أنوار الحياة

أنوار الحياة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-12

النسخة: 2016


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد...
 
إنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان لأجل هذه الدنيا الدنيّة، إنّما استخلفه الله في الأرض؛ ليكون مثالاً لله في أسمائه وصفاته، سالكاً سبيل أوليائه وأنبيائه عليهم السلام، مجسّداً لأخلاق الأنبياء عليهم السلام والأئمة عليهم السلام في الأرض، ومن هنا كان ابتلاؤنا بعالم الدنيا، ووساوس الشيطان، والنفس الأمّارة، والطريق طويل. لهذا لا بدّ من تهيئة الزاد والوسيلة، من أجل هذا السفر الشاقّ والرحلة النهائية للإنسان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾1.
 
وتبدأ عملية الاستعداد والتهيّؤ لهذا السفر الأخروي، بالمعرفة والطاعة لله تعالى ولأوليائه، وعدم الاكتفاء بحبّهم أو العلاقة الوجدانية بهم عليه السلام، روي عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: "يا جابر أيكتفي من انتحل التشيُّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه..."2 ، فالطاعة هي عنوان الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام، وهي معيار بيان الحبّ لأهل البيت عليهم السلام، فمن كان لأهل البيت عليهم السلام محبّاً، لا بد وأن يكون من صفاته الطاعة لله عزّ وجلّ، وأما من لم يكن لله مطيعاً فلا يكن لأهل البيت عليهم السلام محبّاً، والطاعة لا تحصل إلا من خلال تزكية النفس، وتزكية النفس أي تطهيرها بتخليتها من الرذائل والأخلاق القبيحة، وتحليتها بالفضائل والصفات والأخلاق الحسنة، وذلك ما يحقّق السعادة الدنيويّة والأخرويّة. 



1 سورة الانشقاق،الآية 6.
2 الكليني، الكافي، ج2، ص74.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

1

المقدمة

 ولهذا يجب أن يكون المؤمن في يقظة دائمة من الغواية التي يرصدها له الشيطان الذي أقسم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾1، ومن الغفلة التي قد يبتلى بها، فينزلق نحو الآثام والبعد عن الله تعالى، وهذا ما يجعله بحاجة دائمة إلى التذكير والموعظة، فبالموعظة يحيا القلب، وتأنس النفس، ويستقيم السلوك...، وهو غايتنا من سلسلة المواعظ هذه.

 
 
والحمد لله رب العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة 



1 سورة ص، الآية82.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

2

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام




الهدف:
معرفة أهميَّة الثبات على الولاية من خلال مواقف الخُلّص من أصحاب الإمام علي عليه السلام. والاقتداء بمواقف التسليم والطاعة للإمام علي عليه السلام.

محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• عشق الإمام علي عليه السلام
• أصحاب الأمير عليه السلام أهل الطاعة والثبات على الولاية
• التسليم للإمام عليه السلام
• الولاية تعني الحضور حيث يجب أن نكون
• المتخاذلون ورفضُ الولاية العلوية
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

3

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 تصدير الموضوع

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليسأله عن حبّ الإمام علي عليه السلام قائلا: هَلْ يَنْفَعُنِي حُبُّ عَلِيٍ‏ عليه السلام فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَنْ أَحَبَّهُ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُ".
 
مدخل
إنّ من يطالع حياة أصحاب أهل البيت عليهم السلام، وينظر في مواقفهم المشرّفة، يلاحظ مجموعة من القيم، أبرزها: عشق الإمام، ومودَّته، وطاعته، والتسليم لأمره، والثبات على ولايته، وصولاً إلى الشهادة بين يديه، مهما كانت الصعوبات أو التضحيات.
 
هذه حال أصحاب الأئمة عليهم السلام، ومنهم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الذين صمدوا مع الإمام عليهم السلام، وحاربوا إلى جنبه، وكانوا على قدرٍ كبير من البصيرة في أصعب مراحل التاريخ الإسلاميّ وأشدّها، حتى قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام: "لا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر"1.
 
كانوا شخصيات مؤمنة ذوي بصيرة ووعي، وكان لهم دورٌ مؤثر في بثّ الوعي بين شرائح المجتمع الإسلاميّ، ولهذا السبب يُلاحَظ أن الهجمات الأساس لأعداء أمير المؤمنين عليه السلام وُجّهت صوب هذه الشخصيات، ضد مالك الأشتر وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وضدّ كل من وقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام، وأثبت صلابة إيمانه وإخلاصه، وسلامة بصيرته، وصدق ولايته لإمام زمانه، ولهذا قضى أكثر الأصحاب شهداء. 



1 نهج البلاغة، ص 248.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

4

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 لذا سنحاول في هذا الدرس أن نسلّط الضوء على بعض المواقف الولائية المشرّفة التي سطّرها بعض أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام، لما لهذه المواقف من دروس وعبر تربوية غاية في الأهمية عند كل متبصّر حريص على بناء وإعداد نفسه، ليكون على أتمّ الجهوزية والاستعداد لنصرة دين الحق وأئمته عليهم السلام.

 
عشق الإمام علي عليه السلام
إنّ محبة أهل البيت عليهم السلام فرض إلهي واجب، جعله الله عز وجل أجراً لرسوله ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾1، فمودتهم وطاعتهم واجبة. لذا عندما جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليسأله عن حبّ الإمام علي عليه السلام قائلا: هَلْ يَنْفَعُنِي حُبُّ عَلِيٍ‏ عليه السلام فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَنْ أَحَبَّهُ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُ"2. وقَالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يَا سُلَيْمَانُ، حُبُ‏ عَلِيٍ‏ إِيمَانٌ،‏ وَبُغْضُهُ نِفَاقٌ. وَاللَّهِ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِق"3.
 
أصحاب الأمير عليه السلام أهل الطاعة والثبات على الولاية 
تُعتبر مسألة الثبات مسألة أساس في تماسك التنظيم واستمراريته ونجاحه في بلوغ أهدافه وتحقيق مساعيه. فمن دون الثبات لا يمكن لأيّ تنظيم أن يستمرّ، خصوصاً إذا واجهته ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية ضاغطة. 
 
والعارف بحقيقة التنظيم الشيعيّ لن يستغرب ثبات أفراده على مبادئهم، فهم أناس عقائديون أصحاب مشروع أخرويّ لا خسارة فيه، والدنيا عندهم ليست سوى دار ممر، ومزرعة للآخرة. وهم أيضاً مؤمنون بهدفهم، ويعرفون لماذا يجاهدون. وهم أيضاً يعشقون 



1 سورة الشورى، الآية 23.
2 الهلاليّ، سليم بن قيس‏، كتاب سليم بن قيس الهلاليّ، إيران، قم‏، الهادي‏، 1405هـ، الطبعة الأولى‏، ج2، ص935.
3 المجلسيّ، محمد باقر بن محمد تقي‏، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي‏ّ، 1403هـ، الطبعة الثانية، ج37، ص93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

5

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 المعصوم عليه السلام، ويرونه قد تحمّل من المصائب والمصاعب أكثر ممّا تحمّلوا بكثير. لذلك فهم مستعدّون للتضحية بأرواحهم وأهلهم وأولادهم وكل ما يملكونه، لنصرة مشروعهم الذي هو مشروع المعصوم عليه السلام، وهو مشروع الله عز وجل.

 
والثبات والتضحية يأخذ أشكالاً عديدة في حياة الإنسان، فقد يكون الثبات عبارة عن التضحية بالروح، وقد يكون عبارة عن تحمّل الفقر وشَظَفِ العيش في سبيل المعتقدات، وقد يكون عبارة عن تحمّل طبيعة وظروف العمل الشاقة التي لا يستطيع أن يتحمّلها ويصبر عليها إلّا الثابتون على مبادئهم ومعتقداتهم.
 
وقد جسَّد أصحاب الامام علي عليه السلام أرقى معاني التضحية والثبات، حيث قُتلوا وصلبوا وقُطّعت أيديهم وأرجلهم، وقطّعت ألسنتهم، وهُجّروا وسُجنوا ومُنعوا من بيت مال المسلمين، وقُتّل أهلهم وإخوانهم وأصحابهم، وحوصروا، إلّا أنّهم بقوا متمسّكين بمشروعهم وهدفهم وانتمائهم الفكريّ والعقائديّ والسياسيّ. وقد سطّر التاريخ نماذج مذهلة من ثبات وتضحيات أصحاب الامام علي عليه السلام، وهذا غيضٌ من فيض، وبعضٌ من مواقف العشق والولاية لعلي عليه السلام: 
أ- عدي بن حاتم الطائيّ وإنصافُه للإمام:
روي أنَّ عدي بن حاتم الطائيّ وكان قد أُصيب بعينه يوم معركة الجمل، واستُشهد أولاده الثلاثة: طريف وطراف وطرفة مع أمير المؤمنين عليه السلام دخل ذات يوم على معاوية بن أبي سفيان، وعنده عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير: "يا أبا طريف، متى ذهبت عينك، قال: يوم فرّ أبوك منهزماً فقُتل، وضُربتَ على قفاك وأنت هارب، وأنا مع الحق، وأنت مع الباطل. فقال معاوية: ما فعل الطُرْفان (يعني طريفاً وطرافاً وطرفة أبناءه)؟ قال: قُتلوا مع أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: ما أنصفَك عليَّ إذ قَدّم أبناءك وأخّر أبناءه! قال: بل أنا ما أنصفته، قُتل وبقيتُ بعده"1.



1 المزربانيّ الخرسانيّ، محمد، مختصر أخبار شعراء الشيعة، مركز آل البيت العالميّ للمعلومات، ص47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

6

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 ب- عمّار بن ياسر ومعركةُ صفين:

روي أنَّ عمار بن ياسر ارتجز بعض هذه الأبيات قبل شهادته في معركة صفين، وفيها تتجلّى أسمى آيات العشق العلويّ:
كَلّا وربِّ البيت لا أبرح أجي       حتى أموت أو أرى ما أشتهي
لا أفتأ الدهر أحامي عن علي       صهرِ الرسول ذي الأمانات الوفي
ينصرنا ربّ السماوات العلي        ويقطع الهام بحدّ المشرفي
يمنحنا النصر على من يبتغي        ظلماً علينا جاهداً ما يأتلي1.
 
ج- رُشيد الهجريّ والصبرُ على الولاية :
عن أبي حسان العجليّ، عن قنوا بنت رُشيد الهجريّ، قال: قلت لها: أخبريني بما سمعتِ من أبيك، قالت: سمعت من أبي يقول: قال: حدّثني أمير المؤمنين عليه السلام فقال: "يا رُشيد، كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أُميّة فقطع يديك ورجليك ولسانك؟" فقلت: يا أمير المؤمنين، آخر ذلك الجنّة؟ قال: "بلى يا رُشيد، أنت معي في الدنيا والآخرة". قالت: فوالله ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه الدعيّ عبيد الله بن زياد، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام، فأبى أن يتبرّأ منه، فقال له الدعيّ: فبأيّ ميتة قال لك تموت؟
 
قال: أخبَرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرأ منه، فتُقدّمني فتقطع يديّ ورجليّ ولساني، فقال: والله لأكذبنّ قوله فيك، قدّموه فاقطعوا يديه ورجليه، واتركوا لسانه، فحملت طوائفه2 لمّا قطعت يداه ورجلاه، فقلت له: يا أبه، كيف تجد ألماً لما أصابك؟
 
فقال: لا يا بنية إلّا كالزحام بين الناس، فلمّا حملناه وأخرجناه من القصر، اجتمع الناس حوله، فقال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فإنّ للقوم بقية لم يأخذوها منّي بعد، فأتوه بصحيفة فكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. 



1 الشيخ آل فقيه، محمد جواد، سلسلة الأركان الأربعة، عمار بن ياسر، لبنان، دار التعارف للمطبوعات،1992م، ج4،ص227.
2 حُمِلَت طوائفه، أي حُملت أطراف يديه ورجليه لمّا قُطعت.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

7

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 وذهب لعينٌ فأخبره أنّه يكتب للناس ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فأرسل إليه الحجّام حتّى قطع لسانه فمات"1.

 
د- ميثم التمّار ورفضُ البراءة:
روي عن ميثم التمّار (رضي الله عنه) أنه قال: "دعاني أمير المؤمنين عليه السلام وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني أُمية ابن دعيّها عبيدُ الله بن زياد إلى البراءة منّي؟ فقال: فذاك في الله قليل، فقال: يا ميثم، إذاً تكون معي في درجتي"2.
 
هـ- حجر بن عدي والثباتُ على الولاية:
يروى أيضا أنه لمّا أراد عامل معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه، طلب حجر أن يقتلوا ابنه قبل أن يقتلوه، فقالوا له: تعجّلت الثكل! فأجابهم (رضي الله عنه): "خفت أن يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع عن ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام"3.
 
التسليم للإمام عليه السلام
تُعتبر الطاعة ركيزة أساس في أي تنظيم. فكل تنظيم، مهما كان نوعه، يجب أن يكون له قائد، ويجب أن يُطاع القائد، وإلا فليس هناك أي معنى لقيادته.
 
فالتسليم للمعصوم عليه السلام هو قرار يُتّخذ بعد عملية تفكير، والتسليم هو نتيجة عقلية يصل إليها الإنسان البصير بعد استعراض مقدّمات مهمّة جداً. فالذي يصل إلى مرحلة التسليم يكون ممّن هداه الله، وأرشده إلى حقيقة الأمور وأصلها، وأزاح عن قلبه غشاوة حبّ النفس والنظر إليها. فالمُسلِّم إنسان أدرك حقيقة محدودية معرفته، وأدرك حقيقة أنّه لا بدّ من وجود وسيلة بين عالم الحضور وعالم الغيب، ولا بدّ أن تكون هذه الوسيلة عالمة بعلم إلهيّ واسع جداً، ولا بدّ أن تكون هذه الوسيلة حكيمة ومسدَّدة من 



1 المفيد، الاختصاص، تحقيق حسين الأستادوليّ وعلي أكبر الغضادريّ، ط2، بيروت، دار المفيد، 1993م، ص77.
2 الطوسيّ، اختيار معرفة الرجال، تعليق ميرداماد الاسترأباديّ، تحقيق مهدي الرجائيّ، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. 1983م، ج1، ص259.
3 الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، ط5، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 2000م، ج2، ص305.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

8

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 الله عزّ وجلّ، لذلك يجب عليه أن يتبع هذه الوسيلة التي هي المعصوم، وأنّ يُسلِّم لها مطلقاً. أمّا الذي لم يصل إلى مرتبة التسليم، فهو إمّا جاهل بجهله وبمحدودية علمه، أو أنَّه عالم بجهله ولكنّه لم يُهدَ إلى من يملك العلم والحكمة.

 
كما أن التسليم لا يمنع الإبداع والتفكير، بل يجب أن يُحفّز التفكير والإبداع. فالمعصوم يُحدد الهدف ويرسم الطريق، ويطلب من الأفراد أن يجتهدوا ويبدعوا في تحقيق الهدف والوصول إلى المطلوب. 
 
وأبرز مصداقٍ للتسليم والطاعة هو تسليم الامام علي عليه السلام لأمر الرسول حين أمره بالمبيت في فراشه، وقد خُلِّد هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾1.
 
وقد كان التسليم صفة بارزة في شخصية أصحاب الامام علي عليه السلام، مَعْلَماً بارزاً من معالم التنظيم الشيعيّ. وسنعرض بعض النماذج من حياة أصحاب الأمير عليه السلام:
روي أن عمرو بن الحمق الخزاعيّ قال لأمير المؤمنين عليه السلام في وقعة صفين: والله، ما جئتك لمال من الدنيا تعطينيه، ولا لالتماس السلطان ترفع به ذكري، إلّا لأنّك ابن عمّ رسول الله، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبو الذرّية التي بقيت لرسول الله، وأعظم سهماً للإسلام من المهاجرين والأنصار. والله، لو كلّفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي أبداً حتى يأتي عليّ يومي، وفي يدي سيفي أهزّ به عدوّك، وأقوّي به وليّك، ويُعلي به اللهُ كعبك، ويفلج به حجّتك، ما ظننت أنّي أدّيت من حقّك كلّ الحقّ الذي يجب لك عليّ. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "اللهم نوّر قلبه باليقين، واهده إلى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مائة مثلك"2.
 
وعن منصور بن بزرج قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: ما أكثر ما أسمع سيّدي ذكر سلمان الفارسيّ، فقال: "لا تقل سلمان الفارسيّ، ولكن قل سلمان المحمديّ. أتدري 



1 سورة البقرة، الآية 207.
2 المفيد، الاختصاص، م. س، ص14 – 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

9

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 ما كثرة ذكري له؟ قال: لثلاث خلال: إحداها إيثاره هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه، والثانية: حبّه للفقراء واختياره إيّاهم على أهل الثروة والعدد، والثالثة: حبّة للعلم والعلماء. وإنّ سلمان كان عبداً صالحا حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين"1. فسلمان لم يكن فقط مطيعاً لأمير المؤمنين عليه السلام، بل كان مؤثراً هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه، وهذه أعظم مراتب الطاعة والتسليم.

 
ورويَ عن أبي الجارود أنه قال: قلت للأصبغ بن نباتة: ما كان منزلة هذا الرجل فيكم (يريد علياً عليه السلام)؟ قال: "ما أدري ما تقول، إلّا أن سيوفنا كانت على عواتقنا، فمن أومأ إلينا ضربناه بها"2. وسُئل الأصبغ: كيف سمّاك أمير المؤمنين عليه السلام وأشباهك بشرطة الخميس؟ فقال: "إنّا ضمنّا له الذبح، وضمن لنا الفتح"، أي شرطنا له القتال معه حتى النصر أو الشهادة، وشرط لنا الجنّة وضمنها3.
 
وتتّضح هنا أسمى درجات التسليم للإمام والانقياد له بكل ما يقوله.
 
الولاية تعني الحضور حيث يجب أن نكون
وفي ظلّ الأوضاع السياسية الراهنة، المليئة بالفتن التي يختلط فيها الحقّ بالباطل، تزداد أهمية البصيرة، وتتجلّى الولاية الحقيقية، حيث يجب معرفة وتحديد التكليف بشكل واضح وجليّ لا لبس فيه، لأنَّه، بناءً على هذا التكليف، سيُسفك دم، ويُقتل أناس كثر. فمحاربة الذين يتظاهرون بالإسلام، والذين يظنُّهم الناس نسّاكاً وعبّاداً، ليس بالأمر السهل، إلا على من استضاء بنور الحقّ ونور إمام زمانه ونائبه بالحقّ، وكانت بصيرته قويّة تُريه حقائق الأمور، وتُميّز بين الحقّ وبين الباطل. يقول الإمام الخامنئيّ: "رأيتم في صدر الإسلام أن أولئك الذين مُدحوا، إنّما مُدحوا بسبب مواقفهم السياسية والاجتماعية وجهادهم، وليس بسبب صلاتهم وعباداتهم، فنحن قليلاً من نمدح أبا ذر أو عماراً أو مالكاً الأشتر أو 



1 القمّيّ، عباس، منتهى الآمال، ج1، م. س، ص162.
2 م. ن، ص271.
3 م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

10

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 ميثماً التمّار بسبب عباداتهم، فالتاريخ عرف هؤلاء بمواقفهم التي كانت مواقف مصيرية، وبالحركة العامّة التي تمكّنت من هداية المجتمع وتشكيله والمساهمة في تطوره. وأولئك الذين ذُمّوا إنّما كان ذلك لهذا السبب أيضاً، فالكثير من الكبار الذين ذُمّوا، لم يكن الأمر بسبب شربهم للخمر أو تركهم للصلاة، بل بسبب عدم حضورهم حيث كان ينبغي"1.

 
وختاماً، يمكن القول إنَّ تحديد الموقف السياسيّ والجهاديّ والاجتماعيّ هو المعيار في الانتماء لمشروع قيام دولة العدل المهدوية، والذي يتجلى في عصرنا الراهن بالتمسك بولاية الفقيه واتّباع التوجيهات والتوصيات المختلفة للوليّ قدس سره.
 
المتخاذلون ورفضُ الولاية العلوية
في الجهة المعاكسة لتيار الحقّ والولاية، الذي تمثّل بمالك الأشتر وعمار وميثم التمار وحجر بن عدي وغيرهم من خُلّص أتباع امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، اصطفّت زمرة من المنافقين والمتخاذلين، أرادت مبايعةً مشروطةً للإمام عليه السلام2، وذلك بالتنازل عن القيم والمبادئ الإسلامية، والركون إلى الفساد والانحلال، لكنَّه عليه السلام أبى ذلك، معلناً اتّباعه منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم، وعدم المهادنة في الشريعة الإسلامية، فقد كانت سياسة الإمام صريحة وواضحة، وهي السعي في إقامة العدل والحق، والقضاء على الظلم والفساد وجوهه كافّة.
 
إذ يُنقل أنَّ طلحة والزبير عاتبا الإمام واعترضا على عدله، ومساواته بين المسلمين في تقسيم بيت المال، فقالا للأمير عليه السلام: "إنّك جعلت حقّنا فـي القَسْم كحقّ غيرنا، وسوّيت بيننا وبين من لا يُماثلنا فـي ما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا". فردَّ الإمام عليه السلام أنّ حُكمه امتدادٌ لحكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "فإنّ ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء، بل وجدتُ أنا وأنتما رسولَ صلى الله عليه وآله وسلم يحكم بذلك"3.



1 الإمام الخامنئيّ، خطاب الوليّ 2010، مركز نون للتأليف والترجمة، 2011م، ص128.
2 أمثال الوليد بن العقبة الذي تبجّح بقوله: "ونحن نُبايعك اليوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال فـي أيّام عثمان" ، شرط مبايعته الإمام هو الإبقاء على أموالهم التي حصلوا عليها خلال عهد عثمان.
3 م. ن، ص 22.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

11

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 وكان ثمن الموقف العلويّ ثلاثة حروبٍ خاضها الامام عليه السلام والخُلَّصُ من أصحابه وأوليائه، وهي: حرب الجمل، وصفين، والنهروان. 

 
فقد اصطفّت ضدّ عليّ عليه السلام في أيّام حكومته الّتي استمرّت أقلّ من خمس سنوات، ثلاثة تيارات، تمثلت بالقاسطين والناكثين والمارقين، أُمِرَ عليه السلام بقتالهم، وفي ذلك قوله عليه السلام: "أُمرت أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين"1
 
والقاسطون فئة دخلت الإسلام ظاهريّاً بهدف الحفاظ على مصالحها الخاصّة، ورفضت الحكومة العلويّة. والتفّت تلك الفئة حول محور بني أميّة، وعلى رأسه معاوية بن أبي سفيان2، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة. شكّل هذا المحور جبهة رفض التّفاهم والاتّفاق مع أمير المؤمنين عليه السلام، وكان يرنو إلى نمطٍ آخر من الحكم يكون زمامه بيده، فقد كانت غايتهم الوصول إلى حكومة دنيويّة محضة تدور في فلك ذواتهم ومصالحهم الذاتية.
 
وانتُخب عمرو بن العاص حكماً ممثلاً للجهة المعادية. وبعد اجتماع الحكمين، أعلن موسى الأشعريّ خلع الامام عليه السلام متبجِّحاً بقوله: "قد خلعتُ علياً كما خلعتُ عمامتي هذه وأهوى إلى عمامته فخلعها"3.
 
وبعد إعلان رأي الحكمين، خرج بعض المسلمين الذين كانوا في صف الإمام عليه، وانتقدوه لقبوله التحكيم الذي فرضوه هم أنفسهم عليه. وقد حدث قتال القاسطين عام 37 هجرية4.
 
والجبهة الثّانية الّتي حاربت أمير المؤمنين عليه السلام هي جبهة الناكثين. وأبرز الشخصيات الناكثة للبيعة هما طلحة والزبير اللّذين بايعا علياً وكانا قد طلبا منه أن يولّيهما أعمال البصرة والكوفة، ولكن الإمام رفض ذلك، وتركا المدينة سراً وفرّا إلى مكة وقاما بإعداد 



1 العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص 36.
2 والي الشام في تلك الفترة الزمنية.
3 تاريخ الطبريّ: 6|39.
4 القرشيّ، باقر شريف،المآسي المروعة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، دار جواد الأئمة عليه السلام،2005م.ط1،ص:68،69،88،89.بتصرف -.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

12

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 وتجهيز جيشٍ لقتال أمير المؤمنين عليه السلام بأموال بيت المال المختلَس من قبل بني أُمية، وانطلقوا نحو البصرة واستولوا عليها.

 
فتحرّك الامام علي عليه السلام تاركاً المدينة للقضاء عليهم، وحدثت حرب طاحنة قرب البصرة انتهت بانتصار عليّ وهزيمة الناكثين، وهذه هي حرب الجمل التي لها مساحة كبيرة في التاريخ، والتي اندلعت سنة 36 هجرية1.
 
والجبهة الثالثة كانت جبهة المارقين، وكانت هذه الفئة متمسّكة بظواهر الدين، ويُكثرون من التبجّح باسم الدين. وهؤلاء هم الخوارج الّذين وضعوا أسسهم الفكريّة على أساس فهم مغلوط للدين، ولم يأخذوا الدّين عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام الّذي كان مفسّراً للقرآن وعالماً بالكتاب. 
 
أمّا تكتّلهم، أو ما يُسمّى بالاصطلاح المعاصر "تحزّبهم"، فكان يستلزم سياسة معيّنة توجّه من قِبل عمرو بن العاص ومعاوية . والسّمة البارزة الّتي كانت تُميّز أعضاء هذه الفئة هي أنّك لا تكاد تتلفّظ بكلمة حتّى يُسارع أحدهم إلى الإتيان بآية من القرآن، وكانوا كثيراً ما يقرؤون أثناء صلاةِ جماعةِ أمير المؤمنين عليه السلام آيات، معرّضين به، أو يقومون عند منبره ويقرؤون آية فيها تعريض يقصدونه بها، وكان شعارهم "لا حكم إلّا لله"، بمعنى أنّنا لا نعترف بحكومتك، ونحن أتباع حكومة الله! 
 
كلمة من القلب
أيها العزيز... بعد الاطلاع على تجلّيات الولاية عند أصحاب الإمام علي عليه السلام، ومواقف الخذلان والعصيان والعداء من التيارات المعادية، ندرك أنَّ الحد الفاصل بين تيار الحقّ وبين تيار الباطل هو: امتلاك البصيرة والوعي. يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "البصيرة هي بمثابة سراج يُضيء الطريق في جنح الليل، وبوصلة تقود إلى المسار الصحيح، للتحرك باتجاه



1 البيشوائيّ، مهدي، سيرة الأئمة عليهم السلام، قم مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1383هـ.ش. ص:81.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

13

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 الهدف في صحاري الحيرة المغبرة، ومن دونها يستحيل تحقيق النجاح الشامل والكامل"1.

 
من هنا يجدر بالمؤمن أن يمتلك بصيرةً حيال مختلف الأحداث، والتي تعني مشاهدة الأحداث بدقة وصوابيّة، والتدبّر والتأمّل فيها، وبالتالي تقييم الأحداث والقضايا، واتّخاذ الموقف المناسب على ضوء هذا التقييم. ولعلّ أبرز نموذج لانعدام البصيرة حيال الأحداث هو ما حصل في معركة صفّين، حينما رفع جنود معاوية بن أبي سفيان، وفي خطوة خادعة، المصاحف فوق الرماح لمواجهة الإمام والحاكم الإسلاميّ، فكان هناك أشخاص لم يروا الحقيقة، وأطبقوا أعينهم على الحقائق الواضحة.



1 الإمام الخامنئيّ، خطاب الولي 2010، بيروت، مركز نون للتأليف والترجمة، 2011، ص128.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

14

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام علي عليه السلام

 فقه المسلم

استفتاءات الإمام الخامنئي دام ظله في الصلاة:
السؤال: هل يجب الأداء الكامل للألفاظ العربية في الصلوات الواجبة؟ وهل الصلاة محكومة بالصحّة في حالة عدم تلفّظ الكلمات بصورة عربية صحيحة وكاملة؟

الجواب: يجب أن تكون جميع أذكار الصلاة من قراءة الحمد والسورة وغيرهما على النحو الصحيح، ولو كان المصلّي لا يعرف الألفاظ العربية بالكيّفيّة التي يجب أن تُقرأ بها وجب عليه التعلّم، وحينما يعجز عن التعلّم يكون معذوراً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

15

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام



الهدف:
يعرف بعضٍ المواقف الولائيّة في كربلاء، ويعدّد أبرز الصفات والميّزات الولائيّة لهم.

محاور الموعظة (بطاقة المدرّس):
• تصدير الموضوع
• مدخل
• من مواقف الأصحاب والآل الولائيّة
• الولاية المطلقة لإمام زمانهم عليه السلام
• صفات الأصحاب والآل الولائيّة
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

16

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 تصدير الموضوع

يقول الإمام الحسين عليه السلام: "أما بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أَذِنْتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم مني ذمام. هذا الليل قد غشيكم فاتّخِذوه جملاً".
 
مدخل
جمع الإمام الحسين عليه السلام أصحابه قرب المساء. قال علي بن الحسين زينُ العابدين عليه السلام: "فدنوتَ منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء. اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين!
 
أما بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي لأظنّ أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أَذِنْتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم مني ذمام. هذا الليل قد غشيكم فاتّخِذوه جملاً"1
 
من مواقف الأصحاب والآل الولائيّة
إنّ هذه الرواية عن الإمام السجّاد عليه السلام عن أبيه الإمام الحسين عليه السلام، لهي شهادة من إمامٍ معصوم، شأنه شأن جدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الصدق والأمانة، وعدم النطق عن 



1 المفيد، الإرشاد، ج2، ص92.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

17

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 الهوى، شهادة إلهيّة سامية، لم يُعطِ مثلَها لأحدٍ من معصوم، وهي تدلّ على جوهر هذه القلّة القليلة ومعدنهم الطاهر الولائيّ لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيما يأتي نذكر بعض هذه المواقف الولائيّة، المطيعة لله ورسوله ووليّه:

1- موقف مسلم بن عوسجة:
قام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: "أنخلي عنك، ولَمَّا نُعذَرْ إلى الله سبحانه في أداء حقِّك؟! أَمَا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة. والله، لا نُخْلِيْكَ حتى يعلمَ الله أنْ قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك. والله، لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أحيا ثمّ أُحرق ثمّ أحيا ثمّ أذرّى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حِمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة! ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا"1.
 
إنّ عبارة "ولَمَّا نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقِّك" فيها دلالة واضحة على إيمان مسلم بن عوسجة، واعتقاده بالسلسلة الهرميّة للولاية. فهو، بتعبيره هذا، يدلّ على معرفته التامّة بأنّ طاعة الوليّ هي طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ يجسّد هذه المعرفة والوعي بالتسليم المطلق عندما يصوّر فرضيّة قتله وحرقه وأنّه لو فعلوا هذا به سبعين مرّة لما فارق الحسين عليه السلام.
 
2- موقف زهير بن القين:
قام زهير بن القين البجليّ رحمة الله عليه فقال: "والله، لوددتُ أنّي قُتِلت ثمّ نُشِرت ثمّ قُتِلت، حتى أقتل هكذا ألفَ مرّة، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك"2.
 
3- محمّد بن الحضرميّ:
"قيل لمحمد بن الحضرمي (وهو مع الحسين في كربلاء): أُسر ابنك بثغر الريّ.



1 المفيد، الإرشاد، ج2، ص92.
2 م. ن.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

18

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 قال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحبُّ أنْ يُؤسر، ولا أن أبقى بعده.

 
فسمع قوله الحسين عليه السلام، فقال له: "رحمك الله! أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك".
 
قال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك"1.
 
4- موقف القاسم:
القاسم بن الحسن المجتبى بن أمير المؤمنين عليهم السلام، غلام لم يبلغ الحلم، كان على علمٍ بشهادته يوم العاشر من المحرّم، وجوابه لعمّه ليلة العاشر يدلّ على الوعي والإدارك والولاء المطلق، عندما سأله أبو عبد الله عليه السلام عن طعم الموت:
"قال له القاسم بن الحسن: وأنا فيمن يقتل؟
 
فأشفق عليه، فقال له: "يا بنيّ، كيف الموت عندك؟!".
 
قال: يا عمّ، أحلى من العسل.
 
فقال: "إي والله، فداك عمّك! إنّك لأحد من يقتل من الرجال معي، بعد أن تبلو ببلاء عظيم، وابني عبد الله"2.
 
الولاية المطلقة لإمام زمانهم عليه السلام
لقد أجاز الإمام الحسين عليه السلام أصحابه، وأعطاهم الرخصة بالذهاب ليلة العاشر من المحرّم، كما يظهر في الرواية التي ذُكرت في المقدّمة، وهو إمام معصوم، لا يتكلّم عبثاً ولغوا، كما أنّه طلب منهم أن يأخذوا أهل بيته معهم، فكان جوابهم خير دليلٍ على ولائهم المطلق وتسليمهم التامّ، حيث أبَوا أن يخذلوه طرفة عين أبداً، فهم لا يرون للحياة قيمة من دونه، ويعتبرون الجهاد بين يديه والشهادة أمام عينيه شرفاً وكرامةً وعزّاً لا يناله إلا ذو حظٍّ عظيم.



1 ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، قم – إيران، أنوار الهدى، 1417ه، الطبعة الأولى، ص57.
2 البحرانيّ، السيّد هاشم، مدينة المعاجز، تحقيق مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، بإشراف الشيخ عزة الله المولائيّ، قم – إيران، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1414ه، الطبعة الأولى، ج4، ص215.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

19

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 لقد خاطبهم عليه السلام قائلاً: "إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يُقبِلوا إليكم، فالنجاة النجاة، وأنتم في حلّ، فإنّكم إن أصبحتم معي قُتلتم كلكم".

 
فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك"1.
 
صفات الأصحاب والآل الولائيّة
لقد امتاز أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بصفات ومزايا كثيرة، نذكر منها ما يدلّ على ولائهم المطلق لإمام زمانهم، ويقينهم وتسليمهم التامّ.
 
1- الوعي:
لم تكن المواقف الكربلائيّة، ليلة العاشر ويومه، نابعةً من عواطف جيّاشة فحسب، بل إنّها كانت ترتكز على معرفة يقينيّة قاطعة، تعتبر أنّ الطاعة لوليّ الأمر، حتى لو كان فيها بذلٌ للأرواح، هي السبيل الوحيد لحفظ الدين والإسلام، لذلك تراهم يرفضون أيّ أمانٍ يضمن لهم نجاتهم وحياتهم، ويصدّون أيّ خوف يمنعهم من الوصول إلى غايتهم، فترى الأحاسيس والعواطف تتحوّل إلى إدراك ووعي على مستوى الرسالة والقضيّة.
 
فهذا العبّاس بن عليّ عليهم السلام، نافذ البصيرة، يردّ أمان الشمر قائلاً: "لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟!" وفي رواية: فناداه العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام: "تبّت يداك، ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله. أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة، وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!"2.
 
وهذا زهير بن القين، يخاطب الشمر حين هدّده ورماه بالسهم، فيقول: "أبالموت تخوّفني؟! فواللَّه، لَلموتُ أحبُّ إليّ من الخلد معكم"3.



1 الراونديّ، قطب الدين، الخرائج والجرائح، مؤسّسة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف / بإشراف السيّد محمّد باقر الموحّد الأبطحيّ، قم – إيران، مؤسّسة الإمام المهديّ، 1409ه، الطبعة الأولى، ج1، ص254. 
2 ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص54.
3 النويريّ، نهاية الأَرَب في فنون الأدب، وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، لا. ط، ج20، ص443.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

20

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 2- الإخلاص:
إنّ من أهمّ المزايا والصفات التي اتّصف بها الأصحاب في كربلاء، هو الإخلاص بأرقى معانيه، فتراهم حين اشتدّ البأس، وعاينوا الحتوف والمنايا، ثبتوا مخلصين موقنين. فهذا عابس بن أبي شبيب الشاكريّ، الذي خاطب الإمام عليه السلام، قائلاً: "أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرَّك منهم. والله أحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلّن معكم عدوّكم، ولأضربّن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله"1.
إنّ عبارة "لا أريد بذلك إلا ما عند الله"، لهي خير شاهد على نوايا هؤلاء الأصحاب، عبد الله عليه السلام، وهذا ما عبّر عنه حبيب بن مظاهر حيث قال: "رحمك الله! قد قضيت ما في نفسك بواجزٍ من قولك"، ثمّ قال: "وأنا، والله الذي لا إله إلا هو، على مثل ما هذا عليه"2.

 
نعم، هذا هو الإخلاص لله تعالى الذي لا يكون إلا برضى وليّه عليه السلام، هذا هو الإخلاص الذي يبيع الدنيا وحطامها بالنعيم الأبديّ في جنان الخلد مع الأولياء.
 
3- التفاني:
إنّ مواقف التفاني في كربلاء كثيرة وعديدة، وكلٌّ عبّر عن ذلك بأسلوبه وبيانه. هذا الأسلوب والبيان الذي يستخدم فيه الأعداد والتكرار ليدلّ على قصور الألفاظ عن إدراك ما يختلج في صدره من مشاعر وأحاسيس، فتراهم يعبّرون (سبعين مرّة، ألف مرّة...). 
 
4- الحزم والإرادة الصلبة:
وخير شاهد ودليل على هذه الميزة والصفة، ما حصل ليلة العاشر من محرّم، مع حبيب بن مظاهر وباقي الأصحاب أمام مخيّم عقيلة الهاشميين السيدة زينب عليها السلام، حيث نادى حبيب أصحابه، عندما علِم من نافع بن هلال بأنّ السيدة زينب عليها السلام وباقي النساء في حال وجلٍ ورعب: 



1 الطبريّ، محمّد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت – لبنان، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لا. ط، ج4، ص264.
2 م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

 


21

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 "يا أصحاب الحميّة، وليوث الكريهة، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا، فأخبروني عن نيّاتكم. فجرَّدوا صوارمهم، ورموا عمائمهم، وقالوا: أما والله يا بن مظاهر، لئن زحف القوم إلينا لنحصدنّ رؤوسهم، ولنلحقهم بأشياخهم، ولنحفظنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عترته وذريته".

 
فقال لهم حبيب: معي معي.
 
فقام يخبط الأرض بهم، وهم يعْدُون خلفه، حتى وقف بين أطناب الخيم، ونادى:
"السلام عليكم يا ساداتنا، السلام عليكم يا معشر حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلّا في رقاب من يبتغي السوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم آلوا أن لا يركزوها إلّا في صدور من يفرّق بين ناديكم"1.
 
ويكفي في الدلالة على هذه الميزة ما قاله الإمام الحسين عليه السلام لأخته الحوراء زينب عليها السلام، التي سألته قائلةً: "يا بن أمّي، هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخاف أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة"، فبكى الحسين عليه السلام، وقال: "أما والله لقد بلوتهم، فما رأيت فيهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن أمّه"2.
 
5- التجسيد العمليّ للمواقف:
كثيرة هي المواقف التي لم تخرج من حيّز الكلام والتنظير إلى حيز الواقع والتطبيق العمليّ في التاريخ. لقد أثبت أصحاب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء صدقهم من خلال دمائهم وأرواحهم التي رخصت أمام إمام زمانهم، فكانوا خير من أبلى بلاءً حسناً في الامتحان الإلهيّ الكبير على تلك الأرض الطاهرة، فترى أصواتهم وصيحاتهم ومواقفهم تعانق أجسادهم المطروحة على رمضاء كربلاء، تشهد لهم تلك البقعة التي ارتوت من 



1 شرف الدين، السيّد عبد الحسين، المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة، مراجعة وتحقيق محمود بدري، قم – إيران، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1421ه، الطبعة الأولى، ص233.
2 م. ن.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

22

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 دمائهم، ونسائم الهواء الذي تعطّر بعبق تلك الدماء.

 
هذا غيض من فيض، وشيء من تلك السمات والميزات التي سطعت يوم العاشر من المحرّم، لتسطّر أعظم تضحية ولائيّة في تاريخ البشريّة.
 
كلمة من القلب
من خُطَب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء قوله: "ألا ترون أنَّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً"1.
 
لعلّ من أجلى ظواهر ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ومن أكثرها حرقة من جهة، وإثارة لسيل من الأسئلة من جهة ثانية، ودلالة على مستوى الهبوط والانهزامية التي مُنيت بها الأمّة أيّام الإمام الحسين عليه السلام من جهة ثالثة ظاهرة، قلّة أنصاره عليه السلام وكثرة المتخاذلين عنه.
 
فلو حاولنا الوقوف عند هذه الظاهرة البارزة في أحداث كربلاء، ورمنا التأمُّل فيها، والنظر في الأسباب التي أدّت إليها، لبرزت أمامنا نقاط ونتائج من المفروض أن تكون على خلاف تلك التي وصلت إليها الأمّة آنذاك. فهي كانت نقاط قوّة، وفي صالح النهضة الحسينية، ومدعاة لكثرة الأنصار، لا لقلّتهم، ولقلّة المتخاذلين، لا لكثرتهم، أي على خلاف الواقع المؤلم حينذاك. فما الذي أدّى إلى تغيُّر هذا الواقع بهذا الشكل الذي رأيناه؟!
 
هذا مع العلم أنّ أهداف الثورة الحسينية كانت معلَنة، وشعاراتها التي رفعتها ونادت بها كانت واضحة وصريحة، وهي تنطلق من عقيدة الأمّة ودينها، وتهدف إلى عزّة المسلمين وقوّتهم، وإنقاذهم من ظلم الأمويّين وإجحافهم واستئثارهم بحقوق الأمّة وخيراتها. وقد كانت شعاراتها هي شعارات الهدى والقرآن ونهج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته وسنّته نفسها. وقد أوضح الإمام الحسين عليه السلام كلّ ذلك، كلّما سنحت له فرصة، وذكر بعضها في أول بيان 



1 اللهوف في قتلى الطفوف، ص48.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

23

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 تركه في المدينة: "وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فمن قَبِلَني بقَبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين"1.




1 م. ن، ج44، ص330.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

24

الولاية وتجلّياتها عند أصحاب الإمام الحسين عليه السلام

 فقه المسلم

استفتاءات الإمام الخامنئي دام ظله حول الغسل:
السؤال1: إذا أصبحت جنباً وليس بإمكاني الوصول إلى الحمّام واستمرت الجنابة عدّة أيام، فهل يجب كما في السابق أن أتوضأ أو أتيمّم لكلّ صلاة أصلّيها بعد الصلاة التي تيمّمت لها بدل الغسل أم أكتفي بمرّة واحدة؟ وعلى فرض ذلك هل الواجب هو الوضوء أو التيمّم لكلّ صلاة؟ 

الجواب: الجنب بعدما تيمّم صحيحاً بدلاً عن غسل الجنابة، فلو عرض له الحدث الأصغر بعد ذلك فما دام العذر المجوّز للتيمّم لم يرتفع فعليه التيمّم على الأحوط بدلاً عن الغسل ثمّ يتوضأ، ولو كان معذوراً عن الوضوء فعليه تيمّم آخر بدلاً منه.

السؤال2: هل التيمّم بدل الغسل له الأحكام القطعية الثابتة للغسل؟ بمعنى هل يجوز معه الدخول إلى المسجد؟ 

الجواب: يجوز ترتيب كلّ الآثار الشرعيّة للغسل على التيمم البديل عنه، إلاّ في حالة كون التيمّم بدلاً عن الغسل بسبب ضيق الوقت.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

25

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين



الهدف:
التعرّف إلى ارتباط الامامة بالولاية والطاعة، والعلاقة بين الولاية وبين انتظار الفرج، وكيفية تجلّي الولاية في عصر الغيبة.

محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• الولاية وانتظار الفرج
• حقيقة الانتظار وآثاره
• تجلّيات الولاية في عصر الغيبة
• طاعة الفقيه الجامع للشرائط طاعة لإمام الزمان
• النشاط والسعي المطلوب في عصر الغيبة
• الولاية ومجاهدة النفس والتحلّي بمكارم الأخلاق
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

26

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 تصدير الموضوع

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: طوبى للصابرين في غيبته! طوبى للمقيمين على محجّتهم! أولئك وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾1، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾2".
 
مدخل
لقد تواترت الأخبار والروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليه السلام التي تبشِّر بظهور المهديّ في آخر الزمان، لينشر العدل، وينصر المستضعفين في العالم، ولهذا يعتقد المسلمون أنّ قضية المهدوية ضرورة من ضروريات الإسلام على مستوى كون إمامته امتداداً لنبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه الإمام المفروض الطاعة، وذلك على قاعدة أنّ الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا، ووظائفها مستمَدّة من النبوّة، لناحية قيادة المجتمع وإدارة شؤون الأمة والدولة، ومرجعية دينية، وولاية أمر عامّة للمسلمين كافة. 
 
وإن ما يعزّز عقيدة المسلمين بالمهديّ مجموعةُ الأخبار التي أكّدت أنّ الأرض لا تخلو من حجة لله عليها، فقد ذكر الشيخ الكلينيّ في الكافي عدة روايات تتحدّث عن أن الأرض لا تخلو من حجة، نذكر منها قول الإمام الصادق عليه السلام: "إن الله أجلُّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل"3. وقد حدّدت الروايات المقصودَ بالحجّة وأنه الإمام المهديّ، فعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: "إن الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى 



1 سورة البقرة، الآية 3.
2 سورة المجادلة، الآية 22.
3 الكافي، ج1،ص 178.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

27

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 يعرف"1، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "إن آخر من يموت الإمام، لئلا يحتجّ أحدٌ على الله عزّ وجل أنه تركه بغير حجّة لله عليه"2.

 
الولاية وانتظار الفرج
نعيش في عصرنا الحاضر تحت فيء إمامة المعصوم الرابع عشر وولاية الإمام الثاني عشر من الشجرة الطيبة، ونقتات من مائدة ولايته. وإذا كانت يدنا قاصرة عن الوصول إليه، فهل يمكن أن نقول: إنَّ كلمة التوحيد الطيبة فقدت شروطها؟ وهل يمكن أن نعتبر غيبة الولي ذريعة للتنصل من العمل تمهيداً واستعداداً لظهوره؟
 
لا ريب في أنَّ وظيفة الموالي انتظارُ الفرج، بل يمكن القول إنَّ انتظار الفرج هو أفضل تجلٍّ للولاية، ومن أفضل أعمال المسلمين، كما أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله"3.
 
لقد عُدّ انتظار الفرج من أفضل الأعمال، ويُعلم من ذلك أنّ الانتظار هو عملٌ وليس بطالةٌ، فلا ينبغي الاشتباه والتصوّر أنّ الانتظار يعني أن نضع يداً فوق يد ونبقى منتظرين حتّى يحدث أمرٌ ما. الانتظار عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في المجالات كلّها. وهذا هو في الواقع تفسير هذه الآيات القرآنية الكريمة: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾4 و﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾5. هذا الفرج سيتحقّق، وهو مشروطٌ في أن يكون انتظاراً واقعيّاً، وأن يكون فيه العمل والسّعي والاندفاع والتحرّك6.



1 الكافي، ج1،ص 180
2 الكافي، ج1،ص 180 .
3 كمال الدين:2:357، الباب:55، وبحار الأنوار:52:128، الباب 22.
4 سورة القصص، الآية 5.
5 سورة الأعراف، الآية 128.
6 الامام الخامنئيّ، إنسان بعمر 250 سنة، ص: 374،375.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

28

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 فالانتظار الحقيقيّ هو الذي يمهّد الطريق لظهور الحجة عليه السلام، ومن عرَف حقيقة الانتظار، وأدرك تكليفه ووظيفته، وعمل بها، وأجهد نفسه في مسير الإعداد لصاحب الزمان، تعلّق قلبه بإمامه، وجسّد حقيقة الولاية، وكان مصداقاً من مصاديق المؤمنون بالغيب، كما ذكرهم القرآن الكريم. 

 
حقيقة الانتظار وآثاره
لانتظار الفرج مفهومان:
الأول: مفهوم سلبي: يرتكز على مبدأ الاستسلام أمام الفساد والظلم والانحراف، واليأس من إصلاح العالم ونشر العدل قبل ظهوره، بل إن الفساد والظلم من أسباب الظهور.
 
الثاني: المفهوم الإيجابي للانتظار الذي يستند على أن الانتظار باعث على التحرّك لا الركود وعامل وعي ويقظة، ويطلق عادة على حالة من يشعر بعدم الإرتياح من الوضع الموجود، ويسعى لايجاد الوضع الأفضل والأصلح، وأنه يخلق روح المسؤولية، وباعث للأمل، ومصداق للعبادة، بل لقد تحدّثت الروايات عن أن الانتظار في توأم مع الجهاد. فقد سأل شخص الإمام الصادق عليه السلام: ماذا تقول فيمن مات وهو على ولاية الأئمة بانتظار ظهور حكومة الحق فقال عليه السلام: هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه - ثم سكت هنيئة - ثم قال: هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ونقل هذا المضمون في روايات كثيرة منها: أنه بمنزلة المجاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأنه بمنزلة من استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأنه بمنزلة من كان قاعداً تحت لواء القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

 


29

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 تجليات الولاية في عصر الغيبة

بناءً على ما مرَّ من معنى انتظار الفرج، يمكننا تحديد الوظائف الملقاة على عاتق المنتظِر تجاه إمام العصر والزمان، وتجليات الولاية بالصورة العملية، وفق الأمور الآتية:
1- معرفة الإمام:
أشار الدعاء الملكوتيّ الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام إلى أوّل واجبٍ من واجبات أهل الانتظار والولاية: "اللهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك. اللهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك. اللهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني"1.
 
إنَّ أوّل ما يجب على المؤمن من أهل الانتظار والولاية الالتزامُ به: معرفةُ الإمامة والإمام معرفةً ترتكز على أساس معرفة التوحيد ومعرفة النبوّة. إذ لو أدركنا أنّ النبي خليفة الله الذي يلزم علينا أن نعمل على أساس وحي كلامه، لزم علينا أن نعرف الإمام على ضوء معرفة النبي، وإلّا قد ينتهي بنا القول إلى أنّ الإمامة يمكن أن تتشكّل تحت لواء السقيفة.
 
لو أحاط المؤمن علماً بهذه الحقيقة النوريّة، فسوف يرتبط بالتوحيد عبر مسار الإمامة والنبوة، ولن يتمسّك بغير الدين في الفكر والعمل. وإن استطاع الوصول إلى هذه المرتبة، استطاع حلّ مشاكله العلمية والعملية كلّها. ففي المجال الاجتماعيّ لن يتبنّى الأنظمة غير الدينيّة، بل سيلتزم بالقانون المتمحور حول أمر الله، لا أمر الناس، ومن هذا المنطلق لن يسلّم إلّا بالقانون الإلهيّ الذي يسعى مقامُ النبوّة والإمامة الشامخ إلى بيانه وتفسيره. 
 
2- الثبات على الدين في عصر غيبته عجل الله تعالى فرجه الشريف:
من أهم التكاليف الشرعية في عصر الغيبة هو الثبات على العقيدة الصحيحة بإمامة الأئمة الاثني عشر، وخصوصاً خاتمهم وقائمهم المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما يتوجب علينا عدم التأثر بموجات التشكيك وتأثيرات المنحرفين مهما طال زمان الغيبة أو كثرت ضروب المشككين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "والذي بعثني بالحق بشيراً، ليغيبنّ القائم من وُلدي بعهد 



1 الكافي، 1: 337، باب في الغيبة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

30

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 معهود إليه مني، حتى يقول أكثر الناس ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً يشكّكه فيزيله عن ملّتي، ويخرجه من ديني"1.

 
3- تجديد البيعة والولاية له عليه السلام:
يعتبر دعاء العهد أحد أهم الأدعية المخصوصة بمنتظِري الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والواردة عن الإمام الصادق عليه السلام. والدعاء يتضمن جملة من المعارف التوحيدية، ويؤكد على ضرورة الارتباط الدائم بإمام العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ولزوم الاستقامة والدفاع عنه، مع الإشارة إلى الخطوط العريضة لبرنامج حكومة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. والدعاء يصف حالات المنتظرين الحقيقيين، ويشير إلى عقد المؤمن العهد مع الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف وإشهاد الله عليه، لغرض توكيد هذا العهد الذي على أساسه يكون الداعي في كلّ زمان ومكان من أنصار إمام العصر وأتباعه الذابين عنه والعاملين بسنتّه وسلوكه، سائلاً الله أن يسدده ليبذل مهجته في هذا الطريق: "اَللّـهُمَّ إني أجدد لَهُ في صَبيحَةِ يَوْمي هذا وَما عِشْتُ مِنْ أيامي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ في عُنُقي، لا أحول عَنْها وَلا أزول أبدا،…"2.
 
4- الارتباط الروحيّ بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف:
إنّ ما هو مطلوبٌ ومقدورٌ لجميع المحبين والمنتظرين هو إيجاد وحفظ الارتباط الروحيّ والمعنويّ مع الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو ما يحصل إثر رعاية أدب الحضور والارتباط معه.
 
وعليه، فالدعاء للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، والقيام بالمستحبّات، والتزوّد بالأعمال الصالحة نيابة عنه، وإهداء ثوابها إلى الأرواح الطيّبة للعترة الطاهرة عليهم السلام، من أفضل السبل لتعزيز الارتباط مع وجوده المبارك، كما أنّ أرقى سبيل لهذه النيابة أن لا يطلب من الإمام مقابل عمله أمراً لنفسه، لأنّ ذلك ينقص من قدر عمله. والوجه فيه: أنّ طلبنا بقدر إدراكنا، كما أنّ إدراكنا 



1 كمال الدين ج 1 ص 51، ،بحار الأنوار ج 51 ص 68 ح 10.
2 مصباح الزائر ص 169، البلد الأمين ص 82، مصباح الكفعميّ ص 550.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

31

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 في أكثر الأحيان محجوبٌ بحجاب أُمنيّاتنا، ما يكون معه مطلوبنا المترقّب بذلك محدوداً. وعليه، فالأرجح من باب الأدب أن لا نطلب من ذلك الوجود المبارك أمراً خاصّ، لوضوح أنّه من تلك السلالة التي سجيّتهم الكرم1. ومعه، فمن اللائق أن نوكل إليهم مسألة العطاء، نظراً إلى أنّ ما تقتضيه سجيّة الكريم في العطاء أن يكون عطاؤه مستمرّاً وافراً.

 
5- الاقتداء بسنّة النبي والأئمّة عليهم السلام وسيرتهم:
إنّ إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف هو محيي تعاليم القرآن الكريم النوريّة ومعارف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى عليهم السلام، فسيرة إمام العصر هي السيرة النابعة من الإسلام الأصيل والمعارف السامية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي هي من خزائن الله. وقد كان الأئمة المعصومون عليهم السلام الواحد تلو الآخر يبيّنون هذه الحقيقة النوريّة، ويحافظون على هذه السيرة الكريمة.
 
وعليه، فليس طريق إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف سوى طريق القرآن والعترة، وعلى منتظِر إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف والموالي أن يكون على اطّلاع وإحاطةٍ بالقرآن الكريم وبتعاليمه من جهة، وبسيرة وتعاليم العترة من جهة أُخرى، ليتمكّن من الاقتداء بأئمة الهدى والاستعداد لحضور إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وخدمته.
 
6- حسن التدبير وعلوُّ الهمّة:
وإلى جانب ما ذكرناه، يجب على أهل الانتظار أن يعزّزوا في أنفسهم روح التدبير على أتمّ وجهٍ، ويسعوا إلى تنظيم الأُمور الاجتماعيّة. وقد أشار الإمام الباقر عليه السلام في روايةٍ إلى جملة خصائص أتباع صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ووصف علوَّ همتهم حيث قال: "أجرى من ليث، وأمضى من سنان"2



1 حسبما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة التي ورد فيها أنّ الأئمّة عليهم السلام عادتهم الإحسان وسجيتهم الكرم البلد الأمين: 302، ومن لا يحضره الفقيه، 2: 615-.
2 بصائر الدرجات، 24، الباب 11، وبحار الأنوار، 52: 318، الباب 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

32

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 وعندما يبلغ المجتمع الإسلاميّ درجةً من علوّ الهمّة والتدبير، تتجلى الولاية بأسمى صورها، وتتهيّأ الأرضيّة لظهور حجّة الله المطلَقة.


وختاماً، يمكننا القول: من أراد أن يمتحن صدق انتظاره وولائه، فعليه أن ينظر: هل هو متطلّعٌ ومشتاقٌ إلى إمام زمانه القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل يؤدي التكاليف والوظائف تمهيداً واستعداداً لحضوره المبارك؟ هل هو منتظرٌ حقيقيّ أم أنَّه أطلق على نفسه بلا حقٍ عنوان انتظار الحجّة؟!

7- سموّ الفكر والعقل: 
يُستفاد من الروايات الواردة في بيان الوقائع والأحداث السابقة على عصر الظهور أنّ يد اللطف الإلهيّ ستنال الأُمّة، فتكتمل عقولهم، وتستعدّ لتلقّي الفيوضات. وهذا التطوّر والتكامل ليس أمراً هيّناً ليُقال بأنّه لا حاجة إلى تهيئة الأرضيّة له؛ إذ معه ينقلب المرء من جَهولٍ مطبقٍ إلى ذي علمٍ غزيرٍ.

إنّ تعالي مستوى الفكر، والتعقّل والعلم والفهم العامّ، أوّل خطوة في طريق تهيئة الأرضيّة اللازمة لغرض إدراك رسالة الإنسان الكامل، وظهور وليّ الله المطلق. وهذا الأمر الجليل من أغلى وأسمى واجبات ووظائف منتظري الإمام عليه السلام. والسرّ فيه: أنّ المجتمع الذي يكون له مستوى فكريّ رفيع، يتمكّن من أن يدرك حقيقة المعارف الإلهيّة التي يفيض بها الإمام عليه السلام، ويكون أقدر على الوقوف في وجه أمواج الجهل والتجاهل والحسد والرذيلة.

8- طاعة الفقيه الجامع للشرائط طاعة لإمام الزمان:
في عصر الغيبة الكبرى لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف تتجلى الولاية عملياً من خلال طاعة الولي الفقيه الجامع للشرائط، نائب الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف ؛ فطاعته والتسليم لأمره طاعةٌ وتسليمٌ للإمام المعصوم عليه السلام، لأنَّ بحث ولاية الفقيه، كما مرَّ معنا في الدروس السابقة، مرتبطٌ بشكل جذريّ ببحث الإمامة. من هنا، فإنَّ المنتظر الحقيقيّ لا بدَّ أن يكون طوعَ أمر الوليّ، ويؤدّي التكاليف الملقاة على عاتقه على أتمّ صورة ووجه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

33

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 9- النشاط والسعي المطلوب في عصر الغيبة:

يقتضي الإدراك الصحيح لمعنى الانتظار والولاية أن يكون للمؤمن الموالي حركة دائمة وسعي دؤوب بقصد تهيئة نفسه ومجتمعه لظهور الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. والحديث الملكوتيّ الوارد عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام القائل: "ليعدّنّ أحدكم لخروج القائم، ولو سهماً"1 مصباح ينير هذا الطريق الرحب.
 
ثمّ إنّ اللحظة السعيدة لظهور الغائب تبعث فينا الأمل لنعيش لحظات الانتظار على أحرّ من الجمر، بانتظار الطلعة البهيّة لوجوده المبارك. وهذا الانتظار يدفعنا عقلاً في ضوء الكلام النوريّ لصادق آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو السعي والحركة الدؤوبة لإعداد العدّة وتهيئة الأرضيّة المناسبة لظهوره، ولو كان ذلك بإعداد سهمٍ. وهذا السهم تارةً يكون سهم بيانٍ، وبنانٍ وأُخرى يكون سهماً في المجال العلميّ والعسكريّ. وإن شئتَ قلت: إمّا أن تكون لنا القدرة على شرح وبيان المعارف الإلهيّة وبسطها ونشرها وتبليغها، مع تمييز العقل عن الحسّ والقياس والوهم والاستحسان والخيال والمغالطة؛ سعياً إلى صيانة هذا المصباح المنير، وإمّا أن نسخّر قوانا وملكاتنا في مختلف الفنون الصناعيّة والمجالات العلميّة، لا سيّما في مجال الدفاع الحربيّ والاستعداد لمواجهة ومجابهة الذين يتوهّمون أنّ مصباح الهداية الوحيانيّ قد خمد وانطفأ، وإن كان الأولى الجمع بين هذين السلاحين.
 
ومن حسب نفسه أنّه في حال انتظار دون أن يحرّك ساكناً بقصد إعداد العدّة وطيّ مسير المجاهدة - متوهّماً أنّ من لا يعدّ العدّة يمكن أن يكون من بين منتظري الموعود الموجود - فقد وقع في خيالٍ باطلٍ، وليس لانتظاره ثمرةٌ عمليّة منشودةٌ، ولا لموالاته حقيقةٌ وواقع.
 
10- الولاية ومجاهدة النفس والتحلّي بمكارم الأخلاق:
إنّ المعنى الحقيقيّ للانتظار والولاية يكمن في توفير شروط حضور وظهور صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فمن لم يجاهد نفسه في هذا السير، لا يُعقَل أن تكون ولايته خالصة صادقة.



1 الغيبة، النعمانيّ، 320، الباب 21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

34

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 ولا شكّ في أنّ منتظري الوجود المبارك لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ممّن تخرّج في مدرسة الولاية قد تعلّموا بكلّ صدقٍ درس الصلاح والإصلاح، فعليهم، مضافاً إلى قراءة دعاء الفرج بألسنتهم، قصد تعجيل إمامهم، أن يذكروا ذلك بلسان حالهم، مع إعداد العدّة له. وعلى هذا الأساس، فمن كان انتظاره حقيقيّاً وترقّبُه صادقاً، أمكنه أن يسأل الله سبحانه من أعماق فؤاده، بلسان الحال والمقال، تعجيل الفرج السعيد الميمون لإمام زمانه.

 
ولنيل هذه المرتبة، ينبغي على المنتظِر أن يعمل بما لديه من علمٍ ومعرفةٍ، وأن يستفهم ما أُشكل عليه فهمُه، كما يلزم عليه أن يرجو الخير لسائر عباد الله، من دون أن تكون له أيّة ضغينة تجاه غيره؛ وذلك أنّ القلب المشوب بالحقد لا يليق لأن ينال بذرة معرفة صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ومحبّته.
 
كما ينبغي على المنتظر الحقيقيّ أن لا يتّكل إلّا على الله، ولا يعقد على غيره الأمل، كما عليه أن يراقب فضاء قلبه، فلا يبيع هذه البضاعة النفيسة بثمن بخس في قبال الشهوة والغفلة؛ إذ إنّ مَن عرض هذا الثمن وتعرّض له، ما كان إلّا عدو الإنسان؛ أي: إبليس, لوضوح أنّ هذه المعاملة لا تهدف إلّا إلى الاستئثار بالثمن والمُثمَن، فلا يعود للإنسان سوى الخسران والغبن والضرر.
 
ومن باع أخلاقه ودينه من الشيطان، استحوذ على تمام هويّته الإنسانيّة، ومن كان كذلك، سعى إلى سلوك طريق ومسير مشفوع بالخسران والفساد، فيكون مصداقاً بارزاً لقوله تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾1.
 
ثمّ إن ترك التعلّق بالمظاهر الدنيويّة المذمومة مقدّمة لإيجاد الأرضيّة الملائمة لطهارة الروح وصفاء الضمير بالنسبة إلى المنتظر، وعند ذلك يصير بلطفٍ من الله صاحب شامّة يشمّ بها عطر حضور مولاه2. ولا يحصل بهذه الشامّة استشمام الروائح العطرة فحسب، 



1 سورة الحج، الآية 11.
2 وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بابا طاهر في القسم الأوّل من ديوانه قائلاً:
سحر از بسترم بوي گل آيو
أي: لقد هبّ أريج الورد من مرقدي عندما أقبل المحبوب بطلعته -.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

35

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 بل تُستكشف الروائح العفنة الناشئة عن الميول الدنيويّة وحبّ الدنيا والنفاق والتفرقة بين المتحابّين، فتنجي صاحبها من الوقوع في هذه المهالك.


كلمة من القلب
أيها العزيز... إن الانتظار يعني الاستعداد التام والشامل للأفراد والمجتمعات وعلى مختلف المستويات البنيوية والسياسية والعسكرية والعلمية، ولهذا ينبغي الالتفات إلى أمور:
- بناء العناصر الإنسانية المستعدة لتحمّل المسؤولية تجاه الإمام ودولته.
- الاهتمام بأعمال الرعاية والبناء الاجتماعي والتربوي.
- عدم الذوبان في المحيط الفاسد ومواجهة كل أشكال الظلم.
- الاهتمام الشامل بالبنية الجهادية والعسكرية على مستوى الأفراد والتشكيلات والمعدات.
- الثبات على الدين مهما قست الظروف وانتشر الفساد.
- الثبات على الإمامة والولاية وتجديد البيعة.
- التمهيد بمختلف الوسائل الممكنة لظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف.
- طاعته من خلال نوّابه العامين (الولي الفقيه).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

36

الولاية وتجلّياتها عند المنتظرين

 فقه المسلم

السؤال1: شخص يوجد على أعضاء وضوئه جرح أو كسر فما هي وظيفته؟

الجواب: إذا كان الجرح أو الكسر مكشوفاً ولم يكن الماء مضراً به فيجب عليه غسله، وأما إذا كان الماء مضراً به فيجب عليه غسل ما حوله، والأحوط وجوباً مع ذلك أن يمسحه برطوبة اليد إن لم يكن فيه ضرر.

السؤال2: إذا كان على أعضاء المسح جرح فما هي الوظيفة الشرعية؟

الجواب: إن لم يمكنه المسح عليه برطوبة اليد فتكليفه التيمم بدلاً من الوضوء، ولكن لو أمكنه أن يضع عليه خرقة ويمسح عليها فالاحوط أن يضم إلى التيمم الوضوء مع المسح المذكور.

السؤال3: إذا كان في مواضع الوضوء جرح نازف دائم النزف حتى ولو وضع عليه جبيرة فكيف يتوضأ؟

الجواب: يجب عليه اختيار جبيرة لا ينـزف الدم من خلالها، مثل "النايلون". 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

37

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية

(الحسد، التكبّر، الجبن)


الهدف:
التعرّف إلى معنى هوى النفس وحقيقته وخطره وما ينتج عنه من أمراض أخلاقية.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• حقيقة هوى النفس
• آثار اتّباع هوى النفس
• علاج اتّباع الهوى
• هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية / الحسد
• هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية / التكبّر
• هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية / الجبن
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

38

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 تصدير الموضوع

عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "إنما أَخاف عليكم اثنتين‏، اتّباع الهوى وطول الأَمل، أَمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحق، وأَمّا طول الأَمل فيُنسي الآخرة".

مدخل
إنّ سلوك طريق الله والآخرة للوصول إلى الكمال الإنساني والسعادة الأبدية عند مليكٍ مقتدرٍ غير ممكنٍ من دون جهاد النفس وتهذيبها من الأمراض والرذائل الأخلاقية. وأوّل ما يحتاجه الإنسان المؤمن الحريص على آخرته هو معرفة هذه الموانع والعوائق التي تحول بينه وبين لقاء ربّه، والتي تحرمه من فيضه الجزيل، وعطائه العميم. فالمعرفة الدقيقة والصحيحة بهذه الموانع هي المدخل الصحيح لإزالتها والتخلّص منها، لأنّه من غير الممكن معالجة الداء ما لم نكن على معرفةٍ به وبآثاره ونتائجه. لذا، كانت المعرفة المسبقة بهذه الأمراض والرذائل أمراً لا بدّ منه لمن يريد أن يهذّب نفسه ويطهّرها. وفي هذا الفصل والفصلين اللاحقين سوف نذكر بعض هذه الأمراض، مبيّنين خطرها الداهم على سلوك الإنسان، وكيفيّة معالجتها. 

حقيقة هوى النفس 
الهوى هو حبّ الشيء والميل إليه والتعلّق به واشتهاؤه، من دون فرقٍ بين أن يكون متعلّقه أمراً حسناً أو قبيحاً. وهوى النفس هو عبارة عن حبّ النفس وميل الإنسان إلى اتّباع الأوامر الصادرة عنها، سواء كانت خيراً أم شراً. واتّباع أوامر النفس يعدّ شركاً بالله، لأنّ المطاع فيه هو النفس وليس الله. فالأمر الصادر عن النفس، إن كان خيراً ولم يكن في طاعة الله ولأهدافٍ إلهية فهو مخالفٌ لإرادة الله، وبالتالي باطل، وإن كان شراً فهو صادرٌ عن النفس الأمّارة بالسوء التي تأمر الإنسان بالسوء دائماً وتدفعه إلى معصية الربّ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

39

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 ومخالفة أمره. وقد تحدّث الله تعالى عن هذه الحقيقة وأشار إلى أنّ المتّبع لهواه في الحقيقة عابدٌ لغير الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾1، فأشار بشكلٍ واضحٍ إلى أنّ الإنسان يمكن أن يتسافل إلى الحدّ الذي تصبح فيه نفسه هي المعبودة والمطاعة وليس الحقّ عزّ وجلّ. 

 
والمؤمن الصادق يكفيه أن يعرف الأضرار والمساوئ الناجمة عن اتّباع الهوى وحبّ النفس، وما وعد الله به الذين يخافونه في الغيب من الجنان، حتى يقلع عنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾2.
 
آثار اتّباع هوى النفس
أ- عدم الإيمان بالآخرة: اتّباع الهوى يمكن أن يحول بين الإنسان والإيمان الصحيح بالآخرة: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾3.
 
ب- أسوأ الضلال: اتّباع الهوى أسوأ الضلال، فهو يخرج الإنسان عن طريق الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾4.
 
ج- انتفاء العدالة: اتّباع الهوى مانعٌ من العدل والإنصاف: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾5.
 
د- فساد الكون: إنّ نظام السماء والأرض خاضعٌ لإرادةٍ حكيمة وعادلة، فلو دار حول 



1 سورة الجاثية، الآية 23.
2 سورة النازعات، الآيتان 40 – 41.
3 سورة طه، الآيتان 15 – 16.
4 سورة القصص، الآية 50.
5 سورة النساء، الآية 135.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

40

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 محور أهواء الناس وشهواتهم لعمّ الفساد كلّ ساحة الوجود: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾1.

 
هـ مصدر الغفلة: اتّباع الهوى يحجب عن سبيل الحق ويورث الغفلة: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾2.
 
و- فساد العقل: اتّباع الهوى يفسد العقل ويضعفه ويمنعه من التمييز بين الحق والباطل: عن الإمام علي عليه السلام، قال: "طاعة الهوى تفسد العقل"3، وفي حديثٍ آخر عنه، قال: "الهوى عدوّ العقل"4.
 
ز- التلوّث بالكبائر: إنّ الإفراط في طلب اللذّة وعبادة الهوى يسوق الإنسان نحو منزلقات الإثم وارتكاب الذنوب، كما حدث مع بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾5.
 
ح- أسّ المحن: اتّباع الهوى سببٌ أساسي للمحن والبلاءات التي تصيب الإنسان في هذه الحياة كما أخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "الهوى أسّ المحن"6.
 
علاج اتّباع الهوى
إذا عرفنا أنّ اتّباع الهوى يكون باتّباع أوامر النفس دون الله والانصياع التام لتلبية رغباتها، فإنّ العلاج الأساس يكون بمخالفة هذه الأوامر النابعة من النفس والاحتكام عوضاً 



1 سورة المؤمنون، الآية 71.
2 سورة الكهف، الآية 28.
3 التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح مصطفى درايتي، ‏إيران، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1407 هـ، ط 1، ص 64.
4 م. ن.
5 سورة المائدة، الآية 70.
6 ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - بيروت - لبنان، 1408 - 1987م، ط1، ج12، ص113.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

41

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 عنها إلى أحكام الشريعة في كافّة شؤون حياتنا، لأنّه ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾1، بالإضافة إلى تقوية رادع الإيمان والتقوى في النفس. فمن يشعر بوجود الله دائماً في حياته ويره حاضراً وناظراً إلى سلوكياته وأفعاله، ويرَ محكمة العدل الإلهية يوم القيامة بعين البصيرة، لا يمكن أن يتجرّأ على كسر طوق الحدود الإلهية ويتجاوز التشريعات الدينية ويتلوّث بمفاسد الشهوات والرذائل، فعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "خالف نفسك تستقم، وخالط العلماء تعلم"2. فمخالفة النفس وإشغالها دائماً بالطاعات والواجبات الشرعية بحيث لا يعود لها منفذٌ للجري وراء تلبية الأهواء والشهوات هو السبيل الوحيد للتكامل والرقيّ الإنساني. كما إنّ معاشرة الصالحين وترك صحبة رفاق السوء لهما الأثر الأكبر في توجيه الإنسان نحو معالي الأخلاق وعدم التلوّث في مستنقع الرذائل. 

 
هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية
إنّ المشكلة الكبرى في هذه التبعيّة للنفس تكمن في أنّها تضلّ الإنسان عن جادّة الحقّ والصّراط المستقيم، كما قال عزّ اسمه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾3. والأخطر من ذلك أنّ اتّباع الهوى يصدّ عن سبيل الحقّ، ويحول دون الوصول إليه، وهل بعد سبيل الحقّ إلا الضلال؟! لذا، كان أمر الله وحكمه واضحاً وصريحاً بضرورة تجنّب هوى النفس وطاعتها، لأنّها لن تورث الإنسان إلا العذاب والضّلال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾4.
 
بناءً على ما تقدّم، إنّ اتّباع هوى النفس يورّط الإنسان في العديد من الأمراض الأخلاقية القبيحة، منها:



1 سورة المائدة، الآية 44.
2 الآمدي، غرر الحكم، ص237.
3 سورة الأنعام، الآية 119.
4 سورة ص، الآية 26.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

42

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 الأول: الحسد:

الحسد حالة نفسانية، يتمنّى معها صاحبها سلب النعمة التي يتصوّرها عند الآخرين، سواء نالها أم لا. وهي من أبشع الرذائل وأبغض الصفات. وهو يختلف عن الغبطة، لأنّ الغبطة هي تمنّي النعمة التي لدى الغير، ولكن دون تمنّي زوالها عنهم. والحسد آفة الدين كما جاء عن الإمام علي عليه السلام: "آفة الدّين الحسد، وحسب الحاسد ما يلقى"1، وهو رأس العيوب والرذائل، لأنّه تتولّد منه أمراضٌ ومفاسد أخرى، كالعجب وفساد الأعمال وغيرها، لذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "رأس الرذائل الحسد"2. والأخطر من ذلك كلّه أنّ الحسد لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان، فعن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "لا يجتمع الحسد والإيمان في قلب امرئ"3
 
دوافع الحسد:
للحسد أسبابٌ كثيرة، أهمّها قلّة الإيمان وضعفه في النفس. فالحسود ساخطٌ على الله، غير مؤمنٍ بعدله وحكمته ورحمته وحسن تقديره. مع العلم أنّ تقسيم النّعم والأرزاق إنّما جاء على خير تقديرٍ وأجمل نظامٍ، وهو يتطابق تماماً مع المصالح التامّة والنظام الكلّي. والحاسد في حقيقة نفسه رافضٌ لهذا النظام الأصلح، ولا يرى أنّ الله عادلٌ قي تقسيمه للنعم والمواهب وحكيم في تقديراته، وهو في قرارة نفسه لا يؤمن بأنّ من يتمتّع بالقابلية واللياقة ويطلب من الله أن يرزقه فإنّ الله سيرزقه حتماً، لأنّه الجواد المطلق. عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله عزّ وجلّ لموسى بن عمران عليه السلام: يا ابن عمران، لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدّن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمتي الذي قسمت بين عبادي، ومن يكُ كذلك فلست منه وليس مني"4.



1 الميرزا النوري، مستدرك‏ الوسائل، ج 12، ص 17.
2 م، ن، ص 23.
3 م. ن، ص 18.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 307.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

43

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 عواقب الحسد:

يترتّب على الحسد نتائجُ سلبية كثيرة، أهمّها:
أولاً: يشعر الحسود بالهمّ والغمّ دائماً، وهو يعيش حالةً شديدة من الانقباض والحزن والكآبة، فهو يشعر دائماً بالضيق والاختناق، ويتألّم لمجرّد سماعه بنعمةٍ تصيب غيره، وهذا ما يسلبه هدوءه واستقراره. لذا، نراه يتحرّك في تعامله مع الآخرين من موقع الخصومة والعداوة والتعرّض لهم وذكر عيوبهم من أجل الانتقاص من سمعتهم ومكانتهم، قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الحسود كثير الحسرات متضاعف السيئات"1
 
ثانياً: الحسد يأكل دعائم الإيمان ويوهن علاقة الإنسان مع ربّه، بحيث يدفع الإنسان إلى أن يسيء الظن بالله تعالى وحكمته، لأنّ الحسود في أعماق قلبه معترضٌ على الله تعالى، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "لا تتحاسدوا، فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب اليابس"2.
 
ثالثاً: الحسد يحجب العقل عن إدراك حقائق الأمور، فالحسود لا يستطيع أن يرى نقاط القوّة عند المحسود حتى ولو كان قائداً عظيماً ومصلحاً اجتماعياً كبيراً، بل يبحث دائماً عن نقاط ضعفه وعيوبه.
 
رابعاً: يسلب الحسد الإنسان أصدقاءه ورفاقه، ويؤدّي إلى تمزّق روابط الألفة والمحبّة بين الناس، كما جاء عن الإمام علي عليه السلام: "الحسود لا خلّة له"3. فمن العوامل الأساسية التي تؤدّي إلى هزيمة المسلمين وانتصار الكافرين عليهم، هو تشتّت كلمتهم وتخاصمهم فيما بينهم.
 
خامساً: يؤدّي الحسد إلى تلوّث صاحبه بأنواع الذنوب الأخرى، من قبيل الظلم، 



1 الميرزا النوري، مستدرك ‏الوسائل، ج 12، ص22.
2 م.ن، ص 17.
3 م.ن، ص 21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

44

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 والعدوان، والغيبة، والتهمة، والكذب، والبهتان، وغيرها، من أجل الوصول إلى مقصده. فهو رأس العيوب كما قال الإمام علي عليه السلام: "الحسد رأس العيوب"1.

 
علاج الحسد: 
لعلاج الحسد طريقان، طريقٌ علمي وآخر عملي.
أ- الطريق العلمي: بأن يتأمّل الإنسان جيّداً في أمرين:
الأول: في النتائج السلبية والعواقب الضارّة للحسد على المستوى الروحي والبدني، إذ من المهمّ أن يعلم الحسود أنّ هذا المرض الأخلاقي سوف يؤدّي إلى هلاكه في الدنيا والآخرة، كما أخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة"2، وسيحول دون إشراق نور الإيمان في قلبه، ويسلب منه الراحة والنوم وسيحوّل حياته إلى حزنٍ وغمّ دائمين.
 
الثاني: أن يتأمّل في جذور ودوافع حصول هذه الحالة في النفس، فإذا كان السبب ضعف الإيمان وعدم المعرفة الصحيحة بالله، فعليه أن يعمّق أسس المعرفة والتوحيد والإيمان بالله في قلبه، أمّا إذا كان السبب الشعور بعقدة الحقارة والدونيّة فعليه أن يعالجها في ظلّ الثقة بالله وحسن الظنّ به، ومن خلال الإدراك بأنّ الكمال الحقيقي هو في التحلّي بمكارم الأخلاق والقرب من الله، وهو ميسّر لكلّ إنسان.
 
ب- الطريق العملي: وهو أن يتكلّف الحاسد بدايةً في إظهار المحبّة للمحسود، فإذا كانت نفسه تدعوه لإيذائه واعتباره عدوّاً وتدفعه إلى هتك حرمته وكشف عيوبه للآخرين، فعليه أن يعمل خلاف ما تريده نفسه، فيثني عليه مثلاً ويذكر صفاته الإيجابية ويحسن إليه ويدعو له بالخير ويقدّمه أمامه. ومع تكرار مثل هذه الأعمال تزول آثار الحسد من النفس شيئاً فشيئاً، ويعيش الإنسان حالةً من الرضا والصفاء والسلام الروحي مع نفسه ومع الآخرين.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ص 21.
2 م. ن، ص23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

45

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 الثاني: الكِبْر:

الكِبْر حالة في النفس، تدعو إلى التعاظم على الغير والتعالي عليهم، لما يراه الإنسان في نفسه من التفوّق والتقدّم على الآخرين. وهو غير العجب، لأنّ العجب هو الإعجاب بالذات، أما التكبّر فهو التعالي على الناس والترفّع عليهم. وهو من أخطر الأمراض الخلقية، وأشدّها فتكاً بالإنسان، وأدعاها إلى مقت الناس له وازدرائهم به ونفرتهم منه. وهي من الصفات التي يبغضها الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾1، لأنها صفة وخُلق أهل جهنم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾2. وقد ذمّ الحقّ تعالى التكبّر كثيراً، حيث خاطب المتكبّر قائلاً: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾3.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنة، لا يُدرى أمن سنيّ الدنيا أم من سنيّ الآخرة عن كِبْر ساعة واحدة"4.
 
1- علامات الإنسان المتكبّر:
غالباً ما تكون الأمراض الأخلاقية مصحوبةً بآثارٍ وعلائم تظهر على ملامح الوجه وفي الأقوال والأفعال. فمن علامات الإنسان المتكبّر أنّه يتخايل في مشيته، وتراه مقطّب الجبين، عبوس الوجه، يشيح بوجهه عمّن يحدّثه ويشمئزّ من كلّ ما يدور من حوله، ويتحدّث كثيراً عن نفسه بعبارات فيها مبالغة، ويقطع كلام الآخرين باستمرار، ولا يصغي إليهم، معتبراً كلامهم تافهاً وعديم الجدوى، وفي المقابل يتوقّع منهم الإصغاء لكلامه والثناء عليه. ولا يبادر إلى السلام، ويسعى ليجلس في الصفوف الإمامية في المجالس والمحافل، ويتجنّب 



1 سورة النحل، الآية 23.
2 سورة الزمر، الآية 60.
3 سورة لقمان، الآية 18.
4 السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ.، ط 1، خطبة 287.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

46

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 معاشرة الفقراء والمحتاجين، ولا يساعد في قضاء حوائج الغير، بل يتوقّع من الجميع أن يقدّموا الخدمة له، ويهتمّ بارتداء أفخر الثياب واقتناء أفخم الحاجيات من الأثاث والمركوب.

 
2- دوافع الكِبْر:
للكِبْر أسبابٌ ودوافع كثيرة تعود كلّها إلى أنّ الإنسان يتصوّر لنفسه كمالاً معيناً، وبسبب حبّه لذاته، ومغالاته في تقييم نفسه، وتثمين مزاياها وفضائلها، والإفراط في الزهو بها، فإنّه يرى نفسه الأكمل والأفضل والأعظم، والآخرين أدنى منه، فيترفّع عنهم ويحتقرهم. وقد يكون هذا الكمال المتوهّم نابعاً من الأمور الدنيوية، من قبيل: الحسب والنسب الشريف، كثرة الأولاد والأنصار، الجمال، المال، القوّة البدنية، النفوذ السياسي أو الاجتماعي وغيرها... أو من الأمور الدينية حتى، كأن يتصوّر نفسه عالماً أو عابداً، ويرى، في المقابل، الآخرين جاهلين، لا يعلمون شيئاً عن حقائق هذا الدين، فيعتزّ بعلمه أو عبادته ويستعظم نفسه، ويحتقر غيره ويتعالى عليهم. كما ويمكن إضافة أسباب ومناشئ أخرى، منها:
أ- الجهل وضعف العقل: إنّ جهل الإنسان بحقيقة ضعفه وعجزه، وغفلته عن حقيقة أنّ كلّ نعمة أو كمالٍ إنّما هي بالأصل من الله تعالى، من شأنه أن يورث الكِبْر في القلب. فما يتوهّمه في نفسه من كمال إنّما هو من الله وليس من نفسه، وهو لا يكاد يساوي شيئاً أمام الكمالات المبسوطة في عالم الوجود. ولو رُخّص الكِبْر لأحدٍ، لكان الأنبياء أحقّ به من غيرهم، كما في الحديث عن الإمام علي عليه السلام: "لو رَخَّص الله سبحانه في الكِبْر لأحد من الخلقِ، لرخّص فيه لأنبيائه، لكنّه كره إليهم التكبّر، ورضي لهم التواضع"1
 
ب- رؤية ذلّة النفس: فعندما يرى المتكبّر الذلّ والنقص في نفسه فسيدفعه حاله هذا إلى الاستعلاء على الآخرين ظناً منه أنّه بذلك تعلو درجته، ويحصل على ما ينقصه



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص 29.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

47

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 من كمال، فعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "ما من رجلٍ تكبّر أو تجبّر إلا لذلّة وجدها في نفسه"1.

 
ج- العجب: تؤدّي رذيلة العجب إلى نشوء رذيلة الكِبْر المهلكة في النفس، فعندما يتوهّم الإنسان أنّه يتمتّع بصفةٍ من صفات الكمال تنتابه حالةٌ من السرور، فيُصاب بداء العجب. وإذا أعجب الإنسان بأعماله استصغر أعمال الآخرين، بل احتقرها واعتبرها بلا قيمة، وعندها يجد نفسه أفضل من غيره وأعظم، فيقع في شِراك التكبّر.
 
د- الحسد: قد يتكبّر الإنسان الفاقد للكمال على من هو واجدٌ له، كأن يتكبّر الفقير على الغني، والجاهل على العالم، لأنّ الذي يفتقر إلى كمالٍ ما يراه موجوداً عند غيره، يمكن أن يدفعه حسده إلى التكبّر عليه، بهدف إذلاله وإهانته.
 
3- مفاسد الكِبْر:
من الواضح أن التكبّر من الأمراض الأخلاقية الخطيرة والشائعة والتي لها آثارٌ مدمّرة على روح الإنسان ومعتقداته وأفكاره وعلى مصيره أيضاً، ومن مساوئ هذه السجيّة:
أ- الكفر: قد يؤدي التكبّر بصاحبه إلى الكفر بالله واليوم الآخر: ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾2.
 
ب- الحرمان من الجنّة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "لن يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كِبْر"3.
 
ج- المذلّة يوم القيامة: من وصايا الإمام الصادق لأصحابه: "إيّاكم والعظمة والكِبْر! فإنّ الكِبْر رداء الله عزَّ وجلَّ، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذلّه يوم القيامة"4.
 
د- دخول النار: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "إنّ في جهنم لوادياً للمتكبّرين، يُقال 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 312.
2 سورة النحل، الآية 22.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة آل البيت -، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بقم المشرفة، 1414، ط 2،ج17، ص 7.
4 م.ن، ج15، ص 376.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

 


48

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 له (سقر)، شكى إلى الله عزّ وجلّ شدّة حرّه، وسأله أن يأذن له أن يتنفّس، فتنفّس، فأحرق جهنّم"1

 
هـ الحرمان من العلم والمعرفة: عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: "يا هشام، إنّ الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار، لأَنّ الله تعالى جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبّر من آلة الجهل"2.

و- ارتكاب المعاصي: قال الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ الفرح والمرح والخيلاء، كلّ ذلك في الشرك، والعمل في الأرض بالمعصية"3. وعن الإمام علي عليه السلام: "التكبّر يظهر الرذيلة"4.
 
ز- المقت لصاحبه ونزول النقم عليه: عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "إيّاك والكِبْر! فإنّه داعية المقت، ومن بابه تدخل النقم على صاحبه، وما أقلّ مُقامَهُ عنده وأَسرع زواله عنه!"5
 
4- علاج الكِبْر:
إذا أراد المرء أن يعالج نفسه من داء الكِبْر فعليه اليقظة من الغفلة، ومن ثمّ تطهير القلب بنار الندامة، وهي بمثابة الخطوة الأولى لاستئصال هذه الرذيلة من جذورها، وأمّا الدواء والعلاج فهو على قسمين:
أ- العلاج العلمي: وهو بأن يتفكّر الإنسان المتكبّر بحال نفسه، وبمفاسد الكِبْر وآثاره السلبية. فمن المفيد للتخلّص من آفة الكِبْر أن يتفكّر الإنسان أولاً في حقيقة نفسه وفقره، كيف خُلق من نطفةٍ مهينة يستقذرها الناس، ومن ثمّ أصبح طفلاً ضعيفاً لا 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص310.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج11، ص 299.
3 العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج70، ص 232.
4 الآمدي، غرر الحكم، 310.
5 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص 30.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

49

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 يقوى على شيء، وحتى عندما أصبح بالغاً وقويّاً فإنّ قواه ليست تحت تصرّفه، فلا يمكنه المحافظة على شبابه وجماله وصحّته، أو دفع المرض أو البلايا عنه... وتستمرّ مسيرته إلى أن يبلغ سنّ الشيخوخة، فيكون ضعيفاً عاجزاً لا يستطيع السير خطواتٍ معدودة بمفرده، إلى أن توافيه المنيّة، فيصبح جيفةً نتنة رائحتها تزكم الأنوف، وثرواته يتناقلها الورثة، وعن الإمام الباقر عليه السلام: "عجباً للمختال الفخور! وإنّما خلق من نطفة، ثمّ جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يُصنع به"1

 
وإذا ما انتقل إلى العالم الآخر ولم يتخلّص من رذيلة الكِبْر واستحكمت به آثارها المهلكة، فإنّه سيلاقي من أنواع العذاب ما لا يمكن وصفه. 
 
ب- العلاج العملي: بعد أن يرى الإنسان خطورة بقاء هذه الرذيلة الأخلاقية على إيمانه ومصيره في الآخرة، لا بدّ له من السعي بجدّ للتخلّص منها. وأفضل سبيلٍ هو أن يعمل بما يضادّها، أي كلّما دعته نفسه ليتكبّر على الآخرين، يقمعها ويخالف أوامرها بأن يتواضع لهم، فعن الإمام علي عليه السلام: "ضادّوا الكِبْر بالتواضع"2. فإذا رأى أنّ سبب تكبّره ارتداء الملابس الفاخرة أو اقتناء الحاجيّات الفخمة، فعليه أن يبادر إلى ارتداء الملابس البسيطة، وإن لاحظ في نفسه نفوراً من مجالسة الفقراء، فيصرّ على مجالستهم ومساعدتهم. وإن كان يحب أن يتقدّم القوم، فليعمد إلى تقديمهم على نفسه، وإن كان لا يصغي إلى كلام الآخرين، أو لا يقضي حوائجه بنفسه دون الاعتماد على الآخرين، فعليه العمل بخلاف ذلك. وإذا حدّثته نفسه بالتعالي على غيره والسعي لإذلالهم أو الاعتداء على حقوقهم، فليتذكّر ما أعدّه الله من عذابٍ للمتكبّرين الظالمين: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾3.



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء - بيروت - لبنان، 1403 - 1983م، ط 2،باب الكبر،ج70، ص229،ح22.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 329.
3 سورة الزمر، الآية 72.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

50

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 الثالث: الجبن: 

1- حقيقة الجبن:
من الرذائل الأخلاقية صفة الجبن، وهو الخوف غير المنطقي، والتي تقابل الشجاعة والجرأة، ففي الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: "لا يكون المؤمن جباناً ولا حريصاً ولا شحيحاً"1. وهي صفة تورث الإنسان المذلّة والمهانة وسوء العيش، وتحطّ من منزلة صاحبها، وتؤدّي إلى هدر طاقاته، وتفضي إلى أن يتسلّط عدوّه عليه. والمجتمع الذي يتّصف أفراده بالجبن يكون مجتمعاً خنوعاً ذليلاً خاضعاً لسياسة الظالمين، غير قادرٍ على مواجهة التحدّيات الكبرى وتقديم الحلول الناجعة، ولا يُرجى له الرقيّ والتكامل في كافّة مجالات الحياة، ويكون بعيداً عن تحقيق الأهداف الإلهية الكبرى، من قبيل بسط الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. والمراد بالجبن هنا هو الخوف غير المنطقي من المواقف أو المظاهر التي لا تستبطن خطراً حقيقياً، بل يتصورها الإنسان الجبان ويتوهّم أنّها أمور خطيرة، مع أنّها ليست كذلك. وهذا بخلاف الخوف من الأمور التي تتضمّن خطراً واقعيّاً على حياة الإنسان، أو أنّها يمكن أن تسبّب الضرر والأذى له، فإنّ الاندفاع نحو هذا النوع من المخاطر دون تفكيرٍ ورويّة يوقع الإنسان في مفسدة أخرى لا تقلّ خطراً عن الجبن، وهي التهور، وهو القائل في كتابه العزيز: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾2.
 
2- دوافع الجبن:
أ- ضعف الإيمان وسوء الظن بالله: لأنّ الشخص الذي يعيش الإيمان بالله والثقة به وينطلق في حياته من موقع التوكّل على الله والتصديق بوعده، لن يذوق طعم الذلّة والمهانة والضعف، ولن يتردّد أو يخاف أمام الحوادث الصعبة، ولن يتزلزل أمام التحديات، ولن يهاب أحداً من الأعداء، لأنّه يرى أنّ قدراتهم محدودة، ولا



1 العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج72، ص301.
2 سورة البقرة، الآية 195.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

51

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 تعادل شيئاً أمام قدرة الله المطلقة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى، يجمعها سوء الظنّ بالله"1.

 
ب- ضعف النفس: من أهمّ خصائص الإنسان الجبان ضعف نفسه وعجزها عن مواجهة الصعاب والتحدّيات المختلفة، لذا نراه يلجأ دائماً إلى التذرّع بالأعذار الواهية هرباً من المسؤوليات أو الواجبات المطلوبة منه، عن أمير المؤمنين عليه السلام: "شدّة الجبن من عجز النفس وضعف اليقين"2.
 
ج- الجهل وقلّة المعرفة: حيث غالباً ما يسبّب للإنسان الخوف الموهوم، كما يلاحظ في حالة خوف الإنسان من الموارد التي لا يعرفها جيّداً، أمّا عندما تتضح له الصورة جيّداً فإنّ حالة الخوف ستذهب من نفسه تدريجياً.
 
د- طلب الراحة والعافية: وهو من أحد الأسباب التي تكون منشأً للخوف غير المبرر، لأنّ خوض أيّ معتركٍ يتطلّب من الإنسان أن يُقحم نفسه في دوامة من المشاكل والصعاب، ما يعني أن يتخلّى عن حظوظه من الراحة.
 
هـ الآثار الناجمة عن خوض تجاربٍ مؤلمة: فالحوادث المرّة غالباً ما تترك في نفس الإنسان حالةً من الخوف والرعب، لأنّها تترسّخ في ذهنه وتحول دون إقدامه على خوض تجارب جديدة. 
 
و- الإفراط في توخّي الحذر: إنّ الإفراط في سلوك طريق الحذر من شأنه أن يورث الخوف أيضاً، لأنّه يدفع بالإنسان إلى توقّي كلّ ما يحتمل فيه الخطر، فيعيش التردّد والخوف من الإقدام دائماً.
 
3- علاج الجبن:
إنّ إحدى الطرق لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية كما في سائر الرذائل الأخرى هي التفكّر في آثارها السلبية وعواقبها الوخيمة على صعيد الفرد والمجتمع، فعندما يتعرّف الإنسان 



1 نهج البلاغة، خطبة 53.
2 الآمدي، غرر الحكم، ص 263.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

52

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 إلى الآثار السلبية للخوف الموهوم وما يترتّب عليه من مذلّة وحقارة وتخلّف وحرمان، فإنّه سيتحرّك حتماً لإزالة هذه الرذيلة من نفسه. أمّا الطريق العملي لعلاج هذه الآفة، فهو بالسعي إلى قطع كلّ دوافع وجذور هذه الرذيلة من النفس. فعندما تزول السحب المظلمة لسوء الظنّ بالله من سماء القلب، وتشرق شمس الإيمان والتوكّل على الله في فضاء الروح الإنسانية، فإنّ ظلمات الخوف الموهوم ستزول بسرعة من النفس. ومن الطرق الأخرى المفيدة في العلاج أيضاً، هي أن يورّط الإنسان نفسه في الميادين المثيرة للخوف والوحشة، ويعمل على إقحام نفسه فيها مرّات عديدة، ومع تكرار التجربة سيزول الخوف من النفس حتماً. ونجد هذا المعنى بصورة جميلة في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول: "إذا هبت أمراً فقع فيه، فإنّ شِدَّة توَقّيه أعظم ممّا تخاف منه"1.

 
كلمة من القلب
لا بُدَّ من المجاهدة الخالصة الصادقة وبها يمكن إصلاح النفس. إنّ جميع الصفات النفسانية قابلة للإصلاح، إلاّ أنّ الأمر في البداية يتطلّب بعض العناء، ولكن ما أن يضع قدمه على طريق الإصلاح حتى يسهل عليه الأمر. إنّما المهمّ هو أن يشرع في التفكير في تطهير نفسه وإصلاحها، والاستيقاظ من النوم.
 
إنّ المرحلة الأولى من مراحل الإنسانية هي "اليقظة"، وهي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة من سكر الطبيعة، والإدراك أنّ الإنسان مسافرٌ، وأنّه لا بُدَّ للمسافر من زادٍ وراحلة. وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في هذه المرحلة الخطيرة المخيفة، وفي هذه الطريق الضيقة، على الصراط الذي هو أحدُّ من السيف وأدقّ من الشعرة، هي همّة الرجال وعزمهم. والنور الذي ينير ظلام هذا الطريق، هو نور الإيمان والخصال الحميدة. فإذا تقاعس الإنسان ووهنت همّته أخفق في العبور، وانكبّ على وجهه في النار، وساوى تراب الذلّ، وانقلب في هاوية الهلاك. فمن لم يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز 



1 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 68، ص362.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

53

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 صراط يوم القيامة أيضاً. فيا أيها العزيز، اشدد عزيمتك، ومزّق عن نفسك سجف الجهل، وانجُ بنفسك من هذه الورطة المهلكة! كان إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران: "تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ، فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحيلِ"، وما زادٌ ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب، والأعمال الصالحة، وصفاء الباطن، وخلوص النية من كلّ عيب وغشّ. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

54

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية (الحسد، التكبّر، الجبن)

 فقه المسلم

السؤال: بعض المجاهدين، ونتيجة لعدم الالتفات والاهتمام بالحكم الشرعي المتعلّق بالمسائل الأمنية ومدى خطورة وقوعها في أيدي الأعداء واستفادتهم منها، فإنّهم يذكرون بعض المعلومات المتعلّقة بالجبهة والحرب أمام الآخرين مباشرة أو عبر الهاتف أو الرسائل ونحو ذلك، وفي بعض هذه الموارد يكون هناك خطر لا يمكن تداركه، بل قد يؤدّي بعض تلك المعلومات إلى الإضرار بالعمليات العسكرية أو قتل بعض المجاهدين أو جرحهم. فهذا الأمر ونحوه غير جائز، ولو أدّى إلى ترتُّب ضرر فهم مسؤولون عنه في الدنيا والآخرة1.
 
الجواب1: يجب على المجاهدين أن يطيعوا المسؤولين ويأتمروا بأمرهم ولا يتخلّفوا عنه. نعم، إذا علموا بخطر ما بحسب اعتقادهم، يجب عليهم إعلام وإخبار المسؤولين بذلك الخطر، فإن قبلوا قولهم فهو، وإلا فيجب عليهم الائتمار بأمرهم من غير إهمال2.
 
الجواب2: يجب على الإخوة المجاهدين إخفاء العمل الجهادي وأخباره عن غير المعنيين والمسؤولين، بل يحرم عليهم نقل تلك الأخبار إلى الآخرين3.
 
الجواب3: يحرم على الإخوة المجاهدين إخفاء المعلومات المرتبطة بعملهم الجهادي عن المعنيين والمسؤولين بتلك الأمور، خصوصاً فيما إذا طالبوهم بها4.



1 استفتاءات الإمام ج1- ص507- س51.
2 استفتاء خطّي من الأرشيف.
3 استفتاء خطّي رقم 45261.
4 استفتاء خطّي رقم 45261.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

55

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 رأس الإيمان وقوامه 

(الصدق - العدل)


الهدف:
التعرّف إلى معنى صفتي الصدق والعدل وآثارهما على الفرد والمجتمع.

محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• حقيقة الصدق
• فضيلة الصدق
• أهمّيّة الصدق وقيمته
• أقسام الصدق
• الكذب مفتاح الشرّ
• العدل سيّد الفضائل/ فضله، أهمّيّته، أنواعه
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

56

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 تصدير الموضوع

جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ما عمل أَهل الجنّة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الصِّدق. إذا صدق العبد برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنّة".

مدخل
لا بدّ لكلّ إنسانٍ تائقٍ إلى الكمال والسعادة الحقيقية أن يبحث عنهما أولاً في نفسه، فإذا وجدهما ارتاحت نفسه واطمأنت وعاشت السلام الذي تنشده وتبحث عنه على الدوام. وكمال كلّ نفس وقيمتها ما تختزنه من الفضائل الأخلاقية والصفات الحميدة. فكلّما تخلّقت هذه النفس بالصفات الحميدة والأخلاق الإلهية، كلّما صفت وطهرت وتنوّرت، وبالتالي ارتقت في مراتب الكمال الإنساني وتدرّجت في المقامات المعنوية الرفيعة. فصفات النفس هي التي تحدّد جوهر ومعدن هذه النفس، وترسم للإنسان صورة مصيره بعد أن يغادر هذا العالم وليس في جعبته سوى صورته الخلقية وما عمله من أعمالٍ في هذه الدنيا. لذا، ومن منطلق الأهمّيّة التي تشكّلها هذه الصفات والأخلاق، لا بدّ للإنسان التائق إلى لقاء ربّه من أن يجهد نفسه في التعرّف إلى هذه الفضائل ويسعى للتخلّق بها. وسنحاول في هذه الفصول أن نسلّط الضوء على بعض هذه الشمائل، ونكمل ما سبق وبدأنا به عندما تحدّثنا عن صفات وخصال المجاهدين الأساسية، ونذكر منها: 
حقيقة الصدق 
الصدق هو مطابقة القول للواقع، وهو من أشرف الفضائل النفسية والمزايا الخلقية، لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامّة في حياة الفرد والمجتمع. فهو أساس الإيمان، ورمز استقامة المجتمع وصلاحه، وسبب كلّ نجاح ونجاة، لذلك مجّدته الشريعة الإسلامية وحرّضت عليه، قرآناً وسنة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

57

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 فضيلة الصدق

أ- في القرآن:
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾1.
 
وقال عزّ اسمه: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾2.
 
وقال عزّ وجلّ في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾3.
 
ب- في الروايات:
عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "أَربعٌ من كنَّ فيه كمل إيمانه، وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوباً لم ينقصه ذلك"، قال: "وهو الصدق وأَداء الأمانة والحياء وحسن الخُلقِ"4.
 
وعن عمرو بن أَبي المقدام، قال: قال لي الإمام الباقر عليه السلام في أَوَّل دخْلَةٍ دخلت عليه: "تعلَّموا الصدق قبل الحديث"5.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أوصيك يا عليّ في نفسك بخصال ـ اللَّهم أَعنه ـ الأولى الصِّدق، ولا يخرج من فيك كذبة أَبداً"6.
 
وعن أَبي جعفر ابن محمّد عليه السلام، قال: "أَحسن من الصدقِ قائله، وخيرٌ من الخير فاعله"7.
 
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يدعو إلى الجنّة، وما يزال أَحدكم يصدق حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة من كذب حتى يكون عند الله صادقاً"8.



1 سورة الزمر، الآيتان 33 – 34.
2 سورة المائدة، الآية 119.
3 سورة التوبة، الآية 119.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 99.
5 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص 163.
6 م. ن.
7 م. ن، ج16، ص 292.
8 م.ن، ج8، ص 455.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

58

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "قال تحرَّوا الصدق، فإن رأَيتم فيه الهلكة فإنّ فيه النجاة"1.

 
وقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَيّ الأخلاقِ أَفضل؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الجود والصدق"2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من صدق لسانه زكى عمله"3.
 
أهمّيّة الصدق وقيمته
إنّ من ضرورات الحياة الاجتماعية ومقوّماتها الأصلية شيوع التفاهم والتآزر بين أفراد المجتمع الواحد، ليتمكّنوا من النهوض بأعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، لينعموا بحياةٍ هانئة وكريمة، ملؤها المودّة والسلام. وهذا لا يتحقّق إلا بالتفاهم والتعاون الوثيق وتبادل الثقة والائتمان بين الأفراد. ومن البديهي أنّ اللسان هو أحد أهمّ أدوات التفاهم والتواصل بين البشر، والترجمان العملي لأفكارهم وما يدور في خلدهم، فهو يلعب دوراً خطيراً في حياة المجتمع والأفراد. وعلى صدق اللسان وكذبه تبنى سعادة المجتمع وشقاؤه، فإن كان اللسان صادق القول، وأميناً في الشهادة والنقل، كان عاملاً مهمّاً في إرساء السلام في المجتمع، وزيادة أواصر التفاهم والتعاضد بين أفراده، وكان رائد خيرٍ ورسول محبّة بين البشر، وأمّا إن كان متّصفاً بالخداع والتزوير، والخيانة والكذب، غدا رائد شرّ، ومدعاةً للتباغض بين أفراد المجتمع، وسبباً لخرابه وفساده. لذا، كان الصدق من ضرورات الحياة الاجتماعية والفردية، لما له من انعكاساتٍ مباشرة على كلّ منها، فهو نظام عقد المجتمع السعيد والمسالم، ودليل استقامة أفراده والمؤكّد على صحّة وقوّة إيمانهم. لذا، كان التأكيد والحثّ الشديد في الآيات والروايات عليه، لأنّه، باختصار، هو العمود الفقري لمجتمعٍ معافى وسليم من الأحقاد والتنازع، وإيمان خالص وصادق بالله.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص 455.
2 م. ن، ص 458.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 104.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

59

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 أقسام الصدق

للصدق صورٌ وأقسامٌ، أبرزها:
الصدق في الأقوال: وهو الإخبار عن الشيء على حقيقته من غير تحريفٍ أو تزوير.
 
الصدق في الأفعال: وهو مطابقة القول الفعل، كالبرّ بالقسم والوفاء بالعهد.
 
الصدق في العزم: وهو التصميم على أفعال الخير، فإن قام بإنجازها كان صادق العزم.
 
الصدق في النيّة: وهو تطهير النيّة من شوائب الرياء وغيرها من الآفات، والإخلاص لله تعالى في القصد، بحيث لا يكون الدافع ولا القصد سوى رضا الله والتقرّب إليه.
 
الكذب مفتاح الشرّ
الكذب صفة تجعل صاحبها ذليلاً وتذهب بماء وجهه واعتباره، وهي أصل الانفعال والخجل واسوداد الوجه في الدنيا والآخرة. والآيات والروايات الدالّة على خبث هذه الصفة كثيرة، منها:
رُوي عن الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "المؤمن إذا كذب بغير عُذر لعنه سبعون ألف ملك، وخرج من قلبه نتنٌ حتّى يبلغ العرش فيلعنه حملة العرش، وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنيةً، أهونها كمن يزني مع أمه"1.
 
ورُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً قوله: "الكذب مجانب الإيمان، ولا رأي لكذوب"2.
 
ورُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام، فيما أوصاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، إيّاك والكذب! فانّ الكذب يسوّد الوجه، ثمّ يُكتب عند الله كذابا، وإنّ الصدق يبيّض الوجه، ويُكتب عند الله صادقا، واعلم أنّ الصدق مبارك والكذب مشؤوم"3.
 
ورُوي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قوله: "إنّ الله عزّ وجلّ جعل للشرِّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشّراب، والكذب شرٌّ من الشراب"4.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج9، ص86.
2 م.ن، ج9،ص88.
3 العلّامة المجلسي، بحار الانوار،ج74،ص67.
4 الشيخ الكليني، الكافي: ج2، ص338.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

60

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 العدل سيّد الفضائل

العدل ضدّ الظلم، وهو مناعةٌ تردع صاحبها عن الظلم وتحفّزه على أداء الحقوق والواجبات. وهو سيّد الفضائل وقوام المجتمع المتحضّر، والارتباط العميق والصحيح بالحقّ تعالى، وسبيل السعادة والسلام. وقد اهتمّ الإسلام اهتماماً شديداً بهذه الفضيلة وأمر بها في القرآن والسنّة:
1- فضيلة العدل:
أ- في القرآن:
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾1.
 
وقال عزّ اسمه: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾2.
 
وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾3.
 
وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾4.
 
ب- في الروايات:
عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "قال أَمير المؤمنين عليه السلام: اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان"5.
 
وعنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: "إنّ الناس يستغنون إذا عدل بينهم، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها بإذن الله تعالى"6.



1 سورة المائدة، الآية 8.
2 سورة النساء، الآية 58.
3 سورة النحل، الآية 90.
4 سورة الأنعام، الآية 152.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 85.
6 م.ن، ج3، ص 568.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

61

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 رُوي أنّ أبا عبد الله عليه السلام رأَى زاملة قد مالت، فقال: "يا غلام، اعدل على هذا الحمل، فإنّ الله تعالى يحبّ العدل"1.

 
عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: "استعمال العدل والإحسان مُؤذِن بدوام النعمة"2.
 
وعن الإمام الصادقِ عليه السلام أَنّه سُئِل عن صفة العدل من الرجل، فقال: "إذا غضّ طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفّه عن المظالم"3.
 
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "عَدْلُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة سبعين سنةً، قِيامٍ ليلها وَصِيامٍ نهارها"4.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "العدل ميزان الله في الأَرض، فمن أَخذه قاده إلى الجنّة، ومن تركه ساقه إلى النار"5.
 
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان"6، وعنه عليه السلام أيضاً، قال: "شيئان لا يوزن ثوابهما، العفو والعدل"7.
 
2- أهمّيّة العدل:
النفوس السليمة فُطرت على حبّ العدل وبغض الظلم. وقد أجمع البشر على مرّ التاريخ، ورغم اختلاف الشرائع والمبادئ، على تمجيد العدل وتقديسه والتغنّي بفضائله ومآثره والتفاني في سبيله. وكيف لا؟! وهو رأس الإيمان، ومن صفات أولي الأمر، وباب البركات ودوام النّعم، وميزان الله في أرضه، الذي من تمسّك به قاده إلى جنّة الرضوان والنعيم، وهو سرّ حياة المجتمعات، ورمز فضائلها، وقوام مجدها، وضمان أمنها ورقيّها 



1 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه‏، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، قم‏، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم‏، 1413 ه‏، ط 2،ج2، ص 292.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج11، ص 317.
3 م.ن، ج11، ص 317.
4 م. ن.
5 م. ن.
6 م. ن، ص 319.
7 م. ن، ص 320.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

62

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 ورخائها. وما دالت الدول الكبرى وتلاشت الحضارات العظمى إلا بضياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾1. وقد كان أهل البيت عليهم السلام المثل الأعلى للعدل، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروساً خالدة تنير للإنسانية مناهج العدل والحقّ والرشاد. وها هو سيّدهم أمير المؤمنين ومولى الموحّدين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: "والله، لئن أبيت على حَسَكِ السَّعْدان2 مُسَهَّداً3، أو أُجَرَّ في الأغلال مُصَفَّداً، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يُسرِعُ إلى البِلَى قُفولُها، ويطول في الثرى حُلولُها؟!"4.

 
3- أنواع العدل:
للعدل أشكالٌ وصورٌ متعدّدة، منها ما هو مرتبطٌ بالله عزّ وجلّ، ومنها ما هو مرتبطٌ بالمجتمع، ومنها ما هو مرتبطٌ بالولاية والحكم.
 
أ- عدل الإنسان مع الله عزّ وجلّ: الذي خلق الإنسان وسوّاه وأفاض عليه من أنواع النعم والكرامات ما يعجز اللسان عن إحصائه ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾5
 
ومقتضى العدل والإنصاف أن يؤدّي الإنسان ما عليه من واجبات وحقوق تجاه الإله المنعم، والتي تتلخّص بالإيمان به، وتوحيده، والإخلاص له، والتصديق برسله وحججه على خلقه، وعبادته، وطاعته، وترك معصيته.
 
ب- عدل الإنسان مع المجتمع: من خلال رعاية حقوق أفراده وكفّ الأذى عنهم والإساءة إليهم، والتعاطي معهم بكرم الأخلاق، وحسن مداراتهم وحبّ الخير لهم، والعطف على بؤسائهم ومعوزيهم ونحو ذلك من محقّقات العدل الاجتماعي. وقد لخّص الله 



1 سورة النمل، الآية 52.
2 السعدان، نبات له حسك، أي له شوك حادّ وقاس.
3 المسهّد، الممنوع من النوم.
4 نهج البلاغة، خطبة 224.
5 سورة إبراهيم، الآية 34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

63

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 تعالى هذا النوع من العدل بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾1.

 
ج- عدل الحكّام: بما أنّ الحكام هم ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة، فهم أجدر الناس بالعدل، وأولاهم بالتحلّي به، فبعدلهم يستتبّ الأمن، وتشيع المساواة، ويسود الرخاء والسلام، وبجورهم تنتكس كلّ الفضائل، وتغدو الأمّة في قلق وحيرة وضنك وشقاء: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾2.
 
كلمة من القلب
من وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ملازمة الصدق والابتعاد عن الكذب: "فَالصدقُ، ولا يَخْرُجَنّ مِنْ فِيكَ كِذْبَةً أبداً". ويستفاد من تقديم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الوصية على الوصايا الأخرى، أنّ هذه الوصية أهمّ من كافّة الوصايا المذكورة. ونحن نقدّم مفاسد الكذب على مصالح الصدق. واعلم أنّ هذه الرذيلة من الأمور التي اتّفق العقل والنقل على قبحها وفسادها وأنّها في نفسها من الفواحش والمعاصي الكبيرة، كما تدلّ على ذلك الأخبار. وقد تترتّب عليها مفاسد أخرى لا تقلّ عن هذه الموبقة، بل قد يسقط الإنسان من أعين الناس في الوسط الاجتماعي على إثر كذبة واحدة عندما تُكتشف، ولا يستطيع إلى نهاية العمر أن يجبرها. فإذا اشتهر إنسان ـ لا قدّر الله ـ بالكذب، فلعلّه لا يوجد شيءٌ آخر يسيء إلى شخصية الإنسان أكثر من الكذب. ومضافاً إلى ذلك، فإنّ مفاسده الدينية وعقوباته الأخروية كثيرة أيضاً، رُوي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلّ جَعَلَ لِلشَّرِّ أقفالاً، وَجَعَل مَفاتيحَ تِلْكَ الأقْفالِ الشَّرابَ، وَالكِذْبُ أشَرُّ مِنَ الشَّرَابِ"3



1 سورة النحل، الآية 90.
2 سورة الزخرف، الآية 65.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص338.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

64

رأس الإيمان وقوامه (الصدق - العدل)

 فقه المسلم

الإسراف والتبذير في الجبهة:
م.1: يحرم الإسراف والتبذير في استعمال الذخيرة أو استهلاك الأطعمة، بل إنّ حفظ الذخائر والأشياء الأخرى المحتاج إليها في الحرب من أهمّ الواجبات. ويجب على المجاهدين تحمّل كلّ المتاعب والصعوبات والمشكلات في سبيل الإسلام والمسلمين وافتدائهم بالنفس وغيرها.
 
م.2: نعم، إذا كان الحفاظ على الذخائر أو الطعام ونحو ذلك يوجب الضرر أو تعريض الشخص نفسه لنيران العدوّ، فلا يجوز حينئذٍ1.



1 استفتاءات الإمام، ج3، ص5، س34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

65

كمال الأخلاق

 كمال الأخلاق 

(القناعة - الزهد- الإيثار)



الهدف:
التعرّف إلى فضيلة كلٍّ من القناعة والزهد والإيثار، وأهمّ الآثار الطيّبة للتحلّي بها في الحياة.

محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• فضيلة القناعة
• أهمّيّة القناعة ودورها في تربية النفس
• الزهد مفتاح حبّ الله والناس
• الإيثار سجيّة الأبرار
• فضيلة الإيثار في الكتاب والسنة
• الإيثار وتربية النفس
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

66

كمال الأخلاق

 تصدير الموضوع

روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أَنّه قال لرجل يعظه: "اقنع بما قسم الله لك، ولا تنظر إلى ما عند غيرك، ولا تتمنَّ ما لست نائله، فإنّه من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظّك من آخرتك".
 
مدخل
هي الاكتفاء من المال والمأكل والملبس بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك. وهي صفة كريمة تعرب عن عزّة النفس وشرف الوجدان وكرم الأخلاق. فالقانع هو الذي لا يطمع في الناس، ولا يلتفت إلى ما في أيديهم، ولا يتعدّى أمله يومه أو شهره، فلا يشغل قلبه بأزيد من ذلك، لأنّ الشوق لتحصيل المزيد وطول الأمل يحرم الإنسان من نعمة الراحة وسكون القلب، ويشغل قلبه عن ذكر الله تعالى.
 
فضيلة القناعة
أ- في القرآن:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾1.
 
وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾2.



1 سورة التوبة، الآية 85.
2 سورة طه، الآية 131.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

67

كمال الأخلاق

 ب- في الروايات:

عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "القانع غنيّ، وإن جاع وعري"1.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس‏"2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "حُرم الحريص خصلتان ولزمته خصلتان، حُرم القناعة فافتقد الراحة، وحُرم الرضا فافتقد اليقين"3
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "المستريح من الناس القانع"4، وقال عليه السلام: "القانع ناجٍ من آفات المطامع"5.
 
أهمّيّة القناعة ودورها في تربية النفس
للقناعة أهميةٌ كبرى وأثر بالغ في حياة الإنسان، فهي تحقّق الرخاء النفسي والراحة الجسدية، وتحرّر الإنسان من عبودية المادة واسترقاق الحرص والطمع وعنائهما المرهق وهوانهما المذلّ، وتفتح باب العزّة والكرامة والإباء والعفّة والترفّع عن صغائر الأمور. والقانع بالكفاف أسعد حياةً وأرخى بالاً وأكثر دعةً واستقراراً من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه والذي لا ينفكّ عن القلق والمتاعب والهموم. والقناعة تمدّ صاحبها بصفاء ويقظة روحية، وبصيرة نافذة، وتحفّزه على التأهب للآخرة، والقيام بالأعمال الصالحة. لذا، صار القانع أغنى الناس، لأنّ حقيقة الغنى هي غنى النفس، والقانع راضٍ ومكتفٍ بما رزقه الله تعالى، وهو لا يحتاج أحداً ولا يسأل سوى الله تعالى. وأهمّيّة القناعة تظهر بشكل جليّ عندما يتحرّر الإنسان من قيود المادّة، لأنّ التمسّك بالمادّة ذلٌّ على عكس القناعة التي تورث الإنسان العزّة والكرامة. أمّا الثروة والمال فلا تعطي صاحبها الأفضلية على الآخرين سوى بالمال وليس بالمحاسن والفضائل المعنوية، لأنّ المال قابلٌ للزيادة 



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص 228.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص139.
3 وسائل ‏الشيعة، ج16، ص 20.
4 الآمدي، غرر الحكم، ص 393.
5 م. ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

68

كمال الأخلاق

 والنقيصة، بل والزوال أيضاً، بعكس القناعة التي هي كنزٌ كما قال الإمام علي عليه السلام: "لا كنز أغنى من القناعة"1، بل وهي كنزٌ لا يفنى كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: "القناعة كنز لا يفنى"2، لأنّها كنز معنويّ، نتيجته تحصيل المقامات المعنوية الرفيعة، كيف لا؟! وهي من أهمّ الأمور التي تُعين الإنسان على صلاح نفسه كما في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أعوَن شيء على صلاح النفس القناعة"3.

 
الزهد مفتاح حبّ الله والناس
1- حقيقة الزهد:
الزهد في الدنيا مقامٌ شريف جداً، ومن أعلى مقامات السالكين إلى الله تعالى، وهو أن لا يرغب الإنسان في الدنيا ولا يميل إليها بقلبه، ويتركها بجوارحه إلا بقدر الضرورة، بهدف العدول إلى ما هو خير منها وأشرف وأبقى، إلى الله تعالى والحياة الآخرة. فجميع الدعوات الإلهية والشرائع الربانية الحقّة هدفها الأساسي ربط الإنسان بالله عزّ وجلّ، وهو ما لا يمكن أن يتحقّق إلا بالإعراض عن غير الحقّ وكلّ ما سواه، مقدّمة للوصول إلى جماله المطلق، كما قال إمامنا الصادق عليه السلام: "وإنّما أَرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة"4.
 
فالرغبة في الدنيا موجبة للاحتجاب عن الحقّ تعالى. والمقصود من الدنيا كلّ ما يشغل الإنسان عن الحقّ عزّ وجلّ. وإلى هذه الحقيقة أشار الإمام الصادق عليه السلام حين عرّف الزهد بأنّه: "تركك كلّ شيء يشغلك عن الله"5، لأنّه من المستحيل العروج إلى الكمالات الروحية والوصول إلى لقاء الحقّ مع التعلّق بغيره تعالى، والتبعية للشهوات والملذّات الفانية.



1 العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج66، ص 411.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 15، ص 226.
3 الآمدي، غرر الحكم، ص 391.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 16.
5 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

69

كمال الأخلاق

 2- فضيلة الزهد في الكتاب والسنة:

قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾1, حيث قال الإمام زين العابدين عليه السلام لرجلٍ سأله عن الزهد، فأجابه أنّ الزهد في هذه الآية2. وقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾3، حيث فُسّر أحسن العمل في التفاسير بأنّه الزهد. 
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "حرام على قلوبكم أَن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا"4.
 
وعن أَمير المؤمنين علي عليه السلام، قال: "إنّ من أَعون الأخلاقِ على الدين الزهد في الدنيا"5
 
وجاء أَعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد، أَخبرني بعمل يحبني الله عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أَعرابي، ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أَيدي الناس يحبّك الناس"6.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من زهد في الدنيا أَثبت الله الحكمة في قلبه وأَنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا، داءها ودواءها، وأَخرجه منها سالماً إلى دار السلام"7
 
وعن أَمير المؤمنين عليه السلام، قال: "إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهد في عاجل زهرة الدنيا"8.



1 سورة الحديد، الآية 23.
2 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص 12.
3 سورة الكهف، الآية 7.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 128.
5 م. ن، ص 128.
6 الحرّ العاملي، وسائل ‏الشيعة، ج9، ص 450.
7 م. ن، ج 16، ص 10.
8 م.ن، ج 16، ص 11.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

70

كمال الأخلاق

 3- علامات الزهد:

للزهد ثلاث علامات أساسية، كما أخبر الله تعالى في سورة الحديد المتقدّمة، الآية 23، وهي:
- أن لا يفرح بموجود.
- أن لا يحزن على مفقود.
- أن يستوي عنده من يذمّه ومن يمدحه.
 
4- شروط تحقّق الزهد:
يشترط في الزهد ثلاثة أمور:
أ- أن يترك الإنسان ما تحبّه النفس وترغب فيه وتطلبه، لأنّ من ترك ما ليس مطلوباً، كتارك التراب والحشرات مثلاً، لا يُسمّى زاهداً، بل من رغب عن الدراهم والذهب يُسمّى زاهداً.
 
ب- أن يكون زهده في أمرٍ بمقدوره نيله والوصول إليه، إلا أنّه آثر تركه بملء إرادته واختياره، لأنّ ترك ما لا يقدر عليه الإنسان ولا يستطيع الوصول إليه لا يُسمّى زهداً.
 
ج- أن يكون الهدف من الزهد هو الله والدار الآخرة، أمّا لو كان لغرضٍ غير الله تعالى، كاستمالة القلوب أو الاشتهار وأمثال ذلك، لم يكن من الزهد أصلاً.
 
الإيثار سجيّة الأبرار
الإيثار هو من أرفع درجات الجود والكرم. ولا يتحلّى بهذه الصفة إلا الذين بلغوا قمّة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهم بأمسّ الحاجة إليه، وآثروا بالنوال، وهم في ضنك العيش، لذا عدّت من أهمّ صفات الأبرار وشيم الأخيار، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الإيثار سجيّة الأبرار وشيمة الأخيار"1. والإيثار هو أن يجود الإنسان بالمال أو النفس أو الراحة أو ما إلى ذلك من النّعم مع الحاجة إليها، وتفضيل الإنسان الآخرين على نفسه، وتقديم 



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص396.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

71

كمال الأخلاق

 حاجتهم على حاجته. بخلاف السخاء الذي هو عبارة عن بذل الإنسان وجوده بما لا يحتاج إليه، لذا كان الإيثار من أرفع درجات السخاء، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "الإيثار أعلى مراتب الكرم، وأفضل الشيم"1.

 
1- فضيلة الإيثار في الكتاب والسنة:
أثنى الله تعالى كثيراً في كتابه الكريم على الذين يؤثرون على أنفسهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾2.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "إن لله عزّ وجلّ جنّة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحقّ، ورجل زار أَخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أَخاه المؤمن في الله"3
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "من آثر على نفسه آثره يوم القيامة بالجنّة"4، وعن الإمام الصادقِ عليه السلام أَنّه سُئِل: ما أَدنى حقّ المؤمن على أَخيه؟ فقال: "أَن لا يستأثر عليه بما هو أَحوج إليه منه"5.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "الإيثار أفضل عبادة وأجلّ سيادة"6، وقال عليه السلام أيضاً: "الإيثار أحسن الإحسان وأعلى مراتب الإيمان"7
 
2- الإيثار وتربية النفس:
عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "عند الإيثار على النفس تتبيّن جواهر الكرماء"8



1 الآمدي، غرر الحكم، ص 395.
2 سورة الحشر، الآية 9.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 178.
4 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص 249.
5 م. ن، ص 212.
6 الآمدي، غرر الحكم، ص 395.
7 م. ن، ص 396.
8 م.ن، ص 396.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

72

كمال الأخلاق

 فالإيثار يكشف باطن الإنسان ويعرّفه حقيقة نفسه، لأنّه ليس من السهل أن يقدّم الإنسان حاجة أخيه على نفسه، إلا إذا تجاوز عقبة حبّ الذات والدنيا، وآثر عليهما الله والدار الآخرة. فالإيثار من أهمّ العوامل التي تساعد على ارتقاء النفس وصفائها وبلوغها الدرجات العليا، لأنّها تجرّد النفس من التعلّقات الدنيوية والرغبات والأهواء النفسية التي لا تزيد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى إلا بعداً واحتجاباً. فالمطلوب من الإنسان في سيره إلى الله أن يتخفّف من أوزان وأثقال هذه الدنيا الفانية ليلحق بالصالحين الأبرار، كما قال مولى الموحّدين علي عليه السلام: "تخفّفوا تلحقوا"1. والتحلّي بصفة الإيثار يحتاج في البداية إلى ترويض ٍومجاهدة حتى تصبح هذه الصفة ملكةً راسخة في النفس، لذا في البداية يتكلّف الإنسان الإيثار ويجبر نفسه عليه، لأنّ حبّ النفس ومصالحها ما زالت موجودة. من هنا، يعتبر الإيثار من أنواع جهاد النفس أيضاً وثوابه عظيمٌ عند الله تعالى، إلى أن تطوّع النفس بشكل كامل بفعل المداومة على أعمال البرّ والإحسان فيصبح الإيثار عن طوعٍ ورضا ورغبة نفسية بعد أن كان عن كرهٍ وانزعاج.

 
 
كلمة من القلب
دواؤها الزهد فيها2
اعلم أنّ ما تناله النفس من حظٍّ في هذه الدنيا، يترك أثراً في القلب، وهو من تأثير الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلّقه بالدنيا. وكلّما ازداد التلذّذ بالدنيا، اشتدّ تأثر القلب وتعلّقه بها وحبّه لها، إلى أن يتّجه القلب كُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من المفاسد. إنّ جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحبّ للدنيا والتعلّق بها، كما ورد في الحديث. 
 
وإنّ من المفاسد الكبيرة لحبّ الدنيا - كما كان يقول شيخنا العارف (روحي فداه) - 



1 العلّامة المجلسي، بحار الانوار، ج6، ص135.
2 الإمام الخميني، الاربعون حديثا، ص 150.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

73

كمال الأخلاق

 هو أنّه إذا انطبع حبّ الدنيا على صفحة قلب الإنسان، واشتدّ الأنس بها، انكشف له عند الموت أنّ الحقّ المتعال يفصل بينه وبين محبوبه، ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على وليّ نعمته.

 
إنّ هذا القول القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيّما إيقاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ بالله من إنسان يسخط على وليّ نعمته، مالك الملوك الحق، إذ ليس أحدٌ يعرف صورة هذا السخط والعداء، غير الله تعالى. ويقول أيضاً شيخنا المعظّم قدس سره نقلاً عن أبيه المعظّم: إنّه كان في أواخر عمره خائفاً بسبب المحبّة التي كان يكنّها لأحد أولاده، ولكنّه بعد الانهماك بالرياضات النفسية تخلّص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور مسروراً، رضوان الله عليه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "مَثَلُ الدُّنيا كَمَثَلِ ماءِ البحرِ، كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ العطشانُ ازدادَ عَطَشاً حَتَّى يُقتل"1.



1 الشيخ الكليني، الكافي،ج2،ص136.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
98

74

كمال الأخلاق

 فقه المسلم

السؤال 1: هل يجوز تصوير الآخرين وعرض صورهم دون إذنهم أو حتّى مع علمهم، وكذلك إدراج صور الآخرين على الإنترنت في ما لو علم بعدم رضاهم بذلك؟

الجواب: لا يجوز تصوير الآخرين في الأماكن الخاصّة، من دون إذنهم، كما لا يجوز نشرها إذا كان فيه أذيّة أو إهانة أو مفسدة لهم.

السؤال2: هل يجوز نشر صور الأموات التّي شوّهت؟

الجواب: لا يجوز ذلك إذا كان فيها هتك لحرمة الميت أو أذيّة للأحياء من أهله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

75

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 عضُد المؤمن وتاج المكارم

(الحلم - العفو)


الهدف:
التعرّف إلى معنى كلّ من الحلم والعفو وأهمّيّتهما وآثارهما التربوية على الفرد والمجتمع


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• حقيقة الحلم
• فضيلة الحلم في الكتاب والسنّة
• مخاطر ترك الحلم
• العفو تاج المكارم
• فضيلة العفو في الكتاب والسنّة
• العفو الجميل وموارده
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

76

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 تصدير الموضوع

رُوي عن الامام الرضا عليه السلام، قال لرجل من القمّيين: "اتّقوا الله، وعليكم بالصمت والصبر والحلم، فإنّه لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً".
 
مدخل
الحلم من أشرف السّجايا وأعزّ الخصال الأخلاقيةر، ودليل على سموّ النفس، وكرم الأخلاق، وسبب للمودة والألفة بين الناس وفي المجتمع، لأنّ صاحب هذا الخلق يعيش السلام دائماً مع نفسه ومع الآخرين. والحلم هو اعتدال القوة الغضبية عند الإنسان وطمأنينة النفس بحيث لا يحرّكها الغضب بسهولة ودون مبرر، ولا يزعجها المكروه بسرعة. فالحليم إذا وقع في شيءٍ على خلاف ما تميل إليه نفسه، أو وصل إليه مكروهٌ أو أمر غير مناسب، فإنّه لا يخرج عن طوره، ولا يغضب، بل يكظم غيظه ويواجه الواقع بهدوء ورويّة وحكمة.
 
حقيقة الحلم
الحِلم هو عبارةٌ عن التأنِّي وكظم الغيظ وضبط النفس بحيث لا تحرِّك قوة الغضب الشخص بسهولة، ولاتؤدِّي به مكاره الدّهر إلى الاضطراب، وقيل: الحِلم هو ضبط النفس عند هيجان الغضب فيكسر شوكة الغضب من غير ذلّ، وهو صفة تحمل صاحبها على ترك الانتقام ممّن أغضبه مع قدرته على ذلك.
 
وكظم الغيظ هو عبارة عن إخفاء الغضب وحفظه. وكلاهما ـ الحِلم وكظم الغيظ ـ من الأخلاق الحسنة.
 
ويكفي الحِلم مدحاً أنّه ورد في معظم الأحاديث مقروناً بالعلم عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده، ما جمع شيءٌ إلى شيء 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

 


77

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 أفضل من حلم إلى علم"1. وقيل: الحِلم مِلح الأخلاق، فكما أنّ كلّ طعام لا يُعرف طعمه إلا بالملح، كذلك لا يجمل الخُلق إلا بالحِلم. والحلم مقلوب الملح. والحلم هو نور جوهرهُ العقل، و تمام العقل، ونظام أمر المؤمن، وجمال الرجل.

 
فضيلة الحلم في الكتاب والسنة
مدح الله الحلماء والكاظمين الغيظ وأثنى عليهم في محكم كتابه الكريم، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾2.
 
وقال عزّ اسمه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾3.
 
وقال عزّ وجلّ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾4.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ الحيِي الحليم"5.
 
عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: "لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً، وإنّ الرجل كان إذا تعبّد في بني إسرائيل لم يعدّ عابداً حتى يصمت قبل ذلك عشر سنين"6.
 
عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان، فيقولان للسفيه منهما: قلت وقلت وأَنت أَهل لما قلت، ستُجزى بما قلت، ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت سيغفر الله لك إن أَتممت ذلك"، قال: "فإن ردَّ الحليم عليه، ارتفع الملكان"7.
 
سأل أحدهم الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن الحلم، فقال: "هو أَن تملك نفسك وتكظم غيظك، ولا يكون ذلك إلا مع القدرة"8.



1 الطبرسي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص218.
2 سورة الفرقان، الآية 63.
3 سورة فصّلت، الآية 34.
4 سورة آل عمران، الآية 134.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 112.
6 م.ن، ج 2، ص 111.
7 م.ن، ج 2، ص 112.
8 الميرزا النوري، مستدرك‏ الوسائل، ج 11، ص 291.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

78

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 مخاطر ترك الحلم

ما دام الإنسان يعيش في هذه الدنيا فإنّ الأحداث المستجدّة والأمور المفاجئة والمواقف غير المتوقّعة قد تطلّ برأسها في كلّ لحظة لتعكّر صفوه وتنغّص عيشه، فإذا لم يكن ذا حلم وسعة صدر في تحمّل الصعاب ومواجهة المشاكل، فسرعان ما قد تشتعل نار قوة الغضب في صدره، والتي إذا ما خرجت عن حدّ اعتدالها ومالت إلى حد الإفراط ربما أدّت بصاحبها إلى هلاك نفسه، أو فساد دينه وخراب دنياه، حيث يمكن أن توقعه والعياذ بالله في الطغيان والظلم، وهتك النواميس، وقتل النفوس المحترمة، فعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "أيّ شي‏ء أشدّ من الغضب؟ إنّ الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرّم الله ويقذف المحصنة"1. كما يمكن أن تؤدّي إلى ضياع العقل، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: "من لم يملك غضبه لم يملك عقله"2، وإلى إطفاء نور الإيمان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل"3. فقوّة الغضب تفوق سائر القوى خطراً، لأنّها قد تؤدّي في لحظات قليلة إلى الكثير من المفاسد والشرور، وقد تخرج الإنسان في دقائق معدودة من هذا الوجود كلّه، وتحرمه من سعادة الدنيا والآخرة. لذا، على الإنسان المؤمن الحريص على دنياه وآخرته أن يتحلّى بملكة الحلم لكي لا يصبح أسيراً لآفة الغضب المهلكة، ولكي يتمكّن من مواجهة مخاطرها المحدقة. فإذا سعى الإنسان في حركاته وسكناته إلى العمل بهدوء وسكينة، وضبط نفسه وكظم غيظه مدّة وتكلّف الحلم وحمل نفسه على التصرّف كذوي الحلم، فإنّ ذلك يفضي به لا محالة إلى الحلم. وإذا واظب على هذا الأمر مواظبة كاملة لمدّة معيّنة وراقب نفسه مراقبة صحيحة، فسيتحوّل هذا الذي يتكلّفه إلى أمرٍ عادي بالنسبة إلى النفس وسيحصل على النتيجة المطلوبة، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "إن لم تكن حليماً فتحلَّمْ، فإنّه قلّ من تشبّهَ بقوم إلا أوشك 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 70، ص 274.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 305.
3 م.ن، ج 2، ص 302.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

79

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 أن يكون منهم"1. وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "إذا لم تكن حليماً فتحلّم"2

 
العفو تاج المكارم
من أعظم الكمالات الإنسانية والفضائل الأخلاقية أن يتجاوز الإنسان عن الأشخاص الذين أساؤوا إليه. فصفة العفو من الصفات الجمالية للحقّ تعالى والاتّصاف بها تشبّهٌ بالحقّ عزّ وجلّ. والإسلام أكّد كثيراً على هذه الفضيلة، لأنها سببٌ رئيسيٌّ في بناء الفرد المعنوي وتكامله الإيماني، وعاملٌ رئيسي في استقرار المجتمع وثباته، وركنٌ من أركان الإصلاح وحسن التعايش بين الناس، وذهاب الضغينة والحقد فيما بينهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعافوا تسقط الضغائن بينكم"3. لذا، صار تاج المكارم كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "العفو تاج المكارم"4، لأنّ جذور الصّفح والعفو إنّما ترتوي من ترك حبّ الدنيا والنفس، كما إنّ جذور الانتقام والغضب ترتوي من حبّ الدنيا والنفس والتعلّق بالشهوات والمآرب الدنيوية، التي هي أسس كلّ المفاسد والشرور. إذاً، العفو من أهمّ صفات أهل الآخرة الذين طلّقوا الدنيا والتي لم تعد تعني لهم سوى فرصةٍ للتزوّد، وساحةٍ للطاعة والعبودية. لذا، تجدهم يتمسّكون بالعفو فكراً وعملاً، لأنّ فيه رضا محبوبهم الأوحد، ولأنّهم يعرفون أن حقيقة العفو هي العزّة في الدنيا والآخرة كما في الحديث: "من عفا عن مظلمة، أبدله الله بها عزّاً في الدنيا والآخرة"5.
 
فضيلة العفو في الكتاب والسنّة
قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾6.



1 السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، ص 506.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 112.
3 الهيثمي، مجمع الزوائد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، 1408هـ - 1988م، لا.ط، ج 8، ص 82.
4 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 19.
5 الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 182.
6 سورة البقرة، الآية 237.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

80

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾1.

 
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته: أَلا أخبركم بخير خلائقِ الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك"3.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "الندامة على العفو أَفضل وأَيسر من الندامة على العقوبة"4.
 
وعن أَمير المؤمنين عليه السلام أَنّه قال: "إذا قدرت على عدوّك، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه"5
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "إنّا أَهل بيت، مروءتنا العفو عمّن ظلمنا"6
 
العفو الجميل وموارده
صحيحٌ أنّ العفو جميل، ولكن ليس في كلّ الموارد والشؤون، بل هناك حالات يكون العفو فيها قبيحاً ولا يُعدّ من الفضائل. فالعفو إذا كان عنصراً مساعداً على الإصلاح والبناء، ومعيناً على خطّ الاستقامة ولا يلزم منه الضرر فهو مطلوبٌ ومرغوب. وأمّا إذا كان يشكّل عنصراً مساعداً على الانحراف وتشجيعاً على تكرار الاعتداء وانتهاك الحقوق ويؤدّي إلى الضرر، فهو في مثل هذه المواطن قبيحٌ وغير مرغوب. فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "جازِ بالحسنة وتجاوز عن السيئة ما لم يكن ثلماً في الدين أو وهناً في سلطان 



1 سورة النور، الآية 22.
2 سورة الشورى، الآية 40.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 107.
4 م.ن، ج2، ص 108.
5 السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، ص 470.
6 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12، ص 174.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

81

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 الإسلام"1، وعن الإمام السجاد عليه السلام: "حقّ من أساءك أن تعفو عنه، وإن علمت أنّ العفو عنه يضرّ انتصرت، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾2"3.. والعفو الجميل والممدوح هو العفو مع القدرة، أي حينما يكون بمقدور الإنسان أن يأخذ حقّه من المعتدي بحيث كانت الظروف ملائمة والشروط متوفّرة لكنّه آثر أن يعفو عنه رجاء عفو الله عنه ورغبةً في ثوابه والنجاة من عقابه. وقد حثّت الروايات عليه كثيراً، حيث رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "أحسن العفو ما كان عن قدرة"4، وقال عليه السلام أيضاً: "العفو مع القدرة جُنّة من عذاب الله سبحانه"5.

 
كلمة من القلب
لقد وقعت أفظع الفتن وارتُكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة. وعلى الإِنسان، وهو سليم النفس، أن يكون على حذرٍ كثير من حال غضبه. وإذا كان يعرف من نفسه حدوث حالات الغضب، عليه، في أثناء هدوئه النفسي، أن يعالجها وأن يفكر في مبادئها وفي مفاسدها عند اشتدادها وآثارها ونتائجها في النهاية، لعلّه يصل إلى معرفة طريق لإنقاذ نفسه. فليفكّر في أنّ هذه الغريزة التي وهبه الله تعالى إيّاها لحفظ نظام الظاهر والباطن وعالم الغيب والشهادة، إذا استخدمها لغير تلك الأهداف وبخلاف ما يريد الله سبحانه وضد المقاصد الإِلهية، فما مدى خيانته؟ وما هي العقوبات التي يستحقّها؟ وكم هو ظلومٌ جهول؟ لأنّه لم يَصُنْ أمانة الحقّ تعالى، بل استعملها في العداوات والمخاصمات. إنّ إِمرأً هذا شأنه لا يمكن أن يأمن الغضب الإلهي. ثم إنّ عليه أن 



1 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 245.
2 سورة الشورى، الآية 41.
3 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ‏الخصال‏، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، قم‏، إيران، نشر جماعة المدرسين‏، 1403هـ.، ط 1، ج2، ص 570.
4 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 246.
5 م.ن، ص 342.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

82

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 يفكّر في المفاسد العملية والأخلاقية التي تتولّد من الغضب وسوء الخلق. إذ كلّ مفسدة من هذه المفاسد يمكن أن تكون سبباً في ابتلاء الإِنسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا، وبالعذاب والعقاب في الآخرة. 


... وغير ذلك من المفاسد التي لا تُحصى والتي يُبتلى بها الإنسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وهدم البيوت، لذلك يمكن أن توصف هذه السجيّة بأنّها أمّ الأمراض النفسية ومفتاح كلّ شرّ. ويقابلها كظم الغيظ وإخماد سعير الغضب، فإنّه من جوامع الكلم ودائرة تمركز الحسنات ومجمع الكرامات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

83

عضُد المؤمن وتاج المكارم

 فقه المسلم

حكم نشر صور الشهداء وأخبارهم
السؤال (1): هل يجوز نشر صور الشهداء بعد الاستشهاد على وسائل التواصل الاجتماعي في حال انكشاف الوجه أو بعض الأعضاء، وعلى فرض الجواز، هل يحتاج ذلك إلى إذن وليّ الميت؟

الجواب: إذا كان ذلك يؤدّي إلى هتك حرمة الشهيد، أو يسبّب الأذيّة لأحد أفراد أسرته، فلا يجوز. 

السؤال (2): هل يجوز نشر صور بعض أعضاء جسد الشهيد أو أحد المسلمين أو غير المسلمين (كالرأس وغيره) على وسائل التواصل الاجتماعي؟

الجواب: نفس الجواب السابق.

السؤال (3): هل يجوز تناقل أخبار استشهاد أحد المجاهدين على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يصدر ذلك ببيان رسميّ من الجهة المعنيّة؟

الجواب: لا يجوز ذلك إذا كان فيه أذيّة لأهل الشهيد، كما لا يجوز مع منع الجهة المعنيّة التي لها الحقّ في ذلك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

84

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده



الهدف:
التعرّف إلى قيمة الأمانة وفضلها في الإسلام، وآثار الخيانة السلبية على الفرد والمجتمع.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• الأمانة أصل في جميع الأديان
• نظرة الإسلام إلى الأمانة والخيانة
• إيّاك وخيانة الله ورسوله
• وجوب رعاية الأمانة
• أدّوا الأمانات إلى أهلها
• آثار الأمانة الدنيوية والأخروية
• تلازم الأمانة والصدق
• الأمانة والخيانة في الأمور المالية
• لا تخنْ من خانَك
• الوقاية والعلاج من الخيانة
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

85

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 تصدير الموضوع

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال للإمام علي عليه السلام: "يـا أبـا الحَسَنِ، أَدِّ الأَمـانَةَ للِبِرِّ والفـاجِرِ فِي مـا قَلَّ وَجَلَّ حتّى فِي الخَيطِ وَالمَخِيطِ".
 
مدخل
الأمانة من أهمّ الفضائل الأخلاقية والقيم الإسلامية والإنسانية والتي وردت كثيراً في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وقد أولاها علماء الأخلاق أهمّيّة كبيرة على مستوى بناء الذات والشخصية، وعلى العكس من ذلك (الخياة) التي تعدّ من الذنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقية في واقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي. والأمانة هي في الحقيقة رأس مال المجتمع الإنساني والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين الناس في نظامهم الاجتماعي وحياتهم الدنيوية والأخروية، ولهذا شدّد أهل البيت عليهم السلام عليها كثيراً، وللإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المجال تعبير عجيب، حيث يقول لشيعته: "عَلَيكُم بِأَداءِ الأَمـانَةِ، فَو الَّذي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم بِالحَقِّ نَبِيَّاً، لَو أَنَّ قـاتِلَ أَبِي الحُسَينِ بنِ عَلَيٌّ عليه السلام ائتَمَننِي عَلَى السَّيفِ الَّذِي قَتَلَهِ بِهِ لأدّيتُهُ إِلَيهِ"1.
 
الأمانة أصل في جميع الأديان
الأمانة من الصفات التي تربط الإنسان من جهة مع الله تعالى، وكذلك تربطه مع غيره من أفراد البشر، ومن جهة ثالثة ترسم علاقته مع نفسه أيضاً ومع الطبيعة والبيئة، بل إنّ جميع النعم المادية والمواهب المعنوية الإلهية على الإنسان في بدنه ونفسه هي في الحقيقة أمانات بيد الإنسان. في حين أنّ الخيانة بمثابة النار المحرقة التي تحرق جميع 



1 الشيخ الصدوق، علي بن الحسين، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة – قم، نشر: مؤسسة البعثة، 1417هـ، ط1، المجلس الثالث والأربعون، ح374/6.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

86

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 العلاقات الاجتماعية وتؤدّي إلى الفوضى والفقر والشقاء، وبالتالي تخريب الأطر الإنسانية والحضارية في المجتمعات البشرية. 

 
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ لَم يَبعَثً نَبِيّاً إلاّ بِصِدقِ الحِدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ إِلىَ البِرِّ وَالفـاجِرِ"1. هذا التعبير يوضّح أنّ جميع الأديان السماوية قد جعلت الصدق والأمانة جزءً مهمّاً من تعليماتها الدينية والإنسانية ومن الأصول الثابتة في الأديان الإلهية. وقد ورد ذكرت الأمانة في القرآن بالنسبة إلى ستّة من الأنبياء الكبار بعبارة: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾2 عن النبي نوح عليه السلام في (سورة الشعراء، الآية 107)، والنبي هود عليه السلام (سورة الشعراء، الآية 125)، والنبي صالح عليه السلام (سورة الشعراء، الآية 143)، والنبي لوط عليه السلام (سورة الشعراء، الآية 162)، والنبي شعيب (سورة الشعراء، الآية 178)، والنبي موسى (سورة الدخان، الآية 18)، وهذا يدلّ دلالة واضحة على أهمّيّة هذه الفضيلة الأخلاقية إلى جانب مهمّة إبلاغ الرسالة الإلهية، وبدون ذلك لا يمكن لهؤلاء الأنبياء من كسب ثقة الناس واعتمادهم على أقوالهم. 
 
نظرة الإسلام إلى الأمانة والخيانة
إنّ ما ورد من الأحاديث الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام يحكي عن الأهمّيّة البالغة لهذه المسألة، حيث وردت الأمانة تارة بعنوان أنّها من الأصول والمبادئ الأساسية المشتركة بين جميع الأديان السماوية، وتارة أخرى بعنوان أنّها علامة للإيمان، وثالثة بعنوان أنّها سبب نيل الرزق والثروة والثقة والاعتماد لدى الناس وسلامة الدين والدنيا والغنى وعدم الفقر وأمثال ذلك، ففي حديث عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لا إِيمـانَ لِمَنْ لا أَمـانَةَ لَهُ"3



1 الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، نشر: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.، ط 4، ج2، ص104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح1.
2 سورة الشعراء، الآية 107.
3 الراوندي، فضل الله بن علي الحسني، النوادر، تحقيق: سعيد رضا علي عسكري، قم، دار الحديث، 1377، ط1، ص91.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

87

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعبير شديد، حيث قال: "لا تَنظُروا إلى كَثْرَةِ صَلاتِهِم وَصَومِهِم وَكَثْرَةِ الحَجِّ وَالمَعرُوفِ وَطَنطَنَتِهِم بِالَّليلِ، وَلَكِنْ اُنظُرُوا إِلى صِدقِ الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ"1.

 
والهدف من هذا التعبير ليس هو أنّ هؤلاء لا يهتمّون بصلاتهم وصومهم أو يستخفّون بحجّتهم وإنفاقهم، بل الهدف هو أنّ هذه الأمور ليست هي العلامة الوحيدة لإيمان الفرد بل هناك ركنان أساسيان لدين الشخص، أي الصدق والأمانة.
 
إيّاك وخيانة الله ورسوله
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾2 - إذا كنتم مؤمنين - هذا هو إيحاء النّداء ﴿لاَ تَخُونُواْ اللّهَ﴾، وخيانة الله معصيته، وخيانته الانحراف عن خطّه، وخيانته موالاة أعدائه ومعاداة أوليائه، وخيانةُ الله هي العمل مع الحركة التي تقوّي الكفر وتضعف الإسلام، ﴿لاَ تَخُونُواْ اللّهَ﴾، ولكن كما قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾3، لأنّ الإيمان هو عهدٌ بين الله وعباده، فأنت تعاهد الله من خلال إيمانك على أنّك توحّده ولا تشرك به شيئاً في الربوبيّة والعبادة والطاعة، وأنّك تؤمن برسله وبرسالاته وباليوم الآخر، فإذا وفيت بعهد الله، فإنَّ الله يفي لكَ بعهده، بأنْ يرحمك في الدّنيا والآخرة، وأن يمنحك رضوانه ومغفرته وعفوه ونعيمه في دار الخلد وفي دار السّلام.
 
وقال تعالى: ﴿لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ﴾4، وخيانة الرّسول تتمثّل في عصيانه، فيما بلّغه عن الله وفيما شرّعه بأمر من الله، وفيما أوصى به، وفيما خطّط له، وفي الأمانة التي وضعها بين أيدينا... وهي أمانة الإسلام، بأن نكون الدعاة إليه بعد انتقاله إلى رحاب ربّه، وأن نكون العاملين من أجله والمجاهدين في سبيله، وأن لا يضعف الإسلام أمامنا ونحن في 



1 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص379، المجلس الخمسون، ح481/6.
2 سورة الأنفال، الآية 27.
3 سورة البقرة، الآية 40.
4 سورة الأنفال، الآية 27.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

88

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 حالة الاسترخاء، بل أن يكون الإسلام مسؤوليّتنا في عقيدته بأن نحمي عقيدته، وفي شريعته بأنْ نعمل على تركيزها في حياتنا العامّة والخاصّة، وفي كلّ أهدافه فيما يريد الله للحياة أن تقوم على العدل، وعلى الحريّة، وعلى العزّة والكرامة.

 
وجوب رعاية الأمانة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾1، تبيّن هذه الآية أوصاف المؤمنين الحقيقيين وتبشّرهم بالفلاح والنجاة في الآخرة، وتحدّد أوصاف الإنسان الجميلة والفضائل الأخلاقية ومنها الأمانة والوفاء بالعهد. والملفت للنظر أنّ (الأمانات) الواردة في هذه الآية ذكرت بصورة الجمع وهي إشارة إلى أنّ الأمانة لها أنواع وأشكال مختلفة، والكثير من المفسّرين ذكروا أنّ مفهوم الأمانة في هذه الآية لا يقتصر على الأمانة المالية، بل يشمل الأمانات المعنوية، كالقرآن الكريم والدين الإلهي والعبادات والوظائف الشرعية، وكذلك النعم الإلهية المختلفة على الإنسان في حركة الحياة المادّية والمعنوية.
 
ومن هنا، يتّضح أنّ المؤمن الواقعي والإنسان الذي يتمتّع باللّياقة الكاملة هو الذي يتحرّك في سلوكه من موقع مراعاة الأمانة بصورها المختلفة ويهتّم بالحفاظ عليها من موقع المسؤولية وأداء الوظيفة. أمّا عطف الوفاء بالعهد على حفظ الأمانة فيبيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ هذين المفهومين يعودان إلى جذر واحد ويشتركان في الأصل، لأنّ نقض العهد يعتبر نوعاً من الخيانة في العهد والميثاق، ورعاية الأمانة نوع من الوفاء بالعهد والميثاق أيضاً. وتعبير (راعون) مأخوذ من مادّة (رعاية) وهي من مادّة (رعى) التي يُراد بها رعي الأغنام ومراقبتها في عملية سوقها إلى حيث الماء والكلأ في الصحراء، وهذا إنّما يدلّ على أنّ المقصود من هذه العبارة في الآية الكريمة هو أكثر من أداء الأمانة في مفهومها الظاهري، أي النظر والمحافظة والمراقبة للشيء من جميع الجوانب. وبديهي، أنّ الأمانة تارة تكون ذات بعد فردي وتسلّم بيد شخص معيّن (كالأمانات المالية التي



1 سورة المؤمنون، الآية 8، سورة المعا رج، الآية32.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

89

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 يودعها الإنسان لدى الآخرين)، وتارة أخرى لها بعد جماعي مثل حفظ القرآن الكريم من التحريف والدفاع عن الإسلام والمحافظة على كيان الدول الإسلامية، فهي كلّها أمانات وضعت بيد المسلمين، وعليهم أن يتحرّكوا بصورة جماعية ويتكاتفوا فيما بينهم من أجل حفظ وصيانة هذه الأمانات الإلهية.

 
أدّوا الأمانات إلى أهلها
ورد الحثّ على وجوب تأدية الأمانة بشكل صريح وواضح في آيتين:
الأولى: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾1.
 
تبيّن هذه الآية أمرين إلهيين: الأول: يتحدّث عن أداء الأمانة. والثاني: يتحدّث عن الحكم بالعدل. ومع أنّ مسألة الحكومة العادلة أو التحكيم الصحيح والسليم بين الناس له مكانة سامية في نظر القرآن الكريم، ولكن في الوقت نفسه ورد الأمر بأداء الأمانة قبله، وهذا يبيّن الأهمّيّة العظيمة للأمانة وأنّ لها مفهوماً عامّاً يستوعب في مضمونه التحكيم بين الناس من موقع العدل، وأنّه أحد مصاديق أداء الأمانة، لأنّ الأمانة بمفهومها العام تشمل جميع المقامات والمناصب الاجتماعية التي تعتبر أمانات إلهية، وكذلك أمانات بشرية من قبل الناس بيد أصحاب المناصب هذه.
 
والتأكيدات الواردة في ذيل الآية الشريفة تقرّر من جهة أنّ الأمر بالأمانة والعدالة ما هي إلاّ موعظة إلهية حسنة للناس، ومن جهة أخرى تحذّر الجميع بأنّ الله تعالى يراقب أعمالكم وسلوكيّاتكم، وهذا يعطي أهمّيّة مضاعفة على هذين المفهومين، وهما رعاية الأمانة والعدالة.
 
وللأمانة موارد وفروع، هي: "الأمانة الإلهية، وأمانة الناس، وأمانة النفس، ومن جملتها أداء الواجبات وترك المحرّمات، فهي من موارد الأمانات الإلهية، وتقسّم إلى تقسيمات 



1 سورة النساء، الآية 58.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

90

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 عديدة، منها أمانة اللسان، أمانة العين والأذن، (أي إنّ الإنسان يجب أن لا يتحرّك بالمعصية، والعين لا تنظر بنظر الخيانة، والأذن لا تسمع الكلام المحرّم). أمّا الأمانات البشرية فهي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى البعض الآخر وكذلك ترك التطفيف في الميزان وترك الغيبة ورعاية العدالة من جهة الحكّام والأمراء وعدم تحريك العوام من موقع التعصّب للباطل وأمثال ذلك..."1.

 
الثانية: قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾2.
 
تتعرّض هذه الآية للأمانات والودائع المالية لدى الناس، وتتحدّث في سياقها عن لزوم تنظيم الوثائق والمستندات بالنسبة إلى هذه الودائع، أي يمكنه ذلك بدون كتابة السند أو أخذ الرهن، وفي هذه السورة، على الأمين حفظ الأمانة وردّها إلى صاحبها بالموقع المناسب، وعليه أن يخاف الله فيما لو تحدّثت له نفسه بالخيانة. وإنّ تعبير الأمانة في الآية يمكن أن يكون إشارة إلى القروض المالية التي يقرضها المسلم لأخيه المسلم من دون كتابة وثيقة أو تأمين وديعة ورهن، وذلك بسبب الثقة المتبادلة بين الأفراد، أو إنّها إشارة إلى الأموال التي توضع لدى الشخص بعنوان الرهن، أو كليهما. وعلى كلّ حال، فانّ الآية فيها دلالة واضحة على لزوم احترام الأمانة وأدائها في أيّة حالة.
 
آثار الأمانة الدنيوية والأخروية
لقد بيّنت الروايات الآثار والنتائج الدنيوية والأخروية المهمّة للأمانة والخيانة، فقد ورد عن علي عليه السلام أنّه قال: "الأمانة تَجُرُّ الرِّزقَ وَالخِيانَةُ تَجُرُّ الفَقرَ"3. وورد شبيه لهذا الحديث مع اختلاف يسير عن لقمان الحكيم، حيث قال: "يـا بُنَيّ،َ أَدِّ الأَمـانَةَ تَسلُمْ لَكَ الدُّنيـا وَآخِرَتُكَ، وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً"4.



1 فخر الدين الرازي، التفسير الكبير، ج10، ص139، ذيل الآية المبحوثة.
2 سورة البقرة، الآية 283.
3 ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول، صحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ،ط2، ص221.
4 الشيخ الصدوق، علي بن الحسين، معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1338 ش، لا. ط، ص 253،باب معنى الخلاق والخلق، ح1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

91

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لا تَزَالُ اُمَتِي بِخَير مـا تَحـابُوا وَتَهـادُّوا وَأَدُّوا الأَمـانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقـامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكـاةَ، فإذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ ابتلوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ"1.

 
وإذا أردنا أن نتعمّق في خطر الخيانة وشؤمها، فلنستمع إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه المثير عن بعض عناصر الشّر وعوامل الانحراف، حيث يقول: "أَربَعٌ لا تَدخُلِ بَيتاً وِاحُدَةٌ مِنهُنَّ إلاّ خَرِبَ وَلَم يَعمُرْ بِالبَرَكَةِ: الخِيانَةِ والسَّرقَةُ وَشُربُ الخَمرِ والزِّنـا"2. ومن المعلوم أنّ المجتمع الذي يعيش أحد هذه العناصر الأربعة أو كلّها، فانّه يكون مصداقاً لهذا الحكم النبوي، وسوف يخلو من البركة، وبالتالي يصيبه الدمار والاندثار.
 
تلازم الأمانة والصدق
الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث، كما إنّ صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة، لأنّ صدق الحديث نوع من الأمانة في القول، والأمانة نوع من الصدق في العمل. وعلى هذا الأساس، فإنّ هاتين الصفتين ترتبطان بجذر مشترك ويعبّران عن وجهين لعملة واحدة، ولذلك ورد في الأحاديث الإسلامية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "الأمـانَةُ تُؤدِّي إِلى الصُّدقِ"3، وفي حديث آخر عنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: "إذا قَويَتْ الأَمـانَةُ كَثُرَ الصّدقُ"4.
 
الأمانة والخيانة في الأمور المالية
إنّ الأمانة خُلق محمود ومطلوب في أيّ مكان ومورد، ولكن بالنسبة إلى بيت المال ورؤوس الأموال المادّية المتعلّقة بالمجتمع لا بشخص معيّن، فقد ورد التأكيد على الأمانة 



1 الصدوق، علي بن الحسين، عيون أخبار الرضا، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، بيروت، لبنان، مؤسسة الأعلمي، ج2، ص32، باب فيما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار المجموعة، ح25.
2 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص482، المجلس الثاني والستون، ح12.
3 الواسطي، علي بن محمد الليثي، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، دار الحديث، لا .ت، ط1، ص49.
4 م.ن، ص 134.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

92

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 فيها بشكل خاصّ في النصوص الدينية، والحكمة في ذلك واضحة، لأنّه أولاً: إنّ بعضهم يتصوّر أنّ مثل هذه الأموال بما أنّها لا تقع في دائرة الممتلكات لشخص معيّن، بل هي ملك عموم الناس فإنّهم أحرار في تصرفاتهم وتعاملهم بها.

 
وثانياً: إذا تفشّت الخيانة بالنسبة إلى الأموال العامة وبيت المال، فإنّ نظم المجتمع سوف يتلاشى وينهار، فلا يرى مثل هذا المجتمع البشري وجه السعادة أبداً. ومن أجل درك أهمّيّة هذا الموضوع يكفي مطالعة قصّة (الحديدة المحماة)، حيث ورد أنّ عقيلاً (رض) جاء إلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام، وطلب منه أن يزيده قليلاً من حصّته وسهمه من بيت المال على أساس العلاقة الأخوية بينه وبين الإمام علي عليه السلام، فما كان من الإمام علي عليه السلام إلاّ أن أحمى له حديدة وقرّبها منه، صرخ عقيل من حرارتها، فقال له الإمام عليه السلام: "يـا عَقِيلُ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحمـاها إِنسـانُهـا لِلَعبِهِ، وَتَجِرُّنِي إِلى نـار سَجَرَهـا جَبـّارُهـا لِغَضَبِهِ؟! أَتَئِنُّ مِنْ الأَذى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظى؟!"1.
 
وقال أمير المؤمنين عليه السلام عندما استلم الخلافة بالنسبة إلى عطايا عثمان من بيت المال إلى أقربائه وذويه، حيث عزم الإمام علي عليه السلام على ردّها جميعاً إلى بيت المال، وقال: "وَاللهِ، لَو وَجَدته قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسـاءُ ومُلِكَ بِهِ الإِمـاءُ لَرَدَدتُهُ، فَإنَّ فِي العَدلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَـاقَ عَلَيهِ العَدلُ فَالجَورُ عليه أَضيَقُ"2.
 
لا تخن من خانَك
فليس لك أن تخون المال إذا أودعه إنسان عندك حتى لو خانك، فقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام، أنّ رجلاً قال له: كان لي دَينٌ على فلان، فجحد دينه، ثمّ استودعني مالاً وقبلت وديعته، فهل لي أن آخذ ماله في قبال مالي، قال: "إذا خانك فلا تخنْه"3، هبْ أنّه خانك، ولكنّه ائتمنك على ماله وقبلت أمانته، فما دمت قد قبلت



1 نهج البلاغة، الخطبة 224.
2 م.ن، الخطبة15.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص98، باب قصاص الدين، ح1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

93

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 أمانته، فعليك أن تؤدّي له أمانته حتى لو كان خائناً، لأنّك إذا خنته فأنتَ مثله، والمؤمن لا يخون. وقد ورد في الحديث عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "اعلمْ، إنّ ضارب عليّ عليه السلام بالسّيف وقاتله، لو ائتمنني واستنصحني واستشارني، ثمّ قبلت ذلك منه، لأدّيتُ إليه الأمانة"1

 
الوقاية والعلاج من الخيانة
إنّ تعميق روح الأمانة في أفراد المجتمع والوقاية من الخيانة لا يتسنّى إلاّ في ظلّ التقوى والإيمان والالتزام الديني والأخلاقي، لأنّه كما تقدّم في الأبحاث السابقة أنّ أحد جذور الخيانة هو الشرك وعدم الاعتقاد الكامل بقدرة الله تعالى ورازقيته. ولهذا، فالأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان ويتصوّرون أنّهم سوف يعيشون الفقر في حالة تحلّيهم بالأمانة والصدق وأنّهم سوف لا يحصلون على ما يحتاجونه إلاّ بواسطة الخيانة يكبّلون أنفسهم بطوق الخيانة، ولكن عندما يتحرّكون من موقع تقوية دعائم الإيمان في قلوبهم وتعميق حالة التوكّل والاعتماد على الله تعالى والثقة بوعده، فانّ ذلك يتسبّب في تصحيح مسارهم في عملية الوصول وتحصيل مواهب الحياة.
 
ومن جهة ثانية فانّ من الأسباب والعوامل المهمّة في الوقاية من التورّط بالخيانة هو التفكّر في عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة وما يترتّب عليها من فضيحة وحرمان وزوال الثقة وماء الوجه أمام الخلق والخالق، وبالتالي الابتلاء بالفقر المزمن الذي سعى إلى الفرار منه بارتكاب الخيانة، ورد في نصيحة لقمان لابنه، حيث يقول: "يـا بُنَيَّ، أَدِّ الأَمـانَةَ تَسلُمْ لَكَ الدُّنيـا وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً"2.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص133، باب أداء الأمانة، ح5.
2 الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص 253، باب معنى الخلاق والخلق، ح1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

94

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 كلمة من القلب

أعظم الخيانة
أيّها العزيز، اعلم، إنّ مسألة الأمانة حاسمة وخطيرة، فهناك أيضاً أمانات الأمّة عليك، لأنَّ عليّاً عليه السلام يقول: "أعظم الخيانة خيانة الأُمّة"، وخيانة الأمّة تحصل بالفتنة بين أفراد الأمّة، ولاسيّما في الأوضاع الّتي تعيش فيها الأمّة أخطر أزماتها، عندما تتحرّك لتثير مشكلةً تخلق فتنةً، ولتطرح موضوعاً يشعل حرباً، ولتجعل الواقع يخوض في أمور هامشيّة لا تمثّل قضايا المصير، فيما العدوّ يدقّ الباب ليدخل أرضك وبيتك، ويثير الزّلزال ليزلزل الأرض من تحت أقدامك... إنَّ كلّ مثيرٍ للفتنة خائن للأُمّة، وهي أعظم الخيانة، لأنّ هناك فرقاً بين أن تخون شخصاً وبين أن تخون أُمّة، أو بين أن تخون شخصاً في مالٍ تأخذه منه، وبين أن تخون أمّةً في حرّيّة تسلبها إيّاها، وفي ذلّ تفرضه عليها، وفي ضعف يحلّ بها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

95

بالأمانة يحيا المجتمع ويسمو أفراده

 فقه المسلم

السؤال (12): ما حكم النظر إلى صور الأجنبيّات (المسلمات) مع حجاب وظهور الزينة على الوجه واليدين أو غيرهما من الأعضاء على الإنترنت في حالتيّ المباشر وغير المباشر؟
 
الجواب: لا يجوز النظر إلى صورة الفتاة المسلمة المتبرّجة إذا كانت مثيرة للشهوة أو لقصد التلذّذ والريبة، أو أدّت إلى الوقوع في المفسدة.
 
السؤال (13): ما حكم النظر إلى صور الأجنبيات (من غير المسلمات) على الإنترنت في حالتي المباشر وغير المباشر؟
 
الجواب: يجوز النظر إلى صورة غير المسلمة بالبثّ المباشر أو غيره بشرط عدم الريبة أو خوف الفتنة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

96

بالعفّة يُصان المجتمع

 بالعفّة يُصان المجتمع



الهدف:
التعرّف إلى قيمة العفّة وأهّميّتها في تهذيب السلوك وتقويمه، وتحصين المجتمع من الابتذال.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• معنى العفّة
• قيمة العفّة في الإسلام
• الحثّ على عفّة البطن والفرج
• العفاف صفة يحبها الله
• شعب العفاف وآثاره
• معوقات العفّة وموانعها
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

97

بالعفّة يُصان المجتمع

 تصدير الموضوع

عن الإمام علي عليه السلام: "ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، إلا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع اجتهاد، وعفّة وسداد".
 
مدخل
إنّ من أعظم الخصال التي يتخلّق بها المسلم وتكون منهجه في حياته عفّته عن محارم الله الذي تساهل به الكثير. والجنّة التي يتمنّى كل مؤمن أن ينالها محفوفةٌ بالمكاره، ولن تنالها بتوفيق الله إلا النفوس العفيفة الطّاهرة، ولن تكون النّفوس طاهرةً إلا بالاستقامة على طاعة الله ومخالفة الهوى ومصارعةِ الشّهوات والبعد عن الفحشاء والمنكر. ولذا، أمر الله بالعفّة، فقال مخاطبًا من ينوي الزّواج: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾1. فمن كان غير قادر على النكاح لقصور النفقة أو أخرى، فعليه بالعفّة عن محارم الله ليفتح الله عليه باب الحلال وييسّره له. وإذا كان من لم يتزوّج مأموراً بالعفاف، فالمتزوّج أيضًا من باب أولى.
 
معنى العفّة
تقع "العفّة" في النقطة المقابلة لـ "شهوة البطن والفرج"، وتعتبر من أهمّ الفضائل الإنسانية والأخلاقية على السواء. وقد تحدّث اللغويون في معنى العفّة كثيراً، وخلاصتها أنّ العفّة حصول حالة للنفس تمتنع بها من غلبة الشهوة، وتحفظها من الميول والشهوات النفسانية. وعلى هذا، فالعفّة صفة باطنية، وقد ذكر علماء الأخلاق في تعريف العفّة أنّها الحدّ الوسط بين الشهوة والخمود.



1 سورة النور، الآية 33.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

98

بالعفّة يُصان المجتمع

 قيمة العفّة في الإسلام

المستفاد من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية أنّ العفّة تعدّ من أعظم الفضائل الأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن لأيّ شخص أن يسير نحو الكمال الإلهي من دون التحلّي بها، ونجد في حياتنا الدنيوية أنّ كرامة الإنسان وشخصيته وسمعته رهينة بالتحلّي بهذه الفضيلة الأخلاقية1، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾2.
 
ولقد تحدّثت الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عن قيمة العفّة، وكونها صفة إنسانية وخلقية ينبغي أن يهتمّ بها الإنسان في تربيته لنفسه، وسلوكه مع الآخرين، وذلك لما يترتّب على سجيّة العفّة من الآثار حتى وضعت العفيف بمنزلة الملائكة، ووصف العفاف بأنّه أفضل من العبادة. عن الإمام علي عليه السلام: "أفضل العبادة العفاف"3، وعنه عليه السلام في وصيّته لمحمد بن أبي بكر، لمّا ولاه مصر: "يا محمد بن أبي بكر، اعلم، إنّ أفضل العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته..."4.
 
وعنه أيضاً: "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة"5. وهي أفضل شيمة، وعنه عليه السلام: "العفّة أفضل الفتوّة"، وعنه عليه السلام: "زكاة الجمال العفاف"6، وعنه عليه السلام: "والعفاف زينة الفقر"7



1 الشيخ الشيرازي، ناصر مكارم، الأخلاق القرآن الكريم، ج1.بتصرف -.
2 سورة البقرة، الآية 273.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص79، باب العفّة، ح3.
4 ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغبة، صححه عدة من الفضلاء، قم، إيران، مكتب الإعلام الإسلامي، 1362ش، ط1، ج4، ص430.
5 نهج البلاغة، الحكمة 474.
6 نهج البلاغة، الخطبة 193، والكتاب 31.
7 التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، تحقيق وتصحيح: رجائي، السيد مهدي‏، دار الكتاب الإسلامي، قم، 1410هـ، ط2، حكمة 582، حكمة 617، حكمة 6.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

99

بالعفّة يُصان المجتمع

 الحثّ على عفّة البطن والفرج

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾1.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج"2.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "ما عُبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج"3.
 
وعن الإمام علي عليه السلام: "إذا أراد الله بعبد خيراً أعفّ بطنه وفرجه"4.
 
فمن الواضح أنّه من أهمّ الآثار التربوية للعفّة حفظ الجوارح عن محارمِ الله، فيحفظ بصرَه عن النّظرِ إلى ما حرّم الله النّظرَ إليه، قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾5. وكذلك يحفظ لسانه من الخضوع بالقول، قال جلّ وعلا مخاطبًا نساء النبيّ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾6، ويحفظ سائر جوارحه، وجاء: "لأَن يُطعَنَ في رأسِ أحدِكم بمِخيَطٍ من حديدٍ خيرٌ لهُ مِنْ أن يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ لهُ"7
 
ومن أسباب العفّة الزواج المبكّر، فإنّ إرواء الغريزة مبكّرًا يحول بين المرء وبين المعاصي بتوفيق الله، وفي الحديث: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه



1 نهج البلاغة، ج4، حكمة 68.
2 سورة المعارج، الآيتان 29-30.
3 ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، تنبيه الخواطر، تهران، دار الكتب الإسلامية، 1368ش، ط2، ج2، ص349.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص79، باب العفّة، ح1.
5 التميمي الآمدي، غرر الحكم، ح4114.
6 سورة النور، الآيتان 30 ـ 31.
7 سورة الأحزاب، الآية 32.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

100

بالعفّة يُصان المجتمع

 أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّه له وِجَاء"1

 
ومن أسباب المحافظة على العفّة عدم الخلوة بالمرأة الأجنبيّة التي ليست من محارمك، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والدخولَ على النّساء"، قال رجلٌ: يا رسول الله، أرأيت الحمو أخو الزّوج؟ قال: "الحمو الموت"، وقال: "ما خلا رجلٌ بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما"، ونهى أن يدخلَ الرجلُ على المرأة إلا بمحرم ولا يخلو بها إلّا بمحرم. 
 
ومن أسباب العفّة بتوفيق الله تركُ التبرّج وبقاءُ المرأة في بيتها، إلاعندما يدعو داعٍ إلى أمر ما، يقول جلّ وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾2.
 
العفاف صفة يحبّها الله 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يحبّ الحييّ المتعفّف، ويبغض البذي السائل الملحف"3. وعن الإمام علي عليه السلام في صفة المتّقين: "حاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة"4.
 
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو: "اللهمّ، إني أسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى!"5.
 
شعب العفاف وآثاره 
للعفاف العديد من الشعب، منها: 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أمّا العفاف: فيتشعّب منه الرضا، والاستكانة، والحظّ، والراحة، والتفقّد، والخشوع، والتذكّر، والتفكّر، والجود، والسخاء، فهذا ما يتشعّب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه"6.



1 الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق وتخريج : حمدي عبد المجيد السلفي، القاهرة، دار إحياء التراث العربي، لا.ت، لا.ط، ج20، ص212.
2 عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، تحقيق وتخريج وتعليق: حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي، لا.ت، لا.ط، لا.د، ج6، ص169، ح10380.
3 سورة الأحزاب، الآية 33.
4 الشيخ الطوسي، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، نشر: دار الثقافة، قم، 1414هـ، ط1، ص29، المجلس الثاني، ح43/12.
5 الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق وتصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، ج5، ص184، بيروت، لبنان، 1983م، باب73، ح3555.
 6ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

101

بالعفّة يُصان المجتمع

 وأمّا من ناحية الآثار، فللعفّة آثار عديدة، منها: 

- القناعة: القناعة أحد أهم أصول العفاف، عن الإمام علي عليه السلام: "على قدر العفّة تكون القناعة"1.
 
- الغيرة: عن الإمام علي عليه السلام: "دليل غيرة الرجل عفّته"2.
 
- الصبر على الشهوات: وعنه عليه السلام: "الصبر عن الشهوة عفّة، وعن الغضب نجدة"3، وعنه عليه السلام: "العفّة تضعف الشهوة"4.
 
- زكاة الأعمال: وعنه عليه السلام: "بالعفاف تزكو الأعمال"5.
 
معوّقات العفّة وموانعها
إنّ العفّة هي برنامج حياة وخلق وأدب، يجب أن يتحلّى بها من أراد السموّ والمروءة، وما تماسك المجتمعات والأسر إلّا بوجود العفّة القوية الراسخة في ذلك المجتمع. وإنّ من أسباب تفكّك المجتمعات والأسر، هو ضياع العفّة وضعفها، وكثرة الابتذال، والتحلّل من القيود والضوابط الدينية، بلا فرق بين الفقهي، والأخلاقي، والاجتماعي والمالي منها، وأكثر ما يؤدّي إلى الابتذال وضعف العفّة أو عدم وجود العفاف، هو: 
- وسائل الإعلام وما تقدّمه من سموم عبر شاشاتها المختلفة.
 
- حملة الإفساد الموجّهة للمرأة، وتزيين الفاحشة لها، وذلك بالدعوة للتبرّج والسفور، وترك الحجاب. 
 
- تأخّر الزواج عند الشباب، وذلك بسبب صعوبة المعيشة وارتفاع المهور.
 
- قلّة الورع، وقلّة الأمانة، وعدم المبالاة بالحلال والحرام.



1 التميمي الآمدي، غرر الحكم، حكمة 6179.
2 م.ن، حكمة 5104.
3 م.ن، حكمة 7646.
4 م.ن، حكمة 5104.
5 م.ن، حكمة 4238.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

102

بالعفّة يُصان المجتمع

 - دعاة الفجور ودعاة التحلّل من القيم والفضائل، إنّما غرضهم أن يصبغوا المجتمع المسلم بصبغةٍ غير إسلامية وأن يحوّلوا المجتمع المحافظ على دينه وأخلاقه وقيمه إلى مجتمعٍ منهار القيم والأخلاق.


- أعداء الشريعة الذين يروّجون للتحلّل من القيم والفضائل، ولهم شُبَهٌ يدلون بها، فيقولون إنّه لا بدّ من إعطاء النّفس مُناها وترفيهها وجعلها ترى وتشاهد ما تفرّج به همومها، وهذا كلّه من المغالطات، فإنّ مقصودهم بذلك فتح الشرّ على مصراعيه وعدم الغيرة على محارم الله.

- ومن أهمّ المعوّقات للعفّة الفساد الإعلاميّ في كثير من القنوات الباطلة التي تضيع فيها العفّة وتعلو فيها الرذيلة، هذه القنوات والمنتديات التي توجّه سمومها ضدّ القيم والأخلاق فتضيع العفّة وتنتشر الرّذائل.

ومن أسباب ذلك أيضًا انخداع بعضهم واغتراره بما عليه الأعداء من فسادٍ في أخلاقهم وقيمهم، ينظر الى فساد الأخلاق والقيم فيغترّ بذلك، ولا ينظر الى ما أصابهم من التهوّر وما أصابهم من الأمراض الفتّاكة التي حارت بها عقولهم وضعفت بها نفوسهم وأصبحوا يعانون من تلك الأمراض والأوبئة ما أقاموا لأجله المستشفيات وأنفقوا الأموال الطائلة ليعالجوا تلك الأمراض الفتّاكة التي حلّت بهم. 

- ومن ذلك أنّ بعضهم يقول إنّ المرأة أو الشاب أو الشابّة لا بدّ أن يمضوا شبابهم في عدم التقيّد، وهذا كلّه من المصائب، فإنّ من نشأ على شيءٍ شاب عليه ومن شاب على شيءٍ مات عليه ، فلا بدّ من المحافظة على القيم والمحافظة على الأخلاق. 

- إنّ الإختلاط بلاءٌ عظيم، سواءٌ أكان اختلاطاً عامّاً أم خاصّاً، فالاختلاط بين الجنسين في ميادين العمل من أعظم وصمة على الإسلام وأهله، بل هو يفتح باب الشرّ على مصراعيه. 

- إنّ الإختلاط بين الجنسين يقضي على الحياء والفضيلة والعفّة والشرف والكرامة، ويزحزح أمن المجتمع، ويدمّر الأخلاق والفضائل. وهو جريمةٌ لا يرضى بها من 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

103

بالعفّة يُصان المجتمع

 في قلبه مثقال ذرّة من إيمان، يرفضها كلّ مسلم ولا يرضاها لنفسه ولا لبناته ولا لأخواته ولا لواحدة من المسلمات، فالاختلاط سواءٌ كان عامّاً أو حتّى بين العوائل، الاختلاط بين غير المحارم أمرٌ منهيٌّ عنه، فلا بدّ للمسلمين من الحفاظ على سلوكهم والمحافظة على أعراضهم، والاعتقاد أنّ الاختلاط جريمة نكراء وبليّة من البلايا ما يليه. وبناءً عليه، لا بدّ من التذكير بما يحصّن النفس، ويصحّح السلوك ويقوّمه من خلال أمور:

- الحرص على عفّة الجوارح: المسلم يعفّ يده ورجله وعينه وأذنه وفرجه عن الحرام، فلا تغلبه شهواته، وقد أمر الله كلّ مسلم أن يعفّ نفسه ويحفظ فرجه، قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾1.
 
- الحرص على عفّة الجسد: فعلى المسلم أن يستر ما بين سرّته إلى ركبتيه، وعلى المسلمة أن تلتزم بالحجاب، لأنّ شيمتها العفّة والوقار، قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾2، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾3.
 
وحرَّم الإسلام النظر إلى المرأة الأجنبية، وأمر الله المسلمين أن يغضّوا أبصارهم، فقال: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾4. وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾5.
 
- العفّة عن أموال الغير، وعفّة المأكل والمشرب: المسلم عفيف عن أموال غيره لا يأخذها بغير حقّ. 



1 سورة النور، الآية 33.
2 سورة النور، الآية 31.
3 سورة الأحزاب، الآية 59.
4 سورة النـور، الآية 30.
5 سورة النور، الآية 31.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

104

بالعفّة يُصان المجتمع

 ويمتنع عن وضع اللقمة الحرام في جوفه، وكلّ لحم نبت من حرام فالنار أولى به، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾1.

 
كلمة من القلب
أيّها العزيز، إنّ من أسباب العفّة إقامة حدود الله، فإنّ إقامة حدود الله تُذكّر المجرم بآلامها فتردعُ من يريد السوء والفساد.
 
أيّها المسلم، إنّ تقوى الله جلّ وعلا خير رادعٍ عن المعاصي وواقٍ عن المحرّمات، والإيمان القويّ يُحدث في القلب خوف الله والحياء منه وتذكّر الدار الآخرة، فكلّما تذكّر عظمة الله خاف من ربّه، وكلّما تذكّر نِعم الله استحيا من ربّه، وكلّما تذكّر الآخرة دعاه إلى ترك الشهوات والإقبال على الله بالأعمال الصالحة ومخالفة هوى النّفس الدّاعية إلى السوء. 
 
أيّها المسلم، وإنّ ثمار العفّة كثيرة، فمن أعظم ثمار العفّة سلامة المجتمع من هذه الأمراض الخطيرة، سلامة المجتمع من هذه الفواحش والبُعد عنها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾2، سلامة المجتمع من أضرارها الخطيرة المترتّبة على فشوّها من الأمراض الخطيرة التي تؤذِن بدمار المجتمع وفساده.
 
ومن ثمار العفّة أيضًا نقاء المجتمع وسلامته وأمنه واستقراره، فلا ترى متبرّجةً ولا متسكّعًا من الشباب، بل يكتفي الإنسان بما أباح الله له عمّا حرّم عليه.



1 سورة البقرة، الآية 172.
2 سورة الإسراء، الآية 32.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

105

بالعفّة يُصان المجتمع

 فقه المسلم

السؤال (1): يوجد لكلّ معرّف صورة شخصية، ما حكم وضع صورة لفتاة عارية أو متبرّجة وليست صاحبة التعريف؟ 

الجواب:
- لا يجوز وضع صورة الفتاة العارية.
- لا يجوز عرض صورة الفتاة المسلمة المتبرّجة إذا كانت مثيرة للشهوة أو لقصد التلذّذ والريبة، أو مع ترتّب الوقوع في المفسدة.

السؤال(2): ما حكم التعليق على صورة فتاة أو الكتابة الأدبية بنوع من الإيحاء أو الإعجاب، مثل: "لك من اسمك نصيب"، و"هيه يا فلانة... أحاسيس منسابة"...، ولأخرى: "ليتني كنت شاعراً لأكتب لك قصيدة شعر"، "ما أبدع بيانك ياأختاااااااااااااااه"، "تأكّدي أنّنا ننتظرك كلّ ساعة، فلا تتأخّري طويلاً علينا"؟ 

الجواب:
- لا يجوز ذلك مع الخوف من الوقوع في الحرام، أو مع ترتّب المفسدة، أو مع إثارة الشهوة والريبة والتلذّذ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

106

خدمة الناس نعمة وعبادة

 خدمة الناس نعمة وعبادة



الهدف:
التعرّف إلى قيمة قضاء حوائج الناس ودوره في بثّ روح التضحية والإيثار في المجتمع.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• قضاء حوائج الناس تكليف اجتماعي
• قيمة قضاء حوائج المؤمنين وخدمتهم
• لا تفوّت فرصة خدمة الناس
• جزاء خدمة الناس محفوظ عند الله
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

107

خدمة الناس نعمة وعبادة

 تصدير الموضوع

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن سرّ مسلما ستره الله يوم القيامة".
 
مدخل
الإسلام ليس منهج اعتقاد وإيمان في القلب فحسب، بل هو منهج حياة إنسانية واجتماعية واقعية، يتجسّد فيها الاعتقاد والإيمان ممارسة عملية في جميع جوانب الحياة ومتطلّباتها الفردية والاجتماعية، وذلك على مبدأ التراحم والتكافل والتناصح والمودّة والإحسان والتضحية والإيثار، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾1، وهذا ما يلزم الأفراد بالكثير من الواجبات تجاه بعضهم بعضا كأفراد، وتجاه المجتمع ككيان اجتماعي يحتضن الجميع، من أهمّها خدمة الناس وقضاء حوائجهم.
 
قضاء حوائج الناس تكليف اجتماعي
لقد وضع الإسلام منهجاً متكاملاً في العلاقات بين البشر، يقوم على أساس مراعاة حقوق أفراد المجتمع وبثّ روح التعاون والخدمة المتبادلة بينهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾2، فالتقيّد بهذا الأمر الإلهي يعصم الإنسان عن التقصير في حقوق الناس، ويدفعه للعمل الدؤوب في خدمتهم، وأداء مسؤوليّته تجاههم، وقد حثّ النبي 



1 سورة المائدة، الآية 2.
2 سورة النحل، الآية90.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

108

خدمة الناس نعمة وعبادة

 محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلّ مسلم ليكون مسؤولاً في بيئته الاجتماعية، من خلال الاهتمام بأمور المسلمين ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح لا يهتمّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم"1، ودعا الإمام الصادق عليه السلام إلى الالتصاق بجماعة المسلمين، فقال: "من فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"2.

 
قيمة قضاء حوائج المؤمنين وخدمتهم
من جملة ما يؤكّد الإسلام عليه في معرض التكافل الاجتماعي، هو ضرورة قضاء حوائج المؤمنين بعضهم لبعض. وهذا ما نفهمه بوضوح من الأخبار، فإنّ خدمة المؤمنين:
أ- تبيح الجنّة: ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "أوحى الله عزّ وجلّ إلى داوود: إنّ العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنّتي. فقال داوود: ياربّ وما تلك الحسنة؟ قال: يُدخل على عبدي المؤمن سرورا، ولو بتمرة. فقال داوود عليه السلام: حقٌّ لمن عرفك ألا يقطع رجاءه منك"3.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تعالى خلق خلقاً من خلقه، انتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا، ليثيبهم على ذلك الجنّة. فإنْ استطعت أن تكون منهم فكن"4.
 
ب- أحبّ الأعمال إلى الله تعالى: عن الإمام الصادق عليه السلام، عن أبيه، قال: "سُئِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: اتّباع سرور المسلم، قيل: يا رسول الله، وما تّباع سرور المسلم؟ قال: شبعة جوعه، وتنفيس كربته، وقضاء دينه"5.

ج- يبشّر المؤمن يوم القيامة: وعن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "... إذا بعث الله المؤمن من قبره، خرج معه مثال يقدمه أمامه، فكلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص163، باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم، ح1.
2 م.ن، ج1، ص405، باب ما أمر النبي صلى الله عليه وآله بالنصيحة لائمة المسلمين، ح4.
3 م.ن، ج2، ص189، باب إدخال السرور على المؤمنين، ح5.
4 م.ن، ج2، ص193، باب قضاء حاجة المؤمن، ح2.
5 الحميري القمي، عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1413هـ، ط1، ص145، ح522.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

109

خدمة الناس نعمة وعبادة

 يوم القيامة، قال له المثال: لا تجزع ولا تحزن، وأبشر بالسرور والكرامة من الله عزّوجل، فما يزال يبشّره بالسرور والكرامة من الله سبحانه حتى يقف بين يدي الله عزّ وجلّ، ويحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنّة، والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: رحمك الله! نِعَم الخارج معي من قبري، ما زلت تبشّرني بالسرور والكرامة من الله عزّ وجلّ حتى كان ما كان، فمن أنت؟ فيقول له المثال: أنا السرور الذي أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله لأبشرك"1.

 
د- أفضل من العبادة: ورد في العديد من الروايات أنّ خدمة المؤمنين بعضهم، وتعاونهم وترابطهم المادّي والمعنوي أفضل من بعض العبادات المستحبّة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "... لَقضاءُ حاجة امرئ مؤمن أفضل من حجّة وحجّة..." حتى عدّ عشر حجج2.
 
وروي عن ذي الخُلق العظيم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "مَن قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله دهره"3.
 
فكم يكون سامياً ذلك المجتمع الذي يسعى، بل يهرع كلّ واحد لقضاء حوائج إخوانه بهذه الروحية العالية والنية الخالصة. ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "والله، لقضاء حاجة المؤمن خير من صيام شهر واعتكافه"4.
 
لا تفوّت فرصة خدمة الناس
ينبغي التعاون بين المؤمنين لتأسيس ثقافة تربوية تمكّن المؤمن من الاستعانة بأخيه المؤمن، إذ لا مانع من أن يطلب المؤمن العون والحاجة من أخيه، لقول الإمام 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص190، باب إدخال السرور على المؤمن، ح8.
2 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص582، المجلس الرابع والسبعون، ح14.
3 م.ن، ص481، المجلس السابع عشر، ح20.
4 الحميري، قرب الإسناد، ص120، ح422.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

110

خدمة الناس نعمة وعبادة

 الصادق عليه السلام: "إذا ضاق أحدكم فليُعلِمْ أخاه، ولا يعين على نفسه"1.

 
وليس ذلك منّة من المؤمن على أخيه المؤمن، بل هو من نوع توفيق المؤمن لخدمة المؤمنين، وهو ما نفهمه من رواية الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال: "إنّ الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها فلا يجد لها موقعاً إذا جاءته"2.
 
وفي رواية عن إسماعيل بن عمار الصيرفي، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: جُعلت فداك! المؤمن رحمة على المؤمن؟ قال: "نعم"، قلت: وكيف ذاك؟ قال عليه السلام: "أيّما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنّما ذلك رحمة من الله، ساقها إليه وسبّبها له، فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها، وإن ردّه عن حاجته، وهو يقدر على قضائها، فإنّما ردّ عن نفسه رحمة من الله عزّ وجلّ ساقها إليه وسبّبها له..."3
 
فحينما يسألك شخص حاجته فبادر إلى قضائها ولا تماطل، فقد يتغيّر الوضع ويستغني عنها، فتفوتك بذلك فرصة عظيمة وأجر جزيل، رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "من كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه"4.
 
جزاء خدمة الناس محفوظ عند الله
دعا القرآن الكريم جميع المسلمين إلى التمحور حول العمل الصالح، فالإسلام يعطي العمل الصالح القيمة الأساسية ويجعله محور التنافس في المجتمع. ففي أكثر من مئة وعشرين موضعاً، يؤكّد القرآن الحكيم على الربط العضوي بين الإيمان والعمل الصالح، ويصرّح بأنّ الذين يرثون الأرض هم الصالحون. 
 
والصلاح ليس شيئاً جامداً، وإنّما هو حركة وعمل في الاتّجاه الصحيح. وهو ليس فقط في أمور الدين كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنّما كلّ عمل يحكم العقل والدين بصلاحه، 



1 الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق : السيد حسن الموسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1365ش، ط4، ج6، ص329، باب المكاسب، ح31.
2 الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج2، ص192، باب في ذكر أخلاق الرضا عليه السلام الكريمة ووصف عبادته، ح2.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص193، باب قضاء حاجة المؤمن، ح5.
4 الشيخ الطوسي، الأمالي، ص97، المجلس الرابع، ح2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

111

خدمة الناس نعمة وعبادة

 فخدمة الناس، وبناء المساكن صلاح، وتعبيد الشوارع صلاح، وإقامة المصانع صلاح، وزراعة الأرض صلاح، وكلّ ما كان من شأنه عمارة الأرض فهو عمل صالح.

 
ويؤكّد القرآن الحكيم على أنّ ما نعمله من خير وخدمة للناس، سنجده عند الله، يقول تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾1. فإنّ كلّ عمل نعمله في طريق الخير فهو لنا، حتى لو كان في مظهره من أجل الآخرين، لأنّنا حينما نعمل للآخرين، فإنّ هذا العمل سيتضاعف وتعود إلينا نتائجه من حيث نشعر أو لا نشعر، وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾2، ويقول سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾3.
 
إذاً، فإنّ أعمال الخير وأعمال الشرّ تبقى ولا تزول، وهي محور جزاء الإنسان في الدنيا والآخرة. ومن أجل أن يدفعك الإسلام إلى أن تجتهد في سبيل عمل الخير، ولا تدع عمل خير إلا وتقوم به، ولا تبقي من عمرك لحظة إلا وتعمّرها بعمل الخير، فإنّ القرآن يبيّن أنّه في يوم القيامة سيُنصب ميزان توضع في كفّة منه أعمال الإنسان الخيّرة وفي الكفة الأخرى أعماله الشريرة، وآنذاك يشعر الإنسان بقيمة حبّة الخردل من عمله، هذه الأعمال الصغيرة التي قد نستهين بها اليوم، إلاّ أنّنا نشعر بقيمتها غداً، ففي ذلك اليوم إذا رجحت كفّة الحسنات على كفّة السيئات، يحقّ لك أن تفتخر، أمّا اليوم وقبل أن تعرف مصيرك فلا تستطيع أن تقول شيئاً، يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾4.



1 سورة البقرة، الآية 110.
2 سورة آل عمران، الآية 30.
3 سورة الزلزلة، الآيتان 7-8.
4 سورة القارعة، الآيات 8-11.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

112

خدمة الناس نعمة وعبادة

 الإمام الخميني وخدمة الناس

يقول الإمام الخميني قدس سره: "ولدي، ما دمنا عاجزين عن شكره وشكر نعمائه التي لا نهاية لها فما أفضل لنا من أن لا نغفل عن خدمة عباده، فخدمتهم خدمة للحقّ تعالى، فالجميع منه". ولكن هذه الخدمة كي توصل إلى الله "علينا أن لا نرى أنفسنا أبداً دائنين لخلق الله عندما نخدمهم، بل هم الذين يمنّون علينا حقّاً، لكونهم وسيلة لخدمة الله جلّ وعلا".‏
 
وتؤكّد الروايات عن المعصومين عليهم السلام أنّ الخدمة هي نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده، وهي توفيق منه تعالى، فعن الإمام الحسين عليه السلام: "إنّ حوائج الناس إليكم من نِعم الله عليكم، فلا تملّوا النِعم، فتحوزوا نقما"1
 
كلمة من القلب
اهتمّ يا أخي كثيراً بقضاء حوائج المسلمين، واسعَ لتحقيق ما يهمّهم. واعلم، إنّ أفضلَ القربات الى الله السعي في قضاء حوائج ذوي الحاجات، رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار، قضاها أو لم يقضِها، كان خيراً له من اعتكاف شهرين"2، ورُوي عن وصيّه أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال لكميل بن زياد: "يا كميل، مُرْ أهلك أن يروحوا في كسب المكارم، ويُدلِجوا في حاجة مَن هو نائم، فوالذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلباً سروراً إلاّ وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتّى يطردها عنه كما تُطرد غريبة الإبل"3.
 
واسعَ ما استطعتَ أن تُلقي السرورَ في قلوب المؤمنين، فإنّ ثواب ذلك لا يُحدُّ بحدٍّ،  فإنّ إ



1 الحلواني، الحسين بن محمد، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي، قم، 1408هـ، ط1، ص81، ح6.
2 نهج البلاغة، حكمة 257.
3 م.ن، حكمة 257.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

113

خدمة الناس نعمة وعبادة

 دخال السرور على قلب المؤمن خيرٌ من بناء بلد، روي عن مُسرِّ المؤمنين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إنّ أحبَّ الأعمال الى الله إدخال السرور على المؤمنين"1.

 
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "مَن سرَّ مؤمناً، فقد سرّني، ومن سرَّني فقد سرّ الله"2.
 
ولا تنسَ يا أخي المسلم إنّ: "أحبّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعا. ولأَن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا، ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلّ الأقدام..."3.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص151، باب إدخال السرور على المؤمنين، ح4.
2 م.ن، ج2، ص150، باب إدخال السرور على المؤمنين، ح1.
3 الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، 1988م، لا. ط، ج8، ص191، باب فضل قضاء حوائج المؤمنين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

114

خدمة الناس نعمة وعبادة

 فقه المسلم

صلاة المجاهد في الحرب:
م.1: إذا كانت المعركة مشتعلة، ولا يتمكّن المجاهد من الصلاة قائماً فيُصلّي بأيّ نحو تقتضيه الضرورة، من الجلوس أو الاضطجاع أو الاستلقاء، وصلاته صحيحة ومجزية1.
 
إذا لم يتمكّن المجاهد من الصلاة قياماً بسبب المعركة (أو مراقبة العدو)، ينتقل من القيام إلى الجلوس ثمّ الاضطجاع على الأيمن كالمدفون، فإن تعذّر فعلى الأيسر، ثمّ الاستلقاء.
 
م.2: إذا كان أداء الصلاة من قيام فيه خوف على النفس فيجب إتيانها من جلوس، ومجرّد كون الصلاة من جلوس يضعف روحية المجاهدين والصلاة من قيام مع خوف الخطر على النفس يؤدّي إلى تقوية روحيّتهم لا يكفي لجواز القيام في الحالة المذكورة، بل تجب تقوية روحيّة المجاهدين بنحو آخر2.



1 استفتاءات الإمام، ج3، ص48، س30.
2 م.ن، ج1، ص514، س70.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

115

حقوق الجيران وواجباتهم

 حقوق الجيران وواجباتهم



الهدف:
التعرّف إلى حقوق الجيران في الإسلام وفق رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• من هو الجار؟
• أهمّيّة اختيار الجار
• أنواع الجيران
• حُسن الجوار تكليف اجتماعي وفردي
• إيّاكم وسوء معاملة الجار أو إيذاءه
• حقوق الجار في الإسلام
• آثار حسن الجوار
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

116

حقوق الجيران وواجباتهم

 تصدير الموضوع

أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمراعاة حقّ الجوار، فقال: "مازال جبرائيل عليه السلام يوصيني بالجار، حتى ظننت أنّه سيورّثه".
 
مدخل
لرابطة الجوار دور كبير في حركة المجتمع التكاملية، فهي تأتي في المرتبة الثانية من بعد رابطة الأرحام، إذ للجوار تأثير متبادل على سير الأسرة، فهو المحيط الاجتماعي المصغّر الذي تعيش فيه الأسرة وتنعكس عليها مظاهره وممارساته التربوية والسلوكية، ولهذا نجد أنّ المنهج الإسلامي أبدى فيه عناية خاصّة، فقد قرن القرآن الكريم عبادة الله تعالى والإحسان إلى الوالدين والأرحام بالإحسان إلى الجار، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾1.
 
فقد رسم القرآن الكريم منهجاً موضوعياً في العلاقات الاجتماعية، يجمعه الإحسان إلى أفراد المجتمع وخصوصاً المرتبطين برابطة الجوار. وحقّ الجوار لا يُنظر فيه إلى الانتماء العقائدي والمذهبي، بل هو شامل لمطلق الإنسان، مسلماً كان أم غير مسلم، قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة، فمنهم من له ثلاثة حقوق: حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وحقّ القرابة، ومنهم من له حقّان: حقّ الإسلام، وحقّ الجوار، ومنهم من له حقّ واحد: الكافر له حقّ الجوار"2.



1 سورة النساء، الآية 36.
2 الميرزا النوري، حسين بن محمد تقي‏، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل‏، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1408ه‏ـ، ط 1، ج‏8، ص424.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

117

حقوق الجيران وواجباتهم

 من هو الجار؟

الجار هو من يسكن في الجوار، سواء أكان قريباً من حيث الصلة الرحمية، أم كان من أتباع الديانة نفسها، أم كان من أتباع الرسالات السماوية الأخرى، أم غير ذلك، فلا علاقة لمعتقداته وآرائه بانطباق عنوان الجار عليه. ولا يُصنَّف على أساس المعرفة القديمة أو الحديثة الناشئة من السكن في الجوار.
 
وقد عدّ الدين الإسلامي الجار بمن يقرب من منزل الإنسان بأربعين داراً من كلّ الجهات.
 
فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعون داراً جار"1.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "حريم المسجد أربعون ذراعا، والجوار أربعون دارا من أربعة جوانبها"2.
 
أي الشرق والغرب والشمال والجنوب، فكلّ أربعين دار من هذه الجهات تكون دوراً لجيران المسلم، ويتوجّب على المسلم أداء حقّ الجار إليها.
 
أهمّيّة اختيار الجار
من الأهمّيّة بمكان، وقبل أن يسكن المرء في منطقة معيّنة أن يستطلع أحوال الجيران الذين سيجاورهم، حتى لا يُبتلى بجار السوء، ولذا على الإنسان الاقتداء بسيرة الرسولصلى الله عليه وآله وسلم حين سأله أحدهم أين يشتري داره، فقال له: "الجار قبل الدار"3.
 
وكثيراً ما يندم الإنسان على اختياره المكان السيّئ لسكناه، فعليه أن يتحرّى عن الجيران وتديّنهم وأخلاقهم، فقد قال لقمان الحكيم في وصيّته لولده: "يا بني، حملت الحجارة والحديد، فلم أر شيئا أثقل من جار السوء"4.




1 السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401هـ - 1981م، ط 1، ج1، ص 144.
2 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ‏الخصال‏، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، قم‏، إيران، نشر جماعة المدرسين‏، 1403هـ، ط 1، ج 2، ص 544.
3 الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، نشر دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ط 4، ج 8، ص 24.
4 ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله‏، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، قم‏، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي‏، 1404ه‏، ط 1‏، ج 17، ص 8.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

118

حقوق الجيران وواجباتهم

 أنواع الجيران

قسّم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الجيران إلى ثلاثة أقسام بحسب حقوقهم.
 
فقد رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة، فجار له ثلاث حقوق، وجار له حقّان وجار له حقّ واحد، فأمّا الجار الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، فله حقّ الجوار وحقّ القرابة وحقّ الإسلام، والجار الذي له حقّان، فهو الجار المسلم، فله حقّ الإسلام وحقّ الجوار، والجار الذي له حقّ واحد، الكافر، فله حقّ الجوار".
 
وهذا تنبيه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنا في أن لا نتهاون حتى في مسألة الجار الكافر، فإنّ التعامل مع الجار الكافر بأخلاق الإسلام مقرّب له من الإسلام، وقد رُوي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وجاره اليهودي الذي كان يرمي القمامة يومياً قرب منزله، فافتقده يوماً، فزاره، وكان اليهودي مريضاً، فأسلم اليهودي لما رأى من أخلاق الرسولصلى الله عليه وآله وسلم وحسن مجاورته له. 
 
حسن الجوار تكليف اجتماعي وفردي
وقد بلغ اهتمام الإسلام بالجار حدّاً جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرّم إيذاءه، حيث قال: "من آذى جاره حرَّم الله عليه ريح الجنّة، ومأواه جهنّم وبئس المصير..."1.
 
وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل المدينة: "إنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه"2، واعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الجار من علامات الإيمان، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"3.



1 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 13.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 666.
3 ابن شاذان القمي، أبو الفضل شاذان بن جبرئيل، ‏الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، تحقيق وتصحيح علي الشكرچي، إيران - قم‏، مكتبة الأمين‏، 1423 هـ، ط 1، ص 176.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

119

حقوق الجيران وواجباتهم

 واستعاذ صلى الله عليه وآله وسلم من جار السوء الذي أطبقت الأنانية على مشاعره ومواقفه، فقال: "أعوذ بالله من جار السوء في دار إقامة، تراك عيناه ويرعاك قلبه، إن رآك بخير ساءه، وإن رآك بشر سرّه"1.

 
وإنّ حسن الجوار من الأوامر الإلهية، كما قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "عليكم بحسن الجوار، فإنّ الله أمر بذلك"2، وحسن الجوار ليس كفّ الأذى فحسب، وإنّما هو الصبر على الأذى من أجل إدامة العلاقات، وعدم حدوث القطيعة، قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى"3.
 
ودعا صلى الله عليه وآله وسلم إلى تفقّد أحوال الجيران وتفقّد حاجاتهم، فقال: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع"4.
 
إيّاكم وسوء معاملة الجار أو إيذاءه!
لقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام وسلمان وأبا ذر والمقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه "لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه" ، فنادوا بها ثلاثاً، ثم أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله5

 
والاعتداء على الجار موجب للحرمان من الجنّة، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من كان مؤذياً لجاره من غير حقّ، حرمه الله ريح الجنّة، ومأواه النار، ألا وإنّ الله عزَّ وجلَّ يسأل الرجل عن حقّ جاره، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا".
 
فمن يطّلع على بيت جاره ويتطلّب عوراته يحشر مع المنافقين يوم القيامة، قال 



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 669.
2 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الأمالي، طهران‏، كتابچى‏، 1418 هـ، ط 6، ص 359.
3 ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قم، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، 1404هـ.، ط 2، ص 409.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 668.
5 م.ن، ج 2، ص 666.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

120

حقوق الجيران وواجباتهم

 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن اطّلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها، كان حقّاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين الذين كانوا يتبعون عورات الناس في الدنيا، ولا يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله ويبدي عورته للناس في الآخرة"1.

 
وحرّم صلى الله عليه وآله وسلم الاعتداء على ممتلكات الجار، ومن اعتدى فالنار مصيره، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن خان جاره شبراً من الأرض طوّقه الله يوم القيامة إلى سبع أرضين ناراً حتى يدخله نار جهنّم"2.
 
حقوق الجار في الإسلام
وضع الإمام علي بن الحسين عليه السلام في رسالة الحقوق منهجاً شاملاً للتعامل مع الجيران، مؤكّداً فيه على تعميق أواصر الإخوة والإيثار، وصولاً إلى تحقيق أسمى درجات التكامل، فقال عليه السلام:
أ- نصرته ومعونته: "وأمَّا حقُّ الجار: فحفظُه غائباً، وكرامتُه شاهداً، ونصرتُه ومعونتُه في الحالين جميعاً..."3 وذلك بحفظ بيته وماله وأسراره، وحفظ غيبته في المجالس التي تنعقد بين الجيران والأصحاب، أمَّا في حالة حضوره فله الاحترام وحسن المعاملة ولطافة الملاقاة، وهذه هي آداب الإسلام العامّة في العلاقة مع الناس، وهي آكد في العلاقة مع الجار، لأنَّها تعبِّر عن رعاية كرامة الجار لجاره.
 
ب- ستر العورات والعثرات: ثمّ أضاف عليه السلام: "لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوأة لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلُّف، كُنتَ لما علمتَ حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثتْ الأسنةُ عنه ضميراً لم تتّصل إليه لانطوائه عليه..."4



1 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ‏ثواب الأعمال وعقاب الأعمال‏، قم‏، نشر دار الشريف الرضي للنشر، 1406 ه‏، ط 2، ص 283.
2 الشيخ الصدوق، ‏ثواب الأعمال وعقاب الأعمال‏، ص 282.
3 الشيخ الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1409هـ.، ط 1، ج 19، ص 108.
4 ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 266.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

121

حقوق الجيران وواجباتهم

 فلكلّ إنسان أسراره وعيوبه، فلا يصحّ من الجار تتبّع عثرات جاره، وهذا بلاء كبير منتشر في مجتمعاتنا، حيث الرغبة في كشف أسرار الآخرين ومعرفة عيوبهم والاطّلاع على خصوصياتهم، فهذا مرض اجتماعي ونفسي وأخلاقي يهدم المجتمع، وقد حرّمته الشريعة الإسلامية، لأنّه فضح لأسرار الناس الذين يعيشون مع بعضهم ويرون بعضهم يومياً، وكيف تستقيم علاقة الجوار في إطار عدم المحافظة على أسرار وسوءات وعيوب الجيران؟!

 
ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن لا يؤمن لا يؤمن"، قالوا: ومن؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "الذي لا يأمن جاره بوائقه"1. والبوائق بمعنى الظلم والتعدّي.
 
ج- المعاشرة الكريمة: ويضيف الإمام السجّاد عليه السلام مجموعة من المبادىء التي تجسّد الحياة والمعاشرة الكريمة مع الجار، فيقول عليه السلام: "لا تستمع عليه من حيث لا يعلم"، فهذا تجسّس محرّم، وعليك أن تحفظ رغبة جارك في عدم اطّلاعك على أسراره، فلو أراد إطلاعك لفعل.
 
د- "لا تسلمه عند شديدة"، لأنَّه بحاجة إلى مساعدتك ومساندتك ونصرتك، فكن إلى جانبه بقدر استطاعتك، فسيترك موقفك أثراً كبيراً في نفسه بوقوفك معه عند الشدائد.
 
هـ "ولا تحسده عند النعمة"، فالحسد تمنٍ لحصولك على نعمة أنعمها الله عليه بحرمانه منها، وهذه نظرة ضيقة وجاحدة، فالله هو المنعم، وكما أنعم عليه يمكن أن يُنعم عليك، فاطلب من الله أن يعطيك من دون أن تتمنّى حرمانه ممّا أعطاه الله تعالى، فالله غنيّ حميد، وهو مجيب الدعاء، والحسد مضرّ بصاحبه، وهو استبدال لطلب الخير بولوج الشرّ.
 
و- "تُقيل عثرته وتغفر زلَّته"، فكلّ بني آدم خطَّاء، لذا كن رحيماً بجارك يرحمك الله تعالى، فأقِل عثرته إذا تعثَّر وكن سنداً له في ذلك، واغفر زلّته إذا أخطأ وأساء، وأعطِه 



1 العيني، عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي، لا.ت، لا.ط، ج 22، ص 109.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

122

حقوق الجيران وواجباتهم

 الفرصة ليتّعظ ويعود إلى رشده، وإلاَّ لن تبقى علاقة بين اثنين إذا حاسب أحدهما الآخر وعاداه على كلّ خطأ يرتكبه.

 
ز- "ولا تدَّخر حلمك عنه إذا جهل عليك"، فإنّ بإمكانك استيعابه بحلمك، ويمكن أن تخسر علاقتك معه بغضبك عليه، ولو كان مسؤولاً بسبب تصرّفه الجاهل، فله عليك أن تعينه على نفسه، وأن تكون حليماً عند الغضب.
 
ح- "ولا تخرج أن تكون سلماً له"، بحيث يشعر بالاطمئنان معك، لشعوره بالسلام بجانبك، في حضوره وغيابه.
 
ط- "تردُّ عنه لسان الشتيمة"، فلا ترضَ أن يشتم بحضرتك، "وتبطل فيه كيدَ حامل النصيحة"، فلا ترضى أن تكون النصيحة سبباً للكيد والضرر والأذية، "وتعاشره معاشرة كريمة"، فتكون علاقتك معه مطبوعة بالعِشرة الحسنة، وهي خلاصة السلوك العام المأمول من الجار مع جاره.
 
ي. مواساته: تعتبر المواساة من ركائز المجتمع الإسلامي التي توثق عُرى العلاقات بين أفراده، ولذا أكّدت الروايات على أهمّيّة المواساة، ولاسيما بين الجيران، فمن حقّ الجار أن تفرح لفرحه إذا زوّج ولداً أو أقام وليمة أو رزق بطفل، وكذا لا بدّ من أن تحزن لحزنه إذا فقد عزيزاً أو حبيباً، ومن حقّه أن تزوره إذا مرض لتخفّف عنه الهمّ والألم، ففي الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "وإذا مرض عدته، وإن مات تبعت جنازته1، وإن أصابه خير سرّك وهنّيته، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيته"2.
 
ك- عدم البخل بالطعام: ومن حقّ الجار إذا طبخت أن ترسل له من الطعام، فقد رُوي عن رسول الله‏ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذَا طَبَخْتَ‏ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَاغْرِفْ لِجِيرَانِكَ مِنْهَا"3.



1 الشهيد الثاني، زين الدين بن علي‏، مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد، قم، بصيرتي، لا.ت، ط 1، ص 114.
2 راجع: الطبرسي، علي بن الحسن‏، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، النجف، المكتبة الحيدرية، 1385 هـ، ط 2، ص 213.
3 ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى‏، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام‏، قم، مكتبة الفقيه‏، 1410 هـ، ط 1، ج 1، ص 6.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

123

حقوق الجيران وواجباتهم

 وقد قال الشاعر ذاكراً مكارم الجوار:

ناري ونار الجار واحدة      وإليه قبلي ينزل القدر
 
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نهدي الجار الفاكهة إذا أتينا بها إلى المنزل، وإن لم نستطع أن نهديه منها فلا بدّ أن ندخلها سراً حتى لا يرانا ويكون غير قادر على شرائها ونحترس من أن يرى أولاده أولادنا يأكلون منها، فروي عنه‏صلى الله عليه وآله وسلم: "وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له منها، وإلا فأدخلها سرّا، لا يخرج ولدك بشي‏ء يغيظون به ولده، هل تفقهون ما أقول لكم؟ لن يؤدّي حقّ الجار إلا القليل ممّن رحم الله"1.
 
آثار حسن الجوار
قد عرفنا حقوق الجار، ونسأل الله أن يعيننا على أدائها، وبقي علينا أن نعلم بآثار حسن الجوار في الدنيا والآخرة، وأهمّها:
- زيادة العمر: عن الإمام الصادق عليه السلام: "حسن الجوار زيادة في الأعمار"2.
 
- زيادة الرزق: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "حسن الجوار يزيد في الرزق"3.
 
- عمران الديار: وعمران الديار زيادة البركة فيها والتوفيق لساكنيها وحصول الخير لديهم، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "حسن الجوار يعمر الديار ويزيد في الأعمار"4.
 
كلمة من القلب
أخي، لاتؤذِ جيرانك، بل راعِ فيهم حقّ الجار، ولا تنظر في بيوتهم لتطّلع على عوراتهم وتراقب أعمالهم، ولا تجعل ميزابك يصبّ في بيوتهم، ولا ترمِ التراب والقذارة عند باب



1 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي-، تصحيح أحمد عبد العليم البردوني، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي، لا.ت، لا.ط، ج 5، ص 188.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 667.
3 م.ن، ج 2، ص 666.
4 م.ن، ج 2، ص 667.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

124

حقوق الجيران وواجباتهم

 بيوتهم، ولا تؤذِهم بدخان بيتك ورائحة طعامك، وواسهم. رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومَنْ ضيّع حقَّ جاره فليس منّا"1

 
إيّاك أن تنام في الليل مليء البطن وهم جائعون، أو تمضي في راحة وهم في شدّة وعناء من البرد والقلّة يئنّون.
 
لا تمنع عنهم الملح والنار والماء وما شابه ذلك، وإن طلبوا منك إعارتهم بعض أغراض بيتك أعِرهم. وراعهم في كلِّ الأمور، فإنّ الإحسان للجار يزيد في العمر ويعمر الديار.
 
وقد أوصانا أهلُ بيت العصمة بالجيران خيراً في الكثير من أحاديثهم.
 
رُوي عن خير مَنْ حفظ حقّ الجار محمّدصلى الله عليه وآله وسلم: "أحسِن مجاورة مَن جاورك، تكن مؤمناً"2، و"حرمة الجار على الإنسان كحرمة أمِّه"3. وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "ليس حُسن الجوار كفُّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى"4.



1 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 13.
2 الصدوق، الأمالي، ص 201.
3 العلامة المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، نشر دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.، ط 2، ج 73، ص154.
4 ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 409.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

125

حقوق الجيران وواجباتهم

 فقه المسلم

تحصيل الطهارة في الجبهة:
م.1: إذا كانت شدّة المعركة تمنع المجاهد من التمكُّن من الوضوء فيجب عليه التيمّم بدلاً عن الوضوء ويجزيه ذلك. إلا إذا علم أنّ عذره يرتفع قبل ذهاب الوقت1.
 
م.2: المجاهد الذي يكون في الجبهة إذا وجب عليه الغسل ولم يتمكّن من تأمين الماء أو الذهاب إلى الحمام لأجل ذلك فيجب عليه التيمّم بدلاً عن الغسل2. إلا إذا علم أنّ عذره يرتفع قبل ذهاب الوقت.
 
م.3: من لم يجد ماءً للاغتسال، أو كان يخاف الوصول إليه خشية أن يكشفه العدو أو أن يصبح في مرمى نيرانه، وظيفته التيمّم، ولا يجوز له محاولة الوصول إلى الماء إذا كان فيه ضرر أو خوف على نفسه أو إخوانه المجاهدين.
 
م.4: من كانت وظيفتة التيمّم عليه مراعاة تطهير البدن للصلاة إن أمكن.



1 استفتاءات الإمام، ج3، ص49، س33.
2 م.ن، ج1، ص90، س230.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
160

 


126

حُسن العشرة والصداقة

 حُسن العشرة والصداقة



الهدف:
التعرّف إلى أهمّيّة الأخوّة والعشرة الصالحة وتأثيرها على تفكير الإنسان وسلوكه، وأهمّ صفات الأخ الصالح والصديق الطالح.


محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)
• تصدير الموضوع
• مدخل
• الحثّ على حسن المصاحبة
• حسن العشرة كأصل اجتماعي
• الميزان في معاشرة الناس
• الصداقة وآثارها التربوية
• صفات الأخ الصّالح
• حَذارِ من أصدقاء السوء
• حقوق الأصدقاء
• كلمة من القلب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

127

حُسن العشرة والصداقة

 تصدير الموضوع

عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام: "عليك بإخوان الصدق، فأكثِرْ من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء، وجنّة عند البلاء".
 
مدخل
العشرة من الأمور التي حثّت عليها الشريعة الإسلامية المقدّسة، واعتبرتها من القضايا التي تحتلّ مكانة محورية في الحياة الداخلية بين المسلمين، وكذلك في حياتهم الخارجية مع أبناء الأديان الأخرى، ولهذا نجد بأن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مليئة بأخبار الذين اعتنقوا الإسلام تأثّراً بسلوكهم وحسن معاملتهم معهم. من وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لبنيه عند احتضاره : "يا بَنيّ، عاشروا الناس عشرة، إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم"1
 
لأجل ذلك كان الإنسان توّاقاً إلى اتّخاذ الخلاّن والأصدقاء، ليكونوا له سنداً وسلواناً، يسرّون عنه الهموم ويخفّفون عنه المتاعب، ويشاطرونه السرّاء والضرّاء. 
 
الحثّ على حسن المصاحبة
إنّ مخالطة الإنسان ضرورة لا غنى له عنها، لأنّه من البديهي أنّ الإنسان المنفرد عاجزٌ عن أن يوفّر لنفسه مقوّمات بقائه وتطوّره واستمراره، لذا هو مدفوعٌ بطبيعته إلى مخالطة الآخرين من بني نوعه ليستعين بهم على توفير هذه المقوّمات، وهذا ما تفهمه من الروايات العديدة التي تحثّ على الصحبة وحسن التعامل مع الأصحاب، رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحسِنْ مصاحبة من صاحبك تكنْ مسلماً"2.



1 الطوسي، محمد بن الحسن‏، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414 ه‏ـ، ط 1، ص 595.
2 الصدوق، الأمالي، ص 201.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

128

حُسن العشرة والصداقة

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّه ليس منّا من لم يُحسن صحبة من صحبه ومرافقة من رافقه، وممالحة من مالحه، ومخالقة من خالقه"1

 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "مجاملة الناس ثلث العقل"2. بل اعتبرت بعض الروايات أنّ التودّد إلى الناس نصف العقل، روي عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: "التودّد إلى الناس نصف العقل"3.
 
ولقد حدّدت الروايات حقوق العشرة وآدابها، وذلك بالتمسّك بلين الجانب والبشر والإحسان وغفران الزلّات، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "ابذلْ لأخيك دمك ومالك، ولعدوّك عدلك وإنصافك، وللعامّة بِشْرك وإحسانك"4، وعنه عليه السلام: "ابذلْ لصديقك نصحك، ولمعارفك معونتك ولكافّة الناس بِشْرك"5، وعنه عليه السلام: "صاحب الإخوان بالإحسان، وتغمّد ذنوبهم بالغفران"6.
 
حسن العشرة كأصل اجتماعي
عندما تتحدّث الشريعة وتحثّ على حسن العشرة، فإنّها لا تقصد الفرد كفرد إلا كجزء مكوّن للمجتمع، ولهذا فإنّ الغاية الأساسية من العشرة في الشريعة الإسلامية ترتبط بضمان حفظ المجتمع وتثبيت أركانه، وبناء العلاقات المثلى بين أفراده على اختلاف طبقاتهم ومواقعهم.
 
يقول الإمام الصادق عليه السلام : "إنّ المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خِلال يتكلّفها، وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة، وسعة بتقدير، وغيرة بتحصّن"7.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص 161.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 643.
3 م.ني، ج 2، ص 643.
4 ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 212.
5 الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق وتصحيح حسين الحسني البيرجندي‏، قم، نشر دار الحديث، 1418هـ.، ط 1، ص 80.
6 م.ن، ص 303.
7 ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 322.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

129

حُسن العشرة والصداقة

 وعن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته لولده الحسن عليهما السلام: "لا يكن أهلك أشقى الخلق بك"1.

 
الميزان في معاشرة الناس‏
حدّد أمير المؤمنين مجموعة من القواعد الهامّة تصلح كميزان للعشرة والتعامل بين الناس، فقال عليه السلام: "يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ. وَاعْلَمْ، أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَة الْأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ"2.
 
الصداقة وآثارها التربوية
الدين الإسلامي دين عشرةٍ وليس دين عزلةٍ ورهبنةٍ. وهو ينظر إلى الروابط البشريّة نظرة اهتمامٍ وتقديس. وهناك وصايا كثيرة بشأن الصداقة وانتخاب الصديق، لما للصداقة من أثرٍ عميق على حياة الإنسان. فالصديق له أثرٌ بالغ على صديقه فكرياً وعملياً وأخلاقياً، لما طُبع عليه الإنسان من سرعة التأثّر والانفعال بالقرناء والأخلّاء، ما يحفّزه على محاكاتهم والاقتباس منهم. لذا، نرى أن التّجاوب قويّ بين الأصدقاء، وصفاتهم سريعة الانتقال والعدوى فيما بينهم، وهي تارة تنشر مفاهيم الخير والصلاح، وأخرى مفاهيم الشرّ والفساد تبعاً لخصائصهم وطباعهم الكريمة أو الذميمة، وإن كانت عدوى الرذائل أسرع انتقالاً وأكثر شيوعاً من عدوى الفضائل. فالصديق الصالح رائد خيرٍ يهدي إلى الرشد والصلاح، والصديق الفاسد رائد شرٍّ، ويقود إلى الغيّ والفساد. وكم انحرف أشخاصٌ كانوا 



1 السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ.، ط 1، ص 403.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

130

حُسن العشرة والصداقة

 يُعدّون مثاليين فكراً وسلوكاً، ولكن ما لبثوا أن ضلّوا في متاهة الغواية والفساد لتأثّرهم بالأصدقاء والأخلّاء المنحرفين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "مِن خير حظّ المرء قرين صالح، جالسْ أهل الخير تكن منهم"1

 
لذلك كلّه، أكّد الإسلام على ضرورة إيلاء مسألة اختيار الأصدقاء الجدّية والأهمّيّة المطلوبة لكي لا تصبح الصداقة عامل ضياعٍ وانحراف، فمن الوصايا: "صادقْ أهل الخير والصلاح، وكنْ منهم"2. من هنا، يتحتّم على العاقل أن يتحفّظ في اختيار الأصدقاء، ويصطفي منهم من تحلّى بالخلق المرضيّ والسمعة الطيّبة والسلوك الحميد، رُوي أنّ النبيّ سليمان عليه السلام، قال: "لا تحكموا على رجل بشي‏ء حتى تنظروا إلى من يصاحب، فإنّما يُعرف الرجل بأَشكاله وأَقرانه ويُنسب إلى أَصحابه وأَخدانه"3
 
صفات الأخ الصّالح
للأخ الصالح صفاتٌ ينبغي الوقوف عندها ومعرفتها ليجري على أساسها انتخاب الصديق، وأهمّ هذه الصفات:
أ- أن يذكّرك بالله وبالآخرة: قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الجلساء خيرٌ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من تذكِّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله"4.
 
ب- أن يعين على صلاح الدين: عن الإمام علي عليه السلام، قال: "إنّما سمّي الرفيق رفيقاً، لأنّه يرفقك على صلاح دينك، فمن أعانك على صلاح دينك فهو الرفيق"5.
 
ج- أن يكون من أهل التقوى: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "اطلبْ مؤاخاة الأتقياء ولو في ظلمات الأرض، وإن أَفنيت عمرك في طلبهم فإنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق على وجه الأرض أَفضل منهم بعد الأنبياء والأولياء، وما أنعم الله على العبد بمثل 



1 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 385.
2 غير موجود.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص 188.
4 الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12، ص 23.
5 التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح مصطفى درايتي، ‏إيران، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1407 هـ، ط 1، ص 424.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

131

حُسن العشرة والصداقة

 ما أنعم به من التوفيق بصحبتهم، قال الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾1"2.

 
د- أن يكون عاقلاً ولبيباً: عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: "يا هشام، إيّاك ومخالطة الناس والأنس بهم! إلّا أن تجد منهم عاقلاً مأمونا،ً فأنسْ به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية"3. وعن الإمام علي عليه السلام، قال: "عمارة القلوب في معاشرة ذوي العقول"4. وعنه عليه السلام، قال: "عليك بمقارنة ذي العقل والدين، فإنّه خير الأصحاب"5.
 
هـ أن يكون ناهياً عن الظلم والعدوان: عن الإمام علي عليه السلام، قال: "الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان، معيناً على البرّ والإحسان"6.
 
و- أن لا يقول فيك شرّاً إن غضب منك: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرّات، فلم يقل فيك شراً، فاتّخذه لنفسك صديقاً"7.
 
ز- أن يكون ناصحاً عند رؤية العيب: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "الصديق الصدوق من نصحك في عيبك وحفظك في غيبك وآثرك على نفسه"8.
 
ح- أن يكون عالماً: عن الإمام علي عليه السلام قال: "لا تصحب إلا عاقلاً تقيّاً، ولا تخالط إلا عالماً زكيّاً، ولا تودِع سرّك إلا مؤمناً وقيّاً"9.
 
ط- أن يكون معيناً على الطاعة: فعن الإمام علي عليه السلام، قال: "المعين على الطاعة خير الأصحاب"10.



1 سورة الزخرف، الآية 67.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص 282.
3 م.ن، ج1، ص 155.
4 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 429.
5 م.ن، ص 429.
6 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 415.
7 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 669.
8 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 424.
9 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 520.
10 م.ن، ص 45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

132

حُسن العشرة والصداقة

 حذَارِ من أصدقاء السوء

بعد معرفة ما هي أهمّ صفات من ينبغي لنا معاشرتهم نتعرّض الآن لتعداد صفات أصدقاء السّوء الذين ينبغي لنا تجنّبهم وعدم معاشرتهم أو الاختلاط بهم، وهي:
أ- الذي يحفظ المساوئ وينسى الفضائل: فعن مولى الموحّدين الإمام علي عليه السلام، قال: "لا تصحب من يحفظ مساويك، وينسى فضائلك ومعاليك"1.
 
ب- أهل الدنيا: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "لا تصحبنّ أبناء الدنيا، فإنّك إن أقللت استثقلوك، وإن أكثرت حسدوك"2.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "لا تصادق ولا تؤاخِ أربعة: الأحمق والبخيل والجبان والكذّاب، أمّا الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك، وأمّا البخيل فإنّه يأخذ منك ولا يعطيك، وأمّا الجبان فإنّه يهرب عنك وعن والديه، وأما الكذّاب فإنّه يَصْدُقُ ولا يُصَدَّقُ"3.
 
ج- الفاسق: فعن الإمام زين العابدين عليه السلام، قال: "وإيّاك ومصاحبة الفاسق! فإنّه بايعك بأكلة أو أقلّ من ذلك"4.
 
د- الفاجر: فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "لا تصحب الفاجر، فيعلّمك من فجوره"5.
 
هـ- الشرير: عن الإمام الجواد عليه السلام، قال: "إيّاك ومصاحبة الشرير! فإنّه كالسيف المسلول، يحسن منظره ويقبح أثره"6.



1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 519.
2 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 434.
3 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، مصادقة الإخوان‏، تحقيق وتصحيح: السيد علي‏ الخراساني الكاظمي، الكاظمية، مكتبة الإمام صاحب الزمان العامة، 1402 هـ، ط 1، ص 80.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 641.
5 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ‏الخصال‏، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، قم‏، إيران، نشر جماعة المدرسين‏، 1403هـ.، ط 1، ج 1، ص 161.
6 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 71، ص 198.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

133

حُسن العشرة والصداقة

 و- الكافر: فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يواخينّ كافراً"1.

 
ز- الخائن والنمّام: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "احذر من الناس ثلاثة: الخائن والظلوم والنمّام، لأنّ من خان لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نمّ إليك سينمّ عليك"2.
 
ح- متتبّع العيوب: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "إيّاك ومعاشرة متتبعي عيوب الناس! فإنّه لم يسلم مصاحبهم منهم"3.
 
ط- سريع الانقلاب: عن الإمام علي عليه السلام، قال: "شرّ الأصحاب السريع الانقلاب"4.
 
حقوق الأصدقاء
المؤمنون إخوة تربطهم علاقة المحبّة والعطاء والإحسان. ولكلّ أخ حقوقٌ، وعليه واجبات. فلا يمكن بناء صرح الصّداقة على أسسٍ سليمة، ولا يمكن توقّع نتائج إيجابية لمستقبل العلاقات الأخويّة ما لم تُراعَ الضوابط والشروط الأساسية لها، والتي تأتي حقوق الأخوّة على رأسها. فللمعاشرة وظائفٌ وحقوقٌ لا بدّ من معرفتها والتقيّد بها لكي تحقّق الصداقة أهدافها المنشودة وتصل إلى غاياتها، وإليك بيان لبعضها:
أ- حبّه: الإسلام يوصي بأن يحبّ الأخ أخاه المؤمن: وقد عدّ بعض الروايات هذا الحبّ حقّاً للمؤمن على أخيه، فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "من حقّ المؤمن على المؤمن المودّة له في صدره"5.
 
ب- إدخال السرور عليه: عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما عُبد الله بشيء أحبّ إلى الله 



1 الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، صفات الشيعة، طهران، الأعلمي، 1403 هـ، ط 1، ص 6.
2 ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 316.
3 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 433.
4 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 293.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 171.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

134

حُسن العشرة والصداقة

 من إدخال السرور على المؤمن"1. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من سرّ مؤمناً فقد سرّني، ومن سرّني فقد سرّ الله"2.

 
ج- إطعامه وكسوته: من حقّ المؤمن على أخيه أن يطعمه إذا جاع وأن يكسوه إذا عرى. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما آمن بالله من شبع وأخوه المؤمن جائع، أو كُسيَ وأخوه عريان"3.
 
د- قضاء حوائجه: على المسلم أن يقضي حوائج أخيه بحدود إمكانه، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله تبارك وتعالى: عليَّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنّة"4. وعن الإمام السجّاد عليه السلام، قال: "إنّ حوائج الناس إليكم من نِعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم"5.
 
هـ- نصرته: يواجه الإنسان في حياته أحياناً بعض المواقف الصعبة التي يكون فيها بأمسّ الحاجة إلى المعين والناصر. فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "ما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتهك فيه عرضه ويستحلّ حرمته، إلا نصره الله في مواطن يحبّ فيها، وما من امرئ خذل مسلماً في موطن ينتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحبّ فيه نصرته"6. وكلّ من يعمد إلى مساعدة أخيه المؤمن فسوف يساعده الله أيضاً، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله في عون المؤمن ما دام المؤمن في عون أخيه المؤمن"7.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 188.
2 م.ن، ج2، ص 188.
3 راجع: الطبرسي، الحسن بن الفضل‏، مكارم الأخلاق‏، قم، انتشارات الشريف الرضي‏، 1412 ه‏ـ، ط 4، ص 134.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 194.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 71، ص 318.
6 الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، لا.ت، ط 2، ج3، ص 394.
7 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 71، ص 312.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

135

حُسن العشرة والصداقة

 و- العفو عند الزلل: من حقّ الأخ على أخيه المؤمن أن يغفر له زلّته ويتجاوز عن خطيئته، لأنّه ليس مَلكاً معصوماً، بل هو بشر وقد يصدر عنه أحياناً بعض الأخطاء، وقد يخطئ وقد يصيب، فعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "شرّ الناس من لا يعفو عن الهفوة ولا يستر العورة"1، وعنه عليه السلام، قال: "شرّ إخوانك من أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار"2.

 
ز- تنفيس كربته: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطّفه بها وفرّج عنه كربته، لم يزل في ظلّ الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك"3.
 
ح- تقديم النّصح: من الحقوق المتبادلة أيضاً بين الأصدقاء حقّ إسداء النصيحة، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه"4، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "لينصحِ الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه"5.
 
ط- حفظه في غيبته: على المسلم أن يحفظ أخاه المسلم في غيبته ويحول دون الإضرار به، فعن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال في شأن الإخوة: "كن له ظهراً فإنّه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته، وإذا شهد فزره، وأجلّه وأكرمه، فإنّه منك وأنت منه"6.
 
ي- ن تحبّ له ما تحبّه لنفسك: فقد سأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام: أوصني، فقال عليه السلام: "أوصيك بتقوى الله وبرّ أخيك المسلم، وأحبّ له ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك"7.



1 التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيد مهدي رجائي‏، قم‏، نشر دار الكتاب الإسلامي‏، 1410هـ، ط 2، ص 411.
2 التميمي الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 418.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 206.
4 م.ن، ج2، ص 164.
5 م.ن، ج2، ص 208.
6 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 170.
7 الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 97.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

136
أنوار الحياة