دروس عاشوراء


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-10

النسخة: 2016


الكاتب

معهد سيد الشهداء

هو مؤسسة ثقافية متخصصة تعنى بشؤون النهضة الحسينية ونشرها، وإعداد قدرات خطباء المنبر الحسيني وتنميتها، معتمدة على كفاءات علمائية وخبرات فنية وإدارية... المرتكزة على الأسس الصحيحة المستقاة من ينبوع الإسلام المحمدي الأصيل.


المقدمة

 المقدمة


ليس من السهل الحديث عن عاشوراء أو الكتابة واستخلاص الدروس والعبر منها كما هي، فكثيرون تحدّثوا وكتبوا من زوايا نظرهم هم وحسب آفاق اطِّلاعهم، فما أكثر الأبحاث التي تطرّقت إلى عاشوراء كحادثة، أسبابها، نتائجها وتفاصيل حوادثها، لكن النظر إلى عاشوراء من زاوية مقاصد الدّين والحكومة واستمرار الرسالة أمر مختلف، كما إنّ ملاحظة مختلف أبعادها وتفاصيل أحداثها ودقائق حركات أصحابها - ما قبل وما بعد وفي الأثناء - هي شيء آخر. فالنظر إليها كواقعة مستمرّة بنتائجها وأهدافها، تطال عصرنا كما طالت عصوراً مضت، وتطال النّاس بخواصّهم وعوامّهم في كلّ عصر، لهو أمر بالغ الأهميّة ويدخل في متن الواقعة، فهي لم تحدث مرّة وحسب، بل هي مستمرّة بكلّ عناصرها وأهدافها وبأسبابها نفسها، هكذا تكون عاشوراء متّصلة بكلّ شيء في الإسلام، وقد اختصرها الإمام الخميني قدس سره بكلمتين: "كلّ ما عندنا هو من عاشوراء".

ما أروع أن يتحدّث عن عاشوراء أهلُها وخلّصُ السائرين في ركبها، فلها في كلّ عصر رايةٌ ومجدّدون، وهنا لبّ المسألة!

وما أروع أن يحلّل أبعادها، ويفصّل دروسها ويظهّر نتائجها، وليٌّ من أولياء عصرنا، قائدٌ عاشورائيّ شجاع، اقتفى أثر إمامه حذو النعل للنعل،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

المقدمة

 فيشخّص مسؤوليّات تاريخيّة وواجبات شرعيّة وإلهيّة، فترى حديثه حسينيّاً ينقلك إلى ساحة كربلاء، فتسمع تحليلاً فريداً، مستخرِجاً وقائع عاشوراء من بطون الكتب والتاريخ وواضعها في مواضعها، محلّلاً لمواقف وعارضاً لمشاهد قد لا توجد في كتاب وعلى لسان آخر، مشاهد مفعمة بالألم والمشاعر الصادقة، ابتداءً من مقدّمات الثورة (البعيدة والقريبة) ومآل الخلافة، ولوم بعض الأصحاب للإمامعليه السلام وتخلّفهم عنه، لهم من الوزن قلّما يتجرّأ الخطباء وأهل المنبر على الحديث عنهم، ربّما خوفاً من فهم القدح والذمّ. لكنّ الواقع هو واقع والحقّ حقّ، هكذا يعرضه الإمام الخامنئيّ بوضوح وبساطة. نعم لقد تخلّف عنه جمع من الصحابة المتقدّمين في اتّباع الرسالة، بل بعضهم لامه وعاتبه. لماذا؟ لأنّهم لم يمتلكوا الخطّة والرؤية، وربّما ركنوا إلى شيء من الدنيا، وتكفي الإشارة إلى ذكره لمُهُور بنات بعضهم التي فاقت مهر السنّة بكثير، دليلاً.. وهنا تبرز جرأة الحديث عن هذه الشخصيّات، فذِكرُ مواقف صحابة كبار - كالعبادلة الثلاثة مثلاً - يحتاج إلى جرأة وفيه نتيجة وخلاصة يريد إيصالها إلى كثيرين من الخواصّ والمقرّبين في زماننا وساحتنا..


كما أنّ فصلاً عميقاً من الحديث عن الإمام السجّاد عليه السلام وكذلك السيّدة زينب عليها السلام وتصوير شخصيّتهما ومواقفهما التي تجلّى فيها العشق والعاطفة والحكمة والتدبير، لَأَمْرٌ مدهش.. نحن نسمع عن زينب (ما بعد كربلاء) وتحمّلها للمصائب والآلام، لكن حكمة زينب، معرفتها، إدراكها للظرف والتكليف، صبرها، قيادتها لركب السفينة المضروبة بالطوفان- كما عبّر الإمام الخامنئيّ- لهي شيء آخر.

عندما تقرأ "دروس عاشوراء" بلسان الإمام الخامنئيّ تشعر أنَّك أمام
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
6

2

المقدمة

 قائد عاش حوادث كربلاء لحظة بلحظة، فكما يشعرك كلامه بالحزن على آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تخال نفسك أيضاً أنّك أمام نبع فوّار من عشق الحسين وآله، وبركان ملتهب من الحماس والثورة على الباطل ورفض الذلّ، تقرأ مجلس عزاء من نوع آخر، مجلس عزاء وثورة، فتتراءى أمامك - عندها - مظاهر الحكمة والبصيرة والاستقامة والشجاعة والفداء والإيثار والثبات على الموقف الحقّ وتحمّل المصائب وقيادة الركب والمعرفة بالله ومناجاته، في جبهة كلّما اقتربت لحظات الفداء من رجالها اشتدّ الوصال وفُتحت أبواب السماء.


يحلّل الإمام الخامنئيّ أحداث عاشوراء، بكلّ أبعادها المتّصلة بالدّين وحفظ الرسالة والحكومة، وساحاتها المتّصلة بمظاهر الفداء والشهادة والإيثار والعبادة والعشق لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وزواياها المتّصلة بمتن الدّين والحياة والمجتمع، وأبطالها الثابتين الشجعان المطيعين العارفين بالظرف والزمان.

عاشوراء مدرسة ودروس لا عدّ لها ولا حصر، هكذا يعبر الإمام الخامنئيّ، وكلّ درس فيه حياة وعلم ورشاد، ودروس عاشوراء خالدة مدى الدهر، فكيف نتعلّم منها؟ هذا هو الدرس الأوّل والأساس.

دروس عاشوراء للجميع، للعوامّ والخواصّ، وقد يكون درس الخواصّ هو الأبلغ لدورهم الأبرز في توجيه الرأي العامّ وتثبيت النّاس وإرشادهم- فقد شكّلوا رؤوس القبائل سابقاً ووجوه النّاس حاضراً على الأغلب- فهم الذين ساهموا في الوصول إلى النتيجة الثانية- أي الشهادة- كما عبّر سماحته، إذ لم يكن هدف الإمام الحسين الشهادة ولا الانتصار حتماً، فهما نتيجة وليستا هدفاً، وكان الهدف أداء الوظيفة وحسب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

3

المقدمة

 حول الكتاب:

١- "دروس عاشوراء"، كلمات الإمام الخامنئيّ حول عاشوراء وكلّ ما يتّصل بها، وقد جاءت في مناسبات عديدة ذات صلة.. وتمّ جمعها وتنظيمها بأسلوب موضوعيّ في عناوين ودروس. 

٢- هذا الكتاب صادر باللغة الفارسيّة عن مؤسّسة "نشر الثورة الإسلاميّة" وقد تمّ تعريبه في معهد سيّد الشهداءعليه السلام للمنبر الحسينيّ.

٣- ولا بدّ من التنويه أنّه تمّت المحافظة على نصّ الفقرات وتنظيم الكتاب بدون التصرّف بالعبارات أو المعاني، ما عدا بعض الصياغات اللّازمة وحذف بعض الفقرات المتكرّرة أو العناوين القليلة التي ليس لها صلة بالموضوع.

٤- وتمّ في الكتاب الأصل تحقيق الروايات والمنقولات والأخبار كلّها التي اعتمد عليها الإمام الخامنئي دام ظله في كلماته وخطاباته، وقد حافظنا عليها في النسخة العربيّة، كما هي. 

٥- وتتميماً للفائدة، أضفنا في نهاية الكتاب فقرة مهمّة كملحق، تتحدّث عن أوضاع المدينة والكوفة قبيل واقعة عاشوراء. 

نسأل الله تعالى أن يكون هذا العمل من نتائج ثورة كربلاء وبركاتها، يستلهم منه عشّاق الحسين وخدّام المنبر الحسينيّ دروسهم، كما استفاد منها وليّ أمر المسلمين دروسه بيقين وها هو يقولها للعالمين.

نشكر كلّ من ساهم في هذا العمل ليبصر النور بهذه الحلّة.

معهد سيّد الشهداء عليه السلام
للمنبر الحسيني
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
8

4

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 المحاور التي تتوزّع إليها الدراسات العاشورائيّة

تتوزّع الأبحاث المرتبطة بواقعة عاشوراء إلى ثلاثة محاور أساسيّة:
المحور الأوّل: دراسة أسباب ودوافع أساس ثورة الإمام الحسين عليه السلام والعوامل التي حدت به إلى الثورة، أي تحليل الجوانب الدّينيّة والعلميّة والسياسيّة لهذه الثورة. وقد سبق لنا أن تحدّثنا عن هذا الموضوع بالتفصيل، إضافة إلى ما للفضلاء والأكابر من دراسات قيّمة فيه. ونحن لن نتطرّق لهذا البحث الآن. 

المحور الثاني: البحث عن الدروس المستفادة من عاشوراء. وهو من الأبحاث الحيّة والخالدة والأبديّة التي لا تختصّ بزمان بعينه. فدروس عاشوراء هي دروس التضحية والشجاعة والمواساة، ودروس القيام لله، والإيثار والمحبّة والعشق، بل إنّ من دروس عاشوراء تلك الثورة العظيمة والكبيرة التي فجّرتموها أنتم أبناء الشعب الإيرانيّ امتثالاً لنداء حسين العصر وحفيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام. هذا في نفسه واحد من الدروس التي استفدناها من عاشوراء.

المحور الثالث: العبر المستقاة من عاشوراء.
سبق وتحدّثنا عن هذا الموضوع قبل سنوات وأشرنا إلى أنّ لعاشوراء - فضلاً عن الدروس المستقاة منها - عبراً أيضاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

5

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 والبحث عن العبر المستفادة من عاشوراء خاصّ بالزمن الذي تكون فيه الحاكميّة للإسلام. لا أقلّ من أن نقول: إنّ أهمّ جوانب هذا البحث مختصّة بهذا الزمان، أعني: زماننا هذا، وفي بلدنا هذا، كي نأخذ العبرة منها1.

 
وقائع عصر الإمام الحسين عليه السلام: دروس ورسائل متنوّعة
يمكن الحديث عن واقعة كربلاء من زاويتين، الأولى: وصف الوقائع التي حدثت وتبيانها، ذلك أنّ تبيان الوقائع في حدّ نفسه يحمل في طيّاته الكثير من الرسائل. كيف عاش الإمام الحسين عليه السلام تلك الحقبة الطويلة من الزمن بعد أخيه الإمام الحسن عليه السلام، والتي دامت لعشر سنوات2، كانت مليئة بالمصاعب والمحن؟ كيف تصرّف؟ ما هي الرسائل التي كُتبت له؟ ماذا كان ردّه على هذه الرسائل؟ ما هي ردّة الفعل التي أبداها بعد مجيء يزيد إلى الحكم؟ وقد كانت بداية حركة الإمام عليه السلام من المدينة، فما هي الحوادث التي جرت له في المدينة؟ وقد قدم إلى مكّة، فماذا حدث في مكّة؟ وهو قد تحرّك من مكّة، فما هي الحوادث التي حصلت معه في كلّ منزل من المنازل التي حلَّ فيها؟ هذا نوع من البيان المثاليّ (الذي يتكفّل بشرح الأهداف والمقاصد)، يُبحث عادة بهذا الشكل. وهو بذاته يحمل رسائل وبيانات كثيرة.
 
وهناك نوع آخر من البيان، يتمثّل في جمع واقعة عاشوراء وتلخيصها، تلخيص كلّ هذه الحوادث وهذه الخطابات والكلمات، ليتسنّى لنا أن نفهم من مجموعها أسباب قيام الإمام الحسين عليه السلام وثورته3.



1 خطبة الجمعة, ١٨/٢/١٣٧٧ش ١١/محرّم/١٤١٩- ٨/٥/١٩٩٨م-.
2 روضة الواعظين, ص١٩٥, كشف الغمّة, ج٢, ص٢٥٠, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٢٠٠.
3 كلمته في ٤/٨/١٣٦١ش- ٢٦/١٠/١٩٨٩ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

6

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 عاشوراء، مشهد مكتمل عن الحياة

تُقدِّم عاشوراء مشهداً مكتملاً عن الحياة الإسلاميّة التي يعيشها إنسان ما. فـفي عاشوراء تتجلّى كافّة الأركان الإسلاميّة الّلازمة لحياة الإنسان، كما تتجلّى فيها الأبعاد المعنويّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. في عاشوراء: الدفاع والهجوم والغضب والعشق والمحبّة، في عاشوراء: الموعظة والتبليغ والنصيحة، الترهيب والتهديد، التعاضد والإيثار والجهاد والشهادة والرسالة والتوحيد. في عاشوراء كلُّ شيء، الدعاء والمناجاة مع الله أيضاً1
 
كثرة دروس عاشوراء
فيما يتعلّق بواقعة عاشوراء ينبغي القول إنّها تحمل دروساً كثيرة جدّاً. فمهما بحث الإنسان وفكّر سيجد أنّ دروسَ عاشوراء هي أكثر بكثير ممّا يفكّر به2
 
عاشوراء، الأنموذج والقدوة في مختلف الساحات
اعرفوا قدر هذه الأيّام، في هذه الليالي ومع اقتراب قلوبكم من الحسين بن عليّ عليهما السلام، عليكم أن تتعلّموا من هذا العظيم ومن عاشوراء أيضاً. أيّها الشباب أنتم الأمل لمستقبل بلادنا وثورتنا، ثبّتوا أنفسكم قوّوا عزائمكم لحمل ثقل الأمانة الملقاة على عواتقكم. تلك الأمانة نفسها التي حملتموها في جبهات الحرب وحتّى اليوم، وهي غداً من الممكن أن تظهر بشكل آخر وفي جبهة أخرى. كلّ ذلك من دروس عاشوراء ودروس الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام3



1 خطبة الجمعة, ٥/٧/١٣٦٤ش- ٢٧/٩/١٩٨٦ م.
2 كلمة في جمع من منتسبي مركز دعم الحرب قوّة الجنوب- ٢٩/٥/١٣٦٧ش- ٢٠/٧/١٩٨٨ م.
3 كلمته في حشد من فيلق ١٩ فجر شيراز, ٢٤/٤/١٣٦٧ش- ١٥/٦/١٩٨٨ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

7

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 دروس متنوّعة من عاشوراء

أنتم أيّها الشباب وكلّ أجيال ثورتنا الشعبيّة ينبغي أن تنظروا إلى الحوادث التي جرت للإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام على أنّه درس. أَخرِجوا هذه الحوادث عن الخواطر العاطفيّة الصرفة، فإنّها دروس ترينا الطريق أمامنا. هي حوادث يمكن أن تشكّل بالنسبة إلى شعبنا قدوة ومثالاً من مختلف الأبعاد، وكلّما فكّر الإنسان وبحث في مسألة عاشوراء، ومن أيّ زاوية نظر إلى هذه القضيّة، سيرى فيها دروساً! حقّاً نحن أصغر من أن نتمكّن من الإلمام بتلك الحادثة بنظرة واحدة أو أن نستطيع تبيانها. قد نفهم من زواياها بعض الأشياء، أي أنّها تشعّ فنفهم ونتعلّم، نرى شرارات تلك الحادثة ونقتطف منها1
 
بيان وظيفة المسلمين في مختلف الظروف
توجد نقاط كثيرة جدّاً في قضيّة ثورة عاشوراء بحيث لو بُحثت في العالم الإسلاميّ وتناولها المفكّرون الإسلاميّون من أبعادها المختلفة، ودقّقوا النظر في مقدّماتها ولواحقها وما أحاط بها من أحداث، فسيصبح بالإمكان تحديد سبل الحياة الإسلاميّة وبيان وظائف الأجيال المسلمة في مختلف الظروف2
 
خطاب الإمام الحسين عليه السلام إلى التاريخ كلّه
إنّ دماء الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام والحركة التي قام بها، على مرّ التاريخ بالنسبة إلينا نحن - البعيدين عن وطننا الإسلاميّ الحقيقيّ،



1 كلمة في مقر كربلاء في الأهواز, ٢/٦/١٣٦٧ش- ٢٤/٩/١٩٨٨ م.
2 كلمته في لقاء العلماء وطلبة العلوم الدينيّة, ٧/٥/١٣٧١ش- ٢٩/٧/١٩٩٢ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

8

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 وعن النصوص الدّينيّة التي كانت في عصر النبيّ وآل بيت الرسالة -، تحمل رسالة وبلاغاً. يبيّن لنا الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام بعمله: أنّكم إذا أردتم أن تحفظوا الإسلام في أيّ عصر من العصور وفي أيّ زمان من الأزمنة فهذا هو الطريق. ونحن قد قمنا بهذا العمل، وشعبنا قد1 قام به، وقد رأينا نتيجته أيضاً. 

 
إذاً، اعرفوا قدر عاشوراء، ولا تنسوا دروس عاشوراء أبداً2.
 
درس عاشوراء، درس خالد
درس عاشوراء الحسين بن عليّ عليهما السلام درس خالد، لا ينبغي نسيانه، ينبغي فهمه بشكل جيّد، كما ينبغي للمحاضرات ومجالس العزاء التي تُذكر فيها مصائب كربلاء، تسليط الضوء على مسألة الفداء، وتضحية الإنسان من أجل دين الله وفي سبيل الله، حتّى لا يخرج هذا الدرس من أذهاننا أبداً.
 
كربلاء، النموذج الدائم والمجرّب
عليكم أن تعرفوا أنّ كربلاء هي النموذج الدائم لنا، كربلاء مثال وقدوة لنا في أنّه لا ينبغي للإنسان أن يشكّ أو يتردّد في الوقوف مهما كان العدوّ شديداً أو كبيراً. هي نموذج قد تمّ اختباره وتجربته. صحيح أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد مضى واستشهد مع ٧٢ من أصحابه في صدر الإسلام، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ من يسير على درب أبي عبد الله عليه السلام وكلّ الذين يسيرون على درب المواجهة ينبغي أن يستشهدوا، لا، ليس كذلك، فالشعب



1 أي الشعب الإيرانيّ.
2  كلمته في جمع من جنود فيلق عليّ بن أبي طالب عليه السلام, ٢٣/٥/١٣٦٧ش- ١٤/٨/١٩٨٨ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

9

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 الإيرانيّ اليوم قد اختبر بحمد الله، طريق الإمام الحسين عليه السلام وهو يحضر بشموخ وعظمة بين الشعوب المسلمة وبين أمم العالم.

 
ما قمتم به قبل الثورة (الإسلاميّة) ومضيتم عليه، هو طريق الإمام الحسينعليه السلام، أي عدم الخوف من العدوّ والخصم، والتقدّم لمواجهته. وهكذا كان الأمر في مرحلة الحرب1.
 
 لقد أيقن شعبنا أنّ الشرق والغرب وكلّ المستكبرين وقفوا في مواجهته، لكنّه لم يخف. بالطبع قدّمنا شهداء كباراً. فقدنا أحبّة أعزّاء. وقدّم أعزّاء منّا سلامتهم وصحّتهم وأصبحوا في عداد الجرحى. وأمضى أعزّاء آخرون نيّفاً من أعمارهم في السجون.. لكن أمّةً مع هذه التضحيات وصلت إلى أوج عزّتها وعظمتها، لقد غدا الإسلام عزيزاً، وارتفعت راية الإسلام. كلّ ذلك ببركة ذلك الصمود والمقاومة2.
 
الإمام الحسين عليه السلام النموذج الحيّ والساطع
تحتضن هذه الأمّة - من بين عشرات، بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمّة الإسلاميّة بفضل القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام- نماذج كبيرة ومشرقة. ولهذه النماذج القدوة أهمّيّتها في حياة الشعوب، فإنّ الشعوب على اختلافها ما إن تجد شيئاً من نفحات العظمة في واحدة من شخصيّاتها، فإنّها لا تنفكّ عن تمجيد تلك الشخصيّة والتغنّي بها وتخليد اسمها، بغية توجيه المسار العامّ لأجيالها في الاتجاه الذي يريدونه لها. وأحياناً قد لا تكون هذه الشخصيّة واقعيّة أصلاً، لكنّهم يتحدّثون عنها (هذه الشخصيّة الخياليّة) في القصص والأشعار 



1 الحرب التي فرضت على الجمهوريّة الإسلاميّة في ثمانينيّات القرن الماضي.المترجم-.
2 كلمته في حشود من مختلف شرائح الشعب بمناسبة قدوم محرّم الحرام, ١٠/٤/١٣٧١ش- ١/٧/١٩٩٢م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

10

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 والأساطير الشعبيّة، وهذا كلّه نابع من حاجة الشعوب لأن تجد فيما بينها نماذج عظيمة من أبنائها. لكنّ هذا الأمر موجود واقعاً في الإسلام على نحو واسع ومنقطع النظير، ومن بين هذه الشخصيّات العظيمة التي يُحتذى بها: شخصيّة أبي عبد الله عليه السلام إمام المسلمين وسبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك الشهيد الكبير1 في تاريخ الإنسانيّة2.

 
عالميّة دروس الإمام الحسين عليه السلام 
ليس الإمام الحسين عليه السلام حكراً على الشيعة أو المسلمين، بل رسالته عامّة لكلّ أحرار العالم. وهذا زعيم نهضة الحرّيّة في الهند قبل ٦٠ أو ٧٠ عاماً يذكُر اسم الحسين بن عليّ عليهما السلام، ويقول إنّه قد تعلّم منه، مع أنّه كان من الهندوس ولم يكن مسلماً. وكذلك الأمر بين المسلمين، فالأحداث التي جرت للإمام الحسين عليه السلام هي هذه. أنتم تكنزون مثل هذه الجوهرة النفيسة التي يمكن للبشريّة جمعاء أن تنهل وتستفيد منها3.
 
الدرس الأساس المستفاد من عاشوراء
لو نظرنا بدقّة إلى واقعة عاشوراء، ابتداءً من خروج أبي عبد الله عليه السلام من المدينة ثمّ توجّهه نحو مكّة إلى أن ارتوى بكأس الشهادة في كربلاء، لأمكننا القول إنّ باستطاعة الإنسان عدّ أكثر من مائة درس مهمّ في هذا التحرّك الّذي لم يدم أكثر من أشهر معدودة فقط. لم أقل: آلاف الدروس وإن كان بالإمكان قول ذلك، فمن الممكن أن تكون



1 كامل الزيارات, ص١٤٢, بحار الأنوار, ج٤٥, ص٢٣٨.
2 في لقاء جموع كبيرة من الحرس والتعبئة بمناسبة ولادة الإمام الحسين عليه السلام ويوم الحرس, ٢/٩/١٣٧٧ش- ٢٣/١١/١٩٩٢ م.
3 خطبة الجمعة في طهران ١٩/٣/١٣٧٤ش ١٠ محرّم ١٤١٦هـ-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

11

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 كلّ إشارة من ذلك الإمام العظيم درساً، لكن عندما نقول ١٠٠ درس، أي أنّه لو أردنا التدقيق والتمحيص في هذه الأعمال لأمكننا استقصاء مائة عنوان وفصل، وكلّ فصل يعتبر درساً للأمّة وللتاريخ وللبلد ولتربية النفس ولإدارة المجتمع وللتقرّب إلى الله، هكذا هو الحسين بن عليّ (أرواحنا فداه وفداء اسمه وذكره) في هذه الدنيا كالشمس الساطعة بين المقدّسين في العالم. انظروا إلى الأنبياء والأئمّةعليهم السلاموالشهداء والصالحين، فإذا كانوا كالأقمار والأنجم، فالحسين عليه السلام يشعّ كالشمس الطالعة.

 
وإلى جانب هذه الدروس المائة، هناك درس أساس في هذا التحرّك وهذه النهضة، وهو الأصل والأساس. وهو أنّه لماذا ثار الحسين عليه السلام؟ هذا درس. 
 
كان يقال للإمام الحسين عليه السلام: لماذا خرجت يا حسين رغم كونك شخصيّة لها احترامها في المدينة ومكّة، ولك شيعتك في اليمن؟ اذهب إلى مكان لا يكون لك فيه شأن بيزيد1 ولا شأن له بك، اذهبوا - أنت وشيعتك - إلى هناك جميعاً، لتعيش هناك وتعبد الله وتبلّغ. لماذا قمتَ وخرجت؟ ما الخبر؟ وما هي قضيّتك؟ هذا هو السؤال الأساس. وهذا هو الدرس الأساس2.
 
إنّ ما اجتمع في كربلاء من حوادث، ومن خطب وكلمات وأقوال، يمكن من خلاله معرفة وفهم لماذا نهض الإمام الحسين عليه السلام وقام بثورته3.



1 أنساب الأشراف, ج٣, ص١٦١-١٦٢, اللهوف, ص٣٩-٤٠, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٩.
2 خطبة الجمعة في طهران ١٩/٣/١٣٧٤ش- ٩/٦/١٩٩٥ م.
3 كلمته في ٤/٨/١٣٦١ش- ٢٦/١٠/١٩٨٢ م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

12

تنوّع دروس عاشوراء وخلودها

 الدافع، الهدف والغاية من نهضة عاشوراء

لو أردنا أن نبيّن هدف الإمام الحسين عليه السلام، فينبغي أن نقول: إنّ هدف ذلك العظيم كان واجب عظيم من واجبات الدّين لم يؤدِّه أحدٌ قبله، لا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا أمير المؤمنين عليه السلام ولا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، واجب يحتلّ مكاناً مهمّاً في البناء العامّ للنظام الفكريّ والقيميّ والعمليّ في الإسلام. ومع أنّ هذا الواجب مهمّ وأساسيّ، فلماذا لم يتمّ العمل به إلى زمن الإمام الحسين عليه السلام؟ كان يجب على الإمام الحسين عليه السلام أن يبادر هو للقيام بهذا الواجب ليكون درساً على مرّ التاريخ، كما صار تشكيل الحكومة الإسلاميّة على يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم درساً على مرّ تاريخ الإسلام، ومثلما أصبح جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله درساً على مرّ تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد، كذلك كان ينبغي أن يُودّى هذا الواجب على يد الإمام الحسين عليه السلام ليصبح درساً عمليّاً للمسلمين على مرّ التاريخ.
 
نعم، لقد نهض الإمام الحسين عليه السلام لتأدية واجب عظيم هو إعادة بناء النظام والمجتمع الإسلاميّ، أو القيام في وجه الانحرافات الكبرى في المجتمع الإسلاميّ1.



1 خطبة الجمعة في طهران ١٩/٣/١٣٧٤ش ١٠ محرّم ١٤١٦ هـ-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

13

التكليف

 معرفة التكليف الأساس، الدرس المهمّ في عاشوراء

ثَمَّةَ نقاط كثيرة جدّاً في قضيّة ثورة عاشوراء بحيث لو بُحثت في العالم الإسلاميّ وتناولها المفكّرون الإسلاميّون من أبعادها المختلفة، ودقّقوا النظر في مقدّماتها ولواحقها وما أحاط بهذه الحادثة، فسيصبح بالإمكان تحديد سبل الحياة الإسلاميّة ووظائف الأجيال المسلمة في مختلف الظروف. 

وأحد هذه الدروس هو هذه النقطة المهمة: أنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام قد شخّص في فصل حسّاس جدّاً من تاريخ الإسلام، الوظيفة الأساس من بين الوظائف المتنوّعة والتي لها مراتب متفاوتة في الأهمّيّة، وقام بإنجازها. ولم يخطئ أو يشتبه في معرفة ما كان العالم الإسلاميّ في ذلك اليوم بحاجة إليه. 

في حين كان تشخيص الوظيفة الرئيسيّة دائماً يمثّل إحدى نقاط الخلل والضعف في حياة المسلمين في المراحل الزمنيّة المختلفة، والخلل في تشخيص هذه الوظيفة يعني أن يخطئ أفراد الأمّة والمرشدون والشخصيّات البارزة في العالم الإسلاميّ- في مقطع من الزمن - في تشخيصها، بمعنى أنّهم لا يعلمون ما هي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

14

التكليف

 الوظيفة الأساس التي يجب البدء بها، والتضحية بسائر الأمور في سبيلها إذا لزم الأمر، ولا يعلمون ما هي الوظيفة الفرعيّة والتي تأتي في الدرجة الثانية، وأن يعطوا كلّ عمل وكلّ حركة من الأهمّيّة بقدره وأن يسعوا في سبيل تحقيقه.

 
أكابر ووجوه بلا بصيرة
في الوقت عينه الذي تحرّك فيه أبو عبد الله الحسين عليه السلام، كان هناك أشخاص إذا نوقشوا في الأمر وقيل لهم: "الآن وقت النهوض والقيام" وعلموا أنّ هذا الأمر سيجلب لهم المشاكل والمتاعب فإنّهم كانوا سيتّجهون نحو تكاليف من الدرجة الثانية، مثلما رأينا بعضهم قد قام بهذا العمل فعلاً. 
 
ولقد كان هناك أشخاص مؤمنون وملتزمون بين الذين لم ينهضوا مع الإمام الحسين عليه السلام، فليس من الصحيح اعتبارهم جميعاً من أهل الدنيا، وكان بين زعماء المسلمين ورموزهم في ذلك الوقت أشخاص مؤمنون وأشخاص يرغبون بالعمل وفقاً للتكليف، لكنّهم لم يدركوا ما هو تكليفهم، ولم يشخّصوا أوضاع ذلك الزمان، ولم يعرفوا العدوّ الرئيسيّ، وكانوا يخلطون بين الوظيفة الرئيسيّة المحوريّة والوظائف التي هي من الدرجة الثانية أو الثالثة. ولقد كان هذا الأمر أحد الابتلاءات العظيمة للعالم الإسلاميّ، ونحن - اليوم - يمكن أن نُبتلى بذلك أيضاً. من الممكن أن نخطئ في تشخيص التكليف الأهمّ نسبة إلى الأشياء الأقلّ أهمّيّة. يجب اكتشاف تلك الوظيفة الأساس والتي يعتمد عليها قوام المجتمع وحياته1.



1 في لقاء العلماء وطلّاب العلوم الدينيّة, ٧/٥/١٣٧١ش - ٢٩/٧/١٩٩٢ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

15

التكليف

 معرفة الحركة اللّازمة والمتعيّنة على المجتمع في مواجهة العدوّ

في كلّ زمان ثمّة حركة مطلوبة (متعيّنة) للمجتمع الإسلاميّ. ففي كلّ عصر، يوجد عدوّ وجبهة وخصم يهدّد الإسلام والمسلمين، ويجب أن يُعرف ذلك العدوّ. فلو اشتبهنا في معرفة العدوّ والجهة التي يتعرّض الإسلام منها للأذى والهجوم فستكون الخسارة كبيرة لا يمكن جبرانها، وستضيع من أيدينا فرص كثيرة. نحن اليوم مكلّفون بأن نتدارك، بأعلى درجة ممكنة، تلك اليقظة والتنبّه والاهتمام ومعرفة الأعداء ومعرفة التكاليف بالنسبة للأمّة الإسلاميّة وشعبنا والعالم الإسلاميّ1
 
عندما قدم الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، لم يأت بقصد الحكومة، ولا الشهادة، إنّما كان الهدف أداء التكليف. وقد ذكرنا هذا الأمر مراراً.. فإنْ كانت الحكومة هي الخاتمة فنعمّا هي، وهذا أمر حسن جدّاً، أن يذهب ويقيم الحكومة ويهزم يزيدَ في المعركة ويقضي عليه. وإذا كانت الشهادة هي خاتمة الثورة فهي إحدى الحُسنيين، وهو كان قد أعدّ نفسه للشهادة. لذلك فقد خطب تلك الخطب ليبيّن جمال الشهادة في أعين أصحابه، مثلما هي جميلة2.
 
التسليم أمام الله والتكليف
في واقعة عاشوراء وما حدث للإمام الحسين عليه السلام، ثمّة أمرٌ تحفل به جميع الأقوال والتصرّفات والحركات، وهو التسليم أمام الله، أي التسليم في قبال التكليف. عندما يُقال للإمام عليه السلام: إنْ تذهب وتَثُر فمن الممكن أن تُقتل، كان الجواب: إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه من رأى منكم سلطاناً 



1 في لقاء العلماء وطلّاب العلوم الدينيّة, ٧/٥/١٣٧١ش - ٢٩/٧/١٩٩٢ م.
2 في لقاء عوائل الشهداء،٢٠/٩/١٣٦١ش - ١١/١٢/١٩٨٣ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

16

التكليف

 جائراً يعمل كذا وكذا ويظلم، فعليكم مواجهته والوقوف بوجهه1، (أي) استناداً إلى تكليف!2

 
بيان "التكليف الأهمّ" على لسان الإمام عليه السلام
في ذلك الوقت الذي تحرّك فيه أبو عبد الله عليه السلام، جرى الحديث وقيل لهم: "الآن وقت النهوض"، ولكنّهم أدركوا أنّ هذا الأمر سيجلب لهم المشاكل والمتاعب، ومن هنا اتّجهوا نحو التكاليف من الدرجة الثانية، وقد رأينا بعضهم قام بهذا العمل فعلاً.
 
لقد أوضح الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام في خطابه للجميع، أن أوجب واجبات ووظائف العالم الإسلاميّ في تلك الظروف هو مواجهة رأس السلطة الطاغوتيّة والقيام من أجل إنقاذ النّاس من سلطتها الشيطانيّة.
 
من البديهيّ أنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام لو كان قد اختار البقاء في المدينة وبلّغ الأحكام الإلهيّة ومعارف أهل البيت عليهم السلام لكان ربّى جماعة على يديه، لكنّه عندما آثر أن يتّجه إلى العراق لأجل القيام بوظيفته، فإنّه كان يحرم نفسه من كلّ هذه الأعمال، من تبليغ الأحكام الإلهيّة للأُمّة وبيان معارف أهل البيت عليهم السلام وتعليم وتربية المسلمين، فلم يكن بإمكانه أن يُعلّم النّاس الصلاة وأن ينقل إليهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبالطبع سوف تتعطّل حوزته العلميّة ونشره للمعارف، وسوف يُحرم من تقديم العون للأيتام والمساكين والفقراء في المدينة. كلّ أمر من هذه الأمور كان وظيفة يقوم بها الإمام عليه السلام قبل تحرّكه باتِّجاه العراق، ولكنّه جعلها جميعاً فداءً للوظيفة الأكثر أهمّيّة، حتّى إنّه ضحّى بحجّ بيت الله في سبيل ذلك



1 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٨٢.
2 كلمته في ١٦/٨/١٣٥٩ش- ٧/١١/١٩٨١ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

17

التكليف

 التكليف الأعلى1 وكان هذا في وقت شرعت فيه النّاس بالوفود إلى بيت الله الحرام. فماذا كان ذلك التكليف؟ لقد كان - كما عبّر هو عليه السلام- مواجهة الجهاز الحاكم الذي هو منشأ الفساد: "أُريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي"2.

 
أو كما قال في خطبة أُخرى وهو في بعض الطريق: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله... فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"3
 
أي التغيير لسلطان الظلم والجور، تلك السلطة التي تنشر الفساد، والجهاز الذي يجرّ النّاس نحو الهلاك والفناء الماديّ والمعنويّ، هذا هو سبب قيام الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام4.
 
التكليف (المطلق) بدون قيد أو شرط
ربّما يقول قائل إنّه لا تكليف بالثورة إلى هذا الحدّ، فعندما يشاهد الإنسان طفلاً صغيراً كعليّ الأصغر قد شارف على الموت من شدّة العطش، يقول: الآن سقط التكليف عنّي، أو أنّه عندما يرى أن مجموعة من نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبناته يقعْنَ في الأسر سيقول: سقط التكليف عنّي إلى هنا! لا، ليس كذلك! إنّ تكليف الإمام ثورة غير محدودة وغير مشروطة10.



1 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٢٨٩, إعلام الورى, ج١, ص٤٤٥, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٦٣.
2 بحار الأنوار ج٤٤, ص٣٢٩.
3 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤.
4 كلمته في لقاء العلماء وطلّاب العلوم الدينيّة, ٧/٥/١٣٧١ش- ٢٩/٧/١٩٩٢ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

18

التكليف

 لقد لقّن الإمام الحسين عليه السلام بحركته العظيمة هذه البشريّة درساً أنّه كلّما كان الحقّ في مواجهة وضع خطير ومؤلم كهذا، يجب على أتباع الحقّ النهوض والقيام ولو كانوا أمام بحر من الأعداء. لا تقولوا إنّ الأعداء أقوياء، وهم يملؤون العالم، وماذا نستطيع أن نعمل في مواجهة العالم؟ الدرس هو أنّه ينبغي القيام والحركة مهما كان العدوّ قويّاً، بالطبع لهذا الطريق نهايتان، إحداهما الانتصار الظاهريّ والأخرى الانكسار الظاهريّ، فإحدى هاتين النهايتين هي حتماً في انتظار الإنسان1.

 
لمّا نزل عليه السلام منزل "عذيب الهجانات" التحق به أربعة رجال، كان للإمام عليه السلام كلام آخر، حيث قال لهم: "أما والله إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا"2.
 
وهذا مؤيّد لما ذكرناه من أنّه لا فرق، سواء انتصر أم قُتل، التكليف تكليف، ويجب القيام به3
 
نتيجة تقصير الخواصّ في العمل بالتكليف
نلاحظ في وقائع عاشوراء نفسها، أنّه عندما تحرّك الإمام الحسين عليه السلام كان بإمكان مجموعة، من خلال التحاقها به، أن تحوّل تلك النهضة إلى ثورة بنّاءة، لا إلى نهضة دمويّة انتهت بالقتل والشهادة، كان بإمكانهم ذلك! فلو أنّ عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، هذه الشخصيّات التي كانت بارزة في عالم المسلمين في ذلك اليوم، وكانت تسكن في مكّة والمدينة،



1 في لقاء العاملين في الجهاد الجامعيّ, ١٠/٦/١٣٦٦ش- ١/٩/١٩٨٨ م.
2 خطبة الجمعة في طهران, ٥/٧/١٣٦٤- ٢٧/٩/١٩٨٦ م.
3 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٥-٣٠٦.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

19

التكليف

 وهي جميعها من أبناء شخصيّات معروفة في صدر الإسلام، ابن جعفر الطيّار ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم1، ابن الزبير، ابن عمر، ابن عبّاس، لو أنّ هؤلاء الأربعة والذين اسم كلّ واحد منهم عبد الله خرجوا برفقة الإمام الحسين عليه السلام، لوجدت حركة عظيمة، لم يكن باستطاعة يزيد ولا أعوان يزيد، بدون شكّ، أن يقفوا في وجهها.

 
انظروا، فهؤلاء وآباؤهم كانوا من الشخصيّات المعروفة في الإسلام. وهذا الأمر كان مؤثّراً جدّاً، فالشخصيّة والسمعة كانتا لَتُسَهِّلانِ له كثيراً من الأمور والأعمال. فهل كان بالإمكان منازعة كلّ هذه الوجوه المعروفة، التي لكلّ واحدة منها عشيرة وأصدقاء ومؤيّدون في عالم الإسلام؟ إذاً لقامت النّاس وتبدّلت2 تلك الحركة وأحدثت تحوّلاً في السلطة والحكومة.
 
لولا تراخي هؤلاء الذين ذكرتُهم وأمثالهم، لكان الإمام الحسين عليه السلام قد خرج بعدّة آلاف، بدلاً من الخروج من مكّة ببضع مئات، تركه بعضهم أثناء الطريق3، والقليل بقي في كربلاء. وإذ ذاك هل كان للحرّ بن يزيد في هذه الحالة، أن يقف في الطريق ويمنع الإمام الحسين من الوصول إلى الكوفة؟4 ولو وصل إلى الكوفة، هل كان لعبيد الله بن زياد- الوالي الجديد للكوفة- أن يقف أمام هذا الجيش الكبير الذي على رأسه نجباء وشخصيّات معروفة من قريش وبني هاشم؟ و(لكانت) سقطت الكوفة. وبسقوط الكوفة، تسقط البصرة، ما يعني سقوط العراق. ومع سقوط العراق، فمن المتيقّن به أن تلحقه المدينة ومكّة وتسقط الشام أيضاً، وتتغيّر الحكومة، ويتبدّل تاريخ الإسلام. وعوض قرنين من



1 خطبة الجمعة في طهران عاشوراء ١٤١٦-, ١٩/٣/١٣٧٤ش- ٩/٦/١٩٩٥ م.
2 أسد الغابة, ج١, ص٣٤١.
3 الأخبار الطوال, ص٢٤٧-٢٤٨, إعلام الورى, ج١, ص٤٤٧, بحار الأنوار,ج٤٤, ص٣٧٤.
4 تجارب الأمم, ج٢, ص٦١-٦٤, اللهوف, ص٤٧, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٧٦-٣٧٨.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

20

التكليف

 الضغط والتضييق، كانت ستعود حكومة آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، و لو عادت حكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكان من المحتمل جدّاً أن يبلغ الإسلام الذروة في العالم، بدلاً من ١٤ قرناً من الانزواء، ولعلّ الحضارة اليوم والصناعة، والتكنولوجيا، والعلم والثقافة كانت ستكون مختلفة كلّيّاً عمّا هي عليه الآن.

 
ولعلّه لو حصل ذلك الأمر، لما عانت البشريّة عندها من كلّ هذا الشقاء والبؤس، ومن كلّ هذه الآلام والغصص والفقر وانعدام الأخلاق والجهل، والحروب وسفك الدماء. وكان العالم اليوم متقدّماً ١٠٠ سنة عمّا هو عليه حاليّاً. فأيّ شخص باستطاعته أن ينكر حجم الاستعدادات والقدرات التي أبادتها الضغوط والمحن على مرّ هذه السنوات المتمادية؟ فلولا المحن والضغوط، ولولا الحكومات الطاغوتيّة، لتفتّحت هذه الاستعدادات وانطلقت وأثمرت، ولعمرت الدنيا وتبدّلت عمّا هي عليه حالياًّ.
 
كيف سُدّ هذا النبع، الذي لو جرى لكان بإمكانه أن يروي الدنيا بأسرها؟ هناك في ذلك الموقف عندما شاهدت بعض هذه الشخصيّات الكبيرة الإمام الحسينعليه السلام يتحرّك وقال لهم: هيّا تحرّكوا، ضربوا كفّاً على كفّ وقالوا له: الآن، الظروف ليست مؤاتية1!! الآن العدوّ قويّ، ولا يصحّ. وعندما قالوا له: الآن، فهم جعلوا الزمان دخيلاً، وجعلوا الظروف دخيلةً.
 
لم يقل الإمام الحسين "الآن"، لا! بل قال: هي وظيفتي، ينبغي أن أقف وأقول الحقّ، يجب أن أنير الأذهان وأذكِّرها. فلو نجحت فهو، وإلّا فإنّي بعملي هذا أُذكِّرهم بما عليهم القيام به، هذا هو منطق الإمام الحسين عليه السلام، فيا ليتهم مضوا معه!2.



1 الفتوح, ج٥, ص٢٣-٢٦, مقتل الحسين, الخوارزمي, ج١, ص٢٧٨-٢٨١.
2 في لقاء اتحادات الطلبة الإسلاميّة في مختلف مناطق البلاد, ١٢/٨/١٣٦٤ش- ٣/١١/١٩٨٦ م.




 
 
 
 
 
 
 
 
30

 


21

التكليف

 ضرورة العمل بـ "تكليف اللحظة"

انظروا ما هي حاجة اللحظة؟ هذا هو الفنّ. تعرفون أنّه كان في العالم الإسلاميّ آنذاك الآلاف ممّن يحبّون الحسين بن عليّعليهما السلام وأباه وأمّه وعائلته وآله عليهم السلام، ويعادون يزيدَ واليزيديّين وكلّ الذين شاركوا في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين للجهاد والسعي في ركاب الحسين بن عليّ عليهما السلام، إلّا أنّهم لم يصبحوا حبيبَ بن مظاهر أو زهيراً، أو ذلك الغلام الذي أسلم حديثاً، و كان هناك أشخاص في بني هاشم، لم يصبحوا عليّ الأكبر وأبا الفضل العبّاسعليهما السلام، لماذا؟ لأنّهم لم يكونوا حاضرين في لحظة الحاجة. فعندما أرى أن الدّين محتاج إليّ، ولم أعرف حاجة ذلك الوقت (أي الوقت الذي احتاجني فيه) ولم ألبِّ ولم أجب، فما هي الفائدة من أن أعتبر نفسي مستعدّاً وحاضراً لنصرة الدّين؟
 
عندما يحتاج المريض إلى ذلك العلاج الفوريّ والدواء الفوريّ، يمكنك التباهي إذا أعطيته ذلك الدواء في تلك اللحظة، وإلّا إذا انقضت اللحظة، فلو أحضرت مئة ضعفٍ من هذا الدواء، فما هي فائدته؟ هذا هو المهمّ1.
 
معرفة الإمام عليه السلام للزمان
لم يخطئ الإمام الحسين عليه السلام في معرفة الظرف. فقبل واقعة كربلاء، كانت الإمامة والمسؤوليّة في عهدته لمدّة عشر سنوات2. وكان في المدينة يقوم بالأعمال الأخرى، ولم يقم بعمل كربلائيّ، لكنّه بمجرّد



1 في جامعة العلوم الإسلاميّة الرضويّة, ١١/٦/١٣٦٥- ٢/٩/١٩٨٧ م.
2 الهداية الكبرى, ص٢٠١, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٢٠١.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

22

التكليف

 أن أتيحت له الفرصة للقيام بهذا العمل المهمّ، أدرك الفرصة وتلقّفها، فقد عرف الوقت ولم يفرّط به1.

 
تجنّب تأخير التكليف
بعض النّاس لا يقومون بأداء التكليف الذي عليهم في وقته، وأداؤه في أيّ وقت آخر لن تكون له تلك النتيجة، وهذا هو الفرق بين شهداء كربلاء والتوّابين. فشهداء كربلاء استُشهدوا وكذلك التوّابون استُشهدوا أيضاً، ولم تكن الفاصلة الزمنيّة بينهما كبيرة2. إلّا أنّ شهداء كربلاء أصبحوا في قمّة الإنسانيّة، وشهداء التوّابين ليسوا كذلك، والفرق كبير بين مقام هؤلاء مقارنة بأولئك، لماذا؟ لأنّ شهداء كربلاء قد لبّوا نداء الإمام الحسين عليه السلام في وقته (وقت النداء)، لكنّ التوّابين لبّوا النداء بعد مضيّ الوقت. وهذا هو الفرق3.
 
ترك الحجّ من أجل قيام عاشوراء
في جميع الواجبات الشرعيّة، هناك مهمّ وأهمّ. فقد يكون هناك أمر واجب لكنّه مع ذلك يُجعل في الدرجة الثانية ويُترك جانباً، فالحجّ واجبٌ، لكنّ الإمام الحسين عليه السلام استعاض عنه بالعمرة المفردة4
 
حتّى لو فُرض أنّ الإمام الحسين كان قد حجّ سابقاً، وأنّ هذا لم يكن حجّه الأوّل ولم يكن واجباً عليه، لكن، من المتيقّن أنّه كان هناك أشخاص 



1 في لقاء حشود كبيرة من الحرس والتعبئة بمناسبة ولادة الإمام الحسين عليه السلام, ويوم الحرس, ٢/٩/١٣٧٧ش- ٢٣/١٢/١٩٩٩ م.
2 المنتظم, ج٦, ص٣٥-٣٧, بحار الأنوار, ج٤٥, ص٣٥٨-٣٦٢.
3 في لقاء عوائل شهداء قائن, ٨/٦/١٣٧٨ش- ٣٠/٨/١٩٩٩ م.
4 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٢٨٩, الإرشاد, ج٢, ص٦٧, بحار الأنوار, ج٤٥, ص٩٩.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

23

التكليف

 من بين أصحابه، كان هذا الحجّ واجباً بالنسبة إليهم، لكنّهم تركوه، وقدِموا معه. فما الذي حدث؟ ولماذا جاؤوا؟ 

 
لقد كان السبب هو هذا القيام وهذه المواجهة1.
 
عاشوراء ومعرفة "حاجة الزمان"
إنّ مشكلة بعض الأفراد والجماعات هي أنّهم ليسوا بلا إيمان، وبلا شوق ومحبّة، لكنّهم ليسوا من أهل معرفة الزمان. ينبغي معرفة اللحظة، ينبغي معرفة الحاجة. لنفرض أنّ أشخاصاً في الكوفة كانت قلوبهم تفيض بالإيمان بالإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام، قلوبهم عامرة بالمحبّة، إلّا أنّهم وردوا الميدان متأخّرين بضعة أشهر2 وقد استُشهدوا جميعاً، وعند الله أجرهم، إلّا أنّ العمل الذي كان عليهم أداؤه لم يكن ذلك العمل الذي قاموا به، لم يعرفوا اللحظة، لم يعرفوا عاشوراء، لم يؤدّوا العمل في الزمان (المطلوب). فلو أنّ التوّابين قاموا بما قاموا به - أي نهضتهم بعد عاشوراء بمدّة - عند مجيء مسلم إلى الكوفة لكانت الأوضاع قد تغيّرت، وكان ممكناً أن يتغيّر مجرى الأحداث بشكل آخر.
 
إنّ معرفة الوقت وتشخيص اللحظة والقيام بالعمل في وقت الحاجة لَهي أُمورٌ في غاية الأهمّيّة3.



1 في جلسة أسئلة وأجوبة, ٢٦/٢/١٣٦٠ش- ٢٦/٤/١٩٨١ م.
2 أنساب الأشراف, ج٦, ص٣٦٦.
3 في لقاء أعضاء شورى تبليغات إسلامي, ٢٩/١٠/١٣٨٨ش- ١٩/١/٢٠١٠ م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

24

التغيير على السلطان الجائر

 أهمّيّة مواجهة فساد المجتمع

حادثة عاشوراء هي عبارة عن حركة جهاديّة عظيمة على كلتا الجبهتين: 
• جبهة المواجهة مع العدوّ الخارجيّ والذي هو جهاز الخلافة الفاسد نفسه والملتصقون به من طلّاب الدّنيا، الذين أرادوا استخدام السلطة - التي استخدمها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لإنقاذ النّاس - في الاتجاه المعاكس لمسير الإسلام ونبيّ الإسلام المكرّم. 

 
• وكذلك على الجبهة الداخليّة والعدوّ الداخليّ، حيث كان المجتمع في ذلك اليوم يتحرّك عموماً باتجاه ذلك الفساد الداخليّ نفسه. وهذه الجبهة الثانية برأيي هي الأهمّ1.
 
القيام والتغيير: تكليف إسلاميّ
تولّى الحكمَ في عصر الإمام الحسين عليه السلام نظامٌ فاسدٌ بكلّ معنى الكلمة، فألحق الظلم بالضعفاء، ودمّر القيم الإنسانيّة، وتجاهل دين الله كلّيّاً، الدّين الذي يمثّل الإطار الأفضل والأمثل لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، وداس على إنجازات النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وتضحياته، وأدخل المجتمع بتمامه 



1 كلمته في لقاء أعضاء من الحرس الثوريّ وقوى الأمن بمناسبة الثالث من شعبان, ٦/١١/١٣٧١ش- ٢٦/٧/١٩٩٣ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

25

التغيير على السلطان الجائر

 في الضياع. في ظلّ هكذا ظروف، برزت وظيفة كبيرة وثقيلة في طريق كلّ إنسان حرّ وشريف ومسلم حقيقيّ، وهي استنهاض النّاس وتوعيتهم، من خلال الوقوف والصمود في وجه ذلك النظام المتسلّط الجبّار المتعطّش للظلم والبعيد عن المعنويّات والقيم الأخلاقيّة ومواجهته، كانت هذه هي القضيّة الأساس في عصر الإمام الحسين عليه السلام.

 
كانت وظيفة الإمام الحسين عليه السلام وظيفة إسلاميّة، من يظنّ أنّ هذا العمل الذي قام به الإمام عليه السلام لم يكن واجباً على أيّ شخص آخر سواه، فهو مخطئ، فقد كان على الجميع التصدّي والقيام بهذه المهمّة، وأن ينصروا ويؤازروا الحسين بن عليّ عليهما السلام. "أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"1. وهذا يعني أنّه وظيفة الجميع، وهو التكليف الإسلاميّ2. كما ذكر هو نفسه في أحد منازل الطريق: 
التصدّي لنظام الظلم، المواجهة الحقيقيّة لأبي عبد الله عليه السلام 
قبل مجيء يزيد إلى الحكم وقبل أن يبلغ الظلم والطغيان والانحراف ذروته كان الحسين بن عليّ عليهما السلام ساكتاً، ولم يقم في زمن معاوية وخلال السنوات العشر بأيّة حركة كفاحيّة اعتراضيّة كالتي قام بها في كربلاء، إلّا أنّي أرى - وهذا رأيي الشخصيّ، وهو نتيجة أُنسي بالمسائل المرتبطة بحياة الأئمّة العظام عليهم السلام - أنّه لو بقي معاوية لسنوات أخرى على قيد الحياة ولم يأت ابنه يزيد إلى الحكم، لكان الإمام الحسين عليه السلام قام 



1 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤.
2 خطبة الجمعة, ٢١/٦/١٣٦٥ش - ١٢/٩/١٩٨٧ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

26

التغيير على السلطان الجائر

 بهذه الثورة، ولم يكن نهوض الإمام عليه السلام مرتبطاً فقط بمجيء يزيد إلى الحكم، لا، المسألة كانت أعلى من ذلك، لم تكن المشكلة مع يزيد، إنّما مع نظام الظلم1.

 
مواجهة الظلم، الركن الإسلاميّ المهمّ
للظلم ثلاثة أبعاد: الظالم، وهو ذلك الشخص الذي يمارس الظلم. والمظلوم، وهو ذلك الشخص الذي يقع عليه الظلم لكنّه يتحمّل الظلم ويقبل به. والثالث: الشاهد غير المبالي. فهؤلاء الثلاثة هم شركاء في الظلم، فالظالم مُدان وملعون عند الله تعالى، وكذلك المظلوم الذي يأتي عليه الظلم فيقبل به ولا يحرّك ساكناً في مواجهته، وكذلك المتفرّج اللامبالي، الذي يرى ممارسة الظلم لكنّه لا يتحرّك ولا ينطق بكلمة. هذه ثلاثة أبعاد لتشكّل الظلم وحصوله، فعندما لا يتحقّق أيّ منها لن يكون هناك ظلم في الدنيا. فلو لم يكن هناك ظالم، ولو لم يكن هناك من يرضخ للظلم، لن يكون هناك ظلم. ولو أنّ الشعوب والأمم والنّاس التي تُحكم وتُقاد بالظلم لم تقبل الظلم، بل رفضته وتصدّت للدفاع عن نفسها لما بقي هناك ظلم، ولما كان للظلم أن يستمرّ. فـالظلم عبارة عن حركة ومسار على خلاف الطبيعة وعلى خلاف سُنن العالم البسيطة، ولذا ليس من شأنها الاستمرار والبقاء. كما أنّ الطرف الثالث (المتفرِّجين) أيضاً كذلك، أي أنّه لولا وجود الـ "المتفرّجين" اللّامبالين لن يبقى هناك ظلم في هذا العالم. فلو افترضنا أنّ شعباً ما وقع عليه الظلم، لكنّ الشعوب الأخرى، أو زعماء البلدان الأخرى، وأصحاب الشأن والمؤسّسات الإعلاميّة لم يسمحوا بذلك ولم يبقوا مكتوفي الأيدي، فإنّهم أيضاً يكونون قادرين على الحؤول دون وقوع



1 خطبة الجمعة, ٢١/٦/١٣٦٥ش - ١٢/٩/١٩٨٧ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

27

التغيير على السلطان الجائر

 الظلم. وعليه، فهذه الأصناف الثلاثة جميعاً شريكة في ارتكاب هذا الجرم أمام الله تعالى، الظالم، والراضخ للظلم، والشاهد اللامبالي.

 
هذا هو الدرس الذي علّمنا إيّاه الإمام الحسين عليه السلام. ينبغي أن نبحث عن هذا الدرس في كلمات الحسين بن عليّ عليهما السلام. لا نطلق كلمات من عندنا. فمنذ بداية حركة الإمام من المدينة وحتّى آخر لحظة حيث عرجت روحه المقدّسة المطهّرة إلى أعلى علّيّين، صدرت عنه وصايا وتوجيهات كثيرة، كلّها ناظرة إلى هذا الموضوع.
 
عندما أراد الوليد بن عتبة - حاكم المدينة - أن يأخذ البيعة من الإمام. كان سلام الله عليه جالساً في المسجد يتحدّث مع عبد الله بن الزبير. عندما وصل الخبر، أنّ الوليد قد أرسل في طلبه، قال له عبد الله: ليس الآن وقت لقاء الوليد، ماذا ترون؟ لماذا استدعانا الوليد؟ أجابه الإمام: أظنّ أنّ معاوية قد مات، وأنَّهم يدعوننا لأخذ البيعة. نهض الإمام مع مجموعة من شباب بني هاشم وبعض العساكر الشجعان، وأخذهم معه، حتّى لا يغدر به الوليد ويحاصره وحسب. قال الإمام لأصحابه إن حدث شيء ما داخل القصر وعلا صوتي ادخلوا وواجهوا1، وهذا يعني أنّ الإمام الحسين منذ اليوم الأوّل لم يرزح تحت الضغط، وقد قرّر منذ البداية أن يواجه ويعارض وأن يصرّ على الحدّ من هذا الظلم الذي كان يعمّ العالم يوماً بعد يوم،



1 االأخبار الطوال, ص٢٢٧, مناقب آل أبي طالب, ج٣, ص٢٤٠, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٤: نصّ الرواية:... لمّا مات معاوية وذلك لنصف من شهر رجب سنة ستّين من الهجرة كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له ولا يرخّص له في التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه فعرف الحسين عليه السلام الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: "إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلّفني فيه أمراً لا أجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي"المترجم-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

28

التغيير على السلطان الجائر

 وبقي كذلك حتّى اللحظات الأخيرة من حياته. هذا هو الدرس العظيم الذي قدّمه لنا الإمام الحسين عليه السلام الكبير هو هذا1

 
عاقبة السكوت واللّامبالاة في وجه السلطان الجائر
في منزل من المنازل التي مرّ بها، ألقى الإمام الحسين عليه السلام، خطاباً مزلزلاً ومدوّياً، قال فيه: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"2.
 
فالإمام عليه السلام يخطب في النّاس، الذين هم من جهة، أنصاره وأتباعه الذين سمعوا جيّداً منطق الحسين بن عليّ عليهما السلام ووعوا رأيه ليصبح أكثر رسوخاً في أذهانهم. ويخاطب، من جهة أخرى، أتباع الحرّ بن يزيد، الذين قلّما طرقت هذه الأمور أذهانهم (قلّما سمعوا بها)، ولم يدركوا بشكل صحيح لماذا جاء الإمام الحسينعليه السلام. كما إنّ الحرب الإعلاميّة والدعائية ضدّ الإمام الحسين عليه السلام كانت شديدة وقويّة. يقول: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول: "كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"، أي أنّه كان حقّاً على الله وفرضاً أن يدخله في المكان نفسه الذي أدخل فيه ذلك الجائر، ويبتليه بعذاب الجائر نفسه، لأنّ الذي لا يكترث للظلم والفساد والانحراف، هو في الحقيقة قد أبعد نفسه عن



1 في خطبة الجمعة, طهران ١٣٦٥ش- ١٩٨٧ م.
2 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

29

التغيير على السلطان الجائر

  الاتصال بخالق هذا الكون وبالقدرة الإلهيّة، وعن ذلك التيّار الذي أنيطت به مهمّة إحقاق الحقّ وتطبيق الأحكام الإلهيّة1.

 
معاتبة سيّد الشهداء عليه السلام للنّخَب الساكتة عن مواجهة الظلم
اخترت كلاماً للإمام الحسين عليه السلام قلّما يُقرأ أو يُبيَّن في المجالس، ولكن بما أنّه كلام طويل فقد اخترت فقرات منه.. هذا الحديث الطويل، الذي صدر عن الإمام الحسين عليه السلام في مكّة، وبحسب المصادر التي قُمت بمراجعتها لم أجد تحديداً صريحاً وواضحاً للأشخاص الذين كانوا هم المعنيّين بهذا الخطاب، وأين حصل هذا الأمر، إلّا أنّه يفهم من الحديث نفسه ومن القرائن المحيطة به أنّ الخطاب كان موجّهاً لمجموعة من نخبة المجتمع وصفوته، من العلماء والمحدّثين وأبناء الصحابة، وأصحاب النفوذ والشأن بين النّاس.
 
وقد خاطبهم الحسين بن عليّ عليهما السلام بنحو صريح وحاسم، وخلاصة خطابه عليه السلام: أنّ أساس شقاء النّاس وتعاستهم هو أنتم، فأنتم من لديكم الوعي المعرفة، وأنتم كان يمكنكم بثّ الوعي فيهم، أنتم من كان لديكم السلطة والنفوذ، وكان بإمكانكم إيجاد الحركة بين النّاس، أنتم من كنتم أصحاب الجاه وكان باستطاعتكم منع النظام المتجبّر والظالم من استغلال سلطتكم ووجاهتكم، أنتم من كانت لديكم القدرة على القيام والدفاع عن حقوق الضعفاء والمستضعفين والمحرومين، ولكنّكم لم تفعلوا ذلك كلّه.
 
واليوم، فإنّ هذا هو الخطاب الذي يُوجَّه إلى كلّ أصحاب النفوذ في



1 كلمته في ٤/٨/١٣٦١ش - ٢٦/١٠/١٩٨٣ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

30

التغيير على السلطان الجائر

 العالم الإسلاميّ، هذا هذا هو الخطاب الذي توجّهه أمّتنا اليوم، وشعبنا، وثورتنا، إلى كلّ أصحاب الفكر النيّر في العالم، إلى السياسيّين، إلى رؤساء البلدان الإسلاميّة، إلى المفكّرين والمصلحين في البلدان الإسلاميّة، إلى علماء البلدان الإسلاميّة، إلى الشعراء، إلى الخطباء المسلمين، وهذه هي الرسالة التي نوجّهها، فهؤلاء الذين كان عليهم القيام والنهوض، لم يكن لديهم - مع بداية النهضة والثورة- الجرأة والاندفاع، ولم يكن جمهور النّاس وعامّتهم يدركون في بداية الأمر أنّه يمكن القيام والثورة. فـفي البلدان الإسلاميّة وفي العالم الإسلاميّ، القادة والمسؤولون والنخب والطليعة هم من يتحمّلون مسؤوليّة الحديث إلى النّاس ومخاطبتهم، وتشجيعهم، وأصحاب النفوذ وأهل القلم والبيان هم مَنْ يجب عليهم تعريف النّاس بوظائفهم.


وهذا ما تمّت تجربته فعلاً في بلادنا، حيث تصدّى الخطباء والعلماء وأهل القدوة والريادة، والقادة والمسؤولون، والمفكّرون الملتزمون والعلماء المجاهدون لإرشاد النّاس وتوعيتهم، حتّى إذا ما أصبح الشعب على دراية ومعرفة بالقضيّة، انتفض هذا السيل الهادر والمهيب، ولم يعد الوقوف بوجه الشعب مجدياً، إذ يمكن القضاء على ألف عالم ومفكّر، ولكن لا يمكن القضاء على ملايين النّاس، هنا انكسر الظلم، وهنا تحطّمت أركانه وتلاشت.

إذاً، إنّ تكليف استنهاض النّاس والسير بهذا السّيل المتدفّق واستثارة هذا البحر العظيم من القوى الإنسانيّة تقع على عاتق النخبة، وإنّ كلام الإمام الحسين عليه السلام في هذا الخطاب كان موجّهاً لتلك النخبة التي كانت في عصره، وهذه هي الكلمات التي قالها لهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

31

التغيير على السلطان الجائر

 من جملة كلماته التي وردت في هذا الخطاب العظيم، والذي نُقل في تحف العقول، هذا الكتاب الشريف: "فأما حقّ الضعفاء فضيّعتم وأمّا حقَّكم بزعمكم فطلبتم"1.

 
أنتم تسعون وراء مقامكم، وراء حقوقكم، وامتيازاتكم ومصالحكم، فقد قصّرتم وتهاونتم لكي تنالوا ذلك الشيء الذي تظنّون أنّه حقّكم، لكنّكم غفلتم عن النّاس، ضيّعتم حقوق النّاس وتركتم النّاس المستضعفين والفقراء والمحرومين والمظلومين لشأنهم ولحالهم.
 
ويشير في مكان آخر من كلامه العجيب والمؤثّر جدّاً إلى ضعف هؤلاء النخب، أنّكم لستم مستعدّين للتنازل والتخلّي عن أيّ شيء، لا عن أرواحكم، ولا عن أموالكم، ولا عن وجاهتكم وماء وجهكم، لستم مستعدّين لاتخاذ أيّ موقف (ولو عبسة واحدة)، لستم مستعدّين لتلقّي صفعة واحدة في سبيل إحقاق حقوق الضعفاء، "فلا مالاً بذلتموه"، "ولا نفساً خاطرتم بها للّذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله"
 
لستم مستعدّين لأن تغضبوا في وجه عشيرتكم وبطانتكم إنِ انحرفوا عن جادّة السبيل ولستم مستعدّين لأن تعادوهم في هذا السبيل.
 
ويشير الإمام الحسين عليه السلام إلى مدى اللامبالاة وعدم الاكتراث عند هؤلاء إزاء القيم الحقيقيّة ودين الله، أمّا فيما يتعلّق بأمورهم الشخصيّة فهم حاسمون متعصّبون.
 
"وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون".



1 تحف العقول, ص ٢٣٨.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

32

التغيير على السلطان الجائر

 ترون أنّ هؤلاء ينقضون العهود والمواثيق الإلهيّة، وأنتم ساكتون، لا تقولون شيئاً تخافون من إبداء آرائكم. 

 
كيف يُنقض عهد الله؟: يُنقض عهد الله عندما يُجعل المتجبّرون على رأس الأعمال، ليضيّعوا حقوق النّاس، وهم أصلاً لا يعملون بوظائف الوالي والحاكم، ويرون أنفسهم أصحاب حقوق وامتيازات، ويعتبرون النّاس عبيداً وأرقَّاء لهم. هكذا يُنقض عهد الله.
 
"وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون".
 
أنتم غير مبالين بالعهد الإلهيّ إلى الحدّ الذي لو وجدتم أن تعصبّكم الجاهليّ وعهود آبائكم وأجدادكم في معرض الزوال، لرفعتم أصواتكم وصيحاتكم.
 
"وذمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محقورة والعمي والبُكم وأصحاب العاهة في المدائن مهملة".
 
لقد نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتركوا النّاس المستضعفين العاجزين والفقراء لحالهم ومصيرهم، فلا أحد يدافع عن حقوقهم، أنتم تركتم كلّ ذلك، ولا تقومون بأيّ عمل لأجلهم. وأنتم لا تكترثون لهذا الظلم الكبير الذي ينتشر في هذا العالم.
 
"لا ترحمون ولا في منزلتكم تعملون ولا من عمل فيها تعينون وبالإدهان والمصانعة عند الظَلمة تأمنون"1



1 تحف العقول, ص ٢٣٨.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

33

التغيير على السلطان الجائر

 لا ترحمون أنفسكم، ولا تعملون بتلك المنزلة وهذا المقام الذي أُعطي لكم، ولا تقدّمون يد العون لمن أراد النهوض والثورة. وتوقّعون على صحّة أعمالكم بتملّقكم للظَّلَمة وممالأتكم لأصحاب السلطة والمال والمتغطرسين.

 
وهذا الوضع نفسه اليوم هو الوضع الذي عليه بعض رؤساء البلدان الإسلاميّة والبلدان غير الإسلاميّة المستضعفة في مقابل أمريكا، وفي مقابل القوى العظمى في هذا العالم، يعمل المتجبّرون على تخويفهم، من دون أن يكون هؤلاء على استعداد للإتيان بأيّ حركة في مواجهة الظلم والقهر الذي ابتُلي به هذا العالم، وكذلك الأمر بالنسبة للعلماء والمفكّرين والشعراء والخطباء في العالم الإسلاميّ الذين يرون هذا الوضع ويختمون على أفواههم بختم السكوت ولا يأتون بحركة، هذا الدرس خطاب لهم1
 
هدف الثورة على الظالم 
بعد هذه الكلمات2 الحاسمة والقاسية للإمام الحسين عليه السلام التي نزلت على رؤوس مخاطبيه كالسّوط، ليبيّن لهم أنّ هذه النهضة التي قام بها ليست حركة دنيويّة، وإنّما هي حركة من أجل هذه القيم، يترك الإمام مخاطبتهم ويوجّه خطابه إلى السّماء والله:
"اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام"، اللهمّ إنّك تعلم أنّ حركتنا وثورتنا ومواجهتنا للظلم



1 في خطبة صلاة الجمعة ٢١/٦/١٣٦٥ش - ١٢/٩/١٩٨٧ م.
2 إشارة إلى حديث الإمام الخامنئيّ في الفقرة السابقة - لوم سيّد الشهداء للنخب الساكتة أمام الظلم - الوارد في الصفحات السابقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

34

التغيير على السلطان الجائر

 والاستكبار ليست من أجل الوصول إلى مقام، وليست لأجل كسب شيء لأنفسنا، ولا لكي نكسب بضعة صباحات إضافيّة نتمتّع بها في حياتنا الزهيدة والسريعة الانقضاء، بل: "ولكن لنُرِيَ المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك ويُعمل بفرائضك وسُننك وأحكامك"1.

 
هذا هو هدف الإمام الحسين عليه السلام. يريد أن يحكم الإسلام في المجتمعات كعلاج شاف للأمم، يمكنه أن يؤمّن العدالة والحياة الحقيقيّة والإنسانيّة، وأن يرتقي بالإنسان في مدارج الكمال المعنويّ، وأن يقلع أساس الظلم من تلك المجتمعات. هذا هو درس الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، هذه رسالة الحسين عليه السلام وبلاغه. حقّاً وإنصافاً إنّ هذا الدرس هو من الدروس الحيّة، وإنّ العالم اليوم بحاجة إلى مثل هذا الدرس، ونحن أيضاً نحتاج إليه2.
 
حرمة القبول بالذلّة
لا ينبغي للمؤمن القبول بالذلّة بأيّ نحو كان، قال الإمام الحسين عليه السلام: "هيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك"3. يأبى الله لنا الذلّ، لا يحقّ للمؤمن القبول بذلّ الاستسلام أمام الكفار، أو أن يرضخ لضغوطهم وإملاءاتهم. التنازل بالنسبة للمؤمن هو قبول بالذلّ، وهذا غير جائز4



1 تحف العقول, ص٢٣٩.
2 في خطبة الجمعة, طهران ٢١/٦/١٣٦٥ش- ١٢/٩/١٩٨٧ م.
3 الاحتجاج, ج٢, ص٢٤, بحار الأنوار, ج٤٥, ص٨٣, وقد جاء هذا التعبير في مصادر أهل السنّة, تاريخ مدينة دمشق, ج١٤, ص٢١٩.
4 كلمته في ١٠/٦/١٣٦٢ش- ١/٩/١٩٨٤ م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

35

التغيير على السلطان الجائر

 عاشوراء، إقامة العدل والقضاء على الطواغيت 

إنّ أفدح الأخطاء التي ارتكبتها البشريّة - على مرّ التاريخ - وأكثر زلّاتها وأكبر معاصيها كانت في مجال الحكم، وإنّ الزلّات والخطايا التي صدرت عن الحكام ومَنْ بيدهم زمام الأمور والمتسلّطين على مصائر الشعوب ممّا لا يمكن مقارنتها بأعظم الذنوب الصادرة عن بسطاء النّاس وعامّتهم. وفي هذا المجال، قلّما تحلّى الإنسان بالتعقّل والأخلاق والحكمة، وقلّما عمّ المنطق فيه قياساً إلى سائر ميادين الحياة البشريّة.
 
وإنّ الذين دفعوا ضريبة هذا التجرّد عن التعقّل والمنطق وهذا الفساد والانغماس في الخطيئة هم عموم النّاس، تارة أبناء المجتمع الواحد، وتارة أخرى شعوب مجتمعات متعدّدة. هذه الحكومات تشكّلت بادئ الأمر على هيئة استبداد فرديّ لتنتقل بعد ذلك إلى حالة الاستبداد الجماعيّ المنظّم بفعل التطوّر الحاصل في المجتمعات البشريّة، لهذا فإنّ أهمّ وظائف أنبياء الله تمثّلت في التصدّي للطواغيت ومواجهة أولئك الذين فرّطوا بالنعم الإلهيّة، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾1، تتحدّث الآية القرآنيّة بهذا العبارات المؤثّرة التي تهزّ أعماق الإنسان عن هذه الحكومات الفاسدة التي سعت إلى أن يستشري الفساد، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾2، فهؤلاء بدَّلوا النعم الإلهيّة والإنسانيّة والطبيعيّة كفراً، أدخلوا النّاس - الذين كان يُفترض بهم التنعّم بهذه النعم - النّار التي هم أوجدوها بكفرهم وطغيانهم وأحرقوهم فيها. وقد وقف الأنبياء عليهم السلام بوجه هؤلاء



1 سورة البقرة, الآية: ٢٠٥.
2 سورة إبراهيم, الآية: ٢٨-٢٩.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

36

التغيير على السلطان الجائر

 وحاربوهم، ولو أنّ الأنبياء لم يتصدّوا لمواجهتهم لما كان هناك من داعٍ لمحاربتهم ومجادلتهم. يصرّح القرآن الكريم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾1.

 
فـما أكثر الأنبياء الذين دخلوا مع المؤمنين من عباد الله ميادين القتال والحرب، فضدّ مَنْ كانت هذه الحروب؟ إنّ الطرف الآخر الذي استهدفه الأنبياء في مواجهتهم إنّما هو تلك الحكومات الفاسدة والقوى المخرّبة وطغاة التاريخ الذين أهلكوا البشريّة وجرّعوها الشقاء والتعاسة وأهلكوها.
 
فالأنبياء هم منقذو الإنسانيّة، ولذا ذكر القرآن الكريم إقامة العدل بوصفها واحدة من الأهداف الكبيرة التي تسعى إليها النبوّات والرسالات: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾2، فإنزال الكتب وإرسال الرسل إنّما كانا في الأصل ليسود العدل والقسط البشريّة، واقتلاع مظاهر الظلم والغطرسة والفساد من الوجود. 
 
وهكذا كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام، فقد قال عليه السلام: "إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي"3
 
وقال أيضا: "مَنْ رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر عليه بقول ولا فعل، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله"4.



1 سورة آل عمران, الآية: ١٤٦.
2 سورة الحديد, الآية: ٢٥.
3 بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٩.
4 رجال النجاشيّ, ص١٤٤, تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

37

التغيير على السلطان الجائر

 أي مَنْ رأى مصدراً للظلم والفساد ولم يكترث له، فعاقبته عند الله هي نفس عاقبة ذلك الظالم والمفسد فهو عند الله قد قرن مصيره بمصيرها. لقد صرّح الإمام الحسين عليه السلام بأنّه لم يخرج ظالماً ولا أشراً، ولقد كانت دعوة أهل العراق للإمام الحسين عليه السلام من أجل أن يقدم إليهم ويتولّى الحكم فيهم، وقد استجاب الإمام عليه السلام لدعوتهم هذه. ولم يكن الأمر بحيث إنّ الإمام الحسين لم يكن يفكّر بالحكومة، بل إنّ ما كان يصبو إليه عليه السلام هو القضاء على الحكومات الطاغوتيّة، سواء حصل ذلك عن طريق الإمساك بالحكم أم بالاستشهاد وبذل الدماء1

 
استمرار (خطّ) النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم 
لقد كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام من أجل إقامة الحقّ والعدل: "إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"2.
 
ونقرأ في زيارة الأربعين التي هي من أهمّ الزيارات: "ومنح النصح وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة"3.
 
وكان عليه السلام قد ذكر في الطريق حديثاً مشهوراً عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها النّاس، إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يُغيّر عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه"4.



1 في لقاء المسؤولين والعاملين في النظام الإسلاميّ ٢٧/١٢/١٣٨٠ش - ١٧/٣/٢٠٠١ م.
2 بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٩.
3 مصباح المتهجّد, ص٧٨٨, بحار الأنوار, ج٩٨, ص٣٣١.
4 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

38

التغيير على السلطان الجائر

 إنّ كلمات ذلك الإمام العظيم كلّها وكذلك الروايات التي وصلت إلينا حوله عن المعصومين عليهم السلام، تبيّن هذه القضيّة بشكل واضح، وهي أنّ الهدف هو: إقامة الحقّ والعدل ودين الله وتمكين حكومة الشريعة وتحطيم بنيان الظلم والجور والطغيان. الهدف: استمرار طريق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، حيث إنّه عليه السلام: "يا وارث آدم صفوة الله.. يا وارث نوح نبيّ الله"1.

 
ومعلوم أيضاً لأيّ أمر جاء الأنبياء: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾2.
 
أي إقامة القسط والحقّ وإيجاد الحكومة والنظام الإسلاميّين3.
 
مواجهة الإمام عليه السلام لمحاولات تحويل الإمامة إلى سلطنة 
من هو الذي وقف في الجهة المقابلة للحسين بن عليّ عليهما السلام؟ إنّها تلك الحكومة الظالمة الفاسدة المنحرفة (المتجسّد عملها في): "يعمل في عباد الله بالجور والعدوان"4، العلامة الأساسيّة لهذه الحكومة أنّها كانت تتعامل مع الأمّة الرّازحة تحت سلطتها ومع عباد الله وخلقه بالظلم والعدوان والغرور والتكبّر والأنانيّة والاستعباد، وهذه كانت هي الخصوصيّة البارزة لتلك الحكومة. فهي قد تنكّرت للمعنويّات والالتزام بحقوق النّاس. وكانت قد بدّلت الحكومة الإسلاميّة إلى تلك الحكومة الطاغوتيّة نفسها التي كانت سائدة في الأرض قبل الإسلام وخلال مختلف المراحل التاريخيّة، في حين أنّ من أبرز مزايا النظام الإسلاميّ هي الحكومة،



1 كامل الزيارات, ص٣٧٥, بحار الأنوار, ج٩٨, ص١٩٩.
2 سورة الحديد, الآية: ٢٥.
3 في لقاء أئمّة الجمعة والجماعة ولقاء أعضاء مجتمع روحانيّون مبارز وجامعه روحانيّون مبارز في طهران, والشورى المساعدة لمؤسّسة التبليغات الإسلاميّة محرّم الحرام - ١١/٥/١٣٦٨ش- ٢/٨/١٩٩٠ م.
4 تاريخ الطبريّ, ج٤, ص٣٠٤, بحار الأنوار, ج٤, ص٣٨٢.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

39

التغيير على السلطان الجائر

 وأنَّ من أبرز مظاهر المجتمع المثاليّ الذي يريد الإسلام تشييده هو شكل الحكومة وطبيعتها وسيرة الحاكم. وكما عبّر شخصيّات بارزة في ذلك العصر أنّ سلاطين الجور كانوا قد بدّلوا الإمامة إلى سلطنة.

 
والإمامة إنّما تعني قيادة ركب الدّين والدّنيا، في قافلةٍ يسير فيها الجميع نحو هدف سامٍ وباتجاه واحدٍ، وهناك شخص يرشد الباقين، فإن ضلَّ أحدهم عن مسار القافلة انتشله وأعاده إليها، وإذا تعب أحدهم حثّه على مواصلة الطريق، وإن جُرحت قدم واحد منهم داواها، وهو من يرفد الجميع بالعون المعنويّ والماديّ، وهذا ما يُسمّى في الإصطلاح الإسلاميّ باسم "الإمام"، أي إمام الهدى، وأمّا السلطنة فهي في الجهة المقابلة. والسلطنة التي بمعنى الملكيّة الموروثة هي أحد أشكال السلطنة، لذلك لا يطلق على بعض السلاطين في العالم اسم سلطان، لكن بواطنهم سلطويّة تختزن التسلّط على البشر، فأيّما شخص جاء وفي أيّة حقبة تاريخيّة وأيّاً كان اسمه، إذا ما قابل شعبه أو الشعوب الأخرى بمنطق القوّة فذاك هو ما يسمّى "سلطنة".
 
وفي عصر الإمام الحسين بدّل هؤلاء الإمامة الإسلاميّة إلى ذلك الشيء الذي: "يعمل في عباد الله بالجور والعدوان". 
 
فكان أن انبرى الإمام الحسين لمقارعة هكذا وضع1.



1 في حشود غفيرة من زوّار الجبهة ومختلف شرائح الشعب في مقر "دوكوهة" ٩/١/١٣٨١ش- ٢٩/٣/٢٠٠١م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

40

الإصلاح

 وجوب النهوض لإصلاح المجتمع الإسلاميّ

السؤال الذي يبقى هنا1 هو: لو أنّ يداً أو حادثةً ما، أدّت إلى حرف ذلك القطار الّذي سيّره النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن مساره، فما هو التكليف؟ لو انحرف المجتمع الإسلاميّ وبلغ الانحراف درجةً خيف معها على أصل الإسلام والمعارف الإسلاميّة من انحرافها جميعاً، فما العمل؟
 
لدينا نوعان من الانحراف: تارة تفسد النّاس، لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، ومثل هذا الإنحراف يحصل في كثير من الأوقات. وتارة أخرى ينحرف النّاس ويفسد أيضاً الحكّام والعلماء ومبلّغو الدّين! وأساساً لا يصدر الدّين الصحيح عن الفاسدين، فهم يحرّفون القرآن والحقائق، ويبدّلون الحسنات سيّئات والسيّئات حسنات. ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وينقلب الخطّ الذي رسمه الإسلام - في هذا الاتجاه مثلاً - ١٨٠ درجة! فلو ابتلي النظام والمجتمع الإسلاميّ بمثل هذا الأمر، فما هو التكليف حينئذٍ؟
 
وقد ظهر الانحراف في زمن الإمام الحسين عليه السلام وكانت الفرصة مناسبة للقيام، لذا كان على الحسين عليه السلام أن يثور، فالانحراف قد



1 مع الإشارة هنا إلى أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله قد أقام النظام الإسلاميّ وكان هدفه إيصال الناس إلى الكمال ومقام عبوديّة الله تعالى, وهنا يطرح سؤال, وهذا القسم من البحث هو في صدد بيان السؤال والإجابة عليه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

41

الإصلاح

 ظهر، لأنّ الشخص الّذي توّلى السلطة بعد معاوية لم يراع الإسلام حتّى في الظاهر، فكان منغمساً في الخمر والمجون والفحشاء وينتهك الحرمات علناً1، ويطعن في القرآن وينشد الشعر المخالف له المنكرة علناً2، ويجاهر بمخالفة الإسلام! غاية الأمر لكونه كان يسمّى رئيس المسلمين، فهو لم يُرد أن يقضي على اسم الإسلام. لكنّه لم يكن عاملاً بالإسلام، ولا محبّاً له ولا مهتمّاً به، بل كان بعمله هذا كنبع الماء الآسن (العفن)، الذي يرشح منه الماء باستمرار ويسيل خارجاً ويفسد ما حوله، فوجوده بمثابة الماء الآسن الذي سيعمّ المجتمع الإسلاميّ! هكذا يكون الحاكم الفاسد، فلأنّ الحاكم يتربّع على رأس القمّة، فما يصدر عنه لا يبقى في مكانه - خلافاً للناس العاديّين - بل يسيل ليملأ ما حوله ويغمر الهرم بأسره!

 
كلّ واحد من النّاس العاديّين لديه موقعه الخاصّ به. وكلّما ارتفع الإنسان أكثر كلّما ارتفعت منزلته في المجتمع، وكان فساده وضرره أكثر. وأمّا فساد النّاس العاديّين فمن الممكن أن يقتصر على أنفسهم، أو على البعض ممّن حولهم، لكن لو فسد من هو قائم على رأس السلطة فإنّ فساده ينتشر ويعمّ كلّ الأرض، كذلك لو صلُح، فإنّ صلاحه ينتشر ويعمّ الدنيا.
 
فشخصٌ بهذا الفساد أصبح، بعد معاوية، خليفة للمسلمين! خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل هناك انحراف أكبر من هذا؟!3.



1 أنساب الأشراف, ج٥, ص٢٨٦-٢٨٨, مروج الذهب, ج٣, ص٦٧-٦٨.
2 روضة الواعظين, ص١٩١, تذكرة الخواص, ص٢٦٠-٢٦١.
3 من خطبة الجمعة في طهران, عاشوراء ١٤١٦هـ- ١٩/٣/١٣٧٤ش.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

42

الإصلاح

 وجوب الثورة عند ظهور فساد جذريّ

قال الإمام الحسين عليه السلام في خطبته الأولى بعد وصوله إلى كربلاء: "قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون"، ثمّ قال: "ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً.."1 إلى آخر الخطبة. 
 
الخلاصة: أنّ الإمام الحسين قد نهض للقيام بواجب. وهذا الواجب متعلّق بآحاد المسلمين فرداً فرداً على طول التاريخ. وهذا الواجب هو بمعنى أنّه كلّما واجه نظام المجتمع الإسلاميّ فسادٌ بنيويٌّ وخيف على أحكام الإسلام من أن تتبدّل كلّيّاً فعلى كلّ مسلم النهوض2.
 
انحراف المجتمع الإسلاميّ، أرضيّة موجبة للثورة
السؤال الذي يبقى هنا3 هو: لو أنّ يداً أو حادثةً ما، أدّت إلى حرف ذلك القطار الّذي سيّره النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن مساره، فما هو التكليف؟ لو انحرف المجتمع الإسلاميّ وبلغ الانحراف درجةً خيف معها على أصل الإسلام والمعارف الإسلاميّة من انحرافها جميعاً، فما العمل؟
 
لدينا نوعان من الانحراف: تارة تفسد النّاس، لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، ومثل هذا الانحراف يحصل في كثير من الأوقات. وتارة أخرى ينحرف النّاس ويفسد أيضاً الحكّام والعلماء ومبلّغو الدّين! وأساساً لا يصدر الدّين الصحيح عن الفاسدين، فهم يحرّفون القرآن والحقائق،



1 اللهوف, ص٤٨, بحار الأنوار, ج٤٤, ص١٩٢, الطبريّ مع اختلاف بسيط-, ج٤, ص٣٠٥.
2 في خطبة الجمعة في طهران عاشوراء ١٤١٦-, ١٩/٣/١٣٧٤ش- ٩/٦/١٩٩٥ م.
3 مع الإشارة هنا إلى أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد أقام النظام الإسلاميّ وكان هدفه إيصال الناس إلى الكمال ومقام عبوديّة الله تعالى, وهنا يطرح سؤال, وهذا القسم من البحث هو في صدد بيان السؤال والإجابة عليه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

43

الإصلاح

 ويبدّلون الحسنات سيّئات والسيّئات حسنات. ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وينقلب الخطّ الذي رسمه الإسلام - في هذا الاتجاه مثلاً - ١٨٠ درجة! فلو ابتلي النظام والمجتمع الإسلاميّ بمثل هذا الأمر، فما هو التكليف حينئذٍ؟

 
وقد ظهر الانحراف في زمن الإمام الحسين عليه السلام وكانت الفرصة مناسبة للقيام، لذا كان على الحسين عليه السلام أن يثور، فالانحراف قد ظهر، لأنّ الشخص الّذي توّلى السلطة بعد معاوية لم يراع الإسلام حتّى في الظاهر، فكان منغمساً في الخمر والمجون والفحشاء وينتهك الحرمات علناً1، وكان ينشد الشعر المخالف للقرآن والدّين علناً ويجاهر بمخالفة للإسلام! غاية الأمر لكونه كان يسمّى رئيس المسلمين، فهو لم يُرد أن يقضي على اسم الإسلام. لكنّه لم يكن عاملاً بالإسلام، ولا محبّاً له ولا مهتمّاً به، بل كان بعمله هذا كنبع الماء الآسن (العفن)، الذي يرشح منه الماء باستمرار ويسيل خارجاً ويفسد ما حوله، فوجوده بمثابة الماء الآسن الذي سيعمّ المجتمع الإسلاميّ! هكذا يكون الحاكم الفاسد، فلأنّ الحاكم يتربّع على رأس القمّة، فما يصدر عنه لا يبقى في مكانه - خلافاً للناس العاديّين - بل يسيل ليملأ ما حوله ويغمر الهرم بأسره!
 
كلّ واحد من النّاس العاديّين لديه موقعه الخاصّ به. وكلّما ارتفع الإنسان أكثر، كلّما ارتفعت منزلته في المجتمع، وكان فساده وضرره أكثر. وأمّا فساد النّاس العاديّين فمن الممكن أن يقتصر على أنفسهم، أو على البعض ممّن حولهم، لكن لو فسد من هو قائم على رأس السلطة فإنّ فساده ينتشر ويعمّ كلّ الأرض، كذلك لو صلُح، فإنّ صلاحه ينتشر ويعمّ الدنيا.



1 أنساب الأشراف, ج٥, ص٢٨٦-٢٨٨, مروج الذهب, ج٣, ص٦٧-٦٨.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

44

الإصلاح

 فشخصٌ بهذا الفساد أصبح، بعد معاوية، خليفة للمسلمين! خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل هناك انحراف أكبر من هذا؟!1.

 
وظيفة المجتمع في مقابل الانحراف عن النظام الإسلاميّ
عن أبي عبد الله الحسين عليه السلام في وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة: "وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي"2، وعنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّني راحل مصبحاً إن شاء الله"3.
 
يبيّن عليه السلام في الجملتين الأُوليَيْن أهداف التحرّك، وهو الإصلاح في أمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي إصلاح وتصحيح الحركة المنحرفة التي أصابت المجتمع الإسلاميّ بالاعوجاج، كحال القطار الذي سيّره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سِكَّته في اتجاه، ولكنّ بعضهم بخيانتهم وجهلهم وأغراضهم قد غيّروا مساره كلّيّاً، في البداية غيّروا مساره بضع درجات ثمّ زادوا ذلك أكثر فأكثر حتّى استطاعوا أن يبدّلوا مساره كلّيّاً.
 
أراد الإمام الحسين عليه السلام بحركته العظيمة وبخروجه من المدينة أن يقول: "إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي". لقد طرح قضيّة إصلاح وتصحيح اتجاه الحركة وتثبيت النظام الإسلاميّ واستحكامه، أي وضع تلك القيم الإسلاميّة نفسها في موضعها تحت راية الحكومة الإلهيّة، والتي هي بذاتها إحدى القيم الإسلاميّة. 



1 من خطبة الجمعة في طهران, عاشوراء ١٤١٦هـ- ١٩/٣/١٣٧٤ش.
2 بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٩.
3 اللهوف ص٣٨, نزهة الناظر, ص٨٦.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

45

الإصلاح

 لم يكن هدف الإمام الحسين عليه السلام هو تشكيل الحكومة حتماً، بحيث إذا علم أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق صرف نظره عن التحرّك، ولم يكن هدفه أيضاً هو الشهادة حتماً، بحيث لو فُرض أنّه حدث خلال مسيره أمور تحول دون شهادته، لم يقبل، بل قال: ينبغي أن استشهد. لا! لم يكن أيّ من هذين الأمرين هدفاً للإمام الحسين عليه السلام، وإنّما كان الهدف شيئاً آخر. 

 
كان الهدف أن يبيّن للعالم في عصره، للمسلمين الذين تناسوا الحقائق الإسلاميّة، وللأجيال القادمة، أنّه كلّما وُجدت ظروفٌ كهذه، فهذه هي الوظيفة. فكلّما كان النظام والتشكيلات الاجتماعيّة ونمط الحياة على هذه الشاكلة - التي شاهدتموها والتي بيَّنها الإمام عليه السلام في سائر كلماته - فوظيفتكم هي هذا العمل الذي قمت أنا به، الخروج، والثورة، وعدم الاستكانة، وعدم السعي وراء المزيد من الأصحاب كمقدّمة لازمة للقيام بالعمل، بل عليكم أن تضعوا أرواحكم على أكفّكم والمضيّ قدماً. والنتيجة في مثل هذه الثورة، بحسب الظاهر هي إمّا نيل الحكومة، أو أنّها ستُهزم- ظاهريّاً- أو أنّها ستُفضي إلى الشهادة، والتي هي نصرٌ أيضاً.
 
الأصل والأساس هو إيصال هذه الرسالة. وبيان التكليف بصورة (عمليّة) تجسيديّة. إذاً، نهضة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام نهضة ملهمة ملقّنة للدروس، وحركة مجسّدة للتكليف والوظيفة الإسلاميّة. هذه الثورة كانت لبيان هذه المقاصد1.



1 في ملتقى أئمّة الجمعة والجماعات لمحافظة طهران الفيلق الأوّل ثار الله- ١/٦/١٣٦٦ش- ٢٣/٨/١٩٨٨م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

46

الإصلاح

 الإصلاح في المجتمع الإسلاميّ، الواجب الكبير

الهدف عبارة عن: إعادة المجتمع الإسلاميّ إلى الخطّ الصحيح. متى يكون هذا؟ يكون عندما يتبدّل الطريق ويعمّ الجهل والظلم والاستبداد، وعندما تؤدّي خيانة أشخاص إلى انحراف المسلمين، وتوفّر الأرضيّة والظروف لذلك.
 
إذاً يمكن الاستنتاج والقول: إنّ الإمام الحسين عليه السلام نهض ليقوم بذلك الواجب الكبير الذي هو عبارة عن تجديد بناء النظام والمجتمع الإسلاميّ، أو النهوض في مواجهة الانحرافات الكبيرة في المجتمع الإسلاميّ1
 
بيان الأرضيّة المناسبة للثورة الإصلاحيّة
لم ينحرف المجتمع الإسلاميّ في زمن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أمير المؤمنين عليه السلام بذلك الشكل، وفي زمان الإمام الحسن عليه السلام عندما كان معاوية على رأس السلطة، وبالرغم من أنّ علامات الانحراف قد ظهرت، لكنّه آنذاك لم يصل إلى الحدّ الذي يُخاف منه على التبديل الكلّيّ للإسلام. لكنَّ هذا الانحراف قد ظهر في زمان الإمام الحسين عليه السلام وكانت الفرصة متاحة أمام الإمام عليه السلام، فكان على الإمام الحسين عليه السلام أن يقوم: إذ قد وُجد الانحراف.
 
وكانت الأرضيّة ممهّدة أيضاً. ما معنى أنّ الأرضيّة ممهّدة؟ هل معناه عدم وجود الخطر؟ كلّا، فالخطر موجود. فهل من الممكن أن يبقى من هو على رأس السلطة ساكتاً أمام معارضيه ولا يخلق لهم المخاطر؟ إذاً هي



1 خطبة الجمعة في طهران عاشوراء ١٤١٦-, ١٩/٣/١٣٧٤ش- ٩/٦/١٩٩٥ م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

47

الإصلاح

 الحرب. تريد أن تنزله عن عرش السلطة وهو يجلس متفرّجاً عليك! من الطبيعيّ أنّه سيسدّد لك الضربات أيضا. إذاً الخطر موجود.

 
فعندما نقول: الوقت مناسب، فمعناه أنّ الظروف في المجتمع الإسلاميّ مواتية لأن يُبلّغ الإمام الحسين عليه السلام نداءه إلى النّاس في ذلك العصر وعلى مرّ التاريخ.
 
فلو أراد الإمام الحسين عليه السلام الثورة في عصر معاوية لطُمس نداؤه، وذلك لأنّ الحكم والسياسات كانت بشكل لا يمكن للناس فيها سماع حقّانيّة قول الحقّ، لذلك لم يُقدم الإمام الحسين عليه السلام على شيء ولم يثُر أيّام خلافة معاوية، وكان إماماً لمدّة ١٠ سنوات1، لأنّ الظروف لم تكن آنذاك مؤاتية. وقبله عليه السلام، كان الإمام الحسن عليه السلام موجوداً، ولم يثُر أيضاً، لنفس السبب، أي عدم مؤاتاة الظروف. ليس لأنّ الإمامين الحسنين عليهما السلام لم يكونا - آنذاك - أهلاً لهذا العمل.
 
فلا فرق بين الإمام الحسن عليه السلام وبين الإمام الحسين عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين عليه السلام وبين الإمام السجّاد عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين عليه السلام وبين الإمام عليّ الهادي عليه السلام أو الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. بالطبع، إنّ الإمام الحسين عليه السلام حيث أنّه قام بهذا الجهاد فله من هذه الناحية مقام أرفع ممّن لم يقم به، وأمّا من ناحية الإمامة فالكلّ متساوون، ولو وقع هذا الأمر في عصر أيّ واحد منهم لثار وأدّى تلك الوظيفة ونال تلك المنزلة.
 
فالإمام الحسين عليه السلام أصبح في مواجهة هكذا انحراف، والظروف كانت مواتية له عليه السلام، فلا محيص من تأدية هذا التكليف، ولا عذر. 



1 دلائل الإمامة, ص١٧٧.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

48

الإصلاح

 لهذا فعندما قال له عبد الله بن جعفر ومحمّد بن الحنفيّة وعبد الله بن عبّاس- الّذين كانوا من العالمين بالدّين والعارفين بأحكامه، ولم يكونوا من عامّة النّاس -: إنّ تحرّكك فيه خطر فلا تذهب1، أرادوا أن يقولوا: إنّ التكليف قد سقط عنك لوجود الخطر في طريق أدائه. فهؤلاء لم يدركوا أنّ هذا التكليف ليس بالتكليف الّذي يسقط بوجود الخطر، لأنّ الخطر موجود في مثل هذا التكليف دوماً، فهل يمكن لإنسان أن يثور ضدّ هكذا سلطة مقتدرة في الظاهر ولا يواجه خطراً؟! فهذا التكليف دائماً يستبطن الخطر. وهو التكليف ذاته الذي قام به الإمام الخمينيّ قدس سره. كانوا يقولون له (رضوان الله عليه) إنّ الخطر هو في مواجهتكم للشاه، أَفلم يكن الإمام لا يعلم بالخطر؟ ألم يكن الإمام يعلم أنّ جهاز الأمن البهلويّ كان يعتقل الإنسان ويعذّبه ويقتل أصدقاءه وينفيهم؟ ألم يكن الإمام يعلم كلّ ذلك؟!2.

 
الإصلاح في كلام الإمام الحسين عليه السلام 
في مجال الإصلاح، رُوى عن الإمام الحسين عليه السلام عبارتان: 
"خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي"3.
 
"لنُرِيَ المعالم من دينك ونُظهر الإصلاح في بلادك"4.



1 رسالة عبد الله بن جعفر إلى أبي عبد الله عليه السلام, الفتوح, ج٥, ص٦٧, الإرشاد, ج٢, ص٦٨-٦٩. بحار الأنوار, ج٤٤, ٣٦٦ و ص٣٢٦-٣٢٧. حديث محمّد بن الحنفيّة مع أبي عبد الله عليه السلام, الكامل في التاريخ, ج٤, ص١٦-١٧. اللهوف, ص٣٩-٤٠. حديث عبد الله بن عبّاس مع أبي عبد الله عليه السلام, الطبقات الكبرى, الخامسة, ١, ص٤٥٠, دلائل الإمامة, ص١٨١-١٨٢, بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٦٤-٣٦٥.
2 في خطبة الجمعة, طهران, عاشوراء١٤١٦-, ١٩/٣/١٣٧٤ش- ٩/٦/١٩٩٥ م.
3 بحار الأنوار, ج٤٤, ص٣٢٩.
4 تحف العقول, ص٣٢٩, بحار الأنوار, ج٩٧, ص٨١.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

49

الإصلاح

 أي أريد الإصلاح في الأمّة الإسلاميّة والبلاد الإسلاميّة. كان هذا شعار الإمام الحسين عليه السلام1

 
الإصلاح، صعب لكنّه ممكن
هل ينبغي أن يحلّ اليأس عندما ينحرف القطار عن سكّته؟ هل بالإمكان إعادته إلى خطّه؟ الجواب: نعم! وإن كان أمراً صعباً حيث إنّه يحتاج إلى حركة كحركته ومسيره في المرّة الأولى، وقد كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام كهذه الحركة، حيث أعاد الإمام عليه السلام من خلال ثورته ونهضته قطار دين الإسلام والمجتمع الإسلاميّ- الذي انحرف عن مساره وكان يتّجه نحو الماديّة والفساد التامّ - إلى حالته الأولى2
 
نتيجة النهوض والثورة الإصلاحيّة
أحياناً تتوفّر الظروف (للقيام والثورة)، وأحياناً لا تكون كذلك. لكنّها في زمن الإمام الحسين عليه السلام كانت مهيّأة، وفي زماننا كانت أيضاً مهيّأة، حيث قام الإمام الخمينيّ بهذا العمل نفسه. كان الهدف واحداً. بالنتيجة، عندما يسعى الإنسان وراء هذا الهدف ويريد القيام والثورة ضدّ الحكومة الباطلة ومركز الفساد، إنّما ذلك لكي يعيد الإسلام والمجتمع والنظام الإسلاميّ إلى مركزه الصحيح، ففي زمن قد يتمّ النهوض والثورة وينتهي الأمر بالحكومة، وهذا أحد أشكاله، فقد حصل بحمد الله في زماننا على هذا النحو، وفي وقت آخر قد لا تنتهي الثورة بالحكومة، بل بالشهادة، ففي هذه الصورة الثانية ألا تكون الثورة واجبة؟ أو لا يكون فيها فائدة إن



1 خطبة الجمعة ٢٦/١/١٣٧٩ش- ١٥/٤/٢٠٠١ م.
2 في حشد من عناصر ومنتسبي فيلق عليّ بن أبي طالب عليه السلام, ٢٣/٥/١٣٦٧ش- ١٤/٨/١٩٨٩م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

50

الإصلاح

 كانت نتيجتها الشهادة؟ كلّا، إنّ الثورة واجبة وإن انتهت بالشهادة، فلهذه الحركة ولهذه النهضة فائدة في كلا الصورتين - سواء انتهت بالشهادة أم بالحكومة- غاية الأمر أنّ لكلّ منهما نوعَ فائدة مختلفة.

 
يجب القيام والتحرّك. هذا هو العمل الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام، لكن في النتيجة كان الإمام عليه السلام أوّل من قام بهذه الحركة. وهي لم تحدث قبله، إذ في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أمير المؤمنين عليه السلام لم يحدث مثل ذلك الانحراف، ولو أنّه كان قد وقع انحراف في بعض الموارد، إلّا أنّه لم تكن الأرضيّة المناسبة متوفّرة ولم يكن المقتضي موجوداً. وقد توفّرا في زمن الإمام الحسين عليه السلام. هذا هو أصل القضيّة فيما يتعلّق بأصل النهضة الحسينيّة1



1 في حشد من عناصر ومنتسبي فيلق عليّ بن أبي طالب عليه السلام, ٢٣/٥/١٣٦٧ش- ١٤/٨/١٩٨٩م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

51

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 روح ثورة عاشوراء

"أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"1.
 
إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما روح هذه الحركة وحقيقتها. فالإمام علي عليه السلام يقول: أريد أن أنهى عن ذلك الفساد والمنكر وأدعو النّاس إلى معروف الإسلام وآمرهم به. هذه هي حقيقة حركة الإمام الحسين عليه السلام2
 
الإصلاح في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يقول الإمام الحسين عليه السلام: "أريد أن آمر بالمعروف"، بمعنى أنّه لا إمكانيّة لتحقّق هذا الإصلاح3 بدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسير بسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي السير بهذه السيرة نفسها وفي هذا المسير ذاته4.
 
ثورة أبي عبد الله عليه السلام مصداق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الثورة أو التغيير على سلطان الظلم والجور، تلك السلطة التي تنشر الفساد والجهاز الذي يسوق النّاس نحو الخسران والفناء الماديّ والمعنويّ،



1 بحار الأنوار, ج44, ص329.
2 كلمته في 4/8/1361ش- 26/10/1983 م.
3 إشارة إلى قسم من الرواية التي تقول:" إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.." بحار الأنوار, ج44, ص329.
4 في مؤتمر أئمّة الجمعة والجماعات, طهران, 1/6/1366ش - 23/8/1988 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

52

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 تلك الثورة والتغيير كانت السرّ في حركة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، والذي هو بالتأكيد مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث ينبغي الاهتمام بهذه النقاط في باب التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1.

 
يمكننا تلخيص القضيّة بهذه الصورة، وهي: أنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لتأدية واجب عظيم هو إعادة تجديد بناء النظام والمجتمع الإسلاميّ، أو الثورة ضدّ الانحرافات الخطيرة في المجتمع الإسلاميّ. وهذا ما يتمّ من خلال الثورة وعن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنّه مصداق عظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والثورة قد تكون نتيجتها إقامة الحكومة، وقد تكون نتيجتها الشهادة، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام مستعدّاً لكلتا النتيجتين. 
 
"وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي"2.
 
إذاً، عنوان هذا العمل هو الإصلاح ذاته، أريد الإصلاح.
 
هذا الإصلاح هو عن طريق الخروج، أي النهوض والثورة. 
 
وهذا ما ذكره الإمام عليه السلام في وصيّته تلك، هو تقريباً صرّح بهذا المعنى. فقال أوّلاً: أريد الخروج والقيام، وهذا القيام قيام من أجل الإصلاح، وليس قياماً من أجل الحكومة حتماً، كما أنّه ليس قياماً من أجل أن أسقط شهيداً حتماً، بل إنّما أريد الإصلاح.



1 في لقاء العلماء وطلّاب العلوم الدينيّة, 7/5/1371ش- 29/7/1992 م.
2 بحار الأنوار, ج44, ص329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

53

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 وبالطبع فإنّ الإصلاح ليس بالأمر الهيّن، فقد تكون الظروف، حيناً، بصورة بحيث يصل الإنسان إلى سدّة الحكم ويمسك بزمام السلطة، وحيناً آخر لا يمكنه القيام بهذا العمل ويُستشهد. فالثورة في كلتا الحالتين تكون لأجل الإصلاح. ثمّ يقول عليه السلام: "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي"1. وهذا الإصلاح هو مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر2.




1 بحار الأنوار, ج44, ص329.
2 خطبة الجمعة في طهران عاشوراء 1416-, 19/3/1374ش- 9/6/1995 م.



 
 
 
 
 
 
 
 
71

54

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 إحياء سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والنظام الإسلاميّ

عندما كان الإمام عليه السلام بمكّة، بعث كتابين، الأوّل إلى رؤساء البصرة والثاني إلى رؤساء الكوفة، جاء في الكتاب الذي بعث به الإمام عليه السلام إلى رؤساء البصرة: "وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت والبدعة قد أُحييت، فإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أَهدِكم سبيل الرشاد"1.
 
أي: أريد أن أزيل البدعة وأحيي السنّة، فإنّ السنّة قد أميتت والبدعة قد أحييت! فإن تسمعوا قولي وتتّبعوني فطريق الحقّ معي، أي: أريد القيام بهذا التكليف العظيم الذي هو إحياء الإسلام وإحياء سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والنظام الإسلاميّ2.
 
النهوض لرفع الخطر عن الدّين
إنّ الشيء الذي دفع الإمام الحسين عليه السلام إلى هذا الجهاد الصعب أنّه كان يشعر أنّ دين الله في خطر. كلّما شعر الإنسان أنّ الدّين بحاجة إليه، إلى روحه، إلى ماله، إلى قوّته، إلى لسانه وإلى مشاعره، وجب عليه أن يقدّمها3.



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص266.
2 في خطبة الجمعة في طهران عاشوراء 1416-, 19/3/1374ش- 9/6/1995 م.
3 في جموع عناصر فيلق فجر19-شيراز, 24/5/1367ش- 15/8/1989 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

55

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 تحمّل الأخطار في سبيل مواجهة أعداء الإسلام 

أحد دروس عاشوراء، أنّه كلّما شعر الإنسان بأنّ الإسلام في خطر، وكلّما شعر أنّ العدوّ قد حاك للإسلام مخطّطاً خطيراً، يجب النزول إلى الميدان، ينبغي أن يعدّ نفسه لتقبّل الأخطار. مهما كان هذا الخطر، حتّى القتل! لأنّ هذا القتل شهادة في سبيل الله وافتخار، هو موجب لبياض الوجه وأساس للسعادة، وهو أساس السعادة1.
 
وجوب السعي لإبقاء الإسلام حيّاً
اختيار الزمان، بمعنى أنّه في أيّ زمان يكون الفداء والتضحية؟ وأين؟ وفي أيّ ميدان؟ هذا مهمّ جدّاً. لقد اختار الحسين بن عليّ عليهما السلام الزمان بدقّة، فتحرّك تحديداً عند ذلك الحدّ الفاصل بين موت الإسلام وحياته. فإلى أحد جانبي هذا الحدّ كان موت الإسلام، وإلى الجانب الآخر كانت حياة الإسلام، والإمام الحسين عليه السلام بحركته هذه، أبقى الإسلام حيّاً. هذه هي المسألة، وهي أنّه من أجل بقاء الإسلام حيّاً، على الإنسان أن يستفيد من كلّ الإمكانات في سبيل التضحية، من أجل التضحية والفداء في حدّه الأعلى2.
 
لقد تغيّرت أوضاع الإسلام - خلال تلك السنوات الخمسين أو الستّين بعد وفاة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم - ووصلت إلى ذلك الوضع بحيث إنّهم قيّدوا فلذة كبد رسول الله وقتلوه، قتلوا وأسروا أبناء وفلذات كبد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم علناً وعلى الملأ، أمثال الإمام الحسين عليه السلام وزينب الكبرى عليها السلام. فـلو لم



1 في حشد من لواء " فتح 48", 27/5/1367ش- 18/8/1989 م.
2 في مقر كربلاء في الأهواز، 2/6/1367ش- 24/8/1989 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

56

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 يقم الإمام الحسين عليه السلام بهذا العمل، لم تكن ستمضي برهة وجيزة من الزمن حتّى يزول الإسلام من أساسه. فالإمام الحسين عليه السلام كان - في الواقع - بمثابة ذلك الوتد العظيم الذي حفظ بدمائه هذه الخيمة التي ضربها الطوفان. وهذا العمل ليس أكبر ملحمة في تاريخ الإسلام وحسب، بل هو أكبر ملحمة في التاريخ قاطبة1.

 
ضرورة إنقاذ المجتمع من الضلال والجهل 
في إحدى زيارات الإمام الحسين عليه السلام التي تُقرأ في الأربعين توجد جملة ذات معنى عظيم وهي: "وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة"2.
 
إنّ فلسفة تضحية الإمام الحسين عليه السلام مكنوزة في هذه الجملة. فالزائر لله تعالى يخاطب الله تعالى: عبدك هذا، حسينك، قد أراق دمه لينقذ النّاس من الجهالة "وحيرة الضلالة". انظروا إلى هذه الجملة كم هي معبّرة وذات مفهوم راقٍ ومتقدّم3
 
إنّ ثورة الإمام الحسين هي لإزالة سحب الجهل والغفلة من آفاق الحياة الإنسانيّة ليبثّ العلم فيها، وليرشدها إلى الهداية الحقيقيّة4.
 
من الذي يمكنه مدّ يد النجاة إلى البشريّة؟ أولئك اللاهثون وراء 



1 في نهاية درس البحث الخارج، 2/12/1380ش- 21/2/2002 م.
2 تهذيب الأحكام, ج4, ص113, بحار الأنوار, ج98, ص331.
3 في لقاء الأبناء المتفوّقين شاهد, لجرحى مدن طهران مشهد ومحافظة كردستان, وحشد من تلامذة طهران, وأساتذة مراكز التعليم, وجمع من رياضيّي ومسؤولي مؤسّسة التربية البدنيّة, 21/6/1369ش- 1l2/9/1991 م.
4 مراسم الذكرى السابعة عشرة لرحيل الإمام الخمينيّ قدس سره, 14/3/1385ش- 4/6/2007 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

57

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 المطامع والأهواء والشهوات ليس بمقدورهم ذلك، فهم أنفسهم ضالّون. ليس بمقدور أسرى الأنانيّة والإنيّة إنقاذ البشر، ينبغي أن يكون هناك شخص يقوم بإنقاذهم، أو أن يدركهم لطف من الله، لتقوى إرادتهم ويتمكّنوا من إنقاذ أنفسهم. وذلك الشخص الذي يمكنه إنقاذهم هو من لديه سوابق وتاريخ، يمكنه التضحية والإيثار، وترك الشهوات، والخروج من الأنانيّة وحبّ الذات والأنا والحرص والطمع والهوى والحسد والبخل وبقيّة الآفّات التي يقع الإنسان العاديّ فيها، حتّى يتمكّن من إضاءة شمعة تنير دروب البشريّة1.

 
هذا واحد من أبعاد القضيّة، وهو مرتبط بصاحب النهضة نفسه، أي الحسين بن عليّ عليهما السلام. وأمّا الجانب الآخر للقضيّة فيرد في الفقرة التالية التي تقول: "وقد توازر عليه من غرّته الدنيا وباع حظّه بالأرذل الأدنى"2، الواقفون على الجهة المقابلة، هم الذين غرّهم خداع الدنيا والمطامع الماديّة والزخارف والشهوات والأهواء النفسيّة، فباعوا حظّهم - الذي جعله الله تعالى لكلّ إنسان في خلقته العظيمة - من السعادة الدنيويّة والأخرويّة بالأرذل الأدنى. وهذه هي خلاصة النهضة الحسينيّة3.
 
التصدّي لفصل الدّين عن السياسة
إنّ لشهر محرّم الحرام أهمّيّة، كمناسبة لبداية العام الهجريّ، منذ بزوغ شمس الإسلام وحتّى اليوم. وقد تضاعفت هذه الأهمّيّة بعد فاجعة 



1 في لقاء الأبناء المتفوّقين شاهد, وجرحى مدن طهران مشهد ومحافظة كردستان, وحشد من تلامذة طهران, وأساتذة مراكز التعليم, وجمع من رياضيّي ومسؤولي مؤسّسة التربية البدنيّة, 21/6/1369ش- 12/9/1991 م.
2 تهذيب الأحكام, ج6, ص113, بحار الأنوار, ج98, ص331.
3 في خطبة الجمعة, طهران, 26/1/1379ش- 15/4/2001 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

58

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 عاشوراء. وكلّما توغّلنا في التاريخ نجد حوادث مختلفة وقضايا متعدّدة، قد زادت من أهمّيّة هذا الشهر وضاعفت منها. 


إنّ مسألة الهجرة في تاريخ الإسلام وهجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مهمّة جدّاً وذات مغزى. فقد بدأت مع هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي المرحلة الثانية (للدعوة)، مرحلة أساسيّة جدّاً ومهمّة للدعوة الإسلاميّة. تبرز أهمّيّة هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أنّ دين الله ليس فقط إيماناً قلبيّاً، وليس سلسلة أعمال فرديّة كالصلاة والصوم والذكر والعبادة وحسب، دين الله هو الإطار لحياة النّاس وشكل النظام الاجتماعيّ للمؤمنين. إنّ تحقّق الدّين والانتصار الحقيقيّ لأيّ دين هو بمعنى أن يتمكّن من إدارة مجتمع ومجموعة من النّاس.

الدّين ينظّم الحياة: الحياة الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، الحرب والسلم، العلاقات الفرديّة، العلاقة ببقيَّة الشعوب، ويُطلقَ على مجموع هذه الأمور "السياسة". عندما يأخذ دينٌ بزمام أمور المجتمع، أي أن يتمكّن من توجيه وتنظيم سياسة حياة النّاس، سواء في الأمور الفرديّة أم الأمور الاجتماعيّة، عندها يكون قد وصل هذا الدّين إلى غرضه وإلى مرحلة تحقّقه الواقعيّ. ثمّ تأتي مرحلة أن يوصل أفرادَ المؤمنين إلى كمالهم، في ظلّ هذا النظام الاجتماعيّ من خلال التربية والتهذيب التي أعدّها للإنسان.

وعليه فـإذا تمّت البعثة ولم تتحقّق الهجرة، بالتأكيد لن يُكتب النجاح لدين الإسلام.

الإسلام دين لا تنفصل فيه الديانة عن السياسة، وهذا ما صرّح به كلّ العلماء والمفكّرين والمصلحين وأهل البصيرة طوال التاريخ.

كذلك الأمر في المسيحيّة ودين اليهود، فالديانة فيهما توأم للسياسة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

59

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 ومصاحبة لها، إلّا أنّ هذين الدِّينيْن قد حُرِّفا. لكنّ الإسلام الذي هو دين متكامل، متى يمكنه أن يطبّق ويتحقّق في ساحة حياة النّاس؟ عندما تتحقّق الهجرة.


إذاً، الهجرة هي الجزء الأخير للعلّة التامّة وهي متمّم للبعثة.(لو لم تحصل الهجرة)، فإنّ البعثة لن يكون لها فائدة، وإمّا أنّها لم يكن من الممكن أن تصل إلى مقاصدها إلّا بعد قرون متمادية من خلال حركة أو ثورة، هذه هي أهمّيّة الهجرة. 

وهنا تظهر أهمّيّة مسألة عاشوراء والبعد الآخر لشهر محرّم، وذلك لأنّ هجرة الحسين بن عليّ عليهما السلام من المدينة إلى مكّة، ثمّ من مكّة إلى كربلاء، وتلك الثورة الملحميّة وتلك الحادثة المفجعة التي جاءت مباشرة كتتمة لهجرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. إذ كانت المسألة في زمن الإمام الحسين عليه السلام: أن تمّ الفصل بين الدّين والسياسة.

ففي زمن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن هناك من يلاحق النّاس ويضعهم تحت الضغوط بسبب إيمانهم، أو لمنعهم من الصلاة إذا كانوا يصلّون. ففي المرحلة التي نهض فيها الإمام الحسين عليه السلام لم يكن الإيمان بالله والاعتقاد بأصول الدّين وبقيّة الأعمال العباديّة والفرديّة في خطر وتهديد، نعم كان هناك خطر على المدى البعيد، إلّا أنّه في ذلك الوقت كانت النّاس تؤمن بالإسلام بحرّيّة وتمارس أعمالها العباديّة والفرديّة بحرّيّة أيضاً، كالأعمال العباديّة التي يمارسها (عامّة النّاس) اليوم في مختلف البلدان الإسلاميّة تقريباً. الذي كان في معرض الخطر والتهديد في عصر الإمام الحسين عليه السلام هو حاكميّة الإسلام، الحكومة السياسيّة للإسلام، الحكم طبقاً للأحكام
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

60

وجوب النهوض لحفظ الإسلام

 الإسلاميّة، حيث جُعلت على رأس الجهاز الحاكم والسلطة السياسيّة مجموعة لا تستلهم من الإسلام والمبادئ الإلهيّة، وإنّما تعمل بوحي من أهوائها وشهواتها وأغراضها الخبيثة. فهؤلاء هم من واجههم الإمام عليه السلام، وعليه فيمكن لنا أن ندّعي، بنحو قاطع، أنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام كانت في الحقيقة حركة دامية ضدّ فصل الدّين عن السياسة. وما جرى في عاشوراء والواقعة الدامية التي حدثت عام 61 للهجرة، لم تكن سوى تتمّة لهجرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، غاية الأمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد تأسيس هذا النظام والإمام الحسين عليه السلام أراد إصلاحه، بعد أن انحرف عن مساره الأساس على يد حكومة بني أميّة وأعداء الدّين.

 
هذا هو التفسير الصحيح لحادثة عاشوراء والفهم الصحيح لمسألة الهجرة1.



1 في خطبة الجمعة, طهران, 6/6/1366ش- 28/8/1988 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

61

الجهاد والمقاومة

 المقاومة، درس الحسين بن عليّ عليهما السلام للمسلمين

لدينا أكبر وأقوى مظهر للنشاط وعدم الرضوخ للتعب، وهو تلك المقاومة في الجبهات، وهذا النصر نفسه، وهذا الدرس نفسه الذي تعلّمه المسلمون من الحسين بن عليّ عليهما السلام. 
 
أنتم تعلمون أنّ هذه الليلة أوّل ليالي محرّم، وغداً بداية الأيّام التي كانت بالنسبة إلى شعبنا على الدوام خلال القرون المتمادية الدافع والمحفّز للمقاومة والصمود1.
 
تبلور الفكر الثوريّ والجهاديّ عند الشيعة ببركة عاشوراء
إنّ حادثة القتل حادثة مريرة في العادة. وإنّ مقتل القادة والمسؤولين عادة ما يبعث على اليأس، هكذا هو الوضع بين كلّ شعوب العالم. لكن ما أروع الفكر الشيعيّ الثوريّ المتمرّد، ومدرسة الفداء والجهاد والشهادة التي استطاعت أن تصنع من هذه الحادثة الأليمة نشاطاً وابتهاجاً وعشقاً في قلوب الشيعة، وأن تفجّر من حادثة وواقعة - هي بالنسبة للجميع حادثة موجبة لليأس - نبعاً فوّاراً بالأمل انسابَ إلى قلوب الموالين والمحبّين.



1 في مراسم العرض الصباحيّ, قصر الشهيد مطهّري, 4/7/1363ش- 26/9/1985 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

62

الجهاد والمقاومة

 لقد ضحّى الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه بأنفسهم، في مرحلة حالكة شديدة الظلمة مليئة بالقمع لا يمكن تحمّلها في مواجهة سلطة متجبّرة. فأمّا العيون التي لا ترى سوى الظاهر، فهي ترى أنّ الحسين عليه السلام والحالة الحسينيّة قد انتهيا، إلّا أنّه عليه السلام بقي كبذرة ترقد تحت التراب لتنبت من جديد وتؤتي ثمارها، وكشتلة متفتّحة تموج بها الحياة، نمت من فوق الأرض، لتعطي الحياة والنشاط لكلّ الشعوب المسلمة، وتعطي الأمل لكلّ أحرار العالم، تقدّم الدروس، وتضخّ الحماس، ورفض الخمول، والجهاد والشهادة، وفي النهاية تمنحهم النصر1.

 
الجهاد وعدم الخوف من الغربة والوحدة
لقد ثار هذا النور المشعّ وحيداً في صحراء لا متناهية من الظلمة. وحتّى لو بقي الإمام الحسين عليه السلام وحيداً في ذلك اليوم وتركه هؤلاء الـ72 نفراً لم يكن مستعدّاً لترك ثورته. هذا واحد من الدروس. نتعلّم من الحسين بن عليّ عليهما السلام أنّه لا ينبغي ترك الجهاد في سبيل الله بسبب الضغوط والغربة، في أيّ ظرف كان. إنّ الدرس الذي يقدّمه لنا الحسين بن عليّ عليهما السلام هو أنّه لا تترك هذه الفريضة وهذا الواجب بسبب الوحدة والقلّة والغربة وندرة الأصحاب ووجود المعارضين ووجود العدوّ. هذا واحد من دروس الحسين بن عليّ عليهما السلام. لقد قاتل الإمام الحسين عليه السلام في غربة تامّة، ولم يكن أحدٌ ليجرؤ - خلال سنوات متمادية - حتّى على ذرف الدموع على الحسين بن عليّ عليهما السلام. كان الإمام الحسين عليه السلام يعرف ذلك، لكنّ الغربة لم تستطع أن تلقي الرعب والوحشة في قلبه2.



1 في حشد من فيلق الإمام الرضا عليه السلام , 23/5/1367ش- 14/8/1989 م.
2 في جمع من فيلق فجر19-شيراز, 24/5/1367ش- 15/8/1989 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

63

الجهاد والمقاومة

 مواجهة العدوّ الخارجيّ والوهن الداخليّ

الإسلام ظاهرة، وهو كغيره من الظواهر يتعرّض للتهديدات والأخطار، ويمتلك الوسيلة لمواجهتها. وقد جعل الله تعالى هذه الوسيلة في الإسلام نفسه. لكن ما هو هذا الخطر؟ ثمّة خطران أساسيّان يواجهان الإسلام: 
أحدهما، خطر العدوّ الخارجيّ، والآخر الانحطاط والاضمحلال الداخليّ. 
عندما يتحدّث أسدُ ميدان الحرب، أمير المؤمنين عليه السلام، يتوقّع المرء أن يكون نصف حديثه أو أكثره مرتبطاً بالجهاد والحرب والبطولة والشجاعة، إلّا أنّه عندما نرجع إلى خطب وكلمات نهج البلاغة نرى أن أغلب أحاديثه ووصاياه هي حول التقوى والزهد والأخلاق وذمّ الدنيا وتعظيم القيم المعنويّة والإنسانيّة الرفيعة.

عاشوراء، جهاد العدوّ والنفس
ما حدث مع الإمام الحسين عليه السلام هو جمع لهذين الأمرين، بمعنى أنَّنا نجد أنّ الجهاد ضدّ العدوّ وجهاد النفس يتجلّيان في أعلى مراتبهما في واقعة عاشوراء، أي أنّ الله تعالى يعلم أنّ هذه الحادثة ستقع وينبغي أن يظهر نموذجها الرفيع، ويصبح هذا النموذج السامي قدوة، كما يحدث - مثلاً - في البلدان مع الأبطال الذين يبرزون في لعبة رياضيّة، ويصبح البطل محفّزاً لغيره في هذه الرياضة. بالطبع هذا مثال لتقريب الفكرة إلى الأذهان. 

إنّ واقعة عاشوراء هي عبارة عن حركة جهاديّة عظيمة على كلتا الجبهتين:
- جبهة مواجهة العدوّ الخارجيّ الذي هو جهاز الخلافة الفاسد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

64

الجهاد والمقاومة

 نفسه، وطلّاب الدنيا الملحقين بجهاز السلطة، تلك السلطة التي استخدمها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لنجاة البشريّة، لكنّ هؤلاء قد اختاروا السير عكس الاتجاه الذي رسمه الإسلام والنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

 
- والجبهة الداخليّة، حيث كانت حركة المجتمع في ذلك اليوم أيضاً تسير بشكل عامّ نحو الفساد الداخليّ،
 
النقطة الثانية والّتي هي الأهمّ برأيي: أنّه قد مرّت فترة من الزمن، طُويت خلاله مرحلة الشدائد الأولى للدعوة. فحصلت الفتوحات، وتمّ الحصول على الغنائم، واتّسع نطاق الدولة، وتمّ القضاء على أعداء الخارج هنا وهناك، وتدفّقت الغنائم الوفيرة إلى داخل البلاد، واستغنت جماعة من النّاس وأضحت من أصحاب الأموال وطبقة الأثرياء، أي أنّه بعد أن حارب الإسلام هذه الطبقة وقلعها، عادت وتشكّلت طبقة جديدة منها في العالم الإسلاميّ. وتورّطت عناصر باسم الإسلام وبعناوين إسلاميّة- ابن فلان الصحابيّ، أو ابن فلان تابع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وابن فلانٍ قرابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أعمال غير لائقة وغير مناسبة. وقد سجّل التاريخ أسماء بعض هؤلاء. فقد ظهر أشخاص وضعوا لبناتهم مهوراً فاحشة -مليون درهم - بدل مهر السنّة (480 درهماً) الّذي اعتمده النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام ومسلمو صدر الإسلام1. من هم



1 ذكرت الكتب الروائيّة أنّ معدل مهر السنّة تراوح بين 400 و500 درهماً: 400 درهماً-, المصنّف, عبد الرزاق الصنعانيّ, ج6, ص177, مسند أحمد, ج2, ص367-368 420 درهماً-, أنساب الأشراف, ج1, ص445, الطبقات الكبرى, ج8, ص128, المستدرك, ج2, ص176, بحار الأنوار, ج16, ص10-12, 500 درهماً- مسند أحمد, ج6, ص93-94, الكافي, ج5, ص375-377, بحار الأنوار, ج90, ص170.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

65

الجهاد والمقاومة

 هؤلاء؟ هم أولاد صحابة أجلّاء كمصعب بن الزبير1، وأمثاله2

 
عندما نتحدّث عن فساد السلطة من الداخل، فإنّ هذا معناه: ظهور أفراد في المجتمع ينقلون أمراضهم الأخلاقيّة المعدية والمهلكة- الدنيويّة والشهوانيّة - تدريجيّاً إلى باقي أفراد المجتمع. 
 
في مثل هذه الحالة، من هو صاحب القلب والمبادرة والرويّة الذي سيمضي لمواجهة جهاز يزيد بن معاوية؟! هل كان سيحدث مثل هذا الأمر حينها؟ ومن ذاك الّذي كان يفكّر بمواجهة الجهاز اليزيديّ الظالم والمفسد في ذلك الزمان؟ 
 
في مثل تلك الأوضاع حدثت النهضة الحسينيّة العظيمة، الّتي واجهت العدوّ مثلما واجهت روحيّة السعي للراحة والرضا بالفساد المهلك المنتشرة بين المسلمين العاديّين وعامّتهم. وهذا أمرٌ مهمٌّ.
 
بمعنى أنّ الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام قام بعمل أيقظ وجدان النّاس. لذلك نرى أنّه بعد شهادته، توالت الثورات الإسلاميّة الواحدة تلو الأخرى، وهي وإن تمّ القضاء عليها، إلّا أنّه ليس مهمّاً أن يجري إخماد هذه الثورات من قبل العدوّ، وإن كان ذلك مرّاً بالطبع، ولكن ما هو أكثر مرارة منه أن يصل المجتمع إلى حدّ لا يُظهر فيه أيّة ردّة فعل مقابل العدوّ، هذا هو الخطر الكبير.
 
لقد قام الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام بعملٍ أدّى إلى ظهور أشخاصٍ في مختلف عهود الحكومات الطاغوتيّة التي تلت - بالرغم من أنّهم كانوا أكثر بعداً عن عصر صدر الإسلام - ولكن كانت لديهم الإرادة 



1 المعارف, ص233, المبسوط ج4, ص272.
2 المصنّف, ابن أبي شيبة الكوفيّ, ج3, ص320, الطبقات الكبرى, ج6, ص143, السنن الكبرى, ج7, ص233.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

66

الجهاد والمقاومة

 والعزم على مواجهة أجهزة الظلم والفساد أكثر من عصر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. 

 
كان يتمّ القضاء عليهم جميعاً. بدءاً من نهضة أهل المدينة المعروفة بواقعة "الحرّة"1، إلى الأحداث اللّاحقة وقضايا التوّابين2 والمختار3 إلى عصر بني أميّة4 وبني العبّاس5، التي حصلت وقامت داخل المجتمعات بشكل متتالٍ. فمن هو الّذي أوجد مثل هذه الثورات؟ إنّه الحسين بن عليّ عليه السلام . فـلو لم يثر الإمام الحسين عليه السلام هل كانت لتتبدّل روحيّة الخمول والتهرّب من المسؤوليّة إلى روحيّة مواجهةٍ للظلم وتحمّل المسؤوليّة؟ لماذا نقول إنّ روحيّة تحملّ المسؤوليّة كانت قد ماتت؟ السبب في ذلك أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد ذهب إلى مكّة تاركاً المدينة، الّتي كانت مهد الرجال العظام في الإسلام. فأبناء كبار الصحابة: كابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمر وأبناء خلفاء صدر الإسلام كانوا قد اجتمعوا كلّهم في المدينة، ولم يكن أيّ واحد منهم حاضراً أو مستعدّاً لمساعدة الإمام الحسين عليه السلام في هذه الحركة الثوريّة والتاريخيّة. فإلى ما قبل ثورة الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن الخواصّ على استعداد للنهوض والحركة، لكن بعد ثورة الإمام عليه السلام عادت الحياة إلى هذه الروحيّة. 



1 مروج الذهب, ج3, ص68-71, الكامل في التاريخ, ج4, ص11-121.
2 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص509-510, تاريخ الطبريّ, ج4, ص451-470.
3 الأخبار الطوال, ص288-308, الأمالي, الطوسي, ص240-244, بحار الأنوار, ج45, ص332-338.
4 مقاتل الطالبيّين, ص145-150, الإرشاد, ج2, ص171-174, بحار الأنوار, ج31, ص530.
5 تاريخ اليعقوبيّ, ج2, ص497, الإمامة والسياسة, ج2, ص186, مقاتل الطالبيّين, ص438-441, تجارب الأمم, ج4, ص114-118, البدء والتاريخ, ج6, ص109, المنتظم, ج7, ص213, الكامل في التاريخ ج6, ص310, وجزء7, ص238, البداية والنهاية, ج11, ص9-10, تاريخ ابن خلدون, ج4, ص14.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

67

الجهاد والمقاومة

 حماية الدّين على جبهتي الداخل والخارج

هذا درس كبير، يجب علينا معرفته إلى جانب الدروس الأخرى في واقعة كربلاء، وتظهر عظمة هذه الواقعة من خلال ما قيل في الإمام الحسين عليه السلام: "الموعود بشهادته قبل استهلاله وولادته"1. وهو ذلك العظيم الذي "بكته السماء ومن فيها والأرض ومن عليها"2 قبل ولادته، إنّه الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام الذي يُقام له هذا العزاء الكبير ونحن نعظّمه، وحسب تعبير الزيارة "بكته السماء" لهذا السبب. لذلك عندما ننظر اليوم نرى أن الإسلام قد أحياه الحسين بن عليّ عليهما السلام، وهو يعدّ حارس الإسلام. وتعبير "حارس" هنا تعبير مناسب. فالحراسة تكون عندما يوجد العدوّ. واليوم هذان العدوّان موجودان: العدوّ الخارجيّ التآكل الداخليّ. فلا يُظننّ أنّ العدوّ في سبات! ولا يظننّ أنّ العدوّ قد انصرف عن عداوته! فإنّ مثل هذا الشيء غير ممكن3
 
عدم المساومة مع العدوّ 
لقد أنجز الإمام الحسين عليه السلام هذا الدفاع في ظروف كان وحيداً في عالم ذلك اليوم الكبير. لم يرافقه كبار بني هاشم وقريش وأبناء صحابة الاسلام. ففي مكّة كان عبد الله بن الزبير، وفي المدينة كان عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر، وهم أشخاص كانت تلهج الألسنة بأسمائهم في صدر الإسلام، وكانت أنظار عامّة النّاس متّجهة إليهم، آمال النّاس معلّقة



1 مصباح المتهجّد, ص826, بحار الأنوار, ج98, ص347.
2 المصدر السابق.
3 في جموع من عناصر الحرس الثوريّ والقوّات العسكريّة بمناسبة 3 شعبان, 6/11/1371ش- 26/1/1993م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

68

الجهاد والمقاومة

 عليهم، لكنّهم لم يكونوا مستعدّين للوقوف والصمود في مواجهة الظلم اليزيديّ، ولم يكونوا على استعداد لمساعدة فلذة كبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهل كان الإمام الحسين عليه السلام لينتظر مساعدة هؤلاء? وهل كان سيتراجع لو لم يقدّموا له العون؟ لم يتوقف عندما علم أثناء الطريق أنّ أهل الكوفة لن يرسلوا له أيّ عون، وعلم أنّه سيبقى وحيداً لم يتخلَّ عن الطريق1. عندما استُشهد جميع أصحابه في صحراء كربلاء، وبقي وحيداً مع جمع من النساء والأطفال، لم يتخلَّ عن الدفاع والجهاد2. بل حتّى لو استسلم الإمام الحسين عليه السلام في اللحظة الأخيرة، كان اليزيديّون على استعداد لمساومته، لكنّه لم يخضع، هذا درس كبير3.

 
رفع مستوى الجهوزيّة والاستعداد
فيما يرتبط بالأحداث التي حدثت ليلة عاشوراء، فقد ورد أنّ السيّدة زينب الكبرى عليها السلام أقبلت نحو خيمة الإمام الحسين عليه السلام، فسمعت الإمام الحسين عليه السلام يرتجز أبياتاً من الشعر، وكانت تلك الأبيات تدلّ على أنّ الإمام ينعى نفسه، ويحكي عن دنوّ أجله. فلمّا سمعته الحوراء زينب بكت وخنقتها العبرة، فحدّثها الإمام عليه السلام بحديث.
 
وقد ورد في هذا الخبر المرويّ نفسه أنّ الإمام عليه السلام كان جالساً يصلح سيفه ويعالجه ويعدّه للقتال4. هذا الإعداد والاستعداد إنّما يعني أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يقل: إنّنا راحلون غداً لا محالة، وزيادة ساعة على هذا الأجل أو نقصان ساعة، سوف لن تؤثّر شيئاً، فلا ضير في أن يكون 



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص299-301, الإرشاد, ج2, ص73-76, بحار الأنوار, ج44, ص372-374.
2 بحار الأنوار, ج45, ص47.
3 في حشد من فيلق عاشوراء, 28/5/1367ش- 19/8/1989 م.
4 تاريخ الطبريّ, ج4, ص318-319, روضة الواعظين, ص184, بحار الأنوار, ج45, ص1-2.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

69

الجهاد والمقاومة

 هذا السيف غير قاطع قليلاً أو غير حادّ. كلّا! بل سيف الفارس والمقاتل ينبغي أن يكون دائماً قاطعاً وصارماً، وهذا يعني أنّ المقاتل يجب عليه دائماً أن يحرص على أن يكون استعداده للحرب والقتال استعداداً في أعلى الدرجات1.

 
الإيمان، منبع المقاومة 
أين هو ذلك المسلم الذي نفذَت آيات القرآن الكريم إلى عمق ذرّات روحه آية آية؟ أينما وجدنا مسلماً كهذا فهو مقاوم بهذا النحو. ونجد مثاله الأعلى والتامّ في كربلاء، أولئك الـ 72 شخصاً استشهاديّاً كبيراً، أولئك الفولاذيّون الذين ترشح منهم المعنويّات. ومن أمثلته أيضاً هذا الشعب. فنحن إذا لم نكن مثل أولئك، فإنّنا على طريقهم ونهجهم. في طريق التكامل معهم والتماثل بهم2.
 
المقاومة الواعية، علاج الحرص على السلطة لدى أصحاب القوّة والنفوذ 
الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام هو تلك الشخصيّة التي بإمكانها أن تحلّ مشاكل هذا الشعب وكلّ الشعوب الإسلاميّة وكلّ النّاس المجاهدين والثائرين في سائر أنحاء العالم، وذلك من خلال التعرّف إلى هذه الشخصيّة وتعظيمها وفهم وإدراك نهجها في الحياة، هذا هو اعتقادنا.
 
إنّ المشاكل الرئيسة في العالم ناشئة من أصحاب المطامع والنفوذ، وإنّ مشاكل اليوم التي تصدح بها أبواق هؤلاء المتسلّطين أنفسهم ويصوّرونها بأنّها أخطر مشاكل تواجهنا - كالتضخّم والبطالة العالميّين، والمجاعة العالميّة - هي كلّها مشاكل من (الدرجة الثانية). وأمّا المشكلة من الدرجة الأولى فهي وجود القطبيّة غير العادلة بالنسبة إلى شعوب العالم، هذه هي أكبر مشكلة، لا أعني القطبيّة الاقتصاديّة التي هي معلولة بالنتيجة، بل القطبيّة السياسيّة. يوجد في هذا العالم مجموعة قويّة متسلّطة، طمّاعة، في يدها كلّ شيء ولديها كلّ الصلاحيات ويمكنها فعل أيّ شيء، وجماعة أخرى تتلقّى العصيَّ والسياط، نزل عليها الجور والبلاء. هذه هي أعقد مشكلة في العالم. وكلّ شيء فهو ناشئ من هذه. إنّ المقاومة بإمكانها أن تُركِع السلطات الاستكباريّة، مثلما استطاعت مقاومة الإمام (رضوان الله عليه) ومقاومة الشعب الإيرانيّ قبل الثورة وبعد انتصار الثورة أن تركع هذه القوى الاستكبارية، هذه المقاومة الواعية هي درس للجميع.
 
الإمام الحسين عليه السلام المعلّم الكبير للمقاومة الواعية
إنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام هو المعلّم الكبير لهذه المقاومة الواعية. فأينما وصلنا ومهما قمنا بأعمالٍ نبقَ نشعر بالحقارة غير العادية أمام الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه، نعم، لذلك الشخص العظيم مقامه ومكانته، وكذلك الأمر في مقابل أصحابه. فلو أردنا أن نشرح كيف استطاعت هذه الشخصيّات العظيمة والإلهيّة أن تعلّم درس المقاومة والصمود لاحتاج الأمر إلى بحث تفصيليّ موسّع3.



1 في المراسم الصباحيّة للحرس, مقرّ ثكنة قصر فيروزة, 2/7/1364ش- 24/9/1986 م.
2 في لقاء جرحى الثورة الإسلاميّة المشاركين في اللقاء العام في كلّ أنحاء البلاد، 2/7/1362ش- 24/9/1984 م.
3 في مراسم ذكرى ولادة الحسين بن عليّ عليهما السلام, ويوم الحرس في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة, 26/2/1362ش- 16/5/1984 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

70

الجهاد والمقاومة

 خاصيّة مقاومة الإمام الحسين عليه السلام 

في زمن يزيد بالطبع بدأت مقاومة الإمام الحسين عليه السلام منذ ما قبل عشر سنوات خلت، وبمعنى آخر منذ ما قبل 20 سنة، منذ شهادة أمير المؤمنين عليه السلام التي سبقت عاشوراء بـ 20 سنة1، وشهادة الإمام الحسن عليه السلام التي حدثت قبل عاشوراء بـ 10 سنوات2، لكلّ منهما خصوصيّات. لتلك الأزمنة المختلفة خصوصيّات وميزات لسنا الآن بصدد الحديث عنها، لكنّ لهذه المقاومة بداية متقدّمة، وعندما جاء يزيد إلى الحكم اتّخذت المقاومة هذا الشكل، بتلك الحدّة، والصراحة، وعدم المحاباة. والإمام الحسين عليه السلام هو معلّم المقاومة ( الواعية). ما قام به الإمام الحسين عليه السلام هو المقاومة فقط. ففي المدينة تلقّى ضغوطاً وتهديدات لكي يبايع، لكنّه لم يفعل، وكانت الضغوط شديدة جدّاً3
 
كان يزيد حاكماً سكّيراً لا يعقل، وقحاً متعدّياً، وعلى استعداد لفعل أيّ شيء4، أي أنّه على استعداد لقتل الإمام وإبادة أبنائه وكلّ عائلته ومن يتّصل به، بسبب هذه القضيّة! أَوَلَمْ يفعل ذلك؟!.



1 انت شهادة أمير المؤمنين عليهما السلام سنة 40 للهجرة: تاريخ الطبريّ, ج4, ص109-110, الكافي, ج1, ص452, بحار الأنوار, ج42, ص213, كانت شهادة الإمام الحسين عليه السلام عام 61 للهجرة: تاريخ الخليفة, ص143, الكافي, ج1, ص463, بحار الأنوار, ج44, ص199.
2 تاريخ شهادة الإمام الحسن عليه السلام خلافي, وقد ذكرت تواريخ عدّة لها في الأعوام:47/48/49/50/51 هـ ق: أنساب الأشراف, ج3, ص64, الكافي ج1, ص461-462, المعجم الكبير, ج3, ص25, العدد القويّة, ص350-351, بحار الأنوار, ج44, ص140,146,160.
3 الفتوح, ج5, ص10-18, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص240, بحار الأنوار, ج44, ص324-325.
4 أنساب الأشراف, ج5, ص286, مروج الذهب, ج3, ص67.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

71

الجهاد والمقاومة

 قالوا للإمام في المدينة: بايع، فأجابهم لن أبايع، ذهب إلى مكّة، وفي مكّة تابعوا ضغوطهم عليه. رأوا أنّهم في مكّة يكملون مهمّتهم ويجبرونه على القبول بخطّتهم وتنتهي القضيّة1، لكنّه لم يرد أن يتمّ هذا العمل.

 
تحرّك الإمام للقيام بثورة، مهما كانت النتيجة التي اختتمت بها هذه الثورة.
 
توجّه إلى الكوفة وفي الطريق إليها واجه الضغوط وقاومها، ثمّ عادوا ثانية ومارسوا ضغوطهم عليه في لقاءات متلاحقة. في نهاية المطاف وصل إلى تلك المعركة، وقاوم فيها أيضاً حتّى استُشهد. هذا هو شكل المقاومة، رمز المقاومة. لكنْ، المقاومة المدركة2، المقاومة التي تعلم ماذا تريد أن تفعل وتعرف هدفها. وهذا ما ينبغي أن يكون قدوة وأسوة للشعوب والحكومات والأشخاص ولشعبنا الثوريّ. كلّما حافظنا على هذه الأسوة وهذه القدوة، وحفظنا هذه المقاومة، فسوف نتقدّم إلى الأمام3.
 
سياسة المظلوميّة المقاومة
في تاريخنا المعاصر، أوجد شهر المحرَّم حالة (خاصّة) في الثورة الإسلاميّة، بمعنى أنّه في محرّم من العام 1357 (1979) أعلن الإمام العظيم سياسةً جديدة في الثورة والمواجهة، وهذه السياسة هي انتصار الدم على السيف. لم تكن قضيّة انتصار الدم على السيف شعاراً حماسيّاً 



1 تاريخ اليعقوبيّ, ج2, ص248-249, تاريخ الطبريّ, ج4, ص289-290, الإرشاد, ج2,ص 67, اللهوف, ص40, بحار الأنوار, ج45, ص99.
2 الأخبار الطوال, ص246, الأمالي, الصدوق, ص217, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص214, بحار الأنوار, ج44, ص375.
3 في مراسم ذكرى ولادة الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام ويوم الحرس في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة 26/2/1362ش- 16/5/1984 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

72

الجهاد والمقاومة

 فقط، ولم تكن مجرّد كلام حماسيّ لا تكمن خلفه سياسة إسلاميّة عميقة، بل كانت سياسة إسلاميّة عظيمة. وفي خطابه إلى الشعب الإيرانيّ، كان الإمام الخميني قدس سره يعلّمهم، أنّه مع حلول شهر محرّم ينبغي أداء الدور نفسه الذي قام به الحسين بن عليّ عليهما السلام، وهو دور المظلوميّة المنتصرة والمقاوِمة، أي في مواجهة التحرّكات التي قام وسيقوم بها النظام الملكيّ المتجبّر والظالم، في مواجهة تلك القسوة وذلك الشقاء، فأنتم لا تملكون سلاحاً، ولستم من أهل المعركة المسلّحة، أنتم جموع محتشدة مؤمنة مخلصة، صونوا إيمانكم وإخلاصكم بدمائكم، واسعوا لذلك النصر الذي هو لا محالة واقع. 


إنّ "سياسة المظلوميّة المقاومة" هي ذاتها سياسة الحسين بن عليّ عليهما السلام التي عُمل بها في إيران أيضاً، وقد انتصرت، أي أن تتحمّل مجموعة هذه المظلوميّة ولا تنحرف عن طريقها ولا تنصرف في مقابل كلّ تلك الشدائد والبلاءات، والمظلوميّة التي تنزل على رؤوسهم لتستمرّ على هذا الطريق ولو ببذل النفوس. وهذه السياسة هي التي أدركها الشعب وفهمها، وقد رأيتم كيف امتزجت - منذ بداية شهر محرّم في شوارع طهران وفي الأماكن المختلفة - أصوات التكبير بأزيز رصاص عملاء النظام ومأجوريه، وقد تغلّبت أصوات التكبير على أزيز الرصاص، وفي النهاية انتصر الدم على السيف.

فلولا هذه السياسة، ولولا إحساس النّاس وشعورهم - على الرغم من المظلوميّة الشديدة التي عانوا منها - أنّه ينبغي المقاومة والصمود وإكمال الطريق - التي هي سياسة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام ذاتها - لولا ذلك لما انتصرت الثورة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

73

الجهاد والمقاومة

 لقد علّمنا الإمام درساً، أنّه ينبغي أن تتحملّوا هذه الضربات التي تنزل عليكم - وقد تحمّلتم - ولو ببذل الأرواح، وإكمال الطريق. فالعدوّ ليس بمقدوره الاستمرار بهذه الضربات حتّى النهاية، فطاقته محدودة، وفي نهاية المطاف هو سيعجز عن الاستمرار، وذلك اليوم هو يوم موت العدوّ وهذا ما حصل. وهذه السياسة هي سياستنا الدائمة المستمرّة. هكذا كانت على طول التاريخ، وهي الآن كذلك، وستبقى كذلك في المستقبل1.




1 في خطبة الجمعة 6/6/1366ش- 28/8/1988 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

74

الاستقامة

 الاستقامة في طريق الحقّ، روح ثورة الإمام الحسين عليه السلام

إنّ روح عمل الإمام الحسين عليه السلام هو تطبيق كلام الحقّ وطريق الحقّ والصمود في وجه كافّة القوى التي تكاتفت عليه في هذا السبيل، هذا هو روح عمل الحسين بن عليّ عليهما السلام وحقيقته. كلّ المواضيع المتّصلة بالإمام الحسين عليه السلام، في المدينة، في مكّة، في كربلاء وخلال الطريق وكذلك الحوادث التي عرضت بعد شهادته، قد ذكرها الإمام السجّاد وزينب عليهما السلام. ذلك كلّه يؤشّر إلى هذه النقطة. هذا هو الدرس الكبير الذي قدّمه الحسين بن عليّ عليهما السلام.
 
من هم الذين عارضوا الإمام عليه السلام في ذلك اليوم؟ ينبغي القول: إنّ العالم بأسره قد أحاط بالإمام الحسين عليه السلام، لأنّ نظام يزيد قد تسلّط على العالم الإسلاميّ وبنحو من الأنحاء أحكم قبضته على كلّ شخص بحسبه، بعضهم بالتهديد وآخرون بالترغيب والوعود وغيرهم بالاحتيال، وجميع هؤلاء كانوا معارضين للإمام عليه السلام.
 
فهل كلّ من كان معارضاً للإمام الحسين عليه السلام لم يكن يحبّه؟ لا، كانوا يحبّونه! كما أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يعيش محترماً في المدينة، وكلّما كان يذهب إلى الحجّ كانت النّاس تجتمع إليه1. لكن 



1 الفتوح, ج5, ص23, الإرشاد, ج2, ص35-36, البداية والنهاية, ج8, ص151, بحار الأنوار, ج44, ص332.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

75

الاستقامة

 المسألة كانت شيئاً آخر، بمعنى أنّ الإمام كان يرى أنّ النظام الاجتماعيّ للعالم الإسلاميّ هو نظام غير إسلاميّ، في حين أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليجعل النظام الاجتماعيّ للنّاس نظاماً إسلاميّاً.


جاء نبيّ الإسلام وأوجد هذا النظام الإسلاميّ. إلّا أنّه عندما جاء يومٌ ورأى الإمام الحسين عليه السلام العالم الإسلاميّ والنظام الإسلاميّ يصبحان مغايرين للاسلام بالكامل، بل سيصبحان في كثير من الموارد معاديين للإسلام بنسبة 100?، لذا عزم الإمام الحسين عليه السلام على استعادة ذلك الوضع.

أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يعلن لجميع النّاس في عصره ولكلّ الذين سيأتون في العصور اللّاحقة أنّه متى ما فقد هكذا نظام من المجتمع وجب القيام والثورة لإيجاده، سواء أفضت الثورة إلى قيام الحكومة والانتصار أم الشهادة.

وقد تخيّل بعضهم أنّ الإمام الحسين عليه السلام لو كان يعلم أنه سيستشهد لم يثُر، وفي المقابل ادّعى بعضهم أنّ الإمام الحسين عليه السلام ثار ليستشهد، ( لكن) كلا الرأيين خاطئان.

لقد ثار الإمام الحسين عليه السلام ليلقّن البشريّة درساً: وهو أنّه كلّما شاهد المسلمون - الذين يتعلّمون من الحسين عليه السلام - الظلم في المجتمع، وغياب النظام الإسلاميّ، وأنّ القرآن لا يحكم، وسيادة العنصريّة والتمييز، والغطرسة وهضم الحقوق، والتربّع على السلطة دون ملاك أو معيار، فيجب عليهم النهوض لاسترجاع الوضع (الصحيح)، سواء انتهت الحركة بنتيجة أم لا.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

76

الاستقامة

 لقد ذكر الإمام (الخمينيّ) مراراً، أنّنا لا نقوم من أجل النتيجة، وإنّما ننهض من أجل الوظيفة والتكليف1. بالتأكيد، عندما يكون عملنا نابعاً من الإخلاص فإنّ الله تعالى سيوصلنا إلى النتيجة أيضاً.

 
هذا هو روح عمل الإمام الحسين عليه السلام، لذلك صمد واستقام من أجله. وواقعاً إذا أراد الإنسان أن يحاسب ذلك اليوم الذي ثار فيه الإمام الحسين عليه السلام استناداً إلى المعايير والمعادلات العاديّة، فإنّ من المتيقّن به أنّ هذا القيام لن يكون قياماً عقلانيّاً. بالطبع لو أراد الإنسان النظر من زاوية العقل العادي والطبيعيّ، سيرى أنّ الإنسان الذي لا يمتلك أيّ قوّة في يده في مواجهة تلك القوى، لا مناص من أنّه سينتهي بهزيمة عسكريّة محقّقة. لكن، مع ذلك، ثار الإمام الحسين عليه السلام، مع أنّ إدراك الأمور والحقائق كان أسهل بالنسبة إليه من كثير من النّاس الآخرين، ومن المؤكّد أنّ هذه الحسابات أيضاً كانت أمام مرأى أبي عبد الله عليه السلام، ومع ذلك ثار، ذلك لأنّ الغاية والهدف هما القيام بالوظيفة والانتصار الإلهيّ، وليس فقط الانتصار العسكريّ، بالطبع لو تيسّر للإمام الانتصار العسكريّ لقبل به2
 
استقامة في غربة لا نظير لها 
النقطة الأخرى3 المهمّة أيضاً في مجموع ثورة الحسين عليه السلام وهي بمعنى آخر - وبالنظر إلى حالتنا اليوم - وهي ترجع بمعنى من المعاني إلى قوّة الإخلاص، وهذه النكتة هي غربة الحسين عليه السلام، فـلا يوجد



1 صحيفة الإمام ج61 ص284.
2 في مراسم العرض الصباحيّ للحرس في مقرّ قصر فيروزة 2/7/1364ش- 24/9/1986 م.
3 أشير في موضع آخر إلى نقطة أولى وهي الاخلاص في النهضة الحسينيّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

77

الاستقامة

 في أيّة واقعة من الوقائع الدامية في صدر الإسلام غربة ووحدة كما في واقعة كربلاء، فمن أراد فليتأمّل في تاريخ الإسلام - وقد دقّقت جيّداً فلم أجد واقعة كواقعة كربلاء - سواء في حوادث صدر الإسلام وغزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو حروب أمير المؤمنين عليه السلام.

 
ففي تلك الحروب كانت هناك حكومة ودولة وكان النّاس حاضرين، وكان يخرج إلى ساحات القتال جنود من بينهم، ومن ورائهم كانت أدعية الأمّهات، آمال الأخوات، تقدير النّاس وتشجيع قائد عظيم الشأن كالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو أمير المؤمنين عليه السلام، كانوا يضحّون بأنفسهم أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ليس صعباً. 
 
فكم من شبابنا كانوا حاضرين لتقديم أرواحهم بناءً على كلمة من الإمام الخمينيّ رضوان الله عليه! وكم منّا الآن لديهم أمنية في إشارة لطف من الوليّ الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف لنضحّي بأنفسنا!
 
فعندما يشاهد الإنسان قائده أمام ناظريه وكلّ ذلك التحفيز من ورائه، ويكون على علم أنّه يقاتل لينتصر وليهزم العدوّ، فإنّه سيقاتل برجاء وأمل الانتصار، وحرب كهذه - مقارنة بما نراه في كربلاء - ليست صعبة. طبعاً كان هناك أحداث في التاريخ فيها غربة نسبيّاً كالأحداث التي جرت مع أبناء الأئمّة والحسنيّين في عصر الأئمّة عليهم السلام، لكن هؤلاء جميعاً كانوا يعلمون أنّ خلفهم إماماً كالإمام الصادق عليه السلام، والإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وكالإمام الثامن عليه السلام، وقائدهم وسيّدهم حاضر يسندهم ويتفقّد عيالهم. فكان الإمام الصادق عليه السلام - حسب ما ورد في الروايات - يأمرهم بقتال الحكّام الفاسدين ويقول: ".. وعليّ نفقة عياله"1. وكان المجتمع الشيعي ظهراً لهم، يشجّعهم ويمجّدهم، وفي 



1 مستطرفات السرائر, ص569, بحار الأنوار, ج46, ص172.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

78

الاستقامة

 المحصّلة كان لهم أمل ما وراء ساحات القتال، لكن في واقعة كربلاء، فإنّ أُسّ القضيّة ولبّ لُباب الإسلام المقبول من الجميع، وهو الإمام الحسين عليه السلام، كان موجوداً في ميدان الحرب، وكان يعلم هو وأصحابه أنّه سيستشهد، وأن لا أمل له في أيّ أحد في أرجاء هذا العالم الواسع وهذه البلاد الإسلاميّة المترامية الأطراف، كان في غربة بحتة ووحدة تامّة.


كان من بين رجالات عالم الإسلام في ذلك اليوم ووجوهه أشخاص لم يغتمّوا لقتل الحسين عليه السلام، بل اعتبروا وجوده مضرّاً بعالمهم، وآخرون منهم لم يبالوا بالقضيّة وإن حزنوا لقتله عليه السلام، كعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عبّاس وأمثالهما. فـلم يكن للإمام عليه السلام أدنى أمل بمن هم خارج ميدان القتال الممزوج بالغمّ والمليء بالمحن، فالمتوفّر والمتاح مقتصر على ذاك الذي كان حاضراً في ميدان كربلاء ليس إلّا. وكانت كلّ الآمال منحصرة بهذا الجمع، وكان هذا الجمع قد أسلم أمره للشهادة، وحتّى بعد شهادتهم لم يكن سيُقام لهم مجلس فاتحة حسب الموازين الظاهريّة، فيزيد متسلّط على كلّ شيء، وتُساق نساؤهم سبايا ولا يُرْحَم أطفالهم، فقد كانت التضحية صعبة جدّاً في هذا الميدان. "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله" فلولا الإيمان والإخلاص والنور الإلهيّ الذي كان يشعّ في وجود الحسين بن عليّ عليهما السلام والذي بعث الحرارة في قلوب عدّة معدودة مؤمنة حوله لما تحقّقت تلك الواقعة، فانظروا إلى عظمة هذه الواقعة!

إذاً، الخصيصة الثانية لهذه الواقعة هي غربتها. لذا قلت مراراً إنّه لا يمكن مقارنة شهدائنا بشهداء بدر وحنين وأُحد وشهداء صفّين والجمل، بل شهداؤنا أرفع منزلة من كثير من هؤلاء الشهداء، أمّا المقارنة بشهداء كربلاء، فلا. لا يقارن أحد بشهداء كربلاء، لا اليوم ولا في الماضي، لا في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

79

الاستقامة

 صدر الإسلام ولا حتّى في ذلك اليوم الذي يعلمه الله إلى أن يشاء الله1. إنّ هؤلاء هم صفوة الشهداء، فلا نظير لعليّ الأكبر ولحبيب بن مُظاهر2.

 
الاستقامة الحسينيّة الاستثنائيّة
من أجل الوصول إلى الأهداف الكبيرة، توجد في العادة مجموعة عوامل إنسانيّة أساسيّة: الظروف الاجتماعيّة، الأزمنة، الأرضيّات والموانع، وهي موجودة ولا أحد ينكرها، لكن وحتّى لو تهيّأت الظروف، فليس من الضروريّ أن تتحقّق الأهداف المنشودة، فما لم تتحقّق شرائطها من قبيل- الإرادة والتصميم ووضوح الهدف، الوعي والمعرفة والمتابعة- التي هي في الأساس شروط ومقدّمات بشريّة.. أحد هذه الشروط التي أريد الوقوف عندها: مسألة الاستقامة. يتمّ التعامل مع الاستقامة كمفهوم مهمل وشائع وغير مهمّ، ولكنّه ليس كذلك. الاستقامة مفهوم على قدر كبير من الأهمّيّة والحساسيّة، وإنّ أهمّيّته في العمل أكبر بكثير ممّا يخطر على ذهن الإنسان. الاستقامة تعني الثبات على الطريق المستقيم: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾3، فلو تحقّق الثبات والاستقامة على الصراط المستقيم، أي (ثبتوا) في هذا الاتجاه ولم يغيّروا مسارهم، ولم يخضعوا للظروف، عندها ستترتّب نتائج دنيويّة وثواب أخرويّ. فعندما يقول القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾4 - نزول الملائكة، التشرّف بمواجهة الملائكة، والخطاب بخطاب الملائكة - ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾5، فتأتي الملائكة وتقول لكم:



1 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص341, كامل الزيارات, ص453-454, بحار الأنوار, ج41, ص295.
2 في لقاء حشود من عناصر الحرس الثوريّ بمناسبة يوم الحرس, 26/10/1372ش- 16/1/1994 م.
3 سورة الجنّ, الآية:16.
4 سورة فصّلت, الآية:30.
5 سورة فصّلت, الآية:30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

80

الاستقامة

 لا تخافوا ولا تحزنوا. متى يُعطَى هذا الشرف؟ يُعطَى في صورة الاستقامة.

تحدّثت في إحدى السنوات بمناسبة رحيل الإمام الخمينيّ حول هذه القضيّة بالخصوص وتحدّثت عن المقارنة بين استقامة الإمام (رضوان الله عليه) واستقامة الإمام الحسين عليه السلام.

قد يقول المرء كلمة: "استقم" و "اثبت"، ينظر الجميع إلى بعضهم بعضاً ويقولون: نعم نستقيم ونثبت، إلّا أنّ الاستقامة في مقام العمل هي مسألة على قدر كبير من الأهمّيّة.

بأيّ شيء تمثّلت استقامة الإمام الحسين عليه السلام؟ هل تمثّلت في كونه قد استقام في المعركة؟ حسناً الجميع يثبتون في الحرب. فالذين يخوضون غمار المعركة يثبتون (في العادة)، حتّى أهل الباطل. فكلّ هذه الحروب موجودة في عالمنا، كلّ هؤلاء الذين يذهبون للحرب ويقتلون ولا يتزحزحون عن مواقعهم خطوة واحدة، فهذه أيضاً استقامة! لم يكن هذا المقدار من الاستقامة هو مقصد الإمام الحسين وسيّد الشهداء عليه السلام! ينبغي البحث عن التجليات الخاصّة للاستقامة الحسينيّة.

كان لدى الإمام الحسين عليه السلام هدف واضح، لكن الآخرين كانوا، الواحد بعد الآخر، يشكّكون بهذا الهدف. وهؤلاء لم يكونوا أناساً عاديّين، كانوا من شخصيّات الدرجة الأولى في العالم الإسلاميّ، مثل عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عبّاس، هم أشخاص لو تأمّلتم تاريخهم اليوم لرأيتم أنّهم على قدر كبير من الشأن في العالم الإسلاميّ.

كان الواحد من هؤلاء يجلس تلو الآخر، مع الإمام الحسين عليه السلام، 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

81

الاستقامة

 ويناقشه في هذا الهدف ويشكّك فيه1! كانوا يقولون له: سيّدي، ما هو السبب في أنّ هذا اليوم تحديداً هو اليوم الذي يجب عليكم أن تذهبوا وتقفوا في مقابل يزيد؟ كانوا يأتون بشواهد كثيرة لإثبات نظريّتهم بما يكفي لإخافة أيّ شخص! 

 
كانوا يقولون له: أن تكون أنت ابن النبيّ الذي يبلّغ أحكام الله، أليس هذا أفضل لك من أن تُقتل؟ أليس الأفضل أن تبقى حيّاً، تُحدّث وتُبيّن الأحكام وتعظ، من أن يأتي ذلك الرجل الظالم ويقيم على قبرك الأشعار ويبدل كلماتك؟ لو أعطاك الله تعالى 20 سنة أخرى من العمر، ففي هذه السنوات كم من المعارف ستبيّن؟ هذا أفضل من ذاك!
 
انظروا، ليس من السهل أبداً أن يخلص الإنسان نفسه من وطأة إشكالات كهذه ومن مصيدة هذه التشكيكات!
 
كانوا يقولون: الآن وقد عزمت على الرحيل، فلترحل، لكنّك في نهاية المطاف سترد ميدان الجهاد والحرب، فإلى أين تأخذ هذه النسوة وأولئك الأطفال؟ ما هذه الحالة؟ لماذا تذهب وتعرّض النّاس للقتل؟ لماذا تذهب إلى الكوفة؟ 
 
نعم، هذه الإشكالات ترتعد لها فرائص الإنسان. لقد وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى مكان فهم أنّ القضيّة صعبة. قالوا له: حسناً، أيّها الإمام، ارجع وبايع يزيدَ. في النهاية بايِع، هل أنت أفضل من الإمام 



1 مناقشة عبد الله بن الزبير مع أبي عبد الله الحسين عليه السلام : شرح الأخبار, ج3, ص143, الكامل في التاريخ, ج4, ص38, بحار الأنوار, ج44, ص364. مناقشة عبد الله بن جعفر مع أبي عبد الله الحسين: الفتوح, ج5, ص67, الإرشاد, ج2, ص68-69, بحار الأنوار, ج44, ص366, مناقشة عبد الله بن عبّاس مع أبي عبد الله عليه السلام: الأخبار الطوال, ص243-244, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص240 و245, بحار الأنوار, ج44, ص364-365.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

82

الاستقامة

 الحسن عليه السلام؟! ما هي الموجبات التي تدفعك إلى أن تذهب وتضع نفسك في هذه المعركة الكبيرة؟!

 
لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يواجه هذا النوع من الشبهات والإشكالات التي كانت تُطرح عليه بشكل متواصل1 من قبل شخصيّات لها شأنها- منذ خروجه من المدينة وحتّى لحظة وصوله إلى مكّة، ثمّ عندما وصل إلى كربلاء، ومن لحظة وروده كربلاء أيضاً حتّى يوم عاشوراء -، بخلفيّة العقل النفعيّ والمصلحيّ وباستعمال وسائل ليست بعيدة جدّاً عن الوسائل القيميّة! في ذلك الوقت وقف الإمام الحسين عليه السلام أمامهم ثابتاً - وهو المجسّد للقيم -، أي أنّه لم ينس الهدف، ولم تدفعه هذه الكلمات إلى ترك الخطّ المستقيم الذي يعرفه هو جيّداً وهم لا يعرفونه2
 
الاستقامة الرفيعة لزينب الكبرى عليها السلام
ضرب الله تعالي في القرآن الكريم مثال امرأتين كنموذج للإيمان الكامل، ومثال امرأتين لنموذج الكفر أيضاً: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا﴾3، هذان هما المثالان على الكفر وهما امرأتان كافرتان. فهو لم يسق المثال للكفر من 



1 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص444-447, أنساب الأشراف, ج3, ص163, الأخبار الطوال, ص228-229, تاريخ الطبريّ, ج4, ص253, و 286-287, الفتوح, ج5, ص16-17, و70و99, العقد الفريد, ج5, ص123, مروج الذهب, ج3, ص67, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص56 و60, دلائل الإمامة, ص182, الإرشاد, ج2, ص71-72, إعلام الورى, ج1, ص459, الثاقب, ص340-341, مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج1, ص271-273, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص201-202, وج65, ص127, الخرائج, ج1, ص253-254, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص248, الكامل في التاريخ, جزء 4, ص50, مثير الأحزان, ص17, تذكرة الخواص, ص227, اللهوف, ص40, تهذيب الكمال, ج6, ص421, بحار الأنوار, ج44, ص364.
2 في لقاء أعضاء الشورى المركزيّة, الجهاد الجامعيّ, 8/10/1376ش- 29/12/1997 م.
3 سورة التحريم, الآية:10.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

83

الاستقامة

 الرجال، بل جاء به من النساء. وهذا ما نجده في باب الكفر. وفي باب الإيمان أيضاً.

 
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾1. أحد المثالين على النموذج الإيمانيّ الكامل هو امرأة فرعون والمثال الآخر السيّدة مريم الكبرى ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾2.
 
وإنّ مقارنة سريعة بين زينب الكبرى عليها السلام وبين زوجة فرعون تُظهر لنا عظمة مقام السيّدة زينب الكبرى عليها السلام. تحدّث القرآن الكريم عن زوجة فرعون بوصفها نموذج الإيمان للرجال والنساء علي مرّ الزمان وإلى آخر الدنيا. ثمّ لكم أن تقارنوا زوجة فرعون التي آمنت بموسى وانجذبت إلي تلك الهداية التي جاء بها موسى، وحينما كانت تحت ضغوط التعذيب الفرعونيّ - والذي توفيّت بسببه حسب ما تنقل التواريخ والروايات - فقد جعلها التعذيب الجسمانيّ تصرخ: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾3 طلبت من الله تعالي أن يبني لها بيتاً عنده في الجنّة.. وفي الواقع هي طلبت الموت وأرادت أن تفارق الحياة. ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾.. أنقذني من فرعون وأعماله المضلّة. 
 
في حين كانت مشكلة السيّدة آسية زوجة فرعون من قبيل الألم والعذاب الجسمانيّ ولم تكن كالسيّدة زينب، التي فقدت عدّة من إخوتها واثنين من أبنائها وعدداً كبيراً من أقاربها وأبناء إخوتها ساروا أمام عينيها إلي مصارعهم. هذه الآلام الروحيّة التي تحمّلتها زينب الكبرى لم تتعرّض



1 سورة التحريم, الآية:11.
2 سورة التحريم, الآية:12.
3 سور التحريم, الآية: 11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

84

الاستقامة

  لها السيّدة آسية زوجة فرعون. رأت السيّدة زينب بعينيها يوم عاشوراء كلّ أحبّتها يسيرون إلي القتل ويستشهدون: الحسين بن عليّ عليهما السلام سيّد الشهداء والعبّاس وعليّ الأكبر والقاسم وأبناءها هي، وباقي إخوتها رأتهم كلّهم. وبعد استشهادهم شهدت كلّ تلك المحن: هجوم الأعداء وهتك الحرمات، وحملت مسؤوليّة رعاية الأطفال والنساء. 

 
فهل يمكن مقارنة عظمة هذه المصائب وشدّتها بالمصائب الجسمانيّة؟ ولكن مقابل كلّ هذه المصائب لم تقلّ السيّدة زينب لله تعالي: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾، بل قالت يوم عاشوراء: "ربّنا تقبّل منّا"1
 
رأت الجسد المبضّع لأخيها أمامها فتوجّهت بقلبها إلي خالق العالم وقالت: "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان". وحينما تُسأل كيف رأيتِ (صنع الله)؟ تقول: "ما رأيت إلّا جميلاً"2.. كلّ هذه المصائب جميلة في عين زينب الكبرى لأنّها من الله ولأجله وفي سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته. فيا لهذا المقام المتقدّم في الصبر وهذا العشق للحقّ والحقيقة، كم هو الفارق بينه وبين ذلك المقام الذي يذكره القرآن الكريم للسيّدة آسية. هذا دليل علي عظمة مقام السيّدة زينب. هكذا هو العمل في سبيل الله. لذلك بقي اسم زينب وعملها إلي اليوم نموذجاً خالداً في العالم. 
 
إنّ بقاء دين الإسلام وبقاء الطريق إلى الله ومتابعة السير على هذا الطريق من قبل عباد الله يستند ويستلهم إلى العمل الذي قام به الحسين بن عليّ عليهما السلام وما قامت به السيّدة زينب الكبرى عليها السلام. أي إنّ ذلك الصبر العظيم وذلك الصمود وتحمّل كلّ تلك المصائب والمشكلات 



1 مقتل الحسين, المقرّم, ص322.
2 الفتوح, ج5, ص122, مثير الأحزان, ص71, بحار الأنوار, ج45, ص115-116.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

85

الاستقامة

 أدّى إلى أن تكون القيم الدّينيّة اليوم هي القيم السائدة في العالم. جميع القيم الإنسانيّة التي نجدها في المدارس المختلفة والمتطابقة مع الضمير البشريّ هي قيم نابعة من الدّين. هذه هي خصوصيّة العمل لله1.

 
وحدة الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة عالم الظلمة والانحراف
انظروا يا أعزّائي، لم يتجاوز الوقت الذي استغرقته واقعة كربلاء نصف نهار أو أكثر من ذلك بقليل، واستشهد فيها اثنان وسبعون - أكثر أو أقلّ بقليل2 - وهذا العدد من الشهداء موجود في العالم كلّه. فأن تكتسي واقعة كربلاء كلّ هذه العظمة - وهي أهل لهذا الشموخ والعظمة، بل هي أسمى وأعظم- إلى حدّ أنّها تركت آثارها ونفذت في عمق الوجود البشريّ، إنّما كان بسبب روح هذه الواقعة. فجسم القضيّة لم يكن له ذلك الحجم، وكان هناك أطفال صغار قُتلوا في كلّ بقعة من بقاع العالم، في وقتٍ قُتل في كربلاء رضيع واحد لستّة أشهر. وفي بعض الأماكن ارتكب الأعداء إبادات جماعيّة وقتلوا مئات الأطفال. القضيّة ليست مطروحة هنا في بعدها الجسمانيّ، بل تكمن أهمّيّتها في روحها ومعناها.
 
روح القضيّة هي أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يواجه في تلك الواقعة جيشاً ولم تكن مواجهته مع جمع غفير- وإن كان يفوقه بمائة ضعف - بل إنّ مواجهة الإمام الحسين عليه السلام كانت مع عالم من الانحراف والظلمة، وهذا هو المهمّ. وفي الوقت الذي كان يواجه فيه ذلك العالم من الظلمة والظلم والانحراف، الذي كان يملك كلّ شيء، ولديه المال والذهب والقوّة 



1 في لقاء قادة وعناصر القوّة الجويّة في جيش الجمهوريّة الإسلاميّة, 19/11/1388ش- 8/2/2010 م.
2 أنساب الأشراف, ج3, ص205, مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج2, ص44, شرح الأخبار, ج3, ص154-155, 87 شخصاً, مروج الذهب, ج3, ص61, 78 شخصاً, اللهوف, ص85, بحار الأنوار, ج45, ص62.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

86

الاستقامة

 والكتّاب والشعراء والمحدّثون والخطباء، كان الجوّ موحشاً جدّاً. وكانت فرائص الإنسان العادي وحتّى الإنسان ما فوق العادي لترتعد لتلك العظمة الفارغة لعالم الظلمة ذاك، ولكن لم يرتعش للإمام الحسين عليه السلام قلب ولا اهتزّت له قدم. ولم تساوره مشاعر ضعف أو تردّد. وبرز إلى الميدان وحيداً فريداً. إنّ عظمة هذه القضيّة تمثّلت في أنّ القيام كان لله.

 
يمكن تشبيه موقف الإمام الحسين عليه السلام ومقارنته بموقف جدّه رسول الله محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعثته، فكما واجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هناك عالماً بأسره، وقف الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء بمواجهة عالم بأسره. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعتريه أيّ خوف، بل صمد وسار إلى الأمام، وكذلك الحال بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام الذي لم يرهبه شيء، بل ثبت وسار قدماً. فـالحركة النبويّة والحركة الحسينيّة هما بمثابة دائرتين متّحدتي المركز متّجهتين إلى مسار واحد. وهنا يظهر معنى "حسين منّي وأنا من حسين"1. هذه عظمة موقف الإمام الحسين عليه السلام.
 
عندما قال الحسين عليه السلام ليلة العاشر من محرّم: "اذهبوا فأنتم في حلّ منّي، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد واحد من أهل بيتي، فالقوم يطلبونني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري..."2 ، لم يكن قوله هذا مزاحاً. لنفترض أنّهم كانوا قد وافقوه وانصرفوا وبقي وحده أو برفقة عشرة أشخاص، هل كان ذلك لينقص من عظمة عمله؟ 
 
كلّا، بل تبقى له هذه العظمة بعينها. ولو كان حول الحسين عليه السلام بدل هؤلاء الاثنين والسبعين، اثنان وسبعون ألفاً، هل كان ذلك لينقص من عظمة موقفه؟ أبداً.



1 المعجم الكبير, ج3, ص33, شرح الأخبار, ج3, ص88, بحار الأنوار, ج45, ص314.
2 مناقب آل أبي طالب, ج3, ص248, الكامل في التاريخ, ج4, ص57-58.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

87

الاستقامة

 إنّ عظمة موقف الحسين تكمن في ثباته واطمئنانه وهو يواجه ضغوط وقسوة عالم مليء بالمعترضين والمدّعين، فلم يتزلزل، والحال أنّ موقفاً كهذا، يضطرب فيه عامّةُ النّاس، وحتّى من هم فوق عامّة النّاس. وكما ذكرت مراراً فإنّ عبد الله بن عبّاس - وهو شخصيّة كبيرة مرموقة- وجميع أمراء قريش، كانوا في غاية الاستياء من ذلك الوضع. وهكذا كان حال عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبناء كبار الصحابة، وبعض الصحابة. 

 
كان في المدينة عدد كبير من الصحابة، وكانوا من ذوي الغيرة والمروءة - لا يتصوّرنّ أحد أنّهم كانوا عديمي المروءة - وهم أنفسهم الذين تصدّوا لمسلم بن عقبة وقاتلوه في وقعة "الحرّة" حينما هجم على المدينة وارتكب المذابح فيها بعد عام واحد1 على واقعة كربلاء. لا تظنّوا أنّهم كانوا جبناء، بل وقفوا وقاتلوا وكانوا فرساناً وشجعاناً2. لكن شجاعة التقدّم إلى ساحة الحرب مسألة، وشجاعة مواجهة عالم برمّته مسألة أخرى. والموقف الذي اتّخذه الإمام الحسين عليه السلام كان من النوع الثاني، ولأجل هذا النوع الثاني قام بحركته3.
 
أشكال الاستقامة والثبات
الاستقامة في مقابل انتحال الأعذار الشرعيّة 
من العوامل التي تقف سدّاً أمام الإنسان في المواقف الكبرى هي التذرّع بالأعذار الشرعيّة. يجب على الإنسان أن يؤدّي الأعمال والفرائض



1 تاريخ اليعقوبيّ, ج2, ص250-251.
2 تاريخ خليفة, ص147-155.
3 في لقاء حشود من عناصر الحرس الثوريّ بمناسبة يوم الحرس, 24/9/1375ش- 15/12/1997 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

88

الاستقامة

 الواجبة، ولكن حينما يستلزم مثل هذا العمل وقوع إشكال كبير - كأن يُقتل فيه على سبيل المثال أشخاص كثيرون - هنا يشعر المرء أنّه لم يعد مكلّفاً. فكم كان حجم الأعذار الشرعيّة على تلك الشاكلة التي واجهت الإمام الحسين عليه السلام وكانت كفيلة بصرف أيّ إنسان سطحيّ الرؤية عن هذا السبيل! وكانت هذه الأعذار تتوالى الواحدة تلو الأخرى.

 
فقد واجه أوّلاً نكول أهل الكوفة ومقتل مسلم بن عقيل1. وهنا نفرض أنّه كان على الإمام الحسين عليه السلام أن يقول: "لقد بات العذر شرعيّاً وسقط التكليف، فأنا كنت عازماً على رفض البيعة، ولكن تبيّن لي أنّ موقفاً كهذا، في مثل هذه الأوضاع والظروف، لا يمكن الاستمرار عليه، وأنّ النّاس لا طاقة لهم على التحمّل، إذاً، التكليف ساقط، وأنا أبايع مكرهاً".
 
المرحلة الثانيّة هي واقعة كربلاء نفسها، حيث كان باستطاعة الإمام الحسين عليه السلام عند مواجهة ذلك الموقف أن يتصرّف على شاكلة الإنسان الذي يحلّ المواقف الكبرى بمثل هذا المنطق ويقول: "إنّ هؤلاء النسوة والصبية لا قِبل لهم بتحمّل هذه الصحراء المحرقة، وعليه، فالتكليف مرفوع". فيميل نحو الخضوع، ويقبل بما لم يقبله حتّى ذلك الحين. أو أنّه حتّى بعد اندلاع القتال في اليوم العاشر واستشهاد ثلّة من أصحابه - حيث تراكمت عليه المشاكل والمحن - كان بإمكانه القول: "الآن لم يعد القتال ممكناً، ومن غير المقدور الاستمرار" فيتراجع حينها. أو عندما تكشّف للإمام الحسين عليه السلام أنّه سيُستشهد، ومن بعد استشهاده ستبقى حُرَم الله وحُرَم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وحيدة في الصحارى بأيدي الرجال الأجانب، وهنا يبرز موضوع الشرف والعرض، وكان باستطاعته - كإنسان غيور - القول: "لقد ارتفع التكليف، فما هو مصير النساء؟



1 الإرشاد, ج2, ص52-63, الكامل في التاريخ, ج4, ص31-35, بحار الأنوار, ج44, ص349-357.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

89

الاستقامة

 فإذا ما واصلت هذا الطريق وقُتِلتُ فإنَّ النساء من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبنات أمير المؤمنين عليه السلام وأطهر نساء الإسلام وأشرفهنّ سيقعن سبايا بيد الأعداء، من الرجال الذين لا حسب لهم ولا نسب ولا يفقهون شيئاً من معاني الشرف والغيرة، إذاً، فالتكليف مرفوع".

 
أيّها الإخوة والأخوات دقّقوا بهذا الموقف من واقعة كربلاء وانظروا إليه انطلاقاً من هذه الرؤية، وهو أنّ الإمام الحسين عليه السلام لو أراد النظر إلى بعض الحوادث الشديدة الألم والمرارة - كحادثة استشهاد عليّ الأصغر وسبي النساء وعطش الصبية ومقتل الشبّان وغيرها من الحوادث الأخرى المروّعة في كربلاء - بمنظار المتشرّع العاديّ ويتغاضى عن عظمة دوره ورسالته، كان باستطاعته التراجع خطوة بعد خطوة، ويقول: لا تكليف عليّ، ولا مناص من مبايعة يزيد الآن، وإنّ "الضرورات تبُيح المحظورات". إلّا أنّه عليه السلام لم يتصرّف على هذه الشاكلة. هذه هي استقامة الإمام الحسين عليه السلام.
 
وهذا هو معنى الاستقامة. الاستقامة ليست دائماً بمعنى تحمّل المشاكل، لأنّ تحمّل المشاكل بالنسبة إلى الإنسان العظيم أيسر من تحمّل المسائل التي قد تبدو حسب الموازين الشرعيّة والعرفيّة والعقليّة الساذجة خلافاً للمصلحة، لأنّ تحمّلها أصعب من تحمّل سائر المشاكل.
 
تارة قد يقال للإنسان: لا تسلك هذا الطريق فقد تتعرّض للتعذيب. لكنّ الإنسان القويّ يقول: إنّي سالك هذا الطريق ولا ضير في تعرّضي للتعذيب. أو قد يقال لآخر: لا تسلك هذا المسلك لعلّك تُقتل. ترى الإنسان الفذّ يقول: إنّي سالكه ولا أبالي بالقتل. ولكن تارة أخرى قد لا يقتصر الحديث على مجرّد القتل والتعذيب والحرمان، بل يقال: لا تذهب، فقد يُقتل على أثر حركتك هذه عدد من النّاس. وهنا يُعرض على بساط البحث موضوع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

90

الاستقامة

 أرواح الآخرين، فيقال له: لا تَسِر في هذا الطريق، فمن المحتمل أن يواجه الكثير من النساء والرجال والأطفال مصاعب جمّة وعنتاً كبيراً من جرّاء مسيرك هذا. وهنا ترتعد فرائص أولئك الذين لا يبالون بالقتل، أمّا الذين لا ترتعد فرائصهم، فهم أوّلاً: في أعلى درجة من البصيرة وعلى بيّنة من ضخامة العمل الذي يؤدّونه. وثانياً: لهم من قوّة النفس ما لا يتسرّب معه الوهن إليهم. وهاتان الميزتان تجلّتا عند الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء. لذلك كانت واقعة كربلاء كشمس سطعت في دياجي التاريخ، وهي ما انفكّت ساطعة وستبقى كذلك أبد الدّهر1.

 
الاستقامة في المواقع الحسّاسة والباعثة على التردّد
لقد تحدّثتُ في بعض السنوات في ذكرى وفاة الإمام الخمينيّ رضوان الله عليه، حول استقامة الإمام... للإنصاف كان إمامنا العظيم إنساناً استثنائيّاً، بمعنى أنّنا لم نر في الواقع مثل ذلك الرجل العظيم، وإن كان لدينا - طبعاً - الكثير من الرجال الكبار، إلّا أنّنا لم نر مثله بتلك الخصوصيّات ولم نسمع. فأنا لم أسمع عن شخص يوازيه،.. لقد تميّز هذا الرجل بخصوصيّات، واحدة منها هي الاستقامة على الطريقة.
 
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾2.
 
الاستقامة هي من المعاني السهلة الممتنعة. قد تبدو بنظرة بسيطة قابلة للفهم، لكن عندما ندقّق نرى أنّ لها معنى عميقاً وصعباً جدّاً، فكما إنّ تشخيصها على قدر من الصعوبة، كذلك رعايتها في العمل على قدر كبير من الأهمّيّة. أضرب مثالاً: استقامة الإمام الخمينيّ رضوان الله 



1 كلمته في جموع غفيرة من زوار مرقد الإمام الخمينيّ, 14/3/1375ش- 4/6/1997 م.
2 سورة الجنّ, الآية: 16.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

91

الاستقامة

 عليه، من الممكن أن يتخيّل بعضهم أنّه ماذا تعني استقامة شخص مثل الإمام؟.. ليست استقامة الإمام بهذه السهولة وبهذا الوضوح. من المعلوم أنّه يمكن القول لأيّ شخص: ارجع عن طريق الحقّ، فسيجيب: لا، لن أعود عنه. أنا هنا أريد أن أشبّه استقامة الإمام رضوان الله عليه باستقامة الإمام الحسين عليه السلام. الاستقامة عند المفاصل الخطرة وفي المواقع الحسّاسة. افرضوا أنّهم عرضوا القضيّة على الإمام الحسين عليه السلام على الشكل التالي: تريد أن تجاهد في سبيل الله، هذا بالتأكيد أمر جيّد جدّاً، تريد مواجهة يزيد، وهذا بالطبع جيّد أيضاً، تريد أن تضحّي بنفسك، وأنت مستعدّ وحاضر، وهذا أيضاً جيّد جدّاً، لكنّ ذلك الطفل ذا الأشهر الستّة الذي كان يتململ من شدّة العطش، بأيّ معيار يظهر على هذا النحو؟! قلّ تلك الكلمة الواحدة وأرح هذا الطفل!

 
لاحظوا، فإنّ مسألة الاستقامة تظهر وتتجلّى على هذا النحو، يعني أن تُطرح نقطة فجأة أمام الإنسان وسط الطريق، بحيث إنّه من الممكن أن يجعل الإنسان الفذّ والفطن عرضة للشكّ والتردّد1.
 
وعندما شبَّهتُ استقامة الإمام الخميني قدس سره باستقامة إمامنا الحسين عليه السلام فليس المقصود استقامته عليه السلام في ميدان القتال بحيث تلقّى طعنات السيوف لتبلغ جراح جسده الشريف 70 جرحاً ونيّفاً2. ليست هذه هي الاستقامة الكبرى التي تُذكر للإمام الحسين العظيم عليه السلام. أجل، فكلّ جنديّ شجاع باستطاعته القيام بمثل هذا العمل.
 
استقامة الإمام الحسين تكمن هنا في عمله بأن يؤتى إليه بطفل كعليّ الاصغر وقد جفّ لسانه من شدّة العطش، وعند سيّدة مبجّلة كزينب عليها السلام 



1 في لقاء قادة ومسؤولي الحرس الثوريّ,14/12/1376ش- 5/3/1998 م.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص346, الاّمالي, الطوسيّ, ص676-677, بحار الأنوار, ج45, ص57.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

92

الاستقامة

 تُضرب بسياط عُتاة الكوفة، تخرج أسيرة، يسلبونها جلبابها وحجابها وربّما حليّها وقلادتها! فكّر في ذلك! هل بإمكانك لو جُعلت في هذا الموقف، وقالوا لك: "حسنٌ جدّاً! أنت شجاع، تريد الجهاد والمواجهة، فليكن لك ذلك، لكن انظر بأيّ ثمن وقيمة ستنتهي!"، فكم سيكون بمقدورك أن تُظهِر من الاستقامة؟ هنا في هذا الموقف بعينه تعرف الاستقامة الحسينيّة. الاستقامة الحسينيّة هي أن يعرف الهدف ويُشخّص ويقيّم ويدرك كم هو عظيم وكبير فيصمد من أجله، في وقتٍ تهتزّ أرجل النّاس العاديّين، وأصحاب الكرم والشجاعة والنخوة وكرام النّاس. لو كان ثمّة شخص آخر مكان الإمام الحسين عليه السلام لوقف وقال: في النهاية: أنا مستعدّ للتضحية بنفسي في هذا الطريق، لكن، هنا في هذه الصحراء وفي هذا العطش، أنّى لي الوقوف، وفي البين طفل رضيع وسيّدة مكرّمة..؟!1




1 في لقاء الهيئة المشرفة على إقامة مراسم ذكرى رحيل الإمام الخمينيّ, 28/2/1377ش- 18/4/1998م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

93

الصمود

 الصمود، رمز الانتصار

لقد انتصر ذلك المجاهد في سبيل الله (الحسين عليه السلام) على العدوّ، من جميع الجهات، حيث وقف بمظلوميّة في مواجهة ذلك العالم وسُفكت دماؤه وأسِرت عائلته، وهذا درس للشعوب. نُقل عن زعماء كبار في عصرنا الحالي - وهم ليسوا بمسلمين - أنّهم قالوا: "لقد تعلّمنا طريق الجهاد من الحسين بن عليّ عليه السلام". وإنّ ثورتنا - الثورة الإسلاميّة - هي أيضاً واحدة من تلك الأمثلة. لقد تعلّم شعبنا أيضاً من الحسين بن عليّ عليهما السلام، وأدرك أنّ القتل ليس دليلاً على الهزيمة وفهم أنّ التراجع أمام العدوّ، القويّ في الظاهر، موجب للشقاء والذلّ. ومهما كان العدوّ قوياً، فإنّه إذا صمدت الفئة المؤمنة والجبهة المؤمنة أمامه بالتوكّل على الله، ستكون الخاتمة هزيمة العدوّ وانتصار الفئة المؤمنة، وهذا ما أدركه شعبنا1.
 
الصمود في مواجهة لوم الخواصّ
إنّ السير على طريق الله له معارضون على الدوام. ولو أنّ شخصاً من



1 في لقاء حشد من مختلف طبقات المجتمع, بمناسبة حلول شهر محرّم الحرام, 10/4/1371ش- 1/7/1993 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

94

الصمود

 هؤلاء الخواصّ الذين تحدّثنا عنهم1 أراد أن يقوم بعملٍ حسن - العمل الذي يجب القيام به - فقد ينبري له بضعةُ أفراد من أولئك الخواصّ أنفسهم باللوم على موقفه ذاك، قائلين: "أيّها السيّد، ألا عمل لديك؟ أجُننت؟ أليس لديك عائلة وأطفال؟ لماذا تسعى وراء أعمال كهذه؟! مثلما كانوا يفعلون في أيّام ثورتنا. لكنّ الخواصّ يجب عليهم أن يثبتوا، وإنّ إحدى ضرورات جهاد الخواصّ هي أنّه ينبغي الصمود والثبات في قبال هذه الملامة وهذا التقريع2.

 
حفظ الدّين في ظلّ الاستقامة والصمود
يختلف زماننا كثيراً عن زمن الإمام الحسين عليه السلام. ففي ذلك اليوم كان الإمام وحيداً، واليوم، إنّ حفيد الحسين إمام الأمّة (رضوان الله عليه) ليس وحيداً. لو كان للإمام الحسين - في ذلك اليوم - آلاف عدّة من الشباب المتحمّس الشجاع أمثالكم لقضى على كلّ أجهزة بني أميّة، ولأقام الحكومة الإسلاميّة. ولو كان للإمام الصادق والإمام الباقر والإمام موسى الكاظم وبقيّة الأئمّة عليهم السلام - الذين كانوا يواجهون أجهزة الجور والظلم- 500 إلى 1000 شخص أمثالكم، أيّها الشباب المضحّون في حرس الثورة، 100 شخص، 500 ألف من أمثالكم لتغلّبوا على كلّ أعدائهم، لقد كانوا وحيدين، غرباء، وقد حفظوا الدّين بوحدتهم وغربتهم ومظلوميّتهم، وفي النهاية باستشهادهم ومقتلهم. واليوم سيحفظ شعبنا هذا الدّين بقوّته3.



1 في إشارة إلى بحث العوام والخواص, الذي جاء في بداية هذا الخطاب: "إذا نظرتم إلى المجتمع البشريّ, أي مجتمع كان، وفي أيّة مدينة أو بلد، تجدون الناس فيه يُقسمون- من وجهة نظر معيّنة - إلى فئتين: فئة تسير عن فكر وفهم ووعي وإرادة، وهي تعرف طريقها وتسلكه وليس نظرنا هنا إلى صوابيّة مسلكها أوخطئه- هذه الفئة يمكن تسميتها بالخواص. وفئة أخرى لا تنظر لترى ما هو الطريق الصحيح، وما هو الموقف الصائب،.." وهي التي تسمّى بالعوام.
2 في جمع من قادة فيلق محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, 2/3/1375ش- 23/5/1997 م.
3 في جمع من عناصر ومسؤولي فيلق موسى بن جعفر عليهما السلام, 25/5/1367ش- 16/8/1989 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

95

الصمود

 صمود في ظروف استثنائيّة 

الحسين بن عليّ عليهما السلام في هذا المجال شخص فريد1، بمعنى أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لم يظهر هكذا مقاومة. وهذا ليس معناه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يستطع إظهار ذلك، لا! فالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مقاومة من الحسين بن علي عليهما السلام وأقوى، ولا شكّ في ذلك، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام، كما إنّ الإمام الحسن عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام، والأمر هو كذلك، إلّا أنّ ظرف الزمان والمناسبة قد منح هذه الفرصة فقط للحسين بن عليّ عليهما السلام ليظهر مثل هذه المقاومة. بالطبع لو كان الإمام الحسن عليه السلام في نفس تلك الظروف لقام بالعمل نفسه، ولو لم يكن عمله أفضل فهو بالتأكيد لن يكون أقلّ، اعرفوا هذا الأمر، فالنبيّ الأكرم هكذا أيضاً، وأمير المؤمنين عليه السلام كذلك. 
 
إنّ درس مقاومة الإمام الحسين عليه السلام درس لا يُنسى.
 
لم يكن على الأرض غير تلك المجموعة المعدودة التي اجتمعت حول الإمام الحسين عليه السلام، ولم يكن هناك شخص آخر كان مستعدّاً ليكون معه حتّى آخر المسير. وقد رأيتم بالنهاية! كان هناك أهل الكوفة بشعاراتهم وكلماتهم التي بقيت موجودة إلى ما قبل الخطر بقليل، وقبل وقوع الخطر فرّ الجميع، وتركوا الحسين عليه السلام وحيداً. يعلم الإمام الحسين عليه السلام ذلك ويعرفهم وقد صمد وقاوم في تلك الظروف العجيبة2.



1 يراجع الفقرة التي ستلي ص105 تحت عنوان: المقاومة العالمة والمدركة..حيث جاء في كلمة الإمام الخامنئيّ: إنّ المعلّم الكبير لهذه المقاومة العالمة هو الحسين بن عليّ عليهما السلام. فمهما حقّقنا وأنجزنا نشعر بالحقارة غير العاديّة في مقابل الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام".
2 في مراسم ذكرى ولادة الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام ويوم الحرس في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة 26/2/1362ش- 16/5/1984 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

96

الصمود

 صمود الإمام عليه السلام في ظروف الوحدة والغربة

يعلم الله أنّه لا توجد حركة على طول التاريخ بعظمة الحركة الحسينيّة وسُموِّها. في تلك الظلمة الكالحة لم يكن معه أحد، تحرّك مع مجموعة معدودة. من هم هؤلاء الأشخاص الذين رأوا الإمام الحسين في مكّة أو في المدينة وتحدّثوا معه، ونصحوه بالبقاء وعدم الذهاب والثورة؟ هم: عبد الله بن عبّاس1 وعبد الله بن الزبير2، من كبار أقارب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد الله بن جعفر3 زوج أخته زينب، ومحمّد بن الحنفيّة4، فهذه الوجوه البارزة واللامعة من أصحاب النبيّ أو من عشيرته، كانوا يقولون للإمام: لا تذهب، معنى ذلك أنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام كان وحيداً إلى هذا الحدّ. فهؤلاء الأشخاص لم يكونوا ممّن يخضعون ليزيد بن معاوية السيِّئ السمعة والعديم الأخلاق، هم أرفع شأناً من ذلك. كان من الممكن أن يتعاملوا مع معاوية، لكنّهم لم يكونوا كذلك مع يزيد. مع أنّهم لم يكونوا في وارد التعامل مع يزيد، لكنّهم قالوا للإمام الحسين عليه السلام: لا تذهب.
 
كما كان لعامّة النّاس مثل هذا الموقف معه، فكلّ من كان يلتقي بالإمام الحسين عليه السلام، من أصحاب الأسماء والمقامات، كان يقول له: لا تذهب. من أمثال عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ5، والفرزدق6 الشاعر المعروف، وأولئك الذين ذكرت لكم أسماءهم. فكلّ من التقى الإمام




1 أنساب الأشراف, ج3, ص161-162, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص245, بحار الأنوار, ج44, ص364-365.
2 الأخبار الطوال, ص244, شرح الأخبار, ج3, ص143, بحار الأنوار, ج44, ص364.
3 تاريخ الطبريّ, ج4, ص291, الإرشاد, ج2, ص68-69, بحار الأنوار, ج44, ص366.
4 تاريخ الطبريّ, ج4, ص253, اللهوف, ص39-40, بحار الأنوار, ج44, ص329.
5 الأخبار الطوال, ص251, الأمالي الصدوق, ص219, بحار الأنوار, ج44, ص379.
6 أنساب الأشراف, ج3, ص163-165, الإرشاد, ج2, ص67-68, بحار الأنوار, ج44, ص366.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

97

الصمود

 الحسين عليه السلام كان يقول له: يا سيّدي، إنّك تتحرّك عبثاً، لا فائدة من حركتك، ولسوف تُقتل. لكن الإمام الحسين تحرّك.

 
وكان قد أتى معه جماعة، لكنّهم أخطؤوا، ظنّاً منهم أنّ في هذه الحركة مالاً ومنصباً! 
 
ما رأوه هو أنّ رئيساً وقائداً يتحرّك، وستقع معركة، فإمّا أن يحصلوا على الغنائم أو أن يقع الصلح، فينالوا نصيباً من ذلك، كان هذا هو ظنّهم، لذلك قدم مع الإمام كثير من النّاس، لكنّهم بدأوا بالتناقص جماعة جماعة إلى أن وصلوا إلى كربلاء1
 
عدم الخوف من الغربة والوحدة 
استُشهد الإمام الحسين عليه السلام في ظروف خيّمت الغربة فيها عليه وعلى أصحابه وعلى كلّ تلك الأجواء الإيمانيّة التي كانت حاكمة على مجتمع ذلك اليوم. 
 
رافقته الغربة منذ بداية خروجه من المدينة، ثمّ عند خروجه من مكّة، ووصوله إلى كربلاء غريباً، وقد حوصر غريباً، واستُشهد عطشانَ غريباً ودفن غريباً. وذُكر بغربة طوال هذه السنوات المتمادية. كان الظلام والقهر مخيِّمَيْن على عالم ذلك اليوم، وكان الحسين بن عليّ عليهما السلام يرى تلك الغربة بوضوح2.
 
لا ينبغي أن تخيفكم الغربة، ولا أن تلقي الوحشة في قلوبكم، فقد بلغ الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه- الذين نلطم صدورَنا ونبكي لأجلهم ونحبّهم أكثر من أبنائنا- قمّة الغربة، وكانت النتيجة بقاء الإسلام حيّاً 



1 في خطبة الجمعة, طهران, 15/7/1362ش- 7/10/1984 م.
2 في جمع من فيلق فجر19-شيراز, 24/5/1367ش- 15/8/1989 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

98

الصمود

 حتّى اليوم، وبقاء واقعة كربلاء حيّة، لا على بقعة صغيرة من الأرض فحسب، وإنّما في منطقة مترامية الأطراف في محيط الحياة البشريّة.

 
إنّ كربلاء موجودة في كلّ مكان، في الأدب، في الثقافة، في السنن والآثار، في الاعتقادات، في القلوب. أولئك الذين لم يسجدوا لله، طأطأوا رؤوسهم أمام عظمة الإمام الحسين عليه السلام!. وإنّ تلك الغربة لها اليوم هذه النتيجة، تلك كانت قمّة الغربة. وليست الغربة والمظلوميّة بمعنى الضعف1.
 
إنّ خلاصة ثورة الإمام الحسين عليه السلام أنّه ثارعليه السلام يوم كانت الدنيا تحت سيطرة ظلمات الظلم والجور - فكان الجوّ مظلماً أسودَ وكذا الأرض والزمان - ولم يجرؤ أحد على بيان الحقائق. حتّى أنّ ابن عبّاس وعبد الله بن جعفر لم يأتيا مع الإمام عليه السلام، فما معنى ذلك؟ ألا يدلّ على الحالة التي كان عليها العالم آنذاك؟ ففي مثل هذه الظروف كان الإمام الحسين عليه السلام وحيداً فريداً. 
 
طبعاً بقي مع الإمام بضع عشرات من الأشخاص، لكن حتّى لو أنّ هؤلاء لم يبقوا معه، فإنّ الإمام عليه السلام كان سينهض. هل ترون غير ذلك؟ تخيّلوا أنّ الإمام عليه السلام عندما خاطب أصحابه في ليلة عاشوراء: "أحللتكم من بيعتي ليس عليكم منّي زمام، اذهبوا!" 2 تخيّلوا أنّهم جميعاً كانوا قد تركوه، وذهب أبو الفضل العبّاس وعليّ الأكبر، وبقي الإمام وحيداً، فماذا كان يحدث يوم عاشوراء؟ هل كان الإمام عليه السلام سيتراجع؟ أم كان سيقف ويقاتل؟3.



1 في لقاء حشود من عناصر الحرس الثوريّ بمناسبة يوم الحرس, 26/10/1372ش- 18/1/1994 م.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص317-318, الإرشاد, ج2, ص91, بحار الأنوار, ج44, ص316.
3 في لقاء حشد من العلماء والوعّاظ على أعتاب قدوم شهر محرّم الحرام, 23/3/1374ش- 13/6/1996م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

99

الصمود

 وفي زماننا أيضاً ظهر رجل وقال: "لو بقيت وحيداً ووقفت الدنيا بأسرها بوجهي، لن أتراجع عن طريقي"، وهو إمامنا الخمينيّ، وقد فعل وصدق فيما قاله، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾1،... رأيتم ماذا فعل رجلٌ ترعرع في مدرسة الحسين عليه السلام وعاشوراء. فلو كنّا جميعاً من مدرسة عاشوراء، لسارت الدنيا نحو الصلاح بشكل سريع جدّاً، ولمُهّدت الأرض لظهور وليّ الحقّ المطلق2

 
الصمود في الثورة الإسلاميّة، درس عاشوراء 
إنّ التأمّل في مصائب يوم عاشوراء التي استمرّت من الصباح وحتّى فترة ما بعد الظهر، والتأمّل في كلّ تلك الحوادث المؤلمة الفريدة والقاصمة للظهر، وكلّ تلك الحوادث التي تحمّلها الإمام الحسين عليه السلام في تلك الثورة، تُفهمنا إلى أيّ حدّ يجب أن نكون مستقيمين في طريقنا، حتّى لا نكون جاحدين ومنكرين للحقّ أمام كلّ تلك المشقّات والآلام3.
 
ثورة عاشوراء، نموذج نهضة الإمام الخميني قدس سره
لحركة الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) أوجُه شبه كثيرة بالنهضة الحسينيّة، وهي قريبة من أنْ تكون صورة مستقاة منها. مع أنّ الحركة الأصليّة - أي نهضة الإمام الحسين عليه السلام - انتهت باستشهاد جميع رجالها، فيما آلت هذه النهضة إلى انتصار الإمام قدس سره، إلّا أنّ هذا لا يعدّ فارقاً جوهريّاً، لأنّ للحركتين فكراً واحداً ومضموناً واحداً، وكلتاهما محكومتان بسياق واحد ومخطّط واحد. لكنّ تفاوت الظروف والمقتضيات أدّى إلى أن يؤول مصير تلك إلى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، بينما 



1 سورة الأحزاب, الآية: 23.
2 في لقاء حشد من العلماء والوعّاظ على أعتاب قدوم شهر محرّم الحرام, 23/3/1374ش- 13/6/1996م.
3 في لقاء أعضاء الجهاد الجامعيّ, 10/6/1366ش- 1/9/1988 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

100

الصمود

 خُتمت هذه باستلام إمامنا الخمينيّ زمام الحكم. وهذا بشكل عامّ أمر جليّ وواضح.

 
من أوجه الشبه البارزة في كلتا الحركتين جانب "الاستقامة". ولا ينبغي المرور على مغزى هذه الكلمة ومفهومها مرورَ الكرام، لأنّها على جانب كبير من الأهمّيّة، إذ كانت تعني بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام العزم على عدم الانصياع ليزيد وحكمه الجائر. ومن هنا انطلقت بوادر التصدّي وعدم الاستسلام لحكومة فاسدة حرفت نهج الدّين بالكامل. بهذه النيّة سار الإمام عليه السلام من المدينة، لكنّه حينما لمس بمكّة وجود الناصر1 قرن مسيرته تلك بالعزم على الثورة. وإلّا فإنّ الجوهر الأساس لموقفه المعارض كان هو الوقوف بوجه حكومة لا يمكن القبول بها أو تحمّلها وفقاً للموازين الحسينيّة.
 
وقف الإمام الحسين عليه السلام بادئ الأمر في وجه هذه الحكومة ثمّ أصبح يواجه المشاكل التي كانت تبرز الواحدة تلو الأخرى. فوجد نفسه مضطراً إلى الخروج من مكّة2، ثمّ حصل الاشتباك في كربلاء إلى ما هنالك من الضغوط التي تعرّض لها شخص الإمام في تلك الواقعة. هذا كلّه كان من جملة هذه المشاكل3.
 
الأربعون، صمود في مواجهة الاستكبار
ما جرى أيضاً في أربعين الإمام الحسين عليه السلام هو مواجهة ومقاومة لنظام مستكبر، بمعنى أنّ تحرّك عائلة الإمامعليه السلام - من أيّة جهة جاؤوا وكانوا، من الشام أو من المدينة إلى كربلاء - لإحياء واقعة عاشوراء، كانت حادثة مقاومة وواقعة شهادة. وهذه الحوادث قد التحمت وامتزج بعضها ببعض. 



1 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص458-459, الإرشاد, ج2, ص39-41, بحار الأنوار, ج44, ص334-336.
2 أنساب الأشراف,ج3, ص163-164, شرح الأخبار, ج3, ص143-145, بحار الأنوار, ج44, ص334-336.
3 في حشود مهيبة من زوّار مرقد الإمام الخمينيّ رضوان الله عليه, 14/3/1375ش- 4/6/1997 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

101

الصمود

 يمكننا نحن أن نستفيد من معاني هذه الحوادث، التي لا تُحصى، من أجل تقدّم ثورتنا، وهنا توجد نقطة وهي: أنّ المقاومة في وجه القوى الشيطانيّة لا تعرف زماناً معيّناً ومكاناً محدّداً وشريحة محدّدة من المجتمع، ولا ظروفاً اجتماعيّة وعالميّة مختلفة.

 
هذا هو السرّ، الذي بسبب عدم الالتفات إليه، ابتُلي كثيرون في الماضي وفي عصرنا أيضاً بالتحفّظ والمهادنة والتراجع في قبال القوى المتسلّطة، لأنّهم لم يعرفوا هذا السرّ، أي أنّه لم يكن لديهم إحساس وشعور بأنّ المقاومة والإصرار على القيم المقبولة لا تعرف ظروفاً مساعدة أو غير مؤاتية، هي أبديّة، في كلّ مكان وبالنسبة إلى كلّ شخص1.



1 في لقاء اتحادات الهيئات الإسلاميّة للطلّاب في مختلف المناطق, 12/8/1364ش- 3/11/1986 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

102

الصبر

 الصبر والتسليم أمام الله 

عندما عرضوا على الحسين بن عليّ عليهما السلام الذهاب من كربلاء ونينوى إلى المدينة1 أو إلى اليمن وأن يقضي بقيّة عمره مرتاحاً هناك2، فإنّ المانع الذي حال دون قبول أبي عبد الله عليه السلام بهذا الاقتراح هو التكليف. كما إنّ الإمام عليه السلام قد بيّن في مواقفه وكلماته أنّ الله سبحانه لا يرضى من الإنسان بنصف بامتثالٍ ناقصً للتكليف. في كلّ لحظات سفر الإمام الحسين عليه السلام المليء بالوقائع والحوادث، يدرك الإنسان بنحو واضح من خلال كلمات الإمام عليه السلام وأقواله، أنّ هذه الحركات وهذه السكنات هي في سبيل الله ولله. ففي تلك اللحظات الأخيرة، ومن جملة الكلمات التي نُقلت عنه عليه السلام وقد سمعناها جميعاً وهي صحيحة طبعاً، هذه الكلمة: "صبراً على قضائك يا ربّ لا إله سواك"3.
 
أنا مسلِّمٌ. هذه روح واقعة كربلاء، التسليم لله!4. 
 
الإمام الحسين إنسان، لكنّه إنسان استثنائيّ، هو عبد صالح. عندما يكون الإنسان مستعدّاً لأن يُذبح طفله ذو الأشهر الستّة أمام ناظريه لله 



1 أمالي الصدوق, ث217, بحار الأنوار, ج44, ص314.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص288, مناقب آل أبي طالب ج3, ص240, بحار الأنوار, ج44, ص364.
3 مقتل الحسين, المقرّم, ص297.
4 كلمته في 16/8/1359ش- 7/11/1981 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

103

الصبر

 تعالى، فهذا قمّة الإنسانيّة، وهذا ما ينبغي علينا أن نتعلّمه. أقول ذلك وأنا معتقد به بحقّ، إنّه في تلك اللحظة قد وصلت الإنسانيّة إلى أوج عظمتها، أن يحمل الإمام الحسين طفله ذا الأشهر الستّة على كفّيه ويرمي دماء نحره نحو السماء1. هذه هي قمّة الإنسانيّة. يندر وجود هكذا إنسان بهذه العظمة في التاريخ. لقد كانت عاشوراء اليوم الذي بلغت فيه الإنسانيّة أوجها وذروتها. 

 
من جهة أخرى، أصبح محرّم العام 61 للهجرة مبدأ جميع الحركات والتضحيات الكبرى على طول التاريخ، وقد تحوّل ذلك إلى أصل وقاعدة، أن يعتبر الإنسان المقاومة وظيفةً وتكليفاً2.
 
مفهوم الصبر ومراتبه في مرآة عاشوراء 
لقد قلت لكم مرّةً: إنّ صبر الإمام الخميني قدس سره شبيه بصبر الإمام الحسين عليه السلام في الاستقامة والثبات على مواصلة الدرب واستمرار المهمّة وعدم التراجع. 
 
إنّ صبر الإمام الحسين عليه السلام هو الذي صان الإسلام على مرّ التاريخ وحتّى يومنا هذا، وفي الحقيقة لولا صبر الإمام الحسين عليه السلام، ذلك الصبر التاريخيّ في كربلاء وقبيل واقعة كربلاء وفي مقدّماتها وما سبقها، فلا شكّ في أنّه بمرور قرنٍ واحدٍ من الزمان، لم يكن ليبقى من الإسلام حتّى اسمه، بيد أنّ الإمام الحسين عليه السلام أحيى الدّين ببركة صبره الذي لم يكن صبراً هيّناً.
 
ليس الصبر في أن يتعرّض الإنسان للتعذيب أو يتعرّض أبناؤه للتعذيب أو القتل أمام عينيه ويصمد فحسب - وإن كانت هذه واحدة من مراحل الصبر المهمّة - إلّا أنّ الأهمّ من ذلك (أن يصبر على) الوساوس والمواقف التي قد تبدو في ظاهرها بنظر البعض منطقيّة فتصدّ المرء عن مواصلة الطريق، وذاك ما فعلوهُ مع الإمام الحسين عليه السلام، حين قالوا له: إلى أين أنت ذاهب؟ إنّك تعرِّض نفسك وأهلك للخطر، وتدفع العدوّ لأن يتجرّأ وتتطاول أيديهم على دمائك. وكلّ من جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام وضع قرار الإمام وتصميمه في مواجهة هذا المحظور الأخلاقيّ، وهو: إنّك بخطوتك هذه إنّما تخاطر بأرواح فئة من النّاس وتجعل العدوّ أكثر تسلّطاً وتدفعه لأن يلطّخ يديه بدمائك3.
 
وهذه قضيّة على قدر كبير من الأهمّيّة ومثيرة للتردّد. إنّها حرب بيّنة، ولا يستطيع المرء أن يقول بهذا الوضوح: إنّني ذاهب لكي أُقتل، كلا، بل هناك محاذير تلاحقه. وربّما كان هذا المعنى وارداً لدى الإمام الحسين عليه السلام أو أنّهم هم طرحوه أمامه: أيّها السيّد! إذا قُتلت سيبادرون لإبادة شيعتكم في الكوفة، فيجب أن تبقى حيّاً لتكون ملاذاً لهم، فأنت سبط النبيّ، وبالمحافظة على حياتك تحافظ على حياة مجموعة من النّاس4.



1 مقاتل الطالبيّين, ص95, مثير الأحزان, ص52, بحار الأنوار, ج45, ص46.
2 في 16/8/1359ش- 7/11/1981 م.
3 أنساب الأشراف, ج3, ص163, الأخبار الطوال, ص228-229, مروج الذهب, ج3, ص56, الأمالي, الصدوق, ص218-219, الإرشاد, ج2, ص34-35, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص208-211, إعلام الورى, ج1, ص446, الخرائج والجرائح, ج1, ص253-254, الكامل في التاريخ, ج4, ص37, بحار الأنوار, ج44, ص375.
4 في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة, 23/12/1380ش- 14/3/2002 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

104

الصبر

 سيّد الشهداء عليه السلام، صبر لا نظير له 

عندما نطرح عاشوراء بوصفها درساً، لا ينبغي إغفال جانب الدعاء فيها. الدعاء جميل من جميع النّاس، وبالأخصّ من إنسان بعظمة الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك في يوم بعظمة عاشوراء.
 
في بعض الموارد، تحكي أدعية الإمام الحسين عليه السلام عن تأثّره بحادثة ما. هذه الروح العظيمة وهذه العظمة التي لا نظير لها في يوم عاشوراء تهتزّ في مقابل بعض الحوادث، وفي الواقع فإنّ هذه الحوادث بالنسبة إلينا هي مدعاة للعبرة بمعنى أنّ عظمة روح الإمام عليه السلام وشموخه لم يكونا بحيث لا تؤدّي هذه المتاعب والآلام إلى حزنه واغتمامه. لا ليس كذلك، بل إنّ غمّه وألمه في بعض الحوادث كانا كبيرَيْن جدّاً، بحيث تجعله، تلك الحوادث يلجأ إلى الله لمناجاته، لكنّه يصبر في مقابل هذه الحوادث ويتحرّك بصبر وشكيمة.
 
إحدى الحوادث التي هزّت الإمام الحسين عليه السلام، وقد رفع عندها يده إلى السماء، كانت شهادة الطفل الرضيع، حادثة هزّت الإمام واقعاً، فبعد أن ذُبح هذا الطفل وهو في حضن أبيه بسهم حرملة، وتدفّقت الدماء من نحره، وضع عليه السلام كفّيه تحت هذه الدماء ورمى بها نحو السماء1 داعياً بهذا الدعاء: "ربّ إن تكن حبست عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا2 واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل"3. 



1 مقتل الحسين, المقرّم, ص285.
2 الإرشاد, ج2, ص108, الكامل في التاريخ, ج4, ص75.
3 مقتل الحسين, المقرّم, ص286.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

105

الصبر

 هذا يشير إلى أنّ هذه الحادثة كان لها أثرها العميق والبالغ على الإمام عليه السلام حتّى يناجي ربّه بهذه الكلمات.

 
فلننظر، أيّة حالات، ولطائف روحيّة كانت للإمام عليه السلام، وبالتالي أي توجّه كان له إلى الله المتعال. أي أنّه تكلّم مع الله وناجاه - في هذا الوضع - بدل السلوك الغاضب والحسرة والانقباض. هذا درس لكلّ المسلمين ولأتباع الحسين بن عليّ عليهما السلام1.
 
صبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام واحتسابُه
فيما يتعلّق بالإمام الحسين عليه السلام وبقيّة الأئمّةعليهم السلام، أحياناً نقرأ ماذا فعلوا: "صبرت واحتسبت"2. وفي مكان آخر يقولون: "صبراً واحتساباً"3. "الاحتساب يعني كنت في جنب الله. قلت: إلهي! أنا أقوم في سبيلك ولأجلك"4
 
صبر الإمام الحسين عليه السلام وثماره
لدينا الكثير من الثورات، لكن ثورة الإمام الحسين عليه السلام مع كلّ هذه الخصوصيّات لا نظير لها. كانت سلطة الباطل تتّسع وتتزايد بوقاحة وقسوة شديدة، ولم يبق مجال لأيّ أمر بمعروف ونهي عن منكر، وكان جوّ الرعب طاغياً إلى الحدّ الذي جعل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ينأون بأنفسهم عن مواضع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.



1 في خطبة صلاة الجمعة, طهران 23/12/1379ش- 14/3/2001 م.
2 مصباح المتهجّد, ص745, بحار الأنوار, ج97, ص265.
3 الهداية الكبرى, ص204.
4 في لقاء مساعدي وزارة الأمن, 23/12/1379ش- 14/3/2001 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

106

الصبر

 في ظلّ هذه الأوضاع قام الإمام الحسين عليه السلام بالعمل ذاته الذي كان قد قام به النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم المباهلة مع نصارى نجران، حيث ذكر القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾1، كذلك لقد أتى الإمام الحسين عليه السلام بأغلى وأعزّ ما لديه إلى الميدان للدفاع عن الحقيقة والقيام لله، وقد صبر بعد ذلك. وإنّ صبر الإمام الحسين عليه السلام هذا هو على قدر كبير من الأهمّيّة.

 
نحن أصلاً لا نفهم معنى "الصبر". الصبر إنّما يُمكن أن يفهم في موقع الصبر وظرفه. كثيراً ما كان يأتي إلى الإمام الحسين عليه السلام من الكبار والمحدّثين والشخصيّات البارزة والمعروفة وأصحاب الجاه والعقلاء والمحبّين وأنصاف المحبّين الذين كانوا يقولون له: "أيّها السيّد! إنّك تقوم بعمل لا فائدة منه، أنت تقوم بإهلاك نفسك وعائلتك وآل بيت الرسول بهذا العمل، وتذلّ أهل الحقّ!"، كانوا يتحدّثون بمثل هذا الكلام2. ومنذ البداية وما إن علم بعضهم أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان قد عزم على المسير من مكّة، حتّى بدأت هذه الموانع الأخلاقيّة المتعدّدة تظهر أمامه، واستمرّت حتّى ليلة عاشوراء. لقد صبر الإمام الحسين عليه السلام أمام مثل هذه الحوادث، ذلك هو الصبر الذي تحدّثنا عنه. وكذلك قد صبر الإمام ( الخمينيّ) رضوان الله عليه. ففي مرحلة النهضة والثورة، كثيراً ما قيل له: "أيّها السيّد! هذه الشباب تزهق أرواحها، يُقتلون بهذه الطريقة، 



1 سورة آل عمران, الآية:61.
2 أنساب الأشراف,ج3, ص163, الأخبار الطوال, ص228-229, مروج الذهب, ج3, ص56, الأمالي, الصدوق, ص218-219, الإرشاد, ج2, ص34-35, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص208-211, إعلام الورى, ج1, ص446, الخرائج والجرائح, ج1, ص253-254, الكامل في التاريخ, ج4, ص37, بحار الأنوار, ج44, ص375.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

107

الصبر

 تخرّب البلاد!"، لكن الإمام رضوان الله عليه صبر. الصبر في مقابل نصائح الجاهلين قصيري النظر، أمر بالغ العظمة.

 
يحتاج الصبر إلى الكثير من القدرة. فالصبر ليس دائماً على الضغوط والمصائب الجسميّة. الصبر أيضاً في مقابل ضغوط المصالح والمنافع، وعدم التخلّي عن الطريق البيّن والواضح، هو ذلك الصبر العظيم والجميل الذي تحمّله أبو عبد الله الحسين عليه السلام. ثمّ في يوم عاشوراء، صبر الإمام عليه السلام مرّة أخرى أمام ذلك الوضع المفجع، إذ قطّعت أجساد كلّ واحد من أصحابه وأهل بيته إرباً إرباً. لم يكن الأمر مجرّد سقوط قذيفة قتلت عدداً من النّاس، لا. فكلّ واحد كان يُقتل من أصحابه وأهل بيته كان بمثابة قطعة تنفصل من بدنه الشريف، وكان يصبر على كلّ ذلك كله. وقد شرب جرعات الصبر هذه كلّها واحدة تلو الأخرى، والنتيجة كانت معروفة، أنّ تلك القيم التي أراد الإمام الحسين عليه السلام بقاءها - القرآن، واسم الاسلام، والقيم الإسلاميّة وحديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم- قد بقيت. وبقي، في دائرة أضيق وأهمّ، التشيّع الذي هو مذهب أهل البيت عليهم السلام.
 
... فلو أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يقم بهذا العمل، فلن تمضي برهة وجيزة حتّى يذهب الإسلام من أساسه. كان الإمام الحسين عليه السلام - في الواقع - بمثابة ذلك الوتد العظيم الذي حفظ بدمائه هذه الخيمة المضروبة بالطوفان. وليس هذا أكبر ملحمة في تاريخ الإسلام وحسب، بل أكبر ملحمة في التاريخ قاطبة. ينبغي أن يُحفظ ذلك ويبقى حيّاً، وينبغي على الدوام الاستفادة منه كمفتاح حلّ للعقد والمعضلات في تاريخ المسلمين1



1 في نهاية درس البحث الخارج، 21/12/1380ش- 12/3/2002 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

108

الصبر

 الصبر والشكر عند الإمام عليه السلام وأهل بيته

إنّ الحياة الكريمة لا بدّ وأن يكتنفها الكثير من المصائب، وقد كانت ساحة الطّفّ الحسيني بذاتها مسرحاً لمصائب شتّى. وإنّه لأمر مدهش حقّاً، كيف أنّ الله عزّ وجلّ جعل ساحة عاشوراء الحسين عليه السلام مسرحاً لمجموعة من المصائب الكبرى، بحيث تمكّن أشخاص عظماء وعلى رأسهم أبو عبد الله الحسين عليه السلام من تحمّل هذه المصائب الكبرى بإباء وشموخ وصبر وشكر. في الحقيقة، إنّ كلّاً من طرفي القضيّة كان أمراً فريداً من نوعه على امتداد تاريخ البشريّة، ففي (الأوّل) لم تشهد الإنسانيّة على مدى حياتها واقعة تجسّدت فيها كلّ هذه المصائب مجتمعة وبهذا القدر من الشدّة والتنوّع، خلال برهة زمنيّة لم تستمرّ لأكثر من فترة الصباح حتّى العصر، وكذا (في الثاني)، فالصبر الذي قوبلت به تلك المصائب كان فريداً من نوعه أيضاً.

(لقد تجلّت في تلك الواقعة) ألوان الظلم والقتل ومشاعر الغربة والعطش، وكذا الآلام التي يكابدها الإنسان في سبيل عائلته، والقلق الذي ينتابه من المستقبل الآتي، وما تلاه من فقد أعزّ الأنفس في عالم الوجود - أيّ الحسين بن عليّ وأهل بيته وأبنائه وأصحابه عليهم السلام - ثمّ الأسر والسبي على يد أراذل بعيدين عن قيم الشرف، إذ إنّ السبي على يد أناسٍ أشراف يُهوّن من وقع المصيبة، ولكنّهم سُبوا على يد أناس عديمي الشرف، أصلاً هم ليسوا أناساً، كانوا ذوي طباع حيوانيّة متوحّشة. وبعد تلك المصيبة المتواصلة من الصباح حتّى المساء، مُني أهلُ بيت الإمام الحسين عليه السلام بمصيبة السبي التي ألقت بثقلها على كاهل الإمام السجّاد عليه السلام - مقام
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

109

الصبر

 الإمامة - وعلى العقيلة زينب - وهي تالية تلو مقام الإمامة - ثمّ على النساء والأطفال الذين لم يكن لديهم - حسب الظاهر- مقامات معنويّة عالية من قبيل الولاية والإمامة، إلّا أنّهم تحمّلوا مرارة المصيبة. وهذا هو السرّ العظيم الذي خلّد واقعة عاشوراء1.

 
صبر زينب الكبرى عليها السلام واستقامتها
في عاشوراء الحسين عليه السلام، بعد أن قتل شباب بني هاشم وقطّعت أجسادهم إرباً إرباً، وبعد أن تحمّلت زينب أخت الحسين عليهما السلام ومرآة الحسين كلّ تلك الآلام والحرقات في عين الله، وفي اللحظات الأخيرة تقدّمت إلى المقتل، وجدت جسد الحسين المجروح والمدمّى والمقطّع، وضعت يديها تحت جسده الشريف وقالت: "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان"2. 3
 
تحمّل أقسى أنواع الأسر والسبي
إنّ الذين سُبوا (في واقعة عاشوراء) كانوا من أهل بيت الوحي والنبوّة وهم أشرف النّاس وأكرمهم في تاريخ الإسلام. فقد داروا بنسوة سبايا في الأزقّة والأسواق، ولهنّ من الشأن والشرف ما لا نظير له في المجتمع الإسلاميّ آنذاك. والذين سبوهم هم أولئك الذين لم يشمّوا رائحة الإسلام، ولم تكن لهم أيّة علاقة بالإسلام، وكانوا من أخبث وأنجس البشر في زمانهم. 
 
في يوم الحادي عشر من المحرّم4 وقع آل بيت النبيّ وآل عليّ بن أبي طالب عليهم صلوات الله في الأسر، وستبقى هذه الذكرى 



1 في لقاء جمع من عائلات الأسرى والمفقودين خلال الحرب المفروضة, 31/2/1376ش- 21/5/1998م.
2 مقتل الحسين, المقرّم, ص322.
3 كلمته في 17/6/1359ش- 8/9/1981 م.
4 أنساب الأشراف, ج3, ص206, الإرشاد, ج2, ص114, بحار الأنوار, ج45, ص107.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

110

الصبر

 واحدةً من أقسى الذكريات مرارة وأشدّها بالنسبة إلينا حتّى هذا اليوم وإلى آخر العمر، وسوف تبقى كذلك. 

 
بالطبع هناك فرق بين أسر ذلك اليوم وأسر هذا اليوم، فأسرى اليوم، من الجنديّ والضابط والمقاتل أو حتّى المدنيّ - عندما يكون القائم على الأسر نظاماً بائساً كالنظام البعثيّ - يبقون مدّة في الأسر بعيداً عن ذويهم وأهليهم. وأنّه لأمر شاقّ، إلّا أنّ الفرق بينه وبين أسر ذلك اليوم كالفرق بين السماء والأرض. كان الأسر في اليوم الحادي عشر من المحرّم أسراً جماعيّاً للنساء والأطفال ومن تبقّى من الرجال، وكان مصحوباً بالتحقير والتجويع والإهانة والبرد والحرّ والدوران في الأزقّة والأسواق وفي أشدّ الظروف قساوة وما إلى ذلك1.2
 
الصبر والبصيرة
لقد تحدّثت مراراً خلال كلّ من هذه السنن عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: "ولا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر"3.
 
لا يستطيع أن يحمل هذا العلم ويرفعه عالياً - علم الإنسانيّة، التوحيد، الصبر - إلّا من تتوفّر فيه هاتان الخصوصيّتان، "البصر والصبر"، البصيرة والاستقامة. والإمام الحسين عليه السلام مظهر البصيرة والاستقامة4.



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص349, الفتوح, ج5, ص120, الأمالي, الصدوق, ص320, اللهوف, ص101-102, بحار الأنوار, ج45, ص154.
2 في لقاء حشود كبيرة من عائلات الأسرى والمفقودين من مدن كرج طهران رامين قم كاشان زنجان أهواز, 23/5/1368ش- 14/8/1990 م.
3 نهج البلاغة, خطبة 173.
4 في لقاء حشد من مختلف أطياف الشعب, قم, 19/10/1386ش- 9/1/2008 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

111

التضحية والفداء

 الإمام الحسين عليه السلام ملهم الفداء

إنّ الإمام الحسين عليه السلام إضافة إلى أنّه ابن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإمامنا، فهو ملهم حركتنا الثوريّة هذه، هو ملهم التضحيّة لشبابنا وأبنائنا وهو من علّمهم الشهادة أيضاً، هذه الشهادة التي كانت هي الضامنة لانتصار الإسلام والمسلمين1.
 
تضحية أبي عبد الله عليه السلام لأجل بقاء الحقّ
في ذلك اليوم، عندما أخذ الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام بيد أعزّ أعزّائه وقادهم نحو ميدان الخطر، تعجّب كثيرون، ولامه كثيرون وحاول كثيرون منعه2 من ذلك، لكنّ هؤلاء لم يكونوا يدركون أنّه لولا قيامه عليه السلام بهذا العمل العظيم، لم يبق الحقّ حيّاً في الدنيا، لقد ضحّى عليه السلام ليبقى الدّين3



1 في خطبة صلاة الجمعة، طهران، 15/3/1360ش- 5/6/1982 م.
2 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص444-447, أنساب الأشراف, ج3, ص163, الأخبار الطوال, ص228-229, تاريخ الطبريّ, ج4, ص253, و 286-287, الفتوح, ج5, ص16-17, و70و99, العقد الفريد, ج5, ص123, مروج الذهب, ج3, ص67, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص56 و60, دلائل الإمامة, ص182, الإرشاد, ج2, ص71-72, إعلام الورى, ج1, ص459, الثاقب, ص340-341, مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج1, ص271-273, تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص201-202, وج65, ص127, الخرائج, ج1, ص253-254, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص248, الكامل في التاريخ, جزء 4, ص50, مثير الأحزان, ص17, تذكرة الخواص, ص227, اللهوف, ص40, تهذيب الكمال, ج6, ص421, بحار الأنوار, ج44, ص364.
3 في لقاء وجمع من عوائل الشهداء، مصلّى أراك، 24/8/1379ش- 15/11/2001 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

112

التضحية والفداء

 في ظروف كهذه، قام الإمام الحسين عليه السلام بالعمل ذاته الذي قام به النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم المباهلة مع نصارى نجران - حيث أخذ معه - حسب نقل القرآن1: أبناءه، نساءه ونفسه. لقد أخذ الإمام الحسين عليه السلام أعزّ ما لديه وكلّ ما لديه معه إلى المعركة من أجل الدفاع عن الحقيقة والقيام لله.

 
التضحية لأجل الدّين، رسالة الإمام الحسين عليه السلام الخالدة
كان انتصار الإمام الحسين عليه السلام ببقاء رسالته على مدى التاريخ. وكانت رسالته أنّه أظهر للمسلمين وللشعوب المسلمة أنّه كلّما تعرّض أساس هذا الدّين للخطر، أصبحَتِ الحركة القويّة والشاملة والتضحويّة أمراً لازماً ومطلوباً، حتّى لو اقتضى الأمر الحركة الاستشهاديّة، وهذا ما أظهره الإمام عليه السلام نفسه. كانت هذه هي الأجواء السائدة ذلك اليوم، وكان هذا هو خطاب الإمام الحسين عليه السلام ورسالته ومفهوم حركته2.
 
أكبر الدروس التي قدّمها لنا شهر المحرّم
شهر المحرّم هو من عرّفنا على شخص بعظمة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، صاحب النفس العزيزة، ذلك الإنسان الذي وُجدَت الدنيا بتمامها ببركته، هذا الإنسان بتلك العظمة وتلك البركات الكبرى، أخذ معه أفضل أهل زمانه: حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وبقيّة شهداء كربلاء، ومعهم أبناؤه وأعدّ نفسه وكلّ هؤلاء للتضحية. وأكثر من ذلك فهو أحضر نساءه وبناته وحرم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتُسبى كما تُسبى نساء الكفّار 



1 الآية: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾, آل عمران, 61.
2 في لقاء حشد كبير من عناصر الحرس الثوريّ, 10/7/1363ش- 2/10/1985 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

113

التضحية والفداء

 والغرباء، ويُدار بهنّ من بلد إلى بلد1.

 
كان الإمام الحسين عليه السلام يرى ذلك بوضوح في مرآة قلبه المشعّ بالضّياء وهو يعلم أنّه سيحدث ذلك2، ومع ذلك أخذهم معه جميعاً إلى مصارعهم، حتّى الإمام السجّاد عليه السلام أخذه معه بيد أنّ الله تعالى قد ادّخر الإمام السجّاد عليه السلام للإمامة - أصبح هذا درساً - هذا هو الدرس الأوّل. وهو أكبر درس من دروس شهر المحرّم، أنّ على كلّ إنسان مؤمن بالله والإسلام أن يعرف تكليفه ووظيفته.
 
وعندما تدعو الحاجة إلى الدفاع عن الإسلام، يجب إعداد الأنفس للتضحية والقربان وترخص حتّى أعزّ الأرواح والأنفس3.
 
التضحية والجهاد، ضروريّان لحفظ الإسلام
لا شيء يتحقّق في الدنيا بدون تضحية، بدون جهاد، بدون تعب وألم، حتّى لو كان صغيراً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالنتائج الأخرويّة تحتاج إلى تعب وجهد، وكذلك النتائج الدنيويّة. من الطبيعي أنّه سيكون أمامنا على هذا الطريق وبإزاء هذه النتائج تعب ونصب، وآلام وشدائد وخسارات. ففي طريق الإسلام تُبذل النفوس العزيزة، فمئات الشباب عندنا ليسوا بشيء أمام عليّ الأكبر، والآلاف، بل الملايين من النّاس لا يضاهون سيّد الشهداء عليه السلام، ولولا أنّ الإمام الحسين عليه السلام جاهد وضحّى لما بقي الإسلام طوال هذه القرون الأربعة عشر، وعليكم أن تقدّروا هذا جيّداً، قدّروا تضحيات الإمام الحسين عليه السلام، مع كلّ ما لتلك الذات الشريفة



1 الفتوح، ج5، ص120 و 127, اللهوف، ص84 و 59، 100, بحار الأنوار، ج5، ص107-124.
2 الفتوح، ج5، ص84, دلائل الإمامة، ص182, بحار الأنوار، ج42، ص364.
3 في جمع من مجاهدي فيلق النجف الأشرف، 24/5/1367ش- 15/8/1989 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

114

التضحية والفداء

 والمقدّسة وذلك الجوهر الثمين من قيم، أتدرون أنّه قد بذل لنا ذلك الجوهر الثمين ليبقى الإسلام خلال 14 قرناً1.

 
التضحية، من لوازم اتّباع الإمام الحسين عليه السلام
أيّها الإخوة، لو أنّنا نُقتل اليوم، أو نُشلّ، أو يُقتل منّا اثنان أو ثلاثة من البيت الواحد نفسه، أو عانينا من قلّة الإمكانات في الجبهة، إنّ أيّة مصيبة قد تصيبنا اليوم2، فكلّ ذلك سيكون أقلّ بكثير من مصيبة الحسين بن عليّ عليهما السلام.
 
لقد تحمّل الإمام عليه السلام أكبر المصائب حتّى يعلّمنا أن نتحمّل المصائب في سبيل الله. هذا هو الدرس! أي نقول: إنّ عمل الحسين بن عليّ عليهما السلام كان درساً..
 
أنّ، شخصٌ يأتي ويقول: أنا مسلم، ومن أتباع الحسين عليه السلام، فهذه هي المعركة وهذا هو الميدان! هذا هو معنى الاتّباع! وإلّا فأنْ أجلس أنا هناك وقائدي ومقتداي يتقدّم ويقوم بعمل ليبيّن لي ما ينبغي القيام به، فأقول له: أنا مطيع لكم، ومريد لكم، موافق لكم، لكن هذا العمل الذي قمتم به أنا لا أقوم به! فهذا ليس من الإمامة! وليس اتّباعاً. لقد ضحّى الحسين عليه السلام بنفسه من أجل الدّين، ذلك النوع من التضحية وتقديم الفداء! فكيف يكون شخص من أتباع الحسين عليه السلام ولكنّه ليس مستعدّاً للتضحية؟! ليست التضحية في هذا العصر وفي كلّ العصور بعظمة وشدّة مصيبة أبي عبد الله عليه السلام ولن تكون3.



1 في خطبة صلاة الجمعة، طهران، 4/7/1365ش - 26/9/1987 م.
2 بالإشارة إلى سنوات الدفاع المقدّس والحرب المفروضة 80 - 88 -.
3 في حشد من فيلق "فتح 48" 27/5/1367ش - 18/8/1989 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

115

التضحية والفداء

 المسلم الواقعيّ (الحقيقيّ)

يقدّم شهر المحرّم لمن يريد أن يتعرّف إليه أشياء عديدة. فهو أوّلاً، يظهر لجميع مسلمي العالم والذين استطاعوا أن يفهموا درس المحرّم أنّه على الإنسان مهما كان شأنه ومقامه، أن يسترخص بذل روحه في سبيل الدفاع عن القرآن والإسلام. هناك أناس يدّعون أنّهم أتباع الإسلام، لكنّهم ليسوا على استعداد لتلقّي صفعة واحدة في سبيل الدفاع عن الإسلام، وليسوا على استعداد للتخلّي عن مصالحهم الشخصيّة للدفاع عن القرآن، هؤلاء لا يمكنهم الادّعاء بأنّهم مسلمون حقيقيّون1.
 
ضرورة التضحية للدفاع عن الدّين في أحلك الظروف
قَدِم الإمام الحسين عليه السلام مع أصحابه وأهل بيته إلى العراق للدفاع عن الإسلام والدّين، واتّجهوا ناحية الكوفة، واستقرّوا في منطقة يقال لها كربلاء2
 
كان هدف الإمام الحسين عليه السلام هو تشكيل الحكومة الإسلاميّة، كان يريد أن يعيد الإسلام الذي انحرف عن مساره إلى جادّته الأساسيّة، هذا هو الهدف.
 
فالحسين عليه السلام يعلم جيّداً أنّه سيواجهه في طريق هذا الهدف، كلّ تلك الأخطار الكبرى، وهو على يقين أنّ الشهادة في سبيل الله تعالى لا تنتظره لوحده وحسب، إنّما هي مصير حتميّ لكلّ أصحابه وعائلته وأقربائه، ومع ذلك فقد أقدم وهذا هو الدرس، هو أحد الدروس الكبرى التي تُستفاد من عاشوراء.



1 في حشد من مقاتلي فيلق النجف الأشرف 24/5/1367ش- 15/8/1989 م.
2 الأخبار الطوال، ص252, النهوض، ص49, بحار الأنوار، ج44، ص381.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

116

التضحية والفداء

 الإمام الحسين عليه السلام إمامنا، يعني بما أنّنا شيعة الحسين بن عليّ عليهما السلام يجب أن نعتبر أنفسنا مكلّفين باتّباع هذا العظيم.

 
أحد دروس عاشوراء هو أنّه كلّما شعر الإنسان أنّ الإسلام في خطر وكلّما شعر أنّ العدوّ قد رسم مشروعاً خطيراً للقضاء على الإسلام، يجب عليه النزول إلى الميدان وأن يعدّ نفسه لتحمّل هذا الخطر. مهما كان هذا الخطر، حتّى لو بلغ حدّ القتل! فهذا القتل شهادة في سبيل الله وفخر، وهو مصدر العزّة والسعادة1.
 
رسالة الشهيد: ضرورة التضحية في سبيل الأهداف الإلهيّة
الرسالة التي كان يحملها هؤلاء الشهداء ويفترض بنا استلهامها منهم، هي أنّ من يبتغي مرضاة الله، ويطمح لأن يكون وجوده نافعاً في سبيل الله وعلى طريق تحقيق الغايات الإلهيّة السامية في عالم الوجود، فعليه أن ينكر ذاته في مقابل الأهداف الإلهيّة. وليس هذا من نوع التكليف الذي لا يُطاق. فأيّما فئةٍ مؤمنة تمسّكت بهذه السمة انتصرت كلمة الله، وحيثما ارتعدت فرائص المؤمنين، كانت الغلبة - بلا جدال - لكلمة الباطل2.
 
المباهلة العمليّة للإمام الحسين عليه السلام في كربلاء
يوم المباهلة هو اليوم الذي جاء فيه رسول الإسلام الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأعزّ النّاس لديه إلى الساحة. النقطة المهمّة في المباهلة هي: ﴿وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾3. حيث اختار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أعزّ النّاس




1 في حشد من لواء فتح 48-، 27/5/1376ش - 18/8/1998 م.
2 في لقاء أسر الشهداء القادة في محافظة طهران, 17/2/1376ش- 7/5/1998 م.
3 سورة آل عمران, الآية: 61.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

117

التضحية والفداء

 لديه وجاء بهم إلى الساحة للمحاجّة التي يُراد فيها أن يظهر المائز بين الحقّ والباطل والشاخص البيّن أمام أنظار الجميع.

 
لم يسبق أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في سبيل تبليغ الدّين وبيان الحقيقة، أعزّاءه وأبناءه وابنته وأمير المؤمنين1 - وهو أخوه وخليفته2 - عليهم السلام وأتى بهم إلى وسط الساحة. هذا هو الطابع الاستثنائيّ ليوم المباهلة، أي ما يدلّ على مدى أهمّيّة بيان الحقيقة وإبلاغها. يأتي بهم إلى الساحة ليقول: تعالوا نبتهل فمن كان على حقّ يبقَ، وليحلّ العذاب الإلهيّ بمن هو على خلاف الحقّ.
 
وقد حصل نظير هذه القضيّة أيضاً في شهر محرّم بشكل عمليّ، بمعنى أنّ الإمام الحسين عليه السلام أحضر، من أجل بيان الحقيقة والتنوير على طول التاريخ، أعزّ أعزّائه إلى الساحة. والإمام الحسين عليه السلام الذي كان يعلم كيف ستنتهي الواقعة، أخذ زينب وأخذ زوجاته وأبناءه وإخوته3 الأعزّاء4
 
هنا أيضاً كانت القضيّة قضيّة تبليغ الدّين، التبليغ بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، إيصال الرسالة، وتنوير الأجواء، هكذا يمكن فهم أبعاد قضيّة التبليغ ومدى أهمّيّتها. في تلك الخطبة: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله.. ولم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن



1 تفسير فرات الكوفيّ, ص88-89, الكامل في التاريخ, ج2, ص293, بحار الأنوار, ج21, ص345-346.
2 الأمالي, الصدوق, ص678-679, تاريخ مدينة دمشق, ج42, ص42-43, بحار الأنوار, ج23, ص320.
3 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص451, الأخبار الطوال, ص228, إعلام الورى, ج1, ص435, بحار الأنوار, ج44, ص326.
4 في لقاء جمع من العلماء والمبلّغين, 5/11/1384ش- 25/12/2005 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

118

التضحية والفداء

 يدخله مدخله"1، أي حينما يلوّث (السلطانُ) الأجواء بهذا الشكل وحينما يخرِّب بهذا الشكل، يجب النزول إلى الساحة والقيام بالتوعية إمّا بالفعل أو بالقول. وقد قام الإمام الحسين عليه السلام بهذه المهمّة وبهذه التكاليف الباهظة، فأخذ معه إلى وسط الميدان عياله، وزوجاته، وأعزّاءه، وأبناء أمير المؤمنين عليه السلام، وزينب الكبرى عليها السلام2.

 
كانت عاقبة هذا الطريق متوقّعة وواضحة بناء لحسابات الإمام الحسين عليه السلام الدقيقة ورؤية الإمامة، إلّا أنّ المسألة على قدر كبير من الأهمّيّة من هذا الجانب، وهو أنَّ شخصاً يمتلك روحاً بعظمة روح الإمام الحسين عليه السلام يقف في مواجهة هذه القضيّة، عليه التضحية بالنفس مخلصاً، وجرّها إلى ساحة الحرب، وهذا يعتبر درساً عمليّاً بالنسبة إلى المسلمين إلى يوم القيامة، وليس درساً نظريّاً يُكتب ثمّ يُمحى3.
 
التضحية الاستثنائيّة
اختيار الزمان، (أي) في أيّ زمان يكون الفداء والتضحية؟ وأين، وفي أيّ ميدان؟ هذا مهمّ جدّاً. لقد اختار الحسين بن عليّ عليهما السلام الزمان بدقّة، فتحرّك عند الحدّ الذي فيه موت الإسلام وحياته. فإلى هذا الجانب كان موت الإسلام، وفي الجانب الآخر كانت حياة الإسلام، والإمام الحسين عليه السلام بحركته، أبقى الإسلام حيّاً. هذه هي المسألة، وهي أنّه من أجل بقاء الإسلام حيّاً، يستفيد الإنسان من الإمكانات كلّها في سبيل التضحية، من أجل التضحية والفداء في حدّه الأعلى. لو أنّ الإمام 



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص304.
2 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص451, الأخبار الطوال, ص228, إعلام الورى, ج1, ص435, بحار الأنوار, ج44, ص326.
3 في لقاء العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم الحرام, 5/11/1384ش- 25/1/2006 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

119

التضحية والفداء

 الحسين عليه السلام في ذلك اليوم لم يقم في وجه يزيد لن تكون النتيجة أنّ الإسلام سينقص منه شيء أو سيبُتلى بالانحراف وحسب، إنّما كانت المسألة أنّه لن يبقى من الإسلام شيء. وقف الإمام الحسين عليه السلام كوليّ في مواجهة هذه الحركة التي كانت بدأت من قبل جهاز السلطة آنذاك للقضاء على الإسلام. ذلك الأمر الذي أدّى به إلى التضحية والفداء. وقف ولم يتراجع، وجعل نفسه المدافع عن الإسلام في وجه المصاعب والابتلاءات التي تواجهه، فكان - من جهة طبيعة التضحية - استثنائيّاً وكبيراً، ومن حيث المصيبة فريداً، وردّة الفعل التي تركها في ذاكرة ذلك اليوم وذاكرة الغد على مرّ التاريخ، قد أحيت الإسلام. في الحقيقة هذا هو المعنى الصحيح في الحديث المرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم "حسين منّي وأنا من حسين"1. وأنّ مضمون هذا الحديث بالنسبة إليَّ واضح وضوح الشمس. فمن الواضح أنّ: عظمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وبقاء دينه وبقاء جهوده، وعدم ضياع منجزاته وتضحياته، لم تكن إلّا بالحسين بن عليّ عليهما السلام، أي بذلك العمل الذي قام به الحسين عليه السلام. إنّ مصيبته ونوع مصيبته لا مثيل لهما... فشهادة الإمام الحسين وكربلاء ذلك اليوم مختلفة عن الكربلاءات الأخرى من الأرض إلى السماء، مختلفة عن شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، شهادة الإمام الحسن عليه السلام ومختلفة عن بقيّة الشهادات. حيث قالوا عليهم السلام "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله الحسين"2. فلا يوم كيوم عاشوراء، حصار مطلق، غربة مطلقة بالنسبة إلى المقاتلين، مع أنّ كلّها ذخائر الإيمان الحقيقيّ كانت تُسرع لتساعد ذلك الشخص ولتشارك في الفداء. وهو نفسه قال في ليلة عاشوراء: "ما وجدت أصحاباً أوفى وأبرّ من أصحابي"3




1 مسند أحمد، ج4، ص172, الإرشاد، ج2، ص127, بحار الأنوار، ج43، ص271.
2 مناقب آل أبي طالب، ج3، ص238, بحار الأنوار، ج45، ص218.
3 تاريخ الطبريّ، ج4، ص317, الإرشاد، ج2، ص91, بحار الأنوار، ج44، ص315-316.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

120

التضحية والفداء

 التضحية في ظروف صعبة جدّاً واستثنائيّة

لم تكن شهادة الحسين بن عليّ عليهما السلام شهادة عاديّة. فأمير المؤمنين عليه السلام قُتل في سبيل الله، الإمام الحسن عليه السلام كذلك، والكثير من أنبياء اللهعليهم السلام وأئمّة الهدى: استشهد الكثير من الأولياء الكبار والأصحاب الأخلّاء في سبيل الله. ففي معركة أحد1 استشهد الكثيرون، وفي معركة بدر2 وبقيّة الغزوات. في ذلك العصر حصلت شهادات كثيرة في عالم الإسلام، إلّا أنّها اختلفت كثيراً عن شهادة الحسين بن عليّ عليه السلام، لقد كانت شهادة صعبة وقاسية وفي منتهى الغربة!
 
يقف المجاهد في المعركة - العاديّة - بكلّ ثقة وحماس مع ما لديه من إمكانات في مواجهة عدوّ أمامه، ولديه أمل بالنصر والتوفيق في إنجاز هدفه، ليس لديه خوف على العيال والأولاد، فهناك من يرعى شؤونهم إذا احتاجوا إلى الطعام وإلى أيّ شيء في حياتهم، ثمّ لو جرح هناك من يداويه ويسهر على جراحه من الممرّضين والأطبّاء، ولو استُشهد فهناك من يشيّعه ويحمله على الأكفّ بعزّة وافتخار، فالحمزة مثلاً استُشهد، لكنّه يعرف أنّ رسول الله سيجلّله ويقدّره، وهكذا حصل. فقد خيّم العزاء على المدينة كلّها عند استشهاد حمزة3، كشهدائنا الحاليّين4 في مدننا وقرانا، عندما يُستشهد أحد القادة في أيّ مدينة تخيّم حالة واحدة من الحماسة والاندفاع على المدينة. وهذا النحو من تقبّل الخطر يختلف كثيراً عن شخص في صحراء ملتهبة وحيداً غريباً، ولا يوجد في العالم 



1 أنساب الأشراف، ج4، ص328-334, بحار الأنوار، ج19، ص260.
2 دلائل النبوّة، البيهقيّ، ج3، ص123, بحار الأنوار، ج19، ص260.
3 أنساب الأشراف، ج4، ص287-289, إعلام الورى، ج1، ص183, بحار الأنوار، ج79، ص105.
4 شهداء الدفاع المقدّس خلال الحرب المفروضة على الجمهوريّة الإسلاميّة 1981 م-1988 م- .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

121

التضحية والفداء

 الإسلاميّ كلّه أحد أو قوّة أو جماعة تقف خلفه، والذين كانوا إلى جانبه لم تكن لديهم القدرة على التنفّس، ليس هو وحسب، بل كلّ أبنائه، حتّى مع ابنه ذي الأشهر الستّة. ولم يحصل ذلك أيضاً مع وجود إمكانات متاحة له، بل مع انعدام كلّ الإمكانات، من جوعٍ وعطش ونصب وحرٍّ كما إنّ ذلك لم يحصل له ونساؤه وأطفاله في مأمن، بل كانت النسوة والأطفال على بعد أقدامٍ فقط من ساحة الحرب، كانت بناته وأخواته وعياله تحت مرمى نيران الأعداء المجنونة الغاضبة.

 
انظروا كم كانت هذه الشهادة عظيمة! انظروا ماذا فعل الحسين عليه السلام! لقد أعدَّ نفسه لهذه المصيبة ولهذا البلاء على هذا النحو. لذا، وعندما سُمَّ الإمام الحسن عليه السلام وقف الإمام الحسين عليه السلام عند رأسه وبكى، فقال له الحسن عليه السلام: أخي! لا تبكِ! "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"1.
 
الإسلام، أعزّ من نفس الحسين عليه السلام
الإسلام أعزّ من أيّ عزيز لدينا، ولأنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام وعليّ الأكبر عليه السلام وأبا الفضل العبّاس عليه السلام هم أفضل من أبنائنا، وهم قد بذلوا أنفسهم بسخاء وطمأنينة في سبيل الإسلام، فالإسلام إذاً أعزّ من أبنائنا وشبابنا. نقدّم القرابين ليبقى الإسلام، نقدّم القرابين ليبقى شرف إسلام هذا الشعب، ولكسر سلطة المستكبرين2.
 
ببركة هذه الدماء الطاهرة، حفظ الله تعالى دينه طوال التاريخ. فـلدين الله عزّة عزيزة رفيعة. وعلينا جميعاً أن نغدو - واقعاً - قرابين لهذا الدّين



1 الهدف، ص18-19, بحار الأنوار، ج45، ص218.
2 في لقاء جمع من عوائل شهداء شيزر، 28/12/1361ش- 19/3/1983 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

122

التضحية والفداء

 وبقاء الشريعة ورفعة الإسلام. فللإسلام ذاك القدر من العزّة، حتّى يُستشهد من أجله شخص كالنبيّ أيضاً، وكالإمام الحسين عليه السلام. بالطبع هؤلاء لن يفهموا ذلك، ليس لديهم كلّ هذا الإيمان وكلّ هذا الاستعداد1.

 
أعزّاؤنا هم أعزّ ما لدينا، إلّا أنّ مبادئنا أعزّ. فقِيَم الشعب والأهداف الإسلاميّة لهذه الثورة هي أمور قد استُشهد لأجلها وفي سبيلها الحسين بن عليّ عليهما السلام. القرآن أعزّ أم الحسين عليه السلام؟ الحسين بن عليّ وجه إنسانيّ لا نظير له، ففي كلّ التاريخ منذ البداية وحتّى آخر الزمان لن نجد شخصاً كالحسين بن عليّ عليهما السلام، إلّا أنّ الإسلام أعزّ والقرآن أعزّ حتّى ينبغي أن يقتل من أجله الحسين بن عليّ عليهما السلام وأبناؤه وأصحابه، وينالوا المجد والفخر بشهادتهم (في سبيل ذلك)، فطريقٌ كهذا هو طريق الدّين والإسلام والدافع2.
 
إنّ ذلك الشيء الذي أعطاه الله في مقابل الأرواح والأنفس التي بذلها الإمام الحسين عليه السلام وشهداء صدر الإسلام وكلّ الذين ضحّوا بأنفسهم، هو أعزّ من أنفسهم. وإنّ ما افتدى الإمام الحسين عليه السلام به نفسه ليحفظه للبشريّة هو أعزّ من الحسين عليه السلام نفسه، إنّه الإسلام والقرآن اللّذان بذل الإمام الحسين عليه السلام نفسه قرباناً لهما.
 
وشهداؤنا الأعزّاء هم هكذا. ذهبوا إلّا أنّهم حفظوا الثورة وصانوا الأهداف3.



1 في لقاء عوائل شهداء مدينة الري, 9/1/1363ش- 29/3/1985 م.
2 في مراسم تكريم القوّة الجوّيّة, 9/2/1363ش- 29/4/1985 م.
3 في مراسم تكريم شهداء عمليّات بدر، 10/1/1364ش- 30/3/1986 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

123

التضحية والفداء

 الإمام الحسين عليه السلام يبذل كلّ ما لديه في سبيل الدفاع عن الدّين إنّ واقعة حركة الإمام الحسين عليه السلام وذلك الدرس الذي علّمه للنّاس منذ البداية، هما من العجائب الملهمة، وهما لا يزالان حيَّيْن ومتجدِّدَيْن. لدينا كلّ هؤلاء الشهداء، لقد سطر بلدنا، وشعبنا، ومدننا، أعظم الملاحم، إلّا أنّ حادثة كربلاء ما زالت هي الأسوة لنا، بجميع كلماتها، وينبغي علينا الآن أن نتعلّم من كلّ مقطع وكلّ تفصيل في ذلك التاريخ، وما زال لدينا الكثير لنتعلّمه ولنصل إليه. بقي الإمام الحسين عليه السلام وحيداً مع جمع من أفراد عائلته! جاء معه أبناؤه، ابنه، ابن أخيه، ابن عمّه، أبناء أخته، خاصّته وجماعة من أقرب الأصحاب إليه، وبعضهم لم يكن لديه عهد بالحرب، وشيخ كبير قضى سنوات وسنوات إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام1 شاهراً سيف2، والآن أصبح شيخاً طاعناً في السنّ قد انسدل شعر حاجبيه على عينيه. وممّن جاء أيضاً رجل آخر راوٍ للحديث3 وآخر مفسّر للقرآن تأتيه النّاس لتستفيد من علمه ومواعظه. هؤلاء الخلّص هم من كانوا أصحاب الإمام الحسين عليه السلام.

 
أولئك الـ 72 رجلاً4، وبالطبع إلى جانبهم المرأة والطفل والأخت والزوجة والبنت وحرائر الرسالة ومن أقارب الإمام الحسين عليه السلام5. لقد أخذ الإمام الحسين عليه السلام كلّ ما لديه وجعلهم معه في قبال المجرمين من أعداء الإسلام والقرآن، لأنّه يعلم أنّه بهذه التضحية 



1 رجال البرقيّ، ج1، ص4, لسان الميزان، ج2، ص173, بحار الأنوار، ج44، ص200.
2 إبصار العين, ص101, الإعلام, ج2, ص166.
3 رجال الطوسيّ، ص55.
4 الأخبار الطوال، ص256, الهداية الكبرى، ص202, بحار الأنوار، ج45، ص4. 3.
5 الأخبار الطوال، ص228, الإرشاد، ج2، ص32, بحار الأنوار، ج44، ص313.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

124

التضحية والفداء

 سينفتح الطريق. كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام حركة ملهمة، يريد أن يُذكّر كلّ العالم ويُفهم النّاس جميعاً أنّه عندما تكون الظروف على هذه الحال: يحكم الظلم، ويُهجر القرآن، ويتولّى الحكم رجال غرباء عن الدّين وعن الله ويقومون بحرف قطار الدّين المنتظم عن مساره، فعلى كلّ شخص يعتبر الإمام الحسين عليه السلام إمامَه، بل على كلّ شخص يعتبر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نبيّه، أن ينهض ويثور. لذلك ينقل الإمام عليه السلام عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان.."1.

 
(مفاد هذا الحديث) المروي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه على النّاس أن تنهض وتتحرّك. نحمد الله تعالى أنّ الإمام الحسين عليه السلام ابن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم استطاع أن ينوّر وجه الإسلام ويضيئه2.
 
تضحية الأولياء في سبيل الإسلام والأهداف
الشخص لا معنى له بحسب الرؤية الإسلاميّة، كلّ الأشخاص فداء للأهداف والمبادئ، حتّى شخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. لقد ضحّى الإمام الحسين عليه السلام بنفسه فداء لأيّ شخص؟ هل ضحّى بنفسه من أجل النّاس؟ لا، هذا خطأ، لقد ثار فداءً للدّين، وللأهداف والقيم، حتّى تبقى حيّة3.



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص304.
2 خطبة الجمعة، طهران، 5/7/1362ش- 27/9/1984 م.
3 في لقاء مدرّسي ومربّي وأساتذة وموظّفي مركزّ تربيت مدرّس" بعد عودتهم من الجبهة، 5/1/1363ش- 25/3/1985 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

125

التضحية والفداء

 ارتباط قيمة التضحية والشهادة بالأشخاص والظروف

تختلف أنواع الشهادة فيما بينها، فالشهادة في موقعها ووقتها لها قيمتها العُليا، لذلك تتميّز شهادة أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بقيمة أعلى وفضل أكبر، إلى أن نصل إلى شهادة أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فالظروف تختلف، والشهداء ليسوا دائماً مثل بعضهم، وكذلك الشهادة.
 
ففي معركة أُحد استشهد كثيرون1، لكنّ حمزة عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صار هو سيّد الشهداء. لماذا؟ لماذا كان لحمزة عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا القدر من الأهمّيّة والقيمة حتّى سمّاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد استشهاده بـ "سيّد الشهداء"؟2. 
 
من أسباب ذلك أنّ الشعوب عادةً تقدّم الشهداء من أبناء الطبقات العاديّة في المجتمع ولا تُقدِّم من النخب العلميّة، أو أصحاب العناوين والاعتبارات، غالباً ما تقلّ الشهادة بين المسؤولين والقادة من المجتمع، وهي كثيرة بين عامة النّاس، والسبب أنّ الذين هم في الطبقات العليا لم يكن باستطاعتهم أن يُظهَّروا في العمل، إلى جانب النّاس، كلّ ذلك الصدق والحميمية والصفاء والتضحية والمثل التي دعوا إليها وروّجوا لها، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يفتخر بالشهيد الذي يسقط أمام أعين المسلمين وهو من عناصر الطبقة الأولى في ذلك المجتمع. فحمزة سيّد الشهداء، هو قائد بإمكانه أن يحرّك المجتمع وأن يدير الجيوش ويمكن أن يكون مؤثّراً في مصير ذلك المجتمع. لقد شارك بنفسه في ساحة المعركة بكلّ فداء، وضع نفسه في ظروف تمكّنه من الشهادة وقد نال الشهادة3.



1 تاريخ اليعقوبيّ، ج2، ص48, بحار الأنوار، ج91، ص319.
2 المستدرك، ج3، ص195, ذخائر العقبى، ص176, بحار الأنوار، ج22، ص275.
3 في لقاء لجنة إحياء ذكرى شهداء السابع من تير وعوائل الشهداء 1/4/1363ش- 22/6/1985 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

126

التضحية والفداء

 شهادة قادة الدّين، الأداة المعنويّة للانتصار على الباطل

يدّخر الإنسان رأس المال في مكان آمن. وهذا يختلف عمّا لو فرّط به، فعندها سيفتقده، لكنّه عندما يدّخره لن يضيع من يده. لذلك ترون عظماء وشهداء ذوي شأنٍ رفيع من قبيل القادة الدّينيّين، الأنبياء، الأئمّة والأولياء، والحسين بن عليّ عليهما السلام وآخرين من الذين ينتفع الإسلام والمسلمون، بل البشريّة جمعاء، بأرواحهم وأنفسهم، ووجودهم مفيد، عندما يتهيّؤون للشهادة وللتضحية في سبيل الله فإنّهم يقدّمون هذه النفس على طبق الإخلاص ويسترخصونها في سبيل الحقّ، معنى ذلك أن ما يعود بشهادة هؤلاء على الإسلام والمسلمين بالنفع ليس بأقلّ ممّا سيعود عليهم من خلال بقائهم أحياءً، ولعلّه أكثر من ذلك. وفي عصرنا وزماننا الأمر كذلك أيضاً.

لا شيء يمكنه أن يردع أعداء الإسلام وأدواتهم المجهّزة ويجبرهم على التراجع غير قوّة الإيمان لدى الشعب المسلم. هذا هو العامل الوحيد الذي يمكن من خلاله إجبار أعداء الدّين والثورة، والذين يرفضون استقلال هذا الشعب، على التراجع، بحيث يُسقط في أيديهم. يمكن للوسائل الماديّة أن يُنافس بعضُها بعضاً، إلّا أنّه عندما يكون عنصر الإيمان وقوّة المعنويّات عند الإنسان المؤمن حاضراً، فلا يمكن لأيّة وسيلة ماديّة أن تتغلّب عليه.

فلو لم يكن الأمر كذلك، لما بقيت الحقيقة والعدالة والدّين الحقّ على طول التاريخ. انظروا كيف تمّت مواجهة طريق الحقّ وفكر الحقّ على طول التاريخ، وقف كلّ أصحاب القدرة والمستكبرين في مقابل الحقّ، ونهض كلّ الجبابرة لمواجهته واستخدموا ما حازوا عليه من قدرات ومال وذهب حتّى لا يبقى الحقّ، وليزيلوا فكر الحقّ من الدنيا. إنّ الذي ساهم في بقائه على طول التاريخ وبين النّاس وأبقاه حيّاً، هو هذا. هناك أداة ووسيلة تجعل 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

127

التضحية والفداء

 كلّ قوّة المال والذهب والسلطة والفرعونيّة والتجبّر عديمة الفعاليّة، وهذه هي قوّة الإنسان المؤمن ذاتها. عندما يقتحم الإنسان (المؤمن) ميدان العمل بالإيمان، تُعطّل الوسائل الماديّة. 

 
وإذا ما كان لهذه القوّة أن تتبلور وتتجسّم، فمن الطبيعيّ أن يقدّم عدد من النّاس أنفسهم قرابين في سبيل هذا الهدف المقدّس، وأن يصبح الأفضل والصفوة من هؤلاء قرابين على الدوام، ولقد كانت الصفوة دائماً هي الفداء لطريق الحقّ وسبيل الله.
 
وفي زمن الإمام الحسين عليه السلام، هل كان هناك شخص تحت السماء أكثر قرباً من الله وأعزّ وأكرم من الإمام عليه السلام بالمعايير الإلهيّة؟ لا أحد! دائماً ما يكون الأعزّاء هم القرابين في سبيل الله، يجعلون صدورهم دروعاً لنجاة الآخرين، مثلهم كمثل رجل قويّ في جماعة من الضعفاء فإذا ما هاجمهم العدوّ كان هو المبادر إلى الدفاع1.
 
التضحية الواعية
كان الإمام الحسين عليه السلام يرى ذلك بوضوح في صفحة قلبه المشعّة بالضّياء وهو يعلم أنّه سيحدث ذلك، هو لم يأتِ مغمض العينين، كان يعلم ماذا سيحدث في هذه الصحراء المحرقة. كان يعرف العطش والجوع، عطش الأطفال والبنات والنساء، كان يعلم أنّ العائلة ستبقى وحيدة بعد شهادة الرجال، كان يعلم أنّ هؤلاء الأعداء - عديمي الشرف ذوي الطبائع الوحشيّة - سيهجمون على الخيم بعد قتل الرجال، كان يعرف كلّ ذلك. ولكن مع ذلك كلّه فقد أقدم الإمام الحسين عليه السلام بشجاعة تامّة. ليس لأنّه لم يكن يعرف ثمّ وقع في الفخّ أو المصيدة، لا، القضيّة ليست كذلك. 



1 في لقاء لجنة إحياء ذكرى شهداء السابع من تير وعوائل الشهداء 1/4/1363ش- 22/6/1985 م. في لقاء عوائل شهداء وقادة عمليّات كربلاء، 4 و 5، 15/12/1363ش- 6/3/1985 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

128

التضحية والفداء

 كان واضحاً بالنسبة إليه ماذا سيحصل، لكن لأنّ الدفاع عن الدّين والدفاع عن القرآن وبقاء الإسلام وبقاء اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت على المحكّ على طول التاريخ، فكان عليه السلام حاضراً لتقديم هذه التضحيات كلّها1.

 
ثمن حفظ الإسلام برأي الإمام الحسين عليه السلام 
لو ضحّى الإمام الحسين عليه السلام بروحه الطاهرة المباركة الغالية - وهي أسمى الأرواح في العالم - في سبيل هذه الثورة، لما كان هذا في نظره ثمناً باهظاً. ولو تمّت التضحية بأرواح خيرة النّاس وهم أيضاً أصحاب الإمام الحسين عليه السلام لما كانت ثمناً باهظاً في نظره عليه السلام. فأَسْرُ آل الله وحُرَم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأن تغدو شخصيّة كزينب سبيّةً بأيدي الأجانب، هذا كلّه لم يكن بنظر الإمام الحسين عليه السلام ثمناً باهظاً ومرتفعاً بالنسبة إلى هذا الغرض السامي الذي يريد أن يحقّقه، وقد كان عليه السلام يعلم أنّه حينما يُقتل في تلك الصحراء فسوف يُقدم هؤلاء على أسر هذه السيّدة وهؤلاء الأطفال. الثمن الذي ندفعه يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار في ضوء ما يتحقّق مقابله للإسلام والمسلمين والأمّة الإسلاميّة وللمجتمع2.
 
التضحية هي كلمة السرّ للوصول إلى الهدف
لماذا كان على الأخ، والابن، وابن الأخ، أن يأتوا ويضعوا أنفسهم في لجّة بلاء الإمام الحسين عليه السلام، مع أنّهم كانوا على يقين بأنّهم سيُقتلون؟ هذه هي التضحية العظيمة، الكبيرة والفريدة. هذه التضحية درس لنا 



1 في حشد من فيلق "48 فتح"، 27/5/1367ش- 18/8/1989 م.
2 ي لقاء حشد من أهالي قم بمناسبة انتفاضة 19 دي, 19/10/1378ش- 8/1/2009 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

129

التضحية والفداء

 بأنّه يجب علينا أن نضحّي. فمن دون التضحية وروح الإيثار لن يتحقّق أيّ هدف، ولن تتقدّم أيّة حركة، فهذا غير ممكن!

 
وقد خاطب أمير المؤمنين عليه السلام - في زمن خلافته - بعض النّاس الذين أظهروا ضعفاً وتراخياً فقال: "ولعمري، لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدّين عمود ولا اخضرّ للإيمان عود"1. لو كنّا نعمل على النحو الذي كنتم تعملون، لما استقرَّ للدّين أساس وبناء، ولَما اخضرَّتْ أغصان هذه الشتلة. إذاً التضحية لازمة2.
 
التضحية، المفتاح لتحقّق أهداف النظام الإسلاميّ السامية
عن الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي"3. وعنه عليه السلام أنّه قال: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله"4.
 
إنّ النقطة التي تخطر ببالي حول هذين الحديثين لسيّد الشهداء عليه السلام هي أنّه يفهم من تقارنهما أنّ أهداف النظام الإسلاميّ العليا غير قابلة للتحقّق إلّا بالتضحية والاستعداد والجهوزيّة المطلقة.



1 نهج البلاغة، خطبة 56, بحار الأنوار، ج3، ص328-329, وجاء الحديث في مصادر أهل السنّة: "ولعمري لو كنّا نأتي مثل الذين أتيتم ما قام الدّين ولا عزّ الإسلام...". وقعة صفّين، ص520-521.
2 في مقر "كربلا" الأهواز، 2/6/1367ش- 24/8/1989 م.
3 بحار الأنوار، ج44، ص329.
4 اللهوف، ص38, كذلك انظر: نزهة الناظر، ص86, بحار الأنوار، ج44، ص367.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

130

التضحية والفداء

 إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام هي ثورة ملهِمة للدروس وحركة تجسّد التكليف الإسلاميّ، هذه الثورة كانت من أجل هذه المقاصد، وكان عليه السلام أيضاً قد قال في الطريق ما جاء في الجملة الثانية: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه"1، أي أنّه لا يتصورنّ أحد أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعنى الحقيقيّ وأنّ إصلاح المجتمع والمحيط وإصلاح العالم يمكن أن يتحقّق عمليّاً من دون هذه الأشياء. بذل المهجة في سبيل الله أمر لازم ومطلوب. توطين النفس على لقاء الله أمر لازم، لو خلت القلوب من هذه النيّة فمن غير الممكن أن تصل إلى شيء. 

 
وإذا ما حلَّت أهداف أخرى مكان هذه الأهداف الإلهيّة فليس بإمكان من هم في هذا السبيل وهذه الحركة الوصول إلى ذلك المقصود. هذا بالنسبة إلينا درس2.
 
نتائج التضحية، القريبة والبعيدة الأمد 
ليس من السهولة بمكان اختصار الحوادث التاريخيّة، فذلك يحتاج إلى وقت وإلى رؤية عميقة وبصيرة. فكثيراً ما يحكم الإنسان على حادثة معيّنة بنظرة سطحيّة، ولكن بمرور الزمن واتضاح جوانب القضيّة تتبدّل الأحكام. فالكثير من الحوادث على مرّ التاريخ كان على هذا النحو. ففي الشهادات الكبرى لأولياء الدّين، يكون هناك حكم معيّن على حادثة ما بالنظر إلى النتائج القريبة المدى، وبالنظر إلى النتائج البعيدة المدى - للحادثة نفسها - يكون هناك حكم آخر. يوجد أيضاً بعدٌ آخر من الحكم في باب المسائل التاريخيّة، بمعنى أنّ القضاء والحكم أحياناً قد يكون صحيحاً 



1 اللهوف، ص38, كذلك انظر: نزهة الناظر، ص86, بحار الأنوار، ج44، ص367.
2 في مؤتمر أئمّة الجمعة والجماعة لمحافظة طهران فيلق أوّل ثارالله-، 1/6/1366ش- 23/8/1988 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

131

التضحية والفداء

 وليس خطأً، ولكنْ ذلك بالالتفات إلى النتائج القريبة، أمّا بالالتفات إلى النتائج البعيدة المدى يوجد حكم آخر فيما يتعلّق بالقضيّة ذاتها.

 
عندما ننظر إلى شهادة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، فالحكم الأوّليّ والمتّصل بالأفق القصير المدى هو "فإنّ الدنيا بعدك مظلمة"1، لكنْ بالالتفات إلى النتائج البعيدة المدى لهذه الحادثة ذاتها نرى أنّه لو لم تكن هذه الشهادة، ولولا ذلك الفداء وتلك المقاومة، لأصبح العالم كلّه مظلماً بفقدان القرآن ونور الإسلام. والأمر ذاته أيضاً بالنسبة إلى حوادث زماننا الحاضر. فإذا أراد شعب أن يتعلّم من حوادث التاريخ وأن يحكم بشكل صحيح ودقيق على هذه الحوادث، ينبغي عليه النظر إلى كلا البعدين، الطويل كالمدى والقصير المدى.
 
كما إنّنا ينبغي أن نعلم أنّ الحوادث التي تقع، مهما كانت مرّة وقاسية، فإنّها عندما تكون لله، فلن يكون هناك بالنسبة إلى ضحايا تلك الحادثة سوى الفائدة والمنفعة. هذا أيضاً الوجه الآخر لهذه الصفحة، الذي ينبغي علينا الالتفات إليه2



1 مقتل الحسين عليه السلام, المقرّم, ص337.
2 بمناسبة 7 تير، في المدرسة الفيضيّة، 7/4/1364ش - 28/6/1986 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

132

طلب الشهادة

 الإمام الحسين عليه السلام ملهم طلّاب الشهادة

إنّه لسرور مضاعف لشعب إيران، لأنّ الإمام الحسين عليه السلام إضافة إلى أنّه ابن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإمامنا، هو ملهم حركتنا الثوريّة، ملهم التضحية لشبابنا وأبنائنا ومعلّمهم الشهادة أيضاً، وهذه الشهادة هي الضامنة لانتصار الإسلام1.
 
الشهادة في خطبة الإمام عليه السلام مقابل جيش الحرّ
عندما قطع الحرّ الطريق على الإمام الحسين عليه السلام وقال له: لن أدعك تمضي، أصرَّ الإمام، لكن الحرّ استمرّ أيضاً على موقفه. فقال عليه السلام: إذاً أَرْجِع. لكنّه لم يسمح له بالعودة2. وفي ذلك الموقف خطب الإمام إحدى خطبه الثوريّة، المفعمة بالحماس. توجّه الإمام عليه السلام إلى أصحابه، وهنا بالتأكيد كان أهل الكوفة يسمعون كلامه هذا. قال - بعد الحمد والثناء على الله تعالى -: "إنّه نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها"، "ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء"، لقد أدبر جمال الدنيا وحسنُها، وتغيّر حالها. ويظهر من الحديث، أنّ المتكلّم يشعر بأنّه لم يبق من عمره الكثير. لم يبق من الدنيا إلّا بقدر بقيّة ماء في 



1 في خطبة صلاة الجمعة, طهران, 15/3/1360ش- 5/6/1982 م.
2 الأخبار الطوال، ص249-250, الإرشاد، ج2، ص78-81, بحار الأنوار، ج44، ص376-378.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

133

طلب الشهادة

 كأس، أقلّ من قطرات سائلة في قعر كأس. ثمّ يقول عليه السلام: "ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟!"، هذا هو بيت القصيد ولبّ المرام لدى الإمام الحسين عليه السلام، بمعنى أنّكم ألا ترون أنّ المجتمع الإسلاميّ قد ابتعد عن ونهجه الصحيح والحقيقيّ وترون الحقّ لا يُعمل به وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ وهنا ما العمل؟ عندما يرى الإنسان أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّه يُعمل بالباطل، عندما يرى الإنسان أنّ الدنيا قد امتلأت ظلماً وجوراً، فماذا يعمل؟

 
"ليرغب المؤمن في لقاء ربّه، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً"1.
 
هذا هو الاستعداد، أي أنّ الإمام عليه السلام بعد أن تحرّك، كتب رسالة وأعلن استعداده، وقال لأهل الكوفة عبر مسلم بن عقيل: أنا حاضر ومستعدّ، فهل تقاتلون؟2. وها قد وُجد أمامه مانعٌ حال دون حركته وتوجّهه إلى الكوفة، وأنّه سيصل إلى النتيجة الثانية، شعر بأنّ النتيجة الأولى وهي الحكومة لن تتحقّق، وأنّ ما سيقع هو الشهادة ولقاء الله في هذا السبيل، وحالة المؤمن فيه أن يرغب بلقاء ربّه.
 
عندما يرى الإنسان أنّ دنيا الظلم في مواجهته، وأنّ الظالمين قد تسلّطوا على أغلب قضايا العالم، فعلى الإنسان أن يظهر استعداده لمواجهة ذلك.
 
فالشهادة لائقة بالإنسان في وضع كهذا3



1 اللهوف، ص48, بحار الأنوار، ج44، ص192, مع اختلاف يسير, تاريخ الطبريّ، ج4، ص305.
2 تاريخ الطبريّ، ج4، ص262, مناقب آل أبي طالب، ج3، ص261-262, بحار الأنوار، ج44، ص334-335.
3 كلمته في 4/8/1361ش- 26/10/1983 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

134

طلب الشهادة

 انتظار الإمام للشهادة منذ بداية حركته

كان الإمام الحسين عليه السلام منذ بداية التحرّك ينتظر هذه الحادثة. منذ أن خطى أولى خطواته، لم يتحرّك كشخص كان يتجنّب القتل والموت، بل كان يتحرّك كمن يذهب بنفسه إلى الموت، أنّه لم يرد إقامة الحكومة ولا أنّه لم يُرد أن يتسلّم الكوفة، ولا أنّه كان يقوم بنحوٍ من التمثيل. من المقطوع به أنّه عليه السلام كان يتّجه نحو استلام حكومة الكوفة، لكنّه كان أيضاً يترقّب شهادته مثلما كان يقول لمن معه: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا"1.. من كان موطّناً نفسه، لأن يلاقي الله في هذا السبيل فليرحل معنا، كان الإمام الحسين عليه السلام موطّناً نفسه على لقاء الله في هذا السبيل، كان حاضراً ومستعدّاً ويعلم أنّه سيستشهد وكان لديه أمل أيضاً أن يحقّق قبل شهادته ذلك الانتصار الكبير2.
 
الشهادة، أوّل شروط الدفاع عن القيم والأهداف الإلهيّة
يحيا الإسلام اليوم بدماء الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، وإلّا فلو أنّه عليه السلام كان قد تصرّف كبعض أولئك الذين تصرّفوا آنذاك انطلاقاً من تفكيرهم النفعيّ، وقال: لماذا يُقضى علينا؟! بل نبقى على قيد الحياة وندافع عن الإسلام.
 
كان لبعضهم مثل هذا المنطق، ولم يدركوا أنّه متى ما ركن أيّ إنسان وأيّ شعب وأيّة أمّة إلى البقاء حيًّا، فلن يعود باستطاعتهم الدفاع عن



1 اللهوف، ص38, نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص86, بحار الأنوار، ج44، ص367.
2 في خطبة صلاة الجمعة، طهران، 15/7/1362ش- 7/10/1984 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

135

طلب الشهادة

 الإسلام والقيم والله. إنّ أوّل شرط للدفاع عن الأهداف والقيم الإلهيّة هو أن لا يحرص الإنسان على البقاء على قيد الحياة. وإنّ أفضل القتل هو في هذا الطريق. كان الإمام الحسين عليه السلام يفكّر بهذا الأمر، ونحن اليوم نذرف الدموع على الإمام الحسين عليه السلام وعلى كلّ أعزّائنا، ونبكي على كلّ الشهداء وعلى شهدائنا أيضاً، لكن لا نشعر بالأسف أو الندم أو بالخسارة، فهل خسر الإمام الحسين عليه السلام برحيله عن هذا العالم؟ صحيح أنّ الإمام الحسين عليه السلام رحل عن دنيا الإسلام، لكن الإسلام الذي هو إسلام الحسين عليه السلام تحقّق على يده، هل الإسلام أعزّ أم الحسين عليه السلام؟ إنّه الإسلام1.

 
بذل النفس والمال والاستعداد للقاء الله، لوازم الثورة الاصلاحيّة
لقد كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام حركة ملهمة تقدّم الدروس وتجسّد التكليف الإسلاميّ. وكانت هذه الحركة لأجل بيان تلك المقاصد وفي سبيلها أيضاً تلك الكلمات التي قالها في الجملة الثانية: "من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه"2.
 
بمعنى أنّه لا يُتصورنّ أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون عمليّاً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة من دون هذه الأمور، فبذل المهجة أمر لازم في سبيل الله، وكذا توطين النفس على لقاء الله. فلو خلت القلوب من هذه النيّة فليس ممكناً الوصول إلى شيء. ولو أخذت أهدافٌ أخرى مكانَ هذه الأهداف الإلهيّة فمن غير الممكن أن يصل من يسير في هذا السبيل وفي هذه الحركة والنهضة إلى مبتغاه ومقصده. وهذا درس لنا3.



1 في لقاء عوائل شهداء كتيبة الحرس كتيبة قدر- 24/2/1363ش- 14/5/1985 م.
2 اللهوف، ص38, نزهة الناظر، بحار الأنوار، ج44, ص367.
3 مؤتمر أئمّة الجمعة والجماعات، محافظة طهران، فيلق أوّل ثار الله- 1/6/1366ش- 23/8/1988 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

136

طلب الشهادة

 قيمة الشهادة

الشهيد العالم هو أفضل - بسبب علمه - من الشهيد الجاهل، إلّا أنّ الأصل هو الشهادة، فأن يُستشهد العالم والجاهل، المرأة والرجل، الكبير، والصغير حتّى الطّفل، من أجل نهضة لهو فخر. ومن بين شهداء كربلاء، كان هناك مضحّون ذهبوا إلى ساحة المعركة بكلّ عزم وإرادة، ذهبوا من تلقاء أنفسهم، وقاتلوا، وكانت عاقبة أمرهم هي الشهادة، فهل هناك تفاوت بينهم وبين ذلك الطفل الصغير ذي الستّة أشهر الذي لم يذهب بإرادته إلى المعركة؟ هل إنّ عليّ الأصغر بن الإمام الحسين الذي قُتل على يد العدوّ بنحو مفجع1 هو أقلّ من عليّ الأكبر الذي أذلّ العدوّ وفضحه؟ هذا هو الشهيد يؤثّر في كلّ أقربائه، ويتّصل بأمّه وأبيه وأبنائه وأخواته وأرحامه وأهل مدينته وكلّ الأمّة والشعب، والجميع له نصيب من الفخر والاعتزاز به2.
 
الإيمان الراسخ، من لوازم الشهادة 
أين هو المسلم الذي نفذَت آيات القرآن الكريم إلى عمق ذرّات روحه آية آية؟ فأينما نجد مسلماً كهذا فهو مقاوم بهذا النحو. ونموذجه الأعلى والتامّ نجده في كربلاء، أولئك الـ 72 شخصاً استشهاديّاً كبيراً، أولئك الفولاذيّون الذين ترشَح منهم المعنويّات.
 
ونموذجه أيضاً هذا الشعب، وإذا لم نكن مثلهم، فإنّنا على طريقهم، وفي صدد التكامل معهم والتماثل بهم. فـالمثل الأعلى لشبابنا هو عليّ الأكبر،



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص362, الإرشاد، ج2، ص108, بحار الأنوار، ج45، ص46-47.
2 كلمته في 8/8/1357ش- 30/10/1979 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

137

طلب الشهادة

 وأحداثنا قدوتهم ومظهرهم وأمثولتهم هو القاسم بن الحسن عليه السلام، وشيوخنا يملكون مسلك حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة. وأمّهاتنا أسوتهنّ والدة ذلك الشاب - الحديث الإسلام - التي دفعت بابنها إلى ساحة المعركة، "وهب" ذلك الشاب الذي أسلم حديثاً وعلى الأرجح كان نصرانيّاً، وقد جاء بنفسه إلى المعركة، وجاءت أمّه وزوجته أيضاً. ما هذا الإسلام الثوريّ الذي صار كأنّه ماء الحياة بالنسبة إليهم! أيّ كيمياء هي! 

 
في يوم عاشوراء، كان صعباً على الإمام الحسين عليه السلام أن يذهب وهب إلى ميدان المعركة ليقاتل ويُقتل، إلّا أنّه طلب الإذن وذهب واستُشهد. كانت أمّه تنظر، عندما رأت أن ابنها استُشهد، ظنّ الجميع أنّها ستغضب وستقع أسيرة الحزن والبلوى. وقام شخص بقطع رأسه أمام عينيها وقذفه باتجاه الخيام. تلقّفت هذه المرأة المسنّة رأس ابنها، قبّلته، مسحت التراب عن وجهه ورمت به باتجاه الأعداء1. أي إنّ هذه الهدية التي قدّمناها في سبيل الله لا نسترجعها. نحن لدينا مثل هؤلاء. أمّهاتنا سلكن هذا الطريق وقد أظهرن هذا النحو من العطاء وعبّرن عن أنفسهنّ بمثل هذا المشهد2
 
طلب الشهادة، أساس الاستقلال وانتصار الشعوب 
إنّ الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام واستيعاب معنى الشهادة ومفهومها ينفعان في حياة الإنسان الماديّة وحياته المعنويّة. وإذا ما فهم شعب معنى الشهادة وأدرك كيفيّة التضحية بالأرواح في سبيل الأهداف، عندها سيتمكّن من العيش باستقلال ولا ينتابه قلق، لأنَّ الموت لم يعد 



1 بحار الأنوار، ج45، ص16-17.
2 في لقاء جرحى الثورة الإسلاميّة المشاركين في اللقاء العام في كلّ أنحاء البلاد، 2/7/1362ش- 2/9/1984 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

138

طلب الشهادة

 عقبة أمامه، وإلّا فإنّ العدوّ سيعمد إلى تخويفه بالموت، وسيغدو مصيره كمصير بعض الدول والشعوب التي تتخاذل أمام الأعداء1.

 
الأمّة التي لديها شهر المحرّم، لديها الجهاد والشهادة، والأمّة المجهّزة والمعدّة بأسباب الجهاد والمعتمدة على الله، لن تُغلب أبداً2.
 
الشهادة رمز صمود الشعوب
الأمّة التي تقدّم الشهداء هي دائماً أكثر استقامة وقوّة. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "بقيّة السيف أبقى عدداً وأكثر ولداً"3، أي إنّ الذين ينهضون من بين النّاس ويشربون كأس الشهادة في سبيل الله فأولئك ذكراهم باقية في التاريخ وأكثر دواماً. فـالشعب الذي يقدّم الشهداء باقٍ وحيّ. أمّا الشعب الذي لا ينهض من بين أفراده شخصٌ ليبذل دمه في سبيل الأهداف المقدّسة فهو محكوم بالزوال والذلّ. فالثورة التي بذل النّاس في سبيلها أرواحهم هي باقية: "بقيّة السيف أبقى عدداً وأكثر ولداً"، أي ولادة أمثالهم أكثر وهو هكذا4.
 
دم الشهيد الضامن لعزّة الإسلام
إنّ دماء الشهيد هي الحافظة لاستقلال الشعب وعزّة الإسلام، لذا نحن جميعاً مدينون لشهدائكم (يا عوائل الشهداء)، لقد قدّمتم الشهداء، ونلتم هذه القيمة الرفيعة وهذا هو الشيء نفسه الذي استُشهد من أجله الإمام الحسين عليه السلام، فهل يمكننا مقارنة شهدائنا بـ عليّ الأكبر أو بالوجود 



1 في لقاء العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم الحرام, 24/2/1375ش- 14/5/1997 م.
2 في خطبة صلاة عيد الفطر, 24/3/1383ش- 14/6/2005 م.
3 نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 84.
4 كلمته في 15/1/1364ش- 4/4/1986 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

139

طلب الشهادة

 المقدّس والعظيم للحسين بن عليّ عليهما السلام؟ فهؤلاء العظام استشهدوا لأجل هذا، وشبابكم استشهدوا أيضاً لأجل ذلك. لذا فأنتم لم تخسروا1.

 
شهادة الإمام الحسين عليه السلام، الضمانة لحياة الإسلام الأبديّة
عندما تستشهد شخصيّة رفيعة لامعة في سبيل قيم وأهداف، فمع أنّ الحركة والثورة والمجتمع تخسر بفقدانها وجوداً فاعلاً وذا قيمة، إلّا أنّه بتضحيتها ودمائها وشهادتها تهب القوّة لتلك الحركة. وهذا ما حصل بالدّقة لجميع شهدائنا الكبار على طول التاريخ، ونموذجها البارز عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام. فرجل كالحسين بن عليّ عليهما السلام مع ما له من قيمة لا يمكن تصوّرها عندما يفقده المجتمع البشريّ، ففقدانه خسارة لا تعوّض، لكنّ التضحية التي أدّت إلى هذا الفقدان هي عظيمة إلى حدّ أنّه أضفى على الحركة التي ينتمي إليها الحسين بن عليّ حياة أبديّة. هذه هي سمة التضحية، وسمة بذل الدماء، عندما يوقّع الإنسان على شعاراته بدمائه، فإنّه بذلك يُثبت صحّتها للجميع. وقد أحدثت واقعة عاشوراء تأثيرات كبيرة لدى النّاس في مشاعرهم وعواطفهم خلال سنوات طويلة. ولعلّه يمكن الادّعاء بقوّة وجرأة أنّ كلّ الثورات التي حدثت بعد واقعة عاشوراء على مدى قرون عديدة، كانت مستندة إلى واقعة عاشوراء، ومنها استلهمت وإليها استندت. لقد أحدثت ذلك التأثير العظيم في مسار الثورات الإسلاميّة لذلك العصر في المراحل الأولى2.
 
(عندما) بذل الإمام الحسين عليه السلام دمه، فهل رأى بعينيه اشتعال تلك الشعلة وحياة ذلك الجسد الميّت؟ لا لم يرَ ذلك. كلّ ما ينبغي أن



1 في لقاء عوائل الشهداء، طهران، 22/1/1363ش- 11/4/1985 م.
2 في لقاء صحفيّ حول حادثة 7 تير 26/3/1361ش- 16/6/1983 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

140

طلب الشهادة

 يبذله الإمام في سبيل الله فقد بذله ومضى. لكن الذي حدث، أنّه أحيى الإسلام. هذا الاسترخاص للدماء وترجيح الإسلام على حياته وعمره هو ما أحيى الإسلام1.

 
فـفي الوقت الذي كانت السماء والأرض تبكيان كان التاريخ يبتسم لبقاء الإسلام واستمراره، ومثلما كانت السماء والأرض تبكيان على قتل الأنبياء والصالحين والأبرار، كانت السنن الإلهيّة تبتسم لبقاء دين الله في التاريخ2
 
نظريّتان خاطئتان حول استشهاد الإمام الحسين عليه السلام 
ظنّ بعضهم أنّه لو كان الإمام الحسينعليه السلام يعلم باستشهاده، لما أقدم، كما أنّ البعض الآخر قال إنّ الإمام الحسين عليه السلام ثار ليستشهد. وكلا الرأيين خطأ3.
 
الحكومة أم الشهادة، نتيجتان للثورة 
إنّ القائلين إنّ "الهدف هو الحكومة" أو إنّ "الهدف هو الشهادة" قد خلطوا بين الهدف والنتيجة. أبداً، لم يكن هذا هو الهدف، بل كان للإمام الحسين عليه السلام هدف آخر، كان الوصول إليه يتطلّب طريقاً وحركة تنتهي بإحدى النتيجتين: فإمّا "الحكومة" وإمّا "الشهادة"، وكان الإمام مستعدّاً لكلتا النتيجتين، فقد أعدّ مقدّمات الحكم وكان يعمل لها، وكذا مقدّمات الشهادة وكان يعمل لها، فإذا ما تحقّق أيّ منهما كان صحيحاً، لكن لم يكن أيّ منهما هو الهدف، بل كانا نتيجتين4.



1 في لقاء عوائل الشهداء في كتيبة قدر 9/2/1363ش- 19/4/1985 م.
2 في لقاء نوّاب المجلس في ليلة 7 تير، 7/4/1362ش- 28/6/1984 م.
3 في مراسم العرض الصباحيّ للحرس الثوريّ في مقر قصر فيروزة 2/7/1364ش- 24/9/1986 م.
4 خطبة الجمعة في طهران 19/3/1374ش- 9/6/1996 م. 10 محرم 1416هـ-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

141

طلب الشهادة

 عندما يقوم الإنسان بثورة كهذه فهو سيقدّم، سيعطي واحدة من نتيجتين، فإمّا أن يصل إلى الحكومة وإمّا أن ينال الشهادة، وكلاهما نتيجة قهريّة، أي إنّ واحدة منهما ستحصل حتماً، وليس كلاهما معاً! الهدف هو نفس الثورة والقيام في أحلك الظروف القاسية، وفي أكثر الأوضاع تعقيداً، التي من الممكن أن تواجه ثائراً. هذا ما حدث وفي الحقيقة، لقد كان الإمام الحسين عليه السلام هو من أكمل الإسلام1.

 
وجوب الثورة وجدواها في صورتي: الحكومة والشهادة
كان الهدف هو إرجاع الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى الصراط المستقيم والخطّ الصحيح، ولكن في أيّ زمان؟ بعد أن انحرف عن المسير وانحرف المسلمون نتيجة جهل وظلم واستبداد وخيانة بعضهم وكانت الظروف مؤاتية. وبالطبع، يشتمل التاريخ على مراحل مختلفة. فأحياناً تكون الظروف مؤاتية وأحياناً لا تكون كذلك. غاية الأمر عندما يسعى الإنسان إلى تحقيق الهدف وهو إرجاع الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى مكانته الصحيحة من خلال الثورة على السلطة الفاسدة فلا بدّ للثورة أن تصل إلى الحكم، وهي في عصرنا كانت مؤاتية مثلما كانت في زمن الإمام الحسين عليه السلام، فأقدم الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) على العمل نفسه، لكن مع فارق وهو أنّ الثورة ضدّ الحكم الباطل في عصرنا انتهت بإقامة الحكومة الإسلاميّة والحمد لله، لكنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت نتيجتها الشهادة، ففي هذه الصورة، هل ينتفي وجوب الثورة؟ وهل تزول فائدتها إن كانت نتيجتها هي الشهادة؟ أبداً، إنّ الثورة واجبة وإن انتهت بالشهادة، ولا فرق في ذلك بين أن تنتهي بالشهادة أو بالحكم، لكن لكلّ منهما نوع من الفائدة. يجب 



1 في لقاء منتسبي جهاد الجامعات, 10/6/1366ش- 1/9/1988 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

142

طلب الشهادة

 العمل والثورة. وهذا هو العمل الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام.

 
إذاً ما هو التكليف؟ التكليف هو أن "يغيّر عليه بفعل أو قول". فإن واجه الإنسان مثل هذا الأمر - وكان الظرف مؤاتياً - وجب عليه أن يقوم ويثور ضدّ هذا الأمر ولو بلغ ما بلغ، سواء قُتل أم بقي، نجح في الظاهر أم لم ينجح. يجب على كلّ مسلم أن ينهض ويثور أمام هذا الوضع، وهذا تكليف أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم1
 
معنى شهر محرّم بحسب المنطق الشيعيّ
إنّ أكثر معاني محرّم ثراءً وحيويّةً عندنا هي تلك التي عشناها خلال شهر المحرّم من العامين الماضيين. محرّمنا محرّم الرسالة ومحرّم الجهاد ومهد المقاومة. إنّ معنى محرّم في المنطق الشيعيّ والثقافة الإسلاميّة هو بذل الدماء، فداء الشهادة، الثورة في سبيل القيم والمقاصد الحقّة التي هي عظيمة وقيّمة لدى جميع الشعوب والبشريّة جمعاء2.



1 خطبة الجمعة في طهران 19/3/1374ش- 9/6/1996 م. 10 محرم 1416هـ-.
2 كلمة أمام مقرّ الجاسوسيّة الأمريكيّة في طهران, محرّم 1358ش- 1980 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

143

البصيرة

 بصيرة الإمام الحسين بشأن الأحداث المرّة، الحاضرة والمستقبليّة

.. لقد طالعتُ تاريخ النصف الثاني من القرن الأوّل الهجريّ ووقفتُ على حقائق مذهلة، لم أرَ أنّها استُخلصت ودُوِّنت أو ذُكرت، عندما نتخطّى النصف الأوّل من القرن الأوّل نلاحظ أنّ المجتمع الإسلاميّ قد تبدّل دفعة واحدة إلى مجتمع مليء بالفساد، والفساد الذي نشاهده في أواخر القرن الأوّل في المجتمع الإسلاميّ لهو عجيب ومدهش أيضاً.
 
فمكّة والمدينة، المدينتان الّلتان كانتا موطن الوحي وحكومة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تبدّلتا إلى مركزين للفساد. فكلّ المغنّين وكلّ الفواحش المعروفة وكلّ الشعراء البذيئي اللّسان وكلّ المتهتّكين وأصحاب السوء والخُبَثاء قد اجتمعوا في هاتين المدينتين، فأشهر شعراء الفحش الذين كانوا يروّجون الفساد أو يمتدحون خلفاء جور عصرهم كانوا قد اجتمعوا في مكّة والمدينة تقريباً في أواخر القرن الأوّل وفي تمام القرن الثاني1. وقد ارتكبت في جوار حرم الله في المدينة أبشع الأعمال2.



1 يراجع ملحق بعنوان: "وضع المدينة ومكّة", حديث تفصيليّ للإمام الخامنئيّ حول وضع المجتمع الإسلاميّ في ذلك الوقت. ملحق رقم 1 في نهاية الكتاب.
2 الشعر والشعراء، ج1، ص509 -510, العقد الفريد، ج7، ص12 و 29 38، ج8، ص8, مروج الذهب، ص471 و 579-580، وج 3، ص253، وج 6، ص279 و 305 و 418، وج 7، ص47، وج 8، ص367-369 و 378-380 و 409 و 459، وج 12، ص349-350، و ج16، ص466، و ج24، ص195 و260, تاريخ مدينة دمشق، ج9، ص287-288.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

144

البصيرة

 كان الإمام الحسين عليه السلام يشاهد هذه الوقائع المرَّة، ولذلك تحرّك بهذا الشكل وأوجد هذه الحركة المجيدة والعظيمة. الله يعلم أنّه لا يوجد في التاريخ حركة وثورة بهذه العظمة وهذه الرفعة كحركة الحسين عليه السلام1.

 
أهمّيّة معرفة ساحة المعركة
من المهمّ أن نشخّص ميدان المعركة جيّداً. فما لم تكن ساحة المعركة واضحة للمقاتل - من مرتفع، إلى مستنقع، إلى منطقة حرجيّة، إلى منطقة زلقة، إلى منطقة يستخدم فيها السلاح الفلانيّ دون غيره - لن تكون لديه القدرة على القتال كما يجب. 
 
الخطّة التي تفرض علينا توجيه فوهة المدفع إلى قلب العدوّ وإلى تلك النقطة التي ينبغي أن نتوجّه إليها. الخطّة هي التي توجّهنا إلى أيّ وجهة ينبغي التوجّه، ولأيّ جهة نوجّه سلاحنا، وأيّ جهة هي الأكثر خطورة، وأيّها الأكثر ضرورة، أين ينصب العدوّ كمينه، أين هي نقطة الضعف التي إن لم نغطِّها نفذَ العدوّ منها، ما لم نضع في حسباننا مثل هذه الخطّة، لن تكون الحرب المدروسة ممكنة.
 
في عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام، كان لدى بعض الأصحاب خطّة، ولم تكن بيد بعضهم الآخر، عندما أقبل بحرُ العدوّ بلججه المهولة، لكنّ أولئك الأصحاب الذين اهتدوا إلى الخطّة، فإنّهم فهموا الإمام الحسين عليه السلام في تلك اللحظة الحسّاسة، وأمّا أولئك الذين لم يهتدوا إلى خطّتهم، فإنّهم كانوا إلى جنب الإمام الحسين عليه السلام أيضاً، لكنّهم وقعوا في الخطأ. من باستطاعته القول إنّه لم يكن لعبد الله بن عبّاس



1 في خطبة صلاة الجمعة، طهران، 15/7/1362ش- 7/10/1984 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

145

البصيرة

 وعبد الله بن جعفر نصيب من الإسلام ومن حبّ آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فهذان تربّيا في كنف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكنّهما حملا المخطّط الخاطئ. لم يعرفا أين هي المنطقة التي يجب الدفاع عنها، وتلك النقطة التي ينبغي التضحية من أجلها...

 
معرفة ساحة المعركة، الفنّ الكبير والوظيفة الخطيرة
لقد تركوا الإسلام المتجسّم، تركوا القرآن الناطق وتركوا حسين فاطمة وحيداً. حتّى إنّ بعض الأصحاب جاء إلى كربلاء أيضاً ودافع عن الإمام الحسين عليه السلام، لكنّهم في آخر الأمر جاؤوا إليه وقالوا: "يا بن رسول الله! نحن دافعنا عنك إلى هنا، فإن أذنت لنا بالانصراف" فأجابهم الإمام عليه السلام: "انصرفوا"1. 
 
هذا هو المخطّط الخاطئ، فهؤلاء لم يعرفوا أين يجب عليهم أن يدافعوا ويحاموا.
 
كثيرون عبر التاريخ كانوا لا يعرفون أين يدافعون عن الإسلام. كثيرون من الذين كان عليهم في ذلك الوقت القيام بأوجب الأعمال وأكثرها ضرورة وهو الدفاع عن قيم الإسلام وأصالته، جلسوا ولم يدافعوا. 
 
واليوم أيضاً، هناك الكثيرون ممّن ينتمون إلى الإسلام ويرفعون شعاراته ويدّعون الإسلام، ولكن لا يعرفون أين هو الإسلام، وفي أيّ ساحة يجب الدفاع عنه. إنّ الفنّ العظيم يتمثّل في معرفة الساحة. 
 
فأمثال حبيب بن مظاهر وبعض الأصحاب، من خواصّ الإمام الحسين عليه السلام، قد فهموا المخطّط جيّداً. لذلك، نرى أيضاً أنّ أخته



1 أنساب الأشراف, ج3,ص197, تاريخ الطبريّ, ج4, ص329.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
187

146

البصيرة

 زينب عليها السلام جاءت بأبنائها معها، في حين أنّ أباهم بقي في مكّة أو المدينة1. كان باستطاعتها القول إنّها ذاهبة مع أخيها وما يحدث لها يصيبها لوحدها، وأن تُبقي أبناءها عند والدهم. لكنّها أحضرت ابنيها واستشهدا في كربلاء أيضاً2 حسب ما نُقل. فهذه السيّدة عليها السلام امتلكت البصيرة وعرفت ما ينبغي فعله. 

 
في يوم عاشوراء، دنا شابّ من الإمام الحسين عليه السلام وطلب منه الإذن بالنزول إلى الميدان. نظر الإمام عليه السلام إلى قامته وطلعته - حيث يظهر على وجهه آثار الضعف والعطش - اعتصر الألم قلب الإمام عليه السلام. فسأله: "هل أذنت لك أمّك؟". أجاب: "يا بن رسول الله!، أمّي هي التي دفعتني إلى الميدان، وجئت لآخذ الإذن منك"3.
 
شعرت الأمّ أنّه هنا مكان بذل أغلى ما تملك، وابنها هو أعزّ ما لديها، فبذلتْ واستثمرت.
 
إنّ أعظم وظيفة لنا اليوم، هي معرفة ميادين المقاومة. أحياناً يوجد شخص من أهل العبادة، إلّا أنّه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل. 
 
ينبغي أخذ مسألة الوعي الإسلاميّ العميق على نحو الجدّ، فلولا الوعي والبصيرة يقع الإنسان في الخطأ والاشتباه، الإنسان الواعي المطّلع قد يقع في الخطأ، إلّا أنّه لا يبقى على الخطأ. بالطبع، الشرط الأساس هو التقوى، والتوجّه إلى الله، حتّى إذا ما أدرك الإنسان أنّه قد أخطأ، يرجع ويؤوب4



1 الإمامة والسياسة, ج2, ص3, إعلام الورى, ج1, ص446, بحار الأنوار, ج44, ص366.
2 مقاتل الطالبيّين, ص95-96, مناقب آل أبي طالب, ج3, ص253, بحار الأنوار, ج45, ص32.
3 مقتل الحسين عليه السلام, الخوارزميّ, ج2, ص25, بحار الأنوار, ج45.
4 في المراسم الصباحيّة للحرس الثوريّ, مقر ثكنة قصر فيروزة, 2/7/1364ش- 24/9/1986 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
188

147

البصيرة

 معرفة العدوّ، درس عاشوراء المهمّ 

... الدرس الآخر من دروس عاشوراء معرفة العدوّ، عدم الغفلة عن العدوّ، عدم الانخداع بحيل الأعداء. كثيرون في ذلك الوقت أَعْمَتْهُم الظواهر فما استطاعوا رؤية باطن الأمر. كثيرون تصوّروا أنّه ينبغي السكوت مقابل هذا الوضع، لأنّهم كانوا يظنّون أنّ الدّين محفوظ بحسب الظاهر! لقد شخّص الحسين بن عليّعليهما السلام العدوّ في بطون صفحات هذه الظواهر. إنّ معرفة العدوّ شيء مهمّ، ولا ينبغي الاشتباه في ذلك.
 
هذه اليقظة هي الدرس الكبير الذي قدّمه الحسين بن عليّ عليهما السلام. في ذلك الوقت قلّة هم الذين كانوا يميّزون بين الحقّ والباطل. (والأكثريّة) كانت تخدعهم الظواهر. لم يكن لدى النّاس تلك الرؤية الصحيحة التي كانت للحسين بن عليّ عليهما السلام، حيث كان عليه السلام على قدر من الاطمئنان واليقين بتلك العقيدة والإيمان، بحيث كان مستعدّاً ليقدّم في ذلك السبيل روحه وحتّى أعزّاءه، وأبناءه، وطفله عليّ الأصغر، وأن تمضي أسرته إلى الأسر والسبي، فهل هناك أرفع من ذلك؟1.
 
أهمّيّة وضرورة إيجاد البصيرة في المجتمع 
البصيرة مهمّة، ودور النخبة والخواصّ هو أن يوجدوا هذه البصيرة، لا في أنفسهم فقط، وإنّما لدي الآخرين أيضاً. يري الإنسان أحياناً أنّه حتّى بعض النخبة مبتلون - للأسف - بانعدام البصيرة فلا يكادون يفهمون أو يلتفتون أصلاً. يطلقون فجأة كلاماً لصالح العدوّ، لصالح الجبهة التي تكرس كلّ همّها للقضاء علي الجمهوريّة الإسلاميّة. فهؤلاء نخبة وخواصّ،



1 في حشد من فيلق عاشوراء, 28/5/1367ش- 19/8/1989 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

148

البصيرة

 ليسوا أفراداً سيّئين وليست نواياهم سيّئة، لكنّهم علي هذه الحال من انعدام البصيرة... 

 
عالجوا انعدام البصيرة بقراءة الأعمال الجيّدة بتأمّل، وبالحوار مع الأشخاص الموثوقين الناضجين وليس بالحوارات التقليديّة - حيث تقبلون كلّ ما قالوه، لا، ليس هذا ما أريده - هناك أشخاص بوسعهم إقناع الآخرين بالأدلّة وتنوير أذهانهم وإقناعهم، فالإمام الحسين عليه السلام استخدم هذه الوسائل في بداية نهضته وعلي امتدادها. ولأنّ الأيّام هي أيّام الإمام الحسين عليه السلام أقول هذه الكلمة:
ينبغي أن لا نعرف الإمام الحسين عليه السلام من خلال "معركة يوم عاشوراء" فقط، فذلك جانب من جهاد الإمام عليه السلام. ينبغي التعرّف إلى كلماته وخطاباته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وشرحه للقضايا والمسائل في مني وعرفات وخطابه للعلماء وللنخبة - للإمام عليه السلام كلمات عجيبة1 ومهمّة مسطورة في الكتب - ثمّ في الطريق إلى كربلاء وفي ساحة كربلاء نفسها. لقد كان الإمام الحسين عليه السلام صاحب بيان وتوضيح في ساحة كربلاء نفسها، فكان عليه السلام يقف ويتحدّث، مع أنّها كانت ساحة حرب وقتال والمتوقّع هناك إنّما هو إراقة الدماء، لكنّه عليه السلام كان ينتهز أيّة فرصة للتحدّث مع الطرف المقابل لعلّه يتمكّن من إيقاظهم. طبعاً لقد استيقظ بعض الغافلين، أمّا الذين كانوا يتظاهرون بالنوم فقد كان إيقاظهم صعباً، بل أحياناً كان من المستحيل إيقاظهم2.



1 تحف العقول, ص237-239.
2 في لقاء أعضاء مكتب حماية القائد وأسرهم 21/5/1388ش - 12/8/2009 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

149

البصيرة

 انعدام البصيرة، فرصة للعدوّ وخسارة للشعوب

يجب أن تستشعر الحاسة الإنسانيّة العميقة لشعب من الشعوب الأحداث قبل وقوعها وتدرك ماذا سيحصل، فيبدي الشعب ردود الفعل المناسبة. وحينما نتأمّل تاريخ الإسلام نجد أنّ عدم توفّر هذا الإدراك والحسّ السياسيّ السليم قد أبقى الشعوب نائمةً على الدوام ومكّن أعداءهم من أن يُلحقوا بها كلّ ما يحلو لهم مع بقائهم بمأمن من ردّات أفعالهم.

انظروا إلى حادثة كربلاء من هذه الزاوية. لم يكن لدى الكثير من المسلمين في الستّين عاماً الأخيرة بعد الهجرة - أي خمسين عاماً بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - قراءة صحيحة لما يجري. ولأنّهم افتقروا إلى القراءة الصحيحة لم يتّخذوا الموقف المناسب. لهذا كانت الساحة مفتوحة أمام كلّ الذين يريدون حرْف مسيرة الأمّة الإسلاميّة من دون أن يصدّهم أحد. ووصل الأمر إلى درجة أن يصبح رجل فاسق فاجر سيِّئ السمعة ومفضوحٌ أمام النّاس - شابّ لا تتوفّر فيه أيّ من شروط الحاكم الإسلاميّ وشروط خلافة الرسول، بل كان في الاتجاه المعاكس تماماً لسيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أعماله - أن يصبح هو قائد الأمّة الإسلاميّة والخليفة لرسول الله! لاحظوا كم يبدو هذا الشيء عجيباً في أنظاركم اليوم؟ لكنّه لم يبدُ عجيباً في أنظار النّاس في ذلك العصر. لم يشعر الخواصّ بالخطر. وبعضهم ممّن شعروا بالخطر ربّما، لم تسمح لهم مصالحهم الشخصيّة وطلبهم للعافية والراحة أن يُبدوا ردّ فعل معين. جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام ليقود النّاس إلى التوحيد، والطهر، والعدالة، وسلامة الأخلاق، والصلاح العامّ للمجتمع الإنسانيّ، ثمّ يجلس محلّ رسول
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

150

البصيرة

 الله صلى الله عليه وآله وسلم شخص غارق في الفساد والفسق1، ولا يعتقد بأصل وجود الله وتوحيده2. بعد خمسين عاماً على رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتولّى زمام الرئاسة شخص كهذا! هذا الأمر هو ممّا يثير دهشتكم اليوم، لكنّه لم يكن كذلك في أعين الكثير من النّاس يومذاك.. يا للعجب! لقد أصبح يزيد خليفة وقد نشر جنوده الغلاظ الشداد في أنحاء العالم الإسلاميّ ليأخذوا له البيعة من النّاس. وسار النّاس جماعات جماعات وبايعوا.. العلماء بايعوا، والزهّاد بايعوا، والنخب بايعوا، ورجال السياسة بايعوا3.4

 
البصيرة، من توابع الدفاع عن الدّين
عاشوراء دروس ورسائل. تعلّمنا عاشوراء درساً، وهو أنّه يجب التضحية لحفظ الدّين، وأنّه ينبغي التخلّي عن كلّ شيء في سبيل القرآن، ينبغي في معركة الحقّ والباطل وضع الجميع معاً: الصغير والكبير، الرجل والمرأة، الشيخ والشابّ، الشريف والوضيع، الإمام والرعيّة، في صفّ واحد. عاشوراء تعطينا درساً وهو أنّ جبهة العدوّ قابلة للعطب والضرر بشكل كبير، مع ما لديها من إمكانات ظاهريّة، مثلما كانت جبهة بني أميّة قد تضرّرت بواسطة قافلة سبايا عاشوراء إلى الكوفة، وتضرّرت في الشام، وفي المدينة وفي نهاية المطاف اختتمت هذه الحادثة بإفناء الجبهة السفيانيّة. من الدروس التي تقدّمها لنا عاشوراء أنّه في مجال الدفاع عن الدّين، تعدّ البصيرة أمراً لازماً بالنسبة إلى الإنسان أكثر من أيّ شيء 



1 أنساب الاشراف, ج5, ص286-288, مروج الذهب, ج3, ص67-68.
2 الاحتجاج, ج2, ص34, تذكرة الخواص, ص235 و260 - 261.
3 لإمامة والسياسة, ج1, ص197, أنساب الأشراف, ج3, و ج5, الأخبار الطوال, ص277, تاريخ الطبريّ, ج4 ص225, العقد الفريد, ج5, ص115-119, مروج الذهب, ج3, ص70, الكامل في التاريخ, ج4, ص17.
4 في لقاء حشد من أهالي قم بمناسبة انتفاضة 19 دي, 19/10/1378ش- 8/1/2009 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

151

البصيرة

 آخر. فالغافلون يُخدعون، وعديمو البصيرة يصبحون في جبهة الباطل دون أن يدروا، مثلما كان في جبهة ابن زياد أشخاص لم يكونوا من الفسّاق والفجّار، بل كانوا من فاقدي البصيرة. 

 
هذه هي دروس عاشوراء، وبالطبع فإنّ هذه الدروس كافية لتنهض بأمّةٍ من الذلّة إلى العزّة. هذه الدروس كافية لكسر جبهة الكفر والاستكبار. هي دروس عمارة الحياة1.
 
بصيرة زينب الكبرى عليها السلام
إنّ قيمة زينب الكبرى عليها السلام وعظمتها ناتجتان من موقفها وحركتها الإنسانيّة والإسلاميّة العظيمة انطلاقاً من التكليف الإلهيّ. فعملها، وعزمها، ونوع حركتها، كلّ ذلك أضفى عليها هذا النوع من العظمة. وأيّ شخص يقوم بهذا العمل - حتّى لو لم يكن هو بنت أمير المؤمنين عليه السلام - سيظهر عظيماً شامخاً.
 
الجانب الأساس من هذه العظمة هو من هذه الجهة: أوّلاً، أنّها شخّصت الوقت المناسب، سواء الوقت الذي سبق توجّه الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، أو ظرف اللحظات العصيبة في يوم عاشوراء، أو ظرف الحوادث القاصمة للظهر بعد شهادة الإمام عليه السلام، وثانياً، أنّها اختارت موقفاً مناسباً لكلّ ظرف. هذه المواقف كانت هي من صنعت زينب عليها السلام2.



1 في لقاء قادة كتائب وسرايا وفصائل عاشوراء قوّات المقاومة الشعبيّة في جميع أنحاء البلاد بمناسبة شهادة الإمام السجّاد عليه السلام /4/1371ش- 13/7/1993 م.
2 في لقاء حشد كبير من الممرضين بمناسبة ميلاد السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها ويوم الممرّض, 22/8/1370ش- 13/11/1992 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

152

البصيرة

 قبل التوجّه إلى كربلاء، نجد وجهاء، كابن عبّاس وابن جعفر وشخصيّات معروفة في صدر الإسلام، ممّن يدّعون الفقاهة والشهامة والرئاسة، قد تحيّروا ولم يعرفوا ماذا يفعلون، ولكنّ زينب الكبرى لم تُصب بالحيرة، وأدركت الطريق الذي يجب أن تسلكه، ولم تترك إمامها وحيداً وتمضي. لا لأنها لم تكن مدركة لصعوبة الطريق، بل كانت تدركه أفضل من غيرها. لقد كانت امرأةً حاضرة لأن تنفصل عن زوجها وعائلتها في سبيل أداء المهمّة، ولهذا أحضرت أطفالها وأبناءها معها1. كانت تشعر بحجم الواقعة. 

 
في تلك الساعات العصيبة حيث لا يقدر أقوى النّاس على إدراك ما ينبغي أن يفعل، أدركت ذلك ودعمت إمامها وجهّزته للشهادة. بعد شهادة الحسين بن عليّ عليهما السلام، وحين أظلمت الدنيا وتكدّرت القلوب والنفوس وآفاق العالم، أضحت هذه السيّدة الكبرى نوراً ساطعاً. لقد وصلت زينب إلى حيث لا يصل سوى أعظم النّاس في تاريخ البشريّة - أي الأنبياء عليهم السلام.
 
تحتاج المرأة اليوم إلى النموذج، فإذا كانت قدوتها زينب وفاطمة عليهما السلام، كان عملها عبارة عن الفهم الصحيح، الفطنة في إدراك الموقف واختيار أفضل الأعمال والمواقف، حتّى لو ترافق ذلك مع التضحية والتزام أيّ شيء من أجل أداء التكليف الكبير الذي أخذه الله تعالى على النّاس2.



1 في حشد كبير من الممرّضين بمناسبة ميلاد السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها ويوم الممرّض, 22/8/1370ش- 13/11/1992 م.
2 كامل الزيارات, ص440-442, بحار الأنوار, ج98, ص217-219.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

153

البصيرة

 بصيرة قمر بني هاشم عليه السلام 

أكّدت الزيارات1 والكلمات2 الواردة عن الأئمّة عليهم السلام بشأن أبي الفضل العبّاس عليه السلام، على وجود خصلتين لديه: الأولى البصيرة، والثانية الوفاء. فأين تكمن بصيرة أبي الفضل العبّاس؟ لقد كان كلّ أصحاب الحسين عليه السلام من أُولي البصائر، إلّا أنّ أبا الفضل العبّاس كشف عن بصيرة أكبر، ففي يوم تاسوعاء، عندما سنحت له الفرصة للخلاص من هذا البلاء حيث اقترحوا عليه الاستسلام في مقابل إعطائه الأمان، تصرّف بشهامة عالية أفحمت الأعداء، وقال لهم: أنا أتخلى عن الحسين؟! الويل لكم! أفّ لكم ولأمانكم هذا!3 وثمّة نموذج آخر لبصيرته، وذلك عندما طلب من إخوته الذين كانوا معه بالتقدّم قبله إلى ميدان الحرب والجهاد حتّى بلوغ الشهادة4. فقد كانوا أربعة إخوة من أمّ واحدة، وهم: أبو الفضل العبّاس- الأخ الأكبر- وجعفر وعبد الله وعثمان5. فأن يضحّي المرء بإخوته الثلاثة أمام عينيه من أجل الحسين بن عليّ عليهما السلام، ولا يعيقه عن ذلك التفكير في أمّه الثكلى والاكتفاء بواحد منهم حفاظاً على مشاعر أمّه ولكي يهتمّ بمصير إخوته الصغار الموجودين في المدينة المنوّرة، هذه هي البصيرة6.



1 سرّ السلسلة العلويّة, ص89, عمدة الطالب, ص356.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص315, الإرشاد, ج, ص109, بحار الأنوار, ج44, ص391.
3 الأخبار الطوال, ص275, الإرشاد, ج2, ص109, بحار الأنوار, ج45, ص38.
4 الطبقات الكبرى, ج3, ص13, الإرشاد, ج2, ص125, بحار الأنوار, ج42, ص74.
5 في خطبة الجمعة, طهران, 26/1/1379ش- 15/4/2001 م.
6 في خطبة الجمعة, طهران, 26/1/1379ش- 15/4/2001 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

154

البصيرة

 الهداية والتنوير

لقد تبدّلت الإمامة الإسلاميّة في زمن الإمام الحسين عليه السلام إلى وضع كهذا: "يُعمَل في عباد الله بالإثم والعدوان"1، فكان أن انبرى الإمام الحسين عليه السلام لمقارعة هذا الوضع.
 
وقد تمثّلت مقارعته هذه في البيان والإيضاح والهداية والتمييز بين الحقّ والباطل، سواء في عصر يزيد أو عصر من سبقه!2.
 
زينب وسكينة عليهما السلام مشعلان للعلم والمعرفة
زينب هي القدوة. لم تكن زينب امرأة بعيدة عن العلم والمعرفة، بل كانت تحوز أعلى العلوم وأصفاها وأرفعها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سكينة.. فهي بنت الإمام الحسين عليه السلام وتلميذة زينب عليها السلام. - حيث يرى أهل البحث والتحقيق - أنّها كانت أحد مشاعل المعرفة العربيّة في كلّ تاريخ الإسلام وحتّى اليوم3. فحتّى أولئك الذين يعترفون بزينب أو بوالد زينب أو والد سكينة وليس لديهم اطّلاع، يقبلون ويعترفون أنّ سكينة كانت مشعلاً للعلم والمعرفة. 
 
إنّ السلوك في هذا الطريق (التضحية والشهادة) لا يعني الابتعاد عن طريق العلم والمعرفة والرؤية الكونيّة والتنوير والمعلومات والآداب، بل هذا الطريق هو وراء تلك الأمور4.



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص304.
2 في حشود غفيرة من زوّار الجبهة ومختلف شرائح الشعب في مقر" دوكوهة" 9/1/1381ش- 29/3/2003م.
3 المنتظم, ج7, ص175, الإعلام, ج3, ص106.
4 في لقاء حشد كبير من الممرّضين بمناسبة ميلاد السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها ويوم الممرّض, 22/8/1370ش- 13/11/1992 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
196

155

الاشتغال بالذكر والدعاء

 مناجاة الله، من الأبعاد المهمَّة في عاشوراء

عندما نطرح عاشوراء بوصفها درساً، لا يمكننا أن نتغاضى عن هذا البعد (الدعاء والمناجاة) مع الله، الدعاء جميل من كلّ النّاس، خاصّة إذا صدر عن أشخاص بعظمة الإمام الحسين عليه السلام، وفي يومٍ بعظمة يوم عاشوراء.

ليس الدعاء علامة على الضعف بل إنّه إشارة إلى القوّة. بالدعاء يكسب الإنسان القوّة والقدرة، ويزيد من قوّته القلبيّة والروحيّة المساعدة للقدرة الجسميّة، الدعاء يُضيء الطريق للإنسان وينجّيه من الحيرة والتشويش والاضطراب.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الدعاء يكشف للمستمع والمخاطب عمّا يدور في ذهن الداعي، فعندما تسمع شخصاً يدعو الله ويناجيه يمكنك أن تعرف أيّ إنسان هو، من خلال دعائه واستغفاره ومناجاته، حقير أم عظيم، قصير النظر أم بعيد النظر، مؤمن أو شاكّ؟

الدعاء، أمر عجيب
لذا نرى في صدر الإسلام أنّ الدعاء موجود في كلّ مكان وزاوية، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دعا في معركة بدر وكذلك في معركة أحد، أي أنّ الدعاء لا 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

156

الاشتغال بالذكر والدعاء

 يعرف النصر أو الهزيمة. الدعاء يعني ارتباط الإنسان بالله واتّكاله عليه. وفي الوقت الذي يكون فيه الإنسان في أوج الانتصار والقوّة لا ينفكّ بحاجة إلى الدعاء، ينبغي التحدّث مع الله والطلب منه، وفي القرآن، طلبٌ من الله تعالى للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾1، فعليك بدايةً الإنابة، ثمّ اطلب حاجتك من محضر القادر المتعال. وهذا العنصر والركن الأساس لا يصح أن لا نراه في عاشوراء.

 
فـمنذ اليوم الأوّل لشروع الإمام الحسين عليه السلام بهذه الحركة العظيمة التي صنعت للتاريخ وإلى اللحظة الأخيرة التي وقع فيها على رمال كربلاء الحارّة ولسانه الذي يبس وجفّ من العطش لم يترك الدعاء. 
 
وإنّ دعاء الإمام الحسين عليه السلام في واقعة عاشوراء درس لنا، إنّه يعلّمنا. وفي الوقت الذي كان الخطر لا يزال بعيداً ولم يكن ليصل إليه شخصيّاً كان يرفع يديه إلى السماء ويدعو "اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان"2. دعا الله، وناجاه، وقد أوصل الله تعالى رسالته هذه إلى التاريخ، واليوم فإنّ كلّ من سمع باسم الإسلام في هذا العالم قد سمع هذا الدعاء عن لسان الحسين بن فاطمة وآمن به: "اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن..." إنّ ظاهر هذا الدعاء هو دعاء حقيقةً، ولا ينبغي أن يُتوهّم أبداً أنّ الأئمّة عليهم السلام عندما يدعون فهم يتظاهرون بالدعاء، لا ليس كذلك، ففي ذلك الدعاء العابق بالحرارة والشوق الذي يدعو به أمير المؤمنين عليه السلام أو الإمام السجّاد عليه السلام: "إلهي اغفر لي، أنا 



1 سورة النصر، الآيات: 1-3.
2 تحف العقول، ص239, بحار الأنوار، ج97، ص80-81: مع اختلاف: المصادر والموازنة ص277.




 
 
 
 
 
 
 
 
200

157

الاشتغال بالذكر والدعاء

 المذنب المقصّر المحتاج في عملي القليل إلى عفوك"، في الوقت عينه فالإمام جادّ في دعائه لا يمزح ولا يجامل، فمن كان لديه من المعرفة كعليّ بن الحسين عليهما السلام يعلم أنّ عملاً بقدر عمل عليّ بن الحسين هو قليل في محضر الله. وأنّ جهاداً بمقدار جهاد عليّ بن أبي طالب عليه السلام لا يزن كثيراً في ميزان أعمال الإنسان وفي محضر الله فلو أنّ الإمام عليّاً والإمام السجّاد عبدا الله تعالى مئة عام وناجيا وبكيا وجاهدا وخدما عباد الله، لكانا محتاجين إلى الدعاء أيضاً، لأنّ محضر عبادة الله تعالى هو من الوسع والرفعة بحيث إنّ أيّ إنسان لا يمكنه بهذه السهولة أن يشعر بالاكتفاء من العبادة والدعاء.


كانت أدعية الإمام الحسين عليه السلام أدعية جدّيّة حقيقيّة، لكن في الوقت نفسه فإنّ ثمّة أموراً أخرى في هذه الأدعية ذات أهمّيّة بالنسبة إلينا.

الدعاء عند القوّة والضعف، من دروس الإمام الحسين عليه السلام
الدرس الأوّل هو الدعاء ذاته، يا شيعة الحسين بن عليّ عليهما السلام! اعتمدوا على الله تعالى في كلّ الأحوال واطلبوا من الله، فعندما نكون في أوج القوّة والاقتدار لا ينبغي أن نشعر بالقوّة في أنفسنا، وينبغي أن نعتبر الله تعالى هو مصدر القوّة الدائمة وأن نبقى نطلب منه، وأن نمدّ أيدينا متوسّلين إليه - يجب أن نتعلّم الدعاء - ولا ينبغي لأيّ حادثة وأيّ نصر أو شدّة أو بلاء أن تُنسينا الدعاء أو تجعلنا غافلين عنه. 

كنت البارحة أتأمّل أدعية الإمام الحسين عليه السلام وأفكّر فيها، تغيّرت أحوالي وانقلبت. ما هذه الروح العظيمة الشامخة! فهو يدعو ويناجي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
201

158

الاشتغال بالذكر والدعاء

 ربّه بقلب مطمئنّ ومستقرّ في خضم كلّ تلك المشاكل والشدائد ما يبعث في الإنسان الدهشة، يجب أن نتعلّم الدعاء نفسه من الإمام الحسين عليه السلام وفي هذه المراحل جميعاً لا ينبغي أن ننسى الدعاء.

 
رسالة الإمام الحسين التاريخيّة في قالب الدعاء
الرسالة الثانية في دعاء الإمام الحسين عليه السلام التي أبقت ذِكْراه خالدة في ذاكرة التاريخ، فـفي ليلة عاشوراء، صدر عن قلب الإمام وعلى لسانه المبارك أحد الأدعية العميقة التي تفيض بالمعاني: "أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدّين"1.
 
لقد أودع الإمام الحسين عليه السلام رسالته في هذه الكلمات. حتّى لا يتخيّل أحد في مستقبل الأيّام معركة الإمام الحسين عليه السلام بنحو معكوس أو يظنّ أنّه كان يسعى إلى السلطة، وأنّ الصفّ الذي وقف أمامه كان من أهل الله والقرآن، لا، ليس الأمر على هذا النحو.
 
يقول الإمام عليه السلام: إلهي أشكرك وأحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وجعلت النبوّة في أهل بيتنا وأنزلت الوحي على أهل بيتنا. كنّا أوّل من أخذ برسالة حرّيّة الإنسان من أجل استحكام العدل ولتمريغ أنوف المستكبرين بالتراب ولنجاة البشريّة. يعني: أيّها النّاس على امتداد التاريخ! إنّ معركة الحسين عليه السلام مع يزيد اليوم كانت في إطار أهداف النبوّة. وما هو مطروح اليوم - بالنسبة إلى الحسين عليه السلام - هو مسألة إحياء 



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص317, الإرشاد، ج2، ص91, بحار الأنوار، ج44، ص392.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
202

159

الاشتغال بالذكر والدعاء

 العدل وإرغام أنوف الطواغيت والشياطين والجبّارين ونشر التوحيد في العالم....

 
"وعلّمتنا القرآن" و "فقّهتنا في الدّين" أي علّمتنا الدّين (في مقابل) أولئك الذين رضوا بظاهر الدّين واكتفوا به ولم يفهموا أنّ الدّين هو لاستقرار النظام الإلهيّ ولتكميل النفوس البشريّة، هؤلاء لم يفهموا الإسلام ولم يجاهدوا في سبيل هذه الأهداف ولم يسعوا، لكن نحن فهمنا الإسلام: "وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة"1.
 
نشكرك يا ربّنا لأنّك وهبتنا آذاناً وأعيناً حتّى نكون إلى جانب الحقّ وأن نسعى للحقّ. ولقد بيّن الإمام الحسينعليه السلام من خلال الدعاء، وبلغة الدعاء موقعه للتاريخ، وشرح للناس موقفه في قالب الدعاء.
 
الانقطاع إلى الله، مقدّمة الجهاد الحقيقيّ والشهادة
ورد في المناجاة الشعبانيّة العالية المضامين: "إلهي هَبْ لي كمال الانقطاع إليك"2
 
كيف يحصل كمال الانقطاع إلى الله، والتحرّر من كلّ القيود والعلائق في طريق المحبوب الحقيقيّ، والتوجّه نحوه والتحليق في فضائه؟
 
لا تتحقّق الشهادة، التي هي قمّة التضحية بالنسبة إلى الإنسان، من دون التحرّك نحو الانقطاع وما لم يحصل السعي والمجاهدة لإيجاد "الانقطاع إلى الله".



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص317, الإرشاد، ج2، ص91, بحار الأنوار، ج44، ص392.
2 إقبال الأعمال, ج3, ص399, بحار الأنوار, ج91, ص99.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
203

160

الاشتغال بالذكر والدعاء

 فالوجود المقدّس لسيّد الشهداء عليه السلام، مع أنّه معروف أكثر في بُعدي: الجهاد والشهادة، لكنّه في الحقيقة مظهر الإنسان الكامل والعبد الخالص المخلِص والمخلَص لله. وفي الأصل، لا يحصل الجهاد الحقيقيّ ولا الشهادة في سبيل الله من دون تمهيد بالإخلاص والتوجّه، ومن دون الحركة نحو "الانقطاع إلى الله"1




1 في لقاء جموع غفيرة من الحرس الثوريّ بمناسبة ميلاد الإمام الحسين عليه السلام ويوم الحرس, 10/12/1368ش- 2/3/1990 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
204

161

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 قوّة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

إنّ بعض أدعية الإمام الحسين عليه السلام أيضاً هو عرضٌ لحاجة الإمام عليه السلام إلى الله. يحتاج الإنسان في كلّ الحالات لأن يدعو الله ويتكلّم معه. والحديث مع الله يهب القلبَ قوّة، ويطرد الضعف والوهن. احتاج الإمام الحسين عليه السلام في تلك الظروف الصعبة إلى الحديث مع الله، فتحدّث معه، دعاه وناجاه واستمدّ منه قوّة القلب. وهذا موجود في كلّ الأحوال. الدعاء أيضاً سلوى للآخرين، لم يكن دعاء الإمام عليه السلام سلوًىْ له فقط، بل كان سلوًىْ للمحيطين به ولأصحابه. كان الموقف صعباً، كان عليه أن يواسي الآخرين، وقد حدث هذا الأمر من خلال دعاء الإمام عليه السلام إلى جانب الكلمات والخطابات والنقاط الأخرى.
 
كان للإمام الحسين عليه السلام صباح يوم عاشوراء دعاءٌ، عندما اصطفّ بحرٌ من الجيوش في مواجهة الإمام عليه السلام، وهو يقف مع عدد ربّما لم يكن آنذاك يتجاوز الـ 50 أو الـ 60 نفراً من أصحابه، جرى على لسانه هذا الدعاء: "اللهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ورجائي في كلّ شدّة وأنت وليّي في كلّ أمر نزل بي ثقةً وعدّةً"1.



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص321, الإرشاد، ج2، ص96, بحار الأنوار، ج45، ص4.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
207

162

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 أي: إلهي، عندما أعتمد عليك لا يهزّني هجوم الأعداء، عندما أعقد قلبي عليك لا تلقي هموم وغموم موت الأعزّة والأحبّة والشدائد العديدة بظلالها عليّ، أي إلهي! وربّي! في أصعب اللحظات التي يجلب فيها العدوّ كلّ نيران حقده وبغضه وخبثه وقساوته أصنع لنفسي جنّةً من ذكرك. وقد جعل الإمام الحسين عليه السلام هذه الجنّة محيطة به أيضاً، لذلك كلّما كان يوم العاشر يوشك على الاقتراب من الظهر - أو من العصر حسب بعض الروايات - كان الإمام الحسين عليه السلام يصبح أكثر سروراً وسكينة1. ففي كلّ هذا الغمّ: موت الأحبّة، تهديد العدوّ القاسي، وذلك العداء الذي أبرزوه بقسوة وغلظة دونما فهم أو وعي، - من الطبيعي أن يستولي الاضطراب على الإنسان - كان الإمام الحسين عليه السلام كلّما اقترب وقت العصر يزداد بهجة وسروراً، ويتألّق وجهه ويزهر وتتعالى روحه، كلّ ذلك بسبب هذا الاعتماد على الله تعالى2.

 
إشارات التأثّر في مناجاة الإمام الحسين عليه السلام
يوجد في بعض ثنايا أدعية الإمام عليه السلام ما يحكي عن تأثّره بحادثة ما. فهذه الروح العظيمة وهذه العظمة الفريدة كانت في يوم عاشوراء تتأثّر لبعض الحوادث، وهذه الحوادث هي عبرة لنا أيضاً. بمعنى أنّ عظمة نفسه لم تكن توجب أن لا يغتمّ ولا يتألّم لهذه المنغّصات. لا، بل كان غمّه في بعض المواقف كبيراً جدّاً وثقيلاً، ما يضّطره إلى الالتجاء إلى محضر القرب الإلهيّ والدعاء والمناجاة، إلّا أنّه صبر أمام هذه الحوادث وتعامل معها بصبر. 
 
وكان من بين تلك الحوادث القاسية التي هزّت الإمام 



1 الطبقات الكبرى، الخامسة 1، ص473، شرح الأخبار، ج3، ص163-164, بحار الأنوار، ج45، ص50.
2 في خطبة الجمعة طهران, 5/7/1364ش- 27/9/1986 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
208

163

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 الحسين عليه السلام ورفع عندها يديه إلى السماء بالدعاء شهادة طفله الرضيع، التي هزّته في الواقع. فبعد أن أصابه حرملة بسهم في نحره وهو في حضن والده وسال الدم من أوداجه جمع الإمام عليه السلام الدماء بكفّيه ورمى بها نحو السماء ونثرها1 بحالة عجيبة، ودعا بهذا الدعاء: "ربّ إن تكن قد حبست عنّا النّصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم2 لنا واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل"3.

 
وهذا يشير إلى أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد تأثّر بشدّة بهذه الحادثة من خلال دعائه لله بهذا النحو.
 
كما إنّ من الحوادث التي جعلت الإمام الحسين عليه السلام يناجي ربّه ويبثّ شكواه ولواعج قلبه، شهادة عبد الله بن الحسن، ذلك الشابّ ابن الأحد عشر عاماً، وهو ابن الإمام الحسن عليه السلام4، تلك الشهادة التي كانت حادثة صعبة ومؤلمة جدّاً في ذلك الوقت، عندما سقط الإمام الحسين عليه السلام عن ظهر جواده إلى الأرض - في اللحظات الأخيرة - وعاد الجواد إلى المخيّم خالياً وعرفت النسوة والأطفال أنّه حصل خطبٌ للإمام عليه السلام وكان لكلٍّ منهم ردّة فعل5.
 
كان عمر هذا الشابّ عند شهادة أبيه سنة واحدة، وتربّى في حجر عمّه عشر سنوات، فكان عمره يوم عاشوراء 11 سنة وكان يحبّه أكثر من أبنائه لكونه يتيماً. من الواضح أنّ هذه المحبّة قد عمّت حال هذا الطفل وغمرته،



1 مقتل الحسين، المقرّم, ص285.
2 الإرشاد، ج62، ص108, الكامل في التاريخ، ج4، ص75.
3 مقتل الحسين عليه السلام، المقرّم، ص286.
4 المصدر السابق، ص294.
5 الفتوح، ج5، ص119-120, الآمالي، الصدوق، ص226, بحار الأنوار، ج45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

164

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 ولذلك عندما فهم - من مجيء الفرس - أنّ عمّه قد سقط على الأرض في المعركة أسرع ووصل إليه. وكما ينقل في الكتب عن هذه الحادثة، أنّه ما إن وصل إلى جسد عمّه المثخن بالجراحات، كان أحد رجال ابن زياد من قساة القلوب يستعدّ ليهوي بالسيف على عمّه، فاضطرب هذا الطفل بشدّة وهو يرى هذا المنظر فوضع يديه أمام السيف ليحمي جسد عمّه، إلّا أنّ ذلك الوحش لم يبال وضربه بالسيف عليهما فقطعهما. قطعت يدا الطفل، صاح ونادى، واستغاث1، وهنا تغيّرت حالة الإمام الحسين عليه السلام وتأثّر بشدّة، فهو لا يستطيع القيام بعمل وهم يقتلون هذا الطفل اليتيم عزيز قلبه ابن الـ11 ربيعاً أمام عينيه. 

 
وهنا رفع يديه إلى السماء وشرع في الدعاء من صميم قلبه ودعا عليهم ونادى: "اللهمّ أمسك عنهم قطر السماء"2. 
 
وهنا يجدر التأمّل، أيّة حالات كانت هذه، أيّة حالات ودقائق روحيّة؟! وفي النهاية أيّ توجّه والتجاء إلى الله تعالى؟! أي أنّه في هذه الحال وبدلاً من القيام بأيّ عمل فيه غضب وغصّة وتحيّر وقنوط، لجأ إلى الدعاء والحديث مع الله.
 
وهذا درس لكلّ المسلمين وأتباع الحسين بن عليّ عليه السلام ومحبّيه!
 
نداء قلب الإمام عليه السلام في اللحظات الأخيرة
كان عليه السلام في اللحظات الأخيرة ولسانه قد جفّ وشفتاه قد يبستا من العطش وهو يلهج بالذكر والدعاء ومناجاة الله. فكما ينقل في المقاتل، عندما وقع عليه السلام على الأرض ولم يبقَ إلّا لحظات قليلة من حياته الشريفة، 



1 اللهوف، ص72, بحار الأنوار، ج45، ص53-54.
2 تاريخ الطبريّ، ج4، ص344.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
210

165

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 عزم جمع منهم على قتله، أخذوا يتسابقون على قطع رأس أبي عبد الله عليه السلام طمعاً بأخذ الجائزة من أسيادهم1. وهؤلاء سمعوا الإمام الحسين عليه السلام في اللحظات الأخيرة يقول: "اللهمّ متعالي المكان عظيم الجبروت شديد المحال غنيّاً عن الخلائق عريض الكبرياء قادراً على ما يشاء..."2

 
كان مشغولاً بالمناجاة مع الله، أيّ لحظات معنويّة هذه؟! وأيّ لحظة عزيزة وعظيمة تلك اللحظة التي يتحدّث فيها إنسان على هذا النحو إلى الله تعالى؟! نحن لدينا ما يشبه هذه الحالة، شهداؤنا الأعزّاء الذين تعلّموا من الإمام الحسين عليه السلام وقد سمعنا ذلك أحياناً عنهم. فهؤلاء كانوا يدعون في آخر لحظات حياتهم ويناجون، وقد مضوا وهم في دعاء ومناجاة.
 
هذا هو درس الإمام الحسين عليه السلام. عندما انتهى الإمام من هذه الكلمات دعا بعدّة كلمات أخرى ودعاؤه معروف: "صبراً على قضائك يا ربّ لا إله سواك"3، هذا هو نداء قلب الإمام الحسين عليه السلام الذي جرى على لسانه في اللحظات الأخيرة قبل استشهاده وهذا درس لنا. وهذه حال الدعاء في حياة الحسين عليه السلام4.
 
ليلة عاشوراء، وقت الذكر والدعاء
كانت الليالي التي تسبق العمليّات في الجبهة5 لياليَ عجيبة ومدهشة ومثيرة. فهؤلاء الشباب، شبابنا وإخواننا عندما كانوا يشعرون باقتراب 



1 تذكرة الخواص، ص228.
2 إقبال الأعمال، ج3، ص304, بحار الأنوار، ج98، ص348.
3 مقتل الحسين، المقرّم، 297.
4 في خطبة صلاة الجمعة، طهران، 5/7/1364ش- 27/9/1986 م.
5 أثناء الحرب المفروضة على الجمهوريّة الإسلاميّة 1981 م -1988 م-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
211

166

قوة القلب في ظلّ الدعاء والمناجاة

 موعدهم مع الله وأنّهم على وشك الشهادة ومجاورة الله كانوا في الليالي التي تسبق العمليّات يبدون بحال عجيبة، كنّا نشاهد فيهم صوراً مدهشة ومناظر زاهية، وحالة الدعاء والمناجاة والصلاة والذكر والتوجّه إلى الله، حالة جليلة القدر، وعندما نقرأ بعض وصاياهم نشاهد هذا الأمر، نجد التوجّه إلى الله في تلك الحالات، في الساعات الأخيرة والأيّام الأخيرة. يشعر الإنسان في تلك اللحظات أنّ الفرصة قد انقضت، فتصبح لديه حالة من الإقبال والتوجّه، إضافة إلى شوق لقاء الله.

 
وكانت هذه الحالة موجودة بنحو أرفع وبشكل مضاعف ليلة عاشوراء في خيام أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام. وقد نقل بعض الذين سمعوا ورووا تلك الوقائع: بينما كنت مارّاً في إحدى الليالي بالقرب من خيام الحسين بن عليّ، كنت أسمع أصوات تلاوة القرآن والدعاء والصلاة من كلّ الخيام، وكان الجميع في حالة ذكر ودعاء1.2
 
أصحاب الإمام الحسين عليه السلام أهل الذكر والعبادة
كان ممّا قاله الإمام الخمينيّ: لقد أصبحت جبهات حربنا ومتاريسنا كمساجد العبادة، فيها الصلاة والذكر، وتلاوة القرآن وترانيم الآذان3، هذه هي إحدى الخصوصيّات الممتازة لدينا، وينبغي الحفاظ على ذلك. وهذا موجود لدينا بدءاً من صدر الإسلام وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والإمام الحسين عليهم السلام، ولا نبحث عنه في مكان آخر4.



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص319, الإرشاد، ج2، ص94, بحار الأنوار، ج44، ص394.
2 في مقرّ رئاسة الجمهوريّة، 29، رمضان، 7/3/1366ش- 28/5/1988 م.
3 صحيفة الإمام، ج18، ص439.
4 كلمته في مقرّ سيّد الشهداء عليه السلام,30/3/1363ش- 20/6/1985 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
212

 


167

الأمل

 الأمل بنصر الله 

في يوم عاشوراء، كان بعض أصحاب الإمام الحسين عليه السلام يتحادثون ويتمازحون1! والمزاح أثناء الخطر يدلّ على أنّ قلوبهم كانت مسرورة وساكنة، بمعنى أنّه لم يستولِ عليهم الهمّ والغمّ، وكلّ هذا ببركة هذا الاتكال على الله والاعتماد عليه الذي بيّنه الإمام عليه السلام في هذا الدعاء وفي الأدعية الأخرى: "كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، وأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة"2.
 
إلهي، أنا في كلّ حياتي قد أنزلت بك كلّ شدائدي وقلّة حيلتي، عندما يعجز أي شخص على مساعدتي وتقديم العون لي، عندما يفرح العدوّ ويشمت بشدائدي، وأنت الذي برحمتك وقدرتك تفرّجه عنّي. ولذلك فاليوم أنا لا أشكو من أيّ غمّ مع كلّ خصومة هذا العدوّ المدجّج بالحراب حتّى أسنانه. هذه هي روح الإمام الحسين عليه السلام وهذه الشجاعة والقدرة المعنويّة قد حفظها الحسين بن عليّ عليهما السلام3.



1 اللهوف، ص57-58, الكامل في التاريخ، ج4، ص60, بحار الأنوار، ج45، ص1.
2 تاريخ الطبريّ، ج4، ص321, الإرشاد, ج2, ص64, بحار الأنوار, ج45, ص4.
3 في خطبة الجمعة, طهران, 5/7/1364ش- 27/9/1986 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
215

168

الأمل

 عاشوراء، مصدر للأمل عند الشيعة على مرّ التاريخ 

لطالما كان شهر المحرّم حامل رسالة على امتداد التاريخ الشيعيّ المضرّج بالدماء. فخلال عصر المحنة الأمويّ والعبّاسي، ذلك العصر الذي ديست فيه القيم الإسلاميّة الرفيعة على أعتاب الارستقراط الأمويّ والعبّاسيّ وبلاط السلطة، في عصر كان الشيعة عشّاق الإمامة والولاية يشاهدون اهتضام الحقوق الإلهيّة الحقّة تحت أقدام وحوش البلاط العبّاسيّ والأمويّ. كان محرّم وعاشوراء، في كلّ مراحل محن التاريخ، هما البوّابة التي تبعث النور والصفاء والحرارة والأمل في قلوب الشيعة، وهذا من أعاجيب مذهبنا وشريعتنا.

إنّ حادثة القتل حادثة مُرّة في العادة.. لكن ما أروع الفكر الشيعيّ الثوريّ المتمرّد، ومدرسة الفداء والجهاد والشهادة التي خلقت من هذه الحادثة الأليمة هيجاناً ونشاطاً وابتهاجاً في قلوب الشيعة، وتفجّر من حادثة وواقعة،- هي بالنسبة إلى الجميع موجبة لليأس - نبعاً فوّاراً بالأمل انسابَ إلى قلوب الموالين.

لقد ضحّى الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه بأنفسهم، في عصر حالك الظلام من القمع والاختناق لا يمكن تحمّله، في مواجهة سلطة متجبّرة. قد ترى العيون الناظرة إلى الأفق القريب نهايةَ الحسين عليه السلام والتنظيم الحسينيّ، إلّا أنّه عليه السلام بقي كبذرة ترقد تحت التراب لتنبت من جديد وتؤتي ثمارها...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
216

169

الأمل

 الأمل الّلامحدود بالله، منطق الإمام الحسين عليه السلام

عندما نقول إنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام قد انتصر، فأحد الأدلّة على ذلك أنّ كلّ من جعل المنطق الحسينيّ على طول التاريخ محوراً لعمله انتصر ولا شكّ. المنطق الحسينيّ يعني عدم الخوف من الموت. المنطق الحسينيّ يعني ترجيح الحقّ على الباطل مهما كان الثمن. المنطق الحسينيّ يعني عدم تقليل أصحاب الحقّ وعدم تكثير أهل الباطل مهما كان حجمهم وعددهم1. المنطق الحسينيّ يعني الأمل اللّانهائيّ حتّى لو كانت الآمال تبدو ضئيلة في الظاهر2.



1 أي عدم اعتبار الحجم والعدد معياراً في الحركة والانتصار.
2 في جمع من عناصر ومسؤولي فيلق الإمام الرضا عليه السلام, 23/5/1367ش- 14/8/1989 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
217

170

الإخلاص والوفاء

 الإخلاص، من أبرز صفات أبي عبد الله عليه السلام

يتميّز تألّق وجود أبي عبد الله عليه السلام بأبعاد مختلفة، وكلّ واحد من هذه الأبعاد يستتبع أبحاثاً وشروحاً عديدة، لكن إذا تناولنا صفتين أو ثلاتاً من بين كلّ هذه الإشراقات، فإنّ "الإخلاص" يأتي على رأسها، بمعنى رعاية التكليف والوظيفة الإلهيّة وعدم إدخال المنافع الشخصيّة والجماعيّة والدوافع الماديّة في العمل. 
 
تجلّي الإخلاص في واقعة كربلاء
من خصائص1 هذه الواقعة أنَّ خروج الإمام الحسين عليه السلام كان خالصاً لله ولا تشوبه أي شائبة، وكان للدّين ولإصلاح المجتمع الإسلاميّ، وهذه خصوصيّة بالغة الأهمّيّة. فعندما يقول الإمام عليه السلام: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً"2 أي إنّ ثورتي لم تكن رياءً وغروراً ولا أطلب فيها أيّ شيء لنفسي، وليست فيها ذرّة من الظلم والفساد، بل: "إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي"



1 بيّن الإمام الخامنئيّ في كلمته خصوصيّتين مهمّتين لهذه الواقعة الفريدة كربلاء. وهاتان الخصوصيّتان هما: الإخلاص التامّ أو المطلق والغربة التي لا نظير لها.
2 بحار الأنوار, ج44, ص329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
221

171

الإخلاص والوفاء

 وهذه نقطة مهمّة جدّاً، فـ "إنّما" يعني فقط، أي أنّه لا وجود لأيّ هدف أو قصد آخر يكدّر تلك النيّة الصافية وذلك الذهن النيّر المشعّ. 

 
حينما يخاطب القرآن الكريم المسلمين في صدر الإسلام يقول: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ﴾1، وهنا يقول الإمام عليه السلام: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً".
 
فها هنا نهجان وخطّان. وهناك يقول القرآن: لا تكونوا مثل الذين خرجوا "بطراً" أي غروراً وتكبّراً، ولا أثر للإخلاص في تحرّكهم، وما هو مطروح لديهم في هذا المنهج الفاسد هو الـ "أنا" و "الذات"، و"رئاء النّاس"، أي إنّه تزيَّنَ ولبس الحليّ وامتطى جواداً غالياً وخرج وهو يرتجز، إلى أين؟ إلى الحرب، التي يهلك فيها أمثال هؤلاء أيضاً، فخروج مثل هذا الشخص هو بهذا الشكل. ليس لديه سوى نفسه. فهذا خطّ.
 
وهناك خطّ ونهج آخر في الجهة المقابلة، ومثاله الأرقى ثورة الإمام الحسين عليه السلام، والتي لا وجود فيها للـ "أنا" وللـ "ذات" والمصالح الشخصيّة والقوميّة والفئويّة أبداً، إذاً هذه أوّل خَصيصة من خصائص ثورة الحسين بن عليّ عليهما السلام.
 
فكلّما ازداد الإخلاص في أعمالنا ازدادت قيمتها، وكلّما ابتعدنا عن محور الإخلاص اقتربنا من محور الغرور والرياء والعمل للمصالح الشخصيّة والقوميّة، وهذا طيف آخر. 
 
فهناك ساحة وسيعة بين ذاك الاخلاص المطلق وتلك الأنانيّة المطلقة.



1 سورة الأنفال, الآية: 47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
222

172

الإخلاص والوفاء

 وكلّما اقتربنا من هذا الطرف (المقابل للإخلاص) نقصت قيمة عملنا، وقلّت بركته وبقاؤه وديمومته. هذه هي ميزة هذه القضيّة. وكلّما ازدادت الشوائب في الشيء كلّما أسرع فيه الفساد، فلو كان نقيّاً وخالصاً لما فسد أبداً.

 
وإنْ أردنا أن نعطي مثالاً من الأمور المحسوسة، نقول: إذا كان الذهب خالصاً ونقيّاً بنسبة 100? لم يقبل الفساد والصدأ أبداً، وإنْ كان مخلوطاً بالنّحاس والحديد وبقيّة الموادّ الرخيصة الثمن، احتمل الفساد أكثر، فهذا في المادّيّات. 
 
أمّا في المعنويّات فإنّ هذه المعادلة أكثر دقّة، إنّما نحن لا نفهمها بسبب نظرتنا الماديّة، لكن يدركها أهل المعنى والبصيرة، و إنّ الله تعالى هو النقّاد والصائغ والناقد في هذه الواقعة، "فإنّ الناقد بصير"1، فوجود شائبة بمقدار رأس إبرة في العمل يقلّل من قيمة العمل بالمقدار نفسه ويخفّف من ديمومته. 
 
فالله تعالى ناقد بصير. وإنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام هي من الأعمال التي لم يكن فيها شائبة ولو بمقدار رأس إبرة، لذا ترون أنّ هذا الصنف الخالص النقيّ باقٍ إلى الآن وسيبقى خالداً إلى الأبد2.
 
ثلاث خصال بارزة ومهمّة في شخصيّة أبي عبد الله عليه السلام
من جملة عشرات، بل مئات الخصائص التي تنفرد بها الأمّة الإسلاميّة بفضل القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام، أنّ لهذه الأمّة، نصب عينيها،



1 الاختصاص, ص341, بحار الأنوار, ج13, ص432.
2 في حشود ضخمة من منتسبي الحرس والوحدات الخاصّة للقوّات المسلّحة بمناسبة يوم الحرس, 26/10/1372ش- 16/1/1994 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
223

173

الإخلاص والوفاء

 قدوات كبيرة ومشرقة. ووجود القدوة في حياة الشعوب مسألة ذات أهمّيّة كبيرة، فاذا ما وجد لدى أمّة شخصيّة فيها نفحة عظمة، فإنّ تلك الأمّة لا تنفكّ عن تمجيدها والتغنّي بها وتخليد اسمها، من أجل توجيه المسار العامّ لحركة أجيال الأمّة في الاتجاه المطلوب. وقد لا يكون هناك في الواقع أي وجود حقيقيّ لمثل هذه الشخصيّة، وإنّما يُستقى من شخصيّة خياليّة مطروحة في القصص والأشعار والأساطير الشعبيّة، وهذا كلّه نابع من حاجة الأمّة لرؤية قدوات عظيمة أمامها من بين ظهرانَيْها. وهذه الظاهرة موجودة في الإسلام على نحو وافر ومنقطع النظير، ومن بين الأكابر الذين صاروا قدوةً تَنهض شخصيّة أبي عبد الله الحسين عليه السلام إمام المسلمين وسبط الرسول، وشهيد تاريخ الإنسانيّة الكبير.

 
إنّ لتألّق شخصيّة أبي عبد الله عليه السلام أبعاداً شتّى يتطلّب كلّ واحد منها بياناً وتوضيحاً شاملاً،.. من جملتها "الإخلاص"، والإخلاص معناه الالتزام بالواجب الإلهيّ وعدم إدخال المصالح الشخصيّة والفئويّة والدوافع الماديّة فيه. 
 
ومن الصفات الأخرى البارزة أيضاً1: هي "الثقة بالله تعالى"، كانت ظواهر الأمور تقضي بأنّ تنطفئ تلك الشعلة في صحراء كربلاء، مثلما كان الفرزدق الشاعر2 يرى ذلك في حين لم يكن يراه الحسين! ويراه الناصحون القادمون من الكوفة3، ولا يراه الحسين الذي كان عين الله! لقد كانت ظواهر الأمور توحي بهذا المآل، إلّا أنّ الثقة بالله كانت توجب عليه اليقين.. وجوهر القضيّة هو أن تتحقّق نيّة المرء وغايته. والإنسان



1 إشارة إلى أنّ هناك صفات أخرى والتي هي الإخلاص والتوكّل ومعرفة الزمان.
2 الفتوح, ج5, ص71, إعلام الورى, ج1, ص445, بحار الأنوار, ج44, ص374.
3 الأخبار الطوال, ص247, مثير الأحزان, ص30, بحار الأنوار, ج44, ص314.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
224

174

الإخلاص والوفاء

 المخلص لا تهمّه ذاته فيما إذا تحقّقت الغاية التي يرمي إليها.

 
أمّا الخصوصيّة الثالثة فهي إدراك "الموقف"، وعدم الوقوع في الخطأ فيه، فقد كان الإمام الحسين متصدّياً لزمام المسؤوليّة والإمامة مدّة عشر سنوات1، مارس خلالها نشاطات أخرى ليست من طراز الفعل الاستشهاديّ في كربلاء، ولكن بمجرّد أن سنحت له الفرصة للإتيان بعمل كبير استغلّ تلك الفرصة ونهض وتمسّك بها، ولم يدَعْها تفلت من بين يديه.
 
لهذه الأبعاد الثلاثة طابع مصيريّ، وهي على هذا النحو في كلّ العهود. وفي أحداث ثورتنا أيضاً منح الباري تعالى إمامنا الخمينيّ منزلة رفيعة ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾2، وصانه وحفظه وخلّده بالرغم من كلّ القوى الماديّة والاستكباريّة في العالم التي كانت تكيد له المكائد وتسعى للقضاء عليه3.
 
الوفاء
في الزيارات4 والكلمات5 الواردة عن الأئمّة عليهم السلام بشأن أبي الفضل العبّاس عليه السلام، تمّ التأكيد على خصلتين: الأولى البصيرة، والثانية الوفاء. 



1 روضة الواعظين, ص195, كشف الغمّة, ج2, ص250, بحار الأنوار, ج44, ص200.
2 سورة مريم، الآية 57.
3 في حشود ضخمة من منتسبي الحرس والوحدات الخاصّة للقوّات المسلحة بمناسبة يوم الحرس, 2/9/1377ش- 23/11/1999 م.
4 كامل الزيارات, ص440-442, بحار الأنوار, ج98, ص217-219.
5 سرّ السلسلة العلويّة, ص89, عمدة الطالب, ص356.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
225

175

الإخلاص والوفاء

 أمّا وفاء أبي الفضل العبّاس عليه السلام فقد تجلّى أكثر ما تجلّى في بلوغه شريعة الفرات من غير أن يشرب قطرة من الماء، فالمشهور على الألسنة أنّ الإمام الحسين عليه السلام بعث بأبي الفضل لجلب الماء1، إلّا أنّ الذي رأيته في الروايات المعتبرة الواردة في كتب مثل "الإرشاد" للمفيد، و"اللهوف" لابن طاووس يختلف قليلاً عمّا ذكرته، فقد جاء في هذه الكتب المعتبرة أنّ العطش قد اشتدّ بالأطفال وبلغ مبلغه من حرم آل البيت عليهم السلام في اللحظات الأخيرة، فذهب الإمام الحسين وأبو الفضل عليهما السلام معاً في طلب الماء2، وتوجّها إلى شريعة الفرات - التي هي شعبة من نهر الفرات - لعلّهما يحصلان على بعض الماء. هذان الاثنان هما من الإخوة الشجعان والأقوياء وقد كانا معاً دائماً في ساحة القتال، الإمام الحسين عليه السلام بعمره الذي شارف على الستّين عاماً3 لكنّه لم يكن يُشقّ له غبار في البسالة والقوّة، وأخوه الشابّ أبو الفضل العبّاس الذي جاوز الثلاثين بقليل4، بما يتميّز به من خصال يعرفها الجميع. فهذان الأخوان لم يفارق أحدهما الآخر في ساحة الحرب، وكان كلّ منهما يحمي ظهر الآخر عند اشتداد القتال وتخلُّل صفوف الأعداء أملاً في الوصول إلى الفرات وجلب الماء. وخلال هذه الجولة القاسية من المعركة وجد الإمام الحسين عليه السلام فجأة بأنّ العدوّ قد فصل بينه وبين أخيه العبّاس عليه السلام لدى اشتداد القتال، وفي هذه المعمعة كان أبو الفضل قد اقترب من الماء ووصل إلى شريعة النهر. وكما جاء في الروايات، فإنّه ملأ قربةً للعودة بها إلى الخيام، وفي مثل هذه الحالة يعطي كلّ واحد الحقّ لنفسه بأن 




1 المنتخب للطريحيّ, ج2, ص305-306, بحار الأنوار, ج45, ص41.
2 اللهوف, ص69-70, بحار الأنوار, ج45, ص50.
3 تاريخ الأئمّة, ص8, المعجم الكبير, ج3, ص98, بحار الأنوار, ج45, ص90.
4 إعلام الورى, ج1, ص395, سرّ السلسلة العلويّة, ص89.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
226

176

الإخلاص والوفاء

 يروي ظمأه، ولكنّ أبا الفضل العبّاس عليه السلام أظهر وفاءه في هذا الموقف الصعب. فعندما غرف غرفة من الماء "فذكر عطش الحسين عليه السلام"، وتذكّر صيحات: العطش.. العطش.. التي أطلقها أطفاله وبناته، وربّما تذكر بكاء عليّ الأصغر وظمأه، فلم يشرب وألقى الماء وغادر الشريعة1




1 في خطبة صلاة الجمعة طهران, 26/1/1379ش- 15/4/2001 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
227

177

اجتناب النزعة الدنيوية

 رفض الحرص على الدنيا في ثورة الإمام الحسين عليه السلام

كتب الإمام الحسين عليه السلام وصيّته التاريخيّة لأخيه محمّد بن الحنفيّة عند خروجه من المدينة وتوجّهه إلى مكّة والتي قال فيها: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي".
 
أي: يا شعوب العالم، يا أخي محمّد! يا أهل المدينة، أيّها النّاس الذين يعيشون في أقطار العالم الإسلاميّ في ظلّ عار حكومة يزيد! يا أجيال تاريخ البشريّة الآتية! اعرفوا ما هو هدف هذه الثورة.
 
لم يسمح الإمام الحسين عليه السلام للأبواق الدعائيّة المفضوحة ليزيد بن معاوية أن تشتّت أهدافه وتضيّعها. يريد الإمام الحسين عليه السلام أن يوصل الحقيقة إلى آذان الجميع وأن يفهم الجميع: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً".
 
والخلاصة أنّه:لم أخرج لدوافع ماديّة، ولم أخرج لكسب مقامٍ كيزيد، لم أثُر كطلّاب الدنيا التافهين لكسب منفعة ماديّة والاستفادة منها شخصيّاً. لم أذهب إلى كربلاء اهتماماً بدنياي الماديّة، إنّما كانت حركتي وخروجي لأجل هدف آخر. لقد خرجت من المدينة ثمّ عزمت إلى مكّة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
231

 


178

اجتناب النزعة الدنيوية

 لأقتلع هذا الفساد الذي أوجدَتْه الحكومة اليزيديّة والأمويّة. لقد أعددت نفسي للتضحية والشهادة لكي أسطّر بدمي وتضحيتي خطّ البطلان لكلّ التدابير والخطط اليزيديّة. لقد أتيت لكي أزلزل الأساس الفاسد لهذا النظام وهذه الحكومة1

 
التلوّث بالدنيا، عائق أمام مواجهة جهاز الظلم والفساد
عندما نتحدّث عن فساد الجهاز (السلطة) من الداخل، فمعنى ذلك: ظهور أفراد في المجتمع ينقلون أمراضهم الأخلاقيّة المعدية والمهلكة - الدنيويّة والشهوانيّة - تدريجيّاً إلى باقي أفراد المجتمع. 
 
في مثل هذه الحالة، من هو صاحب القلب والمبادرة والروية الذي سيمضي لمواجهة نظام يزيد بن معاوية؟! هل سيحدث مثل هذا الأمر حينها؟ فمن هو الّذي كان يفكّر بمواجهة النظام اليزيديّ الظالم والمفسد في ذلك الزمان؟ 
 
في مثل تلك الأوضاع حدثت النهضة الحسينيّة العظيمة، الّتي واجهت العدوّ مثلما واجهت روحيّة السعي للراحة والرضا بالفساد المهلك المنتشرة بين المسلمين العاديّين وعامّتهم. وهذا أمرٌ مهمٌّ. يعني أنّ الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام قام بعمل أيقظ وجدان النّاس2



1 كلمته في 29/8/1357ش - 20/11/1979 م.
2 في جمع من عناصر الحرس الثوريّ والقوّات العسكريّة بمناسبة 3 شعبان, 6/11/1371ش - 26/1/1993م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
232

179

اجتناب النزعة الدنيوية

 الغفلة عن طريق الإمام الحسين عليه السلام نتيجة طلب الدنيا

هدف الإمام الحسين عليه السلام هو ذلك الهدف الذي يظهر في كلماته، مثل: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي"1 أو "أيّها النّاس إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله فلم يغيّر عليه بقولٍ ولا فعلٍ، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"2.
 
أو قوله: "فمن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا"3
 
كلّ من هذه الكلمات درس وفصل. 
 
فالكلام هنا عن لقاء الله، والهدف من خلق البشر، و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾4. 
 
كلّ هذه المساعي والمشاقّ لأجل هذا الأمر ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، فمن كان موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل مع الحسين، ولا يجوز له المكوث في البيت والتعلّق بالدنيا ومتاعها والغفلة عن طريق الحسين عليه السلام.
 
فيجب أن نتحرّك، وهذا يبدأ بتهذيب النفس ثمّ التحرّك إلى المجتمع والعالم5.



1 بحار الأنوار, ج44, ص329.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص304.
3 اللهوف, ص38, نزهة الناظر وتنبيه الخاطر, ص86, بحار الأنوار, ج44, ص367.
4 سورة الانشقاق, الآية: 6.
5 في لقاء العلماء والمبلّغين وقرّاء العزاء على أعتاب قدوم شهر محرّم الحرام, 3/3/1374ش- 24/5/1996 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
233

180

اجتناب النزعة الدنيوية

 اجتناب الحرص على السلطة

ينقل عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال: "اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام"1.
 
اللهمّ إنّك تعلم أنّ حركتنا، ثورتنا، مواجهتنا هذه للظلم والاستكبار ليست للوصول إلى مقام.. وليست لأجل كسب شيء لأنفسنا، حتّى تعود ملذّات الدنيا وحلوها علينا وحتّى ندّخر المال والثروة و.. وليست لكي نكسب بضعة صباحات إضافيّة نتمتّع بها في حياتنا الزهيدة والسريعة الانقضاء2.
 
اجتناب التفكير النفعيّ الخاطئ
يحيا الإسلام اليوم بدماء الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام، ولم يتصرّف الإمام الحسين عليه السلام انطلاقاً من التفكير النفعيّ، كما فعل بعضهم في ذلك العصر، وقال: لماذا يُقضى علينا؟! نبقى على قيد الحياة وندافع عن الإسلام. كان لبعضهم مثل هذا المنطق. وهم لم يدركوا أنّه متى كان البقاء على قيد الحياة هو الهمّ الأكبر لإنسان أو شعب أو أمّة، فلن يعود باستطاعتهم الدفاع عن الله وعن الإسلام والقيم3.
 
شعلة الإيمان بدل التعلّق بالحكومة، طريقة الإمام الحسين عليه السلام
بصيص الأمل الوحيد الذي كان يحمّس القلوب ويحفّز هؤلاء على التحرّك خلال عامَيْ (1962 و1963م)4 وما تلاهما من سنيّ المحنة والاضطهاد في السجون، هو الإيمان بالجهاد، لا الرغبة في بلوغ السلطة.



1 تحف العقول, ص239, بحار الأنوار, ج97, ص80-81.
2 في لقاء العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم الحرام, 23/1/1378ش- 12/4/2000 م.
3 في لقائه عوائل شهداء كتيبة الحرس " قدر 9", 24/2/1363ش - 14/5/1985 م.
4 بداية إرهاصات الثورة والتحرّكات الشعبيّة وبيانات الإمام والاعتقالات والإبعاد و...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
234

181

اجتناب النزعة الدنيوية

 وهذا الخطّ هو ذاته خطّ الإمام الحسين عليه السلام، غاية الأمر أنّه كان له طرفان والظروف الزمانيّة والمكانيّة متغيّرة، فتارة تتوفّر الإمكانيّات فترفع الحكومة الإسلاميّة رايتها، وتارة تنعدم هذه الإمكانيّات فيؤول الخطّ إلى الشهادة، وكثيراً ما شهدنا نظير ذلك عبر التاريخ1.

 
الإمامة، النقطة المقابلة للحكم بالقوّة والخداع 
ماهيّة الإمامة مغايرة لماهيّة السلطنة ومناقضة لها. فالإمامة تعني القيادة الروحيّة والمعنويّة والارتباط بالنّاس بالرباط العاطفيّ والعقائديّ، وأمّا السلطنة فتعني حكومة القوّة والشدّة والخداع بلا أدنى علاقة معنويّة أو عاطفيّة أو عقائديّة. فالإمامة والسلطنة تقفان على طرفي نقيض تماماً. 
 
إنّ الإمامة حركة في وسط الأمّة ومن أجل الأمّة ولا تستهدف سوى الخير. بينما تعني السلطنة تلك السلطة المتجبّرة الآخذة بأعناق النّاس، والتي تهدر حقوقهم، وتتجاهل مصالحهم من أجل فئة خاصّة، وتعمل لإثراء الطبقة الحاكمة وإشباع نزواتها..
 
ما رأيناه في زمن ثورة الإمام الحسين عليه السلام هو تلك الثانية لا الأولى، أي أنّ يزيد الحاكم لم يكن على علاقة بالنّاس، ولم يكن من أهل العلم، ولم يكن تقيّاً ولا نقيّاً ولا حكيماً، كما لم تكن له سابقة في الجهاد في سبيل الله، ولم يكن يؤمن قدر ذرّة بمعنويّات الإسلام، ولم يكن سلوكه سلوك إنسان مؤمن، ولم يكن قوله قول حكيم عاقل، كان عارياً عن أيّ شبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي مثل هذه الظروف سنحت الفرصة للإمام الحسين عليه السلام ليقوم بثورته، وهو الإمام الذي كان يجب أن يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أداء مهمّته. 



1 في لقاء العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم الحرام, 23/1/1378ش- 12/4/2000 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
235

182

اجتناب النزعة الدنيوية

 لو نظرنا إلى هذه القضيّة، في الظاهر، فإنّ هذه الثورة ثورة على حكومة يزيد الفاسدة وغير الشعبيّة، وأمّا من حيث الباطن، فهي ثورة من أجل القيم الإسلاميّة وفي سبيل العلم والإيمان والكرامة وبغية إنقاذ النّاس من الفساد والانحطاط والجهالة. ولهذا فإنّ الإمام الحسين عليه السلام لدى خروجه من المدينة كتب وصيّته التاريخيّة لأخيه محمّد بن الحنفيّة والتي قال فيها: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي"1




1 بحار الأنوار, ج44, ص329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
236

183

الجرأة والشجاعة

 شهر محرّم يذكّر بالبطولة والشجاعة

يصادف في هذا العام أن تلتقي الذكرى السنويّة لأسبوع الدفاع المقدّس مع أيّام محرّم الحرام. وهذا يشكّل مدعاة لنا لنعود بذاكرتنا إلى هؤلاء العظماء الذين سطّروا لنا دروساً خالدة في العزيمة والإرادة والشجاعة والبصيرة الثاقبة.

وبالرغم من أنّ الإمام الحسين عليه السلام انتهى الأمر به في ساحة القتال الظاهريّ بالقتل والشهادة، إلّا أنّه هو الذي فاز وحقّق النّصر واقعاً.

شعبنا أيضاً استطاع أن ينتصر، وسيكون قادراً أيضاً - بعون الله وتوفيقه وفضله - على أن يمرِّغ أنوف أعدائه بالتراب، حتّى في ساحة القتال الظاهريّ أيضاً، وسيتسنّى لأبناء شعبنا في الوقت عينه أن يأخذوا بثأر أسلافهم الماضين.

المنطق الحسينيّ يعني عدم الخوف من الموت
عندما نقول إنّ الحسين بن عليّعليهما السلام قد انتصر، فدليل هذا الكلام وتوجيهه أنّ كلّ من جعل المنطق الحسينيّ، على طول التاريخ، محور عمله قد انتصر ولا شكّ، المنطق الحسينيّ يعني عدم الخوف من الموت. المنطق الحسينيّ يعني ترجيح الحقّ على الباطل بأيّ ثمن كان. المنطق 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
239

184

الجرأة والشجاعة

 الحسينيّ يعني عدم تقليل أصحاب الحقّ وعدم تكثير أهل الباطل في أيّ حجم وعدد كانوا1. المنطق الحسينيّ يعني الأمل اللانهائيّ حتّى لو كانت الآمال تبدو ضئيلة في الظاهر2.

 
عاشوراء درس الصمود والفداء والشجاعة
اعرفوا قدر أيّام محرّم وعاشوراء، اغتنموا هذه الأيّام أيّما اغتنام. إنّ ذكر الحسين بن عليّ عليهما السلام وشهامته وتضحيته تهب لنا قوّة القلب والإرادة. لا نجد في كلّ التاريخ مثيلاً لتلك الشجاعة وتلك التضحية. وعلى الإخوة الأعزّاء قرّاء العزاء والعلماء المحترمين، إذا خطبوا وتحدّثوا بذكر المصيبة، أن يهتمّوا أكثر بجنبة التضحية والفداء وأن يستندوا إلى الدرس الذي يؤخذ منها.
 
إنّ عمل الإمام عليه السلام هو في الأساس درس لنا. يعلّمنا، نحن المسلمين، كيف ندافع عن ديننا. لم يقع أيّ واحد منّا حتّى الآن في ظروف الإمام الحسين عليه السلام. فهناك فرق كبير بين كربلاء (الحسين) وكربلاء خوزستان وإيران. ولا ترقى حادثة ولا قضيّة مرّ فيها الشعب الإيرانيّ مهما كانت مؤلمة ومرّة إلى شدّة وعظمة ومرارة واقعة الإمام الحسينعليه السلام ولن ترقى، لكن الإمام عليه السلام قاوم وصمد واستشهد بشجاعة ولم يتراجع. ينبغي أن نتعلّم ذلك. لقد تخلّى الإمام الحسين عليه السلام عن كلّ شيء في سبيل الإسلام. وهذا درس علينا أن نتعلّمه3.



1 أي عدم اعتبار الحجم والعدد معياراً في الحركة والانتصار.
2 في جمع من عناصر ومسؤولي فيلق الإمام الرضا عليه السلام, 23/5/1367ش- 14/8/1989 م.
3 في جمع من عناصر وقادة لواء قمر بني هاشم، 26/5/1367ش- 17/8/1989 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
240

185

الجرأة والشجاعة

 أهمّيّة الشجاعة في مواجهة نظام الظلم

توجد نقطة مهمّة - برأيي - ما لم نفهمها فإنّنا لن نقف على أهمّيّة عمل الإمام الحسين عليه السلام في أبعاده المختلفة، وهي أنّ ذلك النظام لم يكن له في ذلك اليوم نظير في الشدّة والقسوة، ولم يتوانَ عن ذلك - فيما لو نظرنا من جهة الاستقرار والاطمئنان الداخليّ لذلك النظام -، ولهذا السبب ترون أنّه في زمن معاوية، كان هناك من يعترض ويرفع الصوت، ولكن في حكومة ابنه يزيد التي دامت سنوات ثلاثاً1 أشاحوا بوجوههم - وخاصّة في السنة الأولى - عندما بدأ الإمام الحسينعليه السلام حركته العظيمة ولم ينبسوا ببنت شفة!
 
لماذا كان لدى بعضهم، الجرأة على رفع الصوت ومواجهة تلك القدرة السياسيّة التي كانت لمعاوية السياسيّ المحنّك والقويّ والذي كان يتّسع نفوذه ليشمل بلاداً واسعة مترامية الأطراف من أوروبا إلى أقصى آسيا الوسطى أي أطراف خراسان2؟ لماذا عُرف أشخاص في المراحل السابقة - أي في عهد الخلفاء السابقة ما خلا عهد أمير المؤمنين عليه السلام - قد استفادوا من امتيازات استثنائيّة، إلّا أنّهم سكتوا في زمن يزيد؟!
 
هذه الظاهرة جديرة بالتأمّل والاهتمام على الرغم من أنّ أشخاصاً - بعد ثورة كربلاء - كعبد الله بن الزبير كانوا قد نهضوا في مكان ما3، أو جماعة المدينة الذين ذهبوا إلى يزيد بهدف القضاء عليه4، إلّا أنّ كلّ 



1 تاريخ الطبريّ، ج4، ص383-384.
2 أطلس العالم، ص176.
3 أنساب الأشراف، ج5، ص319-320, تاريخ الطبريّ، ج4، ص348.
4 تاريخ اليعقوبيّ، ج2، ص250-251, أنساب الأشراف، ج5، ص332, إعلام الورى، ج1، ص96.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
241

186

الجرأة والشجاعة

 ذلك قد حصل بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام، فمع أنّ هؤلاء تحرّكوا، لكن قد قُضي عليهم وأُبيدوا.

 
حدثت واقعة "الحرّة" بعد سنتين، أو ثلاث1 حيث هجموا على المدينة - التي هي مركز الإسلام وفيها بيت الرسول وبيوت الخلفاء - بهذا الشكل2. كان الرعب والإرهاب والقسوة في عهد يزيد - خاصّة في السنة الأولى لعهده - شيئاً لا يوصف. لذلك نرى أشخاصاً لم يحرّكوا ساكناً أمثال العبادلة الثلاثة - ابن عبّاس، وابن جعفر، وابن الزبير نفسه - وغيرهم وغيرهم. ففي ظلّ ظروف كهذه - ومن المهمّ هنا فهم الظروف - نرى نظاماً بهذا الاستقرار والقوّة والنفوذ والانتشار، بحيث لم يجرؤ شخص ولو في أقصى الأطراف النائية، أن يرفع رأسه بوجهه، ولكن فجأة نرى شخصاً واحداً فقط يقف في مقابله ويدعوه للمواجهة بشجاعة. هذا هو الواقع السياسيّ الذي كان سائداً في قضيّة الإمام الحسين عليه السلام.
 
جوّ الرعب الحاكم وثورة الإمام الحسين عليه السلام
كانت سطوة النظام السلطويّ الباطل تزداد قسوة وفظاظة ووقاحة يوماً بعد يوم. لم يكن هناك مجال لأيّ أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. كان جوّ الرعب مسيطراً إلى الحدّ الذي جعل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ينأون بأنفسهم عنه. حتّى إنّ أشخاصاً كـ "عبد الله بن الزبير نفسه"،- من المعروفين بالجرأة والجسارة - كانوا يسعون إلى عدم الاصطدام بجهاز الخلافة، أي أنّ الأوضاع والأجواء كانت صعبة وقاسية جدّاً، بحيث إنّ شخصاً كعبد الله بن جعفر ابن أخي أمير



1 الفتوح، ج5، ص156, تذكرة الخواص، ص259-260.
2 في لقاء أعضاء لجنة مراسم ذكرى رحيل الإمام الخميني قدس سره 2/3/1375ش - 23/5/1997 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
242

187

الجرأة والشجاعة

 المؤمنين عليه السلام وصهره وزوج زينب عليها السلام1 كان يسعى للتقرّب من جهاز الخلافة، إذ لم يكن - أصلاً - غير هذا الشيء متصوّراً، وكذلك الأمر شخص كـ "عبد الله بن عبّاس" الذي انزوى ونأى بنفسه عن النّاس واختار الجلوس في زاوية. بمعنى أنّهم كانوا من أصحاب الفصاحة في اللسان ومن الشخصيّات البارزة وأبناء كبار "بني هاشم وقريش" ومن الشباب المعروفين في صدر الإسلام، وكلّ واحد منهم له تاريخ طويل من الإنجازات، هؤلاء لم يكن لديهم الجرأة لينزلوا إلى الميدان، فما بالك بعامّة النّاس؟!

 
ولم يكن الأمر كذلك في الشام فحسب، بل كان كذلك في المدينة أيضاً - فلكم أن تقارنوا وضع المدينة ببقيّة المناطق الأخرى التي لم يكن لها تلك الموقعيّة المركزيّة. هكذا كانت أوضاعها، ذلك الاختناق العجيب والغريب.
 
كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام ونهضته في ذلك الوقت لقمع تلك السلطة.
 
عدم اضطراب الإمام الحسين عليه السلام في ظروف الغربة
في كربلاء ذلك اليوم، عندما حاصره ثلاثون ألفاً من الأراذل والأوباش مع أصحابه الذين لم يبلغوا المائة2، وهدّدوه هو ومن معه من أعزّائه بالموت، كما هدّدوا نساءه وحرمه بالأسر، لم تبدُ على هذا الرجل الإلهيّ والعبد الربّانيّ العزيز في الإسلام ذرّةٌ من الاضطراب3.



1 الطبقات الكبرى، الخامسة2، ص5-6, الغارات، ج2، ص694.
2 الفتوح, ج5, ص101, الإرشاد, ج2, ص95, بحار الأنوار, ج45, ص4.
3 في خطبة صلاة الجمعة, طهران, 26/1/1379ش- 15/4/2001 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
243

188

الحكمة والصلابة

 حكمة زينب عليها السلام وصلابتها في ثورة عاشوراء

انظروا إلى زينب الكبرى عليها السلام، في الواقع لا يمكننا ترسيم أبعاد شخصيّة زينب الكبرى عليها السلام في بضع جمل، كما إنّ الحديث عنها في مطوّلات الكلام والشعر ليس ممكناً. 

على الإنسان أن يتعرّف إلى تلك الأوضاع والظروف وأن يلمسها وأن يدرك العمل الذي قامت به زينب عليها السلام ليفهم أيّ عظمة كانت لها عليها السلام! لا يمكننا أن نؤدّي حقّ زينب الكبرى من بعيد، باللسان وبالإشارة وبمثل هذه الكلمات. لننظر إلى أعماق شخصيّة امرأة تعلم أنّ هذا الجمع في طريقه إلى جهاد غير متكافئ، ولا انتصار ظاهريّاً ولا دنيويّاً فيه، ومع أنّها تعرف ذلك، فقد تحرّكت مع هذا الجمع، أي أنّها تحمّلت الأخطار.

ففي هذا السفر كان الخطر والشدائد. إضافة إلى الشدائد والأخطار، كان هناك شيء أهمّ وأكثر بكثير من المصاعب والمتاعب الشخصيّة، وهو المسؤوليّة.

كانت زينب الكبرى عليها السلام تدرك أنّه لو افتقدت أخاها الحسين عليه السلام فليس هناك شخص تليق به قيادة هذا الجمع ورعايته
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
247

189

الحكمة والصلابة

 وإدارته. فقد كان في انتظار هذا الجمع مصيرٌ فيه المرارة والتعقيد، ومع ذلك واجهت عباب أمواج البحر وأضحت كرجل بقابليّات علويّة، كأمير المؤمنين عليه السلام، كالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومثل أخيها الإمام الحسين نفسه عليه السلام، ودخلت هذا الميدان الصعب والشديد التعقيد. ثمّ في المراحل كلّها، أدّت دور حكيمِ شجاع قدير يمتاز بجاذبيّة باهرة. وكأنّها قد خطّطت لبرنامجها من قبل، وتحرّكت بناءً عليه خطوة خطوة، فلم تفاجئها الحوادث، وكأنّها قد تنبّأت بجميع هذه الحوادث وتوقّعتها ورأتها. وكان لديها لكلّ حادثة جوابها وعلاجها المناسب وعملت طبقاً لذلك. على سبيل المثال: ليلة عاشوراء، صباح العاشر، ظُهر العاشر، عصر العاشر، ليلة الحادي عشر، عندما التهمت النيران الخيام، أثناء الخروج من كربلاء مع جمع من النساء والأطفال بدون راع أو كفيل، ومع ابن أخ عليل لا يقوى على الوقوف أو الجلوس، كانت هكذا في مثل هذه الظروف وفي كلّ تلك الأوضاع. تكفي واحدة من التجارب التي كانت تواجه زينب ليل نهار، لو أنّها واجهت شخصاً في حياته واستطاع اتّخاذ القرار المناسب بوقته وأن يؤدّي ما عليه بشكل صحيح، فهو جدير بأن يُرفع ويمجَّد ويُمنح لوح فخار وافتخار، وأن يسجّل اسمه في التاريخ. فقد وقعت حوادث مهمّة عدّة في حياة هذه المرأة العظيمة وخلال مدّة قصيرة وقد تعاملت معها كلّها بحكمة وشجاعة وقوّة، وكان تعاملها مع هذه الأحداث باعثاً على التعجّب.


الصبر والحكمة في سلوك السيّدة زينب عليها السلام
عندما يُبتلى الإنسان بمصيبة ما فإنّه لا يستطيع القيام حتّى بأعماله اليوميّة. عندما يكون مضطرباً، يواجه مشكلة ما تجلس على صدره كجبل، 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
248

190

الحكمة والصلابة

 فهو يفتقد القوّة والنشاط حتّى لهذه الصلاة التي يريد القيام بها. ليس لديه قدرة على الحديث حتّى مع رفيق أو صديق، وإذا كان مشاركاً في جلسة مسامرة، فليس لديه الحَيْل والقوّة، وليس باستطاعته القيام بعمل. في ذلك الوقت، كانت هناك امرأة مع كلّ ذلك الحزن، مع جبال الغمّ الثقيلة، مع معاينتها لمقتل أولئك الرجال، وتلك الشدائد، استشهاد أبنائها، إخوتها، تشرذم عائلتها1، وقد أحاطت بها تلك الحادثة المرّة، ولم يكن هناك في العالم كلّه آنذاك عين تدمع لها أو تغتمّ لحالها، مثل ذلك الغمّ الكبير وتلك الحادثة القاسية والقاصمة للظهر يمكن أن يُحطِّما الكبار والعظماء، في ذلك الوقت تدافعت عشرات الحوادث القاسية والمرّة على امرأة، لكنّها إضافة إلى أنّها لم تضعف ولم تفقد صوابها، فهي لم تعجز أيضاً عن التصميم واتّخاذ القرار، بل أدارت الأمور وتدبّرت الأحوال على أفضل وجه، وبقيت بكامل قدرتها ومهارتها توجّه دفّة تلك السفينة التي تقطّعت وتحطّمت بفعل تلاطم أمواج عاتية، وتحافظ عليها وترعاها للوصول إلى المقصد المطلوب، هذه هي عظمة زينب2.

 
في ذلك العالم الصعب، بقدر ما كانت شهادة الحسين عليه السلام شامخة متألّقة وتختلف عن أيّة شهادة أخرى بدءاً من صدر الإسلام وإلى ذلك اليوم، ولا يمكن مقارنة أيّ يوم - لا في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا عصر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولا في زماننا - بيوم عاشوراء، كان لزينب عليها السلام ولحركتها ذلك القدر من العظمة أيضاً.



1 الإرشاد, ج2, ص125-126, الاستيعاب, ج1, ص396, بحار الأنوار, ج45, ص62-63.
2 في لقاء جمع من الممرّضات والأخوات بمناسبة يوم الممرّض, 15/10/1365ش- 5/1/1987 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
249

191

الحكمة والصلابة

 ليست عظمة زينب عليها السلام في صبرها وحسب، إنّما في اجتماع كلّ الخصوصيّات المتألّقة لإنسان عظيم وشخصيّات التاريخ العظيمة في هذه المرأة، إذ أوصلت هذا الحمل خلال تلك الأيّام الأخيرة من شهر محرّم حتّى رجوعها إلى المدينة وأودعت الأمانة وأتمّت مسؤوليّتها، حيث أدارت - خلال شهر أو شهرين1 - أعظم الحوادث على أفضل وجه وبحكمة متعالية، هي إنسانة ذات امتياز عظيم2. 




1 إقبال الأعمال, ج3, ص100, بحار الأنوار, ج98, ص334-335.
2 في لقاء جمع من الممرّضات والأخوات بمناسبة يوم الممرّض, 15/10/1365ش.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
250

192

طلب العزّة وصناعة المجد

 طلب العزّة وصناعة المجد

الإمام الحسين عليه السلام مظهر العزّة والفخار
الحسين بن عليّ عليهما السلام هو مظهر العزّة الحقيقيّة والنموذج التامّ للمجد والفخار، سواء بالنسبة إلينا نحن أسرى هذا النظام الماديّ في العالم، أو حتّى بالنسبة إلى الأبرار والصدّيقين في عالم الملكوت. الإمام الحسين عليه السلام مظهر العزّة، وهو الذي قال: "هيهات منّا الذلّة"1.2
 
الأبعاد الثلاثة للعزّة والفخر الحسينيّ
هذا العام3 هو عام "العزّة والمجد الحسينيّ"، فأيّة عزّة هذه، وأيّ مجد هذا؟ وبمَ هذا الفخار والمجد يا ترى؟ إنّ العارف بحركة الحسين بن عليّ عليهما السلام يدرك أيّ عزّة كانت هذه العزّة. يمكن لنا أن نطلّ على هذه النهضة الحسينية الكبرى التي خلّدها التاريخ، من خلال أبعاد ثلاثة تؤطّرها ثلاث رؤى. وإن ما يلفت الأنظار أكثر من غيره في كلّ من هذه الأبعاد هو الشعور بالعزّة والشموخ والفخر:
البعد الأوّل: هو ثورة الحقّ بوجه باطلٍ قويّ، وهذا ما قام به الإمام الحسين عليه السلام ونهضت به حركته الثوريّة الإصلاحيّة.



1 مثير الأحزان, ص39, بحار الأنوار, ج45, ص83, مع اختلاف بسيط في: تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص219.
2 بيان رأس السنة, وبيان النوروز, بداية العام 1381ش- 2002 م.
3 عام 1381ش. 2002م-.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
253

193

طلب العزّة وصناعة المجد

 والبعد الآخر: هو أنّ نهضة الحسين بن عليّ عليهما السلام كانت تجسيداً للمعنويّات والأخلاق. 


وما عدا الجانب الاجتماعيّ والسياسيّ والتحرّك الثوريّ والمواجهة الصريحة بين الحقّ والباطل، ثمّة ميدان آخر للصراع في هذه النهضة، وهو نفوس النّاس وسرائرهم وبواطنهم، فحيثما تراكمت نقاط الضعف والمطامع البشريّة والضّعة والشهوات والأهواء النفسيّة في كيان الإنسان صدّته عن المبادرة للخطوات الكبرى، وهذا ميدان حرب أيضاً، وهي حرب مضنية للغاية، وحيثما يقتفِ المؤمنون المضحّون من الرجال والنساء أثر الحسين بن عليّ عليهما السلام إذ ذاك تتضاءل في أعينهم الدنيا وما فيها من متع وزخارف في قبال الشعور بالتكليف، وتنتصر المعنويّات الكامنة المتبلورة في أعماق البشر وسرائرهم على جنود الشيطان القابعة في باطنهم - وهم جنود العقل والجهل الذين تذكرهم رواياتنا - وهكذا كانت غلبة العقل على الجهل في بواطن ثلّة من العظماء الأماجد الذين خُلّدوا أسوةً يُحتذى بها عبر التاريخ. (هذا هو البعد الثاني). 

والبعد الثالث: هو المصائب والفجائع والغصص والأحزان وحسرات القلوب التي تطبع يوم عاشوراء، وكثيراً ما تهيمن على النّاس. غير أنّ في هذا البعد الثالث عزّة ومجداً أيضاً، فعلى ذوي الفكر والرأي والنظر البحث في هذه الأبعاد الثلاثة. 

تبلور العزّة والمجد الحسينيّين في مواجهة الطاغوت المتسلّط 
ففي البعد الأوّل حيث قام الإمام الحسينعليه السلام بحركة ثورية، وكانت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
254

194

طلب العزّة وصناعة المجد

 مظهر العزّة والمجد، ولكن من هو الذي وقف في الجهة المقابلة للحسين بن عليّ عليهما السلام؟ إنّها تلك الحكومة الظالمة الفاسدة المنحرفة (المتجسّد عملها في): "يعمل في عباد الله بالجور والعدوان"1، العلامة الأساس لهذه الحكومة أنّها كانت تتعامل مع الأمّة الرّازحة تحت سلطتها ومع عباد الله وخلقه بالظلم والعدوان والغرور والتكبّر والأنانيّة والاستعباد. وهذه كانت هي الخصوصيّة البارزة لتلك الحكومة. فهي قد تنكّرت للمعنويّات والالتزام بحقوق النّاس. وكانت قد بدّلت الحكومة الإسلاميّة إلى تلك الحكومة الطاغوتيّة نفسها التي كانت سائدة في الأرض قبل الإسلام وخلال مختلف المراحل التاريخيّة، في حين أنّ من أبرز مزايا النظام الإسلاميّ هي الحكومة، وأنّ من أبرز مظاهر المجتمع المثاليّ الذي يريد الإسلام تشييده هو شكل الحكومة وطبيعتها وسيرة الحاكم. وكما عبّر شخصيّات بارزة في ذلك العصر أنّ سلاطين الجور كانوا قد بدّلوا الإمامة إلى سلطنة.

 
والإمامة إنّما تعني قيادة ركب الدّين والدّنيا، في قافلةٍ يسير فيها الجميع نحو هدف سامٍ وباتجاه واحدٍ، وهناك شخص يرشد الباقين، فإن ضلَّ أحدهم عن مسار القافلة انتشله وأعاده إليها، وإذا تعب أحدهم حثّه على مواصلة الطريق، وإن جُرحت قدم واحد منهم داواها، وهو من يرفد الجميع بالعون المعنويّ والماديّ، وهذا ما يُسمّى في الإصطلاح الإسلاميّ باسم "الإمام"، أي إمام الهدى، وأمّا السلطنة فهي في الجهة المقابلة. والسلطنة التي بمعنى الملكيّة الموروثة هي أحد أشكال السلطنة، لذلك لا يطلق على بعض السلاطين في العالم اسم سلطان، لكنّ بواطنهم سلطويّة



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص304, بحار الأنوار, ج4, ص382.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
255

195

طلب العزّة وصناعة المجد

 تختزن التسلّط على البشر، فأيّما شخص جاء وفي أيّة حقبة تاريخيّة - وأيّاً كان اسمه - إذا ما قابل شعبه أو الشعوب الأخرى بمنطق القوّة فذاك هو ما يسمّى "سلطنة".

 
وفي عهد الإمام الحسين عليه السلام بدّلوا الإمامة الإسلاميّة بذلك الشيء الذي: "يعمل في عباد الله بالجور والعدوان".
 
فكان أن انبرى الإمام الحسين عليه السلام لمقارعة هذا الوضع، وقد تمثّلت مقارعته هذه في البيان والإيضاح والهداية والتميّيز بين الحقّ والباطل، سواء في عصر يزيد أو في زمن من سبقه، غاية الأمر أنّ ما وقع في عهد يزيد وزاد عليه، أنّ إمام الجور والضلال والانحراف هذا كان يتوقّع من إمام الهدى الاعتراف بحكومته1! وهذا ما تعنيه "البيعة"، أن يبادر الإمام الحسين عليه السلام إلى إعلان تأييده لحكومة ذلك الجائر والاعتراف بها بدلاً من إرشاد النّاس وتوجيههم وبيان ضلال تلك الحكومة!
 
ومن هنا كان منطلق ثورة الإمام الحسينعليه السلام. ولولا تلك التوقّعات الهوجاء البلهاء من تلك الحكومة لكان ممكناً أن يرفع الإمام الحسين عليه السلام راية الهدى فيرشد الأمّة ويتكفّل هدايتها ويبيّن لها الحقائق - كما فعل الأئمّة عليهم السلام من بعده، ومثلما صنع هو في عهد معاوية أيضاً - ويستمرّ على ذلك، لكنّه على أثر الجهل والتكبّر والابتعاد عن الفضائل والمعنويّات الإنسانيّة تقدّم يزيد خطوة إلى الأمام وتوقّع من الإمام الحسين عليه السلام التوقيع على تلك الوثيقة السوداء القاضية باستبدال الإمامة الإسلاميّة بالسلطنة الطاغوتيّة، أي أن يبايع. لكنّ الإمام الحسين عليه السلام ردّ قائلاً: "مثلي لا يبايع مثله". فالحسين لا يصدر عنه



1 الكامل في التاريخ, ج4, ص14, اللهوف, ص16, بحار الأنوار, ج44, ص324.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
256

196

طلب العزّة وصناعة المجد

 هذا الاعتراف، يبقى إلى الأبد حامل راية الحقّ، وراية الحقّ لا تقف مع صفّ الباطل ولا تقبل صبغته، وذلك ما صرّح به الإمام الحسين بقوله: "هيهات منّا الذّلّة"1

 
كانت حركة الإمام الحسين عليه السلام حركة العزّة، أي عزّة الحقّ وعزّة الدّين وعزّة الإمامة وعزّة ذلك الدرب الذي رسمه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. لقد كان الإمام الحسين عليه السلام مظهراً للعزّة، وبصموده أضحى مصدراً للمجد والفخر، وهذه هي العزّة الحسينية والمجد الحسينيّ. قد يأتي من يطلق كلاماً ما هنا، لكنّه لا يصمد عليه، بل يعلن انسحابه، وهذا لا يسعه الافتخار، بل الفخر هو من نصيب الإنسان أو القوم أو الأمّة التي تقف عند حدّ ما تقوله، ولا تسمح للعواصف أن تُسقط تلك الراية التي ترفعها أو تقضي عليها، وتحافظ عليها بكلّ صلابة، ولقد حافظ الإمام الحسين عليه السلام على تلك الراية وصمد حتّى استُشهد أحبّاؤه وسُبيت عياله، وهذه هي العزّة والمجد في بُعد الحركة الثوريّة. 
 
تبلور العزّة والمجد الحسينيّين في الانتصار المعنويّ للإمام عليه السلام 
في بُعد تبلور المعنويّة، الأمر كذلك أيضاً. قد ذكرتُ مراراً أنّ الكثيرين كانوا يأتون الإمام الحسين عليه السلام ويلومونه على إصراره هذا، وهؤلاء لم يكونوا أُناساً طالحين أو من البسطاء، بل كانوا من عظماء الإسلام، لكنّهم أساؤوا الفهم وغلبت عليهم نوازع الضعف البشريّ، لذلك أرادوا للحسين بن عليّ عليهما السلام أن يستسلم لتلك النوازع! لكنّه لم يُغلب، وصبر. وكذلك جميع من كانوا مع الإمام الحسين عليه السلام ظفروا بالنّصر في هذا



1 اللهوف, ص59, بحار الأنوار, ج45, ص83, مع اختلاف بسيط: تاريخ مدينة دمشق, ج14, ص219.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
257

197

طلب العزّة وصناعة المجد

 الصراع الباطنيّ والمعنويّ، فـالنصر كان من نصيب تلك الأمّ التي أرسلت ابنها الشابّ إلى ساحة المعركة1 وهي فخورة مستبشرة. وذلك الشابّ الذي تخلّى عن لذائذ الدنيا الظاهريّة ودخل ميدان الجهاد والصراع هو المنتصر في هذه المعركة. وأولئك الشيوخ من قبيل: حبيب من مظاهر، ومسلم بن عوسجة الذين أعرضوا عن راحة الشيخوخة وأحضان الأسرة الدافئة وتجرّعوا الشدّة، هم المنتصرون في هذا الصراع الباطنيّ والمعنوي، وذلك القائد الشجاع - الحرّ بن يزيد الرياحيّ - الذي كان يتبوّأ منزلة لدى الأعداء ولكنّه أعرض عنها والتحق2 بالحسين بن عليّ عليهما السلام كلّ أولئك هم المنتصرون في هذه المعركة. 

 
إنّ أولئك الذين انتصروا في ذلك اليوم في الصراع المعنويّ بين فضائل الأخلاق ورذائلها، وأولئك الذين استطاعوا - يومها - تغليب جنود العقل على جنود الجهل، كانوا قلّة قليلة، لكنّ وجودهم وصمودهم وثباتهم على الاستقامة في ميدان الشرف كانت هي التي حدتْ بالملايين على مرّ التاريخ إلى استلهام الدروس منهم واقتفاء ذات الدرب، فلو أنّ هؤلاء لم يغلّبوا الفضيلة على الرذيلة في وجودهم، لجفّت شجرة الفضيلة عبر التاريخ، إلّا أنّ هؤلاء كانوا هم من سقوا هذه الشجرة.
 
تبلور العزّة والمجد الحسينيّين في ساحات عاشوراء المثقلة بالمصائب
أمّا على صعيد البعد الثالث الذي يمثّل صورة الفاجعة في عاشوراء، يمكن أيضاً مشاهدة ملامح العزّة والشموخ والفخر، فعلى الرغم من



1 مقتل الحسين عليه السلام, الخوارزميّ, ج2, ص25, بحار الأنوار, ج45, ص27.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص324-325, الأمالي, الصدوق, ص223-224, بحار الأنوار, ج45, ص10-11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
258

198

طلب العزّة وصناعة المجد

 المصيبة والاستشهاد، وعلى الرغم من أنّ استشهاد أيّ من شباب بني هاشم وأطفالهم وصغارهم والأنصار الطاعنين بالسنّ إلى جانب أبي عبد الله الحسين عليه السلام يعدّ مصيبة وفاجعة كبرى، إلّا أنّ كلّ واحدة منها نالتْ جوهرة العزّة والمجد. 

 
من هو مظهر الشابّ المضحيّ في كربلاء؟ إنّه عليّ الأكبر بن الإمام الحسين عليه السلام ذلك الشابّ الذي كان متألّقاً وأنموذجاً بين شباب بني هاشم، الشابّ الذي اجتمع فيه الجمال الظاهريّ والباطنيّ وحاز المعرفة الممزوجة بالشجاعة والتضحية.. لقد كان شابّاً من هذا النوع، وإنّ معرفته بالإمامة الحقّة والولاية لأبيه الحسين بن عليّ عليهما السلام واستعداده لمبارزة عدوّه الشقيّ، هما اللذان دفعا بهذا الشابّ الأوحديّ المتألّق إلى ساحة المعركة، ليرجع إليهم جسداً مضرّجاً بدمائه على مرأى من أبيه والنسوة اللاتي كنَّ يضطربن قلقاً عليه1، مثل هذه المصيبة وهذا العزاء لم يكونا سهلَيْن، لكن تقدّم هذا الشابّ نحو الميدان وهذا الاستعداد للجهاد من قبله هو أمثولة عزّة وعظمة وافتخار بالنسبة إلى المسلم، وهو تجسيد لقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾2. فمظهر العزّة أن يكرّس المسلم طاقته ونشاطه وشبابه لهدفه ومبدئه السامي، وذلك في غاية الأهمّيّة. وإنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام بإرساله هذا الشابّ إلى ساحة المعركة قد جسّد بدوره العزّة المعنويّة، أي أنّ الإمام الحسين عليه السلام حافظ بقوّة على اللواء الشامخ الذي رفعه، وهو لواء الإباء وحاكميّة الإسلام، لواء التمييز بين الإمامة الإسلاميّة والسلطنة الطاغوتيّة، إنّه بذلك يحافظ على هذا اللواء بقوّة وإن كان ثمنه روح ابنه الحبيب. 



1 مقاتل الطالبيّين, ص115, الإرشاد, ج2, ص106-107, بحار الأنوار, ج45, ص42-44.
2 سورة المنافقون, الآية: 8.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
259

199

طلب العزّة وصناعة المجد

 لم يكن الإمام الحسين عليه السلام يسارع في إعطاء الإذن لأيّ من صحبه وأنصاره عندما كانوا يأتون ويستأذنونه للتوجّه إلى ساحة المعركة والبراز، بل كان يمانع خروج بعضهم1 ويشير على آخرين بالانصراف من كربلاء كلّيّاً2، وهكذا كان يتصرّف سواء مع شباب بني هاشم أو مع الأصحاب، ولكن لمّا أتاه حبيبه وولده الغالي عليٌّ الأكبر يستأذنه للبروز إلى المعركة لم يتوانَ عليه السلام لحظة وسرعان ما أَذِنَ له3، وهنا يتسنّى إدراك معرفة الابن وعظمة مقام الأبّ.

 
عندما كان الأصحاب على قيد الحياة، كانوا لا يسمحون لبني هاشم بالتوجّه إلى ساحة المعركة قائلين لهم: نحن فداكم، ولم يسمحوا لأبناء أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام بالبروز إلى الميدان، بل كانوا يقولون: نحن الذين نبرز أوّلاً، فإذا قُتلنا ابرزوا أنتم إن شئتم4- في ذلك الوقت كان أوّل من تقدّم مستأذناً هو ذلك الشاب العارف بمسؤوليّته (عليّ الأكبر) وهو ابن الإمام وأقرب النّاس إليه، فهو إذاً أحقّ من الجميع بالشهادة، فتقدّم لها.
 
هنا يتجلّى مظهر من مظاهر الإمامة الإسلاميّة، فهذا ليس محلّاً ليتمّ فيه مقاسمة الدنيا والمنافع الماديّة والأرباح الاقتصاديّة والشهوات النفسيّة، بل هو موقع الجهاد والشدّة، وأوّل المتقدّمين هو عليّ بن الحسين الأكبر، وهنا تظهر"معرفة" هذا الشابّ، وقد قابله الإمام الحسين عليه السلام بإظهار عظمته الروحيّة، فبمجرّد أن طلب منه الإذن سمح له الإمام 



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص326, مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج2, ص31, بحار الأنوار, ج45, ص27.
2 الطبقات الكبرى, الخامسة 1, ص468, مثير الأحزان, ص47, بحار الأنوار, ج45, ص22-23.
3 اللهوف, ص47.
4 مقتل الحسين, المقرّم, ص226-227, و257.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
260

200

طلب العزّة وصناعة المجد

 الحسين عليه السلام بالبروز إلى الميدان، وفي ذلك عبرة لنا. وهذه هي الدروس الخالدة عبر التاريخ والمواقف التي تحتاج إليها البشريّة في حاضرها ومستقبلها.

 
فـما دامت أنانيّة الإنسان هي الغالبة عليه فهو يزداد خطراً كلّما ازدادت قدرته العمليّة، وما دامت الأهواء النفسيّة هي الطاغية على الإنسان وكان يسعى للاستحواذ على كلّ شيء، فكلّما ازداد قدرةً أصبح أكثر خطراً ووحشيّة وأذيّة، وها أنتم تشاهدون نماذج ذلك في العالم. 
 
إنّ إبداع الإسلام يتمثّل في أنّه يختار من يتسلّقون سلَّم السلطة من بين الذين أفلحوا في خوض الامتحان وبلوغ النجاح في بعض مراحله على أقلّ تقدير، فالشرط الذي يضعه الإسلام لتسنّم المناصب هو التجرّد عن الكثير من هذه الأهواء والنوازع.1



1 في لقاء حشود كبيرة من المشاركين في "راهيان نور" وجموع من مختلف أطياف الشعب, في معسكر "دو كوهة", 9/1/1381ش - 29/3/2003 م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
261

201

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 عندما يمعن الإنسان النظر في واقعة عاشوراء فإنّه سيجد أنّه قد اجتمع فيها عدد من الجوانب التي ربّما لا تبدو متلائمة فيما بينها إلى حدٍّ كبير.

 
ينبغي لنا أن نلاحظ جيّداً المشاعر الإنسانيّة الصادقة التي تجلّت بوضوح في واقعة كربلاء. وإنّها لمفارقة جديرة بالاهتمام والملاحظة أن نجد العواطف والمشاعر حاكمة ومسيطرة في قضيّة هي على هذا القدر من الجدّيّة. في مثل هذا النوع من القضايا، يعمل الإنسان عادة من أجل أن يضمّ إلى معسكره وإلى صفوف جنده أيّ جنديّ ومقاتل. لكنّنا وجدنا أن الإمام الحسين عليه السلام يعطي الرخصة لجميع المقاتلين الذين كانوا معه1، بل هو أساساً لم يعمل على أن يحشد المقاتلين أو على أن يجمع جيشاً، بل قال: "ومن كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا"2.
 
والآن أنظروا جيّداً! هذا في حدِّ نفسه يشكّل عنصراً إضافيّاً من مكوّنات هذه الملحمة. ولو أنّنا دقّقنا وأعملنا النظر في هذه النهضة الكبرى التي أحدثها سيّد الشهداء عليه السلام لوجدنا فيها العديد من النقاط والعناصر المضيئة، والتي تجعل من هذه القضيّة، بما آلت إليه من أحداث عجيبة 



1 الأمالي, الصدوق, ص220, الكامل في التاريخ, ج4, ص57-58, بحار الأنوار, ج44, ص292-293.
2 بحار الأنوار, ج44, ص367, اللهوف, ص38. نزهة الناظر وتنبيه الخاطر, ص86.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
265

202

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 ومواقف بطوليّة خالدة سطّرتها لاحقاً أسرة الإمام الحسين عليه السلام، من إخوته وبناته ومن بقي من أولاده، تجعل منها قضيّة استثنائيّة لا قبل للزمان بمثلها1.

 
عاشوراء بين المنطق والملحمة والعاطفة
إنّ ما نقوله حول قضيّة عاشوراء - وهو في الحقيقة لا يعدو كونه سطراً واحداً في كتاب أو سِفر كبير الحجم - هو أنّ عاشوراء ليست مجرّد واقعة من وقائع التاريخ. عاشوراء ثقافة، ومدرسة ونهج مستمرّ ومتواصل، وأنموذج حيّ تستلهم منه الأمّة الإسلاميّة على الدوام. وقد تمكّن أبو عبد الله الحسين عليه السلام، من خلال هذا التحرّك الذي قام به، والذي كان في ذلك الوقت يمتلك مبرّراته العقلائيّة والمنطقيّة الواضحة والشفّافة، تمكّن من أن يقدّم للأمّة الإسلاميّة خير مثال تحتذي به وتهتدي بهداه. هذا الأنموذج والمثال لا ينحصر أيضاً في الشهادة، بل هو أمر آخر مركّب، أكثر تعقيداً، وأبعد غوراً. وذلك أن هناك عناصر ثلاثة كان لها حضور فاعل في حركة سيّد الشهداء عليه السلام، وهذه العناصر هي: عنصر المنطق والعقل، عنصر العزّة والحماسة، عنصر العاطفة. 
 
عنصر المنطق والعقل في ثورة عاشوراء
يتجلّى عنصر المنطق والعقل في هذه النهضة من خلال كلمات ذلك العظيم، فكلّ جملة وكلّ فقرة من كلماته النورانيّة التي نطق بها عليه السلام - قبل نهضته، عندما كان في المدينة، وإلى يوم شهادته - تُظهر منطق متيناً. خلاصته: أنّه عندما تتوفّر الظروف المناسبة يتوجَّب على المسلم



1 في لقاء أعضاء لجنة إحياء ذكرى رحيل الإمام الخميني قدس سره 2/3/1375ش- 23/5/1997 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
266

203

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 (النهوض)، سواء أدّى ذلك إلى مخاطر جسيمة أم لا. 

 
وإنَّ أعظم المخاطر يتمثّل في أن يقدّم الإنسان نفسه وأعزّاءه وأهل بيته المقرّبين - زوجته وأخواته وأولاده وبناته - إلى ساحة المعركة وجعلهم في معرض السبي على طبق الإخلاص. إنَّ مواقف عاشوراء هذه أصبحت أمراً طبيعيّاً عندنا، لكثرة تكرراها، مع أنَّ كلّ موقف من هذه المواقف يهزّ الأعماق.
 
بناءً على ذلك، فحتّى مع وجود خطر إلى هذا المستوى، عندما تتوفّر الشروط المتناسبة مع هذه المخاطر، على الإنسان أن يؤدّي وظيفته، وأن لا يمنعه عن إكمال مسيرته التعلّق بالدنيا والاحتياط والتحفّظ وطلب الملذّات والخلود إلى الراحة الجسديّة، بل عليه أن يتحرّك لأداء وظيفته. فلو تقاعس عن الحركة، فإيمانه وإسلامه ليسا في محلّهما.
 
"إنّ رسول ‏الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ولم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله"1.
 
هذا هو المنطق، فـلو أنّ أصل الدّين تعرّض لخطر - كما حصل في فاجعة كربلاء - ولم يُغيّر ذلك بقول أو فعل، كان حقّاً على الله أن يبتلي الإنسان غير المبالي وغير الملتزم، بما يُبتلى به العدوّ المستكبر والظالم.
 
لقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام هذه المسؤوليّة من خلال كلماته المختلفة - في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وفي أماكن كثيرة خلال مسيره، وبيّن ذلك في وصيّته إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة2. لقد كان 



1 تاريخ الطبريّ, ج4, ص304.
2 بحار الأنوار, ج44, ص329-330.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
267

204

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 الإمام الحسين عليه السلام على علم بعاقبة هذا الأمر، وينبغي أن لا يُتوهّم أنَّ الإمام عليه السلام كان قد علّق آماله للحصول على السلطة - وإن كانت هذه السلطة من الأهداف المقدّسة - وأنّه تحرّك من أجل ذلك، كلّا، فلا ينبغي أن تجرّنا رؤية فكريّة كهذه إلى الاعتقاد بذلك، فعاقبة هذا الطريق متوقّعة وواضحة طبق الحسابات الدقيقة للإمام الحسين عليه السلام من زاوية الرؤية الإماميّة، إلّا أنّ المسألة على قدر كبير من الأهمّيّة، حتّى عندما يقف شخص بعظمة روح الإمام الحسين عليه السلام في مقابل هذه المسالة، يجب أن يقدّم نفسه على طبق الإخلاص ويجرّها إلى ساحة الحرب، وهذا يعتبر درساً عمليّاً بالنسبة إلى المسلمين إلى يوم القيامة، وليس درساً نظريّاً يُكتب على لوحٍ أسود ثمّ يُمحى، كلّا، فقد خُطَّ هذا النهج بأمر إلهيّ على جبين التاريخ، ونودي به، وآتى ثماره إلى يومنا هذا.

 
إنّ ثورة الإمام الخميني قدس سره في محرّم عام 1963م التي نتجت منها واقعة الخامس عشر من خرداد العظيمة، استلهمت من ثمار التطبيق العمليّ لدرس عاشوراء، وكذلك في محرّم 1978م استلهم إمامنا العزيز نهضته منها حيث قال: (لقد انتصر الدم على السيف)1. وأدّت هذه الحادثة التاريخيّة - التي ليس لها نظير في التاريخ - إلى انتصار الثورة الإسلاميّة. 
 
هذا ما تحقّق في عصرنا، وأمام أعيننا، وإنَّ راية الفتح والظفر التي حملها الإمام الحسين عليه السلام ماثلة للشعوب على مرّ التاريخ، ولا بدّ أن تكون كذلك في المستقبل، وهو ما سوف يكون إن شاء الله تعالى. هذا هو جانب المنطق العقلائيّ في حركة الإمام الحسين عليه السلام والاستدلال



1 صحيفة الإمام, ج5, ص75.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
268

205

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 عليه. لذلك لا يمكن لنظرة عاطفيّة صرفة أن تبيّن وتفسّر حركة الإمام الحسين عليه السلام.

 
العنصر الثاني في ثورة عاشوراء، الملحميّة والعزّة
العنصر الثاني: الحماسة (الملحميّة)، أي أنَّ العملية الجهاديّة الملقاة على عاتقنا، يجب أن تقترن بالعزّة الإسلاميّة، لأنَّ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾1، وعلى المسلمين في الوقت عينه الذي يتحرّكون فيه نحو الهدف ويتحمّلون المسؤوليّة الجهاديّة، أن يحافظوا على عزّتهم وعزّة الإسلام، ولا بدّ أن يتحلّى الشخص بسمات الشموخ والعزّة في أشدّ الأزمات.
 
فلو نظرنا إلى الصراعات السياسيّة والعسكريّة المختلفة في تاريخنا المعاصر، فسنجد أنّه حتّى أولئك الذين كانوا يمتشقون السلاح ويواجهون الحرب بأبدانهم، يُعرِّضون أنفسهم أحياناً لمواقف الذلّة، إلّا أنّ هذه المسألة ليس لها وجود في فلسفة عاشوراء، فعندما كان الإمام الحسين عليه السلام يطلب أن يمهلوه ليلة واحدة2، فهو كان يطلبها من موقع العزّة، وفي الوقت الذي كان يقول: (هل من ناصرٍ ينصرنا)3 - يطلب النصرة - كان يطلبها من موقع العزّة والاقتدار، وعندما تلتقي به الشخصيّات المختلفة في الطريق بين المدينة والكوفة، ويكلّمهم ويطلب النّصرة من بعضهم4، لم يكن ذلك من موقع الضعف وعدم القدرة، وهذا أحد العناصر البارزة في نهضة عاشوراء.



1 سورة المنافقون, الآية: 8.
2 تاريخ الطبريّ, ج4, ص315-317, الإرشاد, ج2, ص90-91, بحار الأنوار, ج44, ص391-392.
3 المنتخب للطريحيّ, ج2, 379.
4 أنساب الأشراف,ج3, ص174-175, تاريخ الطبريّ, ج4, ص298-299, روضة الواعظين, ص178, بحار الأنوار, ج44, ص315و 371-373.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
269

206

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 وهذا العنصر ينبغي أن يُطبّق في جميع الأعمال الجهاديّة المدرجة على جدول أعمال السالكين على طريق النهضة الحسينيّة، وأن تكون جميع الأعمال والمواقف الجهادية- سواء كانت سياسيّة، أو إعلاميّة، أو المواقف التي تستدعي التضحية بالنفس - منطلقة من موقف العزّة1.

 
العنصر الثالث: العاطفة
العنصر الثالث: العاطفة، أي أنّه قد أصبح للعاطفة دورٌ مصيريٌّ مؤثّرٌ جدّاً في واقعة كربلاء نفسها وفي استمرارها، أدّى إلى إيجاد برزخٍ بين الثورة الحسينيّة والشيعيّة من جهة وبين الثورات الأخرى من جهة ثانية، فواقعة كربلاء ليست قضيّة جافّة ومقتصرة على الاستدلال المنطقيّ فحسب، بل قضيّة ترافق معها العشق، الحبّ، والعاطفة والشفقة والبكاء. فقوّة العاطفة قوّة مهمّة، ولهذا أُمرنا بالبكاء والتباكي، وتفصيل جوانب الفاجعة2. ولقد كانت زينب الكبرى عليها السلام تخطب في الكوفة3 والشام4 خطباً منطقيّة، إلّا أنّها كانت تقيم مآتم العزاء في الوقت عينه، وقد كان الإمام السجّاد عليه السلام بتلك القوّة والصلابة5 ينزل كالصاعقة على رؤوس بني أميّة عندما يصعد المنبر، إلّا أنّه كان يعقد مجالس العزاء في الوقت نفسه.
 
إنَّ مجالس العزاء مستمرّة إلى يومنا هذا، ولا بدّ أن تستمرّ إلى الأبد،



1 في لقاء العلماء والمبلّغين على عتبة قدوم شهر محرّم الحرام, 5/11/1384ش- 25/1/2006 م.
2 كامل الزيارات, ص201-211.
3 تاريخ الطبريّ, ج4, ص121-122, الأمالي, المفيد, ص321-323, مثير الأحزان, ص70-71, بحار الأنوار,ج45, ص108-110و115 116.
4 بلاغات النساء, ص21-23, الاحتجاج, ج2, ص34-37, بحار الأنوار,ج 45, ص132-135.
5 الفتوح, ج5, ص132-133, مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج2, ص76-78, بحار الأنوار, ج45, ص137-139.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
270

207

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 لأجل استقطاب العواطف. فمن خلال أجواء العاطفة والمحبّة والعشق يمكن أن تُفهم كثير من الحقائق، التي يصعب فهمها خارج نطاق هذه الأجواء.

 
هذه العناصر الثلاثة هي العناصر الأساس التي قامت عليها نهضة عاشوراء الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام. هذا على مستوى الكلام والتحليل، وزاوية من زوايا عاشوراء الحسين عليه السلام، إلّا أنّ هذه الزاوية تمثّل لنا دروساً عمليّةً كثيرةً1.
 
عدم تضييع الهدف
لقد وصل الإمام الخميني قدس سره نهضته بنهضة الإمام الحسين عليه السلام من البداية، ونظر إلى أحداث وقضيّة إيران بالمنظار الحسينيّ. فهو افترض أنّه لو قام وتحرّك ولم يجبه أحد، فماذا سيحدث؟ بالطبع كان على ثقة بأنّ الشعب سيجيبه. هذه إحدى خصوصيّات الإمام قدس سره حيث كشف حقيقةً لم يكن أحدٌ حتّى ذلك اليوم قد عمل على كشفها. مع هذا كلّه، فلو أنّ أحداً لم ينهض مع الإمام لمضى في طريقه حتّى لو بقي وحيداً. وقد أشار مرّات عدّة إلى هذه القضيّة. كلّ من يعرف طبيعة الإمام، كان يعلم أنّه قد استعدّ لحمل عبء النهضة والثورة حتّى لو بقي وحيداً.
 
لقد بلّغ الإمام الخمينيّ قدس سره أهمّ رسالة في قضيّة عاشوراء وقد استفاد أيّما استفادة من مراسم العزاء في محرّم. في أحداث العام 1963، كنت أنا من جملة الذين حملوا رسالته إلى جماعة من علماء مشهد - وفي الواقع



1 في لقاء العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم الحرام, 5/11/1384ش -25/1/2006 م.



 
 
 
 
 
 
 
 
271

208

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 إلى أهل مشهد - وذهبت إلى المدينة حينها. كان قد أصدر بيانات ثلاثة لتصل إلى علماء مشهد. اثنان منها كانا مرتبطين بجميع العلماء وواحد كان موجّهاً إلى اثنين من العلماء البارزين في مشهد آنذاك، حيث كان من المفترض تسليمهما البيان وحسب. وقد ذهبت لمقابلة هذين العالمين وسلّمتهما الرسالة بعد حديث خاصّ معهما. كانت الرسالة متعلّقة بالتحرّك خلال أيّام محرّم العشرة وربط النهضة بمحرّم وعاشوراء. وقد فهمت أنّ هذين العالمين لم يكن لديهما رؤية واضحة ولم يكونا على اطّلاع واسع على المسألة. وهذا كان واضحاً مع أنّهما كانا مشاركين في النهضة ومساهمين فيها، أي أنّهما في المواجهة لم يكونا مقصّرين، لكن المسألة أنّه لم يكن لديهما الفهم الدقيق والواضح حول يوم السابع من محرّم ولم يكن لهما مشاركة فيما كان على أهل المنبر أن يقولوه يوم السابع من محرّم على منابرهم فيما خصّ الأحداث التي جرت في مدرسة الفيضيّة، وفيما كان على قرّاء العزاء أن يقيموه يوم التاسع من محرّم من مجالس العزاء واللطم والرثاء لما جرى في تلك المدرسة. كانت رسالة الإمام لهذين العالمين تتمحور حول ماينبغي فعله يومي السابع والتاسع من محرّم. هذا هو البيان، وأمّا الجواب الذي قدّمه أحدهما فقد كان فيه أحداث وتفاصيل كثيرة. وفي ذروة أحداث تلك السنة، أحداث محرّم وتسارع حوادث محرّم وذلك البيان العجيب الذي كان في الواقع حسينيّاً بامتياز.


كانت العناصر الموجودة في شخصيّة الإمام قدس سره عناصر مستخلصة ومرسومة من العناصر الحسينيّة نفسها. نحن لا نريد القول إنّ الإمام كان مثل الإمام الحسين عليه السلام. لقد كان إمامنا من أشياع الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه، إلّا أنّ مثل تلك العناصر كان موجوداً في هذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
272

209

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 العظيم أيضاً: عنصر الوضوح، عنصر الإخلاص، عنصر العاطفة والمحبّة، عنصر الاستقامة وعدم الانحراف عن الطريق، عنصر الشجاعة والمواجهة ضدّ النظام المتسلّط، كلّها عناصر كانت موجودة في ثورة عاشوراء وكلّها كانت موجودة أيضاً في شخصيّة الإمام الخمينيّ. ينبغي أن نطّلع في هذه الدائرة على تفاصيل أحداث الثورة، وأن نشاهد أحداثها. ولو حصل ذلك، فالنتيجة بالنسبة إلينا، بالدرجة الأولى، هي أنّنا لن نضيّع طريقنا ولن نضلّه.. هذا هو المهمّ. في غالبيّة الثورات الكبيرة والحركات المختلفة، كان يحصل انحراف عن الطريق بعد مضي مدّة من الزمن. ويحصل أن ينحرف المسار بسبب الحوادث التي تحدث قهراً، وهو أمر لا مفرّ منه. فوجود السياسة، المواجهة، القضايا العالميّة، التأثير والتأثّر المتبادل، ذهاب شخص ومجيء آخر، اختلاف السلائق الذهنيّة والفكريّة، كلّ تلك العوامل أو واحد منها كانت تؤدّي إلى التذبذب والتلوّن في الثورات والحركات.


كنت فيما مضى في أيّام الشباب، كثيراً ما أتردّد إلى الجبال والصحارى وأصعد الارتفاعات المختلفة. أثناء صعود الجبل يأتي وقت لا يعود بإمكانك أن ترى الطريق الذي سلكته. وقد يخطر في البال أنّه لا طريق أصلاً وقد انمحت. وأينما نظرت لا ترَهُ. هنا ينبغي التدقيق في النظر حتّى يعثر متسلّق الجبل على الطريق. وإنّ جزءاً مهمّاً من دقّة النظر هنا يكمن في أن يرجع هنا المتسلّق قليلاً إلى الخلف ليتحقّق من أين جاء. وهناك جزءٌ آخر من دقّة النظر، وهو أن يشخّص جيّداً - ومنذ البداية - الطريق الموصل إلى المقصد مع وجود المنعطفات والمنحدرات الكثيرة. حينها يمكنه أن يقطع الطريق بوضوح. وحينما يجد الطريق يرى ويفهم أنّها كانت واضحة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
273

210

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 ومشخّصة منذ بداية المسير، ولكنّه لسبب ما - مثلاً: ضعف الباصرة لديه أو ضعف القدرة على التشخيص- تصوّر أنّها قد انمحت. 

 
تحدث هذه الحالة في كلّ الثورات والأحداث الاجتماعيّة وفي جميع حالات تغيُّر الأنظمة. وهذه ليست حالة غير معلومة أو مجهولة، ومن يدقّق في كلمات الإمام الخمينيّ ورسائله سيجد أنّه كان ملتفتاً ومهتمّاً بهذه الحالة. يقول الإمام ما يقرب من هذا التحليل: "أخشى أن يأتي يوم تقول فيه النّاس: لماذا ذهبتم واستوليتم على السفارة الأمريكيّة (في طهران)؟ أو لماذا يقوم ذلك الشخص بهذا العمل؟ أو لماذا قمتم بالحرب؟". كان ملتفتاً إلى هذا المعنى. أي الإشارة إلى مرحلة عدم وضوح المحجّة وعدم جلاء الطريق. 
 
هذه الحالة تحدث في الثورات كلّها وهي أمر طبيعيّ، لا ينبغي أن نتعجّب كثيراً أنّه لو حصل عدم وضوح أحياناً في بعض الأمور ماذا سنفعل؟ إلى أين نذهب؟ في هذه الحادثة الخطرة، في هذه الزلزلة العظيمة، في هذا التهديد الكبير، ما هو الخيار الذي سنعمل به؟ هذه حالة تحدث عادة! أقول إنّ أسبابها عديدة. هذا الذي أشرنا إليه هو العوامل الإيجابيّة والمثبتة كما قلت سابقاً: قد يذهب شخص ويأتي آخر، أو أنّه قد تحدث حادثة غير معروفة.
 
والمثال البارز على ذلك، في بلدنا وفي ثورتنا: الحرب المفروضة. الحمد لله أنّ هذه الحرب قد بدأت في زمن الإمام (رضوان الله عليه) وانتهت في زمن الإمام. وإلّا لو لم تبدأ في زمن الإمام ووقعت بعد رحيله لحدثت فوضى في الآراء والكلمات "هل ندافع؟ وأصلاً هل نرسل قوّاتنا؟ هل نتفاوض مع العراق؟ كيف يمكن أن نعطي جزءاً من خرّمشهر،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
274

211

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 لتذهب؟..". وأيضاً لو لم تنتهِ الحرب في زمن الإمام. لسمعنا هذا الكلام: "كيف ننهيها؟ هل نوقفها؟ لا نوقفها؟" إلى غير ذلك من الكلام ذلك أنّه تظهر في العادة مثل هذه الأسئلة في حياة أيّ شعب.

 
حسناً، ما هو العامل الذي يمكن أن ينجي الإنسان؟ وبالتالي ألا يوجد منظار أو مجهر أو نور يرشد الإنسان إلى الطريق؟ بلى، يوجد. فـالعامل والنور الذي ينبغي أن يدلّنا على الطريق هو طبيعة هذه الحركة. فما هي طبيعة هذه الحركة؟ هل هي طبيعة حسينيّة؟ جيّد، هذه في نفسها لها معنىً وقيمة. فإذا ما استخلصنا من كلمات الإمام، من حوادث الثورة، من مصادر الثورة ومتونها، من بيّنات الثورة والنهضة، من محكمات آيات الثورة، من متشابهاتها، استخلصنا وفهمنا أنّ هذه الحركة هي حركة حسينيّة، وأنّها حركة قائمة على أنّ على الإنسان أن يلحظ هدفاً ثمّ يشقّ طريقه إليه بكلّ وجوده وبكلّ إخلاص وسعي ممكن وما أوتي من قوّة وأن يمضي بهذا الطريق.
 
بالطبع، الحركة باتجاه ما.. ليست بمعنى الخطأ والعمل غير العقلانيّ والحكيم، ليست بمعنى ممارسة الخداع السياسيّ والحدّة، فهذه واضحة ومعلومة ومحفوظة في مكانها! إلّا أنّه لا ينبغي الغفلة عن هذا الهدف للحظة واحدة.
 
عندما تستقلّون سيارة، وتنطلقون في طريق. عندما تركبون قطاراً وتسيرون باتجاه مقصد وتنطلقون شرقاً، فلو رأيتم أنّ السيارة قد غيّرت مسارها باتجاه الغرب مثلاً، ألا يجب أن توقفوا السيارة وتترجّلوا وتسألوا: "ألا نسير باتّجاه الشرق؟" هذا الفعل يسمّى تكتيكاً بالاصطلاح المعاصر، وبِلُغتنا نحن هو أسلوب وكيفيّة سلوك الطريق. ولأنّنا لا نستطيع العبور من
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
275

212

حاكميّة المشاعر والعواطف في كربلاء

 وسط الجبل نضطرّ للعبور من جانبه أو على سفحه. وفي كلّ حال توصلنا هذه الحركة إلى الطرف الآخر من الجبل. إن نرَ جبلاً واقعاً أمامنا لا ينبغي لنا القول: "الآن لم يبق طريق للوصول إلى تلك الجهة من الجبل". لا ينبغي أن نضلّ الطريق. لا ينبغي أن نغيّر الهدف وأن نبدّل القيم. افرضوا أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان يواجه يزيدَ ويقول: "هذا يزيد" لا يمكن أن يكون في رأس السلطة. عندما يكون شخص مثل يزيد على رأس الحكومة - أيّ يزيد كان، فلا شأن لنا بشخص يزيد - فـ "على الإسلام السلام:1 ومعنى "على الإسلام السلام" أي "يذهب الإسلام ونودّعه ونقول له مع السلامة" هذا، وقد بدا واضحاً أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يرِد أن يقول: "على الإسلام السلام"، وإنّما أراد حفظ الإسلام، لذلك كان ينبغي النهوض لمواجهة يزيد.

 
فالآن لو اعتبرنا أنّ مواجهة يزيد هي هدف قريب ومن الدرجة الثانية لأنّه كان شديداً وقاسياً، لنقل: كنّا نريد المواجهة ولكن لأنّه صعّب الأمر واشتدّ، فلا نواجهه وفي مقابل ذلك نذهب إلى مواجهة إمبراطور الرومان! فهل هذا صحيح؟! هل هذا حفظ للطريق؟ وحفظ للهدف؟ لم يقم الإمام الحسين عليه السلام بمثل هذا العمل2.



1 الفتوح، ج5، ص16-17, اللهوف، ص18, بحار الأنوار، ج44، ص326.
2 في لقاء أعضاء لجنة إحياء ذكرى رحيل الإمام الخميني قدس سره 2/3/1375ش- 23/5/1997 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
276

213

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

 التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

أقرأ عليكم مقتطفات من كتاب المقتل - المعروف باللهوف - لابن طاووس.. ونمرّ على بعض تلك المشاهد العظيمة لذكر مصيبة الحسين عليه السلام.
 
من جملة المشاهد العظيمة والمدهشة التي يصوّرها في كتابه هذا هو بروز "القاسم بن الحسن" إلى الميدان، وكان فتىً لم يبلغ الحلم1. أعلم الحسين أصحابه في ليلة عاشوراء بأنّ المعركة ستقع وأنّهم مقتولون جميعاً، فأحلّهم وأذن لهم بالانصراف، فأبوا إلّا أن يكونوا إلى جنبه. وفي تلك الليلة سأل هذا الفتى - ابن الثلاثة عشر أو الأربعة عشر عاماً - عمّه الإمام الحسين عليه السلام: "يا عمّاه! وأنا فيمن يُقتل أيضاً؟" فأراد الإمام الحسين اختباره - على حدّ تعبيرنا - فقال له: "كيف ترى الموت؟" قال: "أحلى من العسل"2.
 
لاحظوا، هذا مؤشّر على التوجيه الأخلاقيّ الذي كان يمارسه أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن تربّى في حجور أهل البيت عليهم السلام. فقد ترعرع هذا الفتى منذ نعومة أظفاره في حجر الإمام الحسين عليه السلام. فكان عمره حين شهادة أبيه ثلاث أو أربع سنوات. فتكفّل الإمام الحسين عليه السلام تربيته. وفي يوم عاشوراء وقف هذا الفتى إلى جانب عمّه3.



1 مقتل الحسين, الخوارزميّ, ج2, ص31, بحار الأنوار, ج45, ص34.
2 الهداية الكبرى, ص204.
3 في خطبة صلاة الجمعة, طهران, 18/2/1377ش- 8/5/1999 م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
279

214

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

 السعي المستمرّ في التهذيب والسياسة 

نرى أنّ الإمام الحسين عليه السلام، مع كونه سبط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وابن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وابن فاطمة الزهراء عليها السلام - وهذه قيم عظيمة بحدّ ذاتها تهب الإنسان السموّ والرفعة- إضافة إلى أنّه قد نشأ في تلك الدار وتربّى في ذلك الحجر وترعرع في تلك الأجواء المعنويّة وذلك النعيم الروحيّ، لكنّه لم يكتف بذلك. حينما رحل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان الحسين عليه السلام غلاماً في السادسة أو السابعة من عمره، وعند استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام كان شابّاً في السابعة أو الثامنة والثلاثين من العمر1. وفي عهد أمير المؤمنين الذي كان عهد ابتلاء وجهد وعمل، كان هذا الجوهر المستعدّ يتلقّى التربية بالأعمال العظيمة ويتأهّل على يد أبيه على الدوام حتّى عاد قويّاً ومزهراً ومشرقاً. 
 
إذا كانت همّة المرء كهمّتنا، سنراه يقول: "وهذا القدر يكفيني وهو حسبي وبه ألقى ربّي". هذه ليست همّة حسينيّة. 
 
وفي حياة أخيه المباركة حيث كان الحسين عليه السلام مأموماً وأخوه الحسن عليه السلام إماماً، استمرّ في حركته العظيمة، وهو يسير قُدماً ويؤدّي واجباته إلى جانب أخيه وفي ظلّ طاعته المطلقة لإمام زمانه، وكلّ ذلك علوّ ورفعة. تأمّلوا حياته لحظة فلحظة. 
 
ثمّ إنّه واجه اسشهاد أخيه. واستمرّت حياته المباركة بعد هذا الحدث عشر سنوات - مرّت عشر سنوات ونيف منذ استشهاد الإمام الحسن عليه السلام حتّى



1 تاريخ الأئمّة عليهم السلام, ص7-8, كشف الغمّة, ج2, ص250, بحار الأنوار, ج44, ص200-201.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
280

215

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

 وقت استشهاده1 - لاحظوا ماذا كان يفعل الحسين عليه السلام خلال هذه السنوات العشر التي سبقت واقعة الطفّ. 

 
كانت العبادة والتضرّع والتوسّل والاعتكاف في حرم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والرياضة المعنويّة والروحيّة أحد أطراف القضيّة. وطرف آخر سعيه الحثيث في نشر العلم والمعرفة والتصدّي للتحريف. كان التحريف آنذاك أكبر تحدٍّ معنويّ يهدّد الإسلام، ويجري كالسّيل الجارف من الفساد والماء الآسن فيركد في أذهان أبناء المجتمع الإسلاميّ. كان عصراً، طلبوا فيه من الولايات والبلدان والشعوب الإسلاميّة أن يلعنوا أعظم شخصيّة في تاريخ الإسلام!2 وملاحقة مَن يُتّهم بموالاة أمير المؤمنين ويقول بإمامته، حيث ساد آنذاك "القتل بالظنّة والأخذ بالتهمة"3. في مثل هذه الظروف وقف عليه السلام كالطود الشامخ وكقِطْع الفولاذ يخرق حجب التحريف. تظهر أقواله وكلماته التي خاطب فيها العلماء وما ورد عنه وقد احتفظ التاريخ بشيء من عظمة الحركة التي كان يأتي بها في هذا المضمار. 
 
والوظيفة الأخرى كانت هي النهي عن المنكر والأمر بالمعروف في أرفع أشكاله، والذي جاء في كتابه إلى معاوية، وهذا الكتاب حسبما أتذكر نقله المؤرّخون4 من أهل السنّة ولا أظنّ الشيعة قد نقلوه - أي إنّي لم أعثر عليه من طرق الشيعة - وحتّى إن كانوا قد ذكروه فقد نقلوه عنهم. واستمرّ أسلوب الكتاب المذكور والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى خروجه



1 الهداية الكبرى, ص201, بحار الأنوار, ج44, ص200.
2 الإيضاح, ص52-53, شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج4, ص56-57, بحار الأنوار, ج33, ص214-215.
3 الإمامة والسياسة, ج1, ص202-204, الاحتجاج, ج2, ص17-18, بحار الأنوار, ج44, ص68-69.
4 أنساب الأشراف, ج5, ص120-122, الاحتجاج, ج2, ص20-21, بحار الأنوار, ج44, ص212-214.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
281

216

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

من المدينة بعد وصول يزيد إلى السلطة، وهذا يدخل أيضاً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال: "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"1
 
تلاحظون هذا الإنسان يأتي بتلك الحركة العظيمة في مجال تهذيب نفسه وترويضها، وفي المجال الثقافيّ أيضاً دأب على مكافحة التحريف ونشر الأحكام الإلهيّة وتربية التلاميذ والشخصيّات الكبيرة، وعلى الصعيد السياسيّ أيضاً كان يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثمّ تبع ذلك جهاده العظيم الذي يتعلّق بدوره في الجانب السياسيّ. فهو مشغول بترويض نفسه على الأصعدة الثلاثة والترقّي فيها. 
 
أعزّائي! إنّه قدوة وأسوة. وكلّ هذا يتعلّق بالمرحلة التي سبقت واقعة كربلاء. 
 
يجب عدم التوقّف لحظة، يجب التقدّم باستمرار، فالعدوّ يتربّص نقطة الضعف والتراخي ليتسلّل، ينتظر منكم أن تتوقّفوا لكي يهجم. وأفضل الطرق لإحباط هجوم العدوّ وإجهاض استعداده هو الهجوم عليه. وتقدّمكم هو بالهجوم على العدوّ. 
 
العدوّ ليس غافلاً عن هذا المانع، وينشبُ فيه مخالبه، ويعمل فيه حيله. وعلينا التصدّي لجميع ذلك ومواجهته.
 
إنّ الحركة والسعي ضروريّان، سواء في تهذيب النفس وبناء الذات، وهو مقدّم على ما سواه، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام، وهو سيّدكم ومولاكم، أو على الصعيد السياسيّ حيث التحرّك، والأمر بالمعروف، والحضور السياسيّ، وفي المواضع الضروريّة، بيان المواقف السياسيّة في مواجهة العالم الاستكباريّ، أو على صعيد الجهاد الثقافيّ، أي بناء الإنسان، تقويم الذات، وتهذيب بناء الفكر الذاتيّ، ونشر الفكر والثقافة. وهذا واجب على كلّ من يتّخذ الإمام الحسين عليه السلام قدوة له. 



1 بحار الأنوار, ج44, ص329.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
282

 


217

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

 من دواعي السرور أنّ شعبنا بأسره ينظر إلى الحسين عليه السلام نظرة إجلال وإكبار، وهذا هو شعور الكثير من غير المسلمين أيضاً1

 
الإيمان بالمواجهة في سبيل الحقّ
رُوي أنّ الإمام السجّاد عليه السلام وبعد عودته إلى المدينة2 عقب واقعة عاشوراء - وربّما بعد مضي عشرة أو أحد عشر شهراً من مغادرة قافلة والده المدينة3 وعودتها إليها - جاءه رجل وقال له: يا بن رسول الله، أرأيتَ ما صُنع بكم بخروجكم هذا4؟! كان يصدق في قوله، فالقافلة حين خروجها كان على رأسها ويتوسّطها الحسين بن عليّ عليهما السلام شمس أهل البيت الزاهرة وابن رسول الله وحبيبه، وخرجت بنت أمير المؤمنين معززة مكرّمة، وخرج في القافلة أيضاً أبناء أمير المؤمنين عليه السلام - العبّاس وإخوته - وأبناء الإمام الحسن عليه السلام وخيرة شباب بني هاشم وصفوتهم، ثمّ عادت هذه القافلة ومعها رجل واحد فقط وهو الإمام السجّاد عليه السلام، وتجرّعت النسوة الأسر ورأينَ المصائب والأحزان، فلا الإمام الحسين ولا عليّ الأكبر ولا حتّى الطفل الرضيع مع تلك القافلة.. 
 
فأجابه الإمام السجّاد: تأمّل بما سيحصل لو لم نخرج! أجل، إن لم يخرج 



1 في لقاء حشود من حراس الثورة الإسلاميّة بمناسبة يوم الحرس, 24/9/1375ش, 14/12/1996 م.
2 إقبال الأعمال, ج3, ص100, بحار الأنوار, ج98, ص334-335.
3 الفتوح, ج5, ص21-22, إعلام الورى, ج1, ص435, بحار الأنوار, ج44, ص326.
4 الأمالي, الطوسيّ, ص677, بحار الأنوار, ج45, ص177.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
283

218

التوجيه الأخلاقيّ في كربلاء

 هؤلاء ستبقى أجسامهم، ولكن ستطمس الحقيقة وتنصهر الروح وتُسحق الضمائر ويُدان العقل والمنطق على مرّ التاريخ، بل ولا يبقى ذكرٌ للإسلام أيضاً. 

 
وفي زماننا هكذا كانت حركة الثورة الإسلاميّة والنظام الإسلاميّ بهذا الاتجاه، ولربّما كان قد خامر ذهن الذين انطلقوا بهذه الحركة أنّهم سيقيمون الحكومة والنظام اللذين يصبون إليهما، ولكن كانت تملأ أذهانهم أيضاً فكرة إمكانيّة استشهادهم في هذا السبيل أو أنّهم يفنون عمرهم في الجهاد والكفاح وتحمّل الشدائد، فكلا الخيارين كان ماثلاً - تماماً كما كان عليه الحال في حركة الإمام الحسين - وبصيص الأمل الوحيد الذي كان يحمّس القلوب ويحفّز هؤلاء على التحرّك خلال عامَيْ (1962 و1963م) وما تلاهما من سني المحنة والاضطهاد في السجون هو الإيمان بالجهاد لا الرغبة في بلوغ السلطة. وهذا الخطّ هو ذاته خطّ الإمام الحسين عليه السلام1.



1 في لقاء المسؤولين والعاملين في النظام 27/12/1380ش - 18/3/2002 م.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
284

219

انتصار الدم على السيف

 عندما وقف في يوم عاشوراء فلذة كبد الزهراء عليها السلام مع 72 1 من أصحابه أمام عدوّ مؤلّف من 30 ألف مقاتل2 مجهّز، وكان بين أصحابه الطفل ذو العشر السنوات3 والشابّ ذو الـ 13 سنة4 والشيخ العجوز ذو الـ 70 سنة5. ظنّ العدوّ أنّ الحسين عليه السلام قد انتهى، خاصّة في تلك اللحظات الأخيرة من يوم عاشوراء، عندما استُشهد جميع أصحابه وتضرّجت أجسادهم بالدماء في صحراء كربلاء، وشاهدوا الحسين عليه السلام يحمل قماط طفل رضيع، تيقّن الجميع - حينها - أنّه لن يبقى أثر للحسين عليه السلام ولرسالته. في النهاية كان جميع أصحابه عليه السلام قد اجتمعوا هناك وكلّ المضحِّين قد مضوا معه، كانت المدينة كلّها في كربلاء، وقد اختُصرت الكوفة ومكّة والحجاز والعراق في (صحراء كربلاء) ذلك الميدان نفسه. لم يبق شخص يمكنه الادّعاء أنّه من أصحاب الحسين عليه السلام، أنصاره جميعهم قد ضُرّجوا بالدماء واحداً تلو الآخر، ونالوا درجة الشهادة. 

 
في عصر ذلك اليوم، كانت عين الدنيا شاخصة باتّجاه الحسين عليه السلام، مقاتل واحد وحيد وابنه الرضيع على يديه، وقد ظهر أمام جيش العدوّ، ظنّ العدوّ - القصير النظر- أنّ الحسين عليه السلام قد انتهى. عندما خاطبهم الإمام



1 الأمالي، الصدوق، ص547, عمدة الطالب، ص192, بحار الأنوار، ج44، ص298.
2 أنساب الأشراف، ج3، ص187, الإرشاد، ج2، ص95, بحار الأنوار، ج45، ص4.
3 مقتل الحسين، الخوارزميّ، ج2، ص31, بحار الأنوار، ج45، ص34.
4 مقتل الحسين، المقرّم، ص294.
5 التاريخ الكبير، ج2، ص30, رجال الطوسيّ، ص21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
287

220

انتصار الدم على السيف

 قائلاً: "إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل"1، يا قساة القلوب! أيّها الخارجون من ربقة الإنسانيّة! إذا لم يكن لديكم تلك الرحمة والرأفة فتمنعونني من شرب الماء، فما ذنب هذا الطفل الصغير ذي الأشهر الستّة؟ مرّة أخرى لم يفهموا أيضاً ماذا كان يفعل الإمام الحسين عليه السلام. ومرّة أخرى لم تتضح السياسة الإلهيّة لهؤلاء الذين خُتم على قلوبهم. استغلّ عمر بن سعد قسوة قلب حرملة وقال له: أرحنا من الحسين (اقطع نزاع القوم)2. وبدل أن يسقوا الطفل شربة ماء سقوه سهماً مثلّثاً مسموماً3. 

 
تململ الطفل بين يدي والده وفارت الدماء من منحره. بدأ الحسين عليه السلام عمله من هنا. لم يدع دماء عليّ الأصغر تتلوّث وتذهب هدراً، لم يدع مثيري الشائعات والكذّابين والمخادعين يقولون: مات طفل الحسين عليه السلام لوحده بمفرده أو مات من حرارة الشمس. وضع الحسين عليه السلام يديه تحت منحر عليّ الأصغر حتّى امتلأتا دماً رمى به إلى السماء أمام الجميع4، أي: أيّها الجبناء انظروا، لقد قتلتم عليّ الأصغر! وهنا وقّع الإمام الحسين عليه السلام وثيقة ومستند حقّانيّته (بالدماء)، أي أفهم العالم بأسباب مواجهته، أفهم التاريخ ماذا كان يحارب ومن! ومن أجل ماذا حارب! لقد دوّن الحسين عليه السلام في التاريخ أنّه ضحّى وحيداً وأنّ جيوش العدوّ قد هاجمته من كلّ ناحية. وقف وحيداً وقلّة من الأصحاب، لم يقل: أنا وحيد، ولم يقل: "الجميع ضدّي ومعارض لي ولن أستطيع فعل شيء"، لم يقل: "أنا ضعيف ولم أحارب بدون جدوى".



1 تذكرة الخواص، ص227.
2 من المدينة إلى المدينة، ج5, ص688.
3 تذكرة الشهداء، ج1، ص504.
4 مقاتل الطالبيّين، ص95, الملهوف، ص168-169, بحار الأنوار، ج45، ص46.