تذكرة لمن يخشى

تذكرة لمن يخشى


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2017-10

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين، وبعد...


لا شكّ في أنّ الوعظ من أهم الأساليب للدعوة إلى الله تعالى، فقد كان جزءاً من مهمة الأنبياء والأولياء عليهم السلام، وما زال أسلوبًا يتقنه العلماء والمبلغون في دعوتهم لهداية الناس ودلالتهم إلى الخير، وقد أمر اللهُ به نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته، فقال عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾1.

والوعظ هو الكلام الذي تلين له القلوب، وتهوي إليه الأفئدة، وتنشدّ له الأرواح، وأفضله أوامر الله ونواهيه، وكلام أوليائه الصالحين، فإنّهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه، فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفًا وطمعًا، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾2.

هذا الكتاب تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى...، هو كتاب المواعظ الدوريّ، الذي نقدِّمه للأخوة العلماء والمدرسين مع تجديد في الأسلوب والمضمون، وتكثيف للشواهد، والمزج بين عدد من الأساليب؛ من ترهيب وترغيب، وتشديد وتشويق، مراعاةً لحال المستمع المتلقي لهذه الكلمات، من قبيل اختيار العناوين التي تحاكي وجدان الفرد، بعيدًا عن لغة التعقيد أو الرموز، بل تدخل مباشرة إلى شغاف قلبه، إن أحسن التقديم.

وقد آثرنا أيضًا أن نجعل مادة بين يدي المبلغ الكريم، يتحرك فيها من ناحية التقديم والتأخير، واستخدام الشواهد، وإيضاح البيان، وتعريف بالأماكن والشخصيات، وذكر بعض الأمثلة، والتساؤلات والإجابة عليها، وفي بعض الأحيان الخطابَ المباشر والوجداني، ومحاولة سراية بعض المفاهيم الضرورية في حياة الفرد المؤمن، وهو أمر يرتبط بالمبلغين الكرام الحاضرين على ثغر أساس من ثغور الجهاد العظيم، فيما يُشنّ علينا "من حرب تتمثل بما يسميه السيد القائد الإمام الخامنئي الحربَ الناعمة، وتديرها الإدارة الأميركية، والعدوُّ الإسرائيلي مجرد مقاتل فيها. إن من يدير الحرب الناعمة ذهب ليبحث عن سرّ القوة لدينا، لذلك هم يعلمون أنهم عاجزون عن اجتياح أرضنا، لذلك ذهبوا ليجتاحوا عقولنا وأفكارنا وثقافتنا، وهم يخافون من منظومتنا الفكرية، ولذلك هم يعملون للقضاء عليها، لأنه إذا ذهبت قيمنا فلا نفع بعد ذلك لا بسلاح ولا بالعتاد"3.

ونلفت نظر الإخوة الأعزاء إلى عدد من الأمور التي يفضّل مراعاتها، وهي من باب الذكرى والتواصي بالحق والخير، من قبيل: 
مراعاة عامل الوقت، بالاختصار وعدم التطويل، والتفرّس في وجوه الحاضرين، ومدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، وإلا ملَّتْه النفوسُ، وسَئِمت مِن سماعه، فليس كلُّ وقت يصلُح لوعْظ الناس وإرشادهم.

مِن الأفْضل للمبلّغ أن يتَّخذ بعضَ التدابير الفنية في التحضير للموعظة، مثل: تدوين رؤوس الموعظة والخطوط العامَّة منها في ورقة صغيرة؛ لئلَّا يتحرَّج فيخلط في الكلام، أو يستطرد في أمْر لا علاقة له بصُلب الموضوع.

تقسيم الموعظة: فهذا الكتاب مقسَّم على فصول وأبواب، فلينظر ما يتلاءم مع حال المدعوّين، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها.

تذكرة جامعة دومًا: 
ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله - عزّ وجلّ - وطاعة رسوله وأوليائه عليهم السلام، وربط أفئدة العباد بولي أمرنا (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، والترحم على شهدائنا، وحفظ مجاهدينا. - وأي موعظة تخلو من التذكير بهذه الأمور سيكون تأثيرها مؤقَّتًا، وستصل إلى القلوب هامدةً ميتةً -، ودعوة العباد إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان والسعادةِ الحَقَّة، وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّه لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم. وقد أخبرنا الله تعالى عن أهل الرحمة فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾4، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾5.
 
والحمد لله رب العالمين

1- سورة النحل، الآية 125.
2- سورة طه الآية 44.
3- من كلام لسماحة الأمين العام في حفل التخرج السنوي الثالث لأبناء شهداء المقاومة الإسلامية، تحت عنوان جيل الشهيد علي أحمد عنيسي، في 25/07/2012م، بتصرّف.
4- سورة التوبة، الآية 71.
5- سورة التوبة، الآية 72.


1

كيف تكون خليفة الله؟

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس):

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• ما هو الدليل على ذلك؟ 
• ما هي النتيجة التي نصل إليها؟ 
• ما هي سلبيات حصر العبادة بالشعائر التعبدية؟ 
• كيف أنظر إلى عبادتي؟

17


2

كيف تكون خليفة الله؟

 تصدير الموعظة

 

قال الله - عزّ وجلّ - في كتابه الكريم: 
في الآية المباركة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾1.

وفي الشريفة المباركة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾2.3

 

تمهيد الموعظة
نطرح من خلال الآيتين الشريفتين التساؤلَ الآتي: هل تقتصر العبادة على الشعائر العادية كما يظن به غالب الناس؟ أو هل العبادةُ في الإسلامِ شاملة للعبادات والمعاملات، دون الأخلاق والسلوكيات والمعاملات المجتمعية؟ 

 

وللإجابة على هذا السؤال، ومن خلال التأمّل في الكريمتين المباركتين، نطلّ للحديث عن العبادة وشمولها لكلّ مفاصل الحياة، وضرورة انعكاسها على الحياة بشكل كامل، لا أن يَقصر عندها مفهوم العبادة على الشعائر التعبُّدية4 والشكلية أو الظاهرية، من

 

 

 

1- سورة الذاريات، الآية 56.

 

2- سورة الأنعام، الآية 162.

3- ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي﴾ وهي العبادة المفروضة، ﴿وَنُسُكِي﴾، أي ذبيحتي للحج والعمرة، وقيل نسكي ديني، وقيل عبادتي، وإنّما ضمّ الصلاة إلى أصل الواجبات من التوحيد والعدل لأن فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن الذي يدعو إلى كل بر، وفيها الركوع والسجود، وفيها الخضوع لله تعالى والتسبيح الذي هو التنزيه له. ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾، أي حياتي وموتي، ﴿للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وإنّما جمع بين الصلاة والنسك والحياة والممات أحدهما من فعل العبد والآخر من فعل الله، لأنهما جميعًا بتدبير الله. وقيل معناه صلاتي ونسكي له عبادة، وحياتي ومماتي له ملك وقدرة، وقيل إن عبادتي له لأنها بهدايته ولطفه، ومحياي ومماتي له لأنه بتدبيره وخلقه.
4- للتعبدي استعمالٌ في ثلاثة معان: 
التعبدي بمعنى أن أفعل الشيء تعبُّدً، أي آخذ به كما هو ولو من دون معرفة الحكمة منه أو العلّة، من باب التسليم قضاءً لحق العبودية والمولوية. وهذا يشمل كل الأحكام غير المعلّلة نصًا أو مفهومًا أو عقلًا. مثلًا: صلاة الصبح ركعتان، وعدّة الطلاق ثلاثة قروء، وهكذا أكثر الأحكام، آخذ بها تعبُّدًا، ويخرج حينئذ ما يحكم به العقل أو العقلاء. وهذا المعنى ليس هو المقصود في مسألتنا.
التعبدي بمعنى أنه صدر من المكلّف قربة إلى معبوده، فيكون مثابًا عليه، فيكون الثواب يدور وجودًا وعدمًا مدار قصد القربة. وهذا ما نسميه بالتعبدي بالمعنى الأعم. وهذا المعنى أيضًا ليس هو محل الكلام. 
التعبدي بمعنى ما يعتبر في تحققه قصد القربة، أي أنّ تحقق المأمور به يدور وجودًا وعدمًا مدار قصد القربة. ومثاله: الصوم والصلاة وكل ما يسمّى في أبواب الفقه بالعبادات. وهذا المعنى من التعبدي هو محل الكلام في مسألتنا. 

19

 

  

 


3

كيف تكون خليفة الله؟

 صلاة، وصيام، وزكاة، وحَجّ، وعُمرة، وغير ذلك من الأفعال التعبّدية الصالحة.

إن الناظرَ في القرآن والسنّة الشريفة، يرى أنّ العبادةَ تختلف تمامًا في معناها ومفهومها عن ذلك المفهوم الذي نَعنيه عند ذكر كلمة -العبادة-، ذلك أنّ العبادة قد ذُكرت بشمولية مُطلقة في الأخبار وشاملة لكلِّ جزئية من جزئيات حياة الإنسان، ولكن يشترط فيها الإيمانُ بالله - عزّ وجلّ -، وإخلاص النية له - سبحانه وتعالى -، وأن يكون العملُ مما يرضى عنه الله - عزّ وجلّ -.

ما هو الدليل على ذلك؟ 
ويظهر، من خلال التدبِّر في الكريمتين المباركتين، أن العبادة المقصودة: 
في الآية الأولى1:
هي الدعوة الشاملة والصريحة لأن تكون محور حركة الخلق في عالم الوجود، لا حصرها في شعائر تعبّدية محدودة ببضع ساعة في اليوم كالصلاة، أو في شهر كالصوم، أو الحج في أيام معدودات. وعليه، أين ننفق بقية العمر والحياة إن تمّ الاقتصار عليها فقط دون شموليتها لنواحي الحياة المتنوّعة؟ 

ومن المفروض، كما في الشريفة المباركة، أن العبادة هي غاية الوجود الإنساني، كما هي غاية كل وجود، فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى الخاص الذي يردُ إلى الذهن، الذي يضيّق نطاقها، حتى يجعلها محصورة بأنواع الشعائر الخاصة التي يؤديها المؤمن، بل لا بدّ من أن يكون شاملًا لكل مناحي الحياة.

1- العبادة طاعةٌ لله، وانقياد تامّ في كلّ ما أمر، وانتهاءٌ عن كلّ ما نهى في المنشط والمكْرَه، والغِنَى والفقْر، والشدّة والرّخاء، وفي إقبال الدنيا وإدبارها، وفي الصحّة والمرض، في الشباب والكهولة وفي الشيخوخة، هذه هي العبادة. فالعلم ليس هدفًا في ذاته، العلم وسيلة إلى هدفٍ كبير، وهي أن تطبّقه، وأن ينقلبَ إلى سُلوك ومواقف، إلى أعمال، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (سورة الأحقاف، الآية 19).

 

20

  


4

كيف تكون خليفة الله؟

 وفي الآية الثانية1:

يشير إلى أن العبادة في الإسلام شاملةٌ لكل جزئية من جزئيات حياتنا، والضابط في ذلك: أن تكون مما يرضى اللهُ -عزّ وجلّ- عنه، وأن يُخلص في فعْلها. وشرط الشمولية إخلاص النيات في الأعمال، ومعه يصبح العمل عبادة، سواء أكانت أصلية أم فرعية، التي هي في الأصل من المباحات التي يفعلها الإنسانُ في يومه وليلته، لكنها قد تُحوَّل إلى عبادة عند وجود الضوابط السابقة الذِّكر.

فإن إخلاص النيات قد يُحوِّل العادة إلى عبادة، وقد يُحول عدمُ إخلاص النيات العبادةَ إلى عادة، فلا يُؤجر عليها الإنسانُ، ولذلك كانت النية الصالحة هي الفيصل في هذا الأمر.

وفي سؤال أحدهم للإمام الصادق عليه السلام: ما العبادة؟ أجاب عليه السلام: "حسن النية بالطاعة من الوجه الذي يطاع الله منه"2، فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية، وتوجيه وجهه إلى مقام ربه بنية خالصة، ورغبة في نيل رضاه تعالى.

وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام: "إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل، فتغلبه عينه فينام، فيُثبت الله له صلاته، ويكتب نفَسه تسبيحًا، ويجعل نومه عليه صدقة"3.

ما هي النتيجة التي نصل إليها؟ 
ليس المقصود من الآيتين أن يظلَّ الإنسان قابعًا في المسجدِ يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، لكي يحقِّق المقصد من خَلقِه كما في الآية الأولى، ولتكون حياته كلُّها لله - عزّ وجلّ - كما

1- هذه آية الإخلاص، لا يوجد جهة في الكون غير الله - عزّ وجلّ - مؤهلةٌ أن تفني من أجلها عمرك، أن تفني من أجلها شبابك، أنت مخلوق لله - عزّ وجلّ -. الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لله - عزّ وجلّ -.
2- المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت - لبنان، مؤسسة الوفاء، 1403ه - 1983م، ط2، ج67، ص208.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص 206.

 

21


5

كيف تكون خليفة الله؟

 في الآية الثانية، بل إن المقصود أن هناك عباداتٍ أساس، وهي الأشياء التي أمرنا الإسلام بفعْلها، والأشياء التي نهانا عنها، وهناك دائرة أوسع وأشمل لكل مناحي الحياة، يمكن تحويلها إلى عبادة بالعمل المخلص وقصد القربة إلى الله تعالى.

ما هي سلبيات حصر العبادة بالشعائر التعبدية؟ 
أداء الشعيرة بصورة تقليدية: 
وينتج عن ذلك فقدان العبادة لدورها في تقويم الإنسان حين تعزلها عن بقية جوانب العبادة، مثلًا الصلاة التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾1.

وفي الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله تعالى إلا بعدًا"2.

فبتَّ ترى الكثير من العبادات بلا أثر واقعي في حياة المؤدّي لها، إلا ما رحم ربي، فربما تجد مصلٍّ يحافظ على وقت الأداء، ولكن يخلف الوعد، ويختلس من وقت عمله، ولا يحافظ على النظافة، ويؤذي الآخرين، ويعتدي عليهم. وقد أشارت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً3، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ4 الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ"5.

وهذا الأمر ما ينتج عنه تهاون الناس في بقية العبادات الأخرى..

1- سورة العنكبوت، الآية 45.
2- المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج79، ص198.
3- خصال الإيمان لا تخرج عن هذا العدد، وهي متفاوتة، فتدخل فيها أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، وعنها تتفرَّع شُعب أخرى من أعمال البَدَن، كالنفْع المتعدي من الصَّدَقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله سبحانه.
4- الإزالة.
5- علي، الطبرسي، مشكاة الأنوار ص86.

 

22


6

كيف تكون خليفة الله؟

 حصر العمل الصالح في الأخلاق الفردية:

 

وانحساره عن العلاقات الاجتماعية والإيمانية والحياتية، وما ينتج عن ذلك من مشكلات في قصر الفرد على حاجاته الخاصة، دون الالتفات إلى مراعاة احتياجات الآخرين والإحسان إليهم، وهو خلاف قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ1 كَمَثَلِ الْجَسَدِ2 إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا3 تَدَاعَى4 لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"5.

عدم انعكاس العبادة على جوهر الإنسان: 
ومما تقدم يمكن إلفات النظر إلى أنه لا بدّ في واقعنا الحالي من ضرورة إحياء المفاهيم، ومنها عبادة كفّ الأذى. ومن عدم العبادة الأذى لخلق الله - عزّ وجلّ -، أو قلْ الإحسان في العبادات أو عدمه، وفي المقابل الإحسان في المعاملات وعدمه، وأيضا إلى انعكاس العبادة على الفرد وباطنه، فالعبادة المطلوبة هي العبادة التي تؤدّي إلى تغيير جوهري في ذات الإنسان، لا التغيير الشكلي، مع مطلوبيته. ففرق بين الصلاة الشكلية والصلاة المغيرّة، وعليها قس بقية العبادات، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ6؟" قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا7"8.

 

 

1- الَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّرَاحُم وَالتَّوَادُد وَالتَّعَاطُف، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنَى، لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْق لَطِيف، فَأَمَّا التَّرَاحُم فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَرْحَم بَعْضهمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَان لَا بِسَبَبِ شَيْء آخَر، وَأَمَّا التَّوَادُد فَالْمُرَاد بِهِ التَّوَاصُل الْجَالِب الْمَحَبَّة كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي، وَأَمَّا التَّعَاطُف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعْضهمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِف الثَّوْب عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ.
2- أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَعْضَائِهِ، وَوَجْه التَّشْبِيه فِيهِ التَّوَافُق فِي التَّعَب وَالرَّاحَة. 
3- أَيْ دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة فِي الْأَلَم. وَمِنْهُ قَوْلهمْ تَدَاعَتْ الْحِيطَان، أَيْ تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ. 
4- أمَّا السَّهَر فَلِأَنَّ الْأَلَم يَمْنَع النَّوْم، وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْم يُثِيرهَا. وَقَدْ عَرَّفَ أَهْل الْحِذْق الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَة غَرِيزِيَّة تَشْتَعِل فِي الْقَلْب، فَتَشِبّ مِنْهُ فِي جَمِيع الْبَدَن، فَتَشْتَعِل اِشْتِعَالًا يَضُرّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّة. 
5- البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ه - 1981م، لا.ط، ج7، ص77.
6- أَرَأَيْتُمْ: هُوَ اسْتِفْهَام تَقْرِير مُتَعَلِّق بِالِاسْتِخْبَارِ، أي: أَخْبِرُونِي هَلْ يَبْقَى؟
نَهْرًا: وَالنَّهْرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا مَا بَيْنَ جَنْبَي الْوَادِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسِعَتِهِ. 
مِنْ دَرَنِهِ: الدَّرَن الْوَسَخ، وَقَدْ يُطْلَقُ الدَّرَن عَلَى الْحَبِّ الصِّغَار الَتِي تَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ.
7- وَجْه التَّمْثِيل أَنَّ الْمَرْءَ كَمَا يَتَدَنَّسُ بِالْأَقْذَارِ الْمَحْسُوسَةِ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَيُطَهِّرُهُ الْمَاءُ الْكَثِير، فَكَذَلِكَ الصَّلَوَات تُطَهِّرُ الْعَبْد عَنْ أَقْذَار الذُّنُوب حَتَّى لَا تُبْقِي لَهُ ذَنْبًا إِلَّا أَسْقَطَتْهُ.
8- مسلم النيسابوري، الجامع الصحيح صحيح مسلم)، ج2، ص131.

 

 

 

23

 


7

كيف تكون خليفة الله؟

 وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته"1.

خطر الاغترار بالعبادة الشكلية - الخوارج نموذجًا -: 
التأمل في قضية الخوارج2 الذين كانوا من المتعبدين المتنسّكين، بل يمضون الليل في العبادة، عندما أرسل الإمام عليّ عليه السلام ابن عباس3 يوم النهروان ليبذل لهم النصح، عاد ابن عباس ووصفهم بقوله: "وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، مُسَهَّمَةٌ25 وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ وَرُكَبَهُمْ ثَفِنٌ26، عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ4"5.

كان الخوارج متمسكين بأحكام الإسلام وظواهره أشدّ التمسك، يبتعدون عن كلّ ما كانوا يرونه إثمًا، كانت لهم معاييرهم الخاصة التي كانت تمنعهم من اقتراف أي مخالفة، وكانوا ينفرون ممّن يرتكب خطيئة. قتل زياد ابن أبيه أحد الخوارج، ثمّ استجوب خادمه عنه، فقال: "ما قدمت له طعامًا في النهار، ولا فرشت له فراشًا في الليل، فقد كان صائمًا نهاره وقائمًا بالعبادة ليله6".

1- من أصحاب الإمامين علي بن أبي طالب عليه السلام والحسن بن علي عليه السلام. دَعى له النبي في مولده بالفقه والعلم، وكانت له المكانة الأولى في حقل التفسير. من جملة أقواله: "ما أخذت من تفسير القرآن فمن علي بن أبي طالب". وإلى جانب العلم، ولي ابن عباس مهام الإفتاء والحرب في عهد الخلفاء الأربعة، وخاض المعارك كلها إلى جنب عليّ. تشهد سيرة ابن عباس بالحِرص على الولاء لعليّ والحسنين عليهم السلام.
2- متغيرة من كثرة السهر.
3- إن أيديهم من كثرة السجود صارت غليظة، وظهرت بها الآثار إلى خارجها من شدة بروكهم.
4- أي مغسولة، وصف للملابس القديمة التي بليت من كثرة استعمالها وغسلها.
5- البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، بيروت - لبنان، دار الفكر، لا.ت، لا.ط، ج8، ص179.
6- ابن المبرد الحنبلي، جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي الصالحي، الكامل، لا.م، لا.ن، لا.ت، لا.ط، ج 2، ص116. 

 

24

  


8

كيف تكون خليفة الله؟

 فلا جباههم المتقرحة من أثر السجود، ولا ملابسهم الرثّة وزهدُهم، ولا ألسنتهم الدائمة الذكر لله، فوقفوا في وجه إمام زمانهم، وأيضًا لم تستطع أن تغيّم على بصيرة أمير المؤمنين عليه السلام في قتالهم كلُّ ظواهرهم، وهو يدرك كلّ الإدراك أهمية عمله ذاك وعظمتَه. وفي ذلك يقول: "فَأَنا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا1 وَاشْتَدَّ كَلَبُهَا2"3.

لأنهم لو تركوا ووطدوا أقدامهم، فإنّهم سيصيبون الآخرين بدائهم، ويجرون عالم الإسلام إلى التمسك بالظواهر والقشور وبالجمود الفكري والتحجر العقلي، حتّى يقصموا ظهر الإسلام، وهم من مصاديق قول أمير المؤمنين عليه السلام: "قَصَمَ ظَهري عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، فالجاهِلُ يَغُشُّ النّاسَ بِتَنَسُّكِهِ، والعالِمُ يُنَفِّرُهُم بِتَهَتُّكِهِ4"5. وما أدقّ الوصف الّذي وصفهم به الإمام عليّ عليه السلام إذ يقول: "ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَه"6.

كيف أنظر إلى عبادتي؟ 
بأن يكون مفهوم العبادة شاملًا ومعناها واسعًا، ولا يقتصر على بعض الطاعات والأفعال والفرائض، فكلّ ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة إذا صحّت

1- هو غيهب الفتنة)، أي ظلامها، وشمولها وإثارتها للشك. فقد كان ظاهر الخوارج على درجة من القدسية والتقوى بحيث إنّه كان يثير شك مؤمن نافذ الإيمان في صحة ما يقوم به عليّ عليه السلام، فكان هذا يخلق جواً من الغموض والظلام والشبهة والتردد.
2- هكذا يصفهم الإمام عليّ عليه السلام. إنّهم كانوا كالكلاب المسعورة الّتي لا ينفع فيها دواء. فكانوا لا يفتأون يعضّون وينشرون البلاد، فيزداد عدد المسعورين.
3- الرضي، السيد أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، بيروت - لبنان، لا.ن، 1387ه - 1967م، ط1، ص 137، الخطبة 92.
4- (قصم ظهري) قصم الشيء أي كسره، وقصم ظهره أي أنزل به بلية، وضررًا كبيرًا. عالم متهتك)، والمتهتك هو المتجاهر بالمعصية، فهو مضافًا إلى أنه يفعل المعاصي ولا يراقب الله تعالى في ذلك، فإنه يتجاهر بها أمام الملأ، وهذه معصية أخرى، لأن ذلك يفضي إلى نشر الفساد وإشاعة المعاصي. وقوله: وجاهل متنسك)، وتنسكه إما بعبادته، ولكنه يتعبد بجهل وعدم معرفة، وهو بسبب حسن مظهره، وكثرة عبادته، يضلل الناس بجهله وقلة معرفته، أو أن المراد بتنسكه أنه لبس لباس العلماء والناسكين، فظن الناس أنه عالم، وليس بعالم، أو ناسك، وليس بناسك، فانخدعوا به. سهّل هذا الوضع عليه تضليلهم. 
5- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص111، ح25، وفيه: قسم ظهري.
6- السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام)، ص 184، الخطبة 127.

 

25

  


9

كيف تكون خليفة الله؟

 النية وأحبها الله وارتضاها فهي عبادة. فحركاتك وسكناتك وتعاملاتك إذا أحسنت النية فيها فهي عبادة، وكذلك أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، بل تبسّمك في وجه أخيك، وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء، وصلة الأرحام وبر الوالدين، وحسن العشرة والأخوّة في الله، والصدق في الحديث، والتسامح مع الآخرين والصفح عنهم، وحسن الخلق، وتجنب مواطن الشبهة والريبة، إلى غير ذلك من التعاملات والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية.

وما أعظم الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ1 صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ"2. وفي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "تبسُّمُ الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرف القذى عنه حسنة، وما عُبد الله بشيء أحبّ إلى الله من إدخال السرور على المؤمن"3.

إذن حقيقة العبادة تتمثل في أمرين رئيسَين: 
استقرار معنى العبودية لله في النفس: 
أي استقرار الشعور على أن هناك عبداً ورباً: عبدًا يَعبد، وربًا يُعبد، وأن ليس وراء ذلك شيء، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع، وهذا الاعتبار. ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، إلا رب واحد، والكل له عبيد.

التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير: 
وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة. التوجه بها إلى الله خالصةً، والتجرد من كل شعور آخر، ومن كل معنى غير معنى التعبّد لله.. قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾4.

1- أي إعانته.
2- الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، الجامع الصحيح سنن الترمذي)، تحقيق وتصحيح عبد الوهاب عبد اللطيف، بيروت - لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1403ه - 1983م، ط2، ج3، ص228.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2 ص 188.
4- سورة الفاتحة، الآية 5.

 

26

  


10

كيف تكون خليفة الله؟

 فالعبادة ما تكاد تستقرّ حقيقتها في قلب المسلم، حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وحركة وبناء، عبادة تستغرق نشاط المسلم، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع الناس. قال الله تعالى: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾1.

وبهذا الاستغراق وهذا الشمول يتحقق معنى الخلافة في الأرض في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾2، فالخلافة في الأرض هي عمل هذا الكائن الإنساني، وهي تقتضي ألواناً من النشاط الحيوي في عمارة الأرض، والتعرف إلى قواها وطاقاتها وذخائرها ومكنوناتها، وتحقيق إرادة الله في استخدامها وتنميقها، وترقية الحياة فيها.

1- سورة الفاتحة، الآية 5.
2- سورة البقرة، الآية 30.

 

27


11

كيف تكون خليفة الله؟

 وقفة تأملية

 

قصة التصدّق
عن الإمام الباقر عليه السلام: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمَن وصيُّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟ 

فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾1.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا، فقاموا، فأتوا المسجد، فإذا سَائلٌ خارج، فقال: يا سائل، أما أعطاكَ أحد شيئًا؟ قال: نعم، هذا الخاتمَ.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ أعطَاك؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلِّي، قال: عَلى أيِّ حَالٍ أعطاك؟ قال: كان راكعًا، فكبَّر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكبَّر أهل المسجد.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: عليٌّ وليُّكم بعدي، قالوا: رضينا بالله ربًّا، وبِمحمَّدٍ نبيًا، وبعليٍّ بن أبي طالب وليًا، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾2 3.

وفي ذلك قال حسان بن ثابت:4

أبَا حَسَنٍ تفديكَ نفسي ومُهجَتي
أيَذْهبُ مَدحي في المُحِبِّين ضَائعاً
فأنتَ الذي أعطيتَ إذْ كُنتَ رَاكِعاً
بِخَاتَمِكَ الميمون يَا خَيْرَ سَيّدٍ
فأنزلَ فيك الله خَير وِلايَةٍ

 

وكُلّ بطيءٍ في الهُدَى ومُسارِعِ
ومَا المَدحُ في ذاتِ الإلَهِ بِضائِعِ
فَدَتْكَ نفوسُ القَومِ يَا خَيرَ رَاكِعِ
ويَا خير شارٍ ثُمَّ يَا خَير بَائِعِ
وبيَّنَها في مُحكَمَات الشَّرائِعِ

 
 
 

1- سورة المائدة، الآية 55.
2- سورة المائدة، الآية 56.
3- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، قم، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، 1417ه، ط1، ص 185-186.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج35، ص197.

 


12

إياك والأذى

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس):

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• لماذا المؤمن أعظم حرمة من الكعبة عند الله عز وجل؟ 
• هل تعلم أن أذية المؤمن إيذان بالحرب من الله؟ 
• ما المُراد بالأذى؟ 
• لماذا يحزنه؟ 
• لماذا نحن معرضون لذلك؟ 
• متى نستيقظ من غفلتنا في ظلمنا وأذانا؟ 
• ما هي عقوبة الأذى والمظلمة؟

29


13

إياك والأذى

 تصدير الموعظة

في الرواية الشريفة قال: "رأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا"1.

تمهيد الموعظة
مرّ في الموعظة السابقة أنه ينبغي على الإنسان أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه إن عمِل عملًا يَرضى الله عنه، ويُخلص فيه النية لله - عزّ وجلّ -، فهو مأجورٌ عليه، بل إنه عبادة من العبادات التي يتقرَّب بها إلى الله - عزّ وجلّ -، ولا تقتصر العبادة على الأمور الشعائرية من قبيل الصلاة والصوم والحج والجهاد والخمس وغيرها، بل لا بدّ من الالتفات معها إلى العبادة التعاملية من قبيل الصدق والأمانة والعفة والحلم والرحمة وإحقاق الحق وإبطال الباطل وإنجاز الوعد وتحقيق المكارم، وغيرها، التي باتت تفتقر إليها البشرية في الأرض الآن. ومن أهم العبادات عبادة كفّ الأذى.

لماذا المؤمن أعظم حرمة من الكعبة عند الله عز وجل؟ 
لأنه حبيب الله، فهو أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾2. والعلاقة بين الله - عزّ وجلّ - وبين العبد علاقة طوعية، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾3، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، فما عَبد اللهَ من أطاعه ولم يحبه، وما عَبد اللهَ عبادة تامة من أحبه ولم يطعه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فالعبادة هي غاية الحب لله، مع غاية الخضوع له.

1- العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص223.
2- سورة المائدة، الآية 54.
3- سورة البقرة، الآية 256.

 

31


14

إياك والأذى

 وترى عظيم محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، لإيمانهم به، واتّباعهم رسله، والتزامهم نهجَ أوليائه وشريعته، وتصديقهم أخبارَه، وسلكوهم منهجَه.

هذه المحبة أورثتهم منزلة الخصوصية عند ربهم سبحانه وتعالى، فاختصهم بهداية ورحمة خاصة ليست لغيرهم من سائر الخلق، وبها نالوا سعادة الدنيا بطمأنينة القلب وفرحة اللقاء بالله تعالى، وسعادة الآخرة بالفوز العظيم والفلاح الكبير، والقرب من الرحمن جلّ في علاه، بل أصبحوا في مقام الولاية لله - عزّ وجلّ -: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾1.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: ﴿إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم قال: "تدرون مَن أولياء الله؟" قالوا: من هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: "هم نحن وأتباعنا، فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا، وطوبى لهم، وطوباهم أفضل من طوبانا"، قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا؟ ألسنا نحن وهم على أمر؟ قال: "لا، لأنهم حملوا ما لم تحملوا عليه، وأطاقوا ما لم تطيقوا"2.

عن أبي جعفر عليه السلام قال: "وجدنا في كتاب علي بن الحسين عليهما السلام: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، قال: إذا أدّوا فرايض الله، وأخذوا بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتورّعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثم أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا، ويثابون على ما قدّموا لآخرتهم"3.

1- سورة يونس، الآيات 62-64.
2- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، لا.ت، لا.ط، ج2، ص124.
3- المصدر نفسه.

 

32

  


15

إياك والأذى

 ويكفي في بيان محبة الله تعالى للمؤمنين هذه الرواية، فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: "قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ العابِدينَ عليه السلام: قَالَ اللهُ - عزّ وجلّ -: مَا مِنْ شَيءٍ أَتَرَدَّدُ عَنْهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤمِنِ يَكْرهُ الْمَوتَ وَأَنَا أَكْرهُ مَسَاءَتَهُ، فَإذَا حَضَرهُ أَجَلُهُ الَّذِي لاَ يُؤَخَّرُ فِيه بَعَثْتُ إلَيْهِ بِرَيْحَانَتَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ تُسَمَّي إحْدَاهُمَا الْمُسْخِيَةَ1 وَالأُخْرَى المُنْسِيَةَ2، فَأمَّا الْمُسْخِيَةُ فَتُسْخِيهِ عَنْ مَالِهِ، وَأَمّا الْمُنْسِيَةُ فَتُنْسِيه أَمْرَ الدُّنْيَا"3.

هل تعلم أن أذية المؤمن إيذان بالحرب من الله؟ 
فمن بلغ ليكون حبيبًا لله - عزّ وجلّ -، يصبح تحت رعايته، ومن يغدو تحت ظله، يصبح وليًّا، ومن بارزه كمن حاربه عز في علاه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ4"5.

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال الله - عزّ وجلّ -: لِيأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن، ولْيأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن في الأرض فيما بين المشرق والمغرب

1- المسخية، مشتقّة من مادّة "السخاء"، وحين يمسكها المؤمن في يده يعبق عطرها في أنفه، فيُسكره فيسخو عن جميع ماله، ويخلو وجوده من أيّ علاقة بالمال.
2- مشتقة من مادة "النسيان"، وحين يُعطاها المؤمن فإنّ أريج عطرها يُنسيه كلَّ ما عدا الله من الأمور الدنيويّة، كالزوجة والولد والعشيرة والأعوان والأنصار والخدم والحشم والاعتبار والجاه وغير ذلك.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 6، ص 152.
4- عادى: آذى وأبغض وأغضب بالقول والفعل. وليًّا الولي هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلِص في عبادته. آذنتُه: أعلمته. النوافل: ما زاد على الفرائض من العبادات. استعاذني: طلب مني الإعاذة، ولجأ إلى حمايتي ونصرتي. لأعيذنه: لأحفظنه مما يخاف.
5- راجع: الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.

 

33

 


16

إياك والأذى

 إلا مؤمن واحد مع إمام عادل، لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أنسًا لا يحتاجان إلى أنس سواهما"1.

ولأجل هذه المحبة العظيمة من الله تعالى لعبده المؤمن، كان من كبائر الذنوب قصدُ المؤمن بما يسوؤه ويؤذيه. 

ما المُراد بالأذى؟ 
المُراد منه كل كلمةٍ أو حركةٍ تجرح مشاعر الطرف الآخر، وقد يكون الأذى جسدّيًا بالقتل أو الضرب أو الحبس أو التعذيب ونحوه، وقد يكون غير جسدي كالقول والشتم واللعن والغيبة والنميمة والبهتان والتعيير وشبهه.

وعرّفوه بأنه أفعال من الأذى، وهو كلّ ما يتأذّى به الإنسان ويكرهه، فيقال: أذَيَ الرجل أذىً، أي وصل إليه المكروه، وآذيته إيذاءً، أو كلّ ما يصل إلى الحيوان أو الإنسان من الضرر، في روحه أو جسمه أو تبعاته، دنيويًّا كان أو أخرويًّا2.

أما الأذى في الاصطلاح فقد ذكروه بمعناه اللغوي نفسه، وهو إيصال الضرر والمكروه إلى من لا يستحقه في نفسه، دنيويًّا أو أخرويًّا. وقد أشار المولى المازندراني رحمه الله3 إلى معنى قريب منه: "الأذى لفظ شامل لجميع أنواع الخصال المذمومة، مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة والتهمة وغيرها"4.

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 350.
2- ابن منظور، العلامة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، قم - إيران، نشر أدب الحوزة، 1405ه، لا.ط، ج14، ص 27.
الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، لا.م، دفتر نشر الكتاب، 1404ه، ط2، ج1، ص 15.
الخليل الفراهيدي، أبو عبد الرحمن بن أحمد، العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، إيران - قم، مؤسسة دار الهجرة، 1409ه، ط2، ج8، ص 206.
3- محمد صالح بن أحمد المازندراني، حسام الدين، علّامة جليل من وجوه العلماء في أصبهان. تتلمذ على المولى محمد تقي المجلسي، وله منه إجازة الحديث، وكان صهره على بنته. وتتلمذ أيضاً على الشيخ بهاء الدين العاملي، والمولى عبد الله التستري.
عدّه بعض من تلامذة العلامة المجلسي محمد باقر-، والصحيح أنه من شيوخه وأساتذته. من تلامذته الميرزا عبد الله أفندي الأصفهاني.
له من الكتب شرح أصول الكافي -، وشرح من لا يحضره الفقيه -، وشرح زبدة الأصول -، وشرح معالم الأصول -، وشرح قصيدة البردة -، وغيرها. توفي في أصبهان سنة 1086، ودفن في مقبرة المجلسي.
4- محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيد علي عاشور، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، 1421ه - 2000م، ط1، ج1، ص195.

 

34


17

إياك والأذى

 من أمثلة الأذية في المشاعر: التناجي وإحزان المؤمن 

ولا يخفى عليك أن الشريعة نهت عما فيه أذية لمشاعر المؤمن، وأكّدت على ضرورة التلطف به بأحاسيسه، وهو ما يسمى بأدب المجالس، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فلا يَتَناجى1 اثْنانِ دُونَ الثالث، فإن ذلك يُحْزِنَه"2.

لماذا؟ ما هي العلة المهمة جداً التي ينبغي لنا أن نفقهها في منع التناجي؟ يقول صلى الله عليه وآله وسلم في ذيل الحديث: (من أجل أن يحزنه)، فصار الحزن هو المانع من التناجي، وهو السبب.

لماذا يحزنه؟ 
قد يَحزن المسلم أو المؤمن لأسباب، منها: 
ربما يتوهم هذا الرجل الثالث أن الاثنين المتسارَّين يُبيِّتان له أمر سوء، يحيكان شرًّا حوله، فلأجل ذلك مُنع التناجي. 

من أجل الاختصاص بالكرامة، يعني: كأن هذين المتناجيَين يقولان بلسان الحال لا بلسان المقال: إنك، أيها الثالث الذي تناجينا دونك، لست بأهل لسماع كلامنا، وهذا الكلام ليس على مستوايَ إلا أنا وصاحبي، أما أنت فلست بأهل له، وليست هذه كرامة لك، وإنما كرامة لنا نحن المتناجيَين. فهذه العلة أيضاً فيها الحزن الذي بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني: أن فيها احتقارًا للشخص الثالث، لأنه ليس على مستوى الكلام كما يدّعيان. 

وهذا يدلُّ على منع أذيَّة المؤمن، ولو لم تكن متعمَّدة، وحتى لو كانت لغرضٍ شرعي، فكيف بالأذى المتعمَّد في موافقة هوى النَّفْس وشهوتها! 

وفي الرواية الدالة على حرمة الإنسان المسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تَحاسَدوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغضوا، ولا تَدَابروا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم، لا يَظلِمه، ولا يخذله، ولا يحقّره. التَّقْوى ها هنا - ويُشير إلى

1- معنى التناجي: التحادث سرًّا.
2- الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج8، ص399.

 

35


18

إياك والأذى

 صدره الشريف ثلاث مرَّاتٍ - بحسْبِ امرئٍ من الشَّرِّ أن يَحقِّر أخاه المسلم. كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمه وماله وعِرضُه1"2.

فهل نقصر على هذا المعنى؟ 
لا بدّ من التنبه إلى شدة ابتلائنا بمسألة الأذى وعدم إحساسنا بصدوره منا، وخصوصًا مع غفلتنا عن معرفته وعدم الالتفات إليه، والحال أن الأمر في بعض الأحيان- مع عظمه - لا يكون مقتصرًا على فرد محدد، بل قد يطال أكثر من ذلك، فيصدر الأذى إمَّا للدائرة القريبة منك كالزوجة، والأبناء والأهل والأرحام، وإمّا للدائرة البعيدة كالجيران، وقد يصل إلى أبعد من ذلك، بدءاً من الأذى للأنبياء والرسل، والأذى الاجتماعيّ العامّ كالتعرض لأهل الجهاد وعدم نصرتهم في وقت المحنة، وأذى البيئة والطبيعة، وصولاً إلى أذى النفس.

وما دام التعاطي مع هذه الدوائر قائمًا، فنحن معرضون لصدور الظلم والأذى منّا اتجاه الآخرين.

من مصاديقه (أذية المؤمن في مشاعره، مضايقة المسلمين في الطرقات، مثل رمي النفايات وإيقاف السيارات وحجز الأرصفة، مضايقتهم في المجالس كالرائحة الكريهة، الغيبة والنميمة، والسباب والشتائم والقدح والقذف، أذية الزوج والزوجة، تسلط المسؤولين على مرؤوسيهم بغير حق، وهضم حقوقهم وتأخير مصالحهم، خلط الحقائق وتلبيس الوقائع وحجب الثقافة والوعي، استغلال حاجة الناس وفقهرهم والتحايل

1- في معناه: "لا تحاسدوا": أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض.
"لا تناجشوا": والنجش في اللغة: الخداع أو الارتفاع والزيادة. وفي الشرع أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ونحوه ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يضر غيره.
"لا تدابروا": لا تتدابروا، والتدابر: المصارمة والهجران.
"لا يخذله": لا يترك نصرته عند قيامه بالأمر بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو عند مطالبته بحق من الحقوق، بل ينصره ويعينه ويدفع عنه الأذى ما استطاع.
"لا يكذبه": لا يخبره بأمر على خلاف الواقع.
"لا يحقره": لا يستصغر شأنه، ولا يضع من قدره.
"بحسب امرئ من الشر": يكفيه من الشر أن يحقّر أخاه، يعني أن هذا شر عظيم يكفي فاعله عقوبة هذا الذنب.
"وعرضه": العرض هو موضع المدح والذم من الإنسان. 
2- راجع: أحمد بن حنبل، المسند مسند أحمد-، بيروت - لبنان، دار صادر، لا.ت، لا.ط، ج2، ص360.

 

36

  


19

إياك والأذى

 عليهم، عدم الجهاد بالمال مع القدرة عليه، الاعتداء على ممتلكات الآخرين، وتخريبها، قتل النفس المحترمة، نشر الفساد وأدواته. ومنها التدخل في عمل الغير وتقويمه، وتنقيص العلماء واتهامهم).

لماذا نحن معرضون لذلك؟ 
لأسباب، نذكر بعضها بشكل إجمالي: 
التعاطي شبه الدائم مع الآخرين، وما يفرضه ذلك من وسوسة الشيطان لإثبات الذات والنفس، أو إظهار الميزة والفضل على الآخرين.

ضغوط الحياة ومشاكلها الكثيرة المادية والنفسية وما ينتج عنها من توتر الأعصاب وتشنجها- إلا من عصم الله-، التي تكون سببًا في كثير من الأذية.

الجهل بأن ما يصدر عنّا هو من مصاديق الأذى والظلم.

اعتبار التدين غير مسألة الخلق، فالتدين عبارة عن المظاهر الشكلية والعبادات الظاهرية.

متى نستيقظ من غفلتنا في ظلمنا وأذانا؟ 
إذا كان عظم الأذى والظلم، كما ظهر بهذه الصورة، يعدّ كبيرة من الكبائر، بل جريمة من الجرائم، فمتى يتنبّه المؤمن لهذا؟ خاصة وأنّ كثر صدور الظلم والأذية منّا اتجاه الآخرين، قد يزداد تراكمًا في بعض الأحيان ونحن لا ندري؟!

وهل تعلم أنّ معنى الأذية والظلم مترابطٌ بشكل كبير، بل هو الجامع للرذائل كما عبّر المولى النراقي1، لماذا؟ "لأن الظلم قد يراد به ما هو ضد العدالة، وهو التعدي عن الوسط في أي شيء كان، وهو جامع للرذائل بأسرها، وهذا هو الظلم بالمعنى الأعم. وقد يطلق

 


1- ولد أحمد النراقي في نراق، إحدى قرى كاشان الإيرانية، وذلك في الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة 1185 هـ، وقيل سنة 1186 هـ. درس المقدمات من النحو والصرف والمنطق والرياضيات والفلك في مسقط رأسه، ودرس كلًّا من الفقه والأصول والحكمة والفلسفة والكلام على يد والده مهدي النراقي. وفي سنة 1205 هـ، سافر إلى العراق لمواصلة الدراسة الحوزوية على يد علماء النجف وكربلاء. عاد بعدها إلى كاشان، وتصدى فيها للمرجعية بعد وفاة والده عام 1209هـ. من أبرز تلامذته الشيخ الأنصاري.

 

37

  


20

إياك والأذى

 عليه الجور أيضاً، وقد يراد به ما يرادف الإضرار والإيذاء بالغير، وهو يتناول قتله وضربه وشتمه وقذفه وغيبته وأخذ ماله قهرًا ونهبًا وغصبًا وسرقة، وغير ذلك من الأقوال1 والأفعال المؤذية"2.

 

من كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتبرأ فيه من الظلم: 
"وَاللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ3 مُسَهَّدًا4، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّدًا5، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِمًا لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِبًا لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا6 وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا7.

وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ8 بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ9 مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضِمُهَا!"10.

ما هو حجم الظلم الذي عبّر عنه المولى أمير المؤمنين عليه السلام "بجلب شعير"! فهل يوجد تناسب بين ما قد يصدر منا وبين ذلك؟ 

فما هي النتيجة؟ قد يصبح أصل إيماننا وارتباطنا بأهل البيت عليهم السلام في خطر شديد. هل فكرنا بهذا يومًا؟ هل حاسبنا أنفسنا ونحن نتقلب على فراشنا؟ هل حملنا همّ عدم

 

 

1- وجُرْحُ السيفِ تأسوه فيبرا وَجُرْحُ الدهر ما جَرحَ اللسانُ
جِرَاحاتُ السّنانِ لها التئامٌ ولا يَلْتَامُ ما جَرحَ اللسانُ
2- النراقي، الشيخ محمد مهدي، جامع السعادات، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر، تقديم الشيخ محمد رضا المظفر، لا.م، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.ت، لا.ط، ج2، ص 169.
3- عشبة شوكها مدحرج، الواحدة حسكة
4- من أصابه الأرق، والذي لا يقدر على النوم.
5- المصفد بالقيود والأغلال.
6- أي رجوعها. 
7- حلولها: أي نزولها وإقامتها. 
8- قسّم أهل الهيئة الأرضَ أربعة أقسام متساوية- بأن فرضوا على الأرض دائرتين: إحداهما المسماة خط الاستواء، والأخرى التي تمرّ بقطبيه-، وسمّوا واحدًا من تلك الأقسام بالربع المعمور والربع المسكون، ثم قسّموا المعمور سبعة قطع موازية لخط الاستواء، فيتشابه أحوال البقاع الواقعة في ذلك القسم، وسمّوا تلك الأقسام بالأقاليم.
9- "جلب شعيرة"، وهي قشرة حبة الشعير الرقيقة، التي تنزع عنها تلقائيًّا. ولو كان يوجد ما هو أتفه شأنًا من جلب الشعير لقارن الإمام سلام الله عليه- به.
180- السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام-، ص346، الخطبة 224.

 

 

 

38

  

 


21

إياك والأذى

 القدرة من الانتهاء من ظلم الآخرين؟ هل بكينا وشكونا أمرنا إلى بارئنا كما كان يفعل مولانا السجاد عليه السلام في الاعتذار من تبعات العباد ومن التقصير؟ "اللّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلوُمٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ انَصُرْهُ، وَمِنْ مَعْروفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذي فاقَةٍ سَألَنِي فَلَمْ أوُثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِنٍ فَلَمْ أُوَفِّرْهُ، وَمِنْ عَيْبِ مُؤمِنٍ ظَهَرَ لي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، وَمِنْ كُلِّ إِثْمٍ عَرَضَ لي فَلَمْ أَهْجُرْهُ. أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ يا إِلهِي مِنْهُنَّ وَمِنْ نَظَائِرِهِنَّ اَعْتِذارَ نَدامَةٍ يَكُونُ واعِظاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أَشْباهِهِنَّ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْ نَدامَتِي عَلى ما وَقَعْتُ فيهِ مِنَ الزَّلاّتِ، وَعَزْمي عَلى تَرْكِ ما يَعْرِضُ لِي مِنَ السَّيِّئَاتِ؛ تَوْبَةً تُوجِبُ ليَ مَحَبَّتَكَ، يَا مُحِبَّ التَّوّابِين"1.2

ما هي عقوبة الأذى والمظلمة؟ 
بما أن المؤمن له حرمة، وأذيته محاربة لله - عزّ وجلّ -، وجرحَ مشاعره كخدش لبيت الله - عزّ وجلّ -، فإذا صدر منا الظلم أو الأذية فلنعتذر، ليسَجَّل في ديوان أعمالنا أنَّنا أسأنا وأنَّنا أحسنَّا فاعتذرنا.

وإلا أنْ نضلل نؤذي دون اعتذار، فإنَّ موارد الأذى هذه تتجمع، ومتى نراها؟ حين تسوؤنا فتسيل عينا الإنسان دماً وقيحاً. متى تتجمع؟ تتجمع في يوم القيامة، في أي مكان؟

1- اللهم إني أعتذر إليك-، أي: أطلب منك العذر بأن تعفو عني. من مظلوم ظلم بحضرتي-، أي: حال كوني حاضراً. فلم أنصره-، وإني قادر على ذلك. ومن معروف أسدي إليّ-، فإن الإسداء بمعنى الإحسان فلم أشكره-، فإن شكر المعروف لازم. ومن مسيء اعتذر إلي فلم أعذره-، أي: لم أقبل عذره، فإن من أدب الإسلام أن يقبل الإنسان عذر المعتذر. ومن ذي فاقة- حاجة سألني فلم أوثره-، أي: لم أقدمه على نفسي بإعطائه وحرمان نفسي. ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن فلم أوفره-، أي: لم أعطه حقه. ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره- مع أن اللازم ستر عيوب الناس. ومن كل إثم- ومعصية. عرض لي-، أي: ظهر. فلم أهجره-، أي: لم أتركه، بل أتيت به. أعتذر إليك يا إلهي منهن-، أي: من هذه الخصال الذميمة. ومن نظائرهن-، أي: أمثالهن من سائر الخصال المذمومة. اعتذار ندامة-، أي: اعتذاراً ناشئاً من الندامة. يكون- ذلك الاعتذار. واعظًا لما بين يدي من أشباههن-، أي: أمثال هذه الصفات المذمومة. فصلِّ على محمد وآله، واجعل ندامتي على ما وقعت فيه من الزلات- بأن أندم على المعاصي التي صدرت مني. والزلات جمع زلة، بمعنى العثرة. شبَّه العاصي بالعاثر الذي يقع، إذ كلٌّ منهما يتضرر، هذا جسمًا وذاك نفسًا. و- اجعل عزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات-، بأن أعزم وأنوي ترك كل سيئة تجول في خاطري. توبة - مفعول ثان لـ (اجعل). توجب - تلك الندامة وهذه العزيمة. لي محبتك - بأن تحبني. يا محب التوابين-، فإنه يحب التوابين كما في القرآن الحكيم.
2- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، قم - إيران، دفتر نشر الهادي، 1418ه، ط1، ص 168، الدعاء 38 في الاعتذار من تبعات العباد. 

 

39

 


22

إياك والأذى

 ورد في الروايات أنَّ على الصراط1 عقبات، ومن أعظمها عقبة المظالم، وهي العقبة السابعة، كما ورد في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾2، بحيث أقسم الله تعالى به، يعني الصراط، وذلك أن جسر جهنم عليه سبع قناطر، على كل قنطرة ملائكة قيام، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، يسألون الناس في أول قنطرة عن الإيمان، وفي الثانية يسألونهم عن الصلوات الخمس، وفي الثالثة يسألونهم عن الزكاة، وفي الرابعة يسألونهم عن صيام شهر رمضان، وفي الخامسة يسألونهم عن الحج، وفي السادسة يسألونهم عن العمرة، وفي السابعة يسألونهم عن المظالم، فمن أتى بما سئل عنه كما أمر جاز على الصراط، وإلا حُبس، فذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، يعني ملائكة يرصدون الناس على جسر جهنم في هذه المواطن السبعة، فيسألونهم عن هذه الخصال السبع.

وفي الحديث القدسي "وعزتي وجلالي، لا يجوزني ظلم ظالم"3.

فهل استيقظنا من غفلتنا وانتبهنا من نومنا قبل أوبتنا!

1- ونقل العلاّمة المجلسي في حقّ اليقين عن كتاب عقائد الشيخ الصدوق رحمه الله أنّه قال: اعتقادنا في العقابات التي على المحشر أن كل عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض، وكان قد قصّر في ذلك الفرض، حُبس عندها، وطولب بحقّ الله فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه، أو برحمة تداركه، نجا منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يُدفع من عقبة إلى عقبة، ويُحبس عند كل عقبة، فيُسأل عمّا قصّر فيها من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء، فيحيا حياةً لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبدًا، وسكن في جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده.
وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصّر فيه فلم ينجه عمل صالح قدّمه، ولا أدركته من الله - عزّ وجلّ - رحمة، زلّت به قدمه عن العقبة، فهوى في جهنم نعوذ بالله منها-.
وهذه العقبات كلها على الصراط. اسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها، فيُسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام، فمَن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأت بها بقي فهوى، وذلك قول الله - عزّ وجلّ - ? إِنَّ رَبَّكَ لَبِ?ل?مِر?صَادِ ? سورة الفجر، الآية 14-.
2- سورة الفجر، الآية 14.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 443.

 

40

  


23

إياك والأذى

 وقفة تأملية

حجبت أخاك، فلم يشكر الله سعيك
عن محمد بن علي الصوفي، قال: استأذن إبراهيم الجمّال على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه.

فحجّ علي بن يقطين في تلك السنة، فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر عليه السلام فحجبه.

فرآه ثاني يومه، فقال علي بن يقطين: يا سيدي، ما ذنبي؟

فقال عليه السلام: حجبتك لأنك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال، وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال.

فقلت: سيدي ومولاي، مَن لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟ 

فقال عليه السلام: إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك، من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرّجاً.

قال: فوافى البقيع وركب النجيب، ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة.

فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين.

فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟!

فقال علي بن يقطين: يا هذا، إنّ أمري عظيم، وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم، إنّ المولى عليه السلام أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك.

فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه، فامتنع إبراهيم من ذلك، فآلى عليه ثانياً ففعل.

فلم يزل إبراهيم يطأ خده، وعلي بن يقطين يقول: اللّهم اشهد. ثم انصرف وركب النجيب، وأناخه في ليلته بباب المولى موسى بن جعفرعليه السلام بالمدينة، فأذن له ودخل عليه فقبله"1.

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج48، ص85.
  


24

خاب من حمل ظلمًا

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• ضرورة المسارعة إلى الصالحات 
• من المفلس؟ 
• كيف تحلّ هذه السيئات يوم القيامة؟ 
• ما كفُّ الأذى؟ 
• هل تعلم أنّ كفّ الأذى برنامج أخلاقي متكامل؟ 
• ما العلاقة بين كفّ الأذى والإحسان؟ 
• ما ثمرات وفوائد كفّ الأذى؟ 
• تأمل معي في قصة نبي الله يوسف عليه السلام

43


25

خاب من حمل ظلمًا

 تصدير الموعظة

قال الله - عزّ وجلّ - في كتابه المجيد ﴿وَعَنَتِ﴾1 ﴿الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾2 ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾3 ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾5.4

تمهيد الموعظة
تمّت الإشارة في الموعظة السابقة إلى ضرورة الالتفات إلى أنّ المؤمن هو حبيب الله ووليّه، وبالتالي أي ظلم أو أذية له هو إيذان بالحرب من الله، وأنّ الشريعة اهتمت بمشاعر المؤمن وأحاسيسه، فكيف يكون حال ما هو أعظم؟. وتحدّثنا عن الأسباب التي تدفع المرء للقيام بمثل ذلك، ودعونا إلى ضرورة المسارعة والاستيقاظ منه، لأن عقوبته الأخروية جليلة، وآثاره الدنيوية عظيمة.

1- "عَنَتْ" في اللغة: خضعت. يقال: عنا يعنو: إذا خضع، ومنه قيل: أُخِذتْ البلاد عَنْوَةً: إِذا أُخذتْ غَلَبة، وأُخذتْ بخضوع من أهلها.
2- قيل إن جميع أسماء الله الحسنى مردّها إلى معنى هذين الاسمين العظيمين. ويقال في معنى الحي: إن حياة الله حياة تامة كاملة، لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال.
ومعنى الْقَيُّومُ- أنه جلّ وعلّا- مستغنٍ عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، فهو قائم بنفسه وقائم بغيره، بمعنى أن كل مخلوق مفتقر إلى الله جلّ وعلا-، فلا قوام لأحد إلا بالله، والله جلّ وعلا- غني كلّ الغنى عن جميع خلقه. وذكروا أقوالًا: أحدهما: أنه العالِم بما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل الله قيومًا، بمعنى لا يبيد ولا يزول، والثاني: أنه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين، والثالث أنه القائم على كل نفس بما كسبت.
3- أي خسر الثواب مَن جاء يوم القيامة كافرًا ظالمًا مستحقًّا للعقاب.
4- "من" ها هنا للجنس. وإِنما شرط الإِيمان لأن غير المؤمن لا يُقبَل عملُه، ولا يكون صالحًا. فَلا يَخافُ، أي: فهو لا يخاف. وفي معنى ظُلْمًا وَلا هَضْمًا- أربعة أقوال: أحدها: لا يخاف أن يَظلَم فيُزاد في سيِّئاته، ولا أن يُهضَم من حسناته، والثاني: لا يخاف أن يُظلَم فيزاد من ذَنْب غيره، ولا أن يُهضم من حسناته، والثالث: لا يخاف أن يؤاخَذ بما لم يعمل، ولا يُنتقص من عمله الصالح، والرابع: لا يخاف أن لا يُجزَى بعمله، ولا أن يُنقَص من حَقِّه. قال اللغويون: الهَضْم: النَّقْص، تقول العرب: هضمتُ لك من حَقِّي، أي: حَطَطْتُ، ومنه: فلان هضيم الكَشْحَيْن، أي: ضامر الجنبين، ويقال: هذا شيء يهضم الطعام، أي: ينقص ثِقْله. وفرّق بعض المفسرين بين الظُّلم والهَضْم، فقال: الظُّلم: منع الحق كلِّه، والهضم: منع بعض، وإِن كان ظُلْمًا أيضًا.
5- سورة طه، الآيتان 111 - 112.

 

45


26

خاب من حمل ظلمًا

 ضرورة المسارعة إلى الصالحات 

 

تشير الآية الأولى إلى أنّ المصيبة الكبرى والخسارة العظمى للعبد الظالم في وقوفه بين يدي مولاه، يوم تَعْنُو له الوجوه، وتَذِلّ له الأنفس، وتخضع له القلوب، وتَخشع له الأصوات، فلا تسمع إلا همسًا1، ويكون الخضوع في صورة مؤلمة، وهي كخضوع العناة، أي الأسارى في يد الملك القهّار. وقد نسبت العنوة إلى الوجوه لأنّها أول ما تبدو وتظهر في الوجوه، ولازم هذه العنوة أن لا يمنع حكمَه ولا نفوذَه فيهم مانعٌ، ولا يحول بينه وبين ما أراد بهم حائلٌ.

واختير من أسمائه الحي القيوم لأن مورد الكلام الأمواتُ أحيّوا ثانيًا وقد تقطعت عنهم الأسباب اليوم، والمناسب لهذا الظرف من صفاته حياته المطلقة وقيامه بكل أمر2. والآية الأولى فيها مداليلٌ مخيفة لو تأملنا بمعنى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.

والآية الثانية فيها اطمئنان لمن عمل صالحًا، وسارع إلى إصلاح ما صدر من ظلم، وكفّ الأذى عن الآخرين، وأحسن إليهم، فلا يخاف عندها أن يضيع، ولو مقدار عمل بسيط قام به.

من المفلس؟ 
وقد جاء هذا المعنى في بعض الروايات التي تتحدّث عن يوم القيامة، كما أشارت الرواية عند سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ" قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ،

 

 

1- روي عن الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام يقول: إذا كان يومُ القيامة، جمع الله الناس في صعيد واحد من الأولين والآخرين، عراةً حفاةً، فيوقفون على طريق المحشر حتى يعرقوا عرقًا شديدًا، وتشتدّ أنفاسهم، فيمكثون كذلك ما شاء الله، وذلك قوله تعالى: فلا تسمع إلا همسًا. قال: ثم ينادي منادٍ من تلقاء العرش: أين النبي الأمي؟ قال: فيقول الناس: قد أسمعتَ كلًّا، فسمّ باسمه، قال: فينادي: أين نبي الرحمة محمد بن عبد الله؟ قال: فيقوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيتقدم أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين أيلة وصنعاء، فيقف عليه، ثم ينادي بصاحبكم فيقوم أمام الناس فيقف معه، ثم يؤذن للناس فيمرّون. قال أبو جعفر عليه السلام: فبين وارد يومئذ وبين مصروف، فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَن يُصرف عنه من محبينا أهلَ البيت بكى، وقال: يا ربّ شيعةَ عليّ، يا ربّ شيعةَ عليّ، قال: فيبعث الله إليه ملكًا فيقول له: ما يبكيك يا محمد؟ قال: فيقول: وكيف لا أبكي لأناس من شيعة أخي عليّ بن أبي طالب أراهم قد صُرفوا تلقاء أصحاب النار ومُنعوا من ورود حوضي! قال: فيقول الله - عزّ وجلّ - له: يا محمد، إني قد وهبتهم لك، وصفحت لك عن ذنوبهم، وألحقتهم بك وبمن كانوا يتولّون من ذريتك، وجعلتهم في زمرتك، وأوردتهم حوضك، وقبلت شفاعتك فيهم، وأكرمتك بذلك. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج65، ص 100.
2- الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المشرفة، 1417ه‏، ط5، ج 14 ص 134.

 

 

 

46

  

 


27

خاب من حمل ظلمًا

 وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"1.

وقد سأل صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه: أتدرون من المفلس؟ أي من الدراية، وهي العلم ببواطن الأمور، أتدرون أي أتعلمون من هو المفلس حقيقةً؟ وهذا قريب من قول الإمام علي عليه السلام: "الفقر والغنى بعد العرض على الله"2، والمعنى أنّهما يظهران بعد الحساب والعرض على الله تعالى.

وحينما سئلوا هذا السؤال أجابوا إجابةٍ من خلال خبراتهم، المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، المتاع كل شيء تنتفع به في الدنيا، فكان جوابه صلى الله عليه وآله وسلم: لا، لأنّ هذا المفلس ربما اغتنى في لحظة من اللحظات، ولكنه كما مرّ.

كيف تحلّ هذه السيئات يوم القيامة؟ 
ما دام هناك خلط، أي معه حسنات ومعه سيئات، أصحاب الحقوق يأخذون من حسناته حتى يستوفوا حقوقهم. فلو أن حقوقهم لم تُستوفَ بعد ماذا نفعل؟ يُطرح عليه من سيئاتهم، عندئذٍ تذهب حسناته ويضاف إلى سيئاته سيئات.

وفي هذا السياق وردت رواية تشير في بدايتها إلى طرح الحسنات والسيئات، وعلاوة على ذلك أن يحمل من وزره، فيقول الراوي بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم جَالِسٌ، إِذْ رَأَيْنَاهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقَالَ لَهُ أحدهمُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ 

قَالَ: "رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلطَّالِبِ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِأَخِيكِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي"؟!

1- مسلم النيسابوري، الجامع الصحيح صحيح مسلم-، ج8، ص18.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 69، ص5.

47


28

خاب من حمل ظلمًا

 قَالَ: وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ: 

"إِنَّ ذَاكَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ، يَحْتَاجُ النَّاسُ إلى أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ فِي الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَرَى مَدَائِنَ مِنْ ذَهَبٍ وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبً مُكَلَّلَةً بِالُّلؤْلُؤِ، لِأَيِّ نَبِيٍّ هَذَا؟ أَوْ لِأَيِّ صِدِّيقٍ هَذَا؟ أَوْ لِأَيِّ شَهِيدٍ هَذَا؟ 

قَالَ: هَذَا لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ!!

قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ؟

قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُهُ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ عزّ وجلّ: فَخُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ"1.

ثم في ذيل الرواية إشارة جزيلة إلى أهمية العفو والإحسان في ذلك اليوم المهول، أفلا يسعنا أن ننشر هذا قبل ذلك اليوم، فنكفّ الأذى عن الآخرين، ونعفو ونحسن إلى مَن ظلمنا، أو ليس هذا من مصاديق العبادة التكاملية! 

ما كفُّ الأذى؟ 
ولا شكّ في أنّ من أبواب العبادات التي لا يفطن لها الكثير من الصالحين هو عبادة كفّ الأذى، فالكثير من الناس يتصور أن الخير محصور في أداء الشعائر وبذل المعروف فحسب، وأقله كما ورد في تعريفه هو ترك ما يسيء للإنسان قولًا أو فعلًا.

ولا بدّ من إلفات النظر إلى أنّ عدم التنبه إلى خطورة كفّ الأذى عن الناس يجعل من المستحيل أو شبه المستحيل أن يصبحَ الإنسان متديّناً بشكل كامل.

ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أن المؤمن كما يؤجَر على فعل الطاعات وبذل المعروف، كذلك يؤجر على كفّ الأذى وصرف الشرّ عن المسلمين، لأن ذلك من المعروف وداخل في معنى الصدقة كما في الرواية عنْ أَبِي ذَرّ،ٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ"، قَالَ: قُلْت: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا

1- العلاّمة المجلسي، مرآة العقول، ج98، ص 376.
  

 

48


29

خاب من حمل ظلمًا

 ثَمَنًا"، قَالَ: قُلْت: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرِقَ"، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: "تَكُفُّ شَرَّك عَنْ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْك عَلَى نَفْسِك"1.

 

هل تعلم أنّ كفّ الأذى برنامج أخلاقي متكامل؟ 
قد تجد الكثير من علماء الأخلاق يؤكّدون على أنَّ كفّ الأذى عن الناس هو برنامجٌ عباديٌ متكاملٌ، بمعنى أنَّ على مَن يحمل همَّ بناء نفسه، ويحرص على الاستعداد للآخرة والقرب من الله، أن يتنبّهَ إلى كفّ الأذى عن الناس.

يقول المولى المازندراني رحمه الله: "وإنّما كان كفّ الأذى من كمال العقل، لأنّ العاقل يعلم أنّ الغرض الأصليّ من الخُلق هو الوصول إلى جناب عزّته2... بأجنحة الكمال، مع الملائكة المقرَّبين3، وأنّ ذلك كما يتوقّف على عبادة الرحمن، كذلك يتوقّف على كفِّ الأذى عن الإخوان، فكما أنّ صرف الهمّة في العبادة من كمال العقل، كذلك صرف النفس عن الأذى"4 .

وفي الرواية عن مولانا علي بن الحسين عليه السلام: "كَفُّ الأذى مِن كمال العقل، وفيه راحةٌ للبدن عاجلًا وآجلًا"5.

واعتباره كل الأخلاق أيضًا لكثرة ما يطلّ على موضوعات مرتبطة بهذا العلم، مثلاً: يطلُّ

 

 

1- مسلم النيسابوري، الجامع الصحيح صحيح مسلم-، ج 1، ص 62.
2- العزة صفة لله جل وعلا، ومن أسمائه سبحانه وتعالى العزيز والعزيز هو الذي كملت له أوصاف العزة.
ولها عدد من المعاني العزة التي هي بمعنى الامتناع والغنى وعدم الحاجة، الامتناع عمن يغالب أو عمن يسيء والغنى، والغنى عن الخلق، الثاني العزة بمعنى القهر والغلبة، الثالث العزة بمعنى القوة التي لا يقوى عليها قوة لا يند عنها شيء، والمقصود القرب منه.
3- طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة، فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش والملائكة المقربون هم المسمَّون بالكروبيين، أي سادة الملائكة، ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ سورة النساء، الآية 172-. وأفضل المقربين رؤساء الملائكة الثلاثة الذين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكرهم في دعائه الذي يفتتح به صلاته إذا قام من الليل فيقول: "اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض..".
4- المازندراني، شرح أصول الكافي، ج 1، ص 194-195.
5- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص 141.

 

 

 

49

  

 


30

خاب من حمل ظلمًا

 بنا على موضوع الظلم، لأنَّ الأذى المحرّم ظلم، ويطلُّ بنا على موضوع الغضب، لأنَّه هو المناخ الطبيعي لصدور الأذى عنا، ويأخذنا على الغيبة كونها من مصاديقه، فهي تسوء المغتاب الذي تمّت استغابته، ويقودنا إلى البهتان1، لأنَّه من أوضح مصاديقه، ويأخذنا إلى آفات اللسان2، أو ما يصدر بحركةٍ، بغير اللسان، فقد يصدر بإشارة أو بكتابة3، ويطلُّ بنا على مواضيع العجب والغرور والتكبّر، لأنَّها المنطلق الذي يجعل الإنسان راضيًا عن نفسه مستسهلًّا أن يؤذيَ الآخرين، ويطلّ بنا كذلك على الحلم والعفو وحسن المعاملة والإحسان إلى المسيء4، أمَّا الحلم والعفو فلحاجة المؤذي إليهما ليمنعاه عن الأذى الذي يبدأ ردّةَ فعلٍ ثم يتجاوز حدوده، وأمَّا حسن المعاملة والإحسان فالحاجة إليهما وإطلال الموضوع عليهما كنقيضين لكفّ الأذى.

عند التأمّل في هذه الإطلالات تعرف أهمية هذه العبادة، ولِمَ عبّر عنها بأصل الأخلاق، أو البرنامج العبادي المتكامل للسالك إلى الله.

ما العلاقة بين كفّ الأذى والإحسان؟ 
الإحسان مشتقّ من "الحُسن" الذي هو الجمال والبهاء لكل ما يصدر من العبد من خطرات ونبرات وتصرفات، وهو أعلى مقامات الرفعة الإنسانية، والمفتاح لكل أزماتها، وجسر سعادتها الأبدية. وكفى الإحسان شرفًا أن البشرية جمعاء اتفقت على حبّه ومدحه، وأجمعت على كره ضده من صنوف الإساءة كافّة. ولذلك أولى الإسلام الإحسان عناية بالغة، وجعله أسمى هدف تصبو إليه نفوس العابدين.

1- الغِيبة: ذكر مساوئ الإنسان التي فيه في غيبته، والبهتان: ذكر مساوئ للإنسان وهي ليست فيه، والشتم: ذكر المساوئ في مواجهة المقول فيه، والإفك: أن تقول في إنسانٍ ما بلغك عنه، فتنقله دون التثبّت والتيقُّن من صدقه.
3- منه: الكلام بما لا يعنيك، فضول الكلام، الخوض في الباطل، التكلف والتصنع في الكلام، الفحش والسبّ وبذاءة اللسان، السخرية والاستهزاء، إفشاء السر، الوعد الكاذب، الغيبة، النميمة، قذف المؤمنين.
4- فإن الهُمَزة: الذي يُعكَس بظهر الغيب، واللُّمزة: الذي يُعكس في وجهك. وقيل: الهمزة: الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه، واللمزة: الذي يكثر عيبه على جليسه ويشير برأسه ويومئ بعينه. وقيل: الهُمَزَة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللُّمَزَة: الذي يَلْمِزهم بلسانه. وقيل: الهُمَزَة: الذي يهمز بلسانه، واللُّمَزَة: الذي يلمز بعينه.
5- الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، والعفو ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك لومه. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ﴾ سورة البقرة، الآية 109-، ترقيًا في الأمر بمكارم الأخلاق من الحَسَن إلى الأحسن، ومن الفضل إلى الأفضل.

 

50


31

خاب من حمل ظلمًا

 وقد أمر الله تعالى بالإحسان أمرًا مطلقًا عامًّا، فقال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾1.

 

وبما أن الإحسان هو الإتقان، أو الإتيان بالمطلوب شرعًا على أكمل وجه، وهو بذل المعروف لعباد الله من قول أو فعل أو مال أو جاه، والإحسان ضد الإساءة، وهو فعل ما هو حسن وجميل، وترك ما هو سيّء وقبيح، وأن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه، فيكون كف الأذى من أعظم مصاديقه.

والله تعالى رغب بالإحسان، ووعد المحسنين بالأمان يوم القيامة: 
﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾2.

ما ثمرات وفوائد كفّ الأذى؟ 
الوصول إلى المحبة الإلهية: 
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾3.

والآية واضحة الدلالة في أن الإحسان طريق للحصول على المحبة الإلهية، والاصطفاء في هذا المقام (مقام المحسنين). والإحسان كما يكون بالفعل الحسن للآخر، يكون أيضاً بكفّ الأذى عن الناس.

الفوز والنجاة يوم القيامة: 
وهي الجنة ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾4. قال - عزّ وجلّ -: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾5. وفي الخطبة الشعبانية

 

 

1- سورة النحل، الآية 90.
2- سورة النمل، الآية 89.
3- سورة البقرة، الآية 195.
4- سورة الرحمن، الآية 60.
5- سورة النجم، الآية 31.

 

 

 

51

  

 


32

خاب من حمل ظلمًا

 لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن كفّ فيه شره، كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه"1.

 

وفي الرواية عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ كَفَّ نفسَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنْهُمْ، وَقَاهُ اللَّهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"2.

انتشار المحبة والتعاون بين الناس: 
لأنه من خلال كفّ الأذى عن الآخرين، يكون نشر ثقافة المحبة والتعاون والتسامح بين الناس، كما في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كفَّ يده عن الناس فإنّما يكفُّ عنهم يداً واحدةً ويكفّون عنه أيادي كثيرةً"3.

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "كفُّ الأذى من كمال العقل، لأنَّ عقلك يقول لك إنك إذا آذيت الناس، فإنّك ستجلب لنفسك العداوة والحقد، وإذا كففت أذاك عن الناس، فإنّك ستعيش معهم بأمن وسلام واطمئنان - وفيه راحة للبدن عاجلاً وآجلاً"4

تأمل معي في قصة نبي الله يوسف عليه السلام 
ونختم بقصة رائعة من قصص القرآن الكريم، وهي قصة يوسف عليه السلام. وما يلفت النظر فيها كثرة تكرار صفة الإحسان، فكان محسنًا مع ربه ومع الناس - وهما متلازمان -، فقد سمّى الله قصته بأحسن القصص كما ورد في القرآن الكريم، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾5, أي من أحسنه.

ورتّب على الإحسان إيتاءه الحكم والعلم مع الشباب ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾6.

 

 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج93، ص 357.
2- الحراني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المشرفة، 1404ه - 1363ش، ط2، ص391.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص 72. 
4- المصدر نفسه، ج75، ص 141.
5- سورة يوسف، الآية 3.
6- سورة يوسف، الآية 22.

 

 

 

52

  

 


33

خاب من حمل ظلمًا

 ووصفه السجناء بذلك ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾1.

وبه مكّنه الله تعالى في الأرض ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾2.

وقال له إخوته وهم لا يعرفونه ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾3.

وقال عن نفسه وأخيه ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾4.

ثم أثنى على ربه بإحسانه إليه ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾5.

1- سورة يوسف، الآية 36.
2- سورة يوسف، الآية 56.
3- سورة يوسف، الآية 78.
4- سورة يوسف، الآية 90.
5- سورة يوسف، الآية 100.

 


53

  


34

خاب من حمل ظلمًا

وقفة تأمّلية

يا هذا، إن كنت جائعاً أشبعناك
روي أنّ شاميّاً رأى الإمام الحسن عليه السلام راكباً فجعل يلعنه والإمامُ عليه السلام لا يردّ، فلما فرغ أقبل الإمام الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك، فقال: "أيها الشيخ، أظنّك غريبًا، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسَوْناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك، وإن كنت طريدًا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعًا رحبًا وجاهًا عريضًا ومالًا كثيرًا". 

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ..1.


35

اتقوا الله...وانظروا لغد

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة 
• تمهيد الموعظة
• ما القواعد في حفظ حقوق الخلق؟ 
• هل الإعانة من الترويع؟ 
• ما جزاءُ قتل المؤمن؟ 
• هل ننتبه لتصرف منا يعين مستقبلًا عليه؟ 
• تربية الأبناء على الخصومات
• ما جزاء الاعتداء على أملاك المؤمن؟

57

  


36

اتقوا الله...وانظروا لغد

 تصدير الموعظة 

قال الله - عزّ وجلّ - في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾1"2.

تمهيد الموعظة
مرّ معنا فيما مضى أن الإنسان حتى يكون خليفة لله، لا بدّ من أن لا يقصر عبادته على الواجبات الشعائرية، بل يجعلها شاملة لكل مناحي الحياة، خصوصًا المعاملاتية، من قبيل مراعاة عدم الأذية لعباد الله، لأن المسارعة إليه كمن يبارز الله - عزّ وجلّ - ويحاربه. وإن صدر من المرء أذية، فعليه المسارعة إلى التوبة والإصلاح قبل يوم القيامة، والمبادرة إلى كفّ الأذى الذي يُعتبر كلّ الأخلاق، حتى لا يكون من المفلسين، وقد خاب من حمل ظلمًا.

ما القواعد في حفظ حقوق الخلق؟ 
ما تأباه النفوس، وتنفر منه الأرواح، ولا ترتضيه العقول، هو التعرّض للأموال والأنفس والأعراض بغير وجه حقّ. وقد حُرّم ذلك في الشرائع والأديان السماوية وغيرها لعظيم خطره وجليل ضرره وآثاره المهولة على انتظام حياة الفرد والمجتمع، وحرمانه من أمنه الاجتماعي والنفسي.

1- يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله بطاعته في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه، ولْتنظر نفس منكم فيما عملته من عمل، ولْترَ ما الذي قدّمته من عملها ليوم الحساب، أهو عمل صالح أو طالح، وهل عملُها الصالح صالح مقبول أو مردود. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أمر بالتقوى ثانيًا، و﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ إلخ، تعليل له، وتعليل هذه التقوى بكونه تعالى خبيرًا بالأعمال، يشير إلى أن المراد بهذه التقوى المأمور بها ثانيًا هي التقوى في مقام المحاسبة، والنظر فيها من حيث إصلاحها وإخلاصها لله سبحانه، وحفظها عما يفسدها. وأما قوله في صدر الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فالمراد به التقوى في أصل إتيان الأعمال، بقصرها في الطاعات وتجنّب المعاصي. من هنا تبيّن أن المراد بالتقوى في الموضعين مختلف، فالأولى هي التقوى في أصل إتيان الأعمال، والثانية هي التقوى في الأعمال المأتية من حيث إصلاحها وإخلاصها.
2- سورة الحشر، الآية 18.

 

59

  


37

اتقوا الله...وانظروا لغد

 وقد تجلّت هذه القواعد الإنسانية عبر الوصية الخالدة في حجّة الوداع، حين خطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم النحر قائلًا: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ1، قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟"2.

وقد أكَّد صلى الله عليه وآله وسلم على هذه المسألة العظيمة عندما اسْتَنْصَتَ النَّاسَ3 بقوله "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"4، وهي الحذر من دماء المسلمين والتعرض لرقابهم والاعتداء عليهم، وسمّى صلى الله عليه وآله وسلم هذا كفراً كما ظهر لك في الحديث5.

وأكّد (روحي فداه) على هذه القضية مرَّات وكرَّات. ومن تأكيده عليها في حجّة الوداع قولُه: "الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ6،

1- الأشهُر الحُرُم أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرَّم؛ فشهر مفرد وهو رجب، والبقية متتالية وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم. والظاهر أنها سُمّيت حُرُمًا؛ لأن الله حرّم فيها القتال بين الناس، فلهذا قيل لها حُرُم، جمع حرام. قال الله جلّ وعلا-: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ سورة التوبة، الآية 36-، وقـال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ سورة البقرة، الآية 217-. قال الشيخ الطوسي: "ومعنى حُرُم - أنّه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر ممّا يعظم في غيرها. وكانت العرب تعظّمها حتى أنّ الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه؛ لحرمته. وإنّما جعل اللَّه تعالى بعض الشهور أعظم حرمة من بعض لما في ذلك من المصلحة في الكفّ عن الظلم فيها، فعظّم منزلتها ، وأنّه ربّما أدّى ذلك إلى ترك الظلم أصلًا؛ لانطفاء النائرة تلك المدّة وانكسار الحمية، فإنّ الأشياء تجرّ إلى أشكالها.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج37، ص 113.
3- الإنصات والاستماع والإصغاء.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج37، ص 114.
5- وهو ليس بالكفر المخرج من الدين، إلا أنه عمل ليس من خصال الإيمان، وليس من خلال أهل هذا الدين القويم، وإنما هو من خصال الكفر وأعمال الكافرين.
6- حصر وصف المسلم باللسان واليد لوجوه، منها: 
الوجه الأول: أنه هنا وصف المسلم بهذا الوصف لأجل قلّة من يسلم المسلمون من ألسنتهم وأيديهم، فهو، وإن كان آتيا بالأركان، لكنه قلَّ من يكون بصاحب غيبة، أو وقوع في الأعراض، أو قذف، أو قد يعتدي بيده، أو أن يعتدي على أملاك الغير، أو أن يتصرف في أملاك الغير بغير إذنهم، إلى آخره؛ هذا قليل في المسلمين كما هو الواقع.
الوجه الثاني: أنه وصف المسلم بهذا الوصف لشدة الحاجة إليه، للتنبيه على أن هذا الوصف وهذا الواجب، وهو سلامة المسلمين من اللسان والْيَدِ، من واجبات الإسلام، ويجب أن يتعاهده المسلم؛ لأن المسلم الكامل هو من سلم المسلمون من لسانه ويده، وهذا جاء مبيَّنا في آيات كثيرة في الحضّ على أن المسلم يجب أن يسلم المسلمون من لسانه، كما قال جلّ وعلا - ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ سورة الحجرات، الآية12-، وقال أيضًا جلّ وعلا - ﴿لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ سورة النساء، الآية148-، وقال أيضًا جلّ جلاله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ سورة الإسراء، الآية 53-.

 

60


38

اتقوا الله...وانظروا لغد

 وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ9، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ1"2.

فالمؤمن إنّما يبلغ هذه الدرجة بعد صلته الوطيدة بربه (جلّ وعلا)، حينما يقوم بالفرائض ويُتبعها بالنوافل، فإنّه لا بدّ من أن يكون الناس آمنين من هذا الإنسان؛ لأنه لَمّا عظُمت صلته بربه، فهو يراقب الله في الناس، ولا يراقب أنظارهم لو هُيِّئ له أن يصل إلى أموالهم وإلى ما شاء من حقوقهم على غفلة منهم، وعلى خفاء من الأنظار، لكنه مع ذلك كله لا يقدم على هذا؛ لأنه يراقب ربّه (جلّ وعلا). ولذا عظَّم الله (جلّ وعلا) شأن الذين يخشونه بالغيب، وضاعَف أجورهم، كما دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسنّة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾3.

وهذه الدعوة هي عنوان صلاح مجتمعاتنا، ودليل سعادتها واستقرارها، إن تمّ رعاية هذا الجانب العظيم.

وما أيسر الاعتداء على الآخرين! وبتّ تلحظ في الأعوام الحالية يسرَ التجاوز لحدود الله - عزّ وجلّ -، ومن أعظمها: 

إدخال الرعب على قلوب عيال الله
وهو ما نشهده في أعقاب زماننا الذي نحياه، في تساهل الكثير من الناس بالمشاعر والنفوس، وعدم مبالاتهم بالمحافظة على أمن الناس وأمانهم. وذكر بعض هذه الصور له فائدة. ليعلم المستخف بحمله للسلاح، وإطلاق النار بغير وجه حق، عظم ما في فعله من

1- الجهاد الذي هو ذِروة سنام الإسلام، والذي له من الفضل في دين الإسلام ما لا يَخفى، إنما يكون ويتحقق، ويكون مرضيًّا عند الله إذا كان الإنسان قبل ذلك مجاهدًا نفسه في طاعة الله؛ لأن الطاعة ليست شيئًا سهلًا هيِّنًا، بل لا بدّ من مجاهدة، ولا بدّ من صبر ومصابرة؛ لأن فيها مخالفة الهوى، فمن استقام على هذه الجادة، فهو المجاهد على الحقيقة.
2- الديلمي، الحسن بن محمد، أعلام الدين في صفات المؤمنين، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص 265.
3- سورة الملك، الآية 12.

 

61


39

اتقوا الله...وانظروا لغد

ترويع المؤمنين وتخويف الآمنين من عيال الله - عزّ وجلّ -، وإدخال الأذى على قلوبهم. ومن باب الذكرى نشير إلى النهي الوارد:
في ترويع المسلم مطلقًا:
سواء كان مازحًا أو قاصدًا، وقد عدّها بعضٌ من الكبائر. جاء في الرواية أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ1 مُسْلِمًا"2.

في إخافته مطلقًا:
كما في الرواية: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: "مَنْ أَخَافَ مُؤْمِنًا بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ حقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُؤَمِّنَهُ مِنْ فْزَعِ15 يَوْمِ الْقِيَامَةِ"16.

عن التلويح إليه بحديدة لإخافته:
كما في الإشارة إليه بالسلاح، وحتى لو كان من أقرب الناس إليه، ولو ممازحًا. ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "منْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ، فإنَّ الملائِكةَ تَلْعَنُهُ حتّى يَنْزِعَ3، وَإنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأمِّهِ"4.

وما ذُكر يدل على أن ترويع المؤمن أمر خطير، وظُلْم عظيم، يستَوْجِب إخافة فاعله يوم القيامة، وعدم تأمينه من أفزاع هذا اليوم الكثيرة. وحُرْمة الترويع متحقِّقة، ولو كان بمجرد النظرة التي قُصِد منها الإخافة. وتشتد الحرمة إذا كان الترويع إشارة بالسلاح أو بما أجريَ مجراه من الحديد أو نحوه، لِما يترتَّب على هذا من التسبُّب في إفزاع المؤمن بغير حق، وإيانا والاستخفاف بمثل هذه الأمور، ولننظر ما قدّمنا لغد.


 

1- الفزَعُ: الذعر، وهو في الأصل مصدر، وربما جُمع على إفزاع.
2- الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1408ه - 1988م، لا.ط، ج6، ص254.
3- يَنْزِعَ: ضُبط بالعين المهملة مع كسر الزاي، وبالعين المعجمة مع فتحها، ومعناهما متقارب، ومعناه بالمهملة: "يرمي"، وبالمعجمة أيضًا: "يرمي ويفسد"، وأصل النزع: "الطعن والفساد".
4- النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف الدمشقي، رياض الصالحين من حديث سيد المرسلين، دار الفكر المعاصر، لبنان - بيروت، 1411ه - 1991م، ط2، ص687.

62

 

 


40

اتقوا الله...وانظروا لغد

 هل الإعانة من الترويع؟ 

ولا شكّ في أن عبارة (آيس من رحمة الله)، التي أشارت إليها الروايات في موارد متعددة، إنّما كانت بخصوص المعيْن لهم على فعلهم. ونقتصر فيها على شاهدين بأن الأذية قد لا تقتصر على الإطار المباشر، بل الإعانة عليه: 
في الإعانة على إخافة المؤمن: 
في الرواية: عن أبي عبد الله عليه السلام: "من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقى الله - عزّ وجلّ - وبين عينيه مكتوب: آيس من رحمة الله"1.

وحرمة الإخافة هذه تبدأ من مجرد النظرة التي ورد فيها العقاب الشديد يوم القيامة، كما في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه الله تعالى يوم لا ظلّ إلا ظلّه"2.

في الإعانة على قتله: 
ولصيانة النفس حرّم الإعانة على القتل، ومع أنها لا تكون بطريق مباشر كما ورد في الرواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله"3.

وقد ظهر لك أن مجرّد ترويع الآمنين مُحَرَّمٌ، ولو بمجرد النظرة المخيفة، فإن هذا يدل على أن ترويعَه بالأصوات المُنكَرة بما اشتملت- مفرقعات وغيره-، أو انتهاك حُرْمته، أو الاعتداء على نفسه، أو على عضو من أعضائه، أو على ذي قرابة منه، أو على ماله، أو على عمله، أشدّ حُرْمَة وإثمًا، وأنّ فاعله يستحق اللعن والوعيد الشديد الوارد في الأحاديث السابقة، لعِظَم جُرْمه وظُلْمه.

1- الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1414ه، ط2، ج12، ص 304، ح16366.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص150.
3- المصدر نفسه، ج101، ص383.

 

63


41

اتقوا الله...وانظروا لغد

 ما جزاءُ قتل المؤمن؟ 

الخلود واللعن، والغضب والعذاب: 
قال الله - عزّ وجلّ -: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾1.

فقد ذكر أربع عقوبات عظيمة يستحقها من الله صاحب الجريمة: جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذابًا عظيمًا.

ويقول سبحانه وتعالى وتقدّس: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾2.

يقول الراوي: كنا عند ابن عباس بعدما كفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا، قال: أفرأيت إن تاب وآمن عمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟! والذي نفسي بيده، لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدًا، جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه، يقول: يا رب، سل هذا: فيم قتلني؟"، وايم الذي نفسُ عبد الله بيده، لقد أُنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قُبض نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، وما نزل بعدها من برهان3.

وفي الرواية عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: "كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا"4.

1- سورة النساء، الآية 93.
2- سورة الفرقان، الآيات 68-70.
3- ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم تفسير ابن كثير-، تقديم يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، 1412ه - 1992م، لا.ط، ج1، ص549.
4- ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي، تاريخ مدينة دمشق، علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1415، لا.ط، ج16، ص1.

 

64

  


42

اتقوا الله...وانظروا لغد

 أول ما يحكم بها يوم القيامة: 

هي أول مسألة يحكم بها عند الله هي الدماء، فهي مكرمة محترمة ومصونة مقدرة، لا يحلّ سفكها، ولا يجوز انتهاكها، ولا زهقها النفس لاحترامها، كما في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أول ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيقف ابنا آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك حتى يأتي المقتول بقاتله فيتشخب في دمه وجهه، فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثًا"1.

ومن المؤلم أن يسمع المرء بين الحين والآخر ما تهتزّ له النفوس حزنًا، وما ترجف له القلوب أسفًا، وما يتأثر به المسلم عندما يسمع عن قتل نفس محترمة على أيدي آثمة سَفكت الدماء بغير حق، جريمة ترتعد منها الفرائص، وتنخلع لها القلوب، دون مراعاة من إيلام المقتول، وإثكال أهله، وترميل نسائه، وتيتيم أطفاله، وإضاعة حقوقه، وقطع أعماله بقطع حياته، مع ما فيه من عدوان صارخ للحرمات، وتطاول فاضح على أمن المجتمعات.

كأنما قتل الناس جميعًا: 
ويقول سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾2.

وفي شرح الآية الشريفة عن الإمام الباقر عليه السلام عند سؤاله، كيف كأنما قتل الناس جميعًا، فإنّما قتل واحدًا؟ فقال: "يوضع في موضع من جهنم، إليه ينتهى شدة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعًا (لكان إنما) يدخل ذلك المكان"، قلت: فإنه قتل آخر؟ قال: "يضاعف عليه"3.

1- الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 19، ص4.
2- سورة المائدة، الآية 32.
3- الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 29، ص10.

 

65


43

اتقوا الله...وانظروا لغد

 والطَّرَّار: هو النَّشَّال الذي يسرق من جيب الإنسان أو كمّه.

والنَّبَّاش: هو من ينبش القبر لأخذ ما فيه.
والخائن: هو الغادر الجاحد للمال.
والجاحد: هو المنكِر ما عنده لغيره.

ومن المعلوم شرعًا عدم جواز الاعتداء على حقّ الغير، أرضًا كانت أو غيرها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾1.

وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ"2.

وكأمثلة عملية نورد بعض الشواهد مع جزائها: 
اقتطاع شيء من الأرض بغير حقّ: 
وهو حاليًا ما يكون في اعتداء فعليّ على ملك الغير، بحيث يصبح الأمر واقعًا، فقد ورد فيه الوعيد الشديد، ففي الرواية عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أخذ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بغير حقه، طَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ3"4

وفي رواية أخرى عن النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ، طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ من سَبْعِ أَرَضِينَ"5.

1- سورة النساء، الآيتان 29-30.
2- الفيض الكاشاني، الوافي، ج18، ص691.
3- المراد بالأرضين السبع هو المماثلة في العدد، فإنّه كما يوجد سبع سماوات كذلك يوجد سبع أرضين، والظاهر أنه قد أجمع المسلمون، ومنهم علماء التفسير من السنة والشيعة، على هذه المسألة، ولكن وقع الخلاف فيما بينهم في تحديد موقع الأرضين السبع وكيفية تشكلها ووجودها، وقد طرحت عدة أقوال منها: 
القول الأول: - أنها سبع أرضين طباقًا؛ أي على شكل طبقات بعضها فوق بعض، كالسماوات، ويوجد في كل أرض مخلوقات خلقها الله تعالى كما شاء، وفوق تلك الأرضيين السبع توجد السماوات السبع.
القول الثاني: - أنها سبع أرضين طباقًا؛ أي على شكل طبقات بعضها فوق بعض، لكن يوجد فوق كل أرض سماء، فالأرض الأولى يوجد فوقها السماء الأولى، ويوجد فوق السماء الأولى الأرض الثانية، ويوجد فوق الأرض الثانية السماء الثانية، وهكذا إلى السابعة.
القول الثالث: - أنها سبع أرضين، والمراد بها الأقاليم السبع القارات السبع-، التي قسموا إليها المعمورة من سطح الأرض، والتي يفرق بينها البحار.
القول الرابع: - أنها سبع أرضين طباقًا ولكنها مطبقة بعضها فوق بعض مباشرة من غير فتوق.
القول الخامس: - أنها سبع أرضين طباقًا لكن الطبقات محيطة بعضها ببعض، منها الطبقة التي تجاور المركز مثلاً، ومنها الطبقة العليا والخارجية والتي نحن عليها.
القول السادس: - أنها سبع أرضين وكلٌّ منها يشبه الأرض التي نحن عليها شكلاً ونوعاً، وكل واحدة منها موجودة في أحد الأكوان.
القول السابع: - أن استعمال السبع هو كاستعمال السبعين، كلمة تدل على الكثرة، وهذا يعني وجود أكثر من سبع سماوات، كما يوجد أكثر من سبع أرضين.
4- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، المبسوط، تصحيح وتعليق السيد محمد تقي الكشفي، المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، لا.م، 1387ه، لا.ط، ج3، ص59.
5- العلامة الحلي، أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، تذكرة الفقهاء ط.ق-، منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، لا.ت، لا.ط، ج2، ص277.

 

67

  


44

اتقوا الله...وانظروا لغد

 من غيَّر منار الأرض: 

وهل تعلم ما منار الأرض؟ وما مقداره؟ فهو العلامات والحدود، وقل هي أعلامها التي تضرب على الحدود لتتميز بها الأملاك بين الجارين، فإذا غيّرت اختلطت الأملاك. وإنما يقصد مغيرها أن يدخل في أرض جاره، فكم يكون مقدارها؟ وكم عقابها؟ في الرواية عن أمير المؤمنين عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "لعنة الله على من سرق مَنَارَ الْأَرْضِ"1.

الغصب2
وقد يكون المغصوب عقارًا، أو منقولًا، وهو أخذ المال علانية. وأحكامه الأخروية واضحة، وهي استحقاق المؤاخذة والعقاب في الآخرة إذا تعدّى على حقوق غيره عالِمًا متعمدًا؛ لأن ذلك معصية كبيرة كما علمتَ. وأما أحكامه الفقهية من وجوب ردّ العين وضمانها، فمحلها في مجال أخر.

أكل المال بالباطل (السرقة وغيرها):
أكل المال بالباطل يأتي على وجوه، منها: 
الأول: أن يأكل أموال الناس بطريق التعدي والنهب، والسرقة وقطع الطريق، والظلم، والخداع والحيل. الثاني: أن يأكله بطريق اللهو كالقمار، والرهان كالمغالبة بعوض، والميسر بأنواعه، والمراهنات المشتملة على المخاطرة والغرر والجهالة. الثالث: ما كان من طريق الرشوة. الرابع: ما يأخذه الحاكم ونحوه من المحكوم. الخامس: أخُذ الغني والقادر القوي المكتسب المالَ الشرعي على قول. السادس: ما كان من الربا أو من عقوده، والأموال التي

1- البروجردي، السيد حسين الطباطبائي، جامع أحاديث الشيعة، لا.ن، قم، 1399ه، لا.ط، ج19، ص20.
2- الغصب لغة: أخذ الشيء ظلمًا، ومعناه في اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حقّ غيره قهراً بغير حقّ. 

 

68

  


45

اتقوا الله...وانظروا لغد

 تكون منه وتتولد عنه. السابع: ما أُخذ عن طريق الغصب. الثامن: ما جاء عوضًا لكتم حق وإخفائه، أو لإظهار باطل وإعلانه، ونحو ذلك من المحرمات، وكل ما أعان على الصدّ عن طاعة الله - عزّ وجلّ -. التاسع: القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحب الحقّ حقه المعين له في الشريعة. العاشر: ما لا تطيب به نفس مالكه. الحادي عشر: أكل أموال اليتامى، وأموال الأوقاف، والصدقات. الثاني عشر: جحد الحقوق، وما لا تقوم به بيّنة من الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، وسائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها؛ كالودائع والعارية ونحوها. الثالث عشر: الغش والاحتيال، من مثل ما يقع من بعض السماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التلبيس والتدليس؛ إذ يزيّنون للناس السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، ويسوّلون لهم فيورّطونهم، وكل من باع أو اشترى مستعينًا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة، بحيث لو عرف الخفايا وانقلب وهمه علمًا لما باع أو لما اشترى، فهو آكل لماله بالباطل. الرابع عشر: كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل. الخامس عشر: ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه. السادس عشر: الامتناع عن قضاء الدَّيْن، إذا امتنع منه من هو عليه، وكذا الامتناع عن تسليم ما أوجبه الله من المال الشرعي، وكذا النفقة على من أوجب الشرع نفقته. السابع عشر: الخيانة كخيانة الأمانة. الثامن عشر: أن يأكل أموال الناس من طريق الملاهي والمنكرات كالمخدرات. التاسع عشر: أكل أبدال العقود الفاسدة، كأثمان البيعات الفاسدة، وغيرها من وجوه أخر. العشرون: الحرابة: وهي سلب المال بالقوة عن طريق قطع الطريق وغيرها الخوة. 

وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾1, والأكل هو مطلق الأخذ بغير وجه الحق، فالذين يأكلون أموال الناس بالباطل، يحتالون، يغتصبون، يكذبون، يغشون؛ هؤلاء توهَّموا أن الدين في واد، وأن الحياة في وادٍ آخر.

وهي من أهم الموضوعات في الكبائر، ومن أبرزها. فحينما يأكل الإنسان أموال الناس بالباطل فكأنه يقيم حجاباً بينه وبين ربِّه، وكأن الطريق إلى الله ليست سالكة، عندئذٍ

1- سورة البقرة، الآية 188.
69


46

اتقوا الله...وانظروا لغد

 وقفة تأملية

إنّي لم آمرهم بظلم خَلقك ولا بترك حقك
قيل، استأذنتْ سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، فلمّا دخلت عليه قال: هيه يا بنت الأسك! ألست القائلة يوم صفين: 
شمّر كفعل أبيك يا بن عمارة يوم الطّعانِ وملتقى الأَقرانِ
وانصرْ عليّاً والحسينَ ورهطَهُ واقصدْ لهندٍ وابنها بِهَوَانِ 
إنّ الإمامَ أخو النبيّ محمّدٍ عَلمُ الهدى ومنارةُ الإيمانِ
فَقِهِ الحتوفَ وسِرْ أمامَ لوائِهِ قُدُماً بأبيضَ صارمٍ وَسِنَانِ

قالت: إي والله، ما مثلي من رغب عن الحقّ أو اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملَك على ذلك؟ قالت: حبّ عليّ عليه السلام واتّباع الحقّ.

قال: فوالله ما أرى عليك من أثر عليٍّ شيئاً، قالت: أُنْشِدُك اللهَ يا أمير المؤمنين، وإعادة ما مضى، وتذكار ما قد نُسي، قال: هيهات، ما مِثْلُ مقامِ أخيك ينسى، وما لقيتُ من أحدٍ ما لقيتُ من قومك وأخيك!

قالت: صدق فوك، لم يكن أخي ذميمَ المقام، ولا خفيَّ المكان. كان والله كقول الخنساء: 
وإنّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ بِهِ كأنّه عَلَمٌ في رأسِهِ نارُ

قال: صدقتِ، لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبُتر الذنب، وبالله أسالُ أمير المؤمنين إعفائي ممّا استعفيت منه، قال: قد فعلتُ، فما حاجتك؟ 

قالت: إنّك أصبحت للناس سيّداً ولأمرهم متقلّداً. واللهُ سائلُك من أمرنا، وما افترض عليك مِن حقِّنا، ولا يزال يَقْدِمُ علينا من ينوّه بعزّك ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسلبنا الجليلة. هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قِبلك، فقتل رجالي وأخذ مالي، يقول لي: فوهي بما استعصم الله منه، وألجأ إليه فيه (ربما تقصد أنّه أمرها بسبّ عليٍّ عليه السلام)، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومنعة، فإمّا عزلته عنّا فشكرناك، وإمّا لا فعرفناك.

فقال معاوية: أتهدّديني بقومك؟! لقد هممت أن أحملَك على قَتَبٍ أشرس، فأردّك إليه يُنَفِذُ فيك حُكْمَه! فأطرقت تبكي، ثمّ تقول: 
صلّى الإله على جسمٍ تضمَّنَهُ قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا
قد حالف الحقَّ لا يبغي به بدلاً فصار بالحقِّ والإيمانِ مقرونا

قال لها: ومن ذلك؟ قالت: عليٌّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟!

قالت: قدمت عليه في رجلٍ ولّاه صدقتنا، قَدِمَ علينا من قِبَلِه، فكان بيني وبينه ما بين الغثّ والسمين، فأتيتُ عليّاً عليه السلام لأشكوَ إليه ما صنع بنا، فَوجَدتُه قائماً يصلّي، فلمّا نظر إليّ انفتل من صلاته! (ربّما كانت الصلاة نافلة، وربّما قيل: إنّ خدمة الناس عند عليَّ عليه السلام لا تقلّ أهميّة عن الصلاة)، ثمّ قال لي برأفة وتعطّف: ألكِ حاجة؟ 

فأخبرتُه الخبر، فبكى، ثمّ قال: اللهم إنّك أنت الشاهد عليّ وعليهم (يقصد ولاته)، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة جلدٍ كهيئة طرف الجواب، فكتب فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾1، ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾2، إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يَقدُمَ عليك من يقبضه منك، والسلام.

فأَخَذْتُه (والمتكلّم هو المرأة الهمدانية) منه. والله ما خَتَمَه بطين، ولا خَزَمَه بخزام، فقرأتُه!3.

1- سورة الأعراف، الآية 85.
2- سورة هود، الآيتان 85 - 86.
3- ابن طيفور، أبو الفضل بن أبي طاهر، بلاغات النساء، قم المقدسة، مكتبة بصيرتي، لا.ت، لا.ط، ص 31-33. ورواه ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 69، ص 226. ورواه ابن حمدون، محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي، التذكرة الحمدونية، تحقيق إحسان عبّاس وبكر عبّاس، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر، 1996م، ط1، ج2، ص21.


47

قوا أنفسكم نارا

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة 
• هل نراعي الأمانة في المحيطين بنا؟ 
• حلم الإمام الصادق عليه السلام داخل داره
• يحقّ لي تأديبهم

73


48

قوا أنفسكم نارا

 تصدير الموعظة

قال الله - عزّ وجلّ - في كتابه الكريم: 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾1.

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾2.

تمهيد الموعظة 
ما زال الحديث عن الدوائر التي قد يطالها الأذى من قِبلنا، وضرورة الالتفات إلى العمل على كفّ هذه المسألة، والعودة إلى رضوان الله. وذكرنا ضرورة أن يتّق المؤمن في قواعد وحقوق الخلق، وهي عدم التعرض لأموال وأعراض ودماء الناس، والذي يكون عبر صور مختلفة، منها إطلاق الرصاص، والاعتداء على أملاك الناس، وترويع الآمنين وإخافتهم، وعظم هذه الأمور من الناحية الدينية.

هل نراعي الأمانة في المحيطين بنا؟ 
من أصعب الدوائر التي لا نتنبه إلى إيذائنا لها في بعض الحالات، ولا نراعي معها الأمانة في القول أو الفعل، وفي بعض الأحيان من غير التفات، هم المحيطون بنا؛ أي الزوجة والأولاد والأشخاص الذين هم تحت أيدينا، الذين قد نظلمهم ولا نتنبه إلى هذا الظلم، وآخر أمرٍ بعد التنبه يمكن أن نفكّرَ فيه هو الاعتذار منهم.

1- سورة الأنفال، الآيتان 27 - 28.
2- سورة الأنفال، الآية 58

 

75

  


49

قوا أنفسكم نارا

 والزوجة من أعظم الأمانات، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصيكم في يوم عرفة بقوله: "فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ"1.

والمفارقة أنه كيف يمكن لشخصٍ أن يدّعي صدق الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام ويسيء إلى زوجته أو أولاده، ولا يؤدّي الأمانة إلى أهلها على أكمل وجه! هل شعرت بأن ولي أمر زوجتك قد أكرمك يومًا بأن وثق بك، بل هل علمت أن أهل الزوجة جميعهم أكرموك بابنتهم، بثمرة فؤادهم، فقل لي بربك كيف قابلت ذاك الإكرام؟ 

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم"2. ما أجمل ما قاله الشاعر: إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا. وأي مسوغ شرعي يجيز لك ذلك! رُبَّ إنسان يأتي في يوم القيامة وهو يحمل على ظهره خمسين سنة من الظلم لزوجته، فيدخل النار بذلك، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾3.

وهذه الدائرة لا نتنبّه إلى كفّ الأذى عن الناس فيها، وكأنَّ هؤلاء ليسوا أناساً، لماذا؟ 
ألأن الله - عزّ وجلّ - قال في كتابه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾4 5

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج21، ص405.
2- الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 20، ص 171. وراجع: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج13، ص313. 
3- سورة طه، الآية 111.
4- سورة النساء، الآية 34.
5- قدّم الإمام الخامنئي دام ظله في مراسم عقد مجموعة من الشباب معنى لها، خلاصته: "أن الإشراف على أمور البيت يقع على عاتق الرجل، وعلى الرجل أن يذهب ويعمل ويتولى إعالة العائلة ومعاشها. وكل ما تمتلكه المرأة من ثروة فهو لها، وليست معيشة العائلة على عاتقها. وليس الأمر بحيث نقول إن المرأة يجب أن تتبع الرجل في كل المواطن، كلا، ليس لدينا مثل هذا الأمر، لا في الإسلام ولا في الشرع. آية "الرجال قوّامون على النساء" ليس معناها أن تكون المرأة تابعة لزوجها في كل الأمور، لا.. أو أن نقول مثل بعض هؤلاء الذين لم يروا الغرب ويسلكون سلوكاً أسوء من الغربيين في تقليدهم للغرب، إن المرأة يجب أن تكون الكل في الكل ويكون الرجل تابعاً لها، لا، هذا أيضاً خطأ. هما بالتالي شريكان ورفيقان، وعلى الرجل أن يتنازل في بعض المواطن، وعلى المرأة أن تتنازل في بعض المواطن. أحدهما يتنازل عن ذوقه وإرادته هنا، والآخر يتنازل في موضع آخر، ليستطيعا العيش سويّة. لكن الله تعالى جعل بين المرأة والرجل اختلافات طبيعية. جعل الله تعالى طبيعة المرأة ظريفة. بعض أصابع يد الإنسان كبيرة وضخمة جداً ومناسبة جداً لاقتلاع صخرة من الأرض، ولكن ليس من المعلوم أن بوسعها رفع جوهرة صغيرة جداً أو لمسها. وبعض الأصابع ظريفة ورفيعة ولا تستطيع رفع تلك الصخور، لكن بمقدورها جمع تلك الجواهر الصغيرة وبرادة الذهب من على الأرض. وهكذا الرجلُ والمرأة، لكلّ منهما مسؤولياته، ولا يمكن القول مسؤولية مَن منهما أعظم وأثقل؛ مسؤولية عليهما ثقيلة، وكلا المسؤوليتين لازمة؛ هكذا جعلهما الله إلى جانب بعضهما.

 

76

  


50

قوا أنفسكم نارا

 فيعتقد عندها أنه المحور الأصلي، والله أعطاه منصب القيمومية1 على بيته وعياله، وإن لم يلتفت إلى الضوابط الشرعية، وعندها تكبر الأنا بحيث لا يُبقي وجودًا للآخرين مِن حولِه، فيرى لنفسه:

الأفضلية: 
فهو أفضل منهم، بل يخلو من العيوب والنواقص، وهنا محل السقوط عند الله، فإن الله أعطاه هذه المزية الاجتماعية بشروط، وهي أمانة الله بين يديه. وما معيار الفضل عنده - عزّ وجلّ -، أليس من الممكن أن تكون الزوجة والولد بمقاييس الله - عزّ وجلّ - أفضل؟ والالتفات إلى الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام مفيد جدًّا: "لا يتمُّ عقلُ امرئ مسلمٍ حتّى تكون فيه عشرُ خِصالٍ: الخيرُ منه مأمول، والشَّرُّ منهُ مأمونٌ، يستكثِرُ قليلَ الخير من غيره، ويستقلُّ كثير الخير من نفسه، لا يسأمُ من طلب الحوائج إليه، ولا يملُّ من طلبِ العلم طولَ دهرِه، الفقرُ في الله أحبّ إليه من الغنى، والذُّلُّ في الله أحبُّ إليه من العِزُّ في عدوّه، والخمُولُ أشهى إليه من الشُّهرةِ". ثمَّ قال عليه السلام: "العاشِرةُ، وما العاشِرَةُ"، قيل له: ما هي؟ قال عليه السلام: "لا يرى أحداً إلّا قال: هو خيرٌ منّي وأتقى. إنّما الناسُ رجُلانِ: رجلٌ خيرٌ منه وأتقى، ورجلٌ شرُّ منهُ وأدنى، فإذا لقيَ الذي شرٌّ منه وأدنى قال: لعلَّ خيرَ هذا باطنٌ وهو خيرٌ له، وخيري ظاهر وهو شرٌّ لي، وإذا رأى الذي هو خيرٌ منه وأتقى تواضع له ليلحَقَ به. فإذا فعل

1- لا بدّ من إلفات النظر فيها إلى عدد من الأمور: 
الأمر الأوّل: إنَّ القيمومة لا تعدو عن كونها وظيفة أنيطت بالرجل استجابة لنداء الفطرة التي أودعت في جبلّته الاستعدادات المناسبة لهذه الوظيفة، فليست هي وساماً أعطي للرجل بدافع المحاباة، إذْ أنَّ خالق الرجل هو خالق الأنثى، وأن الأدوار التي تضطلع بها الأنثى لا تقلّ خطورة عن هذا الدور الذي أنيط بالرجل، كما أنها لا تقلّ تأثيرًا في عملية البناء الاجتماعي الذي أراد الله عزّ وجلّ- له أن يكون متماسكًا.
الأمر الثاني: إنَّ المفاضلة التي نشأ عنها إناطة القيمومة بالرجل ليست مطلقة، بل هي متمحضة فيما يتصل بمقتضيات القيمومة، والتي هي التعقل وحسن التدبير، فالرجل أكثر كفاءة من المرأة في هذا المجال، وهذا لا يعدُّ انتقاصاً لإنسانية المرأة، لأنَّ الإنسانية الكاملة لا تتقوّم على أساس أنَّ الواجد لها يجب أن يكون أكثر تعقّلًا وأحسن تدبيرًا، كما لا يعدُّ ذلك تقليلًا من دور المرأة في عملية البناء الاجتماعي، فله دور أكبر منه في ذلك.
الأمر الثالث: إن القيمومة لا تعني التسلّط والهيمنة، ولا تبرّر الاستبداد والظلم، وإنما هي وظيفة إدارية في إطار مؤسسة اجتماعية واسعة أو صغيرة، والمؤسسة تتقوّم بمجموع أعضائها والمنتسبين إليها، ولكلٍّ موقعه ودوره، لا يصحّ ابتزازه، ولا التقليل من أثره وعلى كاهل الجميع تناط مسؤولية إنجاح المؤسسة، وبالجميع تصل إلى غايتها وأهدافها.

 

77

  


51

قوا أنفسكم نارا

 ذلك فقد علا مجدُهُ وطابَ خيرهُ وحسُنَ ذِكرُه وساد أهلَ زمانه"9. فهل يمكن لنا أن نرَ مَن تحت يدنا أفضل حالًا منا؟!

الحقوق الخاصة: 
فكيف يحقّ له إدخال الرعب على قلوبهم، ولو لخطأ بسيط، فيصرخ ويشتم بأعلى صوته، كأنه مسؤول عسكري له الحقّ في الأمر والنهي. ولهذا، ألا يخاف يوم القيامة أن يعامله الله - عزّ وجلّ - بالمثل كما ورد في دعاء المولى الإمام علي بن الحسين عليه السلام: "فَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِالْمَخْزونِ مِنْ أَسْمائِكَ1، وَبِمَا وَارتْهُ الْحُجُبُ مِنْ بَهَائِكَ، إلاَّ رَحِمْتَ هذِهِ النَّفْسَ الْجَزُوعَةَ، وَهَذِهِ الرِّمَّةَ الْهَلُوعَةَ2، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ حَرَّ شَمْسِكَ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ حَرَّ نارِكَ! وَالَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ صَوْتَ رَعْدِكَ، فَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ صَوْتَ غَضَبِكَ! فَارْحَمْنِي اللَّهُمَّ، فَإنِّي امْرُؤٌ حَقِيرٌ، وَخَطَرِي يَسِير3"4.

أيها الصارخ بغضب، والمنتفخة أوداجُك بعصبية، من أجل طعام أو ملح زائد، أو سبب تافه، والمُدخِل إلى قلوب عيالك الخوف والألم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الفزع، بل قد ينامون لليالي وقلوبهم مليئة بالخوف، فقط تصوّر هذا المعنى. أما تخاف أن يصرخ عليك الربّ القدير يوم القيامة فيدخل الرعب في قلبك في يومٍ أمسّ ما تكون فيه الحاجة إلى الرحمة! تأمل في حال مواليك عليهم السلام فيما يأتيك في القصص الآتية.

1- هو اسم يتّسم بكونه مخزونًا- لم يطّلع عليه أحد، ومكنونًا لم يطّلع عليه أحد، حيث إن الفارق بين المخزون والْمَكْنُونِ أن الأول يتضمن صفة الموجود في نطاق ما، أما الْمَكْنُونُ فيعني: المخفي. وقد فسرت العبارتان الآتيتان فلسفة وفاعلية هذه السمات بقوله عليه السلام: "الذي استأثرت به في علم الغيب عندك، لم يطّلع عليه أحد من خلقك". ابن طاووس، السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسني الحسيني، مهج الدعوات ومنهج العبادات، لا.م، كتابخانه سنائى، لا.ت، لا.ط، ص68-. وسرّ ذلك هو: عظمة وقدسية الاسم المتجانس مع عظمة وقدسية الله تعالى بنحو مطلق.
2- الهلع قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يُحزنها أو ما يسرّها، أو عند توقع ذلك والإشفاقِ منه. وأما الجزع فمن آثار الهلع، وقد فسّر بعض أهل اللغة الهلع بالشَّرَه، وبعضهم بالضَّجَر، وبعضهم بالشُّح، وبعضهم بالجوع، وبعضهم بالجبن عند اللقاء.
3- وبما وارته-؛ أي: أخْفته. الحجب- تشبيهًا بالحجاب الذي يجعله الملك على بابه لئلّا يبذل للأعين فتسقط هيبته. من بهائك-؛ أي: رفعتك، فإن ذاته وصفاته تعالى مخفية للناس. التي لا تستطيع حرّ شمسك - وتتأذّى به. فكيف تستطيع حرّ نارك- في جهنم! والتي لا تستطيع صوت رعدك -؛ لأنه يخاف من الصوت إذا اشتدّ فكيف يستطيع استماع صوت غضبك -! فإن جهنم تزفر، والملائكة الغلاظ الشداد يصيحون، إلى غير ذلك من الأصوات المهوله التي تنشأ من غضبه سبحانه على الكافرين والعصاة.
4- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، ص248، دعاء 50 في الرهبة.

 

78


52

قوا أنفسكم نارا

 حلم1 الإمام الصادق عليه السلام داخل داره

ذكر المؤرخون والرواة الكثير من المواقف المعبِّرة عن سعة حلم الإمام الصادق عليه السلام، نُشير هنا إلى بعض تلك المواقف التي نقلها الرواة فيما يرتبط بشؤون الإمام الخاصة داخل بيته: 
في كيفية تعامل الإمام مع غلمانه، والذين يعملون ويخدمون عنده، كانت في منتهى العطف والرأفة. فعلى الرغم من ما يجده من مشاكسة بعضهم، أو إهمال بعضهم، أو تقصير بعضهم عن القيام بالمهمَّات التي أُنيطت بهم، إلَّا أنه يُقابل ذلك بسعة صدر، ورحابة قلب. 

ذكروا أنَّ الإمام عليه السلام بعث غلاماً له في حاجة، فذهب وأبطأ كثيراً، فخرج الإمام عليه السلام يبحث عنه، فوجده نائماً في ناحية، فما أزعجه وما أيقظه، بل وجد عليه آثار الإرهاق - نتيجة الحرّ -، فأخذ يُروِّحه! وبعد أن اكتفى ذلك الغلام واستيقظ، ابتسم الإمام عليه السلام في وجهه، وقال له: "يا غلام، لك الليل، ولنا النهار"، ورد عن ابن عيسى، عن عبد الله الحجال، عن حفص بن أبي عايشة، قال: بعث أبو عبد الله عليه السلام غلامًا له في حاجة فأبطأ، فخرج على أثره لما أبطأه، فوجده نائمًا، فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: "يا فلان، والله ما ذلك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل، ولنا منك النهار"2. كل ذلك دون أن يُوبِّخه ويُقرِّعه كما يفعل بعضٌ، فكان ذلك مثالاً ينبغي أن يَحتذي به كلُّ من كان تحت يده مستأجرون يعملون عنده.

1- معنى الحِلْم لغةً: الأَناةُ والعقل، وجمعه: أَحْلام وحُلُوم. والحِلْم خلافُ الطَّيش، يقال: حَلُمْتُ عنه أحلُم، فأنا حليمٌ-. 
معنى الحِلْم اصطلاحًا: عُرِّف الحِلْم بعدَّة تعريفات، منها: ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب، وقيل هو: الطُّمَأْنِينَة عند سَوْرَة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظَّالم. فالحِلْم يشتمل على المعرفة والصَّبر والأَنَاة.
2- الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 15، ص 266.

 

79


53

قوا أنفسكم نارا

 يحقّ لي تأديبهم 

وقد ينطلق بعضٌ في ظلمه وأذاه من أساليب ظلم قد لا تجدها إلا عند الظلمة، من قبيل: 
الضرب والركل والسبّ والشتم1
ولمثل هذا يذوب القلب من الكمد حزنًا، حين يظلم الزوج زوجته، فيضربها ضربًا مبرحًا، وربما حصل هذا أمام أبنائها وبناتها، أو يضرب الأولاد، فبأيّ نفس يعيش هؤلاء الأبناء! وكيف يتقبّلون أباهم وهم يرون صور الظلم بأنواعه يُطبَّق عليهم! وربما تكرّرت هذه المشاهد أمامهم، ولا شكّ في أن النتائج ستكون عكسية والآثار سيّئة، وربما احتاجت إلى وقت كبير للعلاج.

وللتنبيه، أنت تعتدي على مَن؟ تضرب مَن؟ تتقوى على مَن؟ على زوجتك وأولادك الضعاف. أما تخشى الله الواحد القهار! هل غرتك قدرتك عليهم! 

اعلم أن الله أقدر عليهم، فإذا ما دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكّر قدرة الله عليك ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾2، وفي مورد أخر ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾3.

واعلم أيها الظالم الغشوم أنه قد يسلّط الله عليك من هو أظلم منك، فتحسّ بالظلم وآثاره، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. هذا الظلم الذي تصبّ جام غضبه على هذه المرأة الضعيفة، ماذا لو ابتلاك الله بواحد فيظلم إحدى بناتك أو أختك أو إحدى قريباتك! هل ترضى هذا الأمر لنفسك أو لأحد من أهلك! وقد ورد في الحديث القدسي "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي،

1- الشتم: تقبيحُ أمر المشتوم بالقول، وأصله من الشتامة، وهو قبح الوجه. ورجل شتيم: قبيحُ الوجه. وسُمّي الأسد شتيمًا لقبح منظره. والسبّ هو الإطناب في الشتم والإطالة فيه، واشتقاقه من السبّ، وهي الشقة الطويلة، ويقال لها سبيب أيضًا. وسبيب الفرس: شعر ذنبه، سمي بذلك لطوله خلافَ العُرف. والسبَ: العمامةُ الطويلة. فهذا هو الأصل، فإن استعمل في غير ذلك فهو توسع.
2- سورة إبراهيم، الآية 47.
3- سورة البروج، الآية 12.

 

80

  


54

قوا أنفسكم نارا

 كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبـَادِي، كُلُّكـُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُـهُ، فَاسْتَكْسُونِـي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ"1.

 

واعلم أن الله إذا أراد أخذ العصاة أخَذهم أخذًا شديدًا، فهو سبحانه يؤكّد في الكريمة المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا2 الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾"3.

ولا بدّ من لفت النظر إلى أن منه المناداةَ للزوجة أو الأولاد بأسماء قبيحة، تنقيص قيمة/ قدر أهل الزوجة، تنقيص قيمة/ قدر الزوجة أمام أهله، والاستهزاء بالزوجة أمام أولاده.

الحرمان: 
ومن أساليب الظلم منعُ الزوجة والأولاد من حقوقهم، وحرمانهم بكل أنواع الحرمان المادي والعاطفي، إلى غير ذلك من أنواع الحرمان وبقية الحقوق، من قبيل المنع من زيارة الأهل، أو حتى السلام عليهم، بل بعضٌ لا يُظهر الحبّ أو التعبير به قولًا أو فعلًا لا لها ولا لأولادها، فهل ستحلّ هذا المنزل السكينة! 

في الحديث القدسي عن النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُرْفَعُ فَوْقَ الْغَمَامِ، فَيَنْظُرُ الرَّبُّ (جَلَّ جَلَالُهُ) فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ"4.

 

 

1- مسلم النيسابوري، الجامع الصحيح صحيح مسلم-، ج8، ص17. 
2- والفتن في اللغة: هو الإحراق، ومنه الفتنة. فتن الذهب: وضعته على النار؛ حتى يتميز طيبه من رديئه ومغشوشه، فالفتن هو الإحراق. وأقرب ما نقول في لفظ: فَتَنُوا- هنا: أحرقوا المؤمنين، وابتلوهم أيضاً بالنار. والعذاب والفتن: المعاملة بالشدة، والإيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلّصًا إلا بعناء أو ضرّ أخفّ أو حيلة.
3- سورة البروج، الآية 10.
4- الطوسي، أبو جعفر الشيخ محمد حسن، الأمالي، ج1، ص286.

 

 

 

81

  

 


55

قوا أنفسكم نارا

 تحميل الزوجة ما لا تطيق: 

بعض الأزواج يحمّل الزوجة ما لا تطيق من الأعمال المنزلية، الاجتماعية، تربية الأطفال وتدريسهم، وغيرها من الأمور، وفي بعض الأحيان يكون متخلّيًا عن مسؤولياته بشكل كامل، إما عبر الهاتف، أو صفحات التواصل، أو عبر الجلوس مع أصدقائه لساعات طويلة، أو في مشاهدة التلفاز، أو في نصح شابّة أخرى وأولادُه بأمسّ الحاجة إلى ذلك. يجب أن نتّقي الله بهم، فالمرء يُجزى على تأدية الحقوق المتعلّقة بأسرته، إِنْ خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾1.

ولا يمكن أن تكون المرأة كالآلة الصمّاء، تعمل دون أن تُعبَّر، أو أن تستريح، فهو أمر متعذر، فالمرأة يعتريها المرض ويصيبها الحمل، وتأتيها الدورة، وكلّ هذه العوارض تُضعِف من نشاطها، وتقلّل من فعاليتها، وهذا أمر طبيعي، فلا بدّ من الصبر عليها عند المرض، ولا بدّ من إعانتها في مثل تلك الظروف. تصوّر نفسك مكانها، وقد أصابك ما أصابها، ربما لا تطيق أن تكلّم أحداً، فضلًا عن أن تقوم بخدمته وقضاء حاجته!! فرفقًا بزوجتك!

أو لا تكون هي المصداق لنفسك قبل أخيك، في أن تحبّ لها ما تحبّ لنفسك، فهي أم أولادك، وقرينة حياتك، وموضع سرّك.

الحياة الزوجية الخاصة: 
من قبيل عدم تجمّل الزوج لزوجته، فهو يطالبها بأن تتزين له، وأن تستعدّ له بأحسن اللباس، وأحسن الطيب، ولكن نسي نفسه هو، فرائحته تشمئزّ منها النفس، ورائحة الدخان تتصاعد من فمه. وإنك لتعجب من بعض الرجال الذي لا يعرف التجمّل إلا في المناسبات والاجتماعات. 

يقول ابن عباس (رضوان الله عليه) إني لأحبّ أن أتزين للمرأة كما أحبّ أن تتزين لي المرأة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾2.

1- سورة التحريم، الآية 6.
2- سورة البقرة، الآية 228.

 

82

  


56

قوا أنفسكم نارا

 والمطلوب أن يطيّب لها القول ويحسّن لها الفعل والهيئة بحسب القدرة، كما يحبّ ذلك منها. 

 

ومنه أيضًا، وهو من أعظمه، كشف الأسرار الزوجية، خاصة ما يتعلق بأمور الفراش.

فليتق اللهَ تعالى الزوجُ، وليكفّ لسانه عن ذكر أسرار بيت الزوجية حتى لأقرب الناس إليه، إلا في موارد محددة.

يجب التنازل عن حقها حتى أطلّقها!
هب أن الأمور وصلت إلى حدّ لا يمكن فيه التعايش بين الزوجين، وهو أبغض الأمور عند الله، فقد يعمد بعضٌ إلى الضغط وتهديد الزوجة للتنازل عن حقها، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾1، ومعنى الإعضال أن يمنعها ويضيِّق عليها حتى تعطيه بعض الصداق، أو أن يضربها لأجل ذلك، أو يهددها بمنعها من أولادها، وغير ذلك من الصور المتعارفة.

واعلم أيها الزوج أنّك إذا ظلمت زوجتك فالله ليس بغافل عن إضرارك، لا والله، فكم لله من نقم وسطوات تنزّلت على بعض بسبب تلك الدعوات من النساء المظلومات، وكم من رجل تنغّصت عليه عيشته، وتنكّدت عليه حياته بظلمه لمؤمنة آمنت بالله، فرفعت كفّها مظلومة، واشتكت إلى الله! واعلم أن الله قد سمع قول المرأة التي جاءت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تشكو حالها وتجادله في زوجها2.

 

 

1- سورة النساء، الآية 19.

2- كما ورد في الآية الشريفة من سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ سورة المجادلة، الآية 1-، وقد جاء في تفسير القمّي: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاّد، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "إنّ امرأة من المسلمات أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إنّ فلان زوجي قد نثرت له بطني، وأعنته على دنياه وآخرته، لم يرَ منّي مكروهًا، أشكوه إليك. قال: فيم تشكينه؟ قالت: إنّه قال: أنتِ عليّ حرام كظهر اُمّي، وقد أخرجني من منزلي، فانظر في أمري. فقال لها رسول الله: ما أنزل الله تبارك وتعالى كتاباً أقضي فيه بينك وبين زوجك، وأنا أكره أن أكون من المتكلّفين، فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله - عزّ وجلّ - وإلى رسول الله، وانصرفت.

 

قال: فسمع الله تبارك وتعالى- مجادلتها رسولَ الله في زوجها وما شكت إليه، وأنزل الله في ذلك قرآنًا: بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها- ـ إلى قوله ـ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ سورة المجادلة، الآية 2-.

 

قال، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المرأة، فأتته، فقال لها: جيئي بزوجك، فأتته، فقال له: أقلتَ لامرأتك هذه: أنتِ حرام عليّ كظهر اُمّي؟ فقال: قد قلت لها ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل الله تبارك وتعالى- فيك وفي امرأتك قرآنًا، وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها- ـ إلى قوله تعالى ـ إنّ الله لعفو غفور-، فضُمّ إليك امرأتك، فإنّك قد قلت منكراً من القول وزوراً، وقد عفى الله عنك وغفر لك، ولا تعد. علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، تصحيح وتعليق وتقديم السيد طيب الموسوي الجزائري، قم - إيران، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1404ه، ط3، ج2، ص353-354.

 

 

83

  

 


57

قوا أنفسكم نارا

 وقفة تأمّليّة

هاربٌ منك إليك
ينقل سماحة العلّامة الشيخ حسن الرمضاني عن سماحة آية الله العارف الشيخ حسن زاده الآملي، عند سفري في العطلة الصيفية إلى آمل، وضعتُ برنامجًا مكثفًا ومتعبًا من ناحية الدراسة والبحث العملي والخطابة، وكنت أصلُ متعبًا بعد الضهر، وبعد الغداء أشعر بحاجتي إلى النوم مباشرة، وخصوصًا أن الحرّ كان شديدًا.

وفي يومٍ عدت إلى منزلي، وتهيأت للنوم، لكن سرعان ما ارتفع صوت ضجيج الأطفال في حديقة المنزل، بصورة منعتني من النوم، الأمر الذي أفقدني القدرة على السيطرة على أعصابي، إلى درجة خرجت من الغرفة، وبدأت بالصراخ عليهم، ففرّ كبيرهم من بين يديّ، واستطعت أن ألحق بالأوسط وأضربه على ظهره، ثم لحقت أصغرهم إلى ساحة المنزل، وحاصرته في زاوية، لم يقدر بعدها على الفرار إلى أيّ جهة، فلما وجد أن الطرق كلها مسدودة، ولا مجال للفرار إلى أيّ مكان، فإذ به فجأة يلقي بنفسه عليّ، ويستعيذ بشرّي!!

أثّر عمله في داخلي، فرجعت إلى نفسي، وشعرت بالخجل الشديد من نفْسي ومن عملي، وحزنت بعمق، وضاق صدري، وسيطر عليّ شعور شديد بالحزن... لأنني عندها علمت حقيقة معنى "وَأَنَا يَا سَيِّدِي عَائِذٌ بِفَضْلِكَ، هَارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ.."1، فأفقدني ذلك الأمرُ القرارَ، وبقي الهمّ والغمّ والحزن يسيطر على قلبي، إلى أن ذهبت إلى أستاذي2.

1- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، مؤسسة فقه الشيعة، لبنان - بيروت، 1411ه - 1991م، ط1، ص584.
2- الشيخ حسن الرمضاني، الخطوة الأولى نحو الأفاق، ص 55-56، بتصرّف.


58

حتى لا تستبدلوا

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• أين نجد ما عملنا مُحضَرًا؟ 
• تأمل في ليلتين
• وما الحال بعد الموت؟ 
• هل نبقى في نحيب وأنين؟ 
• ما الحرمات التي هي أعظم من الكبائر؟ 
• من مصاديق الحرمات
• فما عاقبة الفعل؟ قتل المجاهدين

85

  


59

حتى لا تستبدلوا

 تصدير الموعظة

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾1.2

تمهيد الموعظة
ذكرنا في الموعظة السالفة أنّ المرء قد لا يراعي صدور الأذى إلى الدائرة القريبة منه؛ أي الزوجة والأولاد، من باب قيموميته وما ينتج عنها من اعتقاد خاطئ بالأفضلية والميزة والحقوق الخاصة، وأن له الحق في تأديبهم، فيدخل الرعب والأسى على قلوب عياله، ويتعدى حدود الله بالضرب أو الشتم أو الحرمان، أو تحميلهم ما لا يطيقون، أو الضغط على الزوجة للتنازل عن حقوقها في الطلاق.

أين نجد ما عملنا مُحضَرًا؟ 
ونحن نسير في دروب الحياة، ونتقلّب على هذه الأرض، كم نحن بحاجة إلى وقفة روحية، نجدّد بها الإيمان في قلوبنا، ونزيل عنها غبار الغفلة والذنوب.

1- اعلم أنه تعالى لمّا بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة، شرع هاهنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وبيّن الوعيد الشديد لمن يبخل ببذله فيه، وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله-، للمبالغة في بيان سوء صنيعهم، فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ سورة الحديد، الآية 7-، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، لاستجلاب العقاب عليهم، والتنصيص على شرِّه لهم، مع انفهامها من نفي خيره، للمبالغة في ذلك.
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ: بيانٌ لكيفية شرّ مآل ما بخلوا به. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا الوعيد على طريق التمثيل، أي سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق. وذهب آخرون إلى أنه على ظاهره، وأنه نوع من العذاب الأخرويّ المحسوس، وأيّدوه بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من آتاه الله مالًا فلم يؤدّ زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان - غدتان في رأسه مملوءتان من السمّ، يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه-، ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى آخرها. أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج2، ص 355.
2- سورة آل عمران، الآية 180.

 

87

  


60

حتى لا تستبدلوا

 ومن الآية أعلاه نحاول أن نطلّ على شيء من العظة، فهي مشيرة إلى حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي يوم القيامة، التطويق فيه، وهي من الحقائق العظيمة التي أوصانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة ذكرها، ومع هذا فالكثير لا يحبّون الحديث عنها، أو يتغافلون عن حقيقتها، إنّها حقيقة الموت والقيامة. قال الله - عزّ وجلّ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾1 2 3

إنها الحقيقة الكبرى، كل حيٍّ سيفنى، وكل جديدٍ سيبلى، وما هي إلا لحظةٌ واحدة، في مثلِ غمضةِ عين، أو لمحةِ بصر، تخرج فيها الروح إلى بارئها، فإذا العبد في عداد الموتى.

تأمل في ليلتين
ليلتان اثنتان اجعلهم في ذاكرتك، ليلةٌ في بيتك مع أهلك والعيال، مُنَعَّمًا سعيدًا، في عيش رغيد، وفي صحة وعافية، وتضاحِك أولادك وتلاعبهم.

والليلة التي تليها، بينما تجرّ ثياب صحتك منتفعًا بنعمة العافية، فرِحًا بقوّتك وشبابك، إذ يهجم عليك المرض، ويأتيك الضعف بعد القوّة، يحلّ الهمّ من نفسك محلّ الفرج، فتبدأ تفكّر في عمر أفنيته، وشباب أضعته، وتتذكّر أموالًا جمعتها، ودورًا بنيتها، وتتألم لدنيا تفارقها، وذريةٍ ضعاف تخشى عليهم الضياع من بعدك، وقد استفحل الداء، وفشِل الدواء،

1- المعنى اللغوي لقوله تعالى مَتاعُ الْغُرُورِ-: كلّ منفعة توجب الالتذاذ في الحال، وكلّ شيء يُنْتَفَعُ به ويُتَبَلَّغُ به ويُتَزَوَّدُ. فالفَناءُ يأْتي عليه في الدنيا، فما هو إلا بُلْغةٌ يُتَبلَّغُ به، ولا بقاء له، فإنما العَيْشُ متاع أَيام ثم يزول، أَي بَقاء أَيام. فكلُّ ما يُنْتَفع به من عُروض الدنيا، قَليلها وكثيرها، يوشك أن يزول عن صاحبه، فما الدنيا والانتفاع بما فيها إلا لذَّةٌ عاجلة وإن امتدت بعض الوقت، ومع ذلك فهي لذة ومتعة زائفة لا حقيقة، لها إذ إنّ متاعها غرورٌ ومتوهَّم، يحمل الإنسان على فعل ما يضره، مثل أن يرى السراب فيحسبه ماء فيضيع ماءه فيهلك عطشًا. وكيف لا، وما الدنيا إلا غُرور بالأَباطيل التي يَغُرُّ الشيطان - وهو الغَرُور - الناسَ بوعد كاذب وأمنيات مهلكة، فالدنيا متاعها غُرور مزيّن، ولا يحتاج إلى زينة إلا كل قبيح.
2- تتضمن الوعد للمصدق والوعيد للمكذب، وقد بدأ فيها بالحكم العام المقضي في حق كل ذي نفس. والتوفية هو الإعطاء الكامل. وقد استدلّ بعضهم بالآية على ثبوت البرزخ، لدلالتها على سبق بعض الإعطاء، وأن الذي في يوم القيامة هو الإعطاء الكامل، وهو استدلال حسن. والزحزحة هو الإبعاد، وأصله تكرار الجذب بعجلة، والفوز الظفر بالبغية. والغرور مصدر غرّ، أو هو جمع غار.
3- سورة آل عمران، الآية 185.

 

88

  


61

حتى لا تستبدلوا

 وحار الطبيب، ويئس الحبيب، ﴿وَجَاءتْ1 سَكْرَةُ2 الْمَوْتِ بِالْحَقِّ3 ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ4"5، ونزلت بك السكرات. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾, يعني انسحبت الروح من جسدك، بدءًا من أصابع القدمين، شيئًا فشيئًا، إلى أن وصلت إلى الحلقوم، بعيدَ عظام الترقوة. ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾، ينظرون إليك، قلقون عليك، يحدّقون بك، يضعون أيديهم على جبينك، وأيديهم على نبضك، يقيسون ضغطك، يسمعون ضربات قلبك، يعطونك المنعشات. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾6"7.

ولا تزال تعالج سكرات الموت، ويشتدّ بك النزع، حتّى إذا جاء الأجل، ونزل القضاء، وفاضت الروح، وبدأ الصراخ والبكاء، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا مِنْ بَيْتٍ إِلا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانَ قَدْ نَفِدَ أَكْلُهُ، وَانْقَطَعَ أَجَلُهُ، أَلْقَى عَلَيْهِ غَمَّ الْمَوْتِ، فَغَشِيَتْهُ كُرُبَاتُهُ، وَغَمَرَتْهُ سَكَرَاتُهُ، فَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعَرَهَا، وَالضَّارِبَةُ وَجْهَهَا، وَالْبَاكِيَةُ لِشَجْوِهَا، وَالصَّارِخَةُ بِوَيْلِهَا.

فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ عليه السلام: وَيْلَكُمْ، مِمَّ الْفَزَعُ؟ وَفِيمَ الْجَزَعُ؟ وَاللَّهِ، مَا أَذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ مِنْكُمْ رِزْقًا، وَلا قَرَّبْتُ لَهُ أَجَلًا، وَلا أَتَيْتُهُ حَتَّى أُمِرْتُ، وَلا قَبَضْتُ رُوحَهُ حَتَّى اسْتَأْمَرْتُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَةً ثُمَّ عَوْدَةً، حَتَّى لا أُبْقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا.

ثم قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: "فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ يَرَوْنَ مَكَانَهُ وَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ

1- المجيء مجاز في الحصول والاعتراء، وفي هذه الاستعارة تهويل لحالة احتضار الإنسان وشعوره بأنه مفارق الحياة التي ألفها وتعلّق بها قلبه.
2- اسم لما يعتري الإنسان من ألم أو اختلال في المزاج، يحجب من إدراك العقل، فيختلّ الإدراك، ويعتري العقل غيبوبة. وهي مشتقة من السكر بفتح فسكون، وهو الغلق، لأنه يغلق العقل. ومنه جاء وصف السكران.
3- الباء في قوله بالحق- للملابسة، وهي إما حال من سكرة الموت-، أي متصفة بأنها حق، والحق: الذي حَقَّ وثبت فلا يتخلّف، أي السكرة التي لا طمع في امتداد الحياة بعدها، وإما حال من الموت، أي ملتبّسًا بأنّه الحق، أي المفروض المكتوب على الناس، فهم محقوقون به، أو الذي هو الجدّ ضدّ العبث.
4- تحيد: تفر وتهرب، وهو مستعار للكراهية، أو لتجنب أسباب الموت.
5- سورة ق، الآية 19. 
6- معناه أن الله تعالى يراه من غير مساقة بينه وبينه، فلا شيء أقرب إليه منه، وأقرب من كل من يراه بمسافة بينه وبينه. "ولكن لا تبصرون" معناه: ولكن لا تعلمون ذلك لجهلكم بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز. ويحتمل أن يكون المراد ولكن لا تبصرون الله-، لأن الرؤية مستحيلة عليه. وقيل، معناه: ولكن لا تبصرون الملائكة التي تتولى قبض روحه.
7- سورة الواقعة، الآيتان 85-86.

 

89

  


62

حتى لا تستبدلوا

 لَذَهِلُوا عَنْ مَيِّتِهِمْ، وَلَبَكَوْا عَلَى نُفُوسِهِمْ، حَتَّى إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتِ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَتْ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتٍ: يَا أَهْلِي وَيَا وَلَدِي، لا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا لَعِبَتْ بِي، وَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَمَا غَرَّتْنِي، جَمَعْتُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ، وَمِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ثُمَّ خَلَّفْتُهُ لِغَيْرِي، فَالْمَهْنَأَةُ لَهُ وَالتَّبِعَةُ عَلَيَّ، فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا حَلَّ بِي"1.

 

وما الحال بعد الموت؟ 
ينقسم الناس عند الموت وشدتّه، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، إلى فريقين: 
الأول: المبشَّرون بالجنّة: 
فحالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾2، ألّا تخافوا ممّا أمامكم من أهوال الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفكم في الدنيا من الأهل والولد والمال. نحن أولياؤكم في الآخرة، نؤنسكم من الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور.

الثاني: المبشَّرون بعذاب الهُون: 
فحالهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ3 الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ4 بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾5.

1- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص189.
2- سورة فصلت، الآية 30.
3- الغمرة بفتح الغين: ما يغمُر، أي يَغُمّ من الماء، فلا يترك للمغمور مخلصاً، وشاعت استعارتها للشدّة تشبيهاً بالشدّة الحاصلة للغريق حين يغمره الوادي أو السّيل، حتّى صارت الغمرة حقيقة عرفيّة في الشدّة الشّديدة، وجَمْع الغمرات يجوز أن يكون لتعدّد الغمرات بعدد الظّالمين، فتكون صيغة الجمع مستعملة في حقيقتها، ويجوز أن يكون لقصد المبالغة في تهويل ما يصيبهم بأنّه أصناف من الشّدائد، هي لتعدّد أشكالها وأحوالها لا يعبَّر عنها باسم مفرد، فيجوز أن يكون هذا وعيداً بعذاب يلقونه في الدّنيا في وقت النّزع. ولمّا كان للموت سكرات، جُعلت غمرةُ الموت غمَرات.
4- الهُون: الهَوَان، وهو الذّلّ، وفسّروه بالهوان الشّديد. وإضافة العذاب إلى الهون لإفادة ما تقتضيه الإضافة من معنى الاختصاص والمِلك، أي العذاب المتمكّن في الهُون المُلازم له.
5- سورة الأنعام، الآية 93.

90

  

 


63

حتى لا تستبدلوا

 هل نبقى في نحيب وأنين؟ 

لا يعني تذكّر الموت، أو الحديث عن أهوال يوم القيامة وعقباتها، كثرةَ الحزن وطول النحيب وزفرة الأنين مع الإقامة على التفريط، ودون المبادرة إلى التوبة، والمسارعة إلى الأوبة. تذكُّرنا للموت يجب أن يقترن بخوفنا من سوء الخاتمة، وإنّما الأعمال بخواتيمها.

ما الحرمات التي هي أعظم من الكبائر؟ 
وهناك ذنوب لا نلتفت إليها، وقد تكون أعظم من الذنوب الكبيرة، لما لها من انعكاس على المجتمع بشكل عام. فالذنب الكبير غالبَ الأحيان يكون أثر ذنبه راجع على الفرد نفسه، أما الذنب الذي يكون فيه تقصير اتجاه المجتمع، والذي قد يؤدّي إلى إضعافه وإسقاطه، وما يلحق من تهديم له أو إظهاره بمظهر الهوان، ومنها التعرض للمجاهدين العظام، وعدم إعانتهم، والذي نتنعّم اليوم بالنعم الإلهية المادية والمعنوية ببركة دمائهم الطاهر، فلولا جهادهم ما کنّا ندري أيّ نهج انتهجنا، وأيّ طريق سلكنا، وإلى أين وصلنا، وفي أي أرض سكنّا، بل في أي رقّ حيّنا، وأين سُبيت حرائرنا، واستُعبدت أكبادنا؟.

إنّنا مدينون لهم بأمننا، ووجودنا، وهذا الدين أمانة في أعناقنا إلى يوم القيامة. وإن كنّا لم نتمكّن من أداء شكر هذه النعم، وعرفان جميل مُنعِمها، كم هو قبيح أن يعمد بعضٌ، على الرغم من كلّ هذه البركات التي حظينا بها، جهلًا أو عدوانًا وبمنتهى نكران الجميل؛ إلى إغماض عينيه عن كلّ شيء وإنكار جميع الحقائق والتشكيك بها. إنّني لا أظنّ أنّه يمكن تصوّر كفران للنعمة أقبح وأشدّ من ذلك1، وقد اعتبر بعض العلماء التعرضَ للمجاهدين من أعظم الحرمات عند الله - عزّ وجلّ -.

1- من كلام العلّامة الشيخ مصباح اليزديّ، ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 22 أيلول 2010م، في شرح جملة "وجعل الجهاد عزًّا للإسلام".

 

91

  


64

حتى لا تستبدلوا

 من مصاديق الحرمات 

الأذية المعنوية: 
ويكون إلحاق الأذى عبر اللسان، أو التنظير على جهادهم، والْتهام لحومهم عبر الغيبة أو البهتان، أو اللغو، أو إشاعة الفاحشة19 والتفكّه بها، وتوجيه التهم الباطلة ضدّهم، في المجالس العامّة أو الخاصّة أو صفحات التواصل الاجتماعي. وقد ورد عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنِ اغْتَابَ مُؤْمِناً غَازِياً وَآذَاهُ أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ، نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسْتَغْرِقُ حَسَنَاتِهِ، ثُمَّ يُرْكَسُ فِي النَّارِ رَكْساً إِذَا كَانَ الْغَازِي فِي طَاعَةِ اللَّهِ - عزّ وجلّ -"1.

وما أجمل تعبير المتنبي2:
لا خَيْل عِندك تُهْدِيها ولا مالُ فلْيُسْعِد الـنُّطْقُ إن لم تُسْعِد الْحالُ

الأذية الأمنية: 
من أعظم مصاديق الأذى، إذاعة وإفشاء المرء سرَّ أخيه المجاهد، حتّى مع اختلافهما أو افتراقهما. والفاشي هنا يتحمّل أمام الله يوم القيامة وزرَ ما أقدم عليه. ومن البديهي أن من الأمور الرئيسة والخطيرة لأيّ تجمّع جهادي هو أسراره وأساليب تحرّكه، والأعداء يبثّون وسائلهم التجسسية في المجتمعات لتحصيل المعلومات عن المجاهدين وتحرّكاتهم وأساليبهم في العمل، بغية الإيقاع بهم.

1- ما معنى الفاحشة؟ تُطلق الفاحشة بصورة عامة على كل عمل أو قول يشتدُّ قبحه، لكن المقصود بها في النصوص الدينية هي الذنوب والمعاصي الكبيرة.
ما معنى إشاعة الفاحشة؟ المقصود بإشاعة الفاحشة هو إذاعة ونشر أخبارها والتحدث عنها، لما فيها من المفاسد الفردية والاجتماعية، فتوعَّد الذين يقومون بنشر الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
رَوى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مَنْ‏ أَذَاعَ‏ الْفَاحِشَةَ كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا، ومَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ‏ءٍ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَرْكَبَهُ" الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص 296-. كما رُوي عنه عليه السلام أنَّهُ قال: "مَنْ‏ قَالَ‏ فِي‏ مُؤْمِنٍ‏ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وسَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - عزّ وجلّ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص357-، وكذلك رُوي عنه أنَّهُ قال: "مَنْ‏ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ سَتَرَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَنْ هَتَكَ سِتْرَ مُؤْمِنٍ هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج9، ص109-.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص9. 

 

92


65

حتى لا تستبدلوا

 فما عاقبة الفعل؟ قتل المجاهدين 

فعن الإمام الصادق عليه السلام "أما والله ما قتلوهم بأسيافهم، ولكن أذاعوا سرّهم وأفشوا عليهم فقتلوا"1.

والحفاظ على أسرار المجاهدين يعني أن يضرب أبناء المجتمع الحاضن حذَرًا أمنيًا لمنع تسرب أيّ معلومة عنهم للأعداء، فحتى ما تتصوّره جزئية، فهي مهمّة وخطيرة لدى الطغاة، حتّى ولو كلمة واحدة، فإنّها قد تؤدّي إلى كشف مكانهم أو خططهم، أو قتلهم، فما النتيجة؟ الشراكة في دمهم. 

عن الإمام الصادق عليه السلام: "يجيء يومَ القيامة رجلٌ إلى رجل حتّى يلطخه بالدم والناس في الحساب، فيقول: يا عبد الله، مالي ولك؟ فيقول: أعنتَ عليَّ يومَ كذا وكذا بكلمة فقُتلت"2. وفي رواية أخرى عن الإمام أبي جعفر عليه السلام: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدر محجمة من دم، فيقول: والله، ما قَتلت ولا شركت في دم، فيقال: بلى، ذكرت عبدي فلانًا، فترقى ذلك حتى قُتل، فأصابك من دمه"3.

الأذية المادية: 
ولا شكّ في أن الدنيا هي دار بلاء واختبار وامتحان، وخصوصًا في المادّيّات، والمؤمن فيها ما بين عسر ويسر لاختبار وامتحان، فلو مرّت ساعة عسر وضيق على المؤمن- ومن أبرز مصاديقه المجاهد-، ولم نُعِنْهُ، فما النتيجة؟ 

خذلانك عند الحاجة: 
ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ - عزّ وجلّ - فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ"4.

1- الشيخ الكليني، الكافي ج2، ص371، ح7.
2- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 29، ص18، ح 35043.
3- الشيخ الكليني، الكافي ج7، ص273، ح10. الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 29، ص 17، ح43041.
4- أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج4، ص30.

 

93

  


66

حتى لا تستبدلوا

 العذاب الشديد يوم القيامة: 

أليس عدم نصرته بالمال من مصاديق الأذية! وتأمل في خطر العاقبة، كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يُضْرَبُ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَدْعُو حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فجُلد جلدةً واحدةً، فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ عَنْهُ وَأَفَاقَ قَالَ: عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي؟ فقِيلَ له: إنَّك صَلَّيْت صلاة واحدة بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَمَرَرْت عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ"1.

فما الذي يبقى لك في يوم القيامة؟ 
ما ألبستَ فقد أبليت، أو تصدقت فقد أمضيت، أو دعيت فقد أعنت، فما أبلغ الرواية عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللَّهَ - عزّ وجلّ - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ! يَا بْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا بْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي!"2.

الاستبدال: 
صدق الله تعالى إذ قال: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ28 قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾3.

1- ابن طاووس، السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسني الحسيني، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.ن، لا.م، 1399ه، ط1، ص323.
2- أما الاستبدال، فهو لغة: جعل شيء مكان شيء آخر، سواء كان ذلك المجعول عوضًا أم لم يكن، فجعل المال مكان الدار التي تشتريها استبدال، وهكذا. وعرّف في الاصطلاح بأنه: تبديل قوم بآخرين أفضل منهم، لحمل أعباء الرسالة الإلهية.
3- سورة محمد، الآية 38.

 

94

  


67

حتى لا تستبدلوا

 التطويق بالنار: 

 

كما مرّ أعلاه في الآية الشريفة.

فانظر إليهم في إيثارهم، يجودون بأنفسهم، وبزهرة شبابهم، وقد يحتاجون إلينا، فما نقول نحن في رخائنا؟ ونحن نبخل بالقليل الذي قد لا نحتاجه أبدًا!

الأذية في أهله: 
في مسيرة الجهاد، قد يسقط شهداء، جرحى، أسرى. وما ينتج عن ذلك، من أيتام وعوائل نفتخر بهم، فلا بدّ أيضًا من أن نتحمل مسؤولياتنا تجاههم، وأن نحتضنهم ونشدّ من أزرهم. واعلم أن خيانة المجاهدين وأذيتهم من بعدهم عظيمة ليست كخيانة غيرهم من الناس.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حُرمَةُ نِساءِ المُجاهِدينَ على القاعِدينَ كحُرمَةِ أُمَّهاتِهم. وما مِن رجُلٍ منَ القاعِدينَ يَخلُفُ رجُلًا منَ المُجاهِدينَ في أهلِه، فيَخونُه فيهِم، إلَّا وقَف له يومَ القيامَةِ، فيَأخُذُ من عمَلِه ما شاء. فما ظَنُّكم؟"1.

وأما اليتيم، فإن ضُرب أو جرت دمعة على خدّه، اهتزّ لذلك عرش الرحمن، كما في الرواية عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ الْيَتِيمَ إِذَا ضُرِبَ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مَلَائِكَتِي، مَنْ أَبْكَى الَّذِي غَيَّبْتُ أَبَاهُ فِي التُّرَابِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ؟ قَالَ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا، لَا عِلْمَ لَنَا. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَنْ أَرْضَاهُ فِيَّ فَأُرْضِيهِ مِنْ عِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"2.

وهذا أمير المؤمنين عليه السلام يتأوّه للأيتام، لأنّه يستشعر لذعة اليُتم ومدى الفراغ الذي يُخلِّفه فقدان الأب في نفسيّة الطفل، فيقول3:
ما إن تأوّهتُ في شيءٍ رُزئتُ به كما تأوّهتُ للأطفال في الصِّغَرِ
قد ماتَ والِدُهُم مَن كان يكفلُهُم في النائبات وفي الأسفار والحَضَرِ

 

 

1- النسائي، سنن النسائي، ج6، ص51.
2- الفاضل الهندي، الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسن الأصفهاني، كشف اللثام، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1416ه، ط1، ج11، ص 532.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 33، ص 99.

 

 

 

95

  

 


68

حتى لا تستبدلوا

 وقفة تأملية

مِمَّن يفضحهم الله - عزّ وجلّ - على رؤوس الخلائق
مَن أُذِلَّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره: 
فقد أكّدت الروايات أنّه ما من امرئ مسلم يَخذُل امرأً مسلمًا في موطن تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يُحبّ فيه نُصرته. وما من امرئ يَنصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عِرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موضع يحبُّ فيه نُصرته.

الكفار والمنافقون ينادى بهم على رؤوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على الله: 
قال الراوي عندما سئل: "كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النجوى؟"، قال: "سمعته يقول: "يُدنَى المؤمنُ من ربه يومَ القيامة حتى يوضَع عليه كنفُه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربّ أعرف، قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على الله"1.

الظالمون: 
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾2.

كاتم الشهادة يطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق: 
﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾3.

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المناهي أنه نهى عن كتمان الشهادة، وقال: "من كتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق، وهو قول الله - عزّ وجلّ -: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾4.5

1- القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي-، تصحيح أحمد عبد العليم البردوني، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، 1405ه - 1985م، ط2، ج7، ص166.
2- سورة هود، الآية 18.
3- سورة البقرة، الآية 283.
4- سورة البقرة، الآية 283.
5- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، الأمالي، تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، إيران - قم، 1417ه، ط1، ص514.
 


69

أصحاب الجنة

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة 
• وما أدراك ما الإحسان! 
• هل للإحسان درجات؟ 
• هل تريد أن تُنَفَّس كربتُك ويزولَ همُك؟ 
• ما المعين على إتقان العمل وإحسانه؟ 
• متى يُملأ القلب رضا؟ 
• واعلم أنها من نعم الله عليك
• ما أثار الإحسان؟

99

  


70

أصحاب الجنة

 تصدير الموعظة

قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾1.

وفي مورد آخر قال: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾2.

تمهيد الموعظة 
ذكرنا في الفصل السابق حديثًا عن الظلم والأذية التي قد تصدر منا، وتكون مهلكة لنا على صعيد الدنيا والرُّجعى، وقسّمنا الحديث إلى ثلاث حلقات محيطة بالإنسان: الحلقة القريبة منه، أي الزوجة والأولاد ومن تحت يده، والحلقة الأبعد نسبيًا وهي الحلقة الاجتماعية، مثل المجتمع وأهل الإيمان، والحقلة الثالثة، وهم أهل الجهاد والشهداء، والصور التي لا بدّ من معرفتها في هذا المجال.

وما أدراك ما الإحسان! 
الإحسان مشتقّ من "الحُسن"، الذي هو الجمال والبهاء لكل ما يصدر من العبد، سواء كانت خطرات أو نبرات أو تصرفات، وهو أعلى مقامات الرفعة الإنسانية، والمفتاح السحري لكل أزماتها، وجسر سعادتها الأبدية. وكفى الإحسان شرفًا أن البشرية جمعاء اتفقت على حبّه ومدحه، وأجمعت على كره ضده من صنوف الإساءة كافة. وقد أَولى الإسلامَ الإحسانَ عناية بالغة، وجعله أسمى هدف تصبو إليه نفوس العابدين، وهو طريق الوصول إلى

1- سورة يونس، الآية 26.
2- سورة الرحمن، الآية60.

 

101


71

أصحاب الجنة

 محبّة الله تعالى ومعيّته1 ورحمته كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾2. وما أجمل إيجاز أمير المؤمنين عليه السلام: "رأس الإيمان الإحسانُ إلى الناس"3.

هل للإحسان درجات؟ 
يختلف معنى الإحسان اصطلاحًا باختلاف السياق الذي يردُ فيه لفظ الإحسان: 
فلو اقترن الإحسان بالإيمان: 
كان المرادُ به الإشارةَ إلى المراقبة4، وحسن الطاعة، وهذا هو الذي فسَّره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بينه وبين جبرائيل عليه السلام5: "الْإِحْسَانِ أنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"6.

1- فالمعية نوعان: المعية العامة: بالعلم والإحاطة، وهي عامة لجميع الخلق، وإياها عني بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ سورة الحديد، الآية 4-، ومعية خاصة بالنصر والرعاية والإعانة، وهي خاصة بالمؤمنين المتمسكين بالدين، وهي التي عُنيت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ سورة النحل، الآية 128-، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة العنكبوت، الآية 69-.
2- سورة النحل، الآية 128.
3- الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص364.
4- إنّ المراقبة علمُ العبد باطّلاع الربّ عليه في كل حالاته، وملاحظة الإنسان لهذا الحال هو المراقبة، وأعظم مصالح العبد استحضارُه مع عدد أنفاسه أنّ الله تعالى عليه رقيب، ومنه قريب، يعلم أفعاله، ويرى حركاته، ويسمع أقواله، ويطّلع على أسراره، وأنّه يتقلّب في قبضته، وقلبه وناصيته بيده، وأنّه لا طاقة له على التستّر عنه، ولا على الخروج عن سلطانه.
قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أردت أن تعصي الله فاطلب مكاناً لا يراك فيه. إشارة منه له أنّك لا تجد مكاناً لا يراك فيه، فلا تعصه، وقال تعالى: وهو معكم أينما كنتم-. وكان بعض العلماء يرفع شاباً على تلاميذه كلهم، فلاموه في ذلك، فأعطى كل واحد منهم طيرًا، وقال: اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد، فجاؤوا كلهم بطيورهم وقد ذبحوها، وجاء الشاب بطيره وهو غير مذبوح، فقال: لم لا تذبحه؟ فقال: لقولك لا تذبحه إلاّ في مكان لا يراك فيه أحد، ولا يكون مكان إلاّ يراني فيه الواحد الأحد الفرد الصمد، فقال له: أحسنت، ثم قال لهم: لهذا رفعته عليكم وميّزته منكم.
وعرفًا فيه معنى لطيف، وهو أنَّ أحدنا إذا عَلِمَ أنهُ مُراقب، فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ، في كلماتهِ، في حركاتهِ، وفي سكناتهِ، هذا إذا راقبهُ إنسان، والإنسان مراقبتهُ محدودة، يستطيع أن يكتب ما قُلت، وأن يُصوّر حركاتك، ولكنهُ لا يستطيع أن يكشف ما في نفسك، ولا ما في ذهنك. المراقبة المحدودة من قِبَلِ إنسانِ ضعيفٍ مثلك تدعوكَ إلى الانضباط التام، فكيف لو علمتَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُك؟ إنَّ الله - عزّ وجلّ - الذي يعلم السرَّ وأخفى، مُطّلعٌ عليك، ناظرٌ إليك، يعلمُ سِركَ وجهرك، ما أخفيتَ وما أعلنت، ما أبطنتَ وما أظهرت، (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا)، لا عليك فقط، بل على جميع المخلوقات.
5- نص الحديث: "كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ سورة لقمان آية 34، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ".
6- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج62،ص116.

 

102

  


72

أصحاب الجنة

 أما لو ورد مطلقاً: 

دون أن يكون مقترناً بالإسلام والإيمان، فإن المراد به فعل ما هو حسن، والحسن وصفُ مشتقُ من الحسن الذي يراد به اصطلاحً، أي "ما يكون متعلق المدح في العاجل، والثواب في الآجل"، وهو محلّ كلامنا على ما فيه من مصاديق مثل الإنعام على الغير بالأقوال والأفعال.

هل تريد أن تُنَفَّس كربتُك ويزولَ همُك؟ 
كن محسنًا، فرّج كربات المؤمنين والمساكين. هل تريد التيسير على نفسك؟ يسّر على المعسرين. هل تريد أن يستر الله عليك؟ استر على عباد الله. واعلم أن الجزاء من جنس العمل.

وفي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيامَة، ومَنْ يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ1"2.

وفي راوية عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنهُ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أَعَانَ مُؤْمِناً نَفَّسَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْهُ ثَلَاثاً وَسَبْعِينَ كُرْبَةً، وَاحِدَةً فِي الدُّنْيَا وَثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ كُرْبَةً عِنْدَ كُرَبِهِ3 الْعُظْمَى، ـ قَالَ ـ حَيْثُ يَتَشَاغَلُ النَّاسُ بِأَنْفُسِهِمْ"4.

 


1- نفَّس-، أي: فرَّج وأزال وكشف. عن مؤمنٍ كربةً-، أي: شدة ومصيبة. من كُرَب الدنيا-، أي: بعض كربها. نفَّس الله عنه من كرب يوم القيامة - مجازاة ومكافأة له على فعله بجنسه. ومن يسَّر على معسرٍ-، أي: سهَّل عليه وأزال عسرته. يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة- مجازاة ومكافأة له بجنس عمله. ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة-، أي: من ستر مسلمًا اطلع منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات والعثرات، فإنه مأجور مِن ستره في الدنيا والآخرة.
2- مسلم، محمد بن عيسى، صحيح مسلم، ج 8، ص 71. 
3- ترتبطُ هذه الكلمة بكلمات من مثل: حزن، مصيبة. وهي من المفردات التي تملك وقعاً سلبياً في أذن سامعها، ويأتي تعبير كلمة "الحزن" بوقع سلبي معنويٍ بحت، أما تعبير كلمة "المصيبة" فيأتي بوقع سلبي مادّي بحت، أما الكربُ فبينهما، إذ يدلّ على أثر سلبي مادي ومعنوي في آن واحد، كمثلِ رجل مهموم، لأنه يعاني الكثير من الديون وكساد عمله، الجانب المادي هنا هو الديون وكساد عمله، أما الجانب المعنوي فهو الهم الذي لحق به، فنقول: هذا الرجل مكروب، أو أصابه كرب. وقيل في معنى الكرب إنّه الحبل الذي يُشدُّ من جهتين، تخيّل مقدار الضغط الذي يتعرض له هذا الحبل، لعلّه الشعور المؤلم ذاته الذي يُداهمك حين يصيبك كرب ما، فتشعر بأنّك تتمزق بشدة دون أن تتمزق.
4- الشيخ الكليني، الكافي ج 2، ص 199.

 

103

  


73

أصحاب الجنة

 اقضِ الحوائجَ ما استطعتَ    وكُنْ لِهَمِّ أخيكَ فارِجْ

فَلَخيرُ أيَّامِ الفَتى     يَومٌ قَضى فِيهِ الحَوائجْ

ما المعين على إتقان العمل وإحسانه؟1
استشعار العبد لمراقبة الله - عزّ وجلّ -: 
أن يعلم العبد أن الله - عزّ وجلّ - معه، رقيب ومطلع عليه في كل زمان وفي كل مكان، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾2.

فمَن علم عِلمَ يقين أنّ الله - عزّ وجلّ - ناظر إليه مطّلع على عمله، هل يجدر به بعد ذلك أن يضيع عمله، أن يفرط فيما يجب عليه! أم هل هو في حاجة إلى من يراقبه من البشر! ﴿كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾3.

وقد رُوِيَ عن الإمام الحسين عليه السلام أَنَّه جَاءَهُ رَجُلٌ وقَالَ: أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ ولَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ عليه السلام: "افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ: فَأَوَّلُ ذَلِكَ لَا تَأْكُلْ رِزْقَ اللَّهِ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ، والثَّانِي اخْرُجْ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ، والثَّالِثُ اطْلُبْ مَوْضِعاً لَا يَرَاكَ اللَّهُ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ، والرَّابِعُ إِذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ، والْخَامِسُ إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ فَلَا تَدْخُلْ فِي النَّارِ وأَذْنِبْ مَا شِئْتَ"4، وفي الراوية مضامين عظيمة في كيفية تفعيل الرقابة الإلهية بطريقة فطرية بسيطة.

1- من ديوان أبي العتاهية. 
2- سورة المجادلة، الآية 7.
3- سورة الإسراء، الآية 96.
4-العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص126

 

104

  


74

أصحاب الجنة

 تذكر العبد ليوم الحساب: فمَن أيقن بالحساب والوقوف بين يدي ربه سبحانه، لا بدّ من أن يحسن في عمله، ويسعد به عند لقاء ربه.

قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾1.

العلم بأن العمل أمانة ومسؤولية: 
فلا بدّ من أن يحافظ الإنسان على أمانته التي يحملها، وأن يؤدي واجبه المناط به، ويحسن الرعاية لعمله، وتطويره، والإسراع في إنجازه، وبذْل الوسع والطاقة في اجتِناب الوقوع في الأخطاء في أدائه وإنتاجه، كما في الرواية عن رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ2"3، وفي رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "قدر كُلِّ امْرِئٍ ما يُحسِنُ4"5.

ومنها إماطةُ الأذى عن الطريق، فهي من موارد الصدقاتِ، ومن السبل الميسرة للطاعات، ومن أبرز مصاديق الإحسان، في رواية أنها موجبة لدخول الجنة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ"6، وفي راوية أخرى أنها موجبة لشكر الله للعبد وغفران ذنوبه: "بَيْنَمَا رَجُلٌ

1- سورة الإسراء، الآيات 12-15
2- فالإتقان في معناه العام: إحكام الشيء، وقالوا: الإتقان هو أداء عمل ما بإحكام دون خلل. فالله تعالى خلق العوالم وفق قوانين، هي غاية في الدقة، ونهاية في الإتقان، فكل متقن عامل، وليس كل عامل متقناً، حتى يختبر كل واحد منا نفسه، فهو الوحيد الذي يحكم على قوله وفعله وسائر عمله، إن كان متقناً أو لا.
3- البيهقي، شعب الإيمان، ج4،ص 335.
4- يحسن- في كل مجالات الحياة فهو يحسن جيداً كيف يعبد، كيف يعمل، كيف يتعامل مع الأصدقاء، كيف يتعامل مع الأسرة ويديرها بصورة ناجحة، كيف يتعامل مع الطبيعة، كيف يدرس ويرتقي في سلّم العلم، كيف يتعامل في الجانب المادي الاقتصادي، كيف يتعامل في الجانب السياسي.
5- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص51.
6- مسلم، محمد بن عيسى، صحيح مسلم، ج 8، ص34.

 

105

  


75

أصحاب الجنة

 يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَه"1، وفي راوية أنها من شعب الإيمان: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ"2.

التعاون مع الآخرين: 
فالتعاون بين عموم المؤمنين على البر والتقوى خُلُقٌ رفيع دعا إليه الإسلام ورَغَّب فيه، حيث قال ربُّنا - عزّ وجلّ -: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾3.4

ومن صُوَرِ هذا التعاون: تعاونُ العاملين فيما بينهم في أداء العمل فيما يُحَقِّق النفع والخير للعامِلين، ويُفعِّل أنظمةَ العمل وقوانينه، ويحقِّق الفائدة والتطوير لهذا العمل، وقضاء حوائج الإخوان، أو المجتمع. في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "أن أسعى مع أخٍ لي في حاجة حتى تقضى أحبُّ إلي من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل على ألف فارس في سبيل الله مسرجة ملجمة"5.

اجتناب الغش والخداع: 
وهو ممَّا يُعِين على إتقان العمل وإحسانه، عبر اجتناب المؤمن كل شيء يؤدي إلى الغش والمكر والخديعة6.

فلا غش ولا خداع، ولا إهمال ولا تقصير, لأن اجتنابها كلها يُعَدُّ من مصاديق الإحسان، وهي عبادة

1- مسلم، محمد بن عيسى، صحيح مسلم، ج 8، ص34.
2- المصدر نفسه، ج1،ص46.
3- البرّ هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله، وحقوق الآدميين. والتقوى في هذه الآية: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. والعدوان "وهو التجرّي على المعاصي التي يأثم صاحبها.." والعدوان "وهو التعدي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم".
4- سورة المائدة، الآية 2.
5- الشيخ الطوسي، التهذيب، ج2، ص 326.
6- الخداع: إرادة الخادع فعل السوء والأذى بالمخدوع، في حين أن المخدوع يعلم بسوء طوية الخادع وعداءه، ولكنه يخدع إذ أتاه السوء من حيث لم يحتسب، وينجح الخادع في خداعه إذا فاجأ عدوّه من حيث لم يكن محتاطًا ولا متهيئًا. المكر: هو إرادة الماكر فعل السوء والأذى بالممكور به الذي لم يعلم بما يخبئه له الماكر، وهو آمن في نفسه من سوء يأتي من الماكر، ولا يحتسب أذى أبداً، وينجح الماكر في مكره إذا فاجأ الممكور به.

 

106

  


76

أصحاب الجنة

 ومسؤولية وأمانة، وقد حذّر المولى سبحانه وتعالى من خيانة الأمانة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾1، وفي الرواية: 

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إذا أحسن المؤمن عمله، ضاعف الله عمله، لكل حسنة سبعمائة، وذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾، فأحسِنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله، فقلت له: وما الإحسان؟ (قال:) فقال: إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك، وإذا صمت فتوقَّ كلّ ما فيه فساد صومك، وإذا حججت فتوقَّ ما يحرم عليك في حجك وعمرتك، قال: وكل عمل تعمله لله، فلْيكن نقياً من الدَّنَس"2.

متى يُملأ القلب رضا؟ 
روي أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عزّ وجلّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلَئِنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ - وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ - مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ"3.

أحسن إلى أقاربك: ببرّهم، وصلتهم، ورحمتهم، والعطف عليهم، وفعل ما يُحمَد فعله معهم، وترك ما يسيء إليهم. أحسن إلى الجار: باحترامه وتوقيره، ببذل الخير له، وكفّ الأذى عنه. أحسن إلى أصحابك: بحبهم ونصحهم، والأخذ بأيديهم إلى كل خير، ومنعهم من كل شر. أحسن إلى الخادم: بصون كرامته، واحترام شخصيته، بإعطائه أجره قبل أن يجفّ عرقه، وعدم إلزامه ما لا يلزمه، وعدم تكليفه ما لا يطيق. أحسن إلى المساكين: بسدّ جوعتهم، وستر عورتهم، والحثّ على إطعامهم، وعدم المساس بكرامتهم. أحسن إلى ابن

 


1- سورة الأنفال، الآية 27.
2- البرقي، المحاسن، ج1، ص255.
3- الهيثمي، مجمع الزوائد،ج8، ص191.

 

107

  


77

أصحاب الجنة

 السبيل1: بقضاء حاجته، وصيانة كرامته، وإرشاده إن استرشد، وهدايته إن ضلّ. أحسن إلى المحتاج: بإدخال السرور عليه، بسدّ حاجته، وتنفيس كربته. أحسن إلى الناس كلهم: بحسن معاملتهم، بالوفاء والصّدق والعدل، بأمرهم بالمعروف إن تركوه، ونهيهم عن المنكر إن فعلوه، بإرشاد ضالّهم، وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، بعدم ارتكاب ما يضرّهم، أو فعل ما يؤذيهم. عامِلهم بما تحبّ أن يعاملوك.

واعلم أنها من نعم الله عليك
ما أجملَ الإحسان، وما أجمل أهله، فالإحسان كالمسك، ينفع حامله وبائعه ومشتريه، والمحسن محبوب عند الله، ومحبوب عند عباد الله.

ولعل الله أنعم عليك فاختصّك بقضاء حوائج عباده، والسعي في مصالحهم، وجعلك مفاتيح للخير، ومغاليق للشر، فلا تمل من ذلك، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْرِ"2.

وفي رواية أخرى عن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ"3.

ما أثار الإحسان؟ 
آثاره كثيرة على صعيد الدنيا والآخرة، منها: 
محبّة الله - عزّ وجلّ -: 
فالمحسن ينال محبة الناس ومحبة الله، والقرب منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾4.

1- وهو المسافر الذي فقد أمواله في السفر.
2- جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير، ج2،ص182.
3- علي الطبرسي، مشكاة الأنوار، ص546.
4- سورة الأعراف، الآية 56

 

108

  


78

أصحاب الجنة

 رعاية الله وعنايته: 

والفوز بمعية الله تعالى، وتسديده، فقد أكد القرآن الكريم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾1، والمعية هنا تعني الإسناد، والنصر، والتسديد، والتأييد.

ضمان الأجر وحفظه: 
أجر المحسنين عند الله مضمون محفوظ، لا تضيع منه ذرة أبدًا، كما في الآية الشريفة: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾2.

الرحمة الإلهية: 
فعل الإحسان في أي شيء بقصد طاعة الله يقرّب الإنسان من رحمته تعالى، فإنَّ رحمته قريبة من المحسنين ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾3.

جذب القلوب: 
ليس من أمر يجذبها ويشدها إلى الإنسان كالإحسان، فإنَّها جَبلت على حبّ مَن أحسن إليها. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "جُبلت القلوب على حبّ مَن أحسن إليها، وبغض من أساء إليها"4.

وهذا على حدّ سواء عند كل ذوي الفِطَر السليمة. يقول سيد المحسنين علي عليه السلام: "أحسن إلى من شئت تكن أميره"5.

إطفاء الفتن: 
فهي وسيلة لإزالة ما في النفوس من الكدر وسوء الفهم وسوء الظن وأسباب الصراع. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾6.

1- سورة العنكبوت، الآية 69.
2- سورة يوسف، الآية 90.
3- سورة الأعراف، الآية 56.
4- الصدوق، من لا يحضره الفقيه ،ج4، ص 381.
5- السيد المرعشي، إحقاق الحق، ج1، ص65.
6- سورة فصّلت، الآية 34.

 

109

  


79

أصحاب الجنة

 العلم والحكمة: 

 

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾1.

لا يضيع أجرهم: 
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾2.

دخول الجنة: 
﴿فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾3.
 
لهم ما يشاءون: 
﴿لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾4.

1- سورة يوسف، الآية 22.
2- سورة الكهف، الاية 30
3- سورة المائدة، الاية 85
4- سورة الزمر، الاية34

110

  

 


80

أصحاب الجنة

 وقفة تأملية

من قصص الإحسان
ينقل أصحاب التاريخ أنّ رجلًا من أهل الشام قال: دخلت المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، فرأيت رجلًا راكبًا على بغلِهِ لم أرَ أحسن وجهًا ولا سمتًا ولا ثوبًا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فامتلأ قلبي له بغضًا، وحسدت عليًّا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن علي بن أبي طالب؟ قال: أنا ابنه، فسبّهما...، فلمّا انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريبًا؟ قلت: أجل، قال: مِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آتيناك، أو إلى حاجة عاونّاك قال: فانصرفت عنه وما على الأرض أحبّ إلىّ منه، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلاّ شكرته وخزيت نفسي1.

سُرَّ أخاك يسرَّك الله
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، قَالَ: كَانَ النَّجَاشِيُّ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الدَّهَاقِينِ - عَامِلًا عَلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ عَمَلِهِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: إِنَّ فِي دِيوَانِ النَّجَاشِيِّ عَلَيَّ خَرَاجًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ يَدِينُ بِطَاعَتِكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكْتُبَ لِي إِلَيْهِ كِتَابًا. 

قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سُرَّ أَخَاكَ يَسُرَّكَ اللَّهُ"

قَالَ: فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ، فَلَمَّا خَلَا نَاوَلَهُ الْكِتَابَ، وَقَالَ هَذَا كِتَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، فَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ 

قَالَ: خَرَاجٌ عَلَيَّ فِي دِيوَانِكَ.

فَقَالَ لَهُ: وَكَمْ هُوَ؟ 

قَالَ: عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ.

فَدَعَا كَاتِبَهُ وَأَمَرَهُ بِأَدَائِهَا عَنْهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُثْبِتَهَا لَهُ لِقَابِلٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: سَرَرْتُكَ؟ 

فَقَالَ: نَعَمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ.

ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَرْكَبٍ وَجَارِيَةٍ وَغُلَامٍ، وَأَمَرَ لَهُ بِتَخْتِ ثِيَابٍ، فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ هَلْ سَرَرْتُكَ؟ 

فَيَقُولُ: نَعَمْ جُعِلْتُ‏ فِدَاكَ.

فَكُلَّمَا قَالَ نَعَمْ زَادَهُ، حَتَّى فَرَغَ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ: احْمِلْ فُرُشَ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي كُنْتَ جَالِسًا فِيهِ حِينَ دَفَعْتَ إِلَيَّ كِتَابَ مَوْلَايَ الَّذِي نَاوَلْتَنِي فِيهِ، وَارْفَعْ إِلَيَّ حَوَائِجَكَ.

قَالَ: فَفَعَلَ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ.

فَصَارَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى جِهَتِهِ، فَجَعَلَ يُسَرُّ بِمَا فَعَلَ.

فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، كَأَنَّهُ قَدْ سَرَّكَ مَا فَعَلَ بِي! 

فَقَالَ: "إِي وَاللَّهِ، لَقَدْ سَرَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"2.

1- ابن خلكان، شمس الدين احمد بن محمد، وفيات الأعيان، ج2، ص 68.
2-الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 191.


81

خيركم لأهله

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة 
• ما معنى (خلق لكم من أنفسكم)؟ 
• ما السكنى؟ وما المودة؟ وما الرحمة؟ 
• لماذا وُصف الزواج بالميثاق الغليظ؟ 
• ما مصاديق الإحسان؟ 
• ومن الإحسان

113

  


82

خيركم لأهله

 تصدير الموعظة

 

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ1 أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾2"3.

تمهيد الموعظة 
ذكرنا في الموعظة السابقة وقفات جميلة في معنى المحسن وفضل الإحسان، وأنها من رأس الأعمال بعد الإيمان بالله - عزّ وجلّ -، وهي وسيلة من وسائل الزلفى والقرب إلى الله ودخول الجنة، وأنها سبيل لتنفيس الكرب وإزالة الهمّ، وركّزنا فيه على الإطار الاجتماعي، من قبيل الحديث عن قضاء حوائج المؤمنين، والسعي في إعانتهم، وما لذلك من فضل جليل، مع بيان كيف يمكن للإنسان أن يستعين بالإحسان في مناحي الحياة، وما له من آثار دنيوية وأخروية.

1- الآية في اللغة تطلق على العلامة والعبرة والأمارة والجماعة، يقال: خرج القوم بآيتهم بجماعتهم-، لم يدعوا وراءهم شيئًا. وآية الرجل: شخصه، يقال: تعمد آيته، أي شخصه، وأيّا الرجل آية: وضع علامة. وسميت الآية من القرآن آية لأنها علامة لانقطاع كلام عن كلام، أو لأنها جماعة من حروف القرآن. وآيات الله: عجائبه، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ.... يوسف: 7-، أي عجائب وأمور وعبر مختلفة.
2- في الآية عدد من المعاني:
المعنى الأول: أن السيدة حواء خُلقت من ضلع آدم، هذا هو المعنى الأول، فما من شيءٍ أقرب إليك من جزئك، فإذا أردنا أن نعبر عن شدة التناسب، وشدة الالتصاق، وشدة الانسجام فلا بدَّ من أن نستعمل كلمة من-، من أنفسكم، هذا هو المعنى الأول.
المعنى الثاني: أن ماء الحياة، الذي أودعه الله في الإنسان، منه يتشَكَّلُ الذكر والأنثى، والآية تقول: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. إذًا، هذه المرأة هي من الرجل، وبالتعبير العلمي من مائه، وماؤه إما أن يتشكل تشكلًا على شكل أنثى أو على شكل ذكر.
المعنى الثالث: أن الله - عزّ وجلّ - كما خلق لك فكرًا خلق لزوجتك فكرًا، وكما خلق لك قلبًا ينبض بالأحاسيس خلق لها قلبًا ينبض بالأحاسيس، وكما خلق لك عيناً ترى بها جمال الأشياء خلق لها عيناً أيضاً ترى بها جمال الأشياء، فلو جئت بذكرٍ وأنثى لرأيت الأعضاء والأجهزة السمع، البصر، الشم، النُطق، اللسان، الفكر، الأيدي، الأرجل، الحركات، إلى حدٍّ ما من مخلوقٍ واحد في الأساس، فبين الذكر والأنثى نقاط تشابه كثيرة جدًّا هي سبب الانسجام، ونقاط تكامل هي سبب الانسجام، إذا التقت النقاط المتشابهة بين الذكر والأنثى كان هذا سبيلًا إلى الانسجام بينهما.
3- سورة الروم، الآية 21.

115

 


83

خيركم لأهله

 لماذا وُصف الزواج بالميثاق الغليظ؟ 

وصف الله تعالى عقد الزواج بالميثاق الغليظ: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾1، والميثاق هو: العهد يؤخذ بين اثنين. والغليظ من غَلُظ (بضمّ اللام) إذا صلب، وهو يدلّ على المتانة والقوّة، فهذا يدلّ على الأساس الذي يُبنى عليه الزواج، فهو أساس قوي متين صلب، ويدلّ على البقاء والاستمرار، فإن تعثرت الحياة الزوجية يومًا ما - وهذا لا بدّ منه حيث هو ملح الحياة - إلّا أن أصلها باقٍ، لأنّه قويّ متين لا يهتزّ، فليس هو ريشة في مهبّ الريح. وإذا كانت صحبة عشرين يومًا تدلّ على القرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والمعاشرة والصحبة والأولاد؟! ومن هُنا كانت العشرة بين الزوجين بالحبّ وبتلمّس الأعذار وبالتغاضي عن الهفوات وبالتفهم وبالتقدير، فالزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة والتكامل والتعاون والإيثار، وهذا ممّا يدلّ على رسوخه في ربط روحَين وجسدين حاضرًا ومستقبلًا، فالزواج علاقة عقل وقلب وروح وجسد وحاضر ومستقبل.

ما مصاديق الإحسان؟ 
الشعور بأنها هبة الله ونعمته عليك: 
أمام هذه الآيات الكريمة والمباركة في الآية الأولى، التي تشعرك بأن الزوجة هي جائزة الله إليك، والآية الثانية التي تشير إلى عمق العلقة بينكما، في الرواية أنها خيرٌ كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ في نَفْسِهَا وَمَالِهِ"2.

وهذا ما يقتضي حفظ النعمة والاهتمام بالهبة الإلهية والمحافظة عليها كأمانة من الله - عزّ وجلّ -، فيجب الإحسان في المعاملة قولًا بكلام حسن وعفّة لسان، وفعلًا بمعاملة

1- سورة النساء، الآية 21.
2- السيوطي، الجامع الصغير، ج2، ص483.

 

117

  


84

خيركم لأهله

 كريمة، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾1، وفي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي"2.

وفي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام: "وَأمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بمِلْكِ النّكَاحِ، فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ جَـعَـلَـهَـا سَكَنًا وَمُسْتَرَاحًا وَأُنْسًا وَوَاقِيةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا، يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى صَاحِبهِ، ويَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَوَجَبَ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَيُكْرِمَهَا ويَرْفَقَ بهَا، وَإنْ كَانَ حَقُّكَ عَلَيْهَا أَغْلَظَ، فإنَّ لَها عَلَيْكَ أنْ تَرْحَمَه"3.

الوقاية من النار، وقرة عين لك: 
في الآية التي تجمع المعنى المتقدم، أي الهبة في الدعاء القرآني العظيم، ثم طلب الاغتباط بأن تكون العائلة قرة عين ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ9 وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾4.5

والآية التي تشير إلى ضرورة وقاية النفس والأهل من النار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾6"7.

وهي في نفسك، وهل لعاقلٌ يؤذي أو يؤلم أو يسيء إلى نفسه؟!

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص555.
2- الإمام علي بن الحسين عليه السلام، رسالة الحقوق، حقوق الرعية.
3- قرّة أعين: كناية عن السرور والفرح. وهو مأخوذ من القرر، وهو البرد، لأن دمعة السرور باردة.
4- سورة الفرقان، الآية 74.
5- في المناقب، عن سعيد بن جبير، قال: هذه الآية - والله - خاصّةٌ في أمير المؤمنين عليه السلام كان أكثر دعائه يقول ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾, يعني فاطمة وذرّياتنا الحسن والحسين عليهم السلام ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما سألتُ ربّي ولدًا نضير الوجه، ولا سألت ولدًا أحسن القامة، ولكن سألتُ ربّي وُلْدًا مطيعين لله خائفين وجلين منه، حتّى إذا نظرت إليه وهو مطيع لله قرّت به عيني. قال ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ نقتدي بمن قبلنا من المتّقين، فيقتدي المتّقون بنا من بعدنا.
6- عن أميرُ المؤمنين عليٌّ عليه السلام: "أدِّبوهم وعلِّموهمُ الخير". وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾, أي: حطبُها الذي يُلقَى فيها جثثُ بني آدمَ والحجارةُ. وقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾, أي: غليظةٌ أخلاقُهم، شديدٌ انتهارُهم، يفزعون بأصواتهم، ويُخيفون بمرآهم، ويُهينون أصحابَ النار بقوَّتهم، ويَمتثلون فيهم أمرَ الله الذي حتَّم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدةَ العقاب. وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، هذا مدحٌ للملائكة، ودليل على انقيادهم لأمر الله، وطاعتهم له في كلِّ ما أمرهم به.
7- سورة التحريم، الآية 6.

 

118

  


85

خيركم لأهله

 ويكون ذلك عبر تعليمهم، وخصوصًا أمورَ دينهم، ورعايتهم من الناحية النفسية والمعنوية قبل المالية. واعلم أن الدعاء بصلاحهم هو دعاء لأنفسهم، لكن نفعه يعود عليهم وعليك، ويدوم في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"1, وفي الآخرة مرافقتهم في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾2 3.

 

واعلم أن هذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق، شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى اللَّه - عزّ وجلّ -، وفي أوّلهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة، وهم أوّل أمانة يُسأل عنها الرجال يومَ القيامة، أفليس من الإحسان الانتباه إلى دارك قبل دار الآخرين! ومشاكل أهلك قبل مشاكل الآخرين! ما يمنع زوجتك عن القرآن! وأولادك عن المسجد، فيجب أن تعرف أن الفساد في أيامنا طليق، وإن لم تحصّن نفسك وتحصّنهم فأنت في خطر عظيم4، وهذا كله في صحيفتك.

المناداة بأجمل ما يحبّون: 
ومن صور الإحسان للزوجة أن تناديها بأحب الأسماء إليها، أو بتصغير اسمها للتلميح، أو بترخيمه، يعني تسهيله وتليينه، وهذا ما عبّر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ"5.

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص24.
2- الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم في الإيمان، وألحقنا بهم ذريتهم في منزلتهم في الجنة، وإن لم يبلغوا عمل آبائهم; لتقرّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، وما نقصناهم شيئا من ثواب أعمالهم، كل إنسان مرهون بعمله، لا يحمل ذنب غيره من الناس.
3- سورة الطور، الآية 1.
4- من المفيد إلفات النظر إلى موضوع الإنترنت والتواصل الاجتماعي والأفلام غير الأخلاقية ورفقاء السوء والمخدرات وعدم سماع مشاكل الولد أو البنت وعدم التواصل الجيّد معهم. وليعلم أنه إذا كانت عناية الآباء بالأبناء، قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة، خمسة بالمئة الآن مائة العناية، المراقبة، المتابعة، ويجب أن تحتوي ابنك وتكون صديقًا له، لأنّه هو يحبّ الصديق، فإذا كان بينك وبينه مسافة كبيرة بالعمر وبالعقلية وبالتفكير بحس حاله بغربة عنك. الأب العاقل هو الذي يقرّب أولاده منه، ويحتويهم ويفكّر كتفكيرهم، ليكون بديلًا عن أصدقائهم، أصدقاء السوء. وكذا البنت، يجب الالتفات إلى حشمتها ولباسها وصلاتها ومشاكلها وعاطفتها، ويجب تربيتها تربية إسلامية، وتزويجها من أهل الدين لا المال، والزوجة كذلك.
5- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 12، ص153.

119

  

 


86

خيركم لأهله

 وأن يدعو الزوج زوجته بأسماء لا تجرح مشاعرها، أو تقلّل من معنوياتها، بل يحاول أن يرتقي بتعامله معها في كلّ النواحي، ومنها مناداتها بأسماء تشعر فيها بمدى حبّه لها. ولا ضير بمناداتها بالحبيبة، كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً"1.

 

إنّ المسؤولية الإلهية والضرورة الحياتية، تختلط على صفحة القلب، مكوّنة بذلك أجمل لوحة حبّ عرفها الإنسان. والزوج المؤمن يدعو، كما يدعو الإمام زين العابدين عليه السلام في مناجاة المحبين: "أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُوصِلُنِي إِلى قُرْبِكَ"2.

ومن الحاجات الطبيعية3 للمرء هي الحبّ والاحتياج إليه وإظهاره، فهو عاطفة إنسانية تتمركز حول شخص أو شيء أو مكان أو فكرة، وهو حاجة نفسية تحتاج إلى إشباع باستمرار، ومن يريد أن يكسب الحبّ فعليه بالعطاء والمبادرة.

جلوس العبادة: 
وهو يتمثل بالعلاقة مع الأسرة والاهتمام بها، فما أجمل تعبير الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "جلوسُ المرء عند عياله أحَبُّ إلى الله تعالى مِنِ اعتكافٍ في مسجدي هذا"4، فكيف يكون هذا الجلوس عبادة؟ 

قد يجلس بعضٌ لساعات طويلة في داره، ولكن هل يلتفت إلى مسؤولياته؟! في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ"5، وكيف تكون الرعاية بالجلوس أمام التلفاز، أو الحديث على الهاتف، أو الانشغال به، أو المطالعة بدون الالتفات إلى الجالس بجنبك؟! هل أنصتَّ يومًا لزوجتك؟

1- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص23.
2- من مناجاة المحبين للإمام زين العابدين عليه السلام.
3- الفرق في نقطة مهمة "إن عدم إشباع معظم الحاجات العضوية يؤدي إلى الموت، ولكن الحاجات النفسية ليست كالحاجات العضوية التي ذكرناها. فعدم إشباع الحاجات النفسية لا يؤدي إلى الموت، ولكنه يترك أثراً خطيراً على الشخصية. يبدو هذا الأثر في سلوك الفرد ومقدار سعادته، كما يبدو أثناء تعامله مع غيره".
4- ورام، أبو الحسين المالكي، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج2، ص441.
5- الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص1213.

120

  

 


87

خيركم لأهله

 هل سمعت مشاكل أبنائك؟ هل عبّرت لهم عن اهتمامك؟ وهذا من خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في وصفه أنه كان يًقْبِل على محدِّثه بكلّه، ويقترب منه، ولا يرفع صوته في وجهه، وينظر إليه.

وهل حرصت على الحضور إلى مائدة الطعام مع عيالك؟ وهل وضعت لقمة يومًا في فم زوجتك أو ولدك؟ احرص على التفاعل وإبداء وجهات النظر، وقدِّم لهم الطعام، وضعه في فيهم، وإن كنت تخجل من فعل ذلك، فارفعه في صحونهم، أو قل أحببت لكم هذه اللقمة، واعلم انها صدقة، وتراها يوم القيامة كجبل أحد، ففي الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الرجل لَيُؤجَر في رفع اللقمة إلى في امرأته"1.

إحسان القوامة: 
لا بدّ من اتِّخاذ هذه الميزة كشعور إضافي بالمسؤوليّة، فهي ليست تشريفًا، وإنّما إجراء إداري اقتضتهُ مصلحة البيت والزوجيّة والأسرة، أي إشعار الزوجة بأنّها في كنف رجلٍ صادقٍ أمينٍ مُحبٍّ مُخلصٍ مُضحٍّ ومُقدِّم لمصلحة الأسرة على مصالحه، يتفقّد احتياجاتها من قبل أن يُطلَب منه ذلك، والشاهد لطيف في الخطاب القرآني، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾2 3.

وانظر إلى لطيف العبارة القرآنية، وهو الأدب في الكناية عن الزوجة والتعبير بأهله، مع أنها فرد واحد، ثم العبارة الثانية (آتيكم) بصيغة الجمع، وهذا من الأدب في التعبير عن الزوجة أو الابنة، فلا تنادَى باسمها. ومن ثم في شعور موسى عليه السلام كزوجٍ بحاجة زوجته إلى الدِّفء بعد أن أصيبا ببرد شديد، جعلهُ يبحث عن النار ليأتيها بشهابٍ قبس.

1- الكاشاني، المحجّة البيضاء، ج3، ص70.
2- قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾... إلخ، المراد بأهله امرأته، وهي بنت شعيب. وإن خطابها بقوله: ﴿سَآتِيكُم﴾ بصيغة الجمع لإقامتها مقام الجماعة في الأنس بها في الأمكنة الموحشة. والإيناس الإبصار، وقيل: آنستُ، أي أحسست بالشيء من جهة يُؤنَس بها. وما آنستَ به فقد أحسستَ به، مع سكون نفسك إليه. والشهاب نورٌ كالعمود من النار، وكلُّ نور يمتدّ كالعمود يُسمَّى شهابًا، والمراد الشعلة من النار. والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها، وسياق الآية يشهد، ويؤيده ما وقع من القصة في سور أخرى أنه كان حينذاك يسير بأهله وقد ضلّ الطريق وأصابه وأهلَه البردُ في ليلة داجية، فأبصر نارًا من بعيد، فأراد أن يذهب إليها، فإن وجد عندها إنسانًا استخبره، أو يأخذ قبسًا يأتي به إلى أهله فيوقدوا نارًا يصطلون بها. فقال لأهله امكثوا إني أحسست وأبصرت نارًا، فالزَموا مكانكم، سآتيكم منها - أي من عندها - بخبر نهتدي به، أو آتيكم بشعلة متناولة من النار لعلكم توقدون بها نارًا تصطلون وتستدفئون بها.
3- سورة النمل، الآية 7. 

 

121

  


88

خيركم لأهله

 أثر شعور الزوجة بالدفء

واعلم أن الزوجة بحاجةٍ دائمةٍ إلى دفءٍ لا توفِّره النار، وهو دفء الشعور بأنّها محبوبة ومحطّ أنظار زوجها وتحت عنايته ورعايته. وتأمين النار للتدفئة هو رمز لسدِّ احتياجات الزوجة بما تسمح به إمكانات زوجها.

وقد علّمنا أهلُ البيت عليهم السلام قيمة التعاون ومساعدة الزوجات في أعمال البيت، وكما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام بعد ما رآه في البيت ينقي العدس، وفاطمةُ عليها السلام جالسة عند القدر: "اسمع يا أبا الحسن، وما أقول إلا من أمر ربي: ما من رجل يعين امرأته في بيتها، إلا كان له بكلّ شعرة على بدنه عبادة سنة، صيام نهارها وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب مثل ما أعطى الصابرين وداود النبي ويعقوب وعيسى. يا عليّ، من كان في خدمة العيال في البيت ولم يأنف، كتب الله اسمه في ديوان الشهداء، وكتب له بكلّ يوم وليلة ثواب ألف شهيد، وكتب له بكلّ قدم ثواب حجّة وعمرة، وأعطاه الله بكلّ عرق في جسده مدينة في الجنّة. يا عليّ، ساعة في خدمة البيت خير من عبادة ألف سنة، وألف حجّة، وألف عمرة، وخير من عتق ألف رقبة، وألف غزوة، وألف مريض عاده، وألف جمعة، وألف جنازة، وألف جائع يشبعهم، وألف عار يكسوهم، وألف فرس يوجهه في سبيل الله، وخير له من ألف دينار يتصدّق به على المساكين، وخير له من أن يقرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن ألف أسيرة اشتراها فأعتقها، وخير له من ألف بدنة يعطيىها للمساكين، ولا يخرج من الدنيا حتّى يرى مكانه في الجنّة. يا عليّ، من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنّة بغير حساب. يا عليّ، خدمة العيال كفارة للكبائر، وتطفئ غضب الرب، ومهور حور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات. يا عليّ، لا يخدم العيال إلا صدّيق أو شهيد، أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة"1.

وفضل قضاء الرجل لما يستطيع من أموره وحاجاته الشخصية، فكان صلى الله عليه وآله وسلم قدوة ومثلًا لجميع المسلمين في ذلك، وذكروا في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان "يرقع ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته"2.

1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج13، ص48.
2- السيد البروجردي، جامع الأحاديث، ج16، ص695.

 

122

  


89

خيركم لأهله

 وهو بهذا يضرب المثل في التيسير وعدم التعقيد، وفي التعاون الذي يجب أن يسود جوّ الأسرة، فهي شركة ينبغي ألّا يجد أحدُ أعضائها حرجًا أو غضاضة في عمل ما يساعدها على الوصول إلى غايتها من الاستقرار والسعادة.

التوسعة مع القدرة
وهو القدر الزائد على الواجب، وليس فقط أداء حقّها الشرعي في النفقة ممّا يجب أداؤه في توفير حاجاتها المعاشية من الملبَس والمطعَم والمسكَن وسائر مستلزمات الحياة الكريمة، فالله يحبّ إذا وسّع عليك أن توسّع على عيالك، والزوجةُ في الطليعة: قال - عزّ وجلّ -: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾1

وفي وصايا العترة الطاهرة عليهم السلام عَلّلوا ذلك بأنّ الزّوجة عيال، وعيال الرجل أسراؤُه، أو لأنه صاحب النعمة، أو لئلّا يتمنّوا موته، أو إن لم يوسِّع عليهم أوشك أن تزول النعمة منه، وغير ذلك. وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن المؤمن يأخذ بأدب الله - عزّ وجلّ -، إذا وسّع عليه اتّسع، وإذا أمسك عليه أمسك"2.

وعن الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ عيال الرجل أسراؤه، فمَن أنعم الله عليه نعمةً فليوسّع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول النعمة"3.

وفي رواية عن الإمام الصادق، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لما أسري بي إلى السماء، دخلت الجنة، فرأيت فيها قصرًا من ياقوت أحمر، يُرى باطنه من ظاهره، لضيائه ونوره، وفيه قبّتان من درّ وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل، لمن هذا القصر؟ قال: هو لمن أطاب الكلام وأدام الصيام وأطعم الطعام وتهجّد بالليل والناس نيام، قال عليّ عليه السلام: فقلت: يا رسول الله، وفي أمّتك من يطيق هذا؟ فقال: تدري ما إطابة الكلام؟ فقلت: الله

1- سورة البقرة الآية 236.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص12.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 75، ص208.

 

123

  


90

خيركم لأهله

 ورسوله أعلم، قال: من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

أتدري ما إدامة الصيام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر شهرَ رمضان ولم يفطر منه يومًا. أتدري ما إطعام الطعام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكفّ به وجوههم عن الناس. أتدري ما التهجد بالليل والناس نيام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من لم ينم حتّى يصلّي العشاء الآخرة والناسُ من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين نيام بينهما"1.

ومن الإحسان
احتمال هفوات الزوجة، وغضُّ الطّرف عنها، فالزوج العاقل الكريم لا يعاتب زوجته عند أدنى هفوة، ولا يؤاخذها بأول زلّة، بل يلتمس لها المعاذير، ويحملها على أحسن المحامل، ومن ثمَّ يقدم لها النصح بقدر المستطاع، ويلتفت إلى اللفتات الصغيرة في الحياة الزوجية: مثل هدية صغيرة، كلمة جميلة، شكر معبر، رسالة نصية صغيرة، وردة جميلة، حفظ سرّها، التجمّل لها، وعدم تهديدها بالطلاق، والتنازلات المتبادلة، والتحلّي بالمرونة.

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج8، ص190.

 

124

 


91

خيركم لأهله

 وقفة تأملية

رسالة الحبّ من الإمام الخميني لزوجته
جُعلتُ صدقة من أجلك.. بحق الله، جُعلتُ فداك.. طوال هذه الفترة التي كنت فيها مبتليًا بابتعادي عن نور العين العزيزة وقوّة قلبي، لم تفارقني ذكراكِ، وصورتكِ الجميلة منحوتة في قلبي.. عزيزتي: أسأل الله تعالى أن يحفظك ويمنّ عليك بالسلامة والسعادة.. إن الظروف، مهما كانت قاسية، فهي مقضية. ولكن - ولله الحمد - كلّ ما حلّ بنا حتّى الآن كان خيرًا.

ونحن الآن في مدينة بيروت1 الساحرة حقًا.. إننا نفتقدكم، وكم تمنّينا أن تكونوا معنا لمشاهدة المدينة والبحر ذا المنظر الخلّاب. يا للأسف، إن حبيبي العزيز ليس معي ليرى هذا المنظر الخلّاب الذي يسحر القلوب. 

على أيّ حال، هذه الليلة هي الثانية التي أنتظر فيها الباخرة، وكما يبدو أن إحدى البواخر ستنطلق غداً، غير أننا وصلنا متأخرين قليلًا، لذا ينبغي انتظار باخرة أخرى.. لم يتّضح بعدُ ماذا سنعمل. آمل أن يوفق الله تعالى، بحقّ أجدادي الطاهرين، الحجاجَ كافة لإتمام المناسك. فمن هذه الناحية أنا قلق قليلًا، ولكن من حيث المزاج، فلّله الحمد، أَنْعَمَ بالسلامة، بل إن مزاجي أكثر رواقًا واستقرارًا بحمد الله.. إنها رحلة موفّقة للغاية، وكم تمنّيت أن تكوني معي. لقد اشتقت إلى ولدك2.. آمل أن يرفل الاثنان3 بالسلامة والسعادة في ظلّ عناتيكم أيتها العزيزة، وفي رعاية الباري تعالى.. بلّغي سلامي إلى السيد4 والسيدتين5 إذا ما كتبتِ رسالة إليهما.. إنني أنوب بالزيارة عن الجميع. 

بلِّغوا تحياتي إلى السيدة شمس آفاق6، ومن خلالها للسيد الدكتور7
كذلك بلِّغوا تحياتي إلى خاور سلطان وربابة سلطان. 
بالنسبة إلى الرسالة المرفقة، أبلغوا الشيخ عبد الحسين لإيصالها. 
لتدم أيام العمر والعزة.. تصدَّقتِ بي وفديتك. 
الصورة المرفقة توضّح حالة الحزن لعدم ركوبنا الباخرة.

روح الله‏ 
ذي القعدة 1351 هـ. ق‏

1- للتوجّه إلى السعودية بالسفينة لأداء مناسك الحج.
2- السيد مصطفى الخميني، الذي كان عمره آنذاك ثلاث سنوات.
3- إشارة إلى السيد مصطفى وابنه الآخر الذي لم يكن قد وُلد بعد آنذاك، ووُلد بعد بضعة أيام من كتابة هذه الرسالة عندما كان الإمام مسافرًا للحجّ، وسمّاه عليّ-، وقد توفى طفلًا بسبب المرض.
4- السيد ميرزا محمد ثقفي، والد زوجة الإمام الخميني.
5- والدة زوجة الإمام الخميني، وجدّتها التي كانت آنذاك على قيد الحياة.
6- شمس آفاق ثقفي، أخت زوجة الإمام الخميني.
7- الدكتور علوي.


92

التجارة المنجية

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• كيف تكون التجارة مربحة؟ 
• ما ربحُ أو ثمنُ التجارة؟ 
• ما أسس المعاملة في هذه التجارة؟ 
• أيهما أحبّ إليك؟ 
• غزوة تبوك، وفضحُ المنافقين
• ماذا فعل المسلمون؟ 
• سارعوا إلى أبواب الجنان
• فضل إنفاق المال في تجهيز المجاهد بالسلاح

127

  


93

التجارة المنجية

 تصدير الموعظة

 

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾1.

تمهيد الموعظة
ذكرنا في الموعظة السابقة أنّ من سبل الإحسان إلى آيات الله - عزّ وجلّ -، ومن علامات الإيمان الصادق، أن يكون المرء من الخيّرين لأهله، والمقصود هنا الدائرة القريبة منه، وهي الزوجة والأولاد، وأن المقصود منه ليس كفّ الأذى عنهم، فهذا يقدر عليه الكثير، بل النظر إليهم كما في تعبير الكتاب الكريم (من أنفسكم) و (قوا أنفسكم) و (قرة عين)، فهل يمكن للإنسان أن يؤذي نفسه؟! وكيف يكون مصداقًا للميثاق الغليظ؟

كيف تكون التجارة مربحة؟ 
تبدأ الآية الكريمة في خطاب خاص موجَّه للمؤمنين, لأن أهل الإيمان يبحثون دائمًا عن الوسائل أو الطرق المقرِّبة إلى الله - عزّ وجلّ -، وهو أمر يشغل بال الكثير من الناس، وقيل بأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، وما أدقّ التعبير الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "رَحِمَ الله اِمْرَءاً اَعَدَّ لِنَفْسِه وَاسْتَعَدَّ لِرَمْسِه وَعَلِمَ مِنْ أَيْنَ وَفي أَيْنَ وَإِلي أَيْنَ"2. فالإنسان الذي يرى نفسه كمسافر إلى الله - عزّ وجلّ - وأن هنالك مبدأ ومقصدًا وما بينهما طريق وسبيل، وأن هنالك زادًا ورحلة؛ يفني عمره في البحث عنها والوصول إليها.

 

 

1- سورة الصف، الآيات 10 - 13.
2- الكاشاني، الوافي، ج 1، ص 116.

 

 

 

129

  

 


94

التجارة المنجية

 ومن ثم عقّب الله - عزّ وجلّ - في الآية بكلمات تحاكي حاجة كل مخلوق، فبادره عزّ وعلا بسؤال للإنسان (هل أدلكم؟)، وهو نوع من الاستفهام1 التشويقي2، وكأنه - عزّ وجلّ - يقول: أتريد أن تكون في بحبوحة، في غنى، في سعة؟ ومن ثم أردفت العبارة بكلمة تجارة، وهي لفظ محبَّب إلى معظم الناس كونها مظنة ربح والغنى والسعادة والفَوز عند الناس.

ولا شكّ في أن لكل تجارة رأس مال وفيها ربح، وتجارة الأرض ربحها قليل، وأمدها قصير، والنتائج مُحْزِنَة أحيانًا، وقد تعمل سنوات ويكون ربحك قليلًا أو لا يوازي حاجتك، ولكن الله يعطيك بلا حساب.

ما ربحُ أو ثمنُ التجارة؟ 
لا شكّ في أن ثمن التجارة مع الله منها ما هو مؤجَّل ومنها ما هو معجَّل: 
الثمن المؤجل: 
النجاة والفوز يوم القيامة: 
أفضل ربح وأول دفعة وأعظم فوز في حساب الأرباح للمؤمن الذي تاجر مع الله هو النجاة (تنجيكم)، من ماذا؟ من (عذابٍ أليم)، وهذا وصف لشدة العذاب الحسي الشديد في يوم القيامة. وقد جاء وصف (العذاب)3 في القرآن بـأنه (أليم) في ثلاثين موضعًا تقريبًا، وهو ما يدلّل على الاهتمام بكيفية الخلاص منه.

1- الاستفهام: لغة مصدر استفهم، وهو طلب الفهم. فهِم الشيء بالكسر فَهْمًا وفَهَامةً؛ أي علمه. وفلان فَهِمٌ واسْتَفْهَمَهُ الشيء فَأفْهَمَهُ وفَهَّمَهُ تفهِيمًا، وتَفَهَّمَ الكلام فهمه شيئًا بعد شيء. وأسلوب الاستفهام هو أسلوب لغوي من أساليب السؤال، يهدف إلى طلب الإفهام تصورًا أو تصديقًا، وقد ضمّنه النحويون في الإنشاء الطلبي.
وقسمه النحويون إلى نوعين: 1.الاستفهام الحقيقي: يقصد به صاحبه معرفة ما يجهله، 2.الاستفهام المجازي: يعلم فيه صاحبه جوابه، ولكنه يقصد معنى آخر يُفهَم من السياق بعد التأمل في النّص. وأطلق عليه بعض النحويين الاستخبار.
2- التشويق من الأغراض التي يأتي لها الاستفهام حينما يقصد المتكلم ترغيب المخاطب واستمالته، نحو ما سيلقيه إليه بعد الاستفهام، وتحريك مشاعره إلى أمر محبوب يرغب فيه السائل.
3- أولًا: العذاب الأليم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. العذاب الأليم عذاب حِسي شديد.
ثانيًا: العذاب المُهين ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. هؤلاء الذين أضلّوا الناس وتبعهم الناس على إضلالهم، هؤلاء لهم يوم القيامة عذابٌ مُهين يُعذَّبون أمام أتباعهم الذين أضلّوهم. والعذاب المهين أشدُّ من العذاب الأليم. ويوجد عذاب أليم له ألم حسِّي شديد. العذاب المهين معنوي، والعذاب الأليم حِسي. 
ثالثًا: العذاب العظيم ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أما العذاب العظيم فمنسوب إلى قدرة الله. أنت إن أردت أن تعذِّب إنساناً يوجد حدود ينتهي عندها العذاب، لكن الله عزّ وجلّ- قادر على أن يُعَذِّب الإنسان إلى أبد الآبدين.

 

130

  


95

التجارة المنجية

 ومن المعلوم أن البحث عن النجاة من أيّ خطر أمرٌ فطري، وكلما كان الذي يدلك على المخارج الآمنة أصدق حديثًا، وأكثر صدقًا، زادت طمأنينتك به، فكيف إذا كان المخبِر عن هذه المخارج هو الله تعالى، ومَن أصدقُ من الله حديثًا! 

وإنّ حقًّا على العاقل أن يبحث عما ينجيه، فإن السلامة ذلك اليوم تعني السلامة الأبدية، والعكس صحيح.

مغفرة الذنوب: 
قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وهو ما يدلّ على أن المغفرة لجميع الذنوب.

جنات عدن: 
قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. الجنة هي دار الخلود، ونعيمها دائم.

الثمن المعجل: 
النصر والفتح:
قال تعالى: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.

ما أسس المعاملة في هذه التجارة؟ 
أشارت الآية الشريفة إلى ثلاثة أسس تقوم عليها هذه التجارة المربحة، وهي: 
الإيمان بالله: 
قال تعالى: ﴿َتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾، فكيف يكون الإنسان مؤمنا حقيقيًا بالله - عزّ وجلّ -؟ وهذه المرتبة القرآنية التي منحها الله عبادَه الصالحين، والتي تنفعهم بعد الموت وتنجيهم، ألا تحتاج إلى وقت وتأمل وتفكر؟! 

فالإيمان يحتاج إلى عقل وقلب، وكلاهما يحتاجان إلى وقت وجهد، فلغة العقل هي البرهان والاستدلال، ولغة الإيمان هي الحبّ1 والاطمينان، ومحلُّه القلب، وإذا دخل فيه

1- الشيخ الصدوق في الأمالي، ص 578: حدّثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، قال: حدثني من سمع أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: ما أَحَبَّ اللهُ - عزّ وجلّ - من عصاه، ثم تمثّل فقال: 
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في الفعال بديعُ
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحبّ لمن يحبّ مطيعُ

 

131

  


96

التجارة المنجية

 فلا يمكن أن يُأخَذ بسهولة، وكما في الرواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "إنّ المؤمن أشدّ من زبر الحديد. إنّ الحديد إذا أُدخل النارَ تغيّر، وإنّ المؤمن لو قُتل ثمّ نُشر ثمّ قتل لم يتغيّر قلبه"1.

الإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم: 
وقال تعالى ? وَرَسُولِهِ? ?. كيف تؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل فقط بمعرفة أمره ونهيه؟! وهل ينفصل الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم عن الاقتداء والتأسي والمحبة الحقيقية عبر إطاعته قولًا وفعلًا وخلقًا؟ 

وفي بيان معنى الاستنان والتأسي يروى عن الإمام الرضا عليه السلام: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتّى تكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وسنّة من وليّه. فأمّا السنّة من ربّه: فكتمان سرّه2، قال الله - عزّ وجلّ -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾3، وأمّا السنّة من نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: فمداراة الناس4، فإنّ الله - عزّ وجلّ - أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بمدارة الناس، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾5، وأما السنّة من وليّه عليه السلام فالصبر في البأساء والضرّاء6"7.

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج64، ص 304.
2- إنّ الإنسان، بعد أن يكون الغالب عليه حبّ الكتم وكراهة الإفشاء، وحبّ الحديث والتفكّه بنشر الأسرار، فليتأمل بسنّة ربّه المطلع على أسرارنا وأعمالنا، وليتمثل بهذا الأدب، بحيث لم يفضحنا، ولم ينشر ذلك علينا، فلا أقلّ من أن يعامل الناس كما يعامله الله - عزّ وجلّ -.
3- سورة الجن، الآيتان 26 - 27.
4- لا بدّ من التفريق بين المداهنة والمداراة، فالأولى هي الموافقة على تحسين القبيح، أو ترك إنكاره رغبةً وطمعًا فيما عندهم، ليتوسّل إلى منافعهم الدنيوية، أو يجلب قلوبهم إليه من دون ملاحظة دفع مفسدة. وأمّا المداراة فهي ترك الإنكار دفعًا للمفسدة، أو لأجل تخفيفها، أو تحرّزًا عن تهييجها، وأين هذا من ذلك! والمداراة قد تكون لدفع الشرّ ممن تداريه، وقد تكون لاستجلابه إلى الخيـر، وكلّها في مقامٍ لا محلّ للإنكار، وإما للخوف، أو لعدم التأثير، فحينئذٍ الرفق والبشاشة وتحمّل الأذى، والدفع بالتي هي أحسن هي المدارة، قال الله فيها ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فصلت، الآيتان (34-35).
5- سورة الأعراف، الآية 199.
6- ولا ريب في أنّ الدنيا سجن المؤمن، فأي سجنٍ جاء منه خير! ولقد قال الإمام الصادق عليه السلام لرجل اشتكى عنده الحاجة، قال له: اصبر، سيجعل الله لك فرجًا، ثم سكت ساعةً، ثم التفت إليه فقال: أخبرني عن سجن الكوفة، كيف هو؟ .. فقال: ضيّقٌ منتنٌ، وأهله بأسوء حال. قال: فإنما أنت في السجن، فتريد أن تكون فيه في سعة، أما علمت أنّ الدنيا سجن المؤمن. الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص250.
7- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 241.

 

132

  


97

التجارة المنجية

 المجاهدة بالمال والنفس: 

قال تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾1، وفيه إشارة إلى أن الجهاد بالمال عبادة من العبادات، ولعلّه قدّم المال على النفس لأنّ المجاهدة بالأموال أكثر وقوعًا، وأتمّ دفعًا للحاجة؛ حيث لا تتصَوَّر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال. وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد بالمال لنحو التأهّب للحرب، ثم الجهاد بالنفس2.

وكانت تلك من آخر وصايا أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "اللهَ اللهَ في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله"3.

أيهما أحبّ إليك؟ 
لو أدركت حقيقة هذا الأمر لذبت شوقًا إليه، وخجلًا منه، ورغبة فيه. وترجمة ذلك أنك تجد في نفسك حبًّا فطريًّا، وميلًا غريزيًّا للمال، ثم يطلب الله منك أن تنفقه في سبيله، هنا لا بدّ من أن تعقد مقارنة سريعة حتمية في داخلك: أيهما تحبّ أكثر: المال أم الله؟!، وهذه هي الحقيقة بكاملها: المال، أم الله؟! كل إنسان سيقول بلسانه: أختار الله على ما سواه، لكن لا بدّ من أن يصدِّق العمل قول اللسان، وإلا فما معنى الاختبار!

وترجمة هذا أيضًا أنك تجد في نفسك حبًّا فطريًا للآباء والأبناء والأزواج والعشيرة، ثم يأتي موقف إما أن تُرضي فيه الأحباب وإما أن ترضي فيه الله، وعليك أن تعقد مقارنة سريعة: الأحباب أم الله؟!، وتذكَّر أن الإجابة ستكون بالفعل لا بالقول.

الأمر جدُّ خطير، والقضية مصيرية في حياة الإنسان ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى

1- سورة الجمعة، الآية 11.
2- الألوسي، محمود شهاب الدين، روح المعاني، ج 4، ص 114.
3- المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 17. 

 

133


98

التجارة المنجية

 يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾1. انظر إلى هذه المقارنة، الجهاد جزء من حبّ الله ورسوله، لكن لماذا يُذكَر في هذا المقام؟ حتى يلفت النظر إلى قضية (الفعل لا القول). فلا يكفي أن تقول: أحبُّ الله أكثر، ولكن لا بدّ من الجهاد في سبيله، وبذل هذه الأشياء الثمانية المذكورة في الآية.

غزوة تبوك2، وفضحُ المنافقين 
أن يمرّ على المجاهدين ظرف عسير، فهذه سنّة الله في الحياة، وقد مرّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلُ ذلك في غزوة تبوك، التي سميت بغزوة العسرة، وفيها دروس وعبر كثيرة، نقتصر فيها على محلّ الشاهد في القصة. بعد إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الموقف في إعداد العدة، وقف فيهم خطيبًا يحثّهم على الصدقات لتجهيز الجيش، لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيادته ما يجهزون به الجيش، فكان يطلب من المسلمين أنفسهم أن يجهزوه، وأن يساهم كلّ مسلم بما يستطيع لتجهيزه وإنفاق كرائم الأموال لذلك.

ماذا فعل المسلمون؟ 
قام المسلمون الصادقون وأهل الإيمان بالتسابق في تجهيز الجيش، وأنفق كلّ مؤمن صادق ما عنده، وتتابع الناس في صدقاتهم قليلها وكثيرها، وبعثت النساء المؤمنات

1- سورة التوبة، الآية 24.
2- غزوة تبوك هي الغزوة التي خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها في رجب من عام 9 ھـ بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر. تُعدُّ غزوة تبوك آخر الغزوات التي خاضها الرسول، بدأت تداعيات تلك الغزوة عندما قرّر الرومان إنهاء القوة الإسلامية التي أخذت تهدد الكيان الروماني المسيطر على المنطقة؛ فخرجت جيوش الروم العرمرمية بقوى رومانية وعربية تقدَّر بأربعين ألف مقاتل، قابلها ثلاثون ألفًا من الجيش الإسلامي. انتهت المعركة بلا صدام أو قتال؛ لأن الجيش الروماني تشتّت وتبدّد في البلاد خوفًا من المواجهة، مما رسم تغيرات عسكرية في المنطقة، جعلت حلفاء الروم يتخلون عنها ويحالفون العرب كقوة أولى في المنطقة. لذلك، حققت هذه الغزوة الغرض المرجوّ منها على الرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالًا، فحققوا انتصارًا للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمّت بصلة الولاء لدولة الروم، مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة مدينة العقبة حاليًا، على خليج العقبة الآسيوي-، وكتب الرسول محمد بينه وبينهم كتابًا يحدّد ما لهم وما عليهم. وقد عاتب القرآن الكريم مَن تخلّف عن تلك الغزوة عتابًا شديدًا، وتميزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأن الله حثّ على الخروج فيها، وعاتب وعاقب مَن تخلف عنها، والآيات الكريمة جاءت بذلك، قال تعالى ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

134

  


99

التجارة المنجية

 صدقاتهن، وأخرجن أعضادهن وأقراطهن وخواتيمهن صدقة لله وفي سبيل الله.

 

أما أهل النفاق1 ومن كان في قلوبهم مرض، فلم يأتوا بشيء، وأخذوا يسخرون من هؤلاء ويستهزئون ممن شارك وتصدق، فمن جاء بمال كثير قالوا ما جاء به إلا رياء وسمعة، ومن جاء بمال قليل همزوه ولمزوه، وقالوا له إن الله ورسوله غني عمّا جئت به، فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾2 3.

سارعوا إلى أبواب الجنان
وهب أن المجاهد وقع في عسر أو شدّة، أوَليس الواجب يقتضي علينا المسارعة إلى تقديم القليل والكثير في سبيل الحفاظ على طريق الجهاد! أوليس ذلك من أبواب الجنان التي لا بدّ من أن نتسارع إليها! ولا يخفى، فالمال هو عصب الحرب، وهو مدد الجيش، فبه يُشتَرَى السلاح، وبه يُجهَّز المجاهد؛ وبه تُحفظ الحرمات، والمجاهد هو الحامل للواجب عن الأمّة بأسرها، وله حقٌّ واجبٌ علينا حتّى يتمكّن من مواصلة جهاده وتضحياته. وليس الأمر بالكثرة والقلّة، بل بالشعور بهم، والمشاركة معهم، والإخلاص في دفع المال لهم، فهم أصحاب المنّة علينا، ومَن لا يمتلك مالًا فلْيمتثل قولَ المتنبي: 

لا خَيْل عِندك تُهْدِيها ولا مالُ فلْيُسْعِد الـنُّطْق إن لم تُسْعِد الْحال

1- النفاق في المصطلح الإسلامي يُطلقُ على إظهار الإسلام قولًا وعملًا، وإضمار الكفر. ومَنْ يكون هذا حاله يُقالُ له "منافق"، ورأسماله الكذب والخديعة، فيتظاهر بالإيمان والعمل الصالح، ليتستَّر بالإسلام على كفره، ليأمن من بطش المسلمين، وليدفع الخطر عن نفسه. ويكون المنافق في الغالب مرتبكاً وخائفاً من الفضيحة.
2- ومع بخل المنافقين لا يَسْلَم المتصدّقون من أذاهم. فإذا تصدّق الأغنياء بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء، وإذا تصدّق الفقراء بما في طاقتهم استهزؤوا بهم، وقالوا سخريةً منهم: ماذا تجدي صدقتهم هذه؟ سَخِرَ الله من هؤلاء المنافقين، ولهم عذاب مؤلم موجع.
3- سورة التوبة، الآية79.

135

  

 


100

التجارة المنجية

 فضل إنفاق المال في تجهيز المجاهد بالسلاح

يكون في ظلّ الله
في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَازِيًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتِبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ"1.

وفي رواية أيضًا عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا كان له كمِثْلُ أَجْرِهِ"2.

كمن غزا معه: 
ولا يخفى ما للجهاد من فضل، فهو باب من أبواب الجنّة، ومَن جهز غازيًا فكأنما شارك معه، كما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من جهّز غازيًا في سبيل الله كان له أو كُتب له مثل أجر الغازي في أنه لا ينقص من أجر الغازي شيئا"3.

أفضل الصدقات: 
في الراوية: قال الراوي: "قلت: يا رسول اللّه: أيّ الصدقات أفضل؟ قال: "خدمة الرجل يخدم أصحابه في سبيل اللّه". قلت: يا نبي اللّه، فأيّ الصدقة بعد ذلك أفضل؟ قال: بناء يفيء به الرجل على أصحابه في سبيل اللّه". قلت: يا رسول الله، فأيّ الصدقة أفضل بعد ذلك؟ قال: عَسْبُ فرس يحمله صاحبه في سبيل اللّه"4.

إنفاق المال في عوائلهم وأهلهم: 
إياك وخيانة المجاهدين: 
إن اطمئنان المجاهد أنّ هناك مجاهدين بأموالهم لا يبخلون بمالهم على أسرتهم، نوع من أنواع إعداد العدة للكفار الذين يحاربونه، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حُرمَةُ نِساءِ المُجاهِدينَ على القاعِدينَ كحُرمَةِ أُمَّهاتِهم. وما مِن رجُلٍ منَ القاعِدينَ يَخلُفُ رجُلًا منَ المُجاهِدينَ في أهلِه فيَخونُه فيهِم إلَّا وقَف له يومَ القيامَةِ، فيَأخُذُ من عمَلِه ما شاء".

1- ابن شيبة، أبو بكر، مصنف ابن أبي شيبة، ج4، ص599.
2- العلّامة الحلّي، تذكرة الفقهاء، 98، ص38..
3- صحيح مسلم، ج5، ص192.
4- البيهقي، أحمد بن الحسين الخراساني، السنن الكبرى، ج5، ص69.

 

136

  


101

التجارة المنجية

 فما ظَنُّكم؟. وفي روايةٍ: فقال: "فخُذْ من حسَناتِه ما شِئتَ. فالتفَت إلينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: فما ظَنُّكم؟"1، وأعلم ان خيانتهم ليست كخيانة غيرهم.

الشهداء والجرحى: 
إن أبناء الشهداء ينتظرون حقوقَهم، ويجب ألّا يعتبروا ذلك مِنَّة أو هِبَةً منا؛ ولكنه حق معلوم قرره الله لهم، في قوله تبارك وتعالى ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾2، فهلمّوا إلى التجارة المربحة مع الله.

1- صحيح مسلم ، ج6، ص43.
2- سورة المعارج، الآيتان 24 - 25. 

 

137

  


102

التجارة المنجية

 وقفة تأملية

اقتران جهاد المال بجهاد النفس في كتاب الله
اقترن جهاد المال بجهاد النفس في القرآن في عَشَرة مواضع، تقدَّم فيها جهاد المال على الجهاد بالنفس في تسعة مواضع، وتقدَّم جهاد النفس على جهاد المال في موضع واحد: 
الآيات التي تقدَّم فيها المال على النفس: 
• - قال تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾1.

• - قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾2.

• - قال تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾3.

• - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾4.

• - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾5.

• - قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾6.

• - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾7.

• - قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾8.

1- سورة التوبة، الآية 41.
2- سورة الصف، الآية 11.
3- سورة النساء، الآية 95.
4- سورة الأنفال، الآية 72.
5- سورة التوبة، الآية 20.
6- سورة التوبة، الآية 44.
7- سورة الحجرات، الآية 15.
8- سورة التوبة، الآية 81.


103

ربيع الروح

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• الحُسْن في الاستعداد للسفر
• كيف تحمل همّ قلبك 
• من محطات القلب في شهر رجب
• إيقاظ

143

  


104

ربيع الروح

 تصدير الموعظة

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَلَا فَاعْمَلُوا الْيَوْمَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَعِدُّوا الزَّادَ لِيَوْمِ الْجَمْعِ يَوْمِ التَّنَادِ، وَتَجَنَّبُوا الْمَعَاصِيَ، اللَّهِ يُرْجَى الْخَلَاصُ. 

فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ حُرْمَةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَوَصَلَهُمَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّهُورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ شُهُودَهُ بِتَعْظِيمِهِ لَهَا. 

وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا رَجَبُ وَيَا شَعْبَانُ وَيَا شَهْرَ رَمَضَانَ، كَيْفَ عَمَلُ هَذَا الْعَبْدِ فِيكُمْ؟ كَانَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؟ 

فَيَقُولُ رَجَبُ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ: يَا رَبَّنَا، مَا تَزَوَّدَ مِنَّا إِلَّا اسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَتِكَ وَاسْتِعْدَادًا لِمَوَادِّ فَضْلِكَ، وَلَقَدْ تَعَرَّضَ بِحَمْدِهِ لِرِضَاكَ، وَطَلَبَ لِطَاقَتِهِ مَحَبَّتَكَ.

فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَذِهِ الشُّهُورِ مَاذَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِهَذَا الْعَبْدِ؟ 

فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، صَدَقَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ. مَا عَرَفْنَاهُ إِلَّا مُقْبِلًا فِي طَاعَتِكَ، مُجْتَهِداً فِي طَلَبِ رِضَاكَ، صَائِراً فِيهِ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.

وَلَقَدْ كَانَ بِوُصُولِهِ إِلَى هَذِهِ الشُّهُورِ فَرِحًا مُبْتَهِجًا، وَأَمَلَ فِيهَا رَحْمَتَكَ، وَرَجَا فِيهَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَك، وَكَانَ عَمَّا مَنَعْتَهُ فِيهَا مُمْتَنِعًا، وَإِلَى مَا نَدَبْتَهُ إِلَيْهِ فِيهَا مُسْرِعًا.

لَقَدْ صَامَ بِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَيَرْجُوَ دَرَجَةً، وَلَقَدْ ظَمِئَ فِي نَهَارِهَا، وَنَصَبَ فِي لَيْلِهَا، وَكَثُرَتْ نَفَقَاتُهُ فِيهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَظُمَ أَيَادِيهِ وَإِحْسَانُهُ إِلَى عِبَادِكَ.

صَحِبَهَا أَكْرَمَ صُحْبَةٍ، وَوَدَّعَهَا أَحْسَنَ تَوْدِيعٍ، أَقَامَ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا عَنْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَمْ يَهْتِكْ عِنْدَ إِدْبَارِهَا سُتُورَ حُرْمَتِكَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ هَذَا.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُ اللَّهُ بِهَذَا الْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَلَقَّاهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِبَاءِ وَالْكَرَامَاتِ، وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى نُجُبِ النُّورِ وَخُيُولِ الْبُلْقِ، وَيَصِيرُ إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنْفَدُ، وَدَارٍ لَا تَبِيدُ، وَلَا يَخْرُجُ سُكَّانُهَا، وَلَا يَهْرَمُ شُبَّانُهَا، وَلَا يَشِيبُ وِلْدَانُهَا، وَلَا يَنْفَدُ سُرُورُهَا وَحُبُورُهَا"1.

1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص545.

 

145

  


105

ربيع الروح

 تمهيد الموعظة

في الرواية أعلاه ما يشير إلى درس عظيم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث عن أشهر النور المباركة، وقد جُمعت في رواية واحدة لتبين لنا ضرورةَ أن يتهيأ المؤمن لهذا الحدث الروحي والعبادي قبل أن يدخل فيه، لأن الكثير يتفاجأ بحلول الموسم العبادي1، من دون إعداد مسبَق له.

وقد يصل في نهاية المطاف وحصيلتُه في طريق القرب منه - عزّ وجلّ - تكون زهيدة، وهو من أبرز مصاديق الظلم للنفس وإيذائها من الناحية المعنوية، ولعلها من أشدّ أنواع الظلم كما شارت الآية الشريفة ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾2، من الغفلة3 عن الحق، وعدم التهذيب4 لهذه النفس.

ويظهر لك شدة ذلك ووضوحه في مشهد القيامة ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾5.

الحُسْن في الاستعداد للسفر
وجَعل صلى الله عليه وآله وسلم عنوان هذا الشهر هو الاستعداد ليوم القيامة، وتحصيل الزاد قبل الوصول إليه، ومعرفة أنّ هذه الشهور هي جزء من موسم عبادي حافل في هذه الزائلة.

1- ضرورة الاستعداد للموسم العبادي، فلو أراد الإنسان أن يذهب إلى الحج، فعليه أن يتهيأ لذلك قبل الذهاب بفترة، يقرأ أسرار الحجّ الباطنية، فضلَ الحجّ، فقهَ الحجّ، حتى لا يصل ويرجع ولا يعلم ما معنى المستجار، ولماذا سمي الحطيم حطيمًا، وما فلسفة السعي، وما فلسفة الرمي! 
والتزوّد لا بدّ مِن أن يكون روحيًّا وفكريًّا، من قبيل الاطّلاع على أسرار ذلك الموسم، كأن يقرأ الأعمال قبل حلولها، ويكتب لنفسه برنامجًا كي يُوفَّق للمحطات العبادية. وكذا عند الذهاب إلى زيارة مشهدٍ من مشاهد أهل البيت عليهم السلام، والأهم بعد ذلك معرفةُ كيفية المحافظة على الموسم العبادي، لا تسليمه قبل الرجوع منه.
2- سورة البقرة، الآية 57.
3- قال الشيخ النراقي الغفلة هي: فتور النفس عن الالتفات والتوجه إلى ما فيه غرضها ومطلبها، إما عاجلًا أو آجلًا. وضدها النيّة، وترادفها الإرادة والقصد، وهي: انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها حالًا أو مآلًا -.
4- التهذيب في اللغة بمعنى التنقية والتطهير، وهذّب الشيء بمعنى نقّاه وأخلصه، وهذّب النخلة، أي نقّى عنها الليف، والرجل المهذّب هو مطهّر النفس والباطن من الأخلاق الرذيلة والصفات الذّميمة.
5- سورة الزمر، الآية 47.

 

146

  


106

ربيع الروح

 فالعبد في دنياه كأنه في سفر، وهو سفر مصيري لا بدّ منه، ففي الراوية عنه صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا"1 وفي وصف ضرار بن ضمرة2 لحال أمير المؤمنين عليه السلام قال: "فَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اَللَّيْلُ سُدُولَهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ، قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ اَلسَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ اَلْحَزِينِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا، يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ تَشَوَّقْتِ، لاَ حَانَ حِينُكِ، هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي، لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا، فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهِ مِنْ قِلَّةِ اَلزَّادِ وَطُولِ اَلطَّرِيقِ وَبُعْدِ اَلسَّفَرِ وَعَظِيمِ اَلْمَوْرِدِ"3.

واعلم بأن كلّ شيء زائل، كلّ شيء سيمضي، الدنيا بضعة أيام، كلما انقضى يوم منها نقص يومٌ من عمرك، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، كل شيء ينتهي بالموت، وهذا السفر لا بدّ منه، سفر مصيري، تكويني، إجباري، يمتاز عن سفر الدنيا بأنّ الكلّ ذاهب إليه، ولا يعلم موعده، ويشترك فيه بالزاد والراحلة، ولكن أي زاد وأي راحلة!4.

كيف تحمل همّ قلبك باغتنام المواسم العبادية التي تفضّل بها رَب العالمين علينا، ومنها الأشهر الروحية الثلاثة: رجب وشعبان وشهر رمضان المُبارك5، فهي ربيع الأرواح، فكما كانت الأشهر في العام المادي

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص239.
2- من الصادقين الموالين لرسول الله وأهل بيته، والمناصرين لهم قولًا وفعلًا، وهو في الطبقة الأولى من التابعين، درس عند العديد من الصحابة وعاصر الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه-.
3- نهج البلاغة، ج4، ص17.
4- زاد الانسان في هذا السفر هو خصال النفس وفضائلها وملكاتها، والراحلة في هذا السفر المرعب هو الهمة البطولية التي تدفع الانسان للتغيير والاستيقاظ والعمل وبذل الجهد لا الأماني.
5- الإمام الخميني قدس سره: "هذه الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، وشهر رمضان، لها بركات كثيرة، يُمكن أن يَستفيد منها كلّ مَن يَستطيع. طبعاً نقطة البداية، المَبعث. ومنه تتفرَّع كلُّ الخيرات الأخرى.. شَرَف هذه الأشهر الثلاثة لا يُحيط به البيان، ولا الألسِنة، ولا العقول.. ومِن بركات هذه الأشهر الأدعية الواردة فيها".

 

147

  


107

ربيع الروح

 ثلاثًا، كذلك في ربيع الروح، وكأنه يوجد تطابقٌ بينَ زراعة الأرض وبينَ زراعة القلوب، فكما أن الربيع هو موسم زراعة الأرض، كذلك هذه الأشهر العبادية، هي موسم زراعة القلوب، والذي يستفيد من هذه الفصول المُباركة هو الإنسان الذي يحمل همّ قلبه!

 

أما إن أهملت أمر قلبك، ولم يكن يهمك إلا الجوف الذي هو كناية عن البطنِ والفرج والشهوات، وما لَذّ وطاب من الطعام، وكان العالم كلّه بالنسبة إليك يدورُ على أساس ستر البدن وإشباع البطن وتلبية الرغبات الشهوية، هذهِ هيَّ الدُنيا بكُلِ تفاصيله، فهذا ليس بهمّ للمؤمن، فهو له هَمٌ آخر، همّه القلب السليم، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾1.

وشهر رجب مقدمة للتهيّؤ والاستعداد لنيل الإفاضات الإلهية في شهر شعبان، فشهر رجب وشعبان ورمضان بينها ترتُّب على مستوى الكمال، فالحصول على الكمال المعنوي الخاص بشهر شعبان مشروط بالاستفادة من شهر رجب، والأمر كذلك بالنسبة إلى شهر رمضان، فالحصول على كمالاته بالاستفادة من شهر شعبان، عن الإمام الصادق عليه السلام: "أعطيت هذه الأمة ثلاثة أشهر لم يعطها أحد من الأمم: رجب وشعبان وشهر رمضان"2.

من محطات القلب في شهر رجب 
حرمة ظلم النفس: 
والمعلوم أن شهر رجب3 من الأشهر الحُرُم4، قال الله - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ

1- سورة الشعراء، الآيتان 88 - 89.
2- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص25.
3- رجب من الترجيب، أي التعظيم، والمرجَب يعني المعظَّم.
4- الأشهر الحُرُمْ هي أربعة أشهر من الأشهر القمرية، حُرِّمَ فيها القتال منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان هذا التحريم نافذًا حتى زمن الجاهلية قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام أقرَّ حرمته، ولذلك تُسَمَّى بالأشهر الحُرُمْ. وقد أشار القرآن الكريم إلى حرمة ابتداء قتال الأعداء في هذه الأشهر، كما أشار إلى لزوم مقاتلتهم إذا إنتقضوا حرمة هذه الأشهر وبدؤوا القتال. 

148

  

 


108

ربيع الروح

 كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾1. من ميزات هذه الأشهر الأربعة هو حرمة الظلم والقتال، ليكون ذلك سبيلًا إلى حرمة الظلم بشكل عام والنفس بشكل خاص2.

 

والظلم للنفس هو هتك أي حرمة من حرمات الله، عبر اقتراف المعصية، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "ظلم نفسَه من عصى الله وأطاع الشيطان"3، وفي رواية أخرى "ظَلَم نفسَه مَن رضِيَ بدار الفَناء عِوَضاً عن دار البقاء"4. والإنسان عندما يصدر منه الذنب، يُنزِل نفسه منزلة الحيوانية، ويخرجها عن حياض الإنسانية5 - مهما كان مظهره الخارجي - فيتلبس بحقيقة أخرى قد تكون مساوية أو أقل من الأنعام؟!

ولا بدّ من الالتفات إلى أن باطن هذه الأشهر الرحمةُ، فكيف تقابَل الرحمة بالظلم؟! ومما يُدلل على هذه الرحمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وَسُمِّيَ شَهْرُ رَجَبٍ‏ شَهْرَ اللَّهِ الْأَصَبَّ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى أُمَّتِي تَصُبُّ صَبّاً فِيهِ"6، فالحريّ بنا أن نستفيد من هذه الرحمة النازلة لنكون عطرًا فواحًا، ينشر العبير فيفوح لك ولغيرك.

التوبة والاستغفار: 
التوبة إلى الله، والعودة إليه، بحيث يلقي الإنسان في شهر رجب الأصبّ ما علق به من أدران الذنوب والخطايا، الصغيرة منها والكبيرة. إنها لفرصة كبيرة وذهبية ربما لا تعوّض ولن تتكرر، فمن يدري، ربما يكون هذا الشهر هو الأخير في حياتنا! قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الشهر العظيم إنه شهر الاستغفار: "رَجَبٌ شَهْرُ الِاسْتِغْفَارِ لِأُمَّتِي. أَكْثِرُوا فِيهِ الِاسْتِغْفَارَ، إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏"7.

 

 

1- سورة التوبة، الآية 36.
2- معني "حرم" أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى أن الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه لحرمته. وإنما جعل اللّه تعالى بعض الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم في ذلك من المصلحة في الكفّ عن الظلم فيها، فعظّم منزلتها، وإنه ربما أدّ ذلك إلي ترك الظلم أصلًا، لانطفاء النائرة تلك المدة، وانكسار الحمية، فإن الأشياء تجرّ إلى أشكالها. الشيخ الطوسي، التبيان، ج5، ص214.
3- كافي الدين، ش أبي الحسن علي بن محمد الواسطي الليثي، عيون الحكم والمواعظ ، ص324.
4- م.ن، ص324.
5- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الله - عزّ وجلّ -: ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، من غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم. علل ‏الشرائع، ج1، ص 5.
6- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج94، ص39.
7- المصدر نفسه.

 

 

 

149

  

 


109

ربيع الروح

 ومن الملاحَظ في هذا الشهر العظيم كثرة الاستغفار، بصيغ خاصة ومختلفة. وبالدخول إلى حقيقة الاستغفار يتمّ التغيير والانقلاب، فلا بدّ من أن يكون لنا مع الله تعالى وقفة، لنصلح ما أفسدنا معه، فنأوب إليه، ونعود إلى رضوانه، فنرجع إليه تائبين مستغفرين، وإن لم نعد فعلينا التنبُّه إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "تعطّروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب"1.

شهر رجب هو شهر الإنابة إلى الله - عزّ وجلّ -، ويسمّى بالأصبّ، لأن الرّحمة على أمتي تصب صبّاً فيه، كما في الرواية، فليستكثر من قول "أَسْتَغْفِر اللهَ وَأَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ". لذا فإنه يجب على الإنسان، خلال هذا الشهر، أن ينظف بيت الروح الذي أهمله لتسعة أشهر، وذلك باتّخاذ أول خطوة وهي الاستغفار.

والاستغفار هو حقيقة بالقلب، يكشف عنها اللسان، ولا يكتمل إلا بالندامة الباطنية، والأخيرة لا تتمّ إلا بالتعرف على حقيقة الحرام. ومع التعرف عليه، يعرف الإنسان عظيم ما فعل، وجليل ما اكتسب، وكثير ما فرّط في جنبه، فيتألم عندها لما صدر منه، ويحترق القلب بعظم المصاب، فيقوم ليغسله بماء الأواب، ويذوب خجلًا أمام عظم النعم، فالتائب حين استغفاره يكون بين الخشوع لعظمته - عزّ وجلّ -، والذلّ لحقارته، فيبقى في داخله هذا الشعور، فينبري بطلب التوبة بمعنى حقيقي: "إِلهِي لَمْ أَعْصِكَ حِيْنَ عَصَيْتُكَ وَأَنا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ، وَلا بِأَمْرِكَ مُسْتَخِفٌ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلا لِوَعِيدِكَ مُتَهاوِنٌ، لكِنْ خَطِيئَةٌ عَرَضَتْ، وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَغَلَبَنِي هَوَايَ، وَأَعانَنِي عَلَيْها شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ المُرْخَى عَلَيَّ، فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخالَفْتُكَ بِجُهْدِي، فَالانَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي، وَمِنْ أَيْدِي الخُصَماءِ غَداً مَنْ يُخَلِّصُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي"2، فتكون هذه الحركة الأولى في سبيل التطهير، ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾3.

1- الشيخ الطوسي، الآمالي، ص372.
2- من دعاء أبي حمزة الثمالي. 
3- سورة البقرة، الآية 222.

 

150

  


110

ربيع الروح

 التخلية1 من المعاصي والذنوب: 

بعد الاستغفار والتوبة، والوصول إلى الطهارة، أفضل ما يلتزم به المؤمن هو المحافظة على عدم الوقوع في الذنب والمعصية، ليلتزم مع الله - عزّ وجلّ -، ويعاهده بلسان الحال: "وَخُذْ بِي سَبِيلَ الصَّالِحِينَ، وَأَعِنِّي عَلى نَفْسِي بِما تُعِينُ بِهِ الصَّالِحِينَ عَلى أّنْفُسِهِمْ"2، وبلسان العمل بعدم ارتكاب الذنب والمعصية، وفي الرواية العلوية: "اجتناب السيّئات أَولى من اكتساب الحسنات"3.

فيبدأ من أول رجب إلى منتصف شهر شعبان لمدة أربعين يومًا، على قاعدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أخلص لله أربعين يومًا فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"4. فمن قدر على الأربعين قدر على غيرها، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيَتْ عليهِ النيّة"5.

الاعتماد على الله والارتباط به:
فالارتباط بالله يمنح الإنسان أمناً من كل مكروه، وتجاوزاً لكل عقبة، وإحرازاً لكل نجاح. والاعتماد على الحق تعالى يعطي الإنسان القوة والعزم، لارتباطه بأصل القدرة والقوة في عالم الوجود، وبالأخص في الأزمنة المباركة التي أبان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فضلها. ومع التأمّل في الأعمال والعبادات الواردة ككثرة التهليل والتسبيح، والدعاء كما ورد: "اَللّـهُمَّ يا مُذِلَّ كُلِّ جَبّار، وَيا مُعِزَّ الْمُؤْمِنينَ، أَنْتَ كَهْفي حينَ تُعْيينِى الْمَذاهِبُ، وَأَنْتَ بارِئُ خَلْقي رَحْمَةً بي، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ خَلْقي غَنِيًّا، وَلَوْلا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهالِكينَ،

1- التخلية: هي تطهير النفس من رذائل الأخلاق، كالحسد والرياء والكبر والعجب وحبّ الدنيا وغيرها من الرذائل التي يذكرها علماء الأخلاق. يعتبر علماء الأخلاق أن التخلية هي الخطوة الأولى، وبدونها لا تحصل الفائدة الكاملة، لأن النفس تكون غير مستعدة للفيوضات القدسية إذا لم تكن النفس صافية قابلة لانعكاس الفيوضات فيها. ويمثلون لذلك بالمرآة التي ما لم تذهب الكدورات عنها لا تستعدّ لارتسام الصور فيها، وكالبدن الذي ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إضافة الصحة، وكالثوب الذي ما لم يـنـقَ عن الأوساخ لم يقبل لوناً من الألوان. فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا تنفع بصورة كاملة ما لم تتطهّر النفس من الصفات المذمومة.
2- من دعاء أبي حمزة.
3- اليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص126.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص249.
5- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص400.

 

151

  


111

ربيع الروح

 وَأَنْتَ مُؤَيِّدي بِالنَّصْرِ عَلى أَعْدائي، وَلَوْلا نَصْرُكَ إِيّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحينَ. يا مُرْسِلَ الرَّحْمَةِ مِنْ مَعادِنِها، وَمُنْشِئَ الْبَرَكَةِ مِنْ مَواضِعِها. يا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالشُّمُوخِ وَالرِّفْعَةِ، فَأَوْلِياؤُهُ بِعِزِّهِ يَتَعَزَّزُونَ، وَيا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكِ نيرَ الْمَذَلَّةِ عَلى أَعْناقِهِمْ، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خائِفُونَ. أَسأَلُكَ بِكَيْنُونِيَّتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَها مِنْ كِبْرِيائِكَ، وَأَسأَلُكَ بِكِبْرِيائِكَ الَّتِى اشْتَقَقْتَها مِنْ عِزَّتِكَ، وَأَسأَلُكَ بِعِزَّتِكَ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِها عَلى عَرْشِكَ فَخَلَقْتَ بِها جَميعَ خَلْقِكَ فَهُمْ لَكَ مُذْعِنُونَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَأَهْلِ بَيْتِهِ"1.

 

فكم يعيش العبد الشعورَ بالطمأنينة والأمل وهو يناجي الله بهذه الكلمات!

المراقبة المستديمة:
إذا ارتبط العبد بالله - عزّ وجلّ -، وبدأ في رحلة التخلي عن المعاصي، فعليه أن يزيد في نفسه منزلة ذات أهمية كبيرة في الطريق إليه، وهي المراقبة، بأن يعيش حقيقة الأدعية والأذكار الواردة في شهر رجب، ويستعين بكتاب الله - عزّ وجلّ -، ويتدبّر في آياته، من قبيل ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾2، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم، أخذتَ الحَذرَ من أن تعصيهُ، والآية الكريمة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾3 فلو شكَ أحدُنا في أنهُ مُراقَب، فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ، هذا والإنسان مراقبتهُ محدودة، فكيف لو علمَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُه! أنَّ الله - عزّ وجلّ -، الذي يعلم السرَّ وأخفى، مُطّلعٌ عليه! ناظرٌ إليه! يعلمُ سِره وجهره! ما أخفى وما أعلن! ما أبطن وما أظهر! ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾4. والآية التي كان بعض العلماء يردّدها بشكل دائم ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾5, يعني مُطلّعٌ عليك، والكريمة المبشِّرة ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ

1- الشيخ عباس القمّي، مفاتيح الجنان، من أدعية النصف في شهر رجب.
2- سورة البقرة الآية 235.
3- سورة الأحزاب، الآية 52.
4- سورة الحديد، الآية 4.
5- سورة العلق، الآية 14.

152

  

 


112

ربيع الروح

 رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾1, يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، يحفظه، يحوطهُ بالرعاية والاهتمام، والآية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾2، فما من مخلوقٍ على وجه الأرض يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين.

 

وليس الأمر بحضور هذا الشعور بشكل منقطع، بل بإدامَته، وشعروك أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك، في حركاتك وسكناتك، في كلِّ نشاطاتك، في خلوتك، في جلوتك، في لهوِكَ، في جِدّك، في عملك، في بيتك، في الطريق. إذا سافرت إلى أماكن بعيدة، إذا استدامَ حالُ المُراقبة، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم، وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك، وأنَّ الله يُراقِبك، فأنت في خير عظيم، وتأمل في هذا الدعاء "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَخْشَاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ أَبَدًا حَتَّى أَلْقَاكَ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ، وَلا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ"3.

وليست المراقبة مسألة مشاعرية أو نظرية، بل لا بدّ فيها من الإطار العملي، والأهم فيما مراقبة المنافذ الصادرة والواردة4 فيك, أي ما يصدر منك أو يرد إليك، فأنت مقبل على الله بكلّك، وفي الدعاء "إلهي، طالما نامت عيناي وقد حضرت أوقات صلواتك، وأنت مطّلع عليّ، تحلم بحلمك الكريم إلى أجل قريب، فويل لهاتين العينين، كيف تصبران غدًا على تحريق النار! إلهي، طالما مشت قدماي في طاعتك، وأنت مطلع علي، تحلم بحلمك الكريم إلى أجل قريب، فويل لهاتين القدمين، كيف تصبران غدًا على تحريق النار!"5.

 

 

1- سورة الطور، الآية 48.
2- سورة غافر، الآية 19.
3- من دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام. 
4- تشبيه الأمر بالصادر أو الوارد، أي ما ينفذ للإنسان منه أو يرد عليه للخارج، مثل الكلام أو اللسان، فهو يصدر من منفذ وهو الفم، أو الأذن يرد عليها الغيبة أو النيميمة، أو العين يرد عليها الحرام أو ينفذ منها النظرة المخيفة للمؤمن، أو القدم أو اليد أو البطن وغيرها. 
5- الصحيفة السجادية الجامعة ، ص486. 

 

 

 

153

  

 


113

ربيع الروح

 أداء حق أمير المؤمنين عليه السلام: 

وبما أن هذا الشهر الشريف والمبارك فيه الولادة المباركة لأمير المؤمنين عليه السلام، فلا بدّ من ملاحظة أداء حقه عليه السلام، من قبيل حقّ المودة والطاعة والاتباع الحقيقي، ولا يكون هذا الأمر إلا بالاتصال الحقيقي به (صلوات الله عليه) من خلال منهج محدَّد لا بدّ من اتّباعه، وهو محاولة التشبه أو القرب من بعض صفاته عليه السلام، ليصبح بينك وبين وليّك نوع مشابهة، وهذا الأمر إن تمّ ففيه فائدة عظيمة على سلوك الإنسان، ولك في قصص أصحابه عبرة، فإن مشوا بين الناس كانوا يذكّرون به عليه السلام، لماذا؟ أليس لأنهم شابهوه في عظيم خلقه ومنهجه عليه السلام! فهذا مالك الأشتر1 كان يعيش حياة متواضعة جدًّا، فكان أحيانًا لا يُعرف في الطريق لملابسه البسيطة جدًّا.

ومن هذه القصص حكي أن مالكًا بن الأشتر (رضي الله عنه) كان مجتازًا في سوق وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السوقة، فأزرى بزيه، فرماه ببابه تهاونًا به، فمضى ولم يلتفت، فقيل له: ويلك، تعرف لمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، فارتعد الرجل ومضى ليعتذر إليه، وقد دخل مسجدًا وهو قائم يصلي، فلما انفتل انكبّ الرجل على قدميه يقبلهما، فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك مما صنعتُ، فقال: لا بأس عليك، فوالله ما دخلت المسجد إلا لأستغفرن لك2.

والتأمل في كيفية نعي الإمام عليه السلام حين شهادته وحزنه عليه الشديد، فجعل يتلهّف ويتأسف على فقدان الأشتر ويقول: "مَالِكٌ ومَا مَالِكٌ، واللَّه لَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ فِنْدًا، ولَوْ كَانَ حَجَرًا لَكَانَ صَلْدًا. لَا يَرْتَقِيه الْحَافِرُ، ولَا يُوفِي عَلَيْه الطَّائِرُ قال الرضي"3.

1- مالك بن الحارث المعروف بـالأشتر توفى 39هـ-، من وجوه العراق وشجعانه، ومن أبرز قادة جيش الإمام علي عليه السلام، خطيب مفوّه، شاعر فصيح، جواد حليم، فارس شجاع شديد البأس، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق. يعدّ الأشتر من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أبرز قادة جيشه في معركتي الجمل وصفين، وقد أوكل إليه عليه السلام ولاية مصر التي استُشهد في طريقه إليها، وهو صاحب العهد المشهور الذي كتبه له عليه السلام حينما عيّنه والياً عليها.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج42، ص157.
3- نهج البلاغة، ص554.

 

154

  


114

ربيع الروح

 وفي قول آخر له عليه السلام: "رحم الله مالكًا، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"1.

من كتاب له إلى محمد بن أبي بكر "إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحًا، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيدًا نَاقِمًا، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاَقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاَهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ"2. فهل ينعانا كمثل هذا إن نُعيت أنفسنا إليه؟ 

ونختم بالرواية المباركة عن الإمام الصادق عليه السلام: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَيْنَ الرَّجَبِيُّونَ؟ فَيَقُومُ أُنَاسٌ يُضِي‏ءُ وُجُوهُهُمْ لِأَهْلِ الْجَمْعِ عَلَى رُؤوسِهِمْ تِيجَانُ الْمُلْكِ مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ عَنْ يَمِينِهِ وَأَلْفُ مَلَكٍ عَنْ يَسَارِهِ، يَقُولُونَ هَنِيئًا لَكَ كَرَامَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَيَأْتِي النِّدَاءُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: عِبَادِي وَإِمَائِي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَاكُمْ، وَلَأُجْزِلَنَّ عَطَاكُمْ (عَطَايَاكُمْ‏)، وَلَأُوتِيَنَّكُمْ‏ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏. إِنَّكُمْ تَطَوَّعْتُمْ بِالصَّوْمِ لِي فِي شَهْرٍ عَظَّمْتُ حُرْمَتَهُ وَأَوْجَبْتُ حَقَّهُ. مَلَائِكَتِي، أَدْخِلُوا عِبَادِي وَإِمَائِي الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: هَذَا لِمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ شَيْئًا وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي (مِنْ‏) أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ"3.

إيقاظ 
عن الإمام العسكري عليه السلام أنه قالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ مَنْ عَرَفَ حُرْمَةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَوَصَلَهُمَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّهُورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ شُهُودَهُ بِتَعْظِيمِهِ لَهَا، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا رَجَبُ، يَا شَعْبَانُ، وَيَا شَهْرَ رَمَضَانَ، كَيْفَ عَمَلُ هَذَا الْعَبْدِ فِيكُمْ؟ وَكَيْفَ طَاعَتُهُ لِلَّهِ

 


1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج42، ص176.
2- نهج البلاغة، ص408.
3- الشيخ الصدوق، ش محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي، فضائل الأشهر الثلاثة، طبعة مكتبة الداوري، إيران - قم، 1396 ه، ط1، ص31.

 

155

  


115

ربيع الروح

 عَزَّ وَجَلَّ؟ فَيَقُولُ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ: يَا رَبَّنَا مَا تَزَوَّدَ مِنَّا إِلَّا اسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَتِكَ، وَاسْتِمْدَادًا لِمَوَادِّ فَضْلِكَ، وَلَقَدْ تَعَرَّضَ بِجُهْدِهِ لِرِضَاكَ، وَطَلَبَ بِطَاقَتِهِ مَحَبَّتَكَ. فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَذِهِ الشُّهُورِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِهَذَا الْعَبْدِ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، صَدَقَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ. مَا عَرَفْنَاهُ إِلَّا مُتَقَلِّبًا فِي طَاعَتِكَ، مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ رِضَاكَ، صَائِرًا فِيهِ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. وَلَقَدْ كَانَ يُوصِلُهُ إِلَى هَذِهِ الشُّهُورِ فَرِحًا مُبْتَهِجًا، أَمَّلَ فِيهَا رَحْمَتَكَ، وَرَجَا فِيهَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، وَكَانَ مِمَّا مَنَعْتَهُ فِيهَا مُمْتَنِعًا، وَإِلَى مَا نَدَبْتَهُ إِلَيْهِ فِيهَا مُسْرِعاً. لَقَدْ صَامَ بِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ، وَلَقَدْ ظَمِئَ فِي نَهَارِهَا وَنَصَبَ فِي لَيْلِهَا، وَكَثُرَتْ نَفَقَاتُهُ فِيهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَظُمَتْ أَيَادِيهِ وَإِحْسَانُهُ إِلَى عِبَادِكَ. صَحِبَهَا أَكْرَمَ صُحْبَةٍ، وَوَدَّعَهَا أَحْسَنَ تَوْدِيعٍ. أَقَامَ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا عَنْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَمْ يَهْتِكْ عِنْدَ إِدْبَارِهَا سُتُورَ حُرُمَاتِكَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ هَذَا! فَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَلَقَّاهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ بِالْحِبَاءِ وَالْكَرَامَاتِ، وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى نُجُبِ النُّورِ وَخُيُولِ النَّوَّاقِ (الْبُلْقِ‏)، وَيَصِيرُ إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنْفَدُ، وَدَارٍ لَا تَبِيدُ، لَا يَخْرُجُ سُكَّانُهَا، وَلَا يَهْرَمُ شُبَّانُهَا، وَلَا يَشِيبُ وِلْدَانُهَا، وَلَا يَنْفَدُ سُرُورُهَا وَحُبُورُهَا، وَلَا يَبْلَى جَدِيدُهَا، وَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى الْغُمُومِ سُرُورُهَا، لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ، وَلَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا لُغُوبٌ، قَدْ أَمِنُوا الْعَذَابَ، وَكُفُّوا سُوءَ الْحِسَابِ، وَكَرُمَ مُنْقَلَبُهُمْ وَمَثْوَاهُم"1.

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 94، ص 38.

 

156

  


116

ربيع الروح

 وقفة تأملية

لا أزال على منهاج أبويّ
شاهدت عمّتُه فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام ما ناء به من الجهد في العبادة، خافت عليه من أذية نفسه وهلاكها، وهو بقية السلف، وحمى الأمن، ومعقد الآمال، ومفزع المستجير، فأتت جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو خاصّتهم وصاحب جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلعلّه يستطيع أن يخفف العناء والجهد عن الإمام السجاد، فقالت له: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن لنا عليكم حقوقًا، ومن حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يُهلِك نفسه اجتهاداً تذكّرونه الله تعالى وتدعونه إلى البُقْيا على نفسه. وهذا علي بن الحسين قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، لم أجدها منه لنفسه في العبادة.

فأتى جابر باب علي بن الحسين، فرأى على الباب أبا جعفر الباقر عليه السلام، فاستأذنه في الدخول على أبيه، فدخل جابر على الإمام السجاد عليه السلام وهو في محرابه، قد أنضته العبادة، فنهض إليه الإمام وسأله عن حاله، وأجلسه إلى جنبه، فقال له جابر: يا بن رسول الله، أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم؟ فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ فقال علي بن الحسين: يا صاحب رسول الله، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد - بأبي هو وأمي - حتى انتفخ الساق وورم القدم. فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر!

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أفلا أكون عبدًا شكورًا! فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين لا يقبل قول من يستميله عن الجهد في القصد، قال له: يا بن رسول الله، البقيا على نفسك، فإنك لَمِن أسرة بهم يُستدفَع البلاء ويُستكشَف اللأواء، وبهم تستمطر السماء.

فقال عليه السلام: يا جابر، لا أزال على منهاج أبويّ متأسيًا بهما (صلوات الله عليهما) حتى ألقاهما. فأقبل جابر على من حضر وقال: والله، ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب. والله، لذرية الحسين عليه السلام أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب، وإن منهم لمَن يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا1.

1- الشيخ الطوسي، الأمالي، ص636.


117

أبواب الخير

 محاور الموعظة (بطاقة المدرّس)

• تصدير الموعظة
• تمهيد الموعظة
• هل نبادر بالتعرّض للنفحات الإلهية؟ 
• هل أشهر النور من النفحات الإلهية؟ 
• شعبان، وتشعُّب النفحات 
• كيف تتعلّق بأغصان طوبى 
• ربط الجانب المعنوي بالعمل الصالح
• فكيف يتحصل الورع والاجتهاد والعفة والسداد؟

159

  


118

أبواب الخير

 تصدير الموعظة

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وإن الله - عزّ وجلّ - إذا كان أولُ يوم من شعبان، أمر بأبواب الجنة فتُفتح، ويأمر شجرة طوبى فتطلع أغصانها على هذه الدنيا، ثم ينادي منادي ربّنا - عزّ وجلّ - : يا عباد الله، هذه أغصان شجرة طوبى1، فتعلّقوا بها تؤديكم إلى الجنان، وهذه أغصان شجرة الزقوم2، فإياكم وإياها لا تؤديكم إلى الجحيم. ثم قال: فوالذي بعثني بالحق نبيًا، إن من تعاطى بابًا من الخير في هذا اليوم فقد تعلق بغصن من أغصان شجرة طوبى، فهو مؤديه إلى الجنان، ثم قال: فمن تطوع لله بصلاة في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن، ومن تصدق في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن، ومن عفا عن مظلمة فقد تعلق منه بغصن، ومن أصلح بين المرء وزوج والوالد ولده والقريب وقريبه والجار وجاره والأجنبي وأجنبيه فقد تعلق منه بغصن، ومن خفّف عن معسر من دينه أو حطّ عنه فقد تعلق منه بغصن، ومن نظر في حسابه فرأى دَينًا عتيقًا قد يئس منه صاحبه فأداه فقد تعلق منه بغصن، ومن كفل يتيمًا فقد تعلق منه بغصن، ومن كفّ سفيهًا عن عرض مؤمن فقد تعلق منه بغصن، ومن قعد لذكر الله ولنعمائه يشكره فقد تعلق منه بغصن، ومن عاد مريضًا ومن شيّع فيه جنازة ومن عزّى فيه مصابًا فقد تعلق منه بغصن، ومن برّ فيه والديه أو أحدهما في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن، ومن كان أسخطهما قبل هذا اليوم فأرضاهما في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن، وكذلك من فعل شيئًا من سائر أبواب الخير في هذا اليوم فقد تعلق منه بغصن"3.

1- المعنى اللغوي العربي طوبى بمعنى هنيئًا لهم، أما المعنى الشرعي: فطوبى شجرة في الجنة، كما عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى شجرة في الجنة، يمشي الراكب المجد تحتها مائة عام لا يقطعها- ظلًا وثمارًا من كلّ الأشكال والألوان".
2- هي شجرةٌ خبيثةٌ وفتنةٌ للظالمين، وهم الكفار وأهل المعاصي. وقد أخبرنا الله تعالى أنّها شجرةٌ تخرج في أصل الجحيم، أي في قعر نار جهنّم، أي وسطها، وترتفع أغصان هذه الشجرة إلى دركات النار، وثمارُها قبيحةٌ وشنيعةُ المنظر مثل رؤوس الشياطين، وثمارها هي طعام أهل النار، لا يقتربون منها إلا عند الشعور بالجوع، فتمتلئ بطونهم بها وتغلي في أمعائهم، ثمّ يشعرون بالعطش، ويشربون من الحميم، وهو خليطٌ من الماء الحارّ والقيح والصديد، وفي هذا الحميم عذابٌ لهم.
3- العلامة المجلسي، ش محمد باقر، بحار الأنوار ج 94، ص 61.

 

161

  


119

أبواب الخير

 تمهيد الموعظة

مرّ معنا أنّنا في أشهر النور أمام دورة تدريبية معنوية، تعتبر للروح كربيع تسري فيها، فتمدّها بالحياة المعنوية من جديد، وخصوصًا شهر رجب، الذي هو بداية الانطلاق فيها، علاوة على أنّه من الأشهر الحُرُم، التي أُمر الإنسان فيها بعدم الظلم، فليتنبه الإنسان إلى عدم ظلم هذه النفس، لأنه من المعوقات في طريق السفر إلى الله. فعليه أن يحمل همّ إصلاح قلبه، ويتوقف عند المحطات المعينة له على ذلك في هذا الشهر الشريف.

هل نبادر بالتعرّض للنفحات الإلهية؟ 
من المواضيع المهمة التي ينبغي معرفتها، والتعرض لها، هو موضوع النفحات الإلهية المتوجهة للإنسان المؤمن، كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها"1. وهناك الكثير من الأسئلة التي تُطرح في هذا الصدد. متى تأتي النفحة؟ ما قواعدها؟ ما موانعها؟ كيف نتعرض لها؟ كيف نحافظ عليها؟ 

التعرض لنفحات الله هو التعرض لعطاءات الله، وعطاءاتُ الله غير خيرات الله، فخيرات الله نأخذها بالحواس، ويستفيد بها الجسم كالطعام والشراب، لكن عطاءات الله تنزل على القلب الذي صلح وانصلح وأصبح جاهزاً لنزول العطاءات من الله جلّ في علاه. إذًا هي عبارة عن نسمات وهِبات من عالم الغيب، تعْرِض على القلب، فيعيش الإنسان حالة من الإقبال على الله تعالى.

هل أشهر النور من النفحات الإلهية؟ 
وليست هذه الأشهر المباركة إلا من النفحات الربانية المتنزلة من حظيرة القدس، الهابطة من الملأ الأعلى، العابقة بعبير الجنة، المحْيِيَة للقلوب الميتة، والملينة للأكباد القاسية، وهي أيام ميّزها الله بسمات وخصائص، فتعظم وتسمو، وتتفتح فيها أبواب السماء.

1- العلامة المجلسي، ش محمد باقر، بحار الأنوار، ج 68، ص 221.

 

162

  


120

أبواب الخير

 في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ عَرَفَ حُرْمَةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَوَصَلَهُمَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّهُورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"1.

 

وفي الراوية عن الإمام الصادق عليه السلام: "أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ: رَجَبًا وَشَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ"2.

وهي من أفضل أيام الدنيا الزائلة على الإطلاق، فقد وُصف شهر رجب بالأصب، لأن الرحمة الإلهية تتدفق فيه بشكل عظيم، وكذا شعبان، شهر يزداد عطاء الله (سبحانه وتعالى) فيه للمقبلين عليه بكل صدق وإخلاص وتوجّه، وسُمي بشعبان لتشعب الخيرات فيه، وهما الشهران التمهيديان للدخول إلى شهر الله - عزّ وجلّ -، الذي ترمض2 فيه الذنوب.

وهذه الأشهر فيها أكرم معاني الإعداد والتكوين، لتطهير الروح، وإعلان سلطان الإرادة، والتغلب على الخصال السيئة، واكتساب الخصال الحسنة، وهي من أعظم الهبات الإلهية، بل قد تكون فرصة العمر التي لا ينبغي تركها، فمن الضامن لنا البقاء إلى العام المقبل، لننال بعضًا من هذه النفحات من جديد! وما ألطف الرواية عن رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"3.

شعبان4، وتشعُّب النفحات 
مرّ في الرواية التي صدَّرنا بها الحديث أن هناك شجرةً تتدلى أغصانها في شهر شعبان،

1- الحر العاملي، وسائل‏ الشيعة، ج 8، ص 24-25.
2- يرجع إلى رمض الذنوب، أي يحرقها، وهي كلمة مأخوذه من الرمضاء، وهي شدة الحر.
3- الحر العاملي، وسائل ‏الشيعة، ج 1، ص 114.
4- سمي بهذا الاسم لتشعب الناس بحثًا عن الكلأ والمرعى بعد قعودهم عن القتال في رجب. وقيل: بل لتفرقهم وتشعبهم في طلب المياه. ويعزو بعضهم تسميته إلى تشعب الأغصان في الوقت الذي سمي فيه تماماً كما سمي جمادى، لأن الماء كان يجمد فيهما زمن تسميتهما. وقال اللغوي أحمد بن يحيى ثعلب: قال بعضهم: إنما سمي شعبانُ شعبانَ لأنه شَعَب، أي ظهر من بين شهري رمضان ورجب. ولما كانت العرب تُنْسِئ تؤجل الأشهر الحُرُم كانت تُدخل رجب في شعبان، ويطلقون عليهما الرجبَين.

163

  

 


121

أبواب الخير

 ألا وهي شجرةُ طوبى، وكُل غُصنٍ من هذهِ الأغصان متعلقٌ بعملٍ من الأعمال، وهو ما يدلل على كثرة تشعب النفحات وأعمال الخير فيه. وأشارت الرواية أيضًا إلى أن التعلق بالله لا يتمّ فقط بالصلاة والصيام، بل أكثر من ذلك.

ويكفي في دلالة عظمته ما ذُكر في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "شهر شريف، وهو شهري، وحملة العرش تعظمه، وتعرف حقه، وهو شهر تزادد فيه أرزاق المؤمنين لشهر رمضان، وتُزيّن فيه الجنان. وإنما سمي شعبان لأنه يتشعب فيه أرزاق المؤمنين، وهو شهرٌ العملُ فيه مضاعف: الحسنة بسبعين، والسيئة محطوطة، والذنب مغفور، والحسنة مقبولة، والجبار جلّ جلاله يباهي فيه بعباده، وينظر صوّامه وقوّامه فيباهي بهم حملة العرش"1.

وما ألطف تعبير الشاعر:2
مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيـهِ وَهَـذَا شَهْرُ شَعْبَانَ الْمُبَارَكْ
فَيَا مَـنْ ضَيَّعَ الأَوْقَـاتَ جَهْلاً بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ واحْذَرْ بَـوَارَكْ
فَسَـوْفَ تُفَارِقُ اللَّـذَاتِ قَهْرًا وَيُخْلِي الْمَوْتُ قَهْرًا مِنْكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَـلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلاَمَةِ مِنْ جَحِيمٍ فَخَيْرُ ذَوِي الْجَرَائِمِ مَـنْ تَدَارَكْ

كيف تتعلّق بأغصان طوبى 
إذا أردت أن تتعلق بأغصان هذه الشجرة المباركة، فعليك القيام بعدد من الخطوات: 
السعي للتكامل في الشخصية الإيمانية: 
مرّ أنّ شهر رجب هو شهر التهيئة وتجهيز الأرضية لدخول الكمالات البعدية، وخصوصًا

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 94، ص 69.
2- ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي، لطائف المعارف، ج1، ص 135.

 

164

  


122

أبواب الخير

 ما يتعلق بالشخصية الإيمانية. وشهر شعبان كذلك، فلا بدّ من السعي إلى التميز فيه، وطريقها يمرّ عبر عدد من المحطات، بعضٌ منها أشارت إليه الصلوات الشعبانية، حيث يتوجه الإمام زين العابدين عليه السلام إلى الله - عزّ وجلّ -، بطلب غايات ومحامد ومزايا كل إنسان مؤمن يرنو ويرجو من الله أن يصل إليها، مثل إعمار القلب بالطاعة، وعدم الخزي بإقتراف المعصية، ومواساة الفقراء، "اللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاعْمُرْ قَلْبي بِطاعَتِكَ، وَلا تُخْزِني بِمَعْصِيَتِكَ، وَارْزُقْني مُواساةَ مَنْ قَتَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِكَ بِما وَسَّعْتَ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَنَشَرْتَ عَلَيَّ مِنْ عَدْلِكَ"1.

فمن قدر في هذا الشهر الشريف على الوصول إلى هذه الكمالات الثلاث، فقد حصل على مزايا عظيمة، وعليه أن يدعو الله - عزّ وجلّ - أن يحفظها له، وهي: 
إعمار القلب بالطاعة، فكيف يكون القلب عامرًا بالطاعة؟ 
الابتعاد عن المعصية، فكيف يبتعد الانسان عن المعصية؟
التقرب إلى عيال الله عبر التكافل الاجتماعي، فكيف يكفل الناس؟

ربط الجانب المعنوي بالعمل الصالح 
تتضح الأبعاد المعنوية في شعبان من خلال ارتباط العمل العبادي الوثيق بالعمل الصالح، وهذا الترابط له علاقة بالثلاثية التي مرّت أعلاه، والعمل العبادي الذي ذُكر مثل الصدقة والاستغفار والتهليل: 
فقد أكّد عليها الأئمة عليهم السلام في شهر شعبان، كما في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل: "ما أفضل ما يُفْعل في شعبان؟ فأجاب عليه السلام: الصدقة والاستغفار"2.

والصدقة هي بذل المال، فالإنسان الذي لا يبذل من ماله هو الذي لا يتصدق ولا يُعطي، ولذلك نجد الإمام الصادق عليه السلام يقول: "أفضل الأعمال في هذا الشهر الصدقة"،

1- من أدعية الإمام زين العابدين عليه السلام.
2- ابن طاووس، السيد رضي الدين، إقبال الأعمال، ج3، ص294.

 

165

  


123

أبواب الخير

 ثم يقول عليه السلام: "من تصدق بصدقة في شعبان ربَّاها الله تعالى كما يُربِّي أحدكم فصيله، حتى يُوافى يوم القيامة وقد صارت مثل أُحد"1.

والتهليل مهم وكدت الروايات عليه وفي شهر شعبان ورد تهليل خاص وقد ذُكر في كتب الأدعية، وهو أن يقول "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون"2.

وهذه الأمور الثلاثة إن تمّ الالتفات إلى أبعادها، يمكن للمرء عندها أن يعيش حالة من التميز على صعيد الروح، وعلى صعيد التكافل الخارجي.

إعانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: 
ففي الرواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا إنّ رجبًا شهر الله الأصم، وهو شهر عظيم، وإنّما سُمّي الأصم، لأنّه لا يقاربه شيء من الشهور حرمة وفضلًا عند الله. وکان أهل الجاهلية يعظمونه في جاهليتهم، فلمّا جاء الإسلام لم يزدد إلا تعظيمًا وفضلًا. ألا إنّ رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي"3.

وقد نُسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا رأى هلال شعبان أمر مناديًا في المدينة: "يا أهل يثرب، إني رسول رسول الله إليكم. ألا إنّ شعبان شهري، فرحم الله من أعانني على شهري"4.

فكيف تكون الإعانة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل مردّ هذه الإعانة علينا أم عليه صلى الله عليه وآله وسلم؟ ما الآثار المترتبة على إعانته صلى الله عليه وآله وسلم؟ وغيرها من التساؤلات الواقعة في هذا المجال.

ولا شكّ في أن المعين له صلى الله عليه وآله وسلم يقع تحت دائرة الرحمة الإلهية، لدعائه بالترحم عليهم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الإعانة مقصودٌ منها نفس من باب الحرص عليه، ومساعدته في مسيرة التميز الإيماني، وليس المقصود فيها بعض أيام من صوم نعينه به صلى الله عليه وآله وسلم وكفى. ومن أهم موارد الإعانة:

1- ولمعرفة الآثار المترتبة على هذا النحو من التهليل، نجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيما يروي السيد ابن طاووس يرحمه الله- في كتابه الإقبال: من قال ذلك في شعبان ألف مرة أي هلّل بهذا التهليل الذي أوردناه- كتب الله له عبادة ألف سنة، ومحا الله ذنب ألف سنة، ويخرج من قبره يوم القيامة ووجهُه يتلألأ مثل البدر ليلة تمامه، وكُتِب عند الله صِدِّيقًا. 
2- الحر العاملي، ش محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج10، ص475.
3- م، ن.

 

166

  


124

أبواب الخير

 أ- حسن الخلق مع الناس ومداراتُهم1

 

وهذا تتلمس بعض مضمامينه في الرواية أعلاه، علاوة على أنه رأس العقل بعد الإيمان مداراةُ2 الناس، كما في الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "واعلم أن رأس العقل بعد الإيمان بالله - عزّ وجلّ - مداراةُ الناس، ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف مَن لا بدّ من معاشرته، حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلًا"3.

والإعانة في حسن الخلق أمر لا يخفى، فقد ذكر مواصفات من هم أحبّ وأقرب يوم القيامة إلى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون. وأبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبّة، الملتمسون للبراء العثرات"4.

وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَخِيَارُكُمِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَشِرَارُكُمُ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ، الْمَشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَاءَ الْعَنَتَ5"6.

 

 

1- مداراة الناس هي حسن صحبتهم واحتمال أذاهم، وعدم مجابهتهم بما يكرهون، وحيث إن عقول الناس مختلفة ومتفاوتة، فمداراة الناس أن تتعامل معهم على قدر عقولهم أيضًا. 
2- أمـثـلـة للمـداراة: أولًا: تكليم الناس على قدر عقولهم. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم. ثانيًا: عدم تحميل الناس تكاليف وأعمالًا فوق طاقتهم. ثالثًا: التدرج معهم في هدايتهم للحق. قال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. رابعًا: أن يتحدث المكلف بكلام مفهوم من قبل الجميع، بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة، والمصطلحات غير الواضحة. عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أحسن الكلام ما زانه حُسنُ النظام، وفهمه الخاص والعام". خامسًا: اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الكلام كالدواء، قليله ينفع وكثيره قاتل". سادسًا: كشف الحقائق في حال التشكيك بشخصك. عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمالك الأشتر: "وإن ظنّت الرعية بك حيفًا، فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن تلك رياضة منك لنفسك، ورفق منك برعيتك، وإعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق. سابعًا: عدم المجادلة إلا بالتي هي أحسن.
3- الحرّ العاملي، ش محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج12، ص202.
4- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج9، ص150.
5- يخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أحبّ الناس إليه وأقربهم منه مجلسًا في الآخرة أحاسنهم أخلاقًا، ثم وصفهم بأنهم الموطئون أكنافًا-، وهم الذين جوانبهم وطيئة ليّنة، يتمكن فيها من يصاحبهم، ولا يتأذى بهم، فهم يفرحون بالحسنة، ويتجاوزون عن السيئة، ويعفون ويصفحون. الذين يألفون ويؤلفون-، يعني يأنسون بالناس، ويأنس الناس بهم، ويحبون صحبتهم، ويتقربون منهم. وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة-، الذين يفسدون بين الناس بنقل حديث بعضهم لبعض، بغرض إيقاع الشر والفساد بينهم. المفرقون بين الأحبة- بما يسعون به بينهم من الفتن والتحريش. الملتمسون للبرآء العنت-، وهم الذين يطلبون للبريء السالم المشقة والفساد، يريدون أن يلطخوا المطهَّرين السالمين بما عافاهم الله منه من الآثام والعيوب. 
6- مسند أحمد، ج6، ص459.

 

 

 

167

  

 


125

أبواب الخير

 فالمرتبط بالله تعالى وبنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم، يكون عظيمًا في أخلاقه، وعظيمًا في حُبهِ للآخرين، فهي من موارد ومصاديق الإعانة كما وصف الله - عزّ وجلّ - نبيَّه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾1.

ب - الاستقامة2
هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيّم، من غير ميل عنه يَمنةً ولا يَسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها، الظاهرة والباطنة. والاستقامة عين الكرامة، لأن كلَّ ثِمار الدين، وكلَّ ما في الدين من سعادةٍ وسكينةٍ واطمئنانٍ وتوفيقٍ وشعورٍ بالأمن وشعورٍ بالتفوق وشعورٍ بالفوز، لا يصل الإنسان إليها إلا إذا استقام على أمر الله، فبين الذي يستمع كثيراً ولا يطبّق، وبين الذي يستمع ويطبّق بَونٌ شاسع.

وإذا أردت إعانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستجب لقوله عزّ وعلا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾3.

فمن الآية إن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، وهي الآية التي عبّر عنها صلى الله عليه وآله وسلم: شيّبتني سورة هود، ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية كانت أشدّ عليه ولا أشقَّ من: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾4.

وأنت تطلب من الله الكرامة، تطلب منه أن ينصرك على أعدائك، أن يوفقك، أن يرفع شأنك، أن يستخلفكَ في الأرض، أن يمكّن لكَ دينك، وهو يطلب منك الاستقامة. إذا أردتَ أن تكون أكرمَ الناس فاتقِ الله، أي استقم على أمرِ الله. 

ويمكن لفهم بعض مصاديق الإعانة في كلمة أمير المؤمنين عليه السلام: "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً

1- سورة القلم، الآية 4.
2- الجذر اللغوي لهذا اللفظ هو قوم-. تقول: قام قيامًا، إذا انتصب، والقَوْمة: المرة الواحدة. ويقال أيضًا: قوَّمت الشيء تقويمًا: إذا قدرت قيمته ومكانته. وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك. ومن الباب قولهم: هذا قِوام الدين والحق، أي: به يقوم. 
ولفظ الاستقامة- يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستوٍ، وبه شبه طريق الحق. قال تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، واستقامة الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. 
والاستقامة- بحسب مفاهيم الشرع: لزوم ما جاء به الشرع أمرًا ونهيًا. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ سورة الأنعام، الآية 153-.
3- سورة هود، الآية 112.
4- العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار، ج17، ص52.

 

168

  


126

أبواب الخير

 يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِه. أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ1، وَمِنْ طُعْمِه2 بِقُرْصَيْهِ3. أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد، (وَعِفَّة وَسَدَاد)4"5.

فكيف يتحصّل الورع والاجتهاد والعفة والسداد؟
أداء حق وليّ العصر (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء): 
ففي شهر شعبان تتزين عوالم الوجود بمولد صاحب الزمان، فالحريّ بنا أن نفتش في كيفية أداء حقه6 (صلوات الله عليه). وللاحتفاء به طريقان، الطريق الأول ظاهري شكلي، لا بدّ منه، طبقًا لما أمرَنا به أهلُ البيت عليهم السلام من إحياء أمرهم، وهو يتميز بحالة الجماعية.

والطريق الثاني، ولعله هو المطلوب، لأنه داخلي باطني فردي تغييري، بحيث ينظر الموالي إلى أبرز خصال المعصوم عليه السلام، ويحاول أن يطبقها على نفسه، ولو ساعةً ولو يومًا. ومن قدر على يوم، يقدر على أعظم منه، وهو ما مرّ في ذكر أمير المؤمنين عليه السلام: "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ"7، فيكف تكون علاقة الاهتداء والاقتداء إن لم نتمثل بسلوكياته وخصاله؟ وهذا من أهم الطرق للانتساب إليه، وادعاء موالته، وإدخال السرور إلى قلبه. في هذا المجال نورد قصة لها معانٍ جميلة، يوردها بعض طلاب أحد العلماء، أنه في ليلة القدر ذهبوا لإحيائها في مسجد، وكان الخطيب يقول صياد عشق ابنة الملك، وشاع الأمر في البلاد، وكانت ابنة الملك ذكية جدًّا، فقالت يومًا لحرّاسها، اذهبوا وأتوا به، ولا تدعوا له فرصة لتبديل ثيابه، وهي ذهبت وتزينت بكامل زينتها، ولبست أبهى حللها، ووضعت مرآة كبيرة أمامهما، وأوقفته إلى جانبها، وقالت له: يا هذا، انظر، ما الفرق بيني وبينك؟

 


1- الطِمْر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي.
2- طُعْمه ـ بضم الطاءـ: ما يطعمه ويفطر عليه.
3- قُرْصَيْه: تثنية قرص، وهو الرغيف.
4- السداد: التصرف الرشيد، وأصله الثواب والاحتراز عن الخطأ.
5- نهج البلاغة، ص418. 
6- ذكر في أداء حقّه عددٌ من الأمور منها: معرفة صفات الإمام عليه السلام، محبته، تحبيبه إلى الناس، انتظار الفرج، إظهار الشوق إليه، ذكر فضائله، الحزن لفراقه، الحضور في مجالسه، وغيرها.
7- نهج البلاغة، ص417.

 

169

  


127

أبواب الخير

 لما سمع العالم هذه الكلمات أغمي عليه، فأخذه الطلاب إلى المدرسة، ولما أفاق قالوا له: أخبرنا ما الأمر؟ قال: لو أن إمام العصر ظهر، ودعاني للوقوف إلى جانبه، وقال لي: يا فلان، انظر ما الفرق بيني وبينك؟ سبعون سنة وأنت تقول عَجِّل يا بن رسول الله، ماذا أصنع؟1.

وليكن الحال دومًا أننا لو نُعينا لإمام زماننا عليه السلام، هل يترحم علينا؟! هل نحن في عداد من يدعو لهم؟! هل يبكي لفراقنا؟! أم قد يصدر منه عليه السلام خلاف ذلك؟!

وتأمل في حال أحد أصحاب الأئمة عندما نُعي إلى الإمام الصادق عليه السلام فقال في حقّه: "رحمه الله، أما والله لقد أوجع قلبي موتُ أبان"2. والتأمل في هذا الطريق يفتح لك الكثير من الآفاق، في إعادة النظر بكيفية الارتباط بهم، عبر النظر إلى الخصال التي أنتسب بها إليهم، لا الاكتفاء بعدّ العلامات أو الانشغال بها، دون الالتفات إلى العلامة الأصلية، وهي في داخلك.

إياك والغفلة عن مواقيت الله: 
من قبيل الاهتمام بوقت المناجاة الشعبانية3، والتدبر في عميق معانيها4، والاهتمام بقيام الليل للدخول في شهر الله، وقد وُهبنا بعضًا من النفحات الإلهية، وليكن لسانُ الحال: "إلهي، هَبْ لي کَمالَ الْانْقِطاعِ إلَيْكَ وَأَنِرْ أَبْصارَ قُلُوبِنا بِضياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ أرْواحُنا مُعَلَّقَةً بعِزِّ قُدْسِكَ5‏"6.

1- بتصرف، عن كتاب كرامات العلماء، لهبة الله الطبري، ص 143.
2- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج30، ص23. 
3- ومناجاته الشعبانية معروفة، وهي مناجاة عزيزة على أهلها، يحبونها ويستأنسون بشعبان من أجلها، بل ينتظرون مجيء شعبان، ويشتاقون إليه من أجلها. وفي هذه المناجاة علوم جمّة في كيفية تعامل العبد مع الله جلّ جلاله، وبيان وجوه الأدب التي ينبغي أن نلتزمها ونتأدب بها عندما نسأل الله تعالى حوائجنا، وندعوه - سبحانه - ونستغفره، واستدلالاتٌ لطيفة تليق بمقام العبودية، لإحكام مقام الرجاء المناسب لحال المناجاة، ودلالاتٌ صريحة واضحة في معنى لقاء الله تعالى والقرب منه والنظر إليه جلّ جلاله، ترفع شبهات السالكين وشكوك المنكرين. الميرزا التبريزي، المراقبات، ص75.
4- اقرأوا المناجاة الشعبانية، فإنَّها من المناجاة التي لو تتبّعها الإنسان وفكّر فيها لأوصلته إلى ما يريد. إنَّ من أطلق هذه المناجاة، وكان الأئمة كلهم حسب الروايات يقرأونها، فهؤلاء أناس كانوا قد تحرّروا من كل شي‏ءٍ، ومع ذلك كانوا يناجون بهذا الشكل، لأنَّهم لم يكونوا مغرورين. من كلام الإمام الخميني قدس سره.
5- إن المقصود من هذا المقطع الابتهالُ إلى الله تعالى للحصول على مجموعة من الحالات النورانية التي تمهد الأرضية المناسبة أمام أبصار القلوب، للتنور بنور جمال الحق تعالى. والمراد من كمال الانقطاع تمزيقُ الحجب الظلمانية والنورانية كافة، للوصول إلى ساحة القدس الإلهي، والجلوس على مائدة "معدن العظمة"، والانتهال من نمير تلك العين الفياضة. من هنا يبتهل عباد الله المخلصون إلى الله تعالى، طالبين منه نورانية القلب وبصيرته، ليتمكنوا من خرق حجب النور والوصول إلى معدن العظمة.
6- من المناجاة الشعبانية.

 

170

  


128

أبواب الخير

 وقفة تأملية

المناجاة الشعبانية
فنحن نقرأ في هذه المناجاة: "إِلهي، هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاع إِلَيْكَ، وَأَنْرِ أَبْصَارَ قُلوبِنَا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيرَ أرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ".

فما هذه المعاني والتعبيرات؟! وما معنى هذه التعبيرات التي يقولها السادة الواردةِ في كلماتهم الأخرى؟! ماذا يعني "كَمَالَ الانْقِطَاع إِلَيْكَ"؟! وماذا يعني طلب جميع الأئمة له؟! الإمام المعصوم يطلب من الله، فما يعني ذلك؟! وما أبصارُ القلوب هذه التي يطلب من الله إنارتها؟! "وَأَنْرِ أَبْصَارَ قُلوبِنَا". كيف يريد بالبصر النظرَ إلى الحق تعالى؟! ما هذا القلبُ؟ وما بصرهُ؟ بحيث يحصّل بهذا البصر القلبي نظرةً إلى الله تعالى، ("ثمّ أَنْرِ أَبْصَارَ قُلوبِنَا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ". الإمام يطلب من الله كلّ ذلك من أجل غاية هي "حَتّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلوبِ حُجُبَ النُّورِ". وعندما تخرق هذه الحجب "تَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيرَ أرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ". وماذا بعد ذلك؟ إنّه "إِلهِي وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فأجابَكَ، وَلاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ". ما صَعْقُ الجلال هذا؟! أليس هو ما يذكره القرآن الكريم بشأن موسى عليه السلام؟! فهل هو غير الفناء الذي يقوله العرفاء؟!). 

("فَصَعِقَ لِجَلالِكَ" مرتبة يرتفع إليه مرتبةً مرتبةً، أبصار القلوب تخرق جميع الحجب، "فتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ". ما معدن العظمة الذي تصل إليه؟! وما هذا الوصول؟! أليس هو نفسه الوصول الذي يقوله أولئك؟! و"معدن العظمة" هل هو غير الحق تعالى؟! هل يمكن لغيره - تعالى - أن يكون معدن العظمة الذي يجب أن تصدر منه أشكال العظمة كافة؟! وعندما تصل إلى هذا المعدن "تَصِيرَ أرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ"، وهذا المعنى هو ما يقوله أولئك العرفاء نفسه).

نحن وأمثالنا لم نصل إلى الحجب النورانية بعد، وما زلنا أسرى الحجب الظلمانية! فمن قال: "هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاع إِلَيْكَ، وَأَنْرِ أَبْصَارَ قُلوبِنَا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ"، فقد اخترق الحجب الظلمانية وتعدَّاها، أما الشيطان الذي خالف أمر الله، ولم يسجد لآدم، فقد رأى نفسه عظيم، لأنه كان في الحجب الظلمانية وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾1 نحن أيضًا، ما دمنا في حجاب النفس والأنانية، فنحن شيطانيّون مطرودون من محضر الرحمن، وما أصعب تحطيم هذا الصنم الذي يعدُّ "أمّ الأصنام". فنحن ما دمنا خاضعين لله (جلّ وعلا)، غير مطيعين لأوامره، وما لم يُحطَّم هذا الصنم, فإنّ الحجب الظلمانيّة لن تتمزّق ولن تُزال. علينا أن نعرف ما الحجاب أولًا، فنحن إذا لم نعرفه، لن نستطيع المبادرة إلى إزالتـه، أو تضعيف أثـره، أو في الأقلّ الحدّ من تزايد رسوخه وقوّته مع مرور الوقت.

إنّ جملة "إلهي، هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاع إِلَيْكَ" ربما تريد أن توضّح هذا المعنى، وهو أنّ الرجال الربانيّين الواعين ينبغي لهم أن يعدّوا أنفسهم ويهيّئوها قبل حلول شهر رمضان، لصومٍ هو في الحقيقة انقطاعٌ عن الدنيا واجتنابُ لذائذها، وهذا الاجتناب في صورته الكاملة هو هذا الانقطاع إلى الله.

إنّ كمال الانقطاع لا يتحقّق بهذه البساطة. إنّه بحاجة إلى ترويض غير اعتيادي للنفس، ويحتاج إلى جهد ورياضة واستقامة وممارسة، لكي يمكن الانقطاع بكلّ القوى عن كلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى، وأن لا يكون هناك توجّه لغير الله تعالى. فجميع الصفات الإيمانية الجليلة، وكلّ مستويات التّقوى، كامنة في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى، ومن يتمكن من الوصول إلى هذه المرحلة فقد بلغ غاية السعادة. من كلام الإمام الخميني قدس سره.

1- سورة الأعراف، الآية 12.


129
تذكرة لمن يخشى