشف عنها؟ ولماذا يجب القبول بها؟

في الحقيقة فإنّ كلّ المذاهب الأخلاقيّّة تواجه مثل هذه الأسئلة. وعليه فإذا قبلنا الواقعيّّة وقلنا إنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة واقعيّة فحينئذٍ يمكننا وبنفس الأسلوب الّذي نحقق ونكشف به سائر الواقعيّات أنْ نكشف عن الواقعيّّة في مورد بحثنا، وبالطبع إذا تطابقت الجمل الأخلاقيّّة مع الواقعيّّة الّتي تحكيها ستقع مورداً للقبول بها.

وأما بناءً على اللاواقعيّة وأنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة لا واقعيّة لها، وبالتالي فإنّ الجمل الأخلاقيّّة لا تحكي الواقع، حينئذٍ سوف نواجه ثلاثة أسئلة محوريّة وهامّة:

1 ـ ما هو منشأ الأحكام الأخلاقيّّة؟ وكيف تظهر مثل هذه الأحكام؟ مثلاً: إذا لم يكن لدينا أيّ واقعيّة تكون منشأً لاعتبار أنّ الصدق حسن، فما هو الشي‏ء الملزم لنا لاعتبار حسن الصدق؟ وهل يمكن إيجاد مثل هذا الحكم عبر أوامر وتوصيات الأفراد، أم أنّ الانفعالات الداخليّة وميول الأشخاص وإرادتهم توجب ذلك أم أنّ التعهد والتوافق هو منشأ هذا الحكم؟

2 ـ بناءً على هذا الفرض، بأي أسلوب يمكن لنا تشخيص ماهية الأحكام الأخلاقيّّة؟ هل هو بالرجوع إلى الأوامر الدينيّة أم أوامر نخب المجتمع أو بالرجوع إلى الثقافة والعادات والتقاليد الاجتماعيّة، أو بالسؤال من آحاد أفراد المجتمع، أو بالمطالعات النفسيّة للأفراد أو المجتمع، أو بالاستناد إلى الآثار التاريخية والاحصاءات والتحقيقات الميدانيّة أو أساليب أخرى الخ؟

3 ـ لماذا يجب علينا في كلّ موردٍ قبول الأحكام الأخلاقيّّة المرتبطة به بعد الكشف عنها أو ظهورها؟

نحن نقبل بأنّ مجموع الزوايا الداخليّة لأيّ مثلّث هي 180 درجة لأنّ الروابط الواقعيّّة الرياضيّة والتي كُشف عنها بمعونة العقل توجب ذلك، ونقبل أيضاً بأنّ المعادن تتمدّد بالحرارة وقد ثبت ذلك بالتجربة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

35

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 وبعبارة أخرى فإنّنا نستنتج البيانات الواقعيّّة من بيانات واقعيّة أخرى، ولكنْ إذا لم يكن لحسن الصدق منشأ واقعيّ ولم نتمكّن من استنتاج الجمل الأخلاقيّّة من البيانات الواقعيّّة، فحينها بأيّ دليل يجب علينا أنْ نقبل بأنْ الصدق حسن؟ وهل يمكن للأوامر والطبائع والتوافق الجمعي أنْ تكون دليلاً مناسباً للقبول بحسن الصدق أم أنّ كلّ الأحكام الأخلاقيّّة لا اعتبار لها؟ وهنا نقول إنّه لا بدّ لكلّ معتقدٍ باللاواقعيّة في الأخلاق أنّ يجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة، أيّ لا بدّ له من تعيين المنشأ اللاواقعيّ للأحكام الأخلاقيّّة، وأنْ يشخّص أسلوب كشفها، وفي صورة قبوله بالأحكام الأخلاقيّّة لا بدّ أنْ يبيّن لنا دليل اعتبارها ومقبوليتها.

 
5 ـ 2. التعدديّة الأخلاقيّّّة 1
 
إنّ الشخص الّذي لا يحبّ الأطعمة الهنديّة الحارة يمكنه أنْ يقول إنّ الأطعمة الهنديّة غير لذيذة.
 
وهنا فإنّ هاتين الجملتين: "الأطعمة الهنديّة لذيذة" و"الأطعمة الهنديّة غير لذيذة" متناقضتان في الظاهر فقط، لأنّه لا يمكن القول إنّ إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فالسلائق والطبائع متفاوتة وبالتالي فإنّ كلّ واحدة من هاتين الجملتين مقبولة بنفس المقدار، وكذلك الحال في الأوامر والتوصيات والتوافقات الصادرة عن الأفراد والجماعات والمتناقضة في الظاهر، وكما أشرنا إليه بالقول فإنّه بناءً على اللاواقعيّة لا قابليّة لأيّ جملة أخلاقيّّة للصدق والكذب الواقعيّ، وفي النتيجة وطبقاً لهذه النظرية فإنّ كلا الجملتين المتناقضتين في الظاهر من الناحية الأخلاقيّّة يمكن قبولها. ولمجرد التمثيل نقول إن هاتين الجملتين "الصدق حسن" و "الصدق غير حسن" لا بدّ من قبولهما بنفس الدرجة والمقدار، وبناءً عليه فإنّ المذاهب الأخلاقيّّة والمتناقضة أخلاقيّّاً في الظاهر لا أفضليّة لأحدها على الآخر بل إنّ جميعها مقبول بنفس المقدار، ومثل هذا القبول بكلّ المذاهب الأخلاقيّّة
 
 
 

1- Ethical Pluralism.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

36

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

  المختلفة يسمّى "التعدديّة الأخلاقيّّة". والقبول بالتعدديّة الأخلاقيّّة يعتبر من لوازم القول باللاواقعيّة.


6 ـ 2. النسبيّة الأخلاقيّّة 1

المراد من النسبيّة الأخلاقيّّة هو أنّ أيّ حكم أخلاقيّ ليس كلّياً ومطلقاً، وبعبارة أخرى فإنّها تعني أنّ للأحكام الأخلاقيّّة شرائط اعتبارٍ، وبالتالي فإنّ هذه الأحكام تكون معتبرة فقط بالنظر إلى هذه الشرائط. وعليه لو حُذفت هذه الشرائط من أيّ جملة أخلاقيّّة فإنّ الجملة الأخلاقيّّة المتناقضة معها يمكن قبولها تحت شرائط أخرى، ومثالاً على ذلك يعتقد بعض القائلين بالنسبيّة الأخلاقيّّة، أنّ الحكم الأخلاقيّّ "الحجاب حسن للنساء" معتبَر فقط في بعض المجتمعات الخاصّة، ولذا يمكن القبول بأن "الحجاب غير حسن للنساء" في مجتمعات أخرى معتبرٌ بنفس المقدار أيضاً.

ومن جهة أخرى فإنّ القائلين باللاواقعيّة لا يقبلون بالمنشأ الواقعيّ للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة ولذا فإنّهم يقيّدون أيّ حكم أخلاقيّ كما في الجمل الأولى إلى الثالثة بأمور غير واقعيّة كالأوامر والتوصيات والأحاسيس والانفعالات وكذلك التوافق والتعاهد.

وفي رأيهم أيضاً أنّه لا يمكن إيجاد أيّ حكم أخلاقيّّ يمكن اعتباره من دون هذه الأمور اللاواقعيّة، وعليه لو كان العمل (ألف) حسناً، فإنّ حسنه مشروط ومقيدٌ بأنّ شخصاً ما قد أمر به أو أنّ فاعله شعر بإحساس مقبول نحوه أو أنّ المجتمع قد توافق عليه، وبناءً عليه وطبقاً لرأي القائلين بالواقعيّّة فإنّه لا يوجد أيّ حكم أخلاقيّّ معتبر بلا أيّ قيد أو شرط، وفي النتيجة يمكن القول إنّ النسبيّة الأخلاقيّّة من لوازم القول باللاواقعيّة.

وبناءً على النسبيّة الأخلاقيّّة فإنّ أحكامنا على القيم الأخلاقيّّة ستكون من قبيل هذه الأمثلة.
 
 
 
 
 

1- Ethical Relativism.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

37

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 المثال الأول: من الممكن أنْ ينهانا أحدهم عن ترجيح منفعتنا الشخصيّة على منفعة الآخرين وفي نفس الوقت قد يأمرنا أحدهم بهذا الفعل، ولذا فإنّ ترجيح المنفعة الشخصيّة على منفعة الآخرين ونظراً للقرار الأوّل سيئة لكن نظراً للقرار الثاني حسنة.

 
المثال الثاني: من الممكن أنّ يكون العفو عن الآخرين مُرْضياً عندكم ولكنّه غير مُرْضٍ عند أحدهم، ولذا فإنّ مسامحة الآخرين حسنة عندكم وقبيحة عند ذلك الشخص.
 
المثال الثالث: من الممكن أنْ يكون الناس في مجتمعكم قد توافقوا على ضرورة إعانة المحرومين لكنّهم توافقوا في مجتمع آخر على عدم لزوم ذلك، ولذا فإنّ إعانة المحرومين حسنة في مجتمعكم وقبيحة في ذلك المجتمع.
 
هذا ومن الممكن في مورد هذه الأمثلة الثلاثة أنّ ذلك الشخص ـ الّذي كان ينهى عن تقديم المنفعة الشخصيّة على منفعة الآخرين ـ يأمر هو نفسه بها، ومن الممكن أيضاً أنْ يستبدل رأينا في مورد العفو والتسامح عن الآخرين، وبالتالي يتوافق مجتمعنا على ضرورة عدم إعانة المحرومين، وفي المقابل أيضاً من الممكن أنْ تتبدّل آراء وسلائق وتوافق الطرف الآخر على ما يعاكسها، وحينئذٍ بناءً على النظرية اللاواقعيّة فإنّ كلّ الأحكام الأخلاقيّّة حالها حال هذه الأمثلة الّتي ذكرناها، وبالتالي فإنّها قابلة للتغير والتبدّل، وعليه فلا يوجد أيّ حكم مطلق وثابت في مورده11.
 
3 ـ لوازم الواقعيّّة
 
والآن لنفترض أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة واقعيّة وأنّ البيانات الأخلاقيّّة حاكية للواقع أيضاً. أيّ أنّ جملة "الصدق حسنٌ" تعادل (د): (للصدق وصف واقعيّ تشير إليه كلمة "حسن") وفي هذه الصورة فإنّ الجمل الأخلاقيّّة يمكن أنّ تكون شبيهة بقولنا في الجملة:
 
(4): "المعادن تتمدّد إثر تعرّضها للحرارة"، وأيضاً بقولنا في الجملتين الآتيتين:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

38

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 (7): "مجموع الزوايا الداخلية لكل مثلّث 180 درجة".


(8): "اجتماع النقيضين محال".

وسوف نحقق ها هنا لوازم هذا الرأي مع الالتفات إلى خصائص الجمل (4) و (7) و(8).

1 ـ 3. قابلية الصدق والكذب‏

إنّ الجملة (4) فيزيائية والجملة (7) هندسية والجملة (8) بديهية عقلية. وكلّ واحدة منها تحكي واقعيّة خاصّة بها، وبالتالي إذا تطابقت هذه الجمل مع الواقعيّات المرتبطة بها ستكون صادقة وإلا ستكون كاذبة.

وبناءً على الواقعيّّة فإنّ الجمل الأخلاقيّّة مثل (د) تحكي أيضاً واقعيّة خاصّة بها، ولهذا فإنّها تقبل الصدق والكذب الواقعيّين أيّ أنّه إذا تطابق تقريرها مع الواقع فهي صادقة والأخرى كاذبة، وبناءً على الواقعيّّة أيضاً سيكون من المعقول تحصيل الأحكام الأخلاقيّّة وكذلك تحصيل المذاهب الأخلاقيّّة الّتي يمكن الاعتماد عليها، وأخيراً، إمكانية البحث والحوار حولها أيضاً.
2 ـ 3. لزوم تعيين واقعيّة الأحكام الأخلاقيّّة، وأسلوب تحقيقها ودليل اعتبارها.

أشرنا إلى أنّ الجمل (4)، (7) و(8) ناظرة إلى واقعيات خاصّة بها وتحكيها، فالرابعة تخبر عن واقعيّة فيزيائية والسابعة عن واقعيّة هندسية، والثامنة عن واقعيّة فلسفية، وبالتالي إذا كان التحقيق حولها لازماً فلا بدّ أنْ يكون أسلوبه معيَّناً على أساس نوع الواقعيّّة المشار إليها، وبالتالي سوف يُعلَم صدق هذه الجمل بهذا الأسلوب:

إنّ الجملة (4) نطاقها عالم الطبيعة ولهذا السبب فإنّ أسلوب التحقيق المناسب لها هو الأسلوب التجريبي.

والجملة (7) نطاقها الروابط العقلية بين الكميات الهندسية ولهذا فإنّ أسلوب التحقيق المناسب لها هو الأسلوب العقلي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

39

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 ومن ثمّ فإنّ التحقيق التجريبي القائم على المشاهدة الحسية وقياس حجم المعادن المختلفة قبل وبعد تعرّضها للحرارة هو دليل اعتبار الجملة (4)، وكذلك فإنّ الاستدلال العقلي بناءً على أساس أصول هندسة إقليدس هو دليل اعتبار الجملة (7)، أما الجملة (8) ورغم كونها ناظرة إلى الواقعيّّة أيضاً إلّا أنها لما كانت بديهية فلا حاجة إلى إثباتها.

ومع القبول بالواقعيّّة تُطرَح ثلاثة أسئلة:

1 ـ ما هو نوع الواقعيّّة في القيم واللزوميات الأخلاقيّّة؟

2 ـ إذا كان التحقيق لازماً في مورد الأحكام الأخلاقيّّة، فما هو أسلوب التحقيق فيها؟

3 ـ إذا كانت الأحكام الأخلاقيّّة بديهية، وتشخيص صدقها ممكناً بلا أيّ دليلٍ، فما هو دليل بداهتها؟ وإذا لم تكن هذه الأحكام بديهية فكيف يتم إثباتها؟

ومثالاً على ذلك فإنّ في مورد الجملة (د) واقعيّة أُشيرَ إليها بكلمة "حسن"، فما هو نوع هذه الواقعيّّة؟ وما هو الأسلوب الممكن للتحقيق حولها؟ وكيف يمكن فهم وإدراك مطابقة أو عدم مطابقة هذه الجملة مع تلك الواقعيّّة؟ وبناءً عليه لا بدّ لأدعياء الواقعيّّة من تعيين الواقعيّّة الّتي تحكيها الأحكام الأخلاقيّّة، وعلى أساسها يُعلم أسلوب التحقيق في المسائل الأخلاقيّّة - عند اللزوم - ويتضح أيضاً دليل اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة.

3 - 3. الوحدة الأخلاقيّّة

قلنا إنّ الجمل (4)، و (7)، و(8) تقبل الصدق والكذب واقعاً، وهنا نقول إنّ الجملتين (4) و(7) ورغم أنهما قبل التحقيق وكشف الواقعيّّة فيهما يحتملان الصدق وصدق نقيضهما أيضاً، إلّا أنّه في الواقع إمّا أنْ تكون (4) فقط صادقة أو أنّ نقيضها صادق فقط وكذلك الحال في مورد الجمل (7)، وأما في مورد الجملة (8) ونقيضها أيضاً فإنّ (8) صادقة فقط دون نقيضها.

إذاً بناءً على الواقعيّّة فإنّ القيم المتعارضة في موضوع أخلاقيّ واحدٍ لا يمكن قبولها معاً بل لا بدّ من كون إحداها صحيحة فقط.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

40

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 وكذلك الحال وبشكل أعمّ في المذاهب الأخلاقيّّة المختلفة إذ لا بدّ من كون أحدها صحيحاً فقط، وبالتالي سيكون من غير الممكن القبول بالتعددية الأخلاقيّّة.

 
4 ـ 3. الأخلاق المطلَقة 1
 
ذكرنا فيما سبق2، أنّ المراد من النسبيّة الأخلاقيّّة عدم اعتبار أيّ حكم أخلاقيّّ بلا أيّ قيد وشرط، وفي مقابل ذلك فإنّ الإطلاقية 12الأخلاقيّّة تعني قبولنا ـ وعلى الأقل ـ بوجود بعض الأحكام الأخلاقيّّة المعتبرة بلا أيّ قيد وشرط. فالقائلين بالواقعيّّة ورغم اعتقادهم بوجود المنشأ الواقعيّّ للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة يرون عدم ارتباط القيم التالية بأي قيدٍ وشرط:
 
1 ـ الصفات والسلوكيات الاختيارية الموافقة، تحت أيّ شرط، للمنشأ الواقعيّّ للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة.
 
2 ـ الصفات والسلوكيات الاختيارية المخالفة لها تحت أيّ شرط.
 
3 ـ الصفات والسلوكيات الاختيارية المقابلة لها تحت أيّ شرط.
 
وفي رأي القائلين بالواقعيّّة، فإنّ"1" حسنة مطلقاً و"2" قبيحة مطلقاً، و"3" فاقدة للحسن والقبح مطلقاً. وبعبارة أخرى وطبقاً للقائلين بالواقعيّّة فإنّ اعتبار بعض الأحكام الأخلاقيّّة - أيّ الأحكام الناظرة إلى الموارد من "1" إلى "3" - غير مقيد بأيّ قيد وشرط.
 
ومثالاً على ذلك نأخذ أحد المذاهب الواقعيّّة المسمى بمذهب النفعية3 أو المنفعة العامة، حيث يرى هذا المذهب الأخلاقيّ أنّ المنشأ الواقعيّ للقيم الأخلاقيّّة هو في النفع الأكبر لأكبر عدد من الأفراد وبالتالي تُقيَّم السلوكيات المختلفة بناءً على هذا المبدأ، ولذا فإنّ هذا المذهب يعتقد بأنّ اعتبار مثل هاتين الجملتين: "القيام بالوظائف العامة حسن" و"الإضرار بعامة الناس قبيح" لا يقيَّد بأيّ قيد وشرط.
 
 
 

1- راجع: 6 ـ 2 من هذا الفصل.
2- Ethical Absolutism.
3- Utalitarianism

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

41

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 نعم من الممكن في رأيهم أنْ يكون إرشاد أحدهم للقيام بعمل ما ضمن ظروفٍ معينة لا يصب في منفعة المجتمع غير حسنٍ بالمطلق من الناحية القيميّة له، لكن في كلّ الظروف والشرائط ما كان حقيقة يصب في خدمة المجتمع وعموم الناس فهو "مطلقاً" حسن، وفي مقابله ما كان حقيقة يوجب الإضرار بعموم الناس فهو "مطلقاً" قبيح.

ويعتقد هذا المذهب أيضاً بأنّ إرشاد الآخرين حسنه مشروط بما ينفع عامة الناس، وبشكل كلّيّ فإنّ ما عدا هذه الأحكام الأخلاقيّّة المعتبرة بلا أيّ قيدٍ وشرطٍ تحتاج لقيود وشرائط، وهذه القيود باعتقادهم قيود واقعيّة ولا ترتبط بأيّ أمر أو توصية أو إحساس أو توافق وتعاهد، وكما هو الحال في اعتبار الجمل (4) (7) و(8) لجهة عدم تقيّدها وارتباطها بأيّ واحد من هذه الأمور.

4 ـ منزلة الواقعيّّة واللاواقعيّة في فلسفة الأخلاق‏

مع الالتفات إلى ما تعلمناه في هذا الفصل يتضح لدينا أنّ العديد من المباحث الّتي تُطرح في فلسفة الأخلاق تُعتبر من لوازم الواقعيّّة واللاواقعيّة. وقبل الدخول في هذه البحوث وإبداء الرأي الصحيح في موردها لا بدّ من جعل محور البحوث هو الواقعيّّة واللاواقعيّة، ولذا يمكننا استنتاج الأمور التالية:

أولاً: يعتبر بحثا الواقعيّّة واللاواقعيّة من أهمّ البحوث المحورية في فلسفة الأخلاق والتي تعيننا في بحوث أخرى من هذا العلم، نظير البحث في قابلية الصدق والكذب والردّ والإثبات في الجمل الأخلاقيّّة وكذلك الارتباط بين القيم والواقع، وتعيين المنشأ، وأسلوب التحقيق وأدلة اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة، والوحدة والتعددية الأخلاقيّّة، والاطلاق والنسبيّة في الأخلاق.

ثانياً: إن هاتين المسألتين هما نقطة الاختلاف الأصلية بين المذاهب المتعدّدة، ولذا يمكن تصنيف هذه المذاهب بناءً عليها وهو ما قمنا به في هذا الكتاب.

وكذلك فإنّ البحث حول معاني المصطلحات الأخلاقيّّة والذي يشكّل قسماً من بحوث
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

42

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

  فلسفة الأخلاق يشير في الأساس إلى مقدار ارتباط الجمل الحاوية لها بالواقعيّات.

 


ومثالاً على ذلك فإنّ المعتقدين بمشابهة الجمل الأخلاقيّّة للجملة (2): "الأطعمة الهنديّة لذيذة" في عدم واقعيتها يسعون لإثبات دعواهم بتحليل المصطلحات الأخلاقيّّة واعتبارها إحساسية مثلاً، وكذلك يقوم المعتقدون بمشابهة الجمل الأخلاقيّّة للجملة (4): "المعادن تتمدّد إثر تعرّضها للحرارة" في كونها واقعيّة، بتحليل المصطلحات والمعاني الأخلاقيّّة والإشارة إلى الواقعيّّة فيها لإثبات مدعاهم في نهاية الأمر.

ثالثاً: إنّ تحقيق وتحليل المفاهيم الأخلاقيّّة وتعيين معانيها والذي يشكل جزءاً من بحوث فلسفة الأخلاق أيضاً يعتبر مقدّمة لبحث الواقعيّّة واللاواقعيّة.

إنّ هذه النتائج تشير بوضوح إلى مكانة ومنزلة بحثَي الواقعيّّة واللاواقعيّة في علم فلسفة الأخلاق.

الخلاصة 

1 ـ الجمل الحاكية للواقع بيانات تحكي الواقعيّّة العينية بغضّ النظر عن الأوامر والتوصيات والأحاسيس والانفعالات والتوافق والتعاهدات.

2 ـ الواقعيّّة تعني أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة لها واقعيّة وأنّ الجمل الأخلاقيّّة تحكي الواقع، وأما اللاواقعيّة فتعني عكس ذلك.

3 ـ إذا لم تكن الجملة مبينة للواقعيّة فلا معنى لمطابقتها أو عدم مطابقتها للواقع ونتيجة ذلك أنّ إحدى لوازم اللاواقعيّة عدم قابلية الجمل الأخلاقيّّة للصدق والكذب الواقعيّين .

4 ـ الإثبات يعني إظهار صدق المقال والرد يعني إظهار كذبه، وبناءً على ذلك فإنّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

43

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 اللاواقعيّة لا تقبل الإثبات والرّد أيضاً وكذلك فإنّ البحث والحوار لإثباتها أو ردّها غير معقول.


5 ـ بناءً على اللاواقعيّة لا يمكن استنتاج الجمل الأخلاقيّّة من البيانات الواقعيّّة ويسمّى هذا اصطلاحاً بعدم وجود الرابطة المنطقية بين "ما ينبغي" و "ما هو موجود" أو بين "القيمة" و "الواقع" أو بين "العمل" و "النظر".

6 ـ لا بدّ للقائل باللاواقعيّة من تعيين المنشأ اللاواقعي للأحكام الأخلاقيّّة وتشخيص أسلوب الكشف عنها، وبناءً على اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة عندهم لا بدّ لهم من بيان دليل اعتبارها

7 ـ التعددية الأخلاقيّّة - بمعنى قبول مختلف المذاهب الأخلاقيّّة - من لوازم اللاواقعيّة.

8 ـ النسبيّة الأخلاقيّّة من لوازم اللاواقعيّة أيضاً، وتعني عدم اعتبار أيّ حكم أخلاقيّّ بشكل مطلَق وبلا أيّ قيد وشرط.

9 ـ بناءً على الواقعيّّة فإنّ البيانات الأخلاقيّّة قابلة للصدق والكذب، وكذلك فإنّ تحصيل الأحكام الأخلاقيّّة الصحيحة والمذهب الأخلاقيّ المقبول معقول.

10 ـ لا بدّ للقائل بالواقعيّّة من تعيين الواقعيّّة الّتي تحكيها الأحكام الأخلاقيّّة، وأنْ يعيَّن على أساسها أسلوب التحقيق في المسائل الأخلاقيّّة - عند اللزوم - وكذلك توضيح دليل اعتبارها.
11 ـ من لوازم الواقعيّّة القول بالوحدة الأخلاقيّّة، بمعنى أنّ هناك مذهباً واحداً فقط صحيح ومقبول من بين كلّ المذاهب الأخلاقيّّة.

12 ـ الإطلاقية الأخلاقيّّة - بمعنى أنّ بعض الأحكام الأخلاقيّّة على الأقل مطلَق ومعتبر بلا أيّ قيد وشرط - من لوازم الواقعيّّة.

13 ـ إنّ بحث الواقعيّّة واللاواقعيّة يعتبر المحور لأهم البحوث في فلسفة الأخلاق والتي تعد من لوازم هذين البحثين، ومضافاً إلى ذلك فإنّه يمكن على أساسهما تصنيف
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

44

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

  المذاهب الأخلاقيّّة المتعدّدة من زاوية نقطة الاختلاف الأصلية بينها، وكذلك فإنّ البحث عن المفاهيم الأخلاقيّّة يعتبر مقدّمة للبحث عن الواقعيّّة واللاواقعيّة.


الأسئلة 

1 ـ بيّنْ الجمل الحاكية للواقع وغير الحاكية للواقع من بين الجمل التالية، وأوضحِ الإجابات بناءً على تعريف الجمل الواقعيّّة واللاواقعيّة:؟

أ ـ تدور الأرض حول الشمس.

ب ـ لا يوجد أيّ لونٍ أفضل من اللون الأبيض.

ج ـ يجب على كلّ الممرضات ارتداء هذا النوع من اللباس.

د ـ قانون العمل الجديد لا يرضي بعض العمال.

هـ ـ يمكن للإنسان السفر إلى كواكب أخرى.

و ـ من الآن فصاعداً لا يمكن للبائعين عرض البضائع الفاقدة للجودة (علامة المواصفات الدولية).

ز ـ لا يمكن استنتاج لذة الأطعمة الكثيرة البهارات منطقياً.

ح ـ الساكنون في المناطق الاستوائية أكثر عرضة من غيرهم للأخطار الناشئة عن الأشعة ما فوق البنفسجية.

ط ـ جرم الأجسام ثابت بناءً على فيزياء نيوتن ونسبيّ بناءً على فيزياء اينشتاين.

ي ـ تُدفَع مستحقات المتعهدين بعد ستة أشهر من استلام المشروع، ولا بد من تتميم النواقص الاحتمالية.

2 ـ بيِّن بالمقايسة لوازم الواقعيّّة ولوازم اللاواقعيّة.

3 ـ أ ـ ما هو المراد من الرابطة بين "ما ينبغي" و "وما هو موجود"؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

45

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 ب ـ إنكار هذه الرابطة هل هو من لوازم الواقعيّّة أم من لوازم اللاواقعيّة؟ ولماذا؟


4 ـ مع قليل من المسامحة أو طبقاً للاصطلاح الرائج يمكن اعتبار "المعرفة" رؤية كلية للوجود، و"الأيديولوجيا" دستوراً عملياً كلياً للحياة، وحينئذٍ هل من الممكن أنْ يكون أحدهم من الناحية المعرفية مسلماً ومن الناحية الأيديولوجية ماركسياً أو علمانياً؟ أجب عن هذا السؤال بناءً على مبنى الواقعيّّة واللاواقعيّة.

5 ـ أوضح ماهية ارتباط الاطلاقية والنسبيّة الأخلاقيّّة بالواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق.

6 ـ بيِّن منزلة الواقعيّّة واللاواقعيّة في فلسفة الأخلاق.

7 ـ بيِّن موارد الاختلاف في الرأي في هذه المحاورة واذكر نقطة الاختلاف الأصلية بينهما.

•: إنّ العدالة والإيثار والمروءة ومساعدة المحرومين والأمانة والوفاء بالعهود قيّمة واقعاً، وإنّ الخيانة والسرقة والتهمة وقتل الأبرياء خاطئة واقعاً.

إنّ هذه القيم ثابتة، ولو خالف أحدٌ ما هذا الرأي فإنّه مشتبه. وإذا كان التمييز العنصري والقومي ملاكاً للتفضيل عند أحد المذاهب الأخلاقيّّة بينما يرى غيره أنّ ملاك التقوى والعدالة والإنصاف هو ملاك التفضيل، فإنّ هذا المذهب أفضل من المذهب الأول.

أنا أستطيع إثبات رأيي.

لا يمكن إنكار الواقعيّات.

• •: في رأيي أنك تعمّم قيمك المقبولة عندك بلا أيّ وجه وجيه. نعم يمكنك أنْ تعتبر هذه الأمور الّتي عددتها قيّمة أو غير قيّمة، واتفاقاً من الممكن أنْ أوافقك الرأي في تقييم بعض هذه الأمور، لكنْ لا يمكنك أنْ تعتبر رأيك صحيحاً ورأي من يخالفك غير صحيح.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

46

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 لا يمكن أنّ يكون رأيك مطلقاً.


لا تفضيل لأيّ مذهب أخلاقيّّ على بقية المذاهب الأخرى.

القيم الأخلاقيّّة نابعة من أحاسيسنا المتغيرة والمختلفة.

لا يمكنك إدانة إحساسات الآخرين، أو ردّها، بالبحث والحوار حولها.
 

للبحث 

1 ـ ذكر "مَكِيْ" Mackie نظرية خاصّة حول الجمل الأخلاقيّّة سماها نظرية الخطأ (Err or The o ry)، حيث يعتقد وفقها أنّ الجمل الأخلاقيّّة تُبيَّن من أجل حكاية واقعيّة موهومة، ويقول أيضاً أن الأفراد يقبلون القيم الأخلاقيّّة نتيجة العادة أو التوافق، إلّا أنهم عند ذكر الجمل الأخلاقيّّة، ومثلاً عندما يعتبرون أنّ العمل (ألف) حسن أو قبيح، فإنّهم يريدون حكاية القيم الواقعيّّة له مع أنّ القيم الأخلاقيّّة لا واقعيّة عينية لها.

- الآن أعطِ مثالاً لجملة غير أخلاقيّّة يمكن تشبيهها بالجملة الأخلاقيّّة طبقاً لنظرية مَكي.

- طبقاً لنظريته، هل الأخلاق مطلقة أم نسبية؟

- بالنظر إلى تعريف الواقعيّّة هل يُعتبر مَكي من الواقعيّين أم من اللاواقعيين؟

2 ـ في هذا الفصل، بينّا بالاستفادة من مثالٍ واحد عدم إمكانية استنتاج الجمل اللاواقعيّة من البيانات الواقعيّّة، أثبت هذه القاعدة بشكل كلي.

3 ـ حلّل معنى الحياة بناءً على رؤية الواقعيّ واللاواقعي.

4 ـ إبحث موضوع "الغزو الثقافي" من منظار الواقعيّّة واللاواقعيّة.

5 ـ إنكار الرابطة بين "ينبغي" و "موجود" من لوازم اللاواقعيّة، هل أنّ القبول بهذه الرابطة يُعتبر من لوازم الواقعيّّة أيضاً؟ (راجع الفصل السابع من هذا الكتاب).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

47

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 إقرأ 



يُطرح هذا البحث أحياناً تحت عنوان "خبرية أو إنشائية الجمل الأخلاقيّّة"، وليس المراد من هذا البحث تحليل إخبارية أو إنشائية ظاهر هذه الجمل كما هو المنظور في الأدبيات المتعارفة، بل من الممكن بناءً على هذا التصنيف تسمية بعض الجمل بالخبرية - رغم كونها إنشائية في الظاهر كما هو الحال في الأمر والنهي الأخلاقيّين - بشرط أنْ يكون بيانها بناءً على مبنى الواقعيّّة، وكذلك من الممكن تسمية بعض الجمل بالإنشائية، رغم ظاهرها الخبريّ شرط قولنا إنّ لا واقعيّة لها.

وحيث إنّ الخبر والإنشاء لهما معناهما المعروف اصطلاحاً في الأدبيات المتعارفة، وحذراً من وقوع الاشتباه، رجّحنا في هذا الكتاب أنْ نستفيد من مصطلحَيْ الواقعيّّة واللاواقعيّة. وبناءً عليه فالمراد من الإنشاء في هذا الكتاب - والذي من أقسامه ما ذكرناه في الجملة (1) - هو معناه الاصطلاحي المعروف في الأدبيات والناظر إلى ظاهر الجمل فقط.

للمطالعة حول الواقعيّّة واللاواقعيّة الأخلاقيّّة راجع ديفيد مك ناوتن، بصيرت اخلاقي (البصيرة الأخلاقيّّة)، ترجمة محمود فتحعلي.

يُطرح بحث الواقعيّّة واللاواقعيّة في العديد من العلوم، ومن جملتها علم معرفة الوجود، وعلم المعرفة بشكل عام.

في مجال معرفة الوجود فإنّ الواقعيّّة (Realism) تعني وجود موجودات خارج عالم الذهن والإدراك، وفي المقابل فإنّ اللاواقعيّة تعني في موردها أنّه لا وجود لها أو على الأقل يُتردَّد في وجودها. وتشمل اللاواقعيّة أو المثالية (Idealism) ، في هذا المجال من المعرفة، السفسطة (إنكار الواقعيّات)، والشكّيّة (الشكية المطلقة أو الشكية المرتبطة بما هو خارج الذهن).
وفي معرفة الوجود أيضاً قد تؤخذ الواقعيّّة واللاواقعيّة بالنظر إلى موضوع خاص، مثلاً يقال إنّ أفلاطون كان واقعياً في مورد الكلّيّات (إلا أنّه وفي هذا المورد نفسه وبالمعنى الآخر لمصطلح "مثال" يسمَّى مثالياً أيّ من القائلين بالمثالية واللاواقعيّة).

ويقال أيضاً إنّ بعض الأرسطويين قائلون بالوجود الذهنيّ. وفي مجال المعرفة فإنّ الواقعيّّة تعني استقلال الواقعيّات عن الإدراك والوسائل الإدراكية، وأما اللاواقعيّة فتعني أنّ الواقعيّّة ترتبط دائماً 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

48

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 بالوسائل الإدراكية عندنا وأنّه لا يمكن الكلام والتحقيق عن واقعيّة مستقلة عن الإدراك.


في مجال علم الجمال فإنّ الواقعيّّة تعني أنّ الجمال أمرٌ عينيّ مستقلّ لا ربط له برؤية المدرك له وبالاصطلاح فهو أمر موضوعيّ ( objective)، وأما اللاواقعيّة فتعني ها هنا أنّ الحالات الداخلية للفاعل الاستكشافيّ لها دخالة في اعتبار الجمال لأمر ما وفي الاصطلاح فهو أمرٌ ذاتيّ (subjective).

وأمّا في العلوم الأدبية فإنّ الواقعيّّة في موردها تطلَق على سبك من الكلام المستند إلى الظواهر الواقعيّّة والاجتماعية، وأما اللاواقعيّة فتعني تلك المستندة إلى الخيالات الشعرية عند المتكلّم أو الكاتب (راجع: السيد محمّد حسين الطباطبائي، أصول فلسفه وروش رئاليسم أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ، المجلد الأول، المقالة الثانية، مقدّمة وتعليق الشهيد مطهري، ص 55 ـ 62, محمّد تقي مصباح، دروس فلسفه اخلاق دروس في فلسفة الأخلاق]‏، ص 34).

In Edward Craig, ed, Routledge "Realism And Antirealism", Edward Craig Encycl o pedia of phil os phy, vol 8, p611.

المراد من الواقع في هذا البحث ما كان موجوداً بغضّ النظر عن الإرادة والإحساس والتعهّد.

ويعتقد الواقعيّون بوجود مثل هذه الواقعيّّة بإزاء القيم واللزوميات والجمل الأخلاقيّّة. وأمّا اللاواقعيون فإنّهم ينفون وجودها. وللتأكيد على أنّ هذه الواقعيّّة واقعيّة مستقلة عن هذه الأمور يُطلَق عليها أحياناً مصطلح الواقعيّّة العينية، ومن المفيد ها هنا أنْ نلتفت إلى هاتين الملاحظتين:

الملاحظة الأولى: رغم أنّ الأوامر والأحاسيس والتوافقات موجودة بنفسها إلّا أنّ المراد من كونها ذهنية وغير عينية هو عدم وجود متعلقاتها مجردة من الأمور الداخلية.

وكذلك فإنّ المراد من لاواقعيّة الجمل الأمرية والانفعالية والتوافقية هو عدم وجود متعلقات هذه الجمل مجردة من إرادة الآمر وانفعال صاحب الانفعال والسليقة وتوافق المتوافقين، ولهذا السبب فإنّنا نعتبرها غير حاكية للواقع.

إنّ تقسيم الواقعيّات إلى عينية ( objective) وذهنية (subjective) وتبعاً لها تقسيم الجمل إلى واقعيّة ولاواقعيّة يمكن تشبيهه بتقسيم الوجود إلى وجود عينيّ ووجود ذهنيّ، حيث إنّ الوجود العينيّ يطلَق على الموجود بصرف النظر عن إدراك الوجود، وكذلك فإنّ المفاهيم الذهنية - ورغم وجودها في حد ذاتها - إنما تسمّى بالوجود الذهنيّ، وبغضّ النظر عن الإدراك - والذي هو أمر داخليّ - لأنّه لا آثار محكية لها.
ومن الممكن أيضاً أنْ تحكي الجمل اللاواقعيّة أموراً داخلية. ورغم أنّ حكاية الأمور الداخلية أيضاً 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

49

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 يعتبر حكاية للواقعيّة فإنّ هذه الجمل إنما سمّيت لاواقعيّة لأنها تحكي أشياء أخرى بغضّ النظر عن الحالات الداخلية.


وبهذا الترتيب فإنّ تلك الطائفة من القائلين بالذهنية والذين يعتبرون الجمل الأخلاقيّّة بياناً وتوصيفاً للحالات الذهنية في الحقيقة من القائلين باللاواقعيّة أيضاً.

الملاحظة الثانية: إنّ الجملة الحاكية واقعيّة عينية هي جملة واقعيّة حتى ولو صدرت عن أحدٍ ما مع الإحساس والانفعال، مثلاً، لو قال أحدهم حالة كونه مضطرباً: "لقد سرقوا محفظتك" فقد قال جملة واقعيّة، وبشكل كلّي فإنّ بيان الجملة بالتوافق مع الحالة الداخلية لا يعتبر مانعاً من كونها واقعيّة، بل إنّ الموجب لاعتبارها غير واقعيّة عدم حكايتها للواقعيّة العينية وبغضّ النظر عن الحالات الداخلية.

في هذا البحث: المراد من وجود الواقعيّّة العينية لمفهوم ما، الأعمّ من كون هذا المفهوم له ما بإزاء عيني مستقل أو له منشأ انتزاع واقعي فيشمل المفاهيم الفلسفية أيضاً، وبناءً على هذا فإنّ الروابط القائمة بين الواقعيّات، وحيث إنها لا ترتبط بأي أمر أو وسيلة أو توافق، تعتبر واقعيّة على الرغم من أنها باللحاظ الفلسفيّ لا وجود مستقلاً لها عدا وجود طرفَيْ الرابطة.
الواقعيّّة واللاواقعيّة لهما جهتان وجودية ومعنائية، من الناحية الوجودية يعتقد القائلون بالواقعيّّة بوجود القيم واللزوميات الأخلاقيّّة بينما ينكر ذلك القائلون باللاواقعيّة، ومن الناحية المعنائية أيضاً فإنّ الطرف الأوّل يعتبر الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع بينما يرى الطرف الثاني عدم هذه الحكاية.

لكن لإثبات الواقعيّّة، لا بدّ مضافاً إلى إثبات كون القيم واللزوميات الأخلاقيّّة ذات واقعيّة عينية، أنْ نثبت أيضاً حكاية الواقع في الجمل الأخلاقيّّة، لأنّ مدّعى القائلين بالواقعيّّة هو أنّ الأخلاق تحكي القيم واللزوم الواقعيّين وهذا بنفسه يتضمن دعويين:
أولاهما أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة واقعيّة.
والثانية أنّ الجمل الأخلاقيّّة تحكيها أيضاً.
ولإثبات واقعيّة هاتين الدعويين سوف نتعرض لذلك بالترتيب في الفصل الثالث والرابع.

تسمى المذاهب القائلة بحكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع بالمذاهب التوصيفية (Descriptive) والمعرفية (Congitivist)، وأما تلك القائلة بعدم حكايتها فتسمّى بالمذاهب غير التوصيفية (Non- Descriptive) وغير المعرفية(Non- congitivist).

نعم ربما نعتبر أنّ لمثل هذه الجمل نوعاً من الصدق والكذب وذلك من جهة مطابقة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

50

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

  أو عدم مطابقة الجملة للإرادة، السليقة، والتوافق، مثلاً: إنّ من يقول إنّ هذا الطعام لذيذٌ، يكون كلامه صادقاً إذا كان في الحقيقة ميالاً إلى هذا الطعام وإلا فإنّ كلامه كاذب.


وحيث إنّ الإرادة والسليقة والتوافق ليست أموراً عينية فإنّ صدق وكذب مثل هذه الجمل لا يكون ناظراً أيضاً إلى الواقعيّّة العينية، وأما الصدق والكذب الناظرين إلى الواقعيّّة العينية فقد أسميناهما بالصدق والكذب الواقعيّين. إن اختلاف الواقعيّين واللاواقعيين هو في قابلية الجمل الأخلاقيّّة للصدق والكذب الواقعيّين والمراد من قابلية أو عدم قابلية الصدق والكذب للجمل الأخلاقيّّة في هذا البحث أيضاً هو نفس قابلية أو عدم قابلية الصدق والكذب الواقعيّين لها.

للمطالعة حول مسألة الرابطة بين "ينبغي" و"موجود" راجع: محسن جوادي، مسأله بايد وهست: بحثي در رابط ارزشت وواقع (مسألة ينبغي وموجود: بحث حول الرابطة بين القيمة والواقع), سيد محمّد رضا مدرسي، فلسفه اخلاق، ص 282 ـ303.

تطلق التعددية الأخلاقيّّة بناءً على تفسير آخر لها على هذه النظرية الّتي تقول: إنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة ورغم كونها واقعيّة إلّا أنّه ليس لها منشأ واحد يقبل التبدل إلى أمرٍ قيميّ ولازمٍ، ومن البديهي أنّ التعددية بهذا المعنى لا تتلاءم مع اللاواقعيّة، ولا نبحث فيها ها هنا إلّا أنّه لا يمكن القبول بمثل هذه النظرية (راجع المذكرة السابعة من الفصل التاسع).

من الممكن أنْ يقال إنّ القبول باللاواقعيّة يتنافى مع القبول بإطلاق الأخلاق. لكنْ في بعض الموارد يمكن الجمع بينهما. ومثالاً على ذلك نقول: إذا كانت الأحكام الأخلاقيّّة من قبيل القرارات واعتبرنا أنّ منشأها هو الأمر والنهي الإلهيان - كما يقول الأشاعرة - وقبلنا بأن أوامر الله ونواهيه ثابتة لا تتغير - على الأقل في بعض الموارد - فإنّ العمل بتلك المقررات سيكون أمراً قيمياً ولازماً، ولن نقيد قيمتها ولزومها بأي قيدٍ. وعليه فإنّه في نفس الوقت الّذي قبلنا فيه باللاواقعيّة اعتقدنا بثبات بعض الأحكام الأخلاقيّّة على الأقل أيّ اعتقدنا بإطلاق الأخلاق أيضاً.

وكذلك الحال فيما لو اعتبرنا أنّ الأحكام الأخلاقيّّة ناشئة عن الأحاسيس والميول الإنسانية، لكنْ اعتقدنا كذلك باتحاد الطبائع الإنسانية بنحو توجب فيه هذه الطبيعة الواحدة اشتراك الناس في الحاجات والميول وتكون منشأ على الأقل لبعض الأحاسيس والميول المشتركة عند كلّ أفراد البشر، وقبلنا أنّ قيمها الأخلاقيّّة عند كلّ الأفراد وفي مختلف الظروف ثابتة وبلا أيّ قيد، فإنّنا هنا أيضاً وفي نفس الوقت الّذي قبلنا فيه باللاواقعيّة اعتقدنا بإطلاق الأخلاق أيضاً.

وبناءً على هذا الوضع من الممكن أنْ نقبل بأنّ كلّ الجوامع الإنسانية قد قبلت وتوافقت على 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

51

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 قواعد أخلاقيّّة مشتركة، وفي هذه الحال أيضاً يمكن القبول باللاواقعيّة مع القول بإطلاق الأخلاق، ومضافاً إلى هذا فإنّ "استيفنسون" القائل بالإحساسية، و "هير" القائل بالأمرية صرّحا بعدم اعتقادهما بالنسبيّة.


لكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ المراد من إطلاق الأخلاق لا يراد منه "صرف عدم وقوع التغيير والاختلاف، في بعض الأحكام الأخلاقيّّة" بل هي بمعنى أنّ بعض الأحكام الأخلاقيّّة - على الأقل - غير مقيد، مع أنّه في هذه الأمثلة المذكورة فإنّ كلّ الأحكام الأخلاقيّّة مقيدة.

إذا كان القائل باللاواقعيّة غير قائل بوجود منشأ للقيم ما وراء الأمر والنهي الإلهي فإنّه يقيد حسن الفعل المأمور به من قبل الله بالأمر الإلهي، وفي رأيه هناك "إمكان" للتغيير في كلّ الأوامر والنواهي الإلهية وحينئذٍ إذا قَبِلَ كون الأوامر والنواهي الإلهية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّّة، وأنها في بعض الموارد ثابتة لا تتغير، فيكون قد قَبِلَ الواقعيّّة وإطلاق الأخلاق معاً.

وإذا كان القائل باللاواقعيّة يعتقد بأنّ منشأ القيم هو الإحساس والسليقة الشخصيّة فإنّه يقيد حسن الفعل الّذي شعر الفرد فيه بإحساس الرضا والميل إليه بوجود ذلك الإحساس عند ذلك الشخص على الرغم من وجود هذا الإحساس عند غيره من الأفراد بل هو عامّ الوجود حقيقةً. وعليه إذا أذعن أيضاً بوجود الأحاسيس والميول المشتركة على أساس الإدراك المشترك للواقعيّة - نظير السعادة الحقيقيّة أو الكمال ورفع النقص والحاجة الواقعيّّة - واعتبر فقط تلك الأحاسيس والميول المشتركة المبتنية على الواقعيّّة في التقييم، فقد قبل بالواقعيّّة وإطلاق الأخلاق معاً أيضاً.

وإذا كان القائل باللاواقعيّة يعتقد بأنّ منشأ القيم هو التوافق الجمعيّ فإنّه يقيّد حسن ما توافق الجمع عليه بهذا التوافق، على الرغم من كون هذا التوافق في مورد ما لا يختصّ بمجتمع بعينه.

وحيث إنّه في بعض الأحكام الأخلاقيّّة يقبل بتوافق كلّ الناس عليها بناءً على تحصيل الصلاح والفساد الواقعيّ عندهم، وأنها المعتبرة عنده، فقد قبل الواقعيّّة وإطلاق الأخلاق معاً في هذا المورد أيضاً، وبعبارة أدقّ فإنّ القضايا الأخلاقيّّة بنحو القضايا الحقيقيّة لا القضايا الخارجية، ومثالاً على ذلك فإنّه عندما نقول إنّ الكلام بشرط كونه صادقاً حسن، فإنّه بناءً على هذا الفرض لو اتفق أنّ كلّ الناس كانوا صادقين دائماً في كلامهم فإنّه لا يمكن القول إنّ الكلام مطلقاً حسنٌ بل إنّه في هذه الصورة أيضاً لا بدّ من تقييد حسن الكلام بكونه صادقاً، وبناءً على ذلك فإنّه في صورة عدم تغير الأمر أو السليقة أو التوافق في موردٍ ما، فطبقاً لنظر اللاواقعي والذي لا يقبل بمبنى الواقعيّّة في القيم الأخلاقيّّة، فإنّ اعتبار هذه الأحكام مقيدٌ أيضاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

52

الفصل الثاني: الواقعية واللاواقعية في الأخلاق

 وعليه فإنّ كلّ الأوفياء لللاواقعيّة يقبلون بكون كلّ الأحكام الأخلاقيّّة مقيدة بمناشى‏ء أخلاقيّّة لاواقعيّة ويمكن تبدلها وتغيرها تبعاً لها، وبالتالي لا يوجد أيّ حكم أخلاقيّ يكون اعتباره مطلقاً وبلا أيّ قيد.

وأما في مورد استيفنسون وهير فلا بدّ من القول - وكما أشار إليه بونتينغ Bunting - إنّهما ومع تقديم معنى جديد للنسبية أرادا تبرئة نفسيهما من القول بالنسبيّة فقالا إنّ النسبيّ هو من يعتقد بأنّ المفاهيم الأخلاقيّّة هي مجرّد توصيف لوضعية الشخص الذهنية.

(See: Harry Bunting, "A Single True Morality" Challenge of Realtivism", in (David Archard, ed, philosophy and pluralism, p 28, qu oted in M ohammad A. Sh omali, Ethical Realitivism: An Analysis of the Foundati ons of M orality, p.59).

إنّ بحث الإطلاق أو النسبيّة في الأخلاق لا ينظر إلى الألفاط وبالتالي فإنّه مختلف كلياً عن بحث الإطلاق والتقييد المذكور في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58
 

53

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 
تعرّفنا في الفصل السابق إلى نظريتي الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق ولوازمهما.وسوف نخطو في هذا الفصل الخطوة الأولى لتحصيل النظرية الصحيحة والمقبولة.

ومع الالتفات إلى ما تقدّم بحثه فإنّ حلّ مسألة الواقعيّّة يمهّد الطريق لحلّ الكثير من بحوث فلسفة الأخلاق، لكن كيف يمكن حلّ هذه المسألة؟

مع الالتفات إلى تعريف الواقعيّّة واللاواقعيّة، فإنّ المسألة الأساس تدور حول أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة هل لها واقعيّة عينية أم لا؟ وهل أنّ الجمل الأخلاقيّّة تحكي عنها أم لا؟

في هذا الفصل وبعد تحليل مصطلحي "القيمة" و "اللزوم"[1] وتحقيق موارد استعمالهما، سوف نتعرّف إلى مورد استعمالهما أيضاً في الأخلاق، وسوف نبحث ها هنا أيضاً واقعيّة أو عدم واقعيّة القيم واللزوميات الأخلاقيّّة. وأما حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع أو عدم حكايتها له فسوف نبحثه في الفصل القادم.

1 - القيمة وأنواعها

يُستعمل مصطلح "القيمة" في موارد عديدة من قبيل القيمة الاقتصادية، القيمة الفنية، القيمة المعرفية، القيمة المنطقية، القيمة الاجتماعية، القيمة التاريخية،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

54

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  القيمة السياسية، القيمة القضائية، القيمة الحقوقية والقيمة الأخلاقيّّة.

 


وما يهمنا في هذا البحث هو تعيين واقعيّة أو عدم واقعيّة القيمة الأخلاقيّّة. ولتحقيق هذا المطلب لا بدّ لنا أنْ نرى موارد استعمال القيمة الأخلاقيّّة.

والسؤال المشترك بشكل عام حول "القيم" مفاده:[2] ما هي الخصائص المشتركة والمتشابهة في كلّ الموارد الّتي يُطلقَ عليها مصطلح "القيمة"؟

وللإجابة عن هذا السؤال، نأخذ القيمة الاقتصادية كنموذجٍ ابتداءً.

إنّ تعداد كلّ القيم الاقتصادية لا يهمنا في هذا المقام، بل ما يهمّنا هو ذكر بعض أنواعها والذي يمكن إيجاد ما يشابهه في بقية الموارد وخصوصاً في مورد الأخلاق.

وبناءً على هذا وبنظرة إجمالية إلى القيم الاقتصادية سوف نذكر ثلاثة أنواعٍ من القيم في الاقتصاد وهي: القيمة الذاتية والغيرية والبديلة، ومن ثمّ سوف نقوم بتحليلها في مورد الأخلاق، والبحث عن واقعيتها أو عدم واقعيتها أيضاً.

1 - 1 القيمة الذاتية والغيرية

سوف نذكر فيما يلي بعض الجمل الاقتصادية، ومرادنا من القيمة ها هنا القيمة الاقتصادية:

(1) إنّ 1000 تومان من المال تعادل قيمتها 300 كلغ من القمح وهكتاراً من الأرض.

(2) إنّ إحياء الأرض واستخراج المعادن والمعاملات المربحة أمورٌ قيّمة.

في هذه الجمل أعتبر المال والبضائع وأسلوب كسب الثروة والأموال أموراً قيّمة. وهنا نسأل: ما هو معيار وكيفية التقييم في الاقتصاد؟

إن موضوع الاقتصاد هو الثروة والمال، وها هنا فإنّ المال والبضائع والأرض تعتبر من المسائل المالية، وكذلك فإنّ إحياء الأراضي وزراعتها واستخراج المعادن والمعاملات المربحة تعتبر من وسائل كسب الثروة والأموال أيضاً، وبالتالي فإنّ كلّ هذه الموارد مطلوبة وذات قيمة في الاقتصاد، نعم قد تتفاوت المطلوبية فيما بينها حيث إنّ المطلوب الأصلي في الاقتصاد هو الأموال، والأشياء الّتي ذُكرت في الجملة (1) تعتبر
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

55

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  بعض المطلوب الأصلي (الأموال)، وأما مطلوبية الأشياء المذكورة في الجملة (2) فهي سبب مطلوبيتها المالية (موضوع الاقتصاد)، وكذلك فإنّ مقدار مطلوبيتها في حد ذاتها يرتبط بمقدار مؤثريتها في تحصيل المالية منها.

 
إن المطلوبية المالية في الاقتصاد لا ترتبط بأي شي‏ء آخر، وحينئذٍ يمكن القول إنّ الأموال لها قيمة "ذاتية" اقتصادياً وكذلك فإنّ الأملاك المختلفة لها درجات متعدّدة من القيم الذاتية الاقتصادية.
 
وأما مطلوبية النشاطات الاقتصادية الأخرى فإنّها ترتبط بمطلوبية خارجة عنها هي المطلوبية المالية ويقال حينئذٍ إنّ لها قيمة "غيرية" اقتصادياً. وبناءً عليه يمكن القول من الناحية الاقتصادية إنّ القيمة والتقييم يرتبط، باللحاظ الاقتصادي، بالأمور المطلوبة.
 
وهذه القيمة الاقتصادية "ذاتية" في الناحية المالية و"غيرية" في سائر النشاطات الاقتصادية1. ومع الالتفات إلى مختلف استعمالات القيمة، يمكن تعميم القول على الشكل الآتي: 
 
يُستخدم مفهوم "القيمة" في مورد الأمور المطلوبة 2 [3] في موضوع ما. إذا عُبِّر عنها بالقيمة الذاتية فيراد منها كون القيمة في هذا الموضوع لا ترتبط بأي شي‏ء آخر وأما إذا عُبّرَ عنها بالقيمة "الغيرية" فمعناها أنّ القيمة في ذلك الموضوع ترتبط وتتبع شيئاً آخر 3.
 
 
 

1- تقسم القيمة في الاقتصاد إلى أنواع مختلفة أيضاً فيقال مثلاً القيمة المصرفية للبضائع (Use Value) إنما هو في مطلوبيتها عند المستهلك والقيمة التبادلية للبضائع (Exchange Value) هو في مبادلتها ببضائع أخرى، وحينئذٍ يمكن القول إن المطلوبية هي العنصر المشترك بين هذه القيم، فالقيمة المصرفية عبارة عن مطلوبية السلعة عند المستهلك، والقيمة التبادلية عبارة أيضاً عن مطلوبية السلعة في عرف المبادلة بالمقايسة بالسلع الأخرى.
2- راجع: محمّد تقي مصباح، دروس فلسفة اخلاق، ص 45-52.
3- أمّا الوجه في إطلاق تسمية القيمة الذاتيّة أنّها قائمة بذاتها وغير متعلّقة بالغير. وتعتبر هذه القيمة أصلية باعتبارها منشأ قيم أخرى في الموضوع المبحوث عنه، ومن جهة كون القيمة الذاتيّة ناظرة إلى ذاتها، يُطلق عليها عنوان القيمة الداخليّة (Value Intrinsic). ومن جهة كونها مستقلّة عن القيم الأخرى يطلق عليها القيم المستقلّة. وعلى هذا الأساس، فالقيمة الغيريّة المتعلّقة بغيرها، يطلق عليها القيمة التبعيّة، الخارجيّة (Extrinsic Value)، الفرعيّة أو العرضيّة. وهنا بهدف توحيد التسمية سنستعمل عنواني القيمة الذاتيّة والقيمة الغيريّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

56

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 2 - 1. القيم، اللاقيم، وبلا قيمة، أو ما له قيمة مثبتة، منفية وصفرية.


كما تقدم ذكره فإنّ "القيمة" تستخدم في الأمور المطلوبة، وبناءً على هذا فإنّ الأشياء المطلوبة تُعتبر ذات قيمة، وأما غير المطلوبة فتعتبر غير ذات قيمة، وأما غير المطلوب إذا تنافى مع المطلوب فيوصف باللاقيِّم، وأما إذا لم يتنافَ معه فيوصف فقط بأنه بلا قيمة.

إلا أنّ "القيمة" تُستعمل أحياناً بمعنى أوسع مما تقدم فتُقسم أيضاً إلى المثبتة والمنفية والصفرية. وطبقاً لهذه الاصطلاحات فإنّ القيّم له قيمة مثبتة، واللاقيّم له قيمة منفية، وأما ما كان بلا قيمة فإنّ له قيمة صفرية، وكذلك فإنّ بالإمكان استخدام هذه التعابير في مورد مراتب القيمة الذاتية والغيرية أيضاً.

ومثالاً على ذلك من الناحية الاقتصادية، فإنّ عدم المالية أو تلك المجموعة من النشاطات الاقتصادية الّتي لا تغيير في ماليتها تكون بلا قيمة أو ذات قيمة صفرية.

وكذلك فإنّ المديونية أو تلك النشاطات الّتي تنقص المالية ستوصف باللاقيّمة أو أنها ذات قيمة منفية.

وأما الموارد الّتي لها مطلوبية في كلّ المراتب فبالإمكان أخذ مرتبة صفرية من القيم، ومقايستها بقيمة الأمور المختلفة، وهذا التمثيل شبيه حينئذٍ بأخذ درجة الصفر في الاعتبار لانجماد الماء ومقايسة حرارة الأجسام المختلفة بالنسبة إليها.

3 - 1. القيمة البديلة

(3) في الأوضاع الراهنة من غير المفيد الاستثمار في الماشية، وأما تربية الأسماك فربحها أكثر.

لقد افتُرض في هذه الجملة أنّه باستثمارٍ ما يمكن تنفيذ أحد مشروعين اقتصاديين، وعلى الرغم من كونهما مربحين ولهما قيمة غيرية مثبتة إلّا أنّه سيحل أحدهما مكان الآخر من حيث القيمة لأن ربحه أكثر، وبناءً على هذا يمكن القول إنّه في انتخاب إحدى القيمتين الغيريتين فإنّ ما له قيمة غيرية أكبر تكون له قيمة خاصّة يطلق عليها تسمية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

57

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  القيمة البديلة، وبنحوٍ كلّيّ يمكن القول إنّ:


"أ ـ1" لها القيمة البديلة مكان "أ ـ2"، فقط وفقط إذا لم يمكن الجمع بين "أ ـ1" و "أ ـ2"، وكانت القيمة الغيرية لـ "أ ـ1" أكثر من القيمة الغيرية ل "أ ـ2".

وأما إذا كانت القيمة الغيرية ل "أ ـ1" متساوية مع القيمة الغيرية ل "أ ـ2" فلن يكون لأيّ منهما قيمة بديلة، ومثالاً على ذلك فيما إذا تساوى ربح الماشية مع ربح الأسماك فلا قيمة بديلة لأي واحدة منهما[4].

نموذج أنواع القيم‏

تمرين: عيّن القيم البديلة في هذا النموذج

 
 
 
ذكرنا فيما تقدّم أنّ القيمة الذاتية والغيرية والبديلة هي أنواع ثلاثة من القيمة، ويستفاد منها في مختلف الموضوعات، والآن لنرَ موارد الاستفادة منها في الأخلاق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

58

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 2 - القيمة الأخلاقيّّة1 [5] وأنواعها

 
لا شك أنّ الأفعال المرتبطة باختيارنا بعضها مطلوب وبعضها الآخر غير مطلوب، إلّا أنّه من الممكن اختلاف الأفراد والمجتمعات المتعدّدة في اعتبار ما هو مطلوب أو غير مطلوب من الأفعال، وعلى الأقل في بعض الموارد، أيّ أنّه من الممكن أنْ يكون أيّ عملٍ مطلوباً في رأي الفرد أو بعض الأفراد وغير مطلوب عند آخرين.
 
وحول بيان منشأ مطلوبية الأمور المختلفة يمكن الإشارة إلى نظريتين:
 
1 - ليس لدينا أيّ خصيصة واقعيّة في مختلف الأمور بحيث توجب مطلوبيتها أو عدم مطلوبيتها، بل إنّ ذلك يتوقف فقط على وجود ملزم خارجي أو رغبات الأفراد أو توافق الجماعات على فعلها أو تركها.
 
2 - مطلوبية الأفعال أو عدمها يتوقف على وجود الخصائص الواقعيّّة العينية فيها. وفي الحقيقة فإنّ اختلاف القائلين بالواقعيّّة واللاواقعيّة يعود إلى هاتين النظريتين، وبعبارة أخرى فإنّ الواقعيّين يجيبون بشكل مثبت على السؤال القائل "هل يمكن إيجاد خصيصة أو خصائص في نفس الأفعال المختلفة توجب مطلوبيتها أو عدم مطلوبيتها؟".
 
وأما اللاواقعيون فإنّهم يجيبون عنه بالنفي.
 
نعم من الممكن أنّ يقبل أنصار الواقعيّّة بوجود الميول والاتجاهات المثبتة والمنفية عند الناس، وبتوافق الجماعات المختلفة حول بعضها أيضاً، بالاستفادة كذلك في مجال تعليم الأحكام الأخلاقيّّة وتربية الآخرين من أسلوب الأوامر والقرارات. غاية الأمر أنّ اختلافهم مع اللاواقعيين في كون هذه الميول الشخصيّة والتوافق الجمعي والأوامر والتوصيات ذات سندٍ واقعي أم لا، وبتعبير آخر هل توجد خصائص معينة في الأمور تبعث على تحريك الميول، وتمتين التوافقات الأخلاقيّّة عليها، وإصدار الأوامر الأخلاقيّّة من أجلها؟ أم أنّ مثل هذه الخصائص غير موجود في ذات الأمور
 
 
 

1-  Moral Value.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

59

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  والأفعال، وبالتالي لا مفرّ من تحديد منشأ المطلوبية وقيم الأفعال المختلفة بتلك الأمور اللاواقعيّة فقط أيّ مجرد الأحاسيس والسلائق الفردية والتوافقات الجمعية والقرارات والتوصيات.

 
وبالالتفات إلى هذه النكات، يمكن الاستعانة بها في إيجاد النظرية الصحيحة.
 
1 - إنّ كلّ إنسان يتعلق ويميل ذاتاً إلى ما يرتبط به. ومثالاً على ذلك فإنّ اهتمام الأمّ بولدها لا يوجد في مورد أولاد الآخرين، حيث إن الأمّ باهتمامها بولدها ترضي عواطفها الأمية. نعم قد يتجاوز بعض الناس عن مصالحهم الخاصّة فداءً للمجموعة أو الوطن أو الدين ولأهدافٍ لا ترتبط بذواتهم، إلّا أنهم ينادون بها في سبيل العديد من الأمور كالشهرة والعزة والتقرب من الله وأمثال هذه المسائل المفيدة في نظرهم. وعليه فإنّ كلّ إنسان ذاتاً يعتبر وجوده ومصالحه ومنافعه أموراً مطلوبة ويسعى لتأمينها1.
 
2 - إنّ الأعمال الّتي نقوم بها باختيارنا وكبقية الظواهر الأخرى لها نتائج واقعيّة وخاصة بها، أيْ أنّ الارتباط بينها وبين نتائجها واقعيّ. فبالدرس يمكن اكتساب العلم، وبأكل الطعام نرفع الجوع، وبمداواة المريض تستعاد عافيته وسلامته و....
 
3 - لو قايسنا أثر سلوكنا مع أنفسنا، لأمكننا تقسيم السلوكيات إلى ثلاث طوائف: مفيدة وضارة وبلا أثر.
 
4 - حيث إنّ المطلوب عند كلّ إنسان هو نفسه ومنافعه فإنّ الطوائف الثلاثة للسلوك الّتي تقدم ذكرها يمكن ترتيبها وتسميتها وفق الشكل التالي:
 
مطلوبة، لا مطلوبة، ومتوسطة، أو قيّمة، لا قيّمة، وبلا قيمة، أو ذات قيمة مثبتة، منفية وصفرية.
 
وإذا أردنا الكلام بالاستفادة من مصطلحات الفلاسفة لا بدّ أنْ نسمّي المنفعة
 
 
 

1- سوف يأتي البيان الفلسفي لهذه النكتة في الفصل التاسع من هذا الكتاب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

60

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 الوجودية للإنسان بـ"الكمال".

 
فالفلاسفة الّذين يقابلون الوجود والبقاء بالعدم والفناء، والملكية بعدم المملكية فإنّهم يقابلون أيضاً الكمال بالنقص وبناءً عليه فإنّ الأكمل ما كان له مرتبة وجودية أعلى واستفادة وجودية أكبر. وطبقاً لهذا الاصطلاح أيضاً فإنّ كمال الإنسان مطلوب له، وبالتالي فإنّ الأفعال الموجبة لكماله مطلوبة بالتبع أيضاً. وحيث إنّ كمال الإنسان له مراتب في نفسه يمكن القول من حيث مجموع الأمور الاختيارية إنّ كمال الإنسان له قيمة ذاتية وإنّ المراتب المختلفة للكمال الإنساني لها مراتب مختلفة من القيم الذاتية الأخلاقيّّة أيضاً، وبناءً على هذا فإنّ الكمال الاختياري له قيمة ذاتية أخلاقيّّة ، وكذلك فإنّ السلوكيات الاختيارية، وبنسبة تأثيرها في الوصول للكمال الاختياري، لها قيمة غيرية أخلاقيّّة1
 
وكما ذكرنا في الفصل الأوّل فإنّ الصفات النفسانية أيضاً هي المنشأ الداخلي والمباشر للسلوكيات الاختيارية عندنا، وهي تتأثر أيضاً بالسلوكيات الأخرى المختلفة. إنّ قيمة هذه الصفات وبحسب تأثيرها في الكمال الاختياري غيرية[6] أيضاً.
 
لو أراد إنسانٌ ما تقوية بدنه فالمطلوب منه تأمين مادة غذائية مقوية وذات قيمة غذائية كبيرة. وحينئذٍ إذا كان الهدف عند الإنسان هو الكمال الاختياري فالمطلوب منه تأمين السلوك المقرّب بشكل كبير من هذا الكمال وأنْ يكون هذا السلوك ذا قيمة غيرية أخلاقيّّة كبيرة. وإذا لم يكن بإمكانه القيام بعملين مختلفين معاً، فإنّ العمل الحاوي للقيمة الغيرية الأكبر سيكون بمثابة القيمة البديلة أخلاقيّاً.
 
ومع ملاحظة النكات المذكورة يمكن القول إنّ الموجب لمطلوبية أو عدم مطلوبية بعض الصفات والسلوكيات كونها موصلة لنا إلى الكمال أو مبعدة عنه. وبناءً عليه يمكن إيجاد الخصيصة الواقعيّّة في نفس الصفات والسلوكيات الاختيارية - والقيمة في الأخلاق - والموجبة لمطلوبية أو عدم مطلوبية هذه الصفات والسلوكيات، وهذه
 
 
 

1- لمزيد من التوضيح والاطلاع حول القيم الذاتية الأخلاقيّّة، وتعيين ملاكاتها راجع الفصل التاسع من هذا الكتاب.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

61

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  الخصيصة هي "الرابطة الواقعيّّة لها بالكمال الاختياريّ".


وبنحو مختصر يمكن القول:

للكمال الاختياري قيمة ذاتية أخلاقيّّة.

للصفات والسلوكيات الاختيارية، وبمقدار تأثيرها في الوصول إلى الكمال. قيمة غيرية أخلاقيّّة.

الصفة أو السلوك الّذي يمتلك قيمة غيرية أكبر من القيمة الغيرية لصفة أو سلوك آخرَين، ومع عدم إمكانية الجمع بينهما، تكون له قيمة بديلة أخلاقيّّة.

إنّ الكمال الاختياري للإنسان يطلقَ على مراتب من الوجود بالشكل الّذي يمكن فيه للإنسان باختياره تحصيلها والدخول إليها، وهذه المراتب واقعيّة ولا ربط لها بالقرارات والتوصيات أو السلائق أو التوافقات.

وكذلك فإنّ رابطة صفاتنا وسلوكياتنا بهذه المراتب - كما هو الحال في روابط سائر الظواهر بعضها مع بعض - واقعيّة أيضاً. ومن ثمّ فإنّ القيمة البديلة من توابع القيمة الغيرية.
وبناءً على ذلك فإنّ:

كل أنواع القيم الأخلاقيّّة لها واقعيّة عينية.

ومن الواضح أنّ كون القيم الأخلاقيّّة واقعيّة لا يستلزم إمكانية تشخيصها بشكل صحيح من قبل كلّ الأفراد.

نعم من أجل الوصول إلى الكمال الاختياريّ لا بدّ لنا أنْ نعلم ماهية هذا الكمال والطرق الموصلة إليه.

وسوف نتكلم في الفصلَين التاسع والعاشر من هذا الكتاب عن ماهية القيم الواقعيّّة في الأخلاق وكيفية إمكان تشخيصها.

3 - نطاق القيم الأخلاقيّّة

إذا أردنا معرفة مجموعة الأشياء القابلة للتقييم في الأخلاق لرأينا أنّ هذه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

62

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 المجموعة تشمل كلّ الصفات والسلوكيات الاختيارية عند الإنسان، والخارج فقط عن دائرة هذا التقييم هو الأفعال غير الاختيارية عنده.


وكنموذج، نأخذ من هذه المجموعة السلوكيات الاختيارية عند الإنسان، حيث إنّ هذه المجموعة في حدّ ذاتها أيضاً تشمل كلّ الأعمال الفردية والعائلية والاجتماعية ومختلف النشاطات الاقتصادية والثقافية والسياسية والحقوقية. وبناءً عليه فإنّ كلّ هذه الأعمال والنشاطات إذا كانت مورداً للبحث باللحاظ الأخلاقيّ أيّ من جهة الهدف المراد منها جميعاً تدخل حينئذٍ في دائرة التقييم الأخلاقيّ. إنّ اللوحة الفنية قد يكون لها قيمة فنية وقيمة اقتصادية أيضاً إنْ تفاوتت جهة التقييم بينهما، وكذلك فإنّ السلوك الإنساني قابل للتقييم من جهات مختلفة أيضاً. وبناءً على ما تقدم لا بدّ أنْ نأخذ بالحسبان عند التقييم الأخلاقيّ للنشاطات والأعمال الاقتصادية والثقافية والسياسية والحقوقية، وسائر السلوكيات الاختيارية عند الإنسان جهة تأثيرها في وصول الإنسان، إلى الكمال الاختياري.

إنّ علم الأخلاق يبحث في كلّ الصفات والأفعال الاختيارية عند الإنسان والتي لها تأثير - مثبت أو منفيّ أو صفريّ - في كماله الاختياري، ويقوم بتقييمها أخلاقيّاً.

4 - اللزوم وأنواعه‏

في الجمل الثلاثة الآتية أستفيد من اللزوم واللازم في ثلاثة استعمالات مختلفة:

(4) [رئيس الإدارة]: اللازم على جميع العمال طلب الإجازة كتبياً من الرئاسة.

(5) (طبقاً للاتفاق السابق) اللازم علينا إجراء جلسة على الأقل شهرياً.

(6) أكد المختصون على لزوم جذب السيولة النقدية لوقف التضخّم والحد منه.

مع ملاحظة الجمل المذكورة، عندما نقول "اللازم" من الممكن أن تكون لهذه الجملة معانٍ متفاوتة:

أحياناً مرادنا أنّ أمراً أو توصية قد صدرا للقيام بـ "أ" وحينئذٍ يسمى هذا النوع من اللزوم بـ "الأمري" والمراد منه اللزوم الناشى‏ء عن أمرِ أحدٍ ما، وكذلك فإنّ هذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

63

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  اللزوم معتبر لصدور الأمر به عن ذلك الشخص. وبغضّ النظر عن هذا الأمر فلا واقعيّة له في الموضوع المبحوث فيه.


ومن الممكن أيضاً أنْ يكون المراد أنّ "أ" اعتبر لازماً بناءً على التوافق والتعاهد عليه ونريد الآن بيان هذا التوافق. ويسمّى هذا اللزوم بالتوافقيّ أيّ أنّ منشأ لزوم "أ" هو التوافق. وهذا اللزوم أيضاً وبغضّ النظر عن التوافق لا واقعيّة له، ومن الممكن أنْ يكون مرادنابأنّ "أ" بالمقايسة بشي‏ء آخر، ومثلاً للوصول إلى "ب" لازم.

ومثل هذا اللزوم لشي‏ء بالمقايسة بشي‏ء آخر يسمّى اصطلاحاً بـ "اللزوم أو الضرورة بالقياس إلى الغير" أو اختصاراً "اللزوم أو الضرورة بالقياس" [7] وبه نخبر عن وجود الارتباط الواقعيّّ بين هذين الشيئين. ومن الواضح أنّ مثل هذا اللزوم وبغضّ النظر عن أوامر الناس وتوافقاتهم يمتاز بالواقعيّّة، وبالتالي فإنّ الأمر والتوافق لا يوجد أيّ تغيير فيه[8].

ومع الالتفات إلى ما ذُكر حول أنواع اللزوم يتضح أنّ اللزوم الأمريّ والتوافقيّ لا واقعيّة عينية لهما وأما اللزوم بالقياس والذي يحكي الرابطة الواقعيّّة بين شيئين فله واقعيّة عينية.

5 - اللزوم[9] الأخلاقيّّ‏

عندما نقول باللحاظ الأخلاقيّ اللازم فعل أو ترك هذا الأمر، أو اللازم امتلاك أو عدم امتلاك هذه الصفات... فأي معنى نريد منه؟

ذكرنا في بحث القيم الأخلاقيّّة أنّ الصفات والسلوكيات الاختيارية للإنسان قابلة للتقييم في الأخلاق من زاوية تأثيرها في وصوله إلى الكمال الاختياري، وقلنا أيضاً إنّ الكمال الاختياري للإنسان وتأثير هذه الصفات والسلوكيات في تحصيله واقعيان أيضاً، وإنّ تلك الطائفة من الأفعال الاختيارية مطلوبة وقيّمة لجهة تأثيرها في الوصول إلى الكمال الاختياريّ، وبالتالي فهي لازمة أيضاً للوصول إليه. وبناءً عليه فإنّ لزوم بعض
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

64

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  الصفات والسلوكيات الاختيارية من أجل كسب الكمال الإنسانيّ يُعتبر أيضاً من نوع "اللزوم بالقياس". وحيث إنّ هذا اللزوم يمتاز بالواقعيّّة العينية يمكن استنتاج ما يلي:


اللزوم الأخلاقيّ له واقعيّة عينية.

وقد تبين معنا إلى الآن أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة لها واقعيّة عينية ولا ارتباط لها بالأوامر والتوصيات أو الأحاسيس والسلائق، أو التوافق والتعاهد. ويُعتبر هذا الاستنتاج الخطوة الأولى في طريق حلِّ مسألة الواقعيّّة. وسوف نرى في الفصل اللاحق كيفية حكاية الجمل الأخلاقيّّة للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة، وبالتالي سوف نثبت حكاية هذه الجمل للواقع أيضاً.

أكمل ما يلي:

1 ـ تستعمل القيمة فيما يتعلّق 

2 ـ القيمة الذاتيّة لموضوع تعني القيمة التي 

3 ـ القيمة الغيريّة لموضوع تعني القيمة التي 

4 ـ لو اعتبرنا أنّ للقيمة مبدأ، فقيمة المبدأ هي..........................................، والقيمة الأعلى منها هي..........................................، والقيمة الأدنى منها هي..........................................، وإذا اعتبرنا أنّ القيمة مختصّة بالقيمة الإيجابيّة، فيطلق على المبدأ..........................................، وعلى الأعلى من المبدأ..........................................، وعلى الأدنة من المبدأ..........................................،

5 ـ لو كان لأمرين قيمة غيريّة متفاوتة بحيث لا يُمكن الجمع بينهما، فالذي يمتلك قيمة غيريّة أكبر، يمتلك قيمة..........................................،

6 ـ الاختلاف بين الواقعيّين وغير الواقعيّين في مطلوبيّة الأعمال المتنوّعة هو في..........................................،

7 ـ ..........................................، يمتلك قيمة ذاتيّة أخلاقيّة.
8 ـ الخصائص التي توجب مطلوبيّة صفاتنا وسلوكيّاتنا عبارة عن..........................................،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

65

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 9 ـ يُطلق الكمال الاختياري للإنسان على..........................................، وعليه تكون القيمة الذاتيّة الأخلاقية واقعيّة.


10 ـ العلاقة بين السلوكيّات الاختياريّة ونتائجها عبارة عن..........................................،, وعليه فالقيمة..........................................، الأخلاقية واقعيّة.

11 ـ القيم الأخلاقيّة البديلة واقعيّة بدليل..........................................،

12 ـ إنّ جميع أنواع القيم الأخلاقيّة هي..........................................،

13 ـ ..........................................، تقع في دائرة القيم الأخلاقيّة.

14 ـ ينشأ اللزوم تارة من الأمر وتارة أخرى من العقد وقد يُطلق على الضرورة بالقياس، وعلى هذا الأساس يُطلق على لزوم..........................................،،........................................ و..........................................،

15 ـ لزوم..........................................، و..........................................،، أمور غير واقعيّة, ولكنّ لزوم..........................................، واقعيّ.

16 ـ إنّ اللزوم الأخلاقي الذي يوضح الصفات والسلوكيّات الضروريّة للحصول على الكمال الاختياري للإنسان، هي من النوع..........................................، والواقعيّ.
 
 
 
 
الأسئلة
 
1 - ما هو الرابط بين بحث القيمة واللزوم الأخلاقيّ وبين الواقعيّّة؟

2 - عرّف القيمة الذاتية والغيرية والبديلة. وأعطِ مثالاً على كلّ واحدة منها.

3 - في هذه العبارات، ومع ملاحظة موضوع البحث، عيّن معنى القيمة ونوعها.

أ ـ رئيس المحكمة: يا حضرة المحامي، إنّ الشواهد الّتي قدمتها لا قيمة قضائية لها. إذا كان لديك أيّ دليل قوي فقم بتقديمه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

66

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 ب ـ إنّ ربح هذا العمل لا يقيّم مع ما صُرف فيه.


ج ـ إنّ شراء الأدوية من هذه الشركة ذو قيمة باللحاظ الاقتصادي إلّا أنّه وللأسف فإنّ أدوية هذه الشركة بالمقايسة بمشابهها من شركات الأدوية الأخرى ذات قيمة علاجية أقلّ.

د ـ على الرغم من كون الشِّعر الّذي قرأته لا قيمة له يعتد بها باللحاظ الأدبي إلّا أنّ المهم أنك أنت الّذي نظمته، وفي رأيي فإنّ هذا الشعر قيّم جداً لتنمية مواهبك الأدبية.

4 - ما هي الأمور الّتي توصف بالقيمة الذاتية والغيرية والبديلة في الأخلاق؟ وهل أنّ هذه القيم لها واقعيّة عينية؟

5 - ما هو نطاق القيم الأخلاقيّّة؟

6 - اذكر أنواع اللزوم، وما هو اللزوم الأخلاقيّ.

7 - عيّن معنى اللزوم في الجمل التالية، وأوضح في كلّ مورد دليل إجابتك.

أ ـ اللازم حضور نصف الأعضاء لاعتبار هذا الاجتماع اجتماعاً رسمياً.

ب ـ في رأيي أنّ تنظيم العقد والاتفاق لازم دفعاً لسوء الاستفادة المحتملة.

ج ـ (شرطي المرور يخاطب السائق قائلاً): اللازم عليك حملُ إجازة السوق أثناء القيادة.

د ـ (الجندي مخاطباً القائد): أَمِنَ اللازم علينا أنْ نصبغ أحذيتنا كلّ يوم؟

هـ ـ يعتقد بعض أولياء الأمور بضرورة وجود برنامج معيّن لتنمية أجسام أولادهم إلّا أنهم لا يرون من اللازم وجود برنامج لتربيتهم.

و ـ إذا كان هدف إعانتك لهذا الفقيه مجرَّد حل مشاكله، فما هو الملزم لتعريفه بأنك أنت الّذي أعنته؟

8 - اذكر علة كون اللزوم الأخلاقيّ واقعياً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

67

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 للبحث


1- مع التدقيق في بحوث هذا الفصل، أوضح لنا ما هو الأمر الّذي قمنا بإتمامه من هذين الأمرين "أ" و "ب".

(للاستفادة راجع المذكرة الأولى من هذا الفصل وقم بمباحثتها مع الآخرين).

أ ـ مع الالتفات إلى استعمالات القيمة واللزوم، أثبتنا التأثير الواقعيّ للصفات والسلوكيات الاختيارية للإنسان في تحصيل كماله الاختياري.

ب ـ مع الالتفات إلى استعمالات القيمة واللزوم والتأثير الواقعيّ للصفات والسلوكيات الاختيارية للإنسان في الوصول إلى كماله الاختياري نكون: أولاً: قد أوضحنا سبب تسميتهم لهذه الرابطة الواقعيّّة بالقيمة واللزوم.

وثانياً: منعاً لوقوع المغالطة بالتمسك بمعنى القيم واللزوم لإثبات اللاواقعيّة.

2 - من أجل أنّ نتعرّف إلى القيم الواقعيّّة، ما هي الطرق المؤدية إلى ذلك وما هي الموانع الّتي تعترض طريقنا؟

وهل يمكن الوصول إلى الكمال عند معرفة القيم الواقعيّّة؟ 
 
إقرأ
 
على الرغم من كون كشف الواقعيّات لا يرتبط بتحليل المفاهيم، إلّا أنّه وللإشارة إلى حقيقة القيمة واللزوم قمنا بتحليل مفهومها، وكذلك سوف نقوم في الفصل اللاحق، وللإشارة إلى حقيقة المفاهيم الأخلاقيّّة، بتحليل هذه المفاهيم. وفي اعتقادنا أنّه يمكن الكلام عن القيمة واللزوم والحسن والقبيح، وما ينبغي وما لا ينبغي الأخلاقيّّة بغضّ النظر عن موارد استعمال هذه المصطلحات، وبعبارة أخرى حتى ولو تفاوت معنى القيمة واللزوم في الموارد الأخرى - في غير
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

68

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

  الأخلاق - وكانا يدلان فيها أيضاً على أمور لاواقعيّة إلّا أنّ الكمال الاختياري وتأثير الصفات والسلوكيات الإنسانية فيها - والذي هو مورد بحث الأخلاق - واقعيّ، ومن الممكن البحث فيهما من دون تحليل مفهومَي القيمة واللزوم، إلّا أنّه من دون هذا التحليل لنْ يتّضح وجه تسمية القيمة واللزوم الأخلاقيّين بمجرّد ذكر القيمة واللزوم. وأما الموارد الّتي تُستعمل فيها المصطلحات والكلمات اللغوية المتشابهة فإنّ تحليل المفاهيم فيها سوف يوضح وجه تسمية الألفاظ ووجه حكاية الجمل الواردة فيها، وهذا الأمر لا بدّ منه خاصّة عندما نتكلم في الفصل اللاحق حول الحكاية الواقعيّّة للجمل الأخلاقيّّة، ومن طرف آخر، في موارد خاصّة لإثبات اللاواقعيّة، كان من الضرورة بمكان الإشارة إلى وجه استعمالها في الأخلاق لمنع حصول هذه الاستفادات، ومثالاً على ذلك فإنّه من الممكن أنْ يستدل بعضهم بهذا الشكل فيقول إنّ القيمة لما استُعملت في بعض الموارد المطابقة لميولنا وسلائقنا ولما كانت الميول والسلائق لاواقعيّة عينية لها لذا فإنّ القيم الأخلاقيّّة أيضاً لاواقعيّة عينية لها، أو أنّ يقال إنّ اللزوم في بعض الموارد قد ينشأ عن الأمر والتوافق وهما لا واقعيان لذا فإنّ اللزوميات الأخلاقيّّة لاواقعيّة أيضاً.


وبناء عليه فإنّ معرفة استعمالات القيمة واللزوم تبين لنا أنّ هذين المفهومين يستعملان أيضاً في موردَي المطلوب ذي المنشأ الواقعيّ واللزوم بالقياس أيضاً والحال أنّ القيمة واللزوم الأخلاقيّان من جملة هذين الموردين.

وكذلك فإنّ الصفات والسلوكيات الاختيارية للإنسان وبغضّ النظر عن مطابقتها لميول الأفراد وسلائقهم أو للأوامر والتوافقات لها رابطة واقعيّة بالكمال الاختياري - والذي هو مطلوب بذاته - ونبحثها في علم الأخلاق أيضاً.

وحيث إنّ تعيين المعنى الدقيق للمصطلحات وخصوصاً تفكيك المعاني الحقيقيّة عن المجازية منها ليس بالأمر السهل ولأنه لا ضرورة له فيما نهدف إليه ها هنا، لذا سنكتفي في هذا الفصل واللاحق له ببيان موارد استعمال هذه المصطلحات، وبهذا الطريق نكون قد بّينّا وجه استعمالها في مصاديقها الواقعيّّة في الأخلاق.

البحث حول ماهية القيمة وتحليلها بشكلٍ كلّيّ - وليس فقط في الأخلاق - يتمّ في الفلسفة العمليّة ضمن فرعٍ مستقل يسمّى Axiol ogy (مبحث القيم).
"
يُستعمل مفهوم القيمة أيضاً في مورد القيمة العددية (Numerical Value)، مثلاً، في المعادلة الجبرية فإنّ القيمة العددية لمتغير ما عبارة عن العدد الّذي إذا نُسب إلى ذلك المتغير تتمّ به
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

69

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 المعادلة حينئذٍ، وبالتالي فإنّ المتغير الّذي يقبل أعداداً أكبر يكون ذا قيمة عددية أكبر أيضاً.


إلا أنّ القبول باستعمال القيمة في أمثال هذه الموارد بسبب المطلوبية مشكل، ولربما يمكن إيجاد وجهٍ أعمّ لاستعمال مفهوم القيمة بحيث يشمل القيمة العددية حينئذٍ.

وبناءً على هذا الوجه فإنّ مفهوم القيمة يُطلق فقط على الموضوعات الحاوية لجهتي الكمال والنقص، وبالتالي فإنّ كمال الموضوع يُعبَّر عنه بالقيمة اللاذاتية للموضوع، وأما المؤثر في كمال الموضوع فإنّ له قيمة غيرية - بمقدار تأثيره - مثبتة أو منفية أو صفرية، وكذلك فإنّ القيم البديلة وطبقاً للتعريف فإنّها تعيَّن على أساس القيم الغيرية، وطبقاً لهذا الاحتمال فإنّ القيمة تُستعمل في مورد "الكمال".

وبناءً على هذا الترتيب فإنّ القيم المنطقية والمعرفية والدوائية والغذائية وغيرها لا ضرورة فيهاأيضاً لافتراض مطلوبيتها للإنسان. نعم قد يبحث الإنسان في العادة عن علوم تكون نتائجها مطلوبة له وخاصة في العلوم الإنسانية حيث يكون الموضوع فيها أموراً مطلوبة للإنسان. (إن البحوث العلمية أيضاً من جملة الأفعال الاختيارية للإنسان والتي لا يقوم بها الإنسان إلّا في صورة كونها مطلوبة له) وعليه فمن الممكن اعتبار نحوٍ من المطلوبية الإنسانية لمختلف الموضوعات الّتي تكون مورداً للبحث و - حتى مع تعدد الوسائط - اعتبار نوعٍ من المطلوبية الذاتية لكمال الموضوع المبحوث عنه، وكذلك لمقدماته أيضاً بالتبعية.

وعلى كلّ حال وطبقاً لهذا الاحتمال فإنّ القيمة دائماً تُستخدم في نطاق كمال الموضوع المبحوث عنه، وأيضاً فإنّ القيم الذاتية الأخلاقيّّة إنما سُمّيت ذاتية لكون الكمال في الأمور الاختيارية مرتبطاً بالإنسان، وكذلك فإنّ مقدار القيم الغيرية للصفات والسلوكيات الاختيارية لا بدّ من كونه متناسباً مع مقدار تأثيرها في الوصول إلى الكمال.

والجدير ذكره أنّ المقصود من تحليل مفهوم "القيمة" ليس تعيين المعنى الدقيق لها وليس تفكيك معانيها الحقيقيّة عن المجازية منها، لأنّه من الممكن إطلاق هذا اللفظ على بعض الموارد من باب المجاز أو من باب التوسعة في معنى اللفظ، وبالتالي فإنّ تفكيك هذه الموارد بعضها عن بعض - حتى ولو راجعنا جميع استعمالات هذا اللفظ - مشكل. وما يهمنا في هذا البحث وبناءً على احتمال المطلوبية والكمال هو مصاديق القيمة الأخلاقيّّة للكمال الاختياري للإنسان والأعمال والصفات المؤثّرة في ذلك، وكون هذه القيم واقعيّة. وأما بناءً على كون الوجه في استخدام القيمة هو المطلوبية، فلا بدّ أنْ نوضح أنّ منشأ مطلوبية مجموع الأمور الاختيارية للإنسان هو أمر واقعي، أيّ مطلوبية الكمال الاختياري - وكما أوضحناه في هذا الفصل باختصار وسنبينه بشكل كامل في الفصل التاسع من هذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

70

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 الكتاب، إلّا أنّه بناءً على الوجه الثاني فإنّ كلّ موارد القيمة في الأساس تُستعمل في نطاق الكمال، ومن الواضح أنّ الكمال الاختياري للإنسان والذي هو هدف الأخلاق يُعتبر أمراً واقعياً - مع أنّ جعل هدف الأخلاق هو الكمال الاختياري للإنسان يحتاج إلى مزيد من التوضيح.


يمكن الجمع بين المراتب المختلفة لإحدى القيم الذاتية، حيث إنّ المرتبة العليا واجدة للمرتبة الأولى منها، وبناءً عليه لا يمكن استخدام القيم البديلة في مورد المراتب المختلفة للقيمة الذاتية.

وكذلك إذا كانت القيمة الذاتية متعدّدة في موضوع واحد فإنّه لا يمكن مقايستها بعضها ببعض. (راجع المذكرة السابعة من الفصل التاسع من هذا الكتاب). وبناءً عليه فإنّ القيم البديلة لا يمكن افتراضها سواء في مقايسة المراتب المختلفة لإحدى القيم الذاتية أو في مقايسة القيم الذاتية المتعدّدة في موضوع واحد، وبالتالي فإنّها تُستخدم فقط في مورد مقايسة القيم الغيرية.

المراد من القيمة الأخلاقيّّة في هذا الكتاب تلك القيمة الناظرة إلى الأخلاق والشاملة للقيمة الذاتية الأخلاقيّّة أيضاً. وأما البيانات الّتي تُنسب فيها القيمة الذاتية الأخلاقيّّة إلى منشأ الأخلاق فليست بيانات أخلاقيّّة ولا يمكن اعتبارها أيضاً من علم الأخلاق لأنّ موضوعها لا يرتبط بالصفات والأفعال الاختيارية للإنسان.

المفاهيم المستخدمة في بيان الصفات الإنسانية على طائفتين: الأولى منها، نظير الحكمة والعدالة والظلم، تبيّن مراتب كمال الإنسان أو نقصه، وإذا كانت اختيارية فتُعتَبَر أيضاً من مراتب القيمة الذاتية الأخلاقيّّة.

والثانية منها نظير كون الإنسان رياضياً أو عاملاً أو رئيساً تبين خصائص قد تؤثّر أحياناً في كمال الإنسان أو نقصه، ومن ثمّ فإنّ قيمتها الأخلاقيّّة ترتبط بمقدار تأثيرها في الكمال أو النقص عند الإنسان. وعليه فإنّ القيمة الأخلاقيّّة لهذه الطائفة من الصفات غيرية. كذلك فإنّ كلّ الصفات الاختيارية، ومن زاوية تأثيرها في السلوك الاختياري، مؤثرة أيضاً في كمال الإنسان أو نقصه، ولا يُستثنى من هذه القاعدة أيضاً صفات الطائفة الأولى لأنّ هذه الصفات تقتضي سلوكيات تتناسب معها وتساهم في تنمية الكمال أو النقص عند الإنسان. ومن هذه الجهة تعتبر هذه الصفات الاختيارية ذات قيمة غيرية، ولذا يمكن القول بنحوٍ كلّيّ إنّ كلّ الصفات الاختيارية المؤثّرة في الكمال الاختياريّ للإنسان لها قيمة غيرية.

اللزوم أو الضرورة بالقياس، بمعنى لزوم أو ضرورة شي‏ء بالمقايسة مع افتراض شي‏ء آخر، يمكن فرضه في مورد العلة بالمقايسة بمعلولها، وفي مورد المعلول بالمقايسة بعلته التامة وفي مورد أحد 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

71

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 معلولي العلة التامة بالمقايسة مع المعلول الآخر لها والضرورة بالقياس في هذا المورد أعم من الضرورة بالغير - أيّ المختصة بتلك الضرورة الّتي يأخذها المعلول من علته - ومضافاً إلى هذا فإنّه في مورد الضرورة بالغير لا بد من وجود المعلول - والذي استفاد ضرورته من وجود علته - ووجود العلة، وأما الضرورة بالقياس فيمكن حصولها ووجودها حتى مع عدم وجود المعلول والعلة. (لمزيد من التفصيل راجع الكتب الفلسفية).


وأما في الأخلاق فإنّ الضرورة بالقياس تُستخدم فقط في مورد ضرورة العلة (فعل أو ترك بعض الأفعال الاختيارية، ووجود أو عدم وجود بعض الصفات الاختيارية) للمعلول (هدف الأخلاق).

لا بدّ من الإشارة إلى ثلاث نكات في مورد الأنواع الثلاثة للزوم واللزوم الأخلاقيّّ.

الأولى: لو افترضنا في مورد اللزوم الواقعيّّ صدور أمرٍ به أو وجود عقد متّفقٍ عليه فإنّ ذلك لا يُخرجه عن الواقعيّّة، لأنّ اللزوم الواقعيَّّ ناظرٌ إلى الرابطة الواقعيّّة بين الفعل ونتيجته المثبتة والقائمة بغضّ النظر عن وجود الأمر والتوافق.

ومثالاً على ذلك: لو هددت السرقة الأمن الاجتماعيّ فإنّ منع السرقة قانونياً ووضع القوانين الحقوقية الّتي تعاقب السارق لا توجب صيرورة لزوم الامتناع عن السرقة لتأمين الأمن الاجتماعي أمراً غير واقعي.

هذا ومن الممكن في موضوع واحد وجود اللزوم الواقعيّّ وأيضاً اللزوم الأمريّ أو اللزوم التوافقيّ في آن واحد، ومع هذا تتفاوت جهة اللزوم فيها، بل من الممكن كون اللزوم الواقعيّ مبنياً على الأمر أو التوافق، ومثالاً على ذلك: لنفترض بناءً على اتفاقٍ ما مقرَّرٍ بين الأعضاء أنّ من يتأخر عن حضور الجلسة يدفع 50 توماناً عن كلّ دقيقة تأخير، وبناءً عليه فإنّ قولنا في هذه الجملة "اللازم على كلّ من تأخر عن هذه الجلسة أنّ يدفع 50 توماناً عن كلّ دقيقة" بيان للّزوم الاتفاقي، وأما قولنا في هذه الجملة "لئلا تؤخذ أموالك بعنوان العقوبة، اللازم عليك أنْ تحضر في بداية الجلسة"، بيان للّزوم الواقعيّ رغم أنّ هذا اللزوم نشأ بناءً على الاتفاق المسبق "واقعاً" (لا بدّ من التدقيق في الكلام. في هذا المثال حيث إنّه يُبيَّن فقط اللزوم الواقعيّ لخسارة المال عند التأخير ولا يبيَّن لزوم التبعية والطاعة للتوافق المذكور، لأنّ لزوم التبعية ناظرٌ إلى أنّ هذا التوافق المسبق قد وُضع واقعاً على أساس نتائج مثبتة واقعيّة وكما هو الحال في المثال الآتي) ومن طرف آخر من الممكن أيضاً كون اللزوم الأمري أو الاتفاقي مبتنياً على الواقعيّّة، ولمجرد التمثيل نقول إنّه عندما توضع بعض المقررات أو تصدر بعض الأوامر، من أجل حفظ النظام، فإنّ نفس هذه اللزومات أمرية وتوافقية، مع أنّ نفس هذا الأمر أو التوافق قد قُرِّر بناءً 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

72

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 على الرابطة الضروية بين إطاعة الأوامر ورعاية المقررات من جهة، وحفظ النظام من جهة أخرى، وهذه الرابطة واقعيّة.


وبناءً على هذا لا بدّ في أيّ مثالٍ من أنْ نعيّن بالدقة ابتداءً مورد اللزوم ومن ثمّ تشخيص نوعه، ولذا في مثال وضع العقوبة على التأخير في حضور الجلسة، إذا كان المراد "لزوم دفع العقوبة المقررة في مقابل مقدار التأخير المعيّن" فإنّ هذا اللزوم توافقيّ، وإذا كان المراد "لزوم الحضور في بداية الجلسة للمنع من خسارة المال"، فإنّ هذا اللزوم واقعيّ.

وفي المثال الثاني أيضاً، إذا كان المراد "لزوم إطاعة الأمر أو القانون المتفق عليه" فإنّ هذا اللزوم أمريّ وتوافقيّ، وإذا كان المقصود منه "لزوم إطاعة الأمر والقانون من أجل حفظ النظام" فإنّ هذا اللزوم واقعيّ.

الثانية: لا يشترط في الجمل المبينة للّزوم الواقعيّّ أنْ تكون صادقة بالضرورة، ومثالاً على ذلك فإنّ هذه الجملة "من أجل غليان الماء لا بدّ من أنّ تصل درجة حرارته إلى 200 درجة مئوية" بيان للّزوم الواقعيّ مع أنها كاذبة.

الثالثة: مع ملاحظة ما تقدم في النكتتين السابقتين والتوضيح المذكور في المتن حول منشأ الميل إلى السلوكيات والصفات الخاصّة، يمكن القول في مجال الجمل اللزومية الأخلاقيّّة إنّ تلك الطائفة من الجمل الأخلاقيّّة المبينة للزوم إنما سُمّيت أخلاقيّّة بسبب بيانها لزوم الصفات أو السلوكيات الخاصّة الموصلة إلى الكمال الاختياري.

وبناءً عليه فإنّ كلّ الجمل الأخلاقيّّة اللزومية - وبغضّ النظر عن كونها صادقة أو كاذبة - إنما تُعتبر جملاً أخلاقيّّة لكونها مبينة للّزوم الواقعيّّ حتى ولو كانت صادرة بأمر الآمر أو بناء على اتفاق سابق، لأنّ جهة الأمرية أو التوافقية لا ربط لها في الأساس بأخلاقيّتها، وبعبارة أخرى فإنّ لزوم بعض الصفات والسلوكيات الاختيارية في الأخلاق إنما تبحث فيه من جهة لزومها بالمقايسة بالوصول إلى الكمال الاختياري للإنسان، ومثل هذا اللزوم يعتبر من النوع الواقعيّّ. ولو فرضنا وجود اللزوم الأمري أو التوافقي في مورد بعض السلوكيات الاختيارية أيضاً فإنّ ذلك لا يخرج لزومها الأخلاقيّ عن الواقعيّّة.

قد يُستفاد أحياناً من كلمة "الإلزام" بدل كلمة "اللزوم" ، وحيث إنّه يُفهم من كلمة الإلزام اللزوم الأمري أو التوافقي رجّحنا في هذا البحث استخدام مصطلح "اللزوم".

وبعبارة أخرى فإنّ المعنى الأصلي للّزوم هو المصاحب واللازم الّذي لا يَنفصل عن غيره.

وهذه المصاحبة في مورد اللزوم بالقياس إنما هي بسبب الرابطة التكوينيّة بين العلة والمعلول والتي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

73

الفصل الثالث: قيمة الأخلاق ولزومها

 هي رابطة واقعيّة، وأما اللزوم الأمري والتوافقي فهو نوعٌ من الطلب والتوافق من أجل إقامة مثل هذه المصاحبة والملازمة والذي يسمّى عندهم أيضاً بالإلزام بمعنى المصاحبة أو جعله مصاحباً، وعلى الرغم من أنّ مصطلح "الإلزام" قابل للاستعمال في الجعل التكوينيّّ للّزوم - وأن هذا النوع من الإلزام، والذي يعدّ جعلاً تكوينيّ إنما هو لزومٌ بالقياس إلّا أنّ ذلك لا يتنافى مع كون هذا اللزوم واقعياً.

 

 

 

 

 

 

 

 

79


74

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية 

 
تعرّفنا في الفصل الثاني إلى نظريتي الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق ولوازمهما. وقد عُلم ضمناً أنّ تحصيل النظرية الصحيحة يدور مدار تحليل القيم واللزوميات الأخلاقيّّة، وكذلك حلّ مسألة حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع أو عدم حكايتها له. وقد أثبتنا في الفصل الثالث واقعيّة القيم واللزوميات الأخلاقيّّة، وأما في هذا الفصل فسوف نشير إلى أنّ حل مسألة حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع يرتبط بتحقيق المفاهيم الأخلاقيّّة ودراستها، ولذا فإنّه بعد تحقيق المفاهيم الأخلاقيّّة سوف نُثبت حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع وتبعاً لها صحة نظرية الواقعيّّة.

1 - الجمل والمفاهيم الأخلاقيّّة

المسألة الأساسية والفعلية لنا هي في كون الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع أم غير حاكية له، وابتداءً، من الأفضل لنا تشخيص هذه الجمل بدقّة ومن ثمّ التحقيق في حكايتها أو عدم حكايتها الواقع.

لنأخذ بالاعتبار هذه الجمل:

1 - الطقس جيدٌ.

2 - جهازك الهضميّ يعمل بشكل جيد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

75

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 3 - حفظ أسرار الآخرين يقلّل من الخصومات الاجتماعية.


4 - الحسَن هو الشي‏ء الّذي له قيمة.

5 - الوفاء بالعهد عمل حسن.

ذكرنا في الفصل الأوّل أنّ علم الأخلاق يتكلم عن قيمة ولزوم الصفات والسلوكيات الاختيارية عند الإنسان.

وعلى هذا الأساس يمكن التمييز في هذه الجمل الخمسة بين ما هو أخلاقيّّ منها (ناظرةٌ إلى الأخلاق) وبين ما هو غير أخلاقيّ كذلك (غير ناظرٍ إلى الأخلاق).
إنّ الجملة الأولى لا تتكلم عن قيمة ولزوم صفةٍ ما أو سلوك ما.

والجملة الثانية موردها فعل لا يرتبط حصوله باختيارنا، ولهذا لا ارتباط لها بالأخلاق.

والجملة الثالثة موردها السلوك الاختياري عند الإنسان إلّا أنها لا تتكلم عن قيمته أو لزومه.

وأما الجملة الرابعة فقد قدّمت توضيحاً حول مفهوم "الحسن" نفسه ولم يُقيّم معه أيّ صفة أو سلوك اختياري، وبالتالي فإنّ هذه الجملة ترتبط بفلسفة الأخلاق لا بالأخلاق نفسها. وأخيراً فإنّ الجملة الخامسة تقيم سلوكاً اختيارياً عند الإنسان، ومن بين الجمل الخمسة المذكورة فإنّها الجملة الوحيد الناظرة إلى الأخلاق.

الجمل من (6) إلى (12) أخلاقيّّة أيضاً:

6 - الحرص على مال الدنيا قبيح.

7 - يجب أنّ تكون أميناً.

8 - لا ينبغي للقادرين أنْ يقصّروا في إعانة العاجزين.

9 - مع أنّ ذكر عيبِ أحدٍ ما يمنع الناس من الانخداع به، إلّا أنّ العمل الصحيح هو أنْ نذكّره بعيبه.

10 - الرشوة عمل غير صحيح.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

76

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 11 - النهي عن المنكر وظيفة كلّ الناس.


12 - أيها المؤمنون لا يغتب بعضكم بعضاً.

إذاً الجمل الأخلاقيّّة شبيهة بإحدى هذه الجمل، وباستثناء الجملة الأخيرة (12) فإنّ الجمل من(5) إلى (11) جميعها خبرية، وقد استُفيد فيها من هذه المفاهيم: "الحسن" "القبيح" "الصحيح" و"غير الصحيح" و "يجب أو ينبغي" و"لا يجب"، "لا ينبغي" و"الوظيفة" (1). وهنا سنستفيد من اصطلاح المناطقة فنسمّي ذلك الجزء من الجملة الّذي نخبر عنه بـ "الموضوع"، وذلك الجزء الّذي يخبر عن الموضوع بـ "المحمول". وعليه ففي الجمل الخبرية الأخلاقيّّة نعتبر الصفة أو السلوك الاختياري بمثابة الموضوع، ونبين فيها القيمة أو اللزوم الأخلاقيّ بأحد هذه المفاهيم السبعة (أو المفاهيم المشابهة لها).

وكما سيأتي توضيحه سوف نستفيد من المفاهيم الأربعة الأولى لبيان القيمة(2)، ومن المفاهيم الثلاثة الأخيرة لبيان اللزوم.

إنّ مفاهيم "الحسن"، "القبح" "الصحيح" و"غير الصحيح" مفاهيم قيمية، ومفاهيم "يجب"، "لا يجب" و"الوظيفة" مفاهيم لزومية.


يستفاد من المفاهيم القيميّة واللزومية في الجمل الخبرية الأخلاقيّّة لبيان القيم واللزوميات الأخلاقيّّة.

وحيث إنّ المفاهيم القيميّة واللزومية تُستخدم لبيان القيم واللزوميات الأخلاقيّّة سوف نسميها "المفاهيم الأخلاقيّّة".

ومع هذا التوضيح يمكن القول إنّ مفهوم "الحسن" في الجمل (1)و (2) و(4) ليس مفهوماً أخلاقيّاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

77

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 سؤال: مع أنّ موضوع الجملة الآتية يُعتبر من جملة الأعمال الاختيارية عند الإنسان، إلّا أنّ مفهوم "الصحيح" في هذه الجملة ليس أخلاقيّاً، وبالتالي لا يمكن اعتبارها جملة أخلاقيّّة، لماذا؟


"في اللغة الفارسية لا يصحّ استخدام الفاعل بعد الفعل إلّا عند الضرورة كما في الشعر مثلاً".

وبناءً على ما تقدّم من تعريف علم الأخلاق وتعريف المفاهيم القيميّة واللزومية والأخلاقيّّة، يمكن القول إنّ الجمل الخبرية إنما تكون أخلاقيّّة إذا تحقق فيها هذان الأمران:

1 - تعلقها بالصفات والسلوكيات الاختيارية عند الإنسان(3).

2 - الاستفادة فيها من المفاهيم الأخلاقيّّة.

الجملة الثانية عشرة تشير إلى إمكان بيان الجمل الأخلاقيّّة بصورة الأمر أو النهي أيضاً، وفي مثل هذه الجمل فإنّ الأمر والنهي يبينان اللزوم الأخلاقيّ. وبناءً عليه يمكن تشخيص الجمل الأخلاقيّّة من خلال التعريف التالي:

الجمل الّتي موضوعها الصفات والسلوكيات الاختيارية عند الإنسان، ومحمولها أحد المفاهيم الأخلاقيّّة، تسمى "الجمل الخبرية الأخلاقيّّة" وأما الجمل الّتي استفيد فيها من الأمر أو النهي لبيان اللزوم الأخلاقيّّ فإنّها تسمّى بالجمل الأخلاقيّّة الأمرية أو النهيية.

2 - الحكاية الواقعيّّة للجمل الخبرية الأخلاقيّّة

لنرَ أولاً كيفية كون الجمل الخبرية الأخلاقيّّة حاكية للواقع أو غير حاكية له. ربما نجد طريق الحل من خلال ملاحظة الجمل الحاكية للواقع أو غير الحاكية له في غير مورد الأخلاق.
وكنموذج نأخذ بالاعتبار هذه الجمل:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

78

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 13 - الأطعمة الهنديّة لذيذة.


14 - الأطعمة الهنديّة كثيرة البهارات.

15 - "منطقياً" لا يمكن استنتاج لذة الطعام من خلال كونه كثير البهارات.

بناءً على التعريف المتقدم فإنّ (13) غير حاكية للواقع، وأما (14) و(15) فإنّها حاكية عنه، ويبدو أنّ حكاية هذه الجمل أو عدم حكايتها عن الواقع يرتبط بموضوعها ومحمولها.

فمع أنّ الجملتين (13) و(14) تتكلمان عن الأطعمة الهنديّة، والأطعمة الهنديّة لها واقعيّة عينية، إلّا أنّنا اعتبرنا(13) غير حاكية للواقع واعتبرنا (14) حاكية للواقع، فلماذا؟

إن تفاوت هاتين الجملتين في حكاية الواقع يرجع إلى المفاهيم الأخرى المستعملة فيهما، أيّ مفهومي "اللذيذ" و"الكثير البهارات"، حيث يُطلق الأوّل على ما هو مرضيّ عند الذائقة الشخصيّة.

ويُطلق الثاني على الأطعمة الحاوية أكثر من غيرها على البهارات، ولذا فالأول يرتبط بسليقة الشخص وبغض النظر عنها لا يمكن أنّ يشير إلى الواقعيّّة، بينما يشير الثاني إلى وصف واقعي وحينئذٍ يمكن القول إنّ المفهوم الثاني يحكي الواقع.

المفهوم الحاكي للواقع هو ذلك المفهوم الّذي يشير إلى الواقعيّّة العينية بغضّ النظر عن الأمر والتوصية والإحساس والسليقة، والتوافق، والتعاهد.

والآن نقايس (13) بـ (15). ومع أننا استعملنا في كلا الجملتين مفهوماً لا يحكي الواقع "اللذيذ"، إلّا أنّ (13) غير حاكية للواقع وأما (15) فحاكية للواقع لأنّ الأخيرة أعطت خبراً واقعياً عن "اللذيذ"، وعليه يمكن القبول إنّ:

الجمل الخبرية الّتي يحكي محمولها الواقع تكون حاكية له أيضاً وأما تلك الّتي لا يحكي محمولها الواقع فتكون غير حاكية له أيضاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

79

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 وحينئذٍ فإنّه مع التمسّك بهذه القاعدة يتّضح طريق حل حكاية أو عدم حكاية الجمل الخبرية للواقع: "إذا كانت المفاهيم الأخلاقيّّة حاكية للواقع فالجمل الخبرية كذلك أيضاً، وأما إذا كانت هذه المفاهيم غير حاكية للواقع فالجمل الخبرية أيضاً غير حاكية للواقع".


وبناءً على هذا إذا أردنا معرفة كون الجمل الخبرية الأخلاقيّّة حاكية للواقع أم لا فلا بدّ أولاً من تحليل المفاهيم الأخلاقيّّة، ومع التحقيق في معانيها سيتضح كون هذه المفاهيم حاكية للواقع أم لا.

1 - 2. تحليل المفاهيم الأخلاقيّّة

الجدير ذكره أنّه يمكن البحث من جهات متعدّدة حول الموضوعات والمحمولات أو المفاهيم الأخلاقيّّة (الحسن والقبيح، الصواب، الخطأ، ما ينبغي، ما لا ينبغي، والوظيفة)(4).

ولئلا نخرج في بحثنا عن الحددود المنطقية، سوف نقوم ببحث المفاهيم الأخلاقيّّة فقط، وفقط من زاوية إعانتها لنا في حل مسألة حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع.

1 - 1 - 2. الحسن والقبيح‏

اعتبرنا في هذا الفصل الحسن والقبح من المفاهيم القيميّة وذلك بسبب الاستفادة من هذين المفهومين في الإشارة إلى القيم.

تشير هذه الموارد الثلاثة إلى ثلاثة أمثلة استُعمل فيها مصطلح "الحسن" بالترتيب فيما له قيمة ذاتية وغيرية وبديلة:

16- إنّ تفكيرك الصحيح باللحاظ المنطقي حسنٌ.

17 - إنّ هذا القلم غير حسن في التخطيط.

18 - لقد أصبحت مبتلىً بعقدة التحقير، الأحسن لك بدل التفكير بالنقص أنّ تفكر بقدراتك.

تمرين: مع ملاحظة ما تعلمناه في الفصل السابق حول استعمالات القيمة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

80

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 الأخلاقيّّة، أعطِ ثلاثة أمثلة استُعمل فيها مصطلح "الحسن" في الإشارة إلى القيم الذاتية والغيرية والبديلة في الأخلاق.


ومن جملة الموارد الّتي نستعمل فيها مصطلح "الحسن" هو عندما نريد بيان ما هو مرضيّ عندنا. ومثالاً على ذلك فإنّ الجملة (1) (الطقس حسن) بهذا المعنى أيّ أنّ الطقس لطيف ومطابق لطبعنا وميلنا. إنّ المرضيّ أيضاً نوع من المطلوبية، إلّا أنّ هذه المطلوبية إذا كانت مرتبطة فقط بإحساس الفرد وسليقته ولا تستند إلى الواقعيّّة فإنّ مثل هذه الجمل لن تكون حاكية للواقع، ومع الالتفات إلى ما بُيِّنَ في الفصل السابق حول واقعيّة القيمة الأخلاقيّّة من أنّ مطلوبية الصفات والسلوكيات الاختيارية تنبع من المطلوبية الواقعيّّة لكمال الإنسان ولا ترتبط بالأوامر والتوصيات أو الأحاسيس والسلائق أو التوافقات والمعاهدات، لذا لا بدّ أنّ نلتفت بناءً على ما ذكرناه إلى أنّ "الحسن" بمعنى المرضيّ لا يمكن اعتباره مفهوماً أخلاقيّاً على الرغم من أنّ القيم الأخلاقيّّة - ومن جهة ارتباطها بالكمال الإنساني، وعند الأشخاص الّذين يدركون هذا الارتباط - مرضية أيضاً.

سؤال: أوضح معنى الجملتين (2) و(5). واذكر بأيّ معنى استُعمل فيهما مصطلح "الحسن".

ومع هذه التوضيحات الّتي قدمناها حول مفهوم "الحسن" ستتضح أيضاً استعمالات مصطلح "القبيح".

2 - 1 - 2. الصواب والخطأ

إنّ هذين المفهومين أيضاً من جملة المفاهيم القيميّة ويستعملان عادة للإشارة إلى القيمة الغيرية أو البديلة(5).

في هاتين الجملتين أُطلق مفهوم "الصواب" بالترتيب على ما له قيمة غيرية، وقيمة بديلة:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

81

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 19- لم تسلك الطريق الصائب، إنّ هذا الطريق لن يوصلك إلى مقصودك.


20- لديك مرض في القلب، لذا مع وجود اختصاصي القلب من الخطأ مراجعة الطبيب العادي.

ويستعمل هذان المصطلحان في الإخلاق أيضاً لتقييم الصفات والأفعال الاختيارية أخلاقيّاً.

فالعمل الصائب هو العمل الّذي يتناسب مع هدف الأخلاق، وتبعاً لها يكون مطلوباً بحيث إنّه لا يمكن القيام إلّا بعمل واحد من بين الأعمال المتعدّدة. وكذلك فإنّ العمل الّذي يتناسب بشكل أكبر مع الأخلاق سيكون مطلوباً بشكل أكبر أيضاً.

3 - 1 - 2. ما ينبغي وما لا ينبغي‏

21- (قائد المعسكر مخاطباً جنوده): ينبغي لكم الحضور في التدريب الصباحيّ عند تمام الساعة السادسة.

22- طبقاً للاتفاق، ينبغي دفع 30% من أجورنا مسبقاً.

23- (حارس الغابة مخاطباً الأطفال): لا يمكنكم إشعال النار بهذا الخشب ينبغي أنْ يكون الخشب يابساً.

إنّ هذه الجمل الثلاثة نماذج مختلفة لاستعمال ما "ينبغي". وبالالتفات إلى معاني هذه الجمل فقد استُعمل "ما ينبغي" في الإشارة إلى أنواع اللزوم: فالجملة (21) مبينة للّزوم الأمريّ ويمكن أنّ نستعمل مكانها وبنفس المعنى هذه الجملة:

´21- اللازم عليكم الحضور في التدريب الصباحي في تمام الساعة 6.

والجملة (22) مبينة للزوم والوجوب التوافقيّ العمليّ، ومعنى هذه الجملة ما يلي:

´22- طبقاً للاتفاق، اللازم دفع 30% من الأجر مسبقاً.

وأمّا جملة "ينبغي كون الخشب يابساً" الواردة في (23) فليست أمرية ولا توافقية حيث إنّ الحارس لا يريد من الأطفال أنْ ييبسوا الخشب لإشعال النار، وكذلك ليس مراده طبقاً للتوافق لزوم كون الخشب يابساً، بل مراده من ذلك أنّه:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

82

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 23- لإشعال النار، اللازم كون الخشب يابساً.


وقد استعمل "ما ينبغي" في هذه الجملة بمعنى اللزوم بالقياس(6) كذلك فإنّ كلمة "لا ينبغي" أيّ "ينبغي" المنفية تُستعمل بمعنى لزوم النفي وأيضاً ربما يكون هذا اللزوم أمرياً أو توافقياً أو بالقياس.

سؤال: بأيّ معنى "لا ينبغي" في هذه الجملة؟ احذف كلمة "لا ينبغي" منها واكتب الجملة المطابقة لها في المعنى بعدئذٍ. (الطببيب مخاطباً مريضه: للأسف فإنّ مرضك قد اشتدّ، لقد قلت لك إنّه لا ينبغي لك أكل الأطعمة المقلية).

لقد أشرنا في الفصل السابق إلى أنّ اللّزوم الأخلاقيّّ نوع من اللزوم بالقياس. وبناءً عليه فإنّ هذين المصطلحين "ينبغي" و "لا ينبغي" يستخدمان في الأخلاق لبيان هذا النوع من اللزوم، وكذلك فقد أشرنا إلى أنّ اللزوم بالقياس له واقعيّة عينية، ولذا طبقاً للتعريف الأخلاقيّ فإنّ "ينبغي" و "لا ينبغي" حاكية للواقع.
وبناءً على هذا فإنّ "ينبغي" في الجمل الأخلاقيّّة بيان للزوم التحلي ببعض الصفات، والقيام ببعض الأفعال الاختيارية للوصول إلى هدف الأخلاق أيّ الكمال الاختياريّ للإنسان.
وكذلك فإنّ "لا ينبغي" في الأخلاق بيان للزوم التخلّي عن بعض الصفات وترك بعض الأفعال للوصول إلى هذا الهدف أيضاً. لأنّه عندما نقول في الأخلاق إنّه "ينبغي القيام بالعمل "أ"" فمعناه أنّ القيام به لازم للوصول إلى الكمال الاختياريّ عند الإنسان، وعندما نقول فيها أيضاً إنّه لا ينبغي القيام بالعمل "ب" فمعناه أيضاً لزوم تركه للوصول إلى هذا الهدف. لكن لماذا لا تستخدم هذه العبارة "للوصول إلى الكمال الاختياري للإنسان" في الجمل الأخلاقيّّة بشكل عام؟ دقّق في هذه الجملة:

24- ينبغي تعليم الأطفال المسائل الصحية.

في هذه الجملة استُعملت "ينبغي" بمعنى اللزوم بالقياس. ولكن حُذف من الجملة التعليل "لأجل..."، والمراد منها أنّ تعليم المسائل الصحية للأطفاف لأجل سلامتهم لازمٌ أو أنْ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

83

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 نقول بعبارة أخرى: إذا أردنا بقاء الأطفال سالمين ينبغي لنا تعليمهم المسائل الصحية. لكن من الواضح أنّ سلامة الأطفال هي ما نريده نحن ولذا فلا ضرورة لذكره فيها.


وكذلك الحال في الأخلاق حيث إنّ المفروض وضوح الهدف الكلي منها وهو مطلوب الجميع، ولذا لا ضرورة لذكره في الجمل الأخلاقيّّة، لكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ حذف التعليل "لأجل" من اللزوم بالقياس يجب ألا يوقعنا بالاشتباه بينه وبين اللزوم الأمريّ أو التوافقيّ.

4 - 1 - 2. الوظيفة

المعنى الأصليّ للوظيفة هو إيكال عملٍ ما إلى أحد الأشخاص بناءً على أمر آخر، أو اتفاق جمعٍ ما عليه، لكن في صورة قولنا بوجود نحو من الصلاحية لهذا الآمر أو الجمع لإصدار وتعيين الوظائف.

وبناءً عليه يمكن القول إن "الوظيفة" في الأصل هي للإشارة إلى اللزوم الأمري أو التوافقي، إلّا أنّ هذا المصطلح - وبنحو المجاز أو من باب التوسعة في معنى اللفظ - يُستخدم أيضاً لبيان لزوم عملٍ ما لهدف ما - وهذا اللزوم من نوع اللزوم بالقياس ولا وجود فيه لأي أمر أو توافق - وأحياناً يؤُخذ بالاعتبار في هذه الموارد كون القوة المدركة للزوم (العقل) بمنزلة الآمر وتسمى تلك الوظيفة حينئذٍ بالوظيفة العقلية.

وأحياناً تشخّص أيضاً بحسب الموضوع المبحوث فيه، فيقال الوظيفة السياسية والوظيفة الاجتماعية، والوظيفة الدينيّة أيّ تلك الأمور الّتي يلزم القيام بها سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً.

وكذلك الحال في الأخلاق حيث إنّ اللزوم فيها لزوم بالقياس فإنّ الوظيفة تُستعمل بهذا المعنى أيضاً، وبالتالي فإنّ كلّ الأعمال اللازمة لتحصيل الهدف من الأخلاق تسمّى بالوظيفة الأخلاقيّّة. ومثالاً على ذلك القول: إن مساعدة العاجزين وظيفة القادرين، وبناءً عليه فإنّ الوظيفة في الأخلاق تستعمل في مورد لزوم عملٍ ما لتحصيل الهدف من الأخلاق، وهذا اللزوم من نوع اللزوم بالقياس ولا حاجة له لأمر الآمرين أو اتفاق المتفقين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

84

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 2 - 2. النتيجة


لقد أوضح تحليل المفاهيم الأخلاقيّّة أنّ هذه المفاهيم حاكية للواقع(7)، وأنها تُستخدم لبيان القيم واللزوميات الواقعيّّة الأخلاقيّّة. وقد ذكرنا سابقاً أنّ الجملة الخبرية إذا كان محمولها حاكياً للواقع تكون حاكية للواقع، لذا يمكن استنتاج ما يلي:

الجمل الخبرية الأخلاقيّّة حاكية للواقع

3 - واقعيّة الجمل الأخلاقيّّة الأمرية أو النهيية

لا شك أنّ جملتي "كن شجاعاً" و "لا تحسد" ليستا جملتين خبريتين في الظاهر، لأننا استفدنا فيهما من جعل الأمر النهي، وهنا نسأل: هل الجمل الأخلاقيّّة الأمرية أو النهيية حاكية للواقع أم أنها غير حاكية للواقع؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لنرَ هل يمكن للجمل الحاوية للأمر والنهي أنّ تحكي الواقع أم لا:

لنلتفت إلى الجمل الآتية:

25- إذا أردت استرجاع عافيتك، لا تأكل الأطعمة المقلية.

26- إما أنّ لا تصادق حارس الفيلة، أو ابنِ بيتاً من أجل الفيل.

27- قم بإحياء الليل لتكن سعيداً.

ورغم أنّ هذه الجمل مشتملة على الأمر أو النهي فإنّها تدلّ وبغضّ النظر عن الأمر والإحساس والتوافق على اللزوم الواقعيّّ (اللزوم بالقياس)، فالجملة الأولى تدل على أنّ عدم أكل الأطعمة المقلية لازم لأجل استرجاع العافية.

والجملة الثانية تقول إن لازم الصداقة مع حارس الفيلة أنّ تبني بيتاً لها.

والجملة الثالثة أيضاً مضافاً إلى توصيتها بإحياء الليل تدل على اللزوم الواقعيّ له من أجل السعادة.

نعم قد تُستخدم الجمل الحاوية للأمر أو النهي في بعض الموارد لمجرد الدلالة على الأوامر وبيان مراد المتكلم كما في قولنا "اعطني الماء" أو لبيان مجرد التوافق والتعاهد كما في قولنا: "بناءً على ما صُوِّب في الجلسة السابقة، عليك أنّ تقدم تقرير
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

85

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

  العمل في آخر الشهر". وبشكل عام فإنّ الأمر والنهي يدلان دائماً على اللزوم، غاية الأمر أنّ هذا اللزوم قد يكون أمرياً أو توافقياً أو بالقياس أيضاً. وطبقاً للتعريف فإنّ تلك الطائفة من الجمل الحاوية للأمر والنهي والمبينة للّزوم بالقياس حاكية للواقع.


وكما أشرنا فإنّ الجمل الأخلاقيّّة الأمرية والنهيية تُستخدم لبيان اللزوم الأخلاقيّّ، وإنّ هذا اللزوم من نوع اللزوم بالقياس. ولذا نستنتج أنّ الجمل الأخلاقيّّة الأمرية أو النهيية حاكية للواقع‏

4 - النتيجة

في هذا الفصل وبالإضافة إلى تعريف الجمل الأخلاقيّّة قمنا بتقسيمها أيضاً إلى قسمين: الجمل الأخلاقيّّة الخبرية، والجمل الأخلاقيّّة الأمرية والنهيية، ومن ثمّ وبعد تحليل المفاهيم الأخلاقيّّة أشرنا إلى أنّ الجمل الخبرية الأخلاقيّّة حاكية للواقع، ثمّ أثبتنا كون الجمل الأمرية والنهيية الأخلاقيّّة حاكية للواقع أيضاً. وبناءً على ما تقدم يمكن القول بشكل كلّي إنّ:

الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع.‏

ولا بد من الالتفات إلى هذه النكتة وهي أنّ الجمل الأخلاقيّّة لها استعمالات متعدّدة، فيها يمكن لنا إبراز ما نرتضيه وما لا نرتضيه، وكذلك بها يمكن تحريك مشاعر الآخرين وتشويقهم لفعل بعض الأمور أو تركها، أو تحذيرهم كذلك من فعل بعض الأمور أو من تركها، وكذلك يمكن بها - وخاصة في الجمل الحاوية للأمر أو النهي - إصدار الأوامر والتوصيات الأخلاقيّّة والاستفادة منها في تربية الآخرين، كذلك فإنّ بيانات بعض العلوم الأخرى كالطب وعلم النفس لها استعمالات متشابهة. وهذه الاستعمالات لا ارتباط لها بمعاني هذه الجمل من جهة استخدامها في علم الأخلاق أو الطب أو علم النفس، ولا تمنع من حكايتها للواقع أيضاً، لأنّ هذه الجمل وبغضّ النظر عن الأوامر والتوصيات أو الأحاسيس والسلائق، أو التوافقات، تخبر عن الواقعيّّة العينية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

86

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 وخلاصة الكلام أنّه مع الالتفات أولاً إلى أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة لها واقعيّة عينية (نتيجة البحث في الفصل الثاني)، وثانياً إلى أنّ الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع (نتيجة البحث في هذا الفصل) نستنتج أنّ:


النظرية الواقعيّّة صحيحة.

وفي ختام هذا البحث، نُذكِّر بأنّ أنصار اللاواقعيّة لديهم استدلالاتهم الخاصّة لتصحيح نظريتهم، وسوف نشير إلى المهمّ منها ونبحثه في الفصل السادس من هذا الكتاب، إلّا أنّ من الواضح أيضاً أنّ قبول إحدى النظريتين لا يتوقف على ردِّ كلّ أدلة النظرية المقابلة، وبناءً عليه، لإثبات الواقعيّّة لا حاجة لنا للبحث التفصيلي في أدلة اللاواقعيّة.

أكمل ما يلي:

1 ـ يُطلق على المفاهيم التالية "حسن"، "سيّئ"، "صحيح" و"غير صحيح".................. ويُطلق على المفاهيم التالية "يجب"، "ولا يجب" و"المسؤوليّة"..............

2 ـ إذا كان بالإمكان استخدام المفاهيم القيميّة واللزوميّة لتوضيح القيمة أو اللزوم الأخلاقي، فيُطلق على هذه المفاهيم عنوان..................

3 ـ الجمل الأخلاقيّة التي يكون موضوعها.................................... ومحمولها............................................... هي جمل خبريّة أخلاقيّة.

4 ـ في الجمل الأخلاقيّة التي تشتمل على الأمر والنهي، فإنّ الأمر والنهي يستخدم لتوضيح.....................................................................................

5 ـ المفهوم الواقعي هو مفهوم........................................

6 ـ الجمل الخبريّة التي يكون فيها............................................. واقعي، هي جمل واقعيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

87

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 7 ـ بشكل عام يُستعان بـ "الحسن" و"السيّئ" للإشارة إلى........................................


8 ـ ............................................... التي تعني السرور ليس مفهوم أخلاقيّاً.

9 ـ تستعمل مفاهيم "الصحيح" و"الخطأ" في الأخلاق لتوضيح...............................................

10 ـ تُستعمل مفاهيم "يجب" و"لا يجب" في الأخلاق لتوضيح...................................................

11 ـ يستعمل مفهوم "المسؤوليّة" في الأخلاق لتوضيح.......................................................... وهو من نوع.......................................................................... وهو لا يحتاج إلى فرض الآمر أو الواضع.

12 ـ إنّ تلك المجموعة من الجمل المشتملة على الأمر والنهي والتي هي....................................................... هي جمل واقعيّة.

13 ـ بما أنّ المفاهيم الأخلاقيّة والجمل الأخلاقيّة التي تحتوي على الأمر والنهي هي أمور واقعيّة، والجمل الأخلاقيّة هي ............................................ ونظريّة...................................... صحيحة.

14 ـ إنّ الاستعمالات المختلفة للجمل الأخلاقيّة............................................... تمنع واقعيّتها.

الأسئلة
 
1- أجب في مورد الجمل الآتية عن هذين السؤالين:

السؤال الأول: فكّك الجمل الأخلاقيّّة بناءً - على ما عرفناه في هذا الفصل - عن الجمل غير الأخلاقيّّة، واذكر السبب في كلّ مورد منها.

السؤال الثاني: على فرض الاستفادة من المفاهيم القيميّة أو اللزومية في هذه الجمل بيِّن الوجه في استعمالها فيها.

أ ـ الصبر أحد الموضوعات الأخلاقيّّة.

ب ـ تقطيع الكلام صفة قبيحة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

88

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 ج ـ إنّ هذا الغراء غير جيد للخشب.


د ـ إنّ قولنا إنّ "بني إسرائيل كانوا يقتلون أنبياءهم" صحيح.

هـ ـ إنّ الهدف من عقد هذا الاجتماع تقديم طرحٍ مشترك، ولذا فإنّ من الخطأ طرح المسائل الخلافية في هذا الاجتماع.
و ـ لا ينبغي جعل السليقة الشخصيّة كملاكٍ لتقييم أفعال الإنسان أخلاقيّاً.

ز ـ العمل الحسن في الأخلاق يُطلق على العمل الّذي يتناسب مع الهدف المطلوب فيها.
ح ـ يعتبر الإيثار - والذي هو أفضل أنواع الكرم - من الأخلاق الحسنة.

ط ـ ينبغي أنّ تُكثر السفر لإنضاج شخصيتك.

ي ـ التمييز العنصري عمل غير صائب.

2 - كوّن جملاً أخلاقيّّة تُذكر في كلّ واحدة منها أحد المفاهيم الأخلاقيّّة.

3 - أ ـ على ماذا يطلق مفهوم حكاية الواقع؟

ب ـ لماذا تعتبر الجملة الخبرية حاكية للواقع إذا كان محمولها حاكياً للواقع؟

4 ـ أ ـ اذكر المعنى الأصلي للوظيفة.

ب ـ بأيّ معنى يُستعمل هذا المصطلح في الأخلاق؟

5 - بالإضافة إلى بيان الاستعمالات المختلفة للجمل الأخلاقيّّة، أوضح كيفية عدم التنافي بين هذه الاستعمالات وبين كون الجمل الأخلاقيّّة حاكية للواقع؟"

6 - بيِّن في ثلاثة أسطر سير البحث المنطقي لإثبات الواقعيّّة.

للبحث
 
1 - مع الالتفات إلى هاتين الآيتين القرآنيتين، ابحث حول الرابطة بين "الحسن والقبيح" مع "المرضي والمبغوض" (المحبوب والمكروه)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

89

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 - " وعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ" (البقرة: 216).


- " فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا "(النساء: 19).

2 - بالنظر إلى المفهوم الأخلاقيّ "للحسن والقبح" ما هو رأيك - ضمن سطرين - في النظرية الإحساسية (الانفعالية) والتي لخصناها في هذه الفقرة:

إنّ الجمل الأخلاقيّّة تُستخدم لإظهار وبيان الإحساس المُرضي أو اللامرضي عند المتكلم ولتحريك الإحساس المشابه له عند السامع.

3 - قلنا في ختام هذا الفصل: إنّ القبول بإحدى النظريات لا يتوقف على ردّ أدلة النظرية المخالفة لها، وهنا نسأل: هل يكفي ردّ أدلة النظرية المخالفة للقبول بالنظرية المقابلة لها؟
وما هو الفرق بين ردّ أدلة النظرية المخالفة وبرهان الخلف والذي يعتبر كافياً لإثبات النظرية المدعاة؟

4 - بالالتفات إلى ما تعلمته في الفصل الثاني والثالث حول الواقعيّّة، ابحث فيما يلي حول هذه الموارد (لوازم الواقعيّّة):

أ ـ ملاك الصدق أو الكذب في هذه الجملة الأخلاقيّّة "ألف هو عمل حسن" هو المطابقة أو عدم المطابقة مع ماذا؟

ب ـ ما هي واقعيّة القيم واللزوميات الأخلاقيّّة؟

ج ـ هل يمكن المشاهدة الحسية لهذه الواقعيّّة؟ وبأي أسلوبّ يمكن التحقيق حولها؟

د ـ بأي معنى نعتبر هذا الأصل الأخلاقيّ "العدالة حسنة" مطلقاً؟

هـ ـ لماذا نقول بوجود مذهب أخلاقيّ واحد صحيح؟ ما هو الشي‏ء الّذي يضعه هذا المذهب الأخلاقيّ كملاك للتقييم ولتعيين اللزوم الأخلاقيّ؟

5 - اكتب استدلالاً منطقياً تكون كلّ مقدماته من نوع "الموجود" وتكون نتيجته من 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

90

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 نوع "ما ينبغي" الأخلاقيّّة، (إرشاد: ابتداءً ضع كلمة "اللازم" مكان "ينبغي" الأخلاقيّّة.


6 - أثبت كون "السرقة قبيحة" (إرشاد وتشبيه: اعتبر حفظ النظام والأمن الاجتماعيّ شرطاً لازماً لكمال الإنسان الاختياريّ). 
 
 
إقرأ
 
عادة ما يحصر أرباب هذا الفنّ المفاهيم الأخلاقيّّة في هذه المفاهيم السبعة، وأما المفاهيم الأخرى المعادلة أو المشابهة لها باعتقادهم فإنّهم يرجعونها إليها - وبحيث تُستعمل هذه المفاهيم كمحمولات في الجمل الأخلاقيّّة - نظير الخير والشرّ، الحسن والقبيح، الجميل والبشع، الفضيلة والرذيلة، المقبول والمرفوض (المحمود والمذموم)، اللائق وغير اللائق، الجدير وغير الجدير (المناسب وغير المناسب)، الصحيح والغلط، والحق واللاحق (الباطل)، التكليف والمسؤولية... وقد سعى بعض فلاسفة الأخلاق لإرجاع كلّ المفاهيم الأخلاقيّّة إلى مفهومين أساسيين: الجيد والسيئ أو ما ينبغي وما لا ينبغي (يجب أو لا يجب، ينبغي أو لا ينبغي)، وحتماً فإنّ كلّ واحدٍ من المفاهيم الأخرى الّتي ذكرناها لها خصائص معنائية خاصّة بها، وبعضها قد تكون له معانٍ أخرى في غير الأخلاق إلّا أنّه وللتناسب بين معانيها هناك وبين مصاديقها في الأخلاق أوجب استعمال هذه المفاهيم في الجمل الأخلاقيّّة. ومثالاً على ذلك فإنّ الكمال الاختياريّ للإنسان والأفعال المتناسبة معه، مع كونها أموراً واقعيّة - وبغضّ النظر عن السلائق والطبائع - وحيث إنها مطلوبة للإنسان، والميول والطبائع تميل إليها فإنّ مصطلحيَ "الحسن" و"القبح" المستعملين في غير الأخلاق بمعنى المتناسب أو غير المتناسب مع الميل والطبع استُعملا أيضاً في الموضوعات الأخلاقيّّة.

كذلك وحيث إنّ الإنسان بفطرته يدرك التناسب بين كماله الاختياري ومقدماته وبين خلقه أو نظام الخلقة بشكل عام، فإنّ مفاهيم الجميل والبشع والحسن والقبيح - والتي فيها جنبة من المعرفة الجمالية - استُعملت في هذه الموضوعات أيضاً إلّا أنّ عدم التفكيك بين ما هو أخلاقيّّ وما هو غير أخلاقيّّ من هذه المفاهيم، وكذلك عدم إدراك المنشأ الواقعيّّ للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة أوجب 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

91

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 وجود بعض المغالطات في اعتبار هذه المفاهيم غير حاكية للواقع.


اعتبر بعض الكتّاب فقط مفهوميَ "الجيد" و"السيئ" من المفاهيم القيميّة. وأما مفهوما "الخطأ والصواب" وكذلك "ما ينبغي" و "ما لا ينبغي" و"الوظيفة" فقد اعتُبرت عندهم من المفاهيم الإلزامية، إلّا أنّ استعمال هذين المصطلحين - الصواب والخطأ - في الأخلاق وغير الأخلاق يبعث على عدم "صواب" هذا الرأي. ويمكن أنّ يكون السبب في اعتبار هذين المفهومين إلزاميين هو ذهاب بعض المفكرين والكتّاب الغربيين إلى اعتبار مصطلحي "right" و "wrong" إلزاميين، وبالتالي ترجم هذين المصطلحين إلى الصواب والخطأ. مع أنّ المحتمل كون "right" و"wrong" أقرب إلى معنى "الحق" و "اللاحق"، وحيث إنّ الحق أقرب إلى التكليف والإلزام اعتُبر عند بعض المؤلفين الغربيين من المفاهيم الإلزامية، هذا وقد اعتبر بعضٌ آخر من هؤلاء الكتاب الغربيين أمثال "تيلور" أنّ: "right" و "wrong" هما من المفاهيم القيميّة كما هو الحال في "good" و "bad".

"محسن إنسان جيد" يمكن أنْ تكون جملة أخلاقيّّة أيضاً، لكن لا بدّ أنْ نلتفت إلى أنّ الموضوع في هذه الجملة مع كونه أحد أفراد الإنسان، إلّا أنّ قيمته الأخلاقيّّة ناظرة إلى صفاته وأفعاله الاختيارية. وبناءً عليه فإنّ ما يقيم في أمثال هذه الجمل أيضاً هو الصفات والأفعال الاختيارية في الواقع.

ومن جهة أخرى فإنّ هذه الجمل: "القول الحسن جيدٌ"، "النية الحسنة جيدة"، "العمل الصائب هو العمل الّذي يستتبع الكثير من الخير"، "إتقان العمل صائب" و"أداء الوظيفة وظيفتنا"، ليست جملاً أخلاقيّّة لأنّه وإنْ كان موضوعها الصفات والأفعال ظاهراً، وإنْ أخذت مفاهيم "الجيد"، "الصواب" و "الوظيفة" في هذا الموضوع قيداً للصفات والأفعال، إلّا أنّ هذه المفاهيم في الواقع هي نفس موضوع هذه الجمل

وليست الصفات أو الأفعال، وبالتالي فإنّ هذه الجمل وأمثالها الّتي تعطي توضيحاً حول المفاهيم الأخلاقيّّة داخلة في فلسفة الأخلاق لا الأخلاق نفسها.

يمكن طرح العديد من البحوث حول المفاهيم المستعملة في الجمل الأخلاقيّّة ومثالاً على ذلك يمكن البحث في ماهية المعنى الدقيق للموضوعات الأخلاقيّّة نظير "العدالة" "التقوى" و"الغيبة"، وكذلك كيفية إيجاد المفاهيم الأخلاقيّّة في الذهن، وهل يمكن إرجاع بعض هذه المفاهيم إلى بعض أم لا؟ وفي هذه الصورة ما هو المفهوم الأساس فيها؟ وكذلك هل أنّ الجمل الحاوية لهذه 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

92

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

 المفاهيم خبرية أم إنشائية من الناحية الأدبية؟


إن بعض هذه البحوث يرتبط بفلسفة الأخلاق وبعضها الآخر بالأخلاق أو علم النفس أو الذهن أو الأدب.

وحيث إنّ مثل هذه البحوث لا ارتباط لها بشكل مباشر بمسألة حكاية الجمل الأخلاقيّّة للواقع وبالتالي فإنّه يمكن الإجابة عليها من دون التعرّض لذكرها لذا ورغم ارتباطها بفلسفة الأخلاق فقد أرتأينا صرف النظر عنها وعدم البحث فيها.

وسوف نشير ها هنا فقط إلى أنّ الأفعال الاختيارية - والتي هي موضوع الجمل الأخلاقيّّة - عناوين انتزاعية من الرابطة بين الفعل ونتائجه المطلوبة أو غير المطلوبة في الأخلاق وبالاصطلاح يُعبَّر عنها بالمعقولات الفلسفية الثانية، وبناءً على هذا التصور فإنّ المفاهيم الأخلاقيّّة - ورغم حكايتها الواقع - ليست من نوع المفاهيم الماهوية ولا تشير إلى ماهيات خاصّة أيضاً بل هي من نوع المفاهيم الفلسفية (لمزيد من التوضيح، راجع: محمّد تقي مصباح، دروس فلسفه اخلاق، ص: 13 - 14، وص 24 - 27).
"الصواب والخطأ" يستعملان أحياناً بمعنى المطابقة وعدم المطابقة مع الواقع، وفي توصيف القضايا أيضاً.

والظاهر أنّ المطابقة وعدم المطابقة مطلوب ولا مطلوب منطقي (أو الكمال والنقص)، وبالتالي فإنّ هذا المعنى يُعتبر أيضاً مصداقاً من مصاديق القيمة (القيمة المنطقية)، وكذلك يبدو أنّ مصطلحَي "الصواب والخطأ" ينسبان فقط إلى الوسائط ولا يُستخدمان في مورد القيمة الذاتية.

كما قيل فإنّ كلمة "ينبغي" تُستخدم بمعنى اللزوم بالضرورة والمراد منها ضرورة شي‏ء بالمقايسة مع شي‏ء آخر، وهذه الضرورة يمكن افتراضها في مورد العلة بالقياس إلى معلولها، والمعلول بالقياس إلى علته التامة، وأحد معلولي العلة التامة بالمقايسة مع معلولها الآخر.وبالتالي فإنّ مصطلح "ينبغي" يمكن استعماله في كلّ هذه الموارد. في هذا المثال إشارة إلى نماذج مختلفة لاستعمال "ينبغي" بمعنى الضرورة بالقياس:

"ينبغي" لعرض أخبار التلفزيون أنْ يسلَّطَ نورٌ قويٌّ بشكل مباشر إلى وجه المذيع، لكن مع وجود هذا النور القوي "ينبغي" أنْ تتولد منه حرارة كبيرة، إلّا أنّه يُستفاد داخل الاستديو من وسائل التبريد، لذا ينبغي أنْ يكون هواء الغرفة بارداً.

لكن حيث إنّ "ينبغي" في الأخلاق تُحمل على الصفات والأفعال الاختيارية الخاصّة، والتي هي علة الوصول إلى هدف الأخلاق، لذا فإنّ "ينبغي" الأخلاقيّّة بيان فقط لضرورة العلّة (الصفات والأفعال
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

93

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

  الاختيارية) بالمقايسة بمعلولها (هدف الأخلاق).


اعتبر بعض العلماء المسلمين كالعلّامة الطباطبائي والشهيد مطهّري المفاهيم الأخلاقيّّة نظير "ما ينبغي" و "لا ينبغي" و"الجيد" و"السيئ" أنها اعتبارية وتبعاً لها اعتبروا أنّ الأحكام الأخلاقيّّة أيضاً اعتبارية.

وحيث إنّه من الممكن أنّ يُستفاد من مثل هذا الكلام أنهم قائلون باللاواقعيّة في الأخلاق ولوازمها، والتي من جملتها النسبيّة الأخلاقيّّة، لا بدّ أنْ نقدّم هنا توضيحاً مختصراً حول نظريتهم هذه.

اعتبر العلامة الطباطبائي أنّ معنى "ما ينبغي" و "ما لا ينبغي" الوجوب واللزوم، واعتقد أنّ هذا الوجوب قائمٌ بين القوة الفعالة وآثارها. إلّا أنّ الإنسان الّذي لديه رابطة إمكانية مع أفعاله الإرادية، ولأجل الوصول إلى النتائج المطلوبة عنده يضع الوجوب واللزوم الواقعيّ القائم بين القوة الفعالة وأثرها بينه وبين الصورة العلمية لذلك الأثر المطلوب ويقوم باعتباره ليجد المحرك عنده من أجل تحصيل النتيجة المطلوبة بعد تعيّن الإرادة عنده، وأيضاً، وتبعاً لهذا التعهّد يقوم بنسبة هذه الـ "ينبغي" والوجوب إلى المادة الّتي هي متعلق الفعل ويقول حينئذٍ: ينبغي عليّ القيام بتلك الأعمال الموجبة لحصول تلك النتيجة المطلوبة. (راجع، مرتضى مطهري، مجموعة آثار، ج‏6 ، ص 420 - 427 أصول فلسفه وروش رئاليسم) "أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ للعلامة الطباطبائي".

كذلك فإنّ الحسن والقبح اللذين هما في رأيه،موافقة أو ملاءمة شي‏ء ما مع القوة المُدركة أو عدمهما كذلك معها، إنما يُعتبران بعد اعتبار الوجوب بين الإنسان والصورة العلمية للشي‏ء المطلوب له، (راجع نفس المصدر ص 432).

ورغم أنّ العلامة الطباطبائي يعتقد بأنّ هذه الأحكام الاعتبارية تابعة للإحساسات الداخلية من زاوية الثبات والتغيير والبقاء والزوال (راجع نفس المصدر، ص 428) وأنها نسبية (نفس المصدر، ص 432) وأنه لا يمكن البرهان عليها (نفس المصدر، ص 429)، إلّا أنّه في نفس الوقت يؤكد أنّ هذه الاعتباريات قائمة على الحقيقة (نفس المصدر، ص 393 و453 و455) ولها آثارها الواقعيّّة (نفس المصدر، ص 394) ويصرح بأنّ هذه الإحساسات وليدة لسلسلة من الاحتياجات الوجودية (نفس المصدر، ص 399) وأنّ بعض هذه الاعتباريات عامّ وثابت لا يتغير (نفس المصدر، ص 428 - 429 و 436 - 437) وقد أقام البرهان للإشارة إلى أنّ هذه الاعتبارات على أيّ مبنى من الحاجات الواقعيّّة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

94

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

  يتم اعتبارها (نفس المصدر، ص 402 - 455).


إنّ التدقيق فيما أفاده العلامة الطباطبائي يوضح لنا أنّ مراده من نسبية هذه الأحكام المذكورة أنّه لا توجد حقيقة تحت عنوان "ما ينبغي" و "ما لا ينبغي" و "الجيد" و "السيئ" من دون النظر إلى الميول والحاجات والكمالات الوجودية الخاصّة، (ربما يمكن القول إنّ هذا الكلام شبيه بقولنا إنّ هذه المفاهيم فلسفية تتحصل من خلال المقايسة والمقارنة). ولهذا السبب فإنّ الأحكام الحاوية لهذه المفاهيم متفاوتة ومتغيرة من كائنٍ حيّ كالإنسان مثلاً إلى الكائنات الحية الأخرى، كذلك وحيث إنّ بعض حاجات الإنسان متغيرة فإنّ "ما ينبغي" و "ما لا ينبغي" و "الجيد" و "السيئ" المرتبطة بالإنسان متغيرة أيضاً، بل إنّ إمكانية التغيير والزوال هي الأساس في مثل هذه الأحكام إلّا إذا كانت ناظرة إلى الاحتياجات العامة عند الناس.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ العلامة الطباطبائي لما كان يعتقد بأنّ معنى "ما ينبغي" و "ما لا ينبغي" هو الوجوب المتوسط بين الفاعل ومطلوبه لا الوجوب المتوسط بين الفعل والنتيجة المطلوبة لذا اعتبرها أحكاماً اعتبارية قائمة على الحقيقة.

وأما الشهيد مطهري وضمن تعليقاته على آراء العلامة الطباطبائي فقد التزم بما قاله من اعتبارية هذه المفاهيم وأحكامها المرتبطة بها إلّا أنّه خالفه الرأي في موردين:

أولاً: لم يرتضِ الشهيد تعميم هذه الاعتبارات بحيث تشمل الحيوانات (راجع، مجموعة آثار) (مجموعة آثار الشهيد مطهري، ج‏13، ص 717 - 719).

وبتحليل منشأ ما يطلبه الإنسان - والذي هو الفائدة والنفع كما يقول - فإنّه يعتقد بأنّ منشأ المطلوبيات المشتركة هو النفع النوعي أيّ الكمال النوعيّ للإنسان، والذي هو على نسق واحد عند كلّ أفراده وكلّي ومطلق ويعتقد أيضاً بأنّ القيم الأخلاقيّّة من هذا النوع (نفس المصدر ص 725).

ثانياً: لم يقبل الشهيد المطهري بكفاية الاعتباريات الثابتة - كما قال العلامة - لإثبات "خلود الأخلاق" (نفس المصدر، ص 730 - 731) مع تأكيده على بعدي الحيواني والإنساني في وجود الإنسان وقد سماهما "السفليّ" و "العلويّ"، ومع الالتفات إلى أنّ الأصل في الإنسان هو "العلوي" وأنّ القيم الأخلاقيّّة ناظرة إلى كمالات هذه الدرجة عند الإنسان، فقد اعتبر أنّ هذه الكمالات واقعيّة - وليست توافقية واعتبارية - ومشتركة عند جميع الناس وأنها أساس الأخلاق الخالدة (نفس المصدر،ص 737 - 740).

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ المعاني المعطاة في هذه النظرية لمفاهيم "الجيد"، "السيئ"، "ما ينبغي"
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

95

الفصل الرابع: المفاهيم الأخلاقية

  و "ما لا ينبغي" بلحاظ استعمالاتها الأخلاقيّّة قابلة للنقاش والتوضيحات المذكورة حولها في المتن تمهد لحلها.


إلا أنّ النكتة الهامّة والتي لا بدّ من ذكرها ها هنا، أنّ العلامة الطباطبائي والشهيد المطهري يعتقدان بأنّ هذه الاعتباريات ذات ملاكات واقعيّة ومستندة إلى الحقيقة.

ويعتقدان أيضاً في مورد نتائج الأفعال المطلوبة أنّ نفس رابطة الوجوب واللزوم بين العلة والمعلول (أي بين القوة الفعالة وأثرها الخارجي) والتي هي رابطة حقيقية، وبين الإنسان والصورة العلمية لذلك الأثر المطلوب، وتبعاً لها بين الإنسان وما يعتقده موصلاً له إلى تلك النتيجة، اعتبارية، ولذا فإنّ اعتبارية "ما ينبغي" فقط لجهة أنّنا نعتبر تلك الرابطة الواقعيّّة والحقيقيّة بين الفاعل الإرادي والصورة العلمية لها نتيجة مطلوبة أو كانت مقدّمة للوصول إلى تلك النتيجة المطلوبة كما لو توسّطت بين الفاعل وعمل خاص.

إلا أنّ هذا الاعتبار لا يمكن قبوله إلّا إذا أوصلنا هذا العمل واقعاً إلى النتيجة المطلوبة، والمصلحة المتوخاة عندنا.

ومضافاً إلى ذلك فإنهما يعتقدان بأنّ مطلوبية النتيجة ترجع إلى الإحساس الناشى‏ء عن احتياجات القوة الفعالة والتي يرتبط بعضها بنوعية النوع والبناء الطبيعي للإنسان.وبالتالي فإنّ الاعتباريات الناظرة إلى هذه الطائفة من الحاجات ثابتة لا تتغير. وخلاصة القول إنّ الاعتباريات المذكورة إنما تُقبَل فقط في مورد الأفعال الّتي تؤمّن الحاجات الواقعيّّة للإنسان وتوصل الإنسان إلى الكمال.

ومع هذا التوضيح يتبين لنا أنّ المفاهيم والأحكام الأخلاقيّّة عند هذين العلَمَين الكبيرين اعتبارية محض لكنها ذات سند واقعيّ، ولذا لا يمكن اعتبارهما من القائلين باللاواقعيّة والنسبيّة الأخلاقيّّة في الأخلاق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

96

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 
كان سيدني مورجِنبسر الأستاذ في جامعة كولومبيا يدرّس الفلسفة في صفٍّ يميل طلابه بقوة إلى القول بالنسبيّة. وعند إجراء الامتحانات قام هذا الأستاذ بترسيب كلّ الطلاب، ومع ذلك أوضح لهم أنّ الأغلب قد أجاب بشكل صحيح وممتاز. وعندما اعترضوا على اللاعدالة في المقام أجابهم مورجِنبسر قائلاً: إنني أطبق النظرية الذهنية (النسبيّة الفردية) في تقييم الامتحان وفي هذا المورد فإنّ أصل العدالة لا اعتبار عينياً له1.
 
أشرنا في الفصل الثاني وضمن بيان لوازم الواقعيّّة واللاواقعيّة إلى اختلاف هاتين النظريتين في إطلاق الأخلاق والنسبيّة في الأخلاق.
 
ومع إثبات النظرية الواقعيّّة اتّضح أنّ إطلاق الأخلاق وبالمعنى الّذي أوضحناه في ذلك الفصل هو الصحيح والمقبول، وبالتالي فإنّه لا يمكن القبول بالنسبيّة في الأخلاق بمعناها المقابل للاطلاق لكن ومن أجل توجيه النظرية النسبيّة الأخلاقيّّة فقد استدل بطرق متعدّدة، وذكر لها أنواعاً مختلفة، واستنتج منها نتائج متنوعة. وحيث إنّ بحث إطلاق الأخلاق ونسبية الأخلاق له لوازم نظرية وعملية متعدّدة أفردنا لهما هذا الفصل بشكل مستقلّ، وسوف نتعرض فيه لمختلف البحوث المذكورة.
 
 
 

1- لويس بويمن، "نقدي بر نسبيت اخلاقي"، ترجمة محمود فتحعلي، مجلة نقد ونظر، العدد 13 - 14، ص 329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

97

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 1 - حقيقة الإطلاق والنسبيّة في الأخلاق (تذكير)


قدّم بعض فلاسفة الأخلاق تعاريف خاصّة حول الاطلاق والنسبيّة في الأخلاق، ومثالاً على ذلك فقد اعتبر بعضهم أنّ مجرد تقيّد الأحكام الأخلاقيّّة ببعض القيود الخاصّة مانع من إطلاقها وإطلاق الأخلاق، واعتبروا أيضاً أنّ القول بإمكان وجود طرق متعدّدة للوصول إلى الهدف هو نوع من القول بالنسبيّة[1].

وسوف نغضّ النظر عن مثل هذه التعريفات للإطلاق والنسبيّة في الأخلاق، وسيكون الملاك عندنا هو التعريف المشهور والمعروف لها في الأخلاق.
بناءً على هذا التعريف -وكما أشرنا إليه في الفصل الثاني- فإنّ المراد من الإطلاق في الأخلاق هو أنّ بعض الأحكام الأخلاقيّّة مطلق وغير مقيد بأيّ قيد، وأما النسبيّة في الأخلاق فمعناها أنّ كلّ الأحكام الأخلاقيّّة لها قيود وشروط.

والجدير ذكره أنّ كلّ فلاسفة [2] الأخلاق متفقون على كون بعض الأحكام الأخلاقيّّة مقيد بقيود وشرائط خاصّة به، إلّا أنّ الاختلاف بينهم يدور حول إمكانية إيجاد حكم من بين الأحكام الأخلاقيّّة معتبرٍ بلا أيّ قيد أو شرط أو عدم إمكانية ذلك[3].

وقد أشرنا في الفصل الثاني إلى أنّه بناءً على رأي القائلين بالإطلاق في الأخلاق فإنّ تلك الطائفة من الأحكام الأخلاقيّّة المقيدة والمشروطة لها قيود وشروط واقعيّة. وفي الحقيقة فإنّ وظيفة قيود وشرائط تلك الأحكام هو الإشارة إلى أنّ هذه الأحكام تحت أيّ واحد من الأحكام غير المقيدة داخلة[4].

ومثالاً على ذلك فإنّ تلك الطائفة من الصفات والأفعال الاختيارية وتحت أيّ شرط متحدة مع المنشأ الواقعيّ للأخلاق - والذي له قيمة ذاتية - لها قيمة مثبتة بدون أيّ قيد وشرط، وأما الأفعال الأخرى فلها قيمة مثبتة شرط اتحادها معها في الجهة، وأما إذا كانت في خلاف جهتها ضمن بعض الشرائط الخاصّة فستكون ذات قيمة منفية.

وأما القائلون بالنسبيّة الأخلاقيّّة فقد قيّدوا الأحكام الأخلاقيّّة بقيود وشرائط لاواقعيّة نظير الأوامر والانفعالات والتوافقات[5].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

98

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 وإدامة لهذا الفصل سوف نُعرِّف أنواع النسبيّة الأخلاقيّّة مع بيان وتحليل أهمّ دلائلها في كلّ مورد منها.

 
2 - أنواع أو مراحل النسبيّة الأخلاقيّّة
 
عادة ما تُذكر هذه الأنواع الثلاثة للنسبية الأخلاقيّّة. وفي الحقيقة فإنّ هذه الأنواع هي ثلاث مراحل من النسبيّة الأخلاقيّّة. وسوف نقوم بعرض وتحليل مدعى ودليل كلّ واحدٍ منها على حدة:
 
1 - 2. النسبيّة التوصيفية
 
المدعى: إنّ الأفراد والجوامع المختلفة تختلف اختلافاً جوهرياً حول كلّ / بعض1 الأحكام الأخلاقيّّة.
 
إنْ هذا المدعى ذو جنبة توصيفية فقط. وفي هذه المرحلة فإنّ القائل بالنسبيّة لا يحكم بصحة أيّ رأي من الآراء المختلفة بل يقرر ويصف فقط وجود خلاف جوهريّ في الرأي بينها، ونحن عندما نقول إنّ هناك اختلافاً في الرأي حول حكم أخلاقيّ ما بين اثنين من الأفراد أو المجتمعات فمعنى ذلك أنهما لا يقبلان به معاً، ومثالاً على ذلك فإنّ اختلاف الرأي بين اثنين حول كون: "السرقة عملٌ خاطى‏ء" معناه أنّ أحدهما لا يقبل بهذا القول. لكن ما هو المراد من اختلاف الرأي الجوهري بينهم؟ لنرَ هذا المثال:
 
• - لقد أخذت المال الّذي وقع على الطريق لنفسك. إنّ عملك هذا غير صائب.
 
• • - إنّ هذا العمل باعتقادي صوابٌ.
 
في هذه المحاورة لدينا اختلاف في الرأي حول القيمة الأخلاقيّّة لعملٍ خاص (اللقطة)، لكن هل يرجع هذا الاختلاف في الحقيقة إلى الاختلاف في الرؤية الأخلاقيّّة عند هذين الشخصين؟ لنتابع معاً بقية حوارهما:
 
 
 

1- المراد ها هنا كلّ أو بعض, إن هذه العلامة "/" إنما يستفاد منها في مورد وجود رأيين مستقلين في نفس المقام فتوضح بينهما منعاً لتكرار الكلام (المترجم).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

99

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 • - إنّ عملك هذا سرقة: لقد أخذت مالاً هو ملك لغيرك.


• • - ليس كذلك، لأنّ العثور على شيء ضمن شرائط خاصّة يوجب تملكه، والآن هذا المال ملكي. أنا لم أسرقه.

إنّ اختلاف هذين الاثنين في القيمة الأخلاقيّّة لهذا العمل يرجع في الحقيقة إلى أنّ العثور على شي‏ء ما هل يبيح تملكه أم لا؟

إنّ هذين الشخصين لا يختلفان بتاتاً في أنّ السرقة عمل خاطى‏ء ولذا فإنّ اختلافهما في الحكم الأخلاقيّ لهذا العمل يرجع إلى جملة غير أخلاقيّّة مفادها أنّ هذا العمل هل هو سرقة أم لا؟ (والذي هو بدوره ناشى‏ء عن الاختلاف في كيفية حصول الملكية[6].
وبالتالي لو اتّفقا على كون هذا العمل سرقة أم لا، فلن يختلفا في القيمة الأخلاقيّّة لالتقاط ذلك المال، وإنما اختلاف الرأي بينهما حول الحكم الأخلاقيّ في أنّ التقاط المال أمر غير صائب يرجع إلى استعمال الجملة "السرقة خاطئة" في التقاط ذلك المال، وهذا الاختلاف لا يُعتبر اختلافاً جوهرياً[7].

إنّ اختلاف الرأي حول أيّ حكم أخلاقيّ إنما يسمّى جوهرياً فقط وفقط في صورة عدم قابلية هذا الاختلاف للرفع بعد التوافق المسبق حول كيفية استخدام البيانات الأخلاقيّّة.

لقد طرح مدعى النسبيّة التوصيفية ضمن نحوين: إفراطيّ ومعتدل: من الناحية الإفراطية قبلَ بوجود الاختلاف الجوهري في مورد كلّ الأحكام الأخلاقيّّة، وأما من الناحية المعتدلة فقد قيلَ بوجوده في بعضها فقط.

الدليل: عادة ما يشير النسبيون لإثبات هذه الدعوى إلى التفاوت الثقافي بين الأقوام والملل المختلفة أو عند قوم ما مع مرور الزمن. وقد قام هؤلاء بذكر بعض النماذج من هذه الخلافات لتأكيد أقوالهم والتي تستند في أغلبها إلى تقارير علماء الاجتماع والتقارير التاريخية. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

100

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 وإليك بعض النماذج من هذه التقارير:


النموذج 1: ينقل هرودون (485 - 430 ق.م) في تاريخه أنّ إحدى القبائل الهنديّة (كلاتي) كنت تأكل أجساد الأباء الأموات وأنّ اليونانيين كانوا يحرقون أجساد آبائهم الأموات. وفي يومٍ من الأيام قال "داريوش" لبعض اليونانيين عنده: في مقابل أيّ مبلغٍ من المال أنتم حاضرون لأكل أبدان آبائكم الأموات؟

فأجابوه متعجبين: لا يمكن لأي مبلغٍ من المال أنْ يُلجئنا إلى هذا العمل الوحشي. فقال داريوش لبعض أفراد الكلاتي: في مقابل أيّ مبلغ من المال أنتم حاضرون لإحراق أجساد آبائكم الأموات؟ فأجابوه كذلك بأنهم لا يمكنهم بأيّ وجه القيام بهذا العمل البشع.

النموذج 2: يقوم الاسكيمو برمي العجَّز من آبائهم وأمهاتهم حتى يموتوا من الجوع، بينما نعتبر نحن هذا العمل خاطئاً.

النموذج 3: قبل مائة عام كان أغلب سكان الولايات الجنوبية الأمريكية يعتقدون بصوابية الرق والعبودية، لكنهم الآن يعتقدون بعدم صوابية هذا العمل.

النموذج 4: تقوم إحدى القبائل في شرق أفريقيا برمي أولادها الناقصي الخلقة في النهر اعتقاداً منهم بأنّ هؤلاء الأولاد ملك لإله النهر "هيبوبوتاموس"، بينما يعتقد آخرون بعدم مقبولية هذا العمل.

النموذج 5: يوافق بعض الناس على إسقاط الجنين (الإجهاض) ويخالف آخرون ذلك.

التحليل: لا بدّ أنْ نذكر قبل أيّ شي‏ء أنّ هذه النماذج وما يشابهها حتى ولو كانت مشيرة إلى الاختلاف الجوهري في الأخلاق فإنّه لا يمكنها نفي وجود الاتفاق في الرأي حول موارد أخرى. وبناءً على ذلك فإنّه لا يمكن إثبات الناحية الإفراطية في النسبيّة التوصيفية بمجرّد ذكر بعض النماذج.

ومضافاً إلى ذلك فإنّ العديد من المفكرين وعلماء الاجتماع عدّدوا بعض الخصائص
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

101

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 الثابتة والمشتركة[8] عند كلّ الناس والمجتمعات المختلفة واعتقدوا بأنّ الأصول الكليّة الأخلاقيّّة ناظرة إلى هذه الخصائص المشتركة عند الجميع، وبالتالي أرجعوا الاختلافات الموجودة إلى اختلاف الرأي في استخدام هذه الأصول الكلية. ولذا فقد أوقعوا الصورة الإفراطية - بل والصورة المعتدلة - لهذه النسبيّة التوصيفية في ورطة الترديد الجدي أو الإنكار، ومثالاً على ذلك فقد ذكروا أنّ كلّ الناس والمجتمعات - سواء باللحاظ النظريّ أو العلميّ - متفقو الرأي على حسن العدالة، إلّا أنّهم قد يختلفون في تشخيص وتعيين بعض مصاديقها.

وكذلك فإنّ الجميع يعتبر الاهتمام واحترام الوالدَين بمثابة أصلٍ ثابتٍ إلّا أنّهم يختلفون فقط في كيفية إبراز ذلك. وأيضاً فإنّ الموافقين والمخالفين للإجهاض يقبلون بأنّ قتل الإنسان البري‏ء عمل مذموم ولكن اختلافهم في أنّ السقط إنسان أم لا[9]. بل وحتى في صورة اختلاف الرأي في هذه الموارد، فإنّ هناك أصولاً كلية مقبولة بشكلٍ أكبر عند كلّ الناس - مثلاً في مورد حسن الأفعال الموجبة لكمال الإنسان، وقبح الصفات الموجبة لنقص الإنسان - لأنها ناظرة إلى وجود الإنسان، إلّا أنّ الأفراد والجوامع المختلفة قد يختلفون في كيفية استخدام هذه الأصول.
سؤال: بالنسبة للنموذج الثالث والرابع، ما هي اليقينيات الأخلاقيّّة المشتركة الّتي يمكنك ذكرها من حيث إنّ اختلاف الرأي إنما هو في كيفية استخدامها؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

102

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 2 - 2. نسبية ما وراء الأخلاق1 

 
1 - 2 - 2. المدعى، الأدلة، تحليل الأدلة
 
المدعى: لا يوجد أيّ حكم من بين الأحكام الأخلاقيّّة معتبرٌ بشكل مطلق. في هذه المرحلة - والتي هي أهمّ مراحل النسبيّة - يتعرّض القائل بالنسبيّة إلى الحكم في مورد اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة. وفي هذا المجال فإنّ أشهر المذاهب الأخلاقيّّة القائلة بالنسبيّة يعتقد بأنّ اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة يرتبط بالإحساس وسليقة الفرد أو التوافق والتعاهد الجمعيّ. وفي نظرهم فإنّ الأحكام الأخلاقيّّة معتبرة فقط عند من يقبل بها من الأفراد والمجتمعات وبالتالي فإنّه لا عمومية ولا إطلاق في اعتبارها، ويسمون اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة المرتبطة بالفرد "النسبيّة الفردية"2، وتلك المرتبطة بالمجتمع "النسبيّة الاجتماعية"3 [10]، والثانية أكثر شيوعاً من الأولى.
 
وسوف نتكلم عن هاتين النسبيتين بشكل أوسع بعد بيان وتحليل هذه المرحلة من النسبيّة. وابتداءً لنرَ كيف أثبت النسبيون نسبية ما وراء الأخلاق.
 
الدليل: لإثبات هذا المدعى يُستدل عادة بثلاثة طرق:
 
الأول: بالاستناد إلى النسبيّة العامة في المعرفة، فإنّ القائلين بهذه النظرية يقولون بأنّ اعتبار كلّ المعارف، ومن جملتها المعارف الأخلاقيّّة، نسبي[11].
 
 
 

1- بما أنّه في هذه المرحلة من النسبيّة يحكم على اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة وأنّ هذا الحكم يرتبط بشكل مباشر بمباحث ما وراء الأخلاق وفلسفة الأخلاق لذا سُمّيت هذه النسبيّة بنسبية ما وراء الأخلاق، وكذلك حيث إن اعتبار المعرفة يُطرح عادة في علم المعرفة سُمّيت هذه المرحلة من النسبيّة بالنسبيّة المعرفية.
2- Individual Relativism
3-  Social Relativism
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

103

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 تحليل الدليل الأول:

 
تُبحث نظرية النسبيّة العامة المعرفية في علم المعرفة. ومن جملة الانتقادات الواردة على هذه النظرية كونها متناقضة أيّ أنّها تنقض نفسها في كونها نظرية مطلقة، وفي علم المعرفة تعرف المباني اليقينية للمعرفة وطرق تحصيل المعارف اليقينية الأخرى1، ويمكن في الأخلاق أيضاً بالاستناد إلى المباني اليقينية تحصيل المعارف اليقينية والمطلقة2.
 
الثاني: بالاستناد إلى النسبيّة التوصيفية: مع ملاحظة وجود الاختلاف الجوهري في مورد كلّ / بعض الأحكام الأخلاقيّّة، فإنّه لا يوجد أيّ حكم منها معتبر مطلقاً، وإنّ الأحكام الأخلاقيّّة معتبرة فقط عند كلّ فرد / مجتمع يقبل بها.
 
تحليل الدليل الثاني:
 
تمرين: لاختبار صحة الاستدلال المذكور أعلاه، استخدم بدل عبارة "الأحكام الأخلاقيّّة" عبارة "البيانات الهندسية، الفيزيائية أو التاريخية" واذكر سبب عدم صحة هذا الاستدلال.
 
لا يصحّ الاستناد إلى الصورة المعتدلة ولا الصورة الإفراطية من النسبيّة التوصيفية لإثبات نسبية ما وراء الأخلاق عبر هذا الطريق، حيث إنّه استُنتج في هذا الاستدلال عدم اعتبارية الأحكام الأخلاقيّّة مطلقاً من خلال اختلاف الرأي حول الأحكام الأخلاقيّّة وهذا الاستنتاج غير صحيح باللحاظ المنطقي، أيْ أنّه بمجرد افتراض صحة مقدّمة الاستدلال فإنّه لا يمكن من خلالها إثبات المدعى[12]، ومن جهة أخرى فإنّ مقدّمة الاستدلال نفسها (النسبيّة التوصيفية) غير ثابتة ولا يمكن قبولها[13].
 
 
 

1- الجدير ذكره أنّ أنصار اللاواقعيّة قد تصدوا بأساليب متعدّدة لإثبات اللاواقعيّة وسوف نتعرض لأهم أدلتهم في الفصل السادس من هذا الكتاب.
2- راجع، محمّد تقي مصباح، آموزش فلسفة، ج‏1، ص 143 - 70 اللاواقعيّة , محمّد حسين زاده، معرفت شناسي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

104

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 الثالث: بالاستناد إلى اللاواقعيّة.

 
ذكرنا في الفصل الثاني أنّ النسبيّة من لوازم اللاواقعيّة وربّما تكون اللاواقعيّة1 أهمّ دليل يستفاد منه في هذه المرحلة من النسبيّة[14].
 
سؤال: قرّر هذا الدليل مع الاستناد إلى الفرع 6 - 2 من الفصل الثاني.‏
 
تحليل الدليل الثالث:
 
لا أهميّة لهذا الدليل بعد إثبات القول بالواقعيّّة في الفصل الثالث والرابع.
 
2 - 2 - 2. النسبيّة الفردية والاجتماعية
 
لو افترضنا وقبلنا بعدم وجود مبانٍ واقعيّة للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة فمن المعقول بالدرجة الأولى القبول بالنسبيّة الفردية، لأنّه في هذ الفرض لا يوجد أيّ مبنى واقعيّ يلزم الفرد بقبول آراء الآخرين الأخلاقيّّة. ومع هذا فقد تقدّم القول إنّ النسبيّة الاجتماعية أكثر شيوعاً وقبولاً - عند منظري النسبيّة - من النسبيّة الفردية، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الأخيرة لها لوازم غير مقبولة بشكل واضح، ومن جملتها:
 
1 - إذا قبلنا بالنسبيّة الفردية فإنّ كلّ الأفراد العاملين بإرادتهم سوف يتساوون في القيمة، وعليه فلا فرق بين هتلر وغاندي.
 
2 - مضافاً إلى ذلك وبناءً على النسبيّة الفردية، فإنّ كلّ سعي لمنع التجاوز والتعدّي من قبل أيّ فرد على الآخرين بل وحتى إصلاح سلوكه وأفعاله لن يكون موجهاً، وعليه فإنّ وضع القوانين الحقوقية وتشكيل الحكومات والقضاء والعقوبات بل وحتى التربية الأخلاقيّّة لن يكون لها توجيهٌ معقول حينئذٍ، إلّا أنّه لا يمكن تجاهل ضرورتها بشكل كلّيّ.
 
لمثل هذه الأسباب ذهب النسبيون إلى الاعتقاد بمقبولية النسبيّة الاجتماعية بشكل أكبر من النسبيّة الفردية، لكن يا ترى هل أنّ مشاكل النسبيّة الاجتماعية أقلّ من
 
 
 

1- سوف نذكر المباني اليقينية للمعارف الأخلاقيّّة في الفصل التاسع والعاشر من هذا الكتاب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

105

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 النسبيّة الفردية؟


1 - باللحاظ النظري فإنّ التقييم المبتنى على النسبيّة الاجتماعية متناقض في بعض الموارد، انتبه إلى هذا المثال:

سمية ابنة إحدى العائلات غير الملتزمة دينياً بشكل كامل. من طرف ما فإنّ عائلة سمية لا ترتضي لها التزام الحجاب في الشارع، ومن طرف آخر فإنّها فتاة مسلمة والمجتمع الإسلاميّ يرى لزوم رعاية الحجاب والالتزام به.

بناءً على النسبيّة الاجتماعية فإنّ رعاية الحجاب بالنسبة لسمية من الناحية الأخلاقيّّة حسن وقبيح أيضاً.

لذا بناءً على المراد من الجامعة اصطلاحها الاجتماعي - الّذي يطلق على كلّ مجموعة ذات هدف مشترك - فمن الممكن لأيّ فرد أنْ يكون عضواً في أكثر من مجتمع واحد. وبحسب العادة والمتعارف فإنّ كلّ الأفراد أعضاء في جوامع متعدّدة: كالعائلة والدولة والفرق العلمية، والعمل، والتيارات السياسية، والمذاهب الدينيّة والفرق الفنية والرياضية، و... وبشكل كلّي في الموارد الّتي تتعارض فيها القيم بين مجموعتين أو مجتمعين وذات عضوٍ مشترك بين الاثنين فإنّ سلوك هذا العضو سيقيَّم على أنّه متناقض بناءً على نظرية النسبيّة الاجتماعية.
2 - بناءً على النسبيّة الاجتماعية فإنّ أيّ حركة إصلاحية لتغيير التحلل الاجتماعي، ستكون محكومة وغير مقبولة، وعليه فإنّ عمل السارقين والفاسدين - والذين يعملون بناءً على توافق المجموعة - سيكون عملاً صائباً وصحيحاً. وأما الأنبياء والمصلحون الاجتماعيون الّذين يدعون إلى العدالة والأمانة والوفاء، ويكافحون من أجل رفع الظلم والخداع والفساد فسيُعتبرون خاطئين فيما يقومون به، لأنّ ما يجاهدون لأجل رفعه - أيّ الخلل الاجتماعي - هو مورد توافق وعمل عند الناس، ومضافاً إلى هذا ففي نظر النسبيّة الاجتماعية الأساس وجود التوافق الجمعي وبالتالي لا وجود للنظم واللانظم والصلاح والفساد في قاموسها [15].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

106

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 3 - بناءً على النسبيّة الاجتماعية فإنّ المجرم يكفيه في توجيه عمله أخلاقيّاً أنْ يعرّف لنا أعوانه المتفقين معه في الرأي لأن رأيّ المجموعة يولّد القيمة.

وبغضّ النظر عن مباني وأدلة نسبية ما وراء الأخلاق فإنّ النسبيّة الفردية والنسبيّة الاجتماعية لا يمكن تعقلهما والقبول بهما.
 
3 - 2. النسبيّة القواعدية 1
 
في هذه المرحلة يستنتج[16] القائل بالنسبيّة بعض الأصول الأخلاقيّّة ويؤكد عليها بعنوان أنها قواعد عامة[17]. ومثالاً على ذلك فإنّ هذه الأصول العامة الأخلاقيّّة تسمّى بالنسبيّة القواعدية.
 
المدعى:
 
1 - لا يصح أخلاقيّاً الحكم من الناحية الأخلاقيّّة على أفعال وسلوك الآخرين بناءً على ما تعتقده من النظرية الأخلاقيّّة.
 
2 - لا بدّ لكلّ فردٍ / جامعة أنّ يكون حراً في اختيار ما يريد من النظريات الأخلاقيّّة والعمل بها (أصل الحرية الأخلاقيّّة)2
.
3 - لا بدّ لكلّ فرد / مجتمع أنّ يتحمل الآخرين - ممن اختار وعمل بالنظريات الأخلاقيّّة المخالفة له - وأنْ يحترم قراراتهم (التساهل والتسامح3 الأخلاقيّ).
 
تنبيه: المراد من الآخرين بناءً على النسبيّة الفردية كلّ فرد آخر مخالف في النظرية الأخلاقيّّة، وبناءً على النسبيّة الاجتماعية كلّ جامعة أخرى ذات نظرية أخلاقيّّة مختلفة.
 
والآن لنرَ كيف يثبت القائل بالنسبيّة هذا المدعى.
 
الدليل: لإثبات هذا المدعى هناك نوعان من الأدلة:
 
 
 

1- تعني كلمة "هنجار" القاعدة والقانون، وحيث إن النسبي يطرح في هذه المرحلة قواعد أخلاقيّّة عامة سميت هذه المرحلة النسبيّة القواعدية.
2- Ethical Liberalism
3- Tolerance
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

107

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 الدليل الأول: استناداً إلى النسبيّة التوصيفية: حيث إنّ الأفراد والجوامع المختلفة يختلفون اختلافاً جوهرياً في كلّ / بعض الأحكام الأخلاقيّّة (النسبيّة التوصيفية) فإنّ الحكم على سلوك وأفعال الآخرين بناءً على ما تعتقد من النظرية الأخلاقيّّة لا يصحّ أخلاقيّاً, ولا بدّ أنّ يكون كلّ فرد / جامعة حراً في انتخاب ما يريد من النظريات الأخلاقيّّة المقبولة عنده والعمل بها وأنْ نتحمل الآخرين، ونحترم قراراتهم وأعمالهم.


تحليل الدليل الأول: توجد عدة إشكالات على هذا الدليل:

1 - النسبيّة التوصيفية غير مقبولة (راجع: تحليل النسبيّة التوصيفية).

2 - لا ارتباط منطقياً بين المقدّمة ونتيجة الاستدلال لأنّ مجرد وجود الاختلاف الجوهري في الأحكام الأخلاقيّّة لا يعدّ دليلاً كافياً لأصول النسبيّة القواعدية لأنّه من الممكن منطقي أنْ يقبل بعضهم بمقدّمة هذا الاستدلال وأنْ لا يقبل بنتائجه.

تمرين: اكتب مقدّمة هذا الدليل (النسبيّة التوصيفية) مع نقيض الأصول الثلاثة للنسبية القواعدية، وبيّن إمكانية أنْ يقبل أحدٌ ما منطقياً النسبيّة التوصيفية ونقيض النسبيّة القواعدية.

3 - إنّ النسبيّة التوصيفية من نوع "الوجودات" وأما النسبيّة القواعدية فهي من نوع اللزوميات، وباعتقاد الواقعيّين والنسبيين فإنّه لا يوجد أيّ ربط منطقيّ بين "ما ينبغي" (لازمٌ) وبين ما هو "موجود"، ولذا فإنّهم بناءً على ما يعتقدون به لا يمكن استنتاج النسبيّة القواعدية من النسبيّة التوصيفية.

الدليل الثاني: استناداً إلى نسبية ما وراء الأخلاق‏ حيث لا يوجد أيّ حكم من بين الأحكام الأخلاقيّّة معتبَرٌ مطلقاً بل إنّ هذه الأحكام لها اعتبارها عند كلّ فرد / جامعة يقبل بها (نسبية ما وراء الأخلاق) فإنّ الحكم على سلوك وأفعال الآخرين بناءً على النظرية المقبولة عندك لا يصح أخلاقيّاً ولا بدّ أنّ يكون
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

108

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  كلّ فردٍ / جامعة حراً في انتخاب ما يريد من النظريات المقبولة عنده والعمل بها ولا بدّ أنْ تتحمّل الآخرين وتحترم قراراتهم وأعمالهم.


تحليل الدليل الثاني: في هذا الاستدلال أيضاً عدّة إشكالات:

1 - لا يمكن القبول بنسبية ما وراء الأخلاق (راجع تحليل نسبية ما وراء الأخلاق).

2 - لنفترض صحة مقدّمة هذا الاستدلال وأنّ الأحكام الأخلاقيّّة لها اعتبارها فقط عند كلّ فرد / جامعة يقبل بها. وحينئذٍ يمكن القول إنّ الحكم الأخلاقيّ على سلوك وأفعال الآخرين بناءً على ما تقبله من النظرية الأخلاقيّّة غير معتبر ولا يمكن القبول به، إلّا أنّ الاستدلال المذكور لا يوضح لنا أنّ مثل هذا الحكم لماذا - باللحاظ الأخلاقيّّ - غير صحيح وغير قيميّ؟

3 - مقدّمة هذا الاستدلال (نسبية ما وراء الأخلاق) لا تتوافق مع نتيجته (النسبيّة القواعدية) لأنّ الأولى تنفي اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة بشكل مطلق بينما ترى الثانية أنّ أصولها الأخلاقيّّة الثلاثة مطلقة. وحينئذٍ كيف يمكن أنّ نستنتج من نسبية كلّ القيم إطلاق بعضها؟ إذا لم يرد الفرد / الجماعة الخاصّة القبول بهذه القيم العامة فما هو الدليل الّذي يدل على شمول هذه القيم لها؟

4 - بناءً على نسبية ما وراء الأخلاق ليس لدينا أيّ قيمة مطلقة، و - بغضّ النظر عن قرار الفرد / توافق الجمع - فإنّ "أجيدة" و"أغير جيدة" كلاهما معقولان ومعتبران، لأنّه إذا أمكننا استنتاج أصول مطلقة من نسبية ما وراء الأخلاق فلن يوجد أيّ ترجيح بين الأصول العامة للنسبية القواعدية وبين الأصول المقابلة لها (كون الأحكام الأخلاقيّّة في حق الآخرين قيمية، ولا قيمية الحرية والتساهل والتسامح الأخلاقيّ)، ولذا كيف يمكن للقائل بالنسبيّة أنْ يؤكد على لزوم القبول بالطائفة الأولى فقط؟

5 - كما مر سابقاً فإنّ إشكال الرابطة المنطقية بين "ما ينبغي" وبين "موجود" موجود أيضاً في هذا الاستدلال[19].
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

109

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 2 - 3 - 2. النسبيّة القواعدية، نظرية متناقضة في ذاتها ولا يمكن تطبيقها


حتى الآن. ذكرنا وحللنا الأدلة الّتي أقيمت لإثبات النسبيّة القواعدية ورأينا معاً عدم تمامية أيّ دليل لإثبات المدعى. إلّا أنّه وبغضّ النظر عن هذه الأدلة فإنّ نفس هذه النسبيّة القواعدية عليها اشكالات نظرية وعملية متعدّدة تنسف هذه النظرية من أساسها.

أ) الاشكالات النظرية (تناقض وتعارض أصول النسبيّة القواعدية): لنتصوّر شخصاً ما وقف على مرتفع صارخاً: "أيها الناس هذا مقام الحمقى، وكلّ من يتكلم مع الناس من هذا المكان فهو أحمق".

إنّ هذا الشخص بإصداره هذا الحكم فقد حكم على نفسه قبل أنْ يحكم على الآخرين.

النسبيّة القواعدية هي أحكام عامة أخلاقيّّة نسبية وتشمل أفعال وسلوك الآخرين أيضاً. إلّا أنّ الأصل الأوّل منها يقول إنّ الحكم الأخلاقيّ بالنسبة لأفعال الآخرين وسلوكهم على أساس النظرية المقبولة عندنا غير صحيح أخلاقيّاً، ولذا فالأصل الأوّل من النسبيّة القواعدية ينفي تمام الأصول فيها. وأيضاً فإنّ أصل الحرية المطلقة - باللحاظ النظري - شامل لنفي نفسه، لأنّه يشمل حرية سلب الحرية أيضاً.

وكذلك أصل التساهل والتسامح المطلق فإنّه - باللحاظ النظري - أيضاً يأمر بتحمل عدم التساهل، وباحترام من ينقض التساهل وبعبارة أخرى فإنّ قبول هذه الأصول والدفاع عنها يستلزم القبول بنفي الأصول والدفاع عنها أيضاً، وفي هذه الصورة من غير المعلوم حينئذٍ عمَّ يدافع القائل بالنسبيّة؟[20].

3 - تعارض أصل الحرية مع أصل التساهل والتسامح في بعض الموارد

إنّ المجتمع العنصري الّذي يرى أنّ عرقه وعنصره هو الأفضل ربما يكون في عقيدته وجوب إزالة ومحو كلّ الأعراق والعناصر الأخرى. وفي المقابل ربما يكون هناك مجتمع ما يرى بناءً على نظريته الأخلاقيّّة أنّ العنصرية مذمومة وأنّ وظيفته
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

110

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 الأخلاقيّّة تقتضي مواجهتها. وبناءً عليه فإنّ أصل الحرية عند هذين المجتمعين يجيز لهما الحرب مع الآخر بينما أصل التسامح والتساهل عندهما أيضاً يحذرهما منها ويدعوهما إلى الابتعاد عنها.

 
وبشكل كلّي في كلّ مقام إذا استلزم التعهد بما نعتقده من النظريات الأخلاقيّّة عدم تحمّل أفعال الآخرين وسلوكهم فسيحصل مثل هذا التعارض، حيث إنّ قبول أصل التساهل والتسامح في هذه الموارد معناه الأغماض عن النظرية الأخلاقيّّة المقبولة عندنا وعدم العمل بها، وهذا مما يتعارض مع أصل الحرية عندنا(21).
 
ب) الاشكالات العمليّة (لزوم الهرج والمرج وعدم التزام النسبيين ما يعتقدونه في مقام العمل).
 
بغض النظر عن الاشكالات النظرية الواردة على النسبيّة القواعدية فإنّ افتراض العمل بهذه الأصول يستلزم بعض اللوازم اللامقبولة عملياً:
 
1 - لو بنينا على أنّ كلّ فرد أو مجمتع لديه الحرية الكاملة في أنْ يفعل ما يريد ويشتهي، ولا يحقّ بالتالي لغيره أنّ يمنعه، فإنّ ذلك سيستلزم حدوث الهرج والمرج العظيمين1.
 
لأنّ كون الفرد حراً في قتل الآخر أو تعذيبه لأنّه مسرور بذلك أو أنّ كون مجموعة من الفاسدين أو قطاع الطرق أحراراً سيؤدي إلى المخاطرة بأمن الناس سواء في أموالهم أو أرواحهم.
 
لكن حيث إنّ النسبيّ لا يقبل بأيّ مبنى واقعيّ للقيم الأخلاقيّّة وإنما يقيم السلوك والانفعالات بناءً على آثارها ونتائجها، فإنّه لا يرى أنّ عواقب هذه الأمور اللامطلوبة توجب محدودية الحرية الفردية والاجتماعية.
 
إنّ أيّ مجتمع يقوم على أساس النسبيّة القواعدية سيكون أكثر وحشية من حيوانات الغاب المفترسة.
 
 
 

1- يشير القرآن الكريم إلى هذه الملازمة بقوله تعالى "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ..." (البقرة 1: 251).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

111

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 2 - هل يمكن لنفس القائلين بالنسبيّة التزام أصول النسبيّة القواعدية في مقام العمل؟

 
من البعيد جداً لأيّ قائل بالنسبيّة إذا ما تعرّض الآخرون له في نفسه أنْ يختار طريق التساهل والتسامح وأنْ يقول بحرية أمثال هؤلاء المخالفين ليعملوا طبق ميولهم وسلائقهم أو طبق ما تعاهدوا عليه.
 
ولو ظننتم غير هذا فيمكنكم أنّ تجربوا ذلك وتمتحنوه!
 
إنّ القصة الّتي ذكرناها في بداية هذا الفصل مثال عينيّ على عدم الالتزام العمليّ للنسبيين بنظرياتهم.
 
ومن المهم أنْ تعرف أنَّ القائل بالنسبيّة وطبقاً لنظرياته لا بدّ له ألّا يقابل الظلم في حقه بالانتقام وليس هذا فحسب، بل لا بدّ له أنّ لا يُظهر أو يبدي أيّ مقاومة تجاهه بل وحتى أنْ لا يقبّح هذا الفعل قلبياً أيضاً.
 
سؤال: مع أيّ أصلٍ من أصول النسبيّة القواعدية يتنافى تقبيح الأفعال الظالمة؟
 
3 -3 - 2. قيود النسبيّة القواعدية
 
قلّما نجد نظرية كالنظرية النسبيّة الأخلاقيّّة كانت عرضة لهذا الحدّ من النقد1 والاشكالات. وهنا نسأل ألا يوجد مناص للتخلّص من كلّ هذه الاشكالات؟ ومن الممكن أنّ تسأل أيضاً عن سبب تأكيد القائل بالنسبيّة على إطلاق أصول النسبيّة القواعدية. وهل يمكن من أجل الإجابة وحل هذه الاشكالات أنّ نقيد هذه الأصول؟
 
مما يجدر الالتفات إليه أنّ إطلاق أصول النسبيّة القواعدية يُعتبر من لوازم النظرية النسبيّة ومرحلة من مراحلها. وعليه إذا لم تكن للقيم الأخلاقيّّة واقعيّة، ولم يكن أي
 
 
 

1- ومثالاً على ذلك راجع، لويس بويمن، "نقدي برنسبيت اخلاقي"، (نقد النسبيّة الأخلاقيّّة) ترجمة محمود فتحعلي، مجلة نقد ونظر، العدد 13 - 14، ص 324 - 343, بول روبيجك، "اخلاق نسبي است يا مطلق" (الأخلاق نسبية أم مطلقة) ترجمة سعيد عدالت نزاد، نفس المصدر السابق، ص 300 - 323, Mohammad A. Shomali, Ethical Relativism. An Analysis of the Foundations of Morality.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

112

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 عمل - في الواقع - لا حسن ولا قبيح، فلا دليل على حرية الانتخاب والعمل في بعض الأعمال ولزوم تحمل ذلك من قبل الآخرين ولا دليل على عدم جواز التساهل والحرية في بعض الأعمال الأخرى أيضاً. وبناءً على هذا فإنّ النسبيين وطبقاً لنظريتهم ليس لديهم أيّ توجيه لتقييد أصول النسبيّة القواعدية، لأنّه طبقاً لهذه النظرية أيضاً فإنّ تعيين القيود الأخلاقيّّة كما هو الحال في نفس الأحكام الأخلاقيّّة تابع للسليقة / التوافق ولا يمكن لأيّ شخص في هذا المجال أنْ يعيّن تكليفاً ثابتاً لكل الأفراد / المجتمعات، ومضافاً إلى هذا فإنّنا لو رفعنا اليد عن النسبيّة القواعدية ستبقى الاشكالات على المراحل السابقة من النسبيّة الأخلاقيّّة قائمة، ومع هذا كله فمن الممكن للنسبيين من أجل تفعيل نظريتهم عملياً أنْ يجعلوا بعض القيود على هذه الأصول. وسوف نتابع في هذا المجال مناظرة فرضية بين قائل " بالنسبيّة وبين ناقدٍ.


سؤال: مع التدقيق في هذه المناظرة اذكر ماهية القيود الّتي يمكن افتراضها في مورد النسبيّة القواعدية. وهل يمكن القبول بمثل هذه القيود؟ ولماذا؟

- إنّ أصول نسبيّتك القواعديّة متناقضة في نفسها، ويرد عليها العديد من الاشكالات العمليّة، وبناءً عليه لا يمكن القبول بنظريّة النسبيّة الأخلاقيّّة.

- نحن نعتقد بلزوم تبيعة هذه الأصول حتى الحدّ الممكن منها وليس في كلّ الموارد، وعليه فلا ترد هذه الاشكالات عليها.

- ما هو مرادك بالدقة من قولك "حتى الحد الممكن"؟

- إلى الحدّ الّذي لا يوجب التناقض النظريّ فإنّها تكون قابلة للتطبيق، مثلاً: لو كانت الحرية مطلقة فإنّها تشمل سلب حرية الآخرين أيضاً، وهذا لا يمكن القبول به لأنّه يستلزم نفي نفسها حينئذٍ، لكن لما لم يكن لدينا أصلٌ عامٌ أخلاقيٌّّ - غير أصول النسبيّة القواعدية - يقيدها فإنّنا نقول إنّ هذا الأصل بنفسه يعيّن قيوده بمعنى أنّ الحرية محترمة إلى الحدّ الّذي لا يوجب سلب حرية الآخرين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

113

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 - سأصرف النظر عن كلّ الاشكالات الأخرى، ولنفترض أنّ مثل هذه الأصول تم إثباتها وأنه لا مفرّ لنا إلى الحدّ الممكن من قبولها، والعمل بها، لكن سأفترض لك مورداً ما وسأطلب منك طبقاً لأصول النسبيّة أنْ توضح لنا التكليف فيه:


-  موافق.

-  إفترض أنّ العنصريين صمموا - بناءً على عقائدهم - على تطهير الأرض من لوث الأعراق الأخرى، هل هم أحرارٌ في ذلك؟

-  لا يمكن ذلك بأيّ وجه، وبالدقة فإنّ هذا المورد من الموارد الّتي لا يقبل فيها بأصل الحرية، لأنّه سوف تسلب حرية الآخرين في الحياة، وبالتالي فإنّ حرية هؤلاء العنصريين سوف تتعارض مع حرية الآخرين ولا يمكن القبول بذلك.

-  تعارض الحرية بين هاتين المجموعتين واضح، ولكن رفع هذا التعارض له ثلاثة طرق: إما أنّ تسلب حرية العنصريين وإما أنّ تسلب حرية الآخرين، وإما أنّ تسلب حريتَيْهما معاً.

-  وعليه فبأي دليل رجحت الاحتمال الأول؟.

-  إنّ هذا التعارض يرتفع بسلب حرية أحدهما، ولا حاجة لسلب حرية الاثنين معاً.. وأما سلب حرية الآخرين فيعني تجويز قتلهم بيد العنصريين، هل يمكنك أنت أنْ ترجّح هذا الاحتمال؟

-  نعم، القائلون بإطلاق الأخلاق يقايسون قيمة الأفعال بالهدف الواقعيّّ من الأخلاق، لكننا الآن نبحث ونتكلم عن نظرية النسبيّة، وبناءً على الأصول والمباني الّتي تعتمدها لا يمكنك ترجيح إحدى الحريتين على الأخرى بالاستناد إلى النتائج الواقعيّّة للأفعال، وبالتالي فإنّ النسبيّ ليس لديه أيّ ملاك للاختيار في مثل هذا الموارد, لأنّه لو أردنا النظر إلى نتائج العمل والفعل وبالتالي التقييم على أساسه فلن يبقى أيّ توجيه ومعنى لأصول النسبيّة القواعدية، والآن هل يمكنك أنْ تبيّن لنا ماذا تعني "بكونها قابلة للتطبيق"؟

-  المراد منها أنّ الحرية والتسامح والتساهل إذا لم تكن مقيدة ومشروطة سيلزم 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

114

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 منها أحياناً الفساد والهرج والمرج واقعاً، وستصبح الحياة عملياً غير ممكنة أو صعبة، وسيكون الأمن الاجتماعي عرضة للأخطار و...، لكن إذا لم تحصل مثل هذه المفاسد والمحاذير فإنّ العمل بأصول النسبيّة القواعدية يبقى لازماً.


-  وهذا القيد أيضاً ناظرٌ إلى اللوازم الواقعيّّة لسلوك الأفعال. أنا أقترح عليك لمرة واحدة وأخيرة أنّ تعيّن مرادك ورأيك من الواقعيّّة واللاواقعيّة، لأنّه إذا قبلت باللاواقعيّة فإنّ الاستناد إلى عواقب الأفعال في التقييم سيكون بلا معنى وبالتالي فإنّ الحسن والقبح والصلاح والفساد سيكون لها معنى فقط، وفقط بعد إرادة الفرد / توافق المجموعة وكذلك فإنّها ليست مطلقة، إنّ التعبير بالفاسد الواقعيّ عند اللاواقعيين والنسبيين يشبه التعبير بالخرافة الواقعيّّة.

-  طبعاً ليس مرادي الاستناد في التقييم إلى العواقب الواقعيّّة للأفعال بل إنني أذكر بعض القيود المجمع عليها والمعتبرة عند كلّ الناس، لأن أيّ إنسان لا يقبل بالهرج والمرج وإفساد الحياة.

-  أنا لا أظنّ أنّ هذا الكلام مقبول بكليته، لأنّه ربما يكون القاتل موافقاً على إفساد حياة المقتول، والعنصريون كذلك موافقون على إفساد حياة الآخرين، وكذلك على الرغم من أنّ السارقين يهتمون بحفظ أموالهم إلّا أنّه من الممكن أنْ يتوافقوا أيضاً على سرقة أموال الآخرين، وأيضاً فإنّ المخلين بالأمن والطالبين للهرج والمرج توافقوا على إيجاد الهرج والمرج في النظام، وحينئذٍ من ذا الّذي سيقيّم هذه الأمور بما وراء الإرادة والتوافق؟

-  ما المانع من استنادنا في تقييم مثل هذه الموارد إلى العواقب الواقعيّّة؟

-  الاستناد إلى العواقب الواقعيّّة صحيح في حدّ ذاته، إلّا أنّه إذا كان صحيحاً ها هنا فلا دليل على عدم صحته في سائر الموارد وعليه لا بدّ أنّ نقبل بالواقعيّّة وإطلاق الأخلاق، وحينئذٍ مع الالتفات إلى هدف الأخلاق نُقيّم كلّ الأفعال. وفي هذه الصورة سيكون حال الحرية والتساهل حال بقية الأفعال من ناحية التقييم لا أنّ القيمة مطلقة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

115

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  في موردهما، إذ إنّه لا يمكن إثبات قيمتهما إلى الحد الّذي يوجب تناقضهما ذاتاً وقبولهما للتطبيق خارجاً. وكما هو الحال في السير حيث أنّه لا قيمة مطلقة له ولا يعدّ كأصل أخلاقيّ تجب رعايته إلى الحد الممكن، كذلك فإنّ أصول النسبيّة القواعدية غير خارجة عن هذا النسيج وبالتالي لا يوجد أيّ دليل للتأكيد عليها والعمل بها لأنّه في الأخلاق الواقعيّّة، ربما يوجد الكثير الكثير من القيم الهامة والأهمّ الّتي يجب أنّ تكون كأصول ثابتة، أما أنت فقد سلكت الطريق الخاطى‏ء منذ البداية.


-  إنّ تأكيدنا على أصول النسبيّة القواعدية يعود إلى الأدلة الّتي تثبت هذه النسبيّة.

-  نعم للأسف إنّ نفس هذه الأدلة غير صحيحة، ومضافاً إلى ذلك لو سلمنا بتمامية هذه الأدلة فإنّها ستثبت هذه الأصول بشكل مطلق، وحينئذٍ لا يمكنك إضافة أيّ قيد عليها لأنّه طبقاً لما تعتقد من تبعية الأحكام الأخلاقيّّة للسليقة / التوافق، فإنّ قيودها كذلك تابعة لها.

ولذا لا يمكنك - بناءً على ما تعتقد - تحميل هذه القيود على الجميع. وربما يريد أحدهم / جماعة الحرية والتساهل بشكل مطلق، إلّا أنّ أصل الإشكال يرجع إلى اللاواقعيّة، وفي رأيي فإنّه لا يمكن لأي إنسان أنّ يعيش من دون القبول بالواقعيّات الأخلاقيّّة بل وحتى مع كونه غافلاً عن هذه الحقيقة، وبالدقة أيضاً فإنّ أيّ إنسان لا يمكنه أنّ يعيش من دون القبول بالمعرفة اليقينية. إنّ النسبيّة الأخلاقيّّة تشابه النسبيّة المعرفية في كونها متناقضة في ذاتها وغير عملية أيضاً، وكما ترجح أنت نفسك البقاء على الانتحار فإنّ هذا دليل بذاته على أنك قايست قيمة الأفعال بعواقبها وبالتالي فإنّ قرارك مبتنى على نتائج الأفعال المطلوبة وغير المطلوبة منها. نعم من الممكن أنّ يكون تشخيص أيّ واحدٍ منا في تعيين المطلوب الأصلي خاطئاً أو أنْ نكون مشتبهين في تحديد طرق الوصول إليه في بعض الموارد، ولكن لهذا السبب فإنّ الأخلاق بحاجة إلى البحث والذي هو من أعظم البحوث وأكثرها قيمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

116

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 -  ربما يمكن القبول بشي‏ء مشابه لهذا في مقام العمل، أنا أقبل بأنّ الحرية ليست مطلقة في مقام العمل بل إنّه بناءً على النسبيّة الأخلاقيّّة يمكن إثبات قيمة الحرية في العمل والسلوك "إلى الحدّ الممكن". لكن يمكننا على الأقل القبول بقيمة الحرية والتساهل نظرياً.


-  ماذا تعنى بقولك "نظرياً" في مقابل قولك الحرية والتساهل عملياً؟

-  أعني حرية العقيدة والفكر والبيان والقلم.

-  هل تعتقد برأيك أنّ هذه الموارد الّتي سأعددها لك عملية أم نظرية؟ وهل هي حسنة أم قبيحة؟ الكذب، الإشاعة والتشهير، والفحش سواء كانت باللسان أم بالكتابة؟

-  لا لا! إنّ هذه الأعمال قبيحة، ولا أظن أنّ أحداً يقبل بها. لا بدّ من حفظ احترام الآخرين ولذا لا بدّ من اجتناب هذه الأمور.

-  إذاً البيان والقلم يرجعان إلى ناحية العمل، والحرية والتساهل في موردهما ليسا مطلَقَيْن.

-  ربما يمكن القول إنّ الحرية والتساهل نظريتان إلى الحد الّذي يبقى فيه النظريّ بصورة عقيدة فكرية. فالإنسان حرّ في ذاته ويفعل ما يريد، وأما لو اتصف بالناحية العمليّة فإنّ الحرية والتساهل حينئذٍ سيكونان عمليين. وقد بحثنا حول هذا الأمر مسبقاً.

-  إذا كنت تقبل بالنسبيّة فإنّ الاشكالات الواردة على أصل الحرية عملياً واردة ها هنا أيضاً، وبالتالي ليس لديك أيّ طريق لإثبات القيمة المطلقة للحرية والتساهل من الناحية النظرية.

-  أنا أظن أنّه بالإمكان إثبات ذلك وحتى في مورد البيان والقلم بناءً على مبنى الاطلاق، نعم باستثناء الموارد الّتي عددتها كالكذب والفحش، إذا لم يكن الأفراد أحراراً في العقيدة والفكر ولم يتمكنوا من بيانها فلن يستطيعوا تشخيص العقائد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

117

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  الصحيحة من العقائد الفاسدة بل وربما سيبتلون بالفاسدة منها. وبناءً على الواقعيّّة فإنّ إخفاء العقيدة الفاسدة والعمل على طبقها سيرتب عليها بعض المفاسد أيضاً، لأن من يعتقد بأنه يستطيع الخيانة أو أخذ الرشوة من أجل منفعته الشخصيّة إذا لم يكن جريئاً في إبراز عقيدته والبحث والنقاش حولها فلن يؤمل في تصحيح عقيدته، وهل ترجح أنت مفاسد العمل بالأفكار الفاسدة على حرية البيان؟ من الواضح في رأيي أنّ حرية العقيدة والفكر والبيان والقلم موجبة لرشد المجتمع، لأنّ هذا الرشد مطلوب أيضاً حتى عند القائلين بالواقعيّّة، ولذا ينبغي عليك أيضاً أنّ تقبل بهذا كأصل مسلّم به.


-  إنّ كون الحرية والتساهل في النظر وباستثناء بعض الموارد ذات قيمة بمعنى أنّ قيمتهما ليست مطلقة، لكن لنعرف ما هي الموارد الّتي لها قيمة فيها، فسأجيبك من خلال سؤال أطرحه عليك: ألا تظن أنّه إذا أوصينا مرضى السل بأمر طبي يحذرهم بما هم أحرار بالتواصل والتماس مع الآخرين، أنّ ذلك سيوجب على هؤلاء عدم الذهاب إلى الطبيب وعدم علاجهم في أيّ وقت؟

-  كلا، الحل في رأيي أنّ يتواصل هؤلاء المرضى مع المتخصصين فقط الّذين يعرفون كيفية وقاية أنفسهم من الابتلاء بالسلّ عند معالجة هؤلاء المرضى والارتباط بهم.

-  وأنا أقترح هذا الحل أيضاً على أصحاب العقائد الفاسدة والتي من الممكن أنّ تسبّب فساد وانحراف الآخرين، لذا يجب عليهم مراجعة المختصّين، وإيجاد العقيدة الصحيحة من خلال البحث والحوار معهم، لا أنْ يقوموا بعقد الاجتماعات مع الأفراد العاديين الّذين لا يختصون بهذا المجال أو بنشر أفكارهم في المنشورات العامة. إن وجود مراكز بحث تخصصية وحرية التعبير من أجل تشخيص الرأي الصحيح ومع رعاية شرائطه في هذه المراكز لازم وعظيم وأما إشاعة الأفكار الباطلة الموجبة للفساد والانحراف فهي ضد القيم ولا بد من منعها والوقوف في طريقها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

118

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 -  إنّ هذا القياس غير صحيح (قياس مع الفارق) لأنّ مرض السل قاتلٌ وأما الفكر في حد ذاته فليس له هذا الضرر والخطر، نعم إذا لم يستفد بعضهم منه بشكل صحيح وأدى مثلاً إلى قتل شخص ما فحينئذٍ لا بدّ من ردعه ومنعه من ذلك.


-  بناءً على النسبيّة، فإنّ العواقب والنتائج ليس لها أيّ تأثير في القيمة، لكن عندما نقيّم بناءً على الواقعيّّة والأخلاق لا بدّ ابتداءً من تعيين الملاك الواقعيّ للقيمة، ومن ثمّ تعيين درجة النفع والضرر والصلاح والفساد فيها. إنّ من يعتقد بأنّ الإيمان بالله ويوم القيامة بناءً على كتبه السماويّة شرط للاستقامة يعتقد بأنّ الراحل من هذه الدنيا بلا إيمان سيبتلى بالعذاب الإلهيّ إلى الأبد، ويعتقد أيضاً بأنّ خطر وضرر الأفكار الفاسدة الموجبة لسلب إيمان الفرد أعظم من قتله بمراتب، وأنت لا يمكنك من دون إثبات المادية ونفي وجود الله والمعاد أنّ تعتقد بعدم صحة هذا التقييم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

119

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 أكمل‏.

1- أكمل الجدول التالي:
 

2 - بغض النظر عن الأدلة، اذكر خلاصة الاشكالات على النسبيّة الفردية والاجتماعية والقواعدية.

6 اشكالات النسبيّة الفردية:
1-
2-
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

120

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  اشكالات النسبيّة الاجتماعية

1 - 
2 -
3 -

اشكالات النسبيّة القواعدية

ألف) النظرية:
1 -
2 -

ب) العمليّة:
1 -
2 -

3 - اذكر قيدين من قيود النسبيّة القواعدية، واكتب في سطرين خلاصة النقد عليهما.

القيد الأول:

النقد:

القيد الثاني:

النقد:

4 - اذكر باختصار وفي سطرين فقط ما هو المراد من الاطلاق والنسبيّة في الأخلاق؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127
 

 


121

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 طبقاً لرأي استيفنسون هل أنّ الاختلاف في الأحكام الأخلاقيّّة جوهريّ أم لا؟



2 - ما هي برأيك الانتقادات الأخرى الواردة على نظرية النسبيّة الأخلاقيّّة؟ ابحث عنها وأضف خلاصتها إلى الفهرس.

3 - ابحث حول لوازم نظرية النسبيّة الأخلاقيّّة بالنسبة إلى الموارد المبينة أدناه وبشكل مستقلّ من ناحيتي النسبيّة الفردية والنسبيّة الاجتماعية:

تهذيب النفس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدفاع عن القيم، تصدير القيم، البحث والحوار مع المخالف لنا حول القيم.

4 - برأيك، إنّ من لا يعيّن معنى "الصلاح" و"الفساد" وما هو الصلاح الّذي يريده، بل يوكل تعيين ذلك إلى المجتمع، هل هو من المعتقدين بالقيم الأخلاقيّّة المطلقة أم أنّه من القائلين بالنسبيّة؟ (مع غضّ النظر عن التزامه العمليّ بُعرف المجتمع أو عدم التزامه بذلك).

5 - قم بإجراء مناظرة مع أحد أصدقائك في الصفّ، وبحضور الأستاذ، حول قيمة: الديمقراطية، الاغتيال، العنف، المداراة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العقوبات الشرعية والقانونية [كالجلد وقطع اليد، والرجم والاعدام).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

122

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 إقرأ

 
1- ومثالاً على ذلك فإنّ "استيفنسون" و"هيركه" يعتقدان بالترتيب أنّ الأحكام الأخلاقيّّة نفي لتحريك إحساسات الطرف المقابل، أو للتوصيات العامة، واعتبرا النسبيّة الأخلاقيّّة بمعنى أنّ المحمولات الأخلاقيّّة هي توصيف للوضع الداخلي لذهن الفرد عندنا، وفي النتيجة فإنهما لا يقولان بالنسبيّة بل إنّ الحكم الأخلاقيّ في نظرهما إنما يكون نسبياً إذا كان مقيّداً فقط بتوصيف الوضعيّة الذهنية عند الفرد وأما سائر القيود - كالتقيد بإحساس القائل أو الأمر والتوصيات أو توافق الجمع عليه - فلا تعدّ مانعة لإطلاق الأخلاق. ويبدو لنا - وكما أشار إليه بونتينج - أنّ مثل هذه التعريفات والآراء إنما قُدّمت لتصون قائلها من اتهامه بالقول بالنسبيّة وليس الغرض مجرد تعريفها.

وبناءً عليه فإنّنا لا نقبل ما اعتُقِدَ من أنّ التعريفات المشتملة على قيود خاصّة مانعة من اطلاق الأخلاق إلّا إذا وجدنا الوجه المشترك للحاظ القيود الخاصّة عند القائلين بالإطلاق. كما لو أنّ كلّ القائلين بالإطلاق ينكرون تقيّد الأحكام الأخلاقيّّة بقيود غير واقعيّة. ومن طرف آخر اعتبر "وانج" أنّ هدف الأخلاق هو تنظيم الروابط الاجتماعية والحدّ من تعارض منافع الشخص أو منافع الأشخاص في المجتمع ويعتقد أيضاً بأنه من الممكن وجود طرق مختلفة لتحقيق هذا الهدف. ويقول أيضاً إنّه لما لا يمكن القول بوجود مذهب أخلاقيّ وحيد مناسب لتحقيق هذاالهدف لا بد حينئذٍ من القبول بالنسبيّة، لكن الأنظمة المقبولة حينئذٍ هي الأنظمة الّتي يمكنها أنّ تؤمن وتحقق هذا الهدف.

بل من الممكن في رأيه أنّ يكون أحد الأنظمة هو الأفضل من بينها والأكثر قبولاً ولكنه لا يمكن القول إن هناك مذهباً واحداً صحيحاً فقط. إلّا أنّه وبغضّ النظر عن الاشتباه الّذي وقع فيه لجهة تعيين هدف الأخلاق من الممكن وجود طرق مختلفة في كلّ مذهب أخلاقيّّ -حتى عند الواقعيّّة والاطلاقية أيضاً - لتأمين بعض الأهداف. ومثالاً على ذلك إنّ القائل بالاطلاق عندما يضع نظاماً أخلاقيّاً فإنّه يعتقد بوجود بعض الأصول المطلقة كقيمة الهدف، والأعمال الّتي تؤدي إلى الهدف مطلقاً ولا يعتقد بانحصار الطريق إلى ذلك الهدف.

لكن لا بد أنّ ننبّه إلى أنّ "وانج" نفسه يشير إلى أنّ مراده من النسبيّة غير النسبيّة المتعارفة حيث إن نظريته هي نموذج عن التعديلات الطارئة في السنوات الأخيرة على نظرية النسبيّة الأخلاقيّّة، وفي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

123

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

  الواقع فإنّ هذه النظريات تنكر فقط نوعاً خاصاً من إطلاق الأخلاق.


2- كما إنّ "كَانْتْ" نفسه والمدافع بقوة عن إطلاق الأخلاق لا يعتقد بأنّ القيم الأخلاقيّّة مقيَّدة بالزمان أو المكان أو الفاعل بل ولا بنتيجة الأفعال أيضاً بل يعتقد بأنّ قيم الأفعال الاختيارية مقيَّدة بنيّة الخير، والقيمة الوحيدة غير المقيدة بأي قيد هي الخير في حد ذاته، فالخير هو نية الخير عنده (راجع نظرية العقل العملي في الفصل السابع من هذا الكتاب).

3- حتماً فإنّ كلّ المذاهب اللاواقعيّة وكلّ القائلين بالنسبيّة مجبورون على طرح بعض الأصول المطلقة باللحاظ النظريّ، وأما باللحاظ العمليّ فهم ملتزمون فعلاً بالكثير من هذه الأصول المطلَقة، بالرغم من منافاة ذلك لمبانيهم. وقد أشرنا عند ذكر الانتقادات على النسبيّة إلى هذه الأصول المطلقة النظرية والعمليّة. وفي الواقع فإنّ هذه الانتقادات ترجع إلى أنّ اللاواقعيين والنسبيين لا يمكنهم - لا نظرياً ولا عملياً - الالتزام بنظرياتهم ونقض مبانيهم، ولذا فإنّ هذا المطلب - ومع أنّ الواقعيّين والنسبيين لا يمكنهم منطقياً القبول بأيّ أصل أخلاقيّ مطلق- لا يتنافى معه بل مؤيد له (دقّق في ذلك).

4- بناءً على هذا يمكن القول إن بعض الأحكام الأخلاقيّّة - والتي يمكن أنْ نسمّيها بالأصول الأخلاقيّّة المطلقة - غير مقيّدة بأيّ قيد. وأما سائر الأحكام الأخلاقيّّة فإنّها ترتبط بقيود مندرجة تحت هذه الأصول المطلقة. ويمكن بيان هذا المطلب منطقياً بالشكل التالي: لا يوجد أيّ حكم أخلاقيّّ مقيَّد بأيّ قيد شرط أنْ يكون المحمولعلى الموضوع ذاتياً أو أوّلياً (كما هو المصطلح في البرهان) (راجع: محمّد تقي مصباح، دروس فلسفه اخلاق، ص 187 - 194).

5- بناءً على هذا يمكن تعريف الاطلاق والنسبيّة في الأخلاق بنحو آخر - مع أنّه من الممكن عدّ هذا التعريف من نوع التعريف بلوازم الإطلاق والنسبيّة الأخلاقيّّة - فيقال: إنّ إطلاق الأخلاق معناه أنّه لا يوجد حكم أخلاقيّّ مقيَّد بقيود وشرائط غير واقعيّة، وأما النسبيّة الأخلاقيّّة فمعناها أنّ كلّ الأحكام الأخلاقيّّة مقيَّدة بقيود وشرائط غير واقعيّة كالأمر والإحساس والتوافق.

6- من الواضح أيضاً أنهما لا بدّ أنْ يتفقا كذلك على تحديد مفهوم السرقة لأنّ الموضوع المختلفَ عليه لا بدّ أنْ يكون واحداً، وقد اخترنا المثال الموجود في المتن بنحوٍ يشير إلى أنّ الاختلاف هو في مصداق السرقة وليس في مفهومها.
 
 
 
 

1- الذاتي في كتاب البرهان: هو المحمول الّذي يؤخذ في حد الموضوع أو الموضوع أو أحد مقوماته يؤخذ في حده. والمراد من الأولي فيه أيضاً هو المحمول لا بتوسط غيره أيّ لا يحتاج إلى واسطة في العروض في حمله على موضوعه (المترجم).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

124

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 7- مع التنبه إلى أنّ موضوع بعض البيانات الأخلاقيّّة أكبر كلية بالمقايسة بموضوعات بعضها الآخر يمكن حينئذٍ افتراض نظام أو عدة أنظمة طولية من البيانات الأخلاقيّّة بنحو تُستنتج فيه الجمل الأخلاقيّّة الأخصّ من الجمل الأخلاقيّّة الأعمّ، وفي مثل هذه الاستنتاجات نحتاج إلى جمل أخرى غير أخلاقيّّة، وهذه الجمل تبيّن أنّ موضوع الجمل الأخلاقيّّة الأخصّ مصداق من مواضيع الجمل الأخلاقيّّة الأعمّ، وبعبارة أخرى تبيِّن استخدام الجمل الأعمّ في مصاديق جديدة.


كذلك فإنّ الاختلاف إنما يكون جوهرياً - في مورد إحدى البيانات الأخلاقيّّة - فقط وفقط مع افتراض التوافق على كلّ البيانات غير الأخلاقيّّة المعينة لمصاديق الموضوعات - أو بعبارة أخرى استعمالات البيانات الأعمّ - ومن ثمّ فإنّ هذا الاختلاف لا يقبل الرفع.

وهذا الجدول يشير إلى أحد الأنظمة الطولية من البيانات الأخلاقيّّة:

إذا اتّفق الرأي على البيانات اللاخلاقية الموجودة في العمود الأول، فإنّ الاختلاف على البيانات التالية "ب حسنة" أو" ج حسنة" لن يكون جوهرياً وأساسياً، وإذا اختلف الرأي حول هذه الجملة "أ حسنة" فإنّ هذا الاختلاف غير القابل للرفع مع وجود الاتفاق حول بيانات العمود الأوّل سيكون اختلافاً جوهرياً وأساسياً.

البيانات غير الأخلاقية (الصغرى)

اليانات الأخلاقية (الكبرى)

ب هي ألف 

أ حسنة

ج هي ب 

ب حسنة

 

   ج حسنة

 

8- راجع: مرتضى مطهري، مجموعة آثار، ح‏2، ص 274، وج 13 ص 685 - 740. وكذلك، فإنّ اي. أو. ويلسون - عالم حياة اجتماعية - قد اكتشف وعرف أكثر من عشرين خصيصة كلية، وأيضاً بيّن كلايد كلاكهان - عالم في الأقوام والملل - بعض الخصائص العامة الثقافية.


(see: Louis p. pojamn, philosop hy: The Quest for truth, p314 -324).


9- نعم توجد لبعض الآداب والرسوم الاجتماعية المتناسبة مع شرائط المحيط والاعتقادات المختلفة - وبغضّ النظر عن كونها صحيحة أم خاطئة - متفق عليها ويُعمل بها. وهي مختلفة باختلاف المجتمعات المتعدّدة. وأما الآداب والرسوم الاجتماعية فإنّها توضع بشكل عام فقط لأجل تأمين نوع من التوافق والانسجام في الحياة الاجتماعية والشيء الحائز للأهميّة فيها هو وحدة الأداء عملياً لا شكلها الخاص، ومن الممكن وجود نوع من التوافق الأخلاقيّ عند عامة الناس على

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

125

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 أصل احترام هذه الآداب والرسوم والتقاليد الاجتماعية، ومضافاً إلى هذا فإنّ الأخلاق تؤخذ على أنهامجموعة الأفعال والصفات الاختيارية عند الإنسان، وهدفها أكبر من مجرد وجود نوع من التوافق الاجتماعي عليها. وبناءً عليه فإنّ رعاية الاحترام لهذه الآداب والتقاليد الاجتماعية - والذي يعدّ من أفعال الإنسان الاختيارية - إنما تقيَّم أخلاقيّاً من زاوية النظر إلى هدف الأخلاق وبعبارة أخرى فإنّ قيمتها مقيَّدة بهذا الهدف.


ويشير "هارمان" إلى أنّ الآداب والتقاليد الاجتماعية - كما في لباس الأفراح لوناً وشكلاً - إنما توضع من أجل إيجاد الوحدة والانسجام، والحد من بروز الاختلاف والخلل، وإنّ هذه التوافقات شبيهة بالتوافقات الكلامية ومقررات السير (قيادة السيارة)، والمهم فيها قبل شكلها هو الانسجام الاجتماعيّ الحاصل منها.

(See: Gilbert Harman. The nature of Morality, p.96).

ويعتقد "راشيلز" أيضاً بإمكانية وجود قواعد أخلاقيّّة مقبولة ومشتركة بين مجتمعين رغم اختلافهما في الآداب والتقاليد الاجتماعية لأنّ هناك الكثير من العوامل الّتي تتفاعل بعضها مع بعض لتنتج هذه الآداب والتقاليد. وتُعتبر قيَم المجتمع إحدى هذه العوامل، ومن جملتها أيضاً مختلف الاعتقادات الناظرة إلى الواقع والمقبولة عند أفراد ذلك المجتمع. وكذلك فإنّ الشرائط الفيزيائية الّتي يعيشها هؤلاء الأفراد لها أهميّتها في هذا المقام، وبناءً عليه فإنّه لا يمكننا ولمجرد وجود الاختلاف بين المجتمعات من جهة الآداب والتقاليد أنْ نستنتج وجود الاختلاف الجوهري بينها في القيم.

(See: James Rachels, The Element of m oral philosophy, p.23, Mohammad A. Shomali, Ethical relati on: An Analysis of the Foundati onof Morality, p 201 - 203).

10- استخدم بويمن "الذهنية" مكان "النسبيّة الفردية" مع أنهما غير متعادلين. نعم قد توجد بعض المصاديق المشتركة بينهما.

واعتبر أنّ (Donaldson) "دونالدسن" و"رث بنيدكت" (Ruth Benedct) يمكن عدّهما من أنصار النسبيّة والقائلين بها.

كذلك استخدم بويمن "التعاهدية" مكان "النسبيّة الاجتماعية". وهنا يمكن اعتبار التعاهدية - والتي هي نظرية أخلاقيّّة تعتبر منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة هو التعاهد والتوافق الاجتماعي - بمثابة مبنى للنسبية الاجتماعية. وأحياناً يعتبر بويمن النسبيّة الثقافية معادلة للنسبية الاجتماعية، مع أنّ النسبيّة الثقافية ناظرة فقط إلى وجود الاختلاف الثقافي أو الأخلاقيّ والذي هو أمر معرفيّ إنسانيّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

126

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 فقط، ومضافاً إلى هذا فمن الممكن لأيّ طَائفة من الأفراد ذات هدف مشترك أنْ تشكّل مجتمعاً خاصاً بها إلّا أنّه ليس من الضرورة بمكان أنّ تكون لها ثقافة مشتركة.

 
(See: Mohammad A. Sh o mali, Ethical relativism: An Analysis of the Foundati o n of morality, p.26-27).
 
11- أول قائل بالنسبيّة هو بروتاغوراس، الّذي يعتبر الإنسان معيار كلّ شي‏ء، وأما من المعاصرين فيمكن ذكر نلسون جودمن (Nels on Goodman) هيلاري بوتنام (Hilary putnam) وريتشارد رورتي (Richard Rorty).
 
12- ذكر راشيلز هذا الدليل وقام بنقده والاشكال عليه‏
 
(See: James Rachels, The Elements of moral philosophy, p. 18 - 19, qu o ted in mohammad A. Sh o mali. Ethical relativism: An Analysis of the foudati on of m o rality, p 74 -75).
 
13- لإثبات "نسبية ما وراء الأخلاق" بالاستناد إلى النسبيّة التوصيفية يمكن الاستدلال أيضاً بما يلي: إنّ وجود الاختلافات الجوهرية في الأحكام الأخلاقيّّة يشير إلى عدم وجود شي‏ء باسم الواقعيّّة الأخلاقيّّة، لأنّ الواقعيّات حالها حال الأصول الرياضية في عدم وقوع الاختلاف الجوهري فيها، وحيث إنّه لا وجود للواقعيات الأخلاقيّّة فلن تكون الأحكام الأخلاقيّّة مطلقة.
 
وقد استُفيد في هذا الاستدلال من النسبيّة التوصيفية لإثبات اللاواقعيّة ومن الأخيرة لإثبات نسبية ما وراء الأخلاق. إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تامّ لأنّه:
أولاً: النسبيّة التوصيفية غير مقبولة.
 
ثانياً: اللاواقعيّة أيضاً غير مقبولة.
 
ثالثاً: إنّ وجود الاختلاف ليس دليلاً على لاواقعيّة مورد الاختلاف إذ إنّ الاختلاف في الأحكام الأخلاقيّّة قد يكون لعللٍ أخرى من جملتها:
 
1- مع وجود الاتفاق في الرأي على حسن الكمال والمنفعة والمصلحة وقبح النقص والضرر والمفسدة، إلّا أنّ تعيين المصاديق الواقعيّّة للكمال والنقص أو للمنفعة والضرر أو للمصلحة والمفسدة يرتبط بالرؤية الكونية والمعرفة الإنسانية الصحيحين. إنّ تفاوت رؤى الأفراد والمجتمعات المختلفة في هذه المعتقدات الأساسية تؤثّر في تعيين مبدأ القيم في الأخلاق وتوجب بروز اختلاف النظر في الأحكام الأخلاقيّّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

127

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 2- إنّ كشف الرابطة بين الأفعال والصفات الإنسانية وبين كمال الإنسان أو نقصه معقد وصعبٌ في أكثر الموارد.

 
حيث إنّ أيّ عملٍ ما قد تكون له آثار مختلفة ومتعدّدة بل وفي شرائط مختلفة واقعيّة من الممكن أيضاً أنْ تتفاوت هذه الآثار باختلاف الشرائط. ولذا فإنّ رابطة العمل مع كمال الإنسان أو نقصه لا بدّ من أنْ تكون ناظرة إلى الكمال والنقص الواقعيّّ عنده مع محاسبة نتائج كلّ آثار العمل في مختلف الشرائط الواقعيّّة وتأثيرها بالدقة في هذا الكمال والنقص. وهذا الأمر يتطلب ويستلزم إحاطة علمية بهذه الموارد والتي لا يمكن تحققها عند البشر - باستثناء بعض الموارد الكلية - من دون الاستعانة بالوحي الإلهيّ.
 
وفي مثل هذه الأحكام الأخلاقيّّة لا بدّ من مقايستها بأصعب البحوث النظرية من علم النفس وعلم الاجتماع لا بالأصول البديهية الرياضية بالرغم من أنّ منهج البحث لكشف مبدأ وأصول القيمة في فلسفة الأخلاق عقليٌّ ومبتنىً على البيانات البديهية.
 
3- ن بعض الاختلافات في الأحكام الأخلاقيّّة غير ناشئة عن الاختلاف في الفهم أو الرأي بل تنشأ عن الاختلاف في الالتزام العملي وتوضيح ذلك أنّ الأخلاق لما كانت ناظرة إلى مقام العمل فإنّ الالتزام بأيّ نظرية أخلاقيّّة يستتبع القبول بلوازمها العمليّة أيضاً، والتي تتنافى في الكثير من الموارد مع ميول الإنسان الحيوانية وأهوائه النفسانية (الناظرة إلى المراتب النازلة عند الإنسان).
 
وقد لا يفرق عند أحد الأفراد مثلاً أنْ تكون درجة غليان الماء 100 درجة أو غير ذلك، ولكنه قد يفرق عنده الحال في قبول أنّ الحجاب والعفاف لازم لكماله أم لا.
 
كذلك فإنّ قبول الاشتباه في نظرية فيزيائية - باستثناء الفيزيائيّ الّذي وصل إلى الشهرة عن طريق هذه النظرية الخاطئة ويرى أنّ حيثيته وماء وجهه في خطر - ليس أمراً صعباً، لكنّ القبول بأننا أخطأنا في سلوكنا الأخلاقيّّ صعبٌ جداً.
 
إنّ هذه الموانع النفسية توجب في بعض الموارد على الأفراد أو المجتمعات ورغم قبولهم بهذه الأحكام الأخلاقيّّة والحكم بصحتها بالاستدلال والنظر الاختلاف فيها والامتناع عن قبولها، وتشير هذه الآيات الشريفة إلى إمكان إنكار الحق أو كراهية قبوله في بعض الموارد الّتي لها لوازم عملية:
 

 

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا...1.
 
 
 

1- النحل 27: 14.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

128

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ1.

 

 

﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ2.
 

 

﴿كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة3.
 

 

﴿...وعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ4.
 
يقرَّر هذا الدليل أحياناً مركَّباً مع النسبيّة التوصيفية فيقال: حيث إن الأخلاق فيها اختلافات رأي جوهرية، وحين إنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة لا تتبع الواقعيّّة بل تتبع السليقة / التوافق، لذا فالأحكام الأخلاقيّّة ليست مطلقة وترتبط باختلاف السليقة / التوافق، وبالتالي تتفاوت أحياناً.
 
يقول لويس بويمن في هذا المجال: "النسبيّة الثقافية (= الاجتماعية) لها نتائج أخرى باعثة على القلق. إنّ هذه النظرية تستلزم كون الإصلاحيين باللحاظ الأخلاقيّ دائماً على خطأ، لأنهم قاموا بمحاربة كلّ اتجاهٍ ملتزم بالملاكات الثقافية. وعليه فإنّ قيام ويليام ويلبرفورس في القرن الثامن عشر ضدّ العبودية كان خطأ، وكذك فإنّ مخالفة إنكلترا للساتي (إحراق المرأة الهنديّة الأرملة مع زوجها المتوفّى) كان خطأ، وأيضاً فإنّ امتناع المسيحيين الأوائل عن الخدمة في جيش روما أو إنّ إبداء التعظيم والاحترام أمام قيصر روما (أي الأعمال الّتي كان يعتقد أكثر أتباع الامبراطورية الرومية بأنها وظيفتهم الأخلاقيّّة) كان خطأ، وكذلك فإنّ عيسى عليه السلام بشفائه للمرضى في يوم السبت، وبمواعظه على الجبل قد داس بقدميه على قانون وقته وقام بعملٍ غير أخلاقيّ، لأن عدداً قليلاً في ذلك الزمان (وأيضاً في زماننا هذا) قد قبلوا بمبادئه!"‏ (راجع: "نقدي برنسبيت اخلاقي" مجلة نقد ونظر، العدد 13 - 14، ص332, (Louis p. pojman, philoso phy: The quest for truth, p 318 - 319).
 
يُعتبر بس (Boas)، وبنديكت (Benedict) وهرسكوفيتس (Herskovits) من علماء الأقوام والملل في القرن العشرين من المدافعين عن النسبيّة القواعدية، ويعتقد وانج (Wong) بأنّ أمثال هؤلاء العلماء لربما دافعوا عن هذه النسبيّة القواعدية كردة فعلٍ على التصور الغربي القائل بحقارة 
 
 
 

1- البقرة 2: 146.
2- القيامة 75: 5. 
3- القيامة 75: 20 - 21.
4- البقرة 2: 216.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

129

الفصل الخامس: الإطلاق أم النسبيّة في الأخلاق‏

 الثقافات الأخرى والتي كان لها دورها في الاستعمار آنذاك. 


(David W ong, (M oral Relativism), in Edward Craig, ed, Routledge Encyclo pedia of philosophy, vol. 6. p. 541).

حيث إنّ النسبيين لا يقبلون بأيّ أصل أخلاقيّّ آخر بشكل مطلق، وحيث إنهم لا يقبلون بأي مبنى واقعي لقبول القيم الأخلاقيّّة وتوصيتها للآخرين، يتضح السبب عند كلامهم الأخلاقيّ مع الآخرين وباصطلاح البعض عند مواعظهم للآخرين - ومع أنّ هذا العمل يتنافى مع مبانيهم - في أنهم لا يذكرون سوى الحرية، تحمُّل المخالف لنا ونفي العنف، وبالتالي من دون أنْ يكون عندهم أيّ كلام آخر في الأخلاق يكررون بشكل دائم هذه القيم الفارغة من المبنى وبشكلٍ باعث على الملل ولا يقدمون بتاتاً أيّ إرشاد هادفٍ وكأنّ هدف الحياة أنْ نكون أحراراً نذهب بلا أيّ هدف في كلّ اتجاه، أو أنْ نجلس ونتحمّل الآخرين فقط!

بالنسبة لكلمة Tolerance من حيث الاشتقاق والمعنى اللغوي والاصطلاحي، وما يعادلها في اللغة الفارسية، وأيضاً لمزيد من التوضيح حول هذا البحث (راجع: محمود فتحعلي، "تساهل وتسامح اخلاقى، دينى، سياسى"، ص 37، نقلاً عن:

(Geoffery Harris on. "Relativism and To lerance", in peter laslet and James Fishkin, eds, philosophy, po litics and society, p. 273 - 290).
بلحاظ هذا التناقض النظري، فإنّ النسبيين - ورغم شعاراتهم الخادعة - لا يريدون ولا يقدرون على أنْ يقولوا بالحرية لمن يخالف مصالحهم، أو أنْ يتساهلوا في تعاطيهم مع المخالفين للنسبية وكأنهم يقولون لمخالفيهم في الرأي لا بدّ لكم - وبناءً على نظرياتنا المقبولة عندنا - أنْ تتساهلوا معنا. وفي نفس الوقت يقولون لأنفسهم - وخلافاً لنظريتهم - لا يجب علينا أنْ نتحمّل الآخرين!

ذكر جف جوردن إشكالاً قريباً مما ذكر (راجع: محمود فتحعلي، نفس المصدر ص 62 - 63، نقلاً عن:

Jeff. Jordan, "Concerning Moral, Tolerance", in Mahdi Amin Razavi and David Ambuel, eds, philosophy, Religion and the question of Intolerance, p.213).

وطرح مك ناوتن هذا الاشكال ببيانين (عدم الملاءمة بين حرية انتخاب الرؤية الأخلاقيّّة مع الاعتقاد بأفضلية التساهل الأخلاقيّ، وأيضاً عدم إمكان التساهل المطلق) (راجع: دايفيد مك ناوتن، بصيرت اخلاقي، ترجمة محمود فتحعلي، ص 32).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

130

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 
"إذا قلت لأحدهم: "لقد قمت بعمل سيئ حيث سرقت ذلك المال" فلم أقل له شيئاً أكثر من قولي هذا "أنت سرقت المال". ومع إضافة القول "قمت بعمل سيئ" لم اعطِ خبراً زائداً على ذلك وفقط أظهرت عدم صوابية هذا الفعل عندي أخلاقيّاً. ومثال هذا بالدقة كما لو تكلمت بلحن خشن محاكٍ للتنفر فقلت "أنت سرقت المال"، أو أنني كتبت هذا الخبر وأضفت إليه علامة التعجب، فإنّ اللحن الخشن أو علامة التعجب لا يضيفان شيئاً إلى المعنى الواقعيّ للجملة، غاية الأمر أنهما يظهران أنّ حكاية الخبر عند المتكلم صاحبه بعض الانفعالات".
 
تعرفنا في الفصل الثاني إلى نظريتي الواقعيّّة واللاواقعيّة في الأخلاق. وبالالتفات إلى لوازمهما أشرنا إلى أنّه بالإمكان أنْ تكون الواقعيّّة واللاواقعيّة مبنى لتقييم المذاهب الأخلاقيّّة من زاوية منشأ اعتبار الأحكام الأخلاقيّّة1.
 
 
 

1- آلفرد جولز آير، "زبان، حقيقت ومنطق"، ترجمة منوچهر بزركمهر ص 145 - 146.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

131

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 وفي الفصل الثالث والرابع قمنا بإثبات الواقعيّّة، وفي الفصل الخامس حلّلنا إحدى اللوازم المهمة للّاواقعيّة.

 
والآن حان الوقت لنتعرف إلى أهمّ المذاهب الواقعيّّة واللاواقعيّة، وهدفنا من ذلك التعرّف إلى أدلتها، وحينئذٍ مع تحليل ميزان القوة والضعف فيها سنرى ما ينبغي لنا قبوله من هذه المذاهب الأخلاقيّّة[1].
 
أشرنا في الفصل الثاني إلى أنّ اللاواقعيين يعتقدون بأنّ منشأ الأحكام الأخلاقيّّة هو الأوامر والتوصيات، أو الإحساس والسلائق، أو التوافق والتعاهد. وفي الواقع فإنّهم بعد عجزهم عن إيجاد المنشأ الواقعيّّ للأخلاق واجهوا هذا السؤال: كيف ظهرت الأحكام الأخلاقيّّة وما هو منشأ اعتبارها؟ وإذا لم تكن هناك أيّ واقعيّة توجب الاعتقاد بحسن أو قبح بعض الأفعال والصفات فما هو الشي‏ء الّذي يوجب الاعتقاد عندنا بأنّ هذا العمل أو الصفة حسن أو قبيح، وفي أيّ صورة تُعتبر هذه الأحكام؟ وفي الإجابة عن هذه التساؤلات عمد بعض اللاواقعيين إلى الاعتقاد بأن منشأ الأخلاق هو الأوامر والتوصيات، وذهب بعض آخر إلى أنّه الإحساس والسلائق، وذهب بعض ثالث منهم إلى أنّه التوافق والتعاهد، وسوف نحلل في هذا الفصل هذه المذاهب:
 
1 - الأمرية 1
 
من الواضح أنّ هاتين الجملتين الأخلاقيّتين "لا تكن حسوداً" و "رجّح الآخرين على نفسك" لهما قالب أمريّ.
 
ويعتقد القائلون بالأمرية أنّ معنى كلّ الجمل الأخلاقيّّة هو أمريّ، مثالاً على ذلك فإنّ هاتين الجملتين "الصدق حسن" و"نقض العهد عمل خاطى‏ء" - واللتين ظاهرهما خبريّ - تبينان أيضاً الطلب من أحدهم الصدق وترك نقض العهد، أيّ أنّ هاتين الجملتين في الواقع أمريّتان.
وفي اعتقادهم أيضاً أنّه عندما نقول "عمل حسن" أو "ينبغي القيام به" فهو بمعنى
 
 
 

1-  Imperativism.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

132

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

  أنّ أحدهم - والذي نعتبر أوامره - طلب القيام بهذا العمل وأصدر أمراً في مورده.

 
إنّ منشأ القيمة واللزوم الأخلاقيّين في النظرية الأمرية هو الأمر وليس الواقعيّّة العينية، وإنّ اعتبار كلّ حكم أخلاقيّّ يرتبط بوجود الأمر في مورده، لكن أمر أيّ آمرٍ يوجب اعتبار هذه الأحكام الأخلاقيّّة؟ وفي حق من تكون هذ الأوامر معتبرة؟
 
أجاب القائلون بالأمرية على هذا السؤال بنوعين من الإجابة أوجبا ظهور نوعين من الأمرية:
 
1 - أمر شخصٍ خاص معتبر للجميع,
 
2 - أمر كلّ شخصٍ معتبر فقط عند من يقبل به.
 
1 - 1. أمرية النوع الأوّل (نظرية الأمر الإلهيّ 1)[2]
 
إنّ من يعتقد بكون الأمر الصادر عن شخص خاص معتبر في حق الجميع، لا بدّ بالطبع أيضاً أنْ يعتقد بأنّ مثل هذا الشخص الخاص لديه بعض الخصائص الّتي أوجبت كون أمره فقط هو المعتبر. وبشكل عام فإنّ من يعتقد بهذا الرأي يعتقد بأنّ هذا الشخص هو الله تعالى فالله هو مالك الجميع ولا أحد أعلى منه في الوجود له لياقة الأمر والنهي بحق الآخرين، وبناءً عليه فإنّ أوامر الله هي المعتبرة فقط وهذه الأوامر معتبرة في حق الجميع وتسمى هذه النظرية "بنظرية الأمر الإلهيّ".
 
إنّ هذه النظرية تقول إنّ منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة هو أوامر الله ونواهيه، أما ما وراء أمره ونهيه، فلا يمكن إيجاد أيّ واقعيّة عينية في أفعالنا وصفاتنا تكون مبنى لأوامر الله ونواهيه. وبعبارة أخرى إذا لم يكن الله موجوداً أو كان موجوداً لكنه لا يأمر ولا ينهى فلن يكون هناك أيّ فرق بين العدل والظلم، والصدق والكذب وحفظ اليتيم وأكل ماله، وبناءً على هذا وطبقاً لهذه النظرية ومع غضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهيين فإنّه لا يوجد أيّ شي‏ء حسَن أو قبيح في ذاته، ومن الواضح حينئذٍ أنّه لا يمكن من دون الرجوع إلى أمر الله ونهيه وبالاستفادة من عقولنا في تشخيص حُسن أيّ شي‏ء أو قبحه، وبحسب الاصطلاح والمتعارف يقال إنّ أتباع نظرية الأمر الإلهيّ ينكرون
 
 
 

1-  Divine Command Theory.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

133

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 الحسن والقبح الذاتيين أيّ أنّهم يعتقدون بأنّ الأشياء ليست حسنة أو قبيحة ذاتاً، وتبعاً لذلك أنكروا الحسن والقبح العقليين وبعبارة أخرى فإنّهم يعتقدون بأنّ العقل لا يمكنه إدراك حسن الأشياء أو قبحها.


2-1. أمرية النوع الثاني‏

إنّ من يعتقد بالأمرية في نوعها الثاني (الذي تقدم ذكره) ومع قبوله بأنّ لسان الأخلاق هو لسان الأوامر والتوصيات وأنّ منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة هو الأوامر، ومع ذلك فإنّه لا يقبل بأفضلية أيّ فرد كان على الآخرين، أو بأنّ تكون هذه الأفضلية دليلاً كافياً لاعتبار أوامره في حقهم وعليه فإنّه يعتقد بأنّ كلّ إنسان يمكن أنْ يكون آمراً أو أنْ يقبل أيّ أمر أخلاقيّّ أيضاً.

وقي رأيه أيضاً، عندما يقال "السرقة عمل خاطى‏ء" أو"لا ينبغي أنّ تسرق" فإنّ معنى ذلك "لا تسرق"، لكن لما كانت الاوامر الأخلاقيّّة لا مبنى واقعياً لها فإنّها حينئذٍ غبر معتبرة في حق الجميع، بل يمكن القول فقط إنّ أيّ أمر أخلاقيّ إنما هو معتبر في حق من يقبل به. وطبقاً لهذه النظرية لما كان منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة هو الأوامر، وبغضّ النظر عن إرادتنا القيام بأي عمل أو تركه فإنّ ذلك العمل في حدّ ذاته ليس قبيحاً وليس حسناً.

أكمل:
1 - القائلون بالأمرية يعتقدون:

أ - معنى كافة الجمل الأخلاقية...

ب - منشأ القيم الأخلاقية ولزومها... يعني بغض النظر عن.... أي شي‏ء بلحاظ الأخلاق حسناً أو قبيحاً.

2 - في نظرية الأمر الإلهي، الاعتبار فقط للأوامر.... وهذه الأوامر لـ..... هي معتبرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

134

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 3 - أتباع نظرية الأمر الإلهي ينكرون حسن وقبح..... الأشياء، ويتبعهم في ذلك منكرو الحسن والقبح....

 
4 - في النوع الثاني من أنواع الآمرية... بإمكانه إعطاء الأوامر وكذلك تقبل الأمر الأخلاقي، ولكن كل أمر أخلاقي يكون بالنسبة لـ.... معتبراً.
 
2- الانفعالية1[4]
 
"الأمانة عمل حسن"، ماذا يعني ذلك؟
 
يجيب أصحاب النزعة الانفعالية عن هذا السؤال بإحدى هاتين الصورتين:
 
ألف) الأمانة، اوه اوه !2
 
ب) الأمانة مرضية عندي (وأميل أيضاً لأن تكون مرضية عندك).
 
الانفعالية في الأخلاق تعني أنّ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة منشؤها الانفعالات الداخلية عند الأفراد لا أنّ منشأها واقعيّ وعينيّ.
 
وحيث إنّ هذه الانفعالات متفاوتة عند الناس وقابلة للتغيير ذهب أنصار هذه النزعة إلى القول بعدم وجود معيارٍ واحدٍ لتقييم البيانات والمضامين الأخلاقيّّة، وأيضاً وبغضّ النظر عن إحساس الفرد فإنّ أيّ عمل لا يتصف بالحسن أو القبح واقعاً وإنّ الأحكام الأخلاقيّّة معتبرة فقط عند من يكون لديه ذلك الانفعال الأخلاقيّ.
 
وطبقاً لهذه النظرية إذا كان شخص ما لا يبالي فسرق أو كذّب أو لم يفِ بوعده، وكان لديه إحساس مرضيّ بذلك فإنّه سوف يعتبر هذه الأعمال حسنة عنده. ولن يكون لدينا أيّ دليل ومعيارٍ لنقول له إنك اشتبهت في حكمك على هذه الأفعال.
 
وحيث إنّ الانفعالية باعثة على الجرأة والتفلت وعدم التقيد بأي قيد أخلاقيّ وحيث 
 
 
 

1-  Emotivism اعتبرت الانفعالية من أكثر النظريات الأخلاقيّّة نفوذاً في منتصف القرن العشرين.
2- ايضاح: عُبّر في المتن بقوله:  الأمانة بَه بَه  وحيث أنّ  بَه كلمة تعبر عن الاستحسان والتعجب ولا مرادف لها في العربية عبرنا في المتن بما يشير إلى المراد منها (المترجم).


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

135

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 إنّ الالتزام بها لا يلزم أتباعها برعاية أيّ قاعدة أخلاقيّّة، فإنّ طبع الإنسان المتمرد يميل إليها. وهناك الكثير من الأفراد - ومن دون وجود أيّ دليل عندهم على هذه النظرية - الّذين يلتزمون بها عملياً. وقد سعى بعضهم إلى توجيه هذه النظرية وبنائها على أدلة محكمة والدفاع عنها نظرياً، وسوف نتعرّف ها هنا إلى منهجين في توجيه الانفعالية، لكن لمّا كان مبنى كلّ واحد منهما يتفاوت مع الآخر فإنّ جواب أنصار النزعة الانفعالية عن السؤال السابق في بداية البحث حول معنى الجمل الأخلاقيّّة متفاوت أيضاً.

 
1 - 2. الانفعالية المبتناة على الوضعيّة المنطقية
 
يذهب بعض أنصار الوضعيّة المنطقية إلى وضع معانٍ للجمل الأخلاقيّّة كما هو الحال في الجملة (ألف). ويوضحون ابتداءً أنّ الجمل الأخلاقيّّة في الواقع لا معنى لها ويعتبرونها حينئذٍ نوعاً من إبراز الانفعالات (لاحظ الفقرة المنقولة عن آير في بداية هذا الفصل)، لكن لماذا تكون الجمل الأخلاقيّّة بلا معنى؟ هنا يستعملون مبانيهم المعرفية والمعايير الموضوعة عندهم للمعاني لإثبات هذا المدعى، وفي رأيهم فإنّ الطريق الوحيد المعتبر لمعرفة الواقعيّات هو الحس والتجربة. وهناك نوعان فقط من الجمل الّتي لها معنى:
 
1 - الجمل الحاكية للواقعيات الحسية والتجريبية والتي يمكن إثبات صحتها أو عدم صحتها من خلال التجربة (البيانات التجريبية).
 
2 - الجمل الّتي يندرج مفهوم المحمول في مفهوم الموضوع فيها كما في قولنا "الأب عنده ولدٌ" (الجمل التحليلية أو أنّه من باب تحصيل الحاصل 1)2.
 
وأما الجمل الأخلاقيّّة الخارجة عن كلا الطائفتين فإنّ "حسنها وقبحها" وما ينبغي منها وما لا ينبغي منها، وغير ذلك من المفاهيم الأخلاقيّّة الواردة فيها ليست مرئية
 
 
 

1-  Tautology. والمراد منه تحصيل الحاصل أو اللغو أو أنه نفسه(المترجم).
2-  باعتقاد أنصار الوضعيّة المنطقية فإنّ هذه الجمل صادقة بالضرورة إلّا أنها لا تبين أيّ واقعيّة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

136

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

  ولا مسموعة ولا تدرَك بأي حاسة من الحواس الأخرى. وبناءً عليه لا يمكن تجربة وجود أو عدم وجود هذه الخصائص في الموضوعات الأخلاقيّّة، ومن جهة أخرى فإنّ هذه المفاهيم الأخلاقيّّة غير مندرجة في موضوعات الجمل الأخلاقيّّة، ومثالاً على ذلك فإنّ "الحسن" ليس جزءاً من معنى "الأمانة". ولذا فقد استنتج هؤلاء أنّ الجمل الأخلاقيّّة إذا لم تكن تجريبية ولا تحليلية فهي بلا عنى. وهنا يُطرح هذا السؤال: إذا كانت هذه الجمل بلا معنى فلماذا تُستخدم؟ وفي أيّ موردٍ يستفاد منها؟


ويجيب هؤلاء بشكل مختصر: لبيان الإحساسات والانفعالات الأخلاقيّّة. ولتوضيح مرادهم نتوجه إلى هذا المثال:

عندما ترون منظراً طبيعياً خلاباً تفرحون لرؤيته، ومن الممكن حينها بيان إحساسكم وانفعالكم بنحو الصراخ مثلاً أو بقول (بعض عبارات التعجب والاستحسان) "الله الله" "اوه اوه"، إنّ "اوه اوه" ليست جملة ذات معنى وهي كالصراخ تعدّ نوعاً من إظهار الانفعال فقط. وهكذا فإنّنا عندما نواجه أمراً ما نحبه ونرتضيه أو لمجرد تصوره نشعر بحس الشوق إليه والعلاقة به، وكذلك عندما نواجه أمراً ما لا نحبه أو لمجرد تصوره نشعر بحسّ التنفّر منه. ومن الممكن في هذه الحالات أنْ نُظهر عكس العمل الطبيعي تجاهه.

إنّ القائل بكون الجمل الأخلاقيّّة لبيان الانفعالات والأحاسيس يعتقد بأنّه عندما يقال إنّ هذا العمل حسن أو قبيح فإنّنا قد أبرزنا شعورنا وإحساسنا حول ذلك العمل بالاستعانة من الألفاظ، ومثالاً على ذلك إذا قلنا "الأمانة حسنة" فهي مجرد بيان نوعٍ من الإحساس الإيجابي بالنسبة للأمانة.

وبالإضافة إلى الحسن والقبح فإنّ سائر المفاهيم الأخلاقيّّة أيضاً تلعب مثل هذا الدور. ولذا لو قلنا أيضاً "ينبغي أنّ تكون أميناً" فهو كذلك إبراز لإحساس إيجابيّ حول الأمانة أيضاً [6].
وبناءً على كلّ هذا فقد استنتج أنصار هذه النظرية أنّ الجمل الأخلاقيّّة مبرزة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

137

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 للإحساسات الأخلاقيّّة في قالب الألفاظ وليست جملاً ذات معنى، بل ومن الممكن أنْ يكون المقصود من إظهارها وإبرازها إيجاد نفس الإحساس والشعور عند المخاطبين بها.


2 - 2. الانفعالية المبتناة على انفعالية المصطلحات الأخلاقيّّة

عندما تأكل طعاماً لذيذاً سوف تشعر بانفعال وإحساس مرضي عندك، ولذا، إذا قلنا هذه الجملة "إن هذا الطعام لذيذ" فلن يكون إخباراً واقعياً عن ذلك الطعام بل هو بيان لإحساسك وشعورك بالنسبة له. بمعنى أنك ارتضيت وأحببت هذا الطعام.

فالجملة المذكورة لا تحكي الواقع بل ومن الممكن بذكرك لها الاعتقاد بأنك تريد أنّ ترغّب شخصاً ما بأكل هذا الطعام.

ويعتقد بعض آخر من الانفعاليين[7] بأنّ الجمل الأخلاقيّّة لها معانٍ إلّا أنّ معانيها متفاوتة عن معاني الجمل المخبرة عن الواقع، ويُرجعون هذا التفاوت إلى تفاوت المصطلحات الأخلاقيّّة عن غيرها من المصطلحات العادية.

وخلاصة قولهم إنّه يمكن تقسيم المصطلحات والكلمات إلى إحساسية وغير إحساسية، بحيث تُستعمل الطائفة الأولى منها لبيان الأحاسيس والانفعالات الداخلية وأما الثانية منها فليست لها هذه الخصوصية، ومثالاً على ذلك فإنّ كلمة "جاء" تشير إلى كلمة واقعيّة عينية ولم يُلحظ فيها شعور وإحساس المتكلم، وأما كلمة "لذيذ" فإنّها كلمة إحساسية وتشير إلى إحساس وشعور مرضي عند المتكلم لطعمٍ خاص مثلاً.

وعليه فالمصطلحات الإحساسية والانفعالية غير حاكية للواقع وأما المصطلحات غير الإحساسية فإنّها تحكي الواقع.

ومن طرف آخر فإنّ أمثال هذه المصطلحات كالحسن والقبح والتي تستخدم لبيان المفاهيم الأخلاقيّّة مصطلحات إحساسية تبيّن إحساس المتكلّم. ولذا فالمصطلحات الأخلاقيّّة لا تحكي الواقع ونتيجة ذلك أيضاً أنّ الجمل الأخلاقيّّة لن تحكي الواقع كذلك.

وبشكل مختصر نقول إنّ هذه الفئة من الانفعاليين تعتقد بأنّ الجمل الأخلاقيّّة لما 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

138

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 كانت مشتملة على المصطلحات الانفعالية كالحسن والقبح فإنّ هذه الجمل لا تحكي الواقع ولا تشير إلى واقعيّة عينية بل إنها تبيّن فقط إحساس المتكلم وشعوره، بل من الممكن استعمالها أيضاً لإيجاد إحساس وشعور مشابه عند المخاطَب بها.

 
وفي اعتقادهم أيضاً فإنّ الجمل الأخلاقيّّة وإن كانت ذات معنى إلّا أنها لا تحتمل الصدق والكذب الواقعيّين.
 
أكمل:
 
1 - الانفعالية تعني....
 
2 - طبقاً لرأي كلتا المجموعتين من الانفعاليين، وبغض النظر عن... فإن أي شي‏ء ليس حسناً ولا سيئاً.
 
3 - برأي الانفعاليين فإن الأحكام الأخلاقية معتبرة لـ.... فقط.
 
4 - الانفعالية المبنية على الوضعية المنطقية لا يرون معنى الجمل الأخلاقية بدليل أن....
 
5 - الانفعالية المبنية على انفعالية المصطلحات الأخلاقية يرون أن الجمل الأخلاقية لا واقع لها (غير واقعية) وذلك بدليل...
 
3 - التعاهدية1 
 
إذا لم يكن هناك أيّ قاعدة وقانون في لعبة كرة القدم، فسوف يقع التعارض والاختلاف والتنازع بين اللاعبين.
 
وكذلك إذا لم يكن توافق البائع والمشتري لازماً في المعاملات الاقتصادية وبالتالي كان كلّ واحد منهما حراً في أخذ ما يريد ويقدر من مال الآخر فسوف يقع التعارض والتنازع بينهما أيضاً.
 
 
 

1-  Contractarianism or conventionalism التعاهدية، التوافقية، التعاقدية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

139

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 ولذا فإنّ قواعد وقوانين لعبة كرة القدم إنما توضع لرفع التعارض بين فريقي اللاعبين، وكذلك فإنّ قوانين العرض والطلب إنّما توضع لرفع التعارض في المعاملات وتأمين المنافع والمصالح المتقابلة، وعليه فإنّ رعاية العهود والعقود والاتفاقات تعود منفعتها لكل الأفرقاء. وباعتقاد أنصار التعاهدية فإنّ القواعد الأخلاقيّّة ليست مجرد مجموعة من الأوامر والتوصيات أو الانفعالات والميول الفردية بل إنّ هذه القواعد نوعٌ من التوافق العام على السلوكيات الاجتماعية يتعاهد ويُتفق عليها بعد تشكيل المجموعات والمجتمعات بهدف رفع التعارضات العامة الاجتماعية والمجموعية على فرض حصولها.


إنّ هذه العقود والاتفاقات من الممكن حصولها بأي صورة ونحوٍ، وليس لها أيّ مبنى واقعي، ولكن العمل بها يصبّ في مصلحة ومنفعة كلّ أفراد المجتمع.

وفي اعتقادهم أيضاً فإنّ الأحكام الأخلاقيّّة إنّما تكون معتبرة فقط عند المجتمع الّذي تعاقد وتعاهد عليها. وعليه فإنّ أيّ عمل قبل هذا التعاهد الاجتماعي ليس حسناً وليس قبيحاً وإن منشأ اعتبار كلّ الأحكام الأخلاقيّّة هو التعاهد والتوافق.

نعم إنّ التوافقات الأخلاقيّّة تتشكل بشكل طبيعي بالالتفات إلى الثقافة والآداب والرسوم والتقاليد والاعتقادات المشتركة وأمثالها، وهي متفاوتة ومختلفة عن العقود والتوافقات والقوانين الرسمية الّتي تحتاج إلى الإمضاء السندي أو الّتي توضع من قبل الهيئات الخاصّة.

أكمل:

القائلون بالتعاهدية يعتقدون:

1 - لتحقق الأخلاق بعد تشكيل... فقط.

2 - القيم الأخلاقية ولزومها ينشأ من... وبشكل طبيعي، وقيل ذلك فإن أي عمل ليس له صفة الحسن أو القبح.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

140

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 3 - التعاهدات الأخلاقية وضعت لأجل....


4 - الأخلاق التعاهدية في كل مجتمع تكون معتبره بالنسبة لـ.....

4 - تحليل المذاهب اللاواقعيّة

1 - 4. التحليل الكليّ‏

1 - أثبتنا في الفصل الثالث والرابع من هذا الكتاب، ومع الإشارة إلى واقعيّة القيم واللزوميات الأخلاقيّّة، أنّ الأحكام الأخلاقيّّة بإمكانها الاستناد إلى المباني الواقعيّّة، وبناءً على ذلك أبطلنا مبنى هذه المذاهب اللاواقعيّة.

2 - الاشكال الآخر المشترك على كلّ هذه المذاهب استلزامها النسبيّة الأخلاقيّّة، وقد تعرضنا في الفصل الخامس من هذا الكتاب أيضاً إلى الكلام تفصيلاً عن هذه النظرية ونقدها والإشكال عليها.

3 - الإشكال الآخر المشترك أيضاً على هذه المذاهب يعود إلى منشأ اعتبار وتوجيه الأحكام الأخلاقيّّة عند المذاهب اللاواقعيّة.

وسوف نعيد ها هنا ذكر الجمل الّتي وضعنا خطاً تحتها في هذا الفصل:

- إنّ أوامر الله هي المعتبرة فقط.

- إنّ أيّ أمر أخلاقيّ إنما هو معتبر في حقّ من يقبل به.

- إنّ الأحكام الأخلاقيّّة معتبرة فقط عند من يكون لديه ذلك الانفعال الأخلاقيّّ.

- إنّ الأحكام الأخلاقيّّة إنما تكون معتبرة فقط عند المجتمع الّذي تعاقد وتعاهد عليها.

إنّ اللاواقعيين يربطون اعتبار كلّ الأحكام الأخلاقيّّة بالأوامر / الانفعالات / التوافقات، ويوجهونها على هذا الأساس، ولذا لا بدّ أنْ تكون نفس تلك الأوامر / الانفعالات / التوافقات معتبرة عندهم، أيّ أنّهم لا بدّ أنْ يقبلوا بإحدى هذه الجمل الآتية:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

141

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 - ينبغي1 على الجميع إطاعة أوامر الله.

 
- ينبغي لكل فردٍ أنّ يتّبع الوظائف الأخلاقيّّة العمليّة المقبولة عنده.
 
- ينبغي لكلّ فرد العمل طبق انفعالاته الأخلاقيّّة.
 
- ينبغي لأفراد كلّ مجتمع العمل طبق التوافقات الأخلاقيّّة عند مجتمعهم.
 
إنّ كلّ واحدة من هذه الجمل تبيّن نوعاً من "الوجوب" الأخلاقيّ، وهذاالوجوب (ينبغي، يلزم) الأخلاقيّ ناظرٌ إلى ذلك "الوجوب" الأصلي، أيّ إنّ اعتبار "الوجوبات" الأخلاقيّّة الأخرى يرتبط بهذا "الوجوب" لكن بأي دليل يعتبر نفسه "الوجوب" الأصلي؟ ولماذا يجب علينا إطاعة أوامر الله؟ ولماذا...؟
 
ولتوجيه "الوجوب" الأصلي يمكن افتراض إحدى هذه الأوامر:
 
1 - إنّه لا يحتاج إلى التوجيه والإثبات."
 
2 - إنّ التوجيه والإثبات موجود معه وفي ذاته.
 
3 - إنّ التوجيه والإثبات يحصل بجملة أخرى.
 
لكن لا بدّ لنا من الالتفات إلى أنّه:
 
1 - طبقاً لنظرية اللاواقعيّة فإنّه لا يمكن لأيّ "ينبغي" أخلاقيّّة أنّ تكون مستقلة عن الأوامر والسلائق والتوافقات.
 
2 - الاستناد إلى نفس "ينبغي" الأصلية (الوجوب الأصلي) من أجل توجيهها يستلزم الدور الباطل.
 
3 - الجملة الّتي سيستند إليها واقعاً لإثبات "الوجوب" إمّا أنْ يكون وجوبها أكثر أصالة[9] وإمّا أنْ تكون من نوع "الموجود". لكن بناءً على الافتراض فلا يوجد "الوجوب" الأكثر أصالة. وطبقاً لرأي اللاواقعي لا يمكن استنتاج "يجب" (ينبغي) من "موجود". وبناءً على هذا لا بدّ عند كلّ المذاهب اللاواقعيّة من
 
 
 

1- في المتن الفارسي عبر بكلمة بايد وقد أشرنا سابقاً إلى أنّها من المفاهيم الأخلاقيّّة بمعنى ما ينبغي، و نبايد  بمعنى لا ينبغي ولكن قد يكون لها أيضاً أحياناً مرادفات أو معانٍ أخرى بحسب وقوعها في الكلام، كالوجوب واللزوم والضرورة، لذا اقتضى التوضيح (المترجم).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

142

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 توجيه كلّ " الوجوبات" الأخلاقيّّة بواسطة الوجوب الأصلي (ينبغي الأصلية)، لكن هذه الأخيرة لا يوجد أيّ توجيه وإثبات لها ولذا فإنّ أيّ "وجوب" أخلاقيّ لن يكون موجهاً وثابتاً.


سؤال: حول كلّ واحد من هذه المذاهب اكتب "حسنٌ" أصليّ. وحينئذٍ هل هذا الإشكال المذكور يرد أيضاً على "الحسن" الأصلي؟


ما لم تترسخ جذور شجرة الأخلاق في أرض الواقعيّّة، فلن تثمر هذه الشجرة في أيّ وقت ولن يظهر أيّ لزوم وقيمة واقعاً.

والآن سوف نقوم بتحليل كلّ واحد من هذه المذاهب اللاواقعيّة على حدةٍ:

2 - 4. تحليل النوع الأوّل من الأمرية (نظرية الأمر الإلهيّ)

يُستند في هذه النظرية لتعيين الإله المعتبرة أوامره ونواهيه في حقّ الجميع إلى الكمالات الإلهية المطلقة. وعلى الرغم من كون هذا الإله المتعالي المالك والقادر على الإطلاق والحاوي لسائر الكمالات الوجودية في حدها الأعلى. وقد ثبت هذا المدعى بالبرهان العقليّ، فقد ذهب أنصار اللاواقعيّة إلى القول بأنه لا يمكن الوصول إلى هذا الوجوب عن طريق هذه الوجودات بحيث يجب إطاعة الأوامر الإلهية، لأنّه بناءً على اللاواقعيّة لا يوجد أيّ ارتباط منطقيّ بين "الوجوب" والموجود. وبناءً على هذا الأساس فإنّ أنصار نظرية الأمر الإلهيّ باستنادهم إلى الكمالات الإلهية لإثبات اعتبار أوامر الله قد نقضوا مبانيهم القائمة على اللاواقعيّة.

2 - لو لم يكن أيّ شي‏ء متّصفاً بالحسن أو القبح قبل أمر الله ونهيه فإنّ العقل لا يمكنه تشخيص حسن وقبح أيّ شي‏ء من دون الرجوع إلى أمر الله ونهيه، لكنْ وبغضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهيين فإنّ العقل يمكنه تشخيص القبح والحسن في بعض الموارد، مثالاً على ذلك فإنّ غير المعتقد بالله يدرك أيضاً حسن العدل والصدق والوفاء بالعهد والأمانة وكذلك قبح الظلم والكذب والخيانة ونقض
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

143

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

  العهود، وهذا يشير إلى أنّ الحسن والقبح عقليان، وأنّ الحسن والقبح الذاتيين موجودان أيضاً[10].


3 - لنفترض أنّك أضعت الطريق في سفرك إلى مقصدك، وهنا قال لك شرطيّ الطريق بعدما عرف المقصد الّذي تنوي الذهاب إليه: ينبغي لك أنْ تسلك الطريق الأيمن، وعليه فإنّ اتّباع ارشادات هذا الشرطيّ أمر عقلائيّ، إلّا أنّ هذا لا يعني كون أمر الشرطيّ هو الموجب لكون الطريق الأيمن هو الموصل إلى مقصدك. ومن المحتمل أنّ أنصار نظرية الأمر الإلهيّ قد التفتوا إلى هذه النكتة الصحيحة وهي أنّ أكثر القيم الأخلاقيّّة والأفعال اللازمة لا يمكن كشفها وإدراكها إلّا عن طريق الوحي والبيان الإلهيّ. فالإنسان لا يمكنه ادّعاء المعرفة الصحيحة لما هو مفيد ولازم للوصول إلى هدف الأخلاق وأنه يمكنه تشخيصها بعقله.

وبناءً عليه فإنّ إطاعة أوامر الله ونواهيه عقلانية ولازمة إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ الأمر والنهي الإلهيين موجبان لقيمتها ولزومها الأخلاقيّين وأنّه لا تفاوت قبل وجود الأمر والنهي بين الأمانة والخيانة والعدل والظلم وإعانة المحرومين وقتل الأبرياء.

فالله باطّلاعه الكامل على العواقب الواقعيّّة للأفعال يأمرنا وينهانا من أجل هدايتنا وارشادنا إلى الصراط المستقيم، لا أنّ أوامره ونواهيه تجعل الطرق مستقيمة أو غير مستقيمة.

3 - 4. تحليل النوع الثاني من الأمرية
لمّا كانت الأمرية لا تقبل بوجود المباني الواقعيّّة للقبول بالأحكام الأخلاقيّّة أو ردّها لذا فإنّها لا تستطيع إثبات اعتبار هذه الأحكام لمن لا يقبل بالأوامر الواردة في موردها ولذا أيضاً فإنّهم يؤكدون أنّها معتبرة فقط عند من يقبل بها لا غير. لكن ما هو معنى هذا الاعتبار؟

لننتبه إلى هذا المثال:

لنفترض أنّ هناك دولة افتراضية ورد في قانونها الأساسيّ أنّ كلّ إنسان له الحق في التقنين، وأنّ له الحقّ في القبول بأيّ قانون أو ردِّه، وأنّ كلّ قانون معتبر فقط في حقّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

144

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 من يقبل به.

 
وعليه في مثل هذه الدولة الفرضية من الأفضل أنّ يُصرَّح في قانونها الأساسي بأنه لا قيمة واعتبار لأيّ قانون فيها, وأنْ تسمّى هذه الدولة بدولة اللاقانون!
 
وكذلك فإنّ هاتين العبارتين لهما نفس المؤدّى:
 
- إذا لم ترد أنْ تسرق فحكم "لا تسرق" معتبرٌ في حقّك وعندك، وإذا أردت أنْ تسرق فحكم "اسرقْ" معتبرٌ في حقّك وعندك أيضاً.
 
- إذا أردت فاسرق وإذا لم ترد ذلك فلا تسرق، فإنّ كلا هذين الحكمين غير معتبرين.
 
وبناءً عليه فإنّ القول إنّ الأوامر الأخلاقيّّة معتبرة فقط عند من يقبل بها حالها حال القول إنّ الأوامر الأخلاقيّّة غير معتبرة أساساً.
 
4 - 4. تحليل النظرية الانفعالية
 
1 - إنّ مبنى المعرفة والمعيار المعنائيّ عند الوضعيّة المنطقية لا يمكن القبول بهما بل وعليهما إشكالات كبيرة ومتعدّدة1. حيث إنّ القبول بهذا المبنى والمعيار المقدَّم من قبل الوضعيّة المنطقية سيؤدي إلى اعتبار العلوم غير التجريبية علوماً لا تؤدي إلى المعرفة وعلوماً بلا معنى، بل وستعتبر العديد من بيانات العلوم التجريبية المشتملة على مفاهيم غير محسوسة ومجربة بشكل مباشر بلا معنى، والأعجب من كلّ ذلك فإنّ نفس دعواهم القائلة إنّ "المعتبر هو المعرفة المستندة إلى الحس والتجربة" و"إنّ أمثال هذه القضايا هي الّتي لها معنى فقط" ليست تجريبية ولا تحليلية، وعليه فبناءً على نفس مبناهم فإنّها غير معتبرة وبلا معنى أيضاً.
 
2 - إنّ كلمة "مساعد" بمعنى المعين، إلّا أنّ هذه الكلمة نفسها من الممكن أنْ يكون لها ثقلٌ إحساسيّ وانفعاليّ، وكذلك من الممكن لأجل أنْ تنبّه أصدقاءك من حادثة 
 
 
 

1- راجع: محمّد تقي مصباح، آموزش فلسفه ج‏1، ص 212 - 215, محمّد حسين زاده، معرفت شناسى، ص 115 - 127.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

145

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 خطيرة كاحتراق البيت مثلاً أنْ تقول لهم بحالة من الاضطراب والانفعال "إنّ بيتكم يحترق". وعلى الرغم من كون هذه الجملة ذات ثقلٍ انفعاليّ وقد ذُكرت لتحريك المخاطَب لاتخاذ الموقف المناسب إلّا أنها جملة حاكية للواقع.


وبناءً عليه فإنّ مجرد افتراض كون المصطلحات الأخلاقيّّة وكذلك القضايا الأخلاقيّّة ذات ثقل إحساسيّ وانفعاليّ لا يوجب الاستنتاج بأنها غير واقعيّة. نعم قد تكون لدينا بعض المصطلحات كقولنا "لذيذة" وبعض الجمل الحاوية لها كقولنا "هذا الطعام لذيذ" شاملة لكونها إحساسية وغير حاكية للواقع. إلّا أنّ هذا لا يعني تسرية الحكم على كلّ المصطلحات والجمل بحيث يقال إنّ ما له ثقلٌ إحساسيّ لا بد أنْ لا يكون حاكياً للواقع، لأنّه وطبقاً للتعريف المتقدم فإنّ المفاهيم والجمل إنّما نسميها بالحاكية للواقع لإشارتها إلى واقعيّة عينية بغضّ النظر عن الأوامر والأحاسيس والتوافقات، وقد أشرنا في الفصل الرابع عند تحليل المفاهيم الأخلاقيّّة إلى ثبوت كون هذه المفاهيم والقضايا الأخلاقيّّة حاكية للواقع، ولذا فإنّ التوجيه الثاني للانفعالية لا يمكن القبول به أيضاً.

5 - 4. تحليل النظرية التعاهدية

1 - لو أنّ رجلاً يعيش وحده في مزرعته دون أيّ تواصل وارتباط بالآخرين فحينها ألا يمكن القول في مورده إنّ صلاته أو اهتمامه بصحّته أو قطعه لأشجار مزرعته المثمرة حسنة أو قبيحة؟

إنّ نطاق الأخلاق وأفعال الإنسان الاختيارية لا يحدّان سلوك الإنسان وأفعاله مع الناس الآخرين بل يشملان أيضاً ارتباطه بالله وبنفسه وبالطبيعة.

إلا أنّ أنصار التعاهدية تصوّروا أنّ أفعال الإنسان الاجتماعية وحدها القابلة للتقييم باللحاظ الأخلاقيّ، وعلى هذا الأساس اعتقدوا بأنّ الأخلاق منوطة بتشكيل المجتمعات والمقصود منها رفع التعارضات الاجتماعية على فرض حصولها. وكما ترى فإنّ الأخلاق حتى بالنسبة لأولئك الّذين يعيشون في المجتمعات لا تنحصر في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

146

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

  الأمور الاجتماعية وحلّ التعارضات والاختلافات فيما بينهم.


2 - يعتقد أنصار التعاهدية بأنّ رعاية القواعد الأخلاقيّّة الّتي تَوافَقَ المجتمع عليها نافعة ومفيدة لرفع التعارض بين أفراد المجتمع. وهنا نسأل هؤلاء هل أنّ رفع التعارض وتأمين المنافع المتقابلة لأفراد المجتمع - باللحاظ الأخلاقيّ - قيّم ولازم بنفسه وذاته أم أنّ ذلك يحتاج إلى وجود توافق آخر عليه؟

وهنا بناءً على الافتراض الأوّل فإنّ القائل بالتعاهدية وخلافاً لمبانيه قد قبل نوعاً ما بالواقعيّّة، وحينئذٍ لا بدّ لنا أنْ نتباحث معه - في موضعه ومكانه - حول هدف الأخلاق والمنشأ الواقعيّ لها هل هو مجرّد رفع التعارض وتأمين المنافع المتقابلة للأفراد أم أنّه شي‏ء آخر. وكذلك حول ماهية ملاك المنفعة عنده أيضاً. وأما لو صرّح بناءً على مبنى اللاواقعيّة بأنّ رفع التعارض الاجتماعي ليس قيّماً ولازماً بذاته وفي حدّ نفسه بل لا بدّ له من توافق آخر عليه فسوف يلزم حينئذٍ التسلسل لأنّ قيمة ولزوم هذا التوافق الثاني أيضاً يحتاج إلى توافق آخر وهكذا...

الخلاصة

الاشكالات على المذاهب اللاواقعيّة

1 - إنّ عدم صحّة اللاواقعيّة والنسبيّة الأخلاقيّّة وعدم التوجيه المناسب للأحكام الأخلاقيّّة بسبب عدم كون الوجوب والحسن الأصليين موجَّهَين تُعتبر من المشاكل المشتركة عند كلّ المذهب اللاواقعيّة.

2 - إنّ أتباع نظرية الأمر الإلهيّ وبسبب اعتقادهم باللاواقعيّة لا يمكنهم منطقياً - من خلال استنتاج "الوجوب" من "الموجود" - التمسك بأفضلية الله لاعتبار أوامره.

3 - إنّ العقل يمكنه في بعض الموارد، وبغضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهيين،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

147

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 تشخيص حسن الأشياء وقبحها، ولذا فالحسن والقبح عقليان وتبعاً لهما أيضاً فالحسن والقبح الذاتيان موجودان أيضاً.


4 - وقع الاشتباه في نظرية الأمر الإلهي بين منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة وطرق تشخيص قيمة ولزوم بعض الأمور.

5 - إنّ القول باعتبار الأوامر الأخلاقيّّة في حقّ من يقبل بها فقط يساوي القول بعدم اعتبارها أيضاً.

6 - إنّ مبنى الوضعيّة المنطقية غير صحيح ومن الممكن أنْ تكون المعارف غير الحسية معتبرة وذات معنى أيضاً.

7 - بالتوضيح الّذي ذكرناه حول المفاهيم والقضايا الأخلاقيّّة أثبتنا كونها حاكية للواقع، وأنّ هذه المفاهيم والقضايا حتى ولو كانت ذات ثقل إحساسيّ فإنّ ذلك لا يؤثّر في حكايتها للواقع.

8 - لا ينحصر نطاق الأخلاق بالروابط الاجتماعية وحلّ التعارض بين أفراد المجتمع.

9 - إنّ أنصار التعاهدية لا يمكنهم الاعتقاد بأنّ حلّ التعارض الاجتماعي له قيمة ذاتية، ولا يمكنهم ربط قيمته بتوافق آخر عليه، حيث إنّه بناءً على الصورة الأولى يستلزم نقض مبناهم القائم على اللاواقعيّة وعلى الصورة الثانية سيبتلون بالتسلسل الباطل.

الأسئلة
 
1 - اذكر ثلاثة اشكالات مشتركة ترد على المذاهب اللاواقعيّة؟

2 - اذكر رأيَ القائلين بالأمرية حول معنى القضايا الأخلاقيّّة ومنشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة.

أ- كيف يوجّه أتباع نظرية الأمر الإلهيّ اعتبار أوامر الله في حقّ الجميع؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

148

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 ب- هل يتوافق هذا التوجيه مع مبنى هذه النظرية؟ أوضح ذلك.


4 - أ- ما المراد بالحسن والقبح الذاتيين والعقليين؟

ب- لماذا يقال إنّ أتباع نظرية الأمر الإلهيّ ينكرون الحسن والقبح الذاتيين والعقليين؟

ج- لماذا لا يمكن القبول بإنكار الحسن والقبح العقليين؟

5 - كيف حصل الاشتباه في نظرية الأمر الإلهيّ بين تشخيص القيم واللزوميات الأخلاقيّّة وبين منشئهما؟

6 - ذُكر في النوع الثاني من الأمرية أنّ الأوامر الأخلاقيّّة معتبرة فقط في حقّ مَن يقبل بها. أوضح ما يلي:

أ- لماذا لا يرى هؤلاء اعتبار هذه الأمور في حق الآخرين؟

ب- ما هو المراد من كون هذه الأمور معتبرة في حق من يقبل بها؟

7 - عرِّف الانفعالية.

8 - ما هو التوجيه المذكور لإثبات الانفعالية من قبل هذين الفريقين:

أ- الوضعيين المنطقيين‏

ب- المعتقدين بأنّ المصطلحات الأخلاقيّّة إحساسية

9 - لماذا قلنا بعدم مقبولية مبنى الوضعيّة المنطقية القائل بكون المصطلحات والقضايا الأخلاقيّّة بلا معنى؟

10 - هل من الممكن القبول بأنّ المصطلحات الأخلاقيّّة إحساسية ولكنها لا تحكي الواقع؟ أوضح ذلك.

11 - اذكر رأي القائلين بالتعاهدية في هذه الأمور وقم بنقده:

أ- نطاق الأخلاق.

ب- منشأ القيم واللزوميات الأخلاقيّّة واعتبار الأحكام الأخلاقيّّة.

ج- الهدف من وضع التوافقات الأخلاقيّّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

149

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 12 - أ- صنّف هذه الجمل من حيث الملاءمة مع الواقعيّّة أو اللاواقعيّة؟


ب- بالنسبة للجمل الملائمة مع اللاواقعيّة، اذكر مع أيّ نظرية من النظريات الّتي بُيِّنت في هذا الفصل متلائمة؟

الأولى: إنّ أوامر الله تشير لنا إلى حسن الأفعال أو قبحها واقعاً.

الثانية: الحسن والقبح الأخلاقيّان عبارة عن المرضي وغير المرضي.

الثالثة: كلّ إنسان يحتاج لواعظ من نفسه ليأمر نفسه بفعل الأفعال الحسنة وينهاها كذلك عن الأفعال القبيحة.

الرابعة: الأفعال الّتي يأمر الله بها تصبح حسنة.

الخامسة: يمكن للناس في بعض الموارد أنْ يشخّصوا بدقّة الأعمال الحسنة.

السادسة: العمل الحسن هو ما ألزمنا أنفسنا القيام به.

السابعة: إنّ الله لا يأمر بالقبيح من الأفعال.

الثامنة: بعض الأفراد يشعرون بإحساس حسن عند فعل الأفعال الحسنة ويشعرون بالسوء عند فعل الأفعال القبيحة.

التاسعة: إنّ ما يأمر به الناس هو الحسن ويجب فعله.

العاشرة: يمكن من خلال ذكر الجمل الأخلاقيّّة الحاوية للأوامر والنواهي توصية الآخرين بفعل الأعمال الحسنة وترك السيئة منها.

للبحث
 
تباحث مع أصدقائك حول المواضيع، وأوضح ماهية الفرق بينها وبين مُدّعى المذاهب اللاواقعيّة:

1 - إنّ القضايا الأخلاقيّّة ناظرة إلى صفاتنا وأفعالنا الاختيارية ونتائجها المطلوبة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

150

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 وغير المطلوبة، ونحن عندما نتحادث عادة عن الأعمال الّتي تنتهي إلى مثل هذه النتائج المرغوبة وغير المرغوبة يتولد عندنا انفعال وتحريك داخلي مثبَت أحياناً ومنفيّ أحياناً أخرى، ولذا فإنّ القضايا الأخلاقيّّة مضافاً إلى الجانب العلمي فيها لها جانب تحريكي أيضاً.


2 - توجد أهداف مشتركة بين أفراد المجتمع والجماعات المختلفة، وإذا ما اشتركوا أيضاً حول هذا الهدف الكليّ من الحياة والطرق الموصلة إليه بعقائد متشابهة فعادة ما يكونون قد توافقوا على قواعد أخلاقيّّة مشتركة أيضاً. وهنا يمكن اعتبار بعض أنواع الثقافات والآداب والرسوم والتقاليد وأمثالها من علل تشابه الاعتقادات بين هؤلاء الأفراد.

3 - يمكن للاعتقادات أنْ تؤثّر في القواعد الأخلاقيّّة المقبولة عند الأفراد. ومن الممكن أيضاً أنْ تكون هذه الاعتقادات صحيحة أو غير صحيحة. وبناءً عليه فإنّ إصلاح أو إفساد قيمَ أيّ مجتمع من الممكن أنّ يتم من خلال إصلاح أو إفساد عقائدهم.

4 - رغم أنّ الهدف النهائي للحياة الإنسانية ليس ترك هؤلاء الناس كالذئاب تنهش بعضها بعضاً، فإنّ رفع التعارض والخلافات الاجتماعية يعتبر من جملة شرائط الوصول إلى الكمال الاختياريّ عند الإنسان والذي هو هدف الأخلاق، ولذا يعتبر هذا العمل نوعاً ما ذا قيمة وبناءً عليه إذا استطاع أفراد المجتمع وضع طرقٍ لرفع هذا التعارض بحيث تكون متحدة مع هدف الأخلاق فإنّ العمل بها يعتبر قيماً ولازماً.

5 - من الممكن وجود العديد من هذه الطرق الّتي تؤدي إلى رفع التعارض والتي تتساوى جميعها من ناحية الوصول إلى هدف الأخلاق ولذا إذا استطاع هؤلاء الأفراد تشخيص هذه الطرق بشكل صحيح فمن الممكن التوافق على واحدٍ منها، وحينئذٍ يكون هذا التوافق والعمل على طبقه قيّماً ولازماً أيضاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

151

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 إقرأ

 
لقد طُرح العديد من النظريات حول المسائل النظرية في نطاق فلسفة الأخلاق والتي يمكن تنويعها وتقسيمها إلى طوائف متعدّدة، ونحن لمّا كان لدينا هدف محدد في هذا الكتاب وهو إيجاد المذهب الأخلاقيّ الواجب الإتباع (الصحيح) جعلنا المحور الأساس في هذا المجال مسألة منشأ وإثبات الأحكام الأخلاقيّّة، وعلى هذا الأساس قسمنا ورتبنا النظريات الأخلاقيّّة المرتبطة بها، وهناك أيضاً العديد من المسائل النظرية الأخرى الّتي تبحث في فلسفة الأخلاق تبعاً لهذه المسألة، ومثالاً على ذلك فإنّ اللاواقعيين وكما مر معنا لا يقولون بوجود منشأ واقعي للأخلاق، وفي الحقيقة فإنّهم لم يتمكنوا من إيجاد مثل هذا المنشأ الواقعيّ للأحكام الأخلاقيّّة، وبالتالي تقسيمها إلى الصادقة والكاذبة وبيان وجه الصدق ومقبولية الأحكام الأخلاقيّّة الصادقة، ولهذا ذهب بعض منهم إلى اعتبار القضايا الأخلاقيّّة بلا معنى وسعوا بالتالي إلى تقديم استعمالات لها غير حاكية للواقع. وذهب بعض آخر منهم إلى أنّ معنى القضايا الأخلاقيّّة أمور لا واقعيّة.

ومن طرف آخر فقد اعتقد بعض الواقعيّين الّذين لم يستطيعوا أيضاً أنّ يعرفوا منشأً واضحاً ومشخصاً للقيم الأخلاقيّّة إلى أنّ منشأ الأحكام الأخلاقيّّة يمكن فهمه من دون حاجة إلى البيان والاستدلال، وعليه فلا حاجة إلى البحوث النظرية في هذا المجال. ولذا فقد اختار هؤلاء الواقعيّّة البديهية الّتي لا حاجة لإثباتها.

وفي مقابل هؤلاء اعتقد آخرون بوجود المنشأ الواقعيّّ للأخلاق الّذي يمكن إثباته والاستدلال عليه ولكنهم اختلفوا في تعريفه والاستدلال عليه، ولهذا أيضاً فقد ظهر وتكوّن العديد من المذاهب الأخلاقيّّة. وقد ذهب بعض أتباع المذاهب الأخلاقيّّة إلى عدم إبداء الرأي الصريح والواضح حول الواقعيّّة أو اللاواقعيّة، بل اكتفوا بالتعرّض إلى بعض المسائل الجزئية إلّا أنّه يمكن الحدس من خلال لوازم كلماتهم بما يعتقدونه في هذا المجال (هذا في صورة معرفة لوازم كلامهم أو في صورة عدم وجود التعارض في كلماتهم ومواقفهم).

وبناءً على هذا فإنّ التعرّض لكل واحدة من هذه النظريات على حدة، وسواء في المسائل الأصلية أو الفرعية لفلسفة الأخلاق، خارج عن قابلية هذا الكتاب، وكذلك فإنّ إثبات تعلّق النظرية مثلاً بشخص 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

152

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

 ما أو عدم تعلقها به وخاصة إثبات اللوازم غير البيّنة فيها إلى صاحب تلك النظرية مع الأخذ بمجموع كلامه في باب الأخلاق يعتبر عملاً صعباً وشاقاً وطويلاً.


ومضافاً إلى ذلك فإنّ لكل مسألة نظريات غير مذكورة يمكن فرضها في مجالها وموردها.

لكن الأهم من ذلك كله أنّنا ولأجل تأمين هدفنا المذكور لسنا بحاجة لذكر كلّ النظريات البديلة الموجودة والممكن وجودها في كلّ مسألة من مسائل فلسفة الأخلاق. ولهذا انتخبنا أقصر الطرق للتعرف إجمالاً إلى المذاهب الأخلاقيّّة المتناسبة مع هذا الكتاب، وتتبعنا الهدف الأصلي منه من دون التأكد من تحليل كلّ نظريات ما وراء الأخلاق، والأخلاق القواعدية والقانونية، ومن دون استقصاء الأقوال المختلفة والمتعدّدة في هذه المسائل ومن دون التأكيد على إثبات استنادها إلى خصوص بعض أهل الرأي فيها.

وقد سعينا في سبيل الوصول إلى هذا الهدف إلى رفع الموانع الفكريّة الّتي قد تعترض طريقنا، ولهذا فقد أشرنا إلى أصول وكليات بعض المذاهب الأخلاقيّّة المهمة والتي استند بعض أهل الرأي والاختصاص إليها وقمنا بتحليل أدلتها. نعم قمنا بذكر بعض الجزئيات المتعلقة بهذه المذاهب في المذكّرات فقط.

ولا نغفل عن هذا الاحتمال أيضاً وهو إمكانية المناقشة في إسناد بعض الأقوال لأصحابها نظراً إلى مواقف أخرى لهم في غير مكان.

طرحت هذه النظرية ابتداءً عند اليونانيين الأقدمين وفي القرون الوسطى أيضاً، ونسبت عند المسلمين إلى الأشاعرة.

ويُذكر في هذا المجال مناظرة قامت بين سقراط واثيفرون - القائل بنظرية الأمر الإلهيّ - إذ سأله سقراط: "إذا أمر الله بشي‏ء ما، فهل لأنّ الله أمر به أصبح صواباً، أم لأنّه صواب فإنّ الله قد أمر به"؟. وأجابه اثيفرون: "لا حتماً، لأنّه صواب فإنّ الله قد أمر به". وهنا قال سقراط فوراً: "إذا كان ما تقول صحيحاً فلا بد أنْ ترفع اليد عن نظريتك" (ويليام كِى. فرانكنا، فلسفه اخلاق، ترجمة هادي صادقي، ص 75).
وينسب هذا القول أيضاً إلى ويليام اكام (1287 - 1347م) وجان دانس اسكاتوس (1266 - 1308م).) راجع: اسكات مك دونالد "قرون وسطى متأخر" ترجمة محسن جوادي, "تاريخ فلسفه اخلاق غرب" سي لارنس بيكر، ترجمة مجموعة من المترجمين، ص 93 - 94).

ويصرّح أبو الحسن الأشعري (260 - 324 / 339هـ.ق.) رئيس فرقة الأشاعرة إحدى الفرق
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

153

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

   الكلامية والمشهورة عند المسلمين - بأن الله إذا عذّب المؤمنين وأدخل الكفار إلى الجنة فلن يعدَّ ذلك قبيحاً منه. وكذلك لو أمر بالكذب فسيكون الكذب حسناً، لكن نحن نعتقد بأنّه سيعاقب الكفار لأنّه نفسه أخبر بذلك، والكذب و إنْ لم يكن قبيحاً منه إلّا أنّه محال في حقه. (راجع: علي بن إسماعيل الأشعري، كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 116 - 117)، والجدير ذكره ها هنا - وبغضّ النظر عن الاشكالات الواردة المشتركة على كلّ المذاهب اللاواقعيّة أو من حيث الاشكالات الخاصّة بها - أنّ هناك بعض الآيات القرآنية الّتي ذُكر فيها وجه بعض الأوامر والنواهي والتي لا تتوافق مع ما ذكره الأشاعرة:

 

 

﴿... اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى1.
 

 

﴿... قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء...2.
 

 

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً3.
 
وكذلك فإنّ استحالة الكذب على الله حالها حال استحالة تعذيب المؤمنين متأخرة بحسب الرتبة عن عدم الإرادة الإلهية، وعدم الإرادة الإلهية متأخرة رتبة عن قبح الكذب، وكأنّ الأشعري ظاهراً قد تصوّر أنّ استحالة الكذب على الله مقدَّمة على عدم الإرادة الإلهية.
 
نسبت هذه النظرية إلى بعض أنصار الوضعيّة المنطقية أمثال رودولف كارناب (Rudolf Carnab) (1891 ـ 1970م) ومن الممكن اعتبار نظرية التوصيات الكلية (Universal prescriptivism) المنسوبة إلى ريتشارد ميرفن هير (Richard Mervyn Hare) (م1919) أحد الفلاسفة البريطانيين، قريبة من هذه النظرية أيضاً. مع أنّ ميوله النفعية لا تتلاءم مع الأمرية المجرَّدة.
 
وذهب كارناب - مع ملاحظة أنّ الأحكام واصطلاحاً الأخلاقيّّة إنما يستفاد منها في الغالب من أجل هداية الأفعال والتأثير فيها - إلى القول بأنها في الحقيقة أوامر أو نواهٍ، ولذا فإنّ القول "لا ينبغي لك أنّ تسرق" بيان لقولك "لا تسرق" وكذلك فإنّ قولك "الرحمة حسنة" بيان لقولك "كن رحيماً" (ج. وارنوك، فلسفه اخلاق در قرن حاضر. 
ترجمة صادق لاريجاني، ص 26).
واعتقد هير بوجود الفاصلة بين "الوجود" و"اللازم" ،وبعبارة أخرى بين "الواقع" "والقيمة" وفي النتيجة بين "التوصيف" و"التوصية".وفي رأيه فإنّ الدور الأصلي لّلسّان القيميّ هو التوصية لا التوصيف، لكن
 
 
 

1- المائدة 5: 8.
2- الأعراف 7: 28.
3- الإسراء 17: 35.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

154

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية

  التفاوت الأصلي بين التوصيات الأخلاقيّّة والأوامر العادية أنّ الأولى لا بدّ أنْ تمتلك قابلية التعميم، وبعبارة أخرى يرى هير أنّ القبول بأيّ حكم أخلاقيّّ يستلزم الالتزام به في كلّ الموارد ذات الشروط المشابهة والقبول بتعاطي وسلوك الآخرين معنا طبقاً له. واعتبر أيضاً أنّ الشرط الوحيد لقبول أيّ حكم أخلاقيّّ كونه ملائماً فقط. وصرّح أيضاً بأنّ لكلّ فردٍ الحقّ بقبول أصول أخلاقيّّة مختلفة عن الأفراد الآخرين من دون أنّ يكون عمل كلّ واحد منهم غير معقول في حدّ ذاته.


إلا أنّ هير أضاف فيما بعد الرؤية النفعية إلى مذهبه ونظرياته وبالتالي ابتعد عن مبانيه اللاواقعيّة حيث إنّ الأخذ بالمنافع الشخصيّة عند اتخاذ التوصيات العامة الأخلاقيّّة يتناسب مع القول بالواقعيّّة وسيطرأ حينئذٍ البحث عن المنافع الواقعيّّة أيضاً. مضافاً إلى أنّه من غير الواضح عندئذٍ لزوم عمومية الحكم الأخلاقيّ مع عدم كون التعميم المتخذ من قبل الآمر به له حكم العمومية، ومن طرف آخر فإنّ التعبير بالشرائط المشابهة - بحيث إنّ الحكم الأخلاقيّ إنما يكون عاماً مع مقايسته بهذه الشرائط - مبهم ومجمل ويقبل التفاسير المتعدّدة، إذ من الممكن لأيّ فرد أنّ يشترط حكمه الأخلاقيّّ بشروط خاصّة به.

وبناءً عليه فلا يوجد أيّ معيار بناءً على اللاواقعيّة لتحديد تلك الشرائط المؤثّرة واقعاً في ذلك الحكم الأخلاقيّّ. (راجع: ج. وارنوك، فلسفه اخلاق در قرن حاضر، ترجمة صادق لاريجاني، ص 39 - 62, آر. اف. اتكينسون، در آمدى به فلسفه اخلاق، ترجمة سهراب علوي نيا، ص 146 - 159,Mophammad A. Shomali. Ethical Relativism: An Analysis of the Foundations of Morality, p. 94 - 97).

حيث إنّ الانفعالية لا تقول بالواقعيّّة العينية للقيم واللزوميات الأخلاقيّّة فقد اعتبرت هذه النظرية نوعاً من "الذاتية"(Subjectivism) وللأخيرة أنواع متعدّدة: منها النوع البسيط والذي يعبَّر عنه بالذاتية البسيطة (Simple Subjectivism) والمراد منه نفس الانفعالية أي كون القضايا الأخلاقيّّة يراد منها إظهار وبيان إحاس الفرد وميوله.

(الوضعيون كأمثال آير يصرحون بأنّ نظريتهم وإنّ كان من الممكن اعتبارها نوعاً من الذاتية إلّا أنها متفاوتة عن الذاتية العادية الّتي تعتبر القضايا الأخلاقيّّة بياناً للإحساسات والانفعال في أنهم لا يعتبرون هذه القضايا إخباراً عن الانفعالات الداخلية بل إنها مجرّد إبراز لتلك الانفعالات والإحساسات (راجع: الف، ج، آير، "زبان، حقيقة منطق" ترجمة منوچهر بزركمهر، ص 148 - 150).

وبناءً عليه يمكن تقسيم الذاتية البسيطة إلى نوعين أيضاً العادية وغير العادية، والنوع الثاني منها
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

155

الفصل السادس: المذاهب الأخلاقية اللاواقعية