سلام على إبراهيم

سلام على إبراهيم


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2017-09

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


مقدمة الترجمة

 لطالما ذكّرنا القائد الخامنئي دام ظله بمفاخر جبهتنا وكنوزها؛ وثقافة الحرب وأعلام الخنادق؛ إذ يقول: "هذه الحرب كنز. فهل سنقدر على استخراج هذا الكنز أم لا!؟ هذا هو فنّنا (*)؛ أن نتمكّن من استخراج هذا الكنز، فالإمام السجاد عليه السلام استخرج كنز ساعات عاشوراء المعدودة؛ وكذلك الإمام الباقر والأئمة من بعده عليهم السلام قد استخرجوا جواهر وكنوز من سبقهم، وأجروا مثل هذا النبع الفوّار والذي لا زال جاريًا حتّى الآن، ولطالما كان منشأً للخير في حياتنا، وملقّنًا للدروس وموقظًا لنا على الدوام، ومذكرًا دائماً بما يجب القيام به. والآن الأمر كذلك. فكلّ واحد منا عندما يقرأ أي جملةٍ من كلمات الإمام الحسين عليه السلام التي بقيت ووصلتنا؛ يستذكر، ويشعر أنه يأخذ روحًا جديدة ويتعلّمُ كلامًا جديدًا".(حديث الولاية؛ ج7؛ص238)

 

صحيح أنّ نقلَ ما يجري في جبهات الحرب والدفاع المقدّس والكشف عن كنوزها يجب أن يكون وفق الأسلوب العلمي؛ ابتغاء الدقة والأمانة التاريخية، وأن يتّسم بصبغة الأدب ويتّصل بفنون الرواية والكتابة؛ إلّا أن ذلك، في أحيانٍ كثيرة، قد لا يكفي؛ فلا يتقيّد القلمُ بالفنون ..؛ فيجري بما باحت به ألسنة الشهود وذاكرة الرفاق ودموع الإخوة والأهل وحرارة أشواقهم، فعند حديث الشهادة قد يعيا اللسان ويعجزُ القلم. وكما في جبهة السيف؛ أيضًا في ساحة القلم واللسان؛ تمسّ الحاجة إلى الجهاد والصبر والألم والتحمّل وإلى الشهادة، شهادة بيضاء؛ تبهر العيون وتُتِمّ النور ولو كره الكافرون.

إنّ الشهادة سبيلٌ فتحه الله لتخليد خاصة عباده. والشهيد شاهدٌ على

* - إبداعنا ومهارتنا.
11

 


1

مقدمة الترجمة

 عالم الناسوت. أما نحن فأموات العادات اليومية الدنيوية. وما أبسطنا حين نظنّ أنّنا قادرون على وصف الشاهدين على هذا العالم!.. فإنّ كلّ ما يُكتب أو يُقال عنهم ما هو إلّا تذكرة تنير قلوبنا، حيث ينزل كالبرق على وجودنا الغافل وينير الطريق في الظلمات. 

يسرّ مركز المعارف للترجمة أن يقدّم هذا العمل، ويكشف عن هذا الكنز، “سلام على إبراهيم”؛ إصدارٌ جديد ضمن سلسلة "سادة القافلة" التي تصدر تباعًا في مجموعة أدب الجبهة، نضعه بين أيدي القراء، وخاصة الشباب الغيارى؛ روّاد الغد، حاملي أمانة الشهداء.

في الختام، لا يسعنا إلّا أن نشكر كل من ساهم في ترجمة الكتاب وتحريره وإخراجه بهذه الحلة؛ ونخص بالذكر المترجمة: الدكتورة أميمة عليق؛ فريق المراجعة والتحرير: السيدة نجوى الموسوي، السيد ربيع أبو الحسن، الحاج عدنان حمود؛ والمخرج الأخ علي عليق. 

ويبقى الشكر الجزيل للإخوة؛ رفاق الشهيد هادي؛ المجهولين عندنا والأعلام في السماوات، وكذلك الشكر لدار المعارف الإسلامية الثقافية التي أصدرت هذا الكتاب.


مركز المعارف للترجمة

12


2

مقدمة الكتاب

ليس الكتاب الذي بين أيدينا، ذكرى لشهيد بطل وحسب، بل هو شرح حال رجل ختم بطولاته وشجاعته ومروءته بالحصول على ميدالية الشهادة.

في عصرٍ يتأثر الشباب بنماذج وضيعة في المجالات الرياضية والفنية، فيصادفهم عند كل خطوة في طرقات الحياة المظلمة بئر، وذئب في ثوب النعاج، كما صادف يوسف الصدّيق،.. يمكن للإطلالة على حياة "الإبراهيميين" أن تضيء مصباحاً في الليالي المظلمة. فقد قال مرشدنا وقائدنا: "بهذه الأنجم يمكننا أن نجد الطريق".

إبراهيم، الذي كان تلميذًا في مدرسة الولاية، قد أصبح أستاذاً في تعليم الإخلاص والحب والإيثار؛ حين شرب من كأس الكوثر الصافية وصار سقّاءً للعطاشى.

لم يتعلّم السيطرة على نفسه وضبطها من "بوريا الولي" بل من مولاه علي عليه السلام؛ وما أجمل سيماء الفتوّة التي رسمها!

يذكر التاريخ، وقبل ظهور الإسلام، فتًى من فارس سطَع بصفات الرجولة والفتوّة وحبّه لوطنه.. وبعد ظهور الإسلام، ومن خلال تعلّمه دروساً أخرى كالتضحية، الطهارة، النبل، الصدق، التديّن، والشهادة... التي نهلها من أهل البيت عليهم السلام؛ جعل اسم الشباب في بلاده يلمع في سماء الفضائل، ودفع الأمم إلى الاعتراف بهذا الأمر. وما الثورة الإسلامية والدفاع المقدس إلّا خير دليل على ذلك.

إنّ المرور على أحوال الشباب والناشئة في تلك المرحلة وخاصًة تحت

13

 


3

مقدمة الكتاب

 قيادة المرشد صاحب الضمير الحي، لا يشبه إلّا النظر إلى بحر جميل. يُسَرُّ بعضٌ بعظمته وبجماله الظاهري، وبعضٌ آخر، لا يكتفي بالنظر والتأمل بل يلتذّ بالتقدم خطوة إلى الأمام ويبلل جسده بالماء. مجموعة أخرى لا تكتفي بهذا، بل تسلّم قلبها للبحر وتغوص إلى الأعماق، لتبحث في القعر وبين الصخور عن اللؤلؤ داخل الأصداف.

والحق يقال، ما أكثر اللآلئ التي حصلنا عليها من بحر الدفاع المقدس، والتي تحوّلت إلى كنز لا بديل عنه، رفع رأس إيران والإسلام الحبيب عالياً. وكم من اللآلئ ما زالت في قعر البحر.

ومن لطف الله سبحانه وتعالى، أنه فتح أمامنا باب التعرّف إلى درة من هذه الدرر.

ما الذي فعلناه وما الذي علينا فعله؟ هل استطعنا أن نتخذ هؤلاء الترابيين الذين يغبطهم الملكوتيون على إنسانيتهم، قدوة لنا؟ 

كيف يهجمُ شخصٌ من دين مختلف وبلاد أخرى، متخفّياً وراء شكل جذابٍ وبطولاتٍ وهمية، على جناح الإعلام ليُغِيرَ على قلب ودين الشباب والناشئة؟!

مع أن الفسائل التي خلقتها أسود الجبهة والدفاع المقدّس، مغروسة في تراب الولاية؛ فهي قد ارتوت من الدمع الزلال، دموع الأمهات المدرارة في مجالس سيّد الشهداء، الممتزج مع الحليب الجاري في دماء الأبناء وعروقهم منذ الطفولة، وقد خُتم على قلوبها قلوب الفسائل حب العباس وعشق أم السادات فاطمة عليها السلام.

إن شبابنا وناشئتنا يسعون دوماً للبحث عن الخير وعن الخيّرين، كما إنّ صدقهم وعشقهم ثابت لا يتزلزل. قد ينثر الغرباء على وجوههم غباراً، لكنّ "شهر محرّم واحدًا" يكفي لتحويل بحرهم ووجدانهم إلى عواصف مقتلعاً

14


4

مقدمة الكتاب

 جذور الأعداء.

قد يكون الشاب طرياً ندياً لكن جذوره راسخة. يحتاج إلى إبراهيم كي يعلق فأسه على يديه ويكسر صنم نفسه.

على كل حال. ما تكلمنا عنه هو موجة في بحر، والتعريفُ بالشهيد إبراهيم هادي تعريفٌ بحفنة من هذا الحِمل الكبير.

*******

هذا الكتاب هو حصيلة أكثر من خمسين مقابلة مع عائلة وأصدقاء ومحبّي هذا الشهيد الذين قدّموا خير مساعدة للمحرر في إنجاز هذه المجموعة القيّمة، على الرغم من الصعوبة التي رافقت هذا الأمر؛ لأنّ العثور على الأصدقاء المقربين للشهيد لمساعدتنا؛ بعد مرور هذه السنوات؛ كان صعبًا؛ إذ ينسى ذهن الإنسان الذكريات مع مرور الزمن. لذلك كان علينا البحث عن الذكريات مرة ثانية لدى الأصدقاء المقرّبين على الرغم ممّا حفّ الموضوع من مشكلات خاصة؛ لأنّ هؤلاء إمّا قد استشهدوا أو يصعب الوصول إليهم بسبب درجتهم العسكرية الحالية. ولولا لطف الله وعنايته في تعريفنا إلى أنصاره المخلصين، لما استطعنا إنهاء هذا العمل.

قال الشاعر (حافظ الشيرازي) يوماً:

إلى منزل ليلى الطريق محفوف بالمخاطر والمزالق

الشرط الأول للذهاب إليه، أن تكون مجنوناً

في النهاية، أوجّه الكلام إلى أصدقائنا الشباب، وأقول إنّنا لسنا في صدد صناعة أسطورة؛ لأنّ الأساطير لا يمكن الوصول إليها. .. نحن نسعى لتقديم عرفاء بلا ضوضاء يعيشون بالقرب منا من دون أن يُعرفوا، ولكنّهم يفاجئوننا بسلوكهم. إنّهم آيات من آيات الحق، أثبتوا أنّه في ظلمات آخر الزمان يمكن

15

  


5

مقدمة الكتاب

 أن تكون عبدًا وتعيش بأفضل طريقة. 

أرى من واجبي أن أوجّه الشكر إلى عائلة الشهيد إبراهيم هادي وأصدقائه ورفاقه وكل من ساعدنا في عملنا هذا. لذلك، عربون شكر للأصدقاء، وكي نوثّق القصص، ذكرنا اسم كل راوٍ في بداية كل قصة. 

وأخيرًا نشكر الله تعالى على هذا التوفيق.

16


6

لماذا إبراهيم هادي؟

 
 
صيف العام 2007م، كنتُ في مسجد "أمين الدولة" في طهران أصلّي المغرب والعشاء. عشت حالةً غريبة؛ كان معظم المصلين من العلماء والفضلاء وأنا واقفٌ في الجهة اليمنى من الصف الثاني للجماعة. بعد صلاة المغرب نظرتُ حولي، فتعجبت لرؤية الماء وقد أحاط بالمكان حيث تقام صلاة الجماعة. وكأنّ المسجد صار جزيرةً في وسط بحر! فجأة وقف إمام الجماعة الذي كان عجوزًا نورانيًا بعمامة بيضاء وأدار وجهه إلى الناس وبدأ بالكلام. سألت الرجل الذي اصطفّ بالقرب منّي: هل تعرف من هو إمام الجماعة؟

 

أجاب: إنه الشيخ "محمد حسين زاهد"، وهو أستاذ الحاج "حق شناس" والحاج "مجتهدي".

بما أنّني سبق وسمعت عن مقام الشيخ "زاهد" وعظمته المعنويّة، فقد صرت أستمع إليه بكلّ دقة. ضمن حديثه عن بعض المسائل في العرفان والأخلاق قال:

"أيّها الأحبّاء، أيّها الأصدقاء، يعدّنا الناس أنّنا كبار علماء العرفان والأخلاق، ولكن يا رفاقي الأعزاء، إنّ كبار العرفان العملي هم هؤلاء"، ثم حمل صورة كبيرة، فوقفت قليلًا كي أرى بوضوح. كانت الصورة لشاب ذي لحية طويلة يرتدي قميصًا بنّيًّا. تأمّلت الصورة بدقة؛ أنا أعرفه جيدًا، فقد رأيت صورته مرارًا. لم أشُكّ في أنّه هو.. "إبراهيم"، "إبراهيم هادي". كان كلامه بالنسبة

17

 


7

لماذا إبراهيم هادي؟

 إليّ مدهشًا؛ أن يقول الشيخ حسين زاهد -أستاذ العرفان والأخلاق الذي تتلمذ على يديه كثير من العلماء- هذا الكلام! وأنا في هذه الحال تساءلت في نفسي: هل الشيخ زاهد..؟! لقد رحل عن هذه الدنيا منذ سنوات.

 

قفزت من نومي وأنا مضطرب. كانت الساعة الثالثة فجرًا في العشرين من مرداد من العام 86 هـ. ش1. الموافق للسابع والعشرين من رجب ذكرى المبعث النبوي الشريف. لم أشكّ في أنّ هذا الحلم رؤيا صادقة جعلت جسدي يرتجف. أخذت ورقة وكتبت بسرعة ما رأيت وما سمعت. لم أستطع النوم؛ جلتُ في ذهني على الذكريات التي سمعتها عن "إبراهيم هادي"

*******

حدث في اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك من العام 73هـ.ش. [1994م.]، أن ذهبت مع أحد الأصدقاء إلى مسجد الشهداء كي نترافق مع بعض شباب الجبهة القدامى إلى بيت الشهيد إبراهيم هادي للمشاركة في مراسم العزاء التي أقيمت بمناسبة وفاة والدته.

شرع الحاج "حسين الله كرم" في الحديث عن الشهيد إبراهيم هادي، وأخبرنا عن ذكريات عجيبة عنه لم أسمع نظيرًا لها في أي وقت مضى.

لقد شغلتني الذكريات التي سمعتها سنين طويلة. لم أُصدّق أن يسطّر مجاهد هذا الكمّ من الملاحم البطولية ويبقى مجهولًا إلى هذا الحد. والأعجب من هذا أن يكون هو قد طلب من الله أن يبقى مفقودَ الأثر ومجهولًا، ومع مرور السنوات لم يُعثر على جثمانه ولا خبر عنه.

*******
ما زال يفصلنا عن أذان الصبح بعض الوقت، لكنّ النوم فرّ من عينيّ، أحببت كثيرًا أن أعرف لماذا اعتبر الشيخ زاهد إبراهيمَ نموذجًا للأخلاق العملية.

1 - 11 آب من العام 2007م.
18

 


8

لماذا إبراهيم هادي؟

 في اليوم التالي، توجهت إلى مقبرة "ابن بابويه" في جنوب طهران وزرت مرقد الشيخ محمد حسين زاهد. عندما رأيت صورته تأكّدت من الرؤيا التي شاهدتها، وأيقنت أيضًا أنّه لا يجب البحث عن العرفاء في الجبال أو في غرف "الخانقاه"1 الخادعة؛ بل هم مِنّا وموجودون بيننا.

في ذلك اليوم بالتحديد قصدت أحد رفاق الشهيد هادي وحصلت منه على عناوين وأرقام هواتف أصدقاء الشهيد المقرّبين. لقد أخذت قراري: عليّ أن أتعرف أكثر وبشكل أكمل إلى إبراهيم؛ قد تكون هذه رسالة حمّلني الله إياها للتعرّف إلى عباده المخلصين. نعم، لقد تمّ اختيار إبراهيم!

1- التكيّات/ التكايا؛ أمكنة خاصة بالمنقطعين عن الناس للعبادة، موجودة عبر التاريخ وعند بعض المذاهب والفرق.
19


9

السيرة الذاتية

فتح إبراهيم عينيه على هذا العالم في الأول من أرديبهشت من العام 1336 هـ .ش [21 نيسان 1957م]. في محلّة الشهيد "سعيدي" بالقرب من ميدان1 خراسان. هو الابن الرابع لعائلته، لكن على الرغم من ذلك كان والده المشهدي يحبّه حبًّا خاصًّا، وهو أيضًا كان يقدّر مكانة والده حقّ التقدير. أبٌ، كان عمله بقّالًا، استطاع تربية أولاده على أفضل نحو.

ذاق إبراهيم طعم اليتم في مطلع نشأته، الأمر الذي دفعه إلى خوض غمار الحياة كالرجال العظام، فبدأ العمل إلى جانب دراسته. أنهى المرحلة الابتدائية في مدرسة "طالقاني" والمرحلة الثانوية في مدرستي "أبو ريحان" و"كريم خان زند"، واستطاع الحصول على الشهادة الثانوية في فرع الأدب. منذ الأشهر الأخيرة للمرحلة الثانوية بدأ بمطالعاته غير المدرسية. وقد كان لحضور إبراهيم في لجنة شباب "الوحدة الإسلامية" والتتلمذ على يد أساتذة كالعلّامة الجعفري، الأثر الكبير في نضوج شخصيته. كما أظهر شجاعة قلّ نظيرها في مرحلة انتصار الثورة. إلى جانب دراسته، كان يعمل في بازار2 طهران، وبعد انتصار الثورة انتقل إلى منظمة التربية البدنية (منظمة رعاية الشباب)، ومن بعدها إلى التربية والتعليم حيث بدأ عمله معلّمًا مضحّيًا في


1 ساحة.
2 سوق.

21

  

 


10

السيرة الذاتية

 تعليم وتربية أبناء هذا الوطن.

كان رياضيًّا؛ بدأ برياضة الفتوّات؛ أي الرياضة التراثية الإيرانية. كما كان ماهرًا في الكرة الطائرة والمصارعة ولم يكن يتراجع في أي ميدان من الميادين، بل يقف برجولة دومًا. هذه الرجولة التي ظهرت بوضوح في الارتفاعات الباسقة الباردة لـ"بازي دراز" و"جيلان غرب" كما في سهول الجنوب الحارقة. ما زالت بطولاته تتداعى في أذهان رفاق السلاح القدامى. في معركة "والفجر التمهيدية"، قاوم مدّة خمسة أيام مع شباب كتيبة " كميل" و"حنظلة" في قنوات "فكة". ولم يستسلموا إلى أن كان يوم 22 بهمن من العام 61 هـ.ش. [11 شباط 1983م] عندما أُرسل من تبقى من الشباب إلى الخطوط الخلفية، وبقي إبراهيم وحيدًا، ورافق الله لوحده ولم يره أحد منذ ذلك الوقت، فبقي مجهول المصير كما أراد دومًا من الله، وما أجمل صفة "مفقود الأثر"! صفة من صفات أحباب الله.

22


11

محبة الأب

 
رضا هادي - أخو الشهيد

كنا نعيش في بيت صغير مستأجر بالقرب من ميدان خراسان في طهران. إنها الأيام الأولى من شهر أرديبهشت من العام 36 هـ.ش [نيسان 1957م.] منذ أيام والفرح باد على وجه أبي. كان في حالة شكرٍ دائمٍ على الصبي الذي رزقه الله إيّاه في مطلع هذا الشهر. 

على الرغم من أنّنا في البيت ثلاثة ذكور وفتاة، إلّا أنّ أبي كان فرحًا جدًّا بهذا المولود الجديد. وفي الحقيقة كان معه حق، فالطفل كان لطيفًا جدًّا.

اختار له اسم "إبراهيم"، على اسم النبي الذي كان مظهرًا للصبر والبطولة والتوكل والتوحيد. إنه بالفعل اسم لائق به.

كلما جاء الأقرباء لزيارتنا، قالوا لأبي: "يا سيد حسين، لديك ثلاثة أولاد آخرين، لماذا تُظهر كل هذه السعادة بهذا الطفل؟".

كان أبي يجيبهم بهدوء خاص: "إن لهذا الطفل شأنًا عجيبًا! أنا متأكد من أنّه سيكون عبدًا صالحًا لله، أنا متيقن من أنّ إبراهيم سيخلّد اسمي". وكان معه حق.

كانت محبة والدنا لإبراهيم عجيبة، لا توصف. على الرغم من أنّ الله قد

23


12

محبة الأب

 رزق عائلتنا بعده فتاةً وصبيًّا، لكن لم تنقص محبة والدنا لإبراهيم قيد أنملة. 

في المرحلة الابتدائية، ارتاد إبراهيم مدرسة "طالقاني" في شارع "زيبا". كانت له أخلاق خاصة. في تلك المرحلة، لم يكن يترك صلاته أبدًا قال مرّة لأحد أصدقائه: "إنّ أبي رجل مدهش، لقد رأى الإمام المهدي مرات عدة في منامه، في إحدى المرات كان يتمنى كثيرًا الذهاب إلى كربلاء فرأى في منامه أبا الفضل العباس(ع) حيث جاء لرؤيته والحديث معه".

في السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية قال لرفاقه:

"يقول أبي: إنّ السيّد الخميني الذي أبعده الشاه منذ سنوات، هو إنسان جيد، ويقول إنّ كلامه هو كلام الإمام المهدي| وعلى الجميع إطاعته".

قال رفاقه يومها: "إبراهيم، لا تكرّر هذا الكلام أبدًا. إذا عرف الناظر، يطردك من المدرسة".

قد يكون سماع هذا الكلام بالنسبة إلى رفاق إبراهيم أمرًا عجيبًا يومها، لكنّه كان يؤمن كثيرًا بما يقوله أبوه.

24


13

الرزق الحلال

 
أخت الشهيد

في الحقيقة، كان أبي إنسانًا تقيًّا، كان من أهل المسجد ومجالس العزاء، وكان يولي الرزق الحلال أهمية خاصة، وكان يعرف قول الرسول الأكرم: "العبادة عشرة أجزاء تسعة أجزاء في طلب الحلال"1.

لذلك، حين آذاه عدد من الرُعاع والأوباش في منطقة "أمير آباد" ومنعوه من كسب الرزق الحلال، اضطر إلى بيع الدكان الذي ورثه عن أبيه والذهاب إلى معمل للسكر والعمل ليلًا ونهارًا أمام الفرن، إلى أن استطاع شراء منزل صغير.

قال إبراهيم مرارًا إنّ سبب تربية أبي لأبناء صالحين ما هو إلّا نتيجة المصاعب التي عاناها في سبيل كسب الرزق الحلال. وكان كلّما تذكر طفولته قال: "كان أبي يساعدني لأحفظ القرآن، ويصطحبني دومًا معه إلى المسجد. كنّا نذهب إلى مسجد الحي أو إلى مسجد الحاج "عبد النبي النوري"، بعد تقاطع "سرتششمه" حيث كانت هيئة2 "علي الأصغر عليه السلام"، وكان لأبي فخر الخدمة في هذه الهيئة". 

1 بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 100، ص9، ح.37
2 هيئة أو لجنة مهمّتها إقامة مجالس العزاء، والمراثي والمدائح بمناسبات شهادات الأئمّة وولاداتهم عليهم السلام.

25

  


14

الرزق الحلال

 في أحد الأيام الأخيرة من المرحلة الابتدائية، قام إبراهيم بعملٍ أغضب أبي. فقال له: "إبراهيم، اخرج ولا ترجع حتّى المساء"!

خرج إبراهيم ولم يعد حتّى المساء. وكان الجميع قلقًا عليه وخاصة في ما يتعلق بطعام الغداء، لكنه لم يخالف كلمة والده. في المساء، رجع وحين دخل البيت سلّم بكل أدب. سألته فورًا: "ماذا تناولت وقت الغداء يا أخي؟"، وكان أبي يظهر عدم رضاه حتّى الآن، لكنه وقف ينتظر جواب إبراهيم. 

قال إبراهيم بكل هدوء: "كنت أمشي في الشارع، فرأيت امرأة عجوزًا ومعها كثير من الأغراض ولا تعرف كيف تنقلها إلى بيتها، فساعدتها. شكرتني كثيرًا وأعطتني 5 ريالات، لم أقبل؛ لكنها أصرّت كثيرًا فأخذتها لأنّني متأكّد من أنّها رزق حلال، فقد تعبت في تحصيله. عند الظهر، اشتريت بذلك المال خبزًا وتناولته"

حين سمع أبي كلامه، علت وجهه ابتسامة رضى وكان سعيدًا؛ لأنّ ابنه قد تعلّم درس أبيه على أكمل وجه، فقد أعطى الرزق الحلال الأهمية اللازمة.

كانت صداقة أبي مع إبراهيم أكثر من علاقة تقليدية، ظهرت ثمرتها واضحة في نمو شخصية الابن. لكن علاقة الصداقة هذه لم تستمر طويلًا.

كان إبراهيم يافعًا حين فقدَ الحس الطيب لحماية الأب، وعند غروب حزين، شعر بظلال اليتم الثقيلة تظلّل رأسه. بعد ذلك أكمل الحياة كالرجال الكبار. 

نصحه أكثر أصدقائنا بالاهتمام بالرياضة، وقد اقتنع بهذا الأمر.

 
26


15

الرياضة التراثية

 إيرج كرايي، محمد زاهدي، ناصر كدخدا.

خلال السنوات الأولى من المرحلة الثانوية، تعرّف إبراهيم إلى الرياضة التراثية الإيرانية، حيث كان يذهب ليلًا إلى نادي ("روزخانه" الحاج حسن). كان الحاج "حسن توكل"، المعروف بالحاج "حسن النجار"، عارفًا مخلصًا. كان لديه "روزخانه" مقابل مدرسة "أبو ريحان" حيث صار إبراهيم أحد رواد هذا المكان الرياضي والمعنوي.

كان الحاج حسن يبدأ التمارين الرياضية بعدد من الآيات القرآنية، ثم يذكر حديثًا ويترجمه. في معظم الليالي، كان يرسل إبراهيم إلى وسط الحلبة، حيث يدور ويقرأ سورة قرآنية أو دعاء التوسل أو أشعارًا في أهل البيت عليهم السلام فيساعد المرشد بهذه الطريقة. من الأعمال المهمة التي كانت تقوم بها هذه المجموعة، أنه حين يطول وقت الرياضة إلى أذان المغرب كان الشباب يتوقفون عن التمارين ويصلّون المغرب جماعة خلف الحاج حسن وسط الحلبة. هكذا، ومنذ ذلك الوقت؛ أي قبل انتصار الثورة، كان الشيخ حسن يعطي الشباب درسًا في الإيمان والأخلاق إلى جانب الرياضة.

لا أنسى ما حصل في إحدى الليالي؛ كان الشباب يرتدون ملابسهم ويودّع بعضهم بعضًا، وإذا برجل مضطرب يدخل وهو يحتضن طفلًا شاحب الوجه 

27

 


16

الرياضة التراثية

 وقال بصوت مرتجف: "ساعدني يا حاج حسن، ابني مريض، فقد الأطباء الأمل! وسأخسر ابني، ليس لدي مكان أذهب إليه، لكنني أؤمن بنَفَسِكم، أقسم عليك بالله أن تدعو له..". ثم أخذ بالبكاء...
وقف إبراهيم وقال: "غيّروا ملابسكم وانزلوا إلى الحلبة"، ووقف هو في الوسط. أذكر ليلتها أن إبراهيم وخلال دورة في الحلبة قرأ دعاء التوسل مع الشبان، ثم دعوا بكل حرقة لذلك الطفل وكان والده يجلس في الزاوية يبكي وهو يحتضنه. 

بعد أسبوع أو أسبوعين، قال الحاج حسن للشباب حين أنهوا الرياضة: "أنتم مدعوون نهار الجمعة إلى الغداء". سألته بتعجب: "إلى أين؟!"؛ قال: "دعاكم ذلك الرجل الذي جاء مع طفله المريض"، ثم أكمل: "لقد شفي ابنه وأبلغه الطبيب أن حالته قد تحسنت ولذلك دعا الجميع إلى الغداء"

استدرت، ونظرت إلى إبراهيم الذي كان يستعد للخروج وكأنه لم يسمع شيئًا. لكنني لم أشك أبدًا في أن دعاء التوسل الذي قرأه إبراهيم بهذا الشوق وهذه الحالة العجيبة قد فعل فعلته.


لطالما رأيته يرافق بعض الشباب الذين لا يوحي مظهرهم أبدًا بالتديّن، ولا يهتمون بالمسائل الدينية، وكان يجذبهم نحو الرياضة. من بين أولئك الشباب كان هناك واحد هو الأسوأ بين الجميع. لدرجة أنه كان يتكلم بكل بساطة عن شرب الخمر وعن الأعمال غير اللائقة، ولا يعرف أي شيء عن الدين. 

لم يكن يعطي أي عناية لا للصلاة ولا للصيام ولا لشيء آخر. وقد قال مرة: "لم أشارك في حياتي في أي جلسة دينية أو هيئة حسينية".

28

17

الرياضة التراثية

 قلت مرة لإبراهيم: يا سيد أبرام1، من هم هؤلاء الذين تجرّهم وراءك؟ 

- ماذا تقصد؟

لقد أحضرتَ البارحة ذلك الشاب إلى المجلس الحسيني، فجلس بالقرب مني. حين كان القارئ يتكلم عن مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وعن أفعال يزيد، كان يسمع وينظر حوله بغضب. حين أطفأوا النور، بدل أن يبكي، كان يسب يزيد بشتائم فظيعة!! 

استمع إبراهيم إلى كلامي بتعجب، ثم بدأ بالضحك قائلًا: "ما المشكلة، لم يذهب هذا الشاب في حياته إلى مجلس حسيني ولم يبكِ قط، كن على يقين من أنه سيصبح إنسانًا صالحًا إذا ما صادق الإمام الحسين، ولو استطعنا أن نجعل هؤلاء الشباب متديّنين فيا له من إنجاز".

تطوّرت صداقة إبراهيم لهذا الشاب لدرجة أنّه تخلّى عن كل شيء سيّئ وصار من الشباب الرياضيين الجيدين. 

بعد أشهر، وفي أحد أيام العيد، أحضر الشاب علبة حلوى ووزعها علينا بعد الرياضة وقال: "يا رفاق، أنا أدين لكم جميعًا، وأدين للسيد أبرام. لو لم يعرّفني الله إليكم، فمن يدري أين كنت اليوم؟". نظرنا كلّنا إليه بتعجب. وعندما كنت أهمّ بالمغادرة، ناديته وطلبت منه أن يسامحني لأنني تكلمت عنه في غيابه، وأسرعت بالخروج.

كنت طيلة الطريق أفكّر في أعمال إبراهيم. كيف راح يجذب الشباب بشكل رائع فردًا فردًا نحو الرياضة ثم يسحبهم إلى المسجد وإلى الهيئة الحسينية، وكما كان يقول هو: "يرميهم في أحضان الإمام الحسين عليه السلام". تذكرت عندها حديثًا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاله للإمام علي عليه السلام: "لئن يهدي الله بك

1- كانوا ينادونه "أبرام" تودّدًا.
29


18

الرياضة التراثية

 رجلًا واحدًا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس"1.

 


من الأعمال الأخرى التي كانت تقام في مركز الرياضة التراثية هذا (زورخانة)، زيارة الأعضاء لباقي المراكز. حيث كانوا يقومون هناك بتمارينهم الرياضية. ما زلت أذكر تلك الليلة من شهر رمضان المبارك، حين ذهبنا إلى "روزخانه" في "كرج" وبدأنا بالتدريبات. 

لا أنسى تلك الليلة، كان إبراهيم يقرأ الشعر والدعاء، ويتمرّن. بقي وقتًا طويلًا في وسط الحلبة وكان لا يتوقف عن الدوران. وهو غير ملتفت لما يجري حوله. فقد نزلت مجموعة إلى الحلبة ثم خرجت ونزل غيرها وإبراهيم في الوسط ولا يلتفت لأي كان. 

إلى أن اقترب مني رجلٌ عجوز كان يجلس في مكان مرتفع ويراقب رياضة الشباب، وقال: "يا بنيّ، انتبه لهذا الشاب، فقد يمرض!". وحينما سألته: "ماذا تقصد؟" قال: "حين وصلت كان يدور في الوسط. كنت أحسب عدد دوراته من خلال حبات مسبحتي. وقد عددت إلى الآن سبع مسابح؛ أي سبع مئة دورة، ولا تنسى أنني لم أكن هنا منذ أن ابتدأ بالتمارين. أرجوك أخرجه من الحلبة وإلا داخ ووقع".

حين انتهى وقت الرياضة، خرج إبراهيم وكأنّ شيئًا لم يكن، وكأنه لم يُمضِ أربع ساعات في وسط الحلبة. لم يكن يشعر بالتعب قط. 


في الحقيقة، قام إبراهيم بهذه التمارين لتقوية جسده، وكان يقول: في سبيل خدمة الله وخدمة عباده، يجب أن يبقى جسدنا قويًّا، مكرّرًا دومًا

 2- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 5، ص 28.
30

 


19

الرياضة التراثية

 كلام أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل: "قوّ على خدمتك جوارحي".

 

جهّز إبراهيم في تلك الأيام قضيبًا من حديد وحجرًا ثقيلًا جدًّا كي يتمرّن. تناقلت الألسن هذا الخبر، وصار يشار إليه بالبنان. لكنه توقف بعد فترة عن القيام بهذه التمارين أمام الشباب وكان يقول: "تؤدّي هذه الأعمال إلى الغرور والغفلة لدى الإنسان"، ثم يضيف: "يريد الناس أن يعرفوا من هو الأقوى، فإذا قمت بتمارين شاقّة، قد يُحرج هذا الأمر رفاقي وسأظهر أمام الجميع وهذا أمر خاطئ".

فيما بعد، حين صار مدرّبًا رياضيًّا، وكان أحدهم يوشك على الخسارة، يسرع إبراهيم إلى تغيير اللعبة كي لا يشعر أحد بالحرج. 

لكن جسد إبراهيم القوي، أبرز قدرته دفعة واحدة وذلك حين حضر السيد "حسين طحامي" إلى الـ"روزخانه"، وتمرّن مع الشباب. كان حسين هذا بطل العالم في المصارعة ومن مريدي الحاج حسن.
 
31
  

 


20

البطل "الفتوّة"

 حسين الله كرم

 

جاء السيد "حسين طحامي" إلى الـ"روزخانه" وصار يتمرّن مع الشباب. على الرغم من مرور وقت طويل لم يشارك خلاله في المسابقات العالمية، لكنّ جسده كان لا يزال يتمتع بالقوة واللياقة. بعد أن أنهى الرياضة، استدار نحو الحاج حسن وقال: "يا حاج، هل يوجد من يصارعني لجولة؟". أجال الحاج حسن بنظره على الشباب وقال: "إبراهيم"؛ ثم أشار له للتوجه إلى وسط الحلبة. في المصارعة التراثية (الفتوّة) الاحترافية يعتبر اللاعب خاسرًا إذا ما لمس الأرض أو ارتمى أرضًا. لذلك يحتاط اللاعب كل الاحتياط كي لا يتّسخ بالتراب.

بدأت جولة المصارعة ووقفنا نشاهد. تصارع الاثنان حوالي النصف ساعة من دون أن يلمس أحد منهما الأرض، وشعرا بضغط كبير. لكن لم يستطع أيٌّ منهما أن يسقط خصمه أرضًا، وبالتالي لم ينتصر أي منهما. بعد انتهاء الجولة، لم يتوقف السيد حسين عن تكرار: "بارك الله، بارك الله، ما أشجع هذا الشاب، ما شاء الله أيّها البطل، أيّها الفتوّة"

حين انتهينا من جولة الرياضة، رأيت الحاج حسن وهو يتأمل وجه إبراهيم. تقدم إبراهيم نحوه وسأله بتعجب: "ما الأمر يا حاج؟".

33

 


21

البطل "الفتوّة"

 بعد لحظات من السكوت، قال الحاج حسن: "في ماضي طهران، اشتهر بطلان؛ الحاج السيد "حسن رزاز" والحاج "محمد صادق بلور فروش"، وكانا صديقين مقربين. كما لم يكن أحد ينافسهما في المصارعة. والأهم من ذلك، كانا عبدين مخلصين لله. قبل البدء بالرياضة، اعتادا على قراءة عدد من الآيات القرآنية ومجلس عزاء قصير بعينين باكيتين لحال أبي عبد الله الحسين عليه السلام. كان نَفَس كلّ من الحاج محمد صادق والحاج السيد حسن يشفي المرضى"

ثم أكمل: "أعتبرك يا إبراهيم فتوّة مثلهما"

ابتسم إبراهيم وقال: "عفوك يا حاج، أينني منهما؟!" 

أذكر انزعاج بعض الشباب من مدح الحاج حسن لإبراهيم بهذه الطريقة.

في اليوم التالي، جاء خمسة مصارعين من حلبات طهران وكان من المقرر أن يتنافسوا مع شبابنا. استقبل الجميع فكرة كون الحاج حسن حكمًا للمباريات. بدأت المصارعة بعد التمارين الرياضية اليومية. أقيمت أربع مباريات، ربح شبابنا مباراتين وربح الضيوف اثنتين. لكن في المباراة النهائية، عمّت الفوضى قليلًا، كانوا يرفعون صوتهم ويصرخون في وجه الحاج حسن، وقد انزعج الحاج كثيرًا.

التفتّ إلى أن المباراة النهائية ستكون بين إبراهيم وأحد شبابهم، وبما أنهم يعرفون قدرة إبراهيم وكانوا متأكدين من أنهم سيخسرون، اختلقوا هذه الفوضى كي يحمّلوا مسؤولية خسارتهم للحكم. 

مضت لحظات، فإذا بإبراهيم ينزل إلى الحلبة والبسمة تعلو وجهه، بينما الجميع غاضب ومنزعج، وبدأ يسلم باليد على الرياضيين فردًا فردًا وأعلن أنه لن يلعب. حين سألناه مستنكرين: "لماذا؟".

أجاب: "إن صداقتنا أهم من كل هذا الكلام"، ثم قبّل يد الحاج حسن

34


22

البطل "الفتوّة"

 وبصلوات على محمد وآل محمد أعلن ختام المباريات.

 

لم يكن في ذلك اليوم رابح أو خاسر، لكنّ إبراهيم كان الرابح الحقيقي. حين توجهنا لتغيير لباسنا، نادانا الحاج حسن وخاطبنا: "هل فهمتم الآن لماذا قلت إنّ إبراهيم بطل حقيقي؟" 

كنا جميعًا صامتين، فأكمل الحاج حسن قائلًا: "ما رأيتموه اليوم هو البطولة الحقيقية". فقد واجه إبراهيم نفسه وانتصر. لم يتواجه إبراهيم معهم، لأجل الله، وللحيلولة دون الحقد والمشاكل. نعم أيّها الشباب، إن البطولة هي ما رأيتموه اليوم". 

استمرت قصص إبراهيم في الفتوّة إلى أن جاءت أحداث انتصار الثورة، وانشغل معظم الشباب بها. وقلّ كثيرًا حضورهم في الرياضة التراثية. إلى أن اقترح إبراهيم أن نلتقي في الـ"روزخانه" صباحًا ونصلي صلاة الصبح جماعة ثم نتمرّن بعدها، وقَبِل الجميع.

صرنا نلتقي يوميًّا في الصباح، نؤذّن ونصلّي الصبح جماعة، ثم نبدأ الرياضة. بعدها، نتناول فطورًا بسيطًا ثم نتوجّه إلى أعمالنا.

فرح إبراهيم كثيرًا لهذا الأمر، فمن جهة كان الشباب يصلّون الصبح جماعة، ومن جهة أخرى لم يوقفوا رياضتهم. 

قال الرسول الأعظم: "لئن أصلّي الصبح في جماعة أحَبّ إليَّ من أن أصلّي ليلتي حتّى أصبح"1.

مع بداية الحرب المفروضة، قلّت أنشطة الـ"روزخانه" كثيرًا وتوجّه معظم الشباب إلى الجبهة، وصار إبراهيم لا يأتي إلى طهران إلّا قليلًا. في إحدى

1- کنز العمال، المتقي الهندي، ح 22792.
35

 


23

البطل "الفتوّة"

 المرات التي جاء بها إلى طهران، أخذ وسائله الرياضية معه، وهناك في الجبهة افتتح حلبة للرياضة التراثية.

كانت "روزخانه" الحاج حسن، علمًا على رمح في تربية الأبطال الواقعيين. مضافًا إلى إبراهيم، تخّرج فيها عدد من الشباب الذين أثبتوا شهامتهم ورجولتهم الحقيقية في محضر الله. حفظوا إيمانهم بدمائهم، وهؤلاء هم الأبطال الواقعيون. 

انتهى الزمن الجميل والمعنوي لـ"روزخانه" الحاج حسن، منذ السنوات الأولى للدفاع المقدس، وذلك بشهادة الشهيد "حسن شهابي" مرشد الـ"روزخانه" والشهيد "أصغر رنجبران" (قائد لواء عمار الأول) والشهداء: "سيد صالحي"، "محمد شاهرودي"، "علي خرّمدل"، "حسن زاهدي"، "جواد مجد بور"، "رضابند"، "حمد الله مرادي"، "رضا هوريار"، "مجيد فريدوند"، "قاسم كاظمين" وإبراهيم وشهداء آخرين، مضافًا إلى إصابة الحاج "علي نصر الله" و"مصطفى هرندي" كذلك موت الحاج "حسن توكّل"، وفي النهاية، التحق هذا الزمن بالذكريات مع تحويل الـ"روزخانه" إلى مبنى سكني. 

36

  


24

الكرة الطائرة بلاعبٍ واحد

 
عدد من أصدقاء الشهيد

 

منذ السنوات الأولى للمرحلة الثانوية، أظهرت يدا إبراهيم القويتان أنه بطل في كثير من الألعاب الرياضية. خلال حصص الرياضة، كان يلعب طيلة الوقت الكرة الطائرة، ولا يمكن لأحد منافسته. 

في إحدى المرّات، وقف وحده أمام فريق من ستة لاعبين، وسُمِح له بضرب ثلاث كرات فقط، وكنا جميعًا - مضافًا إلى أستاذ الرياضة أيضًا- شاهدين على فوزه. منذ ذلك اليوم، صار إبراهيم، وفي أكثر الأوقات، يلعب الكرة الطائرة وحده. معظم أيام العطل، كنا نلعب خلف مبنى الإطفائية في شارع "17 شهريور"، ولم يتمكن أحد، حتّى بعض المدّعين، من منافسة إبراهيم أو الانتصار عليه. 

أما أفضل ذكريات إبراهيم مع الكرة الطائرة، فترجع إلى أيام الحرب في "جيلان غرب"، حيث كان يوجد ملعب للكرة الطائرة لأبناء المنطقة.

في أحد الأيام، جاء إلى منطقة "جيلان غرب" عدد من الحافلات الصغيرة (ميني باص) وكان مسؤولهم السيد "داوودي" (رئيس منظمة التربية البدنية)، يعلّم إبراهيم الرياضة من قبل.

37

 


25

الكرة الطائرة بلاعبٍ واحد

 أعطى السيد "داوودي" لإبراهيم عددًا من الوسائل الرياضية وقال له: "تصرّف بها بما تجده مناسبًا". التفت إبراهيم إلينا وقال: "إنّ أصدقاءنا هم من مختلف المجالات الرياضية وقد جاؤوا لزيارتنا" ثم تحدث إلى الرياضيين قليلًا وعرّفهم إلى المناطق المختلفة في المدينة إلى أن وصلوا إلى ملعب الكرة الطائرة.

قال السيد "داوودي": "معنا الآن عدد من شباب لجنة الكرة الطائرة في طهران، ما رأيكم بمباراة؟".

انطلقت المباراة في الساعة الثالثة عصرًا. في الطرف الأول خمسة لاعبين بينهم ثلاثة من المحترفين ويقابلهم في الطرف الآخر إبراهيم وحده. مضافًا إلى عدد كبير من المشجعين.

كما جرت العادة، وقف إبراهيم أمامهم حافي القدمين، رافعًا أطراف بنطاله إلى ركبتيه ومرتديًا قميصه القطني. وبدأ يلعب بمستوى يصعب تصديقه. انتهت المباراة بعد نصف شوط بفارق عشر نقاط لمصلحة إبراهيم. بعدها التقط المتبارون صورًا تذكارية مع إبراهيم ولم يصدقوا أن يلعب جندي عادي كأكثر اللاعبين احترافًا.

كنّا مرة في مقرّ "دوكوهه" نتكلّم ونمدح لعب إبراهيم للكرة الطائرة، فأحضر أحد الشباب كرة ووزّع اللاعبين إلى فريقين ونادى إبراهيم. في البداية، رفض إبراهيم اللعب، لكن بعد إصرارنا الشديد، قَبِلَ وقال: "أنتم فريق وأنا وحدي فريق". بعد انتهاء المباراة، قال عدد من القادة الذين كانوا يشاهدوننا: "حتى الآن، لم نضحك بهذا الشكل، كلما ضرب إبراهيم الكرة، يركض تجاهها عدد من اللاعبين، فيرتطم بعضهم ببعض ويقعون أرضًا". في النهاية فاز إبراهيم بفارق كبير.
 
38


26

الرهان

 
 مهدي فريدوند، سعيد صالح تاش

 

كان العام 1975م. كنا منشغلين بلعب الكرة الطائرة حين جاء ثلاثة من شباب غرب طهران وقالوا لنا: "من هو إبراهيم؟" 

ثم طلبوا: "تعال نتنافس على 200 تومان" وبدأت المباراة التنافسية بعد دقائق. كان إبراهيم وحده مقابل ثلاثة لاعبين ما لبثوا أن خسروا أمامه.

في ذلك اليوم، ذهبنا إلى أحياء جنوب طهران وشارطناهم على سبع مئة تومان. كانت مباراة جيدة وفزنا عليهم بسرعة. عندما حان وقت تسلّم المال، التفت إبراهيم إلى أن هؤلاء الشباب كانوا يذهبون إلى هنا وهناك كي يؤمّنوا المال الذي اتفقنا عليه. فجأة قال إبراهيم: "يا جماعة، ليلعب أحدكم معنا، إذا خسرنا سنتنازل عن المال". تقدّم أحدهم وبدأ باللعب. لعب إبراهيم يومها بشكل ضعيف جدًّا مما أدّى إلى فوز خصمه. وتركوا المكان فرحين. لكنني كنت غاضبًا فقلت لإبراهيم: "يا سيد أبرام، لمَ لعبت بهذا الشكل؟" نظر إليّ متفاجئًا وقال: "لم يكن في جيوبهم جميعًا مئة تومان! لم أكن أريد إحراجهم"

في الأسبوع التالي، جاء شباب غرب طهران أنفسهم، برفقة اثنين من أصدقائهم ولعبوا خمستهم ضد إبراهيم على 500 تومان. رفع إبراهيم

39

 


27

الرهان

 بنطاله إلى ركبتيه، وبقدمين حافيتين لعب بأداء رائع، وكان يرمي كرات لا يستطيع أحد ردّها. في ذلك اليوم فاز إبراهيم بفارق كبير من النقاط. 

 

في المساء، عندما ذهبنا مع إبراهيم إلى المسجد، تحدث إمام الجماعة ضمن الأحكام التي كان يشرحها عن حكم الشرط والرهان وقال: يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أَكَلَ لُقْمَةَ حَرام لَنْ تُقْبَلَ لَهُ صلاة أَربَعِينَ لَيلَةً، وَلَمْ تُسْتَجَبْ لَهُ دَعوَةٌ أَربَعِينَ صَباحًا"1.

استمع إبراهيم مستغربًا لكلام إمام الجماعة، فاقترب منه وقال: "يا حاج، لقد لعبت اليوم الكرة الطائرة وربحت رهانًا بقيمة 500 تومان"، ثم أخبره بالتفاصيل كلّها، وقال له: "لكنني لم أصرف هذا المال؛ بل أعطيته لإحدى العائلات المحتاجة!". قال الشيخ له: "انتبه لاحقًا، العب الرياضة، لكن من دون شرط أو رهان". 

بعد أسبوع تقريبًا، عاد الشباب أنفسهم وبرفقتهم بعض اللاعبين الأقوياء وقالوا: "سنلعب هذه المرة على 1000 تومان". قال إبراهيم: "لن ألعب مع رهان". فبدأوا يسخرون منه ويستفزونه قائلين: "خائف، عرف أنه سيخسر فامتنع عن اللعب. أو ليس لديه مال..". التفت إليهم قائلًا: "الرهان حرام. لو كنت أعرف الأسبوع الماضي هذا الأمر، لما لعبت معكم، وقد أعطيت المال الذي أخذته منكم للفقراء، إذا أردتم نلعب من دون شرط أو رهان".

على الرغم من تذكير إبراهيم الدائم لنا بعدم اللعب المشروط، لكننا في إحدى المرات لعبنا مع شباب "نازي آباد" وخسرنا مبلغًا كبيرًا جدًا. قبل ختام المباراة وصل إبراهيم وغضب كثيرًا منّا. من جهة أخرى، لم نكن نملك هذا المال. حين انتهينا من اللعب، تقدم إبراهيم، حمل الطابة وقال: "هل يوجد

1- سفينة البحار، النمازي، ج 1، مادة الأكل.
40

 


28

الرهان

من يقبل أن نلعب واحدًا لواحد، ضربة مقابل ضربة؟". من بين شباب "نازي آباد" كان هناك لاعب يدعى الحاج "قاسم" وهو عضو المنتخب الوطني لكرة الطائرة وقائد فريق "برق". تقدم والافتخار بادٍ على وجهه وقال: "وما هو الرهان؟"، أجاب إبراهيم: "إذا خسرتم، تتنازلون عن المال ولا تأخذون منا شيئًا". قَبِل الحاج قاسم. لعب إبراهيم بطريقة فاجأتنا جميعًا وفاز على خصمه بفارق كبير. لكنّه بعد ذلك وبّخنا بقسوة.

 

كان إبراهيم ماهرًا في كثير من الألعاب الرياضية.

كان رياضيًا ماهرًا في تسلق الجبال. قبل سنتين تقريبًا من انتصار الثورة حتّى سنة الانتصار، كان يذهب كل يوم جمعة مع اثنين أو ثلاثة من شباب الـ"روزخانه" إلى "تجريش" ويصلّون صلاة الفجر في مقام "صالح"1، ثم ينطلقون راكضين إلى الجبل. يتناولون الفطور في الأعلى ثم يرجعون. 

لا أنسى ما حصل ذات يوم. كان إبراهيم منشغلًا بتمرينات المصارعة وكان يريد أن يقوّي قدميه. وسط ميدان "دربند"، حمل أحد الشباب على ظهره ونقله إلى شلال "دوقلو"2. استمرت مراسم تسلق الجبال هذه في منطقة "دربند" و"كولكتشال" و"دركة" كل أسبوع إلى أن انتصرت الثورة. كان إبراهيم يحب كرة القدم واعتبر أستاذًا في كرة الطاولة؛ إذ يلعب بمضربين وبيديه الاثنتين ولم يكن أحد يستطع مجاراته. 

 

1- ابن أحد الأئمة عليهم السلام.
2- أي التوأم.

 

41

 


29

المصارعة

 
 
إخوة الشهيد

لم تمضِ فترة طويلة على بدء إبراهيم الرياضة التراثية، حتّى توجّه إلى المصارعة نزولًا عند رغبة ونصيحة بعض الأصدقاء والحاج "حسن" شخصيًا. انتسب إلى نادي "أبي مسلم" في منطقة ميدان خراسان. وبدأ بوزن 53 كيلوغرامًا.

كان السيدان "كودرزي" و"محمدي" المدرّبين الجيّدين لإبراهيم في تلك الفترة. أحبّ السيد "محمدي" إبراهيم كثيرًا لأخلاقه الحسنة وسلوكه. درّب السيّد "كودرزي" إبراهيم على فنون المصارعة. وكان يقول: "هذا الشاب هادئ جدًّا، لكن في الحلبة وبسبب قدّه الممشوق ويديه القويتين يصبح كالفهد المهاجم ولا يتوقف حتّى يحصل على نقاط الفوز". لذلك سمّاه: "الفهد النائم".

كان يقول في كثير من الأحيان: "يومًا ما سترون هذا الشاب في الملاعب العالمية، تأكدوا من هذا".

في السنوات الأولى من السبعينات الميلاديّة، شارك في بطولة شباب طهران. هزم إبراهيم كل الخصوم هزيمة ساحقة، على الرغم من أنّه لم يتخطَّ الخامسة

43


30

المصارعة

 عشرة من عمره، فاختير يومها للمشاركة في البطولة الوطنية. أقيمت المباراة في أواخر أكتوبر، لكن إبراهيم لم يشارك في هذه البطولة. انزعج المدرّبون كثيرًا منه، لكنّنا عرفنا فيما بعد أنّ سبب رفض إبراهيم المشاركة في هذه البطولة هو حضور "ولي العهد"1 يومها الذي كان سيهدي الجوائز بنفسه. 

في السنة اللاحقة، شارك إبراهيم في بطولة المعاهد وفاز بالمرتبة الأولى. وفي العام نفسه، شارك في بطولة نوادي طهران لفئة الـ 62 كيلوغرامًا.

بعد عام وفي بطولة المعاهد، حين كان صديقه المقرّب يشارك عن وزن الـ 68 كيلوغرامًا، شارك إبراهيم عن فئة الـ 74 كيلوغرامًا. في تلك السنة لمع نجم إبراهيم حيث صار وهو في عمر الثامنة عشرة بطلًا للمعاهد كلها.

إنّ تبحّر إبراهيم في ضربات القدم واستعمال يديه القويتين في الوقت المناسب حوّله إلى بطل لا نظير له في المصارعة.

في إحدى المرات، حين حمل إبراهيم وسائل المصارعة وخرج باكرًا جدًّا من البيت، لحقنا به. تعقّبناه أينما ذهب، إلى أن دخل إلى القاعة التي تسمّى الآن "7 تير". دخلنا القاعة وراءه، وجلسنا بين المشجعين. اكتظّت القاعة بالحضور، وبدأت المباريات.

لعب إبراهيم يومها عددًا من الجولات، وغلب منافسيه جميعًا. إلى أن وقع نظره علينا ونحن نشجعه على المدرّجات بين المشجّعين، فاقترب منا وهو غاضب.

انزعج كثيرًا لأننا كنّا هناك. وقال: "ما الذي تفعلونه هنا؟" قلنا: "لا شيء، لحقنا بك كي نعرف أين تذهب".

- ما معنى هذا العمل؟ لا مكان لكم هنا. هيا اذهبوا بسرعة.

1 أيام حكم الطاغوت.
44


31

المصارعة

 - وما الذي حصل؟

- لا يجب أن تبقوا هنا، انهضوا واذهبوا إلى البيت.

لم ينهِ كلامه حتّى أعلن مكبر الصوت أن نهائي فئة الـ 74 كيلوغرامًا بين هادي وطهراني. نظر إبراهيم إلى الحلبة ثم إلينا، سكت للحظات وتوجّه إلى الحلبة. تعالت صرخاتنا وبدأنا بتشجيعه. كان مدرّب إبراهيم يصرخ باستمرار ويقول له ما الذي يجب أن يقوم به. لكن إبراهيم كان يدافع فقط وينظر إلينا بين الحين والآخر. صرخ مدرّبه غاضبًا قائلًا: "لماذا لا تصارع يا أبرام، هيّا اضرب".

وبضربة فنية جميلة، حمل إبراهيم الخصم، وبعد أن دار دورة كاملة، رماه بقوة على أرض الحلبة. ثم وقف وترك الحلبة.

في ذلك اليوم، كان غاضبًا جدًّا منّا. ظننت أنه غضب لأننا لحقناه. لكن في طريق العودة، تحدثنا معًا فقال: "يجب أن يمارس الإنسان الرياضة، كي يصير أقوى وليس كي يصبح بطلًا، وهدفي من المشاركة في المسابقات، التعرّف إلى فنون قتالية جديدة وليس شيئًا آخر". سألته: "وما المشكلة إذا صار الإنسان بطلًا وصار مشهورًا وعرفه الجميع؟". بعد لحظات من الصمت أجاب: "لا يملك أيّ كان السعة النفسية للشهرة، والأهم من الشهرة أن يصير الفرد إنسانًا".

في ذلك اليوم، تأهّل إبراهيم إلى النهائيات، لكنّه عاد معنا إلى البيت ولم يشارك في المباراة. فأثبت عمليًا أن لا أهمية للمقام والرتبة لديه.

كان إبراهيم يردّد دومًا كلام الإمام الراحل: "لا ينبغي أن تصير الرياضة هدفًا لحياة الإنسان".

45


32

البطل

 
حسين الله كرم، حسين جهانبخش

إنها المباريات الخاصة بفئة الـ 74 كيلوغرامًا. وفي مسابقات المعاهد، هزم إبراهيم كل منافسيه واحدًا تلو الآخر إلى أن تأهّل لنصف النهائيات، ولو ربح هذه الجولة لربح البطولة. في تلك السنة، وعلى الرغم من أنّ إبراهيم قد تمرّن واستعد جيدًا، وهزم منافسيه بكل قدرة وقوة، لم يلعب كما يجب في نصف النهائي، فنال المرتبة الثالثة. 

بعد سنوات، جاء ذلك الشاب الذي هزم إبراهيم في نصف النهائيات إلى فرقة "أندرزكو" في الجبهة، لرؤية إبراهيم. أمضى تلك الليلة عندنا، وبدأ يخبرنا عن ذكرياته مع إبراهيم وكنا جميعًا نستمع له. إلى أن وصل إلى قضية لقائه الأول ومعرفته بإبراهيم: "تعود رفقتنا إلى نصف النهائيات في مباراة المعاهد في المصارعة، في فئة الـ 74 كيلوغرامًا حيث كان من المفترض أن أتبارى مع إبراهيم". ولكن كلما كان يريد أن يخبرنا عن تلك الحادثة، تدخّل إبراهيم وغيّر الموضوع. ولم نستطع أن نعرف ما القصة.

في اليوم التالي، حين أراد ذلك الشاب الرحيل، لحقته إلى الجادة، وسألته: "هل يمكنك أن تخبرني ما حصل في جولة المصارعة تلك؟".

نظر إليّ ثم تنهّد بعمق وأخبرني: "في تلك السنة، كان من المفترض أن أتبارى مع إبراهيم في نصف النهائيات، لكن أصيبت إحدى قدميّ بشكل 

47

  


33

البطل

 جدّي. لم أكن أعرف إبراهيم يومها، لكنني قلت له: يا أخي، أصيبت قدمي هذه، راعِ وضعنا قليلًا؛ قال لي إبراهيم يومها: على عيني، يا رفيقي.

شاهدنا مباراته. كان أستاذًا في المصارعة. على الرغم من أن ضربات إبراهيم الفنية ترتكز على ضرب القدم، لكنه لم يقترب من قدمي أبدًا. لكنني وبكل نذالة رميته أرضًا ووصلت إلى النهائيات بعد فوزي عليه. كان باستطاعة إبراهيم الفوز بالبطولة وبكل سهولة، لكنّه لم يفعلها. أنا أعتقد أنه سمح لي بالفوز عن سابق إصرار وتصميم، ولم ينزعج أبدًا من خسارته، لأنّ لديه فهمًا وتعريفًا آخر لـ"البطل"، لكنني كنت سعيدًا جدًّا بفوزي، وازدادت سعادتي عندما قابلت، في المباراة النهائية، أحد أبناء حيّنا وكنت أعتقد أن الجميع لديه شهامة أبرام. قبل المباراة، قلت لخصمي إنّ قدمي مصابة، لكن للأسف كانت ضربته الأولى على هذه القدم، فصرخت من شدة الألم، ثم رماني أرضًا وفي النهاية فاز عليّ. في تلك السنة حللت في المرتبة الثانية، وكان إبراهيم الثالث مع أنني متيقّن أنه كان يستحق البطولة. منذ ذلك الوقت، صرنا أصدقاء، ورأيت منه العجائب، وها أنا أشكر الله على هذا الصديق الذي رزقني الله إياه"

حين أنهى كلامه، ودّعني ورحل. عدت أنا أيضًا. كنت طيلة الطريق أفكر بكلام هذا الشاب. 

تذكّرت مقر "جيلان غرب" حيث طُلب من الشباب أن يكتبوا على أحد الجدران جملة لكل فرد منا، كانت الجملة التي كتبوها لإبراهيم: "إن إبراهيم هادي مقاتل بصفات "بوريا الولي""1

1- شخصية من التراث الإيراني، لعارف وبطل رياضي في الرياضة التراثية الإيرانية، عرف بقدرته البدنية، وإيمانه وحبه للإمام علي(عليه السلام), ونصرته للفقراء والمظلومين.

48


34

بوريا الوليّ

 إيرج كرايي

إنها بطولة الأندية لعام 1976م. يحصل الفائز على جائزة نقدية مضافًا إلى الانضمام إلى المنتخب الوطني. كان إبراهيم يومها في قمة جهوزيته، وكل من شاهد مباراة واحدة من مبارياته يوافق على هذا الأمر. كان المدربون يقولون: "هذا العام، لا منافس لإبراهيم في فئة الـ74 كيلوغرامًا".

بدأت المباريات، وتخطّى إبراهيم كل خصومه وبعد أربع جولات وصل إلى نصف النهائيات، كان يكسب المباراة إمّا بضربة فنّية أو بفارق كبير للنقاط.

مع كل الحماسة والانطلاق اللذين كان يشعر بهما، قلت له: "أخيرًا، هذه السنة، سينضم أحد مصارعي نادينا إلى المنتخب الوطني". في نصف النهائيات، على الرغم من أن الخصم كان مهمًا جدًّا، لكنّ إبراهيم فاز عليه بسهولة ووصل إلى النهائيات.

خصمه النهائي، كان السيّد "محمود ك". الحائز بطولة العالم للجيش. قبل البدء بالمباراة، ذهبت إلى غرفة تغيير الملابس حيث كان إبراهيم، فقلت له: "لقد رأيت خصمك في الخارج. إنه ضعيف جدًّا، يمكنك الفوز ببساطة بهذه المباراة. لكن بالله عليك يا أبرام، العب كما يجب، فلا شك عندي في
 
49


35

بوريا الوليّ

 أنّهم سيختارونك للعب في المنتخب الوطني". انتعل إبراهيم حذاءه الرياضي، شدّه جيّدًا، وتوجّه مع مدرّبه -الذي كان يكرّر بعض التوصيات- إلى الحلبة.

حين وصل إبراهيم إلى الحلبة، توجّهتُ أنا إلى المدرّجات، لفت نظري خصمه وهو يتحدث معه، بينما هزَّ إبراهيم رأسه موافقًا. ثم أشار الخصم إلى مكانٍ ما بين المشجعين لينظر إبراهيم إليه. أنا أيضًا، أدرت رأسي فرأيت امرأة عجوزًا، في يدها سُبحة تجلس في أعلى المدرجات. 

لم أعرف ما قالاه وما الذي حصل. لكنّ ما أعرفه أن إبراهيم بدأ المصارعة بشكل ضعيف. وكان في حالة دفاع دائم. بينما لم يتوقّف مدرّبه المسكين عن الصراخ وعن توجيه الملاحظات، لدرجة بُحّ صوته. لكن إبراهيم، لعب وكأنه لا يسمع أي كلمة من كلام المدرب ولا من صراخنا. وكان فقط يضيّع الوقت.

على الرغم من أن الخصم خاف كثيرًا في البداية، لكنّه تجرّأ بعدها، وبدأ يهجم ويهجم بينما كان إبراهيم يدافع بهدوء عجيب. أعطى الحَكَم الإنذار الأول لإبراهيم، ثم الإنذار الثاني وفي النهاية خسر إبراهيم وفاز خصمه عن فئة الـ74 كيلوغرامًا. 

حين رفع الحَكَم يد الخصم معلنًا فوزه، كان إبراهيم يضحك وكان سعيدًا وكأنّه هو الفائز. ثم تعانق المصارعان. كان الخصم يبكي من الفرح فإذا به ينحني ويقبِّل يد إبراهيم. 

كانا يخرجان من الحلبة، حين قفزتُ عن المدرّجات وتوجّهت نحو إبراهيم وصرخت في وجهه: "أيّها الرجل العاقل، ما هذه المصارعة؟! ثم ضربت قبضتي بغضب على كتفه". وأضَفتُ: "يا أخي، إن كنت لا تريد أن تلعب، قل لنا ولا تضيّع وقتنا معك".

ذهب إبراهيم بسرعة إلى غرفة تبديل الملابس، غيّر ثيابه ثم قال لي والبسمة تعلو وجهه: "لا تغضب إلى هذا الحد". ثم طأطأ رأسه وخرج.

50


36

بوريا الوليّ

 أمام مدخل النادي، رأيت خصم إبراهيم مع أمه وعدد من عائلته يقفون معًا وكانوا فرحين جدًّا. فجأة ناداني ذلك الرجل. توجهت نحوه وأنا عابس ثم قلت: "ماذا؟" 

اقترب قليلًا وقال: "عرفت أنك صديق السيد أبرام، صحيح؟" أجبته بغضب: "أوامرك؟!".

أكمل: "عجيب، ما أروع صديقك هذا! قبل المباراة، قلت له: لا أشك في أنني سأخسر أمامك، لكن ارفِق بي، أمي وإخوتي حاضرون في الملعب. لا تحرجني أمامهم كثيرًا". ثم أكمل: "لقد قام بأكثر مما طلبته منه، ليتك تعرف مدى السعادة التي تشعر بها أمي". ثم نزلت دمعته وهو يقول: "تزوجت منذ مدة، وأحتاج إلى الجائزة المالية التي ربحتها، لا تعرف كم أنا مسرور".

دُهشت ولم أعرف ماذا أقول. سكتُّ قليلًا ثم قلت: "لو كنت مكان إبراهيم، وتدرّبت كل هذا التدريب الصعب في سبيل الفوز لما فعلت ما فعله. هذه الأعمال خاصة بالرجال العظام كإبراهيم".

ودّعت ذلك الشاب، ونظرت نظرة سريعة إلى تلك العجوز الفرحة والضحكة تعلو وجهها، ومشيت. في الطريق، كنت أفكّر في ما فعله إبراهيم. لا ينسجم كل هذا التسامح مع العقل. تذكرت أنّه في ما مضى خسر "بوريا الولي" المباراة عن قصد عندما عرف أنّ خصمه يحتاج إلى الفوز وأنّ حاكم المدينة قد آذاه كثيرًا. لكن إبراهيم..

تذكّرت التدريبات الصعبة التي قام بها إبراهيم ومرّت أمام عينيّ ضحكات تلك العجوز وابنها الشاب، فبكيتُ رغمًا عني. ما أعجبه من إنسان! إبراهيم هذا.

51

  


37

التواضع

 
 حسين الله كرم، أكبر نوجوان

تساقط المطر بشدة في طهران، فأغرقت المياه الطريق في شارع "17 شهريور". وقف عدد من العجزة إلى جانب الطريق، كانوا يريدون الانتقال إلى الجهة الأخرى من الشارع. عندها وصل إبراهيم؛ رفع بنطاله إلى ركبتيه، وبدأ يحمل العجزة على ظهره واحدًا تلو الآخر وينقلهم إلى الجهة الأخرى من الشارع.

كان إبراهيم يقوم بأعمال عجيبة، لا تؤدي إلّا إلى إظهار تواضعه الكبير. خاصة عندما كان يتحدث عنه الشباب.
 

في عصر يوم ٍ صيفيٍّ، كنت أتمشى مع إبراهيم ونتحدث، إلى أن وصلنا إلى مدخل زقاق حيث يلعب عدد من الأطفال الصغار كرة القدم. ما إن أردنا المرور من هناك، حتّى ضرب أحدهم الكرة بكل قوته فأصابت وجه إبراهيم. كانت الضربة قوية لدرجة أنّه جلس على الأرض للحظات وكان وجهه شديد الاحمرار. غضبتُ كثيرًا ونظرت إلى الأطفال مؤنّبًا، لكنهم كانوا يلوذون بالفرار خوفًا من أن نضربهم.

53


38

التواضع

 أمّا إبراهيم، وكان لا يزال جالسًا على الأرض، فقد مدّ يده داخل محفظته وأخذ كيسًا صغيرًا مليئًا بالجوز وقال للأطفال: "إلى أين تذهبون تعالوا خذوا بعض الجوز". ثم وضع الكيس بالقرب من المرمى وتابعنا طريقنا.

قلت له: "يا أخي أبرام، ما هذا العمل الذي قمت به؟"

أجابني: "لقد خافوا، كما إنّهم لم يضربوني عن قصد". وعاد إلى الموضوع الذي كنا نتباحث فيه. لكنني كنت أعرف أن الرجال العظام يتصرفون هكذا في حياتهم.

كنا في نادي المصارعة منشغلين بالتمرين، عندما دخل إبراهيم القاعة. اقترب منه أحد الأصدقاء ومن دون مقدمات قال له: "لقد صار شكلك جميلًا وجذابًا. عندما كنتُ آتيًا إلى هنا، رأيت فتاتين تمشيان وراءك وتتكلمان عنك باستمرار، كنتَ مرتديًا بزَّة أنيقة، وكان واضحًا من الحقيبة التي تحملها أنك رياضي".

صُدِم إبراهيم لحظات، وكأنه لم يكن يتوقّع هذا الكلام. لذلك، ومنذ ذلك اليوم، صار يرتدي قميصًا طويلًا وبنطالًا واسعًا، ويضع لباسه في كيس أسود. 

صار عدد من الشباب يقولون له: "يا أخي، أي نوع من البشر أنت؟ نحن نأتي إلى النادي كي يصبح جسمنا رياضيًا فنرتدي ثيابًا ضيّقةً. وها أنت بهذا الجسم الجميل، أي نوع من الثياب ترتدي؟"

لم يكن إبراهيم يولي كلامهم أيّ أهمية؛ بل كان يوصي رفاقه قائلًا: "إذا مارستم الرياضة لأجل الله تصبح عبادة، أمّا إذا كانت نيّتكم شيئًا آخر، ستتضرّرون"

54


39

التواضع

 كنت في الملعب المغطّى بالعشب، ألعب كرة القدم. فجأة رأيت إبراهيم وهو يقف أمام المدرج. أسرعت نحوه، سلّمت عليه وقلت: "عجيب، كيف أتيت إلى هنا؟". كان يحمل مجلة في يده، رفعها وهو يقول: "انظر صورتك هنا". 

في تلك اللحظة، شعرت أنني أطير من الفرح. مددت يدي كي آخذ المجلة منه، لكنه قال: أعطيك إياها لكن بشرط.. 

- أي شرط كان. 

- تسمع كلامي وتوافق على ما أقوله.

- لا عليك، أنا موافق.

أعطاني المجلة، كانت صورتي على صفحة كاملة. وكُتِب بالقرب منها: "الظاهرة الجديدة في فريق الشباب لكرة القدم"، مضافًا إلى كثير من المدح والإعجاب.

جلستُ على المدرّجات، وقرأت ما كُتب في تلك الصفحة مرة ثانية. اطّلعت على المجلة بدقة، ثم رفعت رأسي وقلت له: "أحسنت يا أبرام، لقد أفرحتني كثيرًا.. جيد؛ ما كان شرطك؟".

- قبلتَ به مهما كان، أليس كذلك؟ 

- بالطبع، هيا قل. 

صمت قليلًا ثم قال: "اترك كرة القدم، ولا تلعبها مرة ثانية"

تسمّرت في مكاني ثم قلت: "لا ألعب كرة القدم مرة ثانية؟ ماذا تقصد؟ بدأت حديثًا إثبات قدرتي في اللعب". 

- لا أقصد ألّا تلعب الكرة مرة ثانية؛ بل ما أقصده هو اللعب الاحترافي.

ثم حمل صورتي وقال: "انظر إلى صورتك الملوّنة هذه، لقد وضعوا صورتك

55


40

التواضع

 بالثياب الرياضية وببنطال قصير. لسنا فقط أنا وأنت من سيطّلع على هذه المجلة، لكنّ كثيرًا من الناس ومن بينهم الفتيات قد رأين أو سيَرَين صورتك".

ثم أكمل: "أقول لك هذا الكلام لأنك من شباب المسجد، وإلّا لا دخل لي بك. اذهب واعمل على تقوية عقائدك الدينية ثم توجّه نحو اللعب الاحترافي، كي لا تواجهك المشاكل"

ثم قال لي إنّ لديه عملًا، ودّعني وذهب. أما أنا فكنتُ مبهوتًا ومصدومًا، فجلستُ وفكّرت كثيرًا في كلامه. كم أصبح دقيقًا في تفكيره. وما الذي يراه؟

يصعب عليك أن تتوقع هذا الكلام من شاب مرح، يحب المزاح، وشعبيٍّ إلى هذا الحد.

اقتنعت بعدها بكلامه عندما رأيت بعض الشباب "المسجديّين" والمصلين، الضعيفي العقيدة، كيف احترفوا كرة القدم، واندمجوا في الأجواء.. إلى أن تركوا العبادات حتّى الصلاة.

56

  


41

يد الله

 
السيد أبو الفضل كاظمي

كان إبراهيم يعمل في أحد المحال في السوق. رأيته مرة في وضعٍ أدهشني كثيرًا؛ كان يحمل صندوقين من الكرتون على ظهره، أنزلهما أمام أحد الدكاكين. حين أنهى عمله، اقتربت منه وسلّمت عليه. قلت له: "يا أبرام، إن هذا الأمر لا يليق بك، هذا عمل الحمّالين وليس عملك!" نظر إليّ وقال: "إن العمل ليس عيبًا؛ بل العيب في البطالة. إن ما أقوم به الآن مفيد لي؛ إذ أتأكد من أنني لا شيء. هذا العمل يقمع غروري"

قلت له: "ليس بالأمر الجيد أن يراك أحد على هذه الحال. أنت رياضي، وكثيرون يعرفونك".

ضحك وأجابني: "يا أخي، قم دائمًا بالأعمال التي يرتضيها الله وليس الناس".


كنا جالسين مع عدد من الأصدقاء نتكلم عن إبراهيم. كان أحدهم لا يعرفه، فأخذ صورته مني. نظر إليها بتعجب، وسألنا: "هل أنتم متأكدون من أن اسمه إبراهيم؟".

57


42

يد الله

 أجبته بتعجب: "طبعًا نعم، لماذا تسأل؟". 

كنت أملك فيما مضى محلًّا تجاريًا في بازار "سلطاني". كان إبراهيم يأتي إلى السوق يومين في الأسبوع. يقف وسلّة الحمل على ظهره وينقل البضائع. قلت له يومًا: "ما اسمك؟" قال لي: "نادني يد الله". 

بعد مدة من الزمن، جاء أحد أصدقائي إلى السوق وتفاجأ لرؤيته إبراهيم فسألني متعجبًا: هل تعرفه؟ 

قلت له: "لا! لماذا تسأل؟"، قال: "إنه بطل في الكرة الطائرة وفي المصارعة، إنه إنسان تقي جدًّا، إنه يقوم بهذا العمل لكسر غروره. أقول لك فقط إنّه إنسان عظيم!"، وبعد تلك الحادثة، لم أره أبدًا.

لقد دفعني كلام هذا الرجل للتفكير. كانت هذه الحادثة عجيبة بالنسبة إليّ. لا يقبل العقل هذا النوع من جهاد النفس.


بعد مدة، رأيت أحد أصدقائي القدامى. تكلمنا عن أفعال إبراهيم. قال لنا: "قبل الثورة، في ظهيرة أحد الأيام، جاء إبراهيم إليّ. دعاني، مع أخي وشابين آخرين، إلى مطعم الكباب. طلب أفضل طعام، مع سلطة ومرطبات. لم أكن قد تناولت طعامًا لذيذًا كالذي تناولناه يومها. بعد أن انتهينا، سألنا إبراهيم: "كيف كان الطعام؟"، قلت: "كان ممتازًا، سلمت يداك". عندها قال: "عملت منذ الصباح في الحمل والنقل في البازار. ترجع لذة هذا الطعام إلى التعب الذي عانيته في الحصول على ماله". 


58


43

حوزة الشيخ مجتهدي

 
حوزة الشيخ مجتهدي

إيرج كرايي 

خلال السنوات الأخيرة قبل الثورة، مضافًا إلى عمله في السوق، كان إبراهيم منشغلًا بشيء آخر، سرًّا. كان يحمل في يده كيسًا بلاستيكيًا أسود يضع فيه عددًا من الكتب ويتوجه نحو السوق. 

في يوم من الأيام، رأيته حين كنت مارًّا في الشارع على دراجتي النارية. سألته: "إلى أين يا أخي أبرام؟" قال: "إلى البازار". أركبته ورائي، وفي الطريق قلت له: "منذ مدة وأنا أرى هذا الكيس الأسود في يدك. ما القصة؟" قال: "لا شيء، كتاب".

في الطريق ترجّل أمام زقاق "نايب السلطنة" وودّعني. تعجبت لأن مكان عمل إبراهيم ليس هنا. إذًا إلى أين هو ذاهب؟! لحقته فرأيته يدخل إلى أحد المساجد. جلس بالقرب من بعض الشباب وفتح كتابه. 

عرفت أنه يدرس علومًا حوزوية. خرجت من المسجد، وسألت عجوزًا كان يمر بالقرب مني: "عفوًا ما اسم هذا المسجد؟"، أجابني: "إنها حوزة الشيخ مجتهدي".

كنت أنظر حولي بتعجب، لم أكن أتوقع أن يصبح إبراهيم طالب علوم

59


44

حوزة الشيخ مجتهدي

 دينية. كُتِب على حائط المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "ما من عبد يخرج يطلب علمًا إلّا وضعت له الملائكة أجنحتها، وسلك به طريق إلى الجنة"1.

 

في المساء، حين كنا خارجين من الـ"روزخانه" قلت لإبراهيم: "أخي أبرام، تذهب إلى الحوزة وتخفي عنا الأمر؟".

فجأة، التفت إليّ بتعجب، وكأنه عرف أنني لحقته إلى هناك. قال لي بهدوء: "خسارة، أن يفني الإنسان عمره في الأكل والنوم. أنا لست طالب علوم دينية بشكل رسمي. أذهب إلى هناك للفائدة فقط. ثم أذهب عصرًا إلى البازار، ولكن في الوقت الحالي لا تُخبر أحدًا أبدًا"

إلى أن انتصرت الثورة، تابع إبراهيم عمله على هذه الوتيرة، لكن بعد انتصار الثورة ازدادت أعمال إبراهيم لدرجة لم يستطع معها متابعة أشغاله السابقة. 

1 - كنز العمال : 10 / 162 / 28842
 
60

 


45

الارتباط الإلهيّ

 
 
رضا هادي

في عصر أحد الأيام، كان إبراهيم عائدًا من عمله. حين دخل الزقاق، وقع نظره على ابن الجيران وهو يتكلم مع فتاة شابة. ما إن رأى ذلك الشاب إبراهيم حتّى ودّع الفتاة وذهب مسرعًا كي لا تلتقي عيناه بعينَي إبراهيم. 

بعد أيام، تكرّرت هذه الحادثة. هذه المرة حين التفتَ الشاب إلى إبراهيم، كان قد اقترب منهما كثيرًا. فابتعدت الفتاة بسرعة إلى الطرف الآخر وها هو إبراهيم وجهًا لوجه مع الشاب. بدأ إبراهيم بالسلام والكلام والسؤال عن الأحوال والأخبار. خاف ذلك الشاب، لكن إبراهيم - وكعادته - كانت البسمة تعلو وجهه. قبل أن يسحب يده من يد الشاب، بدأ بالكلام وبهدوء تام فقال: "أنت تعرف، ليس لمثل هذه الأمور سابقة في حيّنا، أنا أعرفك وأعرف عائلتك جيّدًا، إذا كنت تريد هذه الفتاة، أنا سأتكلم مع والدك أن...". قطع ذلك الشاب كلام إبراهيم وقال: "لا، أرجوك لا تقل شيئًا لأبي، لقد أخطأت، اعذرني..."

قال إبراهيم: "لا، وكأنك لم تفهم قصدي، أقصد أنّ والدك يملك بيتًا كبيرًا، وأنت تعمل في الدكان. أنا سأكلم والدك الليلة في المسجد، إن شاء الله ستتمكن من الزواج بهذه الفتاة. ما الذي تريده أكثر من ذلك؟".

61


46

الارتباط الإلهيّ

 قال الشاب وقد خفض رأسه: "إذا عرف أبي بالأمر، سيغضب كثيرًا". 

أجابه إبراهيم: "أنا أتكفّل بأبيك. أنا أعرفه. إنه رجل منطقي ومتفهّم"

قال الشاب عندها: "والله لا أعرف ماذا أقول. الرأي رأيك". ثم ودّعه وذهب.

بعد صلاة المغرب والعشاء، التقى إبراهيم والد ذلك الشاب. بدأ بالكلام عن الزواج؛ إذا توافرت الشروط المناسبة وكان الشخص مستعدًا للزواج ولم يتزوج قد يقع في الحرام. وإذا وقع في الحرام، بماذا سيجيب الله يوم القيامة؟ وإنّ على الكبار أن يساعدوا الشباب في هذا المجال. كان والد الشاب يهز برأسه موافقًا. لكن عندما بدأ الحديث يدور حول ابنه قطّب حاجبيه منزعجًا. 

سأله إبراهيم: "يا حاج، إذا أراد ابنك أن يحفظ نفسه من الوقوع في الحرام في هذه الظروف، فهل هذا أمر سيّئ؟"

قال الحاج بعد لحظات من السكوت: "لا"

في اليوم التالي تكلّمت والدة إبراهيم مع والدة ذلك الشاب ثم مع والدة الفتاة وثم... بعد مرور شهر على هذه القضية، كان إبراهيم عائدًا من السوق، والحي مزين بالمصابيح الجميلة، فارتسمت على وجهه ابتسامة رضى؛ الرضى بسبب تحويل علاقة مشوبة بالشكّ والشبهة إلى ارتباط إلهي. ما زال هذا الزواج قائمًا إلى الآن، ويعتبر هذان الزوجان حياتهما مدينة للسلوك الحسن والمناسب الذي قام به إبراهيم.

62


47

أيام الثورة

 
 أمير ربيعي

 

منذ سنوات طفولته، أحب إبراهيم الإمام الخميني حبًّا خاصًّا. وكلّما كبر أكثر نما هذا الحب أكثر وأكثر، إلى أن وصل إلى قمته في السنوات الأخيرة التي سبقت انتصار الثورة. 

كان يوم جمعة من العام 1977م. حين لم يبدأ بعد الحديث عن قضايا الثورة ولا عن اشتباكات أو معارك. كنّا متوجهين إلى البيت عائدين من جلسة دينية في ساحة "جالة"1. لم نكن قد ابتعدنا عن الساحة كثيرًا، حين التحق بنا بعض الأصدقاء، وبدأ إبراهيم يخبرنا عن الإمام الخميني قدس سره، ثم صرخ بصوت عالٍ: "السلام على الخميني"، ونحن نهتف وراءه. انضم إلينا بعض الشباب حتّى وصلنا إلى تقاطع "شمس". عندها، لاح من بعيد عدد من سيارات الشرطة. طلب إبراهيم فورًا من الشباب الانتشار فتفرّقنا داخل الأزقة. 

بعد هذه الحادثة بأسبوع أو أسبوعين، عندما كنا عائدين من تلك الجلسة صباح الجمعة، وبالقرب من الساحة، أمام السينما، هتف إبراهيم: "السلام على الخميني" وصرنا نهتف وراءه. كما انضمت إلينا المجموعة التي خرجت معنا من الجلسة. كان مشهدًا رائعًا.

1- التي صار اسمها في ما بعد "ساحة الشهداء".
63

  

 


48

أيام الثورة

 بعد دقائق، وقبل أن يصل رجال الشرطة، طلب إبراهيم من الحشد أن يتفرّق. ثم ركبنا سيارة أجرة وتوجّهنا نحو ميدان خراسان. 

بعد أن تخطيّنا تقاطعَين اثنين، انتبهنا فجأة أنهم يوقفون السيارات، ويفتشون الركاب واحدًا واحدًا. 

على جانب الطريق، اصطفّت سيارات السافاك2 ووقف ما يقارب عشرة من رجال شرطة. كان وجه الشرطي الذي يراقب السيارات مألوفًا بالنسبة إليّ، إذ كان بيننا حين كنا نهتف في ساحة "جالة".

لفتُّ نظر إبراهيم. وحين استوعب الأمر، وقبل أن يصل المفتش إلى سيارتنا، فتح الباب وركض مسرعًا إلى الرصيف. رفع المفتش الواقف وسط الطريق، رأسه ورأى إبراهيم فنادى بأعلى صوته: "إنه هو، إنه هو...".

ركض رجال الشرطة خلف إبراهيم. وبدأت المطاردة في الأزقة....

حين تشتّت انتباه رجال الشرطة، دفعتُ الأجرة للسائق وترجّلت وتوجهت إلى الشارع المقابل.

حين وصلت إلى البيت، كان الوقت ظهرًا ولا خبر عن إبراهيم. حلّ المساء ولا أخبار عنه أيضًا. اتصلت بعدد من رفاقه، ولكنهم لم يعلموا شيئًا عنه. 

كنت قلقًا جدًّا، فقد قاربت الساعة الحادية عشرة. جلست في الباحة أمام البيت، وفجأة سمعت صوتًا من الخارج. قفزت إلى الباب، تعجبت كثيرًا وأنا أرى إبراهيم بوجهه الباسم يقف خلف الباب. قفزت واحتضنته، كنت سعيدًا جدًّا، ولم أعرف كيف أُظهر سروري. قلت له: "أخي أبرام، ما الخبر؟".

تنفّس بعمق وقال: "الحمد لله، ها أنا ذا بخير وسلامة في خدمتك"

قلت: "هل تناولت العشاء؟"، قال: "لا يهمّ". أسرعت إلى البيت، أحضرت 

2 - جهاز الأمن زمان الشاه.
64


49

أيام الثورة

 خبزًا وبعضًا من طعام العشاء. ذهبنا إلى ميدان "غياثي"1. وبعد أن تناولنا بعض الطعام قال: "هنا ينفعنا الجسم القوي على الرغم من أنّهم كانوا مجموعة لكنني استطعت الهرب منهم". 

على كل حال، ليلتها تحدثنا كثيرًا عن الثورة وعن الإمام وعن...

ثمّ اتفقنا على أن نذهب معًا ليلًا إلى مسجد "لُرزاده" لنستمع إلى محاضرات الشيخ "تشاووشي"4.


إنها المرة الثالثة التي نشارك فيها في الجلسة. ذهبنا مع إبراهيم وثلاثة من رفاقنا إلى مسجد "لُرزاده". كان الشيخ "تشاووشي" رجلًا شجاعًا لا يخاف أبدًا، كان يتكلم على المنبر كلامًا لا يجرؤ أحد على قوله. أثار حديث الإمام موسى الكاظم عليه السلام - الذي يقول فيه: "رجل من أهل قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد"3 - تعجّب كثيرٌ من الناس. وهكذا أكمل حديثه الثوري. 

فجأة، سمعت ضجيجًا وأصواتًا عالية تصل من جهة الباب. رجعنا إلى الوراء، رأيت رجال السافاك أمام المسجد، بيدهم العصيّ والأحزمة وهم ينهالون ضربًا على الجميع. تدافعت الجموع للخروج من المسجد، وكان رجال السافاك يضربون بقسوةٍ كل من يمرّ أمامهم. لم يرحموا الأطفال ولا النساء أيضًا.

غضب إبراهيم كثيرًا ممّا يحصل، فركض نحو الباب وتعارك مع بعض السافاكيين، فانهال عدد منهم عليه ضربًا. في هذه الفترة الزمنية، فُتِح الطريق 

1 - صار اسمه لاحقًا "ميدان الشهيد سعيدي".
2 - من العلماء الثوريين، وقد استشهد لاحقًا على أيدي المنافقين.
3 - بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 57، ص 216.

 
65
  


50

أيام الثورة

 فاستطاع عدد من الناس والنساء والأطفال الخروج من المسجد. اشتبك إبراهيم بشجاعة معهم وتضاربوا بشدّة، ثم استطاع الهروب منهم، ولحقناه نحن وابتعدنا عن المسجد. 

بعد ذلك، عرفنا أنهم في تلك الليلة ألقوا القبض على الشيخ، كما استشهد وجرح عددٌ من المصلّين.

أدّت الضربات التي تلقّاها إبراهيم في تلك الليلة إلى ألم شديد في الظهر، عانى منه طيلة حياته، وأثّر كثيرًا على المصارعة لديه.

مع بداية أحداث العام 57هـ.ش/1978م، صارت الثورة وقضيتها كل ذكر وفكر إبراهيم، مضافًا إلى توزيع الأشرطة و“مناشير” الإمام، وكان يقوم بهذا العمل بشجاعة كبيرة.

في أوائل شهر أيلول1، اصطحب معه كثيرًا من الشباب إلى مرتفعات "قيطرية" وشاركوا في صلاة عيد الفطر بإمامة الشهيد "مفتح". وبعد الصلاة، أعلنوا أن مسيرة يوم الجمعة ستتجه نحو ساحة "جالة".

6 - أواسط شهر “شهريور” الهجري الشمسي.
66


51

17 شهريور

 أمير منجر

في صبيحة السابع عشر من شهريور/ 8 أيلول، ذهبت إلى إبراهيم وتوجهنا معًا على الدراجة النارية إلى تلك الجلسة الثقافية الدينية بالقرب من ساحة "جالة"1. ما إن انتهت الجلسة حتّى ارتفعت الأصوات وعلا الصخب في الخارج. منذ الصباح أُعلنت حالة الطوارئ، وتجمع الجنود ورجال الشرطة على جوانب الساحة. كما كانت الجماهير الغفيرة تتوجه نحو الساحة فيما يطلب الجنود عبر مكبرات الصوت من الناس التفرّق. خرج إبراهيم من الجلسة مسرعًا، ثم نظر إليّ وقال: "أمير، تعال لنرى ما الخبر".

خرجنا، وإذا بالحشود تتوجّه إلى ساحة "جالة" من كلّ ناحية. صدحت الشعارات في أرجاء الساحة وتحولت من "السلام على الخميني" إلى "الموت للشاه"

كان إبراهيم لا يتوقف عن الهتاف وعن الحديث مع شباب الحي. جاء أحد الشباب مسرعًا وهو يقول: "لقد أقفل رجال الشرطة الطريق من جهة شهباز (17 شهريور)!". 

اندفعت الجماهير نحو الساحة. كان بعضها يقول: "حاصر السافاك

1 - ساحة الشهداء.
 
67

  


52

17 شهريور

 الساحة من الجهات الأربع". وبعد لحظات حصل ما لم يكن أحد يتوقّعه.. سُمِع صوت إطلاق النار من كل جهة، كما كانت المروحية المحلّقة في السماء تطلق الرصاص أيضًا. ركضت بسرعة وأحضرت الدراجة النارية، فقد اكتشفت طريقًا للخروج في أحد الأزقة، حيث لا شرطة هناك. أحضر إبراهيم أحد الجرحى بسرعة، واتجهنا معًا نحو مستشفى "الثالث من شعبان" وأسرعنا في العودة. حتّى الظهيرة، كنا قد ذهبنا ورجعنا حوالي ثماني مرات من وإلى المستشفى. كان جسد إبراهيم ملطخًا بالدماء من رأسه حتّى قدميه. 

وقع أحد الجرحى أمام محطة الوقود، وكان رجال الشرطة يراقبونه من بعيد. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه. 

أراد إبراهيم أن يتوجّه نحو هذا الجريح، لكنني منعته وقلت له: "لا، إنهم يتّخذونه فخًّا كي يطلقوا النار على كل من يقترب"

نظر إبراهيم إليّ وقال: "لو كان أخوك مرميًّا هناك، هل كنت ستقول الكلام نفسه؟". عندها لم أعرف ماذا أجيب، قلت فقط: "انتبه جيّدًا". خَفَتَ صوت إطلاق النار، وتراجع رجال الشرطة إلى الخلف قليلًا. 

زحف إبراهيم بسرعة في الشارع إلى أن وصل إلى جانب الجريح، واستلقى بالقرب منه، ثم أمسك يده وبحركة واحدة ألقاه على ظهره، وعاد كما ذهب زاحفًا على الأرض. أظهر إبراهيم شجاعة لا نظير لها. بعدها، وبمساعدة أحدهم، وضع الجريح على دراجتي النارية، ونقلته بنفسي إلى المستشفى. 

عندما أردت العودة إلى الشارع نفسه، كان رجال الشرطة قد أغلقوا الممرّات، وشدّدوا حالة الطوارئ، ولم أر إبراهيم بعدها. لم أعرف كيف وصلت إلى البيت. عند العصر، ذهبت إلى بيت إبراهيم، كانت والدته قلقة جدًّا، ولا خبر عنه. لكن في آخر الليل، أخبروني أنه عاد إلى المنزل، فرحت كثيرًا، وتواصلت معه هاتفيًا. لقد فرحت حقًا لأنه استطاع الإفلات من الشرطة. في اليوم التالي،

68


53

17 شهريور

 ذهبنا إلى "بهشت زهرا"1 وقدمنا المساعدة في مراسم التشييع والدفن. 

 

بعد السابع عشر من شهريور، كنا نجتمع كل ليلة في بيت أحد الشباب كي ننسّق البرامج والأنشطة. لفترةٍ معيّنة، كان محلّ اجتماعنا على سطح بيته، ولفترةٍ أخرى، بيت مهدي و... في هذه الاجتماعات، كنّا نتباحث حول المسائل العقدية، والسياسية المستجدة. إلى أن انتشر خبر عودة الإمام في كل مكان. 

1 - مقبرة جنة الزهراء.
 
69

 


54

عودة الإمام قدس سره

 حسين الله كرم

بعد التنسيق، من بين الفرق الخاصة بحماية الإمام، أوكلت إلينا مسؤولية إحدى الفرق الخاصة بحماية الإمام. وبات من المفترض أن تحضر مجموعتنا ونحن مسلّحون - في الثاني عشر من بهمن/1 شباط - في أحد الشوارع المؤدية إلى المطار. 

لا يمكن أن أنسى مشهد وصول السيارة التي تقل الإمام الخميني. كان إبراهيم كالفراشة التي تدور حول شمع وجود الإمام. بعد مرور السيارة، جمعنا الشباب وانطلقنا مع إبراهيم إلى "مقبرة جنة الزهراء".

أوكل إلينا أمن المدخل الأساس لـ"جنة الزهراء" لجهة جادة قم. وقف إبراهيم بالقرب من المدخل، لكنّ قلبه وعقله في "جنة الزهراء" حيث يلقي الإمام خطابه. كان إبراهيم يكرّر للشباب: "جاء صاحب هذه الثورة، ونحن مطيعون له. كل ما يقوله الإمام يجب أن يُنفّذ". منذ ذلك اليوم نسي إبراهيم النوم والطعام. خلال عشرة الفجر، مرّت أيام لم يعرف أحدنا أي خبر عن إبراهيم. إلى أن رأيته في التاسع من شباط سألته مباشرة: "أين كنت يا عزيزي أبرام؟"، سكت قليلًا ثم قال: "في الأيام القليلة السابقة، كنا نسعى أنا وعدد من الشباب للتعرّف إلى هوية الشهداء المجهولين. لم يوجد غيرنا ليتابع

71

  


55

عودة الإمام قدس سره

 وضعهم لدى الطبيب الشرعي". 

لكن في الليلة الحادية عشر من شباط1، كان إبراهيم وعدد من شباب الحي مضافًا إلى عناصر الشرطة المنشقّين يستعدون للسيطرة على مركز الشرطة في الحي. 

تمّت السيطرة على المركز الـ14 للشرطة، والتحقنا بدورية مع الشباب في الحي. في صباح اليوم التالي، أُعلن خبر انتصار الثورة عبر الإذاعة الرسمية. 

كان إبراهيم، لأيّامٍ عدّة، يذهب مع قاسم إلى مدرسة "الرفاه" حيث صار من مرافقي الإمام. بعدها ذهب إلى سجن "قصر" وصار لمدة قصيرة حارسًا هناك. ثم ساعد شباب اللجنة2 في عملهم لكنه لم ينخرط رسميًا معهم.

1 - أي، ليلة انتصار الثورة.
2 - قبل تأسيس الحرس الثوري، كان عبارة عن لجان في المناطق. كما كان يطلق على شباب الحرس، شباب اللجان.

72


56

القفزة المعنوية

 
جبّار ستوده، حسين الله كرم

 

نلاحظ في حياة كثير من العلماء العظام أنّ ما ساهم في رشدهم المعنوي السريع هو تركهم للمعاصي الكبيرة، وبالدرجة الأولى، ما يرتبط بضبط النفس عن الشهوات الجنسية. يقول تعالى في سورة يوسف: ﴿ هإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين ﴾1، وهذا يشير إلى أنّ القانون عام ولا يرتبط بالنبي يوسف عليه السلام فقط.


مرّ شهر على انتصار الثورة، كان إبراهيم، وبوجهه الجميل وقامته الجذّابة، يرتدي بزّة جميلة ويتوجّه إلى عمله في شمال طهران. في أحد الأيّام، التفتُّ إلى أنّه منزعج ومغموم وقليل الكلام. قلت له: "أخي أبرام، هل حصل شيء؟".

أجاب: "لا شيء مهمًّا؟"؛ لكنّني أصررت عليه وقلت له: "هل من شيء يزعجك؟ يمكنني مساعدتك".

صمت برهة ثم تكلم: "منذ مدة، تعلقت بي إحدى الفتيات غير المحجبات في الحي وهي تقول لي لن أتراجع حتّى أحصل عليك". 

سكتُّ قليلًا.. كدت أنفجر من الضحك. فنظر إليّ إبراهيم متعجّبًا وسأل:

1- سورة يوسف، الآية 90.
73

  

 


57

القفزة المعنوية

 "ما يضحكك؟" 

قلت: "يا أخي أبرام، عندما تخرج من البيت بهذا الشكل والمنظر، لا مجال للاستغراب".

قال: "ماذا تعني؟ هل قالت لي هذا الكلام بسبب شكلي ومظهري؟" قلت له: "لا شكّ في الأمر". 

في اليوم التالي، ما إن رأيت إبراهيم حتّى ارتفع صوتي بالضحك مرة ثانية. حضر إبراهيم إلى العمل حليق الرأس، بقميص واسع فوق البنطال. وفي اليوم الذي تلاه أيضًا، جاء إلى العمل بوجه غير مرتب، وببنطال كردي منتعلًا خُفًّا. واستمر على هذه الحال إلى أن تخلّص من هذه الوسوسة الشيطانية.


من صفات إبراهيم التي ميّزته عن أصدقائه، نظره الثاقب ودقته في العمل. لا أنسى تلك الحادثة في الأيام الأولى لانتصار الثورة، حين ذهبت أنا وإبراهيم وبعض شباب اللجنة في مأمورية. فقد أُعلِمنا أنّ أحد النشطاء العسكريين قبل الثورة والملاحَق منذ مدّة، قد تمّ رصده وهو يدخل في أحد الأبنية. أخذنا العنوان، وتوجهنا إلى هناك واستطعنا أن نلقي القبض عليه من دون أي اشتباكات. عندما أردنا الخروج من المبنى، كان عدد من الجيران مجتمعين أمام الباب الخارجي ليعرفوا من هو الفرد الذي أُلقي القبض عليه. 

حين رأى إبراهيم هذا المشهد، عاد إلى الداخل وطلب الانتظار قليلًا. سألته متعجبًا: "ما الذي حصل؟". لم يقل شيئًا؛ بل فكّ الكوفيّة التي كان يربطها حول خصره وغطّى بها وجه ذلك الرجل. سألته: "ماذا تفعل يا إبراهيم؟"

أجابني بهدوء: "لقد ألقينا القبض على هذا الرجل، على أساس اتصال وخبر سمعناه. ماذا لو لم يكن هذا الخبر صحيحًا؟ نكون قد أرقنا ماء وجهه

74


58

القفزة المعنوية

 ولن يستطيع بعدها السكن هنا، وسينظر إليه الناس كمتّهم دومًا. لكنّنا إذا غطينا وجهه، لن يعرفه أحد، وإذا أُطلق سراحه غدًا لن يواجه مشكلة أبدًا.

حين خرجنا من المبنى لم يستطع أحد التعرف إلى الرجل، أما أنا فكنت أفكّر في الطريقة الصحيحة التي ينظر بها إبراهيم إلى الأمور، وكم يعطي عناية لشخصية الناس وماء وجههم.

75


59

تأثير الكلام

 
 مهدي فريدوند 

مرّت أشهر على انتصار الثورة. قال لي أحد الأصدقاء: "في الغد، اذهب مع إبراهيم إلى منظمة التربية البدنية1، يريد السيد "داوودي" أن يراكما"

قبل تلك الفترة، كان إبراهيم مشغولًا لمدة شهرين بحراسة سجن "قصر". في اليوم التالي، حصلنا على العنوان وتوجهنا إلى هناك. كان السيد "داوودي" معلّم إبراهيم في المرحلة الثانوية. حين وصلنا، اهتم بنا كثيرًا، ثم اجتمع معنا ومع عدد من الشباب المدعوّين مثلنا وقال لنا: "بما أنكم رياضيّون وثوريّون في الوقت نفسه، تعالوا إلى المنظّمة، وتسلّموا بعض المسؤوليات". 

بعد اللقاء، تحدّث معنا أنا وإبراهيم على انفراد وقال: "ستتولّيان مسؤولية التفتيش في المنظمة". بعد أن تحدثنا قليلًا، قبلنا بهذه المسؤولية، وفي صباح اليوم التالي، باشرنا العمل. 

كلما واجهتنا مشكلة، كنا نراجع السيد "داوودي".

لا أنسى يومًا حين دخل إبراهيم مكتب التفتيش، وسألني: ماذا تفعل يا مهدي؟

1 - رعاية الشباب.
77

  

 


60

تأثير الكلام

 - لا شيء، أوقّع حكم فصل من العمل.

- لِمن؟ 

- وصل تقرير من أحد الاتحادات أنّ الرئيس يأتي إلى العمل بلباس ومظهر استفزازي، وسلوكه مع الموظفات غير مناسب، وسمعت أنّ موقفه مخالف للثورة. كما إنّ زوجته غير محجبة.

كنت أكتب التقرير الذي اعتقدت أنّ علينا إرسال نسخة منه لشورى الثورة، عندما سألني إبراهيم: "هل يمكن أن أقرأ التقرير؟". 

خذ! هذا التقرير وهذا حكم الطرد من العمل.

حين نظر إلى التقرير، سألني: هل تكلمتَ مع هذا الرجل بنفسك؟ 

- لا! لا داعي لذلك فالكل يعرفه. 

- لا يصحّ ذلك. أوَلم تسمع: "إنّ الإنسان الكاذب يصدّق كل ما يسمعه"؟

- ولكن، هذا ما أخبرنا به شباب ذلك الاتحاد.

قطع كلامي وقال: "لنبحث عن عنوان هذا الرجل، ونذهب عصرًا إلى بيته، ونعرف من هو وماذا يقول". بعد لحظات من التفكير، وافقت على ما قاله.

عندما أنهينا عملنا، أخذت العنوان وذهبنا إلى بيت الرجل على دراجتي النارية. 

كنا نبحث عن بيته في الأحياء بعد جسر "سيد خندان"، وإذا بنا نراه يصل. عرفته من الصورة المرفقة مع ملفّه. 

توقفت سيارة "مرسيدس" أمام بيته، وترجّلت منها امرأة من دون حجاب تقريبًا وفتحت الباب.

فدخل الرجل الذي كان في السيارة أيضًا. قلت: "هل رأيت؟ هل رأيت أن

78

  


61

تأثير الكلام

 وضع هذا الرجل غير مقبول".

- اصبر لنتكلم معه ثم أصدر أحكامك. 

أوصلت الدراجة النارية إلى أمام المنزل، وضعتها على المِرفع بينما قرع إبراهيم جرس المنزل. كان الرجل لا يزال في الباحة، فجاء ليفتح الباب بسرعة.

رجلٌ عريض الكتفين، طويل القامة، حليق الذقن واللحية، يرتدي بزّة أنيقة. تفاجأ حين رأى وجهَينا، خاصة في تلك المنطقة. قال: "تفضّلا".

قلت في نفسي: لو كنت مكان إبراهيم لأوقفته عند حدّه. لكن إبراهيم، وباحترام خاص، سلّم عليه والابتسامة تعلو وجهه وقال: "أنا إبراهيم هادي. أعتذر على الإزعاج لكنني أريد أن أطرح عليك أسئلة عدة".

قال ذلك الرجل: "اسمك مألوف بالنسبة إلي! سمعته منذ أيام في العمل". ثم تابع: "أنت المفتش الإداري، صحيح؟". 

ضحك إبراهيم وقال: "أجل". ارتبك الرجل كثيرًا وأخذ يصرّ علينا للدخول إلى المنزل. لكن إبراهيم رفض وقال: "شكرًا جزيلًا، لن نأخذ من وقتك إلّا بضع دقائق". بدأ إبراهيم يتكلم، واستمر حوالي الساعة في الحديث، لكن لم نشعر بمرور الوقت.

حدّثه عن كل شيء وضرب له مثالًا لكل موضوع. قال له: "اسمع يا صديقي، إنّ زوجتك هي لك، يجب ألّا تعرضها أمام الآخرين. هل تعرف كم من الشباب يقعون في المعصية لرؤيتهم نساءً غير محجبات كزوجتك مثلًا؟". ثم انتقل إلى العمل وقال: "كذلك أثناء العمل، أنت كمسؤول لا يجب أن تتلفّظ بكلام سيّئ أو بمزاح غير لائق مع الموظفات. صحيح أنك كنت بطلًا في فئتك الرياضية، لكن البطل الحقيقي هو من يمنع نفسه عن الوقوع في الخطأ".

ثم تحدث عن الثورة، عن دم الشهداء، عن أعداء البلاد، وكان الرجل يؤيّد كلام إبراهيم ويوافقه. في ختام الكلام قال إبراهيم: "يا عزيزي، هذه رسالة

79


62

تأثير الكلام

 فصلك من العمل". صُدم الرجل، ونظر إلينا بتعجب. 
ابتسم إبراهيم ومزّق الرسالة ورماها في قناة الماء. ثم قال: "يا صديقي العزيز، فكّر قليلًا في ما قلته لك". 

ثم ودّعناه وركبنا الدراجة النارية وابتعدنا. حين أردنا قطع الطريق، لفت نظري الرجل الذي كان لا يزال واقفًا أمام الباب. 

قلت: "يا أبرام، ما أجمل كلامك! لقد أثّر فيَّ أنا أيضًا". 

ضحك وقال: "يا صديقي، وما دخلنا نحن، إنه الله، هو الذي أجرى هذا الكلام على لساني. إن شاء الله... يكون لهذا الكلام تأثير".

ثم أكمل: "تأكّد، لا شيء كالسلوك الحسن يؤثّر في الناس، ألم يقل الله لرسوله في القرآن الكريم: قدس سرهولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك دام ظله؟ على الأقل، لنتعلم سلوك الرسول".
 

بعد شهر أو شهرين وصَلَنا تقرير من الاتحاد نفسه؛ لقد تغيّر الرئيس كثيرًا، كما تبدّل سلوكه خلال العمل. حتّى زوجته، تأتي لزيارته وهي ترتدي الحجاب. 

حين رأيت إبراهيم، أعطيته التقرير وكنت أنتظر ردّ فعله. قرأ التقرير ثم قال: "الحمد لله"، وغيّر موضوع كلامنا مباشرة. لكنّني لم أشكّ لحظة في أن إخلاص إبراهيم هو الذي أثّر في ذلك الرجل وغيّره كل هذا التغيير.


80

63

الاهتمام بالناس

 
عدد من أصدقاء الشهيد

عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "قال الله عزَّ وجلّ: الخلق عيالي، وأحبّهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم"1.

أمر عجيب. اجتمع كثير من الناس في شارع الشهيد "سعيدي". تقدّمت أنا وإبراهيم نحوهم وسألنا: ما الخبر؟ ماذا هناك؟ 

قال أحدهم: "هذا الطفل المتأخّر ذهنيًا يأتي كل يوم إلى هنا، يملأ دلوًا بالماء من القناة على جانب الطريق، ويبدأ برشّ المارة الذين يرتدون ثيابًا مرتبة بالماء"

تفرّق الناس شيئًا فشيئًا. قال الرجل المرتّب الأنيق الذي رشّه الصبي بالماء: "لا أدري ماذا أفعل بهذا الصبي؟". ذهب هذا الرجل أيضًا وبقينا مع الصبي. سأله إبراهيم: "لمَ ترش الناس بالماء؟" 

ضحك وأجاب: "أفرح بهذا الأمر ويعجبني". فكّر إبراهيم قليلًا ثم سأله: 

- هل يطلب منك أحد أن تقوم بهذا العمل؟ 

- يعطيني أولئك خمسة ريالات ويطلبون مني أن أرشّ الناس بالماء.

1- أصول الكافي، الكليني، ج ‏2، ص ‏199.
81

  


64

الاهتمام بالناس

 وأشار إلى الطرف الآخر من الشارع، حيث يقف مجموعة من الشباب الأراذل والعاطلين من العمل، ينظرون إلينا ويضحكون.

أراد إبراهيم الذهاب إليهم والتحدث معهم، لكنه تراجع وقال: "أين هو منزلك؟"، دلّنا الفتى على طريق بيته. قال له إبراهيم: "إذا امتنعت عن المجيء إلى الشارع ورش الناس بالماء، سأعطيك عشرة ريالات". 

وافق الفتى على الاتفاق. حين وصلنا إلى باب بيته، تكلّمنا مع والدته. وهكذا حُلّت هذه المشكلة وأزاح إبراهيم الأذى عن طريق الناس.

عندما كان إبراهيم في قسم التفتيش في التربية البدنية، أذكر يومًا بعد أن استلمنا الراتب الشهري، وبعد انتهاء دوام العمل، قال لي: "عزيزي مهدي، هل أحضرت دراجتك النارية؟".

- نعم، لماذا؟ 

- إذا كنت غير مشغول، ما رأيك في أن ترافقني إلى المتجر؟ 

ذهبنا معًا إلى المتجر، واشترى، بكلّ راتبه تقريبًا، اللحم والأرز والصابون و.. اشترى كل شيء وكأنه يحمل لائحة مشتريات محددة وشاملة. ثم انطلقنا في اتجاه منطقة "مجيدية"، دخلنا أحد الأزقة ودقّ إبراهيم باب أحد البيوت. 

فتحت سيدة عجوز الباب، يبدو أنها غير ملتزمة بالحجاب، ويتدلى على رقبتها صليب. تعجبت كثيرًا، وسألت إبراهيم في طريق العودة: "أخي أبرام، هل كانت هذه السيدة أرمنية؟".

- نعم، لماذا؟

أوقفت الدراجة النارية على جانب الطريق وقلت له: "يا أخي، تركت كل

82


65

الاهتمام بالناس

 هؤلاء الفقراء من المسلمين، وذهبت إلى المسيحيين؟". أجابني وهو جالس ورائي: "إن المسلمين لديهم من يساعدهم، وها هي مؤسسة الإمداد قد انطلقت في عملها، وستساعدهم إن شاء الله. لكن هؤلاء المساكين ليس لديهم أحد. ما قمت به يساعدهم من جهة في حل المشكلات، ومن جهة أخرى يُحببهم إلى الإمام والثورة".
 
83

66

كردستان

 
مهدي فريدوند 

إنّه صيف العام 58هـ.ش./ 1979م. بعد صلاتَي الظهر والعصر، كنت واقفًا أمام مسجد "سلمان" أتحدّث مع إبراهيم، حين وصل أحد الأصدقاء مسرعًا وقال لنا: "هل سمعتما نداء الإمام؟".

سألناه بتعجب: "كلا! وما الذي حصل؟".

قال: "أمر الإمام بالذهاب لمساعدة شباب كردستان وفكّ الحصار عنهم". 

ما إن أنهى كلامه حتّى وصل "محمد شاهرودي"، وقال: "سنتوجه أنا وقاسم تشكّري وناصر كرماني إلى كردستان". قال إبراهيم: "نحن أيضًا". ثم ذهبنا لنستعدّ للانطلاق. 

مع حلول العصر، كنا أحد عشر شخصًا نتجه نحو كردستان في شاحنة بليزر. كل الوسائل التي أخذناها معنا عبارة عن بندقية G3 وأربع رشاشات أخرى وبضع قنابل يدوية. 

كان عدد من الطرقات مقفلًا. اضطررنا أحيانًا إلى عبور طرقات ترابية، لكن على الرغم من كل الظروف، استطعنا الوصول إلى "سنندج" ظهيرة اليوم التالي. دخلنا المدينة من دون معرفة أوضاعها. وقفنا أمام دكة لبيع الجرائد،

85

  


67

كردستان

 نزل إبراهيم ليسأل عن مقر الحرس. ما إن اقترب من الدكّة حتّى صرخ: "بِلا دين، ما هذا الذي تبيعه؟"؛ نظرت إلى الخارج فرأيت رفًّا من المشروبات الكحولية. من دون أي تردّد حمل إبراهيم سلاحه، ثم تقدّم وكسرها، بعدها توجّه بغضب نحو البائع الذي اختبأ في زاوية دكانه. 

نظر إبراهيم قليلًا إلى وجهه، ثم قال له بهدوء: "أيّها الشاب، ألستَ مسلمًا؟ ما هذه النجاسة التي تبيعها؟ ألم يقل الله في القرآن إنّ الخمر من عمل الشيطان وعلينا اجتنابها؟"1؛ أومأ الشاب برأسه موافقًا وهو يردد: "أخطأت، سامحني لقد أخطأت"

تكلم إبراهيم قليلًا مع هذا الشاب، ثم أخرجه من الدكّة، وسأله عن مقرّ الحرس، فدلّنا على المكان وتحركنا مبتعدين. 

كان الجميع ينظر إلينا، ونحن نتحرك في الأحياء من دون علمنا بما يحصل فيها. إلى أن وصلنا إلى مقر الحرس في سنندج. كانت المتاريس الترابية تغطي كل جدران المبنى، وقد تحوّل المقرّ إلى ثكنة عسكرية محصّنة. 

مهما طرقنا الباب لم يفتحوا لنا؛ وأجابونا من خلف الباب: "لا يمكن، لا تبقوا هنا أبدًا، المدينة تحت سيطرة أعداء الثورة. توجّهوا مباشرة نحو المطار". قلنا لهم: "جئنا لنساعدكم، على الأقل قولوا لنا أين المطار"

جاء أحد شباب الحرس إلى طرف الحائط وقال: "المكان هنا غير آمن، قد يقصفون سيارتكم أيضًا. أخرجوا من تلك الناحية ثم تابعوا مسيركم لتصلوا إلى المطار، حيث يستقر أنصار الثورة. 

توجهنا نحو المطار. حين وصلنا إلى هناك عرفنا أن المدينة سقطت بيد أعداء الثورة، ولم يبق سوى مقر الحرس والمطار خارج سيطرتهم. 

استقرت في المطار ثلاث كتائب من الجيش برفقة كتيبة من الحرس

1- إشارة إلى الآية 90 من سورة المائدة.
86


68

كردستان

 الثوري. وكانوا يقصفون المطار باستمرار.

هناك رأيت "محمد بروجردي" للمرة الأولى. شاب أشقر صاحب وجه جذاب وباسم، يدير القوات في هذه الظروف بشكل جيد جدًّا. عرفت بعدها أنه يتولّى مسؤولية الحرس في غرب البلاد. تقدّم "بروجردي" وألقى السلام إلينا، ومن بين كل الشباب عرف "قاسم تشكّري"؛ لأنّه سبق والتقى به. 

سألَنا عن حال المدينة، فأخبرناه بما حصل معنا. ثم توجهنا مع قاسم وباقي الشباب وبرفقة عدد من قادة الجيش إلى داخل المبنى، وشرع "بروجردي" بالحديث معنا: "بعد نداء الإمام، كثير من القوات هي في طريقها إلينا وقد خاف أعداء الثورة. لديهم داخل المدينة مقرّان أساسيان، علينا أن نخطّط للهجوم عليهما". 

تكلّمنا حول مواضيع مختلفة. قال إبراهيم: "على ما يبدو، إن الناس في المدينة لا دخل لهم بأعداء الثورة. من الأصلح أن نهجم على المقر الأول وعندما ننجح في الأمر، نهجم على الثاني". وافق الجميع على هذه الخطة، وكان من المفترض تجهيز الشباب للهجوم. لكن في ذلك اليوم، توجهت قوات الحرس إلى "باوه" وبقيت كتائب الجيش تحت إمرة القيادة. 

كان إبراهيم وقاسم يتفقدان دشم الجنود وأماكن حراستهم واحدًا واحدًا، وكانوا يتكلمون معهم. بعد ذلك، تسلّما شاحنة البطيخ التي كانت في المطار من قبل، وأوصلوا البطيخ إلى الدشم وإلى الحراس وإلى نقاط المراقبة وهكذا وطّدوا معرفتهم بكل الجنود الموجودين في المطار. كما استطاعوا رفع جهوزية الجنود من خلال تدريبات يوميّة وبرامج متنوعة. 

في صباح أحد الأيام، انضم السيّد "خلخالي" إلى الشباب، مضافًا إلى عدد كبير من المقاتلين الذين أتوا من مختلف المدن واستقروا في مطار "سنندج". بعد الاستعداد اللازم، وقبل الظهيرة قمنا بالهجوم على أحد المقرين في

87


69

كردستان

 المدينة، وحاصرناه خلال وقت قصير، ثم ألقينا القبض على معظم المقاتلين المعادين للثورة. 

مضافًا إلى كثير من الذخائر، كان نصيبنا من المقر مبلغًا كبيرًا من الدولارات، وجوازات سفر وبطاقات هوية مزوّرة، جمعها إبراهيم كلها في كيس كبير وسلّمها إلى قائد الحرس الثوري. 

تمّت السيطرة على المقر الثاني للمعادين للثورة من دون أي اشتباكات، فسقطت المدينة بالكامل. لا أنسى ما قاله قائد القوات العسكرية هناك بعد ذلك: "لو انتظرت سنوات أخرى، لا أعتقد أن قواتي كانت ستمتلك الجرأة للقيام بهذا الهجوم، نحن مدينون في هذا العمل للأخ هادي ورفاقه الذين، من خلال صداقتهم مع الجنود، استطاعوا رفع معنوياتهم عاليًا". 

خلال تلك الفترة، قام عدد من القادة بتعليم إبراهيم وأصدقائه كثيرًا من الفنون العسكرية وتكتيكات القتال، وأصبحوا مقاتلين نخبة، ظهرت نتائجها خلال أيام الدفاع المقدّس. 

لم تطل أحداث "سنندج" كثيرًا، لكن الاشتباكات المتقطّعة استمرّت في بقية المدن في محافظة كردستان. عدنا في أيلول 1979م إلى طهران، لكن قاسم وبعض الشباب بقوا في كردستان والتحقوا بقوات الشهيد "شمران". 

بعد عودته ترك إبراهيم التفتيش في منظمة التربية البدنية ليلتحق بمجال التربية والتعليم. لكن لم يوافقوا على طلبه؛ واستدعى الأمر كثيرًا من المتابعات، فالتحق بإحدى المؤسسات التي كانت أكثر ما تحتاج إلى أفراد كإبراهيم.

88

  


70

المعلّم النموذجي

 
عباس هادي
كان إبراهيم يقول: "إذا كنا نريد أن تبقى الثورة راسخة، وأن يصبح الجيل القادم ثوريًا، علينا أن نبذل جهدنا في المدارس؛ لأنّ مستقبل البلاد سيتسلّمه أفراد لم يعاينوا بشكل كاف الظروف التي كانت موجودة في أيام الطاغوت".

كان ينزعج كثيرًا حين كان يرى أفرادًا غير ثوريين يتسلّمون التعليم في المدارس، ويقول: "يجب أن يكون أفضل الشباب وزبدة القوى الثورية حاضرة في المدارس وخاصة في الثانويات".

لذلك ترك عملًا قليل المتاعب، وانتقل إلى عمل كثير المتاعب براتب أقلّ، وكانت الماديات الشيء الوحيد الذي ما كان يفكّر فيه إبراهيم.

كان يقول: "الرازق هو الله. بركة المال مهمة والعمل الذي يكون لله، فيه بركة"

على كل حال، باشر التعليم في مدرستين. صار معلّمًا للرياضة في ثانوية "أبو ريحان" (المنطقة الرابعة عشرة) ومعلّمًا للّغة العربية في إحدى المدارس المتوسطة المحرومة في المنطقة الخامسة عشرة في طهران.

89

71

المعلّم النموذجي

 لم يطل تدريس إبراهيم للغة العربية في المدرسة المتوسطة، كثيرًا. ففي وسط العام الدراسي، توقف عن الذهاب إلى المدرسة من دون أن يوضح السبب. 

لكن في أحد الأيام، جاء مدير المدرسة المتوسطة، وبدأ يتحدث معي: "بالله عليك، بما أنك شقيق الأستاذ إبراهيم، اطلب منه العودة إلينا"

- وما الذي حصل؟

سكت قليلًا ثم أجابني: 

في الحقيقة، كان السيد إبراهيم يعطي مبلغًا من المال من جيبه الخاص لأحد تلامذته ليحضر كل صباح وفي الحصة الأولى الخبز والجبن إلى الصف! كان رأي الأستاذ هادي أنّ هؤلاء الأطفال فقراء وأكثرهم يحضرون جياعًا إلى الصف. ولا يمكن لطفل جائع أن يستوعب الدرس. لكنّني "تصابيت" وواجهته وقلت له: "لقد نشرتَ الفوضى في المدرسة". مع أنّه في الحقيقة لم ينشر أيّ فوضى. ثم وبّخته وصرخت في وجهه قائلًا: "لا يحق لك بعد الآن أن تقوم هنا بمثل هذه الأعمال". تركنا السيد هادي، وقد باشر تدريس حصصه في مدرسة أخرى. لكن الآن، طلب التلاميذ وأهلهم منّي أن أعيده إلى مدرستنا، فالكل يتحدّث عن أخلاقه وتدريسه. في الفترة التي درّس فيها، كان يحضر للأطفال الفقراء والمحتاجين والأيتام قرطاسية ووسائل مدرسية ولم أكن أعرف بهذا الأمر.

في اليوم التالي تحدثت مع إبراهيم، ونقلت له كلام مدير المدرسة. لكن من دون فائدة؛ لأنّه قد التزم بالتدريس في مكان آخر ولا وقت لديه الآن. 

أمّا في ثانوية "أبو ريحان"، لم يكن إبراهيم أستاذ رياضة فقط؛ بل كان أيضًا معلّم أخلاق وسلوك للتلاميذ الذين عندما سمعوا بطولات وفتوّات أستاذهم انبهروا به وسحرهم.

90


72

المعلّم النموذجي

لقد جعله وجهه الجميل والنوراني، وكلامه المؤثر وسلوكه الصحيح معلّمًا كاملًا.

 

كان قويًّا في إدارة الصف، يضحك عند اللزوم وعند اللزوم يكون حاسمًا. كان يحضر إلى الملعب في وقت الاستراحة، فيجتمع التلاميذ حوله.

كان أول من يحضر إلى المدرسة وآخر من يخرج منها، والمكان حوله كان يعجّ بالتلاميذ دومًا. 

في تلك الفترة التي نشطت فيها الأحزاب السياسية، حضر إبراهيم في المكان الأنسب لخدمة الثورة. لا أنسى ذات ليلة، حين أحضر إلى المسجد عددًا من التلاميذ المتأثرين بأفكار بعض الحركات السياسية في تلك الفترة، ودعا أحد أصدقائه المطّلعين جدًّا على المجريات السياسية يومها وكانت جلسة سؤال وجواب. أجاب وقتها عن كل أسئلة التلاميذ وانتهت الجلسة حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل. 

في العام الدراسي 1979-1980م، اختير السيد هادي المعلّم النموذجي، على الرغم من أنها كانت سنة التدريس الأولى والأخيرة له. وقد صدر حكم تعيينه في أول العام الدراسي التالي، لكن بسبب ظروف الحرب المفروضة لم يستطع الاستمرار في التعليم.

في تلك السنة، ازدادت أعمال إبراهيم كثيرًا؛ التدريس في المدرسة، العمل في اللجنة، الرياضة التراثية، المصارعة، المسجد، اللطم في مجالس العزاء، والحضور في كثير من الأنشطة والبرامج الثورية... كانت هذه الأعمال تحتاج إلى أفراد عدة للقيام بها.

 
91

 


73

معلّم الرياضة

 
الشهيد رضا هوريار

في نيسان من العام 1980م، كنت معلّم الرياضة في ثانوية "الشهداء" التي تجاورُ ثانوية "أبو ريحان"، حيث كان إبراهيم معلّم الرياضة هناك.

ذهبت لرؤيته، وتكلمنا كثيرًا. سحرتني أخلاقه وانجذبتُ إلى سلوكه. ذات مرة، قال لي في نهاية الدوام: "ما رأيك لو نلعب ضربة لضربة في الكرة الطائرة".

ضحكت؛ لأنّني كنت قد شاركت مع المنتخب الوطني في مباريات عالمية، وكنت أعتقد أنني صاحب نمط خاص بي. يأتي هذا الرجل الآن و... على كل حال، قبلت. قلت في نفسي سألعب بشكل ضعيف كي لا أحرجه.

رمى الضربة الأولى. كانت قوية لدرجة لم أستطع ردّها. الثانية ثم الثالثة و.. انخطف لون وجهي. لقد بدوت ضعيفًا أمام التلاميذ.

كان يرمي ضربات يدوية عجيبة، كان من الصعب ردّها. وامتلأ الملعب حولنا بالتلاميذ.

نظر إليّ، ثم ضرب ببطء. نلت النقطة الأولى، ثم نقطة أخرى ونقطة ثالثة.. كان يريدني ألّا أُحرج، كان يضيّع الكرات عن قصد. وصلت إلى عدد

93


74

معلّم الرياضة

 نقاط إبراهيم فتعادلنا. ثم بدأ الشوط الثاني، فأعطيته الطابة ليرميها. عندما أمسكها بيده، ارتفع صوت أذان الظهر "الله أكبر". وضع إبراهيم الكرة على الأرض، أذّن بصوت عال، فصدح صوته في الثانوية. تفرق التلاميذ، بعضهم للوضوء وآخرون إلى البيت. بدأ بالصلاة، هناك في الملعب حيث اصطفّ التلاميذ خلفه. أقيمت صلاة الجماعة وصلّى الجميع بإمامته.

عندما انتهت الصلاة، التفت إليّ. سلّم عليّ وقال: يا أخي رضا1، المنافسة جميلة مع الصداقة.

1 رضا هوريار: قائد رياضي، رافق المنتخب الوطني للصم إلى المباريات العالمية، وفاز بالبطولة على الرغم من أنه لم يكن أصمّ. التحق بقافلة الشهداء في عمليات كربلاء 5.
 
94


75

الصلاة في أول الوقت

 
مجموعة من أصدقاء الشهيد

كانت الصلاة أول الوقت محور كل أنشطته وأعماله. رأيته مرارًا، وفي أصعب الظروف، كيف كان وبهدوء تام، يصلّي أول الوقت جماعة ويدعو الآخرين إلى الصلاة أيضًا.

يقول أمير المؤمنين: مَنِ اخْتَلَفَ إلى الْمَسْجِدِ أَصَابَ إِحْدَى الثَّمَاني: أَخًا مُسْتَفَادًا فِي اللَّهِ، أَوْ عِلْمًا مُسْتَطْرَفًا، أَوْ آيَةً مُحْكَمَةً، أَوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً، أَوْ كَلِمَةً تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، أَوْ يَسْمَعَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى، أَوْ يَتْرُكَ ذَنْبًا خَشْيَةً، أَوْ حَيَاءً"1.

وكان إبراهيم مصداقًا حقيقيًا لهذا الحديث. حتّى قبل انتصار الثورة كان يصلي الصبح جماعة في المسجد. يذكّرنا سلوكه بكلام الشهيد رجائي: "لا تقولوا للصلاة لديّ عمل، قولوا للعمل لديّ صلاة". 

أفضل مثال على ذلك، حين كان يحين وقت الصلاة والشباب مشغولون بالرياضة في "الزورخانه"، يوقف إبراهيم اللعبة، ثم يقيم الصلاة جماعة وسط الحلبة. 

مرات عديدة، في مسيرنا نحو الجبهة وعندما يحين وقت الأذان، كان

1- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص390.

95


76

الصلاة في أول الوقت

 إبراهيم يؤذّن ثم يوقف السيارة ويشجع الجميع على الصلاة جماعة.

جذب صوت إبراهيم المؤثّر وأذانه الجميل الجميع إليه. كان إبراهيم مصداقًا لحديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله وعد أن يدخل الجنة ثلاثة أنفار بغير حساب... رجل يتوضأ ثم يدخل المسجد فيصلّي في الجماعة"1.

لم يكن ملتزمًا بالذهاب إلى مسجد خاص لصلاة الجماعة؛ بل كان يذهب إلى كل مساجد الحي، وكان صديقًا لكثيرٍ من شباب هذه المساجد. منذ بداية نشأته ومنذ الأيام الأولى للرياضة في الـ"روزخانه" اشترى عباءة له وكان يصلّي دائمًا مرتديًا هذه العباءة. 

في منتصف العام 1980م، استمرّ نشاط التعبئة إلى ما بعد منتصف الليل، وكانت تفصلهم ساعتان عن أذان الصبح. 

جمع إبراهيم الشباب، وبدأ يقصّ عليهم ذكرياته في الجبهة. كانت الذكريات جذابة جدًّا ومضحكة جدًّا. باختصار، أبقى الشباب مستيقظين حتّى أذان الصبح، وبعد الصلاة عادوا جميعًا إلى بيوتهم.

توجّه إبراهيم بالكلام إلى مسؤول التعبئة وقال: "لو انصرف الشباب مباشرة بعد الجلسة إلى بيوتهم، الله يعلم إن كانوا سيستيقظون لصلاة الصبح. لذلك في المرات القادمة انتبهوا، فإما أن تنهوا أنشطة التعبئة باكرًا أو عليكم أن تبقوهم مستيقظين كي لا تصبح صلاتهم قضاءً"

مع أنّ إبراهيم كان في النهار إنسانًا مرحًا وكثير المزاح ويتكلم بطريقة شعبية، لكنه ليلًا كان يستيقظ قبل السحر ليصلّي صلاة الليل. كان يسعى

2- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج6، ص448.
96


77

الصلاة في أول الوقت

 كثيرًا كي يقوم سرًّا بهذا العمل. كلما كان إبراهيم يقترب من نهاية أيامه، كان وقت استيقاظه في الليل يطول أكثر.

 

كان يعرف جيدًا أن الأحاديث اعتبرت القيام في السحر وصلاة الليل من علامات الشيعيّ الحقيقي.

كان ملتزمًا بقراءة دعاء كميل ودعاء الندبة. كان يقرأ الأدعية والزيارات كل يوم بعد صلاة الصبح، يزور زيارة عاشوراء يوميًا أو يقرأ السلام الأخير فقط.

كان يكرر دومًا الآية "وجعلنا"1. قلت له يومًا: "يا أبرام، نقرأ هذه الآية للحفظ من الأعداء.. ولكن لا أعداء هنا". نظر إليّ إبراهيم نظرة عميقة وأجابني: "وهل ثمّة عدو أكبر من الشيطان؟". 


ذات مرة، جرى الحديث حول الناشئة وأهمية الصلاة. قال إبراهيم يومها: "حين رحل أبي عن هذه الدنيا، كانت أعصابي متعبة جدًّا. ليلًا، وبعد ذهاب المعزّين، نمت من دون أن أصلي لأنني كنت مستاءً. حين أغمضت عينيّ رأيت أبي في عالم الرؤيا: فتح باب البيت ودخل غاضبًا جدًّا وتوجّه مباشرة إلى غرفتي، فتح الباب ونظر إلى وجهي للحظات عدة. فهمت من نظرات أبي كثيرًا من الكلام. استيقظت قبل أن ينقضي وقت الصلاة، توضّأت وأتممت صلاتي.


من المسائل الأخرى التي كان إبراهيم يوليها أهمية كبيرة صلاة الجمعة. على الرغم من أنّه كان يقضي معظم أوقاته في كردستان وفي الجبهات الأخرى في الفترة التي بدأت خلالها إقامة صلاة الجمعة، لكن حين يحضر في طهران،

1- ﴿هوَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾. سورة يس، الآية 9.97
 
97

 


78

الصلاة في أول الوقت

 يكون برنامجه ليوم الجمعة هو المشاركة في الصلاة. قال مرّة: "أنتم لا تعلمون كم لصلاة الجمعة من ثواب وبركة".
 
 يقول الإمام الصادق عليه السلام: "ما من قدم سعت إلى الجمعة إلّا حرّم الله جسدها على النار"1.

1- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 5، ص 3.
 97

 


79

التصرُّف مع السارق

عباس هادي

كنا جالسين في الغرفة، ولدينا ضيوف. بعد دقائق، سمعنا ضوضاء وصراخًا أمام البيت. نظر إبراهيم من النافذة في الطابق الثاني، كان أحدهم يسرق الدراجة النارية لصهري ويلوذ بالفرار. 

هتف إبراهيم: "أمسكوه، لص". ثم نزل بسرعة نحو الباب وركض خلف اللص. ما إن تقدم بضع خطوات، وإذا بأحد الشباب يدفع بقدمه الدراجة النارية فتقع ويرتمي اللص على الأرض. سقطت إحدى القطع الحديدية من الدراجة النارية على الأرض، وتسبّبت بجرح يده وبدأ الدم يسيل. ما إن وصل إبراهيم ونظر في وجه السارق الخائف المرعوب، رفع الدراجة النارية وقال له: "اركب"

في ذلك اليوم، اصطحب إبراهيم ذلك الشاب على تلك الدراجة النارية إلى المستوصف ليعالج يده. كانت أعمال إبراهيم عجيبة. في الليلة ذاتها أيضًا، ذهبا معًا إلى المسجد. بعد الصلاة، تحدّث إبراهيم كثيرًا مع ذلك الشاب حول السرقة والمال الحرام فقال الشاب: أعرف كل هذا، لكن لا عمل لديّ، ولي زوجة وأولاد أتيت بهم من منطقة بعيدة إلى طهران. إنني مجبر على القيام بهذا العمل". بعدها تكلّم إبراهيم مع أصدقائه ومع عدد من المصلّين فجاء

99

  


80

التصرُّف مع السارق

 إليه وأخبره: "الحمد لله لقد تأمّن العمل". ثم أعطاه مبلغًا من المال وقال له: "اطلب من الله أن يساعدك. اطلب الرزق الحلال دومًا. إن المال الحرام يحرق الحياة، أما المال الحلال حتّى لو كان قليلًا، فيه بركة كثيرة"


100


81

الأيام الأولى للحرب

 
تقي مسگرها

صبيحة يوم الإثنين في الواحد والثلاثين من شهريور/22 أيلول، رأيت إبراهيم وأخاه ينقلان أثاث البيت. ألقيت التحية عليهما وقلت: "قاسم ذاهب إلى كردستان، بإحدى السيارات، إذا كنت تريد الذهاب سننطلق عند الساعة الرابعة".

سألني مندهشًا: ماذا هناك؟

- يقولون إنّه من الممكن أن تندلع الاشتباكات مرة ثانية.

- سأرى، إن استطعت سآتي. 

في ظهيرة ذلك اليوم، بدأتِ الحرب بهجوم جوي عراقي. صار الجميع في الشارع ينظرون إلى السماء. عند الساعة الرابعة، تجمّعنا على ناصية الشارع. وصل "قاسم تشكري" في سيارة جيب عسكرية مليئة بالعتاد والذخائر، وكان معه أيضًا "علي خرمدل" ومهدي. حين ركبنا وأردنا الانطلاق، وصل إبراهيم وركب الجيب بسرعة. سألته: "أخي أبرام، أوَلَم تكن تنقل أثاث البيت؟".

- وضعت الأثاث في البيت الجديد وها أنا هنا. 

في اليوم الثاني للحرب، استطعنا بصعوبة كبيرة وبعد أن قطعنا عددًا من

101

  


82

الأيام الأولى للحرب

 الطرقات الترابية، أن نصل قبل الظهر إلى "سربل ذهاب". لم يكن أحد ليصدّق ما يحصل حولنا. كان الناس يفرّون جماعات جماعات من المدينة، وكانت أصوات القنابل والمدافع تُسمع باستمرار. تحيّرنا ماذا يجب أن نفعل. دخلنا المدينة من معبر ضيّق، وإذا بشباب الحرس يشيرون إلينا بأيديهم من بعيد. قلت: "قاسم! انظر، إن الشباب هناك يطلبون منا الإسراع في المجيء إليهم". 

فجأة قال إبراهيم: "انظروا هناك"، وأشار إلى ناحية الحدود. كانت الدبابات العراقية تتقدم من خلف إحدى التلال وهي تطلق القذائف. وقد سقط بعضها بالقرب من سيارتنا، لكن الأمر مرّ على خير. ما إن قطعنا المعبر حتّى جاء أحد شباب الحرس وسألنا: "من أنتم؟ كلما أشرت لكم ألّا تتقدموا كنتم تسرعون أكثر؟! ماذا بكم؟". سأله قاسم: "ما الذي يحصل هنا؟ من قائدكم؟" أجاب ذلك المقاتل: "في الواقع، كل الشباب سيأتون إلى هنا. السيّد "بروجردي" داخل المدينة مع قسم منهم. في الصباح، سيطر العراقيون على معظم المدينة، لكن الشباب أجبروهم على الانسحاب". 

 

تحركنا من جديد، ودخلنا المدينة. ركنّا السيارة في مكان آمن، وهناك صلّى قاسم ركعتين. تقدم إبراهيم نحوه وسأله: "قاسم، ما الصلاة التي صليتها؟" أجابه قاسم بهدوء كبير: "في كردستان كنت دائمًا أدعو الله، إذا تَواجهنا مع أعداء الإسلام والثورة ألّا أقع في الأسر وألّا أصبح معاقًا بعد الإصابة، لكنني هذه المرة أطلب من الله الشهادة. لم أعد أستطيع تحمّل البقاء". استمع إبراهيم بدقة إلى كلامه، ثم تحركنا معًا وتوجهنا إلى مكان "محمد بروجردي" الذي كان يعرف قاسم من قبل، لذلك فرح كثيرًا لرؤيتنا. بعد قليل من الكلام، قال: "هناك عدد من الكتائب تنتظر تحت الجسر ولا مسؤول عنها. عزيزي قاسم، اذهب إليهم لترى إن كان بإمكانك إحضارها إلى المدينة". 

 

- لماذا ذهبوا إلى هناك؟ لا تقل لي إنّهم خافوا فاختبأوا هناك!؟


 
102
 

83

الأيام الأولى للحرب

- نعم، اذهب وافعل ما بوسعك. 

عندها توجهنا نحن الخمسة نحو الجسر حيث يعجّ المكان بالمقاتلين المجهّزين، لكنهم كانوا خائفين كثيرًا؛ إذ لم يتوقّعوا هذا الهجوم من العراقيين. تقدم إبراهيم وقاسم إليهم وشرعا يتحدثان معهم. كلّماهم بطريقة جعلت كثيرين منهم يتحمّسون وتملأهم النخوة. في ختام الكلام قالا: "كل من هو رجل، ولديه نخوة ولا يريد أن يصل البعثيون إلى عرضه، فليأتِ معنا". أدّى كلامهما المؤثر وعباراتهما المحفّزة إلى لحاق كل المقاتلين بنا. نظّم قاسم الفرق، ودخلنا المدينة وبدأنا بتجهيز الدشم وتوزيع الشباب. جاء عدد من الجنود وقالوا: "لدينا قذائف 106 ونستطيع رميها". وجد قاسم منطقة جيدة، فنقل إليها القذائف وبدأ بإطلاقها. على وقع هذه القذائف، تراجعت الدبابات العراقية، لتستقر في مواقعها السابقة. عندها أيضًا، ارتفعت معنويات الشباب. عند العصر، جاء "محمد بروجردي" ليتفقد المواقع والدشم، وأحضر لنا بعض الأطعمة للعشاء.

عند غروب اليوم الثاني من الحرب، اختار قاسم أحد البيوت قريبًا من دشم الشباب وقال لي: "ابحث عن إبراهيم وأحضره إلى هنا لنقرأ دعاء التوسل". تركت ذلك البيت للبحث عن إبراهيم، وكان قاسم يصلّي المغرب. بعد أن ابتعدت قليلًا سقطت قذيفة أمام البيت. قلت في نفسي: "الحمد لله، قاسم يصلي في الغرفة"، لكنني عدت لأرى ما الذي حصل. حين سمع إبراهيم دويّ الانفجار أسرع هو أيضًا في المجيء. 

عندما دخلنا الغرفة حيث كان قاسم، لم نصدق ما رأته أعيننا. اخترقت شظية بحجم حبة العدس الشباك واستقرت في قلب قاسم، فاستشهد وهو يصلي. 

حزن محمد بروجردي كثيرًا لسماعه الخبر. بما أن تلك الليلة كانت ليلة

103

  


84

الأيام الأولى للحرب

 الأربعاء، قرأنا دعاء التوسل فوق جثمان قاسم الذي أرسلناه إلى طهران في اليوم التالي.

 

في اليوم التالي، ذهبنا إلى مقر القيادة. قالوا لنا: "أنتم عليكم الاهتمام بمستودع الأسلحة"، وسلّمونا مدرسة مليئة بالذخائر والأسلحة.

بقينا هناك ليومين، وبسبب الخطر القريب، تمّ الاتفاق على نقل الذخائر إلى خارج المدينة. كان إبراهيم يردد مازحًا: "يا شباب، تذكروا الله كثيرًا في هذا المكان؛ لأنّه إذا وقعت قنبلة يدوية هنا فلن يبقى منا شيء".

حين أُخليت مستودعات الأسلحة، واستجابةً لإصرار مقاتلينا، اتفقنا على التوجه إلى الخطوط الأمامية للجبهة. حُفِرت الخنادق في المنطقة الشرقية لـ"سربل ذهاب". كان بعض القادة المتدربين كـ"أصغر وصالي" و"علي قرباني" يتولّون مسؤولية الشباب هناك. شكلوا في كردستان مجموعة فدائية أطلقوا عليها اسم "منديل الحُمُر" متخصصة في حرب الشوارع، وقد قامت بإنجازات مهمة. وقد جاؤوا بها إلى "سربل ذهاب". قمنا بجولة داخلها، والتقينا عددًا من الأصحاب: محمد شاهرودي، مجيد فريدوند.. كما التحق بنا عدد من الشباب الطيبين من منطقتنا وتوجهنا معًا إلى التلال المشرفة على المدينة حيث تدور الاشتباكات مع العراقيين. في الخنادق على التلة قال لنا القائد: "هذه التلة الأمامية هي مكان الاشتباك مع العراقيين الذين يستقرّون في التلال التي تليها". بعد دقائق، رأينا جنديًا عراقيًا يتقدم على التلة، فبدأ الشباب يطلقون الرصاص عليه. صرخ إبراهيم قائلًا: "ما الذي تفعلونه؟ لقد أفرغتم أسلحتكم عليه". عندها توقف الشباب عن إطلاق النار. بما أن إبراهيم أمضى مدة ليست بقصيرة في كردستان حيث خضع لتدريبات عسكرية جيدة، قال لنا: "اصبروا حتّى يقترب الأعداء أكثر، ثم أطلقوا النار عليهم". 

في هذه الأثناء، بدأ العراقيون بإطلاق النار علينا من أسفل التلة، من قذائف "آر بي جي" وقذائف "هاون"، ثم بدأوا يتقدمون نحو خنادقنا. تراجع

104

  

 


85

الأيام الأولى للحرب

 كثير من شبابنا الذين يحملون السلاح للمرة الأولى، نحو الخطوط الخلفية. 

صرخ إبراهيم عاليًا: "اصبروا، على مهلكم، لا تخافوا". بعد لحظات، حين خفت صوت رصاص الأعداء، اختلس إبراهيم النظر إلى الخارج. لقد اقترب العراقيون كثيرًا منّا. 

ركض إبراهيم برفقة عدد من الشباب وهم يطلقون النار ويرمون القنابل، ويهجمون على العراقيين وهم يصرخون: "الله أكبر"

لم تمرّ دقائق معدودة، حتّى قُتل عدد من العراقيين وجُرح بعضٌ آخر، بينما سقط أحد عشر جنديًّا أسيرًا في يد إبراهيم ورفاقه. وفرّ الآخرون.

ساقهم إبراهيم بسرعة إلى خنادقنا. ارتفعت معنويات الشباب كثيرًا ولم يكفّوا عن التقاط الصور الفوتوغرافية للأسرى. بينما التقط آخرون صورًا تذكارية لهم مع إبراهيم. كان هؤلاء من أوائل الأسرى الذين يدخلون المدينة. نحن أيضًا رافقناهم إلى مقر المتطوعين. هناك أخبرنا أحد الشباب أنّ جثمان قاسم ما زال في المقر لأن الطرقات مقطوعة. وهكذا في اليوم الخامس للحرب، نقلنا جثمان قاسم بسيارته وجئنا إلى طهران. 

في طهران، أقيم تشييع مهيب لقاسم. كان أول شهيد في الدفاع المقدس يسقط في حيّنا. جاء كثيرٌ من الناس للمشاركة في التشييع. كان "علي خرّمدل" يصرخ: "قائدي الشهيد سنكمل طريقك".
 

105


86

الحضور الثاني

 
أمير منجر

في الثلاثين من أيلول، توجهنا إلى الجبهة برفقة أمير معاون غرفة عمليات الحرس. توقفنا في همدان قليلًا عندما حلّت صلاة المغرب. التقينا بالأخ "بروجردي" الذي كان برفقة شباب الحرس متوجّهًا نحو الجبهة أيضًا. 

كان إبراهيم منشغلًا برفع الأذان، والشباب يستعدّون للصلاة. ظهرت لدى الشباب حالة معنوية عجيبة. سأل "بروجردي" أمير: يا حاج أمير، من أي منطقةٍ إبراهيم هذا؟

- من منطقتنا، من حيّنا قرب "17 شهريور" وخراسان. 

أكمل الأخ "بروجردي" كلامه قائلًا: "ما أجمل صوته! رأيته مرة أو مرتين في الجبهة برفقة الشهيد "تشكري"، شاب شجاع ومقدام، إذا استطعت أحضره إلينا في كرمانشاه". 

بعد الأذان أقيمت الصلاة جماعة، ثم أكملنا طريقنا. 

كانت المرة الثانية التي نذهب فيها إلى "سربل ذهاب". وجدنا أصغر وصالي قد جهّز المقاتلين ووزّعهم والمنطقة مستقرّة نسبيًا. كان أصغر من القادة الشجعان ويحبه إبراهيم كثيرًا. كان إبراهيم يقول: "لم أرَ مقاتلًا

107


87

الحضور الثاني

 (فدائيًا) بشجاعة أصغر، لدرجة أنه أحضر زوجته إلى الجبهة. وكان يتفقد مناطق الجبهات بسيارته الـ"بيكان" التي صارت مستودع أسلحة متنقّل. 

حمل أصغر النظرة ذاتها تجاه إبراهيم. في إحدى المرات، كان متوجّهًا للاستطلاع فقال لإبراهيم: "استعد للذهاب في مهمة استطلاعية"

حين عادا، قال أصغر: "قبل الثورة، قاتلتُ في لبنان وخلال أحداث كردستان قضيت كل الوقت هناك لكن هذا الشاب الذي لم يخضع لأي دورات عسكرية يُظهر قدرات لا نظير لها، ويدرك الأمور العسكرية جيدًا". لذلك، طلب مساعدة إبراهيم عند التخطيط للهجوم على أحد المقرات العراقية. 

خلال عملية واحدة، استطاعوا تدمير ثماني دبابات للعدو وأسر عدد من مقاتليهم. وبعدها، عاد مجاهدونا إلى المقر بأقل خسائر ممكنة. لقد جهّز "أصغر وصالي" أحد مباني الثكنة للمتطوعين حيث يتم استقبالهم، وتسجيل أسمائهم وأخذ المعلومات الخاصة بهم، ثم توزيعهم. أعطى هذا الأمر نظمًا خاصًا في المدينة. 

حين هدأت الأوضاع في "سربل ذهاب". بدأ إبراهيم وعدد آخر من رفاقه بالرياضة التراثية من جديد. كل صباح كان إبراهيم يحمل "طنجرة" ليدقّ عليها ويقرأ بصوته الجميل الدافئ الأشعار، وكان أصغر مدربًا رياضيًا في تلك المجموعة. وقد تحوّلت الـ G3 إلى مدك1، وفراغة القنابل وعدد من الأسلحة الأخرى إلى أدوات رياضية. قال أحد القادة العسكريين هناك: "في تلك الأيام كان بعض السكان الذين صمدوا في المدينة وبعض الممرضين والمقاتلين يأتون صباحًا إلى الزورخانة حيث كان إبراهيم بصوته المؤثر يبثّ روح الحياة والأمل فيهم. في الحقيقة كان إبراهيم إنسانًا فريدًا". 

 
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما من عمل حسن يعمله العبد إلّا وله ثواب

1- في الزورخانة، يحمل اللاعبون وسيلة خشبية ثقيلة على شكل قرع.
108

  


88

الحضور الثاني

 في القرآن إلّا صلاة الليل، فإنّ الله لم يبين ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال: “تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعا.. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون”1.


خلال تلك الفترة القصيرة التي قضيناها في "سربل ذهاب"، كان إبراهيم يستيقظ قبل ساعة أو ساعتين من الفجر، وبذريعة تفقّد الشباب في الخنادق، كان يذهب بعيدًا عن مكان نومنا، لكنّني على يقين أنّه كان يجد متعةً ولذّةً في استيقاظه ليلًا وانشغاله في القيام لصلاة الليل. 

ما زلت أذكر مرة، نهض إبراهيم قبل صلاة الفجر بساعتين تقريبًا، استطاع الحصول بصعوبة على مقدار من الماء ليغتسل ويتوضّأ للصلاة. 

2- بحار الأنوار ج 8، ص126، ح 27
 
109
 
  


89

التسبيحات

 
أمير سبهر نجاد

إنه الثالث من تشرين الأول، منذ يومين فقدنا إبراهيم. لمعرفة أي خبر عنه، توجهنا إلى لجنة أسرى الحرب، ولكن لا فائدة. بقيت مستيقظًا حتّى منتصف الليل. كنت منزعجًا وحزينًا جدًّا؛ إذ لا خبر لديّ عن صديقي الأقرب. 

بعد صلاة الصبح، خرجت إلى باحة المقر، وجلست على التراب. يلفّ سكون غريب موحش معسكر "أبو ذر". صرت أستعيد الذكريات التي عشتها مع إبراهيم. كان المكان لا يزال مظلمًا. 

مع صوت فتح باب المعسكر، رفعت رأسي من دون قصدٍ منّي، وتسمّرت عيناي. رأيت شيئًا لم أستطع تصديقه.. إبراهيم يقترب مني بوجهه الدائم النورانية برفقة شابين آخرين. اعتقدت أنّني أتخيّل، وقفزت من مكاني. ابتسم إبراهيم واحتضنني بشوق.. بكيت لشدة فرحي. 

بعد ساعة تقريبًا، بدأ إبراهيم يخبرنا ما حصل في الأيام الثلاثة السابقة:

تقدّمنا في ملالة، ولم نكن نعرف إلى أين تقدم العراقيون. حوصرنا بالقرب من إحدى التلال. كان حوالي المئة عراقي يطلقون النار علينا. استقررنا نحن الخمسة في حفرة وبادلناهم إطلاق النار. قاومنا حتّى الغروب، ولمّا حلّ

111


90

التسبيحات

 الليل، تراجعت القوات العراقية. 

استشهد اثنان كانا يعرفان الطريق. خرجنا من الخندق، ولم يكن هناك أحد. انسحبنا إلى خلف التلة، اختبأنا بين الشجرات، وأخفينا أجساد الشهداء. كنا متعبين وجائعين. حين غابت الشمس استطعنا تحديد القبلة، فصلّينا نحن الثلاثة المغرب والعشاء. بعد الصلاة، قلت لرفاقي: "يا شباب، لا تنسوا تسبيح السيدة الزهراء عليه السلام". 

حين أنهينا تسبيح السيدة الزهراء، تذكرت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد علّم ابنته هذا التسبيح حين كانت تعاني من المتاعب اليوميّة. وفي الحقيقة، يعتبر هذا التسبيح سبيل الخروج من المشكلات والأزمات. بعد ذلك سجدت وقلت: "إلهي، بحق السيدة الزهراء عليه السلام خلصنا من هذه المشكلة وهذا الموقف الصعب، وبالطريقة التي تريدها، اهدنا ودلّنا على الطريق الصحيح". ثم تحركّت أنا والشباب. مشينا بهدوء وسكينة إلى الخندق السابق الذي كنا فيه، واستطلعنا المكان حوله. لاحظنا أنّ الجثث العراقية ما زالت مرميّة على سفح التلة. بما أن ذخائرنا قد نفدت، استولينا على أسلحتهم وأمشاطهم الملأى، مضافًا إلى كل القنابل اليدوية وحربات الأسلحة. كما وجدنا علبًا من المواد الغذائية، ثم هممنا بالمشي، لكنّنا لم نكن نعلم في أي اتجاه نسير. لذلك قلت في نفسي: كلما وصلنا إلى مفترق طرق، نستخير بالسبحة. بعد أن تقدمنا قليلًا، توقفنا أمام مفترق طرق. في الطرف الأول خنادق العراقيين وفي الطرف الثاني سهل واسع مكشوف. استخرت، فكان من الأفضل أن نسير لجهة خنادق العراقيين، فتحركنا. أردينا اثنين من الحرّاس قتلى، ثم عبرنا إلى الباحة وسط الخنادق. عندما كنا نريد الخروج، اصطدمنا بأسلاك سارية المخابرات فقصصناها وأسرعنا مبتعدين. ثم وصلنا إلى منطقة مليئة بالآليات العراقية، فنصبنا فخًّا من القنابل اليدوية وابتعدنا من هناك أيضًا. كان الصباح يقترب

112


91

التسبيحات

 عندما وصلنا إلى مكان آمن. بعد الصلاة، استرحنا قليلًا. بقينا نستريح طيلة النهار تقريبًا، ثم أكملنا طريقنا عند حلول الليل. هذه المرة أيضًا، استخرنا بالسبحة ووجدنا الطريق. مرة ثانية، وصلنا إلى منطقة عسكرية. وكانت الاستخارة أن نعبر وسط المنطقة العراقية. هذه المرة، كانت المواقع العراقية أكثر تعقيدًا ومليئة بالخنادق، تحيطها الأسلاك الشائكة الدائرية من الجهات كافة. قلت للشباب حين نربط الحربة بالقواطع المعدنية تتحول إلى مقص للأسلاك، وكل سلك يواجهنا نقطعه. 

 

قصصنا كل الأسلاك التي اعترضت طريقنا، من الأسلاك الشائكة إلى أسلاك الكهرباء وأسلاك الاتصالات أيضًا، وتحركنا بسرعة. في طريقنا قضينا على حارس عراقي، ثم وصلنا إلى تلة، على قمتها رادار يعمل1. نظرت حولي، والتفت إلى مجموعة من الأسلاك تخرج من خندق وتتصل بأعلى التلة. بصعوبة بالغة استطعت أن أقطعها. توقف الرادار عن الدوران. التفت العراقيون إلى حضورنا بسبب قطع الكهرباء والرادار. فبدأوا بإطلاق النار. ونحن أيضًا، أطلقنا بعض الألعاب النارية بالقنابل والقذائف وأسرعنا في الابتعاد عن هناك!

هذه المرة أيضًا، مشينا ومشينا ولم نصل إلى قواتنا العسكرية. عندما أطل الصباح، استرحنا في مكان مناسب. انتهى زادنا من الطعام وعانينا من الجوع طيلة النهار. في المساء، بعد الصلاة، أكملنا طريقنا مرة ثانية. هذه المرة أيضًا، توكلنا على الله واستخرنا، ومشينا في طريق مستقيم، وبالصدفة وصلنا إلى خنادق الأعداء! وفي الواقع عبرناها، ووصلنا إلى منطقتنا. بالطبع، في موقع العدو، قمنا ببعض الأعمال المختلفة، ولكن لم يكن الصباح قد طلع حين أوصلنا الله إلى مقر قواتنا. هناك التفتنا إلى أننا على بعد خمسين كيلومترًا جنوب "سربل ذهاب"، وكنا طيلة الوقت نتحرك بموازاة الحدود.

1- أي أنّه في حالة دوران.
113

 


92

التسبيحات

 صمت إبراهيم قليلًا ثم قال: "حين استخرت للذهاب من السهل أم من مواقع العراقيين، تمنيت كثيرًا أن تكون الاستخارة جيدة للمسير من السهل، لكنني عرفت الآن الخير الذي كان في عبورنا من مواقع العراقيين. يقول الله في القرآن الكريم: قدس سرهعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم دام ظله. 

انتهى كلام إبراهيم، لكنني ما زلت مصدومًا ومبهوتًا به، وما زلت أغبطه على حاله. ثم قلت له: "أخي أبرام، اذهب واسترح قليلًا، يصعب عليك أن تفتح عينيك". 

114

  


93

مدينة المهدي

 
علي مقدّم، حسين جهانبخش

 

مرّ شهر على بدء الحرب. ذهب إبراهيم برفقة الحاج حسين وعدد من رفاقه إلى مدينة "المهدي" في جوار "سربل ذهاب" بدأوا ببناء دشم دفاعية مقابل الأعداء. 

في أحد الأيام، وبعد صلاة الصبح جماعة، رأيت الشباب وهم يبحثون عن إبراهيم. سألتهم بتعجب: "ماذا حصل؟"، قالوا: "منذ منتصف الليل، لا خبر لدينا عن إبراهيم". فبدأت أيضًا برفقة الشباب بالبحث عنه في الخنادق وفي نقاط الاستطلاع، ولكن لا خبر عنه. بعد ساعة تقريبًا وعندما كان الصبح يوشك على الطلوع، قال شباب الرصد: "هناك عدد من الأشخاص يتوجهون إلينا من ناحية الأخدود". تعجّبنا لمّا علمنا أنّهم ثلاثة عشر عراقيًّا، يسير بعضهم خلف بعض ويتوجّهون نحونا، وكان إبراهيم يمشي خلفهم يرافقه أحد الشباب. كانوا يحملون كثيرًا من الأسلحة والقذائف والأمشاط.

شيءٌ لا يُصدّق؛ أن يصنع إبراهيم ملحمة كهذه، وبرفقته شاب واحد فقط. في حين لم يكن في مدينة "المهدي" إلّا القليل من الذخائر والأسلحة، لدرجة لم تكن الأسلحة كافية لكل الشباب.

115

 


94

مدينة المهدي

 فجأة، اقترب أحد الشباب المتحمّسين من الأسرى وصفع العراقي الأول بقوّة وقال له: "عراقي عميل". سكت الجميع لحظة، ثم تقدّم إبراهيم متخطّيًا صفّ العراقيين الواقفين. وقف أمام الشاب وأخذ ما يحمله من أسلحة ووضعها على الأرض وقال له: "لماذا صفعته على وجهه؟". 

تعجّب الشاب كثيرًا وسأل: "وما المشكلة؟ إنه عدوّنا". 

نظر إليه إبراهيم وقال: "أوّلًا، كان عدوًّا، والآن صار أسيرًا. ثانيًا، إنهم لا يعرفون لماذا يقاتلوننا وتأتي أنت لتصفعه هكذا؟". 

سكت ذلك المقاتل لحظات، ثم قال: "عفوًا، تحمّست قليلًا". فاقترب وقبّل جبهة الجندي العراقي، واعتذر منه". تعجب الأسير العراقي من فعلنا ثم صار ينظر إلى إبراهيم. يمكننا فهم الكثير الكثير من نظرة الأسير العراقي تلك.

كان قد مرّ شهران تقريبًا على بداية الحرب، حين جاء إبراهيم في مأذونية. ذهبت لزيارته برفقة الشباب. في ذلك اللقاء، أخبرنا إبراهيم عن ذكرياته في الجبهة وعن الأحداث هناك، لكنه لم يخبرنا شيئًا عنه أبدًا، إلى أن كان الحديث عن صلاة وعبادة المجاهدين. ضحك إبراهيم فجأة وقال: "سأخبركم شيئًا لطيفًا حصل معي: كنّا في منطقة "سربل ذهاب"، في الأيام الأولى للحرب، التحق بنا خمسة شباب آتين من إحدى القرى. بعد أيام، التفتنا إلى أنهم لا يصلّون معنا، فتكلّمت معهم في أحد الأيام واكتشفت أنهم بسطاء طيبون، لا يعرفون القراءة والكتابة ولا يعرفون كيف يصلّون، وقد جاؤوا إلى الجبهة لشدة حبهم للإمام. ومن جهة أخرى كانوا يحبون أن يتعلموا الصلاة. بعد أن علمتهم الوضوء، ناديت أحد الشباب وقلت لهم: "سيصلي أمامكم وأنا سأقف جانبًا وأقرأ الصلاة بصوت عال كي تتعلّموها، تقرأون ورائي وتكرّرون كل حركة يقوم بها". حين وصل إبراهيم إلى هذه الجملة، لم يستطع أن

116

  


95

مدينة المهدي

 يحبس ضحكته. ثم أكمل حديثه بعد دقائق: "في الركعة الأولى، بعد قراءة الحمد بدأ إمام جماعتهم بحكّ رأسه، فحكّ الجميع رؤوسهم. منعت نفسي بصعوبة عن الضحك. في السجدة الأولى وعندما أراد إمام الجماعة أن يرفع رأسه، التصقت السجدة في رأسه ثم وقعت فانحنى إلى يساره كي يمسك السجدة، فانحنى الشباب الخمسة وراءه إلى ناحية اليسار ومدّوا أيديهم مثله. عندها لم أستطع أن أمنع نفسي عن الضحك بصوت مرتفع".


117


96

حلّال المشاكل

 أحد أصدقاء الشهيد

سُئل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: الذي يجاهد بنفسه وماله1.

حدّثنا القائد "محمد كوثري"2 خلال عرض ذكرياته مع الشهيد إبراهيم قال: "في أيام الحرب الأولى، في "سربل ذهاب" قلت لإبراهيم: "يا أخي إنّ راتبك جاهز، يمكنك تسلّمه متى تشاء". 

أجابني بهدوء: متى ستذهب إلى طهران؟ 

- بعد يوم أو يومين. 

- سأكتب لك عناوين، حين تصل طهران، وزّع راتبي على هذه البيوت.

قمتُ بما طلبه منّي. وعرفتُ بعدها أن هذه العائلات فقيرة، ومستحقة ولها كرامتها". 

لم تقتصر مساعدة إبراهيم للناس على المال فقط؛ بل ساعدهم بكل ما استطاع، وكان يبذل جهدًا حقيقيًا في هذا الأمر.

1- الحكم الظاهرة، ج2، ص280.
2- القائد الأسبق للواء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

119

  


97

حلّال المشاكل

 كنت عائدًا من الجبهة. حين وصلتُ إلى ميدان خراسان، لم يبقَ معي أي مال. كنت متوجهًا إلى البيت مشيًا على الأقدام، وكنت متأكدًا من أنّني ما أن أصل إلى البيت، ستطلب مني زوجتي مالًا، وسيطلب أولادي، وكذلك صاحب البيت.

لم أعرف إلى من ألجأ. أردت الذهاب إلى بيت أخي، لكن ّ أوضاعه هو أيضًا ليست أفضل من أوضاعي. 

وقفت عند تقاطع شارع "عارف" وصرت أفكّر. قلت في نفسي: "إنّ الله فقط سيساعدني، لا أعرف إلى مَن أذهب؟". كانت هذه الأفكار تتضارب في رأسي، عندما رأيت إبراهيم آتيًا من بعيد على دراجته النارية، يتّجه نحوي. حين رآني، ترجّل وعانقني بحرارة. بعد دقائق، حين أراد الذهاب، سألني: "هل تسلّمت راتبك؟"، قلت له: "لا لم أتسلّمه، ولكن لا يهم". 

مدّ يده إلى جيبه وسحب مبلغًا من المال. قلت له: "لا والله، قد تحتاج إليه أنت".

قال: "هذا قرضٌ حسن، أعده لي حين تتسلّم راتبك". وضع المال في جيبي، ثم ركب على دراجته النارية وانطلق مسرعًا.

كان لهذا المال بركة في حياتي، استطاع أن يحلّ كثيرًا من المشكلات. ولفترة من الزمن لم أعانِ من مشكلة مالية. في ذلك اليوم، أرسل الله إبراهيم إليّ. كم دعوت له!
 

120
 


98

مجموعة الشهيد "اندرزكو"

 
مصطفى هرندي

 

بعد بداية الحرب بفترة قصيرة، أقامت قيادة الحرس في غرب البلاد جلسةً، تمّ التوافق خلالها على عدم تمركز القوات في جبهة واحدة؛ بل توزيع المتطوّعين (التعبئة) وشباب الحرس على مناطق مختلفة. لذلك انتقل بعض الشباب من "سربل ذهاب" إلى "سومار"، وتوجّهت مجموعة إلى "مهران" و"صالح آباد" ومجموعة أخرى إلى "بستان".

وِفق ما تقرر في تلك الجلسة، تسلّم "حسين الله كرم" قيادة الحرس في "جيلان غرب" و"نفط شهر"1، وكان من القادة المميّزين في مناطق العمليات والقائد السابق للحرس في منطقة "نفط شهر"، وتوجّه برفقة عدد من السرايا من الكتيبتين الثامنة والتاسعة للحرس إلى هناك. أما إبراهيم الذي كان من الأصدقاء المقربين للحاج "حسين" منذ زمن الـ"روزخانة"، فقد رافقه إلى منطقة "جيلان غرب" وتم تعيينه معاونًا لعمليات الحرس.

1- مدينة النفط.
121

 


99

مجموعة الشهيد "اندرزكو"

 "جيلان غرب" مدينة في وسط سلسلة من الجبال، تقع على بعد سبعين كيلومترًا جنوب "سربل"، وعلى بعد خمسين كيلومترًا من "نفط شهر" وهي على الحدود العراقية حيث احتلّ العراقيون معظم المرتفعات حولها واقتربوا كثيرًا من بيوتها. وقد ترك عدد من أهل تلك المدينة بيوتهم، بينما بقي بعضهم في بيوتهم نهارًا ليقضوا الليل في خيام نصبوها على طريق إسلام آباد. كما استقرّ لواء "ذو الفقار" التابع للجيش في "بان سيران" على أطراف مدينة "جيلان غرب". 

في الأيام الأولى للحرب، دخل الفيلق الرابع للجيش العراقي إلى المدينة واحتلّها، لكن مقاومة رجالها وشجاعة نسائها، أجبرته على الانسحاب مرة ثانية. أثناء تلك المعركة، قامت إحدى نساء هذه المدينة بقتل جنديين عراقيين بمنجلها. 

مضت فترة قصيرة على بداية عمل الحرس في "جيلان غرب". حينها، كان عمل الشباب الاستعداد للدفاع، ولم نشهد أي تحرك خاص أو هجوم على الأعداء. لذلك، وفق ما تقرر في الجلسة، بدأ الاستعداد لتشكيل مجموعة مختصّة بحرب العصابات على غرار ما فعله الشهيد "شمران" في الجنوب، و"أصغر وصالي" في "سربل ذهاب". قام الحاج "علي صادقي" بتأسيس هذه المجموعة ثم أوكل مسؤوليتها إلى إبراهيم و"جواد أفراسيابي". نزولًا عند رغبة الشباب، قرّرنا أن تُسمّى المجموعة باسم الدكتور "بهشتي"، لكن عند زيارة الدكتور "بهشتي" للمنطقة رفض هذا الأمر وقال: "لأنكم تقومون بعمليات فدائية وحرب عصابات، أطلقوا عليها اسم الشهيد "أندرزكو"؛ لأنّه مؤسس الحركات الفدائية الإسلامية".

علّق إبراهيم صورة كبيرة للإمام الخميني ولآية الله بهشتي وللقائد الخامنئي في مقر المجموعة وبدأ بنشاطاته. كان أفراد المجموعة، كما يدل اسمها، غير منظّمين، وضمّت مختلف أطياف الناس: الشباب والعجزة،

122

  


100

مجموعة الشهيد "اندرزكو"

 الأميّون الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، إلى حملة شهادة الدكتوراه، الشباب المتديّنون الذين يصلّون صلاة الليل، والشباب الذين تعلّموا الصلاة بعد التحاقهم بهذه المجموعة. شباب الحوزة كما الشيوعيّون الذين تابوا حديثًا. وهكذا اجتمع أفراد هذه المجموعة في جوّ حميم ولطيف.

يقارب عددهم الأربعين، ويشتركون في شيء مميز فريد وهو الشجاعة والمعنويات العالية. كان إبراهيم، وهو مسؤول هذه المجموعة، يكرّر دومًا: "ليس لدينا رئيس هنا". وكان بالمحبة والصداقة يقودها على أحسن وجه. 

كان نظام إدارته لهذه المجموعة يتحرك بطريقة عفوية وفورية، لم يكن أحد يأمر أو ينهى أحدًا؛ بل كانت الأمور تتقدم من خلال تبادل الأفكار، وكان أكثر من يرافق إبراهيم "جواد أفراسيابي" و"رضا كوديني".


من البرامج اليومية لهذه المجموعة، مساعدة الناس وحل مشكلاتهم. وبهذه الأعمال جُذِب عدد من شباب تلك المدينة إليها. كانت أنشطة مجموعة "أندرزكو" عبارة عن تشكيل مجموعات الاستطلاع والعبور عبر المرتفعات وتجهيز الخرائط الدقيقة والصحيحة عن تلك المنطقة. إن الطريقة التي اتبعها إبراهيم في الاستطلاع كانت مدهشة. كان إبراهيم ينطلق بعد منتصف الليل برفقة بعض الشباب، يقطعون التلال ليصلوا خلف خطوط الأعداء، ويجمعون المعلومات عن مواقع الأعداء وعن تجهيزاتهم بدقة فائقة. قال إبراهيم: "إن لم نقم بهذه الأعمال، فمن يدري إن كنا سننتصر في العمليات، علينا أن نستطلع بدقة وبشكل صحيح". بعد ذلك، كان يعلّم طريقته للمجموعات الأخرى. 

من الأمور المهمة التي كان يقولها: "في مسألة الاستطلاع، يجب أن يتمتع

123


101

مجموعة الشهيد "اندرزكو"

 الفرد بالشجاعة، فلو جبُن أو خاف لن يكون مستطلِعًا ناجحًا". ثم كان يتحدث عن أهمية الدقة وحدّة البصر لدى فرق الاستطلاع.

لذلك تربّى بين شباب هذه الفرقة نخبة كوادر الاستطلاع وأفضلهم، مضافًا إلى القادة الشجعان. وكما يقول قائد لواء "313 الحر" الذي تولى مسؤولية الأمن والعمليات في أيام الحرب: "لقد كان إبراهيم مؤسس هذا اللواء، بأساليبه الخاصة. على الرغم من أنّه استشهد قبل تأسيسه". 

لقد قامت مجموعة الشهيد "أندرزكو" الفدائية، خلال سنة من نشاطاتها، باثنتين وخمسين عملية صغيرة وكبيرة، أدت إلى إخضاع الفيلق الرابع للجيش العراقي الذي كان في المنطقة الغربية وإلحاق الهزيمة به. في هذه المجموعة الصغيرة، تربّى رجال كبار برزوا في الدفاع المقدس، وما زلنا ندين لهم إلى الآن. لقد حصدوا من وجود إبراهيم سنابل وافرة، وكانوا يفتخرون بتتلمذهم على يديه:

الشهيد "رضا تشراغي" القائد الشجاع لفرقة "27 رسول الله (ص)"، الشهيد "رضا دستواره" نائب قيادة الفرقة، الشهيد "حسن زماني" مسؤول محور الفرقة، الشهيد السيد "أبو الفضل كاظمي" قائد كتيبة ميثم، الشهيد "رضا كوديني" قائد كتيبة حنين، الشهيد "علي أوسط" معاون لواء مسلم بن عقيل، الشهيد "داريوش ريزه وندي" قائد كتيبة مالك، الشهيد "إبراهيم حسامي" والشهيد "هاشم كلهر" مساعدا قائد كتيبة مقداد، الشهيد "جواد أفراسيابي" والشهيد "علي خرمدل" من مسؤولي الأمن في الفرقة، مضافًا إلى العديد من القادة الكبار في الدفاع المقدس الذين ما زالوا من افتخارات النظام الإسلامي. 


124

  


102

شهادة أصغر وصالي

 
علي مقدم

حصل أمر مهمّ في عاشوراء العام 1980م. وصل "أصغر وصالي" و"علي قرباني" برفقة مجموعة من المتطوعين الآتين من "سربل ذهاب" إلى "جيلان غرب" حيث من المفترض -بعد استطلاع مواقع الأعداء- بدء العمليات والهجوم من الجهة الشمالية للمدينة. 

كانت الأيام الأولى لتشكيل مجموعة "أندرزكو". تمّ استطلاع بعض مواقع الأعداء. اجتمع الشباب ليلة عاشوراء في مركز الحرس، وأقاموا مراسم عزاء عظيمة. ما زال كثير من الشباب يتذكرون المجلس واللطمية التي قرأها إبراهيم في تلك الليلة. كان يقرأ بشوق عجيب، وكان "أصغر وصالي" في الوسط يدير العزاء واللطم.

يوم عاشوراء، توجّه "أصغر وصالي" برفقة عدد من الشباب إلى منطقة "برآفتاب" كي يكملوا المعلومات ويقوموا بالاستطلاع. عند الظهيرة تقريبًا، وصل الخبر بأنهم وقعوا في كمين للأعداء. أسرع الشباب لمساندتهم وتراجع الأعداء بسرعة. لكن...!

استشهد "علي قرباني" وفقد الأمل ببقاء "أصغر وصالي" على قيد الحياة

125

  


103

شهادة أصغر وصالي

 لشدة جراحه. نقلنا "أصغر وصالي" بسرعة إلى الخطوط الخلفية، لكنّه التحق بركب الشهداء. بعد شهادة "أصغر"، رأيت إبراهيم يبكي بصوت عال ويقول: "لا أحد يعرف أي قائد خسرنا، إن ثورتنا في أشد الحاجة إلى أمثال "أصغر"". قبل أربعين شهادة أخيه وُفّق "أصغر" لنيل الشهادة ظُهر عاشوراء. 

جاء إبراهيم إلى طهران للمشاركة في التشييع، كما أحضر معه سيارة "أصغر" الـ"بيكان" التي كانت في "جيلان غرب" والتي لم يبق فيها مكان سالم لكثرة الشظايا. بعد تشييع "أصغر"، عدنا بسرعة إلى الجبهة. في اليوم التالي جَمَعَ إبراهيم الشباب، وأقام مجلس عزاء عن روح "أصغر". ثم وعد الحاضرون بعضهم بعضًا بالبقاء في الجبهة حتّى الأخذ بثأره. قال "جواد أفراسيابي" وعدد من الشباب: "كما يفعل الناس في فترة الحداد، لن نحلق أذقاننا أو شعرنا حتّى ننتقم من صدام". 

126

  


104

المظهر البسيط

 
 
مصطفى هرندي، علي صادقي، حسين الله كرم

في الأيام الأولى للحرب، صار إبراهيم مثالًا وقدوةً لكثير من المقاتلين. كان كثيرون يفتخرون برفقتهم له ومعرفتهم به، لكنه كان يتصرّف بطريقة كي لا يصبح حديث الألسن. لم يكن يهتم بارتداء الثياب العسكرية. كان يرتدي بنطالًا كرديًا وقميصًا طويلًا. كي يصبح من جهة قريبًا من أهل تلك المنطقة، وكي يمنع نفسه من الظهور. كان بسيطًا وبعيدًا عن التكلف، لدرجة أنّك حين تراه تعتقد أنّه خادمٌ للمجاهدين. لكن بعد مرور الوقت، تكتشف شخصيته الحقيقية. 

كان إبراهيم كاسرًا للقوالب، وبدل الاهتمام بالمظاهر والثياب، كان كل ذكره وفكره في الباطن. وقد تمثّل الشباب به في هذا الأمر. كان يقول دومًا: "بدل أن نهتم بالثياب العسكرية والمنظّمة، علينا الاهتمام بتعليم الشباب وبحياتهم المعنوية، كي نصبح أكثر قربًا منهم". ظهرت نتيجة هذا التفكير في العمليات التي كانت تتولاها المجموعة. على الرغم من مخالفة بعضهم لطريقة تفكيره.

في إحدى المرات، اشترى قماشًا عسكريًا مرقطًا، أعطاه لأحد الخياطين وقال: أريدك أن تخيط لي سروالًا كرديًا بهذا القماش. في اليوم الثاني، تسلّم السروال. كان جميلًا جدًّا. خرج من مقر المجموعة، وبعد ساعة عاد بلباس المتطوعين.

127

  


105

المظهر البسيط

 سألته: "أين ثيابك؟"، قال: "أُعجب أحد الشباب الأكراد بالثياب فأعطيته إياها!" كما أعطى ساعته لشخص آخر. سأل ذلك الشخص عن الساعة، فأجابه إبراهيم، ثم قدمها له. جذبت هذه التصرفات البسيطة الشباب الأكراد في المنطقة فالتحق كثير منهم بالمجموعة.

على الرغم من ظاهره البسيط، كان إبراهيم يتمتّع بوعي سياسي كبير. كان يعرف التيارات السياسية ويحلل الأحداث بدقة. بعد أن علّق إبراهيم صور الإمام الراحل والشهيد "بهشتي" في مقر المجموعة، صدر الأمر من القائد العام لقوات غرب البلاد -الذي كان تحت إمرة "بني صدر"- بوقف دعم المجموعة وتمويلها. لكن أعلن قائد الجيش في تلك المنطقة الحاجة إلى تلك المجموعة وضرورة حضورها في المنطقة؛ لأنّها هي التي تخطّط وتقوم بكل هجماتنا هناك. 

بعد مدة، وبعد متابعة هذا القائد للأمر، تم التراجع عن القرار السابق.


في صباح أحد الأيام، تمّ الإعلان عن زيارة "بني صدر" لكرمانشاه، فتوجّه إبراهيم و"جواد" و"حسين" وعدد من الشباب إلى هناك. كان مظهر مجموعة "أندرزكو" باللباس الكردي والشكل العادي للمقاتلين لافتًا للنظر، خاصة أن مستقبلي "بني صدر"، من كبار الضباط كانوا بلباسهم العسكري المرتب. على الرغم من أنّ هدف الشباب من الذهاب شيءٌ آخر: "نريد أن نتكلم مع هذا الشخص، ونسأله وفق أي رؤية عسكرية يدير هذه الحرب...؟". 

على الرغم من أنّنا أهدرنا كثيرًا من الوقت يومها، لكن أعلنوا في النهاية أن رئيس الجمهورية ألغى الزيارة بسبب عطل فنيّ في المروحية. 


128

  


106

المظهر البسيط

 بعد مدة، جاء آية الله الخامنئي إلى كرمانشاه. كان وقتها إمام جمعة طهران. اصطحب إبراهيم الشباب كافة معه وبمظهرهم البسيط التقوا بالسيد الخامنئي، ثم اقتربوا واحدًا واحدًا ليحتضنوه ويقبّلوا يده.


129

  


107

"تشم الإمام الحسن عليه السلام"

 
حسين الله كرم

استعددنا للقيام بأولى عمليات التسلّل إلى عمق مواقع العدو. تمّ اختيار نخبة الشباب لإحدى تلك العمليات، من جملتهم إبراهيم، "جواد أفراسيابي"، "رضا دستواره" و"رضا تشراغي" وآخرون، من بينهم شابان كرديان من المنطقة، كانا يعرفان الطرقات هناك جيدًا. 

حملنا معنا زادًا يكفي أسبوعًا، معظمه من الخبز والتمر، مضافًا إلى الأسلحة والمواد المتفجرة والألغام الخاصة بالآليات. وضعناها في حقائبنا العسكرية التي حملناها على ظهورنا وتحركنا. 

قطعنا مرتفعات المنطقة التي يصعب عبورها عادة. ثم عبرنا نهرًا ووصلنا إلى منطقة "تشم الإمام الحسن عليه السلام" حيث يستقر أحد ألوية الجيش العراقي. تمركزنا متخفّين بين المنحدرات. لم يعتقد العدو يومًا أنّ باستطاعة الإيرانيّين عبور تلك المنطقة. لذلك بدأنا تنظيم خرائط تحدد مواقع العدو بكل راحة وهدوء. بقينا ثلاثة أيام في المكان. على الرغم من المطر الشديد الذي أعاق عملنا، إلّا أننا استطعنا رسم خريطة جيدة للمنطقة. بعد انتهاء مهمة الاستطلاع، توجهنا إلى الطريق العسكرية، وزرعنا عددًا من الألغام. عند العصر

131

  


108

"تشم الإمام الحسن عليه السلام"

 تركنا المنطقة وعدنا إلى مواقعنا. لم نكن قد ابتعدنا كثيرًا حين سمعنا أصوات الانفجارات، ورأينا سيارات العدو وملالاته تشتعل. عندها أسرعنا بالابتعاد عن الخطر. لكن، بعد دقائق معدودة، رأينا عددًا من دبابات وسيارات العدو تلاحقنا برفقة مجموعة من المشاة. فنزلنا بين المنحدرات إلى أن وصلنا إلى نهر الإمام الحسن عليه السلام. بعد عبور النهر، أخفقت دبابات العدو في اللحاق بنا. وجدنا مكانًا مناسبًا في الجهة الأخرى من النهر وأخذنا قسطًا من الراحة. بعد دقائق، سمعنا صوت مروحية. لم نحسب حساب هذا الأمر. بسرعة، أفرغ إبراهيم إحدى الحقائب ووضع الخرائط فيها وأعطاها إلى "رضا ستوده"، وقال له: "سنبقى أنا و"جواد" هنا، وأنتم تحرّكوا بسرعة". هذا ما يجب فعله، لا مفر. أعطيناهما الذخائر والأمشاط والقنابل المتبقية معنا وتركناهما رغمًا عنّا وعدنا مسرعين. أساسًا، كان هدفنا من عملية الاستطلاع تجهيز هذه الخرائط، التي ساعدت كثيرًا في نجاح العمليات اللاحقة التي قمنا بها. كنا نرى إبراهيم و"جواد" من بعيد، يتبادلان الأماكن وهما يركضان ويرميان المروحية بالـ"G3". كانت المروحية العراقية تدور فوقهما وتمطرهما بنيرانها. 

بعد ساعتين، وصلنا نحن إلى المرتفعات. ولم يعد يُسمع أي صوت. بدأ أحد الشباب الذي كان يحب إبراهيم كثيرًا بالبكاء. لم نكن نعرف عنهما أي خبر، هل كانا على قيد الحياة أم لا.

تذكرت البارحة حين كنّا مختبئين داخل أحد المنخفضات، كان إبراهيم يجري مسابقة ويلعب بكل سكينة وطمأنينة. ثم بدأ بتعليم الشباب الأكراد بعض الكلمات الفارسية. كان يتصرف بهدوء لدرجة أنّنا لم نكن نفكر في أننا في أرض الأعداء. 

عندما حان وقت الأذان، أراد إبراهيم أن يرفعه بصوت عال، لكنه تراجع تحت إصرارنا، ثم صلّى بهدوء وروح معنوية خاصة. حين كنا نتسلق

132


109

"تشم الإمام الحسن عليه السلام"

 المرتفعات، ونراقب مواقع العراقيين، كان يحدد أمكنة الدبابات وآليات العدو بكل هدوء ويسجلها على الورق ثم كان يتقدم على التلال ليحصي الدبابات وأفراد العدو. كانت شجاعة إبراهيم تُخرج الخوف من قلوب الشباب. 

حلّ الليل. وقد مرّت ساعات على المرة الأخيرة التي رأينا فيها إبراهيم. وصلنا إلى المكان الذي كنا نتموضع فيه. اتفقنا مع إبراهيم أنه سيعود إلى هنا قبل طلوع الصباح، حيث من المفترض أن نرجع إلى المقر الرئيس بمساعدة الشباب الجدد القادمين إلى هنا. استرحنا ساعات، ولكن لا خبر عن إبراهيم و"جواد". بدأ الليل ينسحب شيئًا فشيئًا، وجب علينا ترك الموقع. كان الشباب لا يتوقفون عن قراءة الدعاء والأذكار. أوشكنا على الانطلاق، فسمعنا صوت إطلاق نار من بعيد. فسحبنا الأقسام واستعددنا لإطلاق النارِ وأخذنا مواقعنا. لكن من خلال الأصوات التي تهادت إلينا، عرفنا أن القادمين هما إبراهيم و"جواد". علت الفرحة وجوهنا ولم نصدق ما رأيناه. 

أسرعنا مع الشباب لمساعدتهما وتركنا المكان عائدين في أقلّ وقت. كثيرًا ما ساعدتنا الخرائط التي أعددناها خلال هذه العملية، في العمليات اللاحقة، وكانت مفيدة جدًّا. وكل هذا بفضل شجاعة شباب المجموعة وخاصة إبراهيم و"جواد". 

ظهيرة اليوم التالي، حضر إبراهيم و"جواد" وكانا كالعادة بكل نشاطهما وحماستهما. سألت إبراهيم يومها: "أخي أبرام، ماذا فعلتما حين جاءت المروحية؟"

أجابني بهدوئه المعهود: "بمدد الله، استطعنا أن نعود إليكم سالمين". 

قلت: "عزيزي أبرام، أخبرني ماذا فعلتما بالتفصيل". 

فكّر قليلًا ثم قال: "لا شيء، كنت أنا و"جواد" نبدّل أماكننا أثناء الركض

133


110

"تشم الإمام الحسن عليه السلام"

 ونترك مسافة تفصل أحدنا عن الآخر، ونطلق النار على المروحية التي كانت تدور حولنا وترمينا. حين فرغت من الرصاص، عادت إلى مواقعها ثم أسرعنا إلى المرتفعات قبل وصول القوة البرية. لكن بالطبع احتفظنا بعدد من الشظايا كتذكار من هذه العملية".

 
134

  


111

الأسير

 
مرتضى بارسائيان، مهدي فريدوند

من ميزات إبراهيم، احترامه للآخرين حتّى لأسرى الحرب. سمعت إبراهيم مرات عدة يكرّر هذا الكلام: "إن أكثر أعدائنا هم جهلة وغير مدركين، وعلينا أن نريهم الإسلام الحقيقي في تصرفاتنا، عندها سيعادون حزب البعث وسيفهمون خطأهم الذي يقومون به". لذلك في كثير من العمليات، كان يفكر في أسر الأعداء بدل أن يطلق النار عليهم. وكان سلوكه مع الأسرى صحيحًا جدًّا. 


أحضرنا ثلاثة أسرى عراقيين إلى المدينة ولا مكان لوضعهم فيه. فأوكلت إلى إبراهيم مسؤولية حراستهم. خلال الأيام الثلاثة التي كانوا معه، تصرّف دائمًا بطريقة لائقة وجيدة، لدرجة أنه حين أحضروا سيارة لنقل الأسرى من تلك المنطقة، سألوا إبراهيم إن كان سيرافقهم. وعندما عرفوا أنه لن يأتي معهم انزعجوا كثيرًا وبدأوا بالبكاء والتوسل إليه لإبقائهم في "سربل ذهاب" وقالوا له: "اتركنا هنا وسنقوم بأي عمل تريده، نحن مستعدون لمحاربة العراقيين، إن طلبت منا ذلك".

135

  


112

الأسير

 في تلك الأيام، كل ما كان يصل إلينا من طعام ودعم يوزعه إبراهيم بيننا وبين الأسرى وهذا ما جعل الجميع يُعجب به حتّى هؤلاء الأسرى. 


ما إن طلع صباح إحدى العمليات في مرتفعات "بازي دراز"، حتّى ذهبنا نحن الاثنان إلى الأعلى قليلًا. وابتعدنا عن قواتنا. فجأة وصلنا إلى أحد الخنادق. كان فيه عدد من العراقيين. أشرت إليهم بسلاحي فخرجوا مستسلمين. لم أكن أتصوّر أنّهم كثر بهذا العدد. حين طلبت منهم التحرك نحو الأسفل، لم يقدموا على أي ردّ فعل؛ بل بقوا مكانهم. كنّا شخصين فقط، بينما كانوا خمسة عشر. وكنا نتوقع أن يهجموا علينا في كل لحظة. لكن على ما يبدو كانوا يعتقدون أننا كثر. صرخت مرة ثانية: "تحرّكوا" وأشرت لهم بيدي، لكنهم كانوا ينظرون نحو الضابط الذي برفقتهم، فكان يرفع حاجبيه ليمنعهم من التحرّك. خفت كثيرًا؛ لأنّني لم أواجه مشكلة كهذه من قبل. للحظة فكرت قائلًا: "فلأرمهم بالنار جميعًا وأنتهي منهم"، لكنني أعرف أنه ليس بالعمل الصحيح. 

في كل لحظة كنا نتوقع حصول مكروه لنا. كنت أضغط على سلاحي بشدة بسبب الخوف. سألت الله أن يساعدنا. فجأة حضر إبراهيم من خلف الدشمة، وسرى هدوء عجيب في قلبي. قلت له: "يا سيد أبرام، ساعدنا". سألني: "ماذا حصل؟". 

قلت له: "إن الضابط البعثي ذلك يمنعهم من النزول معنا"، وأشرت له بيدي إلى الضابط. كانت رتبته واضحة ولباسه يميزه عن الآخرين. وضع إبراهيم سلاحه على كتفه، اقترب منه، أمسك ياقته بيدٍ وباليد الأخرى حزامه، رفعه عن الأرض! وحمله ووقف على أحد المنحدرات فوق جرفٍ.

لشدة خوفهم، جلس كل الجنود العراقيين على الأرض ورفعوا أيديهم. لم

136

  


113

الأسير

 يتوقف الضابط البعثي عن الأنين من الخوف وعن التوسل لإبراهيم ويقول: "الدخيل، الدخيل، ارحم، ارحم".
ما أجمل ما أراه! كنت أطير من الفرح وقد زال كل خوفي الذي كان يسيطر عليّ منذ لحظات. وها هو إبراهيم يعيد الضابط إلى رفاقه ليتحركوا جميعًا معًا نحو أسفل المرتفع.


137
 

114

النصف من شعبان

 
مجموعة من أصدقاء الشهيد

 

عصر يوم النصف من شعبان، جاء إبراهيم إلى المقر، وكنا قد فقدنا أي خبر عنه منذ منتصف الليلة السابقة. ها هو يعود ومعه أسير عراقي!

سألته: "أخي أبرام، ما الذي حصل معك؟". أجابني بكل هدوء: "في منتصف الليل، توجّهت إلى الجادة التي توصل إلى المرتفعات، اختبأت هناك وكنت أراقب الآليات العراقية في ذهابها وإيابها. حين صارت الطريق خالية، رأيت سيّارة جيب تقترب وفيها راكب واحد فأسرعت إلى وسط الطريق أوقفتها، أسرت هذا الضابط وأحضرته معي عبر الجبال".

قلت في نفسي يومها: "هذه هدية لإمام الزمان|"، لكنني ندمت بعدها بسبب كلامي هذا: "أين نحن من إمام الزمان|"

في يوم من تلك الأيام، اجتمع الشباب معًا وكانوا يتبادلون الأحاديث المتنوعة فسأل أحد الشباب إبراهيم: "برأيك من هم أفضل القادة في الجبهة؟". 

فكّر إبراهيم قليلًا وقال: "في شباب الحرس، لم أر أفضل من "محمد بروجردي"، لقد قام "محمد" بعمل لم يخطر ببال أحد، أقصد في كردستان،

139

  

 


115

النصف من شعبان

 على الرغم من كل المشاكل، استطاع تأسيس فرق البيشمركة هناك وتهدئة المنطقة بهذه الطريقة. أما بين قادة الجيش، لا أرى أفضل من الرائد "علي صياد شيرازي"، إنه أكثر تواضعًا من المتطوعين في الجبهة، إنه رجل مستقيم. فالسيّد صياد، وقبل أن يكون في الجيش، هو شاب حزب اللهي مؤمن. 

في القوات الجوية، مهما بحثت، لن تجد أفضل من النقيب "شيرودي"، لقد استطاع أن يواجه عددًا من الدبابات العراقية وحده من داخل مروحيته. على الرغم من أنه صار قائد القاعدة الجوية إلّا أنه كان يعيش ببساطة لا تصدّق. ما زلت أذكر حين أرسلوا لنا أحذية رياضية من منظمة الرياضة ورعاية الشباب، أعطيته حذاءً؛ فهو على الرغم من كونه قائدًا لم يكن لديه حذاء مناسب. 

ثم سأله شاب آخر: "أخي أبرام، ما هي أمنيتك؟"؛ سكت الجميع وانتظروا الإجابة. قلت في نفسي: "بالطبع سيقول الشهادة". لكن إبراهيم وبعد لحظات من السكوت أجاب: "ما زال الوقت باكرًا لنستشهد، فلدينا كثير من الأعمال لنقوم بها، لكنني أتمنى أن أستشهد في المعركة ضدّ إسرائيل". 
 

140

  


116

الجائزة

 قاسم شبان

انتهينا من إحدى عمليات التسلل في منطقة الغرب، وأرسلنا الشباب إلى الخلف. بعد انتهاء العمليات، كنا نتفقّد كل خندق على حدة كي نتأكد من أنه لم يبق أحد هناك.

كنا خمسة أفراد، آخر من رجع، عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. مشينا لبعض الوقت. قلت لإبراهيم: "يا إبراهيم، لقد تعبنا كثيرًا ما رأيك لو نستريح هنا إن لم يكن هناك مشكلة؟". وافق إبراهيم، فانتقينا مكانًا مناسبًا يشبه الدشمة لنستريح فيه. لم تكد تطرف أعيننا ونأخذ نفسًا، حتّى شعرنا أن هناك من يتقدم نحونا قادمًا من الجهة العراقية. قفزت من مكاني. استرقنا النظر من طرف الدشمة؛ الأمر صحيح، لقد رأيت بوضوح تحت نور القمر، عراقيًا يقترب منا وهو يحمل على ظهره أحدًا. 

ناديت إبراهيم بصوت خافت. نظرت حولي بدقة، لم أرَ سوى العراقي. حين اقترب كثيرًا منّا، قفزنا من الخندق ووقفنا أمام العراقي الذي خاف كثيرًا، فجلس على الأرض مباشرة. التفتنا إلى أنه يحمل على ظهره أحد شبابنا التعبويين! كان قد أصيب وبقي في أرض المعركة.

141

  


117

الجائزة

 تعجّبت كثيرًا. وضعت الأسلحة على كتفي، وبمساعدة الشباب حملنا الجريح. سأله رضا: "من أنت وماذا تفعل هنا؟! أجاب الجندي العراقي: "بعد ذهابكم، تفقدت الدشم والخنادق حيث كنتم، فصُدمت بهذا الشاب. كان يتلوّى من التعب وينادي مولانا الإمام عليًّا عليه السلام وإمام الزمان|.

قلت في نفسي: "لأجل الإمام علي عليه السلام، وقبل أن يطلع الصباح، ويأتي العراقيون، لأوصل هذا الشاب إلى أقرب موقع إيراني، ثم أعود!".

ثم أكمل: "أرجو أن تفصلوا بين الضباط العراقيين وبيننا نحن الجنود الشيعة المجبرين على القتال". تفاجأنا وصُدِمنا كثيرًا. قال إبراهيم للعراقيّ: "إذا كنت تريد ابقَ أنتَ معنا. أنت أخونا". 

أخرج الجندي العراقي صورة من جيبه وقال: "إنها عائلتي، إذا التحقت بكم سيقتلهم صدام". ثم نظر بتعجب إلى إبراهيم وسأله: "هل أنت إبراهيم هادي؟". نظر بعضنا إلى بعض. بالطبع هذه الجملة لا تحتاج إلى ترجمة. قال له إبراهيم وعيناه شاخصتان: "ومن أين تعرف اسمي؟" قلت لإبراهيم ممازحًا: "لم تقل لنا إنّ لديك معارف في الجيش العراقي!". قال المقاتل العراقي: "منذ شهر تقريبًا، أرسلوا صورتك وصورة عدد من القادة إلى كل المحاور والكتائب، وقالوا: "كل من يحضر رأس أحد منهم ينال جائزة من صدام". 


في هذه الأيام، وصل خبر تعيين قائد لمجموعة "أندرزكو" من قبل قيادة المنطقة الغربية، وها هو قادم إلى "جيلان غرب"، فصرنا ننتظر قدومه. ولكن لا خبر عن القائد، إلى أن عرفنا أن "جمال تاجيك" التعبوي في مجموعة "أندرزكو" هو القائد المقصود. ذهبت لرؤية "جمال" أنا وإبراهيم، وسألناه: "لماذا لم تقل لنا إنّك قائد المجموعة؟"، نظر إلينا "جمال" وقال: "يهدف تحمل المسؤولية إلى تسيير العمل وإنجازه. والحمد لله، إن العمل ينجز هنا

142

  


118

الجائزة

 على أحسن وجه. وأنا سعيد جدًّا لوجودي معكم. أشكر الله لأنه عرّفني بكم. كما أرجوكم ألّا تخبروا الشباب بالأمر كي لا تتغير نظرتهم إليّ"

بقي "جمال" معنا مدة قصيرة، والتحق بقافلة الشهداء خلال عمليات "مطلع الفجر" حين كان قائدًا لكتيبة الاقتحام.


143

  


119

أبو جعفر

 حسين الله كرم، فرج الله مراديان.

 

إنها الأيام الأخيرة من العام 1980م. وصلتنا أخبار العمليات الجديدة التي قام بها الشباب في مرتفعات "بازي دراز". كان من المفترض أيضًا أن يقوم شباب مجموعة "أندرزكو" بعمليات اختراق إلى عمق مواقع الأعداء.

اختاروا لهذا العمل، مضافًا إلى إبراهيم، "وهاب قنبري"1 و"رضا كوديني" وأنا. كما رافقنا "شاهرخ نوراني" و"حشمت كوهبيكر" من شباب المنطقة الأكراد. أخذنا معنا الوسائل اللازمة من طعام وأسلحة، وعددًا من الألغام المضادة للآليات. مع حلول الظلام تحرّكنا باتجاه المرتفعات. وصلنا بعدها إلى منطقة "جيلان غرب". مع طلوع الفجر كنا قد استقررنا في مكان مناسب بعيد عن أعين الأعداء.

خلال النهار، كنا نستريح ونستطلع في الوقت نفسه مواقع العدو في السهل أمامنا. وضعنا خريطة لأماكن التسلل المحتملة. كان للتلة التي أمامنا طريقان، أحدهما مرصوف بالإسفلت والآخر ترابي للتحركات العسكرية.

1- من مؤسسي الحرس في "كرمانشاه". كان من المقاتلين الأكراد المحليين. مضافًا إلى شهادته الجامعية كان مميزًا في معرفته بالقرآن ونهج البلاغة. يعتبر كثير من الشباب أن سبب عدم سقوط "كرمانشاه" في أحداث "كردستان" يرجع إلى إدارة وشجاعة "وهاب". نال "وهاب" أجر عمله وأتعابه عندما التحق برفاقه الشهداء.
145

  

 


120

أبو جعفر

 كانت المسافة بين الطريقين حوالي خمسة كيلومترات. في أعلى التلة، تتمركز سريّة عراقية لتغطية هذين الطريقين والمنطقة المحيطة بهما. 

عند المغرب، صلّينا ثم انطلقنا. توجهت مع "رضا كوديني" إلى الطريق الإسفلتي بينما ذهب الآخرون باتجاه الطريق الترابي. اختبأنا على جانب الطريق. حين خلا الطريق من السيارات والآليات، أسرعنا إلى الوسط وزرعنا عددًا من الألغام في بعض الحفر الموجودة عليها، أخفيناها بالقليل من التراب ثم أسرعنا باتجاه الطريق الترابي. من الواضح أن العراقيين ما زالوا عالقين في معركة "بازي دراز". يظهر هذا الأمر جليًّا من الآليات والدعم الذي كانوا يرسلونه إلى تلك المنطقة. لم نكن قد وصلنا بعد إلى الطريق الترابي، حين سمعنا دويّ انفجار رهيب خلفنا. من دون وعي منا، عدنا إلى الوراء كي نرى ما الذي حصل. 

داست إحدى الدبابات على لغم وها هي تحترق. ثم بدأت القنابل والذخائر الموجودة داخلها بالانفجار واحدة بعد الأخرى. أُضيء السهل بأكمله، جرّاء احتراق الدبابة، كما أصيب العراقيون بصدمة رعبٍ كبيرة فأخذوا بإطلاق النار في جميع الاتجاهات من دون هدف محدد.

حين وصلنا إلى إبراهيم وبقية الشباب، كانوا قد أنهوا عملهم أيضًا. فتوجهنا معًا نحو المرتفعات مرة ثانية. قال إبراهيم: "لدينا كثير من الوقت حتّى يطلع الصباح، ولدينا أسلحة وذخائر، لننصب بعض الكمائن للأعداء، فنرعبهم بشدّة". 

لم ينهِ إبراهيم كلامه، حتّى سمعنا دويّ انفجار كبير من ناحية الطريق الترابي. انفجرت آلية عراقية بعد مرورها على أحد الألغام. فرحنا كثيرًا لأن عمليتنا قد نجحت. ازداد إطلاق النار من قِبَل العراقيين. لقد عرفوا أننا

146

  


121

أبو جعفر

 تسللنا إلى مواقعهم، فبدأوا برمي القنابل المضيئة ومدافع الهاون. عندها أسرعنا الخطى إلى الجبل، وأثناء مسيرنا تفاجأنا بسيارة جيب عراقية تقترب منا وها هي أمامنا لدرجة أنه لا مجال للتفكير واتخاذ القرار. بسرعة، تموضع الشباب في الخنادق وبدأوا يطلقون النار على السيارة. بعد لحظات، تقدّمنا إلى الجيب حيث قُتل أحد الضباط العراقيين وسائقه. بينما جرح عامل الإشارة1 الذي كان برفقتهما، ووقع على الأرض. كانت إصابته في قدمه ولا يتوقف عن الأنين والتأوه. 

 

لقّم أحد الشباب سلاحه وتوجه نحو عامل الإشارة. كان الشاب العراقي يكرّر: "الأمان، الأمان". صرخ إبراهيم فجأة: "ماذا تريد أن تفعل؟"

- أريد أن أريحه.

- يا صديقي، حين كان يطلق النار علينا كان عدونا، لكنه الآن أسيرنا. 

ثم اقترب إبراهيم من الأسير العراقي، رفعه عن الأرض ثم حمله على ظهره وانطلق. نظر الجميع بتعجب إليه. قال أحدنا: "يا إبراهيم، هل أنت مدركٍ لما تفعله؟! تفصلنا ثلاثة عشر كيلومترًا عن مواقعنا. هل ستحمله كل هذه المسافة؟". التفت إبراهيم إليه وأجابه: "لقد وهبني الله هذا الجسم القوي، لمثل هذه الأيام!". 

ثم توجّه نحو الجبل. فجمعنا أجهزة اللاسلكي والأسلحة الموجودة داخل الجيب وأسرعنا خلف إبراهيم. استرحنا قليلًا على سفح الجبل حيث ضمّدنا قدم الأسير العراقي المجروحة. ثم أكملنا مسيرنا. 

بعد سبع ساعات من المسير على الجبل وصلنا إلى خطوطنا الأمامية. في الطريق، كان إبراهيم يتكلم دائمًا مع الأسير العراقي، الذي كان بدوره

1- عامل الاتصالات اللاسلكيّة.
147

 


122

أبو جعفر

 لا يتوقف عن شكره. عند أذان الصبح، صلينا جماعة في أحد الأماكن. صلّى الأسير العراقي معنا جماعة. عندها عرفنا أنه شيعيّ. 

بعد الصلاة، تناولنا بعض الطعام. قسّمنا كل ما نحمله من طعام بيننا بالتساوي وحصل الأسير العراقي على حصة مماثلة لحصصنا. عرّفنا الأسير العراقي - الذي كان متفاجئًا من تصرفنا- إلى نفسه. فقال: "أنا أبو جعفر، أسكن في كربلاء. لم أكن أتوقّع أن تكونوا هكذا و...". باختصار، تحدّث كثيرًا لكننا لم نفهم من كلامه إلّا بعض العبارات... قبل طلوع الفجر، ذهبنا إلى محلّ قرب غار "بان سيران" فاسترحنا فيه. ذهب "رضا كوديني" إلى مواقعنا كي يحضر لنا بعض الحاجيات. بعد ساعة، عاد مع عدد من الشباب للمساعدة، فإذا به ينادينا. سألته: "ما الخبر؟". 

أجاب: "حين كنت عائدًا. صُدِمت مما رأيت! كان أحدهم يقف أمام الغار وبيده سلاح. اعتقدت أنه أحد منكم، لكن حين اقتربت رأيت أبا جعفر يحرس باب الغار. حين رأيته انخطف لون وجهي، لكنّه سلّم عليّ وأعطاني سلاحه. وقال لي إنّكم نيام وإنّه رأى دورية عراقية تمر من هناك فوقف ليحرس. وإذا اقتربوا يرميهم بالنار!"

ذهبنا مع الشباب إلى المقر حيث بقي أبو جعفر معنا أيّامًا. بينما دخل إبراهيم المستشفى، بسبب الضغط الكبير الذي تحمله خلال ذلك المسير. لكنه عاد بعد أيام قليلة. فرح جميع الشباب لرؤيته. ناديت إبراهيم وقلت له: "لقد جاء شباب "جيلان غرب" لتقديم الشكر لك".

- ولماذا؟! ما الذي حصل؟! 

- تعال وسترى. 

ذهبت مع إبراهيم إلى مقر الحرس، وبدأ المسؤول هناك بالكلام: "إن أبا

148

  


123

أبو جعفر

 جعفر الذي أحضرتموه معكم هو عامل اللاسلكي والاتصالات في مقر الفرقة الرابعة في الجيش العراقي. لقد أعطانا معلومات مهمة وقيّمة حول توزيع القوات وانتشارها، مقر الفيالق، القادة، طرق التسلل و... لم يتوقف هذا الأسير عن الكلام منذ ثلاثة أيام. وكل معلوماته صحيحة، وقد كان موجودًا في المنطقة منذ الأيام الأولى للحرب. كما أطلعنا على الطرق التي يسلكها العراقيون وعلى شيفرة اللاسلكي1 لديهم. لذلك جئنا إلى هنا لنشكركم على العمل المهم الذي قمتم به". ابتسم إبراهيم وقال: "وما الذي فعلناه؟ إنه عمل الله". في اليوم التالي، أُرسِل أبو جعفر إلى معسكر الأسرى. سعى إبراهيم كثيرًا لإبقاء أبي جعفر الذي قال إنّه يريد محاربة العراقيين، لكن لم يوافَق على هذا الأمر.


بعد فترة، جاءت مجموعة من العراقيين إلى الجبهة، أطلقت على نفسها اسم "التوابين". كانوا يقاتلون إلى جانب "فيلق بدر". 

كان الوقت عصرًا حين جاء أحد شباب المجموعة القدامى لرؤيتي. قال لي والفرح بادٍ على وجهه: "لدي خبر جميل لك. إنّ أبا جعفر، ذلك الأسير العراقي، يعمل الآن في "فيلق بدر"!"

بعد انتهاء العمليات، توجهنا مع بعض الشباب إلى مقر "فيلق بدر". كنّا نريد أن نجد أبا جعفر ونضمّه إلى مجموعتنا، لكن عند وصولنا إلى مدخل المبنى، تفاجأنا بمشهد يصعب تصديقه. كانوا يرفعون صور شهداء "فيلق بدر" على الحائط عند مدخل المقر، وكانت صورة أبي جعفر بين الشهداء. لقد استشهد في العملية الأخيرة لـ"فيلق بدر".

3- بطاقات تحتوي على جداول معلومات مرمّزة لحماية الاتصالات بين الوحدات والمقرّات.
149


124

أبو جعفر

 شعرت برأسي يغلي من الصدمة4. كانت حالتي عجيبة ووقفت مدهوشًا أنظر إلى صورته. لم ندخل بعدها المقر. مرت الذكريات سريعة أمامي؛ ملحمة تلك الليلة، تضحيات إبراهيم، عامل اللاسلكي العراقي، مخيم الأسرى، "فيلق بدر"، الشهادة. هنيئًا له.
4- مثل يدل على عدم استيعاب الموضوع.

150

  

125

صديق

 
 
مصطفى هرندي

 

كان قلقًا جدًّا، ويظهر الانزعاج على وجهه. سألته: "ماذا حصل؟" أجابني بحزن: "ذهبنا الليلة الماضية مع الشباب في عملية استطلاع. خلال طريق العودة، وبالضبط قرب موقع العدو، داس "ماشاالله عزيزي"1 على لغم واستشهد. أطلق العراقيون النار، فأجبرنا على الانسحاب". 

فهمت سبب انزعاجه. عند حلول الظلام، تحرك مسرعًا. عاد في منتصف الليل مسرورًا ومنشرح الصدر، يردّد صارخًا: "أيّها المسعف، أيّها المسعف، تعال بسرعة! "ماشاالله" على قيد الحياة".

سُرّ الشباب، ووضعوا "ماشاالله" في سيارة الإسعاف. لكن إبراهيم كان جالسًا في زاوية يفكّر. جلست بالقرب منه وسألته: "فيمَ تفكّر؟". 

سكت قليلًا ثم قال: "لقد سقط "ماشاالله" وسط حقل الألغام، بالقرب من دشمة العراقيين. لكن حين ذهبت لإحضاره لم يكن هناك. لقد وجدته في الخلف، في مكان آمِن وبعيدٍ عن نظر العراقيين. كان ينتظرني".

1- الجريح العزيز "ماشاالله عزيزي" من المعلّمين المخلصين والمتقين في "جيلان غرب"، شارك منذ الأيام الأولى للحرب حتّى نهايتها في العمليات كافة بشجاعة. بعدها التحق برفاقه الشهداء على أثر حادث سير.
151

  

 


126

صديق

 لقد نزفتْ قدمي كثيرًا، وكأنّني تخدّرت. فتأكد العراقيون أنني ميّت. كنت في حالة لا توصف، ردّدتُ مرارًا: "يا صاحب الزمان أدركني". 

حلّ الليل وأظلم المكان، وإذا بشاب جميل نوراني يقف فوق رأسي. فتحت عينيّ بصعوبة بالغة.

رفعني بهدوء، حتّى إنّني لم أشعر بأي ألم. أخرجني من حقل الألغام، ومدّدني برويّةٍ على الأرض في مكان آمن.

ثم قال لي: "سيأتي أحدهم لينقذك. هو صديقنا!". بعد لحظات وصل إبراهيم. بصلابته المعهودة، حملني على ظهره وانطلق عائدًا. لقد أخبرني "صديق إبراهيم" عن جماله النوراني. هنيئًا له.

هذا ما كتبه "ماشاالله" في دفتر مذكراته حول جبهة "جيلان غرب".

152

 


127

مفقود الأثر

 
مصطفى هرندي

عاد قبل أذان الصبح، يحمل أحد الشهداء على ظهره. كان التعب الشديد باديًا على وجهه. تسلّم ورقة المأذونية. وبعد الصلاة، انطلقنا مع جثمان الشهيد. كان متعبًا وفرحًا في الوقت نفسه.

قال: "قبل شهر، كنا في عملية في مرتفعات "بازي دراز". وقد بقي هناك هذا الشهيد فقط. والآن، بعد أن ساد الهدوء، استطعنا بفضل الله أن نعيده". 

وصل الخبر بسرعة إلى طهران. كان الجميع بانتظار الشهيد. بعد يومين، أُقيم له في "ميدان خراسان" تشييع مهيب. 

كنا نريد البقاء في طهران، لكن تمّ إبلاغنا عن انطلاق عمليات جديدة في وقت قريب، فقررنا الانطلاق عند مساء الغد من أمام المسجد. 
 

كنا نقف أمام المسجد مع إبراهيم وبعض الشباب. بعد الصلاة، رحنا نمزح ونتكلم ونضحك. تقدم أحد العجائز الذي كنت أعرفه، إنه والد الشهيد الذي أحضره إبراهيم من المرتفعات. سلّمنا عليه فردّ السلام. صمتَ الجميع. كان

153

  


128

مفقود الأثر

 يتصرّف وكأننا غرباء عنه، وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا. لكن بعد لحظات، نطق بكلام عجيب، حيث قال لإبراهيم: "شكرًا لك يا سيّد إبراهيم. لقد تحملت العناء في سبيل ولدي، لكنّ ولدي!..". صمت الرجل قليلًا ثم أضاف: "ولدي منزعج منك". 

اختفت البسمة عن وجه إبراهيم المنشرح دومًا، وتحجّرت عيناه من التعجب. ولكن لماذا؟!

كان العجوز يختنق بعبرته، وفاضت عيناه بالدموع، كما ارتجف صوته المتعب وهو يتكلّم:

البارحة، رأيت ابني في المنام. قال لي: "في الفترة التي كنت فيها مرميًّا على الأرض وكنت مفقود الأثر من دون أن يُخبر بي أحد، كانت أم السادات السيدة الزهراء عليها السلام تزورني كل ليلة. لكن الآن. انتهى هذا الأمر. يقولون: "إن الشهداء المجهولين هم الضيوف المميزون للسيدة فاطمة عليها السلام". 

لم يكمل العجوز كلامه، وساد الصمت. نظرت إلى إبراهيم الذي انهمرت دموعه من عينيه، وكأنني استطعت أن أقرأ ما يجول في ذهنه. لقد وجد ضالّته: أن يصبح شهيدًا مجهولًا ومفقود الأثر.

بعد هذه الحادثة، تغيرت نظرة إبراهيم إلى الحرب وإلى الشهداء. كان يقول: "لم يعد لديّ أدنى شك. إن مقام شهدائنا ومجاهدينا لا يقل أبدًا عن مقام أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أمير المؤمنين عليه السلام. إنّ مقامهم عند الله عال جدًّا. 

سمعته مرارًا يكرر: "لو تمنى أحدكم أن يكون مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، فها هو وقت الامتحان". 

كان إبراهيم متيقّنًا من أن الدفاع المقدس هو مكان الوصول إلى المقصد

154

  


129

مفقود الأثر

 والسعادة والكمال الإنساني.

لذلك أينما ذهب، كان يتكلم عن الشهداء، ويمدح المجاهدين والشباب في الحرب. كانت أخلاقه وسلوكه يتغيّران يومًا بعد يوم، ويصبحان أكثر معنوية.

في مقر "أندرزكو" ذلك، كان ينام ساعتين أو ثلاثًا في أوّل الليل ثم يستيقظ ويخرج إلى الخارج. ليعود وقت الأذان، يوقظ الشباب لصلاة الصبح. 

تساءلتُ يومًا: "لماذا لا يبقى إبراهيم في الليل هنا؟ فلحقته، ورأيت أنه يذهب لينام في مطبخ الحرس.

في اليوم التالي، استفسرت من الرجل العجوز الذي يعمل في المطبخ. عرفتُ أن شباب المطبخ كلهم من أهل صلاة الليل. لذلك كان إبراهيم يذهب إلى هناك. أما إذا بقي في المقر، وصلّى صلاة الليل لعرف الجميع بهذا الأمر. 

في الأيام الأخيرة تلك، كان سلوكه وحركته يذكّراني بقول الإمام علي عليه السلام: "إنّ شيعتنا هم عبّاد الليل وليوث النهار". 


155


130

فقط لوجه الله

 
أحد أصدقاء الشهيد

 

ذهبت لزيارة صديقي الذي جرحت قدمه بشدّة في عمليات المنطقة الغربية. شعر بسعادة عارمة لرؤيتي، وبدأ يشكرني ويشكرني. ولم أفهم سبب شكره لي.

قال لي: "يا سيدي العزيز، أشكرك لكل ما قمت به. لو لم تحضرني إلى الخطوط الخلفية لكنت وقعت في الأسر". 

صُدِمت حين كنت أسمع كلام والد صديقي، لكنني قلت لهم: "معذرةً، هل تعرف ما الذي تقوله؟ يوجد خطأ ما، لقد عدتُ قبل البقية بسيارة الذخيرة والعتاد من منطقة القتال. وعدت في مأذونية". 

على الرغم من التأكيد على كلامي، لكن صديقي أصرّ على كلامه، وقال: "أنتَ، لقد كنت أنت، لقد ضمدتَ جرحي! ولكن إصراري على مخالفته القول لم يكن له أي فائدة". 

مرت فترة زمنية قصيرة. ولا زلت أفكر في كلام صديقي. فجأة خطرت ببالي فكرة. ذهبت مسرعًا إلى بيت إبراهيم الذي كان في مأذونية. ورافقته إلى بيت صديقي.

157

  

 


131

فقط لوجه الله

 وقلت له: "إن الشخص الذي يجب أن تشكره هو إبراهيم وليس أنا، لأنني لست الفرد الذي يمكنه حمل أحد على ظهره لمسافة ثمانية كيلومترات وفي تلك الجبال. استطعت أن أعرف من يمكنه القيام بهذا العمل. إنسان لا يتكلم كثيرًا، لديه الطول والقامة نفسهما، وصاحب قدرة بدنية عالية جدًّا ويعرفنا نحن الاثنين، فهمت أنه هو". 

طأطأ إبراهيم رأسه ولم يقل شيئًا. قلت له: "يا سيّد إبراهيم، أقسم بجدّي (الرسول)، أنني سأنزعج منك كثيرًا إذا لم تتكلم وتقل ما الذي حصل في تلك الليلة". لكن إبراهيم لم يقل شيئًا. أقسمت عليه مرة ثانية. كان غاضبًا كثيرًا مني فقال: "يا سيّد، ماذا أقول؟". 

ثم فكّر قليلًا وقال بهدوء: "كنت أنسحب ولم أكن أحمل شيئًا، فرأيته إلى جانب الطريق على الأرض. لم يكن ورائي أحد، كنت الشخص الأخير تقريبًا. في تلك العتمة، حزمت قدمه برباط حذائي وأحضرته إلى الخطوط الخلفية. كان طيلة الطريق يناديني السيّد، فعرفت أنه من أصدقاء السيد محمد. لم أقل شيئًا وأوصلته إلى شباب الإسعاف". غضب إبراهيم منّي كثيرًا وبقي أيامًا لا يتكلم معي شيئًا. كنت أعرف السبب؛ لأنّه كان يقول دومًا إنّ العمل الذي نقوم به لوجه الله ليس للنقل أو للكلام.

كنا في منطقة "جيلان غرب"، برفقة مجموعة الاستطلاع. دخلنا منطقة العدو. حين كنا منشغلين بالاستطلاع، التفتنا فجأة إلى وجود قطيع من الخراف بالقرب منّا. 

حين اقترب الراعي، سلّم علينا وقال: "أنتم جنود الخميني؟". تقدّم إبراهيم نحوه وأجابه: "نحن عباد الله"، ثم سأله: "يا عم، ماذا تفعل في هذه الجبال والوديان؟".

158

  


132

فقط لوجه الله

 أقضي حياتي.

- هل تعاني من مشاكل؟ 

ابتسم الرجل العجوز وقال: "المشاكل هي التي تمنعني من الرحيل عن هذه المنطقة". ذهب إبراهيم إلى مكان الذخائر والمؤونة وأحضر علبة تمر وأرغفة خبز وبعض المواد الغذائية الأخرى وأعطاها للرجل وقال له: "هذه هدية الإمام الخميني لك"

فرح الرجل كثيرًا. دعا لنا. تركناه وابتعدنا لنكمل مهمّتنا. 

اعترض بعض الشباب على إبراهيم لأننا كنا سنبقى في تلك المنطقة قرابة الأسبوع بينما أعطى هذا الرجل العجوز كمية كبيرة من طعامنا. 

قال إبراهيم: "أولًا، نحن لا نعرف كم سنبقى هنا، ثانيًا تأكدوا من أنه بهذا التصرف لن يُظهر هذا العجوز العداء لنا أبدًا". 

في تلك المأمورية، على الرغم من الزاد القليل الذي كان معنا، أنهينا عملنا في فترة قياسية وبقي معنا طعام.

 
159

  


133

في محفل العظماء

 
أمير منجر

 

كانت السنة الأولى للحرب. عدنا في مأذونية. ما زلت أذكر أننا كنا نتوجّه من ساحة "سر آسياب" نحو ميدان "خراسان". كان إبراهيم يركب خلفي على الدراجة النارية. كنا نمر أمام أحد الشوارع حين ناداني إبراهيم: "أمير، قف!". فتوقفتُ بسرعة أمام ذلك الشارع وسألته: "ماذا هناك؟". أجابني: "إذا كان لديك وقت، فلنذهب لزيارة أحدهم". قلت له: "هيّا بنا. ليس لديّ عمل خاص". 

ثم دخلت أنا وإبراهيم إلى أحد البيوت. كرّر مرّات عدّة: "يا الله، يا الله"، ثم دخلنا إلى غرفة حيث يجلس عدد من الأفراد. في وسط المجلس رجل عجوز يرتدي عباءة سوداء وعلى رأسه قبعة سوداء صغيرة. 

سلمنا، وجلسنا في زاوية من الغرفة. بعد أن أنهى الحاج كلامه مع أحد الشباب، نظر إلينا بوجه باسم وقال: "يا سيد إبراهيم، هل أضعت الطريق؟ ما الذي تفعله هنا؟".

طأطأ إبراهيم رأسه ثم قال: "يا خجلي، يا حاج، لا وقت لدينا لنزوركم". 

حين كان يتحدث لاحظت أنّ هذا الحاج يعرف إبراهيم جيّدًا. تحدث

161

  

 


134

في محفل العظماء

 الحاج مع الحضور قليلًا وحين خلت الغرفة نظر إلى إبراهيم وقال بنبرة متواضعة: "يا سيّد إبراهيم، انصحنا". 

احمرّ وجه إبراهيم خجلًا وقال: "أرجوك يا حاج لا تحرجنا أكثر، أرجوك لا تقل هذا الكلام".

وبعد لحظات من الصمت قال: "أتينا لزيارتكم وإن شاء الله سنحضر في الجلسة الأسبوعية". ثم وقفنا، ودّعناه وخرجنا.

في طريق العودة، قلت لإبراهيم: "بالله عليك، لماذا لم تنصح هذا الرجل نصيحة ما؟ الأمر لا يحتاج إلى الاحمرار والاصفرار من الخجل". 

أجابني إبراهيم بغضب: ماذا تقول يا عزيزي "أمير"؟ هل عرفت من هو هذا الرجل؟ 

- في الحقيقة، لا! من يكون هذا الرجل؟

- هذا الرجل من أولياء الله، الذين لا يعرفهم كثيرون. إنه الحاج الميرزا "إسماعيل الدولابي".

مرّت سنوات قبل أن يعرف الناس الحاج "الدولابي". وبعد أن قرأت كتاب "طوبى المحبّة" أدركتُ كم كانت جملته التي قالها لإبراهيم مهمة وعظيمة.


انتهت إحدى العمليات المهمة في منطقة الغرب. بعد التنسيق، ذهب معظم الشباب لزيارة الإمام الخميني. على الرغم من مشاركة إبراهيم في تلك العملية، إلّا أنه بقي في الجبهة، ولم يأت معهم إلى طهران. ذهبت إليه وسألته: لماذا لم ترافقهم؟ 

- لا يمكن أن نخلي الجبهة، لا بد من أن يبقى بعض منّا.

162

  


135

في محفل العظماء

 - هل حقًا لهذا السبب لم تذهب؟

سكت قليلًا ثم أجاب: "نحن لا نريد قائدًا كي نتفرج عليه؛ بل نريد قائدًا كي نطيعه. لا يهم إن لم أستطع رؤية قائدي؛ بل المهم أن أطيعه ويكون راضيًا عني". 

كان إبراهيم دقيقًا جدًّا في ما يتعلّق بولاية الفقيه. كان رأيه بالإمام الخميني قدس سره مثيرًا للإعجاب. كان يقول: "لم يملك أحد من العلماء القدامى أو الجدد الجرأة أو الشجاعة التي يملكها الإمام الخميني". عندما كان يُبَث نداء للإمام الراحل كان يستمع له بكل دقّة، وكان يقول: "إذا أردنا الدنيا والآخرة، علينا أن نسمع كلام الإمام ونطيعه". 

في الحقيقة، كان إبراهيم ومنذ نشأته، على علاقة بمعظم علماء الحي. عندما كان العلّامة الجعفري يسكن في حيّنا، استفاد منه على أكمل وجه. كان يعتبر الشهيد "مطهّري" والشهيد "بهشتي" النموذجين الكاملين.


163

  


136

الزيارة

 
 
جبار ستوده، مهدي فريدوند

 

في السنة الأولى للحرب، توجهنا برفقة عدد من شباب مجموعة "أندرزكو" إلى أحد المرتفعات في شمال منطقة "جيلان غرب". في الصباح الباكر كنا في أعلى نقطة من التلال المطلة على الحدود. كان المقر الحدودي بيد العراقيين، وكانت السيارات والآليات العراقية تتردد على الطرقات هناك. فتح إبراهيم كتاب الدعاء وقرأنا مع الشباب زيارة عاشوراء. بعد ذلك، قلت وأنا أنظر بحسرة إلى المناطق التي يسيطر عليها الأعداء: "عزيزي أبرام، هل ترى هذا الطريق. المتجه نحو الحدود؟ هل ترى كيف يتنقّل العراقيون عليه بسهولة؟". ثم أضفت بحسرة: "هل سيأتي اليوم الذي يمكن فيه للناس عبور هذا الطريق والذهاب إلى قراهم ومدنهم؟". 

كان إبراهيم ينظر إلى البعيد وكأنه لم يسمع ما قلته، لكنه فاجأني وقال: "ماذا تقول!؟ سيأتي ذلك اليوم ونرى أهلنا يذهبون جماعات جماعات لزيارة كربلاء عبر هذا الطريق". 

أثناء عودتنا، سألت الشباب: "هل تعرفون اسم ذلك المقر الحدودي؟". أجابني أحد الشباب: "مقر خسروي الحدودي".

165

  

 


137

الزيارة

 بعد عشرين عامًا، كنا متجهين لزيارة كربلاء، وقع نظري على تلك التلال حيث قرأ إبراهيم زيارة عاشوراء. وكأنني رأيته يودّعنا من هناك. كانت تلك التلة مطلة مباشرة على مقر خسروي الحدودي. في ذلك اليوم، كانت الحافلات تتحرك على ذلك الطريق وكان أهلنا ذاهبين جماعات جماعات لزيارة كربلاء.


حين نحضر في طهران أحيانًا، كان برنامج إبراهيم في ليالي الجمعة، زيارة حرم "الشاه عبد العظيم". كان يقول: "ليلة الجمعة هي ليلة الرحمة الإلهية، ليلة زيارة أبي عبد الله الحسين، الليلة التي يذهب الأولياء والملائكة فيها إلى كربلاء، ونحن نذهب إلى مكانٍ، قال أهل البيت يومًا إنّ له ثواب زيارة كربلاء".

كان يقرأ دعاء كميل هناك، ثم يعود قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. وبعد أن انطلق برنامج التعبئة في المسجد، كان يرجع مباشرة إلى المسجد حيث شباب التعبئة.

في إحدى الليالي، خرجنا معًا من الحرم، لكنني كنت مستعجلًا جدًّا، فركبت الدراجة وراء أحد الشباب وتوجهت نحو المسجد. لكن إبراهيم وصل بعد ساعتين أو ثلاث. سألته: "عزيزي أبرام، لماذا تأخرت؟". 

قال: "لقد ذهبت مشيًا على الأقدام لأزور قبر الشيخ الصدوق. يقول أهل طهران القدامى إنّ الإمام المهدي| يأتي في ليالي الجمعة لزيارة مزار الشيخ الصدوق". 

قلت له: "لكن لماذا أتيت مشيًا على الأقدام؟". 

لم يجبني بوضوح، فأكملت قائلًا: "لقد كنت مستعجلًا لتأتي إلى المسجد،

166


138

الزيارة

 لكنك مشيت كل هذا الطريق، لا بد من وجود سبب واضح لهذا الأمر". 

بعد الكثير من الأسئلة، أجابني: "ما إن خرجت من الحرم، تقدم رجل محتاج، فأعطيته كل المال الذي كان معي. حين ركبت سيارة الأجرة تذكرت أنني لا أملك مالًا فترجلت. لذلك أتيت مشيًا إلى هنا". 


في الأيام الأخيرة؛ أي في العام 82م، كنا نذهب معًا لزيارة "السيد عبد العظيم الحسني"، ثم بعد منتصف الليل نتوجه إلى مقبرة "جنة الزهراء"، حيث قبور الشهداء، ويقرأ لنا إبراهيم مجلس عزاء. كان يتمدد أحيانًا داخل القبر ويبدأ بالبكاء، كان يقرأ دعاء كميل بحرقة وحال عجيبة.


167

  


139

القنبلة اليدوية

 
 
علي مقدم

قبل عمليات "مطلع الفجر"، اجتمع عدد من قادة الحرس والجيش في مقر "مجموعة أندرزكو" بهدف التنسيق. 

مضافًا إليّ وإلى إبراهيم، كان ثلاثة من قادة الحرس موجودين، وكان عدد من الشباب في الساحة أمام المقر يقومون بتدريبات عسكرية. 

كنا في وسط الجلسة، والكل يتحاور. فجأة سقطت في أرض الغرفة قنبلة يدوية!

انخطف لوني من شدة الخوف، وانقطع نفسي برهةً. بما أنني كنت جالسًا متكئًا على الحائط في الغرفة، وضعت يديّ على رأسي وجلست القرفصاء ملتصقًا بالحائط! البقية مثلي التجأ كلّ منهم إلى زاوية. 

مرت اللحظات بصعوبة، لكن لم يحصل انفجار. فتحتُ عينَيَّ بهدوء، واسترقتُ النظر من بين يدَيّ. تفاجأت ممّا رأيت؛ رفعت رأسي، ناديتُ وعيناي مفتوحتان من الذهول: أبرام!

فرفع البقية رؤوسهم، كلٌّ من زاويته. نظر الجميع، ووجوههم مصفرّة، إلى وسط الغرفة.

169

  


140

القنبلة اليدوية

 كان المنظر عجيبًا. حين زحف الجميع إلى زوايا الغرفة، قفز إبراهيم ورمى بنفسه على القنبلة. 

عندها دخل مسؤول التدريب إلى الغرفة، وهو لا يتوقف عن الاعتذار: "أعتذر منكم، أنا خجول منكم. إنها قنبلة للتدريب، سقطت خطأ داخل الغرفة". 

قام إبراهيم عن القنبلة. وعادت الأمور... وحدثٌ كهذا لم يكن قد حصل لأي من الشباب، خصوصًا أنّ الحرب كانت في سنتها الأولى.

بعد ذلك، تناقلت الألسن هذه الحادثة وعرف الجميع بها.


170


141

مطلع الفجر

 

 حسين الله كرم


منذ مدة، عُزِل "بني صدر" من القيادة العامة للقوات المسلحة. لأجل كسر هيبة الجيش العراقي، تم التخطيط لسلسلة عمليات في جنوب وغرب وشمال الجبهة. في (29 ت 2) انطلقت أولى العمليات الكبيرة؛ أي عملية "طريق القدس" (عملية تحرير بستان) وتلقى حزب البعث أولى هزائمه.

وفق التخطيط، ستكون العمليات الثانية من "جيلان غرب" حتّى "سربل ذهاب" المنطقة الأكثر قربًا من "بغداد". لذلك جرى استطلاع المنطقة منذ فترة طويلة مضافًا إلى تجهيز القوى.

تولت قيادة الحرس في "جيلان غرب" مسؤولية هذه العمليات. كان شباب مجموعة "أندرزكو" في خضم العمل. أوكلت إلى إبراهيم مسؤولية الاستطلاع. أُنجز هذا العمل بدقة وإتقان خلال فترة قصيرة. تقدم إبراهيم خلف خطوط الأعداء لجمع المعلومات يرافقه أحد الشباب الأكراد. استطاعا خلال أسبوع الوصول إلى منطقة "نفط شهر".

جهّز إبراهيم حينها خرائط جيدة للمنطقة، ثم جاء برفقة أربعة أسرى عراقيين إلى المركز. وبعد استجوابهم، استكملت الخرائط وعُرِضَت على القيادة.

171

  


142

مطلع الفجر

 وصل الخبر من المقر، أنه بعد هذه العمليات ستنطلق العمليات الثالثة في منطقة "مريوان". نسّق العقيد "علي ياري" والرائد "سلامي" من لواء "ذو الفقار" في الجيش مع قيادة الحرس، قُسّمت القوات المحلية من "سربل ذهاب" إلى "جيلان غرب" على شكل كتائب محددة. تم اختيار معظم شباب مجموعة "أندرزكو" قادةً لهذه الكتائب، وتولّى عدد من الألوية من الحرس والمتطوعين مسؤولية الاقتحام الأول ليبدأوا العمليات. 

في الاجتماع الأخير، اختار القادة إبراهيم قائدًا للجبهة الوسطى، الأخ "صفر خوش روان" قائدًا للجناح الأيسر، والأخ "ريزه وندي" قائدًا للجناح الأيمن. تهدف العمليات إلى تطهير المرتفعات المشرفة على مدينة "جيلان"، والسيطرة على المرتفعات الحدودية ومعابر "حاجيان" و"كورك" ومراكز التفتيش الحدودية.

تقدّر مساحة منطقة العمليات بسبعين كيلومترًا. جرى التنسيق على قدم وساق. قبل الانطلاق أبلغتنا قيادة الحرس أن العراق يستعد لهجمة ارتدادية واسعة لاسترداد "بستان". لذلك عليكم البدء بالعمليات مباشرة كي يتراجع العراقيون عن فكرة استردادها.

لذلك تم اختيار اليوم التالي؛ أي 11 كانون الأول من العام 1981م، للبدء بالعمليات. كنا متحمسين ومتشوقين بشكل كبير. غدًا تنطلق أولى العمليات الواسعة في غرب البلاد وعلى المرتفعات. لا شيء يمكن توقعه. كان وداع الشباب بعضهم بعضًا في الليلة الأخيرة يستحق المشاهدة. 

في النهاية، حان اليوم الموعود. بعد الهجوم الواسع الذي قام به الشباب من المحاور المختلفة، حررت كثيرٌ من المناطق المهمة والاستراتيجية كمعابر "حاجيان وكورك" ومنطقة "برآفتاب" ومرتفعات "سرتتان، تشرميان، ديزه كش، فريدون هوشيار" وبعض مرتفعات "شياكوه" وكل قرى سهل "جيلان".

172

  


143

مطلع الفجر

 في الجبهة الوسطى، وبعد السيطرة على عدد من التلال والأنهر، تقدمت القوات نحو تلال "أنار". كان العدو يقصف المنطقة بجنون. 

وصلت بعض الكتائب بعد عبورها التلال إلى مرتفعات "شياكوه". كما بلغوا بعض القمم في هذه المرتفعات. كان العدو يدرك أن خسارة "شياكوه" يعني خسارة مدينة "الخانقين" العراقية. لذلك أرسلَ عددًا من القوات نحو المرتفعات إلى منطقة الاشتباكات. 

في منتصف الليل، أُعلن عبر جهاز اللاسلكي: وصل "حسن بالاش" و"جمال تاجيك" مع قواتهما إلى "شياكوه" قادمين من الجبهة الوسطى وهم يطلبون الدعم. بعد لحظات اتصل إبراهيم: "تم تحرير كل مرتفعات "أنار"، ما عدا إحدى التلال التي تتميز بموقع استراتيجي ما زالت تقاوم ولا قوات كافية لدينا".

قلت لإبراهيم: "قبل الصباح سألتحق بكم مع قوات دعم. نسّقوا مع الجيش وحاولوا بأي وسيلة تحرير تلك التلة". 

تحركت مع كتيبة نحو المنطقة الوسطى. خلال الطريق، وصلنا خبر من الحرس أن العدو قد صرف نظره عن هجومه الارتدادي على "بستان"، لكنه أرسل قوات إضافية باتجاه جبهتكم، قاوموا، وإن شاء الله سيبدأ فيلق "مريوان" بقيادة الحاج "أحمد متوسليان" بالعمليات التالية. كما تضمنت الرسالة شكرًا للتنسيق المميز بين الحرس والجيش. وقالوا: "وفق الأخبار، لقد تكبّد الجيش العراقي خسائر فادحة في معركتكم، لذلك أعطت القيادة العراقية الأمر بإرسال الاحتياط إلى المنطقة".

أوشك الصبح على الطلوع، وصلينا الفجر خلال المسير. لم نكن قد وصلنا بعد إلى منطقة "أنار"، عندما تلقينا، بأسف وحزن، شهادة "غلام علي بيجك" في جبهة "جيلان غرب".

173

  


144

مطلع الفجر

 ما إن وصلنا إلى مرتفعات "أنار"، اقترب مني شاب وأخبرني بلهجته المشهدية: حاج "حسين"، هل عرفت أنهم أصابوا إبراهيم؟ 

فجأة بدأت أرتجف. جفّ حلقي وسألته: ما الذي حصل؟

أصابت إحدى الرصاصات إبراهيم في رقبته.

انخطف لوني. اختلطت الأمور عليّ. ركضت بشكل لا إرادي إلى الدشم والخنادق المقابلة. كنت أسترجع كل ذكرياتي مع إبراهيم. وصلت إلى دشمة الإسعاف. وقفت إلى جانبه.

أصابت الرصاصة عضلات رقبته. نزف كثيرًا من الدماء. وجدت "جواد" وسألته: ما الذي حصل لأبرام؟

سكت قليلًا ثم قال: لا أعرف ماذا أقول؟

- ماذا تعني؟

تكلّمنا مع قادة الجيش عن كيفية الهجوم على التلة. كان العراقيون يقاومون بشدة، وكان لديهم عدد كبير من المقاتلين. لم توصلنا أي خطة إلى نتيجة. كنا نقترب من أذان الصبح وعلينا القيام بعمل ما، لكنّنا لم نعرف ما نفعله. فجأة، خرج إبراهيم من الدشمة، اقترب من تلّة العراقيين، ثم وقف على صخرة ورفع صوته بالأذان. صرخنا كثيرًا: "عد إلى الخلف، سيرميك العراقيون"، ولكن من دون فائدة، إلى أن أنهى الأذان تقريبًا، وإذ بنا نلتفت.. لقد توقف إطلاق النار من قِبل العراقيين! ولكن في اللحظة الأخيرة، أُطلقت رصاصة أصابت إبراهيم. فسحبناه إلى الخلف.

 
174

  


145

معجزة الأذان

 
حسين الله كرم

كنّا في مرتفعات "أنار". طلع الصباح. ضمّد المسعف جرح رقبة إبراهيم، فيما كنت منشغلًا بتوزيع الشباب والرّد على اللاسلكي. فجأة وصل أحد الشباب وقال لي: "يا حاج، هناك مجموعة من العراقيين، أفرادها قادمون نحونا وهم يرفعون أيديهم مستسلمين"!

قلت له بتعجب: "أين هم؟". ذهبنا معًا إلى إحدى الدشم المطلّة على التلة. ما يقارب عشرين عسكريًا، يتقدمون نحونا وهم يحملون علمًا أبيض. قلت للشباب: "جهّزوا أسلحتكم، قد يكون فخًّا". 

بعد لحظات، سلّم سبعة عشر عراقيًا أنفسهم بينهم قائدهم. فرحت كثيرًا لأنّنا أسرنا عراقيين في هذا المحور. فكرت في نفسي أن قوة الشباب وهجومهم الجيد أدى إلى خوف العراقيين وبالتالي إلى استسلامهم. أحضرت الضابط العراقي إلى داخل الدشمة، وناديت أحد الشباب الذي يعرف اللغة العربية. 

سألته كما يفعل المحققون: ما اسمك؟ ما هي رتبتك؟ ما هي مسؤوليتك؟ 

عرّفني إلى نفسه، ثم قال: "أنا عقيد وقائد القوات الموجودة على التلة. أتينا من فرقة الاحتياط في البصرة".

175

  


146

معجزة الأذان

 - كم تبقّى من القوات الآن على التلة؟

- لا أحد. 

ردّدت وعيناي شاخصتان من الذهول: ماذا؟ لا أحد؟ 

- لقد أتينا وسلّمنا أنفسنا. وأرسلت ما تبقى من القوات إلى الخلف. والتلة فارغة الآن. 

نظرت إليه بتعجب وسألته: لماذا؟ 

- لأنهم لم يقبلوا بتسليم أنفسهم معنا.

تعجبت أكثر: ما معنى هذا؟ 

لم يجبني الضابط العراقي؛ بل سألني: أين المؤذّن؟ 

لا تحتاج هذه الجملة إلى الترجمة. قلت له بتعجب: المؤذن؟ 

اغرورقت عيناه بالدموع، وبدأ يتحدث وصوته يختنق بالعبرة والمترجم ينقل لنا ما يقوله: "لقد قالوا لنا إنّكم مجوس، تعبدون النار. قالوا لنا إنّنا نهجم على إيران في سبيل الإسلام. صدّقوا، إنّنا جميعًا شيعة. عندما رأينا أنّ الضبّاط العراقيّين يشربون الخمر ولا يصلّون، تردّدنا كثيرًا في مساعدتهم في هذه الحرب. هذا الصباح، عندما سمعنا صوت الأذان الذي يرفعه أحد مقاتليكم بصوته الجميل والمؤثر، ارتجف بدني. حين ذكر اسم أمير المؤمنين قلت في نفسي: "أنت تقاتل إخوتك. ماذا لو كانت هذه الحرب مثل كربلاء؟!". 

لم يستطع متابعة كلامه لشدة البكاء، ثم أكمل بعد دقائق: "لذلك قرّرنا أن نسلّم أنفسنا. حين طلع الصباح، جمعت قواتي وقلت لهم: "أريد أن أسلّم نفسي للإيرانيين. كل من يريد مرافقتي، فليأتِ. إن هؤلاء الذين جاؤوا معي هم من أتباع عقيدتي، وتراجع البقية إلى الخلف. كما إنني أحضرت معي المقاتل الذي أطلق النار على المؤذن، إذا أصدرتم الأمر أقتله. الآن، أرجوك قل

176

  


147

معجزة الأذان

 لي هل المؤذن ما زال حيًّا؟". 

 

كنت كالضائع، وسيطر عليّ الذهول وأنا أستمع لكلام الضابط العراقي. لم أستطع أن أنطق بكلمة، لكنّني قلت له بعد أن خرجت عن صمتي: "نعم إنه حيّ". خرجنا معًا من الدشمة، ذهبنا إلى إبراهيم حيث كان ممدّدًا في إحدى الدشم. اقترب العراقيّون السبعة عشر جميعًا وقبّلوا يد إبراهيم. ارتمى الجندي الأخير على قدم إبراهيم، يبكي ويقول: "سامحني، أنا أطلقت النار عليك". 

اختنقت أنا أيضًا بعبرتي. كانت حالتي عجيبة. نسيت عندها الشباب والعمليات. أردت أن أرسل العراقيين إلى الخطوط الخلفية. ناداني الضابط العراقي وقال: "انظر، هناك كتيبة كوماندوس وعدد من الدبابات التي تريد التقدم، ثم أكمل قائلًا: "أسرعوا وسيطروا على التلة".

فأسرعت بإرسال مجموعة من شباب مجموعة "أندرزكو" إلى التلة. بتحرير تلك التلة، تمّ تطهير منطقة "أنار" بالكامل. هجمت كتيبة الكوماندوس علينا، لكنّنا كنّا مستعدين؛ لذلك قتل معظمهم وبالتالي لم تنجح هذه الهجمة. في الأيام اللاحقة وبسبب انطلاق عمليات محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في "مريوان"، خفّ الضغط العراقي على "جيلان غرب".

على كل حال، حققت عمليات "مطلع الفجر" كثيرًا من أهدافها. حُررت كثير من مناطق بلدنا العزيز. مع أنه خلال هذه العمليات رحل عدد من القادة كـ"غلام علي بيجك"، "جمال تاجيك" و"حسن بالاش" وأسرعوا للقاء الله.

بعد أيام وبعد تماثله للشفاء، عاد إبراهيم إلى المجموعة. في ذلك اليوم، أُعلن عن انتهاء عمليات "مطلع الفجر" التي انطلقت تحت الشعار المقدس "يا مهدي". تم القضاء على أكثر من أربع عشرة كتيبة من القوات الخاصة في الجيش العراقي. كما تكبّد النظام البعثي خسائر تزيد عن ألفي قتيل

177

  

 


148

معجزة الأذان

 وجريح ومئتي أسير. وقد أُسقطت طائرتان عراقيتان بعد أن صوّب شبابنا عليهما بدقة.


مضت خمس سنوات على عمليات "مطلع الفجر". خلال شتاء العام 1987م، كنّا منشغلين بعمليات "كربلاء 5" في "شلمجة". كان جزء من التنسيق بين الفرق واستطلاع العمليات في عهدتي. توجهت إلى مقر "فيلق بدر"، للتنسيق وإرشاد الشباب. كان من المفترض أن يرسل شباب هذا الفيلق، الذين هم من الشباب العرب والعراقيين المعارضين لصدام، إلى الجبهة للمشاركة في المرحلة الثانية من هذه العمليات. 

بعد أن تواصلت مع قادة الفيلق وقادة الكتائب، وأنهيت عملي هناك، استعددت للحركة. رأيت من بعيد أحد شباب "فيلق بدر"، ينظر إليّ ويقترب مني. 

كنت أوشك على الانطلاق عندما وصل هذا التعبوي إليّ وسلّم عليّ. رددت سلامه وقال لي من دون أي مقدمة وبلهجته العربية: "هل كنت في "جيلان غرب"؟". 

أجبته بتعجب: "نعم". ظننت أنه من شباب تلك المنطقة.

ثم قال: "هل تذكر عمليات "مطلع الفجر"، مرتفعات "أنار"، التلة الأخيرة!". 

فكرت قليلًا، ثم قلت: "حسنًا؟ ماذا هناك؟". قال: "هل تذكر العراقيين الثمانية عشر الذين أُسروا؟!

أجبته بتعجب: "نعم! حضرتك؟"، فأجابني بسعادة: "أنا واحد منهم!!". ازدادت دهشتي، وسألته: "ماذا تفعل هنا؟". 

قال: "نحن الثمانية عشر كلنا في هذه الكتيبة. لقد تم الإفراج عنّا

178

  


149

معجزة الأذان

 بضمانة السيد الحكيم؛ لأنه كان يعرفنا جيدًا. ثم قررنا الالتحاق بالجبهة لنحارب البعثيين!

كان الأمر عجيبًا بالنسبة إلي. قلت له: "بارك الله فيكم، أين قائدكم؟". 

قال: "إنه مسؤول في هذه الكتيبة. ونحن الآن نستعد للذهاب إلى الخطوط الأمامية". 

قلت له: "اكتب اسم كتيبتكم واسمك على هذه الورقة. أنا مستعجل الآن، سأعود بعد العمليات لأزوركم وأتحدث معكم بهدوء". كان يكتب أسماء رفاقه حين سألني: "ما كان اسم ذلك المؤذّن؟". 

أجبته: "إبراهيم، إبراهيم هادي". 

قال: "كنا نبحث عنه خلال هذه المدة. طلبنا من قادتنا أن يجدوه. نودّ كثيرًا رؤيته مرة ثانية". 

سكتّ قليلًا. اختنقت بدمعتي. رفع رأسه ونظر إليّ. قلت له: "تلتقون به في الجنة إن شاء الله". انقبض قلبه حزنًا. كتب الأسماء واسم الكتيبة وأعطاني إياها.

ودعته بسرعة وانطلقت. لم أكن أتوقع هذا التصرف العجيب. 

ها قد انتهت العمليات في شهر آذار. أخذ العديد من الشباب مأذونية. في أحد الأيام، وجدت بين أغراضي الورقة التي أعطاني إياها ذلك التعبوي العراقي. 

ذهبت لرؤية شباب بدر. سألت أحد قادة الفيلق عن الكتيبة التي كتب اسمها على الورقة. أجابني ذلك المسؤول: "لقد انحلت تلك الكتيبة". 

قلت: "أريد أن ألتقي بشبابها".

179

  


150

معجزة الأذان

 أكمل القائد كلامه قائلًا: "إن الكتيبة التي تتحدث عنها، وقفت مع قائدها أمام هجوم مضاد واسع جدًّا للعراقيين في "شلمجة". استشهد كثيرٌ منهم لكنهم لم يتراجعوا. سكت قليلًا ثم أكمل: "لم يبقَ أحد من تلك الكتيبة على قيد الحياة؟"، قلت له: "إن هؤلاء الثمانية عشر كانوا من الأسرى العراقيين. أسماؤهم هنا. أتيت لرؤيتهم". 

تقدم قليلًا. أخذ الورقة من يدي، وأعطاها لشخص آخر. عاد ذلك الشخص بعد دقائق وقال لي: "استشهدوا جميعًا".

لم يعد لديّ ما أقوله. جلست وبدأت بالتفكير. قلت في نفسي: ماذا فعل إبراهيم بأذان واحد؟ حُرّرت تلّة، نجحت العملية، انتقل ثمانية عشر فردًا كـ"الحُرّ" من قعر جهنم إلى الجنة. ثم تذكرت ما قلته لذلك العراقي : "تلتقون به في الجنة إن شاء الله". رغمًا عني، سالت دموعي، ثم ودعته وخرجت من هناك. لا شك في أن إبراهيم كان يعرف أين عليه رفع الأذان، ليجعل قلب العدو يرتجف، وليهدي أولئك الذين بقي في قلوبهم مكان للإيمان". 


180

  


151

الكوفية

 
عباس هادي

كنا في أوائل العام 1982م، حين جاء إبراهيم في مأذونية. وصل إلى البيت في آخر الليل. تكلمنا قليلًا. ثم رأيت في جيبه مبلغًا كبيرًا من المال، فسألته: "يا أخي، من أين حصلت على كل هذا المال؟ وقد رأيتك مرارًا تقدم المساعدات المالية للناس، وتصرف المال في هيئة العزاء. والآن كل هذا المال في جيبك؟"، ثم تابعت ممازحًا: "قل لي الحقيقة، هل عثرت على كنز؟". 

ضحك إبراهيم وقال لي: "لا، يا أخي، إن بعض الأصدقاء يعطونني هذا المال، ويحدّدون لي أين وكيف أصرفه". 

في اليوم التالي، ذهبنا معًا إلى البازار. بعد المرور على عدد من السماسرة وصلنا إلى أحد المحال. صاحب هذا المحل من التجار القدامى وكبيري السن، كما إنّ وضعه المالي جيد. كان يعرف إبراهيم جيدًا، فرحّب به كثيرًا. بعد السلام والمجاملات، بدأ إبراهيم كلامه قائلًا: "يا حاج، نريد بعض الوسائل لشباب الجبهة". ثم أخرج ورقة من جيبه وأعطاها للحاج.

سأله الحاج: "مضافًا إلى ما كتبته، هل أنتم بحاجة إلى شيء آخر". 

أجابه إبراهيم: "يا حاج، يقدم الشباب في الجبهة تضحيات كثيرة، ولا

181

  


152

الكوفية

 نية لهم سوى رضى الله. لكن للتاريخ ولكي يعرف الناس ما قام به هؤلاء الشباب، نحتاج إلى آلة تصوير (فيديو) وإلى عدد من الكوفيات". كان هناك رجل آخر في المحل فسأل مستغربًا: "فهمنا حاجتكم إلى آلة التصوير، لكن لم تحتاجون إلى الكوفيّات، هل تريدون أن تحملوا مناديل كالشباب "الصُيّع" في الشوارع؟". 

أجابه إبراهيم بهدوء: "ليست الكوفيّة منديل رقبة. حين يتوضأ المقاتل تكون له منشفة، حين يريد الصلاة تتحول إلى سجادة صلاة، وحين يصاب يضمد جراحه بالكوفية والكثير من الأمور".

في اليوم التالي، كنت واقفًا أمام البيت. حضر ذلك الرجل العجوز في شاحنة صغيرة (بيك أب) مليئة بالكوفيّات. أسرعت إلى الداخل وناديت إبراهيم. 

أعطى الرجل آلة التصوير وكثيرًا من الوسائل الأخرى إبراهيم. وقال له: "عزيزي أبرام. هذه سيارة الكوفيات لك". 

بعد ذلك أخبرنا إبراهيم أن الشباب قد استفادوا من هذه الكوفيات خلال عمليات "الفتح المبين". فيما بعد صارت الكوفية إحدى ميزات جنود الإسلام. 


182

  


153

روح الفكاهة

 
علي صادقي، أكبر نوجوان

كان إبراهيم جادًا ودقيقًا جدًّا إذا تعلّق الأمر بالعمل. لكن في أجواء المزاح والفكاهة كان إنسانًا حسن المعشر وكثير المزاح، وأعتقد أن هذا الأمر من الأسباب التي جذبت كثيرين إليه.

كان لإبراهيم أخلاق خاصة في تناول الطعام. إذا وُجد طعام كاف، كان يأكل جيدًا ويقول: "يحتاج جسدنا إلى كثير من الطعام بسبب الرياضة". 

في إحدى المرات، ذهب مع أحد الشباب في "كرمانشاه" إلى مطعم "كوارع"، وأكلا معًا ثلاث قطع كاملة من الكوارع وكل ما يلحق بها. وهذه كمية كبيرة جدًّا لشابين. أو حين كان أحد الشباب يدعو إبراهيم إلى العشاء، كان يحضر لثلاثة أشخاص ست دجاجات وكثيرًا من الأرز و... 

حين كان إبراهيم مصابًا، ذهبت لعيادته وتوجّهنا معًا على الدراجة النارية إلى بيت أحد الشباب للإفطار. كان صاحب الدعوة من أصدقاء إبراهيم المقربين وقد دعا عددًا من الشباب إلى هذا الإفطار، كما كان كثير المجاملة والإصرار علينا في تناول الطعام. لم يكن إبراهيم بحاجة إلى الإصرار، فأكل قدر ما استطاع وبالتالي لم يبقَ على المائدة شيء.

183

  


154

روح الفكاهة

 كان "جعفر جنكروي" هناك. بعد الإفطار كان يذهب إلى الغرفة المجاورة، وينادي على أصدقائه، ثم يقول لإبراهيم إنّ الشباب يحبّون أن يسلموا عليك، فكان إبراهيم يقف للسلام احترامًا لهم، وبسبب امتلائه من الطعام من جهة، وإصابته من جهة ثانية، كان يتألم من الوقوف والجلوس. 

ما إن يجلس إبراهيم، حتّى يذهب جعفر مرة ثانية ويحضر شبابًا آخرين ليسلّموا على إبراهيم وكان جعفر يقف وراءهم ويضحك لأنه يزعج إبراهيم. تكرّر هذا الأمر مرات عدّة، إلى أن قال إبراهيم لجعفر: "عزيزي جعفر، سيأتي دورنا معك"! 

في وقت متأخر من الليل، عندما أردنا العودة، قال لي إبراهيم وهو يركب الدراجة النارية ورائي: "تحرّك بسرعة يا أكبر". 

وكان جعفر وراءنا على دراجته النارية. كانت تفصلنا مسافة كبيرة عنه، حين وصلنا إلى حاجز للتفتيش. توقفت قليلًا، فنادى إبراهيم أحد الشباب وقال له: "يا أخ، تعال". تقدم أحد الشباب المسلحين، وأكمل إبراهيم: "يا صديقي العزيز، أنا جريح وهذا الشاب معي صاحب الدراجة من الحرس الثوري.. لكن وراءنا دراجة نارية و.. من الأفضل ألّا أقول شيئًا... لكن انتبهوا جيدًا. أعتقد أنه مسلّح". ثم استأذن وذهبنا. 

بعد حوالي المئة متر، توقفنا على الرصيف. كنا نضحك معًا حين وصل جعفر على دراجته النارية. وطوقه 4 شبان مسلحين وحين رأوا مسدسه الشخصي، لم يعطوا أي أهمية لأي شيء يقوله و...

بقي على هذه الحال حوالي النصف ساعة إلى أن جاء مسؤول الشباب وكان يعرف الحاج "جعفر"، واعتذر كثيرًا منه وقال للشباب: "إنه الحاج "جعفر" من قادة فرقة سيّد الشهداء". اعتذر شباب المجموعة من الحاج "جعفر" الذي كان يستشيط غضبًا. أخذ سلاحه وترك المكان من دون أن

184


155

روح الفكاهة

 يتكلم كلمة لشدة انزعاجه. 

بعد أن ابتعد عن نقطة التفتيش، تفاجأ بنا واقفين على جانب الطريق ننظر إليه ونضحك. عندها فهم ما الذي حصل ولماذا أوقفوه. تقدم إبراهيم، احتضن "جعفر" وقبّله. انفرج وجه "جعفر" وبدأ هو أيضًا بالضحك، وانتهى كل شيء بابتسامة.


185

  


156

الأَخوان

 
 علي صادقي

توجّهنا إلى إحدى البلدات الحدودية للمشاركة في مراسم الشهيد "شهبازي". وفق عادات وتقاليد تلك المنطقة تستمر مراسم العزاء من الصباح حتّى الظهيرة، ثم يحضر أحدهم وعاءً كبيرًا وإبريق ماء بلاستيكيًّا ليغسل الضيوف أيديهم، وتختتم المراسم بتناول الغداء.

حين دخلت إلى المجلس، رأيت إبراهيم و"جواد" يجلسان في الوسط، قريبٌ أحدهما من الآخر. تقدمتُ وجلستُ بجانب إبراهيم. كان إبراهيم و"جواد" صديقين مقربين؛ بل كانا كالأخوين.

عند انتهاء المراسم، أحضر شاب من أهل العزاء الوعاء1 وإبريق الماء البلاستيكي وتوجّه مباشرة نحو "جواد". أسرّ إبراهيم في أذن "جواد" بعض الكلمات. فتفاجأ "جواد" الذي لم يكن يعرف عادات تلك المنطقة وقال: "حقًا؟" فأجابه إبراهيم: "بهدوء... ولا تُظهِر شيئًا من تعجّبك الآن". 

ثم التفت إبراهيم إليّ وهو يحاول إخفاء ضحكته. سألته: "ماذا هناك؟ عيب، لا تضحك".

1- اللكن، الطست.
187

  


157

الأَخوان

 - "قلت لجواد، حين يحضرون الوعاء والإبريق البلاستيكي، اغسل رأسك جيدًا". 

بعد لحظات، حصل ما توقعناه، غسل "جواد" يديه ثم وضع رأسه تحت ماء الإبريق البلاستيكي و..". ثم بدأ ينظر حوله، والماء ينزل على وجهه وثيابه، والجميع متعجب... قلت له: "ماذا فعلت يا "جواد"؟. وهل أنت في حمام عمومي؟". ثم أعطيته كوفيّتي ليجفّف بها رأسه.


في أحد الأيام، عرفنا أن إبراهيم و"جواد" و"رضا كوديني"، وبعد غيابهم أيامًا في المناطق الحدودية، هم في طريق عودتهم عبر المركز الحدودي. لشدة فرحنا بعودتهم سالمين، تجمّعنا أمام مقر الشهيد "أندرزكو". بعد دقائق وصلت سيارتهم، ترجّل إبراهيم و"رضا" واقترب الشباب منهما يسلّمون عليهما ويقبّلونهما. 

سأل أحد الشباب: "ولكن أين "جواد"؟". سكت الجميع لحظات. حاول إبراهيم الكلام، تردّد ثم قال وهو يحبس دمعته: "جواد!"، ثم نظر إلى المقعد الخلفي للسيارة، حيث يتمدد أحدهم، وعليه بطّانية. سكت الجميع مدهوشين، وردّد إبراهيم: "جواد! جواد!" ثم بدأ بالبكاء.

بدأ بعض الشباب بالبكاء والصراخ: "جواد، جواد!"، وتوجّهوا نحو المقعد الخلفي للسيارة. وبينما كان الجميع يبكي ويصرخ، استيقظ "جواد" مصدومًا وهو يسأل: "ماذا حصل؟ ما الأمر؟!"، وينظر في وجوه مَن حوله. تفرّق الشباب وقد تورّمت أنوفهم ودمعت عيونهم، يبحثون عن إبراهيم. لكن إبراهيم كان قد توارى داخل المبنى.


188

  


158

المسدّس

 
أمير منجر

إنها الأيام الأخيرة من العام 1981م. بعد أن جمعنا أغراضنا وسلّمنا السلاح، صرنا جاهزين للحركة نحو الجنوب. نزولًا عند أمر القيادة، من المقرّر أن تنطلق عمليات كبيرة في خوزستان. لذلك، على قوات الحرس والتعبئة الانتقال إلى الجنوب. 

توجهت مجموعة "أندرزكو" مع شباب الحرس في "جيلان غرب" إلى الجنوب. في الأيام الأخيرة، وصلنا خبر من الحرس في "كرمانشاه" أن الأخ إبراهيم هادي قد أخذ مسدسًا ولم يسلّمه إلى الآن. 

لم يتوقف إبراهيم عن إنكار الأمر، لكن لا فائدة. قلت لإبراهيم: "ربما أخذته ونسيت أن تعيده". فكّر قليلًا ثم قال: "ما زلت أذكر أنني أعدته. لكنني أعطيته محمدًا وقلت له أن يسلّمه بالنيابة عني". 

لكن بعد التقصّي عن الموضوع، اكتشف أنّ محمدًا لم يسلم المسدس، وقد عاد إلى طهران منذ أسبوع. 

أتينا إلى طهران بحثًا عن "محمد". فتّشنا عن عنوانه، لكنهم قالوا لنا إنّه ترك منزله وعاد إلى قريته "كوهباية" الواقعة على الطريق بين "أصفهان"

189

  


159

المسدّس

 و"يزد". بما أن إبراهيم كان يولي تسليم السلاح أهمية كبيرة، طلب مني أن نذهب معًا إلى "كوهباية".

عند المساء، انطلقنا نحو "أصفهان"، ثم إلى قرية "كوهباية". كان الطقس باردًا قليلًا. قلت لإبراهيم: "حسنًا، إلى أين علينا الذهاب؟".

- سييسّر الله لنا الأمور، وسيدلنا على الطريق.

مشينا داخل القرية قليلًا، رأينا امرأة عجوزًا تتجه نحو بيتها. بما أننا غرباء عن القرية، وقفت تنظر إلينا. ترجل إبراهيم من السيارة وقال بصوت عال: "السلام عليك يا أمي". 

أجابت العجوز بطيبة وحنان: "وعليك السلام يا عمري، هل تبحث عن أحد؟". 

- يا أمي، هل تعرفين "محمد كوهبايي"؟ 

- أي "محمد"؟ 

- ذلك الذي عاد حديثًا من الجبهة، وعمره ما يقارب عشرين عامًا. 

ابتسمت المرأة وقالت: "تعالوا إلى هنا". ثم دخلت بيتها.

قال لي إبراهيم: ""أمير"، أركن السيّارة"، ثم مشينا معًا. 

دعتنا المرأة إلى بيتها، ثم أحضرت الفطور واستقبلتنا على أحسن وجه. قالت لنا: "أنتم جنود الإسلام، كلوا جيدًا كي تبقوا أقوياء". 

ثم قالت: "إن "محمد" هو حفيدي. يعيش في بيتي. لكنه ذهب إلى المدينة وسيعود عند المساء". قال لها إبراهيم: "يا أمي، لقد تصرف ابنك بطريقة جعلتنا نترك الجبهة ونأتي وراءه".

تعجبت المرأة وسألت: "وما الذي فعله؟".

190

  


160

المسدّس

 أكمل إبراهيم قائلًا: "لقد أخذ مسدسي، وقبل أن يسلّمه جاء إلى هنا، فقالوا لي إنّه عليّ تسليم المسدس في الحال".

قالت المرأة العجوز: "ماذا أفعل بهذا الصبي وأفعاله؟!".

قال إبراهيم: "لا تنزعجي يا أمي العزيزة، لن نأخذ من وقتك أكثر من هذا". 

قالت المرأة العجوز: "تعالا إلى هنا!". أمام باب إحدى الغرف أكملت العجوز قائلة: "إن أغراض "محمد" في هذه الخزانة. رأيته قبل أيام أحضر شيئًا ووضعه هنا. الآن افتحوا أنتم الخزانة". 

قال إبراهيم: "يا أمي، لا يصحّ أن نفتّش في أغراض الآخرين من دون إذن منهم". 

قالت العجوز: "لو كنت أستطيع لفتحته بنفسي"، ثم ذهبتْ وأحضرتْ مفكًّا للبراغي. واستطعت بالضغط على القفل أن أفتح الخزانة.

حين فتحنا الخزانة، وجدنا المسدس ملفوفًا بقماش أبيض وموضوعًا فوق الأغراض. أخذنا المسدس، وخرجنا. أثناء توديعنا للمرأة العجوز، سألها إبراهيم: "يا أمي، لماذا وثقتِ بنا؟". 

إنّ جنديّ الإسلام لا يكذب. وأنت بهذا الوجه النوراني، هل يُعقل أن تكذب. 

انطلقنا من هناك باتجاه "طهران". في مسيرنا على الطريق المحاذية لـ"أصفهان"، وقع نظري على ثكنة المدفعية في الجيش، قلتُ: "يا أبرام، هل تذكر ذلك الرجل الذي كان قائدًا للمدفعية في الجيش في "سربل ذهاب"، وقد ساعدنا في العمليات كثيرًا".

- هل تقصد السيد "مداح"؟

191


161

المسدّس

 - نعم، لقد صار قائد المدفعية في "أصفهان"، ومن الممكن أن يكون هنا الآن.

إذن لنذهب لرؤيته. 

ذهبنا إلى الثكنة أوقفنا السيارة وتوجّهنا نحو الحارس الواقف أمام المدخل. سأله إبراهيم: "هل الحاج "مداح" موجود هنا؟". نظر الحارس إلى إبراهيم من رأسه حتّى قدميه؛ رجلٌ ببنطال كردي وقميص طويل ومظهر بسيط يسأل عن قائد الثكنة. قلت له: "يا أخي، نحن من رفاق الحاج "مداح". أتينا من الجبهة. نريد أن نراه، إذا كان بالإمكان". 

اتصل الحارس وأخبرهم عنا. بعد دقائق، حضرت سيارتا جيب من مكتب القيادة باتجاه المدخل. ما إن رآنا العقيد "مداح" حتّى احتضن إبراهيم وقبّله. سلّم عليّ بحرارة وشوق وأصرّ علينا لمرافقته إلى الداخل، واصطحبنا إلى غرفة الاجتماعات حيث يوجد ما يقارب عشرين قائدًا عسكريًا. كان الحاج "مداح" مسؤول الاجتماع، أحضر لنا كرسيين وجلسنا بالقرب منهم. ثم بدأ بالحديث:

أيّها الأصدقاء، كلكم تعرفونني. منذ قبل انتصار الثورة، خلال حرب التسعة أيام، في الأيام الأولى للحرب، نلت العديد من نياشين الشجاعة ومن الترفيعات. لقد أنجزت مجموعة المدفعية التي كنت أقود مسؤولياتها على أحسن وجه. لقد انتصرت في كل عملياتها. كما إنني خضعتُ للدورات التدريبية في داخل البلاد وخارجها. 

لكن هناك بعضًا ممن شكّكوني في كل قدراتي. على سبيل المثال: "يقول قانون الحروب في العالم: لو كنتم ستهجمون على مكان فيه مئة عسكري من الأعداء، عليكم أن تهجموا بثلاثمئة عسكري. كما إنّ ذخيرتكم يجب أن تكون أكثر من ذخيرة الأعداء كي تستطيع الانتصار". إنّ السيد هادي وأصدقاءه يقومون بأعمال عجيبة ومذهلة، مثلًا لقد هجموا على الأعداء بأقل من مئة

192

  


162

المسدّس

 مقاتل. لكنهم كبّدوا الأعداء خسائر أكثر من عددهم هم، وأسروا منهم أيضًا. وكنت أقدّم الدعم والإسناد لهم. ما زلت أذكر عندما أرادوا الهجوم على منطقة "بازي دراز"، عندما رأيت وضع المهاجمين من قواتنا، قلت لصديقي: "سيخسرون حتمًا". لكنني رأيت في تلك العمليات، كيف أوقعوا الخسائر في صفوف العدو الذي تكبّد أعدادًا من القتلى تفوق عدد شبابنا المهاجمين. 

 

قال أحد القادة الشباب الحاضرين في الجلسة: "حسنًا يا سيد هادي، اشرح لنا كيفية القيام بعملياتكم كي نتعلم منكم"

أما إبراهيم الذي كان جالسًا مطأطئ الرأس، فقال: "لا يا أخي، نحن لم نقم بشيء. لكن الأخ "مداح" يمدحنا كثيرًا، أما نحن فلم نفعل شيئًا؛ بل كل شيء كان من لطف الله". 

قال الحاج "مداح": "إنّ ما تعلمناه منهم ومن رفاقهم أنّ الذخائر والسلاح والعدد ليس لها فائدة. لكن الكلمة الأولى والأخيرة في الحرب هي للروحية. لقد أرعبوا الأعداء بتكبير واحد، وأخافوهم أكثر مما تخيفهم مئات القنابل والدبابات". 

ثم أكمل: "لقد فهمت من هؤلاء الشباب التعبويين المخلصين، معنى الآية القرآنية: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾1. لقد كان لهم صديق في أول الحرب صغير الجسم لكنه أكبر ممّا تتصوّرون في القدرة والشهامة، اسمه "أصغر وصالي". استطاع في الأيام الأولى للحرب أن يمنع العراقيين من التسلل، ونال الشهادة". بعد ساعة تقريبًا خرجنا من الجلسة. اعتذرنا من الحاضرين وتوجهنا نحو "طهران". كنت خلال مسيرنا أفكر في هذا اليوم وبالأحداث التي حصلت معنا. 

لقد سلّم إبراهيم مسدسه المليء بالمغامرات إلى الحرس، ويمّم وجهه مع

1- سورة الأنفال، الآية 65.
193

 


163

المسدّس

 شباب "أندرزكو" شطر الجنوب ووصلوا إلى "خوزستان".

انتهت المرحلة التي استمرت قرابة الأربعة عشر شهرًا في "جيلان غرب" بكل ذكرياتها الحلوة والمُرّة. تلك المرحلة التي كانت حافلة بالملاحم الكبرى. في هذه المدة دُحِرت ثلاثة ألوية مجهزة للجيش العراقي أمام مجموعة فدائية صغيرة.


194

  


164

الفتح المبين

 
 عدد من أصدقاء الشهيد

 

في "خوزستان"، ذهبنا أولًا إلى مدينة "شوش" وزيارة النبي دانيال عليه السلام. هناك أُخبرنا أنّ كافة القوات المتطوعة1 تم تقسيمها إلى ألوية وكتائب قتاليّة وتجهيزها لعمليات كبيرة. 

خلال الزيارة، رأيت الحاج "علي فضلي"، هو أيضًا استقبلنا بحفاوة. خلال شرحه لنا عن كيفية تقسيم القوات، اصطحبنا معه إلى لواء المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، المشكّل من كتائب قوات التعبئة وعدد من كتائب الجيش.

قسّم الحاج "فضلي" مجموعة "أندرزكو" بين الكتائب، حيث استلم شباب المجموعة مسؤولية الاستطلاع والمعلومات في الكتائب كافة. كان "رضا كوديني" في إحداها. و"جواد أفراسيابي" في كتيبة أخرى وإبراهيم في الثالثة. 

انتهى تنظيم وتجهيز القوات بسرعة. كان شباب المعلومات والاستطلاع في الحرس قد أمضوا أشهرًا في هذه المنطقة حيث تم استطلاع كل المناطق المحتلة من قِبل العراقيين. كما تم تحديد أمكنة كل الكتائب والألوية المجهزة في أول أيام فصل الربيع، وفي الواحد والعشرين من آذار انطلقت عمليات "الفتح المبين" بنداء: يا زهراء.

1- وقد نُظّمت لاحقًا في تشكيل البسيج (التعبئة).
195

  

 


165

الفتح المبين

 في عصر ذلك اليوم، نقل الحرس مسؤولي ومعاوني الكتائب إلى منطقة العمليات. أوضحوا عن بعد، ميزات المنطقة وكيفية سير العمل. أوكلت إلى كتيبة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أصعب المهام في العمليات.

مع اقتراب غروب اليوم الأول من شهر فروردين (21 آذار)، ازدادت حركة ونشاط الشباب. وبعد الصلاة، بدأ تقدم الشباب. لم أبتعد عن إبراهيم لحظة واحدة. في النهاية انطلقت كتيبتنا، لكن لأسباب عديدة بقينا في الخلف. تحرّكنا حوالي الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل.

في عتمة الليل، وصلنا إلى سهلٍ، حيث كان شباب الكتيبة جالسين يستريحون. سألهم إبراهيم: "ماذا تفعلون هنا؟ عليكم أن تهجموا على الأعداء". قالوا: "إنه أمر القيادة". 

تقدّمنا مع إبراهيم إلى الأمام. قال للقائد: "لماذا أوقفتم الشباب هنا؟ ما هي إلّا لحظات ويبزغ الفجر، ولا ملجأ لديهم أو دشم يحتمون فيها، وهم في مرمى الأعداء". 

قال القائد: "أمامنا حقل ألغام ولا مخرّبين1 لدينا. اتصلنا بالمركز، فقالوا إنّ شباب التخريب في طريقهم إلينا". 

قال إبراهيم: "لا مجال للانتظار"، ثم نظر إلى الشباب وقال: "نريد عددًا من المتطوعين الجاهزين لتقديم أرواحهم، ليأتوا معي فنفتح الطريق أمام الشباب".

ركض بعض الشباب خلفه. دخل إبراهيم حقل الألغام؛ كان يسحب قدمه على التراب ويتقدم، والبقية مثله. كنت أنظر إلى إبراهيم وأفكار كثيرة تراودني، حتّى انقطع نَفَسي. 

كنت أقف بالقرب من شباب الكتيبة وهو في حقل الألغام. انخطف اللون

2- شباب في اختصاص التخريب (زرع ونزع الألغام والمتفجّرات).
196

  


166

الفتح المبين

 من وجهي، كنت أنتظر صوت الانفجار واستشهاد إبراهيم في كلّ لحظة. مرت اللحظات ثقيلة، لكنهم وصلوا إلى نهاية المسير. الحمد لله، لم تزرع الألغام في هذا المسير.

في تلك الليلة، وبعد عبور حقل الألغام، هجمنا على دشم العدو وسيطرنا عليها، لكننا لم نتقدم كثيرًا. قبل الصباح، جُرِح إبراهيم بشظية أصابته في جنبه، فسحبه الشباب إلى الخطوط الخلفية. 

كانوا يريدون نقله بالطائرة إلى المستشفى في إحدى المدن، لكنه بإصرار شديد، نزل من الطائرة في اللحظات الأخيرة، ثم ذهب وضمّد جراحه في أحد مستوصفات المنطقة وعاد إلى الجبهة ليبقى بالقرب من الشباب. 

في الليلة الأولى، أثناء الهجمة أُصيب قائد الكتيبة والمعاونون. لذلك تم اختيار "علي موحد" قائدًا لكتيبتنا. في ذلك اليوم، شكّلت جلسة بحضور عدد من القادة من بينهم "محسن وزوايي"، وتم إبلاغ القادة بالمرحلة اللاحقة من العمليات. 

من الإنجازات المهمة لهذه العمليات، السيطرة على المدفعية الثقيلة للعدو وعبور جسر "رفائية". عمل شباب المعلومات في الحرس وقتًا طويلًا على هذا المشروع، كما ارتبط نجاح المراحل اللاحقة بالنصر في هذه المرحلة. 

عند المساء، استأنف الشباب التقدم مرة ثانية. تحركت مجموعة التخريب أمام الجميع، يتبعهم "علي موحد" وإبراهيم وبقية الشباب. مشينا مسافات طويلة، لكنّنا لم نصل إلى خنادق العدو ومواقع مدفعيته. بعد قطع أكثر من ستة كيلومترات، وصلنا متعبين منهكين إلى منطقة في وسط سهل. كان إبراهيم و"علي موحد" يتنقلان من مكان إلى آخر، لكن لا أثر لمدفعية الأعداء. لقد ضللنا طريقنا بين السهل ومواقع الأعداء. 

على الرغم من ذلك، كان الشباب يشعرون بهدوء عميق غريب، لدرجة

197

  


167

الفتح المبين

 أنهم غطوا في نوم عميق لمدّة نصف ساعة. فيما بعد، أثناء مقابلة أجرتها مجلة "رسالة الثورة" مع إبراهيم في عددها الصادر في آذار من العام 1982م. صرّح:

"في تلك الليلة، وفي تلك الصحراء، أينما توجهنا لم نرَ سوى الصحراء. سجدنا هناك دقائق، وأقسمنا على الله بحق السيدة الزهراء عليه السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام. في تلك الصحراء، كنا نحن وإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، كنا نناديه ونطلب منه المساعدة. لم نكن نعرف ماذا نفعل.الشيء الوحيد الذي خطر ببالنا هو التوسّل به".
 

لم يعرف أحد ما الذي حصل في تلك الليلة،ما الذي أسرّوا به إلى الله في تلك السجدة. لكن إبراهيم توجّه بعد دقائق باتجاه يسار الشباب الذين كانوا يرتاحون وسط السهل.

بعد طي حوالي الكيلومتر الواحد، وصل إلى خندق كبير جدًّا. نظر خلف الخندق، كان هناك عدد كبير من المدفعيات والأسلحة الثقيلة. 

كانت القوات العراقية تستريح بطمأنينة كاملة. يوجد عدد قليل فقط من الحراس والراصدين في محيط الباحة. عاد إبراهيم مسرعًا إلى شباب الكتيبة.

روى "علي موحّد" ما رآه؛ أحضروا الشباب إلى خلف الخندق، وكانوا يوصونهم طيلة الطريق: "لا تطلقوا النار إلّا عندما نعطيكم الأمر. أثناء المعركة حاوِلوا قدر المستطاع أسر العراقيين". 

من جهة أخرى، هجمت كتيبة "حبيب" بقيادة "محسن وزوايي" على مقر المدفعية العراقية.

في تلك الليلة، استطاع الشباب بأقل وقت من الاشتباكات، وبنداء "الله أكبر" و"يا زهراء"، السيطرة على مقر المدفعية العراقية وأسر عدد كبير من

198


168

الفتح المبين

 الجنود، ما خلق مشكلة حقيقية للجيش العراقي في "خوزستان". 

مباشرة، أدار الشباب أفواه المدافع باتجاه العراق. لكن بسبب عدم وجود المتخصين، لم تستعمل هذه المدفعية.

تمّت السيطرة على المدفعية، وبدأنا بتطهير المنطقة بالقرب منها. بعد دقائق، جاء إبراهيم ومعه ضابط عراقيّ، سلّمه إلى شباب الكتيبة. سألته: 

يا أبرام، من هذا؟ 

كنت أجول حول المقر، عندما رأيت هذا الضابط يتقدّم نحوي فجأة. المسكين لم يكن يعلم أننا حرّرنا المنطقة. فقلت له أن يستسلم ويصبح أسيرًا، لكنه هجم عليّ. لم يكن يحمل أي سلاح، فتصارعت معه ورميته أرضًا، ثم كبّلت يديه وأحضرته إلى هنا. 

صلينا الصبح بالقرب من المدفعية. مع وصول قوات الدعم، أكملنا تقدمنا في السهل، لكنّنا لم ننهِ تطهير المنطقة أمامنا بالكامل. 

فجأةً، رأينا دبابتين عراقيتين تتقدمان منّا، لكنّهما ما لبثتا أن استدارتا وبدأتا بالفرار. ركض إبراهيم مسرعًا باتجاه واحدة منهما، قفز إلى أعلى الدبابة ورفع الغطاء. قال شيئًا باللغة العربية، فتوقفت الدبابة وترجل من كان فيها معلنين استسلامهم. 

لم يطلع الصباح بعد. تمّ تقسيم الشباب من جديد، وتقدمنا إلى الأمام. قلت لإبراهيم: "هل التفت إلى أننا هجمنا على مقر المدفعية من جهة الخلف؟". 

أجابني بتعجب وقال: "لا، ما الذي حصل؟". أكملت قائلًا: "لقد كان العدو ينتظرنا من الأمام وقد حشد لنا كثيرًا من القوات. لكن الله أراد أن نأتيهم من جهة أخرى فوصلنا إلى المدفعية من الخلف".

199

  


169

الفتح المبين

 لهذا السبب استطعنا أن نأسر هذا العدد من العراقيين ونحصل على هذه الغنائم. كما إنّهم كانوا في حال استنفار حتّى الساعة الثانية بعد منتصف الليل. وبعد ذلك استراحوا وناموا فهجمنا عليهم. 

جمَعنا الأسرى العراقيين وأرسلناهم مع مجموعة إلى الخطوط الخلفية. ثم تحركنا مع بقية الشباب إلى الأمام لإتمام المرحلة الأخيرة. 


200

  


170

الإصابة

 
 مرتضى بارسيان، علي مقدم

 

تركت الكتائب كافة أماكنها وتقدمت إلى الأمام. كان علينا تخطي المواقع المقابلة والخنادق والدشم، لكن هذا الأمر صار صعبًا جدًّا مع طلوع الصباح. 

في إحدى المرات، واجهنا معضلة كبيرة بالقرب من جسر "رفائية". كان أحد العراقيين يرمي من داخل إحدى الدشم ومنعَنا من التقدم. مهما حاولنا، لم نستطع أن نهدم الدشمة الإسمنتية حيث العراقي.

ناديت إبراهيم ودللته على الدشمة الإسمنتية. نظر إليها جيدًا وقال: "إن الحل الوحيد هو الاقتراب منه ورمي قنبلة يدوية داخل الدشمة". ثم أخذ مني قنبلتين وزحف باتجاه الدشم الأمامية، ولحقته أنا أيضًا. 

اختبأت في إحدى الدشم، كان إبراهيم يتقدم وأنا أنظر إليه. وجد إبراهيم مكانًا مناسبًا في إحدى الدشم القريبة من الرامي العراقي، لكن حصل أمر غريب فجأة.

أحد التعبويين من صغار السن، أصيب بنوبة عصبية. فصوّب الكلاشن على إبراهيم وهو يصرخ: "سأقتلك أيّها العراقي". 

رفع إبراهيم يديه وهو جالس، ولم يتلفّظ بأي كلمة. انحبست أنفاس

201

  

 


171

الإصابة

 الجميع، ولم نكن نعرف ماذا نفعل. لم ينقطع صوت الرشاش لحظة. تقدمتُ زحفًا إلى الأمام، ووصلتُ إلى تلك الدشمة. كنت أدعو فقط: "إلهي، أنت ساعدنا، لم نواجه أي مشكلة مع العدو منذ البارحة، وها نحن اليوم نواجه هذا الوضع".

فجأة صفع إبراهيم ذلك الشاب على وجهه وأخذ منه سلاحه. ثم احتضنه! وكأن ذلك الشاب قد عاد إلى وعيه وصار يبكي. ناداني إبراهيم وسلّمني ذلك التعبوي وقال: "لم أصفع يومًا أحدًا على وجهه، لكن الأمر هنا كان يستوجب الصفع"، ثم توجّه نحو الرامي العراقي.

رمى القنبلة اليدوية الأولى ولكن من دون فائدة. ثم وقف وركض خارج الدشمة ورمى القنبلة الثانية وهو راكض. بعد لحظات انهدمت الدشمة حيث كان الرامي. وقف الشباب وهم يكبّرون وبدأوا بالتقدّم. نظرتُ إلى الشباب والفرح يغمرني، لكن فجأة، بإشارة من أحد الشباب، نظرت إلى خارج الدشمة. 

انخطف لون وجهي ويبست البسمة على وجهي. كان إبراهيم غارقًا في دمائه على الأرض. رميت سلاحي، وركضت اتجاهه. 

لحظة انفجار القنبلة، دخلت إحدى الرصاصات إلى فمه وأصابت رصاصة أخرى قدمه من الخلف. كان ينزف بشدة. وقع على الأرض وهو بحال من الغيبوبة تقريبًا. صرخت بأعلى صوتي: "إبراهيم"

بمساعدة أحد الشباب، نقلنا إبراهيم وعددًا من الجرحى في إحدى السيارات إلى المستوصف في "دزفول". كان إبراهيم حاضرًا خلال كل مراحل العمل وقد أصيب في المرحلة النهائية بعد السيطرة على الدشم الأخيرة للأعداء. كنت حزينًا جدًّا وأبكي طيلة الطريق. لا سمح الله... لا...كما إنّه جُرح في الليلة الأولى للعمليات، ونزف كثيرًا. لا نعرف الآن إن كان سيصمد.

قال طبيب المستوصف في "دزفول": "إن الرصاصة التي دخلت في فمه،

202

  


172

الإصابة

 خرجت بشكل إعجازي من رقبته. ولم تؤذِ أي مكان. لكن الرصاصة التي أصابت قدمه، سلبته القدرة على الحركة. لقد تفتت العظم الخلفي لقدمه. لذلك يجب نقله إلى "طهران". كما إنّ جرحه في خاصرته قد انفتح مرة ثانية وهو ينزف". 

تمّ نقل إبراهيم إلى "طهران". بقي شهرًا في مستشفى "نجمية"، حيث أجريت له عمليات عديدة وتمّ سحب عدد من الشظايا الكبيرة والصغيرة من جسمه. قال إبراهيم للصحفي الذي جاء لإجراء مقابلة معه في المستشفى: "على الرغم من الجهد الذي بذله الشباب في الاستطلاع والمعلومات لأجل هذه العمليات. لكن بلطف الله وعنايته، لم نقم بأي عمليات في "الفتح المبين". كنا نمشي في مسيرة وشعارنا يا زهراء. كل ما حصل هناك هو بفضل وعناية السيدة الصدّيقة الزهراء عليها السلام".

وأكمل إبراهيم قائلًا: "حين كنا في الصحراء، نأخذ الشباب في هذا الاتجاه، ثم في ذاك الاتجاه وهم متعبون، سجدتُ وتوسّلت بإمام الزمانعجل الله تعالى فرجه الشريف وطلبت منه أن يرينا الطريق. حين رفعت رأسي بعد السجدة، كان الشباب هادئين، وأكثرهم نيامًا. كما هب نسيم عليل، فمشيت مع مسير النسيم. لم أمش كثيرًا فإذا بي أصل إلى خندق بالقرب من مقر المدفعية".

في النهاية عندما سأله الصحفي: "هل لديك كلمة توجهها إلى الناس؟"، قال: "نحن خجلون من الناس الذين يتبرّعون من خبز عشائهم إلى الشباب، أما أنا فيجب أن يتقطع جسمي إربًا إربًا كي أستطيع أن أردّ جميل الناس". 

لم يكن إبراهيم قادرًا على الحركة بسبب كسر عظام قدمه. بعد مدة من ملازمة المستشفى، عاد إلى البيت وبقي ستة أشهر بعيدًا عن الجبهة، لكنه لم يغفل عن النشاطات الثقافية والاجتماعية والدينية مع شباب الحي والمسجد.

203

  


173

مجالس العزاء

 
 أمير منجر، جواد شيرازي

أسّس إبراهيم، حين كان في المرحلة الثانوية، لجنة "شباب الوحدة الإسلامية" الحسينية للعزاء، التي صارت مصدر خير للعديد من الشباب. وكان يوصي الأصدقاء دومًا بتأسيس هذه اللجان في الأحياء لحفظ الروح الدينية لهذه الفئة، وخاصة تلك التي تكون المحاضرة محورها الأساس.

ينقل أحد أصدقاء إبراهيم: "بعد سنوات من شهادة إبراهيم، كنت مسؤول العمل الثقافي في أحد المساجد. في يوم من الأيام، كنت أفكر في كيفية جذب الأطفال والشباب إلى المسجد وكيف نحافظ على الأنشطة الثقافية. 

في تلك الليلة، زارني إبراهيم في منامي، حيث اجتمع كل شباب المسجد. قال: "احفظوا الأطفال والشباب من خلال تشكيل وتأسيس اللجان الحسينية العزائية". ثم أوضح كيفية القيام بهذا العمل. 

وبالفعل، قمنا بما قاله إبراهيم. في البداية، لم نكن نتوقع النجاح، لكن مع مرور السنوات، ما زلنا نلتقي أسبوعيًا بالشباب بفضل هذه اللجان".


إن أسلوب وطريقة إبراهيم في التعاطي مع شباب الحي تقتضي في البداية جذبهم إلى الرياضة، ثم "سحبهم" إلى المجالس الحسينية والمسجد

205


174

مجالس العزاء

 وكان يقول: "حين تضع يد الشباب بيد الإمام الحسين عليه السلام ستُحلّ مشكلتهم، وسينظر الإمام بعين اللطف إليهم". 

 

بدأ إبراهيم قراءة مجالس العزاء منذ المرحلة الثانوية، وكان يقرأ من دون أي تكلّف أو ادّعاء، ويشجّع الآخرين على القراءة أيضًا. كان يشارك كل أسبوع مع "عبد الله مسكر" في لجنة شباب الوحدة الإسلامية، ويقرأ مجلس عزاء.

سابقًا، كانت هذه المجموعة أكثر من لجنة، فقد كان لها التأثير الكبير في الرشد والنمو العقائدي* والوعي السياسي للشباب.

من نشاطات هذه المجموعة، دعوة بعض العلماء الكبار كالعلّامة "الجعفري"، والشيخ "نجفي" وبعض السياسيين لإلقاء المحاضرات. لذلك كان رجال السافاك في ذلك الزمن يراقبون هذه اللجنة بدقة وقد حالوا مرّات دون انعقاد جلساتها أو قيامها بالنشاطات. 

بدأ إبراهيم قراءة مجالس العزاء من هذه اللجنة الحسينية وكذلك حين بدأ بالرياضة التراثية. ثم وصل الأمر إلى أوجه خلال الثورة وبعد انتصارها. لكنه طيلة هذه الفترة كان يراعي نقطة مهمة، قال مرة: "إنني أقرأ العزاء لأنني أحب هذا الأمر، وأحاول أن أستفيد أنا من هذه القراءة ولا أُدخِل نية غير الله في المجالس الحسينية". 

في إحدى المرّات كنا على الدرّاجة النارية، وبدأ يقرأ أشعارًا جميلة جدًّا ومؤثرة موجّهة للسيدة فاطمة الزهراء. طلبتُ من إبراهيم أن يقرأ هذه الأشعار بالطريقة نفسها التي كان يقرأها لكنّه لم يفعل وقال: "لديهم قارئ هنا، وصوتي ليس جميلًا، لذلك انسَ الأمر...".

*- العقدي. 
206

  

 


175

مجالس العزاء

 لكنني كنت أعرف كلما صار الحديث عن شيء غير الله، أو عن حب الظهور، كان إبراهيم يتحاشى هذا الأمر ويتركه. كان لإبراهيم في قراءة العزاء عادات خاصة؛ إذ لم يكن يعير أي اهتمام لمكبر الصوت، مرات عديدة كان يقرأ من دون مكبر صوت. كلما أحسّ أنّ الواجب يفرض عليه، كان يقرأ الموالد في الأعراس أو المراثي في مراسم العزاء. لكنه إذا ما عرف أنّ هناك قارئًا آخر موجودًا، يمتنع هو عن القراءة؛ ويسعى للاستفادة من المجلس. أما في مراسم اللطم، لم أره يلطم بصدرٍ عارٍ أبدًا، لكنه كان يلطم بقوة ويقول: "لقد قدم أهل البيت كل وجودهم لأجل الإسلام، ونحن نستطيع أن نلطم، فلنلطم بشكل جيّد". 

 

كان إبراهيم مصداقًا لحديث الإمام الرضا عليه السلام: "من بكى أو أبكى على مصابنا، ولو واحدًا، كان أجره على الله. يا دعبل، من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا، حشره الله معنا في زمرتنا"1.

عادة ما يكون مرتاحًا خلال مجالس العزاء. كان العديد يستأنسون بوجود إبراهيم ويتحمّسون لقراءته العزاء ولبكائه وتتغيّر أحوالهم. كان إبراهيم يحوّل أيّ مكان يحضر فيه إلى كربلاء، فكان بكاؤه وأنينه يخلقان جوًا عجيبًا كما حدث في الأربعين الحسيني من العام 1361هـ.ش./ 1982م، في هيئة (مجلس) عشاق الحسين عليه السلام. لا ينسى الشباب ذلك اليوم أبدًا، كيف أتى إبراهيم على ذكر السيدة زينب عليها السلام وكيف أضفى على المجلس شوقًا وحماسة.. إلى أن غاب عن الوعي. في ذلك اليوم، كانت حال الشباب لا تُنسى، قلّ ما رأيناها فيما بعد، ونحن متأكدون أن حرقة إبراهيم وروحه الدافئة هي التي جعلت المجلس على هذه الحال.

1- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 1، ص 386.
207

 


176

مجالس العزاء

 كان يتكلم عن المجالس كلامًا مختلفًا. كان يقول: "على قارئ العزاء أن يحافظ على ماء وجه أهل البيت في مجلسه، ولا يتحدّث كيفما كان، وإذا لم تكن الظروف مناسبة للتأثير في مجلس العزاء، فلا داعي لقراءة العزاء عندها".

 

لم يكن يحسب نفسه قارئًا للعزاء أبدًا، لكنه أينما قرأ كان يخلق الحماسة الحقيقيّة.

لم يكن ينسى ذكر الشهداء أبدًا، كان قد جهّز عددًا من أبيات الشعر فيها أسماء الشهداء، وخاصة "أصغر وصالي" و"علي قرباني"، وصار يقرأها في معظم المجالس.
 

إنّه يوم "تاسوعاء". أقيمت مراسم عزاء مهيبة في المسجد. في البداية كان إبراهيم يلطم بشكل قوي وجيّد، لكنني فيما بعد رأيته جالسًا في إحدى الزوايا يلطم بهدوء. وقد طال لطم الشباب؛ فقد انتهى المجلس في منتصف الليل. 

أثناء تناول العشاء، اجتمع الشباب حول إبراهيم. قلت: "ما أجمله من عزاء! لقد لطم الشباب جيدًا". نظر إبراهيم نظرة ناقدة إلى الشباب وقال لهم: "احتفظوا بعشقكم لأنفسكم!". 

حين رأى الدهشة على وجوهنا، أكمل قائلًا: "لقد جاء هؤلاء الناس ليؤمّنوا على حياتهم للسنة القادمة. حين يطول مجلس عزائكم، سيتعبون. عليكم أن توزعوا العشاء بعد انتهاء المجلس مباشرةً، ثم الطموا قدر ما شئتم. لا تدعوا الناس يتعبون في مجلس أهل البيت عليهم السلام". 

 

208

 


177

مجلس السيدة الزهراء عليه السلام

 
عدد من أصدقاء الشهيد

ذهبنا إلى جلسة "مجمع الذاكرين" في مسجد الحاج "أبو الفتح". كانوا يقرأون أبياتًا من الشعر في ذكر فضائل السيدة الزهراء عليه السلام، وكان إبراهيم يكتبها على دفتره. في ختام الجلسة، بدأ الحاج "علي إنساني" بقراءة مجلس عزاء. وضع إبراهيم دفتره جانبًا، وتغيرت أحواله وبدأ البكاء بصوت عال. تعجبت كثيرًا لتصرف إبراهيم. حين انتهت الجلسة، توجهنا نحو البيت. في طريق العودة قال إبراهيم: "حين يكون الواحد منّا في مجلس السيدة الزهراء عليها السلام، عليه أن يشعر بحضورها هناك؛ لأنّ الجلسة لها". ولم يتلفّظ بعدها بأي كلمة.

 

في إحدى الليالي، ونزولًا عند رغبتي، ذهبنا إلى مجلس أسموه "عيد الزهراء". كنت أظن أن إبراهيم سيفرح كثيرًا بهذا المجلس لشدة عشقه للسيدة الزهراء. كان القارئ هناك، ولأجل رضى السيدة الزهراء، يتكلم كلامًا مؤذيًا وغير متّزن. في وسط المجلس أشار عليّ إبراهيم بالخروج، وتركنا المجلس. قلت له: "أظن أنك منزعج جدًّا".

209

  


178

مجلس السيدة الزهراء عليه السلام

 قال لي إبراهيم بانزعاج وغضب لم أعهده، وهو يهز يده: "في هذه المجالس، لا مكان لله، اذهب دومًا إلى الأماكن التي فيها ذكر الله وأهل البيت". وكرّر هذه الجملة مرّات عدّة. فيما بعد، حين سمعت وجهة نظر العلماء ورأيهم بهذه المجالس وضرورة حفظ وحدة المسلمين، اقتنعت أكثر برأي إبراهيم الثاقب.


في عمليات "الفتح المبين"، حين جُرِح إبراهيم، نقلناه إلى المستشفى العسكري في "دزفول"، وبما أن المكان كان يعجّ بالجرحى، بقينا مع إبراهيم في الممر بين الغرف. 

كان الازدحام شديدًا والجرحى يئنون ويتأوّهون. في النهاية وجدنا زاوية لنمدّده على الأرض، حيث عالجت الممرضات جراحه في رقبته وقدمه. 

في تلك اللحظات عندما كان التوتر سيد الموقف وصوت الجرحى لا يهمد. بدأ إبراهيم بصوته الجميل المؤثر، يقرأ أشعارًا في وصف السيدة الزهراء عليها السلام والتي كان اسمها عليها السلام كلمة السر في تلك العمليات.

ساد صمت عجيب دقائق. لم يعد يُسمَع صوت أي جريح، وكأن كل شيء يسير على أحسن ما يرام، أينما أجلت نظرك، هدوء وسكون، وقطرات دمع تسيل على وجوه الجرحى والممرضات. هدأ الجميع. عندما توقف إبراهيم عن قراءة شعره، تقدمت إحدى الطبيبات المسنّات، ولم تكن محجبة بشكل جيّد، لكنها تأثرت كثيرًا. تقدمت نحو إبراهيم وقالت: "لا يهمني الحلال والحرام، أنت مثل ابني". وقبّلت إبراهيم على جبينه وقالت: "فديتكم أيّها الشباب". 

ليتكم كنتم ورأيتم إبراهيم، احمرّت أذناه. ولشدة خجله سحب الغطاء ليخبّئ وجهه.
 

210


179

مجلس السيدة الزهراء عليه السلام

 كان إبراهيم يقول دومًا: "بعد التوكل على الله، إن التوسل بالمعصومين عليهم السلام وخاصة السيّدة الزهراء عليها السلام هو حلّال المشاكل".

ذهبنا لعيادته حين كان مصابًا في مستشفى "نجمية" في "طهران". كنا مجتمعين معًا. استأذن إبراهيم وبدأ بقراءة مجلس الزهراء عليها السلام. جاء طبيبان ينظران إليه من بعيد. سألتهما مستفسرًا: "ماذا هناك؟"، قالا: "لقد كنا معه في الطائرة حين نقل إلى هنا. كان يغيب عن الوعي باستمرار. لكنه لم يتوقف بصوته الجميل هذا عن قراءة الأشعار في وصف السيدة الزهراء عليها السلام".

211

  


180

صيف العام 1982م.

 
 مرتضى بارسيان 

في الصيف، كان إبراهيم يتابع مسائل التربية والتعليم. شارك خلال خدمته في عدد من الدورات التكميلية. كما أنجز عددًا من البرامج والأنشطة الثقافية في تلك المدّة القصيرة.

كان يتحرك على الدرج صعودًا ونزولًا وهو يحمل العكاز تحت إبطه. اقتربت منه، سلمت عليه وقلت:

- يا أبرام، ماذا هناك؟ إذا كان لديك عمل، قل لي أنا أنهيه لك. 

- لا. إنه واجبي أنا.

ثم تنقل من غرفة إلى غرفة لإمضاء ورقة. بعد أن أنهى عمله، أراد أن يخرج من المبنى. سألته: ما هي هذه الورقة لتزعج نفسك إلى هذا الحد؟ 

- أحدهم، قد مضت سنتان على مباشرته التعليم، لكنّه لم يُثبَّتْ إلى الآن. فأتيت أتابع وضعه.

- من شباب الجبهة؟ 

- لا أعتقد، لكنه طلب أن أتابع له الموضوع. وبما أنني قادر على مساعدته، أتيت إلى هنا.

213

  


181

صيف العام 1982م.

 ثم أكمل: "على الإنسان أن يساعد عباد الله في أي عمل يمكنه القيام به، وخاصة ناسنا الطيبين. علينا القيام بأي عمل نقدر عليه لأجلهم. ألم تسمع قول الإمام: إنّ الناس أولياء نعمتنا". 


كان الجميع يعرف إبراهيم في الحي. كل من يتعامل معه يعشق سلوكه وأخلاقه.

كان بيت إبراهيم يعج دومًا بشباب الجبهة الذين يمرون عليه قبل الذهاب إلى بيوتهم.

في أحد الصباحات لم يأتِ إمام جماعة مسجد "محمّدية" (مسجد الشهداء) لإمامة الصلاة، فأصر الناس على إبراهيم ليؤم صلاتهم.

حين عرف إمام الجماعة هذا الأمر، فرح كثيرًا وقال: "أنا أيضًا، لو كنت موجودًا لافتخرت بالصلاة خلف إبراهيم". 
 

مرّةً رأيت إبراهيم يتوكأ على عكازه ويمشي في الزقاق. نظر مرات إلى السماء. 

اقتربت منه وسألته: "ماذا حصل يا أبرام؟" 

لم يجبني بدايةً، لكن بعد إصراري قال: "كل يوم وحتى هذه الساعة، يراجعني عادةً عددٌ من الناس، وكنت أسعى لحلّ مشكلاتهم بأي طريقة. لكن اليوم ومنذ الصباح لم يقصدني أحد! أخاف أن أكون قد قمتُ بعمل، سلبني الله هذا التوفيق على أثره". 
 

214

  


182

أسلوب التربية

 
جواد مجلسي راد، مهدي حسن قمي. 

يقع بيتنا بالقرب من منزل إبراهيم. كنت في السادسة عشرة من العمر، وكل يوم كنت أنا وشباب الحي ألعب الكرة الطائرة. كنت أقضي فترة ما بعد الظهر على سطح البيت في تطيير الحمام. كان لدي قرابة مئة وسبعين حمامة. وقت الأذان، كان أخي يذهب للصلاة في المسجد، لكنني لم أكن ملتزمًا بهذا الأمر.

في عصر أحد الأيام كان السيد إبراهيم واقفًا أمام بيتهم يشاهدنا ونحن نلعب. كان مجروحًا ويمشي متكئًا على عكازة تحت إبطه. أثناء اللعب، طارت الطابة لتقع أمام إبراهيم. ذهبت لإحضارها. كان إبراهيم يمسكها بيده ثمّ أدارها على إصبعه بشكل جميل، ثم قال لي: "تفضل، يا سيد جواد". 

تعجبت كثيرًا من كونه يعرف اسمي، وكنت طيلة المباراة أنظر إليه بين الحين والآخر، وأفكر من أين يعرف اسمي؟ 

بعد أيام، كنا نلعب في الزقاق، حين جاء وقال: "يا رفاق، هل تسمحون لي باللعب معكم؟".

- العفو! وهل تجيد لعب الكرة الطائرة؟

215

  


183

أسلوب التربية

 - إذا كنا لا نعرف، نتعلّم منكم. 

ثم وضع العصا جانبًا، وبدأ باللعب على الرغم من مشيته العرجاء.

لم أكن قد رأيت من قبل لاعبًا يلعب الكرة الطائرة بهذا الجمال والمستوى. كان يضرب بشكل جيّد، ويجمع الكرات بشكل جيد على الرغم من اضطراره إلى الوقوف في مكان واحد بسبب إصابته. 

في المساء، قلت لأخي: "هل تعرف السيد إبراهيم هذا؟ طريقة لعبه الكرة الطائرة رائعة ومميّزة". 

ضحك أخي وقال: "أنت لم تعرفه أبدًا، إنه بطل الكرة الطائرة لبطولة الثانويات، كما كان بطلًا في المصارعة أيضًا". 

قلت متعجّبًا: "أصحيحٌ ما تقول؟ لكن لماذا لم يقل شيئًا؟". 

أجابني أخي: "لا أعرف، لكن اعرِف أنت أنه إنسان عظيم". 

بعد أيّام، كنا مشغولين باللعب، عندما جاء إبراهيم مرة ثانية. 

أَحَبَّ كلّ من الطرفين أن ينضم إبراهيم إلى فريقه. ثم بدأنا اللعب. يا إلهي، ما أجمل طريقة لعبه. ما إن انتهينا حتّى ارتفع صوت الأذان من المسجد. التقط إبراهيم الكرة، وسألنا: "يا شباب، ما رأيكم في أن نذهب إلى المسجد؟" قلنا: "هيّا بنا". ثم ذهبنا وصلّينا جماعة. بعد أيام عدّة، صرنا من عشاق إبراهيم. دعانا مرّةً إلى الغداء، ومرة أخرى إلى مجلس عزاء في بيته وتناولنا بعده العشاء وتحدّثنا كثيرًا في السهرة.

بعدها، صرت أسأل عن إبراهيم كل يوم. وإذا مرّ يوم من دون أن أراه أشتاق إليه كثيرًا وكنت أنزعج فعلًا. وقد ذهبنا معًا مرتين إلى الرياضة التراثية.. باختصار صرت عاشقًا لأخلاق وسلوك إبراهيم.

في الأيام الأخيرة للمأذونية التي أُعطيت لإبراهيم بسبب الإصابة، كنا

216

  


184

أسلوب التربية

 جالسين في الزقاق، وكان يخبرني عن الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم الثلاث عشرة أو الأربع عشرة سنة وشاركوا في عمليات "الفتح المبين".

تكلّمَ وتكلّمَ، إلى أن ختم كلامه بهذه الجملة: "أولئك الشباب مع أنهم أصغر منك سنًّا وجسمهم أضعف من جسمك، إلّا أنهم وبالتوكل على الله صنعوا الملاحم والبطولات. وأنت هنا تنظر إلى السماء، لترى ما الذي تفعله طيورك". 

في اليوم التالي، أطلقت كل الحمامات، وتوجهت إلى الجبهة. مرّت سنوات على تلك الأحداث، وها أنا اليوم اخصّائي تربويّ وأعرف مدى دقّة إبراهيم ومهنيّته في أعماله التربوية والتعليميّة ومدى صحّتها، وكيف كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على أحسن وجه. 


كنا في أواسط شهر شعبان. وقد مضىت أشهر على انتصار الثورة. وصلنا مع إبراهيم إلى الحيّ وكانت الإضاءة حسنة. تجمّع بعض الشباب في نهاية الزقاق. اقتربنا منهم، فإذا بهم يلعبون الورق مع رهان...

غضب إبراهيم بشدة، لكنه لم يقل شيئًا. اقتربت منهم وعرّفتهم إلى إبراهيم: "هذا إبراهيم، صديقي، بطل في الكرة الطائرة وفي المصارعة"، فسلّموا عليه.

أعطاني إبراهيم مالًا من دون أن ينتبه أحد للأمر وقال لي: "اذهب إلى أول الشارع، واشترِ عشر مثلجات وعد بسرعة". 

في تلك الليلة، استطاع إبراهيم بعشر مثلجات وبعدد من الكلمات والأحاديث أن يَدخل إلى قلب شباب الحي، وحين عرفوا حرمة لعب الورق، مزقوا أوراقهم من دون تردّد ورموها في قناة المياه.

217

  


185

التصرف السليم

 
عدد من أصدقاء الشهيد

كنت مع إبراهيم نعبر شارع "17 شهريور" على الدراجة النارية، عندما خرج من أحد الأزقة شاب على دراجته النارية والتفّ أمامنا فاضطر إبراهيم إلى التوقف فجأة. صرخ الشاب الذي كان يدل مظهره "السيّئ" على حاله1 وقال: "هادي، ماذا تفعل؟"، ثم ترجّل ونظر إلينا بغضب. 

الكل يعرف أنه المخطئ. كم تمنيت لو ترجّل إبراهيم بجسمه القوي ولقّنه درسًا. لكنّ إبراهيم ابتسم ابتسامةً مليحة وقال: "السلام عليكم، عافاك الله يا أخي". 

تسمّر سائق الدراجة النارية الغاضب مكانه، وكأنه لم يتوقع هذا التصرف، سكت قليلًا ثم قال: "السلام عليكم، أعتذر منكم، العفو". ثم تحرك وذهب.

أكملنا نحن أيضًا طريقنا. أثناء الطريق، بدأ إبراهيم بالكلام وكان يجيب عن التساؤلات التي خطرت ببالي فقال: "هل رأيتَ ما الذي حصل؟ لقد خمدت نار الغضب عند ذلك الشاب؛ ما أدى به إلى تقديم الاعتذار. لو صرخت أنا أيضًا وتشاجرنا معًا، لما جنَيتُ إلّا التوتر لأعصابي والسوء لأخلاقي". 

219

  


186

التصرف السليم

 كان أسلوب إبراهيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مميّزًا جدًّا. على سبيل المثال، إذا أراد أن يقول لا تقم بهذا العمل، كان يسعى لذلك بشكل غير مباشر. كان لأجل تبيان قبيح عملٍ ما، يحضر الأضرار الطبية، الاجتماعية وما شاكل... إلى أن يصل الشخص بنفسه إلى النتيجة المطلوبة. بعدها يتحدث معه حول أوامر الدين ونواهيه. 

كان أحد معارف إبراهيم لا يتوقف عن استراق النظر إلى الفتيات الشابات، وكان يقوم بتصرفات غير أخلاقية. لم يستطع أصدقاؤه ثنيه عن هذا التصرّف، حتّى بالشجار وقطع العلاقة معه. وعلى الرغم من أن الجميع ابتعدوا عنه، وتجنّبوا رفقته، بقي إبراهيم على علاقة وطيدة به، وكان يصطحبه معه إلى الـ"زورخانه"، ويتعمّد إظهار الاحترام له أمام الجميع. 

بعد مدة من الزمن بدأ يتكلم معه في الموضوع. في البداية أثار نخوته وقال: "ماذا تفعل إذا نظر أحد إلى أمك أو أختك وآذاهما بتصرفاته؟"؛ أجاب ذلك الشاب بغضب: "أقلع له عينيه". 

قال إبراهيم عندها بهدوء: "حسنًا يا رفيقي، إذا كان لديك نخوة إلى هذا الحد حين يتعلّق الأمر بعائلتك، لماذا تقوم بأعمالٍ تعرف أنها خاطئة؟". 

ثم أكمل: "إذا تجرّأ كل واحد منّا على حريم الآخرين، سينهار المجتمع ولن يبقى حجر فوق حجر". 

ثم شَرَع إبراهيم بالكلام عن حرمة هذا التصرّف، وقدّم له كثيرًا من الأدلة حول بشاعة هذا الأمر. ثم ذكر له حديث الرسول الأكرم: "غُضُّوا أبْصارَكُم تَرَوا الْعَجائِبَ"2.

في النهاية قال له: "الأمر يعود لك، إذا أردت أن نبقى أصدقاء، عليك أن

1- أي أنّ مظهره لا يدل على التدين أو الالتزام الديني.
2- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 101، ص 41.

220

  


187

التصرف السليم

 تترك هذا الحرام". 

أدّى تصرّف إبراهيم اللائق معه، مع الأدلة الكثيرة التي أوردها له، إلى التغيير الكامل في سلوك وتصرفات هذا الشاب، وتحوّل إلى أحد الشباب المميزين في الحيّ. كان هذا الشاب مثالًا للذين غيّرهم إبراهيم من خلال تصرفه الحسن وكلامه المناسب معهم، في الوقت المناسب.

صار اسم هذا الشاب1 محفورًا على لوحة في أحد شوارع حيّنا.

في خريف العام 1982م، كنا متجهين نحو ميدان "آزادي" لنوصل إبراهيم إلى "ترمينال غرب" (المحطة الغربية) للذهاب من هناك إلى الجبهة.

أثناء الطريق، مرّت سيارة فخمة بالقرب منّا، فإذا بالمرأة الجالسة قرب السائق وغير المحجبة بطريقة شرعية، تنظر إلى إبراهيم وتقول كلامًا سيئًا.

قال إبراهيم: "أسرِع خلف هذه السيارة". فأسرعت خلف السيارة وأشرنا إلى السائق بالتوقف جانبًا. قلت في نفسي: "سنشهد أخيرًا معركة محترمة". توقفت السيارة إلى جانب الطريق. ووقفنا نحن بالقرب من باب السائق. كنت أنتظر أن ينزل إبراهيم. لكنه وهو جالس على الدراجة، سلّم على السائق وسأله عن أحواله. لم يكن السائق يتوقع هذا السلوك منّا، خاصة أنّه يرى شكلنا وقد شاهد أيضًا تصرف زوجته. بعد أن ردّ السلام، قال لإبراهيم: "ماذا حصل يا سيّد؟". قال إبراهيم: "أرجو تقبّل اعتذاري، لكن زوجتك شتمتني وشتمت معي كل الملتحين، أريد أن أعرف..."

قطع السائق الذي لم يتوقع سلوكًا حسنًا كهذا، كلام إبراهيم وقال: "زوجتي مخطئة، تصرّفها ليس لائقًا".

1- الذي خُتمت حياته بالشهادة.
221

  


188

التصرف السليم

 قال إبراهيم: "لا يا سيد، لا تتكلم هكذا، أريد أن أعرف فقط إذا كان لزوجتك حق عندي، أو إذا كنت قد أخطأت معها لتتصرف معي بهذه الطريقة؟". 

ترجّل السائق، الذي لم يتوقع أن نتصرّف معه بهذه الطريقة، من السيارة، وقبّل إبراهيم وقال: "لا يا سيّدي العزيز، أنت لم تقم بأيّ خطأ، نحن المخطئون وخجلون كثيرًا منكم". انفصل بعضنا عن بعض بعد أن اعتذر منا أشد الاعتذار.

كانت تصرفات إبراهيم وسلوكه في تلك الفترة الزمنية بالذات، مثيرةً للدهشة، لكنّه علّم الناس وعلّمَنا، نحن أصدقاءه، كيف نتعامل مع مواقف كهذه.

كان يقول لنا: "في هذه الحياة، الإنسان الأنجح هو ذلك الذي يُسكن غضبه ويسيطر عليه، ويتحلى بالصبر مع الآخرين". 

لم يكن يقوم بعمل غير منطقي، وهذا سبب نجاحه في علاقاته مع الآخرين.

يُذكّرنا سلوكه بهذه الآية: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾1.


1- سورة الفرقان، الآية 63.
222

  


189

قصة الثعبان

 
 مهدي عموزاده
كانت الساعة العاشرة مساء. كنا نلعب كرة القدم في الزقاق. كنت قد سمعت سابقًا اسم إبراهيم من الشباب في الحي، لكنني لم أكن قد التقيت به أبدًا. 

كنا مشغولين باللعب. رأيت أحدهم قادمًا نحونا يتكئ على عكاز. عرفت أنه إبراهيم من لحيته الطويلة وإصابته. 

وقف إلى جانبنا وبدأ يشاهدنا. سأله أحد الشباب: "سيد أبرام، هل تلعب معنا؟"

قال: "بهذه القدم، لا أستطيع. لكن يمكنني أن أقف حارس مرمى"

كنت ألعب بشكل جيد جدًّا. لكنني مهما حاولت لم أستطع أن أُدخل هدفًا في مرمى إبراهيم. كان يلعب كالمحترفين. بعد نصف ساعة، حين كانت الكرة تحت قدمه قال: "أيّها الشباب، ألّا تعتقدون أن الوقت متأخر؟ الناس يريدون النوم. جمعنا المرمى والكرة، ثم جلسنا حول إبراهيم. ثمّ سألناه: "إذا أمكن، حدثنا عن ذكريات الجبهة". 

في تلك الليلة سمعت قصة عجيبة لن أنساها أبدًا. قال إبراهيم: كنت

223
 

190

قصة الثعبان

 في المنطقة الغربية مع "جواد أفراسياب" في مهمة استطلاع منتصفَ الليل. اختبأنا بالقرب من الدشم العراقية.

حين طلع الفجر، كنّا غارقين في استكمال الاستطلاع وجمع المعلومات حول مواقع العدو. فجأة رأيت ثعبانًا كبيرًا جدًّا يتقدم باتجاه مخبئنا. لم ألمح ثعبانًا بهذا الحجم في حياتي. انحبست أنفاسنا. لا يمكن القيام بأي رد فعل. 

فلو أطلقنا النار باتجاه الثعبان، عرف العراقيون أننا هنا، ولو هربنا، رآنا العراقيون وكان الثعبان يقترب بسرعة منا، فلا وقت لاتخاذ القرار.

بلعت ريقي، كنت خائفًا جدًّا، أغمضت عينَيّ وقلت: "بسم الله، ثم أقسمت على الله بالسيدة الزهراء المرضية".

مرّ الوقت ببطء. هزني "جواد"، فتحت عينَيّ، كان الثعبان يلتف مبتعدًا عنا. 

في تلك الليلة، أضاف إبراهيم بعض الذكريات المضحكة. فضحكنا كثيرًا.

ثم قال لنا: "حاولوا ألّا تلعبوا في وقت متأخر من الليل؛ لأنّ الناس يريدون أن يستريحوا".

منذ اليوم التالي، صرت أفتّش دومًا عن إبراهيم. حتّى عندما عرفت أنه يذهب إلى المسجد لصلاة الصبح، صرت لأجله أقصد المسجد. 

كان تأثير إبراهيم على الشباب قويًا لدرجة صرنا نصلي مثله بهدوء ودقة.

بعد مدة، حين ذهب إلى الجبهة، لم نستطع تحمل ابتعاده فلحقناه إلى هناك. 


224

  


191

رضى الله

 
عباس هادي

 

من الصّفات التي كان يتميّز بها إبراهيم، أنه لا يُطلِع أحدًا على ما يفعله ولا يتحدث إلّا عند الضرورة. لطالما أشارت عباراته إلى هذه الفكرة: "إذا كان العمل لله، فلا داعي للإخبار عنه" أو "المشكلة أننا نقوم بالأعمال لكسب رضى الجميع، إلّا الله".

يقول الإمام علي عليه السلام : "مَنْ طَهَّرَ قَلْبَهُ نَظَرَ اللهُ اِلَيهِ"1.

يؤكد العرفاء الكبار في معظم كلامهم عن الإخلاص، أنّ العمل إذا كان لله اكتسب قيمة كبيرة, وعلى الإنسان أن يقوم بكل الأعمال حتّى الخاصة والشخصية في سبيل كسب رضى الله. أو كانوا يقولون: "إن كلّ نَفَسٍ يتنفّسه الإنسان في هذه الدنيا لغير رضى الله، سيكون مُضرًّا به في الآخرة". 

في الفترة التي جُرِح فيها إبراهيم، ذهبنا معًا إلى الـ"روزخانه" في "طهران"، جلسنا في إحدى الزوايا نشاهد التمارين. كلما دخل أحد اللاعبين القدامى، كان المرشد يدقّ جرس الحلبة، فيتوقّف اللعب لحظات، ويلوّح القادم بيده للحاضرين، ثم يجلس في إحدى الزوايا وهو يبتسم. كنت وإبراهيم ننظر بدقة إلى الرياضيين والناس وإلى حركاتهم، عندما التفت إليّ قائلًا: "انظر إلى

1- غرر الحكم، عبد الواحد الآمدي، ص 906.
225

  

 


192

رضى الله

 هؤلاء الناس الفرحين بصوت الجرس". وعقّب قائلًا: "إن بعض الناس يحبون جرس الـ"روزخانه"، لو كانوا يعشقون الله كعشقهم لهذا الجرس، لما كانوا الآن على الأرض؛ بل كانوا يمشون في السماء". ثم أكمل: "الدنيا أيضًا هي كذلك، ما دام الإنسان يعشق الدنيا ويتمسك بها سيكون حاله ورزقه هكذا، أما إذا رفع رأسه قليلًا إلى السماء وصار يقوم بأعماله لأجل رضى الله، تأكّد أن حياته ستتغيّر وسيعرف عندها معنى الحياة". وهناك أكمل حديثه: "في الـ"روزخانه" يريد كثيرون معرفة من الأقوى، ومن يتراجع ويتعب في وقت أسرع؛ أما إذا صرتَ في يوم من الأيام حكمًا للعبة ما، ما إن ترى أن أحد اللاعبين قد تعب، حاوِل ولوجه الله أن تغيِّر اللعبة بسرعة. أنا لم أقم بهذا العمل من قبل، بالطبع لم أقصد هذا الأمر، لكن من دون سبب صرت مهمًّا بين الشباب، لكن أنت لا تقم بهذا الأمر". 

كان إبراهيم يردد: "على البشر أن يقوموا بكل الأعمال حتّى الخاصة منها في سبيل الله". 

ومن لطيف الشعر: "انتبه إلى عالم الوجود الذي خلق بأفضل شكل لأجلك إذا ما أردت شيئًا غير الله لن تحصل على شيء" 

 
في صبيحة يوم جمعةٍ، وصل إبراهيم إلى البيت بثياب ملطّخة بالدماء. بدّل ثيابه بهدوء وبعد صلاة الصبح قال لي: "عباس، أرجو ألّا يزعجني أحد"، ثم صعد الطابق الأعلى لينام.

عند الظهر، بدأ أحدهم يدقّ الباب من دون توقف. ذهبت أمي لتفتح. كانت جارتنا. بعد أن سلّمت بعصبية وغضب، قالت: "هل إبراهيم ابنكم بعمر ابني كي يأخذه معه على الدراجة النارية ويخرجا معًا، ثم على أثر

226


193

رضى الله

 حادث يكسر ابني قدمه؟". ثم أكملت: "يا سيدة، لقد أرسلت ابني إلى أفضل الثانويات ولا أريده أن يرافق أناسًا مثل ابنك و...". 

انزعجت أمي كثيرًا، وبما أنها لا تعرف شيئًا عن الموضوع، اعتذرت منها كثيرًا وقالت: "أنا لا أعرف عمّا تتكلمين لكن على رأسي، سأنقل كلامك إلى إبراهيم، نعتذر منك...". 

بما أنني سمعت كل كلامهما، أسرعت إلى الأعلى وأيقظت إبراهيم وقلت له: "يا أخي، ما الذي فعلته؟".

- لماذا تسأل، ماذا هناك؟

- هل اصطدمت البارحة بالدراجة النارية؟

وقف بسرعة وسأل: اصطدام؟ ماذا تقول؟ 

- أوَلَم تسمع؟ جاءت والدة "محمد" إلى بيتنا وبدأت تصرخ وتهدد. 

فكّر إبراهيم قليلًا ثم قال: "حسنًا، الحمد لله، ليس بالأمر المهم". 

بعد الظهر جاء والدا "محمد"، وبأيديهما باقة ورد وعلبة حلوى، لعيادة إبراهيم. كانت الجارة لا تتوقف عن الاعتذار، قالت لها أمي: "لا أفهم كلامك الآن، كما إنني لم أفهم تصرفك في الصباح".

اندفعت الجارة بالقول: "والله، لا أعرف ماذا أقول لشدة الخجل، لقد أخبرنا "محمد" كل ما جرى. لولا إبراهيم، لا نعرف ما الذي كان سيحصل. حتّى لا نقلق، قال لنا الشباب إنّ "محمد" خرج مع إبراهيم ثم جراء حادث اصطدام على الدراجة النارية، كسر قدمه.

يا حاجة، أنا أعتذر كثيرًا لأنني تسرّعت في إصدار الأحكام، أرجوك سامحيني. قلت لوالد "محمد": "إنّ إبراهيم قد جُرِح منذ أشهر، ولم تُشفَ قدمه بعد، ولم نزره إلى الآن، لذلك نزعجكم بزيارتنا".

227

  


194

رضى الله

 سألت أمي: "وما القضية؟ ما الذي حصل؟". 

حوالي منتصف ليلة الجمعة، كان شباب التعبئة يناوبون أمام المسجد. كان إبراهيم مع رفاقه وسط الشارع، حين وضع "محمد" يده بالخطأ على الزناد وخرجت رصاصة من السلاح وأصابته في قدمه.

ارتبك الشباب، ولم يعرفوا ماذا يفعلون. وقع، وقدمه مجروحة، في وسط الطريق، ونزف كثيرًا من الدماء. حين وصل السيد إبراهيم على دراجته النارية. استطاع بمساعدة أحد الشباب أن يضمد جرح "محمد"، لينقله فيما بعد إلى المستشفى. 

بعد أن أنهت الجارة كلامها، نظرتُ إلى إبراهيم الذي كان يجلس قريبًا من الغرفة، وكأنه كان يعرف أنّ من يقوم بعمل ما في سبيل رضى الله، لا يهتم بما يقوله الناس أبدًا.

228

  


195

الإخلاص

 
عباس هادي

في إحدى المرات كنا نتحدّث حول الرياضة معًا، فقال لي إبراهيم: "عندما أبدأ بالرياضة أو بمباريات المصارعة، أكون على وضوء دومًا. قبل المباريات أيضًا، أصلي ركعتين". 

- وما الصلاة التي تصلّيها؟ 

- ركعتان مستحبتان، لأطلب من الله أن لا أحرج أحدًا خلال اللعب. 

لكن أهم ما يجعل إبراهيم مثالًا وقدوة لبقية أصدقائه هو ابتعاده عن المعصية. فهو لم يكن يقترب من المعصية أبدًا. حتّى إنّه إذا حضر في مكان يدور الحديث فيه عن المعصية، كان يغيّر الحديث مباشرة.

أحيانًا، عندما يرى الشباب مشغولين باغتياب أحدهم كان يقول: "صلّوا على محمد وآل محمد"، أو يغيّر الموضوع بأي طريقة.

لم يكن يتحدّث بالسوء أبدًا عن أي شخص، إلّا إذا أراد الإصلاح. لا يرتدي أبدًا ثيابًا ضيّقة أو أكمامها قصيرة. 

كان يُشغل نفسه بأعمال صعبة، وحين نسأله عن السبب كان يجيب: "هذه الأمور ضرورية لنفس الإنسان".

229

  


196

الإخلاص

 روى لنا "جعفر جنكروي" هذه الحادثة قائلًا: "في إحدى المرّات، بعد مجلس العزاء، جلسنا وتكلمنا مع الشباب، وكان إبراهيم في غرفة أخرى وحدَه. حين انصرف الشباب، جئت إلى إبراهيم الذي لم ينتبه لدخولي الغرفة. تعجبت حين رأيته يحمل في يده إبرة وبين الحين والآخر يوخز وجهه وجفونه بها. قلت له مباشرة: "ما الذي تفعله يا أخي أبرام؟". 

في تلك اللحظة، انتبه لحضوري فقفز من مكانه وقال: "لا شيء، لا شيء". 

قلت: "أقسم بحياتك يا أبرام، لن أتركك وشأنك. لماذا كنت توخز وجهك بالإبرة؟". تمهّل قليلًا وأجابني والعبرة تخنقه: "هذا جزاء العين التي تنظر إلى غير المحرم".

من الصفات الواضحة في شخصية إبراهيم أنه كان يتجنّب كثيرًا الحديث مع النساء من غير محارمه. عندما كان يريد الكلام مع امرأة من غير المحارم لم يكن يرفع وجهه أو ينظر إليها، وكما كان بعض الأصدقاء يقولون ممازحين: "يعاني إبراهيم حساسيةً من النساء". وما أجمل ما قاله الإمام الصادق عليه السلام: "اَلنَّظَرُ سَهمٌ مِن سهامِ إبليس"1!


كان إبراهيم يولي اهتمامًا كبيرًا لإطعام الآخرين وإشباعهم، فكان يدعو باستمرار الأصدقاء إلى منزله.

في الفترة التي قضاها في المنزل بسبب إصابته، كان يوميًا يجهّز الطعام، وكلّما جاء صديق لعيادته، كان يتناول الطعام معه. كان يفرح كثيرًا بهذا العمل، ثم يقول: "نحن وسيلة، هذا رزقكم، رزق المؤمنين كلّه بركة"

كان يقوم بالعمل ذاته في مجالس العزاء والجلسات الدينية. فحين يرى أن صاحب البيت مثلًا لديه مشكلة في تجهيز الطعام، يقوم هو، من دون أي

1- حار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 104، ص 40.
230


197

الإخلاص

 تكلّف، بإحضار الطعام لكل الضيوف. 

كان يقول: "يجب أن يكون مجلس الإمام الحسين كاملًا من كل النواحي"

في معظم ليالي الجمعة، بعد برنامج التعبئة، كان يجهّز العشاء للشباب، وبعد تناول الطعام كانوا يتوجهون بشكل جماعي إلى زيارة عبد العظيم الحسني أو إلى مقبرة "جنة الزهراء".

لن ينسى شباب التعبئة وشباب مجالس العزاء تلك الفترة أبدًا، على الرغم من أن ذلك الزمان الجميل لم يطل كثيرًا.

سألت إبراهيم مرةً: "من أين لك كل هذا المال؟ إن الراتب الذي تحصل عليه من التعليم لا يتخطى الألفي تومان، وأنت تقدم للآخرين أضعاف هذا المبلغ". 

نظر إليّ وقال: "الله هو الرازق، وأنا وسيلة. طلبت من الكريم أن لا تفرغ جيوبي من المال. وها هو لأجل عمل الخير يرسل لي من حيث لا أحتسب". 


231

  


198

حاجات الناس ونعم الله

 
مجموعة من أصدقاء الشهيد 

كنت برفقة إبراهيم، عائدين إلى البيت على الدراجة النارية من مكان بعيد تقريبًا، عندما رأينا رجلًا عجوزًا يقف برفقة عائلته بجانب الطريق. أومأ لنا بيده، فتوقفت. سألنا عن عنوان ما، وعندما أجبناه بدأ يشكو أوضاعه الصعبة. لا يبدو عليه أنه متسوّل. ترجّل إبراهيم وبدأ يبحث في جيوبه لكنه لم يجد مالًا. قال لي: "أمير، هل لديك شيء". فتّشت في جيوبي، لكنني لم أجد شيئًا". 

قال إبراهيم: "بالله عليك، فتّش مرّة ثانية". ولكن عبثًا، لم أجد أي مال أو شيء يُنفَق في جيوبي.

اعتذرنا من ذلك الرجل العجوز، وأكملنا طريقنا. في مسير العودة، حين نظرت في المرآة، رأيت إبراهيم يبكي. لم يكن الطقس باردًا كي تنزل دموع إبراهيم بسبب لفحة الهواء. لذلك توقفت إلى جانب الطريق وقلت له: "عزيزي أبرام، أنت تبكي؟"

مسح دموعه وقال: "لم نستطع مساعدة رجل محتاج". 

- لكننا لم نكن نملك شيئًا. لم نرتكب معصية.

233

  


199

حاجات الناس ونعم الله

 - أعرف، لكن قلبي احترق لوضعه، لم نوفّق لمساعدته.

سكتّ قليلًا ثم أكملنا طريقنا وكنت دائم التفكير من إبراهيم وحاله التي أغبطه عليها.

في اليوم التالي، حين التقيت إبراهيم قلت له: "بعد الآن، لن أخرج من البيت من دون مال أبدًا كي لا يتكرر ما حصل البارحة". 

فيما بعد، حين كنت أفكّر في أخلاق وأعمال إبراهيم أتذكّر حديث سيد الشهداء عليه السلام أنه قال: "اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إلى غَيْرِكُم‏"1.

في الأيام الأخيرة حين كان إبراهيم يتعافى من إصابته. اتّصل بي هاتفيًا وبعد السلام والسؤال عن الأحوال سألني: "يا سيّد، هل أنت بحاجة إلى سيّارتك اليوم؟"

- لا، ها هي مرميّة أمام البيت.

فجاء واستعار السيارة وقال: "سأرجعها قبل العصر". 

عندما أحضر السيّارة عصرًا، سألته: إلى أين كنت تريد الذهاب؟ 

- لا، كنت أعمل على الخط وأنقل ركابًا. 

قلت له وأنا أضحك: "أنت تمزح؟". 

- لا أمزح. والآن إذا كنت غير مشغول، قم لنذهب معًا إلى عدد من الأماكن. 

كنت أهمّ بالدخول إلى البيت، عندما قال لي: "إذا كان لديك شيء لست

234

  


200

حاجات الناس ونعم الله

 بحاجة إليه أحضره معك، لنأخذه لعدد من الأشخاص المحتاجين"

 

أحضرت بعض الأرز والسمن، ثم ذهبنا إلى دكانة واشترى إبراهيم لحمًا ودجاجًا و... وركب السيارة وانطلقنا. عرفت من الفكّة1 التي أعطاها للبائع أنه المال الذي جناه من عمله على سيّارة الأجرة. ثم توجهنا إلى جنوب "طهران" ومررنا على بيوت لم أكن أعرفها. كان يدق الباب ويعطيهم المشتريات ويقول لهم: "أتينا من الجبهة، وهذه حصّتكم". كان إبراهيم يتكلم بطريقة لا تحرج الشخص المقابل ولم يكن يذكر اسمه على الإطلاق. 

فهمت بعدها أنّ البيوت التي زرناها، هي لعوائل بعض الشباب الموجودين على المحاور. وبما أن الرجال في الجبهة، كان إبراهيم يهتم بها. 

تُذكّرني أعمال إبراهيم بحديث الإمام الصادق عليه السلام "مشي المسلم في حاجة المسلم خير من سبعين طوافًا بالبيت الحرام"2.

كان هذا الحديث نور الطريق في حياة إبراهيم، وكان يبذل قصارى جهده كي يحل مشكلات الناس. 

 
 
في المرحلة الثانوية، حين كان إبراهيم يعمل في البازار ويجني مصروفه بعرق جبينه، التفت إلى أنّ عائلة أحد الجيران الأيتام تعاني من مشكلة مادية كبيرة، وعلى الرغم من وفاة الأب، لم يكن هناك من يساعدها في تأمين الحاجات الأساسية. 

لذلك كان إبراهيم عندما يتسلّم راتبه الشهري، يؤمّن حاجات تلك العائلة من دون أن يخبر أحدًا. كلما كان الطعام في منزل أهله كثيرًا، لا بد من إرسال كمية منه إلى تلك العائلة. استمر هذا الوضع حتّى شهادة إبراهيم، ولم يكن

1- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 74، ص 318.
2- ورقة النقود.
235

  

 


201

حاجات الناس ونعم الله

 أحد يعرف بالأمر إلّا والدته. 

جاء إليه رجل كان يعمل سابقًا في تقديم الشاي والقهوة في إحدى المؤسسات، وطلب منه مساعدة مالية لأنه فقد عمله. بدل تقديم المال له، راجع إبراهيم عددًا من الأصدقاء ووجد له عملًا مناسبًا. كان يقوم بكثير من الأعمال المشابهة. من جهة أخرى، كان يبادر، بما يستطيع، إلى قضاء حوائج الناس. وإن لم يحل المشكلة مباشرة يلجأ إلى أصدقائه لمساعدته. لكنه كان يراعي نقطة مهمة جدًّا وهي عدم تعويد الناس على التسوّل. كان إبراهيم يكرّر دومًا لأصدقائه: "عليكم أن تحلّوا مشكلة المحتاج، قبل أن يأتي هو إليكم". لذلك كان دومًا يبادر إلى مساعدة أصدقائه الذين يعانون من مشاكل، أو الذين يظن أن لديهم مشكلة، بسريّة ومن دون أن يعرف أحد. ثم يقول لهم: "أنا لست بحاجة إلى هذا المال حاليًا، أقرضكم إياه إلى أن تستطيعوا إرجاعه. هذا المال هو القرض الحسن".

مع أن الجميع كان يدرك أن هذا المال لن يُعادَ أبدًا، لكن إبراهيم أيضًا لم يكن يعتمد عليه مطلقًا. كان إبراهيم يولي ماء وجه الناس عناية خاصة، لذلك كان يتعاطى بطريقة بحيث لا يشعر الطرف المقابل بأي إحراج.


يوصي العلماء الكبار بالسعي لحل مشكلات الناس إذا أراد الإنسان أن تحل مشكلته. كما يوصون بإطعام الناس لتُحلّ كثير من المشاكل.

قبل غروب أحد أيام شهر رمضان المبارك، وصل إبراهيم إلى البيت، أخذ طنجرة ثم توجه إلى مطعم "الكوارع". تبعته وأنا أقول: "الكوارع، ما ألذه من إفطار". أجابني: "صحيح، ولكني لا أشتريها لي". ثم اشترى كمية من الكوارع الكاملة وعددًا من أرغفة خبز "السنكك"1. حين خرج من المطعم،

1- مخبوز على الحجارة الساخنة.
236


202

حاجات الناس ونعم الله

 وصل "إيرج" على دراجته النارية. ركب إبراهيم خلفه وودعني وانطلقا معًا.

قلت في نفسي: لا بد أنه سيتناول الإفطار مع بعض الأصدقاء. وقد انزعجت لأنه لم يدعُني إلى الذهاب معهم. لكن في اليوم التالي، سألت إيرج: "إلى أين ذهبتما ليلة البارحة؟".

قال: "خلف حديقة "40 تن"، قصدنا بيتًا في نهاية الزقاق، قرعنا الباب وأعطيناهم "الكوارع". شكر الأطفال والرجل العجوز الساكنون ذلك البيت، إبراهيم كثيرًا. كانوا يعرفونه جيدًا. إنها عائلة فقيرة جدًّا. ثم أوصلت إبراهيم إلى البيت وذهبت". 


كان قد مرّ على شهادة إبراهيم ست وعشرون سنة، عندما شاهدته في عالم الرؤيا يقود آلية عسكرية وقد جاء إلى "طهران". لشدة شوقي، لم أعرف ماذا أفعل. كان وجهه يشعّ نورًا. ركضت إليه واحتضنته. كنت أصرخ من شدة فرحي وأقول: "يا شباب تعالوا، لقد عاد السيّد أبرام". لم أتوقف عن الصراخ. 

قال إبراهيم: "هيا اركب، فلدينا كثير من العمل". توجّهنا معًا إلى أحد الأبنية العالية قيد الإنشاء. اقترب المهندسون وصاحب المبنى وسلّموا على إبراهيم. كان الجميع يعرفه جيّدًا. وجّه إبراهيم كلامه إلى صاحب المبنى وقال له: "أتيت كي أوصيك بالسيّد، سجّل إحدى شقق هذا المبنى باسمه". ثم أشار إلى أحد الواقفين بعيدًا.

قال صاحب المبنى: "يا سيد إبراهيم، هذا الرجل لا مال لديه ولا يستطيع أن يؤمّن قرضًا، كيف أعطيه شقّة". فأكملت أنا كلام الرجل وقلت: "يا سيد أبرام، لقد ولّى زمن هذه الأعمال، وجاء زمن المال". نظر إليّ إبراهيم نظرة

237

  


203

حاجات الناس ونعم الله

 عميقة وقال: "لقد عدت لأحل مشاكل عدد من الأشخاص مثل هذا الرجل، وإلّا ما نفع عودتي؟". 

ثم توجّه نحو السيّارة. ذهبت معه أيضًا، وإذا بي أستيقظ على صوت هاتفي الخلوي.

 
238


204

الخُمس

 
 مصطفى هرندي

 

من العلماء الكبار الذين كان إبراهيم يكنّ لهم محبة خاصة، المرحوم الشيخ "هرندي". كان هذا العالم يعمل في بيع الأقمشة، بالطبع في غير أوقات الصلاة. 

في أواخر صيف العام 1982م، رافقت إبراهيم إلى دكان الشيخ، واشترى قماشًا لخياطة قميصين. بعد أسبوعين، جاء إبراهيم إلى المسجد وقت الصلاة، ثم ذهب إلى الشيخ، فأسرعت لأرى ماذا يحصل. كان إبراهيم مشغولًا بحساباته المالية السنوية وما يترتب عليه من خمس. بما أنني كنت أعرف أن إبراهيم لا يترك أي مال له، تعجّبت: خُمس أي مال سيدفع؟ قام الشيخ بحساب خمس إبراهيم وقال له: "يتوجّب عليك دفع 400 تومان". ثم أكمل: "لكن طالما لدي إجازة من العلماء وانطلاقًا من معرفتي بك، فأنت مسامح بهذا المال". لكنّ إبراهيم أصر على دفع المال. ودفعه بالفعل. 

ذكّرني عمل إبراهيم هذا بحديث للإمام الصادق؛ إذ يقول: "مَن مَنعَ حقّا للّه أنفق في باطلٍ مثليه"1.

بعد الصلاة، ذهبنا إلى دكان الشيخ، وطلب إبراهيم منه قماشًا لقميصين

1- الوافي، الفيض الكاشاني، ج 10، ص 24.
239

  

 


205

الخُمس

 كالمرة السابقة. نظر إليه الشيخ وقال: "يا بنيّ، منذ مدة قصيرة، اشتريت قماشًا وأنت تعرف أنّ هذا القماش حكومي، لا يُسمح لنا أن نبيعه كيفما يريد الزبون". لم يقل إبراهيم شيئًا، لكنني وبما أنني أعرف ما القضية، أوضحتُ للشيخ أن إبراهيم قد أهدى القميصين السابقين. هناك شباب في الـ"روزخانه" يرتدون قمصانًا بأكمام قصيرة ووضعهم المالي سيّئ، فأهدى إبراهيم القميصين لهم. كان الشيخ يستمع لي بتعجب. نظر إلى إبراهيم بتأمّل وقال له: "هذه المرة سأقصّ هذا القماش لك، ولا يحق لك إهداؤه لأحد. أرسِل كل من يحتاج إلى قميص إلى هنا". 

240

  


206

نحن نحبُّك

 
 جواد مجلسي 

 

في خريف العام 1982م1، توجهنا مرة ثانية نحو الجبهة. كان حديث الجميع، توسّل إبراهيم بالسّيدة الزهراء عليها السلام. حيثما ذهبنا، نسمع كلامًا عن إبراهيم. كان كثير من الشباب ينقلون بطولاته وقصصه في العمليات والتي كانت بسبب توسّله بالسّيدة الزهراء عليها السلام. 

ذهبنا إلى منطقة "سومار" وكلما وصلنا إلى نقطة معينة أو إلى خندق ما، كان الشباب يطلبون من إبراهيم أن يلطم لطمية تتعلق بالسيدة الزهراء عليها السلام. في إحدى الليالي، وفي جمعٍ من شباب إحدى الكتائب، بدأ إبراهيم باللطم وبالكلام عن السيدة الزهراء عليه السلام. ولكن بسبب التعب الشديد وكثرة قراءة المجالس واللطم، كان صوت إبراهيم مبحوحًا. بعد انتهاء المجلس، قال بعض الشباب من أصدقاء إبراهيم كلامًا ممازحين، لكنه أغضبه كثيرًا. استاء إبراهيم وقال: "أنا لست مهمًّا، لكنهم يسخرون من مجالس السيدة الزهراء، لذلك لن أقرأ مجالس بعد الآن". حاولت كثيرًا وقلت له: "لا تأخذ كلامهم على محمل الجد يا إبراهيم". لكن لا فائدة. حين عدنا في المساء إلى المقر، أقسم قائلًا: "لن أقرأ مجالس العزاء بعد الآن".

نمنا قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، والتعب قد أردانا.

1 -1361هـ.ش.
241

  

 


207

نحن نحبُّك

 استيقظت على أحدهم يهزني. فتحت عينيّ بصعوبة، ورأيت وجه إبراهيم النوراني فوقي وهو يقول لي: "استيقظ، إنه وقت الأذان". قلت في نفسي: "يا إلهي، وكأنه لا يعرف معنى التعب". كنت أعرف بالطبع أنّه مهما تأخّر في السهر، سيستيقظ قبل الأذان ليصلي.

نادى إبراهيم بقية الشباب وأذّن ثم صلّى بهم جماعة. بعد الصلاة والتسبيحات، بدأ إبراهيم بقراءة الدعاء ثم قرأ مجلس السيدة الزهراء عليه السلام. أثّرت الأشعار الجميلة التي قرأها إبراهيم في الشباب، فسالت دموعهم بحرارة. لكنني وبما أنني سمعت قَسَم إبراهيم الليلة الماضية، تعجبت كثيرًا لكن لم أقل شيئًا.

بعد تناول الفطور، توجهنا مع الشباب إلى "سومار". كنت طيلة الطريق أفكر في أفعال إبراهيم المستغربة. فجأةً نظر إليّ نظرة ذات مغزى وقال: تريد أن تعرف لماذا قرأت مجلس عزاء على الرغم من قسمي البارحة؟ 

نعم، طبعًا، لقد أقسمتَ البارحة على...

قطع كلامي قائلًا: "ما سأقوله لك الآن، لا تتفوّه به لأحد طالما أنا على قيد الحياة". ثم أكمل: "لم أستطع النوم بسهولة ليلة البارحة، ولكن بعد منتصف الليل غفوت قليلًا، فرأيت السيدة الزهراء عليه السلام في منامي. قالت لي: "لا تقل لن أقرأ مجالس العزاء، نحن نحبك، كلما طلب منك أحد مجلسًا، اقرأ له". 

لم يسمح لنا البكاء بإكمال الحديث. بعدها، بالطبع لم يتوقف إبراهيم عن قراءة مجالس العزاء.


242

  


208

عمليات زين العابدين عليه السلام

 
 جواد مجلسي

 

كنا في أواخر شهر تشرين الثاني عام 1982م1. أينما ذهب إبراهيم، استقبله الجميع بحرارة وشوق. لقد سمع معظم القادة عن شجاعة إبراهيم وإقدامه. في إحدى المرات، جاء إلى كتيبتنا. تكلمنا معًا، وطال حديثنا. استعد الشباب للذهاب، بينما عدت أنا وسألني قائدي: أين كنت؟

- لقد جاء أحد أصدقائي ليراني. وها هو يرحل في تلك السيارة.

نظر إليّ وسأل: ما اسمه؟

- إبراهيم هادي.

- إبراهيم! ذاك الذي يتكلمون عنه؟ 

- نعم، ولمَ تسأل؟ 

أضاف وهو ينظر إلى السيارة التي تبتعد: "إنه من القدامى في هذه الحرب، من أين تعرفه؟"، فأجبته بافتخار خاص: "حسنًا، هو من شباب حيّنا".

1- آذر ماه 1361ه.ش.
243

  

 


209

عمليات زين العابدين عليه السلام

 سكت لحظات ثم أضاف: "اطلب منه الحضور إلى المقر، ليتكلم مع الشباب"

قلت له بنوع من الغرور: "إنه مشغول كثيرًا، لكنني سأتكلم معه ونرى ما الذي يحصل". 

في اليوم التالي، ذهبت إلى مقر المعلومات والعمليات للقاء إبراهيم. بعد السلام والكلام، قال لي: "ما رأيك في أن أوصلك إلى المقر وأتكلم مع قائدك؟". ذهبنا في سيارة تويوتا إلى مقرّ الكتيبة. في الطريق، وصلنا إلى جدول ماء كبير، كلما أردنا عبوره، كانت السيارة تعلق. قلت: "عزيزي إبراهيم، لنذهب من الطريق في الأعلى وإلّا سنعلق". 

- ليس لديّ وقت، سأمرّ من هنا. 

- لا ضرورة لإيصالي، أشكرك وسأتابع الطريق وحدي. 

- ابقَ مكانك، أريد أن أقابل قائدك.

ثم انطلق. قلت في نفسي: "كيف يريد أن يعبر كل هذا الماء؟" ضحكت في سرّي وقلت: "يا ليته يعلق هنا، لأشمت به قليلًا". لكنّه نادى بأعلى صوته: الله أكبر، ثم قال بسم الله، ثم على الدرجة الأولى للسرعة، وصلنا إلى الجهة الأخرى. قال: "ما زلنا لا نعرف قوة الله أكبر، لو عرفناها لحُلّت كثير من مشاكلنا". 


استعدّت الكتيبة بشكل كامل للبدء بالعمليات الجديدة، وها نحن ننطلق باتجاه "سومار". وقفت على مفترق الطرق الأول، قال لي إبراهيم: "سأكون عندكم قبل غروب الشمس". وها أنا بانتظاره. كانت كتيبتنا تتحرك باستمرار، وكنت بين الحين والآخر أنظر إلى آخر الطريق، إلى أن لاح وجه

244

  


210

عمليات زين العابدين عليه السلام

 سكت لحظات ثم أضاف: "اطلب منه الحضور إلى المقر، ليتكلم مع الشباب"

 

قلت له بنوع من الغرور: "إنه مشغول كثيرًا، لكنني سأتكلم معه ونرى ما الذي يحصل". 

في اليوم التالي، ذهبت إلى مقر المعلومات والعمليات للقاء إبراهيم. بعد السلام والكلام، قال لي: "ما رأيك في أن أوصلك إلى المقر وأتكلم مع قائدك؟". ذهبنا في سيارة تويوتا إلى مقرّ الكتيبة. في الطريق، وصلنا إلى جدول ماء كبير، كلما أردنا عبوره، كانت السيارة تعلق. قلت: "عزيزي إبراهيم، لنذهب من الطريق في الأعلى وإلّا سنعلق". 

- ليس لديّ وقت، سأمرّ من هنا. 

- لا ضرورة لإيصالي، أشكرك وسأتابع الطريق وحدي. 

- ابقَ مكانك، أريد أن أقابل قائدك.

ثم انطلق. قلت في نفسي: "كيف يريد أن يعبر كل هذا الماء؟" ضحكت في سرّي وقلت: "يا ليته يعلق هنا، لأشمت به قليلًا". لكنّه نادى بأعلى صوته: الله أكبر، ثم قال بسم الله، ثم على الدرجة الأولى للسرعة، وصلنا إلى الجهة الأخرى. قال: "ما زلنا لا نعرف قوة الله أكبر، لو عرفناها لحُلّت كثير من مشاكلنا". 

 
استعدّت الكتيبة بشكل كامل للبدء بالعمليات الجديدة، وها نحن ننطلق باتجاه "سومار". وقفت على مفترق الطرق الأول، قال لي إبراهيم: "سأكون عندكم قبل غروب الشمس". وها أنا بانتظاره. كانت كتيبتنا تتحرك باستمرار، وكنت بين الحين والآخر أنظر إلى آخر الطريق، إلى أن لاح وجه

244

  

 


211

عمليات زين العابدين عليه السلام

 وأختفي داخلها. رأيت الموت أمامي. في هذه الأوضاع، اقترب مني شخص يزحف على الأرض، وسحب قدمي. حين رفعت رأسي قليلًا، لم أصدّق ما رأيت: إنه وجه إبراهيم النوراني. 

قال لي فجأةً: "هذا أنت؟"، ثم أخذ مني الـ"آر بي جي" وتقدم إلى الأمام. وقف ونادى بأعلى صوته: "يا شيعة أمير المؤمنين، انهضوا! يد مولانا تحمينا". ثم بنداء الله أكبر، رمى الـ"آر بي جي"، وانهدمت الدشمة التي كانت أمامنا. إنها النقطة التي انطلق منها أكبر عدد من الرصاص والقنابل علينا. 

ارتفعت معنويات الشباب. ناديت عندها "الله أكبر"، فوقفوا من بعدي، وبدأوا بإطلاق النار. لاذ أغلب الجنود العراقيين بالفرار. بعد لحظات، رأيت إبراهيم يقف على قمة التلة!

تمّت السيطرة على هذه التلة العراقية بسرعة، أسرنا عددًا من قوات العدو، وأكملنا تقدمنا. كنت مع قائد الكتيبة في المقدمة أيضًا، كنت أقول في نفسي: لا أستغرب بعد الآن، لماذا يحب الشباب أن يكونوا مع إبراهيم خلال العمليات. ما أشجعه!

في منتصف الليل، التقيت إبراهيم مرة ثانية. قال: "هل رأيت لطف المولى وعنايته. كان الأمر يحتاج إلى "الله أكبر" واحدة ليفرّ الأعداء". 

 
انتهت العمليات في محورنا، وعادت الكتائب كلها إلى الخلف. لكن بعض الكتائب تركت عددًا من جرحاها وشهدائها في أرض المعركة. عندما كان إبراهيم يتكلم مع مسؤوليها، صرخ غاضبًا بصوت عال، ولم أكن قد رأيت غضبه من قبل.

قال لأحدهم: "حين أردتم العودة ومعكم الدعم والذخائر، لماذا لم تفكروا في شبابكم؟ لماذا تركتم الجرحى هناك؟ لماذا؟".

246

  


212

عمليات زين العابدين عليه السلام

 نسّق مع مسؤول المحور الذي كان من أصدقائه، فتسلّل مع "جواد أفراسيابي" وعدد من الشباب إلى عمق منطقة الأعداء، ونقلوا الجرحى وبعض الشهداء خلال ليالٍ إلى الخلف. بسبب وضع المنطقة الحساس، لم يستطع الأعداء أن يطهّروا محيطها بشكل جيد. 

تمكّن إبراهيم و"جواد"، حتّى الليلة العاشرة من كانون الأول، من إخراج واحد وستين جريحًا، وتسعة شهداء من منطقة الأعداء. كما إنهم سحبوا جثمان أحد الشهداء من مسافة تبعد عشرة أمتار عن دشمة العراقيين ونقلوه بدقة كبيرة إلى الخلف.

بعد هذه العمليات، مرض إبراهيم قليلًا. عدنا معًا إلى "طهران،" حيث بقي أسابيع، تابع خلالها نشاطه الثقافي والديني. 


247

  


213

الأيام الأخيرة

 
 علي صادقي، علي مقدم

 

كنا في الأسبوع الثالث من كانون الأول. عدت مع إبراهيم إلى "طهران"، وكان مسرورًا جدًّا على الرغم من تعبه الشديد. كان يقول: "لم يبق أي جريح أو شهيد في أرض العدو"، ثم أضاف: "في هذه الليلة، ما أكثر العيون المنتظرة التي أسعدناها! كلما ذهبت أم أحد الشهداء الذين أحضرناهم إلى قبر ابنها الشهيد سيصل الثواب إلينا أيضًا". 

عندها استغللت الفرصة وقلت له: "إبراهيم، إذًا لماذا تدعو الله أن تبقى مجهولًا بعد شهادتك؟". 

لم يكن يتوقع هذا السؤال. سكت لحظةً ثم أجابني: "لقد تكلمت مع أمي ووضعتها في الجو، قلت لها ألّا تنتظرني. كما طلبت منها أن تدعو لي أن أستشهد وأبقى مجهولًا"، لكنّه لم يعطني إجابة شافية. 

بقيت مع إبراهيم في "طهران" لأسابيع. بعد انتهاء العمليات وبسبب مرضه، كان الشباب يجتمعون عنده كل ليلة. أينما يكون إبراهيم، يجتمع شباب الجبهة والشباب المتديّنون حوله. 


249

  

 


214

الأيام الأخيرة

 كنا في أواخر شهر كانون الأول، تغيّرت أحوال إبراهيم كثيرًا، قلّل كثيرًا من كلامه الشعبي ونكاته المضحكة. كان معظم الشباب ينادونه بالشيخ إبراهيم. على الرغم من أنه قصّر لحيته، إلّا أن وجهه ما زال يشع نورًا كالسابق.

كان لأمنية الشهادة التي يتمناها كل الشباب، معنىً آخر عند إبراهيم. 

كنّا نسير في الليل معًا. سألته: "أنت تتمنى الشهادة، صحيح؟". 

ابتسم. وبعد لحظات من السكوت قال: "إن الشهادة هي ذرّةٌ ممّا أتمناه. أريد ألّا يبقى شيء من جسمي، مثل سيدي الحسين عليه السلام الذي بقي من دون كفن وأقطّع قطعة قطعة مثله. لا أريد أن يعود جثماني. أتمنى أن أبقى مجهولًا". 

كنت قد سمعت منه سبب أمنيته هذه، حين قال: لأنّ أم السادات فاطمة عليها السلام لا قبر لها. لا أريد أن يكون لي قبر. 

ثم ذهبنا بعدها إلى الـ"زورخانه"، ودعا كل الشباب إلى تناول الغداء. توجهنا ظهيرة اليوم التالي إلى منزلهم حيث أقيمت صلاة الجماعة قبل الغداء ودفعنا إبراهيم لإمامة الصلاة. كان بحال مختلفة أثناء الصلاة، وكأنه لم يكن في هذه الدنيا، كان وجوده كله يسير في الملكوت. 

بعد الصلاة، قرأ بصوته الجميل دعاء الفرج. قال لي أحد الشباب يومها: "صار إبراهيم عجيبًا جدًّا، لم أره من قبل يبكي بهذه الطريقة خلال الصلاة".

في مجالس العزاء، كان إبراهيم يتوسل بالصديقة الطاهرة عليه السلام، ثم يكمل قائلًا: "لنتذكّر كل الشهداء المجهولين الذين هم كأمّ السادات لا قبر لهم". في المجالس كان يذكر دائمًا الجبهات والمجاهدين.


250

  


215

الأيام الأخيرة

 كنا في أوائل شهر شباط، الساعة التاسعة مساء، سمعت أحدهم ينادي: "يا حاج علي، هل أنت في البيت؟"، اقتربت من النافذة، رأيت إبراهيم و"علي نصر الله" على الدراجة النارية أمام البيت، فتوجّهت إلى المدخل.

 

بفرح كبير، احتضنت إبراهيم وعلي وقبّلتهما، ثم دخلنا البيت. كان الطقس باردًا جدًّا، وكنت حينها وحدي. سألتهم: "هل تتناولون العشاء؟"، فأجاب إبراهيم: "لا، لا تُتعِب نفسك". 

قلت له: "لا تجامل، سأقلي بيضًا". ثم حضّرت عشاء بسيطًا، وقلت لهم: "عائلتي وأولادي ليسوا في البيت الليلة، إذا لم يكن لديكما عمل ابقيا هنا، والكرسي1 جاهزة". فوافق إبراهيم. 

قلت له ممازحًا: "أخي أبرام، في هذا البرد القارس، كيف ترتدي هذا الشروال الكردي الخفيف؟ ألّا تشعر بالبرد؟". 

ضحك هو أيضًا وأجابني: "لا تقلق، أنا أرتدي أربعة. ثم خلع ثلاثة منها وجلس تحت الكرسي"

أكملت حديثي مع "علي". ولم أعرف إن كان إبراهيم قد غفا أم لا، لكنّه فجأة قفز من مكانه، ونظر إليّ قائلًا: "يا حاج "علي". أقسم لك بحياتي أصدقني القول! هل تظهر ملامح الشهادة على وجهي؟". 

لم أتوقع هذا السؤال. نظرت إلى وجه إبراهيم، ثم أجبته بهدوء: "إن حالة بعض الشباب قبل شهادتهم تصبح عجيبة. لكن أنت يا عزيزي أبرام، لديك هذه الحال العجيبة دائمًا".

1- نوع من المواقد الإيرانية التي تشبه الطاولة، توضع في وسط الغرفة وتغطى بقماش سميك، ويجلس الناس حولها، ويمدون أقدامهم تحت الغطاء طلبًا للتدفئة.
251

 


216

الأيام الأخيرة

 ساد الصمت في الغرفة. وقف إبراهيم وقال لـ"علي": "هيا، قف. يجب أن نذهب بسرعة". سألته بتعجب: "إبراهيم، إلى أين؟!". 

أجابني: "علينا الذهاب إلى المسجد بسرعة". وارتدى سراويله الكردية وخرج. 


252

  


217

"فكّة" الميعاد الأخير

 
علي نصر الله

وصلنا إلى المسجد عند منتصف الليل. ودّع الشباب، ثم ذهب إلى البيت. ودّع أمه وطلب منها راجيًا أن تدعو له. في الصباح الباكر، انطلقنا نحو الجبهة. كان قليل الكلام ومشغولًا أكثر بالذكر أو بالقرآن. 

وصلنا إلى مخيم الفرقة في شمال فكّة، حيث كانت الكتائب مشغولة بالقيام بمناورات استعدادًا للعمليات. فرح الشباب كثيرًا لسماعهم خبر عودة إبراهيم وجاؤوا جميعًا للترحيب به. لم تكن تخلو الخيمة لحظةً منهم. 

جاء الحاج "حسين" أيضًا الذي فرح كثيرًا برؤيته إبراهيم. بعد السلام والسؤال عن الأحوال استفسر إبراهيم: "يا حاج "حسين"، كل الشباب في حال نشاط، ما الخبر؟". أجابه الحاج: "سنتحرك غدًا لأجل العمليات، سنسعد كثيرًا بمرافقتك لنا".

أكمل الحاج: "في هذه العمليات علينا تقسيم شباب المعلومات بين الكتائب. في كل كتيبة، يجب أن يحضر مسؤولان من شباب المعلومات والعمليات". ثم وضع لائحة أمام إبراهيم وقال: "ما رأيك بهؤلاء الشباب؟".

نظر إبراهيم إلى اللائحة وصار يعطي رأيه في كل واحد منهم. ثم سأل: "حسنًا يا حاج، ما وضع توزيع القوات؟".

253

  


218

"فكّة" الميعاد الأخير

 أجابه الحاج: "قسّمنا القوات إلى فيالق، وكلّ فيلق يتشكّل من ثلاث فرق. تسلّم الحاج "همت" مسؤولية الفيلق الحادي عشر "القدر". كانت فرقة "الرسول" تحت إمرة هذا الفيلق وقد أوكلوا إلينا مهمة المعلومات فيه".

عصر ذلك اليوم، حنّى إبراهيم لحيته ورتبها وقصّ شعره، فغدا وجهه الجميل ملكوتيًا أكثر من ذي قبل.

عند الغروب، قصدنا إحدى نقاط الرصد. كان يستطلع منطقة العمليات بمنظار خاص، ويكتب بعض الملاحظات على ورقة. 

جاء عدد من الشباب إلى هذه النقطة وهم يقولون: "هيا هيا نريد أن نشاهد المنظر هنا". انزعج إبراهيم وهو يقول: "وهل يوجد سينما هنا؟ علينا أن نخطّط للغد ونحدّد المسير الذي يجب أن نسلكه". 

ترك المكان هناك وهو غاضب. قال لي: "أنا لست مرتاحًا جدًّا"، فقلت له: "لا تقلق، سيكون الأمر على ما يرام". 

توجّه نحو أحد قادة "فيلق القدر" وقال له: "يا حاج، إن حال هذه المنطقة غير عادية، أرضها رملية وناعمة، وستكون حركة الشباب فيها صعبة جدًّا. كما إنّ العراقيين قد ملأوها بالموانع والعراقيل. برأيك، هل ستنجح هذه العمليات؟".

أجابه القائد: "عزيزي أبرام، هذا أمر القيادة. وكما يقول الإمام: نحن مأمورون بالقيام بالتكليف، والنتيجة بيد الله". 


في عصر اليوم التالي، تجهّز الشباب. تسلّمت كلٌّ من الكتائب الـ11 في فرقة "27 محمد رسول الله" حصتها من الذخائر والمؤونة. واستعدّ الكل للتحرّك نحو "فكة".

254

  


219

"فكّة" الميعاد الأخير

 من بعيد، لاح لي وجه إبراهيم. ارتجف قلبي. كان وجهه يشع نورًا، أكثر ملكوتية وأكثر بياضًا من العادة. كان يضع الكوفية العربية ويرتدي معطفًا جميلًا. اقترب منّا وسلم على الجميع فردًا فردًا. 

نحيّته جانبًا وقلت له: "أخي أبرام، لقد صرتَ نورانيًا جدًّا". 

تنفّس بعمق، ثم قال لي بحسرة: "حين استشهد الشهيد بهشتي حزنت كثيرًا، لكنني قلت في نفسي هنيئًا له، خسارة أن يموت ميتة طبيعية. وقد رحل "أصغر وصالي"، "علي قرباني"، "قاسم تشكري" وكثير من الأصدقاء، لدرجة صار أصدقاؤنا في مقبرة "بهشت زهراء" أكثر منهم في "طهران"!". 

سكت قليلًا ثم أكمل: "وها هي "خرمشهر" قد تحرّرت. أنا خائف من أن تنتهي الحرب ونخسر فرصة الشهادة. على كل حال التوكّل على الله". ثم تنفّس نفسًا عميقًا وقال: "أتمنى أن أستشهد ولكنني أريد أجمل شهادة". 

نظرت إليه بتعجّب. كانت قطرات الدمع تسيل من عينيه، ثم أكمل: "أن تبقى في مكان حيث لا يصل إليك أحد، لا يعرفك أحد. أنت والإمام عليه السلام، يحضر عند جسدك، يأخذ برأسك ويتكفّل بك. هذه هي الشهادة الأجمل". 

قلت له: "بالله عليك يا أخي أبرام، لا تقل هذا الكلام"، ثم غيّرت الحديث، قلت له: "تعال نذهب مع القادة في المقدمة، هكذا أفضل، نقدّم المساعدة حين يستلزم الأمر". 

لا. أريد أن أكون مع شباب التعبئة.

ثم تحرّكنا. وتقدمنا باتجاه الكتائب التي ستقتحم في المقدمة. كانوا يضعون اللمسات الأخيرة على التقسيمات العسكرية، حين سألته: "أخي أبرام، ما الذخائر التي تريدني أن أعطيك إياها؟"، أجابني: "فقط قنبلتان يدويتان، وإذا احتجنا إلى أسلحة نأخذها من العراقيين".

255

  


220

"فكّة" الميعاد الأخير

 كان الحاج "حسين" لا يميل نظره عن إبراهيم. توجّهنا نحوه وهو كالمسحور. فجأة، ومن دون أي مقدمات احتضنا بعضهما بعضًا واستمرّا على هذه الحال لحظات، وكأنهما يشعران أنه اللقاء الأخير. ثم خلع إبراهيم ساعته من يده وقال: "خذ يا حاج "حسين"، هذه الساعة تذكار لك". 

فاضت عينا الحاج "حسين" من الدموع، ثم قال: "لا يا عزيزي أبرام، قد تحتاج إليها. أجابه إبراهيم بهدوء خاص: "لا، لا حاجة لي بها". 

تبدّل وضع الحاج بسرعة. غيّر الموضوع وقال له: "يا أخي أبرام، يوجد طريقان للعبور. سيعبر شباب التعبئة من الطريق الأول، بينما يعبر القادة وشباب المعلومات من الطريق الثاني. تعال معنا".

- سأذهب من الطريق الأول، مع شباب التعبئة. هل توجد مشكلة في ذلك؟".

- لا، على راحتك. 

تحرّر إبراهيم من آخر التعلقات المادية، ثم ذهب إلى شباب الكتيبة الذين سيقتحمون الخطوط الأمامية وجلس بالقرب منهم. 


256

  


221

عملية "والفجر التمهيدية "

 
علي نصر الله

"كميل" و "حنظلة" هما الكتيبتان اللتان ستقتحمان الخطوط الأمامية. جاء أحد قادة الفرقة وبدأ يتكلم مع الشباب قائلًا:

أيّها الإخوة، سنتوجه الليلة إلى "فكة" في عمليات "والفجر". لقد حفر العدو ثلاث قنوات كبيرة بموازاة الحدود ليمنعكم من العبور، ونصب حواجز أخرى لمنعكم من التقدّم، لكن إن شاء الله بعد عبوركم هذه القنوات والحواجز، سنبدأ العمليات.

بعد تمركزكم في جوار النقاط الحدودية "طاووسيه" و"رشيديه" تكون المرحلة الأولى قد تمّت. بعدها ستمر بالقرب منكم قوات فرقة "سيّد الشهداء" الجديدة، ولأجل إكمال المهمة سيتوجهون نحو مدينة "العمارة" العراقية، وإن شاء الله سيكون النصر من نصيبكم.

أخذ يشرح كيفية العمل والموانع والمعابر، ثم قال: "إن طريقكم ضيقة تمر بين حقول ألغام. إن شاء الله، ستصلون أنتم - ثلاثمئة مقاتل - بعد فتحكم الحدود الجنوبية إلى الأهداف المنشودة". 

بعد انتهاء كلامه، بدأ إبراهيم مباشرة بقراءة مجلس عزاء، لكن ليس كما

257

  


222

عملية "والفجر التمهيدية "

 

يقرأ دومًا. امتزجت قراءته بغربة كبيرة ولم يتوقف عن ذرف الدموع، ثم بدأ باللطم. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا البيت الجميل: (ترجمة البيت)

يا ويلي من قلب زينب كيف تقرّح قلب زينب

كان الشباب يردّدون معه وهم يلطمون، ثم قرأ مجلس عزاء حول أسر السيدة زينب عليها السلام، وشهداء كربلاء. بعدها قال: "يا شباب، في هذه الليلة، إمّا إنّكم ستلتقون بالحبيب أو إنّ عليكم تحمّل عذابات الأسر مثل عمة السادات. وفي كلتا الحالتين عليكم المقاومة ببطولة"1.

بعد مجلس العزاء، وقف الشباب ووجوههم غارقة في الدموع، وصلّينا المغرب والعشاء. بعد أن عاد إلينا إبراهيم، كنت أرافقه كظلّه، لا أفارقه لحظة. حملت معه أحد الجسور المتنقلة الثقيلة وتحرّكنا جميعًا. 

كان التنقل على أرض "فكّة" الرملية صعبًا ومتعبًا جدًّا، خاصةً مع أوزان الذخائر التي كان يحملها كل فرد منا والتي تتجاوز العشرين كيلوغرامًا. مضافًا إلى أني وإبراهيم كنا نحمل جسرًا خشبيًا كالتابوت على رؤوسنا. كنا يمشي بعضنا خلف بعض في خط واحد في ممرّ تمّ استحداثه بين حقول الألغام. 

مشينا ما يقارب اثني عشر كيلومترًا. وصلنا إلى القناة الأولى في جنوب فكة. لم يبق رمق في الشباب ليساعدهم على الحركة. كانت الساعة التاسعة والنصف، وكنا في السابع من شباط. عبرنا القنوات على الجسور المتحركة والسلالم التي كنا نحملها والتي وضعناها على عرض القناة. يلف سكون عجيب المنطقة. لم يكن العراقيون يطلقون أي رصاصة. بعد ربع ساعة وصلنا إلى القناة الثانية، وأخبرنا القيادة بهذا الأمر عبر اللاسلكي. مرت دقائق قليلة وها نحن نصل إلى القناة الثالثة. كان إبراهيم مشغولًا طيلة الوقت، يساعد

1- المدهش هنا، أنّ جميع أفراد كتيبتي حنظلة وكميل الذين قرأ لهم إبراهيم مجلس العزاء، قد غدوا جميعًا إما شهداء وإمّا أسرى.
258

 


223

عملية "والفجر التمهيدية "

 الشباب على قطع القناة الثانية، ينتبه لهم كثيرًا؛ لأن المكان حول القنوات مليء بالألغام والحواجز. 

الوصول إلى القناة الثالثة، معناه التمركز بالقرب من النقاط الحدودية للعراقيين، وبالتالي بدء العمليات. لكن قائد الكتيبة أوقف الشباب، وقال: "وفق الخريطة، كان علينا المشي أكثر، لكن الأمر الغريب أننا وصلنا باكرًا، ولا خبر عن الحواجز والنقاط الحدودية! لقد عبر معظم الشباب تقريبًا القناة الثانية". فجأة، أضيئت سماء "فكة" كما لو كنا في وضح النهار، وكأنّ العدو انتظرنا بكامل قواه وعديده. ثم بدأوا بقصفنا بالقذائف، والهاون والمدافع وبالرشاشات التي كانت بعيدة قليلًا. كانوا يرمون علينا من كل الجهات. 

لم يكن الشباب قادرين على القيام بأي عمل. كانت العوائق المتشعّبة وحقول الألغام تحول دون حركتهم. استطاع عدد قليل من الشباب الدخول إلى القناة الثالثة، بينما علق كثير منهم في الرمال. كانوا يركضون في كل اتجاه؛ أراد بعضهم، ومن خلال تخطّيهم العوائق والموانع الإسمنتيّة والحديديّة، التمركز في الحقول، لكنّهم استشهدوا بسبب الألغام. كان المكان مليئًا بالألغام، ولأنّ إبراهيم أدرك هذا الأمر، بدأ يركض باتجاه القناة الثالثة. وبهتافاته وصراخه الدائم، منع شبابنا من الذهاب داخل الحقول من الجهتين. انبطح الجميع على الأرض وحاولوا التحرك زحفًا. لا مجال للقيام بأي عمل. كانت المدفعية العراقية تعرف من أين سنعبر. أمطر قصفها المعبر بدقة كبيرة، واختلط الحابل بالنابل. القنوات هي المكان الأكثر أمنًا. في تلك العتمة والفوضى، أضعت إبراهيم. تقدمت إلى القناة الثالثة، لكن من الصعب العثور على أحد، رأيت أحد الأصدقاء، فسألته: "هل رأيت إبراهيم؟". 

قال لي: "منذ دقائق مرّ من هنا". وهكذا صرت أذهب في كل اتجاه. رآني أحد القادة، عرفني وقال لي: "عد بسرعة إلى المعبر واطلب من الشباب هناك

259

  


224

عملية "والفجر التمهيدية "

 الانسحاب إلى الخلف. الوضع غير آمن في هذه القنوات، ولا المكان يتسع لهم. اذهب بسرعة ثم عد إلى هنا"

تنفيذًا لأمر القائد، أعدتُ الشباب الذين كانوا في القناة الثانية والذين كانوا يسيرون نحونا إلى الخلف، كما ساعدتُ في الوقت نفسه على نقل الجرحى إلى الخطوط الخلفية. طال هذا العمل ساعتين أو ثلاثًا. أردت العودة إلى القناة الثالثة، لكن شباب الفرقة قالوا لي: "إنّه غير ممكن". ولمّا سألتهم مستنكرًا: "ولماذا؟"، قالوا: "لقد صدر أمر الانسحاب، وحتى الصباح سيعود الشباب جميعًا". 

بعد ساعة تقريبًا، صليت صلاة الصبح، وبدأ ضوء الصباح بالانبلاج شيئًا فشيئًا. كنت متعبًا وفاقدًا للأمل. كنت أسأل الشباب العائدين عن إبراهيم، لكن لم يكن لديهم أي خبر عنه. 

بعد دقائق، رأيت "مجتبى"، الذي كان وجهه ملطّخًا بالوحل والتراب والتعب باد عليه، يعود إلى الخطوط الخلفية، سألته بيأس: ""مجتبى"! ألم ترَ إبراهيم؟". 

أجابني وهو يقترب: "منذ ساعة، كنّا معًا". قفزت من مكاني من شدة فرحي. تقدمت نحوه وسألته مرة ثانية: "إذًا أين هو الآن؟". 

أجابني: "لا أعرف. قلت له إنّ أمر الانسحاب قد صدر وعلينا العودة في العتمة. إذا طلع الصباح، لا نتمكن من الحركة أو القيام بأي عمل، لكنّه قال لي إنّ الشباب موجودون في القنوات، سأذهب إليهم لنعود معًا". 

ثم أكمل "مجتبى" قائلًا: "حين كنت أتكلم معه، وصلت كتيبة من فرقة "عاشوراء"، فتكلم إبراهيم مع قائدها وأخبره بأمر الانسحاب. ولأنني أعرف الطريق جيدًا أرسلني معهم لأدلّهم على طريق العودة. ثم حمل قذيفتي

260

  


225

عملية "والفجر التمهيدية "

 "آر بي جي" وعددًا من القنابل وتوجّه نحو القناة. ومنذ ذلك الوقت لا خبر لدي عن إبراهيم". 


بعد ساعة، رأيت "ميثم لطيفي" يتوجه نحو الخطوط الخلفية برفقة عدد من الجرحى. أسرعت في مساعدتهم، وسألته: "ما الخبر؟". 

كنت مع هؤلاء الجرحى ما بعد قناة كتيبة "كميل"، وقد ارتمينا في أسفل التلة. إلى أن جاء أبرام هادي لإنقاذنا. 

فوقفت فجأة وسألته متعجبًا: "أخي أبرام!؟ وما الذي حصل بعدها؟". 

استطاع إنقاذنا بصعوبة كبيرة. استغل الفجر لسحبنا إلى الخلف. أثناء مسيرنا وصلنا إلى إحدى القنوات، كانت أرضها مليئة بالقطران والبنزين، وكان عرضها يقارب ثلاثة أمتار. أحضر إبراهيم لوحين خشبيين كبيرين، قفز داخل القناة، وأوصل القطران والبنزين إلى ركبتيه، ثم وضع أحد اللوحين على كتفه الأولى واللوح الآخر على كتفه الثانية، ووضع طرف الألواح على جانبي القناة. وكالجسر عبرناهما وعدنا إلى الخلف. ثم تقدم هو إلى الأمام".

إنها الساعة العاشرة صباحًا. كان مقر الفرقة في "فكة"، يضج بالقادة. كان كثير منهم يقول إنّ عددًا من الكتائب محاصر من الأعداء.
 
261

  


226

قناة كميل

 

علي نصر الله


سألت أحد قادة المعلومات: "ما معنى أن بعض الكتائب قد حوصرت؟ في الأساس لم يتقدم العدو. والشباب ما زالوا في القناتين الثالثة والثانية!".

أجابني القائد: "إن القناة الثالثة التي استطلعناها سابقًا تختلف عن هذه القناة. إن هذه القناة وعددًا من القنوات الصغيرة استحدثها العراقيون في الأيام الثلاثة الأخيرة. لقد استحدثوا هذه القنوات بموازاة الحدود. على الرغم من حجمها الصغير إلّا أنها مليئة بالموانع والحواجز". 

ثم أكمل: "لقد لجأ شباب طليعة الكتائب إلى القنوات للاحتماء من القصف العراقي. لكن بعد أن طلع النهار، اقتربت الدبابات العراقية وسدت الطريق على طرفي القنوات. وبدأت بإطلاق النار عليها".

سكت قليلًا ثم أكمل: "لقد وضع العراقيون ستة عشر نوعًا من العوائق أمام الشباب. كان عرض الحواجز الممتدّة يقارب أربعة كيلومترات، كما إنّ المنافقين قد أعطوا كل المعلومات المتعلقة بهذه العمليات للأعداء".

انقبض قلبي كثيرًا، وسألته: "وما الذي سنفعله الآن؟". 

إذا استطاع الشباب الصمود والمقاومة، سننجز المرحلة الثانية من

263
 

227

قناة كميل

 العمليات، وسنعيدهم إلى هنا. 

 

في هذا الوقت، نادى عامل الإشارة في المقر قائلًا: "وصل خبر من الكتائب المحاصرة". سكت الجميع. قال عامل الاتصالات: "يقولون، لقد سلّم الأخ "ياري" على الأخ "فشرده"". 

هذا الخبر القصير يعني أنّ قائد كتيبة "حنظلة" قد استشهد. في عصر ذلك اليوم وصل خبر استشهاد الحاج "ثابت نيا" قائد الكتيبة ومساعده الحاج "حسيني". عمّ الحزن والغمّ، وكانت الأجواء هناك عجيبة.

في التاسع من شباط، استأنف الشباب الاستعداد للهجوم مرة ثانية على منطقة "فكة". رأيت أحد الأصدقاء يأتي من المقر. سألته: ما الخبر؟ 

لقد اتصل الآن عامل الإشارة في كتيبة "كميل" وتحدث مع القائد "همت". قال: "إنّ شحن1 اللاسلكي يوشك على الانتهاء استشهد كثير من الشباب ادعوا لنا، وأوصلوا سلامنا إلى الإمام، قولوا له إنّنا قاومنا حتّى اللحظة الأخيرة". 

قلت له بقلب مكسور وحزن كبير: "ما هو تكليفنا؟ ماذا علينا أن نفعل؟". 

قال: "الاتكال على الله. اذهب وجهّز نفسك، ستنطلق الليلة المرحلة الثانية من العمليات".

عند الغروب، رمى شباب المدفعية في الجيش خنادق العدو بدقة كبيرة. عاودت الكتائب حركتها من جديد، وتقدمنا نحو قناتي "كميل" و"حنظلة". استطاع بعض الشباب المحاصرين الخروج في ظلام الليل من القناة والالتحاق بنا. 

لم تنجح هذه الحملة أيضًا، وعدنا قبل الصباح إلى دشمنا وخنادقنا. لكن القصف الدقيق الذي قام به شبابنا، حطّم عددًا من آليات العدو. 

1- بطارية الجهاز.

224

  

 


228

قناة كميل

 كان العاشر من شباط، ولا يزال يسمع صوت إطلاق نار من داخل القناة. من الواضح أنّ الشباب ما زالوا يقاومون, لكن لم نفهم بأي سلاحٍ كانوا يقاومون بعد أربعة أيام. عند غروب هذا اليوم، أُعلِن عن انتهاء العملية وانسحبت جميع القوات إلى الخلف. رأيت أحد الشباب الذي خرج البارحة من القناة، قال لي: "لا يمكنك تصور الوضع الذي كنا فيه، لم يكن لدينا ماء ولا طعام والذخائر والأسلحة قليلة جدًّا، والأرض على طرفي القناة مليئة بالألغام. كنا نطلق الرصاص بين الحين والآخر ليعرفوا فقط أننا ما زلنا أحياء. كان العراقيون يأمروننا عبر مكبّر الصوت بالاستسلام". 

كانت لحظات الغروب حزينة جدًّا. صعدت إلى تلة صغيرة وصرت أرقب المكان عبر المنظار. ما زالت بعض الانفجارات المتفرقة تُشاهد بالقرب من القناة. كان صديقي وحبيب قلبي إبراهيم هناك ولا أستطيع أن أفعل شيئًا. في تلك الليلة، استرحت قليلًا ثم عدت إلى المنطقة في اليوم التالي. 


كان العراقيون شديدي الحساسية بالنسبة إلى الحادي عشر من شباط1. كثّفوا نيرانهم. أُفرغت دشمنا الأمامية من الشباب بالكامل، وقد انسحب الجميع إلى الخلف. قلت في نفسي: "ربما يريد العراقيون التقدم، لكن أستبعد هذا الأمر؛ لأنّهم وضعوا موانع وحواجز تعيقهم هم أيضًا من التقدم".

عصرًا، تضاءل القصف قليلًا. أخذت المنظار بيدي، واخترت مكانًا يمكّنني من رؤية القناة بشكل أفضل. رأيت شيئًا لا يصدّق؛ يغطي القناة دخان كثيف، ويُسمع باستمرار صوت انفجارات. توجّهت بسرعة إلى شباب الاستطلاع والمعلومات وقلت لهم: "يبدو أن العراقيين يعملون على إنهاء مسألة القناة!". شاهدوا القناة بالمنظار؛ لا شيء سوى النار والدخان.

1- 22 بهمن، ذكرى انتصار الثورة الإسلاميّة.
265

  


229

قناة كميل

 أما أنا فبقي لديّ أمل. قلت في نفسي: "لقد مرّ إبراهيم في أوضاع أصعب من هذه". لكنني تذكرت كلامه قبل العمليات فارتجف قلبي. 

عاد شباب المعلومات إلى دشمتهم، فيما راقبت القناة مرة ثانية بالمنظار. كنا نقترب من وقت الغروب عندما شعرت أن أحدهم يتقدم من بعيد. وعندما دقّقت النظر أكثر، بدا الأمر واضحًا جدًّا.

هناك ثلاثة شبان يركضون في اتجاهنا. كانوا يقعون باستمرار ثم يقفون، يبدو أنّهم جرحى ومتعبون. ومن الواضح أنهم قادمون من منطقة القناة. صرخت وناديت الشباب. صعدنا المرتفع بالقرب منا، وصرنا نشاهدهم من بعيد. طلبت من الشباب عدم إطلاق النار، وفي حمرة الشفق وصل هؤلاء الثلاثة إلينا. 

ما إن أطلّوا حتّى ركضت إليهم وسألتهم: "من أين أتيتم؟". لم يكن لديهم قدرة على الكلام. طلب أحدهم الماء، فأعطيته المطرة بسرعة. كان الثاني يرتجف من الجوع والتعب، بينما تلطّخ الثالث بالدماء من رأسه حتّى قدميه.

بعد أن وعوا حقيقة ما يحصل معهم، قالوا لنا: "نحن من شباب كتيبة "كميل". سألتهم بقلق: "وما الذي حصل مع بقية الشباب؟". 

أجابني وهو يحاول بصعوبة رفع رأسه: "لا أعتقد أن أحدًا غيرنا ما زال على قيد الحياة". بعدها سألته مستغربًا: "خلال هذه الأيام الخمسة، كيف استطعتم الصمود؟". 

لا قدرة لديه على الكلام، أطرق قليلًا ثم قال: "خلال اليومين الماضيين، كنّا مختبئين تحت أجساد الشهداء، لكن هناك شخص لم يعرف التعب طيلة هذه الفترة". التقط أنفاسه ثم أكمل: "يا له من شاب! يرمي الـ"آر بي جي" من جهة ومن الجهة الأخرى يرمي بالرشاش، يملك قدرة عجيبة". قطع صديقه

266

  


230

قناة كميل

 كلامه وأضاف: "كما إنّه جمع أجساد الشهداء وصفّهم إلى جوانب القناة، وقسّم المؤونة والماء بين الجميع، واهتم بالجرحى أيضًا، وكأن هذا الشاب لا يعرف التعب".

قلت لهم: "أوَلَم يستشهد قادة الكتيبتين ومساعدوهم جميعًا؟ إذًا عمّن تتكلم؟". 

قال: "إنه شاب لا أعرفه، شعره قصير، ويرتدي سروالًا كرديًا". أضاف الشاب الآخر: "في اليوم الأول، كان يضع حول رقبته كوفية عربية. ما أجمل صوته! كان يقرأ لنا العزاء، ويرفع معنويات الشباب".

كادت روحي تخرج من جسمي، ودار رأسي، ابتلعت ريقي وأنا أفكر: "إنها ميزات إبراهيم". جلست والاضطراب بادٍ على وجهي، أمسكت يديه وعيناي مسمّرتان من الذهول وقلت له: "إنه أبرام، أليس كذلك؟ أين هو الآن؟".

قال: "أعتقد هذا. كان بعض الشباب القدامى ينادونه بإبراهيم". رفعت صوتي هاتفًا: "أين هو الآن؟". 

قال أحدهم: "حتى اللحظة الأخيرة، حين كان العراقيون يرمون نيرانهم علينا، كان إبراهيم على قيد الحياة. قال لنا: لقد سحب الجيش العراقي قواته، كأنه يريد أن يقصفنا بالسلاح الثقيل. إذا كان لديكم القدرة استغلوا ذهابهم وانسحبوا إلى الخلف، ثم توجه ليهتم بالجرحى، وها نحن قد جئنا إلى هنا". لكن رفيقه قال: "لقد رأيت كيف رموه. لقد وقع على الأرض بعد الانفجارات الأولى". 

تراخى جسمي رغمًا عني. سالت دموعي، وبدأت كتفاي تهتز من البكاء. لم أستطع بعدها أن أتمالك نفسي. وضعت رأسي على التراب وصرت أنتحب. مرّت كل الذكريات التي كانت لي مع إبراهيم في حياتي: من حلبة الـ"زورخانه"، إلى "جيلان غرب"...

267

  


231

قناة كميل

 اختلطت رائحة البارود القوية بأصوات الانفجارات، توجهت نحو طرف الخندق، أردت الذهاب إلى القناة، لكنّ أحد الشباب وقف في طريقي ومنعني قائلًا: "ما الذي تفعله؟ لن يعود إبراهيم إذا ذهبت إلى هناك، انظر إلى النار التي تنهمر على تلك المنطقة". 

في تلك الليلة، نقلونا جميعًا من "فكة" إلى الخطوط الخلفية. كانت أحوال الشباب جميعًا تشبه حالتي. حين وصلنا إلى "دوكوهه"، كان صوت الحاج "صادق آهنكران" يبث في الأجواء: 

(ترجمة الشعر) أيّها العائدون من السفر أين شهداؤكم، أين شهداؤكم

ترقرقت الدموع أكثر فأكثر. انتشر خبر شهادة إبراهيم وعدم العثور عليه بسرعة بين الشباب. جاء أحد المقاتلين الذي التحق مع ابنه بالجبهة وقال لي: "كلنا محزونون على إبراهيم. واللهِ، لو استشهد ابني، لما حزنت كحزني الآن على إبراهيم، لا أحد يعلم أي إنسان عظيم كان". 

في اليوم التالي، أرسلوا شباب الفيلق جميعًا في مأذونية، وعادت مجموعتنا أيضًا إلى "طهران". لم يتجرأ أحد على إعلان خبر شهادة إبراهيم، لكنه انتشر في كل مكان.


268


  


232

الأسر

 
 أمير منجر

مرّ أسبوع على فقدان أثر إبراهيم. قبل الظهر، أتيت إلى المسجد. كان "جعفر جنكروي" هناك، وكان مفجوعًا. لم يصدق أحد هذا الخبر. وصل "مصطفى" أيضًا، وصرنا نتحدث عن إبراهيم. فجأة، وصل "محمد آغا تراشكار"، ومن دون خبر عن أي شيء، سألنا: "يا شباب، هل تعرفون أحدًا باسم إبراهيم هادي؟". 

فجأة سكتنا جميعًا، ونظرنا بتعجب بعضنا إلى بعض. تقدمنا نحوه وسألناه: "ما الذي حصل؟! ماذا تقول؟!". 

صُدم المسكين كثيرًا. قال: "لا شيء، فُقِد أخو زوجتي منذ أشهر. صرت أسمع كل ليلة في منتصف الليل راديو بغداد، فالعراقيون يعلنون أسماء الأسرى في الساعات الأخيرة من كل ليلة! كنت أستمع الليلة الماضية إلى الأسماء. فجأة، قطع المذيع العراقي الذي يتكلم باللغة الفارسية برنامجه وبث الموسيقى. ثم أعلن بفرح أنّه تمّ أسر إبراهيم هادي، أحد القادة الإيرانيين في الجبهة الغربية".

شعرت أنني أطير، فرحت كثيرًا لأنّ إبراهيم ما زال حيًا، فقدت تركيزي

269

  


233

الأسر

 ولم أعرف ماذا أفعل.

ذهبنا بسرعة إلى بقية الشباب؛ كاتَبَ الحاج "علي صادقي" الصليب الأحمر، وتوجّه "هوريار" إلى منزل إبراهيم وأخبر أخاه بالأمر. فرح الجميع لكون إبراهيم ما زال على قيد الحياة.


بعد مدة، وصل جواب الرسالة عبر الصليب الأحمر وكان كالتالي: "أنا إبراهيم هادي، عمري 15 سنة، من نجف آباد في أصفهان. أنتم أيضًا كالعراقيين قد ظننتموني خطأً أحد القادة في الجبهة الغربية!".

على الرغم من جواب الرسالة، إلّا أنّ كثيرًا من الشباب بقوا ينتظرون إبراهيم إلى أن تحرر الأسرى جميعًا.

وكلّما ذُكِر اسم إبراهيم، كان شباب هيئة العزاء يقرأون مجلس الصديقة الزهراء عليه السلام لذكراه ويرتفع صوت البكاء.


270

  


234

الفراق

 
عباس هادي

مرّ شهر على فقدان إبراهيم. لم تكن أحوال أي من رفاقه على ما يرام. أينما اجتمعنا، كنا نتحدّث عنه ونذرف الدموع.

ذهبنا لزيارة أحد الشباب في المستشفى، حيث كان "رضا كوديني" موجودًا أيضًا. حين رآني، تجدّدت أحزانه، قال: "يا شباب، إن الدنيا من دون إبراهيم، ليست مكانًا للحياة. تأكدوا من أنني سأستشهد في العملية الأولى التي سأشارك فيها!".

قال شاب آخر: "لم نكن نعرف من كان إبراهيم؛ كان عبدًا مخلصًا لله. كان بيننا، عاش معنا لفترة كي نعرف معنى عبودية الله". وقال آخر: "كان إبراهيم فتوّة وبطلًا بكل ما للكلمة من معنى. كان عارفًا حقيقيًا".


مرت خمسة أشهر على شهادة إبراهيم. كانت أمي تسألنا: "لماذا لا يأخذ إبراهيم مأذونية؟". 

كنا نغيّر الموضوع بذرائع متعددة، فنقول: "الآن ثمّة عمليات، ولا يستطيع المجيء...". وباختصار كل يوم نقول لها شيئًا ما.

271

  


235

الفراق

 إلى أن رأيتها مرة تدخل الغرفة وتجلس أمام صورة إبراهيم وتبكي بشدة. اقتربت منها وقلت لها: "ما بك يا أمي؟ ما الذي حصل؟". 

قالت: "إنني أشم رائحة إبراهيم. إن إبراهيم الآن في هذه الغرفة... ها هنا".. حين خفّ بكاؤها قليلًا، قالت: "أنا متأكدة أنّ إبراهيم قد استشهد". 

ثم أكملت: "في المرة الأخيرة التي حضر فيها، تغيّر إبراهيم كثيرًا. مهما أصررت عليه لنخطب له، كان يجيبني: لا يا أمي، أنا متأكد من أنّني لن أعود. لا أريد أن تنتظرني عيون دامعة في زاوية البيت!".

بعد أيام، جلست مرة ثانية أمام صورة إبراهيم وصارت تبكي، إلى أن أُجبرنا على إحضار خالي وإخبارها بحقيقة الأمر. 

في ذلك اليوم، انهارت أمي. اشتدت أزمتها القلبية، وأدخلناها المستشفى حيث وضعوها في العناية الفائقة. 

فيما بعد، حين كنا نأخذ أمي إلى مقبرة "بهشت زهراء"، كانت تفضّل القطعة الرابعة والأربعين، حيث تجلس بالقرب من قبور الشهداء المجهولين. على الرغم من أن البكاء مضرٌّ بها، لكنها كانت تفضفض عن نفسها وتبوح بمكنونات قلبها مع الشهداء المجهولين. 


272

  


236

البحث عن الشهداء

 
سعيد قاسمي وأخت الشهيد

 

في العام 1990م، عاد الأسرى إلى الوطن. كان بعضهم لا يزال ينتظر إبراهيم1، ولكن تبدّد أمل الشباب.

في العام التالي، توجّه عدد من رفاق إبراهيم إلى منطقة العمليات وقصدوا "فكة". في هذه الرحلة، وجد الشباب عددًا من أجساد الشهداء ونقلوها إلى "طهران". 

ذهبنا مرة لزيارة عائلة أحد الشهداء. قالت لنا أم الشهيد: 

هل تعرفون في أي منطقة استشهد ابني؟ 

نعم. لقد كنّا معًا. 

بما أنّ الحرب قد انتهت، ألّا يمكنكم العثور على جثمانه وإعادته؟

لقد جعلني كلام الأم أفكر كثيرًا.

في اليوم التالي، تكلمت مع عدد من القادة والمحروقين بنار الحرب، واتّفقنا على البحث عن أجساد أصدقائنا. بعد مدة، توجهنا مع عدد من الشباب إلى "فكة".

1- بالفعل كان هناك شابان بهذا الاسم مع العائدين المحررين.
273

  

 


237

البحث عن الشهداء

 بعد البحث والتفتيش، وجدنا أجساد ثلاثمئة شهيد ومن بينهم ابن هذه السيّدة. بعد ذلك، تأسّست فرقة الاستقصاء والتفتيش عن الشهداء التي تعمل على طول الحدود حيث كانت جبهة الحرب.

إنّ عشق شهداء "فكة" المظلومين دفعنا لتوسعة عملنا هناك على الرغم من صعوبة العمل في تلك المنطقة. إنّ كثيرًا من الشباب الذين يعرفون إبراهيم يعتبرونه هو مؤسّس فرقة البحث والاستقصاء لأنّه كان يذهب بعد العمليات للبحث عن أجساد الشهداء.

بعد خمس سنوات من نهاية الحرب، وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة، بدأ العمل في القناة المعروفة بقناة "كميل". كنا نجد الشهداء واحدًا تلو الآخر، وفي آخر القناة، كان الشهداء موضوعين بعضهم قرب بعض، فتمّ إخراجهم بسهولة من هناك. لكن لا خبر عن إبراهيم.