روح العبادة

روح العبادة

أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبّها بقلبه...


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-03

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

11

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

15

معنى العبادة

17

1- العبادة في اللغة

17

2- العبادة في الاصطلاح

17

3- العبادة شرعاً

18

مفهوم العبادة في الإسلام

19

العبادة في القرآن والسنة

21

أهمية العبادة في حياة الإنسان

23

آثار العبادة على الصعيدين الفردي والاجتماعي

23

1- على الصعيد الفردي

25

2- على الصعيد الاجتماعي

29

الدرس الثاني: منشأ العبادة

31

أسئلة مشروعة حول العبادة ولزومها

32

الحقائق الإلهية التي توجب عبادة الله

32

1- الخلق لله

33

2- الملك لله:

34

3- القهر لله:

35

4- الأمر لله:

37

5- الربوبية لله:

37

حقيقة الإنسان توجب عبادة الله تعالى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

43

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

45

تمهيد

45

ما هي العبودية؟

46

العلاقة بين العبادة والعبودية

48

أنواع العبودية

48

1- العبودية التكوينية:

49

2- العبودية الاختيارية:

50

العبودية المطلقة هي الهدف من خلق الإنسان

52

كمال الإنسان في العبودية لله

57

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

59

ما هي النيّة؟

59

أهمية النيّة وموقعيتها في الإسلام

62

ما هو الإخلاص ومن هو المخلص؟

64

آثار الإخلاص

66

كيف يتحقّق الإخلاص؟

71

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

73

أنواع العبادات في الإسلام

73

تنقسم العبادات في الإسلام إلى ثلاثة أقسام

73

أحكام العبادات وآدابها

75

أهميّة التعرّف إلى الآداب المعنوية للعبادات

76

نبذة من عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام

77

1- عبادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:

78

2- عبادة أمير المؤمنين علي عليه السلام:

80

3- عبادة السيدة الزهراء عليها السلام:

81

4- عبادة الإمام الحسن عليه السلام:

81

5- عبادة الإمام الحسين عليه السلام:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

85

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

87

حقيقة الصلاة وأهميتها

89

فضل وأهمية الصلاة في القرآن والسنة

89

1- الصلاة أفضل وسيلة لذكر الله تعالى:

90

2- للصلاة صورة ملكوتية:

90

3- الصلاة أحب الأعمال إلى الله تعالى:

90

4- الصلاة أوثق سبب لقرب العبد من الله:

91

5- الصلاة سبب مغفرة الذنوب:

91

6- للمصلي مقام عظيم:

91

النوافل

92

أهمية النوافل

93

آثار النوافل وفوائدها

94

أهمية صلاة الليل

95

فضل وآثار صلاة الليل

96

أسباب الحرمان من صلاة الليل

101

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة  (1)

103

مقدمة

104

المحافظة على الصلاة من تصرّف الشيطان

106

التوجّه إلى عز الربوبية وذلّ العبودية

106

أهمية التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية

108

الخشوع

109

كيفية تحصيل الخشوع

110

خطوات تحصيل الخشوع

115

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

117

أدب الطمأنينة

119

النشاط والبهجة في العبادة

120

النشاط والبهجة في الكتاب والسنة

122

التفهيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

129

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

131

معنى حضور القلب

131

أهمّية حضور القلب في الروايات

133

نتائج وآثار حضور القلب

134

موانع حضور القلب

135

1- الخيال:

135

2- تعلّق القلب بالدنيا:

136

كيفية تحصيل حضور القلب

137

1- السيطرة على قوة الخيال:

138

2- علاج حب الدنيا:

145

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

147

الطهارة في القرآن الكريم

149

مراتب الطهارة

151

1- استحضار رحمة الله:

152

2- تطهير الجوارح من الآثام:

152

3- الإخلاص لله:

153

4- حسن المعاشرة:

153

5- التقوى واليقين:

154

الآداب المعنوية للوضوء

161

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

163

اللباس وتأثيره المعنوي على النفس

165

اللباس وطهارته الظاهرية والباطنية

166

مراتب طهارة اللباس الباطني

167

الآداب القلبية للستر واللباس

168

آداب وقت الصلاة

170

آداب استقبال القبلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

175

الدرس الثاني عشر: أفعال الصلاة وآدابها المعنوية

177

حقيقة أفعال الصلاة

178

قوام الصلاة

179

سرّ القيام وآدابه

181

آداب الركوع

181

1- أدب التكبير قبل الركوع:

182

2- آداب الانحناء الركوعي:

184

أسرار السجود وآدابه

191

الدرس الثالث عشر: آداب القرآن الكريم المعنوية

193

دور القرآن في تحقيق العبودية

195

الآداب المعنوية لقراءة القرآن الكريم

195

أوّلاً: التعظيم

196

ثانياً: رفع الموانع وإزالة الحجب

199

ثالثاً: فهم مقاصد القرآن

200

رابعاً: التفكّر

201

خامساً: التطبيق

207

الدرس الرابع عشر: الدعاء جوهر العبادة

209

الدعاء وموقعه من العبادة

211

أهمية الدعاء

213

فوائد وآثار الدعاء

216

استجابة الدعاء

223

الدرس الخامس عشر: آداب الدعاء وشروطه

225

موانع استجابة الدعاء

225

1- اقتراف الذنوب والمعاصي:

226

2- أكل الحرام:

226

3- عقوق الوالدين وقطيعة الرحم:

227

4- الدعاء بما يخالف السنن الإلهية:

227

5- عدم اقتران الدعاء بالعمل:

239

الآداب المعنويّة للدعاء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9


5

الفهرس

 

241

الدرس السادس عشر: التوسّل والزيارة

242

معنى التوسّل وحقيقته

243

مفردات مرادفة للتوسّل

244

لماذا التوسّل؟

246

أقسام التوسُّل

246

آداب التوسّل

247

زيارة المعصومين عليهم السلام وفضلها

248

الهدف من الزيارة

249

الآداب المعنوية للزيارة

255

الدرس السابع عشر: الآداب المعنوية للصوم

257

حقيقة الصوم

258

غاية الصوم

259

فوائد وآثار الصوم

263

الآداب المعنوية للصوم

271

الدرس الثامن عشر: الحج وأبعاده المعنوية

273

الحج لغة واصطلاحاً

273

حقيقة الحج

275

أبعاد الحج

277

الآثار المعنوية للحج

278

الآداب المعنوية للحجّ

.

 

 

 

 

 

 

 

 

10


6

المقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد...
 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، على عسر أم يسر"1.
 
العبادة في الإسلام اسم يطلق على كلّ ما يصدر من الإنسان المسلم من أقوال وأفعال وأحاسيس، استجابةً لأمر الله تعالى، وتطابقاً مع إرادته ومشيئته. فلا حصر ولا تحديد لنوع الأعمال أو الأفكار أو الأقوال، التي يعبد بها الله... فالصلاة، والصدقة، والجهاد، والتفكّر في خلق الله، ومساعدة الضعيف، وإصلاح الفاسد، وأداء الأمانة، والعدل بين الناس، ورفض الظلم... فكلّ تلك الأعمال هي عبادة، ما دام الداعي إلى فعلها هو الاستجابة لأمر الله تعالى. وقد جاء في الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ما يوضِّح هذا المفهوم الإسلامي، ويشخِّص أبعاده الواسعة الشاملة: فمنها، بل أفضلها طلب الحلال، ومنها نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما، ومنها عفّة البطن والفرج، ومنها العلم بالله، والتواضع له، ومنها التفكّر في أمر الله.
 
وإذا دقّقنا في معنى العبادة الخاصّ، نجد بأنّ أصل معنى العبادة مأخوذ من الذلّ، يُقال: طريق معبّدٌ، إذا كان مذلّلاً قد وطئته الأقدام. غير أنّ العبادة في الشرع لا تقتصر على معنى الذلّ فقط، بل تشمل معنى الحبّ أيضاً, فهي تتضمّن غاية الذلّ لله وغاية



1 الشيخ الكليني، محمّد بن يعقوب: الكافي، ج 2، ص 83، تحقيق وتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية – طهران، مطبعة الحيدري، 1365 ش، ط 4، باب العبادة، ح 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

 


7

المقدمة

 المحبّة له، فيجب أن يكون الله أحبَّ إلى العبد من كلّ شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كلّ شيء، عن الإمام علي عليه السلام قال: "إذا أحبّ الله عبداً، ألهمه حسن العبادة"1.

 
إلّا أنّ هذه اللفظة (لفظة العبادة) لها استعمال خاصّ عند الفقهاء، فقد أطلقوها بشكل اصطلاحي على العبادات المحدّدة في الفقه بصورة خاصّة، والتي تحتاج إلى نيّة القربة إلى الله تعالى، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والزّكاة، والخُمس، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدُّعاء...
 
ولا يخفى أنّ العبادة روحٌ ولبٌّ وعلاقة تواصل بين العبد وربّه، سبحانه، فإذا اقتصرت العبادة على الحركات، وتخلّف عنها لبّها وجوهرها من الخشوع والخضوع لله، والذلّ والانكسار بين يديه، كان العبد مؤدّياً لصورة العبادة لا لحقيقتها، فشرود القلب وغفلته في آدائه للعبادة من أعظم الآفات التي تؤدّي لعدم قبول العمل. ولتجاوز هذا، ذكر العلماء أسباباً لبعث الروح في عباداتنا، منها:
- التفكّر بالله تعالى، وهي من أرقى الممارسات العبادية في الإسلام، وأكثرها قدرة على ربط الإنسان بخالقه وشدّه إليه.
- تحديث القلب وتذكيره بالتعبّد لله سبحانه، وأنّ سعادته في تحسين عبادته لربّه، والقيام لله بحقّه.
- التهيّؤ للعبادة والاستعداد لها، ويكون التهيّؤ لكلّ عبادة بحسبه، فالتهيّؤ للصلاة بالوضوء والحضور إلى المسجد مبكراً.
- الإقبال على العبادة بقلب فارغ من مشاغل الدنيا وملهياتها، والابتعاد عمّا يشوّش القلب أثناء العبادة، كالأصوات والزخارف ونحوها.
 
وينبغي أن نشير أخيراً بأنّ منهج العبادة في الإسلام منهج فطري ذو طبيعة اجتماعية حركية، لا يؤمن بالفصل بين الدُّنيا والآخرة, فهو لا يدعو إلى محاربة المطالب



1 الريشهري، محمّد: ميزان الحكمة، ج 1، ص 508، تحقيق ونشر وطبع دار الحديث، لا ط، باب ما يترتب على محبّة الله.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

8

المقدمة

 الجسدية من الطعام، والشراب، والزواج، والراحة، والاستمتاع بالطيِّبات، بدعوى أنّها تعارض التكامل الروحي والتقرّب من الله، بل وازن بمنهاجه موازنة تامّة بين الروح والجسد، ولم يفصل بينهما, لأنّ الإسلام لا يرى في مطالب الجسد حائلاً يقف في طريق تكامل الروح، أو عائقاً يعرقل تنامي الأخلاق، بل يؤمن بأنّ هدف الجسد والروح من حيث التكوين الفطري هدف واحد، ومنهاج تنظيمها وتكاملها منهاج واحد.


والحمد لله ربّ العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

9

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد معنى ومفهوم العبادة.
2- يبيّن أهمّية العبادة في حياة الإنسان.
3- يصف الآثار المختلفة للعبادة على الصعيدين الفردي والاجتماعي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

10

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 معنى العبادة

1- العبادة في اللغة:
معنى العبادةِ في اللغة الطاعةُ مع الخُضُوعِ، ومنه طريقٌ مُعَبَّدٌ إِذا كان مذللًا بكثرة الوطءِ1. فالعبادة لغةً بمعنى التمهيد والتذليل. ويقال عبّدت فلاناً أي ذلَّلته وإذا اتّخذته عبداً قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾2. وقال الزمخشري: العبادة: "أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ولذلك لم تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى لأنّه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع"3.
 
2- العبادة في الاصطلاح:
العبادة بحسب الاصطلاح هي المواظبة على فعل المأمور به، والفاعل عابد، والجمع عباد وعبدة مثل كافر وكفار وكفرة، ثم استعمل العابد فيمن اتخذ إلها غير الله، فقيل عابد الوثن وعابد الشمس4.
 
3- العبادة شرعاً:
لقد أخذت العبادة معنى أضيق في الفقه الإسلامي، وهي تعني في مفهوم الفقه أي بالمصطلح الخاص مجموعة شعائر يقوم بها العبد، مثل الصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس... 
 
وغيرها من الأحكام والتكاليف الشرعية. فالعبادة من الناحية الشرعية تعني امتثال أمر الله كما أمر، والانتهاء عما نهى عنه شرعاً.



1 ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص273، لا ت، نشر أدب الحوزة، 1405هـ، لا ط، فصل العين المهملة.
2 السيد عادل العلوي، القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد، ج1، ص47.
3 الزمخشري، الكشاف، ح 1، ص 10، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1966م.
4  الشيخ فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج3، ص92، نشر مرتضوي، مطبعة ﭼـاﭙـخانه طروات، ط 2، 1362ش.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

11

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 مفهوم العبادة في الإسلام

العبادة في الحقيقة اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحبّه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهي تتضمّن غاية الذلّ لله تعالى مع المحبة له. وهذا المدلول الشامل للعبادة في الإسلام هو مضمون دعوة الرسل عليهم السلام جميعاً، وهو ثابتٌ من ثوابت رسالاتهم عبر التاريخ، فما من نبيٍّ إلا أمر قومه بالعبادة، قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾1.
 
فالعبادة في الإسلام بالمصطلح العام، اسمٌ يُطلق على كلّ ما يصدر عن الإنسان المسلم من أقوالٍ وأفعالٍ وأحاسيس استجابةً لأمر الله تعالى وتطابقاً مع إرادته ومشيئته.
 
ولا حصر ولا تحديد لنوع الأعمال أو الأفكار أو الأقوال، أو المشاعر التي يعبد بها الله. فالصلاة، والصدقة، والجهاد، والتفكّر في خلق الله، ومساعدة الضعيف، وإصلاح الفاسد، وأداء الأمانة، والعدل بين الناس، ورفض الظلم، وعدم شرب الخمر، ومقاطعة الربا والاحتكار...إلخ، كل تلك الأعمال هي عبادة ما دام الداعي إلى فعلها، أو تركها، هو الاستجابة لأمر الله تعالى.
 
وانطلاقاً من هذا التعريف الإسلامي لمفهوم العبادة، نعلم أن العبادة في الإسلام ليست محددة بمجموعة من التكاليف والأعمال، وإنما تتّسع لتشمل كل ما يصدر عن الإنسان بدافع القربة إلى الله والاستجابة لأمره، والانتهاء عن نهيه.
 
وعبادة الله تعالى لا تنحصر في الطقوس والممارسات التي تتعلق بحياة الإنسان كفردٍ مستقلٍّ بذاته، بل هي تشمل الحياة الفردية والحياة الاجتماعية، وتنتظم في إطار علاقة الفرد مع الله تعالى والعلاقة مع النفس، والعلاقة مع الآخرين، والعلاقة مع الكون. وكل عملٍ حسنٍ يُقصد به وجه الله تعالى فهو عبادة لله تعالى سواء كان فردياً أم اجتماعياً.



1 سورة الأنبياء، الآية 25.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

12

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 وما يعنينا في هذه الدروس هو البحث حول العبادات وبيان أسرارها التي ترتقي بالإنسان ليصبح في مرتبة تسمو فوق مراتب الملائكة المقرّبين كما ورد في الحديث القدسي: "… وإنه (العبد) ليتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته"1.

 
العبادة في القرآن والسنة
دعا القرآن الكريم في كثير من آياته إلى العبادة السليمة، ونهى عن العبادة المنحرفة، وذكر أن غاية الخلق هي العبادة، وذكر بعض آثار العبادة على الإنسان، وهنا نورد بعض هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾2. ففي هذه الآية الكريمة نجد دعوة للناس إلى عبادة الله تعالى الذي خلق جميع الناس.
 
وفي آية أخرى نجد نهياً عن عبادة الشيطان: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾3.
 
وكذلك نجد أمراً بالإخلاص في العبادة في الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾4.
 
ونرى في آيةٍ أخرى دعوةً للمؤمنين لإعلان الثبات على عبادة الله وترك عبادة ما سواه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾5.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
2 سورة البقرة، الآية 21.
3 سورة يس، الآيات 60-62.
4 سورة الزمر، الآية 11.
5 سورة الكافرون، الآيتان 1-2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

13

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 كما حدّدت النصوص الشريفة مفهوم العبادة تحديداً شاملاً، وذكرت الغاية من العبادة، وأنواع العابدين، ومن هو العابد حقاً، ولم تحصرها في إطار العبادات المتعارفة بين النّاس. وإليكم النماذج التالية: 

 
عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسرٍ أم على يسرٍ"1.
 
وسُئل الإمام الرضا عليه السلام عن علّة العبادة فقال: "... لئلا يكونوا ناسين لذكره ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمره ونهيه، إذا كان فيه صلاحهم وقوامهم، فلو تركوا بغير تعبُّدٍ لطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم"2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس العبادة هي السجود ولا الركوع، إنما هي طاعة الرجال، من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده"3.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "في التوراة مكتوب: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى"4.
 
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العبادة سبعة أجزاء أفضلها طلب الحلال"5.
 
وجاء عن الإمام الباقر عليه السلام: "أفضل العبادة عفّة البطن والفرج"6.
 
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام: "أفضل العبادة العلم بالله، والتواضع له"7.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص83.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج6، ص58، تحقيق يحيى العابدي، نشر مؤسّسة الوفاء – لبنان، 1983م، ط 2، باب علل الشرائع والأحكام.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص372.
4 م. ن، ص83.
5 ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص37، تحقيق وتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404هـ، ط 2، باب في قصارى كلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
6 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص79.
7 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص247.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

14

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 وجاء عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله"1.
 
أهمية العبادة في حياة الإنسان
يولي الذكر الحكيم العبادة أهميةً بالغةً كما ذكرنا وهي من الموضوعات التي تطرق إليها كثيراً، وحثَّ عليها في أكثر من سورة وآية وخصَّها بالله سبحانه فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾2، فنهى عن عبادة غيره من الأنداد المزعومة والطواغيت والشياطين. وتكمن أهمية العبادة في كونها طريق الوصول إلى الله سبحانه، فهي غاية خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾3.
 
فالعبادة في الإسلام منهج متكامل المراحل والفصول، وطريق واضح المعالم. وغرضه تحقيق الكمال البشري: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾4، وتنقية الوجود الإنساني من الشوائب والانحرافات، تمهيداً للفوز بقرب الله وتأسيساً لتحقيق رضوانه.
 
فعبادات الإسلام جاءت جميعها تزكيةً للنفس والبدن، وتطهيراً للذات، وتنمية للروح والإرادة، وتصحيحاً لنشاط الجسد والغريزة. فهي بمثابة معراجٌ تتدرّج به النفس البشرية، مرحلةً بعد مرحلة، حتى يتمّ لها الصفاء والنقاء، فتستطيع الإطلال على عالم الآخرة، واستشفاف حقيقة الوجود، والتعالي على مكاسب الحياة الفانية، لسموّ مقام الآخرة وعلوّ غاياتها، وارتباطها بعالم الخلود والنعيم الأبدي.
 
فقد جعل الإسلام الصلاة تنزيهاً للإنسان من الكبرياء والتعالي، وغرساً لفضيلة التواضع والحب للآخرين... ولقاءً مع الله للاستغفار والاستقالة من الذنوب والآثام، وشحذاً لهمّة النفس وقيادتها في طريق التسامي والصعود. والصوم ترويضاً للجسد، 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص50.
2 سورة الإسراء، الآية 23.
3 سورة الذاريات، الآية 56.
4 سورة الحجر، الآية 99.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

15

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 وتقوية للإرادة من أجل رفض الخضوع للشهوات، والسقوط تحت وطأة الاندفاعات الحسية.

 
والدعاء تنمية لقوة الإحساس الروحي، وتوثيقٌ للصلة الدائمة بالله والارتباط به والاعتماد عليه، ليحصل الاستغناء الذاتي بالله عمّن سواه، فيلجأ إليه المؤمن في محنه وشدائده... وعند إساءته ومعصيته... وهو واثق أنه يُقبِل على ربٍّ رؤوفٍ رحيم، يمدّه بالعون ويقبل منه التوبة، فتطمئن نفسه، وتزداد ثقته بقدرته على مواصلة حياة الصلاح، وتجاوز المحن والشدائد.
 
وممّا يعزّز أهمية العبادة في الإسلام أنها ذات منهاج فطري له طبيعة اجتماعية حركية، لا يؤمن بالفصل بين الدنيا والآخرة، فهو لا يدعو الى محاربة المطالب الجسدية، من الطعام، والشراب، والزواج، والراحة، والاستمتاع بالطيبات بدعوى أنها تعارض التكامل الروحي والتقرّب من الله، بل وازن بمنهاجه موازنة تامّة بين الروح والجسد، ولم يفصل بينهما.
 
فالإسلام لا يرى في مطالب الجسد حائلاً يقف في طريق تكامل الروح، أو عائقاً يعرقل تنامي الأخلاق، بل يؤمن بأن هدف الجسد والروح من حيث التكوين الفطري هدف واحد، ومنهاج تنظيمها وتكاملها منهاج واحد.
 
لذلك كان لكلّ فعلٍ عبادي أثرٌ إصلاحي على صحّة الجسم وعلى النفس والأخلاق والعلاقة بالله, فالطهارة، والصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد.. كلها عبادات ذات مردود إصلاحي على الفرد جسداً وروحاً فضلاً عن أثرها التكاملي في نظام المجتمع.
 
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾1.



1 سورة القصص، الآية 77.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

16

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾1.

 
آثار العبادة على الصعيدين الفردي والاجتماعي
بما أن دين الإسلام هو دين شامل يراعي جميع أبعاد الوجود البشري فإن للعبادة في الإسلام آثارها وفوائدها على الصعيدين الفردي والاجتماعي:
1- على الصعيد الفردي:
تؤثّر العبادات مجتمعة على بناء الشخصية الإنسانية، والارتقاء بها إلى المستوى التكاملي، وتخليصها من كل المعوّقات التي تمنع رقيّها، وتكاملها من الأنانية والحقد والرياء والنفاق والجشع و... إلخ. فالعبادة تعمل على تطهير الذات الإنسانية من كل تلك المعوّقات وتساهم بإنقاذها من مختلف الأمراض النفسية والأخلاقية. وتسهم في أن يكون المحتوى الداخلي للفرد مطابقاً للمظهر والسلوك الخارجي، وفي تحقيق انسجامٍ كاملٍ بين الشخصية وبين القيم والمبادىء السامية. كما تعمل على غرس حب الكمال والتسامي الذي يدفع الإنسان إلى التعالي، وتوجيه نظره إلى المثل الأعلى المتحقّق في الكمالات الإلهية. لأن العبادة ممارسة إنسانية جادّة لإلغاء الأنانية إلغاء تاماً من وجود الإنسان من أجل التحرّر من قيودها والخروج من سجنها الضيّق الذي يشدّ الإنسان إليه ويستعبده. وكذلك فالعبادة تقوّي إرادة النفس, فمثلاّ إن التنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد والانصراف إلى عبادة الحق المتعالي وكذلك الصوم في اليوم الحار الطويل، يزيدان من قوة الروح فتتغلّب على قوى الجسم وتسيطر على الشهوات وتصبح هذه القوى تحت إمرة الروح وتوجيهها.



1 سورة الأعراف، الآية 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

17

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 ويمكن أن نحصي لعبادة الله سبحانه آثاراً عديدة أخرى على الإنسان، نذكر منها:

1- غنى القلب: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "في التّوراة مكتوب يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنًى ولا أكلك إلى طلبك، وعليّ أن أسدّ فاقتك وأملأ قلبك خوفاً منّي وإن لا تَفَرَّغ لعبادتي أملأ قلبك شغلاً بالدنيا ثم لا أسدّ فاقتك وأكلك إلى طلبك"1.
 
2- التنعّم في الآخرة: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال الله تبارك وتعالى يا عبادي الصِّدِّيقين تنعّموا بعبادتي في الدُّنيا فإنّكم تتنعَّمُون بها في الآخرة"2.
 
3- يباهي الله به الملائكة: عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إنّ الله تعالى يُباهي بالشابّ العابد الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي ترك شهوته من أجلي"3.
 
4- ينصره الله على الشيطان: عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: ألا أُخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه ولكلّ شي‏ء زكاة وزكاة الأبدان الصّيام"4. فالملاحظ أنّ لكلّ عبادة أثراً خاصّاً يضرّ بإبليس اللعين الذي يتربّص بالبشر الدوائر، ما يُعين المؤمن أكثر على المحافظة على دينه وتقواه وطاعة مولاه.
 
5- يثيبه الله تعالى الجنّة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ثلاثة يُدخلهم الله الجنّة بغير حساب: إمامٌ عادل، وتاجرٌ صدوق، وشيخٌ أفنى عمره في طاعة الله"5.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص83.
2 م. ن.
3 المتقي الهندي، كنز العمال، ج15، ص776.
4 الشيخ الكليني،الكافي، ج4، ص62.
5 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص261.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

18

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 2- على الصعيد الاجتماعي:

وقد راعى الإسلام في كل عباداته أن تكون العبادة ذات أثر تكاملي على الذات ومردود عملي على المجتمع بهدف إصلاحه وتحسين أوضاعه. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾1. والصوم يشعر الإنسان بالوحدة والمساواة ومشاركة ذوي الحاجة والفقر بإحساسهم عند معاناة ألم العطش والجوع.. والحج مؤتمرٌ للوحدة والتفاهم والتعارف والإصلاح... إلخ. والكفّارات والنذور والصدقات والزكاة والخمس عبادات لإشباع الحاجات المادية عند الفقراء، وتحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع..
 
وللعبادة آثار اجتماعية وأخلاقية مهمّة تنعكس على حياة المجتمع البشري وتؤثّر على علاقاته الإنسانية المختلفة. فالعبادة والشعور بالعبودية لله وحده ينقذ الإنسان من الخضوع لإرادة الطغاة والمستبدّين، والشعور بها يحرّر الإنسان كذلك من الشهوات ومن سيطرة حب المال وجمعه وتكديسه، وتسخير الآخرين وظلمهم واستغلالهم من أجل هذا المعبود الزائل. والشعور بالعبودية لله يحرّر الناس، من الصراعات والمآسي التي يعيشونها من أجل الاستعلاء والتحكّم والمكاسب المختلفة. والشعور بالعبودية لله يشعر الإنسان بالمساواة والعدل بين الناس، لأنهم جميعاً متساوون في صفة العبودية لله الواحد الأحد. لذا فإن المجتمع الذي تسود فيه العبادة والعبودية لله لا يجد الناس فيه غاية في الحياة غير الله، ولا يملأ آفاق نفوسهم شيء غير العبودية لله. فيحطّم الناس حينذاك أصنام العبوديات المختلفة، صنم المال، والشهوة، والجاه، والسلطة، والكبرياء، إلخ. ليكونوا أحراراً كما خلقوا.. وكما أراد لهم خالقهم العظيم.



1 سورة العنكبوت، الآية 45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

19

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 التمارين

ضع إشارة √ أو × في المكان المناسب:
1- العبادة ممارسة إنسانية بتكليف إلهي هدفها الأساس تحرير الإنسان من أسر الأنانية والأهواء النفسية التي تشدّ الإنسان إلى عالم الدنيا وتحجبه عن عالم الآخرة. 
2- العبادة شرعاً هي الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية. 
3- ما يُعطي للعبادة أهمية في الإسلام أنّها أهم وسيلة لقضاء حوائج الإنسان الدنيوية وتلبية احتياجاته المادية. 
4- تسهم العبادة في تعزيز الأنا وتقوية الثقة في النفس ممّا يساعد على بناء شخصية إيمانية ثابتة. 
5- العبادة هي اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرية فقط دون الباطنية. 
6- طاعة الله وعبادته لا تنحصر في مجموعة الممارسات التي تتعلّق بحياة الفرد فقط بل تتوسّع لتنظم العلاقة مع الله والنفس والآخرين من حوله. 
7- العبادات في الإسلام جاءت جميعها من أجل تزكية البدن ولتوجيه النشاط الجسدي والغرائزي بالإطار السليم. 
8- إنّ العبادة طريق الوصول إلى الله سبحانه وتعالى وتُمثّل غاية خلق الإنسان. 
9- من الآثار المهمّة للعبادة والعبودية على المستوى الفردي أنّها تُحرّر الإنسان من الخضوع لإرادة الطغاة والظالمين بل وتحمله على مواجهتهما بكلّ صلابة وبأس. 
10- إحدى مميّزات العبادة في الإسلام أنّها ذات منهاج فطري له طبيعة اجتماعية حركية، يؤمن بالفصل بين الدنيا والآخرة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

20

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 المفاهيم الرئيسة

1- العبادة في الإسلام، اسمٌ يُطلق على كلّ ما يصدر عن المسلم من أقوالٍ وأفعالٍ وأحاسيس استجابةً لأمر الله تعالى، وكل ما يمتنع عنه منها، تطابقاً مع إرادته تعالى ومشيئته.

2- لفظة العبادة لها استعمال خاص عند فقهاء الشريعة، فهم يطلقونها بشكل اصطلاحي على بعض الأعمال التعبّدية بصورة خاصة، كالصلاة والصوم والحج.

3- يولي الذكر الحكيم للعبادة أهمية بالغة وقد حثَّ عليها في أكثر من سورة وآية، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى هدف الخلقة.

4- تكمن أهمية العبادة في كونها طريق الوصول إلى الله سبحانه، فهي غاية خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض.

5- إحدى مميزات العبادة في الإسلام أنها ذات منهاج فطري له طبيعة اجتماعية حركية، لا يؤمن بالفصل بين الدنيا والآخرة.

6- دين الإسلام هو دين شامل يراعي جميع أبعاد الوجود البشري فإن للعبادة في الإسلام آثارها وفوائدها على الصعيدين الفردي والاجتماعي.

7- تؤثّر العبادات مجتمعةً على بناء الشخصية الإنسانية، والارتقاء بها إلى المستوى التكاملي، وتخليصها من كل المعوّقات التي تمنع رقيّها.

8- المجتمع الذي تسود فيه العبادة والعبودية لله لا يجد الناس فيه غاية في الحياة غير الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

21

الدرس الأوّل: ماهية العبادة وآثارها

 للمطالعة

 
عبادة الإمام الخميني قدس سره بلسان القائد الخامنئي دام ظله
"أنا على يقين أنّ ذلك الرجل المسنّ النورانيّ المعنويّ، العالم الزاهد والعارف، الذي بنى هذه الثورة بيده القديرة، وبها كان غرسها وسقياها وقطاف ثمارها، لولا أنّه كان له في شبابه تلك المناجاة، وتلك العبادات، والتفكّر والتوسّل، لما حصل على ذلك القلب المؤمن النورانيّ، ولما أنجز هذه الأعمال العظيمة، إنّ المرحوم الحاج ميرزا جواد آغاي طهراني- وهو من العلماء أصحاب الإيمان القوي، ومن الزاهدين الخالصين، وكان يعرفه الكثيرون في مشهد - قال لي قبل ما يقرب من ثلاثين سنة: "لقد ذهبتُ إلى قمّ أيّام الشباب للدراسة، ورأيتُ الإمام الخميني قدس سره في ذلك الزمان في الحرم المطهّر. لم أكن أعرف من هو. رأيت سيّداً طالب علم شابّاً نورانيّاً واقفاً في الحرم، قد تحنّك بعمامته، يصلّي ويذرف الدموع ويتضرّع". يقول الحاج ميرزا جواد آغاي طهراني: "مع أنّي لم أعرفه، إلّا إنّي أُخذتُ به، وسألتُ بعض الموجودين من هو هذا السيّد النورانيّ؟ فقالوا: هذا السيّد روح الله الخمينيّ". فإذا كان السيّد روح الله قد ذخر رأس المال هذا في شبابه، فإنّه سيصبح في سنّ الثمانين الإمام والمؤسّس لدولة الجمهوريّة الإسلاميّة.
 
عادةً ما يتقاعد المسنّون في عمر أقلّ من هذا, ولا يطيقون حتّى إدارة حياتهم الشخصيّة. أمّا الإمام، فإنّه في ذلك السنّ يبني بناءً عظيماً لا يوصف، ويقف في وجه العدوّ، بحيث يُصعَق الإنسان لما يراه من شجاعته وثباته في وجه الحوادث والمصائب1.



1 السيد القائد الخامنئي دام ظله، لقاء مع رجال الدين وطلّاب العلم الإيرانييّن والأجانب في ساحة مدرسة الفيضيّة في قم،7/12/1995.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

22

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 الدرس الثاني: منشأ العبادة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف أنّ للعبادة منشأ وأسباباً.
2- يستنتج كيف يكون الملك والقهّارية الإلهية منشأً للعبادة.
3- يشرح كيف يكون فقر وعجز الإنسان منشأً للعبادة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

23

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 أسئلة مشروعة حول العبادة ولزومها

في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإمام الحسين عليه السلام خطب أصحابه فقال: "إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه"1.
 
لماذا يتعبّد الإنسان؟ ولماذا يتحمّل المشقّة ويبذل الجهد؟ فيصلي ويصوم ويحج ويجاهد ويبذل المال؟ فالله تعالى غير محتاج للعبادة وغنيٌّ عنها، والإنسان يلاقي الكلفة البدنية والتعب في أداء العبادة، ويبذل الجهد والمال والوقت في سبيلها. فلماذا كل ذلك إذن؟ هل يكفي القول بأن ثمة فوائد كبرى فردية واجتماعية للعبادة تعود على الإنسان فيتحمّل من أجل نيلها المشقّة؟ أو أن يقال بأن الرغبة بنيل الثواب الأخروي المنتظر من العبادة ودفع العقوبة الإلهية المتوقعة لتارك العبادة هما الدافعان اللذان يدفعان الإنسان نحو العبادة؟
 
فلماذا نجد إذاً أشخاصاً بلغ بهم حبّ العبادة بحيث لا يجدون لها أية مشقة؟ بل على العكس من ذلك، نراهم يندفعون لأدائها بكل رغبة وشوق ويترقّبون هدأة الليل ونوم الأنام لينصرفوا لمناجاة معشوقهم الأوحد وبثّه لواعج أشجانهم؟
 
ولماذا نسمع شخصاً كأمير المؤمنين عليه السلام يناجي ربه فيقول: "ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك"2.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار،ج5، ص312.
2 م. ن، ج67، ص186.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

 


24

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 فهل في البين دوافع أخرى تجعل للعبادة موقعاً مختلفاً لدى العابدين؟

 
هذه أسئلة تطرأ على الكثيرين، ويتصوّرها العديد من الناس حول وجوب العبادة. وما يزيد أهمية هذه الأسئلة تأكيد القرآن الكريم كما ذكرنا على أن العبادة هي الهدف من الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾1.
 
فما هو سرّ ذلك؟ وما هو منشأ العبادة؟ ولماذا كانت لازمة للإنسان؟
 
مع بعض البحث والتأمل يجد الإنسان جواب سؤاله حاضراً، يقدّمه القرآن الكريم إليه، بعد أن يضع أمامه جملةً من الحقائق التي تفيد بأن القيام بعبادة الله وحده حقٌّ، وبأن هذه العبادة نتيجة طبيعية في هذا الوجود تمليها طبيعة العلاقة بين الإنسان وخالقه.
 
وبإمكاننا أن نتابع تلك الحقائق الجوهرية التي تنتج حتمية العبادة لله سبحانه وتعالى كما بسطها القرآن الكريم، والربط بين كل سببٍ ونتيجته العبادية في العديد من آياته، وفيما يلي نلقي نظرةً على هذه الحقائق التي تحكي عن طرفي هذه العلاقة: الله عز وجل من جهة والإنسان من جهة ثانية.
 
الحقائق الإلهية التي توجب عبادة الله
1- الخلق لله:
تحدّث القرآن الكريم عن الخلق والإيجاد والنشأة التكوينية للإنسان وربط بين مبدأ الخلق والإبداع والتكوين من جهة، وبين العبادة والخضوع لله من جهة أخرى، كحقيقتين مترابطتين لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ 



1 سورة الذاريات، الآية 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

25

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾1. ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾2.

 
بهذا جعل القرآن عبادة الله نتيجةً تتولّد بصورةٍ طبيعيةٍ عن حقيقة أن الخلق لله وأنه تعالى خالق الإنسان وخالق كلّ شيء بما فيه الأرض والسماء والماء ومسخّرها للإنسان, فجعل العبادة حقيقةً وجوديةً في دنيا الإنسان تشكل الرابط ما بين الطرفين في معادلة الخلق والعلاقة بالله سبحانه. فالله تعالى هو الخالق والإنسان هو المخلوق الذي يمتّ إلى خالقه بالعبادة والخضوع.
 
2- الملك لله:
والحقيقة الثانية التي ينتج عنها وجوب عبادة الله هي: إن الإنسان ملكٌ لله كغيره من أجزاء هذا الكون.
 
فالإنسان مملوكٌ لخالقه، لا يملك من هذا الوجود ولا من نفسه شيئاً: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾3، وهو يتصرّف بنفسه، وبالكون، وبالأرض، والملك، والثروة، وكل وسائل الحياة بتخويلٍ من الله سبحانه. فيجب عليه أن يخضع لمشيئة الله ويمارس الحياة وفقها، ليكون بهذا الالتزام عبداً لله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾4. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾5. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾6.



1 سورة البقرة، الآيتان 21-22.
2 سورة الانعام، الآية 102.
3 سورة آل عمران، الآية 128.
4 سورة فاطر، الآية 13.
5 سورة الزمر، الآية 6.
6 سورة الملك، الآية 1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

26

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم أيضاً وهو يخاطب الإنسان، ويوضح له: إن كل ما بيده في هذه الحياة هو ملك لله وليس له، وسيفارقه ويتركه ليتصرّف به غيره، وستُنزع نفسه من الحياة صفر اليدين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ﴾1.

 
كما يربط القرآن الكريم في آيةٍ أخرى بين اختصاص الله بالملك وبين الإيمان به وحده، فيكشف أن الذي يملك الخلق والموت والحياة هو وحده الذي يجب أن يؤلّه، وبالتالي الوحيد الذي يستحقّ العبادة والوحيد الذي يصحّ أن يكون الإنسان عبداً له. وبما أن العبودية خضوعٌ مطلقٌ وتسليمٌ تامٌّ للمعبود، فلا يصحّ خضوع المملوك واستسلامه إلاّ لمالكه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾2.
 
3- القهر لله:
والحقيقة الثالثة التي توجب عبادة الله سبحانه هي: أن الله تعالى هو القاهر وأن إرادته هي النافذة، ولا يستطيع أحدٌ أن يردّها أو يقاوم سلطانه ومشيئته، وليس أمام الإنسان إلاّ أن يخضع لإرادة خالقه ويلتزم بأوامره ونواهيه ويسلّم لحكمه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾3.
 
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾4. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾5.



1 سورة الانعام، الآية 94.
2 سورة الأعراف، الآية 158.
3 سورة الأنعام، الآية 18.
4 سورة يوسف، الآيتان 39-40.
5 سورة ص، الآية 65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

27

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 على أن هذا الخضـوع لإرادة اللـه القاهـرة، قائـمٌ على الاعتقاد بعدل الله وحكمته ورحمته، ولا يشبه الخضوع الذي يقع من الإنسان الضعيـف للطاغيـة الظالـم، فهنـاك فـرقٌ في شعـور الإنسان النفسي بين الحالتين, حالة ٌيخضع فيها لإرادةٍ ظالمةٍ غاشمةٍ بسبب قهرها وتسلّطها عليه فيخضع لها خضوعاً مكرهاً ولو استطاع التمرّد والخلاص منها لفعل، لأنه لا يؤمن بعدالة هذا الخضوع القاهر الغاشم، وحالةٌ أخرى يخضع فيها الإنسان لقوّةٍ قاهرةٍ بسبب إيمانه بالعلاقة الحقيقية بين وجوده الضعيف وبين وجود هذه القوّة الإلهية القاهرة وكونها علاقة عادلة، لأنها تعبّر عن حقيقة الذاتين: ذاته التي هي ضعفٌ مطلقٌ، وذات الخالق التي هي قدرةٌ مطلقة. وليس في هذه العلاقة ظلمٌ ولا حيف، وإنما هي علاقةٌ قائمةٌ على أساس العدل والودّ والرحمة. ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾1. ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾2.

 
4- الأمر لله:
والحقيقة الرابعة التي تجعل من الإنسان عبداً لله هي: أن الإنسان لا يملك شيئاً من هذا الوجود، ولا يستطيع التصرّف فيه، ولا تسيير الأمور التي تجري عليه من الموت والحياة والأحداث الأخرى التي لا يملك إلاّ الرضا بها، فهي قضاءٌ محتومٌ عليه، وقدر لا يستطيع التصرّف فيه، أو الاعتراض عليه، فخضوعه لمثل هذه الأحداث إنما هو خضوعٌ تكوينيٌّ لأمر الله وإرادته: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾3. ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾4.



1 سورة هود، الآية 90.
2 سورة النساء، الآية 40.
3 سورة آل عمران، الآية 145.
4 سورة التغابن، الآية 11.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

28

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 فليس أمام الإنسان إلاّ أن يسلّم أمره إلى الله يتصرّف به كيف يشاء، فيرضى بقضاء الله وقدره. ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾1.

 
ولذا كان قول الإنسان المؤمن بالله الواثق بعدله وحكمته: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾2.
 
وهكذا تأتي العلاقة واضحة بين خروج الأمر والتصرّف من يد الإنسان، وانتظام الكون والحياة والحوادث والوقائع وفق إرادة الله ومشيئته من جهةٍ وبين عبودية الإنسان لله سبحانه وتعالى من جهةٍ أخرى، لأن الإنسان يمثّل في هذه العلاقة طرف الاستجابة والخضوع والعبودية لمشيئة الله وحكمته.
 
ولا يملك القدرة على الاستقلال في التصرّف وإيقاع الحوادث إلاّ بمشيئة الله وإذنه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾3.
 
وفي الحديث القدسي عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً، ما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذلك أنني لا أُسأل عمّا أفعل وهم يُسألون"4.
 
ورجوع الأمر لله سبحانه، أي التصرّف في الخلق والكون من التقدير والقضاء والحدوث، هو نتيجة طبيعية لثبوت الملك والقهر لله سبحانه وتعالى. لأن المالك القاهر هو وحده القادرعلى التصرّف وتدبير الحوادث والوقائع وتنظيمها وفق إرادةٍ تكوينيةٍ قاهرةٍ نافذةٍ قادرةٍ على إمضاء المشيئة الخيّرة وجريان الحكم المنفّذ لهذه المشيئة والاختيار. وهكذا يجد الإنسان نفسه كائناً يدور في فلك العبودية التكوينية والخضوع الذي يشكّل أساساً ومنطلقاً لعبودية إرادية مختارة.



1 سورة آل عمران، الآية 154.
2 سورة غافر، الآية 44.
3 سورة الإنسان، الآية 30.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص152.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

29

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 5- الربوبية لله:

الربوبية تعني التدبير وهي الحقيقة الخامسة التي تجعل من الإنسان عبداً لله. فالله تعالى هو الربّ المنعم المتفضّل على الإنسان، وقد أنعم عليه ورزقه ومنحه كل ما يحتاج إليه في هذه الحياة، وأحاطهُ بعنايته وعطفه ولطفه مذ كان نطفةً في رحم أمّه وحتى آخر لحظة من حياته. لذا فإن هذا الربّ المنعم يستحقّ الشكر ويستحقّ العبادة، وليس في الوجود منعمٌ ولا متفضّلٌ على الإنسان غير الله سبحانه.
 
ولهذا جاءت دعوة القرآن تذكرةً للإنسان ونداءً موقظاً له من غفلته: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾1. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾2. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾3.
 
وهكذا ثبّت القرآن الكريم العلاقة الحتمية بين الشكر والعبودية وبين إفاضة النّعم والخيرات، فاعتبر الاعتراف بالفضل والنّعم وأداء الشكر والامتنان والعبادة واجباً كونياً يترتّب على الإنعام والتفضّل.
 
حقيقة الإنسان توجب عبادة الله تعالى
وفي المقابل نجد في الآيات الكريمة بعض خصائص الإنسان التي تبرز حقيقته وهو أنه مخلوقٌ ضعيفٌ، محتاجٌ وفقير فنقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾4. ومن المؤكّد أن الفقر المقصود هنا في الآية ليس الفقر المادي، بل



1 سورة آل عمران، الآية 64.
2 سورة مريم، الآية 48.
3 سورة الزمر، الآية 66.
4 سورة فاطر، الآية 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

30

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 المراد منه شيءٌ آخر يمسّ جوهر الإنسانية وحقيقتها. فهذه الآيات الآنفة الذكر تشير إلى أن الضعف والاحتياج هما حقيقة الإنسان: ﴿يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾1.

 
فلو فكّر الإنسان ساعةً واحدة في نفسه وفي موجودات هذا العالم كلّه فسوف يكتشف أن أي موجودٍ ليس لديه شيءٌ من نفسه، وأن كل ما حصل عليه الإنسان ووصله هو ألطافٌ ومواهب مستعارة وهي ليست منه، سواء قبل أن يأتي إلى هذه الحياة أم خلال حياته فيها، أم حتى بعد الممات. وإذا تأمّل الإنسان في كيفية خلقه منذ أن كان طفلاً إلى أن تحين لحظة وفاته وفكّر قليلاً في كل مرحلة وما أُعطي فيها من نِعمٍ وقوىً متنوعة من الفكر والعقل والخيال والقلب والأعضاء والجوارح المختلفة وغيرها من النعم والألطاف، لدهش وتحيّر لأنه في لحظةٍ من اللحظات لم يكن شيئاً مذكوراً ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾2 ثم أفيضت عليه الحياة والروح ووُهِب من ألوان النعم التي تبهر العقول وسخّر له كل هذا الوجود. فالإنسان إذاً في الأصل لا يملك شيئاً، فمن غيره تعالى يكون المالك الحقيقي والرازق والمعطي!؟
 
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾3.
 
فالأمور كلها بيد الله وليس للإنسان من حولٍ وقوة إلا به، وهذا عين الضعف والعجز: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾4.
 
إذن كل هذه الحقائق الآنفة الذكر، من الخلق والملك والقهر والأمر المنحصرة بالله تعالى، والربوبية الإلهية من جهة، والفقر والاحتياج والعجز الإنساني من جهة أخرى، تلتقي لترسم لنا صورة العلاقة بين الإنسان وخالقه، وتوضح كيفية الرابطة 



1 سورة النساء،، الآية 28.
2 سورة الإنسان، الآية 1.
3 سورة يونس، الآية 31.
4 سورة آل عمران، الآية 154.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

31

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 بينهما، لتؤكّد دواعي عبودية الإنسان لله وحده، وخضوعه لمشيئته وإرادته خضوعاً يختاره الإنسان عن وعي وتدبّر. فنستنتج: بما أنّ الله هو الخالق وهو المالك الآمر، والقاهر المسيطر، وهو الرب المتفضّل بالنّعم والرعاية... إذن يجب أن يُعبد وحده وأن تُخلص له العبودية دون غيره.

 
وها هو القرآن الكريم يصف لنا سجود الكون، والعوالم، وخضوعها بقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾1، وقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾2.
 
فيرسم القرآن الكريم لنا صورة الخلق وهو ساجد، ويلفت أنظارنا إليه وهو عابد، ويزجر الغافلين منا، ويطالبنا بأن نفكّر فيما حولنا من عوالم وأكوان... لنرى كل شيء خاضعاً داخراً - أي مرغماً - ومتصاغراً، مستسلماً لعظمة الله وإرادته، فالأرض والسماء والحيوان والنبات وكل مخلوق تشرق عليه أنوار الوجود، لا يملك التمرّد، ولا التكبّر، ولا يستطيع الرفض لإرادة الله، ولا الخروج على حكمته وتدبيره. وهذا هو المقصود بالعبودية التكوينية. فهل يخرج الإنسان وحده من بين المخلوقات عن هذه العبودية؟ أم الأولى به وقد شرّفه الله بخاصّية الاختيار الحرّ وميّزه بها عن سائر المخلوقات أن ينسجم مع العبودية التكوينية ويختار عبادة الله عز وجلّ عن إيمانٍ ووعيٍ وتصميم؟



1 سورة النحل، الآيتان 48-49.
2 سورة آل عمران، الآية 83.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

32

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 التمارين

 
ضع إشارة √ أو × في المكان المناسب:
1- العبادة نتيجة طبيعية في هذا الوجود تُمليها طبيعة العلاقة بين الإنسان الفقير والخالق الغني، ولكن يمكن للإنسان أن يتحرّر من هذه الطبيعة الحاكمة إذا شاء.
2- من يجب أن يؤلّه هو الذي بيده مقاليد كلّ شيء وهو يملك الخلق والموت والحياة وهو الله سبحانه وتعالى. 
3- إنّ الخضـوع لإرادة اللـه القاهـرة الهدف منه تحصيل المكاسب الأخروية فقط. 
4- الله تعالى هو القاهر وإرادته هي النافذة، ولكن يمكن للإنسان أن يقاوم سلطانه ومشيئته ولا يخضع لإرادته كما يفعل الكفار والمشركون. 
5- الإنسان في لحظةٍ من اللحظات لم يكن شيئاً مذكوراً: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ ثم أُفيضت عليه الحياة والروح ووُهِب من ألوان النعم التي تبهر العقول وسخّر له كل هذا الوجود. 
6- توجد علاقة حتمية بين الشكر والعبودية وبين إفاضة النّعم والخيرات. 
7- تحدّث القرآن الكريم عن الخلق والإيجاد وربط بين مبدأ الخلق والتكوين من جهة، وبين العبادة والخضوع لله من جهة أخرى، كحقيقتين مترابطتين لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى. 
8- إنّ الحقيقة التي تجعل من الإنسان عبداً لله دون غيره هي كونه لا يملك شيئاً في هذا الوجود وهو محض الضعف والفقر والعجز. 
9- العبودية التكوينية تعني أنّ الخالق سبحانه وتعالى هو الذي يملك الخلق والموت والحياة بمشاركة أوليائه الكمّل. 
10- يُمثّل الإنسان في العلاقة بين خروج الأمر والتصرّف من يد الإنسان، وانتظام الكون والحياة والحوادث والوقائع طرف الاستجابة والخضوع والعبودية لمشيئة الله وحكمته. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

33

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 المفاهيم الرئيسة

1- جعل القرآن عبادة الله نتيجةً تتولّد بصورةٍ طبيعيةٍ عن حقيقة أن الخلق لله وأنه تعالى خالق الإنسان وخالق كلّ شيء.

2- يكشف القرآن الكريم أن الذي يملك الخلق والموت والحياة هو وحده الذي يجب أن يؤلّه، وبالتالي الوحيد الذي يستحقّ العبادة والوحيد الذي يصحّ أن يكون الإنسان عبداً له.

3- إن الله تعالى هو القاهر وإن إرادته هي النافذة، ولا يستطيع أحدٌ أن يردّها أو يقاوم سلطانه ومشيئته، وليس أمام الإنسان إلاّ أن يخضع لإرادة خالقه ويلتزم بأوامره ونواهيه ويسلّم لحكمه، وهذه الحقيقة توجب عبادته تعالى.

4- هناك علاقة وثيقة بين خروج الأمر والتصرّف من يد الإنسان، وانتظام الكون والحياة والحوادث والوقائع وفق إرادة الله ومشيئته من جهةٍ وبين عبودية الإنسان اللازمة لله سبحانه وتعالى من جهةٍ أخرى.

5- ثبّت القرآن الكريم العلاقة الحتمية بين شكر الإنسان وعبوديته لله وبين إفاضة النّعم والخيرات من قبله تعالى، فاعتبر الاعتراف بالفضل والنّعم وأداء الشكر والامتنان والعبادة واجباً يترتّب على الإنعام والتفضّل، وعدّ التنكُّر لفضل الله ونعمه كفراً وتمرّداً على العبودية لله سبحانه.

6- إن حقيقة الإنسان هي أنه مخلوقٌ ضعيفٌ وعاجزٌ، محتاجٌ وفقير، بل هو عين الفقر والعجز.

7- إن انحصار الخلق والملك والقهر والأمر والربوبية بالله تعالى من جهة، والفقر والاحتياج والعجز الإنساني من جهة أخرى، هي حقائق ترسم صورة العلاقة بين الإنسان وخالقه وهي عبودية الإنسان لله وحده.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

34

الدرس الثاني: منشأ العبادة

 للمطالعة

 
كيفية حصول التفرّغ للعبادة
اعلم أن التفرّغ للعبادة يحصل من تكريس الوقت والقلب لها. وهذا من الأمور المهمة في باب العبادات. فإن حضور القلب من دون تفريغه وتكريس الوقت له غير ميسور، والعبادة مندون حضور القلب، غير مجدية. وما يبعث على حضور القلب، أمران: أحدهما: تفريغ القلب والوقت للعبادة. ثانيهما: إفهام القلب أهمية العبادة. والمقصود من تفريغ الوقت هو أن الإنسان يخصّص في كل يوم وليلة وقتاً للعبادة ويوطّن نفسه على العبادة في ذلك الوقت، رافضاً الانشغال في ذلك الوقت بأي عمل آخر.
 
إن الإنسان إذا اقتنع بأن العبادة من الأمور الهامّة، وأنها أكثر أهمية بالنسبة إلى الأمور الأخرى، بل لا مجال للمقارنة بين العبادة والأمور الأخرى، لحافظ على أوقات العبادة وخصص 
لها وقتاً.
 
وعلى أي حال لا بدّ للإنسان المتعبد، أن يوظّف وقتاً للعبادة. وأن يحافظ على أوقات الصلاة التي هي أهمّ العبادات وأن يؤديها في وقت الفضيلة، ولا يختار لنفسه في تلك الأوقات عملاً آخر. وكما أنه يخصّص وقتاً لكسب المال والجاه والدراسة والبحث، كذلك لا بدّ أيضاً من تخصيص وقت للعبادات، حتى يكون خالياً من أي عمل آخر، ويتيسّر له حضور القلب الذي هو بمثابة اللبّ والجوهر. ولكن إذا فرضنا بأن شخصاً مثلي تكلّف من أداء صلاته، ورأى بأن العبادة من الأمور الزائدة، لأجّل صلاته إلى آخر الوقت، ولأتى بها بكل فتور ونقص، لما يرى حين التهيؤ لأداء الصلاة، من أن هناك أموراً أخرى أهمّ منها في نظره، وأنها تتزاحم مع هذه الأمور الهامة، فيفضّل غير الصلاة عليها. ومن المعلوم أن مثل هذه العبادة لا نورانية لها، بل تكون مثار سخط إلهي، ويكون مستخفاً بالصلاة ومتهاوناً في أمرها. أعوذ بالله من الاستخفاف بالصلاة وعدم الاكتراث بها1.



1 الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، الحَديث السَابع وَالعشرون: حضور القلب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

35

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح دور العبادة في تحقّق العبودية.
2- يبرهن أنّ العبودية المطلقة لله هي الهدف من خلق الإنسان.
3- يبيّن أنّ كمال الإنسان في العبودية لله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

36

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 تمهيد

ذكرنا في الدرس السابق أثناء استعراض الحقائق الموجبة لعبادة الإنسان لله تعالى، في عدّة موارد لفظة "العبودية" وقلنا, إنّ الذي يملك الخلق والموت والحياة هو وحده الذي يجب أن يؤلّه، وبالتالي الوحيد الذي يستحقّ العبادة والوحيد الذي يصحّ أن يكون الإنسان عبداً له. وبما أن العبودية خضوعٌ مطلقٌ وتسليمٌ تامٌّ للمعبود، فلا يصحّ خضوع المملوك واستسلامه إلاّ لمالكه. فما هي العبودية وما هي علاقتها بالعبادة؟ وهل هي نفس العبادة أم هي شيءٌ آخر؟

ما هي العبودية؟
"العبد" هو الإنسان المملوك لمولاه، الذي لا يملك لنفسه شيئاً، والذي تكون إرادته تابعةً لإرادة مالكه، فلا يطلب شيئاً إلّا تبعاً لطلبه ومشيئته، ولا يعصي له أمراً ولا يتمرّد على حكمه.

و"العبوديّة" هي إظهار منتهى الخضوع للمعبود، والتسليم له، وامتثال الطاعة والانقياد له، بلا قيدٍ ولا شرط. والمعبود الوحيد الّذي له حقّ العبادة على الآخرين, هو الّذي بذل منتهى  الإنعام والإكرام, وليس ذلك سوى الله سبحانه.

فمعنى أن أكون عبداً, أن لا أقوم بأيّ فعل حتّى أعلم حكم الله فيه فأعمل وفقه، وأن لا تكون لي إرادة في مقابل إرادة الخالق، وأن لا أريد إلّا ما أراده، ولا أرى لنفسي حولاً ولا قوّةً على شي‏ءٍ إلّا بتوفيقه تعالى ومنّه.

رُوي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام لمّا سُئِل عن حقيقة العبوديّة: "ثلاثة أشياء,
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

37

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوَّلهُ الله مِلْكاً لأنّ العبيد لا يكون لهم مِلْكٌ يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يُدَبِّرُ العبد لنفسه تدبيراً وجُملَة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوَّلَه الله تعالى مِلْكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن يُنفِق فيه، وإذا فوَّضَ العبد تدبير نفسه على مُدَبِّره هان عليه مصائب الدّنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرّغ منهما إلى المِرَاءِ والمباهاة مع الناس، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدّنيا وإبليس والخلق ولا يطلب الدّنيا تكاثُراً وتفاخُراً ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً ولا يدع أيّامه باطلًا، فهذا أوّل درجة التُّقَى، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾"1.

 
يلاحَظ‌في‌هذا الحديث‌الشريف‌، أنّ العبوديّة ‌الحقّة ‌قد اعتُبرت ‌عين ‌التسليم‌ والطاعة ‌في ‌الأفعال ‌والإرادة‌ والاختيار وسائر الأمور. فالعبودية إذاً صفة تدلّ على فناء إرادة العبد في المعبود وانقياده له في كلّ شيء. فهي الطاعة الكاملة والتسليم المطلق الذي لا يشوبه عصيان أو تمرّد سواء في الظاهر أم في الباطن. وبعبارة أخرى العبودية تعني التعلُّق بالمولى وإرادته، فلا نملك في قباله عزّ وجلّ شيئاً وليس لنا أن نُقصِّر في طاعته.
 
العلاقة بين العبادة والعبودية
ذكرنا في الدرس الأول أن العبادة بالمصطلح الخاص أي الفقهي هي الإتيان بالأعمال العبادية أي العبادات الشرعية من صلاة وصيام وغيرها من العبادات المذكورة في المصادر الشرعية المعتبرة. وهي بمعناها الأعم طاعة الله في جميع شؤون حياة الإنسان، كما ورد في حديث الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج1، ص224.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

38

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾1 قال: "ليس العبادة هي السجود ولا الركوع، إنما هي طاعة الرجال، من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده"2.

 
إذاً، كما نلاحظ فإن العبادة بمعناها العام تقترب كثيراً من مفهوم العبودية بمعنى الطاعة والخضوع والتسليم. ويمكن القول إن عبادة الله تعالى هي الترجمة العملية لاعتراف الإنسان بهذه العبودية لله عزّ وجلّ، وهي تعبيرٌ عن إذعان الإنسان لحقيقة أنه عجزٌ مطلقٌ مفتقرٌ في تمام وجوده إلى الغني المطلق وهو الله سبحانه وتعالى. كما يمكننا القول بأن عبادة الله بمعناها الخاص هي انخراطٌ طوعيٌّ في العبودية الاختيارية انسجاماً مع إذعان الإنسان واعترافه بالعبودية التكوينية لله عز وجل السارية في كل الكون. وللعبادات الشرعية دورٌ كبيرٌ في ترسيخ العبودية في نفس الإنسان فمن خلال تكرار ودوام الطاعة والعبادة تصبح النفس منقادةً ويرسخ الخضوع للمعبود في باطن الإنسان.
 
كما أن الاستمرار في العبادة يصلح هذا الباطن نتيجة للابتعاد عن الذنوب والمعاصي، كما في الآية الشريفة حول الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾3. وهذا أحد أهداف تكرار العبادات في الإسلام حيث يصبح الإنسان عبداً بحق لله تعالى، ويكفي هذه المرتبة من العبودية وصيرورة الإنسان عبداً لله فخراً، أنها مكرمةٌ نشهد بها لأشرف الخلق وأقربهم إليه تعالى في كل صلاة بقولنا: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" حيث إن الثناء عليه بصفته العبد يسبق وصفه بالرسول.
 
وهكذا نستنتج بأن عبادة الله تعالى وحده هي طريق تحقق عبودية الإنسان لله عز وجل ورسوخها في باطنه بحيث يصبح الإنسان عبداً خاضعاً لأمر مولاه، مذعناً له دون أي اعتراضٍ على شيءٍ من إرادته وتدبيره عز وجل.



1 سورة مريم، الآيتان 81 – 82.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص155، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، لإحياء التراث، 1414هـ، مطبعة مهر - قم، باب كراهة التعرض للذل، ح 12.
3 سورة العنكبوت، الآية 45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

39

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 أنواع العبودية

العبودية بالمعنى الذي ذكرناه حقيقة جارية على كل مخلوقات الله. فالكون وما فيه، من عوالم المادة والأحياء وسائر المخلوقات يتّجه بتكوينه وإبداعه اتجاهاً مرتبطاً بإرادة الله ومشيئته، بصورة تنطق بالسجود وبالتسليم والخضوع الكامل والمطلق لله سبحانه. والإنسان بدوره لا يشذّ عن هذه القاعدة. وتنقسم هذه العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى بالنسبة للفرد الإنساني المتّصف بالاختيار، والإرادة، والمتعرّض للجزاء والمسؤولية, إلى قسمين:
1- العبودية التكوينية:
إن من يطّلع على تصوير القرآن لسجود الكون والعوالم والمخلوقات والأشياء، يدرك أن الإنسان بكامل تكوينه جزء من هذا العالم، وهو مرغم على الخضوع والسجود، أو على العبودية بمعناها التكويني، وعدم القدرة على الشذوذ، أو التمرّد على إرادة الله التكوينية التي استوعبت الوجود بأسره.
 
فهو مرغم على الحياة والموت، والنمو والولادة.. إلخ وهو لا يستطيع أن يخالف قوانين الطبيعة، كقوانين الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، التي تجري عليه، وتنظم وجوده، شأنه في ذلك شأن سائر المخلوقات والكائنات التي لا إرادة لها، كما أنه لا يستطيع أن يقوم بخلق نفسه وتكوينها، لذا كان بهذا العجز وبتلك الحاجة إلى خالقه عبداً مملوكاً، وخاضعاً مستسلماً لإرادة الله، استسلاماً تكوينياً جبرياً.
 
ولكي يعي الإنسان هذه الحقيقة استمر القرآن في تنبيهه والتأكيد له على عبوديته، واستسلامه لخالق الوجود، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾1. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ 



1 سورة الشورى، الآية 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

40

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾1. ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾2.

 
فالقرآن يؤكّد لنا في هذه الآيات أن كل الناس هم عباد الله من حيث علاقتهم التكوينية به، سواء منهم المؤمن المطيع، عن وعي وإرادة واختيار لأوامر الله ونواهيه، أو الكافر المتمرّد الذي يأبى الطاعة والالتزام بأوامر الله ونواهيه. فالإنسان يدور في فلك العبودية مرغماً، لأنه مملوك وتابع لله وخاضع لمشيئته، لذا فالقرآن سمّى الضالين والمنحرفين عباداً كما سمّى كل من في السموات والأرض من ملائكة وناس عباداً، بغضّ النظر عن ممارستهم للعبادة أو رفضهم لها. وهذا اللون من العبودية والاستسلام والخضوع، نسمّيه عبودية تكوينية أو خضوعاً تكوينياً جبرياً.
 
2- العبودية الاختيارية:
يختلف الإنسان عن غيره من الكائنات والمخلوقات بكونه كائناً عاقلاً مدركاً يملك إرادة وقدرة على الاختيار بما أفاض الله عليه من قوة عقلية عظيمة، ووهبه من حق في اختيار السلوك والأعمال، فهو يستطيع بذلك الاستعداد أن يفعل الخير، أو يختار طريق الشر، وأن يتوجّه إلى الله ويرتبط به كما يستطيع أن يتمرّد على أوامر الله وشريعته، فيختار طريق الانحراف والعصيان.
 
وهو بعلاقته هذه مع الله يختلف تماماً عن علاقته التكوينية التي تحدّثنا عنها، ففي العلاقة التكوينية كان مجبراً مسيّراً، لا يملك إرادة ولا اختياراً.
 
أما في العلاقة الثانية فهو كائنٌ مريدٌ، مختار، يستطيع أن يختار الطريق الرباني الموصل إلى مرضاة الله - أي يختار طريق العبودية لله - كما يستطيع أن يختار طريق الضلال الذي هو طريق العبودية والخضوع لغير الله، فيعبد ذاته أو شهواته فيخضع



1 سورة الفرقان، الآية 17.
2 سورة مريم، الآية 93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

41

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 لها، أو يتّخذ طواغيت البشر المستبدّين آلهةً يقدّسهم، ويأتمر بأوامرهم ويلتزم بإرادتهم ويخضع نفسه لهم, ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾1، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾2. وهذه العبودية التي يختارها الإنسان سواء العبودية لله أو لغير الله، هي عبودية اختيارية، اختارها الإنسان بمحض إرادته، لذا كان مسؤولاً عنها ومحاسباً عليها يوم الجزاء.

 
العبودية المطلقة هي الهدف من خلق الإنسان
هناك أسئلة تُطرح تلقائياً حول سرّ هذه الأهمية المعطاة للعبودية وعن سبب كونها تشريفاً لا ينال شرفها إلا الكمّل من أولياء الله تعالى والذين ارتضى من عباده المخلصين.
 
فلماذا العبودية لله وحده؟ ولماذا يجب أن تندكّ إرادة الإنسان وتذوب في إرادة الله؟
 
ولماذا يجب أن تتطابق إرادة الإنسان وسلوكه وأفعاله ومختلف توجّهاته مع هذه الإرادة الإلهية، ودونما تمرّدٍ أو اعتراض...؟
 
لا بد لنا من أن نستهدي بنور القرآن الكريم للإجابة عن هذه الأسئلة حيث تشير الآيات الشريفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ إلى جانبٍ مهمٍ من هذا السرّ فجعل الهدف من خلق الإنسان عبادته عزّ وجلّ. وليس ذلك لأنّ الله عزّ وجلّ يحتاج إلى عبادتنا من صلاة ودعاء وقراءة للقرآن، فهو غنيّ عنها كما ذكرنا، وإنّما أُمرنا بهذه الأعمال العباديّة لما فيه خيرنا وللوصول إلى السعادة الحقيقيّة. وقد ذكرنا سابقاً أن هذه الأعمال العبادية إنما تؤدّي إلى العبودية وإلى صيرورة الإنسان عبداً حقيقيّاً لله عز وجلّ.



1 سورة الإنسان، الآية 3.
2 سورة البلد، الآية 10.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

42

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 ونقرأ في آيةٍ أخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾1. فوجودنا في هذا العالم وتفضُّل الله علينا بنعمة الحياة هما ابتلاءٌ وامتحان. وإنّ الذي يبدو من هذه الآية أنّ الله تعالى خلق الإنسان وأحياه ثمّ أماته لأجل الابتلاء والامتحان. والامتحان يكون من خلال الأعمال: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

 
وأفضل الأعمال المقرّبة إلى الله سبحانه وتعالى هي العبادة التي أمرنا بها وفرضها علينا، كما في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله تبارك وتعالى ما تحبّب إليّ عبدي بأحبّ ممّا افترضت عليه"2. وتفصيله ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "قال الله عزّ وجلّ، من أهان لي وليّاً فقد أرصد لمُحارَبتي، وما تقرّب إليّ عبد بشي‏ء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرّب إليّ بالنّافلة حتّى أُحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به، ولسانه الّذي ينطق به ويده الّتي يَبطِش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته..."3.
 
فهذا الحديث يُشير إلى هذه الحقيقة بشكلٍ واضح، وهي أنّ الله خلق الناس لهدف تكامليّ هيّأ له جميع وسائله التكوينيّة والتشريعيّة وجعلها في متناول الإنسان واختياره بشكلٍ ميسّرٍ. 
 
وهكذا يتّضح أنّنا خُلقنا لعبادة الله الّتي تُربّي الناس وتهديهم فينالون مقام العبودية المطلقة لله تعالى، كما نقرأ في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإمام الحسين خطب أصحابه فقال: "إنّ الله عزّ وجلّ ما خلق العباد إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه"4.



1 سورة الملك، الآية 2.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص82.
3 م. ن، ص352.
4 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص312.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

43

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 كمال الإنسان في العبودية لله

إن حقيقة الإنسان كما بات معلوماً، هي الفقر والاحتياج والنقص, فهو محتاجٌ في كل شيء، ولا يمكن تصوّر أي شيءٍ يمكن أن يكون الإنسان مستغنياً فيه ومستقلّاً بذاته في تدبير شؤونه. 
 
فهو يفتقر إلى من يعطيه هذا الجسد ليتحرّك به في هذا العالم ويحتاج لمن يعطيه الروح ليحيا بها، وهو بحاجةٍ إلى من يفيض عليه بالقدرة والقوة ليتمكّن من الحركة والعمل. وهذا الاحتياج لا ينفكّ عنه آناً من الآنات، بل هو ملازمٌ له طيلة وجوده في هذا العالم. وهذه الحقيقة هي المحرّك الأساس للإنسان في هذه الدنيا فهو لا يأتي بحركةٍ إلا من أجل سدّ نقصٍ لديه وجلب منفعةٍ مفترضةٍ إليه.
 
نعم قد يظنّ الإنسان بسبب غروره وانشغاله بملذّاته وشهواته أنه يحوز على القوة الكافية التي تخوّله امتلاك كلّ شيءٍ والسيطرة عليه، فهو ينظر إلى نفسه بعين الرضا، لما يرى فيها من القوّة والقدرة و... التي تمكّنه من فعل أي شيء. يمكن لهذا الإنسان الغافل عن حقيقته أن يدّعي مثل هذا الادّعاء وأن يقنع نفسه به أيضاً ولكن هذا لا يعني أنه صواب! فالحقيقة مغايرة لذلك تماماً، إن حقيقة الإنسان هي الفقر والاحتياج!
 
فالإنسان يفتقر إلى من يعطيه هذا الجسد لكي يتحرّك به في هذا العالم، كما أنه يحتاج إلى من يفيض عليه القدرة والقوة لكي يتمكّن من العمل. وهو بالأصل يحتاج إلى هذه الروح التي بها يحيا في هذه الدنيا ويكمل طريقه نحو العالم الآخر. وهذا هو معنى الآية المباركة التي تكشف لنا اللثام عن حقيقة الإنسان بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾1.
 
فالفقر والاحتياج والضعف، هي السمات البارزة في تكوين الإنسان. وهذا الفقر هو الذي يدفعه نحو الحركة والعمل لا لشيء سوى التخلّص منه. لذا فإنك ترى الإنسان دائماً في حركةٍ مستمرّةٍ وتوجّهٍ حثيثٍ للانتقال من النقص الذي هو فيه إلى الكمال 



1 سورة فاطر، الآية 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

44

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 الذي يطمح إليه، فترى الإنسان يفرّ دائماً من النقص إلى الكمال، هذا الكمال الذي تعشقه فطرته وتطلبه على الدوام.

 
هذا التوجّه الدائم نحو الكمال والفرار من النقص يترجمه الإنسان في الحقيقة بحالة الخضوع والطاعة لكلّ من يجد فيه هذا الكمال، فتراه يتوجّه دائماً إلى الأكمل والأقدر حتى يحطّ راحلته أمامه فيطيعه في كل ما يطلبه ويريده، لأنه يجد في الخضوع له وطاعته خلاصاً من فقره وضعفه. لأنه يأمل أن يحصل من خلال هذا الخضوع والطاعة - لمن هو أكمل منه - على ما يسدّ به نقصه وضعفه.
 
وهذا هو السبب الحقيقي الكامن وراء أمر الله بطاعته والخضوع له، فهو يريدنا أن نصل إلى أعلى درجات الكمال والقرب منه بطاعته والانقياد لأوامره، لأن هذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى السعادة الإنسانية المطلقة. فبالطاعة والانقياد يسلك الإنسان سبيل السعادة، ولكن ليس بطاعة المحدود والمحتاج والناقص كما يفعل أهل الدنيا حيث يقول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾1، بل ينبغي أن تكون الطاعة لله تعالى وحده لأنه الكمال المطلق الذي لا نقص فيه أبداً، لذا جاء الإنذار الإلهي: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾2. وهو عزّ وجلّ القائل في آية أخرى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾3.
 
إذاً، لأن الله عزّ وجلّ هو الرب صاحب جميع الصفات الكمالية على الإطلاق فإن ما من نقصٍ يحتاج الإنسان إلى رأبه وما من حاجةٍ يضطرّ الإنسان إلى سدّها إلا وهي بيد الرب المتعال. وكل ما ينبغي للإنسان فعله من أجل سدّ نقائصه هو الاتصال بصاحب الفيض المطلق عزّ وجلّ اتصالاً صحيحاً ليحصل من خلاله على مرامه الذي يمكننا اختصاره بالسعي الدائم نحو الخروج من النقص والعجز نحو الكمال.



1 سورة يونس، الآية 18.
2 سورة هود، الآية 2.
3 سورة يوسف، الآية 40.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

45

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 التمارين


ضع إشارة √ أو × في المكان المناسب:
1- إنّ العبودية التكوينية تعني أنّ الإنسان المؤمن هو عبد لله تعالى، وأما غير المطيع فهو ليس عبداً لله. 
2- "العبد" هو الإنسان المملوك لهواه، الذي لا يملك لنفسه شيئاً، والذي تكون إرادته تابعةً لإرادة أهوائه، فلا يعصي لها أمراً ولا يتمرّد على حكمها. 
3- العبودية الاختيارية هي استطاعة الإنسان أن لا يختار الطريق الربّاني الموصل إلى مرضاة الله. 
4- أن أكون عبداً لله, يعني أن لا أقوم بأيّ فعل حتّى أعلم حكم الله فيه فأعمل وفقه، وأن لا تكون لي إرادة في مقابل إرادة الخالق. 
5- العبودية صفة تدلّ على فناء إرادة العبد في المعبود وانقياده له في كلّ شيء، فهي الطاعة والتسليم المطلق الذي لا يشوبه عصيان أو تمرّد سواء في الظاهر أم في الباطن. 
6- يؤكّد القرآن أنّ كلّ الناس هم عباد الله من حيث علاقتهم التشريعية به، سواء منهم المؤمن المطيع أم غيره، فالإنسان يدور في فلك العبودية التشريعية مرغماً، لأنه مملوك وتابع لله وخاضع لمشيئته تعالى. 
7- الأعمال العباديّة تُحقّق الخير وتؤمّن الوصول إلى السعادة الإنسانية والكمال الإنساني الحقيقي. 
8- إنّ المداومة على العبادات الشرعية له دورٌ كبيرٌ في ترسيخ العبودية في نفس الإنسان. 
9- إنّ أفضل ما يتقرّب به العبد إلى الله سبحانه وتعالى هي التزامه بالمستحبّات والمكروهات فقط. 
10- إنّ الله سبحانه وتعالى جعل كمال الإنسان في تحقّقه بالعبودية المطلقة لله عزّ وجلّ. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

46

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 المفاهيم الرئيسة

1- "العبوديّة" هي إظهار منتهى الخضوع للمعبود، والتسليم له، وامتثال الطاعة والانقياد له، بلا قيدٍ ولا شرط. والمعبود الوحيد الّذي له حقّ العبادة على الآخرين, هو الّذي بذل منتهى الإنعام والإكرام, وليس ذلك سوى الله سبحانه.

2- عبادة الله تعالى هي الترجمة العملية لاعتراف الإنسان بالعبودية لله عزّ وجلّ، وهي تعبيرٌ عن إذعان الإنسان لحقيقة أنه عجزٌ مطلقٌ مفتقرٌ في تمام وجوده إلى الغني المطلق.

3- عبادة الله بمعناها الخاص هي انخراطٌ طوعيٌّ في العبودية الاختيارية انسجاماً مع إذعان الإنسان واعترافه بالعبودية التكوينية لله عز وجل السارية في كل الكون.

4- عبادة الله تعالى وحده هي طريق تحقق عبودية الإنسان لله عز وجل ورسوخها في باطنه بحيث يصبح الإنسان عبداً خاضعاً لأمر مولاه، مذعناً له دون أي اعتراضٍ على شيءٍ من إرادته وتدبيره عزّ وجلّ.

5- كل الناس هم عباد الله من حيث علاقتهم التكوينية به، سواء منهم المؤمن المطيع، عن وعي وإرادة واختيار لأوامر الله ونواهيه، أو الكافر المتمرّد الذي يأبى الطاعة والالتزام، وهذه هي العبادة التكوينية التي يشترك بها الإنسان مع جميع المخلوقات الأخرى.

6- في العبودية الاختيارية يستطيع الإنسان أن يختار الطريق الرباني الموصل إلى مرضاة الله - أي يختار طريق العبودية لله - كما يستطيع أن يختار طريق الضلال الذي هو طريق العبودية والخضوع لغير الله.

7- خلق الله تعالى الناس لهدف تكامليّ هيّأ له جميع وسائله التكوينيّة والتشريعيّة وجعلها في متناول الإنسان واختياره بشكلٍ ميسّرٍ، وهو عبادة الله الّتي تُربّي الناس وتهديهم فينالون مقام العبودية المطلقة لله تعالى وهي الغاية الأساسية للعبادة.

8- بما أن الإنسان يتحرّك دوماً بحثاً عن الكمال لسد نقصه واحتياجه فليس عليه سوى الاتصال بصاحب الكمال المطلق الحقيقي اتصالاً صحيحاً، وهذا الاتصال يكون برابطة العبودية المطلقة لله تعالى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

47

الدرس الثالث: العبودية المطلقة لله هي الهدف

 للمطالعة

 
الإنسان بفطرته يحب الكمال التّام المطلق
لا يخفى على كل ذي وجدان أن الإنسان، بحسب فطرته الأصيلة وجبلّته الذاتية، يعشق الكمال التام المطلق، ويتوجه قلبه شطر الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه. وهذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها وبهذا الحب للكمال، تتوفر إرادة المُلك والملكوت، وتتحقّق أسباب وصول عشّاق الجمال المطلق إلى معشوقهم.
 
غير أن كل امرئٍ يرى الكمال في شيء ما، حسب حاله ومقامه، فيتوجّه قلبه إليه. فأهل الآخرة يرون الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها، فقلوبهم متوجّهة إليها. وأهل الله يرون الكمال 
في جمال الحق، والجمال في كماله سبحانه، فيقولون ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾1. ويقولون: "لي مَعَ اللَّهِ حال"2 وفيهم حب وصاله وعشق جماله. وأهل الدنيا عندما رأوا أن الكمال في لذائذها، وتبيّن لأعينهم جمالها، اتجهوا فطرياً نحوها. ولكن على الرغم من كل ذلك، فإنه لمّا كانَ التوجه الفطري والعشق الذاتي قد تعلّقا بالكمال المطلق، كان ما عدا ذلك من التعلّقات عرضياً ومن باب الخطأ في التطبيق. إن الإنسان مهما كثر مُلكه وملكوته، ومهما نال من الكمالات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقه شدّة، ونار عشقه التهاباً. فصاحب الشهوة، كلّما ازدادت أمامه المشتهيات، ازداد تعلّق قلبه بمشتهيات أخرى ليست في متناول يده، واشتدّت نار شوقه إليها. وكذلك النفس التي تطلب الرئاسة، فهي عندما تبسط لواء قدرتها على قطر من الأقطار، تتوجه بنظرة طامعة إلى آخر، بل لو أنها سيطرت على الكرة الأرضية برمّتها، لرغبت في التحليق نحو الكواكب الأخرى للاستيلاء عليها. إلاّ أن هذه النفس المسكينة لا تدري بأن الفطرة إنّما تتطلع إلى شيءٍ آخر.3



1 سورة الأنعام، الآية 79.
2 إشارة إلى الحديث المشهور المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لي مع الله وقت لا يسعني ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد امتحن الله قلبه للإيمان) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج18، ص360.
3 الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، الحديث السَادِس: من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخِرة أكبر همّه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

48

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يفسّر أهمية النيّة ومكانتها في العبادات.
2- يبيّن ماهية الإخلاص وموقعيته في العبادة.
3- يشرح كيفية تحصيل الإخلاص في العبادة وآثاره المختلفة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

49

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 ما هي النيّة؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾1.
 
النية: "هي التصميم والعزم على الإتيان بأمر وإجماع النفس على فعله بعد تصوّره والتصديق بفائدته"2. "والنية حالة نفسانية وجدانية يعبّر عنها بالهمة والعزم والإرادة والقصد"3. ولا يمكن أن يخلو عمل اختياري لإنسانٍ من نيةٍ بأيّ حالٍ من الأحوال، فلو أراد شخصٌ ما الإتيان بأمرٍ اختياريٍّ بلا نيّة لما استطاع ذلك مهما حاول.
 
أهمية النيّة وموقعيتها في الإسلام
وللنية في الإسلام دورٌ مهمٌّ في إعطاء الفعل والموقف الإنساني قيمته الحقيقية، كما لها دورٌ في تقييم الفاعل أي تحديد قيمته وموقعه أو رتبته الحقيقية. فالإسلام لم يعط الفعل العبادي ولا الفاعل قيمةً ولا أهمّيةً مجرّدة عن النية والقصد وبمعزلٍ عنهما، بل إن الفعل العبادي في نظر الإسلام هو جهدٌ إنساني تحدّد قيمته النية والقصد، لأن مدار الأعمال على النيات فهي التي تعطي العمل قيمته الواقعية.
 
وبما أن النية تعبيرٌ عن الموقف الداخلي، وعن التوجّه الذاتي، والحقيقة الباطنة للإنسان التي هي روح الفعل الحقيقية، لذلك فإن النية تعتبر أداة كشفٍ عن حقيقة



1 سورة الشعراء، الآيتان 88-89.
2 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 167، الباب الثالث، الفصل الأول:في حقيقة النية في العبادات. ترجمة السيد عباس نور الدين، مركز باء للدراسات، الطبعة الأولى، بيروت 2009.
3 - م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

50

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 الباطن الإنساني. تلك الحقيقة التي ليس بإمكان الفعل أن يكشفها لأن الفعل يمكن أن يخضع لعملية تزوير مقصودة من قبل الانسان، وذلك أنه صياغةٌ لجهدٍ ظاهر، يمكن أن يخرجه الفرد بشكلٍ لا يتطابق بالضرورة مع حقيقته الداخلية ومحتواه الباطن.

 
ومن أجل إيضاح الفكرة أكثر نقول إننا نرى الكثير من الناس يبذل المال، ويبدي حسن الخلق، ويصلّي ويصوم. ونحن نشاهد تلك الصور الظاهرة للأفعال متساوية في الظاهر عند جميع الممارسين لها، فنحسبها سواء، ولكن لتقييمها في نظر الإسلام وسيلة أخرى، ولوزنها ميزان آخر، وهو النية.
 
فالأعمال الّتي تكون على هيئة واحدة في الظّاهر، مثل الذّهاب للجهاد، لا تكون كلها متساوية في النية والدافع. فيمكن أن يكون الباعث لهذا العمل كسب الغنائم أو الاستعلاء على النّاس والتفاخر بالبطولات، أو قد يكون دافِعُهُ نصرة الحقّ ودفع الظّلم وإطفاء نار الفِتن وأمثال ذلك.
 
ولأجل ذلك، أتت الأوامر بإصلاح النيّة، وتنقيتها من الشّوائب، قبل السّلوك في أيّ طريق، وما السّالك في خطّ الله، والكمال المعنوي بِمُستثنى عن ذلك، فهل أنّ هدفه من سلوك سبيل التهذيب والرياضة، هو التّكامل المعنوي، والوصال الحقيقي، أم أنّه يريد كسب عنصر القّوة في عالم النفس، والتّسلط على ما وراء الطّبيعة، ليشار إليه بِالبَنان؟!
 
وما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ ولكل امرئ ما نوى"1 إشارةٌ لهذا المعنى، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أنه قال: "إن الرجلين من أمتي يقومان في الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وإن ما بين صلاتيهما مثل ما بين السماء والأرض"2.
 
وعندما يضع الإسلام موازينه ليزن الفعل، ويقوّم الفاعل، يتّخذ النية أساساً في الوزن والتقييم. فإن لم تكن النية خالصةً لله تعالى، كان هذا الفعل باطلاً، لا قيمة له، 



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج1، ص48.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج81، ص249.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

 


51

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 وخاسراً لا أجر لصاحبه. لأن فاعله لم يقصد القربة إلى الله، ولم يتوجّه إليه، بل كان كل همّه نفسه من أجل إظهارها بمظهر الصلاح والمقبولية لدى الآخرين.

 
لذا شدّد الدين الإسلامي التأكيد على أهمّية النيّة في تحديد قيمة الفعل، والمعيار بسيطٌ وهو: هل يُراد بهذا الفعل وجه الله تعالى أو سوى ذلك؟
 
وقد جاء الحديث النبوي الشريف واضحاً صريحاً في تأكيد هذا المعنى عندما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"1.
 
وقد جاء في حديث الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: "صاحب النية الصادقة، صاحب القلب السليم"2. وسئل الامام جعفر الصادق عليه السلام عن العبادة وحدّها التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدّياً فقال: "حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منه"3. فالنية إذاً هي مصدر قيمة الفعل، وعليها يتوقّف مدى قبوله عند الله، ونيل ثوابه.
 
إن الهيكل الشكلي الظاهري للفعل العبادي لا يعبّر عن إيمان صاحبه، حتى وإن توافق مع الشروط الفقهية والمظهر الخارجي للعبادات، إلاّ إذا كان صادراً عن نيّة صادقة مخلصة.
 
لأن تناقض النيّة مع الفعل العبادي الذي لا يُراد به سوى وجه الله تعالى، يفقده قيمته الحقيقية ويبطله، فلا يجني صاحبه إلاّ الجهد والعناء.
 
لذا فإن الأجر والثواب لا يوزنان عند الله تعالى وفق المقدار المؤدّى من الأفعال ولكن بقدر إخلاص النيّة في هذا الفعل، وبمدى تطابقه مع إرادة الله سبحانه. ففي



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص90، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1987م، ط 1، باب استحباب نية الخير والعزم عليه.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص210.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص83.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

52

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 الحديث الشريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أَخْلِصْ قَلْبَكَ يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ"1.

 
ما هو الإخلاص ومن هو المخلص؟
قلنا إن النية هي ميزان قبول الأعمال وإن المعيار هو كونها خالصة لله، فما معنى أن تكون النية خالصةً لله تعالى؟ وما هو الإخلاص؟ وما هي حقيقته؟
 
في كتابه الآداب المعنوية للصلاة يقول الامام الخميني قدس سره: "من مهمات آداب النية وهو في نفس الوقت من مهمات جميع العبادات ومن المقررات الكلية الشاملة, الإخلاص، وحقيقته تصفية العمل عن شائبة سوى الله وتصفية السرّ عن رؤية غير الحق تعالى في جميع الأعمال الصورية واللبّية والظاهرية والباطنية وكمال الإخلاص ترك الغير مطلقاً وجعل الإنّيّة والأنانية والغير والغيرية تحت قدميك"2.
 
الإخلاص في العمل هو تنزيه العمل أن يكون لغير الله فيه نصيب. وفي الحديث الوارد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إن لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، وَما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِخلاصِ حَتّى لا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى شَيء مِنْ عَمَل لله"3.
 
والإخلاص لله هو غاية الدين كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الإخلاص غاية الدين"4، وهو أفضل العبادات، بل هو روح العبودية لله وجوهرها، كما أخبر عن ذلك إمامنا الصادقعليه السلام: "أفضل العبادة الإخلاص"5. فحقيقة الإخلاص تخليص نيّة الإنسان وعمله من شائبة غير الله تعالى، وهو لا يتحقّق إلا عند من كان محبّاً لله عزّ 



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج70، ص175.
2 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 171، الباب الثالث في سر النية وآدابها، الفصل الثاني: في الاخلاص.
3 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج69، ص30.
4 الريشهري، ميزان الحكمة، ج 1، ص 754.
5 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص245.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

53

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 وجلّ بحيث لا يبقى لحبّ الدنيا وشهواتها وملذّاتها وسمعتها وجاهها ومناصبها في قلبه قرار. فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "لا يَكُونُ العَبْدُ عابِداً للهِ حَقَّ عِبادَتِهِ حَتّى يَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ كُلِّهُ إِلَيهِ، فَحِينَئِذ يَقُولُ هذا خالِصٌ لِي فَيَتَقَبِّلَهُ بِكَرَمِهِ"1.

 
فالمخلص هو الذي لا يطلب من وراء أيّ عملٍ يقوم به سوى الله تعالى، ولا يكون له مقصدٌ أو دافعٌ سوى رضاه، والتقرّب إليه، ونيل الزّلفى لديه. بحيث تكون نيّته متوجّهةً دائماً إلى الله، فلا تطلب إلّا رضاه ووجهه الكريم، حبّاً به، وطمعاً في فضله وإحسانه، لأن العمل الخالص هو الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحدٌ سوى الله تعالى.
 
الله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص، إن أعمال الناس مرهونة بالنيّات وإذا لم تكن النوايا خالصةً، فهذا يعني أنّه يشوبها الشّرك والله تعالى لا يغفر أن يشرك به: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾2، لأن الشّرك ظلمٌ عظيمٌ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾3.
 
والله تعالى لم يأمر إلا بالإخلاص كما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾4، وهو بالأصل لا يقبل إلا ما كان له خالصاً، كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال الله عزَ وجلّ أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً"5 فما لم يكن العمل مقبولاً عند الله فلا قيمة له على الإطلاق.
 
فالله تعالى قد اختار لنفسه الدين الخالص حيث قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾6، فإذا كان لشيءٍ من الأهواء النفسيّة والحظوظ الدنيويّة دخلٌ في الدين فلا يكون خالصاً، وما كانت فيه شائبة الغيريّة والنفسانيّة فهو خارج عن حدود دين الحق. فإذا 



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص101.
2 سورة النساء، الآية 116.
3 سورة لقمان، الآية 13.
4 سورة البينة، الآية 5.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص295.
6 سورة الزمر، الآية 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

54

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 صار همّ الإنسان الناس ونظرتهم إليه وما يقولونه فيه، وأصبح هدفه وقصده الملذّات الدنيويّة والشهوات الرّخيصة، اتّباعاً لأهواء النفس وأوامرها فمن الطبيعي أن لا يصل إلى درجة الإخلاص، لأن المطاع ليس الله، كما أن المقصد والمطلوب أيضاً ليس الحق عزّ اسمه، بل المطاع هي الأنا والأهواء، والمراد هو الملذّات والشهوات، والدنيا الفانية. والنتيجة الحتميّة لطاعة النّفس والهوى هي الضّلالة كما أخبر تعالى في كتابه العزيز حيث قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾1.

 
وعليه نخلص من كل ما سبق إلى أن الإخلاص أساس الدين ودعامته التي يرتكز عليها في عمليّة بناء الإنسان على خطّ الإيمان بالله والتوجّه الدائم إليه وتوحيده. كما أنه رأس الفضائل، والمناط في قبول الأعمال وصحّتها، فلا قيمة لعملٍ لا إخلاص معه، كما ورد عن مولى الموحّدين الإمام علي عليه السلام: "من لم يصحب الإخلاص عمله لم يقبل"2
 
وقال عليه السلام في شأن المخلصين: "طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره"3.
 
آثار الإخلاص
للإخلاص آثارٌ وخصائص عديدةٌ وردت في النصوص والروايات الشريفة، لا يتمتّع بها إلّا المخلصون والمنقطعون إلى الله تعالى بنيّاتهم وأعمالهم، أما الآخرون فمحرومون من هذه النِّعم والكرامات السَّنيّة. وفيما يلي نذكر بعضاً منها:
 
أولاً: عدم تسلّط الشيطان على الإنسان المخلص، بحيث لا يعود للشيطان قدرة على إغوائه. لأن الله تعالى حاضرٌ دائماً في حياته، فهو لا يرى غيره، ولا يفكّر إلّا فيه، 



1 سورة الجاثية، الآية 23.
2 الآمدي، غرر الحكم، ص155.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص16.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

55

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 ونيّته دائماً متوجّهة إليه، فلا يكون للشيطان إليه سبيل: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾1.

 
ثانياً: الإنسان المخلص مُعفى من الحساب في يوم الحشر وعند الوقوف في عرصات يوم القيامة. فقد أشار القرآن الكريم إلى وجود فئة من الناس تأمن صعقة يوم القيامة وفزعه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء﴾2، وفي آيةٍ أخرى يقول الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾3، فإذا ضممنا هذه الآية إلى الأولى يتّضح أن هذه الطائفة من النّاس هي عباد الله المخلصين، لأنه ليس لهؤلاء أعمال توجب حضورهم في عرصات يوم القيامة، فهم قد قتلوا النفس الأمّارة بالسوء في ساحات جهاد النفس وترويضها بالمراقبة والعبادة والأعمال الصالحة، وتمّ لهم حسابهم خلال فترة جهادهم لعدوّهم الباطنيّ والظاهريّ في الحياة الدنيا.
 
ثالثاً: كلّ ما يُعطى الإنسان في يوم القيامة من ثوابٍ وأجرٍ فهو مقابل ما عمله في الحياة الدنيا إلّا طائفة المخلَصين من الناس، فإن الكرامة الإلهيّة لهم تتعدّى حدود الأجر على العمل كما أخبر تعالى بذلك في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾4، فعباد الله المخلَصين لن يكون جزاؤهم بحسب أعمالهم، بل الله المنّان سوف يعطيهم بفضله وكرمه. فهم لا ينالون الجزاء مقابل العمل وإنّما ينالون من الكرامات الإلهيّة وفق إرادته تعالى ومشيئته وفيض كرمه وسعة عطائه الذي لا حدّ له.
 
رابعاً: إن لهؤلاء المقام المنيع والمنصب الرّفيع والمرتبة العظيمة التي يستطيعون فيها أداء الحمد والشّكر والثناء للذّات المقدّسة كما هو لائقٌ بها. قال عزّ من قائل



1 سورة ص، الآيتان 82-83.
2 سورة الزمر، الآية 68.
3 سورة الصافات، الآيتان 127-128.
4 سورة الصافات، الآيتان 39-41.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

56

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾1، وهذه غاية كمال المخلوق. فهذه الآية وصفت المخلصين بأنهم الوحيدون الذين يصحّ منهم وصف الذات الإلهيّة المقدّسة، مما يدلّ على عمق معرفتهم بالله سبحانه وتعالى، فلم يكن في وصفهم لله تعالى أيّ إشكال بخلاف سائر الناس.

 
خامساً: من يخلص لله يرزقه الله العلم والحكمة كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من أخلص العبادة لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"2. فالمداومة على الإخلاص تورث الإنسان العلم الإلهي الّذي ليس فوقه أيّ علم.
 
سادساً: من يخلص لله تعالى في النيّة والعمل يرزقه الله تعالى البصيرة في دينه، فلا تلتبس عليه الأمور، ولا يقع في مضلّات الفتن، ويصبح عارفاً بطريقه جيّداً وموقناً بما يفعله. فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "عند تحقّق الإخلاص تستنير البصائر"3.
 
سابعاً: نجاح الأعمال، فقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "فِي إخلاصِ النيّاتِ نَجاحُ الأمورِ"4. وقال عليه السلام أيضاً: "لَو خَلُصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَتِ الأَعمالُ"5.
 
كيف يتحقّق الإخلاص؟
يتحقّق الإخلاص من خلال إزالة المانع الذي يحول دون تحقّقه، وهذا المانع هو هوى النفس. فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "كيف يستطيع الإخلاص من يغلبه الهوى!"6.



1 سورة الصافات، الآيتان 159-160.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص326.
3 الآمدي، غرر الحكم، ص198.
4 م. ن، ص93.
5 م. ن.
6 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12ن ص115.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

57

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 والهوى هو حبّ النفس واتّباع الأوامر الصادرة منها، وهو ما يُعتبر شركاً، لأنّ المُطاع فيه هو نفس الإنسان وليس الحقّ عزّ وجلّ. إن اتّباع الهوى يؤدّي بالإنسان إلى الضّلال عن سبيل الله عزّ وجلّ وصراطه المستقيم، ذلك أن سبيله تعالى مرهونٌ بأمرين هما التوحيد والطاعة، وقد قال عزّ من قائلٍ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾1. وللأسف فإننا في كثيرٍ من الموارد نجعل أهواءنا مكان الله تعالى، وننصاع لميولنا النفسيّة بدل الانصياع لأحكام الشّرع.

 
من هنا يقول الحقّ تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾2، فإن حبّ النفس يؤدّي إلى طاعتها واتّباع أوامرها، واتّباع أوامرها يعني أن المُطاع ليس الله تعالى، ممّا يكون سبباً في وقوع الإنسان في المعصية والمخالفة لأوامر الحق عزّ وجلّ، وبالتالي البعد عن الله والحرمان من الهداية.
 
وهناك أمرٌ آخر يساعد أيضاً على تحقّق الإخلاص وهو اليقين. لأن الإخلاص لله هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الإخلاص ثمرة اليقين"3. فلكي يغدو الإنسان مخلصاً يجب أن يكون صاحب يقينٍ على مستوى التوحيد، ومؤمناً بأنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله، وأنّ كلّ شيء في هذا العالم يبدأ من الله ويعود إليه، ليكون من: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾4.
 
والخطوة الأولى نحو اليقين الصحيح تكمن بالعلم والمعرفة بأسس هذا الدين ومبادئه ومعارفه الإلهية، ومن دون هذه المعرفة يبقى يقين الإنسان ضعيفاً ومتزلزلاً، وبالتالي محروماً من فضيلة الإخلاص. عن أمير المؤمنين الإمام عليعليه السلام أنه قال: "أوّل الدين معرفته وكمال معرفته، التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له"5.



1 سورة ص، الآية 26.
2 سورة النازعات، الآيتان 40 - 41.
3 الآمدي، غرر الحكم، ص197.
4 سورة البقرة، الآية 156.
5 نهج البلاغة، خطبة1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

58

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 التمارين


ضع إشارة √ أو × في المكان المناسب:
1- الفعل العبادي في المنظور الإسلامي هو جهدٌ إنساني تُحدّد قيمته النية والقصد. 
2- اتباع الهوى يؤدّي بالإنسان إلى الضّلال عن سبيل الله عزّ وجلّ وصراطه المستقيم. 
3- إنّ الأجر والثواب على الأعمال يوزنان عند الله تعالى وفق المقدار المؤدّى من الأفعال فقط. 
4- الإخلاص في العمل هو تنزيه العمل من أن يكون لغير الله فيه نصيب. 
5- العمل الخالص هو الذي تريد أن لا يمدحك عليه أحدٌ سوى الله تعالى. 
6- إنّ الإخلاص في الأعمال لله سبحانه وتعالى يؤدّي إلى عدم تسلّط الشيطان على إرادة الإنسان وبالتالي انحرافه عن جادّة العبادة الحقّة. 
7- الخطوة الأولى نحو اليقين الصحيح تكمن بالالتزام بالأوامر الإلهية ومن دون ذلك فلا يقين يسير بالعابد نحو الحق تعالى. 
8- يتحقّق الإخلاص من خلال إزالة المانع الذي يحول دون تحقّقه، وهذا المانع هو هوى النفس. 
9- إنّ الإخلاص لله هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة الحقّة. 
10- الهوى هو حبّ النفس واتّباع الأوامر الصادرة منها، وهو لا يُعتبر شركاً، بل انحراف عن طريق العبادة الصحيحة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

59

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 المفاهيم الرئيسة

1- الفعل العبادي في نظر الإسلام هو جهدٌ إنساني تُحدّد قيمته النية والقصد، لأن مدار الأعمال على النيات فهي التي تعطي العمل قيمته الواقعية.
 
2- إن الأجر والثواب لا يوزنان عند الله تعالى وفق المقدار المؤدّى من الأفعال، ولكن بقدر إخلاص النيّة في هذا الفعل، وبمدى تطابقه مع إرادة الله سبحانه.
 
3- الإخلاص في العمل هو تنزيه العمل أن يكون لغير الله فيه نصيب. وهو غاية الدين وهو روح العبودية لله وجوهرها. وحقيقة الإخلاص تخليص نيّة الإنسان وعمله من شائبة غير الله تعالى. والعمل الخالص هو الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحدٌ سوى الله تعالى.
 
4- الله تعالى قد اختار لنفسه الدين الخالص حيث قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، فإذا كان لشيءٍ من الأهواء النفسيّة والحظوظ الدنيويّة دخلٌ في الدين فلا يكون خالصاً، وما كانت فيه شائبة الغيريّة والنفسانيّة فهو خارج عن حدود دين الحق.
 
5- للإخلاص آثار وخصائص عديدة على المخلص: عدم تسلّط الشيطان، إعفاؤه من الحساب يوم القيامة، نيل الكرامات الإلهيّة، يصحّ منه وصف الذات الإلهيّة المقدّسة، يرزق العلم والحكمة والبصيرة في دينه، نجاح الأعمال.
 
6- يتحقّق الإخلاص من خلال إزالة المانع الذي يحول دون تحقّقه، وهذا المانع هو هوى النفس. وأيضاً من خلال اليقين، لأن الإخلاص لله هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة.
 
7- الخطوة الأولى نحو اليقين الصحيح تكمن بالعلم والمعرفة بأسس هذا الدين ومبادئه ومعارفه الإلهية، ومن دون هذه المعرفة يبقى يقين الإنسان ضعيفاً ومتزلزلاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

60

الدرس الرابع: النية والإخلاص في العبادة

 للمطالعة

في بيان الإخلاص بعد العمل
اعلم أنّ ما ورد في الحديث الشريف "الإِبْقَاءُ عَلَى العَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ أَشَدُّ مِنَ العَمَلِ" حثّ على لزوم المحافظة والمواظبة على الأعمال، التي تصدر من الإنسان، حين إنجازها وبعد تحقّقها، إذ قد يأتي الإنسان بالعمل من دون عيب ونقص، ويكون خالياً من الرياء والعُجب وغيره، ولكنه بعد العمل وبواسطة ذكره للآخرين يُعاب بالرياء. كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي: "عَنْ أبي جَعْفَرٍ عليه السلام أنَّهُ قَالَ: الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ أشَدُّ مِنَ العَمَلِ. قالَ: وَمَا الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ؟ قالَ: يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَيُنْفِقُ نَفَقَةً لِلّهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ فَكُتِبَ لَهُ سِرّاً ثُمَّ يَذْكُرُها فَتُمْحى فَتُكْتَبُ لَهُ علانَيةً ثُمَّ يَذْكُرُها فَتُكْتَبُ لَهُ رِياءً"1.
 
إنّ الإنسان حتى نهاية حياته لا يأمن أبداً من شرّ الشيطان والنفس، وعليه أن لا يظنّ بأنه عندما أتى بعمل لوجه الله، من دون ملاحظة رضا المخلوق، أصبح في مأمنٍ من شرّ النفس الخبيثة. وإنه إذا لم يراقب العمل ولم يواظب عليه، فمن الممكن أن تجبره نفسه على إظهاره أمام الآخرين. وقد يتمّ الإظهار بالإيماء والتلويح، فمثلاً: إذا أراد أن يكشف عن صلاة الليل التي أتى بها للناس، التجأ إلى أساليب اللفّ والدوران، فيتحدّث عن حسن جوّ السَحَرِ أو رداءته وعن مناجاة الناس أو أذانهم في السحر، وضيّع عمله من جرّاء المكائد الخفيّة للنفس، وألغاه من الاعتبار.
 
يجب أن يكون الإنسان مثل الطبيب الرحيم، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه، ولا يسمح لفلتان زمامها مِنْ يده، لأنها في لحظة من الغفلة تنفلت من يده وتقوده إلى الذل والهلاك. وعلى أي حال نستعيذ بالله من شرّ الشيطان والنفس الإمّارة. ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾2.3.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 296.
2 سورة يوسف، الآية 53.
3 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحَديث العشرون: النيَّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

61

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها


أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
يستنتج أنّ مراعاة الأحكام الشرعية للعبادات شرط لصحّتها.
يستنتج أنّ مراعاة الآداب الظاهرية والمعنوية شرط لقبول العبادة وكمالها.
يذكر نبذة عن كيفية عبادة وصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والأئمة عليهم السلام وحالاتهم فيها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

62

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 أنواع العبادات في الإسلام

تنقسم العبادات في الإسلام إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يختصّ بالأبدان كالصّلاة والصّوم.
القسم الثّاني: يختصّ بالأموال كالزّكاة والحقوق الواجبة المتعلّقة بالأموال.
القسم الثّالث: يختصّ بالأبدان والأموال كالحجّ والجهاد.
 
وتنقسم هذه العبادات بتقسيم آخر إلى ثلاثة أقسام أخر:
الأوّل: يتكرّر في كلّ يوم كالصّلوات الخمس.
الثاني: يتكرّر في كلّ سنة كالصّوم والزّكاة.
الثّالث: يلزم في العمر مرّة، وهو الحجّ لا غير.
 
فأمّا الجهاد فيجب بحسب الحاجة إليه وحسب ما يدعو إليه المعصوم عليه السلام أو نائبه وهو الولي الفقيه في عصرنا الحاضر. والعبادات في الإسلام كثيرة ومتنوعة، لذا سنقتصر في هذا الكتاب على نماذج منها1.
 
أحكام العبادات وآدابها
إن للعبادات أحكاماً وآداباً ينبغي مراعاتها لكي تتحقق الثمرة من فرضها وجعلها هدفاً سامياً للخلقة الإنسانية. فأحكامها الشرعية هي الأحكام الفقهية والقواعد المذكورة في الكتب الفقهية من قبيل: كيفية الوضوء والتيمم، وبيان واجبات الصلاة 



1 الدروس التي اخترنا تناولها في هذا الكتاب هي: الصلاة والصيام وقراءة القرآن والدعاء وزيارة مشاهد الأولياء والتوسّل والحج. نظراً لأهمية هذه العبادات في حياة الإنسان المؤمن. وقد استثنينا العبادات ذات الطابع المالي البحت حيث تُطلب في مواردها الخاصة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

63

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 وأركانها. ويجب على كل مكلّف تعلّم هذه الأحكام وأداء عباداته الشرعية وفقها، فهي المعيار في الحكم على صحّتها من عدمها.


وأما آداب العبادة فتقسم إلى نوعين, ظاهرية وباطنية:
1- آداب العبادة الظاهرية: ذكرتها الكتب الفقهية بعنوان المستحبات، كما ذُكر بعضها في كتب الأخلاق. وهي من قبيل: الأذكار المستحبة عند الوضوء، أو استحباب التختم بالعقيق أو إحناء الرأس أثناء القيام والقراءة في الصلاة.

2- آداب العبادة المعنوية: وتسمّى أيضاً الآداب المعنوية للعبادة، ويُطلق عليها أحياناً أسرار العبادة فإنها تذكر عادةً في الكتب الأخلاقية والعرفانية، وهي أمور روحية باطنية مرتبطة بروح الإنسان، من قبيل: حضور القلب في الصلاة، والخشوع في الدعاء.

وإن مراعاة الآداب الظاهرية والآداب المعنوية للعبادة هي شرطٌ لقبول العبادة وكمالها.

وللتوضيح نقول: إن الدعاء مثلاً له أحكامٌ وآدابٌ ظاهرية وآداب باطنية أي معنوية, فمن أحكام الدعاء استحبابه ما لم يكن في طلب المحرّم، أو قصد الضرر للآخرين.. وأما آداب الدعاء الظاهرية فهي الهدوء والسكينة وعدم رفع الصوت إلى الحدّ المكروه، لأن الصوت العالي خلاف الأدب. وأما آداب الدعاء المعنوية فهي روح الدعاء، حيث يشعر الداعي بأنه في محضر الله عزّ وجلّ، وأن المدعوّ سبحانه مطّلعٌ عليه وهو خير الشاهدين.

وقد قلنا بأن مراعاة الأحكام الظاهرية للعبادات شرطٌ لصحّتها وأن مراعاة الآداب الظاهرية والمعنوية للعبادات هو شرطٌ لقبول الأعمال العبادية وكمالها. فصحّة الأعمال هو أمرٌ مختلفٌ عن مقبوليّتها من جانب الله عزّ وجل، فكم من عبادةٍ صحيحةٍ بحسب الظاهر والأحكام الشرعية ولكنها لا تساوي شيئاً عند ربّ العالمين، وليس ذلك 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

64

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 سوى لأنها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من مراعاة الآداب المعنوية للعبادة.

 
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏ أنه قال: "لا يَكْمُل المؤمن إيمانه حتّى يحتوي على مائة وثلاث خصال فعلٍ وعملٍ ونيّةٍ وظاهرٍ وباطنٍ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام يا رسول الله ما يكون المائة وثلاث خصالٍ؟ فقال:يا عليّ من صفات المؤمن أن يكون جوّال الفكر جوهريّ الذّكر كثيراً علمه عظيماً حلمه..."1.
 
أهميّة التعرّف إلى الآداب المعنوية للعبادات
إنّ الآداب المعنوية للعبادات أي الأسرار الإلهية حقيقةٌ واقعية لا يصل إليها إلا فئة من الناس يصفهم القرآن الكريم بالمطهّرين: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾2. حيث يقول العلامة الطباطبائي في تفسيرها: وقوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾... والمعنى: لا يمسّ الكتاب المكنون الذي فيه القرآن إلا المطهّرون أو لا يمسّ القرآن الذي في الكتاب إلا المطهّرون...
 
والمطهّرون - اسم مفعول من التطهير- هم الذين طهّر الله تعالى نفوسهم من أرجاس المعاصي وقذارات الذنوب أو ممّا هو أعظم من ذلك وأدقّ وهو تطهير قلوبهم من التعلّق بغيره تعالى، وهذا المعنى من التطهير هو المناسب للمسّ الذي هو العلم دون الطهارة من الخبث أو الحدث كما هو ظاهر.
 
فالمطهّرون هم الذين أكرمهم الله تعالى بتطهير نفوسهم كالملائكة الكرام والذين طهّرهم الله من البشر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾"
 
وفي الدر المنثور، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ قال: عند الله في صحف مطهرة ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: المقرّبون"3.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج11، ص179.
2 سورة الواقعة، الآية 79.
3 السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص137 و141.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

65

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 ولما كانت معارف وحقائق القرآن لا يحظى بها إلا المطهّرون، فكذلك العبادات لا يحظى بأسرارها ومعارفها إلا المطهّرون، وعندها تكون للعبادة لذّة وسرور، فلا تساوي لذّتها أي لذّة أخرى.


نحن نصلّي ولكنّنا لا نرى للصلاة أيّ تأثيرٍ ولا نحسّ بنورانيّتها، والسبب هو أننا نصلّي دون معرفةٍ بأسرار الصلاة، في حين أن اللذّة تكمن في معرفة باطن الصلاة. وهنا تكمن أهمّية التعرّف إلى أسرار العبادات والآداب الباطنية لها. لأن هذه المعرفة هي التي تمكّننا من الحصول على ثمار العبادات النّفيسة التي إنّما كان تشريع العبادات بهدف امتلاك العابد لها ونيله لآثارها المباركة.

إن الدور الأساسي لمعرفة أسرار العبادات وآدابها المعنوية إنّما يرتبط بحقيقة النيّة التي يؤدّي الإنسان عباداته وفقها، فإن العبادة التي يأتي بها إنسانٌ عارفاً بأسرارها سوف تختلف حتماً على مستوى النية الباطنية عن تلك التي يأتي بها إنسانٌ آخر وهو غير ملتفتٍ إلى وجود حقيقةٍ وأسرارٍ للعبادة، حتى وإن كانت عبادتاهما لا تختلفان في أي شيء على مستوى الظاهر.

ومرجع هذا الاختلاف إنما ينبع من أن تصنيف العبادات بين أحكام ظاهرية وآداب باطنية ينطلق من حقيقة أن لكلّ عبادةٍ ظاهراً وباطناً، كما أسلفنا سابقاً: فالأحكام الواجبة والمستحبة تعيّن الشكل الظاهري لهذه العبادة أي قشرها، أما الإرادة والنية فهما يعيّنان باطن هذه العبادة ويعطيانها قيمتها أي حقيقتها.

فكما أن معرفة المكلّف بالأحكام الظاهرية للعبادة هو الأساس في أدائه لها بصورة صحيحة، كذلك فإن معرفته بأحكامها الباطنية هو الأساس في توجيه نيته نحو أدائها بحقيقتها الباطنية المطلوبة.

نبذة من عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام
يحتاج الإنسان في حياته دائماً إلى القدوة والمثل الأعلى فيجعله أمام عينيه، ليقتدي ويتأسّى به كي يتمكّن بذلك من الوصول إلى أهدافه وغاياته في هذه الحياة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

66

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 فكل صاحب غاية إذا أراد أن يسلك أسرع الطرق الموصلة إلى مراده فما عليه إلا أن يتّخذ لنفسه خليلاً أو قدوة لديه نفس الرغبات والتوجّهات لما للصحبة من تأثيرٍ كبيرٍ على همّة الإنسان وقوة عزيمته. ومن أراد أن تكون العبودية لله هي هدفه وبغيته دائماً في هذه الحياة ما عليه إلا أن يبحث عن المصداق الحقيقي والواقعي لهذه العبودية، لتكون بمثابة المحفّز نحو العبادة والمثبّت له للوصول إلى العبودية الحقّة لله سبحانه تعالى. ونحن لو بحثنا عن النموذج الأمثل والأتم لأناسٍ تجلّت العبودية في وجودهم بأجلى وأعلى مراتبها لما وجدنا غير رسول الله محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾1. ونقرأ في زيارتهم عليه السلام: "اللّهمّ إنّي لو وجدت وسيلةً أقرب إليك من محمّد وأهل بيته الأخيار الأئمّة الأبرار عليه السلام لجعلتهم شفعائي إليك"2. وفيما يلي نستعرض نماذج من عبادات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أهل بيته عليهم السلام:

 
1- عبادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:
أعظم الرجال الذين عرفتهم البشرية في تجسيد العبودية لله تعالى هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن المسلم يشهد في صلاته يومياً: "أشهد أن محمداً عبده ورسوله" مقدّماً مقام العبودية على مقام الرسالة. ولكثرة عبادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لله تعالى واجتهاده وتعبه فيها، أنزل تعالى: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾3.‏
 
وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال: "ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه واصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع، حتّى عوتب في ذلك



1 سورة الأحزاب، الآية 21.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج10، ص423.
3 سورة طه، الآية 2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

67

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 فقال الله عزّ وجلّ: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ بل لتسعد"1.

 
وقد عبّر صلى الله عليه وآله وسلم عن عشقه للصلاة والعبادة بالقول: "يا أبا ذرّ جعل الله جلّ ثَنَاؤه قرّة عيني في الصّلاة وحَبّب إليّ الصّلاة كما حَبّب إلى الجائع الطّعام وإلى الظّمآن الماء وإنّ الجائع إذا أكل شبع وإنّ الظّمآن إذا شرب رَوِيَ وأنا لا أشبع من الصّلاة"2.
 
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قراءة القرآن الكريم في كل أحواله، وكان يركّز على تلاوته ليلاً لأمر الله تعالى له بذلك في سورة المزّمّل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾3.
 
وكان صلى الله عليه وآله وسلم دائم الدعاء والذكر لله تعالى، فنجد له أدعيةً في جميع الأحوال عند الصباح والمساء، وبعد كل صلاة، وعند السفر وفي الحرب... وأما الذّكر فقد كان ذاكراً على الدوام وقد ورد في ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمد الله في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة ويقول: الحمد لله ربّ العالمين كثيراً على كل حال"4.
 
أما صومه صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام فيه: "صام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدهر كلّه ما شاء الله، ثم ترك ذلك وصام صيام أخيه داود عليه السلام يوماً لله ويوماً له ما شاء الله ثم ترك ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء الله، ثم ترك ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء الله، ثم ترك ذلك وصام البيض ثلاثة أيام من كل شهر، فلم يزل ذلك صيامه حتى قبضه الله إليه"5.
 
2- عبادة أمير المؤمنين علي عليه السلام:
كانت عبادة أمير المؤمنين عليه السلام لله تعالى كعبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته وخشوعه، حتى قيل إنه لم يقدر أحدٌ أن يصلّي صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا علي عليه السلام، ولا صلاة علي عليه السلام إلا علي بن الحسين عليه السلام.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج17، ص286.
2 م. ن، ج74، ص79.
3 سورة المزمل، الآيتان 1-2.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 503.
5 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج10، ص437.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

68

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 رُوي عن إمامنا جعفر الصادقعليه السلام في حديث له عن جدّه علي عليه السلام أنه قال: "والله ما أكل علي بن أبي طالب من الدنيا حراماً قطّ حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله رضاً، إلا أخذ بأشدّهما عليه في دينه، (إلى أن قال) وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين عليه السلام، ولقد دخل ابنه أبو جعفر عليه السلام عليه، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر عليه السلام:"فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمةً له، وإذا هو يفكر، فالتفت إلي ّ بعد هنيهة من دخولي وقال: يا بنيّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيته فقرأ منها شيئاً يسيراً ثم تركها من يده متضجّراً وقال: "من يقوى على عبادة علي بن أبيطالب عليه السلام؟"1.

 
ويُروى أنه: "كان عليه السلام يفرش له بين الصفين والسهام تتساقط حوله وهو لا يلتفت عن ربه ولا يغير عادته ولا يفتر عن عبادته وكان إذا توجه إلى الله تعالى توجه بكليته وانقطع نظره عن الدنيا و ما فيها حتى أنه يبقى لا يدرك الألم لأنهم كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل إلى الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحس فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليه السلام إن هي إلا فعلتك يا حسن ولم يترك صلاة الليل قط حتى في ليلة الهرير"2.
 
وعن عروة بن الزبير، قال: "كنّا نتذاكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمال أهل بدر وبيعة أهل الرضوان، فقال أبو الدرداء: ألا أخبركم بأقل القوم مالاً وأكثرهم 



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص75.
2 الديلمي، إرشاد القلوب، ج2، ص21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

69

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 ورعاً واجتهاداً في العبادة؟ قالوا: من؟ قال: علي بن أبي طالب عليه السلام، رأيته في حائط بني النجار يدعو، ثم انغمر في الدعاء، فلم أسمع له حسّاً وحركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، فذهبت لكي أوقظه لصلاة الفجر فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فلم يتحرك، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب عليه السلام. فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام، يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه وقصته، فأخبرتها الخبر. فقالت عليها السلام: هي والله يا أبا الدرداء الغشوة التي تأخذه من خشية الله. ثم أتوه بماء فنضحوا على وجهه فأفاق، ونظر إليّ وأنا أبكي. فقال عليه السلام: ما بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: بما أراه تنزله بنفسك. فقال عليه السلام: كيف بك إذا رأيتني أدعى إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار وأسلمتني الأحباب، ورفضني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة بي بين يدي من لا تخفى عليه خافية"1

 
ولشدّة ارتباطه بالصلاة فقد ختم حياته عليه السلام وهو ساجدٌ في صلاة الفجر في محراب مسجد الكوفة.
 
3- عبادة السيدة الزهراء عليها السلام:
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رواية ذكر فيها مقام ومنزلة وعبادة السيدة الزهراء عليها السلام متى قامت في محرابها بين يديّ ربّها: "... وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين وهي بضعة منّي وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبيّ وهي الحوراء الإنسيّة متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زَهَرَ نورها لملائكة السّماء كما يَزهَر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عزَ وجلّ لملائكته يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي 



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج41، ص11.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

70

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 أشهدكم أنّي قد آمنت شيعتها من النّار"1. ويُروى أنها عليه السلام كانت تنهج في الصلاة من خيفة الله تعالى (والنهج هو تواتر النفس من شدّة الحركة)، وكانت تقوم حتى تتورّم قدماها2.

 
4- عبادة الإمام الحسن عليه السلام:
عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "إن الحسن بن علي عليهما السلام كان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عزّ وجلّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار"3.
 
5- عبادة الإمام الحسين عليه السلام:
وأما إمامنا الحسين عليه السلام ففي ليلة العاشر من محرّم طلب من الجيش الأموي أن يمهله تلك العشيّة قائلاً: "إنّا نريد أن نصلّي لربّنا الليلة ونستغفره، فهو يعلم أني أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار"4. وقد رُوي أنه عليه السلام كان إذا توضّأ تغيّر لون وجهه وارتعدت مفاصله، فسُئل عن ذلك، فقال: "حقٌّ لمن وقف بين يديّ ذي العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله"5.
 
كانت هذه نبذة يسيرة من عبادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيت العصمة عليهم السلام بقدر ما تتّسع لها هذه الأوراق، والمصادر التاريخية زاخرةٌ بشواهد على عباداتهم الزاكية والراقية لله تعالى...



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج28، ص37.
2 م. ن، ج81، ص 258.
3 م. ن، ج81، ص 258.
4 راجع ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص54
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج77، ص 346.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

71

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 التمارين


ضع إشارة √ أو × في المكان المناسب:
1- إنّ للعبادات أحكاماً وآداباً ينبغي مراعاتها لكي تتحقّق الثمرة من فرضها وجعلها هدفاً سامياً للخلقة الإنسانية. n
2- إنّ مراعاة الآداب الظاهرية والمعنوية للعبادة ليست شرطاً أساسياً لقبول العبادة وكمالها. 
3- الأحكام الشرعية للعبادات هي الأحكام الفقهية والقواعد المذكورة في الكتب الفقهية فقط. 
4- ليس واجباً على كل مكلّف تعلّم كافة الأحكام الفقهية وأداء عباداته الشرعية وفقها بل يكفي تعلّم المسائل الفقهية الضرورية فقط. 
5- افتقار العبادة إلى الحدّ الأدنى من مراعاة الآداب المعنوية للعبادة يؤدّي إلى بطلانها. 
6- إنّ القيام بآداب العبادة الباطنية والظاهرية لا يرتبط بالنية، بل يكفي العمل بتلك الآداب ولو ظاهرياً. 
7- العبادة التي يأتي بها الإنسان عارفاً بأسرارها سوف تختلف حتماً على مستوى النية الباطنية عن تلك التي يأتي بها آخر وهو غير ملتفت حتى إلى وجود حقيقةٍ وأسرارٍ للعبادة. 
8- الإرادة والنية في العبادة يعيّنان ظاهر العبادة ويعطيانها قيمتها الحقيقية والواقعية. 
9- يُمثّل المعصومون المثال الأتم الذي تجلّت العبودية الحقيقية في وجودهم بأجلى وأعلى مراتبها. 
10- من صفات المؤمن أن يكون جوّال الفكر جوهريّ الذّكر كثيراً علمه عظيماً حلمه. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

72

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 المفاهيم الرئيسة

1- إن للعبادات أحكاماً وآداباً ينبغي مراعاتها لكي تتحقق الثمرة من فرضها وجعلها هدفاً سامياً للخلقة الإنسانية.

2- الأحكام الشرعية للعبادات هي الأحكام الفقهية والقواعد المذكورة في الكتب الفقهية. ويجب على كل مكلّف تعلّم هذه الأحكام وأداء عباداته الشرعية وفقها فهي المعيار في الحكم على صحّتها من عدمها.

3- آداب العبادة نوعان: ظاهرية وباطنية: الآداب الظاهرية ذُكرت في الكتب الفقهية وكتب الأخلاق بعنوان المستحبات، والآداب الباطنية أو الآداب المعنوية أو أسرار العبادة فإنها تذكر 
في الكتب الأخلاقية والعرفانية وهي أمور روحية باطنية مرتبطة بروح الإنسان.

4- إن مراعاة الآداب الظاهرية والآداب المعنوية للعبادة هي شرطٌ لقبول العبادة وكمالها.

5- صحّة الأعمال هو أمرٌ مختلفٌ عن مقبوليّتها من جانب الله عزّ وجل، فكم من عبادةٍ صحيحةٍ بحسب الظاهر والأحكام الشرعية ولكنها لا تساوي شيئاً عند ربّ العالمين، وليس ذلك سوى لأنها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من مراعاة الآداب المعنوية للعبادة.

6- إن الدور الأساسي لمعرفة الآداب الباطنية للعبادات أي أسرارها إنّما يرتبط بحقيقة النيّة التي يؤدّي الإنسان عباداته وفقها، فإن العبادة التي يأتي بها إنسانٌ عارفاً بأسرارها سوف تختلف حتماً على مستوى النية الباطنية عن تلك التي يأتي بها آخر وهو غير ملتفت حتى إلى وجود حقيقةٍ وأسرارٍ للعبادة.

7- لو بحثنا عن النموذج الأمثل الأتم لأناسٍ تجلّت العبودية في وجودهم بأجلى وأعلى مراتبها لما وجدنا غير محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

73

الدرس الخامس: العبادات أنواعها وشروطها

 للمطالعة

 
أثر العبادة
كل عبادة من العبادات وكل منسكٍ من المناسك الشرعية، فضلاً عن أن لها صورة أخروية وملكوتية، وبها يتم عمارة الجنة الجسمانية وقصورها، وتهيئة الغلمان والحور - طبقاً للبراهين والأحاديث - فإن لكل عبادة من العبادات أيضاً أثراً يحصل في النفس، مما يقوّي الإِرادة شيئاً فشيئاً ويصل بقدرتها إلى حد الكمال.
 
لذلك كلّما كانت العبادات أشق كانت أرغب: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا". فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد، والانصراف إلى عبادة الحق المتعال، يزيد من قوة الروح وتغلبها على قوى الجسم، ويقوّي الإرادة. وإذا كان هذا في أول الأمر على شيءٍ من المشقة والعناء، فإن ذلك يخفّ تدريجاً كلّما واصل العبادة، وازدادت طاعة الجسم للنفس. إذ أننا نلاحظ أن أهل العبادة يقومون بالأعمال دون مشقة وتكلف. أما نحن فشعورنا بالكسل وبالمشقة ناشئ من أننا لا نبدأ بالعمل. فلو إننا بدأنا العمل وكررناه عدة مرات، لتبدلت مشقته إلى راحة، بل إن أهلها يلتذّون بها أكثر مما نلتذّ نحن بمشتهيات الدنيا. إذاً، الأمر يصبح عادياً بالتكرار.
 
ولهذه العبادة ثمرات، منها: أنّ صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال في ذلك العالم لا يكون له نظير في هذا العالم، ونكون عاجزين عن تصوّر مثلها.
 
ومنها: أن النفس تصبح ذات عزمٍ واقتدار، فتكون لها نتائج كثيرة، وقد سمعت واحدة منها.
 
ومنها: أيضاً أنها تجعل الإِنسان يأنس بالذكر والفكر والعبادة، فإن المجاز قد يقرّب الإنسان إلى الحقيقة، فيتوجّه القلب إلى مالك الملوك، وتحلّ المحبة لجمال المحبوب الحقيقي، ويخفّ تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة.1



1 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحديث السَادِس: من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخِرة أكبر همّه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

74

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرّف حقيقة الصلاة ويستنتج أنّها أهم وسيلة للربط بين الخالق والمخلوق.
2- يدرك أهمية النوافل وفضلها.
3- يبيّن أهمية وفضل صلاة الليل وآثارها المعنوية والمادية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

75

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 حقيقة الصلاة وأهميتها

عن الإمام الصادق عليه السلام: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإذا قُبلت قُبل منه سائر عمله، وإذا ردّت عليه ردّ عليه سائر عمله، فإذا صلّيت فأقبل بقلبك إلى الله عزّ وجلّ، فإنه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله عز وجل في صلاته ودعائه، إلا أقبل الله عليه بقلوب المؤمنين إليه وأيده مع مودّتهم إيّاه بالجنة"1.
 
لا يخفى سبب اختيار الصلاة من بين العبادات لاستهلال بياننا للأعمال العبادية وحقائقها وآدابها بها، فإن الصلاة هي عمود الدين، إن قُبلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت ردّ ما سواها كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ عمود الدين الصّلاة وهي أوَل ما يُنظَر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحّت نُظِرَ في عمله وإن لم تَصِحَّ لم يُنظَر في بقيّة عمله"2.
 
الصلاة عمود الدين بمعنى أنها قوامه، وموضعها من الدين كموضع الرأس من الجسد. وهي أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله سبحانه، وأفضل ما توسّل به المتوسّلون للتقرّب إليه، وهي معراج المؤمنين والعارفين وسفر العاشقين. والصلاة أوّل ما افترض الله سبحانه على الناس، وأول ما يجب تعلّمه من الفرائض، وأوّل ما يُنظر فيه من عمل ابن آدم، وأوّل ما يُحاسب به، وآخر وصية للرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنّه كان من آخر وصاياه: "الصلاة، الصلاة، الصلاة..."3.



1 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه ج1، ص 208، تحقيق وتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، ط 2، لا ت، باب الرغبة والرهبة في الصلاة، ح 626.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص34.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج7، 51.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

76

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 وللصلاة آثارها المعنوية العظيمة على الإنسان.

 
فهي مثل عين الماء الزلال تطهر المصلّي الذي يصلّي خمس مرات في اليوم, فعن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إنما مثل الصلاة فيكم كمثل السري (وهو النهر) على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم والليلة يغتسل منه خمس مرات فلم يبق الدرن مع الغسل خمس مرات ولم تبق الذنوب مع الصلاة خمس مرات"1.
 
وليس في العبادات ما يضاهي الصلاة، فهي مرهمٌ إلهيٌ جامعٌ يتكفّل بسعادة البشر، فإن تمام الصلاة بكل ما تحويه من ذكر وركوع وسجود وتوجّه، هو إذعان بالعبودية لرب العالمين حيث يلقي المصلّي جانباً الأنانية وعبادة النفس ويسلّم كيانه بأجمعه لله تعالى، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾2، فيقف المصلّي بين يدي الله متواضعاً ويهوي برأسه إلى تراب الذل والمسكنة ويعلن التسليم الكامل والإذعان والخضوع له تعالى.
 
وهذه الخاصّية للصلاة هي ما يعطيها موقعها المميّز بين سائر العبادات, فالصلاة بإمكانها أن تكرّس كيان الإنسان بأسره بدءاً من البعد الظاهري أي البدني وانتهاءً بالأبعاد الباطنية (كالعقلية والقلبية) في ربقة العبودية، فليس من عبادة أخرى تُعنى بجميع أبعاد وجود الإنسان الظاهرية والباطنية في برنامج يومي يغطي جلّ أوقات المكلّف غيرها. ولذا فإن الصلاة هي خير وسيلةٍ تربط الإنسان بربّه، وهذا هو السرّ في كون الصلاة "خير العمل".
 
وهذه الخاصّية نفسها هي ما يجعل الصلاة أكمل وسيلة للسير والسلوك إلى الله تعالى، وأهم وسيلة لبلوغ الهدف الأعلى للإنسانية.
 
عن الإمام الرضا عليه السلام: "إنّما أمروا بالصلاة لأنّ في الصلاة الإقرار



1 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه ج1، ص 208.
2 سورة الأنعام، الآية 79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

77

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 بالربوبية"1. وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية"2.

 
فضل وأهمية الصلاة في القرآن والسنة
نستشفّ من الآيات القرآنية الكريمة ومن الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة أهميةً وفضلاً ومقاماً عظيماً للصلاة، نورد هنا بعض النماذج:
1- الصلاة أفضل وسيلة لذكر الله تعالى:
إذ يشير الله سبحانه في الآية الكريمة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾3 إلى واحدة من أهم أسرار الصلاة، وهي أن الإنسان يحتاج في حياته في هذا العالم، إلى عمل يذكره بالله والقيامة ودعوة الأنبياء وهدف الخلق في فترات زمنية مختلفة، كي يحفظه من الغرق في دوامة الغفلة والجهل، وتقوم الصلاة بهذه الوظيفة المهمة.
 
فمع توزع الصلوات الواجبة على أوقات اليوم المختلفة فإن العبد يغسل بها غبار الغفلة الذي استقرّ على قلبه. ومن هنا يقول الله سبحانه لنبيّه موسى عليه السلام في أول الأوامر في بداية الوحي: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِ﴾، وفي آيات أخرى نقرأ: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾4 و﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *  ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *  فَادْخُلِي فِي عِبَادِي  * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾5.
 
فإذا جعلنا هذه الآيات الثلاث جنباً إلى جنب فسنفهم جيداً أن الصلاة تذكر الإنسان بالله، وذكر الله يجعل نفسه مطمئنة، ونفسه المطمئنة ستوصله إلى مقام العباد المخلصين والجنة الخالدة.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص10.
2 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، الباب الأول في العبودية، ص5.
3 سورة طه، الآية 14.
4 سورة الرعد، الآية 28.
5 سورة الفجر، الآيات 27-30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

78

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 2- للصلاة صورة ملكوتية:

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من صلّى الصلوات المفروضات في أول وقتها وأقام حدودها رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقيّة، تقول: حفظك الله كما حفظتني استودعتني ملكاً كريماً. ومن صلاّها بعد وقتها من غير علّةٍ ولم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة، وهي تهتف به: ضيّعك الله كما ضيّعتني، ولا رعاك الله كما لم ترعني"1.
 
من هنا يتبيّن أن للصلاة حقيقة، وهي تدعو للمصلي إذا أتى بها في أول وقتها ولاحظ آدابها، وإذا لم يصلّ الصلاة لوقتها ترتفع سوداء وهي تدعو عليه.
 
3- الصلاة أحب الأعمال إلى الله تعالى:
عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم وأحبّ ذلك إلى الله عزّ وجلّ ما هو فقال: "ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة ألا ترى أنّ العبد الصّالح عيسى ابن مريم عليه السلام قال ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً قال: "أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ الصّلاة وهي آخر وصايا الأنبياء"3.
 
4- الصلاة أوثق سبب لقرب العبد من الله:
عن الإمام الرِّضَا عليه السلام: "أقرب ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ وهوَ ساجد وذلك قوله عزّ وجلّ (واسجد واقترب)"‏4, وعنه عليه السلام أيضاً قال: "الصّلاة قربان كلّ تقيّ"5.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص123.
2 الشيخ الكليني، الكافي ج 3، ص 264.
3 م. ن.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج 3، ص 265.
5 م. ن.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

79

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 5- الصلاة سبب مغفرة الذنوب:

عن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾1 قال: "صلاة المؤمن باللّيل تَذهَب بما عمل من ذنب بالنّهار"2.
 
وعنه عليه السلام قال: "من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب"3.
 
6- للمصلي مقام عظيم:
يقول الإمام الباقر عليه السلام: "للمصلّي ثلاث خصال: إذا هو قام في صلاته حفّت به الملائكة من قدميه إلى عنان السماء، ويتناثر البرّ عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملكٌ موكّلٌ به ينادي لو يعلم المصلّي من يناجي ما انفتل"4.
 
النوافل
تبيّن لنا أن الصلاة هي أفضل وسيلة للسير والسلوك والتقرّب إلى الله سبحانه، والصلوات تقسم إلى قسمين: واجبة، ومستحبة, فالصلوات الواجبة أو الفرائض هي من قبيل: الصلوات اليومية، وصلاة الآيات، وصلاة الميت، وصلاة الطواف الواجب..
 
وأمَّا الصلوات المستحبة أو النوافل فكثيرة، وأهمّها وأفضلها: الرواتب اليومية، وهي أربع وثلاثون ركعة على الشكل التالي: نافلة الظهر ثماني ركعات قبل فريضة الظهر، نافلة العصر ثماني ركعات قبل فريضة العصر، نافلة المغرب أربع ركعات بعد فريضة المغرب، نافلة العشاء ركعتان من جلوس تعدّان ركعة واحدة وتسمّى الوتيرة، ونافلة الصبح ركعتان قبل فريضة الصبح، ونافلة الليل إحدى عشر ركعة وغيرها...



1 سورة هود، الآية 114.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 3، ص 266.
3 م. ن.
4 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص210.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

80

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 أهمية النوافل

عن الفضيل: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ: "﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾1، قال عليه السلام: "هي الفريضة، قلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾2 قال: هي النافلة"3.
 
وقد ورد التأكيد في الأحاديث الشريفة على أداء النوافل اليومية، وأنَّها مكمّلة للصلوات الواجبة، وأنَّ لها ثواباً وآثاراً في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾4.
 
إنّ من الأخطار الجسيمة على مستوى تربية النفس وتزكيتها أن لا يعي الإنسان أهميّة النوافل والمستحبّات في حياته فيتغافل عنها بحجة أنّها غير واجبة وأنّ الأمور المستحبّة تحتاج لوقتٍ وفراغٍ وأنّ هناك أموراً أهمّ من الانشغال بالنوافل، فهذا المنطق يحرم أصحابه من بركاتها العظيمة وآثارها التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي يسّرها الله للإنسان، وفتح له من خلالها أسباب قوّة الإيمان ومنعته وانعكاسات التجلّيات الإلهيّة الحقّة في قلبه، وصولاً إلى إدراك الحقائق والمعاني السامية للعبادة.
 
إن ضرورة تقديم الفرائض على النوافل في معراج الكمال والسير نحو الله تعالى أمرٌ لا نقاش فيه، بل ورد في الرواية رفض النوافل إذا أضرّت بالفرائض كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا أضرّت النوافل بالفرائض فارفضوها"5. ولكن هذا لا يعني مطلقاً ترك النوافل وحرمان النفس من بركاتها وفوائدها الجمّة. وعلى المرء أن يترصّد قلبه دائماً ولا يضيّع فرصة إقباله، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة"6.



1 سورة المؤمنون، الآية 9.
2 سورة المعارج، الآية 23.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص269.
4 سورة الإسراء، الآية 79.
5 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص28.
6 الشيخ الكيني، الكافي، ج3، ص454.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

81

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 آثار النوافل وفوائدها

أما فوائد النوافل وآثارها فكثيرة نذكر منها ما يلي:
1- قربان يتقرّب به المؤمن إلى الله تعالى: فالله لم يفرضها ولكن المؤمن يؤديّها عن محبةٍ وشوق وفي ذلك تعبير عن رغبته الصادقة بعبادة الله والتقرّب إليه: عن أبي الحسن عليه السلام قال: "صلاة النوافل قربان كل مؤمن"1.
 
2- تجبر الفرائض: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ العبد لترفع له من صلاته نصفها أو ربعها أو خمسها، وما يرفع له إلَّا ما أقبل عليه منها بقلبه، وإنَّما أمرنا بالنوافل ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة"2.
 
3- سبب محبة الله للعبد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى ما تحبَّب إلي عبدي بشيء، أحب إلي مما افترضته عليه، وإنَّه يتحبب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته"3.
 
فالنافلة وسيلة اتصال دائم بالله تعالى يعيش معها العبد المؤمن أجمل لحظات القرب من الله فيفيض عليه تعالى من فضله وكرمه ما يعجز المرء عن وصفه.
 
3- محو السيئات: عن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: "صلاة المؤمن باللّيل تذهب بما عمل من ذنب بالنّهار"4.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص73.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج81، 238.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
4 م.ن، ج3، ص266.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

82

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 أهمية صلاة الليل

صلاة الليل من أهم النوافل التي لها أثر كبير في نيل مقام القرب الإلهيّ وتزكية النفس، فقد أمر تعالى بها نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ووعده عليها بالمقام الرفيع قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾1. وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾2.
 
وبهذه الصلاة أوصى الأنبياء والملائكة, يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما زال جبرئيل يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لن يناموا"3، وفي وصيته صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: "عليك بصلاة الليل عليك بصلاة الليل عليك بصلاة الليل..."4.
 
فمن الطبيعي أن تكون شعار الأولياء ومنهاج الأصفياء وسبيل الأتقياء، فأهل الولاية المتربّون في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هم أهل صلاة الليل والاستغفار بالأسحار. وعن مولانا الإمام الصادق عليه السلام يقول: "شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والأمانة وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم ويحجّون البيت ويجتنبون كل محرم"5.
 
كما قال عليه السلام: "ليس من شيعتنا من لم يصلّ صلاة الليل"6.
 
وقد حثَّت الروايات الشريفة على صلاة الليل، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الله جلّ جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمكِ واخدمي من رفضك، وإنَّ العبد 



1 سورة الإسراء، الآية 79.
2 سورة السجدة، الآيتان 16 ـ 17.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص154.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص79.
5 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص57.
6 م. ن، ج8، ص162.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

83

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 إذا تخلَّى بسيده في جوف الليل المظلم، وناجاه أثبت الله النور في قلبه، فإذا قال يا رب! يا رب! ناداه الجليل جلّ جلاله: لبيك عبدي، سلني أعطك، وتوكَّل عليّ أكفك, ثمَّ يقول جل جلاله لملائكته: ملائكتي انظروا إلى عبدي فقد تخلَّى في جوف هذا الليل المظلم، والبطَّالون لاهون، والغافلون ينامون، اشهدوا أني قد غفرت له"1.

 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "شرف المؤمن صلاته بالليل"2.
 
قال أبو عبد الله عليه السلام: "يا سليمان!.. لا تدع قيام الليل، فإن المغبون من حرم قيام الليل"3.
 
فضل وآثار صلاة الليل
ولصلاة الليل من الفضل والآثار المعنوية والمادية ما لا يمكن الإحاطة به, فهي من روح الله تعالى وتجلب رضاه وتستمطر رحمته وهي تمسّكٌ بأخلاق النبيين وهي شرف المؤمن، وهي المانعة من نزول العذاب وهي النور والأنيس في القبر، كما أنها تنفي السيئات، وتذهب بما عمل من ذنب بالنهار.. وغير ذلك مما روي من قبيل أنَّها تدرّ الأرزاق، وتذهب بالهمّ وتقضي الدين، وتبيّض الوجه وتحسّن الخلق والأخلاق وتبعد الداء من الأجساد وتصحّح البدن وتجلو البصر وتطيّب الريح...
 
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاة الليل مرضاة الرب، وحب الملائكة، وسنَّة الأنبياء، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وراحة الأبدان، وكراهية الشيطان، وسلاح على الأعداء، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وشفيع بين صاحبها وملك الموت، وسراج في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب مع منكر ونكير، ومونس وزائر في قبره إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلاً فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجّة



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج38، ص 99.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص 488.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص160.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

84

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 للمؤمن بين يدي الله تعالى، وثقلاً في الميزان، وجوازاً على الصراط، ومفتاحاً للجنة, لأن الصلاة تكبير، وتحميد، وتسبيح، وتمجيد، وتقديس، وتعظيم، وقراءة دعاء، وإن أفضل الأعمال كلّها الصلاة لوقتها"1.

 
عن الإمام علي عليه السلام قال: "قيام الليل مصحّة البدن، ورضا الرب، وتمسّك بأخلاق النبيين، وتعرّض لرحمته"2.
 
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "كذب من زعم أنه يصلّي صلاة الليل وهو يجوع، إن صلاة الليل تضمن رزق النهار"3.
 
وعنه عليه السلام قال: "صلاة الليل تحسّن الوجه، وتحسّن الخلق، وتطيّب الريح، وتدرُّ الرزق، وتقضي الدين، وتُذهب بالهمّ، وتجلو البصر"4.
 
وعنه عليه السلام أيضا قال: "إنّ في اللّيل لساعة ما يُوافقها عبد مسلم يصلّي ويدعو الله فيها إلّا استجيب له في كلّ ليلة قلت أصلحك الله فأيّ ساعة هي من اللّيل قال إذا مضى نصف اللّيل في السّدس الأوّل من النّصف الباقي"5.
 
أسباب الحرمان من صلاة الليل
إن كثيرين يحبون أن ينالوا شرف قيام الليل وأداء هذه النافلة المباركة ويتشوقون إلى ذلك، لكن سرعان ما تراهم لا يبادرون إلى ما أحبّوه، ويبقى هذا الحب في عالم النفس وحديثها دون أن يترجم بالفعل والخارج فكأن شيئاً حال بينهم وبين تحقيق مطلوبهم ولقاء محبوبهم، فما هو ذلك الشي‏ء الذي أوجد حاجزاً أو شكّل مانعاً؟



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج84، ص 161.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص150.
3 م. ن، ص158.
4 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج59، ص268.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص447.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

85

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 والجواب: أنه ليس أمراً واحداً وإنما جملة من الأمور لكنها تنتمي إلى أصل واحد يسمّى الذنب على اختلاف أنواعه وأشكاله.

 
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إن الرجل يذنب فيحرم صلاة الليل وإن العمل السيئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم"1.
 
وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام لرجل شكى من حرمانه صلاة الليل: "أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك"2
 
وفي حديث آخر: "إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل فإذا حُرِم صلاة اللّيل حرم بها الرزق"3.
 
ومن الموانع رذيلة العجب، فإن الإنسان إذا قدر على التخلص من سائر الذنوب وبقيت له آفة العجب والرضا عن النفس فهي كافية للحؤول بينه وبين التوفيق للتهجد والقيام بالليل.
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: "إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجّد لي الليالي، فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له وإبقاءً عليه فينام حتى يصبح فيقرأه وهو ماقت لنفسه، زار عليها، ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه عند حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرّب إليّ"4.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص272.
2 م. ن، ج3، ص450.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص160.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص60.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

86

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 التمارين


ضع إشارة  أو × في المكان المناسب:
1- السر في جعل الصلاة خير الأعمال كونها كغيرها من العبادات التي أمرنا الله تعالى بها. 
2- الصلاة هي إذعان بالعبودية لربّ العالمين حيث يُلقي المصلّي جانباّ الأنانية وعبادة النفس ويُسلّم كيانه بأجمعه لله تعالى. 
3- الصلاة أكمل وسيلة للسير والسلوك إلى الله تعالى، والسبب في ذلك أنها تجلٍّ لحالة العبودية من جهة العبد، وتجلٍّ للربوبية من جهة الله سبحانه وتعالى. 
4- الصلاة تُحقّق العبودية للإنسان بشكل جزئي ويتجلّى فيها أحياناً الإقرار لله بالوحدانية. 
5- أداء الصلاة بكل آدابها وشرائطها ترتفع إلى السماء سوداء مظلمة وتلف وتضرب بوجه صاحبها. 
6- من الأخطار الروحية على مستوى تربية النفس وتزكيتها أن يعي الإنسان أهميّة النوافل والمستحبّات فيُحرم من بركاتها العظيمة وآثارها 
7- صلاة الليل من أهم الواجبات التي لها أثر كبير في نيل مقام القرب الإلهيّ وتزكية النفس. 
8- تُعتبر النوافل قربان يتقرّب به المؤمن إلى الله تعالى حيث إنّها تجبر الفرائض وتمحو السيئات. 
9- من أسباب الحرمان من صلاة الليل الذنوب على اختلافها، والرذائل الأخلاقية. 
10- تُعتبر النوافل الطريق الأمثل والأكمل لأداء الصلاة ولولاها لم تُقبل للإنسان صلاة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

87

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 المفاهيم الرئيسة

1- ليس في العبادات ما يضاهي الصلاة، فهي مرهمٌ إلهيٌّ جامعٌ يتكفّل بسعادة البشر، فإن تمام الصلاة بكل ما تحويه من ذكر وركوع وسجود وتوجّه، هو إذعان بالعبودية لرب العالمين حيث يلقي المصلّي جانباّ الأنانية وعبادة النفس ويسلّم كيانه بأجمعه لله تعالى.

2- الصلاة أكمل وسيلة للسير والسلوك إلى الله تعالى، والسبب في ذلك أنها تجلٍّ لحالة العبودية من جهة العبد، وتجلٍّ للربوبية من جهة الله سبحانه وتعالى. يقول الإمام الرضا عليه السلام: "إنما أمروا بالصلاة لأن في الصلاة الإقرار بالربوبية".

3- تعطي الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة أهميةً وفضلاً عظيماً للصلاة، فهي أفضل وسيلة لذكر الله تعالى، لها صورة ملكوتية، هي أحب الأعمال إلى الله تعالى، هي أوثق سبب لقرب العبد من الله، هي سبب مغفرة الذنوب، للمصلي مقام عظيم.

4- من الأخطار الجسيمة على مستوى تربية النفس وتزكيتها أن لا يعي الإنسان أهميّة النوافل والمستحبّات فيُحرم من بركاتها العظيمة وآثارها التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي يسّرها الله للإنسان، وفتح له من خلالها أسباب قوّة الإيمان ومنعته.

5- فوائد النوافل وآثارها كثيرة، منها: هي قربان يتقرّب به المؤمن إلى الله تعالى، إنها تجبر الفرائض، انها سبب محبة الله للعبد، وانها تمحو السيئات.

6- صلاة الليل من أهم النوافل التي لها أثر كبير في نيل مقام القرب الإلهيّ وتزكية النفس، فقد أمر تعالى بها نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ووعده عليها بالمقام الرفيع وقد حثت الأحاديث الشريفة كثيراً عليها.

7- لصلاة الليل من الفضل والآثار المعنوية والمادية ما لا يمكن الإحاطة به, فهي من روح الله تعالى وتجلب رضاه وهي تمسّكٌ بأخلاق النبيين، وهي المانعة من نزول العذاب وهي النور والأنيس في القبر، كما أنها تنفي السيئات، وتدرّ الأرزاق، وغير ذلك...

8- لعظمة ثواب صلاة الليل لم يحدّد في القرآن الكريم.

9- من أسباب الحرمان من صلاة الليل الذنوب على اختلافها، والرذائل مثل العجب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

88

الدرس السادس: حقيقة الصلاة وأنواعها

 للمطالعة

 
خلق الله الإنسان لنفسه سبحانه
أيها العزيز! استيقظ وانتبه وافتح أذنيك، وحرّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أن الله خلقك لنفسه كما يقول في الحديث القدسي: "يا ابنَ آدَمَ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ لأَجْلِي"1 واتّخذ من قلبك منزلاً له، فأنت وقلبك من النواميس والحرمات الإلهية، والله تعالى غيور، فلا تهتك حرمته وناموسه إلى هذا الحدّ، ولا تدع الأيادي تمتدّ إلى حرمه وناموسه. احذر غيرة الله، وإلا فضحك في هذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحها مهما حاولت. أتهتك في ملكوتك وفي محضر الملائكة والأنبياء العظام ستر الناموس الإلهي؟ وتقدم الأخلاق الفاضلة التي تخلَّق بها الأولياء إلى الحق، إلى غير الحق؟ وتمنح قلبك لخصم الحق؟ وتشرك في باطن ملكوتك؟ كن على حذر من الحق تعالى فإنه مضافاً إلى هتكه سبحانه لناموس مملكتك في الآخرة ـ وفضحه لك أمام الأنبياء العظام والملائكة المقرّبين، سيفضحك في هذا العالم ويبتليك بفضيحة لا يمكن تلافيها... وبتمزيق عصمة لا يمكن ترقيعها.
 
إنّ الحق تعالى "ستارُ" ولكنه غيور أيضاً... إنه "أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" ولكنه "أَشَدُّ المَعَاقِبِيَن" أيضاً يستر ما لم يتجاوز الحد. فقد تؤدي هذه الفضيحة الكبرى ـ لا سمح الله ـ إلى تغليب الغيرة على الستر، كما سمعت في الحديث الشريف.
 
فارجع إلى نفسك قليلاً، وعد إلى الله، فالله رحيم، وهو يبحث عن ذريعة لإفاضة الرحمة عليك. إذا أنبت إليه، فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك الماضية، ولن يطلع عليها أحداً ويجعلك صاحب فضيلة، ويظهر فيك الأخلاق الكريمة، ويجعلك مرآة لصفاته تعالى ويجعل إرادتك فعّالة في ذلك العالم كما أن إرادته نافذة في جميع العوالم2.



1 مهذب الدين أحمد، المنهج القويم، ج 5، ص 516.
2 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحديث الثاني: الرياء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

89

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
يبيّن كيفية المحافظة على العبادة من تصرّف الشيطان.
يستنتج أنّ التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية من أهمّ آداب العبادة.
يشرح كيف يكون الخشوع شرطاً في العبادة وكيفيّة تحقّقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

90

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 سوف نشرع ابتداءً من هذا الدرس في شرح وبيان الآداب المعنوية للعبادات، ونستهلّها مع الآداب المعنوية العامة للصلاة في هذا الدرس والذي يليه، وفقاً لما أورده إمامنا الخميني قدس سره في كتابه "الآداب المعنوية للصلاة"1.

 
مقدمة
في سورة المؤمنون المباركة قُرن الفلاح بعدّة أمورٍ أهمّها الصلاة، التي تبدأ السورة بذكرها أولاً، ثم وبعد ذكر تسع صفاتٍ أساسية للمؤمنين تعود إليها مجدداً ولكن هذه المرة بلحنٍ آخر أشدّ تأكيداً على أهمية هذه الفريضة لما تمتلكه من خصوصيات لا نجدها في غيرها من الفرائض والأحكام. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾2 إلى قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾3. يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: "قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع"4. فالمحافظة على الصلاة تبدأ من رعاية شروطها وآدابها الظاهرة منها والباطنة.
 
والملفت في هذه السورة المباركة أنها ذكرت أن الصفة الأولى للمؤمن الحقيقي هي الخشوع في الصلاة، وآخرها المحافظة عليها، فالبدء كان بالصلاة وبها كان الانتهاء، لأنّ الصلاة أهمّ رابطة بين الخالق والمخلوق، وخير وقايةٍ من الذنوب.



1 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، المقالة الأولى.
2 سورة المؤمنون، الآيتان 1-2.
3 سورة المؤمنون، الآية 9.
4 السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج‏20، ص17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

91

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 "والخلاصة، إنّ الصلاة إن أقيمت على وفق آدابها اللازمة، أصبحت أرضية أمينة لأعمال الخير جميعاً. وجديرٌ بالذكر أنّ الآيتين الأولى والأخيرة تضمّنت كلّ واحدة منها موضوعاً يختلف عن الآخر، فالآية الأولى تضمّنت الصلاة بصورةٍ مفردة، والأخيرة بصورة جماعية. الأولى تضمّنت الخشوع والتوجّه الباطني إلى الله. هذا الخشوع الذي يعتبر جوهر الصلاة، لأنّ له تأثيراً في جميع أعضاء جسم الإنسان، والآية الأخيرة أشارت إلى آداب وشروط صحّة الصلاة من حيث الزمان والمكان والعدد، فأوضحت للمؤمنين الحقيقيين ضرورة مراعاة هذه الآداب والشروط في صلاتهم"1.

 
فكما سبق فإن للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها حتى تثمر هذه العبادة تحقّق عبودية المصلّي للربّ المتعال. ونبدأ بالأدب الأول من الآداب المعنوية العامة:
 
المحافظة على الصلاة من تصرّف الشيطان
من الآداب المعنوية المهمّة والتي لها دورٌ مهمٌّ في العبادات بشكلٍ عامٍّ والصلاة بشكلٍ خاصٍّ، الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية.
 
إن للإنسان جسداً وروحاً وقلباً، ولكلٍّ منها غذاؤه المناسب لينمو ويتكامل بشكلٍ صحيحٍ, فللجسد غذاءٌ مادّيٌّ لا يمكن أن ينمو من دونه، ولهذا الغذاء مواصفاتٌ وشروطٌ من الجودة والسلامة لا بدّ منها، كما لا بدّ من خلوّه من كل ما ينافي صحّة الجسد وإلا غدا ضعيفاً معتلّاً لا بدّ من علاجه.
 
وكذلك للروح والقلب غذاؤهما المناسب لكي يكونا في عافيةٍ وصحّةٍ وسلامةٍ. وغذاء الروح والقلب هو العلوم والمعارف الإلهية والفضائل الأخلاقية والعبادات الشرعية، فبها يتكامل الإنسان ويترقّى في مدارج الرقيّ ومن دونها لا ينال أيّ كمالٍ ممكنٍ.



1 الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏10، ص423.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

92

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 ولهذه الأغذية الروحية من معارف وفضائل وعبادات، شروطٌ ومعايير صحّةٍ لكي تغدو مفيدةً للإنسان, وهي أن تُعدّ بيد أولياء الله وتكون تحت رعايتهم ووفق توجيهاتهم وأن تخلو ممّا يشوبها. فإن فُقدت هذه الشروط وخالط الأغذية ما يشوبها فقدت صلاحيتها وانقلبت فائدتها ضرراً وأصبحت نتيجتها سمّاً على الروح والقلب.


وما ينافي سلامة الأغذية الروحية والقلبية ويشوبها هو التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية. فكم من طلّاب علمٍ لم يستفيدوا من غذاء العلم الإلهي بل ازدادوا في المفاسد الأخلاقية؟!

وكم من أهل العبادة ومن الأفراد الذين سعوا في تصفية أنفسهم وتزيينها بفضائل الأخلاق فانتهت بهم جهودهم إلى العجب والتكبّر وسوء الظنّ بعباد الله.. إلى غير ذلك من الظلمات النفسية؟!

ولم يكن ذلك سوى بسبب أن تعلّمهم وعباداتهم وسعيهم لتزكية أنفسهم كان مشوباً بأهواء النفس وتصرّفات الشيطان اللعين ولم يتناولوا الأغذية الروحية والقلبية المناسبة الخالصة من كل رجسٍ ودنسٍ، والمعجونة بيد أولياء الله عزّ وجلّ.

وهنا يتّضح لنا أهمية سلامة العبادة من تصرّفات الشيطان وأهواء النفس الأمّارة باعتبار أن العبادة وأداء المناسك والعبادات الإلهية هي أحد الأغذية المعنوية المهمّة للروح والقلب.

كيف يسلم الغذاء الروحي من التصرّفات الشيطانية وأهواء النفس الأمّارة؟
من الأمور المهمّة في المساعدة على سلامة الغذاء الروحي والقلبي وصفائه من التصرّفات الشيطانية ما يلي:
1- ينبغي أن يكون الغذاء الروحي مأخوذاً من النبع الصافي للإسلام وهذا النبع هو: الرسول محمد وآل بيته (صلوات الله عليه وعليهم).

2- أن يكون الإنسان في سلوكه طالبا لله، ويضع حب النفس وعبادتها الذي هو منشأ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

93

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 المفاسد كلّها وأمّ الأمراض الباطنية تحت قدميه. وبغير ذلك لا يحصل الخلاص من تصرّف الشيطان الذي هو مقدّمةٌ للإخلاص بحقيقته.


3- على الإنسان المؤمن أن لا ييأس من القضاء على تصرّفات الشيطان، فاليأس من روح الله رأس كل برودةٍ وفتورٍ ومن الكبائر.

4- على الإنسان أن يواظب بكمال المواظبة والدقّة على حاله كطبيبٍ رفيقٍ ورقيبٍ شفيق، وأن يفتّش بالدقّة عن عيوب مسيره وسلوكه إلى الله تعالى، وأن لا يخلّي نفسه على رسلها آناً ما، فربما يسقط في الهاوية في لحظة غفلة.

5- على السالك إلى الله اللجوء إلى الربّ الرحيم في خلواته والتضرّع والاستكانة إليه، فإنه بحاجة إليه وإلى توفيقه في سلوكه المعنوي بل في جميع شؤونه.

التوجّه إلى عز الربوبية وذلّ العبودية
أحد أهم آداب العبادات ومنها عبادة الصلاة، بل هو أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية بأسرها فلا يستقيم سيرٌ أو سلوكٌ من دونه، هو أدب التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية. فما هو هذا الأدب وما سبب أهمّيته؟ يمكن اختصار حقيقة هذا الأدب بعبارةٍ بسيطةٍ, وهي أن يدرك الإنسان عظمة الله وكبريائه وجبروته، وفي مقابل ذلك يدرك ذلّته وفقره وحاجته ومسكنته أمام عزّة الله وغناه.

أهمية التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية
لهذا التوجّه والإدراك أهمّيته القصوى في حركة الإنسان المعنوية بحيث يمكننا القول بأن إنسانية الإنسان تقاس بمقدار قوّة هذا الإدراك. فإن كانت حركة الإنسان المعنوية تسير باتجاه تحقّق إنسانية الإنسان مقتدياً بالإنسان الكامل، فإن هذه الحركة تكون صحيحةً وموصلةً إلى الهدف المنشود وهو الكمال الإنساني. وهذه الحركة إنما تتحقق بقدر امتلاك الإنسان لهذا الإدراك ووعيه له وتجلّيه فيه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

94

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 والعكس صحيحٌ أيضاً , فكلّما كان الإنسان مستغرقاً في حبّ ذاته وعشقها، وأنانيّاً لا يرى أكثر من أفق نفسه، و بعيداً عن معرفة عظمة الله وعزّته، كان بعيداً عن كمال الإنسانية. وفي الواقع فإن حب النفس ورؤيتها هو أكبر وأضخم الحجب وأظلمها، تلك الحجب التي تحول ما بين الإنسان وما بين كماله الحقيقي ومقام القرب الإلهي. وما لم يخرج الإنسان من حجاب حب النفس ورؤيتها فإنه لا سبيل له للسير والسلوك الحقيقيين. فالانتصار على هذا الحجاب وخرقه هو أول الطريق وأول شرط للسلوك الحقّ إلى الله تعالى.

 
فجهاد النفس ورياضتها لا تنجح ولا تؤتي أكلها إذا لم يعرف الإنسان نفسه ويقدّرها التقدير الواقعي، ويدرك مدى ذلّها أمام ربّ العالمين الغني العزيز الذي يتّصف بجميع الصفات الكمالية.
 
وإن أي سيرٍ وسلوكٍ للإنسان سابقين على خرق حجاب الأنا والأنانية محكومان بالبطلان, فهما لا يكونان في سبيل الله تعالى وباتجاه قربه، بل يكونان رحلة من النفس إلى النفس كمن يحوم حوم نفسه، كما في الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام: "الظالم يحوم حوم نفسه والمقتصد يحوم حوم قلبه والسابق بالخيرات يحوم حوم ربه"1.
 
أمّا إن خرق هذا الحجاب وأدرك حقيقة نفسه الذليلة ووسم ناصيته بسمة العبودية التي هي حقيقته المطلقة وأدرك عظمة المعبود فإنه يخطو ويسير على الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى.
 
وكلّما كانت النفس مرتفعةً متكبّرةً، وكلما أدام الإنسان النظر إليها، كلّما كان الشعور بعزّة الله وغناه وعظمته ناقصاً بل وقد يختفي هذا الشعور تماماً في بعض الحالات كما كانت حالة فرعون الذي أخذته العزّة بالإثم فقال "أنا ربكم الأعلى" والعياذ بالله.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج23، ص214.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

95

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 ونجد هذا المعنى في حديث الإمام الصادق عليه السلام: "العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية"1.

 
فمن سعى بخطوة العبودية وأدرك ذلّة النفس وفقرها وصل إلى عزّ الربوبية. وهنا يأتيه تأييد الله عزّ وجلّ. فعندما يترك العبد التصرّفات النفسية ويسلّم حكومة وجوده كلّها إلى الحق، ويخلّي بين البيت وصاحبه (قلب المؤمن عرش الرحمن)، فحينئذٍ يكون المتصرّف في الدّار صاحبها فتصير تصرّفات العبد إلهيّة، ويكون بصره بصراً إلهياً وينظر نظرةّ إلهية، ويكون سمعه إلهيّاً فيسمع بسمع الحق تعالى.
 
وهذا ما يشير إليه الحديث المشهور: "… وإنه (العبد) ليتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته"2.
 
إذاً، كلّما قوي في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية زادت الروحانية في العبادة كالصلاة وغيرها، وأدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة، فعلى الإنسان الذي يريد الوصول إلى الله تعالى ومعرفته أن يهاجر من بيت النفس إلى الله ورسوله ويسلّم كيانه إلى الله تعالى، وبذلك يكون قد خطا الخطوة الأولى في روحانيّة العبادة.
 
الخشوع
يقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾3. من الآداب العامّة اللازمة في الصلاة وغيرها من العبادات الخشوع، وهو يعني, الخضوع التام للحق تعالى الممزوج بالحب له أو الخوف منه جلّ وعلا. وهو يحصل من إدراك عظمة الجلال والجمال وسطوتهما وهيبتهما.



1 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، الباب الأول، في العبودية، ص 5.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
3 سورة المؤمنون، الآيتان 1-2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

96

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 أما لماذا يكون الخضوع ممزوجاً تارةً بالحب وأخرى بالخوف؟ السبب في ذلك أن القلوب السالكة إلى الله تعالى بحسب الفطرة مختلفة, فمنها عشقيٌّ ومن مظاهر الجمال وتكون مفطورةً على التوجّه إلى جمال المحبوب، وهي تدرك على الدوام الجمال في الأشياء وتدرك أصله في جمال الجميل المطلق، فأصحاب هذه القلوب تغشاهم هيبة الجمال وعظمته ويأخذهم الخشوع حيال جمال المحبوب.

 
وبعض القلوب خوفيّ، ومن مظاهر الجلال، وهي تدرك على الدوام العظمة والكبرياء والجلال، وخشوعها يكون من الخوف، ومن تجلّي الأسماء القهرية والجلالية عليها, كما كان حال النبي يحيى على نبيّنا وآله عليهم السلام.
 
فالخشوع يكون ممزوجا تارةً بالحب وأخرى بالخوف والوحشة، مع الالتفات إلى أنه في كل حبٍّ وحشة، وفي كل خوفٍ حبّ.
 
كيفية تحصيل الخشوع
من أجل تحصيل الخشوع في العبادات ولا سيّما في الصلاة لا بدّ للعابد من سلوك طريق العلم والإيمان, فإن كان الخشوع ناتجاً عن إدراك عظمة العظيم المطلق وهيمنة هذه العظمة على قلب الإنسان سواء كان قلبه عشقيّاً أم خوفيّاً، فإن إدراك هذه العظمة لمن هم أمثالنا يتأتّى عن طريق العلم بها وإيصال هذا العلم إلى القلب لتحقيق الإيمان بها.
 
ومن المعلوم أن الإيمان هو غير العلم، فهناك فرقٌ بينهما. والدليل على ذلك أن الشيطان كما يشهد له الله تعالى عالمٌ بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر، لأنه يقول: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾1 فهو إذاً يعترف بالحق تعالى وخالقيته، ويقول أيضاً: ﴿قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾2 فيعتقد بالمعاد، وهو كذلك عالمٌ بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كله خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر.



1 سورة الأعراف، الآية 12.
2 سورة الأعراف، الآية 14.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

97

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 فإذاً، يمتاز أهل العلم من أهل الإيمان فليسوا سواء, إذ أن العلم بمفرده لا يوجد خشوعاً في القلب، وكلّ فردٍ يدرك ذلك، فمع كوننا معتقدين بالمبدأ والمعاد، ومع اعتقادنا بعظمة الله وجلاله وجماله فإننا لا نتذوّق طعم الخشوع في قلوبنا. وما ذلك إلا لأن ما اعتقد به العقل لم يصل إلى القلب ولم ينطوِ على الإيمان به.

 
ومع أننا نصلّي كلّ يومٍ خمس مرات ومنذ سنين عديدةٍ من عمرنا، إلّا أننا لم نستشعر الخشوع في صلاتنا رغم أن الله تعالى يقول في كتابه المجيد مادحاً المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فجعل الخشوع في الصلاة من حدود الإيمان وعلائمه. فمن لم يكن خاشعاً في الصلاة فهو خارج زمرة أهل الإيمان طبقاً لما قاله ذات الحق المقدس تعالى شأنه.
 
وعن إمامنا الصادق عليه السلام أنه قال "إِذَا كُنْتَ دَخَلْتَ فِي صَلَاتِكَ فَعَلَيْكَ بِالتَّخَشُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾"1.
 
وبما أن صلواتنا ليست مشفوعةً بالخشوع، فإن ذلك ناجمٌ إمّا من نقصٍ في إيماننا أو فقدانه. فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهية الظاهر منا، مغايرٌ لواقع إيماننا.
 
من هنا نستنتج أنه لتحصيل الخشوع في الصلاة ينبغي لنا أن نعمل على تحقيق الإيمان في ما نعتقد به عقلاً، ويمكننا أن نختصر خطوات تحقيق الخشوع على النحو التالي:
خطوات تحصيل الخشوع
1- على العابد أن يحصّل الخشوع بنور العلم أي أن يتعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، والتي توجب الاعتقاد بكونه صاحب العظمة المطلقة التي لا تقارن بعظمة أيّ عظيمٍ في هذا العالم مهما علا شأنه،



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص300.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

98

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 وتستوجب بالتالي الاعتقاد بأنه الوحيد الذي يستحقّ الخضوع والذي لا يمكننا الحضور في محضره إلا ونحن مغمورون بحالة الخشوع بشكلٍ حتميٍّ وتلقائيٍّ, حيث إن هذه هي الحالة النفسية الطبيعية التي ترافقنا حين الحضور لدى شخصٍ نعتقد بعظمته.


2- على العابد أن يذكّر القلب على الدوام بالعقائد الحقّة وبعظمة الله ويعمل بمقتضى هذه الاعتقادات حتى يؤمن القلب بهذه الحقائق ويدخل الخشوع شيئاً فشيئاً إلى قلبه.

3- على السالك أن يدرك أنه لن يتمكّن بدايةً من تحصيل حالة الخشوع في جميع صلاته من أوّلها إلى آخرها ولذلك عليه أن لا ييأس بل أن يفهم أن الأمر ممكنٌ جدّاً مع الممارسة والمجاهدة القلبية.

4- كما عليه أن يعلم أن تحصيل الخشوع لا يكون بالفتور بل يحتاج إلى جدٍّ، وكلّما كان المطلوب أعظم - وهو القرب من الله - فهو أحرى بالجد. لذلك عليه بالمثابرة فهو وإن شعر بالضيق في بداية طريق سعيه إلى الصلاة وامتلاك حالة الخشوع، إلا أنه وبعد مدّة يحصل له الأنس بها واللذّة التي لا تقاس بها لذّات هذه الدّنيا.

5- على السالك أن لا يقنع بما وصل إليه بل عليه أن يطلب المزيد دائماً ويعتبر نفسه ناقصاً فلا يُبتلى بالعجب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

99

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 التمارين


ضع إشارة  ü أو × في المكان المناسب:
إنّ للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها لكي تحقّق عبودية المصلّي لله تعالى. 
الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية لا دور مهماً له في العبادات. 
غذاء الروح والقلب هو العلوم والمعارف الإلهية والفضائل الأخلاقية والعبادات الشرعية. 
بقاء العلوم والمعارف الإلهية تحت يد أولياء الله وبُعدها عن التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية يفقدها صلاحيتها الروحية والمؤثّرة في سلوك العابد. 
لتسلم الأغذية الروحية من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية يجب أن تأخذ من النبع الصافي للإسلام وهو القرآن الكريم. 
أدب التوجّه الدائم إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية في العبادات أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية. 
كلّما ضعف في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية أدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة. 
الخشوع يعني الخضوع التام للحقّ تعالى الممزوج بالحبّ له أو الخوف منه جلّ وعلا. 
الخشوع حالة روحيّة يحصل عليها السالك مباشرة من دون الحاجة إلى الممارسة والمجاهدة القلبية. 
التعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وتذكير القلب على الدوام بها والعمل بمقتضاها خطوة أولى في طريق تحصيل الخشوع. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

100

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 المفاهيم الرئيسة

1- إن للصلاة شروطاً ظاهريةً وآداباً معنويةً قلبيةً لا بدّ من مراعاتها حتى تثمر هذه العبادة تحقّق عبودية المصلّي للربّ المتعال.

2- من الآداب المعنوية المهمّة والتي لها دورٌ مهمٌّ في العبادات بشكلٍ عامٍّ والصلاة بشكلٍ خاصٍّ، الحفاظ على العبادة من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية.

3- هناك عدّة أمور مساعدة لتسلم الأغذية الروحية من التصرّفات الشيطانية والأهواء النفسية: أن تكون مأخوذةً من النبع الصافي للإسلام، أن يكون الإنسان في سلوكه طالباً لله، أن لا ييأس من القضاء على تصرّفات الشيطان، أن لا يخلّي نفسه على رسلها آناً ما، أن يلجأ إلى الربّ الرحيم في خلواته لنيل توفيقه في سلوكه المعنوي.

4- التوجّه إلى عز الربوبية وذلّ العبودية أحد أهم آداب العبادات ومنها عبادة الصلاة، بل هو أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية بأسرها فلا يستقيم سيرٌ أو سلوكٌ من دونه.

5- كلّما قوي في النفس الشعور بذلّ العبودية وعزّ الربوبية زادت الروحانية في العبادة كالصلاة وغيرها، وأدرك الإنسان حقيقة العبودية وسرّ العبادة.

6- من الآداب العامّة اللازمة في الصلاة وغيرها من العبادات الخشوع، وهو يعني, الخضوع التام للحق تعالى الممزوج بالحب له أو الخوف منه جلّ وعلا.

7- لتحصيل الخشوع في الصلاة ينبغي لنا أن نعمل على تحقيق الإيمان في ما نعتقد به عقلاً من المعارف الإلهية.

8- هناك خطوات عدّة لتحصيل الخشوع: التعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وتذكير القلب على الدوام بها والعمل بمقتضاها، عدم اليأس من تحصيل حالة الخشوع الممكن جدّاً مع الممارسة والمجاهدة القلبية والجد والمثابرة، وعلى السالك أن لا يقنع بما وصل إليه بل عليه أن يطلب المزيد دائماً ويعتبر نفسه ناقصاً فلا يُبتلى بالعجب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

101

الدرس السابع: الآداب المعنوية العامة للصلاة (1)

 للمطالعة

 
في بيان أنّ العلم يغاير الإيمان
اعلم أنّ الإيمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية الثبوتية والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر من يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن. الشيطان عالم بجميع هذه المراتب بقدر علمنا وعلمكم، ولكنه كافر. بل إن الإيمان عمل قلبي، وما لم يكن ذلك فليس هناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيءٍ عن طريق الدليل العقلي أو ضروريات الأديان، أن يسلّم لذلك قلبه أيضاً، وأن يؤدّي العمل القلبي الذي هو نحوٌ من التسليم والخضوع، ونوع من التقبل والاستسلام ـ عليه أن يؤدي ذلك ـ لكي يصبح مؤمناً.
 
وكمال الإيمان هو الاطمئنان. فإذا قوي نور الإيمان تبعه حصول الاطمئنان في القلب، وجميع هذه الأمور هي غير العلم. فمن الممكن أن يدرك العقل بالدليل شيئاً لكنّ القلب لم يسلم بعد، فيكون العلم بلا فائدة. مثلاً أنتم أدركتم بعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضرّ أحداً، وأن جميع الأموات في العالم ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة، وأن جميع القوى الجسمانية والنفسانية قد فارقته ولكن حيث إن القلب لم يتقبّل هذا الأمر ولم يسلم أمره للعقل، فإنكم لا تقدرون على مبيت ليلةٍ مظلمةٍ واحدةٍ مع ميت!!
 
وأما إذا سلّم القلب أمره للعقل، وتقبّل هذا الحكم منه، فلن يكون في هذا العمل ـ أي المبيت مع الميت ـ أي إِشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد عدّة مرات من الإقدام، يصبح القلب مسلّماً، فلن يبقى عنده بعدها بأس أو خوف من الميت.
 
إذاً, أصبح معلوماً أن التسليم - وهو من حظ القلب - غير العلم الذي هو من حظ العقل1.



1 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحديث الثاني: الرياء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

102

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن كيف تكون الطمأنينة شرطاً من شروط الصلاة المعنوية.
2- يستدلّ على أنّ النشاط والبهجة من الشروط الأساسية للصلاة المعنوية.
3- يوضح أنّ التفهيم من شروط الصلاة المعنوية وكيفية تحقّقه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

103

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 نتابع بيان الآداب المعنوية العامّة للصلاة وفقاً لما أورده إمامنا الخميني قدس سره في كتابه "الآداب المعنوية للصلاة"1، ونصل الى الأدب الرابع منها وهو أدب الطمأنينة:

 
أدب الطمأنينة
من الآداب المعنوية الهامّة للعبادات - ولا سيّما التي يطغى فيها طابع الذِّكر كالصلاة - أدب الطمأنينة. وأداء الصلاة أو أي عبادة أخرى بحال الطمأنينة يعني أن يؤدّيها العابد وهو في حالٍ من سكينة القلب واطمئنان البال.
 
وهذا يعني أن يكون قلب الإنسان هادئاً مطمئناً غير مضطربٍ لأي سببٍ من الأسباب، وساكناً غير متزلزلٍ بأي عاملٍ من العوامل. أمّا لماذا يعتبر هذا الأدب في غاية الأهمية وما هي فائدته بالنسبة للعبادة؟
 
لنجيب عن هذا السؤال علينا أن ندرك أولاً أن القلب هو مركز التأثّر في الإنسان وهو المستهدف من العبادة, فهو المقصود منها وهو الذي تروم العبادة تغييره وتشكيله على صورة العبودية وجعله منفعلاً بها ومتّحداً بحقيقتها. فإذا ما تمّ للقلب هذا الأمر وأصبح عابداً حقيقياً وتمكّنت العبادة منه غدا جميع وجود الإنسان عابداً لله تعالى.
 
فإن القلب هو أمير البدن وهو مركز الباطن أيضاَ وصورة الباطن تتشكّل بحسب حقيقة القلب وصورته، والجوارح الخارجية للإنسان إنّما تتحرّك بإمرة القلب وبحسبه.
 
عن أمير المؤمنين عليعليه السلام قال: "...إنّ الله تعالى ما فرض الإيمان على جارحة من جوارح الإنسان إلا وقد وُكِلَتْ بغير ما وُكِلَتْ به الأخرى فمنها قلبه الذي يعقل 



1 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، المقالة الأولى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

104

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 به ويفقه ويفهم ويحلّ ويعقد ويريد وهو أمير البدن وإمام الجسد الّذي لا تُورَدُ الجوارح ولا تصدر إلّا عن رأيه وأمره ونهيه..."1.

 
وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن لنا أن نفهم إحدى علل تكرار العبادات كالصلاة اليومية مثلاً، حيث إن تكرارها وترديد أذكارها وإعادة أورادها يهدف إلى زيادة أثرها في قلب الإنسان وتعميقه فينفعل بها ويتّحد بروح العبادة ويسري هذا الأثر إلى كلّ باطنه ثم إلى أعضائه الخارجية، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الصادق عليه السلام: "فاجعل قلبك قبلةً للسانك لا تحرّكه إلا بإشارة القلب وموافقة العقل ورضا الإيمان"2.
 
فإذا كان هذا هو الواقع فيمكن لنا أن نستنتج أهمّية كون القلب في حالٍ من الطمأنينة عند العبادة، لأن القلب المتزلزل المضطرب لا يمكن له أن ينفعل بالعبادة مهما بلغت وعظمت. 
 
ويمكننا لتوضيح الصورة أن نشبّه القلب المتزلزل بالأرض المهتزّة والمتزلزلة التي نريد أن نشيد فيها بنياناً، فهل يمكننا ذلك في هذه الحال من الاضطراب والاهتزاز؟ أم أن جميع جهود البناء وكلّ الموارد والمواد التي سنستثمرها سوف تذهب سدىً وكأنها هباءٌ منثور؟ إن الحلّ الوحيد لهذه المشكلة يكمن في البحث عن أرضٍ ثابتةٍ صلبةٍ تثمر فيها جهودنا بنياناً مرصوصاً.
 
والأمر سيّان بالنسبة للقلب فلكي ينفعل ويتأثّر بالعبادة وتؤتي فيه العبادة أكلها لا بد من أن يكون ساكناً، هادئاً ومطمئناً فينتقل هذا الأثر بالتدريج وعلى أثر تكرار العبادة من القلب إلى الجوارح ويظهر عليها.



1 العلّامة المجلسي، بجار الأنوار، ج66، ص74. وعن محمّد بن سنان عن بعض أصحاب عن الإمام الصادق عليه السلام:"قال سمعته يقول لرجل اعلم يا فلان إنّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من النّاس الواجب الطّاعة عليهم ألا ترى أنَ جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجِمة له مُؤَدّية عنه، الأذنان والعينان والأنف واليدان والرّجلان والفرج، فإنّ القلب إذا همَ بالنَظر فتح الرَجل عينيه، وإذا همَ بالاستماع حرَك أذنيه وفتح‏ مسامعه فسمع، وإذا همَ القلب بالشّم استنشق بأنفه فأدَّى تلك الرّائحة إلى القلب، وإذا همَ بالنّطق تكلّم باللّسان، وإذا همَ بالحركة سعت الرجلان، وإذا همَ بالشّهوة تحرَك الذّكر، فهذه كلُها مؤدّية عن القلب بالتّحريك وكذا ينبغي للإمام أن يطاع للأمر منه "العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج58، ص250.
2 3- الميرزا النوري، مستدرك‏ الوسائل،ج5،ص397.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

105

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 ومثالٌ على ذلك ترديد الذكر الشريف: "لا إله إلا الله" فإذا قاله إنسانٌ مع سكينةٍ في قلبه وباطمئنانٍ من لبّه وراح يعلّم القلب هذا الذكر الشريف، حينئذ يتعلّمه القلب ويتكلّم به شيئاً فشيئاً ويلهج به، ثم يعقب ذلك أن يتبع اللسان الظاهر القلب في ذكره وينقاد خلفه في ترديده.


أما إذا ردّد الإنسان نفس هذا الذكر الشريف بلا سكونٍ في القلب ولا طمأنينةٍ منه ومع عجلةٍ واضطرابٍ وتشتّتٍ، فلن يحصل منه أيّ تأثيرٍ فيه ولن يتجاوز الذّكر حدّ اللّسان والسمع الظاهريين إلى اللسان والسمع الباطنيين الإنسانيين، ولا تتحقّق حقيقته في باطن القلب، ولا يصير صورةً كماليةً له غير ممكنة الزوال. ومن هنا يتّضح لنا أهمية أدب الطمأنينة في تحقيق العبادات لأهدافها ولا سيّما الصلاة.

النشاط والبهجة في العبادة
ومن الآداب القلبية للصلاة وسائر العبادات كما له نتائج حسنةٌ في التكامل الروحي، أن يجتهد الإنسان السالك إلى الله بقدم العبودية في أن تكون عبادته مصحوبةً بنشاطٍ وبهجةٍ في قلبه وفرحٍ وانبساطٍ في خاطره، وأن يحترز احترازاً شديداً من الإتيان بالعبادة مع الكسل وإدبار النفس. لأنه إذا أجبر النفس على العبادة حين الكسل والتعب، فسيحصد آثاراً سيئةً هي عكس المرجوّ من العبادة.

وقد ذكرنا أن الهدف من العبادة هي انفعال قلب الانسان بها وبتبعه باطنه وصيرورة العبودية صورةً باطنية للقلب. فإذا ما أكره إنسانٌ ما نفسه على العبادة فلن يحصل المطلوب. ليس هذا فحسب بل وسيتولّد في نفسه نفورٌ من العبادة وقد ينتج منه في بعض الحالات انصرافٌ تامٌّ عن ذكر الحق وعبادته والعياذ بالله.

والآن نضيف بأن واحدةً من أسرار العبادات ونتائجها المرجوّة هي امتثال القوى الظاهرية والباطنية للإنسان لأحكام القلب وأوامره، وذلك بأن تطيعه وتترك التمرّد والعصيان والأنانية وتذوب إرادتها في إرادته وتتم هزيمة النفس الأمّارة بالسوء فتقوى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

106

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 بالنتيجة إرادة الإنسان. ولكي يحصل هذا الأمر لا بد من أداء العبادة مع بهجةٍ وإقبالٍ ورغبةٍ في نفس العابد، كي تحصل له حالة المحبة والعشق لذكر الحق ولمقام العبودية، ويحصل له الأنس.

 
وكما أن الأطباء يعتقدون بأن الطعام إذا أكل في حال السرور والبهجة يكون أسرع في الهضم، كذلك فإن الطب الروحي يشترط بأن يتغذّى الإنسان بالأغذية الروحانية في حالٍ من البهجة والاشتياق، محترزاً عن الكسل والتكلّف حتى تظهر آثارها في القلب والباطن أسرع.
 
النشاط والبهجة في الكتاب والسنة
وفي القرآن الكريم إشاراتٌ إلى هذا الأدب، فقد قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾1. وقد فسّرت الآية: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾2 بأن المراد من سكارى كسالى.
 
وفي الروايات الشريفة إشارةٌ أيضاً إلى هذا الأدب، وهذه بعضها:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا عليّ إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة ربّك"3.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة"4.
 
وهنا حديثٌ مهمٌّ عن العسكري عليه السلام: "إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودّعوها"5.



1 سورة التوبة، الآية 54.
2 سورة النساء، الآية 43.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص87.
4 م. ن، ص86.
5 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص60.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

107

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 فهذا الحديث يشير إلى الإنسان السالك بأن يعامل نفسه برفقٍ ومداراةٍ فيراعي أحوالها من الفتور والنشاط، فلا يكرهها إذا فترت عن العبادة لينفّرها منها، وأن يقبل عليها إذا نشطت.

 
ونختصر المطلب فنقول على العابد أن لا يحمّل نفسه أكثر من طاقتها وما لا يتناسب مع حالها. بل عليه أن يكون كالطبيب الحاذق فيقيس نبضها ويتعامل معها وفقاً له.
 
وهذا الأمر يختصّ بالشباب وبحديثي العهد بالسلوك المعنوي أكثر من غيرهم من الذين تجاوزوا مرحلة الشباب أو قطعوا مراتب في السير والسلوك، فهؤلاء حريٌّ بهم أن لا يرخوا العنان لأنفسهم التي قد تكون اعتادت على الكسل والفتور بل عليهم أن يزيدوا من مجاهداتهم لأنفسهم شيئاً فشيئاً حتى ترتاض وتنصاع لأوامر القلب وتقوى إراداتهم الموافقة لإرادة الله تعالى.
 
وما ورد في الأحاديث الشريفة من الحثّ على العبادة والمواظبة عليها والجدّ والاجتهاد فيها إنّما هو موجّهٌ إلى هؤلاء.
 
بينما نجد نوعاً مختلفاً من الأحاديث الموجّهة إلى الشباب حول موضوع العبادة، منها ما ورد في حديثٍ لأبي عبد الله عليه السلام حيث قال: "اجتهدت في العبادة وأنا شابٌّ فقال لي أبي يا بنيّ دون ما أراك تصنع فإن الله عزّ وجلّ إذا أحب عبداً رضي منه اليسير"1.
 
وأحد الفروق بين الفئتين إنما يرجع إلى تميّز فترة الشباب باستعار نار الشهوة، فما لم يعامل الشباب أنفسهم بالرفق والمداراة ولم يعطوا أنفسهم حقوقها، فربّما يُطلق عنان الشهوات في أنفسهم بسبب التعرّض للضغط والكبت الزائدين.
 
ولهذا فإن من الأمور التي تساعد الشاب على العبادة بنشاطٍ وعلى السلوك إلى الله تعالى والقرب منه الزواج, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من تزوّج فقد أحرز نصف دينه"2.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص87.
2 م. ن، ج5، ص328.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

108

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 وليس صحيحاً كبت الإنسان والشاب بالخصوص، لشهوات النفس التي تقتضيها الطبيعة الإنسانية، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: "إن جماعةً من الصحابة كانوا حرّموا على أنفسهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل، فأخبرت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إلى أصحابه فقال: أترغبون عن النساء؟ إني آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنّتي فليس مني، وأنزل الله: ﴿لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾"1.

 
وإجمالاً فإن الميزان في مراعاة هذا الأدب يكمن في التفات الإنسان إلى أحوال نفسه فيسلك بها بما يناسب قوّتها وضعفها، فإذا كانت قويّةً في العبادات ومقبلةً عليها فعليه أن يجدّ ويجتهد في العبادة. مع ملاحظة الفارق بالنسبة إلى من تجاوز مرحلة الشباب فعليه أن يشمّر عن ساعد الهمّة ويروّض نفسه على العبادة وبالتدريج حتى يحصل له الأنس الذي لا يبدله أصحابه بأيّ شيءٍ من هذا العالم مهما عظمت قيمته.
 
التفهيم
من الآداب المعنوية في العبادات - وخصوصاً العبادات الذِّكرية - التفهيم، وهو يعني إفهام القلب الأذكار والأوراد وأسرار العبادات وحقائقها، حتى ينفتح لسان القلب بالنطق بها، وهو المطلوب الحقيقي كما أشرنا مراراً في السابق. وهذا الأدب مهمٌّ جداً وخاصّة بالنسبة إلى المبتدئين.
 
ولكن كيف يتمّ ذلك؟
على الإنسان أن يعامل قلبه في بادئ الأمر كما يعامل طفلاً يتولّى مسؤولية تعليمه النطق، فيعلّمه كلاًّ من الأذكار والأوراد والحقائق وأسرار العبادات بغاية الدقّة والعناية، ويفهمه الحقيقة التي أدركها في كلٍّ منها على قدر مرتبته.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص22.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

109

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 فمثلاً إذا لم يكن في مرتبة فهم معاني القرآن والأذكار وأسرار العبادات فعليه أن يفهم قلبه المعنى الإجمالي الذي باستطاعة أيٍّ كان إداركه، وهو أن القرآن كلام الله وأن الأذكار مذكٍّرات بالحق تعالى والعبادات إطاعة لأمر الربّ.

 
وأما إن كان في مرتبة فهم المعاني الظاهرية الصورية للقرآن والأذكار، فيفهم قلبه بكل عنايةٍ هذه المعاني الصورية من الوعد والوعيد والأمر والنهي وعلم المبدأ والمعاد بالمقدار الذي أدركه.
 
وإن كُشفت له حقيقةٌ من حقائق المعارف، أو كُشف له سرٌّ من أسرار العبادات، فيعلّم القلب ذاك المكشوف بجدًّ واجتهاد. أما النتيجة المرجوّة من أدب التفهيم والتي تعطيه أهمّيته الفائقة فهي أنه بعد مدّةٍ من المواظبة، ينطلق لسان القلب الذي شبّهناه بالطفل المتعلّم للنطق، فيصبح القلب بنفسه ذاكراً ومتذكّراً.
 
ففي أوّل الأمر كان القلب متعلّماً واللسان الظاهريّ هو أداة المعلّم أي الإنسان صاحب القلب، وكان القلب يتبع الّلسان الظاهري في الذّكر. ولكن عندما يتعلّم القلب الذّكر وينطق لسانه به يصبح الأمر معكوساً، فيكون القلب ذاكراً أوّلاً ويتبعه اللسان الظاهري في الذّكر والحركة.
 
وهنا نقف عند سرٍّ جديدٍ من أسرار تكرار الأذكار والأدعية ودوام الذّكر والعبادة، وهو انطلاق لسان القلب الذي تأثّر بالعبادة وفهم معانيها. وقد أُشير إلى هذا المعنى في الأحاديث الشريفة كما ورد عن الصادق عليه السلام أن عليّاً عليه السلام قال في بيان بعض آداب قراءة القرآن: "ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة"1. وأيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال لأبي أسامة: "يا أبا أسامة َ ارعوا قلوبكم بذكر الله عزَ وجلّ واحذروا النّكْت"2.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص207.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص167.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

110

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 وقد قلنا سابقاً أنه ونتيجةً لتكرار العبادات تصبح قوى النفس والقوى الظاهرية مؤتمرةً بأوامر القلب وتابعةً له، وهنا نقول أنه نتيجةً لرعاية أدب التفهيم وبعد مدّةٍ من المواظبة، يصبح اللسان الظاهري تابعاً للسان القلب وناطقاً بنطقه.

 
وفي الواقع إن هذه النتيجة هي علامةٌ لنجاح الإنسان في تفهيم وتعليم قلبه معاني الأذكار والعبادات. فعندما ينطق لسان القلب يرتفع تعب تعليم الذّكر ومشقّته والملل عن المعلّم ويحصل النشاط والفرح بتحقّق الغاية. وذلك كشأن الإنسان الذي يعلّم طفلاً النطق والكلام، فما دام الطفل لم ينطق، فإن المعلم يكون في تعبٍ وملالة, فإذا انطلق لسان الطفل وأدّى الكلمة التي علّمه إياها ارتفعت ملالة المعلم. فإذا انطلق لسان القلب بالذّكر والحقائق بيسرٍ وسهولةٍ، بلا مشقّة أو مللٍ، ردّدها لسانه الظاهري أيضاً بنشاطٍ وبهجةٍ وفرح. فيكون القلب قائداً واللسان تابعاً له.
 
وقد كان الأئمة عليهم السلام يراعون هذا الأدب كما في الحديث أن الصادق عليه السلام كان في صلاته فغشي عليه فلمّا أفاق سُئل عن سببه فقال عليه السلام: "ما زلت أردد هذه الآية حتى سمعتها من قائلها"1.
 
إذاً، مراعاة أدب التفهيم يقتضي بتلقين القلب للأذكار، وعدم الاقتصار على الذكر الظاهري فإن الذّكر اللساني رغم أهمّيته - كونه أداةً للتعليم - ولكن الذّكر القلبي هو الأهم، لأن القلب هو محور العبادات. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكّر، خيرٌ من قيام ليلةٍ والقلب ساه"2.



1 الشيخ بهاء الدين العاملي، مفتاح الفلاح، ص372.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص74.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

111

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 التمارين

ضع إشارة ü أو × في المكان المناسب:
1- معنى الطمأنينة في الصلاة أن يؤدّيها العابد وهو في حالٍ من سكينة القلب واطمئنان البال. 
2- من العوامل المؤثّرة في طمأنينة القلب كون القلب منصرفاً نحو الانشغالات الدنيوية. 
3- القلب العابد حقيقة لله هو أن يصير جميع وجود الإنسان عابداً متأثّراً بالله تعالى. 
4- القلب هو مركز التأثّر في الإنسان وهو المستهدف من العبادة التي تبغي تشكيله على صورة العبودية وجعله متّحداً بحقيقتها. 
5- إذا أدّيت العبادة مع إقبال قلب ورغبة في نفس العابد فإنّها تكون سبباً لتقوية إرادة الإنسان وعزيمته. 
6- أحد أسرار العبادات هي امتثال القوى الظاهرية والباطنية للإنسان لأحكام القلب وأوامره. 
7- الميزان في مراعاة أدب النشاط والبهجة يكمن في التفات الإنسان إلى أحوال نفسه فيسلك بها بما يناسب قوّتها وضعفها. 
8- أدب التفهيم يعني إفهام القلب الأذكار والأوراد وأسرار العبادات وحقائقها. 
9- مراعاة أدب التفهيم يقتضي تلقين القلب للأذكار، والاقتصار على الذكر الظاهري فقط. 
10- إن علامة نجاح تلقين القلب للأذكار أن ينطلق اللسان الظاهري بالذكر بكلّ يسرٍ وسهولة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

112

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 المفاهيم الرئيسة

1- من الآداب المعنوية الهامّة للعبادات أدب الطمأنينة. وأداء الصلاة بحال الطمأنينة يعني أن يؤدّيها العابد وهو في حالٍ من سكينة القلب واطمئنان البال.

2- القلب هو مركز التأثّر في الإنسان وهو المستهدف من العبادة وهو أمير البدن والجوارح الخارجية للإنسان إنّما تتحرّك بإمرته.

3- أحد أسرار العبادات هي امتثال القوى الظاهرية والباطنية للإنسان لأحكام القلب وأوامره، وذلك بأن تطيعه وتترك التمرّد والعصيان والأنانية وتذوب إرادتها في إرادته وتتم هزيمة النفس الأمّارة بالسوء فتقوى بالنتيجة إرادة الإنسان. ولكي يحصل هذا الأمر لا بد من أداء العبادة مع بهجةٍ وإقبالٍ ورغبةٍ في نفس العابد.

4- الميزان في مراعاة أدب النشاط والبهجة يكمن في التفات الإنسان إلى أحوال نفسه فيسلك بها بما يناسب قوّتها وضعفها، فإذا كانت قويّةً في العبادات ومقبلةً عليها فعليه أن يجدّ ويجتهد في العبادة. مع ملاحظة الفارق بالنسبة إلى من تجاوز مرحلة الشباب فعليه أن يشمّر عن ساعد الهمّة ويروّض نفسه على العبادة.

5- من الآداب المعنوية في العبادات أدب التفهيم، وهو يعني إفهام القلب الأذكار والأوراد وأسرار العبادات وحقائقها، حتى ينفتح لسان القلب بالنطق بها، وهذا الأدب مهمٌّ جداً وخاصّة بالنسبة إلى المبتدئين.

6- مراعاة أدب التفهيم يقتضي بتلقين القلب للأذكار، وعدم الاقتصار على الذكر الظاهري فإن الذّكر اللساني رغم أهمّيته - كونه أداةً للتعليم - ولكن الذّكر القلبي هو الأهم، لأن القلب هو محور العبادات. وعلامة نجاح هذا التلقين أن ينطلق اللسان الظاهري بالذكر بكل يسرٍ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

113

الدرس الثامن: الآداب المعنوية العامة للصلاة (2)

 للمطالعة

 
الذكر التام
إنَّ ذكر الحق والتذكّر لذاته المقدّس من صفات القلب، وإنّ القلب إذا تذكّر ترتبت عليه ـ القلب ـ جميع الفوائد المذكورة للذكر، ولكن الأفضل أن يعقب الذكر القلبي، الذكر اللساني. وإن أفضل وأكمل مراتب الذكر كافّة هو الذكر الساري في نشآت مراتب الإنسانية، والجاري على ظاهر الإنسان وباطنه، سرّه وعلنه.
 
فيكون الحق سبحانه مشهوداً في سرّ الوجود، وتكون الصورة الباطنية للقلب والروح، صورة تذكّر المحبوب. ويطغى على الأعمال القلبية والقالبية - الظاهرية - التذكّر لله سبحانه. وتنفتح الأقاليم السبع الظاهرية، والممالك الباطنية، على ذكر الحق، وتتسخّر لتذكّر الجميل المطلق. بل لو أنّ حقيقة الذكر تحوّلت إلى صورة باطنية للقلب، وانفتحت مملكة القلب على يديه(الذكر) لجرى حكمه في كل الممالك والأقاليم - القوى الجسمية الظاهرية والباطنية - ولكانت حركة وسكون العين واللسان واليد والرجل، وأفعال كل القوى والجوارح مع ذكر الحق. 
 
ولم تقم - القوى الظاهرية والباطنية في جسم الإنسان - بإنجاز ما يخالف الوظائف الشرعية المقررة. فتكون حركاتها وسكناتها مبدوّة ومختومة بذكر الحق، وتَنْفُذُ ﴿بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾1  في جميع أطراف المملكة ـ جسم الإنسان بما فيه القوى الظاهرية والباطنية2.



1 سورة هود، الآية 41.
2 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحَديث الثَامِن عشرَ: الذّسكر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

114

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يذكر أهمّية أدب حضور القلب ومحوريّته في العبادات والصلاة خاصّة.
2- يبيّن الموانع التي تحول دون حضور القلب في العبادة والصلاة.
3- يشرح كيفيّة إزالة الموانع لتحصيل حضور القلب في العبادة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

115

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 معنى حضور القلب

قال الامام الصادق عليه السلام: "اذا استقبلت القبلة، فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله تعالى وعاين بسرك عظمة الله عز وجل واذكر وقوفك بين يديه، قال تعالى: هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردّوا الى الله مولاهم الحق... وقف على قدم الخوف والرجاء."1 فحضور القلب إذاً هو إفراغه من أي شيءٍ يشغله عن الله تعالى وعظمته.
 
وقد ورد في جامع السعادات: "حضور القلب: وهو أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابسٌ له ومتكلّمٌ به، حتى يكون العلم مقروناً بما يفعله وما يقوله، من غير جريان الفكر في غيرهما. فمهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكرٌ لما هو فيه من غير غفلةٍ عنه، فقد حصل حضور القلب. ثم حضور القلب قد يُعبّر عنه بالإقبال على الصلاة والتوجّه، وقد يُعبّر عنه بالخشوع بالقلب.."2.
 
والمراد من حضور القلب في الصلاة هو أن يكون مشغولاً وملتفتاً إلى حال الصلاة ومتوجّهاً إلى الله في أفعاله وأقواله وغيرها ومفرّغاً فكره عما سوى الحق3.
 
أهمّية حضور القلب في الروايات
قد يكون هذا الأدب هو لبّ الآداب المعنوية للصلاة وقطب الرّحى فيها، وعنوانه دليلٌ على ذلك فلطالما أشرنا في السابق إلى أن القلب هو المحور في العبادات، وأنّه هو



1 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، الباب التاسع والثلاثون، في افتتاح الصلاة، ص87.
2 النراقي، جامع السعادات، ج3، ص259.
3 راجع السيد عبد الحسين دستغيب، صلاة الخاشعين، دار التعارف، ص 35.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

116

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 الذي تبتغي العبادة تغييره والتأثير فيه وتشكيله على صورة العبودية وتحويله إلى عابدٍ حقيقي. فأيّ أهمّيّةٍ لهذا الأدب؟ وما هو السرّ في ذلك؟

 
إن رعاية حضور القلب في العبادات ولا سيّما في الصلاة، هو أحد أهم الآداب القلبية قاطبةً، إذ ليس للعبادة من دونه روحٌ أو معنىً. وهو مفتاح قفل الكمالات وباب أبواب السعادات وقلّما اهتُمّ بشيءٍ من الآداب كهذا الأدب في الأحاديث الشريفة.
 
ومثالٌ على ذلك ما ورد عن رسول الله محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلّى ركعتين لم يحدّث فيهما نفسه بشيءٍ من الدنيا غفر الله له ذنوبه"1.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من الصلاة لما يُقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر وإن منها لما تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيُضرب بها وجه صاحبها وإنما لك في صلاتك ما أقبلت عليه بقلبك"2. وعنه أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة عبد لا يَحضُر قلبه مع بدنه"3.
 
وعن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام أنهما قالا: "إن ما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه فيها فإن أوهمها كلّها أو غفل عن آدابها لُفّت فضُرب بها وجه صاحبها"4.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا أحرمت في الصلاة فأقبل إليها، لأنك إن أقبلت أقبل الله إليك وإن أعرضت أعرض الله عنك، فربّما لا يرفع من الصلاة إلا ثلثها أو ربعها أو سدسها بقدر ما أقبل المصلّي إليها وإن الله لا يعطي الغافل شيئاً"5.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج81، ص249.
2 م. ن، ص260.
3 م. ن، ص 242.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص363.
5 م. ن، ص 266.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

117

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 نتائج وآثار حضور القلب

وللإضاءة أكثر على أهمية هذا الأدب نذكّر بما مرّ سابقاً من أن العبادات والمناسك والأذكار والأوراد إنما تنتج نتيجةً كاملةً إذا صارت صورةً باطنيةً للقلب، وتخمّر باطن الإنسان بها، وتصوّر قلب الإنسان بصورة العبودية وخرج عن الهوى والعصيان. وكذلك ما ذكرناه من أن أسرار العبادات وفوائدها أن تتقوّى إرادة النفس وتتغلّب النفس على القوى الطبيعية فتصبح مسخّرةً لها ولسلطنتها.
 
ونضيف الآن وبشكلٍ أكثر تفصيلاً أن من نتائج العبادات المهمّة أن تصبح إرادة النفس الملكوتية نافذةً في ملك البدن بحيث تكون القوى الظاهرية بالنسبة إلى النفس كملائكة الله بالنسبة إلى الحق تعالى ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾1.
 
ويعقب ذلك نتيجةٌ مهمّةٌ أخرى وهي أن تغدو مملكة البدن بجميعها، ظاهرها وباطنها، مسخّرةً تحت إرادة الله، وتكون القوى الملكوتية والملكية للنفس من جنود الله، وتكون كلها كملائكة الله. ويترتّب على هذه النتيجة أن تصبح النفس مرتاضةً بعبادة الله بالتدريج، وتنهزم جنود إبليس بشكل نهائي وتنقرض، ويكون القلب مع قواه مسلّمين للحق.
 
وجميع النتائج المذكورة لن تتمّ ما دام القلب غير حاضرٍ في محضر العبادة حضوراً كاملاً وقائماً فيه، وما دام يتقلّب غافلاً بعيداً عنه.
 
فإذا كان القلب في وقت العبادة غافلاً وساهياً لا تكون عبادته حقيقيةً بل تشبه اللهو واللعب، ولا يحصل لمثل هذه العبادة أثرٌ في النفس البتة، ولا تتجاوز العبادة من الصورة والظاهر إلى الباطن والملكوت. فتكون عبادتنا قشراً بلا لبٍّ وصورةً بلا باطن، فتزول مع زوال قشور هذه الدنيا الفانية ولا يتبقّى منها أي أثرٍ يصحب الإنسان لدى انتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء حيث لا يبقى إلا ما كان حقيقياً. 2



1 سورة التحريم، الآية 6.
2 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، المقالة الأولى، الفصل الثامن في بيان حضور القلب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

118

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 موانع حضور القلب

بعد أن بيّننا أهمّية حضور القلب لتحصيل فوائد العبادة ينبغي أن نوضح سبيل تحصيله، ولكن لا بدّ أولاً من التعرّف إلى الموانع والعوائق التي تحول دون تحقّق حضور القلب، فإنّ إزالتها يجعل طريق إحراز هذا الأدب الفائق الأهمية سالكةً ومعبّدةً.

وموانع حضور القلب في العبادات هي كلّ ما يستدعي غفلة القلب عن محضر العبادة ويذهله عن معاني حركات وأذكار وطقوس العبادات ويسرح به بعيداً عن الحضور في موعد لقاء المعبود عزّ وجلّ.

وتنشأ الموانع إمّا من أمورٍ خارجيةٍ عن طريق الحواسّ الظاهرية، وإمّا من أمورٍ باطنيةٍ عمدتها عقبتان رئيستان, هما الخيال وحبّ الدنيا.

ونعني بالموانع الناشئة من أمورٍ خارجيةٍ كلّ ما يرد إلى ذهن الإنسان عن طريق الحواسّ الظاهرية كأن يسمع أو يرى في حال العبادة شيئاً فيتعلّق ذهنه به، فينشغل به خياله ويتشتّت خاطره فيذهل بالكلّية عن عبادته, وإن كان قائماً في الصلاة مثلاّ، فلا يلتفت إلّا وقد ختمها مسلّماً دون أن يعي ممّا قاله فيها حرفاً واحداً!

وقد نظنّ للوهلة الأولى أن حلّ هذه المشكلة يكمن في أن يعزل المصلّي نفسه عن كل ما يمكن أن يتسرّب إليه عن طريق الحواس، فيصلّي في غرفةٍ خاليةٍ من أيّ شيءٍ وأحدٍ، ولكن الواقع أن هذا حلٌّ جزئيٌّ وهو غير ذي فاعليةٍ حقيقية طالما أن المشكلة الأساسية هي في ما تولّده هذه المحسوسات في خيال الإنسان وتنتجه من تخيّلاتٍ وأوهام، وما تصرف الذهن إليه من أفكارٍ وليس فقط في استقبال الذهن لها، والذي قد يحدث في لحيظاتٍ قليلةٍ سرعان ما تنقضي.

بل ربما يقود خلوّ الغرفة المصلّي إلى خيالاتٍ من نوعٍ آخر أشدّ تشتيتاً له وإبعاداً للقلب من محضر الصلاة, فالحلّ إذاً يكمن في امتلاك القدرة للسيطرة على قوّة الخيال لدى الإنسان وهي في الواقع إحدى المانعين الباطنيين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

119

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 أما بالنسبة للموانع الناشئة من عوامل باطنيةٍ فهما كما ذكرنا قوّة الخيال لدى الإنسان وحبّ الدنيا المتمكّن من قلبه:

1- الخيال:
قوّة الخيال أو المتخيّلة، وهي قوّة موجودةٌ لدى كلّ إنسان بشكلٍ طبيعيٍّ ولها فوائدها العظمى بالنسبة إليه، فمن دونها مثلاً لا يتمكّن الإنسان من الذهاب إلى مكانٍ ما لأنه لا يمتلك القدرة على تخيّل وتصوّر الطريق إليه. ولكن المشكلة تقع عندما يعمل الخيال في غير مكانه ووقته المناسبين وهو ما يحدث تلقائياً وبشكلٍ دائمٍ، لأنه وكما يقال إن طائر الخيال بطبيعته فرّار. 

فمن شدّة انتقالها من خيالٍ إلى آخر ومن صورةٍ إلى أخرى تمّ تشبيه هذه القوة بالطائر الذي لا يعرف استقراراً فتجده يطير باستمرارٍ من غصنٍ إلى آخر، ومن شجرةٍ إلى أخرى.

وكون الخيال مولّداً دائماً للخيالات والصور هو أمرٌ لا يُبتلى به أهل الدنيا فقط، بل حتى أولئك الذين تعلّقت قلوبهم بالآخرة، فهم لا ينجون من هذه المصيبة الناشئة من طبيعة وخصائص قوّة الخيال.

والذي ينجو من هذه المصيبة هو ذلك الذي يروّض هذه القوّة والتي كما سنبيّن لاحقاً، هي قوّةٌ قابلةٌ للترويض ويمكن لصاحبها السيطرة عليها بمجاهدةٍ خاصّةٍ.

ومن المهم أن نعلم أن تحصيل سكون الخاطر وطمأنينة النفس أثناء العبادة لن يحصل بغير التمكّن من السيطرة على الخيال وبذلك نكون قد قضينا على مانعٍ خطيرٍ يمنع من حضور القلب في العبادة.

2- تعلّق القلب بالدنيا:
المانع الثاني هو تعلّق القلب بالحيثيّات الدنيوية وحبّه للدنيا الذي هو رأس الخطايا والأمراض الباطنية، وهو شوك طريق أهل السلوك ومنبع المصيبات. وما دام القلب متعلّقاً، ومنغمساً في حب الدنيا فالطريق لإصلاح القلوب مسدودٌ، وباب جميع 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

120

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 السعادات مغلقٌ في وجه الإنسان. والسبب في ذلك أن القلب يتوجّه إلى محبوبه بمقدار تمكّن حبّه منه:

 
فإن كانت الدنيا هي محبوبته وقد استحوذت عليه فإنها تأخذ بشغافه وعنايته في كافّة حالاته وهنيهاته، وتشغله بفتنتها في كل أوانٍ، فينصرف عن كلّ ما سواها بما في ذلك العبادة والحضور في الصلاة موعد الثناء على ربّ العزّة المتعال. وهذا الإنسان ليس له من العبادة والعبودية نصيب.
 
وإن كان حب الدنيا قد خالط قلبه ولكنه لم يستحوذ عليه بالكلّية فإنه قد ينشغل عن محبوبته بأمورٍ أخرى ولكن ما أن يزول الانشغال فإنه يطير إليها على عجلٍ، وفي أغلب الأحيان يكون وقت الصلاة بالنسبة لهذا الإنسان موعداً ليلتقي محبوبته الدنيا حيث يترك سائر انشغالاته وينصرف إليها، فلا يجني من صلاته غير الخسران لأن: "ما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه فيها فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفّت فضرب بها وجه صاحبها"1.
 
أما أولئك الذين تذوّقت قلوبهم لذّة حب المحبوب المطلق، والذين يرون جمال محبوبهم عزّ وجلّ في كل شيء فإنهم ينتظرون موعد لقائهم به ويأتون بالصلاة بآدابها وتحضر قلوبهم فيها بلا كلفةٍ لأنها لا تروم سواه.
 
كيفية تحصيل حضور القلب
بعد أن عرفنا موانع حضور القلب أثناء العبادة وتبيّن لنا أن عمدتها عاملان رئيسان، هما تشتّت الخيال وحب الدنيا، ننتقل الآن لتوضيح كيفيّة إزالة هذين العاملين. وذلك لأن بقاءهما عني عدم إقبال القلب على الصلاة والعبادة واستمرار غفلته، ممّا يعني أن صلاة الإنسان لن تكون مقبولةً من جانب الحق المتعال، في الوقت الذي تعتبر فيه الصلاة الميزان في قبول أعمال الإنسان أو ردّها عليه، نعوذ بالله من ذلك وسوء عاقبته.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص363.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

121

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 1- السيطرة على قوة الخيال:

لا يمكن لنا الحديث عن إزالة قوة الخيال، فهو كما أصبح واضحاً قوّةٌ طبيعيةٌ ولازمةٌ للإنسان، ولكن علينا الحدّ من كونها مانعةً لحضور القلب في العبادة، ولذلك نكون بصدد السيطرة على هذه القوّة. وقوّة الخيال هي كسائر قوى الإنسان الظاهرية والباطنية قابلةٌ للتربية والترويض والتهذيب والتدريب.

فعين الإنسان مثلاً قابلةٌ للتدريب حيث يمكن للمتدرّب بنحوٍ خاص أن ينظر إلى قرص الشمس ساعاتٍ عديدة دون أن يغمض جفنه، بينما لم يكن بمقدوره النظر سابقاً لثوانٍ قليلةٍ. كما يمكن برياضةٍ خاصّةٍ أيضاً لمرتاضٍ أن يحبس أنفاسه مدّةً طويلةً غير معتادةٍ، بل ويمكن وبرياضةٍ خاصّةٍ للبعض أن يتحكّم بدقّات قلبه فيبطئها مثلاً.

وكذلك القوى الباطنية هي قابلةٌ للتربية وللتدريب وكمثالٍ عليها التدريبات الذهنية لامتلاك الكثير من القدرات المختلفة كتقوية الشخصية أو الطلاقة في الكلام أو تنمية الذاكرة...

ومن ضمن هذه القوى الباطنية القابلة للتدريب قوّة الخيال, بحيث يصبح طائر الخيال إثر الرياضة الخاصّة طيّعاً في قبضة صاحبه لا يتحرّك إلا بإرادته واختياره. والرياضة الخاصّة لهذا التطويع هو مبدأ العمل بالخلاف. وتطبيق هذا المبدأ في الصلاة يقتضي:

أولاً: أن يقرّر الإنسان أن يحفظ خياله أثناء صلاته ويسيطر عليه، ويجعل تحقيق هذه السيطرة هدفاً له.

ثانياً: أن يبقى المصلّي مركّزاً على هدفه أثناء الصلاة، وبمجرّد أن يلحظ تحرّكاً لخياله خارج أذكار الصلاة ومعانيها يوقفه فوراً ويردّه إلى الصلاة.

ثالثاً: أن يبقى ملتفتاً إلى حال خياله في جميع حركات الصلاة وسكناتها وأذكارها وأعمالها، ويترصّده ولا يدعه بحاله أبداً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

122

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 رابعاً: أن يدرك أن السيطرة على الخيال لن تتمّ بتدريبٍ واحدٍ بل يلزم المواظبة كما هو شأن كل تدريبٍ من أي نوعٍ كان. كما عليه أن لا يتوقّع أن يتمكّن في بداية الأمر من حفظ خياله تماماً في كامل الصلاة بل عليه أن يدرك أنه سيحقّق هذا الهدف بالتدريج، فيمكن أن يحفظه أولاً في عشر الصلاة مثلاً ثم تزداد هذه النسبة شيئاً فشيئاً حتى يحفظه فيها كاملةً آخر المطاف.


خامساً: ينبغي للإنسان أن لا ييأس في كل أحواله، فإن اليأس هو منبع كلّ ضعفٍ ووهنٍ ومكمنٍ للشيطان والوهم. بل عليه أن يجعل كلّ اعتماده على الله عزّ وجلّ، وأن يرفع يده تماماً أثناء مجاهدته وسلوكه عن الاعتماد على نفسه، ويتوجّه إلى مسبّب الأسباب، ويتضرّع إليه في خلواته، ويطلب إصلاح حاله منه تعالى، فإنه لا ملجأ دون ذاته المقدسة.

وتبقى الإشارة إلى أن المنشأ الأساسي والمغذّي الأساسي لقوّة الخيال هو حب الدنيا والانشغال بزينتها وسفاسفها، لذا ينبغي قطع هذه الشجرة الملعونة وتجفيف هذا النبع الملوّث، السامّة مياهه.

2- علاج حب الدنيا:
عندما يكون قلب الإنسان مختلطاً بحب الدنيا، وليس له مقصدٌ ولا مقصودٌ غير تعميرها، فلا محالة أن يكون هذا الحب مانعاً من فراغ القلب وحضوره في ذلك المحضر القدسيّ، وعلاج هذا المرض المهلك والفساد المبيد هو العلم والعمل النافعان:
أ- العلم النافع:
التفكّر في ثمرات هذا المرض الذي هو مصدر الأمراض والمفاسد الأخلاقية، وفي نتائجه والمقارنة بينها وبين مضارّه ومهالكه الحاصلة منه. فكم هي محدودةٌ ومحكومةٌ بالفناء والزوال الفوائد الدنيوية التي قد يجنيها الإنسان المحب للدنيا؟ في مقابل ما يسببه حبّها من ضررٍ له!! ويكفي لتبيان فداحة هذا الضرر ما ورد في الكافي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

123

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 عن الإمام الصادق عليه السلام: "رأس كل خطيئة حب الدنيا"1.

 
فيكفي لهذه الخطيئة العظيمة المهلكة أنها منبع جميع الخطايا وأساس جميع المفاسد. فبقليلٍ من التأمّل يدرك الإنسان أن جميع المفاسد الخُلقية والعملية توشك أن تكون من ثمرات هذه الشجرة الخبيثة. فما يحدث في هذه الدنيا من فسادٍ كالقتل والنهب والظلم والفجور والفحشاء والسرقة، إلا وهو بواسطة هذه الموبقة العظيمة. كما أن الفقر والذلّة والطمع والحرص والاستعباد والتملّق والبغض والحقد والجور وقطع الرحم والنفاق وسائر الأخلاق الفاسدة وليدة أم الأمراض هذه.
 
وحب الدنيا مانعٌ من الفضائل المعنوية, فالشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة وطمأنينة النفس وسكون الخاطر وسلامة القلب والكرامة والحرية وعزّة النفس، وكذلك المعارف الإلهية والتوحيد في الأسماء والصفات والأفعال والذات وطلب الحق ورؤية الحق، جميعها متضادّةٌ مع حب الدنيا.
 
فعن الإمام الصادق عليه السلام "الدنيا بمنزلة صورةٍ رأسها الكبر وعينها الحرص وأذنها الطمع ولسانها الرياء ويدها الشهوة ورجلها العجب وقلبها الغفلة وكونها الفناء وحاصلها الزوال، فمن أحبّها أورثته الكبر، ومن استحسنها أورثته الحرص، ومن طلبها أوردته إلى الطمع، ومن مدحها ألبسته الرياء، ومن أرادها مكّنته من العجب، ومن اطمأنّ إليها أولته الغفلة، ومن أعجبته متاعها أفنته، ومن جمعها وبخل بها ردّته إلى مستقرّها وهي النار"2.
 
والأحاديث في ذمّ حب الدنيا كثيرةٌ، فإذا ما أدرك المُبتلى به هول مخاطره، عليه أن ينهض بهمّةٍ ليعمل على اقتلاع جذور هذا الحب من قلبه بالعمل النافع.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص315.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج70، ص105.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

124

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 ب- العمل النافع:

إن طريق علاج حب الدنيا هو مبدأ العمل بالضدّ. فكلّ محبٍّ للدنيا لديه نمطٌ من التعلّق بها, فالبعض يحبّ المال والثروة وتكديس الخيرات وادّخار النفائس، وعلاج هذا الشخص يكون بأداء الحقوق المالية الشرعية الواجبة وبالصدقة المستحبّة, فيعطي ممّا يحبّ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾1. فإن من أسرار الصدقات تقليل التعلّق بالدنيا.
 
وإن كان هذا الأمر ثقيلاً على نفسه بادئ الأمر فليعلم أن السبب هو استحكام حب المال في قلبه، وليستمرّ في إنفاقه حتى يقضي على هذا الحب شيئاً فشيئاً.. وقد يصبح العطاء لديه لذّة كما كانت لذّة التملّك وجمع الأموال.
 
وهكذا، على كلّ إنسان أن يشخّص مورد ابتلائه بحب الدنيا، وفي أيّ الأمور يتجلّى هذا الحب في حياته ويقوم على العمل بخلاف هواه ومضادّة مشتهيات نفسه والثبات على هذه المجاهدة الفترة الكافية من الزمن للتخلّص من أمّ الأمراض هذه واقتلاعها من جذورها، وأن يحرص على مراقبة نفسه دائماً لئلّا يتسلّل هذا المرض الخبيث إليها مجدّداً.2



1 سورة آل عمران، الآية 92.
2 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، المقالة الأولى، الفصل الثامن في بيان حضور القلب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

125

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 التمارين


ضع إشارة ü أو × في المكان المناسب:
أحد أهم الآداب القلبية في الصلاة رعاية حضور القلب فيها. 
حضور القلب في الصلاة هو أن يكون المصلي مشغولاً وملتفتاً إلى حال الصلاة، ومتوجّهاً إلى الله في أفعاله وأقواله ومفرّغاً فكره عمّا سوى الحق. 
من نتائج العبادات المهمّة أن تُصبح إرادة النفس الملكوتية غير نافذة في ملك البدن بحيث تكون القوى الظاهرية بالنسبة إلى النفس كملائكة الله بالنسبة إلى الحق تعالى. 
إذا أصبحت النفس مرتاضة بعبادة الله تعالى انهزمت جنود إبليس وصار القلب مسلِّماً قواه للحقّ تعالى. 
أكّدت الأحاديث الشريفة على أهمّية حضور القلب في العبادات فهو قفل الكمالات وباب أبواب السعادات. 
موانع حضور القلب هي كلّ ما يستدعي غفلة القلب عن محضر العبادة وانشغاله عن معانيها الحقيقية. 
تنشأ الموانع إمّا من أمورٍ خارجةٍ عن طريق الحواسّ الظاهرية، وإمّا من أمورٍ باطنيةٍ عمدتها عقبتان رئيستان, هما الخيال وحبّ الدنيا. 
حبّ الدنيا هو تعلّق القلب بالحيثيّات الدنيوية الموصلة إلى الآخرة ورغبة القلب فيها. 
من العوامل المؤثّرة في السيطرة على قوّة الخيال هي التركيز على الهدف من عبادة الله سبحانه وتعالى. 
علاج مرض حبّ الدنيا يكمن في العلم والعمل النافعين والتفكّر في آثاره السلبية والمهلكة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

126

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 المفاهيم الرئيسة

1- إن رعاية حضور القلب في العبادات ولا سيّما في الصلاة، هو أحد أهم الآداب القلبية قاطبةً، إذ ليس للعبادة من دونه روحٌ أو معنىً.

2- من نتائج العبادات المهمّة أن تغدو مملكة البدن بجميعها، ظاهرها وباطنها، مسخّرةً تحت إرادة الله، ويترتّب على هذه النتيجة أن تصبح النفس مرتاضةً بعبادة الله بالتدريج.

3- ما دام القلب غير حاضرٍ في محضر العبادة حضوراً كاملاً وقائماً فيه، وما دام يتقلّب غافلاً عن الله. فستكون العبادة قشراً بلا لبٍّ وصورةً بلا باطن.

4- موانع حضور القلب تنشأ إمّا من أمورٍ خارجيةٍ عن طريق الحواسّ الظاهرية، وإمّا من أمورٍ باطنيةٍ عمدتها عقبتان رئيستان, هما الخيال وحبّ الدنيا. وينبغي إزالتهما لتحصيل حضور القلب.

5- للسيطرة على قوّة الخيال لا بد من تدريبها من خلال: جعل تحقيق هذه السيطرة هدفاً للإنسان، التركيز على الهدف أثناء الصلاة، الالتفات إلى حال خياله في الصلاة بأكملها، المواظبة على التدريب والسعي للهدف بالتدريج، عدم اليأس، وجعل كلّ اعتماده على الله عزّ وجلّ.

6- علاج مرض حب الدنيا يكمن في العلم والعمل النافعين:
أ -التفكّر في ثمرات هذا المرض الذي هو مصدر الأمراض والمفاسد الأخلاقية، وفي نتائجه والمقارنة بينها وبين مضارّه ومهالكه الحاصلة منه.
ب - العمل النافع: وهو مبدأ العمل بالضدّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

127

الدرس التاسع: حضور القلب في العبادة

 للمطالعة

بيان بعض أسرار العبادة وتجسيم الأعمال
اعلم أنّ لكلٍّ من الأعمال الحسنة والأفعال العبادية صورةً باطنيةً ملكوتية، وأثراً في قلب العابد. أما الصورة الباطنية فهي التي تعمّر العوالم البرزخية والجنة الجسمانية، لأن أرض الجنة قاعٌ خاليةٌ من كلّ شيء كما ورد في الحديث، وأن الأذكار والأعمال موادّ إنشاءٍ وبناءٍ لها. كما ورد في الحديث أيضاً. وإنّ الآيات الكثيرة من الكتاب الشريف الإلهي، تدلّ على تجسّم الأعمال مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. والأخبار الدالّة على تجسّم الأعمال والصور الغيبية الملكوتية مذكورة في أبواب مختلفة. 
 
ونحن نكتفي بذكر بعضها:
روى الصدوقُ رحمه الله بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "مَنْ صَلّى الصَّلَواتِ المَفْروضاتِ في أَوَّلِ وَقْتِهَا وَأَقَامَ حُدودَها، رَفَعَهَا المَلَكُ إِلَى السَّماءِ بَيْضاءَ نَقِيَّهً تَقولُ: حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، اسْتَوْدَعَنِي مَلَكٌ كَرِيمٌ. وَمَنْ صَلاّها بَعْدَ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرٍ عِلَّةٍ وَلَمْ يُقِمْ حُدودَها، رَفَعَهَا المَلَكُ سَوْداءَ مُظْلِمَةً وَهِيَ تَهْتِفُ بِهِ ضَيَّعْتَنِي ضَيَّعَك اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي وَلاَ رَعَاكَ اللهُ كَمَا لَمْ تَرْعَنِي".
 
ويُستفاد من هذا الحديث الشريف مضافاً إلى تحقّق الصورة الملكوتية للعمل، حياة الصورة الملكوتية وشؤونها الحياتية أيضاً، وهذا ضربٌ من البرهان على تجسّم الأعمال. والأخبار تدلّ على أنّ لجميع الموجودات حياة ملكوتية، وأنّ عالم الملكوت كلّه حياة وعلم. ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾1.



1 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحَديث السَابع وَالعشرون: حضور القلب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

128

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد مراتب الطهارة.
2- يبيّن الآداب المعنوية للتوجّه إلى الماء والتراب.
3- يذكر الآداب المعنوية للوضوء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

129

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 الطهارة في القرآن الكريم

إنّ الارتباط بالله عزّ وجلّ والتقرّب إليه لا بدّ له من مراحل متدرّجة. فعندما يريد إنسانٌ ما أن يزور أميراً أو ملكاً - وهو شخصيّة من شخصيّات هذه الدنيا الفانية - فإن اللقاء به لا يتحقّق مباشرةً بل هناك وسائط مختلفة يتدرّج الإنسان من خلالها للقائه، فكيف بلقاء ملك الملوك؟!.. فمن يأتي إلى مصلّاه وهو في أدنى درجات التهيؤ النفسي للصلاة - التي هي موعد لقاء المؤمن مع الله - من الطبيعي أن لا يأتي بالصلاة كما يحب الله سبحانه وتعالى ويرضى.
 
إنّ جوهر الصلاة عملية قلبية وهي معراج المؤمن ووسيلته في التقرّب إلى الله. وجميع الآثار الدنيوية والأخروية متوقّفةً على كون الصلاة ومقدماتها صحيحةً. وقد جعلت طهارة البدن والثياب شرطاً في صحّة الصلاة، وأولى خطوات التقرّب إليه تعالى، ومن مقدماتها الأساسية، فما هو سرّ ذلك؟
 
إنّ ما يقرّبنا إلى الله تعالى في الواقع هو التجافي عن دار الدنيا، والإنسان لا يمكنه الوصول إلى الله عز وجل ما دام متعلقاً بالدنيا. فدنيا الإنسان من منصبٍ ومالٍ وحبٍّ للنفس تحجبه عن الوصول إلى الله عزّ وجلّ، وما لم يتطهّر الإنسان من هذه التعلّقات لن يستطيع أن يصل إلى لقاء الله عز وجل.
 
فالاستفادة من القرآن الكريم ذلك الفيض الإلهي الذي أنزله تعالى وكما يشير القرآن الكريم نفسه لا يشمل إلا المطهّرين: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾1. فالمطهّرون هم فقط الذين ينهلون من معارف القرآن، 



1 سورة الواقعة، الآيات 77 - 79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

 


130

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 والمطهرون الواقعيون هم الأئمة عليهم السلام: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾1. فلا يصل إلى أسرار القرآن وأعماقه إلا المطهّرون، والأئمة عليهم السلام هم الذين يعرفون عمق وحقيقة القرآن، وتلامذتهم ينهلون من معارف القرآن أيضاً، كلٌّ حسب طهارته.

 
القرآن الكريم يعتبر الطهارة سرّ العبادات، وما هذه التعاليم والإرشادات القرآنية إلا لتطهير الإنسان، وليس المقصود من الطهارة، الطهارة الظاهرية فحسب. وإذا كان الإنسان يتصوّر أن الوضوء بالماء وغسل ظاهر بدنه يطهّره طهارة ظاهرية فقط، فهذا غير صحيح لأن الطهارة تحصل بالتيمّم بالتراب أيضاً، لأن ضرب اليدين على الأرض ومسح الوجه بهما يطهّر الإنسان طهارةً معنوية، ففي سورة المائدة آيةٌ تبيّن هذا المعنى للطهارة: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾2.
 
ومن هنا يتبيّن أن المقصود من الطهارة التي يريدها الله عز وجل هي الطهارة الداخلية، أي الطهارة من الأنانية وحب الذات. ذلك أنه ليس للإنسان عدوٌّ أكبر من العدو الداخلي، أي النفس، وليس هناك خبثٌ أكبر من خبث النفس، ولهذا جاءت العبادات لإنقاذ الإنسان من الأمراض النفسية، وكل تعاليم الدين الحنيف جاءت لتطهير الإنسان, فالإنسان يصلّي ويصوم ويجاهد من أجل أن يتطهّر، ويستشهد من أجل أن يطهر، ويتحمّل الصعوبات وويلات الحرب من أجل أن يكون نقياًّ وخالصاً من الغرور.



1 سورة الأحزاب، الآية 33.
2 سورة المائدة، الآية 6.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

131

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 إذاً، ما دامت حقيقة الصلاة هي العروج إلى مقام القرب وبلوغ مقام الحضور بين يديّ الحق جلّ وعلا، فإن تحقيق هذا الهدف يستلزم طهارةً أسمى من الطهارة الشكلية الظاهرية. ولا يمكن للإنسان السالك الارتقاء بهذا العروج ما لم يزل الموانع والقذارات أولاً ليتسنّى له الاتّصاف بالطهارة وتحصيل الطهور.

 
مراتب الطهارة
يقول الإمام الخميني قدس سره في مراتب الطهارة المعنوية في كتابه الآداب المعنوية للصلاة:
"فأوّل مرتبة للطهارة هي الاستنان بالسنن الإلهية وإطاعة أوامر الحق. والمرتبة الثانية هي التحلي بفضائل الأخلاق وفواضل الملكات. والمرتبة الثالثة هي الطهور القلبي الذي هو عبارة عن تسليم القلب للحق. وبعد هذا التسليم يصبح القلب نورانياً, بل يكون بذاته من عالم النور ودرجات النور الإلهي. وتسري نورانية القلب إلى سائر الأعضاء والجوارح والقوى الباطنة وتصبح كل المملكة نور، ونور على نور حتى يصل الأمر إلى حيث يصبح القلب إلهياً لاهوتياً وتتجلى حضرة اللاهوت في جميع مراتب الباطن والظاهر. وفي هذه الحالة، تفنى العبودية كلياً وتختفي وتظهر الربوبية وتتجلى. فيعرض على قلب السالك في هذه الحالة الطمأنينة والأنس، ويصبح العالم كله محبوبه وتأخذه الجذبات الإلهية وتغفر خطاياه وزلاته، وتستتر في ظل التجليات الحبية، وتحصل له بدايات الولاية ولياقة الورود إلى محضر الأنس. ومن بعدها منازل لا يتناسب ذكرها وهذه الأوراق"1.



1 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 71. الفصل الثاني، في الإشارة إلى مراتب الطهور، ترجمة السيد عباس نور الدين، مركز باء للدراسات، الطبعة الأولى، بيروت،2009.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

132

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 إذاً، فللطهارة مراتب يتمّ في كل مرتبةٍ منها إزالة موانع وأخباث وقذارات معيّنة، وهي على الشكل التالي:

المرتبة الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والنجاسات الظاهرية، وهذا يتمّ عبر مراعاة الأحكام الشرعية الواردة في الكتب الفقهية المعتبرة. وهذه هي الطهارة الظاهرية.
 
المرتبة الثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والمعاصي. فما دام الإنسان مبتلىً بالمعاصي فلا يمكن أن يقترب إلى الله تعالى، ويترقّى إلى المراتب الأخرى من مراتب الطهارة. لذلك يقول تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ1  عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والمعاصي إنما تطهّر بماء التوبة النصوح حيث يتوب العبد إلى بارئه ويعزم على ترك الذنوب وعدم الإتيان مطلقاً بما ينافي إرادة الله عز وجل.
 
المرتبة الثالثة: تخلية الباطن من أرجاس الأخلاق الفاسدة. ورجس هذه الأخلاق أشدّ من رجس قذارات المرتبتين السابقتين، وإزالته أصعب. والتطهير في هذه المرتبة يكون بإزالة الملكات الأخلاقية السيئة وتبديلها بالملكات الأخلاقية الحسنة. وحصول هذا التطهير يتمّ بالعلم النافع والارتياض الشرعي الصالح.
 
المرتبة الرابعة: وفيها يتم تطهير القلب، وبصلاحه يصلح الإنسان وبفساده يفسد. وقذارة القلب ونجاسته عبارة عن تعلّقه بغير الله تعالى وتوجّهه إلى نفسه وإلى العالم، ومنشأ هذه القذارة حب الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة وحبّ النفس الذي هو أمّ الأمراض. وتطهيره يكمن في طرد الأغيار منه وتسليمه إلى صاحبه وهو الله تعالى كما ورد في الحديث: "قلب المؤمن عرش الرحمن"2.



1 الرين: الرَّيْنُ الطَّبَعُ والدَّنَسُ والرَّيْن الصَّدأُ الذي يعلو السيفَ والمِرآة ورَانَ الثوبُ رَيْناً تَطَبَّعَ والرَّيْنُ كالصَّدَإ يَغْشى القلب ورَانَ الذَّنْبُ على قلبه يَرِينُ رَيْناً ورُيُوناً غلب عليه وغطاه، وفي التنزيل العزيز كلا بل رَانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون أَي غَلَبَ وطَبَعَ وخَتَم.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج55، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

133

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 وما دامت جذور حب الدنيا وحب النفس متغلغلة ومتجذّرة في قلب الإنسان، فلن يحصل فيه أثرٌ لحب الله تعالى. أما إن اقتلع هذان الحبّان من قلب الإنسان وسلِّم القلب إلى صاحبه فحينها يصبح قلباً نورانياً وتحصل فيه آثار العبادة.

 
وهناك مراتب ومقامات أخرى للطهارة ليس هنا محلّ بحثها، ولكن لا ينبغي إنكارها، فإن أعظم النجاسات المعنوية إنكار مقامات أهل الله، وما دام الإنسان مبتلى بهذه الآفة (إي إنكار مقامات العارفين) لا يتقدّم في طريقه إلى الله تعالى. لذا علينا ألا نقنع بالحدّ الذي نحن فيه فإن الوقوف على الحدود والقناعة في المعارف من العقبات المانعة من التقدّم. كما ينبغي الالتفات إلى أن الوصول إلى المراتب العالية من الطهارة مرهون بتخطي المراتب الأدنى منها.
 
الآداب المعنوية للتوجّه إلى الماء
ورد في الآداب المعنوية للتوجّه إلى الماء رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يبيّن فيها هذه الآداب بشيءٍ من التفصيل فيقول: "إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدّم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلاً على بساط خدمته، وكما أن رحمة الله تطهّر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غير. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾1. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾2.
 
"فكما يحيي به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب الطاعات. وتفكّر في صفاء الماء ورقّته وطهارته وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وأت بآدابها في فرائضه 



1 سورة الفرقان, الآية 48.
2 سورة الأنبياء، الآية 30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

134

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 وسننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة، فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء يؤدّي كل شيء حقّه ولا يتغير معناه، معتبراً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل المؤمن المخلص الخالص كمثل الماء، ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهوراً وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء"1. في هذا الحديث يبيّن الإمام عليه السلام عدّة آدابٍ عند التوجّه إلى الماء للتطهر، ينبغي للسالك إلى الله أن يراعيها، ويلتزم بأحكامها إذا ما أراد أن يتلمس نورانية الطهارة والدخول في سلك المتأدبين بآدابها المعنوية والروحية. ويمكن أن نلخّصها في ما يلي: على المتوضئ:

 
1- استحضار رحمة الله:
أن يستحضر حين التوجّه إلى الطهارة والوضوء رحمة الله تعالى، ويتفكّر في التشابه بين تطهير رحمة الله لذنوب العباد وبين تطهير الماء للنجاسات الظاهرة. وأن يتفكّر أيضاً في السبب الذي من أجله جُعل الماء مطهّراً للنجاسات الظاهرية حيث إن ظهور الرحمة الواسعة الإلهية فيه أكثر من سائر الموجودات. لأن الماء هو أحد المظاهر العظيمة لرحمة الحق وقد جعله الله عزّ وجلّ سبباً لحياة الموجودات ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾2.
 
2- تطهير الجوارح من الآثام:
أن يعمل على تصفية الأعضاء والجوارح من الآثام والشوائب، من خلال تفكّره في صفاء الماء ورقّته، أثناء أدائه للفرائض والسّنن الإلهية. فينتقل من صفاء الماء إلى تصفية الأعضاء، فيصفّيها بأداء الفرائض والسنن الإلهية، ويرقّق الأعضاء برقة



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج77، ص339.
2 سورة الأنبياء، الآية 30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

135

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 الفرائض والسنن، ويخرجها من غلظة المعصية، لتسري الطهارة والبركة في جميع الأعضاء كما يقول الإمام الخميني قدس سره1. فتبدأ الآثار الباطنية بالظهور تدريجيّاً وتتفجّر ينابيع الأسرار الإلهية وتنكشف للإنسان لمحةٌ من أسرار العبادة.

 
3- الإخلاص لله:
أن يجعل تعامله مع الله تعالى خالصاً صافياً كصفاء الماء من جميع الشّرك، وأن يتأمّل في كون قلبه - في بداية خلقه مثل الماء في وقت نزوله من السماء- طاهراً لولا تصرّف الشيطان والأهواء فيه، فيبتعد عن تلويثه بالشرك وبالمعاصي. يقول الإمام الخميني قدس سره: "يلزم للسالك إلى الله أن يكون خالصاً من تصرّف الطبيعة، ولا يكون لكدورتها وظلمتها طريقٌ إلى قلبه. وتكون جميع عباداته خالية من جميع أنواع الشرك الظاهري والباطني2. وكما أن الماء في وقت نزوله من السماء طاهرٌ وطهورٌ لم تمتدّ إليه يد تصرّف القذارات، كذلك السالك بالنسبة لقلبه الذي نزل من سماء عالم غيب الملكوت طاهراً ومنزّهاً، فلا يتركه يقع تحت تصرّف الشيطان والطبيعة ويتلوّث بالقذارات3".
 
4- حسن المعاشرة:
أن يجعل طريقة امتزاج الماء بالأشياء مثالاً له في معاشرة خلق الله، معتبراً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل المخلص كمثل الماء"4. فإن الماء حين يسكب في إناءٍ مثلاً يأخذ شكله دون أن تتبدّل حقيقته. وعلى الإنسان المؤمن أن يبقى على صفائه وفطرته رغم معاشرته للناس، وعليه أن يحرص على أن لا يتأثّر بعاداتهم السيّئة. يقول الإمام



1 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 74.
2 الشرك على نحوين, ظاهري وعلني كأن يجاهر إنسان به بوجود شريك للباري عزّ وجل، وآخر خفي وغير ظاهر، كالرياء والكبر وغيرها من الأمراض القلبية التي ترجع إلى ضعف الإيمان بالتوحيد وأحياناً فساده في النفس.
3 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 75.
4 م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

136

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 الخميني قدس سره بهذا الشأن: "السالك إلى الله في نفس الوقت الذي يعاشر كل طائفةٍ من الناس بالمعروف ويرد الحقوق الخلقية، ويتعامل مع كل واحد ويعامله بما يناسب حاله. فهو في الوقت نفسه لا يتجاوز الحقوق الإلهية، ولا يهمل معناها وهو العبادة والعبودية والتوجّه إلى الحق"1.

 
5- التقوى واليقين:
وفي النهاية على المتوضئ أن يلتفت إلى مسألة في غاية الأهمية وتعتبر من أعمدة وأسس الطهارة الباطنية، وهي تطهير القلب بالتقوى واليقين عند تطهير جوارحه بالماء، كما يقول الإمام الصادقعليه السلام في الحديث.
 
الآداب المعنوية للوضوء2
الآداب المعنوية للوضوء عديدة ومتنوعة:
الأول: ينبغي أن يكون وقوفه للوضوء وقوف في مقام الحمد والشكر لله حيث أذن له ربّ العزة والسلطان بالحضور وهو الآن في مقام تحصيل مقدمات التشرّف لينال هذا الشرف.
 
الثاني: إذا أخذ غرفة من الماء ليتوضأ فليتفطّن أنه كما يغسل ظاهره بالماء الظاهر الذي هو سبب الحياة لكل حي، كذلك ليغسل باطنه بالعلم وهو الموجب لحياة القلوب والأرواح فينوّر به قلبه وروحه كما في الحديث: "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء"3. وليغسل4 يديه من العيوب ومن حوله وقوته، وليعلم أنه لا حول له ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. كما ويرمز غسل اليد إلى غسل يده عما نهى



1 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 75.
2 للمزيد من التفاصيل مراجعة الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 143 – 145، ترجمة السيد احمد الفهري، الطبعة الثانية، سنة 1986، مراجع وحواشي الفصل الخامس من المقالة الثانية: في نبذة من آداب الوضوء الباطنية والقلبية.
3 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص 16.
4 الغسل المقصود هنا هو غسل اليدين قبل مباشرة الوضوء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

137

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 عنه الشارع وبالخصوص المنهيات التي تتحقق باليد كالسرقة والتعدّي والغصب وأمثالها. ويعني صبّ الماء باليمنى على اليسرى أنه لا بد له من بسط اليد في البذل والعطاء والإيثار في سبيل رضا الله تعالى، ولا يمسك يده. قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾1.

 
الثالث: إذا تمضمض فليقل: "اللهم لقّني حجّتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك". ومعنى تلك المضمضة التي يطهّر بها فمه من فضول الطعام أنه يطهّر فمه ولسانه من الذكر القبيح ومن فضول الكلام "وفضول الكلام يميت القلب". ومما يجري على لسانه ويخرج من فمه ممّا يمقته الله ويدخله النار كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "وهل يَكُبُّ النّاس على مناخِرهم في النّار إلّا حَصائِدُ ألسنتهم"2. فليزيّن لسانه بذكر الله وتلاوة القرآن.
 
الرابع: ثم يستنشق، وحقيقته إخراج الكبر والتعالي من دماغه كما يخرج بالاستنشاق فضولات الدماغ من طريق أنفه وينقي مجراه.
 
الخامس: ثم يغسل وجهه ويتوجّه إلى أن ذلك يرمز إلى بياض الوجه وتحصيل ماء الوجه عند الله سبحانه فيتذكّر قصوره وتقصيره وخجلته وسواد وجهه ويستجير بالله من أن يلقاه سبحانه بهذه الحالة، كما يحكيها تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾3. وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾4. وليستح من الله تعالى لمّا رآه حيث نهاه ولمّا توجّه إلى غير مولاه، وقد ورد في الحديث أنه يقول عند غسل وجهه: "اللهم بيّض وجهي يوم تسودّ الوجوه ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ الوجوه".



1 سورة آل عمران، الآية 92.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص115.
3 سورة الزمر، الآية 60.
4 سورة عبس، الآيتان 40-41.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

138

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 السادس: ليتذكّر عندما يغسل اليدين أن باطنه غسل الأيدي من رؤية الأسباب، وأيضاً هو غسل اليد عن الخلق وتفويض الأمر إلى الله والاستعداد للتمسّك بذيل المحبوب (الله تعالى) وقرع بابه كما قال الإمام علي عليه السلام: "لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة" في وصفه لأهل الذكر وعباد الله. وليتذكر أيضاً موقف القيامة وتطاير الكتب وأحوال الناس في ذاك الوقت كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾1 ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾2 فيقول عند غسله اليمنى: "اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حساباً يسيراً". ويقول عند غسله اليسرى: "اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران".

 
السابع: ليمسح رأسه من الخضوع لغير الله ومن الكبرياء العارضة له إذ عدّ نفسه شيئاً، وليقل: "اللهم غشّني برحمتك وبركاتك وعفوك ومغفرتك".
 
الثامن: ويمسح رجليه من المشي إلى دار الغربة وأرض المذلّة (الدنيا)، ويطهّرها أيضاً عن المشي بالكبر، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾3. ويمشي بقدم العبودية والهوان ليصدق عبوديته للرب الرحمن. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾4.
 
وعليه التصميم على الثبات في طريق الجهاد وميدان الجهاد الأصغر والأكبر والمشي على الصراط المستقيم، ويقول بلسانه: "اللهم ثبّت قدمي على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني"5.



1 سورة الاسراء، الآية 71.
2 سورة الحاقة، الآية 25.
3 سورة الإسراء، الآية 37.
4 سورة الفرقان، الآية 63.
5 بتصرف، راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص 143 – 145. ترجمة السيد احمد الفهري، الطبعة الثانية، سنة 1986، مراجع وحواشي الفصل الخامس من المقالة الثانية: في نبذة من آداب الوضوء الباطنية والقلبية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

139

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 التمارين


ضع إشارة ü أو × في المكان المناسب:
1- جوهر الصلاة عملية قلبية وهي معراج المؤمن ووسيلته في التقرّب إلى الله. 
2- جعلت طهارة البدن والثياب شرطاً أساسياً ووحيداً في صحة الصلاة وقبولها. 
3- إنّ الإنسان يمكنه الوصول إلى الله عزّ وجلّ ما دام قلبه متعلّقاً بالدنيا بشرط عدم الإخلال بعباداته. 
4- شُرّعت العبادات بشكل أساس من أجل إنقاذ الإنسان من الأمراض النفسية وتطهيره روحيّاً. 
5- تطهير الظاهر من النجاسات الظاهرية عبر مراعاة الأحكام الشرعية هو نهاية مراتب الطهارة. 
6- منشأ الأخلاق الفاسدة والذنوب والمعاصي هو حبّ الدنيا وحبّ النفس. 
7- من الآداب المعنوية للطهارة البدنية أن يتفكّر في التشابه بين تطهير رحمة الله لذنوب العباد وبين تطهير الماء للنجاسات الظاهرة. 
8- يعتبر القرآن الكريم الطهارة سرّ العبادات، وما هذه التعاليم والإرشادات القرآنية إلّا من أجل تطهير ظاهر الإنسان. 
9- الطهارة الظاهرية هي تطهير النفس والجوارح من المعاصي والذنوب. 
10- لكل حركة من حركات الوضوء آداب معنوية، ينبغي أن يستحضرها المتوضئ في حينها. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

140

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 المفاهيم الرئيسة

1- إنّ جوهر الصلاة عملية قلبية وهي معراج المؤمن ووسيلته في التقرّب إلى الله، وقد جعلت طهارة البدن والثياب شرطاً في صحّة الصلاة، وأولى خطوات التقرّب إليه تعالى.

2- إنّ ما يقرّبنا إلى الله تعالى في الواقع هو التجافي عن دار الدنيا، لأن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى الله عز وجل مادام متعلقاً بالدنيا.

3- الطهارة التي يريدها الله عز وجل هي الطهارة الداخلية، أي الطهارة من الأنانية وحب الذات. ذلك أنه ليس للإنسان عدوٌّ أكبر من العدو الداخلي.

4- جاءت العبادات لإنقاذ الإنسان من الأمراض النفسية، وكل تعاليم الدين الحنيف جاءت لتطهير الإنسان.

5- للطهارة مراتب يتمّ في كل مرتبةٍ منها إزالة موانع وقذارات معيّنة، وهي على الشكل التالي: الأولى: تطهير الظاهر من النجاسات الظاهرية عبر مراعاة الأحكام الشرعية، الثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والمعاصي بماء التوبة النصوح، الثالثة: تخلية الباطن من أرجاس الأخلاق الفاسدة ويتم بالعلم النافع والارتياض الشرعي. الرابعة: تطهير القلب من تعلّقه بغير الله تعالى.

6- الآداب المعنوية للتوجه إلى الماء: أن يستحضر المتوضئ حين التوجّه إلى الطهارة والوضوء رحمة الله تعالى، ويتفكّر في التشابه بين تطهير رحمة الله لذنوب العباد وبين تطهير الماء للنجاسات الظاهرة، أن يعمل على تصفية الأعضاء والجوارح من الآثام والشوائب، أن يجعل تعامله مع الله تعالى خالصاً صافياً كصفاء الماء من جميع الشّرك، أن يجعل طريقة امتزاج الماء بالأشياء مثالاً له في معاشرة خلق الله، وأن يطهّر القلب بالتقوى واليقين عند تطهير جوارحه بالماء.

7- لكل حركة من حركات الوضوء آداب معنوية، وينبغي أن يستحضرها المتوضئ في حينها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

141

الدرس العاشر: الآداب المعنوية للطهارة

 للمطالعة

 
في الإشارة إلى بعض أمانات الحق
ولا بد من معرفة أنّ الحق تبارك وتعالى، قد وهبنا كافّة القوى والأعضاء الظاهرية والباطنية، وبسط لنا بساط الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاهرية والباطنية، ووضعها كلّها تحت قدرتنا لتسخيرها، وائتمننا عليها بلطفه ورحمته، وهي - هذه العطايا- طاهرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية وكذلك ما أنزل علينا من عالم الغيب كان بعيداً عن الشوائب والعناصر الغريبة، فإذا أرجعنا هذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس، من دون أن تصير ممزوجة مع عالم المادة، وقذارات المُلك والدنيا، كُنَّا أُمناء على الأمانة التي أودعت عندنا، وإن لم نحافظ على طهارة هذه الأمانات، غدونا من الخائنين والخارجين عن الإسلام الحقيقي، وملّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وفي الحديث المشهور إنّ (قَلْبَ المُؤمن عَرْشُ الرحْمن)، وفي الحديث القدسي المعروف "لا يَسُعُنِي أَرْضِي وَلا سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْديَ المُؤْمِنِ"1. فإنّ قلب المؤمن عرش الحق المتعالي، وسرير سلطنته وسكنى ذاته المقدّس، وإنّه سبحانه صاحب هذا البيت، فالالتفات إلى غير الحق خيانة للحق، والحب لغير ذاته الأقدس ولغير أوليائه الذين يُعتبر حبّهم حبّه سبحانه، خيانة لدى العرفاء.
 
وإنّ ولاية أهل بيت العصمة والطهارة، ومودّتهم، ومعرفة مرتبتهم المقدّسة، أمانة من الحق سبحانه. كما ورد في الأحاديث الشريفة في تفسير الأمانة في الآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾2 بولاية أمير المؤمنينعليه السلام. كما أن غصب خلافته وولايته، خيانةٌ لتلك الأمانة وأن رفض المتابعة للإمام علي عليه السلام مرتبة من مراتب الخيانة. وفي الأحاديث الشريفة.
 
إنّ الشيعي هو الذي يتّبع أمير المؤمنين عليه السلام اتّباعاً كاملاً وإلاّ فإن مجرد دعوى التشيَّع من دون الاتباع لا يكون تشيّعاً3.



1 الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، ج 7، ص 234.
2 ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
3 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحديث التاسِع والعشرون: وصيّة النبي لعليّ بخصال، فصل: في الإشارة إلى بعض أمانات الحق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

142

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة


أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن آداب مطلق اللباس وسرّ طهارته أثناء العبادة.
2- يبيّن الآداب المعنوية لوقت الصلاة.
3- يبيّن الآداب المعنوية لمكان الصلاة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

143

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 لما كانت قلوب البشر ضعيفةً خائرةً تهتزّ كأوراق الأشجار لأرقّ نسيمٍ يهبّ وتفقد استقرارها، وجب على الإنسان مراعاة حال القلب والمحافظة عليه حتى في الأمور العادية كارتداء الملابس. وللملابس آدابٌ ينبغي مراعاتها في كلّ الأوقات وليس وقت العبادة فقط.


اللباس وتأثيره المعنوي على النفس
هناك تأثيرٌ متبادلٌ بين ظاهر الإنسان وباطنه, فجميع الأعمال الصورية الظاهرية التي يقوم بها الإنسان لها في الباطن أثرٌ، ولكلٍّ من أخلاقه الباطنة آثارٌ في ظاهره وباطنه أيضاً، وكذلك لكلٍّ من المعتقدات التي يؤمن بها. ومثالٌ على تأثير المعتقدات في الباطن والظاهر, الإيمان بالله تعالى. فالإيمان به سبحانه وأنه هو المتصرّف في الوجود وأنه هو أعلم بكلّ شيء، يوجب كثيراً من الكمالات النفسية والأخلاقية، مثل التوكّل والاعتماد على الحق وقطع الطمع من المخلوق. كما يوجب كثيراً من الأعمال الصالحة وترك الكثير من الأعمال القبيحة. وهكذا سائر العقائد والمعارف.

ومثال آخر على تأثير الظاهر في الباطن, اللباس. فللألبسة الفاخرة جدّاً تأثيرٌ في النفوس، حيث توقع صاحبها في الكبر واحتقار الآخرين والغرور والعجب. وكذلك للألبسة الحقيرة والرديئة جدّاً تأثيرٌ في النفوس، فقد يسقط من اعتبار الإنسان واحترامه عند الآخرين، وإذا لبسها الإنسان ليشتهر بالزهد والقداسة، فقد يقع في التكبّر والغرور والعجب فضلاً عن الرياء وغير ذلك من المفاسد الباطنية. وبعض الناس يقلّد الأجانب في لباسه فينعكس ذلك على باطنه بحيث يمكن أن يصبح قلبه محبّاً لهم ومبغضاً لأعدائهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

144

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 وبكلمة أخرى: إن لباس الشهرة سواء في جانب الإفراط (اللباس الفاخر) أو التفريط (اللباس الرديء) من الأمور التي تؤثّر على القلوب الضعيفة وعلى سلوكها وأخلاقها، وقد وردت رواياتٌ عديدةٌ في هذا المجال نذكر بعضها فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى بعض أوليائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تأكلوا كأعدائي ولا تمشوا كأعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي"1. وعنه عليه السلام: "إن الله يبغض شهرة اللباس"2. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثياب الذلّ يوم القيامة"3.

 
لذلك ينبغي للإنسان الطالب للحق والساعي للارتقاء المعنوي أن يجتنب -عند اختياره مادة اللباس وشكله - ما يؤثّر سلباً في الروح، ويخرج القلب عن استقامته، ويورث الغفلة عن الحق تعالى، ويجعل توجّهات الروح دنيوية.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره بشأن اللباس: "اتّضح أن للباطن في الظاهر وللظاهر في الباطن تأثيراً، أنه لا بدّ للانسان الطالب للحق والارتقاء الروحاني أن يحترز في انتخاب مادة اللباس وهيئته مما يكون له تأثير السوء في الروح ويخرج القلب عن الاستقامة ويغفله عن الحق ويجعل وجهة الروح دنيوية. ولا يتوهّم أن تسويل الشيطان وتدليس النفس الأمّارة إنما هو في اللباس الفاخر الجميل فقط أو في التجمّل والتزين فحسب، بل اللباس البالي الذي لا قيمة له ربما يسقط الإنسان من درجة الاعتبار, ومن هذه الجهة لا بدّ للإنسان أن يحترز من لباس الشهرة بل من مطلق المشي على خلاف المعتاد والمتعارف. كما أنه لا بدّ أن يحترز من الألبسة الفاخرة التي تكون مادتها وجنسها غالية الثمن، وتكون هيئتها وخياطتها جالبة



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج3، ص248
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج6، ص444.
3 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج76، ص314.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

145

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 للأنظار ويشار اليها بالبنان, لأن قلوبنا ضعيفة وغير ثابتة بشكل ملحوظ، فبمجرد التميّز والتعيّن تزلّ وتنحرف عن الاعتدال"1.

 
اللباس وطهارته الظاهرية والباطنية
الصلاة هي مقام العروج والحضور في المحضر المقدّس لله تعالى، وعلى الإنسان السالك مراعاة آداب الحضور في محضر الله تعالى، ومن هذه الآداب الطهارة، ومنها أيضاً طهارة اللباس. ولأن للطهارة جنبتين ظاهرية وباطنية كما ذكرنا، فإن لطهارة اللباس أيضاً جنبتين كل واحدة منها مسؤولة عن صحّة بعدٍ من أبعاد العبادة والصلاة. فقد جعلت طهارة اللباس الظاهري من شرائط صحّة الصلاة الظاهرية، وكذلك جعلت طهارة اللباس الباطني من شرائط قبول الصلاة الباطنية. فما هو المقصود باللباس الباطني؟
 
اللباس الظاهري المتعارف هو الذي يستر بدن الإنسان، وهذا البدن يشكّل ساتراً ولباساً للبدن الباطني أي النفس والروح. لذلك فإن سرّ جعل طهارة اللباس الظاهري شرطاً لصحّة الصلاة، هو دفع المصلّي للاهتمام بطهارة اللباس الباطني (النفس والروح) والوعي بأهمية هذه الطهارة, لأن طهارة النفس والروح أولى بالطهارة من هذا البدن الخارجي الذي لا يشكّل في الواقع للإنسان سوى القشر الخارجي، بعكس ألبسة الباطن كالقلب مثلاً الذي يشكّل جوهر الإنسان وحقيقته.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "... ففي أدب الحضور مخاطر كثيرة لا يجوز للسالك أن يغفل عنها لحظة واحدة. ولا بد له أن يجعل طهارة اللباس الذي هو ساتر للقشر بل قشر القشر وسيلة لطهارة الألبسة الباطنية, وليعلم أنه كما أن هذا اللباس الصوري2 ساتر وهو لباس للبدن الملكي3، فإن نفس البدن ساتر للبدن البرزخي,



1 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص97.
2 أي اللباس المؤلف من قماش وخيطان.
3 البدن الملكي هو جسد الإنسان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

146

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 والبدن البرزخي موجود الآن ولكنه في ستر البدن الدنيوي وحجابه. والبدن البرزخي ساتر ولباس وحجاب للنفس، وهي ساترة للقلب والقلب ساتر للروح..."1.

 
مراتب طهارة اللباس الباطني
وطهارة اللباس الباطني على مراتبٍ:
1- طهارة الأعمال من المعاصي: فالمرتكب للمعاصي يلوّث نفسه وروحه فلا تتمكن من الحضور في محفل الأنس بالله. والطهارة هنا إنما تتحقّق بماء التوبة النصوح والتحلّي بالتقوى حتى يخلص من أدران المعاصي كلّها وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾2.
 
2- طهارة النفس من الأخلاق الذميمة: فالأخلاق الرذيلة والصفات النفسية القبيحة تلوّث باطن الإنسان وتبعده عن محضر الحق.
 
وجميع المفاسد الأخلاقية تعود في الأصل إلى العجب وحبّ النفس والتكبّر والتفاخر والتعصّب التي هي صفات الشيطان. وكلُّ واحد منها مبدأ لكثيرٍ من الذمائم الأخلاقية ورأس كثيرٍ من الخطيئات. يقول الله تعالى في كتابه الكريم مبيناً ومحذراً: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾3. والطهارة هنا تتحقّق بمجاهدة النفس وتزكيتها وبالعلم النافع من أجل اقتلاع كلِّ هذه الأدران من النفس.
 
3- طهارة القلب من التعلّقات: فالقلب حرم الرحمان ولا ينبغي أن يسكن هذا الحرم سوى الله سبحانه وتعالى، فلا ينشغل بغيره ولا يقبل على أحد سواه. في الحديث عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن"4. وفي



1 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة: ص102.
2 سورة الأعراف، الآية 26.
3 سورة الأعراف، الآية 27.
4 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

147

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 الحديث أيضاً: "أنّ قلب المؤمن عرش الرّحمن"1، وروي في الحديث القدسيّ: "لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن"2.

 
ولتطهير القلب مراتب، نشير إلى بعضها هنا:
أ- التطهير من حبّ الدنيا: الذي هو رأس كلّ الخطيئات ومنشأ جميع المفاسد، فما دام الإنسان محبّاً للدنيا لن تتيسّر له محبّة الله تعالى للقاعدة القرآنية: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾3، ولن يستشعر حلاوة عبادة الله عزّ وجلّ، لأن القلب منشغلٌ بمعبودٍ آخر. وهذه المرتبة من الطهارة تحصّل من خلال الاستزادة من العلم الإلهي والمجاهدة الروحية والتفكّر في الآخرة والاعتبار من زوال وفناء الدنيا.
 
ب- التطهير من الاعتماد على الخلق: والوثوق بما لديهم الذي هو في الحقيقة من أنواع الشرك الخفيّ. ويحصل هذا التطهير بالتوحيد الفعلي للحق جلّ وعلا. ولا يكفي الاعتقاد العقلي بأنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله، بل ينبغي أن يصبح اعتقاداً قلبياً والانتقال من حد العلم إلى حد الإيمان من خلال تنبيه القلب وتلقينه هذه الحقيقة. والعمل بمقتضيات هذا الاعتقاد في حياة الإنسان اليومية، حتى يصل إلى قطع الطمع من الخلق والاعتماد في كل أحواله على صاحب التأثير الوحيد في الكون أي الله عزّ وجلّ.
 
الآداب القلبية للستر واللباس
يقول الإمام الصادق عليه السلام في الآداب القلبية للستر واللباس: "أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان"4. قال الله عزّ وجلّ:
 



1 م. ن، ج55، ص39.
2 م. ن.
3 سورة الأحزاب، الآية 4.
4 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج3، ص324.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

148

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. وأما اللباس الظاهر فنعمةٌ من الله يستر عورات بني آدم وهي كرامةٌ أكرم الله بها عباده ذرّية آدم ولم يكرم غيرهم، وهي للمؤمنين آلةٌ لأداء ما افترض الله عليهم. وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله عزّ وجلّ بل يقرّبك من شكره وذكره وطاعته ولا يحملك فيها إلى العجب والرياء والتزيّن والمفاخرة والخيلاء، فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب، فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة. واعتبر بفضل الله عزّ وجلّ حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء. ولا تـفضح أحداً حيـث ستـر الله عليك أعظم منه واشتغل بعيب نفسك، واصفح عمّا لا يعنيك حاله وأمره واحذر أن تفني عمرك لعمل غيرك ويتّجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل. وما دام العبد مشتغلاً بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل عن الآفات، خائضٌ في رحمة الله عزّ وجلّ يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان وما دام ناسياً لذنوبه جاهلاً لعيوبه راجعاً إلى حوله وقوّته لا يفلح إذاً أبداً1.

 
آداب وقت الصلاة
إن أهل معرفة الله ليس لهم أوقاتٌ مخصوصةٌ لعبادة الله تعالى، بل هم دائماً في عبادة، فكلّ الأوقات أوقات عبادةٍ عندهم، فهم في حالة حضورٍ دائمٍ، لا يفارقون الذكر والتفكّر والمراقبة لحظةً واحدةً، ولا يختارون على المناجاة مع الحق شيئاً، ويعتبرون أن العزّة والشرف والفضيلة كلّها في تذكّر الحق ومناجاته، لذا فهم يواظبون على أوقات الصلاة وينتظرونها بشغفٍ وشوقٍ، ولا يرون العبادات الإلهية تكليفاً وكلفة.



1 م.ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

149

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 وعلى الإنسان السالك إلى الله أن يتّخذهم قدوةً، وأن يحافظ بقدر الإمكان على أوقات الصلاة، فيترقّب أوقات فضيلتها فإن فيها نوراً ليس في غيرها من الأوقات. كما ينبغي له أن يقلّل فيها من الاشتغالات القلبية، بل أن يقطعها أيضاً. وهذا لن يتحقّق للإنسان إلا بتنظيم وقته، بمعنى أن يحفظ للصلاة وقتاً خاصّاً لا يزاحمها فيه عملٌ آخر ولا تكون فيه للقلب تعلّقاتٌ أخرى، كي يتمكّن من تهدئة القلب وتحضيره للدخول في محفل الأنس بذكر الله.

 
وهنا بعض الأحاديث ومنها ما قد ذكرناه في درسٍ سابقٍ، والتي تشير إلى مدى اهتمام أولياء الله عليهم السلام بأوقات الصلاة، لعلّ التدبّر فيها وتذكّرها يؤدّي إلى اليقظة والانتباه من نوم الغفلة:
 
فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُحدّثنا ونُحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كلّ شيء"1.
 
وروي أن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام كان إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن، فيقال له: "مالك يا أمير المؤمنين"؟ فيقول عليه السلام: "جاء وقت الصلاة وقت أمانةٍ عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها"2.
 
ويُروى أن الحسين عليه السلام كان إذا توضّأ يتغيّر لونه وتضطرب مفاصله فقيل له في ذلك فقال: "حقٌّ لمن يقف بين يدي ذي العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله"3.
 
ومن الآداب المعنوية للوقت كما يقول الإمام الخميني قدس سره، والتي ينبغي على المصلي مراعاتها، أن يقارن ضعفه وعجزه مع عظمة الله سبحانه وتعالى حتى يستشعر القلب الخوف فتتصاغر نفسه وعبادته في عينيه. وعليه أن يتأمّل في سعة رحمة الله 



1 ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي، ج1، ص 324.
2 م. ن.
3 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص339.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

150

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 حيث سمحت لعبدٍ ضعيفٍ مثله بالدخول إلى هذا المحضر المقدّس رغم ما به من علل وآفات فيؤدّي هذا التأمّل إلى استشعار القلب للرجاء والأمل. وعند ذلك يستعدّ للحضور في محضر الذات المقدّسة بخطى الخوف والرجاء والرغبة والرهبة.

 
وعلى الإنسان أن يحذر من رؤية نفسه لائقةً لهذا الحضور أو أن يحسب أنه أهلٌ للقيام بالعبادة والعبودية، بل عليه أن يعلم أن الإذن للعبادة والعبودية إنما هو فقط بفضل شمول رحمة الله ولطفه عزّ وجلّ. وعندما يضع الإنسان ذلّته نصب عينيه وحين يدرك أنه وعبوديته ليسا شيئاً مذكوراً، عندها يتلطّف الحق تعالى به ويرفعه ويقبله في محضره المقدّس1.
 
آداب استقبال القبلة
لاستقبال القبلة أيضاً كما بقية أفعال الصلاة آدابٌ معنوية ينبغي مراعاتها والالتفات إليها. فالمصلي الحقيقي عندما يقف مستقبلاً القبلة لأداء الصلاة فإن هذا الاستقبال بالنسبة له يعني أمرين:
الأول: أنه صرف وجهه الظاهر عن كل الأمور المشتّتة في هذا العالم.
الثاني: أنه وجّه وجهه إلى الكعبة التي هي أم القرى ومركز الأرض.
 
والهدف الأساسي لاستقبال القبلة في الصلاة والتوجّه نحو النقطة المركزية والإعراض عن الجهات المتفرّقة، هو إيقاظ الفطرة وتخليصها عن الحجب والشواغل الدنيوية إيذاناً ببدء مرحلة الانقطاع الكامل إلى الله. فالإنسان بفطرته يفرّ من النقص ويتوق نحو الكمال دائماً. وهذه الفطرة مغروسة في أعماق كل البشر دون استثناء.
 
ودور الأنبياء والأولياء عليهم السلام إنّما هو إخراج الناس من الاحتجاب بالكمال الموهوم، وتخليص نور فطرتهم من ظلمات الجهل وتعريفهم بالكمال والكامل الحقيقي، وهو الله تعالى الذي هو الكمال بلا نقص، والجمال بلا عيب، ونور النور، والخير المطلق. وإن 



1 راجع الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، ص124-125.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

151

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 كلّ كمالٍ وجمالٍ وخيرٍ وعزّةٍ وعظمةٍ ونوريّةٍ وفعليّةٍ وسعادةٍ موجودةٍ في دار التحقّق إنّما هي من نور جمال تلك الذات المقدّسة.

 
وعندما يفهم القلب هذه الحقيقة فإنه يتوجّه تلقائياً نحو القبلة الحقيقية أي الحق تعالى، وينفر من كلّ ما عداه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾1. وإفهام القلب هذا المعنى يتمّ بالتلقين، فيكرّر السالك في نفسه عند توجّهه لاستقبال القبلة هذه الحقيقة وسوف تستقرّ شيئاً فشيئاً في قلبه. والإمام الصادق عليه السلام يبيّن آداب الاستقبال فيقول:
 
"إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا وما فيها والخلق وما هم فيه، استفرغ قلبك عن كلّ شاغلٍ يشغلك عن الله تعالى وعاين بسرّك عظمة الله تعالى واذكر وقوفك بين يديه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ وقِف على قدمي الخوف والرجاء"2.



1 سورة الانعام، الآية 79.
2 منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، الباب39، في افتتاح الصلاة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

152

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 التمارين


ضع إشارة ü أو × في المكان المناسب:
1- إنّ كلّ الأعمال الصورية والظاهرية التي يقوم بها الإنسان لها في الباطن أثرٌ .
2- لمادة اللباس التي يختارها الطالب للحق الساعي للارتقاء تأثير سلبي في الروح والقلب. 
3- من مراتب طهارة اللباس الظاهري طهارة الأعمال من المعاصي بماء التوبة النصوح والتحلّي بالتقوى. 
4- جعلت طهارة اللباس الظاهري من شرائط قبول الصلاة الظاهرية، وكذلك جعلت طهارة اللباس الباطني من شرائط صحة الصلاة الباطنية. 
5- طهارة النفس من الأخلاق الذميمة لا تتحقّق بمجاهدة النفس وتزكيتها، بل بالعلم النافع فقط. 
6- لتطهير لباس القلب مراتب منها المجاهدة الروحية والتفكّر في الآخرة والاعتبار من زوال وفناء الدنيا. 
7- على الإنسان السالك أن يحافظ على أوقات الصلاة كي يتمكّن من تهيئة القلب للحضور في محفل الأنس بذكر الله. 
8- ينبغي للساك أن يعلم أن الإذن بعبادة الله والعبودية له تعالى إنّما هو بفضل شمول رحمة الله ولطفه عزّ وجلّ بعباده. 
9- الهدف الأسمى لاستقبال القبلة في الصلاة هو إيقاظ الفطرة وتخليصها عن الحجب والشواغل الدنيوية إيذاناً ببدء مرحلة الانقطاع الكامل إلى الله تعالى. 
10- من آداب استقبال القبلة استفراغ القلب عن كلّ شاغلٍ يشغله عن الله تعالى ويعاين بسرّه عظمة الله تعالى ويذكر وقوفه بين يديه تعالى في الآخرة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

153

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 المفاهيم الرئيسة

1- هناك تأثيرٌ متبادلٌ بين ظاهر الإنسان وباطنه، فجميع الأعمال الظاهرية التي يقوم بها الإنسان لها في الباطن أثر.

2- ينبغي للإنسان الطالب للحق والساعي للارتقاء المعنوي أن يجتنب - عند اختياره مادة اللباس وشكله - ما يؤثّر سلباً في الروح، ويخرج القلب عن استقامته، ويورث الغفلة عن الحق تعالى، ويجعل توجّهات الروح دنيوية.

3- جعلت طهارة اللباس الظاهري من شرائط صحّة الصلاة الظاهرية، وكذلك جعلت طهارة اللباس الباطني من شرائط قبول الصلاة الباطنية.

4- طهارة اللباس الباطني على مراتبٍ كعدد الألبسة الباطنية: أولاً: طهارة الأعمال من المعاصي، ثانياً: طهارة النفس من الأخلاق الذميمة، ثالثاً: طهارة القلب من التعلّقات الدنيوية ومن الاعتماد على الخلق.

5- على الإنسان السالك أن يحافظ على أوقات الصلاة، فيترقّب أوقات فضيلتها ويقلّل فيها من الاشتغالات القلبية، بل يقطعها أيضاً.

6- على الإنسان أن يحذر من رؤية نفسه لائقةً للعبادة أو أن يحسب أنه أهلٌ للقيام بالعبادة والعبودية، بل عليه أن يعلم أن الإذن للعبادة والعبودية إنما هو فقط بفضل شمول رحمة الله ولطفه عزّ وجلّ.

7- الهدف الأساسي لاستقبال القبلة في الصلاة، هو التوجّه نحو النقطة المركزية والإعراض عن الجهات المتفرّقة، إيذاناً ببدء مرحلة الانقطاع الكامل إلى الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

154

الدرس الحادي عشر: الآداب المعنوية للباس والوقت والقِبلة

 للمطالعة

 
دور التقوى في تحصيل هدف العبادة
إنّ الخوف والفزع من الحق المتعالي يوجب خشية النفس وتقواها، وهي بدورها تبعث على قبول آثار الأعمال أكثر.
 
وتفصيل هذا الإجمال هو أنّه لكلّ الأعمال الحسنة أو السيئة تأثيراً في النفس. فإذا كانت تلك الأعمال من سنخ العبادات والمناسك كان التأثير هو خضوع القوى الطبيعية للقوى العقلية، وقاهرية ملكوتية النفس على المُلك، وانقياد الناحية الطبيعية للإنسان لناحيته الروحانية حتى يبلغ الأمر إلى الجذبة الروحية والوصول إلى المقصود الأصلي. وكلّ عملٍ يبعث على مثل هذا التأثير أكثر، وينجز هذه الخدمة أحسن، لكان أصوب، ولترتّب عليه المقصود الأصلي بشكلٍ أفضل. وكلّ شيءٍ له دور في هذا التأثير، فهو متكفّلٌ لصواب العمل. وغالباً ما يكون هذا هو المقياس لأفضلية الأعمال. ويمكن أن يكون الحديث المعروف "أفْضَلُ الأعْمالِ أحمَزُها"1 مندرجاً تحت هذا المقياس أيضاً.
 
وبعد تبيّن هذه المقدمة، لا بد أن نعرف بأن التقوى تزكّي النفس وتطهّرها من الدنس والقذارات. وطبعاً إذا كانت صفحة النفس ناصعة، وطاهرة من حجب المعاصي وكدرها، كانت الأعمال الحسنة مؤثّرة أكثر، وإصابتها للهدف المبتغى أدق، وتَحقُّق السّر الكبير للعبادات الذي هو ترويض الجانب المادي للإنسان، وقهر ملكوته على مُلكه ونفوذ الإرادة الفاعلة للنفس بصورة أفضل.
 
فالخشية من الحق سبحانه، التي لها التأثير التام في تقوى النفوس هي من العوامل الكبيرة لإصلاح النفوس، وذات دور في إصابة العمال وحسنها وكمالها2.



1 ابن الأثير، النهاية، ج 1 ص 440.
2 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، الحَديث العشرون: النيَّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

155

الدرس الثاني عشر: أفعال الصلاة وآدابها المعنوية

 الدرس الثاني عشر: أفعال الصلاة وآدابها المعنوية



أهداف الدرس
على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن الآداب المعنوية المختلفة للقيام في الصلاة.
2- يشرح الآداب المعنوية المختلفة للركوع في الصلاة.
3- يبيّن الآداب المعنوية المختلفة للسجود في الصلاة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

156

الدرس الثاني عشر: أفعال الصلاة وآدابها المعنوية

 حقيقة أفعال الصلاة

إنّ هدف الأنبياء العظام وتشريع الشرائع والأحكام ونزول الكتب السماوية وخصوصاً القرآن الشريف، هو نشر التوحيد والمعارف الإلهية وقطع جذور الكفر والشرك. وسرّ التوحيد سارٍ وجارٍ في جميع العبادات القالبية والقلبية أي في ظاهر العبادات وباطنها، بل إنّ أداء العبادات عبارةٌ عن إجراء التوحيد من باطن القلب إلى ظاهر البدن وهذا ما سبقت الإشارة إليه.
 
وللسالك إلى الله مهمّةٌ لا يجوز له الغفلة عنها مطلقاً في جميع مقامات السلوك، بل هذه المهمّة هي غاية السلوك ولبّ لبابه. وهي أن لا يغفل في جميع الحالات والمقامات عن ذكر الحق ويطلب في جميع المناسك والعبادات معرفة الله وتوحيده.
 
وفي الصلاة التي هي العبادة الجامعة يتجلّى التوحيد في أفعالها حيث إنه السرّ فيها، فالقيام إشارةٌ إلى التوحيد الأفعالي، بينما الركوع إشارةٌ إلى التوحيد الصفاتي، والسجود إشارةٌ إلى التوحيد الذاتي. وهذه الأفعال الثلاثة هي عمدة أحوال الصلاة، وسائر الأعمال والأفعال مقدّمات ومعدّات لها1.
 
يقول الإمام الخميني: "اعلم أن عمدة أحوال الصلاة ثلاثة، وسائر الأعمال والأفعال مقدّماتها ومعدّات لها، الأول: القيام. والثاني: الركوع. والثالث: السجود. وأهل المعرفة يرون هذه الثلاثة إشارة إلى التوحيدات الثلاثة، ونحن ذكرنا تلك المقامات في كتاب سر الصلاة على حسب الذوق العرفاني"2.



1  للمزيد من الاطلاع راجع كتاب سرّ الصلاة حيث يشرح الإمام الخميني قدس سره العلاقة بين الأفعال الثلاثة وكل من التوحيد الأفعالي والصفاتي والذاتي في فصول: في أسرار القيام،في بعض أسرار الركوع، في سر السجود.
2 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، الباب الخامس في نبذة من آداب الركوع وأسراره، الفصل الثاني، في آداب الانحناء الركوعي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

157

الدرس الثاني عشر: أفعال الصلاة وآدابها المعنوية

 ويقول أيضاً: "اعلم أن أهل المعرفة يرون القيام إشارة إلى التوحيد الأفعالي، كما أن الركوع عندهم إشارة إلى التوحيد الصفاتي والسجود إلى التوحيد الذاتي، ويأتي بيانهما في محلّهما"1.

 
قوام الصلاة
إن الصلاة التي هي معراج المؤمن وقربان أهل التقوى، متقوّمةٌ بأمرين أوّلهما مقدّمة للآخر:
الأول: ترك رؤية النفس وإرادتها الذي هو باطن التقوى.
الثاني: إرادة الله وطلب الحق وهو حقيقة المعراج والقرب.
 
ولهذا ورد في الروايات الشريفة: "الصلاة قربان كل تقيّ"، فغاية السلوك هو طلب لقاء الله تعالى والقرب منه وهذه حقيقة كون الصلاة معراجاً.
 
وهذان الأمران يحصلان في الأفعال الثلاثة للصلاة أي القيام والركوع والسجود بالتدريج:
ففي القيام يتمّ ترك رؤية فاعلية النفس ورؤية فاعلية الحق وقيّومية الحق المطلق. فلا يرى المصلي لنفسه دخالة في الإتيان بالفعل بل يرى الفعل من الله تعالى ولا يرى أن قيامه في الصلاة هو من نفسه وفعلها، بل يراه من الله القيّوم.
 
وفي الركوع يتمّ ترك رؤية صفات النفس ورؤية مقام أسماء الحق وصفاته، فلا يرى لنفسه أية صفات كمالية بل ينسب جميع الصفات الكمالية لله تعالى، ويحصرها فيه عزّ وجل.
 
وفي السجود يتم ترك رؤية النفس مطلقاً، وحب الله وطلبه مطلقاً، فلا يرى المصلي لنفسه وجوداً بل يرى الوجود منحصراً به تعالى.



1 م. س، الباب الثاني في القيام، الفصل الأول، في السر الاجمالي للقيام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

158