دروس من حياة وجهاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-01

النسخة: 2014


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

 

11

المفدمة

13

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

15

الموقع الجغرافيّ والأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة

17

الجاهليّة والقبيلة 

18

العصبيّة

18

نُظُم الحكم

19

مفاسد المجتمع العربيّ

19

الحالة الدينيّة في الجزيرة العربيّة

29

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

31

معنى السِّيرة والهدف من دراستها

32

مصادر السيرة النبويّة

34

ضوابط السيرة الصحيحة

41

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الولادة إلى الزواج

43

نسب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

44

النبيّ في كفالة جدّه

45

وفاة عبد المطّلب ورعاية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

45

السفر إلى الشام ونبوءة الراهب

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

46

النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في شبابه

49

زواجه من خديجة

55

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

57

إرهاصات الوحي والنبوّة

57

طمأنينة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم

58

الدعوة السريَّة

59

أوّل من أسلم من النساء والرجال

60

شبهة أنّ علياً هو أوّل من أسلم من الصبيان

61

دعوة عشيرته

67

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

69

بداية الدعوة العلنيّة

69

محاولات قريش

71

ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام

71

الحصار في شعب أبي طالب

73

عام الحزن

74

الإسراء والمعراج

81

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

83

خصائص الدعوة الإسلاميّة في مكّة

84

الهجرة إلى الحبشة

84

سفره إلى الطائف للدعوة

86

انتشار الإسلام في يثرب

93

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

95

مبيت الإمام عليّ عليه السلام في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

 

 

 

 

 

 

 

 

6

 


2

الفهرس

 

96

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة

98

دوافع الهجرة

98

بناء الدولة والمجتمع في المدينة

107

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

109

التحرّكات العسكريّة الأولى للمسلمين  

110

معركة بدر

114

عوامل انتصار المسلمين

115

معركة أُحد

118

آثار المعركة

119

أسباب الهزيمة ودروسه

125

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

127

معركة الخندق - الأحزاب

128

عوامل النصر في معركة الخندق - الأحزاب

129

نتائج المعركة

130

إرهاصات صلح الحديبيّة

132

بنود صلح الحديبيّة

133

نتائج صلح الحديبيّة

139

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

141

قريش تَنقض العهد

142

فتح مكّة

143

أسلوب الحرب

144

دخول مكّة

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

146

غزوة حُنين

147

حصار الطائف

148

دروس من حُنين

153

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

155

مخالفات اليهود

156

تحويل القبلة

156

اليهود في مواجهة الإسلام

157

موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود

158

حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: غزوة بني قينقاع

159

حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضد اليهود: غزوة بني النضير

167

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

169

حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: غزوة بني قريظة

171

حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: معركة خيبر

175

استسلام يهود فدك

175

سقوط بقية مواقع اليهود: وادي القرى وتيماء

181

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

183

تمهيد

184

معركة مؤتة

185

غزوة تبوك

187

محاولة اغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

188

نتائج تبوك وملامح الانتصار

189

مواقف ودروس من غزوة تبوك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

195

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين‏

197

عام الوفود وتصفية الوثنيّين

197

البراءة من المشركين

198

‏مباهلة نصارى نجران

200

‏حركة النفاق في المدينة

200

أساليب المنافقين العدائيّة

201

موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حركة النفاق

209

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

211

تعيين وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

214

ظهور المتنبّئين‏

215

التعبئة العامّة لغزو الروم

217

الحيلولة دون كتابة الوصيّة

218

اللحظات الأخيرة من عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9


5

المقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
 
يمثّل رسول الله محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم النموذج الإنسانيّ الكامل الذي اجتمعت في شخصيّته كلّ الصفات والخصائص والقيم الإنسانيّة والإلهيّة، فهو رجل العلم والفضل والعقل والكمال، ومثال الحكمة والوقار والجلال، عارف حكيم تقيّ شجاع حازم، وهو الرجل المعصوم من الخطأ المبرّء من الزلل، أكمل الخلق وأفضلهم وأعظمهم أخلاقاً.
 
وقد اتسع قلبه لآلام الناس ومشكلاتهم، فجاهد في الله حقّ جهاده، ووقف بحزم وثبات وقوّة في وجه قوى الشرك، والوثنيّة واليهوديّة، من أجل العدالة والحريّة والمحبّة والرحمة، ومن أجل مستقبلٍ أفضل لجميع الناس.
 
ولأجل ذلك فقد جعله الله قدوة وأسوة للناس جميعاً، وفرض عليهم أن يقتدوا به وأن يتّبعوه في كلّ شيء، حتّى في جزئيّات أفعالهم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾1.
 
ولذلك أيضاً فقد حظيت شخصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك حياته وسيرته باهتمام التاريخ والمؤرّخين والباحثين، وأُلّفت حول شخصيّته وسيرته العطرة مئات بل آلاف 



1 سورة الأحزاب، الآية: 21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

6

المقدمة

 الكتب والدراسات، ولا نعلم سيرة رجل قد نُقّحت وحُقّقت ومُحّصت كسيرة وتاريخ وحياة ودعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 
ولم يكتف تاريخ الإسلام المدوّن بتسجيل الأحداث والمواقف العامّة من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل سجّل لنا تفاصيل حياته ودقائق تصرّفاته، حتّى الحركات واللفتات واللمحات، فضلاً عن الكلمات والمواقف والحوادث بدقّة متناهية واستيعاب لا نظير له.
 
وبالرغم من كثرة ما كتب في السيرة النبويّة عرضاً وتحليلاً إلّا أنّ المكتبة الإسلاميّة تفتقر إلى كتاب تعليمي ممنهج في السيرة والتاريخ يمكن الاعتماد عليه في تقديم صورةٍ واضحة ونقيّة بأسلوب تعليمي عن حياة وسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وهذا الكتاب "دروس من حياة وجهاد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم" يحتوي على عرض تحليلي لسيرته صلى الله عليه وآله وسلم منذ ولادته إلى أن اختاره الله إليه. والمراحل التي مرّ بها في صباه وشبابه، ومسيرة الدعوة إلى الله منذ أن بعثه الله في مكّة مروراً بحروبه وغزواته، وما يتّصل بذلك من أحداث ومواقف وتحدّيات رافقت الدعوة.
 
وقد اعتمدنا في جميع ذلك على هامّة من المصادر الإسلاميّة، وفي مقدّمتها كتاب الله عزَّ وجلَّ وما رواه المعصومون الأطهار عليهم السلام ممّا يتعلّق بسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، على اعتبار أنّ أهل البيت عليهم السلام أدرى بما فيه.
 
واقتصرنا على تناول وبيان بعض الوقائع المهمّة التي تنطوي على قدر أكبر من الفائدة والعبرة، وأعرضنا عن ذكر الحوادث الجزئيّة، لكنّنا خصّصنا بعد كلّ بحث مقطعاً خاصّاً للمطالعة تناولنا فيه شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذاتية، وسيرته الأخلاقيّة من أجل تكوين صورة واضحة عن صفات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه وعلاقته بربّه وطريقة تعامله مع أسرته والأمّة.



والحمد لله ربّ العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام




أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى جغرافيّة شبه الجزيرة العربيّة.
2- يفهم ملامح الحياة السياسيّة في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام.
3- يتعرّف إلى الحالة الدينيّة عند العرب قبل الإسلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 الموقع الجغرافيّ والأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة

تقع شبه جزيرة العرب, والتي تُسمّى أيضاً "جزيرة العرب", في الجنوب الغربيّ من قارّة آسيا، وهي أكبر شبه جزيرة في العالم.
 
ويحدُّها من الجنوب خليج عدن والمحيط الهنديّ وبحر عُمان، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق خليج عُمان والخليج الفارسيّ والعراق، وتُتاخمها من الشمال صحراء واسعة تنتهي بسهل الفرات.
 
مناخها قاسٍ، وهواؤها جافّ، وليس في طول البلاد وعرضها مياه - عدا الأقسام الجنوبية - ولا أنهار صالحة للملاحة فيها، والسبب في جفافها هو كونها محاطة بجدار جبليّ شاهق من ثلاث جهات1.
 
وهذا الجدار هو الذي يصدّ رطوبة البحار ويمنعها من الوصول إلى هذه المنطقة.
 
أقسام الجزيرة الرئيسة:
1- الوسطيّ الذي يُسمّى بالصحراء العربيّة.
2- الشماليّ وهو ما يُعرف باسم الحجاز.



1 تمتدّ هذه الجبال من شبه جزيرة سيناء في موازاة البحر الأحمر على شكل سلسلة كأنّها جدار عازل، ثمّ تلتفّ عند الزاوية الجنوبية الغربية، وتدور في موازاة الساحل الجنوبي والشرقي لجزيرة العرب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

9

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 3- الجنوبيّ الذي يُعرف باسم اليمن1.

 
ويتميّز القسم الجنوبيّ (اليمن) بكثرة هطول الأمطار فيه، وكونه منطقة زراعية مزدهرة وتقطنها أعداد غفيرة من السكان. ولهذا لا تكاد تُقارَن بشمال ووسط جزيرة العرب, وهذا ما استدعى نشوء القرى والمدن واجتماع الناس في هذا القسم، ممّا أدّى إلى وجود أنظمة وقوانين (وإن كانت بدائية)، وما يُلازِم ذلك من تأسيس الحكومات التي ظهرت في هذه المنطقة قبل ولادة المسيح عليه السلام بمئات السنين، نذكر منها:
1- الدولة المعينية: (1400 ـ 850 قبل الميلاد).
2- الدولة السبئية: (850 ـ 115 قبل الميلاد).
3- دولة قتبان: (865 ـ 540 قبل الميلاد).
4- دولة حضرموت: (1020 قبل الميلاد ـ 65 بعد الميلاد).
5- دولة سبأ وريدان وحضرموت وأطراف اليمن، وكان يُسمّى ملوكها "تُبَّع"، واستمرّ حكمها من عام 115 قبل الميلاد إلى عام 523 بعد الميلاد2.
 
وأثنى المؤرّخون كثيراً على الحضارة الزاهرة التي نشأت في اليمن، ووصفوا قصور سبأ بأنّها قصور نضرة ذات أبواب مُرصَّعة بالجواهر، ومساكنها عامرة، وفيها أوانٍ من الفضّة والذهب، وفيها سدّ مأرب الذي انهار قبل أربعمائة سنة من ظهور الإسلام3 نتيجة إهمال من أمّة آخذة في الإنحطاط.
 
أدّى هذا الخراب والانحلال إلى مهاجرة عدد كبير من أهل اليمن، وحدوث تحوّلات كبيرة في شبه جزيرة العرب، حيث توجّه رهط تنّوخ من قبيلة الأزد اليمانية 



1 قال المقدسيّ، وهو من العلماء المسلمين في القرن الرابع، إنّها تُقسم إلى أربعة أقسام كبرى، وهي: الحجاز، واليمن، وعُمان، وهجر (أحسن التقاسيم، ص102)، وقسّمها غيره إلى خمسة أقاليم.
2 شرف الدين، أحمد حسين، اليمن عبر التاريخ، مطبعة السنّة المحمّديّة، القاهرة، ط2، 1384هـ، ص 53.
3 الآلوسي البغدادي، محمود شكري، بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط2، ص204.
أشار القرآن الكريم إلى قوم سبأ في سورتين، إحداهما بمناسبة ذكر ملكة سبأ وكتاب النبيّ سليمان إليها في سورة النمل، الآيتان: 22 و 23، وثانيهما بمناسبة ذكر الآثار الناتجة عن انهيار السدّ في سورة سبأ، الآيات: 15-19.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

10

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 إلى الحيرة (العراق)، وتوجّه آل جفنة إلى الشام، وسارت قبيلتا الأوس والخزرج إلى يثرب (المدينة المنوّرة)، بينما توجّهت خزاعة إلى مكّة وما جاورها1.

 
الجاهليّة والقبيلة
عُرف عصر ما قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة بـ "العصر الجاهليّ". ورغم أنّ كلمة الجاهليّة مشتقّة من الجهل، إلّا أنّ الجهل هنا لا يقع في النقطة المقابلة للعلم، وإنّما يقع في النقطة المقابلة للعقل والمنطق، فهي تعني السفه والغضب والأنفة، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام لِما كانوا عليه من مزيد جهل في كثير من الأعمال والأحكام2. فإطلاق كلمة جاهل على ذلك المجتمع يُعزى إلى رؤيتهم المغلوطة والبعيدة عن العقل والمنطق.
 
ويذهب بعض المؤرّخين إلى القول بأنّ تسمية الجاهليّة الأولى الواردة في القرآن الكريم يُراد منها الزمن الذي ولِد فيه النبيّ إبراهيم عليه السلام، وقيل: إنّها الفترة ما بين آدم ونوح عليهما السلام، وهي ثمانمائة سنة، في حين ذهب بعض المعاصرين إلى القول بـأنّها الفترة ما بين عيسى عليه السلام ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي تنصرف إليه الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر أحكام الجاهليّة، وظنُّ الجاهليّة، وحميّة الجاهليّة، وتبرّج الجاهليّة الأولى3.
 
وكانت القبيلة هي الوحدة السياسيّة عند العرب في عصر ما قبل الإسلام، فأفراد القبيلة ينتمون أو يعتقدون أنّهم ينتمون إلى أصل واحد مشترك، تجمعهم وحدة الجماعة وتربطهم رابطة الدم والعصبيّة للأهل والعشيرة.



1 حسن، إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسيّ، ج 1، ص44.
2 ابن منظور: لسان العرب، 1303هـ، ج13، ص136.
3 راجع سورة المائدة، الآية: 50، وسورة آل عمران، الآية: 154، وسورة الفتح، الآية: 26، وسورة الأحزاب، الآية: 33.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

11

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 العصبيّة

المصداق الأبرز للعصبيّة عند العرب يتمثّل في عصبيّة الدم وهي أساس القرابة ومصدر الترابط, والانتماء إلى أبٍ بعيد أو جدٍّ مشترك، من نسله تكوّنت القبيلة أو القبائل المنتمية إليه. وعلى هذا الأساس كان شعور العرب بالقوميّة الشاملة ضعيفاً، ذلك لأنّ وعيها السياسيّ كان ضعيفاً محدوداً لا يتجاوز القبيلة.
 
وهكذا كان المجتمع العربيّ قبل الإسلام مجتمعاً مفكّكاً سياسيّاً ينقسم إلى وحدات متعدّدة قائمة بذاتها، تُمثِّلها القبائل المختلفة.
 
نُظُم الحكم
كان لكلّ قبيلة مجلس من شيوخها، يرأسه رجل يَتمُّ اختياره من بين أفراد القبيلة، ويُطلقون عليه ألقاباً منها: الرئيس والشيخ والأمير والسيّد، ويُشترط أن تتوفّر فيه بعض الصفات، منها: الشجاعة والحكمة والصبر والكرم وسعة النفوذ.
 
ويتولّى سيّد القبيلة واجبات, أهمّها: قيادة الجيش، وأمر المفاوضات مع القبائل الأخرى، وفضّ النزاعات، والحُكم في الخلافات، وإعانة الضعفاء، والمحافظة على وحدة القبيلة. وكان مجلس القيادة يعقد اجتماعاته في دار الندوة، أو المنتدى، حيث تُناقش الأمور والمسائل التي تخصّ القبيلة كإعلان الحرب، أو إقرار السلم.
 
ولم يكن يخضع عرب الحجاز قبل ظهور الإسلام لسلطة حكومة، ولم يكن لهم نُظُم ولا تشكيل سياسيّ، ولهذا السبب كانت حياتهم تختلف اختلافاً كليّاً عمّا كانت عليه حياة المجتمعات في بلاد فارس وبلاد الروم، حيث الحكومة المركزية التي تتولّى شؤون الناس في كلّ أرجاء البلاد، ولهذا كان العرب يشعرون بالضعف مقابل الفرس والروم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

12

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 مفاسد المجتمع العربيّ

كان المجتمع العربيّ قائماً على:
1- التعصُّب القبليّ الأعمى, ينتصرون للقبيلة سواء أصابت أم أخطأت1.
2- الثأر من القبيلة كلّها حتّى ولو كان المُخطئ فيها أحد أفرادها.
3- التفاخر بالأنساب2 ولا سيّما بين العدنانيّين (عرب الشمال)، والقحطانيّين (عرب الجنوب).
4- الحروب والنهب والقتل, حيث لم يكن العربيّ يحمل مشاعر ودّية للناس خارج إطار قبيلته، سوى تحريمهم للقتال في الأشهر الحُرم (ذي القعدة، وذي الحجّة، ومحرّم، ورجب) وكان ذلك ممّا تمسّك به العرب من ملّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
5- ومن أبرز مظاهر الجهل عند عرب الجاهليّة نظرتهم إلى المرأة، التي حُرِمت من قيمتها الإنسانيّة ومن حقوقها الاجتماعيّة، ومن الإرث. وكان الرجل إذا مات وله زوجة تزوّجها ابنه من بعده إن لم تكن أمّه، لأنّها من المواريث، فضلاً عن وأدهم للبنات وهُنَّ أحياء لكونهنّ عاراً على القبيلة، ولعدم قدرة المرأة على القتال والدفاع عن نفسها في الحروب، وخوفاً من السبي.
 
الحالة الدينيّة في الجزيرة العربيّة
لم يكن سكان الجزيرة العربيّة جميعهم على دينٍ واحد إبّان ظهور الإسلام، فكان الغالب آنذاك عبادة الأصنام، كما كان هناك أتباع ديانات سماوية كالمسيحيّة 



1 رفض الإسلام العصبيّة الجاهليّة العمياء، واعتبرها نوعاً من التوجه الجاهليّ البعيد عن المنطق: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (سورة الفتح، الآية: 26). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعصّب أو تعُصّب له فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، ثواب الأعمال للصدوق، ص263. 
2 ولهذا السبب كانت هناك قيمة وأهميّة لعلم الأنساب عند العرب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

13

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

واليهوديّة والحنيفيّة والمانويّة والصابئة، يقطنون في بقاع شتّى من الجزيرة.
 
ولم يَسْلَم أيّ من تلك الأديان من التشويش والتحريف، فانطوت على كثير من المغالطات والتضليل من قِبَل معتنقيها أو غيرهم فنفرت النفوس منها.
 
وفيما يلي شرحٌ موجزٌ عن الأديان المعروفة والمتَّبعة آنذاك:
1- الموحّدون:
 الموحّدون أو الحنفاء1، هم الذين كانوا يرفضون عبادة الأصنام، ويُؤمنون بوحدانية الله تعالى، وأحياناً بالبعث والحساب ويوم القيامة، وكان قسمٌ من هذه الجماعة من أتباع الديانة المسيحيّة، ومنهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وقُسّ بن ساعدة الأياديّ، وزهير بن أبي سلمى...
 
ونزوع هؤلاء الأشخاص إلى التوحيد يرجع إلى سلامة فطرتهم، والفراغ الدينيّ في ذلك المجتمع، وفقدان الديانتين المسيحيّة واليهوديّة لأصالتهما، وعدم قدرتهما على بثّ السكينة في النفوس، ولذلك كان الموحِّدون يبحثون عن الديانة الحقّة، ويقطعون المسافات للقاء علماء من النصارى واليهود، للتحقُّق منهم حول العلامات الواردة في الكتب السماويّة عن بعثة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. وغالباً ما كانوا يَصِلون إلى نتيجة مفيدة.
 
2- المسيحيّة:
انتشرت المسيحيّة في بعض أجزاء جزيرة العرب، ففي الجنوب عن طريق الحبشة، وفي الشمال عن طريق سورية2، وشبه جزيرة سيناء، إلّا أنّها لم تجتذب إليها أنصاراً كُثُر، وكان من هؤلاء النصارى: قيس بن ساعدة، وحنظلة الطائي، وأُميّة بن أبي الصلت.



1حنيف وجمعها أحناف، تطلق هذه الكلمة على من يتَّبع دين النبيّ إبراهيم عليه السلام.
2 كانت الشام آنذاك تحت سيطرة الدولة الرومانية الشرقية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

14

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 وتغلغلت المسيحيّة في اليمن منذ القرن الرابع الميلاديّ. وعند ظهور الإسلام كانت بعض أحياء العرب في اليمن على دين النصرانيّة. وأهمّ مواطن النصرانيّة في جزيرة العرب كان نجران، وهي مدينة خصبة عامرة بالسكان والتجارة1.

 
وبقيت النصرانيّة رائجة في اليمن إلى أن حَكَمَ ذو نوّاس أرض اليمن، فوقع بالنصارى وقتلهم إرغاماً لهم على ترك دينهم، وعندما رأى ثباتهم أحرقهم في أخدود نارٍ حفره لهم. وقد استنجد النصارى بالحبشة فأنجدوهم، وغزوا بلاد العرب سنة 525م، وهزموا ذا نوّاس، وعاد المسيحيّون إلى الحُكم من جديد2.
 
وكذلك انتشرت المسيحيّة في الحِيرة قرب الكوفة، بواسطة أسرى الحرب الرومانيّين... وأهمّ دليل يشهد على وجود هذا الدين في زمن نزول القرآن في جزيرة العرب، هو مباهلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قساوسة وفد نجران3.
 
3- اليهوديّة:
انتشرت اليهوديّة في جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام لا سيّما في اليمن، وخيبر ويثرب، حيث بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع. وكان لليهود وزنهم السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، واستطاعوا أن يستهلكوا من الدولة الإسلاميّة فيما يُقارب سبع سنوات من الحروب والغزوات، حتّى استطاع الإسلام أن يقضي عليهم سياسيّاً وعسكريّاً. وقد كان اليهود هم المحرِّضون الفعليّون للمشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم المتآمرون الأكثر خبثاً ودهاءً مع الفرس على الدولة الإسلاميّة وعقيدتها.



1 حسن، إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسيّ، ج 1، ص64.
2 يروي بعض المفسّرين أنّ الآيات 4-9 من سورة البروج نزلت في قتل النصارى، أو أنّ هذه الواقعة ممّا تنطبق عليه هذه الآيات (الميزان في تفسير القرآن: ج20/ص251 257-) حيث قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ *  وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ *  وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ سورة البروج، الآيات: 3-9.
3 الطباطبائي، محمّد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص228، إنتشارات إسماعيليان، قم، ط3، 1393هـ.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

15

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 لقد كان اليهود يعتبرون أنفسهم شعبَ الله المختار، وأنّهم القادة الذين رشّحهم الله تعالى لقيادة البشريّة، ولذلك كانوا يَرَون بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من العرب - لا من بني إسرائيل - انتزاعاً للقيادة من أيديهم وتسليمها لغيرهم، ولذلك كانت عداوتهم عنيفة، وكان حقدهم شديداً.

 
نشر اليهود في جزيرة العرب تعاليم التوراة (المُحرَّفة) وما جاء فيها حتّى تهوّد كثيرٌ من قبائل اليمن. ومن أشهر المتهوِّدين ذو نوّاس ـ ملك اليمن ـ وقد اشتُهر بتحمُّسه لليهوديّة واضطهاده لنصارى نجران، وإعلانه اليهوديّة ديناً رسميّاً1.
 
4- الوثنيّة:
كانت الوثنيّة منتشرة في جميع أنحاء الجزيرة العربيّة، فكانت تُعتبر الديانة الأكثر أتباعاً وانتشاراً فيها، وهنا لا بدّ من ذكر النقاط التالية:
أ- نشأة الوثنيّة: يُنقل أنّ أوّل من أدخل عبادة الأصنام إلى مكّة عمرو بن لُحيّ الخُزاعي، الذي أُصيب بمرض الحكّة في جلده، فَوُصِفَ له الاغتسال بماءٍ حارّة في بلاد حوران، فذهب واغتسل بها فشفاه الله، ووجد الناس هناك يعبدون الأصنام، فحمل معه صنماً فنصبه في الكعبة الشريفة، وقيل غير ذلك2.
 
ب- أصنام العرب: من أصنامهم مناة، اللاّت، العُزّى، هُبل (وهو الذي جاء به عمرو بن لُحيّ)، إساف ونائلة، ودّ، يغوث، يعوق، نَسر...
 
ج- إيمان الوثنيّين بالله تعالى: كان الوثنيّون يؤمنون بالله العليِّ الأعلى، وأنّه هو الخالق البارئ المصوّر، وقد حكى القرآن الكريم إيمانهم هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾3.



1 راجع أمين، أحمد، فجر الإسلام، ص 23 - 24 27-، مكتبة النهضة العربيّة، القاهرة، 1964م، ط9.
2 ومن ذلك أنّ أصل عبادة الأصنام حدثت عندما كَثُر أبناء إسماعيل عليه السلام واضطرّوا إلى أن يخرجوا من مكة طلباً للعيش، فكانوا يحملون عند خروجهم شيئاً من تراب الحرم الذي يحمل ذكرى الكعبة، أثر أبيهم إسماعيل، ثمّ حملوا هذا التراب للحفاظ عليه، وتطوّرت الذكرى إلى تقديس، فعبادة.
3 سورة لقمان، الآية: 25.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

16

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 وهم لا يعبدون هذه الأصنام إلّا لتكون وسيلتهم إلى الله، كما قال تعالى على لسانهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾1، وبذلك وقعوا في مفارقات غريبة لا يقبلها عقل، ولا يُقرُّ بها منطق.

 
5- الصابئة:
ظهرت هذه الديانة في عهد حكم طهمورث، ومؤسّس هذه الديانة هو يوذاسف. وقيل عنهم بأنّهم أُناسٌ يوحّدون الله ويُنزِّهونه عن القبائح ويصفونه بالسلب لا بالإيجاب، كقولهم: لا يُحدّ ولا يُرى ولا يَظلم ولا يجور، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه، ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال, مثل هيكل بعلبكّ لصنم الشمس، وهياكل في حرّان منسوبة إلى القمر. وقد آلت هذه الديانة في عصرنا إلى الانقراض2.
 
هذا بالإضافة إلى الديانة المانويّة والزردشتية التي تُقدِّس النار (المجوسيّة) والمزدكية. وقال بعضٌ: بأنّ هذه الديانات لم تكن منتشرة في الجزيرة العربيّة باستثناء المانويّة.
 
كما وكان قسم من أهالي الجزيرة العربيّة يعبدون الجنّ والملائكة.



1 سورة الزمر، الآية: 3.
2 البيرونيّ الخوارزميّ، أبو الريحان محمّد بن أحمد، الآثار الباقية، ص 205، مطبعة المثنى، بغداد, وقيل بأنّهم ما زالوا موجودين حتى العصر الحالي في جنوب العراق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

17

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 خلاصة

- إنّ التعرُّف إلى تاريخ وجغرافيّة المنطقة التي وُلِد فيها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، ونشأ وعاش في أرجائها حتّى بعثه الله برسالته, يُساعدنا على الوقوف على الدور الذي لعبه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته المباركة، في النقلة الحضارية الكبرى لإنسان هذا الموطن، الذي كانت همومه وآماله تُؤطِّرها هموم وآمال القبيلة، حيث لم يعرف الدولة وقوانينها، ولم يحمل مظاهر الحضارة، حتّى إذا ظهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأسّس الدولة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة، حدث التحوُّل التاريخي في حياة إنسان الجزيرة وجوارها.

- إنّ دراسة الظواهر والحالات التي كانت تكتنف المجتمع الجاهليّ قبل الإسلام، تُسهم في التعرُّف:
أوّلاً: إلى قِيَم هذا المجتمع وأحواله.
ثانياً: تُساعدنا أيضاً في التعرُّف إلى الدور الذي لعبته الرسالة في تحرير هذا الإنسان، ونقله بنورها إلى عالمٍ أرحب هو عالم العدل وكرامة الإنسان والمساواة التي لم يكن ينعم بها الإنسان من قبل.
 
- كانت الحالة السياسيّة للمجتمع العربيّ الجاهليّ قبل الإسلام عبارة عن الحُكم القَبَليّ، فالقبيلة هي الوحدة السياسيّة، وأفراد القبيلة ينتمون إلى أصلٍ واحد مشترك، تجمعهم وحدة الجماعة وتربطهم رابطة الدم والعصبيّة للعشيرة، وهذا ما أدّى إلى وجود الانحلال والتفكّك في ذلك المجتمع، ولم يكن هناك وجود لسلطة حكوميّة ولا نُظُم ولا تشكيل سياسيّ، والحاكم السياسيّ هو التعصُّب القبليّ الأعمى. وهذا ما رفضه الإسلام بدعوته.

- تعدّدت الأديان التي كانت منتشرة قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربيّة والمناطق المحيطة بها، فبالإضافة إلى الموحِّدين والمسيحيّة واليهوديّة كانت هناك المجوسيّة، وكانت الوثنيّة أكثر انتشاراً في أنحاء الجزيرة العربيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

18

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

25


19

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 للمطالعة

منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأخلاقيّة في العهد الجاهليّ
إنّ الصيغة القرآنيّة، لمواصفات الشخصيّة المؤمنة بنماذجها المختلفة، قد أخذت طريقها للتجسيد العمليّ في شخصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
فشخصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مثّلت قمّة التسلسل، بالنسبة لدرجات الشخصيّة الإسلاميّّة، التي توجد عادة في دنيا الإسلام، فكان صلى الله عليه وآله وسلم عظيماً في فكره ووعيه، قمّة في عبادته وتعلّقه بربّه الأعلى، رائداً في أساليب تعامله مع أسرته والناس جميعاً، مثاليّاً في حسم الموقف، والصدق في المواطن، ومواجهة المِحن، فما من فضيلة إلّا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سابقٌ إليها، وما من مكرُمة إلّا وهو متقلّد لها.
 
ومهما قيل من ثناء أخلاقيّاته السامية قديماً وحديثاً، فإن ثناء الله تعالى عليه في كتابه العزيز، يظلّ أدقّ تعبير وأصدق وصف لمواصفات شخصيّته العظيمة دون سواه.
 
فقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾1 عجز كلّ قلم وكلّ تصوّر وبيان عن تحديد عظمته، فهو شهادة من الله سبحانه وتعالى على عظمة أخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسمو سجاياه، وعلوّ شأنه، في مضمار التعامل مع ربّه ونفسه ومجتمعه، بناءً على أنّ الأخلاق مفهوم شامل لجميع مظاهر السلوك الإنسانيّ.
 
وقبل أن يتحدّث القرآن عن عظمة أخلاقه، فقد نطق الكفّار والمشركون بهذه الحقيقة، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُبعث بعد، فاتّصاف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالخُلُق العظيم، لم يكن وليد الفترة التي بُعث فيها، أو من إفرازات تلك المرحلة تمشّياً مع أهميّة الدور الملقى على عاتقه، لا، بل التاريخ يذكر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان ذا منزلة أخلاقيّة عظيمة في العهد الجاهليّ، وكان محلّ إعجاب وتقدير قومه ومجتمعه، بل ومضرب المثل في 



1 سورة القلم، الآية: 4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

20

الدرس الأوّل: الجزيرة العربيـّة قبل الإسلام

 ذلك. وقد شهد الكفّار أنفسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدق اللهجة والأمانة والعفاف ونزاهة الذات.

 
فقد روي أنّ الأحنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم، ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تُخبرني عن محمّد صادق أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله إنّ محمّداً لصادق وما كذب قطّ.
 
وقال النضر بن الحارث لقريش: قد كان محمّد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر؟! لا والله ما هو بساحر.
 
ولمّا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، أحضر قيصر أبا سفيان وسأله بعض الأسئلة مستفسراً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وممّا سأله، قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلت والكلام لأبي سفيان: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، قال: كيف عقله ورأيه؟ قلت: لم نعب له عقلاً ولا رأياً قطّ..
 
وروى الطبريّ: كانت قريش تُسمِّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي (الأمين).
 
ورُوي عن أبي طالب (رضوان الله عليه) في حديث عن سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهليّة قال: لقد كنت أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاماً يُعجبُني، وكنّا لا نُسمّي على الطَّعام والشَّراب حتّى سمعتُه يقول: بسم الله الأحد، ثمّ يأكل فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيراً، فتعجّبت منه، وكنت ربّما أتيت غفلة فأرى من لدن رأسه نوراً ممدوداً قد بلغ السماء، ثمّ لم أرَ منه كذبة قطّ ولا جاهليّة قطّ، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضحك، ولا وقف مع صبيان في لعب، ولا التفت إليهم، وكانت الوحدة أحبّ إليه والتواضع".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

21

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يطّلع على التشويه والتحريف الذي تعرّضت له السيرة النبويّة.
2- يُعدّد أهمّ مصادر السيرة النبويّة.
3- يستذكر الضوابط والقواعد الصحيحة للسيرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

22

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 معنى السِّيرة والهدف من دراستها

كلمة السِّيرة مشتقّة من كلمة السَّير، والسَّير يعني المشي والحركة، بينما السِّيرة تعني طريقة المشي والحركة والسلوك.
 
وبعبارة أُخرى: السيرة عبارة عن الأسلوب والنمط الذي يتّبعه الإنسان في حياته وفي أعماله اليومية.
 
وعندما نبحث في السيرة النبويّة، فإنّنا نُريد التعرُّف إلى الأسلوب والنمط الذي كان يتّبعه النبيّ محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم في أعماله اليوميّة، للوصول إلى أهدافه النبيلة، مثلاً: كيف كان سلوكه؟ كيف كانت أخلاقه وعلاقاته بأصحابِه وأهله ومجتمعه؟ كيف كان يُبلّغ رسالته؟ ما هي الأحداث التي واجهها في طريق الدعوة إلى الله؟ وكيف كان يتعامل معها؟ كيف كان يقود مجتمعه إداريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً وتربويّاً وتعليميّاً؟ وغير ذلك.
 
إنّ الكشف عن جوانب شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما يرتبط بحياته ومواقفه وسلوكه وأوضاعه وطريقة تعامله مع الأحداث والتحدّيات والمستجدّات وغير ذلك، هو ما يُراد بحثه عادة في السيرة النبويّة1.





1 تفرّدت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالحثّ على تدوين السنّة الشريفة والاهتمام بحفظها ونشرها، بالرغم من حظر التدوين الذي كان يمارس على الصحابة والتابعين تحت شعار: يكفيكم كتاب الله تعالى، ومن كان عنده شيء غير القرآن فليمحُه!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

23

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 وقد اهتمّ القرآن الكريم ببيان سيرة الأنبياء عليهم السلام والصلحاء، ودعا إلى الاقتداء بسيرهم، والاعتبار بسيرة الغابرين والاتّعاظ بها، كما دعا وأكّد على الاهتمام بسيرة خاتم الأنبياء وسيّدهم محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحثّ المسلمين على الاقتداء برسوله الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾1.

 
ثمّ أمر المسلمين جميعاً بالالتزام بما يصدر عن رسوله الذي لا ينطق عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾2.
 
ومن المعلوم أنّ السيرة العظيمة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد تعرّضت للكثير من الجعل والافتراء والتشويه على أيدي الكثيرين من حكّام ومندسّين وغيرهم.. حيث حاول هؤلاء النيل من شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته. وقد نُفِّذت هذه الخطّة عن طريق دسِّ نصوص مُخْتَلقة ومزيَّفة في كتب السيرة والتاريخ تُسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتنسب إليه ما لا يليق به.
 
مصادر السيرة النبويّة
إذا عرفنا أهميّة دراسة السيرة وما لحق بها من تشويش وتحريف، كان من الضروريّ جدّاً أن نُكوِّن صورةً واضحةً ونقيّة عن حياة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن نعتمد على مصادر صحيحة، ومعايير وضوابط تكون قادرةً على إعطائنا الصورة الحقيقيّة الأكثر نقاءاً وصفاءاً عن شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتكون قادرة أيضاً على تمييز الجانب المُصطنَع والمُزيَّف عن الصحيح وإبعاده عن محيطنا الفكريّ والعمليّ بصورةٍ كاملة، طبق ضوابط ومعايير حقيقيّة.
 
هناك عدّة مصادر يُمكننا بالاعتماد عليها أن نستخلص معالم سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتفاصيل حياته وهي:



1 سورة الأحزاب، الآية: 21.
2 سورة الحشر، الآية: 7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

24

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 القرآن الكريم:

لقد قدّم القرآن الكريم صورةً واضحة ورائعة عن شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وصفاته وخصائصه ومواقفه في كثير من السور والآيات. ويستطيع قارئُ القرآن من خلال التدبُّر في الآيات التي نزلت في شأنِ رسول الله، أنْ يُحيط بالكثير من جوانب شخصيّته وحياته، مُنذ أن بعثه الله وإلى أن فارق هذه الدنيا.
 
فقد أشار القرآن مثلاً إلى مكانة النبيّ (ومنزلته وعظمته) صلى الله عليه وآله وسلم، في سور: الحجرات والنور والأحزاب وغيرها، وأشار إلى أسمائه وألقابه صلى الله عليه وآله وسلم في سور: الصفّ وآل عمران والمائدة، وإلى صفاته وخصائصه صلى الله عليه وآله وسلم، كالعصمة والطهارة والرأفة والرحمة والعطف والشجاعة، في كلٍّ من سور: آل عمران والتوبة والأحزاب والأنبياء وغيرها، وأشار القرآن إلى أخلاقه وصبره وثباته صلى الله عليه وآله وسلم في مواقع التحدّي، وإلى طريقة تبليغه للرسالة، وإلى مواقفه من عدم استجابة قومه لدعوته وغير ذلك ممّا يرتبط بحياته وسيرته، في كثير من الآيات والسور.
 
فالرجوع إلى نفس القرآن لاستخراج سيرة النبيّ يُعتبر من أوثق وأصحّ الطرق والمصادر لدراسة السيرة النبويّة الصحيحة.
 
النصوصُ الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام:
إنّ النصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام تُعتبر في الأهميّة بعد القرآن الكريم, لأنّ أهل البيت عليهم السلام أدرى بما فيه، وهم الأئمّة المعصومون الذين يحملون العلم الإلهيّ ... وعندهم علم الكتاب وعلم ما كان ويكون بإذن الله تعالى.
 
فقد ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام مئات النصوص والروايات، التي تحدّثت عن حياة رسول الله العامّة والأحداث الكبرى التي عاشها في حياته، وعن سيرته الذاتيّة والخاصّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

25

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 الروايات التاريخيّة المرويّة بالتواتر عن المسلمين الأوّلين:

يوجد العديد من النصوص المرويّة عن الأثبات من الصحابة الذين لا يميل بهم هوى عن جادّة الحقّ، والتي تتحدّث عن سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، تُعتبر من مصادر السيرة والتاريخ إذا ثبتت صحّتها بالتواتر أو بإحدى وسائل الإثبات الأخرى.
 
ضوابط السيرة الصحيحة
أهمُّ الضوابط والقواعد التي ينبغي اعتمادها في فهم السيرة الصحيحة وهي:
 
1- دراسة أحوال وأوضاع الناقلين للحديث
إنَّ أوّل ما ينبغي ملاحظته في الحديث المنقول السند: هو عبارةٌ عن مجموع أسماء الأشخاص الذين نقلوا لنا الحديث أو الحدث التاريخيّ، فلا بُدّ من دراسة أحوال وأوضاع هؤلاء الرواة لمعرفة ميولهم وارتباطاتهم السياسيّة والمصلحيّة، ولمعرفة مدى صدقهم ودقّتهم فيما أخبرونا به، لتحديد مدى إمكانيّة الوثوق والاعتماد على نقلهم.
 
وطبيعيٌّ أنّ من عُرِفَ عنه أنّه يكذب في خبره أو لا يُدقِّق في نقله، لا يُمكن الاعتماد عليه، إلّا بعد أن نتأكّد من صحّة ما نقله من مصادر وجهات أخرى.
 
وكذلك من عُرِف عنه أنه ينساقُ وراء أهوائه السياسيّة أو المذهبيّة أو المصلحيّة، لا يُمكن الأخذ بما ينقله لنا, لأنّه يكون بذلك قد أخلّ بدرجة الوثوق والاطمئنان.
 
2- انسجام مضمون النصّ مع صفات وخصائص الشخصيّة النبويّة
فلما ثبت لدينا بالدليل القطعيّ الصحيح, أنّ شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي في أعلى درجات الطُّهر والعصمة والحكمة والشجاعة، وأنّه يتحلّى بكلّ الصفات النبيلة والفاضلة، جامعاً لكلّ القيم الإنسانيّة السامية، فلا بُدّ من جعل كلّ ذلك معياراً وميزاناً لأيّ نصٍّ يُروى بشأنه، أو يُريد أن يُسجّل لنا قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو موقفاً له صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

26

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 فإذا لم يكن النصُّ منسجماً مع هذه الخصائص والمميّزات الثابتة بالدليل القطعيّ الصحيح فإنّه لا يُمكن قبوله، كما لو نسب النصُّ - والعياذ بالله -، الرذيلة أو الفجور لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو عبادة الأصنام، أو التصرّفات التي تُعبّر عن جهله أو عدم اتِّزانه، فإنّنا لا نتردّد في رفض مثل هذا النص. كذلك لا نقبل أن تُنسب إلى أحدٍ من أئمّة أهل البيت عليهم السلام تصرُّفات لا تليق بمقامهم الثابت.

 
3- عرضُ النصوص على القرآن الكريم
هذه قاعدةٌ لا بُدَّ أن نعتمدها في كلّ الأحاديث المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو عن أحد أئمّة أهل البيت عليهم السلام سواء أكانت تاريخيّة أم فقهيّة أم أخلاقيّة أم غير ذلك، فما وافق كتاب الله نأخذ به وما خالفه نتركه.
 
فقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "تكثُر لكم الأحاديث بعدي، فإذا رُوي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلُوه وما خالفَ فردُّوه"1.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ما لم يُوافق من الحديث القرآنَ فهو زُخرُفٌ"2.
 
4- عدم التناقض والتنافي بين النصوص
إنّ وجود التناقض أو التعارض فيما بينها يُشير إلى وجود نصّ مجهول، أو تعرّض النصّ لتصرُّفٍ ما أزاله عن وجهته الصحيحة، الأمر الذي يستدعي مزيداً من الانتباه، وبذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من المزيَّف منها. وقد وضعت قواعد خاصة لمعالجة تعارض الأدلة في علم الأصول وغيره.



1 الشيخ الأميني، الغدير، ج8، ص26.
2 الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص69، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، الناشر دار الكتاب الإسلامية - طهران، مطبعة الحيدري، 1363 ش، ط5، باب الأخذ بالسنة والشواهد الكتاب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

27

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 5- عدم مخالفة النصّ للواقع المحسوس

كما لو ادّعى النصّ أنّ أقرب طريق من مكّة إلى المدينة يمرّ عبر الأندلس.
 
6- عدم مخالفة البديهيّات والضرورات العقليّة الثابتة
ومن ذلك قولهم: إنّ الله عادل وحكيم، ولكنه يُجبر عباده على أفعالهم، ثمّ يُعاقبهم عليها. وقولهم: إنّه تعالى لا يحدّه مكان ولا جهة، ثمّ يقولون إنّ له ساقاً وقدماً وأصابع وما إلى ذلك.
 
7- عدم مخالفة الحقائق العلميّة الثابتة بالأدلّة القطعيّة

8- عدم التناقض مع الثوابت التاريخيّة القطعيّة

9- عدم مخالفة الأحكام العقليّة والفطريّة السليمة
 
ومن ذلك حكم العقل بوجوب عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام عن الخطأ، فالنصّ الذي يُريد أن ينسب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم عليه السلام خطأً معيّناً، لا نتردّد في رفضه ولا نشكّ في أنّه من الأخبار المصطنعة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

28

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 خلاصة

- إنّ سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام هي طريقتهم ومنهجهم في الحياة، ويتجلّى ذلك في مجموع أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم. وسيرة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هي الأسلوب والنمط الذي كان يتّبعه في أعماله اليومية من خلال سلوكه وأخلاقه وعلاقاته بالآخرين.
 
- المصادر الأساسية التي يُمكن الاعتماد عليها للتعرُّف إلى معالم شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته هي:
1- القرآن الكريم.
2-  النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام التي عرضت سيرة وحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3- الروايات التاريخيّة المرويّة بالتواتر عن المسلمين الأوّلين.
 
هناك ضوابط ينبغي اعتمادها في تمييز النصّ الصحيح من الفاسد:
1- دراسة أحوال وأوضاع الناقلين للحديث.
2- انسجام النصّ الحاكي عن سلوك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع صفاته وخصائصه.
3- عرض النصّ التاريخيّ على القرآن الكريم.
 
4 - 5 - 6 - 7 - 8 - عدم التناقض بين النصوص، وعدم مخالفتها للواقع وللبديهيّات والضرورات العقليّة وللحقائق العلميّة والثوابت التاريخيّة.
 
9- موافقة النصّ الصادر عن المعصوم للعقل والفطرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

29

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 للمطالعة

 
التصوير القرآنيّ للخُلُق العظيم
لا شكّ أنّ أصدق شاهد على عظمة أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو القرآن الكريم، وهو كلام الله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾1. فقد أشاد القرآن كثيراً بأخلاق صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم، وكثُرت فيه الآيات التي تتحدث عن شخصيّته الأخلاقيّة وخصائصه وصفاته الفاضلة، ونحن سنستعرض ما تيسّر من هذه الآيات: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾2.
 
فالآية الكريمة تحكي لنا جانب العفو والرحمة والرفق واللين في سلوك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعامله مع الآخرين.
 
﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾3.
 
لقد وصفت هذه الآية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بأوصاف تكشف عن مدى تأثُّره واهتمامه بالمسلمين وشؤونهم وحرصه عليهم، وتُعبِّر عن مدى شفقته ورحمته بهم، وكيف أنّه صلى الله عليه وآله وسلم حين يُصيب الواحد منهم بعض المشقّة والتعب فإن ظلالاً من الأسى والحزن تُخيّم عليه صلى الله عليه وآله وسلم.



1 سورة النساء، الآية: 122. 
2 سورة آل عمران، الآية: 159.
3 سورة التوبة، الآية: 128.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

30

الدرس الثاني: السيرة ومصادرها الأصيلة

 ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾1.

 
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾2.
 
فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ الله عزّ وجلّ أدَّب نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾"3.
 
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾4.
 
فقد رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أدّبني ربي تأديباً حسناً إذ قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فلمّا قبلت ذلك منه قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾"5.



1 سورة التوبة، الآية: 61.
2 سورة القلم، الآية: 4.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص266.
4 سورة الأعراف، الآية:199.
5 تفسير القرطبي، ج18، ص228.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

31

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج




أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى نسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطفولته.
2- يُعدِّد أسفار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة ويفهم أهدافها.
3- يسرد قصّة زواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من السيّدة خديجة عليها السلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

32

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 نسب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصيّ، بن كلّاب، بن مُرّة... بن عدنان... ابن النبيّ إسماعيل عليه السلام ابن النبيّ إبراهيم عليه السلام.
 
والمرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان إذا انتسب لم يُجاوز نسبه معد بن عدنان ثمّ يُمسك، وأوصى الآخرين بذلك بقوله: "إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا"1. وقد نفى صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكره النسّابون من أسماء أجداده بين عدنان وإسماعيل2.
 
واستناداً إلى التقسيم القَبَليّ عند العرب، تُقسَّم العرب بشكلٍ عامّ إلى الشّق "القحطانيّ" و"العدنانيّ". وتُعتبر قريش من العرب العدنانيّين بسبب انتسابها إلى "عدنان". كما أنّ جدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هاشم بن عبد مناف تنتسب إليه أشرف أُسرة في مكّة وهي أُسرة بني هاشم.
 
وكانت ولادته المباركة في مكّة المكرمّة، في شُعب أبي طالب، يوم الجمعة في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل في عام الفيل الموافق لسنة 571 للميلاد3.



1 ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج1، ص155، قم، المطبعة العلميّة. والمجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، طهران، دار الكتب الإسلاميّة،ج15،ص105.
2 ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص155. 
3 توفّي عبد الله والد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من سفر تجارة من الشام، وكان صلى الله عليه وآله وسلم له من العمر أشهر. ورُوي أنّه توفّي قبل ولادته صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

33

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 ولم يرتضع صلى الله عليه وآله وسلم من أمّه سوى ثلاثة أيّام، ثمّ حظيت بشرف إرضاعه حليمة السعديّة, التي كانت تُقدِّمه على أولادها لِما وجدت فيه من الخير والبركة، وبقي عندها في البادية إلى أن بلغ سنّ الخامسة، حيث عاد إلى أهله ليكون في كفالة جدّه عبد المطّلب، ومن ثمّ في رعاية عمّه أبي طالب1.

 
النبيّ في كفالة جدّه
سار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم برفقة أمّه آمنة بنت وهب في قافلة إلى يثرب لزيارة قبر والده عبد الله، وفي طريق العودة إلى مكّة توفّيت والدته ودُفنت في منطقة الأبواء، فجاؤوا به إلى جدّه عبد المطّلب.
كان آباء وأجداد الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم موحِّدين، ابتداءً من أبيه عبد الله إلى النبيّ آدم عليه السلام، ولم يكن فيهم مشرك، ومنهم جدّه عبد المطّلب، الذي كان سيّداً وشريفاً وجواداً في قريش، وعاش صلى الله عليه وآله وسلم في كفالته، وكان يرعاه خير رعاية، ولا يأكل طعاماً إلّا إذا حضر، ويُفضّله على أبنائه.
 
ويبدو أنّه كان عارفاً بنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال صفاته والأحداث التي رافقته منذ ولادته، وكذلك من خلال البشائر والأخبار التي كانت تُنبئ بمستقبله ونبوّته صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وكان عبد المطّلب من المعتقدين بالمعاد والحساب ويقول: "والله إنّ وراء هذه الدار داراً يُجزى فيها المُحسن بإحسانه، ويُعاقب المُسيء بإساءته"2. ولم يكن متعصباً للقبيلة، وكان يحثّ أبناءه على التحلّي بمكارم الأخلاق، وتُؤثر عنه سنن جاء القرآن والسنّة بأكثرها، منها تحريم الخمر والزنا، وقطع يد السارق، والنهي عن وأد البنات، وأن لا يطوف أحد بالبيت عرياناً، والوفاء بالنذور، وأن لا تُنكح ذات محرم...



1 راجع: العلامة المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 15، ص401، مؤسسة الوفاء - لبنان، 1983م، ط2.
2 الألوسي البغدادي، محمود شكري، بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب، ج 1، ص324.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

34

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 وفاة عبد المطّلب ورعاية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

توفّي عبد المطّلب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ثماني سنين، فأوصى به إلى عمِّه أبي طالب، وذلك لأنّ عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبا طالب أخوَان لأمّ. فكفل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة عبد المطّلب أبو طالب عمّه، فكان خير كافل لعطفه وحنانه عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبو طالب سيّداً شريفاً مطاعاً، وكان سيّد قومه في زمانه. وكان يُحبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حُبّاً شديداً.
 
وربّته فاطمة بنت أسد بن هاشم امرأة أبي طالب، وكانت تُحبّه كثيراً وتحنو عليه، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصفها بأنّها أمّه.
 
السفر إلى الشام ونبوءة الراهب
تحدّث المؤرّخون عن رحلتين للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشام، إحداهما بصحبة عمّه، والأخرى: بصحبة غلام لخديجة في تجارة لها.
 
في الرحلة الأولى: كان عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اثنتي عشرة سنة، وكان مع عمّه أبي طالب ضمن قافلة تجاريّة لقريش، وفي الطريق توقّفت القافلة في منطقة بُصرى، وكان فيها راهب يُدعى بحيرا، وقد اتّفق أن التقى الراهب قافلة قريش ولفتت نظره شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وراح يتأوّل ويُحدِّق في صفاته وملامحه1، خاصّة بعدما رأى أنّ سحابة من الغيم تُرافق محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم أينما جلس لتحميه من حرّ الشمس، فأتى الراهب أبا طالب وبشّره بأنّ ابن أخيه نبيّ هذه الأمّة، وأخبره بما سيكون من أمره بعدما كان قد كشف عن ظهره ورأى خاتم النبوّة بين كتفيه، ووجد فيه العلامات التي وصفته بها التوراة والأناجيل وغيرها2.
 
وتذكر النصوص أنّ بحيرا أصرّ على أبي طالب بأن يعود به إلى مكّة، وأن يُبقيه




1 ابن هشام، عبد الملك، سيرة النبيّ، ج1، ص189، تحقيق مصطفى السقاء، القاهرة، مطبعة الحلبي، 1355هـ.
2 ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبويّة،ج 1، ص193.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

35

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 تحت رقابته خوفاً عليه من اليهود وغيرهم، فقطع أبو طالب رحلته ورجع به إلى مكّة.

 
وفي الرحلة الثانية: كان عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خمساً وعشرين سنة، وهذا السفر كان لأجل عمل تجاريّ مع السيّدة خديجة بنت خويلد قبل أن يتزوّج بها، وبإشارة من أبي طالب بسبب الأوضاع المعيشيّة الصعبة آنذاك، وكانت هذه التجارة مع السيّدة خديجة على نحو المضاربة والمشاركة.
 
النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في شبابه
اتفق المؤرّخون على أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم أصبح في مطلع شبابه موضع احترام في مجتمعه، لِما كان يمتلكه من وعي، وحِكمة، وبُعد نظر.
 
وقد اشتُهر بسموّ الأخلاق، وكرم النفس، والصدق والأمانة، حتّى عُرِف بين قومه بالصادق الأمين، كما اشتُهِر برجاحة عقله، وصوابيّة رأيه، حتّى وَجَدَ فيه المكّيّون والقرشيّون سيّداً من سادات العرب الموهوبين، ومرجعاً لهم في المهمّات وحلّ المشكلّاًت والخصومات.
 
وذكر المؤرِّخون: أنّ الناس كانوا يتحاكمون إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهليّّة، لأنّه كان لا يُداري ولا يُماري، وله مع قومه تجارب سياسيّة واجتماعيّة، حتّى شارك بشكلٍ فاعل ومؤثّر في حَدَثَين تاريخيّين حصلا قبل البعثة هما: حلف الفضول، وتجديد بناء الكعبة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

36

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

حلف الفضول:
وهو أشرف حلف عُقِد بين زعماء عدد من بطون قريش1، وكان نتيجةً لسلسلةٍ من حوادث الاعتداء على أموال وأعراض بعض الوافدين إلى مكّة في موسم الحج. فدعا الزبير بن عبد المطّلب إلى إقامة تحالف بين قبائل قريش، بهدف مواجهة كلّ من يعتدي على الآخرين، فاستجاب لدعوته بنو هاشم، وبنو عبد المطّلب، وبنو أسد وغيرهم، وعقدوا اجتماعاً في دار عبد الله بن جدعان، تحالفوا فيه على محاربة الظلم والفساد، والانتصار للمظلوم والدفاع عن الحقّ، وقد سُمّي بحلف الفضول، لأنّ قريشاً قالت بعد إبرامه: هذا فضول من الحلف، وقيل: لأنّ ثلاثة ممّن اشتركوا فيه كانوا يُعرفون باسم الفضل، وهم الفضل بن مشاعة، والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة. وقد حضر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحلف المذكور وشارك فيه، وكان يتجاوز العشرين من عمره الشريف2.
 
وكانت مشاركته صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحلف عملاً نبيلاً، ونوعاً من الدفاع عن حقوق الإنسان في ذلك المجتمع الجاهليّ، ففي الوقت الذي كان فيه أترابه من أبناء مكّة منكبّين على الشراب واللذائذ، ومنغمسين في اللهو واللعب، كان هو يحضر هذا الحلف إلى جانب أكابر قريش، وقد أثنى على هذا الحلف بعد بِعْثَته وذَكَرَه بفخرٍ قائلاً: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحبّ أنّ لي به حُمْر النِعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت"3.
 
وهذا الكلام يدلّ على أنّ هذا الحِلْف ينسجم مع أهداف الإسلام، وعلى واقعية



1 سبب هذا الحلف أنّ رجلاً من زُبيد قدم مكّة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل من بني سهم، فحبس عنه حقّه. فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف، فأبوا معونة الزبيدي على ابن وائل وانتهروه. وعندما رأى الزبيدي إجتماع زعماء قريش إلى جانب الكعبة، صعد على جبل أبي قبيس واستغاث، وعلى أثر ذلك دعا الزبير بن عبد المطّلب وكبار القوم إلى اجتماع نتج عنه هذا الحلف.
2 اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص13.
3 المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج83، هامش ص 256.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

37

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 الإسلام حيث إنّه ينظر إلى مضمون العمل وقيمته وليس إلى شكله وصورته، حتّى ولو قام به أهل الشرك، وعلى استجابة الإسلام لكلّ عمل إيجابي فيه خير الإنسان ومصلحته، وانفتاحه على الآخرين.

 
نصب الحجر الأسود:
أثناء ولاية قريش على الكعبة، وقبل النبوّة بخمس سنوات، أصاب الكعبة التصدُّع من آثار السيول، فاجتمعت قريش على أثر ذلك وقرّرت هدمها وتجديد بنائها، ورصدوا لذلك ما تحتاجه من نفقات.
 
يقول المؤرّخون: إنّ قريشاً وزّعت الهدم والبناء على القبائل، فكان لكلّ قبيلة جهة معيّنة، وكان الوليد بن المغيرة أوّل من بادر إلى هدمها بعد أن تهيّب غيره من فعل ذلك. ولمّا بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يرفعه إلى موضعه، وأصبحت كلّ قبيلة تُريد أن تنال هي هذا الشرف، لأنّهم كانوا يَرَون أنّ من يضع الحجر الأسود في مكانه تكون له السيادة والزعامة.
 
وكاد الأمر يُؤدّي بهم إلى فتنة كبيرة حيثُ استعدّوا للقتال، وانضمّ كلّ حليف إلى حليفه، ولمّا وصلوا إلى حدٍّ خطير اقترح عليهم أبو أميّة بن المغيرة أن يُحكِّموا في هذا النزاع أوّل داخل عليهم، فكان محمّد بن عبد الله أوّل الوافدين، فلمّا رأَوه استبشروا بقدومه وقالوا: لقد جاءكم الصادق الأمين، أو هذا الأمين قد رضينا به حَكَمَاً.
 
فطلب منهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُحضروا ثوباً فأتَوا له بثوبٍ كبير، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده، ثمّ التفت إلى شيوخهم وقال: "لِتأخُذ كلّ قبيلة بطرفٍ من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً" فاستحسنوا ذلك، ووجدوا فيه حلّاً يحفظ حقوق الجميع، ولا يُعطي لأحد امتيازاً على الآخر، ففعلوا ما أمرهم به، فلما أصبح الحجر بمحاذاة الموضع 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

38

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 المُخصَّص له، أخذه رسول الله بيده الكريمة ووضعه مكانه1.

 
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ ويكشف عن المكانة الاجتماعيّة الخاصّة التي كان يحتلّها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نفوس الناس في مكّة.
 
زواجه من خديجة
كانت السيّدة خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً، وأكثرهم مالاً، وكانت تُدعى في الجاهليّة بالطاهرة وسيّدة قريش، وقد تزوّجها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وله من العمر خمس وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، وتُشير النصوص إلى أنّ خديجة هي التي بادرت أوّلاً وأبْدَت رغبتها في الزواج من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بعدما رأت فيه من الصفات النبيلة ما لم تره في غيره. ويُرجِّح بعض المؤرّخين أن يكون عمر خديجة حين زواجها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية وعشرين عاماً وليس أكثر من ذلك، كما أنّها لم تتزوّج قبله بأحدٍ قطّ2.




1 المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج15، ص337 338-. 
2 مرتضى، السيّد جعفر، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ج1، ص121.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

39

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 

 

 

 

 

 

 

 

 

50


40

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 خلاصة

- ينتسب النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أشرف أُسرة في مكّة وهي أُسرة بني هاشم. وقد ولدِ في مكّة المكرّمة، ونشأ ولم يرَ والده، ثمّ بعد فترة من الزمن فَقَدَ والدته، فاحتضنه جدّه عبد المطّلب، حتّى إذا كان عمره ثمانية أعوام فَقَدَ جدّه أيضاً، فاحتضنه عمّه أبو طالب عليه السلام فلم يفارقه في كلّ أحواله، وكان يصحبه معه في أسفاره إلى الشام، وهناك التقى الراهب (بحيرا) فبشّر أبا طالب بمقام ومنزلة ابن أخيه ثمّ دعاه إلى أن يحفظه من اليهود مخافة أن يكيدوا له إن علموا خبره.

- لمّا بلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العشرين عاماً، ذهب إلى الشام بتجارةٍ للسيّدة خديجة بنت خويلد، وعندما بلغ حدود الخامسة والعشرين تزوّج منها.

- اشترك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته في حلف الفضول، وكانت قريش تدعوه بـ "الصادق الأمين".

- النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي وضع الحجر الأسود من الكعبة في مكانه، عندما كادت الحرب أن تقع بين القبائل, لأنّ كلّ واحدة منها كانت تروم وضع الحجر في مكانه، حتّى حكّموا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

41

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 للمطالعة

 
صلاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
- كان صلى الله عليه وآله وسلم يُصلّي الصلاة في أوّل وقتها، ويحثّ المسلمين على ذلك، فقد روى ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الصلاة لوقتها. قلت: ثمّ أيّ شيء؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثمّ أيّ شيء؟ قال: الجهاد في سبيل الله"1.
 
- وعن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُحدِّثنا ونُحدِّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه2.
 
- عن الحسين بن عليّ عليه السلام، في حديث عن خشوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته، يقول عليه السلام: "كان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي حتّى يبتل مصلاه خشية من الله عزّ وجلّ من غير جرم"3.
 
- روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلّى قام على أصابع رجليه حتّى تورّمت فأنزل الله تعالى: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾"4.
 
- وعن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: "إنّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد، بأبي هو وأمّي، حتّى انتفخ الساق، وورم القدم، وقيل له: أفتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: أفلا أكون عبداً شكوراً"5.



1 محمد بن الحسن، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص113، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الناشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام، لإحياء التراث - قم، 1414 هـ، ط2، أبواب المواقيت.
2 الأصبهاني، أخلاق النبيّ، ص251.
3 م. ن، ج11، ص45.
4 الطباطبائي،محمّد حسين، سنن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ص32.
5 الطوسي، أمالي الطوسي، ص47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

42

الدرس الثالث: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - من الولادة إلى الزواج

 - وحول صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اللّيل يُحدِّثنا عبد الله بن عباس، يقول: "حتّى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثمّ قرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران، ثمّ قام إلى شنٍّ1 معلَّقة، فتوضّأ منها، فأحسن وضوءه، ثمّ قام يُصلِّي، فصلّى ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذِّن، فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصبح"2.

 
وسئلت أمّ سلمة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليل فقالت: ما لكم وصلاته؟ كان يُصلّي ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثمّ يُصلّي قدر ما ينام، ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثمّ يُصبح.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام في حديث يشرح فيه كيفيّة إحياء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للّيل قال: "كان يُؤتى بطهور فيُخمّر عند رأسه ويُوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء الله، فإذا استيقظ جلس، ثمّ قلّب بصره في السماء، ثمّ تلا الآيات من آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ثمّ يستنّ ويتطهّر ثمّ يقوم إلى المسجد، فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، وسجوده على قدر ركوعه، يركع حتّى يُقال متى يرفع رأسه، ويسجد حتّى يُقال متى يرفع رأسه، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران ويُقلِّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد، فيُصلّي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو من آل عمران ويُقلِّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم الى المسجد فيتوضّأ ويُصلّي الركعتين ثمّ يخرج إلى الصلاة"3



1 شنّ: قربة ماء.
2 راجع: الشافعي، كتاب الأم، ج1، ص196.
3 المجلسي، بحار الأنوار، ج84، ص 228.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

43

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 
1- يتعرّف إلى نزول الوحي والأحداث التي رافقته.
2- يفهم أسلوب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بدء الدعوة.
3- يتعرّف إلى حقيقة الإعلان عن النبوّة والولاية في وقتٍ واحد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

44

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 إرهاصات الوحي والنبوّة

تعرّفنا في الدرس السابق إلى الأجواء التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوّة, حيث كان جميع آبائه موحِّدين، وكان صلى الله عليه وآله وسلم على درجةٍ عالية من التربية وحُسن الخُلُق، ولم يتدنّس بعبادة الأصنام، فكان منذ صغره موضع عناية الله تعالى كما يُصوِّر لنا ذلك أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "ولقد قرن الله به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره..."1. فكان صلى الله عليه وآله وسلم يخلو بضعة أيّام من السنة في جبل (غار) حراء، يقضيها بالعبادة والدعاء، وكان من قبل يتعبّد فيه عبد المطّلب. وحينما بلغ النبيّ الأربعين، نزل عليه جبرائيل، وقرأ عليه أوّل آيات القرآن الكريم2 وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾3. وبعد تلقين ذلك البيان الإلهيّ، عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهله مستبشراً مسروراً بما أكرمه الله به من النبوّة والرسالة.
 
طمأنينة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم
كانت البعثة النبويّة المباركة في السابع والعشرين من شهر رجب الأصَبّ، وتَنقُل 



1 السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة: 192 (المسمّاة بالقاصعة).
2 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج 1، ص251. 
3 سورة العلق، الآيات: 1-5.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

45

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 لنا الروايات أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان مطمئنّاً إلى المهمّة التي شرّفه الله بها، فلم يكن خائفاً أو مرعوباً مما جرى له، ولمّا دخل على خديجة وأخبرها بما أنزله الله عليه، وبما سمعه من جبرئيل، قالت له: "أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلّا خيراً، وأبشر فإنّك رسول الله حقّاً"1.

 
وعن الإمام الصادق عليه السلام في جواب أحد أصحابه (زرارة) عندما سأله: كيف لم يخف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ما يأتيه من قِبَل الله أن يكون ممّا ينزغ به الشيطان؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قِبَل الله عزَّ وجلَّ مثل الذي يراه بعينه"2.
 
الدعوة السريَّة
أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة ثلاث سنين يَكتُم أمره3 وهو يدعو إلى توحيد الله عزَّ وجلَّ، وذلك لأنّ أجواء مكّة لم تكن في تلك الظروف المناسبة للمجاهرة بالدعوة علناً، فكان في هذه السنوات يدعو سرّاً كلّ من يرى فيه استعداداً لقبول دعوته، ويدعوهم إلى توحيد الله والإقرار بنبوّته. وفي هذه المدّة تناهى خبره إلى أسماع قريش، فكان إذا مرّ بملأ من قريش قالوا: إنّ فتى ابن عبد المطّلب ليُكلَّم من السماء. ولكن بما أنّه لم يكن يُجاهِر بدعوته في الوسط العامّ، لذلك لم يكونوا على علمٍ بفحوى دعوته، وبالنتيجة لم يصدر أيّ ردّ فعل تجاهه.
 
وفي هذه المدّة آمن بدعوته عدد من الأشخاص، ثمّ إنّ أحد هؤلاء المسلمين الأوائل وهو الأرقم وضع داره ـ التي كانت تقع عند قاعدة جبل الصفّار ـ تحت



1 نظراً إلى الاستعدادات التي كانت لدى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان يتلقّاه من رسائل ومؤشّرات غيبيّة، فلا معنى للقول بأنّه قد فوجئ بنزول الوحي وأصابه الخوف والاضطراب.. ولم يكن لقاؤه بجبرائيل في غار حراء هو اللقاء الأوّل بحيث يُصاب من جرّائه بالخوف، وكيف يُمكن القول بأنّه سكن واطمأنّ قلبه استناداً إلى تأكيد نبوته من رجلٍ مسيحيّ أعمى وهو ورقة بن نوفل!!
2 المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار،ج 18، ص262.
3 الصدوق، محمّد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص344، مؤسسة النشر الإسلاميّ، 1363هـ، ج2.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

46

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 تَصرُّف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل منها صلى الله عليه وآله وسلم بمثابة مقرّ لهم كانوا يجتمعون فيها أثناء مدّة الإستخفاء، إلى أن جاء أمر الله بأنّ يَصْدَع بالدعوة1. وكانت أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نقطتان هامّتان في هذه المرحلة وهما:

1- بناء النواة الجهاديّة الأولى للدعوة.
2- حماية هذه النواة والمحافظة عليها.
 
أوّل من أسلم من النساء والرجال
يتّفق المؤرّخون على أنّ خديجة عليها السلام أوّل امرأة آمنت برسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, لأنّها كانت أوّل من يطّلع على الأمر بعد عودة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من غار حراء. وكذلك الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكان عمره آنذاك عشر سنوات، أو اثنتي عشرة سنة.
 
وكون الإمام عليّ عليه السلام أوّل الناس إسلاماً يُؤيّده الكثير من الأدلّة ومنها:
- تصريح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك: قال صلى الله عليه وآله وسلم في محضر جماعة من المسلمين: "أوّلكم وروداً عليَّ الحوض، أوّلكم إسلاماً، عليّ بن أبي طالب"2.
 
ونقل كبار العلماء والمحدّثين ما يلي: "استنبأ النبيّ يوم الإثنين وصلّى عليّ يوم الثلاثاء"3.
 
- تصريح الإمام عليّ عليه السلام: قال عليه السلام: "لم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة"4.
 
وتحدّث عليه السلام في موضعٍ آخر عن سبقه إلى الإسلام، قائلاً: "اللهم إنّي أوّل من



1 الحلبي، عليّ بن برهان الدين، السيرة الحلبية، ج1, ص456 457-، دار المعرفة، بيروت.
2 الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج2، ص81، بيروت، دار الكتاب العربيّ.
3 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص57، دار صادر، بيروت، 1399هـ.
4 السيّد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 192.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

47

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 أناب، وسمع وأجاب، لم يسبقني إلّا رسول الله بالصلاة"1. وقد قال هذا الكلام في معرض احتجاجه على خصومه في مناسبات متعدّدة من دون أن يعترض أحد على ذلك، أو يجرؤ على الإنكار.

 
- أورد العلامة الأميني في كتابه الغدير أقوالاً عن العشرات من كبار الصحابة والتابعين وغيرهم، وعن العشرات من مصادر الفريقين، تؤكّد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو أوّل الأمّة قاطبةً إسلاماً وإيماناً، ومنها ما رواه عن أحمد بن حنبل أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عليّ بن أبي طالب أوّل أصحابي إسلاماً"2.
 
والذي يبدو من النصوص أنّ عليّاً عليه السلام سبق خديجة إلى الإسلام لكونه ملازماً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يُفارقه حتّى وهو في غار حراء.
 
والسبق إلى الإسلام أفضلية أكّد عليها القرآن الكريم مُعلِناً ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾3.
 
شبهة أنّ علياً هو أوّل من أسلم من الصبيان
وأمّا القول بأنّ علياً عليه السلام هو أوّل من أسلم من الصبيان لا من الرجال، فهو قول غريب، وذلك لما يلي:
أوّلاً: إنّه قد جاء في بعض النصوص المرويّة عن عليّ عليه السلام وعن غيره التعبير بأنّه: "أوّل رجل أسلم"، ما يعني أنه كان حينئذٍ رجلاً بالغاً4.
 
ثانياً: إنّه وإن كان قد أسلم وعمره عشر سنوات، إلّا أنّه من الواضح: أنّ الرجولة والبلوغ لا ينحصران بالسنّ، بل بالوعي والتمييز والإدراك، ولا سيما في بدايات الدعوة.



1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 131.
2 راجع: موسوعة الغدير للعلامة الأميني الجزء الثالث والعاشر.
3 سورة الواقعة، الآيتان: 10-11.
4 سيرة ابن إسحاق، ص138.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

48

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 على أنّ ثمّة أقوالاً كثيرة في سنّ عليّ عليه السلام حين إسلامه بأنّه كان يتراوح بين 12 سنة و 16 سنة، وبعضهم يتجاوز ذلك أيضاً1. فكيف يصحّ وصفه بالصبيّ؟

 
ثالثاً: إنّ سنّ البلوغ قد حُدّدت بعد الهجرة في غزوة الخندق، أمّا قبل ذلك فقد كان المُعتمد هو التمييز والإدراك، وعليه يدور مدار التكليف والدعوة إلى الإسلام والإيمان وعدمه.
 
رابعاً: لو كان الأمر كما ذكروه، فلا يبقى معنى لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عنه: "إنّه أوّل من أسلم".
 
دعوة عشيرته
بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة، نزل ملك الوحي يحمل أمر الله تعالى إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليُنذر عشيرته الأقربين: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾2.
 
لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام، فأمره أن يصنع طعاماً ويدعو له بني عبد المطّلب ليُبلِّغهم، فصنع عليّ عليه السلام الطعام، ثمّ دعاهم وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، وفيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، وكان الطعام لا يكفي لهذا العدد في الظروف العادية، ولكن القوم أكلوا حتّى شبعوا جميعاً.
 
فقام أبو لهب وقال: لقد سحركم صاحبكم. فانفضّ القوم ولم يُكلِّمهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وفي اليوم التالي أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً أن يفعل كما فعل آنفاً. وبعد أن أكلوا وشربوا، تكلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إنّي والله ما أعلم شابّاً من العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي جئتكم بخير الدنيا والآخرة. وقد أمرني الله عزَّ وجلَّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيّي وخليفتي؟".



1 من الذين صرّحوا بذلك: الحافظ عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمحدّث الكليني، والحسن البصري، والأسكافي وغيرهم.
2 سورة الشعراء، الآيات: 214 -216.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

49

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 فأمسك القوم وأحجموا عنها جميعاً. فقام عليّ عليه السلام وكان أصغرهم سنّاً فقال: "أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به". فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده، ثمّ قال: "إنّ هذا أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي فيكم. فاسمعوا له وأطيعوا"1.

 
هذه القضية تنتهي بنا إلى مطلب أساس وهو أنّ "النبوّة" و"الإمامة" يُمثِّلان مبدأً متماسكاً لا يقبل التجزئة، وذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد طرح قضية الإمامة والقيادة المستقبليّة للمسلمين منذ السنوات الأولى لرسالته، ومنذ اليوم الذي صرّح فيه بنبوّته.
 
وفي ضوء ترتيب نزول السور نفهم أنّ دعوة عشيرته جاءت قبل الدعوة العلنيّة بمدّة2.
 
وفي الختام نُشير إلى أنّ أبا طالب قال ردّاً على أبي لهب عند دعوة العشيرة إلى الإسلام: "يا عورة! والله لننصرنّه ثمّ لنعيننّه، يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربّك فأعلمنا حتّى نخرج معك بالسلاح"3. وبهذا أعلن عميد البيت الهاشميّ قرار هذا البيت بحماية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعدم تسليمه إلى المكذِّبين برسالته.



1 هذه القضية معروفة بين علماء المسلمين باسم "بدء الدعوة يوم الدار..". وقد نقلها عدد كبير من المفسّرين والمؤرّخين منهم: محمّد بن جرير الطبري في تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص207، وابن الأثير في الكامل في التاريخ، ج2، ص63، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج13، ص122، والشيخ المفيد في الإرشاد، ص29، وغيرهم الكثير.
2 نزلت سورة الشعراء التي فيها آيات الإنذار بعد سورة الواقعة، ثمّ نزلت بعدها سور: النمل، القصص، الإسراء، هود، يوسف، وبعد ذلك نزلت سورة الحجر التي جاء فيها الأمر بإعلان الدعوة ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾.
3 تاريخ اليعقوبي، ج2، ص28.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62
 

50

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 خلاصة

- كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مُسدَّداً مُؤيّداً قبل البعثة المباركة من قبل الله تعالى، وأُنزِلت عليه النبوّة وهو ابن أربعين سنة في شهر رجب، ولم يشكّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نبوّته لحظة، ولم يتّكئ إلّا على التسديد الإلهيّ والوحي الربانيّ. 

- أوّل ما نزل من القرآن حسب النصوص هو مطلع سورة العلق. وكان أوّل من آمن به من الرجال الإمام عليّ عليه السلام ومن النساء زوجته خديجة حتّى تكامل المسلمون أربعين شخصاً خلال ثلاث سنوات من النبوّة.

- أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإعلان الدعوة بدءً بعشيرته الأقربين، وأسفر الإجتماع ببني عبد المطّلب وبني هاشم عن إعلان النبوّة والولاية معاً، وأعلن أبو طالب حمايته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته بالرغم من وقوف أبي لهب في الموقع الأوّل من المواجهة.

- دافع أبو طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته العلنية، وأعلن حمايته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

51

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 للمطالعة

 
صيام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
نظراً للأهميّة البالغة التي يحتلّها الصوم في الاسلام، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان شديد التعلّق به كأحد الوسائل الأساس للتقرُّب إلى الله ونيل رضوانه، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن أدائه فرض الصيام في شهر رمضان، كان يُكثر من الصيام المستحبّ، فقد صام كلّ يوم فترة من الزمن، ثمّ صام يوماً وأفطر يوماً ما شاء الله من عمره، ثمّ صام شعبان والأيّام البيض ـ أي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ـ من كلّ شهر، وقد التزم صلى الله عليه وآله وسلم صيام شهر شعبان كاملاً وأوّل خميس وأوسط أربعاء، وآخر خميس من كلّ شهر.
 
- فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوّل ما بُعث يصوم حتّى يُقال: ما يُفطر، ويُفطر حتّى يُقال ما يصوم، ثمّ ترك ذلك وصام يوماً وأفطر يوماً وهو صوم داوود عليه السلام، ثمّ ترك ذلك وصام الثلاثة أيّام الضحى، ثمّ ترك ذلك وفرّقها: في كلّ عشرة يوماً خميسين بينهما أربعاء، فقُبض وهو يعمل ذلك"1.
 
- وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "صام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدهر كلّه ما شاء الله، ثمّ ترك ذلك وصام صيام داوود عليه السلام يوماً لله ويوماً له ما شاء الله، ثمّ ترك ذلك، فصام الإثنين والخميس ما شاء الله، ثمّ ترك ذلك وصام البيض ثلاثة أيّام من كلّ شهر"2.
 
- وعنه أيضاً عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم شعبان وشهر رمضان يصلهما.. ويقول لهما: شهر الله وهما كفّارة لما قبلهما وما بعدهما من الذنوب"3.



1 الكليني، الكافي، ج4، ص09
2 الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج4، ص123.
3 السبزواري، ذخيرة المعاد، ج ا، ص 125.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

52

الدرس الرابع: البعثة النبويـّة المباركة

 - وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان العشر الأواخر (أي من شهر رمضان) اعتكف في المسجد وضُرِبت له قبّة من شعر وشمّر المِئْزَر وطوى فراشه"1.

 
وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام "... فلم يزل يعتكف صلى الله عليه وآله وسلم في العشر الأواخر من رمضان حتّى توفّاه الله"2.



1 الكليني، الكافي، ج4، ص 571.
2 العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج49، ص7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

53

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش


أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1-  يتعرّف إلى الظروف المحيطة بالدعوة العلنية.
2- يُعدِّد الأساليب التي اعتُمِدَت في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
3- يفهم ظروف الحصار المفروض على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شعب أبي طالب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

54

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 بداية الدعوة العلنيّة

بعد مدّة من بدء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للدعوة السرِّيَّة إلى الإسلام، وبعد بناء القاعدة الصّلبة للدعوة المتمثِّلة بأولئك الروّاد الأوائل من المسلمين الذين انتموا للإسلام في أيّام غُرْبَته، تلقّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمراً من الله تعالى بالمجاهرة بالدعوة وعدم الخوف من المشركين: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾1.
 
فأظهر أمره وقال: "إنّي رسول الله أدعوكم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ، ولا تخلق ولا ترزق ولا تُحيي ولا تُميت"2.
 
ومنذ ذلك الوقت دخلت دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرحلة جديدة, إذ أخذ يدعو إلى التوحيد في التجمُّعات وفي موسم الحجّ في منى وبين القبائل المجاورة لمكّة.
 
محاولات قريش
كان ردّ فعل قريش أمام جهره صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة، أن أدبروا عنه وتنكّروا لدعوته خصوصاً بعدما ذكر آلهتهم وعابها. وبما أنّ النظام القبليّ الذي كان سائداً في مكّة، كان يعني أنّهم لو تعرّضوا لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم لواجهوا خطر الانتقام من بني هاشم، لهذا لجأوا إلى المحاولات التالية، وذلك بأسلوب مُتدرِّج:



1 سورة الحجر، الآيتان: 94 و95.
2 الطبرسي، إعلام الورى، ص39، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، ط3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

55

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 1- نفوذ عمّه أبي طالب: وما يكنّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من احترام له لمنعه صلى الله عليه وآله وسلم من مواصلة دعوته، والطلب إليه بالتوقُّف عن سبّ آلهتهم وتقبيح ديانتهم.

 
2- الترغيب والترهيب: التعامل مع أبي طالب بالتهديد تارةً، وبعرض المال والثروة والرئاسة تارةً أخرى. وبعدما يئسوا من الحصول على النتيجة المطلوبة، عرضوا على أبي طالب أن يعطوه عمارة بن الوليد ـ وكان أجمل وأقوى وأشعر فتى في قريش ـ وأن يُسلِّمهم في مقابل ذلك محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، فرفض أبو طالب ووبّخهم بقوله: "لبئس ما تسومونني عليه، أتُعطوني ابنكم أغذوه لكم وأُعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبداً". وجاؤوه مرّة وهدّدوه بالقتل هو وابن أخيه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أن قال: "والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يُظهِرَه الله أو أهلك فيه، ما تَركتُه"1.
 
3- مفاوضة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومساومته مباشرة: عن طريق إغرائه بالمال والجاه، ولكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رفض عرضهم, لأنّه لا طمع له بالمال والسلطان.
 
4- نهي الناس عن الالتقاء بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: والاستماع إلى ما يتلوه من قرآن. وقد تحدّث القرآن عن ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾2.
 
5- التعرُّض لشخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإيذاء المباشر: فرجموا بيته بالحجارة، وألقوا التراب على رأسه، ووضعوا الأشواك في طريقه وأمام داره. حتّى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أُوذي نبيّ مثل ما أُوذيت"3.
 
6- اتّباع سياسة الإرهاب والتعذيب: والتنكيل بالصفوة المؤمنة.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص185.
2 سورة فصّلت، الآية: 26.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج93، ص65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

56

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 1- نفوذ عمّه أبي طالب: وما يكنّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من احترام له لمنعه صلى الله عليه وآله وسلم من مواصلة دعوته، والطلب إليه بالتوقُّف عن سبّ آلهتهم وتقبيح ديانتهم.

 
2- الترغيب والترهيب: التعامل مع أبي طالب بالتهديد تارةً، وبعرض المال والثروة والرئاسة تارةً أخرى. وبعدما يئسوا من الحصول على النتيجة المطلوبة، عرضوا على أبي طالب أن يعطوه عمارة بن الوليد ـ وكان أجمل وأقوى وأشعر فتى في قريش ـ وأن يُسلِّمهم في مقابل ذلك محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، فرفض أبو طالب ووبّخهم بقوله: "لبئس ما تسومونني عليه، أتُعطوني ابنكم أغذوه لكم وأُعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبداً". وجاؤوه مرّة وهدّدوه بالقتل هو وابن أخيه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أن قال: "والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يُظهِرَه الله أو أهلك فيه، ما تَركتُه"1.
 
3- مفاوضة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومساومته مباشرة: عن طريق إغرائه بالمال والجاه، ولكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رفض عرضهم, لأنّه لا طمع له بالمال والسلطان.
 
4- نهي الناس عن الالتقاء بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: والاستماع إلى ما يتلوه من قرآن. وقد تحدّث القرآن عن ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾2.
 
5- التعرُّض لشخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإيذاء المباشر: فرجموا بيته بالحجارة، وألقوا التراب على رأسه، ووضعوا الأشواك في طريقه وأمام داره. حتّى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أُوذي نبيّ مثل ما أُوذيت"3.
 
6- اتّباع سياسة الإرهاب والتعذيب: والتنكيل بالصفوة المؤمنة.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص185.
2 سورة فصّلت، الآية: 26.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج93، ص65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

57

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 4- أن يكونوا يداً واحدة على محمّد وأتباعه1.

 
قدّرت قريش أنّ هذا الحصار سيؤدّي إلى أحد ثلاثة أمور:
إمّا قيام بني هاشم بتسليمهم النبيّ ليقتلوه، وإمّا أن يتراجع النبيّ عن الدعوة، وإما القضاء عليه وعلى جميع من معه جوعاً وعطشاً تحت وطأة الحصار.
 
استمرّ الحصار ثلاث سنوات، من السنة السادسة حتّى التاسعة للبعثة، وكان المسلمون خلاله يُنفقون من أموال خديجة وأبي طالب، حتّى نفدت واضطروا إلى أن يقتاتوا بورق الشجر، ولم يكونوا يجسرون على الخروج من شعب أبي طالب إلّا في موسم العمرة في رجب، وموسم الحجّ في ذي الحجّة، فكانوا يشترون حينئذٍ ويبيعون ضمن ظروفٍ صعبة جدّاً2.
 
وكان الإمام عليّ عليه السلام أثناء هذه المحنة يأتيهم بالطعام سرّاً من مكّة من حيث يُمكِن.
 
وكان أبو طالب يحرس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه, خوفاً من أن يتسلّل أحد من المشركين إليه ويغتاله على حين غفلة، بل كان إذا حلّ الظلام ينقل النبيّ من المكان الذي عَرف أهل الشعب أنّه بات فيه، إلى مكانٍ آخر، ويجعل ابنه عليّاً عليه السلام في مكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى إذا حصل أمرٌ أُصيب ولده دونه.
 
وانتهى الحصار بعدما أكلت الأرضة ما في صحيفة المشركين التي تعاقدوا فيها على الحصار، وقيام جماعة منهم ممّن تربطهم ببني هاشم علاقات نسبيّة بنقض الصحيفة وإلغاء مفاعيلها، ومنهم من كان من الموقِّعين على الصحيفة، وبذلك عاد 



1 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج1، ص375.
2 ابن الاثير، الكامل في التاريخ،ج 2، ص87.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

58

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 بنو هاشم إلى مساكنهم1. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بأمر الصحيفة بواسطة أبي طالب، وهي من كراماته صلى الله عليه وآله وسلم حيث نزل عليه جبرئيل بأمرٍ من الله تعالى يُخبره بما جرى على الصحيفة.

 
عام الحزن
في السنة العاشرة للبعثة، وبعد خروج بني هاشم من الشعب بمدّة قصيرة، تُوفّيت خديجة، وبعدها بمدّة قصيرة تُوفّي أبو طالب2. فعَظُم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واشتدّ حزنه، وبوفاة هذين الشخصين اللّذين كانا عضداً وحرزاً وناصراً تتابعت عليه المصائب.

 
فخديجة بالنسبة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت ضمن نطاق البيت والأسرة الزوجةَ الوحيدةَ الحنون والمضحّية والحريصة، وكانت وزيرة صدق على الإسلام، وكان يسكن إليها. 
 
وبقي صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخر عمره يُكرم مثواها، ولا ينسى سبقها في الإسلام وما تحمّلته من مشقّة ومكابدة في سبيل الدين، حتّى قال فيها: "ما أبدلني الله خيراً من خديجة, لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدّقتني حين كذبني الناس، وواستني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً"3.
 
أمّا أبو طالب فهو الذي رعى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتولّاه في طفولته وصباه، وكان الذّابّ والمدافع عنه في عهد رسالته، فكان يقف كالسدّ العظيم أمام أحقاد المشركين وعدوانهم، ولمّا تُوفّي نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واجترؤوا عليه حتّى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب"4.
 
ولا شكّ بأنّ أبا طالب مات مُسْلِماً، وإن كان قد أخفى إسلامه كما قال الإمام



1 اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص31 - 32.
2 ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص90.
3 ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 4، ص287 (في حاشية الإصابة).
4 ابن شهر أشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 1، ص167.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

59

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 الصادق عليه السلام: "إنّ مثل أبي طالب كمثل أصحاب الكهف, أسرُّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين"1.

 
ولم تكن المساعي المحمومة التي بذلها بعض الناس من أجل إثبات كفر أبي طالب إلّا بسبب دوافع سياسيّة، وللانتقاص من مكانة الإمام عليّ عليه السلام، وإثبات ولادته من أبٍ كان يعبد الأصنام، حتّى وإن كان هو أوّل الناس إسلاماً. فلا جريرة لأبي طالب سوى أنّه والد عليّ عليه السلام.
 
الإسراء والمعراج:
اختلف المؤرّخون في تأريخهما ما بين السنة الثانية من البعثة حتّى السنة العاشرة، ولكن الذي نقطع به أنّه حصل قبل وفاة أبي طالب والسيّدة خديجة.
 
وبحسب النصوص فقد أُسري بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة إلى بيت المقدس، بمعجزةٍ خارقة للعادة، ثمّ عُرج به من هناك إلى السماوات بقدرة الله تعالى. وكان الهدف من هذين السفرين مشاهدة علائم وآيات عظمة الله في الكواكب والسماوات، ولقاء الملائكة وأرواح الأنبياء، ورؤية مشاهد الجنّة والنار، ودرجات أهل الجنّة والنار وما شابه ذلك.
 
وقد وصف الله تعالى الإسراء بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾2.
 
وقال تعالى في المعراج بعد بيان المراحل التي مرّ بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾3.



1 الشيخ الكليني، الكافي: ج1، ص448.
2 سورة الإسراء، الآية: 1.
3 سورة النجم، الآية: 18.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

60

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 ويرى علماء الإماميّة أنّ معراج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حصل بالروح والجسد معاً، وليس بالروح فقط. ودليلهم هو تصريح الآيات بلفظ العبد ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾1، والعبد يُطلق على الروح والجسد، وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾2 فالرؤية البصريّة تُطلق على رؤية الجسد دون رؤية الروح فقط، فضلاً عن أنّه لو كان بالروح فقط لما خرج أبو طالب والهاشميّون في طلبه صلى الله عليه وآله وسلم3




1 سورة النجم، الآية: 10.
2 سورة النجم، الآية: 17.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص290.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

61

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 

 

 

 

 

 

 

 

76


62

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 خلاصة

- عندما بدأت الدعوة العامّة والعلنيّة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الملأ من قريش يُخطِّطون لتحجيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحركة الرسالة، وانتقلت المواجهة من الحرب الباردة إلى حربٍ ساخنة تمثّلت بالاضطهاد، حتّى القتل والتهجير والحصار الشامل من أجل الإبادة التامّة.

- فَشِل مخطّط الحصار للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومن معه في شعب أبي طالب، وانتهى الأمر بانتصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخروجه مع أصحابه من الحصار بعد سنوات مريرة.

- انتهى الحصار وانتهت بذلك أيّام حياة سنَدَين عظيمين للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته وهما: زوجته الوفيّة خديجة، وعمّه أبو طالب، وسمّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك العام بعام الحزن.

- في مكّة المكرّمة، كرّم الله تعالى نبيّه بمعجزةٍ لم تكن لأحد من الأنبياء، وهي معجزة الإسراء والمعراج، وكان ذلك بروح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجسده معاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

63

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 للمطالعة

 
قراءة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن
القرآن كتاب الله الذي نزل على عبده ورسوله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور. وقد تَكفَّل القرآن من خلال آياته المباركة بهداية الناس إلى الحقّ والعدل والخير في جميع شؤونهم، "ومن ابتغى الهُدى في غيره، أضلّه الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء"1.
 
وقد شدّد الإسلام على الاهتمام به والاعتصام بحبله، من خلال قراءته وتدبّره ووعي تعاليمه وتجسيد مفاهيمه في الحياة الفردية والاجتماعيّة وغيرها.
 
قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾2.
 
ونظراً لمكانة القرآن في الإسلام فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شديد العناية به: تلاوةً وتعليماً وحضّاً على تعاهده ورعايته. وكان هدفه من تلاوة القرآن أن يُحرز المزيد من القُربى إلى الله سبحانه، وليكون قدوة للمؤمنين في تعاهد أمره، وتدبّر آياته، والحرص عليه.
 
وهذه بعض الروايات التي تُشير إلى مدى اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن:
- كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يرقد حتّى يقرأ المسبِّحات ويقول: "في هذه السور آية هي أفضل من ألف آية"، قالوا: وما المسبِّحات؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "سورة الحديد والحشر والصفّ والجمعة والتغابن".
 
- وعن أُمّ هانىء: كنت أسمع قراءة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالليل وأنا على عريشي.



1 الترمذي، سنن الترمذي، ج4، ص245.
2 سورة آل عمران، الآية: 138.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

64

الدرس الخامس: الدعوة العلنيـّة ومواجهة قريش

 - ولشدّة تفاعله مع القرآن كان يبكي عندما يقرأ بعض آياته، فقد روى ابن مسعود قال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لي: "إقرأ عليَّ القرآن"، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزل؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي أحبّ أنْ أسمعه من غيري"، فقرأت عليه سورة النساء حتّى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾1 قال صلى الله عليه وآله وسلم: "حسبك الآن"، فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان2.

 
- وإلى كثرة ما كان يقرأ من القرآن يُشير أنس بن مالك فيقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجد شيئاً من وجع، فقيل له: يا رسول الله اشتدّ عليك الوجع، وإنّا نرى أثر الوجع عليك.
 
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أما مع ما ترون، فقد قرأت البارحة السبع الطوال، أي من البقرة إلى الأنفال".
 
وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم دؤوباً على تلاوة كتاب الله، شغوفاً به، فلم يترك القراءة حتّى في حالات مرضه.



1 سورة النساء، الآية: 41.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص 216.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

 


65

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 
1- يُعدِّد الخطوات التي اتّبعها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل الانتقال إلى المدينة.
2- يتعرّف إلى ظروف وأهداف الهجرة إلى الحبشة وسفر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف.
3- يفهم أهميّة بيعة العقبة في نشر الدعوة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

66

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 خصائص الدعوة الإسلاميّة في مكّة

لم يتناول التشريع الإسلاميّ في العهد المكّي قضايا الدولة والحُكم والنظام السياسيّ بصورة مباشرة، لأنّ المسلمين في مكّة لم يكونوا مجتمعاً سياسيّاً، وإنّما كانوا جماعة عقيديّة تحكمها علاقات تتراوح بين الاستغراب، والجفاء، والعداء من مجتمعها.
 
فكانت مفردات الدعوة وأطروحتها مقصورة في مكّة على القضايا الأساس الكبرى: قضية الألوهيّة والتوحيد، وقضية النبوّة العامّة ونبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وقضيّة الحياة بعد الموت (البعث والمعاد)، وقضيّة عدل الله تعالى، ورحمته، وقدرته، وعلمه، وسائر صفاته تعالى. كما كانت تشتمل على المسألة الاجتماعيّة، الفقراء والأغنياء، والظلم... ولكن مع ذلك حمل العهد المكّي ـ في القرآن والسيرة ـ إشارات إلى طبيعة الدعوة الإسلاميّة، من الناحية السياسيّة، وبعض الإشارات إلى المستقبل، ونزل من القرآن بمكّة إثنتان وثمانون سورة، على ما رواه محمّد بن حفص بن أسد الكوفيّ عن ابن عبّاس. وكان أوّل ما نزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على بعض الروايات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثمّ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ثمّ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ثمّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ثمّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ثمّ فاتحة الكتاب... ثمّ ﴿الْعَنكَبُوتِ﴾.
 
ورُوي عن ابن عبّاس: "أنّ القرآن كان ينزل مُفرِّقاً، لا ينزل سورة سورة، فما نزل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

67

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 أوّلها بمكّة أثبتناها بمكّة وإن كان تمامها بالمدينة، وكذلك ما نزل بالمدينة، وإنّه كان يعرف فصل ما بين السورة والسورة إذا نزل ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، فيعلمون أنّ الأولى قد انقضت وابتُدِئ بسورة أخرى"1.

 
الهجرة إلى الحبشة
لمّا رأت قريش دخول خَلقٍ عظيم في الإسلام بدأت بالمواجهة الفعليّة. وعمل صناديد قريش على إنزال أشدِّ أنواع العذاب بالمسلمين، فكان ممّن عُذِّبَ في الله عمّار بن ياسر، وياسر أبوه، وسُميَّة أمّه، حتّى قَتل أبو جهل سُمَيّة، فكانت أوّل شهيدة في الإسلام.. عندها أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة وقال لهم: "إنّ بها مَلِكاً لا يُظلم عنده أحد"2. وكان عددهم في أرض الحبشة ثلاثة وثمانين ما بين رجل وامرأة عدا الأطفال، وكان في مقدّمتهم جعفر بن أبي طالب. فأرسلت قريش وفداً لاستردادهم، فواجههم النجاشيّ بالرفض بعدما استمع من المسلمين إلى حقيقة الإسلام وعظمته.
 
وأهمّ الدوافع للهجرة كان الاضطهاد الشديد الذي وقع على المسلمين، والمحاولات القاسية التي بذلها المشركون لفتنتهم آملين رجوعهم عن الدين الحقّ وارتدادهم، فضلاً عن التبشير بالإسلام ومبادئه وأهدافه وأحكامه، والترويج له والتعريف به خارج الجزيرة العربيّة.
 
سفره إلى الطائف للدعوة
عزم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على التوجُّه إلى الطائف لدعوة أهلها إلى الإسلام، لعلّه يلتمس منهم النصر والمِنعة، وبعد أن اشتدّ أذى قريش له إثر وفاة خديجة وأبي طالب، وكان ذلك في السنة العاشرة من البعثة، وأقام في الطائف عشرة أيّام يتجوّل فيها 



1 اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي،ج 2، ص33 - 34.
2 الطبري، تاريخ الطبري،ج 2، ص222.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

68

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 ويدعو أهلها إلى الإسلام، ومعه زيد بن حارثة1.

 
 
ولكنّهم واجهوه ولم يسمعوا منه، بل جلسوا في الطريق يرمونه بالحجارة حتّى جُرِح في رأسه، فانصرف راجعاً إلى مكّة.
 
وكان الهدف من هذا السفر الإعداد للمستقبل باعتبار أنّ الطائف هي البلد الثالث الذي له موقعه ونفوذه الخاصّ في المنطقة، نظراً لوجود قبيلة كبيرة فيها هي ثقيف.
 
وربما يكون لهجرته إلى الطائف أهداف أخرى، كإيجاد قاعدة لدعوته يرتكز عليها تكون قريبة من مكّة، أو إلقاء حجّة عليهم، وكل ذلك يرجع إلى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطو في دعوته بخطوات هادفة ومدروسة.



1 الطبري، تاريخ الطبري، ج2، ص230.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

69

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 انتشار الإسلام في يثرب

منذ السنوات الأولى للدعوة العلنيّة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة، تناهت أخبار بعثته إلى أسماع أهالي يثرب بواسطة المسافرين، وكان بعضٌ منهم قد قابله في مكّة وأسلم، ولكنّهم ماتوا أو قُتلوا بعد مدّة1.
 
وفي السنة الحادية عشرة للبعثة التقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بستّة من أشراف الخزرج في موسم الحجّ في منى، ودعاهم إلى الإسلام، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنّه النبيّ الذي كان يوعدكم به اليهود، فلا يسبقنّكم إليه أحد. فأجابوه وقالوا له: إنّا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم العداوة والشرّ مثلما بينهم، فعسى أن يجمع الله بينهم بك، فتُقدِم عليهم وتدعوهم إلى أمرك. فلمّا قدِموا المدينة أخبروا قومهم بالخبر، فما دار حولٌ إلّا وفيها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم2.
 
ونجح تخطيط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي استهدف من هذا الاجتماع حثّ هؤلاء الأشخاص على القيام بنشاط في بلادهم, لتهيئة الجوّ وخلق مناخ مؤيِّد ومتعاطف مع الدعوة ومبادئها الجديدة في المدينة.
 
بيعة العقبة الأولى:
وعندما حلّ موسم الحجّ في العام الثاني التقى صلى الله عليه وآله وسلم مع اثني عشر رجلاً من اليثربيّين، واجتمع بهم سرّاً في وادٍ ضيّق بالعقبة بين مكّة ومنى، وهي العقبة الأولى3، وقد أعلنوا فيها إيمانهم واستعدادهم للعمل على نشر الإسلام، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
 
فلمّا أرادوا الانصراف إلى بلدهم، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم مصعب بن عمير 



1 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج 2، ص67.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج19، ص25.
3 العقبة بمعنى الطريق الضيّق، ويُراد بها العقبة التي تقع عند نهاية منى إلى يمين مكّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

70

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 من أجل أن يُعلِّمهم الإسلام، ويُفقّههم في الدين، ويجعل منهم قوّة أكثر فاعليّة ودقّة في نشر الدين الجديد في صفوف أهل المدينة.

 
استطاع مصعب بن عمير، بفعل وعيه وخبرته بشتّى أساليب العمل والتبليغ، أن يقوم بواجبه كما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكان عدد المسلمين في المدينة يزداد يوماً بعد يوم، وأصبح جوّ المدينة العامّ مؤيِّداً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومهيَّئاً لقدومه.
 
بيعة العقبة الثانية:
وفي العام التالي، أي في السنة الثالثة عشرة من البعثة، وبعد مرور عام كامل على بيعة العقبة الأولى، عاد مصعب بن عمير إلى مكّة ومعه جمعٌ كبير من مسلمي المدينة، خرجوا مُستخفين مع حُجّاج قومهم المشركين.. ويبدو أنّ مصعباً قَبْل حضوره إلى مكّة، كان قد رتّب اجتماعاً بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين مسلمي يثرب بعد انتهاء موسم الحجّ.
 
فالتقى بعضهم بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وواعدهم أن يجتمع بهم في العقبة في اليوم الثاني من أيّام التشريق ليلاً، وأمرهم بالحفاظ على سرِّيَّة الاجتماع. وفي الليلة المعيّنة تمّ الاجتماع بحضور الإمام عليّ عليه السلام والحمزة في الدار الذي كان ينزل فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو دار عبد المطّلب، فبايعوه على حمايته، وعلى أن يمنعوه وأهله ممّا يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، وعلى أن ينصروه ويقفوا إلى جانبه في الشدّة والرخاء، كما بايعوه على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يَدعُوا إلى الله ولا يخافوا في الله لومة لائم، وقد سُمِّيت هذه البيعة ببيعة العقبة الثانية1.
 
لقد نجح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نهاية المطاف، بفعل إصراره على مواصلة الدعوة وعدم يأسه أو استسلامه أمام الفشل الظاهريّ في الطائف وفي مكّة، وبفعل الثقة بوعد



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج19، ص25 - 26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

71

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 الله سبحانه بالنصر، في إيجاد القاعدة المناسبة التي يرتكز عليها الإسلام فكانت يثرب موضع اختياره الجديد.

 
وكانت بيعة العقبة هي الخطوة الرئيسة التي مهّد فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى المدينة المنوّرة. وبالهجرة إلى المدينة تبدأ المرحلة الثالثة من مراحل الدعوة وهي مرحلة بناء الدولة، والدفاع عن الإسلام.

الهجرة إلى الحبشة
لمّا عملت قريش على إنزال أشدّ العذاب على المسلمين وعظم البلاء على الموحدّين، أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بالهجرة إلى الحبشة قائلاً: "إنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

72

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

89


73

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 خلاصة

- لم تشتمل الدعوة الإسلاميّة في العهد المكّي على مفردات سياسيّة صريحة، وإنّما كانت مفرداتها مقصورة على قضايا العقيدة الأساس، بالإضافة إلى جملة من المسائل الاجتماعيّة.

- بعد تعرُّض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للتعذيب الشديد والقتل والتشريد، أمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، نظراً لوجود ملك عادل فيها، فاحتضن "النجاشيّ" المسلمين 
المهاجرين ولم يُسلِّمهم إلى الوفد الذي أرسلته قريش لاستردادهم.

- أسفر جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله عن إسلام بعض أهل يثرب، واستمرّت دعوته إليهم حتّى أسلم جمعٌ من أهلها، وقدم عليه - في العام الثالث عشر من البعثة - سبعون رجلاً وامرأتان وبايعوه على الدفاع والنصرة، وسألوه أن يخرج إليهم فيمنعوه كما يمنعون أبناءهم ونساءهم، ويحاربوا معه وينصروه، وكان ذلك من نتائج بيعة العقبة الأولى والثانية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

74

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 للمطالعة

 
أذكار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُكثر من ذكر الله، بل ما فارق ذكر الله شفتيه المباركتين قطّ، ولم يُرَ إلّا ذاكراً مُسبِّحاً أو شاكراً مُستغفِراً.
 
رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يُكثر من قول: "سبحانك اللّهمّ وبحمدك، اللّهمّ اغفر لي إنّك أنت التواب الرحيم".
 
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة"1.
 
وعن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوم من مجلس وإن خفَّ حتّى يستغفر الله خمساً وعشرين"2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر الله عزّ وجلّ في كلّ يوم سبعين مرّة ويتوب إلى الله عزّ وجلّ سبعين مرة"3.
 
وعنه عليه السلام أيضاً: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوب إلى الله في كلّ يوم سبعين مرّة من غير ذنب، كان يقول: أتوب إلى الله"4.
 
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنّ للقلوب صداء كصداء النحاس فاجلوها بالاستغفار"5.
 
وكما كان دائم الاستغفار كان دائم الشكر لله سبحانه على كلّ حال.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ورد عليه أمر يُسرُّه قال: الحمد لله على هذه النعمة، وإذا ورد عليه أمر يغتمّ به قال: الحمد لله على كلّ حال"6



1 النسائي، السنن الكبري، ج6، ص114.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص504.
3 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص180.
4 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج5، ص320.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج90، ص284.
6 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص97.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

75

الدرس السادس: أحداث ما بين البعثة والهجرة

 وعنه عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمد الله في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين مرّة ... يقول: الحمد لله ربّ العالمين كثيراً على كلّ حال"1.

 
وعن عليّ عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه أمر يُسرُّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كلّ حال"2.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نوم قط إلّا خرَّ لله عزّ وجلّ ساجداً"3.
 
وعن عليّ عليه السلام: "كان النبيّ في كل يوم إذا أصبح وطلعت الشمس يقول: الحمد لله ربّ العالمين كثيراً طيّباً على كلّ حال، يقول ثلاثمائة وستين مرّة شكراً"4.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص503.
2 الشيخ الطوسي، الأمالي، ج 1 ص 94.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص253.
4 الشيخ الطوسي، الأمالي، ج 2 ص 12.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

76

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة




أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى قصّة مبيت عليّ عليه السلام في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
2- يحلِّل دوافع هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، ويفهم أسس المجتمع المدني.
3- يعدِّد أهمّ بنود الوثيقة بين أطياف المجتمع المدني.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

77

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 مبيت الإمام عليّ عليه السلام في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

علمت قريش بأمر البيعة رغم كلِّ التكتُّم الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعزمت على إلقاء القبض على المُبايعين، وشدّدت من إيذائها للمسلمين وتعذيبهم، وعلى إثر ذلك قال لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله عزَّ وجلَّ قد جعل لكم إخواناَ وداراً تأمنون بها"1 وكان هذا إيذاناً بالهجرة إلى المدينة.
 
فأخذ المسلمون يتوجّهون إلى يثرب رغم كلّ المشاكل والعراقيل التي وضعتها قريش أمامهم. ورأت قريش في هذه الهجرة خطراً عليها لِما يُشكِّله المهاجرون مع أهل المدينة من قوّة تستطيع أن تقف في وجه قريش ومصالحها، خاصّة أن تجارتها إلى الشام تمرّ عبر المدينة، فأخذت تمنع المسلمين من الهجرة وتلاحقهم.
 
وعلى الرغم من كلّ المضايقات تمكَّن معظم المسلمين من الهجرة، ولم يبقَ في مكّة بعد بيعة العقبة بفترة وجيزة سوى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وعدد قليل من المسلمين.
 
بقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة ينتظر الإذن الإلهيّ بالهجرة. وشعرت قريش بحجم الخطر فيما لو التحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، خاصّة بعدما قُدِّرت أنّ المدنيّين سيحمونه وينصرونه بعدما بايعوه، فاتخذت قراراً حاسماً بالتخلُّص من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم 



1 ابن هاشم، السيرة النبويّة، ج2، ص123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

78

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 قبل فوات الأوان، واستطاعت أن تنتزع قراراً بمشاركة كلِّ قبائل قريش في عمليّة الاغتيال، من أجل أن يتفرّق دمه في القبائل كلّها, فلا يعود بإمكان بني هاشم أن يثأروا لدمه، ولكنّ الله تعالى أخبر رسوله بهذه المؤامرة1، وأمره بالخروج ليلاً من مكّة وأن يجعل عليّاً عليه السلام مكانه ليبيت على فراشه من أجل التمويه والإيهام، وليردّ كيدهم عليهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غار ثور وبات عليّ عليه السلام على فراشه تلك الليلة2. وعندما اقتحم المشركون دار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجدوا أنفسهم أمام عليّ عليه السلام، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج قبل ذلك من بينهم وتوجّه نحو غار ثور وبقي فيه ثلاثة أيّام، إلى أن تمكّن من الوصول إلى قرية (قباء) في طريق المدينة المنوّرة، برغم ملاحقة قريش له.

 
ونظراً للتضحية الكبرى التي قدّمها الإمام عليّ عليه السلام، أنزل الله تعالى بحقّه قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾3.
 
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة
غادر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الغار قاصداً يثرب في شهر ربيع الأوّل بعدما كان قد أمضى ثلاث عشرة سنة في مكّة، بعدما ترك عليّاً عليه السلام ليؤدّي الودائع التي كانت عنده للناس، ولتهيئة مستلزمات هجرة ابنته فاطمة عليها السلام وعدد آخر من النساء والرجال من بني هاشم4.



1 ذكر الله تعالى لنبيّه الكريم هذه المؤامرة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال، الآية: 30).
2 رغم أنّ قريشاً جنّدت كلّ قواها للعثور على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, ولكنّها بقدرة الله لم تعثر عليه لكونه منصوراً ومؤيّداً من الله تعالى حيث قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (سورة التوبة، الآية: 40).
3 سورة البقرة، الآية: 207.
4 الطوسي، الأمالي، ص468، دار الثقافة، 1414هـ، ط1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

79

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 فَوَصَل صلى الله عليه وآله وسلم أوّلاً إلى قُباء وهي منطقة على مقربة من يثرب، وتوقّف فيها بضعة أيّام في انتظار قدوم عليّ عليه السلام، وبنى في هذه المدّة مسجداً هناك1.

 
ثمّ توجّه بصحبة عليّ عليه السلام وجماعة من بني النجار (أخوال عبد المطّلب) تجاه يثرب. ولدى وصوله إليها استقبله الناس بفرح وسرور بالغ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يمرّ بمكان إلّا وقام وجوه القبائل وأشرافها بأخذ زمام ناقته، طالبين منه النزول عليهم وهو يقول: "خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة"2 حتّى وصل إلى أرضٍ قرب دار أبي أيوب الأنصاريّ، وبنى في تلك الأرض المسجد النبويّ. ولأنّ الهجرة تُعتبر نقطة تحوُّل ومُنعطَفاً مُهمَّاً في تاريخ الإسلام أصبحت مبدأً لتاريخ الإسلام والمسلمين بتدبير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, الذي أمر المسلمين أن يُؤرّخوا ابتداءً من شهر ربيع الأوّل، وهناك العديد من رسائل النبيّ ووثائقه وكتبه تُؤيّد ذلك.



1 الطبري، تاريخ الطبري،ج 2، ص249.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص340.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

80

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 دوافع الهجرة

لم تكن الهجرة إلى المدينة ردّ فعل لاضطهاد قريش، بل كانت فعلاً خطّط له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتكون المدينة قاعدة ارتكاز للدعوة، وأهمّ الدوافع التي أدّت للهجرة هي:
 
أولاً: أنّ مكة لم تَعُد مكاناً صالحاً للدعوة، ولم يبقَ أيّ أمل في دخول فئات جديدة في الدين الجديد في المستقبل القريب على الأقل، فكان لا بُدَّ من الانتقال إلى مكانٍ آخر ينطلق الإسلام فيه بحريّة بعيداً عن ضغوط قريش.
 
ثانياً: كان اختياره للمدينة بسبب بعدها الجغرافيّ عن مكّة، ممّا يجعلها بمأمن من هجمات قريش المفاجئة والمباغتة من جهة، ومن جهة أخرى هي قريبة من طريق تجارة مكّة ـ الشام, بحيث يتمكّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من فرض سيطرته وممارسة نوع من الضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وحتّى العسكريّ، على قريش في الوقت المناسب.
 
ثالثاً: من الناحية الاجتماعيّة كانت يثرب مركزاً للتنازع القبليّ، بين الأوس والخزرج واليهود، وهي تتطلّع إلى رجل تلتفّ حوله لينزع عنها إلى الأبد هذه العصبيّات المستعصية. وأمّا اقتصاديّاً فهي غنيّة بإمكانيّاتها الزراعيّة بما يُمكِّنها من المقاومة في حال التعرُّض للضغوط الاقتصاديّة من قِبَل المشركين وغيرهم.
 
بناء الدولة والمجتمع في المدينة
باشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فور وصوله إلى المدينة بأعمال تأسيسيّة، ترتبط ببناء المجتمع السياسيّ الإسلاميّ، وبمستقبل الدعوة الإسلاميّة، وأبرزها:
 
أولاً: بناء المسجد:
وهو أوّل مركز عُنيَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإنشائه، وقد كان مركزاً للعبادة، والتعليم، والحُكم 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

81

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 والإدارة، ومقرّاً لحكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُمارس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مُهمّات حكوميّة وإداريّة في المدينة في مكانٍ آخر غير المسجد.

 
وبعد إتمام بناء المسجد بُنيت إلى جانبه حُجرتان، لتكونا مساكن لرسول الله وزوجاته.
 
ثانياً: المؤاخاة:
العمل المهمّ الآخر الذي أقدم عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الأولى للهجرة، هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، من أجل توكيد وحدة المسلمين والتغلُّب على التناقضات الداخليّة القائمة بين الأوس والخزرج، والتناقضات المتوقَّعة بين المهاجرين والأنصار، وفي سبيل تحطيم الاعتبار الطبقيّ، والاقتصاديّ، وعلاج مشكلة التفاوت في المستوى المعيشيّ، والتعبير العمليّ عن مبدأ المواساة والمساواة الإسلاميّ، فتآخى هو صلى الله عليه وآله وسلم مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وآخى بين المسلمين وكان يؤاخي بين كلٍّ ونظيره1.
 
وهذه هي المؤاخاة الثانية، وكانت المؤاخاة الأولى في مكّة بين أصحابه من قريش ومواليهم (العبيد المُعتَقين).
 
وهذه المؤاخاة في المدينة أدّت إلى مزيدٍ من التلاحم بين المهاجرين والأنصار، وإلى تحقيق الانتصارات الكبرى في بدر والخندق وغيرهما برغم قلّة العدد وبساطة العتاد.
 
ثالثاً: وثيقة الصحيفة:
بعد أن استقرّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، رأى من اللازم تنظيم الوضع الاجتماعيّ لأهلها, وذلك لأنّ تحقيق أهدافه على المدى البعيد يتطلّب استقرار الأوضاع فيها. 
 
ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنّ التركيبة السكانيّة فيها كانت غير متكافئة ولا متجانسة. 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 19، ص130.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

82

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 فقد كان يقطن هذه المدينة يومذاك جماعات تنتمي كلّ جماعة منها إلى إحدى قبيلتين كبيرتين هما الأوس والخزرج.

 
وكان يعيش في داخل المدينة وحولها أقوام من اليهود، وفي الوضع الجديد أُضيف إليهم أيضاً المهاجرون القادمون من مكّة. وكان هذا الوضع يُنذر بالمخاطر.
 
وفي ضوء هذا الواقع ابتكر الرسول فكرة، فكتب ميثاقاً وُصف بأنّه "أوّل دستور" أو "أعظم عقد وسند تاريخي في الإسلام". وقد بيّن هذا العقد حقوق مختلف المكوِّنات السابقة في يثرب، وضَمِن لهم حياةً سليمة مع إقرار النظام والعدالة فيها، وهو بمثابة دستور عمل لتنظيم علاقات المسلمين فيما بينهم، وعلاقاتهم مع المتهوِّدين، وقد تضمّنت الوثيقة قواعد في الحقوق والعلاقات أهمّها:
-  إنّ المسلمين أمّة واحدة من دون الناس، رغم اختلاف قبائلهم وانتماءاتهم.
 
- إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو قائد الأمّة، وهو المرجع في حلّ المشكلات التي قد تحدُث بين المسلمين وبين غيرهم.
 
- قرّرت الوثيقة أنّ مركز السلطة في المدينة هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فهو صاحب القرار في السماح أو المنع من تنقّل الأشخاص إلى خارج المدينة، فلا يُسمح لأحد من اليهود ـ أي المتهوِّدين ـ بالخروج إلّا بإذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
- إنّ مسؤوليّة دفع الظلم تقع على عاتق الجميع، ولا تختصّ بمن وقع عليه الظلم.
 
- مَنَحَت الوثيقة المتهوِّدين من الأنصار حقوقهم العامّة، كحقّ الأمن والحريّة والمواطنة، بشرط أن يلتزموا بقوانين الدولة، وأن لا يُفسدوا ولا يتآمروا على المسلمين والإسلام1.



1 للإطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذه الوثيقة وبنودها، راجع كتب السيرة، منها: السيرة النبويّة لابن هشام: ج2، ص147 - 150.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

83

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 وكان لهذه الوثيقة أثرٌ في حفظ الاستقرار في المدينة، إذ لم تقع أيّة نزاعات بين أهل المدينة حتّى السنة الثانية للهجرة.


رابعاً: موادعة اليهود:
اليهود المقصودون في وثيقة الصحيفة الآنفة الذكر هم: المتهوِّدون من قبائل الأنصار، وليس اليهود الذين هم من أصل إسرائيليّ (بنو قينقاع، والنضير، وقريظة)، فقد شعر هؤلاء بأنّهم قد عُزلوا عن أنصارهم من المتهوِّدين بعد توقيع الصحيفة، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلبوا الهدنة، فكتب لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أن لا يُعينوا عليه أحداً، ولا يتعرّضوا لأحد من أصحابه بلسان ولا يد، ولا بسلاح، لا في السرّ ولا في العلانية، فإن فعلوا فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حلّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم1.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 19، ص110.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

84

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 خامساً: إعداد القوّة العسكريـَّة

فقد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تقوية دعائم الدولة من خلال تدريب القوى البشريّة ودعمها بالسلاح والخيل، ونظَّم المدينة على أساس عسكريّ، وكوّن من شعبها مجتمع حرب، فقسّم المسلمين في المدينة إلى عرافات، وجعل على كلّ عشرة عريفاً، وجعل من جميع الذكور البالغين جنوداً، وكوّن منهم الجيوش، والسرايا العسكريّة. ويُمكن رسم الملامح العامّة للإدارة العسكريّة في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما يلي:
 
1- القرار العسكري: الذي كان بيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحده، ولم يكن لأحدٍ من المسلمين سلطة اتخاذ قرار عسكريّ بشكلٍ منفرد بعيداً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
2- تشكيل الجيش: حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم يُشكِّل الجيش والوحدات العسكريّة من الذكور البالغين، ولم يكن يقبل في عداد الجيش غيرهم.
 
3- التدريب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه أمر بالتدريب على الفروسيّة والرمي، وجعل التدريب العسكريّ من مقدّمات الثقافة العامّة للمجتمع الإسلاميّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

85

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 خلاصة

- من أهمّ الأحداث في تأريخ الإسلام السياسيّ هو حدث الهجرة المباركة، حيث تمّ بعدها إقامة الدولة الإسلاميّة بزعامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- بدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ببناء مسجد قباء، ثمّ المسجد المعروف اليوم بمسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لجمع المسلمين فيه وليكون مركزاً للدولة وانطلاق الدعوة إلى أطراف العالم، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار، واحتفظ بالإمام عليّ عليه السلام أخاً له من دون سائر المسلمين.

- نظراً للتنوُّع السكّانيّ في المدينة، والصراعات القبلية، كتب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوّل دستور وأعظم عقد وسند تاريخيّ في الإسلام من أجل تنظيم علاقات المسلمين فيما بينهم، وعلاقاتهم مع المتهوِّدين، ولضمان استقرار الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في المدينة.

- طلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم توقيع هدنة معهم، فكتب لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك على أن لا يُعينوا عليه أحداً ولا يتعرّضوا بسوءٍ لأصحابه، وإلّا فهو في حلٍّ من أمره.

- عمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على تقوية دعائم الدولة, من خلال الإعداد العسكريّ وتدريب المسلمين على السلاح والرمي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

86

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 للمطالعة

 
خُلُقُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كان أمير المؤمنين عليه السلام اذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كان أجود الناس كفّاً، وأرحب الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، ومن رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه أحبّه، لم أرَ مثله قبله ولا بعده"1.
 
وعن يونس عن الحسن قال: سألت عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: "كان خُلُقُه القرآن"2.
 
وعن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خُلُقاً"3.
 
وقال الديلميّ في الإرشاد: "كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويُسلِّم على من استقبله من غنيّ وفقير وكبير وصغير، ولا يُحقِّر ما دُعي إليه ولو إلى حشف التَّمر، وكان خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاماً من غير ضحك، ومحزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلَّة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكلّ مسلم. ولم يتجشّأ من شبع قطّ، ولم يمدّ يده إلى طمع قطّ"4.
 
وقال العلماء في أخلاقه الفرديّة: "كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أسخى الناس، لا يثبت عنده دينار ولا درهم، فإن فَضُل ولم يجد من يُعطيه ويجنّه الليل لم يأوِ إلى منزله حتّى يتبرّأ منه إلى من يحتاج إليه.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص190.
2 أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج6 ص91.
3 البخاري، الصحيح، ج7 ص119. 
4 الديلمي، إرشاد القلوب، ج1، ص226.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104
 

87

الدرس السابع: الهجرة النبويـّة إلى المدينة

 لا يأخذ ممّا آتاه الله إلا قوت طعامه فقط، مِنْ يسير ما يجد من التمر والشعير.

 
وكان يجلس على الأرض وينام عليها ويأكل عليها. وكان يخصف النَّعل، ويُرقِّع الثوب، ويفتح الباب، ويحلب الشَّاة، ويعقل البعير فيحلبها، ويطحن مع الخادم إذا أعيا (تعب).
 
وكان صلى الله عليه وآله وسلم أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضاً. وكان أصبر الناس على أوزار الناس"1.
 
وعن أبي أمامة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جلس جلس القرفصاء.
 
وكان أكثر طعامه التَّمر والماء، ورُوي أنّه كان لا يأكل وحده ما يُمكنه.
 
وكان إذا أكل سمّى، ويأكل بثلاث أصابع وممّا يليه، ولا يتناول من بين يدي غيره، ويُؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثمّ يشرعون، وذلك لكي لا يستحي أحد من تناول الطعام إذا هو كفَّ عنه.
 
وما ذمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طعاماً قطّ، وكان إذا أعجبه أكله وإذا كرهه تركه2. وكان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه التي أكل بها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يغسل يديه من الطعام حتّى ينقيهما فلا يوجد لما أكل ريح.
 
وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يلبس ثوبين، ويلبس الغليظ من القطن والكتان، إذا لبس جديداً أعطى خُلف ثيابه مسكيناً.
 
وكان يُجالس الفقراء ويُؤاكل المساكين ويُناولهم بيده، لا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس.
 
وكان يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار3



1 الطباطبائي، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص113، نقلاً عن الأحياء للغزالي.
2 م.ن، ص222.
3 م.ن، ص 134.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

88

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يفهم أسباب ونتائج معركة بدر وعوامل انتصار المسلمين فيها.
2- يستنتج أسباب الهزيمة في معركة أحد.
3- يدرك أهميّة التزام أوامر القيادة وتوجيهاتها في الحروب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

89

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 التحرّكات العسكريّة الأولى للمسلمين

انحصر دور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة كقائدٍ إلهيّ بالدعوة والهداية وإرشاد الناس. وبعد استقراره في المدينة تولّى الزعامة السياسيّة للمسلمين أيضاً، واتّجه لإقامة مجتمع جديد مبنيّ على أساس تعاليم الإسلام، لذلك قام بعدّة خطوات في هذا الاتجاه، كما مرّ سابقاً.
 
وكانت تنزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم آيات القرآن في المدينة تتضمّن أحكاماً وتعاليم سياسيّة واجتماعيّة. ولمّا صدر من الله تعالى الإذن بالجهاد والدفاع1، عزم على تشكيل قوّة دفاعيّة لتعزيز الإجراءات الاحترازيّة، ولحماية المسلمين من أيّ هجوم عسكريّ، وبادر إلى وضع النواة الأوّليّة للجيش الإسلاميّ، وقاد مجموعة من المعارك والغزوات والمناورات العسكريّة في السنة الثانية للهجرة.
 
وللمؤرّخين اصطلاحان في المعارك التي خاضها المسلمون في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هما:
الغزوة: ويقصدون بها المعركة التي يحضرها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، ويتولّى هو قيادتها.



1 قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (سورة الحج، الآيتان: 39 و40).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

90

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 السِّريَّة: وهي المجموعة الجهاديّة التي لا يكون فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويتولّى أحد أصحابه قيادتها.

 
وأحصى المؤرّخون عدد الغزوات والسرايا في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغت أكثر من ثمانين غزوة وسَرِيَّة، وكلّها كانت في فترة ما بعد الهجرة.
 
فقد قام صلى الله عليه وآله وسلم بالعديد من التحرُّكات العسكريّة1، مثل سَرِيَّة حمزة بن عبد المطّلب التي تألّفت من ثلاثين مقاتلاً، والتي لاحقت قافلة لقريش أثناء عودتها إلى مكّة، لكن مجدي بن عمرو الجهنيّ الذي كان موادعاً للطرفين، حال بينهما، فانصرفا من غير قتال، ثمّ سَرِيَّة عبيدة بن الحارث التي تألّفت من ستين مُقاتِلاً حيث تبعت جماعة أبي سفيان، وسَرِيَّة سعد بن أبي وقاص التي تألّفت من عشرين مقاتلاً، لاحقت قافلة لقريش، وكذلك تتبّع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم برفقة جماعة من المسلمين قافلة لقريش حتّى بلغ أرض الأبواء، ولكن لم يقع اشتباك بين الطرفين. وعقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سفره هذا معاهدة مع قبيلة بني ضمرة بأنْ تقف على الحياد. وخرج أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم على رأس مائة وخمسين من أصحابه لاعتراض قافلة تجاريّة لقريش يقودها أبو سفيان مُتوجِّهاً من مكّة إلى الشام (غزوة ذات العشيرة) ولكنّه لم يلحق بالقافلة، وأبرم أثناء ذلك معاهدة مع قبيلة بني مدلج2.



1 هذه التحرّكات لا تُعتبر حرباً كاملة، ولم يحصل في أيٍّ منها معركة أو اشتباك بين الطرفين.
2 الطبري، تاريخ الطبري، ج2، ص259 - 261.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

91

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 معركة بدر

كانت "معركة بدر" أوّل معركة مُسلَّحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش، وذلك يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة، قُرْبَ بدر على بُعد حوالي مائة وستين كيلو متراً من المدينة فيما بينها وبين مكّة المكرّمة.
 
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه مستهدفين السيطرة على القافلة التجاريّة التي كان يقودها أبو سفيان، المُتوجِّهة من الشام إلى مكّة، لا طمعاً في المال والغنيمة وإنّما بُغية التعويض على المسلمين ممّا أخذه منهم المشركون، وفرض حصار اقتصاديّ على قريش، علَّ ذلك يدفعها إلى الامتناع عن محاربة الدعوة، والتآمر على الإسلام والمسلمين.
 
لقد كان قرار التصدّي للقافلة ينطوي على احتمال تطوُّر الموقف، وحصول مواجهة عسكريّة، ونشوب معركة حاسمة ومصيريّة، وهو ما حصل فعلاً.
 
فقد علم أبو سفيان بتحرُّك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فغيّر طريقه، وأرسل إلى مكّة يطلب النجدة من قريش، فأقبلت قريش بأحقادها وكبريائها بألف مقاتل لحماية القافلة، وحين علمت قريش بنجاة القافلة حاول بعض قادتها أن يكتفي بذلك ويدعو إلى الانسحاب والعودة إلى مكّة، إلّا أنّ أبا جهل وغيره أصرَّوا على العدوان، فقرّروا الهجوم على المسلمين، والتقى الجمعان في بدر، وبدأت المعركة بالمبارزة ثمّ التحم الجيشان وهما غير مُتكافئين لا من حيث العدد ولا من حيث العتاد، ولكنّ الله أنزل الكثير من ألطافه ورحمته، فتدخّلت يد الغيب، وجاء الإمداد الملائكيّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فحقّق الله سبحانه النصر للإسلام والمسلمين، واندحرت قوّة قريش، وتشتّت جيشها بين قتيل وجريح وأسير, حيث أسفرت المعركة عن قتل سبعين من المشركين وأسر سبعين، ولم يسقط من المسلمين سوى تسعة شهداء وقيل: أحد عشر، وقيل: أربعة عشر شهيداً، ولم يُؤسر منهم أحد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

92

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 وقد برز للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في هذه المعركة دور كبير، وظهرت شجاعته المُتميِّزة بين صفوف المسلمين، حيث رُوي أنّه قُتل بيده ثُلث قتلى المشركين، وقيل: قتل نصفهم بيده وشارك الآخرين في قتل النصف الآخر.

 
لقد حقّق المسلمون في بدر مكاسب ماديّة وأمنيّة وعقيديّة وإعلاميّة، ساهمت في خدمة الدعوة وتثبيت أركانها، وتحقيق نقلة نوعيّة في مجمل الأحداث في الجزيرة العربيّة.



ولعلّ أبرز نتائج هذه المعركة أنّها:
أوّلاً: عزّزت ثقة المسلمين بأنفسهم، وثبّتت إيمان بعض المتردِّدين في إسلامهم.
 
ثانياً: جعلت من المسلمين قوّة مرهوبة الجانب عند القبائل المشركة واليهود في المنطقة.
 
ثالثاً: شجّعت الكثيرين على الدخول في الإسلام بعد أن كانت قريش تُشكِّل الحاجز النفسيّ والماديّ لهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

 


93

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 رابعاً: أضعفت هيبة قريش ونفوذها ومكانتها بين العرب.

 
خامساً: فتحت الأبواب أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للانطلاق بحريّة أكبر في نشر الدعوة.
 
سادساً: زادت من قوّة التضامن والتماسك بين المهاجرين والأنصار، وعزّزت وحدة الفريقين في مواجهة التحدّي.
 
وأثبتت تجربة بدر:
أوّلاً: أنّ القِلّة المؤمنة المجاهدة الصابرة التي تملك إرادة قويّة وعزيمة راسخة، وإخلاصاً، ووعياً، وتخطيطاً، تستطيع أن تُحقّق الانتصارات والإنجازات الكبرى بإذن الله حتّى ولو كان العدوّ يملك الكثرة والقوّة الماديّة الكبيرة.
 
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾1.
 
ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾2.
 
وثانياً: إنّ النصر بحاجة إلى عنصر روحيّ معنويّ هو الإيمان بالله، والإخلاص له، والاعتماد عليه، والثقة به، وغير ذلك ممّا يُوفِّر للإنسان قوّة روحيّة ومعنويّة، تُبعده عن الشعور بالقلق والخوف والضياع أمام مواقف التحدّي.
 
وقد كان هذا العنصر حاضراً بقوّة في بدر ومجاهديها، وقد ساهم بصورة أساس في تحقيق الانتصار في هذه المعركة، وفي كلّ المعارك التي خاضها المسلمون في مواجهة أعدائهم 



1 سورة آل عمران, الآية: 123.
2 سورة الأنفال، الآيتان: 65 و66. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

94

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 عوامل انتصار المسلمين

كانت هزيمة قريش وانتصار المسلمين في بدر مفاجأة غير مُتوقَّعة، وصلت أصداؤها إلى الحبشة. ويُمكن تلخيص أسباب وعوامل هذا الانتصار الباهر للمسلمين بما يلي:
1- القيادة الصالحة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشجاعته وإقدامه، وفي ذلك يقول الإمام عليّ عليه السلام: "كُنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه"1.
 
2- شجاعة عليّ عليه السلام وتضحيته الفذّة، فهو وحده قتل نصف عدد من قُتلوا من المشركين2.
 
3- العقيدة الراسخة والمعنويّات العالية، حيث كان المسلمون على درجة عالية من الإيمان وقوّة الروح المعنويّة، وقاتلوا بكلّ بسالة وأظهروا من الشجاعة ما أثار دهشة المشركين.
 
4- الإمداد الغيبيّ، الذي حصل على عدّة وجوه، مثل نزول الملائكة على المسلمين بالنصر وحضورهم في ساحة المعركة، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين3.



1 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص279.
2 م.ن، المقدّمة ص24.
3 راجع: سورة الأنفال، الآيتان: 9 و17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

95

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 معركة أُحد

استمرّت أحداث بدر ومعركتها التاريخيّة تتفاعل حقداً وكيداً في نفوس المشركين في مكّة. ولم يكن لدى أبي سفيان، قائد الشرك والعدوان آنذاك، غير التفكير بالحرب ومعاودة الهجوم على المسلمين بدافع الثأر، وتحقيق نصر عسكريّ يُغيِّر الآثار النفسيّة والإعلاميّة التي أنتجتها معركة بدر.
 
فدقّ المشركون طبول الحرب، وخطّطوا للعدوان والهجوم على المدينة، واتفقوا على أن تُرصد أرباح القافلة التجاريّة التي أفلتت من قبضة المسلمين وقادت إلى معركة بدر، لإسناد هذه الحملة العسكريّة الآثمة.
 
زحف المشركون باتجاه المدينة، وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل معهم العتاد والسلاح الكثير، وأخرجوا النساء معهم ليُشجعنّ الجنود على القتال، فعرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمسيرهم من خلال عيونه في مكّة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

96

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 ويُقال: إنّ العبّاس بن عبد المطّلب أرسل إليه من مكّة بذلك، فأعلن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التعبئة العامّة في صفوف المسلمين استعداداً للدفاع، وبثّ العيون ورجال الاستطلاع في المنطقة لجمع المعلومات. وبعد أن استشار أصحابه في سُبُل التصدّي، قرّر مواجهة العدوّ خارج المدينة، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم في حوالي ألف مقاتل، غير أنّ المنافقين بقيادة عبد الله بن أُبيّ بن سلول، انسحبوا قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وكانوا ثلاثمائة، بحجّة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خالف رأيهم الداعي إلى قتال المشركين من داخل المدينة، فواصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسيرة الجهاد بسبعمائة مقاتل، والتقى الفريقان عند جبل أُحد على بُعد بضعة كيلومترات من المدينة، في شهر شوّال من السنة الثالثة من الهجرة.

 
رسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارطة المعركة، وحدّد مواقع جيشه، فوضع الرماة عند تلّة مشرفة في الجبل، وكان عددهم خمسين رجلاً، ليسُدَّ بهم ثغرة يُمكن للعدوّ أن يتسلّل منها، وليُوفّر حماية خلفيّة للجيش الإسلاميّ، وأمرهم بعدم ترك مواقعهم مهما 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

97

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 حدث، فقال لهم فيما يُروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تُشركونا"1.

 
 
وبدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين في الجولة الأولى، فاستولت قوّاتهم على ساحة المعركة، وانهزم العدوّ، وبدؤوا بجمع الغنائم، فاستهوت الغنائم نفوس بعض الرماة، فتركوا مواقعهم، واندفعوا نحو الغنائم، مخالفين بذلك أوامر قائدهم الذي رفض مع قلّةٍ منهم أن يترك موقعه امتثالاً لتكليف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ممّا أحدث ثغرة في صفوف المجاهدين، فاستغلّها خالد بن الوليد أحد قادة المشركين آنذاك، فهاجم المجاهدين من خلفهم، فتسبّب هذا الهجوم ببعثرة الجيش الإسلاميّ وانهزامه أمام المشركين الذين استعادوا أنفاسهم بعدما تمكّن خالد بن الوليد من قتل القلّة التي بقيت على الجبل والالتفاف على المسلمين المُنشغلين بجمع الغنائم، وصرخ صارخ أنّ محمّداً قد قُتل فَتَشَتَّت المسلمون تحت وقع المُباغتة، وتفرّقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبُت معه غير الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الذي راح يُقاتل إلى جانب رسول



1 ابن كثير، السيرة النبويّة، ج3، ص47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

98

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 الله صلى الله عليه وآله وسلم قتالاً شديداً ويصدّ كتائب المشركين ويُفرّقهم ويقتل فيهم، عندها نادى جبرائيل عليه السلام من السماء: "لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ"1.

 
ولمّا رأى المسلمون الفارُّون صبرَ وثباتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّ عليه السلام وقوّة جهادهما في سبيل الله وعرفوا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يَمُت، وهو يدعوهم إليه، بدؤوا يعودون تدريجيّاً إلى ميدان المعركة حتّى اجتمعوا حوله صلى الله عليه وآله وسلم، فطلب منهم أن يرجعوا إلى مراكزهم الأولى في القتال، تماماً كما هي الخطّة الأولى، فقاتلوا من جديد قتالاً شديداً، وتمكّنوا من صدّ هجمات المشركين المتواصلة، وأدرك المشركون استحالة إبادة المسلمين وتفتيتهم وتحقيق انتصار عليهم، وكانوا قد أصابهم التعب والجراح، فآثروا الانسحاب عائدين إلى مكّة دون تحقيق أهدافهم.
 
آثار المعركة
ومع ذلك فإنّ ما أصاب المسلمين في هذه المعركة كان خسارة فادحة، فقد سقط فيها حوالي سبعين شهيداً وفي مقدّمهم حمزة بن عبد المطّلب ومصعب بن عمير (رضوان الله عليهما)، وعدد كبير من الجرحى حتّى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أُصيب ببعض الجراح في وجهه، حسب رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، وبلغت جراحات الإمام عليّ عليه السلام نيّفاً وستّين جراحة، وقيل أكثر من ذلك، بين طعنة، ورمية، وضربة, أثناء دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدّه كتائب الأعداء.
 
لقد أُصيب المسلمون بفعل النكسة في "أُحد" بصدمة عنيفة وحزن عميق، وشعروا بالضعف والاحباط حتّى كاد اليأس يتسرّب إلى بعضٍ منهم، والشكّ إلى بعضٍ آخر.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص110.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

99

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 أسباب الهزيمة ودروسها

إنّ الأسباب التي أدّت إلى فشل المسلمين في أحد فصول معركة "أُحد" وما يُمكن أن نستفيده من هذه التجربة كثيرة، منها:
1- أهميّة الانضباط والتقيُّد بأوامر القائد وتوجيهاته مهما كانت الظروف.

2- أنّ النصر لا يرتبط بكثرة العدد، ولذلك لا ينبغي الاغترار بالكثرة، بل يجب الاعتماد على النفس والتوكّل على الله والطاعة للقيادة وتحمُّل المسؤوليّة والقيام بالتكاليف.

3- إنّ عناية الله بالمؤمنين وتسديده لهم لا يعني إلغاء جميع الأسباب الطبيعيّة كليّةً، وهذه العناية والإمداد الإلهيّ مشروطان بالسعي نحو الهدف الأسمى.

4- إنّ الارتباط بالله تعالى والإعراض عن الدنيا ومتاعها عاملان أساسان في تأييد الله تعالى للمسلمين.
 
وأدّت نتائج معركة أُحد إلى شماتة اليهود وكشف أحقادهم، ومحاولة إثارة الفتن من المنافقين، وإلى زعزعة الثقة بالقدرة العسكريّة للمسلمين، وشجّعت أعداء الإسلام في أطراف المدينة على الوقوف ضدّ المسلمين والتآمر عليهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

100

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

120


101

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 خلاصة

- تختلف المرحلة المكّية من حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن المرحلة المدنيّة، حيث اتجه في المدينة إلى تعزيز القدرات الدفاعيّة للدولة الإسلاميّة، ووضع النواة الأولى للجيش الإسلاميّ، وقاد مجموعة من المعارك وأرسل العديد من السرايا العسكريّة.

- كانت أهم سرايا وغزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بدر الكبرى لأنّها حطّمت معنويّات قريش ورفعت من معنويّات المسلمين، ورسّخت عقائدهم، وأدخلت الرعب في نفوس المشركين، وفتحت الأبواب أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الانطلاق بحريّة أكبر في نشر الدعوة.

- في معركة أُحد كان النصر حليف المسلمين في الجولة الأولى، ولكنّهم نتيجة لعدم التزامهم بأوامر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيهاته خسروا المعركة، وكانت هزيمة أُحد درساً قاسياً وصعباً للمسلمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

102

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 للمطالعة

 
مظهر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شديد الاهتمام بالطهارة والنظافة، فلم يكن يُماثله أحدٌ في نظافة جسمه وملابسه وطيب رائحته.
 
فقد كان يغتسل في أغلب الأيّام مُعتبراً ذلك جزءاً من العبادات، وكان يُداوم على الوضوء ليبقى على طهارة، حتّى ورد عن بعض أصحابه: ما رأيت أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وكان يغسل شعر رأسه الذي كان يصل إلى شحمة أُذنه بماء السدر، ويُمشّطه، ويدهنه بزيت البنفسج، ويُعطّر جسده وملابسه بالمسك، وكان يُعرف في الليلة الظلماء قبل أن يُرى بالطّيب، فيُقال: هذا النبيّ.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يمرّ في طريق فيمرّ فيه أحدٌ بعد يومين أو ثلاثة إلّا عرف أنّه قد مرَّ فيه لطيب عُرفه"1.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كان رسول الله يُنفق على الطّيب أكثر مما يُنفق على الطعام"2.
 
وكان لا يُعرض عليه طيب إلّا تطيّب به. وقد ورد عن أنس بن مالك: صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين وشممت العطر كلّه، فلم أشمّ نكهة أطيب من نكهة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يُنظِّف أسنانه بالسواك عدّة مرّات في اليوم، ولا سيّما ليلاً قبل النوم وعند الاستيقاظ.
 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 442.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، ص 248.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

103

الدرس الثامن: جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) معركة بدر - معركة أحد

 - كان يغسل يديه وفمه قبل تناول الطعام وبعده، متجنِّباً أكل الخضراوات الكريهة الرائحة.

 
وكان شديد العناية بمظهره وهندامه، فقد روي أنّه كان يتجمّل لأصحابه فضلاً عن تجمّله لأهله.
 
- وكان يُوصي أصحابه وأتباعه أن يلتزموا نظافة أبدانهم وملابسهم، وأن يعتنوا بمظهرهم الخارجيّ.
 
فعن الإمام الباقر عليه السلام: "احتبس الوحي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقيل: احتبس عنك الوحي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وكيف لا يحتبس عنّي الوحي، وأنتم لا تُقلِّمون أظفاركم"1.
 
وذات يوم رأته إحدى زوجاته وهو ينظر في ركوة فيها ماء في حجرتها، ويُسوّي فيها جمّته إذ لم يكن لديه مرآة ينظر فيها، وهو خارجٌ إلى أصحابه، فقالت: بأبي وأُمّي، تتمرّأ في الرَّكوة وتُسوّي جمّتك وأنت النبيّ وخير خلقه؟!
 
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يُحبّ من عبده اذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّأ لهم ويتجمّل"2.



1 الحميري القمي، قرب الإسناد، ص 24.
2 السيد الطباطبائي، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص118.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

104

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 
 
أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف أسباب وظروف معركة الخندق وعناصر القوة فيها.
2- يحلِّل عوامل النصر في معركة الخندق وآثارها.
3- يفهم أسباب صلح الحديبيّة وأهم بنوده وآثاره.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

105

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 معركة الخندق (الأحزاب)1

توالت غزوات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبعض قبائل العرب واليهود بعد معركة بدر وأُحد، ممّا أثار مخاوف اليهود وإحساسهم بالخطر من تعاظم قوّة المسلمين، فاندفعوا للتآمر على الإسلام ونبيّه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، وراحوا يُحرِّضون أعداء الإسلام، ويُخطِّطون لتكوين تجمُّع عسكريّ هائل لمُهاجمة المدينة والقضاء على الإسلام.
 
لقد اتصل اليهود بقريش وغطفان، واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة، إلَّا أنّ أنباء هذه المؤامرة تسرَّبت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فشاور أصحابه، واستقرّ الرأي على حفر خندق حول المدينة لتحصينها، فاستنفر المسلمون لحفر الخندق وشارك هو صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في عمليّة الحفر.
 
تأهّبت أحزاب الكفر والضلال، من قريش وغطفان وبعض القبائل المعادية، وجمعوا رجالهم وأنصارهم ومن تابعهم، فكان تِعداد جيشهم عشرة آلاف مقاتل نزلوا قرب المدينة، بينما كان عدد المسلمين ـ كما في رواية الإمام الصادق2 عليه السلام ـ تسعمائة مقاتل تعبّؤوا خلف الخندق بقوّة وشجاعة.
 
وشاء الله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، ويوفّر لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم عوامل النصر، فيهزم أحزاب الكفر والضلال من دون قتال عنيف بين الطرفين3.



1 وقعت هذه المعركة في شوّال من السنة الخامسة للهجرة.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص46، والحرّ العاملي، الوسائل: ج11، ص105.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج20، ص197.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

106

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 

عوامل النصر في معركة الخندق (الأحزاب)

ساهمت أربعة عناصر أساس في تحقيق النصر في هذه المعركة، هي:
1- التخطيط العسكريّ الذي تمثَّل بحفر الخندق، حيث ساهم الخندق في حماية المسلمين والمدينة، وفي حرمان العدوّ من سرعة الحركة، وفي تطويل أمد المعركة وجعلها على شكل محاور، لكي تتفاقم أزمات الأحزاب نتيجة لطول زمن الحرب.
 
2- العمل الاستخباريّ الفعَّال الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أدّى إلى إيقاع الخلاف بين قوى الأحزاب.
 
3- الدور البطوليّ الذي قام به الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حيث مكَّنه الله من قتل عمرو بن عبد ودّ، وهو من أبرز صناديد قريش ورجالاتها، فانهارت قوّة قريش، ويئسوا وشعروا بالضعف والهزيمة.
 
وقد وصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موقف عليّ عليه السلام يوم الخندق بقوله: "لَمبارزة عليّ بن أبي طالب لِعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق، أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة"1.



1 الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص32، تحقيق: عبد الرحمن المرعشي، بيروت، دار المعرفة، ط1، 1406هـ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

107

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 4- التأييد الإلهيّ الذي تمثَّل بجنود الله الغيبيّين، الذين نزلوا ساحة المعركة، والذي تمثَّل أيضاً بالرياح والعواصف الهوجاء، التي أصابت معسكر الأعداء فزلزلت استقرارهم، وفرضت عليهم الفرار أذلَّاء من دون تحقيق شيء.

 
نتائج المعركة:
فرزت حرب الخندق المسلمين إلى ثلاث فئات:
1- ضعاف الإيمان: وهم الذين وقعوا تحت تأثير الوساوس الشيطانيّة والظنون السيّئة، فعاشوا الخوف والقلق عندما رأوا الأعداء قد تحالفوا ضدهم، فاهتزّ إيمانهم وفقدوا عمق الثقة بالله وبنصره.
 
وقد صوَّر القرآن الكريم موقف هذه الفئة بقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾1.
 
2- المنافقون: وقد اتخذوا عدّة مواقف ذكرها القرآن الكريم، هي:
أـ قالوا ما وعدنا الله ورسوله إلَّا غرورا، لأنّ الله ورسوله كانا قد وعداهم النصر والفتح، وها هم أمام حشود القوى المُتحالِفة لا يقوون على شيء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾2.
 
بـ تثبيط العزائم وشلّ الإرادات عن الجهاد، قال تعالى حكاية عن المنافقين:
 
﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾3، أي لا تقدرون على
 
فعل شيء أمام قدرات الأعداء، فارجعوا من حيث أتيتم.
 
ج ـ خلق الأعذار الواهية من أجل الفرار من ساحة الجهاد، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ 



1 سورة الأحزاب، الآيتان: 10و11.
2 سورة الأحزاب، الآية: 12.
3 سورة الأحزاب، الآية: 13.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

108

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾1.

 
3- المؤمنون الحقيقيّون: وهم الذين ـ لمّا رأوا الأحزاب ـ لم ينحرفوا قيد أنملة عن عقيدتهم وإيمانهم، ولم يضعفوا، ولم يُشكِّكوا، ولم يتزلزلوا وإنّما عبَّروا عن ثقتهم بوعد الله ورسوله، وعن صدقهم وإخلاصهم وعمق إيمانهم وثباتهم في مواقع التحدّي، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾2.
 
إرهاصات صلح الحديبيّة
عزّزت الأحداث والمعارك التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعداء الإسلام من المشركين واليهود موقف المسلمين، وغرست هيبتهم في النفوس، فقرّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير بأصحابه إلى مكّة ليزور البيت الحرام ويعتمر، بعد أن رأى في المنام أنّه يدخله هو وأصحابه آمنين من غير قتال، كما يُشير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾3.
 
توجّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ما يقرب من ألف وأربعمائة من المهاجرين 



1 سورة الأحزاب، الآية: 13.
2 سورة الأحزاب، الآية: 22. 
3 سورة الفتح، الآية: 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

 


109

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 والأنصار نحو مكّة، في ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة، وهم يحملون السلاح، وقد ساقوا معهم سبعين بُدنة هدياً لتُنحَر في مكّة.

 
تناهى الخبر إلى قريش ففزعت، وظنّت أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم يُريد الهجوم عليها، فراحت تتدارس الموقف وتُجهِّز نفسها لصدّ المسلمين، وأرسلت سَرِيَّة بقيادة خالد بن الوليد كمقدِّمة لجيشها، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبر قريش واستعدادها لقتاله، ولكي يتجنّب المواجهة ـ حيث لم يكن هدفه الحرب ـ غيَّر مسيره وسلك طريقاً غير الطريق الذي سلكته قريش، حتّى استقرَّ في وادي الحُديبية1، فشكا أصحابه جفاف الوادي وانعدام الماء فيه، فأجرى الله سبحانه معجزة خالدة على يده المباركة، تجلَّت عندما توضّأ صلى الله عليه وآله وسلم وألقى ماء المضمضة في البئر التي كان قد نضب ماؤها، فانفجر الماء وارتوى الجمع.
 
بعدما حطَّ جيش المسلمين في الحُديبية، بدأت رحلة التفاوض بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقريش، فبعثت قريش عِدّة مندوبين على التوالي للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واستيضاح أهدافه، فأبلغهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم 



1 وادي الحديبيّة: مكان يبعد عن مكّة حوالي عشرين كيلو متراً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

110

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 بجواب واحد: "إنّا لم نجئ لقتال ولكنّا جئنا معتمرين". ولكنّ قريشاً لم تقتنع بذلك واتهمت بعض مبعوثيها بالجُبْن والكذب، فقرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث من جهته سفيراً إلى قريش، ليُوضِّح لها الهدف الذي جاء المسلمون من أجله، فاختار خراش بن أميّة من خزاعة لأداء المهمّة، إلّا أنّ خراشاً ما إن بلغ مكّة حتّى عقروا بعيره، وأرادوا الفتك به لولا أن منعته الأحابيش، فرجع إلى معسكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بما جرى معه.

 
لم ييأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغم التصلُّب الذي أبدته قيادة قريش ضدّ محاولاته صلى الله عليه وآله وسلم السلميّة، وكأنّه كان يرى بنظره الثاقب النتائج الطيّبة التي ستجنيها الدعوة الإسلاميّة، إذا ما سادت العلاقات السلميّة فترة من الوقت مع قريش، فأرسل عثمان بن عفان إلى مكّة فاعتقلته قريش ثلاثة أيّام حتّى ظنّ المسلمون أنّه قُتل.
 
لم يجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بُدّاً من التهيّؤ للقتال، بعد فشل كلّ محاولاته الودِّيّة لدخول مكّة، وبعد الموقف السيّىء الذي وقفته قريش من سفرائه إليها، فدعا الناس إلى البيعةعلى الصمود بوجه قريش، فانهال عليه المسلمون يُبايعونه، وهو واقف تحت شجرة سُمّيت فيما بعد شجرة الرضوان نسبةً إلى البيعة التي تمّت تحتها.

بنود صلح الحديبيّة
تَخوَّفت قريش من استعداد المسلمين للقتال ومبايعتهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الصمود، بعدما بلغتهم أنباء بيعة الرضوان، فقرّرت استئناف المفاوضات، وأرسلت سهيل بن عمرو سفيراً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكلّفته أن يسعى لمصالحة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم شرط أن يرجع عنهم هذا العام، فالتقى سهيل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجرت مفاوضات طويلة انتهت أخيراً بالاتفاق على إبرام معاهدة هدنة بين الطرفين، وتمّت الموافقة على جميع بنودها، ودعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّاً عليه السلام فكتب الوثيقة، وكان من أبرز بنودها:
 
1- اتفق الطرفان على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

111

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 3- من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعهده (أي يتحالف معه) كان له ذلك، ومن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم كان له ذلك أيضاً، من غير حرج عليه من أحد الطرفين.


4- أن يرجع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمن معه هذا العام، على أن يأتي في العام القادم فيدخل مكّة ويُقيم فيها ثلاثة أيّام، ولا يدخل عليها بسلاح إلَّا سلاح المسافر، والسيوف في القُرَب.

5- أن لا يكون الإسلام ظاهراً بمكّة، ولا يُكره أحد على دينه، ولا يُؤذى ولا يُعيَّر.

6- لا إسلال (سرقة) ولا إغلال (خيانة)، بل يَحترِم كلّ الأطراف أموال الطرف الآخر، فلا يخونه ولا يعتدي عليه بسرقة.

7- أن لا تُعين قريش على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنفسٍ ولا سلاح.
 
وبموجب هذه المعاهدة (البند3) تحالفت خزاعة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتحالفت كنانة مع قريش.

نتائج صلح الحديبيّة
كان المسلمون لا يُدركون الآثار والمعطيات الإيجابيّة والبنّاءة، التي ستحصل من وراء هذا الصلح في المستقبل، فأظهر بعضٌ منهم مواقف متعنِّتة لكي يصرفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إمضائه, ولكنّ الأمور سارت مثلما كان يتوقّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونتجت عن هذا الصلح مُعطَيات وآثار سياسيّة واجتماعيّة متعدِّدة، نُورد قسماً منها في ما يلي:
 
1- الاعتراف الرسميّ بالمسلمين من قِبَل المشركين، وذلك من خلال توقيعهم لمعاهدة مُشتركة معهم، في الوقت الذي كان فيه المشركون لا يُقيمون وزناً للمسلمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

112

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 2- إتاحة الفرصة أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لنشر الإسلام على نطاقٍ واسع بعدما كان مشغولاً بالتصدّي لمؤامرات قريش، فبعد تجميد الصّراع والاتفاق على الصلح، عاشت المنطقة هدوءاً نسبيّاً قام خلاله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأوسع نشاط تبليغي، ووجّه سفراءه إلى كبار أمراء العرب المشركين وزعمائهم، يدعوهم إلى الإسلام، وكذلك وجّه مبعوثيه إلى أباطرة العالم وملوكه يعرض عليهم الدعوة إلى الإسلام.

 
3- أزال صلح الحديبيّة الموانع الماديّة والنفسيّة، التي كانت وضعتها قريش بين الناس وبين الإسلام، وسُمح لمختلف القبائل المُشركة المنتشرة في الجزيرة بالإتّصال بالمسلمين، والتعرُّف إلى مبادئ الإسلام ومفاهيمه وأحكامه، فدخل كثير من الناس في الإسلام، بل لقد دخل فيه خلال سنتين أكثر ممّا دخل فيه على امتداد السنوات الماضية، بدليل أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى الحديبيّة في ألف وأربعمائة، بينما خرج في فتح مكّة بعد سنتين على رأس عشرة آلاف مقاتل1.
 
4- أتاح الصلح فرصة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليخوض بهدوء صراعاً ضدّ القوى الأخرى المضادّة للإسلام، كاليهود والبيزنطيّين وحلفائهم العرب.
 
5- أدّى الصلح - نوعاً ما - إلى فتح مكّة, لأنّه بموجب المادّة الرابعة منه تُركت للقبائل الأخرى حرّيّة التحالف والانضمام إلى قريش أو إلى المسلمين، فتحالفت قبيلة خزاعة مع المسلمين. وقد نقضت قريش هذا الصلح عندما هاجمت خزاعة، ونتيجة لذلك أقدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على فتح مكّة.
 
فضلاً عن الكثير من الأمور التي أعرضنا عن ذكرها اختصاراً، ويكفينا في ذلك وصف الله عزَّ وجلَّ هذا الصلح بـ "الفتح المبين".



1 الطبرسيّ، إعلام الورى، ص 98، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 20، ص363.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

113

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

135


114

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 خلاصة

- ساهمت أربعة عناصر في تحقيق النصر في معركة الخندق، التخطيط العسكريّ الذي تمثَّل بحفر الخندق، العمل الاستخباريّ الفعّال، الدور البطوليّ للإمام عليَّ عليه السلام، التأييد الإلهيّ الغيبيّ.

- وفرزت حرب الخندق المسلمين إلى ثلاث فئات، ضعاف الإيمان، المنافقين، والمؤمنين الحقيقيّين.

- وكان لصلح الحديبيّة بركات عديدة، حيث مهّد لدخول كثير من الناس إلى الإسلام، ومهّد لفتح مكّة وانتصار الإسلام على الكفر القرشيّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

115

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 للمطالعة

 
زهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
إذا أردنا أن نُكوِّن فكرة واضحة عن زهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، علينا أن نعرف طعامه ولباسه ومسكنه ومُدّخراته.
 
- أمّا طعامه صلى الله عليه وآله وسلم: فقد كان خبز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبز الشعير في أكثر أحيانه، وما أكل خبز طحين منخول حتّى قُبِض، بل ما شبع من خبز الشعير قطّ.
 
فعن العيص بن قاسم قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: حديث يُروى عن أبيك عليه السلام أنّه قال: "ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خبز برّ قطّ، أهو صحيح؟ فقال: لا، ما أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خبز برّ قطّ، ولا شبع من خبز شعير قطّ"1.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "ذُكر اللحم عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما ذقته منذ كذا"2.
 
وقالت عائشة: "والذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحقّ ما كان لنا منخل، ولا أكل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبزاً منخولاً منذ بعثه الله إلى أن قُبض"3.
 
- وأمّا لباسه صلى الله عليه وآله وسلم: فيكفينا أن نعلم أنّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما تقول عائشة ـ "ما اتخذ من شيء زوجين، لا قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا من النعال، وكثيراً ما كان يلبس المُرقَّع من الثياب".
 
- وأمّا مسكنه صلى الله عليه وآله وسلم: فقد كان غرفة واحدة، لكلّ زوجة من زوجاته، فيها ينام وفيها يجلس وفيها يأكل، وكان أثاثها بسيطاً زهيد الثمن، وكان فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومخدّته من جلد محشوّ بالليف.



1 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 24، ص244.
2 م.ن، ص20.
3 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج19، ص189.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

116

الدرس التاسع: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (2) معركة الخندق - صلح الحديبيّة

 يروي أمير المؤمنين عليه السلام فيقول: "كان فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عباءة وكانت مرفقته أدم حشوها ليف.. وكان كثيراً ما يتوسّد وسادة له من أدم حشوها ليف، ويجلس عليها، وكانت له قطيفة فدَكيّة يلبسها يتخشّع بها، وكانت له قطيفة مصريّة قصيرة الخمل، وكان له بساط من شعر يجلس عليه"1.

 
- وأمّا مدّخراته صلى الله عليه وآله وسلم: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يدّخر شيئاً من المال ولا من الأشياء.
 
قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يَدَّخر شيئاً لغد.
 
ويكفي أن نعلم أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا تُوفّي ما ترك إلّا سلاحه وبغلته ودرعاً مرهونة.
 
فعن ابن عباس قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تُوفّي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً من شعير أخذها رزقاً لعياله"2.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص253.
2 الهيثمي، مجمع الزوائد، ج3، ص 123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

117

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف سبب نقض قريش لصلح الحديبيّة، ونتائج ذلك.
2- يحلِّل الأسباب التي أدّت إلى فتح مكّة.
3- يُلخِّص أحداث معركة حُنَيْن، ويستفيد من دروسها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

118

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 قريش تَنقض العهد

كان من أحد بنود صُلح الحُديبيّة إقرار هدنة لمدّة عشر سنوات بين المشركين والمسلمين. وقد استفاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حالة الأمن والاستقرار بعد أن كفّت قريش ممارساتها العدائيّة، وخطا صلى الله عليه وآله وسلم بعض الخطوات البعيدة المدى، وهادن الكثير من القبائل المعادية التي كانت تقطن إلى جوار المدينة، وعقد معاهدات صلح معها.
 
وبعد سنتين نقضت قريش معاهدة صُلح الحُديبيّة, وذلك عندما انضمّت إلى حلفائها من قبيلة "كنانة" التي أقدمت على مهاجمة قبيلة "خُزاعة" حليفة المسلمين مخالِفةً بذلك الهدنة القائمة بين الطرفين بموجب الصُّلح، فاستنصرت خُزاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشعرت قريش بخطورة المجازفة التي أقدمت عليها فأوفدت أبا سفيان إلى المدينة، ليُؤكّد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليتفادى نتائج الأحداث، إلّا أنّ محاولاته في المدينة لم تُجدِ نفعاً بعدما رفض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مقابلته لنقضه العهد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

119

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 فتح مكّة1

 
أعلن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم النفير العامّ بين المسلمين، وجهّز جيشاً من عشرة آلاف مقاتل وقرّر الهجوم على مكّة، ولكنّه لم يكشف عن الوجهة التي يُريد أن يقصدها, لكي يُحافظ على مبدأ المُباغتة2، وليُصادر إمكانيّة الدفاع من يدها، ولئلّا يقع قتال



1 تمّ فتح مكّة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
2 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج4، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

120

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

  في مكّة. وكان يدعو ربّه قائلاً: "اللهم خذ العيون والأخبار من قريش نُباغتها في بلادها"1. ولكنّ الخبر تسرّب إلى حاطب بن بلتعة الذي كتب إلى قريش بذلك وأعطى الكتاب إلى امرأةٍ، فوضعته في شعرها وتوجّهت إلى مكّة، فعرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهذا العمل الجاسوسيّ الخطير، وبعث الإمام عليّاً عليه السلام والزبير ليقبضا عليها، فأدركاها في منطقة ذي الحليفة، وانتزع منها الإمام عليه السلام الكتاب بالتهديد والقوّة وأرجعاها إلى المدينة. وفي شهر رمضان من العام الثامن للهجرة تحرّك الجيش الإسلاميّ سرّاً حتّى وصل إلى مشارف مكّة وطوّقها.

 
أسلوب الحرب
استخدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحرب النفسيّة في هذه الغزوة، فأشعل النيران على الجبال على مقربة من مكّة، ليُشعر قريشاً بقوّة وكثرة الجيش، وليُثير الرعب في قلوب الطغاة، وليحملهم على الاستسلام والخضوع من غير قتال ولا إراقة دماء.
 
خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وغيرهما ليتجسّسوا الأخبار ففوجئو ا بالنيران تُطوِّق مكّة، وفي هذه الأثناء التقى العبّاس بن عبد المطّلب بأبي سفيان2 وأشار عليه بأنْ يذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعد أن أخذ له الأمان، رتّب له لقاءً مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحصل اللقاء صبيحة اليوم التالي، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأنِ لك أن تعلم أنّه لا إله إلّا الله" فقال: بأبي أنت وأمّي ما أحلمك وأكرمك.. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأنِ لك أن تعلم أنّي رسول الله"؟ فقال: بأبي أنت وأمّي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أمّا هذه والله فإنّ في النفس منها حتّى الآن شيئاً. وهنا تدخّل العباس لإنقاذ أبي سفيان، فشهد أبو سفيان للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوّة، وفي نفسه أشياء وأشياء ظلّت حتّى موته.



1 الواقدي، المغازي،ج 2، ص796.
2 راجع ابن هشام، السيرة النبويّة،ج4، ص42 - 44 - 46.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

121

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 كان إسلام أبي سفيان بمثابة إزالة لكلّ العقبات أمام إسلام البقيّة من زعماء الكفر من قريش، ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استتماماً للضغط النفسيّ على قريش، ولكي تستسلم دون إراقة الدماء، قال للعبّاس: "يا عبّاس، احبسه بمضيق الوادي عند خضمّ الجبل حتّى تمرّ به جنود الله فيراها".

 
ولإشاعة الاطمئنان إلى رحمة الإسلام، ورحمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإرضاءً لغرور أبي سفيان كي لا يُكابر قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن"1.
 
دخول مكّة
ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكّة بتلك الحشود التي تنساب خلفه فاتحاً من غير قتال، فلمّا انتهى إلى الكعبة تقدّم على راحلته فاستلم الركن وكبَّر، فكبَّر المسلمون لتكبيره، ثمّ طاف بالبيت، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنماً وكان "هُبل" أعظمها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ عليه السلام: "أعطني يا عليّ كفّاً من الحصى"، فقبض له الإمام عليه السلام كفّاً فناوله، فرماها به وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾2، ثمّ أمر بالأصنام فأُخرجت من المسجد فطُرحت وكُسرت، ثمّ أمر أن تُفتح الكعبة، فدخلها وصلّى فيها وأزال كلّ ما كان فيها من تماثيل وصور، ثمّ أشرف من بابها على الناس وقال: "لا إله إلّا الله وحده لا شريك له الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.."3 ، ثمّ توجّه إلى المكّيّين وسألهم: "ماذا تَرَون أنّي فاعل بكم"؟ فقالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي أقول لكم ما قال أخي يوسف لإخوته، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، إذهبوا فأنتم الطلقاء"4.



1 راجع: ابن هشام، السيرة النبويّة، ج2، ص 401.
2 سورة الإسراء، الآية: 81.
3 راجع: ابن هشام، السيرة النبويّة، ج2، ص 416.
4 م.ن، ص411.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

122

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 

 

وبذلك ضرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للأجيال في كلّ عصرٍ وزمان مثلاً في الرحمة والعفو والترفُّع عن الحقد والانتقام.

 
وكان من نتائج هذا الفتح سقوط القلعة الحصينة والقاعدة المركزيّة للمشركين، وولّى عهد عبادة الأصنام إلى غير رجعة، وبعد سقوط مكّة أخذت وفود القبائل تأتي وتُعلن إسلامها وطاعتها للإسلام عدا قبيلتي هوازن وثقيف اللتين أسلمتا بعد غزوة حُنَيْن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145
 

123

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 غزوة حُنين1

شكّل فتح مكّة وانتصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم العظيم عهداً جديداً من التوحيد، بعد طول فترةٍ من الشرك. وترامت إلى أسماع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ قبيلتي هوازن وثقيف قد أعدّتا العُدَّة لمحاربة الإسلام، فعزم صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج لملاقاتهم قبل أن يُفاجِئوه بالجيش الكبير الذي نظّموه بالتعاون مع بعض القبائل الأخرى، بقيادة مالك بن عوف (زعيم هوازن)2.
 
 
انطلق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من مكّة في مطلع شوّال على رأس اثني عشر ألف مقاتل، وعيّن عتاب بن أسيد لإدارة الأمور في مكّة. وسرعان ما وجد المسلمون أنفسهم مضطرّين إلى اجتياز وادٍ من أودية تهامة، شديد الانحدار يُدعى حُنيناً، في طريقهم لمواجهة التجمّع الوثنيّ. وكان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي واتخذوا مواقع لهم في شعابه، وتهيأوا للانقضاض على المسلمين في جوٍّ يسوده المطر والضباب. وما



1 حنين: وادٍ إلى جانب ذي المجاز أو ماء إلى قرب الطائف، يبعد ثلاث ليال عن مكّة.
2 الطبرسي، إعلام الورى، ص 113.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

124

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 إنْ دخل المسلمون الوادي حتّى فاجأهم أعداؤهم بهجوم مُباغِت، فأصابهم الفزع والاضطراب وفرّوا راجعين لا يلوون على شيء، ولم يثبت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غير الإمام عليّ عليه السلام وجماعة من بني هاشم1، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُنادي بالمسلمين، ثمّ أمر عمّه العبّاس أن يلحق بالفارّين ويُناديهم، ولمّا سمع المسلمون صوت العبّاس، وأنزل الله السكينة على قلوب المؤمنين منهم، بادروا للعودة إلى ساحة المعركة واستقبلوا العدوّ بصدورهم، وقاتلوا ببسالة على قِلّتهم بعدما رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُباشر القتال بنفسه بشجاعة ومن حوله الإمام عليّ عليه السلام وبنو هاشم.

 
تمكّن الإمام عليه السلام من قتل حامل راية هوازن، وبدأت الكفّة تميل لصالح المسلمين، وما لبث المشركون أن أخذوا بالتراجع، وأُصيبوا بالهزيمة وفرّوا من أرض المعركة، تاركين وراءهم الأموال والنساء والأولاد، وأسر المسلمون منهم ما يزيد عن ثلاثة آلاف أسير، إضافة إلى غنائم أخرى2.
 
حصار الطائف
واصلت قوّات المسلمين ملاحقتها للعدوّ، وتراجع المشركون بقيادة مالك بن عوف صوب الطائف، وعسكر بعضهم في "أوطاس"، وتوجّهت فئة أخرى نحو "نخلة" فلحق المسلمون بهم إلى هاتين المنطقتين وأوقعوا بهم شرّ هزيمة. تمكّن مالك بن عوف من الفرار مع بعض الجيش إلى الطائف، واعتصم بحصونها المنيعة وأعدّ العُدَّة مع جيشه للقتال، فحاصرهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بضعاً وعشرين يوماً، وحصل قتال عنيف استعمل فيه المسلمون لأوّل مرّة آلات الحصار كالمنجنيق، ونظراً لاقتراب شهر ذي القعدة الذي هو من الأشهُر الحُرم قرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رفع الحصار, لأنّه لم يَعُد يرى خطراً من ترك الطائف إلى فرصةٍ أخرى.
 
وفي طريق عودته صلى الله عليه وآله وسلم وعند وصوله إلى "الجعرانة" (محلّ تجميع الأسرى



1 الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 574 - 575.  
2 تاريخ الطبري، ج3، ص132.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

125

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 والغنائم) أرسلت إليه هوازن وفداً لالتماس العفو عنده، وأعلنوا إسلامهم، فردّ عليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نساءهم وأموالهم، وجاء زعيمهم مالك بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معلناً إسلامه بعد أن سمع مقولة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أخبروا مالكاً أنّه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل"، وردّ عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهله وماله.

 
وبعد تقسيم الغنائم على المسلمين في "الجعرانة" اتّجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكّة في شهر ذي القعدة، فأتمّ عمرته وأحلّ من إحرامه واستخلف على مكّة عتاب بن أسيد ومعه معاذ بن جبل لتعليم الناس القرآن وأحكام الدين، وخرج مُتّجهاً إلى المدينة بمن معه من المهاجرين والأنصار، بعد هذين الإنتصارين العظيمين وهما: فتح مكّة، وهزيمة جيشٍ مؤلّف من ثلاثين ألف مقاتل في حُنين.
 
دروس من حُنين
يُمكن لنا أن نستخلص من غزوة حُنين بعض الدروس والعِبَر، منها:
1- إنّ غرور المسلمين بأنفسهم، في بداية المعركة، وإعجابهم بكثرتهم وقوّتهم كان السبب الأساس في الهزيمة، فأراد الله تعالى أن يُعلِّمهم أنّ الكثرة لا تُغني شيئاً, عندما تفقد الأمّة عناصر الإيمان والإخلاص والصبر والتوكّل على الله.
 
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾1.
 
2- إنّ القلّة التي ثبتت في ساحة القتال هي التي حقّقت الانتصار في حُنين، وهم الذين أنزل الله تعالى عليهم السكينة والطمأنينة. ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾2.



1 سورة التوبة، الآية: 25.
2 سورة التوبة، الآية: 26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

126

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

149


127

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 خلاصة

- كان نقض قريش لأحد بنود صلح الحديبيّة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سبباً لتوجُّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشكلٍ سرّي وسريع نحو مكّة، وتمّ فتحها بغتةً. وكان استسلام أهل مكّة عملاً هائلاً في تأريخ حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد توقّف النشاط المعادي للإسلام من أخطر مركز باشر العداء للدين الجديد لأكثر من عشرين عاماً.

- مهّد هذا الفتح الطريق لاستسلام الجزيرة العربيّة كلّها، وسُمّيّ العام الثامن الهجريّ بعام الفتح. وأصبح المسلمون سادة مكّة وحماة البيت الحرام.

- أحدث فتح مكّة واستسلامها للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ردّ فعل عنيفٍ لدى القبائل العربيّة، كهوازن وثقيف وحاولت أن تُوجِّه ضربتها للإسلام، وأفلحت في أوّل الطريق، ولولا ثبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وثلّة من المؤمنين لاكتسحت هاتان القبيلتان قوّات المسلمين.

- كانت غزوة حُنين تجربة قيّمة للمسلمين, لئلّا يغترّوا بكثرة العدد، فإنّ قُدرة الإيمان هي التي تُؤدّي إلى النصر دائماً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

128

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 للمطالعة

 
شجاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وثباته
إذا أردنا أن نُكوِّن فكرة واضحة عن مدى شجاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلنستمع إلى شهادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو يصف شجاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً"1.
 
وقال عليه السلام أيضاً: "كنّا إذا احمرّ البأس ولقي القومُ القومَ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدوّ منه"2.
 
ورُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "أغار المشركون على سرح المدينة فنادى فيها منادٍ: يا سوء صاحباه3! فسمعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجبل فركب في طلب العدوّ، وكان أوّل أصحابه لحاقاً به أبو قتادة على فرس له، وكان تحت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرج دفّتاه ليف ليس فيه أشر ولا بطر، فطلب العدو فلم يلقوا أحداً، وتتابعت الخيل فقال أبو قتادة: يا رسول الله إنّ العدوّ قد انصرف فإن رأيت أن نستبق. فقال: نعم، فاستبقوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سابقاً عليهم، ثمّ أقبل عليهم فقال: أنا ابن العواتك من قريش، إنّه لهو الجواد البَحر، يعني فرسه"4.
 
ولمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحُد، أدركه أُبيّ بن خلف الجمحيّ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجلٌ منّا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "دعوه"، حتّى إذا دنا منه ـ وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: عندي 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، ص232.
2 م. ن.
3 وفي روايات أخرى، يا سوء صباحاه.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 19، ص171.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

 


129

الدرس العاشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (3) الفتح المبين - معركة حُنين

 رمكة أعلفها كلّ يوم فرق ذرة اقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بل أنا أقتلك إن شاء الله" ـ تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحربة من الحارث بن الصمّة ثمّ استقبله فطعنه في عنقه فخدش خدشة، فتدهده عن فرسه وهو يخور خوار الثور وهو يقول: قتلني محمّد، فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس. فقال: بلى. لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ لو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث يوماً حتّى مات1.




1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج20، ص26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

130

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 
1- يعرف الموقف العدائيّ والعنصريّ لليهود ومواجهتهم للإسلام والمسلمين.
2- يعرف أسباب ونتائج غزوة بني قينقاع ضد اليهود.
3- يحلِّل أسباب ونتائج غزوة بني النضير ضدّ اليهود.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

131

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 مخالفات اليهود

اليهود قومٌ نفعيّون، يتّسمون بالتعنُّت والتكبُّر، وقفوا موقفاً عنصريّاً من نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لكونه غير يهوديّ، ولأنّهم كانوا يَحْظَون بمكانة اقتصاديّة واجتماعيّة في يثرب، ويحتكرون الزراعة وأكل الربا، وكانوا يستغلّون الخلافات بين الأوس والخزرج، فقد أعلنوا عدائهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد العهود والمواثيق، عندما شعروا بأنّ القوّة ستكون بيد المسلمين في المستقبل القريب، وأنّهم سيفقدون مكانتهم لأنّ الناس اتّحدوا تحت لواء الإسلام، وتعبيراً عن حقدهم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: "ما يُريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلّا خَالَفَنَا فيه"1.
 
أخذ اليهود بتبديل موقفهم من الرسالة وانتهجوا أسلوب المخالفة، ووضع العراقيل من خلال عرض مجموعة من المطالِب التعجيزيّة وغير المنطقيّة، مثل طلبهم إنزال كتاب من السماء عليهم، وإثارة الأسئلة الدينيّة المعقّدة بهدف تشويش أذهان المسلمين، وعملوا على زرع الفتنة بين المسلمين، وحاولوا بعث الأحقاد القديمة بين الأوس والخزرج2.



1 الحلبي، ج 2، ص332.
2 سيرة ابن هشام، ج 2، ص160، وابن شهر آشوب، المناقب، ج 1، ص54.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

132

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 تحويل القبلة 

كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أثناء إقامته في مكّة، ومدّةً من بعد الهجرة، يُصلّي باتجاه بيت المقدس بأمر من الله تعالى. وبعد أن أسفر اليهود عن عدائهم، اتّخذوا قضية القبلة ذريعة لنفث سموم إعلامهم ضدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا بأنّه لا استقلاليّة له في دينه، وإنّه يُصلّي باتجاه قبلتنا، فتأذّى الرسول من هذا الوضع. وبعد سبعة عشر شهراً من الهجرة نزل عليه جبرئيل عليه السلام وأبلغه أمر تحويل القبلة نحو الكعبة بعدما صلّى ركعتين من صلاة الظهر نحو بيت المقدس. فكان ذلك الحدث أمراً صعباً مريراً على اليهود، ولم يَعُد لديهم ذريعة لإطلاق الدعايات ضدّ المسلمين1.
 
اليهود في مواجهة الإسلام
حاول اليهود مواجهة الإسلام بكلّ ما لديهم من قوّة عبر الأساليب التالية:
1- تشكيك البسطاء وضعاف النفوس بالإسلام.
 
2- طرح الأسئلة التعجيزيّة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهدف إفشال دعوته، للإيحاء للناس بعدم صدقه في ادعائه للنبوّة، وقد حدّثنا القرآن عن ذلك: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً﴾2.
 
3- الضغط الاقتصاديّ على المسلمين من خلال رفضهم أن يُقرضوا المسلمين مالاً في بداية إقامتهم في المدينة, حيث كان المسلمون في ضنكٍ مادّيٍّ شديد.
 
4- تحريض أعداء الإسلام ومساعدتهم بكلّ ما أمكنهم ولو بالتجسُّس.
 
5- إثارة الفتن بين المسلمين.



1 راجع الآيات الكريمة التي نصّت على تحويل القبلة في سورة البقرة، من الآية: 144.
2 سورة النساء، الآية: 153.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

133

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 6- تآمرهم على حياة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وتحريضهم الناس عليه.

 
7- نقضهم للعهود والمواثيق التي أبرموها مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة كلّ مرّة.
 
موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود
باءت جميع محاولات اليهود في القضاء على الإسلام بالفشل الذريع، بسبب الوعي والحكمة والأسلوب الذي واجههم به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يتلخّص باتجاهين:
 
الأوّل: الاغتيالات المنظّمة لرموزهم وبعض أفرادهم:
فقد تمّ اغتيال بعض أفرادهم ورموزهم الذين ظهر كيدهم، فاغتيل أبو عفك اليهوديّ، الذي كان يُحرِّض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويهجوه في الشعر، على يد سالم بن عمير، وقُتلت العصماء بنت مروان اليهوديّة على يد عمير بن عون ليلاً، حيث كانت تعيب الإسلام والمسلمين، وتؤنِّب الأنصار على اتّباعهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقول الشعر في هجوه صلى الله عليه وآله وسلم، واغتيل كعب بن الأشرف الذي ذهب إلى مكّة بعد "حرب بدر" وحرّض المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يتعرّض بالأذى لنساء المسلمين، واغتيل ابن سنينة وأبو رافع ابن أبي الحقيق من يهود خيبر وغيرهما...
 
هذه الاغتيالات أدخلت الرعب إلى قلوب اليهود لدرجةٍ أنّه لم يبق في المدينة ومحيطها يهوديّ إلّا وهو خائف على نفسه.
 
الثاني: الحرب الشاملة والمصيريـّة ضدهم:
على الرغم من الاغتيالات لم يتراجع اليهود عن التحريض والتآمر، واستمرّوا في عنادهم وتماديهم في إيذاء المسلمين ونشر الفساد، ونقضهم للمعاهدات التي وقّعوا عليها بملء اختيارهم، فكانت الحرب الشاملة والمصيريّة ضدّهم، فحاربهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في داخل المدينة "بني قينقاع، وبني النضير"، وحارب في محيطها "بني قريظة"، وحاربهم في خيبر التي كانت تُمثِّل المعقل الأساس لهم في شبه الجزيرة العربيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

134

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: غزوة بني قينقاع

نظراً لكثرة المؤامرات والإفساد الذي مارسه اليهود ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ونقضهم للعهود والمواثيق معه، رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الممارسات اليهوديّة سبباً وفرصةً للتخلُّص من شرِّهم ومكرهم، فكان أوّل عملٍ منه تجاههم هو مواجهة بني قينقاع وإجلاؤهم عن المدينة. والسبب الذي حمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على البدء بإجلاء بني قينقاع من المدينة دون غيرهم هو: أنّهم كانوا يسكنون داخل المدينة، وكانوا أوّل من غَدَرَ وخان من اليهود. ويذكر المؤرِّخون أنّ بني قينقاع كانوا يُمسكون بخيوط اقتصاد المدينة، وأكثر الناس خطراً على المسلمين لأنّهم يعيشون بينهم، ومارسوا الكثير من الأعمال الإيذائيّة، وقاموا بالحرب الباردة (الإعلامية) ضدّهم، ونشروا الأكاذيب والشعارات القبيحة، وأنشدوا القصائد التي من شأنها تحقير المسلمين والإساءة إليهم. وكانوا قد عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على المسالمة وعدم معاونة الأعداء، فلمّا كانت حرب بدر أظهروا البغي والحسد ونقضوا العهد، وكانوا أوّل من استجاب لطلب قريش في نصب العداء للمسلمين والغدر بهم. وقد صعّدوا من تحدّيهم للمسلمين عندما دخلت امرأة مسلمة سوق الصاغة في المدينة ـ الذي كان تحت سيطرتهم ـ فاجتمع عليها جماعة من اليهود وأرادوها أن تكشف عن وجهها فأَبَت، فعمد يهوديٌّ من خلفها وعقد طرف ثوبها إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها، فصاحت تستغيث بالمسلمين، فوثب رجلٌ من المسلمين على من فعل ذلك فقتله، وشدّ اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنجد أهل المسلم بالمسلمين، ووقع بينهم وبين بني قينقاع الشرّ، فجمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اليهود وحذّرهم وطلب منهم أن يكفّوا عن أذى المسلمين ويلتزموا بعهد الموادعة، أو يُنزِل بهم ما أنزله بقريش1، فقالوا له: "لا يَغُرَّنّك يا محمّد أنّك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة 



1 يقصد بذلك حرب بدر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

135

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 مكّنتك من رقابهم، إنّا والله لئن حاربناك لتعلَمنّ أنّا نحن الناس، وسترى منّا ما لم تره من غيرنا"1.

 
فأنزل الله تعالى على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المناسبة قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾2.
 
ولذلك لم يبق أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أن يُقاتلهم، فسار إليهم، وكان عددهم حوالي سبعمائة مقاتل، وسلّم الراية للإمام عليّ عليه السلام، وحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشدّ حصار، فقذف الله في قلوبهم الرعب، واستسلموا، وطلبوا من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُخلِّي سبيلهم وينفيهم من المدينة، على أن يكون لهم نساؤهم والذريّة، وله أموالهم والسلاح، فقبل منهم ذلك، فوزّع أموالهم وأسلحتهم على المسلمين، وطردهم من المدينة إلى أذرعات بالشام3.
 
حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضد اليهود: غزوة بني النضير
وصلت معلومات إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مفادها أنّ بني النضير يُخطِّطون لاغتياله، فقرّر إجلاءهم عن مواضعهم بعد أن ظهر للعيان فسادهم. وتعامل معهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالرفق والتسامح، حيث أنذرهم في البداية بأنّ يخرجوا من حصونهم وينزحوا من يثرب في مدّة عشرة أيّام، ولكنّهم رفضوا الإذعان له أوّل الأمر، ثمّ بدا لهم الإذعان لحكمه صلى الله عليه وآله وسلم ورضوا بالجلاء عن يثرب، لكنّ جماعة من المنافقين من بني عوف وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ بعثوا إليهم: "أن اثبتوا وتمنّعوا فإنّا لا نُسلمُكم. إن قوتلتم



1 راجع تاريخ الطبري، ج2، ص172.
2 سورة آل عمران، الآيتان: 12و 13.
3 راجع للتفصيل: السبحاني، جعفر، سيّد المرسلين، ج 2، ص121، مؤسسة النشر الإسلاميّ، قم، ط1، 1413هـ، وما بعدها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

136

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم"1.

 
إلّا أنّ عبد الله بن أُبي خذلهم وغدر بهم، وأنزل الله سبحانه بهذه المناسبة: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾2 لذلك امتنعوا عن الإذعان لحكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واحتموا خلف حصونهم، وفي ذلك يقول القرآن: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ...﴾3. وكانت حصونهم مُحْكَمة، وكان من غير المُمكِن فتحها في مدّة وجيزة، فأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقطع نخيلهم وحرقها، ولعلّ النخيل الذي أُحرِق كان يُعيق حركة القتال. ولمّا عاب اليهود على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، أنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾4. وكان قطع النخل ضروريّاً ولازماً من أجل قطع آمال بني النضير، وخزيهم وخزي سائر حلفائهم وفي مقدّمهم عبد الله بن أُبي ومن معهم من المنافقين، وكذلك لإفهامهم تصميم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على المواجهة والتحدّي حتّى يفقدوا الأمل بجدوى المقاومة. ويظهر أنّ قطع النخيل وإحراقه، كان سبباً في تسرُّب اليأس إلى قلوبهم، إذ وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إمّا الإذعان لحكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإمّا الخروج من المدينة لمهاجمة المسلمين ومنعهم من إحراق نخيلهم، فاختاروا الإذعان لحكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، خاصّة بعد أن تَمكَّن الإمام عليّ عليه السلام من قتل عشرة من فرسانهم، فطلبوا منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يُجليهم ويكفّ عنهم، على أنّ لهم ما حملت الإبل من 



1 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج 2، ص200.
2 سورة الحشر، الآيتان: 11 - 12.
3 سورة الحشر، الآية: 14.
4 سورة الحشر، الآية: 5.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

137

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 أموالهم إلّا السلاح، فرضي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

 
ويُشير القرآن إلى غرور بني النضير وامتناعهم بحصونهم، ظانّين أنّها ستمنعهم من أمر الله تعالى، كما يُشير إلى هزيمتهم وتخريبهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين المجاهدين بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾1.



1 سورة الحشر، الآية: 2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

138

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

162


139

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 

 

 

 

 

 

 

 

163


140

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 خلاصة

- وقف اليهود من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موقفاً عدائيّاً وعنصريّاً لكونه غير يهوديّ، ونقضوا العهود والمواثيق التي أبرموها معه مرّات عديدة، وعملوا على زرع الفتنة بين المسلمين.

- توجّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته إلى بيت المقدس، فاستغلّ اليهود هذه القضيّة لتكون ذريعةً لنفث سمومهم ضدّه صلى الله عليه وآله وسلم، فتأذّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك، فأنزل الله تعالى عليه الوحي يأمره بالتوجُّه في الصلاة إلى الكعبة الشريفة.

- واجه اليهود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأساليب عدائيّة مختلفة، وطرحوا الأسئلة التعجيزيّة، وعملوا على الضغط الاقتصاديّ على المسلمين، وحرّضوا أعداء الإسلام عليه صلى الله عليه وآله وسلم فواجههم بالاغتيال لكبار أصحاب الفتنة منهم.

- وحيث لم تردع هذه الطرق اليهود عن الاستمرار في غيّهم، أعلن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحرب الشاملة ضدّهم فحارب بني قينقاع وبني النضير الموجودين في داخل المدينة، وأجلاهم عنها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

141

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 للمطالعة

 
منطق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
لقد اتّفق جميع الذين وصفوا منطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان أحسن الناس منطقاً.
 
فقد سأل الإمام الحسن عليه السلام هند بن أبي هالة التميميّ أن يصف له منطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "كان رسول الله متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه (الأشداق جوانب الفم أي لا يفتح فاه كلّه) ويتكلّم جوامع الكلم فصلاً لا فضولاً ولا تقصيراً فيه، دمِثاً ليس بالجافي ولا المَهين، يُعظِّم النعمة وإن دقّت ولا يذمّ منها شيئاً، ولا يذمّ ذوّاقاً ولا يمدحه، ولا تُغضبه الدنيا وما كان لها، إذا تُعوطي الحقّ لم يعرف أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتّى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصرُ لها، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث أشار بها فضرب راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ من طرفه، جُلُّ ضحكه التبسّم ويفتر عن مثل حبِّ الغمام"1.
 
وإذا أردنا أن نبحث عن مكوّنات حلاوة منطقه صلى الله عليه وآله وسلم وحُسنه لحصلنا من ذلك على العناصر التالية:
 
- ترك الفاحش من القول: فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سَبَّاباً ولا فَحَّاشاً، بل كان أبعد ما يكون عن الفُحش والبذاءة في الكلام. فقد رُوي أنّه قيل له: يا رسول الله ادعُ على المشركين! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لم أُبعث لعّاناً وإنّما بُعثت رحمة"2.
 
وعن أنس بن مالك قال: خدمت النبيّ تسع سنين فما قال لشيء أسأتَ، ولا بئس



1 الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص13.
2 الشيخ الأميني، الغدير، ج8، ص252.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

142

الدرس الحادي عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (4) غزوة بني قينقاع - غزوة بني النضير

 ما صنعْتَ، وكان إذا أنكر الشيء يقول: كذا قُضِي1.

 
- فصاحة لسانه: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصيح اللسان، إذا تكلّم تكلّم بأناة وهدوء.
 
- تبسّمه أثناء التكلُّم: قال أبو الدرداء: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدّث بحديث تبسّم في حديثه2.
 
- تكليمه للناس على قدر عقولهم: فكانت أساليب عرضه للأفكار وإجاباته عن الأسئلة تختلف في البُعد والمستوى من شخص لآخر، طبقاً للقابليّات الذهنيّة التي يتمتّع بها الأفراد، وإلى هذا أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "إنَّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلِّم الناس على قدر عقولهم"3.



1 الأصبهاني، أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ص 36.
2 م.ن، ص92.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

143

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر


أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 
1- يعرف أسباب غزوة بني قريظة ونتائجها.
2- يفهم نتائج انتصار المسلمين في معركة خيبر ويحلِّلها.
3- يعرف فضل أمير المؤمنين عليه السلام في فتح حصن خيبر على يديه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

144

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: غزوة بني قريظة

لقد كان بين يهود بني قريظة وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد واتفاق على أن لا يُحاربهم ولا يُحاربوه، ولا يُعينوا عليه أحداً، غير أنّهم نقضوا العهد وتعاونوا مع قريش والمنافقين في معركة الأحزاب ضدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته.
 
وبعد جلاء الأحزاب عن المدينة سمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بخيانتهم، فأرسل إليهم سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، لتذكيرهم بالعهد والميثاق، فأساؤوا الردّ، وأصرّوا على نقض العهد، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى هُزمت قريش والأحزاب، وكسب المسلمون معركة الخندق.
 
وفي نفس اليوم الذي رجع فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من ساحات المواجهة في الخندق قرّر الهجوم عليهم حتّى إنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر من كان معه من المسلمين ألّا يُصلّوا العصر إلّا في بني قريظة، لكسب الوقت، واستثمار الموقف النفسيّ المنهار لدى اليهود وحلفائهم من المشركين والمنافقين، ولكي لا يُعطيهم الفرصة لإعادة ترتيب أوضاعهم وإنشاء علاقات تزيد في قوّتهم.. فأعطى رايته للإمام عليّ عليه السلام وتبعه المسلمون بالرغم ممّا كانوا عليه من التعب والسهر خلال حصار الأحزاب لهم.
 
طوَّق المسلمون اليهود في حصونهم وأخذوا يرمونهم بالحجارة والسهام، ولم يجرؤ بنو قريظة على أن يخرجوا من حصونهم طوال مدّة الحصار، لأنّ المسلمين أحاطوا بهم من جميع الجهات، واستمرّ الحصار أيّاماً، وقيل: عشرة أيّام، وقيل: أكثر من ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

145

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 وخلال الحصار أرسل صلى الله عليه وآله وسلم إليهم بعض أصحابه لمواجهتهم فرجعوا مُنهزمين، فبعث الإمام عليّاً عليه السلام فكان الفتح على يديه، فاستسلموا، وطلبوا من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُعاملهم كما عامل بني النضير من قبل، فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وعرض عليهم أن يختاروا من الأوس ـ وهم حلفاؤهم ـ من شاؤوا ليحكم فيهم، فاختاروا سعداً بن معاذ، ونسوا موقفهم مع سعد حينما نقضوا العهد، وانضمّوا إلى الأحزاب ولم يستجيبوا إليه عندما حذّرهم من ذلك.

 
فحكم سعد فيهم بقتل الرجال أي المقاتلين منهم فقط ممن نقض العهد وقاتل، وسبي النساء والذراري ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم1. ولا شكّ في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى فيهم هذا الرأي، لأنّه إذا عفا عنهم اليوم فسيُمثِّلون معه نفس الدور الذي مثَّلوه بالأمس حينما انضمُّوا لأعدائه وتآمروا سرّاً معهم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمن الغدر والتآمر اليهوديّ ضدّه مرّة أخرى، بل ربّما يشتدّ خطرهم لو تركهم ويستعصي على المسلمين بعد ذلك استئصالهم.
 
لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذ حكم "سعد" في حقّ من قاتل منهم، وخرج إلى سوق بالمدينة فحفر بها الخنادق وقتل من قاتله منهم من الرجال، وأسر النساء والأولاد. وقد اختلف المؤرِّخون في عدد القتلى والأسرى منهم، لكنّ الأقوال في ذلك تتراوح في عدد القتلى ما بين الثلاثمائة رجل والألف، بينما بلغ عدد الأسرى ما بين السبعمائة وخمسين والألف. وبذلك تخلّص المسلمون من أشدّ أعداء الدولة الداخليّين، حيث قضت هذه الغزوة القضاء التامّ على جماعات اليهود في المدينة، الذين كانوا يُهدِّدون أمنها واستقرارها بالتآمر والتجسُّس والإشاعات والتخريب.
 
وقد أشار القرآن الكريم إلى انسحاب جيوش الأحزاب وغزوة بني قُريظة وانتصار المسلمين فيها بقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ 



1 راجع لمزيدٍ من التفاصيل حول هذه الغزوة،: العلامة المجلسي، بحار الأنوار: ج20، ص233 - 238، وتاريخ الطبري: ج3، ص53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

146

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا *وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾1.

 
حروب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضدّ اليهود: معركة خيبر
كان يهود خيبر من أقوى الطوائف اليهوديّة في بلاد الحجاز وأكثرهم عدداً وعُدَّة وأمنعهم حصوناً، فخيبر قرية من قُرى اليهود المجاورة للمدينة، تقع على قِمّة جبل، ويُحيطها حصنٌ حجريّ ظنّ أهله أنّه مانعهم من إرادة الحقّ2، وسيوف المجاهدين المؤيَّدين بنصر الله سبحانه. ويهود خيبر على عادة اليهود، قد استحكم بهم الغرور، وغرّهم المال والسلاح الذي بأيديهم.
 
وفي حصون خيبر عشرة آلاف مقاتل، كانوا يخرجون كلّ يوم صفوفاً يستعرضون قوّتهم، ويسخرون من قوّة المسلمين وهم يُردِّدون "محمّد يغزونا، هيهات! هيهات!"3.
 
وهذا الاعتداد بالقوّة لم يكن ليخدع يهود خيبر وحدهم، بل كان يهود المدينة الذين يعيشون وسط المسلمين قد انخدعوا به أيضاً، فراحوا يُهدِّدون المسلمين بتلك القوّة، ويحاولون إظهار التفوُّق العسكريّ لخيبر على المسلمين، وذلك لإشاعة الحرب النفسيّة، وإضعاف الروح المعنويّة للمسلمين.
 
وكانوا يُردِّدون على مسامع المسلمين: "ما أمنع والله خيبر منكم، لو رأيتم خيبر وحصونها ورجالها، لرجعتم قبل أن تصلوا إليهم. حصونٌ شامخات في ذُرى الجبال، إنّ بخيبر لألف دارع، وما كانت "أسد" و"غطفان" يمتنعون من العرب قاطبة إلّا بهم، فأنتم تُطيقون خيبر؟!"4.



1 سورة الأحزاب، الآيات: 25 27-.
2 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج4، ص360.
3 الواقدي، المغازي، ص 637 - 703، وهيهات اسم فعلٍ ماضٍ بمعنى بَعُدَ.
4 راجع: الواقدي، المغازي، ج2، ص237.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

147

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 أمّا الإعلام الإسلاميّ في المدينة فكان يردّ منطلقاً من الثقة بالله، والإصرار على الجهاد والمقاومة: إنّ الله قد وعد نبيّه أن يُغنمه خيبر1، ولا خُلف لوعد الله بالنصر.

 
وفي ظلّ هذه الأجواء راح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يصبر ويُصبِّر على كلّ أذى خيبر بسبب ما كانت تُمارسه ضدّ الإسلام والمسلمين.
 
فمنها: انطلق زعماء اليهود لدعوة القبائل العربيّة وتحزيبها ضدّ المسلمين في غزوة الخندق، وقد بذلوا الأموال في ذلك.
 
ومنها: خرج حييّ بن أخطب ودفع بني قريظة إلى نقض العهد في اللحظات العصيبة. وقد غدت خيبر بمرور الأيّام ملجأً يأوي إليه اليهود المُبعدون عن المدينة، ينتظرون الفرصة للانتقام من الإسلام، واسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جرّدهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منها.

 
وقد اتضح هذا في الأيّام القليلة التي أعقبت هزيمة بني قُريظة، إذ بلغت خيبر أنباء هزيمة بني قُريظة فاتّصل بعض اليهود بزعيمهم "سلام بن مشكم" وسألوه الرأي فأجابهم: نسير إلى محمّد بما معنا من يهود خيبر فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، قد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب.. ثمّ نسير إليه في عقر داره، فقالت اليهود: هذا الرأي2. وها هم يُحرِّضون غطفان وغيرها ويعدونهم أن يمنحوهم ثمر خيبر لسنة إن هم تحالفوا معهم ضد الإسلام والمسلمين.
 
لهذه الأسباب وغيرها عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العزم على غزوهم في حصونهم ومعاقلهم المنيعة في خيبر، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة، فجمع صلى الله عليه وآله وسلم جيشه 



1 م. ن.
2 الواقدي، المغازي، ج2، ص530 531-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

148

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 وتكتّم على مسيره، وخرج من المدينة في ألف وستمائة مقاتل من المسلمين، وأعطى رايته لعليّ عليه السلام، وسلك طُرقاً تحفظ سرِّيَّة تَحرُّكِه، فلم يشعر اليهود إلّا وجيش المسلمين قد نزل بساحتهم ليلاً. وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد وعده الله بالنصر وأن يردّه إلى المدينة فاتحاً غانماً.

 
وحين فوجئوا بقوّات المسلمين، تشاوروا فيما بينهم واتفقوا على القتال فأدخلوا نساءهم وأولادهم وأموالهم في بعض الحصون، وأدخلوا ذخائرهم في حصون أُخرى، بينما دخل المقاتلون منهم في حصن عُرف بحصن النطاة أو حصن القموص، والتقى الجمعان حول هذا الحصن، ودار قتال شديد بينهما حتّى جُرح عدد كبير من المسلمين.
 
وكان الهجوم على الحصن قد بدأ بإرسال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سَرِيَّة من المسلمين بقيادة أبي بكر، غير أنّه لم يستطع أن يفتح ثغرة في تحصينات العدوّ، بل عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهزماً، ثمّ أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمر بن الخطّاب لمعاودة الكرّة، فرجع منهزماً أيضاً، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك قال: "لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يُحبُّ اللهَ ورسولَه ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه، كرّاراً غير فرّار"1، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام، وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثمّ قال: "خذ هذه الراية، فامض بها حتّى يفتح الله عليك".
 
فخرج الإمام عليّ عليه السلام ومعه المقاتلون المسلمون فدار قتال بينهم وبين اليهود على أبواب الحصن، وقَتَلَ الإمام عليّ عليه السلام "مرحباً" وهو من أبطال اليهود وصناديدهم بعدما كان قد قَتل أخاه الحارث وأكثر من ستّة من فرسان اليهود على باب الحصن، فاستولى الخوف على اليهود والتجأوا إلى الحصن وأغلقوا بابه، وكان من أمنع الحصون وأشدّها وقد حفروا حوله خندقاً يتعذّر على المسلمين اجتيازه، 



1 انظر، تاريخ الطبري، ج2، ص300.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

149

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 فاقتلع الإمام عليّ عليه السلام باب الحصن، وجعله جسراً فعبر عليه المسلمون، واستبسلوا بقيادة الإمام عليّ عليه السلام فهاجموا بقيّة الحصون وتغلّبوا على من فيها حتّى انتهوا إلى حصني الوطيح والسلالم، وكانا آخر حصونهم المنيعة وفيهما النساء والذراري والأموال.

 
ولمّا شعر اليهود بأنّه أُسقط ما في أيديهم، وأنّ المسلمين سيأسرونهم ويقتلونهم إن هم أصرّوا على موقفهم، استسلموا وطلبوا العفو من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأجابهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بعد أن استولى على أموالهم، وتمّ الاتفاق بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أن تبقى الأرض في أيديهم يعملون فيها بنصف الناتج والنصف الآخر للمسلمين.
 
وبعد فتح خيبر رجع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والله ما أدري بأيِّهما أنا أشدُّ سروراً:بقدوم جعفر، أو بفتح خيبر؟"1.
 
إنّ انتصار المسلمين الساحق في خيبر يعود إلى العوامل التالية:
1- التخطيط العسكريّ والتكتيك الحربيّ الدقيق.
2- تحصيل المعلومات الدقيقة عن تمركز العدوّ داخل الحصون.
3- تفاني الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وشجاعته وبطولته النادرة، والتسديد الإلهيّ الذي مكّنَه من قتل أبطال اليهود وفرسانهم، وقلع باب خيبر وفتح الحصن على يديه2.



1 الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج8، ص50.
2 راجع عوامل الانتصار في كتاب سيد المرسلين، ج2، ص405 - 408.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

150

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 استسلام يهود فدك

لمّا سمع يهود فدك ـ القرية اليهوديّة المجاورة لخيبر ـ بما حلَّ برفاقهم في خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم، فوافق صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وصالحهم على نصف ناتج الأرض، فكانت خيبر مُلكاً للمسلمين لأنّهم استولوا عليها بالحرب، وفدك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خاصّة لأنّه تملَّكها بالصلح، وقد وهبها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للسيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام في حياته، وسلّمها إيّاها وجعلت عُمّالها فيها، وصارت هي المُشرِفة على أعمالها وعلى ناتجها. وكانت تصرف ناتجها على فقراء بني هاشم وحسبما تشاء1.
 
فقد جاء في الدرّ المنثور للسيوطيّ عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: لمّا نزلت الآية ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وأعطاها فدكاً، كما روى ذلك جماعة عن ابن عبّاس2.
 
وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد عن أبي سعيد الخدريّ: أنّه صلى الله عليه وآله وسلم وهبها لفاطمة عليها السلام، ولمّا انتهت الخلافة لأبي بكر كان أوّل ما قام به أن انتزعها من يدها، بحجّة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نُورِّث، ما تركناه صدقة"3، وأصرّ على ضمّها إلى مالية الدولة العامة بالرغم من أنّها طالبت بها وأقامت البيّنة على مُلكيّتها لها.
 
سقوط بقية مواقع اليهود: وادي القرى وتيماء
أمّا وادي القرى التي كان أهلها من اليهود الحربيّين الذين تآمروا على الإسلام والمسلمين، فقد توجّه إليها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفرض الحصار عليها، ودعا أهلها إلى



1 يراجع: حسن أحمد الهادي، فدك هبة النبوة، دار الولاء، بيروت.
2 انظر، الفيروز آبادي، فضائل الخمسة، ج3، ص136.
3 أورد هذا النص كبار محدّثي أهل السنة كالبخاري ومسلم وغيرهما. يُشار هنا إلى أنّ فدك ليست من الإرث، بل كانت نحلة وهبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فاطمة عليها السلام في حياته، فكانت صاحبة يد على فدك.




 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

151

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 الإسلام، وأخبرهم أنّهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله، ولكنّهم أبَوا وأصرّوا على القتال، وجرت بين الطرفين مناوشات محدودة، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعرض عليهم الإسلام وهم يأبون، ما دفعه إلى تشديد الحصار عليهم حيث تمكّن من فتح بلدهم عنوة، وبقي هناك أربعة أيّام قسّم خلالها الغنائم على أصحابه، وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها.

 
ولمّا بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلاميّة، صالحوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الجزية وأقاموا في بلدهم1.
 
وبسقوط خيبر والمواقع المجاورة تمّ تصفية آخر تجمُّع يهوديّ لعب دوره في مواجهة الإسلام ووضع العوائق في طريقه، وحبك المؤامرات ضدّه، وقُضي قضاءً تامّاً على القوّة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة ليهود الحجاز، وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العُليا في معظم مساحات الجزيرة العربيّة.



1 راجع، المغازي للواقدي، ج2، ص709 -711، والفتوح للبلاذري، ج1، ص39 40-، والتنبيه والاشراف للمسعودي، ص-224 225.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

152

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

177


153

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 خلاصة

- واصل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حروبه ضدّ اليهود واستطاع الانتصار عليهم في غزوة بني قُريظة، وفي معركة خيبر، وفي فدك وغير ذلك.

- اختار بنو قُريظة حُكم سعد بن معاذ، ففوجئوا بحكمه القاضي بسبي نسائهم وذراريهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، وتبنّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا الرأي.

- توّج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم انتصاراته على اليهود في معركة خيبر، فبعد حصارهم الطويل أرسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عدداً من أصحابه لفتح ثغرة في تحصيناتهم فلم يوفّقوا، فأعطى الراية للإمام عليّ عليه السلام الذي كتب الله تعالى النصر على يديه، وقتل زعيمهم "مرحباً" وهو من أبطال اليهود.

- استكمل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عمليّة القضاء على اليهود باستيلائه على قرية فدك اليهوديّة، التي صالحوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليها، وبحصاره لهم في وادي القرى وتيماء حيث استسلموا ورضخوا فيما بعد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

154

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 للمطالعة

 
نماذج من آداب معاشرته صلى الله عليه وآله وسلم للناس
- كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طَلِقَ الوجه دائم البِشر، يواجه الناس بالابتسامة، ويُحسن لقاءهم، ويعاملهم بالرفق واللين والرحمة، ولم يكن يبدو على وجهه العبوس أو الحزن أو الانقباض، بل كان بشوشاً ويُخفي أحزانه وآلامه.
 
فقد روى الإمام الحسن عليه السلام، عن أبيه عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائم البِشر، سهل الخُلُق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب -من الصخب وهو شدّة الصوت- ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح"1.
 
وكان يُخاطب قومه ويقول: "يا بني عبد المطّلب إنّكم لن تَسعُوا الناس بأموالكم فالقوهم بطلاقة الوجه وحُسن البِشر"2.
 
وكان أمير المؤمنين عليه السلام إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، ومن رآه بديهة (لأوّل مرة) هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، لم أرَ مثله قبله ولا بعده"3.
 
- وكان صلى الله عليه وآله وسلم شديد المدارة للناس وأرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس، حتّى لقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بالفرائض"4.
 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أعقل الناس أشدّهم مداراة للناس، وأذلّ الناس من أهان الناس"5.
 
- ومن مصاديق رِفْقِه بالأُمَّة، ومعاملته لها بالحسنى: ما رواه يونس الشيباني قال: 



1 السيد الطباطبائي، سنن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ص 104. 
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص103.
3 السيد الطباطبائي، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص112.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص117. 
5 الشهيد الأوّل، الأربعون حديثاً، ص 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

155

الدرس الثاني عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (5) غزوة بني قريظة - معركة خيبر

 قال أبو عبد الله ـ الصادق ـ عليه السلام: كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟

 
قلت: قليل.
 
قال عليه السلام: "فلا1 تفعلوا؟ فإنّ المداعبة من حسن الخلق، وإنّك لتُدخِل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُداعِب الرجل يُريد أن يسرّه"2.
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليُسرّ الرجل من أصحابه إذا رآه مغموماً بالمداعبة"3.
 
- وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالة لقلوبهم، ويُكنّي من لم يكن له كنية، فكان يُدعى بما كنّاه، ويكنّي أيضاً النساء اللاتي لهنّ أولاد، واللاتي لم يلدن، ويكنّي الصبيان فيستلين به قلوبهم.
 
- وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يأتيه أحد حرّ أو عبد أو أمَة إلّا قام معه في حاجته.
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "ما فاوضه أحدٌ قطّ في حاجة أو حديث فانصرف حتّى يكون الرجل هو الذي ينصرف، وما نازعه الحديث أحد حتّى يكون هو الذي يسكت"4.
 
- وكان يُكرم من يدخل عليه حتّى ربما بسط له ثوبه، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته.
 
- وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يذمّ أحداً، ولا يُعيّر أحداً، ولا يُكلِّم أحداً بشيء يكرهه، بل كان شديد الحياء حتّى لقد ورد أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد لوم أحد أو عتابه، يُعاتبه بكلّ حياء وخجل.
 
- ورُوي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتّى يحمله معه، فإن أبى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "تقدّم أمامي وأدركني في المكان الذي تُريد"5.



1 وفي حديث آخر هلّا تفعلوا.  
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص663.
3 السيد الطبطبائي، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص128.
4 السيد الطبطبائي، سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ص 119.
5 م.ن، ص122.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

156

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى طبيعة المواجهة بين الإسلام والجبهة البيزنطيّة.
2- يتعرّف إلى أحداث غزوة تبوك، ومحاولة اغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
3- يفهم أهم الدروس والعبر من معركة تبوك على الصعيدين التربويّ والعسكريّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

157

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 تمهيد

لقد وقف النصارى بالإجمال من الدعوة الإسلاميّة منذ البدء موقف العطف والتأييد أحياناً. وظلُّوا كذلك إلى آخر العهد المكّي، ولم يقع بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم احتكاك وعداء كما وقع مع اليهود في المدينة .
 
لكنّ هذا لم يمنع جماعة كبيرة من النصارى العرب من أن تلعب دوراً سلبياً في العصر المدنيّ بمواجهة الإسلام، وتتّخذ المواقف العدائيّة ضدّه، على شتّى المستويات بدفعٍ من الدولة البيزنطيّة الرومانيّة.

ففي العصر المدنيّ تمكّن الإسلام من بناء دولته - التي تتجاوز في سياساتها وعلاقاتها الحدود الاقليميّة والقوميّة - التي وصلت إلى حدود الدولة البيزنطيّة وحلفائها العرب في الشمال، وهم جميعاً محسوبون على المعسكر النصرانيّ.
 
وبمرور الوقت واتساع نفوذ الإسلام شمالاً، ووصول أنباء انتصاراته على الوثنيّة واليهوديّة إلى قبائل الشمال.. بدأ المعسكر البيزنطيّ وحلفاؤه يشعر بالخوف والخطر ويقوم ببعض التصرُّفات المُعادية للإسلام والمسلمين، فبدأ مسلسل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

158

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 الصراع المُسلَّح بين المسلمين والنصارى. وكانت أبرز المعارك على هذا الصعيد: معركة مؤتة ومعركة تبوك.

 
معركة مؤتة
كان الدافع لهذه المعركة هو الانتقام لحادثة مقتل الحارث بن عمير الأزديّ مبعوث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملك بُصرى على يد شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ - عامل هِرَقْل - في مؤتة. فقد كان لهذه الحادثة وقع شديد على المسلمين، وكان لا بُدَّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أن يتّخذ موقفاً حاسماً إزاء المعتدي بعد هذا الموقف الغادر.
 
فجهّز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة جعفر بن أبي طالب (رضوان الله عليه)، وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وأمرهم بالانطلاق صوب الشمال، لتأديب القوى المعادية على فعلتها، وإشعارها بقوّة الدولة الإسلاميّة وقدرتها على ردع الغادرين والمعتدين الذين يجدون في الحماية البيزنطيّة سبباً يدفعهم إلى الجرأة والعدوان.
 
وتُشير الشواهد الصحيحة إلى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم جعل القيادة لجعفر بن أبي طالب، ومن بعده لزيد بن حارثة، ومن بعدهما لعبد الله بن رواحة، وترك للجيش أن يختار لقيادته من يراه صالحاً إذا أُصيب الثلاثة.
 
أعدَّ هرقل بعدما سمع نبأ التحرُّك الإسلاميّ جيشاً كثيفاً قوامه مئة ألف مقاتل وعسكر في "مآب" من أرض البلقاء.
 
ولمّا وصل المسلمون إلى منطقة معان جنوبيّ الأردن بَلَغَتْهُم أخبار تلك الحشود.. فأقاموا ليلتين يتداولون الرأي بينهم وقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنُخبِره بعدد عدوّنا، فإمّا أن يمدّنا بالرجال وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له، وكاد هذا الرأي أن يتغلّب لولا التربية الإيمانيّة والمعنويّة التي كان لها دورها في صنع القرار وتحديد الموقف في اللحظات الحرجة، حيث وقف عبد الله بن رواحة وقال بكلّ إيمان وقوّة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
184

159

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 وشجاعة: "يا قوم، والله.. ما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا فإنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا ظهور وإمّا شهادة"1.

 
فكان لهذه الكلمات أثرها الطيّب على تلك النفوس المؤمنة المجاهدة، فصمّموا على المُضي والقتال مهما كانت النتائج.
 
غادر المسلمون معسكرهم في "مَعان" وانطلقوا شمالاً حتّى إذا بلغوا تخوم "البلقاء" لَقِيَتْهُم جموع الروم وحلفاؤهم العرب في قرية تُدعى مؤتة، وهناك دارت معركة طاحنة بين الطرفين، استُشهد خلالها القادة الثلاثة على التوالي، فقرّر خالد بن الوليد الذي تولّى قيادة الجيش الانسحاب والعودة إلى المدينة.
 
غزوة تبوك2
بعد عودة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنوّرة في أواخر السنة الثامنة للهجرة، في أعقاب دخول مكّة وانتصاره في حُنين، بلغته أنباء خطيرة عن تحرُّكات عسكريّة خطيرة يعتزم الروم وحلفاؤهم العرب، من لخم وجذام وغسان، القيام بها ضدّ الإسلام والمسلمين. وقد قامت هذه القبائل فعلاً بإرسال طلائعها إلى البلقاء، فقرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصدّى لهم.
 
وفي معظم الغزوات كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يُحدِّد هدفه العسكريّ زيادة في الكتمان والسرِّيَّة، بل إنّه كان يُعلن عن أهداف غير تلك التي يقصدها لتضليل الأعداء، أمّا في غزوة تبوك فقد بيَّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الهدف للناس "لِبُعد الشقّة وكثرة العدو، ليتأهّب الناس لذلك أهبَّته".
 
فأرسل إلى القبائل المُسلِمة في مختلف المناطق يُعلِمهم بما عزم عليه ويستنهضهم 



1 للتفصيل، راجع العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 21، ص50 - 63.
2 حصلت غزوة تبوك في رجب سنة 9 من الهجرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

160

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 للجهاد معه، فأجابوا دعوته إلّا المنافقين، فإنّهم راحوا يختلقون الأعذار الواهية حتّى لا يخرجوا لقتال الروم. وقد حكى القرآن عنهم ذلك فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾1.

 
ثمّ تمادى المنافقون في موقفهم، فلم يكتفوا بتخلُّفهم عن الجهاد، بل راحوا يُثبِّطون الناس عنه ويُحرِّضون على التخلُّف والتخاذل، وقد اجتمعوا لهذه الغاية في بيت أحد اليهود، فعلم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهم، فحرق عليهم الدار وكانوا عبرةً لغيرهم.
 
استكمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تجهيز المسلمين وولّى الإمام عليّاً عليه السلام إدارة المدينة، وقال له: "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟"2. ثمّ ما لبث أن انطلق صلى الله عليه وآله وسلم في رجب من السنة التاسعة بأكبر جيش عرفه تاريخ الدعوة إلى ذلك الحين، قيل إنّه بلغ ثلاثين ألفاً.
 
بدأ المسلمون مسيرتهم التي قطعوا فيها آلاف الأميال، وعانوا آلام العطش والجوع والحرّ وقلّة وسائل الركوب وبُعد الطريق.. حتّى انتهى بهم المطاف إلى تبوك في أقصى الشمال. ويبدو أنّ الروم وحلفاءهم سمعوا بأنباء هذا الجيش الكبير، وقدرته على اجتياز المصاعب، وإصراره على جهاد الأعداء، وقدّروا أنّه لو انتصر في هذه المعركة فسوف لا يقف عند حدّ، وبالتالي قد تتعرّض مواقعهم للخطر، فآثروا الانسحاب إلى الداخل، عبر أراضي الأردن وفلسطين، وربما كانوا يهدفون من ذلك ـ في الوقت نفسه ـ إلى جرِّ المسلمين إلى الداخل والانقضاض عليهم هناك. إلّا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُتِحْ لهم تحقيق هدفهم هذا، وقرّر عدم التوغُّل إلى الداخل، وعسكر في تبوك جاعلاً إيّاها آخر نقطة في توغُّله شمالاً.
 
بقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك حوالي عشرين يوماً يُراقب تحرُّكات الروم من دون أن 



1 سورة التوبة، الآية: 81. 
2 وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في هذا الموقف: "يا عليّ إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك"، الشيخ المفيد، الإرشاد: ج1، ص115.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

161

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 يُقاتل أحداً. وأخذ يتّصل في الوقت نفسه بزعماء القبائل النصرانيّة المنتشرة في المنطقة المُتاخِمة للحدود، وعقد مع بعضهم معاهدات صلح وتعاون، فقطع بذلك ولاءهم للدولة البيزنطيّة وحوّلهم إلى مواطنين أو حلفاء للدولة الإسلاميّة، وهو الهدف الذي كان يسعى إلى تحقيقه منذ بدء صراعه مع الروم.

 
محاولة اغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
من الأحداث المُهمَّة التي وقعت مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خلال عودته من تبوك محاولة اغتياله، فقد ذكرت المصادر التاريخيّة أنّه حين وصل الجيش الإسلاميّ إلى العقبة (بين المدينة والشام) قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم" فأخذ الناس بطن الوادي وسلك هو طريق العقبة، وكان يقود ناقته عمّار بن ياسر ويسوقها حذيفة بن اليمان، فرأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ضوء القمر فرساناً قد تلثّموا ولحقوا به من ورائه في حركةٍ مُريبة فغضب صلى الله عليه وآله وسلم وصاح بهم وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، فتملّكهم الرعب وعرفوا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بما أضمرته نفوسهم بمؤامرتهم، فأسرعوا تاركين العقبة ليُخالِطوا الناس ولا تنكشف هويّتهم1.



1 العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج21، ص247.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

162

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 نتائج تبوك وملامح الانتصار

بعد عشرين ليلة قضاها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقوّاته في تبوك، قفل عائداً إلى المدينة بعد أن حقّق بحركته الصعبة تلك انتصاراً على الجبهة النصرانيّة البيزنطيّة، لا يقلّ أهميّة عن انتصاراته الحاسمة على جبهات الوثنيّة واليهوديّة، وهذه أبرز ملامح الانتصار:
 
1- فقد كسب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عدداً من القبائل القاطنة في جنوب الشام على الحدود إلى جانب الدولة الإسلاميّة، وقطع علاقاتها بالروم، وحصل منها على عهد بأنْ لا تتعاون مع أحد عليه، ولا تتّخذ من بلدانها مركزاَ للعدوان على الحجاز، وبذلك ضمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمن المسلمين وحدود دولتهم.

2- والانتصار الأهمّ هو أنّ استجابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتحدّي الروم، وتقدّمه لقتالهم وانسحابهم من طريقه وانتظاره إيّاهم قرابة عشرين يوماً دون أن يُحرِّكوا ساكناً، جاء ضربة قاسية للسيادة البيزنطيّة في بلاد الشام، وإضعافاً لمركزها وهيمنتها على القبائل التي تعيش هناك، وكسراً لجدار الخوف من القوّة البيزنطيّة، وهو انتصار نفسيّ حاسم مكّن أهالي البلاد، بعد سنين قليلة، من تجاوز ولائهم القديم والانطلاق لضرب البيزنطيّين وإلحاق الهزائم بهم وطردهم إلى بلادهم التي جاؤوا منها.

3- صعود سُمعة المسلمين ومكانتهم وهيبتهم داخل الحجاز وخارجها، بحيث إنّ القبائل - التي شعرت بمدى قوّة الدولة الجديدة وامتداد نفوذها حتّى إلى قلب الديار التي كان أهلها يعملون لصالح الروم - بادرت إلى حسم خيارها وأخذت تتهافت على الرسول في المدينة بعد رجوعه من تبوك خاضعة مذعنة معلنة إسلامها وتأييدها، حتّى سُمّي ذلك العام (التاسع) بعام الوفود.

4- إنّ غزوة تبوك تُمثّل خطوة من خطوات حركة المسلمين باتجاه الخارج،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

163

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 وتخطّياً لنطاق العرب وجزيرتهم إلى العالم، وبادرة مُتقدِّمة مهّدت الطريق لحركة الفتوحات الإسلاميّة التي شهدتها العصور التالية لعصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 
مواقف ودروس من غزوة تبوك
- ميّزت غزوة تبوك مرّة أخرى المُنتمين إلى معسكر الإسلام، فكشفت المنافقين الذين تَخلَّفوا عن الجهاد لأعذار واهية ومحّصتهم عن المؤمنين المجاهدين الذين سارعوا للانخراط في الجيش الإسلاميّ رغبة في الجهاد وعشقاً للشهادة.
 
وقد ذكر المفسِّرون أنّ عدداً من آيات سورة التوبة1 نزلت بمناسبة تبوك، مقَارِنَةً بين موقف المنافقين وموقف المؤمنين من الجهاد، وفاضحةً المنافقين وأساليبهم، مُحذِّرةً من مكرهم ومؤامراتهم، مشدِّدةً على عدم التساهل معهم أو الاستعانة بهم أو قبول أعذارهم.
 
- في الوقت الذي تخلّف فيه بعضٌ عن الجهاد في تبوك، مُلتمسين الأعذار الواهية، كان بعضٌ من الفقراء المجاهدين تفيض أعينهم من الدمع لأنّهم لم يتمكّنوا من الخروج إلى الجهاد، بسبب عدم امتلاكهم لمؤونته وإمكاناته.
 
وقد ورد أنّ سبعة من فقراء المسلمين جاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتوسّلوا إليه أن يُهيّىء لهم ما يُمكِّنهم من الخروج معه شوقاً إلى الجهاد في سبيل الله، فأجابهم: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا عنه وأعينهم تفيض من الدمع حزناً وأسفاً لحرمانهم من شرف المشاركة، وأنزل الله بهذه المناسبة قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *  وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ 



1 راجع سورة التوبة، الآيات: 81 -96.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

164

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾1.

 
- شارك المسلمون الأغنياء في تجهيز الجيش الإسلاميّ والإنفاق عليه حتّى "أنّ الرجل كان يأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيُعطيها بعض من يخرج"، بل ورد أيضاً أنّ النساء ساهمنَ بحليّهنَّ في تبوك وشاركنَ الرجال في النفقة، حيث اشتركنَ بكلّ ما قدرنَ عليه من مسك، وأسورة ومعاضد، وخلاخيل، وقراط، وخواتيم2.
 
- إنّ اختيار الإمام عليّ عليه السلام بالذات ليكون مكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة يُدير شؤونها في غيابه، كان إجراءاً ضروريّاً يستهدف حماية المدينة وحفظ كيانها من المنافقين والأعراب الذين تخلّفوا عن تبوك بأعداد كبيرة، وكان من المُحتمل أن يستفيدوا من فرصة غياب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للانقضاض على المدينة والعبث بأمنها، فكانت الدولة بحاجة إلى شخصيّة مرهوبة الجانب تملك كفاءة القيادة والولاية، ولا تحسب لأحد حساباً مهما بلغ من القوّة والمكانة، وتقف سدّاً منيعاً في وجه كلّ من يُحاول التآمر أو العبث بأمن الدولة وكيانها، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بأنّه لا يصلح لمهمّة كهذه غير الإمام عليّ عليه السلام، وقد قال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ما جاء في مستدرك الصحيحين: "إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك"3.



1 سورة التوبة، الآيتان: 91 و92.
2 راجع، الواقدي، المغازي، ج3، ص991. 
3 راجع، الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج2، ص337.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

165

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

191


166

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 خلاصة

- لم تكن عداوة النصارى للمسلمين كعداوة اليهود، إلّا بدفع من الدولة البيزنطيّة الرومانيّة، بعد شعورهم بالخوف والخطر، نتيجة للانتصارات التي حقّقها الإسلام، فكانت أبرز المعارك: مؤتة وتبوك.

- كان الدافع لمعركة مؤتة الانتقام لمقتل مبعوث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى عامل هرقل، حيث أرسل صلى الله عليه وآله وسلم سريّة وجعل القيادة فيها لجعفر بن أبي طالب، وكان حشد النصارى كثيفاً مقارنة بالمسلمين، ولكنّهم صمّموا على القتال حتّى استشهد القادة الذين عيّنهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر خالد بن الوليد بالانسحاب.

- بعد أن بلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنباء عن تحرّكات خطيرة للجبهة البيزنطيّة، قرّر صلى الله عليه وآله وسلم التصدّي لها واستنهض كلّ القبائل المسلمة، إلّا أنّ المنافقين قاموا بتثبيط الناس، فعاقبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ ولّى عليّا عليه السلام على المدينة، وخرج مع المسلمين، ولمّا وصل إلى تبوك واستقرّ فيها، آثر الروم الانسحاب بدل المواجهة.

- بعد عودة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك تعرّض لمحاولة اغتيال في العقبة باءت بالفشل، نتيجة علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وافتضاح المتآمرين.

شكّلت تبوك انتصارا على الجبهة البيزنطيّة وكان له نتائج عدّة أبرزها:
- كسب عدد من قبائل جنوب الشام، كسر جدار الخوف من الروم، صعود سمعة المسلمين ومكانتهم، تمهيد الطريق للفتوحات الإسلاميّة، تمايز المجاهدين عن المنافقين، مشاركة المسلمين الأغنياء في تجهيز الجيش الإسلاميّ واختيار الإمام عليّ عليه السلام كخليفة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

167

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 للمطالعة

 
صفة مجلس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
عن الإمام الحسين عليه السلام قال: سألت أبي عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلّا على ذكر الله جلّ اسمه، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها" (أي لا يتّخذ لنفسه مجلساً خاصّاً يتميّز به)، "وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُعطي كُلّاً من جلسائه نصيبه، حتّى لا يحسب جليسه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة، صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها أو ميسورٍ من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فكان لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء"1.
 
مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، ولا تُرفع فيه الأصوات، ولا يُوهن فيه الحُرَم، ولا تُثنى فلتاته (أي لا تظهر هفواته)، متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى، متواضعون، يوقِّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب..
 
وأمّا سيرته مع جلسائه، فيقول الحسين عليه السلام نقلاً عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشْر، سهل الخُلُق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب" (من الصخب وهو شدة الصوت)" ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وممّا لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحداً ولا يُعيّره، ولا يطلب عورته" (عيوبه) "ولا يتكلّم إلّا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلّم أطرق جُلساؤه 



1 الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج2، ص 284.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

168

الدرس الثالث عشر: جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (6) معركة مؤتة - غزوة تبوك

 كأنّ على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، متى تكلّم أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتّى إن كان أصحابه ليستجلبونه، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلّا عن مكافىء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتّى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام"1.

 
وفي مشاركته صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي كان يدور في المجلس، يقول زيد بن ثابت: كنّا إذا جلسنا إليه صلى الله عليه وآله وسلم، إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا2.
 
وفي سموّ أخلاقه مع جلسائه أيضاً، ما أشار اليه الإمام الصادق عليه السلام في حديث له: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقسِّم لحظاته (نظراته) بين أصحابه فينظر إلى ذا، وينظر إلى ذا بالسويّة، ولم يبسط (يمدّ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجليه بين أصحابه، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده من يده حتّى يكون هو التارك، فلما فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه مال بيده فنزعها من يده"3.



1 الأصبهاني، أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, ص 17.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 671.
3 الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص 14.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

169

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين‏



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1-  يتعرّف إلى أسباب البراءة من المشركين.
2- يتعرّف إلى أحداث واقعة المباهلة مع نصارى نجران.
3- يُحدِّد مواقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حركة النفاق العدائية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

170

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 عام الوفود وتصفية الوثنيّين

كان سقوط مكّة بأيدي المسلمين ثمّ هزيمة التحالف الوثنيّ في حُنَيْن، آخِر ضربتين حاسمتين للوجود الوثنيّ في الجزيرة، انهار بعدها جدار الكفر وانطلقت حركة الإسلام بسرعة إلى كلّ مكان. وأدركت القبائل العربيّة أن لا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته، فراحت تتسابق في إرسال وفودها إلى قاعدة الإسلام - مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم -لمبايعته على الإسلام ومصالحته.
 
ولكثرة هذه الوفود في العام التالي لفتح مكّة ومطلع الذي يليه، سمّاه المؤرّخون (عام الوفود). وكان في طليعة هذه الوفود وفد ثقيف الذي قَدِم المدينة في أعقاب عودة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك.
 
وفي غمرة أفراح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنجاح الإسلام وانتشاره، مرض ولده إبراهيم وتوفّي في نفس العام.
 
البراءة من المشركين‏
لم يبقَ في الجزيرة العربيّة قوّة تتمسّك بالشرك والوثنيّة، إلّا أفراد لا يُعتدّ بهم. وانتشرت العقيدة الإسلاميّة السمحاء، وكان لا بدّ من إعلان صريح حازم، يُلغي كلّ مظاهر الشرك والوثنيّة، في مناسك أكبر تجمُّع عباديّ سياسيّ، وحان الوقت المناسب لتُعلِن الدولة الإسلاميّة شعاراتها في كلّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
197

171

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 مكان، وتُنهي مرحلة المداراة وتأليف القلوب التي تطلّبتها المرحلة السابقة.

 
واختار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم "يوم النحر في منى" مكاناً للإعلان، وعيَّن أبا بكر ليقرأ مطلع سورة التوبة ، التي تتضمّن إعلان البراءة بصراحة، وفي هذه الآيات النقاط التالية:
- لا يدخل الجنّة كافر.
- لا يطوف في البيت الحرام عُريان (إذ كانت تقاليد الجاهليّة تسمح بذلك)، ولا يحجّ بعد هذا العام مُشرِك.
- من كان بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عهد فأجلُه إلى مُدّته، ومن لم يكن له عهد ومُدّة من المشركين فإلى أربعة أشهر، وبعد ذلك سوف يُقتل من وُجِدَ مُشرِكاً.
 
ونزل الوحي الإلهيّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: "إنّه لا يؤدّي عنك إلّا أنت، أو رجل منك".
 
فاستدعى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّاً عليه السلام وأمره أن يركب ناقته العضباء ويلحق بأبي بكر، ويأخذ منه البلاغ ويؤدّيه للناس .
 
ووقف الإمام عليّ عليه السلام بين جموع الحجيج في العاشر من ذي الحجّة، وهو يتلو البيان الإلهيّ بقوّة وجرأة تتناسق مع حزم القرار ووضوحه، والناس ينصتون إليه بحذر ودقّة.. وكان أثر الإعلان على المشركين أن قَدِمُوا مسلمين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
مباهلة نصارى نجران‏
في سياق ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قادة ورؤساء وملوك بلدان العالم، بعث كتاباً إلى أسقف نجران، يدعوه فيه مع المسيحيّين إلى عبادة الله تعالى، فاجتمع زعماء نصارى نجران لبحث الموضوع، وقرّروا أن يبعثوا وفداً إلى المدينة، وعلى رأسه الأُسقف نفسه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
198

172

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 ليأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسألوه عن دلائل نبوّته.

 
استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفد، وأبدى احترامه لهم وفسح لهم المجال ليُمارسُوا طقوسهم، ثمّ عرض عليهم الإسلام فامتنعوا، وطال النقاش حول كون عيسى عليه السلام من البشر، فخلصوا إلى أن يباهلهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عزّ وجلّ1 واتفقوا على اليوم اللّاحق موعداً.
 
وهنا وقف أسقفهم وقال لقومه: انظروا إن جاء محمّد غداً بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن جاء بأصحابه وأتباعه فباهلوه.
 
وفي اليوم التالي خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المباهلة ومعه الإمام عليّ، والسيّدة فاطمة، وسبطاه الحسن والحسين عليهم السلام.
 
فقال عندها أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله... فلا تُباهِلُوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ2.



1 وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ...  فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ﴾ سورة آل عمران، الآيات: 59 -61. 
2  العلامة المجلسي، بحار الأنوار. ج21، ص337، الطبرسي، إعلام الورى، ص 129.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

173

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 فامتنعوا عن المباهلة، وصالحهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على دفع الجزية ضمن معاهدة وردت تفاصيلها في كتب التفاسير والتاريخ1.

 
حركة النفاق في المدينة
وجد المنافقون أنفسهم بعد الانتصارات الكبرى للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بين خيارين، إمّا أن يبقوا على كفرهم فيُعرِّضوا أنفسهم للعقاب، وإمّا أن ينتموا للدين الجديد. ورأى زعيم المنافقين عبد الله بن أبُي بن سلول، أنّ خير وسيلة للخروج من هذا المأزق، هو الإعلان عن إسلامهم ظاهراً، والبقاء على اعتقاداتهم باطناً، وبهذا ينجون من العقاب، ويحتفظون بمعطياتهم الجاهليّة. وهذا ما سمح لهم بالقيام بعمليّة تخريب من داخل المجتمع الإسلاميّ ما أوجد قوّة جديدة في مواجهة الإسلام.
 
أساليب المنافقين العدائيّة
اتخّذت أساليب المنافقين ومظاهر عدائهم أشكالاً شتّى نذكر منها:
1- مدُّ يد العون لليهود، ومساندتهم فيما كانوا يُحوكونه من مؤامرات على الإسلام، مثل وقوفهم مع بني قينقاع عندما نقضوا العهد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاونتهم لبني النضير عند حصار المسلمين لهم، عندما تآمروا على حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

2- ارتكاب الخيانة بالانسحاب من ميادين الجهاد في اللحظات الحرجة، كما حصل في انسحاب ابن أُبي بثُلث المقاتلين من منتصف الطريق إلى معركة أُحد، وكذلك في غزوة تبوك، وإثارتهم للشائعات التي تُثير الخوف والهزيمة في معركة الخندق حيث أحاطت الأحزاب بالمدينة.
 
3- التخريب الداخليّ وإثارة الفتنة بين فئات المسلمين، ونشر الشائعات



1 راجع: تاريخ اليعقوبي، ج2، ص72، السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص232.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
200

174

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 الهدّامة، ففي غزوة بني المصطلق حاولوا إثارة الحسّ القبليّ بين المهاجرين والأنصار، وكادت أن تقع فتنة بين الطرفين لا يعلم إلا الله مداها لولا حكمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 
4- قيامهم بأعمال يُراد منها الإضرار بالمسلمين وتفريق صفوفهم ووحدتهم وتماسكهم، وذلك كبنائهم "مسجد ضرار" الذي تحدّث عنه القرآن الكريم وأطلق عليه هذه التسمية، فَكَشَف بذلك نيّاتهم وفَضَح خطّتهم1.
 
موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حركة النفاق‏
لم يدخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صراع مُسلَّح ضدّ المنافقين، كما فعل مع القوى الوثنيّة، واليهوديّة، والنصرانيّة، بالرغم من كلّ ممارساتهم التخريبيّة، وخطرهم الذي لا يقلّ عن خطر غيرهم. والأسباب التي أدّت إلى هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتلخّص بما يلي:
 
1- إنّ المنافقين يمتلكون القدرة على الاندساس في صفوف المسلمين والاستخفاء بينهم، وهذا ما يمنحهم القدرة على إنكار جرائمهم ومكائدهم والتفلُّت ممّا يُدينهم، وبالتالي لا يُمكن للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معاقبتهم أو حتّى عزلهم.
 
2- إنّهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويُخفون الكفر، وإنّما يُحاسَب الناس بحسب أعمالهم الظاهرة، فكيف يُمكن معاقبتهم والحال هذه، والمعروف عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان لا يتعرّض لمن يُظهِر الإسلام بسوء؟
 
3- إنّ ممارسة القتل الجماعيّ أو الفرديّ تجاه أشخاص من أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الظاهر، محسوبين على مُعسكره، سوف يُعطي لأعدائه في الخارج سلاحاً دِعائياً لمهاجمة الإسلام، وذريعةً لتخويف الناس من الدخول فيه، وهذا ما عبّر 



1 ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا...﴾ سورة التوبة، الآيتان: 107و108.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
201

175

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 عنه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطّاب عندما ألحّ عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أتريد أن يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه"1.

 
4- إنّ النفاق لا يتّخذ صفة العنف، ويظهر المنافق أمام الناس بأنّه لا يكيد للإسلام. وهنا تبرز الحاجة إلى إعطاء المنافقين الفرصة للتعرُّف أكثر فأكثر إلى تعاليم الإسلام وأهدافه.
 
5- إنّ سكوته صلى الله عليه وآله وسلم عن المنافقين، وقَبُولهم كأعضاء في المجتمع الإسلاميّ، إنّما يُريد به المحافظة على من أسلم من أبنائهم، وإخوانهم، وآبائهم، وأقاربهم، حتّى لا تنشأ المشاكل العائليّة الحادّة فيما بينهم.
 
6- إنّ اتخاذ أيِّ إجراء ضدّ المنافقين معناه فتح جبهة جديدة، كان بالإمكان تجنّبها.
 
والخلاصة: إنّ مواجهة المنافقين بالعنف والقتل والصراع المُسلَّح لم تكن في مصلحة الإسلام والمسلمين، ولذلك لم يلجأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الأسلوب وكان بديل هذا الأسلوب شيئاً نادراً في تاريخ الدعوات، فقد تتبّع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خطط المنافقين وتخريبهم بيقظة كاملة، ولم يُحدِّد أسلوباً ثابتاً في مجابهة مواقفهم المتلوِّنة، وإنّما راح يضع لكلّ حالة إجراءاً أو خطّة تتناسب تماماً وحجم المحاولة التخريبيّة، فنجده صلى الله عليه وآله وسلم - مثلاً - أثناء التجهّز لتبوك عندما علم باجتماع المنافقين في بيت أحد اليهود ليُثبِّطوا الناس عن الخروج، يتّخذ إجراءاً فوريّاً بحقّهم فيأمر بحرق الدار عليهم.
 
وفي أعقاب تبوك في حادثة (مسجد ضرار) نجده صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً يتّخذ إجراءاً عمليّاً ضدّ المنافقين، فيأمر بهدم مسجد ضرار وإحراقه.
 
وفي موقفٍ آخر نجده صلى الله عليه وآله وسلم يفضحهم ويكشف عن حقيقتهم، وينبّه الصحابة إلى خُططهم ومؤامراتهم، ويُحذِّر الناس منهم.



1 راجع: مسند أحمد، ج3، ص355 وص 393، دار صادر(بيروت)، وصحيح البخاري، ج6، ص66.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
202

176

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 وكان هذا بطبيعته يُمثِّل حصانة ومناعة للمسلمين ضدّ النفاق والمنافقين ومكائدهم، وإفشالاً لكلّ مُخطَّطاتهم ومؤامراتهم.

 
ومن وراء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت آيات القرآن الكريم تتنزّل من الله تعالى، الذي لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض ولا في السماء، وهي تفضح خططهم ومكائدهم الخبيثة قبل أن تقع، مُندِّدة بأساليبهم، مُظهرة أفعالهم، مُبيِّنة أوصافهم بدقّة.
 
وكلُّ ذلك لم يمنع من قوّة الإسلام ومنعته وانتشاره، وانهيال القبائل العربيّة على المدينة مُعلنين إسلامهم أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
203

177

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

204


178

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 خلاصة

- كان العام التاسع الهجريّ عام الوفود، وعام تصفية الوجود الوثنيّ داخل الجزيرة العربيّة، من خلال الإعلان الرسميّ بالبراءة من المشركين، الأمر الذي أدّى بالمسلمين إلى أن يخرجوا من حدود الجزيرة العربيّة للدعوة إلى الإسلام.

- كانت دعوة القبائل النصرانيّة إلى حظيرة الإسلام، ثمّ دعوتها إلى المباهلة وتراجعها أمام دعوة المباهلة، دليلاً كافياً على عظمة الإسلام، وموجباً لرضوخها للقيادة الإسلاميّة.

- أمام الانتصارات الباهرة للمسلمين وجد المنافقون في المدينة أنفسهم أمام خيارين: إمّا البقاء على الكفر، وإمّا الانتماء إلى الدين الجديد، فاختاروا الثاني من أجل القيام بعمليّة تخريب من داخل المجتمع الإسلاميّ، ولجأوا إلى أساليب مُتعدِّدة في محاولةٍ منهم للقضاء على الإسلام.

- وقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تجاه حركة النفاق موقفاً حكيماً، فلم يُقاتلهم، ولم يُشهِر السيف في مواجهتهم، بل عمد إلى فضح مكائدهم، والتشهير بهم أحياناً، فضلاً عن الأسلوب القرآنيّ في تنبيه المسلمين من المنافقين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
205

179

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 للمطالعة


سلوكه صلى الله عليه وآله وسلم العسكريّ والأمنيّ
- يذكر المحلِّلون العسكريّون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قائداً عسكريّاً فذّاً، وقد أدار المعارك العسكريّة التي خاضها ضدّ المشركين واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام، بكفاءة وخبرة عالية، وهذه نماذج من سلوكه وتدابيره العسكريّة والأمنيّة.

- الاستطلاع والرصد العسكريّ: ويبدو أنّه لم تخل معركة من معارك الإسلام الكبرى، إلّا واستخدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها الاستطلاع والرصد العسكريّ، وقام بجمع المعلومات عن العدوّ، واستطلع تحرُّكاته وأوضاعه المختلفة، عن طريق العيون والطلائع وغيرهم.
 
فعندما خرج إلى بدر، بعث بسبسة بن عمرو الجهنيّ وعديّ بن أبي الزغباء الجهنيّ يتجسّسان له الأخبار عن أبي سفيان وغيره.
 
وفي أُحُد أرسل صلى الله عليه وآله وسلم الحبّاب بن المنذر إلى القوم، فدخل فيهم وقدّر عددهم وحجم عتادهم ونظر إلى جميع ما يُريد، وبعثه سرّاً وقال له: لا تُخبرني بين أَحَدٍ من المسلمين إلّا أن ترى قلّة فرجع فأخبره خالياً.
 
وقام بهذه المهمّة حذيفة بن اليمان يوم الخندق.
 
- الكتمان والسرِيَّة وأمن المعلومات: فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يُحيط تحرُّكاته العسكريّة بالسرّيّة التامّة، ويحرص على كتمان أهدافه والجهة التي يقصدها، حتّى عن المقرّبين، لئلا تتسرّب المعلومات الى العدوّ فيستفيد منها، وحرصاً منه صلى الله عليه وآله وسلم على تحقيق عنصر المباغتة ومفاجئة العدوّ، فعندما قرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكّة أخفى نياته ولم يُطلِع المسلمين على وجهته، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ خذ العيون والأخبار عن 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
206

180

الدرس الرابع عشر: البراءة من المشركين ومواجهة المنافقين

 قريش حتّى نبغتها في بلادها"1.

 
وقد روي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها.
 
- الحرب النفسيّة: واستخدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحرب النفسيّة ضدّ العدوّ، بُغية تحطيم معنويّاته وشلّ إرادته وتفتيت وحدته الداخليّة، وبثّ الرعب والخـوف واليأس في قلـوب أعدائه.
 
فقد كان يأمر أصحابه بهجاء قريش، وقد كان يقوم بهذه المهمّة حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهما، وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "اهجوا قريشاً فإنّه أشدّ عليها من رشقٍ بالنبل"2.
 
وعندما سار لفتح مكّة ووصل إلى مشارفها أمر صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في النهار بجمع الحطب، ولمّا دخل الليل أمرهم بالتفرُّق وإشعال النيران في كلّ مكان، ليوهم العدوّ بأنّه أمام حشد كبير لا طاقة له على مواجهته. حتّى إنّ أحد أصحابه يقول: لقد كنّا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتّى تُرى من المكان البعيد، وذهب ذِكرُ معسكرنا ونيراننا في كلّ وجه حتّى كان ممّا كبت الله تعالى عدوّنا.
 
كما أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يدخل مكّة فاتحاً استعرض جيش المسلمين، وأمر العبّاس بن عبد المطّلب أن يحبس أبا سفيان في المضيق الذي تزدحم فيه الخيل، حتّى ينظر إلى المسلمين وقوّتهم، فحبسه العبّاس، وجعلت القبائل المسلمة تمرّ مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتيبة كتيبة على أبي سفيان، في أكبر استعراض للقوّة شهدته المنطقة آنذاك.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج21، ص201.
2 مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ج7، ص164.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
207

181

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يستعرض قصّة الغدير وتعيين خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
2- يفهم خلفيّات التعبئة العامّة لغزو الروم.
3- يعرف الأحداث التي رافقت رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الملكوت.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

182

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 تعيين وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

أتمّ المسلمون حجّهم الأكبر وهم يحفّون بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أخذوا مناسكهم عنه، وقرّر صلى الله عليه وآله وسلم أن يعود إلى المدينة، ولمّا بلغ موكب الحجيج العظيم "رابغ" قرب "غدير خم"، وقبل أن يتفرّق الحجيج إلى بلدانهم من هذه المنطقة، نزل الوحي الإلهيّ بآية التبليغ قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾1.
 
إنّ هذا الخطاب الإلهيّ كان يأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمرٍ مهمّ، ويجعل على عاتقه مسؤوليّة عظيمة. فأيّ تبليغ طُلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنجازه وهو لم يقم به بعد، وقد أمضى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يُقارب من ثلاثة وعشرين عاماً يُبلّغ آيات الله وأحكامه، ويدعو الناس إلى دين الله، وقد نال ما نال من عظيم المحن والبلاء والجهد، كي يُقال له: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
 
وهنا أصدر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوامره بأنّ تقف القوافل حتّى يلحق آخرها بأوّلها، في يوم شديد الحرّ كان يضطرّ المرء فيه إلى أن يُغطّي رأسه، ويقي قدميه من شدّة حرّ الرمضاء، ليتلو عليهم أمر السماء، ويكمل تبليغ الرسالة الخاتمة. إنّها الحكمة الإلهيّة بأنّ يتمّ التبليغ في هذا المكان وفي هذا الظرف، كي يبقى عالقاً في وجدان الأُمّة، حيّاً 



1 سورة المائدة، الآية: 67.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
211

183

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 في ذاكرتها على مرّ الزمن، حفاظاً على الرسالة والأُمّة الإسلاميّة.

 
وجُمعت الرحال وصعد عليها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن صلّى في جموع المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه وقال بصوت رفيع يسمعه كلّ من حضر:
"أيّها الناس يوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك بلّغت ونصحت وجاهدت فجزاك الله خيراً. قال صلى الله عليه وآله وسلم: ألستم تشهدون أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهمّ اشهد. 
 
ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "فإنّي فرطكم على الحوض وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبُصرى، فيه أقداح عدد النجوم من فضّة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين". 
 
فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ، وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تضلّوا. والآخر الأصغر عترتي. وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تُقصّروا عنهما فتهلكوا".
 
ثمّ أخذ بيد الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام حتّى رُئي بياض إبطيهما، وعرفه الناس أجمعون.
 
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه - يقولها ثلاث مرات -" .
 
ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدرِ الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلِّغ الشاهد الغائب".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
212

184

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل أمين وحي الله بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾1، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي والولاية لعليّ بعدي".

 
ثمّ أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن تُنصب خيمة لعليّ عليه السلام، وأن يدخل عليه المسلمون فوجاً فوجاً، ليُسلِّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم، وأمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممّن معه أن يفعلن ذلك.
 
وكان في مقدّمة المهنّئين أبو بكر وعمر بن الخطّاب، كلٌّ يقول: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة2.
 
تفرّقت جموع الحجيج من غدير خمّ نحو العراق والشام واليمن، ويمّم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه صوب المدينة. وحمل الجميع وصيّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالقيادة النائبة، لتستمرّ حركة الرسالة الإسلاميّة بنهجٍ يتعمّق في النفوس، وتجتاز العقبات بعد أن يرحل عنها صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون قد عيّن لصيانة رسالته وقيادة أُمّته شخصاً نموذجيّاً في حمل هموم الرسالة، والحرص على نجاحها، لا تأخذه في الله لومة لائم ولم يُشرك بالله طرفة عين.



1 سورة المائدة، الآية: 3.
2 راجع تاريخ اليعقوبي، ج‏3، ص‏112, مسند أحمد، ج‏4، ص‏281, البداية والنهاية، ج‏5، ص‏213, موسوعة الغدير، ج‏1، ص‏43، 165، 196، 215، 230، 238، 276، 283، 285، 297، 379، 392، 402، وج‏11، ص‏131.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
213

185

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 ظهور المتنبّئين‏

بعد أن انبسط سلطان الدين الإلهيّ في ربوع الجزيرة وما حاذاها، وانحازت القبائل جميعاً إلى دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لِمَا رأوه من العزّة والاستقلال الذي اكتسبوه في ظلال دولته المباركة، ولِمَا لاحظوه من حرصه على أن يكون خليفته في أُمّته ودولته، والقائم على شؤون رسالته من اعتبره القرآن الكريم نفس الرسول العظيم1 صلى الله عليه وآله وسلم، فمن الطبيعيّ جدّاً للنفوس السليمة بفطرتها أن تُخلِص الولاء لهذا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودولته الفتيّة.
 
ولم يَعُد ذا بالٍ أن يتمرّد بعض العرب ويرتدّ عن ولائه السياسيّ بل العقيديّ وهو يرى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سلطاناً وحاكماً مُتنفِّذاً ليس إلّا، كما كان أبو سفيان يرى النبيّ كذلك.
 
غير أنّ الأذكياء من هؤلاء كانوا يرون صلاحهم في الخضوع لهذا الكيان الجديد، 



1 راجع آية المباهلة وقصّتها في الدروس السابقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
214

186

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 وكانوا يُخطِّطون للنفوذ إلى مراكز القوّة في الدولة الجديدة، والأغبياء منهم بدؤوا التمرّد على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم طالبين منه أن يُقسِّم سلطانه.

 
إنّ الطمع في الشرف الذي نالته قريش يوم أصبح منها محمّد صلى الله عليه وآله وسلم نبيّاً - كما ظنّ الجاهلون - كان ممّا دفع بعضهم لأن يدّعي النبوّة، فهذا "مسيلمة" يكتب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويدّعي النبوّة ليُشارك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سلطان الأرض، ولمّا وقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على مضمون الرسالة التفت إلى من حملها إليه وقال: "لولا أنّ الرسل لا تُقتَل، لضربت أعناقكما لأنّكما أسلمتما من قبل وقبلتما برسالتي، فلِمَ اتّبعتما هذا الأحمق وتركتما دينكما؟".
 
ثمّ ردّ على مسيلمة الكذّاب برسالة بعثها إليه، جاء فيها: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ، من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب. السلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين"1.
 
التعبئة العامّة لغزو الروم2
أبدى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اهتماماً كبيراً للحدود الشماليّة للدولة الإسلاميّة، حيث دولة الروم المنظَّمة وصاحبة الجيش القويّ. وأمّا فارس فلم تكن ذات أثر مُقلق، لأنّ علامات الانهيار كانت قد بدت عليها، كما أنّها لم تكن تمتلك عقيدة روحيّة تدافع عنها كالمسيحيّة لدى الروم.
 
على أنّ بعض عناصر الشغب والنفاق كانت قد أُجليت عن الدولة الإسلاميّة، فاتّجهت إلى الشام، وكان وجود نصارى نجران في الجنوب أيضاً عاملاً سياسيّاً يدفع الروم لنصرتهم.
 
وكلّ هذه لم تكن عوامل آنيّة عاجلة تستدعي الاهتمام الكبير، الذي ظهر واضحاً من



1 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج2، ص600.
2 عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللواء لأُسامة في صفر عام 11هـ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
215

187

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 إعداد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لجيش كبير يضمّ كبار الصحابة ما خلا عليّاً وبعض المُخلِصين معه.

 
من هنا يظهر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يُريد أن يخلو الجوّ السياسيّ من أحداث تُعيق استلام وصيّه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام زمام السلطة من بعده، بعد أن لمس تحسُّساً وانزعاجاً من بعض الأطراف، لتأكيده المستمرّ على مرجعيّة الإمام عليّ عليه السلام لإتمام مسيرة الرسالة الإسلاميّة، فأراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تخلو المدينة من أيّ توتّر سياسيّ ليتمّ للإمام عليّ عليه السلام ما خطّط صلى الله عليه وآله وسلم من استلام مقاليد الخلافة من بعده، ولهذا عقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لواء المسلمين وسلّمه إلى "أُسامة بن زيد" القائد الشاب الذي نصّبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مغزى واضح وإشارة بليغة إلى أهمّيّة الكفاءة في القيادة، وجعل تحت إمرته شيوخ الأنصار والمهاجرين، وقال صلى الله عليه وآله وسلم له: "سِر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش، فاغزُ صباحاً وشنّ الغارة...".
 
ولكنّ روح التمرُّد وقلّة الانضباط التي كانت تبدر من بعض المسلمين أخذت تعترض على التسليم لأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولعلّها كانت جاهلة بالأهداف والمصالح العليا للإسلام والتي قد عناها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المعصوم المُسدَّد من قبل الله سبحانه.
 
وبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فغضب وخرج وهو يلتحف قطيفة، وقد عصَّبَ جبهته بعصابة من ألم الحمّى التي أصابته، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أمّا بعد، أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أُسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله كان للإمارة خليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ وإنّهما لمخيّلان لكلّ خير1، واستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم"2.
 
واشتدّت الحمّى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يشغله ثقل المرض عن الاهتمام الكبير منه 



1 بمعنى أنّهما ممن يتفرّس فيهما كلّ خير. والخوليّ: هو الراعي الحسن القيام على المال. راجع المنجد مادّة خلل.
2 الطبقات الكبرى، ج‏2، ص‏136.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
216

188

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 لخروج الجيش، فكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "أنفذوا جيش أُسامة"1 لكلّ من يعوده من أصحابه ويزيد إصراراً بقوله: "جهّزوا جيش أُسامة لعن الله من تخلّف عنه"2. وأوصل بعض المسلمين أنباء تردّي صحّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى معسكر المسلمين في "الجرف" فرجع أُسامة يعود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحثّه على المضيّ نحو هدفه الذي رسمه له قائلاً له: "أُغدُ على بركة الله".

 
الحيلولة دون كتابة الوصيّة
ورغم ثقل الحمّى وألم المرض خرج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مستنداً إلى الإمام عليّ عليه السلام والفضل بن العبّاس، ليُصلّي بالناس، وحين أتمّ الصلاة التفت صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس قائلاً: "أيّها الناس سُعِّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإنّي والله ما تُمسِكون عليّ بشي‏ء، إنّي لم أُحلّ إلّا ما أحلّ الله، ولم أُحرِّم إلّا ما حرّم الله"3.
 
فأطلق صلى الله عليه وآله وسلم بقوله هذا تحذيراً آخر أن لا يعصوه وإن لاحت في الأُفق نواياهم السيّئة التي ستجلب الويلات على الأُمّة إذ يتزعّمها جهّالها.
 
واشتدّ المرض على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واجتمع الصحابة في داره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم للحاضرين عنده: "إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده".
 
فقال بعض الصحابة: "إنّ رسول الله قد غلبه الوجع4 وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله".
 
ولما لم يأتوا بما طلبه منهم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع".
 
وكم كانت الأُمّة بحاجة ماسّة لكتاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا، حتّى أنّ ابن عبّاس كان يأسف كلمّا كان يذكر ذلك ويقول: "الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله"5.
 
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصاهم بثلاث وصايا تذكر بعض كتب التأريخ اثنتين منها



1 م.ن، ج2، ص‏137.
2 الشهرستاني، الملل والنحل، ج‏1، ص‏23.
3 ابن هشام، السيرة النبويّة، ج‏2، ص‏654, ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج‏2، ص‏215.
4 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، وكتاب الجهاد، باب جوائز الوفد، ج1، ص37.
5 صحيح البخاري كتاب العلم، ج‏1، ص‏22، وج‏2، ص‏14.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
217

189

الدرس الخامس عشر: الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ومستقبل الرسالة والدولة الإسلاميـّة

 وهما: إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد كما كان يُجيزهم، وتزعم هذه الكتب نسيان الثالثة.

 
وعلّق السيّد محسن الأمين على ذلك قائلاً: والمُتأمِّل لا يكاد يشكّ في أنّ الثالثة سكت عنها المُحدِّثون عمداً لا نسياناً، وأنّ السياسة اضطرّتهم إلى السكوت عنها عمداً وتناسيها، وأنّها هي التي طلب الدواة والكتف ليكتبها لهم1.
 
اللحظات الأخيرة من عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
وأقبلت السيّدة الزهراء عليها السلام وهي تجرّ أذيالها بحزن، وتتطلّع إلى أبيها وهو يوشك أن يلتحق بربّه، فجلست عنده مُنكسِرة القلب دامعة العين، ودنت منه فأخبرها صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قد حضر أجله، وأنّه يُقبض في وجعه هذا، فبكت عليها السلام، ثمّ ما لبثت أن تلقّت البشرى منه صلى الله عليه وآله وسلم بأنّها ستكون أوّل أهله لحوقاً به2.
 
وكان الإمام عليّ عليه السلام يُلازم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كظلّه، حتّى آخر لحظات حياته الشريفة، وهو يوصيه ويُعلِّمه ويضع سرّه عنده.