دروس تمهيدية في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومين عليهم السلام

دروس تمهيدية في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومين عليهم السلام


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-05

النسخة: 2016


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

13

المقدّمة

17

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

19

النسب المبارك

19

الولادة المباركة

20

رضاعه

21

النبيّ في كفالة جدّه

21

النبيّ في رعاية أبي طالب

22

السفر إلى الشام

24

الزواج من خديجة

24

عمله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة

25

مكانة النبيّ محمّد قبل البعثة

25

موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حرب الفجار

26

حلف الفضول

27

تجديد بناء الكعبة

31

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

31

البعثة النبوية

33

البشارة بالنبوّة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

34

أوّل المسلمين

35

الدعوة وتحدّيات قريش

36

خطوات قريش في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

38

الحصار في شعب أبي طالب

39

الهجرة إلى الحبشة

40

الخروج إلى الطائف

43

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

45

اللقاء الأوّل باليثربيين

46

الهجرة إلى المدينة

47

ليلة المبيت

48

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار

48

استخلاف الإمام عليّ عليه السلام

49

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يثرب

50

دوافع الهجرة

51

سرّ اختيار المدينة

51

أحداث وقعت في السنة الأولى للهجرة

55

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

57

بناء المسجد

57

تشريع الأذان

58

المؤاخاة

59

الصحيفة

60

موادعة اليهود

60

إعداد القوة العسكرية

61

مواجهة التحدّيات

61

السرايا وأهدافها

62

معركة بدر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

64

الدروس المستفادة من معركة بدر

69

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

71

معركة أحد

72

معركة الخندق

73

صلح الحديبية

74

فتح مكّة

75

أهم الحروب ضدّ اليهود

77

حجّة الوادع وبيعة غدير خمّ

78

الوصية الأخيرة

79

وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

83

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

85

سيرة مشرقة

87

مراحل حياة الإمام علي عليه السلام في الإسلام

95

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

97

وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقضية الخلافة

98

دور أمير المؤمنين عليه السلام في زمن الخلفاء

99

من الخلافة إلى الشهادة

100

معالم حكومة الإمام عليّ عليه السلام

102

القتال في ثلاث جبهات

107

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

109

سيرة مشرقة

110

السيّدة الزهراء عليها السلام في ظل الإسلام

112

السيدة الزهراء عليها السلام في آية المباهلة

113

السيّدة الزهراء عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

117

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

119

سيرة مشرقة

121

الحياة الجهادية للإمام الحسن عليه السلام

122

الإمام الحسن عليه السلام وتسلّم مقاليد الحكم

123

صلح الإمام الحسن عليه السلام

125

الصلح وأهداف الإمام الحسن عليه السلام

127

معاوية بن أبي سفيان ينقض الصلح

131

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

133

سيرة مشرقة

135

ملامح عصر الإمام الحسين عليه السلام

137

خطوات الإمام الحسين في مواجهة سياسة معاوية

138

الخيارات المتاحة أمام الإمام الحسين عليه السلام

138

سبب الخروج من المدينة المنورة

139

الإمام الحسين عليه السلام في مكة المكرّمة

140

الخروج من مكّة إلى العراق

145

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

147

سيرة مشرقة

150

المحطات الرئيسة في حياة الإمام السجّاد عليه السلام

153

المرحلة المنعطف

157

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

159

سيرة مشرقة

162

العوامل المؤثّرة في عصر الإمام الباقر عليه السلام

163

دور الإمام الباقر عليه السلام في بناء الجامعة العلمية لأهل البيت عليهم السلام

173

الدرس الثالث عشر: الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام

175

سيرة مشرقة

178

الظروف المحيطة بعصر الإمام الصادق عليه السلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

179

منهج الإمام الصادق عليه السلام في التصحيح العلميّ

182

سعة جامعة الإمام الصادق عليه السلام

184

الإمام الصادق عليه السلام والمنصور

189

الدرس الرابع عشر : الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام

191

سيرة مشرقة

193

الظروف العامّة

194

المحافظة على المسيرة العلمية

195

العمل السياسيّ

197

أسباب سجن الإمام عليه السلام

203

الدرس الخامس عشر : الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام

205

سيرة مشرقة

208

الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام

209

الإمام الرضا عليه السلام وولاية العهد

217

الدرس السادس عشر : الإمام محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام

219

سيرة مشرقة

221

الظروف السياسية العامة

222

خطّة المأمون

223

مواجهة الإمام الجواد عليه السلام

229

الدرس السابع عشر: الإمام علي بن محمّد الهادي عليه السلام

231

سيرة مشرقة

233

إمامة الإمام الهادي عليه السلام

234

ملامح عصر الإمام الهادي عليه السلام

238

الجانب التنظيمي - نظام الوكالة

243

الدرس الثامن عشر: الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام

245

سيرة مشرقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9


5

الفهرس

 

248

الظروف السياسية في عصر الإمام العسكريّ عليه السلام

249

الإمام العسكريّ عليه السلام والتمهيد للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

251

الجهاد العلميّ والثقافيّ للإمام العسكريّ عليه السلام

252

شهادة الإمام العسكريّ عليه السلام

257

الدرس التاسع عشر: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف (1) العقيدة المهدوية - المعتقد والغيبة

259

سيرة مشرقة

260

الإيمان بالمهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف تجسيد لحاجة فطرية

260

حتمية الإيمان بالمنقذ بين الديانات السماوية

260

عقيدة الإمامية بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

261

غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

261

الإمامة والغيبة الصغرى

261

السفراء الأربعة

262

أسباب الغيبة

263

متى تنتهي الغيبة؟

263

وجود الأنصار

263

عدم التوقيت

264

السبب في إخفاء وقت الظهور

264

طول عمر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أمر ممكن

265

نماذج من التاريخ

269

الدرس العشرون : الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف (2) علامات الظهور ـ الرايات

271

علامات الظهور

272

لماذا علامات الظهور؟

272

الأجواء العامّة قبيل الظهور

273

وقائع قبيل الظهور

273

إعلان الظهور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10


6

الفهرس

 

275

رايات قبل الظهور

275

الرايات قبل ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف

277

لا تلتحق بالرايات المشبوهة

277

رايات حقّ قبل الظهور

278

الانتظار والعلاقة بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

278

كيف يكون الانتظار؟

278

الانتظار السلبيّ والإيجابيّ

279

المنهج الصحيح في الانتظار

281

آداب العلاقة بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

 

 

 

 

 

 

 

11


7

المقدمة

 المقدمة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين وبعد.
 
تُعتبر معرفة أهل البيت عليهم السلام وولايتهم والإيمان بهم، وأنّهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطهّرون، وولاة الأمر وخلفاؤه على العباد والبلاد، أساس وركيزة البنية الإيمانية والعقائدية للإنسان المسلم، وقد حثّت الروايات على معرفتهم، وحذّرت من عدم معرفتهم.
 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مّنَّ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه"1.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّما يعرِف الله عزّ وجلّ ويعبُده من عرف الله وعرف إمامَه منّا أهل البيت"2.
 
ومن أهمّ خصائص أهل البيت عليهم السلام أنّهم أفضل الخلق وأكملهم وأزكاهم وأطهرهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾3.
 
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أنا وعلي والحسن والحسين وتسعةٌ من ولدِ الحسين مطهّرون معصومون"4.



1 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، تحقيق: مؤسسة البعثة، قم، نشر: مؤسسة البعثة، 1417هـ، ط1، ص560، المجلس الثاني والسبعون، ح751/9.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1363ش، ط5، ج1، ص181، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح4.
3 سورة الأحزاب الآية 33.
4 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا، تحقيق: تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، المطبعة: مطابع مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 - 1984م، لا.ط، ج1، ص65، باب النصوص على الإمام الرضا عليه السلام بالإمامة في جملة الأئمة الاثني عشر، ح30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

المقدمة

 وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسّكتُم به لن تضلّوا بعدي، أحدُهما أعظمُ من الآخر: كتابُ الله حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهلُ بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلُفوني فيهما"1.

 
وهم خزنة علم الله وتراجمة وحيه، كما جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: "نحن خزّان علم الله، ونحنُ تراجمَةُ وحي الله"2. وفي عدّة روايات أنّهم ورثة علم الأنبياء عليه السلام.
 
وهم أفضل الخلق: "أنا وأهل بيتي صفوةُ الله وخيرته من خلقه"3.
 
وأركان العالم وأمان أهل الأرض، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "النُجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذَهبَ أهلُ بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون"4.
 
ولقد تحدّثت الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرة عن فضل حبّهم، وأنّه كحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحثّ الناس على حبّهم، وأنّهم خلفاء الله، وأوصياء نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي مودّتهم وولايتهم صراط النجاة وطريق الحقّ:
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا سيّدُ النبيين، وعليّ بن أبي طالب سيّدُ الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم"5.



1 الترمذي، أبي عيسى محمد عيسى، سنن الترمذي، تحقيق وتصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، بيروت - لبنان، دار الفكر، 1403 - 1983م، الطبعة: الثانية، ج5، ص328، باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ح3876.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص192، باب أن الأئمة عليهم السلام ولاة أمر الله وخزنة علمه، ح3.
3 السيد المرعشي، نور الله الحسيني، شرح إحقاق الحق، تحقيق وتعليق: السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، قم - إيران، الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، لا.س، لا.ط، ج9، ص483.
4 م، ن، ص303.
5 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، إيران، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، محرم الحرام 1405 - 1363 ش، لا.ط، ص280، باب ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النص على القائم عليه السلام وأنه الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام، ح29.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

9

المقدمة

 وعن الإمام علي عليه السلام: "من أحبّ الله أحبّ النبيّ، ومن أحبّ النبيّ أحبّنا، ومن أحبّنا أحبّ شيعتنا"1.

 
وورد الحثّ على الطاعة والولاية مقترناً بالحبّ لهم في الكثير من الروايات منها:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "تمسّكوا بطاعة أئمّتكم ولا تُخالفوهم، فإنّ طاعتهم طاعة الله، وإنّ معصيتهم معصية الله"2. وعن الإمام الرضا عليه السلام: "كمال الدين ولايَتُنا والبراءة من عدوّنا"3.
 
هذا الكتاب، دروس تمهيدية في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، يُساهم في هذه المعرفة من ناحية السيرة والتاريخ، التي تُشكّل مدخلاً للمعرفة الإيمانية والعقائدية والولاية والاقتداء بهم عليهم السلام، وقد ركّزنا فيه على جانب السيرة، ولم نُعطِ للتحليل حيّزاً كبيراً فيه، على أمل أن نوفّق في الكتب الأخرى للغور في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام بشكل تحليلي معمّق.
 
الحمد لله رب العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة



1 الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، تحقيق: محمد الكاظم، طهران، الناشر: مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1410 - 1990 م، ط1، ص128، تفسير سورة المائدة، ح146.
2 الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، 1408 - 1988م، لا .ط، ج5، ص220، باب لزوم الجماعة وطاعة الأئمة والنهى عن قتالهم.
3 ابن إدريس الحلي، مستطرفات السرائر، تحقيق: لجنة التحقيق في مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1411هـ، ط2، ص640، مما استطرفه من كتاب أنس العالم تصنيف الصفواني.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

10

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الحياة الشخصية للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
2- يتعرّف إلى حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مرحلة الشباب إلى الزواج.
3- يلخص مكانة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ودوره في قريش.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

11

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 النسب المبارك

يعود نسب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى هاشم بن عبد مناف الذي تنتسب إليه أشرف أُسرة في مكّة هي أُسرة بني هاشم.
 
فهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلّب بن هاشم بن عبد مناف، المنحدر من ذريّة عدنان أحد أحفاد نبيّ الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام1. وكان جميع آبائه موحّدين مؤمنين على دين الحنيفية الإبراهيمية، بل كان فيهم الصدّيقون من أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين2، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾3.
 
الولادة المباركة
ولدته أمّه آمنة بنت وهب من بني زهرة في مكّة المكرّمة في منزل أبيه عبد الله بن عبد المطلّب في شعب أبي طالب يوم الجمعة في السابع عشر من شهر ربيع الأول على الأشهر في عام الفيل الموافق لسنة 571 للميلاد قبل البعثة النبوية بأربعين سنة4. وقد صاحبت ولادته



1 نسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، راجع: الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد (المجموعة)، مطبعة الصدر، قم، مكتب آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1406هـ، ص4، الباب الأول في ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الأربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح، كشف الغمة، بيروت، لبنان، دار الأضواء، 1985م، ط2، ج1، ص15.
2 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، أوائل المقالات، تحقيق: الشيخ إبراهيم الأنصاري، بيروت، لبنان، دار المفيد، 1414 - 1993م، ط2، ص12، القول في آباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه، الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ملاحظات: دار إحياء التراث العربي، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403 - 1983م، ط2، ج15، ص117، ح63.
3 سورة الشعراء، الآيتان 218 - 219.
4 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص440، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

12

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

  المباركة حوادث مختلفة في السماء والأرض، وخاصّة في الشرق، فاضطرب إيوان كسرى أنوشيروان، وسقطت أربع عشرة شرفة من شرفاته، وغير ذلك1.

 
واستقبله جدّه عبد المطلّب بن هاشم بالغبطة والسرور، فقد كان أبوه عبد الله مسافراً إلى الشام في تجارة فمات في المدينة قبل ولادة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم2، ودفن في دار النابغة قيس بن عبد الله3.
 
رضاعه
لم يرتضع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أمّه سوى ثلاثة أيام، ثمّ حظيت بشرف إرضاعه حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب من بني سعد4.
 
فقد رأى عبد المطّلب أن يرسل حفيده إلى البادية ليكمل رضاعه هناك، وينشأ ويترعرع في البادية، ليكتسب اللغة الصحيحة، والقوّة والمناعة5.
 
وكانت حليمة ترعاه هي وزوجها وتقدّمه حتّى على أولادها، وقد وجدت فيه كلّ الخير والبركة. وقد روي عنها أنّها قالت: قدمنا منازل بني سعد ومعي يتيم عبد المطلّب، ولا أعلم أرضاً أجدب من أرضنا، وكانت الأغنام تبقى جائعة لقلة الطعام. ولما سكن محمّد عندنا في البادية فكنّا نحلب منها ونشرب ويتدفّق الخير علينا، وأصبح جميع من في الحيّ يتمنّى ذلك اليتيم الذي يسَّر لنا الله ببركته الخير ودفع عنّا الفقر والبلاء.



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج15، ص263، ح14.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص440، باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، بيروت، لبنان، الناشر: دار صادر ومؤسسة نشر فرهنك أهل بيت عليهم السلام - قم - إيران، لا.ت، لا.ط، ج2، ص10، البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، تحقيق : الدكتور محمد حميد الله، المطبعة: مطابع دار المعارف بمصر، الناشر: معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالاشتراك مع دار المعارف بمصر، 1959م، لا.ط، ج1، ص92، ح158.
3 الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، تحقيق ومراجعة وتصحيح وضبط: نخبة من العلماء الأجلاء، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1403 - 1983م، ط4، ج2، ص8، الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، أيار - مايو 1980م، ط5، ج5، ص207.
4 العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قم، إيران، دار الحديث، 1426 هـ - 1385 ش، ط1، ج2، ص147.
5 السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر، الخصائص الكبرى، الهند، طبع في حيدرآباد الدكن، دار الكتاب العربي، 1320ه، لا.ط، ج1، ص57، العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، ج2، ص147.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

13

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 بقي النبيّ مع حليمة إلى أن بلغ سنّ الخامسة، فعادت به إلى أهله ليكون في كفالة جدّه عبد المطلّب ثمّ في رعاية عمّه أبي طالب1.

 
النبيّ في كفالة جدّه
فَقَدَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمّه بعد عودته من حيّ بني سعد وله من العمر ست سنوات على أشهر الروايات، وأصبح بذلك يتيم الأبوين، فعاش في كفالة جدّه عبد المطلّب، الذي كان يرعاه خير رعاية، ولا يأكل طعاماً إلّا إذا حضر، وكان يفضّله على سائر أبنائه.
 
ويبدو أن عبد المطلّب كان عارفاً بشـأنية محمّد وما سيكون من أمره وعظمته من خلال أمرين:
أولاً: من الصفات والملامح التي كانت تظهر على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والبركات والأحداث التي رافقته منذ ولادته وفي أحضان أمّه ومرضعته.
 
وثانياً: من البشائر والأخبار التي كانت تُنبى‏ء بمستقبله ونبوتّه.
 
إنّ هذا النوع من المؤشرات والدلائل رسّخ في نفس عبد المطلّب الاعتقاد بشأنية حفيده، وجعل له صلى الله عليه وآله وسلم مكانة خاصة عنده، بحيث كان يعطيه من الحبّ والعطف والحنان والاهتمام ما لم يعطه لأحد غيره، إلاّ أن هذا الحنان الدافق وهذه الرعاية الكريمة لم تدم له صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً، فقد توفّي عبد المطلّب والنبيّ في الثامنة من عمره، فانتقل بعده إلى دار عمّه أبي طالب2.
 
النبيّ في رعاية أبي طالب
قبل أن توافي المنية عبد المطلّب كان قد جمع أولاده العشرة وأوصاهم بابن أخيه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولمّح لهم بما سيكون من شأنه في المستقبل، وممّا قاله لهم: "قد خلّفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطؤون به رقاب العرب"3.



1 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص10، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج1، ص573.
2 راجع: سورة البقرة الآيتان 89 ـ 146، سورة الأعراف، الآية 157، الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص171.
3 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص13.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

14

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 وقد اختار عبد المطلّب من بين أبنائه أبا طالب ليكون هو من يكفل محمّداً بعده ويقوم برعايته، وذلك لسببين:

الأول: أنّ أبا طالب كان أخاً لوالد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أمّه، فإنّ أمّهما هي فاطمة بنت عائذ المخزومية، وطبيعيّ أن يكون أبو طالب أكثر حناناً وعطفاً وحبّاً لابن أخيه من أبيه وأمّه من بقية إخوانه كالحارث والعباس وغيرهما الذين كانوا من أمّهات شتّى.
 
الثاني: أنّ أبا طالب كان أنبل إخوته وأكرمهم، وأعظمهم مكانة في قريش، وأجلّهم قدراً، وقد ورث زعامة أبيه عبد المطلّب، وخضع لزعامته القريب والبعيد بالرغم من فقره1.
 
وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: "إنّ أبي ساد الناس فقيراً، وما ساد فقير قبله"2.
 
وقد قام أبو طالب برعاية النبيّ خير رعاية، وأدّى الأمانة، وحفظ الوصية، وبقي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم شغله الشاغل الذي شغله هو وزوجته فاطمة بنت أسد حتّى عن أولادهما في أشدّ المراحل ضيقاً وحرجاً حتّى النفس الأخير من حياتهما.
 
ولم يكن يعني أبا طالب شي‏ء كما تعنيه رعاية النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والمحافظة عليه. وقد بلغ من عنايته به وحرصه عليه أنّه كان إذا اضطرّ إلى السفر إلى خارج مكّة أو الحجاز أخرجه معه3.
 
السفر إلى الشام
كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رحلتان إلى الشام، إحداهما: بصحبة عمّه، والأخرى: بصحبة غلام لخديجة في تجارة لها.
 
في الرحلة الأولى: كان عمر النبيّ اثنتي عشرة سنة، وكان مع عمّه أبي طالب ضمن قافلة تجارية لقريش. وفي الطريق توقّفت القافلة في منطقة تسمى بُصرى، وكان فيها راهب يدعى بحيرا. وقد اتّفق أن التقى الراهب قافلة قريش ولفتت نظره شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وراح



1 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص171.
2 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص14.
3 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص171، الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص391، المجلس الحادي والخمسون، ح505/14.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

15

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 يتأمّل ويحدّق في صفاته وملامحه، خاصة بعد أن رأى أنّ سحابة من الغيم ترافقه صلى الله عليه وآله وسلم أينما جلس لتحميه من حرّ الشمس، فسأل عنه بعض من في القافلة فأشاروا إلى أبي طالب وقالوا له: هذا عمّه، فأتى الراهب أبا طالب وبشّره بأنّ ابن أخيه نبيّ هذه الأمّة وأخبره بما سيكون من أمره بعدما كان قد كشف عن ظهره ورأى خاتم النبوّة بين كتفيه ووجد فيه العلامات التي وصفته بها التوراة والأناجيل وغيرها1.

 
وتذكر النصوص أنّ بحيرا أصرَّ على أبي طالب بأن يعود به إلى مكة وأن يبقيه تحت رقابته خوفاً عليه من اليهود وغيرهم، فقطع أبو طالب رحلته ورجع به إلى مكّة.
 
وفي الرحلة الثانية: كان عمر النبيّ خمساً وعشرين سنة، ويقول المؤرّخون: إنّ سفره هذا كان في تجارة لخديجة بنت خويلد قبل أن يتزوّج بها، وإنّ أبا طالب هو الذي أشار عليه بالعمل بالتجارة مع خديجة بسبب الوضع المادّيّ الصعب الذي كان يعيشه آنذاك2.
 
فدخل مع خديجة في شراكة تجارية، ولم يكن أجيراً لها، إذ لم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أجيراً لأحد قط. وسافر برفقة ميسرة وهو يعمل لدى خديجة وربح في تجارته أضعاف ما كان يربحه غيره، وظهرت له في سفره بعض الكرامات الباهرة، فلمّا عادت القافلة إلى مكّة أخبر ميسرة غلام خديجة. سيدته بذلك3.
 
بقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في رعاية عمّه أبي طالب حتّى كبر وبلغ الخامسة والعشرين من عمره فتزوّج بخديجة بنت خويلد.



1 الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، تحقيق ونشر: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم، 1413ه، ط1، ص11، ح3.
2 الصنعاني، أبي بكر عبد الرزاق بن همام، عني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، من منشورات المجلس العلمي، لا.د، لا.ط، لا.ت، ج5، ص318، باب ما جاء في حفر زمزم، ح 9718، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، تحقيق وضبط وتعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المطبعة: المدني - القاهرة، الناشر: مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - بمصر، 1383 - 1963م، لا. ط، ج1، ص118، ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج1، ص121، العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ج2، ص176 ـ ج3، ص23.
3 العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ج2، ص198.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

16

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 الزواج من خديجة

أصبح محمّد صلى الله عليه وآله وسلم شاباً، وأخذ اسمه يحتلّ مكاناً مرموقاً في أوساط قريش فعُرف بصدق الحديث وعظيم الأمانة وكرم الأخلاق. وفي عمر السابعة والثلاثين، أي قبل البعثة بثلاث سنوات أو في السنة الخامسة والثلاثين، أي قبل البعثة بخمس سنين، تزوج بخديجة بنت خويلد زوجته الأولى بعد عودته من رحلته الثانية إلى الشام، وقيل إن عمره كان أكثر من ذلك بعدّة سنوات أي في سن 30 أو 37 سنة.
 
ونكاد نقطع بسبب كثرة النصوص، أنّ خديجة هي التي بادرت أولاً وأبدت رغبتها في الزواج من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بعدما رأت فيه من الصفات النبيّلة ما لم تره في غيره.
 
ويرجّح كثير من المؤرّخين أن يكون عمر خديجة حين زواج النبيّ بها ثمانية وعشرين عاماً وليس أكثر من ذلك1.
 
كما أنها لم تتزوّج قبله بأحد قطّ، وإنّما تزوّج بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكانت بكراً. وأمّا النصوص التي تفيد أنّها تزوّجت قبله برجلين هما: عتيق بن عائذ المخزوميّ، ثم أبو هالة التميميّ، فإننا نحتمل جداً أن تكون مما صنعته يد السياسة بهدف إلحاق الأذى بشخصيتها وشأنها بين الناس، خصوصاً مع الالتفات إلى شخصية عتيق2.
 
وولد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السيدة خديجة عليها السلام القاسم وعبدالله (يلقب بالطاهر) وقد مات كلاهما في الصغر بمكة، والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ثم ولد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مارية القبطية إبراهيم وتوفي وهو صغير3.
 
عمله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة
ليس هناك أيّ عيب أو نقص في أن يقوم الإنسان بالعمل والكدح في سبيل تأمين العيش الكريم. والعمل في سبيل العيش من سنن الأنبياء والمرسلين. وقد عاش الكثيرون من الأنبياء من عمل 



1 البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة، تحقيق: وثق أصوله وخرج حديثه وعلق عليه: الدكتور عبد المعطي قلعجي، بيروت ـ لبنان، دار الكتب العلمية، 1405 - 1985م، ط1، ج2، ص71.
2 الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، ج9، ص219، باب فضل خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد (المجموعة)، ص8، ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، تحقيق: تصحيح وشرح ومقابلة: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، 1376 - 1956م، ج1، ص162، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج3، ص262.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

17

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 أيديهم وعرق جباههم، وأتقنوا بعض المهن والأعمال الشريفة حتّى لا يكونوا عبئاً على أحدٍ من الناس. وقد أوصى الإسلام بالعمل للدنيا والآخرة، وأكّد عليه، ورغَّب به، وندّد بالكسالى الذين يُحقّرون الأعمال الصغيرة الشريفة ويرفضونها ليتحوّلوا إلى عب‏ءٍ على المجتمع بسبب بطالتهم.

 
وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة يقوم بعدّة أعمال لتأمين العيش وكسب الرزق، فيذكرون: أنّه كان يرعى الغنم لأهله في مرحلة الصبا ومطلع الشباب، كما أنّه عمل في التجارة الخارجية مع خديجة عندما أصبح شابّاً في عمر الخامسة والعشرين.
 
ثم إن تجارة النبيّ مع خديجة كانت على نحو المضاربة والمشاركة، ولم تكن على نحو الإجارة، فلم يكن النبيّ أجيراً عند خديجة يأخذ بدل ما يُقدّمه من أتعاب، وإنّما كان شريكاً لها في تجارتها وله نسبة في الأرباح.
 
مكانة النبيّ محمّد قبل البعثة
أصبح النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في مطلع شبابه موضع احترام في مجتمعه، لِمَا كان يمتلكه في شخصيّته من وعي، وحكمة، وإخلاص، وبُعد نظر. وقد اشتُهر بسمّو الأخلاق، وكرم النفس، والصدق والأمانة حتّى عُرف بين قومه بالصادق الأمين، كما اشتُهر برجاحة عقله، وصوابيّة رأيه حتّى وَجَدَ فيه المكّيّون والقرشيّون سيّداً من سادات العرب الموهوبين، ومرجعاً إليهم في المهمّات وحلّ المشكلات والخصومات1.
 
وكان الناس يتحاكمون إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية، لأنّه كان لا يُداري ولا يُماري2.
 
موقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حرب الفجار
ما إن بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرابعة عشر أو العشرين من عمره حتّى اشتعل القتال بين قبيلة قيس من جهة وقبيلة قريش وبطونها من جهة أخرى. وكان سبب هذه المعركة أنّ النعمان بن المنذر قد قتل أخاً لبلعاء بن قيس، فكان بلعاء يعترض قوافل النعمان، فطلب النعمان من عروة بن عتبة ومن البراض بن قيس حمايتها، فتبرّع كلّ منهما لذلك وتنازعا أيّهما يقدّم



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص168.
2 الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين، 1415 - 1995م، لا.ط، ج2، ص145.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

18

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 هذه الخدمة للنعمان، فكان أن تعرّض البراض لعروة وقتله، فتعصّبت لكلّ منهما قبيلته ووقعت الحرب في شهر رجب وهو أحد الأشهر الحرم، ولذلك سمّيت بحرب الفجار، لأنّ الفجار فجروا، وانتهكوا الأشهر الحرم. وقد رفض أبو طالب المشاركة في هذه الحرب ومنع بني هاشم من ذلك، والتزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقرار عمّه ووجهوا هذه الحرب بكلّ ما يمكن لهم لمنع الاقتتال بين الطرفين، لأنّها كانت حرب ظلم وعدوان وقطيعة رحم، ولا صحّة للروايات التي ادعت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شارك في هذه الحرب مع قبيلة قريش1.

 
حلف الفضول
بعد سلسلة من حوادث الاعتداء على أموال وأعراض بعض الوافدين إلى مكّة في موسم الحجّ للزيارة أو التجارة، دعا الزبير بن عبد المطلّب إلى إقامة تحالف بين قبائل قريش بهدف: مواجهة كلّ من يعتدي على الآخرين، وخصوصاً الزائرين.
 
فاستجاب لدعوته بنو هاشم، وبنو عبد المطلّب، وبنو أسد وغيرهم، وعقدوا اجتماعاً في دار عبد الله بن جدعان تحالفوا فيه على محاربة الظلم والفساد والانتصار للمظلوم والدفاع عن الحق. وقد سمّي بحلف الفضول، لأنّ قريشاً قالت بعد إبرامه: هذا فضول من الحلف، وقيل: لأنّ ثلاثة ممّن اشتركوا فيه كانوا يُعرفون باسم الفضل.
 
وقد حضره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشارك فيه وكان يتجاوز العشرين من عمره الشريف وأثنى عليه بعد نبوّته وأمضاه، فقد رُوي أنّه قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما يسرّني به حمر النعم، ولو دعيت إلى مثله لأجبت"2.
 
إنّ نظرة تحليلية بسيطة إلى هذا الحلف تقودنا إلى تسجيل الأمور التالية:
أولاً: إنّ ثناء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الحلف، ومشاركته فيه، وإمضاءه له، يدلّ على أنّ هذا الحلف ينسجم في أهدافه مع أهداف الإسلام، لأنّه قائم على أساس الحقّ والعدل والخير.



1 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص15، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص209.
2 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الناشر: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، ج14، ص129، اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص18، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، بيروت ـ لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1408 - 1988م، ط1، ج2، ص293.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

19

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 ثانياً: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمتدح هذا الحلف ويثني عليه مع أنّ الذين قاموا به كانوا وقتها على الشرك والكفر، ولكنّه يهدم مسجد الضرار مع أنّ الذين بنوه كانوا وقتها يتظاهرون بالإسلام ويتعاملون على أساسه بحسب الظاهر.

 
ثالثاً: إنّ اهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحلف الفضول إنّما يدلّ على أنّ الإسلام ليس منغلقاً على نفسه، وإنّما هو يستجيب لكلّ عمل إيجابيّ فيه خير الإنسان، ويشارك فيه على أعلى المستويات، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية، وانسجاماً مع أهدافه الكبرى، ومع المقتضيات الفطرية والعقل السليم.
 
تجديد بناء الكعبة
في أثناء ولاية قريش عليها وقبل النبوّة بخمس سنوات أو أكثر تمّ هدم الكعبة وتجديد بنائها، بسبب السيول، وقيل إنّ الكعبة احترقت، واحترق بابها والأخشاب التي كانت بها، إثر ذلك اجتمعت قريش وقررّت هدمها وتجديد بنائها ورصدوا لذلك نفقة طيبة. وقد شارك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جمع الحجارة.
 
ولمّا بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه، وكاد الأمر يؤدّي بهم إلى فتنة كبيرة، فاتّفقوا أن يُحكِّموا في هذا النزاع أوّل داخل عليهم، فكان محمّد بن عبد الله أوّل الوافدين، فلّما رأوه استبشروا بقدومه وقالوا: لقد جاءكم الصادق الأمين، أو هذا الأمين قد رضينا به حكماً.
 
طلب منهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يحضروا له ثوباً، فأتوا له بثوب كبير، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده، ثمّ التفت إلى شيوخهم وقال: "لتأخذ كل قبيلة بطرف من الثوب ثم ارفعوه جميعاً" فاستحسنوا ذلك ووجدوا فيه حلاً يحفظ حقوق الجميع، ولا يعطي لأحد امتيازاً على الآخر، ففعلوا ما أمرهم به، فلمّا أصبح الحجر بمحاذاة الموضع المخصّص له، أخذه رسول الله بيده الكريمة ووضعه مكانه1.



1 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج14، ص129، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص204، السيد ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، المطبعة: الخيام - قم، 1399، ط1، ص16.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

20

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 المفاهيم الرئيسة

1- يعود نسب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى هاشم المنحدر من ذرية عدنان أحد أحفاد نبيّ الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

2- ولدته أمّه آمنة في مكّة المكرمة في شعب أبي طالب يوم الجمعة في السابع عشر من شهر ربيع الأول لسنة 571. ومات أبوه عبد الله قبل ولادته.

3- لم يرتضع من أمّه سوى ثلاثة أيّام، ثم حظيت بشرف إرضاعه حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب من بني سعد.

4- فَقَدَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمّه بعد عودته من حيّ بني سعد فعاش في كفالة جدّه عبد المطلب وبعده في كفالة جدّه أبي طالب.

5- كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رحلتان إلى الشام، إحداهما: بصحبة عمّه، والأخرى: بصحبة غلام لخديجة في تجارة لها.

6- تزوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السيدة خديجة ويرجّح أنّه كان لها من العمر ثمانية وعشرون عاماً.

7- كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة يقوم بعدّة أعمال لتأمين العيش وكسب الرزق إذ كان يرعى الغنم لأهله ويعمل في التجارة.

8- أصبح النبيّ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم في مطلع شبابه موضع احترام في مجتمعه، لِمَا كان يمتلكه في شخصيته من وعي، وحكمة، وإخلاص، وبُعد نظر، وقد اشتهر بسموّ الأخلاق، وسُمّي بالصادق الأمين.

9- لم يشارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حرب الفجار، والتزم بقرار عمّه بعدم المشاركة، لأنّها كانت حرب ظلم وعدوان وقطيعة رحم.

10- عقد في قريش حلف الفضول وحضره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشارك فيه، وأثنى عليه بعد نبوته وأمضاه.

11- أعادت قريش ترميم الكعبة واختلفوا حول وضع الحجر الأسود، فحلّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النزاع، ولما أصبح الحجر بمحاذاة الموضع المخصّص له، أخذه رسول الله بيده الكريمة ووضعه مكانه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

21

الدرس الأول: ولادة النبيّ الأعظم ونشأته صلى الله عليه وآله وسلم

 للمطالعة

 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلق العظيم
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"1، فإنّ البعثة قد وُجدت في هذا العالَم لأجل هذا الهدف، من أجل تعميم المكارم الأخلاقيّة، والفضائل الروحيّة وتكميلها عند النّاس.
 
وطالما أنّ المرء لم يتحلَّ بأفضل المكارم الأخلاقيّة، فإنّ الله تعالى لن يوكل إليه هذه المهمّة العظيمة والخطيرة، ولهذا فإنّ الله سبحانه يُخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل البعثة قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾2، أي أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان على درجة من الاستعداد تجعله قادرًا على تلقّي الوحي الإلهيّ، وهذا الأمر يعود إلى ما قبل البعثة. ولهذا فقد ورد أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يشتغل بالتجارة في شبابه.
 
وفي هذه المرحلة الّتي كانت نهاية تكامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقبل نزول الوحي كان النبيّ يعتزل في غار حراء ويجول بفكره في الآيات الإلهية، ويتأمّل في هذه الخلائق والموجودات. "لقد كان يشاهد كافّة هذه الآيات الإلهية فيزداد خضوعه يومًا بعد آخر أمام عظمة الحقّ، ويتضاعف خشوع قلبه أمام الأمر والنّهي الإلهيّين والإرادة الرّبانية وتتفتّح في وجدانه، مع مرور الأيّام، براعم الأخلاق النبيّلة. فلمّا استكمل أربعين سنة، ونظر الله عزّ وجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلّها وأطوعها وأخشعها وأخضعها، أذن لأبواب السماء ففُتحت، ومحمّد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمّد ينظر إليهم"3، ونزل عليه جبرائيل، وكانت بداية البعثة.
 
إنّ هذا المخلوق الإلهيّ الّذي لا نظير له، وهذا الإنسان الكامل، قد شرع منذ اللحظة الأولى من البعثة في دخول مرحلة من الجهاد الشامل والبالغ المشقّة والمكابدة، استغرقت ثلاثًا وعشرين سنة، وكلّ هذا كان نموذجًا للكفاح والمجاهدة والعمل الدؤوب4.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، تحقيق: لجنة من العلماء، الطبعة: الأولى، بيروت، لبنان مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1415 - 1995م، ط1، ج10، ص86.
2 سورة القلم، الآية 4.
3 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج17، ص309.
4 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ترجمة: مركز نون للتأليف والترجمة، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بيروت، لبنان،1434ه ـ 2013، ط1، ص23(بتصرف).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

22

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الإعداد الإلهيّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوّة إلى حين بداية الدعوة.
2- يتعرّف إلى البشارة بالنبوّة وأوّل المسلمين إيماناً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
3- يفهم التحدّيات التي واجهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفعته إلى اتّخاذه قرار الهجرة إلى يثرب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

23

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 البعثة النبوية

 
الإعداد الإلهيّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوّة
لقد أعدَّ الله نبيّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وهيّأه لحمل الرسالة وأداء الأمانة الكبرى وإنقاذ البشرية، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلم، أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه. فتعلمون منه؟ قال: "الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾" ثمّ قال: "أيّ شيء يقول أصحابكم في هذه الآية؟، أيقرّون أنّه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟" فقلت : لا أدري - جعلت فداك - ما يقولون، فقال (لي): "بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتّى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلمّا أوحاها إليه علم بها العلم والفهم، وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم"1.
 
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوّة يتعبّد في غار حراء، وكان قبل ذلك يتعبّد فيه عبد المطلّب2.
 
البشارة بالنبوّة
حينما بلغ الأربعين من عمره الشريف اختاره الله رسولاً وهادياً للبشرية جمعاء. والمرويّ عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بُعث بالإسلام في السابع والعشرين من شهر رجب بعد عام الفيل بأربعين سنة (610م)3.



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص273، باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام.
2 ابن حنبل، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، بيروت، لبنان، دار صادر، لا.ط، ج6، ص233.
3 العاملي، السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ج2، ص290.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

24

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 وقد بدأ نزول الوحي عليه بواسطة جبرائيل الأمين عليه السلام في غار حراء. وتفيد الروايات أنّ أوّل آيات قرأها جبرائيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي قوله تعالى في سورة العلق: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾1.

 
بعد تلقين ذلك البيان الإلهيّ، عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهله مستبشراً مسروراً بما أكرمه الله به من النبوّة والرسالة، مطمئناً إلى المهمّة التي شرّفه الله بها، فلم يكن خائفاً أو مرعوباً ممّا جرى له، بل كان عالماً بنبوّة نفسه2، وكان ينتظر اللحظة التي يأتيه فيها جبرائيل ليعلن نبوّته ورسالته، فلمّا دخل على خديجة أخبرها بما أنزله الله عليه وما سمعه من جبرائيل فقالت له: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلاّ خيراً، وأبشر فإنّك رسول الله حقاً.
 
وقد سئل الإمام الصادق‏ عليه السلام: "كيف لم يخف رسول الله فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ممّا ينزغ به الشيطان؟"
 
فقال‏ عليه السلام: "إنّ‏َ الله إذا اتّخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه"3.
 
أوّل المسلمين
بعد أن بشرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوّة والرسالة، كان عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام هو أوّل الناس إسلاماً وإيماناً وتصديقاً به صلى الله عليه وآله وسلم. وكان عمره آنذاك عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، وذلك لأنّ علياً عليه السلام كان ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يُفارقه حتّى وهو في غار حراء4.



1 سورة العلق، الآيات 1 - 5.
2 ابن حنبل، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج6، ص233، البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الفكر، 1401 - 1981م، لا.ط، ج1، ص3، النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، بيروت - لبنان، دار الفكر، لا.ت، لا.ط، ج1، ص97.
3 العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، لا. ط، ج2، ص201.
4 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج1، ص15، النسائي، أبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب، خصائص أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب)، تحقيق وتصحيح الأسانيد ووضع الفهارس: محمد هادي الأميني، طهران، مكتبة نينوى الحديثة، لا.ط، ص3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

25

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 ثمّ أخبر الرسول زوجه خديجة بذلك فآمنت به، فكانت أوّل امرأة من المسلمات. وقد بُعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين وصلّى عليّ وخديجة معه يوم الثلاثاء، ولم يكن على وجه الأرض أحد يعبد الله على هذا الدين إلاّ النبيّ وعلي وخديجة، وكانت أوّل صلاة صلّاها عليّ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر1.

 
الدعوة وتحدّيات قريش
مرّت الدعوة الإسلامية في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منذ بعثته إلى وفاته بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (الدعوة الهادئة للأفراد):
كانت دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في البداية تتّجه نحو آحاد الناس بصورة هادئة بعيداً عن أجواء التحدّي، وذلك حذراً من وقع المفاجأة على قريش التي كانت متعصّبة لشركها ووثنيتها. فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يُظهر الدعوة في المجالس العامّة لقريش، ولم يكن يدعو إلاّ من يغلب على الظنّ أنه سيؤمن به، فآمن به عدد قليل من الناس تباعاً. واختار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكّة ليلتقي بهم فيها، ولتكون مركزاً يمارسون فيه عبادتهم وصلاتهم بعيداً عن أنظار قريش. وكانت حصيلة الدعوة في هذه الفترة ما يقارب أربعين رجلاً وامرأة عامّتهم من الفقراء2.
 
فكانت نتيجة هذا الأسلوب الذي اتّبعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته أمرين:
الأول: عدم تعريض الطليعة المؤمنة، لأي عمل يشل الحركة ويفكك ارتباطها ومن ثم يدفعها إلى التشرذم والضياع.
الثاني: توفير العدّد الكافي من المؤمنين بالرسالة، لكي تتحمّل مسؤولياتها في التغيير الإسلامي بجدارة وإيمان.





1 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص189، ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج4، ص163، الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، 1417 - 1997م، ط1، ج2، ص81.
2 البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج2، ص206، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج3، ص34، ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل،1412 ه‍‍‍ - 1992م، ط1، ج3، ص1053.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

26

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 المرحلة الثانية (الدعوة العامة):

في هذه المرحلة استجاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ربه عز وجل بالدعوة العامّة لجميع الناس، وبدأ بتنفيذ ذلك عبر خطوتين:
الخطوة الأولى: دعوة الأقربين من عشيرته وقومه هم بنو هاشم أو بنو عبد المطلب إلى الإسلام وإبلاغهم رسالة الله تعالى تنفيذاً لأمره عز وجل حيث قال عزّ من قائل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾1، ثم إن الابتداء بذوي القرابة والعشيرة يهدف إلى تثبيت أولى دعائم الدعوة، ودفع أبناء عشيرته إلى الدفاع عنه بدافع القرابة على فرض أنّهم لم يؤمنوا بدعوته.
 
الخطوة الثانية: دعوة عامّة الناس بمن فيهم قريش إلى الدخول في الإسلام حيث صعد النبيّ على الصفا ونادى قريشاً وقبائل مكّة فلما اجتمعوا قال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً في سفح جبل قد طلعت عليكم أكنتم مصدقي؟"، قالوا: نعم، أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذباً قط. فقال: "إنّي نذير لكم من عذاب شديد، إنّ الله أمرني أن أنذركم من عقابه، وإنّي لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلاّ أن تقولوا لا إله إلا الله"، فلم تستجب له قريش، وقامت بخطوات لمواجهة حركته ودعوته في قريش ومكّة2.
 
خطوات قريش في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
1- مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب، والسخرية، والاستخفاف والاستهزاء، ورميه بأنواع التهم من قبيل ساحر ومجنون، وكان ذلك هو ردّ الفعل الأولي، ولم يصل ردّ الفعل هذا إلى حد المواجهة المباشرة، إلاّ أن استمرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة وإصراره عليها من جهة، وتعرضه لآلهة قريش وأصنامها من جهة أخرى، واتساع نشاط النبيّ وتكاثر المسلمين باستمرار من جهة ثالثة، جعل المشركين يشعرون بجدّية الموقف وخطورته والتفكير في محاولة جديدة بعيدة عن العنف، فقرّروا: مفاوضة النبيّ ومساومته على الدعوة، وقد مرّت المفاوضات بثلاث جولات انتهت كلّها بالفشل الذريع:



1 سورة الشعراء، الآية 214.
2 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، ج10، ص768، العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج2، ص253، اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص24.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

27

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 • في الجولة الأولى: حاولت قريش استعطاف أبي طالب من أجل الضغط على ابن أخيه فقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل أبناءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن تخلي بيننا وبينه، فردّهم أبو طالب ردّاً رفيقاً، فانصرفوا عنه.

 
• الجولة الثانية: تواصت قريش بالشدّة وعدم المهادنة في الموقف فجاؤوا إلى أبي طالب وقالوا له: إنّا كنّا قد استنهيناك عن ابن أخيك، فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا، أو ننازله وإيّاك حتّى يهلك أحد الفريقين، فوعدهم أبو طالب أن يبلغ ابن أخيه موقفهم، فكان ردّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الردّ الخالد: "والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"1.
 
• الجولة الثالثة: عرضوا على أبي طالب أن يعطيهم محمّداً ليقتلوه ويأخذ هو في مقابله عمارة بن الوليد أجمل فتى في قريش ليكون في رعايته وكفالته بدل محمّد، فرفض أبو طالب موبّخاً لهم بقوله: لبئس ما تسومونني عليه أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبداً.
 
• كما جرت مفاوضة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمومساومته مباشرة عن طريق إغرائه بالمال والجاه، ولكنّ النبيّ‏ صلى الله عليه وآله وسلم رفض عرضهم، ورأوا فيه رجلاً من نوع آخر لا طمع له في مال ولا سلطان2.
 
2- نهي الناس عن الالتقاء بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاستماع إلى ما يتلوه من قرآن. وقد تحدّث القرآن عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾3.



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص182.
2 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص24، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص642، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص326، الموفق الخوارزمي، بن أحمد البكري المكي الحنفي، المناقب، تحقيق: فضيلة الشيخ مالك المحمودي - مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1411 ه‍. ق، ط2، ج1، ص73.
3 سورة فصلت، الآية 26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

28

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 3- التعرّض لشخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإيذاء المباشر، حيث رجموا بيته بالحجارة، وألقوا التراب على رأسه، وسلّطوا الصبيان عليه يرمونه بالحجارة. وقد تعرّض النبيّ لأذى لا مثيل له من سفهاء قريش وعبيدهم، وأحياناً من زعمائهم ووجهائهم كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي لهب وزوجته التي كانت تضع الأشواك أمامه في طريقه وأمام داره حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت"1.

 
4- اتّباع سياسة الإرهاب والتعذيب والتنكيل بالصفوة المؤمنة وخاصّة بأولئك الفقراء والضعفاء، الذين لا عشيرة تحميهم كآل ياسر، وبلال الحبشيّ، وغيرهم.
 
5- استخدام سلاح الحرب الإعلامية والدعاية ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانوا يروّجون بين الوافدين إلى مكّة إنّ هذا الرجل ساحر، وأنّه يفرق بين المرء وأبيه، وغير ذلك2.
 
الحصار في شعب أبي طالب
المقاطعة لبني هاشم، وفرض حصار اجتماعيّ واقتصاديّ عليهم، وهو ما عرف بحصار الشعب، فقد اجتمع المشركون في دار الندوة وكتبوا وثيقة اتّفقوا فيها على البنود التالية:
1- أن لا يزوّجوا أحداً من نساءهم لبني هاشم، وأن لا يتزوّجوا منهم.
2- أن لا يبتاعوا منهم شيئاً، ولا يبيعوهم شيئاً مهما كان نوعه.
3- أن لا يجتمعوا معهم على أمر من الأمور.
4- أن يكونوا يداً واحدة على محمّد وأتباعه.
 
قدَّرتْ قريش أن هذا الحصار سيؤدّي إلى أحد أمور ثلاثة: إمّا قيام بني هاشم بتسليمهم النبيّ ليقتلوه، وإمّا أن يتراجع النبيّ عن الدعوة، وإمّا القضاء عليه وعلى جميع من معه جوعاً وعطشاً تحت وطأة الحصار.
 
استمرّ الحصار ثلاث سنوات من السنة السادسة حتّى التاسعة للبعثة، وكان المسلمون خلاله ينفقون من أموال خديجة، وأبي طالب، حتّى نفدت واضطرّوا أن يقتاتوا بورق الشجر،



1 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص42.
2 ابن إسحاق، محمد بن إسحاق المطلبي، سيرة ابن إسحاق(السير والمغازي)، تحقيق: محمد حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث للتعريف، ج2، ص132.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

29

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 ولم يكونوا يخرجون من شعب أبي طالب إلّا في موسم العمرة في رجب، وموسم الحجّ في ذي الحجّة. وكان عليّ أمير المؤمنين عليه السلام أثناء هذه المحنة يأتيهم بالطعام سراً من مكّة من حيث يمكن، ولو أنهم ظفروا به لم يُبقوا عليه.

 
وكان أبو طالب يحرس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه خوفاً من أن يتسلّل أحد من المشركين إليه ويغتاله على حين غرّة أو غفلة، بل كان إذا حلّ‏َ الظلام ينقل النبيّ من المكان الذي عرف أهل الشعب انّه بات فيه إلى مكان آخر ويجعل ابنه علياً عليه السلام في مكانه.

 
انتهى الحصار بعدما أكلت الأرضة ما في صحيفة المشركين التي تعاقدوا فيها على الحصار، وقيام جماعة منهم ممّن تربطهم ببني هاشم علاقات نسبية بنقض الصحيفة وإلغاء مفاعيلها1.
 
الهجرة إلى الحبشة
هاجر المسلمون إلى الحبشة في رجب من السنة الخامسة للبعثة بعدما أمرهم النبيّ بذلك، وقال لهم: إنّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحد. وكان عددهم في أرض الحبشة ثلاثة وثمانين ما بين رجل وامرأة عدا الأطفال، وكان في مقدّمتهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم2. وكان الهدف من هذه الهجرة:
أوّلاً: التخلّص من الضغوط وسياسة الإرهاب والتعذيب التي كان يتعرّض لها المسلمون داخل مكّة.
ثانياً: إيجاد مكان آمن للمسلمين ولكلّ من يدخل في الإسلام يستطيعون فيه ممارسة شعائرهم بحرية.
ثالثاً: التبشير بالإسلام ومبادئه وأهدافه وأحكامه، والترويج له والتعريف به خارج الجزيرة العربية.



1 المسعودي، على بن الحسين ، التنبيه والإشراف، دار صعب - بيروت - لبنان، لا.ط، ص200، الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، إيمان أبي طالب، تحقيق: مؤسسة البعثة، بيروت، لبنان، دار المفيد، 1414 - 1993م، ط2، ص3.
2 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، 268، العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج18، ص412، ابن إسحاق، محمد بن إسحاق المطلبي، سيرة ابن إسحاق(السير والمغازي)، ج1، ص344.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

30

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 رابعاً: توجيه ضربة لكبرياء قريش، ولتدرك أنّ قضية الإسلام تتجاوز حدود تصوّراتها وقدراتها.

 
الخروج إلى الطائف
خرج النبيّ إلى الطائف في السنة العاشرة من البعثة وأقام فيها عشرة أيام يتجوّل بين أحيائها ويدعو أهلها إلى الإسلام، ولكنهم لم يسمعوا منه، بل جلسوا في الطريق يرمونه بالحجارة حتّى جرح في رأسه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعاً إلى مكّة1.
 
وقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يهدف من الانتقال إلى الطائف إلى الإعداد للمستقبل باعتبار أن الطائف هي البلد الثالث الذي له موقعه ونفوذه الخاص في المنطقة، نظراً لوجود قبيلة كبيرة فيها هي ثقيف، فلا بدّ من التمهيد لإدخالهم في الإسلام في المستقبل.
 
وربّما تكون ثمّة أهداف أخرى منها: إيجاد قاعدة ارتكاز لدعوته في الطائف بدل مكّة، بعد أن وجد صلى الله عليه وآله وسلم أنّ مكّة لا تصلح أن تكون قاعدة لعمله الرساليّ في هذه المرحلة، وخصوصاً بعدما أثّرت عمليات التعذيب والإرهاب التي مارستها قريش بحقّ المسلمين على نشاط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والحدّ من انتشار الإسلام بين الناس.



1 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص57، العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج1، ص257، الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص172.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

31

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 المفاهيم الرئيسة

1- لقد أعدَّ الله نبيّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وهيّأه لحمل الرسالة وأداء الأمانة الكبرى وإنقاذ البشرية.

2- بُعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام في السابع والعشرين من شهر رجب بعد عام الفيل بأربعين سنة. وكان الإمام عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام هو أوّل الناس إسلاماً وإيماناً، وكذا زوجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خديجة ثمّ توسّعت دائرة المسلمين.

3- كانت دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في البداية تتّجه نحو آحاد الناس بصورة هادئة بعيداً عن الإعلان المباشر والعلنيّ، ثمّ دعوة الأقربين من عشيرته وقومه، ثمّ دعوة عامة الناس بمن فيهم قريش.

4- خطوات قريش في مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
• مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب، والسخرية، والاستخفاف والاستهزاء، ورميه بأنواع التهم من قبيل ساحر ومجنون.
• نهي الناس عن الالتقاء بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاستماع إلى ما يتلوه من قرآن.
• التعرّض لشخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإيذاء المباشر، حيث رجموا بيته بالحجارة، وألقوا التراب على رأسه، وسلّطوا الصبيان عليه يرمونه بالحجارة.
• اتّباع سياسة الإرهاب والتعذيب والتنكيل بالصفوة المؤمنة وخاصّة بأولئك الفقراء والضعفاء.
• استخدام سلاح الحرب الإعلامية والدعاية ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

5- الحصار في شعب أبي طالب: وهو مقاطعة لبني هاشم، وفرض حصار اجتماعيّ واقتصاديّ عليهم، وهو ما عرف بحصار الشعب.

6- هاجر المسلمون إلى الحبشة في رجب من السنة الخامسة للبعثة بعدما أمرهم النبيّ بذلك، لفسح المجال أمامه لتبليغ الإسلام وتخفيف وطأة قريش عن المسلمين.

7- خرج النبيّ إلى الطائف في السنة العاشرة من البعثة وأقام فيها عشرة أيام يتجوّل بين أحيائها ويدعو أهلها إلى الإسلام، ولكنّهم لم يسمعوا منه، بل جلسوا في الطريق يرمونه بالحجارة حتّى جرح في رأسه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

32

الدرس الثاني: البعثة والهجرة (1)

 للمطالعة

 
السّلوك الاجتماعيّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
لقد حدّد صلى الله عليه وآله وسلم موقفه منذ اللحظة الأولى لدخوله المدينة، حيث كانت يثرب يومها مقسّمة إلى أحياء تضمّ بيوتًا وأزقّة ومتاجر، يعود كلٌّ منها إلى واحدة من القبائل التّابعة إمّا للأوس أو للخزرج... كانت ناقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تمرّ من أمام قلاع هذه القبائل فيخرج كبارها ويأخذون بركاب النّاقة منادين: إلينا يا رسول الله، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "دعوا الناقة فإنّها مأمورة"1. لكنّ كبار القوم وأشرافهم وشيوخهم وشبابهم اعترضوا ناقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: انزل هنا يا رسول الله، فالدّار دارك، وكلّ ما لدينا في خدمتك، لكنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لهم: "دعوا الناقة فإنّها مأمورة".
 
فانطلقت حتّى حطّت رحالها في أكثر أحياء المدينة فقرًا، فمدّ النّاس أعناقهم ليعرفوا مَنْ صاحب الدار الّتي حطّت عندها الناقة، فإذا به أبو أيّوب الأنصاريّ، أفقر أهل المدينة أو أحد أفقرهم. عمد أبو أيّوب الأنصاريّ وعياله الفقراء المعوزون إلى أثاث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فنقلوه إلى دارهم، وحلّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضيفاً عليهم2، فيما رُدّ الأعيان والأشراف وأصحاب النفوذ وذوو الأنساب وأمثالهم، أي أنّه حدّد موقعه الاجتماعيّ، فاتّضح من خلال ذلك عدم تعلّق هذا الرجل بالثّروة والنسب القبليّ والزعامات القبلية والانتماء الأُسريّ والعائليّ وعدم ارتباطه بالمتحايلين الوقحين ولن يكون كذلك. فهو صلى الله عليه وآله وسلم حدّد طبيعة سلوكه الاجتماعيّ منذ اللحظة الأولى، وأيًّا من الفئات يُساند، ولأيٍّ من الطبقات ينحاز، ومَنْ هم الّذين سينالون القسط الأوفر من فائدة وجوده. فالجميع كانوا ينتفعون من وجود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعاليمه، بيد أنّ الأكثر حرمانًا كان أكثر انتفاعًا منه، دافعهم في ذلك هو التعويض عن حرمانهم3.
 
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج19، ص110.
2 م. ن، ص121.
3 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250سنة، ص32 (بتصرف)

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

33

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يلخص لقاءات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالوفود التي كانت تحضر مكّة في موسم الحجّ.
2- يتعرّف إلى الأسباب الداعية إلى الهجرة.
3- يقرأ الأسباب الكامنة وراء اختيار المدينة موطناً جديداً للمسلمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

34

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 اللقاء الأوّل باليثربيين

بعد أن عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف استأنف جهوده عند حلول موسم الحجّ متنقّلاً بين وفودها، حيث اجتمع بستّة من أهل يثرب في السنة الحادية عشرة من البعثة، فدعاهم لرسالته، فآمنوا به، وأقسموا أن يعملوا في سبيلها عند عودتهم إلى بلدهم.
 
ولم يكن اجتماعه بهؤلاء الستة عملاً عفوياً، بل كان مقصوداً، حيث اجتمع بهم بشكل شبه سريّ، وركّز على عدد محدود، لا كما فعل مع باقي الوفود حيث كان يدعوها علانية.
 
واستهدف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الاجتماع حثّ هؤلاء الأشخاص على القيام بنشاط في بلادهم لتهيئة الجوّ وخلق مناخ مؤيّد ومتعاطف مع الدعوة ومبادئها الجديدة في المدينة1.
 
العقبة الأولى:
عندما حلّ موسم الحجّ في العام الثاني التقى صلى الله عليه وآله وسلم مع اثني عشر رجلاً من اليثربيّين، واجتمع بهم سراً في واد ضيّق بالعقبة بين مكّة ومنى، وهي العقبة الأولى، وقد أعلنوا فيها إيمانهم واستعدادهم للعمل على نشر الإسلام، وبايعوا رسول الله على ذلك.
 
وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم مصعب بن عمير من أجل أن يعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، ويجعل منهم قوّة أكثر فاعلية ودقّة في نشر الدين الجديد في صفوف أهل المدينة، وقد نجح في ذلك وبدأت الدعوة بالانتشار في أوساط أهل يثرب2.



1 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص77، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم المشرفة، ربيع الأول 1417هـ، ط1، ج1، ص58.
2 السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت - لبنان، دار الفكر، لا.ط، ج6، ص218.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

35

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 العقبة الثانية:

وفي العام التالي أي في السنة الثالثة عشر من البعثة وبعد مرور عام كامل على بيعة العقبة الأولى عاد مصعب بن عمير إلى مكّة ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة، خرجوا مستخفين مع حجّاج قومهم المشركين. ويبدو أن مصعباً قبل حضوره إلى مكّة، كان قد رتّب اجتماعاً بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين مسلمي يثرب بعد انتهاء موسم الحجّ.
 
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلاً دار عبد المطلّب أيام الحجّ، ومعه عليّ عليه السلام والحمزة، فجاء المسلمون من الأوس والخزرج، وتواعد معهم على اللقاء أيام التشريق ليلاً، وأمرهم أن لا ينبّهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً حتّى لا يلاحظ أحد حركتهم ويرتاب في أمرهم، فبايعوه على حمايته، وعلى أن يمنعوه وأهله ممّا يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، وعلى أن ينصروه ويقفوا إلى جانبه في الشدّة والرخاء، كما بايعوه على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يدعوا إلى الله ولا يخافوا في الله لومة لائم. وقد سُمّيت هذه البيعة ببيعة العقبة الثانية.
 
وكانت بيعة العقبة هي الخطوة الرئيسة التي مهّد فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى المدينة المنوّرة، وبالهجرة إلى المدينة تبدأ المرحلة الثالثة من مراحل الدعوة وهي مرحلة بناء الدولة، والدفاع عن الإسلام1.
 
الهجرة إلى المدينة
لقد أسّس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المرحلة قاعدة آمنة للمسلمين يمكن لهم اللجوء إليها من بطش قريش وجبروتها. وبعد مضيّ ثلاث عشرة سنة، وصل النبيّ مع قريش إلى طريق مسدود، فلم يبقَ جدوى مع هؤلاء القوم المتكبّرين، فأمر المسلمين بالهجرة إلى يثرب باعتبارها المكان الآمن في الجزيرة، حيث ورد عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها.
 
فأخذ المسلمون يتوافدون إلى المدينة أفراداً وجماعات سراً وعلانية، مضحّين بوطنهم وبعلاقاتهم وكثير منهم بممتلكاتهم ومكانتهم في مجتمعهم الجاهليّ في سبيل عقيدتهم ودينهم.



1 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص59، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج2، ص193، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص99.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

36

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 ورأت قريش في هذه الهجرة خطراً على وجودها وعلى مستقبلها التجاريّ خاصّة أنّ تجارتها إلى الشام تمرّ عبر المدينة، فأخذت تمنع المسلمين من الهجرة وتلاحقهم وتُلحق العذاب والإرهاب بهم.

 
ولم يبق في مكّة سوى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلي‏ّ عليه السلام وعدد قليل من المسلمين وبعض النساء. وانتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإذن الإلهيّ بالهجرة، وشعرت قريش بحجم الخطر فيما لو التحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، فاجتمع كبراء قريش لإيجاد طريقة لمنع النبيّ من الالتحاق بالمسلمين، فاتفقوا على عملية الاغتيال التي ينفّذها كلّ بطون قريش، من أجل أن يتفرّق دمه في القبائل كلّها فلا يعود بإمكان بني هاشم أن يثأروا لدمه1.
 
وقد تحدّث القرآن عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾2.
 
ليلة المبيت
أخبر الله تعالى رسوله الكريم بهذه المؤامرة، وأمره بالخروج ليلاً من مكّة وأن يجعل علياً عليه السلام مكانه ليبيت على فراشه من أجل التمويه والإيهام، ليفوِّت عليهم كيدهم، فخرج رسول الله إلى غار ثور، وبات عليّ‏ عليه السلام على فراش رسول الله تلك الليلة. وعندما اقتحم المشركون دار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجدوا أنفسهم أمام عليّ‏ّ عليه السلام. وقد نزل قوله تعالى في حقّ الإمام علي عليه السلام ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾3. وقد أهبط الله سبحانه وتعالى جبرائيل فجلس عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجعل جبرائيل يقول: بخ بخ! من مثلك يا بن أبي طالب، والله يباهي به الملائكة4؟



1 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، ج8، ص455، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص321، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج5، ص141.
2 سورة الأنفال، الآية 30.
3 سورة البقرة، الآية 207.
4 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج2، ص64، القمي، على بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، قم - ايران، مؤسسة دار الكتاب، صفر، 1404هـ، ط3، ج1، ص273، الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، قم، دار الثقافة، 1414هـ، ط1، ص463.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

37

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار

كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج قبل ذلك من بينهم، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾1. وبعدما فشلت خطّة قريش بقتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استنفرت جميع قواها، وقامت بالبحث عنه، ولكنّها فشلت أيضاً بتدبير إلهيّ واضح، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غار ثور، وأخفاه الله عن أنظار قريش. وقال تعالى: ﴿... إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾2.
 
وتوجّه نحو غار ثور حيث بقي فيه ثلاثة أيام إلى أن تمكّن من الوصول إلى قرية قباء في المدينة المنوّرة برغم ملاحقة قريش له3.
 
وكانت هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أوّل يوم من شهر ربيع الأول بعدما كان أمضى ثلاث عشرة سنة في مكّة. وكانت هذه الهجرة بداية التاريخ الإسلاميّ4.
 
استخلاف الإمام عليّ عليه السلام
كانت قريش تدعو محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية الأمين، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكّة من العرب في الموسم. وجاءته النبوّة والرسالة والأمر كذلك، فأمر علياً عليه السلام أن يقيم صارخاً يهتف بالأبطح غدوة وعشياً: "ألا من كان له قبل محمّد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤدّ إليه أمانته".
 
قال: وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا عليّ بأمر تكرهه حتّى تقدم عليّ، فأدّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً، ثمّ إنّي مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف 



1 سورة يس، الآية 9.
2 سورة التوبة، الآية 40.
3 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج2، ص64، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص332.
4 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، روضة الكافي، ج8، ص280، ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج1، ص228، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص102.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

38

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 ربي عليكما ومستحفظه فيكما"1. وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع للهجرة معه من بني هاشم.

 
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ وهو يوصيه : "وإذا أبرمت ما أمرتك فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وسر إليّ لقدوم كتابي إليك، ولا تلبث بعده"2.
 
وقد أدى الإمام عليه السلام الأمانات كلها إلى أهلها3، ورحل مع الفواطم وهنّ: أُمّه فاطمة بن أسد، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفاطمة بنت الزبير، إلى مدينة يثرب4.
 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يثرب
انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهجرته إلى يثرب في أوّل يوم من شهر ربيع الأوّل، ووصل إلى مدينة قباء، وانتشر في يثرب خبر وصوله إلى قباء، وأنّه سوف يمكث هناك بانتظار أخيه عليّ بن أبي طالب، فاندفع المسلمون وأهلوهم ومن تبعه يزورونه في قباء ويسلّمون عليه، ويتشرّفون برؤيته. وأراد بعض المسلمين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدخول إلى يثرب إلا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصرّ على انتظار الإمام عليّ عليه السلام حيث قال: "لست أريم حتّى يقدم ابن عمّي وأخي في الله، وأحبّ أهل بيتي إليّ، فقد وقاني بنفسه من المشركين"5.
 
ولمّا قدم الإمام عليّ عليه السلام والفواطم بعد خمسة عشر يوماً من قدوم النبيّ، ولما بلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قدومه، قال: "أدعوا لي علياً"، فقيل: يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، فلمّا رآه اعتنقه وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: "يا عليّ أنت أوّل هذه الأمّة إيماناً بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، 468، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص374، ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج2، ص57.
2 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج66، ص97.
3 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص280، الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، 83، ابن الصباغ، علي بن محمد أحمد المالكي، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، تحقيق: سامي الغريري، قم، دار الحديث، مطبعة: سرور،1422هـ، ط1، ج1، ص35.
4 السيد هاشم البحراني، حلية الأبرار، تحقيق: غلام رضا مولانا البروجردي، قم ـ إيران، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1411هـ، مطبعة: بهمن، ط1، ج1، ص91، العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج66، ص97.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص280، ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة، ص35، الشيخ الطوسي، الأمالي، ج2، ص83.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

39

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبّك والذي نفسي بيده إلّا مؤمن قد امتحن قلبه للإيمان، ولا يبغضك إلّا منافق أو كافر"، ثمّ نزل قباء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار كلثوم بن الهدم1.

 
وبقي رسول الله بعد قدوم عليّ عليه السلام يوماً أو يومين، ثمّ أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان يوم الجمعة ـ أن يخطّ لمسجد قباء المعروف والذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى...﴾2 ، وكانت قبلته إلى بيت المقدس، فصلّى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة، ثمّ انطلق صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته، والإمام عليّ عليه السلام بجانبه إلى يثرب، يحفّه المسلمون بالتكبير والتهليل، وكان كلّ مسلم يرغب بأن ينزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم داره، وانطلقت ناقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو واضع لها زمامها...، حتّى صارت بالقرب من باب أبي أيّوب خالد بن يزيد الأنصاريّ فبركت هنالك، فمكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنده شهراً، حتّى انتهى صلى الله عليه وآله وسلم من بناء المسجد وبناء داره، ودار الإمام عليّ عليه السلام3.
 
دوافع الهجرة
لم تكن الهجرة إلى المدينة ردّ فعل على اضطهاد قريش بل كانت فعلاً خطّط له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتكون المدينة قاعدة ارتكاز للدعوة.
 
وأهمّ الدوافع التي أدّت للهجرة هي:
أولاً: إنّ مكّة لم تعد مكاناً صالحاً للدعوة، فقد حصل النبيّ منها على أقصى ما يُمكن الحصول عليه، ولم يبقَ بعدُ أيّ أمل في دخول فئات جديدة في الدين الجديد في المستقبل القريب على الأقل، خصوصاً بعدما نجحت قريش في وضع الحواجز والعراقيل الكثيرة أمام تقدّم هذا الدين وانتشاره، لذلك كان لا بدّ من الانتقال إلى مكان آخر ينطلق الإسلام فيه بحرّية بعيداً عن ضغوط قريش، وفي منأى عن مناطق سيطرتهم ونفوذهم.



1 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص183، المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، إمتاع الأسماع، تحقيق وتعليق: محمد عبد الحميد النميسي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1420 - 1999م، ط1، ج1، ص48.
2 سورة التوبة، الآية 108.
3 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص183، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص146.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

40

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 وثانياً: إنّ الإسلام دين كامل ونظام شامل، يُعالج في تشريعاته جميع جوانب الحياة، وهو للبشرية جمعاء وما حصل عليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة بعد ثلاث عشرة سنة لا يُمكّنه من تطبيق كافّة تشريعات الإسلام، على البشرية كلّها، وتحقيق كامل أهدافه، ولا سيّما بالنسبة إلى ذلك الجانب الذي يُعالج مشاكل الناس الاجتماعية والسياسية وغيرها، ممّا يحتاج إلى بناء الدولة لنشر القانون والنظام وتطبيقهما، فكان لا بدّ من الانتقال إلى ساحة أخرى يستطيع النبيّ فيها إقامة الحكومة التي تضمن تطبيق النظام الإسلاميّ في الحياة وتحقيق أهدافه الكبرى ونشره في كافّة البلاد وإبلاغه إلى جميع العباد.


سرّ اختيار المدينة
كانت المدينة مهيأة جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً لتكون قاعدة صلبة للإسلام:
1- فمن الناحية الجغرافية تبعد المدينة عن مكّة أكثر من أربعمائة كيلو متر، ممّا يجعلها بمأمن من هجمات قريش المفاجئة والمباغتة من جهة، ومن جهة أخرى هي قريبة من طريق تجارة مكّة الشام بحيث تمكّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من فرض سيطرته وممارسة نوع من الضغط السياسيّ والاقتصاديّ وحتّى العسكريّ على قريش في الوقت المناسب.

2- ومن الناحية الاجتماعية، فإنّ طول النزاع القبليّ بين سكّانها من الأوس والخزرج واليهود جعلها منطقة مفككة اجتماعياً، فكما أنّها لا تستطيع أن تتماسك أمام قوّة الإسلام، فإنها كانت تتطلّع إلى رجل تلتفّ حوله لينزع عنها إلى الأبد هذه العصبيات المستعصية.

3. ومن الناحية الاقتصادية تعتبر المدينة غنية بإمكانياتها الزراعية بما يمكّنها من المقاومة والاحتفاظ بنوع من الحياة في حال تعرّضت لضغوط اقتصادية من قبل المشركين وغيرهم.

أحداث وقعت في السنة الأولى للهجرة
1- انتشار الإسلام: في السنة الأولى للهجرة انتشر الإسلام انتشاراً واسعاً في يثرب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

41

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 ومن جملة من اعتنق الإسلام سلمان الفارسيّ1، وأصبح سلمان من كبار الصحابة ومن المقرّبين من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

 
2- عودة بعض المهاجرين من الحبشة: وبعد عدّة أشهر من وصول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخذت طلائع مهاجري الحبشة تتوافد على المدينة بعد أن بلغهم نبأ الهجرة، ولم يصلوا جميعاً فقد مرّ بعضهم على مكّة، ومنهم من توجّه للمدينة وشهد معركة بدر. واستمرّت العودة من الحبشة بتقطّع إلى سنة سبع للهجرة، عندما قدم جعفر بن أبي طالب2.
 
3- التأريخ الهجريّ: بادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وصوله إلى المدينة إلى العمل على تأريخ الحوادث، فابتدأ باستعمال التأريخ ابتداءً من يوم قدومه مهاجراً إلى المدينة حينما ورد إلى قباء، ثم أخذ المسلمون يؤرّخون بعد ذلك بالشهر والشهرين، فكانوا يؤرّخون بالأشهر إلى السنة الخامسة، ومنها يبدأون بذكر السنين3.



1 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص151، الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ص159.
2 ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، لبنان، دار المعرفة، ط2، ج7، ص145، ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج1، ص139.
3 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج58، ص351، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج6، ص206، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، تحقيق: الدكتور مارسدن جونس، نشر دانش إسلامي، رمضان ،1405هـ، لا.ط، ج2، ص531.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

42

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 المفاهيم الرئيسة

1- بعد أن عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف استأنف جهوده عند حلول موسم الحجّ متنقّلاً بين وفودها، حيث اجتمع بستّة من أهل يثرب في السنة الحادية عشرة من البعثة. وعندما حلّ موسم الحجّ في العام الثاني التقى صلى الله عليه وآله وسلم مع اثني عشر رجلاً من اليثربيين.

2- الهجرة إلى يثرب: وصل النبيّ مع قريش إلى طريق مسدود، فلم يبقَ جدوى مع هؤلاء القوم المتكبرين، فأمر المسلمين بالهجرة إلى يثرب باعتبارها المكان الآمن في الجزيرة.

3- لم يبق في مكّة سوى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام وعدد قليل من المسلمين وبعض النساء، وانتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإذن الإلهيّ بالهجرة.

4- مؤامرة قريش: أخبر الله تعالى رسوله الكريم بهذه المؤامرة، وأمره بالخروج ليلاً من مكّة وأن يجعل علياً عليه السلام مكانه ليبيت على فراشه من أجل التمويه والإيهام.

5- أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بأن يبقى في مكّة وأن يقيم صارخاً يهتف بالأبطح غدوة وعشياً : ألا من كان له قِبَلَ محمّد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤدّ إليه أمانته.

6- هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب حتّى وصل قباء وبنى فيها مسجداً، وانتظر وصول الإمام عليّ عليه السلام، ولمّا قدم الإمام عليّ عليه السلام والفواطم، دخل رسول الله يثرب.

7- دوافع الهجرة:
أولاً: إنّ مكّة لم تعد مكاناً صالحاً للدعوة الإسلامية.
ثانياً: إنّ الإسلام دين كامل ونظام شامل، يعالج في تشريعاته جميع جوانب الحياة، وهو للبشرية جمعاء.

8- سرّ اختيار المدينة: هناك عدّة أسباب ساعدت على اختيارها مقراً جديداً للدعوة: الأسباب الجغرافية والأسباب الاجتماعية والأسباب الاقتصادية.

9- أحداث وقعت في السنة الأولى للهجرة: انتشار الإسلام، بداية التأريخ الهجري، عودة بعض المهاجرين من الحبشة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

43

الدرس الثالث: البعثة والهجرة (2)

 للمطالعة

 
دعائم النّظام النموذجيّ
قدِم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمإلى المدينة ليُقيم هذا النّظام ويعمل على تكامله ويجعله أنموذجًا إلى أبد الدّهر، وليقتدي به اللّاحقون على امتداد التاريخ، ممّن تتوفّر لديهم القدرة على إقامة نظامٍ مماثل له. وإنّ إيجاد مثل هذا النّظام يحتاج إلى دعائم عقائدية وإنسانية، فلا بدّ أوّلًا من وجود معتقدات وأفكار سليمة. وقد بيّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك خلال فترة السّنوات الثلاث عشرة الّتي أمضاها في مكّة، ثمّ علّمها وفهّمها الناس بشكل متواصل طوال وجوده في مكّة.
 
وثانيًا: من الضروريّ وجود القواعد والدّعائم الإنسانيّة، لأنّ النّظام الإسلاميّ لا يقوم على فردٍ واحد. وقد باشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإعداد هذه الرّكائز في مكّة وحقّقها. كان البعض من كبار الصّحابة، فيما كان البعض الآخر من الّذين إعدادهم في يثرب أمثال سعد بن معاذ وأبي أيّوب وآخرين، وذلك قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
لقد كانت هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بمثابة نسائم ربيع عمّت أجواء المدينة فشعر أهلها كأنّ انفراجًا حلّ فيهم جذب القلوب وأيقظها. وعندما دخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة تبدّل ذلك الشّوق وذلك النّسيم إلى عاصفة ألهبت قلوب النّاس فغيّرتها. وسرعان ما نما لديهم الشّعور بأنّ جميع ما لديهم من عقائد وعواطف وروابط قبليّة وعصبيّات قد ذابت بطلوع محيّا هذا الرجل وسلوكه ومنطقه، وأشرفوا على نافذة جديدة تطلّ بهم على حقائق عالم الخلق والمعارف الأخلاقيّة... ومن العجائب الّتي حفلت بها حياته صلى الله عليه وآله وسلم هي أنّه، وطوال تلك السنوات العشر، لم يهدر لحظةً واحدة، فلم يُرَ صلى الله عليه وآله وسلم غافلًا عن إنارة مشعل الهداية والإيمان والتعليم والتربية ولو للحظةٍ واحدة، فلقد كانت يقظته ونومه ومسجده وداره ودخوله ساحة الحرب ومسيره في الطرقات والأسواق ومعاشرته لأسرته وكلّ وجوده أينما حلّ، درسًا1.
 
الإمام الخامنئي دام ظله
 



1 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص 31(بتصرف).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

44

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الأعمال التي قام بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تأسيس الدولة.
2- يلخّص سياسية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نسج العلاقات مع القاطنين في المدينة.
3- يتعرّف إلى جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين خصوصاً في معركة بدر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

45

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 باشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فور وصوله إلى المدينة المنوّرة بأعمال تأسيسية ترتبط ببناء المجتمع السياسيّ الإسلاميّ، وبمستقبل الدعوة الإسلامية، وأبرزها:

بناء المسجد
المسجد هو أوّل مركز عُنِيَ النبيّ بإنشائه، وقد كان مركزاً للعبادة، والتعليم، والحكم، والإدارة. فلم يكن لحكومة النبيّ مقرّ خاصّ، وكان المقرّ العامّ الوحيد في الدولة هو المسجد. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي بأصحابه في المِرْبَدِ1، كان اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلممن أصحابه، وقام ببناء المسجد بذلك المكان، وقد نقلت حجارته من الحرّة2. وقد عمل بيده الشريفة إلى جانب المسلمين ممّا دفع أصحابه إلى الدأب في العمل. وقد شاركت النساء في بناء المسجد، فكن يحملن الحجارة ليلاً، بينما يقوم الرجال نهاراً بالبناء، حتّى أتموا بناءه، ثمّ بنيت مساكنه وبيوته ملاصقة للمسجد3.
 
تشريع الأذان
بعد الانتهاء من بناء المسجد جاء الوحي الإلهيّ بوسيلة دعوة الناس إلى الصلاة. ورغم اقتراح العديد من المسلمين لبعض الأساليب في دعوة الناس إلى الصلاة، إلا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدّ أحداً منهم، بل استمع إلى أقوالهم وآرائهم، ثمّ أخبرهم بالوحي الإلهيّ،



1 المربد: موضع نزول الإبل، وتجفيف التمور.
2 موضع الحجارة السود خارج المدينة.
3 الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص159، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص81 ـ ص317، الشيخ الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، ط2، ج1، ص75.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

46

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 وأن الأذان وحي من الله سبحانه وتعالى، وقد علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ عليه السلام ثمّ أمره بأن يعلّم بلالاً، فدعا الإمام عليّ عليه السلام بلالاً فعلمه الأذان، ثمّ صعد بلال على أحد جدران المسجد ورفع الأذان لأول مرّة في الإسلام1.

 
المؤاخاة
أقدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أوّل خطوة تنظيميّة للمجتمع الجديد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وذلك في سبيل ترجمة الرؤية النظرية في الإسلام إلى واقع معاش، وفي سبيل التمهيد لولادة الأمّة الجديدة بتركيب مجتمعيّ ذي صيغة منسجمة متآلفة، وفي سبيل توكيد وحدة المسلمين والتغلّب على التناقضات الداخلية القائمة بين الأوس والخزرج، والتناقضات المتوقّعة بين المهاجرين والأنصار، وفي سبيل تحطيم الاعتبار الطبقيّ القبليّ، والاقتصاديّ، وعلاج مشكلة التفاوت في المستوى المعيشيّ، والتعبير العمليّ عن مبدأ المواساة والمساواة الإسلاميّ.
 
وكانت المؤاخاة بعد خمسة أو ثمانية أشهر من وصوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وقال لهم: "تآخوا في الله أخوين أخوين"2. وبعد أن آخى رسول الله بين المسلمين بقي الإمام عليّ عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإنْ ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدّعيها بعدك إلّا كذّاب، والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلّا لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي وأنت أخي ووارثي"3. ثمّ أخذ بيده، وقال: "هذا أخي"، فآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين نفسه والإمام عليّ عليه السلام4.



1 العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج1، ص157، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، 83.
2 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص351.
3 القاضي النعمان المغربي، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام، تحقيق : آصف بن علي أصغر فيضي، القاهرة، دار المعارف، 1383 - 1963م، لا. ط، ج2، ص477.
4 ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج7، ص211، المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، إمتاع الأسماع، ج1، ص340، السيد ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ص28.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

47

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 الصحيفة

مع بداية الهجرة كان ثمّة خمس طوائف من السكّان في المدينة هم:
1- المهاجرون: الذين ضحّوا بوطنهم وأموالهم وعلاقاتهم طلباً للحرّية وحرصاً على دينهم، فهاجروا من مكّة إلى المدينة.

2- الأنصار: وهم سكّان المدينة الأصليون من قبيلتي الأوس والخزرج، الذين أحبّوا رسول الله ونصروه واتّبعوا النور الذي أُنزل معه.

3- المشركون: من قبيلتي الأوس والخزرج ومن قبائل عربية أخرى، وذكر منهم عشائر: خطمة بنو واقف، بنو سليم... وهؤلاء كانوا على الكفر أوّل الهجرة، وتأخّر إسلام كثير منهم إلى السنة الرابعة للهجرة.

4- المتهوّدون: وهم جماعة من الأوس والخزرج وغيرهما كانوا قد تهوّدوا، لمجاورتهم خيبر وقريظة والنضير.

5- اليهود الأصليون: (من أصل اسرائيليّ) الذين أتوا من فلسطين وسكنوا المدينة وضواحيها، وهم قينقاع، وقريظة، والنضير، ويهود خيبر.

وكان لا بدّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يسعى لتنظيم المجتمع الإسلاميّ في إطار دولة يحكمها القانون الإلهيّ، من أن يقوم بجملة من التدابير التنظيمية التي تجعل علاقات هذه الطوائف فيما بينها منضبطة في إطار القانون الجديد، فكانت وثيقة الصحيفة، التي وضعها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تضمّنت قواعد كلية وأسساً عملية في الحقوق والعلاقات، وقد بلغت 41 بنداً، من أهمها:
1- أنّ المسلمين أمّة واحدة من دون الناس رغم اختلاف قبائلهم وانتماءاتهم.
2- أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو قائد الأمّة ومركز السلطة في كلّ شيء.
3- أنّ مسؤولية دفع الظلم تقع على عاتق الجميع، ولا تختصّ بمن وقع عليه الظلم.
4- منحت الوثيقة المتهوّدين من الأنصار حقوقهم العامة كحقّ الأمن والحرية والمواطنة بشرط أن يلتزموا بقوانين الدولة وأن لا يفسدوا ولا يتآمروا على الإسلام والمسلمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

48

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 موادعة اليهود

بعد إقرار الوثيقة السياسية الكبرى في المدينة، وقّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموادعة بينه وبين المتهوّدين من قبائل الأوس والخزرج. بقي اليهود الأصليون فشعروا بأنّهم قد عزلوا عن أنصارهم من المتهوّدين بعد توقيع الصحيفة، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموطلبوا الهدنة، فكتب لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك على أن لا يعينوا عليه أحداً، ولا يتعرّضوا لأحد من أصحابه بلسان ولا يد، ولا بسلاح، لا في السرّ ولا في العلانية، فإن فعلوا فرسول الله‏ صلى الله عليه وآله وسلم في حلّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة كتاباً على حدة1.
 
إعداد القوة العسكرية
أقدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على خطوةٍ أخرى على طريق بناء الدولة، وهي خطوة الإعداد العسكريّ وإعداد القوة البشرية المدرّبة، وإعداد السلاح والخيل وغير ذلك ممّا تحتاجه القوّة المسلحة، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾2.
 
فقسم المسلمين في المدينة إلى عرافات، وجعل على كل عشرة عريفاً، وجعل من جميع الذكور البالغين جنوداً، وكوّن منهم الجيوش، والسرايا العسكرية.
 
وما يمكن استفادته من الروايات المتفرّقة فيما يتعلّق بتنظيم القوة العسكرية وإدارة المعارك الدفاعية في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الملامح التالية:
1- إنّ القرار العسكريّ الإستراتيجيّ والتكتيكيّ كان بيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحده.
 
2- كان النبيّ يشكّل الجيش والوحدات العسكرية من الذكور البالغين. وكان يختار للجندية الذين بلغوا خمس عشرة سنة من العمر فقط.
 
3- التدريب: فقد كان شبّان المدينة المنورة يتدرّبون على استعمال السلاح، وفنون 



1 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص147، الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص666، ابن حنبل، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج4، ص141.
2 سورة الأنفال، الآية 60.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

49

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 القتال، وكان في المدينة مكان مخصّص للتدريب، وكان الإمام عليّ يعلّم الناس الرمي والقتال.


وقد كان هنالك الكثير من النظم العسكرية في سيرة النبيّ، من قبيل إحصاء عدد المسلمين لأغراض عسكرية، ومن قبيل التسليح العسكريّ والصناعات العسكرية، والتجسّس العسكريّ وغير ذلك من الملامح التي تكشف عن دقة التنظيم العسكريّ، الذي كان له دور كبير في تحقيق إنجازات عسكرية كبرى في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

مواجهة التحدّيات
بعد أن استقرّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ورتّب أوضاعها الداخلية بدأت مرحلة الدفاع عن الإسلام والجهاد ضدّ القوى الجاهلية. وواجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عسكرياً ثلاث فئات من الأعداء هم:
1- المشركون (من قريش وغيرها من القبائل الأخرى).
2- اليهود.
3- النصارى (في حرب مؤتة وتبوك).

وللمؤرّخين اصطلاحان في تسمية المعارك التي خاضها المسلمون في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هما:
الغزوة: ويقصدون بها المعركة التي يحضرها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ويتولّى هو قيادتها.
السرية: وهي المجموعة الجهادية التي لا يكون فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويتولّى أحد أصحابه قيادتها.

وبلغت الغزوات والسرايا في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ثمانين بين غزوة وسرية. وكلّها كانت في فترة ما بعد الهجرة.

السرايا وأهدافها
كانت أوّل سرّية بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد سبعة أشهر من الهجرة هي سرية حمزة بن عبد المطلب لملاقاة بعض المشركين من قريش، لكن مجدي بن عمرو الجهني الذي كان موادعاً للطرفين، حال بينهما، فانصرفا من غير قتال.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

50

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 كان الهدف من إرسال السرايا هو إرباك قريش وحلفاءها وإضعافهم وتحطيم معنوياتهم، وضرب نشاطهم التجاريّ الذي يمثّل عصب حياتهم وشريان وجودهم، وإنذار أعداء الدولة الناشئة من غير قريش وحلفائها كاليهود في الداخل وجماعات البدو في الخارج بأنّ المسلمين قادرون على الردّ ومستعدّون للتصدّي لأيّ عدوان يستهدف الإسلام وكيانه السياسيّ1.

 
وقد حقّقت هذه السرايا المنجزات التالية:
1- عقد تحالفات بين المسلمين وبين بعض القبائل الموجودة في المنطقة، بعدما شعرت تلك القبائل بقوة المسلمين وقدرتهم على التحرّك، وبتصميمهم على مواجهة حتّى قريش بالحرب.
2- التدريب على القتال في ظروف جديدة تختلف عن ظروف معارك الجاهلية، وفي إطار موازين قوى مادية ومعنوية مختلفة.
3- استطلاع المناطق المحيطة بالمدينة وما فيها من مسالك وطرق مواصلات ومصادر مياه.
4- تهديد قريش بالحصار الاقتصاديّ عن طريق جعل ممرّات تجارة قريش مع بلاد الشام مهدّدة وغير آمنة.
5- تثبيت هيبة الإسلام والمسلمين بين القبائل المجاورة للمدينة.
 
معركة بدر
كانت معركة بدر أول معركة مسلّحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش، وذلك يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة، قرب بدر على بعد حوالي مائة وستين كيلو متراً من المدينة فيما بينها وبين مكّة المكّرمة.



1 للاطلاع على بعض السرايا، راجع: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص402، اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص70، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص245، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج1، ص10.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

51

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه مستهدفين السيطرة على القافلة التجارية التي كان يقودها أبو سفيان، المتوجّهة من الشام إلى مكّة، لا طعماً في المال والغنيمة وإنّما بغية التعويض على المسلمين ممّا أخذه منهم المشركون، وفرض حصار اقتصاديّ على قريش، علّ‏َ ذلك يدفعها إلى الامتناع عن محاربة الدعوة، والتآمر على الإسلام والمسلمين. وقد علم أبو سفيان بتحرّك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فغيّر طريقه، وأرسل إلى مكّة يطلب النجدة من قريش، فأقبلت قريش بأحقادها وكبريائها بألف مقاتل لحماية القافلة، وبدأت المعركة بالمبارزة ثمّ التحم الجيشان وهما غير متكافئين لا من حيث العدد ولا من حيث العتاد، ولكنّ الله أنزل الكثير من ألطافه ورحمته، فتدخّلت يد الغيب، وجاء الإمداد الملائكيّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحقّق الله سبحانه النصر للإسلام والمسلمين، واندحرت قوّة قريش.

 
وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيادة حكيمة لا نظير لها. وكان للإمام عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام في هذه المعركة دور كبير، وظهرت شجاعته المتميزة بين صفوف المسلمين. ومن جهة أخرى أثبت المسلمون أنّهم أصحاب حقّ، وأنّهم يستطيعون الصمود في وجه أقوى العرب في ذلك الزمن وهي قريش1.
 
وقد أيدّ الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم والمسلمين بنصره حيث قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾2.
 
وكان المشركون يرون جيشاً صغيراً لا يملك شيئاً من العدّة، سوى الإيمان الراسخ، ينتصر على جيش يفوقه أضعافاً في العدد والعدة. وتشير الآية إلى حقيقة أنّ الله ينصر من يشاء. فمشيئة الله وإرادته لا تكون بغير حساب، بل هي تكون بموجب حكمته وفي حدود لياقة الأفراد، أي أنّ الله يؤيّد الذين يستحقّون ذلك.



1 الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج1، ص27، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج14، ص85، ابن إسحاق، محمد بن إسحاق المطلبي، سيرة ابن إسحاق (السير والمغازي)، ج2، ص333.
2 سورة آل عمران، الآية 13.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

52

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 والجدير بالذكر أنّ النصر الإلهيّ للمسلمين في الحادثة التاريخية كان ذا جانبين، فقد كان نصراً عسكرياً، ونصراً منطقياً. فمن الناحية العسكرية: انتصر جيش صغير مفتقر إلى المعدّات الحربية على جيش يبلغ أضعافه عدداً وإمكانات. ومن الناحية المنطقية: فإنّ الله كان قد أخبر المسلمين صراحة بهذا النصر قبل بدء الحرب، قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾1، وهذا ما نراه في الذين وُهِبوا البصيرة بحيث يرون الحقائق كما هي، يدركون أنّ أساس هذا الانتصار هو الإيمان وحده2.

 
ولعل أبرز نتائج هذه المعركة أنّها:
1- عزّزت ثقة المسلمين بأنفسهم، وثبّتت إيمان بعض المتردّدين في إسلامهم.
2- جعلت من المسلمين قوّة مرهوبة الجانب عند القبائل المشركة واليهود في المنطقة.
3- شجّعت الكثيرين على الدخول في الإسلام بعد أن كانت قريش تشكِّل الحاجز النفسي والماديّ لهم.
4- أضعفت هيبة قريش ونفوذها ومكانتها بين العرب.
5- فتحت الأبواب أمام رسول الله‏ صلى الله عليه وآله وسلمفي الانطلاق بحرية أكبر في نشر الدعوة.
6- زادت من قوّة التضامن والتماسك بين المهاجرين والأنصار وعزّزت وحدتهم في مواجهة التحدّي.
 
الدروس المستفادة من معركة بدر
1- أنّ وحدة القيادة تمثل دوراً مهماً وبارزاً في المعركة، فقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد العامّ للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيد واحدة تحت قيادته.
 
2- أنّ القلّة المؤمنة المجاهدة الصابرة التي تملك إرادة قوية وعزيمة راسخة، وإخلاصاً، ووعياً، وتخطيطاً، تستطيع أن تحقّق الانتصارات والإنجازات الكبرى، يقول الله 



1 سورة آل عمران، الآية 12.
2 الشيخ الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لا.د، لا .ط، ج2، ص416، العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج19، ص202.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

53

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ...﴾1.

 
3- أنّ النصر بحاجة إلى عنصر روحيّ معنويّ: هو الإيمان بالله، والإخلاص له، والاعتماد عليه، والثقة به.
 
4- انضباط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم نموذج رائع للانضباط الحقيقيّ. ومعنى الانضباط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها والقيام بالتكاليف المحدّدة بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر.



1 سورة آل عمران، الآية 123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

54

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 المفاهيم الرئيسة

1- بناء المسجد: المسجد هو أوّل مركز عُنِيَ النبيّ بإنشائه. وقد عمل بيده الشريفة إلى جانب المسلمين رجالاً ونساءً.

2- تشريع الأذان: أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين أنّ الأذان وحي من الله سبحانه وتعالى، وقد علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ عليه السلام ثمّ أمره بأنّ يعلّم بلالاً.

3- المؤاخاة: أقدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أول خطوة تنظيمية للمجتمع الجديد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وآخى رسول الله بينه وبين الإمام عليّ عليه السلام.

4- الصحيفة: سعى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتنظيم المجتمع الإسلاميّ في إطار دولة يحكمها القانون الإلهيّ فقام بجملة من التدابير التنظيمية التي تجعل علاقات هذه الطوائف فيما بينها منضبطة في إطار القانون الجديد فكانت وثيقة الصحيفة.

5- موادعة اليهود: بعد توقيع الصحيفة، جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلبوا الهدنة، فكتب لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً بذلك.

6- إعداد القوة العسكرية.

7- واجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث فئات من الأعداء هم:1. المشركون.2. اليهود. 3. النصارى.

8- السرايا وأهدافها:
• عقد تحالفات بين المسلمين وبين بعض القبائل المتواجدة في المنطقة.
• استطلاع المناطق المحيطة بالمدينة.
• تثبيت هيبة الإسلام والمسلمين بين القبائل المجاورة للمدينة.

9- معركة بدر: كانت معركة بدر أوّل معركة مسلحة كبرى خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في مواجهة المشركين من قريش. وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شجاعة لا نظير لها. وكان للإمام عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام في هذه المعركة دور كبير، وظهرت شجاعته المتميّزة بين صفوف المسلمين، ومن جهة أخرى أثبت المسلمون أنّهم أصحاب حق، وأنّهم يستطيعون الصمود في وجه أقوى العرب في ذلك الزمن وهي قريش وأيد الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم والمسلمين بنصره. وكان للمعركة نتائج بارزة جداً كتثبيت قوة المسلمين وهيبتهم. ويمكن استفادة دروس كثيرة منها كوحدة القيادة وغيرها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

55

الدرس الرابع: بناء الدولة الإسلامية ــ ومواجهة التحديات (1)

 للمطالعة

 
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواجهة التحديات
إنّ العمل المهمّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الدّعوة إلى الحقّ والحقيقة والجهاد في سبيل هذه الدّعوة. ولم يُبتلَ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأيّ تشويشٍ أو تردّد أمام الدنيا الظّلمانيّة في زمانه. سواءٌ في تلك الأيّام الّتي كان فيها في مكّة وحيدًا، أم في ذلك الجمع الصّغير من المسلمين الّذين أحاطوا به وفي مواجهة زعماء العرب فلم يستوحش. وقال كلمة الحقّ وأعادها وبيّنها وأوضحها وتحمّل الإهانات واشترى كلّ تلك الصعاب والآلام بالنّفس حتّى تمكّن من أسلمة عددٍ كبير منهم، أم في ذلك الوقت الّذي تشكّلت فيه الحكومة الإسلاميّة، وكان هو نفسه في موقع رئاسة الحكومة، وكانت السّلطة بيده. في تلك الأيّام أيضًا، كان هناك أعداءٌ ومخالفون متنوّعون يواجهون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، سواء تلك المجموعات العربية المسلّحة ــ البدو المتفرّقون في صحاري الحجاز واليمامة، والّتي كانت دعوة الإسلام تريد إصلاحهم وهم يقاومون - أم ملوك العالم وسلاطينه - القوّتان العظميان في ذلك الزّمان - أي إيران والإمبراطورية الرومانيّة، الّذين كتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجادلهم وتوجّه إليهم وجيّش الجيوش نحوهم، وعانى الصّعاب ووقع في الحصار الاقتصاديّ، حتّى وصل الأمر إلى حدّ أنّه كانت تمرّ على أهل المدينة عدّة أيّام أحيانًا، لا يجدون فيها خبز يومهم. لقد كانت التهديدات الكثيرة تُحيط بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كلّ حدبٍ وصوب. كان بعض النّاس يقلقون، وبعضهم يتزلزلون، وبعضهم يتذمّرون، وبعضهم يلوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمويحثّه على التنازل، إلّا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يتردّد أو يضعف في ميدان الجهاد هذا، وتقدّم بالمجتمع الإسلاميّ بكلّ اقتدار حتّى أوصله إلى أوج العزّة والقدرة. هذا هو النّظام والمجتمع، الّذي استطاع ببركة صمود النبيّ في ميادين الجهاد والدعوة، أن يصبح القوّة الأولى في العالم في السنوات التالية1.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص 21 (بتصرف).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

56

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يستنتج أبرز النتائج والعبر من معارك أحد والخندق وحنين وفتح مكة.
2- يطلع على كيفية مواجهة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لخطط اليهود.
3- يتعرف على بيعة الغدير والوصية الأخيرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

57

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 معركة أحد

استمرّت أحداث بدر ومعركتها التاريخية تتفاعل حقداً وكيداً في نفوس المشركين في مكّة. ولم يكن لدى أبي سفيان، قائد الشرك والعدوان آنذاك، غير التفكير بالحرب ومعاودة الهجوم على المسلمين بدافع الثأر، وتحقيق نصر عسكريّ يغيِّر الآثار النفسية والإعلامية التي أنتجتها معركة بدر.

دقّ المشركون طبول الحرب، وزحفوا باتّجاه المدينة. وكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل. وعرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمسيرهم من خلال عيونه في مكّة. وبعد أن استشار أصحابه في سبل التصدّي، قرّر مواجهة العدوّ خارج المدينة، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم في نحو ألف مقاتل، ثمّ تراجع عدد المسلمين إلى سبعمائة بسبب تراجع المنافقين بقيادة عبد الله بن أبيّ بن سلول عن القتال، والتقى الفريقان عند جبل أُحد على بُعد بضعة كيلومترات من المدينة، في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة.

رسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارطة المعركة، وحدّد مواقع جيشه، فوضع الرماة عند فتحة في الجبل، وكان عددهم خمسين رجلاً، ليوفّر حماية خلفية للجيش الإسلاميّ، وبدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين في الجولة الأولى، فاستولت قواتهم على ساحة المعركة، وانهزم العدو، وبدأ المسلمون بجمع الغنائم، فاستهوت الغنائم نفوس بعض الرماة، فتركوا مواقعهم، واندفعوا نحوها، ممّا أحدث ثغرة في صفوف المجاهدين، استغلها خالد بن الوليد فهاجم المجاهدين من خلفهم تسبّب هذا الهجوم ببعثرة الجيش الإسلامي وانهزامه أمام المشركين الذين استعادوا أنفاسهم بعدما تمكّن خالد بن الوليد من قتل القلة التي بقيت على الجبل والالتفاف على المسلمين المنشغلين بجمع الغنائم، وصرخ صارخ: "إن محمداً قد قتل"، فتشتّت المسلمون تحت وقع المباغتة وتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبت معه غير علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي راح يقاتل إلى جانب رسول صلى الله عليه وآله وسلم قتالاً شديداً ويصدّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

58

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 كتائب المشركين ويفرّقهم ويقتل فيهم، عندها نادى جبرائيل عليه السلام من السماء: "لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ"1.

 
ولمّا رأى المسلمون صبر وثبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام بدأوا يعودون تدريجياً إلى ميدان المعركة، وتمكّنوا من صدّ هجمات المشركين المتواصلة، وأدرك المشركون استحالة إبادة المسلمين وتفتيتهم وتحقيق انتصار عليهم، وكانوا قد أصابهم التعب والجراح، فآثروا الانسحاب عائدين إلى مكّة دون تحقيق أهدافهم2.
 
معركة الخندق
توالت غزوات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لبعض قبائل العرب واليهود بعد معركة بدر وأحد، ممّا أثار مخاوف اليهود وإحساسهم بالخطر من تعاظم قوّة المسلمين، فاندفعوا للتآمر على الإسلام ونبيّه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، وراحوا يحرّضون أعداء الإسلام ويخطّطون لتكوين تجمّع عسكريّ هائل لمهاجمة المدينة والقضاء على الإسلام.
 
لقد اتّصل اليهود بقريش وغطفان واتّفقوا معهم على مهاجمة المدينة، إلاَّ أنّ أنباء هذه المؤامرة تسرَّبت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فشاور أصحابه، فاستنفر المسلمون لحفر الخندق حول المدينة وشارك هو صلى الله عليه وآله وسلم بعملية الحفر.
 
وتأهّبت أحزاب الكفر والضلال من قريش وغطفان وبعض القبائل المعادية، وجمعوا رجالهم وأنصارهم ومن تابعهم، فكان تعداد جيشهم عشرة آلاف مقاتل نزلوا قرب المدينة، بينما كان عدد المسلمين تسعمائة مقاتل تعبأوا خلف الخندق بقوّة وشجاعة3.
 
وقد ساهمت ثلاثة عناصر أساسية في تحقيق الثبات والنصر في هذه المعركة، هي:



1 محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، قم المقدسة، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، محرم الحرام 1412، ط1، ج1، ص495، القاضي النعمان المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار، تحقيق: السيد محمد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة، 1414، ط2، ج2، ص381.
2 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج3، 106، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج1، ص199، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص186، ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص191.
3 ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، بيروت - لبنان، دار المعرفة، 1396 - 1976م، لا.ط، ج3، ص180، البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج3، ص20، الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، ج9، ص345، المسعودي، على بن الحسين ، التنبيه والإشراف، ص115.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

59

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 1- التخطيط العسكريّ الذي تمثَّل بحفر الخندق، حيث ساهم الخندق في حماية المسلمين والمدينة، وفي حرمان العدوّ من سرعة الحركة.

 
2- العمل الاستخباريّ الفعَّال الذي قام به رسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث أدّى إلى إضعاف جبهة الأحزاب وتضعضعها.
 
3- الدور البطوليّ الذي قام به علي بن أبي طالب ‏عليه السلام. وقد وصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موقف عليّ عليه السلام يوم الخندق بقوله: "مبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة"1.
 
صلح الحديبية
عزّزت الأحداث والمعارك التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعداء الإسلام من المشركين واليهود موقف المسلمين، وغرست هيبتهم في النفوس، فقرّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير بأصحابه إلى مكّة ليزور البيت الحرام ويعتمر بعد أن رأى في المنام أنّه يدخله هو وأصحابه آمنين من غير قتال كما يشير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾2.
 
توجّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ما يقرب من ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار نحو مكّة في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة، وهم يحملون السلاح، وقد ساقوا معهم سبعين بدنة هدياً لتنحر في مكّة.
 
وتناهى الخبر إلى قريش ففزعت وظنّت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد الهجوم عليها، فجهّزت نفسها وأرسلت سرية بقيادة خالد بن الوليد كمقدّمة لجيشها، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خبر قريش واستعدادها لقتاله. ولكي يتجنّب المواجهة حيث لم يكن هدفه الحرب غيَّر مسيره وسلك طريقاً غير الطريق الذي سلكته قريش، حتّى استقرَّ في وادي الحديبية.
 
بعدما حطَّ جيش المسلمين في الحديبية بدأت رحلة التفاوض بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقريش، فبعثت قريش عدّة مندوبين على التوالي للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واستيضاح أهدافه،



1 السيد ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ص514.
2 سورة الفتح، الآية 27.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

60

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 فأبلغهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بجواب واحد: "إنّا لم نجي‏ء لقتال ولكنّا جئنا معتمرين"1. وبعد تعثّر المفاوضات أكثر من مرّة أرسلت قريش سهيل بن عمرو سفيراً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وجرت مفاوضات أدّت إلى الاتّفاق على وثيقة، وكان من أبرز بنودها:

1- اتّفق الطرفان على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض.
2- من أتى محمّداً من قريش بغير إذن وليّه رَدّهُ عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمّد لم يردّوه عليه.
3- من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده (أي يتحالف معه) كان له ذلك، ومن أحبّ‏َ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم كان له ذلك أيضاً من غير حرج عليه من أحد الطرفين.
4- أن يرجع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمن معه هذا العام على أن يأتي في العام القادم فيدخل مكّة ويقيم فيها ثلاثة أيام، ولا يدخل عليها بسلاح إلاَّ سلاح المسافر، السيوف في القُرب.
5- أن يكون الإسلام ظاهراً بمكّة، لا يكره أحد على دينه، ولا يؤذى ولا يُعيَّر.
6- لا إسلال (سرقة) ولا إغلال (خيانة) بل يحترم كل طرف أموال الطرف الآخر، فلا يخونه ولا يعتدي عليه بسرقة.
7- أن لا تعين قريش على محمّد وأصحابه بنفس ولا سلاح.
 
وبموجب هذه المعاهدة تحالفت خزاعة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتحالفت كنانة مع قريش2.
 
فتح مكّة
بعد مرور نحو السنتين على صلح الحديبية أقدمت قريش على نقضه وذلك عندما انضمّت 



1 القاضي النعمان المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار، ج1، ص108، الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، بيروت ـ لبنان، دار المفيد، 1414 - 1993م، ط2، ج1، ص202، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج2، ص587.
2 القاضي النعمان المغربي، شرح الأخبار، ص108، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص202، الواقدي، ج2، ص573، الحلبي، المناقب، ج1، ص202، الشيخ المفيد، الإرشاد، ج1، ص121، ابن حجر، الإصابة، ج3، ص199، ابن هشام، سيرة ابن هشام، ج3، ص324، الطبرسي، مجمع البيان، ج9، ص178، الواقدي، المغازي، ج2، ص587.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

61

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 إلى حلفائها من قبيلة كنانة التي أقدمت على مهاجمة خزاعة حليفة المسلمين مخالفةً بذلك الهدنة القائمة بين الطرفين بموجب الصلح، فاستنصرت خزاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشعرت قريش بخطورة المجازفة، وقرّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التوجّه إلى مكّة لمواجهة قريش، فاستنفر أصحابه وجهّز جيشاً من عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من القبائل.

 
وقرّر أن يتحرك سراً ليباغت قريشاً. تحرّك جيش المسلمين في العاشر من شهر رمضان المبارك سنة ثمان للهجرة سراً، حتّى وصل إلى مشارف مكّة وطوَّقها.
 
ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكّة بتلك الحشود التي تنساب خلفه فاتحاً من غير قتال، فلمّا انتهى إلى الكعبة.
 
واستطاع في موقف إنسانيّ نبيل أن يستميل أهل مكّة، وهم الذين وقفوا ينتظرون حسابهم، فإذا به صلى الله عليه وآله وسلم يعفو عنهم ويقول لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"1.
 
أهم الحروب ضدّ اليهود
أ - غزوة بني قينقاع:
إنّ ممارسات اليهود قد هيّأت الجوّ للتخلّص من بغيهم وإفسادهم ومكرهم على مراحل. وكان أوّل ما قام به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمهو مواجهة بني قينقاع وإجلاؤهم عن المدينة المنورة، والسبب في ذلك هو: أنهم كانوا يسكنون داخل المدينة وفي حيّ من أحيائها، وكانوا أول من غدر وخان من اليهود، خصوصاً بعدما قتلوا أحد المسلمين الذي استغاثت به إحدى نساء المسلمين، ولم يبقَ أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أن يقاتلهم، فسار إليهم، وكان عددهم حوالي سبعمائة مقاتل، وسلم الراية لعلي عليه السلام، وحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشدّ حصار، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فاستسلموا، وطلبوا من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمأن يخلي سبيلهم وينفيهم من المدينة، على أن يكون لهم نساؤهم والذرية، وله أموالهم والسلاح، فقبل منهم ذلك، وأخذ أموالهم وأسلحتهم ووزّعها بين المسلمين، وطردهم من المدينة إلى أذرعات بالشام، ويقال: إنّه لم تدر عليهم السنة حتّى هلكوا جميعاً2.



1 ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج4، ص321، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج2، ص782، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة،ج1، ص41.
2 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص92، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج1، ص363.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

62

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 ب- غزوة بني النضير:

عمد بنو النضير إلى الكيد سراً والتدبير للغدر بالنبيّ واغتياله، وقد شرعوا في تنفيذ ذلك، وعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقرّر إجلاؤهم عن مواضعهم بعد أن ظهر للعيان فسادهم، فأنذرهم في البداية بأن يخرجوا من حصونهم وينزحوا من يثرب في مدّة عشرة أيام، ولكنّهم رفضوا الإذعان واحتموا في حصونهم فأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقطع نخيلهم وحرقها، ولعل النخيل الذي أُحرق كان ذلك الذي يعيق حركة القتال. ويظهر أن قطع النخيل وإحراقه، كان سبباً في تسرّب اليأس إلى قلوبهم، فاختاروا الإذعان لحكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، خاصّة بعد أن تمكن علي بن أبي طالب عليه السلام من قتل عشرة من فرسانهم، فطلبوا منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجليهم ويكفّ عنهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ السلاح، فرضي النبيّ بذلك، فحملوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعير وينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام1.
 
د- معركة خيبر:
كان يهود خيبر من أقوى الطوائف اليهودية في بلاد الحجاز وأكثرهم عدداً وعدّة وأمنعهم حصوناً، وكان يهود خيبر ممّن حرّض القبائل العربية ضدّ المسلمين في غزوة الخندق، وقد بذلوا الأموال في ذلك، فقرّر رسول صلى الله عليه وآله وسلم العزم على غزوهم في حصونهم ومعاقلهم المنيعة في خيبر، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة. فجمع صلى الله عليه وآله وسلم جيشه وتكتّم على مسيره، وخرج من المدينة في ألف وستمائة مقاتل من المسلمين، وأعطى رايته لعليّ‏ عليه السلام، وسلك طرقاً تحفظ سرية تحرّكه، فلم يشعر اليهود إلاّ وجيش المسلمين قد نزل بساحتهم ليلاً، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد وعده الله بالنصر وأن يردّه إلى المدينة فاتحاً غانماً.
 
وحين فوجئوا بقوات المسلمين، تشاوروا فيما بينهم واتّفقوا على القتال فأدخلوا نساءهم وأولادهم وأموالهم في بعض الحصون، وأدخلوا ذخائرهم في حصون أُخرى. وبعد محاولات عديدة من قبل المسلمين لاقتحام الحصن فلم يتمكّنوا من ذلك، عندها رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطي رايته لعلي عليه السلام حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لأعطينّ‏َ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله 



1 ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج2، ص28، ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص165، الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج1، ص135.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

63

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، كراراً غير فرار"، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً، وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثمّ قال: "خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح الله عليك"1.

 
فخرج عليّ عليه السلام ومعه المقاتلون المسلمون فدار قتال بينهم وبين اليهود على أبواب الحصن، وقتل علي عليه السلام مرحباً وهو من أبطال اليهود وصناديدهم، فاستولى الخوف على اليهود والتجأوا إلى الحصن وأغلقوا بابه، وكان من أمنع الحصون وأشدّها وقد حفروا حوله خندقاً يتعذّر على المسلمين اجتيازه، فاقتلع علي عليه السلام باب الحصن، وجعله جسراً فعبر عليه المسلمون، فاستسلموا وطلبوا العفو من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمفأجابهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بعد أن استولى على أموالهم، وتمّ الاتفاق بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمعلى أن تبقى الأرض في أيديهم يعملون فيها بنصف الناتج والنصف الأخر للمسلمين2.
 
هـ- يهود فدك:
لما سمع يهود فدك القرية اليهودية المجاورة لخيبر بما حلّ‏َ برفاقهم في خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم، فوافق صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وصالحهم على نصف ناتج الأرض، فكانت خيبر ملكاً للمسلمين لأنّه استولى عليها بالحرب، وفدك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصّة لأنّه تملكها بالصلح، وقد وهبها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة الزهراء عليها السلام في حياته، وسلّمها إيّاها وجعلت عمّالها فيها وصارت هي المشرفة على أعمالها وعلى ناتجها. وكانت تصرف ناتجها على فقراء بني هاشم وحسبما تشاء3.
 
حجّة الوادع وبيعة غدير خمّ
عندما حان موعد الحجّ من العام العاشر للهجرة، أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه سيحجّ بنفسه في الناس هذا الموسم، فاجتمع إليه الناس من كلّ مكان، ثمّ ما لبث أن غادر المدينة



1 المسعودي، على بن الحسين ، التنبيه والإشراف، 222، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص344، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص207.
2 ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج2، ص90، الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1364ش، ط3، ج4، ص148.
3 ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج2، ص90، ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج30، ص300، الخرائج والجرائح، ج1، ص113، النووي، شرح مسلم، ج12، ص28، الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج4، ص148، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص37.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

64

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 في الخامس والعشرين من ذي القعدة مصطحباً معه نساءه وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام.

 
ولمّا أتمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجّه خرج من مكّة متّجهاً إلى المدينة ومعه تلك الوفود التي لم تشهد لها مكة نظيراً في تاريخها آنذاك. ولما انتهى إلى مكان قريب من الجحفة يقال له غدير خمّ، وقبل أن يتفرّق الناس كلٌ إلى ناحيته، نزل في ذلك المكان في الصحراء وكان يوماً قائظاً شديد الحرارة. بعد أن نزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ...﴾1.
 
أمر صلى الله عليه وآله وسلم بدوحات فجمعت له ووقف عليها حتّى يراه الناس ويسمعوه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال كما في (البداية والنهاية): "كأنّي دُعيت فأجبت، إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض"، ثمّ قال: "الله مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة"، وأخذ بيد علي‏ عليه السلام وقال: "من كنت مولاه فهذا عليّ وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، وأضاف إلى ذلك في (البداية والنهاية)، أن الرواي قال قلت لزيد بن أرقم: أنت سمعته من رسول الله؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا رأه بعينه وسمعه بأذنيه.
 
وروى المفيد في كتاب الإرشاد عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن انتهى من خطابه أفرد لعليّ عليه السلام خيمة وأمر المسلمين بأن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم، وأمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين ممّن معه أن يفعلن ذلك، وقال له عمر بن الخطاب يوم ذاك: بخ بخ لك يا عليّ أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
 
الوصية الأخيرة
لما قربت الوفاة من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكث ثلاثة أيام موعوكاً، ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرأس معتمداً على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الفضل بن العبّاس، حتّى صعد المنبر فجلس عليه ثم قال: "معاشر الناس، قد حان منّي خفوف من بين أظهركم، فمن كان له عندي عِدَةٌ فليأتني أُعطه إياها، ومن كان له عليّ‏َ دينٌ فليخبرني به. معاشر الناس، ليس 



1 سورة المائدة، الآية 67.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

65

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 بين الله وبين أحد شي‏ء يُعطيه به خيراً أو يصرف به عنه شراً إلّا العمل. أيّها الناس، لا يدّعي مُدّعٍ، ولا يتمنّى مُتمنّ‏ٍ، والذي بعثني بالحقّ لا ينجي إلّا عمل مع رحمة ولو عصيت لهويت، اللهمّ هل بلّغت"1.

 
ثمّ نزل فصلّى بالناس صلاة خفيفة ودخل بيته.
 
وجاءه بلال والمرض قد اشتدّ به عند طلوع الفجر فنادى للصلاة، فقام صلى الله عليه وآله وسلموهو لا يستقلّ على الأرض من الضعف، فأخذ بيده عليّ عليه السلام والفضل بن العبّاس فاعتمد عليهما، ورجلاه تخطّان الأرض من الضعف، وابتدأ الصلاة، ومكث فترة من الزمن مغمى عليه، فبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وابنته عليها السلام ونساء المؤمنين وجميع من حضر2.
 
وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
كانت الساعات الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شديدة على المسلمين لشعورهم بفراقه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اليوم التالي حُجب الناس عنه، وكان عليّ عليه السلام لا يفارقه إلّا لضرورة، فلمّا حضره الموت قال له: "ضع يا عليّ رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثمّ وجّهني إلى القبلة، وتولّ أمري، وصلّ عليّ‏َ أوّل الناس، ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي، واستعن بالله تعالى".
 
فأخذ عليّ عليه السلام رأسه ووضعه في حجره، ففاضت نفسه الشريفة وهو إلى صدره‏ عليه السلام. وكانت وفاته يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وهو ابن ثلاث وستّين سنة3.



1 ابن حنبل، أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج1، ص325، الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، ص37، ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج8، ص101.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص459، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص267، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج10، ص179.
3 الشيخ المفيد، الأمالي، ص23، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج10، ص179، الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص459، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص267، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص203.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

66

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 المفاهيم الرئيسة

1- قام المشركون بقرع طبول الحرب فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمواجهتهم راسماً خارطة المعركة، انهزم العدو إلا أنّ بعض الرماة تركوا مواقعهم، مما أحدث ثغرة في صفوف المجاهدين، فاستغلّها المشركون وقاموا بالالتفاف على المسلمين، فتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عادوا بعدما رأوا ثبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام.

2- تآمر اليهود على الإسلام ونبيّه واتّفقوا مع قريش وبعض القبائل العربية، فحشدا للمعركة، وتجهز المسلمون لها جيداً، وكان الدور البطوليّ الذي قام به الإمام علي عليه السلام الأثر البالغ في النصر.

3- صلح الحديبية: قرّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير إلى مكّة ليزور البيت الحرام ويعتمر. وتناهى الخبر إلى قريش، فأرسلت وفداً، ولكي يتجنّب المواجهة حيث لم يكن هدفه الحرب جرت مفاوضات أدّت إلى الاتّفاق على وثيقة عرفت بصلح الحديبية.

4- بعد صلح الحديبية أقدمت قريش على نقضه من خلال مهاجمة خزاعة حليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فاستنصرت خزاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستنفر أصحابه وجهّز جيشاً دخل مكّة، واستطاع صلى الله عليه وآله وسلم استمالة أهل مكّة وهو يقول لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

5- حاولت قبيلة هوازن وثقيف مواجهة المسلمين، فعلم النبيّ بذلك، انطلق راجعاً، وفي الطريق اجتاز المسلمون وادي حنين، ففاجأهم أعداؤهم بهجوم مباغت ولم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير الإمام عليّ عليه السلام ثم بادر المسلمون للعودة حتى انتصروا.

6- واجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليهود في عدّة معارك، وهي: غزوة بني قينقاع، غزوة بني النضير، غزوة بني قريظة، معركة خيبر، يهود فدك.

7- وكانت في العام العاشر للهجرة، أعلن رسول الله أنّه سيحجّ فغادر المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة مصطحباً معه نساءه وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام وبدأت أعمال والتعاليم التي بعث من أجلها.

8- لمّا أتمّ رسول الله حجّه خرج من مكّة متّجهاً إلى المدينة، وصل إلى غدير خم، جمع رسول الله المسلمين، وبعد أن أوصى بالقرآن والعترة من أهل بيته، أوصى بالولاية والخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام من بعده.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

67

الدرس الخامس: بناء الدولة الإسلامية ومواجهة التحديات (2)

 للمطالعة

 
اليهود في يثرب
كان لهؤلاء اليهود ثلاث مزايا:
أوّلها: سيطرتهم على الثروات الأساس في المدينة، وعلى أهمّ مزارعها وتجارتها ومنافعها، وعلى أهمّ صناعاتها الّتي تدرّ الأرباح وهي صناعة الذهب وغيرها. وكان أغلب أهل المدينة يرجعون إليهم لسدّ حوائجهم والاستقراض منهم وتسديد الربا إليهم، أي أنّهم كانوا يقبضون على كلّ شيء من الناحية المالية.
 
والثانية: تفوّقهم على أهل المدينة من الناحية الثقافيّة، فهم كانوا أصحاب كتاب وعلى اطّلاع على مختلف المعارف والعلوم الدينيّة والمسائل الّتي تجهلها عقول أهل المدينة ذات الطّبيعة شبه البدائيّة. من هنا كانت لهم الهيمنة الفكريّة. وإذا ما أردنا وصفهم وفقًا للمصطلحات المعاصرة فبإمكاننا القول بأنّهم كانوا يُشكّلون طبقة مثقّفة، لذلك كانوا يستحمقون أهل المدينة ويسخرون منهم ويُحقّرونهم. بالطّبع، كانوا يتصاغرون في المواطن التي كانوا يدركون فيها الخطر أو عند الضرورة، غير أنّ التفوّق كان لهم في الحالات الطبيعية.
 
الثالثة: اتّصالهم بالمناطق النائية عن المدينة، فلم يتقوقعوا داخل حدود المدينة. لقد كانوا يُمثّلون واقعًا قائمًا في المدينة، لذا كان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يضعهم في الحسبان، فأوجد صلى الله عليه وآله وسلم ميثاقًا جماعيًّا عامًّا. ولدى ورود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة اتّضح أنّ قيادة مجتمعها منحصرةٌ به صلى الله عليه وآله وسلم من دون أن يبرم عقدًا أو يطلب شيئًا من النّاس أو أن يدخل في مباحثات مع أحد، أي إنّ الشّخصيّة والعظمة النبويّة أخضعت الجميع لها بشكلٍ طبيعيّ. لقد تجلّت قيادته وجعلت الجميع يتحرّكون ويُبادرون حول محوريّتها1.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص35.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

68

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرف إلى سيرة الإمام عليّ عليه السلام.
2- يفهم مراحل حياة الإمام عليّ عليه السلام في ظلّ الإسلام عليه السلام.
3- يتعرّف إلى إنجازات الإمام عليّ عليه السلام في عهد الخلفاء وأيّام حكمه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

69

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
ولد الإمام عليّ عليه السلام في مكّة في البيت الحرام عندما شُقّ جدار البيت لفاطمة بنت أسد ودخلت إليه، وبقيت ثلاثة أيام ثمّ خرجت. وكانت ولادته يوم الجمعة، 13 من شهر رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة.
 
وكانت شهادته ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة40هـ، وهو ابن ثلاث وستّين سنة، قتله عبد الرحمن بن ملجم وهو يُصلّي في مسجد الكوفة، ودُفن في النجف الأشرف.
 
وتسلّم خلافة الرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمدّة 29 سنة تقريباً من سنة11هـ إلى سنة40هـ، فكان أول الأئمّة وكان من ألقابه: سيّد الأوصياء، أمير المؤمنين، الصدِّيق الأكبر، الفاروق الأعظم، قسيم الجنّة والنار، وغيرها، وأمّا كنيته: أبو الحسن.
 
عاصر الإمام عليّ عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان بجواره منذ ولادته، وتربّى بين يديه. وتسلّم الخلافة لمدّة خمس سنوات تقريباً، وأوصى من بعده لابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام1.
 
وكان له سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى: الإمام الحسن والإمام الحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكنّاة أم كلثوم، أمّهم السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
 
ومحمد المكنّى أبو القاسم، أمّه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، وعمر ورقية، وأمّهما أم حبيب بنت ربيعة، والعبّاس وجعفر وعثمان وعبد الله، أمّهم أمّ البنين بنت حزام بن خالد بن دارم2، وغيرهم الذين لم نذكر أسماءهم.



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص292.
2 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص354، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد، ص18.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

70

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 وعمل أمير المؤمنين عليه السلام على تربية ثلّة من المؤمنين الشرفاء الأوفياء، نذكر منهم على سبيل المثال: مالك الأشتر، كميل بن زياد النخعي، الأصبغ بن نباتة، أويس القرني، الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، حُجر بن عدي الكندي، رشيد الهجري، زيد بن صوحان العبدي، سليمان بن صرد الخزاعي، سهل بن حنيف، عبدالله بن عباس، عمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم الكثير1.

 
ثانياً: الولادة والتربية
ولد الإمام علي عليه السلام بعد ثلاثين عاماً من ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عمره لمّا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أعوام، وعاش الإمام علي عليه السلام خلال هذه المرحلة وهي الفترة الحسّاسة لتكوين شخصيّته وتربيته روحيّاً ومعنويّاً في بيت الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وفي ظلّ تربيته، وذلك بعدما أصابت قريشاً أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرين، فتفرّق أبناء أبي طالب بين إخوته إلا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ عليّاً فضمّه إليه، فلم يزل عليّ عليه السلام مع رسول الله في بيته حتّى بعثه الله نبيّاً، فاتّبعه عليّ فأقرّ به وصدّقه2. وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ الله تعالى قد اختار له علياً3 ـ وقد أشار الإمام علي عليه السلام في الخطبة القاصعة إلى هذه الفترة وقال: "وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده، ويشمُّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه...، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به"4.



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني، قم المقدسة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، رمضان المبارك 1415، ط1، ص55، وللاطلاع أكثر يراجع كتب علم الرجال.
2 يراجع: ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص262، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص213، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص119.
3 أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين، تقديم وإشراف: كاظم المظفر، قم - ايران، ملاحظات: مؤسسة دار الكتاب، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها - النجف الأشرف، 1385 - 1965م، ط2، ص15.
4 صبحي الصالح، نهج البلاغة،، الخطبة: 192.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

71

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 ثالثاً: الإمام عليّ عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء1

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يُبعث يتعبّد في غار حراء شهراً في كلّ عام2. وأشارت الروايات إلى أنّ رسول الله كان يأخذ عليّاً معه إلى غار حراء للعبادة أيضاً. وقد شاهد الإمام عليّ عليه السلام علائم وإشارت النبوّة، وروي عنه أنه قال: "ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري...، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير"3.
 
مراحل حياة الإمام علي عليه السلام في الإسلام
أولاً: من البعثة إلى هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة
استغرقت هذه الفترة ثلاثة عشر عاماً. وتشتمل هذه الفترة الزمنية على مجموعة كبيرة من الأعمال العظيمة والبارزة التي قدّمها الإمام عليه السلام في سبيل ازدهار ورفعة الإسلام.
 
أ- أوّل من أسلم:
إنّ أُولى مفاخر الإمام عليّ عليه السلام في هذه المرحلة هي سبقه في الإسلام وتقدّمه على غيره من العرب، لطهارة روحه وصفاء نفسه وبغضه لعبادة الشرك والأوثان، فقد كان مؤمناً موحداً4، وأكّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك فقال: "أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب"5. ويقول الإمام عليه السلام: "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة"6.



1 حراء جبل يقع في شمال مكة، وغار حراء يقع في قمته.
2 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص252.
3 نهج البلاغة، الخطبة: 192.
4 الموفق الخوارزمي، بن أحمد البكري المكي الحنفي، ص18.
5 ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص28، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص119.
6 نهج البلاغة، الخطبة 192.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

72

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 ب- مساندة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

لم يفارق الإمام عليّ عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ ولادته. وتأكّد هذا الترابط الوثيق بعد بزوغ فجر الإسلام. وكان الإمام عليّ عليه السلام يدعو الناس للإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فترة الدعوة السرية لمدّة ثلاث سنوات، وكان يدافع عنه ويقف في وجه المعارضين له، إلى أن أُمِر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة قومه إلى دين الله فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمعلياً عليه السلام بأن يعدّ وليمة غداء ويدعو خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم إليها وأن يعد طعاماً من اللحم مع اللبن... وبعد حضورهم في الموعد المحدّد وتناول طعامهم افتتح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كلمته قائلاً: "إنّي واللّه ما أعلم أنّ شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصييّ وخليفتي فيكم؟" فلم يجبه أحد فنهض الإمام علي عليه السلام ـ ولم يتعدّ عمره 14 عاماً1 إلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كرّر ذلك ثلاثاً ليلقي الحجة على القوم، وكان يقوم علي عليه السلام مجيباً، فقام رسول الله فضرب بيده على يد علي وقال في حقّه وبحضور وجهاء بني هاشم المقولة الشهيرة: "هذا عليٌّ أخي ووصيّي وخليفتي فيكم"2.
 
ث. التضحية الكبيرة:
اجتمع المشركون في دار الندوة وقرّروا قتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أن يشترك من كلّ قبيلة رجل شاب، وفي هذه الحالة لن يكون القاتل واحداً ولن يستطيع بنو هاشم الأخذ بثاره، لأنّهم يعجزون عن محاربة جميع القبائل ويرتضون لا محالة بقبول الفدية وتنتهي المسألة. اختارت قريش لتنفيذ خطّتها الليلة الأُولى من ربيع الأوّل. وقد ذكر الله تعالى فيما بعد خطتهم وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾3.



1 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص234 ـ 235.
2 الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص217، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص211.
3 سورة الأنفال، الآية 30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

73

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 فأطلع ملك الوحي رسول الله على ذلك، وأبلغه أمر الله بأن يترك مكّة ويتّجه نحو يثرب. واختار سول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّاً عليه السلام، لكي يبيت على فراشه، وقال: "امضِ إلى فراشي ونم في مضجعي والتفّ في بردي الحضرميّ ليروا أنّي لم أخرج"1 فأطاع عليّ ما أُمِر به. وحاصر جلاوزة قريش ومرتزقتهم بيت رسول الله وداهموه بسيوف مسلولة، فنهض عليٌّ من الفراش2.

 
وقد خلّد القرآن المجيد تضحية عليّ عليه السلام فقال عزوجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾3. قال المفسّرون: قد نزلت هذه الآية في التضحية العظيمة لعليّ عليه السلام ليلة المبيت4.
 
ثانياً: من هجرة الرسول إلى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم
أ- عليّ عليه السلام أخو رسول الله:
لمّا دخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة قرّر أن يُبرم عقد الأُخوّة بين المهاجرين والأنصار من المسلمين، فآخى بين المسلمين جميعاً. وبعد أن حصل كلّ واحد على أخيه من الحاضرين جاء عليّ عليه السلام وكان قد بقي وحده إلى رسول الله والدموع تفيض من عينيه وقال: "ما آخيت بيني وبين أحد" قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"5، ثمّ آخى بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين علي عليه السلام6.



1 ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص124 ـ 128، الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص30.
2 ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 124 - 128, ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 102، 1399هـ. ق. بيروت، دار صادر, الشيخ المفيد الإرشاد، ص 30, الحاكم النيسابوري المستدرك على الصحيحين، اج 3، ص 4، بيروت، دار المعرفة, الطبري، تاريخ الأُمم والملوك، ج 2، ص 244، بيروت، دار القاموس الحديث.
3 سورة البقرة، الآية 207.
4 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج1، ص262، الشيخ المظفر، محمد حسن المظفر، دلائل الصدق لنهج الحق، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، دمشق، 1422هـ، ط1، ج2، ص80.
5 الحاكم النيسابوري، محمد بن عبدالله، المستدرك على الصحيحين، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، لا.ت، لا.ط، ج3، ص14.
6 ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص35.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

74

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 ب ـ جهاد الإمام عليّ عليه السلام:

شارك الإمام عليّ عليه السلام في جميع غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا غزوة تبوك للظروف الحرجة والحسّاسة التي كانت تُنذر بتدبير مؤامرة من قِبَل المنافقين عند غياب رسول الله عن مركز الحكومة الإسلامية، وبقي فيها بأمر من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ونعرض دور عليّ عليه السلام في ثلاث ساحات من ساحات الجهاد:
في غزوة بدر: كان رسول الله قد علم بأنّ هناك قافلة تجارية لقريش يترأّسها أبو سفيان آتية من الشام تريد مكّة، وحيث إنّها تمرّ من طريق على مقربة من المدينة انطلق رسول الله مع أصحابه المهاجرين والأنصار باتّجاه بدر.
 
فاستنجد أبو سفيان فقرّرت قريش المواجهة فانطلقت باتّجاه المدينة. وانتهت الحرب بهزيمة ساحقة لجيش المشركين لدرجة أنّه قد أُسر سبعون منهم، وكان قد هلك أكثر من نصف المقتولين بضربات سيف علي عليه السلام في هذه الحرب. وقد ذكر المرحوم الشيخ المفيد ثلاثة وثلاثين شخصاً من قتلى المشركين في غزوة بدر وكتب: "وقد أثبتت رواة العامّة والخاصّة معاً أسماء الذين تولّى أمير المؤمنين قتلهم ببدر من المشركين سوى من اختلف فيه وأشرك هو فيه غيره"1.
 
د- غزوة أُحد:
بعد هزيمة قريش في معركة بدر، ولأجل تعويض هذه الخسارة والهزيمة الكبيرة، قرّروا أن يُهاجموا المدينة، فعلم رسول الله بذلك، وبعد التشاور قرّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مواجهة قريش في وادي جبل أحد. ووضع خمسين رامياً، وأمرهم بأن لا يتركوا المكان، وبعد بدء المعركة وميل الحسم لصالح المسلمين وبدأت قريش بالفرار، دخل الغرور قلوب أولئك فنزلوا لجمع الغنائم، فقام المشركون بالالتفاف على المسلمين ومحاصرتهم، فانهزم المسلمون، ولاذوا بالفرار، واستشهد نحو سبعين مقاتلاً، واشتدّ القتال، ولم يبقَ في الميدان سوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام ومن لحق بهما بعد الفرار، فأبصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المشركين، فقال لعلي: احمل عليهم ففرّقهم وقتّل فيهم، ثمّ أبصر جماعة أُخرى فقال له: احمل عليهم،



1 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

75

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 فحمل عليهم وفرّقهم وقتل فيهم، فقال جبرائيل: يا رسول الله هذه المواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّه منّي وأنا منه"1، فقال جبرائيل: وأنا منكما، قال فسمعوا صوتاً يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي"2.

 
هـ. في غزوة الأحزاب (الخندق):
عندما أُعلم رسول الله بانطلاق قريش باتّجاه المدينة، شكّل صلى الله عليه وآله وسلم لجنة عسكرية للتشاور، فاقترح سلمان الفارسي أن يحفر خندق من الجهة الأضعف في المدينة، فقبل المسلمون بذلك، وأشار سلمان لأهمية هذا العمل لأنه كان يعمل في بلادهم، وقاموا بحفر الخندق، والتحضير الكامل للمعركة. وصل جيش الأحزاب، وقد أثارت رؤية خندق عميق عريض حول منافذ المدينة دهشتهم، لأنّه لم يسبق للعرب أن استخدمته في حروبها، فاضطرّوا إلى محاصرة المدينة من وراء الخندق، وحاول خرق الخندق أكثر من مرّة من خلال خمسة أبطال من جيش الأحزاب استعرضوا قوّتهم بخيولهم حول الخندق واخترقوه من خلال منفذ ضيّق وصاروا إلى جانبه الآخر وطلبوا المبارزة من أقرانهم. وبعد أن عبروا الخندق رفع "عمرو" صوته بنداء هل من مبارز؟ وحينما لم ينهض أحد من المسلمين لمواجهته، تجرّأ أكثر واستهزأ بعقائد المسلمين وقال: تقولون إنّ من يُقتل منكم في الجنّة ومن يُقتل منّا في النار، فهل من أحد أُرسله إلى الجنّة أو يُرسلني إلى النار؟ ثم ّ أنشد أشعاراً كان منها:
ولقد بُححت من النداء لجمعكم هل من مبارز 
 
وكان كلّما يرتفع نداء "عمرو" للمبارزة كان عليٌّ عليه السلام هو الوحيد الذي يقوم ويستأذن الرسول ليذهب إلى ساحة القتال، غير أنّه صلى الله عليه وآله وسلملم يكن يوافق. وقد تكرّرت هذه الحالة ثلاث مرّات، وفي المرّة الأخيرة التي استأذن عليّ عليه السلام فيها قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّه عمرو بن عبد ود" فقال عليّ: "وأنا عليّ"3.



1 ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، 1386 - 1966م، لا.ط، ج2، ص154.
2 م.ن.
3 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج13، ص284.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

76

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 وفي النهاية وافق نبيّ الإسلام وأعطاه سيفه وألبسه عمامته، وحين انطلق عليٌّ عليه السلام إلى ساحة القتال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "برز الإسلام كلّه إلى الشرك كله"1.

 
انطلق عليّ عليه السلام راجلاً نحو عمرو، وقال حينما واجهه: "إنّك كنت تقول في الجاهلية لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلّا قبلتها" قال: أجل، قال عليه السلام: "فإنّي أدعوك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وتُسلم للّه ربّ العالمين". قال: يا ابن أخي أخّر هذا عنّي, قال: "فأُخرى ترجع إلى بلادك، فإن يكن محمد صادقاً كُنتَ أسعد الناس، وإن غير ذلك كان الذي تُريد" قال: هذا ما لا تتحدّث به نساء قريش أبداً، وقد نذرت ما نذرت وحرّمت الدهن, قال: "فالثالثة البراز" فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنتُ أظنّ أن أحداً من العرب يرومني عليها، إنّي لأكره أن أقتل مثلك وكان أبوك لي نديماً، فارجع فأنت غلام حَدَث... قال الإمام علي عليه السلام: "فأنا أُحبّ أن أقتلك".
 
غضب عمرو من قول عليّ، ونزل عن فرسه بكبرياء، وعقلها، وتقاتلا قتالاً شديداً، فأنزل عمرو ضربة قاصمة على رأس علي، فدفعها بترسه، فصار نصفين، وجرُح رأسه عليه السلام. ثمّ استغلّ علي الفرصة وضربه ضربة قوية، فألقاه صريعاً، وكانت الغبرة المثارة تمنع من رؤية القتال فسُمع التكبير ودبّ الفرح في قلوب المسلمين2.
 
عندها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام في ذلك اليوم: "لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أُمّة محمّد، لرجح عملك على عملهم، وذاك أنّه لم يبق بيت من المشركين إلّا وقد دخله ذلّ بقتل عمرو ولم يبق بيت من المسلمين إلّا وقد دخله عزّ بقتل عمرو"3.




1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج20، ص215.
2 الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، المغازي، ج2، ص471، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص236، ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ج2، ص181، الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص54.
3 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج20، ص216.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

77

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 المفاهيم الرئيسة

1- ولد الإمام في جوف الكعبة في بيت الله، وكانت شهادته في بيت الله في مسجد الكوفة.
 
2- وعاش الإمام علي عليه السلام خلال هذه المرحلة وهي الفترة الحساسة لتكوين شخصيته وتربيته روحياً ومعنوياً في بيت الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلموفي ظل تربيته، وقد كان يتردّد معه إلى غار حراء.
 
3- كان الإمام عليه السلام أوّل من أعلن إسلامه وصلى خلف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الوحيد الذي يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويردّ كيد قريش.
 
4- آخاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلمولم يؤاخِ غيره.
 
5- شارك عليه السلام خلال حياته مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمبغزوات ومعارك كثيرة، أبرزها غزوة بدر وأحد والأحزاب.
 
6- الغزوة الوحيدة التي لم يشارك فيها عليه السلام في زحف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي غزوة تبوك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

78

الدرس السادس: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)

 للمطالعة

 
المراحل الأربعة لمسيرة الإمامة - 1 -
ظهرت مسيرة الإمامة منذ اليوم الأوّل لرحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واستمرّت حتّى عام وفاة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، ويمكن تقسيمها لأربع مراحل:
الأولى: مرحلة السكوت: 
تميّزت هذه المرحلة بأنّ المجتمع الإسلاميّ الحديث الولادة والفتيّ كان محفوفًا بأعداءٍ مقتدرين تربّصوا بالإسلام من الخارج، وكلّ ثغرة في جسد الأمّة كانت تُشكّل تهديدًا لأساس المجتمع الإسلاميّ. ومن جانبٍ آخر، لم يكن منحنى انحراف الواقع عن الحقيقة كبيرًا، وامتدت هذه المرحلة لـ 25 سنة هي حياة الإمام عليّ عليه السلام منذ وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عام 11 للهجرة ــ حتّى تولّيه الخلافة ــ سنة 35 للهجرة. وقد شرح الإمام موقفه في هذه المرحلة من خلال الكتاب الّذي وجّهه إلى أهالي مصر، عبر مالك الأشتر عندما ولاّه إمارتها، حيث جاء فيه: "فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا أو هدمًا تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم، فنهضت في تلك الأحداث"1.
 
إنّ حياة أمير المؤمنين عليه السلام في هذه السنوات الـ 25 لهذه المرحلة، تحكي عن التدخّل الفعّال والدّعم والعون الناتج من الحرص الكبير على الإسلام ومجتمع المسلمين. إنّ أجوبة وإرشادات هذا الإمام لخلفاء زمانه، فيما يتعلّق بالقضايا السّياسيّة والاجتماعيّة وغيرها، قد نُقلت في نهج البلاغة وغيرها من كتب الحديث والتّاريخ، وهي شاهدة على عدم تردّده في هذا النهج2.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 نهج البلاغة، كتاب 62.
2 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص68.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

79

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحلِّل دور الإمام عليّ عليه السلام في مرحلة الخلفاء.
2- يعرف الملامح العامة لدولة الإمام عليّ عليه السلام.
3- يحلِّل أسباب ونتائج معارك الإمام عليّ عليه السلام الثلاث.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

80

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقضية الخلافة

لم يكن في العالم الإسلاميّ شخص يفوق مستوى الإمام علي عليه السلام في الفضل والعلم والجهاد في سبيل الله تعالى، وفي كافة الصفات الإنسانية العالية سوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا نُصّب عليه السلام من قِبَل رسول الله وبأمره تعالى في مناسبات عديدة لقيادة المسلمين وخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهمّها هو ما حدث في الغدير. ومن هنا كان من المتوقّع أن يتولّى الإمام عليّ عليه السلام الخلافة وقيادة المسلمين غير أنّه لم يحدث ذلك من الناحية العملية، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأُقصي علي عليه السلام عن الساحة السياسية ومركز القرار في قيادة المجتمع الإسلاميّ.
 
وقد أشار الإمام عليه السلام في كثير من المناسبات إلى صبره على هذه القضية بدافع الحفاظ على الإسلام، ومنها ما قاله في بداية تسلّم عثمان السلطة: "لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، وواللّه لأسلمنّ ما سلمت أُمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصة"1.
 
ويذكر الإمام علي عليه السلام في خطبة الشقشقية هذا المفترق الصعب والحسّاس والخيارين المصيريّين وسبب اختياره للخيار الثاني بهذا النحو: "فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْها كَشحاً، وطَفِقْتُ أرتَئي بَين أن أصولَ بيد جَذّاء، أو أصْبِرَ على طَخية عمياء، يَهْرَمُ فيها الكَبير وَيشيبُ فيها الصَغير، ويَكْدَحُ فيها مؤمِنٌ حَتّى يَلقى ربَّهُ، فَرَأيْتُ أنَّ الصَّبرَ على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العَيْنِ قَذى وَفي الحَلْقِ شَجى، أَرى تُراثي نَهباً"2.



1 نهج البلاغة، الخطبة: 74.
2 م.ن، الخطبة: 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

81

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 دور أمير المؤمنين عليه السلام في زمن الخلفاء

تركّزت نشاطات الإمام في هذه الفترة على الأُمور الآتية:
1- الإجابة عن شبهات وتساؤلات علماء الأديان العالمية لا سيّما اليهود والنصارى منهم الذين كانوا يتوافدون إلى المدينة للبحث والاستقصاء حول دين النبيّ بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وما كانوا يجدون من يجيب عن تساؤلاتهم سوى الإمام علي عليه السلام الذي بدت معرفته بالتوراة والإنجيل واضحة من خلال كلامه معهم. ولولا أنّ علياً ملأ هذا الفراغ لكان المجتمع الإسلاميّ يغطّ في انتكاسة كبيرة.

2- عندما كان أهل الخلافة يصلون إلى طريق مسدود في القضايا السياسية وبعض القضايا والمشاكل الأُخرى كان الإمام عليه السلام المستشار الوحيد والمعتمد الذي يُعالج المشاكل بموضوعية. ويشهد التاريخ بأنّ أبا بكر وعمر كانا يراجعان الإمام في القضايا السياسية والدينية وتفسير القرآن والأحكام الفقهية للإسلام طيلة فترة خلافتهما. وسنشير إلى مثال واحد فقد وقعت في السنة الرابع عشرة من الهجرة حرب طاحنة بين جيش الإسلام وجيش الفرس في القادسية، وانتهت بانتصار المسلمين وقتل "رستم فرّخ زاد" القائد العامّ للقوات الفارسية مع مجموعة من المقاتلين، وانضمّ بهذا الانتصار جميع أرجاء العراق إلى لواء الإسلام، واستولى المسلمون على المدائن التي كانت مركزاً للملوك الساسانيين وتراجع قادة الجيش الفارسيّ إلى داخل أراضيهم.

وخشي المستشارون والعسكريون الفرس من أن يزحف الجيش الإسلاميّ إلى داخل أراضيهم ويستولي على جميع أرجاء البلاد بالتدريج. ولأجل مواجهة هذا النوع من الهجوم الخطير أعدَّ "يزدجرد" ملك فارس جيشاً قوامه مائة وخمسون ألف مقاتل بقيادة "فيروزان" حتّى يصدّ أي هجوم مفاجئ، وإذا ساعدت الظروف يبدأ هو بالهجوم. وكتب سعد بن أبي وقاص القائد العامّ للقوات الإسلامية رسالة إلى عمر يُطلعه فيها على احتشاد العدوّ واستعداده واقترح مباغتة العدوّ بالحرب لإرعابه.

دخل الخليفة المسجد واستدعى كبار الصحابة، وأطلعهم على ما ينويه من ترك المدينة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

82

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 والانطلاق نحو مكان بين البصرة والكوفة. وبعد كثرة المداولات، قام أمير المؤمنين عليه السلام وقال: "إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتّى ما يبلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من الله واللّه منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمّه، فإذا انقطع النظام تفرّق الخرز وذهب ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك".

 
"إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإنّ الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأمّا ما ذكرت من عددهم، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنّما كنا نقاتل بالنصر والمعونة"1.
 
استجاب عمر لكلام الإمام بعد سماعه ولم يذهب2. ونظراً لهذه المعالجة والحلول قال عمر: أعوذ بالله من مشكلة ليس لها أبو الحسن3.
 
من الخلافة إلى الشهادة
بعد فترة وجيزة من تولّي الخليفة الثالث عثمان بن عفان الخلافة ثارت جماعة من الناس على حكومته، واستمرّ حراك الناس حتّى قُتل عثمان، وكانت خلافته قد استمرت نحو اثني عشر عاماً. وكان الناس في هذه المدة يعيشون حالة من الفوضى والضياع، وخلالها كان أصحاب الثورة يراجعون الإمام غير أنّه كثيراً ما كان يُبعد نفسه عن الأنظار، وحيث إنّهم كانوا يطالبونه بقبول بيعتهم وهو ما يزال يرى الظروف غير مناسبة لقبول الخلافة وأنّ



1 نهج البلاغة، الخطبة: 146.
2 ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ج3، ص8، الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج4، ص273، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج7، ص107.
3 ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

83

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 الحجّة لم تتمّ عليه بهذا الاقتراح قال: "دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والحجّة قد تنكّرت، واعلموا أنّي وإن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خيرٌ لكم منّي أميراً"1. وحيث قد كثر توافد المسلمين على الإمام عليه السلام وازدحامهم عليه واكتظّت داره بهم وازداد إصرارهم عليه، شعر بالمسؤولية ولم ير بدّاً من قبول البيعة. وتحدّث الإمام في خطبة أخرى عن إقبال الناس عليه بحرارة وسرور وعن أسباب قبول الخلافة قائلاً: "... فما راعني إلّا والناس كعرف الضبع إليّ ينثالون عليّ من كلّ جانب حتى لقد وطئ الحسنان2، وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. بلى واللّه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"3.

 
معالم حكومة الإمام عليّ عليه السلام
على الرغم من أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد واجه عقبات في أيّام خلافته إلاّ انّه استطاع بلا شكّ أن يطرح نموذجاً ناجحاً للحكومة وفق تعاليم الإسلام ومعاييره والتي نذكر بعضها بإيجاز:
1- أشار الإمام علي عليه السلام إلى أنّ فلسفة قبوله للخلافة هي لأجل إجراء العدالة الاجتماعية في المجتمع على كافة المستويات لا سيما الاقتصادية، والاستفادة من الإمكانات العامة، ومكافحة الفوارق الطبقية الكبيرة في المجتمع.



1 نهج البلاغة، الخطبة: 92.
2 نص كلام الإمام هو (وطئ الحسنان) الذي قد يعني: الحسن والحسين، ولكن قد فسّر البعض الحسن بالابهام، ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج1، ص200.
3 نهج البلاغة، الخطبة: 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

84

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 2- إنّ رؤية الإمام علي عليه السلام للحكم تتلخّص في أنّ الحكم والمنصب ليس إلّا وسيلة لخدمة الناس وإحقاق الحقّ ودحض الباطل، لا أنّه طعمة تدرّ الأرباح. وقد التزم الإمام بهذا المنهج إلى أبعد الحدود، حتّى تراه يجتنب عن إعطاء المهام الحسّاسة كالولاية وبيت المال إلى المتعطّشين للسلطة وكسب المال.

 
3- لقد عاش الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عند تصدّيه للخلافة غاية الزهد والبساطة في الحياة، كما كان يوصي عمّاله بالاعتدال والعزوف عن زخارف الدنيا وزبرجها. وهذه الخصوصية أي عزوفه عن زخارف الدنيا هي من أبرز خصائصه الذاتية وسيرة حكمه.
 
4- إنّ المعيار الذي أكّد عليه الإمام عليه السلام في انتخاب الولاة والعمّال، هو أن تكون لهم سوابق في الإسلام، وتقوى، وكفاءة في إدارة سدّة الحكم، والتزام بقيم الإسلام وغيرها من المعايير. والشيء الذي لم يخطر ببال الإمام أبداً هو القرابة والعشيرة، كما يتّضح ذلك حينما نصب (51) شخصاً كولاة وممثّلين عنه في الولايات والإمارات المختلفة، فتجد فيهم من المهاجرين والأنصار، وأهل اليمن، والهاشميّ وغير الهاشميّ، والعراقيّ والحجازيّ، الشابّ والكهل، ولا تجد في هذه القائمة أثراً لأسماء الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية وعبد الله بن جعفر (زوج زينب عليها السلام). وعلى الرغم من أنّ الإمام عليه السلام كان ينصب عمّالاً وولاة صالحين وكفوئين إلّا أنّه في الوقت نفسه كان يجعل عليهم عيوناً لمراقبة تحرّكاتهم. ومن أبرز تلك النماذج كتاب تقريع بعثه الإمام عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاريّ عامله على البصرة وقد بلغه أنّه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها1.
 
5- لم يكن الإمام يعتقد - وخلافاً لمعظم الزعماء والرؤساء - بأنّ الغاية تُبرّر الوسيلة، ولم يتوصّل إلى أهدافه المقدّسة النبيّلة بوسائل غير مشروعة قطّ، كما يظهر من جوابه لمّا عوتب على التسوية في العطاء وتصييره الناس أسوة فيه من غير تفضيل



1 نهج البلاغة، الكتاب: 45.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

85

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 أصحاب السابقات والشرف: "أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه؟، والله لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً. ولو كان المال لي لسوَّيت بينهم، فكيف وإنّما المال مال الله؟"1.

 
القتال في ثلاث جبهات
حمّلت خلافة الإمام عليه السلام وقيادته - التي ساد فيها العدل وإحياء المبادئ والقيم الإسلامية الأصيلة - أصحابه عبأ ثقيلاً ما أدّى إلى تشكيل خطٍّ معارض لحكومته، وانتهت هذه المعارضات إلى حدوث ثلاث حروب مع الناكثين والقاسطين والمارقين، وهي:
قتال الناكثين: وقد كان سبب هذه الحرب مع الناكثين (ناقضي العهد) هو أنّ طلحة والزبير اللّذين بايعا الإمام علياً قد طلبا منه أن يولّيهما أعمال البصرة والكوفة، ولكن الإمام رفض ذلك، فتركا المدينة سرّاً والتجآ إلى مكة وجيّشا جيشاً بأموال بيت المال المختلس من قبل بني أُمية وانطلقا نحو البصرة واستوليا عليها. فتحرّك الإمام علي عليه السلام تاركاً المدينة لمعالجة أمر الناكثين، فحدثت حرب طاحنة قرب البصرة انتهت بانتصار الإمام عليّ وهزيمة الناكثين، وهذه هي حرب الجمل التي لها مساحة كبيرة في التاريخ، والتي اندلعت سنة 36 هجرية.
 
قتال القاسطين: كان معاوية قد أعدّ ومنذ فترة سبقت خلافة الإمام علي عليه السلام مقدّمات الخلافة لنفسه في الشام، وما إن تسلّم الإمام الخلافة حتّى عزل معاوية عن الشام ولم يرض أن يقرّه عليها لحظة واحدة. وكان حصيلة هذا النزاع أن تقاتل جيش العراق وجيش الشام في أرض تُدعى صفّين. وكان الانتصار لجيش الإمام علي عليه السلام لولا خديعة معاوية برفع المصاحف بإشارة من عمرو بن العاص التي أحدثت تمرّداً في جيش الإمام. وفي النتيجة وبعد الاضطراب الكبير في جيش الإمام علي عليه السلام وافق على التحكيم، وكان من جهته أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص من جهة معاوية لكي ينظرا في مصالح الإسلام والمسلمين.



1 نهج البلاغة، من كلام له عليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء، 126.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

86

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 وتذكر الكثير من المصادر التاريخية أنّ ما حصل داخل جيش الإمام علي عليه السلام من البلبلة والاضطراب ما أدّى إلى انشقاق الصفّ والتقاتل ووقوع المسلمين في أزمة كبيرة لا تحمد عقباها. وبعد أن حان موعد إعلان رأي الحكمين خدع عمرو بن العاص أبا موسى وهو ما أدّى إلى إفشاء خطة معاوية الشنيعة بين الجميع، وبعد ذلك خرج بعض من المسلمين الذين كانوا في صفّ الإمام عليه وانتقدوه لقبوله التحكيم الذي فرضوه هم أنفسهم عليه. وقد حدث قتال القاسطين عام 37 هجرية.


قتال المارقين: والمارقون هم أُولئك الذين أصرّوا على قبول التحكيم، وندموا بعد عدّة أيام على ذلك، وطلبوا منه أن ينقض العهد من جهته، غير أنّ الإمام عليه السلام لم يكن بذلك الشخص الذي ينقض عهده، ولهذا خرجوا على الإمام ووقفوا ضدّه وقاتلوه في النهروان وقد عُرفوا بالخوارج لذلك. وانتصر الإمام في هذه الحرب، غير أنّ الأحقاد ظلّت دفينة في النفوس. اندلعت هذه الحرب في سنة 38، وعلى رأي بعض المؤرّخين في سنة 39 هجرية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

87

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 المفاهيم الرئيسة

1- قدّم الإمام عليّ عليه السلام حفظ أمور المسلمين على تسلّم مقاليد الخلافة مع تأكيده على حقّه. وقد أشار في كثير من المناسبات إلى صبره على انحراف الخلافة الإسلامية كما يظهر من كلامه في الخطبة الشقشقيّة.

2- تركّزت نشاطات الإمام عليه السلام في زمن الخلفاء على أمور منها:
• الإجابة عن شبهات وتساؤلات علماء الأديان العالمية كاليهود والنصارى.
• كان المستشار الوحيد والمعتمد الذي يعالج المشاكل السياسية وغيرها خاصة لدى أبي بكر وعمر ما أدّى إلى حفظ الأمّة من الضياع.

3- بُويع عليه السلام من قبل الناس بعد أن أثار عثمان غضبهم جرّاء فساده الماليّ والإداريّ، وتصرّفه غير الشرعيّ في أموال المسلمين وثاروا عليه وقتلوه.

4- أشار عليه السلام إلى أن فلسفة قبوله للخلافة هي لأجل إجراء العدالة الاجتماعية.

5- تتلخّص رؤيته عليه السلام للحكم في أنّ الحكم ليس إلا وسيلة لخدمة الناس.

6- عاش عليه السلام عند تصدّيه للخلافة غاية الزهد والبساطة في الحياة.

7- المعيار الذي اعتمده في تنصيب الولاة هو التقوى والكفاءة والالتزام.

8- قاتل الناكثين (طلحة والزبير وغيرهما) والقاسطين (معاوية) والمارقين (الخوارج).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

88

الدرس السابع: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)

 للمطالعة

 
المراحل الأربعة لمسيرة الإمامة - 2 -
المرحلة الثانية: هي مرحلة تسلّم الحكم: استغرقت أربعة أعوام وتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وبضعة أشهر من خلافة ولده الحسن عليه السلام. وقد اكتنف هذه الفترة آلام وهموم ومشاكل، إلّا أنّها سجّلت أنصع الصفحات وأروعها في تاريخ الحكومة الإسلاميّة.
 
إنّ هذه المرحلة من تاريخ الإمامة كانت النموذج الّذي دعا أئمّة أهل البيت عليهم السلام، خلال القرنين التاليين، إلى تطبيقه في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة وسعوا على طريقه. وكان الشّيعة يذكرون مثل هذه الذكرى العظيمة ويتحسّرون عليها، ويندّدون بالأنظمة الّتي تلتها عند مقارنتها بها. في الوقت نفسه، كانت درسًا وتجربةً ملهمة يمكن أن تدلّ على وضع وأحوال أيّة حكومة ثوريّة وإسلاميّة صرفة داخل مجتمعٍ وجماعةٍ لم تتربَّ أو انجرّت نحو الانحراف، ومنذ ذلك الوقت كانت تُفرض الأساليب والمناهج البعيدة المدى والمتلازمة مع كلّ أنواع التربية الصعبة والحزبيّة الشديدة على الأئمّة اللاحقين.
 
المرحلة الثالثة: مرحلة السّعي البنّاء القصير المدى لإيجاد الحكومة والنّظام الإسلاميّ: هي الّتي استوعبت السّنوات العشرين بين صلح الإمام الحسن عليه السلام سنة41 هـ، وشهادة الإمام الحسين عليه السلام سنة 61 هـ، فبعد صلح الإمام الحسن عليه السلام، بدأ نوعٌ من العمل شبه السرّيّ للشّيعة، كان هدفه إعادة القيادة الإسلاميّة إلى عترة النبيّ في الفرصة المناسبة.
 
المرحلة الرّابعة: وهي مرحلة متابعة ذلك النّهج في برنامجٍ بعيد المدى، في زمنٍ قارب القرنين، شهد انتصاراتٍ وهزائم في مراحل مختلفة، وتلازم مع الانتصار القاطع في مجال العمل الأيديولوجيّ، وامتزج بمئات التكتيكات المتناسبة مع الزّمان، والمزيّنة بآلاف مظاهر الإخلاص والتضحية وعظمة الإنسان الّذي يريده الإسلام1.
 
الإمام الخامنئي دام ظله 



1 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص69 70 (بتصرف).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

89

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى حياة السيّدة الزهراء عليها السلام.
2- يقرأ بعض فضائل السيّدة الزهراء عليها السلام.
3- يحلِّل مواقف السيّدة الزهراء من الأحداث الواقعة بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

90

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
ولدت السيدة الزهراء عليها السلام على ما هو المشهور بعد النبوّة بخمس سنين في العشرين من جمادى الآخرة، في مكّة المكرّمة، من أبوين كريمين، وهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسيدة خديجة بنت خويلد. وعاشت مع أمّها السيّدة خديجة خمس سنوات تقريباً ثمّ فقدتها في السنة العاشرة للبعثة، وكانت شهادتها عليها السلام في الثالث عشر من جمادى الآخرة أو الثالث من جمادى الآخرة.
 
وكان من ألقابها: الزهراء، سيّدة نساء العالمين، المحدَّثة، البتول، الصدّيقة، وكنيتها البارزة أمّ الحسنين. وبعد شهادتها دفنها أمير المؤمنين عليه السلام ليلاً وأعفى قبرها ولا يعلم موضعه.
 
ثانياً: شذرات من فضائلها
اتّسمت حياة السيّدة الزهراء عليها السلام بالعبادة، وقد عرفت بذلك حتّى قيل إنّه لا يوجد في هذه الأمة أعبد من فاطمة، فإنّها كانت تقوم في مصلّاها حتّى تتورَّم قدماها1.
 
وكانت عندما تقوم في محرابها يزهر نورها لأهل السماء، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "وأمَّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيَّ، وهي الحوراء الإنسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها (جلّ جلاله) زَهَر نورها لملائكة السماء كما يزهر 



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص76.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

91

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله (عزّ وجلّ) لملائكته: يا ملائكتي انظروا إلى أَمَتي فاطمة، سيّدة إمائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي..."1.

 
وكانت السيدة الزهراء عليها السلام تمثل أكمل أنواع التراحم والتعاطف الاجتماعيّ، فكانت إذا قامت في محرابها تدعو للمؤمنين جميعاً وخصوصاً جيرانها، وهذا ما يحدّثنا عنه الإمام الحسين عليه السلام عن أخيه الإمام الحسن عليه السلام قال: "رأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بُنيّ! الجار ثم الدار2.
 
السيّدة الزهراء عليها السلام في ظل الإسلام
أولاً: حياتها في مكّة
ولدت السيّدة فاطمة الزهراء من بيت العفّة والطهارة، وتربّت في ذلك البيت المليء بالحبّ والعطف والحنان، فأخذت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكارم الأخلاق وفضائلها وتربّت على يديه أكمل تربية، وكذا أخذت من أمّها مكارم الأخلاق، فكانت خير نموذج للمرأة المسلمة التي يمكن لها أن تبني بيتاً إسلامياً على تعاليم الإسلام وأحكامه ومبادئه.
 
وقد عاشت السيّدة الزهراء عليها السلام مع أبيها وأمّها المرحلة الأولى من النبوّة والبعثة عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال في مكّة المكرّمة. وقد شاهدات الصعوبات والتحدّيات التي رافقت الدعوة النبوية المباركة. وكانت تساعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تحمّل تلك المصاعب والتحديات، بل كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالأمّ الحنون، حتّى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلّدها وسام



1 ابن شاذان، أبي الفضل سديد الدين شاذان بن جبرائيل، الفضائل، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية، 1381 - 1962م، لا.ط، ص9.
2 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، النجف الأشرف، منشورات المطبعة الحيدرية، 1385 - 1966م، لا. ط، ج1، ص182.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

92

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 الأمومة لعظمتها من جهة، ولعظمة الأمومة من جهة أخرى، فقال عنها: "فاطمة أمّ أبيها"1.

 
ثانياً: الهجرة إلى المدينة
كانت السيّدة الزهراء عليها السلام من النساء اللواتي هاجرن إلى المدينة المنورة بعد مغادرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد هاجرت مع الفواطم برفقة الإمام عليّ عليه السلام حتّى نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قباء ودخلوا إلى يثرب.
 
وبعد الاستقرار في يثرب التي تأسّست فيها دولة الإسلام، كانت السيدة الزهراء عليها السلام شريكة في صناعة الدولة الإسلامية في وقوفها مع أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومساندته في كلّ شيء، ومن جهة أخرى كانت ترى كيف أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام بجهاد الكفّار والمشركين، وشاهدت ظهور تيار آخر من الناس المنافقين الذين كانوا يحاربون الإسلام من الداخل، ممّا أثر سلباً على مسيرة الإسلام السياسية.
 
ثالثاً: زواج السيدة الزهراء
وبعد أن نشأت الزهراء عليها السلام في بيت العفة والطهارة ووصلت إلى مرحلة الزواج تقدم لها العديد من الرجال إلا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحيل الأمر إلى الله عزّ وجلّ، إلى أن تقدّم أمير المؤمنين عليه السلام إلى خطبتها فوافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وجاء الأمر الإلهيّ بزواج النور من النور، فانتقلت السيدة الزهراء عليها السلام إلى بيت الزوجية.
 
وكان ذلك المنزل المفعم بالإيمان والتقوى هو بيت الطهر والصفاء، الذي نشأ فيه فرع النبوة أي الإمامة، فولد الحسن والحسين عليهما السلام، ونشآ في بيت من بيوت الله تعالى.
 
واستمرّت الحياة في صفاء وطهر وهناء إلى أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فتبدّلت الحياة الهنيئة إلى حياة الحزن على فراق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقاست الزهراء عليها السلام أشدّ أذية في الإسلام حتّى ارتحلت إلى ربها شهيدة راضية مرضية2.



1 الطبراني، أبي القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، حققه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي، ط2، ج22، ص397.
2 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص124.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

93

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 السيدة الزهراء عليها السلام في آية المباهلة

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾1، فتلاها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على النصارى، ودعاهم إلى المباهلة، وقال: "إنّ الله عزّ اسمه أخبرني أنّ العذاب ينزل على المبطل عقيب المباهلة، ويبيّن الحقّ من الباطل بذلك"، فاتّفق رأيهم على استنظاره إلى صبيحة غد من يومهم ذلك.
 
فلمّا رجعوا إلى رحالهم قال لهم الأسقف. انظروا محمّداً في غد، فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء.
 
فلمّا كان من الغد جاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم آخذاً بيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين بين يديه يمشيان وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم.
 
فلمّا رأى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبل بمن معه، سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمّه علي بن أبي طالب وهو صهره وأبو ولده وأحبّ الخلق إليه، وهذان الطفلان ابنا بنته من عليّ وهما من أحب الخلق إليه، وهذه الجارية بنته فاطمة أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه.
 
فنظر الأسقف إلى العاقب والسيد وعبد المسيح وقال لهم: انظروا إليه قد جاء بخاصّته من ولده وأهله ليباهل بهم واثقاً بحقّه، والله ما جاء بهم وهو يتخوّف الحجّة عليه، فاحذروا مباهلته، والله لولا مكان قيصر لأسلمت له، ولكن صالحوه على ما يتّفق بينكم وبينه، وارجعوا إلى بلادكم وارتؤوا لأنفسكم، فقالوا له: رأينا لرأيك تبع، فقال الأسقف: يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ولكنّا نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به.
 
فصالحهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ألفي حلّة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهماً جياداً، فما زاد أو نقص كان بحساب ذلك، وكتب لهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً بما صالحهم عليه، وكان الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عند محمد النبيّ رسول الله لنجران وحاشيتها، في كل صفراء وبيضاء وثمرة ورقيق، لا يؤخذ منه شيء منهم غير ألفي حلّة من حلل الأواقي ثمن كل حلة أربعون درهماً، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك، يؤدون ألفاً 



1 سورة آل عمران، الآيات 59 - 61.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

94

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 منها في صفر، وألفاً منها في رجب، وعليهم أربعون ديناراً مثواة رسولي مما فوق ذلك، وعليهم في كلّ حدث يكون باليمن من كل ذي عدن عارية مضمونة ثلاثون درعاً وثلاثون فرساً وثلاثون جملاً عارية مضمونة، لهم بذلك جوار الله وذمة (محمد بن عبد الله)، فمن أكل الربا منهم بعد عامهم هذا فذمّتي منه بريئة". وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا1.

 
السيّدة الزهراء عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أولاً: موقف الزهراء من قضية الخلافة
انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى تاركاً وصيّاً على أمّته، وهو الإمام عليّ عليه السلام، حيث أكّد في كثير من مواقفه على ذلك، وكان آخرها يوم الغدير عندما كان قافلاً من مكة الكرّمة وقد أنهى حجّة الوداع. وقد عايشت السيدة الزهراء عليها السلام هذه المشكلة، ووقفت إلى جانب الإمام عليّ عليه السلام لا بدافع العاطفة الزوجيّة والعائلية فقط، وإنّما انطلاقاً من المسؤوليّة الشرعيّة. ويمكن وضع العناوين العامّة للمعارضة التي قامت بها السيّدة الزهراء عليها السلام في الآتي:
1- المطالبة الصريحة والمباشرة بالالتزام بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
2- استنهاض المسلمين من الأنصار وشحذ الهمم للمطالبة بإرجاع الحقّ لأهله. إلا أنّها لم تجد من يصغي إليها.
3- تحميل المسلمين كافة تبعات ما قاموا به، والذي سوف يؤثر سلباً على حياتهم، وأن ما قام به الإمام علي عليه السلام هو الحقّ نفسه.
 
ثانياً: قضية فدك‏
1ـ أرض فدك:
فدك هي أرض زراعية كبيرة تقع بخيبر، بينها وبين يثرب مسير يومين، وهي التي أفاءها الله عزّ وجلّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنة سبع للهجرة صلحاً، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا هاجم يهود خيبر وفتح حصونهم ولم يبق إلا ثلاثة حصون، واشتدّ بهم الحصار، أرسلوا إلى 



1 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص169.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

95

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وفعل ذلك، وبلغ ذلك اليهود من أهل فدك، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصالحهم على النصف من ثمارها وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك. فهو ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾1.

 
وبناء على هذا النصّ القرآنيّ تكون هذه الأرض خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحقّ له أن يتصرّف فيها كيف يشاء، ويحكم فيها بما يريد، فهي ليست من غنائم الحرب لكي توزّع بين المجاهدين المسلمين.
 
2- فدك ملك للسيّدة الزهراء عليها السلام:
لا يشكّ مسلم أنّ السيّدة الزهراء عليها السلام قد أخذت أرض فدك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحلة، وذلك بعدما نزل قوله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾"2.
 
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإعطاء فدك للزهراء عليه السلام، فإنّه كان يحقّ له أن يفعل بها ما يشاء، فهي ملك خالص له.
 
وقد أشار المؤرّخون والمحدّثون إلى أنّ السيّدة الزهراء عليها السلام كانت تتصرّف في فدك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن فدك كانت في يدها، وممّا يشير إلى ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام في الكتاب الذي أرسله إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة، فإنه ذكر فيه: "...بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله..."3.
 
وقد طالب السيدة الزهراء عليها السلام بأرض فدك أكثر من مرة إلا أن ذلك لم يجدي نفعاً رغم تقديمها شهوداً على ذلك وهما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن.



1 سورة الحشر، الآية 6.
2 سورة الحشر، الآية 7.
3 نهج البلاغة، رسالة الإمام علي عليه السلام إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

96

الدرس الثامن: السيدة فاطمة بنت محمّد عليها السلام

 للمطالعة

 
السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أسوة للمرأة المسلمة
كانت حياة فاطمة الزّهراء عليه السلام مليئة بالعمل والسّعي والتّكامل والسموّ الرّوحيّ للإنسان، وكانت مشاكل المحيط والحياة قد جعلت فاطمة الزّهراء عليها السلام كمركزٍ لمراجعات النّاس والمسلمين، وقامت بتربية أولادها الحسن والحسين وزينب، وإعانة زوجها عليّ عليه السلام، وكسب رضا أب كالنبيّ. وعندما بدأت مرحلة الفتوحات والغنائم لم تأخذ بنت النبيّ ذرّة من لذائذ الدنيا وزخرفها ومظاهر الزينة والأمور الّتي تميل لها قلوب الشابّات والنّساء، وكانت عبادة فاطمة الزّهراء عليها السلام عبادةً نموذجيّة ...إنّ جهاد تلك المكرّمة في الميادين المختلفة هو جهاد نموذجيّ في الدفاع عن الإسلام، وفي الدّفاع عن الإمامة والولاية، وفي الدّفاع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حفظ أكبر القادة الإسلاميّين وهو أمير المؤمنين عليه السلام زوجها. وقد قال عليّ عليه السلام مرّة بشأن فاطمة الزّهراء عليها السلام : "ما أغضبتني ولا عصت لي أمراً"1. ومع تلك العظمة والجلالة، فإنّها كانت زوجة في بيتها، وامرأة بالنّحو الذي يقول عنه الإسلام. تلك كانت عبادتها وفصاحتها وبلاغتها وحكمتها وعلمها ومعرفتها وجهادها وسلوكها كابنة وزوجة وأمّ. وكان إحسانها إلى الفقراء بحيث عندما أرسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمرجلًا عجوزًا فقيرًا إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام وقال له أن يطلب حاجته منهم، أعطته فاطمة الزّهراء عليها السلام جلدًا كان ينام عليه الحسن والحسين عليهما السلام حيث لم يكن عندها شيءٌ غيره، وقالت له أن يأخذه ويبيعه ويستفيد من ثمنه. هذه هي الشّخصيّة الجامعة لفاطمة الزّهراء عليها السلام. إنّها أسوة للمرأة المسلمة2.
 
الإمام الخامنئي دام ظله
 



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص134.
2 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر250 سنة، ص122 - 123(بتصرف).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

97

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى سيرة الإمام الحسن عليه السلام وجهاده.
2- يعرف أسباب الصلح بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية.
3- يشرح بنود المعاهدة وسبب نقضها من قبل معاوية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

98

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
ولد الإمام الحسن عليه السلام ليلة الثلاثاء، في النصف من شهر رمضان المبارك، في السنة الثالثة للهجرة في المدينة المنوّرة1. وأبوه أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّه السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام. ونشأ الإمام في هذا البيت الكريم، وتربّى بين يدي الإمام عليّ عليه السلام والسيّدة الزهراء عليها السلام أكمل تربية.
 
تسلّم الإمامة بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام. وقد استمرّت إمامته عشر سنوات تقريباً، حيث بويع بالخلافة في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40هـ، واستشهد سنة50 هـ. وقد استمرّت حكومته ثمانية أشهر تقريباً، وأوصى من بعده بالإمامة لأخيه الإمام الحسين عليه السلام2.
 
وكان من ألقابه: الحجّة، الكفيُّ، السّبط، الوليّ، وكنيته أبو محمّد.
 
وكان للإمام الحسن عليه السلام، خمسة عشر ولداً ذكراً وأنثى، وهم: زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين وأمّهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن المثنى أمّه خولة بنت منظور الفزارية، وعمر وأخواه القاسم وعبد الله أمّهم أم ولد، وعبد الرحمن أمّه أم ولد، والحسين الملقّب بالأثرم وأخوه طلحة وأختهما فاطمة بنت الحسن أمّهم أم اسحق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية لأمّهات3.



1 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 28, المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ص 187.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص300، باب الإشارة والنص على الحسين بن علي عليه السلام.
3 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج2، ص20، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد، ص27.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

99

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 وكان من أصحابه: أشعث بن سوار، سليم بن قيس الهلالي، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عمرو بن قيس المشرقي، المسيب بن نجبة، مسعود مولى أبي وائل، يُكنّى أبا رزين، ميثم التمار، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري1.

 
وكانت شهادته المباركة عليه السلام في السابع من شهر صفر سنة 50هـ، وقد مضى وهو ابن سبع وأربعين سنة، مستشهداً بعد أن سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث بدسيسة من معاوية بن أبي سفيان، ودُفن في المدينة المنوّرة - البقيع.
 
ثانياً: عبادته
لقد كان الإمام الحسن عليه السلام أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم2، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يُغشى عليه منها، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله الجنّة، وتعوّذ بالله من النار، وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلّا قال: "لبّيك اللهم لبّيك"، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلا ذاكراً لله سبحانه وتعالى، وكان أصدق الناس لهجة3.
 
وكان له عليه السلام حالات خاصة أثناء قيامه بين يدي الله تعالى للصلاة، فإذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي الله عزّ وجلّ، وكان إذا توضّأ ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ على كل من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله.
 
وإذا دخل المسجد رفع رأسه، ويقول: "إلهي ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم"4.



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، 93، وللاطلاع أكثر يراجع كتب علم الرجال.
2 الترمذي، أبي عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، ج5، ص659، البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج5، ص33.
3 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص150.
4 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

100

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 ثالثاً: مكارم أخلاقه

جسّد الإمام عليه السلام أخلاق الإسلام ومبادئه في التعامل مع الناس، فكان نبراساً يستضاء به في ذلك، فروي أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد حيّته جارية له بطاقة ريحان، فقال لها: "أنت حرّة لوجه الله"، فسئل في ذلك، فقال: "أدّبنا الله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾1، وكان أحسن منها إعتاقها"2.
 
ومن حلمه وتواضعه أنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه، والإمام لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك، فقال: "أيّها أظنّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيانك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعوَد عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً".
 
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليَّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليَّ، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبّتهم3.
 
الحياة الجهادية للإمام الحسن عليه السلام
كان الإمام الحسن عليه السلام ـ كما يشهد التاريخ ـ شجاعاً مقداماً وشهماً، لا يعرف الخوف طريقه إليه، ولم يبخل يوماً في تقديم أيّ تضحية في سبيل تقدّم الإسلام وإعلاء كلمته، وكان دائم الاستعداد للجهاد في سبيل الله.
 
في حرب الجمل: كان الإمام الحسن عليه السلام يقاتل مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام جنباً إلى جنب وفي الخطّ الأماميّ من ساحة القتال في حرب الجمل4. وقبل بدء الحرب دخل الكوفة وبأمر من أبيه برفقة عمار بن ياسر وعدّة من أصحاب أمير المؤمنين ودعا 



1 سورة النساء، الآية 86.
2 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص18
3 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص344.
4 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 21.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

101

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 أهلها للمشاركة في القتال1. ومع وجود معارضة لحكومة الإمام علي عليه السلام استطاع الإمام الحسن عليه السلام أن يعبّئ جيشاً تعدّى التسعة آلاف مقاتل وبعث بهم إلى ساحة القتال2.

 
في حرب صفّين: كان له دور فاعل في تعبئة القوات وإرسال الجيش إلى قتال معاوية في حرب صفّين أيضاً، وكان يدعو أهل الكوفة إلى الجهاد إلى جانب أمير المؤمنين للقضاء على أعداء الإسلام وخونته3. وقد بلغ من استعداده للتضحية في سبيل الحقّ مبلغاً في حرب صفّين جعل أمير المؤمنين عليه السلام يطلب من أصحابه أن يمنعوه هو وأخاه الحسين من مواصلة القتال لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم4.
 
الإمام الحسن عليه السلام وتسلّم مقاليد الحكم
إنَّ الظروف الصعبة الّتي أحاطت بحياة الإمام المجتبى عليه السلام جعلت من محطّات حياته ودراستها أمراً يحتاج إلى كثير من الدقّة والتمحيص والإنصاف, لأنّ الإمام عليه السلام قد عانى مظلوميّة من أهل زمانه، ومظلوميّة في صفحات التاريخ الإسلاميّ، سواء على مستوى فهم حركته السياسيّة المباركة وصولاً إلى الصلح مع معاوية، أم على مستوى بعض الاتّهامات التي لا تليق بالإمام عليه السلام كتعدّد الزوجات وغير ذلك ممّا نشتمّ منه رائحة البيت الأمويّ.
 
وقد عهد الإمام عليّ عليه السلام إليه قبل شهادته بيومين قائلاً: "يا بُنيّ! أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمودفع إليَّ كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن توصي بها إلى أخيك الحسين عليه السلام"5.
 
وبعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام، خطب الإمام الحسن عليه السلام خطبة قال فيها: "أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد رسول



1 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 170.
2 ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 231.
3 نصر بن مزاحم، وقعة صفين، ص 113.
4 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج 11، ص 25.
5 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 297.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

102

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا ابن البشير، أنا ابن النذير... الخ"1. وبعد ذلك قام ابن عبّاس ودعا الناس إلى بيعته فاستجابوا وبايعوه قائلين "ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة"2. وينقل ابن أبي الحديد أنّه: "كان عدد المبايعين له أكثر من أربعين ألفاً"3.

 
صلح الإمام الحسن عليه السلام
دوافع الصلح وأسبابه:
ولأجل أن تتّضح دوافع صلحه عليه السلام ونتائجه جيداً يجب علينا أن نتصفّح التاريخ وندرس هذا الموضوع في ضوء الوثائق التاريخية الأصيلة. وينبغي القول عموماً إنّ الإمام الحسن عليه السلام لم يصالح في الواقع بل فُرض الصلح عليه، أي تعاونت الظروف المتردّية مع العوامل الأُخرى بحيث أوجدت وضعاً جعل الصلح أمراً ضرورياً مفروضاً على الإمام ولم ير حلاً غير ذلك، ذلك أنّ الأوضاع والظروف خارج العالم الإسلاميّ والوضع الداخليّ في العراق ومعسكره هو عليه السلام، كلّ ذلك كان يدعو إلى عدم استمرارية الحرب، وكان للصلح أسباب منها:
1- الوضع الداخلي:
لقد كانت حروب الجمل وصفّين والنهروان والحروب الخاطفة التي نشبت بين جيش معاوية وبين مراكز الحدود في العراق والحجاز واليمن بعد التحكيم قد ولّدت عند أصحاب الإمام عليّ حنيناً إلى السلم والموادعة، فقد مرّت عليهم خمس سنين وهم لا يضعون سلاحهم من حرب إلاّ ليشهروه في حرب أُخرى، وكانوا لا يقاتلون جماعات غريبة عنهم وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالأمس ومن عرفهم وعرفوه الذين أصبحوا الآن في معسكر معاوية4. وقد عبّر الناس عن رغبتهم في الدعة وكراهيتهم للقتال بتثاقلهم عن حرب الفرق الشامية 



1 أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين، ص 33.
2 م.ن.
3 ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب، ج 1، ص 385.
4 قد قتل في حرب الجمل أكثر من ثلاثين ألفاً , تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 172 وقتل في النهروان أربعة آلاف من الخوارج, م. ن، ج 2، ص 182، وكانت خسائر الطرفين في صفين قد بلغت المائة وعشرة آلاف قتيل, المسعودي، مروج الذهب، ج2، ص 393.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

103

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 التي كانت تغير على الحجاز واليمن وحدود العراق، وتثاقلهم عن الاستجابة للإمام عليّ حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفّين1.

 
فلمّا استشهد الإمام عليّ عليه السلام وبويع الإمام الحسن عليه السلام بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدّها وبخاصّة حين دعاهم الإمام الحسن للتجهّز لحرب الشام حيث كانت الاستجابة بطيئة جداً. وعندما وصل خبر تحرّك جيش معاوية باتّجاه الكوفة، أمر الإمام الحسن أن يجتمع الناس في مسجدها، ثمّ خطب خطبة، وبعد أن أنهى خطبته المثيرة الجهادية، لزم الجميع الصمت ولم يستجب له أحد منهم ولا أيّدوه بكلمة. ويدلّ هذا الأمر على مدى الخذلان والتثاقل الذي وصل إليه أهالي العراق آنذاك حيث خمدت في نفوسهم نار الحماس والجهاد ولم يكونوا على استعداد لخوض القتال.
 
وأخيراً، وبعد خطب بعض أصحاب الإمام الحسن عليه السلام الكبار ومحاولاتهم لتعبئة القوات وحثّ الناس على القتال، انطلق الحسن مع نفر قليل من الكوفيين متّجهاً نحو مكان يدعى "النُّخيلة" وعسكر هناك. وبعد انتظار لتعزيز القوات طال عشرة أيام اجتمع في معسكره أربعة آلاف مقاتل. ولأجل ذلك اضطرّ الإمام للعودة إلى الكوفة للمحاولة مرة أُخرى لتعبئة قوات أكثر2.
 
2- جيش متفكّك:
وقد انعكست طبعاً ظاهرة التعدّدية العقائدية والتباين الفكريّ والتفكّك على جيش الإمام الحسن عليه السلام أيضاً وجعلت منه جيشاً لا يتمتّع بالانسجام والتماسك. ولذلك كان من غير الممكن الاعتماد على هذا الجيش في مواجهة العدوّ الخارجيّ. وهكذا كان جيش الإمام الحسن يفتقد الوحدة والانسجام الضروريين في مواجهة عدوّ قويّ كمعاوية.
 
وقد أجمع المؤرّخون على أنّه عليه السلام جهّز جيشاً واستعد للقتال، غير أنّ انعدام الانسجام ووجود التحزّب في جيشه من ناحية، وتفكّكه قبل بدء الحرب ونشوب النزاع أثر مؤامرات معاوية الغادرة وخذلان الناس له من ناحية أُخرى، دفعاه إلى أن يوقف الحرب ويخضع



1 شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الحسين، ص 138 - 141.
2 الشيخ الرضي، آل ياسين، صلح الحسن، لا.د، لا.ط، لا.ت، ص 102.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

104

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 للصلح والسلم، وعليه بدأ عمل الإمام بالتحرّك وإعلان الحرب وإعداد الجيش، وانتهى إلى الصلح والهدنة، وهو يدرك بعمق طبيعة المجتمع الإسلاميّ وظروفه وتهمّه مصالح الأُمّة1.

 
روي عن الإمام المجتبى عليه السلام عن أبي سعيد قال: قلت للحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَ داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أنّ الحقّ لك دونه وأن معاوية ضالّ باغٍ؟
 
فقال عليه السلام: "سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلا قُتل"2.
 
الصلح وأهداف الإمام الحسن عليه السلام
عندما ارتأى الإمام الحسن أنّ الحرب تتعارض مع المصالح العليا للمجتمع الإسلاميّ والحفاظ على كيان الإسلام ودخل في السلم اضطراراً للظروف العصيبة التي أُشير إليها تفصيلاً مسبقاً، بذل قصارى جهده لضمان تحقيق أهدافه العليا والمقدّسة بأقصى ما يمكن من خلال هذا الصلح بطريقة سلمية.
 
ومن ناحية أُخرى ولأنّ معاوية كان مستعدّاً لأن يُقدّم أيّ نوع من الامتيازات والتنازلات للدخول في السلم وتسلّم السلطة، لدرجة أنّه أرسل صحيفة بيضاء مختومة إلى الإمام كتب فيها: أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهي لك3، استغلّ الإمام هذه الفرصة فكتب في معاهدة الصلح جميع القضايا الهامّة والحسّاسة ذات الأولوية التي تمثّل مبادئه الكبيرة، وطلب من معاوية الالتزام بما جاء فيها.



1 ولهذا السبب ألف عدّة من المؤرّخين المسلمين القدماء كتباً تحت عنوان قيام الحسن ومنها الكتابان التاليان:
أ: قيام الحسن عليه السلام، تأليف هشام بن السائب الكلبي (المتوفّى 205هـ).
ب: قيام الحسن عليه السلام، تأليف إبراهيم بن محمد الثقفي (المتوفّى عام 283هـ). (امام در عينيّت جامعه، محمد رضا الحكيمي، ص 171).
2 م. ن.
3 ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 405, الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج 6، ص 93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

105

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 ويمكن حصر نص المعاهدة في خمسة بنود:

البند الأوّل: تسليم الأمر ـ الخلافة ـ إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنّة رسوله.
 
البند الثاني: أن تكون للحسن الخلافة من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد بها إلى أحد.
 
البند الثالث: أن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه في الصلاة، وأن لا يذكر علياً إلاّ بخير.
 
البند الرابع: استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة ملايين درهم وتكون بحوزة الإمام الحسن، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني أُمية، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وصفّين مليون درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد1.
 
البند الخامس: الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما صدر من هفواتهم، وأن لا يتّبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة وحقد، وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ بمكروه، وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت الرسول غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أُفق من الآفاق.
 
فكتب معاوية جميع ذلك بخطّه وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكّدة والأيمان المغلّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام2.



1 دار ابجرد هي إحدى المدن الخمس في ولاية فارس قديماً (لغتنامه دهخدا، كلمة دار أبجرد). ولعلّ اختيار خراج دار ابجرد كان بسبب ووفقاً للوثائق التاريخية انّ أهلها استسلموا طوعاً بلا قتال للجيش الإسلامي وصالحوه ويختص خراجها كما أمر الإسلام بالرسول وأهل بيته واليتامى والمساكين وابن السبيل، لذلك شرط الإمام أن يدفع إلى عوائل شهداء الجمل وصفين من خراج هذه المدينة، لأنّ دخلها يختص بالإمام، مضافاً إلى ذلك انّ الفقراء من عوائل الشهداء كانوا المستحقين لهذا الخراج، العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 44، ص 10.
2 يراجع تفصيل معاهدة الصلح في: الشيخ راضي آل ياسين، صلح الحسن عليه السلام، ص 259 - 261.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

106

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 معاوية بن أبي سفيان ينقض الصلح

دخل الجانبان الكوفة بقواتهما بعد إبرام معاهدة الصلح، واجتمعوا في مسجدها الكبير. والناس كانوا ينتظرون أن يتمّ التأكيد على بنود المعاهدة من خلال خطب قائدي الفريقين بمرأى ومسمع منهم حتّى لا يبقى مجال للشكّ والترديد في تطبيقها. ولم يكن هذا التوقّع في غير محلّه فإنّ إيراد الخطبة كان جزءاً من الصلح، ولذلك ارتقى معاوية المنبر وخطب خطبة غير أنّه ليس فقط لم يؤكّد على بنود المعاهدة، بل قال مستخفّاً ومستهتزئاً: أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون! ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم. ثمّ قال: ألا وإنّ كلّ شرط وشيء أعطيت الحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين1. وهكذا داس معاوية كلّ ما تعهّد به وشرطه ونقض معاهدة الصلح علانية.
 
وتبعاً لهذه السياسة لم يكتف معاوية بعدم إجراء تعديل على طريقته هذه في التعامل فقط، بل ازداد طغياناً وإجراماً أكثر من السابق، فقد أشاع بدعة سبّ أمير المؤمنين وهتك حرمة ساحته المقدّسة أكثر ممّا مضى، وضيّق الخناق على الشيعة وأصحاب عليّ الكبار الأوفياء لدرجة كبيرة، وقتل شخصية بارزة كحجر بن عديّ وجماعة آخرين من الشخصيات الإسلامية الكبيرة، وتصاعد القتل والتنكيل والاضطهاد لشيعة عليّ حتّى أصبح الشيعة بشكل عامّ إمّا سجناء أو مفقودين أو مشرّدين بعيداً يعيشون في أجواء يسودها الرعب والخوف.



1 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 15, أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين، ص 45, الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج1، ص 191.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

107

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 المفاهيم الرئيسة

1- لقد كان الإمام الحسن عليه السلام أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- جسّد الإمام عليه السلام أخلاق الإسلام ومبادئه في التعامل مع الناس، فكان نبراساً يستضاء به في ذلك.

3- شارك عليه السلام في حرب الجمل وحرب صفّين.

4- إنّ الظروف الصعبة التي أحاطت بالإمام المجتبى عليه السلام جعلت من محطّات حياته ودراستها أمراً يحتاج إلى كثير من الدّقة.

5- من دوافع الصلح الذي عقده بينه وبين معاوية:
• الشعور بضرورة تهدئة الوضع الداخليّ، بعد أن أنهك المسلمون بحروب الجمل وصفّين والنهروان، فكان لا بدّ من المهادنة نوعاً ما.
• عدم ترابط وتكاتف المجتمع آنذاك.

6- أهمّ بنود الصلح:
الأول: تسليم الأمر لمعاوية على شرط العمل بكتاب الله وسنّة رسوله.
الثاني: أن تكون الخلافة للحسن من بعده.
الثالث: أن يترك سبّ الأمير عليه السلام.
الرابع: إعطاء الأمان للموالين والعلويين.
البند الخامس: الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم.

7- قام معاوية بالدخول إلى الكوفة وخطب خطبته الشهيرة التي نقض فيها جميع بنود الصلح مع الإمام الحسن عليه السلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

108

الدرس التاسع: الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام

 للمطالعة

 
الصلح خيار الأئمّة عليهم السلام
لقد ذكرنا مرارًا فيما يتعلّق بصلح الإمام الحسن عليه السلام، وما نصّت عليه المصنّفات والكتب أيضًا، عدم قدرة من كان في نفس موقف الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وفي مثل ظروفه، إلّا أن يقوم بمثل ما قام به الإمام الحسن عليه السلام، بما في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إنّ الجانب الفلانيّ من عمل الإمام عليه السلام هو مثارٌ للتّشكيك. كلّا، ففعله عليه السلام كان مطابقًا للاستدلال المنطقيّ الّذي لا يقبل التخلّف.
 
من هو الأكثر ثوريّة من بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ومن الّذي فاقهم في اصطباغ حياته بصبغة الشّهادة وفاقهم حميّةً للمحافظة على الدّين ومواجهة العدوّ؟ إنّه الحسين بن عليّ عليه السلام، وهو عليه السلام قد شارك الإمام الحسن عليه السلام في هذا الصّلح، فلم يعقد الإمام الحسن الصّلح وحده بل عقداه معًا. غاية الأمر أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان المتقدّم يتبعه الإمام الحسين في ذلك. كان الإمام الحسين عليه السلام أحد الذائدين عن مبدأ صلح الإمام الحسن عليه السلام . وعندما بدر اعتراضٌ من أحد الأنصار المقرّبين ــ من هؤلاء المتحمّسين الثائرين ــ على ما فعله الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ردّ عليه الإمام الحسين عليه السلام، "وغمز الحسين حجراً"1، وليس هنالك من يقول: لو كان الإمام الحسين مكان الإمام الحسن لما وقّع الصّلح، كلا، فلقد كان الإمام الحسين إلى جانب الإمام الحسن ووقّع الصلح، ولو لم يكن الإمام الحسن عليه السلام وكان الإمام الحسين عليه السلام وحيدًا في تلك الظّروف لحدث ما حدث ووقع الصلح2.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج 16، ص 15.
2 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر250 سنة، ص129 (بتصرف).





 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

109

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى مناقب الإمام الحسين عليه السلام وعبادته ومكانته.
2- يستذكر ملامح عصر الإمام الحسين عليه السلام ومواجهته لمعاوية.
3- يتعرّف على حركة الإمام الحسين عليه السلام في فترة خلافة يزيد بن معاوية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

110

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
وُلد الإمام الحسين عليه السلام في الثالث من شهر شعبان بالمدينة، سنة أربع من الهجرة، في المدينة المنوّرة، وأبوه أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّه السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام. ونشأ الإمام بين والديه نشأة طيّبة مملوءة بالإيمان والتقوى، وتربّى بين يدي الإمام عليّ عليه السلام والسيّدة الزهراء عليها السلام أكمل تربية.
 
وتسلّم الإمام الحسين عليه السلام الإمامة بعد شهادة أخيه الإمام الحسن عليه السلام. وقد استمرّت إمامته عشر سنوات تقريباً.
 
ومن ألقابه: السيّد، الطيّب، الوفيّ، المبارك، النافع، الدليل على ذات الله، السبط، التابع لمرضاة الله، وكنيته أبو عبد الله.
 
وكان للإمام الحسين عليه السلام ستّة أولاد: علي بن الحسين زين العابدين، كنيته أبو محمد، وأمّه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد، وعلي الذي استشهد في كربلاء، وأمّه ليلى بنت أبي مرّة الثقفيّة، وجعفر بن الحسين، وأمّه قضاعية وتوفّي في حياة الإمام الحسين عليه السلام.
 
وعبد الله بن الحسين وهو الرضيع الذي ذبح في كربلاء، وسكينة بنت الحسين، وأمّهما الرباب بنت امرئ القيس بن عدي، وهي أم عبد الله بن الحسين، وفاطمة بنت الحسين، وأمّها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله1



1 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج2، ص135، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد، ص34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

111

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 وكان من أصحابه عليه السلام تلك الثلّة المؤمنة التي استشهدت معه في كربلاء، ومن غيرهم أيضاً: أنس بن الحارث الكاهلي، جعيد الهمداني، سيف بن مالك، سوار بن المنعم بن الحابس، ضرغامة بن مالك، قيس بن مسهّر الصيداوي1.

 
وقد أوصى قبل شهادته المباركة بالإمامة والوصاية لابنه الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام2.
 
أمّا شهادته المباركة فكانت يوم السبت العاشر من المحرّم، سنة إحدى وستّين من الهجرة بعد صلاة الظهر في كربلاء العراق مظلوماً ظمآن صابراً محتسباً، وله يومئذٍ ثمان وخمسون سنة، ودُفن في كربلاء المقدّسة.
 
ثانياً: مكارم أخلاقه وعبادته
واتّصف الإمام عليه السلام بفضائل الأخلاق وأرفعها. وكان حريصاً على خدمة الناس وتقديم العون والمدد لهم كما فعل مع ذلك الأعرابيّ الذي عجز عن أداء دية كانت عليه، فدفعها إليه الإمام3.
 
وكان عليه السلام إذا توضّأ تغيّر لونه وارتعدت مفاصله، فقيل له في ذلك فقال: "حقّ لمن وقف بين يدي الملك الجبّار أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله"، وسأله رجل فقال له: ما أعظم خوفك من ربّك، قال: "لا يأمن يوم القيامة إلّا من خاف الله في الدنيا"4.
 
ثالثاً: مكانة الإمام الحسين عليه السلام وفضله
لقد امتاز الإمام الحسين عليه السلام بمكانة خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى قال فيه جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسيناً. حسين سبط من الأسباط"5.



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، ص99، وللاطلاع أكثر يراجع كتب علم الرجال.
2 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص302، باب الإشارة والنص على علي بن الحسين عليه السلام.
3 الشيخ عبد الله البحراني، العوالم (الإمام الحسين)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي، قم، 1407هـ، ص61.
4 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص225.
5 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج2، ص127.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

 


112

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 وكان الناس يهابون الإمام الحسين عليه السلام، فقد روى إبراهيم بن الرافعي، عن أبيه، عن جدّه قال: رأيت الحسن والحسين عليهما السلام يمشيان إلى الحجّ، فلم يمرّا براكب إلا نزل يمشي، فثقل ذلك على بعضهم فقالوا لسعد بن أبي وقاص: قد ثقل علينا المشي، ولا نستحسن أن نركب وهذان السيدان يمشيان، فقال سعد للحسن عليه السلام: يا أبا محمّد، إنّ المشي قد ثقل على جماعة ممّن معك، والناس إذا رأوكما تمشيان لم تطب أنفسهم أن يركبوا، فلو ركبتما، فقال الحسن عليه السلام: "لا نركب، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت الله الحرام على أقدامنا، ولكنّنا نتنكّب الطريق، فأخذا جانباً من الناس"1.

 
ملامح عصر الإمام الحسين عليه السلام
إنّ معاوية بن أبي سفيان أراد إعادة الجاهليّة الأولى إلى المجتمع الإسلاميّ باسم الإسلام وإمرة المؤمنين. وقد اعتمد من أجل الوصول إلى هذا الهدف عدّة خطوات أثّرت تأثيراً بالغاً على الإسلام والمسلمين، حتّى تحوّلت تلك الخطوات إلى سمات سلبية بارزة في المجتمع الإسلاميّ:
أولاً: تحويل الحكم الإسلاميّ من الخلافة إلى الملك
عندما تسلّم معاوية ولاية الشام تصرّف فيها من دون أي رادع، فكان تصرّفه كالملك، من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية بل والاجتماعية، فقد أبعد العديد من القبائل العربية والمناوئين له، بالإضافة إلى استخدام المال بدون قيود بلا رقيب ولا حسيب.
 
وقال يخاطب أهل الكوفة شامتاً بهم: "يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ، وقد علمت أنّكم تصلون وتزكّون وتحجّون؟ ولكني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وأليَّ رقابكم..."2.



1 م.ن.
2 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص160.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

113

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 ثانياً: الإرهاب والتجويع

لقد أشاع معاوية سياسية الإرهاب والتصفية الجسدية لكلّ قوّة معارضة للحكم، فقال سفيان بن عوف الغامديّ، وهو أحد قادة معاوية العسكريّين، قال: "دعاني معاوية فقال: إنّي باعثك بجيش كثيف أداة وجلادة، فالزم لي جانب الفرات حتّى تمرّ بهيت فتقطعها فإن وجدت بها جنداً فأغر عليهم، وإلّا فامض حتّى تغير على الأنبار، فإن لم تجد جنداً فامض حتّى توغل في المدائن. إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كلّ من له هوى فينا منهم، وتدعو إلينا كلّ من خاف الدوائر، فاقتل كلّ من لقيته ممّن هو ليس على مثل رأيك. وأخرب كل ما مررت به من القرى، وأحرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب"1.
 
وكانت هذه الخطوة منه واسعة الانتشار في جميع الأقطار والبلاد الإسلامية، فقد أرسل الضحّاك بن قيس الفهريّ وأمره بالتوجّه ناحية الكوفة حتّى قتل الناس وسفك دماءهم2.
 
وقد صوّر الإمام الباقر عليه السلام هذه الحالة بقوله: "فقُتِلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يُذكَر بحبنّا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله أو هُدّمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام"3.
 
ومن سياسة التجويع التي استخدمها معاوية محو أسماء المحبّين لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الديوان، وإسقاط عطائه ورزقه، فأرسل إلى عمّاله قائلاً: "انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه"4.



1 م.ن، ج2، ص86.
2 إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، الغارات، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني، لا.ت، لا.ط، ج2، ص421.
3 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص43.
4 ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11، ص45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

114

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 خطوات الإمام الحسين في مواجهة سياسة معاوية

انتهج الإمام في مواجهة هذه الخطوات منهاجاً يقوّض هذا البناء من أساسه:
أولاً: مواجهة معاوية ورفض البيعة ليزيد
وقد أرسل الإمام عليه السلام لمعاوية رسالة طويلة جاء في بعض مقاطعها: "تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً أو تنعت غائباً،... ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جورٍ وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص"1.
 
ثانياً: فضح جرائم معاوية
أرسل الإمام الحسين عليه السلام رسالة جاءت كردّ على الرسالة السابقة فضحت الحاكم الأمويّ معاوية. وجاء في هذه الرسالة مجموعة أمور منها:
أ- وصف حزب معاوية بحزب الظلمة.
 
ب- تذكيره بجرائمه المختلفة التي أدّت إلى إراقة دماء الأبرياء والعظماء من الصالحين الأصحاب كحجر بن عدّي، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهما.
 
ج- وصف خلافة معاوية بأنّها أعظم فتنة تمرّ بالأمّة الإسلاميّة.
 
د- تذكيره بنقض العهد وبنود الصلح الّذي أبرمه مع الإمام الحسن عليه السلام.
 
هـ- تهديده لمعاوية حسبما جاء في نصّ الرسالة: "فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك إيّاهم من دورهم إلى دار الغربة"2.



1 ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة، تحقيق: الدكتور طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي، لا.ت، لا.ط، ج1، ص195- 196.
2 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص327.




 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

115

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 الخيارات المتاحة أمام الإمام الحسين عليه السلام

كان أمام الإمام عليه السلام عدّة مواقف:
الأوّل: أن يبايع يزيد.
الثاني: أن يرفض البيعة ويبقى في مكّة أو المدينة.
الثالث: أن يرفض ويذهب إلى بلد من بلاد العالم الإسلاميّ كاليمن.
الرابع: أن يرفض ويلبّي نداء الرسائل الموجّهة إليه ويستشهد في كربلاء.
 
وكان اختيار الموقف الرابع مبنيّاً على إدراك طبيعة الظروف الموضوعيّة المحيطة بالأمّة، ومن خلاله استطاع أن يعالج هذا المرض الّذي دبّ في جسدها وكاد أن يقضي عليها. فاستطاع أن يهزّ ضمير الأمّة من ناحية، ويشعرها بأهميّة الإسلام وكرامة هذا الدين من ناحية ثانية، ويعيد لها إرادة المواجهة من ناحية ثالثة، وأن يوضح لكلّ المسلمين أنّ مفهوم الصلح عند الإمام الحسن عليه السلام لم يكن موقفاً إمضائياً وإنّما كان أسلوباً تمهيديّاً لموقف الإمام الحسين عليه السلام.
 
سبب الخروج من المدينة المنورة
لقد عزم الإمام الحسين عليه السلام على ترك المدينة المنوّرة، وآثر الخروج منها، حيث لم يكن له فيها مأمن يقيه من شر السلطة الحاكمة آنذاك.
 
وكان الإمام يتوقّع أن تقع مواجهة عسكرية في المدينة المنوّرة بينه وبين قوات السلطة الأموية من جهة أخرى، وذلك بسبب رعونة يزيد بن معاوية التي تجسّدت في أوامره المشدّدة لوالي المدينة الوليد بن عتبة بقتل الإمام الحسين عليه السلام في حال رفضه للبيعة، حيث أرسل الوليد إلى يزيد يخبره عن حال الحسين بقوله: "أنّه ليس يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة"1.
 
فلمّا وصلت الرسالة إلى يزيد غضب غضباً شديداً، وكتب إلى الوليد قائلاً: "من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أمّا بعد: فإذا ورد عليك كتابي هذا، فخذ 



1 ابن أعثم، أحمد بن أعثم الكوفي، الفتوح، تحقيق: علي شيري، بيروت، دار الأضواء، 1411، ط1، ج5، ص18.




 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

116

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 البيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير، فإنّه لن يفوتنا ولن ينجو منّا أبداً ما دام حياً، وليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن عليّ، فإذا فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنّة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظّ الأوفر والنعمة واحدة، والسلام"1.

 
ولو فرض تخلّف الوليد عن فعل ذلك لمعرفته بمكانة الإمام الحسين عليه السلام2 إلا أن السلطة لن يُعدم لها أمويون غيره، فكان بإمكانها تجنيد عناصر لها داخل المدينة فتقوم بمواجهة الإمام عليه السلام.
 
ولو فرض عدم حصول المواجهة العسكرية سوف تتّجه السلطة إلى محاولة اغتيال الإمام عليه السلام سراً، وهذا ما كان يخشاه الإمام الحسين عليه السلام حيث سوف يؤدّي ذلك إلى قتل ثورته المباركة في مهدها.
 
ولذا قام الإمام بالخروج من المدينة مفوّتاً على السلطة خطّتها في ذلك، وهذا ما حصل فعلاً، وكان الإمام حريصاً على أن يتحقّق مصرعه في ظروف زمانية ومكانية يختارها هو، ولا يتمكّن العدوّ من إخماد ثورته المباركة، فكان خروجه عليه السلام من المدينة انفلاتاً بالثورة المقدّسة من طوق الحصار والتعتيم الأمويّ.
 
الإمام الحسين عليه السلام في مكة المكرّمة
ارتحل الإمام الحسين عليه السلام من المدينة المنوّرة سنة ستين للهجرة في آواخر شهر رجب متوجّهاً إلى مكّة المكرّمة، وأقام في مكّة منذ اليوم الثالث من شعبان إلى اليوم الثامن من ذي الحجة من نفس السنة، أي ما لا يقل عن مائة وخمسة وعشرين يوماً، وهي فترة طويلة نسبياً في إطار حساب عمر النهضة الحسينية. وقد توجّه الإمام الحسين عليه السلام إلى مكّة وهو يعلم بأن أهل مكّة لا يميلون إلى بني هاشم عامّة وإلى أبيه وآل عليّ خاصّة، بل هم في الطرف المقابل لهم، فقد روي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام أنه قال: "ما بمكّة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا..."3.



1 م.ن.
2 م.ن.
3 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص104.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

117

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 وهذا يكشف لنا عن حقيقة وهي أنه لم يكن لأهل البيت عليهم السلام في مكة قاعدة شعبية واسعة تتولاهم وتدعم مواقفهم وتنصرهم، أو تحبّهم على الأقل.


ومن جهة أخرى يبيّن لنا هذا الأمر أن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يقصد من توجّهه إلى مكّة أهل مكة جميعهم، بل كان قاصداً الموالين منهم، ومن يمكن أن يكون لديه البصيرة، وتتّضح لديه الحقيقة فيساند الثورة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى كان قاصداً بالأساس الوفود الإسلامية من المعتمرين والحجّاج طلباً للنصرة وإتماماً للحجّة على الناس.

وقد فرح الموجودون في مكّة بقدوم الإمام الحسين عليه السلام عليهم فرحاً شديداً، وأخذوا يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه.

الخروج من مكّة إلى العراق
بعد قضاء تلك الفترة في مكّة المكرّمة علم الإمام عليه السلام أنّ السلطة الأموية تريد غيلته وقتله. ويروى أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولّاه أمر الموسم وأمره على الحاجّ كلّهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سراً وإن لم يتمكّن منه بقتله غيلة. ثمّ إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية، وأمرهم بقتل الإمام الحسين عليه السلام على أيّ حال اتّفق.

فلما علم الحسين عليه السلام بذلك قرّر أن يخرج من مكّة متوجّهاً إلى العراق حتّى أنّه لم يتيسّر له أن يتمّ حجّه، فتحلّل وخرج. وقد كانت السلطة قد ضيّقت عليه جميع الأقطار، ولم يتركوا له موضعاً للفرار.

وقد روي بأسانيد أنّه لما حاول محمد ابن الحنفية ثنيه عن الخروج إلى الكوفة أجابه وقال له: والله يا أخي لو كنت في جحر هامّة من هوامّ الأرض، لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني.

ولو فرض أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدة عداوتهم، وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكلّ حيلة، ويدفعونه بكلّ وسيلة وإنّما كانوا يعرضون البيعة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

118

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 عليه أوّلاً لعلمهم بأنّه لا يوافقهم في ذلك، وكان عبيد الله بن زياد يقول: أعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثمّ نرى فيه رأينا، وهم لا أمان لهم، وهذا ما فعلوه مع مسلم بن عقيل عندما أمنوه ثمّ قتلوه1.

 
ومن جهة أخرى فقد صرّح الإمام الحسين عليه السلام بأنّه لا يريد أن تستباح حرمة هذا البيت بقتله، فقال مخاطباً أخاه محمد ابن الحنفية: "يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت"2.



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج45، ص100.
2 السيد ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، قم ـ إيران، أنوار الهدى، 1417هـ، ط1، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

119

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

المفاهيم الرئيسة
1- وُلد الإمام الحسين عليه السلام بالمدينة، وتسلّم الإمامة بعد شهادة أخيه الإمام الحسن عليه السلام. وقد استمرت إمامته عشر سنوات تقريباً. وكانت شهادته المباركة يوم العاشر من المحرّم، سنة إحدى وستّين من الهجرة.

2- لقد امتاز الإمام الحسين عليه السلام بمكانة خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الناس يهابون الإمام الحسين عليه السلام.

3- ملامح عصر الإمام الحسين عليه السلام: أولاً: تحويل الحكم الإسلاميّ من الخلافة إلى الملك. ثانياً: الإرهاب والتجويع.

4- خطوات الإمام الحسين في مواجهة سياسة معاوية: أولاً: مواجهة معاوية ورفض البيعة ليزيد. ثانياً: فضح جرائم معاوية.

5- الخيارات المتاحة أمام الإمام الحسين عليه السلام: الأوّل: أن يبايع يزيد، الثاني: أن يرفض البيعة ويبقى في مكّة أو المدينة. الثالث: أن يرفض ويذهب إلى بلد من بلاد العالم الإسلاميّ كاليمن. الرابع: أن يرفض ويلبّي نداء الرسائل الموجّهة إليه ويستشهد في كربلاء. 

6- لقد عزم الإمام الحسين عليه السلام على ترك المدينة المنوّرة، وآثر الخروج منها، حيث لم يكن له فيها مأمن يقيه من شر السلطة الحاكمة آنذاك. وكان الإمام يتوقّع أن تقع مواجهة عسكرية في المدينة المنوّرة بينه وبين قوات السلطة الأموية من جهة أخرى، ولذا قام الإمام بالخروج من المدينة مفوّتاً على السلطة خطّتها في ذلك.

7- أقام في مكّة منذ اليوم الثالث من شعبان إلى اليوم الثامن من ذي الحجة من نفس السنة، أي ما لا يقل عن مائة وخمسة وعشرين يوماً، وهي فترة طويلة نسبياً في إطار حساب عمر النهضة الحسينية.

8- الخروج من مكّة إلى العراق: بعد قضاء تلك الفترة في مكّة المكرّمة علم الإمام عليه السلام أنّ السلطة الأموية تريد غيلته وقتله بكل حيلة ووسيلة حتى لو بقي في مكة المكرمة، ولذا قرر الخروج إلى العراق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

120

الدرس العاشر: الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام

 للمطالعة

الثّمار الطيّبة للثّورة الحسينيّة
لقد قام الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام بعملٍ، أدّى إلى ظهور أشخاصٍ في جميع عهود الحكومات الطاغوتية. ورغم أنّهم كانوا أبعد عن عصر صدر الإسلام إلّا أنّ إرادتهم للقتال والجهاد ضدّ جهاز الظّلم والفساد كانت أكبر من عصر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كما كان يُقضى عليهم جميعًا، فبدءًا من قضية قيام أهل المدينة المعروفة بالحرّة، إلى الأحداث اللاحقة وقضايا التوّابين والمختار الثقفيّ إلى عصر بني العبّاس، ففي الداخل هناك شعوبٌ دائمًا ما تثور. فمن ذا الّذي أوجد مثل هذه الثّورات؟ فلو لم يثر الإمام الحسين عليه السلام هل كانت لتتبدّل هذه الروحية الكسولة والمتهرّبة من المسؤوليّة إلى روحيّة مواجهةٍ للظلم وتحمّل المسؤوليّة؟ لماذا نقول إنّ روحيّة تحمّل المسؤوليّة كانت ميّتة؟ إنّه بسبب أنّ الإمام الحسين عليه السلام ذهب من المدينة، الّتي كانت مهد الرّجال العظام في الإسلام، إلى مكّة. وكان أبناء العبّاس والزبير وعمر وأبناء خلفاء صدر الإسلام قد اجتمعوا جميعهم في المدينة، ولم يكن أيٌّ منهم حاضرًا أو مستعدًّا لمساعدة الإمام الحسين عليه السلام في هذه الثّورة الدمويّة والتّاريخيّة. إذًا، فإلى ما قبل بدء ثورة الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن الخواصّ مستعدّين ليخطوا خطوةً واحدة. أمّا بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام فقد أُحييت هذه الرّوحيّة. عظمة هذه الواقعة هي هذه. هذا الّذي يُقال: "الموعود بشهادته قبل استهلاله وولادته، (هذا الّذي) بكته السماء ومن فيها والأرض ومن عليها"1 قبل ولادته، إنّه الحسين بن عليّ عليه السلام الّذي له ذلك العزاء الكبير ونحن نُعظّمه. وبحسب هذا الدّعاء أو الزّيارة فإنّ البكاء عليه هو من أجل ذلك. لهذا، عندما ننظر اليوم نرى أنّ الذي أحيى الإسلام وحفظه هو الحسين بن عليّ عليه السلام2.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 العلّامة المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 44، ص 347.
2 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص175.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

121

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام




أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى سيرة الإمام السجّاد عليه السلام وملامح عصره.
2. يستذكر أهداف الإمام السجّاد عليه السلام.
3. يتبيّن أسلوب مواجهة الإمام عليه السلام للانحراف.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

122

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
كانت ولادة الإمام زين العابدين عليه السلام يوم الخميس في الخامس من شعبان سنة 38هـ. أبوه الإمام الحسين عليه السلام وأمّه المكرّمة شهربانو (شاه زنان) بنت يزدجرد. نشأ الإمام عليه السلام في هذا البيت الكريم، وتخلّق بأخلاق الأنبياء والأوصياء. وكان كثير العبادة لله سبحانه وتعالى، حتّى كانت ألقابه تُشير إلى ذلك فكان من ألقابه: زين العابدين، سيّد الساجدين، سيّد العابدين، ذو الثفنات.
 
وأمّا كنيته فهي: أبو الحسن وأبو محمّد وقال بعضهم: أبو الحسين.
 
تسلّم زمام الإمامة في سنة 61 هـ في العاشر من المحرّم بعدما استشهد والده الإمام الحسين عليه السلام، واستمرّت إمامته أربعة وثلاثين سنة، وقبل شهادته أوصى إلى ابنه الإمام محمد الباقر عليه السلام1.
 
وكان له من الأولاد خمسة عشر ولداً ذكراً وأنثى، وهم: الإمام محمد الباقر عليه السلام، أمّه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
 
وعبد الله والحسن والحسين، وزيد وعمر، والحسين الأصغر وعبد الرحمن وسليمان، وعلي - وكان أصغر أبناء الإمام السّجاد، وخديجة، ومحمد الأصغر، وفاطمة وعليّة وأم كلثوم، وهؤلاء أمّهاتهم أم ولد2.



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص305، باب الإشارة والنص على أبي جعفر الأول الباقر عليه السلام.
2 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ص155، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد، ص38.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

123

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 وكانت شهادته المباركة في أحد الأيّام الثلاث الآتية: إمّا الثاني عشر من محرّم، أو الثامن عشر، أو الخامس والعشرين منه، في سنة خمس وتسعين للهجرة، وقيل في سنة وفاته (سنة الفقهاء) لكثرة موت الفقهاء والعلماء آنذاك. وكان عمره ستّاً وخمسين سنة، ودفن عليه السلام في المدينة المنوّرة، في البقيع.

 
ثانياً: عبادته
كان الإمام زين العابدين عليه السلام أعبد أهل زمانه، فلم يُرَ أعبد منه، حتّى لُقّب بزين العابدين. وقد شهد بذلك المخالف أيضاً، قال الإمام مالك: "سُمّي زين العابدين لكثرة عبادته"1. ولا بأس بذكر رواية واحدة توضح مدى انقطاعه لله تعالى: روي عن الإمام محمّد بن علي الباقر عليهما السلام: "أنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها عليّ بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة، أتت جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري، فقالت له: يا صاحب رسول الله، إنّ لنا عليكم حقوقاً، ومن حقّنا عليكم أنْ إذا رأيتم أحدنا يُهلك نفسه اجتهاداً أن تُذكّروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقيّة أبيه الحسين، قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه دأباً منه لنفسه في العبادة...، فأقبل جابر عليه يقول: يا بن رسول الله، أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم؟ فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟ قال له علي بن الحسين عليهما السلام: يا صاحب رسول الله، أما علمت أنّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد - بأبي هو وأمّي - حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكوراً؟"2.
 
وكان من شدّة تقرّبه إلى الله تعالى كثرة سجوده، فإنّه ما قام بعمل إلّا وسجد لله سبحانه وتعالى شكراً على أدائه، فقد روي عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: "إن أبي علي بن الحسين عليه السلام ما ذكر نعمة الله عليه إلّا سجد، ولا



1 السيد محمد هادي الميلاني، قادتنا كيف نعرفهم، تحقيق: السيد محمد علي الميلاني، مراجعة وتصحيح: السيد علي الميلاني، قم، مطبعة: شريعت، 1426، ط1، ج4، ص10.
2 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، ص637.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

124

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 قرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ وفيها سجود إلّا سجد ولا دفع الله تعالى عنه سوءاً يخشاه أو كيد كايد إلّا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلّا سجد، ولا وفّق لإصلاح بين اثنين إلّا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده فسُمّيَ السجّاد لذلك"1.

 
وقد سُمّي بذي الثفنات لكثرة عبادته وسجوده لله عزّ وجلّ. روي عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: "كان لأبي عليه السلام في موضع سجوده آثار ناتية، وكان يقطعها في السنة مرّتين في كلّ مرّة خمس ثفنات، فسُمّي ذا الثفنات لذلك"2.
 
ثالثاً: مكانة الإمام زين العابدين بين المسلمين
برز الإمام السجاد عليه السلام على الصعيد العلميّ والدينيّ، فكان إماماً في الدين ومناراً في العلم، ومرجعاً ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى، حتّى اشتهر بين المسلمون جميعاً في عصره بأنّه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم، فلم يكن في قريش أفضل منه، بل لم يكن في المسلمين أفضل منه، وقد شهد بفضله علماء المذاهب الأخرى، قال سفيان بن عيينة "ما رأيت هاشمياً أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه"3.
 
وقد اعترف بهذه الحقيقة حكّام عصره من بني أميّة أنفسهم، رغم ما ما يحملونه من عداوة وخصومة تجاه الإمام عليه السلام وأهل بيته، فقال له عبد الملك بن مروان يوماً: "لقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلاّ من مضى من سلفك..."4 ، ووصفه عمر بن عبد العزيز بأنّه: "سراج الدنيا وجمال الإسلام"5.
 
ومع هذا اعتبر بعض المؤلّفين أنّ شهادة الإمام الحسين عليه السلام أفقدت الفكر الشيعيّ الزعيم السياسيّ الّذي كان محور الحركة القيادية، وأنّ الإمام زين العابدين عليه السلام انصرف عن السياسة إلى الدين وأصبح زعيماً روحياً لا علاقة له بما يجري من أحداث على أرض الواقع، بل غاية ما قام به هو تخريج ثلّة من العلماء والفقهاء الكبار الذين أصبحوا 



1 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، ج1، ص232، باب العلة التي من أجلها سمي علي بن الحسين عليه السلام السجاد.
2 م.ن، ص233.
3 ابن شهرآشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص297.
4 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص57.
5 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 303 - 305.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

125

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 فيما بعد مراجع في الأحكام الفقهيّة والقضايا الإسلاميّة.

 
والحقيقة أنّ هذا التصوّر هو ما أراد أن يوحي به الإمام عليه السلام للسلطة الأمويّة الحاكمة للحفاظ على التشيّع ولنشر الإسلام الأصيل بشكل هادئ وليحصل التغيير من الأرض وبشكل تدريجيّ. وهو ما نفهمه عندما ندرس مراحل حياة الإمام عليه السلام.
 
المحطات الرئيسة في حياة الإمام السجّاد عليه السلام
يمكن اعتبار حضور الإمام في كربلاء ومواقفه في الشام، وتخطيطه في المدينة بعد عودته إليها هي المحطات الثلاث التي تؤشّر إلى الأبعاد الحقيقية في شخصيته الجهادية:
المحطة الأولى: في كربلاء
تؤكّد المصادر التاريخية أنّ الإمام السجاد عليه السلام كان حاضراً في كربلاء إذ شهد واقعة الطفّ بجزئياتها وتفاصيلها وجميع مشاهدها المروّعة. ومن المتّفق عليه، أنّه كان يوم كربلاء مريضاً أو موعوكاً1 وللحدّ الذي لا يستطيع الوقوف على قدميه، أو لا تحمله قدماه2.
 
وورد ما يشير إلى أنّه قد حضر بعض القتال: "وكان علي بن الحسين عليلاً، وارتُثَّ يومئذٍ، وقد حضر بعض القتال، فدفع الله عنه وأُخِذ مع النساء"3.
 
كلّ ذلك وغيره كثير يختزنه الإمام السجّاد عليه السلام ويطوي عليه قلبه وضلوعه، إذ لم يتسنَّ له أن يبذل مهجته، لجرحٍ أصابه، فأخرجه من المعركة، أو مرضٍ شديد أقعده عن المساهمة فيها، فيحمل تلك المشاهد ليستفيد عليه السلام مما شاهده في إبراز وحشية بني أمية وأتباعهم على الملأ.
 
المحطة الثانية: في الكوفة
يستحضر الإمام السجاد عليه السلام مصارع إخوته وأبناء عمومته، فيقف شامخاً في قصر الإمارة بالكوفة وهو يحمل بلاغة جدّه الإمام عليّ عليه السلام وعنفوان أبيه الحسين عليه السلام، 



1 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الارشاد، 231. القاضي النعمان المغربي، النعمان بن محمد، شرح الأخبار، ج 3، ص 250.
2 اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 243 - 244، ومع وضوح هذا النص، فإنّ كلمة (ارتُثَّ) هذه تدلُّ على اشتراكه في القتال، لأنها تُقال لمن حُمل من المعركة بعد أن قاتل وأُثخن بالجراح، فأُخرج من أرضها وبه رمق، كما يقول اللغويون، أو أصحاب فقه اللغة.
3 مجلة تراثنا، مؤسسة آل البيت، ج2، ص150 (عن كتاب تسمية من قبل مع الحسين، الفضل بن زبير الكوفي الأسدي).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

126

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 فيتحدّث بخطبته أمام الطاغية عبيد الله بن زياد، ويضعه موقف المتّهم المباشر بسفك دماء الأبرياء، عندما رد عليه الإمام علي بن الحسين عليه السلام فقال: "الله يتوفّى الأنفس حين موتها.. وما كان لنفسٍ أن تموت إلاّ بإذن الله...". فغضب ابن زياد فأراد قتله على جرأته وتجاسره على الطاغية بتلك الأجوبة، فتشبّثت به عمّته زينب وتعلّقت به، وقالت لابن زياد: "يا ابن زياد، حسبُك منّا ما أخذت، أما رويتَ من دمائنا؟ وهل أبقيت مِنّا أحداً؟ أسألك الله ـ إن كنت مؤمناً ـ إن قتلته لمّا تقتلني معه..."1.

 
المحطّة الثالثة: في الشام
أمّا في الشام وحيث الدور الإعلاميّ أكثر تأثيراً من قعقعة السيوف وطعن الرماح مع ما يستبطن من فضح وكشف واحتمال تصفية وقتل، يقف الإمام السجّاد عليه السلام في مجلس يزيد، فينبري بعد أن يحمد الله ويثني عليه مسفّهاً الدعاوى الأموية التي حاولت تشويه نهضة أبيه، وتزييف أهداف ثورته، وعرّف عن نفسه لأنّ في بلاد الشام كانت الصورة عن أهل البيت عليهم السلام غير واضحة، بل مشوّهة تماماً، فقال: "يا معشر الناس: فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه نفسي، أنا ابن مكّة ومِنى، أنا ابن مروة والصفا، أنا ابن محمّد المصطفى... أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن عليّ المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلماً، أنا ابن المجزور الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن صريع كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تُسبى... أيُّها الناس إنّ الله تعالى ـ وله الحمد ـ ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن، حيث جعل راية الهدى والتُقى فينا، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا..."2.



1 ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 435.
2 ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 182.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

127

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 وبهذه الخطبة الموجزة أصبح الرمز الذي يقود مسيرة الإحياء ـ إحياء هذا الدين المضيّع ـ الذي شوّهته السلطة الأموية وحكمت أو تحكّمت باسمه... فتراه عليه السلام حين أراد يزيد أن يقطع حديثه بالأذان للصلاة، يُعلِّق على صوت المؤذّن الذي يقول: "أشهد أنّ محمداً رسول الله" بقوله: "يا يزيد! هذا جدّي أم جدّك؟ فإن قلت جدّك فقد كذبت! وإن قلت جدّي، فلمَ قتلتَ أبي وسبيت حرمه وسبيتني؟!"، ثمّ قال مخاطباً الناس: "أيُّها الناس، هل فيكم من أبوه وجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟" فعلت الأصوات بالبكاء.

 
وهكذا يتجلّى دور الإمام السجاد عليه السلام في قيادة مشروع الإحياء وثورة التصحيح. ومن هذه المحطّة تبدأ رحلة الألف ميل مسافة وعمقاً من الشام إلى المدينة، ليستأنف الإمام عليه السلام مهمته الرسالية في استكمال هذا المشروع وريادة هذه الثورة.
 
المحطّة الرابعة: في المدينة المنوّرة
أ- دوره العلميّ:
ليس الحديث عن الدور العلميّ للإمام السجاد عليه السلام ممّا تجمعه السطور، أو تفي بالتعبير عنه, ولكن حسبها أنّها تأتي بمعالم تفصح بعض إفصاح عن ذلك الدور وما كان يتمتّع به صاحبه من منزلة.
 
فلقد عاش الإمام زين العابدين عليه السلام في المدينة المنوّرة، حاضرة الإسلام الأولى، ومهد العلوم والعلماء، في وقت كانت تحتضن فيه ثلّة من علماء الصحابة، مع كبار علماء التابعين، فكان بشهادة أكابر أبناء طبقته والتابعين لهم، الأعلم والأفقه والأوثق، بلا ترديد. فقد كان الزهريّ يقول: "ما كان أكثر مجالستي مع عليّ بن الحسين، وما رأيت أحداً كان أفقه منه". وممّن عرف هذا الأمر وحدّث به الفقيه الشهير سفيان بن عيينة1. وبمثل هذا كان يقول الشافعيّ محتجّاً بعليّ بن الحسين عليه السلام على أنّه كان (أفقه أهل المدينة)2.
 
هذا، وقد كانت مدرسته تعجّ بكبار أهل العلم من حاضرة العلم الأولى في بلاد الإسلام، يحملون عنه العلم والأدب، وينقلون عنه الحديث، ومن بين هؤلاء: زيد ابنه، وكذلك ثوير بن



1 الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، حسين الأسد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413 - 1993م، ط9، ج 4، ص 389.
2 ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، ج 15، ص 274.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

128

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 أبي فاختة، وسعيد بن جبير ويحيى بن أم الطويل، الزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم، وقد حدّث عنه غير هؤلاء من الرجال من خاصّة شيعته من كبار أهل العلم، منهم: أبان بن تغلب، وأبو حمزة الثماليّ، ثابت بن هرمز الفارسي، جابر بن عبد الله الأنصاري، حبيب بن حسان بن أبي الأشرس الأسدي، وغيرهم الكثير1.

 
هذا الجمع الغفير وغيرهم ممّن وصف بالخلق الكثير أخذوا عنه عليه السلام علوم الشريعة من تفسير القرآن الكريم والعلم بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه وأحكامه وآدابه، والسُنّة النبوية الشريفة روايةً وتدويناً في عصر كانت ما تزال كتابة الحديث فيه تتأثّر بما سلف من سياسة المنع من التدوين، السياسة التي اخترقها أئمّة أهل البيت عليهم السلام فكتب عنهم تلامذتهم والرواة عنهم الشيء الكثير، إلى أحكام الشريعة، حلالها وحرامها وآدابها، إلى فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد عمدت فيه السياسة إلى تعطيل الكثير من الأحكام وتبديل بعض السنن وإحياء بعض البدع، إلى الجهر في نصرة المظلوم، وضرورة الردّ على الظالم، وكشف أساليبه الظالمة للناس.
 
المرحلة المنعطف
إنّ مرحلة الإمام السّجاد عليه السلام يُمكن أن تُسجّل منعطفاً مهمّاً بين مرحلتين فاصلتين في عمل أئمّة أهل البيت عليهم السلام:
الأولى: مرحلة التصدّي والصراع السياسيّ والمواجهة العسكرية ضدّ المنحرفين والمحرّفين من الفاسقين والمارقين والناكثين، وقبلهم الكفرة والمنافقون وأعداء الدين الواضحون.
 
الثانية: مرحلة المعارضة السياسية الصامتة، أو الرفض المسؤول الواضح للانحراف، أمام الضبابية والزيف الملفّع بالدين، وبعد ذلك بناء القاعدة الشعبية والجماعة الواعية التي تتحمّل عبء الرسالة لمواجهة الانحراف والتحريف اللذين أُغرقت أو استُغرقت فيهما الحالة الدينية تحت شعارات الإسلام نفسها ويافطات الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة.



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي، ص109، وللاطلاع أكثر يراجع كتب علم الرجال.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

129

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 تأسيساً على ذلك، كان على الإمام زين العابدين عليه السلام أن يُجذّر في عقول وضمائر الجماعة المؤمنة التي يُراد لها أن تحفظ الإسلام عقيدةً ونظاماً، شريعةً ومنهاجاً، عدّة أمور منها:

1- تركيز ثورة الإمام الحسين عليه السلام في ضمائر الناس باعتباره خرج لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه فعلاً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، داعياً لتحكيم دين الله، ولم يخرج (أشراً ولا بطراً)، بل لم يخرج على إمرة (أمير المؤمنين يزيد!!) ولم ينوِ تمزيق الصفّ المسلم أو تفريق جماعة المسلمين، وبالتالي فإنّه قُتل بسيف أعداء الدين، وليس (بسيف جدّه) كما كان يروّج الإعلام الرسميّ آنذاك، وبعض المؤرّخين المتخلّفين اليوم1.
 
2- بناء الجماعة الواعية، أو كما تُسمّى القاعدة الجماهيرية الشعبية، المؤهّلة لحفظ الرسالة وحدودها بعيداً عن الزيف والتزييف وسياسة تسطيح الوعي التي غطّت مساحات عريضة من الجمهور المسلم بحيث أضحت تلك الجماهير لا تفرّق بين المفاهيم ومصاديقها، أو بين الشعارات المرفوعة وضرورة تبنّيها، أو بين الأصيل والطارىء، الأمر الذي يُسبّب الفتنة فعلاً أو يُشعلها، ويحجب الرؤية الواضحة عن النفوس البريئة التي تتأثّر بالشعار ولا تغوص في أعماق الأمور.
 
3- تعميق مفهوم الإمامة والولاية في الجماعة الخاصّة بعد أن اهتزّت لدى العامّة تحت ضغط الإعلام المزّيف وأبواقه المأجورة، ومن ثمّ توضيح الخرق الفاضح الذي تمَّ خلاله فصل المرجعية الفكرية عن المرجعية السياسية أو الاجتماعية.
 
4- العمل بدقّة في مقطع زمنيّ بالغ الحساسية، يحسب على الإمام حركاته وسكناته، ويعدّ عليه أنفاسه وكلماته من جهة، وموازنة ذلك مع عمل إعلاميّ وتبليغيّ بالغ الصعوبة والتعقيد لكشف المعالم الحقيقية للدين، بعيداً عن عيون السلطة ورقابتها وأزلامها وجواسيسها المنتشرين في كلّ زاوية وزقاق، من جهة أخرى.
 
وبهذا استطاع الإمام السجاد عليه السلام أن يقود الأمّة ويكمل الثورة ويحقّق بقية أهدافها، لكن بما ينسجم مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها، حتّى لو لم يتسلّم سلطة أو حكماً.



1 صائب عبد الحميد، ابن تيمية حياته عقائده، ط2، ص 390.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

130

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 المفاهيم الرئيسة

- برز الإمام السجاد عليه السلام على الصعيد العلميّ والدينيّ، إماماً في الدين ومناراً في العلم.

- اشتهر الإمام زين العابدين عليه السلام بكثرة عبادته لله سبحانه وتعالى حتّى لقّب بزين العابدين لكثرة عبادته وانقطاعه لله عزّ وجلّ.

المحطات الرئيسة في حياة الإمام السجّاد عليه السلام
المحطّة الأولى: في كربلاء.

المحطّة الثانية: في الكوفة.

المحطّة الثالثة: في الشام.

المحطّة الرابعة: في المدينة المنوّرة: حيث عمل على إبراز الدور العلميّ للأئمّة أهل البيت عليهم السلام وله خاصّة في تلك المرحلة.

- خطوات هامّة في المدينة المنوّرة لحفظ الإسلام عقيدة ونظاماً منها:
1- تركيز ثورة الإمام الحسين عليه السلام في ضمائر الناس.
2- بناء الجماعة الصالحة والواعية.
3- تعميق مفهوم الإمامة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

131

الدرس الحادي عشر: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام

 للمطالعة

 
التدبّر في تجارب أهل البيت عليهم السلام
من جملة الأشياء الّتي أراها جليّة وشديدة الأهميّة في كلمات الإمام السّجاد عليه السلام، تلك الكلمات الّتي يُذكّر فيها بتجارب أهل البيت عليهم السلام الماضية. ففي هذا القسم يُشير الإمام عليه السلام إلى تلك الأيّام الّتي مرّت على النّاس من قِبَل الحكّام الجائرين، مثل معاوية ويزيد ومروان، ووقائع مثل الحرّة وعاشوراء، وشهادة حجر بن عديّ ورشيد الهجريّ، وعشرات الحوادث المهمّة والمعروفة والّتي مرّت على أتباع أهل البيت طيلة الأزمان الماضية واستقرّت في أذهانهم. ويريد الإمام عليه السلام أن يحثّ أولئك المخاطَبين من خلال ذكر تلك الحوادث الشّديدة، على التحرّك والثورة. والتفتوا الآن إلى هذه الجملة: "فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيّام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلّون به على تجنّب الغواة"1.
 
أي إنّكم تستحضرون تلك التّجارب وتعلمون ماذا سيفعل بكم أهل البغي والفساد ــ وهم حكّام الجور ــ عندما يتسلّطون عليكم. ولذلك يجب عليكم أن تتجنّبوهم وتواجهوهم. وفي هذا الخطاب يطرح الإمام مسألة الإمامة بصورة صريحة، أي قضيّة الخلافة والولاية على المسلمين والحكومة على النّاس وإدارة النّظام الإسلاميّ. هنا يُبيّن الإمام السجّاد عليه السلام قضيّة الإمامة بالصّراحة، في حين أنّه في ذلك الزّمن لم يكن ممكنًا طرح مثل هذه المطالب على العامّة. ثم يقول عليه السلام: "فقدّموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته".
 
وهنا يُعيّن الإمام فلسفة الإمامة والإنسان الّذي يجب أن يُطاع بعد الله. ولو فكّر النّاس بهذه المسألة لعلموا أنّه لا يجب طاعة عبد الملك، لأنّه من غير الجائز أن يوجب الله طاعة عبد الملك، ذلك الحاكم الجائر بكلّ فساده وبغيه. وبعد أن يُقدّم الإمام هذه المسألة يتعرّض لردّ شبهة مقدّرة فيقول: "ولا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطّواغيت وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الأمر منكم"2. فالإمام عليه السلام في هذا القسم من كلمته يعرض بصراحة لقضيّة الإمامة3.
 
الإمام الخامنئي دام ظله



1 ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ، ط2، ص 253.
2 م.ن، ص 254.
3 الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، ص228.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

132

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى عبادة عليه السلام الإمام وشذرات من مكارم أخلاقه.
2- يفهم العوامل المؤثّرة في عصر الإمام الباقر عليه السلام.
3- يشرح دور الإمام الباقر عليه السلام في الجانب العلميّ والتربويّ والثقافيّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

133

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 سيرة مشرقة

أولاً: لمحة تاريخية
ولد الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام يوم الاثنين في الثالث من صفر، أو غرّة رجب سنة 57 بالمدينة المنوّرة. أبوه الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام وأمّه الماجدة فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وقيل لها أمّ عبد الله، وقد عرفت أمّه بالفضل والتقى والعبادة. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في حقّه أنّه قال: "كانت صدّيقة لم يُدرك في آل الحسن عليه السلام امرأة مثلها"1.
 
وكان من ألقابه: الباقر، الشاكر، الهادي، الأمين، وأمّا كنيته: فأبو جعفر.
 
وكان الإمام عليه السلام حاضراً في وقعة الطفّ مع جدّه الحسين عليه السلام وعمره أربع سنين أو ثلاث، وكان مع ركب السبايا في رحلتهم من الكوفة إلى الشام ثمّ العودة إلى المدينة.
 
تسلّم الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام السّجاد عليه السلام، واستمرّت إمامته 19 عاماً من سنة 95هـ للهجرة وإلى عام 114هـ.
 
وكان للإمام الباقر عليه السلام سبعة أبناء من الذكور والإناث، وهم: أبو عبد الله الإمام جعفر بن محمد عليه السلام وعبد الله بن محمد، أمّهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.
 
وإبراهيم وعبيد الله، أمّهما أم حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية، وعلي وزينب وأم سلمة أمّهم أم ولد2.



1 قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله، الدعوات، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي|، قم، مؤسسة الإمام المهدي، 1407هـ، ط1، ص68.
2 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج2، ص176، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تاج المواليد، ص38.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

134

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 وقبل شهادته المباركة أوصى بالإمامة إلى ابنه الإمام جعفر الصادق عليه السلام1، وانتقل إلى الرفيق الأعلى شهيداً يوم الاثنين السابع من ذي الحجّة، سنة 114هـ وهو ابن ستّ وخمسين سنة، ودُفن في المدينة المنوّرة، البقيع إلى جوار أبيه الإمام السجّاد عليه السلام.

 
ثانياً: عبادته ودعاؤه
كان الإمام الباقر عليه السلام أعبد أهل زمانه. وروي عن عبد الله بن يحيى قال: "رأيت على أبي جعفر محمّد بن عليّ إزاراً أصفر، وكان يُصلّي كلّ يوم وليلة خمسين ركعة بالمكتوبة"2.
 
وكان شديد الاعتراف لله سبحانه وتعالى بالعبودية، روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "كان أبي في جوف الليل يقول: أمرتني فلم أئتمر وزجرتني فلم أزدجر، ها أنا ذا عبدك بين يديك ولا أعتذر"3.
 
وروي عن إسحاق بن عمّار قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: "إنّي كنتُ أُمهّد لأبي فراشه فأنتظره حتّى يأتي، فإذا أوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي، وإن أبطأ عليّ ذات ليلة فأتيت المسجد في طلبه وذلك بعدما هدأ الناس فإذا هو في المسجد ساجد وليس في المسجد غيره فسمعت حنينه وهو يقول: "سبحانك اللهمّ أنت ربّي حقاً حقاً، سجدت لك يا ربّ تعبّداً ورقّاً، اللهمّ إنّ عملي ضعيف فضاعفه لي، اللهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك وتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم"4.
 
وكان للإمام عليه السلام اهتمام خاصّ بشيعته ومواليه، فقد كان من دعائه لهم: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، يا دان غير متوان يا أرحم الراحمين، اجعل لشيعتي من النار وقاءً ولهم عندك رضاً، واغفر ذنوبهم ويسرّ أمورهم واقض ديونهم واستر عوراتهم وهب لهم الكبائر التي بينك وبينهم، يا من لا يخاف الضيم ولا تأخذه سنة ولا نومٌ اجعل لي من كلّ غمّ فرجاً ومخرجاً"5.



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص306، باب الإشارة والنص على أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام.
2 الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، ج4، ص404.
3 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص290.
4 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، المقنعة، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1410هـ، ط2، ص430.
5 الشيخ الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص63.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

135

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 ثالثاً: مكارم أخلاقه

جسّد الإمام الباقر عليه السلام في حياته أخلاق الإسلام، فقد كان كريماً يعطي الفقراء ما في يده، ظاهر الجود في شيعته وعند أهل العامة، مشهور الكرم فيما بين الخلق، معروفاً بالفضل والاحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله، فقد روي عن الحسن بن كثير أنه قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام الحاجة وجفاء الأخوان، فقال: "بئس الأخ أخ يرعاك غنيّاً، ويقطعك فقيراً"، ثم أمر غلامه فاخرج كيساً فيه سبمعائة درهم، وقال: "استنفق هذه، فإذا نفدت فأعلمني"1، وكان لا يملّ من صلة إخوانه وقاصديه ومؤمّليه وراجيه2.
 
وفي موقف آخر كان الإمام يتعامل مع الناس بحسن الخلق حتّى كان الناس يميلون إليه، ويصبحون من مواليه وشيعته، فروي أنّ رجلاً من أهل الشام كان يختلف إلى أبي جعفر عليه السلام بالمدينة قال له: يا محمّد، ألا ترى أنّي إنّما أغشى مجلسك حياء مني لك، ولا أقول إنّ في الأرض أحداً أبغض إليّ منكم أهل البيت، واعلم أن طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكن أراك رجلاً فصيحاً، لك أدب وحسن لفظ وإنّما الاختلاف إليك لحسن أدبك. وكان أبو جعفر عليه السلام يقول له خيراً، ويقول : "لن تخفى على الله خافية". فلم يلبث الشامي إلّا قليلا حتّى مرض واشتدّ وجعه، وكان قد أمر غلامه إذا مات أن يصلّي عليه الإمام الباقر عليه السلام، فاعتقدوا أنّه مات، فذهب الغلام إلى الإمام الباقر عليه السلام وقال له ما أوصاه به الشاميّ، إلا أنّ الإمام الباقر عليه السلام أخبره بأن صاحبه لم يمت بعد، وإنّما ذلك من شدّة المرض، فجاء الإمام إلى داره، وأمرهم بمداواته ثمّ صلّى الإمام ركعتين، فلمّ يلبث إلّا قليلاً حتّى عوفي الشاميّ، فأتى أبا جعفر عليه السلام فقال: أخلني، فأخلاه، فقال : أشهد أنّك حجّة الله على خلقه، وبابه الذي يؤتى منه، فمن أتى غيرك خاب وخسر وضل ضلالاً بعيداً. فقال له أبو جعفر عليه السلام: "أما علمت أنّ الله يحب العبد ويبغض عمله ويبغض العبد ويحب عمله"؟ قال: فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر عليه السلام3.



1 الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الإرشاد، ج2، ص166.
2 م.ن.
3 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، ص411(بتصرف).


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

136

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 العوامل المؤثّرة في عصر الإمام الباقر عليه السلام

يمكن اختصار العوامل المؤثّرة التي ميّزت هذه المرحلة بالآتي:
أ- انتشار الخوف في كافّة المناطق الإسلاميّة خصوصاً بعد واقعة الحرّة.
 
ب- الانحطاط الفكريّ الّذي كان يعمّ أكثر الناس في العالم الإسلاميّ، وهذا كان نتيجة للابتعاد عن التعاليم الدينيّة خلال سنوات طويلة.
 
ج- الفساد السياسيّ المتفشّي بين الحكّام سواء في المستوى النظريّ أم العمليّ.
 
في ظلّ هذه العوامل بدأ الإمام السجّاد عليه السلام بالعمل المتواصل والدؤوب كما مرّ معنا، وأكمل ابنه الإمام الباقر عليه السلام من بعده هذا العمل. وفي زمنه كان الوضع قد تحسّن عمّا كان عليه وذلك بفضل جهود الإمام زين العابدين عليه السلام.
 
إضافة إلى ما ذكر وصل الانحراف في عصر الإمام الباقر عليه السلام إلى ذروته، سواء على مستوى الحكم والسلطة أم على المستوى العقائديّ والدينيّ والثقافيّ، فالحكم صار كتلة ظلم وجور، والعقائد والمفاهيم صارت تتضاربها الأهواء، فكثرت المدارس، وتعدّدت المناهج، وتعمّقت الخلافات.
 
ويمكن أن نشير، في هذا الإطار، إلى بعض التيّارات الّتي واجهها الإمام عليه السلام:
كالغلاة، وقد نشطوا بقيادة المغيرة بن سعيد الّذي قال في حقّه الإمام الصادق عليه السلام: "لعن الله المغيرة بن سعيد إنّه كان يكذب على أبي"1، والمجبّرة، وهم القائلون بالجبر الملتزم بإبطال النبوّات والتكاليف، وقد ذكرهم أغلب من ذكر المجسّمة، ولم يصرّح بكفرهم إلا القليل2، والمفوّضة، وهم الذين يقابلون المجبّرة ويقولون بتفويض أمر العباد إليهم، وحال هؤلاء حال المجبّرة أيضا3. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام: "إيّاك أن تقول بالتفويض فإنّ الله عزّ وجلّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً"4.



1 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 25، ص 297.
2 محمد علي الأنصاري, الموسوعة الفقهية لميسّرة, مجمع الفكر الإسلامي، 1410هـ، ط1، ج2, ص21.
3 م. ن.
4 العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، م. س، ج5، ص 17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

137

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 والمرجئة، وهي من الإرجاء، أرجأت الأمر أي أخّرته، وهم يزعمون أنّ أهل القبلة كلّهم مؤمنون ويعتقدون أنّ الله تعالى أرجأ تعذيبهم بسبب المعاصي، أي أخره عنهم1. وقال عليه السلام محذّراً منهم: "اللهمّ العن المرجئة فإنّهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة"2.

 
دور الإمام الباقر عليه السلام في بناء الجامعة العلمية لأهل البيت عليهم السلام
عاش الإمام الباقر عليه السلام في فترة زمنية مفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية، وفي أوج الصراع على السلطة فترة حكم بني أميّة بمرحلتي بني سفيان وبني مروان، هذه الفترة التي تميّزت بتعبئة العالم الإسلاميّ في مواجهة أهل البيت عليهم السلام, بكلّ أساليب الدعاية والإغراء الماديّ والمعنويّ، فكان على المسلم أن يعلن عداءه لنهج أهل البيت عليهم السلام وإلّا لم يكن له إلّا الاضطهاد والظلم والقمع وفي كثير من الأحيان حدّ السيف.
 
ولكن رغم كلّ الأجواء الضاغطة كان هناك فسحة من الراحة نتيجة انشغال الأمويّين بنزاعاتهم الخاصّة للاستيلاء على الحكم بالإضافة إلى الكثير من الثورات التي انطلقت تباعاً بعد واقعة كربلاء والتي أضعفت الحكم الأمويّ.
 
استفاد منها الإمام الباقر عليه السلام ورسم لنفسه مساراً واضحاً على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, في تبليغ الرسالة، وبيان أحكام الشريعة الإسلامية، ومعالجة كلّ الانحرافات العلمية والفكرية التي أُدخلت في ذلك الزمان على الشريعة الإسلامية، ووضع المنهج العلميّ الصحيح الذي يفهم الدين الإسلاميّ من خلاله، وكان دوره في عدّة خطوات هي:
أولاً: الإمام الباقر عليه السلام هو المرجعية العلمية
قال ابن حجر في ترجمة الإمام محمد الباقر عليه السلام: سُمّي بذلك لأنّه من بقر الأرض، أي شقّها، وإثارة مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة،



1 الشيخ فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، الناشر: مرتضوي، 1362ش، ط2، ج1، ص 177. الفيروز أبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، لا.ت، لا.ط، ج1، ص 16.
2 م. ن، ج50، ص 292.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

138

الدرس الثاني عشر: الإمام محمد بن عليّ الباقر عليه السلام

 ومن ثمّ قيل هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه1. والذي يدلّ على سعة علومه أنّه مع كثرة ما انتهل العلماء من نمير علومه، فإنّه كان يجد في نفسه ضيقاً وحرجاً لكثرة ما عنده من العلوم التي لم يجد لبثّها ونشرها سبيلاً، فكان عليه السلام يقول: "لو وجدت حمَلَة لعلمي الذي آتاني الله عزّ وجلّ، لنشرت التوحيد والإسلام والدين والشرايع..، وكيف لي بذلك، ولم يجد جدّي أمير المؤمنين عليه السلام حملة لعلمه حتّى كان يتنفَّس الصعداء ويقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ بين الجوانح علماً جماً... "2.

 
وكان عليه السلام مقصد العلماء من كلّ البل