الإنسان في نهج البلاغة حقوق وآفاق


الناشر: مراكز الإمام الخميني الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-02

النسخة: 0


الكاتب

جمعية مراكز الإمام الخميني الثقافية

مراكز ثقافية تعنى بحفظ نهج الإمام الخميني قدس سره ونشره من خلال إنشاء مراكز متخصصة بإقامة الندوات الفكرية واللقاءات الحوارية للنخب الثقافية والجامعية، وإنشاء المكتبات العامة للمطالعة، وتكريم شخصيات ثقافية، وإقامة دورات فكرية، وتوقيع كتب أدبية وفكرية، وإصدار سلاسل فكرية متنوعة لكبار العلماء والمفكرين.


بطاقة هوية

 بطاقة هوية 


الموضــوع: ندوة فكرية

العنوان الرئيسي: الإنسان في نهج البلاغة حقوق وآفاق

العنوان الفرعي الأول: حقوق الإنسان في نهج البلاغة

المحاضر: الدكتور جورج جبور ـ رئيس لجنة حقوق الإنسان في سوريا

العنوان الفرعي الثاني: العرفان في نهج البلاغة

المحاضر: الشيخ محمد خاتون ـ عضو المجلس المركزي في حزب الله

مقدم الندوة: الشيخ سامر عجمي

منظم الندوة: مركز الإمام الخميني الثقافي - بيروت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
3

1

كلمة مقدم الندوة

 كلمة مقدم الندوة 

الشيخ سامر عجمي1
 
أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم اللعين. بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.
 
بدايةً باسم مركز الإمام الخميني الثقافي نرحب بالحضور الكريم إخوةً وأخوات كما نرحب بضيفينا العزيزين سماحة الشيخ محمد خاتون والدكتور جورج جبور ونقول لكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
إن الحديث عن نهج البلاغة كمجموعة من النصوص الدينية صادرة عن من أذهب الله عز وجل عنه الرجس وطهره تطهيراً عنيت به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يحيلنا إلى مبحث فلسفي/كلامي، يتناول ماهية العلاقة القائمة بين الله والإنسان، وسنخ الارتباط بينهما، ليس على المستوى الوجودي، بل على المستوى المعرفي، "خلقت الخلق كي أعرف"، حيث أن الله تعالى الذي هو غيب يستحيل أن يظهر بذاته إلى الإنسان، فيتبادر إلى أذهاننا سؤال، كيف قدَّم نفسه للبشرية حتى يتسنى لهم معرفته والارتباط به ؟ وقد نهج الفلاسفة والمتكلمون سبلاً مختلفة ومذاهب متعددة في تحقيق وجه الإجابة عن هذا السؤال، إلا أنه مع
 
 
 

1- مسؤول الأنشطة الثقافية في مركز الإمام الخميني الثقافي.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

2

كلمة مقدم الندوة

 التعددية والاختلاف نستطيع أن نجد جهة وحدة واشتراك تشكل جامعاً إجمالياً لمجموع الأجوبة، وذلك بأن نقول: إن الله عز وجل قدَّم نفسه لخلقه من خلال، "الكلمة" فلم يكن الارتباط المعرفي بين الله والإنسان مباشراً، بل بوسائط هم الأنبياء والأولياء.


فكان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام كلمة الله وروحاً منه، وكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكان علي بن أبي طالب عليه السلام كتاب الله الناطق.

يقول صادق أهل البيت عليهم السلام "والله لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون".

والنصوص المدونة في نهج البلاغة هي تجليات إلهية لكتاب الله الناطق علي بن أبي طالب عليه السلام، وهي غير خاضعة لمقولة الزمكان، إذ حينما تدخل في سياق التاريخ لا يمنحها التاريخ زمانه حتى تؤرخ، بل هي التي تعطي التاريخ قيمته ومعناه، لذلك يعتبر هذا الكتاب ـ نهج البلاغة ـ من أهم مصادر إلهام التفكير الإسلامي بعد القرآن الكريم وصياغة الثقافة الإسلامية، فهو يجري مع الليل والنهار ويتحرك مع المكان...

من هنا يستطيع كل إنسان أن ينهل من مائه بغض النظر إلى أي دين انتمى، أو بأي مذهب التزم، فكل إنسان يستطيع أن يستنطق نهج البلاغة ويجد أجوبته، فهو كتاب كمائدة يفترشها الشرق والغرب، وينهل منه كل إنسان مسلم أو مسيحي في مختلف مجالات الحياة، فالفيلسوف يأخذ منه الفلسفة، والعارف العرفان، وكذلك الأخلاقي والحقوقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الخ على اختلاف مشاربهم وتفاوت مسالكهم، ولكن السؤال الأساس الذي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
8

3

كلمة مقدم الندوة

 يجب أن ننطلق منه اليوم ما هو دور نهج البلاغة في حياة الإنسان المعاصر؟ وما هي وظيفتنا نحن أيضاً اتجاه نهج البلاغة ؟


في الجواب عن هذا السؤال أجوبةً متعددة ومقالات مختلفة وكتب متنوعة، ولكن قد تناولنا في هذه الندوة أو نريد أن نتناول في هذه الندوة موضوعين رئيسيين:

الموضوع الأول: حول حقوق الإنسان في نهج البلاغة.
والموضوع الثاني: حول العرفان في نهج البلاغة.

نبقى الآن مع الدكتور جورج جبور ليتناول المحور الأول حقوق الإنسان في نهج البلاغة فليتفضل مشكوراً. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9
 

4

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 
كلمة الدكتور جورج جبور1
 
مقدمة
 
شكراً جزيلاً لكم، وشكراً لدعوتي إلى مركز الإمام الخميني للكلام عن الإمام علي كرم الله وجهه، شرف كبير لي أن أكون معكم، شرف كبير أن أحاضر في مركزٍ يحمل اسم الإمام الخميني، الذي أشعر أنني مدين له شخصياً، إذ أنه ومن معه يتحملون قسطاً كبيراً من مسؤولية تحرير أرض الجنوب.
 
ثم طبعاً حين أتحدث عن موضوعٍ يخص نهج البلاغة في مركز الإمام الخميني فإنني لا أكتمكم، أشعر كمن يبيع الماء في حارة السقائين حسب ما يقول المثل المصري الشهير، لكن يشجعني فيما أقدم عليه أن هناك رجالاً أفذاذاً تعلموا ونهلوا من نهج البلاغة، من أمثال الأستاذ جورج جرداق بولس سلامة وغيرهم كثير.
 
الحكم الصالح وعهد مالك الأشتر
 
دعيت لأتكلم عن علي بن أبي طالب وحقوق الإنسان، لكن بعد أن أعملت الرأي قلت لعلي أتكلم في فرع من فروع الإنسان، بفرعٍ يدعى الآن وتدعوه الأمم المتحدة الحكم الصالح، وهو فرع من فروع حقوق الإنسان تخص حقوق الإنسان الفرد، لكن لا يستطاع 
 
 
 
 

1- رئيس لجنة حقوق الإنسان في سوريا.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

5

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 أن يؤتى الفرد حقوقه إذا لم يكن الحكم صالحاً لتأدية هذه الحقوق، والأمم المتحدة تعمل الآن كثيراً بهذا الموضوع، خطر لي أنني إن ركزت على عهد الإمام علي إلى مالك بن الأشتر فسيكون ما أقدم عليه إسهاماً في متابعة الشؤون الدولية لتعريف ما هو الحكم الصالح؟ ثم لعلنا نستطيع أن نقدم على شيء وهو أن نتحدث بلغات أجنبية عن عهد الإمام علي إلى مالك بن الأشتر، تغذية دولية لمفهوم الحكم الصالح في الأمم المتحدة، ذلك أن إعجابنا بمن هم أفذاذ في تاريخنا لا ينبغي أن يقتصر علينا، بل واجبنا أن نعمم العلم بهم في العالم كله، والأمم المتحدة تشهد ثورة وحماسةً شديدة في مفهوم الحكم الصالح الأن، فلنأقلم قراءتنا لعهد الإمام علي إلى مالك بن الأشتر تحت إطار الحكم الصالح.


من الواجب إذاً قبل كل شيء توجيه تحية إلى كل معنيٍ بتراثنا الحضاري وبإحياء الدروس المستفادة منه، وبتوظيف تلك الدروس في معالجة ما نحن فيه، وفي هذا الإطار يأتي توجيه سماحة القائد السيد علي الخامنئي للاحتفال بذكرى الإمام علي خطوة ممتازة تستلهم التراث للنظر في المستقبل، وكأن هذه الخطوة تجانب اتجاهاً يقف عند التراث ليقدسه ويتغزل بمحاسنه ويتمنى العودة إليه بل ويحاول تجاهل الظروف الراهنة ليعيد خلق الماضي في الحاضر، مثل هذا الاتجاه يتضمن في حَدِّه الأقصى فصاماً يمضي بصاحبه إلى عالم وهمي، فيصبح التراث وثناً يُعبّد لا مرشداً ينبض بالحياة.

وأقوال الإمام علي شأنها شأن المأثور في تراث العرب 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

6

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 والمسلمين، بل وفي كل تراث، تتعالى على الموقف الذي فيه قيلت، يتجاوز الإمام في أقواله لحظة القول وظرفه، ليعبّر عن المخزون الحضاري من جهة، وليستخلص من هذا المخزون من جهة ثانية مرشداً للعمل في ظرفٍ لاحق، يصلح أن يستلهم دون أن يخل بتغير الأزمان وما تقتضيه من تغير الأحكام، وكان الإمام علي رائداً في التنبه إلى حقيقة التغير حين نصح بأن لا نعلم أولادنا علمنا فإنهم مخلوقون لأزمنة غير أزمنتنا.


بيني وبين نهج بلاغة الإمام علي صحبة واشجة قديمة، كانت رائعة النهج ومعها روائع العرب والمسلمين والديانات أعمالاً نشأت عليها، أنا علماني، وأقول هذا أمام من يرى بالعلمانية شراً، بعضكم وأنا لا أرى فيها شراً، لكن عموماً لست رجل دين، والعلماني في المقتضى المسيحي هو من ليس لابساً ثوب رجل دين، فالتحديد التابع لها دقيق، ولعل أول من زرع في النفس تلك الثنائية في ماضوية القول وراهنيته بل ومستقبليته، أستاذ جليل من صافيتا هو الأستاذ رفيق المقدسي جبور، حين نبَّه طلابه الصغار في الإعدادية وكنت في عدادهم إلى أن إشارتنا إلى كلام علي وإلى كلام غيره من الروائع لا ينبغي أن تسبق بفعلٍ ماضٍ بل بفعلٍ مضارع، كان علينا بمقتضى رأيه أن نتحاشى صيغة قال الإمام علي، وأن نتجاوزها إلى صيغة يقول الإمام، يبقى القول الحق مضارعاً هكذا كان يقول، وأضيف من نهج الإمام ثم علينا أن لا نغفل تغير الأزمنة.

والقراءة التي أقدمها اليوم في عهد الإمام إلى مالك بن الأشتر عامله في مصر، تتوخى تبيان ما احتواه ذلك العهد من مبادئ نطلق عليها في أيامنا هذه اسم مبادئ الحكم الصالح، والتعبير أحد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 التطورات المتفرعة عن التعبير الأم حقوق الإنسان. ماذا نفعل حين نقرأ عهد الإمام إلى مالك بن الأشتر ؟ 


أنا أخذت لدي عدد من المطبوعات التي تذكر عهد الإمام، لكن أحببت أن أختار مرجعاً غير شيعي، مرجع الإمام محمد عبده في تحقيقه لنهج البلاغة كما نشرته دار ومطابع الشعب في مصر (لا تاريخ للنشر)، والنص هو من شرح الإمام الشيخ محمد عبده، ومن تحقيق وتعليق محمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنّا، يقع العهد بين الصفحتين /323/ و /348/ هوامش وشروح تعادل النص في الحجم تقريباً.

ليس أفضل نص للعهد لكنه نص منتشر أكثر من النصوص التي طبعت في طهران مثلاً أو في لبنان، ربما مصر تبقى الناشر الأول، ودار ومطابع الشعب كانت تصدر كتباً دينيةً وكتباً تراثية واسعة الانتشار جداً، والطبعة التي لدي لا تاريخ عليها، لكنني اشتريتها مباشرة اثر صدورها في عام 1971. 

ماذا فعلت بالعهد؟

وأنا جديدٌ العهد بالعهد، بالمقارنة مع عهدٍ انتهت كتابته عام 400 هجرية، وتعاقب على قراءته وتدارسه عددٌ كبير من الشيوخ الأجلاء، فرّغوا له من وقتهم أكثر مما فرَّغت، فماذا فعلت ؟ أحببت أن أضع فقرات للعهد، ولعل العهد إذا ترجم، ولا أدري إن هو ترجم سابقاً، يترجم مفقراً حتى تسهل المقارنة بين الفقرات في الترجمة وفي الأصل. يقع العهد كما أحصيت في نحو 5000 كلمة، ونظرت في طبعة دار ومطابع الشعب في مصر فوجدت أنها تقع في 74، 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 فقرة والعهد إلى مالك بن الأشتر موصوفٌ من قبل الشيخ الإمام محمد عبده بأنه أطول عهدٍ وأجمع كتبه، كتب الإمام للمحاسن، وقد تضمن العهد الأفكار التالية: وقعت على 25 فقرة في هذا العهد، وأحب أن أقرأ لكم رؤوس هذه الفقرات كما وضعتها، وبعض ما ورد فيها من العهد، ثم أنتهي بمطالعة وختاميات الفقرة الأولى هي في هدف الولاية، ما هو هدف الولاية؟ 


في مبادئ عامة توجه الوالي

جباية الخراج، جهاد العدو، استصلاح الأهل وعمارة البلاد.يعني شيء جميل عمارة البلاد إصلاح الأهل، ثم تليها عشر فقرات في مبادئ عامة توجه الوالي، أول هذه المبادئ تقوى الله وإيثار طاعته، تليها ثانياً كبح جماح النفس، فإن النفس أمارة بالسوء، ومن هذه المبادئ رحم الرعية ومحبتهم، وفي هذه الفقرة ترد تلك الكلمة التي تذكرنا بأولى مبادئ حقوق الإنسان، دالة على المساواة بين البشر يقول الإمام: "ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

ثم أنه يحذر واليهم من الاغترار بالإمرة "لا تقولن مؤمرٌ آمر فأطاع". 

ومن إحداث السلطان له أبهة أو مخيلة تجعله يشتبه بالله في جبروته، ثم ينبهه إلى إنصاف الناس من نفسه ومن خاصة أهله وممن له هوىً في الرعية، ويتابع الفكرة نفسها في فقرات تالية مميزاً بين الخاصة والعامة، مما يجعله رائداً في الدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، يقول الإمام: "وليكن أحب الأمور
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

9

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة". 


إذاً العامة هم الأصل، يعني هذا مذهب الديمقراطية بشكل واضح جداً، ثم أنه يميز بين الخاصة والعامة في ردود فعلهم على الوالي فيقول: "وليس أحدٌ من الرعية أثقل علىالوالي مؤونة في الرخاء،وأقلُّ معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة"، وللعامة أخلاق أخرى، "وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك معهم".

ثم هناك فقرتان في ذم السعي ضد الناس

يوصي الإمام عامله بإبعاد من همهم النميمة وكشف العيوب، "وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها...".

وينهى الإمام عامله عن تصديق السعاة: "ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين".

وفي هذه الفقرة نفسها ينهى الإمام واليه عن الأخذ بمشورة البخيل والجبان والحريص، فيقول: "ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

10

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

  كيف تختار البطانة ؟ 


نهى الإمام عامله عن جعل من كان وزيراً للأشرار بطانة له، يقول الإمام:ونصح الوالي بكفية اختيار البطانة، "إن شر وزراءك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام فلا تكونن لك بطتنة، فإ‘نهم أعوان الأثمة، وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه، ولا آثماً على إثمه؛أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفاً، وأقل لغيرك إلفاً، فأتخذ أولئك خاصةً لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدةً فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع ولاصدق: ثم رضهم على ألا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو، وتدني من العزة".

ثم هناك فقرات في الإحسان واتباع السنة الصالحة، لكن ثمة فقرة عن المدارسة والمثاقفة، يقول الإمام لعامله: "وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك". 

تصنيف الرعية إلى طبقات

يقول الإمام: "واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، و لا غنى ببعضها عن بعض". 

ثم أنه وصف هذه الطبقات بأن "منها جنود الله ومنها كتّاب 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

11

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الإنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة". 


ماذا يقول الإمام عن الجنود؟ للإمام في هذا المقام كلام له أهمية خاصة، فمن صفات قيادة الجند أن يكون القائد ممن يبطئ عن الغضب ويرأف بالضعفاء وينبو عن الأقوياء أي لا يخضع للأقوياء، ثم أنه يتابع وصف فن قيادة الجند، فيوصي عامله كما يلي: "وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو...". 

فحقيقة هذه نظرية هامة جداً، ممتازة في كيفية بناء الجيش، ويتوقف الإمام عند تقدير الجنود فيوصي الوالي: "ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضمّنّ بلاء امرئ إلى غبره ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً".

ثم لديه كلام هائل في القضاة، يقول: "اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمعٍ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم وأصرمهم عند افتضاح الحكم ممن لا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17 
 

12

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس. وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين كان أسيراً في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا".


ثم أيضاً يتكلم في العمال والعيون، فيطلب الإمام من مالك ألا يولى العمال "محاباة وأثرة". 

كما يطلب منه أن يتوخى منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، كذلك يطلب منه أن يسبغ عليهم الأرزاق فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنىً لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وفي هذا المجال يرى الإمام ضرورة بعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم. ماذا يحصل بعد بعث العيون؟ "فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً، فبسطت عليه العقوبة في بدنه...".

ثم يتحدث عن الخراج وعمارة الأرض بما يشبه مفهوم التنمية الآن يقول: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغَ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارةٍ أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً". 

فلا نستطيع أن نصنع تنمية إذا كنا نريد أن نثقل الضريبة، علينا أولاً أن نصنع تنمية وبعدها نأخذ ضريبة. 

وينصح الإمام بمد يد المؤونة للمواطنين لدى وقوع كارثة تعوق عمارة الأرض، ففي تخفيف المؤونة عن المواطنين ذخر يعودون به 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

13

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك. ويتابع الإمام الفكرة نفسها فيقول: "وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، (يجمعوا المال) وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر...". 


هذا كلام جميل في الحكم الصالح، لا ريب أننا نحتاج إليه في كل زمان ومكان. 

ظاهرة أمانة السر

ثم يتحدث عن هذه الظاهرة التي نشهد تفشياً لها في العصر الحديث، وهي ظاهرة أمانة السر "السكرتاريا"، للكتاب لمكتب الحاكم كما يدعى هذه الأيام دور خاص مليء بالصعوبات، وكم نرى من متحدثين عن خبرات لهم مع الحاكم ينسبون ما ينالهم على يد الحاكم إلى إشكالات مع المكتب، ولا ينسبونها إلى الحاكم مباشرةً، ولا سيما إن كانوا في وضعٍ يرجون به عودة فضل الحاكم عليهم. 

هنا يختص الإمام الكتاب بقولٍ دقيق ثم انظر في حال كتابك "فولِّ على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ". 

من الممكن أن أحداً يشعر أنه أبطرته كرامته فيقول للوالي أنت قلت كذا وكذا في كتابك، يفضح السر، فإذن لا ينبغي أن يكونوا ممن تبطرهم الكرامة، نعم يلتزمون بالكرامة لكن لا تبطرهم الكرامة.

ويهتم الإمام علي بواجب الكاتب في حسن إيصال الوارد 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

14

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 والصادر بالحرف تقريباً، فعلى الكاتب أن "لا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك، فيما يأخذ لك ويعطي منك". 


وعلى الكاتب أن "لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدرة غيره أجهل". 

ولكن كيف يعيِّن الحاكم أمين سره ؟ هنا يحذر الإمام الحاكم باختيار الكتاب على الفراسة والاستنامة وحسن الظن. لماذا ؟ لأن الرجال الذين سيصبحون أمناء السر يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم. إذاً كيف ينبغي أن يتم الاختيار؟ 

يقول الإمام: "ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم في العامة أثراً" ليس في الخاصة، بل الذي تثني عليه العامة، بمن خدموا كمدراء مكاتب في السابق هم أفضل، "وأعرفهم بالأمانة وجهاً". ولنلاحظ كيف يعود الإمام للعامة، فإنهم الأصل. 

ثم يختم الإمام كلامه في الكتاب بمبدأ قانوني كبير من مبادئ حقوق الإنسان، ألا وهو مبدأ محاسبة المسؤول عن عيوب العاملين معه، يقول: "ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه أُلزمته" فأنت ملزم بمعايب من عمل معك.

ثم إنه يتحدث عن التجار، وكأنه يرانا ويراهم، "فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح". 

هذا كلام فيه إطراء، ثم إنه من جهة ثانية يقول: "واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرةٍ للعامة وعيبٌ على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع منه وليكن البيع بيعاً 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

15

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 سمحاً بموازين عدلٍ وأسعاراً لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرةً "أي احتكاراً" بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف".


الطبقة السفلى

ثم يتحدث عن الطبقة السفلى، والإمام علي إمام المستضعفين حقاً، وهو القوي في نفس الوقت، كأني به رجل حقوق الإنسان في معناه الآصل الأنبل، إنه القوي الذي مع الضعفاء والمظلومين، فلننظر يبتدئ الإمام كلامه عن الطبقة السفلى باندفاعة عاطفيةٍ لا أصدق ولا أجمل "ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى". 

يطالب الإمام بأن يحفظ مالك ما استحفظه الله من حقه فيهم، فيقول "واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكلٌ قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم" إذا ضيعت التافه لا تعذر بتضييعه، لأنك أحكمت الكثير عليك أن تعطي لكلٍ حقه ولا تهمل حق التافه، ثم إنه يوصيه بأن يفرغ لهم رجالاً ممن يثق بهم "مكتب خاص" من أهل الخشية والتواضع، يوكل إليهم رفع أمورهم إليه، إن هؤلاء الضعفاء أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. 

ثم يطلب الإمام تعهد أهل اليتم، أما ذوو الحاجات فيطلب الإمام من عامله أن يهتم بهم فيقول واجعل لذوي الحاجات قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

 


16

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك "لأن الفقير يخاف الحارس ويخاف الشرطي" حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتعٍ فإني سمعت رسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول في غير موطن: "لن تقدس أمةٌ لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع". 


ثم يوصي بأن يعطي العامل لهؤلاء هنيئاً ويمنع عنهم في إجمالٍ وإعذار.

ثم هناك ناحيةٌ هامة وهي ضرورة السرعة في بت الأمور حيث يلزم الإمام عامله بسرعة الاستجابة، فعلى العامل إصدار حاجات الناس يوم ورودها، ويؤكد هذا المعنى حين يقول لعامله "وأمضِ لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه".

ثم هناك فقرات عن العبادات ينصح به بعدم تطويل الصلاة، حيث يقول: "صلِ فيهم كصلاة أضعفهم". 

ضرورة الابتعاد عن الاحتجاب

ثم هناك ضرورة الابتعاد عن الاحتجاب، واستمرار الاتصال بالناس، أي ما يدعى بالشفافية يقول الإمام عليه السلام: "فلا تطلولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علمٍ بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل".

وفي هذه الفقرة شرح مرهف لما ندعوه اليوم بالشفافية، فالاتصال بالناس يجعل الناس يتصلون ويسألون العامل عن شأنه فيجيبهم، أما الاحتجاب فيولد سوء التفاهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

17

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 ثم يتابع التحذير من الخاصة للوالي يقول: "ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحدٍ من حاشيتك وحامتك قطيعة...وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع". 


ويتابع الإمام وصيته بلزوم مكاشفة الرعية بأموره يقول: "وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك". 

ثم يتكلم عن الصلح وعن معاملة الأعداء وعن ضرورة الارتباط بالمعاهدات وعن تجنب حب الإطراء وعن أهمية حسن التوقيت فإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، وأهمية المساواة، إياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة، ثم في ضرورة الابتعاد عن الغضب، وفي الختاميات ثمة كلامٌ جميل حيث يقول: "وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبةٍ أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه... وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة" ذلك ختاميات العهد إلى بن الأشتر". 

ختاميات كلمتي

فأما ختاميات كلمتي، فهي كلام مختصر بسيط، إننا أمام نصٍ متقدمٍ معاصر، لكن طبعاً أتساءل هل طبق؟ هل من الممكن تطبيقه؟ 

ولاية الإمام علي كانت بسيطة، ومالك بن الأشتر كان واليه الثاني، لا أدري كم استمر في الولاية، لا أدري إذا كان لدينا كيف 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

18

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 طبق هذا العهد، ثم كيف نتعامل مع النصوص العظيمة، وثم إنني أحب أيضاً أن أقول أن علينا أن نستفيد من هذه النصوص استفادة استنهاض وليس استفادةً حرفية، فالإمام وجهنا إلى أن لا نعلِّم أولادنا علمنا،لأنهم مخلوقون لزمنٍ غير زماننا، وبالتأكيد هذه الفكرة يلحُّ عليها كثيرٌ من دعاة حقوق الإنسان من المسلمين، وأخص بالذكر منهم صديقي الدكتور عبد الحسين شعبان رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولديه كتاب أرجو أن يكون بين يديكم ،هو الإسلام وحقوق الإنسان، وقد نشر هنا في لبنان، ولديه فصل خاص عن الإمام علي وحقوق الإنسان ،إذاً علينا أيضاً أن نتدارس عهد الإمام إلى مالك، أن نرسله إلى الحكومات الإسلامية، أن نرسله إلى الأمم المتحدة وإلى اليونسكو وإلى المعنيين بحقوق الإنسان والحكم الصالح، وبالطبع تعلمون أنني أتابع منذ مدة الكلام عن حلف الفضول، ووردتني عدة رسائل من شخصيات دولية تشيد بحلف الفضول، ثم إنني أحب وهي أول مناسبةٍ لي بعد أن عينت مؤخراً لمهمة دولية من قبل رئيس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وهي بحث موضوع المتحدرين من أصل الأفريقي في العالم وكيف يعاملون و لا أدري حتى الآن ما صلاحيات اللجنة ،هل سنحقق في أمريكا مثلاً كيف يعاملون؟ أو سيطلبون مني أن أحقق في السعودية فقط مثلا؟


على كل حال أحب أن يكون لدينا جبهة إسلامية مسيحية لإنقاذ الحضارة. ثم لعلنا نفكر بعد 11/9 في أمرٍ لا بد إلا أن نفكر به, 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

19

حقوق الإنسان في نهج البلاغة

 وهو أمر كبير, تنزلت الدعوة الشريفة على النبي صلى الله عليه وسلم عام 610, بعد ثماني سنوات تحل الذكرى 1400 بالتقويم الميلادي لتلك الدعوة ألا ينبغي أن نبدأ منذ الآن العمل من أجل أن يحتفل العالم كله بالذكرى 1400 بالتقويم الميلادي لتنزل الدعوة , نحن الآن في العام 2002 ,ليس كثيراً أن نبدأ هذه الدعوة من الآن, الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في أوائل الثمانينات من القرن الماضي العمل لإقناع العالم بالاحتفال بالذكرى الخمسمائة لاكتشاف أمريكا ,نحن ذكرى 1400 سنة للديانة الثانية في العالم التي تمثل أكثر من ربع سكان البشرية ينبغي أن نبتدأ العمل منذ الآن, ينبغي أن نحض الولايات المتحدة والهيئات الدولية على اعتبار عام 2010 عاماً هاماً في تاريخ البشرية لأنه ذكرى 1400 في التقويم الميلادي لبدأ الدعوة ,وهكذا يمكن لنا أن نصد شيئاً من الهجمة التي تتوالى علينا يوماً بعد يوم قبل 11/9 وتشتد يوماً بعد يوم بعد 11/9 شكراً جزيلاً وعدم المؤاخذة.

 

 

 

 

 

 

25


20

العرفان في نهج البلاغة

 العرفان في نهج البلاغة 

 
 سماحة الشيخ محمد خاتون1
 
مقدمة
 
أعوذ بالله من الشيطان. الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمي.ن والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وهادينا وقائدنا وحبيب قلوبنا وأنيس نفوسنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين.
 
أشكر باسمكم جميعاً الأخ العزيز الأستاذ الدكتور جورج جبور على هذه المحاضرة القيمة.
 
بعض التعليقات السريعة
 
أولاً: أرحب به باسمنا كعلميين، فنحن علميون، وإذا كانت العلمانية تعني العلمية فنحن وإياه من العلمانيين، وإذا كانت العلمانية تعني بعداً آخراً وهو ابتعاد الله عز وجل عن خلقه وعدم ربط الدنيا بالآخرة وربط الآخرة بالدنيا فلا هو ولا نحن من هؤلاء العلمانيين. 
 
المسألة الثانية: أن الذي يمكن أن يفوز في معركةٍ من المعارك السياسية التي تحصل في قديم الزمان وحاضره قد لا يكون بالضرورة صاحب حقٍ على الإطلاق ومن هنا فإنه أختصر الكلام 
 
 

1- عضو المجلس المركزي في حزب الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

21

العرفان في نهج البلاغة

 لأقول لقد فازت الديمقراطية في إقصاء علي بن أبي طالب عليه السلام والإتيان بغيره وهو معاوية بن أبي سفيان ليصبح فيما بعد هذا الملك الإسلامي ملكاً عضوضاً يتوارثه الناس أقول نجحت الديمقراطية في إبعاد عليّ عن هذا الموضوع ولكن هل نجحت الديمقراطية في أن تصنع للأمة مجدها وكرامتها وما شابه ذلك وبالمقابل فشل علي بازاء الديمقراطية على المستوى الظاهري فشل علي بن أبي طالب لأنه لم يختر من قبل الأكثرية التي كانت موجودة آنذاك ولكنه نجح في أن يتحول إلى ذلك المنهل الفياض الذي يستقي منه المجاهدون والثوار جهادهم وثورتهم عبر التاريخ. 


والمسألة الثالثة: أن موضوع نقد النصوص هو أمرٌ وارد ولكن إنما ينقد النص بمقدار ما يبتعد عن المقدسات الأساسية وهي الله تبارك وتعالى والنبوة فإذا كان هذا الأمر له علاقة مباشرة بالله عز وجل وبأنبيائه فإن النقد عندئذٍ لا يكون مقبولاً بأي حالٍ من الأحوال فيما يتعلق بنقد بعض النصوص الواردة طبعاً إذا كان المقصود هو أن ننقد ترجمةً ما لفقرة من فقرات مالك عهد مالك الأشتر فأن ننتقد فهماً معيناً لها فهذا أمر طبيعي باعتبار أن فلاناً من الناس فهم ذلك المقطع بالكيفية الفلانية أما انتقاد نفس الأمر فهذا الأمر هو الذي عانى منه علي ابن أبي طالب لأن أمره لم يكن مطاعاً وهو الذي ختم خطبة الجهاد الغراء التي يقول في آخرها "ولكن لا رأي لمن لا يطاع". 

وأدخل إلى المطلوب مني بعد حمد الله سبحانه وتعالى والثناء عليه أود في البداية أود أن أنقل خاطرة يذكرها المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية رضوان الله عليه حيث كان في القاهرة في تكريم لأمير البيان في هذا 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

22

العرفان في نهج البلاغة

 العصر الأديب الأمير شكيب إرسلان حيث ارتقى أحد الحاضرين المنصة وقال فيما قال رجلان في التاريخ يستحقان أن يلقبا بلقب أمير البيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وشكيب إرسلان. فيقوم شكيب إرسلان من مجلسه غاضباً ويذهب إلى المنصة فيعتب على صديقه الذي عمل هذه المقارنة بينه وبين الإمام عليه السلام ويقول: "أين أنا وأين علي بن أبي طالب أنا لا أعد نفسي شسع نعل لعلي عليه السلام".


هذا الكلام بالنسبة لي يعتبر مقدمةً جيدة أنا الذي جلست مجلساً لست أهلاً له فإن أحسنت في الكلام فلأن المتكلم عنه هو في غاية العلو والعظمة، وهو لذلك أهل. 

وإن أسأت وكان كلامي فيه عيبٌ فإن العيب مني وإلي وأنا لذلك أهل ولا سيما فيما يتعلق بالجانب العرفاني في نهج البلاغة، وصاحبه هو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا".
 
وأدخل إلى الموضوع العرفاني في نهج البلاغة من خلال نقطتين: 

العرفان الحقيقي

النقطة الأولى:في إعطاء العرفان تعريفاً حقيقياً، فهو معرفة الله سبحانه وتعالى والاعتقاد بأن الله عزَّ وجل هو المسبب وهو المؤثر في كل شيء في هذا الوجود ثم بعد ذلك السلوك إلى الله تعالى من خلال المعرفة، وليس العرفان صورة ظاهرية لذلك، هذه الصورة قد توحي للإنسان بإظهار الفقر والمسكنة وما شابه ذلك والتي هي محكوم عليها في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

23

العرفان في نهج البلاغة

 نهج البلاغة محكوم عليها أنها انحراف عن الجادة وانجراف مع السيل، فليس كل هذا داخلا في العرفان الحقيقي وإن دخل بعضه فيه فإنه يدخل من باب الوسيلة والأداة وضمن شروط معينة. 


ولعل هذا هو الذي عبَّر عنه أمير المؤمنين عليه السلام عندما دخل دار العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده مريضاً فلما رأى سعة داره قال: "ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟". 

وهل تركه الإمام في حيرة؟ لا لم يتركه في حيرة وإنما أكمل وأجاب عنه قال: "بلى إن شئت بلغت الآخرة ماذا تفعل ؟ تقري بها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذن أنت قد بلغت بها الآخرة".

الإمام عليه السلام طرح التساؤل أمامه ثم فكه من هذه الحيرة وأعطاه الجواب الكافي فقال له العلاء: هذا العلاء عندما سمع هذه الكلمة تشجع فقال له يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد فقال وما له؟ قال لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال عليَّ به. 

فلما جاء ومثل بين يديه قال: "يا عدي نفسه، لقد استهام بك الخبيث أما رحمت اهلك وولدك أترى الله أحل لك الطيبات ويكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك" قال يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك فقال: "ويحك إني لست كأنت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره".(يعني حتى لا يأخذ الإنسان الهم والغم لأنه يكون فقيراً).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

24

العرفان في نهج البلاغة

 علاقة العرفان بالاجتماع والسياسة


والنقطة الثانية: إنما جُمِعَ من كلمات لأمير المؤمنين عليه السلام وخصوصاً فيما يتعلق بالجانب العرفاني منها إنما كان في فترة حكومة الإمام عليه السلام وحاكميته الفعلية وهي مسألة جديرة بالبحث والتوقف لأن المعرفة والسلوك إلى الله تعالى لا يكون مخصوصاً بزمان أو بظرف وإنما هو حالة اتصال وارتباط بالله تعالى تزيدها المسؤولية السياسية والاجتماعية تعمقاً لأنه كلما كبر حجم المسؤولية الاجتماعية والسياسية كلما ازدادت الحاجة إلى الله تعالى، بينما يمكن أن تطلق كلمات المعرفة والعرفان على حالة خاصة (طبعاً تطلق خطأً) عندما يكون الإنسان في موضع الانعزال عن السياسة والاجتماع حتى إذا عاش السياسة بتفاصيلها كان لحياته الشخصية عند ذاك لون آخر، فإما أن يفشل في عالم السياسة والاجتماع وإما أن ينحرف في حدود لا يعلمها إلا الله تعالى.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفَّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني شجعي إلى تخير الأطعمة ولعلي بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا وحولي بطونٌ غرثى وأكباد حرة أو أكون كما قال القائل: 

وحسبك داءً أن تبيت ببطنةٍ   وحولك أكباد تحن إلى القدِّ 

أأطمع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش فما خلقت 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

25

العرفان في نهج البلاغة

 ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها".


معرفة الله وأثرها في حياة الإنسان

ثم نفتح بعد ذلك تلك الخزنة الهائلة في العرفان بدءاً من معرفة الله تعالى حيث يقول عليه السلام: "أو ل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة". 

إلى الشهادة لله تعالى بالوحدانية بكل معانيها بكل أبعادها حيث يقول: "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له، لا تقع الأوهام على صفة ولا تعقد القلوب منه على كيفية، ولا تناله التجزءات ولا التبعيض، ولا تحيط به الأبصار ولا القلوب". 

وبعد ذلك إلى شواهد المعرفة على المبدأ والميعاد حيث يقول: "وعجبت لمن شكَّ في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى".

ثم إلى أثر الاعتقاد بالله تعالى في حياة الإنسان في أي موقع من المواقع حيث يقول لأبي ذر وقد نفي إلى الربذة "يا أبا ذر إنك غضبت لله فأرجو من غضبت له إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك لهم ما خافوك عليه واهرب بما خفتهم عنه فما 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

26

العرفان في نهج البلاغة

 أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عما منعوك وستعلم من الرابح غداً والأكثر حُسَّداً ولو أن السموات والأراضين كانتا على عبدرتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنَّك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك ولو اقترضت منها لأمنوك".


معالم العبادة

ولا بدَّ لنا ونحن نرى هذه الجواهر المتلألئة أن نحدد معالم ذلك السلوك العرفاني المتجلي في نهج البلاغة، فمرة ننظر إلى العبادة التي خلق الله تعالى الجن والإنس من أجلها ننظر إليها على أنها تجارة مع الله تعالى وهي حقاً تجارة رابحة، ومرة أخرى ننظر إليها كما نظر إليها أمير المؤمنين عليه السلام على أنها هي المعراج إلى ساحة قدس الله عز وجل وعالم انتصار الروح بقيمها على قيم البدن وعالم أسمى مراتب الشكر لله سبحانه وتعالى فيقول عليه السلام: "إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار".

وقال عليه السلام "لو لم يتوعد الله على معصية لكان يجب أن لا يعصى شكراً لنعمته".

ويقول عليه السلام أيضاً في هذا المضمار "إلهي ما عبدتك حين عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

ومرة ثانية ينظر إلى أولئك الذين تعلقت قلوبهم بالله عز وجل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

27

العرفان في نهج البلاغة

 فيصف كيف يقضون أيامهم ولياليهم مرة في حالة البؤس والفقر والصبر على ذلك، ومرة في حال مقارعة الباطل والانتصار عليه والصبر على ذلك. 


ومرة ثالثة في حالة العشق إلى الله سبحانه وتعالى والصبر على ذلك أيضاً فيقول عليه السلام عندما يصف أولئك الذين يعيشون البؤس والفقر والصبر "طوبى لنفس أَدَّت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في ليلها همضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب الله إلا إن حزب الله هم المفلحون فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك.

ومرة يقول عليه السلام وهو ينظر إلى أولئك الذين قارعوا الباطل واستطاعوا أن ينتصروا عليه ولم ينعزلوا عن الحياة السياسية والاجتماعية وإنما واجهوا الطاغوت في ذلك الوقت وواجهم الطاغوت وقتل الطاغوت منهم كثيراً وعذب منهم كثيراً ولكنهم في نهاية المطاف تمكنوا من الانتصار يقول عليه السلام: "وتدبروا أحوال الماضيين من المؤمنين قبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء، وأجهد العباد بلاء، وأضيق أهل الدنيا حالا. اتخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب وجرَّعوهم المُرار فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلة في امتناع، ولا سبيلاً إلى دفاع. حتى إذا رأى الله سبحانه وتعالى جد الصبر منهم على الأذى في محبته، والاحتمال 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

28

العرفان في نهج البلاغة

 للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضايق البلاء فرجاً، فأبدلهم العز مكان الذل، والأمن مكان الخوف، فصاروا ملوكا حكاما، وأئمة أعيانا، وقد بلغت الحال من كرامة الله لهم ما لم تبلغ الآمال إليه منهم.


هذا ما ينطبق علينا نحن انطباقاً كلياً عندما لم تكن أحلامنا لتطال أن نحتل موقعاً من مواقع العدو الإسرائيلي ولكنه بعد فترة من فترات الجهاد والصبر على الأذى في سبيل الله تحققت أكثر من أحلامنا بل إن الذي تحقق لم يكن لنحلم به في وقتٍ من الأوقات. 

ويقول عليه السلام عندما يصف ليل أولئك وتهجدهم فيه "أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وطنوا أنها نُصب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، (طبعاً الخوف من الله عز وجل) قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ومابالقوم من مرض ويقول لقد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا ذكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم مني بنفسي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

29

العرفان في نهج البلاغة

 اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون".


ومن الجميل هنا أن هذه المواصفات التي قالها علي عليه السلام لأولئك الذين اتقوا الله عز وجل بطلب من أحد أصحابه وهو همام عندما يسمع همام هذه الكلمات يخرّ إلى الأرض صريعاً ويصعق صعقة كانت نفسه فيها فيقول أمير المؤمنين عليه السلام أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال "هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال لهم قائل فما بالك يا أمير المؤمنين (يعني أنت لما لم تمتيا أمير المؤمنين ومنك خرجت هذه المواعظ) فقال ويحك إن لكل أجل وقتاً لا يعدوه وسبباً لا يتجاوزه فمهلاً لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك".

ولم يكن لهذه الكلمات ذلك الوقع الذي يحصل لبعضنا عندما يسمعها والسبب في ذلك: 

أولا:ً لأن القائل هنا هو علي بن أبي طالب عليه السلام بينما القائل بيننا غيره. 

وثانياً: لأن الاستعداد الذي كان موجوداً عند همام ليس موجوداً عند أحدنا وإذا اجتمع هذا وذاك فإن المواعظ عندئذٍ سوف تبلغ ذروتها وتبلغ هذه الحالة قمتها. 

حقيقة العلم

في ذلك المقطع الذي يتعرض فيه الإمام عليه السلام للتمييز بين الناس من خلال العلم الذي لا يعني تجميع كمية من المعلومات المتناثرة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

30

العرفان في نهج البلاغة

 التي لا يربطها رابط وإنما العلم الحقيقي هو ذلك الذي يصيب القلوب والبصيرة بالنور الإلهي الوضَّاء حيث يقول لكميل بن زياد (أختصر هنا قدر الاستطاعة) "يا كميل إنَّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك:الناس ثلاثة: فعالمٌ رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع، أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.....


يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة (ثم يشير عليه السلام إلى صدره الشريف) ويقول: ها إنا ههنا لعلماً جماً لو أصبت له حمل، بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا ومستظهراً بنعم الله على عباده وبحججه على أولياءه ثم يعدد قسماً من هؤلاء الذين تعلموا العلم للعلم ولم يستفيدوا منه وسيلةً إلى الله عز وجل وبعد ذلك يستثني ويقول اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون عند الله قدراً يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه، آه شوقاً إلى رؤيتهم!". 

وعودٌ على بدء فإن أمير المؤمنين عليه السلام وهو الذي يقول لنا: "ألا وإن لكل مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ألا وإن 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

31

العرفان في نهج البلاغة

 إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ألا إنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد وعفةٍ وسداد".


ويقول عليه السلام عن مقدار ما يضج في قلبه من ذلك العلم في كلامٍ طويل يختمه عليه السلام حيث يقول: "فإن أقل يقولوا حرص على الملك وإن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتي والتي والله لابن أبي طالب أنس بالموت من الطفل بثدي أمه بل اندمجت على مكنون علمٍ له بُحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة". (ولعل علماء الفيزياء يفهمون هذا المعنى، إذ بقدر ما تكون البئر عميقة، فإن الحبل يهتز). 

يقول الإمام عليه السلام "لو استطعتم أن تحصلوا على جزءٍ من مكنون علمي لحصل لكم ذلك، ولكن حكمة الإمام علي عليه السلام كما اقتضت حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على مقدار عقولهم". 

عقولنا لا تستطيع أن تستوعب كل ما خرج من قلب أمير المؤمنين علي عليه السلام فكيف باستطاعتنا أن تستغرق في ذلك المكنون في قلبه صلوات الله وسلامه عليه عصمنا الله من الزلل ونفعنا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

32

العرفان في نهج البلاغة

 تعليقات الدكتور جبور 


أشكر سماحة الشيخ على تعليقه الكريم على ما قلته وقد أجمل تعليقه في نقاطٍ ثلاثة: 

فأما النقطة الأولى: 

عن العلمانية، فلا خلاف لي معه عليها قلت العلمانية هي في المسيحية أولئك الذين لا يرتدون الثوب هناك رجال دينٍ يرتدون الثوب يدعون رجال دين "أكليروس"، وهناك من لا يرتدون الثوب وهم العلمانيون هذا هو المعنى الأصلي الأساسي للعلمانية إذاً هو أشار إلى هذا المعنى وأشار إلى معانٍ أخرى أخذتها الكلمة في أوقاتٍ لاحقة فمن العلمانيين من يفتخر بأنه متدين ومن العلمانيين من يفتخر بأنه ملحد لكن العيار الظاهري للعلماني هو أنه في المسيحية لا يرتدي الثوب الديني وحين نكون مع صاحب الغبطة "البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم" بطريرك الروم الأرثوذوكس لبطراكية أنطاكيا وسائر المشرق نكون مجتمعين وقبل فترة كنا معه في لقاءه بفريق الحوار الإسلامي المسيحي فريق الحوار العربي الإسلامي المسيحي وهناك من الطائفة الشيعية الكريمة السيد هاني فحص يقول: نحن نجتمع الآن رجال دين وعلمانيين فإذن كلمة علمانية في المسيحية في أصل المسيحية هي دلالة على ثوبٍ معين يرتديه الإنسان وليست دلالة على مذهب فكري يذهب إليه فكر الإنسان. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

33

العرفان في نهج البلاغة

 النقطة الثانية: 


عن الديمقراطية والعامة وكيف نجح الإمام علي بالديمقراطية أو فشل بها تلك نقطة هامة وتختص بالتاريخ الإمام علي عليه السلام إمام المستضعفين أمام الفقراء إمام الأتقياء الإمام علي عليه السلام تشعر به دائماً أنه مع الضعيف أنه مع العامة ضد الخاصة وتلك ناحيةٌ هامة في الديمقراطية أصل الديمقراطية في اللاتينية هي حكم العامة حكم الغوغاء إذا شئنا تلك اللجنة التي لم تعطِ للإمام حقه لم تمارس ديمقراطيةً حقة كانت من الخاصة التي ذمها الإمام ولم تكن ديمقراطيةً بالمعنى الذي نعرفه الآن عن الديمقراطية وبالمعنى الذي عرفه الإمام عن العلاقة بين الخاصة والعامة هو انتقد الخاصة وهي كانت من الخاصة فذلك أمرٌ ينبغي أن نهتم له هو في حماسته لرضا العامة يضع أسس الحكم الديمقراطي ذلك أمرٌ لا شك فيه وهو ظاهر في كثير بل وكثير جداً من نهج البلاغة ولا تعارض في نهج البلاغة مع هذا المذهب مذهب تفضيل العامة لكن هناك شيء وهو أنه ضد الخاصة وتلك اللجنة والظروف التي تم بها إقصائه عمّا هو حق له إنما تم بتدبير من خاصة وبطانةٍ انتقدهما هو دائماً في كلماته تلك ناحية هامة كيف نخرج الحكم على الواقع الحكم هو للديمقراطية والواقع هو أن ما تم لم يكن ديمقراطياً تلك الناحية ناحيةٌ يمكن لنا أن نتفق عليها.

الناحية الثالثة: 

هي أصعب المراحل نقد النص كيف نتعامل مع النص. 

أكتب الآن بحثاً فلسفياً أو أحاول أن أكتب بعنوان نقد النص 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

34

العرفان في نهج البلاغة

 العظيم إمكانه وحدوده كيف يمكن لنا أن نتعامل مع النص العظيم ؟ لا أقول المقدس لأن بعض المذاهب والديانات ليس عندها مفهوم القدسية لكن هناك نصوصٌ عظمة كيف نتعامل مع النصوص العظمى ؟ ما هي إمكانات نقد النصوص العظمى ؟ وما هي حدود هذا النقد تلك ناحيةٌ هامة لا بد لنا إلا أن نقف عندها. النقد هو تيار حياتي أصيل إن لم ننتقد فمعنى ذلك أننا لم نبتكر أننا راضون عن كل شيء كان وفي الحقيقة فقد بينت يا فضيلة الشيخ أن للنقد حدوداً وأن النقد يمكن أن ينصب على فهمٍ معين لكلمة لكن أيضاً أريد أن أخوض معك في هذا هناك كلمة وردت في نهج البلاغة عند الشيخ محمد عبده طبعة مصر وورد غيرها في النصوص الأخرى هي كلمة المناقشة أو المثاقفة بعض النصوص تجعلها مناقشة أكثر مناقشة العلماء وبعض النصوص تجعلها مثاقفة فإذا كنا نستطيع أن ننتقد تركيب الكلمة الفيزيائي فنفضل مثاقفة على مناقشة أو مناقشة على مثاقفة نتيجة ترجيحاتٍ للنص القديم للمخطوط فمعنى هذا أننا بشكلٍ أو بآخر ننقد الرسم ثم الرسم له معنى فإذاً ننطلق في محاولة نقدنا للرسم تفضيلنا ننطلق إلى أحد المعاني على المعاني الأخرى كلمة مناقشة التي يوردها الشيخ محمد عبده لم تكن دارجة آنذاك كان دارجاً كلمة المثاقفة لعل الشيخ محمد عبده لم يعنى كثيراً بالنظرة في هل كان تاريخية كلمة المناقشة والذين كتبوا بعد الشيخ محمد عبده من أئمة الشيعة رجحوا كلمة مثاقفة على كلمة مناقشة إذا كنا نستطيع ترجيح كلمة على كلمة فمعنى ذلك أننا ندخل في مفهوم نقد النص نفسه حتى نستقر عليه أولاً لكن لا مانع عندي أن أقول أن النص 

 

 

 

 

 

 

 

40


35

العرفان في نهج البلاغة

 العظيم ينبغي أن يؤخذ بعظمته وينبغي أن يتوجه النقد إلى ذلك الفهم له الذي درج في فترةٍ زمنية معينة والذي لم يعد يصح أن يستمر دارجاً في فترةٍ زمنيةٍ مقبلة تلك إذاً خروجٌ من إشكاليات التعامل مع النص العظيم. 


ثم أحب أن أذكر لكم حكايةً طريفة وطريفة جداً ولا أمل من ذكرها رغم أن فيها جانباً ذاتياً وتدل على قدرتي الخارقة فاسمحوا لي بشيءٍ من.."قبل عشر سنوات عام 1992 كان هناك سفير لألمانيا في المغرب وهذا السفير مسلم كان مسلماً واستمر مسلماً وعُيِّن سفيراً وهو مسلم وزوجته تركية واسمه "مراد هوفمان" ألف هذا السفير الأماني لدى المغرب كتاباً عنوانه: الإسلام كبديل يدعو به أوروبا إلى اعتناق الإسلام وأحب أن يروج لكتابه أحب الناس والمؤلف أن يروجا معاً للكتاب أرسلت له بعثةٌ تلفزيونية إلى مكتب سفير ألمانيا في المغرب أرسلت إلى المكتب أجرت معه مقابلةً في المكتب حين كان يجري المقابلة مع البعثة التلفزيونية أذن الظهر فبشكل عفوي فلنقل بشكل مفتعل لا أدري أحب سفير ألمانيا أن يمارس صلاة الظهر أمام عدسة التلفزيون فقام وصلى وسجد في مكتب سفير ألمانيا في المغرب ثم أن هذا الفيلم عرض على التلفزيون الألماني فقامت القيامة لعل منظر الصلاة في مكتب سفير ألمانيا في المسجد جعل الألماني العادي يتحسس أكثر للمذهب الديني الدين الذي يعتنقه هذا السفير فقامت المطالبات في ألمانيا تطالب بعزل السفير.

لماذا؟ هل لأنه مسلم ؟ لا.

نائبة رئيس مجلس الشعب قالت بما أنه مسلم فهو لا يستطيع أن يكون مخلصاً للدستور الألماني الدستور الألماني يساوي بين المرأة والرجل والشريعة الإسلامية لا تساوي بين المرأة والرجل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

36

العرفان في نهج البلاغة

 لذلك نحن لا نطلب إعفاءه من منصبه لأنه مسلم بل لأنه غير مؤمن إيماناً راسخاً بالدستور الألماني.


كان لدينا في دمشق سفيرٌ ألماني كنت معه على طاولة عشاء قلت له هل تعرف هذا الرجل ؟ قال نعم.هو صاحبي منذ الطفولة وهو منذ الطفولة لم يكن مؤمناً بالمسيحية كان يبحث عن دينٍ آخر ثم استقرَّ على الإسلام فهو ديبلوماسي ممتاز جديّ أحبه جداً لكن من المؤسف أنه سيعزل، وسيعزل قريباً قلت له تستطيع أنت أن تتسبب في عدم عزله قال أنا ! قلت له نعم بمساعدتي، قال كيف؟ قلت له ألست كاثوليكياً ؟ (وكنت أعرف أنه كاثوليكي) قال نعم قلت له ألم تتزوج أمام الكاهن؟ قال نعم، قلت له ألم يقل الكاهن لزوجتك أيتها الزوجة اخضعي لزوجك ؟ قال نعم قلت له زواجك مخالف للدستور الألماني كل الزواجات الكاثوليكية مخالفة للدستور الألماني نفس التهمة الموجهة إلى السفير.

في نهاية العشاء أتى إليّ وقال لي أنا لا أستطيع أن أقول هذا إلى "غنشر" فلماذا لا تقول أنت هذا إلى "غنشر" ؟

كنت آنذاك مستشاراً لرئيس مجلس الوزراء قلت له أنا أقولها لرئيس الوزراء "بول" ولا أقولها "لغنشر" أرسل لك رسالة وأنت تذكر ما دار بيننا وإلى آخره فأرسلت له رسالة ثم نسيت.
ذات يوم اتصل بي صباحاً باكراً وقال أسف إذ أتصل بك هذا الصباح أتصل بناءً على أوامر من حكومتي أنقل لك تحيات المستشار، وهو يقول بأن من واجبه أن يعرفك قبل غيره بأنه بعد ساعتين سيصدر بيان يثبت السفير في منصبه.

إذاً هناك قراءات للنص تختلف كانت المسيحية تميز ضد المرأة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

37

العرفان في نهج البلاغة

 وما تزال في أمور كثيرة واليهودية تميز ضد المرأة والآن تختلف بهذا وعلى كل حال تلك أمور أشكرك جداً إذ أثرتها فهي منعشةٌ للذهن ومشجعة للمثاقفة التي نصحنا بها الإمام علي وشكراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

43


38

العرفان في نهج البلاغة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

44


39

العرفان في نهج البلاغة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

45


40

العرفان في نهج البلاغة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

46


41
الإنسان في نهج البلاغة حقوق وآفاق