الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة


الناشر: وحدة الدراسات والمتون الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-04

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة


الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة هو عنوان المؤتمر الذي عقدته وحدة المتون والدراسات برعاية رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين وبمشاركة نخبة من الأساتذة والمختصين التربويين بعدما انطلقت فكرة إقامة المؤتمر من هاجس التعرف إلى الكيفية التي تبنى فيها شخصية الجيل الناشئ في ظل المتغيرات العميقة التي تشهدها مجتمعاتنا سيما مع بروز وسائل تنشئة بالغة التعقيد وشديدة الحساسية لا لكونها أصبحت مورد استفادة في المؤسسات التربوية، بل لأنها أصبحت تحيط بالفرد وتلاحقه في أسرته وبيئته الاجتماعية الحاضنة وتقدم نفسها عبر وسائل الاتصالات الحديثة وبمضمون ثقافي يحمل الكثير من القيم الثقافية والاجتماعية التي تهدف إلى التنميط السلوكي للأفراد بما ينسجم مع عصر العولمة العابرة للخصوصيات الثقافية ، والساعية نحو تدميرها حتى غدا معها الحديث عن التحصين الاجتماعي والقيمي شديد الصعوبة.

ومن ناحية أخرى، فإن التعرف على التجربة التربوية هو أمر مطلوب حتى مع عدم وجود تحديات من هذا النوع، لأن المقاربة تعبر عن 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

المقدمة

 محاولة تقيمية هادفة إلى الإحاطة بمجمل العملية التربوية في مساراتها وكوامنها، وما تختزنه من إيجابيات ومعوقات لا بد أن تبرز مع كل عملية من هذا النوع سيما أن الخطاب يتوجه نحو فئة عمريها لا تقل خطورة عن سابقاتها ، وهي فئة الجيل الشاب بخصائصه العقلية والوجدانية القابلة لاستيعاب كل جديد وباستعداداته المفعمة بروح التحفز والأمل نحو مستقبل يحفظ له دوره ومكانته في الوسط الذي يعيش. هذا الجيل الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام اللازم وألا يترك عرضة لما يحيط به من تنميط ثقافي هادف على إفراغ الذات من محتواها وللمؤثرات النازعة إلى اجتثاثه من عمقه الروحي والاجتماعي. في حين أن التطور اللافت في مجالات العلوم الإنسانية في التربية، وعلم الاجتماع وعلم النفس بفروعه المختلفة ومن ثم الوسائل الحديثة من سمعية وبصرية وغيرها ، يطرح تحدياً من نوع آخر أقله كيفية توظيف وتكييف هذه الوسائلية في العملية التربوية، ومدى الإسهام بابتداع وتطوير أساليب تربوية ومعرفية متناسبة ومنسجمة مع الحاجات والأهداف الخاصة التي تتطلع إليها أطرنا التربوية.


وعليه فإن دراسة الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة يهدف إلى جانب ما تقدم نحو استكشاف ممكنات التطوير الذي لا يمكن العبور إليه إلا بعد المقاربة بالتعرف والتحليل والاستنتاج واستشراف المستقبل. وهو ما سوف نجده في المقاربات الواردة بين دفتي هذا 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
6

2

المقدمة

 الكتاب والذي نرجو أن يشكل مورد استفادة للعاملين والمختصين في هذه المجالات سيما وأن التوصيات المطروحة تعبر بحق عن خلاصة ما تم التوصل إليه في المناقشات التي جرت والتي إذا ما تمت مراعاتها فإنها تضيف رصيداً جديداً لأهداف المؤتمر وهي لا تقل أهمية عما سبقها من مقاربات ميدانية ونظرية وما أعقبها من مداخلات تعكس الاهتمام اللازم من قبل المتداخلين والمشاركين الذين نتوجه إليهم بجزيل الشكر والعرفان بالجميل لا لدورهم في المؤتمر فحسب وإنما لدورهم الفائق في تربية أبنائنا من الجيل الحالي والأجيال اللاحقة نحو بناء مستقبل زاهر وهو ما لا يكون لولا توفر البيئة الحاضنة والملائمة التي تمكنه من العبور إلى دوره المنشود بطمأنينة وبدراية واسعة من قبل المختصين.


نأمل أن يكون هذا المؤتمر مقدمة لما سيعقبه من مؤتمرات ودراسات ثقافية وتربوية تنزع نحو تعزيز المزاوجة بين الإيمان والعقل، وترسيخ قواعد السلوك القويم، وتعميق الانشداد نحو المعرفة بمنطلقاتها الصافية والمنسجمة مع الدور الحضاري، المرجو للإنسان انطلاقاً من تعاليم ديننا الحنيف.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
مسؤول وحدة المتون والدراسات
 الثقافية في حزب الله
 الشيخ خليل رزق

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

المقدمة

 كلمة الافتتاح

د. غسان طه

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

قبل التعريف بأهداف هذا المؤتمر أود التوجه بالشكر الخاص للسادة الحضور سيما الذين سيتقدمون بمداخلاتهم طيلة هذا النهار ولرؤساء الجلسات والأخوة الإداريين على معاناتهم في الإعداد والتهيئة ولإنجاح انعقاد هذا المؤتمر الذي يحمل عنوان "الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة".

أن يكون هذا هو عنوان المؤتمر، يعني أننا سنقف بمواجهة جمهرة من الأسئلة حول المفاهيم المتضمنة، والتي يمكن أن تنفتح على تأويلات سجالية.

في التعريف الماهوي للخطاب، هو اللغة بحالة الفعل والتفاعل بين شركاءَ وعناصرَ في التفاعل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9

4

المقدمة

 وهو أيضاً نظام مركب، بل هو بناءٌ كلي مؤلف من عناصر، ومن شبكة من العلاقات المتفاعلة بين أبنية. جزئية، من بنية الكلام في مقصديته، في طوره الجدلي، وفي تموضعه، ومستواه الدلالي والتداولي. ومن الذات الفاعلة والموجهة،التي تتم فاعليتها في إطار الذات المتفاعلة أي المكتوب، والمصنوع لأجله وهي الفئة العمرية المستهدفة ليست الناشئة فحسب وإنّما الكبار أيضاً إذ لا ينبغي أن تُتْرك مواهب المرء عرضة للصدأ.


أما في المضمون، فالخطاب هو خطاب ثقافي إسلامي، وليس خطاباً دينياً باعتبار أن الخطاب الديني، هو التأويل في لغة الدين نفسه في بعده الأصولي، وفي أبنيته الفقهية، والعقائدية المفتوحة على مناهج علم الكلام وعلم التفسير.

أن يكون الخطاب إسلامياً يعني أنه مفتوح في منطلقاته على ما عداه في السياسة والاقتصاد، والإدارة، والثقافة، والبعد الثقافي والتربوي هو ما ينشده مؤتمرنا هذا في الخطاب.

الخطاب الثقافي بمنطلقاته الإسلامية، له منطقه الخاص، وأحد أساساته اللغة في سياقها التربوي والاجتماعي والتاريخي، في معايشتها للواقع الموضوعي، وفي قصديتها وغاياتها. اللغة الموجهة للإنسان بوصفه يتشكل تاريخياً وموضوعياً وفقاً لاستعداداته الذاتية العقلية والحسية والوجدانية، وللشروط السوسيو - ثقافية في محيطه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

5

المقدمة

 التفاعلي سيما الإطارات المؤسساتية التربوية والاجتماعية.


اللغة التي سيتعين عليها العمل في ميادين شتى: الأنا – الآخر – الفن، الإبداع، التاريخ، الرؤية للعالم. وعلى تحديد المسافة بين التراث والحاضر،وكيفيّة امتلاك الإنسان وعياً عمليّاً كي لا يبقى ما يعرفه شيئاً غريباً ينسب إلى الذاكرة والفكر.

اللغة في وسائليتها التطبيقية والعملية حين يكون القصد بناء الإنسان، وفي إشكالياتها النابعة من تعاطيها مع الإنسان ببعديه عالم الروح وعالم المادة، ومع جدلية الحياة والموت التي يعيشها هذا الكائن في ذاته منذ أن كان.

هي إشكالية وسائل الثقافة المحدودة لأمر غير محدود مفتوح من النسبي إلى المطلق (أي عالم الروح) النسبي محدودب بحدود الطبيعة والوجود، والجسد، وكل ما هو خاضع للملاحظة، فكيف يتعين على وسائل الثقافة المحدودة التعامل مع المطلق وغير المحدود.

إنّ مؤسساتنا التربوية قد استفادت ولا تزال من مبتكرات العلم الحديث في وسائل التربية والتعليم. ولكن استناداً إلى العنوان الذي اجترحناه للمؤتمر يعني أن مضمون الخطاب يشير إلى الهوية وإلى الكينونة، وهو ما يفترض أن ينسحب على وسائل تطبيق هذا الخطاب، والتي هي بلا ريب تحتاج على جهود جبارة من قبل المختصين لابتداع أساليب خاصة دون إدارة الظهر للعلم الحديث،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

6

المقدمة

 هذه الخصوصية هي التي تعطي للخطاب الثقافي الإسلامي هويته وكليته وإلا فإنه غير متشكل أو هي في طور التشكل وهذه الكينونة لم نقصد بها التي لا تتحقق إلا بالتضاد مع الذوات الثقافية الأخرى بل الانفتاح والتفاعل مع الآخر للاستفادة من المساحات المشتركة، فيما يتصل بأهداف المؤتمر فهي بلا شك متنوعة، نورد منها ما يلي:


أولاً: الإحاطة العامة بطبيعة الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة من حيث غاياته ومقاصده.

ثانياً: التعرف على طبيعة الخطاب (في المضمون والأسلوب) بحسب التجربة الذاتية لكل مؤسسة والوقوف على حجم التشارك والتمايز فيما بينها.

ثالثاً: التلاقح الفكري الإيجابي الذي سيتيحُهُ الحوار بين الأطراف المشاركة في المؤتمر.

رابعاً: التوصل إلى اقتراحات وتوصيات يمكن أن تسهم في تطوير هذا الخطاب سوءاً في مضمونه الثقافي التربوي أو في أساليبه العملية والتطبيقية.

وهنا لا بد من التنويه أن الأخذ بمستلزمات التطوير المقترحة يعود لكل مؤسسة، إذ ليس من مهمة المؤتمر تشكيل لجنة للمتابعة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

المقدمة

 تضطلع بالإشراف والرقابة ومتابعة تنفيذ التوصيات، لأن لكل مؤسسة مرجعيتها المشرفة.

أما حول طبيعة المداخلات التي سنتعرف عليها، سوف تنطوي على شقين: نظري وعملي، وقد تكون في ورقة واحدة.

الشق النظري: يتضمن مقاربة الأصول النظرية لمضمون الخطاب ولطبيعة الفئة العمرية التي سيتوجه إليها الخطاب، ولوسائل تطبيقه بحسب نتاجات مدارس علم النفس بفروعه المتنوعة سيما التربوي، والعيادي، والاجتماعي، وعلم نفس نمو الشخصية، وهذا الشق سيضطلع به مختصون بهذا الشأن.
أما المداخلات في الشق العملي، فهي مسنودة إلى المشرفين التربويين الذي سبق أن اختبروا العمل التربوي وما زالوا، سيعمدون إلى مقاربة الخطاب في مضمونه وأساليبه المعتمدة انطلاقاً من التجربة الخاصة لكل صرح تربوي أي المؤسسات والإطارات المشاركة في المؤتمر وهي كشافة المهدي، المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، جمعية التعليم الديني، ومؤسسة إمداد الإمام الخميني قدس سره لا مناص من العودة جديّاً للتجربة وذلك للاستفادة من إضاءَتها ولتوضيح الصعوبات الناجمة عن التطبيق للتصوّر ولتحديد مساراته وآفاقه المستقبليّة.

نتمنى للمؤتمرين كل النجاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات 

 
السيد هاشم صفي الدين1
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
في البداية أشكر الأخوة الأعزاء في وحدة الدراسات والمتون على هذه البادرة الكريمة والجيدة والمهمة لطرح هذا العنوان من أجل البحث والنقاش للوصول إلى نتائج نحن بأمس الحاجة اليها للعمل والاهتداء.
 
وأشكر الأخوة والأخوات الباحثين والباحثات اللذين شاركوا في تقديم مداخلاتهم وأشكر أيضا كل من سيشارك في إنجاح أعمال هذا المؤتمر.
 
غنيٌ عن البيان أن الفئة المستهدفة من هذاالمؤتمر والتي نريد ان نصوغ لها خطاباً إسلامياً ثقافياً هي فئة مهمة جدا في حاضرنا وفي مستقبلنا وفي كل تطلعاتنا لما تمتلك من حساسية خاصة في بناء الشخصية وبالتالي في بناء المجتمع وبناء الوطن والأمة.
 
إن ما يُغرس ويُزرع في قلب وعقل ونفس الأنسان في هذه المرحلة
 
 

1- رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

9

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 العمرية سوف يحدد له المستقبل. 


فالموضوع حساس ودقيق لكن قبل أن أدخل في العنوان المطلوب حول الأهداف والسياسات سأذكر بعض النقاط من باب المقدمة والمدخل:

أولاً: ان التجربة الدينية الإسلامية أمام تحدٍ فكري كبير وخطير في امتحان قدرتها على صياغة ثقافةٍ متكاملة العناصر عمقاً وانتشاراً تؤهلها للانتقال من مرحلة الطفرة إلى مرحلة المشروع العالمي والإنساني.

ثانياً: التجربةُ الدينيةُ الإسلامية لا تكتمل إلا إذا أثبتت قدرتها على بناء الأجيال المتعاقبة وفق رؤيتها الخاصة، واستناداً إلى هويتها في خضم صراعات فكرية متلاطمة تسقط فيها عقائد وإيديولوجيات وتنهض أخرى على وقع المتغيرات المتسارعة في عصرنا الحاضر.

ثالثاً: المعركة الثقافيةُ والتربويةُ تحتاج إلى عاملي الهجوم والدفاع لتشق الطريق وتعبيده للمتلهفين للخلاص ولترسخ دعائم الانتصارات والتقدم المشهود في العالم في هذه الأيام.

رابعاً: الخطاب الثقافي للناشئة في أحسن أحواله هو أداةٌ للبناء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

10

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 وللتربية ولا ينبغي أن نتخيل أنه لوحده يعالج المشاكل الموجودة لهذه الفئة العمرية الحساسة والهامة جداً في شخصية كل فرد وبالتالي الخطاب الصحيح سيكون فاعلاً ومؤثراً وفي موقعه الطبيعي إذا لاحظ كل العوامل الأخرى والمؤثرة، يعني إذا وضع في إطار العوامل السياسية والتعليمية والإجتماعية والإقتصادية وغير ذلك. وكلها يفترض أن تدفع بنفس الاتجاه وأن تساهم في الوصول إلى تحقيق الهدف. وأعتقد أن المقصود الآن في البحث المطروح هو توفر عناصر السلامة للوصول الى المبتغى في الخطاب الثقافي الإسلامي.


وخامساً: لنصل إلى نتيجة يجب أن نمتلك الجرأة والموضوعية، الجرأة في تحديد المطلوب مضموناً وأسلوباً فان كنا قد جربنا ولم ننجح علينا أن لا نصر على تكرار الفشل وأن نكون بمستوى المسؤولية، وحينما نتقدم لننشئ خطاباً ثقافياً إسلامياً يوجه إلى هذه الفئة العمرية. فلنقلع عما هو فاشل ولنتوجه بقوة واندفاع ومسؤولية نحو ما هو ناجح ونحو المقصود بشكلٍ موضوعي وأنما أتحدث عن هذه النقطة تحديداً حتى لا يكون المثقف أو العالم أو المبلغ أو المربي عبئاً على الرسالة بدل أن يكون في خدمتها في حال الاصرار على المضي في الفشل.

ومن هنا أحب أن أبدأ لأطرح مجموعة أسئلة وأدخل إلى الأهداف:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

11

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 هل أن الموجود بين أيدينا من كتب ومتون وأساليب وتجارب قاصر عن الوصول الى الغاية والمطلوب حتى نحتاج إلى البحث في الخطاب الثقافي الإسلامي؟


هل نحن بصدد مواجهة أزمة تخفي وراءها عجزاً أمام السيل الهادر والخطير لثقافة العولمة والانحراف والفساد التي وجدت في الأساس لتصب جامها على غريزة وهوى وأحاسيس الناشئة اليافعين؟؟

أم أننا بصدد إكمال التجربة الناجحة وتشييد الرؤية وتطويرها ليعلو شأنها ولتزداد شموخاً!! ثم هل سنبتكر خطاباً جديداً يتجاوز المألوف في إيصال الرسالةِ في العقيدةِ أو الأخلاق أو الفقه أو السلوك أو الآداب!! أم أننا سنهتدي إلى أساليب أكثر حداثةً مما وصلت إليه الدراسات الجامعية ومراكز الأبحاث في علم التربيةِ و علم الإتصال وما تقدمه المناهج التعليمية والتربوية وما تقدمه أيضاً وسائل التأثير وصناعة القيم من خلال المدرسة أو التلفزيون أو الإنترنيت أو الفن أو الأدب أو إلى أخره من وسائل هامة هل سنبتكر جديداً؟؟

في هذا المجال إنني أعتقد أن الدراسةَ والمناقشةَ مفيدةٌ على أي حال ومهمةٌ إذا لامست المطلوب وإذا تمكنت من تحديد ما يجب أن نفعله وما يجب أن نحدده في خطابنا وما يجب أن نطوره في خطابنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

12

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 وفي أدائنا لتطوير كل هذه التجربة التي يتطلع العالم اليومَ إليها كتجربة تحت الإمتحان والإختبار خاصة وأن الشعارات المطروحة كبيرة وكبيرة جداً.


وفي النهاية ما هو المطلوب؟؟ وماذا نريد من الخطاب الثقافي الإسلامي؟؟

أولاً: بحسب ما يمكن أن نتصوره من أهداف هناك الكثير من العناوين التي يمكن اعتبارها أهدافاً للخطاب الثقافي الإسلامي ولكن سأقتصر على مجموعة الأهداف التي اراها هي الأساس في هذا الموضوع:

أولاً - في الجانب الإيماني: يهدف الخطاب الثقافي الإسلامي أساساً إلى زرع وغرس نبتة الإيمان في قلب وفي عقل هذا الإنسان، فبذرة الايمان موجودة أصلاً، وهي فطرة الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نتحدث عن أمرٍ أجنبي بمعنى خارج عن طبيعة الإنسان وخلقته ووجوده فالله سبحانه وتعالى أودع فيه هذه البَذرة التي تؤهله لأن يكون إنساناً مؤمناً وإنساناً عارفاً. المطلوب بالهدف من الخطاب هو مساعدةُ هؤلاء الناشئة للوصول إلى حقيقة الإيمان بالله والغيب وفتح الآفاق أمامهم على هذا العالم الملكوتي للوصول إلى معرفةٍ راسخة ومعاشة لله عز وجل، ثم لتعريفهم كيفية إقامة هذه العلاقة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

13

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 مع الله سبحانه وتعالى. سأستفيد من الخطاب الإلهي في قصة النبي موسى سلام الله عليه حينما جاءت الآيات في سورة طه لتتحدث عن العناية الإلهية الخاصة لنبي الله موسى سلام الله عليه ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ هذا اختيار وإصطفاء وإجتباء وهذه هي العناية الخاصة كيف تُترجم هذه العناية؟ كيف نستفيد من هذه الترجمة الإلهية في الخطاب الإلهي لموسى عليه السلام لنخاطب الناشئة بنفس الطريقة إن أمكن وعلى نفس المنوال لنستفيد ولنصل إلى تحقيق الهدف؟.

 
يقول الله تعالى أيضا في سورة طه في الخطاب الموجه لموسى عليه السلام ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ما هو الخطاب الذي يُفترض أن يستمع إليه موسى سلام الله عليه ليصل إلى تحقيق الهدف من هذا الإختيار الإلهي ومن هذا الإصطفاء ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾. إذاً البداية معرفة الله عز وجل البداية في الخطاب هو أن يستمع هذا الناشئ إلى هذا الخطاب الإلهي إلى هذه العقيدة إلى حقيقةِ ومضمون هذه العقيدة إلى حقيقة التوحيد أن يصبح التوحيدُ قوةً دافعةً للإنسان في أي اتجاه في أي حركة وان يصبح محوراً أساسياً وأن يكون التوحيدُ بناءً كاملاً في قلب وعقل هذا الإنسان. معرفة الله أي التوحيد أو بداية المعرفة في التوحيد هو أحد أهم الأهداف المطلوبة والتي يجب أن يتم التركيز عليها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

14

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 الخطاب الإسلامي الثقافي الموجه للناشئة ينبغي أن يركزَ تركيزاً شديداً على هذه النقطة ليساهمَ مساهمةٌ قويةٌ في الوصول إلى هذا التوحيد.

 
الناشئ بحاجة إلى مساعدة فهو بحاجة إلى من يعينه في تشييد بناء هذا الإيمان، الإيمان ليس فكرة عابرة وليس كلمة وليس تقليداً موروثاً، التقليدُ والعاداتُ والأفكارُ كلها تساعد في هذا البناء وحينما نعتقد أن التوحيد هو ركيزة وبناء حقيقي يعني ينبغي أن تصبح هذه الركيزة موجودة في عقل وقلب الإنسان لنضمن لهذا الإنسان مساره التوحيدي طوال عمره في هذه الحياة الدنيا وينبغي أن نعرفه في الخطاب على الأصول الإعتقادية الأساسية كالإيمان بالنبوة والمعاد والعدل والإمامة وكل الامور الاعتقادية الاساسية.
 
ثانياً- الهدف الثاني الذي نهدف إليه على المستوى العبادي هو العلاقة مع الله سبحانه وتعالى: تعريف هذا الطفل وهذا الناشئ بكيفية إقامة العلاقة مع الله سبحانه وتعالى طبعا ًنحن لن نخترع جديداً سوف نحدثه عن الشريعة سوف نقدم له هذه الشريعة التي أمرنا الله عز وجل بإتباعها من أوامر ومن نواهي لكن هنا أقصد كيف يصل أو كيف يعيش الطفل أو الناشئ هذه العبودية لله سبحانه وتعالى ونفس الآية تحدثت ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ الأمر الآخر بعد المعرفة هي العبادة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

15

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 كيف يفهم هذا الإنسان أن المطلوب منه في هذه الحياة الدنيا هو تجسيد معنى العبودية. إن أسمى غاية وأرفع غاية يصل إليها الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يجسد هذه العبودية تجسيداً حقيقياً المهم أن يعيش الناشئ هذه الفكرة أن ينسجم مع هذا المعنى أن يُصبحَ هذا المعنى محوراً في حركته وفي حياته فيما يطلبه وفيما يسعى إليه.

 
وفي العبادة التي تعكس معنى العبودية هناك أمور:
 
أولاً: إقامة الصلاة والالتزام بالأحكام الإلهية، دفع هذا الإنسان على المواظبة على هذه التشريعات والتزامها وعلى ذكر الله سبحانه وتعالى ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ أهمية الذكر في حياة الإنسان. طبعاً قد يخطر في بال أحدكم أن هل المطلوب أن نقدم كل هذه المفاهيم مع أنها مفاهيم عالية وراقية ومهمة أن نقدمها لهذا الناشئ أو الطفل أعتقد ان هذه المرحلة تتطلب أن نتحدث مع أطفالنا ومع ناشئتنا في هذه المعاني لكن بلغة خاصة وأسلوب خاص (الدعاء - الخشوع- التذلل- الخضوع بين يدي الله عز وجل) يجب أن يتعلم لا نكتفي فقط بأن هذا الطفل أو أن هذا الناشئ إذا أصبح مؤمناً أو اهتدى إلى شعلة الإيمان المتأججة في قلبه و في روحه وفي نفسه أن الأمر قد انتهى ويمكن ان يتعلم في اللاحق من الأيام،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

16

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 إذا تعلم الطريقة التي يعبد فيها الله سبحانه وتعالى أحياناً من أبيه أو من أستاذه أو من المبلغ أو من العالم أو من وسيلة الأعلام أو ما شاكل. ينبغي أن يتعلم كيف يدعو الله سبحانه وتعالى، أين ومتى، ما هي الساعات التي يتوجه فيها إلى الله والتي يخلو فيها مع الله سبحانه وتعالى. هذه علاقة مطلوب أن نوجه الأطفال إليها.


الأمر الثاني: معرفة النفس والعمل على تهذيبها:

الخطاب الإسلامي الثقافي ينبغي أن يوجه هذه الفئة العمرية إلى التعرف على أنفسهم وهذا الموضوع أيضا في غاية الحساسية والأهمية وبالنتيجة (من لم يعرف نفسه لن يعرف ربه) ومن لم يعرف هذه النفس في مكوناتها وطبيعتها وهنا لا أتحدث عن المصطلحات الفلسفية أو النقاشات الموجودة في الجامعات أو الحوزات أو المعاهد. الطفل ليس بحاجة إلى هذه الأمور عليه أولاً أن يعرف من هو عليه أن يصل إلى إدراك ولو الحد الأدنى أو المعنى البسيط بالمعنى العلمي لمعرفة نفسه ومن الأخطاء الشائعة حسب ما أرى بحسب التجربة من الأخطاء الشائعة أن الأبحاث الموجهة إلى النفس ومعرفتها قد يعتقد البعض منا أنها من مختصات الكبار وأنه من المبكر أن نتحدث مع الأطفال بهذه الأمور أنا اعتقد أن الطفل أو الناشئ الذي نربيه ونغذيه على القيم والمعاني ليقود نفسه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

17

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 في لحظة المسؤولية والبلوغ والتكليف عليه أن يعرف هذه النفس عليه أن يعرف كيف يقود هذه النفس عليه أن يعرف النوازع الموجودة في هذه النفس لا أن يتعاطى مع الأشياء ومع الأوضاع ومع ما يشاهده في الحياة و ما يعانيه وما يواجهه تعاطي الساذج الذي يتلقى فقط. صحيح أنه في هذه المرحلة هو في موقع الإنفعال وفي موقع التأثر، لكنه بإمكانه أن يكون مشاركاً لأنه فعلاً هو مشارك حقيقي فقد لا يبرز هذه المشاركة وقد لا يعبر عنها، لكنه هكذا، ولأنه كذلك ينبغي أن يتعرف، ينبغي أن يعرف ينبغي أن يتحصن. إن التربية التي تنشأ فقط في عالم الإلقاء لن تدوم ولا يمكنها أن تصمد مع الأيام ومع الإبتلاءات ومع الصعوبات ومع التحديات القاسية، معرفة الطفل أو الناشئ بنفسه وبالنوازع بطرق التقوى والإيمان على قاعدة التزكية المعروفة عندنا ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أن يعرف أن هناك هوىً وأن هناك تزكية وأن هناك طريقاً للتقوى يوصله إلى المطلوب من وجوده و من خَلقه في هذه الحياة الدنيا وأيضا ً على ما أعتقد أنه من الأخطاء الشائعة في هذا المجال حينما نتحدث عن المناهج التعليمية والتربوية وعما تقوم به مختلف الوسائل المشاركة في هذا البِناء التعليمي والتربوي كثيراً ما يحدثنا البعض وهو محق عن تطور هذا الجسد ومتطلباته بحسب الفئات العمرية وأنا رأيت وشاهدت وسمعت أن هذه الأبحاث أصبحت مهمة ومتطورة ولها مكانة خاصة في المجال التعليمي وفي المجال التربوي لكن النفس وحالاتها

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

24


18

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 النفس وقواها النفس وطبيعتُها النفس وأهميتها في بناء مستقبل هذا الناشئ ألا تستحق برنامجاً خاصاً أو منهجاً تعليمياً تربوياً يكون جزءاً من مناهجنا ومن ثقافاتنا، إن التجربة حتماً سوف تتطور وتنمو يوماً بعد يوم وليس صحيحاً أن نساهم من حيث نشعر أو لا نشعر فيما هو ملقى من ثقافةٍ غربيةٍ لا نقبلها وان نعتمد على ما هو بين ايدينا من ثقافة منحرفة نصل إلى نتائج صعبة وبعدئذٍ نقول أين الحل ؟ حينما تُركز في الثقافة على الجانب المادي أو الجسد المرتبط بالإنسان علينا نحن أيضاً أن نُركز على الجانب المعنوي لأننا نعتقد أن الجانب المعنوي في الإنسان هو الأقوى وهو الأدوم وهو الأنفع في نهاية المطاف للإنسان. إن التركيز على النفس وقواها وإحتياجاتها يمكننا أن نقدم من خلاله برامج ومناهج وخطاباً ثقافياً مدروساً والتجربة كما قلت كفيلة في المساعدة على هذا الأمر.


وأيضاً التعريف بالمخاطر، مخاطر الإنحرافات التي سيواجهها، المزالق التي سيكون هذا الإنسان في معرض الوصول إليها، يجب أن ننبهه يجب أن يعرف إن النفس إذا تركت على هواها سوف تصل إلى نتائج وإلى عواقب وخيمة جدا. 

الأمر الثالث - العلاقة مع الآخرين:

الخطاب الثقافي الإسلامي أيضاً ينبغي أن يلحظ هذا الجانب المهم وينبغي أن تبدأ هذه الشخصية بالتعلم وفي الإنتباه إلى كيفية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

19

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 التعاطي مع الآخرين. أنا لا أريد أن أتحدث بما هو من اختصاص علم التربية وهذه الأمور سوف تتحدثون عنها بالتفصيل ولكن من خلال مفهومنا الديني في نفس قضية موسى سلام الله عليه {وألقيت عليك محبة مني و لتصنع على عيني} لازلنا في جو الرعاية الخاصة من الله عزوجل هذه الرعاية الخاصة اقتضت أن تلقىَ المحبة الخاصة من الله عز وجل في موسى عليه السلام ألقيت في قلبه هذه المحبة الخاصة التي عاشت وساهمت وساعدت بشكل قوي في تقبل الآخرين لموسى عليه السلام والإهتمام به حتى نشأ هذه النشأة التي هي أيضاً في إطار التخطيط الإلهي للدور الذي قدره الله تعالى لموسى سلام الله عليه زرع المحبة في القلب اتجاه الآخر، وزرع مفاهيم التسامح والاحترام للآخر تقوي المنحى الإيجابي إتجاه الآخرين وفي العلاقات الاجتماعية وأحد الأسس هو أحد الركائز المهمة للتوازن في شخصية الفرد وفي بناء مجتمع قيّمي إسلامي ديني سليم بل في صلاح كل المجتمعات. الإسلام العزيز ركز كثيراً على هذا الجانب ويكفي أن نعرف وكلنا يعرف أن الأخلاق الخاصة والرفيعة التي كان يتحلى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت بحد ذاتها أحد أهم عناصر القوة في خوض كل الغمار في ذلك المجتمع الجاهلي القاسي والصعب وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يواجههم دائما بالتسامح بالمحبة وشخصيته كانت كما يقول بعض الكُتَّاب كانت شخصية مليئة بقوة الجذب والاستقطاب.

 

 

 

 

 

 

 

 

26


20

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 طبعاً للعلاقات الاجتماعية مندرجات وتفاصيل لا أتحدث عنها أنما أتحدث عن هذه الفكرة تحديداً لنعطيتها أهميتها الخاصة والاعتناء بها.

 
رابعاً- الإنتماء الرسالي: 
 
ينبغي أن يُصاغ مشروع رسالي ينخرط فيه هذا الناشئ، فالإنتماء عنصر مهم يحفز على الدور ويعطي للانسان قيمة خاصة يشعر الناشئ بكينونته وأن له دوراً فاعلاً ومؤثراً في هذه الحياة. من أصعب الأمور التي تقتل القدرات والطاقات والإمكانيات هو أن يشعر الإنسان بأن الأفاق أمامه مسدودة، الإنتماء يُعطي هذا الحافز وأيضا ً يوجه الناشئ من بداية حياته باتجاه مسار، باتجاه مسار ديني إسلامي وإنساني باتجاه مسار يشعر فيه أنه يقوم بوظيفةٍ خُلقَ لأجلها. وحينما نحدثه بعدئذٍ عن الجزاء وعن الأجر و عن الثواب وعن النتيجة و إنما هي نتيجة هذا المسار الذي اختاره في بداية حياته ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أن يكون من الداعيين إلى الله سبحانه وتعالى بغض النظر عن كيفية الدعوة و من أي موقع ومن أي مكان هذا يحدده لاحقاً حينما يحدد خياراته على مستوى دوره الحياتي في هذه الدنيا، لكنه في المبدأ يجب أن يكون منخرطاً في إطار مشروعٍ يشعر فيه بوجوده و بقيمة حياته.
 
ومن هنا تأتي القيم أو المفاهيم التي تساعد على هذا الإنتماء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

21

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 وعلى تشخيص و تحديد هذا الدور الإنتمائي وهذا الدور الرسالي كما هي قضية المقاومة كما هي قضية الشهداء كما هي كل القضايا الأساسية التي نعيشها والتي نعيش لأجلها والتي نحيا في ظلها ينبغي أن يكون شريكاً معنا هذا الناشئ في تحسس هذه القيم والإقتراب منها وأن يكون فاعلاً في نصرتها.


خامساً- يجب أن يساهم الخطاب الثقافي الإسلامي مساهمةً مباشرة في تقديم القيم الدينية وضرورة مراعاتها في مختلف المجالات وفي تركيز هذه القيم والمعايير المهمة ونحن نعلم أن المعايير هي أحد أهم المؤثرات في تحديد الموقف من أي شيء، كل شيء نتخذ منه موقفاً يخضع في النهاية إلى المعيار، يخضع إلى مقياس ما هي المعايير التي ينبغي أن تُزرع في قلب و في عقل هذا الناشئ ؟ المال ! الجاه! السلطة! الزعامة؟ إلى ما هنالك. هذه معايير موجودة و قيم موجودة في الحياة هل هذه القيم التي ينبغي أن تشغل بال الإنسان هي مهمة في حياته وتشكل هدفاً في حياته لكن الخَطِر دينياً وإسلامياً هو أن تصبح هذه المعايير معايير حاكمة في الوقت التي يجب أن تبقى محكومة لمعايير أقوى وأهم وأرفع وأسمى وأعلى، المعايير الأعلى هي التي تحدد وجهة هذا الإنسان هي التي تحدد هويته وانتمائه ومستقبله وكل شيء، هي التي تحدد كل ما نسعى للوصول إليه. من الخطورة بمكان أن نقدم مادة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

22

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 تعليمية أو تربوية أو ثقافية من خلال وسيلة إعلامية أو من خلال مدرسةٍ أو من خلال جامعةٍ أو من خلال أي عملٍ وأي نشاط في هذا المجال أن نقدم ما يخدم تكريس وترسيخ هذه القيم المادية على أنها حاكمة بالوقت التي تكون هي محكومة ولذا كما قلت قبل قليل في الموضوع النفسي نجد كما تجدون ونسمع من خلال تجربتنا إن الكثير من المشاكل التي يعاني منها الأهل والمربون مع هذا الجيل ثم لا نلتفت إلا أننا نحن من ساهم في تكريس و ترسيخ هذه القيم الخاطئة من حيث نشعر أو لا نشعر من حيث الإلتفات إلى أصالة ما ننتمي إليه أو ما نقدمه أولم نلتفت من خلال إهمالنا وإغفالنا أو من خلال عدم مراعاة ما يجب أن نصل إليه أو ما نحدده في الأساس وهنا طبعا أريد أن أتحدث عن الخطاب الثقافي بشكل عام لكن هذا الخطاب الثقافي هو الذي يحدد ما نقدمه وما نطلبه من هذا الناشئ.


إذن هذه القيم ينبغي أن تكون قيماً واضحةً مُقدَمةً بشكل جيدٍ وواضح وبحسب الأولويات الدينية والشرعية.

وعلى سبيل المثال القدوة الحسنة، القدوة هي من الأسُس بحسب منهجنا الديني هي من الأسس في عالم التربية {ألا وإن لكل مأموم أمام يقتدى به ويستنير بنور علمه} القدوة يعني النموذج الذي يتطلع إليه هذا الناشئ والناشئ عادةً هو كثير الإهتمام
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

23

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 بالنموذج الذي يتبعه والذي يهتدي به والذي يقتدي به حينما نمتلك في تاريخنا و في ثقافتنا النماذج التي تربت كما تحدثت عن موسى سلام الله عليه تربت في أجواء الوحي والخطاب الإلهي هل نحتاج إلى نماذج أخرى؟؟ هل نلجأ إلى نماذج أخرى، النماذج الأخرى التي تُقدم قد تكون نماذج خَطِرة في بعض الأحيان وقد تساهم مساهمة كبيرة في الوصول إلى الإبتعاد عن الهدف المقصود.


الخطاب الثقافي الإسلامي معني بشكل أساسي بتقديم هذه القيم و بتقديم هذه النماذج.

سادساً- الهدف أي ما ينبغي أن يهدف إليه الخطاب الثقافي الإسلامي هو تعزيز الثقة بالدين والانتماء: حينما نقدم ثقافة إسلامية لهذا الناشئ وهذا الجيل ينبغي أن يشعر بأن هذه الثقافة التي نقدمها والمفاهيم التي نقدمها هي قوية لها أدلتها وبراهينُها أن تقدم باستدلالاتها أن تُقدم من خلال كل عناصر القوة فيها لـأن أي ترديد أو أي اضطراب أو أي ضعف في تقديم ثقافة إسلامية أو دينية سوف ترتد سلباً في الحاضر أو في المستقبل على الشخصية المستهدفة وهذا أيضاً من عناوين الأصالة في ثقافتنا وفي هويتنا وموضوع الأصالة هو موضوع طويل وكبير وله جذور ولا أريد أن أتحدث عنه بإسهاب لكن أعتقد أن الفكر الأصيل الذي ينتمي إلى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

24

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 الإسلام كما هو، هو الذي يثق في دينه و بإنتمائه لأنه الفكر الذي أراده الله عز وجل لهداية كل بني البشر ليس هناك ما نخجل به و ليس هناك ما نشعر فيه بالضعف وليس هناك ما يحتاج إلى تتميم لان الاسلام هو وحي الله سبحانه وتعالى هو ما جاء به الأنبياء والمرسلون سلام الله عليهم أجمعين. هذه الثقة في تقديم الفكرة التي تُعزز في قلب الناشئ تجعله قويا في إيمانه وقوياً في إعتقاده وقوياً في انتمائه وقوياً في رجوعه إلى المفاهيم الأصيلة والذي هو دائماً بحاجة إليها.

 
ثامناً- وأخيراً في الأهداف فلسفة الحياة القائمة على الإبتلاء: من المعاني المهمة جداً والتي تؤسس في قلب وفي عقل هذا الناشئ لمواجهة الأحداث في هذه الحياة الدنيا علينا أن نعرّف الفرد الذي نربيه انه حين يخرج إلى عالم الحياة لن تكون الأمور سهلة أمامه ومعبدة أمامه سوف يواجه صعوبات، وعليه ان يقوى على مواجهتها، عليه أن يفقه ويفهم معنى الإمتحان ومعنى الابتلاء هذا له دخل أيضاً في القيم التي تحدثت عنها قبل قليل ولكن مفهوم الإبتلاء كما ذكرت الآية الكريمة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ حينما يجعل الله عز وجل الهدف من الخلق كله الهدف هو الإبتلاء للوصول إلى الأعمال إلى الجزاء إلى نتيجة الأعمال، إن فلسفة هذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

25

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 الأمر من الأمور المهمة التي إذا فهمها الناشئ بشكل جيد واستوعبها بشكل جيد ستعينه على تجاوز الكثير من المحن، وسوف تجعله متفائلاً سوف تجعله يتطلع دائماً وإلى ما هو أفضل إلى ما هو فيه وعد الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا إن لم يتحقق في هذه الدنيا ففي الآخرة، الإبتلاء يقوي هذا المعنى يعطى هذا الأمل الدائم المتجدد، ويقوي الإنسان على مواجهة الامتحانات ونحن نريد جيلاً قوياً جيلاً لا يهتز أمام كل الإغراءات وأمام كل الإنحرافات و أمام كل التحديات جيلاً قادراً على حمل المسؤولية وعلى الوصول إلى تحقيق الأهداف.


هذه هي الأهداف التي ربما تكون تختصر ما ينبغي أن نتوجه إليه في الخطاب الثقافي الإسلامي.

أما السياسات سأتلوها بشكل سريع:

سياسات الخطاب الثقافي التي ينبغي أن تراعي الحال من كل الجهات وأن تكون كما يقال في البلاغة أن مطابقة لمقتضى الحال وأنا أتحدث عن سياسة خطاب ثقافي لمرحلتنا بلحاظ كل التجارب وبلحاظ كل التحديات الموجودة أمام أطفالنا وأجيالنا.

أولاً: أن يكون الخطاب منطقياً متسلسلاً يحاكي الأسئلة الحائرة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

26

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 في قلب وعقل الناشئة هذه الأسئلة الموجودة والتي هي طبيعية ينبغي أن تواجه هذه الأسئلة فكما يقال في كل شيء الأسئلة التي هي في لحظة من اللحظات هي تهديد، هي في الواقع فرصة. هذه الأسئلة مطلوبة ليتحفز هذا الطفل للمعرفة وينبغي أن يُعطي أجوبةً منطقيةً وأن نحاكي هذه الأسئلة بشكل جيد.


ثانياً: أن يكون الخطاب سهلاً ومبسطاً خالياً من التعقيدات اللفظية والمعاني المتشابكة والمتداخلة ومن المصطلحات النخبوية، أنا أتحدث هنا عن تجارب كثيرة، هي الشكاوي التي تأتينا من بعض الأطفال والناشئة (يقولون: أتى فلان أعطانا درساً والله ما فهمنا شيئاً أو مرر لنا مجموعة مصطلحات ما فهمنا منها شيئ) مصطلحات الحوزة للحوزة ومصطلحات الجامعة للجامعة ومصطلحات النخبة للنخبة أما هذا الناشئ فهو يحب أن يسمع خطاباً سهلا بسيطاً يصل إلى عقله وإلى قلبه وأحيانا التعقيد في الكلام سيُنَفر وسيبعد وربما يتخيل الطفل أن الثقافة إذا كانت بهذا التعقيد فيصبح عنده مشكلة مع مفهوم الثقافة ومع درس الثقافة.

ثالثاً: أن يكونَ خطاباً مباشراً. والإستغناء قدر الإمكان عن المقدمات والتأسيسات الفكرية التي سيجد الفرد أو الناشئ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

27

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 متسعاً من الوقت لمعرفتها لاحقاً، في هذه المرحلة العمرية لا يعنيه كثيراً النقاشات والمداخلات الدائرة بين العلماء وأهل البحث و النقاش، الذي يعنيه هو أن يلتقط أن يستفيد أن يصل إلى تلبية إحتياجاته والخطاب المباشر محبب لهذه الفئة العمرية.


رابعاً: أن يكون مختصراً ما أمكن، تجنب المطولات والملاحق إبعاداً للناشئ عن الملل والضجر اللذين سرعان ما يحلان به، هذا الناشئ عادةً سرعان ما يضجر ويمل.

خامساً: أن يحاكي الخطاب القلب والأحاسيس والعواطف أكثر مما يحاكي العقل والبرهان وبالتالي المدخل لأي فكرة ينبغي أن يكون العاطفة وليس العكس لأن الانفعال هنا قوي والأحاسيس هنا في مرحلة التحفز تحتاج إلى خطاب يحاكيه طبعا لا أقصد أن نترك البرهان أو نترك الدليل.

سادساً: أن تُطرح الإشكالات بقوةٍ وجرأةٍ وأن تُعالج بثقة وحزم أما إن تُطرح بقوة ولا تعالج بنفس القوة فهذا سيؤدي إلى تشكيك.

ثامناً: يجب أن يكون الخطاب حوارياًتشريكياً أكثر منه إلقائياً وإن كان لا يُستغنى بين الحين والآخر عن الأسلوب الإلقائي لخصائصه التعليمية والتربوية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

28

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 تاسعاً: التنوع في الأساليب، ينبغي أن لا نترك وسيلة أو أسلوباً متاحاً وممكناً إلا ونستخدمه ونجددَ دائماً في الأساليب وأن لا نعتبر أن ما نجحنا فيه في يوم من الأيام سوف ننجح فيه دائماً وهنا أحد أهم المشاكل الموجودة في هذا المضمار، يعني نقيس الأمور على أنفسنا نحن هكذا استفدنا فإذاً هذا الناشئ يمكنه أن يستفيد كما استفدنا ويمكنه أن يمشي على نفس الطريق والمنوال والأسلوب الذي اتبعناه ليصل إلى ما وصلنا إليه هذا خطأ. التجدد في الأساليب هو أمر ملح وحيوي ومهم، ينبغي أن تكون في سياسة الخطاب الثقافي التجدد الدائم في القوالب في الطرق في الأساليب المعتمدة لتقديم هذا الخطاب الثقافي الإسلامي.


أختم لأقول: أننا اليوم أيها الأعزاء أمام هذه التحديات الكبيرة التي نعيشها نتطلع دائماً إلى أن نكون بمستوى هذه التحديات وهي كبيرة على عالمنا اليوم كبيرة على مستوى كل ما نواجهه وما نشاهده من تحديات سياسية خطيرة من مشاريع من خطط تنكشف أو تتكشف بعضها في بعض المناسبات وما أضمر ربما يكون أخطر، ما حصل في الأيام الأخيرة بموضوع القدس كشف عن بعض المشاريع التي طالما تحدث عنها المسلمون وتحدثوا عن مخاطرها لكن اليوم نحن أمام حقيقة هذه الحقيقة تقول أن كل هذا العالم الذي تحدث
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

29

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 عن السلام وعن حقوق الإنسان وعن مشاريع التسوية وهذا المجتمع الدولي الذي تحدث عن ضرورة أن تشارك الحكومات والشعوب في السلام الموعود اليوم هؤلاء كلهم ينكشفون وتنكشف نواياهم لنصل في نهاية المطاف إلى معنى هزيل وهزيل جداً للخيارات السياسية على مستوى القضية المركزية الأم في أمتنا وفي منطقتنا وهي قضية فلسطين ليقول نتنياهو ويقول كل الصهاينة أن القدس هي الهدف المركزي والأساسي وأن بيت المقدس لا يمكن حسب قولهم أنه لا يمكن أن يعود إلى المسلمين وأن بيت المقدس هو الهدف الأساسي والمركزي من الإحتلال ومن سنوات العدوان والطغيان الاسرائيلي. هذه الحقيقة التي ينبغي أن يتحمل الجميع المسؤولية إتجاهها وينبغي أن تكون المسارات السياسية كما هي مسارات المقاومات في منطقتنا متوجهة إلى هذه القضية الأساس اليوم العالم يعترف أنه لن يضغط على نتنياهو وتحديداً الولايات المتحدة الامريكية لن تضغط على نتنياهو لإيقاف الإستيطان في بيت المقدس في المدينة المقدسة، إذاً أي شيء سيقدمه أوباما أو ستقدمه الإدارة الأمريكية لكل من انخرط في خيار التسوية والسلام المزعوم والموهوم هذا التحدي، تحدي كبير وتحدي على مستوى كل الأمة إن المأمول من العلماء من النخب من المثقفين المأمول من أهل النخوة والشرف والكرامة أن يقفوا موقفاً حازماً وجازماً في هذ ا الموضوع لتحسم الكثير من النقاشات وليقلع البعض عن الأوهام التي عاشت عليها

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

30

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 أمتنا لعقود من الزمن، الأوهام لا تحرر أوطان والقدس لا يمكن أن تعود بالأوهام والتخيلات والإستجداء. لا يمكن أن تعود إلا بالمقاومة والمقاومة المسلحة ودماء الشهداء والتضحيات هذا هو المطلوب وهذه هي الرسالة التي نستفيدها من كل أحداث القدس خلال الأسبوعين الماضيين والعالم الذي كما نعتقد يتغير ويتبدل المطلوب منا أن نكون فيه أقوياء لنحمل مشروع أمتنا ولنحمل قضايانا بقوة وحزم وثقة لنواجه كل هذه التحديات، والأحداث التي تحصل اليوم تثبت أيضاً بدءً من التحديات الموجودة في منطقتنا على مستوى إيران إلى العراق إلى افغانستان إلى فلسطين إلى كل التحديات الموجودة إلى لبنان تثبت أيضاً مفهوماً واحداً إذا كنت قوياً بإمكانك أن تجد لنفسك ولشعبك ولأمتك مكاناً في المعادلة الدولية القائمة و إذا كنت ضعيفاً ستُسحق، اليوم ما تجتازه الجمهورية الإسلامية هو إنجاز مهم وكبير يؤكد مقولة أن هذا الغرب لا يفهم إلا منطق أن تكون قوياً وأن تصل إلى حقوقك من خلال قوتك والتمسك بها ما يحصل في أفغانستان ما يحصل في العراق ما يحصل على مستوى كل المنطقة المتغيرات تحصل والتبدلات آتية لا محال.


أسأل الله عز وجل أن يتقبل أعمالكم وأن يعيننا ويعينكم على إنجاز خطابٍ ثقافيٍ إسلاميٍ واعدٍ كما هي المسؤولية وكما هو المطلوب أسأل الله تعالى التوفيق لكم في مؤتمركم وفي يومكم الطويل هذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

31

خطاب الناشئة: الأهداف، المضمون والسياسات

 وأعدكم كما تعدكم وحدة الدراسات والمتون وكل الوحدات الثقافية العاملة عندنا أن نأخد بهذه التوصيات وهذه النتائج لتكون برامج عمل بإذن الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

38


32

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 المحور الأول:

الناشئة في المنظار التربوي والواقعي



 
كلمة رئيس الجلسة
                           النائب الحاج حسن حبّ الله

1-الناشئة: من وجهة نظر علم نفس النمو

                                     الأستاذ توفيق سلوم

2- العوامل المؤثرة في الناشئة

                                     الحاجة أمير برغل

3- واقع الناشئة في المجتمع

                                  الدكتور طلال عتريسي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

33

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 كلمة رئيس الجلسة


النائب السابق الحاج حسن حب الله

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وعلى آله الطيبين الطاهرين...

يتقاطع علماء النفس والتربية حول ما ذهب إليه الإسلام عبر القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، على أنّ الإنسان يتأثر في هذه الحياة بعدّة مؤثرات منها: الوراثة، يعني الولد يرث من أبيه صفات خَلقيّة ويرث أيضاً منه صفات خُلقيّة أو من أبويه صفات خَلقيّة بالوراثة وبحسب التكوين، وصفات خُلقيّة أيضاً بالوراثة وربما تكون بالاكتساب. ويتأثر الإنسان أيضاً بالبيئة، كما يتأثر الإنسان بالتربية سواءً كانت من البيت أو من المدرسة. كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه.

إنّ هذه المؤثرات يجب أن تأخذ بعين الاعتبار. فعندما ننظر إلى الناشئة ودورها في بناء المستقبل، يعني أنّ هؤلاء الصبية والصبايا ينبغي أن يكونوا مورد اهتمام على جميع المستويات لأنّهم كما يقال: "هم رجال ونساء المستقبل". وهم الذين عليهم العمدة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

34

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 في بناء المجتمع والأمّة، وما عجز عنه جيلنا قد يتسلّموه ويحقّقوا فيه إنجازاً كما حقّقنا نحن إنجازاً في هذه المرحلة ما عجز عنه آباؤنا وأجدادنا. لذلك يجب أن يكون على مستوى التعليم وأيضاً على مستوى التربية.


وهنا أودّ أن أشير إلى ملاحظة هامّة ينبغي أن لا نقع بها كما وقع الآخرون، الثقافة أمرٌ مهمّ وينبغي على كلّ الأجيال وكلّ أبناءنا أن يهتمّوا بالثقافة، لأنّ الثقافة هي بمثابة النبراس للإنسان في هذه الحياة، ولكنّ الثقافة المعزولة عن السلوك العملي، ثقافة لا قيمة لها.

قد أحاضر في الأخلاق، في العدل، في حقوق الإنسان، في الصدق، في الأمانة، ولكن عندما أمارس في حياتي العمليّة لا أكون كذلك.

نحن مطالبون ومدعوّون بأن نبذل قدر كبير من الاهتمام في هذا المجال حتى لا نقع في الانفصام. ثقافتنا في جانب، ومسلكنا في جانبٍ آخر، نمارس من الدّين طقوسه العباديّة الشكليّة، ونبتعد عن محتواه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

35

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الناشئة من وجهة نظر علم نفس النمو

 
الأستاذ توفيق سلّوم1
 
اعتمد علم النفس مصطلح المراهقة للتعبير عن المرحلة العمرية التي تبدأ مع وصول طفل الإنسان إلى عمر قارب فيه البلوغ الجنسي أو حققه، والتي تنتهي في عمر يتراوح بين 18 و21 سنة. مع العلم أن تزايد امتداد مرحلة المراهقة متعلق بنمط العيش والنظام الاجتماعي والاقتصادي والتربوي لكل مجتمع من المجتمعات. وقد ركزت الدراسات النفسية بشتى ميادينها لمعرفة خصائص هذه المرحلة وسماتها على كافة الأصعدة النمائية: الجسمية، الوظائفية (الفيزيولوجية)، الحسية، الجنسية، الحركية، الاجتماعية، الذهنية، واللغوية.
 
المراهقة:
 
مرحلة يتميز بها الكائن البشري الذي ينتمي إلى المجتمع الحضاري، وليست هذه المرحلة من سمات المجتمع البدائي. وتعتبر
 
 



1-اختصاصي في علم النفس العيادي وتنشيط النفس اجتماعي للمجتمعات التي مزقتها الحروب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

 


36

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 إعلاناً صارخاً بخروج هذا الكائن من مرحلة ذهنية ونفسية سابقة، كان يُطلق عليها اسم الطفولة، إلى مرحلة جديدة يقال لها مرحلة الرشد. وإن لم يتحقق هذا الرشد بعد. إذاً هي فترة تغيرات كبيرة في نمو الصبي والبنت.

 


إن الفكرة القائلة بأن المراهقة فترة صعبة لكل من الوالدين والمراهقين أنفسهم هي ليست بالفكرة الجديدة. حيث وصفهم أرسطو بأنهم يغلبهم الهوى على أمرهم، وأقرب إلى أن تجرفهم أهوائهم ونزعاتهم. كما بين أفلاطون أنهم عرضة للجدل والخلاف لمجرد المجادلة والمناظرة.

تجدر الإشارة إلى أن الأبحاث الحديثة تبين أن الناس قد بالغوا كثيراً في مدى الاضطراب الذي يطرأ على المراهقين وآبائهم خلال هذه الفترة. وأسمح لنفسي بالقول أن المهتمين بهذا الأمر، في العالم، أكثروا من الحديث عن الحاجات وأغرقوا الإعلام والمكتبات بذلك، بدل العمل على إظهار المسؤوليات والدور المطلوب من اليافعين، أو من توافقوا على تسميتهم بالمراهقين، مما يجعل التفكير في تأمين عناصر الترفيه والإشباعات الطفلية أكثر أهمية من البحث عن تأمين مشاريع الإنتاج وميادين المسؤولية.

الخصائص الجسمية:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

37

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 يبدأ في هذه المرحلة تسارع النمو الجسمي، لجهة الزيادة في معدل الطول والوزن، كما أنه يزداد إفراز عدد من الهرمونات المنشطة، مما يستثير إطلاق هرمونات أُخرى بعضها متصل بالنمو وبعضها متصل بالجنس.


وأثبتت البحوث كذلك أن للمراهقة أشكالاً وصوراً متعددة تتباين بتباين الثقافات وتختلف باختلاف الظروف والعادات الاجتماعية والأدوار الاجتماعية التي يقوم بها المراهقون في مجتمعهم. وفي المجتمعات البدائية تقام الحفلات والشعائر والطقوس وداعاً لدنيا الطفولة وإيذاناً بدخول المراهق إلى عالم الكبار. أما المراهق المتحضر فإن مشاركته في مجتمع الراشدين البالغين تتأجل حتى يتم تعليمه وحتى يتعلم مهنته ويتقن تخصصه، كذلك فإن سن الزواج بالتالي يتأخر.

ولقد وصف "ستانلي هول" المراهقة بأنها "فترة عواصف وتوتر وشدة" تكتنفها الأزمات النفسية وتسودها المعاناة والإحباط والصراع والقلق والمشكلات وصعوبات التوافق.

إلا أن بحوث كثير من العلماء مثل "مارجريت ميد" و"روث بنيدكت" وغيرهما أوضحت أن ما يصادفه الفرد من عواصف وتوترات وشدة إنما يرجع إلى عوامل الإحباط والصراع المختلفة التي يتعرض لها في حياته في الأسرة في المدرسة وفي المجتمع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

38

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ولقد أثبتت الدراسات أيضاً أن المراهقة مرحلة نمو عادي، وأن المراهق لا يتعرض لأزمة من أزمات النمو ما دام هذا النمو يسير في مجراه الطبيعي.


وهكذا نرى أن مرحلة المراهقة مرحلة حرجة في حياة الفرد. ومن بين ما يجعل مرحلة المراهقة بهذه الصورة ما يلي:

ـ الصراعات النفسية: فالمراهق الصغير يسعى لأن يكبر ويتحمل المسؤولية ولكنه يحتاج لأن يظل طفلاً ينعم بالأمن. وهو يسعى للاستقلال ولكنه ما زال يحتاج إلى المساندة والدعم والاعتماد على الآخرين خاصة الوالدين والأسرة.

ـ الضغوط الاجتماعية: (الخارجية) وهذه كثيرة على المراهق، فعليه أن يقف على قدميه وأن يفكر لنفسه ويختار ويقرر لنفسه. ولكن عليه أن يتطابق تفكيره وسلوكه مع المعايير الاجتماعية.

ـ الاختيارات والقرارات: فعلى المراهق القيام بالاختيارات واتخاذ القرارات الحيوية التي تحدد مستقبل حياته.

ـ ظاهرة البطالة ويقصد بها البطالة الاقتصادية والاعتماد على الآخرين، ويقصد بها أيضاً البطالة الجنسية، فالمراهق مؤهل جنسياً إلا أنه غير مسموح له أن يمارس الجنس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

39

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ الخلط في أذهاب الكبار بخصوص مفاهيم مثل السلطة والحرية والنظام والطاعة والديمقراطية... واختلاف وجهات النظر بين الكبار وبين المراهقين بخصوص هذه المفاهيم.


إن مرحلة المراهقة وحدة متكاملة غير أن ضرورة البحث جعلت العلماء يقسمونها بقصد الدراسة إلى ثلاث مراحل فرعية:

ـ مرحلة المراهقة المبكرة: سن 12 ـ 13 ـ 14.

ـ مرحلة المراهقة الوسطى: سن 15 ـ 16 ـ 17.

ـ مرحلة المراهقة المتأخرة: سن 18 ـ 19 ـ 20 ـ 21.

وسيقتصر النص على المرحلتين المبكرة والوسطى باعتبارهما المستهدفتين في هذا العمل.

المراهقة المبكرة (EARLY ADOLESCENCE 12 ـ 13 ـ 14 سنة).

وهي المرحلة الإعدادية والتي من أبرز مظاهر النمو فيها ما يلي:

النمو الفسيولوجي: في هذه الفترة يكون التغير الفسيولوجي ملحوظاً، وفيها تتغير وظائف كل جهاز من أجهزة الجسم بدرجة معينة. وأهم تغير هو حدوث البلوغ الجنسي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

40

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 البلوغ الجنسي: يعتبر البلوغ بمثابة "اليقظة الجنسية" للفرد. ويتحدد البلوغ الجنسي عند الذكور بحدوث أول قذف منوي وظهور الخصائص الجنسية الثانوية، وعند البنات بحدوث أول حيض وظهور الخصائص الجنسية الثانوية. ويعتبر البلوغ الجنسي نقطة تحول وعلامة انتقال من الطفولة إلى المراهقة.


ويسبق البلوغ الجنسي فترة نمو جسمي سريع خاصة في الطول وليس هذا النمو السريع نتيجة للبلوغ الجسمي. وأهم شيء في البلوغ هو نضج الغدد الجنسية. وهذا يحدث غالباً بين سن 13 ـ 14 سنة. أما البلوغ الجنسي فيبدأ بنمو الغدد والأعضاء التناسلية، فالمثيرات هنا داخلية، وتلاحظ هنا أهمية الغدة النخامية التي تقع في أسفل المخ والتي تستثير هرموناتها المشاعر الجنسية والدورة الجنسية وتستثير الخصيتين عند الذكر والمبيضين عند الأنثى في العمل والنشاط. وكذلك تؤثر الغدة الكظرية أو فوق الكلوية، خاصة القشرة بهرموناتها في النمو الجنسي بوجه عام إذ يسبب زيادة إفرازها زيادة وإسراع النمو الجنسي.

ويختلف سن البلوغ الجنسي لدى البنين والبنات وبين أفراد الجنس الواحد أيضاً تبعاً لاختلاف العوامل المؤثرة في النمو الجنسي. فعند البنات يتراوح سن البلوغ الجنسي بين 9 ـ 18 سنة، وعند البنين يتراوح بين 11 ـ 18 سنة. في حدودهما القصوى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

41

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ويورد "ستاتون" و"جونز" ملاحظات حول التوافق مع سن البلوغ الجنسي أهمها:


البنات اللاتي يبلغن مبكراً يملن إلى:

ـ الخجل، مع الميل إلى الاستعراض.

ـ الانعزال عن جماعة رفاق السن وسوء التوافق الاجتماعي (على الأقل حتى تلحق المتأخرات بهن).

ـ الحاجة إلى إشراف خاص من الكبار بخصوص نشاطهن الجنسي.

ـ التقدم من الناحية الاجتماعية عن البنات الأخريات عندما ينضجن جميعاً.

ـ المستوى العام للتوافق أفضل من المتأخرات خاصة التوافق الشخصي والتوافق الأسري.

ـ عدم استطاعة الحياة في مستوى النضج الذي يتوقعه منهن الكبار.

ـ تكوين مفهوم أفضل للذات.

البنات اللاتي يبلغن متأخراً يملن إلى:

ـ الانعزال عن النشاط الاجتماعي، والشعور بالوحدة، وحسد قريناتهن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

42

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

  

ـ الخجل والقلق بسبب تأخر البلوغ.

ـ سيطرة الوالدين عليهم مما يؤخر انتقالهن من الاعتمادية إلى الاستقلال.

ـ نمو مفهوم الذات بدرجة أقل كفاية.

ـ الحاجة إلى خبرات النجاح في أي ناحية يستطعن إنجاز نجاح فيها.

ـ الحاجة إلى الاعتراف والتقدير.

البنون الذين يبلغون مبكراً يميلون إلى:

ـ السعادة، لاتجاه الأنظار إليهم وتوليهم أدواراً قيادية.

ـ التعرض للرفض إذا حاولوا الانضمام إلى جماعات أكبر منهم سناً.

ـ عدم استطاعة الحياة في مستوى النضج الذي يتوقعه منهم الكبار.

ـ الشعور بالثقة في النفس والكفاية والميل إلى الاستقلال وتكون مفهوم موجب للذات والتوافق الاجتماعي والانفعالي.

البنون الذين يبلغون متأخراً يميلون إلى:

ـ التأخر اجتماعياً ورياضياً عن رفاق سنهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

43

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ الخجل والقلق والوعي بالذات.

 


ـ اللجوء إلى طرق سلوكية طفلية والسعي لجذب انتباه الآخرين.

ـ الحاجة إلى خبرات النجاح في أي ناحية يستطيعون إنجاز نجاح فيها.

ـ الشعور بالنقص وعدم الكفاية والاعتماد على الآخرين وتكون مفهوم سالب للذات وسوء التوافق الاجتماعي والانفعالي.

إن معدل النمو الجسمي والفسيولوجي يؤثر في نمو الشخصية بدرجة واضحة. وهناك عدة عوامل تؤثر في موعد البلوغ الجنسي منها حالة النشاط الغددي، والحالة الصحية العامة، والاستعداد الفردي، وبعض العوامل البيئية كالتغذية.

البلوغ الجنسي عند الإناث: يحدث الحيض عند الفتاة عندما يبدأ إنتاج البويضة الناضجة وانتقالها من المبيض عبر قناة البويضات (قناة فالوب) إلى الرحم، وعندما لا يتم تلقيحها بالحيوان المنوي تنفجر وينفصل الغشاء الرحمي المعد لاستقبالها ونموها تبعاً لذلك وينزل في صورة دم أحمر قانٍ.

ويرتبط سن بدء الحيض لدى الفتاة بالطول والوزن والعمر الهيكلي والمناخ والبيئة الجغرافية. وسواء توقعت البنت حدوث أول حيض أم لم تتوقعه فإنها عادة تنتبه لحدوثه. ويجب إعداد البنت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

44

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 لهذا الحدث لأن بعض البنات ينظرن في رعب وهلع إلى الحيض على أنه نزيف لا يمكن إيقافه. وقد يرتبط الحيض في هذه الصورة بعدم السرور أو بالخبرات المؤلمة.


هذا وأهم الخصائص الجنسية الثانوية التي تظهر مع السيادة التدريجية المنشطة للأنوثة Estrogens عند الفتيات: نمو الأعضاء التناسلية (قناتي البويضات والرحم والمهبل) واتساع الحوض والردفين واستدارة الأفخاذ، ونمو الصدر والثديين والغدد اللبنية، وظهور شعر العانة وتحت الإبط، وبعض الشعر الخفيف على الذراعين والشفة العليا، وخفض وعمق الصوت.

البلوغ الجنسي عند الذكور: يحدث البلوغ الجنسي عند الذكر عندما تنشط الخصيتان وتفرزان الحيوانات المنوية والهرمونات الجنسية، وتمتزج الحيوانات المنوية بالسائل المنوي الذي تفرزه البوستاتا.

ومع البلوغ يلاحظ عند البنين نمو الأعضاء الجنسية بسرعة، ويبدأ الفتى في الاستجابة للمثيرات الجنسية. وقد يعاوده الحلم الجنسي والقذف المنوي في الليل.

وحالما يبدأ البلوغ الجنسي، ينظر الفتى إلى التغيرات التي طرأت عليه باهتمام وينظر إلى هذا المظهر المعبر عن الذكورة على أنه يتضمن بين ثناياه معنى المكانة والقيمة بين أقرانه الذكور.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

45

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ويصاحب البلوغ الجنسي عن البنين السيادة التدريجية للإفرازات والهرمونات المنشطة للذكورة Androgens مما يؤدي إلى ظهور الخصائص الجنسية الثانوية وأهمها. نمو شعر العانة، وعلى الوجه (نمو الشارب والذقن) وتحت الإبط، وعلى الجسم بصفة عامة، وتغير الصوت ونمو الحنجرة الواضح، ويلاحظ أن العلامات أو الخصائص الجنسية الثانوية لا تظهر عند البنين في نفس الوقت أو العمر.


وحالما يبلغ الفتى جنسياً تتغير اتجاهاته النفسية وتتغير ميوله واهتماماته، ويمكن قياس العلاقة بين ردود الأفعال الانفعالية ومظاهر النمو الجنسي. وبالإضافة إلى ذلك تلاحظ مظاهر النمو الفسيولوجي التالية:

ـ نمو حجم القلب بنسبة أكبر من نمو الأوردة والشرايين.

ـ يزداد ضغط الدم.

ـ تنمو المعدة وتتسع لتسد حاجة الجسم النامي، وتنمو بقية أعضاء الجهاز الهضمي بنفس النسبة تقريباً.

ـ يتذبذب التمثيل الغذائي بما يؤدي إلى زيادة الشهية للأكل عند المراهق، ويؤدي إلى كثرة الأكل، إلا أنه قد يلاحظ بعض حالات فقد الشهية عند البنات مما يؤدي إلى الإعراض عن الطعام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

46

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 النمو الجسمي: تلاحظ طفرة النمو وازدياد سرعته لمدة حوالي 3 سنوات (10 ـ 14 عند البنات، 12 ـ 16 عند البنين) وذلك بعد فترة النمو الهادئ في المرحلة السابقة. على أن النمو يستمر إلى حوالي 18 سنة عند البنات وإلى 20 سنة عند البنين، وتصل أقصى سرعة للنمو الجسمي عند البنات في سن 12 سنة وعند البنين في سن 14 سنة.


ويتغير شكل الوجه إلى حد كبير وتزول ملاحمه الطفولية. ويزداد الطول زيادة سريعة، ويتسع الكتفان ومحيط الأرداف ويزداد طول الجذع. وطول الساقين مما يؤدي إلى زيادة الطول والقوة.

ويزداد نمو العضلات والقوة العضلية بصفة عامة. ويزداد الوزن زيادة سريعة نتيجة لنمو العضلات والعظام (عند البنات بين 12 ـ 14 سنة، وعند البنين بين 14 ـ 16 سنة).

وتنمو عظام الحوض عند الفتاة بشكل أوضح منه عند الفتى تمهيداً لوظيفة الحمل والولادة. ويشاهد اتساع الكتفين أكثر عند الفتى منه عند الفتاة تمهيداً لعمله الشاق الذي يعتمد على القوة.

وتهتم الفتاة أكثر من الفتى بالمظهر الشخصي من حيث الطول والوزن والمظهر العام وتسعى دائماً لكي تبدو "أكثر جمالاً وجاذبية" ولذلك نراها تقضي وقتاً طويلاً أمام المرآة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

47

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 كما يتميز النمو الجسمي في هذه المرحلة بسرعته الكبيرة التي يغلب عليها عدم الانتظام في أجزاء الجسم المختلفة، فالأنف يبدو كبيراً والوجه غير متناسق والجسم لا يتناسب طولاً وعرضاً مما يقلق المراهق بخصوص شكله ويفقده الاتزان الحركي، ويزيد من حرجه وتعثره وقلقه. ومن الطريف أن النمو الجسمي في مرحلة الطفرة هذه لا يسير في توازن تام مع مظاهر النمو الأخرى، فنجد مثلاً فتاة قد تم نموها الجسمي بينما ما زال نموها العقلي أو الانفعالي أو الاجتماعي لم ينضج بعد.

 


ولا شك أن ظهور بثور الشباب أو ما يسمى حب الشباب، والبشرة الدهنية عند بعض المراهقين من أهم ما يشغل بالهم ويسبب لهم متاعب نفسية. وتظهر بثور الشباب نتيجة للنشاط العام الزائد للغدد مع البلوغ بما فيذلك الغدد الدهنية في الجلد وخاصة في الوجه وعلى الذراعين.

وعندما يحل البلوغ يلاحظ تغير على الحالة العصبية للمراهق سببه سرعة النمو وما يصاحبه من تغيرات داخلية. فقد يصاب بفقر (الأنيميا) ويشعر بالإجهاد ونقص الطاقة والميل إلى التراخي وعدم الرغبة في العمل. وقد يظهر فقدان الشهية في بعض الحالات، وقد تلاحظ آلام المعدة عند البنات. وتشاهد العصبية والقلق والصداع عند بعض المراهقين. وقد يكون المرض حيلة دفاعية للهروب من المسؤوليات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

48

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 النمو الحركي: تنمو القدرة والقوة الحركية بصفة عامة. وحتى سن 15 يلاحظ الميل نحو الخمول والكسل والتراخي. وتكون حركات المراهق غير دقيقة، ولذلك يطلق على هذه المرحلة "سن الارتباك". فقد يكثر تعثر المراهق واصطدامه بالأثاث وسقوط الأشياء من يديه وشعوره بذاته، والسبب هو طفرة النمو في المراهقة التي تجعل النمو الجسمي يتصف بانعدام الاتساق واختلاف أبعاد الجسم وضرورة تعل حسن استخدام أعضاء الجسم بأبعادها الجديدة. وتؤدي التغيرات الجسمية الواضحة والخصائص الجنسية الثانوية إلى شعور المراهق بذاته وتغير صورة الجسم لديه وتوقع الكبار تحمله المسؤوليات الاجتماعية العديدة مما يزيد من الارتباك.


النمو العقلي: تشهد مرحلة المراهقة الطفرة النهائية في النمو العقلي. وتتميز مرحلة المراهقة بأنها فترة تميز ونضج في القدرات وفي النمو عموماً. ويزداد نمو الذكاء ويكون الذكاء العام أكثر وضوحاً من تمايز القدرات الخاصة. وتصبح القدرات العقلية أكثر دقة في التعبير مثل القدرة اللفظية والقدرة العددية.

وتزداد سرعة التحصيل وإمكانياته. ويلاحظ ذلك مثلاً في القراءة وإمكان تحصيل مواد مثل الهندسة والجبر. وتدل البحوث
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

49

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 على أن قراءات المراهقين في هذه المرحلة يدور معظمها حول موضوعات التسلية كما في القصص والفكاهات والموضوعات الطريفة وخاصة ما يتفق منها مع الميول الخاصة، والكتب التي تتناول الشباب ومشكلاتهم والموضوعات الجنسية.


وتنمو القدرة على التعلم والقدرة على اكتساب المهارات والمعلومات، ويلاحظ أن التعلم يصبح منطقياً لا آلياً. ويبعد عن طريق المحاولة والخطأ.

كما ينمو الإدراك من المستوى الحسي المباشر إلى المستوى المعنوي الذي يمتد عقلياً نحو المستقبل القريب والبعيد. وينمو الانتباه في مدته ومداه ومستواه، فيستطيع المراهق استيعاب مشكلات طويلة معقدة في سهولة ويسر.

وينمو التذكر معتمداً على الفهم واستنتاج العلاقات والمتعلقات وتنمو معه القدرة على الاستدعاء والتعرف، وتقوى الحافظة، ويصل نمو التذكر إلى ذروته في نهاية هذه المرحلة.

وتزداد القدرة على التخيل المجرد المبني على الألفاظ، ويتجه من المحسوس إلى المجرد، ويتضح ذلك في الميل إلى الرسم والموسيقى ونظم الشعر والكتابات الأدبية، ويظهر كذلك في أحلام اليقظة.

وينمو التفكير المجرد وتزداد القدرة على التفكير والاستدلال
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

50

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 والاستنتاج والحكم على الأشياء وحل المشكلات. وتنمو القدرة على التحليل والتركيب، والقدرة على تكوين التصميمات الدقيقة. وتزداد القدرة على فهم الأفكار دون أن تكون مرتبطة مباشرة بالمراهق شخصياً.


وتزداد القدرة على التعميم وفهم التعميمات والأفكار العامة. وتنمو المفاهيم المعنوية مثل الخير والفضيلة والعدالة. وتزداد القدرة على إدراك مفهوم الزمن خاصة المستقبل والتخطيط له وتخيل ما عساه أن يحدث فيه. وتزداد القدرة على التجريد وفهم الرموز أكثر من ذي قبل. وتتضح في بحث المراهق عن معاني الأشياء وقيمتها وأهميتها.

تلعب الوراثة دوراً في وجود فروق فردية في الذكاء والقدرات العقلية. وتؤثر التسهيلات البيئية والخبرة والتدريب في فرصة تنمية ودرجة استثمار القدرة الولادية إلى أقصى حد ممكن. كذلك ييسر التوافق الانفعالي الوصول إلى الثقة ومفهوم الذات الموجب المطلوب لتحقيق النضج العقلي. على أن التغيرات العقلية في المراهقة كمية أكثر منها نوعية. وفي المراهقة تقل سرعة النمو العقلي نسبياً عن ذي قبل. وقد يشعر المراهق شعوراً داخلياً بأنه "يعرف كل شيء" وقد ينشغل في تجارب ومشروعات يظنها "اختراعات".

ويلاحظ أن المراهق الذي يترك المدرسة لعدم حصوله على
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

51

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 درجات تؤهله لاستكمال تعلميه، لأو لعدم تمكنه من متابعة التعليم يكابد بمشاعر النقص.


النمو الانفعالي: تتصف الانفعالات في هذه المرحلة بأنها انفعالات عنيفة منطلقة متهورة لا تتناسب مع مثيراتها ولا يستطيع المراهق التحكم فيها ولا في المظاهر الخارجية لها. وتلاحظ السيولة الانفعالية وعدم الثبات الانفعالي.

ويظهر التذبذب الانفعالي في سطحية الانفعال وفي تقلب سلوك المراهق بين سلوك الأطفال وتصرفات الكبار. وقد يلاحظ التناقض الانفعالي كما يحدث حين يتذبذب الانفعال بين الحب والكره، والشجاعة والخوف. وحين يتذبذب المراهق بين الانشراح والاكتئاب وبين التدين والإلحاد وبين الانعزالية والاجتماعية وبين الحماس واللامبالاة.

ويلاحظ السعي نحو تحقيق الاستقلال الانفعالي عن الوالدين وغيرهم من الكبار وتكوين شخصيته المستقلة. وقد يلاحظ الخجل والميول الانطوائية والتمركز حول الذات نتيجة للتغيرات الجسمية المفاجأة. وقد يلاحظ الإحساس بالذنب والخطيئة نتيجة المشاعر الجديدة خاصة ما يتعلق منها بالجنس. وقد يلاحظ التردد نتيجة عدم الثقة بالنفس في بداية هذه المرحلة.

ويكون الخيال خصباً، وفي الخيال يحل مشكلاته ويحقق رغبات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

52

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ويفيد الخيال للمراهق إذ يساعده في تقييم جهوده الحالية في أبعاد أكثر ومدى أرحب. والخطورة في أن يستغرق المراهق أكثر من اللازم في خيالاته ويبتعد عن الواقع ويبالغ بصورة درامية في تخيل العالم المثالي والبعد كثيراً عن العالم الواقعي حتى لينفصل عنه. ويستغرق المراهق في حلم اليقظة وينتابه القلق النفسي أحياناً.


ويعتبر الحب من أهم مظاهر الحياة الانفعالية للمراهق. فهو يحب الآخرين ويحتاج إلى حب الآخرين له. والحب كانفعال مهم بالنسبة للحياة الانفعالية والاجتماعية للمراهق، فالحب المتبادل يزيد الألفة، ويقضي على العدوان، ويجعل الاتجاهات النفسية أكثر إيجابية. ويلاحظ أن الحب تتنوع موضوعاته وأبعاده بين الحب الوالدي، وحب الإخوة والأخوات، والحب الجنسي، والحب الرومانتيكي (عاطفة وشعور بلا عمل) المشوب بالإعجاب والاحترام. ويتسع مجال الحب ليشمل الأصدقاء وأعضاء الجنس الآخر. وتمتد انفعالات الحب لتشمل حب البشرية. وحب الفضيلة والحق والجمال والمثل العليا. وتكون الصداقة انجذاباً مبنياً على ميول مشتركة ومشاعر متبادلة.

النمو الاجتماعي: تستمر عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي. حيث يستمر تعلم واستدخال القيم والمعايير الاجتماعية من الأشخاص الهامين في حياة الفرد مثل الوالدين والمدرسين والقادة والمقربين من الرفاق ومن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

53

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الثقافة العامة التي يعيش فيها المراهق. ويلاحظ زيادة تأثير الفروق في عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي في سلوك المراهق.


ويتسع نطاق الاتصال الشخصي مع السنين خاصة في حالة الشخصية المنبسطة حيث يسعد المراهق بمشاركة الآخرين في الخبرات والمشاعر والاتجاهات والأفكار. أما في حالة الشخصية المنطوية فإن المراهق يظل مشغولاً بنفسه ويستغرق وقتاً طويلاً حتى يتجه نحو الآخرين. ويلاحظ الأحاديث المستمرة بين المراهقين حول العلاقات الاجتماعية والمواعيد الغرامية مع أفراد الجنس الآخر. والمشاركة في النشاط الرياضي والجنس والأخلاق والنكت والأفلام السينمائية، والملابس والنقود، والمجتمع المحلي، ودور العبادة، والشؤون السياسية.

ويظهر الاهتمام بالمظهر الشخصي في اختيار الملابس والاهتمام بالألوان الزاهية اللافتة. وتلاحظ النزعة إلى الاستقلال الاجتماعي والانتقال من الاعتماد على الغير إلى الاعتماد على النفس. ويشاهد الميل إلى الزعامة ويتميز الزعيم هنا بقوة الشخصية. وتختلف درجات الشعبية بين المراهقين فيتدرجون بين نجوم وبين عاديين إلى أفراد معزولين أو مرفوضين.

ويظهر التوحد مع شخصيات خارج نطاق البيئة المباشرة مثل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 61

54

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 شخصيات الأبطال. وينمو الوعي الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية. ويشاهد التذبذب بين الأنانية والإيثارية. ويزداد الوعي بالمكانة الاجتماعية والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المراهق.


ويلاحظ التآلف واستمرار التكتل في جماعات الأصدقاء والخضوع لها. وقد يلاحظ النفور والتمرد والسخرية والتعصب والمنافسة، وضعف القدرة على فهم وجهة نظر الكبار وضيق الصدر للنصيحة.

وتعتبر المنافسة من مظاهر العلاقات الاجتماعية في مرحلة المراهقة. فالمراهق تلقائياً يقارن نفسه دائماً برفاقه ويحاول أن يلحق بهم ليكون مثلهم أو يتفوق عليهم، كما يظهر في المدرسة والألعاب الرياضية. وفي بعض أشكال المنافسة التي تقوم أساساً على الأنانية، أو التي يصاحبها الشعور بالخوف والخجل أو الشعور بالإثم والعدوان أو التي تنتهي بالعداء وحب الانتقام. وتشترك المسايرة مع التنافس من حيث أن المراهق يحكم على سلوكه في كل منهما حسب المعايير السلوكية التي تحددها الجماعة. وتتميز المراهقة المبكرة بأنها مرحلة المسايرة والمجاراة والموافقة والامتثال والقبول والاتساق ومحاولة الانسجام مع المحيط الاجتماعي وقبول العادات والمعايير الاجتماعية الشائعة بغية تحقيق التوافق الاجتماعي.

النمو الجنسي: في أوائل هذه المرحلة يشعر المراهق بالدافع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

55

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الجنسي، ولكنه في أول الأمر يعبر عنه في شكل إخلاص وولاء وإعجاب وإعزاز وحب لشخص أكبر سناً من نفس الجنس غالباً كالمعلم والمعلمة.


ثم يتحول الميل الجنسي تدريجياً إلى الجنس الآخر، فيتعلق الفتى بإحدى الجارات أو صديقات الأسرة أو إحدى نجمات المجتمع أو إحدى المدرسات وتفعل الفتاة مثل ذلك مع أفراد الجنس الآخر. ويأخذ بعد ذلك الشعور الجنسي مجراه الطبيعي فيحب الفتى فتاة أو أكثر من مثل سنه وتفعل الفتاة مثل ذلك مع أفراد من الجنس الآخر.

وتمتاز العلاقات الجنسية بين الجنسين في هذه المرحلة بسيادة الروح الرومانسية الخالية من أي إثارة جنسية جانحة حيث يوصف الحبيب بالأخ أو الأخت أو الملاك أو الروح.

والمراهق لكي يخفف من التوتر الجنسي لديه فإنه قد يزاول النشاط الجنسي الذاتي أو ما يسمى بالعادة السرية. مع ما يصاحبها من مشاعر الإثم والذنب والخطيئة والصراع النفسي والخوف من المضاعفات والقلق النفسي.

ويلاحظ شعور البنات بالخجل في جماعات البنين، واهتمامهن واستمتاعهن بالاتصال الجسمي في النشاط الاجتماعي المشترك. ويعتقد بعض علماء النفس أن النمو الجنسي يسبق الرغبة الجنسية بمدة تتراوح بين سنة إلى ثلاث سنوات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

56

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ويكون الاهتمام الجنسي عند البنين موجهاً أكثر نحو الاتصال الجسمي، بينما عند البنات يكون موجهاً أكثر نحو الاتصال الانفعالي. ويلاحظ سيادة التفكير الجنسي والسعي الحثيث وراء الجنس الآخر.


ويشاهد الفضول الجنسي وشدة الشغف بالتعرف على حقيقة الحياة الجنسية وكثرة الأسئلة إلى الكبار ومن سبقوا إلى مرحلة المراهقة من الرفاق.

ويلاحظ انشغال الكثير من المراهقين بحجم وشكل أعضائهم التناسلية وينتابهم القلق بخصوص أي انحراف حقيقي أو متخيل مما يجعلهم يحاولون استكشاف الأمر بالمقارنة بأقرانهم وكثرة الأسئلة والقراءة حول هذا الموضوع.

المراهقة الوسطى MIDDLE ADOLESCENCE ( ـ 1-5 16 ـ 17 سنة).

إن ما يلي سيقتصر على التغيرات الأساسية بين هذه المرحلة وسابقتها مع بعض الإضافات التي ترتبط بهذه المرحلة دون ربطها بالأخيرة.

النمو الجسمي: تتباطأ سرعة النمو الجسمي نسبياً عن المرحلة السابقة. ويزداد الطول عند كل من الجنسين. ويزداد الوزن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

57

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 عند كل من الجنسين. وتزداد الحواس دقة وإرهافاً كاللمس والذوق والسمع. وتتحسن الحالة الصحية للمراهق.


يزداد الطول بدرجة أوضح عند البنين حيث يلحقون بالبنات ويسبقونهن، وتصل البنات لأقصى الطول في نهاية هذه المرحلة، بينما تستمر زيادة الطول عند البنين حتى سن 17 ـ 19 سنة.

النمو الفسيولوجي: يقل عدد ساعات النوم عن ذي قبل ويثبت عند حوالي 8 ساعات ليلاً. وتزداد الشهية والإقبال على الأكل. ويرتفع ضغط الدم تدريجياً. وينخفض معدل النبض قليلاً عن ذي قبل. وتنخفض نسبة استهلاك الجسم للأوكسجين.

النمو الحركي: تصبح حركات المراهق أكثر توافقاً وانسجاماً، ويزداد نشاطه وقوته. ويزداد إتقان المهارات الحركية مثل العزف على الآلات الموسيقية والكتابة على الآلة الكاتبة والألعاب الرياضية. وتزداد سرعة زمن الرجع وهو الزمن الذي يحتاجه المراهق بين إطلاق مثير واستجابته لهذا المثير.

النمو العقلي: تهدأ سرعة نمو الذكاء ويقرب هنا من الوصول إلى اكتماله في الفترة من 15 ـ 18 سنة. ويزداد نمو القدرات العقلية وخاصة القدرات اللفظية والميكانيكية والسرعة الإدراكية لتباعد مستويات وتنوع حياة المراهق العقلية ولتباين واختلاف مظاهر نشاطها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

58

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ويظهر الإبداع creativity خاصة في حالة المراهقين الأكثر استقلالاً وذكاء أو أصالة في التفكير والأعلى في مستوى الطموح والابتكار.


وتتسع المدارك وتنمو المعارف ويستطيع المراهق وضع الحقائق مع بعضها البعض بحيث يصل إلى فهم أكثر من مجرد الحقائق نفسها بل يصل إلى ما وراءها. وتزداد القدرة على التحصيل وعلى نقد ما يقرأ من معلومات. ويميل المراهق عادة إلى التعبير عن نفسه وتسجيل ذكرياته في مذكرات وخطابات وشعر وقصص قصيرة يضع فيها رغباته ويسطر فيها مشكلاته ويسجل فيها مطامحه دون لوام ودون شعور بخجل.

وتنمو الميول والاهتمامات وتتأثر بالعمر الزمني والذكاء والجنس والبيئة الثقافية وبنمط الشخصية العام للمراهق. وتظهر في اختيار موضوعات القراءة والاستمتاع والمشاهدة وتشمل الميول العقلية والدينية والخلقية والاجتماعية والفنية...

ويظهر هنا اهتمام المراهق جدياً بمستقبله التربوي والمهني، حيث يكون من الملفت غياب هذا العامل في المرحلة السابقة لدى أكثر المراهقين. ويلعب التعليم دوراً واضحاً في إبراز الفروق الفردية في النمو العقلي.

وفي هذه المرحلة يكون المراهق قد كون فكرة عن قدراته العقلية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

59

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 وهذه الفكرة تكون في كثير من الأحيان غير دقيقة، إذ قد تعطيه تقديراً أقل من الواقع أو أكثر منه. مع العلم أن تركه يحاول إعطاء تقدير دقيق وغير خاضع لضغوط اجتماعية أو نفسية قد يقارب فعلياً مستواه الحقيقي. وكلما قربت فكرة المراهق عن قدراته العقلية من الواقع كلما مكنه ذلك من تحقيق ذاته. أما المراهق الذي يبالغ في تقييم ذاته، فإنه يقابل بكثير من المعوقات. وبالنسبة للمراهق الذي يقدر قدراته بأقل من حقيقتها فإنه يبخس ذاته ويعوق نفسه بنفسه عن تحقيق ما يمكنه فعلاً تحقيقه.


ويلاحظ أنه في هذه المرحلة قد يكون مستوى الطموح عالياً جداً وكل الأطفال والمراهقين والراشدين يتمنون أن يكون إنجازهم في المستقبل أعلى وأفضل من أدائهم في الماضي والحاضر.

النمو الانفعالي: تظل الانفعالات قوية يلونها الحماس. وتتطور مشاعر الحب حيث يتضح الميل نحو الجنس الآخر، ويميل المراهق إلى التركيز على عدد محدود من أفراد الجنس الآخر ثم على واحد فقط.

ويخبر المراهق الفرح والسرور عندما يشعر بالقبول والتوافق الاجتماعي وعندما يشبع حاجاته إلى الحب والمحبة. ومن أهم ما يجلب الفرح والسرور في المراهقة النجاح المدرسي والتوافق الانفعالي بصفة عامة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

60

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 وتلاحظ الحساسية الانفعالية حيث لا يستطيع المراهق في هذه المرحلة، غالباً، التحكم في المظاهر الخارجية لحالته الانفعالية، ويرجع ذلك إلى عدم تحقيق التوافق مع البيئة المحيطة به. ويرجع أيضاً إلى عجز المراهق المالي الذي يقف دون تحقيق رغباته.


وتظل ثنائية المشاعر أو التناقض الوجداني في هذه المرحلة. ويتعرض بعض المراهقين لحالات من الكرب واليأس والقنوط والانطواء والحزن والآلام النفسية نتيجة لما يلاقونه من إحباط وما يعانونه من صراع بين الدوافع وبين تقاليد المجتمع ومعاييره.

ويزداد شعور المراهق بذاته. وتلاحظ مشاعر الغضب والثورة والتمرد نحو مصادر السلطة في الأسرة والمدرسة والمجتمع خاصة تلك التي تحول بينه وبين تطلعه إلى التحرر والاستقلال.

ويستجيب المراهق ويعبر عن غضبه تعبيراً مباشراً في شكل مظاهر حركية متباينة ثائرة كالعدوان بالضرب والهجوم، ومظاهر لفظية كالصراخ والوعيد والتهديد والشتائم.

ويلاحظ أيضاً الخوف من بعض المواقف عندما يتعرض المراهق للخطر حيث يستجيب المراهق للخوف ومواقف الخوف ذات الطبيعة الاجتماعية والتي يدرك أنها تهدد مكانته الاجتماعية. ومن أهم موضوعات الخوف المخاوف المدرسية مثل الخوف من الامتحانات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

61

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 والفشل، والمخاوف الصحية مثل الخوف من الإصابات والحوادث والعاهات والمرض والموت، والمخاوف الأسرية مثل الخوف من تفكك الأسرة، ومخاوف اقتصادية مثل الخوف من الفقر والبطالة، ومخاوف جنسية مثل الخوف من الخضوع للدوافع الجنسية وعدم التوافق الجنسي.


كذلك فإن الانفعالات ترتبط بالحالة الفسيولوجية للفرد ومن التغيرات الفسيولوجية المصاحبة للانفعال. زيادة إفراز الكبد مما يساعد في الحركة العضلية وزيادة التنفس لزيادة سرعة دقات القلب لتوزيع السكر على أجزاء الجسم بسرعة. وزيادة التنفس لزيادة الأوكسجين.

ويلجأ المراهق إلى حيل الدفاع عن الذات بهدف تحقيق توازن مؤقت بين القوى الداخلية والضغوط الخارجية. ومن حيل الدفاع التي يلجأ إليها المراهق: الحيل الانسحابية مثل التبرير والإنكار والنكوص والنسيان والكبت، والحيل العدوانية مثل العدوان والإسقاط.

النمو الاجتماعي: تتضح الرغبة الأكيدة في تأكيد الذات مع الميل إلى مسايرة الجماعة ويلاحظ أن تحقيق الذات المتزايد يحدث من خلال تنمية الإحساس بالألفة والمودة. ويتضح البحث عن الذات في ثلاث جهات رئيسية هي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

62

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ البحث عن نموذج يحتذى (مثل الوالدين والمربين والشخصيات الهامة).


ـ اختيار المبادئ والقيم والمثل.
 

تكوين فلسفة الحياة

ويظهر الشعور بالمسؤولية الاجتماعية أي محاولة فهم ومناقشة المشكلات الاجتماعية والسياسة العامة والتعاون مع الزملاء والتشاور معهم واحترام آرائهم والمحافظة على سمعة الجماعة. ويشاهد الميل إلى مساعدة الآخرين والعمل في سبيل الغير وعمل الخير.

وتشاهد الرغبة في مقاومة السلطة والميل إلى شدة انتقاد الوالدين والتحرر من سلطتهم ومن سلطة الراشدين بوجه عام. ويميل المراهق إلى تقييم التقاليد القائمة في ضوء المشاعر والخبرات الشخصية. ويزداد الوعي الاجتماعي والميل إلى النقد والرغبة في الإصلاح الاجتماعي وتغيير مجرى الأمور بطريقة الطفرة دون دراسة وتدرج وأناة كما يفعل الكبار. ويلاحظ الشعور بعدم الارتياح نحو بعض القوانين خاصة تلك التي تحد من حركتهم.

النمو الجنسي: يزداد استمرار واستكمال التغيرات التي حدثت في المراهقة المبكرة، وتزداد الانفعالات الجنسية في شدتها وتكون
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

63

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 موجهة عادة نحو الجنس الآخر. ويزداد التعرض للمثيرات الجنسية، ومن المثيرات الجنسية للمراهق في هذه المرحلة المحادثات والصور والكتابات والنكات ذات الطابع الجنسي وأحلام اليقظة بالإضافة إلى أفلام الديفيدي وما تنشره الانترنت.


ويلاحظ الاتجاه إلى الجنسية الغيرية حيث تتغير نظرة المراهق إلى الميول الجنسية فيصبح شديد الميل والاهتمام بأعضاء الجنس الآخر والحديث عنهم والاطلاع على حياتهم الخاصة. وفي هذه المرحلة يلاحظ الحب المتعدد والاهتمام بالجمال والرغبة في جذب انتباه أفراد الجنس الآخر.

وتلاحظ محاولة أخذ المواعيد الغرامية المتعددة مع أفراد الجنس الآخر التي يدفع إليها عوامل مختلفة. وفي نهاية هذه المرحلة يصل جميع البنين والبنات إلى النضج الجنسي.

الذات في مرحلة المراهقة:

يحدث مع النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي تغير في الشخصية بصفة عامة وبصفة خاصة في مفهوم الذات الذي يؤثر بدوره في تنظيم الإدراك واستيعاب الخبرات وتحديد السلوك. وفيما يلي بعض الملاحظات على نمو الذات ومفهوم الذات في مرحلة المراهقة:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

64

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ يزداد الوعي بالذات والدقة في تقييم الذات، وتمكن الذات النامية القوية المراهق من أن يؤثر في بيئته وفي المواقف الاجتماعية.


ـ يؤثر البلوغ في نمط الشخصية بصفة عامة وفي مفهوم الذات بصفة خاصة.

ـ البلوغ والنضج الجسمي يستطيع حدوث تغير في الاتجاهات نحو الذات ونحو الآخرين.

ـ مفهوم الجسم مهم جداً في هذه المرحلة بالنسبة لكل من البنين والبنات.

ـ يتعدل مفهوم الذات ويعاد تنظيمه حيث تحدث تغيرات كثيرة داخلية وخارجية تؤدي إلى أن يصبح مفهوم الذات أكثر تأثيراً وغير مستقر ويعاد تكامله ويزداد تكامل الذات مع النمو. وتتعدل صورة الذات المثالية في مرحلة المراهقة.

ـ يتأثر مفهوم الذات بملاحظات الوالدين والمعلمين والأقران.

ـ قد يتأثر مفهوم الذات تأثيراً سيئاً إذا لم يفهم المراهق مبدأ الفروق الفردية وظل عاكفاً على مقارنة نفسه بسابقيه في النضج.

ـ يلاحظ تركيز اهتمام المراهق بنفسه وعلى خبراته وأفكاره وأوجه نشاطه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

65

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ يبذل المراهق كل جهده لتدعيم ذاته.


ـ يستمر نمو الذات ومفهوم الذات تجاه "مفهوم ناضج للذات"، ويقرب المراهق من الراشد في سلوكه وفي اتجاهاته وقيمه وفي مفهومه الواضح عن ذاته. ويتابع مفهوم الذات نموه نتيجة للخبرات الجديدة مثل المهنة والزواج والأطفال...

ـ ينمو مع نمو الفرد منذ الطفولة مفهوم خاص للذات هو ما يسمى "مفهوم الذات الخاص" وهو الجزء السري من الذي يتصف بأن محتواه غير مرغوب فيها اجتماعياً (خبرات محرمة أو محرجة أو مخجلة...(.

النمو الديني في المراهقة: تبرز ملامح النمو الديني في المراهقة ويمكن اختصارها بما يلي:

ـ اليقظة الدينية العامة.

ـ ازدواج الشعور الديني.

ـ تعدد الاتجاهات الدينية.

ـ الحماس الديني.

ـ الاتجاه إلى الله.

ـ الطقوسية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

66

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ الإلحاد.


حاجات المراهقين الأساسية: يمكن تلخيص حاجات المراهقين الأساسية فيما يلي:

ـ الحاجة إلى الأمن.

ـ إلى الحب والقبول.

ـ الحاجة إلى مكانة الذات.

ـ الحاجة إلى الإشباع الجنسي.

ـ الحاجة إلى النمو العقلي والابتكار.

ـ الحاجة إلى تحقيق وتأكيد وتحسين الذات.

ـ حاجات أخرى، مثل:

ـ الحاجة إلى الترفيه والتسلية.

ـ الحاجة إلى المال...

السمات النفسية الأساسية للمراهقة

ـ الرومانسية.

ـ التمرد على السلطة الأبوية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

67

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ الشك.


ـ التمرد على سلطة المدرسة.

ـ رفض سلطة المجتمع.

ـ الهروب.

أما على صعيد النمو الأخلاقي فقد اهتم العلماء بدراسة مسألة الأخلاق والسلوك الأخلاقي، ولم تقتصر دراساتهم على اليافعين أو المراهقين بل على الإنسان بوجه عام، ومن بين هؤلاء العلماء "بياجيه" و"كولبرغ". وفي هذا النص سيتم عرض بعض نتائجهم مختصرة، على أن يتم التركيز على المرحلة المستهدفة في هذا النشاط.

جان بياجيه: يتبين من خلال مطالعات ما ورد عن بياجيه بخصوص النمو الأخلاقي أنه اعتبرها تمر في مراحل ثلاث:

1ـ مرحلة التحلل.

2ـ مرحلة التقليد.

3ـ مرحلة الاعتداد بالذات.

فيما يلي مختصر لخصائص كل من هذه المراحل، ويتم التفصيل في المرحلة المستهدفة (مرحلة اليافعين):

مرحلة التحلل: نظراً لغياب التفكير والتجربة مع ولادة الطفل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

68

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 فإنه حين يتعامل معه نفترض أنه مسائل محكومة بالمعايير والأحكام الأخلاقية، فإن الطفل في هذه المرحلة في حالة خاصة تتميز بـ:


ـ انعدام القيمة للأوامر والنواهي الأخلاقية.

ـ عدم الشعور بأنه ملزم بأي ضابطة أو قاعدة.

ـ سيطرة تامة للأهواء والرغبات (الإرادة).

ـ هيمنة حالة المحورية (الأنوية). وهي الحالة التي يكون فيها الطفل عاجز عن الفصل الذهني بينه وبين العالم الخارجي، بما في ذلك أحكامه تجاهها، فكل شيء له حياة، كما أن كل شيء مصنوع حتى الجبال والبحار والكواكب قد صنعها بشر كبار، فراكموا الحجارة والصخور حتى أضحت جبلاً... وقس على ذلك.

مرحلة التقليد: في هذه المرحلة بقيت حالة المحورية مع بعض التغيرات فيها، فقد أصبح كل ما يتحرك له حياة، والقمر عندما ننظر إليه نجده يلاحقنا وهذا دليل وجود حياة له،... الخ. كما أن هذه المرحلة يظهر فيها أهمية الأشخاص الكبار بالنسبة للطفل، وعليه فأهم خصائص هذه المرحلة:

ـ تقليد تلقائي (غير واع) لسلوك الكبار.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

69

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ الكبار بنظر الطفل أقوياء لذا يجب طاعتهم والإذعان لهم.


ـ سيطرة المحورية في أغلب هذه المرحلة.

ـ يربط الصلاح بمقدار التبعية والالتزام بأوامر الكبار.

ـ النتائج الملموسة للعمل هي التي تعطيه القيمة وليس الدوافع والنوايا.

بعد ذلك دخل الطفل في مرحلة جديدة لها مميزات تقارب الراشدين، كما أن البلوغ الجسمي قد تحقق لدى الإناث، وهو تحقق أيضاً، أو قيد التحقق، لدى الذكور. فما هي هذه المرحلة:

مرحلة الاعتداد بالذات: تتميز هذه المرحلة بخصائص يحكمها التفكير والسعي نحو الاستقلالية ويمكن اختصارها بما يلي:

ـ تصاحب بروز مرحلة التفكير المجرد. بعد أن كان التفكير المحسوس هو الذي يحكم نمط المعالجة الذهنية.

ـ يبني العلاقات على أساس الاحترام المتبادل. وليس على أساس الطاعة والإذعان للكبار.

ـ يعتبر الأحكام والمعايير الأخلاقية اختيارية مرنة وليست مطلقة أو ثابتة. خاصة مع مقارنته لاختلاف المعايير الأخلاقية بين جماعة وجماعة أُخرى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

70

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ يلتزم بالأخلاق الصادرة عنه وعن الآخرين ما دام يراها متوازنة.


ـ يتطور حتى يصل إلى قاعدة الميزان في العلاقة مع الآخرين. (يحب لهم ما يحب لنفسه).

ـ لا يرى نفسه ملزماً بطاعة سلطة الكبار (الوالدين والمعلمون).

ـ لا يرى ترابطاً بين تجاهله لقرارات السلطة واستحقاقه للعقوبة. خاصة مع بروز سمة المعارضة لكل أنواع السلطة.

ـ لا يهتم بالشكل الظاهري للأفعال (الآداب)، بل بالنوايا والمشاعر التي تصاحب السلوك.

عالم آخر من علماء النفس اهتم بدراسة النمو الأخلاقي، ويعتبر من أهم العلماء الذين خاضوا هذا الميدان وقد ساعده في ذلك العديد من العلماء. وهو العالم "كولبرغ" حيث قسم النمو الأخلاقي إلى ثلاثة مستويات، وقسم كل مستوى إلى مرحلتين.

وما يلي شرح مختصر لخصائص هذه المراحل، على أن يتم التفصيل في المرحلة المستهدفة:

مستويات النمو الأخلاقي عند كولبرغ:

1ـ المستوى ما قبل التقليدي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

71

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 2ـ المستوى التقليدي.


3ـ المستوى ما بعد التقليدي.

المستوى ما قبل التقليدي: (حتى عمر 9 سنوات)

1ـ مرحلة التوجه نحو العقوبة والطاعة:

ـ المقياس هو النتائج المادية للسلوك.

ـ تجنبا للعقاب.

ـ إذعاناً للسلطة.

2ـ مرحلة التوجه النسبي الذرائعي:

ـ تحقق إشباعاً:

ـ للحاجات الخاصة.

ـ الحاجات الآخرين.

المستوى التقليدي: (9 حتى 15 سنة)

2_مرحلة توافق العلاقات الشخصية المتبادلة (الصبي الجيد والبنت الجيدة).

ـ التغذية الراجعة من الآخرين (سعادة ورضا الآخرين خاصة الأهل).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

72

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ نية الفاعل وليس ما يترتب على الفعل من نتائج مادية.


ـ تحكمه الفكرة التقليدية السائدة عن الحسن والسيئ.

هنا بدأت المرحلة الذهنية الحاضرة للتعامل مع مستوى أخلاقي يرتكز على التفكير المجرد، ولا يقتصر على التقليد والاسترضاء، بل على المحاكمة الذهنية للأحكام الأخلاقية. وما ينبغي توضيحه هنا هو أن دخول الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يعني دخوله حكماً في مرحلة أخلاقية جديدة، بل قد لا يتعداها بعض الأشخاص، فالأمر منوط بالمستوى الذهني أولاً، ثم بعامل التربية والبيئة الاجتماعية. فما هي المرحلة اللاحقة التي يمكن للطفل أن يدخل إليها لو تحقق له نمو ذهني طبيعي، وبيئة اجتماعية سوية:

4ـ مرحلة التوجه نحو النظام والقانون: كما نرى فقد دخل القانون كعامل أساسي في المعالجة الذهنية للأحكام الأخلاقية، غير أن هذا الولوج للقانون إلى عقل الطفل يبقى محكوماً بالأمور التالية:

ـ تطبيق حرفي للقوانين السائدة.

ـ عدم إدراك خلفية القوانين.

ـ دافعه هو القيام بالواجب فقط.

ـ الالتزام بالقوانين ذاتي داخلي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

73

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ المستوى ما بعد التقليدي: (بعد عمر 15 سنة)


5ـ مرحلة التوجه نحو العقد الاجتماعي القانوني:

ـ معايير عامة وافق عليها المجتمع.

ـ يهتم بروح القانون وليس نصه الحرفي.

ـ يتغير القانون تبعاً لمصلحة المجتمع.

ـ الموافقة عنصر أساسي في الطاعة.

تبقى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة تحتاج إلى مقدمات كثيرة ربما لا يصل إليها الإنسان في حياته أو قد يصلها (إن وصلها) متأخراً، وهي مرحلة يصبح فيها حكم الإنسان وموقفه من العالم كل العالم، والتصرفات كل التصرفات، والقوانين كل القوانين، محكوم فقط بالمبادئ:

6ـ مرحلة التوجه المبدئي ـ الأخلاقي ـ العالمي:

ـ تعتمد على المبادئ والمعايير الأخلاقية الذاتية.

ـ الموافقة ترتكز على المبادئ وتحتكم للمنطق.

ـ المبادئ شاملة للعدالة والمساواة في الحقوق الإنسانية.

ـ احترام الفرد كوجود إنساني.

تجدر الإشارة إلى أن العالم "هافيجرست" حدد عدة مطالب للنمو
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

74

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ترتبط بكل مرحلة من المراحل النمائية. وقد اعتبر "هافيجرست" أن تحقيق هذه المطالب هو الذي يوفر للمراهق استقراراً انفعالياً واجتماعياً وذهنياً. على حدة كل مطلب من المطالب وموقعه بالنسبة للمطالب الأُخرى لجهة الأولوية والتأثير إنما يرتكز على طبيعة المجتمع وثقافته وضوابطه الاجتماعية، بالإضافة إلى مستواه الاقتصادي.



مطالب النمو في مرحلة المراهقة:

ـ نمو مفهوم سوي للجسم وتقبل الجسم.

ـ تقبل الدور الجنسي في الحياة.

ـ تقبل التغيرات التي تحدث نتيجة للنمو الجسمي والفسيولوجي والتوافق معها.

ـ تكوين المهارات والمفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح.

ـ استكمال التعليم.

ـ تكوين علاقات جديدة طيبة ناضجة مع رفاق السن من الجنسين.

ـ نمو الثقة في الذات والشعور الواضح بكيان الفرد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

75

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ اختيار مهنة والاستعداد لها (جسمياً وعقلياً وانفعالياً واجتماعياً).


ـ تحقيق الاستقلال اقتصادياً.

ـ ضبط النفس بخصوص السلوك الجنسي.

ـ الاستعداد للزواج والحياة الأسرية.

ـ تكوين المهارات والمفاهيم اللازمة للاشتراك في الحياة المدنية للمجتمع.

ـ معرفة السلوك الاجتماعي المعياري المقبول الذي يقوم على المسؤولية الاجتماعية وممارسته.

ـ نمو والقيام بالدور الاجتماعي الجنسي السليم.

ـ اكتساب قيم دينية واجتماعية ناضجة تتفق مع الصورة العملية للعالم الذي نعيش فيه.

ـ بلوغ الاستقلال الانفعالي عن الوالدين وعن الكبار.

أخيراً، يمكننا إبراز مجموعة ملاحظات تختصر ما ورد مما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند التعامل مع اليافعين:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

76

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ تقبل المسؤولية الاجتماعية.


ـ امتداد الاهتمامات إلى خارج حدود الذات.

ـ البلوغ يعني:

ـ ضغط جنسي يتجاوز قدرة الفرد على ردعه. (متعدد المظاهر).

ـ انشغال ذهني حاد بطفرة النمو.

ـ انشغال ذهني حاد بالحاجات المستجدة (أحلام يقظة، شرود...).

ـ نمو أمراض لم تكن سابقاً واضحة.

ـ غياب الطموح العلني عند غالبية المراهقين.

ـ استعراضات سلوكية وجسدية مقلقة بالنسبة للمجتمع المحلي.

ـ انكشاف تشوهات غير واضحة السبب (بالنسبة للمراهق، وإن كانت ذات طبيعة مؤقتة).

ـ النمو الذهني في هذه المرحلة يعني:

ـ فوضى في ردات الفعل. (نتيجة ضعف الخبرة بالنمو الجديد)

ـ اعتراضات دون بدائل.

ـ التخطيط لردات الفعل العدوانية (لدى الأذكياء).

ـ الحاجة إلى التطمين، والاحتضان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

77

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ موقف حاد من أي قمع ذهني أو نفسي أو اجتماعي.


ـ الانضمام إلى جماعات تأخذ طابع الشلل، مع تماه بالشلل السينمائية.

إن هذه المقدمة التي بين أيديكم هي خلاصة أهم ما قدمه علم نفس النمو في دراسته لليافعين، على أن تفاصيل كثيرة يمكن الإطلاع عليها في مراجع وأبحاث ودراسات هذا العلم. تمت الاستفادة من عدة مراجع وأبحاث عند كتابتها، بالإضافة إلى بعض التصرف في مواقع عدة وجدت أنه لا بد من التدخل فيها بما يتناسب مع الثقافة المحلية، بحدود ما يسمح به البحث. غير أن ما قدمته لم يقارب فهمي للتراث الإسلامي في موضوع اليافعين، التزاماً مني بما طلبه الإخوة المنظمون للمؤتمر.

آمل أن يكون هذا العمل مفيداً واسمحوا لي أن أقدمه إلى أولئك الذين يحملون الهم وكلهم ثقة بأن الله هو حاكم هذا الكون ومدبره، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

مع خالص التقدير والشكر للإخوة المنظمين ولجميع المشاركين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

78

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 العوامل المؤثرة في الناشئة

 
إعداد: أميرة برغل1
 
محتوى المداخلة:
 
I – مقدمة تتضمن مسألتين:
     - الناشئة والمراحل العمرية.
     - الناشئة والتعلُّم.
 
 
II – العوامل المؤثرة في الناشئة:
     1. أفكارهم
     2. ذكاؤهم العاطفي
     3. خبراتهم السابقة
     4. أسلوب تعامل الراشدين معهم حالياً
     5. صورة البطل في مجتمعهم
     6. شلة الرفاق 
 
 
*خلاصة تتضمن توصيات
 
 

1- المشرفة على الإرشاد والتوجيه في مدارس المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

79

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 المقدمة:


يتصدى هذا المؤتمر الكريم إلى واحدة من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات المؤمنة بالمعتقدات والقيم الدينية، في عصرنا الحاضر.

وحيث يرتجي هذا المؤتمر، في واحدة من أهدافه، الوصول إلى صيغ ونماذج لبناء أفراد تتوافر فيهم صفات: الإيمان والعلم والوعي والروح الجهادية، ارتأيت ضرورة الإشارة، قبل التطرق إلى العوامل المؤثرة في الناشئة، إلى مسألتين.

مهمتين:

الأولى: تتعلق بخصائص عمر الناشئة وعلاقته بالمراحل العمرية الأخرى.

والثانية: حول كيفية تشكل السلوك لدى الأولاد والناشئة.

وذلك لأن أية مقاربة لموضوع الناشئة (من 12 إلى 18 سنة بحسب تحديد المعنيين بالمؤتمر)، من دون مراعاة لهاتين المسألتين، لن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

80

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 تعود بفوائد عملية، إن على صعيد تحليل أسباب الإشكالية أو على صعيد تحديد سبل الحل الناجعة.


ومراعاة للموقف، سنتطرق إليهما بشيء من التبسيط والإيجاز.

أولاً: خصائص عمر الناشئة وعلاقته بالمراحل العمرية الأخرى:

إن العمر الممتد من 12إلى 18سنة، وإن كان معتبراً من الوجهة القانونية، ملحقاً بعمر الطفولة. إلاَّ أنه، من وجهة النظر التربوية، في الإسلام وعلم النفس النمو، يعتبر نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة جديدة؛ تسمى في علم النفس بالمراهقة واصطلح على تسميتها في الإسلام بالبلوغ أو التكليف.

وفي هذا المجال لا بد من تسجيل بعض المسائل:

 1. بالرغم من اعتبار هذه المرحلة بمثابة ولادة جديدة للإنسان نسبة لأهمية التغيرات الجسدية والنفسية والعقلية التي تطرأ على شخصيته إلاَّ أنها ليست منفصلة بمكان عن المرحلة السابقة. إذ إن النمو عملية تراكمية؛ فكما أن صحة الوليد الجسدية والعقلية والنفسية مرتبطه ارتباطاً وثيقاً بظروف حياته الرحمية،كذلك سلامة شخصية الناشئ تعود إلى حدٍ بعيد، إلى صحة نموه في جوانب شخصيته كافة (الجسدية – العقلية –
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

81

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الانفعالية – الاجتماعية – الأخلاقية – الروحية) في المرحلة السابقة.

 
وعليه فإن ما نواجهه من صعوبات في التعامل مع هذه المرحلة ليس عائداً إلى حساسية التعامل مع المراهقين فحسب بل يعود أيضاً إلى ما أهملناه في المراحل السابقة،وبعبارة أخرى إننا نحصد ما زرعناه.
 
 2. بالرغم من طفرة النمو العقلية والجسدية التي تهب الناشئ، في هذه المرحلة، قدرات ومهارات تشعره بأنه لا يقل شأناً عن الكبار، إلاَّ أنه يفتقد إلى الكثير من التجارب والخبرات. الأمر الذي يحتم على المربين إيلاء الناشئ اهتماماً كبيراً والتعامل معه بكثير من الحكمة والتفهم حتى يضعوه على سكة الرشد الحقيقي؛ وأبلغ تعبير عن أسلوب التعامل الأفضل مع هذا العمر، هو ما عبَّر عنه الإسلام بلفظه: إستوزره.
 
ورد في الحديث:
 
"الولد سيد سبع سنين وعبد سبع سنين ووزير سبع سنين" الرسول صلى الله عليه وآله وسلم1.
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج104.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

82

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 "دع ابنك يلعب سبع سنين ويؤدب سبع سنين والزمه نفسك سبع سنين"1.

 
"احمل صبيك تأتي عليه ست سنين ثم أدبه في الكتاب ست سنين ثم ضمه إليك سبع سنين، فأدبه بأدبك فإن قبل وصلح وإلا فخلِّ عنه"2.
 
 3. إن من أهم مقتضيات الاستوزار: القرب الدائم والاحترام والمشاورة وتفويض بعض الصلاحيات مع إبقاء خطوط حمراء لا يجب تخطيها.
 
  4. إن طفرة النمو الجسدية والنفسية والعقلية التي يمر بها المراهق، وإن كانت تدفعه أحياناً إلى التمرد أو الجنوح ليست، إذ أحسن التعامل معها، بسلبية دائماً. فهي التي تهبه القدرة على التفكير والتحليل والاحساس بالمسؤولية والإنفتاح على معاني الكمال والجمال والعبادة الواعية والاستعداد للتفاني من أجل الدفاع عن العدالة والإنسانية والجهاد في سبيل الله....
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أوصيكم بالشبان خيراً فأنهم أرق أفئدة، إن الله بعثني بشيراً ونذيراً فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ".
 
 
 

1- الإمام الصادق عليه السلام.
2- الوسائل، باب 82، حديث 2 أحكام الأولاد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

83

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ثانياً: كيفية تشكُّل السلوك:


لا بد للمهتمين بشؤون الأولاد والناشئة وبكيفية تربيتهم على الإيمان والفضيلة من الإلمام بشيء من التعمق والتفصيل بالنظريات التي تفسر كيفية تشكُّل السلوك لدى الكائنات الحية، والعاقلة منها خاصة.

وقد خطا، علم نفس النمو وعلم نفس التعلُّم، خطوات مهمة في هذا المجال. وإن كانت، نظريات النمو والتعلّم، قد شابها، في البدء، الكثير من الجنوح والهفوات، إلاَّ أن ما آلت إليه هذه النظريات، في عصرنا الحاضر، يقترب كثيراً من مضمون التوجيهات في القرآن والسنة، الأمر الذي يدعونا لدراستها بجدية وتحديد كيفية الاستفادة منها.

ونستطيع، بالاستناد إلى هذه النظريات، أن نفسر أسباب الكثير من السلوكات، التي يتفاجأ بها الأهل، لدى الناشئة ونستطيع كذلك أن نتعرف على أساليب إطفاء السلوك السيّئ وإعادة تشكيل السلوك المرغوب فيه. وحيث أنه لا يسعنا في هذه العجالة الاستعراض المفصَّل لهذه النظريات ستكتفي بالإشارة إليها وتعريفها بعبارات موجزة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

84

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 أهم النظريات المتعلقة بتفسير السلوك مؤخراً، خمس نظريات:


1. التعلُّم السلوكي التشريطي (SKINNER):

وهي النظرية التي تعتبر بأن العنصر الأساسي في انتخاب الكائن الحي لسلوك معيَّن هو ما يرافق هذا السلوك من آثار محببة أو منفرة (أي الثواب والعقاب) ضمن شروط معينة.

 2. التعلُّم الاجتماعي (BANDURA):

وتعرف أيضاً "بالتعلُّم من خلال المراقبة"، وهي النظرية التي تعتبر أن للمحاكاة والنمذجة أثرين كبيرين على تشكيل السلوك لدى الأولاد والناشئة. وقد أجرى أصحاب هذه النظرية بحوثاً حول شروط فعالية النمذجة وكيفية تأثيرها.

3.  الذكاء العاطفي (Golman):

وهي النظرية التي تعتبر أن السلوك عملية تعلُّمية. وأن معظم الأولاد بحاجة لمن يعلمهم المهارات الحياتية والتي من أهمها فهم الذات والآخر ومعرفة كيفية التعامل معهما. وأن حسن سلوك الأولاد وصلاحهم يعتمد إلى حدٍ كبير على تعليمهم وتدريبهم على عناصر الذكاء العاطفي. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

85

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 4. النمو النفسي – الاجتماعي (ERIKSON):


وهي النظرية التي تعتبر أن ظهور السلوك الجيد والسوي في مرحلة المراهقة وما بعدها يعتمد على حسن النمو النفسي – الاجتماعي في المراحل السابقة والتي هي كالآتي:

5. النمو العقلي – الانفعالي (A.ELIS):

وهي النظرية التي تعتبر أن السلوك هو نتيجة حديث الذات الناتج من الأفكار والعواطف التي تختلج داخل النفس الانسانية، وأنه بتعديل أنماط التفكير عبر تعلُّم منطلقات أكثر منطقية وإيجابية يتعدل الكثير من السلوك.

العوامل المؤثرة في الناشئة:

إنطلاقاً من هذه المقدمة فإنني أعتبر أن هناك 6 عناصر مؤثرة في سلوكات الناشئة.

1.أفكارهم: وتتضمن اعتقاداتهم ومفاهيمهم وقيمهم ومبادئهم.... التي تكونت لديهم عبرمصادر وأساليب التعلُّم المختلفة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

86

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 والجدير ذكره هنا، أن مصادر التعلُّم لم تعد منحصرة، كما كان الحال سابقاً، في الآباء والمعلمين، بل إنضم إليهم، وبحضور أقوى، شركاء آخرون، أصبح جُّلهم يسكن المنزل، نذكر منهم: التلفاز والحاسوب والانترنت.


أما التأثير، فهو عائد للأساليب؛ ولا يخفى كم يتفوق هؤلاء الشركاء بأساليبهم ومؤثراتهم الصوتية والضوئية.

ولقد كان من الممكن أن تكون قوة حضور هؤلاء الشركاء عاملاً إيجابياً، وذلك في حال التقت رسائلهم مع رسائل الأهل والمعلمين.

إلاَّ أن، واقع الحال، غالباً هوالعكس، وذلك بسبب العولمة الثقافية والاتجاهات المادية والاستهلاكية المهيمنة على وسائل الإعلام.

2. ذكاؤهم العاطفي: أي ما اكتسبوه من مشاعر وتدربوا عليه من مواقف حول كيفية التعامل مع مواجهة الذات والآخر وخاصة في الظروف الحرجة وأثناء حل المشكلات.

فلقد أثبتت البحوث والتجارب بأن الإنسان لا يرث مشاعر وسلوكات بل يكتسبها بالتعلُّم والتدريب والتجربة. وأن أغلب السلوكات غير السوية ناتجة عن أفكار ومشاعر خاطئة تجاه الذات والآخر وأن التدخل المبكر لتعليم الأولاد المهارات اللازمة كي يصححوا مشاعرهم وردات فعلهم أتى بثمار مهمة على سلوكاتهم في مرحلة المراهقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

87

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 3. خبراتهم السابقة: أي التي أكتسبوها عبر التحفيز والنمذجة؛ فالقاعدة التي ثبتت بالتجارب أن:


* كل ما نُحفز عليه أو نشاهد من يُحفز عليه نقوم به تلقائياً.

* كل ما لم نُحفز عليه أو نشاهد من يُعاقب عليه لن نقوم به.

وذلك، بالتأكيد، مع مراعاة أسس التحفيز والنمذجة. أما في حال التحفيز والعقاب العشوائي وغياب النمذجة فقد تأتي النتائج عكسية (من الضروري مراجعة نظريتي التعلُّم السلوكي التشريطي والتعلُّم الاجتماعي بالتفصيل).

4. أسلوب تعامل الراشدين معهم حالياً: أهم ما يصبو إليه المراهق هو الاعتراف به: بخصوصيته، بتفرده، بإستقلاليته. وأهم ما يحتاج إليه: الحب والاحترام والعون من دون منٍ أو ارتهان. لذا:

* كل من يعترف بكيانه من الراشدين ويشعره بالحب والاحترام سوف يتعاون معه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

88

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 وكل من يهاجم كرامته ولا يعترف بخصوصيته لن يتعاون معه بل سوف يسعى جاهداً للتمايز عنه وقد يسعى، في الطريق، للإنتقام منه.


إن المراهق ضعيف، ولكنه يرفض الاعتراف بضعفه. وإن المراهق بحاجة للعون، ولكنه يرفض أن يطلبه. ولقد ذكرنا في المقدمة أن لا تعبير، يلخص الأسلوب الأفضل للتعامل مع المراهقين، أفضل من لفظة الاستوزار.

إلاَّ أن الكثير من الراشدين لا يحسنون استوزار الكبار من إخوانهم فكيف سيحسنون ذلك مع أولادهم.

إن الكثير من الناشئة يُحرمون من الاستفادة من تجارب وخبرات الراشدين بسبب عجز هؤلاء من معاملتهم كوزراء حقاً.

5. صورة البطل: يقسم علم نفس النمو مرحلة المراهقة إلى ثلاث مراحل فرعية.

المراهقة المبكرة (111-5)، المراهقة المتوسطة (151-8)، المراهقة المتأخرة (18وما فوق).

وتتصف المرحلة الأولى (121-5) برغبة المراهق في إثارة الدهشة والإعجاب.

أما المرحلة الثانية (151-8) فتتصف بحب البروز والرغبة في توكيد الذات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

89

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 لذا فهو في هاتين المرحلتين، شديد التأثر بصورة البطل والمشاهير ويسعى جاهداً للتماهي فيهم.


ويلعب الإعلام وأحاديث الناس، خاصة المرموقين منهم وذوي السلطة والشهرة، دوراً كبيراً في رسم صورة البطل هذه وليس المراهق من يصنعها.

وبحسب صورة البطل المعتمدة في المجتمع:هل هو الوسيم؟ هل هو الأكثر مالاً أو علماً أو إنسانية..... الخلوق؟

الخدوم؟ المقاوم؟......... سيكون سلوك المراهق: طريقة لبسه، تسريحة شعره، طريقة كلامه.....

 6. شلة الرفاق: من أهم حاجات عمر المراهقة: الانتماء إلى الجماعة وأول جماعة يحرص المراهق على الانتماء إليها ويتمسك بها هي شلة الرفاق:رفاق المدرسة، الحي، النادي.... لايهم، المهم الشلة التي تشعره بوجوه وكيانه المستقل.

لذا، فإن لشلة الرفاق تأثيراً كبيراً على المراهق. ومن الخطأ مهاجمتهم أمامه، لأنه سوف يزداد، بلا شك، تمسكاً وتعلقاً بهم. والأفضل حينئذٍ، رعايتهم والاهتمام بهم جميعاً، ريثما يكتشف المراهق بنفسه خطأهم. والأفضل منه مساعدة أولادنا على اختيار الأصدقاء الصالحين في العمر الأسبق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

90

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 إلاَّ أن المشكلة الأدهى، عندما تكون شلة الرفاق هذه على الانترنت ومن كل البلاد والثقافات.


وفي كل حال، علينا أن ندرك أن تأثير شلة الرفاق على المراهق يزداد كلما:

- لم يكن لديه قيم ومبادئ ثابتة مسبقاً.

- كانت علاقته مع الراشدين متوترة.

- كانت القوانين المفروضة عليه، (في المنزل، في المدرسة...) في نظره، ظالمة.

- كان تقديره لذاته منخفضاً.

- كانت مهاراته الاجتماعية متدنية.
خلاصة:

لا يستطيع أحد أن ينكر أن توجيه الناشئة وتربيتهم، أصبح، في عصرنا الحاضر، من أهم المعضلات التي تواجه الآباء والأمهات بل وجميع المهتمين بالشأن التربوي.

إلاَّ أن السبب الرئيسي في سلوكات مراهقينا غير السوية، في نظري، ليست فقط العولمة والإعلام الفاسد وتكنولوجيا الاتصالات... بل، وقبل كل شيء، في الخلل في آدائنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

91

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 التربوي (في المنزل أو المدرسة....) في المرحلة العمرية التي يمرون بها حالياً وفيما سبقها.

إذ أننا فيما قبل المراهقة:- لم نجذر في نفوسهم الإيمان بالله الواحد الأحد.

- لم نبن عندهم الثقة والإبداع والاجتهاد.

- لم نعلمهم طرق التفكير المنطقي.

- لم ندربهم على المهارات الحياتية.

- لم نحفزهم بالشكل الذي يثبت السلوك الحسن لديهم.

- وقبل كل شيء لم نقدم لهم نماذج كافية من الأسوة.


وفي عمر المراهقة:

- لم نحترم عقولهم ونخاطبهم بأسلوب علمي ومقنع.

- لم نلزمهم أنفسنا ولم نتفهم حاجاتهم النفسية والجسدية.

- لم نقدم لهم حلولاً شرعية وأخلاقية لتلك الحاجات.

- لم نوفر لهم فرصاً كافية للإسهام بفعالية في تحمل المسؤوليات الاجتماعية.

- لم نوظف طغيان مشاعر الانسانية فيهم وننميها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

92

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ودليلنا في ذلك أمران:


- أن من توفر لهم ذلك قدموا، بالرغم من وجودهم في هذا العصر، أروع النماذج المسؤولة، والمقاومة.

- أن الله عز وجل أكد في كتابه الكريم أنه ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ وذلك بالرغم ممّا أنبأ به تعالى من فساد في آخر الزمان.

انطلاقاً مما تقدم نقترح على المعنيين بهذا المؤتمر الكريم التوصيات التالية:

1. المبادرة السريعة إلى إنشاء مركز للأبحاث التربوية على أساس إسلامي، يأخذ على عاتقه:

- صياغة نظرية تربوية إسلامية متكاملة انطلاقاً من القرآن والسنة.

- الاطلاع على النظريات العلمية في مجال علم نفس النمو والتعلُّم ومحاكمتها وتحديد كيفية الإستفادة منها لتحسين الأداء التربوي.

- مد المؤسسات: الاعلامية والتعلمية والثقافية بالأسس العلمية التي يجب أن ترتكز عليها في عملها التربوي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

93

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 2. تكثيف البرامج الاعلامية المساهمة في التأثير على مسلكيات الأولاد والناشئة عبر المحاكاة والنمذجة الأمر الذي يقتضي التركيز على الدراما وعلى برامج تسلط الأضواء على مشاهير في عوالم إنسانية متنوعة كالمصلحين والمخترعين وأصحاب الفن الملتزم والأيادي البيضاء والمؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة إلى جانب المقاومين والمجاهدين.


- وحيث أن للنمذجة قواعد وأصول فلا بد أن يكون لكل مؤسسة إعلامية لجنة تضم مختصين في علم نفس النمو والتربية والاجتماع والإعلام يتعاونون معاً لدراسة العمل الفني من كل أبعاده، ومنه استخدام الخطاب والأساليب المتناسبة مع العصر من دون التخلي عن القيَّم والأصالة.

3. اتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية مؤسسة الأسرة وتحسين الأداء التربوي للآباء والأمهات فيها. ويقتضي ذلك:

- تعريف الشباب والشابات على قدسية مؤسسة الزواج وخطورة دورها في المجتمع والاحتراز من التعقيدات الاجتماعية والمخارج الفقهية التي تعقد أمور الزواج أو تزهد الشباب والشابات فيه.

- بلورة الأحكام الفقهية واستحداث المؤسسات التي تكفل تماسك الأسرة ورأب أي صدع يحدث فيها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

94

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 - سن القوانين التي تحمي دور الأمومة وتكرسه.


- الاعداد المسبق للشباب والشاباتلدور الزوجية والأبوة والأمومة.

4. إدخال تعديلات وجذرية على عمل المدارس الإسلامية بالشكل الذي يتناسب مع أهمية الدور التربوي التي تطلع به وبالشكل الذي يؤهلها لإعداد أجيال مؤمنة مجاهدة خلوقة ومتعلمة في آن، وهو ما يحتاج إلى إعادة النظر في:

- المناهج والبرامج.

- الأنظمة والقوانين.

- مواصفات المعلمين والإداريين وخبراتهم التربوية.– الثواب والعقاب وأساليب الضبط التربوي.

- معايير النجاح والرسوب.

- تنمية المواهب والإبداع.

- أطر التعاون والتنسيق مع أولياء الأمور.– الإعداد للحياة الأسرية والاجتماعية.

5. تأمين المراكز التي تساعد الأهل على توفير النجاح للمتعثرين دراسياً أو توجيههم مهنياً بالشكل الذي يحول دون تسربهم إلى الشارع أو العمالة المبكرة.

6. تأمين فرص إشغال للناشئة تحت إشراف عناصر تربوية من أجل ملء أوقات الفراغ وتقطيع المرحلتن الأولى والثانية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

95

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 من عمر المراهقة بسلام كالنوادي الرياضية والكشفية والمؤسسات المعنية بالخدمات الاجتماعية.


7. ممارسة الرقابة الاجتماعية على كل ما من شأنه تسعير الغرائز وتفريغ القيم من محتواها وكسر حاجز العفة والحياء (واجهات المحلات، اللوحات الإعلانية، القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت الفاسدة، مقاهي الانترنت الفاسدة، ارتداء حجاب الموضة........) وتفعيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطها وشرائطها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

96

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 واقع الناشئة في المجتمع

د. طلال عتريسي1
 
ربما لا يخلو كتاب من كتب علم النفس أو علم الاجتماع أو علم النفس التربوي من فصل يتحدث فيه عن أوصاف الناشئة أو عن المراهقين في مراحل نموهم المختلفة. ولا حتى عن العلاقة بين الناشئة أو الشباب أو المراهقين وبين المجتمع عموماً. ومثل هذا النوع من الدراسات متوفر بكثرة في الكتب والمكتبات. ومن السهل أن نعثر عليه بالعربية أو بالأجنبية...
 
وبما أنه ليس من المطلوب ان نكرر ما جاء في تلك الكتب والفصول... أعتقد أن علينا في مثل هذا اللقاء أن نحاول الاقتراب على مستوى المعالجة أو طرح الأسئلة من واقع الناشئة التي تعنينا في المجتمع الذي نعيش فيه.
 
وفي اطار هذه المحاولة يمكن القول:
 
ـ أن المقصود بالعلاقة التي نتحدث عنها هنا هي العلاقة مع المجتمع اللبناني.
                
 
 

1-أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبناني. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

97

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ وأن المجتمع اللبناني لا يعمل وفق نسق واحد من القيم التي يتوجه بها إلى الناشئة.


وهذا المجتمع ليس لديه التوقعات نفسها من الناشئة. لا بل يمكن القول أن هذه التوقعات قد تكون متعارضة الأسس والأهداف. ما يؤثر بطرق مختلفة على الناشئة في هذا المجتمع.

ـ إن هناك فارق بين الناشئة الذكور والناشئة الإناث في علاقة المجتمع بهم وفي توقعاتهم هم من المجتمع. وهذا يعني أن علينا أن نحدد عن أي ناشئة نتحدث. وأن نبين الفروقات في علاقة المجتمع اللبناني ببيئاته المختلفة مع الإناث ومع الذكور.

ـ لا يكفي تعميم القول أن المجتمع الذي نقصده في بحثنا هذا ـ أو في مؤتمرنا هذا ـ هو المجتمع اللبناني عموماً. بل ما نقصد فعلياً أو ما ينبغي أن نقصده ونبحث ما يجري فيه هو ما يطلق عليه المجتمع الشيعي أو البيئة الشيعية في داخل المجتمع اللبناني. لأن لهذه البيئة خصوصيات تختلف عن غيرها ولديها ما هو مشترك مع البيئات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

98

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 اللبنانية الأخرى من جهة ثانية. وهذا يفترض أن نبحث عن طبيعة العلاقة بين الناشئة الشيعة وبين بيئتهم الشيعية وتوقعاتهم من هذه البيئة من جهة، وفي الوقت نفسه علاقة الناشئة الشيعة مع البيئات اللبنانية الأخرى ومدى التأثير المتبادل سلباً أو ايجاباً بين هذه البيئات المختلفة والمتجاورة من جهة أخرى. لأن دراسة هذه العلاقة المتداخلة قد تبين لنا طبيعة مصادر التأثير على الناشئة الشيعة.


ـ هذا التوصيف لأطراف العلاقة يفرض علينا أيضاً أن نبحث في طبيعة كل طرف وفي التحولات المختلفة التي يمر بها. (أي التحولات في بيئة الناشئة اللبنانيين عموماً، وفي البيئة اللبنانية الأوسع، وفي البيئة الشيعية الخاصة. لأن الحديث عن تحولات يمر بها المراهق أو الفتى عموماً لا تنفصل عن البيئة التي تحصل فيها وعن ردود فعل المجتمع تجاه هذه التحولات. فقد تكون بالنسبة إلى بعض البيئات عادية وطبيعية في حين تتعامل معها بيئات أخرى باعتبارها مشكلة أو مصيبة... وهذا ينعكس بطبيعة الحال على علاقة الناشئة مع أنفسهم ومع المجتمع...).

ـ من المفترض أن تساعدنا معرفة التأثيرات السابقة ليس على فهم الواقع فقط، بل وعلى وضع السياسات أو البرامج الملائمة لتطوير هذه العلاقة أو لتصويبها.

ـ إن فهم طبيعة العلاقة بين الناشئة الشيعة من جهة وبين بيئتهم الشيعية والبيئات اللبنانية الأخرى (المجتمع اللبناني)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

99

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 وادراك ما يجري بينهم من تفاهم أو تعارض أو تأثير متبادل... إلا على ضوء الدراسات الميدانية التي يفترض أن نقوم بها. والتي تسمح لنا بمعرفة مباشرة لما يريد الناشئة من مجتمعهم وماذا يريد هذا الأخير منهم. ومن دون هذا النوع من الدراسات الميدانية تبقى مثل هذه الورقة محاولة أو اجتهاد للاقتراب من طبيعة العلاقة بين الطرفين. فعلى سبيل المثال تبين لنا من خلال دراسات أولية تابعناها في هذا المجال، إن مشكلة علاقة الناشئة (الفتيان والفتيات) مع مجتمعهم تعود في حالات كثيرة إلى رفضهم الضوابط الشرعية المتعارف عليها مثل (الاختلاط، التزين، الاستماع إلى الأغاني المختلفة، الغياب عن المنزل...) وإلى رفض السلطة الأبوية وإلى الهروب من المشاكل العائلية ومن الصعوبات الاقتصادية، وإلى المعاناة من عدم تفهم حاجاتهن (الفتيات خاصة)، ومن فقدان المرشد والموجه... ما يعني أن هذه الحاجات أو المشاكل هي التي ستفرض الأولويات المناسبة في التعامل مع هؤلاء الناشئة سواء لجهة البرامج أو الأساليب المناسبة. وربما يتجه الحل أو العلاج في حالات كثيرة إلى ما يجري في المدرسة أو إلى ما ينبغي أن يفعله المرشد التربوي أو الاجتماعي أو إلى ما معالجة مشاكل الأسرة المادية أوالأخلاقية وسواها... لأن مشكلة الناشئة هي أصلاً مشكلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

110


100

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

المجتمع الذي يعيشون فيه ومشكلة البيئة التي ينتمون إليها. وليست مشكلة التحولات نفسها التي يمر بها الناشئة.

ـ الناشئة ليسوا كتلة واحدة متجانسة. بل ينتمون إلى بيئات مختلفة ومتفاوتة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ودينياً وجغرافياً. وعلى الرغم من وحدة الانتماء الديني “الشعي” للناشئة موضع الاهتمام فإن هذا لا يعني التفاوت الذي أشرنا إليه. وهذا يعني أن العلاقة المفترضة يجب أن تلحظ هذه المستويات المختلفة وهي تتوجه إلى الناشئة. وأن المشاكل المتوقعة وأولوياتها لا بد وأن تختلف بين مستوى وآخر. فهل يمكن القول على سبيل المثال أن مشاكل الناشئة الشيعة في البقاع أو الجنوب هي نفسها مشاكل الناشئة في الضاحية الجنوبية أو في بيروت؟ وما هي القواسم المشتركة في هذه المشاكل وما هي الأولويات المختلفة. وبالتالي ما هي البرامج المناسبة لكل من هؤلاء الناشئة بحسب المناطق التي يعيشون فيها؟

مع الأخذ بالاعتبار الملاحظات السابقة سنحاول أن نقدم تصوراً متواضعاً حول علاقة الناشئة الشيعة بمجتمعهم، وحول التطورات المحتملة لهذه العلاقة والاقتراحات الممكنة لتكون هذه العلاقة أفضل مما هي عليه بالنسبة إلى الطرفين.

لقد حصلت تغيرات كثيرة اجتماعية وسياسية وثقافية وتربوية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

111


101

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 أثرت على الناشئة في البيئة الشيعية. ومن نتائج هذه التغيرات على سبيل المثال الشكوى التي نسمعها اليوم في المؤسسات التربوية والتعليمية (المدرسة والأسرة) من الناشئة الذين لا يقيمون وزناً أو اعتباراً لمن هم أكبر سناً من الأهل أو من المعلمين. ويرتبط بهذه الظاهرة ذات الأصل التربوي ظواهر أخرى مثل رغبة الناشئة في البقاء طويلاً خارج البيت. وتمضية الوقت مع الأقران والرفاق في المقاهي التي زاد انتشارها بشكل لافت في السنوات القليلة الماضية في مناطق الضاحية الجنوبية حيث الكثافة الشيعية الأشد. ومن الملاحظ ان هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على الذكور من الناشئة بل تجاوزتها إلى الاناث، وهذه الظاهرة الجديدة تحتاج إلى دراسة خاصة مستقلة، لأنها لم تكن معروفة على الاطلاق، ولم يكن المجتمع ليسمح بها بأي شكل من الأشكال...


وإذا انتقلنا خطوة إضافية في التمييز بين المستويات الثقافية والاجتماعية سنشهد في بعض البيئات الشيعية على سبيل المثال مشكلة أكثر خطورة من التمرد على الأهل أو من عدم الالتزام بالحجاب الشرعي مثل الادمان وتعاطي المخدرات والتسرب الدراسي والسرقة والانحراف... وهذا يحتاج إلى خطة عمل تلحظ التدخل الاجتماعي والاقتصادي والمدرسي. وربما تكون الأولوية في هذه الحالة هي حل مشكلة التسرب (في المدرسة الرسمية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

102

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 والمدرسة الخاصة) التي تدفع بالأولاد إلى الشارع حيث يسهل الادمان والسرقة... في حين قد نشهد في بيئات أخرى أكثر ثقافة أو تعلماً مشكلة من نوع آخر وتفرض علينا أولوية أخرى في المعالجة مثل قضاء ساعات طويلة على الانترنت. والمشكلة هنا معقدة. لأن جيل الناشئة هو غالباً أكثر معرفة باستخدام الانترنت من والديه. وبما أن المعرفة هي سلطة، فإن بإمكان مستخدم الانترنت أن يتفلت من سلطة الوالدين إذا أرادوا التدخل لمنعه بحجة أن ما يقوم به يحتاج إليه في دراسته. هنا تضعف سلطة الأهل. وهذا الضعف قد يمتد إلى سلوكيات أخرى يقوم بها الأبناء تتجاوز استخدام الانترنت. (وهذا أيضاً يحتاج إلى دراسة خاصة). وفي المقابل يمكن أن نلاحظ أيضاً بروز عدد لافت من الناجحين والمتفوقين (والمتفوقات) في الشهادات المتوسطة من بين الناشئة الشيعة في المناطق اللبنانية المختلفة. وهذا يعني أن التفكير في البحث عن الحلول لمشاكل الناشئة التي يريدها المجتمع ومؤسساته المعنية لا بد أن يلحظ هذا التفاوت وتلك الفروقات بين بيئة وأخرى.


ـ من الملاحظ أيضاً أن الناشئة الشيعة يمتلكون حيوية سياسية ويشاركون في المناسبات التعبوية. ولكنهم في الوقت نفسه باتوا أقل التزاماً دينياً. نعرف ذلك من شكاوى المربين والمعلمين في المدارس المختلفة (بما فيها المدارس
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

103

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الإسلامية والمدارس الرسمية في الضاحية الجنوبية). وهذه الشكاوى تدور حول تراجع الالتزام الديني على مستوى الزي والسلوك والثقافة الدينية حتى لدى أولاد الأسر المتدينة والفتيات بشكل خاص. (وهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة(.


ـ إن الملاحظة التي أراها مهمة في هذا المجال أيضاً على مستوى علاقة الناشئة بالمجتمع اللبناني أن هذه العلاقة من حيث التأثير هي من طرف واحد. والمقصود أن الناشئة الشيعة يتعرضون لتأثير الناشئة الآخرين (السنة والمسيحيين... بحسب ظروف التواصل معهم في المدارس أو في أماكن الترفيه... بالإضافة إلى وسائل الاعلام المختلفة والانترنت) وهذا التأثير نلحظه بسهولة على مستوى السلوك والأفكار وتمضية الوقت... في حين أن الناشئة الشيعة حتى الملتزمين دينياً هم أقل تأثيراً بغيرهم، بسبب الانغلاق المذهبي الحاد الذي يشهده لبنان منذ بضع سنوات. وخصوصاً أن الناشئة الشيعة عموماً هم أكثر ارتياداً لمناطق مختلطة طائفياً من سواهم. ولا تعني هذه الملاحظة المزيد من الانغلاق بل ربما كان المطلوب المزيد من الوعي الثقافي والديني لتثبيت الالتزام مع تجنب الانغلاق.

ـ إن المجتمع يصنع غالباً للناشئة التوقعات التي يريدها منهم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

104

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 سواء مباشرة أو بشكل غير مباشر، من خلال القيم التي يرفع من شأنها ويتبناها ويمجدها. فقد عرفت بعض المجتمعات تمجيد القوة البدنية، وأخرى تمجيد فنون القتال أو الصيد، وقد كانت الفاشية والنازية حركتين شعبيتين قويتين في كل من اسبانيا وألمانيا بسبب قدرتهما التنظيمية الفائقة ومظاهر القوة التي رافقت تلك القدرة.


في مجتمعاتنا المعاصرة اليوم نشهد تمجيداً لقوة المعرفة عبر التكنولوجيا ووسائل الاتصال. وفي الوقت نفسه تمجيداً للملكية. بحيث باتت المعرفة المطلوبة في خدمة الملكية. أي نعرف لنزيد ملكيتنا... هذه القيم يعيشها الناشئة اللبنانيون عموماً والشيعة منهم خصوصاً، ولكن هذا يصطدم في الوقت نفسه بالنسبة إلى الناشئة الشيعة مع تمجيد مختلف، هو تمجيد للقوة الجهادية العسكرية التي تجسدها المقاومة. وهذا التمجيد نلحظه بوضوح في وسائل الاعلام وفي الاحتفالات والمناسبات والأدبيات السياسية والدينية المختلفة. فما هي المشكلة المطروحة هنا؟

المشكلة لا تقتصر فقط على التناقض في التمجيد بين القيم. أي بين تمجيد عام (في المجتمع اللبناني) وتمجيد خاص (في البيئة الشيعية). بل نرى المشكلة الأهم على مستوى آخر. في إعلاء الناشئة (الذكور خاصة) شأن الانتماء إلى قيم المقاومة الاعلامية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

105

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 والحماسية والاحتفالية والمذهبية... من دون الاهتمام كثيراً إن لم يكن أبداً بالمضمون الحقيقي والعميق (الديني والسلوكي) لهذه القيم. فيكون الانتماء هنا أفقياً وسطحياً يسهل التأثير عليه أو إضعافه. لذا لا بد من رعاية خاصة من فاعلين عدة مؤسسات تربوية وتعليمية واجتماعية ودينية... ليتحول إلى انتماء عامودي شيئاً فشيئاً أي أكثر رسوخاً...


ـ "أما المسألة الثانية التي لا تقل خطورة فهي في المثال الأعلى الذي تقدمه المقاومة إلى الناشئة. هذا المثال يحمل في آن السلبي والايجابي. أما الايجابي فمعروف ومطلوب. لأن الوعي على نموذج الجهاد والتضحية وقتال العدو يخلق لدى الناشئة والجيل اليافع ارتباطاً مبكراً بالقضية الوطنية أو الدينية. أما السلبي (الأخطر) فهو في رغبة الناشئة في الالتحاق المبكر والهيّن بالمقاومة هرباً من عبء التعلم والدراسة وسلطة الوالدين. أي أن هذا الأمر سيكون غالباً على حساب اهتمام الناشئة التعليمي ومتابعتهم الدراسية. ما يفضي إلى سبب جديد للتسرب الدراسي غير معروف في الأدبيات التقليدية التي تناولت هذا الموضوع... بحيث يؤدي الأمر إذا اتسع وشاع، إلى هوة مقلقة لدى جيل متحفز سياسياً وتعبوياً ومنكمش ثقافياً وتعليمياً. وثمة مؤشرات واضحة لدى من هم أكبر من
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

106

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 الناشئة على واقع هذا التفاوت بين التحفز والانكماش. وإذا كان ثمة مشكلة تقليدية معروفة مع المثقفين الذين لا يمتون بصلة إلى الواقع... فإننا قد نشهد في المستقبل غير البعيد مشكلة جيل جديد لا يمت إلى الثقافة بمستوياتها الدينية أو السياسية بأي قرابة. وإذا أضفنا واقع الساعات الطويلة أمام الانترنت وفي المقاعي وتراجع سلطة الأهل والمربين... ستكون التوقعات من الناشئة بعد ذلك أقل تفاؤلاً. وبالتالي مسؤولية المجتمع ومؤسساته المعنية أكثر جدية وعمقاً.


إن الخبرات التربوية والنفسية والاجتماعية تسمح بتقديم الكثير من الاقتراحات للتعامل مع هذه المرحلة من العمر لتعزيز الجوانب الايجابية وتقليص الجوانب السلبية في علاقة الناشئة مع أنفسهم ومع المجتمع. ومن هذه الاقتراحات ما يمكن العمل به مباشرة ومنها ما يحتاج إلى اعداد مستقبلي.

من ذلك على سبيل المثال:

ـ اعادة الاعتبار إلى السلطة التربوية. وهذه مسألة في غاية الأهمية والدقة. فمن خلالها يجب أن يعاد الاعتبار إلى التوازن بين حرين الناشئة وبين السلطة التي تراقب وتضبط وتمنع وتشكل مرجعية مفروضة. على أن يكون هذا التوازن لمصلحة السلطة وليس لمصلحة الحرية. وهذا أمر يحتاج إلى نقاش واسع (يمكن العودة إليه والتفصيل فيه.(...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

107

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 ـ تشجيع ثقة الناشئة بأنفسهم من خلال الأنشطة الرياضية والفنية، وعدم اختزال العلاقة معهم بالأنشطة الدينية فقط التي تقوم بها الهيئات المختلفة في المدرسة أو الحي أو غيرها... حتى لا يتحول درس الدين والأنشطة الدينية إلى النشاط الوحيد الممل الذي ينفر الناشئة ويضيع الهدف...


ـ التعرف إلى ما يشكو منه الناشئة (من خلال الدراسات الميدانية المناسبة) حتى لا نفترض أن كل ما ورد في الكتب حول هذه المرحلة هو نفسه ما يتعرض له الناشئة موضع اهتمامنا في المجتمع اللبناني وفي البيئة الشيعية. وبعد تلك الدراسات إذا حصلت يمكن فتح آفاق النقاش الصريح والصادق مع الناشئة (الذكور والاناث) حول ما يعتبرونه هموماً تثقل عليهم العيش والدراسة. مثل قضايا الحب والعلاقة مع الجنس الآخر ومع الوالدين والموسيقى والالتزام وغير ذلك...

ـ ابتكار الأساليب المناسبة للتوجيه الديني والأخلاقي. والابتعاد عن الوعظ التقليدي الذي لم يعد مجدياً في كثير من الحالات. وايجاد البدائل المناسبة والمقنعة لتمضية اوقات الفراغ. وباعتقادنا هذه مسألة في غاية الأهمية (وتحتاج إلى دراسة خاصة) لأن معظم المشاكل واحتمالات الانحراف مصدرها الطريقة التي يمضي بها الناشئة أوقات الفراغ. (الانترنت،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

108

المحور الأول: الناشئة في المنظار التربوي والواقعي

 المقاهي...) لأن هذه الأوقات هي مصدر التأثير القوي على ما يفكرون فيه وعلى ما يقومون به...


ـ في ختام هذه الورقة قد يكون كل ما تقدم مجرد تقديرات ذات خلفية اجتماعية لواقع الناشئة الشيعة في المجتمع اللبناني، قد نختلف في مدى صوابيتها أو في مدى دقة تفسيرها لهذا الواقع. لذا إن التوصية الوحيدة التي يمكن التقدم بها تلافياً لمثل هذه التقديرات وتفادياً في الوقت نفسه لبذل الجهد في تعميم مواصفات لا علاقة لها بالمجتمع اللبناني أو بالناشئة الشيعة... هذه التوصية هي الدراسات الميدانية التي تتيح لنا معرفة مباشرة وحقيقية بواقع الناشئة. وبعد تلك الدراسات يمكن أن نحدد أولوية المشكلات وأن نضع بالتالي البرامج والخطط وأن نفكر بالأساليب المناسبة للتعامل مع تلك الأولويات. ومن المفترض ألا نتهاون في هذه القضية لأن الناشئة هم بعد سنوات قليلة فقط جيل الشباب والثروة الاستراتيجية التي يسعى الجميع بأساليب عدة إلى احتوائها والسيطرة عليها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

109

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 المحور الثاني

قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة
 
1- كلمة رئيس الجلسة

                                                                       الوزير طراد حمادة

2- قراءة في أصول الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة ومكوناته

                                                             الدكتور محمد رضا فضل الله

3- قراءة في واقع مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة (عرض وتقييم للتجربة)

                                                                     الأستاذة زينب شريم

4- قراءة واقع مضمون الخطاب الإسلامي، تجربة الكشاف مع الخطاب الموجه للناشئة

                                                                      الأستاذ غالب العلي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

110

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 .كلمة رئيس الجلسة

الوزير الدكتور طراد حمادة

نبدأ الجلسة التالية في هذا المؤتمر الموفق بحمد الله حول الخطاب الثقافي الإسلامي الموجّه للناشئة.

وفي هذه الجلسة سيتكلّم كلّ من الدكتور السيد محمد رضا فضل الله في "أصول الخطاب الثقافي الإسلامي الموجّه للناشئة ومكوّناته". ثمّ الأستاذة زينب شريم أيضاً قراءة في "واقع مضمون الخطاب الإسلامي الموجّه للناشئة". والأستاذ غالب العلي في قراءة أيضاً "واقع مضمون الخطاب الإسلامي لتجربة الكشاف مع القطاع الموجّه للناشئة".

هذه الحصّة في الحديث سأتناول فيها مجموعة ملاحظات تتعلق بالمنهج حول الخطاب الثقافي. لماذا أختار عنوان الفلسفة؟ لأنّه بالنسبة للمعرفة العقلية المتحصّلة، الخطاب الفلسفي هو أوج الخطاب فيما يحصّله العقل. الفلسفة تناولت التربية بما فيها تربية الناشئة ونظرت دائماً إلى اعتبارها جزءاً من الفلسفة، وإن ارتبطت في الفلسفة الإسلامية بالحكمة العمليّة وفي الفلسفة الغربية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

111

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بالأخلاق. واعتُبرت هذه التربية سواءً كانت كحكمة عملية أو بمفهوم الأخلاق كما هو عند "كانت" مثلاً، أنّها أيضاً من الطريق الذي يوصل إلى معرفة النفس ثمّ معرفة الله سبحانه وتعالى.


وطرحت الفلسفة إشكاليات أساسية العقل الإنساني حول نبض الخطاب الفلسفي وحول حق من يملك سلطة الخطاب، ومن أين تأتي هذه السلطة سواء أكانت سلطة العالِم على المتعلّم، أو الوالد على أولاده، أو الدولة على رعاياها، أو المدرسة على الطلاب.

ما تجمّع من أسئلة حول فلسفة التربية، يجوز طرحها على القرآن الكريم. بطبيعة الحال، عندنا فلسفة إلهيّة، والحقائق كلّها متحصّلة في القرآن، وهذه الحقائق تشمل كلّ الحقيقة، وبالتالي ما يحصّله العقل المتكوّن من مجموع الأسئلة المتعلّقة بالتربية والخطاب الموجّه إلى الناشئة نقدّمه ونطرحه على القرآن، فيصبح الخطاب الذي يلزمنا الآن هو الخطاب المتحصّل من طرح أسئلة العقل الإنساني في هذا الزمن وفي هذا الاجتماع الإنساني، وفي هذه البيئة سواء أكانت لبنان أو العالم العربي أو العالم الإسلامي، في هذه المرحلة المعرفية أو البيستيمولوجية المعينة في الزمن البيستيمولوجي الذي نعيشه، في العصر الذي نعيشه، تتحصّل مجموعة من المعارف ومجموعة من المعارف الكبرى نطلقها على القرآن الكريم، نطرحها، نستنطق القرآن مثل مقولة الشهيد الصدر أو غيره قدس سره. نستنطق
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

112

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 القرآن الكريم ونستخرج منه الخطاب الإسلامي الذي يجب أن نوجّهه للناشئة، وهذا الخطاب متحرّك بحكم تحرّك العقل، ومبدع بحكم إبداع العقل وبتحرّك الزمان والمكان.


تأوّج الخطاب عندنا للناشئة لا يتحصّل إلا بزمن ظهور الإمام عجل الله فرجه الشريف، لأنّه في لحظة الظهور يكتمل المعنى القرآني ويستبين المعنى القرآني. ولكن نحن بقدر ما يكون العقل محصّلاً تحصيلاً حقيقياً وبقدر ما يكون هذا العقل مشغول وعنده حريّة، وعنده إبداع، وعنده حوافز، وعنده طرق وأساليب، ويجمع كلّ الخبرات وكلّ الأشكال المتوفرة في عصره وفي زمانه، بقدر ما يكون في هذا الزمن وفي هذا الوقت بالذات قد اقترب بشكل أو بآخر وعلى قدر الوسع الإنساني من الخطاب الذي لا يكتمل إلاّ بظهور الإمام عجل الله فرجه الشريف، واستنباط أو استخراج كلّ المعارف القرآنية في زمن الظهور. لتتوفر هذه المسألة وهذه الطاقة يلزم برأيي إشغال العقل وحريّة الإبداع.

سأقرأ لكم نصين، النّص الأول هو "للملا صدرا" وهو يقسّم الناس والقرآن والفلاسفة والأعوام، وفي رسالته معنوَنة الأصول الثلاثة الذي كانت في الأخلاق، يقول بنص شعري: "منذ أن وُلِد ليل العدم يوم الوجود، لا يذكر شمساً كهذه الشمس. أيها الغارق ناحلاً، ذليلاً، خجلاً في جحيم الجسم، وجهنم القلب تعالى بالبعض الجسد إلى منبر الروح، تعالى للمجاهدة بحدائق القرآن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

113

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 وتعلّق بالرّداء المحمّدي". ويكتب أيضاً: "قلت مرّات وأقول مرّة أخرى بأني بلا قلب لا أطوي الطريق بنفسي (أي أنّه يحتاج إلى من يساعده حتى يصل. حاجة الطالب إلى الأستاذ، والمُريد إلى الشيخ، والولد إلى أبيه،...)، "لكن جعلوني وراء المرآة كمثل الببغاء، وقالوا قل ما قاله أستاذ الأزل، قلت: قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني".


إذاً هذا حريّة الإنسان بأن يبدع حتى في فهم القرآن، وحتى أن يتجاوز لأن الشيء لا يوصلك.

وسأختم قولي لشعر لطيف لادونيس وهو التالي: "ضوء يجيء من تعب الظلّ، ظلٌّ يجيء من تعب الضوء. ويقول أيضاً: نعم تحرس السياسة وتسهر، ولكن ماذا تحرس؟ وعلى ماذا تسهر؟ أهنالك شيء آخر غير الخطوات والكلمات؟ وما أبرع الشوارع في الإقتفاع، وما أبرع الجدران في التنصت... 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

114

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 قراءة في أصول الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة

 
د. محمد رضا فضل الله1
 
في الإطار المدرسي يُقال للمعلّم:
 
"اعرف تلميذك، تضع قدمك على الطريق".
 
أي إذا أردت النّجاح في مهنة التعليم فعليك معرفة من تعلّم، معرفة كافية شاملة تتضمّن:
 
ـ ثقافة نفسيّة لشخصيّة التلميذ بخصائصها العمريّة، وما يتّصل بالأنماط التربويّة التي خضع لها، والأوضاع الاقتصاديّ والاجتماعيّة التي عاشها.
 
ـ معرفة بالمستوى العلمي الذي يكشف عن واقع معارفه، ومستوى خبراته، وما يتّصل به من قيَم واستعدادات وقدرات وميول ومهارات.
 
ـ الإلمام بالمحيط الذي يشير إلى مجمل المؤثرات الطبيعيّة والتربوية والاجتماعيّة، والروحيّة والسياسيّة والاقتصاديّة...
 
 

1- مدير دائرة الإشراف التربوي في مدارس المصطفى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

115

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 كل هذه الخصائص وتلك المعارف يستطيع الباحث أن يحصل عليها من خلال التواصل مع أجواء التلميذ الأسريّة والمدرسيّة، ومن الدراسات والأبحاث التي تعالج تعقيدات مراحل النمو ومشاكلها.


وإذا انطلقنا من الإطار التعليمي الخاص إلى الإطار الاجتماعي العام، نلتقي بهذا التوجّه الذي يحقّق سلامة التواصل ومرونة القدرة على التكيّف مع النماذج الإنسانيّة المتنوعة، فمن خلال فهم الخصائص العمريّة، ووعي الحاجات المتّصلة بها، ودراسة الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة المحيطة والمتأثّرة بها... ينبغي على الآخر أن ينطلق في سياسته معها بـ:

ـ أن يتعامل معها بالمستوى الذي ينسجم مع هذه الخصائص.

ـ أن يفهم الواقع النفسي الذي يعيشه، فيتعرّف إلى ما يحب ويألف ويرغب.

ـ أن يكتشف طبيعة المفتاح الذي به يدخل إلى عقله ووجدانه.

كل هذه تحدّد لنا طبيعة اللغة التي نخاطب بها الآخر، والتي نستطيع من خلالها أن نتفاهم ونتحاور ونتفاعل.

وهنا، ومن أجل تحديد مفردات الخطاب الملائم للنّاشئة، لا بدّ وأن نحدّد المرحلة العمريّة التي نرغب في تناولها، ونتطلّع إلى قدرتنا على الدخول إلى عالمه الفكري والشعوري، والتأثير في قناعاته ومواقفه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

116

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إن المرحلة العمريّة التي نرغب في التواصل الحواري معها هي التي تبدأ مع.... المراهقة (12 سنة مرحلة التحفّز) وتستمرّ إلى حدود الثامنة عشرة وقد تتجاوز ذلك إلى العشرين بحسب طبيعة العوامل الوراثيّة والبيئيّة، يقابل ذلك وجود الولد في المراحل المدرسيّة التالية: (الحلقة الثالثة، والمرحلة الثانويّة).


هذه المرحلة تتّسم بتغيّرات بيولوجيّة غير متوقّعة، قد تفاجئ الولد (هبة في الطول والوزن، ظهور معالم الرجولة عند الفتى، والأنوثة عند الفتاة...)، فتوحي له بعالم إنساني آخر له حاجاته وخصائصه ومشاكله، ممّا يفرض عليه أن يعيد النظر بكلّ ما كان عليه، لينطلق إلى ما يجب أن يكون عليه.

إنها بداية مرحلة النّضج الذهني الذي يبلغ به الرشد العقلي حيث يتمّ فيه الانتقال من التشبّت بالعالم المحسوس إلى العالم المجرّد، عالم انطلاق الفكر من إطار الماديات إلى إطار القيّم والمعاني والمفاهيم والأفكار.

وهنا لا بدّ لنا من أن نؤكّد أن طبيعة التعامل مع تعقيدات هذه المرحلة تتطلّب وعياً لحاجاتها، التي إذا ما استُجيب لها بحكمة ومرونة، نكون قد وفّرنا عليه كثيراً من الأزمات والتوتّرات والمشكلات التي تربك واقعه وتشوّه مستقبله، ولعلّ من أبرز هذه الحاجات:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

117

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ـ الحاجة إلى التقدير والمكانة: فالطفل يشعر بأنّه أصبح كبيراً، وعلى المحيطين به أن يأخذوا هذا الجديد بعين الاعتبار، لذا فهو يرفض كلّ تعامل طفولي كان الأهل قد اعتادوا عليه، سواء في المفردات الكلاميّة التي يُخاطب بها، أو بالحركات والإشارات والمواقف التي تناسب عالم الصّغار.


ـ الحاجة إلى التحرّر والاستقلال: المراهق من خلال شعوره بمكانته ينشد الحريّة والاستقلال، فيرفض مختلف القيود التي تحول دون اختياره، فهو يتشبّت بآرائه ومواقفه، ويشعر بأنّه بلغ مرحلة النّضج التي تجعله أهلاً لتحمّل مسؤوليّة قراراته، فأية وصاية عليه يرفضها، ويعتبرها تدخلاً في شؤونه الخاصّة. وبالأخصّ تلك التي تتعلّق بآفاقه المستقبليّة في التعلّم والعمل أو في اختيار الأصدقاء. أو في التدخّل في قناعاته الفكريّة والسياسيّة وغيرها، إنّه يكره أن تُفرض عليه الآراء، وينفر من كل تعامل يقيّد حركته من خلال خياراته.

ـ الحاجة إلى الانتماء: وحتّى تكتمل شخصيّته يشعر المراهق بالحاجة إلى أن يكون عضواً في جماعة تعيش آماله وطموحاته، يبثّها أسراره، وتفكّر وتهتمّ بما يفكّر به ويهتمّ.

ومن أجل أن يؤكّد مكانته وموقعه في المجتمع يطمح إلى أن يكون له رؤية في الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة، فيسعى للانتماء إلى جماعة تشاركه العقيدة والتطلّعات والمواقف،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

118

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فينخرط في أحزاب أو منظّمات يجد فيها نفسه ويحقّق ذاته.

 
ومع المراهقة تتفتّح قدرات المراهق العقليّة، وتتنوّع خبراته، وينتقل بتفكيره من التعلّق بالمحسوس إلى المجرّد حيث عالم التصوّرات الذهنيّة والمبادئ والنظريّات، فينطلق ليبحث عن عقيدة تقنع عقله، وترضي وجدانه، فيبدأ فترة صراع يتأرجح فيها بين الشّكّ واليقين، وينطلق في البحث عن تفسير وتعليل لكلّ ما يعرَض عليه من أفكار، وهذا يفرض أن نتسلّح بالمنطق أثناء حوارنا معه، لنحدث لديه لوناً من الاستقرار العقيدي والنّفسي.
 
مبادئ عامّة تحكم الخطاب الإسلامي
 
وحتّى يكون الخطاب فاعلاً ومقنعاً لا بدّ وأن تحكم شخصيّة المحاور بعض الخصائص التي تبعث على الثّقة وتدعو إلى الاحترام، منها:
 
1ـ أن يمتلك ثقافة كافية يستطيع من خلالها أن يعرض ويشرح ويفسّر ويحلّل ويعلّل ويقيّم، ويقدّم الدليل الذي يقنع بالحوار الذي يعتمد الحجّة والبرهان وهذا هو ما نستوحيه من الآية الكريمة: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(سورة آل عمران,آية: 66).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

119

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 والثقافة الدينيّة في حدّها الأدنى تشمل:


ـ علوم القرآن والسنّة، العقائد، الأخلاق، الفقه، السيرة، المفاهيم...

ـ المفاهيم الحديثة وموقف الإسلام منها: النظريّات الماديّة، والرؤى الاقتصاديّة، حقوق الإنسان، المواطنة، العولمة، حقوق المرأة، الديمقراطيّة، البيئة، أنظمة الحكم...

2 ـ أن يجسّد التعاليم التي يدعو إليها: وحتّى يكتسب المسلم المحاور ثقة واحترام الآخر، عليه أن يكون صادقاً في قوله وفعله، أميناً على ثقافته وقناعاته، ليحوّلها إلى سلوك متوازن يمثّل الأسوة الحسنة، وفي هذا الإطار يحذّر القرآن الكريم من التلوّن في المواقف، بحيث يظهر الإنسان في صورتين مختلفتين بين حين وآخر:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(سورة  الصف: 2 ـ 3).
 فمن يكون القدوة في تجسيد قناعاته بأفعاله، يكن فاعلاً في تأثيره، ومغيّراً في محيطه.

3ـ أن يعتمد الأسلوب الإنساني المرن الحكيم: والثقافة الكافية والقدوة الحسنة لا تحقّقان فعاليّة الخطاب الإسلامي إذا لم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

120

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 يرافقها الأسلوب الإنساني الذي يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المخاطب من حيث:


ـ خصائصه العمريّة في أبعاده الجسديّة والانفعاليّة والذهنيّة.

ـ أجوائه الاجتماعيّة، وأوضاعه، وأوضاعه الاقتصاديّة، وأنماط التربية التي خضع لها.

وقد حدّد القرآن الكريم عناصر هذا الأسلوب بالآيات:

"ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن"...

"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولّي حميم"...

"وقولوا للنّاس حسناً"...

بهذا الأسلوب تستطيع أن تقترب من الآخر وتتواصل معه، ليندفع هو أيضاً إلى الاقتراب منك، والانفتاح على ما تقوله وتفعله، فتربح بذلك قلوبهم وعقولهم وكل حياتهم.

ـ في وصيّة للإمام علي عليه السلام لابنه محمّد ابن الحنفيّة:

"واعلم أنّ الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

121

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ـ عن سليمان بن مهران قال: دخلت على الصّادق جعفر بن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعنده نفر من الشيعة فسمعته وهو يقول:


"يا معشر الشيعة كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للنّاس حسناً، واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول وقبح الكلام".

ـ ولعلّ أبلغ دليل على ذلك ما كان يستخدمه الأئمّة عليهم السلام من أساليب هادئة تحترم الآخر، وتدحض حجّته بالمنطق والحوار الذي يتّسم بالرصانة والموضوعيّة.

فقد ورد عن أحد تلاميذ الإمام الصادق عليه لاسلام: المفضل بن عمر يتحدّث فيه عن انفعاله الشديد أثناء حواره مع أحد الملحدين فيقول:

"فلم أملك نفسي غضباً وحنقاً فقلت: يا عدوّ الله... ألحدت في دين الله، وأنكرت الباري الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغت إلى حيث انتهيت، فلو فكّرت في نفسك، وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبيّة، وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة".

فقال (الملحد): يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

122

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 كنت من أصحاب جعفر بن محمد، فما كان هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدّى في جوابنا، وأنه للحكيم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا ويتعرّف حجّتنا، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننّا أنّنا قطعناه، أدحض حجّتنا في كلامٍ يسير، وخطابٍ قصير يلزمنا به الحجّة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.( الاحتجاج للطبرسي، ج، ص69).


من خلال هذا الخطاب الحواري يمكن أن نحدّد بعض عناصره والتي تخضع لضوابط أخلاقيّة وإنسانيّة وشرعيّة نذكر منها:

1 ـ أن نبدأ الخطاب بالكلمة الطيّبة والقول الحسن:

﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾( سورة إبراهيم الآيتان: 25 ـ 26).

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(سورة فصلت الآية: 33).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

123

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الكلمة الطيّبة التي تمثّل كل إيجابيّات الحياة، وكلّ إنسانيّة الإنسان، التي شبّهها الله تعالى في عطائها وحيويّتها وامتدادها وعمقها بالشّجرة الطيّبة، التي تتجذّر بعروقها في أعماق الأرض، وتمتدّ بفروعها وأغصانها إلى الأبعاد القصوى في امتداد السّماء، وذلك بعكس الكلمة الخبيثة التي تتمثّل بالشجرة الخبيثة التي لا تملك أيّ قرار في الأرض، ولا أي امتداد في السّماء.


2ـ وحتّى نضمن نتائج الحوار في الاتّجاه الإيجابي الذي ينطلق من المحبّة والاحترام نتوقّف عند طبيعة اللغة التي تمثّل بُنية الخطاب، بحيث يكون سقف الحديث ملائم للمستوى الثقافي الذي يتمتّع به المخاطب، فلا نتكلّم معه بلغة لا يفهمها ولا بمصطلحات لا يفقهها.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم".

أن تدرس عقول النّاس من حولك، ما هو مستواهم الثقافي؟... وما الخلفيات التي تحكم تصوّراتهم وأفكارهم؟... وما المؤثّرات التي خضعوا لها في تربيتهم؟... ما الذي يعجبهم من الكلام؟... وما الذي ينفرون منه؟.. وما الأسلوب الأفضل الذي ندخل به عقولهم ونحرّك به مشاعرهم؟...

المهمّ هو أن نختار الكلمات التي تتناسب مع عقولهم وأجوائهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

124

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 3ـ الخطاب الإسلامي ينطلق من مواقع اللّقاء، يقول الله تعالى:

 
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(سورة آل عمران الآية: 64).
 
أن يبدأ الخطاب من التداول في القضايا المشتركة أو الخطوط العامة التي يلتقي عليها الجميع ما يفسح المجال لكسب ثقة الآخر، وردم الهوّة، وإلغاء الكثير من التعقيدات، وتجميد الكثير من الحساسيّات، وتقريب الكثير من الأفكار، حتّى إذا انتهى الأمر إلى نقطة الافتراق، كانت الطريق ممهّدة أمام الطرفين للوصول إلى القناعة المشتركة.
 
يقول أحد التربويين: "دعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ(نعم)" وحِلْ ما استطعت بينه وبين "لا" لأن كلمة "لا" عقبة كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها، فمتى قال صاحبك: "لا" أوجب عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه.
 
إنّ الانطلاق نم مواطن الاتّفاق يُشعر المخاطب بالطمأنينة والثقة انطلاقاً من مشاركته في بعض قناعاته، والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصّحيحة، وأدلّته الجيّدة ومعلوماته المفيدة... وهذا من شأنه أن يفتح القلوب، ويقارب الآراء، ويفسح المجال أمام سيادة روح الموضوعيّة والتجرّد، ليتمّ الانتقال بعدها إلى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

125

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 المسائل الخلافيّة بعقلانيّة متجاوزين بذلك أسلوب التحدّي والتكفير:

 
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(سورة العنكبوت الآية: 46).
 
4ـ الخطاب الموجّه إلى النّاشئة (المراهقين) يجب أن ينسجم مع التطوّر الذهني لهم، التطوّر الذي ينتقلون فيه من التفكير المحسوس الذي يعتمد الحواس طريقاً للمعرفة إلى التفكير المجرّد الذي يعالج التصوّرات والمفاهيم والكليات العقليّة...
 
وهنا لا يقبل المراهق إلاّ ما يقنع، أي الذي يعتمد الدليل الذي يؤكّد الصّواب وينفي الخطأ.
 
على هذا الأساس كاهن لا بدّ من أن ننطلق في حوارنا معه من اعتبار العقل قوّة صالحة للحكم على الأشياء، وميزاناً يزن به صحّة القضايا وفسادها، فالإسلام يطلب من المسلم الحوار على أساس المنطق الذي يثير القناعة الذاتيّة من خلال ما يسوقه من أدلّة وبراهين:﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(سورة  البقرة الآية: 111).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

126

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 وفي الوقت ذاته يطلب الإسلام من النّاس توثيق الإيمان على أساس القناعة العقليّة من خلال الحجج والبراهين التي تمثّل السبيل الصحيح للعقيدة الحقّة، رافضاً التقليد الأعمى الذي يرتسم فيه الإنسان خُطى الآباء دون وعي.

 
لذلك يُحذّر على الداعية طرح أمور جديدة يسارع إلى تكذيبها السامع، لأنها لا تملك الدليل المقنع الذي يسعى إليه المراهق الذي ينشد المعرفة القاطعة.
 
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾(سورة لقمان الآية: 20).
 
5ـ الخوف من أن يتحوّل الخطاب إلى جدل عقيم، لا يُراد منه إلاّ تسجيل المزيد من مواقف عرض العضلات، والمزايدات الجدليّة التي لا تقدّم ولا تؤخّر في الموضوع:
 
"وقالوا قلوبنا في أكنة أن يفقهوه"...
 
بل المهمّ أن تشعر الآخر أنّك وإيّاه رفيقان في رحلة البحث عن الحقيقة، فتحترم وجهة نظره، وتعالجها بحكمة، فلا مهزوم ولا منتصر، فليست مهمّة من يدعو إلى الله تعالى أن يحقّق الغلبة ليشبع غريزة العظمة في ذاته، بل أن تمارس إنسانيّته في إعانة خصمه على التحرّر من رواسبه المنحرفة، ثمّ الأخذ بيده إلى طريق الحقّ والصّواب:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

127

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم ولا يلقاها إلاّ الذين صبروا"...

 
بهذا الأسلوب الحواري الإنساني الرصين الهادئ تستطيع أن تحول أعداءك إلى أصدقاء ينطلقون معك فيما تفكّر فيه، وما تعمل له، ثمّ تعقّب الآية بأن هذا الأسلوب يحتاج إلى أن يربّي الإنسان ذاته، فيضبط انفعالاته، ويتسلّح بمزيد من الصّبر، ويتمتّع بحظّ عظيم من الإيمان.
 
6ـ أن لا تُشعر الآخر بأنّك تنطلق من أفكار مسبقة لا يمكن التنازل عنها، أي أن لا تتعصّب لقناعاتك، ولا تلجأ بفرضها عليه، لتؤكّد أنّها الحقيقة المطلقة، بل أن تقف على مسافة واحدة من الرأيين، لتنطلق إلى الحوار الأخوي الهادئ الذي يعتمد المنطق، منسجماً في ذلك مع حوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين.
 
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(سورة سبأ الآية: 24).
 
فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو الحقّ المطلق لم يعطِ نفسه صفة الهدى، ولم يدمغ خصمه بصفة الضّلال، بل ترك المجال لمعالجة الموضوع أن يتحرّك بحريّة، كأمر قابل للأخذ والردّ، وهذا من شأنه أن يمزّق الهالة المقدّسة التي تتركها المعتقدات في نفوسهم، إنها تمثّل روح
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

128

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الحياد الفكري في ميدان الصّراع العقائدي، بحيث يتخلّى الطرفان عن صفة العناد والتعصّب، حتّى أن الأمر قد يبلغ فينا إلى أن نتنازل عن بعض قناعاتنا إذا أثبت الآخر بطلانها، لتكن لدينا الشجاعة بالقول: نحن مخطئون في هذا الأمر، ومعك حقّ، ونحن قد غيّرنا رأينا... إنّ هذا الأمر يجعلك تقترب من الآخر، ويقترب منك، ويطمئن إليك، ويعيش موضوعيّتك، فيبادلك الموقف، فيتنازل عن الخطأ ولا يتعصّب له.


7ـ أن تحترم شخصيّة الآخر، وتلتزم في حوارك معه الآداب الإسلاميّة المعتبرة:

ـ أن تصغي لحديثه بانتباه وتركيز.

ـ أن تحذر مقاطعته أثناء الكلام، فتفسح له المجال بان يعبّر بحريّة.

ـ أن تتجنّب أسلوب التعجّب والاستغراب والدّهشة الذي يوحي بالسخرية والاحتقار والجهل.

ـ أن تظهر الهدوء، وتحذر الانفعال، وتتجنّب الثورة مهما تحدّاك الآخر، ونال من مقدّساتك.

ـ أن تقبل النّقد دون غضب، وتتنازل عن رأيك إذا أثبت الآخر خطأه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

129

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فالمهمّ هو الوصول إلى الحقّ والحقيقة، وأن تعامل بروحيّة "رحم الله من أهدى إليّ عيوبي".

 
ـ أن تحتاط في تعابير خطابك مع الآخر، فتبتعد عن لغة التكفير والسباب والشّتائم، التي تُغلق عقل الآخر، فينطلق ليتشبّت بآرائه، ويثأر لقناعاته، على أساس أنّها تعادل كرامته وعنفوانه وبالتالي كل كيانه.
 
ورد في القرآن الكريم في إطار أسلوب الحوار الذي نصح الله تعالى به موسى عليه السلام وهارون عليه السلام:
 
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾(سورة طه الآيتان: 43 ـ 44).
 
"إيّاك ومما يُعتذر منه". حديث نبوي.
 
"إنّي لأكره لكم أن تكونوا سبّابين" الإمام علي عليه السلام.
 
على المسلم أن يحترم فكر الآخر، كما تريد أن يحترم هو فكرك، أسلوب العنف والتحدّي والسباب هو أسلوب الفاشلين الضعفاء الذين لا يملكون الحجّة التي تسكت وتقنع، ولا الأسلوب الإنساني الذي يرغّب ويقرّب.
 
المهمّ هو أن نبتعد عن روحيّة التعصّب والانفعال التي يحاول كلّ فريق أن يدمّر الآخر، وأن يشوّه صورته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

130

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 أن ننطلق في حوارنا بكلمات الحب والإخلاص، أن تنطلق من القلب لتقع في القلب الآخر دون استئذان... أن نُشعر الآخر بأنّ دورنا في الحوار هو دور الأخ الرفيق الناصح الباحث عمّا ينفعه ويريحه ويسعده.


ويجسّد كل هذا الواقع في الخطاب الإسلامي الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حواره مع الزنادقة:

جاء في الروايات أن ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن المقفّع وبعض الزنادقة قد اجتمعوا في موسم الحجّ بالمسجد الحرام، والإمام الصّادق عليه السلام فيه يوم ذاك وقد اجتمع عليه الناس يفتيهم ويجيب عن مسائلهم بالحجج والبراهين، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليظ هذا الجالس، وسؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به، فقد ترى فتنة النّاس به.

فأجابهم: نعم.

ثمّ تقدّم نحوه وقال: يا أبا عبد الله، أفتأذن لي بالسؤال؟

فقال له الإمام عليه السلام: سَلْ ما شئت.

فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر (مكان الطواف)، وتلوذون بهذا الحجر (الحجر الأسود)، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدد، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكّر في هذا وقدّر، عَلِمَ أنّه فعل غير حكيم، ولا ذي نظر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

131

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فقال له الإمام الصادق عليه السلام: إنّ من أضلّه الله وأعمى قلبه، استوخَ الحقّ ولم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه... هذا بيت استعبد الله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه على تعظيمه وزيارته، وجعله قبلة للمصلّين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه.


فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبد الله، فأحلت على غائب.

فقال له الإمام عليه السلام: كيف يكون ـ يا ويلك ـ غائباً مع من هو مع خلقه شاهد، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان، ولا يشغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان، تشهد بذلك آثاره، وتدلّ عليه أفعاله.

فسكت ابن أبي العوجاء ولم يدرِ ما يقول، وانصرف من بين يديه، وقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألفيتموني في جمرة.

فقالوا له: اسكت، فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه.

فقال: "إليّ ما تقولون هذا، إنّه ابن من حلق رؤوس من ترون، وأومأ بيده إلى أهل الموسم".

8 ـ أن نستخدم في حوارنا مع الآخر الوسائل النّظيفة مهما كانت النتائج، إذ لا يجوز أن نلجأ إلى مبدأ الغاية تبرّر الوسيلة،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

132

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فنستعين بالأفكار الباطلة، أو الجدال بالباطل لنقضي به على مقاومة الخصم.

 
﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(سورة العنكبوت الآية: 46).
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾(سورة الكهف الآية: 56).
 
وفي وصيّة للإمام الصادق عليه السلام وهو يشاهد حوار أحد أصحابه:
 
"لا تمزج الحقّ بالباطل، وقليل الحقّ يكفي عن كثير الباطل" البحار، ج9، ص309.
 
إن الموقف لا يمثّل صراعاً بين فئتين يريد أحدهما أن يتغلّب على الآخر، ليحشد على ضوء ذلك كل ما يملكه من أسلحة سواء كانت حقاً أو باطلاً، ليكسب المعركة بالغلبة.
 
إنّ المؤمن لا يتعقّد من الهزيمة إذا ثبت الحقّ في الطرف الآخر، إنّه مع الحقّ الذي يملكه الخصم في نطاقه الخاص، بنفس القوّة التي يكون فيها ضدّ الباطل الذي يعيش في حياتنا في بعض لحظات الانحراف.
 
الحوار يجب أن يدور ما بين أدلّة، لا بين غرائز.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

133

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 قراءة في واقع مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة - عرض وتقييم للتجربة

 
الأستاذة زينب شريم1
 
قبل الدخول في القراءة في واقع مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة، بل قبل عرض وتقويم تجربتي الخاصة لا بد من الوقف على تعريف معنيّي مضمون الخطاب الإسلامي والناشئة.
 
مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة: هو تزويد المتعلم الناشئ بالروح العلمية من خلال النص الإسلامي الموجه إذ ليس المطلوب أن يصبح عالماً بل أن يصبح باحثاً عن الحق خالياً من الأمراض التي تحرف الإنسانية عن أهدافها.
 
الناشئة: هي من تملك العلم المطبوع الذي ينبع من طبيعة الإنسان بالتكوين.
 
من هنا فإن هدف مضمون الخطاب الإسلامي هو نقل العلم المسموع إلى العلم المطبوع (القابليات).
 
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله "العلم علمان علم
 
 

1- مديرة مجمع أهل البيت عليهم السلام التربوي - الإمداد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

134

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مطبوع وعلم مسموع، ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع".

 
التعليم رسالة الأنبياء والناشئة هي من دعا الإسلام إلى الاهتمام بها تعليماً وتوعية من خلال تنمية العقل خلال مراحل التعليم. ودعوة الإسلام إلى التعلم هي البدء
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
(سورة العلق ) 1-5.
 
الإسلام والتربية
 
إن مسـألة الإحسان والمحبة هي إحدى المسائل التربوية الإسلامية وإذا كانت التربية هي ذلك النشاط الإنساني الذي رافق الكائن البشري منذ وجوده فهي ظاهرة إنسانية، وشأن الإنسان فيها كشأنه في الظواهر الأخرى، طبيعية، اجتماعية، كونية أو إنسانية مثل التفكير واللغة والحضارة كل هذه الظواهر هي موضع اهتمام الكائن ومحور نشاطه الفكري والجسدي من اجل حفظ بقائه فالتربية هي سلوك فطري وطبيعي لا غنى عنه فالدور الذي أنيط بها كبير والمهام الموكولة إليها عظيمة... مما حدا بالبعض لاعتبارها "الأداة الوحيدة التي يمتلكها الراشدون ليجعلوا ممن لم يبلغوا سن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

135

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الرشد بعد راشدين"... ومنهم من رأى إنها "القادرة على الانتقال بالإنسان مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكونه" (ابن سينا) أما إميل دوركهايم فقد رأى انه "عن طريقها يصبح الإنسان كائناً اجتماعياً" أي أنها عملية تطبيع اجتماعي منظم للجيل الناشئ.


من هنا تبرز بجلاء أهمية دور الخطاب الإسلامي الموجه وفعاليته وتأثيره على الناشئة فنحن اليوم أمام قضية تزداد تعقيداً مع التحام العلم الحديث بالتكنولوجيا وتوجيه البحوث التطبيقية لخدمة أهداف محددة، أي بمعزل عن القيم الأخلاقية، إذ بات من المسلم به اليوم أن التمييز الحاد أو ربما الفصل بين العمليات الذهنية والعواطف والمشاعر بحجة الحرص على موضوعية العلم وحياده، هو أمر لا يمكن تبريره لان الأفعال كل الأفعال إنما هي نتاج إنساني ينطوي على المشاعر والفكر معاً.

قيمة الدين

ذهب الكثير من علماء العصر، لا سيما في الثقافة الغربية إلى التقليل من قيمة الدين وإخراجه من واقع الحياة الإنسانية إلى الهامش، فيتعاملون مع الدين معاملة الفنون الجميلة يقبلونه فنياً (فالمتدين نظير الشاعر) فالشاعر يتخيل أشياء ويخاطبها والمتدين يختلي في معبده لمناجاة ومخاطبة ربه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

136

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بماذا سنجيب بل كيف إذا سئلنا: ماذا فعلتم بدينكم؟ وكيف حافظتم على ثقافتكم وعلى ما أنزلنا عليكم من الحقائق والمعارف؟...


فلنعد لهذه الأسئلة أجوبة ولا بد إننا مسؤولون "وقفوهم أنهم مسؤولون...".

وبناءً عليه فلقد حضرت بعض الإجابات ليومي هذا ولوقفةِ يوم بين يدي عزيز جبار:

1. إن أول ما يجب علينا نحن المثقفين المسلمين، أو نحن العلماء، هو إتقان معارفنا الدينية من الكتاب والسنة والأحاديث ومن العقل.

2. الاطلاع على الثقافات الأجنبية وما عندها من نظريات سواء كانت خاطئة أم مصيبة إذ إننا لن نصل إلى مستوى الرد عليها ما لم نصل إلى كنهها.

3. تخصيص قسم كبير من إمكانياتنا وطاقاتنا للأمور الثقافية لان التقدم والتطور العلمي لا يفيدنا إذا خسرنا هويتنا وثقافتنا ومعرفتنا لأنفسنا.

4. تركيز بحثنا على الكشف عن بعض جوانب النمو العقلي المعرفي لدى الناشئ (المتعلم) وربط ما يتحقق له من نمو
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

137

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 في هذه الجوانب مع ما يتبع معه من أساليب ونماذج التعليم، مع تحديد اثر القيم على عملية التعليم ـ التعلم.


5. السعي إلى ردم الهوة بين القيم الأخلاقية وبين تعاريف هذه القيم لدمجها كمفردات في نصوصنا التربوية ونهجنا العلمي، إذ إننا لن نصل تربوياً ولو استعنا بكل البراهين العلمية، ما لم تتم مسألة تقييم نتائج مسيرة التعليم والتعلم بناءً على المعرفة الحق للإنسان وموقفه من الكون وعلومه وعلاقته بالله تبارك وتعالى.

هدف مضمون الخطاب الإسلامي بات واضحاً من خلال ما تقدم بأنه سبيل المعرفة الحقيقية التي تبعث على الطمأنينة والرضا تجاه أسمى الأماني البشرية وان القوة المتمثلة بالنور وبالروح وبالعشق الإلهي والوجدان العاطفي كلها حقائق متفرقة تؤدي إلى الحقيقة المطلقة المضيئة التي ما ان يتسنى للعقل البشري الكشف عنها حتى تتنور لديه دروب العلم والمعرفة الإنسانية.

ولعلي أتوجه لنفسي أولاً وللحضور الكريم بسؤال أين نحن اليوم من حقول المعرفة الإنسانية، بل كيف يمكن لنا قياس نتيجة عمل الناشئة في عالم باتت المفاهيم القيمية فيه رهناً بأذواق الناس وأهوائهم وعرضة للأخذ والرد بين مد التكنولوجيا وجزرها في هذه القرية الكونية؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

138

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة تكمن في إحساسنا وشعورنا بواجبنا الديني في عصر مشرق بالتقدم ومظلم لجهة غلبة الأوهام والشكوك وسلاحنا هو امتلاكنا للإمكانيات والوسائل التي يمكن أن تساعدنا في اخذ كل ما هو مضيء وتوظيفه في مسيرتنا التربوية ومناهجنا التعليمية ـ التعلمية التي هي الأساس في إعداد الأهداف من اجل بلوغ الغايات.


لعل الغاية من قراءتي المتواضعة إنما تكون في لفت أنظار التربويين والعلماء المختصين بضرورة تجديد النظر في أعمالهم وبرامجهم لناحية إتقان المعارف الدينية لان الثقافة لها ركنان أساسيان الرؤية الكونية والقيم.
وحيث نشير هنا إلى الثقافة الإسلامية، مضمون الخطاب الإسلامي، ونركز على إبقائها وتقويتها، فنزيد بذلك هذين الأساسين قوة ومتانة أما باقي العلوم من فنون وآداب وعلوم مادية فهي تابعة لتلك الأصول والأركان فإذا خسرنا هذين الركنين أي الإيمان والقيم فلا يمكن تعويض تلك الخسارة وتداركها، بما أن موضوعنا يتمحور حول تأثير الخطاب الإسلامي على الناشئة من خلال عرض وتقييم للتجربة كان لكم علي الحق بأن أسلط الضوء على موقعي كتربوية مسؤولة في خضم هذا الاهتمام المكثف بالمؤسسات التربوية وبالإنسان في مراحل نشأته الأولى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

139

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 وأمام تكليفي كمربية أقف أمام قول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام "العمر قصير والعلم كثير، فخذوا من كل علم ظروفه ودعوا فضوله".


لذا كان لا بد لي من الاختيار والانتخاب قبل القيام بأي عمل، ولا معنى للاختيار دون تفكير، لذا كان علي أن أفكر في العمل الذي أريد انجازه وتوقع ردود فعله وملازماته وما هي الآثار التي يخلفها بل ما هي عاقبته؟

ولان التربية هي من اخطر الأفعال الإنسانية وأكثرها دقة فموضوعها الإنسان في المراحل العمرية التي تسبق سن الرشد أي أكثر مراحل عمر الإنسانية حساسية وهي إحدى وجوه التغيير المطلوب بإلحاح وإذا شاء لنا المولى تعالى أن نكون ممن يساهمون في هذا التغيير علينا أولاً أن نغير ما بأنفسنا، وان نسعى إلى الاستفادة من كل التعريفات حول التربية والمأخوذة من أزمنة وثقافات مختلفة والتي تلتقي على أن التربية هي مساعدة الناشئ على تنمية استعداداته باتجاه الكمال. إن ما يدعونا للتغيير في مجتمعنا يعطي الأولوية المطلقة لتغيير نظرتنا التربوية من خلال البحث عن معنى الكمال في التربية هذا الكمال التربوي القابل للقياس من خلال الدراسة العلمية سواء كان هدفنا الكشف عن جوانبه أو على المدى البعيد التخطيط لأهداف وطرائق ووسائل تخدم مضمون الخطاب الإسلامي فيه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

140

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 وتجربتي قائمة على تغذية العلاقات الإنسانية وتوظيفها في مجال التربية والتعليم بالأخذ عن تعاريف مختلفة فمنهم من عرّف العلاقات الإنسانية في مجال التربية بأنها ميدان من الإدارة يهدف إلى التكامل بين الأفراد في محيط العمل بالشكل الذي يدفعهم ويحفزهم إلى التعاون ثم الإنتاج من خلال إشباع حاجاتهم الطبيعية والنفسية والاجتماعية، ومنهم من عرفها على إنها مأخوذة من ذات الإنسان خصائصها قائمة على المعاملة الطيبة القائمة على المحبة المستمدة من القيم الإنسانية السوية التي جاء بها الإسلام.

 
وبصفتي مديرة مدرسة، بدأت مهمتي مع فريق العمل الذي هو على اتصال مباشر مع الناشئة داخل حرم المدرسة من خلال عشر نقاط:
 
1. أبقيت على غرفة مكتبي بين العاملين والمعلمين وباب المكتب مفتوح دائماً.
 
2. نقل الإحساس بالرضا الوظيفي إلى فريق العمل.
 
3. الدعوة إلى إظهار العمل المتقن وإظهار الاحترام له وللفريق.
 
4. إظهار عنوان الإسلام فوق كل عمل وتعزيز الانتماء التربوي.
 
5. بث روح التعاون بين الفريق (وتعاونوا على البر والتقوى)1.
 
 
 

1- المائدة:2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

141

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 6. الدلالة على أهمية التشاور بين أعضاء الفريق وبين الفريق والإدارة (وامرهم شورى بينهم)1.

 
7. ابتكار أساليب تخفف وطأة الآلية المفرطة في العمل.
 
8. منح الفرص للتقدم والانجاز (تحفيز تنويه).
 
9. الاهتمام بالمناسبات الخاصة والعامة والإتيان على ذكرها.
 
10. جعل الصدق لهجة الخطاب بين أعضاء فريق العمل ومع الناشئة.
 
أما بالأمور التي تتعلق بالإدارة مباشرة مع جيل المتعلمين (الناشئة) باعتبار الناشئة محور العملية التربوية وهدفها الأول، فقد حرصت على أن تتمحور العلاقات الإنسانية مع التلاميذ حول نقاط خمس:
 
1. العدل في المعاملة توزيع نظرات المحبة بالتساوي والاهتمام بكل التلاميذ دون تخصيص حالات اقله في الحالات الطبيعية.
 
2. نقل إيماني بقيمة الفرد لكل متعلم ودفع الجميع إلى التحصيل من خلال رفع المعنويات وجعل كل منهم يحس بقيمة نفسه.
 
3. التواصل مع التلاميذ يومياً من خلال تفقد الصفوف حتى ولو من أجل إلقاء التحية.
 
 
 

1- الشورى: 38.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

142

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 4. القيام بالإرشاد والتوجيه ومتابعة الحالات الخاصة بصفتي أيضاً مديرة الإرشاد والتوجيه في المدرسة.


5. التركيز على النشاطات اللاصفية والرحلات الترفيهية لتدعيم العلاقات الإنسانية بيت التلاميذ وبينهم وبين فريق العمل والإدارة.


أهمية العلاقات الإنسانية في العملية التربوية

تؤدي العلاقات الإنسانية دوراً هاماً في إثارة الدوافع لتحقيق أعظم كفاية وبالتالي تحقيق أهداف التربية فهي تعمل على تخفيف وطأة العمل وإثارة الدوافع للإنتاج وتنسيق الجهود وحفزها ورفع الروح المعنوية بين أفراد الجماعة التي تساعد على تعاونها من اجل تحقيق الأهداف المشتركة، كل هذا لا يمكن تحقيقه دون الإيمان بالقيم والمبادئ وبقيمة الفرد نفسه وقيمته داخل الجماعة للحصول على الانسجام في العمل وتكامله بين المدير والمشرف والمعلم والطالب والمحيط.

فالإدارة بحد ذاتها ليست حالة أو ظاهرة بل هي عنوان يدير مجريات الأمور في حياة الأفراد، وتجربتي المتواضعة هذه إنما هي مستمدة من خلاصة عصور من التجارب التي مر بها الإنسان لها عناوين معنوية ومادية وباختصار بالنسبة لي شخصياً الإدارة لم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

143

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 تكن يوماً غاية بل وسيلة لتحقيق أهداف العمل وخدمة الإنسان.


إنني بما تعلمته من الإسلام أسير نحو من أعلمهم خطوة وبالتالي عليهم أن يتعلموا المسير بهدي الإسلام.

نستنتج مما ذكر أن الإنسان لو أراد أن يربي نفسه وأولاده أو الآخرين تربية إسلامية فعليه أن يهتم بمسألة العبادة لجعلها الركن الأساسي في المسيرة التربوية لان لها تأثيراً كبيراً في سائر اتجاهات الإنسان.

ولقد نجحت مدارسنا الإسلامية بفضل الله تعالى على نهج هذا النوع من التربية ونحن ما زلنا بحاجة إلى جملة من الأشياء نتوجه إليها والاهتمام بها في تربيتنا وفي المرحلة الأولى في أنفسنا وفي أولادنا وفي مسيرة التعليم والتعلم وعلى رأسها الشعور والإحساس بالعبادة بمعناها الحقيقي.

ومن أهم المسائل التي طرحت بشأن تعليم الناشئة في التربية الإسلامية مسألة المحبة والحقيقة، فهناك عبارة مشتركة في جميع الأديان متواجدة في المسيحية واليهودية والزردشتية والبوذية وفي الإسلام وهي (أحبب للآخرين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك) فهذا الدستور الموجود في مضمون الخطاب الإسلامي إنما هو دستور عام ومطلق إذ يرجع عمل العودة في كل مسألة إلى حب الإنسانية أي رعاية مصالح الناس وأي مصلحة للناس أهم من
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

144

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 التربية الصحيحة التي تفتح أبواب تقوية شعور البحث عن الحقيقة، فغريزة البحث موجودة عند كل إنسان بنسبة معينة وهي التي تدفعه لطلب العلم والكل يعلم بأن الإسلام دعا إلى طلب العلم منذ القرن الأول بل بدأت القراءة والكتابة والتعليم والتعلم وتعلم اللغات المختلفة منذ زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وان العلم الذي بدأ بالعلوم الدينية ووصل إلى العلوم الطبيعية والفلسفية وغيرها كان أساسه واصله تشجيع الإسلام ودعوته إلى تحصيل العلم مع تأكيد الإسلام على مكارم الأخلاق، هذه هي مدرسة الإسلام وهذا هو دور العقل الذي يفكر ويحسب ويقيس لان التعاليم الإسلامية أكدت على التفكير كشرط أساسي للسيطرة على مصير النفس والمجتمع، ومن عوامل التربية للنفس وإصلاحها التعود على التفكير إذ إن هناك إشارات ودقائق في القرآن الكريم والسنة يؤيدها الاعتبار العقلي وهي ان وراء هذا الاعتبار العقلاني أمراً آخر حقيقياً وهو الإدراك القلبي والوجداني والروحي، وهذا الإدراك له قدرة عالية على الاتصال تختلف عن باقي القدرات فما نعرفه من الاتصال المعرفي أو العلمي هو اتصال مادي جسماني مكاني وربما يكون بواسطة سلك أو ضغطة زر أو حل مسألة علمية معينة أو إجراء تجربة أوحصول نتيجة من خلال القياس، لكن هناك اتصال آخر لا سلكي تكفي الإشارة فيه ويكفي التوجه للوصول.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

145

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 هنا مع هذه القيمة الروحية إذا شاء الإنسان علماً علم وإذا شاء استطاع يعني انه ليس علم من أنفسنا إنما العلم هو علم الله سبحانه وتعالى وتبقى الروح هي المحور الذي يتمحور العقل حولها من معلمين ومتعلمين.


مجموعة توصيات

- علينا كتربويين أن نواكب مسيرة العلم باكتشاف المعالم الواضحة بعيداً عن التشويه.

- وعلينا أن نزرع في نفوس الناشئة (من نعلمهم) الرحمة والمحبة كعلاج وقائي يستبق مرض قساوة القلب الذي قد تتسبب به بعض الأساليب الخاطئة في التعليم.

- وعلينا أن نؤمن بأن الحضارة ليست أشياء بل حالة في أشخاص.

- وعلينا إحياء الاهتمام الديني كقوة خلاقة في ثقافتنا.

- وعلينا أن نؤمن بأن الدين لا يزال ذخيرة الحضارة التي نستفيد من مخزونها ليتجسد أهدافاً في معارفنا.

- وعلينا أن نجعل من التخطيط في التعليم ـ التعلم قيمة.

- وعلينا أن نؤمن بضرورة العلم من اجل العمل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

146

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 - وعلينا أن نؤمن بأن أسمى المعارف وأبقاها وأكثرها قرباً من الحقيقة تلك التي تمكّن الإنسان من إيجاد علاقة سليمة بينه وبين ذاته.


- وعلينا التيقن بأن الناشئة التي بين يدينا هي أمانة الله وهي مسؤوليتنا يوم السؤال.

أيها المربون أيها العلماء علينا أن نسعى إلى تطوير أنفسنا ومواقعنا وإداراتنا لان السياسات المغلوطة لا تبدلها القوانين بل يبدلها الإنسان.
.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

147

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 قراءة في واقع مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة في كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف نعدهم للحياتين

 
الأستاذ غالب العلي1
 
تمهيد
 
تستقبل كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف الفتية والفتيات من عمر السادسة وحتى السادسة عشر، ويتمّ توزيعهم - ضمن ما يُعرف كشفيًّا بالفوج - على الوحدات الكشفيّة بما يتناسب مع أعمارهم؛ فالذين تتراوح أعمارهم بين ست وثماني سنوات يلتحقون بفريق البراعم، والذين تتراوح أعمارهم بين تسع وإحدى عشرة سنة يلتحقون بمرحلة الأشبال/ الزهرات، والذين تتراوح أعمارهم بين اثنتي عشرة وأربع عشرة سنة يلتحقون بمرحلة الكشافة/ المرشدات، والذين تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وسبع عشرة سنة يلتحقون بمرحلة الجوالة / الدليلات.
 
والأغلبيّة الساحقة من المنتسبين إلى الجمعيّة هم من أبناء البيوتات الشيعيّة، على اختلاف انتماءاتها الفكريّة والسياسيّة، وعلى
 
 
 
 

1- معاون المفوض العام في كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

148

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 اختلاف درجات التزامها الديني، وإن كانت الأكثريّة من الوسط المؤيد والموالي لمسيرة الجهاد والمقاومة.

 
وهم كغيرهم من الأطفال والفتية والفتيات، لهم احتياجاتهم وميولهم ورغباتهم في كل مرحلة من المراحل العمريّة التي يصنّفون فيها، و التي تتوزّع على الأبعاد الأربعة للشخصيّة: العقلي، والجسمي، والانفعالي، والاجتماعي.
 
أ- السمات العامة للخطاب:
 
يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾1.
 
وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
 
انطلاقاً من الآية الكريمة والحديث الشريف حدّدت كشافة الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف أهدافها العامّة لتربية أجيال صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف، فجاءت كالآتي:
 
·        بناء جيل إسلامي صالح على منهج ولاية الفقيه، والإعداد لنصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
 
 
 

6- القصص:77.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

149

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إحياء تعاليم القرآن الكريم والقيم الإنسانيّة في قلوب الناشئة.


* تربية الأجيال على المواطنيّة الصالحة، وتنمية حسّ المسؤوليّة وروحيّة العمل الجماعي وحب الآخرين ومساعدتهم والاهتمام بالنظافة وحماية البيئة.

* حث الكشفيين على طلب العلم والتحصيل والاجتهاد، وتعزيز مبدأ الاعتماد على النفس.

* اكتشاف وتنمية مواهب وطاقات الكشفيين الذهنيّة والبدنيّة.

* ومن هذه الأهداف العامّة تمّ اشتقاق أهداف كل مرحلة من المراحل الكشفيّة الأربعة، وسنعرض نموذج أهداف مرحلة الجوالة:

* الالتزام بالواجبات الدينيّة وتجنّب الرذائل والتحلّي بالأخلاق الحسنة.

* تكوين فهم متميز لحركة التمهيد وترجمته في السلوك العملي.

* ترسيخ مفاهيم القرآن والجهاد والولاية والمسجد والجماعة وتطبيقاتها العمليّة.

* تطوير المهارات الخاصة بقيادة المجموعات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

150

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

  * تنمية حس العمل الجماعي ورفع مستوى الفاعليّة في عمل المجموعات.


* تكوين فهم واضح لخصائص مرحلة الشباب واستغلالها إيجابياً.

* تنمية القدرات الجسديّة وما يلازمها من قدرات نفسيّة.

* تنمية المشاركة والمساهمة بأنشطة خدمة المجتمع.

* التمسّك بالحقوق وأداء الواجبات في الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة.

* زيادة الاهتمام بالعلم والتعلّم وتنمية المخزون المعرفي.

* المساهمة في تنمية قدرات الإبداع والابتكار.

والملاحظ ممّا تقدّم أن الأهداف العامّة وأهداف المراحل ركّزت على ثلاثة محاور رئيسيّة هي:

- علاقة الناشئ بالله تعالى.

- علاقة الناشئ بالآخرين والمجتمع.

- علاقة الناشئ بنفسه وذاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

151

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ب- كيفيّة إعداد الخطاب


كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هي إحدى مؤسسات المجتمع المدني تساهم في ارتقائه من خلال مساهمتها في تربية الأجيال، الذين يشكّلون الدعامة الأساسيّة لقيام أي مجتمع، لذا تأخذ دورها الطبيعي الداعم للمؤسسات التربويّة المعنيّة بتنشئة الأجيال، وهي تعمل إلى جانب الأسرة والمدرسة وباقي المؤسسات التربويّة لنمو متكامل لشخصيّة الفرد في جوانبها المختلفة، لكنّ الخطاب الإسلامي الموجّه للناشئة في كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف يتميّز بتركيزه على الجوانب العمليّة في حياة الفرد ويستهدف سلوكياته على وجه الخصوص، فنحن لا نكرّر جهود المؤسسات التربويّة المختلفة بل نعمل على التكامل معها ومساندتها في تحقيق أهدافها.

ونظراً لأهميّة الخطاب وحساسيّته فإن الجمعيّة صاغت خطابها وضمنته في مناهجها التربويّة الكشفيّة وإصداراتها المختلفة معتمدة على السياسات التالية:

- التوازن والتناسق بين المضمون ومستوى النضج العقلي للكشفيّين والناشئة عموماً.

- التركيز على المفاهيم والقيم التي تستهدف السلوك وتحث على العمل والتطبيق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

152

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 - ربط مضامين الخطاب بمظاهر الحياة والأشياء الموجودة في البيئة.


- تعريفهم على أهل البيت عليهم السلام في المراحل الأولى (إحياء مناسبات...)، ثمّ إنشاء علاقة عمليّة تربطهم بهم.

- ربط الكشفيين حسيًّا بما يرمز للإسلام (المساجد- المقامات- علماء الدين- عوائل الشهداء- أضرحة الشهداء).

- تنمية التفاعل العاطفي مع القضايا الإسلاميّة من خلال الأنشطة التي تركّز على التعبير والتفاعل العاطفي والنفسي (عاشوراء مثالاً).

- إبراز الإسلام في كل المجالات: الجهاديّة، البيئيّة، الصحيّة، العلميّة، الجسميّة، الفنيّة، لتقديمها بقالب إسلامي موجّه.

- إيلاء الجانب الروحي عناية خاصة بالتركيز على الأنشطة التي تعزّز هذا الجانب.

- إحاطة المفاهيم الدينيّة والمسائل الدينيّة بهالة من القداسة من خلال ما يرافق تقديمها وعرضها.

- توفير الفرص للإعراب عن الانعكاسات الانفعاليّة العاطفيّة (المنبر - المسابقات والمباريات..).

- تكريس مفاهيم الحوار والمشاركة والتعاون، والصبر، التضحية،...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

153

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 - قولبة الخطاب بقالب فني إبداعي وبطرق ووسائل جذابة تستند إلى المشاركة والتفاعل و...


- لحظ خصوصيات الذكور والإناث فيما يختص بكل منهما.

- التركيز على المواضيع التي تلبي احتياجات الفئة المستهدفة في ضوء متطلبات العصر.

وفيما يلي عناوين سلسلة الورش التربويّة المعتمدة في الأندية الكشفيّة الصيفيّة لمرحة الكشافة/ المرشدات كنموذج لاستظهار خصوصيات الخطاب الموجّه للناشئة:
 

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

الحبّ في الله والبغض في الله

المعجزة الخالدة

شجرة النبوة

الصّلاة 

نمهّد لمولانا بقيّة الله

ورثة الأنبياء

رضاهما واجبي

أنا مكلّف إذًا أنا أقلّد

يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر

الوفاء للقائد

في محضر الشهداء 

الصيام.. زكاة الأبدان

كيف أختار صديقي

أبدأ يومي بالصدقة

صادق أمين

أتطوّع لخدمة المجتمع

الغناء مورث

النفاق اللسان.. ميزان الإنسان

قدوتنا في الحياة

نحو حياة بلا غضب

صون العفاف (مرشدات)


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

154

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 

الجزء الأول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

أقوم بواجبي الاجتماعي

آدابنا الاجتماعيّة

أسرارنا

البلوغ مسؤوليّة (مرشدات) 

تعالوا نتحاور

علماؤنا المبدعون

اللباس الشرعي (مرشدات)

معًا نخطّ الطريق

كلنا للوطن

وقتي من ذهب

فن التشبيك

الطاقة

كيف أحمي وطني

كيف أطالع كتابًا

فنون ومهارات

هل أنت قوي الشخصيّة 

بيئتنا أغنى 

أنا رياضي

اعرف عدوّك

الخطيب الناجح

سلوكي الرياضي (كشافة)

ماذا علّمني الفشل عن النجاح

صحتي في غذائي

منزلنا الآمن

ج- كيفيّة إيصال الخطاب

 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾1.
 
تعمل كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف على إيصال خطابها للناشئة متوسّمة وسائل وأساليب متعددة، منبثقة من ماهيتها وهويتها،
 
 
 
 

1- المائدة:35.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

155

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ودورها في هذا المجال عبارة عن عمليّة تعاون، وإسهام، وتوفير للظروف، والمساعدة في اكتشاف الإنسان لنفسه وقدراته وطاقاته وقواه الكامنة والخبرات التي يمكنه تحصيلها، ليقوم الفرد بنفسه وبمعيّة الآخرين ببناء شخصيّته وصقلها وتهذيب نفسه. ويمكن تناول أبرز الوسائل والأساليب المعتمدة في إيصال الخطاب الإسلامي للناشئة وهي الآتية:


1- التربية بالقدوة

تلعب التربية بالقدوة الدور الأكبر في توجيه سلوك الأفراد، لذا يتمّ التركيز على مواصفات القائد الذي سيقود العمليّة، ليكون سلوكه هو الباعث على سلوكيات الأفراد؛ لأننا لسنا بصدد إيصال معلومات مجردة أو القيام بعمليات حسابيّة، بل هدفنا هو سلوك الإنسان.

2- الطريقة الكشفيّة

اعتُمدت الطريقة الكشفيّة - كطريقة مبنيّة على مبدأ التربية الذاتيّة - طريقة فضلى لإحداث التغيير المنشود في السلوك، بتبنّي الفرد أهدافه السلوكيّة، وتحمّل مسؤوليته في تربية وتزكية نفسه، في إطار تشجيعي وتحفيزي من قبل القائد المباشر والقادة المشرفين. فالوعد والقانون، والتعلم بالممارسة، ونظام الجماعات الصغيرة، والتقدّم الشخصي، والحياة في الطبيعة، ومعاونة الراشدين والإطار

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

156

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الرمزي كلها عناصر تميّز الطريقة الكشفيّة في التربية، والتي تعمل في إطار تكاملي لتحدث عمليّة التغيير في السلوك.


3- البرامج والأنشطة

إنّ كلّ الأنشطة والبرامج التي ننفذها تندرج في إطار التربية المتكاملة، والنشاط الأسبوعي هو الحلقة الأقوى، والتفاعل الإيجابي بين القائد والأفراد هو العنوان الأبرز، فمن خلال اللعبة والأهزوجة والنشيد والنشاط التوجيهي والمباراة والرحلة والاحتفال والمخيم والزيارات والمشاركات العامة... نوجّه سلوك الفرد ونبني الاتجاه. فالنشاط الأسبوعي إلى جانب الإحياء العاشورائي والنوادي الكشفيّة الصيفيّة والإحياء الرمضاني والمشاركات في الأنشطة والمناسبات الدينيّة والجهاديّة الوطنيّة والأنشطة الترفيهيّة التربويّة المختلفة - هي كمجموع - تعبّر عن القالب التربوي الذي من خلاله نوجّه الفرد لإحداث التغيير في السلوك بما يحقق الأهداف المرجوّة.

4- السياسات التربويّة

- اعتماد الأساليب المشوِّقة التي تتناسب مع حاجات ومتطلبات كل مرحلة عمريّة.

- الاهتمام بالخلفيّة التربويّة للبرامج والأنشطة.
.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

157

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 - الاستفادة من الطرائق الحديثة في إيصال الأهداف التربويّة.


- التأكيد على استخدام الأسلوب الحواري في تقديم المفاهيم.

- التركيز على الجوانب السلوكيّة في المواكبة والتقييم.

- التأكيد على الممارسة العمليّة والتطبيقات والتجارب لترسيخ المفاهيم النظريّة.

- تعزيز البرامج الروحيّة والعباديّة.

- التأكيد على خلق الفرص والمواقف المساعدة على إبراز القدرات والمواهب.

- العمل على تحقيق الهدف التربوي الواحد بطرق وأساليب مختلفة ومتعدّدة.

- التركيز على التربية الذاتيّة ومحوريّة الفرد في العمليّة التربويّة.

د- نموذج تطبيقي (مرحلة الجوّالة)

تعتبر عشيرة الجوّالة هي المرحلة الأخيرة في التدرّج الكشفي، وتتألف من مجموعة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، يتوزّعون على مجموعات صغيرة تسمّى كلٌ منها "رهطاً"، وتتكوّن العشيرة من رهطين إلى أربعة أرهاط، ويتراوح عددها بين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

158

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 11 و35 فرداً، وتُدار بواسطة مجلس إدارة يتألّف من: قائد عشيرة الجوّالة، ومساعدي قائد العشيرة، والرائد الأكبر، ورواد الأرهاط، ومساعدي رواد الأرهاط.


ويتولّى مجلس إدارة العشيرة المهام التالية:

- يبحث جميع المسائل التي تخصّ العشيرة سواء الإداريّة أو الماليّة أو الفنيّة.

- يناقش المجتمعون أوضاع الأرهاط، ويقدّمون التقارير عن شؤونها، ويبدون ملاحظاتهم، ويقترحون برامج وأنشطة لتطوير وتنمية وتأهيل الارهاط.

- يضع خطة العشيرة وبرنامجها السنوي.

- يشكّل لجان مختصّة تشرف وتتابع تنفيذ النشاطات.

والغرض من تقسيم العشيرة إلى أرهاط هو إتاحة الفرصة لتدريب الجوّالة على القيادة وتحمّل المسؤوليّة، والتعاون، والاعتماد على النفس، وكشف الطاقات والمواهب؛ ولأنّ الفرد يميل للانتماء إلى مجموعة حيث يتمكّن فيها من إشباع رغبته في الانتماء، وتحقيق ذاته، واختبار قدراته، إيجاد الجو الذي يفتقده في البيت والمدرسة.

كما أنّ نظام الأرهاط يفسح المجال أمام الجوّال للتعبير عن نفسه، ومواجهة الجماعة ومخاطبتها، والمشاركة في اتخاذ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

159

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 القرارات، والاضطلاع بالمسؤوليات (مهما صغر حجمها).


وترتكز العمليّة التربويّة على نظامين أساسيين هما:

1- التقدّم الشخصي

هو مجموعة المطالب (الأهداف التربويّة) التي يجب على الجوّال -خلال فترة سنتين- أن يسعى لتحصيلها بذاته بالاعتماد على نفسه وبدافع شخصي وبمعاونة قائده في مجالات متعدّدة، من خلال مبادراته ومشاركاته التي تؤهله لاجتياز المراتب الثلاثة في حلقة الجوّالة (الإعداد، التدريب، الخدمة العامّة).
 
وهذه المطالب تهدف إلى:

* إكساب الفرد المعارف والمهارات والسلوكيّات التي تنمّي قدراته، بناء شخصيّته بما يتناسب مع احتياجاته وبما ينسجم مع الأهداف التربويّة لمرحلة الجوّالة.

* تحقيق الرسالة التربويّة للجمعيّة بشكل عام، ويُترجم نظام التقدّم الشخصي بسجّل خاص، يُعرف بسجّل التقدّم الذي يحوي متطلبات القبول في العشيرة ومطالب التقدّم بالتفصيل البالغ عددها 264 مطلباً موزّعة على سبعة مجالات: الديني، والوطني، والفنون والتقاليد الكشفي، والصحي والبدني، والاجتماعي، والبيئي، والعلمي. وعلى الجوّال أن يبادر إلى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

160

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 تحصيل 70% من المطالب بذاته، وعندما يوفّق لمطلب من المطالب يطلب توقيع قائد العشيرة على سجله فيما يعني المطلب الذي حققه، وبهذه العمليّة يتقدّم الجوّال للحصول على المراتب الثلاثة في حلقة الجوّالة1.

 
2- الأوسمة
 
إنّ للحوافز أهميّة كبرى في النظام التربوي للحركة الكشفيّة، حيث تنطلق من خصوصيات الفتية والشباب، لتدفعهم باتجاه تحقيق الأهداف التربويّة، لذا تُعتبر الأوسمة في منهج الحركة الكشفيّة من أهمّ الوسائل التربويّة لتنمية قدرات الشباب، و تشكّل أحد أركان برامج التربية الذاتيّة؛ لأنّها تهيئ للكشفي الفرص لاكتشاف ميوله واستعداداته، و تنمية مهاراته، وإتقان أعماله، وتدفعه للتخصص والتجديد والابتكار، وتنمّي فيه روح المثابرة والإقدام؛ فتعوّده البحث، وتدفعه للتجريب، وتحفزّه للتفكير والإبداع. فيستفيد من إنجازاته في حاضر حياته ومستقبلها، بما يعود بالفائدة عليه وعلى المجتمع.
 
والوسام هو شارة يضعها العنصر الكشفي على بذّته الكشفيّة إشارة إلى تفوّقه وجدارته وتميّزه في جانب من جوانب شخصيته.
وتنقسم الأوسمة إلى قسمين: أوسمة الكفايات هي التي تُمنح
 
 
 

1- المراتب الثلاثة: الإعداد، والتدريب، والخدمة العامّة، كما مرّ سابقاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

161

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 للعنصر الكشفي بعد تحقيقه مطالب المراتب الثلاثة، وأوسمة الهوايات هي التي تمنح للعنصر الكشفي بعد تحقيقه مطالب محددة في مجالات تختصّ بمَلَكاته وخبراته، وتنسجم مع رغباته وميوله الشخصيّة، والتي يتميّز بها عن غيره من الكشّافين. وهي عبارة عن ستّة عشر وسامًا موزّعة على أربع مجموعات هي:


- مجموعة أوسمة الهداية: قارئ القرآن / الهدى / الباحث / المطالع.

- مجموعة أوسمة الخدمة: عاشق الحسين عليه السلام / صديق البيئة / الدليل / المسعف.

- مجموعة أوسمة الفتوّة: الفتى الكشفي / الرحّال / المخيّم / الفتى الرياضي.

- مجموعة أوسمة المهارات الفنيّة: المدرّب / المسامر / فتى الحاسوب / المصمم الفني.

إننا باعتماد أوسمة الكفايات نسعى إلى تنمية القدرات البدنيّة والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة وفقًا للخصائص السنيّة للفتية والشباب، وباعتمادنا أوسمة الهوايات نسعى إلى استكشاف الميول والملكات الشخصيّة لدى الأفراد وفقًا للفروق الفرديّة وصولاً إلى تنمية الذّات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

162

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ولتحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة للفرد، يجب أن يكون هناك ترابط بين تحصيل أوسمة الكفايات وتحصيل أوسمة الهوايات، ليكون كلٌّ منهما حافزًا لتحقيق التقدّم.


ولمساعدة الجوّال على التقدّم وتحصيل المطالب تعمل الجمعيّة على تأمين المناهج الكشفيّة التربويّة المعتمدة للتدريب والتوجيه، وتعمل على إيجاد المواقف التربويّة التي تتناسب مع طبيعة الأهداف المطلوبة من خلال البرامج والأنشطة والمشاركات التي تنظّمها، وأهمّها:

* اجتماعات العشيرة الأسبوعيّة.

* اجتماعات مجلس إدارة العشيرة النصف شهريّة.

* مشاركات عامة مع العشائر الأخرى في إطار حركة الأنشطة الكبرى (مسيرات، رحيل، رحلات، تجمعات...).

* تنظيم أنشطة ثقافيّة دينيّة من قبيل الاحتفالات والدورات والمحاضرات...

* المشاركة في تنظيم وتنفيذ مشاريع وأنشطة الفوج الداخليّة والخارجيّة.

* تنظيم مسابقات ومباريات واختبارات في مختلف الاتجاهات والموضوعات.

* المشاركة في دورات وبرامج التأهيل والتدريب التي ينظّمها
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

163

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الفوج أو القطاع أو المفوضيّة (دورات ثقافيّة، دورات رواد، مخيمات...).


* إقامة المخيمات الكشفيّة التدريبيّة والتربويّة.

* إقامة الأنشطة الكشفيّة المختلفة (سهرات، تجمعات، احتفالات، مراسم...).

* تنفيذ مشاريع وأنشطة خدمة الناس والمجتمع (توعية صحيّة، توعية بيئيّة، دعم المحتاجين، مساعدة المسنين والجرحى والمرضى...).

* تنظيم الرحلات الخارجيّة الخاصة بالعشيرة.

* المشاركات المختلفة في أنشطة الآخرين.

* بالإضافة إلى الأنشطة التعليميّة والتدريبيّة المختلفة التي تنفّذها العشيرة والأرهاط.

ممّا تقدم يتبين أن الخطاب الإسلامي الموجّه للناشئة في كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هو خطاب تربوي عملي ممنهج يُبنى على الجانب المعرفي، ثمّ يتخطّاه إلى التطبيق والممارسة، ممّا ينعكس اتجاهات تُبنى عليها سلوكيّات الكشفيين في حاضر حياتهم ومستقبلها. 
وقد أظهرت الوقائع الفوارق الإيجابيّة لصالح الكشفيين على من عداهم من الناشئة ممّن يعيشون في المجتمع الواحد والبيئة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

164

المحور الثاني: قراءة في مضمون الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 نفسها، فهم أكثر انضباطًا، وتفاعلاً، ومشاركة، ومواضبة، والتزاماً، وانفتاحاً، وتحمّلاً للمسؤوليّات، وصبرًا، وثقة بالنّفس، وخدمة، وجهوزيّة، واستعداداً...

وبناء عليه فإنّ عبارة "نُعِدُّهم للحياتَين" تختزن مضمون الخطاب الإسلامي الموجّه للناشئة في كشافة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

165

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

  المحور الثالث:


أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة
 

كلمة رئيس الجلسة

                                الدكتور محمد رضا فضل الله

1- الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة

                                       الشيخ مصطفى قصير

2- الأسلوب الأنجح لخطاب الناشئة: الوسائل السمعية والبصرية

                                       الدكتور يوسف ملك

3- إطلالة على واقع الأساليب المعتمدة في خطاب الناشئة

                                           الشيخ علي سنان
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

166

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 كلمة رئيس الجلسة

الدكتور محمد رضا فضل الله

موضوع هذه الفترة هو الأسلوب الأحسن. وسأحاول أن أبدأ مداخلتي القصيرة إن شاء الله بقصّة صغيرة.

يقول: "في يومٍ جميلٍ من أيّام الربيع، جلس ولدٌ أعمى قرب إحدى البنايات، وأمامه قبّعةٌ فارغة من النقود، وفيها ورقةٌ كُتِب عليها أنا أعمى أرجوكم المساعدة. مرّ رجلٌ أديب أمام الأعمى، أخذ عدداً من القروش من محفظته ووضعها في داخل القبعة، ثمّ تناول الورقة من القبعة وكتب عليها عبارةً أخرى. بعد الظهر، عاد هذا الرّجل ليرى كيف سارت الأمور، وفوجىء حين رأى القبعة ملأى بالنقود. لماذا؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي كتبه في الورقة؟ إنّما كتبه هو: "اليوم هو يومٌ جميل، وأنا لا أستطيع أن أراه".

الإثنانِ قالا الحقيقة، ولكنّ الثاني كتب بطريقةٍ مختلفة أثارت العاطفة حول عمق المأساة التي يعيشها هذا الولد.
المهم هو أن نعبّر بطريقةٍ مختلفة.هذا هو دور الكلمة الطيّبة في تركيز القيم وغيرها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

167

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

 
القول الأحسن أو الخطاب الأحسن، هو ذلك الذي يحترم الخصائص العمرية للمخاطب بالشكل الذي ينسجم مع المستوى الذهني له. هو ذلك الذي يستجيب لحاجاته الأساسيّة من محبة وتقدير واحترام وانتماء. هو ذلك الذي ينتخب المفردات والمصطلحات والتعابير التي يفهمها ويألفها ويرغبها، ويشعر بالاحترام من خلالها. هو ذلك الذي يؤكّد حسن التواصل، فيوثق علاقات المحبّة والمودّة والأخوّة والتعاون والانسجام.
 
الخطاب الأحسن هو الذي يحمل في طيّاته ثقافةً إضافيّة تمثل حاجةً له، فتطوّر معارفه وتركّز قناعاته، وتعدّل من سلوكه ومواقفه. هو الذي يعترف بالآخر، فيحترم آراءه ويصبر عليها، ليعالجها بحكمةٍ ومرونةٍ ومنطقٍ وموضوعيّة. هو الذي يعتمد الآداب الإسلاميّة في الإصغاء والحوار، فلا تعجّب ولا دهشة ولا تساؤل، بل تقديرٌ وإيجابيّة. هو الذي يُشرِك جميع فعاليات الشخصيّة الماديّة والفكريّة والروحيّة والعاطفيّة من خلال تنوّع الوسائل والمهارات الحياتيّة.
 
كلّ ذلك يفرض علينا أن نمتلك ثقافة التنوّع في الأساليب التي تعالج الفروقات الفرديّة، فما ينسجم مع فردٍ قد يكون هو الأحسن بالنسبة إليه، فقد لا يكون كذلك بالنسبة لشخصٍ آخر.
 
ولنا في هذا اللقاء عرضٌ للخطاب الإسلامي الموجه للناشئة مع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
182

168

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 سماحة الشيخ "مصطفى قصير" مدير عام مؤسّسة التربيّة والتعليم - مدارس المهدي عجل الله فرجه الشريف، والوسائل السمعيّة - البصريّة مع الدكتور "يوسف ملك"، بالوسائل التعليميّة المتنوّعة التي تعتمد في المواقع التربويّة - التعليميّة مع سماحة الشيخ "علي سنان" نائب المدير العام لجمعيّة التعليم الديني الإسلامي (مدارس المصطفى).

 

 

 

 

 

 

 

 

183


169

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة

 
الشيخ مصطفى قصير1
 
أهمية الموضوع:
 
أطفال اليوم هم مفاتيح التغيير وبوابة التطوير وتحقيق ما نصبو إليه في المستقبل، رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: "عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير".
 
كما أن أطفالنا اليوم دائرة المنافسة الحادة بيننا وبين كل الناشطين في العالم الذين يرسلون أفكارهم وثقافتهم عبر مختلف الوسائل والتقنيات التي تدخل بيوتنا ومها جعنا بدون استئذان، وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: "بادروا أحداثكم [أولادك] بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة".
 
من الواضح أنّه لم يعد بالإمكان حبس الأطفال والناشئة في بيئة مغلقة ومحصورة ثقافياً وتربوياً، وبات من العسير إخضاعهم لنمط خاص من التوجيه والتعليم بغية ضمان الاتجاه التربوي لهم،
 
 

1- مدير عام المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

170

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بعد أن شهد العالم المعاصر ثورة المعلوماتية والاتصالات التي جعلت الناشئ أمام بحر هائل من المعلومات، وفي مواجهة سيول من الخطابات تبث بشكل حي عبر المواقع الالكترونية والقنوات التلفزيونية والمطبوعات الورقية والالكترونية وغيرها من الوسائل والوسائط، التي تحمل إليه الغث والسمين والضار والنافع والمفيد وغير المفيد، الأمر الذي يصّمه عن الاستماع إلى الخطاب الثقافي والتربوي التقليدي الذي يتلقّاه في الأسرة أو المدرسة، ويشغله عن الالتفات إليه، الأمر الذي يدعو إلى تحديث الخطاب الإسلامي الموجّه للناشئة مضموناً وشكلاً وأسلوباً بما ينسجم مع الواقع القائم للوصول به إلى مستوى الجذب والتأثير والمنافسة. 


وإذا كان الكلام البليغ هو المطابق لمقتضيات حال الخطاب، فلا بدّ من تجديد دراستنا لمقتضيات أحوال المخاطبين من الأطفال والناشئة من جهة القدرات اللغوية والأحوال النفسية والاهتمامات والاستعدادات الذهنية، يجب أن يرتقي الخطاب الثقافي الإسلامي ليتناسب مع كل ذلك مضموناً، وليكون قادراً على جذب انتباههم وتلبية حاجاتهم والأخذ بأيديهم وبأذهانهم نحو الهدف المرتجى.

إن الأسلوب الوعظي الذي كان يغلب على الخطاب الثقافي الموجّه للناشئة لم يعد مقبولاً، ولم يعد قادراً على التأثير ومنافسة المواد المهيمنة على اهتمامات أطفالنا. حتى الأسلوب التعليمي المدرسي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

171

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 لم يعد لوحده كافياً لتحقيق الأهداف دون الاستعانة بالطرق والأساليب والوسائل المعينة الأخرى.


مضمون الخطاب:

يخضع المضمون الثقافي الإسلامي الموجّه للناشئة لعدة حاجات:

أولاً: الحاجات الأساسية التي تلحظها الشريعة الإسلامية وإن لم يلحظها الناشئ، وهي مادة ثقافية واسعة تتضمن ما يلي:

أ- المعارف العقائدية الضرورية، كالتوحيد والنّبوّة والإمامة والإيمان بالآخرة والحساب والثواب، بما يناسب الاستعدادات الذهنية والعقلية للمرحلة العمرية.

ب- المعارف الفقهية التي تلامس المرحلة التي يعيشها الناشئ أو تلك التي هو مقبلٌ عليها.

ج- القيم والأخلاق الفردية والاجتماعية الضرورية.

د- العادات العبادية والصحية والاجتماعية.

هـ - السير التاريخية التي تربط الناشئ بتاريخ الإسلام وخاصة المعصومين، والتي تتضمن دروساً وعبراً ومواقف تربوية.

ثانياً: الحاجات التي يعبّر عنها الناشئ عبر أسئلته التي يطرحها
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

172

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 على والديه أو على المرّبين، وهي حاجات تظهر نتيجة حب الاستطلاع، أو الملاحظة، أو التواصل مع الزملاء، أو غير ذلك مما يدفعه للبحث والاستفسار وطرح الأسئلة وقد لا يكون المضمون هنا مناسباً للمرحلة العمرية، مما يفرض نوعاً من الصياغة الدقيقة تطوّعه حسب الواقع.


ثالثاً: الحاجات التربوية التي يحدّدها المربّون من الأهل والمعلمين لمعالجة حالة أو انحراف يتعرض له الناشئ في حياته اليومية مما يستلزم التصويب والعلاج.

مهما يكن، فيجب أن يكون المضمون متّصفاً بالبساطة المفهومية وبالمستوى المتناسب مع الاستعدادات الذهنية للناشئ، ويمثّل حاجة فعلية أو قريبة من الفعلية.

صياغة الخطاب:

في صياغة الخطاب الثقافي الإسلامي لا بدّ من رعاية ما يلي:

أولاً: اعتماد البساطة المناسبة للمرحلة العمرية لغة ومفهوماً، وتبسيط المصطلحات والأفكار بما يجعل المضمون قابلاً للفهم والاستيعاب.

ثانياً: الابتعاد عن الطريقة الوعظية المباشرة.

ثالثاً: استخدام أنماط حديثة للخطاب غير المباشر، كالحوارات والأساليب القصصية والمسرحية والألعاب وغير ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

173

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 رابعاً: التزام الحدود الشرعية، لأنّ أي خطاب محكوم بأسقف وحدود شرعية، لأنّ الخطاب الهادف لا يجوز أن يسعى لتحقيق هدف على حساب هدف آخر.


وسائل الخطاب الثقافي:

1- القصة:

تمثّل القصة أسلوباً ناجحاً في زرع القيم والعادات بطريقة سهلة وغير مباشرة، وفي إيصال الكثير من المفاهيم وصور السيرة التاريخية، لكن هذا يتطلب الإلفات إلى ما يلي:

أ- الصياغة الأدبية الجذّابة والجميلة، وحبك فصول القصة وأحداثها بطريقة تستدرج القارئ إلى المضي فيها حتى النهاية.

ب- وضع الأهداف التربوية والمفاهيم الدينية والقيم والعادات الاجتماعية فيها بطريقة ذكيّة تنساب بشكل طبيعي في أحداثها دون إقحام. وهذا هو بيت القصيد. إنّ القصص الأجنبية التي ترجمت إلى العربية أو تمّ اقتباسها والتي تملأ رفوف المكتبات تتمحور حول موضوعات وحول اهتمامات تزرع في نفوس الأطفال من حيث لا ندري، فهي تتمحور حول الأميرة والبحث عن المال وعن الشهرة أو الانتقام، وأحيانا تقوم ببناء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

174

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 موقف سلبي من أمور طبيعية يعيشها الطفل في واقعه من خلال تقديمها بصورة منفّرة مع البعد عن الصواب.


نحن بإمكاننا أن نكتب قصصاً للأطفال تتمحور حول قيم العدالة والمودّة والرحمة والتعاون والوفاء والصدق والإخلاص والاستقامة وغيرها من القيم الإسلامية التي نريد أن يتربى عليها الجيل.

ج- الإخراج الفني الجميل والجذاب، فإنّ الطفل يقرأ الصورة قبل أن تقع عينه على الكلمات، إنّ قراءة الصورة لا يحتاج إلى مهارات كبيرة ولا إلى بذل جهد على خلاف الكلمات، فالرسوم والصور تفرض نفسها على الطفل وتشدّه إليها، ولذا، فإنّ الرسام والمخرج يجب أن يكونا على مستوى من الثقافة والوعي بحيث يدرك أهمية كل العناصر الموجودة في الصورة، فهي ليست مجرد حشو وملء فراغ وديكور بمقدار ما هي وسيلة تعبير وأداة تأثير، فيجب أن تكون موجّهة بإتقان، وأن تكون قادرة على إيصال الرسالة المطلوبة بوضوح وقوّة وجاذبية.

2- الرسوم المتحرّكة:

غالباً ما يشاهد الطفل الرسوم المتحركة بدافع التسلية، ولكنها شئنا أم أبينا فهي وسيلة تربية وتثقيف وتوجيه، فلا يمكن إغفال تأثيرات الرسوم المتحركة على سلوك أطفالنا وتشكيل مواقفهم،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

175

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إنّ الميل نحو استخدام العنف مثلاً لتحقيق الأهداف قد يكتسبه الطفل من مجموعة من أفلام الرسوم المتحركة التي تبعد الطفل عن استخدام أسلوب التفكير والبحث عن الوسائل المنطقية. أفلام الرسوم المتحركة التي يشاهدها أطفالنا في الغالب وضعت من قبل الآخرين على أساس قيمهم وعاداتهم وحاجاتهم، وقد تكون وضعت لأهداف تجارية محضة، وربما لوحظ فيها أهداف تربوية فاسدة عن عمد.


من الممكن إذا لم يكن من الضروري العمل على إنتاج دائم ومستمر لرسوم متحركة تناسب المراحل العمرية وبحرفية عالية تركّز على محاور تربوية مغايرة لما هو موجود في السوق.

ولكي يتحقق هذا الهدف يجب أن ترعى إنتاج هذه الوسائل مؤسسات تحمل تخصصاً تربوياً إسلامياً فبل التخصص الفني، لان العبرة بصياغة الأهداف التربوية والثقافية بدقة وبما يناسب الشرائح المستهدفة قبل العمل على وضعها في القوالب الفنية بالتأكيد.

3- الأفلام الروائية:

أيضاً هي وسيلة خطاب ثقافي إذا أًحسن اختيار الرواية والسيناريو والإخراج وجودة التمثيل والمؤثرات الأخرى، يمكن لهذه الوسيلة أن تؤدّي دوراً فاعلاً يتجاوز بتأثيره المحاضرات والكتب والدروس وغيرها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

176

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ويكمن التأثير في كون الطفل لا يمل مشاهدة الأفلام لساعات متواصلة ويبقى منشداً إليها متسمراً أمامها دون تعب ويتابع بدقة كل التفاصيل وترسخ في ذهنه، بل هو لا يملّ من تكرار المشاهدة لنفس الفيلم، بينما يشعر بالملل سريعا عند الاستماع للموعظة ولا يتحمل تكرار استماعها على الإطلاق.


وتبقى العبرة في المضمون الموجّه والأسلوب الجذّاب، إنّ إنتاج أفلام الأطفال والناشئة أكثر صعوبة وتعقيداً من إنتاج أفلام الكبار، كما أنّ خطابهم كذلك أصعب بكثير.

4- الكتاب المدرسي:

هذه الوسيلة في الخطاب الثقافي الإسلامي أهميتها تكمن في كونها واقعاً قائماً لا زال معتمداً حتى الآن، لكنّ الكتاب المدرسي يجري فيه ما يجري في القصة من حاجته دائماً إلى التحديث واختيار الأسلوب الجذّاب وتدعيم الكتاب بالرسوم الموجّهة، ووسائل الإيضاح.

الكتاب المدرسي اليوم لم يعد بغنى عن القصة المنفصلة والرسوم المتحركة التي تتمّم له دوره وربما الأفلام والألعاب التي باتت جزءاً من الكتاب تقدّم عبر أقراص رديفة، بل ربما تتجه الأمور إلى التحول نحو الكتاب الالكتروني بالكامل وعليه فتشكل الوسائل المساعدة خطوة على هذا الطريق. فلم يعد الكتاب المدرسي بغنى عن تطعيمه بالوسائل الأخرى التي تتكامل معه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

177

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الكتاب المدرسي الناجح هو الذي يحرّك المتعلّم نحو التفكير والاستكشاف والتحليل والاستنتاج، قبل أن يقّدم للتلميذ الهدف التعليمي، لان الطفل غالباً لا يفضل الأسلوب التلقيني.


5- المسرح:

المسرح من الأساليب المؤثرة جداً في التوجيه والتعليم، لأنّ المسرح يصنع واقعاً ملموساً ويعالج إشكاليات معاشة بأسلوب محسوس عبر التمثيل فيمكن استخدامه كأسلوب في الخطاب الديني والثقافي الإسلامي، لكن يجري فيه ما يجري في القصة وبقية الوسائل من حيث المضمون والصياغة الأدبية ومهارة الأداء والإخراج والمؤثرات المتنوعة التي تعطي العمل المسرحي قوة في التأثير ومخاطبة الأحاسيس المتنوعة. إننا نعاني من فقر مدقع في الإنتاج المسرحي بشكل عام والموجه للناشئة بشكل خاص، فضلاً عن المسرح الذي يحمل مضموناً دينياً وقيمياً هادفاً.

6- الألعاب الالكترونية:

الألعاب والمسابقات الالكترونية وسيلة قابلة للإنتاج بدون الكثير من التعقيدات، وهي وسيلة شيّقة، تمزج بين التسلية المحبّبة للناشئة والتدريب على الملاحظة والاستكشاف والتفكير والاستنتاج، ويمكن من خلالها إيصال المفاهيم الثقافية، هناك محاولات موفّقة شهدناها لإدخال هذا الأسلوب إلى الساحة الإسلامية لكنها لا زالت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

178

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 في بداية الطريق من حيث التنوع والجودة والانتشار، مقارنة بما يملأ الدنيا ويغرق أسواقنا من ألعاب الكترونيّة خطيرة تتمحور حول العنف والقتل والاحتيال وجمع المال والثروة وأمثال ذلك مما نحن بحاجة إلى استبداله بما يخدم أهدافنا التربوية والثقافية.


الصعوبات والتحديات

رغم أهمية ما نشهده اليوم من نقلة نوعية باتجاه مأسسة العمل التربوي الإسلامي، وتطوير وسائل الخطاب الثقافي الإسلامي بشكل عام والموجه للناشئة بشكل خاص، ورغم النجاحات التي تحققت حتى الآن، إلا انه لا زال هناك العديد من الثغرات والكثير من الصعوبات التي تحتاج إلى تذليل، لقد انتقلنا من المبادرات الفردية التي كانت سائدة لقرون في تحديد أولويات الخطاب وطريقة عرضه واختيار وسائله، إلى العمل المنظم والممنهج، ومن النظرة الآنية والتشغيلية إلى الرؤية الإستراتيجية والشمولية، لكننا إذا قارنا ما تحقق مع حجم الحاجات الفعلية والمستقبلية، وإذا قارنا جودة المنتج مع ما يعرضه المنافسون لنا ولثقافتنا، سوف ندرك ما يجب فعله وما يجب العمل عليه وهو كبير جداً.

وتواجه المؤسسات التعليمية والثقافية في سبيل إنتاج الخطاب الثقافي الإسلامي المناسب على مستوى المضمون والكيفية ومهارات المثقف والمربي والوسائل المساعدة صعوبات عدة أهمها ما يلي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

179

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 1- صعوبة الخروج لدى الكثيرين من النمطية التي تربّى عليها الأجيال السابقة، والطريقة التقليدية التي كانت معتمدة في الخطاب الثقافي، والتي بات تأثيرها اليوم محدداً في ساحة محتدمة في المنافسة.


2- النقص الكبير في الإعداد والتأهيل المسبق للمربين والمتصدين للشأن التثقيفي في مجال الخطاب الثقافي الموجه للناشئة وفق تقنيات العصر وأساليبه المتطورة، فان الأكاديميات التي تعنى بتخريج المربين نجحت بإعداد معلم وفق المناهج الأكاديمية المعتمدة ولكنها لم تلحظ أبدا دور هذا المعلم في بناء الثقافة الإسلامية، ولم يتم توفير البدائل في ساحتنا الخاصة، والجهود المبذولة في الإعداد على أهميتها لا زالت دون المستوى المطلوب والمناسب، والمبادرات القائمة لم ترتق إلى مستوى العمل الممنهج الثابت.

3- غياب أو ندرة العديد من المهارات المهمة المطلوبة لتطوير الخطاب الثقافي، وصعوبة توفير بعض الاختصاصات الفنية في الوسط الإسلامي المتدين والمثقف إسلامياً لإثراء الساحة بمتطلباتها من الوسائل والتقنيات، وتسخير التطور التقني لخدمة الخطاب الثقافي الإسلامي بشكل عام والموجه للناشئة بشكل خاص.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

180

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 4- مشكلة التأخر في الصياغة المنهجية للمادة التقافية المطلوبة في مختلف الأوساط العاملة في هذا الحقل، فنحن لا نجد منظومة القيم مصاغة بطريقة منهجية حديثة لتوضع في تصرف العاملين في التربية، ولا نجد السيرة مثلا مدونة بطريقة منهجية تعليمية مهذبة تعكس ما يجب عرضه من مواقف للاعتبار والتعلم والتحليل والاستنتاج... (لو علم الناس محاسن كلامنا لاتبعونا).


5- الكلفة العالية لإنتاج الوسائل الحديثة المساعدة والمؤثرة، مما يعني ضرورة تبني الجهات الممولة لهذه المشاريع، كما يجب إنشاء مؤسسات إنتاج وتسويق للوسائل السمعية والبصرية والمقروءة تتمكن من عرض هذه المواد بأثمان مناسبة، وزهيدة، حتى لا تتحمل جهة واحدة كلفة الإنتاج وتعجز عن استردادها، خاصة مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة لدى أغلبية الشرائح المستهدفة.

إننا إذ نطرح هذه الصعوبات لا نعني أننا نعلق على إيجاد الحلول، وإنما نعتبر أن تجاوز الصعوبات يسرع العمل ويسهل الوصول إلى ما هو أفضل بلا شك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
196

181

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 في الختام:


يبقى هنا أن نشير إلى أنّ ما تقدّم يفرض الحاجة إلى مجموعة من الاختصاصات الفنية والمهارات التي تحتاج إلى إعداد مسبق، وإلا فسنبقى نسترجع صدى نداءاتنا دون جدوى.

- نحتاج إلى مجموعة كبيرة من الخبراء الماهرين في مجال أدب الأطفال لكتابة القصة والمسرحية وإعداد السيناريوهات.

- نحتاج إلى مخرجين مسرحيين ومخرجي أفلام على مستوى عالٍ من الاحتراف.

- نحتاج إلى ماهرين في صناعة أفلام الكارتون والرسوم المتحركة والألعاب الالكترونية.

لكن يجب أن يكون هؤلاء جميعاً يحملون خلفيات ثقافية إسلامية تمكّنهم من صبّ نتاجاتهم في القوالب الفنية التي تراعي الأهداف الإسلامية وتراعي شروطها وحدودها، وهذا ما يجب أن تعمل عليه مراكز التوجيه والإرشاد والجهات المانحة التي تقوم بدعم الدراسة الجامعية، وهذا من أهم الاستثمارات في عصرنا الحاضر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
197

182

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الأسلوب الأنجح لخطاب الناشئة: الوسائل السمعية والبصرية

 
د. يوسف ملك2
 
الخطوط العريضة للدراسة:
 
الباب الأول: التعريف بالوسائل السمعية والبصرية: ماهيتها وكيفية تأثيرها على الفرد.
 
الباب الثاني: واقع الوسائل السمعية والبصرية في مجتمعنا اللبناني والعربي والعلاقة بين المحطات التلفزيونية وخاصة منها الفضائيات ومكامن الثغرات التي يتسلل منها الغزو الفكري إلى الشباب.
 
الباب الثالث: الحلول والمقترحات.
 
الباب الأول: التعريف بالوسائل السمعية والبصرية
 
التعريف:
 
عرفت الوسائل السمعية والبصرية على أنها أجهزة وأدوات وهي
 
 
 

1- أستاذ في الجامعة اللبنانية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

183

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بمعناها الشامل تضم جميع الطرق والأدوات والأجهزة والتنظيمات المستخدمة في نظام ما بغرض تحقيق أهداف محددة فالوسائل السمعية والبصرية بمفهومها التقليدي وباختصار عبارة عن قنوات الاتصال التي تنقل أو تنتقل بواسطتها المعرفة.


الوسائل السمعية:

هي تضم الأدوات التي تعتمد على حاسة السمع ومن بينها التسجيلات الصوتية وأجهزتها والمقصود هنا هو كل جهاز يستخدم لتسجيل الأصوات أو تسجيلها وقراءتها بواسطة مواد سمعية تسمى التسجيلات الصوتية.

الوسائل البصرية:

هي تضم الأدوات التي تعتمد على حاسة النظر ومن بينها النصوص والصور على أنواعها (الصور الثابتة، الرسومات، الرموز، إلخ.).

الوسائل السمعية - البصرية:

هي ما يعرف بالإعلام المرئي والذي غالبا ما يكون مصحوبا بالنص والصوت فنسميه الإعلام المرئي والمسموع وهو كل عملية بث تليفزيوني أو إذاعي توصل للجمهور إشارات أو صوراً أو أصوات أو كتابات من أي نوع كانت وذلك بواسطة القنوات والموجات وأجهزة البث والشبكات وغيرها من تقنيات ووسائل وأساليب البث أو النقل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
200

184

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 كيفية تأثير الوسائل السمعية والبصرية على الفرد


يعتبر الإعلام المرئي والمسموع من أبلغ وسائل التخاطب، ويلعب دوراً مهماً في النهوض بالبنية الفوقية للمجتمع بصفته أداة لتنمية الوعي وهو يشكل الركيزة الأساسية لأي مجتمع، فهو وسيلة من وسائل نشر الآراء والأفكار التي تمس غالبية المواطنين. وهو في الأساس وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي، موضوع لمصلحة الفرد، حيث يضمن له حقه في الحصول على المعلومات عن طريق تنوع مصادر الإعلام، والإعلام المرئي والمسموع يتميز على إنه عامل تشويق يثير اهتمام الأفراد كما يتميز بقدرته على إثارة نفسيتهم والتأثير بهم نفسياً وعقلياً.

من المعروف بإن المعلومات والمعارف تعتمد بشكل أساسي على الذاكرة سواء أكانت الذاكرة لفظية أم بصرية. فالذاكرة هي الميزة التي تترك للمعلومات والمعارف المكتسبة آثاراً تتقوم بها التجربة ويتعدل بها السلوك. وترتبط الصورة المتحركة كالأفلام التلفزيونية أو السينمائية بالذاكرة التي تستطيع تحريك المخزن وإحياء ما بات راكدا بمجرد استثارتها بموقف أو صورة أو حدث أو كلمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
201

185

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الصورة المتحركة والتأثير الفوري:


وهي خاصة تتميز بها الصورة. فهي تشعر المشاهد أنه يمر بالخبرة نفسها التي تعرض أمامهLe spectateur s’identifie au personnage، مما يساعده على تسريع تثبيت المعرفة. كما أنها تزيده إحساسا بأهمية ما يشاهده. فهذه أمور تجذب انتباه المشاهد وتدفعه دفعا للتعرف عليها.

إن الصورة هي فن من الفنون الحديثة، فن مكاني واقعي، تقوم على ارتباط وتآلف الأبعاد الثلاثة التالية: المرسل – الخطاب – المستقبِل. فالمرسل هو المربي الذي يحسن انتقاء الصورة التي يتخذها وسيلة لتوجيه خطابه المعرفي وجعله مشوقاً. والمستقبل هو المشاهد الشاب الذي يستجيب للبرنامج التثقيفي. وهذا النوع من الوسائل يسرع في عملية توصيل المعرفة.

إن الصورة تخاطب حاستي السمع والبصر في آن واحد وهذا سر نجاحها في تحقيق المعرفة وذلك بسبب الطبيعة التلازمية لهذه الثنائية، إذ لا يمكن تصور فصل الصورة عن الكلمة في الصورة المتحركة كالأفلام وأشرطة فيديو. فالمرء يتفاعل بنسبة 10 بالمائة مما يقرأه و20 مما يسمعه و30 مما يراه و70 مما يراه ويسمعه.

بعد هذا العرض عن كيفية تأثير الوسائل السمعية-البصرية على الأفراد لا بد أن نذكًر بكيفية عمل دماغ الإنسان. فدماغ الإنسان
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
202

186

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مقسوم إلى قسمين القسم الأيسر وهو مسؤول عن اللألفاظ، المنطق، التفكير والعمليات الحسابية بينما القسم الأيمن فهو مسؤول عن الحدس، المشاعر، الحس الفني، الموسيقى ومعرفة الأشكال. فيجب أن يكون هناك تعاون ما بين القسم الأيسر والقسم الأيمن من الدماغ لكي تتكون المعرفة وبالتالي تنشط الذاكرة. فما بك من الصورة المتحركة التي تحاكي القسمين معا وفي نفس الوقت. هنا تكمن أهمية استخدام الوسائل السمعية-البصرية في تنشئة الشباب لكي تكون أكثر فعالية.


الباب الثاني: واقع الوسائل السمعية والبصرية

في مجتمعنا اللبناني والعربي والعلاقة بين المحطات التلفزيونية وخاصة منها الفضائيات ومكامن الثغرات التي يتسلل منها الغزو الفكري إلى الشباب قال عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ أَتَيْتُ يوما النَّبِيَّ فَقَالَ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، فذكر منها فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ بيوت الْعَرَبِ إِلا دَخَلَتْهُ. 

إن أخطر ما يواجه به المسلمون اليوم، ذلك الغزو الوافد إلينا عن طريق القنوات التلفزيونية الفضائية، تلك الفتنة التي لم يبق بيت من بيوتنا إلا دخلته، فمع بداية كل يوم تبدأ جيوش من وسائل الإعلام نشاطها المحموم لتغزو حرمة مجتمعنا، وتقتحم على شعوبنا في الغرفات خلوتهم، مئات من الفضائيات تلعب دورا خطيرا في قلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
203

187

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مفاهيم الشباب واهتماماتهم، وتفتح أبوابها وأبواقها وتسخر أدواتها وإمكانياتها للفكر الانحلالي الذي يسيطر على بعض المجتمعات.

 
من هنا جاءت هذه الدراسة في البحث عن العلاقة بين الفضائيات ومكامن الثغرات التي يتسلل منها الغزو الفكري إلى الشباب وسائر فئات المجتمع العربي والإسلامي تلك الفضائيات المتنوعة في برامجها، تمثل امتدادا لقضية الغزو الفكري التي تبناها العدو عبر مراحل صراعه مع أمتنا العربية والإسلامية، سواء كانت هذه البرامج هي بذاتها برامج غربية أو محاكاة لها.
 
والذي يؤرق الأعداء أنهم مع ما بذلوا من جهد جهيد، وجدوا على مشارف القرن الجديد، رجالا يحملون قضية الأمة ويحفظون حدودها ويزيدون من صلابة مناعتها، فلا يزال في الأمة من يؤرقهم، وهذا ما دعا الأعداء لأن يزيدوا من حملتهم المسعورة ضد الأمة ويضاعفوا من خططهم المبتورة ومؤامراتهم لإفسادهم العرب والمسلمين وإخراجهم من مجتمعهم ودينهم، وجعلهم دمى يحركونها كيفما أرادوا، يقول تعالى:
 
﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُم حتى يَرُدوكُم عَن دِينِكُم إِنِ استَطَاعُوا وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دِينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَت أَعمَلُهُم فِي الدنيَا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصحَبُ النارِ هُم فِيهَا خَلِدُون﴾. واستغلالا للتقنية الإعلامية الحديثة في انتشار الصورة المرئية عبر القنوات الفضائية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
204

188

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ظهرت حرب الفضائيات كغزو جديد، غزو لا تشارك فيه الطائرات ولا الدبابات ولا القنابل والمدرعات، غزو ليس له في صفوف الأعداء خسائر تذكر، ولا نفقات كبيرة تبذل، ولكنه على الرغم من ذلك يؤدي إلي هدم جيل الشباب في صفوف العرب والمسلمين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اليهود وقفوا علي أهمية الإعلام وتأثيره في حياة الشعوب، فقد هبوا للاستئثار به وتصريفه وفق ما يريدون، فشبكات التلفزة العالمية الشهيرة تقع تحت سيطرة اليهود. (ما تخفوش).


إن هذا الغزو القادم إلينا من الفضاء يفعل ما لا تفعله الطائرات ولا الدبابات، ولا الجيوش، إنه يهدمُ العقائد الصحيحة والأخلاق الكريمة والعادات الحسنة والشيم الحميدة والعادات الجميلة، ومتى تخلت الأمة عن عقيدتها وأخلاقها وقيمها سقطت في المجهول والانحلال. مئات من الفضائيات تلعب دورا خطيرا في قلب مفاهيم الشباب واهتماماتهم، فهي تصرف هم الشباب وتحول اهتماماتهم من الالتفاف حول العقيدة والانتصار لدين الله، والاندفاع نحو خدمة الأمة إلى الاهتمام بالمظاهر والانغماس في الشهوات والتعلق بالأضواء والسطحيات، حتى غدا الشباب وهو في زهرة عمره، يتطلع إلي البطولات وإبراز الذات، أو النجاح في التقاط علاقات محرمة، أملاها عليه فيلم سينمائي أو قصة مكتوبة أو برنامج مذاع أو دعايات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
205

189

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مكثفة. أثبتت الدراسات العلمية وجود علاقة بين ما يشاهده الشباب وبين الانحراف، فقد أثبتت دراسة بحثية على الشباب أن نسبة 16.7% فقط يشاهدون برامج توجيهية (دينية، ثقافية، علمية) في حين نسبة 51% يشاهدون البرامج الرياضية، بينما 64.2% يشاهدون برامج مثيرة كالأفلام والمسلسلات والمسرحيات.


ولا شك أن نوعية البرامج التي يشاهدها الفرد لها أثرها الواضح في سلوكه، والعكس صحيح، فمن يشاهد البرامج المثيرة للغرائز قد تكون دافعة للجنوح من خلال ما يكتسبه المشاهد منها من مواقف تدفعه لتقمصها ومحاولة تقليدها.

أظهرت بعض الدراسات أن نسبة 32% من المنحرفين يقلدون بعض المشاهد التي يشاهدونها في الأفلام، كما أكدت دراسات أخرى أن مشاهدة برامج العنف قد تؤدي إلي سلوك عدواني مستقبلا، وأصدرت منظمة اليونسكو الدولية تقريرا عن خطورة برامج الإعلام على الشباب حيث اعتبرت المنظمة أن أفلام العصابات تؤدي إلي اضطرابات أخلاقية تكمن وراء الجرائم المختلفة، كل ذلك يدل علي حجم تأثير وسائل الإعلام بمختلف أنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية على الشخصية العادية فضلا عن الفئة الشبابية، وتبين هذه الدراسات مقدار ما تبثه من دواعي الشر وأسبابه، وتقديمه لفئة سريعة التأثر والانجذاب إليه، خاصة وأنه يُعرض في صورة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
206

190

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 تأسر أصحاب النفوس المضطربة. لقد جعلت هذه الفضائيات أغلب الناس عاكفين في بيوتهم على التلفزيون متنقلين من قناة إلى قناة، بحثا عن متعة، أو لذة، أو حتى سعادة زائفة، حملتها أفلام هابطة، وسلوكيات ساقطة، وعقائد فاسدة.

 
أن ما تنقله وتبثه محطات التلفزة اليوم في العالم من أنواع الفتن والفساد والعقائد الباطلة والدعوة إلى أنواع الكفر والإلحاد، مع ما يبثه من الصور النسائية، ومجالس الخمر والفساد، وسائر أنواع الشر الموجودة في الخارج بواسطة التلفاز، يجعل من الواجب علينا التنبيه على خطورتها، مع وجوب محاربتها والحذر منها، وحتى انه دعى بعض التيارات في الدول الإسلامية إلى تحريم استعمالها في البيوت وغيرها، وتحريم بيعها وشرائها وصناعتها أيضا، لما في ذلك من ضرر وفساد وتعاون على الإثم والعدوان ونشر الكفر والفساد بين المسلمين. إن الواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من ذلك والتواصي بتركها والتناصح في ذلك عملا بقول الله عز وجل:
 
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَي البرِ وَالتقوَي وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَي الإِثمِ وَالعُدوَانِ وَاتقُوا اللهَ إِن اللهَ شَدِيدُ آلعِقَاب﴾1.
 
هناك الكثير من نماذج ما يعرض على الشاشات المصرية والشاشات اللبنانية من فلتان وفسق وخرق لحرمات المنزل: نوم
 
 
 

1- المائدة: 3.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
207

191

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الفتيات والشباب خارج منزل الأهل، زواج صوري، سكن منفرد، خمر ألخ (مسلسلات رمضان). (تضمين مناهج الدراسات السينمائية مواد ذات علاقة بأخلاقيات مجتمعاتنا).


فقد أظهرت إحصائية علمية ضمن رسالة جامعية بعضا من السلبيات المنعكسة علي الأسرة بسبب متابعتها للقنوات التلفزيونية وخصوصا الفضائية، وجاء ضمن ذلك أن نسبة 85 % من جمهور المشاهدين يحرصون علي مشاهدة القنوات التي تعرض المناظر الإباحية، ونسبة 53% قلت لديهن تأدية الفرائض الدينية، ونسبة 32% تراجع تحصيلهم الدراسي، ونسبة 42% يتطلع للزواج المبكر ولو كان عرفيا، 22% من النساء تعرضن للإصابة بأمراض نسائية نتيجة ممارسة عادات خاطئة. ومن التأثير الخطير الذي تحدثه متابعة معظم هذه النوعية من الفضائيات إضعاف عقيدة الولاء.

قررت عارضة الأزياء سيندي كروفورد منع ابنتها من حضور السلسلة التلفزيونية Hannah Montana لأن البرنامج يحولها إلى فتاة فظة أحيانا. وتقول كروفورد إن ابنتها باتت تكلمها بوقاحة وازدادت عنجهيتها بعد أن حضرت عدة حلقات من الدراما الشهيرة التي تحكي قصة طالبة مدرسية تعيش حياة سرية كنجمة موسيقية مشهورة وتؤكد كروفورد أن تلك الدراما مميزة جدا إلا أن ابنتها لا تتعلم منها إلا الأفكار السيئة والتي لا تتماشى مع أسلوب تربيتها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
208

192

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الباب الثالث: الحلول والمقترحات


* كان طبيعياً لقنوات تكرس لمثل هذه البرامج ألا تعير اهتماما للبرامج الدينية والأخلاقية والتي تدعو إلي القيم والفضيلة، فمن العجب أن أغلب المحطات التلفزيونية وخاصة منها الفضائيات ما زالت تتعامل مع الإسلام كشعار ديني للتبرك به عند افتتاح البرامج، حيث تقدم عدة دقائق تلاوة من القرآن الكريم وكذلك عند الختام، مرورا بنقل شعائر صلاة الجمعة والأعياد، والإشارة إلى مواعيد الأذان، فضلا عن تقديم الأحاديث الدينية في دقيقتين قبل نشرات الأخبار، كما هو معروف وفق الأساليب اليومية النمطية القديمة ذات الأسلوب التلقيني الخطابي الجامد، الأسلوب الخال من إثارة كوامن المعرفة وتلقيها والتشويق بوسائل الجذب المشروع، بالرغم من أن روح العصر تفرض علينا الابتكار والجدة والإبداع وإيجاد وسائل تشويق، تجذب الأطفال والشباب، ومن ثم الانطلاق نحو محطات تلفزيونية أرحب وأوسع لإيصال صورة المجتمع الشرقي والإسلامي الحقيقية إلى الناس.

* من هنا توجبت الدعوة إلى إنشاء محطات تلفزيونية إسلامية، وأصبح الأمر ملحا منذ أن ظهرت الأقمار الصناعية الرقمية واستخدمت في مجالات البث التليفزيوني، وخصوصا بعدما تعرضت المنطقة العربية الإسلامية للعديد من القنوات الفضائية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

193

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الغربية، التي حملت أفكارا وثقافات تختلف عن ثقافتنا وقيمنا، فهذه القنوات تهدد الهوية الثقافية العربية والإسلامية، علما بأنه شعرت بعض المؤسسات بالمسؤولية وأسهمت في إنشاء العديد من القنوات الفضائية، التي يغلب عليها النمط الإسلامي، وكان أحد الأهداف التي تسعى إليها هذه القنوات تحسين صورة العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية والرد على الافتراءات التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام.


* إن حاجتنا لمحطات تلفزيونية أرضية وفضائية إسلامية حاجة ماسة، فلو سخرت قناة كاملة لإرشاد الناس إلى ما فيه خيرهم، وتحذيرهم من الخرافات والبدع، ورفع راية الفضائل وكشف عوار الرذائل، لكان ذلك زبدة الخير في هذا العصر الذي يبحث عنه الخلص من المسلمين، بل ما زالوا في تلهف إلى رؤيته على أرض الواقع.

* إن الطموحات الإعلامية تكمن في إطلاق أقمار صناعية إسلامية كما أطلقنا قمرا صناعيا عربيا ومصريا، لأن هذا القمر يهدف إلى الدفاع عن الدعوة الإسلامية، كما أن الغاية من هذه المنظومة أيضا هي الوصول إلي الجمهور الأجنبي باللغات الأجنبية، والتوجه صوب الولايات المتحدة الأمريكية وصوب دول أوروبا الغربية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
210

194

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 * كما أنه أصبح من الضروري الآن تعديل أو تغيير الصورة المكونة عن الإسلام والدول الإسلامية لدى الدول الأجنبية، وهذا يستلزم التوجه إليهم بلغتهم، وهو ما بدأت فيه بعض الدول العربية والإسلامية، ونشير إلى أهمية إنشاء قناة باللغة العبرية للوصول للرأي العام الإسرائيلي، وشرح وجهة النظر العربية والإسلامية.


* مشروع القناة الهادفة هام جداً ويجب أن تبذل له الكثير من الجهود والطاقات، ويجب أن ترصد له موازنة ضخمة، حتى يستطيع المنافسة في خضم هذه القنوات، ولذلك لابد أن تكون البداية قوية حتى تعطي مصداقية وقبولاً منذ بدء البث وليس بعد حين.

* من الأسس التي يجب أن تقوم عليها تلك القناة الإسلامية أن تعتمد الشمولية فيما تقدمه، فهي تقدم المادة التربوية والثقافية والدينية فضلا عن المواد الترفيهية ضمن الضوابط الإسلامية، ويجب أن تكون القناة عامة لكل أفراد المجتمع، الطفل له نصيب، والمرأة كذلك فضلا عن الرجل وشريحة الشباب بجنسيه مهمة حتى تكون القناة بديلا معقولا عن الغثاء النازل من الفضاء، أما لغة الخطاب فتكون بسيطة وعامة وتستهدف المشاهد العادي، ولا بأس من وجود مواد للمثقفين والنخب الاجتماعية، ويمكن لها أن تنافس وبقوة في ظل الزخم الفضائي الهابط والممل، 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
211

195

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فالناس أصابها الضجر من القنوات الأخرى التي لا تحترم عقل المشاهد ولا ذوقه، ولا تعبأ بخلفيته الدينية وقيمه الاجتماعية، ولا نشك في أنها بإذن الله سوف تنجح، ليس بالضرورة ماديا لكن من المؤكد إسلاميا وأدبيا، فالناس يتلمسون مثل هذا المشروع وينتظرونه.


* وليس من مهمة القناة جمع الناس حول قضايا معينة، بل يكفي أنها تؤدي دوراً توعويا في قضايا الأمة الكلية، وتدعم قضايا المسلمين وعلى رأسها قضية الصراع اليهودي في فلسطين وسائر المضطهدين من المسلمين.

* فالقناة الإسلامية الهادفة، ليست قاصرة على البرامج الدينية بكافة وسائلها ولكنها أوسع من ذلك، فهي تقدم مواد دينية ومواد تعليمية عامة، ومواد ترفيهية لأفراد الأسرة لكن كل ذلك داخل الإطار الإسلامي، بمعني آخر أنها تقدم كل شيء بشرط ألا يخالف أصول الدين وضوابطه المحددة والمتفق عليها.

* ولا يخفى على أحد أهمية القنوات الفضائية لسعة الرقعة التي تصلها من أرجاء العالم أولا، ولزيادة أهمية جهاز التلفاز في حياة كل فرد تقريبا في المجتمعات العالمية عامة وفي مجتمعاتنا الشرقية خاصة، ولأن المجال مفتوح فإن الفضائيات التي تقدم أنواع عديدة من برامج الترفيه لاقت رواجا عند فئات مختلفة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
212

196

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 من المشاهدين، ووسط هذه المعمعة لابد من بروز رسائل الخير ووسائط الحق، فلا بد أن نحدد أولوياتنا.


* وإذا كان عالمنا الإسلامي والعربي يحفل بخطوط حمراء عديدة، فعلى القنوات المختلفة أن تختار بين الوصول للجميع مما يفي إرضاء الجميع مع التنازل عن بعض الأهداف، أو عبور بعض الخطوط الحمراء لتحجب رسالتها عن بعض الفئات، والحل الوسط هو الذكاء في المعالجة والمداراة بعيدا عن المماراة والتورية بعيدا عن التعرية.

أنواع البرامج التي من الممكن أن تبث:

طبيعي أن تجد تباينا في حاجة الناس للبرامج المرئية واهتماماتهم بها، ولذلك لا بد من تغطية رغبات الناس وميولهم المتنوعة ولكن التركيز لا بد أن يكون على محاور أربعة محددة هي:

1- المحور التربوي الذي يهتم بسلوك الناس وتوجيههم نحو إصلاح الدنيا ونجاح الآخرة.

2- المحور الثاني هو التعليمي الذي يهتم بإيصال المادة الشرعية الضرورية للإنسان وما يناسب عرضها مرئية. (بعض المسلمين يفتقدون للحجة القوية في وجه من يشكك في ديننا).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
213

197

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 3- المحور الثالث هو الثقافي وهو بطبيعة الحال يحمل التنوع بداخله.


4- أما المحور الرابع فهو الترفيهي والترفيه في هذه القناة جزء مكمل مطلوب وليس مقصود بذاته ورغم حاجة هذا المحور لضوابط عديدة إلا أنه لا يمكن إغفاله بل يجب صياغته بالطريقة المناسبة.

ما نحتاج إليه هو أن تحدد محطاتنا التلفزيونية ،والفضائية منها القضايا الفعلية التي يحتاجها الطفل العربي وإعداد برامج تنمى القيم وتحافظ على العادات التي نشأ عليها وتحثه على التحلي بأخلاق المجتمع الذي يعيشه ولابد من إنتاج أفلام وحكايات إسلامية بأسلوب مبسط تؤثر إيجاباً في عقلية الطفل وتساعده في المحافظة على عاداته التي نشأ عليها وقد تساعد البرامج الهادفة في إدراك الأطفال لمفهوم الانتفاضة مثلاً فنحن نرى أطفالنا اليوم متفاعلين مع ما يشاهدونه في الأخبار وفي برامج الكبار وسيكون الأثر أكبر لو توجهت لهم برامج تناسب إدراكهم وتوضح مفهوم النزاع وجرائم إسرائيل ضد الإنسانية....
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
214

198

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 المراجع


- د. بشير عبد الرحيم الكلوب، التكنولوجيا في عملية التعلم والتعليم، دار النشر والتوزيع، ط2، 1992.

- د. فخر الدين القلا، د.محمد وحيد صيام، تقنيات التعليم ، منشورات جامعة دمشق، ١٩٩٤-١٩٩٥.

- الفضائيات والغزو الفكري، بحث من إعداد د. محمود بن عبد الرازق الأستاذ المساعد بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة كلية الشريعة وأصول الدين جامعة الملك خالد (http://islamport.com/w/amm/Web/4362/1.htm).
- د. حنان سليم أستاذ الصحافة بجامعة أسيوط ؛ "الفضائيات العربية اغتالت براءة الطفل العربي !"، عربيات: ممدوح الصغيرOct 6، (www.arabiyat.com/arabiyat/culture/stars/151.html) 2002، 08:14 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
215

199

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 - الآثار المترتبة على الرسوم المتحركة أبو رعد محمد السبيعي 

(http://saaid.net/arabic/ar19.htm)
- ينسخون من القنوات الإباحية ويعرضون على أبنائنا وكر نشر الفاحشة والرذيلة ينهار أمام حراس الفضيلة !: تغطية ومتابعة: يوسف بن ناصر البواردي (http://www.suhuf.net.sa/2000jaz/jun/2/is13.htm)
www.almualem.net 
www.alyaseer.net
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
216

200

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إطلالة على واقع الأساليب المعتمدة في خطاب الناشئة

 
الشيخ علي سنان1
 
                                                        بسم الله الرحمن الرحيم
 
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا و نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
 
مقدمة:
 
نعيش اليوم في عالم متغير يشهد انفجاراً معرفياً هائلاً تنوعت فيه أساليب الخطاب، وتعددت فيه المرجعيات والتبست فيه المفاهيم والأفكار، لذلك كان لا بد من تأصيل القواعد ومنهجة الأفكار وفقاً للرؤية التي يرتكز عليها البحث، والمنظومة القِيَمِيَة التي تنبني عليها هذه الرؤية، وهذا ما يتطلب منّا الوقوف على بعض القضايا لإيجاد المحددات البنيوية والفكرية التي تتأسس عليها هذه الرؤية، لاعتماد الأساليب والوسائل اللازمة لمعالجة مكامن الخلل فيها، والوصول إلى نتائج منسجمة ومتوافقة مع الأنساق المعرفية والعملية التي تنضوي تحت لوائها.
 
 
 

1- نائب مدير عام جمعية التعليم الديني الإسلامي.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
217

201

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 تطور مفهوم الخطاب:

 
ارتقى مفهوم الخطاب وتدرج مع المراحل التاريخية المتعاقبة فانتقل من حال الخطاب الذي يعني طرفاه المتكلم والمتلقي، وما بينهما الموضوع المرسَل، إلى وجود نسق في التفكير ومنهاج يعبر عن الأفكار والتصورات التي لم يعد الخطاب معها مجرد أسلوب للتبليغ، وطريقة للتعبير عن الرأي والموقف، ولكنه أضحى الوعاء المعبّر عن الروح والعقيدة والفلسفة والمذهب، وإلى هذا المعنى تنصرف الأذهان عند الحديث عن الخطاب الإسلامي، باعتبار أنّ المقصود هو الأسلوب الذي يخاطب به المسلمون العالم، والمنهاج الذي يصوغون من خلاله أفكارهم وآراءهم ومواقفهم التي يريدون إيصالها إلى القطاع الأوسع من الرأي العام العالمي.
 
 
تعريف الخطاب:
 
الخطاب في أبسط تعريفاته هو اللغة في طور الاستعمال، أي أنّه في حال وسط بين اللغة والكلام، فإذا كانت اللغة هي مادة الكلام، فإن الخطاب هو القواعد والمعايير والأعراف التي تحكم انبناء الكلام وتوجه مساره وتضبط توجهاته، من هنا يصبح معنى الخطاب بمفهوميه التربوي والفلسفي "الأعراف والمبادئ التحتية التي تشكل الخطاب التربوي وتنتجه وتتحكم في رسالته المنتجة"1.
 
 
 

1- المقصود بالأعراف والمبادئ التحتية الأسس والمرتكزات التي ينطلق منها الخطاب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
218

202

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 التناغم بين المشروع الثقافي والخطاب الإسلامي:

 
وانسجاماً مع الرؤية التكاملية في البحث، ومن خلال المعطيات السالفة الذكر، وحيث يشكل الخطاب وسيلة إيصال المشروع الإسلامي للناس، لذلك ينبغي أن يكون هناك تناغم بين المشروع الثقافي والخطاب الإسلامي فأحدهما رهن بالآخر ومتوقف عليه، وهذا ما ركز عليه القرآن الكريم كثيراً في سبيل إرساء معالم الفكر والوعي الإسلاميين والقدرة على إيصاله إلى البشرية؛ فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾1، وقوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾2، وقوله تعالى: ﴿وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾3.
 
وهذا ما يجب أن يسري على واقعنا المعاصر فننتج خطاباً يعمل بكل أنواعه وأساليبه ووسائله على فهم روح العصر، ودراسة الواقع الذي سيتلقى الخطاب، منطلقين في ذلك من مكونين:
 
الأول: مرجعية الشريعة وما تفرضه من منطلقات وضوابط.
 
 
 

1- النحل:125.
2- طه:44.
3- فصلت:34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
219

203

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الثاني: ما فهمه البشر واستنبطوه من النصوص الشرعية، وما نتج عن ذلك فكرًا كان أو فقهًا أو علومًا وأدبًا، وهو فرعٌ للمكون الأول ومؤسس منه وإليه.


معوقات أمام الخطاب الإسلامي:

هل ينطبق ما تقدم على واقعنا؟ في الواقع ساحاتنا الإسلامية مؤطرة في كيانات سياسية وتربوية واجتماعية متغايرة ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الخطاب التربوي فيميل إلى الأدلجة بهدف حماية الأنظمة المتمترسة وراءه، ولكنه في الوقت نفسه خطاب متعدد ومتغير بتعدد الفئات والمصالح من جهة، والتشكيلات الاجتماعية والثقافية والسياسية من جهة أخرى. وهذا ما يجعله عرضة للنقد من قبل الفئات والقوى المناهضة للسلطة، وبالتالي مدار ورشة عمل إصلاحية من قبل الجهات الرسمية لتضمن بقاءه وصلاحه، ولتضمن بقاءها وسيادتها ببقائه.

وبالعودة إلى المصطلح فإن هذا الخطاب وقع مصطلحه في دائرة الالتباس، لا سيما في المنهج المتبع حيث يتم إسقاط مصطلحات وتوظيفها خارج سياقاتها الطبيعية، ويتجلى ذلك في العديد من الممارسات الثقافية التي تحاول أن تضفي على المصطلح دلالات حديثة وتعمل على انتزاعه من حقل معرفي، وتستعمله في حقل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
220

204

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 معرفي آخر دون أن تراعي خصائصه التي اكتسبها ضمن حقله الأصل، الأمر الذي يغذي المصطلح بمفاهيم غريبة.


وهناك اتجاه يعمل على نقل المصطلح من ثقافة إلى أخرى، دون أية مراعاة لخصائصه التي اكتسبها من البنية الثقافية الأصلية التي نشأ فيها وتشّكل، عدا عن تجاوزه لخصائص الثقافة التي يصار إلى استخدامه فيها.

ومن العوائق التي تواجه الخطاب وتجعله في حال توتر وارتباك أنّه نحا إلى التركيز على المعرفة التقنية وتأهيل الكوادر التكنوقراطية، وذلك بسبب الهيمنة التكنولوجية على الثقافة المعولمة، وثانياً بسبب الإهمال المتعمد لقضايا الانسان والمجتمع، ما أوجد ردة فعل قاسية على مستويين، إمّا الاتجاه نحو العلمية المطلقة بعيداً عن روح المسؤولية المستقاة من روحية الانسان، والمعارف المتعلقة به، أو الانشداد إلى أصولية مفرطة تدعو إلى قراءة جامدة للنصوص، أنتجت خطاباً متطرفاً وصل إلى ذروته تجاه الآخر غير المعترف به أصلاً.

وهذا ما يدفعنا للبحث عن مسببات المشكلة، فهل أنّ ذلك يعود إلى مجرد خلل وظيفي طارئ؟ أم إلى مجموعة من العوائق والعراقيل والمشكلات البنيوية تأصلت في بنية النظام التربوي والتي كانت نتيجة إغماءة تاريخية طالت النظام التربوي في بعض
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
221

205

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مراحل تطوره ونمائه، ما يتطلب إجراء تغييرات عميقة وبنيوية؟ أم أنها أزمة شمولية متعددة العوامل ومتسمة بالتشابك العلائقي، أي أنّها أزمة منشأ نشأت منذ تشكيل النظام التربوي؟

 
مكونات الخطاب التربوي ومنطلقاته:
 
ما يعنينا هنا بالتحديد الخطاب التربوي للناشئة، والمقصود به المادة الخطابية التي ينتجها المعلم الداعية في نشاط من نمط خاص، وفي إطار مؤسسة ما (تتمثل هنا في المدرسة ـ الجامعة...)، وهو كسائر أنواع الخطاب، ولكن الألفاظ تتكون من هيئة خاصة ومكررة في آن واحد. ما يستدعي وجود نوع من التعقيد في هذا المجال لوجود تشابك في هذا الخطاب مع أطراف العملية التربوية الآخرين (الأهل، البيئة العامة، المجتمع، وسائل...). أما المرجعية المعرفية والاجتماعية للخطاب المدرسي: فتتمثل في مرجعيتين: مرجعية ظاهرة ومعلنة، وهي التعليم والتكوين ونشر المعارف والإعداد للحياة العامة، ومرجعية ضمنية مسكوت عنها تكمن في تمرير خطاب السلطة والنظام القائم.
 
وبما أن العمل التربوي مبني في الأساس على دعائم ثلاث نفسية (الناشئة) وتربوية (المعلم) ومعرفية (المنهاج)1 ولذلك فإن
 
 
 

1- المقصود بالمنهاج (المحتوى - الأهداف - الاستراتيجيات - التقييم).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
222

206

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إطار العلاقة بين هذه المكونات يفرض نوعية الخطاب المسيطر والمنظم، والتصورات التدريسية والنفسية والمعرفية الناتجة عنه، وتلك الفلسفة المطبقة في العمل المدرسي، ومدى ملاءمة خطابنا التربوي مع روح العصر الذي نعيش، وهذا يتطلب وجود مدرسة قادرة على استيعاب التطورات والمستجدات، متسلحة في عملها برؤية كلية تتكامل في مناهجها وسياساتها العلوم والمعارف، ولكن المدرسة باعتمادها مناهج متباعدة ومنفصلة، بدت عاجزة عن القيام بهذه المهمة، وتنازلت طوعاً أو كرهاً عن حراكها الاجتماعي.


إن العملية التربوية لا تنحصر في المجال المدرسي، بل توسعت مع عصر العولمة وأضحت مساحات الخطاب التربوي واسعة والأساليب المتبعة في تلقين النشء متنوعة وعديدة، والوسائل المستخدمة في هذا المجال تمتلك إمكانات وموارد بشرية وعلمية ومالية هائلة، والتي يجب أن تحمل في مضامينها قيمًا ومبادئ تربوية واعية للنشء، فلا تنساق إلى أطروحات تُلبس المفاهيم وتنحرف بالقيم في اتجاهات غير سوية، وهذا ما يدفعنا إلى دراسة المنطلقات الفكرية للخطاب التربوي وتحديدها، فهل تنطلق في مضمونها من قراءة الواقع والمستقبل واحتياجاتهما، ومن نتاجات العلوم الإنسانية التي تقرأ حقيقة الطالب ككائن إنساني له متطلبات واهتمامات ،على التعليم مراعاتها ووضعها في صميم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
223

207

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الخطاب؟ أم هو خطاب لا يستند في جوهره إلى أي أسس معرفية أو سيكولوجية أو تربوية، ويقوم في صميمه على غايات سياسية ذات طبيعة إيديولوجية تسعى إلى دمج الفرد في ثقافة ذات بعد واحد، استبدادية في غاياتها، تقليدية في حقيقتها، ثابتة وجامدة ومضادة للمرونة والإبداع في مواصفاتها؟


خصائص الناشئة:

باعتبار أن التربية عملية مستمرة، فإنّ هذا لا يعني إغفال المراحل العمرية التي تسبق الناشئة، ولكن ضرورة البحث المقيدة بالناشئة تدفعنا إلى تسليط الضوء على خصائص هذه الشريحة الاجتماعية للنأي بها بعيداً عن المشاكل ومن دون إغفال الظروف والملابسات والمستجدات على المستويين الشخصي والاجتماعي العام، وهذا يتطلب منّا بداية تحديد معنى الناشئة وفك الالتباس مع مفردة المراهقة.

فمعنى الناشئة كما وردت في المعاجم العربية: نشأ الطفل تعني شَبَّ وقرب من الإدراك أي البلوغ، وكذلك المراهقة تعني قرب البلوغ، أما علم النفس المعاصر فيقول عن المراهقة: هي المرحلة التي تلي البلوغ وهي غالباً من الثانية عشرة إلى التاسعة عشرة أو الحادية والعشرين. مع الإشارة إلى أنّ كلمتي المراهقة والبلوغ كثيراً ما تستخدمان على أنهما مترادفتان، في حين أن البلوغ يعني النمو
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
224

208

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الجنسي، والمراهقة تعني التدرج نحو النضوج البدني والجسمي والجنسي والعقلي والانفعالي.

 
ونحن إذ نتناول مرحلة الناشئة التي نعتبر أنّها تمتد من الثانية عشرة وحتى الثامنة عشرة ومنهم من يمتد بها إلى العشرين، وهي مرحلة التوزير كما يعبر عنها في الأدبيات النبوية (من 14 ـ 21)، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "الْوَلَدُ سَيِّدٌ سَبْعَ سِنِينَ وَ عَبْدٌ سَبْعَ سِنِينَ وَ وَزِيرٌ سَبْعَ سِنِينَ فَإِنْ رَضِيتَ خَلَائِقَهُ لِإِحْدَى وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ إِلَّا ضُرِبَ عَلَى جَنْبَيْهِ فَقَدْ أَعْذَرْتَ إِلَى اللَّهِ"1. أي هي بكل الأحوال ما يشمل بحسب المتعارف طلاب الحلقتين الثالثة والرابعة وبدايات المرحلة الجامعية.
 
أ ـ المرحلة الأولى (13 ـ15 سنة):
 
تعد هذه المرحلة بداية مرحلة جديدة عند الناشئ، ويصحبها سلسلة تغييرات جسمية واجتماعية وانفعالية يرغب الشباب فيها في الظهور أمام الآخرين بشكل مختلف، حيث يبدأ اهتمامهم بالمظهر الشخصي، والتنافس العلمي لتحقيق ذواتهم، وإثبات القدرات، وهنا يميل الطلاب إلى الإعجاب بالشخصيات البطولية التي تبدو مختلفة، وبالتالي محاولة محاكاتها، ومن ذلك: موضوعات المغامرات، والرحلات، والشجاعة، والمنزلة الاجتماعية العليا وغيرها.
 
 
 

1- الري شهري محمدي، ميزان الحكمة، الدار الإسلامية، بيروت، رجب 1403هـ، ج1، حديث 408، ص75-76.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
225

209

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ب ـ المرحلة الثانية (16 ـ 18 سنة):


وتعد هذه الفترة من أخطر مراحل حياة الشاب، وفيها تتبلور الشخصية وتكتسب خصائصها الحياتية المقبلة، وهنا ينبغي أن نؤصل فيهم مفهوم الثقافة بكل مشاربها، والاستفادة من طبيعتهم البيولوجية لتشكيل ميولهم وتوجيهها من خلال الانتقال بتفكير الشاب إلى البحث والمناقشة والوصول إلى علة الأشياء نتيجة للقناعة لا فرض الواقع، وذلك سينمي ثقته بذاته واحترامه للآخرين.

وفي هذه المرحلة يبدأ إعداد الشاب للحياة العملية، أو الانتقال إلى مراحل علمية جديدة "الجامعة"، أو الدخول في معترك الحياة العملية العامة، وبذلك يرسم لنفسه طريق المستقبل.

من هنا يمكن القول إن هذه المرحلة العمرية متميزة ولها خصوصيتها، وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذه الشريحة الهامة من المجتمع لم تلق الاهتمام الكافي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهذا خطأ يجب تداركه والإشارة إليه حتى نضع الأسس السليمة للتربية العصرية في هذه المرحلة العمرية، وتأليف الكتب ووضع المناهج المناسبة وتعميمها على كل بيت ومدرسة ووسيلة إعلام كي تتوحد لهجة الخطاب التربوي الموجه للناشئين ونقضي على الازدواجية والاختلاف في أساليب التربية ومنطلقاتها لدى المجتمع،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
226

210

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 حتى نساهم في إرشاد الجيل إلى السلوك السوي وفق معايير متفق عليها تنأى به عن الضياع في حمأة اللاإنسجام بين الخطاب والممارسة العملية للحياة، وصولاً إلى بناء أجيال سوية ومبدعة ومجتمع مستقر.

 
معالجة المشاكل عند الناشئة:
 
قبل الولوج في معالجة مشاكل الناشئة وتحديد أساليب الخطاب الموجه إليهم، فإنَّ المسألة الأساس تكمن في أن نحسن تربيتهم على أسس سوية وسليمة تنزع فتائل الانحراف السلوكي لديهم، وهذا ما يحفزنا إلى اعتماد أنماط التربية الوقائية، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾( التحريم:6). التي إذا لم نمارسها، لا شك أنّ جملة من المشاكل، ومن خلال أسباب وعوامل متعددة ستدخل إلى دواخل الناشئة وتفسد عليهم هذه المرحلة، ومن منطلق أنّ المشاكل لا يعود منشأها لدى الناشئة إلى عامل بعينه دون العوامل الأخرى، فقد تكون هذه المشاكل نتاج البيئة المنزلية أو المجتمع الأوسع، وقد تكون طارئة أو مزمنة. وأياً كان الأمر فهي تحتاج إلى مراجعة منهجنا وأساليبنا في التعامل معها، وفي هذا المجال سنورد بعض المشكلات التي في حال أحسنّا التعامل معها وتمكنّا من معالجتها واستخدمنا الخطاب الملائم في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
227

211

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 مخاطبة الناشئة، لما وقعنا في أزمات في تربية ناشئتنا، والتي هي أخطاء منهجية تترجم بأساليب شتّى، منها:

 
1 ـ صعوبة مناقشة مشكلات الناشئة مع أولياء أمورهم: وإخبارهم بما يفعلونه، ومرد ذلك في غالب الأحيان إلى حال التباعد بين أفكارهم وأفكار أولياء أمورهم، ما يجعل الناشئة يلجأون إلى أمثالهم، لاسيما الذين لا يجدون من يسمعهم أو يصغي إليهم لمساعدتهم على حل مشكلاتهم التي يعانون منها، فيشكلون جماعة خاصة بهم على أمل مساعدتهم في إيجاد حلول مناسبة لها، وتخليصهم من المعاناة التي تؤرقهم بسببها، ولذلك دعا الإسلام إلى معاشرة ذوي الفضائل، كما في الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "معاشرة ذوي الفضائل حياة القلوب"1.
 
وهذا ما يحفزنا إلى معالجة مشاكلهم بإتاحة الفرص لهم للمناقشة والحوار، وحسن الاستماع لهمومهم ومشاكلهم بمزيد من التفهم والتفاهم والحب والصداقة.
 
2 - اعتبار تصحيح الأخطاء وحده هو منهج التربية: يمثل تصحيح الأخطاء عند بعض المربين المنطلق الوحيد للتربية، وعليه فالتربية عندهم تبدأ من تحديد قائمة بالأخطاء والملحوظات، ومن ثم ترتيب البرامج لتصحيحها وتلافيها،
 
 

1- غرر الحكم 9785.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
228

212

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 فتمثل الأخطاء المنطلق الوحيد في رسم البرامج، والمعيار الوحيد في تحديد نوعية ما يقدم للناشئة، ولهذا الأسلوب آثاره السلبية التي تتمثل بمحدودية تأثيره في تنمية الشخصية، وسيطرة لغة النقد التي تولد حالاً من الإحباط والشعور بالفشل والنقص على الدوام. 

 
3 - تجاهل الخطأ حتى يستفحل: إن المشكلات الكبيرة لا تولد دفعة واحدة، بل هي تحصل بفعل تراكمات تتكدس في مراحل متعاقبة، فبدل أن يعمل القيّمون على معالجة أسبابها واستيعابها وإزالة آثارها، تترك حتى تستفحل، وهنا يصبح من الصعب معالجتها إلاّ بزوال أسبابها، ويتأتى ذلك من خلال خطة مدروسة تسلط الضوء على المشكلة، وتضع لها الحلول المناسبة بالمبادرة إلى متابعتها لعلاجها وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: "فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ"1.
 
4- الإفراط في العقوبة: كما أن إهمال العقوبات وتعطيلها مخالف لأمر الله تعالى، فالإفراط فيها ووضعها في غير موضعها هو الآخر مخالف لأمر الله تعالى، ومؤدٍ لتعطل مقاصد العقوبة وفواتها.
 
 

1- نهج البلاغة، الكتاب 31.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
229

213

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 5 - الإفراط في الواقعية: وفيها يتم تبرير الأخطاء والدفاع عنها بحجة الواقعية، وهذا ما ينعكس أيضاً على الأهداف والبرامج ويعمل على تكريس الأخطاء وإعطائها صفة المشروعية، فتسود روح التساهل المفرط المؤدية إلى حال من الفوضوية، وهي نقيض المثالية في التعامل التي تتمثل في التشدد فلا يقبل المرء عذر من تأخر عن موعده ولو لدقائق قليلة.


6- إهمال البعد الزمني في تصحيح الخطأ: يؤدي إهمال البعد الزمني في التفكير إلى إتباع سياسة حرق المراحل، التي يتوقع صاحبها تحقيق مبتغاه قبل إنضاج الظروف المحيطة بها، وهذا حكماً لا ينطبق على معالجة الأخطاء التربوية المتراكمة ـ التي أصحبت تشكل جزءاً من كيان الشخص وتربيته، وترسبت لديه من خلال مؤثرات عدة ـ في أيام قصيرة، أو من خلال توجيهات بخطأ هذا السلوك، ووجوب نهج السلوك الآخر.

7- إحراج الواقع في الخطأ: ليس من أهداف تصحيح الخطأ إصدار حكم بإدانة صاحبه وإثبات التهمة في حقه، لذا فالجدل الطويل حول إثبات التهمة، أو السعي للتصريح بالاعتراف بالتقصير والوقوع في الخطأ أمر لا مبرر له. ولذلك فإنه من الضروري عندما يأخذ المربي في حسبانه مراعاة مشاعر الناشئة وعواطفهم، ويكون همه منصباً على الإصلاح والتغيير عليه أن لا يسعى لإحراج صاحبه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
230

214

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 8- المبالغة في تصوير الخطأ: إن الاعتدال سنة الله تعالى في الكون أجمع، وحين يقع الخطأ فليس ذلك مبرراً للمبالغة في تصوير حجمه والحديث عنه. إن تحويل الحادثة إلى ظاهرة، والمشكلات الفردية إلى قضايا عامة، وربط المشكلات المعقدة بقضية محددة؛ كل ذلك إفراز للمبالغة في التعامل مع الأخطاء وتجنب الاعتدال.


9 - الاحتفاظ بصورة سلبية عن المخطئ: يتطلع كثير ممن يقع في الخطأ ويلومه الناس على ذلك أن يثبت لهم أنه قد تجاوزه، وأن يغيِّر هؤلاء النظرة السلبية التي ارتسمت لديهم تجاهه.

10 - الاقتصار على الأسلوب المباشر وحده: وذلك بالحديث المباشر الصريح أنَّ هذا الأمر المعين خطأ، وأن الشخص الذي قام بذلك العمل قد أخطأ. ومن الأجدى التفريق بين الموقف وشخص صاحبه، فينسب الخطأ إلى الموقف دون ملامسة كيان الشخصية. وثمة أخطاء تستوجب الحديث الصريح المباشر عنها، وثمة حالات لا يسوغ أن يتجاوز وصفها والحديث عنها هذه الكلمات أو مشتقاتها أو ما ينوب عنها، لكن ذلك لا يعني الاعتماد على هذا الأسلوب وحده.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
231

215

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 سمات الخطاب الإسلامي الناجح:

 
وهذا ما يستدعي منّا العمل للتأسيس لخطاب إسلامي ناجح من سماته الأساسية:
 
1 ـ اختيار الموضوع: وهذا الأمر يحتاج لدراية وخبرة وحكمة من قبل من يطلق هذا الخطاب، كي يطرح موضوعاً يناسب المتلقّين ويراعي ظروفهم، ويعالج ما في أذهانهم من تساؤلات، أو ما يحتاجه واقعهم من فكر ومفاهيم.
 
2 ـ الوضوح: وهذا يحتاج لقدرة على العرض وبلاغة القول، ولغة سهلة المنال للمتلقين، أما أن يطرح المرسِل خطابه في المواقع كافة بالأسلوب نفسه بين مدينة وريف، وبين بادية وحواضر، وبين جامعة ومصنع، فهذا ما يقود الخطاب إلى غير ما يريد صاحبه، وفي هذا الصدد يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم"1 وبعبارة أخرى مراعاة مقتضى الحال، حيث تراعى في الخطاب المستويات كافة، سواء العمرية منها أو العقلية، وبتحديد أدق الفروقات الفردية.
 
3 ـ فهم الموقف: واستيعاب الواقع المحيط، ومكونات المجتمع
 
 
 

1- الكافي، ج1، ص23.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
232

216

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 الذي يوجّه إليه الخطاب لأن هذه الأمور تقود إلى حسن اختيار الموضوع.

 
4 ـ التفريق في الإسلام بين النص بمكوناته: (الكتاب ـ أحاديث المعصومين عليهم السلام) باعتبارهما مصدر التشريع، وله صفة الثبات، وبين الاجتهاد وما أفرز من مذاهب فقهية ومدارس كلامية، وضرورة لحظ التحولات والمستجدات في واقع المسلمين وما يقوم في مجتمعاتهم من مشكلات.
 
من أساليب التربية:
 
تعد التربية بالقدوة أسلوباَ متميزاً فــي منظومــة أسـاليب التـربية فـي أي مجـتمـع. بل تعد أهمها على الإطلاق؛ ذلك لأن النشء يتأثرون بالمربي الذي يتعامل معهم في المواقف والحالات التي تجـمعهم معـاً. حيث يتوافر للإنسان ميل طبيعي نحو محاكاة من يراه مناسـباً لـه مـن الأفـراد فـي شكـله وأقـوالــه وأفـعالــه بـل وفــي إشاراته ، وذلـك إذا توافـرت شروط معينة في المقتدى به، قال تعالـى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾1.
 
وتتعدد مجالات القدوة، فلا تنحصر في المعلم أو العالم، بل تتوافر في أي مكان يتواجد عليه أناس ويتفاعلون معاً وهذا يصدق
 
 
 

1- الأحزاب: 21.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
233

217

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 على المدرسة والأسرة والمسجد وجماعة الرفاق ووسائل الإعلام والأندية الرياضية والاجتماعية والأدبية. لذا فالكل مطالب بأن يكون قدوة على من يقوم علـى شؤونهم.

 
ولعل الخطوات الرائدة والمؤسسة لهذا العنوان، وهي منطلقة من صميم المنظومة القيمية الإسلامية، ومن هدي نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتتمثل بعناوين أبرزها:
 
1 ـ الوعظ الطيب والإرشاد المؤثر بالكلمة الصادقة التي تخاطب الوجدان مباشرة ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾1 على أن يكون الداعية قدوة حسنة في سلوكه.
 
2 ـ زرع الثقة في نفوس الناشئة: ويتمثل ذلك في الالتزام بقواعد سلوكية ثابتة حتى يسهّل على الناشئة سلوكهم، وليشعر كذلك كل من يتعامل معنا أن قراراتنا قد أعدت ودرست بما فيه الكفاية، بل هذه أفضل صورة ممكنة لها، عندها نكون قد بنينا الثقة على أسس ثابتة، وسوف تقوى هذه الثقة كلّما تأكد الناشئ من صحة قراراتنا وصدقها.
 
3 ـ الوفاء بالوعود: علينا أن نحرص على الوفاء بالوعود، فإذا وعدت فعليك أن
 
 

1- النحل: 125.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
234

218

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 تفي؛ فإن استحال عليك الوفاء فعليك أن توضح سبب ذلك، وإلا فإن الثقة التي من المفروض أن تقوى بيننا وبين أبنائنا تصبح مهددة. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾1، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التأكيد على الوفاء بالوعود لأبنائنا: "أَحِبُّوا الصِّبْيَانَ وَارْحَمُوهُمْ وَإِذَا وَعَدْتُمُوهُمْ شَيْئاً فَفُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّكُمْ تَرْزُقُونَهُمْ".

 
4 ـ الإيجابية في الحوار: من المفيد لنا ألا نوجه أوامرنا كلها بلفظ سلبي: لا تفعل، لا تلعب، لا تأكل، لا تتكلم، فإن ذلك يولد عند الناشىء رد فعل قوي ويدفعه إلى العناد دفعًا، وقد تفيدنا عبارات إيجابية مثل، من الخير لك..، من الأفضل لك..، لعل ذلك يناسبك أكثر..، سيكون ذلك جميلاً..؛ فإن ذلك يشعر الناشئ بالرضى والراحة النفسية.
 
5 ـ حسن استخدام الثناء والعقاب: بالنسبة إلى الناشئ، فإن هدف استخدام الثواب والعقاب ما هو إلا تنمية شخصيته وإنسانيته وعقله، ما يفرض علينا أن نعمل لاكتشاف أقرب الطرق للوصول إلى عقله وقلبه.
 
ولذلك لا بد من دراسة الثواب والعقاب قبل استخدامه، فلعلّنا إذا ما عوّدنا الطفل على الثواب مكافأة على الدرس حملناه على أن
 
 


1- الصف:2-3.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
235

219

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 لا يدرس إلا مقابل عوض مالي يأخذه، بحيث نبتعد به عن الاهتمام الفعلي بالدرس، أو بأي قضية أو فكرة.


لكن ذلك لا ينفي أننا قد نحتاج إلى الثواب في الحالات التي يعيش فيها الطفل التمرد والتي تنفره من الدرس أو القراءة أو من أي شيء آخر، ليلتقي بما نريد أن نوجهه إليه ويعيش في داخله ليختاره بنفسه، فإذا وعد الوالدان ولداً تمنّع عن الدرس بهدية فاجتهد طمعاً بالمكافأة واندمج في الدرس إلى درجة الإحساس باللذة حتى ينال علامات مرتفعة جراء ذلك، ثم حجبا عنه الهدية أو منعاه من الدراسة فإنه يتمرد عليهما.

6 ـ حسن التعامل مع الأخطاء: علينا ألا نُشهِّر بالولد عند الخطأ، كأن نناديه كسلانًا إذا تأخر في مناولتنا حاجة طلبناها، أو نناديه كذابًا إذا كذب، أو نناديه محتالاً إذا أخذ من أخته الصغيرة شيئًا فوق حصته، أو نناديه شيطاناً إذا بدت عليه حركة زائدة، أو نناديه شريرًا إذا لطم أخاه الصغير.

7 ـ الحرص على وحدة التوجيه: علينا أن نحرص على وحدة التوجيه داخل المدرسة بين المدرسة والأسرة وبين الأسرة والمجتمع كله ممثلاً بالمؤسسات التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر على تربية الأطفال وتأديبهم.

فإذا حصل تناقض في التوجيه أو حتى اختلاف فيه فسوف تكون
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
236

220

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 التربية مخلخلة متناقضة لا تقوم على ذلك الأساس الراسخ والمتين الذي يعطي الفرد وبشكل دائم القدرة على الاختيار.


8 ـ الوضوح في التعامل مع أبنائنا: وأخيرًا فمن الخير لنا ألا نتردد في تعاملنا مع أبنائنا لأن التردد يوحي بعدم وضوح الهدف وغموض الغاية كأن نقول للناشئ: افعل كذا، فإذا انصرف إلى ما طلبناه منه ناديناه ثانية لنخبره بألا يفعل ذلك لأنه ليس ضرورياً ولا داعي له، ثم بعد دقائق نخبره بأنه من الأفضل لو فعل ما طلبناه منه أول مرة حيث العمل بسيط ولا يتطلب جهداً.

هذا السلوك المتردد ينم على عدم وضوح الرؤية، وبالتالي يفرض على كل من نعامله أن يكون متوقعًا بشكل دائم أننا قد نعدل عن كل قراراتنا دفعة واحدة، وليس من الصعب علينا أن نهدم كل ما طلبنا بناءه. وينضوي تحت ذلك صغير الأمور وكبيرها، كأن نبدي رغبتنا مثلاً لابننا الكبير أن يختص بفرع معين من فروع العلم، فإذا ما اقتنع بما رغبنا حولنا رغبتنا إلى فرع آخر دون مبررات مقبولة.

الأساليب التي استخدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

علينا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع الناشئة وتعليمهم ونستفيد من أساليب استخدمها صلى الله عليه وآله وسلم (التوجيه المباشر- القصص

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
237

221

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 وضرب الأمثال - الحوار والإقناع) لقد وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمام المربين معيناً لا ينضب من الطرق والوسائل الناجحة لإيصال المعاني إلى الأذهان وتأصيلها في النفوس، وتحويلها إلى حقائق حيّة تسعى بين الناس. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي وضع المنهج السليم في التربية وهو أن يحسن المربي كيف يأخذ المتعلم من أقصر طريق إلى موقع الحق في أية قضية من القضايا، وسوف نقتصر في مقامنا هذا على بعض الأساليب التي استخدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع الناشئة وتعليمهم.

 
1- التعليم بضرب الأمثال: كثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو المعلم الأول يضرب الأمثال في أحاديثه وأقواله؛ لعلمه صلى الله عليه وآله وسلم ما في الأمثال من قدرة على تقريب المعنى وبيان المقصود. يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الاْمْثَـالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾1، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾2.
 
2- أسلوب التدرج: استخدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسلوب التدرج في التربية والتعليم إذا أراد أن يوصل بعض المعلومات إلى
 
 
 

1- الحشر: 21.
2- إبراهيم:24-26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
238

222

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 أصحابه، ولم يقفز بهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قفزة واحدة لتعليم الإسلام جملة واحدة، بل كانت تربية متدرجة ، عملاً بالمبدأ القرآني كما في مراحل تحريم الخمر.

 
ويستطيع المربون استخدام أسلوب التدرج في تربية الناشئة، بأن يبدأ المربي تعليم الطفل من الشيء المحسوس إلى المجرد، ومن السهل إلى الصعب.
 
3 - أسلوب القصة (التعليم عن طريق القصص): القصة لها قدرة عظيمة في جذب النفوس، وحشد الحواس كلها للقاص، وهي أحدى الوسائل الناجحة لعرض المادة التعليمية سهلة وواضحة، ولذا اعتنى القرآن الكريم بذكر القصص لِما فيها من تسلية النفس، وتقوية العزائم، وأخذ العِبر والاتعاظ: ونماذج القصص متعددة في القرآن الكريم وفي سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
4 - الحوار والمناقشة والإقناع: تختلف عقول الناس ومداركهم من حيث الفهم وسرعة الاستجابة، ويختلف الناس من حيث الانقياد والتسليم لشرع الله، أمره ونهيه، فمنهم من لا يأخذ بالدليل إلا إذا ظهرت له الحكمة من ذلك، ومنهم من يكفيه الدليل ويقف عنده.كما في قوله تعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
239

223

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 حَمِيمٌ﴾1، ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾2.

 
وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يستخدم هذا المنهج إيقاظاً لانتباه صحابته، وتحريكاً لعقولهم، حتى يستقبلوا هديه وتعاليمه وبعد، فإن هذه الطريقة تدريب للمتلقي على التفكير وتشجيعه على المناقشة، وتعويده على العطاء والمشاركة وإبداء الرأي.
 
5 - التعليم بالتكرار: من الأساليب التربوية الناجحة التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تكرار الكلمة أكثر من مرة ليفهم السامع تلك الكلمة ويدركها ويستوعب معانيها، والتكرار قد يكون في الجُمل، وقد يكون في الأسماء، وقد يكون في غيرها.
 
والتكرار من أهم الطرائق التي يجب أن يتبعها المعلم والمربي، فإن السامع قد يفوته بعض الكلام أو يعجز عن فهمه للمرة الأولى، وقد يشرد ذهنه أو يسترعي انتباهه بعض ما حوله، فيصرفه عن إدراك ما يسمع، فيأتي التكرار إسعافاً له ومعونة ترده إلى المعنى، وتوصل المعنى إليه.
 
6 - أسلوب التشويق وإثارة الانتباه: لقد استخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم
 
 
 

1- فصلت:34.
2- النحل: 125.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
240

224

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 أسلوب التشويق والإثارة، بطرح موضوع يثير به النشاط الذهني، ويجذب به الانتباه والتشويق لما سيقوله، وذلك أن النفس البشرية تتطلع إلى استكشاف كل جديد.

 
كما حصل في معركة فتح خيبر فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: ﴿لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ وبات كل مسلم يتمنى أن يكون صاحب الراية.
 
7- استخدام وسائل الإيضاح للتوضيح والبيان وتقريب المعنى: لقد سبق الرسول التربية الحديثة بأربعة عشر قرناً حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعم قوله في بعض أحاديثه برسومات ووسائل إيضاح تقرّب المعنى للأذهان.
 
وهذه دعوة للمعلمين لاستخدام الرسومات في الكتابات مع الشرح للمساعدة في إيصال المعلومة بشكل سريع.
 
8 ـ واستخدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة تشترك فيها الحواس الثلاث معاً، فقد استخدم صلى الله عليه وآله وسلم الجُمّار1 والنخلة، فهم يرونها ويمسونها بأيديهم ويأكلون منها. روي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم. حدثوني ما هي؟ فأخذ الجالسون معه صلى الله عليه وآله وسلم يقولون له: يا رسول الله إنها
 
 
 

1- الجمار ما يؤخذ من رؤوس النخيل بعد قطعها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
241

225

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 شجرة كذا. والرسول ساكت. وحين لم يؤيدهم صلى الله عليه وآله وسلم في أقوالهم قالوا له: أخبرنا عنها يا رسول الله. فقال: إنها النخلة. فأكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الهدية. وأعطى الجالسين فأكلوا".


وسائل لخطاب إسلامي تربوي مطلوب:

إن توجيه الجانب الانفعالي لدى الناشئة والسيطرة عليه مرتبطان بأمر غاية في الأهمية ألا وهو كيفية تمضية أوقات الفراغ فإن لم ينشغل الناشئ في وقت فراغه بما هو نافع فهو في الغالب سينشغل بما هو ضار، وأفضل طريقة لشغل أوقات الفراغ وأنفعها ما كان منها على شكل أنشطة جماعية توفر تدريبا مثاليا للتواصل وقبول الآخرين والتعايش معهم. وتلبية احتياجاتهم، وهذا يحتاج في الأطر المدرسية لما يلي:

1ـ تجديد المناهج، والمقررات: لا بد من تجديد المناهج والمقررات في المواقع التعليمية على المستويات كافة لتلبي حاجات الجيل ولتكون استجابة للتحديات، لأن الحضارة هي تحديات واستجابات، وإذا جاءت مضامين الخطاب في أروقة المؤسسات التعليمية خارج المكان والزمان، وبعيدة من الحاجات، ومن مواجهة التحديات فإنها تصبح محفوظات لا فعل لها في المجتمع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
242

226

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 2ـ الإذاعة المدرسية: وتعتبر أهم الوسائل التي يمكن أن تكون محطة لاحتضان الطاقات، والتعبير عن الأفكار والطموحات، والنقاش، وتقبل الآراء، وخاصة من الأشخاص الذين يقدرهم الناشئة، ويعجب بهم.


ومن الأمثلة العملية التي يمكن أن تغطي هذه المرحلة: إجراء لقاءات مع طلاب متميزين لمعرفة طموحاتهم وأمانيهم، ثم سؤال أحد المعلمين عن الطريقة العملية لتحقيق الأحلام، وهنا يستشهد المعلم بنماذج من التاريخ الحديث والتاريخ القديم لأناس حققوا مآربهم نتيجة الجد والاهتمام.

ومن ذلك أيضاً القيام برحلات علمية لاستكشاف الأمور على صورتها الحقيقية، وحضور الإذاعة هنا لتسجيل وقائع الرحلة، ثم إذاعتها على الطلاب، ويمكن أن يتم التنسيق لتكون الرحلة في وقت الدراسة، ويتم الاتصال هاتفيا بالزملاء لمعرفة ما توصلوا إليه في رحلاتهم.

كما يمكن إجراء مسرحيات إذاعية لنماذج مشرفة من التاريخ، وإظهار بطولاتهم، ومراكزهم العلمية التي نبغوا فيها ليحذوا حذوهم.

لذا يراعى في الإذاعة المدرسية اهتمامها بتأهيل تفكير الشاب تجاه المستقبل، والمهن التي تناسب قدراته، أو توضيح المجالات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
243

227

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 العلمية لمن أراد مواصلة مشواره التعليمي، وبالتالي يجب أن تكون الإذاعة المدرسية متنفسا يعبر الطلاب من خلالها عن ميولهم ورغباتهم، والاتجاهات والقيم الإيجابية مع البعد عن إعطاء التعليمات والمواعظ بشكل مباشر، كما يجب الاهتمام بأخبار المدرسة المنوعة، وحثه على الاشتراك في إعدادها وتقديمها، وهكذا نساهم في استهلاك طاقته الكامنة بشكل مفيد.


3 ـ الحركة الكشفية: كانت الحركة الكشفية ومازالت عنواناً هاماً لحب الوطن وبناء الإنسان والمواطن الصالح المنتج الطامح إلى مستقبل أفضل في عالم تسوده قيم المحبة، وتعزز روح التعاون والتعاضد، وتنمي القدرات والمهارات، وتعمل على إيجاد فسحة من الألفة والحوار، والثقة بالنفس، ويتجسد ذلك في جملة من النشاطات، منها:

الحفاظ على البيئة، والقيام برحلات استطلاعية وعلمية، تنظيم السباقات والمهرجانات، ‏والنشاطات الثقافية والمحاضرات المتنوعة، والعناية بالآثار والحدائق العامة، والمساهمة في حملات النظافة، ونشر الوعي الصحي وخدمات الدفاع المدني وغيرها مما يصعب حصره وتعداده.‏

4 ـ النوادي المدرسية: تهدف إلى استثمار أوقات الطلاب إلى أقصى مدى ممكن، وتعمل على تحقيق جملـة من الأهداف
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
244

228

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ومنها: التربية على المبادئ والمثل، ودعم الانتماء الوطني، واستثمار الأوقات. بالإضافـة إلى تنمية إحساس الطلاب بمشكلات المجتمع، وإعدادهم للمشاركة في حلها، وتنمية روح التعاون والعمل الجماعي المثمر لدى الطلاب وغيرها.


وتمارس فيها النشاطات كافـة: الاجتماعيـة، والرياضية، والفنية، والمهنيـة، ودورات علميـة، ويعمل النادي على إنتاج برامج تحاكي ظروف العصر واحتياجات الشباب في الفئات العمريـة المختلفـة.

5 ـ المسارح المدرسية: لجعل المدرسة جذوة وشعلة تربوية وثقافية وفكرية وعلمية، ومن أجل تفجير طاقات الطلاب ومواهبهم الاهتمام بالفنون الأدبية والمسرحية. لا بد من الاهتمام بهذه المسارح والعمل على تفعيلها، لا سيما مع توفر الإمكانات والموارد والتقنيات، ولكننا مع ذلك نجد قلة الاهتمام بهذا الجانب في المناهج المعتمدة.

ولذا يجب الاهتمام بالمسرح المدرسي في مناهجنا المدرسية، وفي حال تعذر إدخال أدب المسرح إلى المناهج الدراسية المقررة حالياً على الطلبة فيمكن تحديد بعض الكتب المسرحية البسيطة للقراءة الحرة وتشجيع الطلبة على قراءتها والامتحان بها أثناء العطلة الصيفية في امتحانات خاصة ترصد لمتفوقيها جوائز تشجيعية. والعمل على تخصيص جوائز للمتفوقين في الإلقاء والخطابة والتمثيل على أن تتمثل تلك الجوائز في شكل كتب متعلقة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
245

229

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بالدراما والمسرح، وتخصيص ركن في كل مكتبة مدرسية للكتب المسرحية بوجه عام سواء أكانت مؤلفة أو مترجمة من لغة أجنبية.


أمّا في الإطار العام وخارج المدرسة، ينبغي استحضار مجموعة من الوسائل، لما لها من دور في تربية الناشئة، والتأثير على الجوانب المفهومية والسلوكية في المجتمع، ويندرج تحت هذا الجانب:

الإعلام: تمثل قضية الإعلام وثقافة الناشئة في المجتمع الإسلامي أهمية بالغة، نظرًا لما يقوم به الإعلام من دور هام في نقل ثقافة الأمة من جيل إلى جيل، باعتبار أن وسائل الإعلام أدوات ثقافة تساعد على دعم المواقف، وعلى حفز الأنماط السلوكية المرغوبة وغير المرغوبة، ومن هنا تتعاظم المسؤولية التي تقع على عاتق وسائل الإعلام الموجه للناشئة، كما يتعاظم الدور الذي يلعبه القائم بالاتصال في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية للناشئة في مجتمعاتنا.

ومن الوسائل الإعلامية المتعارف عليها: التلفاز والحاسوب والإنترنت، وهذه الوسائل لها سلبياتها في حال لم تكن موجهة بالشكل الصحيح بحيث يهدر الناشئة أوقاتهم فيقضون ساعات طويلة تنعكس سلباً على حياتهم الاجتماعية وعلاقاتهم بأقرانهم ومحيطهم، وربما على أوضاعهم النفسية، ولكن في حال استخدمت هذه الوسائل في إطار خطة مدروسة فإنه لا ريب ستنعكس إيجاباً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
246

230

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 بالدراما والمسرح، وتخصيص ركن في كل مكتبة مدرسية للكتب المسرحية بوجه عام سواء أكانت مؤلفة أو مترجمة من لغة أجنبية.


أمّا في الإطار العام وخارج المدرسة، ينبغي استحضار مجموعة من الوسائل، لما لها من دور في تربية الناشئة، والتأثير على الجوانب المفهومية والسلوكية في المجتمع، ويندرج تحت هذا الجانب:

الإعلام: تمثل قضية الإعلام وثقافة الناشئة في المجتمع الإسلامي أهمية بالغة، نظرًا لما يقوم به الإعلام من دور هام في نقل ثقافة الأمة من جيل إلى جيل، باعتبار أن وسائل الإعلام أدوات ثقافة تساعد على دعم المواقف، وعلى حفز الأنماط السلوكية المرغوبة وغير المرغوبة، ومن هنا تتعاظم المسؤولية التي تقع على عاتق وسائل الإعلام الموجه للناشئة، كما يتعاظم الدور الذي يلعبه القائم بالاتصال في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية للناشئة في مجتمعاتنا.

ومن الوسائل الإعلامية المتعارف عليها: التلفاز والحاسوب والإنترنت، وهذه الوسائل لها سلبياتها في حال لم تكن موجهة بالشكل الصحيح بحيث يهدر الناشئة أوقاتهم فيقضون ساعات طويلة تنعكس سلباً على حياتهم الاجتماعية وعلاقاتهم بأقرانهم ومحيطهم، وربما على أوضاعهم النفسية، ولكن في حال استخدمت هذه الوسائل في إطار خطة مدروسة فإنه لا ريب ستنعكس إيجاباً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
247

231

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 يحصّلوا علماً وهم في حالة الأمية، حيث تستطيع المساجد أن تشكل المنارات في محيطها، وتحقق الوظيفة التعليمية التربوية على قاعدة الحديث النبوي الشريف: "أطلب العلم من المهد إلى اللحد". وهي ما يعرف اليوم بالتعليم المستمر الذي يرافق كل مراحل العمر.


وفي المحصلة نرى أن الخطاب التربوي المعتمد يسوده الإرباك ويخضع لتجاذبات المدارس السياسية والفكرية المتنوعة، ما جعله قاصراً عن تحقيق الأهداف المتوخاة، كما أن الضمور المنهجي في أوطاننا يجعل الخطاب يعيش أزمة ثقة بين أطراف العملية التربوية والفئة المستهدفة من هذا الخطاب، لا سيما وأنه علينا أن نواكب حركة التطور العلمي ونستوعب المستجدات والقفزات العلمية الهائلة في وقت نحاول فيه التمسك بأصالة خطابنا، ولا يقتصر ذلك على الواقع بل ما يجب أن نتلمسه هو الركائز التي انبنى عليها هذا الخطاب والأساليب التي يجب أن نستخدمها لإيصال أفكارنا وتحقيق ما نصبو إليه، وهذا يتطلب منا بذل جهود جبارة، مبنية على أسس منهجية وموضوعية تعتبر الانفتاح أصلاً في التعامل، انفتاح الإنسان على بارئه ونفسه، والمنتمي إليهم في مجتمعه وفي الدائرة الأوسع وطنه وأمته وإلى دوائر أخرى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
248

232

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 استنتاجات واقتراحات:


بعد التركيز على هذه القواعد يستلزم ذلك القيام بورشة عمل كبرى لتحديد الأساليب والوسائل التي تحقق خطتنا في دراسة احتياجات الناشئة ومعالجة مشكلاتهم، بل كيف نربيهم تربية سوية، وهذا المشروع الضخم الذي ربما لا تستطيع مؤسسة بعينها القيام به، فإنه يحتاج إلى إمكانات وموارد بشرية ومالية وعلمية هائلة، وهذا ما يعني تضافر الجهود من قبل مؤسسات الدولة والمجتمع الأهلي، وفي عصر الانفتاح العولمي تضافر مؤسسات دولية وإقليمية ودول وحكومات، وبما أن هذا الأمر غير متحقق نتيجة لتضارب المصالح والسياسات، وعلى الأرجح الوقوع في لظى الصراعات بين منظومات القيم السياسية والتربوية المختلفة، فلا شك أن هذا يفرض علينا القيام بعملية تحصين للناشئة في مجتمعاتنا، تنطلق من صميم قيمنا ومنظومتنا الفكرية والثقافية والعقيدية.

ولهذا يمكن اقتراح عدد من الخطوات لتحصين الناشئة والحفاظ عليهم، منها:

1ـ وضع خطط لمراقبة المناهج الثقافية والفكرية للعملية التربوي بأكملها، والأساليب والوسائل التي ينبغي توفرها.

2ـ القيام بحركة بحث علمي لإجلاء المفاهيم لا سيما مفهوم الخطاب، والمحددات التي يرتكز عليها.

3ـ تحديد المرجعية الفكرية والسياسية للخطاب ومكوناته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
249

233

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 4ـ تركيز الخطاب على البعد الإيماني والعقائدي للناشئة وغرس القيم الخيرة والفضائل في نفوسهم.


5ـ إعادة النظر في صياغة المناهج المدرسية والأساليب المعتمدة في طرائق التدريس والوسائل.

6ـ التركيز على الإعلام بوسائله المتنوعة لتقديم مادة مفيدة للناشئة، بل أن يلعب دور الموجه من جهة والمراقب للسياسات من جهة أخرى.

7ـ إقامة مواقع ترفيهية وثقافية قائمة على دراسات رصينة تلبي الاحتياجات.

8ـ التحفيز على استحداث أماكن ومواقع تفيد الناشئة (الأندية للمعلوماتية، والإذاعة المدرسية، المسرح القصة...).

9ـ إعادة الاعتبار للكتاب المقروء.

10ـ إيلاء المعالم الطبيعة دوراً رياديًا وذلك يتطلب خططاً لمعايشة الإنسان الطبيعة والانفتاح عليها برفق (الرحلات، المخيمات، القيام بحملات تشجير...).

وأخيراً نسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا لتسليط الضوء على واقع الأساليب المعتمدة في خطاب الناشئة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
250

234

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 المداخلات

 
1- السيد حسين شكر

2- الدكتورة زينب جمعة

3- الشيخ الدكتور عبدالله حلاق

4- الأستاذ علي حمام

5- السيد علي مرتضى

6- الشيخ عمار حماده

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
251

235

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 إشكاليات الخطاب الإسلامي الثقافي 

مداخلة السيد حسين شكر

لما كان الخطاب الثقافي الإسلامي الموجه للناشئة في هذه المرحلة من تاريخنا الإسلامي الشرقي يتعدى النصوص إلى الممارسة ويشمل الموروث الاجتماعي من عادات وتقاليد وأعراف. ولا يتأطر بإطار بل يتجاوز الأطر ليكون قابلاً للتلبس في الأدوات والوسائل المعاصرة.

فالخطاب المعاصر أسرع إلى عقل وقلب الإنسان من أي خطاب مضى. رغم هذا فالإشكالية في الخطاب تعتبر واحدة من الإشكاليات إذ أن الخطاب ليس هو الحل لأن كم من نبي أو وصي أو صالح من الصالحين لم يكن الخطاب الذي قدمه قادراً على أن يحدث التغيير لو جزئياً في أقرب المقربين رغم صفائه ودقته ومتانته وواقعيته. فإشكاليات الخطاب وإن ارتفعت إنما يرتفع جزء المشكلة.

وما لاحظته في الخطاب الإسلامي المعاصر ينتابه الكثير من الإشكاليات مما يضعفه ويجعله أقل تأثيراً ويجعله متأخر عن محاكاة مشاعر الشباب والناشئة ولعل ذلك يعود إلى أسباب تعود إما إن المضمون أو إلى القالب الذي يقدم فيه الخطاب من خلاله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
253

236

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 أولاً: النمطية


وأقصد بأن أغلب المربين والواعظين جنحوا إلى نمط واحد في تبليغ ما وصلهم والنمط الغالب في هذا المضمار هو الوعظ والإرشاد والتلقين.

وكذا ما تشهد المدارس سواء الدينية أو المعاصرة والجامعات رديكالية في التمسك بأنماط في التربية والتعليم عفا عليها الزمن فروح الإبداع ماتت وأماتت الفكرة والمنهاج.

في الوقت الذي ألاحظ من خلال الخطاب القرآني الذي يعرض لحالات أو حالة فهو يعتمد التنوع في المعاجلة فهو يتنقل بين السرد والاستعراض والمثال والقصة والدعوة إلى التفكر والتدبر وإشراك المستمع وإثارة حب الاستطلاع عنده. فهو يخرج في مخاطبة الفرد إلى المجموعة ويقدم الحلول في بعض الأحيان على طريقة الفرضيات ويحاكي العقل ولا يغفل محاكاة الروح.

فهو يمارس نمطية اللانمط

ولعل من خلال التجربة اليومية في حياتي سجلت وأنا صغير ناشئ ملاحظة على التبليغ الذي درّسني أفاضل علماؤنا باب التقليد أكثر من أربعة مرات لأن التعليم ليس مدرسة واستمرار فكلما جاء معلم كان يبدأ بالتقليد ولا يتعداه إذ أن المدة التي يحضر بها بيننا لا تكفي لتدريس أكثر من هذا الباب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
254

237

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ونمط التدريس واحد ممل شعرت حينها بأني في ضيق من أمري لو أن هذا محل تقديري وحاجتي لما جلست أبداً في مسجد كنت أقصده بنفسي ولولا أن لي أصحاب كنت أفتقدهم ولم أجدهم إلا في المسجد.


ولعل المدارس الحديثة المعاصرة التي أرادت أن تستفيد من وسائل التعليم الحديثة لمناهج صيغت على المنهاج التعليمي القديم ضاعوا واستغرقوا في الوسائل التعليمية ولم يتمكنوا من إتمام المنهاج التعليمي في زحمة الاشتغال بالوسائل.

وهذا أيضاً ما جعل الطالب أكثر ضياعاً وفوت فرصة التعلم بدل أن يكون التعلم النشط بات التعلم الثبط المحبط.

ثانياً: التخبط في الخطاب

وأقصد أن الخطاب الديني الذي يقدمه غالباً المربون هو ما فهمه المعلم والمربي والقائد والمسؤول الديني وهذا لا يعني أن المتربي أو المتعلم أو المتلقي قد وصله الإسلام أو الدين بالضرورة.

فسرعان ما كنا نكتشف:

1- إن ما تربينا عليه لفترة طويلة كان فهماً خاطئاً وربما كان لبعضها الأثر السلبي.

2- ما كنا قد تعلمناه وانطبع في ممارساتنا وأصبح بعضه جزءً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
255

238

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 من حياتنا اليومية أصبح الإقلاع عنه يحتاج إلى جهد كبير ومجاهدة.


3- وأخطر ما في هذا المضمر أننا افتقدنا نظرة التقدير والاحترام والقداسة للمتصدين فأصبح نظرنا إليهم نظر الشك والريب وتولدت لدينا التساؤلات هل هذا هو الإسلام أم ماذا، وبهذا الأمر لم يعد ما يقال لنا مسلّم من المسلمات التي لا نقاش فيها وأصبح بالتالي كل ما يقال ليس مقدساً.

4- ما يعرض على هؤلاء الناشئة باسم الدين والإسلام ويضخ من خلاله المعارف المتعددة والملونة التي تحمل إليه الغث والثمين يجعل المخزون المعرفي الديني الإسلامي معارف غير حقيقية مطعون في صدقيتها فلا يتمكن الإنسان من الاعتماد عليها في حواراته وأقواله فسرعان ما كان ينهار الدليل والبيان يتلاشى عندما يعلم المتحدث أن ما اعتمد عليه لم يعد عن كونه سراباً لا قيمة علمية له.

فالإسلام الذي تعرفه الناشئة ما يتجسد أمامهم ويمارس معهم ويرونه بأم العين ويتحسسونه. وفي هذه الحال سيكون الخطاب يتوارى في السلوك الفردي والاجتماعي للواعي. فلا يمكن للناشئ أن يرى الإسلام غلا من خلال الأشخاص.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
256

239

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 ثالثاً: التفاوت بين النظرية والتطبيق.


لما كان الخطاب بالنسبة للناشئة هو العمل المفهم بالمعاني والمعارف وتجسيداً للنظرية.

كان الناشئة يرون آلاف التجليات المتناقضة والمتضاربة. وحيث أن الناشئ في أغلب الأحيان مقلدٌ فهو لا يميز الصحيح من السقيم فإنه سوف يكون أما أديان وإسلامات.

1- إسلام العلماء يتخبط بين النظرية والتطبيق فلا تجد العالم المجسد لتعاليم الإسلام إلا قليلاً ونادراً.

2- وإسلام المعلمين: يتماهى مع أهوائهم ورغباتهم وهو إسلام استنسابي يقدمه المعلم وفق ما يراه مناسباً لمصلحة أو زمان أو مكان.

3- كذا الأمر في أفراد المجتمع. فقليل من عبادي الشكور وقليل من عبادي العباد وقليل من عبادي الذين تتحول الفكرة إلى ممارسة.

رابعاً: قصور الخطاب الإسلامي عن:

1- محاكاة مشاكل الشباب ومعالجة الإشكالات قبل أن تستحكم.

2- مناقشة الأبواق الإعلامية الأخرى التي تقدم خطابها من حيث الشكل والمضمون والمحفزات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
257

240

المحور الثالث: أساليب الخطاب الإسلامي الموجه للناشئة

 3- بدائية الوسائل في بعض الأحيان.