تاريخ النبي ص وأهل البيت ع


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2017-11

النسخة: 2017


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعد...

تُطلق لفظة "تاريخ" على الماضي البشريّ ذاته تارةً، وعلى الجهد المبذول لمعرفة الماضي ورواية أخباره أُخرى. والتاريخ علم يُبحث فيه عن حوادث البشر في الزمن الماضي، وهو من أهمّ العلوم التي يفتقر إليها الإنسان، لأنّه بمعرفته أمور جنسه يعرف نفسه، قال أحد الفلاسفة القدماء: أعظم أمر يبحث عنه الإنسان هو الإنسان. ومن الواضح للباحث في مفردات هذا العلم ومضامينه، أنّ هدفه الأسمى هو استحضار الأحداث والتجارب الماضية كما وقعت تماماً، وهذا يعني بالضرورة أنّ التاريخ يجب أن يعبّر عن مسيرة البشر ويحمل أخبار الماضين بشفافيّة، ووضوح تامّين.

ولهذا، وُصِف علم التاريخ بأنّه علم (متزمِّن)، أي هو الوحيد بين العلوم الذي يقوِّم الزمن، أو هو مرآة الزمن ومعرفة الماضي الإنسانيّ، وتصوير أحداثه كما وقعت وحدثت تماماً، ولئن سلَّمنا بأنّ التاريخ الإنسانيّ في سيره يتأثّر كثيراً بنموّ المعرفة الإنسانيّة، لكنّنا لا يمكن أن نسلِّم بالكثير من الأحداث والمضامين التاريخيّة والدينيّة والسياسيّة، التي دُسّت في صفحات هذا التاريخ باسم الدين وغيره، لأنّها لا تتّسم بالموضوعيّة والدقّة والأمانة العلمية، ولا تنسجم مع التاريخ كعلم يستحضر تجارب الماضين بدقّة، فضلاً عن عدم مراعاة الأصول العلميّة والمنهجيّة لصياغة الحدث أو الواقعة التاريخية كوثيقة شفّافة تعكس الواقع للبشريّة، ولعلّ ما تعرّضت له بعض المراحل الهامّة والحسّاسة من تاريخ صدر 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

1

المقدمة

 الإسلام على مستوى اختلاق الأحداث والوقائع التاريخية وتشويهها، هو من بعض المؤرِّخين وصنّاع الأحداث.


فالتاريخ - كما نفهمه - هو عملية ضبط الحوادث الكليّة والجزئية بالنقل والحديث في حياة الأُمم والشعوب، سواء تلك التي تتعلَّق بمعتقداتهم الدينيّة، أم تلك التي تتناول حياة الملوك والقادة والحكّام وغيرها...، فهو وعاء للزمن وما يقع فيه.

وفي الواقع، إنّ الذي ينظر نظرة موضوعية فاحصة إلى الكثير من الأحداث والوقائع التاريخية في التاريخ الإسلاميّ وغيره، يجد أنّها قد وقعت تحت تلك التأثيرات السياسية، ما أفقد الكثير من الحقائق التاريخيّة موضوعيّتها وواقعيّتها.

ويعود السبب في ذلك إلى أنّ كلّ عصر من العصور يكون محكوماً للسلطة المسيطرة فيه، والتي بيدها القوّة والقدرة، وبالتالي فإنّ أحداث ذلك العصر تكون - غالباً - من صناعة أولئك الحكّام، الذين يحيكون الأحداث وفق ما ينسجم مع سياساتهم، وإن كان ذلك على حساب طمس الحقائق الساطعة وتزييفها.

ومع أنّ سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلّ تفاصيل الدعوة الإسلاميّة وأحداثها، تشكّل العنصر الأصل في كتابة صفحات التاريخ الإسلاميّ، إلّا أنّها لم تنجُ من كلّ هذه التأثيرات والتدخّلات المشبوهة في رسم معالم هذا التاريخ.

ولهذا، لا بدّ من دراسة التاريخ الإسلاميّ دراسةً منهجيّة تحليليّة أصيلة، ترتكز على فهم موقع النبوّة والإمامة، ومعرفة أدوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام ووظائفهم، بشكل منسجم ومكتمل، وفق رؤية يتكامل بعضها مع بعض، وهو ما نسعى إلى تحقيقه من خلال هذا الكتاب التحليلي، الذي يستند في كلّ مضامينه إلى نصوص الإمام الخامنئي دام ظله، التي نشرناها سابقاً في كتابٍ مستقلّ، تحت عنوان: "إنسان بعمر 250 سنة"، وهو بالأصل قد جُمع من محاضرات وخطب وكتب قد صدرت عن الإمام الخامنئي، وقد وثّقنا جميع النصوص في الكتاب الأصل مع تواريخها.

والكتاب الحاضر، قبل أن يكون كتاباً تاريخيّاً صرفاً، هو متن تحليليّ تاريخي، يتضمّن بالاضافة إلى السرد والشرح التاريخيّ لوقائع من حياة الأئمّة الأطهار عليهم السلام، طرحاً وبياناً رؤيةً تحليلية كلّيّة لحياة كلّ معصوم بالنظر إلى المسار التاريخيّ لمرحلة إمامته، وفي إطار 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

2

المقدمة

 رؤية متكاملة ومترابطة مع باقي الأئمة الأطهار، بحيث غدت سيرتهم عليهم السلام بمثابة عرض منسجم ومترابط لحركة واحدة متّصلة ومتواصلة نحو مقصد واحد وغرض مشخّص.


و يهدف الكتاب بشكل أساسي إلى تكوين رؤىً واضحة عن الحياة السياسيّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام، بالتركيز على عنصري الجهاد والمواجهة السياسيّة التي اتّسمت بها حياتهم المباركة، والمقصد الحقيقي الذي كانوا يرمون الوصول إليه. 

في الختام، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ حجم الكلام الذي صدر عن الإمام الخامنئي في الأبعاد المختلفة لحياة المعصومين عليهم السلام، وخاصة حياة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين عليه السلام، وكذلك في دائرة السيرة الشخصية لكل واحد من المعصومين عليهم السلام، أكثر بكثير من المقدار الوارد في هذا الكتاب. وعليه، يمكن اعتبار هذا الكتاب مقدّمة أساسية وديباجة مفيدة للدخول إلى المعارف الأساسيّة والأصيلة في حياة المعصومين عليهم السلام، والواردة في كلمات وخطابات الإمام الخامنئي دام ظله.


والحمد لله ربّ العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق

 
 
 
 
 
 
 
 
15

3

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يدرك أنَّ البعثة النبوية الشريفة هي دعوة الناس إلى التربية العقلانية والأخلاقية والقانونية.
2- يبيّن ظروف الدعوة النبوية الشريفة، ويعدّد مراحلها، ويشرح منهجيتها وغايتها المنشودة.
3- يذكر أبرز معالم نظام الحكم الإسلاميّ.
 
 
 
 
 
17

4

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

البعثة (النبوية الشريفة) دعوة للناس إلى ساحة التربية العقلانية والتربية الأخلاقية والتربية القانونية. هذه أمور تحتاجها حياة الإنسان الهادئة السائرة نحو التكامل:
1- التربية العقلانية:
وهي استخراج طاقات وقدرات العقل البشريّ، وتحكيمها على أفكار الإنسان وأعماله. مهما نظرتم في القرآن، من أوله إلى آخره، وفي تعاليم الرسول الكريم خارج نطاق القرآن، لوجدتم هناك تركيزاً على العقل والتعقّل والتأمّل والتدبّر والتفكّر، وما إلى ذلك من تعابير. بل إنّ القرآن الكريم يقول عن لسان المجرمين في يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ1. السبب في دخولنا نار جهنّم هو أنّنا لم نراجع عقلنا ولم نستشره ولم نصغِ له ولم ننشدّ إليه، واليوم، حيث قامت القيامة، صار مصيرنا هذا المصير المرّ الأبديّ.

تحتلّ الدعوة إلى العقل والتعقّل موضعاً رئيساً من الدرجة الأولى في سير الأنبياء كافة وحياتهم، وخصوصاً في حياة الرسول الخاتم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

لذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في سبب بعثة الأنبياء: "ليستأدوهم ميثاق فطرته"، ويستمرّ إلى أن يقول: "ويثيروا لهم دفائن العقول"2، أي إنّ الأنبياء يريدون استخراج كنوز العقل للإنسان.
 
 

1- سورة الملك، الآية 10.
2- الشريف الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، تحقيق صبحي الصالح، ط1، 1967م. الخطبة رقم 1.
 
 
 
 
 
19

5

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 هذا كنز نمتلكه، لكنّنا لا ننتفع ولا نستفيد منه، ولهذا السبب نُعاني من الجهل، والمشكلات الحياتيّة في الدنيا والآخرة.


فأوّل مهمّة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي إثارة العقل وتحفيزه وتفعيل قدراته، وتقوية القدرة على التفكير في المجتمع.

2- التربية الأخلاقية:
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق"1، بُعِث ليكمّل المَكرُمات والفضائل الأخلاقية بين الناس. الأخلاق هي ذلك الهواء اللطيف الذي إن توفر في المجتمع البشريّ استطاع الناسُ بتنفّسه أن يعيشوا حياة سليمة. وإذا لم تتوفر الأخلاق، ساد انعدام الأخلاق، وعمّت حالات الحرص والأهواء النفسية والجهل وطلب الدنيا والمقت الشخصيّ والحسد والبخل وسوء الظن وعدم الثقة، فستكون الحياة عسيرة، وستضيق الآفاق، وسيُسلَب الإنسان القدرة على التنفس السليم. لذلك ورد في القرآن الكريم في عدّة مواضع تعبير ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، والتزكية هي الرشد الأخلاقيّ، وهي سابقة على التعليم. وفي هذه الرواية التي أوردناها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول العقل، وبعد أن يبيّن ما هو العقل، يقول: ومن العقل ينشأ الحلم، ومن الحلم ينشأ العلم. ليلتفت الإنسان إلى ترتيب هذه الأمور: العقل يوجد الحلم أولاً، وهو التحمّل والأناة. وإذا توفرت حالة الحلم والأناة، تتوفر الأرضية لتحصيل العلم وزيادة المعلومات - فردياً ومجتمعياً - أي إن العلم يأتي في المرتبة التالية للحلم، والحلم هو الأخلاق. وفي الآيات القرآنية ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ تتقدّم التزكية، هذه هي التربية الأخلاقية. ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى هذه التربية الأخلاقية.

3. التربية القانونية:
التربية القانونية والانضباط القانونيّ، كما شخّص الرسولُ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أوّل عامل في كلّ أحكام الإسلام. يُروى عن أم المؤمنين عائشة أنّها سئلت عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسلوكه، فقالت: "كان خُلقه القرآن".. أخلاقه وسلوكه وتصرفاته وحياته كانت تجسيداً للقرآن، أي
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان، ط2، 1983م،باب مكارم الأخلاق، ج 68، ص 382.
 
 
 
 
 
 
 
 
20

6

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 لم يكن ثمّة شيء يأمر به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويكون هو نفسه غافلاً عنه.


الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان نفسه عاملاً، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾1، والمؤمنون تبع للرسول، يقتدون به. الرسول عامل والناس ينظرون لعمله فيترسّمون الخطى والطريق.

شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وملائمتها لتلقي الوحي
رُوي عنه صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث مشهور ومتواتر، أنّه قال: "إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"2، فإنّ البعثة، كما ذكرنا سابقاً، قد وُجدت في هذا العالَم لأجل هذا الهدف، وهو تعميم المكارم الأخلاقيّة، والفضائل الروحيّة، وتكميلها عند النّاس.

وطالما أنّ المرء لم يتحلَّ بأفضل المكارم الأخلاقيّة، فإنّ الله تعالى لن يوكل إليه هذا المهمّة العظيمة والخطيرة. ولهذا، فإنّ الله سبحانه يُخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أوائل البعثة قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ3، أي إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان على درجة من الاستعداد تجعله قادراً على تلقّي الوحي الإلهيّ، وهذا الأمر يعود إلى ما قبل البعثة. ولهذا فقد ورد أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يشتغل بالتجارة في شبابه، وقد كسب من ذلك أرباحاً طائلة، ما لبث أن أنفقها جميعاً على المساكين قربةً إلى الله تعالى.
وفي هذه المرحلة التي كانت نهاية تكامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقبل نزول الوحي ، ولم يكن قد نُبّئ بعد ، كان النبيّ يعتزل في غار حراء، ويجول بفكره في الآيات الإلهية من سماءٍ ونجومٍ وأرض، ويتأمّل في هذه الخلائق والموجودات الّتي تعيش على وجه البسيطة، بما لها من مشاعر مختلفة وطبائع شتّى. لقد كان يشاهد هذه الآيات الإلهية كافّة، فيزداد خضوعه يوماً بعد يوم أمام عظمة الحقّ، ويتضاعف خشوع قلبه أمام الأمر والنّهي الإلهيّين، والإرادة الرّبانية، وتتفتّح في وجدانه، مع مرور الأيّام، براعم الأخلاق النبيلة. ولهذا فقد ورد أنّه صلى الله عليه وآله وسلم
 

1- سورة البقرة، الآية 285.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج68، ص 382.
3- سورة القلم، الآية 4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

7

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 "كان أعقل النّاس وأكرمهم"1، حيث كان يزداد تكاملاً قبل البعثة بمشاهدة الآيات الإلهيّة، حتّى بلغ الأربعين، "فلمّا استكمل أربعين سنة، ونظر الله (عزّ وجلّ) إلى قلبه، فوجده أفضل القلوب وأجلّها وأطوعها وأخشعها وأخضعها، أذن لأبواب السماء ففُتحت، ومحمّد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا، ومحمّد ينظر إليهم"2، حتّى نزل عليه جبرائيل الأمين وقال: ﴿اقْرَأْ﴾3 فكانت بداية البعثة.


زمن الدعوة، والبيئة المحيطة
شرع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، منذ اللحظة الأولى من البعثة، في دخول مرحلة من الجهاد الشامل والبالغ المشقّة والمكابَدة، استغرقت ثلاثاً وعشرين سنة، وكل هذا كان نموذجاً للكفاح والمجاهدة والعمل الدؤوب. لقد كان جهاده صلى الله عليه وآله وسلم جهاداً مع نفسه، ومع أُناس لا يُدركون من الحقيقة شيئاً، ومع ذلك المحيط الذي كان يعمّه ظلامٌ حالك ومطبق. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة في وصف ذلك: "في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا"4. لقد كانت الفتن تُهاجم النّاس من كلّ جانب: حبُّ الدنيا، واتّباع الشهوات، والظلم، والجور، والرذائل الأخلاقيّة، الّتي تقبع في عمق وجود البشريّة، وأيادي الطغاة الجائرة، الّتي كانت تمتدّ على الضعفاء بلا أدنى مانعٍ أو رادع. ولم يكن هذا التعسّف مقتصراً على مكّة أو الجزيرة العربية، بل كان يسود أعظم الحضارات في العالم آنذاك، أي الإمبراطورية الرومانية العظيمة، والإمبراطورية الشاهنشاهية في إيران. فإذا ما تأمّلتم في التاريخ، لوجدتّم صفحة تاريخية مظلمة كانت تضرب بأطنابها نواحي الحياة الإنسانيّة كافّة.

لقد بدأ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جهاده منذ اللحظة الأولى للبعثة، متسلّحًا بقوّة خارقة، وسعيٍ متواصل يستعصي على التصوّر. لقد تحمّل الوحيَ، ذلك الوحي الإلهيّ الذي كان ينزل على قلبه،
 
 

1- علي بن أبي بكر الهيثمي، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، سعد عبد الحميد محمد السعدني، دار الطلائع للنشر، القاهرة، ص260، وأصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل النّاس أعقل النّاس" وفسره ابن عباس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج17، ص 309.
3- سورة العلق، الآية 1. 
4- نهج البلاغة، ص47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

8

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 كما ينزل الغيث العذب ويهطل على الأرض الخصبة، فيمنحه الطاقة ويمدّه بالقوّة، وانبرى موظّفًا كلّ طاقته ليأخذ بِيَد العالَم إلى زمنٍ من التحّول العظيم، ولقد حالفه التوفيق.


مراحل الدعوة النبوية
1- المرحلة المكيَّة:
إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنى الخلايا الأولى لجسد الأمّة الإسلاميّة بِيَده المقتدرة، في الأيّام العصيبة من تاريخ مكّة. لقد بنى قواعد الأمّة الإسلاميّة ورفع عمادها، فكان المؤمنون الأوائل، وأوّل من اعتنق الإسلام وأوّل من كانت لديهم تلك المعرفة والشجاعة والنورانية الّتي مكّنتهم من الوقوف على حقيقة الرسالة النبويّة والإيمان بها، ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾1. لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي لامس بأنامله الرقيقة شعاع تلك القلوب الوالهة، وفتح بيده القويّة أبواب الأفئدة على عالَمٍ رحبٍ من المعارف والأحكام الإلهيّة، فتفتّحت الأذهان والقرائح، وازدادت الإرادات صلابةً، ودخلت تلك الثلةّ المؤمنة - الّتي كان يزداد عددها يومًا بعد يوم - في صراعٍ مريرٍ لا يُمكن تصوّره بالنسبة لنا في المرحلة المكّية. لقد تفتّحت هذه البراعم في بيئة لم تكن تعرف سوى القيم الجاهليّة، فكان يسودها العصبية الخاطئة، ويعمّها الحقد العميق، وتتصارع بين جنباتها قوى القسوة والشرّ والظلم والشهوة الّتي تضغط بشدّة على حياة البشر وتحيط بها من كلّ جانب، فنبتت تلك الغرسات، وأينعت من بين كلّ هذه الأحجار والأشواك الجامدة والملتفّة، وهذا هو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام: "وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أصلبُ عوداً، (والرواتع الخضرة أرقّ جلوداً، والنباتات العذية) أَقْوَى وَقُوداً"2. ولذلك فإنّ العواصف والأنواء كافّة لم تستطع النيل من هذه النباتات والبراعم والأشجار التي نمت وترعرعت وانبثقت أعوادُها من بين الصخور الصمّاء، وانقضى ثلاثة عشر عامًا، ثمّ ما لبث صرح المجتمع الإسلاميّ (المجتمع المدنيّ والنبويّ) أن قام على أساس هذه القواعد القويّة.
 

1- سورة الأنعام، الآية 125.
2- نهج البلاغة، ص 418.
 
 
 
 
 
 
 
23

9

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 2- المرحلة المدنية:

إنّ المرحلة المدنيّة هي الفصل الثاني من عصر رسالة النبيّ، الّذي امتدّ لـ 23 سنة. الفصل الأوّل، الّذي كان مقدّمةً للفصل الثاني، كان عبارة عن 13 سنة في مكّة، أمّا السنوات العشر الّتي قضاها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، فهي تُمثّل سنيّ إرساء قواعد النّظام الإسلاميّ وبناء أنموذج الحكم الإسلاميّ لجميع أبناء البشريّة على مرّ التاريخ الإنسانيّ في مختلف الأعصار والأمصار.

منهجية الدعوة: عدم فصل الدين عن السياسة 
لم تكن السياسة هي العنصر الوحيد في بناء هذه الأمّة، بل كانت تُمثّل قسمًا من هذه العمليّة. والقسم الأساس الآخر فيها كان يتركّز على بناء الأفراد، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾1، ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعمل على تربية وتزكية القلوب قلبًا قلبًا، كما كان يُغذّي العقول عقلاً عقلاً، وذهناً ذهناً، بالحكمة والعلم والمعرفة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والحكمة أعلى درجة ومكانة. فلم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُعلّمهم القوانين والأحكام فحسب، بل كان يُعلّمهم الحكمة أيضًا، وكان يفتح عيونهم على حقائق الوجود.
 
وهكذا سار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهم مدّة عشر سنوات. فمن ناحيةٍ، كان اهتمامه منصبًّا على السّياسة، وإدارة الحكومة، والدّفاع عن كيان المجتمع الإسلاميّ، ونشر الإسلام، وفتح المجال أمام تلك الجماعات التي كانت تعيش خارج المدينة، أن يدخلوا السّاحة النورانيّة للإسلام وللمعارف الإسلاميّة، ومن ناحيةٍ أخرى كان يعمل على تربية أفراد المجتمع، وهذان الأمران لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

لقد اعتبر بعض النّاس أنّ الإسلام مسألة فرديّة، وفصلوه عن السياسة، في حين أنّ نبيّ الإسلام المكرّم صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الهجرة، ومن اللحظة الأولى الّتي تمكّن فيها من النجاة بنفسه من مصاعب مكّة، فإنّ أوّل ما قام به هو السياسة. فإنّ إقامة المجتمع الإسلاميّ، وتشكيل الحكومة والنّظام والجيش الإسلاميّ، وإرسال الرسائل إلى حكّام
 
 

1- سورة الجمعة، الآية 2.
 
 
 
 
 
 
 
 
24

10

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 العالم الكبار، والدخول في معترك السياسة العظيم آنذاك، تُعدّ كلّها من شؤون السياسة. فكيف يُمكن فصل الدين عن السياسة؟! وكيف يُمكن إعطاء السياسة معنىً ومضمونًا وشكلًا بِيَد غير يد الهداية الإسلاميّة؟! ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾1، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾2. إنّهم يؤمنون بالقرآن، لكنّهم لا يؤمنون بسياسته! ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾3. فما معنى القسط؟ إنّ القسط يعني إقرار العدالة الاجتماعيّة في المجتمع. فمن الذي يستطيع تحمّل هذا العبء؟ إنّ إقامة مجتمع يعمّه العدل والقسط هو عملٌ سياسيّ يقوم به مدراء البلاد، وهذا هو هدف الأنبياء جميعًا. فليس الأمر مقتصرًا على نبيّنا فقط، بل إنّ عيسى وموسى وإبراهيم وجميع الأنبياء الإلهيّين عليهم السلام قد بُعثوا من أجل العمل السياسيّ وإقامة النّظام الإسلاميّ.


غاية الدعوة: إقامة النظام النموذجيّ
لقد كانت غاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من هجرته إلى المدينة هي مقارعة الواقع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ بظلمه وطاغوتيّته، وفساده الذي كان مهيمنًا على الدنيا آنذاك، ولم يكن الهدف مكافحة كفّار مكّة فحسب، بل كانت القضيّة ذات بُعد عالميّ أيضًا. كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يتعقّب هذا الهدف، فكان يغرس بذور الفكر والعقيدة أينما وَجد الأرضيّة المساعدة لذلك، على أمل أن تنبت تلك البذور في الوقت المناسب. وكانت غايته من ذلك إيصال رسالة الحريّة والنهوض وسعادة الإنسان إلى القلوب كافّة، وذلك يتعذّر إلاّ عن طريق إقامة النّظام النموذجيّ القدوة. لذلك فقد جاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة لإقامة مثل هذا النّظام النموذجيّ، لكن إلى أيّ مدى تسعى الأجيال اللاحقة إلى مواصلة ذلك والاقتراب من هذا النّموذج؟ ذلك منوطٌ بهممها ومساعيها.
 

1- سورة الحجر، الآية 91.
2- سورة البقرة، الآية 85.
3- سورة الحديد، الآية 25.
 
 
 
 
 
 
 
 
25

11

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 معالم النظام النموذجيّ للحكم

إنّ سيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مرحلة السنوات العشر لحاكميّة الإسلام في المدينة، تُعدّ من ألمع عهود الحكم طيلة التاريخ البشريّ.. وهذا الأنموذج الكامل لا نجد له نظيرًا في أيّ حقبة أخرى, (و) له الكثير من المعالم، أبرزها وأهمّها سبعة:
1- الإيمان: 
الدّافع الحقيقيّ للنّظام النّبويّ إلى الأمام هو الإيمان المنبثق من قلوب النّاس وعقولهم الذي يأخذ بأيديهم وكلّ كيانهم نحو طريق الصّواب. إذًا، المعلم الأوّل يتمثّل في نفخ روح الإيمان وتقويته وترسيخه، وتغذية أبناء الأمّة بالمعتقد والفكر السليمين، وهذا ما باشره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة، ورفع رايته في المدينة بكلّ اقتدار.

2- العدل والقسط: 
منطلق العمل كان يقوم على أساس العدل والقسط وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه من دون أدنى مداهنة.

3- العلم والمعرفة: 
إنَّ أساس كلّ شيء في النّظام النبويّ هو العلم والمعرفة والوعي واليقظة، فهو لا يُحرّك أحدًا باتّجاهٍ معيّن حركةً عمياء، بل يحوّل الأمّة، عن طريق الوعي والمعرفة والقدرة على التشخيص، إلى قوّة فعّالة لا منفعلة.

4- الصفاء والأخوّة: 
النّظام النبويّ ينبذ الصّراعات التي تُغذّيها الدّوافع الخُرافيّة والشّخصيّة والمصلحيّة والنّفعيّة، ويُحاربها. فالأجواء هي أجواء تتّسم بالصّدق والأخوّة والتآلف والحميميّة.

5- الصّلاح الأخلاقيّ والسلوكيّ: 
هو يُزكّي النّاس ويُطهّرهم من رذائل الأخلاق وأدرانها، ويصنع إنسانًا خلوقًا ومزكّىً، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾1، فالتّزكية هي أحد المرتكَزات الأساس. إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يعمل على أبناء الأمّة فردًا فردًا على أساس التّربية وبناء الإنسان.
 

1- سورة آل عمران، الآية 164.
 
 
 
 
 
 
 
 
26

12

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 6- الاقتدار والعزّة: 

المجتمع والنّظام النبويّ لا يتّسمان بالمذلّة والتسوّل ومدّ يد الحاجة إلى هذا وذاك، بل يتميّزان بعزّتهما واقتدارههما وعزمهما، فهما متى ما شخّصا موطن صلاحهما، سعيا له وشقّا طريقهما إلى الأمام.

7- العمل والنّشاط والتّقدّم المطّرد: 
لا مجال للتّوقّف في النّظام النبويّ، بل الحركة والعمل والتقدّم بنحوٍ منظّم. ولا يصحّ أن يقول أبناؤه إنّ كلّ شيء قد تمّ، فلنركن إلى الدّعة والرّاحة! وهذا العمل ــ بطبيعة الحال ــ مبعث لذّة وسرور وليس مدعاة للكسل والملل والإرهاق، بل هو عمل يمنح الإنسان النّشاط والطّاقة والاندفاع.

الشخصية القيادية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم
امتاز سلوك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتدبير والسّرعة في العمل، فلم يدَع الفرصة تفوته في أيّ قضيّة. كان صلى الله عليه وآله وسلم طاهرًا قانعًا، لا وجود لأيّ نقطة ضعف في وجوده المبارك. كان معصومًا نقيًّا، وهذا بحدّ ذاته يُمثّل أهمّ عوامل التّأثير. إنّ التّأثير بالعمل هو أوسع وأعمق بدرجات من التّأثير باللسان. لقد كان قاطعًا وصريحًا، ولم يتحدّث يومًا بلسانين. بالطّبع، عندما كان يواجه العدوّ، كان يستخدم معه أسلوبًا سياسيًّا يوقعه في الخطأ، فلقد كان يُباغت العدوّ في الكثير من الحالات، سواء أفي المواقف العسكريّة أم في السياسيّة، لكنّه كان صريحًا وشفّافًا مع المؤمنين ومع قومه على الدّوام، كان نقيًّا واضحًا في كلامه، بعيدًا عن الألاعيب السّياسيّة، يُبدي المرونة في المواطن الضّروريّة - كما في قضيّة عبد الله بن أُبيّ - ذات الأحداث المفصّلة، ولم ينكث عهدًا مع قومه أو مع الفئات الّتي عاهدها، وإن كانوا أعداءً له، وخاصّةً مع كفّار مكّة الذين نقضوا عهودهم، فردّ عليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ردًّا قاطعًا، ولم ينقضْ مَوْثِقًا أبرمه مع أحد قطّ، لذلك كان الجميع على ثقةٍ بالعهد الذي يُبرمه معهم.

ومن ناحيةٍ أخرى، لم يفقد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تضرّعه إلى الله سبحانه، وكان مواظبًا على توطيد أواصر علاقته بالباري (جلّ وعلا) يومًا بعد يوم. فلقد كان يرفع يده متضرّعاً إلى بارئه في تلك الأثناء الّتي ينظّم عساكره ويحثّهم ويحضّهم على القتال، وفي ساحة الوغى،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

13

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 عندما كان يُمسك بسيفه ويقود جيشه بحزم، أو يُعلّمهم ما يصنعون. كان يجثو على ركبتيه رافعًا يديه باكيًا مناجيًا ربّه سائلًا إيّاه العون والإسناد ودفع الأعداء. لم يؤدِّ به الدّعاء إلى تعطيل قواه، ولا أنّ استثماره لقواه أغفله عن التوسّل والتضرّع والارتباط بالله سبحانه، بل كان حريصًا على كلا الجانبين، لم يعتوِره التردّد أو الخوف وهو يواجه عدوًّا عنيدًا، ولقد قال أمير المؤمنين عليه السلام - وهو مظهر الشّجاعة -: "كنّا كلّما اشتد الوطيس لذنا برسول الله"1، وكان يلوذ به كلّ مَن شعر بالضعف. استمرّ حكمه عشر سنوات، لكن لو أردنا إيكال العمل الذي قد أنجزه خلال السنوات العشر هذه إلى مجموعة مليئة بالنشاط لتقوم بإنجازه، فإنّها لن تستطيع إنجاز كلّ تلك الأعمال والخدمات والمساعي، ولو على مدى مئة عام. فلو قارنّا أعمالنا بما قام به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، عندها سنُدرك ما الذي قام به. فإدارة الحكم، وبناء ذلك المجتمع، وصياغة ذلك الأنموذج، بحدّ ذاته هي أحد معاجز الرسول.


فعلى مدى عشر سنوات، عاشره النّاس ليلًا ونهارًا، وتردّدوا إلى داره، وتردّد هو إلى دورهم، وكانوا معه في المسجد وفي الطّرقات وفي حلّه وترحاله، وتحمّلوا الجوع معًا، وتذوّقوا طعم السّرور معًا، فقد كان الوسط الّذي يعيش فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مفعمًا بالمسرّة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يُلاطف الآخرين ويُقيم السّباقات ويشترك فيها. وعلى امتداد تلك السّنوات العشر، تعمّقت محبّة أولئك الذين عاشروه، وازداد إيمانهم به عمقًا ورسوخًا في قلوبهم. وعندما فتح صلى الله عليه وآله وسلم مكّة، جاء أبو سفيان متخفّيًا يلوذ بالعبّاس ، وهو عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى معسكر النبيّ يطلب الأمان. ولما حلّ الفجر، رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتوضّأ وقد أحاط به القوم ليحظى كلٌّ منهم بقطرات الماء الّتي تتناثر من وجهه ويديه، فقال أبو سفيان: لقد رأيت كسرى وقيصر (وهما من ملوك الدنيا المعروفين بجبروتهم وسطوتهم) لكنّني لم أرَ عليهما مثل هذه العزّة! أجل، فالعزّة المعنويّة هي العزّة الحقيقيّة، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾2، فالعزّة من نصيب المؤمنين أيضًا، إنْ هم سلكوا الطريق ذاتها.
 

1- نهج البلاغة، ص368، وقول الإمام عليه السلام هو: "كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه".
2- سورة المنافقون، الآية 8.
 
 
 
 
 
 
 
28

14

الدرس الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1): بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

 المفاهيم الرئيسة


1- البعثة (النبوية الشريفة) دعوة للناس إلى ساحة التربية العقلانية والتربية الأخلاقية والتربية القانونية.

2- التربية العقلانية هي استخراج طاقات وقدرات العقل البشريّ، وتحكيمها على أفكار الإنسان وأعماله. والتربية الأخلاقية هي تزكية النفس، أما التربية القانونية فهي العمل بأحكام الشريعة.

3- إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان على درجة من الاستعداد تجعله قادراً على تلقّي الوحي الإلهيّ، وهذا الأمر يعود إلى ما قبل البعثة.

4- شرع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، منذ اللحظة الأولى من البعثة، في دخول مرحلة من الجهاد استغرقت ثلاثاً وعشرين سنة، وكان جهاده مع أُناس لا يُدركون من الحقيقة شيئاً، ومع ذلك المحيط الذي كان يعمّه ظلامٌ حالك ومطبق. 

5- مراحل الدعوة النبوية: المرحلة المكية التي امتدت 13 سنة، والمرحلة المدنيّة امتدّت 23 سنة.

6- إنّ نبيّ الإسلام المكرَّم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اللحظة الأولى الّتي تمكَّن فيها من النجاة بنفسه من مصاعب مكّة، أوّل ما قام به هو السياسة، ولم يفصل الدين عن السياسة.

7- لقد كانت غاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من هجرته إلى المدينة هي مقارعة الواقع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ بظلمه وطاغوتيّته، وفساده الذي كان مهيمنًا على الدنيا آنذاك، ولم يكن الهدف مكافحة كفّار مكّة فحسب، بل كانت القضيّة ذات بُعد عالميّ أيضًا.

8- معالم النظام النموذجيّ للحكم، هي: الإيمان، العدل والقسط، العلم والمعرفة، الصفاء والأخوّة، الصّلاح الأخلاقيّ والسلوكيّ، الاقتدار والعزّة، العمل والنّشاط والتّقدّم المطّرد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

15

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن المراحل الثلاث لإقامة نظام الحكم النموذجيّ الإسلاميّ.
2- يقدّم نماذج تطبيقية في كيفية إرساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعائم العقائديّة والفكريّة.
3- يذكر الأصناف المختلفة لأعداء الدعوة النبوية، ويبيّن سياسة النبي صلى الله عليه وآله وسلمفي التعامل مع الأعداء.
 
 
 
 
 
 
 
 
31

16

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 مراحل إقامة النظام النموذجيّ للحكم (1)

بغية إنجاز هذه المهمّة (مهمة إقامة الحكم الإسلاميّ النموذجيّ)، كان هناك ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: إرساء قواعد النّظام (الإسلاميّ).

المرحلة الثّانية: صيانة النّظام، فمن الطبيعيّ أن يكون هناك من يُعادي هذا الكيان المتنامي والمتعاظم، الّذي لو أحسَّ به أصحاب السّلطة لشعروا بالخطر إزاءه. وإذا لم يتمكّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حفظ هذا الوليد الطّبيعيّ الميمون بحنكة في مقابل الأعداء، فسيزول هذا النّظام وتذهب جهوده سدًى، فلا بدّ له من صونه.

المرحلة الثالثة: إكمال البناء وإعماره (وضمان استمراريته)، إذ لا تكفي عمليّة الإرساء، وإنّما هي الخطوة الأولى.

وهذه المراحل الثلاث تسير بجانب بعضها بعضًا بشكل عرضيّ. إنّ عمليّة إرساء القواعد تأتي بالدّرجة الأولى، بَيْدَ أنّه يتعيّن الحذر من العدوّ أثناءها، وهكذا تأتي مرحلة الصيانة، حيث يتمّ خلالها الاهتمام ببناء الأشخاص والكيانات الاجتماعيّة، ومن ثمّ تتواصل في المراحل اللاحقة.

المرحلة الأولى: إرساء القواعد والدعائم
إنَّ إيجاد النّظام (النموذجيّ للحكم) يحتاج إلى دعائم عقائدية وإنسانية:
1- الدعائم العقائدية والفكرية:
لا بدّ أوّلًا من وجود معتقدات وأفكار سليمة كي يُقام النّظام (النموذجيّ للحكم) على أساسها. وقد بيّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأفكار والرؤى في إطار كلمة التّوحيد والعزّة الإنسانيّة
 
 
 
 
 
 
 
33

17

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 وسائر المعارف الإسلاميّة خلال فترة السّنوات الثلاث عشرة الّتي أمضاها في مكّة، ثم علّمها وفهّمها الآخرين بنحوٍ متواصلٍ وعلى مدى لحظات حياته، حتّى وافاه الأجل في المدينة، وكان على الدوام بصدد تعليم وتفهيم الجميع مثل هذه الأفكار والمعارف السامية الّتي شكّلت أسس هذا النّظام.


2- الدعائم الإنسانيَّة: 
من الضروريّ وجود القواعد والدّعائم الإنسانيّة كي يستقيم بناء (النظام) عليها، لأنّ النّظام الإسلاميّ لا يقوم على فردٍ واحد. وقد باشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإعداد هذه الرّكائز في مكّة، وحقّقها. كان بعض منهم من كبار الصّحابة، على اختلاف مراتبهم، فقد كانوا ثمرة الجهود المضنية والجهاد المرير خلال فترة السنوات الثلاث عشرة في مكّة، فيما كان بعضهم الآخر من الّذين تمّ بناؤهم في يثرب من خلال رسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أمثال سعد بن معاذ وأبي أيوب وآخرين، وذلك قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما حلّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، باشر عملية بناء الإنسان منذ لحظة دخوله إليها. ومع مرور الأيّام، أخذت ترد إلى المدينة شخصيّات تتّسم بجدارتها الإدارية وجلالة القدر والشجاعة والتضحية والإيمان والاقتدار والمعرفة، حتّى أصبحت أعمدةً صلبة لهذا الصّرح الشامخ الرفيع.

نماذج تطبيقية في إرساء الدعائم العقائدية والفكرية
1- إلغاء الطبقية والنسَبية:
لقد حدّد صلى الله عليه وآله وسلم موقفه منذ اللحظة الأولى لدخوله المدينة، فعندما دخلت النّاقة - التي كان يركبها النبيّ - يثرب، أحاط بها النّاس. وكانت يثرب يومها مقسَّمة إلى أحياء تضمّ بيوتًا وأزقّة ومتاجر، يعود كلٌّ منها إلى واحدة من القبائل التّابعة، إمّا للأوس أو للخزرج... كانت الناقة تمرّ من أمام قلاع هذه القبائل، فيخرج كبارها ويأخذون بركاب النّاقة منادين: إلينا يا رسول الله، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "دعوا الناقة فإنّها مأمورة"1. لكنّ كبار القوم وأشرافهم وشيوخهم وشبابهم اعترضوا ناقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: انزل هنا يا رسول الله، فالدّار دارك،
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج19، ص 110.
 
 
 
 
 
 
 
34

18

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 وكلّ ما لدينا في خدمتك، لكنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لهم: "دعوا الناقة فإنّها مأمورة". وهكذا طوت الناقة الطريق حيًّا بعد حيّ، حتّى وصلت إلى حيّ بني النجّار، الّذين تنتمي إليهم أمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وباعتبارهم أخوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جاؤوه وقالوا: يا رسول الله! إنّ لنا بك لقرابة، فانزل عندنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "دعوا الناقة فإنّها مأمورة"، فانطلقت الناقة حتّى حطّت رحالها في أكثر أحياء المدينة، فقرًا، فمدّ النّاس أعناقهم ليعرفوا مَنْ صاحب الدار الّتي حطّت عندها الناقة، فإذا به أبو أيّوب الأنصاريّ، أفقر أهل المدينة، أو أحد أفقرهم. عمد أبو أيّوب الأنصاريّ وعياله الفقراء المعوزون إلى أثاث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فنقلوه إلى دارهم، وحلّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ضيفاً عليهم1، فيما رُدّ الأعيان والأشراف وأصحاب النفوذ وذوو الأنساب وأمثالهم، أي أنّه حدّد موقعه الاجتماعيّ، فاتّضح من خلال ذلك عدم تعلّق هذا الرجل بالثّروة والنسب القبليّ والزعامات القبلية والانتماء الأُسريّ والعائليّ، وعدم ارتباطه بالمتحايلين الوقحين، ولن يكون كذلك. فهو صلى الله عليه وآله وسلم حدّد طبيعة سلوكه الاجتماعيّ منذ اللحظة الأولى، وأيًّا من الفئات يُساند، ولأيٍّ من الطبقات ينحاز، ومَنْ هم الّذين سينالون القسط الأوفر من فائدة وجوده. فالجميع كانوا ينتفعون من وجود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعاليمه، بيد أنّ الأكثر حرمانًا كان أكثر انتفاعًا منه، دافِعُهم في ذلك هو التعويض عن حرمانهم.


2- إرساء مفهوم القيادة والمركزية الإدارية:
كانت قبال دارة أبي أيّوب الأنصاريّ قطعة أرض متروكة، فسأل صلى الله عليه وآله وسلم عن صاحبها، فقيل إنّها ليتيمين، فدفع لهما ثمنها واشتراها، ثمّ أمر ببناء مسجد عليها، كان بمثابة مركز سياسيّ عباديّ اجتماعيّ وحكوميّ، ومركز يتجمّع فيه النّاس، حيث اقتضت الضرورة بناء مركز يُمثّل المحورية، ومن هنا تمّت المباشرة في بناء المسجد. ولم يطلب صلى الله عليه وآله وسلم قطعة أرض من أحد أو يستوهبها، بل اشتراها بأمواله، ورغم عدم وجود محامٍ عن هذين اليتيمين، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم راعى الدقّة في أداء حقوقهما كاملة تامّةً، كالأب والمدافع عنهما.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج19، ص121.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

19

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 3- إرساء وتعزيز مفهوم العمل والتواضع والمشاركة الاجتماعية:

عندما باشروا (أهل المدينة) في بناء المسجد، كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه من أوائل الأشخاص، بل أوّل شخص جاء وحمل بالمعول، وباشر في حفر أرض المسجد. ولم يكن عمله هذا استعراضيًّا، بل بالفعل باشر في العمل، وكان يتصبّب عرقًا. كان عمله بحيث إنّ بعض الأشخاص الذين جلسوا جانبًا، قالوا: أنجلس والرسول يعمل هكذا؟! فلنذهب ونعمل، فجاؤوا وانهمكوا في العمل حتّى شيّدوا المسجد خلال برهة وجيزة. 

وبذلك أثبت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك القائد العظيم والمقتدر - أنّه لا يرى أيّ حقّ لشخصه، فإذا ما كان هنالك عمل، فلا بدّ أن تكون له مساهمة فيه. بعد ذلك، وضع صلى الله عليه وآله وسلم الأطر الإدارية والسّياسيّة لذلك النّظام. ولو أنّ المرء ألقى نظرة على التطوّر الّذي خَطاه بذكاء وفطنة، لأدرك أيّ عقل وفكر ودقّة وحنكة تنتج تلك العزيمة القاطعة والإرادة الصلبة الّتي لا يمكن تحقّقها ظاهرًا إلاّ برفدٍ من الوحي الإلهيّ. وحتّى يومنا هذا، إنّ الّذين يحاولون تتبّع وقائع تلك السنوات العشر خطوةً خطوةً، يعجزون عن استيعاب أيّ شيء. وإذا ما حاول المرء دراسة كلّ واقعة على حدة، فإنّه لن يدرك منها شيئًا، بل عليه أن يُدقّق النّظر ويلحظ تسلسل الأعمال وكيفية إنجاز كلّ تلك المهامّ بتدبيرٍ ووعيٍ وحساباتٍ دقيقة.

4- إرساء مفهوم الأخوة والوحدة الاجتماعية:
لقد كانت الأرستقراطيّة والعصبيّات الخُرافية والتكبّر القبليّ وانفصال الشّرائح المختلفة للنّاس عن بعضها، كانت أبرز البلاءات الّتي كانت تُعاني منها المجتمعات الجاهليّة العربيّة المتعصّبة يومذاك. وبإشاعته للأخوّة، سحق النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذه النعرات تحت قدميه. فقد آخى بين رئيس القبيلة وبين من هو في مستوًى دانٍ أو متوسّط، وهؤلاء بدورهم ارتضَوا هذه الأخوّة طائعين. ووضع السّادة والأشراف إلى جانب العبيد من المسلمين والعتقاء، وبذلك قضى على العوائق في طريق الوحدة الاجتماعيّة. وعندما أراد صلى الله عليه وآله وسلم اتّخاذ مؤذّن لمسجده، كان ذوو الحناجر الجهوريّة والهندام الجميل والشخصيّات المشهورة، من الكثرة بمكان، لكنّه اختار مِن دونِهم بلالًا الحبشيّ الّذي كان يفتقد إلى الجمال والصوت الحسن والشّرف العائليّ والنَّسبيّ. فالمناط كان الإسلامَ والإيمان والجهاد والتّضحية في سبيل الله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

20

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 لا غير. لاحظوا كيف أنّه صلى الله عليه وآله وسلم حدّد القيم على صعيد العمل، فقبل أن يترك كلامُه بصماته على القلوب، كانت أعماله وسيرته وهديه تؤثّر في القلوب.


المرحلة الثانية: صيانة وحماية النظام من الأعداء
كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرى خمسة أصناف من الأعداء يتربّصون بهذا المجتمع الفتيّ:
1- العدو الباطنيّ في كل مسلم:
العدوّ الكامن في باطن كلّ مسلم ومؤمن هو الأخطر من بين جميع الأعداء. وهذا العدوّ معشّش فينا أيضًا، إنّه الأهواء النفسية والأنانيّة والجنوح نحو الانحراف والضّلال والانزلاق الّذي يُهيّئ الإنسان بنفسه أرضيّته. 

- سياسة التعامل مع العدوّ الأوَّل:
خاض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا العدوّ صراعًا مريرًا. غاية الأمر أنّ آلة الصراع مع هذا العدوّ لا تتمثّل بالسّيف، بل بالتّربية والتّزكية والتّعليم والتّحذير. لهذا، عندما عاد المسلمون من الحرب مع كلّ ذلك التّعب، قال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : "مرحبًا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر"، فتعجّب المسلمون من قوله وسألوه: ما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! لقد خضنا غمار هذا الجهاد المرير، فهل من جهاد أكبر منه؟! قال: "جهاد النفس"1. فإذا ما صرّح القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾2، فذلك لا يعني أنّهم منافقون، بل بعض المنافقين في عداد الّذين في قلوبهم مرض، ولكن ليس كلّ "الّذين في قلوبهم مرض" هم من المنافقين، فربّما يكون المرء مؤمنًا لكن في قلبه مرض. فماذا يعني هذا المرض؟ إنّه يعني ضعف الأخلاق والشّخصيّة، والشهوانيّة والجنوح نحو مختلف الأهواء الّتي إن لم يُبادر المرء للحدّ منها ومقارعتها، فإنّها ستَسلب منه الإيمان، وسيقسو باطنه. وإذا ما سُلب الإيمان من المرء، وأصبح قلبه بلا إيمان، وظاهره مؤمنًا، عندئذٍ يُسمّى منافقًا.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، مطبعة حيدري، ط 3، 1367ش، باب وجوب الجهاد، ج5، ص12.
2- سورة التوبة، الآية 125.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

21

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 فلو خلت قلوبنا، لا سمح الله، من الإيمان، وبقي ظاهرنا متلبّسًا بالإيمان، وقطعنا أواصر الإيمان وعلائقه، بيد أنّ ألسنتنا ظلّت تلهج بالتعابير الإيمانية، فهذا هــو النّفاق، وهــو من الخطورة بمكان. والقرآن الكريم يُصرّح: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾1، وذاك هو السّوء المبين، ألا وهو التّكذيب بآيات الله. ويقول في موضعٍ آخر: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾2، وهذا هو الخطر الكبير الّذي يتهدّد المجتمع الإسلاميّ. وحيثما شاهدتم في التّاريخ انحرافًا في المجتمع الإسلاميّ، فمن هنا كانت بدايته. ربّما يشنّ العدوّ الخارجيّ هجومه ويدمّر ويخرّب، لكنّه لا قدرة له على الإفناء. ففي النّهاية سيبقى الإيمان، وينبعث في مكانٍ ما، ويؤتي أكله. غير أنّ جيوش العدوّ الداخليّ إن هجمت على الإنسان وأفرغت باطنه، إذ ذاك سيطال الانحراف سبيله، وأينما وُجد الانحراف، فإنّ منشأه يكون هو ذاك. ولقد تصدّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهذا العدوّ أيضًا.


2- المنافقون: 
كان المنافقون يعيشون بين النّاس، وكانوا من الّذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. كانوا أشخاصًا منحطّين ومعاندين وضيّقي الأفق ومستعدّين للتعاون مع العدوّ، لكنّهم كانوا يفتقدون للتنظيم، وهذا ما كان يُميّزهم عن اليهود. 

- سياسة التعامل معهم:
لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع العدوّ المنظَّم المتوثّب لمهاجمة المسلمين كتعامله مع اليهود، ولم يُعطهم الأمان أبدًا، لكنّه كان يتحمّل العدوّ غير المنظّم، ممّن تلوّث أفراده بالعناد والعداوات والخبائث الفردية وعدم الإيمان، فلقد كان عبد الله بن أُبيّ من ألدّ أعداء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد عاصر الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم حتّى آخر سنة من عمره تقريبًا، إلّا أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعامل معه تعاملًا سيّئًا، مع علم الجميع بنفاقه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يُداريه ويُعامله كباقي المسلمين من حيث عطاؤه من بيت المال، وصيانة أمنه وحرمته. كان ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم بالرغم من خبث هذه الفئة وإساءتها، وفي سورة البقرة آيات تختصّ بهؤلاء المنافقين.
 

1- سورة الروم، الآية 10.
2- سورة التوبة، الآية 77.
 
 
 
 
 
 
38

22

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 ولمّا اتّخذ تجمّع بعض المنافقين طابع التنظيم، قام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بملاحقتهم. ففي قضيّة مسجد ضرار، حيث اتّخذوا منه مركزًا، كما أقاموا اتّصالات مع عناصر من خارج النّظام الإسلاميّ، من قبيل الرّاهب أبي عامر من بلاد الروم، وأعدّوا مقدّمات تحشيد الجيوش لمحاربة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى يستعينوا بجيش الرّوم ضدّ النبيّ. من هنا بادر إليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهدم المسجد الّذي بنوه، وأحرقه، معلنًا أنّه ليس بمسجد، بل هو بؤرة للتآمر على المسجد وعلى اسم الله وعلى النّاس. أو تلك الحفنة من المنافقين الّذين أعلنوا كفرهم وخرجوا من المدينة وحشدوا قواهم، فقاتلهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقال: لئن دنَوا من المدينة لأَخرجنّ لقتالهم. رغم أنّه كان يوجد منافقون داخل المدينة، لكنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعرّض لهم أبدًا. وهكذا، فقد واجه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الفئة الثالثة مواجَهة منظَّمة صارمة، لكنّه سلك طريق المداراة مع الفئة الرابعة لافتقادهم للتنظيم، ولأنّ الخطر الصادر عنهم يُمثّل خطرًا فرديًّا. كما أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان غالبًا ما يُخجلهم بسلوكه.


3- اليهود:
(العدو الثالث على الأمة الأسلامية) كان اليهود، أي الدّخلاء الّذين لا يوثق بهم، والّذين أسرعوا بالتّعبير عن استعدادهم لمعايشة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، لكنّهم لم يُقلعوا عن أعمال الإيذاء والتخريب والخيانة. بالتدقيق جيّدًا، نجد أنّ قسمًا مهمًّا في سورة البقرة وبعض السور الأخرى من القرآن الكريم، ترتبط بطريقة تعامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وصراعه الثقافيّ مع اليهود الذين كانوا على قدرٍ من العلم والوعي والثقافة، وكانوا يؤثّرون على أفكار ضعاف الإيمان من النّاس، ويحوكون الدّسائس ويزرعون اليأس في قلوبهم، ويثيرون الفتن بينهم، فكانوا يُمثّلون عدوًّا منظّمًا.

- سياسة التعامل مع العدو الثالث:
كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يسلك معهم سبيل المداراة ما أمكنه، لكنّه لمّا لمس منهم عدم استجابتهم لهذه المداراة، بادر إلى معاقبتهم. ولم تأتِ مباغتة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم من دون سبب أو مقدّمات، بل إنّ كلاًّ من هذه القبائل الثلاث ارتكبت أفعالًا، فعاقبهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما يوازي فعلتهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

23

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 الأولى: قبيلة "بنو قينقاع": الذين خانوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فتوجّه نحوهم وأمرهم بالجلاء، وأخرجهم من ديارهم تاركين ثرواتهم للمسلمين.


الثانية: "بنو النضير": الّذين خانوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا. أمرهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحمل بعض أمتعتهم والرحيل، فاضطرّوا لذلك وارتحلوا.

الثالثة: "بنو قريظة": الذين منحهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأمان، وسمح لهم بالبقاء في المدينة، ولم يُخرجهم منها، وأبرم معهم عقدًا على ألّا يسمحوا للعدوّ بالتسلّل من أحيائهم في معركة الخندق، لكنّهم غدروا وتعاقدوا مع العدوّ على الوقوف إلى جانبه لمقاتلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنّهم لم يكتفوا بتنصّلهم من عهدهم مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل في الوقت الّذي بادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حفر الخندق في الجهة الّتي يسهل اختراقها، وسلّمهم الجهة الّتي تقع عليها أحياؤهم ليمنعوا العدوّ من التسلّل عبرها، ذهبوا للتفاوض والتباحث مع العدوّ، ليدخلوا معًا من تلك الجهة ويطعنوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الخلف.

وفي تلك الأثناء، علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المؤامرة، وكان قد مضى ما يُقارب الشّهر على حصار المدينة، وقد وقعت خيانة هؤلاء في منتصف هذا الشهر، فلجأ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عملٍ في غاية الذكاء، حيث أوقع الفتنة بينهم وبين قريش، فقضى على الثّقة الّتي تربطهم بقريش، وقد تجلّت بذلك واحدة من الخطط السّياسيّة العسكريّة الرائعة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم باغتهم حتى لا يتمكّنوا من توجيه أيّ ضربة للمسلمين. وبعد أن انهزمت فيه قريش وحلفاؤها وابتعدوا عن الخندق وعادوا إلى مكّة، رجع النبيّ إلى المدينة. وفي اليوم عينه الذي رجع فيه صلى الله عليه وآله وسلم الظهر، ثمّ دعا إلى صلاة العصر قبالة قلاع بني قريظة، فتوجّه نحوهم، أي أنّه لم يُمهلهم ولو لليلةٍ واحدة، فحاصرهم لمدّة خمسة وعشرين يومًا تواصلت خلالها المناوشات بين الطّرفين. ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قتل مقاتليهم لفداحة خيانتهم وعدم إمكانيّة إصلاحهم.

هكذا تميّز تعامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هؤلاء، أي أنّه أزال عداوة اليهود من على طريق المسلمين، وبشكل أساس في قضية بني قريظة، وقبلها مع بني النضير، وبعدها مع يهود
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

24

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 خيبر بكلّ تدبير وقوّة وإصرار مقترن بالأخلاق الإنسانيّة العالية، وفي كلّ هذه المواطن، لم ينقض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عهدًا أبدًا، وهذا ما يُذعن له حتّى أعداء الإسلام، بل أولئك هم الّذين نقضوا العهود. 


4. القبائل المحيطة بالمدينة: 
وهي عدوٌّ ضئيل الأهميّة ومحدود، ولكن ينبغي عدم التّغافل عنه في الوقت نفسه، فلربّما يتسبّب في بروز خطرٍ داهم. فمن هو هذا العدوّ؟ إنّه القبائل شبه الهمجيّة التي تُحيط بالمدينة، فعلى بُعد عشرة أو خمسة عشر أو عشرين فرسخًا من المدينة تعيش قبائل شبه بدائيّة، جُلُّ حياتها عبارة عن الاقتتال وإراقة الدماء والإغارة والنّهب والسّلب. 

- سياسة التعامل مع العدوّ الرابع:
تعاهد (الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) مع مَنْ تتوفّر فيه أمارات الصّلاح والهداية، ولم يُبادرهم بالدّعوة إلى الإسلام بادئ الأمر، بل عاهدهم مع بقائهم على كفرهم وشركهم بغية تجنّب انتهاكاتهم. لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ملتزمًا أشدّ الالتزام بتعهّداته ومواثيقه، وهذا ما سأتطرّق إليه أيضًا، لكنّه لاحَقَ الأشرار ومَن لا عهد لهم، وعالج مشكلتهم. وما يُذكر من بَعْثِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للسّرايا، حيث كان يرسل الخمسين أو العشرين من المسلمين في سرايا، لملاحقة هؤلاء الّذين تأبى طبيعتهم الوئام والهداية والصّلاح ولا يستقرّ لهم حال إلا بإراقة الدّماء والتوسّل بالقوّة، فكان أن لاحقهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقمعهم وأخمد نارهم.
 
 
 
 
 
 
 
41

25

الدرس الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2): إقامة النظام النموذجيّ للحكم

 المفاهيم الرئيسة


1- بغية إنجاز مهمة إقامة الحكم الإسلاميّ النموذجيّ، كان هناك ثلاث مراحل هي: مرحلة إرساء قواعد النّظام (الإسلاميّ)، ومرحلة صيانة النّظام، ومرحلة إكمال البناء وإعماره وضمان استمراريته. وهذه المراحل الثلاث تسير بجانب بعضها بعضًا بشكل عرضيّ. 

2- إنَّ إيجاد النّظام (النموذجيّ للحكم) يحتاج إلى دعائم عقائدية وإنسانية، لذا نجد أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد بيّن المعتقدات في إطار كلمة التّوحيد والعزّة الإنسانيّة وسائر المعارف الإسلاميّة، وباشر صلى الله عليه وآله وسلم بإعداد الرّكائز الإنسانيّة، في مكّة ويثرب والمدينة.

3- من النماذج التطبيقية في إرساء الدعائم العقائدية والفكرية في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلمنذكر: إلغاء الطبقيّة والنسَبيّة، إرساء مفهوم القيادة والمركزية الإدارية، إرساء وتعزيز مفهوم العمل والتواضع والمشاركة الاجتماعية، وإرساء مفهوم الأخوة والوحدة الاجتماعية.

4- كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرى أربعة أصناف من الأعداء يتربّصون بهذا المجتمع الفتيّ: العدو الباطنيّ في كلّ مسلم، المنافقين، اليهود، والقبائل المحيطة بالمدينة.

 
 
 
 
 
 
 
 
42
5- العدوّ الكامن في باطن كلّ مسلم ومؤمن هو الأخطر بين جميع الأعداء، وهذا العدوّ معشّش فينا أيضًا. إنّه الأهواء النفسية والأنانيّة، والجنوح نحو الانحراف والضّلال، والانزلاق الّذي يُهيّئ الإنسان بنفسه أرضيّته. وقد خاض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا العدوّ صراعًا مريرًا. غاية الأمر أنّ آلة الصراع مع هذا العدوّ لا تتمثّل بالسّيف، بل بالتّربية والتّزكية والتّعليم والتّحذير.

6- كان المنافقون يعيشون بين النّاس، وكانوا من الّذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. كانوا أشخاصًا منحطّين ومعاندين وضيّقي الأفق ومستعدّين للتعاون مع العدوّ، لكنّهم كانوا يفتقدون للتنظيم، وهذا ما كان يُميّزهم عن اليهود.

7- لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع العدوّ المنظَّم المتوثّب لمهاجمة المسلمين كتعامله مع اليهود، ولم يُعطهم الأمان أبدًا، لكنّه كان يتحمّل العدوّ غير المنظّم.

26

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن سياسة تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع كفّار قريش، وبعض الزعامات في مكّة.
2- يحلّل وقائع معركة بدر وأحد والخندق وفتح مكة.
3- يشرح كيفية إكمال بناء النظام وضمان استمراريّته، من خلال وقائع ومجريات حجة الوداع وحادثة يوم الغدير.
 
 
 
 
 
43

27

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 إقامة النظام النموذجيّ للحكم (2)

العدوّ الخامس من أعداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كفار قريش، وبعض الزعامات في مكّة:
كان في مكة الكرّمة مجموعة من الزعامات، التي عملت على مواجهة دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ومعاداته، وبالرغم من عدم وجود حكومة فيها بالمعنى المتعارف عليه، بيد أنّه كان هناك مجموعة من الأشراف المتكبّرين العتاة أصحاب النّفوذ يحكمون مكّة، وهم على اختلافهم، كانوا متّحدين بوجه هذا المولود اليافع الجديد. 

- سياسة التعامل مع العدوّ الخامس:
كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على علمٍ بأنّ الخطر الجسيم إنّما ينطلق منهم، وهذا ما حدث عمليًّا. أحسّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه لو قعد حتى يأتوا بحثًا عنه، فإنّهم يقينًا لن يتوانوا عن ذلك، وسوف يقتنصون الفرصة، لذلك ذهب في أثرهم، لكنّه لم يقصد مكّة. كان طريق قافلتهم يمرّ بقرب المدينة، فبادرهم الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم بالهجوم،(وكانت المعارك الثلاثة: بدر وأحد والخندق, وفتح مكة المكرّمة):

1- معركة بدر: 
أهمّ هذه الهجمات، وفي طليعة الأعمال. لقد بادرهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالهجوم، وهم أيضًا جاؤوا لمحاربة حضرته بدافع العصبيّة والغلظة والعناد. 

وبحسب الوعد الإلهيّ، أُخبر المسلمون أنّهم سينتصرون على جماعة من الكافرين. وقد كان ذلك في السنة الثانية للهجرة. كانت القافلة، المحمّلة بأمتعة وبضائع قريش، قادمة من الشام إلى المدينة، لتعبر أطراف المدينة نحو مكّة. وبمجرّد أن اتّضح لكفّار قريش تهديد أبطال ومجاهدي العرب والمسلمين، حتّى أرسلت قوّات مسلّحة إلى المدينة للدّفاع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

28

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 عن متاعها وبضائعها. كان المسلمون يميلون أكثر لإيقاف القافلة المحمّلة بالثّروة والمتاع، الّتي لم يكن لديها أيّ دفاعٍ يُذكر. أمّا حكم الله فقد قضى بأن يذهبوا لمواجهة القوّات المسلّحة لكفّار قريش، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾1. كان المسلمون يعلمون أنّهم سينتصرون في هذه المواجهة ولكنّهم لم يكونوا يعلمون بأنّ ذلك سيكون على قوّات قريش المسلّحة، بل كانوا يظنّون أنّ انتصارهم سيكون على هذه القافلة التجارية العائدة من الشام. ولكنّ النبيّ بدّل طريقهم وأخذهم نحو المواجهة، العسكريّة، فعبرت القافلة، لكنّ المسلمين التقوا بالكفّار في محلّةٍ تُدعى بدرًا. فماذا كانت العلّة من تبديل الله تعالى طريق المسلمين من مواجهة مع القافلة إلى مواجهة مع القوّات المسلحّة؟ السبب هو أنّ المسلمين كانوا يرون ما هو قريب، وكانت إرادة الله ومشيئته تريد هدفًا بعيدًا، ﴿وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾2. فإنّ الله تعالى أراد أن يعمّ الحقّ هذا العالم، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾3، وأراد أن يزهق الباطل، الّذي هو بطبيعته زاهق. ألم يكن من المقرّر أن يقوم الإسلام بالقضاء على جميع القوى والسلطنات الشيطانية والطاغوتية؟ ألم يكن من المقرّر أن تصبح الأمّة الإسلاميّة ﴿شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾4؟ ألم يكن من المقرّر أن ترتفع راية الإسلام خفّاقةً على قمم الإنسانيّة والبشريّة؟ فمتى يكون ذلك؟ وكيف؟ وعن أيّة طريقٍ؟


لقد كان المسلمون في ذلك الوقت يُفكّرون في أنفسهم أنّهم لو صادروا هذه القافلة الثرية، وحصلوا على بعض المال، فإنّ الإسلام الفتيّ سوف يقوى. كانوا يُفكّرون بشكلٍ صحيح، لكن كان الفكر الأرقى والأكثر قيمةً في محلٍّ آخر. الفكر الأرقى هو أنّنا نحن المسلمون الّذين نحيط بالنبيّ اليوم، قد وصلنا إلى حدٍّ يُمكننا أن نُرسّخ فكرنا وطريقنا في المجتمعات المستضعَفة المحرومة، وفي وسط عوالم الظلام والظلمانية، ففي هذا الحوض من المياه ما يمكّنه من التدفّق لإرواء كلّ هذه الغرسات والأشجار والأراضي الميتة واليابسة، هذه هي الفكرة الأرقى.
 

1- سورة الأنفال، الآية 7.
2- سورة الأنفال، الآية 7.
3- سورة الأنفال، الآية 8.
4- سورة البقرة، الآية 143.
 
 
 
 
 
46

29

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 فإذا كان من المقرّر أن يصل الإسلام إلى النصر الواقعيّ، وإذا كان من المقرّر أن تتحرّك هذه النواة الجليلة للإسلام نحو المناطق المستضعَفة، وإذا كان من المقرّر أن تتساقط قصور الظلم والجور واحدًا بعد الآخر، فينبغي أن يبدأ ذلك من مكانٍ ما. لم يكن المسلم المخلص المحبّ في صدر الإسلام يعلم من أين يبدأ، فعلّمه الله تعالى ذلك وهيّأ له، أخرجه الله تعالى من أجل مصادرة بضائع قريش ليجرّه إلى معركةٍ لم يردها، فيتحقّق بذلك، مع قلةّ العتاد، لكن مع الإيمان الراسخ، تراجع العدوّ القهقري، وفتح الطريق أمام سيلان وجريان وتقدّم ونفوذ قوّة الحقّ وثبات طريقه. فلكي يفهم العدوّ أنّ الإسلام موجودٌ، يجب أن يأخذه على محمل الجدّ، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾1. لقد جعلناكم أيّها المسلمون في مواجهة الجيش الجرّار للعدوّ من دون أن تريدوا ذلك، وذلك من أجل أن توجّهوا قبضتكم نحوه، فتظهر قدرة الله أمام ناظريه.


2- معركة أُحد:
بعد أن كان النّصر الإلهيّ في معركة بدر، بفضل الله ورحمته، وبهمّة المسلمين، من نصيب مجاهدي الإسلام، فإنّه لم يكن متوقَّعاً من العدوّ أن يُقلع عن عداوته بهذه السرعة، ولذلك بدأ بالتخطيط لمعركة أُحد. 

وفي معركة أُحد كان الأمر في البداية لصالح المسلمين بسبب اتّحادهم وتوافقهم، واستطاعوا في البداية أن يهزموا المشركين، ولكن بعد أن حصلوا على النصر بسرعة، فإنّ أولئك الـ 50 رجلًا الذين أُمروا بحفظ منفذ الجبل من أيدي العدوّ، ومن أجل أن لا يتخلّفوا عن جمع الغنائم، تركوا مهمّتهم ولحقوا بالمسلمين الّذين كانوا بدورهم مشغولين بجمع الغنائم. بقي عشرة أشخاص فقط من المسلمين عند ذلك الجبل، وأدّوا ما عليهم، لكنّ العدوّ اغتنم هذه الفرصة والتفّ عليهم من خلف الجبل، وهجم على المسلمين من الشقّ والمنفذ الذي لم يكن عليه ما يكفي من الحرس. وقد دفع المسلمون ثمنًا باهظًا بسبب هذا الهجوم، لم يُهزم الإسلام، ولكنّ انتصاره تأخّر، بالإضافة إلى خسارة أبطالٍ شجعان وأعزّاء في هذا الطريق، كحمزة سيّد الشهداء. والله تعالى يدعو المسلمين إلى الاعتبار
 

1- سورة الأنفال، الآية 8.
 
 
 
 
 
 
 
 
47

30

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 والتأمّل، فيقول لهم: إنّنا صدقنا وعدنا وقلنا إنّكم ستنتصرون على العدوّ، وقد انتصرتم. بعد أن ظهرت فيكم تلك الحالات وتلك الخصال الثّلاث، تلقّيتم الضربة. وتلك الخصال الثلاث هي عبارة عن:

أوّلًا: ﴿فَشِلْتُمْ﴾، أي ضعفتم وفقدتم حماسكم وجهوزيّتكم وثباتكم وإقدامكم.
ثانيًا: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾، فشققتم وحدة الكلمة والصفّ.
ثالثًا: ﴿وَعَصَيْتُم﴾1، فتخلّفتم عن أوامر الرسول والقائد وأولئك الّذين كانوا مسؤولين عن إدارة أموركم.

فهذه الصفات الثلاث الّتي ظهرت فيكم أعطت العدّو الفرصة ليلتفّ عليكم ويوجّه لكم ضربة، وليسقط أعزّ أبناء الإسلام مضرَّجين بدمائهم، بالغين بذلك مقام الشهادة والمفاخر، وليخسر العالم الإسلاميّ بسبب هذا الأمر أمثال هذه الشّخصيّة.

3- معركة الخندق:
كانت معركة الخندق آخر المعارك الّتي شُنّت ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهي واحدة من أهمّها، حيث استجمع كفّار مكّة كلّ قواهم، واستعانوا بالآخرين أيضًا، وقالوا فلنذهب ونقتل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبضع مئات من أنصاره المقرَّبين، وننهب المدينة ونرجع مطمئنّين، ولن يبقى بعدها عينٌ ولا أثر للنبيّ ومَن معه. وقبل أن يصلوا إلى المدينة، كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بالأمر، فبادر إلى حفر خندق عرضه أربعون مترًا تقريبًا من الجّهة الّتي يسهل اختراقها. كان ذلك في شهر رمضان، وكان المناخ قارس البرودة، كما تنقل الروايات، ولم يهطل المطر ذلك العام، من هنا فقد عمّ الجدبُ وعانى النّاس من المصاعب. كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر النّاس عملًا في حفر الخندق، فحيثما وقعت عيناه على من أعياه العمل وأصابه الإرهاق ولم يعد قادرًا على مواصلة العمل، كان صلى الله عليه وآله وسلم يتناول معوله ويمارس العمل المقرّر إنجازه عنه، فلم يسجّل حضوره بإصدار الإيعازات فقط، بل كان يحضر بشخصه وسط جموع النّاس. جاء الكفّار مقابل الخندق، ولمّا أدركوا عجزهم، أصيبوا بالإحباط والهزيمة، وافتُضح أمرهم، فأُجبروا على التّراجع. عندها نادى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الأمر قد انتهى. وهذه كانت آخر المعارك الّتي شنّها كفّار مكّة ضدّ المسلمين، وقد جاء دور المسلمين للتوجّه نحو مكّة وملاحقة الكفّار..
 

1- سورة آل عمران، الآية 152.
 
 
 
 
 
 
 
48

31

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 4- فتح مكة:

بعد عام من تلك الواقعة، أراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التوجّه إلى مكّة لأداء العمرة، وأثناء ذلك وقع صلح الحديبية الغنيّ بالمعاني والأهداف. وكان مسير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكّة في شهر محرّم الحرام - حيث كانوا يُحرّمون فيه القتال - فأصبح المكيّون في حيرة من أمرهم، ما عساهم صانعين، أيسمحون له بالتقدّم في مسيره؟ وماذا سيفعلون إزاء نجاحه هذا؟ وكيف يواجهونه؟ أيقاتلونه وهم في شهر محرّم؟ وكيف يقاتلونه؟ وأخيرًا قرّروا عدم السّماح له بالمجيء إلى مكّة، وإبادته هو وأصحابه إن وجدوا لذلك مبرّرًا. تميّز تصرّف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأسمى درجات التدبير، حيث قام بما دفعهم لأن يُبرِموا معه صلحًا يقضي بأن يعود إلى المدينة، على أن يأتي في العام القادم لأداء العمرة. وتوفّرت الظّروف جميعها أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أجل التّبليغ في كلّ أرجاء المنطقة، وفُتحت أمامه الأبواب. كــان ذلك صلحًا، بيد أنّ الباري تعالــى يُصرّح فــي كتابه بالقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾1. ومن يُراجع مصادر التاريخ الصحيحة والموثّقة يُدهشه كثيرًا ما جرى في واقعة صلح الحديبية. وفي العام التالي توجّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأداء العمرة، ورغم أنوفهم أخذت شوكته تزداد قوّة يومًا بعد يوم. ولمّا نقض الكفّار العهد في العام اللاحق ــ أي العام الثامن للهجرة ــ تقدّم نحوهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفتح مكّة، فكان فتحًا عظيمًا يُنبئ عن اقتدار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتمكّنه. وتأسيسًا على ذلك، فقد اتّسم تعامل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع هذا العدوّ بالتدبير والاقتدار والتأنّي والصبر، بعيدًا عن الارتباك، ولم يتراجع أمامه، ولو خطوة واحدة، بل كان يتقدّم نحوه يومًا بعد يوم وآنًا بعد آن.

المرحلة الثالثة : إكمال بناء النظام، وضمان استمراريّته
وتتّضح معالم هذه المرحلة من خلال وقائع ومجريات حجة الوداع وحادثة يوم الغدير:
1- حجة الوداع:
ما جرى هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي السّنة العاشرة للهجرة، توجّه إلى الحجّ مع جمعٍ من مسلمي المدينة وسائر مناطق الجزيرة العربية الّتي أسلمت، وفي هذا السفر استفاد النبيّ الأكرم من حجّ بيت الله في بيان المفاهيم الإسلاميّة، سواء على المستوى السياسيّ
 

1- سورة الفتح، الآية 1.
 
 
 
 
 
 
 
 
49

32

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 أو العسكريّ أو الأخلاقيّ أو العقائديّ، استفادةً كاملة وجديرة بالذّكر، وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبتان: إحداهما، على الظاهر، في اليوم العاشر(من ذي الحجة) أو في يوم قريبٍ منه، والأخرى في نهاية أيّام التشريق1. وعلى ما يبدو أنّهما كانتا خطبتين لا خطبةً واحدة. في هاتين الخطبتين، بيّن رسول الله جميع المسائل الأساس الّتي ينبغي أن يلتفت إليها المسلمون بعمق، وهي في الأساس قضايا سياسيّة. ويُدرك الإنسان جيّدًا كم أنّ أولئك الّذين يفصلون بين الحجّ والقضايا السّياسيّة في العالم الإسلاميّ اليوم، ويتصوّرون أنّ الحجّ ينبغي أن يكون عبادةً فقط، بالمعنى الرائج والعاديّ، وأنّ كلّ عملٍ سياسيّ هو عملٌ خارج عن نطاق الحجّ، كم أنّهم غرباء وبعيدون عن تاريخ الإسلام وعن سيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.


ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هاتين الخطبتين من مسائل، قد ذُكرت في بعض كتب الشّيعة والسنّة بالإجمال، وهي: 
أ- الجهاد: طرح (الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) قضيّة الجهاد ضدّ المشركين والكفّار، وأعلن أنّ الجهاد سيستمرّ حتّى تنتشر كلمة لا إله إلا الله في العالم كلّه. وبشأن الوحدة الإسلاميّة، بيّن رسول الله في هاتين الخطبتين عدّة مطالب، وصرّح أنّ على المسلمين أن لا يقتتلوا فيما بينهم، وأكّد على وحدة المسلمين وانسجامهم.

ب- رفض القيم الجاهليّة: صرّح صلى الله عليه وآله وسلم بكلامٍ واضحٍ أنّ هذه القيم بنظر الإسلام هي لا شيء ولا قيمة لها، "ألا إنّ كلّ مالٍ ومأثرةٍ ودمٍ يُدّعى تحت قدَميَّ هاتين"2، فقد تبرّأ من القيم الجاهليّة بالكامل. وكلّ الخلافات الماليّة الّتي كانت بين المسلمين من أيّام الجاهليّة، كأن يكون أحدهم قد أقرض أخاه وله عليه ربا، فإنّه أصبح منسوخًا، "ألا وكلّ ربا كان في الجاهليّة فهو موضوع، وأول موضوع منه ربا عمّي العبّاس"3، الّذي كان قد أقرض في الجاهليّة كثيرين، وله عليهم ربا، فقد أعلن النبيّ أنّه رفعه ونسخه. 

ج- التأكيد على قيمة التقوى: (أكد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على قيمة التقوى) كأعلى قيمة
 

1- يُطلق هذا الاسم على الأيّام من 11 إلى 13 من شهر ذي الحجة. ويطلق عليها في القرآن أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ- ، سورة البقرة، الآية 203.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج21، ص105.
3- م.ن، ج37، ص 113.
 
 
 
 
 
 
50

33

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 إسلامية، وصرّح أنّه لا فضل لأحدٍ على أحد إلا بالتّقوى. وبيّن ضرورة النصيحة لأئمّة المسلمين، أي التدخّل في القضايا السّياسيّة، وإبداء الرأي للحكّام والأئمّة، وجعل ذلك كفريضة، حيث يجب على جميع المسلمين أن يُسْدوا للحكّام الإسلاميّين نصيحتهم وآراءهم النافعة.


د- بيان حديث الثقلين وقضية العترة: وهو حديث قال فيه: "إنّي قد تركتُ فيكم أمرين (نفيسين)، لن تضلّوا بعدي ما إن تمسّكتم بهما: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير قد عهد إليّ أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، كهاتين (السبابتين)، وجمع بين مسبِّحتيه، ولا أقول كهاتين وجمع بين المسبّحة والوسطى، فتسبق إحداهما الأخرى، فتمسّكوا بهما..."1. وقد عرض قضية العترة.

2- واقعة الغدير:
تعتبر واقعة الغدير من أهم الدلائل على حرص الرسول الأكرم واهتمامه باستمرارية النظام الإسلاميّ وحفظه:
أ- أحداث الواقعة:
بعد إنهاء أعمال الحجّ، توجّه مباشرةً إلى المدينة. وأثناء الطريق، وعلى مفترق ثلاثة طرق، حيث كان ينبغي أن تفترق القوافل اليمنيّة عن قوافل المدينة، وقف صلى الله عليه وآله وسلم في محلّةٍ يُقال لها "غدير خم"، وكما نقل الشاهد والحاضر، أنّ الحرارة كانت شديدة إلى درجة أنّه لو وضعوا قطعة لحمٍ على الأرض لشُويت. في مثل هذه الحال، وقف صلى الله عليه وآله وسلم على مرتفَعٍ ونادى في النّاس، وعندما رأى الجميع، أعلن قضية الولاية، "من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه"2، وأخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام ورفعها حتّى يراها الجميع. وفي رواياتٍ عديدة نُقل أنّه شوهد بياض إبطي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ بن أبي طالب عليه السلام، عندما رفع يده من أجل أن يظهر الأمر للنّاس جميعًا، هذه هي الواقعة في الإجمال.
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص 415.
2- م.ن، ج1، ص420.
 
 
 
 
 
 
51

34

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 ب- أبعاد واقعة الغدير:

إنّ واقعة غدير خم هي واقعة مصيريّة ومهمّة جدًّا في تاريخ الإسلام. ويُمكن النّظر إليها من حيثيّتين أو بعدين: الأوّل يختصّ بالشّيعة، والثاني يرتبط بجميع الفرق الإسلاميّة. وبالنظر إلى البعد الثاني لهذه الواقعة، يجب إيجاد هذه الرّوحيّة وهذا الشّعور عند جميع مسلمي العالم، وهو أنّ عيد الغدير الّذي يُذكّر بهذه الواقعة الكبرى ليس مختصًّا بالشّيعة.

- البعد الأوّل : البعد المختص بالشيعة: 
يختصّ بالشّيعة، لأنّ أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الواقعة قد نُصّب للخلافة من قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وفي ذلك اليوم وفي تلك الواقعة سُئل رسول الله: يا رسول الله، هل إنّ إعلانك هذا هو من نفسك أو من الله؟ فقال: "من الله ورسوله"1، أي إنّه أمرٌ إلهيّ، وكذلك هو منّي. فالشّيعة تُعظّم هذه الواقعة من هذه الجهة، لأنّ اعتقادهم بأنّ الخلافة المباشرة هي لأمير المؤمنين عليه السلام وترتبط بهذه الواقعة أكثر من سائر الدلائل. بالطّبع، إنّ البحث في مجال الاستنباط والاستدلال على هذه الواقعة في الكتب الكثيرة والمتنوّعة على مرّ تاريخ الإسلام، قد استمرّ من اليوم الأوّل وإلى يومنا هذا. ولا أنوي هنا أن أُضيف شيئًا على ما كتبْته وذكرْته آلاف الألسنة والأقلام بشأن هذا المطلب.

- البعد الثاني: البعد المشترك بين المسلمين:
(وهو) لا يقلّ أهمّية عن البعد الأوّل، فهو أمرٌ مشتركٌ بين الشّيعة والسنّة.

إنّ البُعد الّذي هو مورد نظري، البعد الدّوليّ الإسلاميّ والمتعلّق بالفرق الإسلاميّة الّتي لا تنحصر بالشّيعة، هو أنّه لو فرضنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الإعلان، الّذي حصل حتمًا، وقد صدر عنه هذا الكلام، لو فرضنا أنّه لم يُرد أن يُبيّن أنّ خليفته المباشر هو أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه بالحدّ الأدنى أراد أن يُثبّت الولاء والرّابطة العميقة للمسلمين مع أمير المؤمنين عليه السلام وعترته. والسبب في أنّ النبيّ قرن عترته بالقرآن، سواء في خطبة منى أو في حديث الثقلين ـ وعلى ما يبدو أنّ هذا الحديث قد صدر عن النبيّ عدّة مرّات -
 

1- الطبرسيّ، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، تحقيق وتصحيح محمد باقر الخرسان، نشر المرتضى، مشهد، الطبعة الأولى، 1403هـ، ج1، ص 82.
 
 
 
 
 
52

35

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 وأيضًا في حديث الغدير وفي هذه الواقعة - الّتي يُركّز فيها على أمير المؤمنين عليه السلام وشخصه، إنّه أراد أن يُثبّت هذه الرابطة من أجل أن يُظهر للنّاس، وعلى مرّ الزمان، نماذج كاملة للإنسان الّذي يريده الإسلام، ويكون ذلك لجميع الأجيال الآتية. فيجعل النموذج الكامل للإنسان بصورة مجسّمة وعينية بحالاته الواضحة الّتي لا شكّ فيها أمام أعين جميع البشر، وليقول إنّ التربية الإسلاميّة ينبغي أن تكون في هذا الاتّجاه، وإنّ شخصّية الإنسان المسلم هي تلك الشّخصيّة الّتي تجعل غايتها ونموذجها هذا الإنسان الكامل.


هؤلاء الّذين كانت طهارتهم وعلومهم وتقواهم وصلاحهم وعبوديتهم لله، واطّلاعهم على القضايا الإسلاميّة، وتضحيتهم وشجاعتهم من أجل تحقّق الأهداف والقيم الإسلاميّة، وإيثارهم واضحٌ بيّنٌ للجميع. لقد تمّ تعريف أمير المؤمنين عليه السلام كأنموذج يمكن للنّاس أن يرتبطوا به، سواء كان في ذلك الزّمان أو في الأزمان الآتية. وهنا، وإن لم تتحقّق الخلافة المباشرة عمليًّا إلّا بعد مرور 25 سنة، فإنّه في النّهاية صار خليفة النبيّ، وثبّت مقام إمامته، وقبل به جميع المسلمين، كفردٍ، إمامًا للمجتمع. هذه الخصوصيّة، وهذه الرّابطة الموجودة عند جميع المسلمين مع هذه الشّخصيّة، الّتي يقبل الجميع أنّها خليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلّ ما هنالك أنّ بعض النّاس يقول إنّه الخليفة المباشر، وبعض يعتقد بخلاف ذلك، وإنه خليفة بعد 25 سنة ـ هذه الشّخصيّة الّتي يقبل جميع المسلمين بها على أنّها خليفة، يجب أن تكون لجميع المسلمين أنموذجًا خالدًا وقدوةً كاملة للإنسان الإسلاميّ. ويجب أن تبقى هذه الرابطة بينه وبين جميع المسلمين وإلى الأبد كرابطة فكريّة واعتقاديّة وعاطفيّة وعمليّة.

فمن هذه النّاحية، لا يختصّ أمير المؤمنين عليه السلام بالشّيعة، بل هو لجميع المسلمين. كما أنّ هذا الكلام لا يختصّ بأمير المؤمنين عليه السلام، بل يشمل العترة الشّريفة وأئمّة الشّيعة الّذين هم من أولاده، الّذين هم أيضًا من العترة، والّذين يجب أن يبقوا دائمًا كنماذج كاملة للإنسان الإسلاميّ في أعين المسلمين. هذه قضية.

وبجعل العترة إلى جانب القرآن، وبالإعلان عن ضرورة الارتباط بين المسلمين والعترة، بيّن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الحقيقة الموقفَ تجاه كلّ أنواع التّحريف الّذي سيتعرّض له القرآن، والانحراف عن المفاهيم القرآنيّة الأساس. فحينما تقوم الأجهزة الجائرة بتحريف المفاهيم الإسلاميّة من أجل منافعها، وتُسيء إلى معاني القرآن، وتُفسّر القرآن بصورةٍ
 
 
 
 
 
 
 
 
53

36

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 خاطئة، وتُضلّ المسلمين وتحرمهم من فهم الدّين الإسلاميّ، فإنّ ذاك المرجع والمحور والقطب، الّذي ينبغي أن يوعّي النّاس حول الحقيقة والمفاهيم والمعارف الصحيحة، ويُنجّي النّاس من الضلالة، وعليهم أن يستمعوا له، هو العترة الطاهرة.


وهذا هو الأمر الّذي يُعدّ اليوم بالنسبة للعالم الإسلاميّ ضرورة ومطلبًا لازمًا. يحتاج جميع المسلمين اليوم أن ينهلوا المعارف الإسلاميّة عن طريق أهل بيت النبيّ، دون فرق بين أن يكونوا معتقدين بأنّ الإمامة المباشرة هي لأمير المؤمنين ولأولاده أو لا. وبالطّبع، فإنّ الشّيعة يعتبرون بأنّ العقيدة الحقّة والاستفادة القطعية من هذا الحديث هي الخلافة المباشرة، فهم يعتقدون بذلك ويتمّسكون به. والّذين لا يعتقدون بذلك ولا يتمسّكون به - أي الإخوان من أهل السنّة - لا ينبغي أن يقطعوا رابطتهم الفكريّة والعقلانيّة والاعتقاديّة والعاطفيّة بالعترة وبأمير المؤمنين عليه السلام. لهذا فإنّ قضية الغدير من هذا البعد الثاني، الّذي هو بعد إيجاد الرّابطة بين عليّ بن أبي طالب وعترة النبيّ من جهة وبين جميع المسلمين من جهة ثانية، هي قضيّة لجميع المسلمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

37

الدرس الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3)

 المفاهيم الرئيسة


1- كان في مكة الكرّمة مجموعة من الزعامات، وهم كفار قريش، وبعض الزعامات الأخرى، التي عملت على مواجهة ومعاداة دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على علمٍ بأنّهم يشكّلون خطرًا جسيمًا، فبادرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجوم، وكانت المعارك الثلاث: بدر وأحد والخندق، وفتح مكة المكرّمة.

2- وقعت معركة بدر في السنة الثانية للهجرة، وبحسب الوعد الإلهيّ انتصر المسلمون ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾1.

3- لم يُهزم الإسلام في معركة أُحد، ولكنْ تأخّر النصر للأسباب الآتية: ﴿فَشِلْتُمْ﴾، أي ضعفتم وفقدتم حماسكم وجهوزيّتكم وثباتكم وإقدامكم، و﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾، فشققتم وحدة الكلمة والصفّ، و﴿وَعَصَيْتُم﴾2، فتخلّفتم عن أوامر الرسول والقائد وأولئك الّذين كانوا مسؤولين عن إدارة أموركم.

4- كانت معركة الخندق آخر المعارك الّتي شُنّت ضدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث استجمع كفّار مكّة قواهم كلّها، وبادر صلى الله عليه وآله وسلم إلى حفر خندق. وأصيب الكافرون بالإحباط والهزيمة، وافتُضح أمرهم، فأُجبروا على التّراجع.

5- قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعقد صلح يقضي بأن يعود إلى المدينة، على أن يأتي في العام القادم إلى مكة لأداء العمرة. وتوفّرت الظّروف جميعها أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من أجل التّبليغ في كلّ أرجاء المنطقة، فكان فتح مكة.

6- المرحلة الثالثة من مراحل إقامة النظام الإسلاميّ تتمثل بإكمال بناء النظام، وضمان استمراريته، وتتّضح معالم هذه المرحلة من خلال وقائع ومجريات حجة الوداع وحادثة يوم الغدير.
 

1- سورة الأنفال، الآية 7. 
2- سورة آل عمران، الآية 152.
 
 
 
 
 
 
 
55

38

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يميّز بين مفهوم الإمامة في نظر مسلمي القرن الأوَّل والثاني للهجرة، وبين مفهوم الإمامة في الفكر الشيعيّ.
2- يُدرك أنَّ جهاد الأئمة عليهم السلام مسألة بديهية.
3- يشرح الهدف الأساس لجهاد الأئمّة عليهم السلام، ويبيّن مراحل المسيرة الجهادية للأئمة عليهم السلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
57

39

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 الإمامة في الفكر الإسلاميّ

إنّ كلمة "الإمامة" الّتي تعني في الأصل القيادة بمعناها المطلق، غالبًا ما تُطلق في الفكر الإسلاميّ على مصداقها الخاصّ، وهو القيـادة في الشّؤون الاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة. وأينما وردت في القرآن مشتقّات لكلمة الإمامة، كإمام وأئمّة، يُراد بها هذا المعنى الخاصّ، أي قيادة الأمّة وقدوتها. سواءً القيادة الفكريّة أو القيادة السّياسيّة، أو الاثنين معًا. 

بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الانشقاق الفكريّ والسياسيّ بين المسلمين، واتّخذت كلمة الإمامة والإمام (مفهوماً) ومكانة خاصّة:
1- مفهوم الإمامة في نظر مسلمي القرن الأوَّل والثاني للهجرة:
كان لكلمة الإمامة في البداية مدلولها السياسيّ أكثر من أيّ مدلولٍ آخر، ثمّ انضمّت إليها بالتدريج معانٍ أخرى، حتّى أصبحت مسألة "الإمامة" تُشكّل في القرن الثاني الهجريّ أهمّ مسائل المدارس الكلاميّة ذات الاتّجاهات الفكريّة المختلفة، وكانت هذه المدارس تطرح آراءها بشأن شروط الإمام وخصائصه، أي شروط الحاكم في المجتمع الإسلاميّ، وهو معنًى سياسيّ للإمامة. في هذه القضيّة، جرت العادة أن يتمّ الحديث عن شروط وخصائص الإمام , أي حاكم المجتمع وزعيمه , وكان لكلّ فرقة في هذا المجال عقيدة وكلام.

2- مفهوم الإمامة في الفكر الشيعيّ:
يرى أتباع مدرسة التشيّع أنّها (الإمامة من) أكثر القضايا الفكريّة الإسلاميّة أصالةً , وتتلخّص نظريّة هذه المدرسة بشأن الإمام بما يلي:
يجب أن يكون الإمام والزعيم السياسيّ في المجتمع الإسلاميّ منصوبًا من الله، بإعلانٍ
 
 
 
 
 
 
 
59

 


40

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 من النبيّ، وأن يكون قائدًا فكريًّا ومفسّرًا للقرآن وعالمًا بكلّ دقائق الدّين ورموزه، وأن يكون معصومًا مبرأً من كلّ عيب خَلقيّ وأخلاقيّ وسببيّ، ويجب أن يكون من سلالة طاهرة ونقيّة،....


وبذلك فإنّ الإمامة في عُرف مسلمي القرن الأوّل والثاني كانت تعني القيادة السّياسيّة، وفي العرف الخاصّ بأتباع أهل البيت، تعني، إضافةً إلى القيادة السّياسيّة، القيادة الفكريّة والأخلاقيّة أيضًا.

فالشّيعة تعترف بإمامة الفرد حين يكون ذلك الفرد متمتّعًا بخصائص هي ـ إضافةً إلى مقدرته على إدارة الأمور الاجتماعيّة ـ مقدرته على التّوجيه والإرشاد والتّعليم في الحقل الفكريّ والدينيّ، والتزكية الأخلاقيّة. وما لم تتوفّر فيه هذه المقدرة، لا يمكن أن يُعترف به كإمام بحقّ. وفي نظرهم، لا يكفي حسن الإدارة السّياسيّة والاقتدار العسكريّ، والصّلاح وفتح البلدان، وأمثالها من الخصائص.

إذاً، بناءً على فهم الشّيعة للإمامة، فإنّ إمام أيّ مجتمع هو تلك القدرة الفائقة الّتي توجّه وتقود الحركة الجمعيّة والفرديّة لأبناء المجتمع، وفي الوقت نفسه يكون معلّم الدين والأخلاق، والموجّه لحياة النّاس ومساعيهم. ومن هنا، كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إمامًا أيضًا، لأنّه كان القائد الفكريّ والسياسيّ للمجتمع الّذي أقام بنفسه دعائمه. وبعد النبيّ، تحتاج الأمّة إلى إمام يخلفه ويتحمّل عبء مسؤوليّاته، (بما في ذلك المسؤوليّة السّياسيّة). ويعتقد الشّيعة أنّ النبيّ نصّ على خلافة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ تنتقل الإمامة من بعده إلى الأئمّة المعصومين من ولده. (ولأجل المزيد من التفاصيل والأدلّة ينبغي الرجوع إلى الكتب المتعلّقة بهذا المجال).

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ تداخل المهامّ الثّلاث للإمامة: القيادة السّياسيّة، والتعليم الدينيّ، والتهذيب الأخلاقيّ والرّوحيّ في الخلافة والحكومة الإسلاميّة، ناشئ من عدم وجود تفكيك بين هذه الجوانب الثّلاثة في المشروع الإسلاميّ للحياة البشريّة. فقيادة الأمّة يجب أن تشمل هذه الحقول الثّلاثة أيضًا. وبسبب هذه السّعة وهذه الشموليّة في مفهوم الإمامة لدى الشّيعة، كان لا بدّ أن يُعيَّن الإمام من قِبَل الله سبحانه.
 
 
 
 
 
 
 
 
60

41

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 (كما) إنّ مئات الروايات المتفرّقّة في الأبواب والكتب المختلفة1 تُصرّح أنّ مفهوم الإمام والإمامة في الثّقافة الشيعيّة ما هو إلّا القيادة وإدارة شؤون الأمّة المسلمة، وأنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام هم الأصحاب الحقيقيّون للحكومة. وتدلّ جميع هذه الروايات، بما لا يُبقي أيّ شكّ أو ترديد لأيّ باحثٍ منصف، على أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام في ادّعائهم الإمامة ذهبوا إلى ما هو أبعد من المقام الفكريّ والمعنويّ، ليُطالبوا بالحكومة أيضًا كحقٍّ ثابتٍ لهم. ودعوتهم على هذا النطاق الواسع الشامل إنّما هي دعوة لنضالٍ سياسيّ عسكريّ لتسلّم السّلطة2.


جهاد الأئمة عليهم السلام مسألة بديهية
لو تصوّر أحدٌ أنّه لم يكن للأئمّة، من الإمام السجّاد إلى الإمام العسكريّ عليه السلام، سوى ذكر أحكام الدّين ومعارفه، وأنّه لم يكن لهم أيّ نوع من الجهاد السياسيّ بما يتناسب مع زمانهم، فإنّه حتمًا لا يكون قد حقّق غورًا كافيًا في حياة هؤلاء العظماء. فهذا ما يبرز بوضوح من أحوال هؤلاء العظماء. وفي الأساس لا يمكن قبول معنى الإمامة في الإسلام وفي الفلسفة الّتي يطرحها الشّيعة حولها سوى من هذه الطّريق، وبما يتناسب معها. وحتّى لو لم يكن لدينا دليلٌ واضحٌ على جهاد الأئمّة، ينبغي أن نعتقد أنّه، وإن لم يكن لدينا علم، ولم يصلنا، فإنّهم كانوا يجاهدون. ولا يمكن أن نعلم بوجود معنًى للإمامة على هذا النّحو في ثقافة الإسلام، ليس فقط في ثقافة التشيّع، وأن نكون معتقدين به، وفي الوقت نفسه نقبل مثلًا بأنّ أئمّتنا عليهم السلام جلسوا في بيوتهم طيلة المئة والخمسين سنة أو أكثر، ووضعوا كفًّا على كف، وشغلوا أنفسهم ببيان أحكام القرآن والمعارف الإسلاميّة دون أن يكون لهم أيّ مواجهة سياسيّة، فمثل هذا الشيء ليس صحيحًا بأيّ شكلٍ من الأشكال. بالطبع، عندما نقول إنّ
 

1- في كتاب "الحجّة" من "الكافي" حديثٌ مفصّل عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يذكر فيه بالتفصيل ما يرتبط بمعرفة الإمام ووصف الإمام، ويتضمّن معاني عميقة ورائعة. من ذلك ما ورد بشأن الإمامة من أنّها: "منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء. إنّ الإمامة خلافة الله، وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومقام أميرالمؤمنين عليه السلام، وميراث الحسن والحسين عليهما السلام. إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين. إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السّامي، بالإمام تمام الصلاة والزّكاة والصيام والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف".
2- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص47 - 96.
 
 
 
 
 
 
 
 
61

42

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 الأئمّة جاهدوا، يجب علينا أن نلتفت إلى أنّ الجهاد يكون في كلّ زمانٍ بشكلٍ خاصّ. فأحيانًا يكون الجهاد من خلال العمل الثقافيّ والعلميّ والسياسيّ والتنظيميّ والحزبيّ، وتأسيس المنظّمات، وأحيانًا أخرى من خلال الأنشطة العسكريّة والقتال الظاهريّ. وفي كلّ زمانٍ جهادٌ بنحوٍ ما.


إشكال حول جهاد الأئمة عليهم السلام
من الممكن أن يُشْكل بعضٌ قائلًا: كيف كان الأئمّة عليهم السلام يُجاهدون ويُناضلون من أجل الإمساك بالحكومة، في حين أنّهم كانوا يعلمون بعلمهم الإلهيّ بأنّهم لن يصلوا إلى الحكومة؟ فمن المعلوم أنّ حياة الأئمّة عليهم السلام تدلّ على أنّهم لم يتمكّنوا من الوصول إلى الحكومة، ولم يُشكّلوا المجتمع والنّظام الإسلاميّ بحسب ما يرونه وبحسب تكليفهم، لكن كيف يُمكن للأئمّة أن يقوموا بهذا الأمر، مع أنّهم كانوا يعلمون، وقد اطّلعوا بواسطة الإلهام الإلهيّ على ذلك؟

والجواب عن هذه الفكرة: إنّ معرفة عدم الوصول إلى الهدف لا تمنع من أداء الوظيفة والتكليف. فعلى سبيل المثال نجد في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يعلم بهزيمة المسلمين في معركة أُحد، وكان يعلم أنّ أولئك الّذين وقفوا على كتف الجبل لن يصمدوا، وسوف تُحرّكهم أطماعهم نحو الغنائم. وكذلك عندما ذهب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطّائف من أجل هداية بني ثقيف، ولجأ إليهم من شرّ أهل مكّة، كان يعلم أنّهم سيستقبلونه بالحصى والحجارة، لقد رموه بالحجارة إلى درجة أنّ الدّم سال من ساقيه المباركتين، واضطُرّ إلى الرّجوع. والأئمّة عليهم السلام كانوا يعلمون ذلك كلّه. كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم أنّه سوف يُستشَهد في الواحد والعشرين من شهر رمضان، لكنّه في الوقت نفسه، وقبيل شهر رمضان، أقام معسكرًا كبيرًا خارج الكوفة من أجل أن يُكمل حربه على معاوية. لو كانت معرفة أمير المؤمنين عليه السلام موجبة لأن لا يعمل طبق المسار العاديّ، فلماذا نصب ذاك المخيّم؟! ولماذا جيّش الجيوش فأخرج النّاس إلى خارج الكوفة وجعلهم ينتظرون؟! لماذا؟! ما هي الفائدة؟! إنّ معرفة الأئمّة عليهم السلام بأنّهم لن يصلوا إلى الحكومة لا ينبغي أن تؤدّي إلى إيقاف مساعيهم، بل يجب السّعي والجهاد والقيام بكلّ ما ينبغي كشخصٍ لا يعلم ما ينتظره.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

43

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 الهدف الأساس لجهاد الأئمّة عليهم السلام

إنّ أهمّ شيء في حياة الأئمّة عليهم السلام هو عنصر الجهاد السياسيّ في بداية النصف الثاني من القرن الأوّل للهجرة، حينما امتزجت الخلافة الإسلاميّة، وبصورة علنيّة، بزخارف السلطنة والملكيّة، وتبدّلت الإمامة الإسلاميّة إلى حكومة ملكية جائرة. هناك شدّد أئمّة أهل البيت عليهم السلام نضالهم السياسيّ بما يتناسب مع الأوضاع والظّروف. وكان الهدف الأكبر لهذا النّضال هو تشكيل النّظام الإسلاميّ، وتأسيس الحكومة على أساس الإمامة. ولا شكّ بأنّ تبيين وتفسير الدّين بحسب الرؤية الخاصّة لأهل بيت الوحي، ورفع التّحريفات والتّفسيرات المغلوطة للمعارف الإسلاميّة والأحكام الدينيّة، كانت أيضًا هدفًا مهمًّا لجهاد أهل البيت عليهم السلام، إلّا أنّه طبق القرائن الحتميّة، لم يكن جهاد أهل البيت منحصرًا بهذه الأهداف، ولم يكن لديهم هدف أعظم من هدف "تشكيل الحكومة العلويّة" وتأسيس النّظام الإسلاميّ العادل. وإنّ أشدّ الصعاب التي واجهها الأئمّة وأنصارهم، في حياتهم المليئة بالمرارة والإيثار، كانت بسبب امتلاك مثل هذا الهدف.

مراحل المسيرة الجهادية للأئمة عليه السلام
ظهرت مسيرة الإمامة منذ اليوم الأوّل لرحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، واستمرّت حتّى عام وفاة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام في شهر ربيع الأوّل سنة 260 هـ، وسط مجتمع المسلمين. وطوت المسيرة، خلال هذه السنوات، أربع مراحل بصورة تقريبيّة، وكان لكلّ مرحلة خصائصها بلحاظ مواقف الأئمّة عليهم السلام، مقابل القوى السّياسيّة المهيمنة.

1- مرحلة السكوت أو مرحلة التّعاون مع الحكّام والسّلطات:
تميّزت هذه المرحلة بأنّ المجتمع الإسلاميّ الحديث الولادة والفتيّ كان محفوفًا بأعداءٍ مقتدرين، تربّصوا بالإسلام من الخارج، وبوجود عناصر من جماعات حديثة العهد بالإسلام، لا تتحمّل أن ترى تشتّتًا في المجتمع الإسلاميّ، وكلّ ثغرة في جسد الأمّة كانت تُشكّل تهديدًا لأساس المجتمع الإسلاميّ ووجوده. ومن جانبٍ آخر، لم يكن منحنى انحراف الواقع عن الحقيقة كبيرًا بحيث لم يعد قابلًا للتحمّل بالنسبة لشخص مثل أمير المؤمنين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

44

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 علي بن أبي طالب عليه السلام، الّذي هو أحرص النّاس على سلامة الرّسالة وسلامة المجتمع الإسلاميّ، وأكثرهم التزامًا بها، ولعلّ هذه الحالة الّتي حدثت في المجتمع الإسلاميّ هي الّتي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أوصى تلميذه الفذّ بالصبر عند وقوعها1.


لقد استوعبت هذه المرحلة، الّتي امتدت لـ خمسٍ وعشرين سنة، حياةَ الإمام عليّ عليه السلام، منذ وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عام 11 للهجرة حتّى تولّيه الخلافة سنة 35 للهجرة. وقد شرح الإمام موقفه في هذه المرحلة من خلال الكتاب الّذي وجّهه إلى أهالي مصر عبر مالك الأشتر، عندما ولاّه إمارتها، حيث جاء فيه: "فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا أو هدمًا تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم... فنهضت في تلك الأحداث"2.

إنّ حياة أمير المؤمنين عليه السلام في هذه السنوات الخمس والعشرين لهذه المرحلة، تحكي عن التدخّل الفعّال، والدّعم والعون الناتج من الحرص الكبير على الإسلام ومجتمع المسلمين. إنّ أجوبة وإرشادات هذا الإمام لخلفاء زمانه، فيما يتعلّق بالقضايا السّياسيّة والاجتماعيّة وغيرها، قد نُقلت في نهج البلاغة وغيره من كتب الحديث والتّاريخ، وهي شاهدة على عدم تردّده في هذا النهج.

2 - مرحلة تسلّم الحكم، ووصول الإمام إلى السّلطة:
وقد استغرقت (هذه المرحلة) أربعة أعوام وتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وبضعة أشهر من خلافة ولده الحسن عليه السلام. ورغم قصر هذه المرحلة، وما اكتنفته من آلام وهموم ومشاكل ومصاعب لا تُحصى ولا تنفكّ عادة عن كلّ حكومة ثوريّة، إلّا أنّها سجّلت أنصع الصفحات وأروعها في تاريخ الحكومة الإسلاميّة، بما قدّمته من طريقة إنسانيّة في التّعامل، ومن عدلٍ مطلق، والتزامٍ دقيق بأحكام الإسلام وبأبعاده المختلفة في إدارة المجتمع الإسلاميّ. هذا إلى جانب الحزم والصّراحة والجرأة في التّطبيق واتّخاذ المواقف.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج28، ص 210. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا علي، إن القوم نقضوا أمرك، واستبدّوا بها دونك، وعصوني فيك، فعليك بالصبر حتى يُنزِل الله الأمر، وإنهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك، فإن الأمّة ستغدر بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام من ربي تبارك وتعالى".
2- نهج البلاغة، ص 451.
 
 
 
 
 
 
 
 
64

45

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 إنّ هذه المرحلة من تاريخ الإمامة كانت النموذج الّذي دعا أئمّة أهل البيت عليهم السلام، خلال القرنين التاليين، إلى تطبيقه في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة، وسعوا على طريقه. وكان الشّيعة يذكرون مثل هذه الذكرى العظيمة ويتحسّرون عليها، ويندّدون بالأنظمة الّتي تلتها عند مقارنتها بها. في الوقت نفسه، كانت درسًا وتجربةً ملهمة يمكن أن تدلّ على وضع وأحوال أيّة حكومة ثوريّة وإسلاميّة صرفة داخل مجتمعٍ وجماعةٍ لم تتربَّ، أو انجرّت نحو الانحراف. ومنذ ذلك الوقت، كانت تُفرض الأساليب والمناهج البعيدة المدى والمتلازمة مع كلّ أنواع التربية الصعبة، والحزبيّة الشديدة على الأئمّة اللاحقين.


أ- مرحلة السّعي البنّاء القصير المدى لإيجاد الحكومة والنّظام الإسلاميّ:
هي الّتي استوعبت السّنوات العشرين بين صلح الإمام الحسن عليه السلام سنة41 هـ، وبين شهادة الإمام الحسين عليه السلام سنة 61 هـ. فبعد صلح الإمام الحسن عليه السلام، بدأ نوعٌ من العمل شبه السرّيّ للشّيعة، كان هدفه إعادة القيادة الإسلاميّة إلى عترة النبيّ في الفرصة المناسبة. وهذه الفرصة، ووفق الاستنتاج الطبيعيّ، لم تكن بعيدة المنال، وكان تحقّقها مأمولًا بعد انتهاء حياة معاوية الشرّيرة. لهذا، يمكن تسمية المرحلة الثالثة بـ "مرحلة السّعي البنّاء القصير المدى لإيجاد الحكومة والنّظام الإسلاميّ"1.

ب- مرحلة متابعة ذلك النّهج في برنامجٍ بعيد المدى: 
في زمنٍ قارب القرنين، شهد انتصاراتٍ وهزائم في مراحل مختلفة، وتلازم مع الانتصار القاطع في مجال العمل الأيديولوجيّ، وامتزج بمئات التكتيكات المتناسبة مع الزّمان، والمزيّنة بآلاف مظاهر الإخلاص والتضحية وعظمة الإنسان الّذي يريده الإسلام2.

وقد تمكّن الأئمّة عليهم السلام من تثبيت التشيّع وسط هذا الإعصار الشديد لهذه الأحداث بكلّ شجاعة وحكمة، كتيّارٍ صغيرٍ، لكنّه عميقٌ وقويٌّ وثابتٌ وسط تلك المعابر الشديدة والخطرة. ولم يتمكّن الحكّام الأمويّون والعبّاسيّون من القضاء على تيّار الإمامة بقتلهم الإمام. وقد بقي هذا الخنجر الحادّ دومًا في خاصرة أجهزة الحكم، ويقضّ مضاجعهم بشكل دائم.
 

1- في هذا المجال، قد بحثت، وضمن عدّة خطب، بشرح وتفصيل وذكر الوثائق والشواهد الكاتب - .
2- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص 16ــ 19.
 
 
 
 
 
 
 
 
65

46

الدرس الرابع: الإمامة والجهاد السياسيّ

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ كلمة "الإمامة" الّتي تعني في الأصل القيادة بمعناها المطلق، غالبًا ما تُطلق في الفكر الإسلاميّ على مصداقها الخاصّ، وهو القيـادة في الشّؤون الاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة.

2- بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الانشقاق الفكريّ والسياسيّ بين المسلمين، اتّخذت كلمة الإمامة والإمام (مفهوماً و) مكانة خاصّة، حيث تشكّلت في القرن الثاني الهجريّ أهمّ مسائل المدارس الكلاميّة ذات الاتّجاهات الفكريّة المختلفة.

3- كانت الإمامة في عُرف مسلمي القرن الأوّل والثاني تعني القيادة السّياسيّة، وفي العرف الخاصّ بأتباع أهل البيت عليهم السلام تعني، القيادة الفكريّة والأخلاقيّة والسياسية.

4- إنّ تداخل المهامّ الثّلاث للإمامة: القيادة السّياسيّة، والتعليم الدينيّ، والتهذيب الأخلاقيّ والرّوحيّ في الخلافة والحكومة الإسلاميّة، ناشئ من عدم وجود تفكيك بين هذه الجوانب الثّلاثة في المشروع الإسلاميّ للحياة البشريّة.

5- من الممكن أن يُشْكل بعضٌ قائلًا: كيف كان الأئمّة عليهم السلام يُجاهدون ويُناضلون من أجل الإمساك بالحكومة، في حين أنّهم كانوا يعلمون بعلمهم الإلهيّ بأنّهم لن يصلوا إلى الحكومة؟ والجواب عن هذه الفكرة: إنّ معرفة عدم الوصول إلى الهدف لا تمنع من أداء الوظيفة والتكليف.

6- إنّ أهمّ شيء في حياة الأئمّة عليهم السلام هو عنصر الجهاد السياسيّ في بداية النصف الثاني من القرن الأوّل للهجرة. وكان الهدف الأكبر لهذا النّضال هو تشكيل النّظام الإسلاميّ، وتأسيس الحكومة على أساس الإمامة.

7- مراحل المسيرة الجهادية للأئمة عليه السلام هي: مرحلة السكوت أو مرحلة التّعاون مع الحكّام والسّلطان، مرحلة تسلّم الحكم ووصول الإمام إلى السّلطة، مرحلة السّعي البنّاء القصير المدى لإيجاد الحكومة والنّظام الإسلاميّ، ومرحلة متابعة ذلك النّهج في برنامجٍ بعيد المدى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

47

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيِّن مَواطن الإيثار في حياة أمير المؤمنين عليه السلام.
2- يميّز بين حكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبين حكومة الإمام علي عليه السلام.
3- يشرح عناصر القدرة والمظلوميّة والنصر في حياة أمير المؤمنين عليه السلام.
 
 
 
 
 
 
67

48

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 مدرسة الإمام علي عليه السلام

إنّ وجود أمير المؤمنين عليه السلام يُعدّ درسًا خالدًا لا يُنسى لكلّ الأجيال البشريّة, من جهاتٍ عدّة، وفي الظّروف والأوضاع المختلفة، سواءٌ أفي عمله الفرديّ والشخصيّ أم في محراب عبادته أم في مناجاته أم في زهده أم في فنائه في ذكر الله أم في جهاده مع النفس والشّيطان والدوافع النفسانية والمادية، وفي جهاده لأجل رفع راية الحقّ وإقامة العدالة...فلو لم يكن أمثال عليّ بن أبي طالب عليه السلام لَما كان اليومَ مِن وجود لأيّ قيمة إنسانيّة، ولما كانت هذه العناوين الجذّابة للنّاس تمتلك أيّ جاذبية، ولما كان للبشر حياةٌ وحضارةٌ وثقافةٌ وآمالٌ وقيمٌ وأهدافٌ ساميةٌ، ولتبدّلت البشريّة إلى حيوانيّة وحشيّة وسبعيّة. فالبشريّة مدِينَة لأمير المؤمنين عليه السلام ولكلّ إنسانٍ بلغ من السموّ مرتبته في حفظ المفاهيم السّامية.

معرفة فضائل الإمام علي عليه السلام ومحبته أمرٌ مطلوب، لكنه غير كافٍ, إذ يجب علينا أن نُقرّب أنفسنا إلى مركز النّور، فلازم وخاصّيّة هذا التقرّب هو التنوّر. يجب علينا أن نُصبح نورانيّين من خلال العمل، لا بواسطة المحبّة الفارغة، العمل الّذي تُمليه علينا هذه المحبّة وتلك الولاية وذاك الإيمان، ويطلبه منّا، بهذا العمل يجب أن نُصبح من هذه العترة والمتعلّقين بها. إذ ليس من السهل أبدًا أن يصير المرء قنبرًا في بيت عليّ عليه السلام. ليس من السهل أن يصبح الإنسان "سلمان منّا أهل البيت"1. فالوصول إلى هذا المقام يستلزم العمل والإيثار والتشبّه والتخلّق بأخلاقهم.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج10، ص 123.
 
 
 
 
 
 
 
69

49

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 الإيثار ومواطنه في حياة أمير المؤمنين عليه السلام

يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾1, الآية الشّريفة نزلت في أمير المؤمنين. 

والآية تشير إلى أنّ من بين النّاس من يبيع نفسه ووجوده - الوجود الذي هو أعزّ ما عند الإنسان - هذا الرّأسمال العزيز الوحيد الّذي لا يُمكن جبرانه , بحيث أنَّك لو قدّمته لن يكون بعدها عنه بديل. فبعضٌ يُقدّم هذا الرأسمال وهذا الوجود دفعةً واحدة من أجل الحصول على رضا الله لا غير، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي﴾ أي يبيع نفسه ويُقدّم وجوده ﴿ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾، فلا يوجد أيّ هدفٍ آخر أو أيّ مقصدٍ دنيويّ أو أيّ دافعٍ ذاتيّ، بل فقط جلب رضا الله. وفي مقابل مثل هذا الإيثار وهذه التضحية، فإنّ الله لا يُمكن أن يكون من دون ردّ فعل مناسب: ﴿وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. فمصداق الإيثار الكامل هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. 

الناظر إلى تاريخ حياة أمير المؤمنين عليه السلام، منذ الطفولة، ومنذ ذلك الوقت الّذي كان فيه في سنّ التاسعة أو الحادية عشرة، يرى أنّه كان قد آمن بنبوّة الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأدرك الحقيقة بوعيٍ تامّ، وتمسّك بها، ومنذ تلك اللحظة وإلى حين لحظة محراب العبادة، سَحَر يوم التاسع عشر من شهر رمضان، قدّم نفسه في سبيل الله مسرورًا متشوّقاً إلى لقاء ربّه. فطوال هذه السّنوات الخمسين تقريبًا، أو أكثر، منذ سنّ العاشرة وحتى سن الثالثة والستين، يُلاحَظ أنّ هناك خطًّا واحدًا مستمرًّا يشرح ويُبيّن حياة أمير المؤمنين عليه السلام، وهو خطّ الإيثار. وفي كلّ القضايا الّتي مرّت عليه عليه السلام طيلة هذا التاريخ الممتدّ لـ خمسين سنة، تظهر علائم الإيثار من البداية وحتّى النّهاية:
1- خلال عهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
أ- في بداية الدعوة:
لقد تحمّل أمير المؤمنين الأذى والسخرية منذ بداية إيمانه بالنبيّ، وعندما كان ما زال في مرحلة الطّفولة. 

تصوّروا مدينةً يستخدم أهلها العنف بشكل طبيعيّ، ولم يكونوا متحضّرين ووقورين
 

1- سورة البقرة، الآية 207.
 
 
 
 
 
 
 
70

50

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 ولائقين. قومٌ يتشاجرون عند أدنى مسألة، وشديدوا التعصّب للعقائد الباطلة. في مثل ذلك المجتمع، طُرحت رسالة من إنسانٍ عظيم جعلت كلّ شيء في ذلك المجتمع مورد تشكيك، على مستوى العقائد والآداب والتقاليد، فمن الطبيعيّ أن ينهض الجميع، وبكلّ طبقاتهم، حتّى عوام النّاس، لمخالفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فحتّى يقوم شخص بالدّفاع عن هكذا إنسان، وعن هكذا رسالة، بكلّ وجوده، ويقوم باتّباعه، فإنّ ذلك يتطلّب نكران الذّات. وكانت هذه خطوة أمير المؤمنين الأولى في نكران الذّات.


ب- ليلة المبيت على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
وقف عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمدّة ثلاث عشرة سنة إلى جانب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أصعب المواطن. صحيحٌ أنّ هجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت اضطراريّة وتحت الضّغط المتواصل لقريش وأهل مكّة، لكنّها كانت ذات مستقبلٍ مشرق. فالجميع كان يعلم أنّ هذه الهجرة هي مقدّمة النّجاحات والانتصارات. هناك عندما تتجاوز أيّ نهضةٍ مرحلة المحنة لتدخل في مرحلة الرّاحة والعزّة، هناك عندما يكون الجميع منشغلًا، بحسب العادة، لكي يصلوا أسرع من غيرهم، علّهم يأخذون من المناصب الاجتماعيّة شيئًا، وينالون الموقعيّةً، في تلك اللحظة بالذّات، كان أمير المؤمنين عليه السلام مستعدًّا لأن ينام مكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه، في تلك الليلة المظلمة الحالكة، حتّى يتمكّن الرّسول من الخروج من منزله ومن هذه المدينة. في تلك الليلة، كان مقتل من ينام على ذاك الفراش أمرًا شبه قطعيّ، ومسلّمًا به. 

كوننا نحن نعلم ما حدث، ونعلم أنّ أمير المؤمنين لم يُقتل في تلك الحادثة، هذا لا يعني أنّ الجميع في تلك الأثناء كان يعلم ذلك، كلّا، فالقضيّة كانت أنّه في ليلةٍ حالكة، وفي لحظة معيّنة، كان من المقرّر أن يُقتل شخصٌ حتمّا. كان يُقال إنّه، ومن أجل أن يخرج هذا السيّد من هنا، ينبغي أن يكون هناك شخصٌ آخر مكانه حتّى يشعر الجواسيس، الّذين يُراقبون، بأنّه ما زال هناك، فمن هو المستعدّ لذلك؟ هذا هو إيثار أمير المؤمنين عليه السلام الّذي يُعدّ بذاته حادثةً استثنائية من حيث الأهمّية. لكنّ توقيت هذا الإيثار يزيد من أهميّته. ففي أيّ وقتٍ كان ذلك؟ في الوقت الذي كان متوقّعًا أنّ تصل فيه هذه المحنة إلى نهايتها، وأن يذهبوا لتشكيل الحكومة، وأن يكونوا مرتاحين، وأهل يثرب قد آمنوا وينتظرون النبيّ. الكلّ كان يعلم
 
 
 
 
 
 
 
 
71

51

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 ذلك. في مثل هذه اللحظة، يقوم أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الإيثار، فلا ينبغي أن يكون هناك أيّ دافعٍ شخصيّ في مثل هذا الإنسان، حتّى يقدم على مثل هذه الحركة العظيمة.


ت- في المعارك والحروب:
قدِم الإمام علي عليه السلام إلى المدينة مع بدأ المعارك والقتال المتواصل لحكومة النبيّ الفتيّة. فالمعارك والحروب كانت دائمة، هكذا كانت خاصيّة تلك الحكومة. كان هناك مواجهات دائمة، بدأت قبل معركة بدر، واستمرّت على مدى السنوات العشر تلك، وإلى آخر حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، خاض فيها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عشرات المعارك والمواجهات مع الكفّار، على مختلف أنواعهم وأقسامهم وشُعَبِهِم. وفي كلّ هذه المراحل، كان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرًا ليكون أوّل من يتصدّى، وأكثر النّاس تضحيةً وفداءً، واستعدادًا للموت بين يديّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما بيّنه أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، وأظهره التاريخ في جميع هذه المراحل والميادين المهولة: "ولقد واسيته بنفسي في المواطن الّتي تنكص فيها الأبطال وتتأخّر فيها الأقدام"1. وقف أمير المؤمنين عليه السلام إلى جانب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أشدّ اللحظات حرجًا، بينما كان بعض النّاس يُفكّر في نفسه وفي كيفية الحفاظ عليها، بحجّة أن يكون مفيدًا للإسلام فيما بعد. ولم يخدع أمير المؤمنين عليه السلام نفسه أبدًا بمثل هذه الحجج، ولم تكن نفسه السّامية لتُخدع. ففي جميع مراحل الخطر، كان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرًا في الخطوط الأماميّة.

2- خلال مرحلة السكوت والتعاون:
إنّ أشدّ مراحل حياة أمير المؤمنين عليه السلام قد بدأت في هذه السنوات الثلاثين، أي بعد انتهاء عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وارتحاله عن هذه الدنيا, حيث كانت قطع الليل المظلم للفتنة تسدّ آفاق الرّؤية أمام الأعين، بحيث لا يستطيع أولئك الذين كانوا يريدون أن يسيروا بالاتّجاه الصحيح أن يخطوا خطوةً واحدة. في ظلّ مثل هذه الظرّوف، نجح أمير المؤمنين عليه السلام في أعظم امتحانات الإيثار. ومعالم الإيثار تتجلَّى في المواقف الآتية:
 

1- نهج البلاغة، ص 311.
 
 
 
 
 
 
 
 
72

52

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 أ- أوّل ما حضرت الوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: 

كان أمير المؤمنين عليه السلام منشغلًا بأداء التكليف، لا أنّه لم يكن يعلم بوجود اجتماعٍ، ومن الممكن أن يُحدّد فيه مصير السّلطة والحكومة في العالم الإسلاميّ، فلم تكن هذه هي قضيّة أمير المؤمنين، ولم تكن القضيّة بالنسبة له قضيّة "الأنا". فبعد أن استقرّت مسألة الخلافة، وبايع النّاس أبا بكر، وانتهى كلّ شيء، انزوى أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يُسمع منه أيّ كلمةٍ أو موقفٍ يحكي عن معارضته للجهاز الحاكم. لقد سعى في الأيّام الأولى لعلّه يتمكّن من إحقاق ما يراه بحسب عقيدته حقًّا، وممّا ينبغي القيام به. وعندما رأى الأمر خلاف ذلك، وأنّ النّاس قد بايعوا وانتهت القضيّة، وأضحى أبو بكر خليفة المسلمين، هنا نجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام عُرف عبر التّاريخ كشخص، وإن كان معارضًا، لكنّه لم يبدر منه أيّ خطر أو تهديد على الجهاز الحاكم، وبأيّ كيفيّة كانت. لقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في هذه المرحلة - والّتي لم تكن مديدة، لعلّها لم تكن أكثر من عدّة أشهر -: لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس بها من غيري، ويقصد الخلافة، "ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، فما دمتُ أرى أنّه لا يُظلم أحد، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصّة"1، فإنّني لن أقوم بأيّ عملٍ ولن أعارض أبدًا.

ب- في حروب الرّدة: 
بعد مدّةٍ وجيزة من رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, لا تزيد على عدّة أشهر، بدأ ارتداد بعض الجماعات، ولعلّها كانت مدفوعةً لذلك، حيث شعرت بعض القبائل العربية أنّه طالما لا يوجد نبيّ ولا يوجد قائد للإسلام، فلا بأس أن يختلقوا إشكالات، وأن يُعارضوا ويُحاربوا ويُثيروا القلاقل، ولعلّ ذلك كان بتحريكٍ من المنافقين، فنشأ تيّار الردّة ـ أي ارتداد مجموعة من المسلمين ـ وبدأت حروب الردّة. وهنا، حيث أصبح الوضع على هذا النّحو، رأى أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأمر لم يعد يحتمل الجلوس، وعليه أن ينزل إلى الميدان للدّفاع عن الحكومة. هنا يقول: "فأمسكت يدي"، ويقصد ما جرى في قضيّة الخلافة وصيرورة أبي بكر خليفةً للمسلمين، "أمسكت يدي" وجلست جانبًا. كانت هذه حالة، اختيارُ الانزواء، "حتّى
 

1- نهج البلاغة، ص 102.
 
 
 
 
 
 
 
 
73

53

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم"1. هنا دخل أمير المؤمنين الميدان بصورةٍ فعّالة، وهكذا كان في جميع القضايا الاجتماعيّة المهمّة.


ج- بعد موت الخليفة الثّاني: 
حيث دُعي أمير المؤمنين عليه السلام إلى الشّورى المتشكّلة من ستة أشخاص، فلم ينزعج، ودخل في الشّورى. لم يقل إنّ هؤلاء ليسوا من مستواي، فأين طلحة والزبير؟ وأين عبد الرحمن بن عوف؟ وأين عثمان؟ وأين أنا؟ وطبقًا لوصيّة عمر، فقد جعلوا ستة أشخاص بعنوان الشّورى من أجل أن ينتخبوا من بينهم خليفةً. وكان حظّ أمير المؤمنين بالخلافة من بين هؤلاء الستّة هو الأوفر. وكان رأي عبد الرحمن بن عوف هو الرأي الفاصل. فقد كان لأمير المؤمنين صوتان: هو والزبير، وكان لعثمان صوتان: هو وطلحة، وكان لعبد الرحمن بن عوف صوتان: هو وسعد بن أبي وقّاص، وكان صوت عبد الرحمن بن عوف هو الصّوت الفاصل. فلو بايع أميرَ المؤمنين عليه السلام لصار هو الخليفة، ولو بايع عثمان لصار هو الخليفة. هنا توجّه عبد الرحمن بن عوف إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسأله إن كان يعمل بكتاب الله وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الشيخين، أي الخليفتين السابقين. فقال عليه السلام: كلّا، إنّني أعمل بكتاب الله وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. لقد كان من الممكن لأمير المؤمنين أن يحصل على الحكومة، ويُمسك بزمام السّلطة، لو أنّه تغاضى بأقلّ قدرٍ ممكن عمّا هو صحيحٌ وحقّ. لكنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يُفكّر بذلك لحظةً واحدةً، ففقد الحكومة وخسر السّلطة. وهنا قد آثر ولم يطرح نفسه وإنّيته أبداً، بل جعلها تحت قدميه. وما كانت مثل هذه المشاعر لتبرز في أمير المؤمنين عليه السلام من الأساس.

د- بعد مرور 12 سنة من حكومة عثمان:
حين كثُرت الاعتراضات عليه (عثمان) في نهاية الأمر، وبدأ النّاس يُخالفونه ويعترضون عليه كثيرًا، وتقاطروا من مصر ومن العراق ومن البصرة ومن أماكن أخرى، وفي النّهاية تشكّل جمعٌ كبير وحاصروا بيت عثمان وهدّدوه. هنا ماذا يُمكن أن يفعل أيّ إنسان في
 

1- نهج البلاغة، ص 451.
 
 
 
 
74

54

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 موضع أمير المؤمنين عليه السلام؟ ذاك الّذي يرى نفسه صاحب حقٍّ بالخلافة، وكان لمدّة 25 سنة يتغاضى عن حقّه، وهو يعترض على سلوك الحاكم الحالي، ها هو الآن يرى بيت هذا الخليفة محاصرًا. فالشخص العاديّ، بل حتّى النخب والوجهاء، ماذا يفعلون في مثل هذه الحالة؟ العمل نفسه الّذي قام به الآخرون، ما فعله كلٌّ من طلحة والزبير وغيرهم نفسه، وكلّ الآخرين الّذين كان لهم في قضية عثمان ما كان. إنّ قضية قتل عثمان هي من الأحداث المهمّة جداً في تاريخ الإسلام، ويُمكن للإنسان أن يُشاهد في نهج البلاغة وفي الآثار وفي التاريخ الإسلاميّ ما الّذي أدّى إلى مقتل عثمان، ليتّضح له بشكلٍ كامل من الّذي قتل عثمان، ومن الّذي دفع إلى قتله. أولئك الّذين كانوا قد جعلوا ادّعاء محبّة عثمان فيما بَعدُ محور تحرّكاتهم، هنا طعنوه من الخلف، وكانوا يُحرّكون الأمور من وراء الكواليس. سألوا عمرو بن العاص: مَن الّذي قتل عثمان؟ فقال: فلانٌ ـ وذكر اسم أحد الصحابة ـ هو الّذي صنع سيفه، والآخر أحدّه، والثالث سمّه، وذاك طعنه به. الواقع هو هذا.


نجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الحادثة يقوم بكمال الإخلاص بما يراه تكليفًا إلهيًّا وإسلاميًّا، فيُرسل كلّاً من الحسن والحسين عليهما السلام، هذين الجوهرتين العظيمتين وبقيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إلى بيت عثمان من أجل الدّفاع عنه. كان المخالفون يُحاصرون بيت عثمان ويمنعون دخول الماء إليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يُرسل له الماء والطعام، ويُفاوض مرّاتٍ ومرّات أولئك الّذين غضبوا على عثمان، لعلّه يُهدّئ من روعهم. وعندما قتلوا عثمان، غضب أمير المؤمنين عليه السلام.

هنا أيضًا نجد أنّه لا يُمكن أن نُشاهد في أمير المؤمنين عليه السلام أيّ حالة من الإنّية وحبّ الذّات، ومشاعر الأنا الّتي يُمكن أن توجد في كلّ فرد من النّاس. فبعد أن قُتل عثمان، كان من الممكن لأمير المؤمنين عليه السلام أن ينزل إلى الميدان كوجهٍ وجيه، وكشخصٍ انتهازيّ، وكمخلّص، ويقول: أيّها النّاس ها أنتم قد ارتحتم أخيرًا وتخلّصتم من المشكلة، وكان النّاس سيُحبّونه، لكنّه لم يفعل. فبعد حادثة عثمان، لم يتحرّك أمير المؤمنين عليه السلام نحو السّلطة والإمساك بالحكومة. فما أعظم هذه الرّوح، "دعُوني والتمسوا غيري"1. أيّها
 
 

1- نهج البلاغة، ص 136.
 
 
 
 
 
 
 
75

55

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 النّاس، اتركوني واذهبوا إلى شخصٍ آخر، ولو اخترتم شخصًا آخر فإنّني سأكون له وزيرًا وأُعينه. هذه هي تصريحات أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الأيّام، لكنّ النّاس لم يقبلوا ولم يستطيعوا أن ينتخبوا شخصًا آخر للحكومة غير أمير المؤمنين.


3- خلال إقامة الحكومة العلوية:
حيث بايعت جميع الأقطار الإسلاميّة أمير المؤمنين عليه السلام. وحتّى ذلك الوقت، لم يكن قد جرى مثل هذه البيعة العامّة الّتي تمّت لأمير المؤمنين عليه السلام، حيث إنّ جميع الأقطار الإسلاميّة وكلّ الكبراء والصحابة قد بايعوه، باستثناء الشام. فقط عدّة قليلة، أقل من عشرة أشخاص لم يُبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام، فأحضرهم إلى المسجد واحدًا، واحدًا وسألهم لماذا لم يُبايعوا وكان من بين هؤلاء عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقّاص ـ، فكان أن قدّم كلّ واحدٍ منهم عذرًا، وقال شيئًا. فبعضٌ منهم عاد وبايع، وبعضٌ آخر لم يُبايع مطلقًا ـ عددٌ قليلٌ جدًّا بعدد أصابع اليد الواحدة -، فتركهم أمير المؤمنين عليه السلام، ولكن بقية الوجوه المعروفة، كطلحة والزبير وغيرهما، جميعًا قد بايعوا أمير المؤمنين، وقبل أن يُبايعوه قال لهم: "واعلموا أنّي إن أجبتكم"، وهو يشير إلى أنّهم لو أصرّوا أن يُمسك هو بالحكومة "ركبت بكم ما أعلم"1، فلا تتصوّروا أنّني سأُراعي تلك الوجوه والشخصيّات المشهورة والمعروفة, كلا، ولا تتصوّروا أنّني سأتّبع فلانًا وأقلّد فلانًا، بل سأتبّع ما أعرفه من الإسلام. وهكذا فقد أتمّ أمير المؤمنين عليه السلام الحجّة على النّاس، وقَبِل بالخلافة. كان من الممكن لأمير المؤمنين هنا، ولأجل حفظ المصالح ورعاية جوانب القضيّة وأمثالها، أن يتنازل ويجذب إليه القلوب، لكنّه، وبكلّ قاطعية، أصرّ على الأصول والقيم الإسلاميّة بحيث إنّ كلّ هؤلاء الأعداء قد اصطفّوا في مقابله، وقد واجه أمير المؤمنين عليه السلام معسكرًا مليئًا بالمال والقهر والتزوير، ومعسكرًا آخر فيه الشخصيّات الوجيهة والمعتبرة والمعروفة، ومعسكرًا ثالثًا يضمّ المتظاهرين بالقداسة والتعبّد، لكنّهم جاهلون بحقيقة الإسلام وروحه وتعاليمه، ويجهلون شأنيّة أمير المؤمنين عليه السلام ومقامه من أهل التشبّث بالعنف والقسوة وسوء الخلق.
 

1- نهج البلاغة، ص 136.
 
 
 
 
 
 
 
76

56

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 لقد قاتل أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثة معسكرات بثلاثة خطوطٍ منفصلة، هم الناكثون والقاسطون والمارقون1، وكلّ واحدة من هذه الوقائع تدلّ على تلك الروح الرفيعة للتوكّل على الله والإيثار والبعد عن الأنانيّة والإنّية في أمير المؤمنين عليه السلام. واستُشهد في النهاية على هذه الطريق، حتّى قيل بشأنه: إنّ عدل عليّ عليه السلام قد قتله. لو لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام مريدًا للعدالة، وعمد بدل ذلك إلى رعاية هذا وذاك، وتقديم الشأنية والمقام والشّخصيّة على مصالح العالم الإسلاميّ، لكان أكثرَ الخلفاء نجاحًا وقدرةً، ولَما وجد له معارضًا. لكنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو ميزان الحقّ والباطل، ولهذا كان عليه السلام يتحرّك وفق جوهر التكليف دون أيّ ذرّة من تدخّل الأنا والمشاعر الشّخصيّة والمنافع الذاتيّة، وقد تحرّك على هذه الطريق التي اختارها. هكذا كانت شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام. لهذا فإنّ عليًّا عليه السلام هو في الواقع ميزان الحقّ. هكذا كانت حياته عليه السلام، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾2. فلم يكن عظيمًا في الشّهادة فحسب، ولم يكن عند الممات ممّن يفدي نفسه فحسب، بل على مدى حياته كان يُقدّم نفسه دومًا في سبيل الله.


الفرق بين حكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبين حكومة علي عليه السلام
الفارق الأساس بين أمير المؤمنين عليه السلام في عهد حكومته، وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيّام حياته وعهد حكومته هو أنّ الخنادق في عهد الرسول كانت مشخّصة ومشخّصة
 

1- القاسطون: بمعنى الظّالمون, هم فئة دخلت الإسلام ظاهريًّا لمصالحها الخاصّة، ولم تكن تعترف بالحكومة العلويّة أساسًا. والتفّت تلك الفئة حول محور بني أميّة الّذي كان معاوية بن أبي سفيان ــ والي الشام آنذاك ــ أبرز شخصيّة فيه، ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة. 
النّاكثون: هم الفئة التي بايعت أمير المؤمنين عليه السلام في البداية، إلا أنّها نقضت البيعة فيما بعد ونكثتها. وكان أفراد هذه الفئة ـ على العكس من الفئة الأولى ـ مسلمين ملتزمين، وفي الخندق الموالي، إلّا أنّ ولاءهم واعترافهم بحكومة عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان منوطًا بإعطائهم حصّة مقبولة فيها، والتّشاور معهم ومنحهم المناصب والمسؤوليّات الحكوميّة، مع عدم التعرّض لما في أيديهم من ثروات، وعدم السّؤال عن مصادرها. شملت بعض الصحابة أمثال طلحة والزبير.
المارقون : المارق بمعنى الخارج والهارب. وقيل إنّهم سمّوا بالمارقين لخروجهم من الدين كخروج السّهم من القوس. وكانت هذه الفئة متمسّكة بظواهر الدين، ويُكثرون من التبجّح باسم الدين. وهؤلاء هم الخوارج الّذين وضعوا أسسهم الفكريّة على أساس فهم مغلوط للدين. هذه الفئة كان تنظيمها واتّجاهها السياسيّ يجري وفقًا لآراء وتوجيهات كبار القاسطين والشّخصيّات البارزة في حكومة الشّام ـ أي عمرو بن العاص ومعاوية.
2- سورة البقرة، الآية 207.
 
 
 
 
 
 
77

57

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 تمامًا. خندق الإيمان، وخندق الكفر، أمّا المنافقون فكثيرًا ما كانت الآيات القرآنية تُشير إليهم وتُحذّر منهم وتُقوّي صفوف المؤمنين في مواجهتهم، وتُضعف من شوكتهم، أي إنّ كلّ شيء كان في النّظام الإسلاميّ في عهد الرسول واضحًا تمام الوضوح، وكانت الصفوف مفروزة فرزًا جليًّا، فطائفة كانت على الجاهليّة والكفر والطاغوت، وأخرى كانت على الإيمان والإسلام والتوحيد، ومن الطّبيعيّ أنّ كلّ واحدة من هاتين الطائفتين كانت تضمّ صنوفًا شتّى من النّاس، لكن الصفوف كانت مشخّصة وواضحة كلّ الوضوح. أمّا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، فكانت المشكلة الكبيرة في تداخل الصفوف والخنادق، وهذا هو السّبب الّذي جعل للفئة الثانية ـ أي النّاكثين ـ وضعًا مقبولًا ومبرّرًا. وكان كلّ مسلم يتردّد كثيرًا في محاربة شخصيّات من أمثال طلحة أو الزبير، فالزبير هو ابن عمّة الرّسول، وكان من الشخصيّات البارزة والمقرَّبة إليه، حتّى أنّه كان ممّن اعترضوا على السّقية دفاعًا عن أمير المؤمنين عليه السلام بعد عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الأمور بخواتيمها. نسأل الله أن يجعل عاقبتنا إلى خير، فقد يؤثّر حبّ الدّنيا ومظاهر الحياة في بعض النّاس إلى درجة تجعل المرء يشكّ حتّى في الخواصّ، فما بالك بالعوام. وعلى كلّ الأحوال، كانت الظروف آنذاك عصيبة حقًّا.


ولا بدّ أنّ النّاس الّذين صمدوا مع أمير المؤمنين عليه السلام وحاربوا إلى جانبه، كانوا على قدرٍ كبير من البصيرة. والشاهد على هذا قولُ أمير المؤمنين عليه السلام: "لا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصّبر"1. فلا بدّ من توفّر البصيرة بالدّرجة الأولى. ويُستدّل من هذه التّداخلات على طبيعة المشاكل الّتي واجهت أمير المؤمنين عليه السلام، وعلى الأساليب الملتوية الّتي اتّبعها النّاس الّذين حاربوه. ففي صدر الإسلام، كان هناك أفكار خاطئة كثيرة تُطرح في السّاحة، ولكن كانت تنزل آية قرآنية وتفنّدها بصراحة، سواء أعندما كان النبيّ في مكّة أم عندما كان في المدينة، فسورة البقرة - على سبيل المثال - وهي سورة مدنية، عندما ينظر المرء فيها يراها حافلة بصور من التحدّيات والاشتباكات بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين المنافقين واليهود، حتّى أنّها تناولت التفاصيل الجزئيّة واستعرضت الأساليب الّتي كان يتّبعها يهود المدينة في إيذاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسيًّا. ومنها ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾2 وما شابه ذلك.
 

1- نهج البلاغة، ص 248.
2- سورة البقرة، الآية 104.
 
 
 
 
 
 
 
78

58

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 وجاءت أيضًا سورة الأعراف، وهي سورة مكّية، زاخرة بمحاربة الخُرافات، وكُرّس فصلٌ منها للحديث عن تحريم وتحليل أنواع اللحوم، في مقابل التّحليل والتّحريم الزائف الّذي اصطنعه النّاس لأنفسهم يومذاك، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾1. هذه هي المحرّمات الحقيقية، وليست تلك الّتي اصطنعتموها أنتم لأنفسكم من أمثال البحيرة والسّائبة وما شاكل ذلك. وكان القرآن يحارب هذه الأفكار صراحةً. أمّا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، فقد كان أعداؤه يستغلّون تلك الآيات القرآنية، وهذا ما صعّب كثيرًا من مهمّة أمير المؤمنين عليه السلام. لقد قضى عليه السلام مدّة خلافته القصيرة في أمثال هذه المصاعب والمعضلات.


وفي مقابل هؤلاء، كانت جبهةُ عليّ نفسِه، وهي جبهة قوية حقًّا، وفيها رجال كعمّار ومالك الأشتر وعبد الله بن عباس ومحمّد بن أبي بكر وميثم التمّار وحُجر بن عديّ، كانوا شخصيّات مؤمنة ذوي بصيرة ووعي، وكان لهم دورٌ مؤثّر في توعية النّاس الآخرين. فكان من جملة المواقف الجميلة في عهد أمير المؤمنين،- ويُعزى جمالها طبعًا إلى الجهود الطيّبة لهؤلاء الأكابر، إلا أنّها في الوقت ذاته كانت مريرة بسبب ما لحقهم من جرّائها من عناءٍ وعذاب - هو مسيرهم نحو الكوفة والبصرة من بعد ما هبّ طلحة والزّبير وغيرهما، واستولوا على البصرة، وأرادوا المسير منها نحو الكوفة، حيث أرسل أمير المؤمنين عليه السلام الإمام الحسن عليه السلام وبعض هؤلاء الأصحاب، وكان لهم مع النّاس في المسجد مداولات وأحاديث ومحاجّات تُعتبر من المواقف المثيرة، وذات مغزًى عميق في تاريخ الإسلام. ولهذا السبب يُلاحَظ أنّ الهجمات الأساس لأعداء أمير المؤمنين عليه السلام وُجّهت صوب هذه الشّخصيّات، ضدّ مالك الأشتر، وضدّ عمّار بن ياسر، وضدّ محمّد بن أبي بكر، وضدّ كلّ من وقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام منذ البداية، وأثبتوا صلابة إيمانهم وسلامة بصيرتهم. ولم يتورّع الأعداء عن كيل أنواع التّهم لهم والسّعي لاغتيالهم. ولهذا قضى أكثرهم شهداء، فاستشهد عمّار في الحرب، واستشهد محمّد بن أبي بكر بتحايل أهل الشام، وكذا استشهد مالك الأشتر بحيلةٍ من أهل الشام.
 

1- سورة الأعراف، الآية 33.
 
 
 
 
79

59

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 وبقي بعض آخر، ولكنّهم عادوا واستشهدوا على نحوٍ قاسٍ وفجيع.


هذه هي الظروف الّتي عاشها أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وفي عهد حكومته. ولو أردنا الخروج بنتيجة مختصرة عنها لقلنا إنّها كانت حكومة قويّة، ولكنّها في الوقت ذاته مظلومة ومنتصرة، بمعنى أنّه استطاع قهر أعدائه في أيّام حياته، واستطاع من بعد استشهاده مظلومًا أن يتحوّل إلى شعلةٍ وهّاجة على مدى تاريخ الإنسانيّة. ولا شكّ في أنّ المرارة الّتي ذاقها أمير المؤمنين عليه السلام خلال هذه الفترة تُعتبر من أشدّ وأصعب المحن في التاريخ.

القدرة والمظلوميّة والنصر في حياة أمير المؤمنين عليه السلام
لقد التأمت في شخصيّة وحياة وشهادة هذا الرّجل الفذّ ثلاثة عناصر تبدو غير منسجمة تمامًا مع بعضها في الظاهر. وتلك العناصر الثلاثة عبارة عن: القوّة، والمظلومية، والانتصار:
1- عنصر القوة: 
فقوّته تكمن في إرادته الصّلبة وعزمه الراسخ، وفي تسيير دفّة الشّؤون العسكريّة في أعقد المواقف، وفي هداية العقول نحو أسمى المفاهيم الإسلاميّة والإنسانيّة، وتربية وإعداد شخصيّات كبرى من قبيل مالك الأشتر وعمّار وابن عباس ومحمّد بن أبي بكر وغيرهم، وشقّ مسار مميّز في تاريخ الإنسانيّة. ويتمثّل مظهر قوّته في اقتداره المنطقيّ واقتداره في ميادين الفكر والسياسة، وفي اقتدار حكومته وشدّة ساعده. ليس ثمّة ضعف في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام في أيّ جانب من جوانبها. 

2- عنصر المظلومية:
ويُعتبر في الوقت ذاته من أبرز الشّخصيّات المظلومة في التّاريخ. وقد كانت مظلوميّته في كلّ جوانب حياته. لقد ظُلم في أيّام شبابه، حيث تعرّض للظّلم آنذاك من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وظُلِم في سنوات كهولته وفي عهد خلافته، واستُشهد مظلومًا، وظلّ من بعد استشهاده يُسبّ على المنابر على مدى سنوات طوال، وتُنسب إليه شتّى الأكاذيب.

لدينا في جميع الآثار الإسلاميّة شخصيّتان أُطلقت عليهما صفة "ثار الله". فعندما يُقتل
 
 
 
 
 
 
 
 
80

60

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 شخص ظلمًا، فأسرته هي وليّ دمه، وهذا ما يُسمّى بالثأر، ولأسرته حقّ المطالبة بثأره. أمّا ما يُسمّى بـ "دم الله" فهو تعبيرٌ قاصر وناقص لكلمة الثأر، ولا يوصل المعنى المطلوب. فالثّأر معناه حقّ المطالبة بالدّم. فإذا كان لأسرةٍ ما ثأر، فلها حقّ المطالبة به. وورد في التّاريخ الإسلاميّ اسما شخصيّتين، وليّ دمهما الله، فهو الّذي يطلب بثأرهما، أحدهما الإمام الحسين عليه السلام، والآخر هو أبوه أمير المؤمنين عليه السلام، "يا ثار الله وابن ثاره"1، أي أنّ المطالب بدم أبيه هو الله تعالى أيضًا.


3- عنصر النصر:
العنصر الثالث الّذي طبع حياة الإمام عليّ عليه السلام هو النّصر، حيث تغلّب في حياته على جميع التّجارب العصيبة الّتي فُرضت عليه، ولم تستطع جميع الجبهات، الّتي سنذكرها لاحقَا، والّتي فتحها ضدّه أعداؤه، أن تنال منه، وإنّما هُزِمت كلّها أمامه. ومن بعد استشهاده أخذت حقيقته الناصعة تتجلّى وتتفتّح يومًا بعد آخر أكثر ممّا كانت عليه في أيّام حياته. ففي عالم اليوم، ليس في العالم الإسلاميّ وحده، وإنّما في العالم كلّه، هناك أناس كثيرون لا يؤمنون حتّى بالإسلام، إلا أنّهم يؤمنون بعليّ بن أبي طالب عليه السلام كشخصيّة تاريخيّة لامعة. وهذا هو جلاء ذلك الجوهر الوهّاج، وكأنّ الله يُكافئه على ما لحق به من ظلم. فلا بدّ أن يكون لتلك المظلوميّة ولذلك الكبت والضّغط والتعتيم، ولتلك الحقيقة السّاطعة مع تلك التّهم العجيبة التي واجهها بالصّبر، ثواب عند الله، وثوابها هو أنّك لا تجد على مدى التاريخ، شخصيّة على هذه الدرجة من التألّق، وقد نالت القبول بكلّ هذا الإجماع. ولعلّ أفضل الكتب الّتي سُطّرت حتّى اليوم بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام، وأكثرها ولهًا وحبًّا، هي تلك الّتي كتبها أشخاص غير مسلمين، كالكتّاب المسيحيّين الذين كتبوا بوَلهٍ حول أمير المؤمنين عليه السلام كتبًا جديرة بالثناء حقًّا.

وكان هذا الحبّ قد نشأ منذ اليوم الأوّل، أي من بعد استشهاده، رغم تكالب الجميع على الإساءة إليه والانتقاص منه، الفئة الّتي كانت تحكم الشام ومن كان يدور في فلكها، وممّن امتلأ غيظًا من سيف أمير المؤمنين ومن عدله
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص 576.
 
 
 
 
 
81

61

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 ـ فكانت هذه القضيّة واضحة منذ ذلك الوقت. ونذكر مثالًا واحدًا على ذلك: انتقص ابن عبد الله بن عروة بن الزبير من أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم، أمام أبيه عبد الله بن عروة بن الزبير. وكان آل الزبير كلّهم ضدّ عليّ، إلا واحدًا منهم، وهو مصعب بن الزبير الّذي كان رجلًا شجاعًا وكريمًا، وهو الّذي دخل لاحقًا في صراعٍ مع المختار الثقفيّ في الكوفة، ومن بعده مع عبد الملك بن مروان، وهو زوج سكينة، أي إنّه أوّل صهر للإمام الحسين عليه السلام، فكان آل الزبير كلّهم خصومًا لأمير المؤمنين عليه السلام أبًا عن جدّ، باستثنائه هو. وهذا ما يدركه الإنسان من خلال دراسته للتاريخ. وبعدما سمع عبد الله ذلك الانتقاص على لسان ابنه، قال جملة ليست حيادية كثيرًا، إلا أنهّا تنطوي على نقطة مهمّة وهي: "والله يا بُنيّ، ما بنى النّاس شيئًا قطّ إلّا هدمه الدّين، ولا بنى الدّين شيئًا فاستطاعت الدنيا هدمه"، أي إنّهم يحاولون عبثًا هدم اسم أمير المؤمنين عليه السلام القائم على أساس الدّين والإيمان، "ألم ترَ إلى عليّ كيف تُظهر بنو مروان من عيبه وذمّه؟ والله لكأنّهم يأخذون بناصيته رفعًا إلى السّماء. وأما ترى ما يندبون به موتاهم من التّأبين والمديح؟ والله لكأنّما يكشفون به عن الجيف"1. لعلّ هذه الكلمة قيلت بعد نحو ثلاثين سنة من شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، أي أنّه عليه السلام، وعلى الرغم من فداحة الظّلم الّذي نزل به، أضحى هو المنتصر في حياته وفي التاريخ وفي ذاكرة الإنسانيّة.

 


1- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج39، ص 314.

 

 

 

82


62

الدرس الخامس: الإمام علي عليه السلام

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ وجود أمير المؤمنين عليه السلام يُعَدّ درسًا خالدًا لا يُنسى للأجيال البشريّة كلّها، من جهاتٍ عدّة، وفي الظّروف والأوضاع المختلفة، سواءٌ أفي عمله الفرديّ والشخصيّ، أم في محراب عبادته، أم في مناجاته، أم في زهده، أم في فنائه في ذكر الله، أم في جهاده مع النفس والشّيطان، وفي جهاده لأجل رفع راية الحقّ وإقامة العدالة.

2- خلال عهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أصعب المواطن خلال بداية الدعوة، وصولًا إلى المعارك والحروب، كان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرًا ليكون أكثر النّاس تضحيةً وفداءً واستعدادًا للموت بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. 

3- أوّل ما حضرت الوفاةُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، بايع النّاس أبا بكر، وبعد مدّةٍ وجيزة من رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا تزيد على عدّة أشهر، بدأ ارتداد بعض الجماعات. قال عليه السلام: "أمسكت يدي حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم"1. ودخل أمير المؤمنين الميدان بصورةٍ فعّالة.

4- واجه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثة معسكرات، هم الناكثون والقاسطون والمارقون.

5- الفارق الأساس بين عهد أمير المؤمنين عليه السلام، وبين عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيّام حياته وعهد حكومته، هو أنّ الخنادق في عهد الرسول كانت مشخّصة تمامًا، أمّا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، فكانت المشكلة الكبيرة في تداخل الصفوف والخنادق.

6- لقد التأمت في شخصيّة وحياة وشهادة هذا الرّجل الفذّ ثلاثة عناصر، هي عبارة عن: القوّة، والمظلومية، والانتصار.
 

1- نهج البلاغة، ص 451.
 
 
 
 
 
 
 
 
83

63

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن المقام المعنويّ للسيّدة الزهراء عليها السلام.
2- يذكر بعض الجوانب من حياة السيدة الزهراء عليها السلام العلميّة والعبادية والأسريّة والزوجيّة.
3- يفسّر معنى التوازن في مختلف جوانب حياة السيدة الزهراء عليها السلام.
 
 
 
 
 
 
 
85

64

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 المقام المعنويّ للسيّدة الزهراء عليها السلام

نحن لا نملك القدرة على إدراك المقامات المعنوية للسيدة الزهراء عليها السلام، وفهمها بالشكل الكامل. وفي الحقيقة، الله (تعالى) وحدَه يعرف أمثال هؤلاء العباد الذين يكونون في أوج قمّة المعنويّة الإنسانيّة والتّكامل البشريّ -، وأولئك الذين يكونون في مقامهم نفسها - لهذا لم يكن هناك من يعرف فاطمة الزّهراء عليها السلام سوى أمير المؤمنين عليه السلام، وأبيها صلى الله عليه وآله وسلم، وأولادها المعصومين عليهم السلام. فلا يمكننا نحن في هذا الزّمن، ولا للنّاس الذين كانوا في ذاك الزّمان والأزمنة التي تلته، أن نُشخّص ذلك التألّق المعنويّ الّذي كان موجوداً فيها. فلا يمكن لنور المعنويات السّاطع أن يصل إلى عيون جميع الأشخاص، وتعجز عيوننا الضّعيفة والقاصرة عن أن ترى تجلّي الإنسانيّة السّاطع الّذي كان موجودًا في هؤلاء العظماء. 

فالسيدة فاطمة الزّهراء عليها السلام هي في الظاهر بصورة بشر، وامرأة، وامرأة شابّة أيضًا، ولكنّها في المعنى هي حقيقةٌ عظيمة، ونورٌ إلهيٌّ ساطع، وعبدٌ صالح، وإنسانٌ مميّز ومصطفى. هي الشخص الذي قال فيه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: "يا عليّ، أنت إمام أمّتي وخليفتي عليها بعدي، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنّة، وكأنّي أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيبٍ من نور، عن يمينها سبعون ألف ملك، وعن يسارها سبعون ألف ملك، وبين يديها سبعون ألف ملك، وخلفها سبعون ألف ملك تقود مؤمنات أمّتي إلى الجنّة"1، أي أنّه يوم القيامة يقود أمير المؤمنين عليه السلام الرجال المؤمنين، وتقود فاطمة الزّهراء عليها السلام النساء المؤمنات إلى الجنّة الإلهيّة، فهي عِدْل أمير المؤمنين عليه السلام. هي الّتي إذا وقفت في محراب العبادة، فإنّ آلاف الملائكة المقرَّبين
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 43، ص 24.
 
 
 
 
 
 
87

65

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 لله يُخاطبونها ويُسلّمون عليها ويُهنّئونها، ويقولون لها ما كانوا يقولون في السّابق لمريم الطّاهرة عليها السلام: "يا فاطمة إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين"1. هذا هو المقام المعنويّ لفاطمة الزّهراء عليها السلام.


امرأةٌ في سنّ الشباب، وصلت، بلحاظ المقام المعنويّ، ووفق ما نُقل في الروايات، إلى حيث تُحدّثها الملائكة، وتظهر لها الحقائق. "المحدَّثة" أي من تُحدّثها الملائكة وتتكلّم معها. وهذا المقام المعنويّ، والميدان الوسيع، والقمّة الرّفيعة هي في مقابل جميع نساء عالم الخلقة. إنّ فاطمة الزّهراء عليها السلام في قمّة هذا العلوّ العظيم، تقف وتُخاطب كلّ نساء العالم، وتدعوهنّ لطيّ هذه الطّريق.

كما أنّ الخير الكثير الّذي أعطاه الله تعالى في سورة الكوثر المباركة كبشارةٍ للنّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾2، تأويله أنَّ فاطمة الزّهراء عليها السلام، في الحقيقة، مجمع جميع الخيرات الّذي سوف ينزل يومًا بعد يوم من منبع الدّين النبويّ على كلّ البشريّة والخلائق. وقد سعى الكثيرون من أجل إخفائه وإنكاره، ولكنّهم لم يتمكّنوا، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾3.

وذُكِر في رواية أنّ سطوع نور فاطمة الزّهراء عليها السلام أدّى إلى أن تنبهر عيون الكرّوبيّين من الملأ الأعلى، "زهر نورها لملائكة السّماء". فماذا نستفيد نحن من هذا النّور والسّطوع؟ يجب علينا الاهتداء بهذا النّجم السّاطع إلى الله وإلى طريق العبوديّة الّذي هو الصّراط المستقيم، الّذي سلكته فاطمة الزّهراء عليها السلام، فوصلت إلى تلك المدارج والمقامات العالية.

الزهراء عليها السلام وصلت إلى مقام ومكانة عالية بحيث يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويُقبّل يدها! وتقبيل يد فاطمة الزّهراء عليها السلام من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يؤخذ أبدًا على معنىً عاطفيّ، فإنّ هذا أمرٌ خاطئٌ جدًّا وحقيرٌ جدًّا فيما لو تصوّرنا بأنّه يُقبّل يدها فقط لأنّها ابنته ولأنّه يُحبّها. فهل يُمكن لشخصيةٍ بمثل هذه العظمة، وبمثل تلك العدالة والحكمة، الّتي
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص24.
2- سورة الكوثر، الآية 1.
3- سورة الصف، الآية 8.
 
 
 
 
 
 
88

66

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 كانت في النبيّ، الذي يعتمد على الوحي والإلهام الإلهيّ، أن ينحني ليُقبّل يد ابنته؟ كلّا، إنّ هذا أمرٌ آخر، وله معنىً آخر. إنّه يحكي عن أنّ هذه الفتاة وهذه المرأة عندما ترحل عن هذه الدنيا في عمر 18 أو 25 ــ قيل 18، وقيل 25 ــ تكون في أوج الملكوت الإنسانيّ، وشخصًا استثنائيًّا.


فهذه السّيّدة الجليلة حازت على كلّ هذه الفضائل وتلك المكانة خلال ذلك العمر القصير. وكلّ هذه الفضائل لم تحصل عبثًا، "امتحنك الله الّذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك لما امتحنك صابرة"1، فإنّ الله تعالى قد امتحن زهراء الطّهر، وهي المصطفاة من عباده. 

حياتها عليه السلام العلميّة 
في أجواء العلم، كانت فاطمة الزّهراء عليها السلام عالمةً عظيمة، فتلك الخطبة الّتي ألقتها في مسجد المدينة بعد رحيل النبيّ، هي خطبة، بحسب كلام العلّامة المجلسيّ، يحتاج فطاحل الفصحاء والبلغاء والعلماء أن يجلسوا ليفسّروا معاني كلماتها وعباراتها. لقد كانت بمثل هذا العمق، وبلحاظ جمالية الفنّ، فهي مثل أجمل وأرقى كلمات نهج البلاغة. تذهب فاطمة الزّهراء عليها السلام إلى مسجد المدينة، وتقف أمام النّاس وترتجل، ولعلّها تتحدّث لمدّة ساعة بأعذب وأجمل العبارات، وأكثرها بلاغةً.

فأمثالنا نحن الّذين نُعدّ من أهل الخطابة والكلام الارتجاليّ، نفهم كم أنّ هذه الخطبة عظيمة. فتاة ابنة 18 أو 20 سنة، وفي الحدّ الأكثر 24 سنة - فالسنّ الدّقيق لحضرة الزّهراءعليها السلام غير مسلّم -، ومع كلّ تلك المصائب والصّعاب أتت إلى المسجد وخاطبت الجمع الغفير من وراء حجاب، بحيث بقيت كلمات هذه الخطبة كلمة كلمة في التاريخ.

كان العرب معروفين بقوّة حافظتهم، فكان يأتي شخصٌ وينشد قصيدة من 80 بيتًا، وبعد أن ينتهي يقوم 10 أشخاص ويكتبون هذه القصيدة، فهذه القصائد الّتي بقيت إلى يومنا هذا، في الأغلب هكذا حُفظت. كانت الأشعار تُتلى وتُحفظ في الأندية، أي في تلك المراكز الاجتماعيّة. وهذه الخطب وهذه الأحاديث كانت (تُحفظ) بهذه الكيفيّة أيضًا. لقد
 
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص 194.
 
 
 
 
 
 
 
 
89

67

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 جلسوا وكتبوا وحفظوا، وبقيت هذه الخطب إلى يومنا هذا. أمّا الكلمات الجوفاء فلا تبقى في التاريخ، فليس كلّ كلام يُحفظ، فلقد قيل الكثير الكثير، وأُلقي الكثير من الخطب والكثير من الأشعار، ولكن لم تبقَ كلّها، ولم يعتنِ بها أحدٌ. كلّما نظر الإنسان إلى ذاك الشّيء الّذي حفظه التاريخ في قلبه، وبعد مرور 1400 سنة، يشعر بالخضوع، وهذا إنّما يدلّ على هذه العظمة.


حياتها عليه السلام العبادية
كانت عبادة فاطمة الزّهراء عليها السلام عبادةً نموذجيّة. يقول الحسن البصريّ، الّذي كان أحد العبّاد والزهّاد المشهورين في العالم الإسلاميّ، بشأن فاطمة الزّهراء عليها السلام: إنّ بنت النبيّ عبدت الله ووقفت في محراب العبادة حتى تورّمت قدماها1. ويقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: إنّ أمّه وقفت تعبد الله في إحدى الليالي ـ ليلة الجمعة ـ "حتى انفجر عمود الصبح". ويقول الإمام الحسن عليه السلام إنّه كان يسمعها تدعو دائمًا للمؤمنين والمؤمنات وللنّاس، وتدعو لقضايا العالم الإسلاميّ العامّة، وعند الصّباح قال لها: "يا أمّاه لما لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بنيّ، الجار ثمّ الدار"2. هذه هي الرّوحيّة العظيمة.

تلك كانت عبادة فاطمة التي تجلَّت وانعكست في مجتمعها إحساناً وكرماً, فكان إحسانها إلى الفقراء بحيث عندما أرسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رجلًا عجوزًا فقيرًا إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام وقال له أن يطلب حاجته منهم، أعطته فاطمة الزّهراء عليها السلام جلدًا كان ينام عليه الحسن والحسين عليهما السلام، حيث لم يكن عندها شيءٌ غيره، وقالت له أن يأخذه ويبيعه ويستفيد من ثمنه. هذه هي الشّخصيّة الجامعة لفاطمة الزّهراء عليها السلام.
 

1- ابن شهرآشوب، المناقب، ج3، ص 341.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج86، ص 313.
 
 
 
 
 
90

68

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 حياتها عليه السلام الأسريّة

كيف كانت حياتها الأسرية؟ كانت إلى ما قبل الزّواج، عندما كانت ما زالت فتاة، كانت تعامل أباها، الذي كان بهذه العظمة، بحيث راحت تُكنّى بـ "أمّ أبيها"1، في الوقت الذي كان نبيّ الرّحمة والنّور، ومؤسّس الحضارة الحديثة، والقائد العظيم للثّورة الخالدة، يرفع راية الإسلام. ولم تُكنَّ بـ "أمَ أبيها" اعتباطًا، فقد كانت الزّهراء إلى جانب أبيها، تزيل بيديها الصّغيرتين غبار الحزن والغمّ عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أفي مكّة، أم في شُعب أبي طالب، مع كلّ شدائدهما، أم عندما بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيدًا مكسور القلب بوقوع حادثتين في فترة قصيرة، هما وفاة خديجة عليها السلام ووفاة أبي طالب عليه السلام، حيث أحسّ النبيّ بالغربة. هذا هو منشأ كنيتها بـ "أمّ أبيها".

وبيان ذلك أنّه كانت السيّدة الزّهراء عليها السلام في سنّ السادسة أو السّابعة، حيث يوجد روايات مختلفة بشأن تاريخ ولادتها، عندما حدثت مسألة شُعب أبي طالب. لقد شكّلت شعب أبي طالب مرحلة صعبة جدًّا في تاريخ صدر الإسلام؛ أي أنّ دعوة النبيّ كانت قد بدأت وصارت علانيّةً، وبالتدريج بدأ أهل مكّة، وخصوصًا الشباب، وبالأخص العبيد، يقبلون ويؤمنون به، ورأى صناديد قريش، كأبي لهب وأبي جهل وغيرهما، أنّه لا بدّ من إخراج النبيّ وكلّ من كان معه من مكّة، وهذا ما فعلوه، فأخرجوا عددًا كبيرًا منهم، وقد بلغوا عشرات الأُسر، بما في ذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأسرته وأبو طالب نفسه، مع أنّ أبا طالب كان يُعدّ من الوجهاء الكبار. فخرجوا من مكّة، ولكن إلى أين يذهبون؟ صادف أنْ كان لأبي طالب مُلكٌ في بقعة قريبة من مكّة ــ لعلّها كانت تبعد عدّة كيلومترات، وكانت في شعاب جبلٍ يُدعى شُعب أبي طالب، فقال لهم أبو طالب: فلنذهب إلى هذه الشّعب، فكِّروا في هذا الأمر! كانت الأنْهُر أو النُّهُر في مكّة شديدة الحرارة، والليالي في غاية البرودة؛ أي إنّ الوضع لم يكن قابلًا للتحمّل. لقد عاشوا في هذه الشّعب مدّة ثلاث سنوات. فكم تحمّلوا من جوعٍ وصعابٍ ومحنٍ، الله وحده يعلم. فأحد المراحل الصّعبة في حياة النبيّ كانت هناك. ولم تكن مسؤولية النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المرحلة منحصرة في القيادة بمعنى إدارة مجموعة، بل كان عليه أن
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص 19.
 
 
 
 
 
 
 
 
91

69

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 يتمكّن من الدفاع عن عمله أمام هؤلاء الّذين كانوا واقعين في المحنة.


ومن المعلوم أنّه عندما تكون الأوضاع جيّدة، فإنّ الذين يكونون مجتمعين حول القيادة، يكونون جميعهم راضين عن الأوضاع، ويقولون: رحم الله أباه، فقد أوصلنا إلى هذا الوضع الجيّد. 

ولكن عندما تسوء الأحوال، فإنّ الجميع يُصابون بالحيرة والتردّد، ويقولون: إنّه هو الّذي أوصلنا إلى هذا الوضع السيّئ! ولم نكن نريد أن نصل إلى مثل هذا الوضع! وبالطبع، فإنّ أصحاب الإيمان القويّ يصمدون، ولكن في النّهاية إنّ كلّ الصّعاب كانت تنهال على الرّسول.

وفي هذه الأثناء، وعندما كان النبيّ يُقاسي أشدّ أنواع المحنة، توفّي كلٌّ من أبي طالب، الّذي كان الدّاعم للنبيّ وأملَه، والسيّدة خديجة الكبرى، الّتي كانت تُعدّ أكبر عونٍ روحيّ له، خلال أسبوعٍ واحد! فكانت حادثة عجيبة جدًّا؛ أي أنّ النبيّ أصبح بعدها وحيدًا فريدًا.

إنّ مَن يترأس مجموعة معيّنة، يعلم ما معنى مسؤوليّة المجموعة. ففي مثل هذه الظّروف يصبح الإنسان متحيّرًا. انظروا إلى دور فاطمة الزّهراء عليها السلام في مثل هذه الظّروف. عندما يتأمّل الإنسان في التّاريخ، ينبغي أن يجد مثل هذه الموارد في الزّوايا المختلفة. لقد كانت فاطمة الزّهراء عليها السلام كأمًّ ومشاورٍ وممرّضة بالنسبة إلى النبيّ. هناك قيل "فاطمة أمّ أبيها". إنّ هذا الأمر مربوط بذاك الوقت، أي عندما كان للابنة من العمر ستّ أو سبع سنوات. وبالطبع، في البيئة العربية وفي البيئات الحارّة، تنمو البنات بصورةٍ أسرع من الناحيتين الجسديّة والرّوحيّة، أي بمعدّل فتاة بعمر العاشرة أو الثانية عشرة في أيامنا هذه. وهذا ما يؤدّي إلى الشعور بالمسؤوليّة. ألا يمكن أن يُشكّل ذلك قدوةً لأيّ فتاة، كي تشعر باكرًا بالمسؤوليّة والنشاط تجاه القضايا التي تدور من حولها؟ إنّ هذا الرأسمال العظيم للنشاط الموجود فيها، كانت تنفقه من أجل أن تزيل غبار التكدّر والغمّ عن وجه أبٍ لعلّه قد مرّ على عمره أكثر من 50 سنة، وقد قارب سنّ الهرم.

حياتها عليها السلام الزوجيّة
قال عليّ عليه السلام مرّة بشأن فاطمة الزّهراء عليها السلام: "لا أغضبتني ولا عصت لي أمراً"1. فمع تلك العظمة والجلالة للسيدة الزهراء عليه السلام، فإنّها كانت زوجة في بيتها،
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص 134.
 
 
 
 
 
 
92

70

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 وامرأة بالنّحو الذي يتحدث عنه الإسلام.


فقد كان زوجها الشابّ في الجبهة وميادين الحرب دائمًا، وكانت مشاكل المحيط والحياة قد جعلت فاطمة الزّهراء عليها السلام كمركزٍ لمراجعات النّاس والمسلمين. إنّها ابنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المفرّجة للهموم، وقد صارت في حياتها في تلك الظّروف بمنتهى العزّة والسموّ، وقامت بتربية أولادها الحسن والحسين وزينب، وإعانة زوجها عليّ عليه السلام، وكسب رضا أبٍ كالنبيّ. وعندما بدأت مرحلة الفتوحات والغنائم، لم تأخذ بنت النبيّ ذرّة من لذائذ الدنيا وزخرفها ومظاهر الزينة والأمور الّتي تميل لها قلوب الشابّات والنّساء.

كانت حياة فاطمة الزّهراء عليها السلام في جميع الأبعاد، حياةً مليئة بالعمل والسّعي والتّكامل والسموّ الرّوحيّ للإنسان. 

لذا فإنّ على المرأة المسلمة أن تسعى في طريق الحكمة والعلم، وفي طريق بناء الذّات، معنويًّا وأخلاقيًّا، وأن تكون في الطّليعة في ميدان الجهاد والكفاح، وأن لا تهتمّ بزخارف الدّنيا ومظاهرها الرّخيصة، وأن تكون عفّتها وعصمتها وطهارتها بحيث تدفع بذاتها عين ونظرة الأجنبيّ المريبة تلقائيًّا، وفي البيت سكينة للزّوج والأولاد، وراحة للحياة الزوجيّة، وتُربّي في حضنها الحنون والرّؤوف، وبكلماتها اللطيفة والحنونة، أولادًا مهذّبين بلا عُقد، وذوي روحيّة حسنة وسليمة، وتُربّي رجال المجتمع ونساءه وشخصيّاته. إنّ الأم أفضل من يبني، فقد يصنع أكبر العلماء آلة إلكترونية معقّدة جدًّا مثلًا، أو يصنعون أجهزة للصّعود إلى الفضاء، أو صواريخ عابرة للقارّات، ولكن كلّ هذا لا يُعادل أهميّة بناء إنسانٍ سامٍ، وهو عمل لا يتمكّن منه إلا الأم، فهذه هي أسوة المرأة المسلمة.

حياتها عليها السلام الجهاديّة والسّياسيّة
تُعتبر شخصيّة الزّهراء المطهَّرة عليها السلام في الأبعاد السّياسيّة والاجتماعيّة والجهاديّة، شخصية مميزة بحيث إنّ جميع النّساء المجاهدات والثوريّات والمميّزات والسياسيّات في العالم يُمكنهنّ أن يأخذن الدروس والعبر من حياتها القصيرة والمليئة بالمحتوى والمضمون.

امرأةٌ وُلدت في بيت الثورة، وأمضت كلّ طفولتها في حضن أبٍ كان في حالة مستمرّة من الجهاد العالميّ العظيم الّذي لا يُنسى، تلك السيّدة الّتي كانت في مرحلة طفولتها تتجرّع
 
 
 
 
 
 
 
93

71

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 مرارات الجهاد في مكّة، وعندما حوصرت في شعب أبي طالب، لمست الجوع والصعاب والرّعب وكلّ أنواع وأصناف الشّدائد في مكّة، وبعد أن هاجرت إلى المدينة، أضحت زوجة رجلٍ كانت كلّ حياته جهادًا في سبيل الله، فلم تمرّ سنة أو نصف سنة على هذا الزّوج لم يكن فيها في جهادٍ في سبيل الله، أو لم يذهب فيها إلى ميدان المعركة، طيلة المدّة التي عاشتها فاطمة الزّهراء عليها السلام مع أمير المؤمنين عليه السلام، والتي قاربت الإحدى عشرة سنة. وكانت هذه المرأة العظيمة والمضحّية زوجةً لائقةً لرجلٍ مجاهدٍ وجنديّ وقائد دائمٍ في ميدان الحرب. فحياة فاطمة الزّهراء عليها السلام، وإن كانت قصيرة ولم تبلغ أكثر من عشرين سنة، لكنّها من جهة الجهاد والنّضال والسّعي والصّبر الثوريَّين، والدّرس والتّعليم والتعلّم والخطابة، والدّفاع عن النبوّة والإمامة والنّظام الإسلاميّ، كانت بحرًا مترامياً من السّعي والجهاد والعمل، وفي النّهاية الشهادة.


إنّ جهاد تلك المكرَّمة في الميادين المختلفة هو جهاد نموذجيّ في الدفاع عن الإسلام، وفي الدّفاع عن الإمامة والولاية، وفي الدّفاع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حفظ أكبر القادة الإسلاميّين، وهو أمير المؤمنين عليه السلام زوجها.

هذه هي الحياة الجهاديّة لفاطمة الزّهراء عليها السلام، الّتي هي عظيمة جداً واستثنائية، وفي الحقيقة لا نظير لها، ويقيناً ستبقى في أذهان البشر ـ سواء اليوم أو في المستقبل ـ نقطةً ساطعةً واستثنائية.

النقطة الساطعة في حياة الزهراء عليها السلام
توجد نقطةٌ نقطة مهمّة في حياة الزّهراء المطهّرة عليها السلام يجب الالتفات إليها، وهي الجمع بين حياة امرأة مسلمة في سلوكها مع زوجها وأبنائها وقيامها بمسؤوليّاتها في البيت من جهة، وبين مسؤوليّات الإنسان المجاهد الغيور الّذي لا يعرف التّعب في التّعامل مع الأحداث السّياسيّة المهمّة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جاءت إلى المسجد وخطبت واتّخذت المواقف ودافعت وتحدّثت، وكانت من جهاتٍ أخرى مجاهدة بكلّ ما للكلمة من معنىً، لا تعرف التّعب، وتتقبّل المحنة والصّعاب. ومن جهةٍ ثالثة، فقد كانت عابدة ومقيمة للصّلاة في الليالي الحالكة، وتقوم لله خاضعةً خاشعة له، وفي محراب العبادة كانت
 
 
 
 
 
 
 
94

72

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 هذه المرأة الصبيّة كالأولياء الإلهيّين تناجي ربّها وتعبده.


إنّ هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعةً تُمثّل النقطة الساطعة لحياة فاطمة الزّهراء عليها السلام. فإنّها لم تكن تفصل بين هذه الجهات الثلاث. يتصوّر بعض النّاس أنّ الإنسان عندما يكون مشغولًا بالعبادة، وهو من أهل الذّكر، لا يُمكنه أن يكون سياسيًّا، أو يتصوّر بعض آخر أنّ أهل السياسة، سواء أمن الرجال كانوا أم من النساء، إذا كانوا حاضرين في ميدان الجهاد في سبيل الله بفاعليّة، فإذا كنّ من النساء، فلا يُمكنهنّ أن يكنّ ربّات منزل يؤدّين وظائف الأمومة والزوجيّة والخدمة، وإذا كانوا رجالاً فلا يُمكنهم أن يكونوا أرباب منزل وأصحاب دكّان وحياة. إنّهم يتصوّرون أنّ هذه تتنافى فيما بينها وتتعارض، في حين أنّ هذه الأمور الثلاثة لا تتنافى مع بعضها، ولا توجد ضدّية بينها من وجهة نظر الإسلام. ففي شخصيّة الإنسان الكامل، تكون هذه الأمور معينة لبعضها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

73

الدرس السادس: السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام

 المفاهيم الرئيسة


1- السيدة فاطمة الزّهراء عليها السلام هي في الظاهر بصورة بشر، وامرأة، أيضًا، ولكنّها في المعنى هي حقيقةٌ عظيمة، ونورٌ إلهيٌّ ساطع، وعبدٌ صالح، وإنسانٌ مميّز ومصطفى.

2- السيدة الزهراء عليها السلام وصلت إلى مقام ومكانة عالية، بحيث يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويُقبّل يدها، وتقبيل يد فاطمة الزّهراء عليها السلام من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يؤخذ أبدًا على معنىً عاطفيّ.

3- كانت السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام عالمةً عظيمة، فتلك الخطبة الّتي ألقتها في مسجد المدينة هي خطبة، بحسب كلام العلّامة المجلسيّ، يحتاج فطاحل الفصحاء والبلغاء والعلماء أن يجلسوا ليفسّروا معاني كلماتها وعباراتها.

4- كانت عبادة فاطمة الزّهراء عليها السلام عبادةً نموذجيّة. يقول الحسن البصريّ - الّذي كان أحد العبّاد والزهّاد المشهورين في العالم الإسلاميّ - بشأن فاطمة الزّهراء عليها السلام: إنّ بنت النبيّ عبدت الله، ووقفت في محراب العبادة حتى تورّمت قدماها.

5- كانت السيدة الزهراءعليها السلامزوجة في بيتها، وامرأة بالنّحو الذي يتحدث عنه الإسلام. فقد كان زوجها الشابّ في الجبهة وميادين الحرب دائمًا، وكانت مشاكل المحيط والحياة قد جعلت فاطمة الزّهراء عليها السلام كمركزٍ لمراجعات النّاس والمسلمين.

6- قامت عليه السلام بتربية أولاده، الحسن والحسين وزينب، وإعانة زوجها عليّ عليه السلام، وكسب رضا أبٍ كالنبيّ. وعندما بدأت مرحلة الفتوحات والغنائم، لم تأخذ بنت النبيّ ذرّة من لذائذ الدنيا وزخرفها، ومظاهر الزينة والأمور الّتي تميل إليها قلوب الشابّات والنّساء.

7- إنّ جهاد السيدة الزهراء عليها السلام في الميادين المختلفة هو جهاد نموذجيّ في الدفاع عن الإسلام، وفي الدّفاع عن الإمامة والولاية، وفي الدّفاع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حفظ أكبر القادة الإسلاميّين، وهو أمير المؤمنين عليه السلام زوجها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

74

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن البُعد التاريخيّ لصلح الإمام الحسن عليه السلام من خلال معرفة المراحل التي مرّ بها الفكر الإسلاميّ.
2- يحلِّل أبرز عوامل صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، ويدرك أهم الآثار الناجمة عنه.
3- يفسّر موقف الإمام الحسن عليه السلام من معارضي الصلح.
 
 
 
 
 
 
 
97

75

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 البُعد التاريخيّ لصلح الإمام الحسن عليه السلام

لقد قيل الكثير بشأن صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، ولا بدَّ لنا أن نتعامل مع قضيّة صلح الإمام الحسن عليه السلام من وجهة نظر جديدة، لأنّ هذه الحادثة تُمثّل مقطعًا تاريخيًّا شديد الحساسية، يجعل أهميّة هذه الحادثة أكبر من أيّ حادثة سياسيّة طيلة تاريخ الإسلام. 

إنّ تاريخ الإسلام مليئٌ بالأحداث المختلفة - أحداث عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده، وعصر أمير المؤمنين عليه السلام، والحوادث في عهد الأئمّة عليهم السلام والأمويّين والعبّاسيّين -، فالإسلام تاريخٌ مليئٌ بالحوادث المهمّة، لكن قليلةٌ هي الأحداث الّتي لدينا والتي تُشبه هذه الحادثة، حادثة الإمام الحسن عليه السلام، من حيث البُعد المصيريّ للتّاريخ الإسلاميّ كلّه. فمن هذه النّاحية، تعتبر حادثة الإمام الحسن عليه السلام حادثة مهمّةً جداً.

وحتى تتضح تلك الأهميَّة، ينبغي قراءة المسيرة التاريخيَّة والمراحل التي مرَّ بها الفكر الإسلاميّ. نذكرها وفق الشكل الآتي: 
1- مرحلة النهضة الأولى:
كان الفكر الإسلاميّ في عهده الأوّل عبارة عن نهضةٍ واحدة وتحرّكٍ واحد، جاء في إطار حركة جهاديّة ونهضة ثوريّة عملاقة. وما أن أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الفكر في مكّة، حتّى حشد أعداء الفكر التّوحيديّ وأعداء الإسلام صفوفَهم للوقوف في وجهه والحيلولة دون أن يشقّ هذا الفكر طريقه، فعمد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى تنظيم هذه النهضة بتعبئة قواه من العناصر المؤمنة، صانعًا ملحمةً جهاديّةً في غاية الفطنة والقوّة والتقدّم داخل مكّة، استمرّت إحدى عشرة سنة، فكانت تلك المرحلة الأولى.
 
 
 
 
 
 
99

76

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 2- مرحلة تشكّل الحكومة:

بعد ثلاث عشرة سنة، ومن خلال تعاليم النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والشّعارات الّتي رفعها، والتّنظيم الّذي اعتمده، والتّضحيات الّتي بُذلت، ومجموع العوامل التي توفّرت، تحوّل هذا الفكر إلى حكومة ونظام، وتبدّل إلى نظامٍ سياسيّ وحياتيّ لأمّة بأكملها، وكان ذلك عندما قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وجعل منها قاعدة له، وبسط فيها الحكومة الإسلاميّة، فتحوّل الإسلام من نهضة إلى حكومة، وهذه هي المرحلة الثّانية.

استمرّت هذه المسيرة على مدى عشر سنوات من حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والفترة الّتي تلتها من عهد الخلفاء الأربعة، ومن ثمّ إلى زمان الإمام المجتبى عليه الصّلاة والسّلام، وخلافته الّتي استمرّت ما يناهز ستّة أشهر، برز خلالها الإسلام على شكل حكومة. وكان كلّ شيء يتّخذ هيئة النّظام الاجتماعيّ، أي الحكومة والجيش، والعمل السياسيّ والثقافيّ والقضائيّ، وتنظيم العلاقات الاقتصادية للأمّة، وكان قابلًا للاتّساع، ولو قُدّر له أن يمضي قُدُمًا على هذا النّحو، لكان قد عمّ المعمورة بأكملها، أي لكان الإسلام أثبت أنّ لديه هذه القابليّة.

3- مرحلة النهضة الثانية:
لقد جرى تنظيم الأمر بعد صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بذكاءٍ وحنكة بنحوٍ لا يدخل فيه الإسلام والنّهضة الإسلاميّة في نفق الخلافة بما تحمله من مواصفات الملكيّة، وهذا كان فنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. فقد قام هذا الإمام بعملٍ جعل تيّار الإسلام الأصيل، الذي كان قد انطلق من مكّة ووصل إلى الحكومة الإسلاميّة، وإلى زمن أمير المؤمنين، وإلى زمنه هو، جعله يسير في مجرًى آخر. غاية الأمر أنّه، وإن لم يكن على شكل حكومة، لأنّ ذلك لم يكن ممكنًا، إلّا أنّه على الأقل جرى مرّة أخرى على شكل نهضة.

كانت هذه المرحلة الثالثة للإسلام، حيث نهض الإسلام، الإسلام الأصيل، الإسلام المقارع للظلم، الإسلام الّذي لا يداهن، الإسلام البعيد عن التحريف والمنزّه من التحوّل إلى ألعوبة تتقاذفها الأهواء والنزوات. لقد بقي، ولكن بقي على شكل نهضة، أي أنّ الفكّر الثوريّ الإسلاميّ في زمن الإمام الحسن عليه السلام، الذي كان قد طوى مرحلة ووصل إلى السّلطة والحكومة، عاد مرّةً أخرى وتحوّل إلى نهضة.
 
 
 
 
 
 
 
100

77

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 أبرز عوامل الصلح 

فُرِض الصلح على الإمام الحسن عليه السلام, ولم يكن راغباً عليه السلام بإيقاعه مع معاوية, وذلك نتيجة عدّة عوامل أبرزها:
1- تنامي التيار المعارض، وبلوغه الذروة في عهد الإمام الحسن عليه السلام:
لقد تنامى التيّار المعارض (للإسلام الأصيل) في زمن الإمام الحسن عليه السلام إلى أن استطاع أن يبرز كواحدٍ من العراقيل. بالطبّع، إنّ هذا التيّار المعارض لم يظهر إلى الوجود في عهد الإمام المجتبى عليه السلام، بل في السّنوات التي سبقته. فلو أراد شخصٌ أن يبتعد قليلًا عن الجوانب العقائدية، ويعتمد فقط على الشّواهد التاريخيّة، يستطيع الادّعاء أنّ هذا التيّار لم يظهر إلى الوجود حتّى في العهد الإسلاميّ، وإنّما كان استمرارًا لما شهدته مرحلة نهضة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي مرحلة مكّة.

فحين وصلت الخلافة في عهد عثمان - الّذي كان من بني أميّة - إلى أيدي هؤلاء القوم، وأبو سفيان - الذي كان أعمى يومها - كان يجلس بعيدًا مع أصدقائه، فسأل: من هم الحاضرون في الجلسة؟ جاءه الرّد: فلانٌ وفلانٌ وفلان، فلمّا اطمأنّ بأنّ الحاضرين جميعهم من قومه، ولا يوجد شخصٌ غريب بينهم، خاطبهم قائلاً: "تلقّفوها تلقّف الكرة"1، أي تناولوا الحكومة كتناول الكرة، ولا تدعوها تفلت منكم. وقد تناقلت تواريخ الشّيعة والسنّة هذه الحادثة. فهذه ليست مسألة عقائديّة، ونحن لا نتناولها وفق رؤية عقائديّة، ولا نُحبّذ تناولها من خلال هذه الرؤية، بل نثيرها من بُعدها التاريخيّ فقط.

بالطّبع، كان أبو سفيان في ذلك الوقت مسلمًا، وقد أسلم. غاية الأمر، كان إسلام ما بعد الفتح، أو على شرُف الفتح، عندما لم يكن الإسلام يعيش زمن الغربة والضّعف، فكان إسلامه بعد بلوغ الإسلام أوج قدرته. 

لقد بلغ هذا التيّار ذروته في عهد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وبرز متجسّدًا بمعاوية بن أبي سفيان وهو يقف بوجه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. فباشر هذا التيّار معارضته،
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 31، ص 197.
 
 
 
 
 
 
 
 
101

78

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 سادًّا الطّريق بوجه الحكومة الإسلاميّة - أي الإسلام بطابعه الحكوميّ - مفتعلًا المشاكل، حتّى تحوّل إلى عائق أمام تقدّم تيّار الحكومة الإسلاميّة عمليًّا.


2- تعذّر المعالجة بالحلول العسكريّة:
لم تكن فكرة شهادة الإمام الحسن عليه السلام أمرًا ممكنًا (في الوقت الذي أُبرم فيه الصلح مع معاوية). ويُثبت المرحوم الشّيخ راضي آل ياسين، (رضوان الله تعالى عليه)، في كتابه "صلح الحسن"، تعذّر الشّهادة، إذ ليس كلّ قتلٍ شهادة، بل الشّهادة قتلٌ بشروط، ولم تكن تلك الشّروط متوفّرة حينها. ولو قُدّر للإمام الحسن عليه السلام القتل يومذاك، لما مات شهيدًا، فقد كان متعذّرًا على أيّ أحد القيام بتحرّكٍ مضمون المصلحة في تلك الظّروف، فيُقتل شهيدًا، إلّا أن ينتحر.

أضف إلى ذلك, لم تكن أرضيّة مثل هذا القيام مهيّأة في ذلك العصر، لأنّ وعي النّاس كان قليلًا، والإمكانات المالية للعدوّ وإعلامه كانت كثيرة جدًّا. لقد استعمل العدوّ أساليب ما كان الإمام الحسن عليه السلام ليستعملها، كدفع الأموال دون طائل، وجمع الفاسدين والأشرار وأمثالهم. فلذلك كانت يد معاوية مبسوطة، بخلاف الإمام الحسن عليه السلام1.

وذُكر في الرواية أنَّه جاء اثنان، في بداية الصّلح، من وجهاء الشّيعة (مُسيّب بن نَجَبة وسليمان بن صُرَد)، ومجموعة من المسلمين، إلى الإمام المجتبى عليه السلام، وقالوا: لدينا قوى كثيرة من خراسان العراق وغيرهما، ونحن نضعهم تحت تصرّفك، كما إنّنا مستعدّون لملاحقة معاوية حتّى الشام، فطلبهم عليه السلام إلى خلوةٍ، وتحدّث معهم لهنيهة. وبعد أن خرجوا من عنده كانوا هادئين، وتركوا قوّاتهم، ولم يعطوا لمن كان معهم أيّ جوابٍ واضح. ويدّعي طه حسين بأنّ هذا اللقاء ،في الواقع، قد وضع حجر الأساس لجهاد الشّيعة، أي أنّه يريد القول إنّ الإمام الحسن عليه السلام قد جلس معهم وشاورهم وأوجد في هذا الاجتماع التّشكيلات الشّيعيّة العظيمة.

إنَّ الإمام الحسن عليه السلام والأئمة عليهم السلام لم يتركوا قضيّة الحكومة الإسلاميَّة, ولم يتوانوا لحظة في الدفاع عنها, لكن لم تتهيّأ المقدمات لإقامتها, وتوجد رواية عن الإمام
 

1- مجلة پاسدار إسلام، 6.
 
 
 
102

79

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 الباقر عليه السلام يقول فيها: "وُقّت هذا الأمر في السبعين"1، فبالتقديرات الإلهية إنّ أمر الحكومة يعود إلى أهل البيت، حتّى ولو بعد مرور 30 سنة على شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، و10 سنوات على شهادة الإمام الحسين عليه السلام، إلّا أنّ منتهى الأمر هو كيف يمكن أن تحصل هذه النتيجة بمثل هذه العظمة؟ ذلك عندما يُهيّئ النّاس مقدّماتها بالإرادة والعزم، فالله تعالى لا يُحابي أحدًا، وليس له من أقارب! فالأمر الّذي كان على عاتق النّاس لم يُنجزوه، أمّا العمل الّذي كان على عاتق الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام فقد أدّياه، ولكن العمل الّذي كان على عاتق الخواصّ ـ عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عبّاس، وغيرهما ـ لم يتمّ. حتّى أولئك الّذين جاؤوا فيما بعد إلى كربلاء وحاربوا مع الإمام الحسين عليه السلام، فإنّهم لم يقوموا بما كان ينبغي عليهم القيام به في زمان مسلم، لقد قصّروا، وإلّا لما حدث لمسلم ما حدث. كان عليهم أن ينهوا المسألة، ولم يفعلوا، وهذا التقصير أدّى إلى أن تحدث واقعة كربلاء.


ثمّ يقول عليه السلام: "فلمّا أن قُتل الحسين صلوات الله عليه اشتدّ غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخّره إلى أربعين ومائة"2، أي أنّه في الظاهر قد تأخّر. وبرأيي، قد وصل إلى سنة 140، أي أنّه تأخّر سبعين سنة، وهي السّنوات الّتي وصل فيها العبّاسيّون إلى السّلطة... أي من المعلوم أنّ صلح الإمام الحسن عليه السلام قد هيّأ الأرضيّة لهذا العمل الكبير، وإلا فإنّ الأئمّة عليهم السلام لم يكونوا ليتركوا القضيّة. فهل أنّ قضية الولاية والحكومة هي قضيّة بسيطة؟! لقد كان هذا أساس الدّين ومحوره، ولكن هذا ما حدث في النّهاية.

الآثار الناجمة عن الصلح
1- حفظ النظام القيميّ للإسلام:
إنَّ الصلح وشّروطه الّتي أقرّها الإمام، في الواقع, كانت جميعها مكرًا إلهيًّا، ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ﴾، أي لو أنّ الإمام الحسن حارب وقُتل في الحرب - وكان هناك احتمالٌ كبير أن يُقتل على يد أصحابه أو على يد الجواسيس الّذين اشتراهم معاوية -، لكان معاوية ليقول: أنا
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 368.
2- م. ن، ج1، ص 368.
 
 
 
103

80

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 لم أقتله، - بل قتله أصحابه، ولعلّه كان سيقيم العزاء عليه أيضًا، ويبيد جميع أصحاب أمير المؤمنين من بعدها، ولما كان بقي هناك أي شيء باسم التشيّع، حتّى تظهر بعد 20 سنة في الكوفة جماعة تدعو الإمام الحسين عليه السلام، فما كان ليبقى أيّ شيء أصلًا. 


لولا لجوء الإمام الحسن عليه السلام إلى الصلح، لكانوا قضوا على وجود آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تمامًا، ولما بقي من يحفظ النّظام القيميّ الأصيل للإسلام، ولكان انتهى كلّ شيء، ولانمحى ذكر الإسلام، ولما كان الدّور ليصل إلى حادثة عاشوراء. فلو كان الإمام المجتبى عليه السلام قد قرّر الاستمرار في الحرب ضدّ معاوية، وانتهت (الحرب) باستشهاد آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكان الإمام الحسين عليه السلام قُتل في تلك الحادثة نفسها، ولحصل الشّيء نفسه لكبار الأصحاب، أمثال حجر بن عُديّ، ولكان مات الجميع، وما بقي من يستفيد من الفرصة للمحافظة على الإسلام بإطاره القيميّ. فقد كان للإمام المجتبى عليه السلام حقٌّ عظيم على بقاء الإسلام.

2- تبدّل الخلافة الإسلاميَّة إلى مَلَكيَّة:
إنّ حادثة صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية أدَّت إلى تبديل تيّار الخلافة الإسلاميّة إلى المَلَكية. هذه جملة مليئة بالمعنى والمضمون لو تأمّلنا فيها. فالخلافة هي نوع من الحكومة، والملكية هي نوعٌ آخر. ولا ينحصر التمايز بين هاتين بخصوصيّة واحدة أو خمس خصوصيّات. فمسار الملكيّة ومسار الخلافة هما مساران منفصلان، ويتمايزان بالكامل على مستوى إدارة المسلمين وحكمهم، وإدارة البلاد والمجتمع الإسلاميّ. ففي هذه الحادثة، تبدّل مسار القطار العظيم للتاريخ الإسلاميّ والحياة الإسلاميّة، مثلما يحدث عندما تنظرون إلى القطارات عند تغيّر مساراتها، ففي محلٍّ ما يتمّ تبديل هذه السكّة، ويؤدّي ذلك إلى أن يتغيّر مسار القطار 180 درجة، وقد يكون القطار متّجهًا شمالًا فيُصبح بعد ذلك متّجهًا جنوبًا. وبالطبع، إنّ هذا التغيير إلى 180 درجة لا يحصل في لحظةٍ واحدة ٍملموسة، لكن مآل ذلك أنّ الإنسان يُشاهد شيئًا يُشبه هذا الأمر. 

الاعتراض على الصلح
بعد أن صالح الإمامُ الحسن معاوية، بدأ الجاهلون عديمو الوعي يذمّونه بمختلف
 
 
 
 
 
 
 
104

81

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 العبارات، حتّى كان بعضهم يُسلّم عليه بـ "مذلّ المؤمنين"1، ويقولون له إنّك بصلحك هذا قد أذللت المؤمنين المتحمّسين لقتال معاوية، واستسلمت له. وفي بعض الأحيان كانوا يستخدمون عبارات أكثر احترامًا وأدبًا، إلا أنّ المضمون كان واحدًا. وقد قام الإمام الحسن عليه السلام في مقابل هذه الاعتراضات والملامات بمخاطبتهم بجملة لعلّها هي الأبلغ في كلّ خطبته: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾2، وهي آيةٌ قرآنية، وكأنّه يريد أن يقول: قد يكون ما جرى فتنة لكم وامتحانًا، أو إنّه متاعٌ محدود لمعاوية.


وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الإمام كان ينتظر المستقبل، وهذا المستقبل لا يمكن أن يكون سوى أنّ الحكومة الّتي لا يُمكن أن تكون مقبولة بنظر الإمام الحسن عليه السلام والّتي هي على غير الحقّ، يجب أن تتنحّى جانبًا، وتأتي حكومة وفق رأيه. لهذا، كان يقول لهم: إنّكم لستم مطّلعين على فلسفة هذا الأمر، فماذا تعلمون؟ لعلّ هناك مصلحة في هذا الأمر3.

الإمام الحسين عليه السلام وموقفه من المعترضين
لم يكن بالإمكان تفادي الصلح مع معاوية، فلا مناص منه, بل يمكننا القول أيضاً إنَّ من كان في موقف الإمام الحسن المجتبى عليه السلام نفسه، وفي مثل ظروفه، لا يمكن إلّا أن يقوم بمثل ما قام به الإمام الحسن عليه السلام، بما في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام نفسه. ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إنَّ ذلك العمل الذي قام به الإمام الحسن عليه السلام هو مثارٌ للتّشكيك. كلّا، ففعله عليه السلام كان مطابقًا للاستدلال المنطقيّ الّذي لا يقبل التخلّف.

فلو سألنا من هو الأكثر ثوريّة من بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الّذي فاقهم في اصطباغ حياته بصبغة الشّهادة، وفاقهم حميّةً للمحافظة على الدّين ومواجهة العدوّ، لوجدنا أنّه الحسين بن عليّ عليه السلام، وهو عليه السلام قد شارك الإمام الحسن عليه السلام في هذا الصّلح، فلم يعقد الإمام الحسن الصّلح وحده، بل عقداه معًا، غاية الأمر أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان المتقدّم يتبعه الإمام الحسين في ذلك.

1- ابن شعبة الحرانيّ، الحسن بن علي، تحف العقول، نشر: مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم، الطبعة الأولى، قم، 1403هـ، ص 308.
2- سورة الأنبياء، الآية 111.
3- مجلة پاسدار إسلام، 6.
 
 
 
 
105

82

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 كان الإمام الحسين عليه السلام أحد الذائدين عن مبدأ صلح الإمام الحسن عليه السلام. وعندما بدر اعتراضٌ من أحد الأنصار المقرَّبين ـ من هؤلاء المتحمّسين الثائرين ـ على ما فعله الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ردّ عليه الإمام الحسين عليه السلام، "وغمز الحسين حجراً"1، وليس هنالك من يقول: لو كان الإمام الحسين مكان الإمام الحسن لما وقّع الصّلح، كلا، فلقد كان الإمام الحسين إلى جانب الإمام الحسن، ووقّع الصلح، ولو لم يكن الإمام الحسن عليه السلام وكان الإمام الحسين عليه السلام وحيدًا في تلك الظّروف، لحدث ما حدث، ولوقع الصلح.


1- السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج حسن الأمين، دار التعارف - بيروت، ج1، ص571.

 

 

106


83

الدرس السابع: الإمام الحسن عليه السلام (1) قضية الصلح

 المفاهيم الرئيسة


1- تعتبر حادثة الإمام الحسن عليه السلام حادثة مهمّةً جداً. وحتى تتضح تلك الأهميَّة، ينبغي قراءة المسيرة التاريخيَّة والمراحل التي مرَّ بها الفكر الإسلاميّ. 

2- المراحل التي مر بها الفكر الإسلاميّ هي: مرحلة النهضة الأولى، حيث كان الفكر الإسلاميّ في عهده الأوّل عبارة عن نهضةٍ واحدة وتحرّكٍ واحد، جاء في إطار حركة جهاديّة ونهضة ثوريّة عملاقة استمرّت إحدى عشرة سنة، ثم مرحلة تشكّل الحكومة، حيث تحوّل هذا الفكر إلى حكومة ونظام، وتبدّل إلى نظامٍ سياسيّ وحياتيّ لأمّة بأكملها، وكان ذلك عندما قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وجعل منها قاعدة له، وبسط فيها الحكومة الإسلاميّة. 

3- فُرِض الصلح على الإمام الحسن عليه السلام، ولم يكن راغباً عليه السلام بإيقاعه مع معاوية، وذلك نتيجة عوامل عدّة أبرزها: تنامي التيار المعارض، وبلوغه الذروة في عهد الإمام الحسن عليه السلام، وتعذّر المعالجة بالحلول العسكريّة.

4- إنَّ أبرز الآثار الناجمة عن الصلح هي: حفظ النظام القيميّ للإسلام، وتبدّل الخلافة الإسلاميَّة إلى مَلَكيَّة.

5- بعد أن صالح الإمامُ الحسن معاوية، بدأ الجاهلون عديمو الوعي يذمّونه بمختلف العبارات، حتّى كان بعضهم يُسلّم عليه بـ "مذلّ المؤمنين". وقد قام الإمام الحسن عليه السلام في مقابل هذه الاعتراضات والملامات بمخاطبتهم بجملة لعلّها هي الأبلغ في خطبته كلّها: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.

6- لقد كان الإمام الحسين إلى جانب الإمام الحسن، ووقّع الصلح. ولو لم يكن الإمام الحسن عليه السلام وكان الإمام الحسين عليه السلام وحيدًا في تلك الظّروف، لحدث ما حدث، ولوقع الصلح.
 
 
 
 
 
 
107

84

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح أبرز خصائص تيّار الحقّ وتيّار الباطل.
2- يبيّن أساليب تيّار الباطل وأساليب تيار الحق، ويميّز بينها.
3- يحلِّل نتائج الصراع بين تياري الحق والباطل.
 
 
 
 
 
 
 
 
109

85

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 خصائص تيّار الحقّ وتيّار الباطل

فيما يتعلّق بخصائص كلّ تيّار، هناك الكثير ممّا يُمكن أن يُقال، بحيث لو أردنا أن نُعدّدها لاحتجنا إلى لائحةٍ طويلة،...، فإنّ تيّار الحقّ، أي تيّار الإمام الحسن عليه السلام، يُعطي الأصالة للدّين، فبالنسبة لهم الأصل كان الدّين. فما هو الدّين؟ هو أن يبقى الإيمان والاعتقاد بالدين بين النّاس، وأن يبقوا متعبّدين به، ومتمسّكين بالإيمان والعمل، وأن يكون الدين حاكمًا في إدارة المجتمع. فالأصل بالنسبة لهم كان أن يتحرّك المجتمع وفق إدارة الدّين وسيادته وحاكميّته، وأن يكون النّظام هو النّظام الإسلاميّ. أمّا الحصول على السّيادة والحكومة، والإمساك بزمام السّلطة، فيأتيان بالمرتبة الثانية والثالثة والرابعة وهكذا، وغيرها من القضايا الفرعية. لكنّ القضيّة الأساس كانت أنّ هذا النّظام وهذا المجتمع ينبغي أن يُدار وفق حاكمية الدّين، وأن يبقى أبناء هذا المجتمع على دينهم وإيمانهم، وأن يترسّخ ويتعمّق هذا الأمر في قلوبهم. كانت هذه هي خصائص التيّار الأوّل.

خصائص تيار الباطل
كان الأصل عند تيار الباطل هو الإمساك بالسّلطة، وبأيّ ثمنٍ كان. كانوا يريدون الحكومة... وكانت هذه هي السّياسة الحاكمة على التيّار الثاني. وكانت القضيّة بالنّسبة إلى هذا التيّار الإمساكَ بالسّلطة بأيّ ثمنٍ كان، وبأيّة وسيلة كانت، وبأيّ نحو كان.

فالقيم والأصول الأخلاقيَّة والدينيّة، بالنّسبة لهم، لا تُشكّل أصلًا. فالأصل بالنسبة إليهم يكون بأن يبقوا السّلطة في أيديهم، هذا ما هو مهمٌّ بالنسبة لهم، ومثل هذا يُعدّ حدًّا حسّاسًا ومهمًّا. فمن الممكن أن يكون كلٌّ من التيّارين يعمل بظواهر الدّين، كما كان عليه الأمر في الحرب بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين معاوية، ففي يومٍ من الأيّام، نجد أنّ جماعة من
 
 
 
 
 
111

86

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 المقاتلين كانوا في صفوف أمير المؤمنين عليه السلام ، في حرب صفّين الّتي وقف معاوية فيها مقابل أمير المؤمنين عليه السلام، ثم تردّدوا، وكان من بينهم عدّة من أولئك الّذين يحملون الشّبهات، ولا يستطيعون أن يحلّوها بأنفسهم، ولا هم يرجعون إلى شخصٍ قادرٍ على ذلك، فلذلك كانوا يعزمون على إشاعتها، فيجمعون مجموعة من الأفراد من حولهم. ومثل هؤلاء كانوا يقعون في التردّد، فيقولون: لماذا نحن نتحارب؟ فهم يُصلّون، ونحن نُصلّي، وهم يقرؤون القرآن، ونحن نقرأ القرآن، وهم يذكرون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن كذلك، فوقعوا في مثل هذا التردّد والحيرة. وكان هناك عمّار بن ياسر ـ وقد وجدت نقطةً بارزةً بشأن عمّار بن ياسر في تاريخ صدر الإسلام ـ، هذا الجليل المحلِّل، والكاشف للمسائل الدقيقة والمليئة بالشبهات، الّتي كانت في ذلك الزمان مورد غفلة وجهالة. فهذا هو شأن عمّار بن ياسر في تاريخ الإسلام. فإذا كنّا نعرف مالكًا الأشتر بسيفه وشجاعته، فعلينا أن نعرف عمّار بن ياسر بكلامه وفكره ورؤيته الصحيحة، وكشفه للكثير من الأمور في تاريخ صدر الإسلام. فأنا بحثت ووجدت أنّه نادرًا ما كان هناك موارد هي محلّ شبهة في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يكن لعمّار بن ياسر يد أو حضور فيها، لقد كان هذا الرّجل الجليل رجلًا استثنائيًّا.


لقد علم عمّار بن ياسر أنّ هناك جماعة وقعوا في هذه الشّبهة، فذهب إليهم، وبيّن لهم الحقائق. واتّضح لهم أنّ القضيّة ليست قضيّة أنّه هو يُصلّي وأنت تُصلّي، وقال أُقسم بالله إنّني رأيت في حربٍ أخرى هاتين الرّايتين تتقابلان، هذه الرّاية الّتي يحملها أمير المؤمنين عليه السلام اليوم، وهذه الرّاية الّتي تقف مقابله ويحملها معاوية، وذلك في معركة بدر. ففي معركة بدر تقابلت هاتان الرّايتان:- راية بني هاشم، وراية بني أميّة ،- فكان تحت هذه الرّاية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتحت تلك الراية كان معاوية هذا وأبوه، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام حاضرين تحت هذه الرّاية، فالخلاف بينهما خلافٌ حول الأصول، فلا تنظروا إلى هذه الظواهر، وأزيلوا هذه الشّبهة من أذهانكم.

قد يراعي هذا التيّار، الّذي تكون السّلطة أساسًا بالنسبة إليه، الظّواهر الإسلاميّة في بعض الأحيان، وهذا ليس دليلًا ومعيارًا، بل ينبغي النّظر إلى باطن القضيّة، وتشخيصها بذكاءٍ.

أساليب تيّار الباطل في العمل
إنّ أساليب التيار الباطل، في العموم، هي مزيج من عدّة أشياء، أي أنّ خطّة معاوية كانت خطّة مؤلّفة من عدّة أقسام، من أجل الحفاظ على السّلطة وترسيخها، ولكلّ قسمٍ أسلوبه في العمل والتّنفيذ. فأحد هذه الأساليب كان عبارة عن استعراض القوّة، وفي بعض الأماكن كان يستعرضها من خلال العنف والقمع والتّنكيل، وثانيها هو المال، الّذي يُعدّ أكثر الأشياء فعاليّة بيد عوامل الشرّ، الآخر هو الإعلام، والرابع هو العمل السياسيّ، أي الأساليب السّياسيّة، والمقايضات السّياسيّة. هذه بمجموعها كانت أساليب معاوية. وهذه بعض النماذج:
 
 
 
 
112

87

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 1- أسلوب العنف والقمع:

إنَّ معاوية قد وصل به العنف إلى قتل حُجر بن عديّ، الّذي هو من صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى ولو كان قتله يُحمّله ثمنًا باهظًا، ثمّ يلاحق رشيد الهجريّ حتّى يقتله. ونجده يولّي زياد بن أبيه، هذا الفرد الظّالم والمعقّد الّذي لا قيمة عنده ولا همّ له سوى السّلطة، والّذي كان سيّئ الأخلاق، يولّيه على الكوفة الّتي هي مركز سلطة الفكر الشيعيّ والفكر الولائيّ، ويُعطيه الإجازة والصّلاحية ليفعل ما يريد. وبشأن زياد بن أبيه كتب المؤرّخون (والنص للإمام الحسين عليه السلام): "أخذْك بالظنّة وقتلْك أولياءه على التهم"1، فكان يأخذ أيّ شخصٍ بالتّهمة وسوء الظّنّ لأدنى مورد، فيعتقل ويحبس ويُنكّل بكلّ من اتُّهم بالانتماء لأهل البيت، أو التعاون معهم، ومع ذلك التيّار المغلوب، ويقتله ويقضي عليه. لقد عمّت فتنته في الكوفة، والعراق الّذي كان مركز حاكميّة التشيّع وأهل البيت عليهم السلام. هكذا كان يستعرض قوّته.

2- الأسلوب السياسيّ والإعلاميّ:
معاوية نفسه في موردٍ آخر، كان يلاطف امرأة عجوزاً تأتي من القبيلة الفلانيّة، وهي تسبّه وتشتمه وتوبّخه بأنّك فعلت كذا وكذا وكذا، فيضحك لها ويُلاطفها ولا يقول لها شيئاً. يأتي عديّ بن حاتم إلى معاوية، وقد كان فاقد البصر، فيقول معاوية: "يا عديّ، إنّ عليًّا لم يُنصفك، لأنّه حفظ ولديه في حروبه، وأخذ منك ولديك". يبكي عُديّ ويقول: "يا معاوية،
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص 214.
 
 
 
 
113

88

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

  أنا لم أُنصف أمير المؤمنين حينما استُشهد هو، وأنا ما زلت حيًّا"1. وكان كلّ من يأتي من المرتبطين بأهل البيت عليهم السلام إلى مجلس معاوية، ويحصل فيه أقل إهانة لأمير المؤمنين، كان يحمل على معاوية وأتباعه بشجاعة وقوّة وصراحة، وكان معاوية يضحك ويلاطف، وأحيانًا كان يبكي. كان يقول: أجل، تقول حقًّا. لعلّ ذلك بالنّسبة إليكم لا يُصدّق، ولكن هذا هو الواقع، هكذا كان الإعلام، فالإعلام أكثر الأساليب سمًّا وخطرًا على مرّ التاريخ. وكان الباطل يستفيد منه كثيرًا. فلأجل أن يتمكّن الإعلام من التغطية الكاملة على الأذهان، يحتاج إلى التّلاعب، وإلى الكذب والخداع. إنّه تيّار الباطل الّذي لا يهمّه أي شيء، فالمهمّ عنده هو أن يقلب الحقيقة في أعين النّاس. وهو يستفيد من جميع الوسائل، وقد فعل.


وما هو مشهور ومتناقل على ألسنٍ متعدّدة، أنّه عندما قُتل أو ضُرب أمير المؤمنين عليه السلام في محرابه، تعجّب أهل الشام كيف أنّ عليًّا كان في المحراب، فالمحراب هو للصلاة، وبعض النّاس لا يُصدّق مثل هذا، ولكن هذا هو الواقع. فعلى مدى سنوات كانت حكومة معاوية، ومن قبله أخوه يزيد بن أبي سفيان، تبثّ مثل هذه الأنباء في الشام، وتُعتّم الأجواء، وتشوّش الأذهان، بحيث إنّه لم يكن من الممكن لأحد أن يفهم غير هذا، هذا ما حدث. كان الإعلام لمصلحة بني أميّة ومعاوية، وضدّ آل النبيّ. فهذا الواقع الّذي قام في العالم الإسلاميّ، وبقي إلى حوالي مائة سنة بعد الهجرة، أي لعلّه أربعون أو خمسون سنة بعد عهد أمير المؤمنين عليه السلام، كان أمير المؤمنين يُلعَن خلالها على المنابر، وهذا اللعن في عالم الإسلام، الّذي يُتّهم به الشّيعة ويلامون عليه أنّه لماذا تلعنون بعض الصحابة، كان من عمل معاوية وأخلاقه، فهم من قام بهذا العمل، إنّه عمل معاوية. فأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الّذي كان أفضل القوم2، وأقدمهم إسلاماً3، وأقرب أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كان يُطعن به ويُلعن لعشرات السّنوات على المنابر، حتّى زمن عمر بن عبد العزيز، الّذي منع ذلك عندما صار خليفةً، وقال: لا يحقّ لأحد أن يفعل هذا. فبعد عبد الملك بن مروان،
 

1- راجع: أمالي المرتضى، ج1، ص 298.
2- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج15، ص201، "كان عليّ أفضل النّاس بعد رسول الله".
3- الحرانيّ الأصفهانيّ، عبد الله بن نور الله، عوالم العلوم والمعارف، تحقيق وتصحيح محمد باقر الأبطحيّ الأصفهانيّ، نشر مؤسسة الإمام المهديّ، إيران ـ قم، الطبعة الأولى،1413هـ، ج11، ص 383، ".. قد زوّجتك أقدمهم إسلاماً، وأعظمهم حلماً، وأحسنهم خُلقاً، وأعلمهم بالله علماً".من كلام الرسول مع ابنته حضرة الصدّيقة الكبرى - .
 
 
 
 
 
 
 
 
114

89

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 حكم ولداه، الوليد وسليمان، بحدود 12 أو 13 سنة، ثمّ جاء بعدهما عمر بن عبد العزيز، وبعد سنة أو سنتين من حكومته، حكم ولدا عبد الملك الآخران، أي يزيد وهشام. لم يسمح عمر بن عبد العزيز لهم أن يلعنوا أمير المؤمنين، وهو ما كانوا يفعلونه إلى ذلك الوقت. هذا هو أحد الأعمال الّتي كانوا يفعلونها. أجل، في البداية كان النّاس يتعجّبون، لكنّهم اعتادوا على ذلك شيئًا فشيئًا.


نقرأ في التاريخ أنّه لم يبقَ من قارئٍ أو محدّثٍ أو راوٍ في الدين أو في العالم الإسلاميّ إلّا وأجبره جهاز حكومة معاوية وأتباعُه على اختلاق حديثٍ أو تفسير آية، وأمثال ذلك، في ذمّ أهل البيت عليهم السلام، وفي مدح أعدائهم.

3- أسلوب دفع المال:
هذا سُمرة بن جندب بن معروف الّذي وردت بشأنه الرواية المعروفة "لا ضرر ولا ضِرار"1، وهو كان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، غاية الأمر أنّه صحابيّ غضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليه، وذلك بسبب تلك القصّة المعروفة، أنّه كان له شجرة في أرضٍ لعائلةٍ، وكان يذهب ويُزعجهم ويدخل عليهم في بيتهم من دون أي استئذان، مع وجود العائلة والنّساء والأطفال في ذلك البيت، وكانوا يرونه وقد دخل عليهم فجأة لأنّ له هذه الشجرة، فشكَوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: بِع هذه الشجرة لأصحاب هذا البيت، فقال: لا أبيعها، هذه شجرتي، وأنا أُريد أن أهتمّ بشجرتي، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: بِعها لي، فلم يقبل، فقال له الرّسول: أعطيك المبلغ الفلانيّ، فلم يقبل، فقال له الرسول: أعطيك شجرة في الجنّة، وهذا يعني وعدًا بالجنّة، لكنّه لم يقبل، وقال: أريد هذه الشّجرة، ولا بدّ، فلمّا وجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الإصرار، قال لصاحب المنزل: اذهب واقتلع هذه الشجرة، وارمِها خارجًا، فـ "لا ضرر ولا ضِرار في الإسلام"، أي أنّه لا يوجد في الإسلام ما يقبل بأذيّة النّاس وضررهم، فلا يوجد في الإسلام مثل هذا، أي بحجّة أنّ هذا ملكي فأؤذي النّاس. فحديث "لا ضرر" المعروف، والّذي يُعدّ من الأصول والقواعد الفقهية عندنا، هو بشأن هذا الرجل. إنّ سمرة بن جندب بقي حيًّا إلى زمن معاوية. ويا لها من عاقبة، لأنّ معاوية كان يتتبّع الصّحابة ويسعى إليهم. فقد كان
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص 280.
 
 
 
 
 
115

90

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 لأصحاب النبيّ شهرة ومكانة، ولهذا كان يسعى لجمعهم حوله. فأحضره معاوية إليه، وقال له إنّني أرغب في أن تقول إنّ هذه الآية المعروفة، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾1 قد نزلت بعليٍّ عليه السلام. أراد معاوية أن يجعل هذه الآية مقابل كلام أمير المؤمنين عليه السلام في ذمّ الدنيا، في تلك الخطبة القاصعة في نهج البلاغة الّتي لها أثرٌ كبير. أنتم تلاحظون أنّ تلك الكلمات والخطب كانت في منتهى الجمال.


تصوّروا اليوم مثلًا شخصًا يؤلّف كتابًا أو شعرًا أو مقالةً في غاية الفصاحة والجمال والفنّ حول موضوعٍ ما، من الطبيعيّ أنّ الموضوع سيأخذ مجده، وسيكون لصاحب هذا الأثر الفنّيّ حلاوة في أعين النّاس. 

وهنا لا يمكن في الواقع مقارنة كلام أمير المؤمنين عليه السلام بأيّ أثرٍ من الآثار الفنّية الّتي نعرفها، إنّه فوق ذلك بكثير، إنّه آية في الجمال. وهذه كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، وكذلك هي في الواقع في بيان القيم الإسلاميّة والمعارف الإسلاميّة، كانت ممّا لا يمكن لمعاوية تحمّله وقبوله، لأنّها تجعل أمير المؤمنين عليه السلام مورد استحسان في أعين النّاس. أراد (معاوية) أن يواجه هذه الكلمات الزاهدة في مذمّة الدنيا، والّتي نُقلت عن أمير المؤمنين عليه السلام، فلذلك قال معاوية لسمرة بن جندب: قل إنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أي أنّ عليًّا عليه السلام(وفق ذلك) سيكون ممّن يتحدّث عن الدّنيا بحديثٍ رائعٍ، ويُعجب النّاس، ويقسم على ذلك، لكنّه في الواقع هو من ألدّ أعداء الله والإسلام.

والآية الأخرى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾2، قيل إنّها نزلت في ابن ملجم. هذه من الأمور الّتي كان يحتاجها معاوية كثيرًا في إعلامه ودعاياته. فقال لأحد أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، الّذي شاهده في المعارك، وكان إلى جنبه، - وهو سمرة بن جندب الذي كان منذ حداثته جنديًّا، وكان يُشارك في المعارك، رغم أنّه كان تحت سنّ التكليف- ، ومع أنه كان من أصحاب النبيّ قال له معاوية: قل إنّ هذه الآية قد نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، اقترح عليه ذلك، لكنّ سمرة بن جندب لم يكن مستعدًّا لذلك، فقال: كلّا، والّذين كانوا يتوسّطون لهذا
 

1- سورة البقرة، الآية 204.
2- سورة البقرة، الآية 207.
 
 
 
116

 


91

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 الأمر في بلاط معاوية قالوا له: لا تقلق فإنّ حسابك سيصلك، فلا تقلق بشأن المال، وسوف يُعطيك 50 ألف درهمًا، وكان هذا المبلغ في ذلك الزمان كثيرًا جدًّا، فخمسون ألف مثقال من الفضّة يعني خمسة مثاقيل من الذّهب، في حسابات ذلك الزّمان، هذا يُعدّ ثروة كبيرة. قالوا له نعطيك خمسين ألفًا، فقال: كلّا، لا أقبل. هنا يقول بعض النّاس إنّ سمرة بن جندب كان في الواقع يتلاعب، وأراد أن يرفع السّعر، لا أنّه قد أنّبه ضميره، فهو كان يعلم بأنّ معاوية يحتاج إلى هذا الأمر، وفي الحقيقة كان يحاول أن يساوم. هنا، هل أنّ وجدانه كان يتقبّل الأمر أم لا؟ لا أعرف، ولا أضع ذلك على ذمّتي، ولكن عندما لم يقبل رفعوا السّعر إلى مائة ألف درهم، ولم يقبل أيضًا، حتّى وصل الأمر إلى نحو 500 ألف درهم تقريبًا، لكن مثل هذا المبلغ الكبير جدًّا هو ثروة استثنائيّة، ولكن مع ذلك لم يقبل. هنا، قال معاوية لذلك الّذي كان يتوسّط: إنّ هذا الرجل بلا عقلٍ، وهو مجنون، لأنّه لا يعرف ما هي الـ 500 ألف، فقولوا له: 500 ألف، وأحضروه إلى هنا حتّى أرى هل أنّه سيقبل أم لا. فأمر معاوية من كان مسؤولًا عن بيت المال أن يحضر هذا المبلغ إلى المجلس. وكما تعلمون، في تلك الأزمة، الأموال ستكون من الذّهب، وعندما توضع في الأكياس ستكون ثقيلة وذات حجم كبير، وتحتاج إلى من يحملها، فأحضر الحمّالون الأكياس ووضعوها فوق بعضها بعضًا حتّى وصلت إلى أعلى السّقف، وقالوا هذه هي الـ 500 ألف، فهل أنت جاهزٌ أم لا؟ عندما نظر إلى هذه الأموال، ورأى هذه الثّروة العظيمة، قبِل، وفسّر تلك الآية كما أراد معاوية، وبقيت في الكتب. وصحيحٌ أنّ مثل هذه الكلمات الممتزجة بالخطأ والرّذالة قد تمّ اختلاقها في العالم الإسلاميّ، وبالأغلب جاء العلماء فيما بعد واستبعدوها، لكن هذه رشحاتٌ من هؤلاء، وقد بقيت في أذهان عدّة، وأثّرت فيهم، وهذه من الأعمال الّتي كان يقوم بها معاوية في الإعلام. فمجموع هذه الأساليب هي الّتي شكّلت أساليب معاوية لكسب الزّعامة والسّلطة.


أساليب تيار الحق
إنَّ تيّار الحقّ لم يجلس ساكنًا مقابل هجمات الباطل. فقد كانت له أساليبه، والّتي يُمكن اختصارها بالعناوين الآتية:
1- المقاومة والحركة المقتدِرة: 
تصوّر بعض أنّ الإمام الحسن عليه السلام لم يُحارب خوفًا، كلّا، إنّ الإمام الحسن
 
 
 
 
117

92

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 المجتبى عليه السلام كان عازمًا بشدّة على الحرب، وهو من شجعان العرب. وقد ذكرت كتب التاريخ بطولات الإمام المجتبى عليه السلام في القضايا المختلفة، فبطولاته في الأحداث المختلفة كثيرة. غاية الأمر أنّه في حروب أمير المؤمنين عليه السلام، وحيث كان الميدان ميدان حرب، كان أمير المؤمنين عليه السلام نفسه يمنع أن يُحارب الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، وكان يمنع أن يقعا في الخطر. فقال بعضهم لماذا ترسل محمّد ابن الحنفية، وهو ابنك، وتمنع إرسال الحسن والحسين عليهما السلام؟ فقال: إنّي أخاف أن ينقطع نسل الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهما بقيّة النبيّ، وأُريد أن أحفظ نسل النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. كان يشعر بالخطر في ميدان الحرب، وأراد أن يحفظهما، لا بسبب حبّه، فهو يُحبّ أبناءه الآخرين، وأمير المؤمنين عليه السلام نفسه هو رجل الحرب ورجل الميدان والمخاطر، وليس من أولئك الّذين يتوهّمون الخطر. غاية الأمر أنّهما ابنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام لم يرغب أن يوقعهما في الخطر، ولأنّهما لم يحضرا في كثيرٍ من حروب أمير المؤمنين عليه السلام، فلم يكن لهما صولات كثيرة، لهذا لم يُسجَّل اسم هذين العظيمين ــ الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام - ضمن الشّجعان، ولكن كان للإمام الحسن عليه السلام مشاركة في الحروب الإسلاميّة ضدّ إيران، كما كان له حضورٌ في دفاعه عن بيت عثمان أمام المهاجمين والثوّار، بأمرٍ من أمير المؤمنين عليه السلام. وكذلك كان له حضورٌ في القضايا المهمّة الكثيرة. وفي واقعتي الجمل وصفّين كان له دورٌ مهمٌّ واستثنائيّ، بحيث شاهدتُ أنّ اسم الإمام الحسن عليه السلام ورد كثيرًا في وقائع صفّين والجمل خاصّةً، فيما شاهدتُ أنّ اسم الإمام الحسين عليه السلام كان أقل، أي أنّه كان للإمام الحسن المجتبى عليه السلام حضورٌ أكبر في الميادين والأحداث، من حضور الإمام الحسين عليه السلام. لقد كان الإمام الحسن عليه السلام رجلَ الحرب والسّياسة والتدبير والفصاحة والقوّة. عندما يُطالع المرء محادثات ومناظرات الإمام الحسن عليه السلام، يقشعرّ بدنه من قوّته وقدرته. وفي وقائع الصّلح، وبعد الصّلح، نُقل عن هذا العظيم من الكلمات القاطعة والقاصعة ما كان في بعض الموارد أشدّ قوّةً وأحدّ من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام. ولعلّه قليلًا ما شاهدتُ مثل هذه الشدّة والقدرة في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في مقابل الأعداء، بسبب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يواجه مثل هؤلاء الأعداء، الّذين كانوا بمثل تلك الوقاحة والخبث، وجهًا لوجه، وعن قرب. لهذا، لا يوجد أيّ نقصٍ في عمل الإمام الحسن عليه السلام. إنّما كان النّقص

 

 

118


93

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 في الظّروف الزّمانيّة. وباقتدارٍ وقف للدّفاع إلى الحدّ الممكن، وهذا كان أحد أساليبه. ففي بعض المواطن يكون الوقوف المقتدر سبباً للضرر، فإنّ تغيير الأسلوب والمناورة في اختيار الأساليب يُعدّان عملًا أساساً وضروريًّا.


2- العمل الإعلاميّ: 
إنّ العمل الإعلاميّ في جهاز الحقّ له أهميّة فائقة. وغاية الأمر أنّ تيّار الحقّ مكتوفٌ في الإعلام، فلا يُمكنه استخدام أيّ أسلوبٍ وأيّ وسيلةٍ كانت. فهو لا يُبيّن سوى الحقّ والواقع. هناك أشياءٌ تكون مرغوبة عند النّاس، والتيّار الباطل لا يأبى أبدًا أن يُظهرها كما يُحبّ النّاس، لكنّ تيّار الحقّ لا يُمكنه ذلك، بل يُبيّن الحقّ، ولو كان مرًّا. كيف كان، يُخاطب أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه بطريقة مرّة، بحيث يتعجّب الإنسان؟ نحن الّذين نُحبّ أن تكون أساليبنا مثل أسلوب أمير المؤمنين عليه السلام، نتعجّب أحيانًا من هذا الأسلوب في بعض الموارد، أمّا معاوية، فلم يكن يستخدم هذا الأسلوب بتاتًا. كان معاوية يتملّق النّاس، ويسعى للحصول على دعمهم بأيّ ثمنٍ. لم يفعل عليّ بن أبي طالب عليه السلام هذا الأمر أبدًا، لا أنّه لم يكن يعرفه، بل لأنّه خلاف التّقوى، وخلاف الأصول، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: "لولا التّقى لكنت أدهى العرب"1. في هذه الأمور، الحقيقة هي هذه، فمن الواضح المعلوم، بالرّجوع إلى سوابق عليّ، ومعايشته للنبيّ، ومفاخره العظيمة، وذهنيّته وروحه المتألّقة، أنّه أعلم من معاوية، وأذكى، وأكثر حنكةً، ويُمكنه أن يقوم بالكثير من الأعمال والأفعال، غاية الأمر أنّ الحقّ لا يُجيز ولا يسمح.

3- الإصرار على حفظ القيم:
الأمر المهم جدًّا عند جهاز الحقّ، والذي يتمّ الاعتناء به في أساليبهم، هو إصرارهم على حفظ القيم بأيّ ثمنٍ كان، والتّراجع في النّهاية إلى حدّ حراسة بقاء الدّين. فلو أنّ الحقّ رأى أنّ الصمود يؤدّي إلى أن يزول أصل الدين، فإنّه يتراجع. فالإمام الحسين عليه السلام يقول: "الموت خيرٌ من ركوب العار، والعار خيرٌ من دخول النار"2، فلو أنّه تقرّر أن أقبل
 
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 8، ص 24.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 75، ص 128.
 
 
 
119

 


94

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 العار سأقبله، ولكن لا أدخل جهنّم. يوجد بعض الأماكن بحيث نرى بعض النّاس، ولأجل أن لا يتحمّل العار، يقوم بعملٍ لا يهمّه معه أن يناله العذاب والسّخط الإلهيّان. ما هو العار؟ الأصل هو أن يكسب الإنسان رضا الله، وأن يؤدّي تكليفه، ولو بالتّراجع عن كلامٍ قاله، أو خطٍّ مشى عليه، أو تراجع عن موقفٍ له. فكلّ ما يريده الله، وكلّ ما يرضي الله، يُعتبر أصلًا في حياة الأئمّة. كان الأمر كذلك في حياة الإمام الحسن عليه السلام. فعندما وجد أنّه لا بدّ له أن يقبل بالصّلح مع معاوية من أجل الضّرورات وضغط الظّرف الواقع، رغم أنّه في ذلك الوقت كان يُرسل الجند، ويُحرّض على الحرب، ويُجيّش الجيوش، ويُرسل الكتب، ويقوم بكلّ ما هو لازمٌ من أجل الحرب، وعلى مختلف المستويات، وعندما رأى أنّه لا يُمكن (القيام بالحرب) قَبِل بالصّلح، فانفضّ عنه أقرب النّاس إليه... مع أنّ الكثيرين في ذلك الوقت، وبعد أن صالح الإمام الحسن، فرحوا، ومن أعماق قلوبهم، لأنّهم كانوا متنفّرين من الحرب، ولكن حتّى هؤلاء الّذين فرحوا أنفسهم، رجعوا إلى الإمام الحسن عليه السلام، وأرادوا أن يلوموه على تراجعه عن موقفه، حتّى المقرّبون والوجهاء الّذين كانوا من الصّحابة المشهورين، جاؤوا إليه وتحدّثوا معه بعباراتٍ غير لائقة، لكنّ الإمام عليه السلام تراجع من أجل الحفاظ على الدّين.


نتيجة الصراع بين التيّارين 
على مستوى السلطة والحكم، هُزم تيار الحق في عهد الإمام الحسن عليه السلام, والسبب الأساس في الهزيمة كان ضعف الرؤية العامّة، وامتزاج الإيمان بالدوافع المادّية. ففي مجال ضعف الوعي العام، كان النّاس بعيدين كلّ البعد عن الوعي، وكان إيمانهم الدّينيّ ممتزجًا بالدّوافع المادّيّة. لقد أضحت المادّيّة عندهم أصلًا، وتزلزلت عندهم القيم لما يزيد على عشر أو عشرين سنة من بعد الصّلح. 

وحدث ذلك في كلّ مجالات القيم، وكان هناك شيء من التمييز، وغيرها من الأمور. كلّ هذه أدّت إلى ألّا يتمكّن الإمام الحسن عليه السلام من المقاومة. وأمّا سلوك الغالبين مع المغلوبين، فبدلًا من أن يأتوا إلى الإمام الحسن عليه السلام وأتباعه، فيأسروهم أو يقتلوهم، فإنّهم على العكس من ذلك، عندما تسلّطوا على الأمور، احترموهم بالظّاهر، وتعاملوا مع الإمام الحسن عليه السلام بكلّ احترام، لكنّ معاوية وجماعته قرّروا أن يمحوا الشّخصيّة
 
 
 
 
120

95

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 ويضعفوها، فيحفظ الشّخص ويبيد الشّخصيّة، هذا كان نهجهم، هذا كان أصلًا أساساً في الإعلام عندهم.


وأمّا الجّماعة المغلوبة، فماذا فعلت مع الغالبين؟ لقد كانت استراتيجيّتهم أن يُنظّموا تيّار الحقّ وسط هذا الفضاء المليئ بالفتن والغشاوة والمخاطر والسّموم، وأن يعطوه شكلًا ليكون العمود الفقريّ لحفظ الإسلام. والآن حيث لا نقدر أن نجعل كلّ المجتمع في ظلّ الفكر الإسلاميّ الصحيح، فبدلًا من أن نهتمّ بتيّارٍ هشٍّ قابلٍ للزّوال - وهو التيّار العام - فلنحفظ تيّارًا عميقًا وأصيلًا في أقلّية، ونحفظه لكي يبقى ويضمن حفظ الأصول الإسلاميّة. هذا ما فعله الإمام الحسن عليه السلام، فقد شكّل تيّارًا محدودًا، أو الأفضل أن نقول نظّمه - وهو تيّار الأصحاب أو الأنصار، وأصحاب أهل البيت عليهم السلام، أي تيّار التشيّع - وبقي هؤلاء طيلة تاريخ الإسلام، وفي كلّ عهود القمع والتّنكيل، وقد أدّى ذلك إلى أن يضمنوا بقاء الإسلام، ولو لم يكن هؤلاء لتبدّل كلّ شيءٍ، فقد كان تيّار الإمامة، تيّار رؤية أهل البيت عليهم السلام ضامنًا للإسلام الواقعيّ.

وأمّا العاقبة، فإنّ جماعة الغالبين والمتسلّطين والمنتصرين أضحوا مُدانين ومغلوبين، والمستضعفون أضحوا الحكّام والفاتحين في ذهنيّة العالم الإسلاميّ. إذا نظرتم اليوم إلى الذهنيّة الموجودة في العالم الإسلاميّ، وهي تلك الذهنية الّتي روّج لها الإمام الحسن عليه السلام وأمير المؤمنين عليه السلام، فهي ليست الذهنيّة الّتي أرادها معاوية ويزيد من بعده، وكذلك عبد الملك بن مروان، وخلفاء بني أميّة. لقد انهزمت تلك الذهنيّة الّتي كانت لديهم بالكامل، وزالت ولم تعد موجودة في التّاريخ. لو أردنا أن نُطلق عنوانًا على ذهنيّتهم لقلنا إنّها ذهنية النّواصب.

النّواصب هم فرقة من الفرق الّتي لم يعد لها في العالم الإسلاميّ اليوم وجودٌ خارجيّ بحسب الظّاهر. فالنّواصب هم أولئك الّذين كانوا يسبّون أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام، ولا يقبلون إسلامهم، حيث إنّ هذا هو تيّارهم الفكريّ. فلو كان من المقرّر أن يكون معاوية فاتحًا وحاكمًا، لكان اليوم من المفترض أن يكون تيّاره هو الحاكم في العالم الإسلاميّ، في حين أنّ الأمر ليس كذلك. إنّ التيار الفكريّ لأمير المؤمنين عليه السلام وللإمام الحسن عليه السلام هو الحاكم في العالم. وإن كان في بعضٍ من الفروع، وقسمٍ من عقائد الدّرجة الثّانية والثّالثة لم يُنقل، لكنّه في المجموع هذا هو التيّار، الإمام الحسن عليه السلام، بناءً على هذا، هو الفاتح، وتيّاره هو الّذي انتصر.
 
 
 
 
121

96

الدرس الثامن: الإمام الحسن (2) تيارا الحق والباطل

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ تيّار الحقّ المتمثّل بتيّار الإمام الحسن عليه السلام، كان يُعطي الأصالة للدّين، بأنّ يبقى أبناء المجتمع على دينهم وإيمانهم، وأن يترسّخ ويتعمّق هذا الأمر في قلوبهم، ويُدار المجتمع على أساس التعاليم الإسلامية.

2- كان الأصل عند تيار الباطل هو الإمساك بالسّلطة، وبأيّ ثمنٍ، فالقيم والأصول الأخلاقيَّة والدينيّة، بالنّسبة لهم، لا تُشكّل أصلًا.

3- اعتمد تيار الباطل، في محاربة تيار الحق، على أساليب عدة هي: أسلوب استعراض القوّة، من خلال العنف والقمع والتّنكيل، وأسلوب دفع المال، الّذي يُعدّ أكثر الأشياء فعاليّة بيد عوامل الشرّ، وأسلوب الترويج والإعلام، والأساليب والمقايضات السّياسيّة.

4- إنَّ تيّار الحقّ لم يجلس ساكنًا مقابل هجمات الباطل، فقد كانت له أساليبه، الّتي يُمكن اختصارها بالعناوين الآتية: المقاومة والحركة المقتدِرة، العمل الإعلاميّ، والإصرار على حفظ القيم الإسلاميّة.

5- على مستوى السلطة والحكم، هُزم تيار الحقّ في عهد الإمام الحسن عليه السلام، والسبب الأساس في الهزيمة كان ضعف الرؤية العامّة، وامتزاج الإيمان بالدوافع المادّية. ففي مجال ضعف الوعي العام.

6- لقد كانت استراتيجيّة الإمام الحسن عليه السلام وأنصاره تنظيم تيّار الحقّ وسط هذا الفضاء المليئ بالفتن والغشاوة والمخاطر والسّموم، ومنحَه شكلًا ليكون العمود الفقريّ لحفظ الإسلام، لكي يبقى ويضمن حفظ الأصول الإسلاميّة، فقد نظّم الإمام عليه السلام تيّارًا محدودًا هو تيّار الأصحاب أو الأنصار، أي تيّار التشيّع. وبقي هؤلاء طيلة تاريخ الإسلام، وفي كلّ عهود القمع والتّنكيل، وقد أدّى ذلك إلى ضمان بقاء الإسلام.

7- كان تيّار الإمامة، تيّارُ رؤية أهل البيت عليهم السلام، ضامنًا للإسلام الواقعيّ.
 
 
 
 
122

97

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الخطرين اللّذين يواجهان ويهدّدان الإسلام، وكيفيةِ مواجهتهما.
2- يفهم أهداف الثورة الحسينية.
3- يحدّد التكليف الأساس عند انحراف المجتمع الإسلاميّ.
 
 
 
 
123

98

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 أعداء الإسلام

لقد تمّ استشراف المخاطر الّتي تُهدّد الإسلام كظاهرةٍ عزيزة، قبل ظهور الإسلام، أو في بداية ظهوره، من جانب الرّب المتعال. وقد تمّت ملاحظة وسيلة مواجهة تلك الأخطار، وأودعت في الإسلام نفسه وفي هذه المجموعة نفسها، فهما مثل بدنٍ سالمٍ جهّزه الله تعالى بالقدرات الدّفاعيّة، وكآلةٍ سالمةٍ يحمل مهندسها وصانعها أدوات إصلاحها معها. فالإسلام ظاهرةٌ، ومثل جميع الظواهر، يُهدَّد بأخطار، ويحتاج إلى وسائل للمواجهة. وقد جعل الله هذه الوسيلة في الإسلام نفسه. ولكن ما هو هذا الخطر؟

هناك خطران أساسان يُهدّدان الإسلام: خطر العدوّ الخارجيّ، والآخر هو الاضمحلال الداخليّ: 
1- العدوّ الخارجيّ: هو الّذي يكون من خارج الحدود، ويقوم باستهداف وجود نظامٍ ما في فكره، وجهاز بنيته التحتية العقائديّة، وقوانينه، وكلّ شؤونه، وبشتّى أنواع الأسلحة. 
وليس المقصود من خارج البلد، بل من خارج النّظام، وإن كان داخل البلد. هناك أعداءٌ يعدّون أنفسهم غرباء عن النّظام، ويُعارضونه، فهؤلاء هم من الخارج، وغرباء وأجانب. هؤلاء يتوسّلون بالسّلاح الناريّ، وبأحدث الأسلحة الماديّة، وبالإعلام والمال، وبكلّ ما هو في متناول أيديهم، من أجل القضاء على النّظام وإزالته من الوجود. هذا نوعٌ من الأعداء.

2- العدوّ الداخليّ: التّهديد الثّاني للإسلام هو تهديد الترهّل الداخليّ، أي داخل النّظام، الذي لا يكون من الغرباء، بل منه وفيه. فمن الممكن للمنتمين للنّظام، على أثر التّعب أو الخطأ في فهم الطّريق الصّحيحة، أو على أثر تغلّب المشاعر النفسانيّة،
 
 
 
 
 
125

99

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 أو على أثر النّظر إلى المظاهر المادّية وتعظيمها، أن يُصابوا فجأةً بهذا التّهديد من الدّاخل. وبالطّبع، إنّ خطر (هذا العدوّ) أكبر من خطر الأوّل. 


هذان النّوعان من الأعداء - التهديد الخارجيّ والتهديد الداخليّ - موجودان لدى أيّ نظام أو تنظيم أو ظاهرة. 

كيفية مواجهة الأعداء
عيّن الإسلام علاجًا لمواجهة كلٍّ من هذين التّهديدين (العدو الداخلي والخارجي)، وهو الجهاد بمراتبه (الأكبر والأصغر).

والجهاد لا يختصّ بالأعداء الخارجيين، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾1، فالمنافق هو من داخل النّظام، لذلك يجب مجاهدة كلّ هؤلاء الأعداء. والجهاد هو في مقابل العدوّ الّذي يُريد أن يُهاجم هذا النّظام انطلاقًا من رفضه العقائديّ وعدائه له، وكذلك ومن أجل مواجهة ذلك التفكّك الداخليّ.

إضافة إلى المرتبة الأخرى من الجهاد، وهي جهاد النفس، إذ توجد تعاليم أخلاقية مهمّة جدًّا تُفهم الإنسان حقيقة هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾2، أي أنّ هذه الزّخارف وهذه المظاهر وهذه اللذائذ الدنيويّة، وإن كانت ضروريّة لكم، وإن كنتم مضطرّين لأن تستفيدوا منها، وإن كانت حياتكم مرتبطة بها، فلا شكّ في ذلك، ويجب أن تؤمّنوها بأنفسكم، ولكن اعلموا أنّ إطلاقها والتحرّك نحوها بعينٍ مغمضة، ونسيان الأهداف هو أمرٌ خطرٌ جدًّا.

واقعة عاشوراء مدرسة للبشريَّة
لو دقّقنا النظر في حادثة عاشوراء، يُمكن القول: إنّ الإنسان يستطيع أن يعدّ أكثر من مائة درس مهمّ في هذا التحرّك الّذي قام به الإمام أبو عبد الله عليه السلام في بضعة أشهر، من اليوم الّذي خرج فيه من المدينة نحو مكّة، إلى اليوم الّذي شرب فيه كأس الشهادة العذب في كربلاء. بل يُمكن إحصاء آلاف الدروس، حيث تُعتبر كلّ إشارة من ذلك الإمام
 

1- سورة التوبة، الآية 73.
2- سورة الحديد، الآية 20.
 
 
 
 
 
126

100

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 العظيم درساً. لكن عندما نقول أكثر من مائة درس، نعني بذلك أنّه لو أردنا أن نُدقّق في هذه الأعمال لأمكننا استقصاء مائة عنوان وفصل، وكلّ فصل يُعتبر درساً لأمّة وتاريخ وبلد، ولتربية النفس وإدارة المجتمع، وللتقرّب إلى الله. هكذا هو الحسين بن عليّ (أرواحنا فداه وفداء اسمه وذكره) كالشمس الساطعة بين القدّيسين، أي إن كان الأنبياء والأئمّة والشّهداء والصّالحون كالأقمار والأنجم، فالحسين عليه السلام كالشّمس الطّالعة بينهم.


وبين تلك الدروس، هناك درس رئيس في هذا التحرّك والنهضة الّتي قام بها الإمام الحسين عليه السلام، سنسعى لتوضيحه، وتكون كلّ تلك الدروس بمنزلة الهوامش أمام هذا الّذي هو بمنزلة النصّ الأصليّ, وهو: لماذا ثار الإمام الحسين عليه السلام؟ ما الدوافع لتلك النهضة؟ وما هي ثمار تلك الثورة العظيمة؟

لقد كانت واقعة الإمام الحسين عليه السلام تجسيداً للجهاد مع العدوّ بكلا قسميه: الداخليّ والخارجيّ، والجهاد مع النّفس أيضاً، والذي قد تجلّى في أعلى مراتبه.

إنّ الله تعالى يعلم أنّ هذه الحادثة ستقع، ويجب أن تُظهر المثل الأعلى ليكون قدوةً، مثلما يحدث في البلاد مع الأبطال عندما يبرزون في مجالٍ ما، ويكون البطل محفّزًا لغيره في ذلك المجال من الرّياضة. بالطّبع، هذا مثالٌ صغيرٌ من أجل تقريب (الصّورة) إلى الذّهن.

فواقعة عاشوراء عبارة عن حركةٍ عظيمة مجاهدة في كلا الجبهتين، سواء أفي جبهة المواجهة مع العدوّ الخارجيّ، الّذي كان عبارة عن جهاز الخلافة الفاسد، وطلّاب الدّنيا المرتبطين بجهاز السّلطة هذا، والّذين أرادوا تلك القوّة الّتي كان النبيّ قد استخدمها من أجل نجاة البشر، من أجل تلك الحركة المقابلة لمسيرة الإسلام ونبيّه المكرّم صلى الله عليه وآله وسلم، أم في الجبهة الدّاخليّة، حيث كان المجتمع في ذلك الوقت قد تحرّك بشكلٍ عامّ نحو ذلك الفساد الداخليّ.

عندما نقول فساد الجهاز من الدّاخل، فمعناه أنّه يظهر أفرادٌ في المجتمع ويبدؤون بالتّدريج بنقل أمراضهم الأخلاقيّة المعدية (حبّ الدّنيا والشّهوات)، الّتي هي للأسف أمراضٌ مهلكة، إلى باقي أفراد المجتمع. في مثل هذه الحالة، هل سيكون هناك من يجرؤ أو يمتلك الهمّة للمضيّ قدمًا في مخالفة جهاز يزيد بن معاوية؟! هل سيحدث مثل هذا الأمر
 
 
 
 
 
 
127

101

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 حينها؟ فمن هو الّذي كان يُفكّر في مواجهة جهاز الظّلم والفساد ليزيد في ذلك الزّمان؟ على مثل هذه الأرضيّة قامت النّهضة الحسينيّة العظيمة الّتي كانت تُجاهد العدوّ، كما كانت تواجه روحيّة التكاسل في الدفاع عن الحق, المهلكة والمنتشرة بين عامة المسلمين.


الظروف التاريخية للواقعة
لقد بدأت الأحداث قبل مرور أقلّ من عقدٍ من الزّمان على رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. في البداية، تمتّع أصحاب السّوابق (الأمجاد) في الإسلام - بمن فيهم من صحابة وتابعين وأشخاص قد شاركوا في حروب النبيّ - بالامتيازات. وقد كان الحصول على عطاءات ماليّة إضافيّة من بيت المال أحد هذه الامتيازات. وأضحى هناك عنوان يجعل مساواتهم مع الآخرين غير صحيح وغير ممكن أيضًا! كانت هذه هي اللبنة الأولى. إنّ التحرّكات الّتي تنجرّ إلى الانحراف تبدأ من هذه النّقطة الصّغيرة، ومع كلّ خطوة تزداد سرعتها. لقد بدأت الانحرافات من هذه النقطة حتّى وصلت إلى أواسط عهد عثمان، حيث وصل الوضع في عهد الخليفة الثّالث إلى حدٍّ أنّ كبار صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أضحوا من أكبر الرأسماليّين في زمانهم! إنّهم من الصّحابة، أصحاب الشّأن الرّفيع، والمعروفين ،ـ كطلحة والزبير وسعد بن أبي وقّاص وغيرهم ،ـ هؤلاء الكبار والوجهاء الّذين كان لكلّ واحدٍ منهم سجلّ ضخم من المفاخر السّابقة في بدرٍ وحنين وأُحد، صاروا من الرأسماليّين الكبار في الإسلام. عندما توفّي أحدهم وترك الجواهر، والذّهب، وأرادوا تقسيمها بين ورثته، جاؤوا في البداية بسبائكها وقطعها، وأرادوا أن يُقسّموها ويُقطّعوها بالفؤوس، وكأنّها قطعات حطب تحتاج إلى فأس ليقطعها، فالذهب عادةً يتم حسابه وقياسه بالمثاقيل، فانظروا كم كان يمتلك من الذهب حتّى احتاجوا إلى الفأس لتقسيمه. لقد ذُكرت هذه الأمور في التاريخ، وليست من القضايا الّتي ذكرها الشّيعة في كتبهم، إنّها حقائق، كان يسعى الجميع لضبطها وتسجيلها. لقد تركوا من الدّراهم والدنانير ما يبلغ حدّ الأساطير.

وفي عهد الإمام الحسين عليه السلام عادت وتشكّلت طبقة جديدة من الأشراف في العالم الإسلاميّ. هناك أفرادٌ، باسم الإسلام، وبسِمَات وعناوين إسلامية (ابن الصحابيّ الفلانيّ، وابن التّابع الفلانيّ، وابن المقرّب للنبيّ الفلانيّ)، دخلوا في أعمال غير لائقة وغير مناسبة،
 
 
 
 
128

102

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 وقد سجّل التّاريخ أسماء بعض هؤلاء، وكانوا يجعلون مهر بناتهم مليون مثقال من الذهب الخالص، أي مليون دينار، بدل أن يكون مهر السنّة، الّذي جعله النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام ومسلمو الصّدر الأوّل من الإسلام، وهو 480 درهمًا. فمن هم هؤلاء؟ هم أولاد صحابة أجلّاء كمصعب بن الزبير وغيره.


أهداف الثورة الحسينيَّة
عندما تُذكر مرحلة الإمام الحسين عليه السلام يُطرح السؤال الآتي: لماذا ثار الحسين عليه السلام؟ لماذا ثار الإمام عليه السلام رغم كونه شخصيّة لها احترامها في المدينة ومكّة، وله عليه السلام شيعته في اليمن؟ 

لقد حقّق المؤرخون، وتحدّثوا كثيرًا في هذه القضيّة. وما سنذكره هو استنتاجٌ جامعٌ ورؤية جديدة للقضيّة. والآراء المطروحة في تحليل سبب الثورة الحسينية أهدافُها هي:
1- إسقاط حكومة يزيد: 
بعض النّاس يودّ أن يقول: إنّ هدف ثورة أبي عبد الله الحسين عليه السلام هو إسقاط حكومة يزيد الفاسدة، وإقامة حكومة بديلة. 

هذا القول شبه صحيح، وليس بخطأ، فلو كان القصد من هذا الكلام هو أنّ الحسين عليه السلام ثار لأجل إقامة حكومة بحيث إنّه لو رأى أنّه لن يصل إلى نتيجة لقال: لقد قمنا بما علينا، فلنرجع، فهذا خطأٌ. أجل، إنّ الذي يتحرّك لأجل الحكم، يتقدّم حتّى يرى إلى حيث يرى إن كان الأمر ممكنًا، فإذا رأى أنّ احتمال حصول هذا الأمر أو الاحتمال العقلائيّ غير موجود، فتكليفه هو أن يرجع. فإذا كان الهدف تشكيل الحكومة، فالجائز هو أن يتحرّك الإنسان إلى حيث يُمكن، وعندما يُصبح غير ممكنٍ، يجب أن يرجع.

2- الوصول إلى الشهادة: 
على العكس الرأي الأوَّل، قالوا: إنّ الحسين عليه السلام كان يعلم بعدم تمكّنه من إقامة الحكومة، إنّه جاء لأجل أن يُقتل ويُستشهَد. لقد شاع هذا الكلام على الألسن كثيراً لمدّة من الزّمن، وكان بعضٌ يُبيّن ذلك بعباراتٍ شاعريّة جميلة، حتّى إنّ بعض علمائنا الأجلّاء قد قالوا ذلك أيضًا، وبأنّ الإمام عليه السلام ثار لأجل أن يستشهد، لأنّه رأى أنّه لا يمكنه عمل شيء بالبقاء حياً.
 
 
 
 
 
129

103

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 بالنّسبة لهذا الكلام أيضًا، ليس لدينا في المصادر والأسانيد الإسلاميّة ما يجوّز للإنسان إلقاء نفسه في القتل، ليس لدينا مثل هذا الشيء. إنّ الشهادة، الّتي نعرفها في الشّرع المقدّس والآيات والرّوايات، معناها أن يتحرّك الإنسان ويستقبل الموت لأجل هدفٍ مقدّس واجب أو راجح، هذه هي الشّهادة الإسلاميّة الصّحيحة. أمّا أن يتحرّك الإنسان لأجل أن يُقتل، أو بحسب التّعبير الشّاعريّ، أن يجعل دمه وسيلةً لزلزلة الظّالم وإيقاعه أرضًا، فمثل هذه الأمور لا علاقة لها بواقعةٍ بتلك العظمة. إذًا هذا الأمر، وإن كان فيه جانب من الحقيقة، لكن لم يكن هدفَ الحسين عليه السلام. 


3- أداء التكليف (الرأي الصحيح): 
لا يُمكننا القول إنّ الحسين عليه السلام ثار لأجل إقامة الحكومة، ولا القول: إنّه ثار لأجل أن يستشهد، بل يوجد شيءٌ آخر في البين. والقائلون إنّ الهدف هو الحكومة أو الهدف هو الشهادة قد خلطوا بين الهدف والنتيجة. فقد كان للإمام الحسين عليه السلام هدفٌ آخر، والوصول إليه يتطلّب طريقًا وحركةً تنتهي بإحدى النتيجتين: الحكومة أو الشّهادة، وكان الإمام مستعدًّا لكلتا النتيجتين، فقد أعدّ مقدّمات الحكم، وكذا مقدّمات الشهادة، ووطّن نفسه على هذا وذاك، فإذا تحقّق أيّ منهما، كان صحيحًا، لكن لم يكن أيّ منهما هدفًا، بل كانا نتيجتين، وأمّا الهدف فهو شيءٌ آخر.

لو أردنا بيان هدف الإمام الحسين، ينبغي أن نقول الآتي:
إنّ هدف ذلك العظيم كان عبارة عن أداء واجبٍ عظيم من واجبات الدّين، لم يؤدّه أحدٌ قبله، لا النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولا أمير المؤمنين عليه السلام ولا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، واجبٌ يحتلّ مكانًا مهمّاً في البناء العام للنّظام الفكريّ والقيميّ والعمليّ للإسلام. ورغم أنّ هذا الواجب مهمُّ وأساس، فلماذا لم يؤدَّ حتّى عهد الإمام الحسين عليه السلام؟ كان يجب على الإمام الحسين عليه السلام القيام بهذا الواجب ليكون درسًا على مرّ التّاريخ، مثلما أنّ تأسيس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحكومة الإسلاميّة أصبح درسًا على مرّ تاريخ الإسلام، ومثلما أصبح جهاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله درسًا على مرّ تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد. كان ينبغي للإمام الحسين عليه السلام أن يؤدّي هذا الواجب ليُصبح درسًا عمليًّا للمسلمين، وعلى مرّ التاريخ.
 
 
 
 
130

104

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 إذًا، لقد كان الهدف أداء هذا الواجب، وعندها تكون نتيجة أداء الواجب أحد الأمرين: إمّا الوصول إلى الحكم والسّلطة - وقد كان الإمام الحسين عليه السلام مستعدّاً لذلك - لكي يعود المجتمع كما كان عليه في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعصر أمير المؤمنين عليه السلام، وإمّا الوصول إلى الشّهادة، وهو عليه السلام كان مستعدًّا لها أيضاً. لقد خلق الله الحسين والأئمّة عليهم السلام بحيث يتحمّلون مثل هذه الشّهادة لمثل هذا الأمر، وقد تحمّل الإمام الحسين عليه السلام ذلك.


التكليف الأساس عند انحراف المجتمع الإسلاميّ
إنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا الأمر بالنّسبة لأيّ نبيّ، عندما بُعث، أتى بمجموعة من الأحكام، بعضها فرديّ من أجل إصلاح الفرد، وبعضها اجتماعيّ من أجل بناء المجتمعات البشريّة، وإدارة الحياة البشريّة. هذه المجموعة من الأحكام يُقال لها النّظام الإسلاميّ. لقد نزل الإسلام على القلب المقدّس للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء بالصلاة والصّوم والزّكاة والإنفاقات والحجّ والأحكام الأسريّة والعلاقات الفرديّة، ثمّ جاء بالجهاد في سبيل الله، وإقامة الحكومة والاقتصاد الإسلاميّ، وعلاقة الحاكم بالرعيّة، ووظائف الرعيّة، تجاه الحكومة. هذه المجموعة من الأحكام عرضها الإسلام على البشر، وبيّنها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، "يا أيّها النّاس، والله ما من شيء يُقرّبكم إلى الجنّة ويُباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به"1. ولم يُبيّن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كلّ ما يُسعد الإنسان والمجتمع الإنسانيّ فحسب، بل طبّقه وعمل به. فقد أقام الحكومة الإسلاميّة والمجتمع الإسلاميّ، وطبّق الاقتصاد الإسلاميّ، وأُقيم الجهاد، واستُحصلت الزكاة، فشيّد نظامًا إسلاميًّا، وأصبح النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وخليفته من بعده، مهندس النّظام، وقائد هذا القطار في هذا الخطّ. كانت الطريق واضحةً وبيّنةً، فوجب على الفرد وعلى المجتمع الإسلاميّ أن يسير في هذه الطّريق، وعلى هذا النّهج، ولو حصل ذلك لبلغ النّاسُ الكمال، ولأصبحوا صالحين كالملائكة، ولزال الظّلم والشرّ والفساد والفرقة والفقر والجهل من بين النّاس، ولوصلوا إلى السّعادة الكاملة ليصبحوا عباد الله الكمّل. لقد جاء الإسلام بهذا النّظام بواسطة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وطُبّق في مجتمع ذلك اليوم، فأين حدث ذلك؟ في بقعةٍ تُسمّى المدينة، واتّسع بعد ذلك ليشمل مكّة وما
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص74.
 
 
 
 
131

105

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 حولها. وهنا يُطرح سؤال، وهو: ماذا يكون التكليف فيما لو جاءت يدٌ أو حادثة وأخرجت هذا القطار الّذي وضعه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه السكّة؟ وماذا يكون التكليف فيما لو انحرف المجتمع الإسلاميّ، وبلغ الانحراف درجة بحيث خيف من انحراف أصل الإسلام والمبادئ الإسلاميّة؟


لدينا نوعان من الانحراف: فتارةً يفسد النّاس - وهذا ما يقع كثيراً - لكن تبقى أحكام الإسلام سليمة، وتارة ينحرف النّاس ويفسد الحكّام والعلماء ومبلّغو الدين - ففي الأساس لا يصدر الدين الصحيح عن قومٍ فاسدين - فيُحرّفون القرآن والحقائق، وتبدّل الحسنات سيّئات، والسيّئات حسنات، ويُصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويُحرّف الإسلام 180 درجة عن الاتّجاه الّذي رُسم له. فماذا يكون التّكليف فيما لو ابتُلي النّظام والمجتمع الإسلاميّ بمثل هذا الأمر؟ لقد بيّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحدّد القرآن التكليف، ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾1، إضافة إلى آيات وروايات أخرى كثيرة، أنقل منها هذه الرّواية عن الإمام الحسين، لقد ذكر الإمام الحسين عليه السلام هذه الرّواية النبويّة للنّاس، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد حدّث بها، لكن هل كان النبيّ ليقدر على العمل بهذا الحكم الإلهيّ؟ كلّا، لأنّ هذا الحكم الإسلاميّ يُطبّق في عصر ينحرف فيه المجتمع الإسلاميّ، ويبلغ حدًّا يُخاف فيه من ضياع أصل الإسلام. والمجتمع الإسلاميّ لم ينحرف في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينحرف في عهد أمير المؤمنين عليه السلام بتلك الصّورة، وكذا في عهد الإمام الحسن عليه السلام عندما كان معاوية على رأس السّلطة، وإن ظهرت الكثير من علائم ذلك الانحراف، لكنّه لم يبلغ الحدّ الّذي يُخاف فيه على أصل الإسلام. نعم، يُمكن أن يُقال إنّه بلغ الحدّ في برهة من الزمن، لكن في تلك الفترة لم تُتح الفرصة، ولم يكن الوقت مناسبًا للقيام بهذا الأمر. إنّ هذا الحكم الّذي يُعتبر من الأحكام الإسلاميّة، لا يقلّ أهميّة عن الحكومة ذاتها، لأنّ الحكومة تعني إدارة المجتمع. فلو خرج المجتمع بالتّدريج عن مساره، وخرُب وفسد، وتبدّل حكم الله، ولم يوجد عندنا حكم وجوب تغيير الوضع، وتجديد الحياة، أو بتعبير اليوم (الثورة)، فماذا تكون الفائدة من الحكومة عندها؟ فالحكم الّذي يرتبط
 

1- سورة المائدة، الآية 54.
 
 
132

106

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 بإرجاع المجتمع المنحرف إلى الخطّ الصّحيح لا يقلّ أهميّة عن الحكومة ذاتها، ويُمكن أن يُقال إنّه أكثر أهميّة من جهاد الكفّار، ومن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر العاديّين في المجتمع الإسلاميّ، بل وحتّى من العبادات الإلهيّة العظيمة كالحجّ. لماذا؟ لأنّ هذا الحكم - في الحقيقة - يضمن إحياء الإسلام بعد أن أشرف على الموت، أو مات وانتهى.

 

 

 

133


107

الدرس التاسع: الإمام الحسين عليه السلام (1) أهداف الثورة الحسينية

 المفاهيم الرئيسة


1- إن الإسلام، كغيره من الظواهر، يُهدّد بأخطار عديدة، ويحتاج إلى وسائل المواجهة التي تحصّنه، وتدفع عنه آثار تلك الأخطار.

2- إن الإسلام يواجه خطرين، هما:
أ- العدوّ الخارجيّ: وهو الذي كُوِّن من خارج النظام، ويقوم باستهداف وجود نظام ما، في فكره وجهاز بنيته العقائدية وقوانينه وكل شؤونه، وبشتّى الوسائل والأساليب.
ب- العدوّ الداخليّ: وهو الترهّل الداخليّ، أي من داخل النظام، فيمكن للمنتمين إلى نظام، على أثر التعب أو الخطأ في فهم الطريق الصحيح، أو تغلّب المشاعر النفسانية، أو النظر للمظاهر المادية، أن يشكلوا خطراً على النظام. 

3- لقد عيّن الإسلام علاجاً لمواجهة كلّ من هذين التهديدين، وهو الجهاد الأكبر والأصغر. 

4- وقعة عاشوراء شكلت حركة عظيمة مجاهدة في جبهة المواجهة مع العدو الخارجيّ والعدو الداخليّ.

5- إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام قامت في ظروف سياسية واجتماعية في غاية الخطورة، فقد كان الجهاز الحاكم فاسداً، وطلابُ الدنيا المرتبطون بهذا الجهاز فاسدون أيضاً.

6- لقد كان الفساد منتشراً بين أبناء المجتمع الإسلاميّ بمستوياته كافّة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. 

7- لقد وُضع لثورة الإمام الحسين عليه السلام عدة أهداف، هي: إسقاط حكومة يزيد، الوصول إلى الشهادة، وأداء التكليف: وقد كان هذا هو الهدف الأساس والصحيح للإمام عليه السلام، وهو عبارة عن أداء واجب عظيم من واجبات الدين، واجب يحتلّ مكاناً مهماً في البناء العامّ للنظام الفكريّ والقيميّ والعمليّ للإسلام.

8- إن المجتمع الإسلاميّ يواجه نوعين من الانحراف، هما: انحراف الناس مع بقاء أحكام الإسلام حية، انحراف فئات المجتمع كلّها، وهذا هو الانحراف الخطير والذي تجب مواجهته.
 
 
 
 
 
134

108

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1ـ يلخّص الأدلة الروائية التي أشارت إلى أسباب ثورة الإمام الحسين عليه السلام وأهدافها.
2ـ يشرح أسباب وقوع الثورة في زمن الإمام الحسين عليه السلام.
3ـ يحلِّل ثمار الثورة الحسينية.
 
 
 
 
 
 
135

109

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 الأدلَّة الروائيّة على هدف الثورة

إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت لتأدية واجبٍ عظيمٍ، وهو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى الخطّ الصّحيح، أو الثّورة ضدّ الانحرافات الخطيرة في المجتمع الإسلاميّ. وهذا ما يتمّ عن طريق الثّورة وعن طريق الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، بل هو مصداقٌ عظيم للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. بالطّبع، فقد تكون نتيجتها إقامة الحكومة، وقد تكون الشّهادة، وقد كان الإمام الحسين عليه السلام مستعدًّا لكلتا النّتيجتين. والدّليل على ذلك هو ما يُستنتج من أقوال الإمام الحسين عليه السلام. وهذه بعض أقوال أبي عبد الله عليه السلام، وكلّها تشير إلى هذا المعنى:
1- خطورة القضية:
عندما طلب الوليد، والي المدينة، الإمامَ الحسين عليه السلام ليلًا، وقال له: إنّ معاوية قد مات، وعليك بمبايعة يزيد، ردّ عليه الإمام عليه السلام: "نُصبح وتُصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة"1. وعند الصباح، عندما لقي مروان أبا عبد الله عليه السلام، طلب منه مبايعة يزيد، وعدم تعريض نفسه للقتل، فأجابه الإمام عليه السلام: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السّلام، إذ قد بُليَت الأمّة براعٍ مثل يزيد"2. فالقضيّة ليست شخص يزيد، بل أيّ شخصٍ مثل يزيد. فما يريد الإمام الحسين عليه السلام قوله هو: لقد تحمّلنا كلّ ما مضى، أمّا الآن فإنّ أصل الدين والإسلام والنّظام الإسلاميّ في خطر، إشارة إلى أنّ الانحراف خطرٌ جدّيّ، والقضيّة هي الخطر على أصل الإسلام.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص325.
2- م.ن، ص326.
 
 
 
 
137

110

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 2- وصية الإمام إلى أخيه محمد ابن الحنفية:

إنّ أبا عبد الله عليه السلام قد أوصى أخاه محمّد ابن الحنفيّة مرّتين: الأولى عند خروجه من المدينة، والثّانية عند خروجه من مكّة. ولعلّ هذه الوصيّة كانت عند خروجه من مكّة في شهر ذي الحجّة، فبعد الشّهادة بوحدانيّة الله، ورسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يقول الإمام عليه السلام: "وإنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم"1، أي أريد الثّورة لأجل الإصلاح، لا للوصول إلى الحكم حتمًا أو للشّهادة حتمًا. والإصلاح ليس بالأمر الهيّن، فقد تكون الظّروف بحيث يصل الإنسان إلى سدّة الحكم ويمسك بزمام السّلطة، وقد لا يمكنه ذلك ويُستشهد، وفي كلتا الحالتين تكون الثّورة لأجل الإصلاح. ثمّ يقول عليه السلام: "أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي، وأبي عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾2..."3. والإصلاح يتّم عبر هذه الطّريق، وهو ما قلنا أنّه مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- الكُتب المرسَلة إلى البصرة والكوفة:
عندما كان الإمام عليه السلام في مكّة، بعث بكتابين: الأوّل إلى رؤساء البصرة، والثاني إلى رؤساء الكوفة. جاء في كتابه إلى رؤساء البصرة: "وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت، فإن تسمعوا قولي وتُجيبوا دعوتي وتُطيعوا أمري أُهدكم سبيل الرّشاد"4، أي يريد الإمام الحسين عليه السلام تأدية ذلك التّكليف العظيم، وهو إحياء الإسلام وسنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والنّظام الإسلاميّ. وجاء في كتابه إلى أهل الكوفة: "فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائر بالحقّ والحابس نفسه عن ذات الله، والسلام"5. الإمام ورئيس المجتمع
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص 329.
2- سورة الأعراف، الآية 87.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص 330.
4- أبو مخنف الكوفيّ، وقعة الطف، تحقيق وتصحيح محمد هادي اليوسفيّ الغرويّ، نشر جماعة المدرّسين، الطبعة الثالثة، 1417هـ، قم ـ إيران، ص107.
5- م. ن، ص 96.
 
 
 
 
138

111

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 الإسلاميّ لا يمكن أن يكون فاسقًا فاجرًا خائنًا مفسدًا بعيدًا عن الله، بل يجب أن يكون عاملًا بكتاب الله، وذلك بالطّبع على مستوى المجتمع، لا أن يحبس نفسه في غرفة الخلوة للصّلاة، بل أن يحيي العمل بالكتاب على مستوى المجتمع، ويأخذ بالقسط والعدل، ويجعل الحقّ قانون المجتمع. ولعلّ معنى الجملة الأخيرة هو أنّه يثبّت نفسه على الصّراط الإلهيّ المستقيم بأيّ نحوٍ حتّى لا يقع أسير الإغراءات الشّيطانيّة والماديّة، أي أنّ الإمام عليه السلام قد بيّن هدفه من الخروج.


4- خطب الإمام بعد خروجه من مكة:
كان الإمام عليه السلام بعد خروجه من مكّة يُخاطب النّاس في كلّ منزل ينزل فيه، عندما (واجه الحسين عليه السلام جيش الحُرّ) وسار بأصحابه في ناحية، والحرّ ومن معه في ناحية، حتّى بلغ "البيضة"، خاطب الإمام عليه السلام أصحاب الحرّ، فقال: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًّا لحُرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا بقول، كان حقًّا على الله أن يُدخله مدخله"1. فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيّن ما يجب عمله إذا انحرف النّظام الإسلاميّ، وقد استند الإمام الحسين عليه السلام إلى قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا.

فالتّكليف هو أن "يُغيِّر بفعل أو قول"، فإذا واجه الإنسان مثل هذه الظّروف، وكان الظّرف مؤاتيًا كما تقدّم، وجب عليه أن يثور ضدّ هذا الأمر، ولو بلغ ما بلغ، سواء أدّى ذلك لأنّ يُقتل، أو أن يبقى حيًّا، أو أن ينجح في الظّاهر، أو لا ينجح، يجب على كلّ مسلم في مثل هذه الحال أن يثور، وهذا تكليفٌ قال به النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّ قال عليه السلام: "وإنّي أحقّ بهذا"2، لأنّي سبط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أوجب هذا الأمر على المسلمين فردًا فردًا، فإنّ سبط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووارث علمه وحكمته الحسينَ بن علي عليه السلام سيكون أحقّ بالثّورة، "فإنّي خرجت لهذا الأمر"، فيُعلن عن سبب وهدف ثورته، وهو لأجل "التغيير"، أي الثّورة ضدّ هذا الوضع السّائد.
 

1- أبو مخنف، وقعة الطف، ص172.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص 382.
 
 
 
 
139

112

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 5- كلام الامام في منزل عُذيب، وفي كربلاء:

كان للإمام الحسين في منزل عُذيب - حيث التحق به أربعة نفر - بيانٌ آخر، قال لهم الإمام عليه السلام: "أما والله إنّي لأرجو أن يكون خيرًا ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا"1، وهذا دليل على ما تقدّم أنّه لا فرق، سواء أنتصَرَ أم قُتل، يجب أداء التكليف.

وفي أوّل خطبةٍ له عليه السلام عند نزوله كربلاء، يقول عليه السلام: "وإنه قد نزل من الأمر ما قد ترون"، إلى أن يقول: "ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقًّا..."2 إلى آخر الخطبة.

إنّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام، إذًا، كانت تأديةً لواجب، وهذا الواجب يتوجّه إلى كلّ فرد من المسلمين عبر التاريخ، وهو أنّه على كلّ مسلم لزوم الثّورة حال رؤية تفشّي الفساد في جذور المجتمع الإسلاميّ، بحيث يُخاف من تغييرٍ كلّي في أحكام الإسلام، بالطّبع، بشرط أن تكون الظّروف مؤاتية، وعُلم بأنّ لهذه الثورة نتيجة، أمّا مسألة البقاء على قيد الحياة، وعدم القتل، وعدم التعرّض للتعذيب والأذى والمعاناة، فهذه الأمور ليست من الشّروط. فالحسين عليه السلام قد ثار وأدّى هذا الواجب عملياً، ليكون درسًا للجميع.

لماذا وقعت الثورة في زمن الإمام الحسين عليه السلام تحديداً؟
إنّ الإمام الحسين عليه السلام هو أوّل من قام بهذا التحرّك، ولم يقم به أحدٌ قبله، لأنّه في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أمير المؤمنين عليه السلام ما كانت مثل هذه الأرضيّة وهذا الانحراف موجودين، وإذا كان هناك انحراف في بعض الموارد، فلم تكن الأرضيّة مناسبة ولا المقتضى موجوداً (للثورة)، أمّا في زمن الإمام الحسين عليه السلام، فكلا الأمرين قد وُجدا، فهذا هو أساس القضيّة في مورد نهضة الإمام الحسين عليه السلام.

إنّ الإسلام في عصر الإمام الحسين عليه السلام قد تعرّض للتحريف، وكان الوقت مناسبًا، والأرضيّة ممهّدة، لذا وجب على الحسين عليه السلام أن يثور.
 

1- أبو مخنف، وقعة الطف، ص 174.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 44، ص 381.
 
 
 
 
140

 


113

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 الشّخص الّذي تولّى السّلطة بعد معاوية، لم يُراعِ حتّى ظواهر الإسلام، وكان منغمسًا في الخمر والمجون والتهكّم على القرآن، وترويج الشّعر المخالف للقرآن، والّذي يتهجّم على الدّين، ويُجاهر بمخالفة الإسلام، غاية الأمر، لأنّ اسمه رئيس المسلمين لم يُرِد أن يحذف اسم الإسلام. فهو لم يكن عاملًا بالإسلام، ولا محبّاً له، وكان بعمله هذا كنبع الماء الآسن الّذي يُفسد ما حوله، ويعمّ المجتمع الإسلاميّ. هكذا يكون الحاكم الفاسد، فبما أنّه يتربّع على قمّة المرتفع، فما يصدر عنه لا يبقى في مكانه، بل ينتشر ليملأ ما حوله، خلافًا للنّاس العاديّين، حيث يبقى فسادهم لأنفسهم أو لبعضٍ ممّن حولهم. وكلّ من شغل مقامًا ومنصبًا أرفع في المجتمع الإسلاميّ، كان ضرره وفساده أكبر. لكن لو فسد من يقع على رأس السّلطة، لانتشر فساده وشمل الأرض كلّها، كما أنّه لو كان صالحًا، لامتدّ الصّلاح إلى كلّ مكان. فشخصٌ مفسدٌ كهذا أصبح خليفة المسلمين بعد معاوية، وخليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم! فهل هناك انحرافٌ أكبر من هذا؟


هل إنّ معناه عدم وجود الخطر؟ كلّا، فالخطر موجود. فلا معنى أن يبقى من هو على رأس السّلطة ساكتًا أمام معارضيه، ولا يخلق لهم المخاطر، بل من البديهيّ أن يوجّه لهم الضّربات. فعندما نقول "الوقت المناسب"، فمعناه أنّ الظروف في المجتمع الإسلاميّ مؤاتية لأن يُبلّغ الإمام الحسين عليه السلام نداءه إلى النّاس في ذلك العصر، وعلى مرّ التاريخ.

لو أراد الإمام الحسين عليه السلام الثّورة في عصر معاوية لدُفن نداؤه، وذلك لأنّ وضع الحكم في زمن معاوية، والسياسات كانت بحيث لا يُمكن للنّاس معها سماع قول الحقّ، لذلك لم يقل الإمام الحسين عليه السلام شيئًا طيلة السّنوات العشر الّتي كان فيها إمامًا في زمن معاوية، فهو لم يفعل شيئًا، ولم يُقدّم، ولم يثُر، لأنّ الظّروف لم تكن مؤاتية. الإمام الحسن عليه السلام كان قبله ولم يثر، لأنّ الظروف لم تكن مؤاتية أيضًا، لا أنّ الإمام الحسن عليه السلام لم يكن أهلًا لذلك. فلا فرق بين الإمام الحسن عليه السلام وبين الإمام الحسين عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين عليه السلام وبين الإمام السجّاد عليه السلام، ولا بين الإمام الحسين عليه السلام وبين الإمام عليّ النقيّ عليه السلام، أو الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام. بالطّبع، فإنّ منزلة الإمام الحسين عليه السلام - الّذي أدّى هذا الجهاد - هي أرفع من الّذين لم يؤدّوه، لكنّهم سواء في منصب الإمامة. ولو وقع هذا الأمر في عصر أيّ إمام، لثار ذلك الإمام، ونال تلك المنزلة.
 
 
 
 
 
141

114

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 فالإمام الحسين عليه السلام واجه مثل هذا الانحراف، وكانت الظّروف مؤاتية، فلا محيص له عليه السلام من تأدية هذا التكليف، فلم يبقَ هناك أيّ عذر. لهذا، عندما قال له عبد الله بن جعفر، ومحمد ابن الحنفية، وعبد الله بن عباس - الّذين كانوا من العلماء والعارفين بأحكام الدين، ولم يكونوا من عامّة النّاس - إنّ تحرّكك فيه خطرٌ فلا تذهب، أرادوا أن يقولوا: إنّ التكليف قد سقط عنك لوجود الخطر، لكنّهم لم يُدركوا أنّ هذا التكليف ليس بالتكليف الّذي يسقط بوجود الخطر، لأنّ مثل هذا التكليف فيه خطر دومًا، فهل يمكن لإنسان أن يثور ضدّ سلطة مقتدرة في الظاهر، ولا يواجه خطرًا؟!


الثّمار الطيّبة للثّورة الحسينيّة
1- إحياء الإسلام: 
الإمام الحسين عليه السلام الّذي يُقال إنَّه : "الموعود بشهادته قبل استهلاله وولادته، (هذا الّذي) بكته السماء ومن فيها، والأرض ومن عليها" قبل ولادته، إنّه الحسين بن عليّ عليه السلام الّذي له ذلك العزاء الكبير، ونحن نُعظّمه. وبحسب هذا الدّعاء أو الزّيارة، فإنّ البكاء عليه هو من أجل ذلك. لهذا، عندما ننظر اليوم، نرى أنّ الذي أحيى الإسلام وحفظه هو الحسين بن علي عليه السلام.

2- إحياء الروحيّة النضاليّة في المجتمع الإسلاميّ:
لقد قام الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام، وأيقظ وجدان النّاس. لهذا ظهرت تلك النّهضات الإسلاميّة الّتي بدأت واحدة تلو الأخرى، بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام، والّتي جرى قمعها حتمًا. ولكن ليس المهمّ أن يجري قمع التحرّك من قبل العدوّ، وإن كان بالطّبع مرًّا، ولكن ما هو أمرّ هو أن يصل المجتمع إلى حيث لا يُظهِر أيّ ردّة فعل مقابل العدوّ، هذا هو الخطر الأكبر.

لقد قام الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام بعملٍ، أدّى إلى ظهور أشخاصٍ في عهود الحكومات الطاغوتية أجمعها. ورغم أنّهم كانوا أبعد عن عصر صدر الإسلام، إلّا أنّ إرادتهم للقتال والجهاد ضدّ جهاز الظّلم والفساد كانت أكبر من عصر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ـ كما كان يُقضى عليهم جميعًا، فبدءًا من قضية قيام أهل المدينة المعروفة
 
 
 
 
142

115

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 بالحرّة، إلى الأحداث اللاحقة وقضايا التوّابين والمختار الثقفيّ، إلى عصر بني العبّاس، ففي الداخل هناك شعوبٌ دائمًا ما تثور. فمن ذا الّذي أوجد مثل هذه الثّورات؟ إنّه الحسين بن علي عليه السلام. فلو لم يثر الإمام الحسين عليه السلام، هل كانت لتتبدّل هذه الروحية الكسولة والمتهرّبة من المسؤوليّة إلى روحيّة مواجهةٍ للظلم وتحمّل المسؤوليّة؟ لماذا نقول إنّ روحيّة تحمّل المسؤوليّة كانت ميّتة؟ إنّه بسبب أنّ الإمام الحسين عليه السلام ذهب من المدينة، الّتي كانت مهد الرّجال العظام في الإسلام، إلى مكّة. وكان أبناء العبّاس والزبير وعمر، وأبناء خلفاء صدر الإسلام، قد اجتمعوا جميعهم في المدينة، ولم يكن أيٌّ منهم حاضرًا أو مستعدًّا لمساعدة الإمام الحسين عليه السلام في هذه الثّورة التّاريخيّة. إذًا، فإلى ما قبل بدء ثورة الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن الخواصّ مستعدّين ليخْطوا خطوةً واحدة، أمّا بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام فقد أتمَّ إحياء هذه الرّوحيّة. 


بين ثورة الإمام الحسين والثورة الإسلاميّة في إيران
إنّ العمل الّذي جرى في زمن الإمام الحسين عليه السلام كانت نسخته المصغَّرة في عصر إمامنا الخمينيّ دام ظله، غاية الأمر أنّه هناك انتهى إلى الشّهادة، وهنا انتهى إلى الحكم، فهما أمرٌ واحدٌ، ولا فرق بينهما. فقد كان هدف الإمام الحسين عليه السلام وهدف إمامنا الجليل واحدًا، وهذا الأمر يُشكّل أساس معارف الإمام الحسين عليه السلام، وإنّ المعارف الحسينيّة تُمثّل قسمًا عظيمًا من معارف الشّيعة. فهذا أصلٌ مهمّ، وهو نفسه من أركان الإسلام.

فالهدف كان عبارة عن إرجاع الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى الصراط المستقيم، والخطّ الصحيح. ففي أيّ زمان؟ في الوقت الّذي تبدّلت الطّريق، وانحرف المسلمون نتيجة جهل وظلم واستبداد وخيانة بعض القوم.
 
 
 
 
143

116

الدرس العاشر: الإمام الحسين عليه السلام (2) خلفيّات الثورة وأهدافها

 المفاهيم الرئيسة


1- لقد كان الهدف من ثورة الإمام الحسين عليه السلام هو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى الخطّ الصحيح، ويشير إلى ذلك أدلة روائية عدّة، هي:
أ- كلام الإمام الحسين عليه السلام للوليد بن عتبة: "وعلى الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد".
ب- وصية الإمام عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية: "وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم".
ج- كتاب الإمام عليه السلام إلى البصرة، وفيه: "فإن السُنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت".
د- كتاب الإمام عليه السلام إلى أهل الكوفة، وفيه: "فلعمري، ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط...".
هـ- خطبة الإمام عليه السلام في البيضة: "من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحُرم الله، ...".
و- كلام الإمام الحسين عليه السلام في عذيب وكربلاء: "أما والله، إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا"، وكلامه أيضاً: "ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا ينتاهى عنه...".

2- إن الثورة وقعت في زمن الإمام الحسين عليه السلام تحديداً بسبب أن الأرضية لم تكن مناسبة لإقامة الثورة في زمن الإمام علي عليه السلام أو الإمام الحسن عليه السلام، بينما في زمنه عليه السلام كانت مهيئة، فإن يزيد بن معاوية لم يراعِ حتى ظواهر الإسلام، وكان مجاهراً بمخالفة الإسلام، وكان فساده يعمّ المجتمع الإسلاميّ. ولو فرض أن هذه الظروف كانت مهيئة في زمن أحد الأئمة عليه السلام، لقام بما قام به الإمام الحسين عليه السلام نفسِه.

3- لقد كان لثورة الإمام الحسين عليه السلام ثماراً طيبة، هي: إحياء الإسلام، وإحياء الروح النضالية في المجتمع الإسلاميّ.
 
 
 
 
 
 
144

117

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى أهداف الإمام السجاد عليه السلام البعيدة المدى أو القصيرة المدى.
2- يلخّص الأوضاع الفكريّة والثقافيّة والأخلاقيّة في المجتمع الإسلاميّ.
3- يشرح الأوضاع السياسية والأمنية للشيعة في عهد الإمام السجاد عليه السلام.
 
 
 
 
 
145
 

118

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 كيف نقرأ سيرة الإمام السجَّاد عليه السلام؟

إنّ الحديث عن الإمام السجّاد عليه السلام، وكتابة سيرته، عملٌ صعب، لأنّ أساس تعرّف النّاس إلى هذا الإمام تمّ في أجواء غير مساعدة إطلاقًا. ففي ذهن أغلب كتّاب السّيرة والمحلّلين أنّ هذا الإنسان العظيم قد انزوى للعبادة، ولم يكن له أيّ تدخّل في السّياسة. حتّى أنّ بعض المؤرّخين وكتّاب السّيرة ذكروا هذه المسألة ذكرًا صريحًا. أمّا الّذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحةٍ، فإنّ مفهومهم عن حياة الإمام السجّاد عليه السلام ليس سوى هذا الأمر. وهذا المعنى موجودٌ في الألقاب الّتي تُنسب إليه، والتّعابير الّتي يُطلقها النّاس عليه، كما يُطلق عليه بعض النّاس لقب "العليل"، في حين أنّ مرضه لم يستغرق أكثر من عدّة أيّام في واقعة عاشوراء. ومن الطّبيعيّ أنّ كلّ إنسان يمرض في حياته عدّة أيّام، وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهيّة، حتّى لا يُكلَّف هذا العظيم بالدّفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيّام، ليستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثّقيل للأمانة والإمامة على عاتقه، ويبقى حيًّا بعد والده لمدّة 34 أو 35 سنة، تُعدّ أصعب مراحل عصور الإمامة عند الشّيعة. أنتم عندما تنظرون إلى ماضي حياة الإمام السجّاد عليه السلام سوف تجدون حوادث متنوّعة ولافتة جدًّا، كما حدث لبقيّة أئمّتنا، وربّما إذا جمعنا سِيَر الأئمّة عليهم السلام معًا، فلن نجد مثل سيرة السجّاد عليه السلام.

لذلك ينبغي أن نُفسّر جزئيّات عمل الإمام، والمراحل الّتي مرّ بها، والأساليب الّتي استعملها، والتّوفيقات الّتي حصلت، وكلّ الأمور الّتي بيّنها، وكلّ التحرّكات الّتي قام بها، والأدعية والمناجاة الّتي جُمعت في الصحيفة السجّادية... كلّ هذا ينبغي أن يُفسَّر على ضوء الخطّ العامّ.
 
 
 
 
147

119

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 ومن المواقف الّتي اتّخذها طوال مدّة الإمامة:

1- موقفه أمام عبيد الله بن زياد، ويزيد، الّذي تميّز بالبطولة والشّجاعة والفداء.
2- موقفه من "مسرف بن عقبة"، الّذي تميّز بالهدوء. هذا الرجل الّذي قام بتدمير المدينة، واستباح أموالها بأمر من يزيد في السّنة الثّالثة من حكمه.
3- حركة الإمام أمام عبد الملك بن مروان، أقوى خلفاء بني أميّة، وأمكرهم، حيث تميّز موقفه بالشدّة حينًا، باللين حينًا آخر.
4- تعامل الإمام عليه السلام مع عمر بن عبد العزيز.
5- تعامل الإمام مع أصحابه وأتباعه، ووصاياه لأصحابه.
6- موقف الإمام من وُعّاظ السّلاطين، وأعوان الظلمة.

كذلك نجد أنّ رسالة الإمام السجّاد عليه السلام إلى محمّد بن شهاب الزهريّ تُعتبر نموذجًا لأحد الحوادث في حياته. فلو أخذنا, على سبيل المثال, هذه الحادثة بنفسها، وبمعزل عن بقية الحوادث في تلك المرحلة، لا يُمكن أن نفهم شيئًا. فقد تُفهم هذه الرّسالة على أنّها من أحد الّذين ينتسبون إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأحد العلماء المعروفين في ذلك الزّمان. في هذا المجال توجد عدّة آراء: هذه الرسالة يُمكن أن تكون جزءًا من جهادٍ واسعٍ وأساس، ويمكن أن تكون نهيًا بسيطًا عن منكر، ويُمكن أن تكون اعتراضَ شخصيّةٍ على شخصيّةٍ أخرى، كالاعتراضات الّتي تُشاهَد كثيرًا على طول التّاريخ، بين شخصيّتين، أو عدّة أشخاص. ولا يُمكن فهم شيءٍ من هذه القضيّة فهمًا تلقائيًّا، وبمعزل عن بقيّة أحداث تلك المرحلة. والهدف من هذه المسألة هو أنّنا إذا التفتنا إلى الحوادث الجزئيّة، وقطعنا النّظر عن التّوجّه العامّ في حياة الإمام، فلن تُفهم سيرته، لذلك لا بدّ من أن نعرف التوجّه العام في سيرته، والهدف الذي كان يسعى لتحقيقه عليه السلام.

أهداف الإمام السجَّاد عليه السلام
1- الهدف البعيد المدى:
لقد كان الأئمّة عليهم السلام يسعون دائمًا لتشكيل الحكومة الإسلاميّة. وعندما استُشهد الإمام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء، وأُسر الإمام السجّاد عليه السلام، وهو في تلك الحالة من
 
 
 
 
 
148

120

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 المرض، فمنذ تلك اللحظة، بدأت في الحقيقة مسؤولية الإمام السجّاد عليه السلام. ولو قُدّر في ذلك التاريخ أن ينجح الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام في تأمين ذلك المستقبل، لقام الإمام السجّاد عليه السلام في ذلك الوقت بالتحديد بهذا الأمر، ومن بعده الأئمّة الباقون عليهم السلام.


بناءً عليه، ينبغي أن نبحث في مجمل حياة الإمام السجّاد عليه السلام عن هذا الهدف الكلّي، والمنهج الأصليّ، وأن نعرف دون شك أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يسعى لأجل تحقيق ذلك الهدف الّذي كان يسعى لأجله الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام.

كان الإمام السجّاد عليه السلام، في الفترة ما بين تسلّمه للإمامة منذ عاشوراء 61 هـ، وبين استشهاده مسمومًا عام 94 هـ، يُتابع مسؤوليّة تحقّق ذلك الهدف, وهو عبارة عن إقامة حكومة الله على الأرض، وتطبيق الإسلام، وقد استفاد من أنضج وأفضل الوسائل، وتقدّم بالقافلة الإسلاميّة، الّتي كانت بعد واقعة عاشوراء في تشرذمٍ وتفرّق مهول، وأنجز مهمّته العظمى ومسؤوليّته الأصيلة, والّتي قام بها أئمّتنا كلّهم، والأنبياء والصّالحون جميعهم، مراعيًا أصول السّياسة والشّجاعة والدقّة في الأعمال. وبعد 35 سنة من الجهاد المستمرّ، الّذي لم يعرف الرّاحة أبدًا، رحل عن الدّنيا كريمًا مرفوع الرّأس، موكلًا حمل ثقل الرّسالة من بعده إلى الإمام الباقر عليه السلام.

إنّ انتقال الإمامة إلى الإمام الباقر عليه السلام، وهي تحمل مهمّة إقامة حكومة الله على الأرض، تظهر بصورةٍ واضحة في الرّوايات. ففي رواية، نجد أنّ الإمام السّجّاد عليه السلام يجمع أبناءه، مشيرًا إلى محمّد بن علي الباقر عليه السلام، ويقول: "... احمل هذا الصندوق...، وحينما فتح الصّندوق، كان فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتبه"1.

لعلّ ذلك السّلاح يرمز إلى القيادة الثّوريّة، وذلك الكتاب يرمز إلى الفكر والعقيدة الإسلاميّة، وقد أودعهما الإمامُ السجّاد عليه السلام الإمامَ الّذي سيأتي من بعده، مودّعًا الدّنيا، راحلًا إلى جوار الرّحمة الإلهيّة، بنفسٍ مطمئنّة، ووجدانٍ هادئ، ورأسٍ مرفوع.
 

1- محمد بن الحسن بن فروخ الصفار- ، بصائر الدرجات، تصحيح وتعليق الحاج ميرزا حسن كوجه باغي، منشورات الأعلمي ـ طهران، مطبعة الأحمدي ـ طهران، 1404هـ، ص200. عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "لما حضرتْ عليَّ بن الحسين الوفاة، وقبل ذلك أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده فقال: يا محمد، احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة، قال: فلما توفي جاء إخوته يدَّعون في الصندوق، فقالوا: اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليّ نقطة وكان في الصندوق سلاح رسول الله، وكتبه صلى الله عليه وآله وسلم ".
 
 
 
149

121

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 2- الأهداف القصيرة المدى:

ممّا لا شكّ فيه أنّ الهدف النهائيّ للسّجاد عليه السلام كان إيجاد الحكومة الإسلاميّة. ولكن كيف يمكن أن تُقام الحكومة الإسلاميّة في مثل تلك الظّروف؟ إنّ هذا يحتاج إلى عدّة أمور:
أ- تدوين الفكر الإسلاميّ بصورة صحيحة، وطبق ما أنزل الله، بعد مرور أزمنة من التحريف والنسيان عليه.

ب- إثبات أحقّية أهل البيت في الخلافة والولاية والإمامة.

ج- إيجاد التشكيلات المنسجمة لأتباع أهل البيت عليهم السلام، وأتباع التشيّع.

هذه الأعمال والأهداف الثلاثة الأساس هي الّتي ينبغي أن ندرسها ونبحث فيها، لنرى أيّ واحد منها قد تحقّق في حياة الإمام السجّاد عليه السلام.

إلى جانب هذه الأعمال، كان هناك أعمال أخرى هامشيّة أو ضمنيّة، وتحرّكات قام بها الإمام وأتباعه لأجل اختراق ذلك الجوّ المرعب والقمعيّ. ففي ظلّ الإجراءات الأمنية المشدّدة الّتي كان يفرضها الحكم، نلاحظ مواقف عديدة للإمام عليه السلام أو أتباعه، كان الهدف منها كسر حواجز القمع، وصناعة بعض الأجواء الملائمة واللطيفة، خاصّة مع الأجهزة الحاكمة أو التابعة لها، مثل المواقف الّتي حدثت بين الإمام عليه السلام وبين عبد الملك عدّة مرات، أو الأمور الّتي جرت مع العلماء المنحرفين والتّابعين لعبد الملك (من قبيل محمّد بن شهاب الزهريّ). كلّ ذلك لأجل خرق ذلك الجوّ المتشدّد.

إنّ الباحث عندما يستعرض الرّوايات، سواء الأخلاقيّة منها أو المواعظ أو الرّسائل الّتي نقلت عن الإمام، أو المواقف الّتي صدرت عنه، وذلك على أساس ما بيّناه، فإنّه سوف يجد لها المعاني المناسبة. وبتعبيرٍ آخر، سوف يرى أنّ جميع تلك التحرّكات والأقوال كانت ضمن الخطوط الثّلاثة الّتي أشرنا إليها، والّتي كانت تصبّ جميعًا في دائرة إقامة الحكومة الإسلاميّة. وبالتأكيد لم يكن الإمام يُفكّر في إيجاد حكومة إسلاميّة في زمانه، لأنّه كان يعلم أنّ وقتها في المستقبل، أي، في الحقيقة، في عصر الإمام الصادق عليه السلام1.

فبهذه الأعمال الثّلاثة سوف تتهيّأ أرضيّة إقامة الحكومة الإسلاميّة، والنّظام العلَويّ. لقد
 

1- مجلة باسدار إسلام، 8- .
 
 
 
 
 
150

122

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 ذكرتُ سابقًا، وأؤكّد على ذلك الآن أيضًا، أنّ الإمام السجّاد عليه السلام لم يكن يرى أنّه سيتمّ تحقيق الحكومة الإسلاميّة في زمانه (وهذا بخلاف ما عمل لأجله الإمام الصادق عليه السلام في زمانه)، فقد كان معلومًا بأنّ الأرضيّة في عصر الإمام السجّاد عليه السلام لم تكن معَدّة لذلك، وكان حجم الظّلم والقمع والجهل كبيرًا إلى درجة يصعب معها إزالتهم خلال هذه السّنوات الثلاثين، فكان الإمام السجّاد عليه السلام يعمل للمستقبل. ومن خلال القرائن العديدة، نفهم أيضًا أنّ الإمام الباقر عليه السلام لم يكن يهدف إلى إقامة حكومة إسلاميّة في زمانه، أي أنّه منذ سنة 61 حتّى سنة 95 هـ (شهادة الإمام السجّاد عليه السلام)، ومنذ سنة 95 حتّى سنة 114 هـ (شهادة الإمام الباقر عليه السلام)، لم يكن في تصوّر أيّ منهما أنّه ستُقام هذه الحكومة في زمانه، ولهذا كانا يعملان على المدى البعيد.


الوضع العامّ للمجتمع الإسلاميّ 
1- الانحطاط الفكريّ والعقائديّ:
انتشر الانحطاط الفكريّ في أغلب أطراف العالم الإسلاميّ وأكنافه، نتيجة عدم الاهتمام بتعاليم الدّين في مرحلة العشرين سنة الماضية. وفيما بعدُ، هُجر التّعليم الدينيّ، وتعليم الإيمان، وتفسير الآيات، وبيان الحقائق منذ زمن النبيّ - في مرحلة العشرين سنة بعد عام 40 للهجرة، وإلى ذاك الوقت - فابتُلي النّاس، بلحاظ الاعتقاد والأصول الإيمانيّة، بالخواء والفراغ. عندما يضع المرء حياة النّاس في ذلك العهد تحت المجهر، يتّضح هذا الأمر من خلال التّواريخ والرّوايات المختلفة الموجودة. بالطّبع، كان هناك علماء وقرّاء ومحدّثون، سيأتي التعرّض لهم، لكنّ عامّة النّاس ابتُلوا بعدم الإيمان، وضعف الاعتقاد ضعفًا كبيرًا. وقد وصل الأمر إلى حيث إنّ بعض أيادي جهاز الخلافة يُشكّكون في النبوّة! ذُكر في الكتب أنّ خالد بن عبد الله القسريّ - ويُعدّ من عمّال بني أميّة المنحطّين جدًّا، والسيّئين - كان يُفضّل الخلافة على النبوّة، ويقول: "إنّ الخلافة أفضل من النبوّة"، ثمّ يستدل قائلًا: "أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك، أم رسولك"1، أي لو أنّك تركت في أهلك شخصًا يخلفك
 

1- ابن قتيبة الدينوريّ، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، نشر دار إحياء الكتاب العربيّ، الطبعة الأولى، 1960م، القاهرة، ص 346.
 
 
 
 
151

123

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 في غيبتك، فهل هو أفضل وأقرب إليك، أم ذاك الّذي يأتيك برسالةٍ ما من مكانٍ معيّن؟ فمن الواضح أنّ ذاك الّذي جعلته في بيتك خليفةً لك سيكون أقرب إليك. فخليفة الله - وهنا لا يقول خليفة رسول الله - هو أفضل من رسول الله!


إنّ ما كان يقوله خالد بن عبد الله القسريّ كان يجري على لسان الآخرين. وعندما ننظر في أشعار شعراء العصر الأمويّ، نجد أنّه منذ زمان عبد الملك قد تكرّر تعبير "خليفة الله" في الأشعار، إلى درجة أنّه ينسى المرء أنّ الخليفة هو خليفة النبيّ! فقد استمرّ هذا الأمر إلى زمن بني العبّاس.

بني أميّة هِبّوا طال نومُكمُ            إنّ الخليفة يعقوب بن داوودِ
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمِسوا     خليفة الله بين الزقّ والعودِ1

حتّى عندما كانوا يريدون هجاء الخليفة، كانوا يقولون خليفة الله! وأينما كان الشّعراء المعروفون في ذلك الزمان، كجرير والفرزدق وكُثير وغيرهم، ومئات الشّعراء المعروفين والكبار، عندما يريدون مدح الخليفة، كانوا يُطلقون عليه لقب خليفة الله، لا خليفة رسول الله. وهذا نموذجٌ واحد. لقد ضعُفت عقائد النّاس بهذا الشكل، حتّى فيما يتعلّق بأصول الدين. 

2- الانحطاط الأخلاقيّ:
في عهد الإمام السجّاد عليه السلام، انحطّت الأخلاق بدرجة شديدة. وبالرجوع إلى كتاب الأغاني لأبي الفرج، وهو أنّه في سنوات الـ 70 والـ 80 والـ 90 والمئة، إلى 150 - 160 تقريبًا، فإنّ أشهَر المغنّين والمطربين واللاعبين والعابثين في العالم الإسلاميّ كانوا في المدينة أو في مكّة، وكلّما كان يضيق صدر الخليفة في الشام شوقًا للغناء، ويُطالب بمغنٍّ أو مطرب، كانوا يرسلون له من المدينة أو مكّة أحد المطربين المعروفين، أو المغنّين. فأسوأ
 

1- السيد المرتضى علم الهدى، علي بن الحسين، أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد- ، تحقيق وتصحيح محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار الفكر العربيّ، الطبعة الأولى، 1998م، القاهرة، ج1، ص141.
 
 
 
152

124

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 الشعراء والماجنين كانوا في مكّة والمدينة. فمهبط وحي النبيّ، ومنشأ الإسلام، أضحى مركزًا للفحشاء والفساد. ومن الجيّد أن نعرف هذه الأمور بشأن تاريخ المدينة ومكّة. 


وسنتعرض لنموذجٍ من رواج الفساد والفحشاء:
كان في مكّة شاعرٌ يُدعى عمر بن أبي ربيعة، وهو من شعراء التعرّي والمجون، وقد مات في أوج قدرته وفنّه الشعريّ. ولو أردنا ذكر قصص هذا الشّاعر، وماذا كان يفعل في مكّة، لاحتاج الأمر إلى فصلٍ مشبّعٍ بالتّاريخ المؤسف لذلك العصر، في مكّة والطواف ورمي الجمرات. وهذا البيت مذكور في كتاب المغني:
بدا لي منها معصمٌ حينما جَمَّرت    وكفٌّ خضيبٌ زُيّنت ببنان1
فوالله ما أدري وإن كنت داريًا       بسبعٍ رميتُ الجمر أم بثمانيِ2

وعندما مات عمر بن أبي ربيعة، ينقل الراوي أنّه أقيم في المدينة عزاءٌ عامّ، وكان النّاس يبكون في أزقّة المدينة. ويقول إنّني أينما ذهبت كنت أجد مجموعة من الشباب، نساءً ورجالًا، واقفين ويبكون عمر بن أبي ربيعة في مكّة، فشاهدت جارية تسعى في عملها، وتحمل دلواً لتُحضر الماء، وكانت دموعها تنهمر على خدّيها بكاءً على عمر بن أبي ربيعة غمًّا وأسفًا، وعندما وصلت إلى مجموعة من الشّباب، سألوها لماذا تبكين لهذا الحدّ؟ فقالت لأنّ هذا الرّجل قد مات وخسرنا، فقال لها أحدهم، لا تحزني هناك شاعرٌ آخر في المدينة هو خالد المخزوميّ، والّذي كان لمدّةٍ حاكمًا على مكّة من طرف علماء الشّام، وقد كان من شعراء التعرّي والمجون، كعمر بن أبي ربيعة، فذكروا لها ذاك البيت، وأرادوا أن يذكروا لها بعض الأبيات الشعريّة لهذا الشّاعر، فاستمعت هذه الجارية قليلًا - وقد ذُكر في "الأغاني" هذا الشّعر وخصائصه - فمسحت دموعها وقالت: "الحمد الله الّذي لم يُخلِ حرمه"، فإذا
 

1- ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب، تحقيق وفعل وضبط محمد محي الدين عبد الحميد، نشر مكتبة الشيخ آية الله المرعشي ـ قم، 1404هـ، ج1، ص 14.
2- ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن الشافعيّ، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، طبع ونشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1998م، ج69، ص260.
 
 
 
 
153

125

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 فُقد شاعرٌ جاء آخر. هذا نموذج من الوضع الأخلاقيّ لأهل المدينة.


والقصص كثيرة عن سهرات مكّة والمدينة. ولم تكن المسألة منحصرة بالأفراد المنحطّين، بل شملت الجميع في المدينة، بدءًا من ذاك المتسوّل المسكين، كأشعب الطمّاع المعروف الّذي كان شاعرًا ومهرّجًا، ومرورًا بالأفراد العاديّين وأبناء السّوق، وأمثال هذه الجارية، إلى أبناء المعروفين من قريش، وحتّى بني هاشم، كانوا من هؤلاء الّذين غرقوا في هذه الفحشاء.

وفي زمن أمارة هذا الشّخص المخزوميّ، جاءت عائشة بنت طلحة، وكانت تطوف، وكان يُحبّها، وعندما حان وقت الأذان، أرسلت هذه المرأة رسالةً أن لا تؤذّنوا حتّى أُنهي طوافي، فأُمر بعدم رفع أذان العصر! فقيل له أنت تؤخّر الأذان من أجل شخصٍ واحدٍ وامرأة تطوف: أوَتؤخّر صلاة النّاس؟! فقال: واللهِ لو أنّ طوافها بقي إلى الصبح لقلت لهم أن يؤخّروا الأذان إلى الصبح! هذا كان حال ذلك الزمن.

وضع الشيعة في عهد الإمام السجّاد
1- القمع والخوف والضعف:
لقد كان الوضع بعد عاشوراء، بالنّسبة للشّيعة والمعتقدين بخطّ الإمامة، وضعًا مذهلًا. فوحشيّة عملاء وجلاوزة الأمويّين، وما فعلوه بآل النبيّ، سواءٌ أفي كربلاء أم في الكوفة أم في الشّام، أرعب كلّ من كان على اتّصال بخطّ الإمامة. كما أنَّ زبدة أصحاب الإمام الحسين عليه السلام قد استُشهدوا في كربلاء أو في واقعة التوّابين، أمّا الّذين بقوا فلم يمتلكوا الجرأة الّتي تخوّلهم الوقوف وقول كلمة الحقّ مقابل سلطة يزيد المتجبّر، وفيما بعد مروان. جمعٌ مؤمن، لكنّه مشتّت وغير منظّم ومرعوب، وقد انصرف من النّاحية العمليّة عن طريق الإمامة. هذا هو الإرث الّذي بقي للإمام السّجّاد من جمع الشّيعة، القمع الكثير والجماعة المناصرة الضّعيفة جدًّا.

عندما جرت واقعة كربلاء، سيطرت على العالم الإسلاميّ كافة، وخاصّة عندما وصل الخبر إلى الحجاز والعراق، حالةٌ من الرعب والخوف الشّديدين بين الشّيعة وأتباع الأئمّة، لأنّهم شعروا أنّ حكومة يزيد لا تتوّرع عن ارتكاب أيّ شيء لإحكام قبضتها على كلّ شيء، حتّى
 
 
 
 
 
154

126

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 ولو كان قتل الحسين بن علي عليه السلام، سبط الرّسول المعروف بالعظمة والاعتبار والقداسة في كافّة أنحاء العالم الإسلاميّ. 


هذا الرعب من الجهاز الحاكم, الّذي ظهرت آثاره في الكوفة والمدينة, بلغ ذروته بعد مرور زمان معيّن، إثر وقوع عدّة حوادث أخرى - إحداها حادثة الحرّة - فسيطر جوّ القمع الشّديد في منطقة نفوذ أهل البيت عليهم السلام في الحجاز (وخاصّة المدينة)، وفي العراق (وخاصّة الكوفة). فضعفت الاتّصالات، وصار أتباع الأئمّة والمعارضون لنظام بني أميّة أقليّة، وفي حالة ضعف وعدم ثبات.

وتُنقل رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال في الحديث عن أوضاع الأئمّة الّذين سبقوه: "ارتدّ النّاس بعد الحسين عليه السلام إلّا ثلاثة..."1، وذُكر في روايةٍ أخرى أنّهم خمسة، وفي بعضها أنّهم سبعة. وفي رواية عن الإمام السجّاد عليه السلام - يرويها أبو عمر النهديّ - يقول: سمعت عن الإمام أنّه قال: "ما بمكّة والمدينة عشرون رجلًا يُحبّنا"2.

وقد نقلتُ هذين الحديثين في هذا المجال، حتّى يتّضح الوضع العامّ لعالم الإسلام بالنسبة للأئمّة وأتباعهم. فهذا القمع الّذي حدث، أوجد مثل تلك الحالة الّتي صار فيها أتباع الأئمّة عليهم السلام متفرّقين آيسين خائفين، لا يملكون القدرة على التحرّك الجماعيّ.

2- ظهور التشكيلات الشيعيّة السريَّة رغم حالة القمع: 
في تلك الرّواية التي ذكرناها عن قلة الأنصار، وارتداد النَّاس, يُكمل الإمام الصادق عليه السلام القول: "ثمّ إنّ النّاس لحقوا وكثروا"3.

وتفصيل القضيّة المذكورة هو: بعد واقعة شهادة الإمام الحسين عليه السلام صار النّاس في خوفٍ ورعب، لكن ليس إلى درجة زوال تشكيلات أتباع أهل البيت. ودليل ذلك أنّه في الوقت الّذي جاؤوا بأسرى كربلاء إلى الكوفة، شوهدت التحرّكات الّتي تدلّ على وجود التنظيمات الشيعيّة.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 46، ص 144.
2- م. ن، ص 143.
3- م. ن ، ص 144.
 
 
 
 
155

127

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 وعند الحديث عن "التنظيمات الشيعيّة السرّيّة" لا نقصد نمط التنظيمات الموجود في هذا العصر، بل المقصود تلك الرّوابط العقائديّة الّتي كانت تصل النّاس بعضهم ببعض وتحملهم على التّضحية والأعمال السرّيّة، والّتي تؤلّف في أذهاننا مجموعة واحدة.


في تلك الأيّام الّتي كان فيها أهل البيت عليهم السلام في الكوفة، يسقط في إحدى الليالي حجرٌ في السجن الّذي كانوا فيه، وإذ بالحجر ورقة كُتب عليها: "لقد أرسل حاكم الكوفة رجلًا إلى يزيد في الشّام حتّى يعلم ماذا يفعل بكم، فإذا سمعتم غدًا ليلًا صوت تكبير فاعلموا أنّكم ستُقتلون ها هنا، وإذا لم تسمعوا فاعلموا أنّ الوضع سيتحسّن"1. عندما نسمع بمثل هذه القصّة نُدرك جيّدًا وجود شخص من الأصدقاء وأعضاء هذه التّنظيمات داخل الجهاز الحاكم لابن زياد، يعلم القضايا، وتطال يده السّجن، ويعلم ما هي الإجراءات بحقّ المعتقَلين، وما سيجري عليهم، ويُمكنه بالتّكبير أن يوصل الأخبار. وبالرغم من كلّ القمع والتّشديد، كانت تُشاهد مثل هذه الأمور.

مثال آخر: عبد الله بن عفيف الأزديّ، الرّجل الأعمى الّذي قام بردّة الفعل الأولى عند ورود الأسرى إلى الكوفة، وأدّى ذلك إلى استشهاده. وكذلك ما رأيناه في الشّام أو في الكوفة عندما التقى النّاس بأهل البيت بالبكاء والتلاوم، وقد تكرّرت هذه الحوادث في مجلس يزيد، وفي مجلس ابن زياد أيضًا.

بناءً على هذا، ومع فرض جوّ من القمع الشّديد بعد هذه الحادثة، لم ينهدم نظام عمل أتباع أهل البيت عليهم السلام، ولم يحصل لهم التشتّت والضّياع. ولكن بعد مرور مدّة وقعت حوادث أخرى، ازداد معها جوّ القمع. ومن هنا يُمكن فهم الحديث "ارتدّ النّاس بعد الحسين" بأنّه يرتبط بمرحلة تلك الأحداث أو ما بعدها، أو مرتبطٌ بالمقاطع الزمنيّة الّتي حصلت في هذا المجال.

وخلال هذه المرحلة - قبل وقوع تلك الحادثة المهمّة والمفجعة - قام الشّيعة بترتيب وتنظيم أعمالهم، واستعادة انسجامهم السّابق. وينقل الطبريّ قائلًا: "فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب، والاستعداد للقتال"2، وهو يقصد الشّيعة في طلب الثّأر لدماء الحسين
 

1- نقل ابن الأثير هذه القصة في تاريخه الكامل الكاتب - .
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج45، ص 356، نقلاً عن تاريخ الطبريّ، ج 5، ص 558.
 
 
 
156

128

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 بن علي عليه السلام. وكانوا يدعون النّاس من الشّيعة وغيرهم، ويستجيب لهم النّاس جماعات جماعات. وقد استمرّ هذا الوضع إلى أن هلك يزيد بن معاوية.


ولهذا نجد مع كلّ هذا الضّغط والقمع الشّديد، استمرار التحرّكات - كما ينقل الطبريّ-، ولعلّه لهذا السّبب تقول مؤلّفة كتاب "جهاد الشّيعة" (وهي كاتبة غير شيعيّة، ولا تمتلك رؤية واقعيّة تجاه الإمام السجاد عليه السلام، لكنّها أدركت هذه الحقيقة): "أصبح الشّيعة بعد شهادة الحسين عليه السلام كتنظيمٍ واحدٍ تجمعهم الاعتقادات والروابط السّياسيّة، ويعقدون الاجتماعات، ولهم القادة والقوى العسكريّة. وكان التوّابون أوّل مظهر لهذه التنظيمات"1.

الحوادث التي أدَّت إلى إضعاف التشكيلات الشيعيَّة
جرت عدة حوادث ووقائع أدَّت إلى إضعاف حركة الشيعة، وتضييق دائرة التشكيلات الشيعية. وأبرز تلك الحوادث هي:
1- واقعة الحرّة:
لقد جرت هذه الواقعة سنة 63 للهجرة، حيث إنّه في سنة 62 هـ وُلّيَ أحد شباب بني أميّة قليلي الخبرة على المدينة، ففكّر، ومن أجل استمالة قلوب الشّيعة في المدينة، أن يدعو بعضَهم إلى ملاقاة يزيد. فدعا بعض أشراف المسلمين والصحابة ووجهاء المدينة - الّذين كانوا في معظمهم من محبّي الإمام السجّاد عليه السلام - إلى الشام للقاء يزيد والاستئناس به، وللحدّ من الخلافات، فذهبوا إلى الشام، والتقوا به، ومكثوا عدّة أيّام، وأعطاهم يزيد مبالغ كبيرة من المال (بمقدار 50 ألف درهم، أو مئة ألف)، ثمّ رجعوا إلى المدينة.

عندما عادوا إلى المدينة - ولأنّهم رأوا الفجائع في بلاط يزيد - بدؤوا بانتقاده والتهجّم عليه، وانقلبت القضيّة، فبدلاً من مدحه والثّناء عليه، بدؤوا بالتّشهير به، وقالوا للنّاس: كيف يمكن أن يكون يزيد خليفة وهو شاربٌ للخمر، ويُلاعب الكلاب والقردة، ويُمارس أنواع الفسق
 
 

1- سميرة مختار الليثيّ، جهاد الشيعة، ص 27.
 
 
 
 
157

129

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 والفجور؟ إنّنا نخلعه عن الخلافة. وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن حنظلة1 الّذي دعا النّاس إلى القيام على يزيد، وخلعه.


فأدّت هذه الحركة إلى أن يأمر يزيد أحد القادة الكهول والمخضرمين لبني أميّة، ويُدعى "مسلم بن عقبة"، بالإسراع إلى المدينة، وإخماد الثّورة فيها. فقدم ابن عقبة، وحاصرها عدّة أيّام، ثمّ دخلها وارتكب فيها أبشع وأفجع الجرائم الّتي لم يحدث مثلها في تاريخ الإسلام. وقد عُرف بعد هذه الحادثة المفجعة باسم "مسرف بن عقبة".

إنّ مجريات وتفاصيل هذه الحادثة كثيرة، ولا يمكن أن أشرح كلّ الأحداث فيها، ولكن يكفي أنّها أصبحت أكبر وسيلة لإرعاب محبّي وأتباع أهل البيت، خاصّة في المدينة الّتي هرب منها من هرب، وقُتل آخرون، بعضهم من أصحاب أهل البيت الخيّرين كعبد الله بن حنظلة. لقد وصل هذا الخبر إلى أقطار العالم كافة وعُلِم أن النّظام الحاكم سوف يقف بقوّة أمام أيّة حركة من هذا القبيل، ولن يسمح بأيّ نحو من التحرّكات.

2- شهادة المختار، وحركة التوّابين:
هي الحادثة الّتي أدّت إلى إضعاف الشّيعة، هي حادثة شهادة المختار في الكوفة، وتسلّط عبد الملك بن مروان على العالم الإسلاميّ كاملاً.

فبعد موت يزيد، تبعه خلفاء، أحدُهم معاوية بن يزيد الّذي لم يحكم لأكثر من ثلاثة أشهر، ثمّ مروان بن الحكم الّذي حكم لمدة سنتين أو أقل، ثمّ وصل الأمر إلى عبد الملك الّذي كان أكثر خلفاء بني أميّة حنكةً كما جاء بشأنه: "كان عبد الملك أشدّهم شكيمة، وأمضاهم عزيمة"2.

فاستطاع عبد الملك أن يقبض على زمام أمور العالم الإسلاميّ بيده، وأن يوجد نظامًا إرهابيًّا وقمعيًّا. وكان إمساكه بزمام الأمور متوقّفًّا على القضاء على خصومه. فالمختار الشيعيّ قد صُفّي قبل مجيئه على يد مصعب بن الزبير، ولكنّ عبد الملك أراد أن يضع نهايةً
 

1- حنظلة هو الشاب الذي قبْل أن يطلع فجر ليلة عرسه التحق بجيش رسول الله، واستُشهد في غزوة أُحد، وغسلته الملائكة، ولهذا عُرف بـ "حنظلة غسيل الملائكة".
2- البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض زركلي، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، ج 7، ص209.
 
 
 
 
158

130

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 لاستمرار حركة المختار وغيره، والحركات الشيعيّة الأخرى، وبالفعل قام بذلك، حتّى عانى الشّيعة في العراق، وخاصّة الكوفة الّتي كانت في ذلك الوقت أهمّ مراكزهم، أشدّ معاناة1.

 


1- مجلة باسدار إسلام، 8- .

 

 

 

159


131

الدرس الحادي عشر: الإمام السجّاد عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 المفاهيم الرئيسة


1- ينبغي قراءة حياة الإمام السجاد عليه السلام قراءة تفصيلية دقيقة، من خلال جزئيات عمله، والمراحل التي مرّ بها، والأساليب التي استعملها، والأمور التي بيّنها كلّها، وما نتج عنه كلّه. 

2- لقد كان للإمام السجاد عليه السلام نوعان من الأهداف:
أ- الهدف البعيد المدى: السعي لتشكيل الحكومة الإسلامية.
ب- الأهداف القصيرة المدى، وهي: تدوين الفكر الإسلاميّ، إثبات أحقية أهل البيت عليهم السلام، وإيجاد التشكيلات المنسجمة لأتباع أهل البيت عليهم السلام وأتباع الشيعة. 

3- الأوضاع العامة في المجتمع الإسلاميّ:
أ- الانحطاط الفكريّ والعقائديّ: لقد انتشر الانحطاط الفكريّ في المجتمع الإسلاميّ نتيجة عدم الاهتمام بتعاليم الإسلام، وهجر التعليم الدينيّ، وتعليم الإيمان.
ب- الانحطاط الأخلاقيّ: انتشر الفساد الأخلاقيّ في جسم الأمة الإسلامية، كالغناء وشرب الخمر والفحشاء وغيرها. 

4- لقد عاش الشيعة في عصر الإمام السجاد عليه السلام أجواءً سياسية وأمنية خطيرة جداً، هي:
أ- القمع والخوف والضعف.
ب- ظهور التشكيلات الشيعية السريّة، رغم حالة القمع.

5- وقع في عصر الإمام السجاد عليه السلام بعض الحوادث التي أدّت إلى إضعاف حركة الشيعة، وأدت إلى تضييق دائرة التشكيلات الشيعية، وهذه الحوادث هي: 
أ- واقعة الحرّة: وهي التي جرت سنة63هـ، عندما رفض أهل المدينة خلافة يزيد بن معاوية، فجهّز جيشاً وقتل الناس، وأباح المدينة، وهتك حرمتها.
ب- حركة المختار: وهي الحركة التي قام بها المختار الثقفيّ ضد السلطة الحاكمة في الكوفة. 
ج- حركة التوّابين: وهي الحركة التي كانت كردّة فعل على عدم نصرة الحسين عليه السلام.
 
 
 
 
 
160

132

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى عمل الإمام السجاد عليه السلام ونشاطه في تدوين الفكر الإسلاميّ.
2- يشرح أسلوب الإمام السجاد عليه السلام في تربية الناس وإصلاحهم.
3- يلخّص آليّة عمل الإمام السجاد عليه السلام في بناء التشكيلات الشيعية.
 
 
 
 
 
161

133

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 الإجراءات التنفيذيَّة للإمام السجّاد عليه السلام

كان على الإمام السّجّاد عليه السلام، من أجل حفظ تيّار الإسلام الأصيل والمذهبيّ والواقعيّ، أن ينهض للجهاد، ويجمع كلّ هذا الشّتات الإسلاميّ، ويتّجه بهم نحو الحكومة العلويّة، أي نحو الحكومة الإسلاميّة الواقعية. لقد عمل الإمام السّجّاد عليه السلام في ظلّ هذه الظّروف طيلة 34 سنة. وسنكتفي بذكر بعض المقاطع البارزة من حياة الإمام السّجّاد عليه السلام، ومواقفه المشرّفة.

إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ
1- تدوين الفكر الإسلاميّ الأصيل، وحفظه:
إنّ أعظم الأدوار الّتي مارسها الإمام السجّاد عليه السلام هي أنّه دوّن الفكر الأصيل للإسلام: كالتوحيد، والنبوّة، وحقيقة المقام المعنويّ للإنسان، وارتباطه بالله. وأهمّ دور أدّته الصّحيفة السجّادية هو في هذا المجال. فانظروا إلى هذه الصّحيفة، ثمّ جولوا ببصركم في أوضاع النّاس على صعيد الفكر الإسلاميّ في ذلك الزّمن، ستجدون مدى المسافة الّتي تفصل بين الاثنين.

قام الإمام السجّاد عليه السلام بعملٍ كبيرٍ لأجل أن يحفظ الفكر الأصيل للإسلام في فضاء المجتمع الإسلاميّ.

ويظهر هذا الأمر في كلمات الإمام عليه نجد رسالة الحقوق، وهي رسالة مفصّلة بحجم رسالةٍ حقيقية بحسب اصطلاحنا، وهي رسالة كتبها الإمام لأحد أصحابه، يذكر فيها حقوق الأفراد والإخوان بعضهم على بعض، ويذكر فيها أيضًا حقّ الله علينا، وحقّ أعضائنا وجوارحنا، وحقّ العين واللسان واليد والأذن... كما يذكر حقّ حاكم المجتمع الإسلاميّ، وحقّنا
 
 
 
 
163

134

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 عليه، وحقّنا على جيراننا، وحقّنا على أسرتنا. لقد ذكر كلّ هذه الأنواع من الحقوق الّتي تُنظّم العلاقات بين الأفراد في النّظام الإسلاميّ. فالإمام، وبهدوءٍ تامّ، ومن دون أن يأتي على ذكر الحكومة والجهاد والنّظام المستقبليّ، قد ذكر في هذه الرسالة أسس علاقات النّظام المقبل، بحيث إنّه لو جاء يومٌ وتحقّق نظام الحكومة الإسلاميّة في عصر الإمام السجّاد نفسه - وهو بالطبع احتمالٌ بعيد - أو في العصور اللاحقة، فهو يُعرّف النّاس إلى الإسلام الّذي ستُحقَّق حكومته في المستقبل، ليلقي في أذهانهم مسبقًا طبيعة العلاقات الّتي تربط بينهم في ذلك النّظام. هذا نوعٌ آخر من كلمات الإمام السجّاد الّتي تلفت الأنظار كثيرًا.


كما أنَّ الصحيفة السجّادية أيضاً تتضمّن مجموعة من الأدعية في المجالات الّتي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان اليقظ والفطن كافة، وأكثرها في الروابط والعلاقات القلبية والمعنوية للإنسان. في هذه الأدعية والمناجاة، توجد مطالب معنوية وتكاملية كثيرة، لا حصر لها. والإمام عليه السلام في ثنايا هذه الأدعية، وبلسان الدّعاء، يُحيي في أذهان النّاس الدوافع نحو حياة إسلاميّة، ويوقظها. إحدى النتائج الّتي يُمكن أن تحصل من الأدعية، وقد ذكرناها مراراً، هي إحياء الدوافع السليمة والصحيحة في القلوب. فعندما ندعو: "اللهمّ اجعل عواقب أمورنا خيراً"، فإنّ هذا الدّعاء يُحيي في القلوب ذكر العاقبة، ويدفع أصحابها للتفكّر في المصير. فقد يغفل الإنسان أحيانًا عن عاقبته، ويعيش ولا يلتفت إلى مصيره. فإذا تلا هذا الدعاء، يستيقظ فجأة إلى ضرورة تحسين عاقبته. أمّا كيف يتمّ ذلك فهذا بحثٌ آخر. فقط أردت أن أضرب مثلاً حول الدور الصادق للدعاء. وهذا الكتاب المليئ بالدوافع الشريفة للأدعية، كافٍ لإيقاظ المجتمع، وتوجيهه نحو الصلاح. وإذا تجاوزنا ذلك، وجدنا روايات قصيرة وعديدة نُقلت عن الإمام السجّاد عليه السلام. منها ما ذكر سابقاً: "أوَلا حرٌّ يدعْ هذه اللماظة لأهلها"1. انظروا كم هو مهمٌّ هذا الحديث. فالزخارف الدنيويّة، والزبارج كلّها، ما هي سوى بقايا لعاب الكلب التي لا يتركها إلا الحرّ. وكلّ أولئك الّذين يدورون في فلك عبد الملك، إنّما يريدون تلك اللماظة. وأنتم أيها المؤمنون لا تنجذبوا إليها. ونجد
 

1- ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ط2، 1404هـ، ص391.
 
 
 
 
164

135

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 الكثير من مثل هذه الكلمات الثورية والملفتة في خطب الإمام السجّاد عليه السلام1. 


2- إصلاح النّاس، وإرشادهم:
انتشر الانحطاط الفكريّ، والفساد الأخلاقيّ، والفساد السياسيّ في المجتمع الإسلاميّ، كما ذكرنا. فأغلب الشخصيّات الكبار قد تشبّثوا بفضلات الحياة المادية لرجال الحكومة آنذاك. شخصيّات كبيرة مثل محمّد بن شهاب الزهريّ، الذي كان في مرحلة من المراحل، من تلامذة الإمام السّجّاد عليه السلام، أصبح تابعًا للجهاز الحاكم.

ونقل العلّامة المجلسيّ في البحار على ما يبدو عن جابر بن عبد الله أنّ الإمام السّجّاد عليه السلام قال: "ما ندري كيف نصنع بالنّاس، إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحكوا"، فهم لا يكتفون بالرّفض، بل يضحكون استهزاءً، "وإن سكتنا لم يسعنا"2. ومن ثمّ يذكر حادثةً حيث نقل الإمام حديثًا لجماعةٍ، كان فيها شخصٌ استهزأ ورفض ذلك الحديث. ثمّ يذكر بشأن سعيد بن مسيّب، والّزهريّ أنّهم كانوا منحرفين، وبالطّبع لا نقبل ذلك بشأن سعيد بن مسيّب، فهناك شواهد عديدة على أنّه كان من حواريّي الإمام، لكن ما يتعلّق بالزّهريّ وكثيرين غيره كان الأمر كذلك. ويُعدّد ابن أبي الحديد أسماء عدد من الشخصيّات ورجال ذلك الزمان من الّذين كانوا من أتباع أهل البيت عليهم السلام ثمّ انحرفوا فيما بعد.

في ظل هذه الظروف، كان يجب على الإمام الإنطلاق لإصلاح دين النّاس، وإصلاح أخلاق النّاس، وإخراج النّاس من مستنقع الفساد، كما كان يجب إعادة إحياء التوجّه إلى المعنويّات، المعنويّات التي هي لبّ لباب الدّين، وروحه الأصليّ. لذا نرى أنّ أكثر الكلام المنقول عن الإمام السجّاد عليه السلام هو في الزّهد: "إنّ علامة الزاهدين في الدنيا، الراغبين عنها في الآخرة...إلخ"3. هذه الجملة هي بداية حديثٍ طويل مفصّل. وإنْ كان في هذا الحديث مفاهيم وإشارة إلى تلك الأهداف التي ذكرناها. 

إنّ أكثر كلمات الإمام السّجّاد عليه السلام كانت حول الزّهد والمعارف الإسلاميّة، إلّا أنّ
 

1- مجلة باسدار إسلام، 10- .
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 6، ص 259.
3- م.ن، ج 75، ص 128.
 
 
 
 
165

 


136

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 الإمام كان يطرح المعارف الإسلاميّة، ويُبيّنها من خلال الدّعاء، وذلك لأنّ الظّروف في ذلك العهد، وكما كُنّا قد ذكرنا، كان يسودها القمع، ولم يكن الوضع ملائمًا بحيث يُسمح للإمام السجّاد عليه السلام بأن يتكلّم إلى النّاس، ويطرح آراءه بصورة صريحة وواضحة. لم تكن الأجهزة فقط هي المانع، بل النّاس أيضًا كانوا يرفضون ذلك. أساسًا، فإنّ المجتمع كان قد أصبح مجتمعاً فاسدًا ضائعاً فاقدًا للاستعداد، وكان يجب إعادة بنائه من جديد.


3- تعريف النّاس إلى أحقّية أهل البيت عليهم السلام:
من النشاطات المهمّة للإمام السجّاد عليه السلام تعريف النّاس إلى أحقّية أهل البيت عليهم السلام، وأنّ مقام الولاية والإمامة والحكومة حقٌّ ثابت لهم. إذ كيف يُمكن لأهل البيت عليهم السلام تشكيل حكومة في الوقت الّذي كان الإعلام والتبليغ ضدّ آل الرسول قد ملأ العالم الإسلاميّ طوال عشرات السنين، حتّى عصر الإمام السجّاد عليه السلام، وفيه ظهرت الأحاديث الموضوعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والّتي تُخالف حركة أهل البيت عليهم السلام، بل إنّها في بعض الموارد تشتمل على سبّهم ولعنهم، وقد نُشرت بين أناس لم يكن لديهم أي اطّلاع على المقام المعنويّ والواقعيّ لأهل البيت.

لهذا، من التحرّكات المهمّة للإمام السجّاد عليه السلام ما كان يرتبط بتعريف النّاس إلى أحقّية أهل البيت، وأنّ مقام الولاية والإمامة والحكومة حقٌّ ثابت لهم، وهم الخلفاء الواقعيّون للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الأمر، إلى جانب أهميّته العقائدية والفكريّة، له ماهيّة سياسيّة، وهي الارتباط بالحركة السّياسيّة المناهضة للنّظام الحاكم.

4- تأسيس الأجهزة والتشكيلات الشيعية:
إنّ تأسيس التشكيلات الشيعية في المجتمع، يُمكن أن يكون منطلقًا أصليًّا للتحرّكات السّياسيّة المستقبليّة. ففي مجتمعٍ ممزّق، يعيش تحت أنواع القمع والفقر والتضييق الماليّ والمعنويّ، حتّى أنّ الشّيعة عاشوا من الرّعب والتضييق إلى درجة أنّ تشكيلاتهم تلاشت، فكيف يُمكن للإمام السجّاد عليه السلام أن يبدأ عمله وحيدًا، أو مع مجموعة قليلة وغير منظّمة؟ لهذا كان همّ الإمام السجاد عليه السلام أن يبدأ بتشكيل هذه التّنظيمات الّتي كانت، برأينا، موجودة منذ أيّام أمير المؤمنين عليه السلام، غير أنّها ضعفت وتلاشت إثر واقعة عاشوراء والحرّة، وثورة المختار.
 
 
 
166

137

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 والدليل على وجود التشكيلات السريَّة هو كلمات الإمام السجّاد عليه السلام الواردة في كتاب "تحف العقول"، حيث نُشاهد عدّة أنواع من أساليب الخطاب الّتي تُشير إلى طبيعة الجهات المخاطَبة. وأبرز هذه الأساليب نجده في:

أ- الخطاب الموجه لعامّة النَّاس:
أحد تلك الأنواع هو الكلمات الموجّهة إلى عامّة النّاس، والّتي يظهر فيها أنّ المستمع ليس من الجماعة المقرَّبة والخاصّة للإمام، أو من الكوادر التّابعين له. وفي هذه الخطابات يستند الإمام عليه السلام دائمًا إلى الآيات القرآنية، لماذا؟ لأنّ عامّة النّاس لا ينظرون إلى الإمام السجّاد عليه السلام كإمام، بل يطلبون الدّليل على كلماته، ولهذا كان الإمام يستدلّ إمّا بالآيات أو بالاستعارة من الآيات. ولعلّه في هذه الرّوايات قد استخدم، في 50 موردًا أو أكثر، آيات قرآنيّة، إمّا بصورة مباشرة، أو بطريق الاستعارة.

ففي رواية مفصّلة من كتاب "تحف العقول" تحت عنوان: "موعظته لسائر أصحابه وشيعته، وتذكيره إيّاهم كلّ يوم جمعة"1، نجد أنّ دائرة المستمعين واسعة، وهذا ما نستنتجه من القرائن المفصّلة الواردة فيها. فلم يستخدم الإمام عليه السلام في هذه الرّواية كلمة "أيّها المؤمنون" أو "أيّها الإخوة"، وأمثالها، حتّى نعلم أنّ خطابه موجّه إلى جماعة خاصّة، ولكنّه قال "أيّها النّاس"، وهذا يُشير إلى عموميّة الخطاب.

لا يوجد في هذه الرواية تصريحٌ بشيء معارض للجهاز الحاكم، بل انصرف كلّ الخطاب لبيان العقائد وما ينبغي أن يعرفه الإنسان، وذلك بلسان الموعظة. فالخطاب يبدأ هكذا: "أيها النّاس، اتقّوا الله، واعلموا أنّكم إليه راجعون...". ثمّ يتطرّق الإمام عليه السلام إلى العقائد الإسلاميّة، ويوّجه النّاس إلى ضرورة فهم الإسلام الصّحيح، وهذا يدلّ على أنّهم لا يعرفون الإسلام الصحيح، وهو يريد بذلك إيقاظهم من غفلة الجهل إلى معرفة الإسلام وتعاليمه.

هنا يستفيد الإمام السّجاد عليه السلام من الأسلوب الجذّاب، حيث يقول هنا: "ألا وإنّ أوّل ما يسألانك عن ربّك الّذي كُنتَ تعبده"2، ويمضي على هذا المنوال ناصحًا، ويُخوّف من ذلك
 

1- ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 249.
2- م. ن.
 
 
 
 
167

138

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 الوقت الّذي يوضع فيه المرء في قبره، ويأتي منكر ونكير لمساءلته. وبهذا يريد أن يوقظ فيهم الدّافع إلى معرفة الله، وفهم التوحيد، "وعن نبيّك الّذي أُرسل إليك"، ثمّ الدافع لفهم النبوة، "وعن دينك الّذي كنت تدين به، وعن كتابك الّذي كنت تتلوه..."1.


وأثناء عرضه هذه العقائد الأصيلة، والمطالب الأساس للإسلام، كالتوحيد والنبوّة والقرآن والدين، يُبيّن عليه السلام هذه النقطة الأساس بقوله: "وعن إمامك الّذي كنت تتولّاه"2، فهو هنا يطرح موضوع الإمامة. وقضيّة الإمامة عند الأئمّة تعني قضيّة الحكومة أيضًا، إذ لا يوجد فرق بين الولاية والإمامة على لسان الأئمّة عليهم السلام. وإن كان للوليّ والإمام معانٍ مختلفة عند بعض النّاس، ولكن هاتين القضيّتين - الولاية والإمامة ــ على لسان الأئمّة أمرٌ واحدٌ، والمراد منهما واحد. وكلمة "الإمام" المقصودة هنا تعني ذلك الإنسان المتكفّل بإرشاد النّاس وهدايتهم من الناحية الدينيّة، والمتكفّل أيضًأ بإدارة أمور حياتهم من النّاحية الدنيويّة، أي خليفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقائد المجتمع، أي ذلك الإنسان الّذي نتعلّم منه ديننا، وتكون بيده إدارة دنيانا أيضًا، بحيث تكون إطاعته في أمور الدّين والدّنيا واجبة علينا.

وهكذا عندما كان الإمام السجّاد عليه السلام يقول إنّك ستُسأل عن إمامك في القبر، كان يُشير إلى أنّك هل انتخبت الإمام المناسب والصّحيح؟ وهل أنّ ذلك الشّخص الّذي كان يحكمك، ويقود المجتمع الّذي تعيش فيه، هو حقّاً إمام؟ وهل هو ممّن رضي الله عنه؟ لقد كان الإمام بهذا الكلام يوقظ النّاس، ليجعل هذه القضيّة حسّاسة في نفوسهم.

بهذه الطريقة كان الإمام يحيي قضيّة الإمامة. فلمّا لم يكن الجهاز الأمويّ الحاكم يرضى بأن يتمّ الحديث عنها، استخدم الإمام أسلوب الموعظة.

ب- الخطاب الموّجه للخواص:
في الخطاب الموجّه إلى المؤمنين، نجد الأمر يختلف، لأنّ هؤلاء المؤمنين يعرفون الإمام السجّاد عليه السلام، وقوله مقبول عندهم. لهذا لم يكن يستند في كلامه إلى الآيات القرآنية. ولو أحصينا كلّ كلامه الموجّه إليهم، لوجدنا أنّ استخدام الآيات القرآنية فيه قليل جدًّا.
 

1- ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 249.
2- م. ن.
 
 
 
168

139

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 نجد في كتاب تحف العقول نموذجًا لهذا النّوع من الكلمات الصّادرة عن الإمام السجّاد عليه السلام.


"كفانا الله وإيّاكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبّارين"1. ويُعلم من هذا البيان أنّ الإمام والجمع الحاضر مهدّدون من قِبَل السلطات الحاكمة، وأنّ المسألة ترتبط بمجموعة خاصّة: المؤمنين بأهل البيت عليهم السلام، ولذلك جاء الخطاب بصيغة "يا أيّها المؤمنون"، خلافًا للنّوع الأوّل حيث يستعمل "يا أيّها النّاس" أو "يا ابن آدم"، وذلك لأنّ الخطاب موجّه في الحقيقة إلى المؤمنين بأهل البيت وأفكار أهل البيت عليهم السلام.

والدّليل الآخر الواضح جدًّا هو عندما يقول عليه السلام: "أيّها المؤمنون، لا يفتننّكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها"2.

فالمقصد الأصليّ من الكلام هو حفظ هؤلاء المؤمنين، وبناء الكادر اللازم للمستقبل. ومن الواضح أنّه على أثر الصّراع الشّديد في الخفاء، ما بين أتباع الأئمّة عليهم السلام وبين أتباع الطواغيت، فإنّ أتباع الأئمّة عانوا من الحرمان الكبير والخطر الأكبر الّذي يُهدّد المجاهدين، وهو التوجّه إلى الرفاهية، هذه الرفاهية الّتي لن تجرّهم سوى إلى ترك الجهاد.

ماذا يعني التّحذير من الدنيا؟ إنّه يعني حفظ النّاس من الانجذاب نحو المترَفين والإيمان بهم وتمييزهم، بحيث تقلّ حدّة مواجهة النّاس لهم. وهذا النّوع من الخطابات موجّه للمؤمنين، أمّا في الخطاب المتوجّه إلى عامّة النّاس، فقلّما نجد مثل هذا النّوع. ففي خطاب عامّة النّاس، كثيرًا ما يظهر: أيّها النّاس، التفتوا إلى الله، إلى القبر والقيامة، إلى أنفسكم والغد. فما هو هدف الإمام عليه السلام من هذا النوع الثاني من الخطاب؟ المقصود هو بناء الكادر.

فهو عليه السلام يريد أن يصنع من المؤمنين كوادر ملائِمة للمرحلة، ولهذا يُحذّرهم من الانجذاب نحو أقطاب القدرة والرّفاهية الكاذبة. ويُكرّر ذكر النّظام الحاكم، خلافًا للنوع الأوّل من الكلمات، كما يقول مثلاً: "وإنّ الأمور الواردة عليكم في كلّ يوم وليلة من
 
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص15.
2- ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 252.
 
 
 
 
169

140

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 مظلمات الفتن، وحوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان"1.


وهنا نجد أنّ الإمام بعد ذكر هيبة السّلطان وقدرته، يذكر مباشرة وسوسة الشّيطان، يريد بذلك أن يلفت النظر، وبكلّ صراحة، إلى حاكم ذلك الزّمان، ويضعه إلى جانب الشّيطان. وفي تتمّة الكلام جملة لافتة ومهمّة جدًّا، لذلك أنقلها، فهي تحكي عن مطلب كُنتُ قد ذكرته سابقًا: "لتثبّط القلوب عن تنبهها، وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحقّ"2، تلك الهداية الموجودة الآن في المجتمع. فهذه الأحداث الّتي ترد على الإنسان في حياته في الليل والنّهار - في عصر القمع - تمنع القلوب من تلك النيّة والتوجّه والدافع والنشاط المطلوب للجهاد.

فالإمام السجّاد عليه السلام يعظهم بالأسلوب السّابق نفسه، "وإيّاكم وصحبة العاصين، ومعونة الظّالمين" فهو يُحذّرهم من مجالسة أهل المعاصي. من هم أهل المعاصي؟ أولئك الذين جُذبوا إلى نظام عبد الملك الظالم. الآن، حاولوا أن تتصوّروا شخصية الإمام السجّاد، وأن تكوّنوا تصوّرًا عنه عليه السلام. هل ما زال ذلك الإمامَ المظلوم الصّامت المريض الّذي لا شأن له بالحياة؟ كلّا، فالإمام هو الّذي كان يدعو مجموعة من المؤمنين والأصحاب، ويُحذّرهم، بهذه الصّورة الّتي ذكرناها من التقرّب إلى الظلَمة، ونسيان المجاهدة، ويمنعهم من الانحراف عن هذه الطريق، وكان يحفّزهم ويشحنهم بالنشاط، ويدفعهم من أجل أن يكونوا مؤثّرين في إيجاد الحكومة الإسلاميّة.

من جملة الأشياء الّتي أراها جليّة وشديدة الأهميّة في هذا القسم من كلمات الإمام السّجاد عليه السلام، تلك الكلمات الّتي يُذكّر فيها بتجارب أهل البيت عليهم السلام الماضية. ففي هذا القسم يُشير الإمام عليه السلام إلى تلك الأيّام الّتي مرّت على النّاس من قِبَل الحكّام الجائرين، مثل معاوية ويزيد ومروان، ووقائع مثل الحرّة وعاشوراء، وشهادة حجر بن عديّ، ورشيد الهجريّ، وعشرات الحوادث المهمّة والمعروفة والّتي مرّت على أتباع أهل البيت طيلة الأزمان الماضية، واستقرّت في أذهانهم. ويريد الإمام عليه السلام أن يحثّ أولئك المخاطَبين
 
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج 8، ص 15.
2- م. ن، ص 15.
 
 
 
 
170

141

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 من خلال ذكر تلك الحوادث الشّديدة، على التحرّك والثورة. والتفتوا الآن إلى هذه الجملة: "فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية، في الأيّام الخالية، من الفتن المتراكمة، والانهماك فيها، ما تستدلّون به على تجنّب الغواة"1، أي إنّكم تستحضرون تلك التّجارب، وتعلمون ماذا سيفعل بكم أهل البغي والفساد - وهم حكّام الجَور - عندما يتسلّطون عليكم. ولذلك يجب عليكم أن تتجنّبوهم وتواجهوهم. وفي هذا الخطاب يطرح الإمام مسألة الإمامة بصورة صريحة، أي قضيّة الخلافة والولاية على المسلمين، والحكومة على النّاس، وإدارة النّظام الإسلاميّ. هنا يُبيّن الإمام السجّاد عليه السلام قضيّة الإمامة بالصّراحة، في حين أنّه في ذلك الزّمن لم يكن ممكنًا طرح مثل هذه المطالب على العامّة. ثم يقول عليه السلام: "فقدّموا أمر الله وطاعته، وطاعة من أوجب الله طاعته"2.


وهنا يُعيّن الإمام فلسفة الإمامة عند الشّيعة، والإنسانَ الّذي يجب أن يُطاع بعد الله. ولو فكّر النّاس في ذلك الوقت بهذه المسألة، لعلموا بوضوح أنّه لا يجب طاعة عبد الملك، لأنّه من غير الجائز أن يوجب الله طاعة عبد الملك، ذلك الحاكم الجائر بكلّ فساده وبغيه. وبعد أن يُقدّم الإمام هذه المسألة، يتعرّض لردّ شبهة مقدّرة، فيقول: "ولا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطّواغيت، وفتنة زهرة الدنيا، بين يدي أمر الله وطاعته، وطاعة أولي الأمر منكم"3. فالإمام عليه السلام في هذا القسم من كلمته يتعرّض بصراحة لقضية الإمامة.
 

1- ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 253.
2- م.ن، ص 254.
3- م.ن.
 
 
 
171

142

الدرس الثاني عشر: الإمام السجَّاد عليه السلام (2) إعادة بناء المجتمع الإسلاميّ

 المفاهيم الرئيسة


1- إن أعظم الأدوار التي مارسها الإمام السجاد عليه السلام تدوينهُ الفكرَ الإسلاميّ الأصيل، كالتوحيد والنبوة، وذلك من خلال أحاديثه وكلماته وأدعيته ومناجاته.

2- أعاد الإمام السجاد عليه السلام الناس إلى التوجيه إلى المعنويّات، ولذا ركّز كثيراً على الزهد والمعارف الإسلامية السلوكية والأخلاقية من خلال خطبه وأدعيته.

3- سعى الإمام السجاد عليه السلام لتعريف الناس إلى أحقّية أهل البيت عليهم السلام، وأنّ مقام الولاية والإمامة والحكومة حقّ ثابت لهم. 

4- لقد أكّد الإمام عليه السلام على أن أهل البيت عليهم السلام هم خلفاء الرسول الواقعيون، وهذا ما يعطي أهمية سياسية، مضافاً إلى الأهمية العقائدية والفكرية، وهي الارتباط بالحركة السياسية المناهضة للنظام الحاكم.

5- إن التشكيلات الشيعية في المجتمع الإسلاميّ تصبح منطلَقاً أصليّاً للحرّكات السياسية المستقبلية.

6- إن كلمات الإمام السجاد عليه السلام واضحة وصريحة في تشكيل التشكيلات الشيعية في المجتمع الإسلاميّ، وقد استخدم الإمام عليه السلام نوعين من الخطاب في تربية وبناء هذه التشكيلات في المجتمع الإسلاميّ، وهذان الخطابان هما:
أ- الخطاب الموجّه لعامّة الناس: لقد استخدم الإمام السجاد عليه السلام خطاباً عامّاً وجّهه لعامّة الناس، وكان الإمام عليه السلام يستند في ذلك إلى الآيات القرآنية، لأن الناس لم يكونوا ينظرون إليه كإمام، وكانت خطاباته لا يوجد فيها أيّ تصريح معارض للجهاز الحاكم، بل سعى لبيان مقام الإمام بين الناس بأسلوب الموعظة.

ب- الخطاب الموجّه للخواصّ: لقد استخدم الإمام عليه السلام هنا أسلوباً مختلفاً، لأنه كان يخاطب فئة خاصّة تعرف الإمام عليه السلام وتدرك مكانته ومنصبه، وكان يخاطبهم بـ: "يا أيها المؤمنون"، وكان يعمل على بنائهم بناء كاملاً، فقهياً وعقائدياً وأخلاقياً.
 
 
 
 
172

143

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الحياة السياسية للإمام السجاد عليه السلام. 
2- يشرح الأساليب التي اعتمدها الإمام عليه السلام سياسياً.
3- يفهم أساليب الإمام عليه السلام ووسائله في التعامل مع علماء الجهاز الحاكم.
 
 
 
 
 
 
173

144

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 المواجهة السياسية

من المقاطع المهمّة في حياة الإمام السّجّاد عليه السلام طريقة تصرّفه مع جهاز الخلافة، فهل كان يتصرّف معه بطريقة اعتراضية عدائيّة، أم لا؟

باستثناء موقف الإمام السجاد عليه السلام أمام عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية, لا توجد مواجهة صريحة وقاطعة ضدّ الحكم، أو تعريض به، من قبيل ما نُشاهده في حياة بعض الأئمّة الآخرين، كالإمام الصادق عليه السلام في عصر بني أميّة، أو الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وسببه واضحٌ، وهو أنّ مثل هذا التحرّك الشديد الّذي كان في بداية حركة الأئمّة عليهم السلام، والذي كان في المرحلة الثّالثة من المراحل الأربع للإمامة، الّتي تبدأ في حياة الإمام السّجّاد عليه السلام، سوف يُعرّض قافلة أهل البيت عليهم السلام الّتي تحمل أعباء مسؤولية الرّسالة للخطر الّذي لا يؤدّي إلى تحقيق المقصد. ففي ذلك الوقت لم يكن بستان أهل البيت، الّذي تعهّد الإمام السّجّاد عليه السلام بتربيته ورعايته وسقايته، قد استحكمت غصونه وأشجاره، بحيث يقدر على تحمّل الأعاصير الشديدة. وكما أشرت في بداية هذا البحث، فقد كان عدد المحبّين والموالين لأهل البيت عليهم السلام ممّن يُحيطون بالإمام السّجّاد عليه السلام قليلًا جدًّا، وفي ذلك العصر لم يكن من الممكن لأولئك الّذين سيتحمّلون مسؤولية التنظيمات الشّيعيّة أن يواجهوا خطر العدوّ الجائر، والّذي هدّدهم بالإبادة.

وإذا أردنا أن نُمثّل، ينبغي أن نُشبّه عصر الإمام السجّاد عليه السلام هذا، بمرحلة بدء الدّعوة الإسلاميّة في مكّة، وهي المرحلة السريّة. ولعلّه يُمكن تشبيه عصر الإمام الباقر عليه السلام بالمرحلة الثّانية في مكّة، حين أصبحت الدّعوة علنيّة. والمرحلة الّتي أتت من بعدها يُمكن تشبيهها بالمراحل اللاحقة للدّعوة، ولهذا، فإنّ المواجهة في تلك المرحلة لن تكون صحيحة.
 
 
 
 
 
175

145

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 وممّا لا شكّ فيه هو أنّه لو كانت قد صدرت عن الإمام السّجّاد عليه السلام المواجهات الحادّة التي نُلاحظها في بعض كلمات الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا عليهم السلام، لاستطاع عبد الملك بن مروان، الّذي كان في أوج قدرته، وبكلّ سهولة، أن يطوي بساط تعاليم أهل البيت عليهم السلام، ليبدأ العمل من جديد، فهذا لا يُعدّ عملًا عقلائيًّا يقطع به العقل. لكن على كلّ حال، يُمكن أن نُشاهد في ثنايا كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام، والّتي ترجع على وجه الاحتمال إلى أواخر حياته الشريفة، وطيلة مدّة إمامته، إشارات أو مظاهر لتعرّضه ومواجهته لنظام الحكم1.


كانت تلك المواجهات تظهر بعدّة أشكال، أبرزها:
1- أمام عبيد الله بن زياد، ويزيد:
لقد كان الإمام السجّاد عليه السلام تجسيدًا للقرآن والإسلام، حين أُسر من كربلاء مع قافلة الأسرى الحسينيّين. ولحظة سقوط الشّهداء على رمال كربلاء، بدأت ملحمة عليّ بن الحسين عليه السلام. كان الأطفال، صبيةً وإناثًا، والنّساء الفاقدات للمعين، يُحيطون بالإمام السّجّاد عليه السلام في قافلةٍ لا يوجد فيها رجلٌ واحد، وكان على الإمام السجّاد عليه السلام أن يقودهم جميعًا. وطوال الطّريق إلى الشّام، لم يسمح لهذا الجمع، الّذي تربطه رابطة الإيمان، أن يُصاب بالتردّد والتزلزل. عندما دخلوا الكوفة، أمر عبيد الله بن زياد بقتل كلّ رجال آل البيت، فشاهد من بين الأسرى رجلًا، فسأله: من أنت؟ فقال: أنا عليّ بن الحسين، فهدّده بالقتل، وهنا كان أوّل ظهورٍ وتجلٍّ للإمامة والمعنويّات والقيادة، فقال: "أبِالقتل تُهدّدني"2، في حين أنّ كرامتنا من الله الشهادة، وافتخارنا هو في أن نُقتل في سبيل الله، وإنّنا لا نخاف الموت، فتراجع جهاز عبيد الله بن زياد أمام هذه الصّلابة.

وفي أحداث الشّام، وبعد الاحتفاظ بالإمام السجّاد عليه السلام وباقي الأسرى في وضعٍ مشتّت ووخيمٍ جدًّا، وفي وضعٍ من الاستعباد الكامل، لأيّامٍ متوالية، لقد بدا لـ (يزيد) أن يحضر الإمام السّجّاد عليه السلام معه إلى المسجد، وأن يعمل على توهينه أمام النّاس من
 

1- أشير هنا إلى أنّ ما بحثناه في هذا الفصل هو غير ذلك التعامل المعارض للإمام السجّاد مع يزيد وجهاز خلافة آل أبي سفيان، والذي له بحثٌ آخر. وقد بحثت بشأنه في السابق الكاتب.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج.45، ص 118.
 
 
 
 
176

 


146

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

  الناّحية المعنويّة، خشية أن يؤثّر إعلام معارضيه ومؤيّدي الإمام عليه السلام المنتشرين في كلّ مكان، على وضع الحكومة. فتوجّه الإمام السّجّاد عليه السلام في ذلك المسجد إلى يزيد قائلًا: أُريد أن أصعد هذه الخشبات وأتحدّث إلى النّاس. فلم يخطر ببال يزيد أنّه يُمكن لابن النبيّ، الّذي كان شابًّا أسيرًا ومريضًا، والّذي كان من المفترض أن يكون طيلة هذه المدّة قد انهزم من النّاحية النّفسيّة، أن يُشكّل خطرًا عليه، فسمح له بذلك، فصعد الإمام السجّاد عليه السلام المنبر، وأعلن على الملأ فلسفة الإمامة، وحادثة الشّهادة، وحركة الحكومة الأمويّة الطّاغوتيّة في قلب هذه الحكومة. لقد قام بعملٍ هيّج أهالي الشّام، أي أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان له مثل هذه الشّخصيّة العظيمة الّتي تقف مقابل عبيد الله بن زياد، ومقابل كلّ هذا الحشد المخدوع في الشام، وفي عمق الجهاز الأمويّ، وفي مقابل جلاوزة يزيد، من دون أن يخاف، فينطق بكلمة الحقّ، ويُبيّن دون أن يرى لحياته قيمةً أو قدرًا.


2- أمام عبد الملك بن مروان:
ما نُشاهده في المكاتبات والرسائل بين الإمام السجّاد عليه السلام وعبد الملك (الخليفة الأمويّ المتجبّر). نُشير إلى اثنين منهما هنا:
أ- النموذج الأول: في إحدى المرّات، يكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام السّجّاد عليه السلام يلومه فيها على زواجه من إحدى جواريه. وكان للإمام عليه السلام جارية أعتقها ثمّ تزوّجها، فشمت به عبد الملك. وكان عمل الإمام عليه السلام عملًا إنسانيًّا وإسلاميًّا صرفًا، ولكنّ دافع عبد الملك من تلك الرسالة كان التعرّض للإمام عليه السلام، وإفهامه بأنّه مطّلع على مسائله الخاصّة، موجّهًا له بذلك تهديدًا ضمنيًّا، فأجابه الإمام عليه السلام برسالة بدأها بتوجيه أمر الزواج، وأنّ العظام يفعلون مثل هذا الأمر، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قام به: "فلا لؤم على امرئٍ مسلمٍ، إنّما اللؤم لؤم الجاهليّة"1. وهو يريد أن يُذكّره بسوابق أجداده في الجاهليّة (من كفرهم وعنادهم)...
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج46، ص 105.
 
 
 
 
177

147

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 عندما وصلت الرسالة إلى عبد الملك، كان ابنه سليمان حاضرًا، وعندما قرأها سمعه، وسمع ذمّ الإمام، وأحسّ به مثل أبيه، فالتفت إليه قائلًا: يا أمير المؤمنين! أترى كيف يتفاخر عليك عليّ بن الحسين؟ يريد بذلك أن يُحرّض والده على ردّ فعلٍ شديد. ولكنّ عبد الملك كان أعقل من ولده، فقال له: لا تقل شيئًا يا ولدي! فهذا لسان بني هاشم الّذي يفلق الصخر. (أي أنّ استدلالهم قويّ وقاسٍ).


ب- النموذج الثاني: المراسلة الأخرى الّتي تمّت بين الإمام السجّاد عليه السلام وبين عبد الملك، حيث علم عبد الملك أنّ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجود عند الإمام عليه السلام. وكان هذا أمرًا ملفتًا، لأنّه تذكار النّبيّ، وباعثٌ على التّفاخر. وكذلك فإنّ وجوده يُعدّ خطرًا على الخليفة، لأنّه يجلب أنظار النّاس إليه، فكتب إليه يطلب منه تسليم السّيف، ووعده بإنجاز ما يريد، أي أنّه مستعدٌّ لأن يهبه ما يحتاج.

ردّ الإمام عليه السلام طلبه، فأعاد عبد الملك، مرّةً ثانية، تهديده بوقف حصّة الإمام من بيت المال إن لم يُرسل السيف1، فأجابه الإمام عليه السلام: "أمّا بعد، فإنّ الله ضمن للمتّقين المخرج من حيث يكرهون، والرّزق من حيث لا يحتسبون. وقال جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾2، فانظر أيّنا أولى بهذه الآية"3.

وهذه لهجة قاسية جدًّا تجاه الخليفة، لأنّ تلك الرّسالة إذا وقعت بيد أيّ إنسان، فسوف يعلم أوّلًا: أنّ الإمام عليه السلام لا يعدّ نفسه خوّانًا، ثانيًا: لا يتصوّر أحد هذا الأمر بحقّ هذا الإنسان الجليل الّذي تربّى في بيت النبوّة، وهذا يعني أنّك أنت أيّها الخليفة خوّان وكفور. وإلى هذا الحدّ كان الإمام شديدًا مقابل التّهديد.

لقد كان الإمام السجّاد عليه السلام يرسم ملحمة طويلة عظيمة كبطلٍ عظيم بأقواله وأفعاله خلال فترة الأسر والمرض هذه، والّتي تُعتبر فترةً مختلفةً تمامًا عن المرحلة الأساس من حياته، حيث بدأ يعمل على البنية التحتية باعتدالٍ ودقّة وهدوء، حتّى أنّه كان يجلس أحيانًا
 

1- في ذلك الزمان كان النّاس جميعاً يأخذون حصّتهم من بيت المال وكان الإمام يأخذ حصّته أيضاً مثل غيره. الكاتب.
2- سورة الحج، الآية 38.
3- ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، تحقيق لجنة من أساتذة النجف الأشرف، مطبعة حيدري ـ النجف، 1956م، ج4، ص 165.
 
 
 
 
178

148

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 مع عبد الملك بن مروان في مجلسٍ واحدٍ، ويتصرّف معه تصرّفًا معتدلًا وعاديًّا. أمّا في هذا المرحلة، فإنّنا نُشاهد الإمام بصورة ثائرٍ هادرٍ لا يسكت على أيّ كلمة. وكان أمام الملأ يردّ بأجوبة تزلزل أركان أعدائه المقتدرين.


3- أمام مسلم بن عقبة:
أنّ الإمام لم يُقابل مسلم بن عقبة بتصرّفٍ معادٍ، لأنّ أيّ تصرّف من هذا القبيل سوف يؤدّي إلى قتل الإمام، وهذا سيؤدّي بدوره إلى خسارة عظيمة لا تُجبر، بلحاظ الدّور الّذي ينبغي أن يقوم به الإمام السجّاد عليه السلام، بالنسبة إلى ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وتبليغ حقيقتها. لهذا بقى الإمام عليه السلام - كما قرأنا في رواية الإمام الصادق عليه السلام - وكان الناس يلحقون به شيئًا فشيئًا، ويزداد عددهم. وفي ظلّ تلك الظّروف الصّعبة وغير المساعدة، يبدأ عمل الإمام السجّاد عليه السلام.

ورد في رواية أنّه عندما دخل مسلم بن عقبة إلى المدينة في واقعة الحرّة، لم يشكّ أحدّ على الإطلاق في أنّ أوّل شخص سيقع ضحيّة نقمته هو عليّ بن الحسين عليه السلام، لكنّ الإمام السجّاد عليه السلام بتدبيره الحكيم تصرّف بحيث دفع البلاء عنه، وبذلك حافظ على استمرار المحور الأصليّ للشيعة.

وهناك روايات في بعض الكتب ، من جملتها "بحار الأنوار" ، تحكي عن إظهار التذلّل من قِبَل السجّاد عليه السلام عند مسلم بن عقبة، ولكن هذه الرّوايات كاذبة قطعًا، وذلك للأسباب الآتية:
أوّلًا: هذه الرّوايات لا تستند إلى أيّ سندٍ صحيح.
ثانياً: توجد روايات أخرى تُكذّبها وتدفعها من حيث المضمون.

توجد روايات عديدة بخصوص لقاء الإمام عليه السلام مع مسلم بن عقبة، لا تنسجم أيّ واحدة منها مع الأخرى. ولأنّ بعض تلك الروايات ينطبق وينسجم أكثر مع نهج الأئمّة وسيرتهم، فنحن بصورة طبيعيّة نقبلها.+
 
 
 
 
 
179

اختلاف سياسة الإمام السجّاد في التعامل مع الجهاز الحاكم
لماذا يلجأ الإمام السجّاد عليه السلام، في مرحلة ما بعد الأسر، إلى المهادنة والتقيّة، ويُغطّي على التحرّكات الثورية والشديدة، بالدّعاء واستخدام اللين، بينما يتصرّف في مرحلة الأسر

149

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 الجواب هو أنّ مرحلة الأسر كانت فصلًا استثنائيًّا، حيث كان على الإمام السجّاد عليه السلام، وبمعزل عن كونه إمامًا، أن يُهيّئ أرضيّة التحرّك المستقبليّ لإقامة الحكومة الإلهيّة والإسلاميّة، وقد كان اللسان النّاطق للدّماء المسفوكة في عاشوراء. فالإمام السجّاد عليه السلام لم يكن هنا بحقيقته، بل كان لسان الحسين عليه السلام الصّامت، الّذي تجلّى في هذا الشّاب الثوريّ في الشّام والكوفة. فلو لم يكن الإمام السّجّاد عليه السلام شديدًا وحادًّا وصريحًا في بيان القضايا، فإنّه لن يبقى في الحقيقة مجال لعمله المستقبليّ، لأنّ مجال عمله المستقبليّ ينطلق من دم الحسين بن علي عليه السلام الهادر، كما أنّ دم الحسين عليه السلام كان أيضًا أرضيّةً للنّهضات الشّيعيّة على طول التّاريخ. وهكذا ينبغي أن يبدأ العمل، أوّلًا بتحذير النّاس، ثمّ في ظلّ هذا التّحذير تبدأ المعارضة الأصوليّة والعميقة والبعيدة المدى. ولا يُمكن أن يتحقّق هذا التّحذير إلّا باللهجة الحادّة والشّديدة.


لذلك كان دور الإمام السجّاد عليه السلام في هذا السَّفر، ودور زينب عليها السلام حمل نداء ورسالة ثورة الحسين بن عليّ عليه السلام، إذ إنّ معرفة النّاس بقتل الحسين عليه السلام، ولماذا قُتل، وكيف قُتل، سوف تؤثّر على مستقبل الإسلام، ومستقبل دعوة أهل البيت عليهم السلام، بنحوٍ، ولو لم يعلموا فسوف تؤثّر بنحوٍ آخر. وكان ينبغي بذل الجهود الكبيرة لأجل نشر هذه الحقائق على مستوى المجتمع، وكان على الإمام أن يستخدم كلّ ما لديه من ذخائر، ويمضي بمثل هذا العمل إلى أبعد الحدود. لهذا تحرّك الإمام السجاد عليه السلام في هذا الاتّجاه مثل سكينة وفاطمة الصغرى، ومثل زينب نفسها، ومثل كلّ أسير (كلٌّ بقدر استطاعته) كحمَلة لرسالة. لقد اجتمعت كلّ هذه الطّاقات حتّى تنثر دم الحسين عليه السلام المسفوك في الغربة في كلّ المناطق الإسلاميّة الّتي مرّوا بها من كربلاء إلى المدينة. وحين دخل الإمام السجّاد عليه السلام إلى المدينة، كان عليه أن يُبيّن الحقائق أمام العيون والأنظار لحظة وصوله، فكان هذا الفصل القصير مقطعًا استثنائيًّا في حياته. المقطع التّالي يبدأ حين يُباشر الإمام السّجّاد عليه السلام حياته في المدينة كإنسانٍ ذي قدرٍ وشأن، ويبدأ عمله من بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحرمه. ولأجل بيان برنامج الإمام الرابع، نحتاج إلى دراسة الأوضاع الّتي كانت سائدة، وظروف زمانه أيضًا1.
 

1- مجلة باسدار إسلام، 6.
 
 
180

150

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 وفي المقلب الآخر نجد الإمام يلجأ إلى التقيَّة في التعامل مع الجهاز الحاكم, ويظنّ بعضٌ أنّه لو أراد الإمام أن يقاوم نظام بني أميّة لكان ينبغي أن يرفع راية المقاومة العسكريّة، أو أن يلتحق بالمختار، أو عبد الله بن حنظلة، أو أن يقودهما معلنًا بذلك المقاومة المسلّحة بكلّ وضوح. لكن بالنّظر إلى ظروف زمن الإمام السجّاد عليه السلام، وبالالتفات إلى هدف الأئمّة عليهم السلام، نفهم أنّ هذا النّوع من التّفكير هو تفكيرٌ خاطئ.


فلو قام الأئمّة عليهم السلام، ومن جملتهم الإمام السجّاد عليه السلام، في تلك الظّروف بمثل هذه التحرّكات العلنيّة والسّلبيّة، فباليقين لما بقي للشّيعة باقية، ولما بقيت الأرضيّة أو فُسح المجال لاستمرار ونموّ مدرسة أهل البيت، ونظام الولاية والإمامة فيما بعد. حيث كان الجهاز الحاكم، وخاصة حكومة عبد الملك بن مروان التي كان معظم عهد إمامة الإمام السجّاد، البالغة ثلاثين سنة ونيّف، في ظلّها، يقوم بالرّصد التامّ، والمراقبة الدائمة لحياة الإمام السجّاد عليه السلام، ويستخدم الجواسيس والعيون الكثيرة الّتي كانت تنقل إليه أدقّ التفاصيل، حتّى المسائل الداخلية والخاصّة بالإمام عليه السلام.

لهذا نجد أنّ الإمام السجّاد عليه السلام في قضيّة المختار، لم يُعلن التعاون معه. ورغم ما جاء في بعض الروايات عن ارتباطٍ سريّ بينهما، إلاّ أنّه، ودون شكّ، لم يكن ارتباطًا علنيًّا، حتّى قيل في بعض الرّوايات إنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يذمّ المختار. ويبدو هذا الأمر طبيعيًّا جدًّا من ناحية التقيّة، وذلك حتّى لا يُستشعر وجود أيّ ارتباط بينهما، مع العلم بأنّ المختار فيما لو انتصر، فإنّه بالتأكيد كان سيُعطي الحكومة لأهل البيت عليهم السلام، ولكن في حال هزيمته، ومع وجود أدنى ارتباط واضحٍ وعلنيّ، لكانت النّقمة شملت، وبشكل قطعيّ، الإمام السجّاد عليه السلام وشيعة المدينة، واجتثّت جذور التشيّع أيضًا. لأجل ذلك لم يُظهر الإمام عليه السلام أيّ نوعٍ من الارتباط العلنيّ به.

مواجهة الإمام عليه السلام مع علماء البلاط
إنَّ مواجهة الإمام السجّاد للعلماء التّابعين، والمحدّثين الكبار العاملين لدى الجهاز الحاكم، هو أحد أكثر الأبحاث إثارةً في حياة الأئمّة عليهم السلام، هو بحث مواجهة هؤلاء العظام
 
 
 
 
181

151

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 لحملة الفكر والثقافة في المجتمع الإسلاميّ، أي العلماء1 والشعراء. فقد كان الأئمّة عليهم السلام يتحمّلون مسؤولية هداية النّاس في أفكارهم وأذهانهم، وأولئك كانوا يوجّهون النّاس إلى الوضع الّذي يريده خلفاء بني أميّة وبني العبّاس، ليكون حاكماً على المجتمع، ويجعل النّاس مطيعين ومستسلمين.


كما نعلم، لقد كان الحكّام الظّالمون والجائرون يرون أنّ جذب قلوب النّاس إليهم هو أهمّ عامل في بقاء ملكهم وسلطانهم. فالفاصل الزمنيّ بين النّاس وبين صدر الإسلام لم يكن كبيرًا، لذا فإنّ إيمان النّاس بالإسلام كان ما يزال قويًّا. فلو أدرك النّاس أنّ البيعة الّتي قدّموها للحكّام ليست صحيحة، وأنّ هذا الظّالم لا يجوز أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّهم لما رضوا بتسليمه قيادتهم بتاتًا. وحتّى لو قلنا إنّ هذا الأمر لا يشمل جميع النّاس، فعلى الأقلّ نقول إنّ القدر المسلّم به هو أنّ الكثيرين في المجتمع كانوا يتحمّلون الوضع المنافي للإسلام في الجهاز الحاكم نتيجة الإيمان القلبيّ بمعنى أنّهم كانوا يتصوّرون بأنّ هذا الوضع هو وضعٌ إسلاميّ. ولإبقاء هذه الضبابيّة في أذهان النّاس، كان حكّام الجور يستغلّون المحدّثين وعلماء الدين قدر الإمكان، ويُحركّونهم طبقًا لمصالحهم، فيطلبون منهم وضع الأحاديث واختلاقها ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصّحابة الكبار، بما يوافق ميولهم وأهواءهم.

نماذج من المواجهة مع علماء البلاط
يوجد هنا نموذج يُبيّن كيفيّة مواجهة الإمام السجّاد عليه السلام هذا الوضع، وذلك في تعامله مع محمّد بن شهاب الزهريّ:
كان محمّد بن شهاب الزهريّ2 في البداية أحد تلامذة الإمام السجّاد عليه السلام المقرّبين، أي أنّه من جملة الّذين تعلّموا علومهم، ونقلوا الأحاديث عن الإمام عليه السلام، ولكن بالتدريج
 

1- كان كعب الأحبار يهوديّاً، أسلم في عهد الخليفة الثاني. ويوجد شكوك كثيرة في الأحاديث المنسوبة إليه، ليس فقط بين الشّيعة، بل حتّى بين الكثير من أهل السنّة، باعتبار أنّه قد اختلق أحاديث انطلاقاً من عدائه للإسلام. ويوجد من أهل السنّة من يقبل به.
2- وقد يُدعى بمحمد بن مسلم الزهريّ أيضاً. فأحياناً يُذكر اسمه تحت عنوان شهاب، وأحياناً مسلم. ولعلّ الأوّل اسم والده، والآخر لقبه. الكاتب.
 
 
182

152

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 - بسبب التجرّؤ الّذي كان فيه - اقترب من نظام الحكم، حتّى صار أحد أعوانه، وتحوّل إلى واحدٍ من زمرة العلماء والمحدّثين الّذين وقف الأئمّة عليهم السلام في قبالهم.


ولأجل أن نطّلع أكثر على وضع الزهريّ، ننقل عدّة أحاديث بشأنه:
أحد هذه الأحاديث، ما جاء عنه: "كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكرهنا عليه السّلطان، فكرهنا أن نمنعه أحدًا"1. يُفهم من هذا الحديث أنّه حتّى ذلك الزّمن، لم يكن متعارفًا بين هذه الطائفة من المحدّثين أنّ كلّ ما يعلمونه من الأحاديث ينبغي أن يكتبوه، وكذلك يتّضح أنّ محمد بن شهاب الزهريّ كان في خدمة الأمراء، وأنّه كان يُحمل على كتابة الأحاديث الّتي تُناسبهم.

كان أحدهم، ويُدعى معمرًا، يقول: "كنّا نظنّ أنّنا قد نقلنا من الزهريّ أحاديث كثيرةً، إلى أن قُتل الوليد"2. فعندها رأينا كتبًا كثيرة تُحمل على ظهور الدوابّ، وتُخرج من خزائن الوليد، ويُقال: هذا علم الزهريّ!3 أي أنّ الزهريّ وضع من الأحاديث الّتي تُناسب الوليد وأهواءَه ما عجزت عن حمله الرّجال. فما حال تلك الأحاديث؟ ممّا لا شكّ فيه أنّها لا تُدين الوليد، وإنّما تؤيّد أعمال الوليد وأمثاله، وتُصحّحها.

ويوجد حديثٌ آخر يتعلّق بفترة ارتباط الزهريّ بالنّظام الحاكم. فقد روى اليعقوبيّ في تاريخه: "إنّ الزهريّ يُحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وإنّ الصخرة الّتي وضع رسول الله قدمه عليها تقوم مقام الكعبة"4.

ويعود هذا الحديث إلى ذلك الزمن الّذي كان عبد الله بن الزبير حاكمًا فيه على مكّة. وبطبيعة الحال، فإنّه كان لا بدّ للنّاس الّذين يريدون الحجّ أن يدخلوا مكّة - التي كانت تحت نفوذ ابن الزبير - وكانت تلك الأيّام فرصةً مناسبة له للتبليغ ضدّ أعدائه، وخاصّة عبد الملك بن مروان ومن جانبٍ آخر، بما أنّ عبد الملك كان يُدرك خطورة هذا الأمر، ولكي
 

1- عبد الله بن الرحمن الدرامي، سنن الدارميّ، مطبعة الاعتدال ـ دمشق، 1349، ج1، ص 110.
2- الوليد هو الولد البكر لعبد الملك بن مروان، والذي تسلّم الخلافة بعده. الكاتب.
3- "... فإذا بالدفاتر قد حُملت على الدوابّ من خزائنه. ويُقال هذا من علم الزهريّ!" الكاتب.
4- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبيّ، دار صادر ـ بيروت، ج 2، ص 261.
 
 
 
 
 
183

153

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 يمنع النّاس من الذهاب إلى مكّة، رأى أنّ أفضل الطّرق هو وضع أحاديث تُبيّنُ أنّ شرف القدس بمنزلة شرف مكّة. ونحن نعلم ،ـ في العرف والثّقافة الإسلاميّة ،ـ أنّه لا توجد منطقة في العالم توازي الكعبة شرفًا ومكانةً، ولا يوجد حجر في الدّنيا يُضاهي الحجر الأسود. فكانت تلك الأحاديث المختلقة وسيلة لعبد الملك لكي يدفع النّاس للذهاب إلى فلسطين، لأنّ فلسطين جزءٌ من الشّام، وتحت نفوذ عبد الملك. فإلى أيّ مدى كان لهذه الأحاديث تأثيرٌ في نفوس النّاس وأفعالهم؟ وهل حدث في زمنٍ ما أنّ النّاس حجّوا إلى بيت المقدس بدلًا من مكّة، أم لا؟ ولو حدث ذلك لكان ينبغي أن نعدّ المجرم الأصليّ، أو أحد المجرمين، هو محمد بن شهاب الزهريّ الّذي حرّف الأمر في أذهان النّاس لأجل مآرب عبد الملك السّياسيّة.


وعندما يُصبح الزهريّ تابعًا لجهاز الخلافة، فلن يمنعه شيء من وضع الأحاديث ضدّ الإمام السجّاد عليه السلام والتّنظيمات العلويّة ، منها ما وجدته في كتاب "أجوبة مسائل جار الله"، تأليف المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين ، حيث يدّعي الزهريّ في رواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان جبريًّا، وينسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال في معنى الإنسان في الآية ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾1 أنّه أمير المؤمنين عليه السلام، (والعياذ بالله). وفي روايةٍ أخرى ينقل أنّ حمزة سيّد الشهداء كان شارب خمر. وإنّما جعل هاتين الرّوايتين لدعم الجبهة السّياسيّة المتسلّطة لعبد الملك وبني أميّة ، مقابل أئمّة الهدى عليهم السلام، وبالتالي لنسف عترة النبيّ، وسلالته، الّذين كانوا يواجهون الأمويين بعنوان أنّهم مسلمون من الطّراز الأوّل، ويُعرّفهم على أنّهم مثل غيرهم من العوامّ والمقصّرين في تطبيق أحكام الدّين!

بالنسبة للزهريّ وأمثاله، فقد وقف الإمام السجّاد عليه السلام موقفًا حازمًا وقاسيًا جدًّا، حيث يُلحظ هذا من خلال الرّسالة الّتي وجّهها إليه.

بالطّبع، قد يتساءل بعض النّاس إلى أيّ مدى يُمكن أن تعكس "الرسالة" هذا الموقف الشّديد، ولكن بالالتفات إلى شدّة اللهجة في مضمون هذه الرسالة الموجّهة إلى الزهريّ، وكذلك بالنسبة للجهاز الحاكم، وأنّها لا تنحصر بمحمّد بن شهاب، بل كانت تقع في أيدي الآخرين، وتنتقل بالتدريج عبر الألسن والأفواه، وتبقى عبر التاريخ (كما أنّنا اليوم، وبعد
 

1- سورة الكهف، الآية 54.
 
 
184

154

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 أكثر من 1300 سنة، نتناولها بالبحث)، بالالتفات إلى كلّ هذه الأمور، يُمكن أن نُدرك حجم الضّربة الّتي وُجّهت إلى القداسة الشّيطانيّة والمصطنعة لمثل أولئك العلماء. لقد كانت الرّسالة خطابًا لمحمّد بن شهاب، ولكنّها نالت من أشخاص آخرين على شاكلته. ومن المعلوم أنّ هذه الرسالة عندما تقع بأيدي المسلمين، وبالأخصّ شيعة ذلك العصر، وتنتقل عبر الأيدي، فأيّ سقوط لهيبة هؤلاء ومكانتهم ستحدثه في الأعين؟! وهنا ننقل مقاطع من هذه الرسالة: 

في البداية يقول عليه السلام: "كفانا الله وإيّاك من الفتن، ورحمك من النار"1. في الجزء الثاني من هذه الجملة، نجده يخصّه بالخطاب، لماذا؟ لأنّ كلّ إنسان يتعرّض للفتن، حتّى الإمام السّجّاد عليه السلام، ولكن دون أن يسقط فيها، ومحمد بن شهاب يتعرّض للفتنة، ولكنّه سقط. أمّا بالنسبة لنار جهنّم، فإنّها لا تقترب من الإمام زين العابدين عليه السلام، ولهذا خُصّ الكلام هنا بالزهريّ. وابتداء الرّسالة بمثل هذه اللهجة دليل على تعامل الإمام عليه السلام معه بطريقة تحقير ومعاداة. ثمّ يقول عليه السلام: "فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك"2. دقّقوا، لمن الخطاب (موجّه) في هذه الجملة؟ إنّه موجّه لشخصٍ يغبطه الجميع على حاله، فهو أحد العلماء الكبار المقرّبين من النّظام الحاكم، بينما نجد أنّ الإمام عليه السلام يُبيّنه ضعيفًا ووضيعًا.

بعد ذلك يُشير الإمام عليه السلام إلى النّعم الّتي حباه الله بها، والحجج الّتي أتمّها عليه، ثمّ يقول إنّه مع وجود تلك النّعم من الله، هل تستطيع أن تقول كيف قد أدّيت شكرها؟

ويذكر جملة من آيات القرآن، ويقول: إنّ الله تعالى لن يرضى أبدًا عن قصورك وتقصيرك، لأنّه سبحانه قد أمر العلماء بتبيين الحقائق للنّاس: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾3.

وبعد هذه المقدّمة، يحمل عليه بطريقةٍ قاسية جدًّا بقوله عليه السلام: "واعلم، إنّ أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت، أن آنست وحشة الظّالم، وسهّلت له طريق الغيّ، بدنوِّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت". ويُظهر هذا الكلام، الّذي يطرحه الإمام، بوضوح،
 

1- ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص275.
2- م.ن.
3- سورة آل عمران، الآية 187.
 
 
185

155

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 ارتباطه بجهاز السّلطة. "إنّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك"، "ودنوت ممّن لم يردّ على أحدٍ حقًّا، ولم تردّ باطلًا حين أدناك"، (وهو الخليفة الظّالم). فبأيّ عذرٍ تُبرّر عدم إرجاعك الحقوق الضّائعة، وإزالة المظالم الكثيرة؟ "وأحببت من حادّ الله".


والجملة المؤثّرة جدًّا في هذه الفقرة عندما يقول عليه السلام: "أوليس بدعائه إيّاك، حين دعاك، جعلوك قطبًا أداروا بك رحى مظالمهم، وجسرًا يعبرون عليه إلى بلاياهم، وسلّمًا إلى ضلالتهم، داعيًا إلى غيّهم، سالكًا سبيلهم، يُدخلون بك الشكّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم؟". ثم يقول: "فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم"1.

وفي هذه الرسالة الشّديدة اللهجة والبليغة، يفضح الإمام السجّاد هذا التيار الفكريّ والعلميّ التابع للسلطة والحكم، والّذي يتحرّك بدعمٍ سياسيٍّ وحكوميٍّ واجتماعيّ. فأولئك الّذين قبلوا مهادنة النّظام، أصبحوا مطالَبين بالإجابة عن السؤال الّذي بقي في المجتمع الإسلاميّ في ذلك الزمان، وسوف يبقى عبر التاريخ.

هذه إحدى المقاطع المهمّة من حياة الإمام السجّاد عليه السلام، فهو عليه السلام لم يكتفِ بتحرّك علميّ وتربويّ محدود بين جماعة خاصّة، بل قام بحركة سياسيّة2.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 75، ص 132.
2- مجلة باسدار اسلام، 11.
 
 
 
 
186

156

الدرس الثالث عشر: الإمام السجَّاد (3) مواجهة الحكَّام وعلماء البلاط

 المفاهيم الرئيسة


1- من المقاطع الأساس في حياة الإمام السجاد عليه السلام طريقةُ تصرّفه مع جهاز الخلافة والمنتمين إليه من عامة الناس، وكذلك العلماء التابعين للجهاز الحاكم.

2- لقد اتّسم الخطاب السياسيّ للإمام السجاد عليه السلام بلونين، الأول: المواجهة الصريحة والمباشرة والقاطعة ضدّ الحكم، والثاني: المهادنة والتقية، واستخدام اللين. وقد فرضت ظروف كل مرحلة من حياته استخدام هذين اللونين في الخطاب والمواجهة واللقاء مع حكام عصره.

3- لقد استخدم الإمام السجاد عليه السلام خطاب المهادنة والتقية واللين بسبب الظروف التي كان يعيش فيها، فإن المرحلة الأولى من حياته كانت تقتضي التهدئة وعدم إثارة السلطة، لأنه كان يمتلك مشروعاً لا يمكن أن يمسح للسلطة بالقضاء عليه، فلا بدّ من إتمامه أولاً، وهذا نظير فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلمفي المرحلة الأولى من فترة الدعوة في مكة المكرّمة.

4- استخدم الإمام السجاد عليه السلام أسلوب المواجهة الصريحة بعض الجهاز الحاكم وأزلامه بحسب الظروف أيضاً، فمثلاً نلاحظه قام، بكل جرأة وصراحة، في وجه عبيد الله بن زياد في الكوفة، وفي وجه يزيد بن معاوية في بلاد الشام، فنطق بكلمة الحق. 

5- لقد استخدم الإمام السجاد عليه السلام أسلوب المواجهة أيضاً مع عبد الملك بن مروان في قضية تزوّجه من إحدى جواريه، وكذلك قضية سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان شديداً جداً عليه. ومن جهة أخرى كان يجلس مع عبد الملك في مجلس واحد، ويتصرّف معه تصرّفاً معتدلاً وعادياً.
 
 
 
 
187

6- لقد استخدم الإمام السجاد عليه السلام أسلوب المهادنة مع مسلم بن عقبة، واستطاع بتدبيره دفع القتل عنه، وبذلك حافظ على استمرار المحور الأصليّ للشيعة. وأما ما يشار إلى تذلّله فهو كلام غير صحيح، وهي روايات لا صحة لها.

157

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتبيّن وقوع التحريف في الإسلام من قبل الحكّام.
2- يشرح الإجراءات التنفيذية التي عمل بها الإمام الباقر عليه السلام.
3- يتعرّف إلى الأسلوب العمليّ والإعلاميّ للإمام الباقر عليه السلام.
 
 
 
 
 
189

158

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 تمهيد

امتدّت مرحلة إمامة الإمام الباقر عليه السلام مدّة تسع عشرة سنة، من عام 95 للهجرة وإلى عام 114، وقد اختاره1 أبوه الإمام السجّاد عليه السلام في آخر لحظات عمره، كإمامٍ للشّيعة، وخليفةٍ له، وقد سجّل هذا التنصيب في محضر سائر أبنائه وأقاربه، وأراه صندوقًا، بحسب الرّوايات، مليئًا بالعلم2، أو حاويًا لسلاح رسول الله، وقال: "يا محمّد، احمل هذا الصّندوق إلى بيتك". ثمّ يتوجّه بالخطاب إلى الآخرين: "لا يوجد في هذا الصّندوق من الدّرهم والدّينار شيءٌ، بل هو مليءٌ بالعلم"3، وكأنّه بهذا الموقف، وبمثل هذا التّعبير، عرّف الحاضرين على إرث القيادة العلميّة والفكريّة والثوريّة.

وقوع التحريف في الدين الإسلاميّ
إنَّ بعض السلاطين والحكّام الّذين أمسكوا بزمام السّلطة تحت عنوان خلافة النبيّ ، كبني أميّة وآل مروان ، هؤلاء لم يكونوا لائقين بأيّ شكل لكي يحكموا المجتمع الإسلاميّ، ولقد أوجدوا في عهد حكومتهم كلّ أنواع الفسق والظلم والفساد والتمييز والجهل والانحرافات المختلفة. فلو كان من المقرّر تبيان الأحكام الإسلاميّة والآيات القرآنية كما هي للنّاس، لما كان ممكنًا لهؤلاء أن يستمرّوا في الحكم والإمساك بالسّلطة، لهذا قاموا بعمليّة التّحريف، وقد فعلوا ذلك من عدّة طرق. أحدها هو أن يحملوا بعضاً، طمعًا أو خوفًا، لترويج ما يحلو لهم بين النّاس, وقد ورد في تاريخ القرنين الأوّلين للإسلام أنَّ بعض الشخصيّات المعروفة
 

 

1- الاختيار هنا بمعنى إيصائه بالتصدّي لمهام الإمامة، وتأكيد الحجيّة على الناس، لأنّ تنصيب الإمام اختيار إلهيّ واقعيّ.
2- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 46، ص 229.
3- م. ن.
 
 
 
191

159

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

  بالقداسة والتقوى والعلم الكثير، صاروا في خدمة الحكّام وأمراء الجور، وكانوا يفتون النّاس بأحكام عجيبة وغريبة تحت عنوان الإسلام. 


والحكّام أنفسهم عندما كانوا يجلسون على مسند السّلطة، وكانوا يشعرون بأنّه يجب على النّاس أن يقبلوا بكلّ ما يقولونه، فأيّ كلمةٍ أو فكرةٍ أو مبنىً كانوا يعرضونه تحت عنوان الإسلام، كانوا يُحوّلونه إلى ثقافةٍ رائجةٍ، وينشرونه على مستوى العالم الإسلاميّ، ليُنشر ويتكرّر ويُنقل من لسانٍ إلى لسان، حتّى يُشكّل الذهنية العامّة، مثلما كان بعض زعماء جهاز عبد الملك، كالحجّاج وأمثاله، يعتقدون، أو هكذا يظهرون، بأنّ الخلافة أرفع من النبوّة، فهؤلاء لم يكونوا قانعين بأن يكون عبد الملك بن مروان، وأولاده وأولئك الفسقة والفجرة خلفاء للنبيّ، وأن يكونوا غاصبين لهذا العنوان، ولم يكتفوا بذلك، بل أرادوا أن يدّعوا أنّ الخلافة أفضل من النبوّة... لقد وقعت تلك التحريفات في الدين، وقد كان العامل الأساس لاستمرار سلطة بني أميّة وبني العبّاس، والمانع الأساس لحكومة الإسلام الحقّة، هو تلك الثقافة الخاطئة الّتي سيطرت على أذهان النّاس.

ذهنية المجتمع، ودوافع تحرك الإمام
إنّ ما يدفع الإمام وأتباعه نحو هذه الحركة الّتي لا تعرف السّكون، في كلّ هذا السّعي المجهد، ويدعوهم للقيام بهذا التّكليف الإلهيّ، هو الواقع الاجتماعيّ والذهنَّي المؤسف. فهم كانوا من جهة يشاهدون أمام أعينهم كيف أنّ النّاس، وإثر التربية المضلّة والمخرّبة، كانوا يزدادون سقوطًا وغرقًا في التيّار العامّ الفاسد للمجتمع يومًا بعد يوم، ووصل الأمر شيئًا فشيئًا إلى حيث إنّ عامّة النّاس لم يعودوا يستمعون للدّعوة المنجية للإمامة، كحال الزّعماء والمسؤولين،- "إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا"1 - ومن جانبٍ آخر لم يعد هناك في هذا التيّار الانحرافيّ، الّذي أصبح كلّ شيء فيه، حتّى الدّرس والبحث والفقه والكلام والحديث والتفسير، من أجل تلبية أماني ورغبات الطواغيت الأمويّين، أيّ طاقة أمل مفتوحة عليهم. ولو لم ينهض التشيّع لأجل دعوتهم وهدايتهم، لأُغلق عليهم طريق الهداية كلّيًّا، "وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا"2.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 46، ص 288.
2- م. ن، ج 26، ص 253.
 
 
 
192

160

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 على أساس الإدراك العميق لهذا الواقع الاجتماعيّ السيّئ، يُعلن الإمام موقفه العدائيّ تجاه القوى الفكريّة والثقافيّة المضلَّلة والمحرّفة لأحكام ومعارف الدين الإسلاميّ.


وضع الشيعة في عهد الإمام الباقر عليه السلام
إنّ مرحلة حياة الإمام الخامس، الإمام الباقر عليه السلام، هي استمرارٌ منطقيّ لحياة الإمام السجّاد عليه السلام, والدعوة الشيعيّة الّتي ضعفت لعدّة سنوات، أخذت في عهد الامام الباقر عليه السلام تتجذّر وتستقطب شرائح كبيرة، وحتّى أنّها في الدوائر المحدودة أضحت رابطةً فكريّة وعمليّة يُمكن التّعبير عنها بالتّشكيلات الحزبيّة،. وولّت تلك الأيّام الّتي قال عنها الإمام السجّاد عليه السلام إنّ أتباعه ما كانوا يزيدون فيها على عشرين شخصًا في كلّ الحجاز1. وأضحى الإمام الباقر عليه السلام يدخل مسجد النبيّ في المدينة فيلتفّ حوله جمعٌ غفير من أهل خراسان وغيرها من أصقاع العالم الإسلاميّ، يسألونه عن القضايا الفقهيّة، ويفد عليه أمثال طاووس اليمانيّ، وقتادة بن دعامة، وأبو حنيفة، وآخرون من المشهورين بالمعارف الدينيّة، وبالطبع، ممّن يُعتبرون خارج التوجّه الإماميّ والشيعيّ. وقد سمعوا صدى علم الإمام الذائع، وأقبلوا عليه للتعلّم، أو للاحتجاج والمجادلة. وبرز شاعرٌ كالكُميت الأسديّ بذلك اللسان الفصيح، والفنّ العابق، ليترك أهمّ آثاره الفنّية، وهي القصائد الّتي عُرفت بالهاشميّات، وأضحت تنتقل من يدٍ إلى يد، ومن لسانٍ إلى لسان، لتُعرّف النّاس على حقّ آل محمّد، وفضل علمهم، ومقاماتهم المعنوية.

إنَ خلفاء بني مروان أحسّوا خلال هذه الفترة بنوعٍ من الطّمأنينة، وشعروا بالاستقرار بعد أن استطاع عبد الملك بن مروان ــ توفّي سنة 86 هـ ــ خلال فترة حكمه، الّتي استمرّت عشرين عامًا، أن يقمع كلّ المعارضين. وقد يعود شعور الخلفاء المروانيّين في هذا العصر بالأمن والاطمئنان إلى أنْ وصلتهم الخلافة غنيمة باردة، لا كأسلافهم الّذين كدحوا من أجلها، ممّا أدّى إلى انشغالهم باللهو والملذّات الّتي تُصاحب الشّعور بالاقتدار والجاه والجلال. مهما يكن الأمر، فإنّ حساسية خلفاء بني مروان تجاه مدرسة أهل البيت قد قلّت في هذا العصر، وأصبح الإمام عليه السلام وأتباعه في مأمن تقريبًا من مطاردة الجهاز الحاكم2.
 

1- شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 104، العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 46، ص 143.
2- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص 32 - 33.
 
 
 
 
193

 


161

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 الإجراءات التنفيذية للإمام الباقر عليه السلام

1- مواجهة التحريف في المعارف والأحكام الإسلاميّة:
إنَّ المواجهة الثقافيّة تعني السّعي لتبديل الذهنيّة العامّة والثّقافة الحاكمة على عقول النّاس، من أجل أن يتمّ تعبيد الطّريق باتّجاه الحكومة الإلهيّة، وقطع الطّريق على حكومة الطّاغوت والشّيطان. لقد بدأ الإمام الباقر عليه السلام هذا العمل، فهو باقر علم الأوّلين، هو باقر وفاتح الحقائق القرآنية، هو من يبقر ويشقّ طرائق الحقائق القرآنية والعلوم الإسلاميّة، وكان يُبيّن القرآن للنّاس. لهذا، كان كلّ من يحتكّ بالإمام الباقر (عليه الصلاة والسلام)، ولم يكن تابعًا ولا خاضعًا، كان حتمًا يُبدّل رأيه بشأن وضع حاكميّة الزمان. لهذا، نجد أنّ الكثير من النّاس ممّن هم من الطّبقة الوسطى، في زمن الإمام الباقر عليه السلام، كانوا يُقبلون على مدرسة أهل البيت، ومذهب الإمامة، وما هو رائجٌ في عرف اليوم تحت عنوان التشيّع. التشيّع هو هذا، أي اتّباع مدرسة أهل البيت من أجل إقامة السّيادة الحقيقيّة للإسلام، والإعلاء الحقيقيّ لكلمة القرآن، وتوضيح وتثبيت المعارف القرآنية بين النّاس. وكلّ من كان الإمام الباقر عليه السلام يتّصل به ويُبيّن له المسائل، كان يُبدّل تفكيره الخاطىء. لقد كان هذا هو العمل الأوّل للإمام الباقر عليه السلام، الّذي يُعدّ عملًا مهمًّا جدًّا وأساسًا، وهو أهمّ ما قام به عليه السلام.

2- بناء التّشكيلات السرّيّة:
العمل الآخر في حياة الإمام الباقر عليه السلام كان عبارة عن تنظيم التشكيلات، فماذا يعني هذا؟ أي أنّ المرء يقوم بنشر تلك المعارف، وذلك التغيير الثّقافيّ، والمواجهة الثقافيّة داخل المجتمع كبذرٍ ينثره الإنسان في الأرض هنا وهناك. حسناً، فإنّ بعض هذه البذار سيُنبت، وبعضه سيموت، وبعض ما ينبت سيُداس عليه ويزول، ولعلّ بعضه لن يُثمر كثيرًا، هذا هو حال البذر. وبعض الأحيان، كلا، فذلك المُزارع الماهر الخبير والعاقل، بالإضافة إلى أنّه يبذر الحبوب، فإنّه يُحافظ عليها، فكيف يفعل ذلك؟ من خلال تجهيز أشخاصٍ، وبثّهم في أرجاء العالم الإسلاميّ من أجل القضاء على الشّبهات الّتي وقع فيها أولئك الّذين تأثّروا بذلك الإعلام وتلك التّعاليم، فيحصلون على المزيد من المعرفة، ولا يقعون تحت
 
 
 
 
 
194

162

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 تأثير إلقاءات العدوّ، فلا يُشتبه عليهم الأمر، ويُحافظون على روابطهم فيما بينهم، فيكون ذلك ضمانة كافية لأجل أن ينمو ذلك الحَبّ سالمًا في أرضٍ مستعدّة وخصبة.


وقد كان هذا الأمر من أعمال الإمام الباقر عليه السلام، حيث كان يُربّي أشخاصًا، ويُعدّهم ويخصّهم بالعناية ، التلامذة الخواص ـ ثم يربطهم ببعضهم، ويبثّهم في أرجاء العالم الإسلاميّ كأقطابٍ وأركانٍ ووكلاء ونوّاب، ليتابعوا ما قام به، ويتحمّلوا أعباء التّبليغ والتّعليم الّذي قام به. وهذا التّنظيم السرّي للإمام الباقر عليه السلام كان قد بدأ قبل عصره، لكنّه تفاقم وازداد في زمانه، وبالطّبع، فقد وصل في زمن الإمام الصّادق والإمام موسى بن جعفر عليهما السلام إلى أوجه، لقد كان هذا عملًا آخرًا، وهو شديد الخطورة.

لهذا ترون في الرّوايات كيف أنّ بعض أصحاب الإمام الباقر عليه السلام يُعرفون بأصحاب السرّ، كجابر بن يزيد الجعفيّ. فجابر الجعفيّ كان من أصحاب السرّ، إنّه من أولئك الّذين كانوا يتواجدون في أرجاء العالم الإسلاميّ، وفي كلّ الأماكن، ويتحمّلون مسؤولية هداية المستعدّين والمحبّين، والأخذ بأيديهم، وإشباع أذهانهم. وكان الجهاز الحاكم، أينما وجد هؤلاء، يُعرّضهم لكلّ أشكال الضّغط والقمع.

3- إشاعة ونشر التشيُّع: 
من اللحظات الأولى، اتّخذ السّعي الوسيع والشّامل للإمام وأتباعه المخلصين مطلعًا جديدًا في إشاعة دعوة التشيّع الهادفة والبنيويّة،. واتسّع نطاق هذه الدّعوة. فبالإضافة إلى المناطق الّتي يسكنها الشّيعة - كالمدينة والكوفة - شمل مناطق جديدة، وخصوصًا تلك القطاعات من الدّولة الإسلاميّة الّتي كانت بعيدةً عن مركز حكومة بني أميّة، لتُضاف بذلك إلى نطاق طراز الفكر الشّيعيّ. ويُمكن ذكر خُراسان في هذا المجال أكثر من غيرها، حيث نُشاهد في الرّوايات العديدة نفوذ التبليغ والدّعوة الشيعيّة في أهل تلك المناطق1.
 

1- ومنها رواية أبي حمزة الثماليّ: "حتى أقبل أبو جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم، يسألونه عن مناسك الحجّ" العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 46، ص 337- . وينقل رواية تذكر ما جرى بين أحد علماء خراسان مع عمر بن عبد العزيز، وفيها عبرةً بالغة. الكاتب. 
 
 
 
 
195

 


163

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 أسلوب الإمام الباقر عليه السلام في بيان الحقائق

كان الإمام عليه السلام يستغلّ كلّ فرصةٍ مناسبة لتحريك مشاعر النّاس الغافلين، وعواطفهم من خلال بيان زاويةٍ من الوقائع المرّة لحياة الشّيعة، وذكر الضغوط وأنواع العنف والتشدّيد الّتي كانت تُمارس على الإمام وأتباعه من قِبَل القوى المهيمنة، وبذلك كان يهزّ عروقهم الميّتة والراكدة، ويزلزل قلوبهم الفاترة، أي أنّه كان يُعدّهم لتلك المواقف المتشدّدة، والتحرّكات الثوريّة.

وقد أجاب رجلًا، سأله ذات يوم: كيف أصبحتَ يا بن رسول الله؟ يروي المنهال بن عمرو تلك الرواية فيقول: "كنت جالسًا مع محمد بن علي الباقر عليهما السلام إذ جاءه رجل، فسلّم عليه، فردّ عليه السلام، قال الرجل: كيف أنتم؟ فقال له محمّد عليه السلام: أوما آن لكم أن تعلموا كيف نحن؟! إنّما مثلنا في هذه الأمّة مثل بني إسرائيل، كان يُذبح أبناؤهم، وتُستحيى نساؤهم، ألا وإنّ هؤلاء يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا"1.

(وبعد هذا البيان البليغ والمحرّك، يجرّ الكلام إلى القضيّة الأساس، أي أولوية الدّعوة الشيعيّة، وحكومة أهل البيت عليهم السلام).

"زعمت العرب أنّ لهم فضلًا على العجم، فقالت العجم: وبماذا؟ قالوا: كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم عربياً. قالوا لهم: صدقتم. وزعمت قريش أنّ لها فضلًا على غيرها من العرب، فقالت لهم العرب من غيرهم: وبمَ ذاك؟ قالوا: كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم قرشيًّا. قالوا لهم: صدقتم، فإن كان القوم صدقوا، فلنا فضل على النّاس، لأنّا ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته خاصةً، وعترته، لا يشركنا في ذلك غيرنا، فقال له الرجل: والله إنّي لأحبّكم أهلَ البيت (عليكم السلام)، قال: فاتّخذْ للبلاء جلبابًا، فوالله إنّه لأسرع إلينا وإلى شيعتنا من السيل في الوادي، وبنا يبدأ البلاء، ثمّ بكم، وبنا يبدأ الرّخاء، ثمّ بكم"2.

وفي موقف آخر أمام بعض الشعراء والعلماء الّذين باعوا أنفسهم، يُنزل أسواط توبيخه على رؤوس هؤلاء، ويُحدثُ أمواجاً من التنبيه واليقظة، إن لم يكن على مستوى وجدانهم
 
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص360.
2- الشيخ الطوسيّ، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية ـ مؤسسة البعثة، نشر دار الثقافة ـ قم، ط1، 1414هـ، ص 154.
 
 
 
 
196

164

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 الميّت، ففي أذهان وقلوب أتباعهم الغافلين. وبلهجته المعترضة على كُثير الشّاعر، يقول: أَمَدَحْتَ عبد الملك؟! فيُجيب بسذاجةٍ أو غفلةٍ، وهو بصدد تبرير معصيته، قائلًا: لم أُخاطبه بإمام الهدى، بل مدحته بكلمات الأسد والشّمس والبحر والأفاعي والجبال، والأسد كلبٌ، والشّمس جسمٌ جامدٌ، والبحر جسمٌ بلا روح، والأفاعي حشراتٌ، والجبل صخرةٌ صمّاء. وهنا يتبسّم الإمام أمام هذا العذر والتبرير غير الوجيه، بطريقةٍ ذات مغزى، وهنا ينهض الكُميت - الشاعر الثوريّ والهادف - ويُنشئ واحدة من قصائده الهاشميّات1، ليضع في أذهان الحاضرين معنى المقارنة بين هذين النّوعين من العمل الفنّي، ويوصل ذلك إلى كلّ الّذين سمعوا بهذه الواقعة2.


التكتيك الإعلاميّ للإمام الباقر عليه السلام
أولئك الذين دوّنوا فيما بعد تاريخ حياة الإمام، مرّوا غافلين أو متغافلين على الإجراء الإعلاميّ العظيم للإمام الباقر عليه السلام الذي أُدرج في حديثٍ مختصر. وظاهر القضيّة هو أنّ الإمام قد أمر ابنه الإمام جعفر بن محمّد أن ينفق قسمًا من مدخوله - 800 درهم - من أجل العزاء والنّياح عليه، لمدّة عشر سنوات. مكان العزاء هو صحراء منى، وزمانه موسم الحجّ، هكذا، ولا شيء آخر. إنّ موسم الحجّ هو ميعاد الإخوة المتباعدين وغير المتعارفين. فآلاف الأشخاص يعيشون تجربة إمكانيّة الاجتماع وتحقّقه في ذلك الزّمان والمكان، وأصحاب القلوب المتقاربة والألسن المتباعدة يدعون ربّهم في هذا المكان بلسانٍ واحدٍ، ويشاهدون معجزة اجتماع الملل والشّعوب تحت رايةٍ واحدة. وإذا كان من رسالةٍ ينبغي أن تصل إلى جميع أرجاء عالم الإسلام، فلا يوجد من فرصةٍ أنسب من هذه الفرصة. هناك حيث تُنجز أعمال الحجّ، في عدّة أيّامٍ متوالية، وفي نقاطٍ محدّدة، فأيّة أيّامٍ ستكون أنسب من هذه الأيّام؟! وأيّة أماكن ستكون أنسب من تلك الأمكنة؟! مكّة مدينةٌ، والنّاس منتشرون في مدينةٍ واحدة، ومشغولون. بالإضافة إلى ذلك، فالجميع فيها مشغولون بأعمال الحجّ، الطّواف، السّعي، الصّلاة و... والمشعر محلّ التوقّف الليليّ، فرصته قليلة، ولا يوجد فيه إمكانيّة، فلا
 

1- القصيدة الّتي بدأت بهذا البيت الشعريّ:
من لقلب متيّم مُستهام      غير ما صبوة ولا أحلام
ووصلت إلى هذا البيت البليغ والقاصم والمليء بالمعرفة: ساسة لا كمن يرى النّاس سواء ورعية الأنعام الكاتب.
2- ابن شهرآشوب، المناقب، ج4، ص 207.
 
 
 
 
197

 


165

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 يوجد أكثر من هذه المحطّة على طريق مِنى. عرفات موقفٌ، وإن كان في النّهار، ولكنّه قصير المدّة، فقط يومٌ واحد يبدأ بصباحٍ متعب من الحركة، وينتهي بعصرٍ يُستعدّ فيه للانطلاق. فمِنى هي الأنسب من بين الجميع، فالحجّاج يُخيّمون هناك لثلاث ليالٍ بعد رجوعهم من سفر عرفات، وتسنح الفرصة أكثر من أيّ مكانٍ آخر لأجل التعارف والتحاور وبثّ الشجون. فمن هو الذي يتحمّل متاعب الذّهاب والرجوع من مكّة؟! فالبقاء وزيارة كلّ تجمّعٍ ومحفلٍ ومجمع، يحقق الزمان والمكان المناسبين. فكلّ واحدٍ سوف يمرّ بشكلٍ طبيعيّ على مجلس العزاء الذي يُقام لثلاثة أيّامٍ من كلّ سنة في هذه البادية. وشيئًا فشيئًا سيتعرّف النّاس الوافدون من مختلف الآفاق عليه، وسوف يُقيم أهل المدينة لسنواتٍ عديدة، في هذا المكان، وفي هذه الأيّام، تجمّعًا، وأهل المدينة هم من مركز الإسلام، ومقرّ الصّحابة والفقهاء والمحدّثين الكبار. ولمن هذا المجلس؟ إنّه لأحد وجوه عالم الإسلام، إنّه لمحمّد بن عليّ بن الحسين، رجلٌ عظيمٌ من سلالة النبيّ، زعيم الفقهاء والمحدّثين، أستاذ جميع المشهورين في الفقه والحديث، فلماذا يأتون إلى هذا المكان من بين جميع الأماكن ويقولون فيه ما يقولون؟! وفي الأساس لماذا يُقال هذا؟ ألم يكن موته طبيعيًّا؟ فمن الذي قتله أو دسّ له السّم؟ ولماذا؟ وما الذي فعله؟ وما الذي قاله؟ هل كان يدّعي شيئًا؟ أو كانت له دعوة؟ هل كان يُشكّل خطرًا على الخليفة؟ وهل؟ وهل؟.. أسئلةٌ كثيرة، وإبهاماتٌ أكثر، ووراؤها عشرات الأسئلة والتّساؤلات، وعندها سيأتي سيلٌ من الأجوبة من أصحاب العزاء، وأيضًا من أهل الاطّلاع المنتشرين هنا وهناك بين الجموع المحتشدة، أولئك الذين أسرعوا من المدينة أو الكوفة إلى هذا المكان، وفي الأساس إنّما جاؤوا لكي يُجيبوا عن هذه الأسئلة. لقد جاؤوا ليبيّنوا للنّاس، الوافدين من أرجاء عالم الإسلام إلى هذا المكان، القضايا في هذه الفرصة الفريدة، وفي هذا المكان. وبالطّبع، أيضًا، ليلتقوا بالإخوة والموالين من أجل أن يخبروهم ويأخذوا المطالب والأوامر منهم. كانت أعظم شبكة إعلامية تبليغية بين آلاف القنوات الإعلامية في ذلك العصر. وهذه هي الخطّة النّاجحة للإمام الباقر عليه السلام - خطّة جهاده بعد الموت - وهذا هو الوجود الذي تتفجّر منه البركات، الذي جعل حياته ومماته لله، وفي سبيل الله، "وجعله مباركًا أينما كان، وسلامٌ عليه يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حيّا"1.

 


1- هذا الدعاء مقتبس من الآيات القرآنية الواردة في حق نبي الله عيسى عليه السلام، سورة مريم، الآيات 31 - 33- .

 

 

 

198


166

الدرس الرابع عشر: الإمام الباقر عليه السلام (1) ظروف المرحلة، وجهاد الإمام

 المفاهيم الرئيسة


1- إن الحكام الذين أمسكوا بزمام السلطة تحت عنوان خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكونوا لائقين بأي شكل لكي يحكموا المجتمع الإسلاميّ. 

2- لقد أوجد أولئك الحكام في عهد حكوماتهم أنواع الفسق والظلم والفساد والتمييز كلّها، والجهل والانحرافات المختلفة في المجتمع الإسلاميّ. 

3- أعلن الإمام الباقر عليه السلام موقفه تجاه القوى الفكرية والثقافية المضلة والمحرّفة لأحكام ومعارف الدين الإسلاميّ. 

4- ازداد في عهد الإمام الباقر عليه السلام الترابط الفكريّ والثقافيّ والعمليّ بين التشكيلات الشيعية. 

5- في عهد الإمام الباقر عليه السلام أصبح هو وأتباعه في مأمن تقريباً من مطاردة الجهاز الحاكم، حيث انشغل الحكام باللهو والملذّات عن الإمام عليه السلام وأنصاره.

6- لقد قام الإمام الباقر عليه السلام بعدة إجراءات تنفيذية لمواجهة الوضع الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ والفكريّ في المجتمع الإسلاميّ، وهذه الإجراءات هي:
أ- مواجهة التحريف في المعارف والأحكام الإسلامية. 
ب- بناء التشكيلات السريّة.
ج- إشاعة ونشر التشيّع.

7- لقد استغلّ الإمام عليه السلام كل فرصة مناسبة لتحريك مشاعر الناس وعواطفهم، من خلال بيان زاوية من الوقائع المرّة لحياة الشيعة، وذكر الضغوط وأنواع العنف التي كانت تمارسه ضدهم.

8- إن من جملة الإجراءات التي اتخذها الإمام عليه السلام هي السياسية الإعلامية لتعريف الناس بأهل البيت عليهم السلام وبمكانتهم، حيث أوصى بأن يُنفَق مالٌ للعزَاء والبكاء عليه بعد موته في مكة المكرّمة، فالأسلوب إعلاميّ، والمكان كذلك أيضاً.
 
 
 
 
 
199

167

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى علاقة الإمام الباقر عليه السلام بشيعته.
2- يعدّد أهداف السلطة من التضييق على الإمام الباقر عليه السلام.
3- يستخلص الدروس والعبر من حادثة إحضار الإمام عليه السلام إلى الشام.
 
 
 
201

168

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 علاقة الإمام الباقر عليه السلام بالخواصّ

تمتّعت علاقة الإمام بشيعته بخصائص عدّة. ففي هذه العلاقات نُشاهد الإمام كعقلٍ مفكّر في جسمٍ حيّ فيما يرتبط بالأعضاء والجوارح، وكقلبٍ نابضٍ في عمل تغذية الأجهزة والأعضاء.
إنّ النّماذج الموجودة بين أيدينا بشأن علاقات الإمام عليه السلام مع هذه المجموعة، تُشير من ناحيةٍ إلى الصّراحة في مجال التّعاليم الفكريّة، ومن جهةٍ أخرى تُشير إلى الروابط والتشكيلات المدروسة بين هؤلاء وبين الإمام.

ونجد الفُضيل بن يسار1، الذي هو من أقرب أصحاب الإمام وأصحاب سرّه، يُرافقه في مراسم الحجّ، فينظر الإمام إلى الحجّاج وهم يطوفون حول الكعبة، ويقول: هكذا كانوا يطوفون في الجاهليّة! إنّما أُمروا أن يطوفوا بها، ثمّ ينفروا إلينا، ويعلنون لنا ولاءهم ومحبّتهم، ويعرضون علينا نصرتهم! ثم قرأ هذه الآية ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾2، أي لم يقل: إليها! ويوصي جابر الجعفيّ في أوّل لقاء له معه أن لا يُخبر أحدًا أنّه من الكوفة، بل أن يتظاهر أنّه من أهل المدينة. وبهذه الطّريقة يُعلّم الإمام عليه السلام مثل هذا التلميذ الحديث - الّذي ربّما لديه قابليّات عالية لتحمّل أسرار الإمام عليه السلام والتشيّع، التي كانت قد ظهرت عليه من البداية - دروسَ كتمان السرّ، وهذا التلميذ المستعدّ نفسُه، والّذي أصبح يُعرف فيما بعد بعنوان صاحب سرّ الإمام عليه السلام، يصل به الأمر إلى أن يكون داخل جهاز الخلافة.
 

1- راجع تفصيل مدح الإمام لفضيل في قاموس الرجال، الشيخ محمد تقي التستري، ج 9، ص 454 الكاتب -.
2- سورة إبراهيم، الآية 37.
 
 
 
 
 
203

169

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 يقول النعمان بن بشير: "كُنتُ ملازمًا لجابر بن يزيد الجعفيّ، فلمّا أن كُنّا بالمدينة، دخل على أبي جعفر- الإمام الباقر عليه السلام- فودّعه، وخرج من عنده وهو مسرور، حيث وردْنا الأخيرجة (من نواحي المدينة) يومَ جمعة، فصلّينا الزوال، فلمّا نهض بنا البعير، إذا أنا برجل طويل آدم (أسمر) معه كتاب، فناوله، فقبّله ووضعه على عينيه، وإذا هو من محمد بن علي (الباقر) إلى جابر بن يزيد، وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيّدي؟ فقال: الساعة، فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة، فقال: ففَكّ الخاتم، وأقبل يقرأه ويقبض وجهه، حتّى أتى على آخره، ثم أمسك الكتاب، فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً، حتّى وافى الكوفة".


يقول النعمان بن بشير: "فلمّا وافينا الكوفة ليلاً، بتُّ ليلتي، فلمّا أصبحت، أتيت جابر الجعفيّ إعظاماً له، فوجدته قد خرج عليّ وفي عنقه كعاب قد علّقها وقد ركب قصبة (كما يفعل المجانين)، وهو يقول: أجد منصور بن جمهور.. أميراً غير مأمور، وأبياتًا على هذا النّحو، فنظر في وجهي، ونظرت في وجهه، فلم يقل لي شيئًا، ولم أقل له شيئًا، وأقبلت أبكي لِما رأيته، واجتمع عليّ وعليه الصبيان والنّاس، وجاء حتّى دخل الرّحبة، وأقبل يدور مع الصبيان، والنّاس يقولون: جُنّ جابر بن يزيد. فوالله ما مضت الأيام حتّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إليّ وإليه أن انظرْ رجلاً يُقال له: جابر بن يزيد الجعفيّ، فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفيّ؟ قالوا: أصلحك الله، كان رجلاً له علم وفضل وحديث، وحجّ فجُنّ، وهو ذا في الرّحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم. قال: فأشرف عليه، فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الّذي عافاني من قتله"1.

هذا أنموذجٌ من كيفية تعامل الإمام وارتباطه مع أصحابه المقرَّبين، وشاهدٌ على وجود العلقة والرابطة المحسوبة بدقّة، والتشكيلات، كما أنّه نموذجٌ حول موقف الحكومة تجاه هؤلاء الأصحاب. من الواضح أنّ أيادي الحكومة ،ـ والّتي لا تُفكّر بأكثر من الحفاظ على نفسها وسلطتها، وترسيخ موقعيّتها ،ـ لا تبقى في غفلةٍ مطبقة عن علاقات الإمام عليه السلام مع
 

1- الشيخ محمد تقي التستري، قاموس الرجال، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ط1، 1419هـ، ج 2، ص 329-330، وبحار الأنوار، ج 46، ص 282-283 الكاتب- .
 
 
 
 
204

170

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

أصحابه المقرّبين وأنشطتهم، ولا شكّ بأنّهم سيشمّون رائحة مثل هذا الموضوع، وسيسعون لكشفه ومواجهته1. وبالتّدريج يبرز نهج الاعتراض في حياة هذا الإمام عليه السلام، وكذلك في الجوّ الشيعيّ العام، ويُبشّر ببداية فصلٍ جديد في تاريخ حياة أئمّة الشّيعة.

ولكن هذا الأسلوب (التقيَّة) في التعامل مع الخواصّ من شيعته لم يكن يمنع الإمام عليه السلام من توضيح "حركة الإمامة" لأتباعه الخلّص، وإذكاء أمل الشّيعة الكبير، وهو إقامة النّظام السياسيّ بمعناه العَلَويّ الصّحيح في قلوب هؤلاء، بل يعمد أحيانًا إلى إثارة عواطفهم بالقدر المطلوب على هذه الطّريق.

التّلويح بمستقبلٍ مشرق هو أحد السبل الّتي مارسها الإمام الباقر عليه السلام مع أتباعه. وهو يشير أيضًا إلى تقويم الإمام عليه السلام للمرحلة الّتي يعيشها من الحركة. يقول الحكم بن عيينة: بينما أنا مع أبي جعفر عليه السلام والبيتُ غاص بأهله، إذ أقبل شيخٌ يتوكّأ على عنزة (عكازة) له، حتّى وقف على باب البيت، فقال: السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثمّ سكت، فقال أبو جعفر: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"، ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت عليهم السلام وقال: السلام عليكم، ثمّ سكت حتّى أجابه القوم جميعًا، وردّوا عليه السلام. ثم أقبل بوجهه على الإمام عليه السلام وقال: يا بن رسول الله، ادنني منك، جعلني الله فداك، فوالله إنّي لأحبّكم وأحبّ من يُحبّكم، ووالله ما أُحبّكم وأُحبّ من يُحبّكم لطمعٍ في دنيا، وإنّي لأُبغض عدوّكم وأبرأ منه، ووالله ما أُبغضه وأبرأ منه لوترٍ كان بيني وبينه. والله إنّي لأُحلّ حلالكم وأُحرّم حرامكم، وأنتظر أمركم، فهل ترجو لي، جعلني الله فداك؟ فقال الإمام عليه السلام: "إليّ إليّ"، حتّى أقعده إلى جنبه، ثم قال: "أيها الشيخ! إنّ أبي عليّ بن الحسين عليه السلام
 

1- والذي يؤيّد هذه الحقيقة بالصراحة، غير حادثة جابر والحوادث الأخرى المشابهة لتلك الرواية، أن عبد الله بن معاوية الجعفريّ ينقل أيضاً رسالة تهديد حاكم المدينة للإمام الباقر عليه السلام. "روي عن عبد الله بن معاوية الجعفريّ، قال: سأُحدّثكم بما سمعته أذناي ورأته عيناي من أبي جعفر عليه السلام أنه كان على المدينة رجل من آل مروان، وأنه أرسل إليّ يوماً فأتيته وما عنده أحد من النّاس، فقال: يا معاوية، إنّما دعوتك لثقتي بك، وإني قد علمت أنه لا يبلّغ عني غيرك، فأجبت فأحببت- أن تلقى عمَّيك محمد بن علي وزيد بن الحسن عليهما السلام وتقول لهما: يقول لكما الأمير لتكفان عما يبلغني عنكما، أو لتنكران، فخرجت متوجهاً إلى أبي جعفر، فاستقبلته متوجهاً إلى المسجد، فلما دنوت منه تبسم ضاحكاً فقال: بعث إليك هذا الطاغية ودعاك وقال: اِلق عمّيك وقل لهما كذا؟ قال: فأخبرني أبو جعفر بمقالته كأنه كان حاضراً، ثم قال: يا بن عمّ، قد كفينا أمره بعد غد، فإنه معزول ومنفيّ إلى بلاد مصر، والله ما أنا بساحر ولا كاهن، ولكني أتيت وحدّثت. قال: فوالله ما أتى عليه اليوم الثاني حتى ورد عليه عزله ونفيه إلى مصر، وولى المدينة غيره". قطب الدين الراوندي، الخرائج والجرائح، ج2، ص559.
 
 
 
 
205

171

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 أتاه رجل فسأله عن مثل الّذي سألتني عنه، فقال له أبي عليه السلام: إن تمُت وأنت في هذا الحال من الانتظار، تَرِد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليّ والحسن والحسين وعلى عليّ بن الحسين، ويثلج قلبُك، ويبرد فؤادك، وتقرّ عينك، وتُستقبَل بالرَّوح والرّيحان مع الكرام الكاتبين... وإن تعش ترى ما يقرّ الله به عينك، وتكون معنا في السنام الأعلى". قال الشيخ وهو مندهش من عظمة البشرى: كيف يا أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام، فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر، إن أنا متّ أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليّ والحسن والحسين وعلي بن الحسين، وتقرّ عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأُستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي ههنا، وإن أعش أرى ما يقرُّ الله به عيني، فأكون معكم في السنام الأعلى؟ ثم أقبل الشيخ ينتحب حتّى لصق بالأرض، وأقبل أهل البيت ينتحبون لما يرون من حال الشيخ، ثم رفع الشيخ رأسه وطلب من الإمام عليه السلام أن يناوله يده، فقبّلها ووضعها على عينه وخدّه، ثم ضمّها إلى صدره وقام فودّع، وخرج والإمام عليه السلام ينظر إليه ويقول: "من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا"1.


حتّى أنّه أحيانًا كان يتعدّى ذلك، ويُحدّد سنة النّصر، ويجعل الأمل الشيعيّ القديم أمراً واقعاً. عن أبي حمزة الثّمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "إنّ الله كان قد وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا قُتل الحسين عليه السلام اشتدّ غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخّره إلى الأربعين ومائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم القناع، قناع السّر، فأخرّه الله، ولم يجعل له بعد ذلك وقتًا عند الله، ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾2. قال أبو حمزة: قد قلت لأبي عبد الله عليه السلام ذلك فقال: "قد كان ذلك"3.

مثل هذه التصريحات تُزكّي روح الأمل في قلوبٍ تعيش جوّ الاضطهاد والكبت، فتكسبها زخمًا ودفعًا نحو الهدف المنشود المتمثّل في إقامة النّظام الإسلاميّ العادل.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 46، ص 361-362.
2- سورة الرعد، الآية 39.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج42، ص223.
 
 
 
 
206

172

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 تحرّك الإمام بين التقيّة وبين الاعتراض الحادّ

على الرغم من عدم العثور في متون التواريخ الإسلاميّة، وكذلك في كتب الأحاديث وغيرها، على حديثٌ صريحٌ عن أنشطة الإمام الباقر عليه السلام الاعتراضيّة والحادّة نسبيًّا - وبالطبع إنّ هذا نفسه ناشئٌ من أسبابٍ وعوامل عدّة، أهمّها القمع المسيطر على الأجواء، وضرورة التقيّة من قِبَل أصحاب الإمام عليه السلام الّذين كانوا المراجع الوحيدين المطّلعين على مجريات الحياة السّياسيّة للإمام عليه السلام ـ ولكن يُمكن دومًا اكتشاف عمق أداء أيّ إنسان من خلال ردود الفعل المحسوبة بدقّة من قبل أعدائه المتيقّظين. فإنّ مواجهة جهازٍ مقتدرٍ ومدبّرٍ، كجهاز هشام بن عبد الملك، الّذي عدّه المؤرّخ أكثر الخلفاء الأمويّين اقتدارًا، للإمام الباقر عليه السلام أو لأي شخص آخر، بذلك الوجه العنيف، هو لا شكّ ناشئٌ من رؤيته تهديدًا لنفسه في أدائه وعمله، وعدم قدرته على تحمّل وجوده. فلا شكّ أنّه لو كان الإمام الباقر عليه السلام مشغولًا بالحياة العلميّة فحسب، دون البناء الفكريّ والتنظيميّ، لما كان الخليفة ورؤوس نظامه ليروا أنه من مصلحتهم ونفعهم أن يتصرّفوا بشدّة وعنف، أوّلًا، لأنّهم بذلك سوف يستفزّون الإمام عليه السلام لمواجهتهم بشدّة، لأنّهم كانوا قد شاهدوا أنموذجًا لهذه التجربة، في زمنٍ قريب، منها قيام حسين بن عليّ "شهيد الفخّ"1، وثانيًا، فإنّ مجموعة أنصار الإمام والمعتقدين به - الذين لم يكن عددهم قليلًا - كانوا سيغضبون ويسخطون على جهازهم الحاكم. خلاصة الحديث، يمكن الاستنباط من ردّ فعل نظام الخلافة الحادّ نسبيًّا في أواخر عمر الإمام الباقر، شدّة عمل الإمام عليه السلام وحدّته.

حادثة إحضار الإمام الباقر عليه السلام إلى الشّام، والهدف منها
من الحوادث المهمّة في أواخر حياة الإمام، وأكثرها شهرةً، حادثة إحضاره إلى الشّام، الّتي كانت عاصمة الحكم الأمويّ. فلأجل معرفة موقف الإمام تجاه جهاز الخلافة، أمر الخليفة الأمويّ باعتقال الإمام الباقر - وطبق بعض الرّوايات، مع ابنه الإمام الصادق أيضًا، الّذي كان شابًّا مساعدًا وملازمًا لأبيه - ونقلهما إلى الشّام. فأُحضر الإمام إلى
 

1- حسين بن علي ــ حسين الفخ ــ بن علي بن الحسين بن الحسن بن الحسن المجتبى، وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن الذي خرج في زمن موسى الهادي حفيد المنصور، وفتح اسم بئر تبعد فرسخاً عن مكة.
 
 
 
 
207

173

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 قصر الخليفة في الشّام، وقد أملى هشام قبل ذلك على حضّار مجلسه وحاشيته ليقوموا بالإجراءات اللازمة عند لقائهم بالإمام وجهًا لوجه، فكان من المقرّر أن يبدأ الخليفة نفسه، ومن بعدها حضّار المجلس - الّذين كانوا جميعًا من الرّجال والزّعماء - وينهالون عليه بالطّعن والشماتة. وقد أراد بهذا العمل تحقيق هدفين:

1- إضعاف معنويات الإمام:
أن يُضْعِف بهذه التصرّفات الشديدة والمسيئة معنويّات الإمام، وليُهيئ بذلك الأرضيّة للقيام بأيّ عملٍ يراه لازمًا. 

2- إدانة الامام:
أن يُدين الخصم في لقاءٍ بين أعلى قيادات الجبهتين المتعاديتين، فينتزع بهذه الوسيلة سلاح جميع أفراد جبهته من خلال نشر خبر هذه الإدانة، والّتي ستحصل بفضل الأبواق الجاهزة دومًا لخدمة الخليفة، كالخطباء والعمّال والجواسيس.

وقائع ومجريات الحادثة
1- دخول الإمام إلى بلاط الخليفة، ومحاولات الطعن بإمامته:
يدخل الإمام، وبخلاف الرّسوم والعادات المتعارفة الّتي تقتضي أنّ كلّ من يدخل إلى المجلس يجب أن يُسلّم على الخليفة بذلك اللقب المخصوص بأمير المؤمنين، فإنّه يتوجّه إلى جميع الحاضرين، ويُخاطبهم مشيرًا بيده، وقائلًا: السلام عليكم، ويجلس دون انتظار الإذن بذلك. وبهذا التصرّف يُشعل نيران الحقد والحسد في قلب هشام، ويبدأ هشام برنامجه. "أنتم يا أبناء عليّ، كنتم دومًا تشقّون عصا المسلمين، وبدعوتهم إلى أنفسكم كنتم تنشرون بينهم الشّقاق والنّفاق، وتدّعون الإمامة لأنفسكم بجهلكم وسفاهتكم". يتفوّه بأمثال هذه الترّهات ويسكت. ثمّ بعد ذلك، كلّ واحد من عبيده وأصحاب معلفه، ينهض ويتفوّه بمثل هذه الكلمات، ويتوجّهون بألسنتهم للطّعن بالإمام عليه السلام وتوبيخه.

2- ردة فعل الإمام:
الإمام عليه السلام كان يجلس طيلة هذا الوقت ساكتاً وهادئاً، وعندما يسكت الجميع، ينهض الإمام ويقف ويتوجّه إلى الحاضرين، وبعد الحمد والثناء على الله تعالى، والسلام على
 
 
 
 
208

174

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يردّ بكلماته المختصرة والمزلزلة كيد أولئك إلى نحورهم، وكأنّه يوجّه لهم بهذه الكلمات صفعةً قاضية، ويُبيّن موقعه وأصول عائلته المفتخرة، الّتي تنطبق مع أعلى المعايير الإسلاميّة -، وهي الهداية - وفي النهاية يُبيّن عاقبة طريقهم بحسب السّنن الإلهيّة التاريخيّة، ويُزلزل لهم معنويّاتهم أكثر ممّا كانت متزلزلة: "أيّها النّاس! أين تذهبون؟ وأين يُراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملْك معجّل، فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول الله عزّ وجلّ: والعاقبة للمتقّين1"2.


في هذا البيان المختصر والمليء بالمعنى ـ الّذي تضمّن التظلّم والبشارة والتهديد والإثبات والردّ ـ تحقّق التأثير والجاذبيّة إلى درجة أنّه لو أذيع ووصل إلى أسماع النّاس، لكان من الممكن أن يجعل كلّ من يسمعه معتقدًا بحقّانية قائله. ولأجل الردّ على هذا الكلام، كان المطلوب وجود خطيبٍ متفوّه مقنعٍ ومنطقيّ، إلّا أنّ هذا لم يكن حال أيٍّ من مخاطَبي الإمام، ولهذا لم يعد أمامهم سوى استخدام العنف والقهر.

3- عجز الخليفة أمام صلابة وقوة الإمام عليه السلام:
فيأمر هشام بإلقاء الإمام في السّجن، وهو بذلك يكون عمليًّا قد اعترف بضعف معنويّاته وعجز منطقه. وفي السّجن، يقوم الإمام ببيان الحقائق، ليؤثّر بالسّجناء الذين معه، بحيث إنّه لا يبقى أيّ واحدٍ منهم لا يعتقد من أعماق قلبه بما قاله. فينقل مأمورو السّجن مجريات الأحداث إلى هشام. وقد كان هذا الموضوع بالنّسبة للجهاز الحاكم، الذي كان قد مضى عليه عشرات السّنين، بعيدًا عن الخطاب العلويّ، لا سيّما في الشّام، غير قابلٍ للتحمّل على الإطلاق. فيأمر هشام بإخراج الإمام عليه السلام ومن معه من السّجن، ولم يكن هناك من مكانٍ أنسب لهم من المدينة المنوّرة، تلك المدينة الّتي كانوا يعيشون فيها، وبالطّبع، مع وضعهم
 

1- قوله "أيّها النّاس" موجّهاً الخطاب إلى مجموعة أصحاب الرتب العالية في الحكومة الذين اجتمعوا في مجلس بمثل هذه الحساسية والهيبة، حول الخليفة، وأرادوا الدفاع عنه. وفي الواقع هو نفي لكل القيم التي كانت تفصل، في ذلك المجتمع الطاغوتي، هؤلاء المستكبرين عن عامّة النّاس، وتميّزهم عنهم. وأرادوا بذلك أن يُميّزوا أنفسهم عنهم. إنّها مواجهة أصولية وعميقة في قالب خطابٍ بسيط الكاتب-.
2- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص471.
 
 
 
 
209

175

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 تحت المراقبة وكلّ أنواع التشدّد المستمرّ، وأكثر. وعند الضّرورة، إنزال الضّربة الأخيرة، وإبادة الخصم من دون ضجيج في بيته، والتنصّل من وبال تهمة قتل الإمام عليه السلام، ووضعه في رقبته. 


4- نفي الإمام إلى المدينة:
لهذا، وُضعوا بأمرٍ من هشام على مراكب سريعة - كان عليها أن تقطع كلّ الطريق من دون توقّف - ويحملونهم إلى المدينة. وكانوا قبل ذلك قد منعوا أيّ إنسان في كلّ المدن الّتي تقع على الطريق من أن يتعامل مع هذه القافلة المغضوب عليها، أو أن يبيعهم الماء والخبز1. وبقوا على هذا الحال طيلة الطّريق، ثلاثة أيّامٍ بلياليها، فنفذ ما كان لديهم من خبزٍ وماء.

5- وصول الإمام إلى مدين:
ووصلوا "مدين"، وأَغلق أهل المدينة - بحسب ما لديهم من أوامر - بوابات مدينتهم، وامتنعوا عن بيع المتاع. اشتدّ على أتباع الإمام عليه السلام الجوع والعطش، فصعد الإمام عليه السلام على مرتفع يطلّ على المدينة، ونادى بأعلى صوته: "يا أهل المدينة الظّالم أهلها، أنا بقيّة الله. يقول الله: ﴿بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾2.
 

1- وطبق بعض الروايات، فقد أُشيع بين أهل المدن الواقعة على الطريق أنّ محمد بن علي وجعفر بن محمّد أصبحا نصرانيين، وارتدّا عن الإسلام. العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج46، ص 306. وشبيهٌ بهذه الواقعة حدث في حركة تحرير الهند، وفي عقود منتصف التاسع عشر: فمولانا- الذي كان من علماء الدين المعروفين والمعتبرين في الهند، وأول قادة المقاومة لمسلمي الهند - وهم من روّاد حركة تحرير شبه القارّة - قد ذُكر من جانب مجموعة من العلماء المعارضين للجهاد كشخص وهّابي. ولم يكن من حاجةٍ لأي تبريرٍ أو مناسبة من أجل إشاعة هذه التّهمة، فكان يكفي لأجل إسقاط مثل هذه الوجوه المحبوبة والمعروفة والمجاهدة من أعين عامّة النّاس الجاهلين والغافلين حتى يُتّهم أيّ شخصٍ بالوهّابيّة. لم يكن عوام النّاس يعلمون، ولم يكونوا قادرين على أن يعلموا ما هي الوهّابيّة، وما هو منشؤها، وماذا تقول، وماذا تريد أن تفعل، وهل إنّه من الممكن أن يكون العلماء المنزّهون الذين قضوا حياتهم في النّضال ضدّ الاستعمار الإنكليزيّ وهّابيين، أي أداة بيد الإنكليز؟ الشيء الوحيد الذي كانوا يعلمونه، هو أنّ الوهّابية هي عبارة عن مذهب خاطئ وانحرافيّ، وها هم يسمعون أنّ هؤلاء العلماء المناضلين وهّابيّون، ويكفي مثل هذا. راجع كتاب: المسلمون في حركة تحرير الهند، "طباعة آسيا"- . وأنا عندما أطبّق قصّة إحضار الإمام الباقر والإمام الصادق عليه السلام إلى الشام، واتّهماهما بالتنصّر على المئة سنة ونيّف في الهند في العصر الحديث، ثمّ ألقي نظرةً على الأوضاع والأحوال الجارية في زماننا ومكاننا، أسترجع في ذاكرتي هذا المصرع للبيت الشعريّ العربيّ بكلّ حيرة مؤسفة، "النّاس كالنّاس والأيام واحدة". الكاتب- 
2- سورة هود، الآية 86.
 
 
 
 
210

176

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 يقول الراوي: وكان بين أهل المدينة شيخٌ كبير، فأتاهم فقال: "يا قوم، هذه والله دعوة شعيب عليه السلام. والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق، لتؤخذنّ من فوقكم ومن تحت أرجلكم، فصّدقوني وأطيعوني.. فإنّي لكم ناصح. استجاب أهل المدينة لدعوة الشيخ، فبادروا وأخرجوا إلى أبي جعفر وأصحابه الأسواق"1.


القسم الأخير من هذه الرواية التاريخيّة - والّذي يمكنه أن يكون من جهاتٍ عدّة عرضًا للوضع السياسيّ والقمع، وكذلك الاستخفاف الشامل بجميع الأذهان في ذلك الزمان، وأن يكون من جانبٍ توضيحًا لموقف الإمام الباقر عليه السلام الخاصّ من جهاز حكم بني أميّة - على هذا النّحو: عندما وصل خبر المدينة إلى هشام، أمر قبل أيّ شيء بمعاقبة ذلك الرّجل المتمرّد على خيانته، لأنّه تجرّأ على الإعراب عن مخالفته لخطّة زعماء نظام الخلافة، وجنّب النّاس غفلةً كبرى. وقد أُخذ هذا الرّجل وقُتل بأمرٍ من الخليفة.
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص472.
 
 
 
 
 
211

177

الدرس الخامس عشر: الإمام الباقر عليه السلام (2) حركة الإمام عليه السلام وعلاقته بأصحابه

 المفاهيم الرئيسة


1- لقد ازدادت العلاقة بين الإمام الباقر عليه السلام وبين شيعته بشكل واضح وجلي في عهده، لبروز دور الأئمة السابقين عليه السلام، وأنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقاً. 

2- إن الحوادث التي تشير إلى علاقة الإمام عليه السلام بشيعته تشير إلى الصراحة في مجال التعاليم الفكرية، ومن جهة أخرى تشير أيضاً إلى الروابط والتشكيلات المدروسة بين الشيعة وبين الإمام عليه السلام. 

3- لقد استخدم الإمام عليه السلام أسلوب التقية في العمل مع أصحابه، وكذلك في التعامل مع جهاز الحكومة، وكان الإمام عليه السلام حريصاً على أن لا يصدر منه إشارة حادة في وجه السلطة، حفاظاً على شيعته وعلى نفسه، خصوصاً أن النظام الحاكم في عصره كان يعتبر من أكثر الأجهزة اقتداراً وإمساكاً بواقع الأمور في المجتمع الإسلاميّ، على الرغم من ذلك كانت السلطة تراقب تحرّكات الإمام عليه السلام كاملةً، وإلا لما استقدمته إلى دمشق، ووصلت إلى قتله في النهاية.

4- كانت السلطة تهدف، من وراء إحضار الإمام عليه السلام إلى الشام، إلى تحقيق هدفين:
أ- إضعاف معنويات الإمام عليه السلام.
ب- إدانة الإمام عليه السلام.

5- يمكن استخلاف بعض الدروس والعبر والمواقف من حادثة دخول الإمام عليه السلام على هشام، هي: 
أ- أن الإمام عليه السلام دخل على هشام بمظهر العزّة والإباء، ولم يخضع لعادات السلطة. 
ب- أن الإمام عليه السلام كان يسكت طوال وجوده، ويتكلم في الوقت المناسب فقط.
ج- فشل السلطة الحاكمة في تحقيق أهدافها من تلك الحادثة، حيث أمر هشام بسجن الإمام عليه السلام، وهذا يشير إلى فشل السلطة وعجزها عن تحقيق أهدافها.
د- إخراج الإمام من بلاد الشام بطريقة خاصة، وبشكل سريع، ومنع الناس من التعامل معه طوال الطريق حتى وصوله إلى المدينة المنورة.
هـ- إبراز مكانة الإمام عليه السلام ومقامه الرفيع عند وصوله إلى مدينة مدْين.
 
 
 
 
 
212

178

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يلخّص الأسباب التي أدّت إلى الغموض في حياة الإمام الصادق عليه السلام.
2- يشرح الظروف السياسية والاجتماعية في عهد الإمام الصادق عليه السلام.
3- يبيّن الأنشطة التنظيمية للإمام الصادق عليه السلام.
 
 
 
 
213

179

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 الغموض الذي لفَّ حياة الإمام الصادق عليه السلام

إنّ إحدى الأشياء المؤسفة جدًّا، والّتي يُمكن أن تواجه الباحث حول حياة الإمام الصادق عليه السلام, هي أنّ تفاصيل حياة هذا الإمام، لا سيّما في السّنوات الأولى من إمامته، والّتي تزامنت مع نهاية حكم بني أميّة، محاطة بهالة من الغموض. فهذه الحياة المليئة بالأحداث، والتي هي منشأ للأحداث، والتي يُمكن مشاهدة كفاحاتها وصعودها وهبوطها في طيّات مئات الرّوايات التاريخية، نجد أنّها لم تنعكس، لا في التّاريخ، ولا في أقوال المحدّثين وكتّاب التذكرة، بنحوٍ منظّم ومترابط على الإطلاق، وإنّ زمن وخصوصيّات أكثر الأحداث لم يتمّ تحديدها. 

فعلى الباحث أن يعتمد على القرائن وملاحظة الأحداث العامّة في ذلك الزمان، ويُقارن كلّ رواية مع ما لديه من معلومات بشأن الأشخاص أو الأحداث المذكورة في المصادر الأخرى، ليكشف عن زمان ومكان وخصائص تلك الحادثة. ولعلّه ينبغي البحث عن أسباب هذا الغموض والإبهام، لا سيّما فيما يتعلّق بالأنشطة التنظيميّة للإمام مع أتباعه في ماهيّة هذه الأعمال. ويمكن افتراض سببين في هذا المجال:
1- الخصائص الدائمة للعمل السرّيّ:
إنَّ الأعمال السرّية والتنظيميّة، في العادة، إذا تلازمت مع الأصول الصّحيحة للعمل السريّ، يجب أن تبقى سريّة ومخفيّة دائمًا. فهي تكون خفيّة في ذلك الزمان، وينبغي أن تبقى كذلك فيما بعد. وإنّ تكتّم وسريّة أصحابها لا يسمحان لأيّ غريبٍ أن يصل إليها. حتّى إذا وصلت هذه الأعمال إلى الثّمرة المطلوبة، وتمكّن المنفّذون والعاملون من الإمساك بالسّلطة، فإنّهم سوف يكشفون دقائق هذا العمل السرّي للملأ. لذا نجد اليوم أنّ الكثير
 
 
 
 
 
215

180

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 من الدّقائق، بما في ذلك التّوجيهات الخاصّة والاّتصالات السريّة لزعماء بني العبّاس مع عناصر منظّمتهم التّابعين لهم، في مرحلة الدعوة العبّاسية قد تمّ توثيقها في التّاريخ، وهي معروفة من قِبَل الجميع.


ولا شكّ أنّه لو كانت النّهضة العلويّة قد وصلت إلى ثمرتها، وصارت السّلطة والحكومة بأيدي أئمةّ الشّيعة أو من اختاروهم، لكنّا اليوم على اطّلاعٍ على جميع الأسرار المختومة لدعوتهم العلويّة، وتشكيلاتهم المنتشرة في كلّ الأماكن، والّتي كانت فائقة السرّيّة.

2- عدم وصول الإمام إلى السلطة:
ينبغي البحث عن السبب الثاني في خصال كُتّاب التاريخ وكتابة التاريخ. فلو كان لجماعةٍ مدانة ومظلومة ذِكْرٌ في التّاريخ الرّسميّ وتوثيقٌ لذكرياتها، فلا شكّ بأن ذلك كان ليكون بطلب وقولٍ وإيعاز من الحاكم الظّالم. إنّ توثيق المجريات والأحداث الخاصّة بالمحكومين، فضلًا عن أنّها مدمية للقلب، فهي بالنّسبة لمؤّرخ التّاريخ، تتطلّب الكثير من الجهد والسّعي، والبحثُ هنا وهناك مصاحَب مع الكثير من الخوف، بينما يوجد الكثير من الأخبار والمجريات بين أيدي الحكّام، والتي يُمكن الحصول عليها من دون أيّ عناء أو اضطراب أو خطر، ويُمكن تقاضي الأجر عليها!

ولنضع الآن هذه الحقيقة الواضحة إلى جانب الوقائع الأخرى. إنّ جميع التّواريخ المعروفة والمعتبرة، والّتي تُشكّل وثائق ومصادر أكثر التّحقيقات والدّراسات اللاحقة، والّتي دُوّنت وبقيت إلى ما بعد حياة الإمام الصادق عليه السلام بخمسمائة سنة، كانت ذات صبغة عبّاسية، لأنّه وكما نعلم، فإنّ حكومة العبّاسيين قد استمرّت إلى منتصف القرن السابع الهجريّ، وجميع التواريخ القديمة المعروفة قد كُتبت وأُلّفت في مرحلة زعامة وسلطنة هذه السلالة المتجبّرة. وبناءً عليه، يُمكن تخمين النّتيجة. فمن غير المتوقّع على الإطلاق، من أيّ مؤرّخٍ من مؤرّخي العصر العبّاسي، أن يستطيع أو أن يطلب تحصيل المعلومات الصّحيحة والمنظّمة حول حياة الإمام الصّادق، أو أيٍّ من أئمّة الشّيعة الآخرين عليهم السلام، وأن يوثّقها في كتابه.

وهذا هو سرّ الكثير من التّحريفات والمبهمات في حياة الإمام الصّادق عليه السلام. والطّريق الوحيدة الّتي تُمكّننا من التعرّف على الخطّ العامّ لحياته هي أن نجد نماذج مهمّة لحياة
 
 
 
 
 
216

181

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 هذا الإمام في ثنايا كل هذا الإبهام والغموض، بالاستمداد ممّا نعرفه من الأصول العامّة لفكر هذا الإمام وأخلاقه، فنرسم الخطوط الأساس لحياته، بعدها نبقى بانتظار القرائن التاريخية المتفرّقة وغير التاريخيّة، لتحديد الخصوصيّات والدقائق1.


الظروف السياسيَّة والاجتماعية لمرحلة الإمام الصادق عليه السلام
عاصر الإمام الصادق عليه السلام مرحلتين: الأولى تمتدّ من عام 114 هـ إلى 132 أو 135هـ، أي إلى سنة انتصار بني العباس، واستلام المنصور الخلافة، والمرحلة الثانية ابتدأت مع وصول المنصور إلى سدّة الحكم والخلافة، وانتهت بشهادة الإمام عليه السلام، وذلك في عام 148 هـ.

ولكلٍّ من هاتين المرحلتين ظروف سياسية وفكريَّة وإجتماعيَّة خاصة, وتكتيك مختلف اعتمده الإمام الصادق عليه السلام في كيفية المواجهة والتحرّك.

1- خلال فترة الحكم الأمويّ:
تميّزت هذه المرحلة بالهدوء والانفتاح، وذلك بسبب النّزاع الّذي كان دائرًا بين بني أميّة وبين بني العبّاس، فوجد الإمام الصادق عليه السلام في تلك الفترة فرصة لنشر العلوم الإسلاميّة. وقد مثّلت زمن وصول الدعوة الشيعيّة العلويّة إلى أوجها في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ.

كان نظام بني أميّة في السنوات الأخيرة لحياة الإمام الباقر عليه السلام، وفي سنوات بدايات إمامة الإمام الصادق عليه السلام، يمرّ بأحد أكثر فصوله المليئة بالأحداث والمتغيّرات. منها:

أ- التحدّيات العسكريّة:
كانت التحديَّات العسكريَّة في الحدود الشمالية الشرقية (تركستان وخراسان)، وفي الشمال (آسيا الصغرى وآذربايجان)، وفي المغرب وأفريقيا والأندلس وأوروبا، هذا من جانب. ومن جانب آخر الثّورات والانتفاضات المتلاحقة في أنحاء العراق العربيّة وخراسان وشمال أفريقيا، الّتي كانت تنطلق بالأغلب بواسطة السكّان المحلّيّين السّاخطين الّذين يئنّون من الظّلم، وكانت أحيانًا بتحريك أو مساعدة القادة العسكريّين الأمويّين2.
 

1- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص65 - 68.
2- وقد نسب المؤرّخ جميع هؤلاء، ودون استثناء، إلى الخوارج، وهذا بذاته مؤشّرٌ على أنّ جهاز الخلافة كان هو المقصود بهذه الثورات والنهضات الّتي كان أغلبها أو بعضها على الأقل محقًّا. الكاتب.
 
 
 
 
217

182

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 ب- الوضع الاجتماعيّ الداخليّ الصّعب: 

المقصود منه ظلم الأمويين, وفساد إداراتهم, أغرق المسلمين بالفقر, أضف إلى ذلك القحط والطاعون الذي انتشر في مختلف المناطق، ومنها خراسان والعراق والشام.

كلّ هذا جعل البلاد المترامية للمسلمين في حالةٍ عجيبة بسبب نظام بني أميّة، وعلى يد أشهر الولاة.

ج- الأوضاع الفكريَّة والأخلاقيَّة: 
إنَّ أكبر خسارة حلّت في العالم الإسلاميّ هي الخسارة المعنوية والفكريّة والروحيّة. في الأجواء الكئيبة للدّولة الإسلاميّة، الّتي كان فيها الفقر والحرب والأمراض مثل صاعقةٍ نزلت من أصحاب السّلطة والمستبدّين الأمويين على رؤوس النّاس المساكين، تحرق وتذر رمادًا، أضحت تربية غرسة الفضيلة والتقوى والأخلاق والمعنويّات في عداد المستحيلات. فالعلماء والقضاة والمحدّثون والمفسّرون الّذين كان ينبغي أن يكونوا ملجأ وملاذ النّاس المساكين والمظلومين، صاروا في الأغلب سببًا لزيادة مشاكل النّاس بطريقةٍ أشدّ خطرًا من رجال السّياسة. فقد أصبح المشاهير والشخصيّات المعروفة في الفقه والكلام والحديث والتصوّف بيادق بيد جهاز الخلافة الكبير، وألاعيب بيد الأمراء والحكّام.

ومن المؤسف القول إنّ دراسة أحوال هذه الشخصيّات الوجيهة، وأصحاب السّمعة تجعلهم يتجسّدون، في ذهن كلّ من يُطالع، بصورة رجال يشتركون في معلف الأماني المنحطّة، كالسّعي لنيل السّلطة والسّمعة والشهرة، أو جبناء ومنحطّين وطلّاب راحة، أو زهّاد مرائين وحمقى، أو متظاهرين بالعلم، مشغولين بالأبحاث الدمويّة الكلاميّة والاعتقادية.

فقد تبدّل القرآن والحديث الّذي ينبغي لكلّ منهما أن يصبح سببًا لرشد ونموّ غرسات المعرفة والخصال الحسنة، إلى أدوات بيد أصحاب السّلطة، أو للانشغال بالأمور الّتي لا فائدة منها1.
 

1- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص54 - 61.
 
 
 
 
218

183

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 في هذه الأجواء السّامّة والخانقة والمظلمة، وفي ذلك الزّمن المحفوف بالبلاء والمصاعب، حمل الإمام الصادق عليه السلام ثقل الأمانة الإلهيّة على عاتقه.


2- خلال فترة حكم بني العباس:
في هذه المرحلة أصبح الوضع صعبًا، وعادت حياة الإمام الصّادق عليه السلام لتكون كحياة الإمام الباقر عليه السلام في زمانه، تتّسم بالقمع وممارسة الضغوطات على الإمام وأتباعه، فقد تمّ نفي الإمام عليه السلام عدّة مرّاتٍ إلى الحيرة والرُميلة، وإلى هذا المكان وذاك المكان. 

لقد استحضر المنصور الإمام عدّة مرّات. وفي إحدى المرّات قال له: "قتلني الله إن لم أقتلك"1، وفي إحدى المرّات، قام بإرسال كتاب إلى والي المدينة قائلاً: "أنْ أحرِق على جعفر بن محمد داره". وعندما أُحرقت داره، جاء الإمام وأظهر غربته وسط هذا الحريق: "أنا ابن أعراق الثرى"2، ممّا أدّى إلى زيادة سخط أعدائه أكثر. فمعاملة المنصور للإمام الصادق عليه السلام كانت معاملة شديدة جدًّا، فقد قام بتهديد الإمام عدّة مرّات.

الخطة المقرَّرة للإمام الصادق عليه السلام
عندما انتقل الإمام الباقر عليه السلام من هذه الدنيا، كانت الأوضاع والأحوال قد تغيّرت كثيرًا لمصلحة أهل البيت عليهم السلام، إثر النّشاطات المكثّفة الّتي جرت طيلة مدّة إمامته وإمامة الإمام السجّاد عليهما السلام، وخطّة الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام الّتي كانت من الأسرار في ذلك الزّمان، أسرار مثل أن يُقال مثلًا: إنّ جابر بن يزيد الجعفيّ كان من أصحاب السرّ, تلك الأسرار الّتي لو أُذيعت في ذلك الزمان، لحلّت لعنة الله على من يُذيعها.

كانت خطّة الإمام الصادق عليه السلام هي أن يجمع الأمور بعد رحيل الإمام الباقر عليه السلام وينهض بثورة علنيّة، ويسقط حكومة بني أميّة - الّتي كانت في كلّ يومٍ تبدّل حكومة، ما يحكي عن منتهى ضعف هذا الجهاز - وأن يأتي بالجيوش من خراسان والريّ وأصفهان والعراق والحجاز ومصر والمغرب وكلّ المناطق الإسلاميّة، الّتي كان فيها شبكات حزبيّة
 

1- أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج على أهل اللجاج، ج 1، ص 163.
2- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 473. وجّه المنصور إلى حسن بن زيد، وهو واليه على الحرمين، أن أحرق على جعفر بن محمد داره، فألقى النار في دار أبي عبد الله، فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبو عبد الله يتخطّى النار ويمشي فيها ويقول: "أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله".
 
 
 
 
 
 
219

184

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 للإمام الصادق عليه السلام، أي الشّيعة، وأن يحضر كلّ القوّات إلى المدينة ليزحف نحو الشّام ويسقط حكومتها ويرفع بيده راية الخلافة، وأن يأتي إلى المدينة ويعيد حكومة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليها. هذه كانت خطّة الإمام الصادق عليه السلام. لهذا، عندما كان يجري الحديث عند الإمام الباقر عليه السلام في أيّام عمره الأخيرة، ويُسأل من هو قائم آل محمّد، كان ينظر إلى الإمام الصادق عليه السلام ويقول: كأنّني أنظر إلى قائم آل محمد هذا. وقد كان من المقرّر للإمام الصادق عليه السلام أن يكون قائم آل محمّد في ذلك الزمان.


لقد كان الإمام الصّادق عليه السلام رجل الجهاد والمواجهة، ورجل العلم والمعرفة، ورجل التنظيم والتشكيلات. الكثير عن علمه، ومحافل دراسته وميادين تعليمه الّتي أوجدها، لم يكن لها نظير، لا قبله ولا بعده في تاريخ حياة أئمّة الشّيعة، فلقد بيّن الإمام الصّادق عليه السلام كلّ ما ينبغي أن يُقال بشأن المفاهيم الإسلاميّة الصّحيحة، والقرآنيّة الأصيلة الّتي تعرّضت للتّحريف طيلة قرنٍ ونيّف من الزمان بواسطة المغرضين والمفسدين، أو الجاهلين، وهذا الأمر هو الّذي أدّى إلى أن يشعر العدوّ بخطره. 

لقد كان الإمام الصادق عجل الله تعالى فرجه الشريف مشغولًا بجهادٍ واسع النّطاق من أجل الإمساك بالحكومة والسّلطة، وإيجاد حكومةٍ إسلاميّة وعلويّة، أي أنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يُهيّئ الأرضيّة للقضاء على بني أميّة، والمجيء بحكومة علويّة، أي حكومة العدل الإسلاميّ. فهذا ما يتّضح من حياة الإمام الصادق عليه السلام لكلّ من يُطالع ويُدقّق.

الأنشطة التنظيمية للإمام الصادق عليه السلام
1- المواجهة السياسيَّة:
أ- في عهد الأموييّن: 
كان الإمام الصادق عليه السلام يواجه بني أميّة لمدّة عشر سنوات، وكذلك بني العبّاس (فقد واجههم) لمدّة طويلة. وعندما كان انتصاره على بني أميّة حتميًّا، جاء بنو العبّاس كتيّارٍ انتهازيٍّ، ونزلوا إلى الميدان. ومن بعدها صار الإمام الصادق عليه السلام يواجه بني أميّة وبني العبّاس أيضاً.

وقد نُقل عن الطّبريّ - المؤرّخ المعروف - أمورٌ تتعلّق بمحاربة الإمام عليه السلام لبني أميّة
 
 
 
 
 
220

185

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 في مطلع السنوات العشر لإمامته. كانت مواجهة الإمام الصادق عليه السلام في هذه المرحلة قد أضحت علنيّة، فلم يكن يحتاج إلى التقيّة والكتمان، وذلك بسبب أنّ خلفاء بني أميّة كانوا مشغولين إلى درجة أنّه لم تُتح لهم الفرصة ليُلاحقوا الإمام الصادق وشيعته، كما لم يكن لديهم القدرة على قمعهم، لذا لم يحتج الإمام الصادق عليه السلام إلى إخفاء عمله. كان الإمام الصادق عليه السلام يذهب يوم عرفة إلى عرفات، ويقف بين هذه التجمّعات الكبيرة الّتي جاءت من نقاط العالم الإسلاميّ جميعها، من أفريقيا والشّرق الأوسط والحجاز والعراق، ومن إيران ذلك اليوم، ومن خراسان وأفغانستان ذلك اليوم، ومن تركستان الشرقية ـ فقد توافدت النّاس من الأقطار جميعها، بحيث لو فجّرت قنبلةً في هذا المكان، تكون وكأنّك فجّرتها في العالم الإسلاميّ كلّه، وإذا قُلتَ شيئًا في هذا المحفل والتجمّع، تكون وكأنّك نشرته عبر شبكة إعلاميّة عالميّة. فكان الإمام الصادق عليه السلام يأتي إلى داخل هذا التجّمع الكبير، ويُعلن بصراحة، وبشكلٍ رسميّ، للنّاس أنّ الإمام والحاكم بحقّ في هذا اليوم هو جعفر بن محمد، وليس أبي جعفر المنصور، وكان يأتي بالدّليل على ذلك، لا الاستدلال الكلاميّ والعقلانيّ، لأنّه لم يكن لدى النّاس في ذلك الوقت الاستعداد للاستماع إلى مثل هذا النّوع من الاستدلال، فهو لم يكن واضحًا في مثل ذاك المجتمع، بل كان استدلالٌ من نوعٍ آخر، لأنّ المنصور العبّاسيّ وأمثاله، ولأجل أن يقنعوا أذهان النّاس، ويتظاهروا بأنّهم خلفاء النبيّ، قد جعلوا سلسلة نَسبية لأنفسهم، وكانوا يقولون إنّنا نحن أبناء العبّاس، فقد كان لهم سلسلتان من النّسب، وكانوا في كلّ مرّة يُصرّحون عن واحدة منها.


كان أحدها أنّهم كانوا يقولون نحن أبناء العبّاس عمّ النبيّ، وبعد رحيله أضحت الخلافة لبني هاشم. وبين بني هاشم، فإنّ الأكبر سنًّا، وكما يُقال الأنسب، هو العبّاس عمّ النبيّ، فالخلافة بعد النبيّ كانت للعبّاس، ولأنّنا نحن أبناؤه، فإنّها تصل إلينا. كان هذا نحو من كلامهم. وكانوا يتحدّثون عن سلسلةً نسبيّةً أخرى، فيقولون نحن أبناء عليّ العبّاسيّ، أي عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وحقّاً كانوا يقولون لأنّهم كانوا أحفاد عليّ العبّاسيّ أو أبناءه، وهو تلميذ محمد بن الحنفيّة، ومحمّد بن الحنفيّة هو ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الّذي هو صهر النبيّ، فالخلافة انتقلت من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليّ عليه السلام، ومن عليّ عليه السلام
 
 
 
 
 
221

186

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 إلى محمّد بن الحنفيّة - لا إلى الحسن والحسين - ومنه وصلت إلى ابن عبد الله بن العبّاس - الّذي هو جدّنا - ومنه وصلت إلينا، فنحن إذًا خلفاؤه.


فكانوا يؤلّفون سلسلةً نسبيّة على هذا النّحو، وكان هذا الأمر مقنعًا لأذهان النّاس في ذاك الزمان، لأنّ مستواهم الفكريّ كان متدنّيًّا. لهذا كان الإمام يقف وسط هذا التجمّع الكبير، ويُبيّن السلسلة الصحيحة للإمامة: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الإمام، ثمّ كان عليُّ بن أبي طالب"1، وهو منطق الشّيعة المعروف، "ومن بعده الحسن، ثمّ الحسين، ومن بعده عليّ بن الحسين، ومن بعده محمّد بن عليّ، ومن بعده أنا"، فيعرّف نفسه كإمامٍ. ومثل هذا كان يتطلّب شجاعة كبيرة، ولم يكن بالكلام العاديّ البسيط، بل كان ذلك أكبر إعلانٍ للمخالفة والمعارضة. كان الإمام الصادق عليه السلام يقوم بمثل هذا العمل في أواخر عصر بني أميّة. 

ب- في عهد بني العبّاس:
في عصر بني العبّاس الذي دام لمدةٍ أطول، أضحت المواجهة أكثر خفاءً، فلم تعد التحركات الجهادية علنية، بل كانت تجري بالتقيّة والكتمان، وسبب ذلك أنّ بني العبّاس كانوا يرفعون شعارات آل عليّ، ومواقفهم باللسان، فكان ظاهرهم ظاهر آل عليّ، وعملهم عمل بني أميّة. فكان بنو العبّاس يُمثّلون ذلك التيّار الانحرافيّ الّذي انتهز الفرصة، وحرّف الثّورة الّتي كان الإمام الصادق عليه السلام بصددها، وهذا هو الخطر الدائم الثورات كلّها، حيث يتم أحيانًا استبدال الخطّ الصحيح للثّورة، الّذي يتطابق مع معاييرها وضوابطها الأساس، بخطٍّ بديلٍ منحرفٍ فاسدٍ باطلٍ، تحت شعارات الحقّ. من هنا، على الإنسان أن يكون حذرًا وواعيًا. ولم يكن أهل ذلك الزمان يمتلكون مثل هذا الوعي. فبعد سنوات، لعلّه بعد ثلاثين أو عشرين سنة ، بعد مجيئ بني العبّاس إلى الحكومة ، كان سكّان المناطق النّائية ما زالوا يظنّون بأنّ هذا الأمر حصل نتيجة جهادهم من أجل آل عليّ. لقد كانوا يتصوّرون بأنّ هذه هي حكومة آل علي نفسها، فلم يكن لديهم علم بأنّهم غاصبون (للخلافة).
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص466.
 
 
 
 
222

187

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ تلك الرّوايات التي تنقل أنّ الإمام عليه السلام كان يتذلّل ويظهر الخضوع للمنصور، لا أساس لها من الصحّة، ولا تقوم على أساس أو سندٍ صحيح ومعتبر، وغالبًا ما تنتهي في سندها إلى ربيع الحاجب، المقطوع بفسقه، والّذي كان من المقرّبين للمنصور. كان بعضٌ قد نقل بسذاجة أنّ الربيع كان شيعيًّا, والصحيح أنَّ البحث التاريخيّ يؤكّد أنَّ الربيع بن يونس هو من الأشخاص الذين وُلدوا في منزل أسيادهم، وأتى إلى جهاز حكم بني العبّاس، وكان عبدًا لهم، وحاجب المنصور، وكان قد قدّم لهم الخدمات الكثيرة، وعندما كان المنصور يحتضر، كانت الخلافة ستذهب من أيدي عائلته لولا الربيع.


كان أعمامه موجودين، فقام الرّبيع بتزوير الوصيّة لتصبح الخلافة للمهديّ بن المنصور، وهكذا أوصل المهديّ إلى الخلافة، فهذه العائلة هي من العوائل الوفيّة والمخلصة لبني العباس، ولم يكن لهم أيّ ولاء لأهل البيت عليهم السلام. وكل ما وُضع (عن الربيع حول الإمام) فهو تلفيق وكذب، من أجل إظهار الإمام عليه السلام للمسلمين آنذاك بالإنسان المتذلّل والخاضع أمام الخليفة، حتّى يعتبر الآخرون أنّ هذا هو تكليفهم أيضًا. على كلّ حال، فإنّ معاملة المنصور للإمام الصادق عليه السلام كانت معاملة قاسية جدّاً.
 
 
 
 
 
223

188

الدرس السادس عشر: الإمام الصادق عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 المفاهيم الرئيسة


1- لقد اتسمت المرحلة الأولى من حياة الإمام الصادق عليه السلام بالغموض، وذلك لسببين:
أ- العمل السرّيّ والتنظيميّ على المستوى الشيعيّ، فإن طبيعة هذا العمل تفرض السريّة والتخفي عن أنظار السلطة.

ب- عدم وصول الإمام عليه السلام إلى السلطة: إن عدم وصول الإمام عليه السلام إلى السلطة منع من بيان نشاطاته ومواقفه وتصرّفاته كافّة، حيث كتِب التاريخ بأقلام علماء السلاطين، مما أدى إلى عدم تدوين نشاطات الإمام عليه السلام ومواقفه والأحداث التي جرت معه.

2- إن الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في عهد الإمام الصادق عليه السلام كانت مختلفة بحسب الظروف السياسية المحيطة بها، وهي:
أ- في عهد بني أمية: كانت الظروف هادئة اتجاه الإمام عليه السلام، وهذه الظروف هي:
• التحدّيات العسكرية والسياسية، حيث انتشرت الثورات والانتفاضات في بلاد المسلمين.
• الأوضاع الاجتماعية الصعبة، حيث الظلم والقتل والفساد والفقر والقحط.
• الأوضاع الفكرية والأخلاقية، حيث انتشر الفساد الأخلاقيّ، وأصبح العلماء بيد جهاز الخلافة والحكام. 

ب- في عهد بني العباس: كانت الظروف صعبة جداً، حيث اتسمت بالقمع وممارسة الضغوطات على الإمام عليه السلام وأتباعه.

3- لقد كان للإمام الصادق عليه السلام أنشطة تنظيمية عدّة، هي: 
أ- لقد واجه الإمام عليه السلام بني أمية بشكل علنيّ وظاهر، فلم يحتج إلى التقيّة والكتمان، وذلك لأن خلفاء بني أميّة كانوا مشغولين بالأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد.

ب- لقد استخدم الإمام عليه السلام في عهد بني العباس أسلوب الهدوء والمرونة، ولا صحة لما قيل من أن الإمام عليه السلام كان يتذلّل ويُظهر الخضوع.
 
 
 
 
 
224

189

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن أن الهدف الأساس لدعوة الإمام الصادق عليه السلام هو إثبات حقيقة الإمامة وجذورها التاريخية.
2- يتعرّف إلى بعض الشواهد الهادفة إلى تثبيت جذور الإمامة في النفوس والمجتمع.
3- يشرح حقيقة الحركة العلمية للإمام الصادق عليه السلام، ودوافعَها الأساس، وما نتج عنها من آثار. على مستوى التشكيلات السياسية والعقائدية.
 
 
 
 
 
225

190

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 دعوة الإمام الصادق عليه السلام إلى الإمامة

إنّ ما كان يُشكّل بيت القصيد لدعوة الإمام الصّادق عليه السلام، كغيره من أئمّة الشّيعة الآخرين، هو موضوع الإمامة. ومن أجل إثبات هذه الحقيقة التاريخيّة، فإنّ أكثر الوثائق قاطعيّةً هي الرّوايات الكثيرة الّتي نُقل فيها دعوى الإمامة عن لسان الإمام الصادق عليه السلام بوضوحٍ وصراحةٍ تامّة.

كان الإمام عليه السلام أثناء ترويج وتبليغ هذا الأمر، يرى نفسه في مرحلةٍ من الجهاد، حيث كان عليه أن يتبرّأ بشكل مباشر وصريح من حكّام زمانه، وأن يُعرّف النّاس على نفسه كصاحب حقٍّ واقعيٍّ للولاية والإمامة.

والإمام عليه السلام لا يكتفي في العديد من الموارد بأن يثبت الإمامة لنفسه، بل يذكر أسماء أئمّة الحقّ الذين سبقوه، إلى جانب اسمه أيضًا، ويطرح سلالة إمامة أهل البيت المتّصلة، والّتي لا يُمكن تفكيكها. ومثل هذا العمل، بالالتفات إلى أنّه وفق الفكر الشيعيّ, يدين كلّ الحكّام السّابقين الجائرين، ويعدّهم طواغيت، ويمكن أن يكون إشارة إلى ارتباط جهاد الشّيعة في هذا الزّمان بالأزمنة الماضية. وفي الواقع، إنّ الإمام الصادق عليه السلام بهذا البيان، يعدّ إمامته نتيجة حتميّة لإمامة من سبقه. وبهذه الطّريقة يُخرجها من تلك الحالة المنقطعة والفاقدة للجذور والأصول، ويوصل سلالته بتلك القناة الموثوقة والثابتة للنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه عدّة نماذج من كيفيّة دعوة الإمام عليه السلام:
1- رواية عمرو بن أبي المقدام: 
الّتي ترسم لنا مشهدًا عجيبًا. ففي التّاسع من ذي الحجّة (يوم عرفة) اجتمع عددٌ كبيرٌ
 
 
 
227

 


191

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 من الخلائق في عرفات من أجل أداء مراسم ذلك اليوم الخاصّ، ومن الطّبيعيّ أن يجتمع فيه ممثّلون عن كلّ المناطق الّتي يسكنها مسلمون من أقصى خراسان إلى ساحل البحر المتوسّط. ومن الممكن لكلمةٍ واحدةٍ في غير موضعها في هذا المكان، أن تستأصل عمل أكثر الشّبكات الإعلاميّة العامّة انتشارًا في ذلك الزّمان. فيوصل الإمام عليه السلام نفسه إلى هذا الجمع، ويحمل له رسالةً. يقول الرّاوي:

رأيت الإمام عليه السلام يقف بين النّاس ويعلن نداءه ثلاث مرّات، ويرفع صوته بأقصى ما يقدر عليه، بنداءٍ ينبغي أن يطرق أسماع الجميع في كلّ الأماكن، وليصل عبرهم إلى كلّ أنحاء العالم الإسلاميّ. فنجده يتلفّت إلى كلّ الجهات، ويُكرّر كلامه ثلاث مرّات، وهكذا يفعل حتّى يبلغ تكرار كلام هذا الإمام اثنتى عشرة مرّة. وقد أطلق نداءه هذا بمثل هذه العبارات: "أيّها النّاس، إنّ رسول الله كان الإمام، ثمّ كان عليُّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ..."1.

2- وَصْفُ الامام نفسَه، ووصفُه للأئمة:
عن أبي الصّباح الكنانيّ، يصف فيه الإمام الصادق عليه السلام نفسه وباقي أئمّة الشّيعة بمثل هذه العبارات: "نحن قومٌ فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال..."2. وصفو المال هي الأموال المصطفاة الّتي يخصّ الطّواغيت المتجبّرون أنفسهم بها، ويقطعون أيدي المستحقّين عنها، وعندما تخرج هذه الأموال المغصوبة بفضل انتصار المقاتلين المسلمين من أيدي الظّالمين المهزومين، فإنّها لا تُقسَّم كغيرها من الغنائم لتكون في اختيار شخصٍ ما، فتمنحه مقامًا كاذبًا وفخرًا مزيّفًا، بل إنّها تودع بيد الحاكم الإسلاميّ الّذي عليه أن يستعملها في جهة مصالح المسلمين العامّة. فالإمام عليه السلام في هذه الرّواية يُعرّف نفسه أنّه صاحب صفو المال، وكذلك الأنفال - الّتي هي أيضًا من متعلّقات الإمام - وبهذا البيان يوضّح أنّه هو الحاكم الحاليّ للمجتمع الإسلاميّ، وأنّه يجب أن تصل إليه كلّ هذه الأموال، وأن تكون بيده، وأن تُستعمل بحسب رأيه في مواردها الصحيحة.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 47، ص 58.
2- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 546.
 
 
 
 
228

192

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 3- تسمية الأئمة وتحديدُهم:

كان الإمام عليه السلام يُسمّي الأئمّةَ السّابقين واحدًا واحدًا، ويشهد على إمامتهم ولزوم طاعتهم واتّباعهم، وعندما يصل إلى اسمه يسكت. والّذين كانوا يسمعون حديث الإمام عليه السلام يعلمون جيّدًا أنّ ميراث العلم والحكومة بعد الإمام الباقر عليه السلام هو بيد الإمام الصّادق عليه السلام. وبهذا الإجراء يطرح حقّه في قيادة وحكومة المجتمع، مثلما أنّه يُبيّن بأسلوبٍ استدلاليّ علاقته واتّصاله بجدّه الأكبر عليّ بن أبي طالب1

ويُمكن أن نجد الكثير من الشّواهد، في أبواب كتاب الحجّة من الكافي، وكذلك في المجلّد السابع والأربعين من بحار الأنوار، على مثل هذا الحديث الّذي يُعلن فيه الإمام دعوى الإمامة بالتصريح أو الكناية.

المواجهة العلمية، وبعدها الحقيقيّ
لو حصل الاختلاف على تسمية فقه الشّيعة بالفقه الجعفريّ، أو وجدنا من ينكر النّشاط السّياسيّ للإمام عليه السلام أو يغضّ النّظر عنه، فإنّ جميع المسلمين متّفقون على أنّ الإمام الصّادق كان له أوسع الحوزات العلميّة والفقهيّة في زمانه، أو إحدى أوسعها في هذا المجال.

إنَّ الفقه والحديث والتّفسير قد انقسم إلى تيّارين عامّين منذ بدايات العصور الإسلاميّة: التيّار الأوّل هو المرتبط بأجهزة الحكم الغاصبة، والّذي كان في الكثير من الحالات يجعل الحقيقة فداءً لمصالح تلك الأجهزة، ويُحرّف أحكام الله لقاء أثمانٍ بخسة، والتيّار الآخر هو التيّار الأصيل والأمين الّذي ما كان ليُقدّم أيّ مصلحة على مصلحة تبيين الأحكام الإلهيّة الصحيحة، ومن الطّبيعيّ أن يكون في مواجهةٍ مباشرة مع أجهزة الحكم وفقهاء السّلطة مع كلّ خطوة يخطوها، ومنذ ذلك اليوم كان يتّخذ في أغلب الأوقات شكل العمل السرّيّ وغير الرسميّ.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص 186.
 
 
 
229

193

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 وبهذا الوعي يُمكن بوضوح أن نعلم أنّ الفقه الجعفريّ لم يكن مجرّد خلافٍ عقائديٍّ دينيٍّ بسيط مع فقه فقهاء ذلك الزّمان الرّسميين في زمان الإمام الصادق عليه السلام، بل كان هذا الخلاف في الوقت نفسه يحمل مضمونين للمواجهة: 

1- إثبات عدم تمتّع جهاز الحكم بالوعي الدينيّ والمعرفة: وعجزه عن إدارة الأمور الفكريّة للنّاس. وهذا في الواقع يعني عدم صلاحيّته للتصدّي لمقام الخلافة. 

2- تشخيص موارد التّحريف في الفقه الرّسميّ: والناشئ عن المصلحة والمنفعة للفقهاء في بيان الأحكام الفقهيّة، ومداراتهم لما يُمارسه ويرغب به أرباب السّلطة والحكم. 

فالإمام الصّادق، وبنشره لبساط العلم والمعارف الإسلاميّة، وتفسير القرآن بمنهجٍ مخالفٍ لمنهج علماء البلاط، يكون في الواقع العمليّ قد نهض لمعارضة ذلك الجهاز. فهو عليه السلام بهذه الوسيلة كان يُخطّئ جميع التشكيلات المذهبية والفقهية الرّسميّة، والّتي كانت تُعدّ ضلعًا مهمًّا لحكومة الخلفاء، ويعتبر جهاز الحكم خاويًا من ناحية البعد الدينيّ.

وفي مباحثات الإمام ووصاياه إلى أصحابه والمقرّبين، يُشاهَد بوضوحٍ استفادته من عامل "أن لا نصيب للخلفاء من العلم"، كدليل على أنّه لا يحقّ لهم الحكم بالمنظار الإسلاميّ، أي أنّ الإمام كان يطرح بصراحةٍ ذاك المضمون الاعتراضيّ الّذي كان موجودًا في تدريسه الفقه والقرآن.

ويُنقل في حديثٍ عنه: "نحن قومٌ فرض الله طاعتنا، وأنتم تأتمّون بمن لا يُعذرَ النّاسُ بجهالته"1، أي أنّ النّاس، وبسبب جهالة الحكّام والقادة غير المؤهّلين، ابتلوا بالانحراف والضّلالة، وسلكوا طريقًا غير طريق الله، وهم لذلك لا يمكنهم أن يكونوا معذورين عند الله، كأن يقولوا إنّنا أخطأنا في تشخيصنا الطريق، وهؤلاء الزعماء وقادتنا قد جرّونا إلى هذه الطريق بسبب الجهالة، لأنّ طاعة أمثال هؤلاء القادة هو بحدّ ذاته عملٌ خلافيّ ومعصية، فلا يمكن عندها تبرير المعاصي اللاحقة2.

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 186.
2- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص 88 - 95.
 
 
 
 
 
230

194

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 التشكيلات السرّيّة الأيديولوجية والسّياسيّة

1- ماهية التشكيلات ودورُها:
لقد أوجد الإمام الصادق عجل الله تعالى فرجه الشريف تشكيلات عظيمة من المؤمنين به ومن أتباع تيّار الحكومة العلويّة في مختلف أرجاء العالم الإسلاميّ، من أقصى خراسان وما وراء النّهر إلى شمال أفريقيا. فماذا تعني التشكيلات؟ إنّها تعني مجموعة من النّاس، ذوي هدفٍ مشترك، يقومون بأعمال ومسؤوليات مختلفة، بالارتباط بمركزٍ واحدٍ وقلبٍ نابض وعقلٍ حاكم، ويشعرون فيما بينهم بنوع من الرّوابط والإحساسات والمشاعر القريبة والمتآلفة.

فعندما يريد الإمام الصّادق عليه السلام أن يُعلم النّاس بأيّ شيءٍ، فإنّه يفعل ذلك من خلال وكلائه المتواجدين في مختلف آفاق العالم الإسلاميّ، ودور تلك التشكيلات أيضاً يكمن في جمع الحقوق الشّرعيّة والميزانيّة المطلوبة كلّها لإدارة مواجهة سياسيّة عظيمة لآل عليّ، فيرجع أتباع الإمام الصّادق عليه السلام إلى وكلائه وممثّليه المتواجدين في جميع المدن لمعرفة تكليفهم الدينيّ والسياسيّ من الإمام. 

التكليف السياسيّ هو كالتكليف الدينيّ من حيث الوجوب، فإنّ الفتوى الدينيّة والإسلاميّة في باب الصلاة والزكاة والصيام وباقي الواجبات لذاك الّذي يكون بالنسبة لنا واجب الطّاعة ووليّ الأمر، لا تختلف عن فتواه وأوامره السياسيّة في مجال الجهاد والعلاقات السّياسيّة والعلاقات الداخلية وجميع القضايا، فكلّ ذلك يجب تنفيذه. لقد أوجد الإمام الصادق عليه السلام مثل هذه التشكيلات العظيمة، وبهذه التشكيلات، وبمساعدة من كان داخلًا فيها من النّاس، كان (الإمام) يواجه جهاز بني أميّة وبني العباس. 

2- الاستدلال على وجود التشكيلات الشيعيّة:
من أجل إثبات وجود مثل هذه التشكيلات، لا يمكن ولا ينبغي أن نتوقّع وجود ذلك صراحةً في الوثائق. لا ينبغي توقّع أن يعترف أحد الأئمّة أو أحد أصحابهم المقرّبين، بصراحة، بوجود تشكيلات سياسيّة فكريّة شيعيّة، فمثل هذ الشّيء لا يمكن الاعتراف به. ففي حال جاء
 
 
 
 
 
231

195

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 يومٌ واطّلع العدوّ على وجود مثل هذه التشكيلات، وسأل الإمامَ عليه السلام أو أحد أصحابه حوله، فإنّ التّوقّع المعقول هو التنكّر التامّ لوجود مثل هذا الشّيء، بل ينبغي اعتبار ذلك ظنًّا سيّئًا، أو تهمةً باطلة. فمثل هذا الأمر هو من الخصائص الدّائمة للعمل السّرّيّ1.


وبالتأمل في الكثير من الروايات الشريفة، نجد دلالة على وجود الشّبكة التبليغيّة الواسعة للإمام عليه السلام في كلّ أنحاء الدّولة الإسلاميّة، وهذا الأمر يجعل وجود مثل هذه الشّبكة أمرًا مسلَّمًا. هذه الشّواهد، من الكثرة والثّبوت بحيث إنّه لو لم يكن هناك حديثٌ واحدٌ صريح، فإنّ ذلك لا يخدش بحتميّة الموضوع. فمن يُطالع حياة الأئمّة عليهم السلام غير المدوّنة، يتساءل في نفسه: ألم يكن لأئمّة الشّيعة في نهايات عصر بني أمّية دعاة ومبلّغين في أطراف وأكناف الدولة الإسلاميّة، يبلّغون بإمامتهم ويأخذون من النّاس الطاعة والدّعم لهم؟ في هذه الحالة، كيف يمكن تفسير هذه العلائم والرّوابط التّنظيميّة الّتي تُشاهَد بوضوح، والّتي تظهر في العلاقات الماليّة والفكريّة، بين الأئمّة والشّيعة؟ فما معنى حمل هذه الحقوق الشّرعيّة والأموال من مختلف أطراف العالم إلى المدينة؟ وكلّ هذه الأسئلة حول القضايا الدينيّة؟ وهذه الدّعوة الواسعة المنتشرة للتشيّع؟ وأيضًا هذا الشّرف والمحبوبيّة الّتي لا نظير لها، لآل عليٍّ في مناطق مهمّة من الدّولة الإسلاميّة؟ وهذا الجمع الغفير من المحدّثين والرواة الخراسانيين والسيستانيين والكوفيين والبصريين واليمانيين والمصريين الّذين اجتمعوا حول الإمام عليه السلام؟ فأيّة يدٍ مقتدرة أوجدت كلّ هؤلاء؟ فهل يمكن أن نعتبر الصّدفة أو الحدث التلقائيّ عاملًا أساسًا وراء كلّ هذه الظّواهر المنسجمة والمترابطة؟

فمع وجود كلّ هذا الإعلام المخالف، الّذي كان يُبَثّ من جانب الأبواق الهائلة لنظام الخلافة الأمويّة، إلى مختلف المناطق، ويذكر اسم عليّ بن أبي طالب كأكثر الوجوه الإسلاميّة المدانة، وذلك على المنابر، وفي الخُطب، فهل يمكن، ومن دون وجود شبكة إعلاميّة قويّة، أن يصبح آل عليٍّ بمثل هذه المحبوبيّة والجاذبيّة في تلك المناطق البعيدة والمجهولة، بحيث
 

1- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص96 - 97.
 
 
232

196

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 يطوي أولئك النّاس كلّ هذه المسافات الواسعة، ويأتون إلى الحجاز والمدينة لمجرّد اللقاء والاستفادة، وعرض المحبّة والعلقة، ويتلقّون معارف الدين، الّتي هي بحسب عقيدة الشّيعة كالسياسة والحكومة، ويطلبون في بعض الموارد، لفقدانهم الصبر، الإقدام على التحرّك العسكريّ، وبحسب لسان الرّوايات القيام والخروج؟! فلو كان سلاح الشّيعة منحصرًا في إثبات علم الأئمّة وزهدهم، فماذا سيكون معنى المطالبة بالثورة العسكريّة؟!


من الممكن أن يُسأل أنّه لو كان هناك مثل هذه الشّبكة الإعلاميّة الوسيعة والفعّالة، فلماذا لا يوجد ذكرٌ لها في التّاريخ، أو لماذا لا يُنقل ما يتعلّق بوقائعها بصراحة؟ والجواب، وباختصار، هو أنّه يجب البحث أوّلًا عن سبب عدم هذا الظّهور في البداية، في تمسّك أصحاب الإمام عليه السلام الشّديد بأصل التقيّة المُعتبر والراقي، والّذي يمنع نفوذ أيّ دخيل إلى تشكيلات الإمام عليه السلام، ويؤدّي في النهاية إلى فشل جهاد الشّيعة في هذه المرحلة، وعدم وصولهم إلى السّلطة، والّذي هو أيضاً بذاته معلولاً لعوامل عدّة. لو لم يصل العبّاسيّون إلى السّلطة، لبقيت مساعيهم ونشاطاتهم السرّية وذكرياتهم المرّة والحلوة من نشاطاتهم الإعلاميّة، بلا شك، في الصدور، ولما عرف أيّ أحدٍ شيئاً عنهم، ولما سجّلها التاريخ1.

فالتشكيلات السرّيّة الشيعية كانت على مدى حياة الأئمة جميعاً عليهم السلام، لم يكن يُطلق اسم الشّيعة في الثّقافة الشيعيّة، وكذلك في الفهم والإدراك والذهنيّة غير الشيعيّة في القرون الأولى للإسلام، وفي زمان الأئمّة عليهم السلام، لم يكن يُطلق على الشخص الّذي يكتفي بمحبّة عترة النبيّ، أو يعتقد فقط بحقّانيّتهم وصدق دعوتهم - وإن لم يكونوا يشاركون في دائرة النّشاط والتحرّك الّذي كان الإمام مركزه ومحوره - بل بالإضافة إلى ذلك، كان التشيّع يحمل شرطًا أساسًا وحتميًّا هو عبارة عن: "الارتباط الفكريّ والعمليّ مع الإمام، والمشاركة في الأنشطة الّتي كان يبادر إليها الإمام، ويقودها نحو استرجاع الحقّ المغصوب، وتشكيل النّظام العلويّ والإسلاميّ على المستويات الفكريّة والسّياسيّة كافة، وأحياناً العسكريّة".
 

1- الإمام الخامنئي دام ظله، قيادة الإمام الصادق عليه السلام، ص 74- 80.
 
 
 
 
 
233

197

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 هذا الارتباط هو ذاك الّذي يُسمّى في الثقافة الشّيعيّة بـ "الولاية". في الواقع، إنّ التشيّع كان عنوانًا لحزب الإمامة، حزبٌ يقوم بنشاطات معيّنة بقيادة الإمام، ومثل كلّ الأحزاب والمنظّمات المعارضة في عصور القمع، يتحرّك بالتقيّة والاستتار، هذه عصارة النّظر الدّقيق إلى حياة الأئمّة، وخصوصًا الإمام الصادق عليه السلام. ومثلما قلنا سابقًا، إنّ هذا ليس بالأمر الّذي يمكن الجلوس وانتظار الأدلّة الصّريحة لإثباته، لماذا؟ لأنّه لا ينبغي ولا يمكن أن نتوقّع أبدًا أن يُكتب على بيتٍ سرّيّ يافطة: هذا منزلٌ سرّيّ. هذا، وإن لم يكن اعتبار وجوده مسلّمًا من دون القرائن الحتميّة، فمن الجدير عندئذٍ أن نذهب للبحث عن القرائن والشواهد والإشارات1. وينبغي التبحّر في حياة الأئمة بالدقّة والتأمّل تنبئ عن أحداثٍ سرّيةٍ كثيرة. لو أنّنا نظرنا من هذا المنظار إلى كلّ مرحلة حياة الأئمّة الّتي استغرقت قرنين ونصف، فسوف يصبح مسلّمًا تقريبًا، وجود مثل هذه التشكيلات السرّيّة الّتي تعمل تحت إمرة الأئمّة.

 


1- م. ن، ص 97 - 107.

 

 

 

 

234


198

الدرس السابع عشر: الإمام الصادق عليه السلام (2) الدعوة الى الإمامة وبناء التشكيلات السريَّة

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ ما كان يُشكّل بيت القصيد لدعوة الإمام الصّادق عليه السلام، كغيره من أئمّة الشّيعة الآخرين، هو موضوع الإمامة.

2- لأجل تحقيق هذا الهدف، عمد الإمام الصادق عليه السلام إلى ربط إمامته وسلالته بالقناة الموثوقة والثابتة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

3- استفاد الإمام الصادق عليه السلام من المناسبات الدينية المختلفة التي يجتمع فيها أكبر قدر ممكن من الناس، كيوم عرفة، من أجل تعريف الناس إلى سلالته، وارتباطتها بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

4- صرّح الإمام الصادق عليه السلام بأسماء الأئمة، وحدّدهم بالاسم، وبيّن للناس حقوقهم وواجباتهم على الأمّة، ووجوب الطاعة لهم.

5- من الأدوار والوظائف الأساس لحركة الإمام الصادق عليه السلام الجهادية، حركتُه العلميّة الهادرة والقوية في المجتمع الإسلاميّ.

6- تصدّى الإمام الصادق عليه السلام، مضافاً إلى النشاط السياسيّ، للشأن العلميّ على اختلافه، فقهاً وحديثاً وتفسيراً، وغيرها من المجالات.

7- هدفُ الإمام الصادق عليه السلام من حراكه العلميّ والمعرفيّ إثباتُ عدم أهلية النظام وأتباعه من الناحية العلميّة، وخصوصاً الفقهية.

8- من نتائج الحراك العمليّ والفكريّ للإمام الصادق عليه السلام، تشكّلت مجموعات سياسية وعقائدية في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ. 

9- هذه المجموعات السياسية والعقائدية كان طابعها سرّياً، ولم تكن علنية، وعُرفت في التاريخ باسم التشكيلات السرية. وعند التأمّل في الروايات الشريفة، نجد دلالة واضحة على هذه الشبكات التبليغية في العالم الإسلاميّ كلّه.
 
 
 
 
235

199

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الظروف التاريخيّة التي عاصرت إمامة الإمام الكاظم عليه السلام.
2- يشـرح الأهـداف الأساس لحركة الإمام الكاظم عليه السلام الجهادية.
3- يتعرّف إلى المسيرة الجهادية للإمام الكاظم عليه السلام في زمن الخلافاء العباسيين: المنصور، والمهديّ، والهادي.
 
 
 
 
237

200

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 الظروف السياسيَّة لمرحلة الامام الكاظم

إنَّ المقطع الزّمانيّ الممتدّ لـ 35 سنة - من العام 148 للهجرة إلى 183 - هو مرحلة إمامة الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، يُعدّ أهم (مقطع) في مسيرة حياة الأئمّة عليهم السلام. ففيه حَكَمَ اثنان من أكثر سلاطين بني العبّاس اقتدارًا المنصور وهارو، واثنان من أكثرهم تجبّرًا المهديّ والهادي. والمنصور العبّاسيّ، امتدّ حكمه لعشر سنوات، من بداية إمامة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ثمّ جاء ابنه المهديّ من بعده وحكم لعشر سنوات أيضًا. ومن بعد المهديّ، جاء الهادي العبّاسيّ ليحكم سنةً واحدة، ومن بعده هارون الرّشيد الّذي حكم لمدّة 12 سنة تقريبًا. وقد كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام مشغولًا بالتّبليغ والدّعوة إلى الإمامة. وكلّ واحد من هؤلاء الخلفاء الأربعة، ضايق موسى بن جعفر عليه السلام وضغط عليه.

وفي مرحلة استلام الامام الكاظم إمامته، كان قد تمّ القضاء على الكثير من الثّورات والانتفاضات في خراسان وأفريقيا وجزيرة الموصل والديلم وجرجان والشّام ونصيبين ومصر وآذربايجان وأرمينيا وغيرها من الأقطار، وتطويعها. وفي نواحي الشّرق والغرب والشّمال، من النّطاق الإسلاميّ الوسيع، أُضيفت فتوحات جديدة وأموال وغنائم وافرة، فزادت من قدرة عرش العبّاسيين واستحكامهم.

وكانت أوضاع بني العبّاس قد استتبّت، بعد فراغهم من الصّراعات والخلافات والحروب الّتي كانت دائرة فيما بينهم في بداية حكمهم. فقد قضوا على التّهديد الكبير لخلافتهم والّذي كان يجيء من شخصيّات وجيهة كبني الحسن - محمّد بن عبد الله بن الحسن، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وبقية أولاد الإمام الحسن الّذين كانوا من أشدّ النّاس عداءً ونقمةً على بني العبّاس - حيث قتل العبّاسيّون عددًا كبيرًا من رؤسائهم ووجهائهم، وتبيّن
 
 
 
 
 
239

201

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 هذا الأمر بعد فتح الأسطوانات والأنبار عند موت المنصور العبّاسيّ، حيث وجدوا فيها عددًا كبيرًا من الشّخصيّات والأفراد المقتولين الّذين رُميت أجسادهم وظهرت هياكلهم العظمية أيضًا. فلقد قتل المنصور من الشخصيّات المشهورة والمعروفة من بني الحسن وبني هاشم من أقاربه ومن الّذين كان يُعدّون من المقرّبين لهم، بحيث إنّه بنى لذلك مخازن خاصّة. وبعد أن فرغ من كلّ هؤلاء، وصل الأمر إلى الإمام الصادق عليه السلام، فقتله بالسمّ غِيلةً، ولم يعد في أجواء الحياة السّياسيّة للعبّاسيين أيّ غبارٍ. في مثل هذه الظّروف الّتي كان يتمتّع فيها المنصور بأوج السّلطة الظّاهريّة والقدرة، جاء دور خلافة موسى بن جعفر عليه السلام، الّذي كان شابًّا في مقتبل العمر، وكان يخضع لكلّ هذه الرّقابة. وكان الأمر بحيث إنّ الّذين كانوا يريدون أن يعرفوا إلى من يرجعون بعد الإمام الصادق عليه السلام، كانوا يجدون صعوبة بالغة في شقّ الطّريق والوصول إلى موسى بن جعفر عليه السلام. وكان موسى بن جعفر عليه السلام يوصيهم بالحذر، لأنّه لو عُرف أنّهم قد سمعوا منه وأخذوا من تعاليمه وارتبطوا به، سيكون مصيره الذبح. ففي مثل تلك الظّروف، وصل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام إلى الإمامة، وبدأ جهاده.


الوضع الفكريّ والعقائديّ للمجتمع الإسلاميّ
لقد وصلت بعض التيّارات الفكريّة والعقائديّة في هذه المرحلة إلى أوجها، وتولّد بعضها وخلق جوًّا فكريًّا مليئًا بالشّبهات، وسلّم الحربة لأصحاب السّلطة، وأضحى هناك آفة في الوعي الإسلاميّ والسّياسيّ للنّاس، وضُيّقت السّاحة على أعلام مجال المعارف الإسلاميّة الأصيلة، وأصحاب الدعوة العلويّة، وصُعّب عليهم الأمر.

وأصبح الشعر والفنّ والفقه والحديث، وحتّى الزّهد والورع، في خدمة أصحاب السّلطة، وأكمل لهم أدوات الهيمنة والتسلّط. في هذا العصر، لم يعُد الوضع كما كان عليه في نهاية عصر بني أميّة، ولا كان شبيهًا بالسّنوات العشر الأولى لحكم العبّاسيين، ولا شبيهًا بمرحلة ما بعد هلاك هارون، حيث كان كلٌّ منها يُشكّل تهديدًا للحكومة المتسلّطة في تلك الأزمنة، فأيّ تهديدٍ جدّيّ، ما كان ليزلزل جهاز الحكومة، وما كان ليجعل الحاكم في هذا المقطع الزمنيّ، غافلًا عن التيّار العميق والمستمرّ لدعوة أهل البيت عليهم السلام.
 
 
 
 
240

202

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 كيف نقرأ سيرة حياة الإمام الكاظم عليه السلام؟

عندما قام المحقّقون والمتعمّقون في التّاريخ الإسلاميّ، بتتبّع ودراسة حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، فإنّهم لم يُخصّصوا القدر اللازم من الالتفات والانتباه لتلك الحادثة العظيمة، والّتي لا نظير لها، وهي "مدّة السّجن الطّويلة" لهذا الإمام الهُمام، ولهذا كانت النتيجة أن غفلوا عن جهاده الخطير..

وفي سيرة حياة هذا الإمام العالي المقام عليه السلام، فإنّ الحديث عن الوقائع المختلفة وغير المترابطة فيما بينها، والتّأكيد على المقام العلميّ والمعنويّ والمقدّس لسليل النبوّة، ونقل قضايا آل بيته وأصحابه وتلامذته، ومناظراته العلميّة والكلاميّة وأمثالها، من دون التوجّه إلى خطّ الجهاد المستمرّ الّذي شمل مدّة إمامته المباركة الممتدّة لـ 35 سنة، كلّ ذلك يبقى ناقصاً وغير تامّ. فبشرح وتبيين هذا الخطّ، الّذي يربط جميع أجزاء هذه الحياة المليئة بالبركة فيما بينها، وبتقديم صورة واضحة ومتكاملة وهادفة فيها، تتّضح معاني كلّ ظاهرة أو حادثة أو حركة.

فلماذا يقول الإمام الصادق عليه السلام للمفضّل: لا تُخبر أحدًا عن أمر إمامة هذا الفتى إلا لمن تثق بهم؟ ولماذا يقول لعبد الرحمن بن الحجّاج تلميحًا لا تصريحًا: هل كان الدّرع على مقاسه؟ ولماذا يُعرّفه على شيعته المقرّبين، كصفوان الجمّال، بالعلامة والصّفة؟ ولماذا في نهاية الأمر، يذكر في وصيّته اسم ابنه كوصيّ له، بعد ذكر أربعة أسماء، أوّلهم المنصور العبّاسيّ، ومن ثمّ حاكم المدينة، ومن ثمّ امرأتان، بحيث إنّ جمعًا من كبار الشّيعة لا يعرفون بعد ارتحاله، أنّ خليفته هو هذا الفتى ابن العشرين سنة؟ ولماذا في حديثه مع هارون الّذي خاطبه قائلًا: "خليفتان يجيء إليهما الخراج" يتنكّر ويلاطف، في حين أنّه في بداية خطابه لذلك الرجل الزاهد صاحب الكلمة النافذة المدعوّ حسن بن عبد الله، ينجرّ الحديث إلى معرفة الإمام، ويعرّفه بعنوان الإمام المفتَرض الطاعة، أي صاحب المقام الّذي كان في ذلك اليوم الخليفة العبّاسيّ قابضًا عليه؟؟

ولماذا يأمر علي بن يقطين - الّذي كان صاحب منصبٍ رفيعٍ في جهاز هارون، وهو من محبّي الإمام عليه السلام - بالعمل بالتقيّة، لكنّه يوبّخ صفوان الجمّال على خدمته في ذلك
 
 
 
 
241

203

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 الجهاز نفسه، ويدعوه إلى قطع علاقته مع الخليفة؟ وكيف، وبأيّ وسيلة يوجِد تلك العلقة والرابطة على امتداد انتشار الإسلام بين أتباعه وبين شيعته فتمتدّ تلك الشبكة إلى الصّين؟ لماذا يعزم كلّ من المنصور والمهديّ وهارون، والهادي في مرحلة حكمه، على قتله وحبسه ونفيه؟ لماذا - كما يُعلم من بعض الروايات - يتخفّى الإمام عليه السلام في مدّةٍ من الزمن أثناء هذه الـ 35 سنة، ويلجأ إلى بعض قرى الشام أو مناطق طبرستان، فتتمّ ملاحقته من قِبَل خليفة ذلك الزّمان، ويوصي أتباعه بالتنكّر له، وعدم معرفته فيما لو سألهم الخليفة عنه؟


لماذا يقوم هارون في موسم الحجّ بتجليله إلى أعلى حدّ، وفي حجٍّ آخر يأمر بحبسه ونفيه؟ ولماذا يقوم الإمام عليه السلام ببيان حدّ فدك الّذي يشمل كلّ العالم الإسلاميّ المترامي، في بداية خلافة هارون، عندما انتهج أسلوب اللين والصّفح، وحرّر العلويّين من السّجون، إلى الدرجة الّتي كان يُجيبه الخليفة معترضًا: إذًا، قم واجلس مكاني؟ ولماذا يتبدّل سلوك هذا الخليفة الليّن بعد عدّة سنوات إلى الشدّة والعنف حتّى أمر بحبس الإمام عليه السلام، وبعدها بسنوات لم يعد يتحمّل وجوده في السجن، فيأمر بقتله بالسمّ وارتكاب تلك الجريمة؟

هذه ومئات الأحداث الملفتة والمليئة بالمضمون، والّتي بحسب الظاهر غير مترابطة ومتناقضة أحيانًا فيما بينها، تصبح في حياة موسى بن جعفر عليه السلام ذات معنى وارتباط عندما نشاهد تلك السّلسلة المستمرّة منذ بداية إمامته وإلى لحظة شهادته. وهذه السّلسلة هي خطّ جهاد ومواجهة الأئمّة عليهم السلام، والّذي استمرّ طيلة 250 سنة، وبأشكالٍ مختلفة.

أهداف الإمام الكاظم عليه السلام
لقد أوقف الإمام موسى بن جعفر عليه السلام كلّ حياته لهذا الجهاد المقدَّس، وكان تعليمه وفقهه وحديثه وتقيّته وتربيته كلّها في هذا الاتّجاه. بالطّبع، كان لزمانه خصائصه، لهذا كان جهاده أيضًا متناسبًا مع مقتضيات زمانه، مثلما كان الأمر بالنسبة للأئمّة الثّمانية من زمن الإمام السجّاد عليه السلام إلى زمن الإمام العسكريّ، حيث كان لكلّ واحدٍ أو لمجموعة منهم خصائص في زمانه، وبتبع ذلك في جهاده.

لقد كانت حياة موسى بن جعفر عليه السلام حياةً مدهشة وعجيبة. ففي حياته الخاصّة ، كانت أهداف تحرك الإمام أمراً واضحًا بالنّسبة للمقرّبين،
 
 
 
 
 
242

204

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 فلم يكن أيٌّ من هؤلاء المقرّبين والخواصّ من الأصحاب من لا يعلم بالهدف من وراء جهاده، وكان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام نفسُه يُصرّح بهذا في كلماته وإشاراته وأعماله الرّمزيّة لغيرهم أيضًا. حتّى في محلّ إقامته، تلك الغرفة الخاصّة الّتي كان يستقرّ فيها، كان الأمر بحيث إنّ الراوي الّذي كان من المقرّبين من الإمام عليه السلام يقول: لقد دخلتُ ورأيتُ في غرفة موسى بن جعفر ثلاثة أشياء، أحدها لباسٌ خشن بعيدٌ كلّ البعد عن الوضع السّائد المرفّه العاديّ، أي بحسب مصطلح اليوم، يمكن الفهم ويمكن القول إنّه لباس حربٍ. لقد وضع موسى بن جعفر هذا اللباس ولم يلبسه، وضعه بصورة شيءٍ رمزيّ، و"سيفٌ معلّق"، أي إمّا أن يكون متدلّيًا من السّقف، أو معلّقًا بالجدار، و"المصحف"، أي القرآن. فانظروا أيّ رمزٍ هذا، وأيّ إشارةٍ جميلة، حيث نُشاهد في غرفته الخاصّة الّتي لا يدخلها سوى أصحابه الخواصّ، علامات ومؤشّرات رجلٍ يملكُ عقيدة جهاديّة واضحة. والسّيف الموجود كان يُشير إلى أنّ الهدف هو الجهاد، واللباس الخشن يُشير إلى الوسيلة، وهي الحياة الخشنة القتاليّة والثوريّة، والقرآن يُشير إلى أنّ الهدف هو أنّنا نريد الوصول إلى حياة القرآن بهذه الوسائل وهذه الصّعاب الّتي نتحمّلها. أمّا أعداء هذا الإمام عليه السلام فكانوا يشعرون بهذه الأمور.


لقد كانت أهداف الإمام الكاظم واضحة المعالم، لأنَّها ممتدة من خطّ جهاد آبائه الأئمة عليهم السلام، وهي:
1- تبيين الإسلام الأصيل والتّفسير الصحيح للقرآن: وتقديم صورة واضحة عن المعالم الإسلاميّة. 
2- تبيين قضيّة الإمامة: والحاكميّة السّياسيّة في المجتمع الإسلاميّ. 
3- السّعي من أجل تشكيل الحكومة الإسلاميَّة: والمجتمع الإسلاميّ، وتحقيق هدف نبيّ الإسلام المعظَّم، وجميع الأنبياء، أي إقامة القسط والعدل، وعزل أنداد الله عن ساحة الحكومة، وإيداع زمام إدارة الحياة إلى خلفاء الله وعباده الصالحين. 

المسيرة الجهاديَّة للإمام الكاظم عليه السلام
كيف بدأ موسى بن جعفر جهاده عندما وصل إلى الإمامة؟ وماذا فعل؟ ومن جمع؟ وأين ذهب؟ وأيّ أحداثٍ جرت عليه طيلة هذه الـ 35 سنة؟ للأسف، ليس هنالك جوابٌ واضح.
 
 
 
 
243

205

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 فلا يوجد في يد أحد سيرةٌ منظَّمة ومدوَّنة عن هذه المرحلة الممتدّة على 35 سنة. لكن هناك أشياءٌ وحوادث متفرّقة وقعت في حياة الإمام الكاظم يُمكن أن نفهم من مجموعها أموراً كثيرة. وأبرز هذه الأحداث أنّ هناك أربعة خلفاء حكموا في هذه السنوات الـ 35 من عهد إمامة موسى بن جعفر عليه السلام. قاموا بالتضييق على الإمام وأتباعه, وصولاً إلى سجنه ونفيه وقتله.


في زمن المنصور
كان المنصور قد استدعى الإمام عليه السلام بمعنى أنّه قد نفاه أو أحضره جبراً إلى بغداد. وكم امتدّت هذه الحالة؟ ليس معلومًا. وذات مرّة أحضروا الإمام في زمان المنصور إلى منطقةٍ في العراق تُدعى أبجر، حيث نفوه لمدّةٍ ما. يقول الراوي: وصلت إلى هناك، إلى محضر موسى بن جعفر عليه السلام، في ظلّ تلك الأحداث، وكان الإمام يقول كذا ويفعل كذا.

1- في زمن المهديّ العبّاسيّ:
أُحضر الإمام عليه السلام مرّة واحدة على الأقلّ من المدينة إلى بغداد. يقول الراوي: كُنتُ في الطّريق التي سلكها موسى بن جعفر، في المرّة الأولى التي كانوا يحضرونه فيها إلى بغداد ـ فيُعلم من هذا التّعبير أنّ الإمام عليه السلام كان قد أُحضر عدّة مرّات إلى بغداد، ويحتمل أن يكون قد حصل ذلك مرّتين أو ثلاث في زمن المهديّ ـ فوصلتُ إلى الإمام عليه السلام وتأسّفت وحزنت. فقال لي الإمام: كلّا، لا تغتمّ، فسأرجع من هذا السفر سالمًا، ولن يتمكّن هؤلاء من إلحاق أيّ ضررٍ بي. هذا كان في زمان المهديّ.

2- في زمن الهادي العبّاسيّ: 
أرادوا إحضار الإمام لقتله، فحزن أحد الفقهاء المحيطين بالهادي العبّاسيّ، وتألّم قلبه عندما رأى ابن النبيّ يُفعل به هذا، فتوسّط للهادي العبّاسيّ، فانصرف عن قتله. وفي زمن هارون أيضًا، كانوا قد أحضروا الإمام عليه السلام إلى بغداد، لمدّة طويلة، وعلى عدّة مراحل، حيث أحتمل أيضًا أنّه تمّ إبعاد الإمام عن المدينة أكثر من مرّة، ولكنّ القدر المتيقّن هو أنّه تمّ إحضاره مرّة واحدة، وحُبس في أماكن مختلفة، كانت بغداد واحدة منها، كما وُضع في سجون متعدّدة أيضاً، كان آخرها سجن السنديّ بن شاهك حيث استُشهد عليه السلام.
 
 
 
 
 
244

206

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 لقد تم إحضار الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عدّة مرّات، على امتداد هذه السنوات الـ 34 أو 35، أثناء انشغاله بالدعوة إلى الإمامة، والقيام بالتكليف. علاوة على ذلك، فإنّ خلفاء عصره كانوا قد تآمروا عدّة مرّات على قتله. فبمجرّد أن وصل المهديّ العبّاسيّ ابن المنصور إلى الحكومة، حتّى قال لوزيره أو حاجبه الرّبيع إنّه عليك أن تعدّ العدّة لقتل موسى بن جعفر عليه السلام والقضاء عليه، حيث كان يشعر أنّ الخطر الأساس كان يأتي من جانب موسى بن جعفر عليه السلام. وكان الهادي العبّاسيّ، كما ذكرت، قد عزم في بداية حكومته على قتل الإمام عليه السلام، حتّى أنّه أنشد شعرًا، قائلًا: لقد ولّى الزمان الّذي نعامل فيه بني هاشم باللين، ونستسهلّ أمرهم، وإنّني عازمٌ وحازمٌ على ألّا أُبقي منهم أحداً، وأوّل من سأقضي عليه هو موسى بن جعفر. 


وفيما بعد، أراد هارون الرّشيد أن يقوم بالأمر نفسه، وقد فعل وارتكب هذه الجريمة الكبرى. فأيّ حياةٍ مليئة بالأحداث مرّت على موسى بن جعفر عليه السلام!

3- التخفّي من السلطات وأعوانها:
من المؤكَّد أنّ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام كان يعيش في مرحلة ما من حياته متخفّيًا، ولم يكن معلومًا أين كان يستتر. وفي ذلك الزّمان، كان الخليفة يستدعي من وقتٍ لآخر أفرادًا، ويُحقّق معهم حول إذا ما كانوا قد رأوا موسى بن جعفر عليه السلام، ويسألهم عن مكانه. وكانوا هم يُصرّحون بأنّهم لم يُشاهدوه، حتّى أنّ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام - كما جاء في رواية - كان قد أخبر أحد هؤلاء بأنّهم سيرسلون في طلبك ويسألونك أين رأيت موسى بن جعفر، فأنكِر ذلك تمامًا وقل إنّني لم أره. وهذا ما حصل بالفعل، فقد جاؤوا به وسجنوه من أجل أن يسألوه عن مكان موسى بن جعفر.

كان الإمام يقوم ببيان الأحكام والمعارف الإسلاميّة، ولا يتدخّل بالحكومة أو يُمارس المواجهة السّياسيّة، ووضعوه تحت مثل هذه الضغوط. وفي إحدى الرّوايات ورد بأنّ موسى بن جعفر كان يتخفّى في قرى الشّام، "دخل موسى بن جعفر عليه السلام بعض قرى الشّام هاربًا متنكّراً، فوقع في غار"1.
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 48، ص 105.
 
 
 
245

207

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 وقد رُوي في حديثٍ أنّ موسى بن جعفر لم يكن في المدينة لمدّة من الزّمن، وكان يُلاحَق في قرى الشّام من قِبَل الأجهزة الحاكمة، حيث كانت تُرسل الجواسيس في أثره، وتلاحقه من هذه القرية إلى تلك القرية، في لباس مختلف وغير معروف، إلى أن وصل الإمام عليه السلام إلى غارٍ ودخله، فوجد فيه نصرانيًّا، فراح الإمام يتباحث معه. فحتى في مثل هذا الوقت، لم يكن الإمام عليه السلام غافلًا عن تكليفه الإلهيّ في بيان الحقيقة، فيتحدّث مع ذلك النصرانيّ، ويُسلم النصرانيّ.

 

 

 

246


208

الدرس الثامن عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (1) البيئة العامة والظروف المحيطة

 المفاهيم الرئيسة


1- مرحلة إمامة الإمام الكاظم عليه السلام تُعدّ أهم مرحلة في مسيرة حياة الأئمّة عليهم السلام، فيها حَكَمَ اثنان من أكثر سلاطين بني العبّاس اقتدارًا: المنصور وهارون، واثنان من أكثرهم تجبّرًا: المهديّ والهادي.

2- في مرحلة استلام الإمام الكاظم إمامته، كان قد تمّ القضاء على الكثير من الثّورات والانتفاضات على صعيد العالم الإسلاميّ الواسع، واستتبّ لهم الحكم.

3- قتل المنصور العديد من الشخصيّات المشهورة والمعروفة من بني الحسن وبني هاشم من أقاربه. وبعد أن فرغ من هؤلاء كلّهم، وصل الأمر إلى الإمام الصادق عليه السلام، فقتله بالسمّ غِيلةً، ولم يعد في أجواء الحياة السّياسيّة للعبّاسيين أيّ غبارٍ.

4- لقد وصلت بعض التيّارات الفكريّة والعقائديّة في هذه المرحلة إلى أوجها، وتولّد بعضها وخلق جوًّا فكريًّا مليئًا بالشّبهات، وسلّم الحربة أصحابَ السّلطة، وأضحى هناك آفة في الوعي الإسلاميّ والسّياسيّ للنّاس.

5- المحقّقون في التاريخ الإسلاميّ عندما درسوا حياة الإمام الكاظم عليه السلام غفلوا عن فترة سجنه الطويلة وما صاحبها من حركة جهادية هادرية وقوية أدّت لاحقاً إلى شهادته.

6- لقد أوقف الإمام الكاظم عليه السلام حياته كلّها للجهاد المقدَّس، وكان تعليمه وفقهه وحديثه وتقيّته وتربيته كلّها في هذا الاتّجاه. بالطّبع، كان لزمانه خصائصه، لهذا كان جهاده أيضًا متناسبًا مع مقتضيات زمانه.

7- يمكن اختصار أهداف حركة الإمام الكاظم الجهادية بـأربعة أمور هي: تبيين الإسلام الأصيل، التفسير الصحيح للقرآن، بيان قضية الإمامة بشكل حقيقيّ وعادل، والسعي لإقامة الحكومة الإسلامية.

8- كان الإمام الكاظم عليه السلام يعيش في مرحلةٍ ما من حياته متخفّيًا، ولم يكن معلومًا أين كان يستتر. وفي ذلك الزّمان، كان الخليفة يستدعي، من وقتٍ إلى آخر أفرادًا، ويُحقّق معهم حول إذا ما كانوا قد رأوا موسى بن جعفر عليه السلام، ويسألهم عن مكانه.
 
 
 
 
 
247

209

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الأبعاد المختلفة لمسيرة الإمام الكاظم عليه السلام الجهادية.
2- يبيّن دور التشكيلات السريّة والتقيّة في تحقيق الأهداف الكبرى للإمام عليه السلام.
3- يتعرّف إلى جهاد الإمام الكاظم عليه السلام في مواجهة الحاكم.
 
 
 
 
 
 
249

210

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 الإمام الكاظم عليه السلام، والتشكيلات السريَّة

كانت حياة موسى بن جعفر عليه السلام حياةً مليئة بالأحداث. قد يظنّ بعضٌ أنّ موسى بن جعفر عليه السلام هو مجرّد شخص مظلوم، يعيش حياةً هادئةً ومرفَّهة في المدينة، فيأتي عمّال الخليفة إليه ويأخذونه إلى بغداد أو إلى الكوفة أو إلى البصرة، لحبسه وتسميمه فيما بعد، فيُستشهد، وتنتهي الأمور. لم تكن القضيّة هكذا، بل كانت عبارة عن جهادٍ طويلٍ ومواجهة منظَّمة تحوي الكثير من الأفراد. وكان لموسى بن جعفر أتباعٌ يُحبّونه في أرجاء العالم الإسلاميّ جميعه. وفي بعض الروايات نجد إشارات واضحة عن وجود تلك التشكيلات السرّيّة، ومنها:
في ذلك الزّمان، نجد ابن عمّه السيّئَ الذكر، والّذي كان من الأشخاص التابعين للجهاز الحاكم، يقول لهارون بشأن موسى بن جعفر عليه السلام هذه الجملة: "خليفتان يجيئ إليهما الخراج"1، وكأنه يريد أن يقول لهارون: لا تتصوّر أنّك الخليفة الوحيد على هذه الأرض وداخل المجتمع الإسلاميّ، وأنّك والوحيد الّذي تُجبى إليه الخراج، بل يوجد خليفتان: أحدهما أنت، والآخر هو موسى بن جعفر عليه السلام، فكما أنّ النّاس يُعطونك الخِراج، فإنّهم يُعطونه كذلك لموسى بن جعفر عليه السلام. وقد أراد بهذا الخبث السعاية في الإمام، ولكنّه كان يذكر الواقع. لقد كان لموسى بن جعفر عليه السلام روابط وعلاقات ممتدّة عبر جميع مناطق العالم الإسلاميّ، غاية الأمر أنّ هذه العلاقات لم تصل إلى حيث يتمكّن موسى بن جعفر عليه السلام من القيام بحركةٍ عسكريةٍ علنيّة.
 

1- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص 389.
 
 
 
 
251

211

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 الإمام الكاظم عليه السلام، وأسلوب التقيّة 

في عصر الإمام الكاظم عليه السلام، وفي ظلّ تلك الظروف الصعبة والحكومات الجائرة, الشّيء الوحيد الّذي كان من الممكن أن يمنح جهادَ أهل البيت عليهم السلام وحركتهم الفكريّة والسّياسيّة، هم وأتباعهم، مجالاً للاستمرار والتكامل، هو السعي دون هوادة، والجهاد الخطير، واعتماد أسلوب التقيّة الإلهية. وبهذا اللحاظ تتضّح العظمة المدهشة لجهاد موسى بن جعفر عليه السلام.

ويمكن ملاحظة أسلوب التقية المعتمد من الإمام من خلال التأمل ببعض الحوادث والروايات، كتلك القصّة الّتي ينقلها المأمون حول الإمام الكاظم عليه السلام، وملخّصها أنّ الإمام عليه السلام كان يمتطي دابّة، وجاء ودخل إلى المكان الّذي كان يجلس فيه هارون، وأراد الإمام عليه السلام أن يترجّل عنها، ولكنّ هارون لم يرضَ بذلك، وأقسم عليه أن يبقى راكبًا ويأتي بدابّته إلى بساطه، وعندما جاء الإمام عليه السلام راكبًا على بساط الخليفة، احترمه هارون، وبقيا مدّة يتبادلان الحديث. وعندما عزم الإمام عليه السلام على الرّحيل، طلب هارون مني (أي من المأمون) ومن الأمين أن نأخذ بركاب أبي الحسن.. إلى آخر القصّة. والشّيء الملفت في هذه القصّة هو ما نقله المأمون عن أبيه هارون: هارون، والدي، قد أعطى جميع الحاضرين في المجلس 5 آلاف دينار و 10 آلاف دينار (أو درهم) كهدية وجائزة، ولكن أعطى لموسى بن جعفر عليه السلام200 دينار، علمًا بأنّه عندما كان الخليفة يسأل عن وضع الإمام عليه السلام كان الإمام عليه السلام يُجيبه مبيّنًا له المشكلات والأوضاع المعيشية السيّئة، وكثرة العيال. فهذا الكلام من الإمام عليه السلام يحمل في طيّاته معنًى دقيقاً, وهو التقيّة.

ومن الطبيعيّ أنّ هارون، وبعد استماعه إلى مثل هذا الكلام، كان ينبغي أن يُعطي الإمام مبالغ طائلة (50 ألف دينار، أو درهم مثلاً)، ولكنّه رغم هذا كلّه لم يُعطه أكثر من 200 دينار! يقول المأمون: سألت أبي عن سبب إعطائه القليل، فأجابني: إذا أعطيته المبلغ الّذي في ذمّتي لخرج، ولقام مئة ألف فارس من الشّيعة، بعد فترةٍ وجيزة، ضدّي. كان هذا استنتاج وفهم هارون، لأنّه لو كان الإمام عليه السلام يملك من الأموال الكافية في زمان جهاده ونضاله ضدّ هارون، لاستطاع استقطاب الكثيرين ليُحاربوا إلى جانبه.
 
 
 
 
252

212

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 معارضة الإمام لهارون

في الوقت الّذي لم يعد في المجتمع الإسلاميّ أيّ معارضة للجهاز الحاكم، وكان هارون الرّشيد يحكم فارغ البال تقريبًا، فإنّ وضع حياة موسى بن جعفر عليه السلام وانتشار دعوته لم يجعل مواجهة أمره من قبلهم سهلًا. وقد كان هارون سياسيًّا محنّكًا. ومن أعماله أنّه توجّه وذهب إلى مكّة حيث يَحتمل الطبريّ - المؤرّخ المعروف، أو يذكر ذلك على نحو اليقين - أنّ هارون الرّشيد قد عزم على الحجّ، وكان هدفه أن يذهب إلى المدينة خفاءً، ويطّلع على أوضاع موسى بن جعفر عليه السلام عن قرب. فأراد أن يرى هذه الشّخصيّة الّتي يجري كلّ هذا الحديث عنها، ولها كلّ هؤلاء الأتباع، حتّى في بغداد، وهل أنّه ينبغي أن يُخاف منه، فجاء والتقى بموسى بن جعفر عليه السلام، وكان هذا اللقاء مهمًّا جدًّا وحسّاسًا للغاية. أولى هذه اللقاءات كانت في المسجد الحرام عندما التقى كلٌّ من موسى بن جعفر عليه السلام وهارون خفاءً، وجرت بينهما محادثات شديدة وحادّة، وحطّم موسى بن جعفر عليه السلام هيبة هذا الخليفة في محضر الموجودين، وهناك لم يكن هارون ملتفتًا إلى أنّ هذا هو موسى بن جعفر عليه السلام.

وبعد أن يأتي إلى المدينة، يعقد عدّة جلسات مع موسى بن جعفر عليه السلام، وكانت هذه اللقاءات مهمّة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ هارون الرشيد، وفي هذه اللقاءات، قد استعمل كلّ ما أمكنه من تهديد ورشوة وحيلة من أجل السيطرة على هذا الإنسان المعارض والمجاهد الحقيقيّ. وسنعرض موقفين من مواقف الامام في كيفية مواجته هارون:
1- قضية فدك:
رُوي أنّه قيل لموسى بن جعفر عليه السلام: أنتم يا بني هاشم قد حُرمتم من فدك، وقد أخذوا فدك من آل علي، وأنا أريد أن أُرجعها إليكم، قولوا لي أين هي فدك، وما هي حدودها حتّى أُرجعها إليكم. ومن الواضح أنّ هذا كان مجرّد خداع، هدفه إظهار أنّه قد أرجع حقّ آل محمد الضائع، وأن يُعرف بين النّاس بذلك. فيقول له الإمام: حسناً، إذا أنت أردت أن تُرجِع لنا فدَكاً، فأنا سأعيّن لك حدودها. وهكذا تقرّر أن يُحدّد له فدَكاً. وما ذكره الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في تعيين فدك كان عبارة عن العالم الإسلاميّ كلّه، وفدك هي هذه، أي أنّك
 
 
 
 
253

213

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 إذا كنت تتصوّر أنّ نزاعنا معك هو حول بستان ما، وعدّة أشجارٍ من النخيل، فهذه سذاجة.


فقضيّتنا هنا ليست قضيّة بستان فدك مع نخيله، بل القضيّة هي قضية خلافة النبيّ وخلافة الحكومة. غاية الأمر، إنّ الشيء الّذي كان يُظنّ أنّه سيحرمنا من هذا الحقّ حرمانًا كاملًا في ذاك اليوم هو مصادرة فدك. لهذا كُنّا نُصرّ ونؤكّد على هذه القضيّة. أمّا اليوم فإنّ الشيء الّذي غصبتنا إيّاه ليس فدكاً، الّتي لم يعد لها قيمة، وإنّ ما غصبته منّا هو المجتمع الإسلاميّ والبلاد الإسلاميّة. فيذكر موسى بن جعفر أربعة حدودٍ، ويقول هذه فدك، فأرجِعْها إلينا، أي إنّ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يُصرّح بدعوى الحاكمية والخلافة في ذلك المجلس.

وفي الرواية أنّ هارون الرّشيد قال لموسى بن جعفر عليه السلام يومًا: "خُذ فدكًا حتّى أردّها إليك". امتنع الإمام عليه السلام في البداية، وقال بعدها: "لا آخذها إلا بحدودها". فيقول له بعدها: "حسناً، خذها". ومن الملفت جدًّا أنّ الإمام عليه السلام يُعيّن له حدودها ويقول: "أمّا الحدّ الأوّل فعدن"، ولأنّهما كانا جالسين مثلًا في المدينة أو في بغداد يتحدّثان، أضاف: "عدن"، أي نهاية جزيرة العرب، "فتغيّر وجه الرشيد، وقال: إيهاً". قال: "والحدّ الثاني سمرقند"، فأربد وجهه، "والحدّ الثالث إفريقيا" (أي الحدّ الثالث كان تونس)، فاسودّ وجه هارون الرشيد، وقال: "هنيه هيه"، عجيب، أيُّ كلامٍ هذا. قال: "والرابع سيف البحر ما يلي الخزر وإرمينية"، والتي هي أرمينيا اليوم وما يليها حتّى البحر المتوسط. فقال الرشيد: "لم يبقَ لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي"، فردّ عليه موسى بن جعفر عليه السلام: "قد أعلمتك أنّني إن حدّدتها لم تردّها"، فعند ذلك عزم على قتله1.

2- موقف التسليم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
عندما يريد هارون الرّشيد أثناء الدخول إلى حرم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة في ذلك السَّفَر أن يتظاهر بين المسلمين الّذين يزورونه، ويعلن قرابته من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ينزل إلى قبره ويقول:
 

1- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 29، ص 201. في مناقب ابن شهرآشوب، في كتاب أخبار الخلفاء أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر عليه السلام: "خذ فدكاً حتى أردّها إليك، فيأبى، حتى ألحّ عليه، فقال عليه السلام: "لا آخذها إلا بحدودها" قال: وما حدودها؟ قال عليه السلام: "إن حدّدتُها لم تردّها"، قال: بحقّ جدّك إلا فعلت؟ قال عليه السلام: "أمّا الحدّ الأوّل فعدن"، فتغيّر وجه الرشيد وقال: إيها، قال عليه السلام: "والحدّ الثاني سمرقند"، فاربدّ وجهه. قال: "والحدّ الثالث إفريقية"، فاسودّ وجهه وقال: هيه. قال عليه السلام: "والرابع سيف البحر ممّا يلي الجزر وأرمينية". قال الرشيد : فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي، قال موسى عليه السلام: "قد أعلمتك أنني إن حدّدتُها لم تردّها"، فعند ذلك عزم على قتله".
 
 
 
 
254

214

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 "السلام عليك يا بن العمّ"، فلا يقول: "يا رسول الله"، فيأتي موسى بن جعفر عليه السلام مباشرةً ويقف قبال الضّريح ويقول: "السلام عليك يا أبتاه"1، أي إذا كنت أنت ابن عمّه، فهو أبي، فيفضح هذا الأسلوب التزويريّ لهارون في هذا المجلس نفسه.


شهادة الإمام الكاظم عليه السلام
شعر من كان من حواشي هارون الرشيد أنّ أكبر خطر على جهاز الخلافة هو وجود موسى بن جعفر عليه السلام. هناك وقف رجلٌ من أتباع جهاز الحكومة والسّلطة، ورأى أنّ شخصًا راكبًا يأتي من دون أي نوع من الاعتبارات، ومن دون أن يمتطي حصانًا فاخرًا. وبمجرّد أن جاء فُتحت له الطّريق، وعلى الظّاهر في سفر المدينة ذاك نفسه، على ما أظن، ويدخل ويسأل ذاك الرجل: من هو ذا الّذي إذا دخل خضع الجميع أمامه، وفتح له حواشي الخليفة الطّريق ليدخل. قيل له: هذا موسى بن جعفر. وبمجرّد أن قالوا له ذلك، قال: ويلٌ لحماقة هؤلاء، أي بني العبّاس، يُجِلّون شخصًا يريد زوالهم والقضاء على حكومتهم. فقد كانوا يعلمون أنّ خطر موسى بن جعفر عليه السلام على جهاز الخلافة هو خطرُ قائدٍ كبير يتمتّع بالعلم الوسيع والتقوى والصلاح، ويعرفه الجميع، وله أتباعٌ ومحبّون في جميع أرجاء العالم الإسلاميّ، ويتمتّع بشجاعةٍ لا تخيفه أيُّ قوّةٍ مهما بلغت، ولهذا يقف في وجه الأبّهة الظّاهرية لسلطنة هارون، ويتحدّث من دون أيّ محاباةٍ أو مجاملة.

مثل هكذا شخصيّة مجاهدة ومناضلة ومتّصلة بالله ومتوكّلة على الله، لها أنصارٌ في جميع أرجاء العالم الإسلاميّ، ولديها خطّة لأجل إقامة الحكومة والنّظام الإسلاميّين. كان هذا يمثّل أكبر خطر على حكومة هارون. لهذا، قرّر هارون أن يزيل هذا الخطر من أمامه. بالطبع، لقد كان هارون رجلًا سياسيًّا، لهذا لم يقم بهذا العمل دفعةً واحدة. ففي البداية، كان يرغب أن يتمّ هذا الأمر بطريقة غير مباشرة. بعدها وَجد أنّه من الأفضل أن يَسجن موسى بنَ جعفر عليه السلام، لعلّه يستطيع في السجن التفاوضَ معه أو إعطاءه امتيازات، وأن يضعه تحت الضّغوط من أجل حمله على القبول والإذعان والتسليم. لهذا أمر باعتقال موسى بن جعفر عليه السلام وإحضاره من المدينة، ولكن بطريقة لا تخدش مشاعر أهل المدينة، ولا
 

3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج48، ص 103.
 
 
 
 
 
 
255

215

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 يعرفون ما حلّ بموسى بن جعفر عليه السلام. لهذا، صنعوا مركبين ومحملين، ووجّهوا واحدًا منهما إلى العراق وآخر إلى الشام، من أجل أن لا يعرف النّاس إلى أين يأخذون موسى بن جعفر. فجاؤوا بموسى بن جعفر إلى مركز الخلافة في بغداد، وسجنوه هناك، وامتدّ هذا السّجن لوقتٍ طويل. بالطّبع، ليس من المسلّم أنّ الإمام عليه السلام قد أُخرج من السّجن دفعةً واحدة واعتُقل مجدّدًا، ولكن من المسلّم أنّه اعتُقل مرّة أخرى من أجل أن يُقتل في السجن، وهذا ما فعلوه.


وفي النهاية قُتل موسى بن جعفر عليه السلام في السجن مسمومًا. ومن أشدّ مرارات سيرة الأئمّة هي شهادة موسى بن جعفر عليه السلام. وبالطّبع، لقد كانوا يريدون في ذلك الوقت أن يتظاهروا بالحسنى. ففي الأيام الأخيرة، جاء السنديّ بن شاهك بمجموعة من الوجوه والمشاهير الكبار الّذين كانوا في بغداد ليجتمعوا حول الإمام عليه السلام، وقال لهم انظروا إنّ وضع حياته جيّد، ولا يوجد أيّ مشكلة. فقال الإمام عليه السلام: نعم، ولكن اعلموا أنّهم سيقتلونني مسمومًا. وقد قُتل الإمام مسمومًا ببضعة حبوب من التّمر، وتحت تلك الأغلال والقيود الّتي قيّدوا بها عنقه وقدميه. وهكذا ارتفعت روح الإمام العظيم والمظلوم والعزيز، في السجن، إلى الملكوت الأعلى، ونال الشهادة.
 
 
 
 
 
256

216

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 كان هؤلاء يخافون من جنازة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أيضًا، وكذلك من قبر موسى بن جعفر عليه السلام. ولهذا عندما أخرجوا جنازة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من السّجن، وكانوا يُطلقون الشعارات الّتي تدلّ على أنّ هذا الشخص كان خارجيًّا ويثور على الحكومة، كانوا يقولون هذه الكلمات لكي يجعلوا شخصيّة موسى بن جعفر عليه السلام في مورد التّهمة. وقد كانت أجواء بغداد بالنسبة للجهاز الحاكم أجواءً غير مستقرّة، إلى درجة أنّ أحد عناصر جهاز الحكم نفسه، وهو سليمان بن جعفر - سليمان بن جعفر بن المنصور العبّاسي، أي ابن عم هارون الّذي يُعدّ من أشراف العبّاسيين - قد وجد أنّ هذا الوضع من الممكن أن يخلق لهم مشكلة، فقام بدورٍ آخر، وأحضر جنازة موسى بن جعفر عليه السلام ووضع كفنًا قيّمًا على الجنازة، وجاء بكلّ احترام إلى الإمام في مقابر قريش، الّتي تُعرف اليوم بـ "الكاظميَّين"، ودفنوا الإمام عليه السلام في المرقد المطهّر القريب من بغداد، وهكذا ختم موسى بن جعفر حياةً مليئةً بالجهاد.

 

 

 

257


217

الدرس التاسع عشر: الإمام الكاظم عليه السلام (2) المواجهة السياسيّة وشهادة الإمام عليه السلام

 المفاهيم الرئيسة


1- حياة الإمام الكاظم عليه السلام مليئة بالجهاد والمواجهة المنظّمة للحكام العباسيين الطغاة الذين تعاقبوا على الحكم، وهذا الحراك الجهاديّ الهادر، على عكس ما يظنه بعضٌ، كان سبباً أساساً لشهادته، وإلا لماذا يخافونه فيقتلونه عليه السلام.

2- كان لموسى بن جعفر أتباعٌ يُحبّونه في أرجاء العالم الإسلاميّ جميعه. كما نجد في بعض الروايات إشارات واضحة عن وجود التشكيلات السرّيّة تابعة له على غرار تشيكلات الإمام الصادق السرية.

3- اعتمد الإمام الكاظم عليه السلام، في حركته الفكرية والسياسية، وفي ظلّ تلك الظروف الصعبة والحكومات الجائرة، على أسلوب التقيّة الإلهية. وكان لهذا الأسلوب تأثيرات كبيرة على صعيد تحقيق الأهداف الكبرى للحركة المقدسة للإمام. 

4- واجه الإمام الكاظم عليه السلام الخليفةَ هارون الرشيد، وتصدى له بكل قوة وصلابة، وجرت بينهما حوارات ونقاشات علنية وسرّية، وعندما تأكّد لهارون الرشيد خطر الإمام الكاظم عليه السلام على ملكه، أمر بقتله عليه السلام.
 
 
 
 
258

218

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح خطّة الإمام الرضا عليه السلام في حفظ التشيع.
2- يحلِّل الأحداث التاريخية والسياسية التي تزامنت مع تولّي الإمام الرضا عليه السلام الإمامة.
3- يفهم أهداف المأمون ونواياه الحقيقية من ولاية العهد.
 
 
 
 
259

219

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 الظروف السياسيَّة لمرحلة الإمام الرضا عليه السلام

عندما استُشهد موسى بن جعفر عليه السلام مسمومًا بعد سنين من الحبس في سجون هارون، سيطر جوٌّ عامّ من القمع على البلاد الخاضعة للسّلطة العبّاسية. وفي ذلك الجوّ الخانق الّذي وصفه أحد أتباع علي بن موسى عليه السلام، قال محمد بن سنان: "وسيف هارون يُقطِّر الدّم"1، كان أكبر إنجاز لإمامنا المعصوم الجليل هو أنّه استطاع أن يحافظ على شجرة التشيّع وسط أعاصير الحوادث، ويمنع من تشتّت وفتور عزم أتباع أبيه الجليل. وبأسلوب التقيّة المدهش، استطاع أن يحفظ حياته الّتي هي محور وروح الشّيعة، ليستمرّ في جهاد الإمامة العميق في عهد أكثر خلفاء بني العبّاس قدرةً، وفي زمن الاستقرار والثّبات الكامل لذلك النّظام. 

لم يتمكّن التاريخ من رسم صورةٍ واضحة عن مرحلة السنوات العشر لحياة الإمام الثامن، في زمن هارون، وفيما بعده في مرحلة الحروب الداخليّة الّتي امتدّت لخمس سنوات بين خراسان وبغداد، لكن بالتدبّر يُمكن إدراك أنّ الإمام الثامن في هذه المرحلة أكملَ تلك المواجهة الممتدّة لأهل البيت عليهم السلام والّتي استمرّت في كلّ العصور بعد عاشوراء بتلك التوجّهات والأهداف نفسها.

خطة المأمون في مواجهة العلويِّين
بمجرّد أن حسم المأمون تلك الحرب الداخلية لمصلحته عام 198هـ، وتحوّل إلى خليفة بلا منازع، كان من أوّل تدابيره التفرّغُ لحلّ مشكلة العلويين، وجهاد التشيّع. ولأجل هذا الهدف، وضع أمام عينيه تجربة سلفه من الخلفاء.
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 8، ص 257.
 
 
 
 
261

220

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 تجربةٌ أظهرت القدرة والشّموليّة والعمق المتزايد لهذه النّهضة، وعجز أجهزة السّلطة عن اقتلاعها أو إيقافها ومحاصرتها. لقد كان يرى أنّ سطوة وهيبة هارون، حتّى مع السّجن الطّويل، وتسميم الإمام السّابع في السّجن، لم تتمكّن من منع الانتفاضات والمواجهات السّياسيّة والعسكريّة والإعلاميّة والفكريّة للشيعة. ولأنّه لم يكن بمستوى القدرة الّتي كانت لأبيه وسلفه، بالإضافة إلى تأثير الحروب الداخليّة بين العبّاسيين، فقد كان يرى بأن السّلطة العبّاسية مهدّدة بمشكلات كبيرة، ولهذا وجد من الضروريّ أن ينظر بجدّية تامّة إلى خطر نهضة العلويين.


لعلّ المأمون في تقييمه لخطر الشّيعة على جهازه، كان يُفكّر بطريقة واقعيّة. وأغلب الظّن أنّ مدّة الخمس عشرة سنة بعد شهادة الإمام السابع وإلى اليوم الّذي سنحت فيه بالخصوص فرصة السنوات الخمس للحروب الداخليّة، فإنّ تيّار التشيّع تمتّع بالمزيد من الاستعداد على طريق رفع راية الحكومة العلويّة.

وقد كان المأمون يشعر بهذا الخطر بحدسه الذكيّ، ويُفكّر في مواجهته، ولهذا بتبع هذا التقييم والتشخيص. كانت قصّة دعوة الإمام الثامن من المدينة إلى خراسان واقتراح ولاية العهد الإلزاميّة عليه، وهذه الحادثة الّتي جرت، لم يحدث ما يُشبهها، ولم يكن لها في نوعيّتها شبيه ولا نظير في عهود الإمامة الطويلة جميعها.

وهنا من الجدير أن نُطالع واقعة ولاية العهد هذه. ففيها واجه الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام تجربةً تاريخيّةً عظيمةً في معرض حربٍ سياسيّةٍ خفيّة، تحدّد نتيجتها انتصار مصير التشيّع أو هزيمته. ففي هذه المعركة، نزل الخصم - وهو المأمون - إلى الميدان، بعدّته وعديده. وقد نزل المأمون إلى الميدانٍ متمتّعًا بالدّهاء الواسع، والتّدبير القويّ، والفهم والدّراية غير المسبوقة، بحيث لو انتصر واستطاع أن يُطبّق خطّته الّتي أعدّها، لوصل يقينًا إلى الهدف الّذي لم يتمكّن أيّ واحدٍ من الخلفاء الأمويّين أو العبّاسيّين من تحقيقه منذ السنة الأربعين للهجرة (أي بعد شهادة عليّ بن أبي طالب)، ورغم كلّ جهودهم، وهو عبارة عن اقتلاع شجرة التشيّع وتيّار المعارضة الّذي كان دومًا كشوكةٍ في أعين زعماء الخلافات الطاغوتيّة.

لكنّ الإمام الثّامن عليه السلام، وبالتّدبير الإلهيّ، تغلّب على المأمون، وهزمه في ذلك الميدان
 
 
 
262

221

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 السياسيّ الّذي أوجده بنفسه. فلم تكن النتيجة أنّ التشيّع لم يضعف فحسب، بل كانت سنة الـ 201 هجريّ التي هي سنة ولاية العهد للإمام عليه السلام، من أكثر سنوات تاريخ التشيّع بركةً وثمرةً، وقد بثّت نفَسًا جديدًا في جهاد العلويين. كلّ ذلك ببركة التّدبير الإلهيّ للإمام الثامن عليه السلام وأسلوبه الحكيم الّذي أظهره هذا الإمام المعصوم في هذا الامتحان الكبير.


أهداف المأمون من قضيّة ولاية العهد
كان لتدبير المأمون ولأهدافه من العمق والتعقيد لدرجة ما لم يكن لأحدٍ غيره القدرة على القيام به، ولهذا السبب، كان أنصار المأمون والمقرّبون غافلين عن أبعاده وجوانبه. ويُستنتج من بعض الوثائق التاريخيّة، أنّ الفضل بن سهل، الوزير والقائد الأعلى، وأكثر الأفراد قربًا من جهاز الخلافة، كان غير مطّلعٍ على حقيقة هذه السّياسة ومحتواها. وذلك حتّى لا تتعرّض أهدافه في هذه الحركة الالتفافيّة إلى أيّة نكسة.

ولأجل ذلك، كان المأمون يخترع القصص من أجل توجيه هذا الفعل ودوافعه، ويتوسّل بهذا القول وذاك. يجب القول حقًّا أنّ سياسة المأمون كانت تتمتّع بتجربة وعمق لا نظير له، لكنّ الطّرف الآخر الّذي كان في ساحة الصّراع مع المأمون هو الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. وهو نفسه الّذي كان يُحوّل أعمال وخطط المأمون المتصّفة بالدّهاء والمكر، والممزوجة بالشيطنة، والمعدّة بدقّة وشمولية، إلى أعمال لا فائدة لها ولا تأثير، وإلى حركات صبيانيّة. بينما المأمون الّذي بذل هذه الجهود، وأنفق من رأسماله الكبير في هذا السبيل، لا أنّه فقط لم يُحقّق أي شيء من الأهداف الّتي كان يسعى إليها، بل إنّ سياسته الّتي اتّبعها انقلبت عليه. فالسّهم الّذي كان يُريد أن يرمي به مقام ومكانة وطروحات الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام أصاب المأمون، بحيث إنّه، وبعد مضيّ فترة قصيرة، أصبح مضطرًّا لأن يعتبر كلّ تدابيره وإجراءاته الماضية هباءً منثورًا، كأنّها لم يكن شيءٌ.

لقد كان المأمون، بدعوته للإمام الثامن عليه السلام إلى خراسان، يسعى وراء عدّة مقاصد أساس منها:
1- تبديل ساحة المواجهات الثوريّة الحادّة للشّيعة إلى ساحةٍ للنشاط السياسيّ:
كان الشّيعة يُمارسون, في ظلّ التقيّة, مواجهات نضالية, كانت متلازمة مع خاصّيّتين،
 
 
 
 
263

222

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 حيث كان لها تأثيرٌ لا يوصف في القضاء على بساط الخلافة: أحدهما المظلوميّة، والأخرى القداسة.


كان الشّيعة، وبالاعتماد على هذين العاملين النّافذين، يوصلون الفكر الشيعيّ، الّذي هو عبارة عن تفسير الإسلام وتبيينه بحسب رؤية أئمّة أهل البيت، إلى زوايا قلوب وأذهان مخاطَبيهم، وكانوا يجعلون أيّ شخصٍ يمتلك أقلّ استعداد، يميل إلى هذا النّوع من الفكر، أو مؤمنًا به. وهكذا كانت دائرة التشيّع تتّسع يومًا بعد يوم في العالم الإسلاميّ. وكانت تلك المظلوميّة والقداسة الّتي تنطلق من ركيزة الفكر الشّيعيّ، تُنظّم هنا وهناك، وفي جميع العصور، تلك النّهضات المسلّحة، والحركات الثّوريّة ضدّ أجهزة الخلافة.

كان المأمون يريد أن يسلب هذا الجمع المناضل ذاك الخفاء والاستتار، دفعةً واحدة، ويجرّ الإمام عليه السلام من ميدان المواجهة الثوريّة إلى ميدان السّياسة، ويوصل بهذه الطّريقة فعّاليّة نهضة التشيّع الّتي كانت تتزايد يومًا بعد يوم، على أثر ذلك الاستتار والاختفاء، إلى درجة الصفر. وبهذه الطّريقة كان المأمون يسلب جماعة العلويّين هاتين الخاصيّتين المؤثّرتين والنافذتين، لأنّ الجماعة الّتي يكون قائدها شخصيّة مميّزة في جهاز الخلافة، ووليّ عهد الملك المطلق العنان في زمانه، والمتصرّف في أمور البلاد، ليس مظلومًا، وليس مقدَّسًا كما يُدّعى.

2- جعل الفكر الشيعيّ مرادفاً للتيارات الفكرية الأخرى:
لقد سعى المأمون إلى أن يجعل الفكر الشيعيّ مرادفًا لسائر العقائد والأفكار الّتي لها أتباعٌ في المجتمع، ويخرجه من حيثيّة الفكر المخالف لجهاز السّلطة، الّذي، وإن كان بنظر الأجهزة ممنوعًا ومبغوضًا، لكنّه كان بنظر النّاس، وخصوصًا الضّعفاء، يمتلك جاذبيّة كبيرة، ويُثير التّساؤلات.

3- تخطئة ادّعاء التشيّع حول خلافة الأمويين والعبّاسيين، وإضفاء الشرعيّة على هذه الخلافات: 
كان المأمون يهدف من خلال عرضه ولاية العهد على الإمام عليه السلام، بهذا العمل ينقض ادّعاء الشيعة بغصب الخلافة المتسلّطة، وعدم شرعيّتها... لأنّه لو كانت الحكومات السّابقة
 
 
 
 
264

223

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 فاقدة للشرعيّة، فينبغي أن تكون خلافة المأمون وحكومته، الّتي هي وريثة تلك الحكومات، غير شرعيّة وغاصبة، ولأنّ عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، بدخوله في هذا الجهاز وقبوله لولاية عهد المأمون، قد اعتبره قانونيًّا ومشروعًا، فيجب أن يكون باقي الخلفاء شرعيّين، وهذا بذاته نقضٌ لجميع ادّعاءات الشّيعة. ولم يكن المأمون بهذا الفعل ينتزع من عليّ بن موسى الرضا عليه السلام شرعيّة حكومته و(حكومة) من سبقه فحسب، بل كان يُدمّر أحد أركان الاعتقاد الشيعيّ القائل بظلم جميع الحكومات السّابقة.


4- تشويه فكرة زهد الأئمة عليهم السلام:
كان المأمون يهدف إلى نقض الفكرة السّائدة والمعروفة عن زهد الأئمّة وعدم اهتمامهم بزخارف الدنيا ومقاماتها، ويُظهر بأنّ الأئمّة يلجؤون إلى الزّهد فقط في الظّروف الّتي لا تصل فيها أيديهم إلى الدّنيا؛ أي عندما يُمنعون عنها، بينما عندما تفتح أمامهم أبواب جنّة الدّنيا يسرعون نحوها. وحالهم في هذا حال الآخرين، فهم يتنعّمون بالدّنيا إن أقبلت عليهم.

5- إدخال الإمام والقادة العلويين تحت السيطرة:
أن يجعل الإمام المعصوم، الّذي كان ركيزة المعارضة والمواجهة في جهازه الحاكم دومًا، وكذلك بقية القادة العلويين ومن معهم ممّن اجتمع حول الإمام عليه السلام من أهل الصلاح، يدخلون تحت سيطرة المأمون. وهذا نجاح لم يتمكّن أحد على الإطلاق أن يُحقّقه، لا من العبّاسيين ولا من الأمويين.

6- محاصرة الإمام عليه السلام:
أن يجعل الإمام عليه السلام، الّذي يمتلك العنصر الشعبيّ، ويُعدّ قبلة الآمال ومرجع النّاس في كلّ أسئلتها وشكاواها، تحت محاصرة أجهزة الحكومة، وبذلك يفقد شيئًا فشيئًا الطّابعَ الشّعبيّ، ويبني حاجزًا بينه وبين النّاس، حتّى يضعف بالتّالي الرابط العاطفيّ بينه وبين الطّبقة الشعبيّة.

7- اكتساب السمعة المعنويّة والوجاهة:
من الطّبيعيّ عندها أن يمدح الجميع ذلك الحاكم الّذي اختار لولاية عهده ابن بنت النبيّ صل الله عليه وآله وسلم، وصاحب الشّخصيّة المقدَّسة والمعنويّة، وفي المقابل يحرم إخوته وأبناءه من
 
 
 
 
265

224

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 هذا المنصب. والمعروف دائماً أنّ التقرّب من الصّالحين والمتديّنين من قِبَل طلّاب الدنيا يُذهب ماء وجه الصّالحين ويزيد من ماء وجه أهل الدنيا.


8- تبرير مخالفات جهاز الحكومة:
كان باعتقاد المأمون أنّ الإمام عليه السلام بتسلّمه لولاية العهد، سيتحوّل إلى عاملٍ تبريريّ لجهاز الحكم. فمن البديهيّ أنّ شخصًا كالإمام، بما لديه من تقوى وعلم ومقام لا نظير له، وهو في أعين الجميع من أبناء النبيّ صل الله عليه وآله وسلم، إذا قام بشرح وتبرير ما يقوم به جهاز الحكومة، سوف يأمن النّظام من أيّ صوتٍ مخالفٍ، ولن يطعن به أحد. 

وبذلك أيضًا لا يستطيع أحد أن يُنكر شرعية تصرّفات هذا النّظام. فهذا الأمر كان عند المأمون قلعةً منيعةً يمكنه من خلالها أن يُخفي عن الأعين أخطاء الخلافة وقبائحها.
 
 
 
 
 
266

225

الدرس العشرون: الإمام الرضا عليه السلام البيئة العامة والظروف المحيطة

 المفاهيم الرئيسة
1- بعد شهادة الإمام الكاظم عليه السلام كان الجو السياسيّ خانقاً، والتضييق على أتباع الإمام الرضا عليه السلام رهيباً، وكان أكبر إنجاز للإمام عليه السلام أنّه استطاع أن يحافظ على شجرة التشيّع وسط أعاصير الحوادث الفظيعة في تلك الحقبة الزمنية.

2- مرحلة الإمام الرضا عليه السلام كانت مرحلة الحروب الداخليّة التي امتدّت لخمس سنوات بين خراسان وبين بغداد، ولكن الإمام الثامن في هذه المرحلة أكملَ تلك المواجهة الممتدّة لأهل البيت عليهم السلام.

3- بمجرّد أن حسم المأمون الحربَ الداخلية لمصلحته عام 198ه، وتحوّل إلى خليفة بلا منازع، كان من أوّل تدابيره التفرّغُ لحلّ مشكلة العلويين، وجهاد التشيّع.

4- كان المأمون يشعر بخطر تيّار التشيّع بحدسه الذكيّ، ويُفكّر في مواجهته، ولهذا، بتبع هذا التقييم والتشخيص، كانت قصّة دعوة الإمام الثامن من المدينة إلى خراسان واقتراح ولاية العهد الإلزاميّة عليه.

5- واقعة ولاية العهد واجه فيها الإمامُ الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام تجربةً تاريخيّةً عظيمةً، في معرض حربٍ سياسيّةٍ خفيّة، تحدّد بنتيجتها مصير التشيّع، وفي هذه المعركة نزل المأمون نفسُه إلى الميدان، بعدّته وعديده.

6- بالتّدبير الإلهيّ، تغلّب الإمام الرضا عليه السلام على المأمون، وهزمه في الميدان السياسيّ الذي أوجده بنفسه. والنتيجة أنّ التشيّع لم يضعف فحسب، بل كانت ولاية العهد للإمام عليه السلام من أكثر سنوات تاريخ التشيّع بركةً وثمرةً، وقد بثّت نفَسًا جديدًا في جهاد العلويين.

7- كان للمأمون من ولاية العهد مقاصد عديدة، منها: تحويل الشيعة من المقاومة العسكرية إلى المقاومة السياسية. وإظهار الشيعة بأنهم طلاب رئاسة وزعامة دنيوية، وتشويه فكرة زهدهم في الدنيا. وإدخالُ الإمام وأتباعه تحت الرقابة، والسيطرة الدائمة لأجهزة الحكم.
 
 
 
 
 
 
267

226

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الظروف والحالة التي رافقت خروج الإمام الرضا عليه السلام من المدينة.
2- يبيّن كيف استفاد الإمام الرضا عليه السلام من ولاية العهد من أجل تقوية التشيّع.
3- يذكر الأسباب التي أدتّ في نهاية المطاف إلى فشل خطة المأمون وأمر بقتل الإمام عليه السلام..
 
 
 
 
 
269

227

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 إجراءات الإمام الرضا عليه السلام لمواجهة المأمون

بعد العرض لسياسة المأمون، نتعرّض إلى السّياسة والإجراءات الّتي قام بها الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام لمواجهة هذا الواقع:
1- إظهار الإمام انزعاجه من مغادرته المدينة:
عندما دُعي الإمام عليه السلام من قِبَل المأمون لينتقل من المدينة إلى خراسان، نشر جوّاً في المدينة يدلّ على انزعاجه وتضايقه من هذه الخطوة، بحيث إنّ كلّ شخص كان حول الإمام عليه السلام تيقّن أنّ المأمون يُضمر سوءاً للإمام عليه السلام من خلال إبعاده عن موطنه. ولقد أعرب الإمام للجميع عن سوء ما يرمي إليه المأمون بكلّ الأساليب الممكنة، فقام بذلك عند توديع حرم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعند توديع عائلته، وأثناء خروجه من المدينة، وفي طوافه حول الكعبة من أجل الوداع، وبكلامه وسلوكه ودعائه وبكائه، كان واضحًا للجميع أنّ هذا السفر هو رحلته الأخيرة، ونهاية حياته عليه السلام.

وخلافًا لما كان يتصوّره المأمون وهو أن يُنظر إليه نظرة حسنة، بينما يُنظر إلى الإمام عليه السلام، الّذي قَبِل بطلب المأمون، نظرة سيّئة، نرى أنّ قلوب الجميع، ونتيجةً لردّ الفعل الّذي قام به الإمام عليه السلام في المدينة، ازدادت حقدًا على المأمون منذ اللحظة الأولى لسفر الإمام عليه السلام، فقد أبعد المأمون إمامهم العزيز عليه السلام عنهم بهذا الشكل الظالم، ووجّهه إلى مقتله.

2- رفض ولاية العهد:
عندما طُرحت ولاية العهد على الإمام في "مَروْ"، رفض الإمام عليه السلام هذا الطّرح بشدّة، ولم يقبل، حتّى هدّده المأمون صراحةً بالقتل. ولقد انتشر في كلّ مكان رفض الإمام
 
 
 
 
271

228

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 علي بن موسى الرضا عليه السلام لولاية العهد من قبل الخلافة. كما أنّ العاملين في الحكومة، الّذين لم يكونوا على علمٍ بدقائق سياسة وتدابير المأمون، قاموا، وعن غباء، بنشر رفض الإمام عليه السلام في كلّ مكان. حتّى أنّ الفضل بن سهل صرّح في جمع من العاملين في الحكومة، أنّه لم يرَ على الإطلاق خلافة بهذا القدر من المذلّة. فالمأمون الّذي هو أمير المؤمنين، يُقدّم الخلافة أو ولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا، وهو يردّها عليه رافضًا1.


ولقد سعى الإمام عليه السلام، في كلّ فرصة تُتاح له، أن يُبيّن أنّه مجبر على تسلّم هذا المنصب (ولاية العهد)، وكان يذكر دائمًا أنّه هُدّد بالقتل حتّى يقبل بولاية العهد. وكان من الطّبيعيّ جدًّا أن يُصبح هذا الحديث، الّذي هو من أعجب الظّواهر السّياسيّة، متناقلًا على الألسن، ومن مدينة إلى مدينة. فكلّ العالم الإسلاميّ في ذلك اليوم وفيما بعد، فهم أنّ شخصًا مثل المأمون حارب أخاه الأمين حتّى قتله، لأجل أن يُبعده عن ولاية العهد، ووصل به الأمر من شدّة غضبه على أخيه أن قام برفع رأسه ورؤوس آلافٍ آخرين على الرّماح، وطاف بهم من مدينة إلى مدينة. وشخصٌ مثل علي بن موسى الرضا عليه السلام، يظهر وينظر بلا مبالاة إلى ولاية العهد، ولا يقبلها إلّا مكرَهًا، وتحت التّهديد. وعند المقارنة بين الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام وبين المأمون العبّاسيّ، نرى أن كلّ ما جهد المأمون لتحقيقه ووفّر في سبيله كلّ ما لديه، كانت نتيجته عكسيّة بالكامل. 

3- القبول بالولاية وفق شروط:
مع كلّ الضّغوطات والتّهديدات الّتي مورست عليه، لم يقبل بولاية العهد إلا بشرط الموافقة على عدم تدخّله في أيّ شأن من شؤون الحكومة، من حرب وصلح وعزل ونصب وتدبير وإشراف على الأمور. والمأمون، الّذي كان يعتقد أنّ هذا الشّرط ممكن تحملّه في بداية الأمر، لأنّه يُمكنه بعدها أن يجرّ الإمام عليه السلام إلى ساحة أعمال ونشاطات الحكومة تدريجيًّا، وافق على قبول شرط الإمام عليه السلام الّذي ينصّ على عدم التدخّل بأيّ شيء مهما كان. ومن الواضح أنّ قبول المأمون بهذا الشرط جعل خطّته كمن يكتب على وجه الماء،
 
 

1- الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، دار المفيد ـ بيروت، ط2، 1993م، ج 2، ص 260، "فما رأيت خلافة قطّ كانت أضيع منها. إنّ أمير المؤمنين يتفصّى منها، ويعرضها على عليّ بن موسى الرضا، وعلي بن موسى يرفضها ويأبى".
 
 
 
 
272

229

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 فأكثر أهدافه الّتي كان يرمي إليها لم تتحقّق. والإمام عليه السلام، الّذي كان يُطلق عليه لقب وليّ العهد، وكان قهرًا يستفيد من إمكانات جهاز الحكم، كان دائماً يُقدّم نفسه كأنّه مخالف ومعترض عليه، فهو لم يكن يأمر ولا ينهى، ولا يتصدّى لأيّ مسؤولية، ولا يقوم بأيّ عمل للسلطة، ولا يدافع عن الحكومة، ولا يقدّم أيّ تبرير لأعمال النّظام. لذا كان من الواضح أنّ هذا الشخص الّذي يُعتبر عضوًا في النّظام الحاكم، والّذي أُدخل إليه بقوّة، وكان يتنحّى عن كلّ المسؤوليات، لا يُمكن أن يكون شخصًا محبًّا ومدافعًا عن هذا النّظام. ولقد أدرك المأمون جيّدًا هذا الخلل والنّقص، فحاول عدّة مرّات، وباستخدام لطائف الحيل، أن يحمل الإمام على العمل خلافًا لما تعهّد به سابقًا، فيجرّ الإمام عليه السلام بذلك إلى التدخّل في أعمال الحكومة، ويقضي على سياسة الإمام عليه السلام المواجِهة والرافضة. لكن الإمام كان في كلّ مرّة يُحبط خطّته بفطنته وبراعته.


وكنموذج على هذا الأمر، يذكر معمر بن خلاد، نقلًا عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، أنّ المأمون كان يقول للإمام: إذا أمكن أن تكتب شيئًا لأولئك الّذين يسمعون كلامك ويطيعونك حتّى يُخفّفوا من حدّة التوتر والأوضاع المضطربة في مناطق وجودهم، لكنّ الإمام عليه السلام كان يرفض، وكان يُذكّره بشرطه السّابق القاضي بعدم تدخّله مطلقًا في أيّ من الأمور. نموذجٌ آخر مهمٌّ جدًّا وملفتٌ هو حادثة صلاة العيد، حيث إنّ المأمون، وبحجّة أنّ النّاس يعرفون قدر الإمام عليه السلام، وقلوبهم تهفو حبًّا له، طلب من الإمام عليه السلام أن يؤمّ النّاس في صلاة العيد. رفض الإمام عليه السلام في البداية، ولكن، وبعد إصرار المأمون على طلبه، وافق بشرط أن يخرج إلى الصّلاة ويُصلّي بطريقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام نفسِها. فلمّا استفاد الإمام عليه السلام من هذه المناسبة وانتهزها كفرصة جيدة لصالح مشروعه، ندم المأمون الّذي كان قد أصرّ على ذلك، وأرجع الإمام عليه السلام من منتصف الطّريق قبل أن يُصلّي، معرّضًا بفعله هذا سياسة نظامه المخادعة والمتملّقة لضربةٍ أخرى في صراعه مع الإمام عليه السلام1.
 

1- الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 257-258.
 
 
 
 
273

230

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 4- الاستفادة من ولاية العهد في نشر الدعوة الشيعية:

إنَّ استفادة الإمام الأساس من مسألة ولاية العهد كانت أهمّ من كلّ ما ذُكر، فبقبوله بولاية العهد استطاع أن ينهض بحركة لا نظير لها في تاريخ حياة الأئمّة (بعد انتهاء خلافة أهل البيت في سنة 40 هجرية حتّى آخر عهود الخلافة الإسلاميّة)، ولقد تمثّل ذلك بظهور دعوة الإمامة الشيعيّة على مستوًى كبير في العالم الإسلاميّ، وخرق ستار التقيّة الغليظ في ذاك الزّمان، حيث تمّ إيصال نداء التشيّع إلى أسماع المسلمين جميعهم، فمنبر الخلافة القويّ جُعل تحت تصرّف الإمام عليه السلام، وقد قام الإمام عليه السلام من خلاله برفع ندائه وإعلان ما كان يُقال طيلة 150 سنة في الخفاء، والتقية للخواص والأصحاب المقرّبين. وبالاستفادة من الإمكانات الرائجة في ذلك الزمان الّتي لم تكن إلا تحت سيطرة الخلفاء والمقرّبين منهم في الرّتب العالية، أوصل ذلك النداء إلى أسماع الجميع.

وكذلك أيضاً مناظرات الإمام عليه السلام الّتي جرت بينه وبين جمع من العلماء في محضر المأمون، حيث بيّن أمتن الأدلّة على مسألة الإمامة. وهناك أيضًا رسالة جوامع الشّريعة الّتي كتبها الإمام للفضل بن سهل، حيث ذكر فيها أمّهات المطالب العقائدية والفقهية للتشيّع، وأيضًا حديث الإمامة المعروف الّذي قد ذكره الإمام عليه السلام في مَرْو لعبد العزيز بن مسلم، إضافة إلى تلك القصائد الكثيرة الّتي نُظّمت في مدح الإمام بمناسبة تسلّمه ولاية العهد. ومنها قصيدتا دِعبل وأبي نوّاس اللتان تُعدّان من أهمّ القصائد المخلَّدة في الشّعر العربيّ. إنّ كلّ ما ذكرناه من استفادة الإمام عليه السلام من مسألة قبوله ولاية العهد، يدلّ على مدى النّجاح العظيم الّذي حقّقه الإمام عليه السلام في صراعه ضدّ سياسة المأمون.

وفي تلك السنة نجد الخطب حافلة بذكر فضائل أهل البيت في المدينة، ولعلّه في الكثير من الأقطار الإسلاميّة، وذلك عندما وصل خبر ولاية علي بن موسى الرضا عليه السلام، فبعد أنّه لم يكن هناك شخصٌ يجرؤ على ذكر فضائل أهل بيت النبيّ عليهم السلام، وكانوا يُشتمون علنًا على المنابر لمدة سبعين سنة، وما تلاها من سنوات، فقد رجع في زمان الإمام الرّضا عليه السلام ذكر عظمة وفضائل أهل البيت في كلّ مكان، كما أنّ أصحابهم ازدادوا جرأةً وإقدامًا بعد هذه الحادثة، وتعرّف الأشخاص، الّذين كانوا يجهلون مقام أهل البيت عليهم السلام، عليهم، وصاروا
 
 
 
 
274

231

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 يُحبونهم، وأحسّ الأعداء، الّذين أخذوا على عاتقهم محاربة أهل البيت، بالضّعف والهزيمة. فالمحدّثون والمفكّرون الشّيعة أصبحوا ينشرون معارفهم ـ الّتي لم يكونوا ليجرؤوا قَبْلًا على ذكرها إلا في الخلوات ـ في حلقات دراسيّة كبيرة، وفي المجامع العامّة علنًا.


في حين رأى المأمون أنّه من المفيد فصل الإمام عليه السلام عن النّاس. فهذا الفصل والإبعاد هو في النّهاية وسيلة لقطع العلاقة المعنويّة والعاطفيّة بين الإمام وبين النّاس، وهذا ما يريده المأمون. ولمواجهة هذه الخطوة لم يكن الإمام عليه السلام يترك أيّ فرصة تُمكّنه من الاتّصال بالنّاس إلّا ويستفيد منها خلال تحرّكه ومسيره. فمع أنّ المأمون كان قد حدّد الطّريق الّتي سيسلكها الإمام من المدينة وصولًا إلى مرْو، بحيث لا يمرّ على المدن المعروفة بحبّها وولائها لأهل البيت مثل قم والكوفة، لكنّ الإمام عليه السلام استفاد من كلّ فرصة في مسيره لإقامة علاقات جديدة بينه وبين النّاس، فأظهر في منطقة الأهواز آيات الإمامة، وفي البصرة الّتي لم يكن أهلها من محبّي الإمام سابقًا، جعلهم من محبّيه ومريديه، وفي نيشابور ذكر حديث السّلسلة الذهبية ليبقى ذكرى خالدة، إضافة إلى ذلك الآياتُ والمعجزات الّتي أظهرها. وقد اغتنم الفرصة لهداية النّاس وإرشادهم في سفره الطّويل هذا. وعندما وصل إلى مرو الّتي هي مركز إقامة الخلافة، كان عليه السلام كلّما سنحت له الفرصة وأفلت من رقابة الجهاز الحاكم، يُسارع إلى الحضور في جمع النّاس.

والإمام عليه السلام، فضلًا عن أنّه لم يحضّ ثوّار التشيّع على الهدوء أو الصلح مع جهاز الحكومة، بل إنّ القرائن الموجودة تدلّ على أنّ الوضع الجديد للإمام المعصوم كان عاملًا محفّزًا ومشجّعًا لأولئك الّذين أصبحوا، بفعل حماية الإمام ومؤازرته لهم، محلّ احترام وتقدير، ليس فقط عند عامّة النّاس، بل حتّى عند العاملين وولاة الحكومة في مختلف المدن، بعد أن كانوا، ولفتراتٍ طويلة من عمرهم، يعيشون في الجبال الوعرة والمناطق النّائية البعيدة. فشخصٌ مثل دعبل الخزاعيّ، صاحب البيان الجريء، الذي لم يكن على الإطلاق يمدح أي خليفة أو وزير أو أمير، والذي لم يكن في خدمة الجهاز الحاكم، لا بل لم يسلم من هجائه ونقده أيّ شخصٍ من حاشية الخلافة، وكان لأجل ذلك ملاحَقًا دومًا من قبل الأجهزة الحكوميّة، وظلّ لسنوات طوال مهاجرًا ليس له موطن، يحمل داره على كتفه، ويسير من بلدٍ إلى بلد، ومن مدينةٍ إلى مدينة، أصبح بإمكانه الآن مع وجود الإمام علي بن
 
 
 
 
 
275

232

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 موسى الرضا عليه السلام أن يصل ويلتقي بمقتداه ومحبوبه بحريّة، وأن يُوصل، في فترةٍ قصيرة، شعره إلى أقطار العالم الإسلاميّ كلّه. ومن أشهر قصائده وأبهاها تلك الّتي تلاها على مسمَع الإمام عليه السلام حيث اشتهر بها، والّتي تبيّن وثيقة الثّورة العلويّة ضدّ الأنظمة الأمويّة الحاكمة. حتّى أنّه، وفي طريق عودته من عند الإمام، كان يسمع قطّاع الطّرق يُردّدون تلك القصيدة نفسها. وهذا يدلّ على الانتشار السّريع لشعره.


مكانة الامام بعد عام من قبول ولاية العهد
لقد جعل المأمون عليَّ بن موسى متمتّعًا بالإمكانات والمكانة المرموقة، لكنّ الجميع كانوا يعلمون أنّ هذا الوليّ للعهد، وصاحب المقام الرفيع، لا يتدخّل بأيٍّ من أعمال الحكومة، ويمتنع برغبته عن كلّ ما يرتبط بجهاز الحكم، وكانوا يعلمون أيضًا أنّه وليّ العهد بذلك الشّرط، أي عدم تدخّله بأيّ عمل من الأعمال. كان المأمون، سواء في رسالة أمر تسليم ولاية العهد أو في كلماته وتصريحاته الأخرى، قد مدح الإمام عليه السلام بالفضل والتّقوى، وأشار إلى نسبه الرّفيع ومقامه العلميّ المنيع، وبعد أن كان قسمٌ من النّاس لا يعرف عن الإمام عليه السلام سوى اسمه (حتى أنّ مجموعة من النّاس كانت قد ترعرعت على بغضه)، فقد أصبح في غضون سنة معروفًا عندهم بأنّه شخصيّة تستحقّ التّعظيم والإجلال واللياقة لاستلام الخلافة، فهو أكبر من الخليفة المأمون سنًّا، وأغزر علمًا وتقوى، وأقرب إلى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأعظم وأفضل. وبعد مضيّ سنة، ليس أنّ المأمون لم يستطع كسب ودّ ورضا الشّيعة المعارضين بجلب الإمام عليه السلام إلى قربه فحسب، بل إنّ الإمام عليه السلام قام بدورٍ أساس في تقوية إيمان أولئك الشّيعة الثّائرين وعزيمتهم وروحيّتهم. 

وبخلاف ما كان ينتظره المأمون، فإنّ نجم الإمام في المدينة ومكة، وفي أهمّ الأقطار الإسلاميّة لم يخبُ، ولم يُقذف بتهمة الحرص على الدنيا وحبّ الجاه والمنصب، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد ازداد احترام وتقدير مرتبة الإمام المعنويّة لدرجة فتح الباب أمام المدّاحين والشعراء بعد عشرات السنين، ليذكروا فضل آبائه المعصومين المظلومين ومقامهم.
 
 
 
 
276

233

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 شهادة الإمام الرضا عليه السلام

إنّ المأمون في هذه المقامرة الكبرى، فضلًا عن أنّه لم يحصل على شيء، فإنّه فقد مكاسب كثيرة، وكان على طريق خسارة ما تبقّى له. وبعد مضي سنة على تسلّم الإمام عليه السلام ولاية العهد، وأمام هذا الواقع الّذي أشرنا إليه، شعر المأمون بالهزيمة والخسارة، ولكي يُعوِّض عن هذه الهزيمة ويَجبُر خطأه الفاحش، وجد نفسه مضطرًّا - بعد أن أنفق كلّ ما لديه، واستنفذ كلّ الوسائل في مواجهة أعداء حكومته الّذين لا يقبلون الصلح، أي أئمّة أهل البيت عليهم السلام - إلى أن يستخدم الأسلوب نفسه الّذي لجأ إليه دومًا أسلافُه الظّالمون والفجّار، أي القتل.

كان من الواضح عند المأمون أنّ قتل الإمام عليه السلام الّذي يتمتّع بهذه الموقعيّة العالية والمرتبة الرّفيعة، ليس بالأمر السّهل. والقرائن التاريخيّة تدلّ على أنّ المأمون قام بعدّة إجراءات وأعمال قبل أن يُصمّم على قتل الإمام عليه السلام، لعلّه من خلالها يُسهّل أمر قتل الإمام عليه السلام، ويحدّ من خطورته وحساسيّته. ولأجل ذلك، لجأ إلى نشر الأقوال والأحاديث الكاذبة عن لسان الإمام، كواحدة من هذه التحضيرات. وهناك ظنٌّ كبيرٌ بأنّ نشر الشائعة الّتي تقول إنّ عليَّ بن موسى الرضا عليه السلام يعتبر كلّ النّاس عبيدًا له، بهذا الشكل المفاجئ في مرْو، لم يكن ممكنًا، لولا قيام عمّال المأمون بنشر هذه الافتراءات.

وحينما نقل أبو الصّلت هذا الخبر للإمام، قال الإمام عليه السلام: "اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أَنْتَ شَاهِدٌ بِأَنِّي لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنْ آبَائِي عليه السلام قَالَهُ قَطُّ، وَأَنْتَ الْعَالِمُ بِمَا لَنَا مِنَ الْمَظَالِمِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّة، وأنَّ هَذِه مِنْهَا..."1.

إضافة إلى هذا الإجراء، كان تشكيل مجالس المناظرات مع أيّ شخص لديه أدنى أمل في أن يتفوّق على الإمام، واحداً من الإجراءات الّتي مارسها المأمون. ولمّا كان الإمام عليه السلام يتفوّق ويغلب مناظريه من مختلف الأديان والمذاهب في البحوث كافّة، كان يذيع صيته بالعلم والحجّة القاطعة في كلّ مكان، وفي مقابل ذلك كان المأمون يأتي بكلّ متكلّم من أهل
 

1- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، عيون أخبار الرضا، تحقيق وتصحيح مهدي اللاجورديّ، نشر جهان ـ طهران، الطبعة الأولى، 1420م، ج2، ص 184.
 
 
 
 
 
277

234

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 المجادلة إلى مجلس المناظرة مع الإمام، لعلّ أحدًا منهم يستطيع أن يغلب الإمام عليه السلام. وكما تعلمون، إنّه كلّما كانت تكثر المناظرات وتطول، كانت القدرة العلميّة للإمام عليه السلام تزداد وضوحًا وجلاءً. وفي النّهاية يئس المأمون من تأثير هذه الوسيلة، وحاول أن يتآمر لقتل الإمام عليه السلام، كما تذكر الروايات، من خلال حاشيته وخدم الخليفة. وفي إحدى المرّات وُضع الإمام في سجن سرخس (منطقة شمال شرق إيران)، لكن هذا لم يكن نتيجتُه إلا إيمان الجلاوزة والسجّانين أنفسهم بالمقام المعنويّ للإمام عليه السلام. وهنا لم يجد المأمون العاجز والغاضب أمامه في النّهاية وسيلة إلّا أن يُسمّم الإمام بنفسه، من دون أن يُكلِّف أيّ أحد بذلك، وهذا ما قام به فعلًا. ففي شهر صفر من سنة 203 هـ، أي بعد سنتين تقريبًا من خروج الإمام عليه السلام من المدينة إلى خراسان، وبعد سنة ونيّف من صدور قرار ولاية العهد، قام المأمون بجريمته النكراء الّتي لا تُنسى، وهي قتل الإمام عليه السلام.


وفي نهاية المطاف، عاد المأمون ليختار الأسلوب نفسه الّذي سلكه أسلافه من قبله، وهو قتل الإمام عليه السلام. فالمأمون الّذي سعى جاهدًا لتكون صورته حسنة ومقدّسة، وليتّصف بأنّه خليفة طاهر عاقل، سقط في النهاية في تلك المزبلة الّتي سقط فيها كلّ الخلفاء السابقين له، أي انجرّ إلى الفساد والفحشاء، ووُسمت حياته بالظّلم والكبر..

ويُمكن مشاهدة نماذج من حياة المأمون على مدى 15 عامًا بعد حادثة ولاية العهد، تكشف ستار الخداع والتّظاهر عند المأمون. فكان لديه قاضٍ للقضاة، فاسق وفاجر، مثل يحيى بن الأكثم. وكان المأمون يُحضر المغنّيات أيضًا إلى قصره، وكان لديه مغنٍّ خاصّ يُدعى إبراهيم بن مهديّ. وقد عاش مرفّهًا مسرفًا حتّى أنّ ستائر دار خلافته في بغداد كانت من الدرّ.
 
 
 
 
 
278

235

الدرس الحادي والعشرون: الإمام الرضا عليه السلام (2) قضية ولاية العهد

 المفاهيم الرئيسة


1- عندما دُعي الإمام عليه السلام من قِبَل المأمون لينتقل من المدينة إلى خراسان، نشر جوّاً في المدينة يدلّ على انزعاجه، وأنّ المأمون يُضمر سوءاً للإمام عليه السلام من خلال إبعاده عن موطنه.

2- ونتيجةً لردّ الفعل الذي قام به الإمام عليه السلام في المدينة، ازداد الناس حقدًا على المأمون، لكونه قام بإبعاد إمامهم عنهم بهذا الشكل الظالم، ووجّهه إلى مقتله.

3- سعى الإمام الرضا عليه السلام، في كلّ فرصة تُتاح له، أن يُبيّن أنّه مجبر على تسلّم منصب ولاية العهد، وكان يذكر دائمًا أنّه هُدّد بالقتل حتّى يقبل بولاية العهد.

4- مع الضّغوطات والتّهديدات كلّها الّتي مورست عليه، لم يقبل بولاية العهد إلا بشرط الموافقة على عدم تدخّله في أيّ شأن من شؤون الحكومة، من حرب وصلح وعزل ونصب وتدبير وإشراف على الأمور.

5- حاول المأمون، مستخدماً لطائف الحيل، أن يحمل الإمام الرضا عليه السلام على التدخّل في أعمال الحكومة، وأن يقضي على سياسة الإمام المواجِهة والرافضة، لكنّ الإمام عليه السلام كان في كلّ مرّة يُحبط خطّته بفطنته وبراعته.

6- استفادة الإمام عليه السلام من مسألة ولاية العهد، التي كانت بمثابة خرق لستار التقيّة الغليظ في ذاك الزّمان، حيث تمّ إيصال نداء التشيّع إلى أسماع المسلمين جميعهم.

7- في زمان الإمام الرّضا عليه السلام عاد ذكر عظمة وفضائل أهل البيت في كلّ مكان، كما أنّ أصحابهم ازدادوا جرأةً وإقدامًا بعد حادثة ولاية العهد، وتعرّف الأشخاص، الّذين كانوا يجهلون مقام أهل البيت عليهم السلام، عليهم، وصاروا يُحبونهم.

8- بخلاف ما كان ينتظره المأمون، فإنّ نجم الإمام في المدينة ومكة، وفي أهمّ الأقطار الإسلاميّة، لم يخبُ، ولم يُقذَف بتهمة الحرص على الدنيا وحبّ الجاه والمنصب، بل على العكس من ذلك تمامًا، فقد ازداد احتراماً وتقديراً، فما كان من المأمون إلا أن اختار أسلوب أسلافه، فأمر بقتل الإمام عليه السلام.
 
 
 
 
279

236

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى أهم مظاهر الحركة الجهاديّة عند الإمام الجواد عليه السلام.
2- يبيّن كيف أسهم الإمامان الهادي والعسكريّ في انتشار التشيّع وتثبيت أركانه.
3- يفهم أنّ لكل إمام وظيفة محدَّدة طوال سنواتهم الشريفة، وأن نجاح هذه الوظيفة مقدمة أساس لقوّة التشيّع وانتشاره وثباته.
 
 
 
 
 
 
281

237

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 الجهاد الدائم للأئمة عليهم السلام

إنّ هؤلاء العظماء كانوا دومًا في حالة جهاد، جهادٌ روحُه سياسيّة، وذلك لأنّ من يجلس على مسند الحكم، كان يدّعي الدّين، وكان يراعي ظواهر الدّين، حتّى أنّه كان يتقبّل في بعض الأوقات، رأي الإمام الدينيّ، كتلك المسائل عن حياة المأمون، حيث كان يقبل رأي الإمام عليه السلام علنًا، فلم يكن يأبى أبدًا أن يقبل الرأي الفقهيّ أحيانًا. فالشيء الّذي كان يؤدّي إلى وجود مثل هذه المواجهة والمعارضة ضدّ أهل البيت هو أنّ أهل البيت كانوا يعدّون أنفسهم الأئمّة، وكانوا يقولون نحن أئمّةٌ. وفي الأساس، إنّ هذا كان يُعدّ أكبر مواجهةٍ للحكّام، لأنّ الّذي صار حاكمًا، وكان يُعدّ نفسه إمامًا للنّاس، كان يرى الشّواهد والقرائن المطلوبة في الإمام موجودة فيهم عليهم السلام، وليست موجودة فيه، وكان يعتبر هذا الإمام خطراً على حكومته لأنّه ليس إلّا مدّعٍ. وقد كان الحكّام يُحاربون بمثل هذه الرّوحيّة العدائيّة، وكان الأئمّة عليهم السلام يقفون كالطّود الشامخ. من البديهيّ في مثل هذه المواجهة أن يكون للمعارف والأحكام الفقهيّة والأخلاق، الّتي كان الأئمّة يروّجون لها مكانها الطبيعيّ، وكانت تربية المزيد من التلامذة والأتباع، وتوسعة الروابط الشيعية تزداد يوماً بعد يوم.

الإمام الجواد، والجهاد السياسيّ
إنّ الإمام الجواد عليه السلام، وكغيره من المعصومين، هو قدوةٌ وأسوةٌ ونموذجٌ لنا، وإنّ الحياة القصيرة لهذا العبد الصالح لله، انقضت بالجهاد ضدّ الكفر والطّغيان. وقد أضحى في موقع قيادة الأمّة الإسلاميّة في حداثة عمره، وقد جاهد مجاهدةً مركّزة ضدّ العدوّ في هذه السّنوات القصيرة، حيث إنّه كان ما زال في مقتبل عمره، في عمر الـ 25 سنة، عندما لم يعد أعداء الله يتحمّلون وجوده، فقتلوه بالسمّ واستُهشد. ومِثْلُ الأئمّة الأطهار عليهم السلام الّذي أضاف كلّ واحدٍ منهم بجهاده صفحةً على تاريخ الإسلام المليء بالمفاخر، فإنّ
 
 
 
 
283

238

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 هذا الإمام العظيم قد أضاف بعمله إلى الإسلام دعامة مهمّة من الجهاد الشّامل، وقدّم لنا درسًا عظيمًا، وذاك الدّرس العظيم هو أنّه عندما نكون في مواجهة القوى المنافقة والمرائية، يجب أن نسعى جهدنا من أجل أن نستنهض وعي النّاس لمواجهة هذه القوى. فلو أنّ العدوّ يُظهِر عداءه بنحوٍ صريحٍ وعلنيّ، ولا يرائي، فإنّ التّعامل معه أسهل. ولكن عندما يكون العدوّ كالمأمون العبّاسيّ الّذي يتظاهر بالقداسة والدّفاع عن الإسلام، فإنّ التعرّف عليه سيكون صعبًا بالنّسبة للنّاس. كان المتسلّطون، في عصرنا هذا، وفي جميع عصور التاريخ، يسعون دائمًا للتوسّل بالحيلة والرّياء والنّفاق عندما يعجزون عن مواجهة النّاس وجهاً لوجه... وقد بذل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام والإمام الجواد عليه السلام الهمّة من أجل كشف قناع التزوير والرّياء هذا، عن وجه المأمون، ونجحوا في ذلك.


الإمام الجواد، وبنيان الحرّيّة
إنّ هذا العظيم هو مظهر المقاومة وعلامتها. إنسانٌ عظيمٌ أمضى كلّ عمره القصير في مواجهة ومعارضة السّلطة المزوّرة والمرائيّة للخليفة العبّاسيّ المأمون، ولم يتراجع خطوةً واحدةً، وتحمّل الظروف الصّعبة جميعها وجاهد بكلّ الأساليب الجهاديّة الممكنة، وكان أوّل من أشاد بنيان بحث الحرّية بصورةٍ علنيّة، وكان يُباحث العلماء والدعاة والمدّعين ومختلقي الأعذار في محضر المأمون العبّاسيّ بشأن أدقّ القضايا، ويستدلّ ويثبت أفضليّته وحقّانيّة كلامه. إنّ بحث الحرّيّة هو من تراثنا الإسلاميّ، وقد راج هذا البحث في زمان أئمّة الهدى، وقد تطرّق الإمام الجواد عليه السلام، هذا الإمام الجليل، إليه في زمانه، وتعرّض له بصورةٍ صافية ونقيّة.

الإمام الهادي، وحادثة الطفولة
يوجد حديثٌ حول طفولة الإمام الهادي عليه السلام، عندما أحضر المعتصمُ الإمام الجواد عليه السلام من المدينة إلى بغداد، في العام 218 هجريّة، أي قبل شهادته بسنتين، وبقي الإمام الهادي عليه السلام حينها مع أهله في المدينة، حيث كان له من العمر وقتها ست سنوات، وبعد أن أُحضر الإمام الجواد عليه السلام إلى بغداد، سأل المعتصم عن أسرته وأهله، وعندما سمع أنّ ابنه البكر عليّ بن محمّد، ابن ست سنوات، قال إنّه خطرٌ، ويجب أن نُفكّر بحلٍّ له. وقد أمر المعتصم رجلًا من أقاربه أن يذهب من بغداد إلى المدينة، وأن يجد
 
 
 
 
 
 
 
284

239

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 فيها من هو عدوّ لأهل البيت، فيودع عنده هذا الطفل، ليكون معلّمًا له، ويربّيه ليصبح عدوًّا لأسرته، ومنسجمًا مع الجهاز الحاكم. فجاء هذا الشّخص من بغداد إلى المدينة، واختار أحد علمائها المدعوّ الجنيديّ الّذي كان من أشدّ المخالفين والمعاندين لأهل البيت - وكان في المدينة عددٌ من أمثال هؤلاء العلماء ــ لينهض بهذا العمل، وقال له: إنّني مأمورٌ أن أجعلك مربّيًا ومؤدِّبًا لهذا الطفل، ولا ينبغي أن تسمح لأيّ شخصٍ بالتّواصل معه أو الارتباط به، وأُريدك أن تُربّيه بهذه الطّريقة وبهذا الشكل. وقد سجّل التاريخ اسم هذا الشّخص. وكان الإمام الهادي عليه السلام - كما ذكرت - بعمر ست سنوات في ذلك الوقت، وكان الأمر أمر الحكومة، فمن الّذي يستطيع أن يعترض على مثل هذا الأمر؟!


وبعد مدّةٍ جاء أحد المقرَّبين من الجهاز الحاكم ليطّلع على الجنيديّ، ويسأل عن أحوال ذلك الطفل الّذي أودعه إيّاه، فقال الجنيديّ: أيّ طفلٍ هذا؟ أهذا هو الطفل؟ إنّني أُبيّن له مسألةً في الأدب، فيُبيّن لي أبوابًا من الأدب، حيث أتعلّم منه! فأين درس هذا الطفل وتعلّم؟! وأطلب منه أحيانًا عندما يدخل إلى الحجرة أن يقرأ سورةً من القرآن، وعندما يدخل - وهو يريد أذيّته - يسأل: أيّ سورةٍ أقرأ، فأقول له: اقرأ سورة كبيرة، كسورة آل عمران مثلًا، فيقرأها عليّ، ويبيّن لي مواضع الإشكال في قراءتها. إنّهم علماءُ وحفّاظٌ للقرآن، وعلماء بالتأويل والتفسير، أيّ طفلٍ هذا؟!. وقد استمرّ ارتباط هذا الطّفل ــ الّذي كان في الظّاهر طفلًا، ولكنّه وليّ الله، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾1 - بهذا الأستاذ لمدّة، إلى أن أصبح هذا الأستاذ من الشّيعة المخلصين لأهل البيت2.

الإمام الهادي عليه السلام، ومواجهته للسلطة
في المواجهة الّتي جرت بين الإمام الهادي عليه السلام وبين حكّام زمانه، فإنّ الّذي انتصر في الظّاهر والباطن هو هذا الإمام عليه السلام. ففي زمن إمامته، حكم ستّةٌ من الخلفاء، واحدًا تلو الآخر، وهلكوا جميعًا، واحدًا تلو الآخر. وكان آخرهم المعتزّ الّذي قتل الإمام عليه السلام، ولم يلبث من بعده إلّا قليلًا. وهؤلاء الخلفاء ماتوا أذلّاء في الغالب، أحدهم قتله ابنه، والآخر على يد ابن أخيه. وبهذه الطّريقة تشتّت العبّاسيّون وانقرضوا، بعكس الشّيعة.
 

1- سورة مريم، الآية 12.2- كلستان سعدي.
3- راجع: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج50، ص211.
 
 
 
 
 
285

240

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 الإمام الهادي، ونشر التشيّع

إنَّ الشّيعة في زمن الإمام الهادي والإمام العسكريّ عليهما السلام، ورغم ما فيه من عنفٍ وقمعٍ، كانوا يزدادون انتشاراً وقوّةً يومًا بعد يوم.

لقد عاش الإمام الهادي عليه السلام42 سنة، قضى 20 سنة منها في سامرّاء، حيث كان يعمل ويعيش ويمتلك مزرعةً. وكانت سامرّاء في الواقع بمثابة معسكر بناه المعتصم لغلمانه التّرك المقرّبين له، وهؤلاء التّرك هم غير الأتراك الّذين يعيشون في إيران أو في آذربايجان أو سائر النقاط، والّذين أحضرهم من تركستان وسمرقند، ومن منطقة مانغوليا وآسيا الشرقية، واحتفظ بهم في سامرّاء. وهؤلاء الأتراك، ولحداثة إسلامهم، لم يكونوا يعرفون الأئمّة ولا المؤمنين، ولا يفهمون عن الإسلام شيئًا، لهذا صاروا يُضايقون النّاس، وأوجدوا بينهم وبين العرب - أهالي بغداد - النّزاعات والمشاجرات. وفي مدينة سامرّاء نفسها، اجتمع عددٌ ملحوظٌ من كبراء الشّيعة في زمن الإمام الهادي عليه السلام، وتمكّن الإمام عليه السلام من إدارتهم، وإيصال رسالة الإمامة من خلالهم إلى مختلف مناطق العالم الإسلاميّ. فالرّسائل وهذه الشّبكات الشيعيّة، في قم وخراسان والريّ والمدينة واليمن، وفي المناطق البعيدة، وفي أقطار العالم جميعها، هي الّتي استطاعت أن تروّج وتنشر وتزيد من المؤمنين في هذا المذهب، يوماً بعد يوم. وقد استطاع الإمام الهادي عليه السلام أن يقوم بكلّ هذه الأعمال، تحت ظلّ بريق السّيوف الحادّة والدمويّة لأولئك الخلفاء الستّة، ورغمًا عن أنوفهم.

ويوجد حديثٌ معروفٌ حول وفاة الإمام الهادي عليه السلام، يُعلم من عباراته تواجد جمعٍ ملحوظٍ من الشّيعة في سامرّاء، لم يكن الجهاز الحاكم يعرف عنهم شيئًا، لأنّه لو كان يعلم بهم، لكان قضى عليهم عن بكرة أبيهم، لكنّ هذه الجماعة، ولأنّها استطاعت أن توجد شبكة قويّة، فإنّ الجهاز الحاكم لم يتمكّن من الوصول إليها.

المواجهة بين الإمام العسكريّ والمتوكل
حدثت تلك المواجهة عندما أمر المتوكّل أن يُحضر الإمام عليه السلام إلى مجلسه، الّذي هو مجلس خمرٍ وسكرٍ، لكي ينتشر الخبر في كلّ مكان، أنّ عليَّ بن محمد كان نديمًا للمتوكّل، وقد جالسه في مجلس الخمر واللهو! فانظروا أنتم أيّ تأثيرٍ تركه هذا الخبر. لقد نظر
 
 
 
 
286

241

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 الإمام عليه السلام إلى القضيّة من زاوية الإنسان المجاهد، ووقف مقابل هذه المؤامرة، فذهب الإمام عليه السلام إلى بلاط المتوكّل، واستطاع أن يُبدّل مجلس سكره إلى مجلسٍ عابقٍ بالمعنويّات. فبذكر الحقائق وإنشاد تلك الأشعار الشامتة، هزم المتوكّل، بحيث إنّ هذا المتوكّل، وبمجرّد أن انتهى الإمام من كلماته، نهض من مكانه، وأحضر للإمام الغالية (عطر مركّب من المسك والعنبر)، وشيّعه بكلّ أدبٍ واحترام، فقال له الإمام: هل تتصوّر أنّك إذا جلست هنا فإنّك ستهرب من قبضة الموت؟! وهكذا بيّن للمتوكّل كلّ ما يجري عند الموت، وما بعده، حتّى أكل الديدان له. فاستطاع الإمام أن يُبدّل المجلس تبديلًا تامًّا، ويقلبه رأسًا على عقب، وأن يخرج من البلاط1.


باتوا على قللِ الأجبال تحرسُهم
                      واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم 
ناداهمُ صارخٌ من بعد ما قُبروا 
                      أيـن الوجوه الّتي كانتْ منعّمةً 
فـأفـصـحَ القبرُ حين ساءلهم 
                      قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا 
                      أضـحـت منازلُهم قفراً معطّلةً 
سـل الـخـليفةَ إذ وافت منيتهُ 
وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا غُـلْب الرجالِ فما أغنتهمُ القُللُ
وأودعوا حفراً يـابئس ما نزلوا
                      أين الأسرّةُ والتيجانُ والحللُ
من دونها تُضربُ الأستارُ والكللُ
                      تـلك الوجوه عليها الدودُ يقتتلُ
وطالما عمّروا دوراً لتُحصنهم
                      فأصبحوا بعد طول الأكلِ قد أُكلوا
ففارقوا الدورَ والأهلينَ وارتحلوا
                      فـخلّفوها على الأعداء وانتقلوا
أين الحماة وأين الخيلُ والخولُ
 
 

1- ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 447 - 337.
 
 
 
 
287

242

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 هذه المواجهة الّتي ابتدأها الخليفة المتسلّط والمتعجرف، في قبال شابٍّ لا دفاع له، ويبدو في الظاهر هو الأضعف، قد تحوّلت إلى حربٍ نفسيّة لم يكن فيها الحربة والسيف. فلو كنّا نحن هناك، لما استطعنا أن نفعل ما فعله الإمام عليه السلام. إنّ الإمام عليه السلام هو الّذي استطاع أن يُشخّص هذه الوضعيّة، ويتحدّث بطريقة لا تُغضب الخليفة. كان من الممكن مثلًا أن ينتفض الإمام عليه السلام فجأةً، ويرمي بكلّ كؤوس الشّراب أرضًا، ولكن لم يكن هذا ليكون ردّة فعلٍ جيّدة، وما كان ليؤتي ثماره، لكنّ الإمام عليه السلام تصرّف بطريقةٍ أخرى. وهذا البعد في القضيّة مهمٌّ جداً.


ثمار جهاد الأئمّة عليهم السلام
1- حفظ الدين الإسلاميّ:
إنّ يومًا من جهاد هؤلاء العظماء - الأئمّة عليهم السلام - يؤثّر بمقدار سنوات. ويومٌ واحدٌ من حياتهم المباركة يساوي سنواتٍ من حياة جماعةٍ تعمل ليل نهار على مستوى التّأثير في المجتمع. هؤلاء العظماء قد حفظوا الدّين بهذه الطّريقة، وإلّا فإنّ دينًا يقع على رأسه المعتزّ والمتوكّل والمعتصم والمأمون، ويكون علماؤه رجالٌ كيحيى بن أكثم - الذي رغم أنّه كان عالم البلاط، فقد كان من الفسّاق والفجّار المتجاهرين من الدّرجة الأولى - لا ينبغي أساسًا أن يبقى، ولكان ينبغي، والحال هذا، أن يُجتثّ من جذوره، وينتهي كلّ شيء. فجهاد الأئمّة عليهم السلام وسعيهم لم يحفظ التشيّع فحسب، بل القرآن والإسلام والمعارف الدينيّة، وهذه هي خاصّية العباد الخالصين والمخلصين، وأولياء الله. فلو لم يكن للإسلام أمثال هؤلاء من أولي العزم، لما استطاع أن يعود غضًّا طريًّا ويوجِد هذه الصّحوة الإسلاميّة بعد 1230 سنة، بل كان ينبغي أن يزول شيئًا فشيئًا. فلو لم يكن للإسلام هؤلاء الّذين جذّروا هذه المعارف العظيمة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الأذهان على مرّ التاريخ الإنسانيّ والإسلامي، لكان ينبغي أن يزول من
 
 
 
 
 
 
 
 
288

243

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 الوجود، وينتهي كلّ شيء، ولا يبقى منه أيّ شيء. ولو بقي، فلم يكن ليبقى من معارفه شيءٌ، كالمسيحية واليهودية، اللتين لم يبقَ من معارفهم الأساس أيّ شيءٍ تقريبًا. فأن يبقى القرآن سالمًا، والحديث النبويّ، وكلّ هذه الأحكام والمعارف الإسلاميّة، وذلك بعد أكثر من 1000 سنة، وأن تتمكّن من أن تبرز في قمّة المعارف الإنسانيّة، ليس بالأمر الطبيعيّ، بل كان هناك عملٌ غير طبيعيّ يؤدَّى من خلال الجهاد. وبالتأكيد، كان على طريق هذا العمل الكبير الضربُ والسجن والقتل، وكلّ هذه لم تكن بالنسبة لهؤلاء العظماء شيئًا.


2- اتّساع دائرة التشيّع:
لا يوجد أيّ زمانٍ شهدت فيه روابط الشّيعة وانتشار تشكيلاتهم في أرجاء العالم الإسلاميّ كلّه ما شهدته في زمن حضرة الإمام الجواد والإمام الهاديّ والإمام العسكريّ عليهم السلام. فوجود الوكلاء والنوّاب وتلك القصص الّتي تُنقل عن الإمام الهادي عليه السلام والإمام العسكريّ عليه السلام ـ مثلًا عندما كان يُحضر له المال، والإمام يُحدّد ماذا ينبغي أن يُفعل به - دليلٌ على هذا الأمر، أي أنّه بالرغم من الإقامة الجبريّة لهذين الإمامين الجليلين في سامرّاء، وقبلهما الإمام الجواد عليه السلام بنحوٍ ما، فإنّ الارتباط والتواصل مع النّاس كان يتّسع على هذه الشاكلة. 

فلو اطّلعنا على حالات هؤلاء الأئمّة الثّلاثة في المناقب4 وغيرها، لوجدنا أنّ شبكة العلاقات الشيعيّة في زمان هؤلاء الثلاثة كانت أكثر وأوسع منها في زمن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام.

فكانت تُرسَل إليهم الكتب والرّسائل من أقصى نقاط العالم، وكذلك الأموال والمسائل، في حين أنّهم كانوا يعيشون ضمن نطاقٍ ضيّق.

وقد أضحى الإمام الهادي عليه السلام في سامرّاء محبوبًا من قِبَل النّاس، وكان الجميع يحترمونه، ولم يكن يتعرّض لأيّ إهانة. 

استطاع الإمام الهادي والإمام العسكريّ عليهما السلام في مدينة سامرّاء تلك، الّتي كانت في الواقع بمثابة معسكر كبير ـ لم تكن في ذلك الكبر، بل عاصمةٌ حديثة البناء سرورٌ لكلّ
 
 
 
 
289

244

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 من رأى (سُرَّ مَن رأى)، حيث يجتمع فيها الرؤساء والأعيان ورجال الحكومة وبعض النّاس العاديين الّذين يؤمّنون الحوائج اليوميّة ـ لقد استطاعا أن يُنظّما كلّ هذه الروابط بين أقطار العالم الإسلاميّ جميعها. فعندما ننظر إلى أبعاد حياة الأئمّة، نفهم ماذا كانوا يفعلون. لهذا، لم تنحصر القضيّة في تلك الفتاوى الّتي كانوا يُجيبون بها على أسئلة النّاس حول الصّلاة والصّوم والطّهارة والنّجاسة، بل كانوا ينطلقون من موقعيّة الإمام بذلك المعنى الإسلاميّ الخاصّ، ويتحدّثون وفقه مع النّاس. وبرأيي، يمكن الالتفات إلى هذا البعد، إلى جانب غيره من الأبعاد. أنتم ترون أنّهم عندما أحضروا الإمام الهادي عليه السلام من المدينة إلى سامرّاء، وقتلوه في سنّ الشباب عن عمرٍ يناهز 42 سنة، أو عندما يقتلون الإمام العسكريّ في سنّ الـ 28 سنة، فكلّ ذلك دليلٌ على هذه الحركة العظيمة للأئمّة والشّيعة وأصحابهم الكبار عبر التاريخ. ومع أنّ جهاز الحكم كان نظامًا بوليسيًّا، ويعمل بشدّة، فقد استطاع الأئمّة في مثل هذا الوضع أن يُحقّقوا مثل هذه النجاحات.


المظلومية والنصر في حياة الأئمة 
إنّ ما يُقال من أنّ هؤلاء العظماء كانوا في غربةٍ تامّة، هو هكذا في الواقع، فقد كانوا بعيدين عن المدينة، وبعيدين عن أهلهم، وبعيدين عن بيئتهم الّتي ألِفوها. ولكن إلى جانب ذلك، يوجد بشأن هؤلاء الأئمّة الثلاثة - من الإمام الجواد وإلى الإمام العسكريّ - نقطة أخرى، وهي أنّه كلّما اتّجهنا إلى نهاية إمامة الإمام العسكريّ عليه السلام، فإنّ هذه الغربة تزداد. إنّ دائرة نفوذ الأئمّة وسعة دائرة الشّيعة في زمان هؤلاء الأئمّة الثلاثة إذا ما قورنت بزمان الإمام الصادق والإمام الباقر عليهما السلام، نجد أنّها ازدادت عشرة أضعاف عمّا كانت عليه، وهذا شيءٌ عجيب. ولعلّ السّبب في أنّهم قد وُضعوا تحت هذه الضّغوط والتّضييق. مقصودنا أنّه ينبغي مشاهدة هذه العزّة والعظمة إلى جانب تلك الغربة.

إنّ أئمّتنا، وطيلة الـ 250 سنة للإمامة ـ أي منذ رحيل نبيّ الإسلام المكرّم صلى الله عليه وآله وسلم وإلى زمن وفاة الإمام العسكريّ ـ قد لاقوا الكثير من التّعذيب والقتل والظّلم، وحريٌّ بنا أن نبكيهم. إنّ مظلوميّتهم تستحضر القلوب والعواطف، لكنّ هؤلاء المظلومين قد انتصروا، سواءٌ في مقطعٍ من الزمّان أو في كلّ هذا الزّمان وطوله.
 
 
290

245

الدرس الثاني والعشرون: الإمام الجواد عليه السلام الإمام الهادي عليه السلام الإمام العسكريّ عليه السلام

 المفاهيم الرئيسة


1- الشيء الّذي كان يؤدّي إلى وجود المواجهة والمعارضة ضدّ أهل البيت هو أنّهم كانوا يصرّحون علناً بأنّهم الأئمّة، وهذا كان يُعدّ أكبر مواجهةٍ للحكّام، وخطراً عليهم.
2- الإمام الجواد عليه السلام، كغيره من المعصومين، ورغم حياته القصيرة، إلا أنه قضاها في الجهاد ضد الظالمين، حتى أضحى في موقع قيادة الأمة رغم حداثة عمره. وعندما لم يعد أعداء الله يتحمّلون وجوده، قتلوه بالسمّ، واستُهشد أيضاً.

3- من مظاهر جهاد الإمام الجواد عليه السلام أنّه كان أوّل من أشاد بنيان بحث الحرّية بصورةٍ علنيّة، وكان يُباحث العلماء والمدّعين في محضر المأمون العبّاسيّ بشأن أدقّ القضايا. 

4- أدرك العتصم خطر الإمام الهادي عليه السلام رغم أنه يبلغ من العمر ست سنوات، فأمر أحد المخالفين لأهل البيت بأن يشرف على تعليمه وتربيته، لكن هذا المخالف أصبح من الشيعة المخلصين لاحقاً.

5- الشّيعة في زمن الإمام الهادي والإمام العسكريّ عليهما السلام، ورغم ما فيه من عنفٍ وقمعٍ، كانوا يزدادون انتشاراً وقوّةً يومًا بعد يوم.

6- اجتمع عددٌ ملحوظٌ من كبراء الشّيعة في زمن الإمامين الهادي والعسكريّ عليهما السلام، وتمكّنا من إدارتهم، وإيصال رسالة الإمامة من خلالهم إلى مختلف مناطق العالم الإسلاميّ. وقد استطاع الإمام الهادي والعكسريّ عليه السلام أن يقوما بهذه الأعمال كلّها، تحت ظلّ بريق السّيوف الحادّة والدمويّة لأولئك الخلفاء العباسيين، ورغمًا عن أنوفهم. 

7- من ثمار جهاد الإمام الجواد والهادي والعسكريّ أنْ حُفظ الدين الإسلاميّ، واتسعت دائرة التشيّع في العالم، وانتشرت بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، رغم كل القهر والتضييق والظلم بحقهم وبحق شيعتهم.
 
 
 
 
291

246

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن عقيدة المهدويّة لدى الشيعة.
2- يشرح العلاقة بين الوجود المقدَّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) وبين الأنبياء.
3- يقفّر المعنى الحقيقيّ لانتظار الفرج، ويذكر أثر اعتقاد الشعوب بالامام المهديّ.
 
 
 
293
 

247

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 الشّيعة وعقيدة المهدويّة

إنّ أصل المهدويّة هو محلّ اتّفاق جميع المسلمين. وفي عقائد الأديان الأخرى، يوجد أيضًا انتظار المنجي في نهاية الزّمان. فقد فهموا هذا المطلب أيضًا بنحوٍ صحيح في بُعدٍ من أبعاد القضيّة، ولكن في البُعد الأساس المتعلّق بتحديد ومعرفة الشّخص المنجي، ابتُلوا بنقص المعرفة. والشّيعة يعرفون المنجي بالاسم والعلامة والخصائص وتاريخ الولادة، من خلال الأخبار المسلَّمة والقطعيّة عندهم.

إنّ خصوصية اعتقاد الشّيعة هي تبديل هذه الحقيقة في مذهب التّشيّع من حالة الأُمنية والأمر الذهنيّ المحض، إلى حالة واقعيّة موجودة. الحقيقة هي أنّ الشّيعة عندما ينتظرون المهديّ الموعود، فإنّهم ينتظرون اليد المنجية تلك، ولا يغرقون في عالم العقليّات، بل يبحثون عن الواقعيّة وهي موجودة. وحجّة الله حيٌّ بين النّاس، وموجودٌ ويعيش فيما بينهم، ويرى النّاس، وهو معهم، ويشعر بآلامهم وأسقامهم. وأصحاب السّعادة والاستعداد يزورونه في بعض الأحيان بصورة خفيّة. إنّه موجودٌ، هو إنسانٌ واقعيّ مشخَّص باسمٍ معيَّن، له أبٌ وأمّ محدّدان، وهو بين النّاس ويعيش معهم.

أولئك الّذين لا يقبلون هذه العقيدة من المذاهب الأخرى، لم يتمكّنوا في أيّ وقتٍ من إقامة أيّ دليلٍ يقبل به العقل لردّ هذه الفكرة وهذه الحقيقة.

فجميع الأدلّة الواضحة والراسخة، الّتي يُصدّقها الكثير من أهل السنّة أيضًا، تحكي بصورة قاطعة ويقينيّة عن وجود هذا الإنسان العظيم، فهو حجّة الله، وهو الحقيقة الواضحة والسّاطعة، والتي توجد أيضاً في العديد من المصادر غير الشيعيّة.
 
 
 
 
295

فتاريخ ولادة الابن المبارَك والمطهَّر للإمام الحسن العسكريّ عليه الصلاة والسّلام

248

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 معروفٌ، وكذلك والداه وأصحابه ومعجزاته، وقد منحه الله عمرًا طويلًا، وما زال. وهو تجسيدٌ لتلك الأمنية الكبرى، لجميع أمم العالم، وقبائله وأديانه وأعراقه عبر العصور جميعها.


العلاقة بين الوجود المقدَّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) وبين الأنبياء
إنّ الوجود المقدّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) هو عبارة عن استمرار النبوّات والدّعوات الإلهيّة منذ بداية التّاريخ وإلى يومنا هذا، أي كما تقرؤون في دعاء النّدبة من: "فبعض أسكنته جنّتك"1، الّذي هو آدم، وإلى: "أن انتهيت بالأمر"، أي الوصول إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ومن بعدها قضيّة الوصيّة وأهل بيت هذا النبيّ العظيم، إلى أن يصل الأمر إلى إمام الزمان، فالجميع عبارة عن سلسلة متّصلة ومرتبطة ببعضها في تاريخ البشريّة. وهذا بمعنى أنّ تلك الحركة العظيمة للنبوّات، وتلك الدعوات الإلهيّة بواسطة الرّسل، لم تتوقّف في أيّ مقطعٍ من الزمان. فالبشريّة تحتاج إلى الأنبياء والدّعوات الإلهيّة، والدُعاة الإلهيّين، وهذا الاحتياج باقٍ إلى يومنا هذا، وكلّما مرّ الزمان، فإنّ البشر يُصبحون أقرب إلى تعاليم الأنبياء.

لقد أدرك المجتمع البشريّ اليوم من خلال التقدّم الفكريّ والمدنيّة والمعرفة، الكثير من تعاليم الأنبياء - والّتي لم تكن قابلة للإدراك من قبل البشر قَبْلَ عشرات القرون من هذا - فقضيّة العدالة هذه، وقضيّة الحريّة، وكرامة الإنسان، وهذه الألفاظ الرائجة في العالم اليوم، هي كلماتُ الأنبياء. في ذلك الزّمن، لم يُدرك عامّة النّاس والرأي العامّ، هذه المفاهيم. وبعد مجيء الأنبياء وانتشار دعوتهم، غُرست هذه الأفكار في أذهان النّاس وفي فطرتهم وفي قلوبهم جيلًا بعد جيل. فالدّعاة الإلهيّون لم تنقطع سلالتهم اليوم، والوجود المقدّس لبقيّة الله الأعظم (أرواحنا فداه) هو استمرار سلالة الدّعاة الإلهيّين، حيث ورد في زيارة آل ياسين: "السّلام عليك يا داعي الله، وربّانيّ آياته"2. هنا يوجد تجسيدٌ لدعوة إبراهيم ودعوة موسى ودعوة عيسى ودعوة الأنبياء والمصلحين الإلهيّين جميعهم ودعوة
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج99، ص105.
2- الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص493.
 
 
 
 
296

249

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 النبيّ الخاتم في وجود حضرة بقيّة الله. فهذا الإنسان العظيم هو وارثهم جميعًا، وبيده دعوتهم ورايتهم جميعًا، وهو يدعو البشريّة ويعرض عليها تلك المعارف الّتي جاء بها الأنبياء عبر الزمان الممتدّ. 


المعنى الحقيقيّ لانتظار الفرج
انتظار الفرج مفهومٌ واسعٌ جدًّا. وأحد أنواعه هو انتظار الفرج النهائيّ، أي أنّ النّاس عندما يرون طواغيت العالم مشغولين بالنّهب والسّلب والإفساد والاعتداء على حقوق النّاس، لا ينبغي أن يتخيّلوا أنّ مصير العالم هو هذا. لا ينبغي أن يُتصوّر أنّه في نهاية المطاف لا بدّ ولا مناص من القبول بهذا الوضع، والإذعان له، بل ينبغي أن يُعلم أنّ هذا الوضع هو وضعٌ عابر ،- "للباطل جولة"1 - وأمّا ما هو مرتبطٌ بهذا العالم وطبيعته، فهو عبارة عن استقرار حكومة العدل، وهو سوف يأتي. إنّ انتظار الفرج والفتح في نهاية العصر الّذي نحن فيه، حيث تُعاني البشريّة من الظلم والعذابات، هو مصداقٌ لانتظار الفرج، ولكن لانتظار الفرج مصاديق أخرى أيضًا.

فعندما يُقال لنا انتظار الفرج، يعني أنّ كلّ طريقٍ مسدودة قابلة للفتح. الفرج يعني الشقّ والفتح. فالمسلم يتعلّم من خلال درس انتظار الفرج أنّه لا يوجد طريق مسدودة في حياة البشر ممّا لا يمكن أن تُفتح، وأنّه لا يجب عليه أن ييأس ويُحبَط ويجلس ساكنًا ويقول لا يمكن أن نفعل شيئًا، كلا، فعندما يظهر في نهاية مطاف حياة البشر، وفي مقابل كلّ هذه الحركات الظّالمة والجائرة، عندما تظهر شمس الفرج، فهذا يعني أنّه في كلّ هذه العقبات والسدود الموجودة في الحياة الآن، هناك فرجٌ متوقَّع ومحلّ انتظار. هذا هو درس الأمل للبشريّة كلّها، وهذا هو درس الانتظار الواقعيّ للنّاس جميعهم.

لهذا، عُدّ انتظار الفرج من أفضل الأعمال. ويُعلم من ذلك أنّ الانتظار هو عملٌ لا بطالةٌ، فلا ينبغي الاشتباه والتصوّر أنّ الانتظار يعني أن نضع يداً فوق يد ونبقى منتظرين حتّى يحدث أمرٌ ما. الانتظار عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في كلّ المجالات. وهذا هو في الواقع تفسير هذه الآيات القرآنية
 

1- الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص 71.
 
 
297

 


250

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 الكريمة ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ1 أو ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ2، أي أنّه لا ينبغي أن تيأس الشعوب والأُمم من الفرج في أيّ وقتٍ من الأوقات.


لهذا ينبغي انتظار الفرج النهائيّ، مثلما ينبغي انتظار الفرج في مراحل الحياة الفرديّة والاجتماعيّة جميعها. وعدم السماح لليأس أن يُسيطر على قلوبنا، فينبغي انتظار الفرج، والعلم بأنّ هذا الفرج سيتحقّق، وهو مشروطٌ في أن يكون انتظارنا انتظارًا واقعيًّا، وأن يكون فيه العمل والسّعي والاندفاع والتحرّك.

يجب أن نعدّ أنفسنا كجنودٍ مستعدّين لتلك الظروف والشّرائط، ونجاهد في هذا المجال. إنّ انتظار الفرج لا يعني أن يجلس الإنسان ولا يفعل أيّ شيء، ولا ينهض لأيّ إصلاحٍ، ولا أن يُمنّي نفسه بأنّه منتظرٌ لإمام الزّمان عليه السلام، فهذا ليس انتظارًا.

فالانتظار يعني عدم الاقتناع والقبول بالوضع الموجود لحياة البشر، وهو السّعي من أجل الوصول إلى الوضع المطلوب. ومن المسلَّم به أنّ هذا الوضع المطلوب سوف يتحقّق على يد وليّ الله المقتدرة، الحجّة بن الحسن المهديّ، صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

فالانتظار يعني أنّه لا بدّ من مجيء يدٍ قادرةٍ مقتدرةٍ ملكوتيّةٍ إلهيّةٍ، وتستعين بهؤلاء النّاس من أجل القضاء على سيطرة الظّلم، ومن أجل غلبة الحقّ وحاكمية العدل في حياة البشريّة، ورفع راية التّوحيد، وجعل البشر عبادًا حقيقيّين لله. يجب الإعداد لهذا الأمر. فكلّ إقدامٍ على طريق استقرار العدالة يُمثّل خطوةً نحو ذلك الهدف الأسمى، الانتظار يعني هذه الأمور، الانتظار حركةٌ وليس سكونًا، ليس الانتظار إهمالاً وقعوداً إلى أن تصلح الأمور بنفسها، الانتظار حركةٌ واستعدادٌ، هذا هو انتظار الفرج.

المفهوم الخاطىء حول انتظار الفرج
إنّ الإعلام والأفكار المغلوطة قد انغرست في ذهن النّاس، وعبر كلّ هذه السّنين المتمادية، إلى تلك الدّرجة حيث اعتقدوا أنّ أيّ تحرّكٍ إصلاحيّ لن يكون مفيدًا ومثمرًا
 

1- سورة القصص، الآية 5.
2- سورة الأعراف، الآية 128.
 
 
 
298

251

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 قبل قيام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويستدلّون بأنّ الدنيا يجب أن تُملأ ظلمًا وجورًا حتّى يأتي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما لم تمتلئ بالظّلم والجور فإنّه لن يظهر. كانوا يقولون إنّ الإمام يظهر بعد أن تصبح هذه الدنيا مليئةً بالظّلم والجور. والنّقطة الموجودة هنا هي أنّ في جميع الرّوايات الّتي وردت بشأن الإمام المهديّ، فإنّ الجملة هي هكذا: "يملأ الله به الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا"1. أنا العبد لم أُشاهد موضعًا واحدًا، ولا أظنّ أنّه يوجد "بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا". فبالالتفات إلى هذه النّقطة، رجعت إلى الرّوايات العديدة في الأبواب المختلفة، ولم أجد في أيّ مكانٍ جملة، "بعدما مُلئت ظلمًا وجورا". ففي كلّ الأماكن يوجد "كما مُلئت ظلمًا وجورا"، أي أنّ امتلاء الدنيا بالعدل والقسط بواسطة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يكون مباشرةً بعد أن تُملأ بالظّلم والجور، كلّا، بل إنّه كما حصل طوال التّاريخ، وليس في موضعٍ واحدٍ أو زمان واحد، بل في أزمنة مختلفة، كانت الدنيا تُملأ بالظّلم والجور، سواءٌ في عهد الفراعنة، أو في عصور الحكومات الطاغوتيّة، أو في أيّام السّلطات الظّالمة الّتي جعلت كلّ هذه الدّنيا ترزح تحت وطأة ظلمها، وفي ظلّ السّحب السّوداء للجور والعدوان، بحيث إنّه لم نرَ فيها أيّ علامة على العدالة والحرّية. فكما أنّ الدنيا عاشت مثل هذا اليوم، فإنّها سترى يومًا يمتلئ العالم كلّه في جميع آفاقه بنور العدل، ولا يكون فيه أيّ مكانٍ لا يمتلئ بالقسط. وهناك لن يكون أيّ مكانٍ يحكمه الظّلم، أو يكون فيه البشر تحت وطأة الظّلم، وجور الحكومات، وتسلّط المقتدرين، وآلام التمييز العنصريّ، أي أنّ هذا الوضع الّذي يُهيمن على العالم اليوم، وقد كان يعمّ هذه الدّنيا في يومٍ من الأيّام، سوف يتبدّل إلى عموميّة العدل.


ليس إنّه بوجود الحكومة الإسلاميّة لن تتأخّر عاقبة الموعود فحسب، بل سيسرّع من ذلك، وهذا هو معنى الانتظار. انتظار الفرج يعني انتظار حاكميّة القرآن والإسلام. فأنتم لم تقنعوا بما هو موجودٌ الآن في العالم، حتّى بهذا التقدّم الّذي حقّقتموه عبر الثورة الإسلاميّة تريدون أن تقتربوا أكثر إلى حاكمية القرآن والإسلام، هذا هو انتظار الفرج. انتظار الفرج يعني انتظار فرج أمر البشريّة.
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 341.
 
 
299

252

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 أثر اعتقاد الشعوب بالامام المهديّ

يوجد أثرٌ آخر ونتيجةٌ مختلفة لمستقبل هذا العالم، حيث يزول اليأس والإحباط من قلوب الشّعوب، ونعلم حينها أنّ جهادنا مؤثّرٌ ومنتج. أحيانًا، هناك أفرادٌ ممّن ليس لديهم اطّلاع على هذا البعد من الفكر الإسلاميّ، يُصابون بالحيرة واليأس أمام هذه الحسابات والمعادلات المادّيّة الكبرى في العالم، ويتساءلون فيما بينهم كيف يُمكن لشعبٍ يريد أن يثور أن يقاوم مثل هذه القوى العظمى والتكنولوجيا المتطوّرة والأسلحة المدمّرة، ومثل هذه القنابل النوويّة الموجودة في العالم؟ يشعرون أنّ الصمود مقابل ضغط قوى الظلم والاستكبار أمرٌ غير ممكن. 

لكنّ الاعتقاد بالمهديّ، والإيمان بتحقّق عصر الحكومة الإسلاميّة والإلهيّة على يد ابن النبيّ وإمام الزّمان، يُحقّق هذا الأمل في الإنسان، ويقول له كلّا، سنُجاهد لأنّ العاقبة لنا، ولأنّ عاقبة أمرنا هي أنّ هذا العالم يجب أن يخضع ويُسلّم، وسوف يحصل هذا الأمر، وذلك لأنّ مسير التّاريخ يتّجه نحو ما قمنا اليوم بوضع أسسه، وقد حقّقنا أنموذجًا عنه، ولو كان ناقصًا1

ومثل هذه الأمل لو وُجد في قلوب الشّعوب المناضلة، وخاصّةً الشّعوب الإسلاميّة، فسوف يمنحها حالةً من النّشاط المستمرّ بحيث لا يُمكن لأيّ عاملٍ أن يخرجها من ميدان الجهاد والنّضال، أو أن يُصيبها بالهزيمة الداخليّة.
 

1- يقصد الجمهورية الإسلاميّة في إيران المترجم.
 
 
 
 
300

253

الدرس الثالث والعشرون: الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عقيدة المهدويّة وانتظار الفرج

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ أصل المهدويّة هو محلّ اتّفاق المسلمين جميعهم. وفي عقائد الأديان الأخرى، يوجد أيضًا انتظار المنجي في نهاية الزّمان.

2- إنّ خصوصية اعتقاد الشّيعة هي تبديل هذه الحقيقة في مذهب التّشيّع من حالة الأُمنية الذهنيّة المحضة، إلى حالة واقعيّة موجودة. 

3- إنّ الوجود المقدّس لحضرة بقيّة الله (أرواحنا فداه) هو عبارة عن استمرار النبوّات والدّعوات الإلهيّة، منذ بداية التّاريخ وإلى يومنا هذا. فالبشريّة تحتاج إلى الأنبياء والدّعوات الإلهيّة، والدُعاة الإلهيّين، وهذا الاحتياج باقٍ إلى يومنا هذا. وكلّما مرّ الزمان، فإنّ البشر يُصبحون أقرب إلى تعاليم الأنبياء.

4- انتظار الفرج هو عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في المجالات كلّها.

5- إنّ الإعلام والأفكار المغلوطة قد انغرست في ذهن النّاس، وعبر كلّ هذه السّنين المتمادية، إلى تلك الدّرجة، حيث اعتقدوا أنّ أيّ تحرّكٍ إصلاحيّ لن يكون مفيدًا ومثمرًا قبل قيام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. ويستدلّون بأنّ الدنيا يجب أن تُملأ ظلمًا وجورًا حتّى يأتي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وما لم تمتلئ بالظّلم والجور فإنّه لن يظهر.

6- إنَّ وجود الحكومة الإسلاميّة سيسرّع ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهذا هو معنى الانتظار. فانتظار الفرج يعني انتظار حاكميّة القرآن والإسلام.

7- إنَّ أثر اعتقاد الشعوب بالإمام المهديّ هو زوال اليأس والإحباط من قلوب الشّعوب1، ومثل هذا الأمل لو وُجد في قلوب الشّعوب المناضلة، وخاصّةً الشّعوب الإسلاميّة، فسوف يمنحها حالةً من النّشاط المستمرّ بحيث لا يُمكن لأيّ عاملٍ أن يخرجها من ميدان الجهاد والنّضال، أو أن يُصيبها بالهزيمة الداخليّة.
 

1- يقصد الجمهورية الإسلاميّة في إيران المترجم.
 
 
 
 
 
301

254

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن أبرز خصائص المجتمع المهدويّ.
2- يحدّد مسؤولية الإنسان المؤمن تجاه صاحب الزمان.
3- يبيّن كيفية التمهيد لظهور صاحب الزمان، ويشرح كيفية تقوية العلاقة الروحية بإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
 
 
 
 
303

255

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 خصائص المجتمع المهدويّ

إنّ المجتمع المهدويّ هو ذلك العالم الّذي يأتي فيه إمام الزّمان ليصلحه، وهو المجتمع نفسه الّذي ظهر من أجله جميع الأنبياء، أي أنّ كلّ الأنبياء كانوا مقدّمة لذلك المجتمع الإنسانيّ المثاليّ، والّذي سيتحقّق في نهاية الأمر بواسطة وليّ العصر المهديّ الموعود. مثل بناءٍ شامخٍ، يأتي شخصٌ فيُسطّح الأرض ويُزيل منها الأشواك والعوائق، ثمّ يأتي شخصٌ آخر من بعده ويصنع فيها الأسس، ثمّ يأتي شخصٌ آخر ليضع فيها الأعمدة والأركان، وهكذا شخصٌ بعد آخر، يأتون لعمارة الجدران، حتّى يصل هذا القصر المرتفع، وهذا البنيان الرفيع إلى شكله النهائيّ. لقد جاء الأنبياء الإلهيّون، ومنذ بداية تاريخ البشريّة، واحدًا بعد آخر، من أجل أن يُقرّبوا المجتمع والبشريّة خطوةً خطوة نحو ذاك المجتمع المثاليّ وذاك الهدف النهائيّ. لقد نجح الأنبياء جميعهم، ولم يفشل أيّ واحدٍ من رسل الله على هذه الطريق، وفي هذا المسير. لقد كان حملًا على عاتق هؤلاء المأمورين الشّامخين، وكلّ واحدٍ منهم تقدّم به خطوةً نحو المقصد والهدف النهائيّ، وسعوا بكلّ جهدهم من أجل القيام بهذا العمل. وعندما كانوا يصلون إلى آخر حياتهم، كان هناك من يأتي من بعدهم ليضع هذا الحمل على عاتقه، ويتقدّم به مسافةً أخرى، مقتربًا بذلك من ذلك الهدف. ووليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف هو وارث الأنبياء الإلهيّين جميعهم، فعندما يأتي ستكون الخطوة الأخيرة على طريق إيجاد ذلك المجتمع الإلهيّ.

ولو أنّنا دقّقنا في الكتب الإسلاميّة وفي المصادر الإسلاميّة الأساس، للاحظنا خصائص ذلك المجتمع جميعها. 

فدعاء النّدبة, مثلا, يذكر خصائص ذلك المجتمع. فعندما يقول: "أين معزّ الأولياء
 
 
 
 
305

256

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 ومذلّ الأعداء" فذلك المجتمع هو مجتمعٌ يكون فيه أولياء الله أعزّاء، وأعداء الله أذلّاء، أي أنّ القيم والمعايير الحاكمة في ذلك المجتمع تكون هكذا. "أين المُعَدُّ لإقامة الحدود"1، ففي هذا المجتمع تُطبَّق الحدود الإلهيّة وتُراعى كلّ الحدود الّتي عيّنها الله تعالى والإسلام في مجتمع إمام الزمان. 


إنّ إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف يبني مجتمعه على هذه الأسس والخصائص:
1- إزالة الظّلم والطّغيان، وتحقيق العدالة:
لا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع الّذي يكون في زمان وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، أيّ ظلمٍ وجور، فلن يكون أيّ ظلمٍ اقتصاديّ أو سياسيّ أو ثقافيّ، أو أيّ نوعٍ آخر في ذلك المجتمع. يجب اقتلاع كلّ الاختلافات الطبقيّة، وكلّ أنواع التمييز وعدم المساواة والتسلّط والهيمنة. ورد في الروايةٍ: "القائم منّا منصورٌ بالرّعب، مؤيَّدٌ بالنّصر، تُطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب"، ما يعني أنّ كلّ الحكومات الظّالمة والأجهزة الجائرة ستكون مرعوبةً منه. 

في روايةٍ أخرى أيضًا: "إذا قام قائمنا اضمحلّت القطائع، فلا قطائع"2، فتلك القطائع الّتي تمنحها الحكومات المستكبرة في العالم لأتباعها وحلفائها، وذلك الكرم الحاتميّ الّذي يحصل من جيوب الشّعوب، سوف يتوقّف تمامًا في العالم. وقد كانت القطائع في الماضي بشكلٍ، وهي اليوم بشكل آخر. كانت في الماضي بحيث إنّ الخليفة أو السّلطان يمنح أرضًا أو صحراء أو قريةً أو مدينةً أو حتّى ولايةً لشخصٍ ما، فيقول له اذهب هناك وافعل ما يحلو لك فيها، خذ من أهلها الجبايات والخراج، واستعمل مزارعها واستفد منها، وكلّ فائدة مادّية هي لك، وكان عليه طبعًا أن يعطي السّلطان حظّه. واليوم، هي بصورة الاحتكارات النّفطيّة والتجاريّة والصّناعيّة والفنّية المختلفة، وكلّ هذه الصّناعات الكبرى وهذه الاحتكارات الّتي جعلت الشعوب مسكينةً، هي في الواقع في حكم القطائع الّتي أُشير إليها، وفيها كانت تُمارس كلّ أنواع الرّشاوى والمحاباة. إنّ هذا البساط الّذي يقتل البشر ويقضي على الفضيلة سوف
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج99، ص 107.
2- م.ن، ج 17، ص 222.
 
 
 
 
306
 

257

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 يُطوى، وسوف توضع أسباب الاستفادة والنّفع بيد النّاس جميعهم.


وفي روايةٍ أخرى ناظرة إلى الوضع الاقتصاديّ يقول: "ويسوّي بين النّاس حتّى لا ترى محتاجاً إلى الزكاة"1، ما يعني أنّه لن يبقى هناك أيّ فقير يحتاج إلى زكاة أموالكم، وبالطّبع سيكون لهذه الزّكاة مصرفها في الأمور العامّة، لا للفقراء، لأنّه لن يبقى هناك أيّ فقير. ومثل هذه الرّوايات ترسم الجنّة الإسلاميّة والعالم الواقعيّ. وليس هذا الأمر مشابهًا لتلك المدن الفاضلة الّتي صنعها بعضٌ في خيالاتهم وأوهامهم، كلّا. 

2- الارتقاء بمستوى الفكر البشريّ:
المقصود بالإرتقاء على المستويين العلميّ الإنسانيّ والمعارف الإسلاميّة. ففي زمن وليّ العصر، لن يوجد في العالم كلّه، أيّ أثرٍ للجهل والأميّة والفقر الفكريّ والثقافيّ. هناك يتمكّن النّاس من معرفة الدّين معرفة صحيحة، وقد كان هذا من الأهداف الكبرى للأنبياء، وقد أشار إليه أمير المؤمنين عجل الله تعالى فرجه الشريف، في خطبة نهج البلاغة الشريفة: "...ويثيروا لهم دفائن العقول..."2. لقد جاء في رواياتنا أنّه عندما يظهر وليّ العصر، فإنّ المرأة تجلس في بيتها، وتفتح القرآن، وتستخرج منه حقائق الدّين، وتفهمها. فماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أنّ مستوى الثّقافة الإسلاميّة والدّينيّة يرتقي إلى درجة أنّ الأفراد جميعهم، وأبناء المجتمع كلّهم، والنّساء اللواتي لا يشاركن في ميدان الاجتماع، على سبيل الفرض، ويبقين في بيوتهنّ، فإنّهنّ يتمكّنّ من أن يصبحن فقيهات وعارفات بالدّين، فيتمكّنّ من فتح القرآن وفهم حقائق الدّين بأنفسهنّ. المجتمعٍ المهدويّ يكون فيه الجميع ـ نساءً ورجالًا - وعلى المستويات كافّة، قادرين على فهم الدّين والاستنباط من الكتاب الإلهيّ، فكم سيكون هذا المجتمع نورانيًّا، ولن يبقى فيه أيّ نقطة ظلام وظلمانيّة. فهذه الاختلافات كلُّها في وجهات النّظر والتحليل، لن يبقى لها أيّ أثرٍ في ذلك المجتمع.

3- استخراج القوى والطاقات الطبيعية جميعها:
القوى الطّبيعيّة جميعها والطّاقات البشريّة كلّها في حالة انبعاثٍ، فلا يبقى أيّ شيءٍ في
 

1- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 52، ص 390.
2- نهج البلاغة، ص43.
 
 
 
 
307

258

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 باطن الأرض لا يستفيد منه البشر. فهذه الإمكانات الطّبيعيّة المعطّلة كلّها، وهذه الأراضي الّتي يمكن أن تُغذّي الإنسان كلّها، وهذه الطّاقات والقوى الّتي لم تُكشف بعد كلّها، كتلك الطّاقات الّتي بقيت عبر قرون التّاريخ، كالقدرة النوويّة والطّاقة الكهربائيّة، كانت، وعبر قرون عمر هذا العالم، في باطن الطّبيعة، ولم يكن البشر يعرفونها، ثمّ بعد ذلك قاموا باستخراجها بالتّدريج. فالطّاقات والإمكانات اللامتناهية كلّها الموجودة في باطن الطّبيعة هي من هذا القبيل، وسوف تُستخرج في عصر إمام الزمان.


ورد في الرواية أنّه "تُطوى له الأرض"، أي أنّها ستكون بيده، وفي قبضة قدرته. وتظهر تلك الكنوز، وتبلغ سلطته مشرق العالم ومغربه.

"فلا يبقى خرابٌ إلّا قد عم"1، أي أنّ هذه السّلطة سوف تُنفَق في عمارة الأرض، لا في السّيطرة على ثروات البشر وفي استضعافهم. وفي نقاط العالم كلّها لن يبقى أيّ نقطةٍ من الخراب إلّا وستُعمّر، سواءٌ كانت خرابات حصلت على أيدي البشر أو بسبب جهلهم.

4- جعل الأخلاق والفضيلة محوراً للمجتمع:
إنَّ المحور في عصر إمام الزمان هو محور الفضيلة والأخلاق. فكلّ من كان صاحب فضيلة أخلاقيّة أكثر، سيكون مقدّمًا وسبّاقًا.

هناك رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام يقول فيها: "حتى إذا قام القائم، جاءت المزايلة، وأتى الرجل إلى كيس أخيه، فيأخذ حاجته، فلا يمنعه"2، وهي إشارة إلى أخلاق المساواة بين البشر، وإلى الإيثار. وتُبشّر هذه الرّواية بنجاة البشر من تسلّط البخل والحرص الّذي كان أكبر سببٍ لشقاء البشريّة. وهذا في الحقيقة علامةٌ على ذلك النّظام الإسلاميّ السالم أخلاقيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا في ذلك الزّمان. فلا يوجد أيّ قهرٍ وإجبارٍ في البين، بل إنّ البشر أنفسهم ينجون من البخل الإنسانيّ والحرص البشريّ، وستتحقّق مثل هذه الجنّة الإنسانيّة. 

إنّ كلّ تلك الشّعارات الإسلاميّة هي جميعًا قابلة للتّطبيق، ونحن في الجمهورية الإسلاميّة
 

1- نهج البلاغة، ص43.
2- الحر العامليّ، محمد بن الحسن، وسائل الشّيعة، تحقيق ونشر مؤسسة أهل البيت عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1409هـ، ج 5، ص 121.
 
 
 
 
308

259

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 نشعر أنّ هناك قدرة وقلباً وفكراً متّصلاً بالوحي والتأييد الإلهيّ، ومعصوماً يُمكنه يقينًا أن يُحقّق مثل هذا الوضع، وسوف تقبل البشريّة على ذلك حتمًا. هذه هي حالة ذلك العالم.


مسؤوليتا تجاه صاحب الزمان
1- التمهيد لظهور صاحب الزمان:
يجب أن نعلم أنّ ظهور وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، مثلما أنّه بالثورة الاسلامية في ايران أصبح أقرب خطوةً، فبتوسع دائرة الثّورة أيضًا يمكن أن يقترب أكثر، أي أنّ هذا الشّعب نفسه الّذي قام بهذه الثّورة، وقرّب نفسه خطوةً إضافية إلى إمام زمانه، يمكنه أيضًا أن يتقدّم خطوةً ثمّ خطوةً ثمّ خطوة نحو إمام زمانه. فكيف (ذلك)؟ لا بدَّ من الإلتفات إلى نقطتين:
أ- تطبيق الإسلام بشكل كامل:
يحب العمل على توسعة دائرة تطبيق الإسلام في إيران والعالم، فإنّ الإسلام الكامل ليس متحقّقًا، ولكن قسمٌ من الإسلام قد طبّقه هذا الشّعب في إيران ـ فهذا المقدار من الإسلام كلّما انتشر في الآفاق الأخرى للعالم، وفي البلاد الأخرى، وفي المناطق المظلمة، فإنّه بالمقدار نفسه سيساعد ويقرّب من ظهور وليّ الأمر وحجّة العصر.

ب- الاقتراب المعنويّ من صاحب الزمان:
إنّ الاقتراب من إمام الزمان ليس بمعنى الاقتراب المكانيّ، ولا بمعنى الاقتراب الزّمانيّ. فأنتم الّذين تريدون أن تقتربوا من ظهور إمام الزّمان، عليكم أن تعلموا أنَّ الاقتراب من إمام الزّمان ليس له تاريخٌ محدَّد، كأن يُقال مثلًا، بعد مئة سنة أو خمسين سنة، حتّى نقول أنّنا عبرنا سنةً أو سنتين أو ثلاث سنوات، من هذه الخمسين أو المئة سنة، فيبقى عندئذٍ هذا المقدار من السّنوات، كلّا، وليس أيضًا بلحاظ المكان حتّى نقول إنّنا تحرّكنا من هنا باتّجاه غرب العالم أو شرقه مثلًا، أو نحو الشّمال أو الجنوب، لنرَى أين هو وليّ العصر لنصل إليه، كلّا. إنّ اقترابنا من إمام الزّمان هو اقترابٌ معنويّ، أي أنّكم في كلّ زمانٍ إذا استطعتم أن تزيدوا من حجم المجتمع الإسلاميّ كمًّا ونوعًا إلى خمس سنوات أو عشر سنوات أخرى، أو حتّى مئة سنة أخرى، فإنّ إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف سيظهر.
 
 
 
 
309

260

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 لو استطعتم أن تُحقّقوا في أنفسكم، وفي غيركم، في داخل مجتمعكم - هذا المجتمع الثّوريّ - التّقوى والفضيلة والأخلاق والتّديّن والزّهد والقرب المعنويّ من الله، وجعلتم قاعدة ظهور وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف أكثر رسوخًا وإحكامًا، وكلّما استطعتم أن تزيدوا، باللحاظ الكمّي والمقدار، عدد المسلمين المؤمنين والمخلصين، فإنّكم تكونون هنا أيضًا أقرب إلى إمام الزّمان وإلى زمن ظهور وليّ العصر. فنحن نستطيع أن نُقرّب مجتمعنا وزماننا وتاريخنا خطوةً خطوةً نحو تاريخ ظهور وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف.


يجب أن تُصبح كلّ قوانيننا ومقرّرات بلدنا وإداراتنا ومؤسّساتنا التنفيذيّة وكلّ شيء إسلاميًّا بلحاظ الظّاهر والمحتوى، وأن نقترب نحو أسلمتها يومًا بعد يوم. هذه هي الجهة الّتي تمنحنا وتمنح حركتنا معنى انتظار وليّ العصر. أنتم تقرؤون في دعاء النّدبة أنّ إمام الزمان يقاتل الفسوق والعدوان والطّغيان والنّفاق، ويزيل كلّ ذلك، ويقضي عليه، وعلينا اليوم أن نتحرّك في مجتمعنا بهذا الاتّجاه ونتقدّم. هذا هو الشّيء الّذي يُقرّبنا إلى إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف من النّاحية المعنويّة، ويُقرّب مجتمعنا نحو مجتمع وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ذلك المجتمع المهدويّ العلويّ التّوحيديّ، ويزيده قربًا.

2- تقوية العلاقة الروحية بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف:
فيما يتعلّق بضرورة الارتباط العاطفيّ والمعنويّ والرّوحيّ بإمامنا العظيم، وليّ الله المعصوم، بالنسبة إلى كلّ واحدٍ منّا، القضيّة لا ينبغي أن تجعلوها محدودة في إطار التّحليل الفكريّ والاستنارة الفكريّة. فذاك المعصوم، الّذي هو صفيّ الله، يعيش اليوم بيننا نحن البشر في مكانٍ ما من هذا العالم، ونحن لا نعلمه. إنّه موجودٌ، ويدعو، ويقرأ القرآن، ويبيّن المواقف الإلهيّة. إنّه يركع ويسجد ويعبد ويدعو ويظهر في المجامع ويساعد البشر. فله وجودٌ خارجيّ ووجودٌ عينيّ، غاية الأمر أنّنا نحن لا نعرفه. إنّ هذا الإنسان الّذي اصطفاه الله، موجودٌ اليوم، ويجب أن نقوّي علاقتنا به من الناحية الشّخصيّة والقلبيّة والروحيّة، مضافاً إلى الجانب الاجتماعيّ والسّياسيّ، والّذي بحمد الله صار نظامنا متوجّهًا نحو ما يريده هذا الإنسان العظيم، إن شاء الله. فليجعل كلّ واحدٍ من أبناء مجتمعنا توسّلَه بوليّ العصر، وارتباطه به، ومناجاته معه، وسلامه عليه، وتوجّهه إليه، تكليفًا وفريضةً، وليدعو
 
 
 
 
310

261

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 له كما لدينا في الروايات، وهو الدعاء المعروف "اللهمّ كن لوليّك"1 الّذي يُعدّ من الأدعية الكثيرة الموجودة. ويوجد زياراتٌ في الكتب، هي جميعًا، مضافاً إلى وجود البعد الفكريّ والوعي والمعرفة فيها، يوجد فيها أيضًاّ بعدٌ روحيّ وقلبيّ وعاطفيّ وشعوريّ، وهو ما نحتاج إليه أيضًا. إنّ أطفالنا وشبابنا ومجاهدينا في الجبهة يحصلون على الرّوحية والمعنويّات بالتوجّه والتوسّل بإمام الزمان، ويفرحون ويتفاءلون. وببكاء الشّوق ودموعه المنهمرة يُقرّبون قلوبهم إليه، وهم بذلك يعطفون نظر الحقّ وعنايته إليهم، مثلما أنّ ذلك يتحقّق مع الإمام، ويجب أن يكون موجودًا.

 


1- الشيخ الكليني، الكافي، ج 4، ص 162.

 

 

311


262

الدرس الرابع والعشرون: الإمام المهديّ عليه السلام خصائص المجتمع المهدويّ، والتكليف تجاه صاحب الزمان

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ المجتمع المهدويّ هو العالم الذي يأتي فيه إمام الزّمان ليصلحه، وهو المجتمع نفسه الّذي ظهر من أجله جميع الأنبياء، أي أنّ الأنبياء كلّهم كانوا مقدّمة لذلك المجتمع الإنسانيّ المثاليّ، والّذي سيتحقّق في نهاية الأمر بواسطة وليّ العصر المهديّ الموعود.

2- إنّ إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف يبني مجتمعه على الأسس والخصائص الآتية: إزالة الظّلم والطّغيان، تحقيق العدالة والارتقاء بمستوى الفكر البشريّ، استخراج القوى والطاقات الطبيعية جميعها، وجعل الأخلاق والفضيلة محوراً للمجتمع.

3- مسؤوليتنا تجاه صاحب الزمان تتمثّل بالتمهيد لظهور صاحب الزمان، وتقوية العلاقة الروحية به عجل الله تعالى فرجه الشريف.

4- إنّ الاقتراب من إمام الزمان ليس بمعنى الاقتراب المكانيّ، ولا بمعنى الاقتراب الزّمانيّ.

5- لو استطعتم أن تُحقّقوا في أنفسكم، وفي غيركم، في داخل مجتمعكم - هذا المجتمع الثّوريّ - التّقوى والفضيلة والأخلاق والتّديّن والزّهد والقرب المعنويّ من الله، وجعلتم قاعدة ظهور وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف أكثر رسوخًا وإحكامًا، وكلّما استطعتم أن تزيدوا، باللحاظ الكمّيّ والمقدار، عدد المسلمين المؤمنين والمخلصين، فإنّكم تكونون هنا أيضًا أقرب إلى إمام الزّمان وإلى زمن ظهور وليّ العصر.

6- لا ينبغي أن نجعل قضيّة الارتباط العاطفيّ والمعنويّ والرّوحيّ بإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف محدودة في إطار التّحليل الفكريّ والاستنارة الفكريّة. فذاك المعصوم، الّذي هو صفيّ الله، يعيش اليوم بيننا نحن البشر في مكانٍ ما من هذا العالم، ونحن لا نعلمه. إنّه موجودٌ، ويدعو، ويقرأ القرآن، ويبيّن المواقف الإلهيّة. إنّه يركع ويسجد ويعبد ويدعو، ويظهر في المجامع، ويساعد البشر. فله وجودٌ خارجيّ ووجودٌ عينيّ، غاية الأمر أنّنا نحن لا نعرفه.
 
 
 
 
312

263
تاريخ النبي ص وأهل البيت ع