دراسات أخلاقية - الأخلاق المذمومة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-08

النسخة: 2016


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد.

كتب الإمام الخميني قدس سره في الأخلاق وفي تهذيب النّفس، فأفاض على طلّاب المعارف الحقّة وأصحاب الطّريقة الوسطى ما أنار به دروب سيرهم. وتوغّل قدس سره في أعماق النّفس البشريّة، فاستخرج منها ما يخلب الألباب. وارتقى قدس سره في مراتب المعنويّات، فصار قدوة السّالكين ومنار العارفين.

هكذا أضحى الإمام قدس سره في هذا الزّمان رمزًا عظيمًا للرّوحانيّة الأصيلة التي تمتزج بالجهاد والوعي وبُعد النّظر، وصار مدرسةً تأخذ بأيدي الباحثين من بداية المسير وإلى قمم المجد والعظمة.

المهتمّون ببرامج السّير والسّلوك، والعاملون على مناهج الأخلاق والتّهذيب، والمشتغلون بتربية النّفوس وتهذيبها، كلّ هؤلاء وجدوا ضالّتهم في هذه المدرسة الشّامخة التي اتّسعت لتلقي بظلالها الوارفة على جميع قضايا النّفس والرّوح، وتجيب عن جميع أسئلة الباحثين.

هذا ما يتعرّف إليه كل من يطالع كتابات الإمام ويكتشفه كل ذي دراية واهتمام، ولكن ماذا عن الذين لا عهد لهم بالمطالعة؟ أو أولئك الذين تحجزهم مصاعب المصطلح والمتابعة؟ هل يجوز أن يبقوا عن هذه المعارف السّامية بعيدين؟! ومن فيض روح الله محرومين؟!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

1

المقدمة

 - ألا يمكن أن تُقدَّم لهم بأسهل الطّرق وأيسر السّبل؟


- وهل يوجد مثل المنهاج التّعليميّ من وسيلة تحلّ المعضلات وتزيل المشكلات؟!

لأجل هذا وغيره، بادر مركز نون للتأليف والترجمة إلى نقل نصوص الإمام الرّائعة من مصادرها الأصيلة ووضعها في قوالب جديدة، تسهّل على طلّابنا الأعزّاء عمليّة التعرّف إلى المدرسة الأخلاقيّة السّلوكيّة الفريدة للإمام الخمينيّ قدس سره، وهذه القوالب هي التي تعتمد المنهجيّة التّحليلية المنطقيّة التي يقوم بها الذّهن السّليم عند تعامله مع قضايا النّفس وتهذيبها.

إنّ أي مهتمّ بتهذيب نفسه وتزكيتها لا بدّ له أن يتعرّف على أمراضها أوّلًا ليتخلّص منها، ومن ثمّ أحوالها الكاملة وفضائلها ليتحلّى بها ثانيًا، ولهذا، قمنا بوضع هذه الأبحاث الأخلاقيّة في قسمين. الأوّل ما ذكره الإمام في جميع كتاباته وكلماته حول أمراض القلب ورذائل الأخلاق وحالاتها السّلبيّة وجاءت تحت عنوان "مساوىء الخُلق". والثاني كلماته قدس سره حول الفضائل الاخلاقية والكمالات النفسية وجاءت تحت عنوان، "محاسن الخُلق" وبالرّغم من الغنى الملحوظ في هذا المجال، تبقى بعض الرّذائل والأمراض ممّا لم يتعرّض له الإمام قدس سره، أو اكتفى بالإشارة إليه في طيّات الأبحاث الأخرى.

ولا شكّ بأنّ السّير العلميّ في كلّ مرض يقتضي التعرّف إليه جيّدًا وقبل أيّ شيء، والسّعي لتحديده بصورة علميّة دقيقة ليعين الذّهن على التّعامل معه علميًّا وتحقيقًا، فتّتسع الفائدة وتعظم.

وإنّ من أهم طرق التعرّف إلى الأمراض معرفة عوارضها ممّا يظهر في النّفس وسلوكيّاتها وأحوالها، فيتمكّن المهتمّ بتهذيب نفسه من اكتشافها. وخصوصًا إنّ من طبيعة الأزمات الأخلاقيّة أن تخفي نفسها وتتستّر تحت أوهام الأنانيّة وحبّ النّفس.

وهذا ما يقودنا إلى دراسة آثار كلّ مرض ونتائجه على مستوى الفرد أو المجتمع، في الحياة والعمل دنيا وآخرة، ليكون أبلغ في التّوجّه إلى ضرورة القضاء عليه والتخلّص منه أو معالجته.

فيبدأ الحديث عن العلاج بذكر الأسباب والعوامل التي أدّت إلى تشكّل هذه الرّذيلة أو تلك، لأنّ أصل العلاج في الرّجوع إلى السّبب والمنشأ وسدّ بابه أو القضاء عليه. وفي كلّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

2

المقدمة

 علاج نجد أهميّة المعرفة والاعتقاد وندرك أنّ البداية ينبغي أن تكون في العلم النّافع، لأنّ الانتقال إلى العمل لا يمكن أن يتحقّق دون ركيزة علميّة متينة.


وقد اعتمدنا نفس السّير التّحليليّ في الفضائل مع فارق يرتبط بالتّعامل معها مقارنةً بالرّذائل.

ويمّيز هذا الكتاب العديد من الخصائص، منها:
- سعينا في هذا الكتاب إلى تحقيق الغرض الأساسيّ من تدوين الكتب الأخلاقيّة، وهو أن تكون فرصة مهمّة للتّأثير في النّفوس لا مجرّد وصفة طبّيّة دقيقة. ولهذا، كان علينا أن نحافظ على النّصّ الأصليّ للإمام الخميني قدس سره، دون أي تدخّل.

- توثيق نصوص الإمام بعد مزجها في موضوع كل درس، ليتسنى للأستاذ والباحث المراجعة في المصدر عند الحاجة.

- وقد قمنا باستقصاء كل ما ذكره الإمام أو كتبه فيما يرتبط بكلّ رذيلة أو فضيلة، لكنّنا لم نتمكّن من إدراجها كلّها وإلّا لاحتاج الأمر إلى كتاب أكبر حجمًا بعدّة مرّات ما يؤثّر سلباً على تدريسه واعتماده في المناهج التّعليميّة.

- قمنا بانتقاء أهمّ ما يرتبط بالمسألة المطروحة تاركين الفرصة لكلّ من يرغب في السّباحة في بحر معارف الإمام وتعاليمه.

- أدرجنا نهاية كل درس المفاهيم الرئيسة لما طرحه الإمام في الموضوع المطروح، وهي عبارة عن خلاصة وزبدة أفكار الإمام.

- أدرجنا نهاية كل درس مجموعة من الآيات الشريفة، والأحاديث في نفس موضوع الدرس، لإغناء المادة إضافة إلى ما ذكره الإمام قدس سره من آيات وروايات.

إنّ مركز نون، وإذ يقدّم لأساتذتنا الكرام وطلّابنا الأعزّاء مثل هذا المتن التّعليميّ على أمل أن يساهم بقوّة في تفعيل تناول الموضوعات الأخلاقيّة، يرحّب بكلّ ملاحظة أو انتقاد يتقدّم بهذا العمل نحو المزيد من الدّقّة العلميّة والرّوح التّعليميّة، ويشكر كل من ساهم في اعداد هذا العمل وإيصاله إلى خواتيمه الطيبة.

والحمد لله رب العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

3

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 الدرس الأوّل: الرياء (1)  - حقيقته، تشكّله وأنواعه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى معنى الرّياء، خطورته وعاقبته.
2- يبيّن منشأ الرياء وكيفيّة تشكّله في النّفس.
3- يذكر علامات المرائي وكيفيّة اكتشافها في النّفس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

4

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 تمهيد

إذا تحقّقت اليقظة1 في مراتبها الأولى، وأدرك الإنسان مخاطر الرّذائل الأخلاقيّة ومهالك الأمراض القلبيّة، ولو بالإجمال، سيتّجه لا محالة نحو التعرّف إليها من أجل معرفة أحوال نفسه. وما يحتاجه في هذه المرحلة هو الطّبيب الحاذق الخبير الذي يعلم أسرار النّفوس وبواطنها، ثمّ يسعى بكلّ جهده لتطبيق ما يتعلّمه منه على نفسه، وينتقل بعدها إلى العلاج.
 
وقد علمنا أنّ هذا الطّريق ميسّر لكلّ من أراد الله، وطلب الآخرة، وسعى لها سعيها ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾2. فمن أهمّ علامات سالك طريق الآخرة: حرص صاحبه على معرفة عيوب نفسه ونقائصها، لأنّه يعلم أنّها مورثة للّشقاء الأبديّ، ويظهر هذا الحرص في اهتمام السالك بما يوجّه إليه من نصائح وانتقادات.
 
إنّ السّالك إلى الله يجعل كلّ شيء في خدمة سيره إلى الله، فكيف إذا كان الكلام صادراً من عارفٍ... بالله كالإمام الخميني قدس سره، هناك سيُقبل بالقلب والرّوح على كلّ كلمة يقولها، ويغوص في أعماقها، لأنّ فيها نجاته وخلاصه، وعندها ستتفجّر ينابيع الحكمة، وتهطل أمطار المعرفة، لتغسل ما علق في قلبه من أدران الرّذائل وكدوراتها. وكم سمعنا عن أناس، كانت جملة واحدة صادرة من قلب وليّ من أولياء الله كفيلة بتغيير حياتهم.
 
معنى الرّياء وكيفيّة نشوئه في النّفس
من المعلوم أنّ جميع الملكات النفسيّة والخُلقيّة ليست سوى تجلّيات العقائد الرّاسخة في النّفس. وبدورها تظهر هذه الأخلاق ـ بحسنها وقبحها ـ في سلوك الإنسان وأعماله. وعندما



1 اليقظة: هي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة من سكر الطبيعة، والإدراك بأن الإنسان مسافر، وأنه لا بُدَّ للمسافر من زاد وراحلة.
2 سورة الليل، الآية 7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 19

5

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 نربط كلّ خُلقٍ بجذوره ومنابته الاعتقاديّة، ونتعرّف إلى ظهوراته العمليّة والسّلوكيّة، نكون قد عرفناه كما يجب، وأدركنا حقيقته.

 
ولهذا، وجدنا الإمام الصّادق عليه السلام في الحديث المشهور الذي شرحه الإمام الخمينيّ قدس سره مفصّلًا في "الأربعون حديثًا" يبيّن "كُلُّ رِيَاءٍ شِرْك"1. فما نعرفه عن الرّياء من أنّه "إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصّالحة أو الصّفات الحميدة أو العقائد الحقّة الصّحيحة للنّاس، لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار بينهم بالصّلاح والاستقامة والأمانة والتديّن، من دون أن تكون هناك نيّة إلهيّة صحيحة"2، كما عرّفه الإمام، ليس سوى ظهور لمشكلة أكبر وأعمق، مشكلة يفهمها أهل الإيمان جيّداً، ويعلمون مدى خطورتها ووخامتها. وكلّ من كان في قلبه ذرّة إيمان سيهوله هذا الأمر ويصعقه. فحال الشّرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾3، وحقيقة الشّرك كما قال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾4. فمن مات على الشّرك حُرم المغفرة التي لا يستغني عنها أحد من العالمين في يوم الحساب، وهو الخائب الأكبر، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾5.
 
بهذه الهزّة يتنبّه أهل الإيمان، ويتوجّهون إلى ما يمكن أن تخفيه هذه الحالة السّلوكيّة، النّاشئة من ملكة نفسيّة راسخة، ويعلمون أنّهم أمام مشكلةٍ، إذا بقيت ولم تتم إزالتها، فسوف تقضي على جميع الأعمال وتحبطها، مهما كانت هذه الأعمال حسنة أو صالحة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾6.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "... لقد سمعتَ في الأحاديث الشريفة أنّ المرائي مشرك، إنّ من يرائي بين الناس برياسته الدينية وإمامته وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله 



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طبع دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407هـ، ج2، ص293، باب الرّياء، ح3.
2 روح الله الموسوي الخميني، الأربعون حديثًا، ترجمة محمد الغروي، دار التّعارف للمطبوعات، الطبعة الخامسة،1996م، ص 55.
3 سورة النساء، الآية 48.
4 سورة لقمان، الآية 13.
5 سورة طه، الآية 111.
6 سورة الزّمر، الآية 65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

6

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 الصالحة لأجل الحصول على المنزلة في قلوبهم، فهو مشرك"1.

 
وسواء كان هذا الإظهار أمام الأنظار والأبصار حيث يُسمّى لغةً واصطلاحًا بالرّياء، أم أمام الأسماع والآذان حيث يُسمّى بالسّمعة، فإنّه من شجرة واحدة.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اعلم، أنّ السّمعة - وهي عبارة عن إيصال خصال النّفس إلى أسماع النّاس لاجتذاب قلوبهم ولأجل الاشتهار ـ من شجرة الرّياء الخبيثة، ولهذا السّبب ذكرناها مع الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر كلّ واحدة منهما بصورة منفصلة"2.
 
وهكذا يريدنا هذا الطّبيب الشّفيق أن نتعرّف إلى أصل المشكلة. وبكلماته التي تنفذ إلى أعماق القلوب المستعدّة، يوقظ فينا حالة التّوجّه إلى خطرٍ عظيم: "أيّها المسكين، أنت في حضرة الله جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقرّبين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤدّيها لأجل النّفس الأمّارة بالسّوء ولأجل الشّيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدّة أكاذيب في حضرة الربّ والملائكة المقرّبين وتفتري عدّة افتراءات، وتمنّ وتعجب وتتدلّل أيضًا، ولا تخجل بعد كلّ ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل العصيان، وأشدّها الرّياء؟! فالرّياء شركٌ، وقبحه ناشئٌ من أنّك لم تؤدِّ العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص، بل حتّى أنّ رضا الله لا يشترك في الدّافع إلى إنجاز هذه العبادة، فهي لأجل الشّهوات وإعمار البطن والفرج فحسب"3.
 
وخامة أمر الرّياء وشدّة خفائه
لا يختلف المرائي عن غيره بحسب الظاهر، بل قد يكون أكثر نشاطاً وعملًا، لكنّه في باطنه يعيش مرضًا مهلكًا، لا يمكن إلّا لصاحبه أن يكتشفه. إنّ الرّياء يحكي عن علاقة سيّئة مع الله تعالى، مع أنّه قد يظهر بصورة حُسن الخُلق أمام النّاس، فلماذا عُدَّ الرياء من الأمراض القلبية المهلكة؟



1 الأربعون حديثًا، ص 75.
2 (م.ن)، ص 80.
3 (م.ن)، ص 96.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

7

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 غالبًا ما يركن المتديّنون إلى إيمانهم باعتبار أنّه المنجي الأوّل والأساس، ولا شكّ بأنّ أصل القضيّة صحيح، ففي الحديث أنّه: "لا يدخل النّار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"1. 

 
لكنّهم في كثير من الأحيان لا يلتفتون إلى عنصرين أساسيين في قضيّة الإيمان:
الأوّل: أنّ الإيمان قد يكون على سبيل الاستعارة، فلا يكون مستقرًّا بل مستودعًا (أي على نحو الوديعة)، حتّى إذا ماتوا سُلب منهم كما جاء في الأحاديث الشّريفة2. ومثل هذا الإيمان الذي لا قرار له ولا ثبات يزول عند الامتحانات الأساسيّة، ويكون الرّياء النّابع من شجرة الشّرك الخبيثة كتلك الحشرة التي تنخر في أصول الإيمان حتّى تقضي عليه.
 
الثّاني: أنّ الإيمان قد يكون شكليًّا أو ضعيفًا إلى الدّرجة التي يصعب معها صدور الأعمال الخالصة للّه، ونحن لم نؤمر سوى بالإخلاص، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾3. فما كان سرّ وجودنا فيه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾4، وهو الإخلاص لله في العبادة، لا يتحقّق مع هذا الإيمان الشكليّ أو الصّوريّ. ومن المعلوم أنّ الرّياء لا يكون إلّا بسبب ضعف إيمان الإنسان بالتّوحيد الذي يعني انحصار التأثير بالإله الواحد.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "وهذا الإيمان الذي يمتلكه هو صورة بلا معنى، وجسد بلا روح، وقشر بلا لب، ولا يكون مقبولًا عند الله تعالى، كما أشير إليه في حديث مذكور في كتاب الكافي، عن علي بن سالم، قال: "سَمِعْتُ أبا عَبْدِالله عليه السلام يقولُ: قالَ الله عزَّ وجلَّ: أَنَا خُيْرُ شَرِيكٍ، مَنْ أَشْرَكَ مَعِي غيرِي فِي عَمَلٍ عَمِلَهْ لَمْ أَقْبَلْهُ إلاّ مَا كَانَ لِي خَالِصاً"5.
 
"وبديهيّ أنّ الأعمال القلبيّة، في حال عدم خلوصها، لا تصبح موردًا لتوجّه الحقّ تعالى، ولن يتقبّلها، بل سيوكلها إلى من اعتقد المرائي بتأثيره إلى جانب الله تعالى، وقد كان يعمل له



1 ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، الطبعة الأولى، 1404هـ، ج 11، ص 193.
2 "إِنَّ الله خَلَقَ خَلْقاً لِلْإِيمَانِ لَا زَوَالَ لَهُ وَخَلَقَ خَلْقاً لِلْكُفْرِ لَا زَوَالَ لَهُ وَخَلَقَ خَلْقاً بَيْنَ ذَلِكَ أَعَارَهُ الْإِيمَانَ يُسَمَّوْنَ الْمُعَارِينَ إِذَا شَاءَ سَلَبَهُمْ". الكليني، الكافي، ج2، ص 418.
3 سورة التوبة، الآية 31.
4 سورة الذاريات، الآية 56.
5 الكافي، ج 2، ص295.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

8

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 ولأجل الحصول على المنزلة في قلبه مراءاةً وسمعةً. إذًا، فالأعمال القلبيّة تصبح مختصّة بذلك الشّخص، وتخرج من حدّ الشّرك، وتدخل إلى الكفر المحض، بل يمكن القول إنّ هذا الشّخص هو من جملة المنافقين. وكما أنّ شركه خفيٌّ فنفاقه خفيٌّ أيضًا، فهذا المسكين يتصوّر أنّه مؤمنٌ ولكنّه مشركٌ منذ البداية، وفي النّتيجة هو منافق، وعليه أن يذوق عذاب المنافقين، وويلٌ للذي ينتهي عمله إلى النفاق"1.

 
إنّ المشكلة العامّة في الأمراض الأخلاقيّة كلّها هي خفاؤها ودقّة أمرها، ولهذا احتجنا إلى الوعظ والتّذكير والمراقبة الدّقيقة والمحاسبة، يقول الإمام قدس سره: "كثيراً ما يتّفق أن يكون الشّخص المرائي نفسه غافلًا أيضًا عن كون الرّياء قد تسرّب إلى أعماله، وأنّ أعماله صارت رياءً وهباءً، إذ إنّ مكائد الشّيطان والنّفس من الدقّة والخفاء، وصراط الإنسانيّة من الرّهافة والظّلمة، بدرجة لا ينتبه منها الإنسان إلى ما هو فيه، إن لم يكن حذرًا جدًّا. إنّه يحسب أنّ أعماله للّه، ولكنّها تكون في الواقع للشّيطان، ولمّا كان الإنسان مجبولًا على حبّ النّفس، فإنّ حجاب حبّ النّفس يستر عنه معايب نفسه"2.
 
وما أجمل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال، لمّا سئل: أَيُّ الْخَلْقِ أَعْمَى؟ قَالَ: "الَّذِي عَمِلَ لِغَيْرِ اللهِ، يَطْلُبُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجلّ"3.
 
إنّ هذا المرض المهلك الخبيث الذي يتسلّل إلى جميع أعمالنا الصّالحة ليحبطها، يسري خفيةً ولا يُسمع له حسيسٌ أو يُرى له أثرٌ كما جاء بشأن الشّرك الخفيّ من أنّه أخفى من دبيب النّملة السّوداء في الليلة الظّلماء على الصّخرة الصمّاء4. ويُفهم من هذا الكلام ضرورة الغوص في أعماق النّفس وعدم التّساهل بشأن حالاتها الباطنيّة، لأنّه سيكون كحال من ركن واطمأنّ إلى العدوّ المهلك.



1 الأربعون حديثًا، ص 57.
2 (م.ن)، ص 69-70.
3 الشيخ الصدّوق، من لا يحضره الفقيه، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية، 1413هـ، قم، ج4، ص 381.
4 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "دبيب الشرك في أمتي كدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء". (منتخب الأنوار المضيئة، ص 16).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

9

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إذًا، أيّها العزيز، كن دقيقًا في أعمالك وحاسب نفسك في كلّ عمل، واستنطقها عن الدّافع في الأعمال الخيّرة، والأمور الشّريفة، فما الذي يدفعها إلى السّؤال عن مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار؟ هل تريد أن تتفهّم أحكام صلاة الليل وتتعلّمها قربة إلى الله، أو تريد أن توحي إلى النّاس بأنّك من أهل صلاة الليل؟ لماذا تريد أن تخبر الناس بأيّ أسلوبٍ كان، عن الزّيارة للمشاهد المشرّفة، وحتّى عن عدد الزّيارات؟ لماذا لا ترضى أن لا يطّلع أحدٌ على الصّدقات التي تعطيها في الخفاء؟ وتحاول أن تتحدّث عنها ليطّلع عليها النّاس؟ إذا كان ذلك لله، وتريد أن يتأسّى به النّاس باعتبار أنّ "الدّال على الخير كفاعله" فإنّ إظهاره حسنٌ، واشكر الله على هذا الضّمير النقيّ والقلب الطاهر! ... ولكنّنا نعلم إجمالًا أنّ أعمالنا ليست خالصة لله، وإلّا فإذا كنّا عبادًا لله مُخْلصين، فلماذا تكون للشّيطان علينا هذه السّيطرة وبهذا القدر؟ مع أنّه أعطى لربِّه عهدًا أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، وأنّه لا يمدّ يده إلى ساحتهم المقدّسة، وعلى حدّ قول شيخنا (الشيخ محمد علي الشاه آبادي)1 الكبير قدس سره: فإنّ الشّيطان كلب أعتاب الحضرة الإلهيّة، فلا ينبح في وجه من كانت له معرفة بالله ولن يؤذيه، وكلب الدّار لا يطارد معارف صاحب الدّار. ولكنّ الشّيطان لا يسمح بالدّخول لمن ليست له معرفة بصاحب الدار. إذًا، إذا رأيت أنّ للشّيطان شأنًا معك وسيطرة عليك، فاعلم أنّ أعمالك غير خالصة، وأنّها ليست 




1 (1293 - 1369 هـ.)، وُلد في مدينة أصفهان، درس المقدّمات عند والده وأخيه، ثمّ سافر إلى العاصمة طهران عام 1304ﻫ، ودرس فيها الفقه والأُصول والفلسفة والعرفان، ثمّ سافر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية، ثمّ ذهب إلى سامرّاء المقدّسة، لحضور دروس الشيخ محمّد تقي الشيرازي، ثمّ عاد إلى إيران بناءً على إصرار والدته بالعودة، فسكن طهران وأخذ يؤدّي وظائفه الدينية في مسجد سراج الملك. ثمّ ذهب إلى قم المقدّسة عام 1347ﻫ، للتدريس في حوزتها الفتية آنذاك، وبقي فيها سبع سنوات، ثمّ عاد إلى طهران عام 1354ﻫ للتدريس فيها. من تلامذته: الإمام الخميني، السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي، السيّد محمّد الوحيدي، الشيخ هاشم الآملي، السيّد مصطفى الصفائي الخونساري، الشيخ محمّد علي المدرّس الخياباني، السيّد علي البهشتي، السيّد محمّد صادق اللواساني، السيّد إبراهيم العلوي الخوئي، الشيخ موسى المازندراني، الشيخ عبد الحسين القمّي، الشيخ علي محدّث زاده، السيّد حسن الأحمدي، الشيخ خليل الكمرئي، الشيخ حسن اليزدي. يقول الإمام الخميني قدس سره عنه: "لم أرَ طول عمري مثل لطافة وظرافة آية الله الشاه آبادي". من مؤلّفاته: مفتاح السعادة في أحكام العبادة، شرح كفاية الأُصول، شذرات المعارف، الإيمان والرجعة، الإنسان والفطرة، منازل السالكين، رشحات البحار، القرآن والعترة (باللغة الفارسية)، أربعة رسائل في النبوّة والولاية العامّة والخاصّة، رسالة العقل والجهل، حاشية على نجاة العباد. تُوفّي قدس سره في الثالث من صفر 1369ﻫ بالعاصمة طهران، ودُفن بجوار مرقد السيّد عبد العظيم الحسني قدس سره في الري جنوب العاصمة طهران.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

10

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 لله تعالى. وإذا كنت مخلصًا، فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك، مع أنّك تعمل أربعين سنة قربة إلى الله حسب تصوّرك؟ في حين أنّه ورد في الحديث الشريف عن الرّضا، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أخَلَصَ عَبْدٌ لِلهِ عَزَّ وجلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلاَّ جَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"1. إذًا، فاعلم أنّ أعمالنا غير خالصة لله، ولكنّنا لا ندري، وها هنا الدّاء الذي لا دواء له!"2.

 
كيف نعرف الرّياء في أنفسنا؟
بهذا يقدّم لنا الإمام قدس سره معيارًا مهمًّا ومؤشّرًا دقيقًا لمعرفة أحوال قلوبنا الخفيّة فيما يتعلّق بالرّياء الذي قد نعمى عنه. فإنّ من ظنّ أنّه خلُص من الرّياء، يجب أن تتجلّى فيه مجموعة من الآثار النّابعة من الإخلاص. فكلّ من عمل بلا رياء ولو لأربعين صباحًا ستجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وستظهر المعارف المحكمة في منطقه وبيانه. وحيث إنّنا ندرك هذه الحالة الظّاهرة إن وُجدت، فلا نحتاج إلى كثير تبصّر وتأمّل لاكتشاف مدى ابتلائنا بذلك المرض المهلك!
 
ويستمرّ الإمام قدس سره في تقديم العون لنا لنغوص في عملية اكتشاف هذه الحالة الخفيّة، فيقول: "ولمّا كانت هذه السيّئة الخبيثة الرياء شديدة الخفاء، غابت حتّى عن الإنسان نفسه، بحيث يكون في الباطن من أهل الرّياء وهو يتوهّم عمله خالصًا، ولهذا ذكروا لها علامة، وبواسطة تلك العلامة يطّلع الإنسان على سريرته، وينهض لمعالجتها، وهذه العلامة هي أنّ الإنسان يشاهد في نفسه عزوفًا عن الطّاعات عندما يكون وحده، وإذا تعبّد فمع كلفة أو من منطلق العادة، لا يكون ذات إقبال وتوجّه، بل يأتي بالعبادة مقطّعة الأوصال من غير كمالٍ وتمام، ولكن عندما يحضر في المساجد والمجامع، وفي المحافل العامّة يؤدّي تلك العبادة في الظّاهر بنشاطٍ وسرورٍ وحضور قلب، ويميل إلى إطالة الرّكوع والسّجود، ويؤدّي المستحبّات أداءً حسنًا مع توفير كافّة أجزائها وشروطها. إنّ الإنسان إذا كان منتبهًا بعض الشيء، ليسأل نفسه عن سبب مثل هذا التصرّف، ولماذا تنصب شباكها باسم التقدّس،



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ، ج70، ص242، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، ح1.
2 الأربعون حديثًا، ص 74.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

11

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 لموّهت على الإنسان، وقالت: بما أنّ العبادة في المسجد أعظم ثوابًا أو أنّ في صلاة الجّماعة كذا من الثّواب، يشتدّ النّشاط، أمّا إذا صلّيت منفردًا وفي غير المسجد، فيكون الاهتمام من أجل أنّه: "يُستحب أداء العمل أمام النّاس بصورةٍ حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون في الدين". إنّها النّفس تخدع الإنسان بأيّة وسيلة كانت، ولهذا لا يفكّر في العلاج. وإنّ المريض الذي يعتقد نفسه سالمًا، لا يُؤمل له الشّفاء... إنّ الإتيان بالمستحبّات في الخلوات مستحب، فلماذا ترغب النّفس دائمًا في أن تؤدّيها في العلن؟ إنّه يبكي من خوف الله في المحافل العامّة بحرقة وألم، ولكنّه في الخلوات، مهما ضغط على نفسه لا تندى عينه. ما الذي حدث لكي يذهب عنه خوف الله إلا بين النّاس؟ تسمع له في ليالي القدر وفي جموع النّاس الحسرات والنّحيب والحرقة والبكاء، يصلّي مئة ركعة، ويقرأ دعاء الجوشن الكبير والصّغير، وعدّة أجزاء من القرآن المجيد في وسط الجّموع، دون أن يتلكّأ أو يحسّ بالتّعب.

 
إذا كانت أعمال الإنسان لأجل رضا الله فقط، أو لاستحصال رحمته، أو خوفًا من النّار وشوقًا إلى الجنّة، فلماذا يرغب في أن يمدحه النّاس على كلّ عمل عمله؟ فنجد أذُنَه متوجّهةً إلى ألسن النّاس، وقلبه عندهم، لكي يسمع من يمدحه بقوله: ما أشدّ تديّن والتزام هذا الإنسان! وما أحرصه على أداء الفرائض في مواعيدها، والمستحبّات في أوقاتها! وإنّه إنسانٌ مستقيمٌ وصادقٌ في معاملاته! إن كان الله هو الهدف في عملك فما هذا الميل المفرط نحو النّاس؟! وإن كانت الجنّة والنّار هما اللتان تدفعانك إلى العمل، فما الذي لنا هذا الانحراف؟! انتبه، فإنّ هذا الحبّ هو من شجرة الرّياء الخبيثة نفسها، فاسعَ ما استطعت لإصلاح نفسك من مثل هذا الحبّ، إذا كان ذلك ممكنًا"1.
 
درجات الرياء وأنواعه
ولأجل إعانتنا على اكتشاف هذا المرض الخبيث الذي يعتمد على التسلّل خفيةً لسلب الإيمان والقضاء عليه في قلوبنا، يذكر الإمام الخمينيّ قدس سره درجات وأنواع للرّياء. فبعض الناس يتصوّرون أنّ الرّياء لا يكون إلّا في إظهار الأعمال الحسنة، ويغفلون عن إمكانية الرّياء والتّظاهر بالخصال والعقائد. كيف لا، والمرائي يتّبع كلّ ما يجلب له حسن الذّكر والثّناء والمكانة في قلوب النّاس!



1 الأربعون حديثًا، ص 79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

12

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 أوليست العقائد الحقّة من الأمور التي تلفت أنظار المهتمّين؟! ألا يحبّ النّاس من يتّصف بحسن شمائل الأخلاق وحميدها؟


إنّ المرائي الذي استحكمت في نفسه حالة الشّرك، وصار يعتقد بتأثير النّاس في حياته ومصيره، لن يتردّد في التّظاهر بأيّ شيء يجذب القلوب بنظره، حتّى لو كان عقيدة التّوحيد.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: إنّ للرّياء أنواع ثلاثة، لكلّ منها درجتان:

1- المقام الأول
"وله درجتان، الأولى: وهي أن يظهر العقائد الحقّة والمعارف الإلهية، من أجل أن يشتهر بين النّاس بالدّيانة، ومن أجل الحصول على منزلة في القلوب، كأن يقول: "إنّي لا أعتبر أنّ هناك مؤثّرًا في الوجود إلّا الله"، أو أن يقول: "إنّي لا أتوكّل على أحد سوى الله"، أو أن يثني على نفسه كنايةً أو إشارةً بامتلاك العقائد الحقّة، وهذا الأسلوب هو الأكثر رواجًا. فمثلًا، عندما يجري حديث عن التوكّل أو الرّضا بقضاء الله، يجعل الشّخص المرائي نفسه في سلك أولئك الجّمع، بواسطة تأوّهه أو هزّ رأسه.

الثانية: وهي أن يبعد عن نفسه العقائد الباطلة، وينزّه نفسه عنها، لأجل الحصول على الجّاه والمنزلة في القلوب، سواء أكان ذلك بصراحة القول، أم بالإشارة والكتابة.

2- المقام الثاني
وفيه أيضًا مرتبتان، إحداهما: أن يُظْهرِ الخصال الحميدة والملكات الفاضلة.

والأخرى: أن يتبرّأ ممّا يقابلها، وأن يزكّي نفسه للغاية نفسها التي أصبحت معلومة.

3- المقام الثالث
وهو الرّياء المعروف عند الفقهاء، رضوان الله عليه، وله أيضاً نفس تلكما الدّرجتين.

إحداهما: أن يأتي بالأعمال والعبادات الشرعيّة، أو أن يأتي بالأمور الرّاجحة عقلًا، بهدف مراءاة النّاس وجلب القلوب، سواء أتى بالعمل نفسه بقصد الرّياء، وبكيفيّته، أو شرطه، أو جزئه، بقصد الرّياء على الشّكل المذكور في الكتب الفقهيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

13

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 ثانيهما: أن يترك عملًا محرّمًا أو مكروهًا بنفس الهدف المذكور"1.

 
المراؤون لا يختلفون فيما بينهم في دوافع التّظاهر والمراءاة، وإن استعملوا لجذب القلوب أمورًا مختلفة، كما أنّهم جميعًا مشتركون في الاعتقاد بأنّهم يؤثّرون في القلوب دون الله، لكنّ الآثار التي تترتّب على أنواع رياءاتهم تتفاوت من حيث المخاطر والنّتائج على صعيد الدّنيا والآخرة، فرديًّا واجتماعيًّا.



1 الأربعون حديثًا، ص 55 - 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

14

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 المفاهيم الرئيسة

1- الرياء عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصّالحة أو الصّفات الحميدة أو العقائد الحقّة الصّحيحة، للنّاس لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار بينهم بالصّلاح والاستقامة دون أن تكون هناك نيّة إلهيّة صحيحة.

2- الرّياء لا يكون إلّا بسبب ضعف إيمان الإنسان بالتّوحيد الذي يعني انحصار التأثير بالإله الواحد، ونحن لم نؤمر سوى بالإخلاص، وهذا الإخلاص لا يتحقّق مع هذا الإيمان الشّكليّ والصّوريّ.

3- الأعمال القلبيّة، في حال عدم خلوصها، لا تصبح موردًا لتوجّه الحقّ تعالى ولن يتقبّلها بل سيوكلها إلى من اعتقد المرائي بتأثيره إلى جانب الله تعالى؛ فتصبح الأعمال القلبيّة مختصّة بذاك الشّخص وتخرج من حدّ الشّرك وتدخل إلى الكفر المحض، ويمكن القول إنّ هذا الشّخص هو من جملة المنافقين.

4- من علامات الخلاص من الرّياء تجلّي الآثار النابعة من الإخلاص في الإنسان ومنها أن تجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.

5- من علامات الرياء: أنّ الإنسان يشاهد في نفسه عزوفًا عن الطّاعات عندما يكون وحده وينشط إذا كان بين الناس، يرغب في أن يمدحه النّاس، يرغب في تأدية العبادات في العلن، يبكي من خوف الله بين النّاس ولا تندى له عين في الخلوات.

6- للرّياء درجات:
المقام الأول: أن يظهر العقائد الحقّة والمعارف الإلهية، أو أن يبعد عن نفسه العقائد الباطلة وينزّه نفسه عنها، لأجل الحصول على الجاه والمنزلة.
المقام الثاني: أن يظهر الخصال الحميدة والملكات الفاضلة، أو أن يتبرّأ مما يقابلها.
المقام الثالث: أن يأتي بالأعمال والعبادات الشرعيّة، أو أن يأتي بالأمور الرّاجحة عقلًا، أو أن يترك عملًا محرّمًا أو مكروهًا بهدف مراءاة النّاس وجلب القلوب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

15

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي، وَتَقْبُحَ فِيَما أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتيِ، مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي، تَقَرُّباً إلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾2.
 
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾3.
 
الروايات الشريفة:
1- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَمَّا عَلَامَةُ الْمُرَائِي فَأَرْبَعَةٌ: يَحْرِصُ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَيَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَيَحْرِصُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ عَلَى الْمَحْمَدَةِ، وَيُحْسِنُ سَمْتَهُ بِجُهْدِه‏"4.
 
2- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "منْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ سُمْعَةً وَالْتِمَاسَ الدُّنْيَا، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ، وَزُجَّ الْقُرْآنُ فِي قَفَاهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ، وَيَهْوِيَ فِيهَا مَعَ مَنْ هَوَى"5.



1 السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح: صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، الطبعة الأولى، 1414هـ، ص524.
2 سورة النساء، الآية 142.
3 سورة الماعون، الآيات 4 - 7.
4 بحار الأنوار، ج1، ص 121.
5 الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1409هـ، ج6، ص 183، باب أنه يستحب لحامل القرآن ملازمة الخشوع والصلاة والصوم، ح8.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

16

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 3- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ". قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "هُوَ الرِّيَاءُ، يَقُولُ الله تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جَازَى الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُون فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمُ الْجَزَاء"1.

 
4- عن الإمام علي عليه السلام، في وصف المؤمن: "لا يَفْعَلُ شَيْئاً مِنَ الْحَقِّ رِيَاءً وَلَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً إِنْ زُكِّيَ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ وَاسْتَغْفَرَ اللهَ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ لَا يَغُرُّهُ قَوْلُ مَنْ جَهِلَهُ وَيَخْشَى إِحْصَاءَ مَا قَدْ عَمِلَهُ‏"2.
 
5- عَنْ الإمام أبي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام: "الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ أشَدُّ مِنَ العَمَلِ". قالَ: وَمَا الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ؟ قالَ: "يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ، وَيُنْفِقُ نَفَقَةً لِلّهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، فَكُتِبَ لَهُ سِرّاً، ثُمَّ يَذْكُرُها فَتُمْحى فَتُكْتَبُ لَهُ عِلانَيةً، ثُمَّ يَذْكُرُها فَتُكْتَبُ لَهُ رِياءً"3.
 
6- عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: "سَأَّلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ الشِّيْءَ مِنَ الخَيْرِ، فَيَرَاهُ إِنْسانٌ، فَيَسَرُّهُ ذلِكَ، قالَ: "ثُمَّ لا بَأْسَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاّ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الخَيْرُ، إِذا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذلِكَ لِذلِكَ"4.
 
7- عن الإمام الصادق عليه السلام: "مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً سِرّاً كُتِبَتْ لَهُ سِرّاً، فَإِذَا أَقَرَّ بِهَا مُحِيَتْ، وَكُتِبَتْ جَهْراً، فَإِذَا أَقَرَّ بِهَا ثَانِياً، مُحِيَتْ وَكُتِبَتْ رِيَاءً"5.
 
8- عن الإمام الصادق عليه السلام: "الرِّيَاءُ مَعَ الْمُنَافِقِ فِي دَارِهِ عِبَادَةٌ، وَمَعَ الْمُؤْمِنِ شِرْك"6.
 
9- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ثلاثُ علاماتٍ لِلْمُرَائِي، يَنْشَطُ إِذا رَأَى النَّاسَ، وَيَكْسَلُ إِذا كَانَ وَحْدَهُ، وَيُحبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ"7.



1  المحقق النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1408هـ، ج1، ص 107.
2  الكافي، ج2، ص 111.
3 (م.ن)، ج2، ص 296.
4 (م.ن)، ، ج2، ص 297.
5 مستدرك الوسائل، ج1، ص 114.
6 (م.ن)، ج12، ص 254.
7  الكافي، ج2، ص295.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

17

الدرس الأوّل: الرياء (1) - حقيقته، تشكّله وأنواعه

 10- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قُمْتُ بِهِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِك"1.

 
11- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ مُرَاءٍ وَمُرَائِيَة"2.



1 مستدرك الوسائل، ج1، ص 111.
2 (م.ن)، ج1، ص 106.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

18

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى مخاطر الرّياء بالعقائد والأخلاق والأعمال وتأثيرها على إيمان الإنسان ومصيره.
2- يبيّن دور التّوحيد في التخلّص من الرّياء.
3- يتعرّف إلى دور الذّكر والعمل الصّالح ومراقبة النفس في التخلّص من الرّياء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

19

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 تمهيد

لا شكّ بأنّ أخطر الآثار النّاشئة من الأخلاق وأشدّها فتكًا هو ما يظهر في الحياة الآخرة. ومن المعلوم أنّ تلك الحياة تبدأ من اللحظة التي يغمض الإنسان فيها العين عن هذه الحياة الدّنيا. 

وكلّما كان الخلق الفاسد أشدّ فسادًا، فإنّ آثاره وتجلّياته الأخرويّة تبقى وتستمر مع صاحبه.

إنّ بعض الحالات والملكات النفسانيّة تكون عذابًا لصاحبها في القبر وعالم البرزخ، ثمّ تزول آثارها الشّديدة بعد كل تلك العذابات البرزخيّة، إن بقي من الإيمان شيء ليوم الحشر الأكبر والعرض على الله تعالى.

إلّا أنّ بعض هذه الملكات الباطنيّة، وبحسب ما يبدو من طبيعته، لا تزيله تطهيرات ذلك العالم، بل يبقى راسخًا في النّفس إلى تلك المرحلة النّهائيّة من الحساب. والسبب - بكلّ وضوح - أنّه يكون مناقضًا للإيمان في جوهره. وما كان كذلك، فإنّه يظهر بصورة موجود يعمل على نسف الإيمان وإزالته من القلب. وليس الرّياء سوى أحد هذه العوامل البغيضة، لأنّه شرك في الحقيقة... والشّرك يأبى أن يجتمع مع الإيمان.

الآثار الوخيمة للرّياء
1- على الدين والمعتقد
لا شكّ أنّ لكلّ خلق آثارًا في الدّنيا، لأنّ طبيعة الأخلاق والملكات النفسيّة تأبى إلّا الظّهور بصورة الأعمال والسّلوكيّات التي هي من سنخ هذا العالم الأدنى. وإنّ أخطر الآثار الدنيويّة للأمراض القلبيّة هو ما يهدّد دين النّاس وعقيدتهم وحياتهم المعنويّة. وعندما نتأمّل في ماهيّة الرّياء، نجده يصوّب سهامه القاتلة على الدّين والمعتقد بصورة مباشرة. فالدّين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

20

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 كان وسيبقى رغم كلّ الإساءات (من الأصدقاء والأعداء) أقدس قضيّة في حياة البشريّة. وعندما يتمّ تحريفه أو العبث به أو تفريغه من مضمونه ومحتواه الرّوحيّ العظيم، فإنّ هذا سيتسبّب بأضرار لا يمكن وصفها.

 
المراؤون الذين لا همّ لهم سوى الظهور والبروز والمنزلة والمكانة، لن يجدوا أقدس وأنبل من الدّين لبلوغ مآربهم. إنّ المرائين أشخاصٌ يمارسون طقوس الدّين ويتظاهرون بمناسكه، لكنّهم - ولا شكّ - محرومون من روح هذه المناسك وثمارها الطيّبة، لأنّ الأعمال بالنّوايا، والنيّة الصالحة تنبع من الاعتقاد الصحيح والدّافع الحسن. ولمّا كانت الثّمار الطيّبة موقوفة على أن يخلص العبد بعمله ولا يطلب به سوى الله تعالى والثّواب عنده، فإنّ المرائي محرومٌ، لأنّه فقد روح العبادة والنيّة الخالصة، وستكون النّتيجة أنّهم يقدّمون أمرًا مناقضًا للدّين والعقيدة، وإن كان بصورة الدّين. فهل يوجد خطر على الدّين أكبر من ذلك؟!
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أنّ الرّياء في أصول العقائد والمعارف الإلهيّة أشدّ من جميع أنواع الرّياء عذابًا وأسوأها عاقبةً، وظلمته أعظم وأشدّ من ظلمات جميع أنواع الرّياء. وصاحب هذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد بالأمر الذي يظهره، فهو من المنافقين، أي إنّه مخلَّد في النّار، وإنّ هلاكه أبديّ، وعذابه أشدّ العذاب.
 
وأمّا إذا كان معتقدًا بما يظهر، لكنّه يظهره من أجل الحصول على المنزلة والرّتبة في قلوب النّاس، فهذا الشّخص، وإن لم يكن منافقًا، إلاّ أنّ رياءه يؤدّي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر إليه، فإنّ هذا الشّخص يكون مشركًا في الخفاء، لأنّ المعارف الإلهيّة والعقائد الحقّة، التي يجب أن تكون خالصة لله، ولصاحب تلك الذّات المقدّسة، قد حوّلها ـ المرائي ـ إلى النّاس، وأشرك فيها غيره، وجعل الشّيطان متصرّفًا فيه، فهذا القلب ليس لله"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

21

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 2- في الأمور المعنويّة والأخلاقيّة

فهذا حال الرّياء في العقائد والقضايا الإيمانية، فهو الأخطر على دين المرء والنّاس، لأنّ العقائد هي الأصول التي تُبنى عليها أركان الدّين وعمارته الشّامخة. وإذا تزلزلت، فلن يبقى لتلك الفروع والأغصان أيّ تأثيرٍ يُذكر. ويليه خطرًا الرّياء في الأمور المعنوية الأخلاقية، حيث يقول الإمام قدس سره: "اعلم أنّ الرّياء في هذا المقام (إظهار الخصال الحميدة والملكات الفاضلة)، وإن لم يكن بحجم المقام الأوّل1 ـ من الدّفع نحو الكفر ـ إلاّ أنّه، بعد الالتفات إلى موضوعه، قد يفضي بعمل المرائي أيضًا في هذا المقام إلى الكفر، فيصبح واحدًا في النتيجة مع عمل المرائي في ذلك المقام، مقام الرّياء في العقيدة"2.
 
3- في الأعمال
ثم يأتي خطر الرياء في الأعمال، حيث يقول الإمام قدس سره: "اعلم أنّ الرّياء في هذا المقام (الأعمال والعبادات)، أكثر من المقامات الأخرى شيوعًا، إذ إنّنا ـ نحن العامّة من النّاس - بالعموم لسنا أهلًا لذينك المقامين (العقائد والأخلاق)، ولهذا لا يدخل الشيطان إلينا من ذلك الطريق، ولكن بما أنّ معظم النّاس المتعبّدين، هم من أهل المناسك والعبادات الظاهرية، فإنّ الشيطان أكثر حرّية في التلاعب بهم، في هذا المقام ومن خلال العبادات.
 
كما أنّ مكائد النفس في هذه المرحلة أكثر، وبتعبيرٍ آخر: بما أنّ عامّة النّاس يفوزون بالجنّة بالأعمال الجسمانيّة، إنّهم يحصلون على الدّرجات الأخرويّة بممارسة الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيّئة، فإنّ الشيطان يدخل عليهم من هذا الطّريق نفسه، ويسقي جذور الرّياء والتملّق في أعمالهم، فتفرّع وتورق، ويبدّل حسناتهم سيّئات، ويدخلهم جهنّم ودركاتها عن طريق المناسك والعبادات، ويحوّل الأمور التي يريدون أن يعمّروا بها آخرتهم إلى أدوات لتخريبها ـ الآخرة ـ فيجعل الملائكة ما هو ـ الأعمال ـ من العليّين بأمر من الله في سجّين.



1 أي الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهيّة.
2 الأربعون حديثًا، ص 65.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

22

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 فعلى الذين يملكون هذا الجانب فقط، ولا زاد لهم سوى زاد الأعمال، عليهم أن يكونوا حذرين كلّ الحذر، لئلّا يفقدوا ـ لا سمح الله ـ الزّاد والرّاحلة كليهما، ويصبحوا من أهل جهنّم، ولا يبقى لهم طريق نحو السّعادة، وتغلق في وجوههم أبواب الجنّة، وتفتح لهم أبواب النار"1.

 
إنّ المرائي خاسر، لأنّ المشرك لا يصيب خيرًا، وكيف ينال الخير، والخير كلّه عند الله؟! وما يناله أهل الشّرك ليس سوى سراب نحسبه نحن الظمأى ماءً. والخسران المبين هو خسران الدّين ومحق الإيمان وزوال الآثار الطيّبة للعقائد الحقّة، كما أشار الإمام الخمينيّ قدس سره إلى أنّ رياء المرائي يؤدّي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر إليه.
 
2- على الآخرة
النّاس يراقبون أهل الدّين والدّيانة ويتوقّعون أن تظهر الآثار الطيّبة في حياتهم وفي نفوسهم، وكثيرٌ من هؤلاء إنّما يلتحقون بقافلة أهل الإيمان والدّين من خلال هذه الآثار والنّتائج. وإذا لم يجدوا هذه الآثار والثّمار في العاملين، فسوف تخبو بهجة الدين وضياؤه في نفوسهم، ويضعف توجّههم أو إقبالهم عليه. فالمرائي لا يكتفي بتدمير نفسه، بل ينتقل إلى قطع الطّريق على النّاس من أن يعرفوا المعنويّات الحقيقيّة. المراؤون بالدّين، هم أبعد ما يكون عن نتائج الدّين الحقّ، ولن تكون لهم في الدّنيا سوى الحياة الشقيّة والنّفوس الضّعيفة التّعيسة، وفي الآخرة العذاب الأليم، ونار الجحيم. فهؤلاء هم الصّادّون عن سبيل الله وإن كانوا غافلين.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "أيّها المسكين، إنّك ولأجل محبّةٍ بسيطة، جزئيّة، ومنزلةٍ عديمة الفائدة بين العباد، تجاوزت تلك الكرامات وفقدت رضا الله، وعرّضت نفسك لغضب الله، لقد استبدلت الأعمال التي كان ينبغي أن تهيّئ بها دار الكرامة في الآخرة، وتوفّر الحياة السعيدة الدائمة وتصل بواسطتها إلى أعلى علّيّين في الجنان، استبدلتها بظلمات الشّرك والنّفاق، وأعددت لنفسك 



1 الأربعون حديثًا، ص 69.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

23

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 الحسرة والنّدامة والعذاب الشّديد، وجعلت نفسك من أهل "سِجِّين"، بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: "قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَل العَبْدِ مُبْتَهِجَاً بِهِ، فَإِذا صَعَدَ بِحَسَنَاتِهِ، يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ، اجُعَلوهَا فِي سّجِّينٍ، إِنَّهُ لَيْسَ إِيايَ أَرَادَ بِهَا"1... إنّنا هنا، وفي هذا الحال، لا نستطيع أن نتصوّر "سجّين"، ولا أن نفهم ديوان عمل "الفُجّارِ"، ولا أن نرى صور هذه الأعمال، وهي في سجّين... وسنرى حقيقة الأمر في أحد الأيام، ولكن عندها تقصر أيدينا عن العمل، ولا سبيل حينئذٍ للنجاة"2.

 
كيف نتخلّص من هذا المرض القلبيّ؟
إنّ المبدأ الأوّل في معالجة الأمراض القلبيّة هو تحديد أسبابها ومناشئها. ومن حاول التخلّص من خلقٍ رذيل أو ملكة نفسيّة فاسدة دون أن يزيل أسبابها، كان كمن يطهّر أرض بيته المتنجّس بسبب بالوعة البيت الخربة دون أن يصلحها، فكلّما طهّر الأرض ونظّفها عادت البالوعة لتنضح بالمياه النّجسة.
 
إنّ جميع الأمراض القلبيّة تنشأ من عقائد فاسدة، ترجع كلّها إلى الكفر والتنكّر لحضور الله في حياتنا، وتنمو هذه الملكات في بيئة النّفس الضّعيفة. هذه النفس التي تتشكّل من مجموعة من العقد النفسيّة، وأشهرها عقدة الحقارة وذلّة النّفس مقابل الناس والإحساس بالدونيّة تجاههم، ويؤجّجها حبّ الدّنيا ويغذّيها، حتّى تظهر في الأعمال والسّلوكيّات... أمّا الشّيطان ـ عدوّ الإنسان المبين ـ فإنّه يقوم بتزيينها، لتغدو حاجة ضروريّة وهدفًا أساسيًّا... وفي مصباح الشّريعة عن الإمام الصّادق عليه السلام: "الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ صُورَةٍ، رَأْسُهَا الْكِبْرُ، وَعَيْنُهَا الْحِرْصُ وَأُذُنُهَا الطَّمَعُ، وَلِسَانُهَا الرِّيَاء... فَمَنْ أَحَبَّهَا أَوْرَثَتْهُ الْكِبْرَ، وَمَنِ اسْتَحْسَنَهَا أَوْرَثَتْهُ الْحِرْصَ، وَمَنْ طَلَبَهَا أَوْرَدَتْهُ إِلَى الطَّمَعِ، وَمَنْ مَدَحَهَا أَلْبَسَتْهُ الرِّيَاء"3.



1 الكافي، ج2، ص 295.
2 الأربعون حديثًا، ص 62.
3 مستدرك الوسائل، ج12، ص 37.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

24

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 وبمعرفة كيفيّة تشكّل الرّياء واشتداده في النّفس، يمكن أن يتمركز العلاج حول الأمور الآتية:

1- إصلاح العقيدة وترسيخ الحقّ في القلب: تقوية الإيمان.
 
2- تقوية النّفس بالمجاهدة والرّياضة السّليمة: التخلّص من العقد.
 
3- اجتناب مزالق الشّيطان، والاستعاذة منه: سدّ باب الإغواء.
العلاج العلمي
أمّا العلاج العلميّ الذي يدور حول إصلاح شبكة معتقداتنا، فإنّه يرتبط بشكلٍ أساسيّ بمواجهة الشّرك، من خلال ترسيخ حقيقة التّوحيد في القلب، لأنّ القلب أمير البدن، وأصل جميع التوجّهات والتّعلّقات، وما لم تدخل عقيدة التّوحيد إليه، فلن يكون الإنسان مأمونًا من الوقوع في الرّياء وحبط الأعمال.
 
1- الاعتقاد بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله
"فما لم تكتب عبارة "لا إله إلّا الله" بقلم العقل على لوح القلب الصّافي، لن يكون الإنسان مؤمنًا بوحدانيّة الله. وعندما ترد هذه العبارة النّورانية الإلهيّة على القلب، تصبح سلطة القلب لذات الحقّ تعالى، فلا يعرف الإنسان بعدها شخصًا آخر مؤثّرًا في مملكة الحقّ، ولا يتوقّع من شخص آخر جاهًا ولا جلالًا، ولا يبحث عن المنزلة والشّهرة عند الآخرين ولا يصبح القلب مرائيًا ولا مخادعًا حينئذٍ. وإذا رأيتم رياءً في قلوبكم، فاعلموا أنّ قلوبكم لم تسلّم للعقل، وأنّ الإيمان لم يقذف نوره فيها، وأنّكم تعدّون شخصًا آخر إلهًا ومؤثّرًا في هذا العالم، لا الحقّ تعالى، وأنّكم في زمرة المنافقين أو المشركين أو الكفّار"1.
 
ويقول في مكانٍ آخر: ادخل في قلبك بأيّة وسيلة كانت التوحيد العملي، وهو أوّل درجات التوحيد، واجعل قلبك مؤمنًا ومسلمًا، واختم على قلبك بهذه الكلمة المباركة بالختم الشريف "لا إله إلا الله" واجعل صورة القلب صورة كلمة التوحيد، وأوصله إلى درجة "الاطمئنان"، وافهمه أنّ النّاس لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرّا، فالله وحده هو النّافع والضّار. أزل هذا 



1 الأربعون حديثًا، ص 58 - 59.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

25

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 العمى عن عينك، وإلا فستكون ممن يقول: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾1. وتحشر يوم كشف السرائر أعمى. واعلم أنّ إرادة الله تعالى قاهرة لجميع الإرادات، وإذا اطمأنّ قلبك بهذه الكلمة المباركة، وتسلّم لهذه العقيدة، فالأمل أن ينجز عملك، وتستأصل جذور الشرك والرياء والكفر والنفاق من قلبك"2.

 
2- الاعتقاد بأنّ الله هو مالك القلوب والمتصّرف الوحيد بها
"نذكر هنا أمرًا نأمل أن يكون مؤثّرًا في علاج هذا المرض القلبيّ، سواء في هذا المقام أو في المقامات الأخرى، وهذا الأمر مطابقٌ للبرهان ـ الدليل ـ والمكاشفة والعيان وأخبار المعصومين وكتاب الله، وللعقل حيث يصدّق عقول النّاس. وهو أنّه نتيجة لإحاطة قدرة الله تبارك وتعالى بجميع الموجودات، وبسطه لسلطانه على جميع الكائنات، وإحاطة قيمومته بجميع الممكنات، فإنّ قلوب العباد جميعًا تكون تحت تصرّفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه، ولا يتصرّف، ولن يتصرّف، أحد في قلوب العباد بدون إذنه القيوميّ وإجازته التكوينيّة. 
 
وحتّى أصحاب القلوب أنفسهم ليست لهم القدرة على التصرّف في قلوبهم بدون إذن من الله تعالى، وبهذا المعنى وردت كلمات إشارة وكناية وصراحة في القرآن وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام3. إذًا، فالله تعالى هو مالك القلب والمتصرّف فيه، وأمّا العبد الضّعيف العاجز فلا يستطيع أن يتصرّف بقلبه بدون إذنه، بل إنّ إرادته قاهرة لإرادتك ولإرادة جميع الموجودات. إذاً، فرياؤك وتملّقك، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد، ولفت نظرهم، ومن أجل الحصول على المنزلة والتّقدير في القلوب والاشتهار بالصّلاح، فإنّ ذلك خارجٌ كليّة عن تصرّفك، وهو تصرّف الله، فإله القلوب وصاحبها يوجّه القلوب نحو من يشاء، بل من الممكن أن تحصل على نتيجة عكسيّة. وقد رأينا وسمعنا أنّ أشخاصاً متملّقين ومنافقين ممّن لم تكن لهم قلوب طاهرة، قد افتُضحوا وبان زيفهم، ففرض عليهم عكس ما أرادوا الحصول عليه من النتائج في نهاية الأمر. لقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث الشريف في



1 سورة طه، الآية 125.
2 الأربعون حديثًا، ص 75 - 76.
3 "قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَي الرَّحْمنِ يُقَلِّبِه كَيْفَ يَشَاء"(صحيح مسلم، ج 18, ص 51)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة القصص، الآية 68).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

26

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 الكافي: "عن جرّاحٍ المَدائني، عَنْ أبي عَبْدِ الله (الصادق) عليه السلام في قَوْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾1، قال عليه السلام: الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوابِ، لاَ يَطْلبُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِنَّما يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ، يَشْتَهي أَنْ يَسْمَعَ به النَّاسُ، فَهذا الَّذي أَشْرَكَ بِعِبَادةِ رَبّه، ثُمَّ قال: "مَا مِنْ عبد أَسَرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الأَيّامُ أَبَداً حتى يُظْهِرَ الله لَهُ خَيْراً، وَمَا مِنْ عَبْدٍ أسرَّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الأَيّامُ أَبداً حَتَّى يُظْهِرُ الله لَهُ شَراً"2"3.

 
العلاج العملي
العلاج العمليّ الذي ينطلق من المجاهدة والتّعامل مع النّفس بحذرٍ شديد واتّهامٍ دائم، فينبغي أن يصل إلى أعماق المشكلة، لأنّ المرائي إنّما يشعر بالحاجة إلى مدح النّاس له وتقبّلهم بسبب ما يراه من ضعة وذلّة في نفسه تجاههم. وهذه المشكلة لا ترتبط بالإدراك فقط، بل تكون متجذّرة في بعض الأحيان بحيث لا ينفع في اقتلاعها سوى المجاهدة المستمرّة القائمة على الزّهد بما عند النّاس والاستغناء عنهم. فالمجاهد لنفسه قد يشعر في بداية الزّهد أنّه يكاد يخسر كلّ شيء، ويمتلكه إحساس بأنّه فارغٌ تمامًا، لكنّه شيئًا فشيئًا، سيستعذب هذا الاستغناء، ويجد فيه حلاوة لا نظير لها. فالعلاج العملي يرتكز بشكل أساسي على عملية المجاهدة والمراقبة الدائمة للنفس عند أداء التكليف الشرعي:
 
1- الذّكر والعمل الصّالح
إنّ العلاج العمليّ للرياء يدور حول تثبيت النّفس على المعتقدات الحقّة، وأهمّها الاعتقاد بأنّ الخير كلّه بيد الله، وأنّ النّاس جميعًا محتاجون إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾4. وإذا كان الاعتقاد المقابل راسخًا في النّفس، وقد داومت عليه عمرًا طويلًا، فلا ينبغي أن نتوقّع أنّه بمجرّد حصول الاعتقاد الصحيح، ستزول تلك الآثار والعوامل دفعةً واحدة.



1 سورة الكهف، الآية 110.
2 الكافي، ج2، ص294.
3 الأربعون حديثًا، ص 60 - 61.
4 سورة فاطر، الآية 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

27

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 عقيدة التّوحيد الحقّة ستكون بمنزلة الماء الطّاهر الذي ينظّف القلب من خلال الذّكر الذي يرسّخ بالعمل الصّالح الموافق له. ولكي تزول أدران الشّرك وقذاراته من القلب، فإنّ الأمر يتطلّب وقتًا متناسبًا مع شدّة التصاق تلك القذارات بوعاء القلب.

 
يقول الإمام قدس سره: "واترك كلّ عمل فيه شبهة الرّياء والتملّق، ولو كان عملًا شريفًا جدًّا. وإذا رأيت أنّك لا تستطيع أداء الواجبات بإخلاص في العلن، فأدِّها في الخفاء مع أنّه يُستحب الإتيان بها في العلن. وقليل ما يتّفق أن يقع الرّياء في أصل الواجب، والأغلب أن يقع في الخصوصيّات والمستحبّات والإضافات، وعلى أيّة حال، طهّر قلبك من دنس الشّرك بجدّ ومجاهدة شديدتين، لئلا تنتقل من هذا العالم ـ لا سمح الله ـ وأنت بهذه الحال السيّئة من دون أن يكون لك أمل بالنّجاة أبدا، ويكون الحقّ المتعال غاضبًا عليك، كما ورد في الحديث الشّريف المنقول في (الوسائل) عن (قرب الإسناد)، بسند متّصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: "قَالَ رسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "منْ تَزيَّن للنَّاس بِمَا يُحبُّ الله، وبارزَ الِلهِ في السرِّ بما يَكرَهُ الله لَقِي اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ لَهُ ماقِتٌ"1، وفي هذا الحديث الشّريف احتمالان: الأوّل: هو ذلك الذي يظهر للنّاس الأعمال الصالحة ويخفي الأعمال القبيحة، والآخر: هو ذلك الذي يظهر للناس هيكل العمل وفي الباطن يقصد الرياء، وكلتا الصورتين يشملهما الرياء، لأنّ الإتيان بالواجبات والمستحبّات، بغير قصد الرّياء لا يستوجب الغضب، بل يمكن القول: إنّ المعنى الثاني أفضل، لأنّ التّجاهر بالأعمال القبيحة أشدّ، وعلى كلّ حال، لا سمح الله أن يكون مالك الملوك وأرحم الراحمين غاضبًا على الإنسان "أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ الحَلِيمِ"2.
 
2- المراقبة والمحاسبة
"راقب قلبك وانتبه له، وأخضع أعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة، وفتّش في خبايا قلبك، وحاسبه حسابًا شديدًا، مثلما يحاسب شخص من أهل الدّنيا شريكه"3.



1 وسائل الشيعة، ج1، ص68.
2 الأربعون حديثًا، ص 76 - 77.
3 (م.ن)، ص 76.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

28

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 3- التضّرع إلى الله وطلب العون منه

التضرّع وطلب التوفيق من الله هو أساس وركيزة البرنامج الشرعي للتخلّص من هذه الموبقة، فالظفر بنعمة الأخلاص والخلاص من آفة الرياء هو من التوفيقات الإلهية والنعم الربانية على عبده المؤمن. يقول الإمام الخميني قدس سره: "اطلب من الله الرحيم في كلّ حين، وخصوصًا في الخلوات، وبتضرّع وعجز وتذلّل، أن يهديك بنور التّوحيد، وأن ينوّر قلبك ببارقة غيب التّوحيد في الإيمان والعبادة، حتّى تعلم أنّ جميع العالم الواهي وكلّ ما فيه لا يكون شيئاً، واسأل الذّات المقدّس بكلّ تضرّع أن يجعل أعمالك خالصة وأن يهديك إلى طريق الخلوص والولاء. وإذا واتتك حالة السموّ الروحيّ، فاذكر بالدّعاء هذا العبد الضّعيف العاطل الخالي من الحقيقة الذي ضيّع عمره في الهوى، وأصبح قلبه، بسبب كدر المعاصي والأمراض القلبيّة، بحيث لم تعد تؤثّر فيه أيّة نصيحة ولا رواية ولا برهان ولا دليل ولا آية، لعلّه يجد بدعائكم طريق النجاة، فإنّ الله لا يردّ دعاء المؤمن في حضرته، بل يستجيب دعاءه"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 76.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

29

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 المفاهيم الرئيسة

1- إنّ أخطر الآثار النّاشئة من الأخلاق وأشدّها فتكًا هو ما يظهر في الحياة الآخرة، وكلّما كان الخلق الفاسد أشدّ فسادًا، فإنّ آثاره وتجلّياته الأخرويّة تبقى وتستمر مع صاحبه.

2- إنّ أخطر الآثار الدنيويّة للأمراض القلبيّة هو ما يهدّد دين النّاس وحياتهم المعنويّة. وعندما نتأمّل في ماهيّة الرّياء، نجده يصوّب سهامه القاتلة على الدّين بصورة مباشرة، وذلك لأنّ المرائي محرومٌ من الآثار الطيّبة للعبادة لأنّه لم يخلص النيّة لله، ويكون بذلك يقدّم أمرًا مناقضًا للدّين بصورة الدّين.

3- الرّياء في العقائد والقضايا الإيمانية، هو الأخطر على دين المرء والنّاس لأنّ العقائد هي الأصول التي تُبنى عليها أركان الدّين وعمارته الشّامخة.

4- منشأ الرياء هو: الاعتقاد الفاسد بوجود مؤثّر غير الله تعالى، الشّعور بالحاجة إلى مدح النّاس له وتقبّلهم بسبب ما يراه من ضعة وذلّة في نفسه تجاههم، الشّيطان الذي يزيّن هذه الحاجات لتصبح ضروريّة.

5- العلاج العلميّ للرياء يكون بشكلٍ أساسيّ بمواجهة الشّرك، من خلال ترسيخ حقيقة التّوحيد في القلب بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله وبأنّ الله هو مالك القلوب والمتصّرف الوحيد بها.

6- العلاج العملي للرياء يكون عبر المجاهدة المستمرّة القائمة على الزّهد بما عند النّاس والاستغناء عنهم، طلب المنزلة في قلوب الآخرين على أساس الأحكام الإلهيّة، الذّكر والعمل الصّالح، التضّرع إلى الله وطلب العون منه والمراقبة والمحاسبة وذلك لترك كلّ عمل فيه شبهة الرّياء والتملّق ولو كان عملًا شريفًا جدًّا.

7- طلب المنزلة في قلب الإنسان الكامل وأولياؤه تعدّ من الكمالات الأخرويّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

30

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللَّهُمَّ اشْغَلِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُشْرِكِينَ عَنْ تَنَاوُلِ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ... وأَيُّمَا غَازٍ غَزَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكَ، أَوْ مُجَاهِدٍ جَاهَدَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ سُنَّتِكَ لِيَكُونَ دِينُكَ الأَعْلَى وَحِزْبُكَ الأَقْوَى وَحَظُّكَ الأَوْفَى فَلَقِّهِ الْيُسْرَ، وَهَيِّئْ لَهُ الأَمْرَ، وَتَوَلَّهُ بِالنُّجْحِ... وَاعْزِلْ عَنْهُ الرِّيَاءَ، وَخَلِّصْهُ مِنَ السُّمْعَةِ، وَاجْعَلْ فِكْرَهُ وَذِكْرَهُ وَظَعْنَهُ وَإِقَامَتَهُ فِيكَ وَلَكَ"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "سُئِلَ فِيمَا النَّجَاةُ غَداً، فَقَالَ: إِنَّمَا النَّجَاةُ فِي أَنْ لَا تُخَادِعُوا اللهَ فَيَخْدَعَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ وَيَخْلَعْ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ. قِيلَ لَهُ فَكَيْفَ يُخَادِعُ اللهَ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ الله، ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي الرِّيَاءِ، فَإِنَّهُ الشِّرْكُ بِالله، إِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: يَا كَافِرُ، يَا فَاجِرُ، يَا غَادِرُ، يَا خَاسِرُ، حَبِطَ عَمَلُكَ وَبَطَلَ أَجْرُكَ، فَلَا خَلَاصَ لَكَ الْيَوْمَ، فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ"3.
 
2- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إِنَّ المَالَ وَالبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا الله لأقْوَام، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بَتَعْذِير، وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاء وَلاَ سُمْعَة, فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ يَكِلْهُ الله إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ"4.



1 الإمام السجّاد عليه السلام، الصّحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام لأهل الثّغور.
2 سورة البقرة، الآية 264.
3 وسائل الشيعة،ج1، ص 96.
4 نهج البلاغة، ص 64.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

31

الدرس الثاني: الرياء (2) - أهم آثاره وسبل معالجته

 3- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ النّار وأهلها يعجّون من أهل الرّياء، فقيل: يا رسول الله، وكيف تعجّ النّار؟! قال: من حرّ النّار التي يعذّبون بها"1.

 
4- عن الإمام الرّضا عليه السلام: "وَيْحَكَ يَا ابْنَ عَرَفَةَ، اعْمَلُوا لِغَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللهِ وَكَلَهُ الله إِلَى مَا عَمِلَ. وَيْحَكَ، مَا عَمِلَ أَحَدٌ عَمَلًا إِلَّا رَدَّاهُ الله، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ"2.
 
5- عن الإمام أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ زَكَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ صَامَ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ حَجَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ، فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِمَّا أَمَرَ الله بِهِ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَلَا يَقْبَلُ الله عَمَلَ مُرَاءٍ"3.
 
6- عن أميرِ المؤمنين عليه السلام: "قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، الرَّجُلُ مِنَّا يَصُومُ وَيُصَلِّي فَيَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ إِنَّكَ مُرَاءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "فَلْيَقُلْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ: أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئاً وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ"4.
 
7- رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: "لَأَعْبُدَنَّ اللهَ عِبَادَةً أُذْكَرُ بِهَا، فَمَكَثَ مُدَّةً مُبَالِغاً فِي الطَّاعَاتِ، وَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا قَالُوا: مُتَصَنِّعٌ مُرَاءٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ وَضَيَّعْتَ عُمُرَكَ فِي لَا شَيْ‏ءٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلَ لِلهِ سُبْحَانَهُ، فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ وَأَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلهِ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا قَالُوا: وَرِعٌ تَقِيٌّ"5.
 
8- عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الصادقِ عليه السلام: "مَنْ أَرَادَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَلِيلِ مِنْ عَمَلِهِ، أَظْهَرَ الله لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَرَادَ، وَمَنْ أَرَادَ النَّاسَ بِالْكَثِيرِ مِنْ عَمَلِهِ فِي تَعَبٍ مِنْ بَدَنِهِ وَسَهَرٍ مِنْ لَيْلِهِ، أَبَى الله عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يُقَلِّلَهُ فِي عَيْنِ مَنْ سَمِعَهُ"6.
 
9- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام: "مَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً وَيُسِرَّ سَيِّئاً؟! أَلَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾, إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذَا صَحَّتْ قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ"7.



1 مستدرك الوسائل، ج1، ص 107.
2 الكافي، ج2، ص 294.
3 وسائل الشيعة،ج1، ص 68.
4 بحار الأنوار، ج69، ص 303.
5 (م.ن)، ص 304.
6 الكافي، ج2، ص 296.
7 (م.ن), ص 295.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

32

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 الدّرس الثالث: العجب (1)  - حقيقته، آثاره وعلاماته



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن المعنى الدّقيق للعجب والفرق بينه وبين الفرح بالله.
2- يتعرّف إلى أهمّ الآثار التي تنجم عن العجب في الدنيا والآخرة.
3- يعدّد مظاهر العجب وعلائمه التي تساعدنا على اكتشافه في النّفس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

33

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 تمهيد

نُقل عن الإمام الصَّادِقُ عليه السلام أنّه قال: "الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يُعْجَبُ بِعَمَلِهِ، وَلَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَمُ لَهُ. فَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ مَنْهَجِ الرُّشْدِ، وَادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ. 
 
وَالْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ حَقٍّ كَاذِبٌ، وَإِنْ خَفِيَ دَعْوَاهُ وَطَالَ دَهْرُهُ. وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يُفْعَلُ بِالْمُعْجَبِ نَزْعُ مَا أُعْجِبَ بِهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ عَاجِزٌ حَقِيرٌ وَيَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَكُونَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَوْكَدَ، كَمَا فُعِلَ بِإِبْلِيسَ. وَالْعُجْبُ نَبَاتٌ حَبُّهَا الْكُفْرُ وَأَرْضُهَا النِّفَاقُ وَمَاؤُهَا الْبَغْيُ وَأَغْصَانُهَا الْجَهْلُ وَأَوْرَاقُهَا الضَّلَالَةُ وَثَمَرُهَا اللَّعْنَةُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ... فَمَنِ اخْتَارَ الْعُجْبَ فَقَدْ بَذَرَ الْكُفْرَ وَزَرَعَ النِّفَاقَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُثْمِرَ"1.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أُعجب بنفسه هلك، ومن أُعجب برأيه هلك، وإنّ عيسى بن مريم عليه السلام قال: داويت المرضى فشفيتهم بإذن الله، وأبرأت الأكمه والأبرص بإذن الله، وعالجت الموتى فأحييتهم بإذن الله، وعالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه!، فقيل: يا روح الله، وما الأحمق؟ قال: المعجب برأيه ونفسه، الذي يرى الفضل كلّه له لا عليه، ويوجب الحقّ كلّه لنفسه ولا يوجب عليها حقّاً، فذاك الأحمق الذي لا حيلة في مداواته"2.
 
أما من شاهد في نفسه خيرًا فليحمد الله ويشكره، وليفرح بذلك كما يفرح إذا شاهده في غيره: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾3. وهذا ليس من العجب في شيء. وعليه، إذا تساوى فرحك بفضل الله عليك مع فرحك بهذا الفضل على غيرك، فاعلم أنّك ممن سلم من العجب إن شاء الله.



1 مستدرك الوسائل، ج1، ص 140.
2 (م.ن)، ص 138.
3 سورة يونس، الآية 58.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

34

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 وإذا أدركنا هذه الحقيقة، علمنا أنّ مشكلة المعجب بذاته أو بعمله هي عندما يرى ما عنده من نفسه. فيحسبها منشأً للفعل وسببًا للتّأثير والإيجاد، وليس هذا سوى عين الشّرك.

 
إنّ حقيقة التّوحيد تقول: إنّه ما من موجدٍ أو مؤثّرٍ أو فاعلٍ في الوجود إلّا الله، وإنّ تأثير الإنسان أو فاعليّته ليست إلّا من الله وبالله، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله. أمّا الإعجاب بالنّفس فإنّه ينبع من الاعتقاد بفاعليّتها وسببيّتها على نحو الاستقلال، وحصولها على الأشياء على نحو الاستحقاق الذاتيّ. فمن عرف أصل العجب الذي هو الشّرك، لا شكّ بأنّه سوف يعرف سبب وخامته وخطورته. وهل يوجد ما هو أخطر من الشّرك على دين المرء وإيمانه؟!
 
ماهيّة العجب
هذه الإشارات وغيرها تحثّنا على معرفة هذا المرض المهلك الذي لن تنفع معه الأعمال الصّالحة مهما بلغت. ومن كان من العاملين المجاهدين المضحّين المتفوّقين وهو يهمل معالجة هذه الموبقة، فإنّ أمره يكون كمن يعين عدوّه على نفسه، فإنّه كلّما زاد من ذخيرة أعماله الحسنة، زاد من قوّة مرضه، حتّى يقضي عليه ولا يبقي له خيرًا. ففي تعريف هذه الرّذيلة الموبقة.
 
يقول الإمام قدس سره: العُجْب هو عبارة حسب ما ذكره العلماء (رضوان الله عليهم) عن "تعظيم العمل الصّالح واستكثاره والسّرور والابتهاج به، والتغنّج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصّر‎... وأمّا السّرور بالعمل مع التّواضع والخضوع لله تعالى وشكره على هذا التّوفيق وطلب المزيد منه، فإنّه ليس بعجب، بل هو أمرٌ ممدوح"1
 
ينقل المحدّث العظيم، مولانا العلّامة المجلسيّ طاب ثراه، عن المحقّق الخبير والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العامل (رضوان الله عليه)، أنّه قال: "لا ريب في أنّ من عمل أعمالًا صالحة من صيام الأيّام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاجٌ. فإن كان من حيث كونها عطيّة من الله له، ونعمة منه تعالى عليه، وكان مع ذلك خائفًا من نقصها شفيقًا من زوالها، طالبًا من 



1 الشيخ النّراقي، جامع السّعادات، ج1، ص 8، الفيض الكاشاني، المحجّة البيضاء، ج6، ص 672 - 277.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

35

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 الله الازدياد منها، لم يكن ذلك الابتهاج عُجبًا. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجًا عن حدّ التقصير، وصار كأنّه يمنّ على الله سبحانه بسببها، فذلك هو العُجْب"1.

 
"أقول - وأنا الفقير - إنّ تفسير العُجب بالصّورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب اعتبار العمل أعمّ من العمل الباطنيّ والظاهريّ، القلبيّ والشكليّ، وكذلك أعمّ من العمل القبيح والعمل الحسن، وذلك لأنّ العُجب مثلما يدخل على أعمال الجّوارح، فإنّه يدخل أيضًا على أعمال الجّوانح فيفسدها، وكما أنّ صاحب الفضيلة الحسنة يعجب بخصاله، كذلك يكون ذو العمل الشّنيع أيضًا، أي إنّه يعجب بخصاله، كما صرّح بهذا الحديث الشريف وخصّهما بالذّكر، لأنّهما خافيان عن نظر أغلب الناس"2.
 
إنّ مشكلة العجب ليست في أن يفرح الإنسان بالخير إذا وجده، أو أن يبتهج بالكمال إن أدركه، بل في أن يرى ذلك الخير والكمال صادرًا من نفسه.
 
العجب الذي عُدّ مرضًا مهلكًا ليس الفرح والسّرور بالكمالات، بل إنّ عدم الفرح بأيّ خير ـ وإن قلّ ـ من علامات الشّقاء والحماقة وخبث الطّينة واللؤم. وإنّ المؤمن ليفرح بالخير القليل كما يفرح بالخير الكثير، لأنّه يراه من ربّه. فربّه المتعال عنده محمود، والخير منه مأمول.
 
ليس الإعجاب بالنّفس ومتعلّقاتها سوى دليل على جهلٍ كبيرٍ بحقيقتين أساسيّتين، قام عليهما بنيان صلاح الإنسان.
 
الأولى: إنّ كل خير وكمال هو من الله تعالى دون سواه، وهذا العطاء الإلهيّ إنّما يكون دائمًا على نحو التفضّل والمنّة، لأنّه تعالى قديم المنّ والإحسان: "إِذْ جَمِيعُ إِحْسَانِكَ تَفَضُّلٌ، وَإِذْ كُلُّ نِعَمِكَ ابْتِدَاءٌ"3.
 
الثانية: إنّ منشأ الشرّ الواقعيّ هو النّفس. وإنّ أصل كلّ مصيبة تنزل على الإنسان من ذاته: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾4. ويعني هذا الأصل أنّ الإنسان بذاته ليس



1 بحار الأنوار، ج69، ص306.
2 الأربعون حديثًا، ص 84.
3 الصحيفة السجّادية، دعاؤه عليه السلام في الاعتراف وطلب التّوبة من الله تعالى.
4 سورة النّساء، الآية 79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

36

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 منشأً للخير والكمال، بل الكمال فيه عطاءٌ من الله. وعليه، فالكمال ليس من اللوازم الذّاتيّة للإنسان، بل هو بذاته كفورٌ وجهولٌ وظلومٌ وعجولٌ وكنودٌ و... ويرجع هذا المعنى إلى أصلٍ ثابتٍ في حكمة العقلاء، وهو أنّ كلّ ما سوى الله ليس إلّا عين الفقر والاحتياج، ومن كان كذلك كيف يصدر الخير منه؟! فالخير أمرٌ وجوديّ، وفاقد الشّيء لا يعطيه.

 
مفاسد العجب وآثاره المهلكة
يتفاجأ المرء للوهلة الأولى، وهو يطالع الأحاديث الشّريفة الصّادرة عن معدن الحكمة وبيت النبوّة فيما يتعلّق بوخامة أمر العجب، ويتساءل من لم يصل إلى إدراك روح الدّين وجوهر الإيمان عن السّبب الذي يجعل إعجاب المرء بنفسه مؤدّيًا إلى الهلاك العظيم، فهو يقول: وما الضّرر في أن يرى الإنسان في نفسه أمورًا حسنة كالعقائد الحقّة أو الأخلاق الفاضلة أو الأعمال الصّالحة، ثمّ يفرح بها؟!
 
فالعلماء العارفون بالنّفس وأسرارها، وعلى رأسهم الإمام الخميني، يتحدّثون عن الشّخصيّة التي يتملّكها الإعجاب بالذّات بأنّها مريضةٌ، وأنّ مرضها مهلكٌ، وأنّ الهلاك هو الشّقاء الأبديّ. 
 
يذكر هؤلاء الأبرار أنّ العجب آفة الإيمان! وأنّ إعجاب المرء بنفسه يجعله لعبة بيد الشّيطان الّذي لن يرضى بأقلّ من إيصال الإنسان إلى الكفر بالله، وهو قعر جهنّم.
 
فأحد آثار العجب، كما يقول الإمام الخميني قدس سره: "ما يحبط إيمان الإنسان وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام عليه السلام الراوي عندما يسأله في هذا الحديث الشريف عن العُجْب الذي يفسد العمل، فيحدّد عليه السلام أنّ درجة منه هي العجب بالإيمان"1.
 
ويعدّد الإمام في نصٍّ مطوّل مجموعة أخرى من مفاسد العجب التي هي الآثار النفسيّة والمعنويّة في الدّنيا والآخرة. ولو تأمّل الإنسان في هذه المفاسد لأدرك ما تقدّم حول علاقة العجب بتدمير إيمان الإنسان وعلاقته بالله تعالى.
 
فيما يلي مجموعة من تلك الآثار الوخيمة للعجب يذكرها لنا الإمام قدس سره:



1 الأربعون حديثًا، ص 90.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

37

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 1- الهلاك

"ففي أمالي الصدوق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "مَنْ دَخَلَهُ العُجْب هَلَكَ"1، وصورة هذا السّرور ـ الحاصل من العجب ـ في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جدًّا، ولا نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيّته لأمير المؤمنين عليه السلام: "ولا وِحْدَةَ أَوْحَشُ من العُجْبِ"2. سأل موسى بن عمران (على نبينا وآله وعليه السلام) الشّيطان: "أَخْبَرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ اسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال: إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه"3. وقال: قال الله تعالى لداوود عليه السلام: "يا داوودَ، بَشِّرِ المُذْنِبينَ وأُنْذِرِ الصِّدّيقِينَ" قال: يا ربّ، كَيْفَ أُبَشِّر المُذْنِبينَ وأُنْذِر الصِّدِّيقين؟ قال: "يا داوود بَشِّر المُذْنبينَ أَنِي أَقْبَلُ التّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ الذَّنب، وأُنْذِرِ الصِّدِّيقينَ أَلاّ يُعْجَبُوا بِأَعْمالِهِمْ، فَإِنهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهِ لِلْحِسابِ إِلاّ هَلَكَ4. أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصّديقين ومن هو أعظم منهم"5.
 
2- استحواذ الشّيطان على الإنسان
"ينقل الشيخ الصّدوق في الخصال مسندًا إلى الإمام الصادق قال: قال ابليس لجنوده: "إذا استمكنت من ابنِ آدَمَ فِي ثَلاثٍ لم أبال ما عمل، فإنه غير مقبول مِنهُ: إِذا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، ودخله العُجْبُ"6"7.




1 أمالي الصدوق، ص532.
2 وسائل الشيعة، ج61، ص103.
3 الكافي، ج2، ص314.
4 (م.ن).
5 الأربعون حديثًا، ص 89.
6 الشيخ الصدّوق، الخصال، تحقيق علي أكبر غفاري، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، بقم المشرفة، 1403هـ، باب الثلاثة، ص 110، ح 86.
7 الأربعون حديثًا، ص 91.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

38

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 3- الكفر والشّرك

"يضاف إلى ما سمعت من مفاسد العجب، أنّه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصّل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشّرك وإلى ما هو أعظم من ذلك"1.
 
4- استصغار المعاصي وعدم النّهوض لإصلاح النّفس
"ومن مفاسده استصغار المعاصي. بل إنّ ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه، ويظنّ أنّ نفسه زكيّة طاهرة، فلا يخطر بباله أبدًا أن يطهّرها من المعاصي، لأنّ ستار الإعجاب بالنّفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه، وهذه مصيبة، إذ إنّها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدّي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبديّ، ويعجز أطبّاء النّفوس عن علاجه"2.
 
5- الاستغناء عن الحقّ
"ومن مفاسده الأخرى أنّه يجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله، وهذا ما يصبح سببًا في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنًى عن الحقّ تعالى، ولا يرى عليه فضل الحقّ تعالى، ويرى ـ بحسب عقله الصغير ـ أنّ الحقّ تعالى ملزمٌ بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهّم أنّه حتّى لو عومل بالعدل أيضًا لاستحقّ الثّواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن شاء الله"3.
 
6- احتقار عباد الله
"ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب أعمال النّاس لا شيء، وإن كانت أفضل من أعماله، فتكون هذه النّظرة سببًا لهلاك الإنسان أيضًا، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته"4.



1 الأربعون حديثًا، ص 91.
2 (م.ن).
3 (م.ن).
4 الأربعون حديثًا، ص 91 - 92.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

39

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 7- الرّياء

"ومن مفاسده الأخرى، أنّه يدفع الإنسان إلى الرّياء، لأنّ الإنسان بصورةٍ عامّة إذا استصغر أعماله، وجدها لا شيء، ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا يستحقّ الذّكر، وعندما لا يكون معجبًا بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل يجد نفسه وجميع ما يصدر عنها سيّئًا وقبيحًا، لا يطرحها ولا يتظاهر بها، فإنّ البضاعة الفاسدة تكون سيّئة وغير صالحة للعرض. ولكنّه إذا رأى نفسه كاملًا وأعماله جيّدة، فإنّه يندفع إلى التّظاهر والرّياء، ويعرض نفسه على النّاس. ويجب اعتبار مفاسد الرّياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العجب أيضًا"1.
 
8- الكبر
"وهناك مفسدة أخرى هي أنّ هذه الرّذيلة تؤدّي إلى رذيلة الكبر المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبّر"2.
 
وتنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضًا بصورة مباشرة وغير مباشرة.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "فليعلم المعجب أنّ هذه الرّذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ لأمورٍ يشكّل كل واحد منها سببًا للهلاك الأبديّ والخلود في العذاب... وإنّه حينما يغمض عينيه الماديّة الملكوتيّة، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة، يرى أنّ حال أهل كبائر المعاصي أفضل من حاله، حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم أو بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأمّا هذا المسكين الذي رأى نفسه مستقلًّا، وحسبها في باطن ذاته غنيّة عن فضل الله، فيرى الله تعالى يحاسبه لذلك حسابًا عسيرّا، ويخضعه لميزان العدل كما أراد، ويفهمه بأنّه لم يقم بأيّة عبادة للّه تعالى، وأنّ جميع عباداته أبعدته عن السّاحة المقدّسة، وأنّ كلّ أعماله وإيمانه باطلٌ وتافه، بل وأنّ تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجّحيم"3.



1 (م.ن)، ص 92.
2 (م.ن).
3 (م.ن).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

40

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 الشّيطان مصداق

بعد أن يبيّن لنا الإمام الخمينيّ قدس سره مفاسد العجب، يقدّم لنا الشّيطان كنموذج لنعتبر منه، فيقول: "وكفى بحال الشيطان عبرةً لمن يعتبر، فإنّ هذا الخبيث المطرود من رحمة الله إنّما صار عدوًّا للّه بسبب تلك الآفات النّفسيّة والأمراض الأخلاقيّة التي أهمل معالجتها، فأورثته العناد والتمرّد على إرادة الحقّ تعالى. يقول الإمام: "إنّ التوجه للنّفس، والأنانيّة، والإنّية، والعجب، تشتدّ في الجهل كلّما تقدّم في المراقي الجهليّة، ولذلك لم تثمر صلاةُ الشّيطان على مدى أربعة آلاف سنة سوى ترسيخ الأنانيّة والعجب والتّفاخر فيه، حتى آل به الحال إلى التّجرّي وإطلاق قول: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ في الإجابة عمّا أمر به الحقّ تبارك وتعالى، فعَمِيَ عن رؤية نورانيّة آدم عليه السلام بسبب غرقه في غاية الجّهل والعجب وحبّ النفس، ووقع بسبب ذلك في قياس المغالطة. وإذا كان قد سجد أربعة آلاف سنة فإنّ هذه السجدة بحدّ ذاتها كانت هي عبادة هوى وبدافع حبّ النّفس. من هنا، كانت نتيجة عبادات إبليس طوال تلك المدّة التّوجّه للنّفس والأنانيّة والعجب، وكانت عاقبته أن قال في الردّ على أمر الحقّ تبارك وتعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، وبسبب حبّ النفس والأنانيّة والتّفاخر كان نصيبه الطّرد من حضرة القدس ومقامه"1.
 
تحذيرٌ وتنبيه
ويعود الإمام لينبّهنا من مكائد الشّيطان وحبائله، فيقول: "يا أيها الأخ، كن حذرًا تجاه مكائد النّفس والشّيطان، واعلم أنّه لن يدعك أيّها المسكين تؤدّي عملًا واحدًا بإخلاص، وحتّى هذه الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك - الشّيطان - تصل بها إلى الهدف. فيعمل عملًا تحبط به أعمالك كلّها، وتخسر حتّى هذا النّفع بسبب هذا العجب والتدلّل في غير موقعه. وبصرف النّظر عن بُعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنّك لن تصل إلى الجنّة ولا إلى الحور العين، بل تخلّد في العذاب وتُعذّب بنار الغضب كذلك"2.



1 روح الله الموسوي الخميني، جنود العقل والجهل، دار المحجّة البيضاء، الطّبعة الأولى، 2003 م ترجمة مؤسّسة أم القرى، ص 54.
2 الأربعون حديثًا، ص 98.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

41

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 المفاهيم الرئيسة

1- العُجْب عبارة عن تعظيم العمل الصّالح واستكثاره والسّرور والابتهاج به والتغنّج والدلال بواسطته واعتبار الإنسان نفسه غير مقصرٍّ‎. وهو غير السّرور بالعمل مع التّواضع والخضوع للّه تعالى وشكره على هذا التّوفيق وطلب المزيد منه، الذي هو أمرٌ ممدوح.

2- إنّ مشكلة العجب ليست في أن يفرح الإنسان بالخير إذا وجده، أو أن يبتهج بالكمال إن أدركه، بل في أن يرى ذلك الخير والكمال صادرًا من نفسه.

3- من مفاسد العجب وآثاره المهلكة:
- إحباط إيمان الإنسان وأعماله وإفسادها.
- الهلاك في البرزخ والآخرة.
- استصغار المعاصي وعدم النّهوض لإصلاح النّفس.
- احتقار عباد الله نتيجة أنّه يرى أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله.

4- من علامات المعجب أنّه:
- يرى نفسه من الصّالحين ومستحقًّا للمدح والثّناء.
- يرى قبائح أعماله حسنة بينما لا يعير أهميّة لأعمال الغير التي تكون أفضل وأعظم.
- يسيء الظنّ بخلق الله ويحسن الظنّ بنفسه.

5- إنّ الشيطان الخبيث المطرود من رحمة الله إنّما صار عدوًّا لله بسبب تلك الآفات النّفسيّة والأمراض الأخلاقيّة التي أهمل معالجتها، فأورثته العناد والتمرّد على إرادة الحقّ تعالى.

6- ليس الإعجاب بالنّفس ومتعلّقاتها سوى دليل على جهلٍ كبيرٍ بحقيقتين أساسيّتين: الأولى أنّ كل خير وكمال هو من الله تعالى دون سواه، والثانية أنّ منشأ الشرّ الواقعيّ هو النّفس.

7- إذا تساوى فرح الإنسان بفضل الله عليه بفرحه بهذا الفضل على غيره يكون ممّن سلم من العجب.

8- المعجب بنفسه لا بدّ وأن يعجب بكمالٍ ينسبه إليها حتّى لو كان موهومًا. ولا شكّ بأنّ أعظم الكمالات والخيرات هو الإيمان بالله تعالى والعقائد المرتبطة به.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

42

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاِهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ، وَأَغْنِنِي وَأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ، وَأَعِزَّنِي وَلاَ تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ، وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلاَ تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ"1.
 
الروايات الشريفة:
1- عن الإمام علي عليه السلام: "الإعجاب ضدّ الصّواب، وآفة الألباب"2.
 
2- عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا جهل أضرّ من العجب"3.
 
3- عن الإمام علي عليه السلام: "العجب رأس الحماقة"4.
 
4- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "سيئة تسوءك، خير عند الله من حسنة تعجبك"5.
 
5- عن أبي عبد الله عليه السلام: "آفَةُ الدّينِ الحَسَد والعُجْبُ وَالفَخْرُ"6.
 
6- عن الإمام علي عليه السلام من كتابه للأشتر لمّا ولّاه مصر: "إياك والإعجاب بنفسك، والثّقة بما يعجبك منها، وحبّ الإطراء، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين"7.
 
7- عن الإمام علي عليه السلام: "الإعجاب يمنع الازدياد"8.
 
8- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "العجب يظهر النقيصة"9.



1 الصحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضيّ الأفعال.
2 نهج البلاغة، ص 397.
3 الكافي، ج8، ص 244.
4 التميمي الأمدي، تحقيق وتصحيح السيد مهدي الرجائي، نشر دار الكتاب الإسلامي، قم، غرر الحكم، ص 309.
5 نهج البلاغة، ص 477.
6 الكافي، ج2، ص 307.
7 نهج البلاغة، ص 444.
8 (م.ن)، ص 500.
9 غرر الحكم، ص 309.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

43

الدّرس الثالث: العجب (1) - حقيقته، آثاره وعلاماته

 9- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ما أضرّ المحاسن كالعجب"1.

 
10- عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ عيسى بن مريم كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه، ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى عليه السلام، فلمّا انتهى عيسى إلى البحر، قال: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير، حين نظر إلى عيسى عليه السلام جازه: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على الماء ولحق بعيسى عليه السلام، فدخله العجب بنفسه... فرمس في الماء، فاستغاث بعيسى، فتناوله"2.



1 غرر الحكم، ص 308.
2 الكافي، ج2، ص 306.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

44

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح العلاقة بين ضعف العقل ورؤية النّفس وتشكّل الشخصيّة المعجبة.
2- يتعرّف إلى بعض الأمور التي يُعجب بها الإنسان.
3- يتعرّف إلى درجات العجب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

45

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 تمهيد

لماذا يصل الإنسان إلى حيث يصبح الإعجاب بالنّفس ملكةً راسخةً في نفسه، فتستقرّ فيه هذه الصّفة المهلكة؟ وكيف يتجاوز المرء كلّ هذه الحقائق السّاطعة، ويستغرق في النّظر إلى نفسه بعين الإعجاب والزّهو والفرح ذاهلًا عمّا سواها؟!
 
لقد ذكرنا سابقًا أنّ جميع الأمراض والمشكلات الأخلاقيّة والاضطّرابات النفسيّة ترجع إلى مشكلة عقائديّة ترتبط بفهم حضور الله في هذا الكون والحياة الرّحبة، وترتبط بالشّعور القلبيّ بذلك. فمن عجز عن إدراك جمال حضور الله المطلق مع كلّ هذه الآيات اللامتناهية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾1، ومن لم ينقل هذا الإدراك إلى حالة الإيمان القلبيّ والثبات المعنويّ، فإنّه سوف يقع في الشّرك. والشّرك عبارة عن الاعتقاد بتعدّد الأسباب وراء هذه الظّواهر الوجوديّة والفعليّة في الآفاق وفي الأنفس، في الحياة الاجتماعيّة وفي الأحداث الكونيّة.
 
كيف تتشكّل الشخصية المعجبة بنفسها؟
إنّ النّفوس الضّعيفة سرعان ما تستجيب لدعوة الشّرك، فيرى كلّ من يعيش العقد النفسيّة، الاستقلاليّةَ والغنى في نفسه وذاته، ولأجل تثبيت هذه الفكرة، يبدأ بنسبة الكمال الذي يراه في نفسه إلى نفسه، ويعتقد بأنّ التّأثير والفعليّة والسّببيّة نابعة من ذاته.
 
فإذا اجتمع الشّرك مع حبّ النّفس ورؤيتها مستغنيةً مستقلّةً، تولّدت منه الحالات النفسيّة البغيضة كالكبر والعجب والرّياء وغيرها.



1 سورة فصلت، الآية 53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

46

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "يرى الإنسان أعماله الصّغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن خاصّة الله ويرى نفسه مستحقًّا للثّناء ومستوجبًا للمدح على تلك الأعمال الحقيرة التّافهة، بل ويحدث أحيانًا أن تلوح لنظره قبائح أعماله حسنةً، وإذا ما رأى من غيره أعمالًا أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهميّة، ويصف أعمال النّاس الصّالحة بالقبح، وأعماله السيّئة القبيحة بالحسنة. يسيء الظّنّ بخلق الله ولكنّه يحسن الظنّ بنفسه، وبسبب حبّه لنفسه يرى بعمله الصّغير الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أنّ الله مدينٌ له وأنّه يستوجب منه الرّحمة"1.

 
إنّ العقل الذي يدرك حقيقة الكمال، ويتعرّف على علّته وسببه الحقيقيّ، هو نورٌ إلهيّ لا يتعايش مع الهوى وحبّ النّفس. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "كم من عقلٍ أسير تحت هوىً أمير"2. فمن استولى على قلبه حبّ النّفس، تملّكه الهوى، فينطفئ بسبب ذلك نور العقل فيها. وعندما يفقد الإنسان هذا النّور، يحسب نفسه منشأً للكمالات والخيرات، وإن كانت محدودة أو موهومة.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "وأمّا نحن المساكين فمن الجهل والحجب المتنوّعة التي أمسكت برقابنا قمنا نتكبّر ونعجب بأنفسنا ونتظاهر بأعمالنا، فيا سبحان الله! ما أصدق كلام أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول: "عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله3. أليس من فقدان العقل أنّ الشّيطان يعمّي علينا أمرًا ضروريًّا ولا نقوم بوزنه في ميزان العقل"4.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "رضاك عن نفسك، فساد عقلك"5.
 
وفي الكثير من الأحاديث ـ وأشهرها حديث جنود العقل والجهل ـ استُعمل الجهل مقابل العقل، لا العلم. فقد يكون المرء عالمًا (وهو معنى امتلاك المعلومات الكاشفة عن الوقائع) وهو ليس عاقلًا. فالعاقل هو الذي يستفيد من العلم بالآيات لمعرفة صاحب الآيات والوصول إليه.



1 الأربعون حديثًا، ص 94.
2 نهج البلاغة، ص506.
3 وسائل الشيعة، ج 1، ص 105.
4 روح الله الموسوي الخميني، معراج السالكين، بيت الكاتب للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2009 م، ترجمة السيّد عبّاس نورالدّين، ص 185.
5 غرر الحكم، ص307.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

47

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 يقول الإمام الخميني قدس سره: "وإنّما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجّهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا، وغَشي أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافّة قوانا المدركة، بحيث أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أنّ لنا استقلالًا وشيئيّة بذواتنا. أيّها "الممكن" المسكين الجّاهل بنفسك وبعلاقتك بالله! أيّها "الممكن" السيّئ الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك! إنّ هذا الجّهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التّوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظّلمات والمكدّرات. إنّ الفساد قد ينشأ من الأساس، وإنّ تلوّث الماء قد يكون من المَعين. إنّ عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا ميتة، وهذا سبب جميع المصائب، ولكنّنا مع كلّ ذلك لسنا حتّى بصدد إصلاح أنفسنا"1.

 
أما حبّ النّفس، فإنّه ينشأ من رؤيتها في عين الغنى والاستقلال، سواء في الوجود (بمعنى أنّ وجوده الحاليّ لا ينبع من مصدرٍ آخر) أو كمال الوجود (بمعنى أنّ كمالات نفسه كالقدرة والعلم والحياة تنبع من ذاته). ولأن الإنسان مفطورٌ على حبّ الكمال، فمن ظنّ أنّ نفسه هي الكمال أو المنشأ والسّبب للكمال، أحبّها وعشقها. فيعشق كلّ ما يتعلّق بها وهو جاهل أو غافل عن أنّ حقيقة كلّ خير وأصل كلّ وجود وكمال هو الله تعالى.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اعلم أنّ رذيلة العُجب تنشأ من حبّ النّفس، لأنّ الإنسان مفطورٌ على حبّ الذّات، فيكون أساس جميع الأخطاء والمعاصي الإنسانيّة والرّذائل الأخلاقية، حبّ النفس"2.
 
ليس العلم بذاته ـ مهما كان شريفًا ـ ضمانةً لعدم وقوع المرء بالعجب المهلك المفسد، وكذلك العبادة، مهما كانت صحيحةً أو كثيرة. فعندما لا يكون العقل حاضرًا، ينصرف وهم الإنسان إلى نسبة هذه الأمور الشّريفة إلى سببها القريب أو علّتها المحسوسة (أي نفسه وصفاته وأفعاله)، فيقع هذا الواهم في حالة من الغرور والعجب بنفسه، لأنّ الإنسان يحبّ مع الكمال أصله وسببه، لا بل حبّه للعلّة والسّبب أعظم من حبّه للأثر والمسبّب.



1 الأربعون حديثًا، ص 93.
2 (م.ن)، ص 94.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

48

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 وهكذا يوجّهنا الإمام قدس سره إلى منشأ جميع المهلكات النفسيّة والرّذائل الأخلاقيّة، ويقول قدس سره: "ويستفاد من الآيات الشّريفة أنّ مبدأ عدم سجود ابليس هو رؤية النّفس والعجب، فطبّل قائلًا: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ...﴾1 إنّ رؤية إبليس لنفسه صارت سببًا للعجب والكبر، وهذا الكبر صار سببًا للاستقلال مقابل الحقّ، وعصيان الأمر، فصار مطرودًا من مقام القرب"2.

 
وفي معرض الحديث عن أصول المهلكات والآفات يقول الإمام قدس سره: "... فكلّما قوي السّلوك، يغلب النّور على الظّلمة وتظهر سمات الرّبوبيّة في السّالك فتصير تسميته حقيقيّة إلى حدٍّ ما، وشيئًا فشيئًا ترتحل العلامات الشيطانيّة بالتّدريج، وهي في الظّاهر مخالفة نظام المدينة الفاضلة، وفي الباطن العجب والاستكبار وأمثالها، وفي باطن الباطن رؤية النفس وحبّها وأمثالها، عن مملكة باطن السّالك وظاهره، وتحلّ مكانها سمات الله، وهي في الظاهر حفظ نظام المدينة الفاضلة، وفي الباطن العبوديّة وذلّة النّفس، وفي باطن الباطن حبّ الله ورؤية الله"3.
 
فأصل جميع القذارات والأرجاس هو رؤية النّفس المعبّر عنها بالإنّيّة، وحبّها. ومن هذه الأنانيّة تنشأ الأمراض والرّذائل الأخلاقيّة، التي تؤدّي إلى ارتكاب الذّنوب والمعاصي، التي عبّر عنها الإمام بمخالفة نظام المدينة الفاضلة، لأنّ شريعة الله قامت على أساس بناء المجتمع الأمثل والأفضل.
 
أنواع العجب ودرجاته
إنّ الكمالات تتنوّع وتتدرّج، وبتبع ذلك يتدرّج العجب ويتنوّع، لأنّ المعجب بنفسه لا بدّ وأن يعجب بكمالٍ ينسبه إليها حتّى لو كان موهومًا، إلّا أنّ أصل المشكلة وحقيقة المسألة واحدة، ولا شكّ بأنّ أعظم الكمالات والخيرات هو الإيمان بالله تعالى والعقائد المرتبطة به، وقد يُبتلى بعض الأشخاص بالإعجاب بهذا الكمال.



1 سورة الأعراف، الآية 12.
2 معراج السالكين، ص 216.
3 (م.ن)، ص 243 - 244.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 68

49

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 ومن المهم أن نشير إلى أنّ الكمال قد يكون موهومًا، فبعض النّاس يُعجبون بكمالاتهم التي هي نقائص وقبائح في الحقيقة، وإنّما يحصل لهم هذا العجب، بسبب اعتبار المجتمع أو البيئة المحيطة بهم تلك العيوب والنّقائص والقبائح كمالات.

 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "يصل أهل الكفر والنّفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، والملكات الخبيثة وأهل المعصية والعصيان، أحيانًا إلى درجة الإعجاب بغرورهم وزندقتهم تلك... ويرون أنّ أنفسهم تستحق المدح والثّناء، بسبب الرّوح الحرّة التي لا تعتقد بالخرافات ولا تبالي بالشّرائع. لقد تأصّلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيّئة وأصبحوا يأنسون بها، وبها امتلأت أعينهم وآذانهم فرأوها حسنة، وتصوّروها كمالًا مثلما وردت الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشّريف، حيث قال: "العُجْبُ دَرَجَاتٌ، مِنْهَا أنْ يُزَيّنَ لِلْعَبْدِ سُوءَ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَنَاً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أنَهُ يُحْسِنُ صَنْعًا"1، وهذه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾2. وقوله: "وَيَحْسَبُ أَنَهُ يُحْسِنُ صَنْعًا" يشير إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾3"4.
 
وعليه، يبيّن الإمام أنّ العجب أنواع ودرجات. فمنها العجب بالإيمان والمعارف الحقّة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة، ومنها العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات، ومنها العجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابله العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيّئة.
 
كما أنّ العجب بنفسه له مراتب من حيث الشدّة والضّعف. وأشدّ حالات العجب هي الحالة التي يصل فيها المعجب بنفسه إلى درجة يمنّ في قلبه على وليّ نعمته عزّ وجل.



1 الكافي، ج2، ص 313.
2 سورة فاطر، الآية 8.
3 سورة الكهف، الآيات 103 - 105.
4 الأربعون حديثًا، ص 87 - 88.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

50

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 فإذا عرفنا مراتب الكمال والخير وأنواعهما ـ ولو بالإجمال ـ، وإذا عرفنا درجات العجب وأشدّها:

- المنّ على الله.
 
- ثمّ الدّلال والتغنّج عليه سبحانه،
 
- ثمّ رؤية الاستحقاق على الله عزّ وجل،
 
- وأدناها رؤية النّفس متميّزة عن سائر النّاس.
 
إذا عرفنا مثل هذه الأمور والوقائع، أدركنا جميع حالات العجب، وصار بإمكاننا أن نغوص إلى أعماق أنفسنا، لنكتشف هذا المرض الذي له درجات عديدة من الخفاء، ومع كلّ درجة من الخفاء والعمق يزداد الهلاك.
 
وهذه هي مراتب العجب كما ذكرها الإمام قدس سره:
 
1- المرتبة الأولى: المنّ على الله
"وهي أشدّ المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان بسبب شدّة العُجْب حالة يمنّ معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على وليّ نعمته ومالك الملوك، فيتخيّل أنّ السّاحة الإلهيّة قد اتّسعت بسبب إيمانه، أو أنّ دين الله قد اكتسب رونقًا بذلك أو أنّه بترويجه للشّريعة أو بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين الله بهاءً جديدًا، أو أنّه بحضوره جماعة المسلمين، أو بإقامة مجالس التّعزية لأبي عبدالله عليه السلام قد أضفى على الدّين جلالًا، لذلك يمنّ على الله وعلى سيّد المظلومين وعلى الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يظهر لأحد هذا المعنى، إلاّ أنّه يمنّ في قلبه. ومن هنا، ومن هذا الباب بالذّات، تنشأ المنّة على عباد الله في الأمور الدّينيّة، كأن يمنّ على الضّعفاء والفقراء بإعطائهم الصّدقات الواجبة والمستحبّة ومساعدتهم، وأحيانًا تكون هذه المنّة خافية حتّى على الإنسان نفسه"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 85.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

51

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 2- المرتبة الثّانية: الغنج والدّلال على الله

"وهي التي يتدلّل فيها الإنسان ويتغنّج بواسطة العُجب على الله تعالى وهذه غير المنّة، ولو أنّ بعضهم لم يفرّق بينهما. إنّ صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوبًا للّه تعالى، ويرى نفسه في سلك المقرَّبين والسّابقين، وإذا جيء باسم وليّ من أولياء الله أو جرى حديث عن المحبوبين والمُحبّين أو السّالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنّه من أولئك. وقد يبدي التّواضع رياءً وهو خلاف ذلك، أو أنّه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه ينفيه عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات. وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء، راح يعلن أنّ "البَلاءَ لِلْوَلاءِ". إنّ مدّعي الإرشاد من العرفاء والمتصوّفة وأهل السّلوك والرّياضة أقرب إلى هذا الخطر من سائر الناس"1.
 
3. المرتبة الثّالثة: رؤية الاستحقاق على الله عزّ وجلّ
"أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال دائنًا للّه، وأنّه بذلك يكون مستحقًّا للثّواب، ويرى واجبًا على الله أن يجعله عزيزًا في هذا العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمنًا تقيًّا وطاهرًا، وكلّما جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه: "حتّى لو عاملني الله بالعدل، فإنّي أستحقّ الثّواب والأجر"، بل يتعدّى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرّح بهذا الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإنّه يعترض على الله في قلبه، ويتعجّب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطّاهر، ويرزق المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنّه يظهر الرّضا في الظّاهر، ويصبُّ غضبه على وليّ نعمته، ويظهر الرّضا بالقضاء أمام الخلق. وعندما يسمع أنّ الله يبتلي المؤمنين في هذه الدّنيا، يسلّي نفسه بذلك في قلبه، ولا يدري بأنّ المنافقين المبتلين كثيرون أيضًا، وليس كلّ مُبْتَلٍ مؤمنًا"2.
 
4- المرتبة الرّابعة: رؤية النّفس متميّزة عن سائر النّاس
"هي أن يرى الإنسان نفسه مُتميّزًا عن سائر النّاس وأفضل منهم بالإيمان، وعن المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن غير المتّصفين بها، وبالعمل بالواجب وترك المحرَّم



1 الأربعون حديثًا، ص 85 - 86.
2 (م.ن)، ص 92.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

52

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 عمّا يقابل ذلك، كما أنّه يرى في عمل المستحبّات والتزام الجّمعة والجّماعات والمناسك الأخرى وترك المكروهات يرى نفسه أكمل من عامّة النّاس، وأنّ له امتيازًا عليهم، فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبدًا ناقصين، وينظر إلى سائر النّاس بعين الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في عباد الله ويعيبهم، ويبعد كلّ شخصٍ بصورةٍ ما عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرّحمة خالصة له ولأمثاله.

 
ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كلّ عملٍ صالحٍ يراه من النّاس، ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنّقاش، ولا يرى الأعمال الحسنة من النّاس شيئًا، ولكن إذا صدرت هذه الأعمال نفسها عنه يراها عظيمة، إنّه يعرف جيّدًا عيوب النّاس وهو غافلٌ عن عيوبه"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 86 - 87.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

53

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 المفاهيم الرئيسة

1- جميع الأمراض والمشكلات الأخلاقيّة والاضطرابات النفسيّة ترجع إلى مشكلة عقائديّة ترتبط بفهم حضور الله في هذا الكون والحياة الرّحبة، فمن عجز عن إدراك جمال حضور الله المطلق، ومن لم ينقل هذا الإدراك إلى حالة الإيمان القلبيّ والثبات المعنويّ، فإنّه سوف يقع في الشّرك.

2- إذا اجتمع الشّرك مع حبّ النّفس ورؤيتها مستغنية ومستقلّة تولّدت منه الحالات النفسيّة البغيضة كالكبر والعجب والرّياء وغيرها.

3- الذي يستولى على قلبه حبّ النّفس، يتملّكه الهوى، فينطفئ بسبب ذلك نور العقل فيها. وعندما يفقد الإنسان هذا النّور، يحسب نفسه منشأً للكمالات والخيرات، وإن كانت محدودة أو موهومة.

4- منشأ العُجب هو: حبّ النّفس الذي ينشأ بدوره من رؤية النّفس في عين الغنى والاستقلال سواء في الوجود.

5- أنواع العجب هي:
- العجب بالإيمان والمعارف الحقة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة
- العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق.
- العجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابله العجب بالأعمال القبيحة.

6- للعجب مراتب من حيث الشدّة والضّعف، هي:
- المنّ على الله: وهي أشدّ المراتب وأهلكها، يمنّ فيها الإنسان في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على وليّ نعمته ومالك الملوك.
- الغنج والدلال على الله: يرى الإنسان نفسه محبوبًا لله تعالى، وفي سلك المقرَّبين والسّابقين.
- رؤية الاستحقاق: يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال دائنًا لله، وأنّه بذلك يكون مستحقًّا للثّواب، ويرى واجبًا على الله أن يجعله عزيزًا في هذا العالم.
- رؤية النفس متميّزة: يرى نفسه أكمل من عامّة النّاس، وأنّ له امتيازًا عليهم، فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبدًا ناقصين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

54

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 شواهد من وحي الدّرس

 
الروايات الشريفة:
1- عن الإمام علي عليه السلام: "ما لابن آدم والعجب، أوّله نطفة قذرة، وآخره جيفة مذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة"1.
 
2- عن الإمام علي عليه السلام لرجل سأَله أَن يعظه: "لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ... يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذَا ابتلي"2.
 
3- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام، قِيلَ لَهُ، وَأَنَا حَاضِرٌ، الرَّجُلُ يَكُونُ فِي صَلَاتِهِ خَالِياً فَيَدْخُلُهُ الْعُجْبُ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ بِنِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا رَبَّهُ فَلَا يَضُرُّهُ مَا دَخَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ وَلْيَخْسَأِ الشَّيْطَانَ"3.
 
4- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ثمرة العجب البغضاء"4.
 
5- عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ الله تَعَالَى: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَجْتَهِدُ فِي عِبَادَتِي، فَيَقُومُ مِنْ رُقَادِهِ وَلَذِيذِ وِسَادِهِ فَيَجْتَهِدُ لِيَ اللَّيَالِيَ، فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي عِبَادَتِي، فَأَضْرِبُهُ بِالنُّعَاسِ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ نَظَراً مِنِّي لَهُ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِ، فَيَنَامُ حَتَّى يُصْبِحَ، فَيَقُومُ وَهُوَ مَاقِتٌ لِنَفْسِهِ زَارِئٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ أُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنْ عِبَادَتِي لَدَخَلَهُ الْعُجْبُ مِنْ ذَلِكَ، فَيُصَيِّرُهُ الْعُجْبُ إِلَى الْفِتْنَةِ بِأَعْمَالِهِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ هَلَاكُهُ لِعُجْبِهِ بِأَعْمَالِهِ وَرِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ فَاقَ الْعَابِدِينَ وَجَازَ فِي عِبَادَتِهِ حَدَّ التَّقْصِيرِ، فَيَتَبَاعَدُ مِنِّي عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ"5.



1 غرر الحكم، ص 308.
2 نهج البلاغة، ص 497.
3 الكافي، ج3، ص 268.
4 غرر الحكم، ص 309.
5 الكافي، ج2، ص 60.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

55

الدّرس الرابع: العجب (2) - تشكّله، أنواعه ودرجاته

 6- عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: "إِيَّاكَ وَالْعُجْبَ وَسُوءَ الْخُلُقِ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَكَ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ صَاحِبٌ، وَلَا يَزَالُ لَكَ عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ مُجَانِبٌ"1.

 
7- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "بالرضا عن النفس، تظهر السوآت والعيوب"2.
 
8- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من كان عند نفسه عظيماً، كان عند الله حقيراً"3.



1 مستدرك الوسائل، ج1، ص 136.
2 غرر الحكم، ص 308.
3 (م.ن).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

56

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب




أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن دور معرفة النفس والتوحيد والإيمان في التخلّص من العجب.
2- يتعرّف إلى خطط الشّيطان وكيفيّة مواجهته.
3- يبيّن أهميّة سلوك طريق العبوديّة ودوره في التخلّص من العجب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

57

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 تمهيد

ينغرز مرض العجب في القلب بحيث يصعب اكتشافه في حالات عديدة. ويمتزج هذا المرض مع أمور تجعل صاحبه يظنّ أنّ الفرح بالنفس محمود ومطلوب. وهنا تأتي معرفة سيرة أولياء الله الكاملين لتضيء على هذه القضية فتهدينا إلى تفاصيل دقيقة لا يمكن تلمسها بسهولة.
 
أما من تعرّف إلى التوحيد وعلم معنى رجوع الكل إلى الله، فإنّه لن يرى لفعله مهما بلغ تأثير إلا بالله. وكيف لا تكون الصالحات تفضّلًا من الله وكلّ الخير منه. وكيف لا تكون الفضائل والكمالات محض المنّة منه تعالى وكلّ شيء قائم به. فهل يصحّ أن يُعجب المرء بما ليس له؟ وهل يمكن أن يُعجب المرء بنفسه وهو يعلم أنّ كلّ كمال وخير وصلاح وقوّة مواهب إلهيّة؟!
 
العلم والمعرفة أساس العلاج
إنّ العلم المرتكز على العقل يشكّل نور المعرفة التي تهدي أصحاب النّفوس الطيّبة أو الطّاهرة - ولو نسبيًّا - إلى كلّ خير. وإنّ أوّل أثر جميل للمعرفة الحقّة هو انبعاث الإنسان للتخلّص من ظلمات رذائل الأخلاق وكدوراتها.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "فإذا عرف - الإنسان - هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقّة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام ذلك فمن المحتّم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزمًا بالنّهوض لإصلاح النّفس، وتطهيرها من هذه الرّذيلة واستئصال جذورها من باطن النّفس، لئلا ينتقل - لا سمح الله - إلى العالم الآخر، وهو بهذه الصّفة"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 92.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

58

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 ولمّا عرفنا الآثار السيّئة والنّتائج الموبقة لهذه الرّذيلة، وأدركنا أنّها من أهمّ أسباب الطّرد من محلّ القرب، وجب علينا أن ننهض للتخلّص منها مهما كلّف الأمر.

 
معرفة أولياء الله والارتباط بهم
إنّ لمعرفة أولياء الله والارتباط المعنويّ بهم أكبر الأثر في إيقاظ الإنسان من الغفلة عن وجود رذيلة العجب وآثارها. فلو تأمّلنا في أحوال الذين بلغوا أعلى مراتب القرب والكمال، في نظرتهم إلى أنفسهم، وفي اعترافهم بعجزهم وذلّهم، وفي شدّة تواضعهم لعباد الله مهما كانوا، لكان ذلك كافيًا لكي لا نسمح لأنفسنا بالتبجّح بأيّ خيرٍ نناله أو كمالٍ نصل إليه.
 
1. اعترافهم الدّائم بالتّقصير
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّا نعلم بالضّرورة أنّ أعمالنا وأعمال جميع البشر العاديّين، بل أعمال جميع ملائكة الله والرّوحانيين في ميزان أعمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السلام ليس لها قدرٌ محسوس، ولا تُعدّ شيئًا، وفي الوقت نفسه الاعتراف بالتّقصير وإظهار العجز عن القيام بالأمر من أولئك الأعاظم متواترٌ، بل فوق حدّ التّواتر، وهاتان القضيّتان الضّروريّتان تنتجان لنا ألّا نفرح بشيء من أعمالنا، بل علينا إذا قمنا بالعبادة والطّاعة طول عمر الدّنيا أن نكون خجلين وننكّس رؤوسنا في محضره. ومع هذه الحال فقد تمكّن الشّيطان في قلوبنا وسيطر على عقولنا وحواسّنا، بحيث لا نخرج بنتيجة من هذه المقدّمات الضّروريّة، بل تكون أحوال قلوبنا على العكس"1.
 
"الويل لمن يعامله الباري تعالى بعدله، فإذا ما عومل النّاس مثل هذا التّعامل ما نجا أحدٌ من الأوّلين والآخرين. إنّ مناجاة صفوة الله ـ من الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام - مشحونةٌ بالاعتراف بالتّقصير والعجز عن القيام بالعبوديّة. وعندما يعلن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الكائنات، وأقربها إلى الله قائلًا: "مَا عَرَفناكَ حقَّ معْرِفَتِكَ، وما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِكَ"2، فماذا سيكون حال سائر النّاس؟... نعم إنّهم العارفون بعظمة الله تعالى، العالمون بحقيقة نسبة "الممكن" إلى "الواجب" إنّهم يعلمون أنّهم لو قضوا جميع



1 معراج السالكين، ص 185.
2 مرآة العقول، ج8، ص 146.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

59

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 أعمارهم في الدّنيا بالعبادة والطّاعة والتّحميد والتّسبيح، لما أدّوا شكر نِعَم الله، فكيف يمكن أداء حقّ الثّناء على ذاته وصفاته المقدّسة؟ إنّهم يعلمون أن ليس لموجودٍ شيء، فالحياة والقدرة والعلم والقوّة وسائر الكمالات الأخرى هي ملكٌ لكماله تعالى، و"الممكن" فقير، بل فقرٌ محض يستظلّ بظلّه تعالى، وليس بمستقلٍّ بذاته. أيّ كمالٍ يملكه "الممكن" بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟ وأيّة قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا شهود عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال "الواجب" تعالى، وإنّما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجّهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا وغَشِي أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافّة قوانا المدركة، بحيث أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أنّ لنا استقلالًا وشيئيّة بذواتنا"1.

 
2- ميزة عباداتهم وضرورة التأسّي بهم
"أنت تظنّ أنّك بهذه الأعمال المتفسّخة المتعفّنة الهزيلة الممزوجة بالرّياء وطلب السّمعة وألف مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلّها، تظنّ أنّك بها تستحقّ الأجر من الحقّ تعالى أو أنّك أصبحت بها من المحبّين والمحبوبين. أيّها المسكين الجّاهل بأحوال المحبّين! يا سيّئ الحظّ الذي لم يطّلع على قلوب المحبّين، وعلى لهب شوقها تجاه الحقّ سبحانه، أيّها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور أعمالهم! أوتظنّ أنّ أعمالهم أيضًا مثل أعمالي وأعمالك؟! أوتتوهّم أنّ ميزة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنّه عليه السلام كان يمدّ ﴿الضَّالِّينَ﴾2 أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أنّ سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟! أو أنّ ميزة ذلك الرّجل العظيم في أنّه كان يصلّي عدّة مئات من الرّكعات ليليًّا؟! أو تظنّ أنّ مناجاة سيّد السّاجدين عليّ بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟! وإنّه كان يتحرّق ويتضرّع بتلك الصّورة من أجل الحور العين والكمثريّ والرّمّان من نِعَم الجنّة؟! أقسم به صلى الله عليه وآله وسلم - ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾3 - لو أنّ المحبّين كان بعضهم ظهيرًا لبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوّهوا بكلمة "لا إله إلا اللهَ" مرّةً واحدةً بمثل ما 



1 الأربعون حديثًا، ص 92 - 93.
2 سورة الفاتحة، الآية 7.
3 سورة الواقعة، الآية 76.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

60

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 كان يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون تعيسًا وشقيًّا أن لا أكون على خطى عليّ عليه السلام، وأنا من العارفين لمقام ولاية علي عليه السلام؟"1.

 
معرفة حقيقة النّفس
1- أعمالنا هي محض المنّة الإلهيّة
يقع العديد من المتديّنين في حالة العجب عندما يستغرقون في فيض عصمة الله التي تقيهم من شرّ الوقوع في المعاصي الكبيرة، فيحسبون أنفسهم في مقعد صدقٍ لا يزول. ومثل هذه الحالة قد تجرّهم إلى الاعتقاد بأنّ كلّ خير نالوه هو من النّفس، فيغفلون عن حقيقتها، التي هي عين العجز والفقر، وما يمكن أن ينجم عنهما2. ولا يخفى أنّ هذا الظنّ والاعتقاد هو الحجاب الأكبر عن شهود حضور الله تعالى، فهذا هو الشّقاء المبين الذي يحصل من الإعراض عن ذكر ربّ العالمين.
 
وفي غمرة هذه المشاعر والظّنون، تتنزّل الرّحمة على العباد، لتعرّفهم على حقيقة نفوسهم وما فيها، فيخلّي الرّب المتعال بينها وبين آثارها ويرفع عنهم ستار العصمة الذي غفلوا عنه، فإذا بهم يرتكبون ما استقبحوه سابقًا، ويجترحون ما استبعدوه قبلًا، وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "إنّ الله علم أن الذّنب خيرٌ للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتُلي مؤمن بذنب أبدًا"3.
 
ويقول الإمام الخميني قدس سره: "قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح آمنًا من العجب، وكذلك الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر العجب من المهلكات"4.
 
والمؤمن من يعتبر بأحوال نفسه، التي هي آيات ربّه، وها هو أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم، وحلّ العقود، ونقض الهمم"5. ولو تدبّر الإنسان بما



1 الأربعون حديثًا، ص 98 - 99.
2 ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ سورة فاطر، الآية 15. ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ سورة النساء، الآية 28.
3 الكافي، ج2، ص 313.
4 الأربعون حديثًا، ص 90.
5 نهج البلاغة، ص 511.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

61

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 يجري عليه، وكيف يوفّق للأعمال الصّالحة، حيث تخرج هذه الأعمال من بين آلاف الموانع والمعيقات التي لو استخدم البشر جميع عقولهم لما استطاعوا أن يتوقّعوا حدوثها فضلًا عن توقّيها قبل أوانها، لعلم أنّ كلّ عملٍ صالحٍ صدر منه، بل كلّ خير ناله أو كمال وصل إليه، إنّما هو محض التّفضّل من الله تعالى... فكم هو مغرورٌ وجاحدٌ من لم يتدبّر ويعتبر.

 
2- أعمالنا فاقدة للاستحقاق
"فلنفكّر الآن قليلًا في أعمالنا الصّالحة، ولنحكِّم العقل قليلًا في الأفعال العباديّة الصّادرة عنّا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أنّنا نستحقّ بها المدح والثّناء والثّواب والرّحمة، أو أنّنا جديرون باللوم والعتاب والغضب والنّقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلًا؟
 
إنّي أحكّمكم في هذا السّؤال الذي أطرحه، أريد منكم الجواب عليه بإنصاف ـ بعد إعمال الفكر والتّأمّل ـ. والسّؤال هو أنّه إذا أخبركم الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصّادق المصدّق، إنّكم إذا عبدتم الله طوال عمركم وأطعتم أوامره وتركتم شهوات النّفس ورغباتها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف توجيهاته سبحانه وتعالى، وعلى أساس رغبات النّفس وشهواتها طيلة حياتكم، إذا أخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنّكم سيّان ـ في كلتا الحالتين ـ لن تختلف درجاتكم في الآخرة، إنّكم على كلّ حال النّاجون وستذهبون إلى الجنّة وتأمنون من العذاب، فلا فرق ـ حسب الفرض ـ بين أن تصلّوا أو تزنوا، ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثّناء عليه وحمده، والابتعاد عن الشّهوات والرّغبات النّفسانيّة في هذا العالم، مع عدم الإثابة على الطّاعة، فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟ هل كنتم تتركون الشّهوات وتحرّمون على أنفسكم اللذات النّفسيّة من أجل رضا الله تعالى والرّغبة فيه، أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسّلين إليه تعالى بالمستحبّات والجّمعة والجّماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشّهوات وتلازمون اللهو واللعب والملاهي وغير ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنّني أعلن عن نفسي وعمّن هو على شاكلتي بأنّا كنّا نصبح من أهل المعصية، ونترك الطّاعات ونعمل بالشّهوات النّفسيّة.
 
وبعد ما تقدّم، نستنتج أنّ جميع أعمالنا هي من أجل اللذات النّفسيّة ومن أجل الاهتمام 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

62

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 بالبطن والفرج. إنّنا عُبّادٌ للبطن وعُبّادٌ للشهوة، ونترك لذّة صغيرة، للذّة أعظم، وإنّ وجهة أنظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشّهوة. إنّ الصّلاة التي هي معراج القرب إلى الله نؤدّيها قربةً لنساء الجّنّة، ولا علاقة لها بالقرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي بعيدةٌ آلاف الفراسخ عن رضا الله... أفينبغي أن تمنّ بهذه الأعمال على الله وهي جميعًا لأجل النّفس ومن أجل عبادتها، وتعدّها عبادة لله؟... ألستم كاذبين حينما تقولون: إنّنا نصلّي تقرّبًا إلى الله تعالى؟ ألأجل التقرّب إلى الله هذه الصّلاة أو لأجل التقرّب لنساء الجنّة وإشباع الشّهوة؟ أقولها صراحةً، إنّ جميع عباداتنا هذه لهي من كبائر الذّنوب عند العرفاء بالله وأولياء الله.

 
... أيّها المسكين، أنت بهذه الصّلاة مستحقٌّ للعذاب، ومستوجبٌ لسلسلة طولها سبعون ذراعًا. فلماذا إذًا تحسب نفسك دائنًا لله، وتهيّئ لنفسك بهذا التدلّل والعُجْب عذابًا آخر؟ اعمل الأعمال التي أُمرت بها، واعلم أنّها ليست لأجل الله، واعلم أنّ الله يدخلك الجّنّة بتفضّله وترحّمه، وأنّ الله تعالى خفّف عن عباده لضعفهم بالتّجاوز عن نوعٍ من الشّرك وأسدل عليهم بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذِرْ أن يتمزّق هذا الحجاب، وليبقَ حجاب غفران الله على هذه السّيّئات التي أسميناها عبادة... وعليه، إذا استدعى العمل العُجب والتدلّل والتغنّج، فافعل. 
 
وإذا استدعى الخجل والتذلّل والاعتراف بالتّقصير فيجب عليك بعد كلّ عبادة أن تتوب من تلك الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، وممّا نسبته إلى نفسك دون دليل"1.
 
فمن عرف نفسه في حقيقتها، وتعرّف على أحوال ومقامات أولياء الله في علاقتهم بالله، وأدرك حقيقة التّوفيق ومبدئيّة الخير والكمال ومصدره الواقعيّ، وفهم معنى التّوحيد في الصّفات، يكون قد أسّس في نفسه القواعد المعرفيّة المتينة للبدء بمواجهة وساوس إبليس وخطراته. ولا شكّ بأنّ هدف إبليس من كلّ هذه الوساوس التي تزيّن للإنسان ما عنده أن يُعجب بعمله، فيغفل عن تلك الحقائق الكبرى التي تكفي كلّ واحدةٍ منها لطرد العجب من النّفس إلى الأبد.



1 الأربعون حديثًا، ص 94 - 97.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

63

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 معرفة خطّة الشيطان، وكيف نواجهه

"إنّ الشّيطان لا يمكن أبدًا أن يعهد إليكم، أنتم المتّقون الخائفون من الله، مهمّة قتل النّفس أو الزّنا، أو أن يقترح على الشّخص الذي يتمتّع بالشّرف وطهارة النّفس، السّرقة أو قطع الطّريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن مُنَّ على الله بهذه الأعمال، أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحبّين والمقرّبين من الحضرة الإلهيّة. وإنّما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى، ثمّ يشقّ طريقه في قلوبكم، فيدفعكم نحو الحرص الشّديد على التزام المستحبّات والأذكار والأوراد. وفي غضون ذلك يزيّن أمامكم بما يناسب حالكم، عملًا واحدًا من أهل المعصية، ويوحي لكم بأنّكم بحكم الشّرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأنّ أعمالكم موجبة لنجاتكم، وأنّكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرّؤون منها، فيتحصّل من هذه الإيحاءات نتيجتان:
الأولى: هي سوء الظّن بعباد الله.
والأخرى: العُجب بالنّفس، وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد.
 
قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا الشّخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو أعمال أخرى، فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات والأعمال مناراً يهديه، فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعلّ الله قد ابتلى هذا الشخص بالمعصية لكي لا يُبتلى بالعُجب، الذي يعدّ أسوأ من المعصية. مثلما ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال: "إِنَّ اللهَ عَلِمَ أن الذنب خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ العُجبِ، ولولا ذلكَ ما ابْتَلى مؤمِناً بِذَنْبٍ أَبداً"1 ولعلّ عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب سوء الظنّ هذا. 
وكان شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي - روحي فداه - يقول:
 
"لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافرا، فلعلّ نور فطرته يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة، إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر غير التعبير القلبي"، بل كان يقول: "لا تلعنوا الكفّار الذين لا يعلم بأنّهم رحلوا عن هذا العالم، وهم في حال الكفر، فلعلهم اهتدوا في أثناء الرحيل فتصبح روحانيّتهم مانعاً لرقيّكم".



1 الكافي، ج2، ص 313.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

64

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 وعلى أيّ حال، فإنّ النّفس والشّيطان، يدخلانكم في المرحلة الأولى من العُجب، وقليلًا قليلًا ينقلانكم من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدّرجة إلى درجة أكبر إلى أن يصلا بالإنسان في النّهاية إلى المقام الذي يمنُّ فيه على وليّ نعمته ومالك الملوك، بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدّرجات"1.

 
معرفة التّوحيد والإيمان به
إنّ التّوحيد في الصّفات يعني أنّه لا كمال ولا كامل في الوجود إلّا الله تعالى، وأنّ كلّ كمال نراه في أنفسنا وفي غيرنا هو محض التّفضّل من الله تعالى. فمن استطاع أن يكتب هذا التّوحيد بقلم العقل على لوح القلب، فإنّه سيتّصل بنبع الذّكر الأكبر الطّاهر المطهّر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾2.
 
"وفي هذا المرهم الإلهيّ، أي الصلاة التي هي معراج القرب الإلهيّ، فإنّ استقبال القبلة والتّوجّه إلى النقطة المركزية، ورفع اليد وصرف الوجه عن الجهات المتفرّقة، هو ادّعاء بأنّ الفطرة قد تيقّظت وخرج نور الفطرة من الاحتجابات. وهذا الادّعاء حقيقي بالنسبة إلى الكمّل وأصحاب المعرفة. وأمّا بالنسبة لنا أصحاب الحجاب، فأدبه أن نفهم القلب أنّه لا كمال ولا كامل في جميع دار التّحقّق سوى الذّات المقدّسة الكاملة على الإطلاق، فإنّ تلك الذّات المقدّسة كمالٌ بلا نقص، وجمالٌ بلا عيب، وفعليّةٌ بلا شوب القوّة، وخيرٌ بلا اختلاط بالشرّ، ونورٌ بلا شوب ظلمة. وكلّ ما في دار التّحقّق من الكمال والجمال والخير والعزّة والعظمة والنورانية والفعلية والسعادة فهو من نور جمال تلك الذات المقدّسة، وليس لأحدٍ شراكة مع الذّات المقدّسة في كمالها الذّاتيّ، وليس لموجود جمال ولا كمال ولا نورٌ ولا بهاء إلّا بجمال تلك الذّات المقدّسة وكمالها ونورها وبهائها، وبالجملة، إنّ العالم قد تنوّر بجلوة جماله المقدّس الذي وهبه الحياة والعلم والقدرة. وإلا لبقيت دار التّحقّق في ظلمة العدم وكمونه وبطون البطلان، بل من كان قلبه منوّراً بنور المعرفة يرى كلّ شيء غير نور جمال الجميل باطلاً وعدماً معدوماً أزلاً وأبداً"3.



1 الأربعون حديثًا، ص 88 - 89.
2 سورة الأعراف، الآية 201.
3 معراج السالكين، ص 130 - 131.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

65

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 التحرّز من التعيّن

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اعلم أنّ النفس الإنسانية الناطقة حقيقةٌ، هي - في عين الوحدة وكمال البساطة - ذات نشآت، عمدتها - بطريق كلّيّ ثلاث:
الأولى: النشأة الملكية الدنيوية الظاهرة، ومظهرها الحواس الظاهرة، والقشر الأدنى لها هو البدن المُلكيّ.
 
الثانية: النشأة البرزخية المتوسطة، ومظهرها الحواس الباطنية، والبدن البرزخي والقالب المثالي.
 
الثالثة: النشأة الغيبية الباطنية، ومظهرها القلب والشؤون القلبية.
 
ونسبة كلّ من هذه المراتب إلى الأخرى نسبة الظاهرية والباطنية، التجلّي والمتجلّي. ومن هذه الجهة تسري الآثار والخواص والانفعالات من مرتبة إلى أخرى. فمثلاً إذا أدركت حاسّة البصر شيئا ما يقع منه أثر في الحسّ البصري البرزخي مناسب لتلك النشأة، ويقع منه أثر في البصر الباطني القلبي يناسب تلك النشأة، وهكذا الآثار القلبية تظهر في النشأتين الأخيرتين. وهذا المطلب مضافاً إلى أنّه مطابق للبرهان القويّ المتين، هو مطابق للوجدان أيضاً، فلهذا يكون لجميع الآداب الصورية الشرعية في الباطن أثر، بل آثار، ولكلّ من الأخلاق الجميلة التي هي من حظوظ مقام برزخية النفس أيضًا آثار في الظاهر والباطن، ولكلّ من المعارف الإلهية والعقائد الحقّة في النشأتين البرزخية والظاهرة آثار.
 
وكما أنّ لتلك المراتب في الظاهر تأثيراً، بل تأثيرات، فلهيئة الظاهر وجميع الحركات والسكنات (العادية وغير العادية)، ولجميع التروك والأفعال أيضا في تلك المراتب تأثيرات عجيبة، بحيث إنّه قد يسقط السالك من الأوج الأعلى إلى أسفل سافلين بنظرة تحقيرية واحدة إلى عبد من عباد الله، ولا يستطيع جبران هذا السقوط لسنوات مديدة. وحيث إنّ قلوبنا - نحن المساكين - ضعيفة وعاجزة، ومثل شجرة الصفصاف تضطّرب من النسيم الرقيق، وتفقد حالة السكون، فاللازم أن نراقب الحالات القلبية حتى في الأمور العادية... ونلاحظ حالاتنا القلبية ونحافظ على القلب. وحيث إن للنفوس والشيطان حبائل مستحكمة وتسويلات دقيقة جدّاً، والاحاطة بها فوق طاقتنا، فلا بدّ لنا من مواجهتها بقدر قوّتنا ووسعنا،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

66

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 ونطلب التوفيق والتأييد من الحقّ تعالى. فنقول بعدما اتّضح أنّ للباطن في الظاهر وللظاهر في الباطن تأثيراً، أنّه لا بدّ للإنسان الطالب للحقّ والارتقاء الروحاني... من هذه الجهة لا بدّ للإنسان أن يحترز... من مطلق المشي على خلاف المعتاد والمتعارف...، لأنّ قلوبنا ضعيفة وغير ثابتة بشكل ملحوظ، فبمجرد التميّز والتعيّن تزلّ وتنحرف عن الاعتدال"1.

 
سلوك طريق العبوديّة
"إنّ قوّة سلوك أيّ إنسان بحسب قوة هذا التوجه والنظر إلى عزّ الربوبيّة وذلك العبوديّة، بل الكمال والنقص في الإنسانية كلّما يكون تابعًا لنقصانه وكماله. وكلّما كان النظر إلى الإنّية والأنانية ورؤية النفس وحبّها في الإنسان غالبًا، كان بعيدًا عن كمال الإنسانية ومهجورًا من مقام القرب الربوبيّ. وإنّ حجاب رؤية النفس وعبادتها لأضخم الحجب وأظلمها، وخرق هذا الحجاب أصعب من خرق جميع الحجب التي يعدّ خرقها مقدّمة له، بل إنّ مفتاح مفاتيح الغيب والشّهادة وباب أبواب العروج إلى كمال الروحانية هو خرق هذا الحجاب. والخروج من هذا المنزل هو أوّل شرط للسلوك إلى الله، بل هو الميزان في حقّانية الرياضة وبطلانها. فكلّ سالك يسلك بقدم الأنانية ورؤية النفس ويطوي منازل السلوك في حجاب الإنيّة وحبّ النفس تكون رياضته باطلة. وما دام التعلّق بالنفس والتوجّه إلى الإنيّة موجودين، فلا يكون مسافرا، وما دامت بقايا الأنانية أمام نظر السالك، وجدران مدينة النفس غير مختفية، وأذان إعلان حبّ النفس مسموعا، فهو في حكم الحاضر لا المسافر ولا المهاجر.
 
قال الإمام الصادق عليه السلام: "العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فُقِد في العبودية وُجِد في الربوبية، وما خفي من الربوبية أصيب في العبودية"2.
 
"فمن سعى بخطوة العبودية ووسم ناصيته بسمة ذلّها سيجد سبيل الوصول إلى عزّ الرّبوبية، وطريق الوصول إلى الحقائق الرّبوبية هو السّير في مدارج العبودية، فما فُقِد من الإنّيّة والأنانية في عبوديّته يجده في ظّل حمى الرّبوبية، حتّى يصل إلى مقام يكون الحقّ تعالى سمعه وبصره ويده ورجله، كما ورد في الحديث الصحيح المشهور 



1 معراج السالكين، ص 95 - 97.
2 الإمام الصادق عليه السلام (منسوب)، مصباح الشريعة، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ، ص7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

67

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 عند الفريقين. فإذا أسقط العبد تصرّفاته وسلّم مملكة وجوده كلّها إلى الحقّ وخلّى بين البيت وصاحبه وفَنِي في عزّ الربوبية، فحينئذٍ يكون المتصرّف في الدّار صاحبها، فتصير تدبيراته تدبيرات إلهيّة، فيكون بصره بصراً إلهيّاً، وينظر ببصر الحق، ويكون سمعه سمعًا إلهيًّا، فيسمع بسمع الحقّ. وبمقدار ما تزداد ربوبيّة النّفس ويكون عزّها غاية في نظره، ينقص من عزّ الربوبية، لأنّ هذين متقابلان "الدنيا والآخرة ضرّتان"، فمن الضّروريّ أن يدرك السّالك مقام ذلّه، ويضع ذلّ العبودية وعزّ الربوبية نصب عينيه"1.




1 معراج السالكين، ص23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

68

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 المفاهيم الرئيسة

1- من الأمور التي تعين على التخلّص من العجب التعرّف على أولياء الله، فلو تأمّلنا في أحوال الذين بلغوا أعلى مراتب القرب والكمال، في نظرتهم إلى أنفسهم، وفي اعترافهم بعجزهم وذلّهم، وفي شدّة تواضعهم لعباد الله مهما كانوا، لكان ذلك كافيًا لكي لا نسمح لأنفسنا بالتبجّح بأيّ خيرٍ نناله أو كمالٍ نصل إليه.
 
2- إن معرفة حقيقة النّفس، بأنّها عين الفقر والعجز. ومن عرف نفسه في حقيقتها، وأدرك حقيقة التّوفيق ومبدئيّة الخير والكمال ومصدره الواقعيّ، وفهم معنى التّوحيد في الصّفات، يكون قد أسّس في نفسه القواعد المعرفيّة المتينة للبدء بمواجهة وساوس إبليس وخطراته.
 
3- معرفة التّوحيد والإيمان به: إنّ التّوحيد في الصّفات يعني أنّه لا كمال ولا كامل في الوجود إلا الله تعالى، وأنّ كلّ كمال نراه في أنفسنا وفي غيرنا هو محض التفضّل من الله تعالى. فمن استطاع أن يكتب هذا التّوحيد بقلم العقل على لوح القلب، فإنّه سيتّصل بنبع الذّكر الأكبر الطّاهر المطهّر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾1.
 
4- التحرّز من التعيّن: لأنّ قلوبنا ضعيفة وغير ثابتة بشكل ملحوظ، فبمجرد التميّز والتعيّن تزلّ وتنحرف عن الاعتدال.
 
5- سلوك طريق العبوديّة: فمن سعى بخطوة العبودية ووسم ناصيته بسمة ذلّها سيجد سبيل الوصول إلى عزّ الرّبوبية، وطريق الوصول إلى الحقائق الرّبوبية هو السّير في مدارج العبودية، فما فُقِد من الإنّيّة والأنانية في عبوديّته يجده في ظّل حمى الرّبوبية، حتّى يصل إلى مقام يكون الحقّ تعالى سمعه وبصره ويده ورجله
 
6- كلّما قوي السّلوك، يغلب النّور على الظّلمة وتظهر سمات الرّبوبيّة في السّالك. فترتحل العلامات الشيطانيّة بالتّدريج، وهي في الظّاهر مخالفة نظام المدينة الفاضلة، وفي الباطن العجب والاستكبار وأمثالها، وفي باطن الباطن رؤية النفس وحبّها وأمثالها.



1 سورة الأعراف، الآية 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

69

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 شواهد من وحي الدّرس

دعاء:
"اللَّهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ... الإِزْرَاءِ بِالْمُقِلِّينَ، وَسُوءِ الْوِلاَيَةِ لِمَنْ تَحْتَ أَيْدِينَا، وَتَرْكِ الشُّكْرِ لِمَنِ اصْطَنَعَ الْعَارِفَةَ عِنْدَنَا، أَوْ أَنْ نَعْضُدَ ظَالِماً، أَوْ نَخْذُلَ مَلْهُوفاً، أَوْ نَرُومَ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، أَوْ نَقُولَ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ نَنْطَوِيَ عَلَى غِشِّ أَحَدٍ، وَأَنْ نُعْجِبَ بِأَعْمَالِنَا، وَنَمُدَّ فِي آمَالِنَا"1.
 
الآيات الكريمة:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عن الإمام علي عليه السلام: "العجب هلاكٌ، والصّبر ملاك"3.
 
2- عن الإمام الباقر عليه السلام: "أمّا المهلكات: فشحٌّ مطاع، وهوًى متّبع، وإعجابُ المرء بنفسه"4.
 
3- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَ: "إِنَّ اللهَ عَلِمَ أَنَّ الذَّنْبَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْعُجْبِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا ابْتُلِيَ مُؤْمِنٌ بِذَنْبٍ أَبَداً"5.
 
4- عن الإمام الرضا عليه السلام: "إنّ رجلاً كان في بني إسرائيل، عبد الله تبارك وتعالى أربعين سنة، فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أوتيت إلا منكِ، ولا الذنب إلا لكِ، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ذمّك نفسك أفضل من عبادة أربعين سنة"6.



1 الصّحيفة السجّادية، دعاؤه عليه السلام في الاستعاذة من المكاره وسيّء الأخلاق ومذام الأفعال.
2 سورة التوبة، الآية 25.
3 بحار الأنوار، ج74، ص 401.
4 من لا يحضره الفقيه، ج4، ص 361.
5 الكافي، ج2، ص 313.
6 مستدرك الوسائل، ج11، ص 253.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

70

الدرس الخامس: العجب (3) - الطرق السليمة في معالجة العجب

 5- عن الإمام الباقر عليه السلام: "سدّ سبيل العجب بمعرفة النّفس"1.

 
6- عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه، ويعمل العمل فيسّره ذلك، فيتراخى عن حاله تلك، فلأن يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه"2.
 
7- عن الإمام الصادق عليه السلام: "يدخل رجلان المسجد، أحدهما عابد والآخر فاسق، فيخرجان من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنّه يدخل العابد المسجد وهو مدلّ بعبادته ويكون فكره في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في التندّم على فسقه، فيستغفر الله من ذنوبه"3.



1 بحار الأنوار، ج75، ص 164.
2 الكافي، ج2، ص 313.
3 بحار الأنوار، ج69، ص 316.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

71

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 الدّرس السادس: التكبّر (1)  - حقيقته، أصنافه ومظاهره



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى مخاطر الكبر وتأثيره على سير الإنسان التّكامليّ.
2- يبيّن معنى الكبر وكيف يتميّز عن العجب.
3- يتعرّف إلى أصناف المتكبّرين وعلاماتهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

72

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 أهميّة معرفة مرض الكبر

عندما ننظر إلى لائحة الأمراض القلبيّة، قد لا نجد رذيلةً أقبح وأشنع من الكبر، ولهذا أولت التعاليم الدّينيّة عناية فائقة لمواجهته والحدّ منه. يُعلم ذلك من خلال الحجم الكبير للنّصوص الشّريفة ـ قرآنًا وسنّةً ـ التي تعرّضت لهذه الخصلة الموبقة.
 
نستنتج مباشرةً أنّ الكِبر من أعظم أسباب هلاك الأفراد والمجتمعات. وندرك كيف أنّ أكثر الظّلم وسفك الدّماء وارتكاب أبشع أنواع الجّرائم إنّما كان بسبب هذا المرض الخبيث، وبسببه اسودّت صفحات التّاريخ بما يندى له الجبين ويفرح له عدوّ الإنسانيّة الأكبر إبليس لعنه الله. يقول أمير المؤمنينعليه السلام: "فَاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الأُمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَصَوْلاَتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَمَصَارعِ جُنُوبِهِمْ، وَاسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ، فَلَوْ رَخَّصَ الله فِي الْكِبْرِ لأحَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنبِيَائِهِ (وَأَولِيائِهِ)، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالأرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ الله بالْـمَخْمَصَةِ، وَابْتَلاَهُمْ بِالْـمَجْهَدَةِ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْـمَخَاوِفِ، وَمَخضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ، فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالاْخْتِبَارِ فِي مَوَاضِعِ الْغِنَى وَالافْتِقارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾1، فَإِنَّ اللهَ سْبْحَانَهْ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ"2.



1 سورة المؤمنون، الآيتان 55 و 65.
2 نهج البلاغة، ص290.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

73

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 إنّ التكبّر معيارٌ مهمٌّ لمعرفة صحّة سير الإنسان التكامليّ. فمن وجد في نفسه شيئًا منه، ولو مثقال ذرّة، فهذا يعني أنّ كلّ إنجازاته، ولو بلغت مقدار جبال الأرض ومثاقيلها، ليست بذات قيمة أصلًا... إنّ جوهر العبادة وروح العمل الصّالح كامن في القرب من الله تعالى، هذا القرب الذي يظهر في قلب الإنسان بصورة التذلّل والخضوع والتّواضع والمتربة.

 
فالصّلاة التي بها تُقبل الفرائض: "إن قُبلت قُبل ما سواها"1، والتي هي الرّكن الذي يُشاد عليه بنيان العبادات والأعمال الصّالحة تُعدّ كما يقول الإمام: "جوهر التواضع والخشوع، ولبّها هو هجران النّفس، والسّفر إلى الله.. فهي "معراج المؤمن"2"3. فإذا لم تورث عباداتنا ـ وبعد كلّ هذا العمر ـ سوى التّكبّر على بعض عباد الله، ولأيّ سببٍ كان، فهذا يعني أنّها كانت فاقدة للرّوح، صلاة لن تكون مقبولة عند الله، ولن تُرفع إليه. وإذا لم تتقدّم صلاتنا مسيرةَ أعمالنا، فلن يكون لأعمالنا أيّ دورٍ في تزكيتنا وتهذيبنا، لهذا كان كلّ مؤمنٍ حريصٍ على دينه شديدَ الاهتمام في البحث عن هذا المرض المهلك المحبط.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "روي في الكافي الشريف مسنداً عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "فيما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى داوود عليه السلام: "يا داوود، كما أنّ أقرب الناس من الله المتواضعون، كذلك أبعد الناس من الله المتكبّرون"4. وفي هذا الحديث الشريف كفاية لأهل اليقظة وأصحاب المعرفة... ولا كلام لنا مع الذين يطلبون العلم والعمل من أجل الدنيا، فحسابهم على الله الجبّار، أمّا الذين يدَّعون أنّهم يطلبون الله الحقّ تبارك وتعالى، فعليهم أن يعرفوا ـ من هذا الحديث الشّريف ـ ما ينبغي لهم أن يعملوه، ثمّ يتّخذوا هذا الحديث الشّريف معيارًا ومحكًّا يعرضون عليه نفوسهم، فإذا وجدوا بقيّةً من التّكبّر في قلوبهم، وأدركوا أنّهم مبتلون بالتّكبّر العمليّ على الناس، فليعرفوا أنّ أعمالهم وعلومهم لم تكن خالصة لله تعالى، بل كان الهدف منها تلبية أهواء النّفس الأمّارة بالسّوء، فلو كانت بهدف التقرّب إلى الله لكانت صفتهم التّواضع، وهو أهمّ من كلّ أمرٍ في تقريب الإنسان إلى الله تعالى"5.



1 الكافي، ج3، ص268، باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها.
2 بحار الأنوار, ج79، ص 248.
3 جنود العقل والجهل، ص 77.
4 الكافي، ج2، ص123.
5 جنود العقل والجهل، ص 313 - 314.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

74

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 تعريف الكبر

إنّ جميع الحالات النفسيّة تكون خفيّة على من لا يكترث لأحوال قلبه، بل تصبح صعبة الاكتشاف كلّما نسي المرء نفسه. ومن المعلوم أنّ السّبب الأوّل لنسيان النّفس هو الغفلة عن آيات الله تعالى التي تذكّرنا بالله عزّ وجلّ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾1.

أمّا من اجتهد في إصلاح نفسه، فإنّ الله تعالى سيجعل له فرقانًا ونورًا يدرك بهما أسرار باطنه وكوامن قلبه. وإنّ السّعي للوصول إلى معرفة الله وحبّ الله يؤدّي إلى هذا التّوفيق كما جاء في الحديث: "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً جَعَلَ ذُنُوبَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُمَثَّلَة"2.
 
وإنّ من أوضح سبل الهداية في الحياة الدّنيا الاستنارة بتعاليم الأنبياء وورثتهم من العلماء الحكماء، فهم أهل الذّكر، وبهم يستضيء طالب الحقّ. وها هو الإمام الخمينيّ يمثّل في عصر الغيبة أعظم نموذج للمدرسة الأخلاقيّة العرفانيّة، وقد ترك لنا تراثًا غنيًّا في المعنويات مليئًا بالحكمة، يمكن أن يساعدنا كثيراً في دراسة الحالات المعنويّة المختلفة.
 
ففي تعريف الكبر، يقول الإمام قدس سره: "الكبر عبارة عن حالة نفسيّة تجعل الإنسان يترفّع ويتعالى على الآخرين. ومن أماراته تلك الأعمال التي تصدر عن الإنسان، والآثار التي تبدو منه، بحيث يُقال عنه إنّه متكّبر. وهذه الصفة هي غير العُجب، بل هي كما سبق قوله، صفة رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب، لأنّ العجب هو الإعجاب بالذات، والكبر هو التّعالي والتّعاظم على النّاس. فعندما يتوهّم الإنسان أنّ فيه صفة من صفات الكمال، تنتابه حالة، هي مزيج من السّرور والتدلّل والتغنّج وغيرها. هذه هي صفة "العُجب" ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصّفة التي يتوهّمها في نفسه، ينتابه شعورٌ آخر هو تصوّر التفوّق والتقدّم، وهذا يؤدّي إلى التّعاظم والتّرفّع، وهذه هي صفة "الكِبر". إنّ كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظّاهر، في الملامح وفي الأفعال وفي الأقوال، وبهذا يصبح الإنسان مغرورًا، وإذا ازداد أصبح معجبًا بنفسه، وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفّع ويتكبّر"3.



1 سورة الحشر، الآية 19.
2 بحار الأنوار، ج74، ص 78، باب ما أوصى به الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا ذرّ رحمه الله.
3 الأربعون حديثًا، ص 103.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

75

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 



المطلوب أن نتعرّف على هذا المرض ونغوص في دقائقه، لأنّه قد يخفى إلى الحدّ الذي لا يُدْرَك معه. فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام مَا حَدُّ الْكِبْرِ؟ قال: "الرّجل‏ ينظر إلى‏ نفسه‏ إذا لبس الثّوب الحسن يشتهي أن يُرَى عليه"، ثمّ قال‏: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾1.2
 
يذكر لنا الإمام الخمينيّ قدس سره بضعة نماذج لأحوال المتكبّرين تعيننا على اكتشاف خبايا هذه الرّذيلة الموبقة. ولكن ينبغي أن نلتفت إلى أطوار الكبر حتى نتمكّن من معالجته وفق الأصول السّليمة. فعندما نتحدّث عن الشّخصيّة المتكبّرة ونتناول باطنها وأخلاقها، نستعمل عبارة الكِبْر. وعندما يأتي الحديث عن سلوكها وتصرّفاتها نستعمل كلمة التّكبّر.
 
يقول الإمام: "إذا كان القلبُ معيوبًا قد استولت عليه آفات التّوجّه للنّفس وعبادتها وحبّها، فإنّه يُولِّد "الكِبْر"، وهو حالة نفسيّة يرى فيها الإنسان نفسه كبيرًا وأعظم من غيره. فإذا تعامل على وفق ما تقتضيه هذه الحالة النّفسيّة، وتعالى على عباد الله في أعماله الظاهرية، قيل: تكبَّر. أمّا إذا دفعته هذه الحالة النّفسيّة إلى التمرّد على طاعة الحقّ، قيل: استكبر. إذاً، فالاستكبار هو تمرّدٌ وطغيانٌ ينتج من حال الكِبْر، وهو ضدّ الاستسلام الذي هو عبارة عن الانقياد الظّاهريّ النّاتج من التسليم الباطنيّ القلبيّ"3.
 
فالكِبْر أمرٌ باطنيّ قد لا يظهر، خصوصًا في مرحلة المجاهدة الأولى، وقبل تحقيق النّصر التّام على النّفس الأمّارة. حيث يختبئ من جرّاء هذه المجاهدة، حتى يظنّ المبتلى به أنٍّه قد سلُم منه... أمّا إذا اشتدّ أو أُهمل أمره، فإنّه ولا شكّ سيظهر في الأعمال والأفعال التي يلاحظها النّاس عامّةً.
 
فتلك الصّفة الرّذيلة تستدعي جملةً من التّصرّفات عند وجود دواعيها. فمن كان يجد في نفسه الأفضليّة بسبب كمالٍ ما ـ وإن كان موهومًا ـ فإنّه سيندفع للتصرّف بكِبْرٍ واستعلاء، عندما يحضر عنده شخص لا يمتلك ذاك الكمال. وقد يتواضع في مكانٍ آخر لمن يجد فيه درجة أعلى أو لمن يرى فيه كمالًا آخر ليس موجودًا عنده. ولهذا، ينبغي أن نلاحظ في كلّ صفة نفسيّة جوهرها وحقيقتها، ونستخلص من النّماذج والحالات المعروضة التّعريف الدّقيق لها.



1 سورة القيامة، الآية 14.
2 بحار الأنوار، ج76، ص312.
3 جنود العقل والجهل، ص 355.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

76

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 أصناف المتكبرين وأنواعهم

"للكبر أسبابٌ عديدةٌ ترجع كلّها إلى توّهم الإنسان الكمال في نفسه، ممّا يبعث على العُجب الممزوج بحبّ الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه ويترفّع عليهم قلبياً أو ظاهرياً"1.
 
"إن كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظاهر، في الملامح وفي الأفعال وفي الأقوال، وبهذا يصبح الإنسان مغروراً وإذا ازداد أصبح معجبًا بنفسه، وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفّع ويتكبّر"2.
 
فلنقرأ حول بعض نماذج المتكبّرين التي يقدّمها لنا الإمام الخميني، ونتأمّل فيها جيّدًا:
 
1- علماء العرفان
"قد يحصل بين علماء العرفان أن يتصوّر أحدهم نفسه من أهل العرفان والشّهود ومن أصحاب القلوب والسّوابق الحسنى، فيترفّع على الآخرين ويتعاظم عليهم. ويرى أنّ الحكماء والفلاسفة سطحيّون، وأنّ الفقهاء والمحدّثين لا يتجاوزون الظّاهر في نظراتهم، وأنّ سائر الناس كالبهائم. وينظر إلى عباد الله بعين التّحقير والازدراء. ويذهب هذا المسكين ينمّق الحديث عن الفناء في الله والبقاء بالله، ويدقّ طبل التّحقّق. مع أنّ المعارف الإلهيّة تقضي حسن الظنّ بالكائنات، فلو أنّه كان قد تذوّق حلاوة المعرفة بالله لما تكبّر على مظاهر جمال الله وجلاله، بحيث إنّه في مقام العلم والبيان يصرّح خلاف حاله، ولكنّ الحقيقة هي أنّ هذه المعارف لم تدخل قلبه، بل إنّ هذا المسكين لم يبلغ حتّى مقام الإنسان، ولكنّه يتشدّق بالعرفان، ومن دون أن يكون له حظُّ من العرفان يتحدّث عن مقام التحقّق"3.
 
2- الحكماء
"وإنّ من بين الحكماء أيضًا أناسًا، يرون أنّهم بما يملكون من براهين ومن علم بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى سائر النّاس بعين التّحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين علومًا، ويرون عباد الله جميعًا ناقصي علم وإيمان، فيتكبّرون 



1 الأربعون حديثًا، ص 106.
2 (م.ن), ص 103.
3 الأربعون حديثًا، ص 106 - 107.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

77

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 عليهم في الباطن، ويعاملونهم في الظاهر بكبرياءٍ وغرور، مع أنّ العلم بمقام الرّبوبيّة، وفقر الممكن (المخلوق)، يقضيان بخلاف ذلك. والحكيم من تحلّى بملكة التواضع بوساطة العلم بالمبدأ والمعاد"1.

 
3- المتصوّفون
"نجد في الذين يدّعون الإِرشاد والتّصوّف وتهذيب الباطن، أشخاصًا يعاملون النّاس بالتّكبّر ويسيؤون الظنّ بالعلماء والفقهاء وأتباعهم، ويطعنون بالعلماء والحكماء، ويرون النّاس، عدا أنفسهم ومن يلوذ بهم، من أهل الهلاك، وبما أنّهم صفر اليدين من العلوم، يصفون العلوم بأنّها أشواك الطّريق، ويرون أصحابها شياطين طريق السّالك، مع أنّ كل ما يزعمونه لأنفسهم من مقام يقتضي خلاف ذلك كلّه"2.
 
4- علماء الفقه
"نجد أحيانًا بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلاّبهما من ينظر إلى سائر النّاس بعين الاحتقار ويتكبّر عليهم، ويرى نفسه جديرًا بكلّ إكرام وإعظام، ويعتقد أنّ من المفروض على النّاس أن يطيعوا أمره إطاعةً عمياء، وأنّه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾3، وما من أحد يستحقّ الجنّة، في رأيه، إلاّ هو مع أفرادٍ معدودين مثله، وكلّما جاء ذكر طائفة مقترنًا بأيّ علم من العلوم طعن فيهم، من دون أن يعترف بأيّ علمٍ سوى علمه القليل الذي يتمتّع به، ويرى أنّ تلك العلوم تافهةً وغير نافعةٍ ومدعاة للهلاك، فيرفض العلماء وسائر العلوم جهلًا وسفهًا، ويُظهر كأنّ تديّنه هو الذي يحتّم عليه أن يحتقرهم ويستهين بهم، مع أنّ العلم والدّين منزّهان عن أمثال هذه الأطوار والأخلاق. إنّ الشريعة المطهّرة تحرّم التّصريح بقول من دون علم، وتوجب الحفاظ على كرامة المسلم. أمّا هذا المسكين الذي لا معرفة له بالدّين ولا بالعلم، فيعمل على خلاف قول الله ورسوله، ثمّ يقول إنّ ذلك من صلب الدّين، مع أنّ سيرة السّلف والخلف من العلماء العظام تكون مغايرة لهذا"4.



1 (م.ن), ص 107.
2 (م.ن).
3 سورة الأنبياء، الآية 23.
4 الأربعون حديثًا، ص 108.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

78

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 5- أصحاب العلوم

"إنّ الكبر منتشرٌ بين علماء سائر العلوم الأخرى أيضًا، في الطّبّ والرّياضيّات والطّبيعة، وكذلك أصحاب الصّناعات الهامّة، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما. إنّهم أيضًا لا يقيمون وزنًا للعلوم الأخرى مهما تكن، ويحتقرون أصحابها، وكلّ منهم يحسب أنّ ما عنده وحده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبّر على الناس في باطنه وظاهره، مع أنّ ما عنده من علم لا يستدعي مثل هذا التّكبّر"1.
 
6- أهل النّسك والعبادة
"وهناك من غير أهل العلم، مثل أهل النّسك والعبادة، من يتكبّر أيضًا على النّاس ويتعالى عليهم، ولا يعتبر النّاس حتّى العلماء من أهل النّجاة، كلّما جرى حديث عن العلم، قال: ما فائدة علم بلا عمل؟ العمل هو الأصل. إنّهم يهتمّون بما يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع الطّبقات، مع أنّ المرء إذا كان من أهل الإخلاص والعبادة ينبغي لعمله أن يصلحه"2.
 
مظاهر الكبر
1- التأنّف من النّاس والإعراض عنهم
"قد لا يهتم (المتكبّر) بإخفاء تكبّره على من حوله، كما لو كان العنان قد أفلت من يده، فتظهر آثار الكِبْر في أعماله وحركاته وسكناته، كأن يتقدّم في المجالس ويسبق الآخرين في الدّخول والخروج، ولا يسمح للفقراء بحضور مجالسه، ولا يحضر مجالسهم، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة، ويظهر التّعالي في مشيته وفي نظرته وفي حديثه مع النّاس. يقول أحد المحقّقين، والذي أخذنا منه الكثير من أصول هذا البحث وترجمناه: "إنّ أدنى درجة الكِبْر في العالِم هي أن يدير وجهه عن الناس كأنّه يعرض عنهم، وفي العابد هي أن يعبس في وجوه النّاس ويقطب جبينه، وكأنّه يتجنّبهم أو أنّه غاضبٌ عليهم، غافلًا من أنّ الورع ليس



1 (م.ن), ص 108.
2 (م.ن).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

79

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 في تقطيب الجبين، ولا في عبوس ملامح الوجه، ولا في البعد عن النّاس والإعراض عنهم، ولا في ليّ الجِيد، وطأطأة الرأس، ولملمة الأذيال، بل الورع يكون في القلب، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ها هنا التقوى" وأشار إلى صدره"1.

 
2- التّفاخر بالعلم والأعمال العباديّة
"قد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة والمباهاة وتزكية الذّات. فهذا العابد، وهو في مقام التّفاخر، يقول: إنّني قمت بكذا عمل، فينتقص بهذا من الآخرين عن طريق إضفاء الأهمّيّة على أعماله. وأحيانًا لا يصرّح بذلك، ولكنّه قد يتفوّه بما يوحي بأنّه يزكّي ذاته. والعالم يقول للآخرين: ما أدراك أنت؟ إنّني طالعت الكتاب الفلاني مرّات عديدة، وأمضيت سنوات لدى المجامع العلميّة، ورأيت عددًا من أساطين العلم وأساتذته، لقد أجهدت نفسي كثيرًا، صنّفت وألّفت الكتب الكثيرة، وما إلى ذلك"2.
 
3- التّفاخر بالجاه والمال
"ولكن الأحطَّ من هذا والأحقر مكانة هو ذلك الذي يتكبّر ويتباهى بالأمور الخارجيّة، مثل المال، والجّاه، والخدم، والحشم والقبيلة. فهذا المسكين بعيد عن الخُلق البشريّ والأدب الإنسانيّ، فارغ اليد من كلّ العلوم والمعارف. ولكن بما أنّ ملابسه من أجود الأصواف، وأباه فلان بن فلان، فهو يتكبّر على النّاس. فما أضيق عقله وأشدّ ظلام قلبه! إنّه يقتنع من كلّ الكمالات باللباس الجميل، ومن كلّ جمال بالقبّعة والرّداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانيّة ويقبل بحظّها، ويقتنع من جميع المقامات السّامية الإنسانيّة بالصّورة الخالية من كلّ شكلٍ ومضمون، والفارغة من الحقيقة، ظانًّا نفسه بهذا أنّه ذو مقام. وفي الواقع، إنّه على درجة من الضّعة ومن عدم اللياقة، بحيث إنّه إذا شاهد أحدًا أعلى منه مرتبة واحدة دنيويّة تخضّع له كما يتخضّع العبد لسيّده. لا شكّ أنّ من لا همّ له سوى الدّنيا، لا يكون إلّا عبدًا للدّنيا ولأهلها. وأن يغدو ذليلًا لدى من يتزلّف ويستذلّ لديهم"3.



1 الأربعون حديثًا، ص 109 - 110.
2 (م.ن), ص 110.
3 الأربعون حديثًا، ص 118.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

80

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 المفاهيم الرئيسة

1- إنّ التكبّر معيارٌ مهمٌّ لمعرفة صحّة سير الإنسان التكامليّ. فمن وجد في نفسه شيئًا منه ولو مثقال ذرّة، فهذا يعني أنّ كلّ إنجازاته ليست بذات قيمة أصلًا، لأنّ جوهر العبادة كامن في القرب من الله تعالى الذي يظهر في قلب الإنسان بصورة التذلّل والخضوع والتّواضع والمتربة.

2- الكبر عبارة عن حالة نفسيّة تجعل الإنسان يترفّع ويتعالى على الآخرين. وهو صفة رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب.

3- الفرق بين الكبر والتكبّر والاستكبار: "الكِبْر" حالة نفسيّة يرى فيها الإنسان نفسه كبيرًا وأعظم من غيره، فإذا تعامل وفق ما تقتضيه هذه الحالة النّفسيّة وتعالى على عباد الله في أعماله الظاهرية قيل: تكبَّر. أمّا إذا دفعته هذه الحالة النّفسيّة إلى التمرّد على طاعة الحقّ قيل: استكبر.

4- أصناف المتكبّرين:
علماء العرفان: كأن يتصوّر أحدهم نفسه من أهل العرفان والشّهود ومن أصحاب القلوب والسّوابق الحسنى، فيترفّع على الآخرين ويتعاظم عليهم.

الحكماء: بما يملكون من براهين ومن علم بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى سائر النّاس بعين التّحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين علومًا.

علماء الفقه: يرون أنفسهم جديرين بكلّ إكرام وإعظام، ويعتقدون أنّ من المفروض على النّاس أن يطيعوا أمرهم إطاعةً عمياء.

أصحاب العلوم: كلّ منهم يحسب أنّ ما عنده وحده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبّر على الناس في باطنه وظاهره.

أهل النسك والعبادة: إنّهم يهتمّون بما يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع الطّبقات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

81

الدّرس السادس: التكبّر (1) - حقيقته، أصنافه ومظاهره

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللهم إني تَقَرَّبْتُ إِلَيْكَ بِمَا لاَ يَقْرُبُ أَحَدٌ مِنْكَ إلاَّ بالتَّقَرُّبِ بِهِ ثُمَّ أَتْبَعْتُ ذَلِكَ بِالإِنَابَةِ إِلَيْكَ، وَالتَّذَلُّلِ وَالاِسْتِكَانَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَالثِّقَةِ بِمَا عِنْدَكَ، وَشَفَعْتُهُ بِرَجَائِكَ الَّذِي قَلَّ مَا يَخِيبُ عَلَيْهِ رَاجِيكَ وَسَأَلْتُكَ مَسْأَلَةَ الْحَقِيرِ الذَّلِيلِ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ، وَمَعَ ذَلِكَ خِيفَةً وَتَضَرُّعاً وَتَعَوُّذاً وَتَلَوُّذاً، لاَ مُسْتَطِيلاً بِتَكَبُّرِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَلاَ مُتَعَالِياً بِدَالَّةِ الْمُطِيعِينَ، وَلاَ مُسْتَطِيلاً بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ وَأَنَا بَعْدَ أَقَلُّ الأَقَلِّينَ، وَأَذَلُّ الأَذَلِّينَ، وَمِثْلُ الذَّرَّةِ أَوْ دُونَهَا".
 
الروايات الشريفة:
1- عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أَعْظَمَ الْكِبْرِ غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ الْحَقّ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا غَمْصُ الْخَلْقِ وَسَفَهُ الْحَقِّ؟ قَالَ: يَجْهَلُ الْحَقَّ وَيَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ"1.
 
2- عن الإمامِ الصَّادِقِ عليه السلام: "الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ صُورَةٍ، رَأْسُهَا الْكِبْرُ"2.
 
3- عَنِ الإمامِ الصَّادِقِ عليه السلام: "الْجَهْلُ فِي ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ، وَشِدَّةِ الْمِرَاءِ، وَالْجَهْلِ بِاللَّهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"3.
 
4- عن الإمام علي عليه السلام: "إِيَّاكَ وَالْكِبْرَ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ، وَأَلْأَمُ الْعُيُوبِ، وَهُوَ حِلْيَةُ إِبْلِيسَ"4.
 
5- عن الإمام الباقر عليه السلام: "مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْكِبْرِ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ، قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ"5.
 
6- عن الإمام علي عليه السلام: "احذر الكبر، فإنّه رأس الطّغيان ومعصية الرّحمان"6.



1 الكافي، ج2، ص 310.
2 مستدرك الوسائل، ج12، ص 37.
3 (م.ن), ج12، ص 28.
4 (م.ن), ص 29.
5 بحار الأنوار، ج75، ص 186.
6 غرر الحكم، ص 309.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

82

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى درجات الكبر.
2- يبيّن عواقب الكبر الدنيويّة والأخرويّة.
3- يشرح تأثير الكبر على تكامل الإنسان وإيمانه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

83

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 تمهيد

يعلم جميع النّاس كيف يكون المتكبّر، ولهذا فإنّ النّفور من المتكبّرين أمرٌ عام لا يختصّ باتّباع دين دون آخر. إنّ كراهية التّكبّر لهي من الأمور الفطريّة التي جُبلت عليها العائلة البشريّة قاطبةً. لكنّ بعض درجات الكبر قد تخفى على أكثر النّاس. وما لم يقتلع المجاهد كل هذه الدّرجات ويخرج جميع حالات الكبر من زوايا قلبه، فإنّ هذا المرض سيعود مجددًّا كالسّرطان الخبيث ليفتك بقلبه.
 
إنّ من أهم أساليب معالجة الأمراض الأخلاقيّة وتوقّيها أن يتعرّف الإنسان إلى عواقبها، خصوصًا الأخرويّة لأنّها ستكون مصيره النّهائي. وكثيرة هي المشاكل والأزمات التي نعاني منها في حياتنا وتجعل عيشنا ممتزجًا بألوان التّعب والشّقاء بسبب تغلغل هذا المرض في النّفس واشتراكه في تكوين الكثير من الدّوافع والغايات.
 
درجات الكبر
يبيّن الإمام الخمينيّ أنّ للكبر، من منظور المتكبَّر عليه، درجات:
1- التّكبّر على الله تعالى
"فهو أقبحها وأشدّها هلكة، ويأتي على رأس درجات الكبر، وتراه في أهل الكفر والجحود ومدّعي الألوهية، وقد تراه أحيانًا في بعض أهل الدّين ولا يناسب ذكره هنا. وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة "الممكن" حدود نفسه وعدم معرفة مقام "واجب الوجود""1.



1 الأربعون حديثًا، ص 105.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

84

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 2- التكبّر على الأنبياء والرسل والأولياء عليهم السلام

"كثيرًا ما كان يحصل في زمان الأنبياء قال تعالى على لسانهم: ﴿...أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا...﴾1 ، وقال تعالى على لسان آخرين منهم: ﴿...لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾2، وفي صدر الإٍسلام وقع الكثير من التّكبّر على أولياء الله، وفي هذا الزّمان أيضًا نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الإسلام"3.
 
3- التّكبّر على أوامر الله تعالى
"يرجع إلى التّكبّر على الله4... وهو يظهر في بعض العاصين، كأن يمتنع أحدهم عن الحجّ بحجّة أنّه لا يستسيغ مناسكه من إحرام وغيره. أو يترك الصّلاة لأنّ السّجود لا يليق بمقامه، بل قد يظهر ذلك أحيانًا عند أهل النّسك والعبادة وأهل العلم والتّديّن، كأن يترك الأذان تكبّرًا، أو لا يتقبّل مقولة الحقّ إذا جاءت ممّن هو قريب له أو دونه منزلة. فقد يسمع الإنسان قولًا من زميلٍ له فيردّه بشدّة ويطعن في قائله، ولكنّه إذا سمع ذلك القول نفسه، من كبير في الدّين أو الدّنيا، قَبِلَهُ. بل قد يكون جادًّا في ردّ الأول وجادًّا أيضًا في قبول الثّاني. إنّ شخصًا هذا شأنه لا يكون من طلّاب الحقّ، بل يكون تكبّره قد أخفى عنه الحقّ، وأعماه تملّقه لذاك الكبير وأصمّه. ومثل هذا التّكبّر يتّصف به أيضًا من يترك تدريس علم أو كتاب باعتباره لا يليق به، أو يرفض تدريس أشخاص لا مركزيّة لهم، أو لأنّ عددهم قليل، أو يترك صلاة الجماعة في مسجدٍ صغيرٍ ولا يقتنع بعدد من المأمومين، حتّى وإن علم أنّ في مثل تلك الجماعة رضا الحقّ تعالى. وقد تصبح هذه الحال من الدّقّة بحيث إنّ صاحبها لا يدرك أنّ عمله هذا يرجع إلى الكبر، إلاّ إذا تدارك الأمر بإصلاح نفسه، وتخلّص من مكائد هذه الحال"5.



1 سورة المؤمنون، الآية 47.
2 سورة الزّخرف، الآية 31.
3 الأربعون حديثًا، ص 105.
4 (م.ن), ص 104.
5 (م.ن), ص 105 - 106.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

85

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 4- التّكبّر على عباد الله تعالى

"ويراه أهل المعرفة راجعًا إلى التّكبّر على الله1... وأقبحه التكبّر على العلماء بالله، ومفاسده أكثر من كلّ شيء وأهمّ. ومن هذا التكبّر رفض مجالسة الفقراء، والتقدّم في المجالس والمحافل، وفي المشي، وفي السلوك. وهذا النوع من التكبّر رائج وشائع بين مختلف الطبقات، ابتداءً من الأشراف والأعيان والعلماء والمحدّثين والأغنياء حتى الفقراء والمعوزين، إلاّ من حفظه الله من ذلك"2.
 
إذًا، كلّما عظُم شأن من نتكبّر عليه، وارتفعت أهميّة ما نتكبّر بسببه(وهو الكمال المزعوم) صار أمر الكبر أعظم، ولهذا كان التكبّر بالعقائد والمعارف الإلهيّة على الله أشدّ الدّرجات سوءًا. وهذا ما بلغه إبليس في تكبّره، لأنّه واجه ربّه المتعال بعقائد حقّة.
 
وكما أنّ الكبر يشتدّ وخامة بحسب المتكبَّر عليه، فإنّه يشتدّ كذلك أيضًا بحسب ما يُتكبّر به. وفيما يأتي نستعرض درجات متعلّقات الكبر.
 
درجات متعلّقات الكبر
يقول الإمام الخميني قدس سره: "فلا بدّ أن نعرف أنّ للكبر درجات تشبه الدّرجات التي ذكرناها في العجب. ويضاف عليها درجات أخرى ذات صلة بالعجب أعرضنا عن ذكرها هناك لعدم أهمّيّتها، ولكنّنا نتعرّض إليها هنا لكونها مهمّة، فنقول:
 
أمّا الدّرجات التي ورد شبيهها في العجب، فهي أيضًا ستّ:
1- الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقّة، ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة.
 
2- الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصّفات الحميدة، ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرّذيلة والملكات القبيحة.
 
3- الكبر بسبب العبادات والصّالحات من الأعمال، ويقابله الكبر بسبب المعاصي والسّيّئات من الأعمال"3.



1 الأربعون حديثًا، ص 105.
2 (م.ن), ص 106.
3 الأربعون حديثًا، ص 104.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

86

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 إنّ سوء وقبح تلك الدّرجة يتّضح بالنّظر إلى الآثار الدنيويّة التي تنجم عنها (فرديًّا واجتماعيًّا). فلا شيء أضرّ على حياة الإنسان من أن ينظر إلى أعظم الأشياء نظرة استعلاء، وهو بذاته ليس شيئًا مذكورا، ثمّ تراه يستعمل أقدس الأمور للتكبّر. ولو استفحل أمره وصار حاكمًا أو قدوة ومثلًا أعلى لأدّى إلى نسف المنظومة القيميّة السّامية من جذورها، هذه المنظومة التي تشكّل الحجر الأساس لحركة الإنسان المهتدية في الحياة. وإذا كان الله تعالى أعظم معروف في الوجود، ثمّ ضاع هذا المعروف وفُقد، فهل نتوقّع أن يبقى من معروف؟! إنّ الألوهيّة هي الأمر الجّامع لكلّ صفات العظمة والجّمال على نحو الإطلاق، فلو استعلت البشريّة عليها، لفقدت أيّة قيمة إيجابيّة في حياتها. وها هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن أنّ أحطّ ما يصل إليه المجتمع هو عندما يضيع بين المعروف والمنكر فلا يتمايزا: "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَ نِسَاؤُكُمْ وَفَسَقَ شُبَّانُكُمْ، وَلَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟!"، فَقِيلَ لَهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: "نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ؟! قَالَ: "نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ‏ مُنْكَراً وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟"1.

 
وفي حديثٍ آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّ المتكبّرين هم الثّرثارون، "أَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ‏ وَهُمُ الْمُسْتَكْبِرُونَ"2.
 
إلى أين يؤدّي الكبر؟
1- انسداد طريق التّكامل
لو تأمّلنا في قول الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾3، لكان هذا كافيًا في معرفة مساوئ الكبر وآثاره الهدّامة. فالتكبّر الذي يُعدّ استفحالًا للكبر في النّفس



1 الكافي، ج5، ص 59.
2 وسائل الشيعة، ج15، ص 378.
3 سورة الأعراف، الآية 146.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

87

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 والباطن، يحرم الإنسان من الفرصة الوحيدة للوصول إلى كماله والغاية التي خُلق لأجلها. فكلّ هذا الوجود يمثّل آيات الله الدالّة عليه، والتي هي وسيلة سفرنا إليه. إنّ كلّ الإمكانات الروحيّة والمعنويّة والخياليّة والحسّيّة التي أُعطيت للإنسان هي من أجل أن يتفاعل مع آيات الله، فيصل بذلك إلى معرفته. والمتكبّر مصروفٌ عن هذه الآيات، ولن يتحقّق له الإيمان بها.

 
يقول الإمام قدس سره: "اعلم أنّ لهذه الصّفة القبيحة بحدّ ذاتها مفاسد كثيرة، وهذه المفاسد تتمخّض عنها مفاسد أخرى كثيرة. إنّ هذه الرذيلة تحول دون وصول الإنسان إلى الكمالات الظّاهريّة والباطنيّة والاستمتاع بالحظوظ الدّنيويّة والأخرويّة. إنّها تبعث في النّفوس الحِقد والعداوة، وتحطّ من قدر الإنسان في أعين الخلق وتجعله تافهًا، وتحمل النّاس على أن يعاملوه بالمثل، تحقيرًا له واستهانةً به"1.
 
2- الذلّ والهوان في الآخرة
شاء الله سبحانه وتعالى أن يصل الخير عبر النّاس وبواسطتهم، سواء كان ماء السّماء أو العلم أو الخير أو الفضل أو أيّ شيء. وشيوع التكبّر في المجتمع يؤدّي إلى أن لا يستفيد النّاس من بعضهم كما ينبغي... فلا ننسى ما في التكبّر من ترويج للعداء وتأجيج للبغضاء بين النّاس. فإنّ المتكبّرين يحرّضون غيرهم على بغضهم، وهم بدورهم سيبغضون غيرهم بسبب ذلك، فتنشأ تلك العداوات التي تؤدّي إلى الشحناء والمنازعات وسفك الدّماء وما شاكل، بالتالي الوقوع في المعاصي والأخطاء التي تكون مقدمة لذل الإنسان و هوانه في الحياة الآخرة.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره:
"إنّ مثل هذا الخُلق يوجب الذلّ في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم. فكما أنّك احتقرت النّاس في هذا العالم، وترفّعت على عباد الله وتظاهرت أمامهم بالعظمة والجلال والعزّة والاحتشام، كذلك تكون صورة هذا التكبّر في الآخرة، الهوان كما ورد في الحديث الشّريف من كتاب أصول الكافي: بإسناده، عن داوود بن فرقد، عن أخيه، قال: "سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ 



1 الأربعون حديثًا، ص 110.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

88

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 (الصادق) عليه السلام يقول: "إِنَّ المُتَكَبِّرينَ يُجْعَلُنَّ في صُوَرِ الذَّرِّ، يَتَوَطّاهُمُ النّاسُ حَتّى يَفْرَغَ الله مِنَ الحِسابِ". وجاء في وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه: "إِيّاكُمْ وَالعَظَمَةَ وَالكِبْر، فإنَّ الكبرَ رِداءُ الله عَزَّ وجَلَّ، فَمَنْ نازَعَ اللهَ رِداءَهُ قَصَمَهُ الله وَأَذَلَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"1"2.

 
3- الكبّ في جهنم
من العواقب الوخيمة للتكبر أيضا فضلا عن المذلة والهوان في الدنيا والآخرة، العذاب الأليم والشديد أيضا في نار جهنم. يقول الإمام الخميني قدس سره:
"إنّ عاقبة المتكبّر النّار، ففي الحديث "الْكِبْرُ مَطَايَا النَّارِ"3، فلا يرى الجنّة من كان في قلبه كبر، كما رُوي عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ"4. وقد حدّث الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام أيضًا بهذا المضمون. وفي حديث الكافي الشّريف أنّ الإمام الباقر عليه السلام قال: "العِزُّ رِدَاءُ اللهِ، والكِبْرُ إِزَارُهُ، فَمَنْ تَناوَلَ شِيْئًا مِنْهُ أَكبَّهُ الله في جَهنَّمَ"5. وما أدراك ما جهنّم التي أعدّها الله للمتكبّرين. فهي غير جهنّم التي أُعدَّت لسائر النّاس. يكفي أن نورد هنا الحديث الذي سبق أن ذكرناه: عن محمّد بن يعقوب، عن عَليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن ابن بكير، عن أبي عبد اللهعليه السلام قال: "إِنَّ في جَهَنَّمَ لَوادياً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يُقالُ لَهُ سقَرُ، شكى إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ شِدَّةَ حَرِّه، وِسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ، فتَنَفَّسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ"6. والحديث في غاية الاعتبار (من حيث السّند)، بل هو كالصّحيح"7.



1 وسائل الشيعة، ج 11، أبواب جهاد النّفس، باب تحريم الكبر، ح9.
2 الأربعون حديثًا، ص 111.
3 وسائل الشيعة، ج 11، أبواب جهاد النّفس.
4 (م.ن), ح6.
5 (م.ن), ح2.
6 (م.ن), ح6.
7 الأربعون حديثًا، ص 112.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

89

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 المفاهيم الرئيسة

1- درجات الكبر من منظور المتكبَّر عليه:
- التّكبّر على الله تعالى: فهو أقبحها وأشدّها هلكة، وتراه في أهل الكفر والجحود.
- التّكبّر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم.
- التّكبّر على أوامر الله تعالى: كأن يمتنع أحدهم عن الحجّ بحجّة أنّه لا يستسيغ مناسكه من إحرام وغيره.
- التّكبّر على عباد الله تعالى وأقبحه التكبّر على العلماء بالله ومفاسده أكثر من كل شيء، ويراه أهل المعرفة راجعًا إلى التّكبّر على الله.

2- درجات الكبر من منظور المتكبّر به:
- الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقّة، ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة.
- الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصّفات الحميدة، ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرّذيلة.
- الكبر بسبب العبادات والصّالحات من الأعمال، ويقابله الكبر بسبب المعاصي.

3- إنّ رذيلة الكبر تؤدّي إلى:
- انسداد طريق التكامل: لأنّ كلّ الإمكانات الروحيّة والمعنويّة والخياليّة والحسّيّة التي أُعطيت للإنسان هي من أجل أن يتفاعل مع آيات الله، فيصل بذلك إلى معرفته. والمتكبّر مصروفٌ عن هذه الآيات، ولن يتحقّق له الإيمان بها.

- الإخفاق في العمل: فالمتكبّر، بالإضافة إلى أنّه لن يرى الكمال في غيره، سيمتنع عن الاعتراف بأخطائه أو نواقصه. ومن المعلوم الواضح أنّ أساس الحركة الإداريّة هو وضع الرّجل المناسب (بحسب كفاءاته) في المكان المناسب. وإنّ أقل ما يُبتلى به المتكبّر هو افتقاده للرؤية الصّحيحة للكمال والجدارة والكفاءة.

- الفساد في الحياة الاجتماعية: شيوع التكبّر في المجتمع يؤدّي إلى أن لا يستفيد النّاس من بعضهم كما ينبغي لأنّ التكبر يروج للعداء والبغضاء بين الناس.

- الهوان في الآخرة والكبّ في جهنم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

90

الدرس السابع: التكبّر (2) - درجات التكبّر وآثاره

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وَتَرْغِيبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ عَلَى مَا لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصَارُهُمْ، وَلَمْ تَعِهِ أَسْمَاعُهُمْ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ أَوْهَامُهُمْ، فَقُلْتَ اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ، وَقُلْتَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ، وَقُلْتَ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَتَرْكَهُ اسْتِكْبَاراً، وَتَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، فَذَكَرُوكَ بِمَنِّكَ، وَشَكَرُوكَ بِفَضْلِكَ، وَدَعَوْكَ بِأَمْرِكَ، وَتَصَدَّقُوا لَكَ طَلَباً لِمَزِيدِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ نَجَاتُهُمْ مِنْ غَضَبِكَ، وَفَوْزُهُمْ بِرِضَاكَ"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ، مَنْ مَاتَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْجَمَالُ حَتَّى وَدِدْتُ أَنَّ عِلَاقَةَ سَوْطِي وَقِبَالَ نَعْلِي حَسَنٌ، فَهَلْ يُرْهَبُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قَالَ أَجِدُهُ عَارِفاً لِلْحَقِّ، مُطْمَئِنّاً إِلَيْهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالْكِبْرِ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ تَتْرُكَ الْحَقَّ وَتَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ (وَتَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ)، وَلَا تَرَى أَنَّ أَحَداً عِرْضُهُ كَعِرْضِكَ، وَلَا دَمُهُ كَدَمِك"3.
 
2- عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْكِبْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً وَفِعْلُهُ حَسَناً، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ"4.



1 الصحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام في وداع شهر رمضان.
2 سورة غافر، الآية 60.
3 مستدرك الوسائل، ج12، ص 34.
4 (م.ن), ج12، ص 33.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

91

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 الدّرس الثامن: التكبّر (3)  - منشأ الكبر وأسبابه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح كيفيّة تشكّل الشّخصيّة المتكبّرة.
2- يبيّن علاقة ضعف النّفس والعقل وضيق الصدر بالكبر.
3- يبيّن كيف يؤدّي احتجاب الفطرة والحسد إلى الكبر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

92

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 تمهيد

إنّك لن تجد مؤمنًا واحدًا يقبل أن يكون متّصفًا بالكِبْر، وكيف يقبل وهو يسمع قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾1. لكنّ خفاء بعض مراتب الكِبر من جهة، والتّساهل بشأن مراقبة النّفس ومحاسبتها من جهةٍ أخرى، يعميان الإنسان المتديّن عن حالةٍ من شأنها أن تقضي على دينه وإيمانه. إلّا أنّ هناك أمران أساسيّان يعينان بصورةٍ كبيرةٍ على ملاحظة هذه الرّذيلة الاخلاقيّة وملاحقتها، ومَن التفت إلى هذين الأمرين فقد حصل على نورٍ ينفذ به إلى أعماق نفسه.
 
الأوّل: إنّ جوهر التكبّر ومنبعه هو الاعتقاد بأنّ النّفس هي منشأ الكمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾2، فكلّ من اعتقد في نفسه أنّه نال هذا الفضل أو الكمال أو الخير بجهده و(شطارته) وتدبيره، فقد أسّس في قلبه لهذا المرض الخبيث.
 
إنّ التكبّر على عباد الله في أيّ مجال من المجالات يحصل من خلال المقارنة ورؤية جهة الأفضليّة في النّفس. والإنسان العاقل لا يمكن أن يرى لنفسه فضلًا على غيره في أمرٍ ليس له بالذّات. فما لم يعتقد بأنّ هذا الكمال من عند نفسه لن ينتقل إلى المقارنة فضلًا عن المفاضلة.



1 سورة الزّمر، الآية60.
2 سورة الزّمر، الآية 49.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

 


93

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 الثّاني: ما ورد في بعض الأحاديث الشّريفة بأنّ خلوّ الإنسان من الكبر يحصل عندما يصل إلى مرحلة لا يرى نفسه أفضل من أشرّ النّاس. من وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر (رض) قال: "يَا أَبَا ذَرٍّ لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى النَّاسَ فِي جَنْبِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْثَالَ الْأَبَاعِرِ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ هُوَ أَحْقَرَ حَاقِرٍ لَهَا"1. وبهذه الطّريقة وعندما يجعل الإنسان نفسه أشرّ وأحقر من أسوأ النّاس (كالطواغيت والمجرمين العتاة) فكيف يمكن أن يتكبّر؟!

 
ولكن كيف يمكن للإنسان، وهو يرى نفسه مؤمنًا وصاحب علم، ويرى الآخر كافرًا منغمسًا بالرّذيلة، أن يقتنع بأنّه أشرّ وأسوأ حالًا منه؟! وكيف نطلب من الناس هذا الأمر؟
 
الجّواب سهلٌ وبسيط. إنّ من آمن بأنّ كلّ حسنة وخير وكمال هو محض التفضّل من الله تعالى، وآمن بأنّ القبيح يكون أقبح كلّما قرُبت منزلة الإنسان وارتقت، لن يستبعد ما قيل.
 
وفيما يلي نذكر أهم مناشئ التكبر وأسبابه:
توهّم الكمال في النّفس
إنّ توهّم الكمال تارة ًيكون من حيث السّبب والمنشأ (حيث ينسب المرء ذلك إلى نفسه جهلًا)، وتارةً من حيث الكمال نفسه (فيتوهّم أنّ هذا الشيء كمال، ولا يكون كذلك). كما أنّ من احتجب عن إدراك الكمال المطلق سيعتبر أيّ كمالٍ يراه ولا يرى فوقه كمالًا أنّه الكمال النهائيّ، فيبعث ذلك في نفسه حالة من العجب تقوده إلى التكبّر على غيره. فقد يكتشف عالمٌ قانونًا عامًّا في الفيزياء يهيمن على جميع القوانين، فيظنّ أنّه صار الأعلم في زمانه، ثمّ يأتي من يبيّن خطأ نظريّته.
 
فالكبر، وهو الاستعلاء الباطنيّ، ينشأ من عمليّة التفاضل في الكمال مع نسبة ذاك الكمال إلى النّفس على نحو الاستقلال. وإذا لم تتمّ مواجهته بالتفكّر والتّواضع ينتقل إلى الفعل والتصرّف، فيظهر التكبّر.



1 بحار الأنوار، ج74، ص83.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

94

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 يقول الإمام قدس سره: "إنّ سبب الكبر إنّما هو تصوّر وجود كمال موهوم، والابتهاج بذلك والعُجب به، ورؤية الآخرين خلواً منه1... وهذه الصّفة هي غير العُجب، بل هي كما سبق قوله، صفة رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب"2.

 
"إنّك تتوّهم أيّها المسكين، أنّك من أهل الله وأهل معرفته تعالى، وهذا الوهم بحدِّ ذاته من تلبيسات النّفس والشّيطان، وأغفلك عن ربّك، وأقنعك بحفنة من المفاهيم والألفاظ البرّاقة، فأنت ـ في مقام العلم ـ تلهج بالحديث عن التجلّيات الذّاتيّة والأسمائيّة والأفعاليّة للحقّ تعالى، وتقول: إنّ العالم برمّته منه، وجميع الموجودات جلواته تعالى، لكنّك ـ في مقام العمل ـ تشارك الشّيطان في عمله، وتتكبّر على بني آدم، وهذا تكبّرٌ على الحقّ تعالى عند أهل المعرفة"3.
 
الضّعة والذلّ في النّفس
لا ينشأ التّكبّر دائمًا من الكبر، بل قد ينشأ من رؤية الضّعة والذلّ في النّفس. يخفي بعض النّاس عيوبهم أو ضعفهم من خلال التصرّفات المتكبّرة، وإنّما يحصل هذا الأمر من عقدة الحقارة الكامنة فيهم.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "اعلم أنّه من الممكن أحيانًا أن يتكبّر فاقد الكمال على واجد الكمال، كأن يتكبّر الفقير على الغنيّ والجاهل على العالم"4.
 
صغر العقل
من رأى نفسه مستقلّة التأثير، منعه ذلك من معرفة التّوحيد الأفعاليّ والإيمان بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وهذا ما يدفعه إلى نسبة الكمال إلى نفسه وإلى إيجادها الاستقلاليّ.
 
ومن رأى نفسه مستقلّة بالكمال أحبّها استقلالًا، لا كمخلوقٍ إلهيّ... وعلامة هذا الحبّ المعبّر عنه بالأنانيّة أن لا يحب الكمال الصّادر من غيره.



1 الأربعون حديثًا، ص 109.
2 (م.ن), ص 103.
3 جنود العقل والجهل، ص307 - 380.
4 الأربعون حديثًا، ص 126.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

95

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 ومن أحبّ نفسه سارع إلى تفضيلها على غيرها، وهذا هو الكبر. أمّا صاحب العقل المنوّر، فإنّه سيدرك انحصار الوجود وكمال الوجود بذات واحدة عالمة حيّة قديرة، فكيف ينسب الخير إلى نفسه؟!

 
ولو غفل عن هذه الحقيقة لغلبة الشّهوة أو الوهم، سارع إلى مجاهدة هذه النّفس لما علمه من سوء عاقبة الكبر والاستعلاء.
 
يقول الإمام قدس سره: "إنّ من كان جهله أكبر وعقله أصغر كان تكبّره أكثر1... وعلى كلّ حال، يُعتبر ضيق أُفق الفكر وانحطاط القابليّة من أهمّ عوامل الكِبرٍ، لذلك فمن يتّصف بهذا يتأثّر بالأمور التي ليست من الكمال، أو ليست من الكمالِ اللائق، تأثّرًا شديدًا يدفع به إلى العُجْب والكبر. وكلّما كثر حبّه للنّفس وللدّنيا، ازداد تأثّرًا بهذه الأمور"2.
 
ويقول في موضعٍ آخر: "اعلم أنّ من عوامل التكبّر، فضلًا عمّا سبق ذكره من الأسباب، هو صغر العقل... فالإنسان لضيق أُفقه ما إن يجد في نفسه خصلة مميّزة حتى يتصوّر لها مقامًا ومركزًا خاصًّا. ولكنّه لو نظر بعين العدل والإِنصاف إلى كلّ أمر يتقنه وكلّ خصلة يتميّز بها، لأدرك أنّ ما تصوّره كمالًا يفتخر به ويتكبّر بسببه، إمّا أنّه ليس كمالًا أصلًا، وإمّا أنه إذا كان كمالًا فإنّه لا يكاد يساوي شيئًا إزاء كمالات الآخرين، وأنّه كمن صفع وجهه ليحسب النّاس احمرار وجهه نتيجة النّشاط والحيويّة، كما قيل: "اِسْتَسْمَنَ ذا وَرَمٍ"3.
 
احتجاب الفطرة
"إنّ التكبّر والتملّق هما من لوازم احتجاب الفطرة، لأنّ الإنسان إذا حجبته حجب النّفس عن فطرته السّليمة، وسيطر عليه حبّ النّفس والتّوجّه لها، أخذ يسجّل لنفسه، بدافع حبّها، الكثير من الكمالات، غافلًا عن مبدأ الكمالات، مستصغرًا الآخرين، إذا لم يجد عندهم ما يثير طمعه المادي، ومعظّمًا لهم إذا وجد فيهم ما يطمع به، فيتكبّر على الضّعفاء، ويتملّق لأهل الدنيا الذين يطمع بما عندهم. وفي هذه الحال تصبح الفطرة التي هي وسيلة سيره إلى 



1 الأربعون حديثًا، ص 122.
2 (م.ن), ص 118.
3 (م.ن), ص 114 - 115.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

96

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

الله، والتي تدعوه إلى التّواضع للحقّ والخلق، تصبح بعد احتجابها وسيلة سيره إلى الشّيطان والتوجّه لعالم الطبيعة، وتدفعه إلى التكبّر على النّاس حينًا والتملّق لهم حينًا آخر"1.

 
ضعف القابليّة وضيق الصّدر
"إنّ حبَّ النّفس والنّظر إليها نتيجةً لضيق الصّدر من جهة، وعلّة لزيادته من جهّة أخرى، وهذا هو منشأ التكبّر، لأنّ ضعف القابلية وضيق الصدر يجعلان المبتلى بهما يستعظم كلَّ ما يراه في نفسه، ويتفاخر ويتكبّر به، لكنّه في الوقت نفسه يكون على استعداد لممارسة أشكال التذلّل والتملّق لأهل الدنيا، سعياً لتحقيق مطالب نفسه بحكم كونه أسيراً لحبّها"2.
 
الحسد
إنّ الحسد - الذي سنتحدّث عنه في فصولٍ لاحقة بالتّفصيل - يمنع الإنسان من تحمّل نعمة أو كمال في المحسود، فيدفعه هذا الحسد إلى التنكّر وعدم الاعتراف به. وقد يشتدّ أمر الحسد هذا إلى الدّرجة التي تجعل الحاسد يقوم بتصرّفات استعلائيّة للحطّ من قدر هذا الكمال أو تلك المزيّة في المحسود. يقول الإمام قدس سره: "ولا بُدَّ أن نعرف أنّه مثلما كان العُجب أحيانًا مدخلًا للتكبّر، فإنّ الحسد قد يصبح أيضًا مدخلًا إليه. فالإنسان الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم يصير سببًا لكي يتكبّر عليه، ويسعى جهده لإذلالهِ وإهانته"3.
 
حبّ الدنيا
إنّ حبّ الدّنيا الذي يدفع الإنسان إلى طلبها والوصول إليها باعتبارها غاية وهدفًا يغذّي في الإنسان تلك التصرّفات الاستكباريّة، ويختلط عنده أمر التّواضع والتكبّر، فهو إنسان متكبّر في صورة تواضع.



1 جنود العقل والجهل، ص320 - 321.
2 (م.ن), ص305.
3 الأربعون حديثًا، ص 126.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

97

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 يقول الإمام قدس سره: "وقد تظهر هذه الصّفة في بعض أهل العلم، مبرّرًا أنّ التّواضع أمام الأغنياء غير محمود، وتقول له نفسه الأمّارة بالسّوء: إنّ التّواضع للأغنياء منقصة للإيمان. إنّ المسكين لا يميّز بين التّواضع لغنيّ من أجل غناه والتّواضع لغير ذلك. فمرّة يتواضع الإنسان مدفوعًا برذيلة حبّ الدنيا والانجذاب نحو طلب الجّاه والمقام، فليس هذا من خلق التّواضع في شيء، بل إنّه المداهنة والملق، وإنّه من الرّذائل النّفسيّة، وصاحبها لا يتواضع للفقراء، إلاّ إذا طمع فيهم بشيء أو أراد منهم شيئًا"1.

 
ويذكر الإمام عوامل أخرى كقلّة الصّبر وضعف التحمّل. وهكذا تجتمع هذه العوامل مرّة أخرى لتشكّل أرضيّة خصبة لنشوء هذه الصّفة الخبيثة ونموّها واستفحالها.
 
وتنبغي الإشارة إلى أنّ التكبّر ـ كفعلٍ خارجيّ ـ ليس بمذموم إلّا إذا كان على أهل الحقّ والخير والكمال الواقعيّ. أمّا إذا كان على المتكبّرين فهو مطلوبٌ وممدوح، وفي بعض الحالات يصبح واجبًا، حتّى قيل إنّ التكبّر على المتكبّر تواضع. إلا أنّه يبقى في الفعل، فلا يمكن أن يكون المؤمن في نفسه وقلبه متكبّرًا، فهو متصنّعٌ للتكبّر حيث ينبغي. وبعض النّاس يخلطون بين هذه الحالات، ويظنّون أنّ التكبّر على أهل الجاه والغنى لازم، لكنّهم يخفون في صدورهم ما هو أدهى.
 
لهذا يقول الإمام قدس سره: "أمّا تحقيرك لأهل الجّاه والغنى والتكبّر عليهم، فلا يعني أنّك لست متملّقا، بل يعني أنّك حسود، وتكون في الوقت نفسه على خطأ، ولهذا إذا رأيتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقّع، تتواضع لهم وتخفض لهم جناحك"2.



1 الأربعون حديثًا، ص 127.
2 (م.ن), ص 127.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

98

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 المفاهيم الرئيسة

1- من الممكن أن يعمى على الإنسان وجود الكبر في نفسه وذلك بسبب خفاء بعض مراتبه أو لتساهله بمراقبة نفسه.

2- منشأ الكبر وأسبابه:
- توهّم الكمال في النفس: تارة يكون من حيث السّبب والمنشأ (حيث ينسب المرء ذلك إلى نفسه جهلًا)، وتارةً من حيث الكمال نفسه (فيتوهّم أنّ هذا الشيء كمال، ولا يكون كذلك). كما أنّ من احتجب عن إدراك الكمال المطلق سيعتبر أيّ كمالٍ يراه ولا يرى فوقه كمالًا أنّه الكمال النهائيّ، فيبعث ذلك في نفسه حالة من العجب تقوده إلى التكبّر على غيره.

- الضّعة والذلّ في النّفس: حيث يخفي بعض النّاس عيوبهم أو ضعفهم من خلال التصرّفات المتكبّرة، وإنّما يحصل هذا الأمر من عقدة الحقارة الكامنة فيهم.

- صغر العقل: يجعل الإنسان يرى نفسه مستقلّة التأثير، وهذا ما يدفعه إلى نسبة الكمال إلى نفسه وإلى إيجادها الاستقلاليّ فيحبّ نفسه، ومن أحبّ نفسه لا يحب الكمال الصّادر من غيره، وسارع إلى تفضيلها على غيرها، وهذا هو الكبر.

- احتجاب الفطرة: إذا احتجبت الفطرة وسيطر على الإنسان حبّ النّفس أخذ يسجّل لنفسه الكثير من الكمالات غافلًا عن مبدأ الكمالات، مستصغرًا الآخرين فيتكبّر عليهم.

- ضعف القابليّة وضيق الصّدر: يجعلان المبتلى بهما يستعظم كلَّ ما يراه في نفسه، ويتفاخر ويتكبّر به.

- الحسد: يمنع الحاسد من تحمّل كمال أو نعمة في المحسود ويمكن أن يصل هذا لأمر إلى درجة أنّه يقوم بتصرّفات استعلائيّة من أجل الحطّ من قدر الكمال الذي في المحسود.

- حبّ الدّنيا، وقلّة الصّبر وضعف التحمّل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

99

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"فَقُلْتَ اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ، وَقُلْتَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ، ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقُلْتَ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَتَرْكَهُ اسْتِكْبَاراً، وَتَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ فَذَكَرُوكَ بِمَنِّكَ، وَشَكَرُوكَ بِفَضْلِكَ، وَدَعَوْكَ بِأَمْرِكَ، وَتَصَدَّقُوا لَكَ طَلَباً لِمَزِيدِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ نَجَاتُهُمْ مِنْ غَضَبِكَ، وَفَوْزُهُمْ بِرِضَاكَ"1.
 
الروايات الشريفة:
1- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ما تكبّر إلّا وضيع"2.
 
2- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالأمْسِ نُطْفَةً، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةً"3.
 
3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "فَاللهَ اللهَ في كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَفَخْرِ الْجَاهلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ الشَّنَآنِ وَمَنَافِخُ الشَّيْطانِ، اللاِتي خَدَعَ بِهَا الأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، والْقُرُونَ الْخَالِيَةَ، حَتّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَمهَاوِي ضَلاَلَتِهِ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ، أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ، وَتَتَابَعَتِ الْقُرونُ عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ"4.
 
4- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "اَعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ، لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ، كَلَّا مَا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً. إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ"5.
 
5- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "مَا حَرَسَ الله عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الاْيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تسْكِيناً لأطْرَافِهِمْ، وَتَخْشِيعاً لأبْصَارِهمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، لِما فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالأرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالمُتونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الأرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ. انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هذِهِ الأفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ"6.



1 الصحيفة السجادية، دعاؤه عليه السلام في وداع شهر رمضان.
2 غرر الحكم، ص 310.
3 غرر الحكم، ص 310.
4 الكافي، ج2، ص 328.
5 (م.ن)، 287.
6 نهج البلاغة, ص 295.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

100

الدّرس الثامن: التكبّر (3) - منشأ الكبر وأسبابه

 6- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ دَوَاع إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ، وَالشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِىءِ الْعُيُوبِ"1.




1 (م.ن), ص 540.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

101

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 الدرس التاسع: التكبر (4)  - علاج التكبّر



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الخطوات العلميّة والعمليّة للتخلّص من الكبر.
2- يبيّن أهميّة ودور محبّة الله والتمسّك بالأولياء الكمّل والتّأسّي بهم في التخلّص من الكبر.
3- يشرح كيف تساهم معرفة النّفس في التخلّص من الكبر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

102

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 تمهيد

قد يختبئ الشّيطان ويختفي خلف قناع النّصيحة والثّقافة العامّة، فنجده يلقي أنّ العلم والمعرفة لا قيمة لها في عالم الأخلاق، لأنّ الأخلاق كلّها عمل. وبهذه الطّريقة يتمكّن من ترسيخ الجهل الذي هو أساس جميع الرّذائل وأصل كلّ الخطايا.

إنّ للمعرفة دورًا مصيريًّا في حسم معركة جهاد النّفس الأمّارة. وصحيح أنّ العلم لوحده لا يكفي، لكنّه غالبًا ما يؤدّي إلى تفعيل المجاهدة بصورةٍ رائعة، وخصوصًا في أصحاب النّفوس الطيّبة التي لم تُجبل بطينة الخبث والشّرك.

وهنا يبرز السّؤال الكبير، فما هي المعارف التي لو اطّلع عليها الناس لهبّوا لتهذيب نفوسهم وتزكيتها. وكيف يمكن أن نوجد لأنفسنا مثل هذه الفرصة العظيمة لنتزوّد من المعارف الملهمة التي توقظ القلوب من غفلتها.!

كيف نتخلّص من مرض الكبر الخطير؟
1- العلاج العلمي للكبر
يطرح الإمام عدّة أمور تؤثّر بشكل كبير في تطهير القلب من الكبر. وينبغي أن نتوجّه إلى دور كلّ واحدٍ منها في اقتلاع هذا المرض والقضاء عليه، منها:

2- معرفة الله وحبّه
لمّا كان الكبر مرَضًا قلبيًّا، وكان كلّ مرضٍ قلبيّ ناشئًا من سوء العقيدة وضعف الإيمان، كان اللازم في عمليّة الإصلاح التّركيز على الجّانب المعرفيّ وشدّة حضوره في القلب والنّفس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

103

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 إنّ القلب محلّ الاعتقادات، وفيه تنمو وتشتدّ لتصبح إيمانًا، وتتدرّج في مراتبه لتصبح طمأنينةً، ثم تشتدّ وتشتدّ حّتى تصبح برهانًا مرئيًّا وشهودًا عيانيًّا، وبوصول صاحب الإيمان إلى هذه المرتبة الإدراكيّة يستحيل أن يصدر منه أي شرّ، لأنّه يرى الذّنب والمعصية على قبحها الواقعيّ، فهل رأيت عاقلًا يُقبِل على أكل جيفة؟!

 
وعندما يسلك المؤمن طريق المعرفة، ويسمح لأنوارها بالاستيلاء على قلبه (بتأمين طهارته) فإنّ هذه المعرفة ستنتج كلّ خير وكمال، فضلًا عن التخلّص من جميع الرّذائل والكدورات. وعندما تكون الفطرة في الإنسان حاضرة ونداؤها قويًّا، فإنّه سينجذب إلى الكمال حال معرفته أو شهوده. ولهذا، عندما تجتمع طهارة النّفس مع قوّة المعرفة الحاصلة من صفاء العقل والاتّصال به، لن تكون النّتيجة سوى حبّ الله. وإذا استولى حبّ الله على القلب ذهل عن النّفس والأنا والغير وكل ما سوى. هناك سيرى كلّ شيء مظهرًا لجمال الله، ويقول: أنا للعالم عاشقٌ، إذ الكون منه أجمع.
 
يقول الإمام قدس سره: "اعلم أنّ أسباب التواضع والتكبُّر وموجباتهما كثيرة، منها شرح الصدر وضيقه، فالمتحلّي بشرح الصدر لا يولي أهميّةً لما يراه في نفسه من كمال وجمال ومال ونفوذ وحشمة، ولا يستعظمه، لأنّ سعته الوجوديّة كبيرة إلى درجة تجعله يتغلّب على جميع الورادات القلبيّة، فلا يضيق وعاؤُهُ الوجوديّ بشيءٍ. وهذه السّعة في الصّدر وليدة معرفة الحقّ تعالى، وهي التي توصل قلوب المتألّهين للأنس بالله إلى مقام الإطمئنان والسكينة والطمأنينة1. إنّ مبادىء جميع الكمالات ترجع إلى معرفة الله والتحرّر من أسر النفس، في حين أنّ حبَّ النفس والنظر لها هو منشأ كلّ النقائص والسيئآت.
 
... إنّ معرفة الله تؤدّي إلى حبّه عزَّ وجلّ، فإذا اكتمل هذا الحبّ تحرّر هذا الإنسان من أسر نفسه، فإذا تحرّر منها تحرّر من أسر العالم كلّه، وتخلّص من الطّمع في نفسه وفي غيره، وتطّهر من رجز الشّيطان ورجز الطّبيعة، وأشرق النّور الأزليّ في باطن قلبه، وانتقل منه إلى ظاهره وجوارحه، فنوّر جميع أفعاله وأقواله، وجعل كلّ قواه وجوارحه إلهيّةً ونورانيّةً، فيكون في الوقت ذاته متواضعًا للجّميع، ممتنعًا عن التملّق لأحدٍ، فلا يتطلّعُ بعين الطّمع إلى ما عند أحد من الخلق، ولا يرجو شيئًا ممّا في أيديهم"2.



1 جنود العقل والجهل، ص 304.
2 (م.ن)، ص304.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

104

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 3- ذكر الله

"واعلم أنّ ذكر الله تعالى يجعل القلب مُعرِضًا عن جميع منازل الطّبيعة ومظاهرها، بل ويجعل العالم كلّه بما فيه عدمًا لا قيمة له في عينه، فلا يتعلّق بشيءٍ منه، بل ينحصر تعلّقه بالحقّ تعالى وحده، حتّى تبلغ همّته مرتبةً من العلّو لا يقيم معها وزنًا لجميع عوالم الوجود، وعندها لا تضعف همّته بسبب الواردات القلبيّة مهما كانت، فلا يستشعر الكِبْر في نفسه بسبب هذه الواردات. بل إنّه يستصغر كلّ شيء غير الحقّ تعالى وآثار جماله وجلاله، وهذه الحال بحدِّ ذاتها هي السّبب في تذلّله للّه عزّ وجلّ بالأصالة، ولخلقه بالتّبعيّة، لأنّه يرى الخَلْقَ من الحقّ تعالى. كما أنّ هذه الحال توجِدُ أيضًا عزّة النّفس وسعتها، لأنّ روح التملّق ناشئة من حبِّ النّفس والسّعي لاستجلاب النّفع لها، وهذه الحالُ معدومةٌ فيه. 
 
إذاً، فحبُّ الله تعالى يثمر سعة الصّدر، وهذه السّعة تولّد التّواضع وعزّة النفس"1.
 
4- معرفة النفس
من عرف نفسه وأدرك فقره وعجزه، بل لا شيئيّته، كيف يتكبّر على غيره؟! بل كيف يرى لها فضلًا أو خيرًا؟!
 
يقول الإمام قدس سره: "فيا أيّها الإنسان، الذي لم تكن شيئًا في أوّل أمرك، وكنت كامنًا دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو الأقلّ من العدم واللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم لمّا شاءتْ مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود فمن جرّاء قلّة قابليّتك النّاقصة وتفاهتك وضعتك وعدم أهليّتك لتقبّل الفيض، أخرجك من هيولى العالم ـ المادّة الأولى ـ التي لا تكون سوى القوّة المحضة والضّعف الصّرف، إلى صورة الجسميّة والعنصريّة، التي هي أخسّ الموجودات وأحطّ الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهّرت منها، ووضعك في منزلٍ ضيّقٍ رجسٍ هو خصيتي الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في رحم الأم، من مكان تنفر من ذكر اسمه. وحوّلك هناك إلى علقة ومضغة، وغذّاك بغذاء يزعجك سماع اسمه ويخجلك. ولكن بما أنّ الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليّتهم، زال الخجل "والبَلِيَّةُ إِذا عَمَّتْ طابَتْ".



1 جنود العقل والجهل، ص304.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

105

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 في كلّ هذه التطوّرات كنت أرذل الموجودات وأذلّها وأحطّها، عاريًا عن إدراكٍ ظاهريّ وباطنيّ، بريئًا من كلّ الكمالات، ثمّ شملتك رحمته وجعلك قابلًا للحياة، فظهرت فيك الحياة رغم كونك في أشدّ حالات النّقص، بحيث إنّك كنت أحطّ من الدّودة في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجيًّا قابليّتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن أصبحت جديرًا بالظّهور في محيط الدّنيا، أظهرك في هذه الدّنيا من خلال أشدّ المجاري ضعةً، وفي أوطأ الحالات، وأنت أضعف في الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن منحك بقدرته قواك الظاهريّة والباطنيّة، ما زلت ضعيفًا وتافهًا، بحيث إنّ أيًّا من قواك ليست تحت تصرّفك، فلست بقادر على المحافظة على صحّتك، ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة أو انتابك مرض فلست بقادرٍ على دفعهما عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرّفك شيء من ذلك، لو جعت يومًا لتنازلت حتّى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أيّ ماءٍ آسنٍ. وهكذا أنت في شؤونك الأخرى، عبدٌ ذليلٌ مسكينٌ لا قدرة لك على شيء. ولو قارنت حظّك من الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات، لوجدت أنّك وكلّ الكرة الأرضيّة، بل وكلّ المنظومة الشّمسيّة، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسميّ الذي هو أدنى العوالم وأصغرها... هذه شؤون حياتك وحياتي، وهذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود.


أمّا عالم برزخك، فإنّك إن انتقلت من هذه الدنيا ـ لا سمح الله ـ قبل أن تصلحه، فالله يعلم كيف تكون صورتك، وكيف تكون أحوالك، إذ إنّ قوى الإدراك في هذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى أو تشمّ شيئًا من ذلك العالم. إنّ ما تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه إنّما تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ووحشة وضيق، مع أنّ هذا القياس وهذه المقارنة باطلة. نسأل الله أن ينجينا ممّا أعددنا لأنفسنا بأنفسنا!

... أمّا حال جهنّم التي تكون بعد يوم القيامة فأمرها معلوم أيضًا. إنك تسمع أخبارًا عن جهنّم! إنّ النّار ليست وحدها عذاب جهنّم. فلو أنّ بابًا منها انفتح على عينيك وعلى هذا العالم لهلك أهلها خوفًا. وكذلك لو انفتح بابٌ آخر على أُذنيك، وآخر على خياشيمك، لو أن أيًّا منها فتح على أهل هذا العالم لهلكوا جميعًا من شدّة العذاب. يقول أحد علماء الآخرة:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

106

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 مثلما أنّ حرارة جهنّم أشدّ ما تكون، كذلك برودتها أشدّ ما تكون، والله تعالى قادر على أن يجمع الحرارة والبرودة. هكذا هي نهاية حالك.

 
إذاً، فالذي أوّله عدم غير متناهٍ، وهو منذ أن يضع قدمه في الوجود تكون جميع تطوّراته قبيحة وغير جميلة، وكلّ حالاته مخجلة، وكلّ من دنياه وبرزخه وآخرته أفجع من الأخرى، بم يتكبّر؟ بأيّ جمال أو كمالٍ يتباهى؟"1.
 
5- التّمسّك بأولياء الله الكمّل
إنّ أولياء الله الذين مثّلوا المرتبة الأعلى في الاتّصاف بصفات الكمال، والذين هم المظهر الأتمّ الأكمل لآيات الله تعالى، يمحقون بنور جمالهم كلّ كمالٍ آخر. ولهذا، كانت معرفتهم أفضل وسيلة لتنزيه النّفس عن الكبر والفخر والعجب. يقول الإمام الخميني قدس سره:
 
"النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الإلهيّ، وكانت روحه من العظمة بحيث إنّها بمفردها غلبت نفسيّات كلّ البشر، إنّ هذا النبيّ قد وضع جميع العادات الجّاهليّة والأديان تحت قدميه، ونسخ جميع الكتب، واختتم دائرة النبوّة بشخصه الكريم، وكان هو سلطان الدّنيا والآخرة والمتصرّف في جميع العوالم بإذن الله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله أكثر من أيّ شخصٍ آخر. كان يكره أن يقوم له أصحابه احترامًا، وإذا دخل مجلسًا لم يتصدّر، ويتناول الطّعام جالسًا على الأرض، قائلًا: "إنّني عبدٌ، آكل مثل العبيد، وأجلس مجلس العبيد"2.
 
"... فيا أيّها العزيز، إذا كان التكبّر بالكمال المعنويّ، فقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام أرفع شأنًا، وإذا كان بالرّئاسة والسّلطان، فقد كانت لهما الرّئاسة الحقّة، ومع ذلك كانا أشدّ الناس تواضعًا. فاعلم، أنّ التّواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجّهل وانعدام المعرفة، فامسح عن نفسك عار الجّهل والانحطاط، واتّصف بصفات الأنبياء، واترك صفات الشّيطان، ولا تنازع الله في ردائه ـ الكبرياء ـ فمن ينازع الحقّ في ردائه فهو مغلوبٌ ومقهورٌ بغضبه، ويُكَبُّ على وجهه في النار3.



1 الأربعون حديثًا، ص 121 - 122.
2  (م.ن), ص 122.
3 (م.ن), ص 122 - 123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

107

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 ... لقد نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبّ أن يركب الحمار من دون سرج، وأن يتناول الطّعام مع العبيد على الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه. كان ذلك الإنسان العظيم يركب الحمار مع غلامه أو غيره، ويجلس على الأرض مع العبيد، وفي سيرته أنّه كان يشترك في أعمال المنزل، ويحتلب الأغنام، ويرقع ثيابه، ويخصف نعله بيده، ويطحن مع خادمه ويعجن، يحمل متاعه بنفسه، ويجالس الفقراء والمساكين، ويأكل معهم. هذه وأمثالها، نماذج من سيرة ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنّه فضلًا عن مقامه المعنويّ كان في أكمل حالات الرّئاسة الظّاهريّة. وهكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ كانت سيرته من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم"1.

 
العلاج العملي للكبر
بالإضافة إلى ما مرّ، فإنّ هذه المعرفة تحمل الإنسان على تصرّفات وسلوكيّات تقمع فيه حالة التّرفّع على غيره، بواسطة التواضع والتذلّل:
 
أ- من خلال العبادة:
وأعظم الأعمال وأشدّها تأثيرًا هي تلك العبادة التي بُنيت على التذلّل والخضوع والخشوع، كالصّلاة والحجّ.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "الصلاة هي جوهر التّواضع والخشوع، ولبّها هو هجران النّفس، والسّفر إلى الله فهي معراج المؤمن"2.
 
ب. السّير وفق سيرة المتواضعين:
 
في العلاج العمليّ يتواضع الإنسان على من كان يتكبّر عليه، يخدمه مثلًا... ويقدّمه على نفسه، يثني عليه، خاصّة في غيابه، يعترف له بالفضل، وهكذا... يلجأ إلى أساليب التّواضع الموجودة، سواء ما يتعلّق بالجّلوس أو الكلام أو الحركات أو السّكنات، وكلّ ذلك من باب تعظيم الطّرف الآخر. التّواضع لا يعني فقط وضع النّفس، لكنّ الأساس هو تعظيم الطّرف الآخر. وبالطّبع ينبغي أن يكون التّعظيم بحسب شأن كلّ إنسان.



1 الأربعون حديثًا، ص 122.
2 جنود العقل والجهل، ص 77.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

108

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 يقول الإمام قدس سره: "وإذا عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه العمليّ أمرٌ يسير مع شيء من المثابرة، وإنّه طريقٌ لو اتّصفت بهمّة الرّجال وحرّية الفكر وعلوّ النّظر، فلن تصادفك أيّة مخاطر. فإنّ الأسلوب الوحيد على النّفس الأمّارة، وقهر الشّيطان، ولاتّباع طريق النّجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما. إنّه لا يوجد سبيل أفضل لقمع النّفس من الاتّصاف بصفة التّواضع ومن السّير وفق سيرة المتواضعين، فحيثما درجة التكبّر عندك، ومهما تكن طريقتك في العلم والعمل، فاعمل قليلًا بخلاف هوى نفسك، فإنّ مع الالتفات إلى الملاحظات العلميّة تجاه التّكبّر، والانتباه إلى النّتائج المطلوبة. إذا رغبت بأن تتصدّر المجلس متقدّمًا على أقرانك، فخالفها، واعمل عكس ما ترغب فيه. وإذا كانت نفسك تأنف من مجالسة الفقراء والمساكين، فمرِّغ أنفها في التراب وجالسهم، وآكلهم، ورافقهم في السّفر، ومازحهم، وقد تجادلك نفسك، فتقول لك: إنّ لك مقامًا ومنزلةً، وإنّ عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج الشّريعة والعمل في سبيلها، فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب، وإنّ المزاح مع مَنْ هو دونك، يقلّل من عظمتك، وجلوسك في ذيل المجلس يحطّ من هيبتك، فلا تقدر أن تؤدّي واجبك الشرعيّ على خير وجه! اعلم، أنّ هذه كلّها من مكائد الشيطان والنّفس الأمّارة، لقد كان مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا، من حيث الرّئاسة والمركز أرفع منك، ومع ذلك كانت سيرته هي التي قرأت عنها وسمعت بها"1.

 
وهكذا قد يضبط الإنسان سلوكيّاته بالكامل في مرحلة المعالجة بحيث لا يصدر منه أيّ عمل فيه تكبّر، بل قد يُشتهر بالتّواضع بين النّاس، بالرّغم من بقاء شيء من الكبر في صدره. لكن إذا أهمل الإنسان ما في قلبه، فإنّه سيعود مجدّدًا للظّهور في سلوكيّاته. ولا شكّ بأنّ ظهور المرض في السّلوك يدل على استفحاله ووصوله إلى الدّرجة الخطيرة. ولو فرضنا أنّ الإنسان استطاع أن يتصرّف تصرّف أهل التواضع، وإن بقي في قلبه كبر، فقد يطهر منه في البرزخ وعند الموت. فالمطلوب بشكلٍ أساسيّ هو أن لا يستفحل المرض ويظهر في السّلوكيّات. إنّ حرص الإنسان على أن لا يظهر ما في باطنه من مرض، لهو دليلٌ على بغضه لهذا المرض، وهذا البغض بذاته لهو أعظم مطهّر.



1  الأربعون حديثًا، ص 123.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

109

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 المفاهيم الرئيسة

1- العلاج العلمي للكبر:
- معرفة الله وحبّه: عندما تجتمع طهارة النّفس مع قوّة المعرفة الحاصلة من صفاء العقل والاتّصال به، لن تكون النّتيجة سوى حبّ الله. وإذا استولى حبّ الله على القلب ذهل عن النّفس والأنا والغير وكل ما سوى.

- ذكر الله: يجعل القلب مُعرِضًا عن جميع منازل الطّبيعة ومظاهرها، بل ويجعل العالم كلّه بما فيه عدمًا لا قيمة له في عينه، فلا يتعلّق بشيءٍ منه، بل ينحصر تعلّقه بالحقّ تعالى وحده، حتّى تبلغ همّته مرتبةً من العلّو لا يقيم معها وزنًا لجميع عوالم الوجود، وعندها لا تضعف همّته بسبب الواردات القلبيّة مهما كانت، فلا يستشعر الكِبْر في نفسه بسبب هذه الواردات.

- معرفة النفس: من عرف نفسه وأدرك فقره وعجزه، بل لا شيئيّته، كيف يتكبّر على غيره؟! بل كيف يرى لها فضلًا أو خيرًا؟!

- التّمسّك بأولياء الله الكمّل: إنّ أولياء الله الذين هم المظهر الأتمّ الأكمل لآيات الله تعالى، يمحقون بنور جمالهم كلّ كمالٍ آخر. ولهذا، كانت معرفتهم أفضل وسيلة لتنزيه النّفس عن الكبر والفخر والعجب.

2- العلاج العملي للكبر يكون من خلال:
- العبادة: وأعظم الأعمال وأشدّها تأثيرًا هي تلك العبادة التي بُنيت على التذلّل والخضوع والخشوع، كالصّلاة والحجّ.

- السّير وفق سيرة المتواضعين: يتواضع الإنسان على من كان يتكبّر عليه، يخدمه مثلًا... ويقدّمه على نفسه، يثني عليه، خاصّة في غيابه، يعترف له بالفضل، وهكذا. التّواضع لا يعني فقط وضع النّفس، لكنّ الأساس هو تعظيم الطّرف الآخر. وبالطّبع ينبغي أن يكون التّعظيم بحسب شأن كلّ إنسان.

3- إنّ حرص الإنسان على أن لا يظهر ما في باطنه من مرض، لهو دليلٌ على بغضه لهذا المرض، وهذا البغض بذاته لهو أعظم مطهّر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

110

الدرس التاسع: التكبر (4) - علاج التكبّر

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"وَإنَّ أَحَبَّ عِبَادِكَ إِلَيْكَ مَنْ تَرَكَ الاِسْتِكْبَارَ عَلَيْكَ، وَجَانَبَ الإِصْرَارَ، وَلَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ، وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ أَسْتَكْبِرَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُصِرَّ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَأَسْتَعِينُ بِكَ عَلَى مَا عَجَزْتُ عَنْهُ"1.
 
الآيات الكريمة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "فَرَضَ الله الاْيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ"3.
 
2- عن الإمام علي عليه السلام: "كلّ متكبّر حقير"4.
 
3- عن الإمام علي عليه السلام: "لا يتعلّم من يتكبّر"5.
 
4. عن الإمام علي عليه السلام: "طلبت الخضوع فما وجدته إلا بقبول الحقّ، اقبلوا الحقّ، فإنّ قبول الحقّ يبعد من الكبر"6.
 
5. عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْـمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ"7.



1 الصّحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام في الاعتراف وطلب التّوبة.
2 سورة الأعراف، الآية 40.
3 نهج البلاغة، ص 512.
4 غرر الحكم، ص 310.
5 (م.ن)، ص 65.
6 مستدرك الوسائل، ج11، ص 192.
7 نهج البلاغة، ص 292.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

111

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
- يبيّن المعنى الدّقيق للحسد وما يميّزه عن الغبطة.
- يذكر كيف يتشكّل هذا المرض في النّفس.
- يتعرّف إلى مخاطر الحسد ودوره في تدمير البنية المعنويّة للإنسان والقضاء على الإيمان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

112

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 تمهيد

ها نحن ننشأ في هذه البيئة الاجتماعيّة الحافلة بالاختلافات والامتيازات. وتتفتّح أعيننا على وجود فقرٍ مدقعٍ وثراءٍ فاحشٍ في المجتمع الواحد بل وفي العائلة الواحدة، أحيانًا. نلاحظ الحرمان في كلّ مكان، وإلى جانبه هناك من يتمتّع بلذائذ الدّنيا وخيراتها بصورة مترفة، وهناك من تسنح له الفرص ويستغلّها فيجني من ورائها الكثير من المكتسبات، بينما نرى من لا عهد له بالنّجاح والتّوفيق!

يذهلنا المشهد العجيب لكلّ هذه التّناقضات، ونبدأ ونحن أطفالٌ صغار بالبحث والتّساؤل عن أسباب ذلك كلّه. وغالبًا ما يعجز مَن حولنا عن تقديم إجابة تبثّ فينا الطمأنينة وتعطي لأنفسنا الحائرة قرارًا، لا بل نراهم يشاركون في جوقة الشكوى والحيرة المشكّكة مستعملين أمثالًا شعبيّة كـ "الله لا يعطي الحلاوة إلا لمن لا ضرس له"، فلا يزيدنا هذا إلّا حيرةً وضياعًا. وها نحن مرّةً أخرى، وقد شارفت حياتنا على عتبة جديدة من تحمّل المسؤولية، وعلينا أن نشقّ طريقنا وسط هذا التّزاحم في الفرص والإمكانات. وفيما يلي نذكر ماهيّة الحسد وكيفيّة تشكّله في النّفس:
الإخفاق في تفسير الاختلافات
عندما نخفق أو نعجز عن الوصول إلى مبتغانا، نحزن وتنقبض صدورنا، وقد نلقي باللائمة على أولئك الأوغاد الذين حرمونا أو سدّوا علينا الطّريق.

ويومًا بعد يوم يتأكّد لنا أنّ الناس هم مشكلتنا. ولولا بعض هؤلاء لما كنّا نعاني ونتألّم! ويصبح أيّ صاحب حظّ سواء في المال أو في العلم أو في الدّين أو في الدّنيا عدوًّا أو خصمًا، وإن لم نظهر معاداته.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

113

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 تتنغّص حياتنا بمجرّد أن ننظر إلى نقائصنا ومحروميّتنا من جهة، وإلى من بلغ في الكمال الماديّ أو المعنويّ درجة من جهةٍ أخرى، وقد يتحوّل هذا الانزعاج إلى حالة دائمة.

 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ الحسد، حالة نفسيّة يتمنّى صاحبها سلب الكمال والنّعمة التي يتصوّرهما عند الآخرين، سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم يردها. وهذا يختلف عن الغبطة، لأنّ صاحب الغبطة يريد النّعمة التي توجد لدى الغير، أن تكون لنفسه، من دون أن يتمنّى زوالها عن الغير. وأمّا قولنا: "النّعمة التي يتصوّرها عند الآخرين" فنعني به أنّ تلك النّعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقيّة. فطالما تبيّن أنّ الأمور التي تكون بحدّ ذاتها من النّقائص والرذائل، يتصوّرها الحسود من النّعم والكمالات، فيتمنّى زوالها عن الآخرين. أو أنّ خصلة تعدّ من النّقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة الحيوانيّة فيراها كمالًا، ويتمنّى زوالها... إذًا، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النّفسيّة هو توهّم الكمال وتصوّر وجود النّعمة، لا النّعمة نفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقيّة كانت، أو موهومة ويتمنّى زوالها، يعدّ حسودًا"1.
 
هذا حال من ضيّق على نفسه، وحُرم من لطف ربّه. أمّا من أدرك رحمة الله ورآها قد وسعت كلّ شيء، فسوف يرى مشهدًا آخر، وشتّان ما بين المشهدين.
 
عدم إدراك حقيقة الكمال
من الأمور التي تستدعي تأمّلًا في هذه القضيّة موضوع علاقتنا مع الكمال، لأنّ الحاسد، وبسبب عدم فهمه للكمال، يُبتلى بالغرق في هذه الحالة المدمّرة. ولا شكّ بأنّ معنى الكمال وكل ما يتعلّق به، أو بعبارة أخرى، رؤية الإنسان لحقيقة الكمال وتجلّياته، تخضع بدرجة كبيرة للتّربية والعقائد والأفكار السّائدة في المجتمع الذي يترعرع فيه.
 
تؤثّر الأفكار الجاهليّة في تكوين تصوّرات خاطئة عن الكمال، فكم من أمرٍ قد نحسبه كمالًا وهو ليس كذلك، كالرّئاسة والجاه والشّهرة، فهي أمور اعتباريّة ليس لها أيّة قيمة على صعيد كمال الإنسان الحقيقيّ. فلو عاش إنسان في هذه الدّنيا طوال حياته مغمورًا مجهولًا، فإنّ هذا الوضع لن يكون له تأثيرٌ على مقامه عند الله وكرامته الحقيقيّة، ما دام يعبد الله ويطيعه.



1 الأربعون حديثًا، ص 131.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

114

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 ومن الكمالات التي يتوهّمها النّاس قضيّة الثّراء، فإنّ أكثر النّاس يعتقدون أنّ وجود مبالغ كثيرة من المال في خزانة فلان أو علّان تعطيه قدرة أو شرفًا، في حين أنّ الأمر ليس في الأرقام المسجّلة إلى جانب إشارة الدّولار أو ما شاكل، بل في حكمة هذا الثريّ وقدرته على استخدامها.

 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "أمّا من حيث حال المحسود، فمثل أن يُحْسد شخصٌ لما له من كمالات عقليّة، أو خصال حميدة، أو لما يتمتّع به من الأعمال الصّالحة والعباديّة، أو لأمور خارجيّة أخرى، مثل امتلاكه المال والجّاه والعظمة والاحتشام وما إلى ذلك، أو أن يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث كونها من الكمال الموهوم الموجود في المحسود"1.
 
والأسوأ من هذا أن نعتبر القبائح والهتك فضيلة وكمالًا، يقول الإمام قدس سره: "فهناك بين النّاس أشخاص يحسبون الفتك بالغير وسفك الدّماء موهبةً عظيمةً، فإذا شاهدوا من هو كذلك حسدوه. أو قد يحسبون سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات، فيحسدون صاحبها. إذاً، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النفسية هو توهّم الكمال وتصور وجود النعمة، لا النعمة نفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كان، أو موهومة ويتمنى زوالها، يعدّ حسوداً"2.
 
وأحد أخطر الأفكار وأشدّها تدميرًا لبنية الإنسان المعنويّة فكرة أنّ الكمال محدود، سواء من جهة القيمة أو المقدار. وكأنّ الكمال إذا أُعطي لإنسان سُلب من آخر. ويجري هذا المعنى بصورةٍ واسعة في القضايا الماديّة، كالثّروة والمال، حيث يعتقد أصحابه أنّ موارد الحياة محدودة. ومن الطبيعيّ أن ينشأ من هذا المعتقد اعتقادٌ آخر حول البقاء والسّعادة، كما هي العقيدة المالتوسيّة، التي برّرت الكثير من جرائم الاستعمار ونهبه.
 
وفي المقابل، لو آمن الإنسان بأنّ الكمال غير محدود، وأنّ عطاء الله غير محظور ولا مجذوذ، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾3، ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾4، لصار مستعدًّا لفهم مسألة، يُعدّ الإيمان بها أساس السّعادة والرّضا والحياة الطيّبة، وهي أنّ الكمال مهما توزّع



1 الأربعون حديثًا، ص 131 - 132.
2 (م.ن), ص 131.
3 سورة الإسراء، الآية 20.
4 سورة هود، الآية 108.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

115

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 وأفيض فإنّه لا ينقص. ولعلّ قول الإمام في الدّعاء المشهور: "يا من لا تزيده كثرة العطاء إلّا جودًا وكرما"1، أو الجملة الأخرى: "يا من لا تفني خزائنه المسائل"2. أفضل إشارة لهذه الحقيقة.

 
ويقدّم الإمام قدس سره تفسيرًا دقيقًا للعوامل التي تؤدّي إلى حالة الحسد في النّفس. بعض هذه العوامل يرجع إلى الإدراك، الذي يُعدّ الإيمان درجة مهمّة منه، وبعضها الآخر يرجع إلى عمليّة تشويه الفطرة والخلقة الإلهيّة الرّوحانيّة للإنسان، وبعضها مردّه حال النّفس وطبيعتها، التي هي مزيج تربية وسلوكيّات.
 
عدم الإيمان بعدل الله
لا شكّ بأنّ جمال صفات الحقّ وكمالاته تقوم على العدل، وإنّ الظّلم لا يمكن أن يعطي لأيّ كمالٍ جمالًا. فمن اتّهم الله في عدله، حُرم من مشاهدة جمال صفاته، ولهذا كان العدل الإلهيّ روح نظام العالم.
 
فنحن هنا أمام قضيّةٍ هي غاية في الأهميّة، وهي في المعرفة سابقة على الكثير من الصّفات، ولعلّه لهذا السّبب كان العدل صنو التوحيد وتاليه، بالرّغم من عدّه من الصّفات الفعليّة.
 
وعلى هذا الأساس، نرى أنّ من ينكر عدل الله أو ينسب إليه الظّلم هو إنسانٌ بعيدٌ كلّ البعد عن المعرفة التي ملأت أركان كلّ شيء، فهل يمكن أن نجد لمثل هذه المنكر المتّهم عذرًا؟!
 
وبناءً عليه، لم ولن يكون الجهل البسيط سببًا أو مبرّرًا لمن أنكر العدل وسخط على الحقّ تعالى في قسمته وعطائه. لمثل هذا نوجّه السؤال الآتي، ونقول: هل أنّ هذا الاختلاف في القسمة والعطاء من الله تعالى أم لا؟ فإذا أنكر أنّه من الله، فإن هذا الإنكار يستلزم الكفر بالتوحيد في الرازقية، وإذا قال أنّه من الله، نسأله: هل تظنّ أن الله يعطي جزافًا أو يمنح اعتباطًا؟



1 مفاتيح الجنان، دعاء الافتتاح.
2 الصّحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام في طلب الحوائج إلى الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

116

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 ولو كان يملك الحدّ الأدنى من المعرفة بربّه، لعلم أنّ الله تعالى يستحيل أن يظلم، ولأدرك حينها أنّ هذا الانزعاج والتألّم الذي يجعله يتمنّى زوال تلك القسمة أو ذاك الكمال إنّما هو بسبب مرضٍ في قلبه، وهذا المرض الذي يُسمّى بالحسد، إذا لم تتم معالجته فسوف يحول دون تبدّل تلك المعرفة إلى إيمان. وعندما يعجز الإنسان عن تحصيل الإيمان في الحياة الدّنيا، ويموت وهو كافرٌ، فإنّ له عاقبة واحدة معروفة، نعوذ بالله من عذابه ونقمته.

 
يقول الإمام قدس سره: "وليعلم من يحسد الناس ويتمنّى زوال النّعمة عن الآخرين، ويحقد في قلبه على أصحاب النّعم، أنّه لا إيمان له بأنّ الله عزّ وجلّ من باب معرفة الصّالح أسبغ نعمه على أولئك، وأنّ إدراكنا لذلك قاصر. وليعلم أيضًا أنّه لا يؤمن بعدل الله تعالى ولا يرى التّقسيم عادلًا. إنّك في أصول العقائد تقول إنّ الله عادل، وما هذا إلاّ مجرّد لفظة على لسانك. إنّ الإيمان بالعدل يناقض الحسد. إنّك إذا كنت ترى الله عادلًا، لرأيت تقسيمه عادلًا أيضًا، وقد جاء في الحديث الشّريف: يقول الله عزّ وجلّ: "إنّ الحسود يشيح بوجهه عمّا قسمته بين العباد، وهو ساخط على نعمي"1.
 
ضمور الفطرة
عندما لا يجعل الإنسان حياته على أساس الإيمان، وعندما يرسم طريق سعيه بعيدًا عن الله، وعندما لا يطابق سلوكه مقتضيات حضور الله، وعندما تغيب قضيّة معرفة الله كهدف، فإنّ المتوقّع أن يضيع في متاهات جزئيّات الحياة، فتضيق عليه الأرض بما رحُبت. وبدلًا من أن يفتح قلبه ووجوده على الآفاق الواسعة اللامتناهية للعطاء الإلهيّ، يقوم هذا التّعيس بحصر حظوظه بما في أيدي النّاس، وهناك سيضيق صدره ويتولّد مرض الحسد المهلك.
 
إنّ نور فطرة الله تعالى يهدي إلى الكمال ويجذب إليه. فهذا الحبّ والتعلّق والانجذاب إلى الكمالات إنّما هو من هذه الوديعة الإلهيّة. بيد أنّ التّشخيص الخاطئ للكمال والتعلّق القلبيّ بالكمال الوهميّ يعميان عين الإنسان عن الكمال الحقيقيّ، ويؤدّي هذا الحال إلى انطفاء ذلك النّور بالكامل.



1 الأربعون حديثًا، ص 139.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

117

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 ولأنّ الحسد في أحد أبعاده انزعاجٌ وانزجارٌ من الكمال والنّعمة، فإنّ عاقبته على نفس الإنسان ستكون وخيمة حيث يؤدّي إلى دمار إنسانيّته، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الْحَاسِدُ يَفْرَحُ بِالشَّرِّ وَيَغْتَمُّ بِالسُّرُور"1.

 
وتبدأ المشكلة بشعور الحاسد بالضّيق من الكمال أو النّعمة التي يمتلكها المحسود، لكنّ الأمر سرعان ما يتفاقم ليشوّه الإدراك الفطريّ للكمال، نظرًا لما يحدثه الحسد من نفور تجاه الخير والنّعمة.
 
يقول الإمام قدس سره: "إنّ القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة، وينفر بالفطرة كذلك من العسف والجور. إنّ الفطرة الإلهيّة الكامنة في أعماق البشر حبّ العدل والرّضى به، وكراهة الظّلم وعدم الانقياد له. فإذا رأى خلاف ذلك فليعلم أنّ في المقدّمات نقصًا. فإذا سخط على النّعمة وأعرض عن القسمة، فذلك لأنّه لا يرى ذلك عدلًا، بل يراه ـ والعياذ باللّه ـ جورًا. وليس معناه أنّه يرى القسمة عادلة ثم يعرض عنها، أو أنّه يرى الخطّة المرسومة مطابقة للنّظام الأتمّ والمصلحة التامّة، ثم يسخط عليها، بل يرى أنّ هذا جورٌ ومغايرٌ للعدل. أسفًا علينا! 
 
إنّ إيماننا ناقصٌ، ولم تخرج أدلّتنا العقليّة من نطاق العقل لتصل إلى حدود القلب. ليس الإيمان بالقول والسّماع والمطالعة والمباحثة والنّقاش فحسب، وإنّما يتطلّب أيضاً خلوص النيّة. 
 
إنّ الباحث عن الله يجده لا محالة، والذي يطلب المعارف يبحث عنها، ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾2، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾3"4.
 
الشّعور بحقارة النّفس
إنّ الانزعاج النّاشئ من رؤية ذلّة النّفس مقابل النّاس - لا مقابل الله لأنّه يكون شرفًا عظيمًا - لا يجتمع مع نور الإيمان، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لَا يَجْتَمِعُ الْحَسَدُ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ"5.



1 مستدرك الوسائل، ج12، ص 22، باب تحريم الحسد ووجوب اجتنابه.
2 سورة الإسراء، الآية 72.
3 سورة النور، الآية 40.
4 الأربعون حديثًا، ص 139 - 140.
5 مستدرك الوسائل، ج12، ص18، باب تحريم الحسد ووجوب اجتنابه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

118

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 فمن كان مؤمنًا وحسودًا، فليعلم أنّ الإيمان والحسد يتنازعان على قلبه. وما لم يدخل في مجاهدة نفسه، فإنّ نار الحسد ودخانها الأسود سيستوليان على قلبه بسرعة تشبه سرعة انتشار النّار في الحطب الجّاهز.

 
يقول الإمام قدس سره: "للحسد أسبابٌ كثيرة، يرجع أكثرها إلى رؤية الذلّة في النفس، تمامًا كما أنّ الكبر ـ نوعًا ـ يتمّ على عكس ذلك. فكما أنّ المرء عندما يجد في نفسه كمالًا لا يجده في غيره، تنشأ عنده حالة من التّرفّع والتّعزّز والتّعالي في نفسه، فيتكبّر. وإذا لاحظ الكمال في غيره، انتابته حالة من الذلّ والانكسار. ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات نفسانيّة، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصوّر ذلّه في تساوي غيره معه، مِثل أن يحسد صاحب الكمال والنّعمة مثيله أو الذي يليه"1.
 
ولا شكّ بأنّ هذا العامل النفسيّ سيكون منشأً لآثار وحالات نفسيّة مرضيّة يؤدّي بعضها إلى الحسد في النّهاية. ولهذا، يبيّن الإمام أنّ العامل النفسيّ الأساس هو ما نعبّر عنه بعقدة الحقارة والدّونيّة. فمن نشأ في بيئة تعزّز فيه مثل هذه الخصلة السيّئة، ولم يدرك حقيقة العدل والحكمة في توزيع النّعم وإفاضة الكمال ابتُلي بالحسد.
 
يقول الإمام: "وقد حصر بعضهم ـ كالعلّامة المجلسيّ قدس سره ـ أسباب الحسد في سبعة أمور:
الأول: العداوة.
 
الثاني: التعزّز: أن يكون من حيث يعلم أنّه يستكبر بالنّعمة عليه، وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزّة نفسه.
 
الثالث: الكبر: أن يكون في طبعه أن يتكبّر على المحسود، ويمتنع ذلك عليه بنعمته، وهو المراد بالتكبّر.
 
الرابع: التعجّب: أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيراً، فيتعجّب من فوز مثله بمثل تلك النّعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية، إذ قالوا: ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾2، و﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾3، وأمثال ذلك كثيرة فتعجّبوا من أن



1 الأربعون حديثًا، ص 132.
2 سورة يس، الآية 15.
3 سورة المؤمنون، الآية 47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

119

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 يفوزوا برتبة الرّسالة والوحي والقرب، مع أنّهم بشر مثلهم، فحسدوهم، وهو المراد بالتعجّب.

 
الخامس: الخوف: أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة، بأن يتوصّل بها إلى مزاحمته في أغراضه.
 
السادس: حبّ الرئاسة: أن يكون يحّب الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها.
 
السابع: خبث الطينة: أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب، بل لخبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله.
 
ولكنني أعتقد أنّ معظم هذه الأسباب، بل كلّها تعود إلى رؤية ذلّ النفس، وإنّ السّبب المباشر للحسد حسب التّعريف المشهور له ما ذكرناه ـ انبعاث الحسد من رؤية ذلّ النّفس، فلا مجال لذكر هذه الأقسامـ. وأمّا بناءً على ما ذكرناه في معنى الحسد من أنّ نفس هذه الحالة تكون حسدًا، فلا اعتراض على صحّة ذكر هذه الأقسام"1.
 
ويُفهم من هذا أنّ اجتماع العوامل يشكّل علّة تامّة لظهور الحسد وإعماله. ونفهم منه كيف أنّ المؤمن قد يُبتلى بالحسد ولكنّه لا يستعمله، كما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ"2.
 
إنّ المؤمن قد يكون ضعيف النّفس، وقد يكون بعض المؤمنين قد نشؤوا في بيئة تركت فيهم حالة الحقارة والذلّة النفسيّة، وهذا ما يدفعهم إلى الحسد. لكنّ إيمانهم يأتي لإنقاذهم ومنعهم من استعماله وإظهاره. فالمؤمن يستضيء بنور الإيمان ويسلّطه على نفسه، حتّى لا تغلبه بفعل أحوالها الأخلاقيّة الرّذيلة وطبائعها السيّئة.
 
وما لم يستعمل المؤمن إيمانه ويقذف بنوره على قلبه، فإنّ النّفس ستغلب في نهاية المطاف، وسيأكل الحسد الباطنيّ ما تبقّى من إيمانه ليتركه خالي الوفاض من كلّ خير.



1 الأربعون حديثًا، ص 132 - 133.
2 الكافي، ج8، ص 108.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

120

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 المفاهيم الرئيسة

1- الحسد حالة نفسيّة يتمنّى صاحبها سلب الكمال والنّعمة اللذان يتصوّرهما عند الآخرين، سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لا. وهو يختلف عن الغبطة التي يريد صاحبها النّعمة التي توجد لدى الغير لكن دون تمنّي زوالها عنهم.

2- يتشكّل الحسد في النفس نتيجة:
- الإخفاق في تفسير الاختلافات: الحاسد، وبسبب عدم فهمه للكمال، يُبتلى بالغرق في هذه الحالة المدمّرة. وأحد أخطر الأفكار وأشدّها تدميرًا لبنية الإنسان المعنويّة فكرة أنّ الكمال محدود، سواء من جهة القيمة أو المقدار. وكأنّ الكمال إذا أُعطي لإنسان سُلب من آخر، لو آمن الإنسان بأنّ الكمال غير محدود، لعلم أنّه مهما توزّع وأفيض فإنّه لا ينقص.

- عدم الإيمان بعدل الله: فلو كان الإنسان يرى الله عادلًا لرأى قسمته عادلة ولما اعترض على القسمة الإلهيّة.

- ضمور الفطرة: نتيجة التّشخيص الخاطئ للكمال والتعلّق به وما يسبّبه الحسد من نفور تجاه الخير والنّعمة، فإنّ الأمر سرعان ما يتفاقم ليشوّه الإدراك الفطريّ للكمال.

- الشعور بحقارة النفس: فمن نشأ في بيئة تعزّز فيه مثل هذه الخصلة السيّئة، ولم يدرك حقيقة العدل والحكمة في توزيع النّعم وإفاضة الكمال ابتُلي بالحسد.

3- عندما تغيب قضيّة معرفة الله كهدف، فإنّه من المتوقّع أن يضيع الإنسان في متاهات جزئيّات الحياة، فتضيق عليه الأرض بما رحُبت. وبدلًا من أن يفتح قلبه ووجوده على الآفاق الواسعة اللامتناهية للعطاء الإلهيّ، يقوم بحصر حظوظه بما في أيدي النّاس، وهناك سيضيق صدره ويتولّد مرض الحسد المهلك.

4- يمكن للمؤمن أن يُبتلى بالحسد ولكن لا يستعمله، ولكن إذا لم يستعمل إيمانه ويقذف بنوره على قلبه، فسيأكل الحسد ما تبقّى من إيمانه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

121

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

شواهد من وحي الدّرس
دعاء:
"الْحَمْدُ لِلهِ رِضًى بِحُكْمِ اللهِ، شَهِدْتُ أَنَّ اللهَ قَسَمَ مَعَايِشَ عِبَادِهِ بِالْعَدْلِ، وَأَخَذَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِالْفَضْلِ، اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِمَا أَعْطَيْتَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنْهُمْ بِمَا مَنَعْتَنِي فَأَحْسُدَ خَلْقَكَ، وَأَغْمَطَ حُكْمَكَ، اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَطَيِّبْ بِقَضَائِكَ نَفْسِي، وَوَسِّعْ بِمَوَاقِعِ حُكْمِكَ صَدْرِي، وَهَبْ لِيَ الثِّقَةَ لأُقِرَّ مَعَهَا بِأَنَّ قَضَاءَكَ لَمْ يَجْرِ إلاَّ بِالْخِيَرَةِ، وَاجْعَلْ شُكْرِي لَكَ عَلَى مَا زَوَيْتَ عَنِّي أَوْفَرَ مِنْ شُكْرِي إِيَّاكَ عَلَى مَا خَوَّلْتَنِي وَاعْصِمْنِي مِنْ أَنْ أَظُنَّ بِذِي عَدَمٍ خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَةٍ فَضْلاً، فَإِنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَمَتِّعْنَا بِثَرْوَةٍ لاَ تَنْفَدُ، وَأَيِّدْنَا بِعِزٍّ لاَ يُفْقَدُ، وَاسْرَحْنَا فِي مُلْكِ الأَبَدِ، إِنَّكَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُواً أَحَدٌ"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2.
 
2- ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾3.



1 الصحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام إذا نظر إلى أهل الدّنيا.
2 سورة البقرة، الآية 109.
3 سورة النساء، الآية 54.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

122

الدّرس العاشر: الحسد (1) - ماهية الحسد وكيفية تشكّله

 الروايات الشريفة:

1- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الحسود غضبان على القدر"1.
 
2- عن الإمام الصادق عليه السلام: "والحسد أصله من عمى القلب والجحود بفضل الله تعالى وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً، ولا توبة لحاسد، لأنّه مصر عليه، معتقد به، مطبوع فيه، يبدو بلا معارض ولا سبب، والطبع لا يتغيّر عن الأصل، ولو عولج"2.
 
3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لله درّ الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله"3.
 
4- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "صحّة الجسد من قلّة الحسد"4.



1 مستدرك الوسائل، ج12، ص 21.
2 (م.ن)، ص 18.
3 غرر الحكم، ص 301.
4 نهج البلاغة، ص 513.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

123

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى أبرز علامات الحسد وآثاره الوخيمة على الإنسان في الدنيا والآخرة.
2- يتعرّف إلى الخطوات العلميّة والعمليّة للتخلّص من الحسد.
3- يشرح دور معرفة الله في التخلّص من الحسد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

124

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 تمهيد

لا يوجد بالنّسبة للمؤمن ما هو أهم من إيمانه بالله تعالى، لأنّه زاده الأوحد في الملتقى النّهائي. ولأنّ كلّ خير مهما بلغ إنّما يكون خيرًا وكمالًا إذا نبع من الإيمان. وهنا نجد الحسد يظهر كأكبر تهديد لإيماننا، لأنّه يحيل المرآة الصّافية للعالم إلى لوحة متكدّرة يكاد لا يُرى منها أيّ خير.

إنّ الحسود يمتنع عليه أن يرى وجه الجمال في الحياة وفي الكون. ولهذا سيحرم نفسه من فرصة التّكامل في ظلّ الإيمان.

وعندما يخبو نور الإيمان في القلب تبدأ الرّذائل الأخلاقية بالتّسلّل إليه، وأمّا ما كان منها كامنًا، فإنّه سرعان ما يجد لنفسه متّسعًا لكي يظهر ويقوى. ولهذا كان لا بدّ من العمل سريعًا لاجتثاث كل مسبّبات الحسد ومقوّياته. ولا يوجد في هذا المجال ما هو أهم من النّصائح الأبويّة التي تصدر من أولياء الله.

إلى أين يأخذنا الحسد؟
لقد ظهر من تحليل الحسد ودراسة عوامل نشوئه مجموعةٌ من الآثار، التي يكفي أيّ واحد منها ليكون بنفسه سببًا لهلاك الإنسان وشقائه الأبديّ.

1- سوء العلاقة مع الله
فالحسد، إذًا، تعبيرٌ نفسيّ عن سوء إدراك الإنسان لعالم الكمال (معنىً وحقيقةً وقسمةً وتوزيعًا وجمالًا). والكمال أفضل تعبير يختصر معنى حضور الله في حياة الإنسان وفي كلّ الوجود. ولهذا، كان الحسد في عمقه سخطٌ على الله تعالى، وقطيعة معه: فعن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال: "قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: قالَ الله عَزَّ وَجلّ لِمَوسَى بنِ عُمْراِن: "يا 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

125

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 ابْنَ عُمْرانِ، لا تًحْسُدَنَّ النّاسَ عَلى ما اتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلي، ولا تَمُدَّنَّ عَيْنيكَ إِلى ذلِكَ، وَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ، فَإنَّ الحاسِدَ ساخِطٌ لِنِعَمي، صادٌ لِقِسْمِيَ الَّذي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبادي، وَمَنْ يَكُ ذلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّي"1.

 
فصحيحٌ أنّ الحسد بظاهره هو مشكلة مع الخلق، لكنّه في حقيقة أمره مشكلة مع الله، ولهذا جاء في الأحاديث أنّه يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب.
 
أجل، إنّ فساد العلاقة مع الله هو أصل كلّ شقاء وخسران، مثلما أنّ صلاح العلاقة مع الله تعالى هو أساس كلّ صلاح.
 
ويقدّم لنا الإمام الخميني وصفًا دقيقًا لما يحدثه الحسد في القلب الذي يُفترض أن يكون محلّ الإيمان بالله ومستودعًا لتجلّياته، فيقول قدس سره: "ومعلوم أنّ الإِيمان نور إلهيّ يجعل القلب موضع تجلّيات الحقّ جلّ جلاله، كما جاء في الأحاديث القدسيّة: "لا يَسَعُنِي أَرْضي ولا سَمائي، بل يَسَعُني قَلْبُ عبدِي الْمؤمِنِ"2. فهذا النّور المعنويّ، وهذه البارقة الإلهيّة التي تجعل القلب أوسع من كلّ الموجودات، تتعارض مع هذا الضّيق والظّلام اللذين تسبّبهما هذه الرّذيلة، رذيلة الحسد. إنّ هذه الصّفة القبيحة تضغط على القلب وتضيّقه فتبدو آثارها في كلّ كيان الإنسان، باطنه وظاهره. إنّها تصيب القلب بالحزن والكدر، والصّدر بالاختناق والضّيق، والوجه بالعبوس والغضب. وهذه الحال تطفئ نور الإيمان، وتميت قلب الإنسان، وكلّما اشتدّت ازداد ضعف الإيمان. إنّ جميع الصّفات المعنويّة والظاهريّة للمؤمن، تتنافى والآثار التي يوجدها الحسد في ظاهر الإنسان وباطنه. إنّ المؤمن يحسن الظنّ باللّه تعالى، وهو راضٍ بقسمه الذي يقسمه بين عباده. أمّا الحسود فساخط على الله تعالى، يشيح بوجهه عن تقديراته"3.
 
ويحذّرنا الإمام قدس سره من التّساهل تجاه هذه الحالة السلبيّة تجاه ربّ العالمين، والتي قد نقوم بإخفاء سوئها ببعض الأعمال الصّالحة والعبادات ظنّاً منّا أنّها تشفع لنا مع إهمال 



1 الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح1.
2 الغزالي، إحياء العلوم، ج3، ص12.
3 الأربعون حديثًا، ص 134.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

126

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 مرض القلب. أنّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾1.

 
ويقول قدس سره: "في هذا اليوم إنّ حجب الطّبيعة الدّكناء والحجب الحاصلة من انشغالنا بهذه الطّبيعة قد حجبت جميع مشاعرنا، فأعمت أعيننا وأصمّت آذاننا، فلا ندري إنّنا غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه، ولا نعلم ما هي صورة هذا الغضب والإعراض في الملكوت حيث مساكننا الأصليّة الدّائميّة، وإنّما يصل إلى أسماعنا قول الإِمام الصادق عليه السلام: "ومَنَ يَكُ كَذلكَ فَلَسْتُ مَنْهُ وَلَيْسَ مِنّي"2، ولا نفهم ماذا يحمل لنا تبرّؤ الحقّ تعالى منّا، وإعراضه عنّا من مصائب إنّ من يخرج عن ولاية الله ويطرد من ظلّ راية أرحم الرّاحمين لن يكون له أمل في النجاة، ولن يشفع له أحد: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾3، من ذا الذي يتقدّم ليشفع لمن يسخط عليه الله ويكون خارجًا عن حرز ولايته، وقد انقطع حبل المودّة بينه وبين مالك الرّقاب؟ واسوأتاه! واحسرتاه على ما نفعله بأنفسنا! لم يفتأ الأنبياء والأولياء يصرخون في آذاننا ويريدون إيقاظنا من النوم، ولكنّنا نزداد غفلةً وشقاءً يومًا بعد يوم... ويكفي في شناعة هذه الرذيلة هو أن الحسد يقضي على الإيمان الذي يعدّ وسيلة النّجاة في الآخرة، وباعثًا لحياة القلوب، ويجعل الإنسان مفلسًا ومسكينًا"4.
 
2- منشأ للكثير من الأمراض القلبيّة الأخرى
لقد تبيّن لنا أنّ للحسد تأثيرًا كبيرًا في مرض القلب وتزلزل النّفس. الأمر الذي يكون بحدّ ذاته سببًا لتولّد أمراض أخلاقيّة عديدة. وبدورها، تكون هذه الرّذائل الأخلاقيّة علّة لصدور الكبائر والمعاصي الموبقة.
 
يقول الإمام قدس سره: "اعلم أنّ الحسد نفسه أحد الأمراض القلبية المهلكة، ويتولّد منه أيضاً أمراض قلبيّة كثيرة، كالكبر وفساد الأعمال وتُعدّ كلّ واحدة منها من الموبقات، وتشكّل سببًا مستقلًّا لهلاك الإنسان"5.



1 سورة الشعراء، الآيتان 88 و 89.
2 الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح1.
3 سورة البقرة، الآية 255.
4 الأربعون حديثًا، ص 135.
5 (م.ن)، ص 133.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

127

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 ويقول قدس سره: "إنّ المؤمن لا يتمنّى السّوء للمؤمنين، بل هم أعزّاء عنده، والحسود بعكس ذلك. المؤمن لا يغلبه حبّ الدّنيا، والحسود إنّما هو مُبْتَلى بشدّة حبّه للدنيا. والمؤمن لا يداخله خوفٌ ولا حزنٌ إلاّ من بارئ الخلق تعالى، أمّا الحسود فخوفه وحزنه يدوران حول المحسود. والمؤمن طلق المحيا، وبشراه في وجهه، والحسود مقطّب الجبين عبوس الوجه. والمؤمن متواضع، والحسود متكبّر في معظم الحالات"1.

 
3- الكدورة وضيق الصّدر
"إنّ الضّيق والضّغط والكدر والظّلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلّما يوجد في خلقٍ فاسدٍ آخر. وعلى أيّ حال، إنّ صاحب هذا الخُلُق يعيش في الدنيا معذّباً مبتلًى، ويكون له في القبر ضيق وظلمة، ويُحشر في الآخرة مسكينًا متألّمًا"2.
 
4- الجرائم وهتك النّواميس
وقد اشتُهر بين النّاس أنّ الكثير من العداوات التي تتسبّب بالجرائم والفظائع وهتك النّواميس وإسقاط الحرمات والصدّ عن سبيل الله وتعطيل المشاريع الإصلاحيّة وشلّ الحركة الإداريّة ترجع إلى الحسد.
 
يقول الإمام قدس سره: "وقلّما يتّفق أن لا تتولّد عن الحسد مفاسد أخرى فإنّ العديد من المساوئ الأخلاقية والأعمال السيئة تكون وليدة الحسد، كالكِبر في بعض الحالات، كما سبق، والغِيبة، والنميمة، والشتم، والإِيذاء، وغير ذلك مما هو من الموبقات والمهلكات"3.
 
إنّ الحسود يصل به الأمر أن يكون كتلك العصا التي توضع في عجلة الآلة العظيمة لإدارة المنظّمة. فكم ستكون الآثار وخيمة والأضرار كبيرة. وخصوصًا في الوقت الذي يتكالب فيه الأعداء المستكبرون على هذه الأمّة المحرومة المستضعفة. ولو قلنا بأنّ ضرر الحاسد على المجتمع أكبر من ضرر الأعداء الخارجيّين فلن نكون مبالغين.



1 الأربعون حديثًا، ص134 - 135.
2 (م.ن), ص136.
3 (م.ن), ص 136.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

128

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 5- ضيق القبر وظلمته

إنّ الحسد، الّذي يعمي قلب الإنسان عن الكمال الواقعيّ، ويؤدّي إلى ضيق وعاء النّفس في استقبال فيض الحقّ المطلق، يظهر على حقيقته كلّما زالت القشور والأغلفة عن القلب. وعند زوال القشر الأوّل الذي هو هذا البدن الملكيّ، يظهر بصورة مهولة.
 
يقول الإمام قدس سره: "ومن مفاسد هذا الخلق الذميم -كما يقول العلماء - ضيق القبر وظلمته. إذ إنّهم يقولون إنّ صورة هذا الخلق الفاسد الرّديء، التي فيها ضيقٌ نفسيّ وكدرٌ قلبيّ، تشبه ضيق القبر وظلمته، إذ إنّ ضيق القبر أو اتّساعه منوط بضيق الصّدر أو انشراحه"1.
 
العلاج العلميّ للحسد
1- معرفة الله
لا يخفى أنّ فلسفة الوجود ومغزى الحياة يتكشّفان في ظلّ معرفة الله الخالق الموجد، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾2. ولو انطلقنا من هذا المعنى الذي يختصر هدف الحياة، لاستطعنا أن نفهم كلّ شيء به.
 
إنّ مشيئة الحقّ تعالى اقتضت أن لا يكون في الوجود ما يحول دون تحقّق هذا الهدف. فالله غالبٌ على أمره. فإذا شاء أن يكون الخلق لكي يُعرف، فلا يُعقل أن يسمح بوجود شيء يمنع من هذه المعرفة. فجميع الشّياطين من الجنّ والإنس ، الّذين لا همّ لهم سوى الصدّ عن سبيل الله ، لن يتمكّنوا من سدّ باب معرفة الله أمام أيّ مخلوق يريد الوصول إليه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
 
أجل، إنّ هذا لا يعني سلب الإنسان حريّة الاختيار، ولهذا لم يكن الكفر والشّرك والجحود يومًا أمرًا قهريًّا. لهذا كان سوء الكفر وقبحه شديدًا، لأنّه ينبع من الاختيار التامّ والمخالفة الصّريحة الواضحة للحقّ تعالى.



1 الأربعون حديثًا، ص135.
2 سورة الطلاق، الآية 12.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

129

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 ولأجل هذا، جعل الله كلّ الأشياء دلائل وآيات على وجوده وعظمته وصفاته وأسمائه. قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾1، وفي الدّعاء: "اللهمّ إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء، وبقوّتك التي قهرت بها كلّ شيء، وبجبروتك التي غلبت بها كلّ شيء وبعزّتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك التي ملأت كلّ شيء، وبسلطانك الذي علا كلّ شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كلّ شيء، وبأسمائك التي ملأت أركان كلّ شيء، وبعلمك الذي أحاط بكلّ شيء"2.

 
يقول الإمام قدس سره: "وإنّ من معاني جامعيّة النبوّة الخاتمية ومقاماتها، بل من دلائل الخاتمية أنّه في جميع المقامات النفسية قد أعطى جميع حقوقها وحظوظها من جميع شؤون الشريعة. وكما أنّه في معرفة شؤون الربوبية جلّت عظمته عُرّف الحق سبحانه في العلوّ الأعلى والدنوّ الأدنى بمقام الجامعية، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾3، و﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾4 إلى آخره، "ولو دلّيتم بحبل من الأرضين السفلى لهبطتم على الله" ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾5، إلى غير ذلك ممّا قاله ويحصل به للعارف بالمعارف الإلهية والمجذوب بالجذبات الرحمانية طرب ملكوتي ووجد لاهوتي. كذلك فقد أسرى التوحيد العملي القلبي إلى آخر مراتب أفق الطبيعة وملك البدن، ولم يحرم موجودًا من حظ معرفة الله"6.
 
2- الإيمان بعدل الله
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾7.



1 سورة فصّلت، الآية 53.
2 مفاتيح الجنان، دعاء كميل.
3 سورة الحديد، الآية 3.
4 سورة النور، الآية 35.
5 سورة البقرة، الآية 115.
6 معراج السالكين، ص 90.
7 سورة النّساء، الآية 32.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

130

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 إنّ سعة رحمة الله بعباده أن يريهم عدل قسمته، ويظهر لهم جمال نظامه وروعة خلقه، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِه"1. الحديث أنّ الله تعالى قد تجلّى في خلقه. فهل يُعقل والحال هذا أن يكون الخلق حجاب الحقّ بحيث لا نرى فيهم رحمة الله؟ وهل يمكن لكلّ هذه الاختلافات - التي يرجع أصلها إلى الله، لقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾2، ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾3ـ ، أن تحجب جمال الواهب المنعم الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة؟!
 
يجيب الإمام الخميني قدس سره على هذه التساؤلات بأبلغ بيان، فيقول: "إنّ من بين المعارف التي يصدّقها الحكماء والمتكلّمون وعامّة الناس من أهل الشرائع، ولا يشكّون فيها أبدًا، هو أنّ ما جرى به قلم الحكيم المطلق جلّت قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النّعمة وتقسيم الآجال والأرزاق، جاء على خير تقدير وأجمل نظام، وهو يتطابق كلّ التّطابق مع المصالح التّامّة والنّظام الكليّ لأتمّ نظام متصوّر. ولكن يعبّر كلّ واحد ـ من الحكماء والمتكلّمين ، بلسانه الخاصّ واصطلاحه الذي يختصّ بفنّه الذي اتّخذه وسيلة لتبيان هذه النّعمة الإلهيّة والحكمة الكاملة. يقول العارف: ظلّ الجميل جميلٌ على الإطلاق. ويقول الحكيم: النّظام العينيّ المطابق للنّظام العلميّ خالٍ من النّقص والشّرور، والشّرور المتوهّمة الجّزئيّة هي من أجل إيصال الكائنات إلى كمالاتها التي تليق بها. ويقول المتكلّم وأهل الشّرائع: أفعال الحكيم تكون على أساس من الحكمة والصّلاح، وإنّ أيدي العقول البشريّة الجزئيّة المحدودة قاصرة عن إدراك المصالح العالية في التّقديرات الإلهيّة. هذا الموضوع يدور على ألسنة الجميع، وكلّ ما يستدلّ على ذلك بأدلّة تتناسب مع مدى سعة علمه وعقله. ولكن بما أنّه لم يتعدَّ حدود الأقوال إلى حيث القلوب والأحوال، فإنّ ألسنة الاعتراض مطلقة، وإنّ من لم يكن له حظّ من الإيمان يقوم بتفنيد برهانه وتكذيب قوله. وعلى هذا الأساس تكون المفاسد الأخلاقيّة"4.



1 نهج البلاغة، ص 155.
2 سورة النحل، الآية 71.
3 سورة النساء، الآية 78.
4 الأربعون حديثًا، ص 139.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

131

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 وبالرّغم من أنّ كل هذه الاختلافات أو جلّها يرجع إلى ما ارتكبه النّاس بسوء فعلهم، فإنّ يد العدل الإلهيّ حاضرة دائمًا لإعادة التّوازن إلى نظام الحياة، بحيث لا تكون مظاهر الفساد تلك علّة تامّة لخفاء الحقّ وغيبته. وما أكثر الشّواهد التي يحملها كلّ واحدٍ منّا في نفسه وذاكرته، والتي تدلّنا على حكمة الله وعدله. وإنّ من حُرم فضلًا، عوّضه الله تعالى عنه بفضلٍ آخر، ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.


فالبيئة الاجتماعيّة التي لم تُبنَ على العدالة، لن تكون مظهرًا تامًّا للجّمال، ولن تصبح مهدًا مناسبًا للتّربية الإيمانيّة والمعنويّة. وإذا كنّا نتوقّع من مثل هذه البيئة أن تنشّئ أجيالًا إيمانيّة، فإنّ توقّعنا سيكون في غير محلّه.

لكنّ الله تعالى، وإبقاءً لحجّته، يفيض بأنوار هدايته على خلقه، فيريهم أنّ الظّلم لا يدوم، وأنّ وراء كلّ هذا التّفاوت والتفاضل مصلحةً كبرى وفتنةً واختبارًا، لكي يتكاملوا في مدرسة الحياة، ولكي لا تكون لهم الحجّة على ربّهم.

3- التّفكّر بالآثار الوخيمة للحسد
وهكذا يتزاحم النّور والظّلمة، نور هداية جمال الله وعدله، وظلمة المجتمع الفاسد والبعيد عن قيم الإسلام والمحكوم للطّاغوت. ويمدّ الله تعالى كلّ إنسان مكلّف بعقل يميّز به بين النّور والظّلام، والخير والشرّ، والكمال الحقيقيّ من الكمال الموهوم، فيبقى نور جمال الحقّ مشرقًا، ولو كره المشركون.

يقول الإمام قدس سره: "على الإنسان العاقل أن يشمّر عن ساعد الجدّ لينقذ نفسه من هذا العار وإيمانه من هذه النّار المحرقة والآفة الصّعبة، وأن ينجو بنفسه من ضغط الفكر وضيق الصّدر في هذه الدّنيا ـ وهما نوعان من العذاب المرافقان للعمر كلّه ـ وكذلك من الضّيق والظّلمة في القبر وفي البرزخ، ومن غضب الله تعالى. على الإنسان أن يفكّر قليلًا ليدرك أنّ أمرًا له هذا القدر من المفاسد يجب أن يعالج، مع العلم أنّ حسدك لن يضرّ المحسود، فلا تزول نعمته بمجرّد حسدك له، بل يكون له نفعٌ دنيويٌّ وأخرويّ، وذلك لأنّ شقاءك وحزنك وأنت عدوّه وحاسده يُعدّ نفعًا له، فهو يرى أنّه متنعّمٌ وأنت معذّبٌ بتنعّمه، وهذه نعمةٌ له. فإذا انتبهت لهذه النّعمة الثّانية التي تتوفّر للمحسود جلبت لنفسك عذابًا وضغطًا فكريًّا آخرَيْن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

132

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 ويعتبر عذابك هذا نعمة له وهكذا. وعليه، فإنّك تكون دائمًا في عذابٍ وشقاءٍ وتعاسةٍ وغمّ، وهو في نعمةٍ وسرورٍ وانبساط. وفي الآخرة أيضًا يكون حسدك له نفعًا له، وخصوصًا إذا كان الحسد قد دفع بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرّذائل، ممّا يستوجب أخذ حسناتك وإعطائها له، فتعود أنت مفلسًا، ويزداد هو نعمة وعظمة. لو أنّك أمعنت الفكر في هذه الأمور لأقدمت على تطهير نفسك من هذه الرّذيلة، وأنقذت نفسك من هذه المهلكة"1.

 
العلاج العمليّ للحسد
1- العمل الصّالح
لا يخفى بأنّ الأصل والأساس في تهذيب النّفس وإصلاحها هو العمل وتطبيق الأفكار الحقّة ومجاهدة النّفس. فمجرّد العلم لا يعطي ثمرة ولا ينتج إصلاحًا. بيد أنّ العمل ينبغي أن ينبع من المعرفة، بل يجب أن يكون تجلّيًا للمعرفة. والعالم المجاهد الذي لا يستضيء بنور العلم، ولا يستحضر قوّته في قلبه سيعجز عن إصلاح نفسه وتزكيتها. وإنّ العلّاج العمليّ ينبغي أن يركّز على تقوية نور العلم في النّفس بدءًا من التصوّر ثمّ التّصديق، ومنه إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى أعلى درجات اليقين...
 
يقول الإمام قدس سره: "سبق القول بأنّ الإيمان، الذي هو حظّ القلب، غير العلم الذي هو حظّ العقل، ثمّ إنّ جميع المفاسد الأخلاقيّة والعمليّة تنشأ عن كون القلب غافلًا عن الإيمان، وأنّ ما يدركه العقل عن طريق البرهان العقليّ أو عن طريق أخبار الأنبياء لم يوصله إلى القلب، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه شيئًا"2.
 
فليس العمل الصالح ما يقابل الإيمان، الذي هو رسوخ المعرفة في القلب، أو يقف بعرضه، بل إنّه ليس سوى تجلّي الإيمان وظهوره، ولهذا يدعو الإمام إلى العمل وفق ما يقتضيه الإيمان على صعيد الاعتقاد بعدل الله وحكمته: "ولا بُدَّ من تفهيم النّفس بأنّ هؤلاء هم من عباد الله المُخْلَصِين الذين شملهم توفيقٌ منه، ووهبهم هذه النّعم العظيمة، وهي نِعَم يجب أن تبعث في القلوب المحبّة لهم واحترامهم والخضوع لهم. فإذا رأى أنّ هذه الأمور التي يجب أن



1 الأربعون حديثًا، ص 136 - 137.
2 (م.ن)، ص 138.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

133

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 تكون دافعًا على المحبّة والاحترام توجب نقيض ذلك فعليه أن يعلم أنّ الشّقاء قد اكتنفه من كلّ جانب، وأنّ الظّلام قد أحاط بباطنه، فلا بُدَّ أن يبادر إلى إصلاح نفسه بالطّرق العلميّة والعمليّة. وليعلم أنّه إذا اتّخذ طريق المحبّة فإنّه سرعان ما يكون موفّقًا، لأنّ نور المحبّة قاهرٌ للظّلمة ومزيلٌ للكدر، ولقد وعد الله تعالى المجاهدين أن يهديهم وأن يعينهم بلطفه الخفيّ ويوفّقهم، إنّه وليّ التوفيق والهداية"1.

 
2- العمل بخلاف الحسد والإحسان للمحسود
"وذلك بأن تتكلّف إظهار المحبّة للمحسود وترتّب الأمور بحيث يكون هدفك هو معالجة مرضك الباطنيّ. إنّ نفسك تدعوك لإيذائه واعتباره عدوًّا، وتكشف لك عن مساوئه ومفاسده. ولكن عليك أن تعمل خلافًا لما تريده النّفس، وأن تترحّم عليه وتحترمه وتجلّه. واحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، واعرض أعماله الصّالحة على نفسك وعلى الآخرين، وتذكّر صفاته الجميلة. صحيح أنّ هذا سوف يكون متكلّفًا في بادئ الأمر ومن باب المجاز دون الحقيقة، ولكن لمّا كان الهدف هو إصلاح النّفس وإزالة هذه المنقصة والرّذيلة، فإنّ نفسك سوف تقترب في النّهاية من الحقيقة، ويخفّ تكلّفك شيئًا فشيئًا، وترجع نفسك إلى حالها الطّبيعي، وتصبح ذات واقعيّة. قل لنفسك، على الأقل: إنّ هذا الإنسان عبدٌ من عباد اللّه، ولعلّ الله نظر إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما أنعم، خصّه دون غيره بها، خصوصًا إذا كان المحسود من رجال العلم والدّين، وأنّه محسودٌ على ذلك، فإنّ مثل هذا الحسد يكون أقبح، ومعاداة أمثال هؤلاء أسوأ عاقبةً"2.
 
"... عليك إذًا، أن تقوم جاهدًا، بتقليم فروع الحسد، والسّعي لإصلاح النّفس، ولا تدع شيئًا منه يترشّح إلى الخارج، وعندئذٍ تضعف جذوره، ويقف نموّه. وإذا وافتك المنيّة وأنت ماضٍ في سبيل الإصلاح والتّرويض للنّفس، فإنّ رحمة الله سوف تشملك، ولسوف ينالك العفو برحمة الله الواسعة وببركة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا بقيت منه باقية فإنّ بوارق الرّحمة الإلهيّة سوف تحرقها وتطهّر النفس وتزكّيها"3.



1 الأربعون حديثًا، ص 140.
2 (م.ن).
3 (م.ن), ص 141.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

134

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 المفاهيم الرئيسة


1- للحسد مجموعةٌ من الآثار وهي:
- سوء العلاقة مع الله: فالحسد، تعبيرٌ نفسيّ عن سوء إدراك الإنسان لعالم الكمال (معنىً وحقيقةً وقسمةً وتوزيعًا وجمالًا). والكمال أفضل تعبير يختصر معنى حضور الله في حياة الإنسان وفي كلّ الوجود. ولهذا، كان الحسد في عمقه سخطٌ على الله تعالى، وقطيعة معه. وفساد العلاقة مع الله هو أصل كل خسران.

- يتسبّب في الكثير من الأمراض القلبيّة الأخرى: كالكبر، والكدورة وضيق الصّدر.

 ارتكاب الجرائم وهتك النّواميس.

- ضيق القبر وظلمته.

2- من علامات الحسد: غلبة حبّ الدنيا، تمنّي السوء للمؤمنين، عبوس الوجه، التكبّر.

3- العلاج العلميّ للحسد: معرفة الله - الإيمان بعدل الله - التفكّر بالآثار الوخيمة للحسد.

4- العلاج العمليّ للحسد

- العمل الصّالح: العمل وفق ما يقتضيه الإيمان على صعيد الاعتقاد بعدل الله وحكمته، وتقوية نور العلم في النّفس بدءًا من التصوّر وصولًا إلى اليقين.

- العمل بخلاف الحسد والإحسان إلى المحسود: تفهيم النّفس بأنّ هؤلاء هم من عباد الله المُخْلَصِين الذين شملهم توفيقٌ منه، ووهبهم هذه النّعم العظيمة. وهي نعم يجب أن تبعث في القلوب المحبّة لهم واحترامهم والخضوع لهم. فإذا رأى أنّ هذه الأمور توجب نقيض ذلك فعليه أن يعلم أنّ الشّقاء قد اكتنفه من كلّ جانب، وأنّ الظّلام قد أحاط بباطنه، ولكن لو اتّخذ طريق المحبّة فإنّه سرعان ما يكون موفّقًا، لأنّ نور المحبّة قاهرٌ للظّلمة ومزيلٌ للكدر، ولقد وعد الله تعالى المجاهدين أن يهديهم وأن يعينهم بلطفه الخفيّ ويوفّقهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

135

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَدِ ذِكْراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ"1.
 
"... اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَارْزُقْنِي سَلاَمَةَ الصَّدْرِ مِنَ الْحَسَدِ، حَتَّى لاَ أَحْسُدَ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِكَ، وَحَتَّى لاَ أَرَى نِعْمَةً مِنْ نِعَمِكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ تَقْوَى أَوْ سَعَةٍ أَوْ رَخَاءٍ، إلاَّ رَجَوْتُ لِنَفْسِي أَفْضَلَ ذَلِكَ بِكَ وَمِنْكَ، وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ"2.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾3.
 
2- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾4.
 
الروايات الشريفة:
1- عن الإمام الصادق عليه السلام: "إيّاكم أن يحسد بعضكم بعضًا، فإنّ الكفر أصله الحسد"5.
 
2- عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ أبغضكم إليّ المترئّسون، المشّاؤون بالنمائم، الحسدة لإخوانهم، ليسوا منّي ولا أنا منهم"، إلى أن قال: "والله، لو قدِم أحدكم بملء الأرض ذهباً على الله، ثمّ حسد مؤمناً، لكان ذلك الذهب ممّا يكوى به في النار"6.



1 الصّحيفة السجّادية، دعاؤه عليه السلام في مكارم الأخلاق.
2 (م.ن)، دعاؤه عليه السلام عند الشدّة والجهد وتعسّر الأمور.
3 سورة آل عمران، الآية 118.
4 سورة المائدة، الآية 27.
5 الكافي، ج8، ص 7.
6 مستدرك الوسائل، ج12، ص 19.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

136

الدرس الحادي عشر: الحسد (2) - آثار الحسد وعلاجه

 3- عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال لقمان لابنه: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، ويتملّق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة"1.

 
4- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً"2.
 
5- عن الإمام الصادق عليه السلام: "بينما موسى بن عمران يناجي ربّه ويكلّمه، إذا رأى رجلاً تحت ظلّ عرش الله، فقال: يا ربِّ، من هو الذي أظلّه عرشك؟ فقال: يا موسى، هذا ممّن لم يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله"3.



1 مستدرك الوسائل، ج2، ص 442.
2 (م.ن)، ج9، ص 118.
3 (م.ن)، ج12، ص 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

137

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى ماهيّة الشّخصيّة المدّعية أو المنافقة.
2- يتعرّف إلى بعض نماذج الشخصيّات المنافقة في مجتمعنا.
3- يبيّن مناشئ وعوامل تشكّل الشخصيّة المنافقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

138

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 تمهيد

إنّ زينة الدّنيا وزخارفها عندما تصبح بيد الشّيطان ووساوسه تثير في نفس الإنسان رغبةً بالتّوجّه إليها بكلّ أبعادها. وإنّ فطرة الله تدعو الإنسان إلى الرّحيل، بل الفرار إليه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾1، ولأنّ التوجّه إلى الدّنيا مناقضٌ للتّوجّه إلى الله، ولأنّ الأمرين لا يمكن أن يجتمعا في قلبٍ واحد، ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾2، ينشأ بسبب هذا التّناقض صراعٌ في النّفس، حيث يكون لكلّ توجّه جنودٌ وأعوان، ولا بدّ للإنسان من أن يحسم هذا الصّراع الذي يتغلغل في كلّ مراتب وجوده، قلبًا وذهنًا وجسدًا.
 
وعندما يتأخّر هذا الحسم ويتراخى صاحبه في التّعامل معه، فسوف يعيش التّذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ممّا يؤدّي في القريب العاجل إلى افتقاد نور الهداية واضمحلال نور معرفة الحقّ وعلامات الصّلاح، فلنحاول أن نتصوّر شخصًا يعيش في داخله تردّدًا بين كمال الدّنيا (الموهوم والمحدود) وبين كمال الآخرة وقرب الحقّ الذي هو الكمال المطلق الدّائم، أي بين الإيمان بالله والشكّ به، فأيّة حالة سيكون عليها هذا الإنسان؟ ما أبعده عن سهولة المخرج! وهل يمكن أن يبقى بعد ذلك في قلبه من نور يرى به الكمال؟!
 
مثل هذه الشّخصيّة جديرة بالدّراسة، وهي تحكي عن حالة مرضيّةٍ يمكن أن تكون موجودة فينا ولا نشعر. كما أنّ دراستها تعطينا فرصة مهمّة لمعرفة أنفسنا وأسرارها.



1 سورة الذاريات، الآية 50.
2 سورة الأحزاب، الآية 4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

139

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 ماهيّة الشخصيّة المنافقة

الشّخصيّة المنافقة أو المدّعية هي تلك الشّخصيّة التي تعيش هذه الحالة من الازدواجيّة والتّلوّن والوجهين. ويعبّر عن هذه الحالة بالمرض القلبيّ، حيث إنّ الأصل في القلب هو التّوجّه إلى مقصدِ واحدٍ. والمنافق شخصٌ لا يحسم توجّهه، فهو لا يستقرّ على حال أو جهة، ممّا يجعله في حالة من التّذبذب والتقلّب، حتّى ينتهي أمره، وقد خسر فرصته الوحيدة للسّفر إلى الله والسّير إلى لقائه.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "النفاق من الرذائل النفسانية والملكات الخبيثة التي تنجم عنها آثار كثيرة، منها هذان الأثران:
 
1- لقاء المسلمين بوجهين: وهو أن يبدي المرء ظاهر حاله وصورته الخارجيّة لهم على خلاف ما تكون في باطنه وسريرته. كأن يبدي أنّه من أهل المودّة والمحبّة لهم، وأنّه مخلصٌ حميمٌ، بينما يكون في الباطن على خلاف ذلك فيعاملهم بالصّدق والمحبّة في حضورهم، ولا يكون كذلك لدى غيابهم.
 
2- ذو اللسانين: وهو أن يثني على كلّ من يلقاه منهم ويمتدحه ويتملّق له ويظهر المحبّة له، ولكنّه في غيابه يعمد إلى تكذيبه وإلى استغابته. فبناءً على هذا التّفسير، تكون الحالة الأولى هي: "النّفاق العمليّ" والحالة الثّانية هي: "النّفاق القوليّ".
 
ويقول الإمام قدس سره في مكان آخر: "إنّ كل طائفة منّا تدّعي بلسانها وظاهر حالها أنّ لها مرتبتها وتتظاهر بحقيقة من الحقائق الشّائعة. فإذا كان هذا الظّاهر مطابقًا للباطن، واتّفق العلن مع السرِّ، وكان صادقًا مصدّقًا، فهنيئًا لأرباب النّعيم نعيمهم. أمّا إذا كان، مثل كاتب هذه السّطور، الأسود الوجه، القبيح، المشوّه الخلقة، فليُعلم أنّه من المنافقين وذوي الوجهين واللسانين"1.



1 الأربعون حديثًا، ص 189.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

140

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 نماذج من الازدواجية والنّفاق

﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾1.
 
بدايًة، فلنستعرض مجموعة من الحالات المتعلّقة بالازدواجيّة في ساحتنا وبيئتنا المسلمة المتديّنة، بحسب ما ذكره الإمام الخميني قدس سره في الأربعون حديثًا:
1- مدّعو التّوحيد
"إنّ صفة التلوّن هذه تكون بحيث إنّنا ـ أنا وأنت ـ نقضي كلّ عمرنا ونحن نظهر التمسّك بكلمة التوحيد، وندّعي الإِسلام والإِيمان، بل المحبّة والمحبوبية، وغير ذلك من الادّعاءات على قدر ما نشتهي ونحبّ"2.
 
"يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية تستحق إِلاّ لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتّفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟"3.
 
2- عامّة النّاس
"فإذا كنّا من عامّة الناس وعوامهم ادّعينا الإِسلام والإِيمان والزّهد والخلوص"4.
 
"أيّها العزيز المدّعي للإسلام: قد ورد في "الكافي" حديث شريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ"، فلماذا نقوم أنا وأنت وعلى قدر ما نستطيع ونتمكّن، على إيصال الأذى إلى من هم أقلّ منّا، ولا نمتنع عن ظلمهم والإِجحاف بحقّهم؟ وإذا لم تصل أيدينا إليهم فلن نتوقّف عن تجريحهم بحدّ اللسان في حضورهم، أو حتى في غيابهم، فنعمد إلى هتك أسرارهم، والكشف عن مكنوناتهم، واغتيابهم، وإلصاق التّهم بهم. إذاً، فادّعاؤنا نحن الذين لا يسلم المسلمون من أيدينا وألسنتنا، للإِسلام مخالف



1 سورة التوبة، الآية 54.
2 الأربعون حديثًا، ص 188.
3 (م.ن), ص 189 - 190.
4 (م.ن), ص 188.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

141

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 للحقيقة، وباطننا يخالف ظاهرنا، وإنّنا من زمرة المنافقين، ومن ذوي الوجهين"1.

 
"وأنت يا من تدّعي الزهد والإِخلاص، إذا كنت مخلصاً حقاً، وإنّك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم إنك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟ فاعلم أنّ زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل إنّ زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وإن قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وإنّك كاذب في دعواك، وإنّك من المتلوّنين المنافقين"2.
 
"وكما أنّ ادّعاء "رضيت بالإسلام دينًا، وبمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم نبيًّا ورسولًا، وبالقرآن كتابًا، وبعليّ أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليه السلام أئمّة"، يُعتبر ـ إذا لم يكن مقرونًا، لا سمح الله، بحقيقة الرّضا ـ من النّفاق والكذب، فلا يمكن أن يدّعي هذا الرّضا من لم يخضع للقواعد الدّينيّة الإسلاميّة ويرضى بها، ويفرح بالأحكام الإسلاميّة حتى لو أضرّت به أو بعائلته، بل ولا يمكن أن يدّعي هذا الرّضا، من يعترض ـ في قلبه ـ على أحد الأحكام الإسلاميّة، أو يتأذّى قلبيًّا منه، أو يتمنّى قلبيًّا تغييره إلى حكمٍ آخر، أو يصرّح بذلك، فهذا ليس راضيًا عن دين الإسلام أساسًا، ولا عن سائر الأمور الأُخر"3.
 
3- أهل العلم والفقه
وإِذا كنّا من أهل العلم والفقه، ادّعينا كمال الإِخلاص والولاية وخلافة الرّسول، متشبّثين بما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "اللهمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي"، وبقول الإِمام صاحب الزّمان - روحي له الفداء -: "إنّهم حجّتي"، وغير ذلك من الأقوال المنقولة عن أئمّة الهدى عليهم السلام في شأن العلماء والفقهاء"4.



1 الأربعون حديثًا، ص189.
2 (م.ن), ص 190.
3 معراج السالكين، ص 163.
4 الأربعون حديثًا، ص 188.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

142

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 "أنت يا من تدّعي الولاية من جانب وليّ الله، والخلافة من جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان واقعك مطابقًا للحديث المرويّ في كتاب "الاحتجاج": "صَائِنَاً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخَالِفاً لِهَواهُ، مُطِيعاً لأَمْرِ مَوْلاه"1. وإذا كنت ورقة على غصن الولاية والرّسالة، ولا تميل إلى الدّنيا، ولا تحبّ التّقرّب إلى السّلاطين والأشراف، ولا تنفر من مجالسة الفقراء، فإنّ اسمك يطابق مسمّاه، وإنّك من الحجج الإِلهيّة بين النّاس، وإلاّ فإنّك من علماء السّوء، وفي زمرة المنافقين، وحالك أسوأ من الطّوائف التي ذكرناها، وعملك أقبح، ويومك أشدّ سوادًا، لأنّ الحجّة على العلماء أتم"2.

 
4- الحكماء
"وإذا كنّا من أهل العلوم العقليّة، ادّعينا الإِيمان الحقيقيّ المبرهن، وزعمنا أنّنا نملك علم اليقين، وعين اليقين، وحقّ اليقين، معتقدين أنّ سائر خلق الله ناقصو علم وإيمان، ونستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث الشّريفة الواردة بحقّنا"3.
 
"أنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإِلهيّة والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، إذا كنتَ عالمًا بالحقائق في الأسباب والمسبّبات، وإذا كنت حقًّا عالمًا بالصّور البرزخيّة وأحوال الجنّة والنّار، فلا بُدّ أن لا يقرّ لك قرار، وعليك أن تصرف كلّ وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدّنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق. إذًا، لماذا لا تتقدّم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثّر في قلبك البراهين الفلسفيّة قدر جناح ذبابة؟ إذًا، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة، ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه"4.



1 الطبرسي، الاحتجاج، ج2، احتجاجات الإمام حسن العسكري عليه السلام، ص458.
2 الأربعون حديثًا، ص 190.
3 (م.ن), ص 189.
4 (م.ن)، ص 191.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

143

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 5- أهل العرفان والتصوّف

"وإذا كنّا من أهل العرفان والتصوّف، ادّعينا المعارف الإلهيّة والانجذاب الرّوحيّ والفناء في الله، والبقاء بالله، وولاية الأمر، وما إلى ذلك من الأقوال مما يخطر بالبال من الألفاظ الجذّابة"1.
 
"وأنت يا من تدّعي المعرفة والانجذاب والسّلوك والمحبّة والفناء، إذا كنت حقًّا من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السّابقة الحسنة، فهنيئًا لك. ولكن كلّ هذه الشّطحات وهذا التّلوّن وتلك الادّعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن حبّ الذّات ووسوسة الشّيطان، تتعارض مع المحبّة والانجذاب "إنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لاَ يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي"2 ... فإذا لم تكن صادقًا في دعواك، فأنت في زمرة أهل النّفاق، ومن ذوي الوجهين"3.
 
من أين ينشأ النّفاق؟
1- حبّ الدّنيا
بالتّأمّل والتّحليل لشخصيّة المنافقين المعلنين والذين استفحل فيهم المرض وانكشفوا أمام المسلمين، نجد أنّ العامل الأساسيّ الذي جعلهم يعيشون هذه الازدواجيّة، فأعلنوا الإسلام وتظاهروا بالإيمان والعمل الصّالح، لكنّهم أخفوا في أنفسهم حالات الشكّ والكفر وسوء الظّنّ بالله تعالى، هو المصلحة الشّخصيّة المتمثّلة بحبّ الدّنيا والطّمع بمكتسباتها. إنّ هؤلاء كانوا يرون فرصةً في البقاء بين المسلمين لتحصيل بعض المكتسبات، ولم يؤمنوا بما آمن به المسلمون قطّ. لقد أعمت قلوبهم حالة الطّمع وسلبتهم القدرة على التّفكير الصّحيح، فترسّخ الكفر في قلوبهم لأنّهم لم يأبهوا به. وهكذا نرى مرّة أخرى كيف أنّ حبّ الدّنيا منشأ جميع المفاسد والرّذائل الأخلاقيّة، خصوصًا إذا استقرّ في قلب نفسٍ ضعيفة وبالعقد والوساوس ممتزجة.



1 الأربعون حديثًا، ص 189.
2 الغزالي، إحياء العلوم، ج4, ص 256.
3 الأربعون حديثًا، ص 191.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

144

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 يقول الإمام قدس سره: "اعلم أيّها العزيز، أنّنا ما دمنا في هذه الحجب الغليظة لعالم الطّبيعة، ونصرف الوقت في تعمير الدّنيا ولذائذها، ونحن عن الحقّ تعالى وذكره والتّفكّر فيه غافلين، فجميع عباداتنا وأذكارنا وقراءاتنا عارية عن الحقيقة، فلا في الحمد لله نتمكّن من حصر المحامد بالحقّ، ولا في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾1 نسلك طريقًا من الحقيقة، بل نحن مع هذه الدّعاوى الفارغة مخزيّون وناكسو الرّؤوس في محضر الحقّ تعالى والملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين والأولياء المعصومين.

 
"فإنّ من كان لسان حاله ومقاله مشحونًا بمدح أهل الدّنيا، كيف يقول الحمد لله؟ وإنّ من كانت وجهة قلبه إلى الطّبيعة ولم يشمّ رائحة الألوهيّة وكان اعتماده واتّكاله على الخلق، فبأيّ لسان يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ فإذا كنت من رجال هذا الميدان فشمّر ذيل الهمّة، وأوصل إلى قلبك هذه الحقائق واللطائف في أوائل الامر بشدّة التّذكّر والتّفكّر في عظمة الحقّ وفي ذلّة المخلوق وعجزه وفقره، وأحيي قلبك بذكر الحقّ تعالى كي تصل رائحة من التّوحيد إلى شامّة قلبك وتجد طريقًا إلى صلاة أهل المعرفة بالإمداد الغيبيّ. وإن لم تكن من رجال هذا الميدان فلا أقل اجعل نقصك نصب عينيك وتوجّه إلى ذلّتك وعجزك وقم بالأمر بالخجل والاستحياء، واحذر من دعوى العبوديّة، واقرأ هذه الآيات الشّريفة التي لست متحققًّا بلطائفها إمّا بلسان الكمّل، وإمّا أن يكون في نيّتك قراءة سورة القرآن صرفًا، حتّى لا تدّعي باطلًا، ولا يكون ادّعاؤك كاذبًا على الأقلّ"2.
 
2- الاعتقاد بوجود مؤثّر غير الله
"يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التّوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهيّة تستحق إِلاّ لذاته المقدّسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتّفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدّنيا كلّ هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنّك ترى لهم تأثيرًا في هذا العالم، وترى أنّ إرادتهم هي النّافذة، وترى أنّ المال والقوّة هما الطّاقة المؤثّرة والفاعلة؟ 



1 سورة الفاتحة، الآية 5.
2 معراج السالكين، ص 286.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

145

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 وإنّ ما لا تراه فاعلًا في هذا العالم هو إرادة الحقّ تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهريّة، وتغفل عن المؤثّر الحقيقيّ وعن مسبّب جميع الأسباب، ومع كلّ ذلك تدّعي الإِيمان بكلمة التوحيد. إذًا، فأنت أيضًا خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين، ومحشور مع أصحاب اللسانين1.

 
3- الغفلة عن إصلاح النّفس
ومثل هذه الحالة إذا أُهملت، تشتدّ وتستحكم مع مرور الزّمن. فقد يكون النّفاق شعبة دقيقة في القلب، وصاحبه لا يشعر. وبسبب الغفلة وترك المجاهدة والمراقبة، تمتدّ جذوره وتتشعّب فروعه حتّى تغطّي القلب كلّه.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "فإذا لم يقف الإِنسان بوجه هذه الصّفة ولم يردعها، وترك نفسه وشأنها، فلن يمضي وقتٌ طويل حتى يفلت الزّمام منه، ويصبح كلّ همّه واهتمامه منصبًّا على تلك الرّذيلة، حتّى أنّه لا يلتقي شخصًا إلاّ وعامله معاملة ذي الوجهين وذي اللسانين، ولا يعاشر أحدًا إلاّ وخالطت معاشرته تلك الصّفة من التلوّن والنّفاق، دون أن يخطر له شيء سوى منافعه الخاصّة وأنانيّته وعبادته ولذّاته، واضعًا تحت قدميه الصّداقة والحميّة والهمّة والفتوّة. ومتّسمًا في كلّ حركاته وسكناته بالتلوّن، ولا يمتنع عن أيّ فساد وقبح ووقاحة"2.
 
4- الادّعائية
إنّ الادّعائيّة تبدأ صغيرة أو محدودة، وتصبح مع مرور الوقت حالة راسخة إلى الدّرجة التي لا يشعر معها صاحبها أنّها موجودة في كلّ شيء. فيدّعي الإيمان ومقامات القرب، ولا يكترث إذا كان ادّعاؤه كاذبًا، ولا يلتفت إلى قبح ذلك، فيما إذا كان بين يديّ الله تعالى.
 
كما أنّ أكثر النّاس يبدؤون مع الادّعاء، وتكون عباداتهم محض ادّعاء دون قصد معانيها، كما يحصل في الصّلاة التي تحتوي على أعظم المعاني والأسرار الغيبيّة والحقائق العرفانيّة. وإنّما كان برنامج الدّين على هذا المنوال من أجل أن يتمرّن النّاس على إدخال هذه المعاني



1 الأربعون حديثًا، ص 189 - 190.
2 (م.ن), ص 184.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

146

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 من خلال التّوجّه إليه أثناء عباداتهم شيئًا فشيئًا. فإذا أهملوا ذلك، ولم يكترثوا لتلك الأسرار والحقائق، لم يبقَ من عباداتهم سوى تلك الحالة التي يصبحون معها سود الوجوه في المحضر الإلهيّ.

 
ويذكر الإمام قدس سره هذه الحقيقة قائلًا: "وإذا كان في القلب شائبة في هذه الدّعاوى ـ التي تكون الأوضاع الصّلاتيّة إشارة إليها ـ فهو نفاق عند أرباب المعرفة، وحيث إنّ خطر هذا المقام أعظم الأخطار، فيلزم للسّالك إلى الله أن يتمسّك بذيل عناية الحقّ جلّ وعلا، بجبلّته الذّاتيّة وفطرته القلبيّة، ويسأله العفو عن التّقصيرات بالذلّة والمسكنة، لأنّ هذا المقام مقامٌ خطيرٌ خارج عن عهدة أمثالنا"1.
 
ويقول قدس سره: "الشّهادة القوليّة وهي معلومة. وهذه الشّهادة القوليّة اذا لم تكن مشفوعة بالشّهادة القلبيّة، ولو ببعض مراتبها النّازلة، لا تكون شهادة، بل تكون خدعةً ونفاقًا... فعلى السّالك أن يجعل الشّهادة الصّوريّة بقصر المعبوديّة للحقّ تعالى جلّت عظمته منطبقة على الشّهادة القلبيّة الباطنيّة، ويعلم أنّه إن كان في القلب معبودٌ سواه فهو منافق في هذه الشّهادة"2.



1 معراج السالكين، ص 354.
2 (م.ن)، ص 145.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

147

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 المفاهيم الرئيسة

1- الأصل في القلب هو التّوجّه إلى مقصدِ واحدٍ. والمنافق شخصٌ لم يحسم توجّهه، فهو لا يستقرّ على حال أو جهة، ممّا يجعله في حالة من التّذبذب والتقلّب والازدواجيّة والتلوّن، حتّى ينتهي أمره وقد خسر فرصته الوحيدة للسّفر إلى الله والسّير إلى لقائه.

2- النفاق العملي هو لقاء المسلمين بوجهين فيبدي المرء ظاهر حاله وصورته الخارجيّة لهم على خلاف ما تكون في باطنه وسريرته، والنفاق القولي هو الثّناء على كلّ من يلقاه من المسلمين وامتداحه والتملّق له، ولكنّه في غيابه يعمد إلى تكذيبه وإلى استغابته.

3- في ساحتنا وبيئتنا المسلمة المتديّنة نماذج وحالات متعلقة بالازدواجية، منها:
- ادّعاء التّوحيد وخضوع القلب لأهل الدنيا.
- ادّعاء الإِسلام والإِيمان مع عدم الامتناع عن إلحاق الظلم والإِجحاف بحقّ الآخرين.
- ادّعاء أهل العلم كمال الإِخلاص والولاية وخلافة الرّسول مع الميل الى الدنيا.
- ادّعاء الحكماء الإِيمان الحقيقيّ المبرهن، دون التقدّم ولو خطوة خارج حجب الألفاظ.

4- ينشأ النّفاق من:
- حبّ الدّنيا.
- الاعتقاد بوجود مؤثّر غير الله.
- الغفلة عن إصلاح النّفس: قد يكون النفاق شعبة في القلب ويعود ليغطّيه بأكلمه.
- الادّعائية: كأداء العبادة دون قصد المعاني كما يحصل في الصّلاة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

148

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللّهُمَّ ماكانَ فِي قَلْبِي مِنْ شَكٍّ أَوْ رِيْبَةٍ أَوْ جُحُودٍ أَوْ قُنُوطٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ بَذَخٍ أَوْ بَطَرٍ أَوْ خُيَلاَء أَوْ رِياءٍ أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ شِقاقٍ أَوْ نِفاقٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ فُسُوقٍ أَوْ عِصْيانٍ أَوْ عَظَمَةٍ أَوْ شَيْء لا تُحِبُّ فأَسْأَلُكَ يارَبِّ أَنْ تُبَدِّلَنِي مَكانَهُ إِيماناً بِوَعْدِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ، وَرِضاً بِقَضائِكَ، وَزُهْداً فِي الدُّنْيا، وَرَغْبَهً فِيما عِنْدَكَ، وَأَثَرَةً وَطمْأَنِينَةً وَتَوْبَةً نَصُوحاً، أَسْأَلُكَ ذلِكَ يارَبَّ العالَمِينَ"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾2.
 
2- ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾3.
 
الروايات الشريفة:
1- عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، إذا قام في الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر، وإذا جلس شغر، يمسي وهمه الطّعام وهو مفطر، ويصبح وهمّه النّوم ولم يسهر، إن حدّثك كذّبك، وإن وعدك أخلفك، وإن ائتمنته خانك، وإن خالفته اغتابك"4.
 
2- عن الإمام علي عليه السلام: "المنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا، وإذا استغنى طغا، وإذا أصابته شدة ضغا، فهو قريب السخط بعيد الرضا، يسخطه على



1 مفاتيح الجنان، دعاء أول ليلة من شهر رمضان.
2 سورة النساء، الآية 142.
3 سورة التوبة، الآية 67.
4 بحار الأنوار، ج64، ص 291.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

149

الدرس الثاني عشر: النفاق (1) - ماهية النفاق ومنشؤه

 الله اليسير، ولا يرضيه الكثير، ينوي كثيرا من الشر ويعمل بطائفة منه، ويتلهّف على ما فاته من الشرّ، كيف لم يعمل به"1.

 
3- عن الإمام الصادق عليه السلام: "أربعٌ من علامات النفاق: قساوة القلب، وجمود العين، والإصرار على الذنب، والحرص على الدنيا"2.
 
4- عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعٌ من كنّ فيه فهو منافق، وإن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"3.
 
5- عن الإمام علي عليه السلام: "لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني، وذلك أنّه قضي، فانقضى على لسان النبيّ الأميّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: يا علي، لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق"4.



1 بحار الأنوار، ج75، ص 50.
2 مستدرك الوسائل، ج11، ص 367.
3 بحار الأنوار، ج69، ص 261.
4 نهج البلاغة، ص 477.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
182

150

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 الدرس الثالث عشر: النفاق (2)  - آثار النفاق وعلاجه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن الآثار الوخيمة للنّفاق وكيف يؤدّي إلى نسيان النّفس والغفلة عن عيوبها.
2- يتعرّف إلى المساوئ الأخلاقيّة الأخرى التي يوقعنا فيها النّفاق.
3- يبيّن دور الاعتراف بالعجز ومراقبة النفس في الخروج من النّفاق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

151

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 تمهيد

غالبًا ما تأخذنا الدّراسات الأخلاقيّة إلى فهم أعمق لأوضاع المجتمعات البشريّة، فنفهم معها الكثير من الوقائع والأحداث التي جرت وأدّت إلى تحوّلات كبيرة رسمت مصيرها. لقد كان لتيّار النّفاق في المجتمع المسلم في بداية عهده الأثر الكبير لما جرى على الإسلام والمسلمين فيما بعد. ويمكن القول أنّ ما شهدناه من أوضاع محوريّة في هذا المجال إنّما كانت بسبب هذه الموبقة.

وبالإضافة إلى الآثار الإجتماعية، فإنّ أكثر الكتابات الأخلاقيّة التي تعرّضت لهذا المرض المهلك تناولت الآثار الفرديّة على مستوى النّفس وحالاتها. إلّا أنّ أساس النّهوض للإصلاح يكمن في النّظر إلى هذا المرض كحالة نفسيّة تستفحل من جرّاء عدم الاهتمام الكافي بمراقبة النّفس. فهو مرض خفيّ له شعب كثيرة لا تنحصر بعدد قليل من الناس!

ما هي الآثار التي تنجم عن الازدواجية؟
1- نسيان النّفس
قد علمنا ممّا ذُكر بعض الآثار الوخيمة لصفة النّفاق والازدواجيّة. ولعلّ أخطر ما فيها على مستوى المريض نفسه هو أنّه لن يتمكّن بعد استفحالها من معرفة نفسه أو عيوبها، فمثله كمثل الذي استمرّ في الكذب حتّى صدّق كذبته، ولهذا قد ترجو لشخص توغّل في المعاصي والموبقات وهو يعترف بسوء حاله، لكن من الصّعب أن تأمل خيرًا فيمن يدّعي أنّه على خير لكنّه ليس كذلك في الحقيقة.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أيّها العزيز، أنّ من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين، النفاق مع الله تعالى والتوجّه إلى مالك الملوك ووليّ النِعم بوجهين، حيث نكون
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

152

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 المبتلين به في هذا العالمُ ونحن غافلون عنه، لأنّ أستار الجهل الكثيفة وحجب الأنانية المظلمة وحبّ الدنيا وحبّ الذات مسدولة عليه ومختفية عنّا، ومن الصعب جداً أن ننتبه له قبل انكشاف السرائر، ورفع الحجب، والظعن عن دنيا الطبيعة، وشدّ الرحال عن دار الغرور ودار الجهل والغفلة.

 
إنّنا الآن غارقون في نوم الغفلة، محكومون لسكر الطّبيعة، والميول والرّغبات التي تزيّن لنا كلّ قبائح الأخلاق وفساد الأعمال، وإذا ما استيقظنا وصحونا من هذه السّكرة العميقة يكون قد فات الأوان، إذ نجد أنفسنا قد صرنا في زمرة المنافقين وذي الوجهين واللسانين وحُشرنا بلسانين من نار، أو بوجهين مشوّهين بشعين! وعندئذٍ لن تنفعنا نداءاتنا ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، إنّنا نجاب بـ كلاّ"1.
 
2- الذّلّ والفضيحة في الدّنيا
لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أنّ أساس الازدواجيّة والادّعائيّة يرجع إلى أنّ المدّعي يجد في إظهار حقيقة ما في نفسه تعارضًا مع مصلحته ودوافعه الباطنيّة. فالذين حسموا أمرهم لصالح الدّنيا ينسجمون في كلّ مراتب وجودهم معها، فهم عاشقون للدّنيا قلبًا وقولًا وعملًا، لكنّ المذبذب المنافق يخشى إن أظهر ما في دخيلة نفسه أن يُحرم من الوصول إليها. وخطر مثل هذه الشخصيّة أشدّ وأقبح، لأنّ صاحبها يقدّم أنموذجًا سيّئًا للدّين والإيمان، فيكون بذلك قاطع طريق المعنويّات والرّوحيّة الصّادقة. وللمنافق في الدّنيا عاقبة سيّئة، وإن كانت لا تُقارن بعقوبة الآخرة.
 
يقول الإمام قدس سره: "إنّ النفاق والاتّصاف بذي الوجهين، وإن كانا في أنفسهما من الصفات القبيحة التي لا يتّصف بها الإنسان الشّريف، ويُعتبر المتّصف بها خارجًا عن المجتمع الإِنسانيّ، بل لا يكون شبيهًا بأيّ حيوان، ويبعثان على الفضيحة والذلّ في هذه الدّنيا أمام الأصحاب والأقران"2.



1 الأربعون حديثًا، ص 188.
2 (م.ن)، ص 185.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

153

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل يضيف الإمام ويقول: "إنّ الإِنسان في هذه الدّنيا إذا عُرف بهذه الصّفة بين الناس سقط من أنظارهم، وافتُضح بين الخاصّة والعامّة، وفقد كرامته بين أصحابه، فيطردونه من مجالسهم، ويتخلّف عن محافل أنسهم، ويقتصر عن اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد"1.

 
3- العذاب والافتضاح في الآخرة
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام، قالَ: "مَنْ لَقِيَ المُسْلِمِين بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ"2.
 
يقول الإمام قدس سره: "إنّ النفاق والاتّصاف بذي الوجهين يوجبان الذلّ والعذاب الأليم في الآخرة، فقد جاء وصفه في الحديث الشّريف وصف المنافق بأنّ صورته في ذلك العالم "أَنَّهُ يَحْشَرُ بِلِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ" ويسبّبان طأطأة الرأس والفضيحة أمام خلق الله وفي حضرة الأنبياء المرسلين والملائكة المقرّبين. كما يتّضح من هذا الحديث شدّة عذاب المنافق وذي الوجهين، لأنّه إذا أصبح جوهر الجسم جوهر النّار، كان الإحساس أقوى والألم أشدّ ـ أعوذ بالله من شدّته ـ. عن علي عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ ذُو الوَجْهَيْنِ دَالِعًا لِسَانَهُ فِي قَفَاهُ، وَآخَرُ مِنْ قُدّامِهِ يَلْتَهِبَانِ نَارًا حَتَّى يَلْهَبَا جَسَدَهُ، ثُمَّ يُقَالُ: هذَا الذَّي كَانَ فِي الدُّنْيَا ذَا وَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ يُعْرَفُ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ"3. وَيَكُونُ مَشْمُولًا بِالآيَةِ الشرِيفَة: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾4"5.



1 الأربعون حديثًا، ص 186 - 187.
2 الكافي، ج2، ص 343.
3 وسائل الشيعة، ج8، الباب 143، من أبواب احكام العشرة، ح5.
4 سورة الرعد، الآية 25.
5 الأربعون حديثًا، ص 185.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

154

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 4- منشأ لآفات ورذائل أخرى

يضيف الإمام قدس سره: "إنّ النّفاق وذا الوجهين، مضافًا إلى ما تقدّم، يكونان مصدر كثير من المفاسد والمهالك، مثل "الفتنة"... ومثل "النّميمة"... ومثل "الغيبة" ... ومثل "إيذاء المؤمن وسبّه وكشف السّتر عنه وإفشاء سرّه، وغيرها ممّا يُعدّ كلّ واحدٍ منها سببًا لهلاك الإنسان"1.
 
"واعلم أنّه تندرج في النّفاق وذي الوجهين جملة أمور، هي: الغمز واللمز والكنايات التي يطلقها بعض الناس على بعضهم الآخر، على الرّغم من إظهار المحبّة والصّداقة الحميمة"2.
 
كيف نتعامل مع هذا المرض ونتخلّص منه؟
1- ترك الادّعاء والاعتراف بالعجز
من المهمّ أن نلتفت إلى أنّ القسم الأكبر من برنامج الإسلام في تربية الإنسان وإعداده يعتمد على إدخال المعاني المقدّسة إلى الباطن والقلب من خلال اللسان والظّاهر، وذلك من خلال المجاهدة القلبيّة التي تعني التّوجّه إلى هذه المعاني صدقًا وطلبها حقًّا. ففي البداية يكون الإنسان خاليًا تمامًا من جميع هذه المعاني، فيبدأ بذكرها على لسانه مع التّوجّه إليها بقلبه، من أجل أن تتحوّل إلى حالة ثابتة في قلبه.
 
فما الذي يقف أمام هذه العمليّة التربويّة، ويمنع من تحقيق أهدافها؟ إنّه الادّعاء. الادّعاء بأنّنا نقول تلك المعاني حقًّا وصدقًا، بينما نحن لسنا كذلك. ولو أنّنا تركنا الادّعاء واعترفنا بعجزنا وقصورنا عن الوصول إلى تلك الأحوال والمقامات والحقائق لأدركتنا يد العناية الإلهيّة.
 
يقول الإمام قدس سره: "واعلم أنّ الشّهادة بالوحدانيّة والرّسالة ـ في الأذان والإقامة وهما من متعلّقات الصّلاة ومهيّئات الورود فيها، وفي التّشهّد وهو الخروج من الفناء إلى البقاء ومن الوحدة إلى الكثرة وفي آخر الصّلاة ـ تذكّر العبد السّالك أنّ حقيقة الصّلاة حصول التّوحيد الحقيقيّ، والشّهادة بالوحدانيّة من مقاماتها الشّاملة التي تكون مع السّالك من أوّل 



1 الأربعون حديثًا، ص185 - 186.
2 (م.ن), 186.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

155

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 الصّلاة إلى آخرها، وفيها أيضا سرّ أوّليّة الحقّ جلّ وعلا وآخريّته، وفيها أيضًا سرٌّ عظيم وهو أنّ سفر السّالك من الله وإلى الله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ...﴾1 فللسّالك أن يتوجّه في جميع المقامات إلى هذا المقصد ويوصل إلى القلب حقيقة وحدانيّة الحقّ وألوهيّته ويجعل القلب إلهيًّا في هذا السّفر المعراجيّ لتكون شهادته حقيقيّة وتتنزّه من النّفاق والشّرك"2.

 
وفي مقام الرّكوع، حيث إنّ للسّالك دعوى أنّه ليس في دار الوجود علم ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة إلّا من الحقّ تعالى، وهذا الادّعاء عظيم والمقام دقيق للغاية ولا ينبغي صدور هذه الدّعاوى من أمثالنا، فلا بدّ أن نتوجّه بباطن ذاتنا إلى جناب الحقّ المقدّس بالتضرّع والمسكنة والذلّة، ونعتذر عن القصور والتّقصير ونجد نقصاننا بعين العيان وشهود الوجدان، فلعلّه يصدر عن هذا المقام المقدّس توجّه وعناية ويصير حال الاضطرار سببًا للإجابة من الذّات المقدّسة: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾3"4.
 
2- النّهوض لإصلاح النّفس
إنّ المبدأ الأساسيّ في جهاد النّفس هو الالتفات إلى معنى "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك"5، ولعلّه لهذا السّبب استُعمل الجّهاد الأكبر معها، والفرصة الوحيدة لهذا الجّهاد هي هذه الحياة الدّنيا، وأثمن مرحلة فيها هي مرحلة الشّباب حيث القوى المختلفة في أوجها.

 
ولهذا قال الإمام الخميني قدس سره: "إنّ كل رذيلة لم يتصدَّ لها المرء بالعلاج النّاجع، بل خضع لها وتبعها، مالت إلى الاشتداد، وإنّ درجات اشتداد الرّذائل، مثل درجات اشتداد الفضائل، غير متناهية ولا تقف عند حدّ"6.
 
كما أنّ "التجربة والبراهين تدلّ على أنّه ما دامت النّفس في هذه الدّنيا، كانت منفعلة بما يصدر عنها من أفعال وأقوال، الصّالحة منها والطّالحة، ويكون لكلّ ذلك أثر فيها. فإذا



1 سورة الأعراف، الآية 29.
2 معراج السالكين، ص 360.
3 سورة النمل، الآية 62.
4 (م.ن), ص 348.
5 بحار الأنوار، ج67، ص36، باب القلب صلاحه وفساده.
6 الأربعون حديثًا، ص 184.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

 


156

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 كان العمل صالحًا، كان أثره نورانيًّا كماليًّا، وإذا كان خلاف ذلك، كان أثره مظلمًا انتقاصيًّا، حتّى يصبح القلب كلّه نيّرًا أو مظلمًا، منخرطًا في سلك السّعداء أو الأشقياء. إذًا، فما دمنا في دار العمل وفي هذه المزرعة، فإنّنا نستطيع بإرادتنا أن ندفع بقلوبنا إمّا إلى السّعادة وإمّا إلى الشّقاء، لأنّ المرء رهينٌ بعمله وفعله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾1"2.

 
3- التفكّر بمفاسد هذه الموبقة
ولأنّ أساس كلّ خلق صالح أو فاسد عقيدة أو علم، فإنّ العلاج ينبغي أن يبدأ دومًا من إصلاح العلم.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أنّ لعلاج هذه الخطيئة الكبيرة طريقين: أحدهما: هو التّفكير في المفاسد التي تنتج عنها، ذلك أنّ الإِنسان في هذه الدّنيا إذا عُرف بهذه الصّفة بين النّاس سقط من أنظارهم، وافتُضح بين الخاصّة والعامّة، وفقد كرامته بين أصحابه، فيطردونه من مجالسهم، ويتخلّف عن محافل أنسهم، ويقتصر عن اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد، فعلى الإِنسان ذي الشّرف والضّمير أن يطهّر نفسه من هذا العار الملطّخ للشّرف، لكيلا يبتلى بأمثال هذه الحالات من الذلّ والضّعة. كذلك الأمر في عالم الآخرة، عالم كشف الأسرار، إذ كلّ ما هو مستور في هذه الدّنيا عن أنظار الناس لا يمكن ستره في عالم الآخرة. فهناك يحشر وهو مشوّه الخلقة بلسانين من نار، ويعذّب مع المنافقين والشياطين. إذًا، فالإِنسان العاقل إذا ما رأى هذه المفاسد، ولم يجد لذلك الخلق نتيجة غير القبح والرّذيلة، وجب عليه أن يتجنّب الاتّصاف بهذه الصّفة والسّلوك للمعالجة"3.
 
4- المراقبة والمحاسبة والعمل بالخلاف
"الطّريق الآخر: وهو الأسلوب العمليّ لعلاج النّفس وهو أن يراقب الإِنسان حركاته وسكناته بكلّ دقّة وتمحيص لفترة من الوقت، وأن يعمد إلى العمل بما يخالف رغبات النّفس وتمنّياتها، وأن يجاهد في جعل أعماله وأقواله في الظّاهر والباطن واحدة وأن يبتعد عن



1 سورة الزلزلة، الآيتان 7 و 8.
2 الأربعون حديثًا، ص 187.
3 معراج السالكين، ص 234.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

157

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 التّظاهر والتدليس في حياته العمليّة، وأن يطلب من الله تعالى، خلال ذلك، التّوفيق والنّجاح في التّغلّب على النّفس الأمّارة وأهوائها، ويعينه في محاولاته العلاجيّة، إذ إنّ فضل الله تعالى على النّاس ورحمته بهم لا نهاية لها، وهو يشمل بعونه كلّ من خطا نحو إصلاح نفسه، ويمدّ يد الرّحمة لانتشاله. فإذا ثابر على ذلك بعض الوقت، كان له أن يرجو لنفسه الصّفاء والانعتاق من النّفاق ذي الوجهينيّة، وأن يصل إلى حيث يتطهّر قلبه من هذه الرّذيلة، ليصبح موضع ألطاف الله ورحمة وليّ نعمته الحقيقي"1.

 
5- إدخال حقيقة أن "لا مؤثّر في الوجود إلّا الله" إلى القلب
"تذكّر أيّها العزيز، أنّ من آمن بالتّوحيد حقًّا وعلم أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وتوجّه إليه بقلبه، فإنّه تعالى سيأخذ بيده. وكما أنّه تعالى سيكشف له سوء عاقبة النّفاق، كذلك سيمدّه بتوفيق المجاهدة وينصره على عدوّه اللئيم الذي يتربّص به ليجعله مثيلًا له في الدّنيا وقرينًا له في الآخرة.
 
وما لم يمنع القلب عن تصرّف سائر الخلق، ولم يغمض عين الطّمع عن الموجودات، لا يلوذ بالله على الحقيقة، وتكون دعواه كاذبة، وينسلك بحسب مسلك أهل المعرفة في زمرة المنافقين ويُنسب إلى الخدعة والخديعة"2.



1 الأربعون حديثًا، ص 187.
2 (م.ن), ص 186 - 187.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

158

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 المفاهيم الرئيسة


1- آثار النّفاق:
نسيان النّفس والغفلة عن عيوبها: قد يُرجى لشخص توغّل في المعاصي والموبقات وهو يعترف بسوء حاله، لكن من الصّعب التأمل خيرًا فيمن يدّعي أنّه على خير لكنّه ليس كذلك في الحقيقة.

- قطع طريق المعنويّات على الآخرين: لأنّه يقدّم نموذجًا سيّئًا للدين بأنّه لا ينتج الصلاح والسعادة.
- الذّلّ والفضيحة في الدّنيا.
- العذاب والافتضاح في الآخرة.
- منشأ لآفات أخرى مثل الغيبة والنميمة والفتنة.

2- العلاج العلميّ للنفاق يكون:
بالتفكّر بمفاسد هذه الموبقة: لأنّ أساس كلّ خلق صالح أو فاسد عقيدة أو علم، فإنّ العلاج ينبغي أن يبدأ دومًا من إصلاح العلم.

3- العلاج العمليّ للنّفاق:
ترك الادّعاء والاعتراف بالعجز: فلو أنّنا تركنا الادّعاء واعترفنا بعجزنا وقصورنا عن الوصول إلى تلك الأحوال والمقامات والحقائق لأدركتنا يد العناية الإلهيّة.
النّهوض لإصلاح النّفس.
المراقبة والمحاسبة والعمل بالخلاف.
إدخال حقيقة أن "لا مؤثّر في الوجود إلّا الله" إلى القلب. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

159

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْبُرْ بِالْقُرْآنِ خَلَّتَنَا مِنْ عَدَمِ الإِمْلاَقِ، وَسُقْ إِلَيْنَا بِهِ رَغَدَ الْعَيْشِ وَخِصْبَ سَعَةِ الأَرْزَاقِ، وَجَنِّبْنَا بِهِ الضَّرَائِبَ الْمَذْمُومَةَ وَمَدَانِيَ الأَخْلاَقِ، وَاعْصِمْنَا بِهِ مِنْ هُوَّةِ الْكُفْرِ وَدَوَاعِي النِّفَاقِ، حَتَّى يَكُونَ لَنَا فِي الْقِيَامَةِ إِلَى رِضْوَانِكَ وَجِنَانِكَ قَائِداً، وَلَنَا فِي الدُّنْيَا عَنْ سُخْطِكَ وَتَعَدِّي حُدُودِكَ ذَائِداً"1.
 
الآيات الكريمة:
1- ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لا أتخوّف على أمّتي مؤمنًا ولا مشركًا، أمّا المؤمن فيحجره إيمانه، وأمّا المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوّف عليكم منافقًا عليم اللسان، يقول ما تعرفون، ويعمل ما تنكرون"3.
 
2- عن الإمام علي عليه السلام: "نفاق المرء من ذلٍّ يجده في نفسه"4.
 
3- عن الإمام علي عليه السلام: "الكذب يؤدّي إلى النّفاق"5.
 
4- عن أبي عبد الله عليه السلام: "الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر"6.
 
5- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليّ، فإنّها تذهب بالنّفاق"7.
 
6- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَد بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَة، وَلاَ لأحَد قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنىً، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأوَائِكُمْ، فَإنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَالْغَيُّ وَالضَّلاَلُ، فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلاَ تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إلَى اللهِ بِمِثْلِهِ"8.



1 الصحيفة السجّادية، دعاؤهعليه السلام عند ختم القرآن.
2 سورة النساء، الآية 140.
3 بحار الأنوار، ج2، ص. 110.
4 غرر الحكم، ص 458.
5 (م.ن), ص 220.
6 وسائل الشيعة،ج17، ص 309.
7 الكافي، ج2، ص 493.
8 مستدرك الوسائل، ج4، ص 239.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

160

الدرس الثالث عشر: النفاق (2) - آثار النفاق وعلاجه

 7- عن الإمام علي عليه السلام: "وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَب: عَلَى الأمْرِ بالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقيِنَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْمُنَافِقِينَ"1.

 


1 نهج البلاغة، ص 473.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

161

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) -  معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن معنى اتّباع الهوى وأين تكمن خطورته.
2- يشرح كيف تتشكّل الشخصيّة الأهوائيّة.
3- يتعرّف إلى العلامات التي نستطيع من خلالها اكتشاف هذه الرذيلة في أنفسنا.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

162

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 تمهيد

 
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾1.
 
الشّخصيّة التي سندرسها في هذا المجال شخصيّة تجعل رغبات النّفس وما تهواه أساسًا لاتّخاذ القرارات ومنشأ للتحرّكات والأفعال. وقد اعتُبرت هذه الحالة من الأمراض التي تؤدّي إلى الكثير من الموبقات والمهلكات، وسببًا لشقاء الإنسان الأبديّ! ولنا أن نسأل عن السّبب خصوصًا أنّ العديد من رغبات النّفس ليست متعلّقة بأمورٍ قبيحة أو شرّيرة.
 
فلو تعلّق الهوى بالمعاصي والقبائح لربّما كان واضحًا، أمّا أن تهوى النّفس أمرًا حسنًا، فلماذا سيقودها هذا الهوى في النّهاية إلى عاقبة سيّئة ووخيمة؟!
 
هذا ما يجعلنا نطرح سؤالًا كبيرًا حول طبيعة النّفس البشريّة في الرّؤية الإسلاميّة، فهل هي شرّيرة بطبيعتها؟ وهل أنّها تميل دومًا إلى استغلال كلّ توجّهٍ خيّرٍ من أجل الفساد والرّذيلة؟ أم أنّه يوجد في البين سرٌّ لا نعرفه؟
 
المشكلة الأساسيّة في اتّباع الهوى
بالاطّلاع على مجموعة مهمّة من الآيات الكريمة والأحاديث الشّريفة حول اتّباع الهوى، يمكن أن يتكشّف لنا بعدٌ مهمٌّ من الرّؤية الإسلاميّة حول العالم المعنويّ والباطنيّ للإنسان.
 
لقد عرفنا سابقًا أنّ المعيار الجوهريّ لكلّ خيرٍ أو شرّ هو مستوى وطبيعة علاقة الإنسان مع الله. فإذا كانت العلاقة حسنة وعامرة، فلا شرّ أو ضير أصلًا. وإذا كانت سيّئة وخرابًا، فلا ينفع أيّ خير.



1 سورة النازعات، الآيتان 40 و41.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
197

163

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 يقول الإمام قدس سره: "إنّ مبادىء جميع الكمالات ترجع إلى معرفة الله والتحرّر من أسر النفس، في حين أنّ حبَّ النفس والنّظر لها هو منشأ كلّ النقائص والسيئآت، كما أنّ التوجّه إلى الحقّ تعالى والإقبال عليه والإعراض عن الأهواء النفسيّة هو سبيل إصلاح جميع المفاسد: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾1"2.

 
وأجمل ما قيل في هذا المجال ما ورد في دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: "إلهي ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك"3.
 
أو ما جاء على لسان أحد الشّعراء:
فيا ليت الذي بيني وبينك عامر         وبيني وبين العالمين خراب
 
وكأنّ الشّاعر هنا يريد أن يقول: إنّني لا أبالي إن كانت علاقتي بكلّ العالم خرابًا، طالما أنّ علاقتي بك عامرة وجيّدة. وبالتّأكيد، عندما تصلح علاقتنا مع الله، فإنّ كلّ شيء سيصلح على قاعدة الحديث المشهور "مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، أَصْلَحَ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ"4.
 
لا يشكّ من آمن بوحدانيّة الله بهذا المبدأ، لأنّه يعتقد بأنّ الله هو المصدر الوحيد لكلّ خير. أجل، تقتضي إرادة الله تعالى أن يجري الخير على أيدي النّاس أحيانًا. فمن كان مؤمنًا بهذه الحقيقة ويعيشها في قلبه ووجدانه يستحيل أن يعلّق إرادته وقلبه بغير الله، مهما كان! وكيف يتّبع من لا حول ولا قوّة له بذاته، أو يجري وراء من كان محتاجًا بذاته؟ وهل يمكن للفقير القائم بغيره أن يغني من كان مثله؟!
 
إنّ اتبّاع الهوى يعبّر عن تأزّم العلاقة بين الإنسان وربّه إلى الحدّ الذي يصدّه عن الوصول إليه، كما جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إِنَّما أخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: اتِّبَاع الهَوى وَطُولَ الأمَلِ، أمّا إتِّباعُ الهَوى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ وَأمّا طُولُ الأَمَل، فَإِنَّهُ يُنسِي



1 سورة النساء، الآية 79.
2 جنود العقل والجهل، ص 305
3 مفاتيح الجنان، دعاء يوم عرفة.
4 نهج البلاغة، ص483

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
198

 


164

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 الآخرة"1. وإذا كانت العاقبة والنّتيجة الصّدود عن الحقّ، تعالى، فهل يبقى فيه من الخير شيء؟

 
هذا ما ينبغي أن ندرسه في بحثنا حول الشّخصيّة التي تكون أهواء النّفس المصدر الأساسيّ لتوجّهاتها وميولها وتحرّكاتها.
 
ما هي الشّخصيّة الأهوائيّة؟
بدايةً يجب أن نتعرّف على معنى "الهوى" الوارد في الحديث عن هذه الشّخصيّة.
 
يقول الإمام الخمينيّ: "الهوى" في اللغة "حبّ الشّيء" و"اشتهاؤه" من دون فرق في أن يكون المتعلّق أمرًا حسنًا ممدوحًا، أو قبيحًا مذمومًا، وبمعزل عن أنّ النفس بمقتضى الطّبيعة تميل إلى الشّهوات الباطلة والأهواء النّفسيّة، لولا العقل والشّرع اللذان يكبحانها"2.
 
ويُعلم من هذا التّعريف أنّ المشكلة أو المصيبة التي أشارت إليها النّصوص الدّينيّة لا تكمن في اتّباع الفساد أو الرّذيلة فحسب، بل في كون النّفس في مقام السّلطان الآمر النّاهي، بحيث لو فرضنا أنَّ إنسانًا لم يفعل القبيح في حياته كلّها، لا لشيء سوى إرضاءً لنفسه أو إطاعةً لهواه لكان مع ذلك من الهالكين ما لم تدركه يد الرحمة فيهتدي ويتوب!
 
وبالطّبع، إنّ فرض المحال ليس محالًا، لأنّ من كان مطيعًا لهواه، سوف يجنح إلى السّوء والفساد، ولو بعد حين، وأسباب هذه المسألة سوف تتّضح عمّا قريب.
 
إلّا أنّ أفسد ما في القضيّة ليس الفساد الذي نتصوّره، من ارتكاب المعاصي والفواحش، بل في الجنوح والانحراف عن هدف الخلقة وسرّ الوجود، ألا وهو العبوديّة لله تعالى، كما أراد الله عز وجلّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾3. ولو علم إبليس اللعين أنّه يستطيع أن يمنع الإنسان من الوصول إلى هذا المقام السّامي مع فعل الخيرات، لكان يحثّه ويشجّعه عليها، فما من شيء أحبّ إلى عدوّ الله والإنسانيّة هذا، أكثر من عدم تحقّق إرادة الله من خلق الإنسان في هذا العالم!



1 نهج البلاغة، ص83.
2 الأربعون حديثًا، ص 195.
3 سورة الذّاريات، الآية 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

165

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 لن نتمكّن من فهم حقيقة قضيّة اتّباع الهوى (والتي تُعتبر من مميّزات الفكر الإسلاميّ البارزة) إلّا إذا أدركنا بأنّ طاعة الله والخضوع المطلق له هما نقيضان لطاعة غيره واتّباعه. ولا نقصد بالغير من كان عبدًا فانيًا في الله، وقد صارت شخصيّته وإرادته ذائبةً في ذات الحقّ المتعال وإرادته: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾1.

 
إنّ الهوى النّاشئ من النّفس يتعارض مع الهوى النّاشئ من الله، ولهذا جُعلا كالمتقابلين المتضادّين.
 
كما في قول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّ كل خطوة يخطوها (الإنسان) في اتّباع هوى النّفس، يكون بالمقدار نفسه قد منع الحقّ، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار الكمال الإنسانيّ وأسرار وجوده. وبعكس ذلك، كلّما خطا خطوة مخالفة لهوى النّفس ورغبتها، يكون بالمقدار نفسه قد أزاح الحجاب وتجلّى نور الحقّ في المملكة"2.
 
وكما في الحديث الشّريف الوارد في الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يَقُولُ الله عَزَّ وجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعَظَمَتِي وَكِبْرِيائِي وَنُورِي وَعُلوّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي، لا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَواهُ على هَوايَ إلاّ شَتَّتُّ عَليهِ أَمْرَهُ، وَلَبَّسْتُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَشَغَلْتُ قَلْبَهُ بِهَا، وَلَمْ أوتِهِ مِنْها إلاّ ما قدَّرْتُ لَهُ، وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَعَظَمَتِي وَنُورِي وَعُلُوّي وَارْتِفَاع مَكَانِي، لا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوايَ عَلَى هَواهُ إلاّ اسْتَحْفَظَتْهُ مَلائِكَتِي، وَكَفَّلْتُ السَّمَاواتِ والأَرْضَينَ رِزْقَةُ وَكُنْتُ لَهُ مِن وَرَاءِ تِجارةِ كُلِّ تَاجِرٍ، وَأتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ راغِمَةٌ"3.
 
هذا هو حال جميع النّاس، إلّا من أيّده الله تعالى، فجعل له حافظًا قدسيًّا. ولهذا الشّخص علامات يُعرف بها، ولأجلها صار من زمرة المعصومين الذين وجبت طاعتهم وموالاتهم في كلّ شيء. وفي غير هذه الصّورة، فإنّ من لم يستقرّ أمره في حظيرة القدس، كيف يأمن لنفسٍ بالسّوء أمّارة وإلى الشرّ مبادرة؟! وقد مرّ معنا كيف أظهر الإمام قدس سره من بواطننا ما قد يخفى علينا، في حديثٍ طويلٍ وعميقٍ، يجدر أن نجريه مع أنفسنا في خلواتنا. هناك،



1 سورة النّساء، الآية 80.
2 الأربعون حديثًا، ص 197.
3 الكافي، ج2، ص 335.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
200

166

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 لا يمكن لأحد إذا كان فيه بقيّة عقل ودين أن يبرّئ نفسه أبدًا.

 
وهكذا، يتّضح لنا أنّ مشكلة الشخصيّة الأهوائيّة ترجع إلى أمرين أساسيّين:
 
الأوّل: أنّ اتّباع الهوى سيصدّ الإنسان ويمنعه من تحقيق حالة العبوديّة، التي هي في جوهرها عبارة عن الاتّصال المطلق بمصدر الخير والكمال الأوحد.
 
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "فمن سعى بخطوة العبودية ووسم ناصيته بسمة ذلّها سيجد سبيل الوصول إلى عزّ الربوبية، وطريق الوصول إلى الحقائق الربّوبيّة هو السّير في مدارج العبوديّة، فما فقد من الإنّيّة والأنانية في عبوديّته يجده في ظّل حمى الرّبوبيّة، حتّى يصل إلى مقام يكون الحقّ تعالى سمعه وبصره ويده ورجله، كما ورد في الحديث1 الصحيح المشهور عند الفريقين. فإذا أسقط العبد تصرّفاته وسلّم مملكة وجوده كلّها إلى الحقّ وخلّى بين البيت وصاحبه وفني في عزّ الربوبية، فحينئذٍ يكون المتصرّف في الدّار صاحبها فتصير تدبيراته تدبيرات إلهيّة، فيكون بصره بصرًا إلهيًّا وينظر ببصر الحقّ، ويكون سمعه سمعًا إلهيًّا فيسمع بسمع الحقّ. وبمقدار ما تزداد ربوبيّة النّفس ويكون عزّها غاية في نظره، ينقص من عزّ الرّبوبيّة، لأنّ هذين متقابلان "الدنيا والآخرة ضرتان"2"3.
 
الثّاني: إنّ النّفس بطبيعتها الملكية المادية تتّجه إلى الفساد والشرّ والهلاك والخسران. وإنّ الاستثناء يكون بالاعتصام بالله وترك الهوى، ولعلّ العصر المباركة إشارة قويّة إلى هذه القضيّة.
 
كيف تتشكّل الشّخصيّة الأهوائيّة؟
بدايةً نتوقّف عند بيان الإمام الخميني قدس سره لنشوء النّفس وكيفيّة تكوّنها، حيث يقول: "اعلم أنّ النّفس الإنسانيّة، على الرّغم من كونها ـ في معنًى من المعاني الخارجة عن نطاق بحثنا - مفطورة على التّوحيد، بل هي مفطورة على جميع العقائد الحقّة، ولكنّها منذ ولادتها 



1 "مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُ".الكافي، ج2، ص 352، باب من آذى المسلمين واحتقرهم.
2 بحار الأنوار، ج70، ص50، باب حبّ الدّنيا وذمّها.
3 معراج السالكين، ص 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
201

167

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 وخروجها إلى هذا العالم تنمو معها الميول النّفسيّة والشّهوات الحيوانيّة، إلاّ من أيّده الله وكان له حافظًا قدسيًّا. ولمّا كان هذا الاستثناء من النّوادر فإنّه لا يدخل في حسابنا، لأنّنا نتناول نوع الإنسان عمومًا.

 
لقد ثبت في محلّه بالبراهين أنّ الإنسان منذ أوّل ظهوره، وبعد مروره بمراحل عدّة، لا يعدو أن يكون حيوانًا ضعيفًا لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلاّ بقابليّاته الإنسانيّة، وأنّ تلك القابليّات ليست بمقياس إنسانيّته الفعليّة"1.
 
بالنّظر إلى وجود الكثير من الشّبهات في هذا المجال من جهة، وإلى خطورة الأمر وحساسيّته من جهة أخرى، فمن المهمّ أن نتعامل مع كلمات الإمام الخمينيّ بحسب الاجتهاد العرفيّ، الذي يدرك أنّ للشّخص الحكيم في بيانه ما هو محكم ومتشابه. والعرف يرجع كلّ متشابهٍ إلى المحكم ليفهم المقصود منه.
 
وحديث الإمام عن النّفس وأصلها ومعدنها هو من هذا القبيل. ولا يمكن إدراج كل ما ذكره هذا العالِم الفقيه حول هذه القضيّة في هذه الصّفحات المختصرة. لكنّ التأمّل في بعض نصوصه لا يبقي مجالًا للتردّد والحيرة بأنّ:
 
1- النّفس في الأصل تتّجه نحو الباطل. وهذا إنّما يحصل لو تركها صاحبها دون تهذيب، ولم يوصلها بأنوار الهداية الإلهيّة، وهي نور العقل ونور الفطرة.
 
يقول الإمام قدس سره: "الإنسان حيوان بالفعل عند دخوله هذا العالم، ولا معيار له سوى شريعة الحيوانات التي تديرها الشهوة والغضب. ولكن لمّا كان أعجوبة الدهر هذا ـ الإنسان ـ ذات جامعة، أو قابلة على الجمع، فإنّه لكي يدبّر هاتين القوّتين، تجده يلتجئ إلى استعمال الصّفات الشّيطانيّة، مثل الكذب والخديعة والنّفاق والنّميمة وسائر الصّفات الشّيطانيّة الأخرى. وهو بهذه القوى الثّلاث ـ الشّهوة، والغضب، وهوى النّفس ـ التي هي أصل كلّ المفاسد المهلكة، يخطو نحو التّقدّم، فتنمو فيه كذلك هذه القوى وتتقدّم وتتعاظم. وإذا لم تقع تحت تأثير مربّ أو معلّم، فإنّه يصبح عند الرّشد والبلوغ حيوانًا عجيبًا يفوز بقصب السّبق في تلك الأمور المذكورة على سائر الحيوانات والشّياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام الحيوانية والصّفات الشيطانية من الجميع"2.



1 الأربعون حديثًا، ص 195 - 196.
2 (م.ن)، ص 196.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
202

168

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 2- الخير من الله وبالله. وهو لا يحصل على سبيل القهر التّكوينيّ، فما لم يختر الإنسان هذا الصّراط، فإنّه لن يتحرّك نحوه. يقول الإمام قدس سره: "وكمال الإخلاص ترك الغير مطلقًا وجعل الإنّيّة والأنانية والغير والغيريّة تحت القدمين، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾1، أي إنّ الله تعالى قد اختار لنفسه الدّين الخالص، فإذا كان لشيءٍ من الحظوظ النّفسيّة والشّيطانيّة دخل في الدّين فلا يكون خالصًا، وما ليس بخالص فإنّ الله لم يختره. وما كانت فيه شائبة الغيريّة والنّفسيّة فهو خارج عن حدود دين الحقّ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾2.. وقال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾3".4

 
3- تمايز الإنسان في أصل الخلقة عن سائر الحيوانات هو بالقابليّات الإنسانيّة. بمعنى أنّه يمتلك استعدادًا مميّزًا ليكون في أعلى مراتب الكمال والكرامة. لكنّ الميزان هو في الفعليّة والتحقّق، لا في القابليّة والاستعداد، بل من لم يستثمر هذا الاستعداد سيكون أحطّ من الأنعام وأضلّ سبيلًا. ولن تشفع له تلك القابليّات، بل لن تزيده سوى ألمًا وعذابًا.
 
وباختصار، ينشأ اتّباع الهوى من ترك النّفس على طبيعتها وإهمال تزكيتها وتهذيبها. ولا تحصل التّزكية إلّا بقوّة الاعتصام بالله والرّجوع إليه. يقول الإمام قدس سره:
 
"ما لم يتّبع في هذه الشّؤون الثّلاثة (قوى الشهوة، والغضب، وهوى النّفس) سوى أهوائه النّفسيّة، فلن يبرز فيه شيء من المعارف الإلهيّة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصّالحة، بل تنطفئ فيه جميع الأنوار الفطريّة.
 
فتقع جميع مراتب الحقّ التي لا تعدو هذه المقامات الثّلاثة التي ذكرناها ــ أي المعارف الإلهيّة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصّالحة ــ تحت أقدام الأهواء النفسية. وعندئذٍ يصبح اتّباع الأهواء النّفسيّة والرّغبات الحيوانيّة حائلًا دون أن يتجلّى فيه الحقّ من خلال 



1 سورة الزّمّر، الآية 3.
2 سورة البيّنة، الآية 5.
3 سورة الشّورى، الآية 20.
4 معراج السالكين، ص 171 - 172.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
203

169

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 أيّة واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النّفس وأهواؤها كلّ أنوار العقل والإيمان، ولن تتاح له ولادة ثانية، أي الولادة الإنسانيّة، بل يمكث على تلك الحال ويكون ممنوعًا ومصدودًا عن الحقّ والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم. إنّ مثل هذا الشّخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك الحالة، فلن يرى نفسه في ذلك العالم، عالم كشف السرائر، إلاّ حيوانًا أو شيطانًا. لا تُشمّ منه رائحة الإنسان والإنسانيّة أبدًا، فيبقى في تلك الحال من الظّلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتّى يقضي الله أمرًا كان مفعولا. إذاً، هذه هي حال التبعية الكاملة لأهواء النفس والتي تُبعد الإنسان نهائيًّا عن الحقّ"1.

 
ويُعلم من هذا الأصل أنّ تشكّل الشّخصيّة الأهوائيّة لا يحتاج إلى بيئة فاسدة أو وجود أخلاق رذيلة أو طبائع سيّئة أو علاقة حبّ لهذه الدّنيا الدّنيّة، بل يكفي ترك النّفس على طبيعتها. هذا، إذا لم نقل بأنّ الشّخصيّة الأهوائيّة يمكن أن تولّد كلّ تلك القبائح والمهلكات!
 
ويُفهم أيضًا أنّ التّعويل على التّواجد في البيئة الصّالحة فقط، أو على المنبت الحسن فحسب، لا ينفع ما لم ينظر الإنسان إلى نفسه بمنظار سوء الظنّ من جهة، ويتعامل معها على هذا الأساس معاملة المجاهدة والمخالفة والنّهي.
 
كيف نكتشف الشّخصيّة الأهوائيّة في أنفسنا؟
يقول الإمام الخميني قدس سره: "لا بُدَّ أن نعرف أنّ أهواء النّفس متعدّدة ومتنوّعة من حيث المراتب والمتعلّقات، وقد تكون أحيانًا من الدّقّة بحيث أنّ الإنسان نفسه يغفل عن ملاحظة أنّها من مكائد الشّيطان ومن أهواء النّفس، ما لم يُنَبّه على ذلك، ويوقظ من غفلته. إلاّ أنّها جميعها تشترك في كونها تمنع الحقّ وتصدّ عن طريقه، رغم اختلاف مراتبها ودرجاتها"2.
 
ويقدّم لنا الإمام بعض النّماذج التي تساعدنا على التعرّف على هذه الحالة إذا كانت خافية علينا. وتذهلنا بعض هذه المراتب، لأنّنا لا نتوقّع أن يصل أمر اتّباع الهوى إلى هذه الدّرجة. أجل، من كان له من الله هذا الواعظ الدّاخليّ والنّور الإلهيّ لم يطل به الأمر حتّى يكتشف تلوينات النّفس وحبائلها.



1 الأربعون حديثًا، ص196 - 197.
2 (م.ن)، ص 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
204

170

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 1- أتباع الآلهة الأخرى غير الله

"إنّ أصحاب الأهواء الباطلة من الذين يتّخذون الآلهة من الذّهب وغيرهم ـ كما يخبر الله سبحانه عنهم في قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾1 وغيرها من الآيات الشّريفة ـ ينقطعون عن الله، بصورة معيّنة"2.
 
ويوضح الإمام قدس سره: "وما دمنا نرى لأحد في عالم الوجود العزّة والكبرياء والعظمة والجلال ونحن في حجاب أصنام التعينّات الخلقية، فلن يتجلّى سلطان كبرياء الحقّ جلّ وعلا في قلوبنا"3.
 
2- أتباع العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة
"وإن أتْبَاع الأهواء النّفسيّة والأباطيل الشّيطانيّة في عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة يحتجبون عنه سبحانه بصورة أخرى"4.
 
"فإنّ أعظم القذارات المعنويّة التي لا يمكن تطهيرها بسبعة أبحر، وأعجزت الأنبياء العظام هي قذارة الجهل المركّب، الذي هو منشأ ذاك الدّاء العضال، ألا وهو إنكار مقامات أهل الله وأرباب المعرفة ومبدأ سوء الظنّ بأصحاب القلوب. وما دام الإنسان ملوّثًا بهذه القذارة، لا يتقدّم خطوة إلى المعارف، بل ربّما تطفىء هذه الكدورة نور الفطرة الذي هو مصباح طريق الهداية، وتنطفئ بها نار العشق التي هي براق العروج إلى المقامات وتخلّد الانسان في أرض الطبيعة"5.
 
و"ما دام الخلق الباطني للنفس فاسدًا والقذارات المعنوية محيطة بها، لا تليق بمقام القدس وخلوة الأنس، بل مبدأ فساد المملكة الظاهريّة للنّفس هو الأخلاق الفاسدة والملكات الخبيثة. وما دام السّالك لم يبدّل الملكات السّيّئة بالملكات الحسنة فليس مأمونا عن شرور الأعمال. واذا وُفّق للتوبة، فإنّ الاستقامة عليها ـ التي هي من المهمات ـ لا تتيسّر له. فتطهير



1 سورة الجاثية، الآية 23.
2 الأربعون حديثًا، ص 201.
3 معراج السالكين، ص141.
4 الأربعون حديثًا، ص 201.
5 معراج السالكين، ص67.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
205

171

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 الظًاهر أيضًا متوقّف على تطهير الباطن، مضافًا إلى أنّ القذارات الباطنية موجبة للحرمان من السّعادة ومنشأ لجهنّم الأخلاق التي هي كما يقول "أهل المعرفة" أشدّ حرًّا من جهنّم الأعمال"1.

 
3- أهل المعصية
"وإنّ أصحاب المعاصي الكبيرة والصّغيرة والموبقات والمهلكات كلٌّ حسب درجة المعصية ومرتبتها يبتعدون عن سبيل الحقّ بصورة ثالثة"2.
 
"فأوّل مرتبة من مراتب القذارات هي تلوّث الآلات والقوى الظاهرية للنفس بلوث المعاصي، وتقذّرها بقذارة التمرّد على وليّ النعم. وهذا هو الفخّ الصّوري الظاهري لإبليس. وما دام الإنسان أسير هذا الفخ فهو من فيض المحضر وحصول القرب الإلهي محروم. ولا يظنّن أحد أنّه يمكن أن يرقى إلى مقام حقيقة الإنسانية، أو يستطيع أن يطهّر باطن قلبه من دون تطهير ظاهر مملكة الإنسانية. فهذا غرور الشيطان ومن مكائده العظيمة، وذلك لأنّ الكدورات والظلمات القلبية تزداد بالمعاصي التي هي غلبة الطبيعة على الروحانية. وما دام السالك لم يفتتح المملكة الظاهرية فهو محروم بالكامل من الفتوحات الباطنية التي هي المقصد الأعلى، ولا ينفتح له طريق إلى السعادة. فأحد الموانع الكبيرة لهذا السلوك هو قذارات المعاصي التي لابدّ أن تطهّر بماء التوبة النصوح الطاهر الطهور"3.
 
4- أتباع المباحات
"وإنّ أهل الأهواء في الرّغبات النّفسيّة المباحة مع الانشغال والانهماك فيها يتخلّفون عن سبيل الحقّ بصورة رابعة"4.
 
5- أهل المناسك والطّاعات
"إنّ أهل المناسك والطّاعات الظّاهريّة الذين يعبدون من أجل عمران الآخرة وتلبية الشّهوات النّفسيّة، ومن أجل البلوغ إلى الدّرجات العلى أو الخشية من العذاب الأليم والنّجاة



1 معراج السالكين، ص69.
2 الأربعون حديثًا، ص 201.
3 معراج السالكين، بص66 - 67.
4 الأربعون حديثًا، ص 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
206

172

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 من الدّركات السّفلى يحتجبون عن الحقّ وسبيله بصورة خامسة"1.

 
"إن المعيار في تمييز الرّياضات الحقّة عن الرّياضات الباطلة هو معرفة الدّافع إليها - بمعنًى عرفانيّ دقيق ــ هل هو الاستجابة لطلب النفس حبّالها؟ أم الاستجابة للحقّ تعالى وحبًّا له؟ فالصّلاة التي تُقام من أجل الحصول على شهوات الدّنيا أو الآخرة، ليست هي الصّلاة التي تكون معراجًا للمؤمن وقربانًا للمتّقين، بل هي صلاة تقرّب الإنسان إلى الحور العين، وتبعده عن ساحة القرب الإلهي"2.
 
6- أصحاب تزكية النّفس
"وإنّ أصحاب تهذيب النّفس وترويضها، لإظهار قدرتها والوصول إلى جنّة الصّفات، محجوبون عن الحقّ ولقائه بنحوٍ آخر"3.
 
"فعلي بن أبي طالب - وهو رائد عشّاق الله - لا يطلب الجنّة لنفسه، بل لأنّها دار كرامة الله. أمّا ، نحن المساكين ، فكلّ ما نطلبه ونحبّه إنّما نريده لأنفسنا، حتى "الله" تبارك وتعالى نطلبه لأنفسنا، في حين أنّ كلّ ما يطلبه ويحبّه عشّاق الجمال الأزلي إنّما يطلبونه ويحبّونه من أجل الحبيب، حتى الجنّة يحبونها لأنها دار كرامته جلَّ وعلا، لا لأنّها محلّ للأكل الحيواني. نحن - الحيوانات ـ نطلب الجنّة كمعلفٍ نرتع فيه - وليس لنا فيها مقام أعلى من هذا، أمّا أولئك العشّاق لجمال الأزل، فهم يطلبون الجنّة وكلّ ما فيها من أجل الحبيب - جلَّ وعلا - ويتوسّلون بكلّ وسيلة من أجل الحبيب ومعرفته والانقطاع لحضرته القدسية"4.
 
7- أصحاب السّلوك والمقامات
"وإنّ أهل العرفان والسّلوك والانجذاب ومقامات العارفين الذين لا يهمّهم سوى لقاء الحقّ والوصول إلى مقام القرب، يحتجبون عن الحقّ وتجليّاته الخاصّة بنوع سابع، لأنّ التلوّن وآثار وجوده الخاص لا يزال عندهم موجودًا"5.



1 الأربعون حديثًا، ص 201.
2 جنود العقل والجهل، ص 107 - 108.
3 الأربعون حديثًا،ص 201.
4 جنود العقل والجهل، ص 328.
5 الأربعون حديثًا، ص 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
207

173

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 "إذا كان السّالك في سلوكه إلى الله طالبًا لحظّ من الحظوظ النّفسيّة، ولو كان الوصول إلى المقامات، بل ولو كان الوصول إلى قرب الحقّ، بمعنى وصول نفسه إلى الحقّ، فليس هذا السلوك سلوكًا إلى الحقّ، بل السّالك لم يخرج بعد من البيت، بل هو مسافر في جوف البيت من ركنٍ إلى ركن ومن زاوية إلى زاوية. فالسفر اذا كان في مراتب النفس وللوصول إلى الكمالات النفسانيّة فليس بسفر إلى الله، بل هو سفر من النّفس إلى النّفس"1.

 
فطالما كان الدّافع لأيّ عمل عبارة عن إرضاء النّفس (ولو حصل ذلك في الآخرة)، فالمعبود في الحقيقة هو النّفس، وليس الله. فانظر إلى دقّة الأمر وتدبّر، ينفتح على قلبك بابٌ عظيمٌ من أبواب المعارف الإلهيّة.



1 معراج السالكين، ص 172 - 173.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
208

174

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 المفاهيم الرئيسة

1- الشّخصيّة الأهوائيّة هي شخصيّة تجعل رغبات النّفس وما تهواه أساسًا لاتّخاذ القرارات ومنشأ للتحرّكات والأفعال.

2- إنّ اتّباع الهوى يعبّر عن تأزّم العلاقة بين الإنسان وربّه إلى الحدّ الذي يصدّه عن الوصول إليه، وهذا هو الخطر الأكبر، لأنّ المعيار الجوهريّ لكلّ خير أو شرّ هو مستوى وطبيعة العلاقة مع الله.

3- "الهوى" في اللغة "حبّ الشّيء" و"اشتهاؤه" من دون فرق في أن يكون المتعلّق أمرًا حسنًا ممدوحًا، أو قبيحًا مذمومًا.

4- إنّ أفسد ما في اتّباع الهوى ليس الفساد من ارتكاب المعاصي والفواحش، بل في الجّنوح والانحراف عن هدف الخلقة وسرّ الوجود:العبوديّة لله تعالى، التي هي في جوهرها عبارة عن الاتّصال المطلق بمصدر الخير والكمال الأوحد.

5- إنّ النّفس بطبيعتها تتّجه إلى الفساد والخسران. والاستثناء يكون بالاعتصام بالله وترك الهوى.

6- ينشأ اتّباع الهوى من ترك النّفس على طبيعتها وإهمال تزكيتها وتهذيبها. ولا تحصل التّزكية إلّا بقوّة الاعتصام بالله والرّجوع إليه.

7- لن نتمكّن من فهم حقيقة قضيّة اتّباع الهوى إلّا إذا أدركنا بأنّ طاعة الله والخضوع المطلق له هما نقيضان لطاعة غيره واتّباعه إلّا إذا كان هذا الغير فانيًا في الله.

8- إنّ كل خطوة يخطوها الإنسان في اتّباع هوى النّفس، يكون بالمقدار نفسه قد منع الحقّ، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار الكمال الإنسانيّ وأسرار وجوده. والعكس صحيح.

9- أهواء النّفس وإنّ كانت متعدّدة ومتنوّعة من حيث المراتب والمتعلّقات، إلاّ أنّها جميعها تشترك في كونها تمنع الحقّ وتصدّ عن طريقه.

10- بعض نماذج الشّخصيّات الأهوائية: أتباع الآلهة الأخرى غير الله، أتباع العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة، أهل المعصية، أهل المناسك والطّاعات، أصحاب تزكية النّفس الذين يطلبون الجنة لأنفسهم، وغيرهم...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

175

الدّرس الرابع عشر: اتباع الهوى (1) - معنى اتباع الهوى وتشكّله في النفس

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"لاَ تَمْحَقْنِي فِيمَن تَمْحَقُ مِنَ الْمُسْتَخِفِّينَ بِمَا أَوْعَدْتَ وَلاَ تُهْلِكْنِي مَعَ مَنْ تُهْلِكُ مِنَ الْمُتَعَرِّضِينَ لِمَقْتِكَ وَلاَ تُتَبِّرْنِي فِيمَنْ تُتَبِّرُ مِنَ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْ سُبُلِكَ وَنَجِّنِي مِنْ غَمَرَاتِ الْفِتْنَةِ، وَخَلِّصْنِي مِنْ لَهَوَاتِ الْبَلْوَى، وَأَجِرْنِي مِنْ أَخْذِ الإِمْلاَءِ وَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوٍّ يُضِلُّنِي، وَهَوًى يُوبِقُنِي، وَمَنْقَصَةٍ تَرْهَقُنِي وَلاَ تُعْرِضْ عَنِّي إِعْرَاضَ مَنْ لاَ تَرْضَى عَنْهُ بَعْدَ غَضَبِكَ"1.
 
الآيات الكريمة:
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾2.
 
الروايات الشريفة:
1- عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: فِي حَدِيثٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ قَالَ لَهُ: أَيُّ سُلْطَانٍ أَغْلَبُ وَأَقْوَى؟ قَالَ: "الْهَوَى"3.
 
2- عن الإمام الصَّادِقِ عليه السلام: "وَالْهَوَى عَدُوُّ الْعَقْلِ، وَمُخَالِفُ الْحَقِّ، وَقَرِينُ الْبَاطِلِ، وَقُوَّةُ الْهَوَى مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَأَصْلُ عَلَامَاتِ الْهَوَى مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْفَرَائِضِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِالسُّنَنِ وَالْخَوْضِ فِي الْمَلَاهِي"4.
 
3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الْعَقْلُ صَاحِبُ جَيْشِ الرَّحْمَنِ، وَالْهَوَى قَائِدُ جَيْشِ الشَّيْطَانِ، وَالنَّفْسُ مُتَجَاذِبَةٌ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ كَانَتْ فِي حَيِّزِهِ"5.
 
4- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "رَأْسُ الدِّينِ مُخَالَفَةُ الْهَوَى"6.
 
5- عن الإمام علي عليه السلام: "يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ بِكَثْرَةِ التُّقَى، وَمُلْكِ الشَّهْوَةِ، وَغَلَبَةِ الْهَوَى"7.
 
7- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ذَهَابُ الْعَقْلِ بَيْنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ"8.

 

1الصحيفة السجّاديّة، دعاؤه عليه السلام يوم عرفة.
2 سورة ص، الآية 26.
3 من لا يحضره الفقيه، ج4، ص 381.
4 مستدرك الوسائل، ج11، ص 212.
5 (م.ن)، ج12، ص 113.
6 (م.ن)، ج12، ص 114.
7 (م.ن)، ج11، ص 345.
8 (م.ن)، ج11، ص 211.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
210

176

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2)  - آثار اتباع الهوى وعلاجه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الآثار الفرديّة والاجتماعيّة الوخيمة للشخصيّة الأهوائيّة.
2- يبيّن تأثير اتّباع الهوى على العلاقة بالله تعالى والمصير الأخرويّ.
3- يتعرّف إلى المراحل التي يقطعها الإنسان للتخلّص من الهوى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
211

 


177

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 تمهيد

هناك أنواع عديدة من الأهواء النفسية، وهي جميعًا واقعة في خانة واحدة ومعسكر واحد هو معسكر العداء للعقل. وعندما تتفلت النفس من سلطة العقل بالكامل فتزدريه، تصبح في زمرة الفراعنة والنماريد.

كثيرة هي حالات التفلت التي تنشأ من احتقار العقل وقوانينه وقواعده. وللأسف فإن مجتمعنا لم يتمكن لحد اليوم من الوصول إلى عنصر محورية العقل واعتباره أساس جميع التحركات المطلوبة. هذا بالرغم من أنه مجتمع يرفع شعار احترام العقل وتقديره.

وبمعزل عن الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة، فإن جانبا مهما من أعمال الهوى ما زال يتصدر الكثير من الفعاليات والأنشطة الإنسانية الحساسة. وما لم تتمكن مؤسسات المجتمع الكبرى من اكتشاف قواعد العقل في عملها، فإن الهوى سيكون سيد المواقف قاطبة؟

الآثار التي تنجم عن اتّباع الهوى
لقد مرّت الإشارة إلى أنّ لاتّباع الهوى أثرًا سلبيًّا كبيرًا على مستوى علاقة الإنسان بربّه وهذا هو الخطر الأكبر.

1- بغض الحقّ والخلود في جهنّم
"إذا غفل (الإنسان) عن نفسه، ولم يسعَ في إصلاحها وتزكيتها، وربّاها على اتّباع هواها، فإنّ حجبها ستزداد كلّ ساعة، ويظهر له خلف كلّ حجاب حجاب آخر، بل حجب أخرى حتى ينطفئ نور الفطرة بالكامل ولا يبقى فيها أثر من المحبّة الإلهية، بل وتصبح مبغضةً للحق تعالى، ولكلّ ما يرتبط به، من القرآن الشريف وملائكة الله وأنبيائه العظام وأوليائه الكرام عليهم السلام، والدين الحقّ، بل وكلّ فضيلة، فتقوى جذور العداوة للحقّ جلّ وعلا، ومقرّبي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
213

178

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 حضرته المقدّسة في قلب صاحب هذه الفطرة، وسدّ عليه بالكامل أبواب السعادة وطريق الصلح مع الحقّ تعالى والشّفعاء عليهم السلام، فيخلد إلى أرض الطبيعة، وهو الإخلاد الذي يظهر باطنه (حقيقته) في عالم الآخرة بالخلود في عذاب جهنّم"1.

 
2- الإمعان في التّسافل
وعلى مستوى علاقته بنفسه حيث تزداد انحطاطًا وتسافلًا مع كلّ تبعيّة.
 
كما يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم، أيّها العزيز، أنّ رغبات النّفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حدّ أو غاية. فإذا اتّبعها الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطرّ إلى أن يتبع تلك الخطوة خطوات، وإذا رضي بهوًى واحدٍ من أهوائها، أُجبر على الرّضا بالكثير منها. ولئن فتحت بابًا واحدًا لهوى نفسك، فإنّ عليك أن تفتح أبوابًا عديدة له"2.
 
ويقول في مكانٍ آخر: "يصبح اتّباع الأهواء النفسيّة والرّغبات الحيوانيّة حائلًا دون أن يتجلّى فيه الحقّ من خلال أيّة واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النّفس وأهواؤها كلّ أنوار العقل والإيمان، ولن تُتاح له ولادة ثانية، أي الولادة الإنسانيّة، بل يمكث على تلك الحال ويكون ممنوعًا ومصدودًا عن الحقّ والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم. إنّ مثل هذا الشّخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك الحالة، فلن يرى نفسه في ذلك العالم، عالم كشف السّرائر، إلاّ حيوانًا أو شيطانًا. لا تُشمّ منه رائحة الإنسان والإنسانيّة أبدًا، فيبقى في تلك الحال من الظّلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا"3.
 
3- الضّلال وفقدان السّكينة
"الإنسان المتّبع لهواه أضلّ وأشدّ وضاعة من جميع الحيوانات والبهائم، فلهذه هدف من الجمع، أمّا هو فلا هدف له من ذلك، بل هو ضيّع هدفه وغايته. إنّ الكعبة المقصودة هو الحقّ تبارك وتعالى، والإنسان طالب له، وليس لطلبه ــ المندفع بنور فطرة الله ــ من غاية سوى غاية الغايات، ولكن هذا اليائس الشقيّ قد أضلّ طريقه، فهو يتراكض بهذا الاتّجاه 



1 جنود العقل والجهل، ص88 - 89.
2 الأربعون حديثًا، ص 198 - 199.
3 (م.ن)، ص 196 - 197.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
214

179

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 أو بذاك كالمجنون ساعيًا نحو الغايات الباطلة دون أن تسكن فيه نار الطّلب ويطمئّن قلبه، غافلاً عن حقيقة: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾1"2.

 
4- انحطاط المجتمعات
أمّا على مستوى المجتمع، فكفى بكلام أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يصف فيه أسباب ما لحق بالمجتمع الإسلاميّ، دليلًا على هذا الأمر، حيث يقول: "إنّما بدء الفتن أهواءٌ تُتّبع"3، وما أوصل الأمّة الإسلاميّة إلى هذه الدّرجة من الانحطاط إلّا تلك الفتن التي عصفت بها، فأفقدتها عزّتها وجعلتها كالقصعة التي تنتهشها الأمم من كلّ جانب.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "الإنسان إذا تمرّد على الأوامر الرّحمانية والعقلائية، وخضع لسلطة الشّيطان والجهل، فإنّ الصّفات الحيوانيّة تظهر فيه أشدّ ممّا هي عليه في جميع الحيوانات، فقوّة غضبه وشهواته تحرق العالم برمّته، وتهدّ أركانه، وتفني موجوداته، وتهدم أساس الحضارة والتديّن"4.
 
5- الوقوع في مفاسد أخرى
"إنّك بمتابعتك هوًى واحدًا من أهواء النّفس توقعها في عدد من المفاسد، ومن ثمّ سوف تُبتلى بآلاف المهالك، حتى تنغلق ـ لا سمح الله ـ جميع طرق الحقّ بوجهك في آخر لحظات حياتك، كما أخبر الله بذلك في نصّ كتابه الكريم، وكان هذا هو أخشى ما يخشاه أمير المؤمنين ووليّ الأمر، والمولى، والمرشد والكفيل للهداية والموجِّه للعائلة البشريّة عليه السلام"5.
 
لاحظ كيف أنّ هوى النّفس يُعدّ من الأصول التي تؤدّي إلى كلّ المفاسد المهلكة، وكيف أنّ الميزان الذي يدلّنا على مدى ابتعادنا عن الحقّ هو اتّباع هوى النّفس.



1 سورة الرّعد، الآية 28.
2 جنود العقل والجهل، ص 114.
3 نهج البلاغة، ص88، من كلامٍ له في بيان لما يخرب العالم به من الفتن.
4 جنود العقل والجهل، ص 113.
5 الأربعون حديثًا، ص 199.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
215

180

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 كيف يتخلّص الإنسان من اتّباع الهوى؟

1- الخوف من الله ونهي النفس عن الهوى
إنّ وصول الإنسان إلى مقام عصمة الحقّ المتعال ـ والذي حصل لأولياء الله الكمّل في هذه الدّنيا، ويحصل لأهل الجنّة في الآخرة ـ مبنيٌّ على أمرين أساسيّين، كما قال الله تعالى، وهما:
- خوف مقام الرّبّ المتعال.
- نهي النّفس عن الهوى.
 
ولأجل ذلك، جعل الله تعالى للإنسان طريقًا، وجب عليه أن يسلكه بكدحٍ تام حتّى يصل إلى المطلوب. وظاهر هذا الطّريق هو العمل الصّالح والعبادة الشّرعيّة، وباطنه عبارة عن مخالفة النّفس، وباطن باطنه هو العمل وفق المحبّة الإلهيّة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾1. يقول الإمام الخميني قدس سره:
 
"وقد ثبت في محلّه أنّ نشآت النّفس الثّلاث، وهي نشأة الملك والدّنيا وهي محطّ العبادات القالبيّة، ونشأة الملكوت والبرزخ وهي محلّ العبادات القلبية والتهذيبات الباطنية، ونشأة الجبروت والآخرة، وهي مظهر العبادات الرّوحية والتجريد والتفريد والتوحيد، وهي تجلّيات لحقيقة قدسيّة واحدة ومراتب لبارقة إلهيّة واحدة، فنسبة غيب النفس إلى شهادتها وبرزخها ليست نسبة الظاهرية والمظهر أيضًا، بل نسبة ظهور، وبطون الشّيء الواحد. إذاً، فكلّ حكم من أحكام النشآت الثلاث يسري إلى الأخرى بما يناسب نشأتها مثلاً: العبادات القالبية الشرعية تؤدّي إلى تهذيب الباطن، بل وبذر بذور التوحيد والتجريد في الرّوح إذا أقيمت على وفق الآداب الصورية والباطنية، مثلما أنّ تهذيب الباطن يقوّي قوّة التعبّد في الإنسان ويوصله إلى حقائق التوحيد والتجريد، ويهذّب سرّ التّوحيد باطنه ويكمل جنبة العبودية فيه، لذا يجب على السّالك أن يكون ثابت القدم في نشآت النفس الثلاث، فلا يغفل عن أيّ منها في أي وقت"2.
 
وفي هذا الطّريق يمرّ الإنسان بالمراحل الآتية، التي يجب أن يعبرها بوعيٍ تام وإرادة قويّة:



1 سورة آل عمران، الآية 31.
2 جنود العقل والجهل، ص 75.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
216

181

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 أ- ضبط القوى المشتّتة للنّفس:

ضبط القِوى المشتّتة للنّفس في عالمي الملك والملكوت. كما يفعل القائد مع عناصره إذا عمّت الفوضى، فإنّه إن لم يضبطهم، اضطرّ إلى اتّباعهم، فيتحكّمون به بدل أن يحكمهم، ويسوقونه بدل أن يسوقهم، وفي هذا فسادٌ عظيم. وفي هذه المرحلة تصبح النّفس من القوّة بحيث لا تكون القِوى المبثوثة فيها هي التي تجرّها وتحدّد لها طريقها، بل يحصل العكس. ومن علامات النّجاح هنا على سبيل المثال أنّ المرء إذا جاع لا يندفع مباشرةً إلى الأكل، بل يفكّر فيما إذا كان الأكل مفيدًا له أو صحيحًا أو لازمًا.
 
ب- طاعة النّفس للقوى الرّوحانيّة:
انتقال النّفس بعد انضباط قواها إلى طاعة القوى الرّوحانيّة الإلهيّة. وعلى رأسها العقل الذي يُعدّ أعظم خليفة للّه في عالم الأرض، فبه عُبد الله، وبه اكتُسب جنانه.
 
ج- الفناء في الإرادة الإلهيّة:
صيرورة المملكة الإنسانيّة بعد روحنيّتها مظهرًا تامًّا للإرادة الإلهيّة، حيث تكون جميع أفعالها ظهورًا لفعل الله، كما جاء في حديث قرب النّوافل1.
 
وما لم يعبر السّالك هذه المراحل، فإنّه لن يصل إلى منزل المقصود، وإذا توقّف عند مرحلةٍ ما، فإنّه سيقع في إحدى مراتب هوى النّفس، كما أشار الإمام قدس سره: "فإنّ على أصحاب هذه المراتب أن يراقبوا بدقّة حالهم، وأن يطهّروا أنفسهم من الأهواء لئلّا يتخلّفوا عن طريق الله ولا يضلّوا عن مسالك الحقيقة، حتى تظلّ أبواب الرّحمة مفتوحة عليهم، مهما تكن مقاماتهم ومنازلهم، واللّهُ وَليُّ الهِدَايَةِ"2.
 
يبيّن الإمام الخمينيّ قدس سره هذه المراحل، فيقول: "... ذكرنا أنّ العبادات والمناسك والأذكار والأوراد إنّما تنتج نتيجةً كاملةً إذا صارت صورة باطنيّة للقلب، وتخمّر باطن ذات الإنسان بها، وتصوّر قلب الإنسان بصورة العبوديّة وخرج عن



1 قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا". الكافي، ج2، ص352، باب من آذى المسلمين واحتقرهم.
2 الأربعون حديثًا، ص 202.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
217

182

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 الهوى والعصيان، وذكرنا أيضًا أنّ من أسرار العبادات وفوائدها أن تتقوّى إرادة النّفس وتتغلّب النّفس على الطّبيعة، وتكون القوى الطّبيعية مسخّرة تحت قدرة النّفس وسلطنتها، وتكون إرادة النّفس الملكوتيّة نافذة في ملك البدن، بحيث تكون القوى بالنّسبة إلى النّفس كملائكة الله بالنسبة إلى الحقّ تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾1.

 
... ونقول الآن: إنّ من أسرار العبادات وفوائدها المهمّة التي تكون بقيّة الفوائد مقدّمة لها، أن تكون مملكة البدن بجميعها، ظاهرها وباطنها، مسخّرة تحت إرادة الله ومتحركة بتحريك الله تعالى، وتكون القوى الملكوتيّة والملكيّة للنّفس من جنود الله، وتكون كلّها كملائكة الله، وهذه من المراتب النّازلة لفناء القوى والإرادات في إرادة الحقّ. ويترتّب على هذا بالتّدريج النّتائج العظيمة ويصبح الإنسان الطّبيعيّ إلهيًّا، وتكون النّفس مرتاضة بعبادة الله، وتنهزم جنود ابليس بشكلٍ نهائيّ وتنقرض، ويكون القلب مع قواه مسلّماً للحقّ، ويبرز الإسلام ببعض مراتبه الباطنيّة في القلب، وتكون نتيجة هذا التّسليم لإرادة الحقّ في الآخرة أنّ الحقّ تعالى ينفذ إرادة صاحب هذا القلب في العوالم الغيبيّة، ويجعله مثلًا أعلى لنفسه. فكما أنّه تعالى وتقدّس يوجد كلّ ما أراد بمجرّد الإرادة، يجعل إرادة هذا العبد أيضًا كذلك، كما روى بعض أهل المعرفة عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في وصف أهل الجنّة، أنّه يأتيهم ملك فيستأذن للدخول عليهم، وبعد الاستئذان يدخل فيبلّغ السّلام من الله تعالى عليهم، ويعطي كلًّا منهم رسالة مكتوبًا فيها: من الحيّ القيّوم الذي لا يموت إلى الحيّ القيّوم الذي لا يموت، أمّا بعد، فإنّي أقول للشّيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشّيء كن فيكون، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فلا يقول أحد من أهل الجنّة للشّيء كن، إلّا ويكون.
 
وهذه هي السلطنة الإلهية التي تعطى للعبد لأجل تركه إرادة نفسه وترك سلطنة الأهواء النفسيّة وإطاعة ابليس وجنوده"2.
 
هذه هي المراحل، والعبادة فيها هي اللبّ والأصل، لكنَّ هذه العبادة ينبغي أن تكون على نهج الإنسان الكامل الذي هو وليّ الله وخليفته، ولا يمكن طيّ ذلك الطّريق إلّا بالتمسّك بمقام روحانيّته.



1 سورة التحريم، الآية 6.
2 معراج السالكين، ص45 - 46.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
218

183

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 2- اتّباع أولياء الله

"لو أنّ هذا الإنسان، استطاع أن يجعل مملكة إنسانيّة هذا الإنسان الذي اقترن منذ ولادته بالقِوى الثّلاث وترعرعت وتكاملت تلك القِوى أيضًا مع نموّ الإنسان وتكامله، لو استطاع أن يجعل هذه المملكة متأثّرة بتربية تعاليم الأنبياء والعلماء والمرشدين لاستسلم شيئًا فشيئًا لسلطة تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فقد لا يمضي عليه وقتٌ طويلٌ حتّى تصبح القوّة الكاملة الإنسانيّة، التي أودعت فيه على أساس القابليّة، فعليّة تظهر للعيان، وترجع جميع شؤون مملكته وقواها إلى شأن الإنسانيّة بحيث يجعل شيطان نفسه يؤمن على يديه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ شَيْطَانِي آمَنَ بِيَدي"، فتستسلم حيوانيّته لإنسانيّته، حتّى تصبح مطيّة مروّضة على طريق عالم الكمال والرقي، وبراقًا يرتاد السّماء نحو الآخرة، ويمتنع عن كلّ معاندة وتمرّد. وبعد أن تستسلم الشّهوة والغضب إلى مقام العدل والشّرع تنتشر العدالة في المملكة، وتتشكّل حكومة عادلة حقّة يكون فيها العمل والسّيادة للحقّ وللقوانين الحقّة، بحيث لا تتّخذ فيها خطوة واحدة ضدّ الحقّ، وتكون خالية من كلّ باطلٍ وجور. وعليه، فكما أنّ ميزان منع الحقّ والصدّ عنها اتّباع الهوى، فكذلك ميزان اجتذاب الحقّ وسيادته هو متابعة الشّرع والعقل"1.
 
ويقول قدس سره في مكانٍ آخر: "اعلم أنّه لا يمكن طيّ هذا السّفر الرّوحيّ والمعراج الإيمانيّ بهذه الرّجل المكسورة والعنان المرخيّ والعين العمياء والقلب الذي هو بلا نور، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾2... فمن المحتوم واللازم لسلوك هذا الطّريق الروحيّ، وعروج هذا المعراج العرفاني، التمسّك بمقام روحيّة هداة طرق المعرفة وأنوار سبل الهداية الذين هم الواصلون إلى الله والعاكفون على الله، ولو أراد أحد أن يطوي هذا الطريق بقدم أنانية نفسه من دون التمسّك بولايتهم فسلوكه إلى الشيطان والهاوية... وبالجملة، التمسّك بأولياء النعم الذين اهتدوا إلى طريق العروج إلى المعارج، وأتمّوا السير إلى الله من لوازم السير إلى الله، كما أشير كثيرا إلى ذلك في الأحاديث الشّريفة، وقد عقد في الوسائل بابًا في بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة والاعتقاد بإمامتهم"3.



1 الأربعون حديثًا، ص 197.
2 سورة النور، الآية 40.
3 معراج السالكين، ص148 - 149.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
219

184

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 موعظة للقلب

"إنّ روح النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأرواح الأئمّة عليه السلام تكون جميعًا في قلقٍ واضطراب لئلّا تسقط أوراق شجرة النبوّة والولاية وتذوي، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "تَناكحوا تَنَاسلوا فَإنّي أُبَاهي بِكُمُ الأُمَمَ وَلَوْ بِالسِّقْطِ"1. لا شكّ في أنّه لو سار الإنسان في مثل هذه الطّريق المحفوفة بالمخاطر ممّا قد يلقي به إلى هوّة الفناء ويجعله موضع عقوق أبيه الحقيقيّ، أي النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك العظيم الذي هو رحمة للعالمين. فما أشدّ تعاسته، وما أكثر المصائب والبلايا التي يخبّئها له الغيب! فإذا كنت على صلةٍ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كنت تحبّ أمير المؤمنين عليه السلام وإذا كنت من محبّي أولادهما الطّاهرين، فاسْعَ لكي تزيل عن قلوبهم المباركة القلق والاضطراب. لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ...﴾2، وجاء في الحديث الشّريف أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُود، لِمَكَانِ هذِهِ الآيةِ"3.
 
يقول الشيخ العارف الكامل الشّاه آبادي - روحي فداه - "هذا، على الرغم من أنّ هذه الآية قد جاءت في سورة الشّورى أيضًا، ولكن من دون ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾، إلاّ أنّ النبيّ خصّ سورة هود بالذّكر، والسّبب أنّ الله تعالى طلب منه استقامة الأمّة أيضًا، فكان يخشى أن لا يتحقّق ذلك الطلب، وإلاّ فإنّه بذاته كان أشدّ ما يكون استقامة، بل لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم مثال العدل والاستقامة".
 
... إذاً، يا أخي، إذا كنتَ تعرف أنّك من أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتريد أن تحقّق هدفه، فاعمل على أن لا تخجله بقبيح عملك وسوء فعلك. ألا ترى أنّه إذا كان أحدٌ من أولادك والمقرّبين إليك يعمل القبيح وغير المناسب من الأعمال التي تتعارض وشأنك، فكم سيكون ذلك مدعاة لخجلك من النّاس وسببًا في طأطأة رأسك أمامهم؟ ولا بدّ أن تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ عليه السلام، هما أبوا هذه الأمّة بنصّ ما قاله النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا وَعَلِيُّ أَبَوا هذِهِ 



1 وسائل الشيعة، كتاب النّكاح، الباب الأول من أبواب مقدّمات النّكاح، ح17.
2 سورة هود، الآية 112.
3 الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج5، ص140.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
220

185

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 الأُمَّة"1. فلو أُحضرنا في حضرة ربّ العالمين يوم الحساب وأمام نبيّنا وأئمّتنا، ولم يكن في كتاب أعمالنا سوى القبيح من الأعمال، فإنّ ذلك سوف يصعب عليهم ولسوف يشعرون بالخجل في حضرة الله والملائكة والأنبياء. وهذا هو الظّلم العظيم الذي نكون قد ارتكبناه بحقّهم، وإنّها لمصيبة عظمى نُبتلى بها، ولا نعلم ما الذي سيفعله الله بنا.

 
فيا أيّها الإنسان الظّلوم الجهول، يا من تظلم نفسك، كيف تكافئ أولياءك الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيل هدايتك، وتحمّلوا أشدّ المصائب، وأفظع القتل، وأقسى السّبي لنسائهم وأطفالهم من أجل إرشادك ونجاتك؟ فبدلًا من أن تشكرهم على ما فعلوا وتحفظ لهم أياديهم البيض نحوك، تقوم بظلمهم ظنًّا منك أنّك إنّما تظلم نفسك وحدها! استيقظ من نوم الغفلة، واخجل من نفسك، واتركهم يعانون من الظّلم الذي تحمّلوه من أعداء الدّين من دون أن تضيف على ظلامتهم ظلامة أخرى، لأنّ الظّلم من المحبّ أشدّ ألمًا، وأكثر قبحًا!"2.



1 بحار الأنوار ج 36، ح 12، ص 11.
2 الأربعون حديثًا، ص 199 - 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
221

186

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 المفاهيم الرئيسة

1- من آثار اتّباع الهوى:
- بغض الحقّ والخلود في جهنّم: فاتّباع الهوى يؤدّي إلى انطفاء نور الفطرة بالكامل ولا يبقى فيها أثر من المحبّة الإلهية، بل وتصبح مبغضةً للحق تعالى، ولكلّ ما يرتبط به.

- الإمعان في التّسافل: يصبح اتّباع الأهواء النفسيّة والرّغبات الحيوانيّة حائلًا دون أن يتجلّى فيه الحقّ من خلال أيّة واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النّفس وأهواؤها كلّ أنوار العقل والإيمان، ولن تُتاح له ولادة ثانية، أي الولادة الإنسانيّة، بل يمكث على تلك الحال ويكون ممنوعًا ومصدودًا عن الحقّ والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم.

- الضّلال وفقدان السّكينة: الإنسان المتّبع لهواه أضلّ وأشدّ وضاعة من جميع الحيوانات والبهائم، فلهذه هدف من الجمع، أمّا هو فلا هدف له من ذلك، بل هو ضيّع هدفه وغايته.

- انحطاط المجتمعات.

2- يتخلّص الإنسان من اتّباع الهوى:
أ. إنّ وصول الإنسان إلى مقام عصمة الحقّ المتعال مبنيٌّ على أمرين أساسيّين هما:
- خوف مقام الرّبّ المتعال.

- ونهي النّفس عن الهوى.

ب. التمسك بمقام روحانية هداة طرق المعرفة وأنوار سبل الهداية، ولو أراد أحد أن يطوي هذا الطريق بقدم أنانية نفسه من دون التمسك بولايتهم فسلوكه إلى الشيطان والهاوية.

ج. قطع المراحل التالية: ضبط القوى المشتّتة للنّفس في عالمي الملك والملكوت، طاعة النّفس للقوى الرّوحانيّة، الفناء في الإرادة الإلهيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
222

187

الدرس الخامس عشر: اتباع الهوى (2) - آثار اتباع الهوى وعلاجه

 شواهد من وحي الدّرس

 
دعاء:
"فَأَسْأَلُكَ يَا مَوْلاَيَ سُؤَالَ مَنْ نَفْسُهُ لاَهِيَةٌ لِطُولِ أَمَلِهِ، وَبَدَنُهُ غَافِلٌ لِسُكُونِ عُرُوقِهِ، وَقَلْبُهُ مَفْتُونٌ بِكَثْرَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وَفِكْرُهُ قَلِيلٌ لِمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ، سُؤَالَ مَنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الأَمَلُ، وَفَتَنَهُ الْهَوَى، وَاسْتَمْكَنَتْ مِنْهُ الدُّنْيَا، وَأَظَلَّهُ الأَجَلُ، سُؤَالَ مَنِ اسْتَكْثَرَ ذُنُوبَهُ، وَاعْتَرَفَ بِخَطِيئَتِهِ، سُؤَالَ مَنْ لاَ رَبَّ لَهُ غَيْرُكَ، وَلاَ وَلِيَّ لَهُ دُونَكَ، وَلاَ مُنْقِذَ لَهُ مِنْكَ، وَلاَ مَلْجَأَ لَهُ مِنْكَ، إلاَّ إِلَيْكَ"1.
 
الروايات الشريفة:
1- عن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ سَلِمَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ: مِنَ الدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَشَهْوَةِ الْبَطْنِ، وَشَهْوَةِ الْفَرْج‏"2.
 
2- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "كَيْفَ يَجِدُ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ مَنْ لَا يَصُومُ عَنِ الْهَوَى"3.
 
3- عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لمعاذ: "وَاحْذَرِ الْهَوَى، فَإِنَّهُ قَائِدُ الْأَشْقِيَاءِ إِلَى النَّارِ"4.
 
4- عن الإمام أبي جعفر عليه السلام: "مَنْ لَمْ يَتَعَاهَدِ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى، وَمَنْ كَانَ فِي نَقْصٍ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَه‏"5.
 
5- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي، كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي، وَكَانَ رَأْسُ مَا عَظُمَ بِهِ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ... كَانَ إِذَا ابْتَزَّهُ أَمْرَانِ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، نَظَرَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَه"6‏.
 
6- عن الإمام الصَّادِقِ عليه السلام: "ذِكْرُ الْمَوْتِ يُمِيتُ الشَّهَوَاتِ فِي النَّفْسِ، وَيَقْطَعُ مَنَابِتَ الْغَفْلَةِ، وَيُقَوِّي النَّفْسَ بِمَوَاعِدِ اللَّهِ، وَيُرِقُّ الطَّبْعَ، وَيَكْسِرُ أَعْلَامَ الْهَوَى"7.



1 الصّحيفة السّجّاديّة، دعاؤه عليه السلام في الإلحاح على الله تعالى.
2 مستدرك الوسائل، ج12، ص 110.
3 (م.ن), ج12، ص 115.
4 بحار الأنوار، ج21، ص 407.
5 من لا يحضره الفقيه، ج4، ص 381.
6 الكافي، ج2، ص 237.
7 مصباح الشريعة، ص 171.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
223

188

الدرس السادس عشر: الجزع ، ماهيته ، منشؤه وعلاجه

 الدرس السادس عشر: الجزع ، ماهيته ، منشؤه وعلاجه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن مناشئ الجزع وكيفيّة تشكّل الشّخصية الجزوعة.
2- يشرح العلاقة بين ضعف الإيمان والجزع، وكيف يؤدّي الجزع إلى بغض الحقّ.
3- يتعرّف إلى الخطوات التي تساعدنا على التخلّص من الجزع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
225

189

الدرس السادس عشر: الجزع ، ماهيته ، منشؤه وعلاجه

 تمهيد