أساسيات علم التفسير

أساسيات علم التفسير


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2017-11

النسخة: 0


الكاتب

مركز نون للتأليف والترجمة


المقدمة

 المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وبعد... 

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾1.

إنّ الإنسان الباحث عن الحقّ، لا بدّ له في بحثه من الالتفات إلى معالم الحقّ، والاهتداء بها في سيره، وهذا الاهتداء لا يتحصّل له في حالة الغفلة وعدم الالتفات إلى هذه المعالم.

والمفسّر في عمليّة التفسير، وهي عمليّة بحث عن الحقيقة، لا بدّ له من مراعاة مجموعة من الأصول والقواعد التي تشكّل معالمَ للوصول إلى فهم المراد الإلهيّ من القرآن الكريم، بحيث لو أغفلها المفسّر أو لم يلتفت إليها ضلّ في طريقه ولم يدرك بغيته في الوصول إلى الحقيقة.

ومن هذا المنطلق، سعى مركز نون للتأليف والترجمة إلى إصدار هذا الكتاب استكمالاً للسلسلة التعليميّة القرآنيّة التي تُعنى بدراسة القرآن الكريم وعلومه، واستكشاف معارفه ومقاصده، وإيصالها إلى أذهان الطلّاب والطالبات بأسلوب تعليميّ هادف، فكان هذا الكتاب "أساسيّات علم التفسير" الذي يعنى بتقديم أصول التفسير وشروطه وضوابطه وقواعده ومناهجه واتجاهاته بأسلوب تعليمي، أحد الجهود المبذولة على هذا الطريق، بعد صدور المجموعة الأولى من المتون القرآنية عن المركز، وهي: دروس تمهيديّة في العلوم 
 

1- سورة الملك، الآية 22.
 
 
 
11

1

المقدمة

 والمعارف القرآنية، مدخل إلى علوم القرآن، تجويد القرآن، إعراب القرآن، دروس في علوم القرآن، وهدى القرآن.


ويُتوخّى من هذا الكتاب تحقيق الأهداف الآتية:
- تعزيز الارتباط الروحيّ والوجدانيّ والفكريّ بالقرآن الكريم.

- معرفة أصول التفسير وضوابطه ومناهجه واتجاهاته والتمرّس على تطبيقها.

- تسهيل عملية تناول أصول التفسير وضوابطه ومناهجه واتجاهاته بأسلوب تعليميّ هادف.

ولتحقيق هذه الأهداف، جرى اعتماد تقسيم كلّ درس إلى ستّة أقسام، هي:
أولاً: محاور الدرس
ثانياً: أهداف الدرس
ثالثاً: محتوى الدرس
رابعاً: المفاهيم الرئيسة في الدرس
خامساً: فكّر وأجب
سادساً: صفحة مطالعة مرتبطة بمضمون الكتاب

وقد حرصنا عند تأليف الكتاب على مراعاة مجموعة من السياسات العلميّة والمنهجيّة والفنّيّة، أهمّها: 
- الاستفادة قدر الإمكان من فكر علماء الإماميّة، من المتقدّمين والمتأخّرين، وتسييله داخل الدروس.
- الحرص على دراسة أبرز الآراء وأشهرها في أصول التفسير وضوابطه ومناهجه واتجاهاته.
- إسناد الأقوال والروايات المنقولة في الكتاب إلى مصادرها الأساس.
- تقسيم الكتاب إلى أربعة وعشرين درساً.
- مراعاة التقارب - قدر الإمكان - في عدد صفحات كلّ درس.

وحتّى نكون مشمولين بعناية الله تعالى، نضع بين أيديكم هذا الجهد المتواضع، عسى أن يكون خطوة من الخطوات المتحقّقة في طريق الاهتداء بمعالم القرآن.

والحمد لله رب العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
 
 
 
 
12

2

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى معنى علم التفسير وموضوعه 
2- يشرح أدلة مشروعيّة علم التفسير. 
3- يستعرض تاريخ نشأة علم التفسير ومراحل تطوّره.
 
 
 
 
13

3

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 معنى التفسير

أ- التفسير في اللغة: "الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلّ على بيان شيء وإيضاحه"1، "والتفسير كشف معنى اللفظ وإظهاره، مأخوذ من الفسر، وهو مقلوب السفر، يقال أسفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته. وأسفر الصبح: إذا ظهر"2.

وعليه، فإنّ معنى التفسير في اللغة متقوِّم بالشرح والكشف والإيضاح بعد خفاء.

ب- التفسير في الاصطلاح: ذكر المفسّرون، قديماً وحديثاً، تحديدات كثيرة لمصطلح التفسير، أبرزها الآتي:
- "التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل"3.

- "التفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به"4.

- "هو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشريّة"5.
 

1- ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم المقدّسة، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.ق، ج4، مادّة "فَسَرَ"، ص504.
2- الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين، ط2، طهران، المكتبة المرتضويّة، مطبعة چاپخانهء طراوت، 1362هـ.ش، ج3، مادّة "فَسَرَ"، ص438.
3- الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1415هـ.ق/ 1995م، ج1، ص39.
4- الزركشي، بدر الدين: البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، القاهرة، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1376هـ.ق/ 1957م، ج2، ص147.
5- الزرقاني، عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق: فوّاز أحمد زمرلي، ط1، بيروت، دار الكتاب العربيّ، 1415هـ.ق/ 1995م، ج2، ص6.
 
 
 
15

4

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 - "هو محاولة إزالة الخفاء في دلالة الكلام ... بحيث ستر وجه المعنى، ويحتاج إلى محاولة واجتهاد بالغ حتّى يزول ويرتفع الإشكال"1.


- "هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها"2.

وبمراجعة هذه التحديدات والتأمّل فيها، نجدها تحصر التفسير في خصوصيّة الكشف والبيان، وتستبعد كلّاً من بيان المعنى الظاهر من النصّ القرآنيّ، والمفاهيم اللغويّة الواردة في القرآن، والترجمة الحرفيّة للألفاظ الواردة في القرآن عن الدخول في التفسير.

وعليه، يمكن تحديد التفسير تحديداً اصطلاحيّاً بأنّه: "استخراج المعاني المستورة والمحتبسة تحت الألفاظ، والكشف عن مقاصدها ومداليلها، وفق مجموعة من القواعد والضوابط مرعيّة الإجراء".

موضوع علم التفسير
بناءً على ما تقدّم من تحديد اصطلاحيّ للتفسير، يمكن القول: إنّ موضوع التفسير هو "المعاني والمقاصد والدلالات المحتبسة في النصّ القرآنيّ".

مشروعيّة التفسير
ذكر الراغب الأصفهانيّ في مقدّمة تفسيره اختلاف الأقوال في مشروعيّة تفسير القرآن، بين من بالغ في الموقف منه ومنع الكلام في القرآن، إلّا بتوقيف عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أو عمّن شاهد التنزيل من الصحابة، أو من أخذ منهم من التابعين، واحتجّوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من فسّر القرآن برأيه فقد أخطأ"، وفي رواية: "من قال في القرآن برأيه فقد كفر". ومنهم من قال بمشروعيّة تفسيره، إذا كان المفسّر ذا معرفة وأدب، والعقلاء والأدباء لهم معرفة الأغراض، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾3,4.
 

1- معرفة، محمد هادي: التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، ط2، تنقيح: قاسم النوري، ط2، مشهد المقدّسة، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، 1425هـ.ق/ 1383هـ.ش، ج1، ص17-18.
2- الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، لا.ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، لا.ت، ج1، ص4.
3- سورة ص، الآية 29.
4- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص164.
 
 
16

5

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 وواقع الأمر أنّ الله سبحانه ندب إلى الاستنباط وأوضح السبيل إليه، ومدح أقواماً عليه، فقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾1، وذمّ آخرين على ترك تدبّره، والإضراب عن التفكّر فيه، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾2، وذكر أنّ القرآن منزل بلسان العرب، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾3. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا جاءكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط". فبيّن أنّ الكتاب حجّة ومعروض عليه، وكيف يمكن العرض عليه وهو غير مفهوم المعنى؟4.


نشأة علم التفسير ومراحل تطوّره
ويمكن تقسيم مراحل نشأة علم التفسير وتطوّره5 إلى أربع، هي:
أ- مرحلة النشأة والتأسيس:
بدأت هذه المرحلة مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه المفسّر والمبيّن الأوّل والأجدر لكتاب الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾6، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾7.

وقد تصدّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتفصيل ما أجمل في القرآن إجمالاً، وبيان ما أبهم منه إمّا بياناً في أحاديثه الشريفة وسيرته الكريمة، وإمّا تفصيلاً جاء في جلّ تشريعاته، من فرائض وسنن وأحكام وآداب.
 

1- سورة النساء، الآية 83.
2- سورة محمد، الآية 24.
3- سورة الزخرف، الآية 3.
4- انظر: الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج1، ص39-41، الطباطبائي، محمد حسين: القرآن في الإسلام، تعريب: أحمد الحسيني، لا.ط، لا.م، لا.ن، لا.ت، ص23-27، 63-76. 
5- لمزيد من الاطّلاع والتفصيل، انظر: الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج1، ص9-30، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص157-514، ج2، ص529-1043، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص4-12، القرآن في الإسلام، م.س، ص52-62، الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص14-28.
6- سورة النحل، الآية 44.
7- سورة الجمعة، الآية 2.
 
 
 
 
17

 


6

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 وأخذ عنه صلى الله عليه وآله وسلم الإمام عليّ عليه السلام هذه العلوم والمعارف1، ثمّ الأئمّة عليهم السلام من بعده، وقدّمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع القرآن الكريم إلى الأمّة، بوصفهما متلازمين لا ينفكّ أحدهما عن الآخر، وأمرهم بوجوب التسمّك بهما، على ما ورد في حديث الثقلين المرويّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم والمتواتر تواتراً معنويّاً عند الفريقين2.


وتميّزت هذه المرحلة بتفسير القرآن بالأثر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، والذي ظلّ مصدراً غالباً على التفاسير إلى عصور متقدّمة عن صدر الإسلام (القرن الرابع الهجريّ تقريباً) إلى جانب العلوم اللغويّة.

وقد برز في هذه المرحلة مجموعة من الصحابة (من غير أهل البيت عليهم السلام) اشتهروا بالتفسير، وأخذ عنهم التابعون وتابعو التابعين، ومنهم: عبد الله بن عبّاس، وأُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم.

ب- مرحلة التأصيل: 
وتتميّز هذه المرحلة بتبلور علم التفسير وبلوغه مرحلة النضج على يدي أهل البيت عليهم السلام وصحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وظهور المدارس التفسيريّة التي مهّدت لحركة التدوين في التفسير، ومن أبرز هذه المدارس التفسيريّة:
- مدرسة مكّة: وهي التي أخذت علم التفسير عن أهل البيت عليهم السلام وصحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأبرزهم: عبد الله بن عبّاس (ت: 68هـ.ق) الذي أخذ بدوره عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ومن أبرز تلامذة ابن عباس: مجاهد بن جبر المكّي (ت: 100 أو 103هـ.ق)، وعكرمة مولى ابن عبّاس (ت: 104هـ.ق).
 

1- انظر: الطوسي، محمد بن الحسن: الأمالي، تحقيق ونشر: مؤسّسة البعثة، ط1، قم المقدّسة، 1414هـ.ق، المجلس18، ح65، ص523.
2- انظر: الصفّار، محمد بن الحسن: بصائر الدرجات، تصحيح وتعليق وتقديم: حسن كوجه باغي، لا.ط، طهران، منشورات الأعلمي، مطبعة الأحمدي، 1404هـ.ق/ 1362هـ.ش، ج8، باب 17، ح1-6، ص433-434، ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا.ط، بيروت، دار صادر، لا.ت، ج3، ص14، النيسابوري، أبو عبد الله: المستدرك على الصحيحين، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، لا.ط، لا.م، لا.ن، لا.ت، ج3، ص148، المتّقي الهندي، علي: كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير: بكري حياني، تصحيح وفهرسة: صفوة السقا، لا.ط، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1409هـ.ق/ 1989م، ج1، ح943-955، ص185-187.
 
 
 
 
18

7

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 - مدرسة المدينة: وقوامها الأئمّة الثلاثة من أهل البيت عليهم السلام: الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، والإمام محمد الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق عليه السلام، وقد تميّزت هذه المدرسة بالعمق والموضوعيّة والتراث التفسيريّ الغزير الذي أُثِرَ عنها، وشكّلت نواة للتفاسير في عصور لاحقة.


- مدرسة العراق: وقوامها تلامذة الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وفي طليعتهم: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم، ومعروف بن خربوذ، وحريز بن عبد الله الأزدي الكوفي، وكذلك تلامذة عبد الله بن مسعود، وأبرزهم: مسروق بن الأجدع (ت: 63هـ.ق)، والأسود بن يزيد (ت: 75هـ.ق)، وعامر الشعبي (ت: 105هـ.ق)، والحسن البصري (ت: 121هـ.ق). وكذلك ظهرت في هذه المرحلة مجموعة من التفاسير التي استندت إلى روايات تفسيريّة مأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ومن أبرز هذه التفاسير: تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ، وتفسير أبي حمزة الثماليّ، وتفسير محمد بن مسعود الكوفيّ المعروف بالعياشيّ، وتفسير عليّ بن إبراهيم القمّي، وتفسير محمد بن إبراهيم النعمانيّ.

وكان البحث التفسيريّ في هذه المرحلة، لا يتجاوز بيان ما يرتبط من الآيات بجهاتها الأدبيّة، وشأن النزول، وقليل من الاستدلال بآية على آية، وكذلك قليل من التفسير بالروايات المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في القصص ومعارف المبدأ والمعاد وغيرها. وعلى هذا الوصف جرى الحال بين المفسّرين من التابعين، كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبيّ والسديّ وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة، فإنّهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسّري الصحابة شيئاً غير أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، وبينها روايات دسّها اليهود أو غيرهم، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى الخلقة، كابتداء السماوات وتكوين الأرض والبحار وإرم شداد وعثرات الأنبياء، وتحريف الكتاب وأشياء أُخَر من هذا النوع، وقد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير والبحث.

وقد ظهرت في هذه المرحلة مجموعة من التفاسير، أبرزها: تفسير سعيد بن جبير (ت: 94هـ.ق)، وتفسير أبي حمزة الثمالي (ت: 150 هـ.ق)، وتفسير الإمام العسكري.
 
 
 
 
19

8

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 ومع بداية القرن الثاني الهجري ظهرت مؤلّفات جديدة تعنى بموضوعات قرآنيّة خاصّة في حقل التفسير، ككتاب الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان البلخي (ت: 150هـ.ق)، ومعاني القرآن للفرّاء (ت: 207هـ.ق)، ومجاز القرآن لأبي عبيدة (ت: 210هـ.ق)، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيّبة (ت: 270هـ.ق)...


ج- مرحلة التدوين:
بدأت مرحلة التدوين منذ بدايات القرن الثاني الهجريّ، ولكنّ أكثر المدوّنات التفسيريّة كان غير كامل أو لم يصل إلينا على الأعمّ الأغلب. وأمّا مع بدايات القرن الرابع الهجريّ فقد ظهرت المدوّنات التفسيريّة الكاملة، ولا سيّما بعد رواج المدارس والمذاهب الكلامية والفلسفيّة والصوفيّة... ومن أبرز هذه المدوّنات التفسيريّة1
- تفسير مجاهد: مجاهد بن جبر المكي (21-102هـ.ق).

- تفسير أبي حمزة الثمالي: ثابت بن دينار الثمالي (ت: 148هـ.ق).

- تفسير أبي الجارود: زياد بن المنذر الهمداني الكوفيّ (ت: 155هـ.ق).

- التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن العسكريّ عليه السلام (232-262هـ.ق) .

- تفسير القمّيّ: عليّ بن إبراهيم القمّيّ (ت:307هـ.ق).

- تفسير فرات الكوفيّ: فرات بن إبراهيم الكوفيّ (كان حيّاً سنة 307هـ.ق).

- جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمد بن جرير الطبري (224-310هـ.ق) .

- تفسير العيّاشيّ: محمد بن مسعود العياشي السلمي السمرقندي (ت: حوالي 320هـ.ق).

- تفسير النعماني: محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني (ت: 342هـ.ق).

- حقائق التنزيل ودقائق التأويل، للشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي (359-406هـ.ق).
 

1- لمزيد من الاطّلاع والتفصيل، انظر: الطبرسي، مجمع البيان، م.س، ج1، المقدّمة، ص9-30، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص157-514، ج2، ص529-1043.
 
 
 
 
20

9

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 - التبيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385-460هـ.ق).


- تفسير ابن عطيّة: عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسي (ت: 481 هـ.ق).

- تفسير الكشّاف، لجار الله الزمخشري (467-538هـ.ق).

- مجمع البيان في تفسير القرآن، لأبي علي الفضل بن الحسن الفاضل الطبرسي (468-548هـ.ق)، وله -أيضاً- تفسير جوامع الجامع.

- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازي (ت: 606هـ.ق).

- تفسير القرآن المنسوب لابن عربي: كمال الدين أبي الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي السمرقندي (ت: 730هـ.ق).

- تفسير البحر المحيط: أبو حيّان الأندلسي (654-745هـ.ق).

- تفسير ابن كثير: إسماعيل بن عمرو بن كثير الدمشقي (ت: 774هـ.ق).

- تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: السيد حيدر الآملي (ت: 782هـ.ق).

- تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: إبراهيم بن عمر البقاعي (ت: 885هـ.ق).

- الدّر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدِّين السيوطي (ت: 911هـ.ق).

- تفسير الصافي: محمد بن مرتضى (الفيض الكاشاني) (1007-1091هـ.ق).

- تفسير البرهان: هاشم الحسيني البحراني (ت: 1107هـ.ق).

- تفسير نور الثقلين: علي بن جمعة الحويزي (ت: 1112هـ.ق).

- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين الآلوسي (ت: 1270هـ.ق).

- تفسير المنار، للشيخ محمد عبده (1266-1323هـ.ق) وتلميذه محمد رشيد رضا (1282-1354هـ.ق).

د- مرحلة التجديد:
انطلقت مع بدايات القرن الرابع الهجريّ الدعوات الداعية إلى التجديد في التفسير،
 
 
 
 
 
 
21

10

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 فبرزت مجموعة من المناهج والاتّجاهات التفسيريّة الجديدة التي تركّز على الجوانب الأدبيّة والفنّيّة في القرآن، كتفسير في ظلال القرآن للسيد قطب، وتارة تركّز على الجانب العلميّ، كالجواهر في تفسير القرآن الكريم، لطنطاوي جوهري، وتارة تركّز على الاتّجاه الاجتماعيّ والواقع المعاصر، كتفسير الأمثل، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، وتفسير الكاشف، للشيخ محمد جواد مغنية، وتارة تركّز على التفسير الموضوعي انطلاقاً من قضايا الواقع المعاش، كالميزان في تفسير القرآن، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، وتارة تركّز على الوحدة البنائيّة في القرآن، كالتفسير البنائيّ، للدكتور محمود البستانيّ...

 

 

22


11

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 المفاهيم الرئيسة


1- التفسير هو "استخراج المعاني المستورة والمحتبسة تحت الألفاظ، والكشف عن مقاصدها ومداليلها، وفق مجموعة من القواعد والضوابط مرعيّة الإجراء".

2- موضوع علم التفسير هو "المعاني والمقاصد والدلالات المحتبسة في النصّ القرآنيّ".

3- عمليّة التفسير مشروعة بدلالة القرآن نفسه والسنّة الشريفة، مع مراعاة الشروط المعتبرة في التفسير، وتوافر المفسّر على مؤهّلات التفسير وشروطه.

4- يمكن تقسيم مراحل نشأة علم التفسير وتطوّره إلى أربع، هي: مرحلة النشأة والتأسيس، ومرحلة التأصيل، ومرحلة التدوين، ومرحلة التجديد.

فكّر وأجب

1- ما معنى التفسير؟ وما هو موضوع علم التفسير؟

2- هل عمليّة التفسير مشروعة؟

3- متى نشأ علم التفسير؟ وما هي أبرز المراحل التي مرّ فيها؟
 
 
 
 
23

12

الدرس الأول: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (1)

 للمطالعة


تفسير العياشي1
تأليف أبي النضر محمد بن مسعود بن عيّاش السلميّ السمرقنديّ المتوفَّى سنة (320هـ.ق) كان من أعلام المحدّثين. وله كتاب التفسير، جمع فيه المأثور من أئمّة أهل البيت عليهم السلام في تفسير القرآن، ولقد أجاد وأفاد، وذكر الروايات بأسانيدها في دقّة واعتبار. غير أنّ هذا التفسير لم يصل إلينا إلّا مبتوراً، فقد بتره أوّلاً ناسخه، حيث أسقط الأسانيد، واقتصر على متون الأحاديث. والجهة الأخرى في بتر الكتاب، فقدان الجزء الثاني من جزئيّ التفسير، فإنّ هذا الموجود ينتهي إلى نهاية سورة الكهف، ولم توجد بقيّته. نعم هناك بعض المتقدّمين، نقلوا منه أحاديث بأسانيد كاملة، كانت عندهم منه نسخة كاملة.

ويسترسل صاحب هذا التفسير في ذِكْر الآيات، في ضمن أحاديث مأثورة، عن أهل البيت عليهم السلام، تفسيراً وتأويلاً للآيات الكريمة، ولا يتعرّض لنقدها جرحاً أو تعديلاً، تاركاً ذلك إلى عهدة الأسناد التي حُذفت مع الأسف. وكما يتعرّض لبعض القراءات الشاذّة المنسوبة إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ممّا جاء في سائر الكتب بأسانيد ضعاف، أو مرسلة لا حجّيّة فيها، والقرآن لا يثبت بغير التواتر باتّفاق الأمّة.

ومن ثمّ فإنّه عندما يرد في التأويل، نراه غير مراع لضوابط التأويل الصحيح، من كونه مفهوماً عامّاً منتزعاً من الآية بعد إلغاء الخصوصيّات، ليكون متناسباً مع ظاهر اللفظ، وإنْ كانت دلالته عليه غير بيّنة.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص751-753.
 
 
 
24

13

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف أهمّيّة علم التفسير. 
2- يعدّد فوائد علم التفسير.
3- يتعرّف إلى أنماط التفسير ويقارن بينها.
 
 
 
 
 
25

14

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 أهمّيّة علم التفسير

قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾1، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾2، فالقرآن الكريم كتاب هداية للإنسان، يشتمل على كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في دنياه وآخرته للوصول إلى الكمال والسعادة الحقيقيّة. 

ويكمن وجه الحاجة إلى علم التفسير في أنّ الله إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه، ولذلك أرسل كلّ رسول بلسان قومه، وأنزل كتابه على لغتهم. وكلّ من وضع من البشر كتاباً، إنّما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنّما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة، أحدها: كمال فضيلة المصنّف، فإنّه لقوّته العلميّة يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربّما عسر فهم مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفيّة. ومن هنا، كان شرح بعض الأئمّة تصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له. وثانيها: إغفاله بعض تتمّات المسألة أو شروط لها اعتماداً على وضوحها أو لأنّها من علم آخر، فيحتاج الشارع لبيان المحذوف ومراتبه. وثالثها: احتمال اللفظ لمعان، كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه. وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السهو والغلط، أو تكرار الشيء، أو حذف المبهم، وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك. وإذا تقرّر هذا، تبيّن أنّ القرآن إنّما نزل بلسان عربيّ في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه. أمّا دقائق باطنه، فإنّما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر
 
 

1- سورة البقرة، الآية 2.
2- سورة البقرة، الآية 185.
 
 
 
 
 
27

15

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 مع سؤالهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ومعلوم أنّ تفسير بعضه يكون من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض"1.


فوائد علم التفسير
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾2.

والبيّنات هي خصوص الشواهد والدلائل النيّرة التي ضمّنها الله تعالى في القرآن الكريم، ليستفيد منها طائفة خاصّة من الناس، وهم خاصّة أهل العلم والعمل، المستعدّين في أنفسهم لنيل الهداية الإلهيّة الخاصّة: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾3، بعد أنْ كان القرآن هدى لطائفة أخرى، هي طائفة أدنى من طائفة أهل العلم والعمل، ليس بمقدورها إدراك الحقائق النوارنيّة، بالحجّة والبرهان، بل بالتقليد والاتّباع4: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾5.

وبناءً على ما تقدّم، يمكن تحديد مجموعة من الفوائد المترتّبة على التفسير، وهي:
أ- الفائدة المعرفيّة: الكشف عن المعارف القرآنيّة.

ب- الفائدة الروحيّة: التمكين من الصفاء الروحيّ وتزكية النفس.

ج- الفائدة العقديّة: الكشف عن الرؤية الكونية الصحيحة والسليمة.

د- الفائدة الشرعيّة: الكشف عن نظام التشريع والتقنين.
 

1- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص13-16، السيوطي، جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: سعيد المندوب، ط1، بيروت، دار الفكر، 1416هـ.ق/ 1996م، ج2، ص462-464، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص18-21.
2- سورة البقرة، الآية 185.
3- سورة المائدة، الآية 16.
4- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص23.
5- سورة العنكبوت، الآية 43.
 
 
 
 
28

16

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 هـ- الفائدة السلوكيّة: المساهمة في تحصيل السكينة والاطمئنان والاستقامة في السلوك.


و- الفائدة الحقليّة: الإعانة في الوصول إلى الرأي الراجح بين الأقوال التفسيريّة المختلفة.

أنماط التفسير
أ- التفسير التجزيئيّ أو الترتيبيّ أو الموضعيّ:
هو دراسة منفصلة للآيات القرآنيّة من دون مقارنة بين موارد استعمال الألفاظ والمفاهيم في آيات أخرى من القرآن الكريم، وإنْ استعان المفسّر فيه بآيات أخرى، ولكنّ همّه هو كشف المدلول اللفظيّ الكامن في الآية المبحوثة1. ويوجد نمطان متداولان من هذا التفسير2، هما:
- التفسير الترتيبيّ السرديّ: وهو الذي يكتفي فيه المفسّر بعرض الآراء التفسيريّة فقط، من دون تكبّد عناء التحليل والمناقشة لها. والمفسّر في هذا النمط من التفسير هو مجرّد ناقل، ولا يُطلَق عليه أنّه مفسّر إلا من باب التجوّز!

- التفسير الترتيبيّ التحليليّ: وهو الذي يقوم فيه المفسّر بعرض أبرز الآراء التفسيريّة وتحليلها ومناقشتها وتقويمها، ومن ثمّ ترجيح أحدها أو الخروج برأي تفسيريّ جديد.

ب- التفسير الموضوعيّ: 
هو دراسة تعتمد على المقارنة والموازنة بين موارد الاستعمال القرآنيّ للألفاظ والمفاهيم، من خلال التتبّع الكامل والتام لها، والخروج برؤية قرآنية في الموضوع المبحوث3. وتوجد ثلاثة أنماط متداولة من هذا التفسير، هي: 
- التفسير الموضوعيّ الحشديّ: ويقوم فيه المفسّر بجمع الآيات التي تتناول موضوعاً معيّناً، ثمّ تصنيفها وتبويبها.

- التفسير الموضوعيّ التحليليّ: وهو الذي يقوم به المفسِّر، بالإضافة إلى الجمع
 

1- انظر: الصدر، محمد باقر: المدرسة القرآنية، بيروت، دار التعارف، 1981م، ص11.
2- انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م، ج1، ص7.
3- انظر: الصدر، المدرسة القرآنية، م.س، ص12-13، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القسيب، م.س، ج2، ص1035-1043.
 
 
 
29

17

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 والتصنيف والتبويب، من خلال إجراء عمليّة تحليل للمعطيات القرآنيّة.


- التفسير الموضوعيّ الحواريّ والاستنطاقيّ: ويقوم فيه المفسّر، بعد الحشد والتحليل، بإجراء حوار مع القرآن الكريم، منطلقاً من مسائل وقضايا من الواقع المعاش، عارضاً إيّاه على القرآن ومحاولاً استنطاقه، في عمليّة حواريّة ثنائيّة بين المفسّر والقرآن، للخلوص إلى استخراج رؤية قرآنيّة في الموضوع المبحوث.

ج- أسباب شيوع النمط الترتيبيّ في التفسير: 
توجد مجموعة من العوامل التي ساهمت في تعزيز النزعة الترتيبيّة في التفسير، ولعلّ أبرزها الآتي1:
- النزعة الحديثيّة التي كانت سائدة في المراحل الأولى لعلم التفسير والتي امتدّت إلى مراحل لاحقة.

- النزعة التوقيفيّة في التفسير بالأثر، والتي سادت في القرون الأولى وشكّلت موقفاً نظريّاً وعمليّاً لدى عدد كبير من المفسّرين إلى قرون قريبة.

- شيوع الأمّيّة لدى العرب في القرون الأولى، ما أدّى إلى الاعتماد في التفسير على النقل بالأثر.

- أغلب المرويات الحديثيّة جاءت جواباً عن أسئلة تفسيريّة جزئيّة عن معنى كلمة أو آية في القرآن، وإنْ كان معظم هذه الأحاديث قد أسس فيه المعصومون عليه السلام قواعد تفسيريّة عامّة، استنبطها علماء التفسير منها. 

د- وجوه الاختلاف بين التفسير الموضوعيّ والتفسير الترتيبيّ: 
إنّ المفسّر بالتفسير الموضوعيّ، لا يستطيع أن يقدم خطوة في تفسيره، إلّا بالرجوع إلى ما أفرزه التفسير الترتيبيّ من معطيات جزئيّة، بوصفه استكمالاً لما يقوم به المفسّر بالتفسير الترتيبيّ، وعلى الرغم من ذلك، توجد مجموعة من المؤشّرات التي يمتاز بها التفسير الموضوعيّ عن التفسير الترتيبيّ، أبرزها الآتي2:
 

1- انظر: الصدر، المدرسة القرآنية، م.س، ص13-18.
2- انظر: الصدر، المدرسة القرآنية، م.س، ص18-38.
 
 
 
 
30

18

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 - السلبيّة والإيجابيّة: فالمفسّر في التفسير الترتيبيّ يلعب دوراً سلبيّاً في عمليّة التفسير، فهو مجرّد متلقٍّ للمعطى التفسير، بينما المفسّر بالتفسير الموضوعيّ يؤدّي دوراً إيجابيّاً تفاعليّاً مع القرآن، من خلال عمليّة الحوار والاستنطاق.


- الاختلاف في الهدف: إنّ هدف المفسّر في التفسير الترتيبيّ، ليس إلّا استخراج المراد الإلهيّ في آية ما، بينما المفسّر بالتفسير الموضوعي همّه استخراج الرؤية القرآنيّة من كلّ القرآن في الموضوع المبحوث.

- الاختلاف في المنهج: حيث إنّ المفسّر بالتفسير الترتيبيّ غالباً ما يتقيّد بمنهج واحد أو منهجين في نظره إلى الآية، بينما المفسّر بالتفسير الموضوعيّ يتوسّل مجموعة من المناهج في آن واحد في استخراجه للرؤية القرآنية في الموضوع المبحوث. 

مصطلحات متداولة في علم التفسير النظريّ
توجد مجموعة من المصطلحات التي ظهرت في علم التفسير، من قبيل: الأصول، والقواعد، والمسائل، والمبادىء، والمباني، والضوابط،... بعضها قريب المعنى من بعضها الآخر، إن لم يكن مرادفاً له، تبعاً لمقاصد الباحثين في التفسير، إذ من الممكن أن يعتبر باحث ما بعض الأبحاث التفسيريّة أُصولاً، ويعتبرها آخر قواعد، ويعتبرها ثالث ضوابط1،... ويمكن لحاظ وجه اختلاف دقيق بين هذه المصطلحات، من خلال التحديدات الآتية:
أ- أصول التفسير:
وهي عبارة عن مجموعة من الأسس التي ترتكز عليها القواعد التفسيريّة وتُبنى عليها، وتكون بمثابة القاعدة والجذر للبناء التفسيريّ، وتسمّى أيضاً بمصادر التفسير، ومن أبرز هذه الأصول: كون القرآن الكريم كتاب هداية، نزل بلغة العرب جرياً على أساليبهم في مقام التخاطب والتفهيم والتفاهم، موافقاً لحكم العقل القطعيّ، ومبيّناً بالسنّة الشريفة...2.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه المصطلحات، انظر: ميبدي، محمد فاكر: قواعد التفسير لدى الشيعة والسنّة، ط2، طهران، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، 1430هـ.ق/ 2009م، ص32-42.
2- سوف يأتي تفصيل الكلام في هذه الأصول في درس لاحق.
 
 
 
 
31

19

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 ب- قواعد التفسير:

وهي عبارة عن قضيّة كلّيّة، أو أمر كليّ ينطبق على أُمور جزئيّة في عمليّة التفسير، بهدف التوصّل بها إلى استنباط معاني القرآن ومقاصده. وهي بمثابة الأعمدة للبناء التفسيريّ، كالعناية بالتمييز بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ، والعناية بالدلالات والمفاهيم، والعناية بالمحكم والمتشابه، وغيرها من القواعد1.

ج- المسائل التفسيريّة:
وهي عبارة عن مجموعة من القضايا التي تنشأ من القاعدة التفسيريّة وتُوضَع عليها. وهي بمثابة السقف للبناء التفسيريّ، مثل: الحقيقة المعنائيّة القرآنيّة في مقابل الحقيقة الوضعيّة اللغويّة، وتخصيص القرآن بالسنّة، ونسخ الحكم الوارد في القرآن بالسنّة،...

د- المبادىء التفسيريّة: 
وهي عبارة عن مجموعة من المسائل الضروريّة التي لا بدّ للمفسّر من معرفتها والالتفات إليها قبل البدء بعمليّة التفسير، مثل: وحيانيّة القرآن، وإعجازه، وصيانته عن التحريف، وقطعيّة صدوره، وتواتره جيلاً عن جيل...2.

هـ- المباني التفسيريّة:
وهي عبارة عن مجموعة من الأمور التي يتّخذها المفسّر أساساً في عمليّة التفسير ويبني بحثه التفسيريّ عليها، ويمكن أن تختلف عن مباني مفسّر آخر، باختلاف الآراء والأفكار، مثل: دائرة حجيّة خير الواحد في التفسير، ودائرة حجيّة قول الصحابيّ والتابعيّ،...

و- القرائن التفسيريّة:
وهي عبارة عن كلّ ما ارتبط بالكلام وكان له دور في فهم مراد المتكلِّم، مثل: القرائن المعيّنة والصارفة، والقرائن المتّصلة والمنفصلة، والقرائن اللفظيّة واللبّيّة3.
 

1- سوف يأتي تفصيل الكلام في هذه القواعد وتطبيقاتها في دروس لاحقة.
2- لمزيد من التفصيل في هذه المبادىء، انظر: دروس في علوم القرآن الكريم، ط1، بيروت، مركز نون للتأليف والترجمة، 2014م، ص53 - 284.
3- سوف يأتي تفصيل الكلام في هذه القرائن وتطبيقاتها في دروس لاحقة.
 
 
 
 
32

20

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 ز- الضوابط التفسيريّة: 

وهي عبارة عن الحدود المانعة للمفسّر عن الوقوع في الخطأ في عمليّة التفسير، لجهة تطبيق القواعد التفسيريّة، أو لجهة صحّة المباني التفسيريّة التي يعتمدها، أو لجهة الخطوات التي يسلكها في عمليّة التفسير، أو لجهة توافره على الشروط الذاتيّة والمعرفيّة والمنهجيّة للخوض في عمليّة التفسير أو لجهة تطبيق المناهج التفسيريّة، وهي بذلك تشمل القواعد التفسيريّة والقرائن التفسيريّة وشروط المفسّر وخطوات التفسير ومناهج التفسير1.
 

1- سوف يأتي تفصيل الكلام في شروط المفسّر وخطوات التفسير ومناهجه في الدروس اللاحقة.
 
 
 
33

21

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 المفاهيم الرئيسة


1- تكمن أهمّيّة علم التفسير في كونه يتيح للمفسّر معرفة القرآن الكريم، بوصفه كتاب هداية للإنسان، يشتمل على كلّ ما يحتاج إليه في دنياه وآخرته للوصول إلى الكمال والسعادة الحقيقيّة. 
2- من فوائد علم التفسير: الكشف عن المعارف القرآنيّة والرؤية الكونية ونظام التشريع والتقنين، والتمكين من الصفاء الروحيّ وتزكية النفس، والمساهمة في تحصيل السكينة والاطمئنان والاستقامة في السلوك، والإعانة في الوصول إلى الرأي الراجح بين الأقوال التفسيريّة المختلفة.

3- من أنماط التفسير: التفسير الترتيبيّ والتفسير الموضوعيّ. 

4- من المصطلحات المتداولة في علم التفسير النظريّ: أصول التفسير، قواعد التفسير، المسائل التفسيريّة، المبادىء التفسيريّة، المباني التفسيريّة، القرائن التفسيريّة، الضوابط التفسيريّة.
 
 
 
 
34

22

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 فكّر وأجب


1- ما هو وجه الحاجة إلى علم التفسير؟ وما هي أبرز الفوائد المترتّبة عليه؟

2- تكلّم عن التفسير الترتيبي، مبيّناً أسباب شيوعه.

3- تكلّم عن التفسير الموضوعيّ، مبيّناً وجوه الفرق بينه وبين التفسير الترتيبيّ.
 
 
 
 
35

23

الدرس الثاني: مباحث تمهيديّة في علم التفسير (2)

 للمطالعة


تفسير القمّي1
تفسير منسوب إلى أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي (ت: 329هـ.ق) من مشايخ الحديث، روى عنه الكلينيّ، وكان من مشايخه، واسع العلم، كثير التصانيف، وكان معتمَد الأصحاب.

وهذا التفسير، المنسوب إلى عليّ بن إبراهيم القمّيّ، هو من صنع تلميذه أبي الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة ابن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام وهو تلفيق من إملاءات القمّيّ، وقسط وافر من تفسير أبي الجارود. فما أورده أبو الفضل في هذا التفسير من أحاديث الإمام الباقر عليه السلام، فهو عن طريق أبي الجارود، وما أورده من أحاديث الإمام الصادق عليه السلام، فهو عن طريق عليّ بن إبراهيم، وأضاف إليهما بأسانيد عن غير طريقهما. فهو مؤلَّف ثلاثيّ المأخذ، وعلى أيّ حال فهو من صنع أبي الفضل، ونسب إلى شيخه، لأنّ أكثر رواياته عنه، ولعلّه كان الأصل، فأضاف إليه أحاديث أبي الجارود وغيره، لغرض التكميل.

ويبدأ هذا التفسير بذِكْر مقدّمة يبيّن فيها صنوف أنواع الآيات الكريمة، من ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وخاصّ وعامّ، ومقدّم ومؤخّر، وما هو لفظه جمع معناه مفرد، أو مفرد معناه الجمع، أو ماضٍ معناه مستقبل، أو مستقبل معناه ماضٍ، وما إلى ذلك من أنواع الآيات، وليست بحاصرة.

وبعد ذلك يبدأ بالتفسير مرتّباً حسب ترتيب السور والآيات، آية فآية، فيذكر الآية ويعقّبها بما رواه عليّ بن إبراهيم، ويستمرّ على هذا النمط حتّى نهاية سورة البقرة. ومن بدايات سورة آل عمران نراه يمزجه بما رواه عن أبي الجارود، وكذا عن غيره من سائر الرواة، ويستمرّ حتى نهاية القرآن.

وهذا التفسير في ذات نفسه تفسير لا بأس به، يعتمد ظواهر القرآن، ويجري على ما يبدو من ظاهر اللفظ، في إيجاز واختصار بديع، ويتعرّض لبعض اللغة والشواهد التاريخيّة لدى المناسبة، أو اقتضاء الضرورة. لكنّه مع ذلك لا يغفل الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، مهما بلغ الإسناد من ضعف ووهن، أو اضطراب في المتن. ومع ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى سائر موارد تفسيره. فالتفسير في مجموعه تفسير نفيس لولا وجود هذه القلّة من المناكير.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص756-758.
 
 
36

24

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف الشروط والمؤهّلات الذاتية التي ينبغي أن يتوافر عليها المفسّر.
2- يدرك أهمّيّة هذه الشروط والمؤهّلات في نجاح المفسّر في عمليّة التفسير.
3- يشرح أهميّة التأمّل والتدبّر في فهم القرآن وتفسيره.
 
 
 
 
 
37

25

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 إنّ العمليّة التفسيريّة عمليّة دقيقة وحسّاسة جدّاً، لكونها محاولة بحثيّة لاستكشاف معاني القرآن الكريم وحقائقه، ومن هذا المنطلق، لا بدّ لهذه العمليّة من ضوابط معرفيّة ومنهجيّة وتطبيقيّة وفنّيّة تضبط هذه العمليّة وترشّدها وتوجّهها وجهتها الصحيحة والسليمة.


وتشكّل قواعد التفسير وقرائنه الضوابط المعرفيّة والمنهجيّة والتطبيقيّة لعمليّة التفسير1، في حين تشكّل شروط المفسِّر ومؤهّلاته وقدراته ومهاراته الشروط الفنّيّة لعمليّة التفسير. 

ولا بدّ للمفسّر في عمليّة التفسير من توافره على مجموعة من الشروط والمؤهّلات والقدرات الخاصّة التي تتيح له مباشرة العمليّة التفسيريّة في ما يرتبط بسلامة فهم النصّ القرآنيّ وصحّته، والكشف عن معانيه ومقاصده التي تحيط به، بما ينسجم مع الشروط الأخرى المعتبرة في العمليّة التفسيريّة نفسها. وتتلخّص هذه الشروط والمؤهّلات الفنّيّة بالآتي2:  المؤهّلات الذاتيّة والشخصيّة، والمؤهّلات المعرفيّة والعلميّة. وسوف نتناول المؤهّلات الذاتية في هذا الدرس، على أن نتناول المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة في الدرس اللاحق.
 

1- سوف يجري بحثها مفصّلاً في دروس لاحقة.
2- لمزيد من التفصيل في شروط المفسِّر ومؤهّلاته، انظر، السبحاني، جعفر: المناهج التفسيريّة في علوم القرآن، ط4، قم المقدّسة، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، 1432هـ.ق، ص21-48، الرجبي، محمود: بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، ترجمة: حسين صافي، ط2، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2010م، ص337-352، الصغير، محمد حسين: المبادىء العامّة لتفسير القرآن الكريم بين النظريّة والتطبيق، ط1، بيروت، دار المؤرّخ العربي، 1420هـ.ق/ 2000م، ص37-57، مصطفوي، محمد: المبادئ العامّة لدرس القرآن وتفسيره، ط1، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2012م، ص369-372، 377-381.
 
 
 
39

26

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 المؤهّلات الشخصيّة الذاتيّة

وهي عبارة عن مجموعة من المواصفات النفسيّة الّتي ينبغي أن يتوافر عليها المفسِّر في عمليّة التفسير، وهي:
1- صحّة الاعتقاد: 
لا بدّ للمفسّر من أن يمتلك معتقداً سليماً صحيحاً، لجهة مصدر القرآن الغيبيّ ووحيانيّته: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *  عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾1 ، وإعجازه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *  فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾2، وصيانته عن التحريف: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾3، وكونه كتاب هداية للبشريّة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾4، وخاتمة الكتب والرسالات السماويّة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾5، وكذلك لجهة فهم القرآن وتفسيره بالاستناد إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والاعتقاد بنبوّته ورسالته: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾6 وإلى أهل البيت عليهم السلام والاعتقاد بولايتهم ودورهم ومرجعيّتهم الفكريّة والدِّينية7. فالّذي لا يملك اعتقاداً سليماً بهذه المسائل، لا يمكن له فهم القرآن فهماً صحيحاً وسليماً.
 

1- سورة الشعراء، الآيات 192-195.
2- سورة هود، الآيتان 13-14.
3- سورة فصلت، الآيتان 41-42.
4- سورة البقرة، الآية 185.
5- سورة الأحزاب، الآية 40.
6- سورة النحل، الآية 44.
7- انظر: الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط5، طهران، دار الكتب الإسلامية، مطبعة حيدري، 1363هـ.ش، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة، ح1-3، ص221، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً العلم، ح 1-8، ص221-223، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثوا علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء عليهم السلام والأوصياء عليهم السلام الذين من قبلهم، ح 1-7، ص223-226، باب أنّ الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزّ وجلّ وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها، ح1-2، ص227-228، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح1-6، ص228-229،...
 
 
 
 
40

27

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 2- الإخلاص: 

لا بدّ للمفسّر من إخلاص النيّة في عمله التفسيريّ والترفّع عن المنافع الدنيويّة، ليلقى التسديد والهداية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾1. وقال سبحانه: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾2، فلا يُدرك حقائق القرآن الكريم إلّا أصحاب القلوب الطاهرة والنفوس الزكية. فلو لم تكن التزكية لما أمكن تعليم كتاب الحكمة. لذا يجب تزكية النفوس وتطهيرها من جميع الأدران، وإزالة الحجب والموانع من أمامها، وأعظمها حجاب النفس الإنسانية والأهواء النفسية. فما دام الإنسان لم يخرج من حجاب نفسه المظلم جداً، وطالما أنّه مبتلى بالأهواء النفسية، وبالعجب، وبالمعاصي وبحبّ الدنيا، وبالتقليد والاتّباع الأعمى، والآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة، وبالأمور التي أوجدها في باطن نفسه، والتي تشكّل في نفسه ظلمات بعضها فوق بعض، فإنّه لا يكون مؤهلاً لانعكاس هذا النور الإلهي في قلبه3.

3- الموضوعيّة: 
على المفسّر أن يكون موضوعيّاً في تفسيره للقرآن، بحيث يتجرّد عن الآراء والقناعات المسبقة والميول والرغبات الذاتيّة، فلا يقوم بإسقاطها وتحميلها على القرآن، بل عليه أن يقرأ الآيات بتجرُّد، فيسير إلى حيث تأخذه الآيات، ولا يأخذ الآيات إلى حيث أفكاره ومعتقداته المسبقة ويُلزِم القرآن بها، حتّى لا يقع في محذور التفسير بالرأي المنهيّ عنه في الروايات المستفيضة الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام4.
 

1- سورة العنكبوت، الآية 69.
2- سورة الواقعة، الآية 79.
3- انظر: الخميني، روح الله: منهجية الثورة الإسلامية مقتطفات من أفكار الإمام الخميني قدس سره وآرائه-، إعداد ونشر مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني قدس سره، ط1، طهران، 1996م، ص57، 64-68.
4- سوف يأتي تفصيل الكلام في التفسير بالرأي في درس لاحق.
 
 
 
41

28

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 4- الفهم الشموليّ: 

على المفسّر أن يمتلك فهماً شموليّاً جمعيّاً للقرآن الكريم، فلا يتناوله بنحو مجتزأ متناثر، لأنّه يحوي وحدة موضوعيّة بين آياته وسوره، على المفسِّر أن يراعيها، ويربط بينها، وإلّا فإنّه لا يستطيع تفسير القرآن وفهمه فهماً صحيحاً وسليماً1.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾2، بمعنى أنّ بعض آيات القرآن ناظر إلى بعضها الآخر، وأنّ كل قسم منها يوضّح القسم الآخر ويفسِّره، لانعطاف بعض آياته على بعضها الآخر ورجوعه إليه بتبين بعضها ببعضها الآخر وتفسير بعضها لبعضها الآخر من غير اختلاف فيها، بحيث يدفع بعضه بعضه الآخر ويناقضه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾3. وعن الإمام عليّ عليه السلام: "كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض"4

5- التأمّل والتدبّر: 
فلا بدّ للمفسّر من التأمّل والتفكّر دوماً في القرآن، لأنّ القرآن غضّ طريّ لا تنفد معانيه على المدارسة، ونبع لا تنضب معارفه على من يَرِده متأمّلاً ومتفكّراً.

والتّدَبُّر: هو تأمّل عقليّ ذاتيّ دقيق وعميق في تعابير القرآن الكريم، للحصول على نكات دقيقة، تربويّة وأخلاقيّة وعقديّة وغيرها، وذلك ضمن ضوابط وشروط مرعيّة الإجراء، مع كون هذه النكات احتماليّة تبقى في دائرة الرؤية ووجهة النظر الخاصّة بالمتدبّر، ولا يمكن نسبتها على نحو الجزم إلى المراد الإلهيّ.
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص16، 40، ج17، ص256، الصدر، المدرسة القرآنية، م.س، ص30.
2- سورة الزمر، الآية 23.
3- سورة النساء، الآية 82.
4- الموسوي، محمد بن الحسين الشريف الرضي-: نهج البلاغة الجامع لخطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ورسائله وحكمه -، شرح: ابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1378هـ.ق/ 1959م، ج8، الخطبة 133، ص287.
 
 
 
42

29

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 وقد حثّ الإمام الخمينيّ قدس سره على إعمال التدبّر في آيات القرآن الكريم لاكتشاف معارف القرآن وحقائقه، حيث قال: "لا بدّ لك أن تلفت النظر إلى مطلب مهمّ يُكشَفُ لكَ بالتوجّه إليه طريقُ الاستفادة من الكتاب الشريف، وتنفتح على قلبك أبواب المعارف والحكم، وهو: أن يكون نظرك إلى الكتاب الشريف الإلهيّ نظر التعليم، وتراه كتاب التعليم والإفادة، وترى نفسك موظّفة على التعلّم والاستفادة، وليس مقصودنا من التعليم والتعلّم والإفادة والاستفادة: أن تتعلّم منه الجهات الأدبيّة والنحو والصرف، أو تأخذ منه الفصاحة والبلاغة والنكات البيانيّة والبديعيّة، أو تنظر في قصصه وحكاياته بالنظر التاريخيّ والاطّلاع على الأمم السالفة، فإنّه ليس شي‏ء من هذه داخلاً في مقاصد القرآن، وهو بعيد عن المنظور الأصليّ للكتاب الإلهيّ بمراحل. وليس مقصودنا من هذا البيان الانتقاد للتفاسير، فإنّ كلّ واحد من المفسّرين تحمّل المشاق الكثيرة والأتعاب التي لا نهاية لها حتّى صنف كتاباً شريفاً، فلله درّهم، وعلى الله أجرهم، بل مقصودنا هو: أنّه لا بدّ وأن يُفتَح للناس طريق الاستفادة من هذا الكتاب الشريف، الذي هو الكتاب الوحيد في السلوك إلى الله، والكتاب الأحديّ في تهذيب النفوس والآداب والسنن الإلهيّة، وأعظم وسيلة للربط بين الخالق والمخلوق، والعروة الوثقى، والحبل المتين للتمسّك بعزّ الربوبية. فعلى العلماء والمفسّرين أن يكتبوا التفاسير، وليكن مقصودهم: بيان التعاليم والمقرّرات العرفانيّة والأخلاقيّة، وبيان كيفيّة ربط المخلوق بالخالق، وبيان الهجرة من دار الغرور إلى دار السرور والخلود، على نحو ما أُودِعَت في هذا الكتاب الشريف، فصاحب هذا الكتاب ليس هو السكّاكيّ، فيكون مقصده جهات البلاغة والفصاحة، وليس هو سيبويه والخليل، حتّى يكون منظوره جهات النحو والصرف، وليس المسعوديّ وابن خلّكان، حتّى يبحث حول تاريخ العالم... هذا الكتاب ليس كعصى موسى عليه السلام ويده البيضاء، أو نفس عيسى عليه السلام الذي يحيي الموتى، فيكون للإعجاز فقط، وللدّلالة على صدق النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بل هذه الصحيفة الإلهيّة كتاب إحياء القلوب بالحياة الأبديّة العلميّة والمعارف الإلهية. هذا كتاب الله يدعو إلى الشؤون الإلهيّة، فالمفسّر، لا بدّ وأن يعلم الشؤون الإلهيّة، ويُرجِع الناس

 

 

43


30

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 إلى تفسيره، لتعلّم الشؤون الإلهيّة، حتّى تتحصّل الاستفادة منه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾1. فأيّ خسران أعظم من أن نقرأ الكتاب الإلهيّ منذ ثلاثين أو أربعين سنة، ونراجع التفاسير، ونحرم مقاصده: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾2"3.


6- الحضور القلبيّ والعقليّ مع القرآن:
إنّ معاني القرآن لا يدركها، ولن يدركها على حقيقتها، ويعرف عظمتها إلّا من يحسّها في أعماقه، ويسلّم معها بقلبه وعقله، ويختلط إيمانه بها بدمه ولحمه4.

وكيفيّة تحقيق هذا الأمر تكمن بالتفكّر في كلّ آية من الآيات الشريفة وتطبيق مفادها في النفس ورفع نقصانها بواسطة هذا التطبيق، فعلى سبيل المثال: ينبغي التفكّر في قصة آدم عليه السلام الشريفة والسؤال عن سبب مطروديّة الشيطان عن جناب القدس مع تلك السجدات والعبادات الطويلة، لكي يطهّر الإنسان نفسه منه، لأنّ مقام القرب الإلهيّ مقام المطهّرين، فمع الأوصاف والأخلاق الشيطانية لا يمكن القدوم إلى ذلك الجناب الرفيع. وفي عدم سجود إبليس نجد أنّ الأمر راجع إلى رؤية النفس والعجب، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾5.

فهذا العجب صار سبباً لحبّ النفس والاستكبار، وصار سبباً للاستقلال والاستكبار وعصيان الأمر، فصار مطروداً عن الجناب. فهو مطرود، وليس للشيطان خصوصية، فما كان سبباً لطرده عن جناب القدس يكون مانعاً من أن نتطرّق إليه. كما نتفكّر في سبب مزيّة آدم عليه السلام وأفضليّته على الملائكة، فنرى أنّ سبب التفضيل هو تعليم الأسماء، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾6. والمرتبة العالية
 

1- سورة الإسراء، الآية 82.
2- سورة الأعراف، الآية 23.
3- الخميني، روح الله: الآداب المعنويّة للصلاة، ترجمة وشرح وتعليق: أحمد الفهري، ط2، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1406هـ.ق/ 1986م، ص332-333.
4- انظر: مغنيّة، محمّد جواد: التفسير الكاشف، ط3، بيروت، دار العلم للملايين، 1981م، ج1، المقدّمة، ص9-10.
5- سورة الأعراف، الآية 12.
6- سورة البقرة، الآية31.
 
 
44

31

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 من تعليم الأسماء هي التحقّق بمقام أسماء الله. كما أنّ المرتبة العالية من الإحصاء الذي هو في الرواية الشريفة أنّ لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، هي التحقّق بحقيقتها التي تنيل الإنسان جنة الأسماء. فالإنسان يستطيع أن يكون مظهراً لأسماء الله، والآية الكبرى الإلهية بالارتياضات القلبية، ويكون وجوده وجوداً ربّانياً، ويكون المتصرّف في مملكته يدا الجمال والجلال الإلهيّ. وبالجملة، من أراد أن يأخذ من القرآن الشريف الحظّ الوافر والنصيب الكافي فلا بدّ له من أن يطبّق كلّ آية شريفة من الآيات على حالات نفسه حتّى يستفيد استفادة كاملة، مثلاً يقول الله تعالى في سورة الأنفال في الآية الشريفة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾1، فلا بدّ للسالك من أن يلاحظ هل هذه الأوصاف الثلاثة منطبقة عليه، وهل قلبه يجِلُ إذا ذكر الله ويخاف؟ وإذا تليت عليه الآيات الشريفة الإلهية يزداد نور الإيمان في قلبه؟ وهل اعتماده وتوكّله على الحقّ تعالى؟ أو أنّه في كلّ من هذه المراحل راجل ومن كلّ هذه الخواص محروم؟ فإن أراد أن يفهم أنّه من الحق تعالى خائف وقلبه من خوفه وجل، فلينظر إلى أعماله. فوظيفة السالك إلى الله هي أن يعرض نفسه على القرآن الشريف، فكما أنّ الميزان في صحة الحديث وعدم صحته واعتباره وعدم اعتباره أن يعرض على كتاب الله فما خالف كتاب الله فهو باطل وزخرف، كذلك الميزان في الاستقامة والاعوجاج والشقاوة والسعادة هو أن يكون مستقيماً وصحيحاً في ميزان كتاب الله، وكما أن خُلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو القرآن، فاللازم له أن يجعل خُلقه موافقاً للقرآن حتّى يكون مطابقاً لخُلق الوليّ الكامل أيضاً، والخُلق الذي يكون مخالفاً لكتاب الله فهو زخرف وباطل. وكذلك جميع المعارف وأحوال قلبه وأعمال الباطن والظاهر له لا بدّ من أن يطبّقها على كتاب الله ويعرضها عليه حتّى يتحقّق بحقيقة القرآن ويكون القرآن له صورة باطنية2.

 


1- سورة الأنفال، الآية2.

 

2- انظر: الخميني، الآداب المعنويّة للصلاة، م.س، ص353-356.

 

 

45


32

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 7- القدرة على التحليل والتركيب: 

لا بدّ للمفسّر في عمليّة التفسير من امتلاك قدرة تحليليّة للنصّ القرآنيّ الذي يريد اكتشاف معانيه وفهم مقاصده. وهذه القدرة التحليليّة ليست بمعنى تجزئة المعلومات والمعطيات في النصّ كيفما كان، بل ينبغي أن يكون التحليل ضمن ضوابط وقواعد محدّدة تأخذ بعين الاعتبار تشابك محتوى النصّ القرآنيّ ورسالته وأهدافه العامّة ومبادئه الأساسيّة، وتجنّب التحليل الذي يؤدّي إلى انكسار المعنى وانقطاعه عن النظام المعرفيّ للنصّ القرآنيّ1.

وكذلك الأمر بالنسبة لعمليّة التركيب، فينبغي للمفسّر أن يكون ملمّاً بعناصر التركيب المحلّلة سابقاً وبالعلاقة الواقعة فيما بينها، بهدف إيجاد أو استنتاج تركيب جديد مؤلّف العناصر ضمن انسجام وتوليف معرفيّ واضح ومفيد، لا يتعارض مع رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساسيّة.
 

1- سوف يأتي تفصيل الكلام في رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساسيّة في الدرس اللاحق خطوات التفسير-.
 
 
 
46

33

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 المفاهيم الرئيسة


لا بدّ للمفسّر في عمليّة التفسير من توافره على مجموعة من الشروط والمؤهّلات والقدرات الخاصّة التي تتيح له مباشرة العمليّة التفسيريّة، أبرزها الآتية: صحّة الاعتقاد، الإخلاص، الموضوعيّة، الفهم الشموليّ، التأمّل والتدبّر، الحضور القلبيّ والعقليّ مع القرآن، القدرة على التحليل والتركيب.

فكّر وأجب

1- ما المراد بشرطيّة كلّ من: صحّة الاعتقاد، والإخلاص، والموضوعيّة في عمليّة التفسير؟

2- تكلّم عن دور التأمّل والتدبّر والحضور القلبيّ والعقليّ في عمليّة التفسير.

3- ما مدى دخالة الفهم الشموليّ لدى المفسّر وقدرته على التحليل والتركيب في عمليّة التفسير؟
 
 
 
47
 

34

الدرس الثالث: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (1): المؤهّلات الذاتيّة

 للمطالعة


تفسير جامع البيان1
تأليف أبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ (224 - 310هـ.ق) نسبة إلى طبرستان.

ويقوم منهجه في هذا التفسير على ذِكْر الآية أوّلاً، ثمّ تعقيبها بتفسير غريب اللغة فيها، أو إعراب مشكلها، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وربّما يستشهد بأشعار العرب وأمثالهم. وبعد ذلك يتعرّض لتأويل الآية، أي تفسيرها على الوجه الراجح، فيأتي بحديث أو قول مأثور إن كان هناك رأي واحد. أمّا إذا ازدحمت الآراء، فعند ذلك يذكر كلّ تأويل على حدّه، وربّما رجّح لدى تضارب الآراء أحدها وأتى بمرجّحاته، إن لغةً أو اعتباراً، وربّما فصّل الكلام في اللغة والإعراب، واستشهاده بالشعر والأدب.

ويقف صاحب هذا التفسير في وجه أهل الرأي في التفسير موقفاً عنيفاً، ويرى في إعمال الرأي في تفسير كلام الله مخالفة بيّنة لظاهر دلائل الشرع، ويشدّد على ضرورة الرجوع إلى العلم المأثور عن الصحابة والتابعين، وأنّ ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح.

كما كان إذا رأى من ظاهر النقل ما ينافي العقل، يعمد إلى التأويل بوجه مقبول، ويستنكر على أولئك الذين يقتنعون بظاهر التعبير من غير تعقّل أو تحصيل. وهكذا إذا وجد ما يخالف -بظاهره- قواعد الأدب الرفيع.

ومن ثمّ، فآثار التشيّع والولاء الصادق لأهل البيت عليهم السلام بادية أثناء تفسيره الجامع، وكذا تاريخه الكبير... فهو لم يغضّ بصره عن الحقّ، ولم يحاول - كما حاول الآخرون - طمس آثار فضائل أهل البيت عليهم السلام المشهودة!
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص738-750.
 
 
 
48

35

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد العلوم والمعارف التي يحتاجها المفسّر. 
2- يشرح الشروط المعرفيّة والعلميّة التي ينبغي أن يتوافر عليها المفسّر في عمليّة التفسير.
3- يراعي هذه الشروط في عمليّة التفسير وفهم القرآن.
 
 
 
 
49

36

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 ينبغي للمفسّر أن يتوافر على مجموعة من المعارف والعلوم الآليّة1 الّتي تؤهّله معرفيّاً وعلميّاً للخوض في عمليّة التفسير. ويمكن إيجاز هذه المعارف والعلوم بالآتي: 

معرفة علوم اللغة العربيّة
تُعدّ علوم اللغة العربيّة أمراً ضروريّاً للمفسِّر في عمليّة التفسير، لأنّ القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾2، ولا سبيل لبيانه، إلّا من جهة لسان العرب وبمراعاة القواعد التي تحكم هذه اللغة وتحدّد طريقة التعامل معها وبها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾3، لذا لا يجوز لأحد أن يدّعي فهماً لكلام الله تعالى، فضلاً عن تفسيره، ما لم يكن عالماً باللغة العربيّة وعلومها. ومن هذه العلوم الآتي:
أ- علم معاني المفردات: 
ويُراد به العلم الذي يُعنى بتحديد المعاني والأوضاع والاستعمالات اللغويّة المختلفة للألفاظ وضبطها4.
 

1- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص173-174، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص477-479، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص49-56، الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص277-332، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص25-48.
2- سورة الشعراء، الآية 195.
3- سورة يوسف، الآية 2.
4- انظر: الأصفهاني، حسين الراغب-: مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط2، قم المقدّسة، مطبعة سليمانزاده، طليعة النور، المقدّمة، 1427هـ.ق، ص54-55.
 
 
 
51

37

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 فلا بدّ للمفسّر من معرفة موارد الاستعمال القرآنيّ للألفاظ وتحديد معانيها في عصر النزول1


ب- علم النحو:
وهو علم يُعرَف به كيفيّة تركيب الكلام، وما يتعلّق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه على مقتضى الكلام العربي الصحيح2. وهو ضروريّ للمفسِّر، لأنّ المعنى يتغيّر ويختلف باختلاف الإعراب، أي يتغيّر بتغيّر الحركات. فالمعنى التركيبيّ للكلمات، وبالتالي معنى الجملة من الآية لا يتّضح إلّا من خلال معرفة موقع كلّ كلمة ودورها فيها. فمن لا يعرف أنّ الكلمة في موقع الفاعل أو المفعول، أو الصفة، أو الموصوف، أو المبتدأ، أو الخبر، وما إلى ذلك فليس بمقدوره أن يبيّن معنى الجملة أو الآية ومرادهما، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾3 لا يتّضح إلّا من خلال معرفة موقع كلّ كلمة من الآية. فإن لم نعرف موقع (يخشى) و(الله) و(العلماء) ونُحدِّد حركاتها لا يمكن لنا أن نبيّن معنى الآية ومراد الله منها. وبناءً عليه، فإنّ قراءة الآية وكلماتها بنصب هاء الجلالة، ورفع همزة العلماء يؤدّي إلى المعنى والمراد الصحيح، لأنّ معنى الآية: الّذين يخشون الله من عباده هم العلماء، دون غيرهم، أي حصر خشية الله بعباده العلماء. ولو عكس فقُرِأت بضم هاء الجلالة، ونصب همزة العلماء لفسد المعنى.

ج- علم الصرف والاشتقاق:
الصرف هو العلم الذي يُعنى ببيان مادّة الكلمة وجذرها وأصلها. والاشتقاق هو توليد الألفاظ بعضها من بعضها الآخر4. ويكمن وجه حاجة المفسّر إليهما في عمليّة التفسير لبيان معنى الكلمة بالرجوع إلى جذورها وأصولها اللفظيّة، وتمييز المعاني الأصليّة
 

1- سوف يأتي تفصيل الكلام في هذا الموضوع عند بحث أصول التفسير ومصادره الأصل أو المصدر اللغوي - في درس لاحق.
2- انظر: الشرتوني، رشيد: مبادىء العربيّة قسم النحو-، تنقيح وإعداد: حميد المحمّدي، لا.ط، قم المقدّسة، مؤسّسة انتشارات دار العلم، 1415هـ.ق/ 1381هـ.ش، ج4، ص11.
3- سورة فاطر، الآية 28.
4- انظر: الشرتوني، رشيد: مبادىء العربيّة قسم الصرف-، تنقيح وإعداد: حميد المحمّدي، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة دار الذكر، مطبعة البعثة، 1417هـ.ق، ج4، ص15.
 
 
 
52

38

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 من المعاني التبعيّة، والتنبّه لاختلاف معاني الكلمات الذي ينشأ في كثير من الأحيان من الاختلاف في الاشتقاقات، بما يمكن أن يؤدّي إلى وقوع الخطأ في الفهم والتفسير، ومثال على ذلك: فهم كلمة "إمامهم" في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾1، على أنّها جمع لكلمة "أمّ"، فيكون المراد من الآية: أنّ الناس يُدعون يوم القيامة بأمّهاتهم دون آبائهم! وحقيقة الأمر أنّ هذا خطأ جسيم مردّه إلى عدم الإلمام بقواعد الصرف والاشتقاق، فإنّ كلمة "أمّ" لا تجمع على "إمام"، بل على "أمّات" أو "أمّهات"2.


د- علوم البلاغة:
والمقصود بعلوم البلاغة التي يحتاجها المفسّر في عمليّة التفسير، خصوص: علم المعاني وعلم البيان، دون علم البديع، وهو يُعنى ببحث الأوجه والمزايا التي تزيد من جماليّة الكلام وحسن المقال حصراً3، فلا دور له في فهم المعنى، ولذلك لا يدخل في مجال العلوم الضروريّة التي يحتاجها المفسِّر في عمليّة التفسير.

وأمّا علم المعاني فيحتاجه المفسِّر، لأنّه يُعنى بأحوال الألفاظ العربيّة بلحاظ مطابقتها لمقتضى الحال4، وكذلك علم البيان، لأنّه يعنى ببيان المعنى الواحد بطرق مختلفة، من تشبيه ومجاز وكناية5. وهي من دون أدنى شكّ مرتبطة تمام الارتباط في تحديد المعنى الذي هو مدار اهتمام المفسّر في عمليّة التفسير. 

وتبرز حاجة المفسّر إلى علوم البلاغة في جريان القرآن على أسلوب البيان البلاغيّ عند العرب ومحاكاته في مقام التخاطب والتفهيم والتفاهم، مع لحاظ إعجازه من هذه الجهة، والعجز عن مجاراته في ما قدّمه من أسلوب بليغ.
 

1- سورة الإسراء، الآية 71.
2- انظر: الزمخشري، محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1385ه‍.ق/ 1966م، ج2، ص459.
3- انظر: الهاشمي، أحمد: جواهر البلاغة، ط1، قم المقدّسة، مطبعة مصطفوي، 1988م، ص376.
4- انظر: م.ن، ص48.
5- انظر: م.ن، ص254.
 
 
 
53

39

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 معرفة علوم القرآن الكريم

ينبغي للمفسّر أن يتوافر على مجموعة من العلوم التي تتعلّق بالقرآن الكريم، لما لها من دور مهمّ في فهم القرآن، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله سبحانه: ﴿...وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ...﴾1، وذلك أنّهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنّه الناسخ، واحتجّوا بالمتشابه وهم يرون أنّه المحكم... ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله، فضلّوا وأضلّوا. واعلموا رحمكم الله: أنّه من لم يعرف من كتاب الله عزّ وجلّ الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والمحكم من المتشابه... فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله..."2.. ومن أبرز هذه العلوم الآتي: القراءات، وأسباب النزول، والمكّيّ والمدنيّ، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وغيرها3.

معرفة علوم الشريعة
ويُقصَد بها العلوم التي نشأت أو تطوّرت وتبلورت داخل البيئة المعرفيّة الإسلاميّة، والتي يحتاجها المفسّر في فهم القرآن وبيان مقاصده، وأبرزها العلوم الآتية:
أ- علوم الحديث:
وهي العلوم التي تعنى بدراسة الحديث، لجهة سنده ورواته ومتنه ودلالته4, بحيث يحتاج إليها المفسّر في عمليّة التفسير، ولا سيّما أنّ الروايات لها دور كبير في عمليّة التفسير5. ويكمن وجه حاجة المفسّر إلى علوم الحديث في الأمور الآتية:
- توثيق إسناد النصّ إلى قائله: ويتكفّل بذلك علم إسناد الحديث.
 

1- سورة المائدة، الآية 13.
2- انظر: المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقيق: إبراهيم الميانجي، محمد الباقر البهبودي، ط2، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1403هـ.ق/ 1983م، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
3- سوف يجري تناولها بالتفصيل عند بحث قواعد علوم القرآن التي يستخدمها المفسّر في عمليّة التفسير في درس لاحق.
4- انظر: السبحاني، جعفر: كلّيّات في علم الرجال، ط2، قم المقدّسة، مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام، 1428هـ.ق، ص13-20.
5- تقدَّم في مقدّمة الدرس الأوّل دور السنّة والروايات في التفسير خلال البحث عن نشأة علم التفسير وتطوّره، وسيأتي تفصيل دورها عند بحث المنهج الأثري وتطبيقاته.
 
 
 
54

40

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 - التحقّق من سلامة النصّ: ويتكفّل بذلك علم رجال الحديث الذي يُعنى بدراسة أحوال الرواة، وعلم دراية الحديث الذي يُعنى بأحوال الحديث متناً وسنداً، وعلم تاريخ الحديث الذي يعنى بالتحقّق من النسبة التاريخيّة للحديث، وعلم فقه الحديث الذي يعين على التحقّق من نسبة مضمون الحديث إلى قائله.


ب- علم أصول الفقه: 
وهو العلم الذي يُعنى بدراسة القواعد والعناصر المشتركة في الاستدلال والاستنباط الفقهيّ1. وقد وُضعت أسس هذا العلم اعتماداً على قواعد عقليّة، ونقليّة. ويزوِّد هذا العلم علم التفسير بضوابط وقواعد عامّة من شأنها أن تعين المفسّر في عمليّة التفسير، ولا سيّما في مجال بيان آيات الأحكام2.

ج- علم الفقه:
وهو العلم الذي يُعنى باستنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الشرعيّة، والاجتهاد في تطبيق قواعد الاستنباط في البحث عن الحكم الشرعيّ لموضوع ما3. ويستفيد المفسّر من علم الفقه والأحكام من خلال ما يقدِّمه له من قواعد وضوابط اجتهاديّة واستنباطيّة، ولا سيّما في البحث الفقهيّ لآيات الأحكام، من شأنها أن تغني آليّات البحث التفسيريّ ووسائله.

د- علم الكلام:
وهو العلم الذي يُعنى ببيان أصول العقيدة، كالتوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، وما يرتبط بها من مسائل، كالجبر والتفويض، والحسن والقبح العقليّين، والموت، والبرزخ، وغيرها4. وقد تناول القرآن الكريم في قسم كبير من آياته هذه المسائل.
 

1- انظر: الصدر، محمد باقر: دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة-، لا.ط، بيروت، دار التعارف، 1410هـ.ق/ 1989م، ص9-11، مطهّري، مرتضى: مدخل إلى العلوم الإسلاميّة، ترجمة: حسن علي الهاشمي، مراجعة: علي مطر، ط1، لا.م، دار الكتاب الإسلامي، مطبعة السرور، 1421هـ.ق/ 2001م، ج3، ص9-10، 21-22.
2- سوف يجري تناولها مفصلاً عند بحث أبرز القواعد الأصوليّة التي يستخدمها المفسّر في عمليّة التفسير في درس لاحق.
3- انظر: مطهّري، مدخل إلى العلوم الإسلاميّة، م.س، ج3، ص7-8، 47.
4- انظر: م.ن، ج2، ص5-12.
 
 
 
55

41

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 وتُعدّ بعض المواقف المبدئيّة لعلم الكلام بمثابة مبادىء تفسيريّة للمفسّر في عمليّة التفسير، كما في مسألة الإمامة، والعصمة، والحسن والقبح العقليّين، واختيار الإنسان، وغيرها من المسائل.


هـ- العلوم العقليّة:
وهي عبارة عن القضايا المنطقيّة والفلسفيّة التي تعين المفسّر في تنظيم طريقة التفكير والتحليل والاستنتاج، وتمدّ بالقرائن والأدلّة القطعيّة في مقام الاستدلال وتوليد المعرفة، أو في مقام الاستنباط والكشف عن المعرفة1. وسوف يرد تفصيل الكلام في دور هذه المعارف العقليّة في تفسير القرآن عند بحث القرائن العقليّة في التفسير، وحجيّة المنهج العقليّ في التفسير في دروس لاحقة. 

و- علم التاريخ والسِيَر:
وهو العلم الذي يُعنى بدراسة الوقائع والحوادث والمواقف وسِيَر الأعلام الماضين2. ويستفيد المفسّر من هذا العلم في دراسة تاريخ العرب وواقع الناس وحالهم في مجتمع الجزيرة العربيّة قبل الإسلام وفي زمن البعثة النبويّة الشريفة، لأنّ القرآن الكريم نزل في ذلك الزمان والمكان، ولهذا المجتمع خصوصيّاته التاريخيّة والاجتماعيّة والجغرافيّة، كما له مميّزاته وخصائصه التربويّة والثقافيّة والدينيّة، حيث كان مجتمعاً متعدِّد الأديان والثقافات. وكانت الجزيرة العربية آنذاك موطن كلٍّ من الوثنيين والمشركين، إضافة إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى. كما كانت تسود بين أهلها أعراف وقيم وعادات وتقاليد تحكم تصرّفاتهم وحركتهم الاجتماعية. وقد بُعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأمّة ولهؤلاء الناس جميعاً، وخاطبهم القرآن الكريم وجادلهم وأقرّ لهم أموراً واعترض على أخرى، وعنّفهم في أشياء وزجرهم عن أخرى، وعمل على تغيير الواقع القائم وإقامة واقع جديد. وهو يشير في أكثر من مورد من آياته المباركة إلى تلك الأمّة، ويتحدّث عن عاداتها وتقاليدها الجاهلية.
 

1- انظر: مطهّري، مدخل إلى العلوم الإسلاميّة، م.س، مراجعة: عبد الجبّار الرفاعي، ج1، ص16-18، 105-110، 131-157.
2- انظر: مطهّري، مرتضى: المجتمع والتاريخ، بيروت، دار المرتضى، 1413هـ.ق/ 1993م، ص67-69.
 
 
 
56

42

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 ومن هنا كانت الصلة الوثيقة بين علم التفسير ومعرفة التاريخ، فإنّ الاطّلاع على تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام وتاريخ عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبعثة المباركة، له الأثر الإيجابيّ الكبير في عملية إيضاح مداليل كثير من الآيات المباركة وبيان مقاصدها.


ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾1، لا بدّ للمفسِّر من معرفة عاداتهم وتعاملاتهم مع نسائهم وبناتهم، ولا سيّما المولودات حديثاً حتّى يقف عند معنى هذه الآية المباركة.

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾2، لا بدّ للمفسّر من الوقوف على أحوال قريش، وتجارتها إلى اليمن في الشتاء، وإلى الشام في الصيف، وكيف كان حالهم قبل ذلك وبعدها، وكيف أطعمهم الله من جوع، وآمنهم من خوف، إلى غير ذلك من الأمور الّتي ترتبط بتاريخهم وعاداتهم وأعمالهم.

معرفة العلوم والمعارف الإنسانيّة
وهي عبارة عن مجموعة من المعارف والعلوم التي نشأت وتطوّرت وتبلورت خارج البيئة المعرفيّة الإسلاميّة، ولها أثر في منح المفسّر قدرة تعبيريّة كبيرة، وتزويده بآليّات استنطاقيّة جديدة، ومن أبرز هذه العلوم والمعارف: 
أ- المعارف والعلوم اللغويّة الحديثة،
من قبيل: علم فقه اللغة، وعلم الألسنيّات، وعلم الدلالات، وغيرها من المعارف اللغويّة الحديثة التي تعنى ببيان المسار التاريخيّ للغة، وما حدث فيها من تطوّرات على مستوى الدلالة والاستعمال، وما تحويه من بعد نفسيّ واجتماعيّ، كما نجد ذلك جليّاً في خطابات القرآن المليئة بالمؤثّرات النفسيّة والاجتماعيّة القويّة والفاعلة، والتي تهدف إلى إحداث تغيير وتأثير بالغ في نفس المخاطبين.
 

1- سورة التكوير، الآيتان 8-9.
2- سورة قريش، الآيات 1-4.
 
 
 
 
57

 


43

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 ب- المعارف والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة:

ويُقصَد بها خصوص المعارف التي تتيح للمفسّر فهم الواقع الإنسانيّ الفرديّ والاجتماعيّ وخصائصهما والقوانين الحاكمة عليهما، وتوظيف هذه المعارف في فهم أفضل لبيئة الرسالة الإسلاميّة ومكوّناتها والبيئات الاجتماعيّة للأمم الماضية التي تعرّض لها القرآن وبيّن مشاكلها وكيفيّة علاجها، والاستفادة من ذلك كلّه في تشخيص مشاكل الواقع المعاصر والمستقبليّ ووضع الحلول المناسبة.
 
 
 
58

44

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 المفاهيم الرئيسة


ينبغي للمفسّر أن يتوافر على مجموعة من المعارف والعلوم الآليّة الّتي تؤهّله معرفيّاً وعلميّاً للخوض في عمليّة التفسير. ويمكن إيجاز هذه المعارف والعلوم بالآتي: 
1- معرفة علوم اللغة العربيّة، كعلم معاني المفردات، وعلم النحو، وعلم الصرف والاشتقاق، وعلوم البلاغة، ...

2- معرفة علوم القرآن الكريم، كالقراءات، وأسباب النزول، والمكّيّ والمدنيّ، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، ...

3- معرفة علوم الشريعة، كعلوم الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم الفقه، وعلم الكلام، والعلوم العقليّة، وعلم التاريخ والسِيَر، ...

4. معرفة العلوم والمعارف الإنسانيّة، والمعارف والعلوم اللغويّة الحديثة، من قبيل: علم فقه اللغة، وعلم الألسنيّات، وعلم الدلالات، ...، والمعارف والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، ...

فكّر وأجب

1- اذكر أبرز علوم اللغة العربية التي يحتاجها المفسّر في عمليّة التفسير، مبيناً دورها في التفسير.

2- تكلّم عن دور علوم القرآن الكريم والشريعة في عمليّة التفسير، مبيّناً ضرورة توافر المفسّر عليها.

3- ما مدى دخالة العلوم والمعارف الإنسانيّة في عمليّة التفسير، لجهة توافر المفسّر عليها؟
 
 
 
 
 
59

45

الدرس الرابع: شروط المفسِّر ومؤهّلاته (2): المؤهّلات المعرفيّة والعلميّة

 للمطالعة


تفسير الدرّ المنثور1
تأليف جلال الدين أبي الفضل، عبد الرحمان بن أبي بكر بن محمّد السيوطيّ (ت: 911هـ.ق)، وقد جمع فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها، ثمّ اختصره بحذف الأسانيد، وهو المعروف اليوم بـ "الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور".

واقتصر المؤلّف في الدرّ المنثور على مجرّد ذكر الروايات في ذيل كلّ آية، من دون أن يتكلّم فيها أو يرجّح أو ينقد أو يمحّص. فهذا التفسير فريد في باب، من حيث الاقتصار على نقل الآثار، وتوسّعه في ذلك. ومع ذلك فإنّه لم يتحرّ الصحّة، وإنّما جمع بين الغثّ والسمين، وأورد فيه الكثير من الإسرائيليّات والأحاديث الموضوعة، عن لسان الأئمّة السلف، ومن ثمّ فإنّ الأخذ منه يحتاج إلى إمعان نظر ودقّة وتمييز.
 
 

 1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص778-779.
 
60

46

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف الخطوات المتّبعة في عمليّة التفسير.
2- يدرك أهمّيّة هذه الخطوات والتمرّس على تطبيقها في عمليّة التفسير.
3- يشرح العوامل الدخيلة في إعداد الخطّة التفسيريّة.
 
 
 
 
 
61

47

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 لا بدّ للمفسّر من القيام بمجوعة من الخطوات في عمليّة التفسير، حتى يتسنّى له الوصول إلى معاني الآيات وبيان المراد منها. ويمكن إيجاز هذه الخطوات بالآتي1:

الخطوة الأولى: تحديد رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس
أ- رسالة القرآن: الإيقاظ والإنقاذ:
والمقصود بالرسالة خصوص الغايات الكبرى التي توجّه المفسّر في عمليّة فهمه للقرآن، وتنضوي تحتها الأهداف العامّة والمبادئ الأساس للقرآن.

وبالتأمّل في القرآن الكريم، نجده كثيراً ما يصف نفسه بأنّه ذِكْر، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾2، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾3، ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾4، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُون﴾5، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾6، وغيرها من الآيات. 

والمراد بالذِكْر هو التذكّر في قبال الغفلة والنسيان. وإطلاق وصف الذِكْر على ما يذكَّر به مبالغة، فكأنّه وجود خارجيّ عن الذِكْر ومظهر له7.
 
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه الخطوات، انظر: مصطفوي، المبادئ العامّة لدرس القرآن وتفسيره، م.س، ص55-80.
2- سورة آل عمران، الآية 58.
3- سورة الحجر، الآية 9.
4- سورة يوسف، الآية 104.
5- سورة الأنبياء، الآية 50.
6- سورة الزخرف، الآية 44.
7- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة "ذَكَرَ"، ص358-359، الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "ذَكَرَ"، ص328، المصطفوي، حسن: التحقيق في كلمات القرآن، ط1، طهران، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1417هـ.ق، ج3، مادّة "ذَكَرَ"، ص318-319.
 
 
 
 
63

48

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 وقد ورد الذِكْر في مقابل الغفلة والنسيان في القرآن الكريم: في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾1، ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾2، ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾3، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾4، ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾5، وغيرها من الآيات.


وبناءً على ما تقدَّم، يمكن القول إنّ رسالة القرآن الأساس هي إيقاظ الإنسان من غفلته، بما يتضمّن من دلائل وحجج وبراهين موقظة للإنسان وموجّهة له في سيره العبوديّ إلى الله تعالى، إذا لم ينتفع بها، فلن تكتب له النجاة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾6.

ب- الأهداف العامّة للقرآن: الهداية:
والمقصود بالأهداف العامّة هي المقاصد الكلّيّة التي تجسّد إرادة التغيير والتطوير والرقيّ التي يرمي القرآن إلى تحقيقها في الإنسان، ويمكن حصرها بمحور جامع، هو الهداية بشقّيها التكوينيّ والتشريعيّ، وبيان ذلك: أنّ رسالة القرآن الكريم تتلخّص - بناءً على ما تقدَّم - بالإيقاظ والإنقاذ، ولكي يتمّ تحقيق هذه الرسالة، لا بدّ من إيصال الهداية التكوينيّة والتشريعيّة إلى من يُراد إيقاظه وإنقاذه، حتّى تتحقّق الرسالة. وهو ما ركّز عليه القرآن الكريم وأكّد عليه كثيراً، قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾7،
 

1- سورة الكهف، الآية 24.
2- سورة الأنعام، الآية 44.
3- سورة الفرقان، الآية 18.
4- سورة الكهف، الآية 28.
5- سورة الأعراف، الآية 205.
6- سورة طه، الآيات 124-126.
7- سورة طه، الآية 50.
 
 
 
64

49

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾1، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾2، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ﴾3، ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾4، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾5.


والهداية هي الدلالة وإراءة الغاية، بإراءة الطريق وهي نحو إيصال إلى المطلوب، وإنّما تكون من الله سبحانه، وسنّته سنّة الأسباب، بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب، ويتحقّق به وصول العبد إلى غايته في سيره. وهدايته تعالى على نوعين، أحدهما: الهداية التكوينيّة، وهي التي تتعلّق بالأمور التكوينيّة، كهدايته كلّ نوع من أنواع المصنوعات إلى كماله الذي خُلِقَ لأجله وإلى أفعاله التي كُتِبَت له، وهدايته كلّ شخص من أشخاص الخليقة إلى الأمر المقدَّر له، والأجل المضروب لوجوده، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾6، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾7، والنوع الثاني: الهداية التشريعيّة، وهي التي تتعلّق بالأمور التشريعيّة من الاعتقادات الحقّة والأعمال الصالحة التي وضعها الله سبحانه للأمر والنهي والبعث والزجر، ووعد على الأخذ بها ثواباً، وأوعد على تركها عقاباً. ومن هذه الهداية ما هو إراءة الطريق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾8

ومنها: ما هو بمعنى الإيصال إلى المطلوب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾9. وقد عرّف الله سبحانه هذه الهداية تعريفاً بقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾10، فهى
 

1- سورة الإنسان، الآية 3.
2- سورة الأنبياء، الآية 73.
3- سورة محمد، الآية 17.
4- سورة الأعراف، الآية 43.
5- سورة الليل، الآيتان 12-13.
6- سورة طه، الآية 50.
7- سورة الأعلى، الآيتان 2-3.
8- سورة الإنسان، الآية 3.
9- سورة الأعراف، الآية 176.
10- سورة الأنعام، الآية 125.
 
 
 
 
65

50

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 انبساط خاصّ في القلب يعي به القول الحقّ والعمل الصالح من غير أن يتضيّق به، وتهيّؤ مخصوص لا يأبى به التسليم لأمر الله ولا يتحرّج عن حكمه. وقد رسم الله سبحانه لهذه الهداية رسماً آخر وهو ما في قوله عقيب ذكره هدايته أنبياءه الكرام وما خصّهم به من النعم العظام: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾1، وهي تدلّ على أنّ من خاصّة الهداية الإلهيّة أنّها تورد المهتدين بها صراطاً مستقيماً وطريقاً سويّاً لا تخلّف فيه ولا اختلاف، فلا بعض أجزاء صراطه الذي هو دينه بما فيه من المعارف والشرائع يناقض بعضه الآخر، لما أنّ الجميع يمثّل التوحيد الخالص الذي ليس إلا حقيقة ثابتة واحدة، ولما أنّ كلّها مبنيّة على الفطرة الإلهيّة التي لا تخطئ في حكمها ولا تتبدّل في نفسها ولا في مقتضياتها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾2، ولا بعض الراكبين عليه السائرين فيه يألفون بعضاً آخر، فالذي يدعو إليه نبيّ من أنبياء الله عليهم السلام هو الذي يدعو إليه جميعهم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾3، والذي يندب إليه خاتمهم وآخرهم هو الذي يندب إليه آدمهم وأوّلهم، من غير أيّ فرق، إلا من حيث الإجمال والتفصيل4.


ج. المبادىء الأساس للقرآن:
والمقصود بها الأصول المنبثقة من الأهداف العامّة للقرآن ورسالته، والتي لها دور كبير في فهم النصّ القرآنيّ، بوصفها ضامن الفهم وضابط الارتباط وناظم الإيقاع بين أجزاء النصّ كلّه، بما يسهم في تحقيق رسالة القرآن وأهدافه العامّة. ومن أبرز هذه المبادىء الآتي:
 

1- سورة الأنعام، الآيتان 87-88.
2- سورة الروم، الآية 30.
3- سورة الشورى، الآية 13.
4- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص34-35، ج7، ص346-347.
 
 
 
66

51

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 - مبدأ الاستخلاف: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾1، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾2.


- مبدأ تحمّل مسؤوليّة الأمانة الإلهيّة: قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾3.

- مبدأ الكرامة الإنسانيّة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾4.

- مبدأ فطريّة الدين: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾5.

- مبدأ انسجام تعاليم القرآن: قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾6.

- مبدأ اختيار الإنسان: قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾7.

- مبدأ عصمة الأنبياء والمرسلين والأئمّة عليهم السلام: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾8، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾9، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾10.
 

1- سورة البقرة، الآية 30.
2- سورة الأنعام، الآية 165.
3- سورة الأحزاب، الآية 72.
4- سورة الإسراء، الآية 70.
5- سورة الروم، الآية 30.
6- سورة النساء، الآية 82.
7- سورة الإنسان، الآية 3.
8- سورة الأنعام، الآية 90.
9- سورة الجنّ، الآيات 26-28.
10- سورة البقرة، الآية 124.
 
 
 
 
67

52

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 - مبدأ فاعلية الإنسان: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾1، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾2.


- مبدأ نفي الإكراه في الدين: قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾3.

- مبدأ الاختلاف: قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾4، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾5.

- مبدأ وحدة الدين: قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾6.

وغيرها من المبادئ الأخرى التي تقوم بدور توجيه عمليّة فهم المفسّر للنصّ القرآنيّ وجهته الصحيحة والسليمة.

الخطوة الثانية: إعداد الخطّة التفسيريّة
لا بدّ للمفسّر - كما هو حال مطلق باحث عن المعرفة - من وضع خطّة مدروسة واضحة المعالم، تكون بمثابة الموجِّه للمفسِّر في عمليّة بحثه عن مراد الله تعالى في القرآن الكريم. 

أ- العوامل الدخيلة في إعداد الخطّة التفسيريّة:
من العوامل الدخيلة في إعداد الخطّة التفسيريّة الآتي:
- الوعي الدقيق برسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس:
فإنّ هذا الوعي يتيح للمفسّر فرز احتمالات تفسيريّة للنصّ القرآنيّ من خلال التأمّل في النصّ من نظارة (رسالة القرآن - أهدافه العامّة - مبادئه الأساس)، من جهة، وكذلك
 

1- سورة الإنشقاق، الآية 6.
2- سورة النجم، الآية 39.
3- سورة البقرة، الآية 256.
4- سورة هود، الآيتان 118-119.
5- سورة المائدة، الآية 48.
6- سورة الشورى، الآية 13.
 
 
 
 
68

53

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 تصحيح فهمه للنصّ من خلال عرض هذا الفهم عليها، وقياس مدى انسجامه معها، من جهة أخرى.


- تأمين المؤهّلات الذاتية والعلمية والمعرفيّة اللازمة لعمليّة التفسير1.


- الوعي بخصائص القرآن الكريم: 
ومن أبرز هذه الخصائص: وحيانيّة القرآن ومصدره الإلهيّ، وصيانة القرآن عن التحريف، وعموميّة رسالة القرآن لكلّ زمان ومكان، وخاتميّة رسالة القرآن، وشموليّة رسالة القرآن لكلّ ما يحتاجه الإنسان، ...
- الوعي الدقيق بخصائص الواقع وتشخيص معضلاته ومشاكله، والرجوع إلى القرآن الكريم في حلّ معضلاته ومشاكله.

ب- كيفيّة إعداد الخطّة التفسيريّة:
- تحديد الأهداف المطلوبة من التفسير (ماذا يريد الله منّي في هذا النصّ على المستوى المعرفيّ والمسلكيّ؟).

- تحديد مسارات العمل (ما هي طرق تحقيق هذه الأهداف؟).

- درس الإمكانات والقدرات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

- وضع خطّة تنفيذيّة واضحة المعالم تتضمّن كافّة المراحل التي ينبغي للمفسّر اتّباعها للوصول إلى تحقيق الأهداف (وضع احتمالات وفرضيات تفسيريّة/ البحث في هذه الاحتمالات والفرضيّات/ ترجيح بعض الاحتمالات أو صرف بعضها الآخر/ قياس مدى انسجام الفرضيات الراجحة مع الأهداف المتوخّاة ورسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس).
- تأمين متطلّبات الخطّة والعمل التفسيريّة.

الخطوة الثالثة: تنفيذ الخطّة التفسيريّة 
بعد إنجاز المفسّر لخطّة تفسيريّة واضحة المعالم، لا بدّ له من البدء بعمليّة التفسير من خلال القيام بمجموعة من الخطوات المتتابعة هي الآتية:
 

1- تقدّم تفصيل الكلام فيها في الدرسين السابقين.
 
 
 
 
69

54

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 أ- القيام بقراءة النصّ القرآنيّ، بنظارة (رسالة القرآن - أهدافه العامّة - مبادئه الأساس)، وفق مستويات ثلاثة:

- قراءة مسبقة: تهدف إلى استكشاف المحاور الأساس المطروحة في النصّ القرآنيّ.

- قراءة متزامنة: تهدف إلى فرز الاحتمالات التفسيريّة المنطقيّة المتوقّعة، وترجيح بعض الاحتمالات من خلال ترجيح بعضها أو صرف بعضها الآخر، بمراعاة الضوابط التفسيريّة، من قواعد وأصول ومناهج تفسيريّة، وحشد القرائن التفسيريّة.

- قراءة لاحقة: تهدف إلى قياس مدى انسجام الاحتمالات التفسيريّة الراجحة مع الأهداف المرسومة في الخطّة، ومع رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس.

تبصرة: لا بدّ من مراعاة مجموعة من العوامل المؤثّرة في قراءة النصّ، أبرزها الآتي:
- القراءة الكلّيّة الجمعيّة الشاملة للقرآن الكريم، بمعنى الحذر من الوقوع في القراءة الموضعيّة المجتزأة للقرآن.

- القراءة بصيغ مختلفة، بمعنى مراعاة خاصّيّة أنّ الخطاب القرآنيّ عامّ وشامل لكلّ زمان ومكان، فلا بدّ من قراءته بصيغ الماضي والحاضر والمستقبل.

- تشخيص الأصول والفروع في النصّ القرآنيّ.

- توسيع آفاق القراءة وحركيّتها، من خلال الابتعاد عن الفهم الحرفيّ، والنظرة الماضويّة، ومحاولة استنطاق القرآن في حلّ معضلات الواقع ومشاكله.

- فهم النصّ القرآنيّ، بحسب بيئة نزوله، ومحاولة تعميم الفهم إلى كلّ واقعة أو حادثة أو قضيّة تشترك في خصوصيّاتها معها، في كلّ زمان ومكان.

- مراعاة وجود حقول من المعاني للنصّ القرآنيّ (بطون المعاني).
 
 
 
 
70

55

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 - مراعاة خصوصيّات الخطاب القرآنيّ (رساليّ/ تشريعيّ/ رعويّ تنظيميّ/ دعويّ/ تربويّ/ نفسيّ/ إرشاديّ/ مباشر/ غير مباشر/ ...).


ب- إعداد الفرضيّات التفسيريّة: 
لا بدّ للمفسّر في إعداده للفرضيّات التفسيريّة من مراعاة الأمور الآتية:
- منطقيّة الفرضيّات، وعدم تناقضها في نفسها، وعلاقتها الوثيقة بالنصّ، وقابليّتها للتحقّق وللفحص والقياس.
- انسجام الفرضيّات مع رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس.
- انسجام الفرضيّات مع ضرورات الدين.

ج- ترجيح بعض الفرضيّات واستبعاد بعضها الآخر:
من خلال مراعاة الضوابط التفسيريّة، من قواعد وأصول ومناهج تفسيريّة، وحشد القرائن التفسيريّة المعيّنة لاحتمال ما أو الصارفة لاحتمال ما.

د- تقويم النتائج التفسيريّة:
من خلال قياس مدى انسجامها مع الأهداف المرسومة في الخطّة، ومع رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس.
 
 
 
 
 
71

56

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 المفاهيم الرئيسة


لا بدّ للمفسّر من القيام بمجوعة من الخطوات في عمليّة التفسير، حتّى يتسنّى له الوصول إلى معاني الآيات وبيان المراد منها. ويمكن إيجاز هذه الخطوات بالآتي:

1- الخطوة الأولى: تحديد رسالة القرآن (الإيقاظ والإنقاذ)، وأهدافه العامّة (الهداية)، ومبادئه الأساس (مبدأ الاستخلاف/ مبدأ تحمّل مسؤوليّة الأمانة الإلهيّة/ مبدأ الكرامة الإنسانيّة/ مبدأ فطريّة الدين/ مبدأ انسجام تعاليم القرآن/ مبدأ اختيار الإنسان/ مبدأ عصمة الأنبياء والمرسلين والأئمّة عليهم السلام/ مبدأ فاعلية الإنسان/ مبدأ نفي الإكراه في الدين/ مبدأ الاختلاف/ مبدأ وحدة الدين/ ...).

2- الخطوة الثانية: إعداد الخطّة التفسيريّة (تحديد الأهداف/ تحديد مسارات العمل/ درس الإمكانات/ وضع خطّة تنفيذيّة/ تأمين متطلّبات الخطّة).

3- الخطوة الثالثة: تنفيذ الخطّة التفسيريّة (قراءة النصّ القرآنيّ/ إعداد الفرضيّات التفسيريّة/ ترجيح بعض الفرضيّات واستبعاد بعضها الآخر/ تقويم النتائج التفسيريّة).

فكّر وأجب

1- تكلّم عن رسالة القرآن وأهدافه العامّة ومبادئه الأساس ودورها في عمليّة التفسير.

2- ما هي الخطوات المتّبعة في إعداد الخطّة التفسيريّة؟

3- ما هي الخطوات المتّبعة في تنفيذ الخطّة التفسيريّة؟
 
 
 
 
 
72

57

الدرس الخامس: خطوات عملية التفسير

 للمطالعة


تفسير شبّر1
تأليف الشريف السيّد عبد الله بن محمّد رضا العلويّ الحسينيّ من آل شبّر (1188 - 1242هـ.ق).

ومن آثاره العلمية في التفسير: تفاسيره الثلاثة: الكبير، والوسيط، والوجيز.

أمّا التفسير الكبير، فهو المعروف بصفوة التفاسير، لا يزال مخطوطاً، في مجلّدين كبيرين، يوجد المجلّد الأوّل منه في خزانة المخطوطات في مكتبة المرعشيّ بقم المقدّسة، والمجلّد الثاني في مكتبة المجلس بطهران. ويشتمل هذا التفسير على مقدّمة في 16 فصلاً، بحث فيها المؤلّف عن مناحٍ مختلفة من شؤون القرآن الكريم، وهي بنفسها رسالة كبيرة جامعة لشتات علوم القرآن. وكُتِب هذا التفسير بصورة مزج - وهكذا في تفسيريه الآخرين - ولعلّه أسهل فهماً إلى معاني الآيات، فهو يعتمد على الأثر، ومشبع بالنقد والنظر، جمعاً بين الرواية، في إتقان، والدراية، في إحكام.

وأمّا التفسير الوسيط، فهو الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين. كتب على نمط التفسير الكبير في حجم أقلّ. وقد اعتمد في تفسيره هذا في بيان اللغة والمعاني على تفسير البيضاويّ نقلاً بالنصّ، مع توضيح وشرح، مدعّماً بنقل أحاديث أهل البيت عليهم السلام، مع رعاية الاختصار والاقتصار على حلّ مشكلات الآثار. واعتمد في النقل كثيراً على القمّيّ في تفسيره، والمجلسيّ في البحار، ولم يسرف في النقل إلّا على قدر الحاجة واقتضاء الضرورة.

وأمّا التفسير الوجيز فقد حظي بحفاوة منذ عهد قديم، فاحتفلت به المجامع العلميّة في شتّى البلاد، لوجازته وكفاءته في الإيفاء بمعاني كلام الله في أقصر بيان وأحسن تبيان. وقد أشار المؤلف في المقدّمة إلى كرامة بيت النبوّة وأصالة معدنهم في المعارف الأخرويّة والدنيويّة، وأنّه استقى من نورهم جواهر تفسيره. ونحن نتصفّح هذا التفسير نلحظ بعين الفاحص المدقّق أنّ المفسّر وفّى بما وعد، وأسند جواهر تفسيره وجيّد آرائه إلى معينه الأصليّ من علوم الأئمّة الاثني عشر.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص793-795.
 
 
 
 
 
 
73

 


58

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد مصادر التفسير.
2- يشرح خطوات المصدر النقليّ وضوابطه وشروط الاستفادة منه في عمليّة التفسير.
3- يشرح خطوات كل من المصدر العقليّ واللغويّ وضوابطهما في عملية التفسير.
 
 
 
75

59

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 لا بدّ للمفسِّر في عمليّة التفسير من الرجوع إلى الأصول الآتية، بوصفها مصادر في التفسير ومنابع له، وهي:

الأصل أو المصدر النقليّ
ويُراد به القرآن الكريم والسنّة الشريفة. وينبغي للمفسّر في الأصل أو المصدر النقليّ أن يجري بحثاً سنديّاً وآخر دلاليّاً للاستفادة منه في عمليّة التفسير1.

أ. القرآن الكريم:
- بحث سنديّ:
لا شكّ ولا ريب بأنّ القرآن قطعيّ الصدور ومتواتر جيلاً عن جيل، فالعلم بصحّة نقله، كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، حيث اشتدّت العناية به وتوافرت الدواعي على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذُكِر، لأنّ القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية. وقد بلغ علماء المسلمين مبلغاً في حفظه وحمايته، حتى عرفوا كلّ شيء اختُلِفَ فيه، من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته2...
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص539-552، الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص229-270، الصغير، المبادىء العامّة لتفسير القرآن الكريم بين النظريّة والتطبيق، م.س، ص61-70. وسوف يأتي تفصيل الكلام في حجيّة المصدر النقلي في التفسير وتطبيقاته عند بحث منهج تفسير القرآن بالقرآن ومنهج تفسير القرآن بالسنّة في دروس لاحقة.
2- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، مقدّمة التفسير، ص43.
 
 
 
77

60

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 - بحث دلاليّ:

لا بدّ للمفسّر من إجراء بحث دلاليّ للنصّ القرآنيّ يتوخّى من خلاله تحديد المراد الإلهيّ على نحو الدلالة الصريحة أو الدلالة الظاهرة، عن طريق الاستعانة بآيات أخرى، وعرض بعضها على بعضها الآخر، واستنتاج المعنى، كما في إرجاع المتشابه من الآيات إلى المحكم، والمجمل إلى المبيّن، والمنسوخ إلى الناسخ، والعام إلى الخاصّ، والمطلق إلى المقيّد، والمبهم إلى الواضح، والموجز إلى المفصّل، وغيرها من أنواع إرجاع الآيات إلى آيات أخرى لاستجلاء معانيها وبيان مرادها.

ولا شكّ ولا ريب في حجّيّة الدلالة الصريحة للنصّ القرآنيّ، لأنّه في هذه الحالة لا يوجد احتمال دلاليّ آخر مخالف لدلالة النصّ الصريحة، وأمّا حجّيّة الدلالة الظاهرة للنصّ القرآنيّ، وهي التي تحتمل دلالات أخرى مخالفة، فتكون من خلال التقريبات الآتية1:
- إنّ المراد من الدلالة الظاهرة هو المعنى المتبادر إلى ذهن العارف باللغة العربية من اللفظ بأقلّ مؤونة من غيره من المعاني، ارتكازاً على القوانين الثابتة عند أهل العرف وأبناء اللغة في مقام التخاطب والتفهيم والتفاهم. وقد نزل القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيّ مبين، ليفهموا آياته ويعقلوها: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾2، حتّى يتبعوا تعاليمه ويلتزموا بها اعتقاداً وعملاً، ليكتب لهم النجاة والفلاح: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾3. ومن المعلوم أنّ الشارع المقدّس لم يخترع لنفسه طريقة خاصّة لإفهام مقاصده، بل خاطب الناس بالطريقة المألوفة المتداولة في فهم المقاصد من طريق الألفاظ والعبارات، وحينئذٍ فلا محيص عن القول بحجّيّة الاعتماد على ظواهر القرآن،
 

1- لمزيد من التفصيل، انظر، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القسيب، م.س، ج1، ص74-98، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص52-62.
2- سورة يوسف، الآية 2.
3- سورة الأعراف، الآيتان 2-3.
 
 
 
78

61

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 جرياً على اعتبار ظواهر سائر الكتب الموضوعة للتفهيم والتفاهم وإرادة إيصال المقاصد للآخرين، على أنّ القرآن نفسه قد حثّ الناس على التدبّر في آياته، وذمّ المعرضين عن التدبّر!: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾1.


- إنّ القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة على النبوّة والرسالة، ولو لم تكن العرب عارفة بمعاني القرآن، ولم تكن تفهم مقاصده من ألفاظه وآياته، بل لو كان من قبيل الألغاز وغير قابل للفهم، لم يكن وجه لاتّصافه بالإعجاز. ولم يكن وجه لتحدّي الباري عزّ وجلّ المشركين على الإتيان بمثل القرآن أو بعضه2، فلا معنى للتحدّي إلّا إذا فرض أنّ الّذين تحدّاهم القرآن كانوا يفهمون معانيه من خلال ظواهره.

- حديث الثقلين المتواتر تواتراً معنويّاً بين الفريقين، والقاضي بضرورة التمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة عليهم السلام، ومعنى التمسّك بالقرآن ليس مجرّد الاعتقاد بأنّه قد نزل من عند الله تعالى، بل الأخذ به والعمل بما فيه من أوامر ونواهٍ والاستناد إليه في كلّ اعتقاد أو قول أو فعل.

- الروايات المتواترة، الدالّة على عرض الأخبار على الكتاب، وطرح ما خالف منها3، ومن هذه الروايات: ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"، فإنّ أخبار العرض على القرآن خير شاهد على إمكان فهم معانيه.
 
 

1- سورة محمد، الآية 24.
2- انظر: سورة الإسراء، الآية 88، سورة يونس، الآية 38، سورة هود، الآية 13، سورة الطور، الآيتان 33-34، سورة البقرة، الآيتان 23-24.
3- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج1، المقدّمة، ص8، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح1-5، ص69.
 
 
 
79

62

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 - الروايات الكثيرة الدالّة على لزوم التمسّك بالقرآن عند وقوع الفتن. ولازم ذلك إمكانية فهم القرآن ومقاصده1.


ب- السنّة الشريفة:
إنّ قول المعصوم عليه السلام نبيّاً كان أو إماماً هو حجّة في مقام بيان مراد الله تعالى ومقاصده في القرآن، أمّا حجّيّة بيان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فلأنّ القرآن نفسه أعطاه هذه الحجّيّة بنحو صريح، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾2، وأمّا حجّيّة قول الإمام عليه السلام فلأنّه أحد الثقلين، لما ورد من روايات متواترة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بضرورة التمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة عليهم السلام، وما ورد من روايات مستفيضة في أنّهم معدن العلم والوحي والنبوّة، وأنّهم ورثة علم الأنبياء عليهم السلام والمرسلين عليهم السلام، وأنّهم أعلم الناس بالقرآن بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وورثة علمه3، فمع ثبوت قول المعصوم عليه السلام في مقام التفسير، ووضوح صدوره عنه عليه السلام لا شبهة في لزوم الأخذ به. 

وأمّا قول الصحابة والتابعين، فقد اختُلِفَ في حجّيّة تفسيرهم، والصحيح عدمها، مع أرجحيّة الأخذ بقول الصحابيّ والتابعيّ في خصوص النكات اللغويّة ونقل أسباب النزول، في ما لو كان ما ينقله ليس ناشئاً عن اجتهاده الشخصيّ، مع توافر شروط الأخذ منه4.

- بحث سنديّ:
ينبغي للمفسّر أن يجري بحثاً سنديّاً في الأحاديث لتحديد إمكانيّة الاستفادة منها ومجالها. ويمكن تقسيم الأحاديث باللحاظ المتقدّم إلى:
 

1- انظر: الكليني، الكافي، ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح1-14، ص598-602. 
2- سورة النحل، الآية 44.
3- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة، ح1-3، ص221، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً العلم، ح 1-8، ص221-223، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثوا علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء عليهم السلام والأوصياء عليهم السلام الذين من قبلهم، ح 1-7، ص223-226، باب أنّ الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزّ وجلّ وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها، ح1-2، ص227-228، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح1-6، ص228-229،...
4- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص261.
 
 
 
 
80

 


63

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 أ- الأحاديث المتواترة: وهي عبارة عن خبر جماعة (يفيد القطع بنفسه، وليس بانضمام القرائن) يمتنع تواطؤهم على الكذب، وفي النتيجة يوجب العلم بصدور الخبر. وبعبارة أخرى: هو نقل الروايات لإحدى القضايا بصور متعدِّدة وبطرق مختلفة بحيث يحصل الاطمئنان بعدم كذب مضمونها، لأنّه من غير الممكن عادة أن يتّفق جميع الرواة على الكذب. وتُعدّ الأحاديث المتواترة حجّة في التفسير، لأنّها تفيد العلم، فلا بدّ من الأخذ بها في التفسير والعمل بمضمونها1.


ب- أخبار الآحاد: وهي الروايات الّتي لم تصل إلى حدّ التواتر (أي الروايات المنقولة بطريق أو بطريقين ونحو ذلك)، وتقسّم أخبار الآحاد إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الخبر الواحد المحفوف بالقرائن: أي الخبر غير المتواتر والذي يصل عن طريق معتبر ومحفوف بقرائن وشواهد تفيد الصدق واليقين بصدوره عن المعصوم عليه السلام، أو تكون موافقة لظاهر القرآن، وهذا القسم حجّة في التفسير أيضاً.

الثاني: أخبار الآحاد الضعيفة: وهي الأخبار غير المتواترة وليس لها سند معتبر، ولذلك لا يوجد اطمئنان بصدورها عن المعصوم عليه السلام، وهذا النوع من الأحاديث يرِد كثيراً في الروايات التفسيريّة، وربما يكون موضوعاً أو من الإسرائيليات، وهذا القسم غير معتبر في التفسير ولا يعتبر حجّة.

ملاحظة: حاول بعض المفسِّرين دراسة هذه الأحاديث من ناحية المتن، والاستفادة منها كشاهد في التفسير، إذا كان هناك ما يدلّ على صدقها، كموافقتها لظواهر القرآن مثلاً، لأنّ المبنى عنده هو حجيّة الخبر الموثوق وقد يحصل الوثوق من المتن نفسه2، فيما ذهب البعض الآخر إلى حجيّة الأخبار القطعيّة في التفسير وعدم حجيّة الأخبار الضعيفة3، لأنّ المبنى عنده حجّيّة خبر الثقة.
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص262.
2- انظر: ، م.ن، ج3، ص184-185.
3- انظر: الخوئي، أبو القاسم: البيان في تفسير القرآن، ط4، بيروت، دار الزهراء للطباعة والنشر، 1395هـ.ق/ 1975م، ص397-399.
 
 
 
81

64

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 الثالث: أخبار الآحاد المعتبرة: هي الأخبار التي تكون طريقاً معتبراً، بحيث تفيد الظنّ بالصحّة، ولا تورث اليقين.

وأمّا حجّيّة خبر الواحد في التفسير، فيمكن تلخيص الأقوال في المسألة إلى ثلاثة، هي:
- حجيّة خبر الواحد مطلقاً في التفسير.
- عدم حجّيّة خبر الواحد مطلقاً في التفسير.
- التفصيل بين حجّيّته في ما إذا كان مفاد الخبر حكماً شرعياً، وعدم حجّيّته في غير باب الأحكام الشرعيّة، كالاعتقادات - مثلاً -.

- بحث دلاليّ:
من خلال النظر في دلالة الرواية هل هي على نحو الدلالة الصريحة أو الظاهرة فيستفاد منها في التفسير، أو على نحو الدلالة الظنّيّة أو المجملة فتحتاج إلى قرائن قطعيّة تعيّن أحد احتمالات دلالات الرواية، حتى يُؤخذ بها، وإلا فلا؟

الأصل أو المصدر العقليّ
لا إشكال في أنّ حكم العقل القطعيّ، وإدراكه الجزميّ من الأمور الّتي تعدّ من أصول التفسير، فإذا حكم العقل بخلاف ظاهر الكتاب في موردٍ لا محيص عن الالتزام به، وعدم الأخذ بذلك الظاهر، ضرورة أنّ أساس حجّيّة الكتاب، وكونه معجزة كاشفة عن صدق الآتي به، إنّما هو العقل الحاكم بكونه معجزة خارقة للعادة البشرية، ولم يؤتَ، ولن يؤتَى بمثلها، فإنّه الرسول الباطنيّ الّذي لا مجال لمخالفة حكمه ووحيه.

ففي الحقيقة يكون حكمه بخلاف الظاهر وإدراكه الجزميّ لذلك بمنزلة قرينة متّصلة، موجبة للصرف عن المعنى الحقيقيّ، وانعقاد الظهور في المعنى المجازيّ. فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾1 وإنْ كان ظهوره الابتدائيّ في كون الجائي هو الربّ نفسه، وهو يستلزم الجسميّة الممتنعة في حقّه تعالى، ولكنّ العقل القطعيّ يحكم باستحالة ذلك لاستلزام التجسّم للافتقار والاحتياج المنافي لوجوب الوجود وكونه غنيّاً بالذات، بما يمنع انعقاد ظهور في هذا المعنى، وهو اتّصاف الرّب بالمجيء.
 

1- سورة الفجر، الآية 22.
 
 
 
82

65

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 وهكذا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾1، ومثله الآيات الظاهرة على خلاف حكم العقل القطعي2.


وأمّا حكم العقل الظنّي فلا اعتبار له في التفسير، لأنّه لا يفيد القطع، وغاية ما يفيده الظنّ: ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾3.

الأصل أو المصدر اللغويّ
ينبغي للمفسّر الرجوع إلى المصدر اللغويّ في عمليّة التفسير، وذلك لأنّ القرآن الكريم نزل بلسان عربيّ مبين: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾4، جارياً في مقام المخاطبة والتفهيم والتفاهم على القواعد والأساليب التي اعتمدها أهل اللغة العربية. ومن هذا المنطلق لا محيص للمفسّر في مقام فهم معاني القرآن وإدراك مقاصده من الرجوع إلى لغة العرب ومعرفة خصائصها وأساليبها وقواعدها، حتى يصل إلى المراد الإلهيّ من آيات القرآن الكريم.

وفي صدد تفسير القرآن، لا بدّ للمفسّر من الرجوع في عمليّة التفسير إلى المعاني المتفاهم عليها في عصر نزول القرآن الكريم، ولا يجوز له الرجوع إلى المعاني غير المستعملة أو غير المعروفة في بيئة النزول، فقد يحتمل أن يكون المعنى المتداول حالياً للفظ من الألفاظ هو غير ما كان متداولاً عليه في عصر النزول، ولا سيّما أنّ اللغة العربية، كغيرها من اللغات، قد خضعت لتغيّرات وتطوّرات على مستوى دلالات الألفاظ، تبعاً للأوضاع والاستعمالات على مرّ العصور والأزمان، لتأثّرها بعوامل وظروف مكانيّة وزمانيّة جديدة حادثة.

والمرجع في هذه الحالة، عند خفاء المعنى المتداول في بيئة النزول للفظ من الألفاظ، يكمن بالرجوع إلى المعاجم والقواميس اللغويّة القريبة من عصر نزول القرآن5، أو
 

1- سورة طه، الآية 5.
2- انظر: السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص78-89، الصغير، المبادىء العامّة لتفسير القرآن، م.س، ص70-77. وسوف يأتي تفصيل الكلام في حجيّة المصدر العقلي في التفسير وتطبيقاته عند بحث المنهج العقلي في التفسير في درس لاحق.
3- سورة يونس، الآية 36.
4- سورة يوسف، الآية 2.
5- من المعاجم والقواميس اللغويّة القريبة من عصر النزول: معاني القرآن لأبي زكريا الفرّاء ت: 207هـ.ق-، مجاز القرآن لأبي عبيدة المثنّى ت: 210هـ.ق-، مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ت: 502 هـ.ق-، وغيرها.
 
 
 
83

66

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 المعاجم والقواميس اللغويّة المتخصّصة والمتتبّعة للاستعمالات اللغويّة المختلفة للألفاظ وتطوّراتها1، وكذلك يمكن الرجوع إلى تفاسير الصحابة، بوصفهم قريبين من عصر النزول، بخصوص إيرادهم تحديد مدلول لغويّ للفظ ما، بشرط أن يكونوا بصدد نقل معنى متداول في عصر النزول، وليس إيرادهم له ناشئاً عن اجتهاد شخصيّ في الفهم.


وتجدر الإشارة إلى أنّه ليس بين آيات القرآن آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها، بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها، وكيف، وهو أفصح الكلام، ومن شرط الفصاحة خلو الكلام عن الإغلاق والتعقيد؟ والقرآن كلام عربيّ مبين لا يتوقف في فهمه عربيّ ولا غيره ممّن هو عارف باللغة وأساليب الكلام العربيّ، وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظية من مفردها ومركبها، وفي المدلول التصوّريّ والتصديقيّ، ذلك أنّ الأنس والعادة يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادية أو ما يتعلّق بالمادّة، فإنّ المادّة هي التي تتقلّب فيها أبداننا وقوانا المتعلّقة بها ما دمنا في الحياة الدنيوية، فإذا سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرضا والغضب والخلق والأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادّيّة لمفاهيمها. وكذا إذا سمعنا ألفاظ السماء والأرض واللوح والقلم والعرش والكرسيّ والملك وأجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى أفهامنا مصاديقها الطبيعية. وإذا سمعنا: إنّ الله خلق العالم وفعل كذا وعلم كذا وأراد أو يريد أو شاء أو يشاء كذا قيدنا الفعل بالزمان حملاً على المعهود عندنا. وإذا سمعنا نحو قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾2، وقوله: ﴿لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾3، وقوله: ﴿وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ﴾4، وقوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾5، قيدنا معنى الحضور بالمكان. وإذا سمعنا نحو قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾6،
 

1- من المعاجم والقواميس اللغويّة المتخصّصة: ترتيب كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي 100-170 هـ.ق-، الصحاح لإسماعيل بن حمّاد الجوهري ت: 393هـ.ق-، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ت: 395 هـ.ق-، وغيرها.
2- سورة ق، الآية 35.
3- سورة الأنبياء، الآية 17.
4- سورة القصص، الآية 60.
5- سورة البقرة، الآية 28.
6- سورة الإسراء، الآية 16.
 
 
 
 
84

67

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 أو قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾1، أو قوله: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾2، فهمنا: أنّ الجميع سنخ واحد من الإرادة، لما أنّ الأمر على ذلك فيما عندنا، وعلى هذا القياس. وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، ومن حقنا ذلك، فإنّ الذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنّما هي الحاجة الاجتماعية إلى التفهيم والتفهم، والاجتماع إنّما تعلّق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلّقة بالمادّة ولواحقها، فوضعنا الألفاظ علائم لمسمياتها التي نريد منها غايات وأغراضاً عائدة إلينا. وكان ينبغي لنا أن نتنبّه: أنّ المسمّيات المادّيّة محكومة بالتغيّر والتبدّل بحسب تبدّل الحوائج في طريق التحوّل والتكامل، كما أنّ السراج أوّل ما عمله الإنسان كان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضاءة به في الظلمة، ثم لم يزل يتكامل حتّى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائيّ، ولم يبق من أجزاء السراج المعمول أولاً الموضوع بإزائه لفظ السراج شيء ولا واحد. وكذا الميزان المعمول أولاً، الميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلاً. والسلاح المتّخذ سلاحاً أوّل يوم، السلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك. فالمسميات بلغت في التغيّر إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتاً وصفة، والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد في التسمية إنّما هو من الشيء غايته، لا شكله وصورته، فما دام غرض التوزين الاستضاءة أو الدفاع باقياً كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقياً على حاله. فكان ينبغي لنا أن نتنبّه إلى أنّ المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة. ومن هنا، كان الاتّكاء والاعتماد على الأنس والعادة في فهم معاني الآيات يشوش المقاصد منها ويختلّ به أمر الفهم، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾3، وقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾4"5.


1- سورة القصص، الآية 5.

2- سورة البقرة، الآية 185.

3- سورة الشورى، الآية 11.

4- سورة الأنعام، الآية 103.

 

5- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص9-11.

 

 

85


68

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 المفاهيم الرئيسة


لا بدّ للمفسِّر في عمليّة التفسير من الرجوع إلى الأصول الآتية، بوصفها مصادر في التفسير ومنابع له، وهي:
1- الأصل أو المصدر النقليّ: ويُراد به القرآن الكريم والسنّة الشريفة. وينبغي للمفسّر في الأصل أو المصدر النقليّ أن يجري بحثاً سنديّاً وآخر دلاليّاً للاستفادة منه في عمليّة التفسير.

2- الأصل أو المصدر العقليّ، من خلال الرجوع إلى حكم العقل القطعيّ.

3- الأصل أو المصدر اللغويّ لمعرفة المعاني المتفاهم عليها في عصر نزول القرآن الكريم.

فكّر وأجب

1- ما المراد بالأصل أو المصدر النقليّ في التفسير؟ وما هي ضوابط الاستفادة منه في عمليّة التفسير؟

2- تكلّم عن الأصل أو المصدر العقليّ في التفسير، مبيّناً حدود الاستفادة من العقل في عمليّة التفسير.

3- تحدّث عن الأصل أو المصدر اللغويّ في التفسير، وما هو مدار الحجّة فيه في فهم القرآن الكريم.
 
 
 
86

69

الدرس السادس: أصول التفسير ومصادره

 للمطالعة


تفسير نور الثقلين1
تأليف عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ (ت: 1112هـ.ق)، من محدّثي القرن الحادي عشر.

جمع فيه ما عثر عليه من روايات معزوّة إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ممّا يرتبط نحو ارتباط بآي الذكر الحكيم، تفسيراً أو تأويلاً، أو استشهاداً أو تأييداً. وفي الأغلب لا مساس ذاتيّاً للحديث مع الآية في صلب مفهومها أو دلالتها، وإنّما تعرّض لها بالعرض لغرض الاستشهاد، ونحو ذلك، هذا فضلاً عن ضعف الأسانيد أو إرسالها، إلّا القليل المنقول من المجامع الحديثيّة المعتبرة.

وهو لا يستوعب جميع آي القرآن، كما أنّه لا يذكر النصّ القرآنيّ، سوى سرده للروايات تباعاً، حسب ترتيب الآيات والسور. ولا يتعرّض لنقد الروايات ولا علاج معارضاتها.

كما أنّه يسرد الروايات سرداً تباعاً من غير هوادة، يذكر الرواية تلو الأخرى أيّاً كان نمطها، وفي أيّ بُنية كانت صيغتها، إنّما يذكرها لأنّها رواية تعرّضت لجانب من جوانب الآية بأيّ أشكال التعرّض.

وهكذا يذكر الروايات تباعاً من غير نظر في الأسناد والمتون، ولا مقارنتها مع أصول المذهب أو دلالة العقول.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص786-789.
 
 
87

70

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد القواعد اللغوية المرعيّة في عمليّة التفسير.
2- يشرح قواعد العناية بموارد الحقيقة والمجاز، والحذف والتضمين.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القواعد في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
89

71

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 ويُراد بالقواعد اللغويّة خصوص القواعد التي تدخل في تنظيم اللغة العربية، فكلّ منظّم لغويّ هو قاعدة لغويّة، وهي تارة صرفيّة، وأخرى نحويّة، وثالثة بلاغيّة، ورابعة اعتبارات ترجع إلى نواظم لغويّة أخرى. ومن أبرز هذه القواعد الآتي1:

قاعدة العناية بموارد الحقيقة والمجاز
ويُراد بها العناية بالتمييز بين المعنى الحقيقيّ للّفظ الذي وُضِعَ له، وبين المعنى المستعمل في غير ما وُضِع له2. ففي قولك: رأيت أسداً، فإنّ الذهن ينصرف إلى لفظ الأسد المقصود به الحيوان المفترس، لأنّه المعنى الموضوع له لفظ "الأسد"، وهو حقيقة لغويّة فيه، وأمّا في قولك: رأيت أسداً يحمل بسيفه على الأعداء، فإنّ المعنى المراد من لفظ "الأسد" هو معنى مجازيّ، مفاده: الرجل الشجاع. 

ولتمييز الحقيقة من المجاز علامتان3:
- التبادر، أيْ، انسباق المعنى من نفس اللفظ مجرّداً عن كلّ قرينة.

- عدم صحّة السلب، أيْ: عدم صحّة سلب اللفظ عن المعنى الذي يشكّ في وضعه له، فعدم صحّة السلب علامة أنّه حقيقة فيه، وصحّة السلب علامة على أنّه مجاز فيه. كما
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه القواعد، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، النوع 15-22، 31، ج2، النوع 43-44، 46، ج3-4، ج3-4، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، النوع 36-42، ج2، النوع 48، 51-56، 66-67، 74، الميبدي، قواعد التفسير لدى الشيعة والسنّة، م.س، ص60-172، الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن، م.س، ص67-87.
2- انظر: التفتازانيّ، سعد الدين، مختصر المعاني، ط1، قم المقدّسة، دار الفكر، مطبعة قدس، 1411هـ.ق، ص215-216.
3- انظر: المظفّر، محمّد رضا: أصول الفقه، ط2، النجف الأشرف، دار النعمان، 1386هـ.ق، ج1، ص23، 25، الصدر، محمد باقر: دروس في علم الأصول الحلقة الثانية-، لا.ط، بيروت، دار التعارف، 1425هـ.ق/ 2004م، ص403-406، الخراسانيّ، محمد كاظم: كفاية الأصول، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1409هـ.ق، ص18.
 
 
 
91

72

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 أنّ صحّة حمل اللفظ على ما يشكّ في وضعه له علامة على الحقيقة، وعدم صحّة الحمل علامة على المجاز. 


ومن أمثلة وقوع المجاز في القرآن، قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾1، فإنّ المراد: واسأل أهل القرية، لامتناع توجيه السؤال إلى نفس القرية، ومنها: قوله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾2، فمن المعلوم أنّ الذلّ ليس له جناح حقيقة، فاستعار له جناحاً، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾3، فمن البديهيّ أنّ الرأس لا يشتعل.

وتنقسم الحقيقة إلى أربعة أقسام على النحو الآتي:
- الحقيقة اللغويّة: وهي ما كان معناها ثابتاً بالوضع، أي: يضع الواضع لفظاً لمعنىً، إذا أُطلق ذلك اللفظ، فهم ذلك المعنى الموضوع له، كأسماء الأشخاص والأجناس.

- الحقيقة العرفيّة: وهي قول خُصّ في العرف ببعض مسمّياته، وإن كان وضع للجميع، مثل: لفظ (الفقيه) الشامل بالوضع لكلّ من يفقه قول الآخر، ولكن خُصّص عرفاً بالعالم بالأحكام الشرعيّة، أو كلفظ (الدابّة) الذي يكون بأصل الوضع لكلّ ما يدبّ على الأرض من ذي حافر، ثم هجر هذا المعنى، وصار في العرف حقيقة للفرس. والعامل في صيرورة الاسم حقيقة عرفيّة هو استعمال أهل اللغة، أو أهل العلم، لمعنىً من المعاني ويخصّونه، أو بشياع استعماله في غير ما وضع له.

- الحقيقة الشرعيّة: وهي عبارة عن اللفظ المستعمل في لسان الشرع على غير ما كان عليه في وضع اللغة، كالصلاة مثلاً، فإنّها في اللغة: الدعاء، فاستعملت في لسان الشرع في الأقوال والأعمال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.

- حقيقة قرآنيّة: وهي عبارة عن اللفظ الذي استعمله القرآن الكريم في غير ما وُضِعَ له في اللغة، كما في وصفَي البصير والسميع اللذين وضعا لمن يبصُر
 

1- سورة يوسف، الآية 82.
2- سورة الإسراء، الآية 24.
3- سورة مريم، الآية 4.
 
 
 
 
92

73

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 بالبصَر ويَسْمَع بالأُذُن، كالإنسان. والله سبحانه منزّه عن ذلك. ولكنّ استخدام هذه الأوصاف بالنسبة إلى الله سبحانه، لإرادة معنىً آخر أراده الله في تبيين ذاته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾1، العالم والمحيط بالمسموعات والمبصرات. وكذلك استعمال صفتي الرحمن والرحيم، وهما من الرحمة، وهي بحسب الوضع اللغويّ وصف انفعاليّ وتأثّر خاصّ يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره، فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، ولكنّ هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الإعطاء والإفاضة لرفع الحاجة، وبهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرحمة، وهو بذلك حقيقة قرآنيّة فيه2. وكذا سائر صفات الله تعالى، فعلى هذا المبنى لم يكن الاستعمال مجازاً.


قاعدة العناية بموارد الاشتراك اللفظيّ
ويُراد بها العناية باستعمال القرآن للفظ واحد في أداء المعاني المتعدّدة، وثمّ تعيين المعنى المراد من تلك المعاني المستعملة.

مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾3، فإنّ لفظ "القرء" مشترك بين الحيض والطهر. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾4، فإنّ لفظ "الذكر" مشترك بين الذكر باللسان، والذكر بالقلب. وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾5، فإنّ لفظ "عَسْعَسَ" مشترك بين إقبال الشمس وإدبارها. وقوله جلّ شأنه: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾6، فإنّ لفظ "التلاوة" مشترك بين التتبّع والقراءة.
 

1- سورة غافر، الآية 56.
2- انظر: الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص18.
3- سورة البقرة، الآية 228.
4- سورة الرعد، الآية 28.
5- سورة التكوير، الآية 17.
6- سورة البقرة، الآية 102.
 
 
 
 
93

74

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 قاعدة العناية بموارد التقديم والتأخير

ويُراد بها العناية بموارد التقديم والتأخير في الكلام، لفظاً ومعنىً، والوقوف على أسبابه والسرّ فيه، للوصول إلى مراد الله من كلامه في القرآن الكريم.

مثل قوله: ﴿وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾1، لإفادة التقديم بالسبق الزمانيّ، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾2، حيث قدّم العلم على الحكمة، لأنّ الإتقان ناشئ عن العلم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾3، حيث قُدِّم المفعول به على الفاعل قصد إبرازه وتخصيصه.

قاعدة العناية بموارد الحذف
ويُراد بها العناية بموارد الحذف في القرآن الكريم، والوقوف على المحذوف، والسرّ في حذفه أو تقديره أو إضماره، للوصول إلى مراد الله.

والفرق بينه وبين الإضمار والإيجاز: أنّ في الحذف مقدّراً، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾4، أمّا الإضمار فإنّه يشترط فيه بقاء أثر المقدّر في اللفظ، مثل قوله: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾5، أمّا الإيجاز فعبارة عن اللفظ القليل الجامع للمعاني بنفسه. 

ولا ريب في أنّ الحذف خلاف الأصل، لأنّ الأصل ذكر ما يلزم في الكلام، فإذا ثبت بالدليل العقليّ أو الشرعيّ أو بعرف أهل الأدب حذفُ جزء من الكلام، فهو، وإلاّ كان الحمل على عدمه أولى، لأنّ الأصل عدم التغيير. وكذا إذا دار الأمر بين قلّة المحذوف وكثرته، فالأصل هو القلّة.

وإذا دلّ دليل على أصل الحذف، ولكنّه كان قاصراً عن تعيين المحذوف، فلا بدّ من
 

1- سورة الأحزاب، الآية 7.
2- سورة البقرة، الآية 32.
3- سورة فاطر، الآية 28.
4- سورة يوسف، الآية 82.
5- سورة الإنسان، الآية 31.
 
 
 
94

 


75

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 الرجوع إلى مرجع حتّى يعيّنه، ولا سيّما في تفسير آيات الأحكام. وهذا المرجع: إمّا هو القرآن نفسه إذا ذكر المحذوف في موضع آخر، وإمّا هو السنّة الشارحة للآيات.


قاعدة العناية بموارد التضمين
ويُراد بها العناية بموارد التضمين في الكلام وهو إعطاء لفظ معنى لفظ آخر1

والآيات التي وقع فيها التضمين كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾2، فعلّم بمعنى عرّف على التضمين، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾3، ففي هذه الآية تضمينان: أحدهما: في ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾، فإنّه ضمّن فيه معنى أعرض، حتّى يؤدّي معنى الانقطاع عن ملّة إبراهيم، والرغبة في غيرها، وآخرهما: في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، فإنّه لازم لا يتعدّى إلى المفعول به، لكنّه ضمّن فيه معنى الجهل، فلذا تعدّى إلى المفعول. والشاهد على هذا التضمين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾4، وقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾5، ضمّن في ﴿الرَّفَثُ﴾ معنى الإفضاء، فعليه عدّي بإلى، كقوله جلّ شأنه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾6.

قاعدة العناية بموارد الالتفات
ويُراد بها العناية بموارد نقل الكلام من أُسلوب إلى أُسلوب آخر، والوقوف على وجه الحكمة فيه7. وينقسم الالتفات إلى ثلاث جهات، هي:
- طرق الإسناد إلى التكلّم والخطاب والغيبة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي
 

1- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج3، ص338.
2- سورة البقرة، الآية 31.
3- سورة البقرة، الآية 130.
4- سورة طه، الآية 124.
5- سورة البقرة، الآية 187.
6- سورة النساء، الآية 21.
7- انظر: الزركشيّ، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج3، ص314-337.
 
 
 
95

76

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾1، الأصل (وإليه أرجع)، فالتفت من التكلّم إلى الخطاب، لإرادة نصح قومه.


- تغيير زمان الفعل، أيْ: الانتقال من زمان الماضي إلى زمان الحال، أو الاستقبال، أو عكس ذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾2، حيث انتقل من المستقبل إلى الماضي، لإفادة حتمية وقوع الحشر.

- من جهة الكمّية، أيْ: الانتقال من الواحد إلى الاثنين، أو الجمع، أو عكس ذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾3، حيث التفت في الكلام من خطاب الواحد إلى الجمع، لإفادة تعميم الحكم لكلّ مكلَّف، وأنّه ليس مختصّاً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقط.

قاعدة العناية بموارد الإضمار 
ويُراد بها العناية بموارد الإضمار الظاهر والمستتر في الكلام. ويستخدم الضمير في اللغة لجهة الاختصار. وقد راعى القرآن الكريم هذا الاعتبار حينما قام قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾4، مقام خمس وعشرين كلمة لو أتى بها مظهرة5، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾6.

وفي اللغة العربية قواعد لاستخدام الضمائر، هي7:
- الأصل في استخدام الضمائر عودها إلى أقرب مذكور.

- الأصل في استخدام الضمير توافقه مع المرجع حذراً من التشتيت. ولهذا لم يجوّز الزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾8، رجوع الضمير
 

1- سورة يس، الآية 22.
2- سورة الكهف، الآية 47.
3- سورة الطلاق، الآية 1.
4- سورة الأحزاب، الآية 35.
5- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص547.
6- سورة النور، الآية 31.
7- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص547-569.
8- سورة طه، الآية 39.
 
 
 
 
96

77

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 في الثاني على التابوت وفي الأول على موسى عليه السلام، وعدّه تنافراً مخرِجاً للقرآن عن إعجازه، حيث قال: "الضمائر كلّها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة، لما يؤدّي إليه من تنافر النظم الذي هو أمّ إعجاز القرآن"1.


- الأصل في دوران الأمر بين مراعاة اللفظ أو المعنى في الضمائر هو البدأ باللفظ ثم المعنى. ولذلك لم يبح في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إلاّ في موضع واحد: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾2، فأتت خالصة حملاً على معنى (ما).

- الأصل في جمع العاقلات أن لا يعود عليه الضمير إلاّ بصيغة الجمع سواء كان للقلة أو للكثرة، مثل: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾3، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾4.
 

1- الزمخشري، الكشاف، م.س، ج2، ص536.
2- سورة الأنعام، الآية 139.
3- سورة البقرة، الآية 233.
4- سورة البقرة، الآية 228.
 
 
 
97

78

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 المفاهيم الرئيسة


ينبغي للمفسّر مراعاة مجموعة من القواعد اللغويّة في العمليّة التفسيريّة، أبرزها الآتية:
1- التمييز بين المعنى الحقيقيّ للّفظ الذي وُضِعَ له، وبين المعنى المستعمل في غير ما وُضِع له.

2- مراعاة موارد استعمال القرآن للفظ واحد في أداء المعاني المتعدّدة، وتعيين المعنى المراد من تلك المعاني المستعملة.

3- مراعاة موارد التقديم والتأخير في الكلام، لفظاً ومعنىً. 

4- مراعاة موارد الحذف في القرآن الكريم، والوقوف على المحذوف.

5- مراعاة موارد التضمين في الكلام وهو إعطاء لفظ معنى لفظ آخر.

6- مراعاة موارد نقل الكلام من أُسلوب إلى أُسلوب آخر، والوقوف على وجه الحكمة فيه.

7- مراعاة موارد الإضمار الظاهر والمستتر في الكلام.

فكّر وأجب

1- ما المراد بقاعدة العناية بالتمييز بين الحقيقة والمجاز في القرآن؟

2- ما المراد بقاعدة العناية بموارد الحذف؟

3- ما المراد بقاعدة العناية بموارد الالتفات في القرآن؟ وما هي وجوه الحكمة فيه؟
 
 
 
98

79

الدرس السابع: قواعد التفسير(1): قواعد لغويّة

 للمطالعة


تفسير من هدى القرآن1
تفسير تربويّ تحليليّ شامل، يبحث فيه المؤلّف السيّد محمّد تقيّ المدرسيّ (معاصر) عن الربط الموضوعيّ بين الواقع المعاش، وبين الحقائق الراهنة والدلائل البيّنة التي أبانها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً، وفق منهج تربويّ وأخلاقيّ، يستهدف وضع الحلول الناجعة لكلّ مشكلات العصور المختلفة حتّى قيام الساعة.

قال المؤلّف: "واعتمدت فيه على منهج التدبير المباشر، انطلاقاً ممّا بيّنته في التمهيد، أي منهج الاستلهام مباشرة من الآيات، والعودة إلى القرآن ذاته، كلّما قصرنا عن فهم بعض آياته وفق المنهج الذي علَّمَنا إيّاه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، حيث أمرونا بتفسير القرآن ببعضه"2، فكان تفسيراً تحليليّاً تربويّاً، لم توجد فيه المَعْمَعات الجدليّة، ولا الخرافات الإسرائيليّة، معتمداً شرح الآيات وذكر مقاصدها العالية وأهدافها السامية، ومعالجة أدواء المجتمع معالجة ناجعة موفّقة.

تمّ تأليف هذا التفسير في سنة 1405هـ.ق، في 18 مجلّداً، وطبع في سنة 1406هـ.ق في طهران.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1028.
2- من هدى القرآن، ج1، ص5.
 
 
 
99

80

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد ستاً من القواعد الأصوليّة المرعيّة في عمليّة التفسير.
2- يقارن بين قواعد العناية بالعامّ والخاصّ، والعناية بالمطلق والمقيّد، وقاعدة العناية بدلالة المجمل والمبيّن.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القواعد في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
 
101

81

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 تقدَّم خلال بحث الشروط العلميّة والمعرفيّة للمفسّر وجه حاجته في عمليّة التفسير لبعض القواعد المبحوثة في علم أصول الفقه، ومن أبرز هذه القواعد الآتي1:

قاعدة العناية بالأُصول اللفظيّة
ويُراد بالأُصول اللفظيّة القواعد التي يُرجع إليها لإثبات مقصود المتكلّم ومراده عند الشكّ فيه، وتسمّى بالأصول المراديّة، وهي: أصالة الحقيقة، وأصالة العموم، وأصالة الإطلاق، وأصالة عدم التقدير، وأصالة عدم القرينة، وأصالة الجدّ، (أو أصالة عدم الهزل)، وأصالة عدم الغفلة، وأصالة عدم الإهمال، والإجمال. 

فإذا وقع الشكّ في إرادة المعنى الحقيقيّ أو المجازيّ من اللفظ، بأن لم يعلم وجود القرينة على إرادة المجاز مع احتمال وجودها، فحينئذ يقال: الأصل الحقيقة، أي: إنّ الأصل أنْ نحمل الكلام على معناه الحقيقيّ، فيكون حجّة فيه للمتكلّم على السامع، وحجّة فيه للسامع على المتكلّم، فلا يصحّ من السامع الاعتذار في مخالفة الحقيقة بقوله: لعلّك أردت المعنى المجازيّ، ولا يصحّ من المتكلّم أن يقول للسامع: إنّي أردت المعنى المجازيّ.

وإذا ورد لفظ عامّ، وشكّ في إرادة العموم منه أو الخصوص، أيْ: شكّ في تخصيصه، فيقال حينئذ: الأصل العموم، فيكون حجّة في العموم على المتكلّم والسامع.

وإذا ورد لفظ مطلق، له حالات وقيود يمكن إرادة بعضها منه، وشكّ في إرادة هذا البعض، لاحتمال وجود القيد، فيقال: الأصل الإطلاق، فيكون حجّة على المتكلّم والسامع.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه القواعد، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، النوع 32، 41-42، 45، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، النوع 45-46، 49-50، 57، الميبدي، قواعد التفسير لدى الشيعة والسنّة، م.س، ص175-265، الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص211-218.
 
 
 
103

82

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 وإذا أُحتمل التقدير في الكلام، وليس هناك دلالة على التقدير، فالأصل هنا عدم التقدير.


ويمكن إرجاع هذه الأُصول إلى أصل واحد، وهو أصالة الظهور، ومفادها: إذا كان اللفظ ظاهراً في معنىً خاصٍّ لا على وجه النصّ فيه الذي لا يحتمل معه الخلاف، بل كان يحتمل إرادة خلاف الظاهر، فإنّ الأصل حينئذ أنْ يحمل الكلام على الظاهر فيه1.

قاعدة العناية بالعامّ والخاصّ
ويُراد بها العناية بوجود العامّ والخاصّ في الآيات القرآنيّة، والالتفات إلى الفهم الصحيح منهما، والتوجّه إلى ما أراد الله تعالى من كلامه، لأنّ الخاصّ قرينة على بيان المراد من العامّ الذي يشمل بمفهومه جميع ما يصلح انطباق عنوانه عليه في ثبوت الحكم له. ولا فرق في تأخّر ورود الخاصّ على العامّ وتقدّمه. وللعموم ألفاظ تخصّه دالّة عليه: إمّا بالوضع، أو بالإطلاق بمقتضى الحكمة. وهي: إمّا تكون ألفاظاً مفردة، مثل: (كلّ) وما في معناها، مثل: (جميع) و(تمام)، و(أيّ)، و(دائماً)، وإمّا أنْ تكون هيئات لفظيّة كوقوع النكرة في سياق النفي والنهي، وكون اللفظ جنساً محلّى باللام، جمعاً كان أو مفرداً2

ومن الأمثلة على تخصيص العامّ بالخاصّ: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾3، فإنّه عامّ، يخصّصه قوله عزّ وجلّ: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾4.

وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾5، فإنّه عامّ، يخصّصه قوله تعالى:  ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾6.
 

1- انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص29-30.
2- انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص139-140، الصدر، دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة-، م.س، ص92-98.
3- سورة البقرة، الآية 228.
4- سورة الطلاق، الآية 4.
5- سورة التوبة، الآية 5.
6- سورة البقرة، الآية 191.
 
 
 
 
104

83

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 وفي تخصيص القرآن الكريم بما ورد في السنّة الشريفة، فهو جائز في صورة لو ثبتت حجّية خبر الواحد بدليل قطعيّ1.


قاعدة العناية بالمطلق والمقيّد
ويُراد بها العناية بوجود المطلق والمقيّد في الآيات القرآنيّة، والالتفات إلى الفهم الصحيح منهما، كي نفهم مراد الله تعالى من كلامه، حيث يكون المقيّد وهو لحاظ خصوصيّة زائدة على الطبيعة قرينة على التصرّف في ظهور المطلق الذي هو عدم لحاظ الخصوصيّة الزائدة. ولا فرق في تأخّر ورود المقيّد على المطلق وتقدّمه. ويكمن الفارق بين العامّ والمطلق في أنّ العامّ يدلّ على الشمول بواسطة وضع اللفظ، وألفاظه هي الكلّ والجميع وأمثالهما. وأمّا المطلق فلم يكن بواسطة اللفظ، بل هو مستفاد من العقل ببركة مقدّمات الحكمة (إمكان الإطلاق والتقييد + عدم نصب القرينة على التقييد + كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد)2.

قاعدة العناية بدلالة المجمل والمبيّن
ويُراد بها العناية بوجود المجمل والمبيّن في الآيات القرآنيّة، والالتفات إلى الفهم الصحيح منهما، والتوجّه إلى ما أراد الله تعالى من كلامه، حيث يكون المبيّن وهو ما كان له ظاهر يدلّ على مقصود قائله أو فاعله على وجه الظنّ أو اليقين، قرينة على المجمل وهو ما لم تتّضح دلالته، أيْ: ما جهل فيه مراد المتكلّم ومقصوده إذا كان لفظاً، وما جهل فيه مراد الفاعل ومقصوده إذا كان فعلاً3.

ونطاق هذه القاعدة يشمل الآيات القرآنيّة التي تكون مجملة (تتساوى فيها المعاني)، سواءٌ أكانت في العقائد والمعارف، أو في الأخلاق، أو في الأحكام، وإنْ كانت في الأحكام أحوج من الآخرَين.
 

1- انظر: الخوئيّ، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص399-402.
2- انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص171-184، الصدر، دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة-، م.س، ص77-91.
3- انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص195.
 
 
 
 
105

84

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 مثال الإجمال في المعارف، قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾1، فإنّ نعم الله كثيرة، والمنعمون عليهم كثيرون، فأيّهم أراد الله في هذه الآية الكريمة؟ فتبيّن إجماله بقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾2.


ومثال الإجمال في الأخلاق، قوله سبحانه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾3، أي: جعل كلمة التقوى مع المؤمنين بحيث لا تنفكّ عنهم، فإنّه مبيّن بقوله عزّ وجلّ: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾4.

ومثاله في الأحكام، قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾5، فإنّ اللمس يستعمل في اللمس باليد والجماع، ولم يعلم أيّهما أُريد به في الآية، فبيانه جاء في قوله جلّ وعلا: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾6، كما جاء في قوله تعالت أسماؤه: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾7، فإنّ المسّ هو الجماع، ونصف المهر بإزائه.

قاعدة العناية بدلالة المفاهيم
ويُراد بها العناية بدلالة المنطوق في الآيات القرآنيّة، والبحث عن وجود دلالة للمفهوم، حيث إنّ كلّ كلام من أيّ لغة كان قد يقترن بقيود احترازيّة من شأنها تضييق دائرة الحكم عند وجودها، وتوسعة نطاق الحكم عند فقدانها، كبعض الشروط والأوصاف، وقد يقترن بقيود يوجب وجودها ثبوت حكم للموضوع، وعدمها موجب لانتفاء ذلك الحكم، كالقيود الزمانيّة والمكانيّة والعدديّة، وكذا الصفات والشروط وغيرها. والقرآن الكريم لمّا نزل بلسان عربيّ، كان بذلك مشتملاً على هذه الخصيصة8.
 

1- سورة الفاتحة، الآية 7.
2- سورة النساء، الآية 69.
3- سورة الفتح، الآية 26.
4- سورة المجادلة، الآية 22.
5- سورة المائدة، الآية 6، سورة النساء، الآية 43.
6- سورة آل عمران، الآية 47.
7- سورة البقرة، الآية 237.
8- انظر: المظفّر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص109، الصدر، دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة-، م.س، ص99-111.
 
 
 
 
106

85

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 ودلالة المفهوم بالنسبة للمنطوق على نحوين: 

- دلالة موافقة:
وهي ما كان الحكم في المفهوم فيها موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، كدلالة الأولويّة في مثل قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾1، على النهي عن الضرب والشتم للأبوين، ونحو ذلك ممّا هو أشدّ إهانة وإيلاماً للتأفيف المحرّم بحكم الآية، وقد يسمّى "فحوى الخطاب".

- دلالة مخالفة:
وهي ما كانت الدلالة فيها التزاميّة، والحكم فيها مخالفاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق.

ومن موارد تطبيق القاعدة على الآيات القرآنيّة، قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾2، وقوله سبحانه: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾3، وقوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾4، فإنّه يدلّ بمنطوقه على جواز أداء الصلاة رجالاً أو ركباناً في حالة الخوف، ويدلّ بمفهومه على صحّة الصلاة إلاّ قائماً أو قاعداً.

قاعدة العناية بالدلالات المختلفة
ويُراد بها العناية بدلالة الكلام على نحو الاقتضاء والتنبيه والإشارة5

ومن موارد دلالة الاقتضاء في القرآن، قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾6، وقوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ...﴾7،
 

1- سورة الإسراء، الآية 23.
2- سورة الطلاق، الآية 6.
3- سورة الحجرات، الآية 6.
4- سورة البقرة، الآية 239.
5- انظر: المظفر، أصول الفقه، م.س، ج1، ص119-122.
6- سورة المائدة، الآية 3.
7- سورة النساء، الآية 23.
 
 
 
 
107

86

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 فإنّ التحريم لا يتعلّق بالأعيان، وإنّما يتعلّق بالأفعال ذات الصلة بالأعيان، فتتوقّف استقامة المعنى المقصود على تقدير فعل مناسب ليدلّ على المعنى المسكوت، وهو في الأوّل أكل الميتة أو بيعها، وفي الثاني تحريم نكاحهنّ. وكذا قوله عزّ وجلّ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾1، أي: الحجّ أشهره أشهر معلومات.


ومن موارد دلالة التنبيه والإيماء، قوله جلّ وعلا: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾2، فإنّه يدلّ على أنّ مسّ القرآن مشروط بالطهارة.

ومن موارد دلالة الإشارة، قوله جلّ شأنه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾3، فإنّه يدلّ بالدلالة المطابقيّة على تعب الأُمّ في الحمل، والفصال مدّة ثلاثين شهراً، فإذا لوحظ مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾4 الذي يدلّ بالدلالة المطابقيّة على وجوب الرضاع حولين كاملين، ينتج أقلّ مدّة الحمل، وهي ستّة أشهر، وذلك بطرح أربعة وعشرين شهراً من الثلاثين.

وكذا قوله تعالت أسماؤه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾5، فإنّه دلّ بعبارته على مدّة العدّة، كما دلّ بإشارته على إباحة تزوّج المرأة المطلّقة بعد انقضاء العدّة.

وكذا قوله عزّ من قائل: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾6، فقد دلّ نصّ هذه الآية على وجوب نفقة الأُمّ المرضعة ووليدها على الأب وحده، كما دلّ بإشارته على شدّة اتّصال الولد بأبيه، وأنّ للوالد أن يأخذ من مال ولده ما يحتاج من غير إذنه ورضاه، لدلالة اللام في "له" على الملك.
 

1- سورة البقرة، الآية 197.
2- سورة الواقعة، الآية 79.
3- سورة الأحقاف، الآية 15.
4- سورة البقرة، الآية 233.
5- سورة البقرة، الآية 228.
6- سورة البقرة، الآية 233.
 
 
 
108

87

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 المفاهيم الرئيسة


ينبغي للمفسّر مراعاة مجموعة من القواعد الأصوليّة في العمليّة التفسيريّة، أبرزها الآتية:
1- مراعاة الأُصول اللفظيّة، كأصالة الحقيقة، وأصالة العموم، وأصالة الإطلاق، وأصالة عدم التقدير، وأصالة عدم القرينة، وأصالة عدم الاشتراك، وأصالة الجدّ، (أو أصالة عدم الهزل)، وأصالة عدم الغفلة، وأصالة عدم الإهمال، والإجمال. 

2- العناية بموارد العامّ والخاصّ في الآيات القرآنيّة. 

3- العناية بموارد المطلق والمقيّد في الآيات القرآنيّة.

4- العناية بموارد المجمل والمبيّن في الآيات القرآنيّة. 

5- العناية بدلالة المنطوق في الآيات القرآنيّة، والبحث عن وجود دلالة للمفهوم.

6- العناية بالدلالات المختلفة، كدلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة.

فكّر وأجب

1- ما المراد بقاعدة العناية بالأصول اللفظيّة في عمليّة التفسير؟

2- تحدّث عن قواعد العناية بالعامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن في القرآن الكريم.

3- تكلّم عن قاعدة العناية بدلالة المفهوم والدلالات المختلفة في عمليّة التفسير.
 
 
 
109

88

الدرس الثامن: قواعد التفسير(2): قواعد أصوليّة

 المفاهيم الرئيسة


تفسير مجمع البيان1
تأليف أمين الإسلام أبي عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسيّ (ت: 548هـ.ق).

وهو تفسير حاشد بالأدب واللغة والقراءات وحججها، ويختصّ بالإحاطة بآراء المفسّرين السلف. وكان المؤلّف قد جعل تفسير التبيان لشيخ الطائفة الطوسي أسوة له في هذا المجال، فجعله أصلاً بنى عليه زيادات المباني والفروع.

وقدّم المؤلّف لتفسيره بمقدّمات سبع، بحث فيها عن تعداد آي القرآن، وأسامي القُرّاء المشهورين، وذكر التفسير والتأويل، وأسامي القرآن، وعلومه وفضله وتلاوته، وأثبت فيها صيانة القرآن عن التحريف والزيادة والنقصان، وبيّن إجماع علماء الإماميّة على ذلك، واتّفاق آرائهم فيه.

وأمّا المنهج الذي سار عليه، فهو منهج رتيب، يبدأ بالقراءات، فيذكر ما جاء عن اختلاف القراءة في الآية، ويعقّبها بذكر الحجج التي استندت إليها كلّ قراءة، ثمّ اللغة، ثمّ الإعراب، وأخيراً المعنى. وقد يتعرّض لأسباب النزول، والقصص التي لها بعض الصلة بالآيات. وبحقّ قد وضع تفسيره على أحسن ترتيب وأجمل تبويب.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص856-863.
 
 
 
110

89

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدّد سبعاً من قواعد علوم القرآن المرعيّة في عمليّة التفسير.
2- يشرح قواعد العناية بأسباب النزول وشأنه، والمكّي والمدنيّ، والمحكم والمتشابه، وتأثيرها في عملية التفسير.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القواعد في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
 
111

90

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 تقدَّم خلال بحث الشروط العلميّة والمعرفيّة للمفسّر وجه حاجته في عمليّة التفسير لبعض القواعد المبحوثة في علوم القرآن، ومن أبرز هذه القواعد الآتي1:

قاعدة العناية بموارد اختلاف القراءات 
القراءات هي علم بكيفيّة أداء كلمات القرآن واختلافها بعَزْو الناقلة2. وقد يختلف المعنى المراد من النصّ القرآنيّ، باختلاف القراءات. لذا، كانت معرفة المفسّر للقراءات وضوابطها ومقياس قبولها أموراً ضروريّة في عمليّة التفسير، بوصفها قرائن في ترجيح بعض الوجوه المحتملة من النصّ على بعضها الآخر، في حالة اختلاف المعنى باختلاف القراءات. ومثال ذلك: اختلاف تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾3، فمن قرأ (سُكِّرت) مشدَّدة، فإنّما يعني "سُدّت"، ومن قرأ (سُكِرت) مخفَّفة فإنّه يعني "سُحرت".

قاعدة العناية بأسباب النزول وشأن النزول
سبب النزول عبارة عن واقعة أو قضية حصلت في فترة البعثة النبويّة الشريفة نزل فيها شيء من القرآن. وهذه الأسباب قد تكون مدحاً أو ذمّاً لموقف، أو حلّاً لمشكلة، أو جواباً لسؤال، أو بياناً لحكم ونحو ذلك. ومن الواضح أنّ لمعرفة أسباب النزول تأثيراً بارزاً في فهم
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه القواعد، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، النوع 1-14، 23-25، ج2، النوع 34، 36-39، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، النوع 1-35، ج2، النوع 43، 47، 59-64، 71، معرفة، محمد هادي: التمهيد في علوم القرآن، ط3، قم المقدّسة، مؤسّسة التمهيد، مطبعة ستاره، 1432هـ.ق/ 2011م، ج1، ص162-276، ج2، ص263-391، ج3، ص11-472، الميبدي، قواعد التفسير لدى الشيعة والسنّة، م.س، ص273-395.
2- انظر: ابن الجزري، محمد: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، مراجعة: محمد حبيب الشنقيطي، أحمد محمد شاكر، لا.ط، مصر، مكتبة القدسي، المطبعة الوطنية الإسلاميّة بالأزهر الشريف، 1350هـ.ق، ص30.
3- سورة الحجر، الآية 15.
 
 
 
113

 


91

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 المراد من الآية من خلال معرفة مصداقها وخصائصه، بما يعين المفسّر على انتزاع مفهوم تفسيريّ منها، وتجرية حكمها وتطبيقه على المصاديق الأخرى التي تشترك مع مصداق النزول في خصائصه، على اختلاف الزمان والمكان1. ومثال على أهمّية معرفة أسباب النزول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾2، فإنّ فهم الآية المباركة ومعرفة من هم أهل البيت عليهم السلام المقصودون فيها، يتوقّف على معرفة الزمان والمكان والأشخاص والظروف الّتي نزلت فيها الآية المباركة، وبالوقوف على كلّ ذلك نفهم الآية فهماً صحيحاً ونقف على المراد الإلهيّ منها، فنعرف أنّ أهل البيت عليهم السلام في الآية المباركة، هم: محمّد، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام، وليس أيّ أحد سواهم، كما ادّعى الآخرون حيث وقعوا في سوء الفهم والخطأ الكبير، لأنّهم تجاهلوا أسباب نزول الآية المباركة وظروفها.


وأمّا المقصود بـ "شأن النزول" فهو الأمر الذي نزل القرآن - آية أو سورة - لتعالج شأنه بياناً وشرحاً أو اعتباراً بمواضع اعتباره"3. فحينما نبحث عن شأن نزول آية أو جملة آيات ينبغي أن نتناول بالبحث كلّ ما من شأنه أن يلقي الضوء على جانب من الجوانب المتصلة بنزول الآية، كالوقائع التاريخية ذات الصلة بموضوع الآية، سواء أكانت سبباً مباشراً لنزول الآيات أم لا، وسواء أكان زمان حصول تلك الواقعة أو الوقائع مقارناً لنزول الآية أم لا. فمثلاً: واقعة "هجوم أبرهة"، تعدّ شأناً لنزول سورة الفيل، ولا تعدّ سبباً لنزولها، لأنها لم تحصل في زمان نزول الآيات وهي إخبار عن وقائع ماضية حدثت قبل النزول4. وقد تكون واقعة تتّصف بشأن النزول وسبب النزول في آنٍ واحد، مثل واقعة "ليلة المبيت" وفداء الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في تلك الليلة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إلى قوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾5، حيث عُدَّت شأناً وسبباً للنزول
 

1- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص87، الطباطبائي، القرآن في الإسلام، م.س، ص123.
2- سورة الأحزاب، الآية 33.
3- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص267-268.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص94.
5- سورة البقرة، الآية 207.
 
 
 
114

92

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 معاً. وقد تكون واقعة سبباً للنزول ولا تكون شأناً للنزول، كما هو الحال بالنسبة إلى ما ورد من حادثة إنفاق الإمام عليّ عليه السلام بخصوص قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾1 إذ عدّت الحادثة سبباً للنزول، وليست شأناً للنزول، نظراً إلى أنّ سياق الآية ومضمونها يتحدّثان عن الولاية وبيان واقعها الخارجي دون بيان مزّية الإنفاق.


قاعدة العناية بتمييز المكّيّ عن المدنيّ
والمكّيّ من الآيات هو: كلّ ما نزل قبل الهجرة من مكّة إلى المدينة، سواء أنزل داخل مكّة أم خارجها. والمدنيّ من الآيات هو: كلّ ما نزل بعد هجرة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنوّرة، سواء أنزل داخل المدينة أم خارجها. ووجه حاجة المفسّر إلى التمييز بين المكّيّ والمدنيّ من الآيات، فلأنّه يساعد على جلاء الحقيقة في بيان معنى بعض الآيات، ويرفع الإبهام الذي قد يقع فيه البعض، أثناء تفسيره لبعض الآيات المباركة2، ومثال على ذلك: تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾3 الوارد في سورة الشورى، وهي سورة مكّيّة، والآية المباركة - حسب المتواتر من الأخبار- نزلت في أهل البيت عليهم السلام، وهم: الإمام عليّ عليه السلام، والسيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والإمامان الحسن والحسين عليهما السلام. فربّما يتوهّم البعض ويستبعد نزولها في حقّ أهل البيت عليهم السلام، بحجّة أنّ السورة مكّيّة، وأنّ الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام لم يولدا في مكّة، بل في المدينة بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليها. ولكنّ هذا التوهُّم سرعان ما يرتفع إذا عرفنا أنّ الآية الثالثة والعشرين من سورة الشورى مدنيّة، وليست مكّية، وأنّ كون السورة مكّيّة لا يعني ضرورة كون جميع آياتها مكّيّاً، فكم من سورة مكّيّة ضمّت بين آياتها آيات مدنيّة، وبالعكس. وسورة الشورى، وإنْ كانت مكيّة، ولكنّ بعض آياتها مدنيّ، ومنه هذه الآية المباركة.
 

1- سورة المائدة، الآية 55.
2- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص187، الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص159-161، معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص162-163.
3- سورة الشورى، الآية 23.
 
 
 
115

93

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 ومن الأمور الدخيلة في عملية التفسير وتكوين الفهم للآيات القرآنية هو معرفة زمان النزول ومكانه، ويترتّب على ذلك النتائج الآتية:

أ- بيان المقصود والمراد من الآية ومفرداتها.
ب- تحديد المصاديق الفعلية والمفترضة للآية.
ج- استبعاد المعاني الأخرى المتصوّرة للآية بمعزل عن عاملي الزمان والمكان.

ونماذج ذلك: 
- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾1.

فإنّ المراد من الآية ومن لفظة "الناس" لا يفهم إلا من خلال معرفة زمان النزول ومكانه، ويتّضح بعد ذلك أنّ المقصود من "الناس" أفراد معدودون وهم "نعيم بن مسعود" وجماعة من "بني عبد قيس" الذين خرجوا من مكة واتجهوا إلى المدينة بإيعاز من أبي سفيان ليمنعوا المسلمين من مقابلة عسكر أبي سفيان2. وإنْ كان مورد النزول لا يخصّص الوارد، فيمكن انطباق الآية على مصاديق أخرى في كلّ زمان ومكان، بعد ملاحظة اشتراكها في خصوصيّاتها مع مورد النزول.

- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾3.

حيث فهم بعض المفسرين أنّ المقصود من نقصان الأرض من أطرافها هو سيطرة المسلمين عليها والغلبة على أهلها4. ولكن، انطلاقاً من اعتبارات زمانية ومكانية، من كون السورة مكية، وعدم الاستثناء في الآية، لا يرجح أن يكون هذا المعنى مقصوداً من الآية5.
 

1- سورة آل عمران، الآية 173.
2- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص446-449.
3- سورة الأنبياء، الآية 44.
4- انظر: الطبري، محمد (ابن جرير): جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تقديم: خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، لا.ط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق/ 1995م، ج17، ص42، الأندلسي، أبو حيان: البحر المحيط، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وآخرون، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1422هـ.ق/ 2001م، ج6، ص293.
5- انظر: معرفة: التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص221.
 
 
 
116

94

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...﴾1.


فإنّ فهم هذه الآية منوط بالعامل الزمانيّ والمكانيّ، حيث اختلف المفسّرون في تحديد المقصود من قوله تعالى: ﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، بين قائل إنّه عبارة عن الجهاد والقتال مع المشركين، وقائل إنّه عبارة عن سبّ الأصنام، وما إلى ذلك من آراء، ولكنّ المقصود يتّضح بعد تحديد زمان الآية ومكانها، حيث تواترت الروايات بشأن نزول هذه الآية في حجّة الوداع وفي منطقة الغدير. فلا معنى لسبّ الأصنام في السنة العاشرة وبعد فتح مكة والقضاء على المشركين، كما لا معنى لأن تكون الآية بصدد بيان القتال معهم2.

قاعدة العناية بموارد النسخ
النسخ هو رفع تشريع سابق كان يقتضي الدوام بحسب ظاهره بتشريع لاحق، سواء أكان ذلك المرتفع من الأحكام التكليفية أو الوضعيّة، بحيث لا يمكن اجتماع التشريعين معاً، إمّا ذاتاً إذا كان التنافي بينهما بيّناً، وإمّا بدليل خاصّ، من إجماع أو نصّ صريح3

ولا بدّ للمفسِّر من معرفة الناسخ والمنسوخ لما لها من أثر جليّ في فهم التشريع الإسلاميّ، بحيث لا يمكن استنباط حكم شرعيّ ما، ما لم يكن المفسّر له حظّ وافر من معرفة الناسخ والمنسوخ، فقد جاء في تفسير النعمانيّ، بإسناده إلى إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام يقول: "... اعلموا، رحمكم الله، أنّه من لم يعرف من كتاب الله عزّ وجلّ الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والمحكم من المتشابه... فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله"4.

ومثال على ذلك: في بداية بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أُمر المسلمون بمداراة أهل الكتاب
 

1- سورة المائدة، الآية 67.
2- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص382-383، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج6، ص42-53.
3- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص249-253، الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص277-278.
4- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
 
 
 
117

95

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾1. وبعد مدّة نُسِخَ هذا الحكم، وأُمروا بقتالهم في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾2.


قاعدة العناية بموارد المحكم والمتشابه
الآيات المحكمات هي آيات واضحة المراد، ولا تشتبه بالمعنى غير المراد، ويجب الإيمان بهذا النوع من الآيات والعمل بها، وهي أمّهات الآيات وبقيّة الآيات متفرّعة ومترتّبة عليها. والآيات المتشابهات هي آيات ظاهرها ليس مراداً، ويجب الإيمان بها والتوقّف عن اتّباعها، فلا استقلال لها في إفادة مدلولها، ويظهر المراد منها من خلال ردّها إلى الآيات المحكمات3. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾4.

إنّ لمعرفة المحكم والمتشابه بالغ الأثر في فهم القرآن الكريم، من خلال إرجاع المفسّر الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة في عمليّة التفسير، كما أشارت إلى ذلك الرواية المتقدّمة عن الإمام الصادق عليه السلام.

ومثال على ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾5، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾6، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾7، فهي بظهورها الأوّلي فيها شبهة التجسيم. ولكن لو أرجعناها إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾8 يرتفع هذا الظهور، ويتبيّن مقصودها الحقيقيّ، وتزال عن الذهن شبهة التجسيم، ويفهم منها معناها المجازيّ بقرينة الآية المحكمة، وهو التدبير والحاكميّة والقدرة وانتظار الرحمة والثواب الإلهيّ...
 

1- سورة البقرة، الآية 109.
2- سورة التوبة، الآية 29.
3- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21-23، 29، القرآن في الإسلام، م.س، ص43، 46، 48.
4- سورة آل عمران، الآية 7.
5- سورة طه، الآية 5.
6- سورة الفتح، الآية 10.
7- سورة القيامة، الآيتان 22-23.
8- سورة الشورى، الآية 11.
 
 
 
118

96

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 قاعدة العناية بالتناسب

ويُراد بها العناية بترابط أجزاء القرآن على المستوى اللفظيّ والمعنويّ، بلحاظ حروفه وكلماته وآياته ومقاطعه وسوره وموضوعاته ومفتتحات السور وخواتيمها ووحدته الموضوعيّة وغيرها من أنواع المناسبات في القرآن الكريم. وسوف نستعرض بعض هذه المناسبات بإيجاز1، وهي:
أ- تناسب الحروف:
ويُراد به تنظيم الكلمات وتركيبها من الحروف التي تكون بمنزلة الموادّ لبنائها. وهذه المناسبة مسندة إلى المتكلّم، لأنّه لفظ اختاره المتكلّم لإبراز مراده، إذ هو قالب للمعنى لا غير، فهي حجّة بلا شكّ.

ب- تناسب الكلمات:
والمراد به نظم الكلمات والأسلوب القائم في تراكيبها، ومن ثَمَّ تأليف الجملة منها، بل هي الخصائص المودعة في الجمل: من المبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل، أو نائبه، أو الحال والتمييز، وغيرها من العناوين.

وهذا النوع من النظم في القرآن هو من صنع الوحي السماويّ لا غير.

ج- تناسب الجمل:
والمراد به النظم الكامن في تركيب الجمل، ومن ثَمَّ تأليف الآية من تلك الجمل. وهذه المناسبة مقبولة ما لم يقم دليل قطعيّ على انفصال الجملة من سابقتها ولاحقتها.

د- تناسب الآيات:
ويراد به ربط الآيات بعضها ببعضها الآخر. وهو مقبول بشرطين: الأوّل: وجود الصلة والربط الصدوريّ بينهما، أي: نزولهما دفعة. الثاني: وحدة موضوعهما كلّياً أو جزئيّاً.
 

1- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج1، ص277-287.
 
 
 
119

97

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 هـ- تناسب السور:

إنّ المقصود منه ترابط السور القرآنيّة وتناسب بعضها مع بعض. وذهب إليه بعض المفسّرين، ولكن المشهور عند الإماميّة على عدم التناسب، لعدم كون السور في المصحف وفق ترتيب النزول.

ز- تناسب مجموعة من السور فيما بينها:
كتناسب سور الحواميم، وسور الطواسين وغيرهما. وإذا تدبّرنا في السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها، مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم، وجدنا في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور1.

ح- تناسب الأقسام المتوالية وتناسب الأقسام وجوابها:
ففي قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾2 لزوم نوع من التناسب والارتباط بين القسم والمقسم عليه يستدعي أن يكون المراد بوالد وما ولد مَنْ بينه وبين البلد المقسم به نسبة ظاهرة، وينطبق على إبراهيم وولده إسماعيل3، وفي قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾4، مناسبةُ نور النهار وظلمة الليل لنزول الوحي وانقطاعه ظاهرةٌ5.

وهناك مناسبات أُخر، ومن تلك المناسبات: مناسبة مفتتح القرآن لختامه، ومناسبة أسماء السور لمضامينها، ومناسبة مفتتح السورة لمضامينها، ومناسبة مفتتح السورة لختامها، ومناسبة مفتتح السور لختام ما قبلها، ومناسبة مضمون السورة لما قبلها، ومناسبة الآيات المشتبهات، ومناسبة قصص القرآن لمضامينها العقديّة والفقهيّة والأخلاقيّة، ومناسبة بعض ألفاظ القرآن لبعضها الآخر6.
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج18، ص5-9.
2- سورة البلد، الآية 3.
3- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج20، ص290.
4- سورة الضحى، الآيتان 1-3.
5- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج20، ص310.
6- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص35-53، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص 288-303.
 
 
120

98

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 قاعدة العناية بالجري والتطبيق

ويُراد بها العناية بالتفريق في الروايات التفسيريّة المأثورة عن المعصوم عليه السلام بين موارد التفسير بالمصداق، وهو تفسير الآية، وفق مورد نزولها، في سبب أو حادثة خاصّة، بحقّ فرد أو أفراد معيّنين، وبين موارد التفسير بالجري وبالانطباق، وهو انتزاع مفهوم عامّ من مصداق نزول الآية، وتطبيق الحكم الوارد فيه على جميع الموارد التي تشترك في خصوصيّاتها مع مورد نزول الآية1.

سأل الفُضَيل بن يسار الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن الحديث المعروف: ما من آية إلاّ ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلاّ وله حدّ يطلع (ومطلع)، ما يعني بقوله: لها ظهر وبطن؟ قال عليه السلام: "ظهر وبطن هو تأويلها، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يجئ، يجري كما تجري الشمس والقمر، كلّما جاء فيه تأويل شيء منه، يكون على الأموات، كما يكون على الأحياء، كما قال الله تعالى: ﴿...يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...﴾2، ونحن نعلمه"3.

وعنه عليه السلام -أيضاً-: "ولو أنّ الآية نزلت في قوم، ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية لَمَا بقي من القرآن شيء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخِره ما دامت السماوات والأرض، ولكلّ قومٍ آية يتلونها، هُم منها من خير أو شرّ"4.

ومن موارد الجري والتطبيق في الروايات التفسيريّة:
- ورد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾5، أنّه قال: "السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، وسابق في أمّة موسى عليه السلام وهو مؤمن آل فرعون، وسابق في أمة عيسى عليه السلام وهو حبيب النجّار، والسابق في
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص41-42.
2- سورة آل عمران، الآية7.
3- الصفّار، بصائر الدرجات، م.س، ج4 (القسم الرابع)، باب10، ح2، ص223.
4- العياشي، محمد بن مسعود: تفسير العياشي، تحقيق: هاشم الرسولي المحلاتي، لا.ط، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، لا.ت، ج1، باب في ما أنزل من القرآن، ح7، ص10.
5- سورة الواقعة، الآية 10.
 
 
 
121

99

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام"1، حيث بيّنت الرواية نماذج من مصاديق مفهوم كلّيّ، وهو مزية السبق في الخيرات من الأعمال ونيل الرحمة والرضوان، وهي بذلك في مقام التطبيق2.


- ما ورد عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾3، أنّه قال: "نحن باب حطتكم"4. وهو من قبيل الجري، لأنّ باب الولاية في الإسلام يكون كباب حِطّة في بني إسرائيل، الذي هو باب طلب الحطّ عن الذنوب والاستغفار5.

- ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾أنّه قال: "عليّ أفضلهم، وهو ممّن ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله"7. وهو من باب بيان المصداق الأتمّ والأبرز.
 

1- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص358-359.
2- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج19، ص117-118.
3- سورة البقرة، الآية 58.
4- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، تفسير سورة البقرة، ح47، ص45.
5- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص229.
6- سورة البقرة، الآية 265.
7- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، تفسير سورة البقرة، ح486، ص148.
 
 
 
122

100

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 المفاهيم الرئيسة


ينبغي للمفسّر مراعاة مجموعة من قواعد علوم القرآن في العمليّة التفسيريّة، أبرزها الآتية:
1- موارد اختلاف القراءات، فقد يختلف المعنى المراد من النصّ القرآنيّ، باختلاف القراءات.

2- أسباب النزول وشأن النزول.

3- التمييز بين المكّيّ والمدنيّ من الآيات.

4- تعيين موارد النسخ.

5- العناية بموارد المحكم والمتشابه.

6- العناية بترابط أجزاء القرآن على المستوى اللفظيّ والمعنويّ، بلحاظ حروفه وكلماته وآياته ومقاطعه وسوره وموضوعاته ومفتتحات السور وخواتيمها ووحدته الموضوعيّة ...

7- العناية بالتفريق في الروايات التفسيريّة المأثورة عن المعصوم عليه السلام بين موارد التفسير بالمصداق، وبين موارد التفسير بالجري وبالانطباق.

فكّر وأجب

1- بيّن أهمّيّة معرفة أسباب النزول وشأنه ومكانه وزمانه في عمليّة التفسير.

2- تكلّم عن قاعدة العناية بالتناسب في القرىن الكريم.

3- ما المراد بالتفسير بالمصداق وبالجري والانطباق؟
 
 
 
123

101

الدرس التاسع: قواعد التفسير (3): قواعد من علوم القرآن

 للمطالعة


تفسير الكشّاف1
تأليف جار الله الزمخشريّ، أبي القاسم، محمود بن عمر الخوارزميّ (467 - 538هـ.ق). 

وهو تفسير قيّم لم يسبق له نظير في الكشف عن جمال القرآن وبلاغته وسحر بيانه، فقد امتاز المؤلّف بإلمامه بلغة العرب، والمعرفة بأشعارهم، والإحاطة بعلوم البلاغة والبيان والإعراب. فنظرته في دلالة الآيات الكريمات نظرة أدبيّة فاحصة، وكان فهمه لمعاني الآيات فهماً عميقاً غير متأثّر بمذهب كلاميّ خاصّ.

ويعتمد المفسّر في تفسيره على ضروب من التأويل والمجاز والتمثيل، فيحمل ما ظاهره التنافي مع العقل أو الأصول المتلقّاة من الشرع، على ضرب من التمثيل والاستعارة والمجاز.

ورفض الزمخشريّ حجّيّة القراءات حجّيّة تعبّديّة، حتّى ولو كانت على خلاف الفُصحى من اللغة، إذ لم تثبت حجّيّتها بهذه السعة والإطلاق، فإذا ما تعارضت قراءة مع المقرّر من لغة العرب الفُصحى، نجده يرفض تلك القراءة، حفاظاً على سلامة القرآن، من خلل في فصاحته العليا.

ويتعرّض في تفسيره للمسائل الفقهيّة ويناقش الأقوال فيها، مناقشة موضوعيّة حرّة، من غير تعصّب أو تعسّف في الرأي. وهكذا موقفه في المسائل العَقَديّة، ويتوسّع فيها حسب مقتضى الحال بإيجاز وإيفاء.

كما أنّه عندما يتعرَّض للإسرائيليّات ونراه - أحياناً - ينبِّه على موضع سخافتها ومنافرتها مع بداهة العقول.

وطبع هذا التفسير عدّة طبعات في تبريز وطهران، بتحقيق الدكتور الغفّاريّ وتقديم المرتضويّ وتعليقه عام 1385هـ.ق، وبتحقيق العلّامة أبي الحسن الشعرانيّ وتقديمه عام 1386هـ.ق في عشرة مجلّدات.

وللمفسّر - أيضاً - تفسير آخر باللغة العربيّة، هو زبدة التفاسير في عشرة مجلّدات، كتبه بعدما أتمّ تفسيره الفارسيّ.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص901-918.
 
 
 
124

102

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف معنى القرائن التفسيريّة، وأهمّيتها في عملية التفسير.
2- يشرح أنواع القرائن التفسيريّة، ولا سيّما المعيّنة والصارفة منها ودورها في عمليّة التفسير.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القرائن في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
 
125

103

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 تعريف القرائن التفسيريّة

القرائن في اللغة جمع قرينة، وهي جمع شيء إلى شيء1.

وفي الاصطلاح هي كلّ ما ارتبط بالكلام، وكان له أثر فاعل في استيعاب الكلام وفهم مراد المتكلّم، سواء أكان متّصلاً بالكلام أم منقطعاً عنه، وسواء أكان من سنخ الألفاظ أم من غير سنخ الألفاظ2.

أهمّيّة القرائن
إنّ العناية بالقرائن أسلوب عقلائيّ معتمد في مقام التفهيم والتفاهم عند جميع الثقافات، بهدف فهم مراد المتكلّم من قِبَل المخاطبين من جهة، وإيصال مراده إلى أذهانهم من جهة ثانية. وقد قامت سيرة العقلاء فيما بينهم على مراعاة جميع القرائن المحتف بها كلام المتكلّم في عمليّة فهمهم لمراده الجدّي من كلامه. ولأنّ القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب جرياً على أسلوبهم في مقام التفهيم والتفاهم، ولأنّه لم يخترع طريقة أخرى في هذا الصدد، ولم يردع عنها، بل جرى وفقها، نستفيد بذلك ضرورة العناية ببحث القرائن في فهم أفضل للقرآن الكريم.
 

1- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج5، مادّة "قَرَنَ"، ص76-77، الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "قَرَنَ"، ص667-668.
2- انظر: الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص96-97. 
 
 
 
127

104

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 أنواع القرائن 

إنّ التأمّل في التعريف الاصطلاحي للقرائن، يستشف منه انقسامها بلحاظات عدّة1، هي:
أ- قرائن معيّنة وقرائن صارفة (بدلالة قيد: له أثر فاعل في استيعاب الكلام وفهم مراد المتكلّم).
ب- قرائن متّصلة وقرائن منفصلة (بدلالة قيد: متّصلاً بالكلام أم منقطعاً عنه).
ج- قرائن لفظيّة وقرائن غير لفظيّة (بدلالة قيد: من سنخ الألفاظ أم من غير سنخ الألفاظ).

وسوف نقوم ببحث كلّ قسم من هذه القرائن بنحو مفصّل.

القرائن المعيّنة والقرائن الصارفة
أ- تعريفها:
- القرائن المعيّنة: هي كلّ ما ارتبط بالكلام وكان له دور في تعيين مراد المتكلّم من مجموعة من المعاني التي يمكن أن تكون مرادة له من كلامه. مثال: إذا قال المتكلّم: "رأيت عيناً من الماء"، فإنّ قيد "من الماء" هو قرينة معيِّنة لمعنى "العين النابعة"، وهو معنى من المعاني المحتملة من جملة "رأيت عيناً"، لأنّ كلمة "عين"، هي مشترك لفظي بين مجموعة من المعاني، منها: العين النابعة، والعين الباصرة، والذهب، والشيء نفسه...

- القرائن الصارفة: هي كلّ ما ارتبط بالكلام وكان له دور في صرف معنى من المعاني المحتملة لمراد المتكلِّم من كلامه. مثال: إذا قال المتكلِّم: "محذور عليك هذا المكان"، فإنّ العقل يحكم بتعلّق التحذير بأفعال الإنسان تجاه الأعيان وليس بتعلّقه بالأعيان، وهذه قرينة صارفة للمعنى الثاني، وهو تعلّق التحذير بالأعيان. 

وقد تكون القرينة صارفة ومعيّنة في آن واحد، مثال: إذا قال المتكلِّم: "رأيت بحراً من
 

1- لمزيد تفصيل في هذه القرائن، انظر: الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص97-178.
 
 
 
 
128

105

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 العلم"، فإنّ قيد "من العلم" هو قرينة صارفة للمعنى الحقيقيّ لكلمة "بحر"، من جهة، ومعيّنة للمعنى المجازيّ لكلمة "بحر"، وهو العالم من جهة ثانية.


ب- تطبيقات القرائن المعيّنة والصارفة:
- قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾1، فإنّ لفظ "الدين" من المشتركات اللفظيّة التي تستعمل في معنى: "الطاعة والجزاء" و "يوم الحساب" و "الشريعة" و "المال المقترض"، ...2. وتعيين أحد هذه المعاني لا يتمّ إلا بالرجوع إلى القرائن، ومنها: 

- قرينة سياق3 الكلمات (وهي قرينة لفظيّة متّصلة معيّنة) التي تعيّن معنى "يوم الحساب" من بين المعاني المحتملة من اللفظ، لإضافة لفظ "اليوم" إلى "الدين"، وإضافتهما إلى لفظ "مالك"، وهذا لا يناسب إلا معنى يوم الحساب.

- قرينة سياق العبارات (وهي قرينة لفظيّة متّصلة معيّنة) تناسب معنى "يوم الجزاء": ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾4.

- قرينة الرواية التفسيريّة (قرينة لفظيّة منفصلة معيّنة): ما رواه الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سئل... فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف بأنّي أنا المالك يوم الدين، لأسهلنّ يوم الحساب حسابه، ولأتقبّلنّ حسناته ولأتجاوزنّ عن سيئاته..."5.
 

1- سورة الفاتحة، الآية 3.
2- انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "دين"، ص323.
3- ويُراد بسياق الكلام: العناية بالفضاء الذي يحيط بالكلام وما يكتنف الجمل والعبارات من قرائن ومحدّدات وعلامات تساهم في بلورة المراد. وسوف يأتي مزيد تفصيل في الكلام فيه في الدرس اللاحق.
4- سورة الفاتحة، الآيات 2-7.
5- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين الصدوق-: عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم: حسين الأعلمي، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1404هـ.ق/ 1984م، ج1، باب 28، ح59، ص269.
 
 
 
129

106

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾1، فإنّ متعلّق التحريم في الآية غير واضح، ولا بدّ من توضيحه من خلال القرائن، ومنها:

- قرينة عقليّة لبيّة صارفة، وهي الامتناع العقليّ لتعلّق الأحكام الشرعيّة بالأعيان، وإنّما تتعلّق الأحكام بأفعال المكلّف تجاه الأعيان. وأمّا تحديد مصداق هذا الفعل المحظور على المكلّف صدوره منه، فليس من شأن هذه القرينة تحديده، وليست ناظرة إلى ذلك، وكلّ ما تؤدّيه هذه القرينة هو صرف معنى تعلّق الحظر بالأعيان، فهي قرينة صارفة فقط وليست معيِّنة. 

- قرينة المناسبة بين الحكم والموضوع (قرينة عقليّة لبيّة متّصلة صارفة ومعيّنة)، فهي تفيد بأنّ الفعل المحظور على المكلّف ليس من قبيل بعض المصاديق، كالأكل والقتل والضرب، بل خصوص فعل الوطء أو عقد النكاح، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾2، أي أكلهما، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾3، أي سكنى الأرض. وهذا من باب المجاز العقليّ، وهو شائع في لغة العرب4.

- قرينة سياق الآية (قرينة لفظيّة متّصلة معيِّنة)، فهي تفيد بنحو ظاهر أنّ المراد بالفعل المحظور على المكلّف هو فعل الوطء بالمصاديق المذكورة في هذه الآية، بقرينة التعبير بقوله تعالى: ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
 

1- سورة النساء، الآية 23.
2- سورة المائدة، الآية 3.
3- سورة المائدة، الآية 26.
4- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج4، ص263.
 
 
 
130

107

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 - قرينة سياق المقطع (قرينة لفظيّة متّصلة معيِّنة)، فهي تفيد بنحو جليّ وواضح، بضميمة وحدة السياق في المقطع (إحراز وحدة الموضوع + إحراز وحدة النزول) أنّ المراد بالفعل المحظور على المكلّف هو فعل الوطء بالمصاديق المذكورة في هذه الآية، بقرينة التعبير قبل هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً﴾1، وبعد هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾2.


- قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾3، فإنّ المعنى المتبادر من لفظ "القبضة" هو اليد، و"اليمين" هو اليد اليمنى، ولكنّ هذا المعنى مستحيل بحقّه تعالى، لامتناع ذلك عقلاً (قرينة عقليّة لبيّة متّصلة صارفة)، فلا بدّ من صرف اللفظ عن حقيقته اللغويّة إلى معنى مجازيّ لغةً مستعمل في كلام العرب (قرينة لفظيّة منفصلة معيّنة)، بحيث يكون حقيقة في الاستعمال القرآنيّ، وهو القدرة المطلقة.
 

1- سورة النساء، الآية 22.
2- سورة النساء، الآيتان 24-25.
3- سورة الزمر، الآية 67.
 
 
131

108

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾1، فإنّ المعنى المتبادر من لفظ "سميع" هو السمع بواسطة آلة الأذن، ولفظ "بصير" هو الرؤية بواسطة آلة العين، ولكنّ هذين المعنيين مستحيلان بحقّه تعالى، لامتناعهما عقلاً (قرينة عقليّة لبّيّة متّصلة صارفة)، فلا بدّ من صرف اللفظ عن حقيقته اللغويّة إلى معنى مجازيّ لغةً مستعمل في كلام العرب (قرينة لفظيّة منفصلة معيّنة)، بحيث يكون حقيقة في الاستعمال القرآنيّ، وهو العلم بالسموعات والعلم بالمبصرات.

 


1- سورة المجادلة، الآية 1

 

 

 

132


109

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 المفاهيم الرئيسة


1- القرائن التفسيريّة هي كلّ ما ارتبط بالكلام، وكان له أثر فاعل في استيعاب الكلام وفهم مراد المتكلّم، سواء أكان متّصلاً بالكلام أم منقطعاً عنه، وسواء أكان من سنخ الألفاظ أم من غير سنخ الألفاظ.

2- إنّ العناية بالقرائن أسلوب عقلائيّ معتمد في مقام التفهيم والتفاهم عند جميع الثقافات، بهدف فهم مراد المتكلّم من قِبَل المخاطبين من جهة، وإيصال مراده إلى أذهانهم من جهة ثانية. 

3- أنواع القرائن: قرائن معيّنة وقرائن صارفة/ قرائن متّصلة وقرائن منفصلة/ قرائن لفظيّة وقرائن غير لفظيّة.

فكّر وأجب

1- عرّف القرائن التفسيريّة، مبيّناً أهمّيّتها وحجّيّتها في العمليّة التفسيريّة.

2- عدد أنواع القرائن، وتكلّم عن القرائن المعيّنة والصارفة.

3- اذكر مثالاً على القرينة المعيّنة وآخر على القرينة الصارفة.
 
 
 
133

110

الدرس العاشر: القرائن التفسيريّة (1)

 للمطالعة


تفسير الصافي1
تأليف المولى محسن محمّد بن المرتضى المعروف بالفيض الكاشانيّ (ت: 1091هـ.ق).

له تفسير كبير ومتوسّط وموجز، وسُمّيت على الترتيب بـ "الصافي، والأصفى، والمُصفّى".

يعدّ تفسير الصافي مزجاً بين الرواية والدراية، تفسيراً شاملاً لجميع آي القرآن. وقد اعتمد المؤلّف في نقل عباراته على تفسير البيضاويّ، ثمّ على نصوص الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام. وقدّم لتفسيره بمقدّمة تشتمل على اثني عشر فصلاً،، بحث فيها عن مختلف شؤون القرآن وفضله وتلاوته وتفسيره وتأويله. وتعدّ هذه المقدّمة من أحسن المقدّمات التفسيريّة، التي أوضح فيها المؤلّف مواضع أهل التفسير في النقل والاعتماد على الرأي، وما يجب توافره لدى المفسّر عند تفسيره للقرآن، من مؤهّلات ضروريّة. وهذا التفسير - على جملته - من نفائس التفاسير الجامعة لجُلّ المرويّات عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، إن تفسيراً أو تأويلاً. وإنْ كان فيه بعض الخلط بين الغثّ والسمين. ويعتمد المفسّر في تفسيره اللغة أوّلاً، ثمّ الأعاريب أحياناً، وبعد ذلك يتعرّض للمأثور من روايات أهل البيت عليهم السلام، معتمداً على تفسيري القمّيّ والعيّاشيّ، وغيرهما. لكنّه لا يتحرّى الصحّة في النقل، ويتخلّى بنفسه لمجرّد ذكر مصدر الحديث، الأمر الذي يؤخذ عليه، حيث في بعض الأحيان نراه يذكر الحديث، وكان ظاهره الاعتماد عليه، مما يوجب إغراء الجاهل، فيظنّه تفسيراً قطعيّاً للآية الكريمة، وفيه من الإسرائيليّات والروايات الضعاف الشيء الكثير. وله في بعض الأحيان بيانات عرفانيّة قد تشبه تأويلات غير متلائمة مع ظاهر النصّ، بل ومع دليل العقل والفطرة.

وأمّا التفسير الأوسط الأصفى، فهو منتقى من تفسيره الكبير الصافي، وملخّص فيه بإيجاز وإيفاء. وقد احتوى على أمّهات المسائل التفسيريّة في أوفى بيان، الأمر الذي ينبّئك عن قدرة المؤلّف في التأدية والبيان، والجمع بين الرواية والدراية والوصول إلى الهدف الأقصى في أقرب مسير وأقصر خطوات ممكنة. وعلى الجملة، فهذا التفسير يعدّ من أجمل التفاسير الموجزة وأوفاها بحقيقة المراد.

وأمّا التفسير الوجيز المصفّى، فهو خلاصة الخلاصات الموفية بأقصى المرادات، في أقصر خطى، وأقرب المسافات. وهو تفسير جدّ جميل، يصلح رفيقاً في الحلّ والترحال وشفيقاً في جميع الأحوال. فلّله درّ مؤلّفه من علّامة خبير وفهّامة بصير.

والتفاسير الثلاثة محظيّة بالطبع والنشر وتداولها المحقّقون العلماء في حفاوة وتبجيل في كلّ الأصقاع والبلدان.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص781-784.
 
 
 
134

111

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف القرائن التفسيريّة، ولا سيّما المتّصلة منها ودورها في عمليّة التفسير.
2- يقارن بين القرائن المتّصلة اللفظيّة والقرائن المتّصلة غير اللفظية.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القرائن في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
137

112

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 هي كلّ ما اتّصل بالكلام، وكان له أثر فاعل في استيعاب الكلام وفهم مراد المتكلّم، سواء أكان من سنخ الألفاظ أم من غير سنخ الألفاظ1.


القرائن المتّصلة اللفظيّة: سياق الكلام
أ- تعريف سياق الكلام: 
ويُراد به العناية بالفضاء الذي يحيط بالكلام وما يكتنف الجمل والعبارات من قرائن ومحدّدات وعلامات تساهم في بلورة المراد2.

ب- أهمّيّة مراعاة السياق:
تُعدّ مراعاة السياق ومتطلّباته أمراً ضروريّاً في عمليّة التفسير، لما يقدِّمه للمفسِّر من خصوصيّة الكشف عن المنطق الداخلي الذي يسود النصّ القرآنيّ، وتحديد المعنى المراد من الكلام، واستبعاد المعاني الأخرى التي ليست بمطلوبة. 

ج- حجّيّة السياق:
تكمن حجّيّة السياق في جريان سيرة العقلاء في مقام التفهيم والتفاهم على مراعاته، مع عدم ردع الشارع عن هذه الطريقة في فهم الناس لكلامه، وعدم اختراعه لطريقة أخرى غير هذه الطريقة التي جرى عليها العقلاء (سيرة العقلاء + عدم ردع الشارع = حجّيّة السياق)، بل جريان الشارع نفسه على هذه الطريقة في مقام إيصال مراده.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه القرائن، انظر: الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص103-162، مصطفوي، المبادىء العامّة لدرس القرآن وتفسيره، م.س، ص273-281.
2- انظر: الصدر، محمد باقر: دروس في علم الأصول (الحلقة الأولى)، لا.ط، بيروت، دار التعارف، 1425هـ.ق/ 2004م، ص297-299.
 
 
139

113

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 د- أنواع السياق وتطبيقاته:

يمكن أن نميّز بين عدّة أنواع من السياق، هي:
- سياق الكلمات: وهو مراعاة الكلمات المحتفّة بالكلمة التي يريد المفسِّر تحديد المراد منها، مثال: قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾1، فإنّ المراد من لفظ "دين"، مع أنّه من الألفاظ المشتركة، خصوص معنى "الشريعة أو القانون أو السنّة الجارية"، بقرينة سياق الكلمات "يأخذ في" و"الملِك". 

- سياق العبارات: وهو مراعاة العبارات المحتفّة بالعبارة التي يريد المفسِّر تحديد المراد منها، مثال: قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2، فإنّ المراد بعبارة ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾، تحتمل كلّاً من إيتاء الملك الدنيويّ والملك الأخرويّ، ولكنْ بقرينة سياق العبارات ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾، ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ نستفيد خصوص معنى الملك الذي يهبه الله تعالى وينزعه من عباده في الدنيا، دون ما يؤتيهم إيّاه في الآخرة، لعدم جواز نزع الملك الأخرويّ عنهم من قِبَل الله، لاستلزامه خلف الوعد، وهو قبيح عقلاً (قرينة عقليّة لبّيّة متّصلة صارفة).

- سياق الآيات: وهو مراعاة الآيات المحتفّة بالآية التي يريد المفسّر تحديد المراد منها، مثال: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾3، فإنّ المراد من كلّ آية من الآيات المتقدِّمة يختلف باختلاف المراد من "ما" الواردة فيها، فهي إمّا تحتمل الموصوليّة، وإمّا تحتمل المصدريّة، ولكنّ سياق الآيات اللاحقة ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
 

1- سورة يوسف، الآية 76.
2- سورة آل عمران، الآية 26.
3- سورة الشمس، الآيات 5-7.
 
 
 
140

114

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 وَتَقْوَاهَا﴾1 يعيّن الحمل على الموصوليّة، لأنّ حملها على المصدريّة يصيّر الضمير في (فألهمها) من غير مرجع، بخلاف حملها على الموصوليّة.


تبصرة 
- ينبغي في سياق العبارات والآيات إحراز أمرين اثنين، هما: (وحدة الموضوع + وحدة النزول). 

- عند الشكّ في وحدة النزول مع إحراز وحدة الموضوع، يمكن البناء على وحدة السياق، لأنّ ترتيب الآيات ضمن السور هو ترتيب توقيفي من قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والمتّحد منها في الموضوع هي في أغلبها وفق ترتيب النزول، إلا ما جاء الدليل عليه من أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نقله من موضع إلى آخر بأمر من الوحي الإلهيّ.

- عند الشكّ في وحدة الموضوع مع إحراز وحدة النزول أو عدمه، لا يمكن البناء على وحدة السياق، لأصالة عدم السياق.

- لا عبرة في الأخذ بسياق السور، لأنّ ترتيبها ضمن القرآن ليس توقيفيّاً من قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهي في أغلبها غير متّحدة النزول، إلا ما خرج بدليل، وكان بينها وبين السورة النازلة معها اشتراك في الموضوع.

- في بعض الموارد يكون السياق محايداً بالنسبة إلى المعاني المحتملة للكلام، فلا يكون معيّناً لأحدها ولا حتى صارفاً، مثال، قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2، فإنّ سياق العبارات في الآية محايد لجهة احتمالات عبارة ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهي الزيادة في الخلق لجهة خلق غير الملائكة، أو الزيادة في خلق أجنحة الملائكة لجهة عددها.
 

1- سورة الشمس، الآية 8.
2- سورة فاطر، الآية 1.
 
 
141

115

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 القرائن المتّصلة غير اللفظية (اللبّيّة) 

أ- خصائص النزول:
- تعريف خصائص النزول: هي مجموعة العوامل ذات الصلة بنزول الوحي، كسبب النزول وشأنه، وثقافة عصر النزول، ومكان النزول وزمانه.
- أهمّيّة مراعاة خصائص النزول: إنّ لهذه العوامل -غالباً- تأثيراً كبيراً على دلالة الآيات، لجهة كون الوحي القرآنيّ نزل في تلك البيئة. فهي بذلك تشكّل قرينة متّصلة في فهم الآيات.

- أقسام خصائص النزول وتطبيقاته: 
- سبب النزول.
- شأن النزول.
- مكان النزول وزمانه (المكّيّ والمدنيّ)1.

- ثقافة عصر النزول: وهي مجموع الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والعادات والتقاليد والعقائد والمعارف التي كانت سائدة بين الناس وقت نزول الوحي، مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾2، فإنّ فهم المراد من هذه الآية يتّضح بعد الاطّلاع على العادات والتقاليد السائدة في الجاهلية، فقد كانت العرب تدين بحرمة الأشهر الحرم الأربعة -رجب، وذي القعدة، وذي الحجة والمحرّم - وكانوا يتحرّجون من القعود عن الحروب والغارات ثلاثة أشهر متواليات فسألوا بعض بني كنانة، أن يحلّ لهم ثالث الشهور الثلاثة، فقام فيهم بعض أيام الحجّ بمبنى وأحلّ لهم المحرّم ونسأ حرمته إلى سفر، فذهبوا لوجههم عامهم ذلك، يقاتلون العدوّ، ثم ردّ الحرمة إلى مكانها في قابل، وهذا هو النسيء3.
 

1- تقدّم تفصيل الكلام فيها في درس سابق قواعد من (علوم القرآن).
2- سورة التوبة، الآية 37.
3- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج9، ص275.
 
 
 
142

116

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 ب- أجواء الكلام:

وهي عبارة عن مجموعة العوامل التي يتوقّف استيعاب الحديث وفهمه جيّداً على الإحاطة بها إحاطة تامّة، وهي:
- خصائص المتكلّم: جرت سيرة العقلاء في محاوراتهم على الأخذ بخصائص المتكلّم في فهم كلامه، بما يتناسب مع ما يحمله السامع عنه من انطباعات مستقرّة في ذهنه، ليحدث الكلام الأثر المطلوب والمعنى المقصود في وجدان السامع، وفق تلك الخصائص. وقد جرى القرآن الكريم وفق هذه الخاصّيّة في إيصال المعنى المقصود. مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾1، فلا يمكن حمل قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ على مطلق الخبريّة، للعلم قطعاً بوقوع بعض التجاوزات والتعدّيات في الحرم المكّيّ بعد صدور الخطاب، فلا بدّ من حمل الكلام على الإنشائيّة أو الخبريّة المشروطة، وفقاً لقرينة علم المُخبِر بالواقع وصِدقه في الكلام.

- خصائص المستَمِع (المُخَاطَب): جرت سيرة العقلاء في محاوراتهم على الأخذ بعين الاعتبار خصائص المستمِع في مقام إيصال المراد من الخطاب المتوجّه إليه، فإذا كان للكلام ظهور لا يتناسب مع خصائص المستمِع، فسوف يتلاشى هذا الظهور. وقد جرى القرآن الكريم على اتّباع هذه الطريقة في إيصال المعنى المقصود. مثال: خطابات التهديد والعتاب المتوجّهة إلى شخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فالبنظر إلى عصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعظمة أخلاقه ومقامه عند الله تعالى، لا يمكن حمل هذه الخطابات على إرادة شخص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، المراد منها خصوص قومه صلى الله عليه وآله وسلم، من باب أسلوب "إيّاك أعني واسمعي يا جارة"، وهو أسلوب كلاميّ جرى عليه الكلام العربيّ في مقام التأثير الأبلغ والأعمق في نفس السامعين، وقد جرى عليه القرآن الكريم في بعض خطاباته،
 

1- سورة آل عمران، الآيتان 96-97.
 
 
 
143

117

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 وإليه أشارت الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، منها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة"1. وفي حديث طويل عن الإمام الرضا عليه السلام أجاب فيه عن مجموعة من المسائل التي سأله إيّاها المأمون العبّاسي، حيث قال له المأمون: لله درّك أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾2 قال الرضا عليه السلام: "هذا ممّا نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عزّ وجلّ بذلك نبيّه، وأراد به أمّته. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾3، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾4". قال: صدقت يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم5.


- خصائص الموضوع: ينطوي موضوع الكلام على خصائص معيّنة بعضها مشترك بين كلّ من المتكلّم والسامع، وبعضها مجهول لكلّ منهما، وبعضها الآخر معلوم لأحدهما ومجهول للآخر. ومدار القرينيّة لخصائص الموضوع في ما كان معلوماً عند الطرفين دون الصورتين الأخريين، لأنّه يكون محطّ اهتمام كلّ من المتكلّم (إيصال مراده للسامع) والسامع (فهم مراد المتكلّم) على حدّ سواء في سيرة العقلاء في مقام التفهيم والتفاهم. وقد جرى القرآن الكريم على اعتبار هذه القرينة في إيصال المعنى المراد، مثال: قصص الأنبياء عليهم السلام / ققص الأعلام والأقوام الماضين/ ...

- مقام الكلام: وهو الهدف العامّ الذي يقصده المتكلّم من وراء كلامه (مديح/ ذمّ/ برهان/ جدل/...)، بحيث تتبلور الألفاظ ودلالاتها التركيبيّة في صورة معنائيّة متناسبة مع المقام المطلوب. وقد جرى القرآن الكريم على مراعاة قرينيّة مقام الكلام في إيصال المعنى المراد إلى ذهن المُخَاطَب، مثال: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾6، حيث إنّ مقام
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح14، ص631.
2- سورة التوبة، الآية 43.
3- سورة الزمر، الآية 65.
4- سورة الاسراء، الآية 74.
5- الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، م.س، ج1، باب 15، ح1، ص180.
6- سورة المطفّفين، الآية 9.
 
 
 
144

118

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 الكلام يعيّن معنى تعجيم الكتاب (مقام رفع اللبس والغموض)، دون معنى الخطّ الغليظ من معاني "مرقوم"1.


- لحن الخطاب: وهو أسلوب التلفّظ وخصوصيّات النطق في الكلام الملفوظ (اللحن المنطوق)، وكيفية انتقاء الكلمات وتطبيقاتها وتركيباتها في الخطاب المكتوب (اللحن المكتوب) الذي يحلّ محلّ اللحن المنطوق ويقوم مقامه. وقد جرى القرآن الكريم على مراعاة هذه الخاصّيّة في إيصال المعنى المراد، مثال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾2، فلهجة الوعيد قرينة على أنّ المراد بالسائلين خصوص الجاحدين المنكرين للمسألة.

تبصرة
يتأتّى اللحن المكتوب للآيات من خلال التأمّل في خصوصيّات الألفاظ وتراكيبها وسياقاتها. وأمّا اللحن المنطوق فيُلتَمس في المنقولات التاريخيّة الصحيحة، والروايات المعتبرة، والشواهد القاطعة.

ج- المعارف العقليّة البديهيّة والضروريّة:
ويُقصد بالمعارف البديهيّة والضروريّة خصوص المعارف التي لا تحتاج إلى استدلال وبرهان لتحصيلها، إمّا لبداهتها، وإمّا لضرورتها. وقد جرت سيرة العقلاء في مقام التخاطب على مراعاة هذه المعارف في إيصال المعنى المراد إلى ذهن السامع، وكذلك جرى القرآن الكريم على اعتبار هذه القرينة في إيصاله المعنى المراد، مثال: قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾3، فإنّ العقل القطعيّ يحكم باستحالة حمل المجيء على معناه المادّي، وبضرورة توجيه المعنى بما لا يتعارض مع حكم العقل القطعيّ، كالحمل على مجيء أمره تعالى.
 

1- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "رَقَمَ"، ص362.
2- سورة النبأ، الآيات 1-5.
3- سورة الفجر، الآية 22.
 
 
 
145

119

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 المفاهيم الرئيسة


1- سياق الكلام هو الفضاء الذي يحيط بالكلام وما يكتنف الجمل والعبارات من قرائن ومحدّدات وعلامات تساهم في بلورة المراد. 

2- خصائص النزول هي مجموعة العوامل ذات الصلة بنزول الوحي، كسبب النزول وشأنه، وثقافة عصر النزول، ومكان النزول وزمانه.

3- أجواء الكلام هي عبارة عن مجموعة العوامل التي يتوقّف استيعاب الحديث وفهمه جيّداً على الإحاطة بها إحاطة تامّة، وهي: خصائص المتكلّم، وخصائص المستَمِع (المُخَاطَب)، وخصائص الموضوع، ومقام الكلام، ولحن الخطاب، والمعارف العقليّة البديهيّة والضروريّة.

فكّر وأجب

1- تكلّم عن قرينة سياق الكلام ودورها في عمليّة التفسير.

2- ما المراد بخصائص النزول؟ وما هو دورها في عمليّة التفسير؟

3- عرّف أجواء الكلام، مبيّناً دورها في عمليّة التفسير.
 
 
 
146

120

الدرس الحادي عشر: القرائن التفسيريّة (2): القرائن المتّصلة

 للمطالعة


تفسير الكاشف1
تأليف العلّامة الشيخ محمّد جواد مغنية (1322 - 1400هـ.ق)، من كبار علماء لبنان. 

كان الشيخ مغنية من الدعاة إلى التقريب بين المذاهب، وكتب رسالات ومقالات في مجلّة رسالة الإسلام بهذا الشأن، وأحسن وأفاد.

ويعدّ تفسيره هذا من النمط الجديد، الذي يتلاءم مع حاجة المسلمين في هذا العصر.

ولقد أجاد في هذا المضمار، وأوجز الكلام في مفاهيم القرآن الكريم المتوافقة مع متطلّبات الزمن، في عبارات شيّقة رصينة، ودلائل متينة معقولة، من غير أن يتغافل عمّا حقّقه المفسّرون السلف وزاد عليه الخلف. فكان تفسيراً جامعاً وشاملاً ومجيباً عن أسئلة الجيل الحديث، فجزاه الله خير الجزاء.

وله تفسير آخر، هو التفسير المبين، لخّص فيه مؤلّفه تفسيره الكاشف في مجلّد واحد، في عبارة سهلة مرنة وفي إيجاز وإيفاء. وقد احتفل به الطلبة وروّاد العلم في مختلف البلاد. وطبع على هامش المصحف الشريف، تقريباً للتناول، وقد كان عملاً جميلاً كأصله الجميل.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1031-1032.
 
 
 
147

121

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح مفهوم القرائن المنفصلة.
2- يفهم دور القرائن المنفصلة في عمليّة التفسير.
3- يتمرّس على مراعاة هذه القرائن في العمليّة التفسيريّة.
 
 
 
 
149

122

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 هي كلّ ما ارتبط بالكلام بالرغم من عدم اتّصاله به، وكان له أثر فاعل في استيعاب الكلام وفهم مراد المتكلّم، سواء أكان من سنخ الألفاظ أم من غير سنخ الألفاظ1.


آيات القرآن
أ- مفاد هذه القرينة: 
وهو الرجوع في فهم آية ما إلى الآيات الأخرى الواردة في مواضع متفرّقة من القرآن.

ب- حجيّة هذه القرينة:
من الأدّلة والتقريبات على الجريان وفق هذه الطريقة في فهم القرآن الكريم:
- أصول المحاورة العقلائيّة: جرى القرآن الكريم في مقام المحاورة والمخاطبة والتفهيم على الطريقة الدارجة بين العقلاء، ومفادها: أنّ المتكلّم متى ما اكتنف كلامه إبهام أو غموض، فيلزم الرجوع إلى بقية كلامه لرفع ذلك الغموض. وفي الحالات التي يُعلَم أو يُحتَمل فيها أن يكون صادراً عن المتكلّم في موضوع ما كلام آخر في مواضع متعدّدة ومتفرّقة، يرى العقلاء وجوب التأمّل والنظر في أقواله الأخرى والحكم على الكلام من خلال تفحّص مجموع كلامه في الموضوع وتحليله، ثمّ استنتاج مراده.

- أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً مصنّفاً تصنيفاً موضوعيّاً في مواضع متعدّدة، حتّى نهمل في عملية فهم آية وردت في موضع معيّن خصوص الآيات الواردة في المواضع الأخرى.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذه القرائن، انظر: الرجبي، بحوث في منهج تفسير القرآن الكريم، م.س، ص167-178، الرضائي، محمّد علي: مناهج التفسير واتّجاهاته -دراسة مقارنة في مناهج تفسير القرآن الكريم -، تعريب: قاسم البيضائي، ط3، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2011م، ص47-87، 93-144.
 
 
 
151

123

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

  - توجيه القرآن نفسه المفسّر لفهمه وفق هذه الطريقة: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...﴾1، فالأمّ هي المبدأ والأصل وما يُرجَع إليه. ومن هنا، كان فهم بعض آيات القرآن، كالآيات المتشابهات الواردة في مواضع متفرّقة في القرآن غير متيسّر بل غير جائز إلا بالرجوع إلى آيات أخرى واردة في مواضع أخرى، بوصفها أصلاً لها ومرجعاً في عمليّة الفهم2.


- دعوة القرآن نفسه الناس إلى التدبّر والنظر فيه لجهة عدم وجود اختلاف فيه: 
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾3، وهذا يرتكز على إمضاء طريقة فهمه من قِبَل الناس بالفهم المجموعيّ من خلال فهم بعضه بالرجوع إلى بعضه الآخر.

- الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، بصدد التأكيد على هذه الطريقة في الفهم، منها: ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّما نزل كتاب الله يصدّق بعضه بعضاً، ولا يكذّب بعضه بعضاً"4، وما روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: "ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض"5.

ج- تطبيقات هذه القرينة:
من تطبيقات هذه القرينة6: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾7، حيث يُفهم المراد منه بالرجوع إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾8، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي
 

1- سورة آل عمران، الآية 7.
2- انظر: الطباطبائي، تفسير الميزان، م.س، ج3، ص20، الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، ص85-87.
3- سورة النساء، الآية 82.
4- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج1، ح970، ص192.
5- الشريف الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج2، خطبة 133، ص17.
6- سوف يأتي مزيد تطبيق لهذه القرينة عند بحث منهج تفسير القرآن بالقرآن في درس لاحق.
7- سورة البقرة، الآية 228.
8- سورة الاحزاب، الآية 49.
 
 
 
152

124

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ...﴾1، وهو أنّ المراد بالمطلّقات ليس على عمومه، بل خصوص من كانت مستقيمة الحيض مدخولاً بها، فيخرج خصوص من لم تكن مدخولاً بها، واليائس، والصغيرة، والحامل2.


السنّة الشريفة
أ- مفاد هذه القرينة:
وهو الرجوع في فهم آية ما إلى السنّة الشريفة الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام بصدد تفسير هذه الآية، حيث تُعدّ هذه السنّة الشريفة قرائن منفصلة (لفظية = قول المعصوم عليه السلام/ غير لفظية = فعل المعصوم عليه السلام أو تقريره) في فهم المراد الإلهيّ من هذه الآية. 

ب- حجّيّة هذه القرينة:
ومن الأدلّة والتقريبات على قرينيّة السنّة الشريفة في فهم المراد الإلهيّ من القرآن، الآتي:
- أصول المحاورة العقلائيّة: جرت سيرة العقلاء فيما بينهم في مقام المحاورة والتخاطب والتفهيم والتفاهم على أساس إلقاء الكلام تارة بما يتناسب مع الفهم العام من دون حاجة إلى الرجوع في الفهم إلى معلّم أو دليل، يفسّر المراد منه ويشرحه، وتارة على إيكال مهمّة إيصال المعاني الدقيقة إلى الشارح والمعلّم والدليل. والسنّة الشريفة واردة في مورد القسم الثاني، بوصفها شارحة ومفسّرة لما استعصى فهمه على عامّة الناس من معاني القرآن الدقيقة والعميقة.
 

1- سورة الطلاق، الآية 4.
2- انظر: السيوري، المقداد بن عبد الله: كنز العرفان في فقه القرآن، تعليق: محمد باقر شريف زاده، تصحيح وتخريج أحاديث: محمد باقر البهبودي، لا.ط، طهران، المكتبة الرضويّة، مطبعة حيدري، 1384هـ.ق/ 1343هـ.ش، ج2، ص254-255.
 
 
 
153

125

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 - آيات القرآن التي تُوكِل مهمّة بيان القرآن وتفصيل معانيه وحقائقه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾1، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾2.


- الروايات الكثيرة المستفيضة التي تفيد ضرورة الرجوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام في فهم القرآن، لأنّهم الأعلم به بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وورثة علمه صلى الله عليه وآله وسلم3، منها: ما رواه بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾4 قال: "إيّانا عنى، وعليّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم"5

ج- تطبيقات هذه القرينة:
من تطبيقات هذه القرينة6، ما ورد في الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾7، حيث روى العياشيّ بإسناده عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام بصدد تفسيره لهذه الآية أنّه قال: "فرداً لا مثل لك في المخلوقين، فآوى الناس إليك، ووجدك ضالاً، أي: ضالة في قوم لا يعرفون فضلك، فهداهم إليك، ووجدك عائلاً تعول أقواماً بالعلم، فأغناهم بك"8.
 

1- سورة النحل، الآية 44.
2- سورة الجمعة، الآية 2.
3- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة، ح1-3، ص221، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثة العلم يرث بعضهم بعضاً العلم، ح 1-8، ص221-223، باب أنّ الأئمّة عليهم السلام ورثوا علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء عليهم السلام والأوصياء عليهم السلام الذين من قبلهم، ح 1-7، ص223-226، باب أنّ الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزّ وجلّ وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها، ح1-2، ص227-228، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح1-6، ص228-229،...
4- سورة ابراهيم، الآية 43.
5- الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلا الأئمّة عليهم السلام وأنّهم يعلمون علمه كلّه، ح6، ص229.
6- سوف يأتي مزيد تطبيق لهذه القرينة عند بحث منهج تفسير القرآن بالسنّة في درس لاحق.
7- سورة الضحى، الآيات 6-8.
8- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج10، ص384.
 
 
 
 
154

126

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 الإجماع وضرورات الدين والمذهب

أ- مفاد هذه القرائن وحجّيّتها:
- الإجماع: هو اتّفاق علماء أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على أمر من أمور الدين، على نحو يكشف عن وجود رواية أو بيان صادر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل بيته عليهم السلام.

- الضرورة الدينيّة: مسألة معلومة لجميع المسلمين لا تحتاج إلى برهان، بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من الدين. وهي كاشفة عن وجود نصّ أو بيان صادر عن المعصوم عليه السلام أو حكم عقليّ قطعيّ.

- ضرورة المذهب: هي مثل الضرورة الدينيّة، ولكنّها خاصّة بأتباع مذهب ما من المذاهب الإسلاميّة، وقد لا تكون ضرورة عند أتباع المذاهب الأخرى.

ب- تطبيقات هذه القرائن:
- تطبيق على قرينة الإجماع: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾1، حيث تمّ الانصراف عن ظهورها في وجوب الوصية للوالدين والأقربين، بقرينة الإجماع2.

- تطبيق على قرينة ضرورات الدين: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾3، فالاستمتاع قبل العقد (أي من دون عقد) مخالف لضرورات الدين. والاستمتاع بعد العقد الدائم واقع بعد حصول الاشتراط بدفع مهر الزوجة. والإجماع قائم على حقّ الزوجة بالمطالبة بمهرها بمجرّد وقوع العقد وانعقاده وقبل الاستمتاع. إذن: يستفاد من هذا الاستمتاع عقد شرعيّ ليس دائماً، بل منقطع بقرينة ضرورات الدين والإجماع4.
 

1- سورة البقرة، الآية 180.
2- انظر: السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، م.س، ج2، ص90-91.
3- سورة النساء، الآية 24.
4- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص60-62، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج4، ص272-273.
 
 
 
155

127

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

- تطبيق على قرينة ضرورات المذهب: الآيات الواردة في حقّ الأنبياء والرسل والأوصياء عليهم السلام والتي تنسب إليهم بظهورها الأوليّ الخطأ والنسيان والسهو والعصيان1، وهي أمور تتعارض مع ضرورة مذهب الإماميّة بعصمتهم عليهم السلام مطلقاً عن مثل هذه الأمور. وهذه الضرورة متحصّلة من أدلّة عقليّة وشرعيّة قطعيّة. وكذلك الأمر بالنسبة للآيات التي تتعرّض لفعل الإنسان ويظهر منها بظهورها الأوّلي أنّه مفوَّض إليه تفويضاً مطلقاً في فعله أو أنّه مجبر عليه2، لتعارض هذا الفهم مع ضرورة مذهب الإماميّة في اختيار الإنسان وكون إرادته في طول الإرادة الإلهيّة. وهذه القرينة متحصَّلة من أدلّة عقليّة وشرعيّة قطعيّة.
 

1- انظر: قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ سورة طه، الآية 121-، ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنبياء، الآية 87-، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة القصص، الآية 16-، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾سورة الفتح، الآية 2-، ...
2- انظر: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ سورة النساء، الآية 78-، ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ سورة النساء، الآية 79-، ﴿وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة النحل، الآية 93-، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ سورة النجم، الآية 39-، ...
 
 
 
156

128

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 المفاهيم الرئيسة


1- تكمن قرينة آيات القرآن في التفسير بالرجوع في فهم آية ما إلى الآيات الأخرى الواردة في مواضع متفرّقة من القرآن.

2- المراد بقرينة السنّة الشريفة في التفسير هو الرجوع في فهم آية ما إلى السنّة الشريفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام بصدد تفسير هذه الآية، حيث تُعدّ هذه السنّة الشريفة قرائن منفصلة (لفظية = قول المعصوم عليه السلام/ غير لفظية = فعل المعصوم عليه السلام أو تقريره) في فهم المراد الإلهيّ من هذه الآية. 

3- قرينة الإجماع وضرورات الدين والمذهب في التفسير هي الرجوع إلى كلّ منها في فهم آية من آيات القرآن الكريم التي تحتمل معانٍ عدّة.

فكّر وأجب

1- تكلّم عن قرينة آيات القرآن في العمليّة التفسيريّة.

2- تحدّث عن قرينة السنّة الشريفة في العمليّة التفسيريّة.

3- ما المراد بقرينة كلّ من الإجماع وضرورات الدين والمذهب في التفسير؟
 
 
 
157

129

الدرس الثاني عشر: القرائن التفسيريّة (3): القرائن المنفصلة

 للمطالعة


تفسير روح المعاني1
تأليف السيّد محمود أفنديّ الآلوسيّ البغداديّ (ت: 1270هـ.ق).

وتفسيره هذا جامع لآراء السلف وأقوال الخلف، مشتمل على مقتطفات كثيرة من تفاسير من تقدَّمه، كتفسير ابن عطيّة، وتفسير أبي حيّان، وتفسير الكشّاف، وأبي السعود، وابن كثير، والبيضاويّ، والأكثر من الفخر الرازيّ. وقلّما نقد المنقول من هذا التفسير.

وهو تفسير فيه تفصيل وتطويل، وأحياناً بلا طائل. إنّه يستطرد إلى الكلام في الصناعة النحويّة، ويتوسّع في ذلك ربّما إلى حدّ يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسّراً. 

وهكذا يستطرد في المسائل الفقهيّة، مستوعباً آراء الفقهاء ومناقشاتهم، بما يخرجه عن كونه كتاب تفسير إلى كتاب فقه. أمّا المسائل الكلاميّة فحديثه عنها مسهب مملّ، لا يكاد يخرج من التعصّب في الغالب.

كما لم يفته أن يتكلّم عن التفسير الإشاريّ، بعد الفراغ عن الكلام في تفسير الظاهر من الآيات، وهو في ذلك يعتمد على تفاسير النيسابوريّ والقشيريّ وابن العربيّ وأضرابهم، وربّما يتيه في وادي الخيال.

وجملة القول، فهذا التفسير موسوعة تفسيريّة مطوّلة تطويلاً يكاد يخرجه عن مهمّته التفسيريّة في كثير من الأحيان.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص896-899.
 
 
 
158

 


130

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف مفهوم المناهج والاتجاهات التفسيريّة وتاريخ نشأتها ومراحل تطوّرها.
2- يشرح أسباب نشوء المناهج التفسيرية.
3- يتعرّف إلى تقسيمات الاتجاهات التفسيرية.
 
 
 
159

131

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 تعريف المنهج والاتّجاه

أ- تعريف المنهج: 
- لغة: هو الأمر الواضح البيّن، سواء أكان مادّيّاً أو معنويّاً، وسواء أكان في طريق أو برنامج أو جريان آخر. ومن مصاديقه: الطريق الواضح، والأمر البيّن المشخّص، والبرنامج الواضح الجامع، والدين المستبين1

- اصطلاحاً: هو الطريق الذي يسلكه المفسّر، بالاستفادة من الوسائل والمصادر الخاصّة الحجّة في تفسير القرآن، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده2.

ب- تعريف الاتّجاه: 
- لغةً: هو ما يتوجّه إليه من شيء. ومن مصاديقه: ما يتوجّه إليه من ذات أو عمل، ومستقبل الشيء الَّذي يتوجّه إليه، والحالة المخصوصة الجالبة للتوجّه، والمنزلة والرتبة والجاه الَّتي توجب توجّهاً، والجهة والجانب والمكان يتوجّه إليها3.

- اصطلاحاً: تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته العقدية أو العصرية أو التخصّصيّة أو غيرها في فهمه لمعاني القرآن ومقاصده4.
 

1- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج5، مادّة "نَهَجَ"، ص361، الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "نَهَجَ"، ص825، المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، م.س، ج12، مادّة "نَهَجَ"، ص258.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص17.
3- انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج6، مادّة "وَجَه"، ص88-89، الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "وَجَه"، ص855-856، المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، م.س، ج13، مادّة "وَجَه"، ص45-46.
4- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص17-18.
 
 
161

132

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 الفرق بين المنهج والاتّجاه التفسيريّين

يمكن لحاظ مجموعة من الأمور التي يفترق فيها المنهج عن الاتّجاه1، أبرزها الآتية: 
- المنهج هو طريق يسلكه المفسّر للكشف عن معنى الآية ومقصودها، بينما الاتّجاه يدور مدار خلفيّة المفسِّر وذوقه الذي يطبع فهمه للآية بطابع خاصّ بالمفسّر.

- يتقوَّم المنهج بمصادر التفسير وأدواته، بينما يتقوّم الاتّجاه بذوق المفسّر وطابعه الخاصّ.

- يظهر في المنهج المصدر أو المصادر الأساس التي اعتمد عليها المفسّر في تفسيره (قرآني/ أثري/ عقلي/ تكاملي/...)، بينما يظهر في الاتّجاه أسلوب المفسّر بنحو جليّ (أدبيّ/ كلاميّ/ فلسفيّ/...).

نشأة المناهج والاتّجاهات التفسيريّة ومراحل تطوّرها
ظهرت المناهج التفسيريّة مع ظهور علم التفسير منذ صدر الإسلام على يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفه المفسّر الأوّل للقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾2، حيث كان صلى الله عليه وآله وسلم يعتمد على القرآن نفسه في عمليّة التفسير، ومن هنا نشأت طريقة تفسير القرآن بالقرآن. وقد تصدّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لتفصيل ما أُجمل في القرآن، وبيان ما أُبهم منه إمّا بياناً في أحاديثه الشريفة وسيرته الكريمة، أو تفصيلاً جاء في جُلّ تشريعاته من فرائض وسنن وأحكام وآداب... 

وقد تصدّى أهل البيت عليهم السلام وعدد من الصحابة لتفسير القرآن على ضوء المنهج السابق مع الاستفادة من المنهج الروائيّ، أي بالاستناد إلى الروايات الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير آيات القرآن، وكذلك بالاستفادة من الأساليب اللغويّة المعهودة عند العرب في مقام التفهيم والتفاهم، ومحاولة مقاربتها في فهم آيات القرآن وتفسيره.
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص18، السبحاني، جعفر: المناهج التفسيريّة، م.س، ص75-76.
2- سورة النحل، الآية 44.
 
 
 
162

133

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 ثمّ ظهرت في القرن الثاني الهجريّ مناهج وأساليب أُخرى بين المسلمين بشكل تدريجيّ، نتيجة ترجمة آثار الحضارتين اليونانية والفارسية وكتبهما، ونفوذ أفكارهما وعلومهما إلى البيئة المعرفيّة الإسلاميّة، بما أفرز مجموعة من الرؤى والأفكار والقضايا والمسائل الجديدة على المستوى الكلاميّ والفلسفيّ، فتكوّنت الاتّجاهات التفسيريّة الكلاميّة، ما أدّى إلى قيام كلّ فرقة من فرق المسلمين، كالأشاعرة والمعتزلة و... بتفسّر القرآن طبقاً لآرائها وعقائدها. 


وفي القرن الثالث الهجريّ، بدأت تظهر أساليب جديدة في التفسير على يد العرفاء والمتصوّفة، ما أدّى إلى تطوّر المنهج الإشاريّ في التفسير.

وأمّا محدّثو السنّة والشيعة، فقد اكتفوا بنقل الروايات مُحدِثين بذلك المنهج والاتّجاه الروائيّ في التفسير والذي ظهر في المرحلة الأولى (القرن الثالث والرابع الهجريّ) على شكل تفاسير، مثل: تفسير العيّاشيّ، والقمّيّ، والطبري، وفي المرحلة الثانية (من القرن العاشر حتّى الحادي عشر): الدرّ المنثور، والبرهان، ونور الثقلين. وخلال هذه الفترة، أي بعد المرحلة الأولى من ظهور التفاسير الروائية بدأت تظهر التفاسير الفقهيّة بأسلوب موضوعيّ وعلى شكل تفسير آيات الأحكام. وبعد أن أخذ بعض التفاسير شكله الطبيعي، مثل: أحكام القرآن للجصّاص الحنفيّ (ت 370هـ)، وأحكام القرآن المنسوب إلى الشافعيّ (ت 204م) استمرّت كتابة هذا النوع من التفاسير فيما بعد، مثل: أحكام القرآن للراونديّ (ت573هـ). ثمّ ظهرت في القرن الخامس والسادس الهجريّ التفاسير الجامعة الاجتهادية، مثل: التبيان، ومجمع البيان، وذلك بالاستفادة من العقل والاجتهاد ومراعاة جوانب متعدّدة في التفسير. ولا تزال هذه الطريقة متداولة حتّى الآن. وقد بادر بعض الفلاسفة إلى كتابة التفسير أيضاً. كما ظهرت وتطوّرت في القرن الأخير أساليب ومناهج جديدة في التفسير، مثل طريقة التفسير العلميّ، والاتّجاه الاجتماعيّ1.
 

1- لمزيد من التفصيل في نشأة المناهج والاتّجاهات التفسيريّة ومراحل تطوّرها، انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص534-538، الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، 18-21، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص75-76.
 
 
163

134

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 أسباب نشوء المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

يرجع نشوء المناهج والاتّجاهات التفسيريّة المتعدّدة وتبلورها في البحث التفسيريّ إلى مجموعة من العوامل والأسباب، يمكن إيجازها بالآتي1:
- طبيعة القرآن من حيث النزول التدريجيّ طيلة البعثة النبوية المباركة.

- الأمر القرآنيّ بضرورة الرجوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في فهم القرآن.

- اعتقادات المفسّرين واختلاف آرائهم.

- الاعتماد على الرأي والقناعات الشخصيّة من قِبَل بعض المفسّرين.

- ترجمة نتاجات معرفيّة غير إسلامية ودخولها إلى البيئة المعرفيّة الإسلاميّة.

- تعدّد مصادر التفسير وأدواته.

- ظهور الاتّجاهات العصرية في التفسير.

- تخصّص المفسّر.

- أسلوب كتابة التفسير.

تقسيم المناهج التفسيريّة
تعدّدت تقسيمات المفسّرين للمناهج التفسيريّة بتعدّد لحاظاتهم في التقسيم، والمشهور منها الآتي2:
أ- تقسيم المناهج بلحاظ ما يعتمده المفسّر للوصول إلى معنى الآية ومقصدها: 
- مناهج تفسيرية ناقصة، بلحاظ أنّها لا تغني وحدها المفسّر عن غيرها من المناهج في تفسيره للقرآن:
- منهج تفسير القرآن بالقرآن.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص534-538، الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص22-26.
2- لمزيد من التفصيل في تقسيمات المناهج التفسيريّة، انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص534-538، الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص26-28، 33-41، الصغير، المبادىء العامّة لتفسير القرآن، م.س، ص77، العك، خالد عبد الرحمن: أصول التفسير وقواعده، ط3، بيروت، دار النفائس، 1414هـ.ق/ 1994م، ص77-261.
 
 
 
164

135

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 - منهج تفسير القرآن بالسنّة.

- المنهج العقليّ.
- المنهج العلميّ.
- المنهج الإشاريّ.
- التفسير بالرأي (وهو طريق ممنوع استخدامه في التفسير).

تبصرة: إنّ التفسير بالرأي لا يعدّ تفسيراً صحيحاً ومعتبراً، وفي الحقيقة لا يعدّ تفسيراً للقرآن. فذكره بين أقسام المناهج التفسيريّة هو من أجل رَدَّ والتنبيه على خطره.

- مناهج تفسيريّة كاملة: المنهج التكامليّ:
والمقصود به هو المنهج الّذي يستفيد من جميع هذه الطرق قدر الإمكان1، لكي يتبيّن مقصود الآيات بصورة كاملة من جميع الجوانب2.

ب. تقسيم المناهج بلحاظ صحّة المنهج أو عدمها:
- منهج صحيح ومعتبر:
- التكاملي.
- تفسير القرآن بالقرآن.
- تفسير القرآن بالسنّة.
- العقليّ.
- العلميّ.
- الإشاريّ.
 

1- المناهج المذكورة سابقاً غير التفسير بالرأي، وبعض طرق التفسير الإشاري والعلمي. وسوف يأتي تفصيل الكلام فيها في دروس لاحقة.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص27-28، 353-356.
 
 
 
165

136

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 - ممنوع باطل غير معتبر:

- التفسير بالرأي.
- بعض طرق التفسير الإشاريّ والعلميّ.

تقسيم الاتّجاهات التفسيريّة
يمكن تقسيم الاتجاهات التفسيريّة إلى أقسام فرعية على أساس الاعتقادات، والأفكار، والاتّجاهات العصريّة، وطريقة الترتيب، والذوق والتخصّص العلميّ للمفسِّرين، وفق الآتي1:
أ- الاتّجاهات الكلاميّة:
وهو انطلاق المفسّر في عمليّة التفسير من خلفيّة عقديّة يروم من خلالها الدفاع عن مذهبه وأصول الاعتقاد لديه، بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم.

ب- الاتّجاهات التخصّصيّة:
وهو انطلاق المفسّر في عمليّة التفسير من خلفيّات تخصّصيّة علميّة متعدّة، أدبيّة، أو فقهيّة، أو اجتماعيّة، أو أخلاقيّة، أو تاريخيّة،...، بحيث يظهر هذا الاهتمام العلميّ لديه بشكل واضح في ما يقدِّمه من نتاج تفسيريّ.

ج- الاتّجاهات العصريّة:
وهو انطلاق المفسّر في عمليّة التفسير من محيطه الاجتماعيّ المعاصر، مدفوعاً بدافع الحاجة والضرورة للإجابة عن مجموعة من القضايا والمسائل الملحّة، المعنويّة، والأخلاقيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والعسكريّة... 

د- الاتّجاهات الأسلوبيّة:
يختلف أسلوب الكتابة عند المفسِّرين، فهي تتفاوت على أساس الذوق ومراعاة حال المخاطَب. فقد يكون التفسير ترتيبيّاً، أي تفسير القرآن آية آية ومن أوّله إلى آخره، كما هو
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص29-32.
 
 
166

137

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 الحال في تفسير (الميزان للعلامة الطباطبائي، والأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ومجمع البيان للعلامة الطبرسي)، أو قد يكون موضوعيّاً، فيختار المفسِّر أحد المواضيع ويجمع كلّ ما يتعلّق به في جميع الآيات والسور، ثمّ يخرج بنتيجة معيّنة، مثل (تفسير نفحات القرآن، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ومفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني).

 


وربَما يُكتَب التفسير بصورة مختصرة أو متوسطة أو مفصّلة، أي من حيث الحجم والكميّة كما هو الحال في التفاسير: الأصفى، والمصفّى، والصافي للمرحوم للفيض الكاشاني، وكذلك التفاسير: الوجيز، والجوهر الثمين، وصفوة التفاسير للسيد عبد الله شبّر، وأيضاً التفاسير الثلاثة للعلامة الطبرسي، وهي: جوامع الجامع، ومجمع البيان، والكافي الشافي، فالأوّل مختصر والثاني متوسّط والثالث مفصّل. وربَما يأتي التفسير على شكل متن وشرح فتكون الآية متناً والتفسير شرحاً للآية، وقد يختلط التفسير بالآيات بصورة مزجيّة، مثل: تفسير شُبَّر، ونفحات الرحمن للنهاوندي.

وفي بعض الأحيان يكون التفسير شاملاً لجميع آيات القرآن، مثل: مجمع البيان، وأُخرى ناقصاً ومُشتملاً على سورة واحدة أو عدد من السور، أو حتّى مجموعة من السور، مثل: تفسير أحكام القرآن للراوندي الّذي يشتمل على الآيات الفقهية فقط، وتفسير آلاء الرحمن للبلاغي، وهو تفسير لم يكتمل للآيات كلّها.
 
 
 
 
167

138

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 المفاهيم الرئيسة


1- المنهج التفسيريّ هو الطريق الذي يسلكه المفسّر، بالاستفادة من الوسائل والمصادر الخاصّة الحجّة في تفسير القرآن، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده. 

2- الاتّجاه التفسيريّ هو تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته العقدية أو العصرية أو التخصّصيّة أو غيرها في فهمه لمعاني القرآن ومقاصده.

3- ظهرت المناهج التفسيريّة مع ظهور علم التفسير منذ صدر الإسلام على يد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام وعدد من الصحابة. وفي القرن الثاني الهجريّ برزت مناهج وأساليب أُخرى بين المسلمين بشكل تدريجيّ، نتيجة ترجمة آثار الحضارتين اليونانية والفارسية وكتبهما. وفي القرن الثالث الهجريّ، بدأت تظهر أساليب جديدة في التفسير على يد العرفاء والمتصوّفة، ما أدّى إلى تطوّر المنهج الإشاريّ في التفسير. وفي القرن الأخير ظهرت أساليب ومناهج جديدة في التفسير، مثل طريقة التفسير العلميّ، والاتّجاه الاجتماعيّ.

4- أبرز المناهج التفسيريّة: منهج تفسير القرآن بالقرآن، ومنهج تفسير القرآن بالسنّة، والمنهج العقليّ، والمنهج العلميّ، والمنهج الإشاريّ والمنهج التكامليّ...

5- أبرز الاتّجاهات التفسيريّة: الاتّجاهات الكلاميّة، والاتّجاهات التخصّصيّة الأدبيّة والفقهيّة والاجتماعيّة والتاريخية...، والاتّجاهات العصريّة، المعنويّة، والأخلاقيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والعسكريّة...، والاتّجاهات الأسلوبيّة، ...

فكّر وأجب

1- عرّف كلّاً من المنهج والاتّجاه التفسيريّين، مبيّناً وجود الفرق بينهما.

2- ما هي أسباب نشوء المناهج والاتّجاهات التفسيريّة؟

3- اذكر أبرز المناهج والاتّجاهات التفسيريّة.
 
 
 
 
168

139

الدرس الثالث عشر: المناهج والاتّجاهات التفسيريّة

 للمطالعة


تفسير آلاء الرحمن1
تأليف الإمام المجاهد والعلّامة الناقد الشيخ محمد جواد البلاغيّ النجفيّ (1282 - 1352هـ.ق). 

له مؤلّفات كثيرة. وهذا التفسير من أفضلها، حيث كان من آخر تآليفه، فكان أدقّها وأمتنها سوى أنّه من المؤسف جداً أنه لم يُملهه الأجل، فقضى نحبه عند بلوغه لتفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾2، فأكمل تفسير الآية، ولحق بجوار ربّه الكريم، ليوفّيه أجره حسبما وعد في الآية، والكريم إذا وعد وفى.

وكان شيخنا العلّامة البلاغيّ عارفاً باللغات العبريّة والإنجليزيّة والفارسيّة إلى لغته العربيّة، مُجيداً فيها، ما ساعده على مراجعة أهمّ المصادر للتحقيق عن مبادئ الأديان القديمة، والوقوف على مبانيها، فكانت تآليفه في هكذا مجالات ذوات إسناد متين وأساس ركين.

وتفسيره هذا هادف إلى بيان حقائق كلامه تعالى وإبداء رسالة القرآن، في أسلوب سهل متين، يجمع بين الإيجاز والإيفاء، والإحاطة بأطراف الكلام، بما لا يدع لشبه المعاندين مجالاً، ولا لتشكيك المخالفين مسرباً. هذا إلى جنب أدبه البارع ومعرفته بمباني الفقه والفلسفة والكلام والتاريخ، ولا سيّما تاريخ الأديان وأعراف الأمم الماضية، والتي حلّ بها كثيراً من مشاكل أهل التفسير. ومن ثمّ كان منهجه في التفسير ذا طابع أدبيّ كلاميّ بارع.
 

1- معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص899-900.
2- سورة النساء، الآية 57.
 
 
 
169

 


140

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى منهج تفسير القرآن بالقرآن ونشأته وأهمّيّته في البحث التفسيريّ.
2- يناقش أدلة القائلين بحجّية تفسير القرآن بالقرآن أو عدمها.
3- يفهم نماذج من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالقرآن.
 
 
 
171

141

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 تعدّ طريقة تفسير القرآن بالقرآن من أقدم الطرق في تفسير القرآن، وهي أحد أقسام المنهج النقليّ1. وقد استحسن جميع المفسّرين والمتخصّصين إلّا ما شذّ هذه الطريقة في التفسير، واستفادوا منها في كثير من الموارد، بل إنّ بعضهم عدّها من أفضل الطرق في التفسير2.


تعريف منهج تفسير القرآن بالقرآن
هو الطريق الذي يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال مقابلة الآية بالآيات الأخرى، وجعل بعضها شاهداً على بعضها الآخر، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده3.

نشأة منهج تفسير القرآن بالقرآن وتاريخه
يُعدّ تفسير القرآن بالقرآن من أقدم طرق التفسير، ويرجع استخدامه إلى زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد استخدمه الأئمّة عليهم السلام وبعض الصحابة والتابعين. وفيما يأتي بعض الأمثلة على ذلك:
أ- سُئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن معنى "الظلم" في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾4، فأجاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بالاستناد إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾5 بأنّ المقصود بالظلم في الآية الأولى هو الشرك المذكور في الآية الثانية6.
 

1- ينقسم المنهج النقلي إلى قسمين: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة.
2- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص47-87، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص539-543، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص143-149.
3- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص49.
4- سورة الأنعام، الآية 82.
5- سورة لقمان، الآية 13.
6- انظر: الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، م.س، ج4، ص99-100، ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص378.
 
 
 
173

142

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 ب- استنتج الإمام عليّ عليه السلام من خلال الآيتين: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾1، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾2، بأنّ أقلّ مدّة للحمل هي ستّة أشهر، بلحاظ أنّ مدّة الرضاع سنتان، كما تشير الآية الأولى، ومدّة الحمل والرضاع معاً ثلاثون شهراً، كما تشير الآية الثانية، والجمع بينهما يقتضي كون أقلّ الحمل ستّة أشهر3. وهذا نوع من تفسير القرآن بالقرآن.


وقد استخدم مفسِّرو الشيعة هذا المنهج بعد ذلك مع ظهور تفاسير، مثل: التبيان للشيخ الطوسي، ومجمع البيان للشيخ الطبرسي، وكذلك مفسِّرو أهل السنّة.

وقد حظي هذا المنهج باهتمام واسع، خاصّةً عند المفسِّرين في القرن الأخير، كما يتّضح ذلك في تفسير الميزان للعلّامة الطباطبائي، وآلاء الرحمن للشيخ البلاغي،...

أدلّة القائلين بحجّيّة تفسير القرآن بالقرآن
اعتمد أصحاب هذا المنهج على عدّة أدلّة للاستدلال على جواز بل لزوم هذا التفسير، هي الآتية:
أ- الدليل القرآنيّ:
- قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾4، بتقريب: أنّه حاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه5.

- قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾6، بتقريب: أنّه كيف يكون القرآن هدى وبيّنة وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس في جميع ما يحتاجون إليه ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو أشدّ الاحتياج؟!7.
 

1- سورة لقمان، الآية 14.
2- سورة الأحقاف، الآية 15.
3- انظر: المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج40، ص180.
4- سورة النحل، الآية 89.
5- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص11.
6- سورة النساء، الآية 174.
7- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص11.
 
 
 
174

143

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾1، بتقريب: أنّ هذه الآية قسّمت آيات القرآن إلى مجموعتين: محكمات ومتشابهات. وكلمة "المحكم" من "الإحكام" بمعنى "المنع"، ولهذا يقال للمواضيع الثابتة القويّة محكمة، لأنّها تمنع عن نفسها عوامل الزوال. كما أنّ كلّ قول واضح وصريح لا يعتريه أيّ خلاف يقال له "قولٌ محكم"، وعليه، فإنّ الآيات المحكمة هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة والّتي لا مجال للخلاف والجدل حولها. وأمّا الآيات المتشابهة فهي الآيات ذات المعنى المعقّد، أو الّتي تحتمل معاني متعدّدة، والّتي لا يتّضح معناها المقصود إلّا في ضوء الآيات المحكمة. وقد أطلق على الآيات المحكمة "أُمُّ الكتاب"، أي هي الأصل والمرجع للآيات الأخرى، وبعبارة أخرى: لا بُدّ من إرجاع الآيات المتشابهات إلى المحكمات لكي يتّضح معناها. وهذه الطريقة هي أحد أنواع تفسير القرآن بالقرآن2.


- لكي نفهم بعض الآيات الواردة في القرآن، لا بدّ من مراجعة الآيات المشابهة، فقد جاء ذكر قصّة النبيّ موسى عليه السلام وفرعون في أكثر من سورة3، ولا يمكن تفسير هذه الآيات ورفع الإبهام عنها ما لم يتمّ مراجعة هذه السور بآياتها المتعلّقة بموضوع النبيّ موسى عليه السلام وفرعون.

ب- الدليل الروائيّ:
- السنّة العمليّة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، حيث استخدموا هذه الطريقة عمليّاً.

- الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام بصدد الإشارة إلى هذه الطريقة في التفسير، ومنها: ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ القرآن ليصدّق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض"4. وعن الإمام عليّ عليه السلام: "وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تُهدم أركانه،
 

1- سورة آل عمران، الآية 7.
2- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص20-23.
3- انظر: سورة الأعراف، الآيات 105-136، سورة طه، الآيات 9-98، سورة الشعراء، الآيات 10-67، سورة النمل، الآيات 7-14.
4- المتّقي الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، م.س، ج1، ح2861، ص619.
 
 
 
175

144

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 وعزّ لا تهزم أعوانه...  كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله"1.


ج- السيرة العقلائيّة:
ويمكن تقريب الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة تفسير القرآن بالقرآن من خلال المقدّمات الآتية:
- قامت سيرة العقلاء في مقام التفهيم والتفاهم على مراعاة القرائن الموجودة في الكلام عند فهم أيّ كلام، فإذا جاء ذكر أحد المطالب بصورة مطلقة وعامّة، وفي مكان آخر بصورة مقيّدة وخاصّة، فلا بدّ من النظر إلى الكلام بصورة كلِّيّة باعتباره مجموعة كاملة، وهذه هي طريقة العقلاء في فهم أيّ كلام.

- نزل القرآن الكريم بلغة العرب: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾2، بهدف إيصال مقاصده للناس جرياناً على أسلوب العرب في مقام التفهيم والتفاهم. لذا، فالقرآن الكريم غير مستثنى من القاعدة العقلائية المتقدّمة، لجهة الاستفادة من بعض الآيات بوصفها قرائن لفهم آيات أخرى وتفسيرها. وهذا هو نفسه المراد بتفسير القرآن بالقرآن.

- لم يخترع الشارع طريقة معيّنة غير الطريقة المذكورة ويوجبها في مقام فهم كلامه من قِبَل الناس.

- لم يمنع الشارع المقدّس الناس في مقام فهمهم للقرآن من الجريان وفق هذه الطريقة العقلائية، بل قام بتأييدها وبالجري وفقها، فعندما نراجع سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام نجد أنّهم استخدموا هذه الطريقة، أي الاستفادة من بعض الآيات في فهم آيات أخرى. وكذلك جرى المتشرّعة من بعدهم على هذه الطريقة، من الصحابة والتابعين ومفسِّري القرآن على طول التاريخ إلى عصرنا الراهن. ومن خلال ذلك نستدلّ على جواز هذا المنهج، بالإضافة إلى عدم وجود منع من الشارع.
 

1- الشريف الرضي، نهج البلاغة، م.س، ج2، الخطبة 133، ص16-17.
2- سورة يوسف، الآية 2.
 
 
 
176

145

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 أدلّة القائلين بعدم حجّيّة تفسير القرآن بالقرآن

استدلّ القائلون بعدم حجّيّة تفسير القرآن بالقرآن بمجموعة من الأدلّة والتقريبات، أبرزها الآتية:
أ- إنّ فهم القرآن مختصّ بأهله، وهم المخاطبون الحقيقيّون به، وهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام.
ب- إنّ القرآن يحتوي على مضامين عالية وعميقة لا يفهمها إلّا الراسخون في العلم، ولا تنالها الأفكار العاديّة للناس.
ج- إنّ القرآن الكريم يشتمل على آيات متشابهة وهو ما يؤدّي إلى المنع عن اتّباع ظواهر الكتاب.
د- إنّنا نعلم علماً إجماليّاً بوجود مخصِّصات ومقيّدات لكثير من ظواهر القرآن الكريم ممّا يعني عدم إمكانيّة التمسّك بالظواهر القرآنية.

وفي مقام الجواب عن هذه المقاربات، يمكن القول:
- إنّ المقصود من اختصاص فهم القرآن بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، وأنّهم المخاطبون الحقيقيّون هو الفهم الكامل للقرآن أعمّ من المحكم والمتشابه، والمنع من الاستقلال بالفتوى من دون مراجعة الروايات، وأمّا بعد مراجعة القرائن النقليّة، أو بعد البحث وعدم العثور على روايات معتبرة، فلا يوجد مانع من الأخذ بظواهر القرآن الكريم. إضافة إلى ذلك، فإنّ الروايات نفسها قد أرجعتنا إلى القرآن والاستدلال به، كما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام، قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال عليه السلام: "يُعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾1 امسح عليه"2.
 

1- سورة الحج، الآية 78.
2- الكليني، الكافي، م.س، ج3، كتاب الطهارة، باب الشكّ في الوضوء...، ح4، ص33.
 
 
 
177

146

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 - لا يوجد تعارض بين وجود مضامين عالية وصعبة الفهم في القرآن، والرجوع إلى الظواهر الواضحة والاستدلال بها.


- إنّ ظواهر القرآن ليست من المتشابهات، أي إنّ المقصود من المتشابهات هنا هو الآيات المجملة، ولكنّ ظواهر القرآن ليست مجملة ولا متشابهة.

- إنّ الأخذ بظواهر القرآن يكون بعد مراجعة المخصِّصات والمقيِّدات والروايات الأخرى، وعندها ينحلّ العلم الإجمالي، ويرتفع حينئذ المانع من الأخذ بالظواهر.

تطبيقات منهج تفسير القرآن بالقرآن
يعدّ "تفسير القرآن بالقرآن" منهجاً كلّياً يتضمّن تحته مصاديق وطرقاً فرعية متعدِّدة يستفيد منها المفسِّرون في التفسير، وإنّ معرفة هذه الطرق تساعد المفسِّر على تقديم تفسير جامع لآيات القرآن الكريم.

ولكي تتوضّح صورة الاستدلال عند المفسِّر للقرآن بالقرآن، سوف نشير إلى أهمّ هذه الطرق وأكثرها شيوعاً، مع إيراد أمثلة ونماذج توضيحية لهذا المنهج:
أ- إرجاع المتشابهات إلى المحكمات:
تنقسم آيات القرآن إلى آيات محكمة ومتشابهة، وتعدّ الآيات المحكَمة هي الأساس والمرجع للآيات القرآنية، ولا بُدّ من إرجاع الآيات المتشابهة إليها لكي يتّضح معناها، أو يتعيّن أحد احتمالاتها.

مثال: يوجد بعض الآيات في القرآن يدلّ ظاهره على التجسيم، مثل الآيات الّتي تصف الله سبحانه وتعالى بأنّه: "سميع" و"بصير"1، والآية الشريفة ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾2، ولا بد من إرجاع مثل هذه الآيات إلى الآيات المحكمة مثل الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾3 حيث يتّضح معناها في ضوء هذه الآية وأمثالها، فعندما نقارن الآيات المذكورة مع الآيات
 

1- سورة الشورى، الآية 11.
2- سورة الفتح، الآية 10.
3- سورة الشورى، الآية 11.
 
 
 
178

147

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 المحكمة، فسوف يتبيّن أنّ المقصود باليد هنا ليس هو اليد الجسمانية بل هو كناية عن شيء آخر كالقدرة مثلاً. وعلى هذا يمكن تفسير الآية: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾1، بمعنى قدرة الله.


ب- الجمع بين الآيات المطلقة والمقيّدة:
جاء بعض الآيات بصورة مطلقة بدون قيد في حين ذُكرت آيات أُخرى مقيّدة ببعض القيود، فتفسير الآيات المطلقة بدون النظر في الآيات المقيّدة غير صحيح ولا يكشف عن المراد الجدّي للمتكلِّم، وبعبارة أخرى إنّ الآيات المقيِّدة مفسِّرة للآيات المطلقة، فمثلاً جاء ذكر الصلاة في بعض الآيات بصورة مطلقة ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾2، في حين قُيّد هذا الإطلاق بزمان خاص في آيات أخرى كما في الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾3.

ج- الجمع بين العامّ والخاصّ:
جاءت ألفاظ بعض الآيات على جهة العموم والشمول لأفراد كثيرين، وذلك باستعمال بعض ألفاظ العموم، مثل كُلّ، في حين خصَّصَت آيات أخرى هذا العموم. وبما أنّ تفسير القرآن هو تعيين المراد الإلهيّ وتوضيح الآية بصورة كاملة، فإنّ هذا لا يحصل إلّا بوضع الخاصّ بجانب العامّ. وبعبارة أخرى إنّ الآيات الخاصّة تُفسِّر وتبيِّن العموم في الآيات الأخرى، فمثلاً جاء ذكر الزواج بصورة مطلقة في الآية: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾4 واستثنيت موارد خاصّة في الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ...﴾5، ففي الآيات الأولى وردت الرخصة في الزواج من جميع النساء، أمّا في الآيات الأُخرى فقد استثنيت الأم والأخت وزوجة الأب و...
 

1- سورة الفتح، الآية 10.
2- سورة البقرة، الآيات 43، 83، 110، سورة النساء، الآية 77،...
3- سورة الإسراء، الآية 78.
4- سورة النساء، الآية 3.
5- سورة النساء، الآيتان 22-23.
 
 
 
179

148

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 د- توضيح الآيات المجملة بواسطة الآيات المبيّنة:

ورد بعض الآيات في القرآن الكريم بصورة مختصرة ومجملة، فيما جاء بيان هذا الموضوع بصورة مفصّلة في مكانٍ آخر. فالمجموعة الثانية من الآيات تُفسِّر الآيات الأولى. وقد لا يُفهم المعنى والمراد من الآيات المجملة دون الرجوع إلى الآيات المبيّنة، وحينئذٍ لا يكون التفسير صحيحاً. مثال: أشار القرآن الكريم إلى مسألة أكل لحوم الحيوانات بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾1، وقال في آية أخرى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾2. ففي الآية الأولى جاء تحليل لحوم بعض الحيوانات بصورة مجملة، وأنّه سوف يأتي تحريم بعض أنواع اللحوم في المستقبل، وقد بُيّنت هذه الموارد في الآية الأخرى، فهنا تكون الآية الثانية مفسِّرة للآية الأولى.

هـ- الاستفادة من سياق الآيات:
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ *  كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *  كَغَلْيِ الْحَمِيمِ *  خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ *  ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾3.

وقد جاء في نهاية هذه الآيات: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾4. فإذا أخذنا بظاهر هذه الآية دون الالتفات إلى سياق الآيات المتقدّمة لفُهِم منه أنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب شخصاً محترماً وعزيزاً، أمّا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الآيات المتقدّمة فسوف يتبيّن أنّ هذا الشخص (الذي اعتُبر عزيزاً كريماً في ظاهر الآية) ما هو إلّا ذليل حقير.

و- تحديد معاني الاصطلاحات القرآنية بالاستعانة بالآيات الأخرى:
توجد في القرآن الكريم اصطلاحات خاصّة خارجة عن معناها اللغويّ، فلا يمكن تفسيرها بمراجعة كتب اللغة، بل يجب مراجعة الآيات الأخرى ومعرفة لغة القرآن. مثال: مصطلح الجنّ: المعنى اللغويّ هو "المستور، المخفيّ" وفي اصطلاح القرآن الجنّ موجودات عاقلة لا تُرى بالعين.
 

1- سورة المائدة، الآية 1.
2- سورة المائدة، الآية 3.
3- سورة الدخان، الآيات 43-48.
4- سورة الدخان، الآية 49.
 
 
180

149

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 ز- جمع الآيات الناسخة والمنسوخة:

لقد جاء بعض الآيات ليبيّن بعض الأحكام ثمّ أُنزلت آيات أخرى (على أساس المصلحة والشرائط الجديدة) ونسخت الآيات السابقة وشرّعت أحكاماً جديدة. وثمّة اختلاف بين المختصِّين في علوم القرآن في عدد الآيات المنسوخة. وعلى المفسِّر حين يشرع في تفسير الآية أن يأخذ بنظر الاعتبار الآيات الناسخة والمنسوخة، وإلّا فسوف يكون تفسيره تفسيراً ناقصاً. مثال: ورد الأمر في سورة المجادلة بأنّ على المؤمنين أن يتصدّقوا في حالة وجود كلام خصوصيّ لهم مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعمل بهذا الحكم إلّا الإمام عليّ عليه السلام، وقد نُسخ هذا الحكم في الآيات الأخرى، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾1، وعلى هذا فبيان الحكم الأوّل بدون ذكر الناسخ في الآية الأُخرى يكون تفسيراً ناقصاً.

ح- الالتفات إلى الآيات المشابهة (من حيث اللفظ أو المحتوى):
القرآن الكريم كتاب هداية وتربية، فقد يطرح الموضوع الواحد في عدّة سور، وتتناول كلّ سورة من السور جانباً من جوانب هذا الموضوع بصور قد تتشابه في التفسير، فإذا أراد المفسِّر الشموليّة في فهم الموضوع، عليه أن يضع الآيات بعضها مع بعضها الآخر حتّى يتّضح معناها. فقد تأخذ هذه الطريقة في الواقع اسم التفسير الموضوعيّ، كما فعل ذلك آية الله مكارم الشيرازي في كتابه التفسيريّ (نفحات القرآن)، وآية الله السبحانيّ في كتابه (مفاهيم القرآن)، أو قد تأخذ طابع التفسير الترتيبيّ فيما إذا قام المفسِّر بجمع آيات الموضوع الواحد في موارد مختلفة من التفسير، كما استخدم العلامة الطباطبائي هذه الطريقة في تفسير الميزان، مثال: قام العلامة الطباطبائي في الآية (29) من سورة البقرة بدراسة المباحث المتعلّقة بإعجاز القرآن والآيات الّتي جاءت حوله.
 

1- سورة المجادلة، الآيتان 12-13.
 
 
 
181

150

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 أبرز التفاسير التي تعتمد منهج تفسير القرآن بالقرآن

توجد مجموعة كبيرة من التفاسير التي تعتمد منهج تفسير القرآن بالقرآن، منها:
- الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي (20 جزءاً).

- تفسير المنار: محمد رشيد رضا (وأستاذه الشيخ محمد عبده) (12 جزءاً).

- الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة: الدكتور محمد الصادقي الطهراني (30 جزءاً). وله -أيضاً-: التفسير الموضوعي بين الكتاب والسنّة (22 جزءاً).

- آلاء الرحمن في تفسير القرآن: الشيخ محمد جواد البلاغي (جزءان/ غير مكتمل).

- التفسير القرآني للقرآن: عبد الكريم الخطيب (16 جزءاً).

- تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن: محمد أمين بن محمد مختار.

- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي. وله - أيضاً -: نفحات القرآن (6 أجزاء).

- تفسير تسنيم: الشيخ عبد الله جوادي آملي (36 جزءاً حتى الآن، وما زال يصدر).

- مفاهيم القرآن: الشيخ جعفر السبحاني (10 أجزاء).

- معارف القرآن: الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (10 أجزاء).
 
 
 
182

151

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 المفاهيم الرئيسة


1- منهج تفسير القرآن بالقرآن هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال مقابلة الآية بالآيات الأخرى، وجعل بعضها شاهداً على بعضها الآخر، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده.

2- يُعدّ تفسير القرآن بالقرآن من أقدم طرق التفسير، ويرجع استخدامه إلى زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد استخدمه الأئمّة عليهم السلام وبعض الصحابة والتابعين. 

3- أدلّة القائلين بحجّيّة تفسير القرآن بالقرآن على عدّة أدلّة للاستدلال على جواز بل لزوم هذا التفسير، هي الآتية: آيات القرآن، السنّة الشريفة، السيرة العقلائيّة بضميمة عدم ردع الشارع عنها، بل جريانها وفقها.

4- اعتمد القائلون بعدم حجّيّة تفسير القرآن بالقرآن على مجموعة من التقريبات الضعيفة التي يمكن ردّها بأدنى تأمّل.

5- من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالقرآن: إرجاع المتشابهات إلى المحكمات، الجمع بين الآيات المطلقة والمقيّدة، الجمع بين العامّ والخاصّ، توضيح الآيات المجملة بواسطة الآيات المبيّنة، الاستفادة من سياق الآيات، تحديد معاني الاصطلاحات القرآنية بالاستعانة بالآيات الأخرى، جمع الآيات الناسخة والمنسوخة، الالتفات إلى الآيات المشابهة، ...

6- من أبرز التفاسير التي تعتمد منهج تفسير القرآن بالقرآن: الميزان في تفسير القرآن، تفسير المنار، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، التفسير القرآني للقرآن، تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، تفسير تسنيم، مفاهيم القرآن، معارف القرآن،...

فكّر وأجب

1- عرّف منهج تفسير القرآن بالقرآن، مبيّناً دوره في عمليّة التفسير.

2- ما هي أبرز الأدلّة على حجّيّة تفسير القرآن بالقرآن؟

3- اذكر ثلاثة نماذج من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالقرآن.
 
 
 
 
183

152

الدرس الرابع عشر: منهج تفسير القرآن بالقرآن

 المفاهيم الرئيسة


تفسير الفرقان1
تأليف الشيخ محمّد الصادقيّ الطهرانيّ (معاصر). 

وقد تمّ تأليفه خلال السنوات (1397 - 1407هـ.ق)، وكان بصورة محاضرات يلقيها على طلبة العلوم الدينيّة في الحوزتين العلميتين في النجف الأشرف وقم المقدّسة. 

وهو تفسير جامع شامل، اتّخذ منهج تفسير القرآن بالقرآن حسب الإمكان، وهو تحليليّ تربويّ اجتماعيّ، مع الاستناد إلى أحاديث يراها صحيحة، وأخرى ملائمة مع ظواهر القرآن، ولذا احترز عن الإسرائيليّات بشكل قاطع، وكذا عن الأحاديث الموضوعة والضعيفة. 

وبما أنّ المؤلّف يُعدّ من الفقهاء، فإنّ في تفسيره الشيء الكثير من التعرّض إلى مسائل الفقه والأحكام بصورة مبسّطة، وهكذا تجده يفصّل في المسائل الكلاميّة الاعتقاديّة في نزاهة، كما ويجتنّب تحميل القرآن نظريّات العلم الحديث، ويرى أنّ القرآن في غنىً عن ذلك، اللهمّ إلّا إذا رُفع بذلك إبهام في إشارات عابرة جاءت في القرآن، على شرط أن تكون النظريّة ثابتة.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1027-1028.
 
 
184

153

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى منهج تفسير القرآن بالسنّة ونشأته وأهمّيّته في البحث التفسيريّ.
2- يدرك مكانة السنّة وأهميّتها في البحث التفسيريّ.
3- يفهم نماذج من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالسنّة.
 
 
 
 
185

154

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 تُعدّ طريقة تفسير القرآن بالسنّة الشريفة من أقدم الطرق والمناهج التفسيريّة وأكثرها شيوعاً في تفسير القرآن1. وهي أحد أقسام "التفسير بالمأثور" أو "التفسير النقليّ"2. ولهذا المنهج مكانة خاصّة بين المناهج التفسيريّة، وكان دائماً محطّ اهتمام المفسِّرين.


تعريف منهج تفسير القرآن بالسنّة
هو الطريق الذي يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستفادة ممّا ورد في سُنَّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام من فعل أو قول أو تقرير بصدد تفسيرهم للقرآن الكريم، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده3.

نشأة منهج تفسير القرآن بالسنّة وتاريخه 
يمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مرّ بها تفسير القرآن بالسنّة إلى ثلاث مراحل، هي الآتية:
أ- عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: 
يمكن عدّ هذا المنهج من أوائل المناهج التفسيريّة التي نشأت مقارنة لنزول الوحي القرآنيّ، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أوّل مُفسِّر ومُبيِّن للقرآن، وقد جاء الأمر الإلهيّ بهذا الخصوص
 

1- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص93-144، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص543-798، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص158-162.
2- قسّم العلماء التفسير بالمأثور (التفسير النقلي) إلى أربعة أقسام: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسُنّة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، وتفسير القرآن بأقوال التابعين. انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون، م.س، ج2، ص539-544.
3- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص95.
 
 
 
 
187

155

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 ب- عصر أهل البيت عليهم السلام: 

استمرّت طريقة تفسير القرآن بالسنّة إلى عصر الأئمّة عليهم السلام، حيث تصدّى أهل البيت عليهم السلام لتفسير القرآن لاطّلاعهم على العلوم الإلهيّة، وكونهم استمراراً للبيان الرساليّ الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا عدّت سنّتهم (قولهم وفعلهم وتقريرهم) من مصادر التفسير صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وصل عدد الروايات المرويّة عنهم عليهم السلام إلى بضعة آلاف رواية.

سأل رجل الإمام الرضا عليه السلام، فقال: إنّك لتفسِّر من كتاب الله ما لم يُسمع. فقال: "علينا نزل قبل الناس، ولنا فُسِّر قبل أن يُفسَّر في الناس، فنحن نعرف حلاله وناسخه ومنسوخه و.."1. وعنه - أيضاً - عليه السلام: "فإنّما على الناس أن يقرؤوا القرآن كما أُنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا"2.

وقد حظيت الروايات التفسيريَّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام باهتمام الصحابة والتابعين، فكانوا يفسّرون القرآن للناس بالاستناد إلى هذه الروايات التي جُمعت فيما بعد بصورة تدريجيَّة ضمن كتب ومصنّفات تفسيريّة منسوبة إلى الصحابة والتابعين، كتفسير ابن عباس، وتفسير القمّيّ، وتفسير العياشيّ...

ج- عصر التدوين:
أوّل مدوّنة تفسيريّة بالسنّة هو الكتاب المنسوب إلى الإمام عليّ عليه السلام، والّذي ورد على شكل رواية مفصّلة في بداية تفسير النعماني.

وهناك كتاب آخر، هو مصحف الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الّذي جاء فيه تأويل القرآن والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وهو مرتّب على حسب النزول، وإن
 

1- سورة النحل، الآية 44.
2- الصفّار، بصائر الدرجات، م.س، ج3 (القسم الثالث)، باب8، ح8، ص218. 
3- الكوفي، فرات بن إبراهيم: تفسير فرات الكوفي، تحقيق: محمد الكاظم، ط1، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1410هـ.ق/ 1990م، تفسير سورة طه، ح351، ص258.
 
 
 
188

156

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 كان هذا الكتاب ليس في متناول أيدينا الآن.


ثمّ التفسير المنسوب إلى الإمام الباقر عليه السلام (57-114هـ) المعروف بتفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المنقول عن طريق أبي حمزة الثمالي وأبي الجارود، والتفسير المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام (83-148هـ)، وتفسير فرات الكوفي (كان حيّاً في سنة 307هـ)، والتفسير المنسوب للإمام العسكريّ عليه السلام (232-260هـ).

وقد جمعت الروايات الفقهيّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في مجاميع روائية، مثل: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، كما دُوِّن في هذا الوقت تفسير جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري (ت 320هـ)، وكذلك الصحاح الستّة لأهل السنّة.

ثمّ واجهت حركة تدوين التفاسير ركوداً نسبيّاً من القرن الخامس إلى التاسع الهجريّ، فيما برزت التفاسير العقليّة والاجتهاديّة.

وفي عصر كتابة التفاسير الجديدة، برز الاهتمام بالروايات التفسيريّة والّتي عادة ما تُبحث خلال التفسير أو بصورة منفصلة، كما فعل العلّامة الطباطبائي، حيث يذكر البحث الروائيّ بعد كلّ مجموعة من الآيات.

ملاحظة: لم تسلم الروايات التفسيريّة في عصر التدوين والجمع من ظاهرة الوضع، ووجود الإسرائيليات وتسلّل بعض الروايات الضعيفة، وهذا ما يستوجب الحذر والدقَّة عند الاستفادة من بعض الكتب الروائيّة.

مكانة السنّة في التفسير
يمكن تقسيم آراء العلماء حول مكانة السنّة في التفسير، وحدود الاستفادة منها، إلى ثلاثة آراء، هي الآتية:
أ- استقلال القرآن وعدم احتياجه إلى السنّة في التفسير مطلقاً:
ومنشأ هذا الرأي هو أنّ القرآن نزل بلسانٍ عربيّ مبين، وأنّ العقل يكفي لفهم القرآن ولا يحتاج إلى الأحاديث لتفسيره.

وهذا الرأي يتعارض مع ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
 
 
 
 
189

157

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 إِلَيْهِمْ﴾1، وكذا حديث الثقلين، ويمكن أن يقال إنّ الجذور التأريخية لهذا الرأي ترجع إلى شعار "حسبنا كتاب الله"، الّذي رُفع في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والّذي أصرّ على فصل القرآن عن أهل البيت عليهم السلام.


ب- عدم جواز تفسير القرآن مطلقاً إلّا بالسنّة:
وهو الرأي المتطرِّف المنسوب إلى الأخباريين الذين ادّعوا عدم جواز فهم القرآن إلّا بالرجوع إلى السنّة2.

ج- اتّخاذ السنّة وسيلة وقرينة لتفسير آيات القرآن:
وهو الرأي المعتدل الذي يرى في السنّة قرائن لتفسير القرآن، وأدوات لتوضيح معاني الآيات ومقاصدها، كما هو الحال بالنسبة إلى القرائن العقليّة وآيات القرآن.

والقول الأخير هو الصحيح والأوفق بالجمع بين ما ورد في القرآن من أنّه نور ومبين، وبين ما ورد في القرآن والسنّة من ضرورة الاستعانة بالسنّة في فهم القرآن الكريم.

أضف إلى ذلك أنّه لا يمكن فهم المعاني العالية للقرآن إلّا بالرجوع إلى السنّة الشريفة، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليه السلام هم الأعرف بمقاصد القرآن العالية، بما لا يمكن لبقية الناس فهمها وإدراكها من دونهم عليه السلام، وليس ذلك في كل معاني القرآن ومعارفه، فمن المعارف والمعاني القرآنية ما يمكن الحصول عليه من خلال القرائن غير السنّة، مع كون السنّة مؤيّدة لها.

تطبيقات منهج تفسير القرآن بالسنّة
أ- تفسير آية وتوضيحها: مثال: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾3، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام أنّ المراد بالاستطاعة: الزاد والراحلة4.

ب- تطبيق الآية على مصداق خاصّ: مثال: قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
 

1- سورة النحل، الآية 44.
2- تقدّم الكلام في هذا الرأي ومناقشته في الدرس السابق.
3- سورة آل عمران، الآية 97.
4- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج7، باب استطاعة الحجّ، ح1-5، ص266-268. 
 
 
 
190

158

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾1 في تحديد كفّارة اليمين، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، ومنها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "كفّارة اليمين يطعم عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ من حنطة، أو مدّ من دقيق وحفنة (ملء الكف)، أو كسوتهم لكلّ إنسان ثوبان، أو عتق رقبة، وهو في ذلك بالخيار أيّ الثلاثة صنع، فإن لم يقدر على واحدة من الثلاثة، فالصيام عليه ثلاثة أيام"2.


ج- بيان جزئيات الأحكام: كتخصيص عموم آية بالرواية، مثال: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾3، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام أنّ الكافر والقاتل لا يرثان4، منها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المؤمن ولا يرثه"5، وعنه عليه السلام - أيضاً -: "أيّما رجل ذو رحم قتل قريبه لم يرثه"6.

د- تقييد آية برواية: مثال: قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾7، حيث ورد في الروايات المأثورة عن عن أهل بيت العصمة عليهم السلام عدم نفاذ الوصية في أكثر من الثلث، منها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، نعم، فإن أوصى به، فإن تعدّى، فليس له إلّا الثلث"8.
 

1- سورة المائدة، الآية 89.
2- الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب كفارة اليمين، ح1، ص451-452، وانظر: ح2-14، ص452-454.
3- سورة النساء، الآية 11.
4- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب المواريث، باب ميراث القاتل، ح1-10، ص140-142، باب ميراث أهل الملل، ح1-6، ص142-143.
5- م.ن، باب ميراث أهل الملل، ح5، ص143.
6- م.ن، باب ميراث القاتل، ح2، ص140.
7- سورة النساء، الآية 12.
8- الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب الوصايا، باب أنّ صاحب المال أحقّ بماله...، ح7، ص8، وانظر، ح4، 6، 10، ص7-9، باب ما للإنسان أن يوصي به...، ح1-7، ص10-11.
 
 
 
191

159

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 هـ- توضيح العناوين التكليفية الخاصّة التي ذكرها القرآن: مثال: الحقيقة الشرعيّة لمصطلح الصلاة الوارد في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾1، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام بيان كيفيّة الصلاة بلحاظ الأفعال والأقوال الخاصّة بها، منها: ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"2.


و- بيان موضوعات الأحكام: مثال: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾3، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام تحديد موضوع قتل العمد وقتل الخطأ، منها: ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة فهذا كلّه عمد. والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره"4

ز- بيان الآيات الناسخة والمنسوخة: مثال: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾5، حيث ورد في الروايات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام أنّ حكمها منسوخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم
 
 

1- سورة النساء، الآية 103.
2- المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج82، ص279. 
3- سورة النساء، الآيتان 92-93.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب الديات، باب قتل العمد وشبه العمد والخطأ، ح2، ص278، وانظر: ح1، 3-10، ص278-280.
5- سورة النساء، الآية 15.
 
 
 
192

160

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾1، منها: ما رواه أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: سألته عن هذه الآية ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ (قال): "هذه منسوخة"، قال: قلت: كيف كانت؟ قال: "كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود أدخلت بيتاً ولم تحدّث ولم تكلّم ولم تجالس وأوتيت فيه بطعامها وشرابها حتّى تموت"، قلت: فقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾، قال: "جعل السبيل الجلد والرجم والإمساك في البيوت"2.


ح- بيان سبب النزول وشأن النزول3.

ط- تأويل الآيات: مثال: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾4، حيث روى الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عليه السلام في صدد تفسيره للآية: قلت: ﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، قال عليه السلام: "السماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفعه الله إليه، والميزان أمير المؤمنين عليه السلام نصبه لخلقه"، قلت: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ قال عليه السلام: "لا تعصوا الإمام"، قلت ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال عليه السلام: "أقيموا الإمام بالعدل"، قلت: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال عليه السلام: "لا تبخسوا الإمام حقّه ولا تظلموه"5.

أبرز التفاسير التي تعتمد منهج تفسير القرآن بالسنّة
- تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي (ت:307هـ.ق).

- تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي (كان حيّاً سنة 307هـ.ق).

- تفسير العيّاشي: محمد بن مسعود العياشي (ت: حوالي 320هـ.ق). 

- تفسير النعماني: محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني (ت: 342هـ.ق).
 

1- سورة النور، الآية 2.
2- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، تفسير سورة آل عمران، ح61، ص227-228.
3- مرّ بيان بعد التطبيقات عند تناول القواعد التفسيريّة "قواعد من علوم القرآن" في درس سابق.
4- سورة الرحمن، الآيات 7-9.
5- القمي، علي بن إبراهيم: تفسير القمي، تصحيح وتعليق وتقديم: طيب الموسوي الجزائري، لا.ط، النجف الأشرف، مطبعة النجف الأشرف، منشورات مكتبة الهدى، 1387هـ.ق، ج2، ص343.
 
 
 
193

161

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 - تفسير الصافي: محمد بن مرتضى (الفيض الكاشاني) (1007-1091هـ.ق). 


- تفسير البرهان: هاشم الحسيني البحراني (ت: 1107هـ.ق). 

- تفسير نور الثقلين: علي بن جمعة الحويزي (ت: 1112هـ.ق).

- جامع البيان: محمد بن جرير الطبري (224-310هـ.ق). 

- الدّر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدِّين السيوطي (ت: 911هـ.ق).

- تفسير ابن كثير: إسماعيل بن عمرو بن كثير الدمشقي (ت: 774هـ.ق).

- تفسير ابن عطيّة: عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسي (ت: 481 هـ.ق).
 
 
 
 
194

162

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 المفاهيم الرئيسة


1- منهج تفسير القرآن بالسنّة هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستفادة ممّا ورد في سُنَّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام من فعل أو قول أو تقرير بصدد تفسيرهم للقرآن الكريم، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده.

2- يمكن تقسيم المراحل التاريخية التي مرّ بها تفسير القرآن بالسنّة إلى ثلاث مراحل، هي الآتية: عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، عصر أهل البيت عليهم السلام، عصر التدوين.

3- يمكن تقسيم آراء العلماء حول مكانة السنّة في التفسير، وحدود الاستفادة منها، إلى ثلاثة آراء، هي الآتية: استقلال القرآن وعدم احتياجه إلى السنّة في التفسير مطلقاً، عدم جواز تفسير القرآن مطلقاً إلّا بالسنّة، اتّخاذ السنّة وسيلة وقرينة لتفسير آيات القرآن، وهو القول الصحيح.

4- من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالسنّة: تفسير آية وتوضيحها، تطبيق الآية على مصداق خاصّ، بيان جزئيات الأحكام، تقييد آية برواية، توضيح العناوين التكليفية الخاصّة التي ذكرها القرآن، بيان موضوعات الأحكام، بيان الآيات الناسخة والمنسوخة، بيان سبب النزول وشأن النزول، تأويل الآيات، ...

5- أبرز التفاسير التي تعتمد منهج تفسير القرآن بالسنّة: تفسير القمي، تفسير فرات الكوفي، تفسير العيّاشي، تفسير النعماني، تفسير الصافي، تفسير البرهان، تفسير نور الثقلين، جامع البيان، الدّر المنثور في التفسير بالمأثور، تفسير ابن كثير، تفسير ابن عطيّة، ...

فكّر وأجب

1- عرّف منهج تفسير القرآن بالسنّة، مبيّناً أهمّيّته في عمليّة التفسير.

2- اذكر أبرز الأقوال في بيان مكانة السنّة في التفسير، مبيّناً القول الصحيح.

3- اذكر ثلاثة نماذج من تطبيقات منهج تفسير القرآن بالسنّة.
 
 
 
 
195

163

الدرس الخامس عشر: منهج تفسير القرآن بالسنّة

 للمطالعة


تفسير البرهان1
تأليف السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسينيّ البحرانيّ الكتكانيّ (ت: 1107هـ.ق).

يعتمد المفسّر في تفسيره كتباً، أمثال: التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام، وهذا التفسير غير جامع للآيات، وإنّما تعرّض لآيات جاء في ذيلها حديث، ولو في شطر كلمة. ومن ثمّ فهو تفسير غير كامل، فضلاً عن ضعف الأسانيد وإرسالها، ووهن غالبيّة الكتب التي اعتمدها، كما هو خال عن أيّ ترجيح أو تأويل، عند مختلف الروايات، ولدى تعارض بعضها مع بعض.

بدأ المؤلّف تفسيره بمقدّمة يذكر فيها فضل العلم والمتعلّم، وفضل القرآن، وحديث الثقلين، والنهي عن تفسير القرآن بالرأي، وأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، وأنّه مشتمل على أقسام من الكلام، وما إلى ذلك. وثمّ بعد المقدّمات بمطلع جاء في مقدّمة التفسير المنسوب إلى عليّ بن إبراهيم القمّيّ، من ذكر أنواع الآيات وصنوفها، حسبما جاء في التفسير المنسوب إلى محمّد بن إبراهيم النعمانيّ، وهي رسالة مجهولة النسب لم يُعرف مؤلّفها لحدّ الآن. وبعد ذلك يرد في تفسير الآيات حسب ترتيب السور، فيذكر الآية أوّلاً، ثمّ يعقّبها بما ورد في شأنها من حديث مأثور عن أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام، من غير ملاحظة ضعف السند أو قوّته، أو صحّة المتن أو سقمه.

وهذا التفسير بحاجة إلى تمحيص ونقد وتحقيق، ليمتاز سليمه عن السقيم، والصحيح المقبول عن الضعيف الموهون.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص784-786.
 
 
 
 
196

164

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى المنهج العقليّ في تفسير القرآن ونشأته وأهمّيّته في البحث التفسيريّ.
2- يناقش أدلّة القائلين بحجيّة المنهج العقليّ في التفسير أو عدمها.
3- يفهم معايير التفسير العقليّ والاجتهاديّ نظرياً وتطبيقياً.
 
 
 
199

165

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 يحظى منهج التفسير العقليّ بمنزلة خاصّة بين مناهج التفسير، وقد اتّخذت المذاهب الكلاميّة (الشيعة، المعتزلة، الأشاعرة...) بإزاء هذا المنهج مواقف مختلفة، وقد يطلق عليه في بعض الأحيان منهج التفسير الاجتهاديّ، وقد يُذكر كأحد أقسام منهج التفسير بالرأي1، وقد يُنظر إليه بنظرة مساوية للاتّجاه الفلسفيّ في التفسير2.


تعريف المنهج العقليّ في تفسير القرآن
هو الطريق الذي يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة بالعقل البرهانيّ أو القرائن العقليّة القطعيّة، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده.

وقد عمّمه البعض إلى الاستفادة من قوّة الفكر في الجمع بين الآيات والروايات والقرائن اللغوية وغيرها في عملية الاستنباط العقليّ، بهدف توضيح آيات القرآن وفهم مقاصده. وهذا التعميم غير دقيق، لأنّ ما ذُكِرَ هو المنهج الاجتهاديّ الاستنباطيّ، وليس المنهج العقليّ الذي يقع في مقابل المناهج الأخرى (منهج تفسير القرآن بالقرآن/ منهج تفسير القرآن بالسنّة/...)، كما أنّ الاستنباط العقليّ ليس قسيماً لهذه المناهج، بل هو مستخدم في كلّ منها3.
 

1- انظر: الذهبي، محمّد حسين: التفسير والمفسّرون، ط2، دار الكتب الحديثة، 1976م، ج1، ص255، العكّ، أصول التفسير وقواعده، م.س، ص167.
2- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص151-189، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، ج2، ص801-804، 849-900، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص77-91.
3- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص152-155.
 
 
 
201

166

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 ولعلّ هذا الالتباس حصل بسبب الخلط في وظائف العقل، فإنّ للعقل وظيفتين:

- وظيفة الكشف، وهي ما يقوم بها المنهج الاجتهاديّ من خلال قوّة التحليل والتركيب والاستنتاج.
- وظيفة توليد المعرفة، وهي التي يقوم بها المنهج العقليّ من خلال الاستعانة بالقضايا العقليّة البرهانيّة.

نشأة المنهج العقليّ ومراحل تطوّره
ظهر منهج التفسير العقليّ في وقتٍ مبكّر مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في ما كانوا يفسّرونه للناس من آيات، ولا سيّما التي تتناول الذات الإلهيّة والتوحيد والصفات والأفعال، بالاستناد إلى البراهين والقرائن العقليّة القطعيّة.

فعن هشام بن المشرقي عن أبي الحسن الخراساني (الرضا) عليه السلام أنّه قال: "إنّ الله كما وصف نفسه أحد صمد نور"، ثمّ قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾1، فقلت له: أفله يدان هكذا - وأشرت بيدي إلى يده - قال: "لو كان هكذا كان مخلوقاً"2. ففي هذا الحديث استفاد الإمام عليه السلام من العقل في تفسير الآية، ونفي اليد المادّية عن الله سبحانه وتعالى، لأنّ وجود مثل هذه اليد يستلزم الجسمانيّة والمخلوقيّة لله، وهو سبحانه منزّه عن هذه الصفات (فالمقصود من اليد هنا هو القدرة الإلهيّة). 

ووصل هذا المنهج إلى أوج تطوّره فيما بعد على يد المعتزلة، وظهرت عند الشيعة تفاسير عقلية، مثل: تفسير التبيان للشيخ الطوسيّ (385-460هـ)، ومجمع البيان للطبرسيّ (ت: 548هـ)، وكذلك التفسير الكبير للفخر الرازي عند أهل السنّة، وقد بلغ هذا التطوّر مدىً بعيداً في تفسير الميزان للعلّامة الطباطبائيّ عند الشيعة وروح المعاني للآلوسيّ (ت: 1270هـ).
 

1- سورة المائدة، الآية 64.
2- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، تفسير سورة المائدة، ح145، ص330.
 
 
 
202

167

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 أدلّة القائلين بحجّيّة المنهج العقليّ في التفسير

استدلّ القائلون بحجّيّة المنهج العقليّ في التفسير بأدلّة عدّة، أبرزها الآتية:
أ- آيات القرآن الكريم:
وردت آيات كثيرة في القرآن تحثّ على إعمال التفكّر والتدبّر والتأمّل، منها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾1، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾2، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾3، وكذلك وردت آيات تذمّ المعرضين عن ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾4. فإذا لم يكن للعقل اعتبار ومنزلة عند الله تعالى، فإنّ هذه الخطابات ستُصبح حينئذٍ عديمة الفائدة وبدون معنى، وما نتيجة التدبّر والتفكّر في آيات الله إلّا التفسير العقليّ والاجتهاديّ.

ب- الروايات:
وردت روايات كثيرة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام تحثّ على الاهتمام بالعقل وتعدّه حجّة باطنة، منها: ما رواه هشام بن الحكم عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال: "يا هشام إنّ لله على الناس حجتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام، وأمّا الباطنة فالعقول"5.

فإذا كان العقل حجّة باطنة، وجب أن يكون الشيء الّذي يُدركه ويحكم به بصورة قطعيّة، حجّة على الإنسان، وواجب الاتّباع، وإلّا فإنّ الحجيّة تصبح لا معنى لها.

ج- السيرة العمليّة:
جرت سيرة المعصومين عليهم السلام على استخدام هذا الطريق في تفسير القرآن، وهناك نماذج من هذا المنهج في أقوال الأئمّة عليهم السلام، كما تقدّم في الرواية الواردة عن الإمام
 

1- سورة الأنبياء، الآية 10.
2- سورة يوسف، الآية 2.
3- سورة القمر، الآية 17.
4- سورة محمّد، الآية 24.
5- الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب العقل والجهل، ح12، ص16.
 
 
 
203

168

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 الرضا عليه السلام. وقد تبعهم في ذلك المتشرّعة من الصحابة والتابعين، وكذلك كبار المفسّرين من المتقدّمين والمتأخّرين.


ج- سيرة العقلاء:
- إنّ سيرة العقلاء في التفسير الاجتهاديّ، قائمة على أساس التمسّك بظاهر كلام المتكلّم، واستخراج مقاصده ومعاني كلامه عن طريق القواعد الأدبيّة، والدلالات اللفظية والقرائن الموجودة.

- إنّ الشارع لم يمنع عن هذه الطريقة العقلائيّة ولم يخترع طريقة جديدة في التعامل.

- نستنتج من عدم ردع الشارع إمضاءه لها، بل إنّ الشارع قد جرى على هذه السيرة.

د- قلّة الروايات التفسيريّة:
التي وردت في تفسير آيات القرآن، وتطبيق بعضها على موارده الخاصّة يحتاج إلى إعمال فكر وتأمّل دقيق.

هـ- فهم بعض الآيات، من قبيل: 
آيات العرش والكرسيّ... يحتاج إلى تفكّر وتأمّل دقيق يستعان فيه بالقرائن العقلية للوصول إلى فهم المراد من دون الوقوع في الخطأ.

أدلّة القائلين بعدم حجّيّة المنهج العقليّ في التفسير
ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الاعتماد على هذا المنهج في التفسير متمسّكاً بجملة من التقريبات والأدلّة أبرزها الآتية: 
أ- ما ورد من روايات تنهى عن التفسير بالرأي وبالقياس، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس، فلم تزدهم المقائيس من الحقّ إلا بعداً، وإنّ دين الله لا يصاب بالمقائيس"1.

ب- لو كان العقل كافياً، لما احتاج الناس إلى الوحي والأنبياء عليهم السلام.
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج1، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقائيس، ح7، ص56، وانظر: ح1، 9، 11، 13-18، 20، ص54-58. 
 
 
 
204

169

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 وفي مقام الجواب عن هذه التقريبات، يمكن القول:

- إنّ هذه الروايات واردة في مورد النهي عن التفسير بالرأي الذي يهمل النظر إلى القرائن المختلفة والآيات الأخرى والروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام، وأمّا المنهج العقليّ والاجتهاديّ، فإنّه لا ينطلق من الأهواء والآراء الشخصيّة للمفسّر ويهمل هذه القرائن في عملية التفسير. فالعقل -كما تقدّم- له وظيفتان: الكشف والتوليد، فالكشف يتقوّم من خلال القوّة العقلية التي تقوم بالترتيب والتجزئة والتحليل والتركيب والاستنتاج لمعطيات ومقدّمات من القرآن أو الروايات أو... فيكشف عنها ولا ينتجها. والتوليد، هو أن يقوم العقل البرهانيّ بإنتاج معرفة وتوليدها بالاستناد إلى مقدّمات عقلية يقينية موافقة لمعطيات الوحي القرآنيّ والروائيّ.

- ما ذُكِرَ بالنسبة لعدم كفاية العقل لهداية الإنسان، هو أمر لا ينكره أحد من أصحاب المنهج العقليّ، لأنّ العقل يدرك في مجال الأحكام الشرعيّة أنّ وراء الأوامر والنواهي الإلهية مصالح ومفاسد، وقد يُدرك جزئيات هذه المصالح والمفساد، ولكن ليس على نحو الموجبة الكلّية، بل على نحو الموجبة الجزئية، وإذا ما قُدِّمت للعقل المقدّمات القطعيّة، فإنّه سيحكم بما حكم به الشرع. ولذلك، فإنّ العقل قادر على إدراك حقائق القرآن ومقاصده في ما لو توافرت لديه المقدّمات اليقينية والقطعية المطلوبة.

معايير التفسير العقليّ والاجتهاديّ
- الشروط المعتبرة في التفسير: من معرفة قواعد اللغة، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وقواعد علم الأصول،...1
- القدرة على الاجتهاد في التفسير.

- الالتفات إلى القرائن العقلية والنقلية.

- عدم تحميل الآراء والنظريّات على القرآن.
 

1- تقدّم تفصيل الكلام فيها عند تناول شروط المفسِّر المعرفيّة والعلميّة في درس سابق.
 
 
 
205

170

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 - الاستفادة من البراهين والقرائن العقلية القطعيّة.


- الإلمام بقواعد الجمع العرفيّ والتعارض والترجيح.

تبصرة
- المدار في حجيّة العقل هو خصوص إفادته اليقين والقطع.

- المدار في القطع هو القطع النوعيّ بين العقلاء وليس بين آحاد العقلاء.

- في صورة تعارض حكم العقل القطعيّ مع ظهور الآية، تُوجَّه الآية بما يتناسب مع حكم العقل القطعيّ، وأساليب الكلام العربيّ، كالحمل على معنى مجازيّ له وجهه الاستعماليّ في لغة العرب.

تطبيقات منهج التفسير العقليّ 
أ- قرائن عقليّة قطعيّة: 
مثال: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾1، فإنّ المعنى المتبادر من لفظ يد هو اليد الجسمانيّة، ولكنّ هذا المعنى يستحيل أن يُنسَب إلى الله تعالى، لأنّه يؤدّي إلى لزوم التجسيم بحقّه تعالى، وهو باطل بضرورة العقل. فينبغي أن نصرف المعنى الظاهر لليد والذي هو حقيقة لغويّة فيها، إلى معنى آخر يتوافق مع حكم العقل القطعيّ ببطلان التجسيم، بحيث يكون له وجه استعماليّ في لغة العرب، كمعنى القدرة الذي يكون حقيقة قرآنيّة في ما لو استخدمت اليد بحقّ الله تعالى. 

ب- براهين عقليّة:
إنّ القرآن يكشف للعقل عن مقدّمات عقلية يقينيّة، لو التفت إليها العقل لأنتج معرفة برهانيّة، فتكون الآيات واردة في مقام التأييد والإرشاد لحكم العقل، وليست في مقام التأسيس والإنتاج. ومن نماذج ذلك:
- قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾2.
 

1- سورة الفتح، الآية 10.
2- سورة الأنبياء، الآية 22.
 
 
 
206

171

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 تنطوي هذه الآية على دليل عقليّ يتألّف من مقدّمات ترشد بمجموعها العقل إلى الحكم باستحالة وجود شريك مع الله -تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً-، وقد صاغت الآية هذا الدليل وفق التالي:

- قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي افتراض وجود أكثر من إله مع الله - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً -.

- لو فُرِضَ للعالم آلهة فوق الواحد، لكانوا مختلفين ذاتاً متباينين حقيقة. 

- قوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾، لأنّ تباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم، فتتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض. 

- لكنّ النظام الجاري نظام واحد متلائم الأجزاء في غاياتها.

- النتيجة: فليس للعالم آلهة فوق الواحد، وهو المطلوب1.

- قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾2.

تشتمل هذه الآية على دليلين عقليين مستقلّين يتضمّنان مقدّمات يذعن لها العقل بحكم استحالة وجود أكثر من إله في الوجود. وهذان الدليلان هما: 
- الدليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، وبيانه التالي:
- ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، افتراض وجود أكثر من إله للوجود.

- لا يُتصوّر فرض تعدّد الآلهة إلا ببينونتها بوجه من الوجوه، بحيث لا تتّحد في معنى ألوهيّتها وربوبيّتها.

- معنى ربوبيّة الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه تفويض التدبير فيه إليه، بحيث يستقلّ في أمره، من غير أن يحتاج فيه إلى شيء غير نفسه، حتى إلى مَنْ فوّض إليه الأمر.
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج14، ص266-267.
2- سورة المؤمنون، الآية 91.
 
 
 
207

172

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 - إنّ المتباينين لا يترشّح منهما إلّا أمران متباينان.


- قوله تعالى: ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. لازم التباين أن يستقلّ كلّ من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير وتنقطع رابطة الاتّحاد والاتّصال بين أنواع التدابير الجارية في العالم، كالنظام الجاري في العالم الانسانيّ عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنبات والبر والبحر والسهل والجبل والأرض والسماء وغيرها، وكلّ منها عن كلّ منها، وفيه فساد السماوات والأرض وما فيهنّ. 

- لكنّ النظام الكونيّ ملتئم الأجزاء، متّصل التدبير.

- النتيجة: ليس للعالم آلهة فوق الواحد، وهو المطلوب.

- الدليل الثاني: قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا ... وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. وبيانه الآتي:
- ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، افتراض وجود أكثر من إله للوجود.

- إنّ التدابير الجارية في الكون مختلفة، منها: التدابير العرضية، كالتدبيرين الجاريين في البرّ والبحر، والتدبيرين الجاريين في الماء والنار، ومنها: التدابير الطولية التي تنقسم إلى تدبير عامّ كلّي حاكم، وتدبير خاصّ جزئيّ محكوم، كتدبير العالم الأرضيّ وتدبير النبات الذي فيه، وكتدبير العالم السماويّ، وتدبير كوكب من الكواكب التي في السماء، وكتدبير العالم المادّي برمّته، وتدبير نوع من الأنواع المادّيّة.
 
- بعض التدبير، وهو التدبير العام الكلّي يعلو بعضاً، بمعنى أنّه بحيث لو انقطع عنه ما دونه بطل ما دونه، لتقوِّمه بما فوقه، كما أنّه لو لم يكن هناك عالم أرضيّ أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم لم يكن عالم إنسانيّ ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص. 

- قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. لازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عالٍ من التدبير عالياً بالنسبة إلى الإله الذي فوِّض إليه من التدبير ما هو دونه وأخصّ منه وأخسّ.
 
 
 
208

173

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 - استعلاء الإله على الإله محال، لأنّ الاستعلاء المذكور يستلزم عدم استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره، إذ لا يجامع توقّف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال، فيكون السافل منها مستمدّاً في تأثيره محتاجاً فيه إلى العالي، فيكون سبباً من الأسباب التي يتوسّل بها إلى تدبير ما دونه لا إلهاً مستقلاً بالتأثير دونه. 


- النتيجة: ما فُرِضَ إلهاً هو غير إله، بل سبب يدبّر به الأمر، وهذا خلف1.

أبرز التفاسير العقليّة والاجتهاديّة
-تفسير التبيان(10/10): الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385-460هـ.ق).

-مجمع البيان في تفسير القرآن(10/10): الشيخ أبو الفضل الطبرسي (ت: 548هـ.ق).

- الميزان في تفسير القرآن(20/20): العلامة محمد حسين الطباطبائي (1321- 1402هـ.ق).

- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل(20/20): الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (معاصر).

- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين الآلوسي (ت: 1270هـ.ق).

- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)(30/30): فخر الدين الرازي (ت: 606هـ.ق).

- تفسير البحر المحيط: أبو حيّان الأندلسي (654-745هـ.ق).
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج15، ص62-63.
 
 
 
209

174

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 المفاهيم الرئيسة


1- المنهج العقليّ في تفسير القرآن هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة بالعقل البرهانيّ أو القرائن العقليّة القطعيّة، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده. 

2- ظهر منهج التفسير العقليّ في وقتٍ مبكّر مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، ووصل إلى أوج تطوّره فيما بعد على يد المعتزلة والشيعة.

3- استدلّ القائلون بحجّيّة المنهج العقليّ في التفسير بأدلّة عدّة، أبرزها الآتية: آيات القرآن الكريم، السنّة الشريفة، سيرة العقلاء، مع عدم ردع الشارع عنها، بل جريانه وفقها.

4- ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الاعتماد على هذا المنهج في التفسير متمسّكاً بجملة من التقريبات الضعيفة، التي تزول بأدنى تأمّل. 

5- أبرز معايير التفسير العقليّ والاجتهاديّ: معرفة قواعد اللغة، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وقواعد علم الأصول، والقدرة على الاجتهاد في التفسير، والالتفات إلى القرائن العقلية والنقلية، وعدم تحميل الآراء والنظريّات على القرآن، والاستفادة من البراهين والقرائن العقلية القطعيّة، والإلمام بقواعد الجمع العرفيّ والتعارض والترجيح. 

6- من تطبيقات منهج التفسير العقليّ: قرائن عقليّة قطعيّة، براهين عقليّة. 

7- من أبرز التفاسير العقليّة والاجتهاديّة: تفسير التبيان، مجمع البيان في تفسير القرآن، الميزان في تفسير القرآن، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب، تفسير البحر المحيط، ... .

فكّر وأجب

1- عرّف المنهج العقليّ في تفسير القرآن، مبيّناً أهمّيّته في عمليّة التفسير وضوابط استخدامه.

2- اذكر أبرز الأدلّة على حجّيّة هذا المنهج في تفسير القرآن.

3- اذكر أنموذجاً على تطبيق هذا المنهج في التفسير.
 
 
 
210

175

الدرس السادس عشر: المنهج العقليّ في تفسير القرآن

 المفاهيم الرئيسة


تفسير التبيان1
تأليف الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ). 

هو تفسير حافل جامع، وشامل لمختلف أبعاد الكلام في القرآن، لغةً وأدباً، قراءةً ونحواً، تفسيراً وتأويلاً، فقهاً وكلاماً... بحيث لم يترك جانباً من جوانب هذا الكلام الإلهيّ الخالد، إلّا وبحث عنه بحثاً وافياً، في وجازة وإيفاء بيان.

وأمّا المنهج الذي سلكه في تفسير القرآن، فهو المنهج الصحيح الذي مشى عليه أكثر المفسّرين المتقنين، فيبدأ بذكر مقدّمات تمهيديّة، تقع نافعة في معرفة أساليب القرآن، ومناهج بيانه وسائر شؤونه، ممّا يرتبط بالتفسير والتأويل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ومعرفة وجوه إعجاز القرآن، وأحكام تلاوته وقراءته، وأنّه نزل بحرف واحد، والكلام عن الحديث المعروف: نزل القرآن على سبعة أحرف، والتعرّض لأسامي القرآن وأسامي سوره وآياته، وما إلى ذلك.

وأمّا صلب التفسير، فيبدأ بذكر الآية، ويتعرّض لغريب لغتها، واختلاف القراءة فيها، ثمّ التعرّض لمختلف الأقوال والآراء وينتهي إلى تفسير الآية تفسيراً معنويّاً في غاية الوجازة والإيفاء. وهكذا يذكر أسباب النزول، والمسائل الكلامية المستفادة من ظاهر الآية، حسب إمكان اللغة والأدب الرفيع، كما يتعرّض للمسائل الخلافيّة في الفقه والأحكام، ومسائل الاعتقاد ونحوها، كلّ ذلك مع عفّ اللسان وحسن الأدب في التعبير.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص849-856.
 
 
 
 
211

176

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى المنهج الإشاريّ في تفسير القرآن ونشأته.
2- يفهم معايير التفسير الإشاريّ الصحيح وشروط استخدامه في البحث التفسيريّ.
3- يعرف مراحل الحصول على البطون وتأويل الآيات نظرياً وتطبيقياً.
 
 
 
 
213

177

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 المنهج الإشاريّ هو أحد المناهج القديمة في التفسير. وقد عُرِف بأسماء متنوّعة، مثل: التفسير الباطنيّ، والعرفانيّ، والصوفيّ، والشهوديّ، والرمزيّ، وكلّ من هذه الأسماء يشير إلى نوع خاصّ من هذا التفسير. وهناك اختلاف كبير في وجهات النظر بين المفسّرين والمحقّقين بالنسبة إلى هذا المنهج وأنواعه. فمنهم من ارتضى بعض أقسامه واستفاد منه، ومنهم من رفضه وعدّه من التأويل والباطن1.


معنى المنهج الإشاريّ في التفسير
هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة ببعض الإشارات الخفيّة الموجودة في القرآن متجاوزاً في ذلك ظهور الألفاظ في القرآن إلى باطنها، بهدف توضيح نكتة في النصّ القرآنيّ لا يمكن الحصول عليها من خلال ظاهر اللفظ، بل على نحو دلالة الإشارة، علاقتها بالمعنى الظاهر علاقة تلازميّة غير بيّنة2.

نشأة هذا المنهج وتاريخه
يرجع تاريخ بعض أقسام التفسير الإشاريّ، كالتفسير الباطنيّ، إلى صدر الإسلام، حيث يوجد في الروايات المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام ما يشير إلى هذه الطريقة في التفسير، وفق ما بات يُعرَف بروايات بطون القرآن3.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص259-294، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، ج2، ص939-998، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص120-139.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص260-261.
3- انظر: الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب فضل القرآن، ح2، ص598-599، الصفّار، بصائر الدرجات، م.س، ج1القسم الأوّل-، باب16، ح2، ص53-54، البرقي، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن، تحقيق: جلال الدين الحسين يالمحدّث-، ط1، طهران، مطبعة رنكين، دار الكتب الإسلاميّة، 1370هـ.ق/ 1330هـ.ش، كتاب العلل، ح5، ص300، الإحسائي، عوالي اللئالي، م.س، ج4، ص107.
 
 
 
215

178

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 وبذلك أصبح الطريق مفتوحاً لهذه الطريقة من التفسير وموضع قبول من قِبَل المسلمين، من منطلق أنّ القرآن له باطن عميق، ومعانٍ دقيقة، ويحتوي على الإشارات والكنايات.


أضف إلى ذلك دخول التراث الفلسفيّ اليونانيّ والشرقيّ إلى البيئة المعرفيّة الإسلاميّة، بفعل الترجمات التي حصلت لهذه الآثار إلى اللغة العربية منذ بداية القرن الثاني الهجريّ، ما أدّى إلى ظهور توجّهات تفسيريّة جديدة تعنى بالجانب التأويليّ والباطنيّ للآيات القرآنيّة. 

وقد اعتنى بعض العرفاء والمتصوّفة ببعض الأنواع من التفسير الإشاريّ، مثل: التفسير الرمزيّ، والشهوديّ، والصوفيّ، والعرفانيّ، ودوّنوا كتباً متعدّدة في هذا المجال، وسلك كلّ واحد منهم طريقاً خاصّاً في تطبيق هذا المنهج، فوقع بعضهم في محذور التفسير بالرأي، وبعضهم راعى المعايير الصحيحة في اكتشاف بطون القرآن1.

أقسام منهج التفسير الإشاريّ
ينقسم التفسير الإشاريّ إلى أقسام مختلفة، فأحياناً يقسّم إلى تفسير إشاريّ نظريّ وفيضيّ، وأخرى إلى تفسير إشاريّ رمزيّ وشهوديّ. وهناك من قسّم التفسير الإشاريّ إلى باطنيّ غير صحيح وباطنيّ صحيح، وهو ما سيجري التقسيم على أساسه في ما يأتي:
أ- التفسير الإشاريّ الباطنيّ غير الصحيح:
يقوم المفسّر في هذا القسم من التفسير الإشاريّ بتأويل آيات القرآن، بالاستفادة من الشهود الباطنيّ، أو تحميل النظريّات العرفانية المخالفة لظواهر القرآن، من دون مراعاة الضوابط المعتبرة للوصول إلى الباطن أو الاستفادة من القرائن النقلية أو العقلية. وهذه الطريقة من التفسير تنتهي بالمفسّر إلى الوقوع في محذور التفسير بالرأي المنهيّ عنه. ومن أبرز أنواع هذا القسم من المنهج الإشاريّ:
 

1- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص5، 7، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص526-527.
 
 
 
216

179

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 - التفسير الإشاريّ الشهوديّ (الفيضيّ):

حيث يقوم المفسّر فيه بالاستفادة من طريقة الكشف والشهود العرفانيّ، والتجليّات القلبية في عمليّة تفسير القرآن، متجاوزاً حدود ظواهر النصّ القرآنيّ. مثال: ذكر التستريّ في تفسيره الباطنيّ معنى "بسم الله"، فقال: "الباء بهاء اللَّه عزّ وجلّ، والسين سناء اللَّه عزّ وجلّ، والميم مجد اللَّه عزّ وجلّ، واللَّه: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنى غيب من غيب إلى غيب، وسرّ من سرّ إلى سرّ، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة. لا ينال فهمه إلَّا الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قواماً ضرورة الإيمان"1.

- منهج التفسير الإشاريّ (النظريّ):
حيث يقوم المفسّر فيه باستخدام المباني النظرية للعرفان النظريّ في عمليّة تفسير القرآن، متجاوزاً حدود ظاهر النصّ القرآني، من دون أي قرينة عقلية أو نقلية على هذا التأويل. مثال: نُقل عن ابن عربيّ في الفتوحات المكّيّة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾2، أنّه قال: "وأما نعلا موسى عليه السلام... فإنّه قال له ربّه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، فروينا أنّهما كانتا من جلد حمار ميت، فجمعت ثلاثة أشياء، الشيء الواحد، الجلد، وهو ظاهر الأمر، أي لا تقف مع الظاهر في كلّ الأحوال، والثاني البلادة، فإنّها منسوبة إلى الحمار، والثالث كونه ميتاً غير مذكّى، والموت الجهل. وإذا كنت ميتاً، لا تعقل ما تقول ولا ما يقال لك. والمناجى لا بد أن يكون بصفة من يعقل ما يقول ويقال له، فيكون حيّ القلب، فطناً بمواقع الكلام، غوّاصاً على المعاني التي يقصدها من يناجيه بها، فإذا فرغ من صلاته، سلّم على من حضر، سلام القادم من عند ربّه إلى قومه، بما أتحفه به"3.
 

1- التستري، سهل بن عبد الله: تفسير التستري، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1423هـ.ق، ص22.
2- سورة طه، الآية 12.
3- ابن عربي، محيي الدين: الفتوحات المكّيّة، تحقيق وتقديم: عثمان يحيى، تصدير ومراجعة: إبراهيم مدكور، لا.ط، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1394ه‍.ق/ 1974م، ج3، ص215.
 
 
 
217

180

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 - منهج التفسير الإشاريّ (الباطنيّ):

أنكر بعض أصحاب المنهج الإشاريّ ظواهر القرآن والشرع، وقالوا إنّ المقصود الحقيقيّ للقرآن هو الباطن فقط، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك، فقالوا إنّ ظواهر العبادات والجنّة والنار إشارات إلى أسرار المذهب وأشخاص معيّنين (رؤسائهم). مثال: قالوا إنّ المقصود من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والمسجد الحرام أشخاص معيّنون (أئمّة الباطنية)، وإنّ معرفة الدِّين تكمن في معرفة ذلك الشخص.

ويرد على هذه الطريقة في التفسير الآتي:
- أبرز ما يُؤخَذ على هذه الطريقة هو ابتناؤها على الأذواق والسلائق، بما أنّها أحاسيس شخصيّة، فإنّها تختلف حسب المذاقات ومعطيات الأشخاص ولا تتّفق على معيار عامّ شامل، حيث إنّهم يرون مذاقاتهم في فهم النصّ، إلهامات وإشراقات لمعت بها خواطرهم أو سوانح وردت عليهم حسب استعداداتهم في تلقّي الفيوضات من الملأ الأعلى. والإلهام والإلماع، إدراك شخصيّ بحت. وهي تجربة روحية وشخصيّة لا مستند لاعتبارها سوى عند صاحب التجربة فحسب.

- أنّها يمكن أن تشتمل على مصاديق إلهيّة وشيطانيّة، ومن الصعب تشخيص الحدود بين المكاشفات الإلهيّة والإلقاءات الشيطانيّة.

- أنّها حتّى لو كانت صحيحة وصادقة، فهي حجّة على أصحابها فقط، ولا يمكن تعميمها على غير من حصل له الكشف.

- أنّ القرآن الكريم لم ينزل على فئة خاصّة من الناس فقط، ليفسّروه عن طريق مبانيهم العرفانية والصوفية، بل نزل لعموم الناس.

- أنّ هذه الطريقة خارجة عن حدود الدلالة اللفظيّة للقرآن، فهي ليست من باب التفسير، بل هي تحميل وإسقاط لآراء التصوّف والعرفان النظريّ ومبانيهما على آيات القرآن.

- قلّما يتّفق أصحاب هذه الطريقة ولو في تفسير آية واحدة على نهج سويّ وعلى تأويل متوازن لا تعريج فيه.
 
 
 
218

181

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 ب- منهج التفسير الباطنيّ الصحيح:

أشار بعض الأحاديث الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام إلى أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، بل بطوناً متعدّدة، وهذا ما دعا بعض المفسّرين إلى الاهتمام بباطن الآيات وتأويلها1. ومن نماذج التفسير الباطنيّ الصحيح وتطبيقاته:
- في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾2، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من حرقٍ أو غرقٍ"، ثمّ سكت، ثمّ قال: "تأويلها الأعظم أن دعاها فاستجابت له"3.

وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "من حرقٍ أو غرقٍ"، قيل: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال: "تأويلها الأعظم"4.

إنّ ظاهر الآية المتقدِّمة يتحدّث عن قتل الإنسان وإحيائه، فقتل أحدهم وإحياؤه، يعني قتل جميع البشر وإحياءهم، أمّا تأويلها (الباطنيّ) فهو أهمّ وأعظم، ويأتي ذلك عن طريق إلغاء الخصوصيّة (قتل الجسم المادّي وإحياؤه) والحصول على قاعدة كلّيّة تشمل كلّ أنواع الإحياء، فإذا ما نجا الإنسان من الضلال وهُدي إلى صراط مستقيم، فإنّ روحه سوف تحيا بروح الإيمان والاستجابة لدعوة الحقّ، ومثل هذا العمل يُعدّ إحياءً لجميع البشر.

- في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾5، فقد ورد عن عبد الله بن سنان، عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّ الله
 

1- ذكر المفسّرون للتأويل تقريبات عدّة، أبرزها:
- هو المفهوم العام والشامل للآية وهو من قبيل المعاني الباطنية والمداليل الالتزاميّة غير البيّنة لها، بحيث تربطه بالمعنى الظاهري للآية علاقة أو مناسبة ما التأويل عند مشهور العلماء والمفسّرين من المتأخّرين-. 
- هو الحقيقة الواقعيّة العينيّة الخارجيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة التأويل عند العلماء والمفسّرين من أتباع مدرسة الحكمة المتعالية-. 
لمزيد من التفصيل في هذه التقريبات، انظر: دروس في علوم القرآن، م.س، ص333-338.
2- سورة المائدة، الآية 32.
3- البرقي، المحاسن، م.س، ج1، كتاب مصابيح الظلم، باب 18، ح183، ص232.
4- الكليني، الكافي، م.س، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب في إحياء المؤمن، ح2، ص210-211.
5- سورة الحج، الآية 29.
 
 
 
219

182

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 أمرني في كتابه بأمر فأحبّ أن أعمله، قال عليه السلام: "وما ذاك"؟ قلت: قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال عليه السلام: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ لقاء الإمام ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ "تلك المناسك"، قال: عبد الله بن سنان فأتيت أبا عبد الله عليه السلام، فقلت: جعلت فداك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال عليه السلام: "أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك"، قال: قلت: جعلت فداك إنّ ذريح المحاربيّ حدّثني عنك بأنّك قلت له: "﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ لقاء الإمام ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ "تلك المناسك"، فقال عليه السلام: "صدق ذريح وصدقت، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح"؟!1.


- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾2، حيث روى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، قال: "الشمس، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أوضح الله به للناس دينهم". قلت: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، قال: "ذلك أمير المؤمنين" عليه السلام. قلت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، قال: "ذلك أئمّة الجور، الذين استبدّوا للأمر دون آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجلسوا مجلساً كان آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى به منهم، فغشوا دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالظلم والجور، وهو قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾"، قال: "يغشى ظلمهم ضوء النهار"، قلت: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، قال: "ذلك الإمام من ذرّيّة فاطمة عليها السلام، يُسأل عن دين رسول الله، فيجلى لمن يسأله"3.

إنّ ما بيّنه الإمام عليه السلام من بطون للآيات لها نوع علاقة لغويّة مع المعنى الظاهريّ للآيات، فالشمس المادّيّة تجلي الظلمة المادّيّة وتكشفها عن الأشياء، حتى يبصر الناس أمور معاشهم ودنياهم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببعثته كشف عن الناس ظلمتهم المعنوية، حتّى يبصروا أمور حياتهم الأخرويّة، فضلاً عن أمور معاشهم الدنيويّ. والقمر يتلو الشمس ويتبعها إمّا تبعيّة
 

1- الكليني، الكافي، م.س، ج4، أبواب الزيارات، باب اتباع الحجّ بالزيارة، ح4، ص549.
2- سورة الشمس، الآيات 1-4.
3- القمي، تفسير القمي، م.س، ج2، ص424.
 
 
 
220

183

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 استكمال لوظيفتها في الكشف من خلال إنارته في الليل، وإمّا تبعيّة استمداد من خلال عكسه لنور الشمس في مغيبها وإنارته لأهل الأرض، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام هو يتلو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلو الإمامة للرسالة في وظيفة بيان أمور الدين للناس والأخذ بيدهم وإرشادهم في دنياهم وأخراهم، وهو أيضاً يتلو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلو استمداد، لأنّ الإمامة نشأت من رحم الرسالة المحمّديّة وورثتها.


معايير التفسير الإشاريّ الصحيح
توجد مجموعة من المعايير التي ينبغي للمفسّر وفق المنهج الإشاريّ أن يلتزم بها1، وهي الآتية:
أ- الالتفات إلى ظاهر الآية وباطنها في آنٍ واحد.
ب- مراعاة المناسبة اللفظيّة القريبة بين ظاهر الكلام وباطنه.
ج- عدم منافاة التفسير الإشاريّ للأدلّة القطعية والآيات المحكمة في القرآن.
د- عدم منافاة المفهوم للقرائن العقلية والنقلية القطعية.
هـ- مراعاة الدقة في تحديد الخصوصية وانتزاع المفهوم العام.
و- استخراج مفهوم عامّ وقاعدة كلّيّة من الآية، من خلال إلغاء الخصوصيّة، بحيث يكون المعنى الإشاريّ أحد مصاديق هذا المفهوم.

مراحل الحصول على البطون وتأويل الآيات
- البحث عن هدف الآية.

- الموازنة بين الهدف وخصوصيات الآية.

- تحديد ما له علاقة بالهدف من الخصوصيات وإقصاء ما ليس له علاقة.

-استخراج مفهوم كلّي من الآية ينسجم مع الهدف.

- تطبيق الآية على الموارد المشابهة على اختلاف الزمان والمكان.
 
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص287-290، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص7، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص26-30.
 
221

184

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 - مناسبة هذا المفهوم لمورد نزول الآية ولظاهر اللفظ وللقرائن العقلية والنقلية القطعية.


أبرز التفاسير الإشاريّة
- تفسير القرآن العظيم: سهل بن عبد الله التستري (200-283هـ.ق).

- حقائق التفسير: محمد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي (330-412هـ.ق). 

- لطائف الإشارات: عبد الكريم بن هوازن القشري النيشابوري (376-448هـ.ق). 

- كشف الأسرار وعدّة الأبرار: رشيد الدين أبي الفضل بن أبي سعيد أحمد بن محمد بن محمود الميبدي (كان حيّاً سنة 350هـ.ق). 

- تفسير القرآن المنسوب لابن عربي: كمال الدين أبي الغنائم عبد الرزاق بن جمال الدين الكاشي السمرقندي (ت: 730هـ.ق).

- عرائس البيان في حقائق القرآن: أبو محمد الشيرازي (ت: 666هـ.ق).

- التأويلات النجميّة: نجم الدين دايه (ت: 654هـ.ق)، وعلاء الدولة السمناني (ت: 736هـ.ق).

- تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: السيد حيدر الآملي (ت: 782هـ.ق).
 
 
 
222

185

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 المفاهيم الرئيسة


1- المنهج الإشاريّ في التفسير هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة ببعض الإشارات الخفيّة الموجودة في القرآن متجاوزاً في ذلك ظهور الألفاظ في القرآن إلى باطنها، بهدف توضيح نكتة في النصّ القرآنيّ لا يمكن الحصول عليها من خلال ظاهر اللفظ، بل على نحو دلالة الإشارة، علاقتها بالمعنى الظاهر علاقة تلازميّة غير بيّنة.

2- يرجع تاريخ بعض أقسام التفسير الإشاريّ، كالتفسير الباطنيّ، إلى صدر الإسلام، حيث يوجد في الروايات المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام ما يشير إلى هذه الطريقة في التفسير، وفق ما بات يُعرَف بروايات بطون القرآن.

3- ينقسم التفسير الإشاريّ إلى أقسام مختلفة، فأحياناً يقسّم إلى تفسير إشاريّ نظريّ وفيضيّ، وأخرى إلى تفسير إشاريّ رمزيّ وشهوديّ. وهناك من قسّم التفسير الإشاريّ إلى باطنيّ غير صحيح وباطنيّ صحيح. 

4- توجد مجموعة من المعايير التي ينبغي للمفسّر وفق المنهج الإشاريّ أن يلتزم بها، وهي الآتية: الالتفات إلى ظاهر الآية وباطنها في آنٍ واحد، مراعاة المناسبة اللفظيّة القريبة بين ظاهر الكلام وباطنه، عدم منافاة التفسير الإشاريّ للأدلّة القطعية والآيات المحكمة في القرآن وللقرائن العقلية والنقلية القطعية، مراعاة الدقة في تحديد الخصوصية وانتزاع المفهوم العام، استخراج مفهوم عام وقاعدة كلّيّة من الآية.

5- من أبرز التفاسير الإشاريّة: تفسير القرآن العظيم، حقائق التفسير، لطائف الإشارات، كشف الأسرار وعدّة الأبرار، تفسير القرآن المنسوب لابن عربي، عرائس البيان في حقائق القرآن، التأويلات النجميّة، تفسير شاه نعمة الله الكرماني، ...

فكّر وأجب

1- عرّف المنهج الإشاريّ في تفسير القرآن، مبيناً أقسامه الصحيحة وغير الصحيحة.

2- بيّن معايير التفسير الإشاريّ الصحيح.

3- ما هي مراحل الحصول على بطون الآيات في القرآن الكريم؟
 
 
223

186

الدرس السابع عشر: منهج التفسير الإشاريّ

 للمطالعة


تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
تأليف العارف السيدر حيدر بن علي الآملي (720 - 782هـ.ق).

يُعدّ هذا التفسير من التفاسير الإشاريّة الجامعة للتأويل والتفسير. 

وقد عرّفه مؤلّفه بقوله: "... كتاباً جامعاً للتأويل والتّفسير، مشحوناً بتلك النحو، بحيث يكون التأويل مطابقاً لأرباب التّوحيد وأهل الحقيقة غير خارج عن قاعدة أهل البيت عليهم السلام بحسب الظَّاهر ... جامعاً للشّريعة والطَّريقة والحقيقة ... وترتيبه، أن أكتب القرآن أوّلاً في كلّ موضع منه بالحمرة، ليتميّز كلام الخالق عن المخلوق، ثمّ التفسير المنقول، ثمّ التأويل الَّذي يفيض علينا من اللَّه الجواد المطلق بحسب الوقت والحال، مع إضافة تلك اللطائف والنّكات المذكورة، وجعلت علامة التفسير أن أكتبه بعد القرآن بلا فصل بينه وبينه، وعلامة التأويل: تأويل، بالحمرة، لئلَّا يشتبه الكلام بعضه بالبعض، أعني التفسير بالتأويل والتأويل بالتّفسير، ووشحته بمقدّمات سبعة معتبرة متقدّمة على الكتاب، وهي مقدّمات لا بدّ لهذا الكتاب منها بحيث لو خلَّى عنها لم يكن تامّاً في طريقه ولا مشبعاً في فنّه، المقدمة الأولى منها، في بيان التأويل والتفسير، والفرق بينهما وبيان أنّ تأويل القرآن واجب عقلاً وشرعاً. المقدّمة الثانية، في بيان كتاب اللَّه الكبير الآفاقيّ وتطبيقه بكتاب اللَّه القرآنيّ الجمعيّ. المقدّمة الثالثة، في بيان حروف اللَّه الآفاقية وتطبيقها بحروف اللَّه القرآنية. المقدّمة الرابعة، في بيان كلمات اللَّه الآفاقيّة وتطبيقها بكلمات اللَّه القرآنيّة. المقدّمة الخامسة، في بيان آيات اللَّه الآفاقيّة وتطبيقها بآيات اللَّه القرآنيّة. المقدّمة السادسة، في بيان الشريعة والطريقة والحقيقة، وبيان أنّها أسماء مترادفة صادقة على حقيقة واحدة باعتبارات مختلفة. المقدّمة السابعة، في بيان التوحيد وأقسامه ومراتبه من التوحيد الفعليّ والوصفيّ والذّاتيّ، انحصارها في التوحيد الألوهيّ والوجوديّ، وما اشتمل عليهما من الأبحاث الدقيقة والأسرار الشريعة ... وإذا تقرّر هذا، وتحقّق ترتيب الكتاب وعلَّة تصنيفه وتأليفه، فاعلم: أنّ هذا المكان قبل الخوض في المقدّمات، والتأويلات، يحتاج إلى تحقيق ثلاثة أشياء: الأوّل: إلى علَّة تقديم المقدّمات ووجه انحصارها في السبع، والثاني: إلى علَّة تطبيق التأويل، والثالث: إلى علَّة خصوصيّة التأويل بأهل التوحيد وأهل البيت عليهم السلام دون غيرهم، وبيان الأولويّة والتّرجيح وتخصيص الرسوخ بهم ، وبيان تفضيلهم في جميع ذلك على غيرهم، صورة ومعنى، بحكم العقل والنقل"1.
 

1- الآملي، حيدر: تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم، تحقيق: محسن الموسوي التبريزي، ط4، قم المقدّسة، مؤسسه فرهنگى و نشر نور علي نور، مطبعة أشسوة، 1428هـ.ق، ج1، ص195-199.
 
 
 
224

187

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى المنهج العلميّ في تفسير القرآن ونشأته ومراحل تطوّره.
2- يناقش أدلّة القائلين بحجية المنهج العلميّ في تفسير القرآن أو عدمها.
3- يتعرّف إلى نماذج تطبيقية من منهج التفسير العلميّ.
 
 
 
 
227

188

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 تُعدّ هذه الطريقة في التفسير من الطرق الحديثة التي دخلت على علم مناهج التفسير، بفعل التأثّر من قِبَل بعض المفسّرين بالنهضة العلميّة في القرون الأخيرة وما أفرزته من علوم ومعارف تجريبيّة طبيعيّة وإنسانيّة، ما استدعى السؤال عن وجود أساسيّات هذه العلوم والمعارف في القرآن من جهة، والانسجام بين القرآن ومعطيات العلم الحديث من جهة أخرى1.


تعريف المنهج العلميّ 
هو الطريق الذي يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة بمعطيات العلوم التجريبيّة الطبيعيّة والإنسانيّة، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده2.

وقد تفاوتت كلمات المفسّرين في المراد من التفسير العلميّ على ثلاثة آراء رئيسة3، هي:
- استخراج العلوم من القرآن.

- تحميل النظريات العلمية وتطبيقها على القرآن.

- استخدام العلوم في فهم القرآن وبيان الإشارات العلميّة الواردة فيه.
 

1- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص195-252، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، ج2، ص1001-1008، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص116-119.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص195-206.
3- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتجاهاته، م.س، ص202-206، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص7-8، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1001-1008.
 
 
 
229

189

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 والقسم الأخير من هذه الأقسام هو الصحيح، ومعظم الإشكالات الواردة من قِبَل المفسّرين على عدم حجيّة هذا المنهج ترجع إلى القسمين الأوّلين، كما سيتّضح من خلال تفصيل أدلّة الموافقين والمخالفين لهذا المنهج.


تبصرة: إنّ مسائل العلوم التجريبيّة لا تتّسم بالقطع، بمعنى القطع العلميّ (أي المطابقة للواقع بالضرورة)، بل هي بمعنى القطع الذاتيّ التي تصبح قطعيّة علميّة مسامحة عبر المشاهدة والملاحظة والتجربة وغيرها...

نشأته ومراحل تطوّره 
يمكن تقسيم المراحل التاريخيّة التي مرّ بها المنهج العلميّ في التفسير إلى ثلاث مراحل، هي الآتية: 
أ- المرحلة الأولى: بدأت هذه المرحلة في أوائل القرن الثاني الهجريّ، وذلك مع دخول علوم اليونان وبلاد فارس إلى البيئة المعرفيّة والثقافيّة الإسلاميّة، بفعل ترجمة الآثار اليونانيّة والفارسيّة في العلوم المختلفة إلى اللغة العربيّة، ما أدّى إلى ظهور مسائل علميّة جديدة لم يكن المسلون مطّلعين عليها من قبل، لذا اندفع بعض المفسّرين إلى محاولة تطبيق هذه المسائل وتحميلها على القرآن، من منطلق أنّ القرآن فيه تبيان لكلّ شيء. 

ب- المرحلة الثانية: بدأت هذه المرحلة في اوائل القرن السادس الهجريّ، عندما قام بعض المفسّرين بمحاولة استخراج جميع العلوم من القرآن الكريم، من منطلق أنّ القرآن فيه تبيان كلّ شيء. وكان رائد هذه المرحلة أبو حامد الغزالي. 

ج- المرحلة الثالث: بدأت هذه المرحلة في أوائل القرن الثامن عشر الهجري مع النهضة العلميّة في أوروبا، وما أحدثته من قطيعة مع الدين، ما حدا ببعض المفسّرين إلى محاولة مقاربة القرآن بطريقة علميّة، بهدف إثبات عدم تعارض القرآن مع الدين من جهة، وإثبات الإعجاز العلميّ في القرآن في مجال الدعوة إلى الدين الحنيف من جهة ثانية. ولهذا فقد استخدمت العلوم في فهم القرآن وكتبت تفاسير عدّة في هذا الصدد، واستمرّت هذه الطريقة في التفسير إلى عصرنا الراهن.
 
 
 
 
230

190

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 أسباب ظهور هذا المنهج وشيوعه

أ- اهتمام القرآن بالعلم وإيراده لبعض الحقائق العلميّة.

ب- ترجمة ونشر الآثار العلميّة الطبيعيّة والفلسفيّة، اليونانية والفارسية.

ج- الاعتقاد بأنّ جميع العلوم موجودة في القرآن ويمكن استخراجها منه.

د- الاهتمام بالعلوم الطبيعية والاكتشافات الجديدة، لإثبات الإعجاز القرآنيّ.

هـ- انتصار المذهب الحسّيّ في أوروبا وتأثّر فئة من المثقّفين المسلمين به ومحاولة تطبيق معطياته من قِبَلِهم على القرآن.

و- الدفاع عن القرآن والدين في وجه الشبهات، ولا سيّما شبهة تعارض العلم مع الدين، وشبهة عدم مواكبة الدين لمستجدّات العصر.

أدلّة القائلين بحجّيّة المنهج العلميّ مطلقاً
أ- يؤدّي استخدام العلوم في تفسير القرآن إلى فهم أفضل لآياته وبيان إشاراته العلميّة، كما في موارد تعرّض القرآن لعلم الأجنّة ومراحل خلق الإنسان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾1

ب. المساهمة في إثبات إعجاز القرآن من خلال بيان الحقائق العلمية التي ذكرها القرآن قبل أربعة عشر قرناً وهي مكتشفة حديثاً. مثال: قانون الجاذبية، قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾2، وقانون الزوجيّة، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾3، وحركة الشمس، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾4، وتلقيح النباتات، قال تعالى:
 

1- سورة المؤمنون، الآيات 12-14، وانظر: سورة الحجّ، الآية 5.
2- سورة الرعد، الآية 2، وانظر: سورة لقمان، الآية 10.
3- سورة الذاريات، الآية 49.
4- سورة يس، الآية 38.
 
 
 
231

191

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾1، وغيرها من الأمور العلميّة التي تحدّث عنها القرآن الكريم.


ج- التفسير العلميّ وسيلة تبليغيّة دعويّة مهمّة تؤدّي إلى إقبال غير المسلمين على القرآن واعتناق رسالة الإسلام.

د- التفسير العلميّ يساعد في رفع شبهة التعارض بين العلم والدين.

أدلّة القائلين بعدم حجّيّة المنهج العلميّ مطلقاً
أ- القرآن كتاب هداية وليس كتاب علم، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾2، والمراد بكلّ شيء هو كلّ ما يرجع إلى أمر الهداية: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾3، ممّا يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والأخلاق الفاضلة والشرائع الإلهية والقصص والمواعظ، فهو تبيان لذلك كلّه4.

ب- عدم إشارة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام والصحابة والتابعين إلى أنّ القرآن يشتمل على كلّ العلوم، يثبت بطلان دعوى اشتمال القرآن على العلوم التجريبية.

ج- العلوم التجريبية غير قطعية، فلا يمكن استخدامها في تفسير القرآن.

د- التفسير العلميّ هو من أقسام التفسير بالرأي المنهيّ عنه.

هـ- التفسير العلميّ يؤدّي إلى شيوع النزعة المادية.

و- التفسير العلميّ من أقسام التأويل الفاسد. 

ز- لا توجد ضابطة للتفسير العلميّ.
 
 

1- سورة الحجر، الآية 22.
2- سورة النحل، الآية 89.
3- سورة إبراهيم، الآية 1.
4- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص324-325.
 
 
 
 
232

192

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 وبالتأمّل في هذه الوجوه المذكورة يتّضح أنّها تشير إلى نوع خاصّ من التفسير العلميّ، وهو: استخراج العلوم من القرآن أو تحميل النظريات غير القطعية على القرآن، بالإضافة إلى وجود خلل في الشروط التي ينبغي أن يتوافر عليها المفسّر.


أدلّة القائلين بالتفصيل
ذهب مجموعة من المفسّرين إلى القول بحجّيّة المنهج العلميّ في التفسير، لكن ضمن ضوابط وشروط محدّدة - وهو الرأي الصحيح - وهي الآتية:
أ- التفصيل بين موارد تطبيق النظريّات العلميّة وتحميلها وإسقاطها على الآيات القرآنية، وبين استخدام العلوم في فهم أفضل لآيات القرآن، فالأوّل مصداق للتفسير بالرأي المنهيّ عنه، والثاني جائز ومطلوب.

ب- التفصيل بين استخدام العلوم غير القطعيّة في فهم القرآن وبين استخدام العلوم القطعيّة، فالأوّل مصداق للتفسير بالرأي المنهيّ عنه، والثاني جائز ومطلوب.

ج- التفصيل بين النسبة القطعيّة والنسبة الاحتماليّة في تحديد المراد الإلهيّ من الآيات القرآنية بفعل استخدام معطيات العلوم التجريبيّة في فهمها، لأنّ العلوم التجريبيّة لا تفيد القطع اليقينيّ، فالأولى باطلة والثانية جائزة. 

د- عدم الإفراط في النظر العلميّ إلى آيات القرآن، كما لو كان القرآن كتاب علوم، وعدم التفريط في النظر إلى الإشارات العلميّة الواردة في القرآن، والاستفادة منها في بيان إعجاز القرآن والدعوة إلى رسالته وجذب القلوب إليه وتقوية إيمان المؤمنين.

هـ- مراعاة الشروط العامّة في التفسير، من قبيل: معرفة علوم اللغة، وعلوم القرآن، وعلوم الشريعة،... وكذلك القواعد والقرائن التفسيريّة1.
 

1- تقدّم تفصيل الكلام فيها في دروس سابقة.
 
 
 
233

193

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 أبرز التفاسير العلميّة

- إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي (ت: 505هـ.ق).

- قانون التأويل: أبو بكر بن العربي (ت: 543 هـ.ق).

- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): الفخر الرازي (ت: 606هـ.ق).

- الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي (ت: 911هـ.ق)، وله - أيضا ً- كتاب "الإكليل في استنباط التنـزيل".

- كشف الأسرار النورانية عن القرآن فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحـيوانات والنباتات والجـواهر المعدنية: محمد بن أحمد الإسكندراني (ت: 1306هـ.ق).

- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد: عبد الرحمن الكواكبي (ت: 1320هـ.ق).

- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: مصطفى صادق الرافعي (ت: 1356هـ.ق).

- الجواهر في تفسير القرآن الكريم: طنطاوي جوهري (ت: 1359هـ.ق).

- سلسلة "الآيات الكونية في القرآن الكريم(4/4)": زغلول النجار (معاصر).

- من علم الطب القرآني: عدنان الشريف (معاصر)، وله -أيضاً- كتابا "من علم الفلك القرآني"، و"من علم النفس القرآني"، ...

- موسوعة "القرآن علم وبيان (10/10)": علي منصور كيالي (معاصر).
 
 
 
234

194

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 المفاهيم الرئيسة


1- المنهج العلميّ هو طريق يسلكه المفسّر في عمليّة التفسير، من خلال الاستعانة بمعطيات العلوم التجريبيّة الطبيعيّة والإنسانيّة، بغية الكشف عن معاني القرآن الكريم ومقاصده.

2- تفاوتت كلمات المفسّرين في المراد من التفسير العلميّ على ثلاثة آراء رئيسة، هي: استخراج العلوم من القرآن، تحميل النظريات العلمية وتطبيقها على القرآن، استخدام العلوم في فهم القرآن وبيان الإشارات العلميّة الواردة فيه. والقسم الأخير من هذه الأقسام هو الصحيح.

3- يمكن تقسيم المراحل التاريخيّة التي مرّ بها المنهج العلميّ في التفسير إلى ثلاث مراحل، هي الآتية: المرحلة الأولى: بدأت في أوائل القرن الثاني الهجريّ/ المرحلة الثانية: بدأت في أوائل القرن السادس الهجريّ/ المرحلة الثالثة: بدأت في أوائل القرن الثامن عشر الهجريّ.

4- من أسباب ظهور هذا المنهج وشيوعه: اهتمام القرآن بالعلم وإيراده لبعض الحقائق العلميّة/ ترجمة ونشر الآثار العلميّة الطبيعيّة والفلسفيّة، اليونانية والفارسية/ الاعتقاد بأنّ جميع العلوم موجودة في القرآن ويمكن استخراجها منه/ الاهتمام بالعلوم الطبيعية والاكتشافات الجديدة، لإثبات الإعجاز القرآني/ الدفاع عن القرآن والدين/ ...

5- أبرز التفاسير العلميّة: إحياء علوم الدين، قانون التأويل، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الإتقان في علوم القرآن، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، الجواهر في تفسير القرآن الكريم، الآيات الكونية في القرآن الكريم(4/4)، من علم الطب القرآني، القرآن علم وبيان (10/10)، ...

فكّر وأجب

1-عرّف المنهج العلميّ في تفسير القرآن، مبيناً سبب نشأته ومراحل تطوّره.

2- ما هي أبرز الأقوال في حجّيّة المنهج العلميّ في التفسير، مع إيراد أبرز الأدلّة ومناقشتها؟

3- اذكر ثلاثة نماذج من تطبيقات هذا المنهج في تفسير القرآن.
 
 
 
235

195

الدرس الثامن عشر: المنهج العلميّ في تفسير القرآن

 للمطالعة


تفسير الجواهر1
تأليف الشيخ طنطاويّ بن جوهريّ المصريّ (ت: 1358هـ.ق). 

ويُعدّ تفسيره هذا أوّل تفاسير القرآن الكريم في ضوء العلم الحديث وأطولها.

ويرى مؤلّفه أنّ معجزات القرآن العلميّة لا زالت تنكشف يوماً بعد يوم، كلّما تقدّمت العلوم والاكتشافات، وأنّ كثيراً من كنوز القرآن العلميّة ما زالت مذخورة، يكشف عنها العلم شيئاً فشيئاً على مرّ العصور.

وأمّا منهجه في التفسير، فهو يذكر الآيات، فيفسّرها أوّلاً لفظيّاً مختصراً، لا يكاد يخرج بذلك عمّا في كتب التفسير المألوفة، لكنّه سرعان ما يخلص من هذا التفسير الذي يسمّيه تفسيراً لفظيّاً، ويدخل في أبحاث علميّة مستفيضة، يسمّيها لطائف أو جواهر. هذه الأبحاث عبارة عن مجموعة آراء علماء الشرق والغرب في العصر الحديث، ليبيّن للمسلمين وغيرهم أنّ القرآن الكريم قد سبق إلى هذه الأبحاث، ونبّه على تلك العلوم قبل أن يصل إليها هؤلاء العلماء. ونجده يضع لنا في تفسيره كثيراً من صور النباتات، والحيوانات، ومناظر الطبيعة، وتجارب العلوم، بقصد أن يوضّح للقارئ ما يقول، توضيحاً، يجعل الحقيقة أمامه كالأمر المشاهد المحسوس. ولقد أفرط في ذلك، وجاز حدّ المجاز.

وكذلك نجده يفسّر آيات القرآن تفسيراً يقوم على نظريّات علميّة حديثة، غير مستقرّة في ذاتها، ولم تمضِ فترة التثبّت منها، وهذا ضرب من التكلّف ارتكبه المؤلّف، إن لم يكن يذهب بغرض القرآن أحياناً، فلا أقلّ من أن يذهب بروائه وبهائه.
 

 1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1004-1007.
 
 
 
 
236

 


196

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح طريقة التفسير بالرأي في تفسير القرآن ونشأته.
2- يعرف أدلة القائلين بالتفسير بالرأي ويناقشها. 
3- يطّلع على نماذج تطبيقية من التفسير بالرأي ويدرك الآثار المترتّبة عليها.
 
 
 
 
239

197

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 لا بد للمفسّر من الاطّلاع على مشخّصات التفسير بالرأي، لاجتنابه والتحرّز من الوقوع فيه في عمليّة التفسير1، لما ورد في النصوص المستفيضة، بل المتواترة الواردة عند الفريقين عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام التي تحدّثت عن ظاهرة تفسير القرآن بالرأي ونهت عنه2.


تعريف التفسير بالرأي
هو طريق يسلكه المفسّر من خلال الاستعانة برأيه الشخصيّ الظنّي، وإهماله للقرائن العقلية والنقلية في فهم القرآن وبيان مقاصده3.

نشأة التفسير بالرأي وتاريخه
لا يوجد تشخيص دقيق لبداية هذا المنهج في التفسير، ولكن روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعض الروايات في ذمّ هذه الطريقة في التفسير، ولعلّ ذلك يكشف عن أنّ هذا المنهج بدأ في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر هذا التفسير وذمّ القائمين به.

ثمّ طرحت هذه المسألة بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في زمان الأئمّة عليهم السلام، فصدرت عنهم روايات متعدِّدة في ذمّ التفسير بالرأي، بل روي عن الإمام عليّ عليه السلام، أنّه خاطب بعض الأفراد ونهاهم عن هذا النوع من التفسير. ثمّ انتشرت هذه الطريقة في العصور التالية
 

1- لمزيد من التفصيل في هذا المنهج وتطبيقاته، انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص301-347، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص56-74، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص63-72.
2- سيأتي ذِكْرها عند تناول أدلّة المخالفين لهذه الطريقة في التفسير.
3- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج1، ص63-64، الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص76-77، الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص303-304.
 
 
241

198

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 في بعض كتب التفاسير. وقد بلغت أقصى ما وصلت إليه في العصر الحاضر، حيث سعى بعض المنافقين مع ظهور المدارس الإلحادية والتفسير بالرأي إلى أن يجذبوا شباب المسلمين إلى صفوفهم، وإخفاء مقاصدهم الإلحادية تحت هذا الستار1.


أدلّة القائلين بعدم حجّيّة التفسير بالرأي
أ- آيات القرآن الكريم:
- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾2.

- قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾3.

بيان الاستدلال4
- إنّ التفسير بالرأي كلام غير علميّ ينسب إلى الله تعالى، لأنّ المفسّر بالرأي لا يملك اليقين بالوصول إلى الواقع، وغاية ما يتوصّل إليه هو الظنّ.

- إنّ نسبة الكلام غير العلميّ إلى الله حرام، للنهي عن ذلك في القرآن، كما في الآيتين المتقدّمتين، فالنتيجة هي حرمة التفسير بالرأي.

ب- روايات المنع من التفسير بالرأي:

ثمّة روايات متعدّدة وردت في مصادر الشيعة والسنّة بصدد النهي عن التفسير بالرأي، ويمكن تقسيمها إلى عدّة مجموعات:
- الروايات الّتي تُدين التفسير بالرأي وتذمّه فقط وتذكر جزاءهم، منها:
* ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار"5.
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص304-305.
2- سورة الأعراف، الآية 33.
3- سورة الإسراء، الآية 36.
4- انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج 4، ص 210، الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص61.
5- الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللآلي، تحقيق: مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيد الشهداء، 1405هـ.ق/ 1985م، ج4، ص104.
 
 
 
242

199

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 * ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم -أيضاً- قال: "قال الله جلّ جلاله: ما آمن بي مَنْ فسّر برأيه كلامي"1.


* روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من فسّر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر"2.

- الروايات الّتي تعدّ التفسير بالرأي نوعاً من أنواع الكذب والقول بغير علم، منها:
* ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من فسَّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب"3.

* ما رواه الإمام الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، عن الحسين بن علي عليهما السلام أنّه قال: "سمعت جدّي رسول الله يقول: من فسَّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب"4.

- الروايات الّتي تدين التفسير بالرأي من جهة كونه ضلالاً، منها:
* ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت"5.

- الروايات الّتي تدين التفسير بالرأي وإن كانت النتيجة صحيحة، منها:
* ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ فهو أبعد من السماء"6.

* ما روي عنه عليه السلام -أيضاً- أنّه قال: "من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ كان إثمه عليه"7.
 

1- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): التوحيد، تصحيح وتعليق: هاشم الحسيني الطهراني، قم المقدّسة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، لا.ت، ح23، ص68.
2- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، في من فسّر القرآن برأيه، ح6، ص18.
3- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (الصدوق): كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، لا.ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1405هـ.ق/ 1363هـ.ش، باب24، ح1، ص257.
4- الصدوق، التوحيد، م.س، باب4، ح5، ص90-91.
5- الكليني، الكافي، م.س، ج8، ص311.
6- العياشي، تفسير العياشي، م.س، ج1، في من فسّر القرآن برأيه، ح4، ص17.
7- م.ن، ح2، ص17.
 
 
 
243

200

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 أدلّة القائلين بجواز التفسير بالرأي

أ- الآيات القرآنية الّتي تحثّ على التفكّر والتدبّر، منها:
- قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾1.

- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾2.

بيان الاستدلال:
ورد الحثّ في هذه الآيات على التفكّر والتدبّر في آيات القرآن، وهي تفيد أنّ أصحاب العقول والفهم يمكنهم الاستنباط من القرآن والوصول إلى المطالب القرآنية عن طريق الاجتهاد والعقل. ولا معنى لأن يحثّنا الله سبحانه وتعالى على استخدام العقل والتدبّر، ثمّ يقف حائلاً دون استعمال الاجتهاد والنظر والرأي.

ويرد على ذلك: أنّه خلط بين مورد التفسير بالرأي مع التفسير العقليّ والتدبّر في فهم القرآن، فما ورد في هذه الآيات هو الترغيب والحثّ على التدبّر في فهم القرآن، وأنّه لا يجوز الاجتهاد والاستنباط من الآيات إلّا بعد مراجعة القرائن العقلية والنقلية والتدبّر فيها. أمّا بالنسبة إلى المفسّر بالرأي، فإنّه يعلن رأيه الشخصيّ قبل الرجوع إلى هذه القرائن، ويقوم بتحميل نظره الشخصيّ على الآيات، فالمنع من التفسير بالرأي لا يعني عدم جواز التدبّر والتفكّر في آيات القرآن.

ب- إنّ المنع من التفسير بالرأي لا يعني عدم جواز الاجتهاد في التفسير:
إنّ المنع من الاجتهاد يؤدّي إلى تعطيل الكثير من الأحكام، وهذا الأمر باطل بالضرورة، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُفسّر جميع الآيات، فلا بدّ للمجتهد من استنباط الأحكام من القرآن، وإذا ما أخطأ في ذلك فهو مأجور أيضاً.
 

1- سورة النساء، الآية 82.
2- سورة النساء، الآية 83.
 
 
 
244

201

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 ويرد على ذلك: أنّ الاجتهاد في الأحكام على قسمين، الأوّل: الاجتهاد قبل مراجعة القرائن العقلية والنقلية، والثاني: الاجتهاد بعد مراجعة القرائن العقلية والنقلية، والأوّل ممنوع، لأنّه اجتهاد وفتوى بغير دليل، والآخر جائز، لأنّه اجتهاد صحيح.


وكذلك الاجتهاد في التفسير، فإنّه ينقسم إلى هذين القسمين -أيضاً-، فيطلق على القسم الأوّل التفسير بالرأي، وعلى الثاني التفسير الاجتهاديّ الصحيح.

ج- اختلاف صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير القرآن:
لقد اختلف صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرهم للقرآن، وجميع أقوالهم الّتي اختلفوا فيها لم يؤخذ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قطعاً، بل اعتمدوا فيها على آرائهم الشخصية، واجتهد بعضهم في مقابل بعضهم الاخر، فإنْ كان التفسير بالرأي حراماً، فهذا يعني أنّ الصحابة قد ارتكبوا الحرام.

وفي مقام الجواب، لا بدّ من الالتفات إلى عدّة نقاط في مسألة اختلاف الصحابة في التفسير: 
- يمكن أن يكون ذلك الاختلاف نتيجة لوصول أخبار مختلفة للصحابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو يكون ناشئاً عن اختلاف فهمهم لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- يحتمل أن يكون تفسيرهم ناشئاً عن الاختلاف في فهم الآيات المتشابهة، أو الجمع بين الناسخ والمنسوخ أو العامّ والخاصّ وأمثال ذلك، وهذا أمر طبيعيّ ولا يعدّ من التفسير بالرأي. 

- لم يثبت أنّ الصحابة قاموا بتفسير القرآن في كلّ الموارد من دون مراجعة المعايير المعتبرة في التفسير، أو من دون مراعاة القرائن العقلية والنقلية والالتفات إلى الآيات المحكمة.

- على فرض أنّ بعض الصحابة قد تورّط في التفسير بالرأي عن طريق الغفلة أو السهو أو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يوجد دليل على عصمتهم، لكي يكون عملهم دليلاً على جواز التفسير بالرأي.
 
 
 
 
245

202

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 نماذج تطبيقيّة من التفسير بالرأي

أ- تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾1، من قِبَل بعض التيارات المادّيّة المنحرفة، على أنّ المراد بالغيب ليس ما لا يمكن رؤيته، أي الله والملائكة...، بل المراحل الأوّليّة لنضج الثورة التوحيديّة وزمن حصول التحوّلات الكمّيّة!2.

ب- تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾3، حيث قال ابن عربي: "﴿اسْتَسْقَى مُوسَى﴾، طلب نزول أمطار العلوم والحكم والمعاني من سماء الروح، فأمرناه بضرب عصا النفس التي يتوكّأ عليها في تعلّقه بالبدن وثباته على أرضه بالفكر على حجر الدماغ الذي هو منشأ العقل: ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾، من مياه العلوم على عدد المشاعر الإنسانية التي هي الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة، والعاقلة النظرية والعملية. ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من فقد حساً فقد فقد علماً". ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾، أي: أهل كلّ علم مشربهم من ذلك العلم، كأهل الصناعات، والعلماء العاملين من مشرب العقل العمليّ، والحكماء والعارفين من النظريّ، والصباغين من علم الألوان المبصرة، وأهل صناعة الموسيقى من علم الأصوات وغير ذلك. وعلى التأويل الثاني: أمرنا موسى القلب، بضرب عصا النفس على حجر الدماغ، ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾، هي المشاعر المذكورة التي تختص كل واحدة منها بقوة من القوى الاثنتي عشرة المذكورة التي هي أسباط يعقوب الروح، قد علم كلّ منها مشربه. ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ﴾، أي: انتفعوا بما رزقكم الله من
 

1- سورة البقرة، الآية 3.
2- انظر: مطهّري، مرتضى: نقد الفكر الديني، ترجمة: صاحب الصادق، مراجعة: صادق العبادي، جمع وتصنيف: مهدي جهرمي، محمد باقري، ط1، فرجينيا - الولايات المتّحدة الأمريكيّة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1432هـ.ق/ 2011م، التفسير الاشتراكي والماركسي للقرآن!، ص83-84.
3- سورة البقرة، الآية 60.
 
 
 
246

203

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

العلم والعمل والأحوال والمقامات. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، ولا تبالغوا في الفساد بالجهل1.

إنّ أدنى تأمّل في هذه النماذج يقود إلى الحكم بضعفها وابتنائها على الأهواء والآراء الشخصيّة الظنّيّة، فلا يساعد عليها التبادر اللغويّ للألفاظ في أسلوب الكلام العربيّ، ولا سياق الكلام العربيّ، ولا القرائن العقلية والنقلية!

أبرز الآثار السلبية المترتّبة على التفسير بالرأي
- ذم العقلاء لهذا الطريق من التفسير.

- العذاب الإلهيّ، كما ورد في الروايات المتقدّمة.

- شيوع الفوضى في فهم المعاني، لعدم وجود الضوابط، بما يؤدّي إلى أن يصبح القرآن تابعاً لأذواق البشر.

- تغيّر المفاهيم وتبدّلها وضياع المحتوى الواقعيّ للقيم.

- إهمال سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في فهم القرآن.

- نفوذ الأفكار الخاطئة إلى الفهم الدينيّ.

مشخّصات التفسير بالرأي
- عدم الالتفات إلى القرائن العقلية والنقلية.

- تحميل الآراء والميول الشخصيّة وإسقاطها على القرآن.

- عدم توافر الشروط العامّة المعتبرة في التفسير عند المفسّر بالرأي، من قبيل عدم مراعاته لقواعد اللغة، وقواعد المحاورة العرفية، وقواعد علوم القرآن، وقواعد علوم الشريعة...

تبصرة: يفترق التفسير بالرأي عن التفسير العقليّ والاجتهاديّ في أنّ:
- الأوّل لا يرجع إلى القرائن العقلية والنقلية، بخلاف الثاني.
- الأوّل لا يراعي الضوابط العامّة المرعية في التفسير، بخلاف الثاني.
 

1- ابن عربي، محيي الدين: تفسير ابن عربي، ضبط وتصحيح وتقديم: عبد الوارث محمد علي، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1422هـ.ق/ 2001م، ج1، ص55-56.
 
 
 
247

204

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 المفاهيم الرئيسة


1- التفسير بالرأي هو طريق يسلكه المفسّر من خلال الاستعانة برأيه الشخصيّ الظنّي، وإهماله للقرائن العقلية والنقلية في فهم القرآن وبيان مقاصده.

2- لا يوجد تشخيص دقيق لبداية هذا المنهج في التفسير، ولكن روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعض الروايات في ذمّ هذه الطريقة في التفسير، ولعلّ ذلك يكشف عن أنّ هذا المنهج بدأ في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

3- استدلّ القائلون بعدم حجّيّة هذا الطريق في التفسير بأدلّة عدّة، هي الآتية: آيات القرآن الكريم، السنّة الشريفة.

4- قدّم القائلون بحجّيّة هذا الطريق في التفسير تقريبات عدّة ضعيفة، تسقط بأدنى تأمّل. 

5- من أبرز الآثار السلبية المترتّبة على التفسير بالرأي: ذم العقلاء لهذا الطريق من التفسير/ العذاب الإلهيّ/ شيوع الفوضى في فهم المعاني/ تغيّر المفاهيم وتبدّلها وضياع المحتوى الواقعيّ للقيم/ إهمال سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في فهم القرآن/ نفوذ الأفكار الخاطئة إلى الفهم الدينيّ/ ...

6- أبرز مشخّصات التفسير بالرأي: عدم الالتفات إلى القرائن العقلية والنقلية/ تحميل الآراء والميول الشخصيّة وإسقاطها على القرآن/ عدم توافر الشروط العامة المعتبرة في التفسير عند المفسّر بالرأي/ ...

فكّر وأجب

1- عرّف المراد من التفسير بالرأي، مبيّناً خطورته وآثاره السلبيّة.

2- ما هي أبرز الدلّة على عدم حجّيّة التفسير بالرأي؟

3- عدّد أبرز مشخّصات التفسير بالرأي.
 
 
 
 
248

205

الدرس التاسع عشر: التفسير بالرأي

 للمطالعة


تفسير المنار1
هو تفسير حافل جامع، ولكنّه غير كامل. يشتمل على اثني عشر مجلّداً، وينتهي عند الآية (53) من سورة يوسف. 

كان من أوّل القرآن إلى الآية (126) من سورة النساء، بإنشاء الشيخ محمّد عبده (ت: 1323هـ.ق)، وإملاء السيّد رشيد رضا (ت: 1354هـ.ق)، ومن بعده سار السيّد في التفسير متّبعاً منهج الشيخ في تفسيره للآيات حتّى سورة يوسف.

كان الشيخ محمد عبده يُلقي دروسه في التفسير بالجامع الأزهر على الطلّاب لمدّة ستّ سنوات، وكان السيّد رشيد رضا يكتب ما سمعه ويزيد عليه بما ذاكره مع الشيخ، وقام بنشر ما كتب في مجلّته "المنار"، وذلك بعد مراجعة الأستاذ ليقوم بتنقيحه وتهذيبه، أو إضافة ما يكمله.

ومن خصائص هذا التفسير العناية بمشاكل المسلمين الحاضرة، والتوجّه إلى معالجة أسباب تأخّر المجتمع الإسلاميّ، وإلى إمكان بناء مجتمع قويّ، وعودة الأمّة إلى ثورة حقيقيّة قرآنيّة على أوضاعها المتخلّفة، ومواجهة الحياة مواجهة علميّة صحيحة، والعناية التامّة إلى الأخذ بأسباب الحضارة الإسلاميّة من جديد، ومواجهة أعدائها، وردّ الغزوات الفكريّة الاستعماريّة التي شُنّت على الإسلام عقيدةً وتاريخاً وحضارةً ورجالاً، ومناقشتها بالأدلة العلميّة والوقائع التاريخيّة وتفنيدها وإثبات بطلانها من ذاتها.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص1011-1020.
 
 
 
249

206

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الاتجاه الكلاميّ في تفسير القرآن، ونشأته
2- يعرف شروط استخدام الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن وضوابطه.
3- يفهم نماذج تطبيقية في تفسير القرآن وفق الاتّجاه الكلاميّ من ثلاث مدارس كلامية.
 
 
 
 
251

207

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 تعريف الاتّجاه الكلاميّ

تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته العقدية والكلاميّة في عمليّة تفسيره للقرآن وفهم معانيه وبيان مقاصده. 

نشأة الاتّجاه الكلاميّ وتاريخه
لم يكن هناك اختلاف ملحوظ في المسائل العقديّة والكلاميّة في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّما حدث ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وخصوصاً في مسألة الإمامة. وقد اتّسعت دائرة هذه الخلافات تدريجيّاً إلى مسائل صفات الله تعالى والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ نشأ علم الكلام في أواخر القرن الأوّل الهجريّ وبداية القرن الثاني، فظهرت المدرسة الاعتزاليّة في الكلام بواسطة واصل بن عطاء (80-131هـ.ق)، وتبلورت مدرسة الأشاعرة عن طريق أبي الحسن الأشعريّ (ت: 330هـ.ق تقريباً)، ثمّ ظهرت بعد ذلك الفرقة الماتريدية. فيما نشأت المدرسة الكلامية للشيعة عن طريق أهل البيت عليهم السلام مع بداية ظهور الإسلام ولها عقائد مستوحاة من القرآن الكريم وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة الإمامة والعصمة، ثمّ أصبحت أكثر ترتيباً وتنظيماً على يد بعض العلماء، أمثال: الشيخ المفيد (336-413هـ.ق). وقد مارست هذه المدارس الكلامية التفسير -أيضاً-، فكانت تأخذ من الآيات ما يوافق آراءها، وتؤوّل الآيات المخالفة، أو تقوم بتوجيهها بحقٍّ أو بغير حقٍّ. وبناءً على ما تقدّم، فقد ظهرت الاتّجاهات الكلامية في التفسير بأنواع مختلفة، واستمرّت حتى عصرنا الحاليّ1.
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص365-366، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص92-103.
 
 
 
253

208

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 اهتمامات الاتّجاه الكلاميّ

أكثر ما يهتمّ به المفسِّر في الاتّجاه الكلاميّ هو الآتي1:
أ- تفسير آيات العقائد (التوحيد/ العدل/ النبوّة/ الإمامة/ المعاد/...).
ب- الآيات المتشابهة في القرآن.
ج- إثبات عقائده ونفي عقائد الآخرين عن طريق تفسير الآيات.
د- الدفاع عن عقائد المسلمين أو الدفاع عن المدرسة الكلامية الّتي يتبنّاها.
هـ- الاستفادة من المنهج الاجتهاديّ والعقليّ في التفسير، واتّباع الطريقة الاستدلالية، إضافة إلى استخدام الروايات والآيات أيضاً، ولهذا فقد تشتمل التفاسير الكلامية على مناهج واتّجاهات متعدّدة.

أشهر المدارس الكلاميّة في التفسير
اشتهرت في البيئة المعرفيّة الإسلاميّة مدارس كلاميّة عدّة اهتمّت بتفسير القرآن الكريم من منطلق خلفيّاتها وتوجّهاتها الكلاميّة2، أبرزها الآتية:
أ- المدرسة الاعتزاليّة:
المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء (80-131هـ.ق). ومن أهمّ الشخصيات البارزة في هذه المدرسة: عمرو بن عبيد (ت: 143هـ.ق)، وأبو الهذيل العلّاف (ت: 235هـ.ق)، وإبراهيم النظّام (ت: 231هـ.ق)، والجاحظ (ت: 255هـ.ق)، والقاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت: 415هـ.ق) والزمخشري (ت: 538هـ.ق)، وغيرهم3. ومن أبرز التفاسير الكلاميّة عند المعتزلة، الآتي:
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص366، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص92-103.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص367-373، السبحاني، المناهج التفسيريّة، م.س، ص92-103.
3- يعتقد المعتزلة أنّ الإنسان حرٌّ ومختار، وأنّ القرآن يمكن تفسيره عن طريق العقل، وأنّه يمكن إدراك كثير من الحقائق بواسطة العقل من دون هداية الشرع-، وفي حالة تعارض الحديث مع العقل، فإنّهم يقدّمون العقل، وكذلك يعتقدون أنّ الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر المنزلة بين المنزلتين-، وأنّه لا يمكن للإنسان الحصول على المغفرة من دون توبة. وكذلك يعتقدون بالتوحيد الصفاتي، وينكرون التوحيد الأفعالي فهم من العدلية، حيث يعتقدون بعدالة الله، وأنّ أفعاله لها غاية وهدف، وكلامه مخلوق، ويحصرون القِدَم بالله سبحانه وتعالى. وقد استمرّت عقائد المعتزلة في الازدهار إلى زمن المتوكِّل العبّاسي، حيث نُكِّل بهم في زمانه بشدّة، ثمّ انتشر المذهب الأشعري منذ ذلك الزمان.
 
 
 
254

209

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 - متشابه القرآن: القاضي عبد الجبّار الهمداني (ت: 415هـ.ق)، وهو شافعيّ في المذهب الفقهيّ، ومعتزليّ في الكلام. 


- تنزيه القرآن عن المطاعن: عبد الجبّار المعتزليّ.

- الكشّاف: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشريّ (ت: 538هـ.ق) وقد تعرّض فيه إلى المسائل الأدبية واللغوية أيضاً.

- أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي): القاضي ناصر الدِّين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمّد بن عليّ البيضاوي الشافعي (ت: 685هـ.ق)، وقد كتب هذا التفسير بالاعتماد على تفسير الكشّاف للزمخشريّ، والمشهور أنّ البيضاوي أشعريُّ المذهب، ولكن بعض المحقّقين يعتقدون أنّه معتزليّ، لأنّه أعطى أهميّة كبيرة للعقل والعدل في تفسيره.

- جامع التأويل لمحكم التنزيل: أبو مسلم الأصفهاني (ت: 322هـ.ق)، ولا يوجد أصل هذا التفسير، ولكن الفخر الرازي نقل عنه في تفسيره، وكذلك الطبرسي في مجمع البيان، وقد طُبعت آراء أبي مسلم الأصفهاني التفسيريّة في مصر وإيران بصورة مستقلّة، ويتميّز أبو مسلم بمنهجه العقليّ في التفسير.

وغيرها من التفاسير الأُخرى للمعتزلة التي ليست في متناول اليد الآن، مثل: تفسير أبي بكر عبد الرحمن بن كيان الأصم (ت: 240هـ.ق)، ومحمّد بن عبد الوهّاب بن سلام (أبو علي الجبائي) (ت: 303هـ.ق)، وهناك تفسير كبير لعبد السلام بن محمّد بن يوسف (ت: 483هـ.ق) شيخ المعتزلة.

ب- المدرسة الأشعريّة:
الأشاعرة هم أتباع أبي الحسن الأشعريّ (ت: 330هـ.ق تقريباً). ومن أهمّ الشخصيات البارزة في هذه المدرسة: القاضي أبو بكر الباقلاني (ت: 403هـ.ق)، وأبو إسحاق الإسفراييني (ت: 418هـ.ق)، وأبو المعالي الجويني (419-478هـ.ق)، ومحمّد الغزالي (ت: 505هـ)،
 
 
 
 
255

210

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 والفخر الرازي (ت: 543هـ.ق)، وغيرهم1. ومن أبرز التفاسير الكلاميّة عند الأشاعرة، الآتي:

- تأويلات القرآن: أبو منصور محمود الماتريدي (ت: 333هـ.ق)، وهو في الفقه من أتباع مذهب أبي حنيفة، ويميل إلى المدرسة الكلامية الأشعرية.

- مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي): عبد الله بن أحمد بن محمود بن محمّد النسفي (ت: 710هـ.ق) وقد دوّن هذا الكتاب من أجل نقد آراء الزمخشري في الكشّاف، والنسفيّ من أئمّة المذهب الحنفيّ في زمانه.

- بيان المعاني: عبد القادر الملّا حويش آل غاري (ت: 1398هـ.ق)، حنفيّ المذهب، ومن أتباع المذهب الأشعريّ في الكلام.

- مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): الفخر الرازي (ت: 602 أو 606هـ.ق) ويطلق عليه إمام المشكّكين، وقد أسرف في ذكر المباحث الكلامية حتّى قيل في تفسيره: فيه كلّ شيء إلّا التفسير. وبالرغم من كونه أشعريّاً في الكلام، ولكنّه قد يتكلّم خلاف العقيدة الأشعرية في بعض الأحيان.

ج- المدرسة الإماميّة:
وهم الشيعة أتباع الأئمّة الاثني عشر - من الإمام عليّ عليه السلام إلى الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف -، وقد استفاد الشيعة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام في القرون الأولى، وأخذوا عنهم أهمّ المسائل الكلامية. وقد شاع المذهب الكلاميّ للشيعة بعد انتهاء الغيبة الصغرى لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف سنة 329هـ.ق، بواسطة علماء الشيعة الكبار، أمثال: الشيخ المفيد (336-413هـ.ق)،
 

1- يعتقد الأشاعرة بعدم حرّية الإنسان واختياره، ويقولون بأنّ أعماله مخلوقة من قبل الله سبحانه وتعالى، ولا يذهبون إلى أنّ الإنسان خالق لأفعاله، بل يقولون بالكسب، ولا يعتقدون بالحسن والقبح الذّاتي للأفعال، بل إنّ الحسن والقبح عندهم هو ما حسّنه أو قبّحه الشارع، وكذلك يعتقدون بأنّ العدل شرعي وليس عقلياً ولهذا السبب عُدّوا من منكري العدل-، وهم يذهبون إلى أنّ الإنسان الفاسق يعدّ مؤمناً، وأنّه يمكن أن تشمل المغفرة العصاة من دون توبة، ويعتقدون بالشفاعة ويرفضون التوحيد الصفاتي، ويؤكّدون على التوحيد الأفعالي، وأنّ القضاء والقدر الإلهي وإرادة الله عامّة في جميع الحوادث، وأنّ الشرّ والخير من الله سبحانه وتعالى، وكلام الله قديم الكلام النفسي وليس الكلام اللفظي-، وأنّ أفعال الله ليست معلّلة وليس لها غاية، وأنّ الله سوف يُرى يوم القيامة بالعين المادّية، وأنّ العالَم حادث زماني، وأنّه يجوز التكليف بما لا يطاق.
 
 
 
256

211

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 والسيّد المرتضى (355-436هـ.ق)، والشيخ الطوسي (385-460هـ.ق)، والخواجة نصير الدِّين الطوسي (597-672هـ.ق)، وغيرهم1. ومن أبرز التفاسير الكلاميّة عند الشيعة، الآتي:

- غرر الفوائد ودرر القلائد (أمالي السيّد المرتضى): الشريف المرتضى (ت: 436هـ.ق)، والّذي جمع بين الظاهر والباطن.

- تفسير التبيان: الشيخ أبو جعفر الطوسي (ت: 460هـ.ق). 

- تفسير مجمع البيان: الشيخ أبو علي الطبرسي (ت: 548هـ.ق).

- متشابه القرآن ومختلفه: ابن شهر آشوب المازندراني (ت: 588هـ.ق)، وقد دوّن هذا التفسير بصورة موضوعية.

- آلاء الرحمن: محمّد جواد البلاغي النجفي (282-1352هـ.ق)، وآخر هذا التفسير هو الآية (57) من سورة النساء، وكثيراً ما يتعرّض إلى المسائل الكلامية بين الأديان.

- الميزان في تفسير القرآن: العلامة السيد محمّد حسين الطباطبائي (1321-1402هـ.ق)، وهو يتعرّض كثيراً إلى المباحث الاعتقادية، وخصوصاً في المجلّدات الأولى من تفسيره، ورغم أنّ منهجه هو تفسير القرآن بالقرآن، ولكنّه يهتمّ كثيراً بالمباحث الكلامية والفلسفية.

- مواهب الرحمن: السيّد عبد الأعلى السبزواري (1328-1414هـ.ق). 

- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (معاصر).
 

1- تعتقد الشيعة بالتوحيد الصفاتي، والعدل الإلهي، وقد أعطوا أهمّيّة لكلّ من العقل والنقل، وذهبوا إلى أنّ الإنسان مختار في أفعاله ليس بصورة مطلقة، ولكن أمر بين أمرين-، وهم ينكرون التكليف بما لا يطاق، ويعتقدون بأنّ الله لا يُرى بالعين المادّية لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومن أهمّ المسائل الكلامية للشيعة الاعتقاد بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، والأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، وكذلك الاعتقاد بعصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام. وأمّا الاتجاه التفسيري للشيعة فهو الالتفات إلى كلّ من الظاهر والباطن في القرآن.
 
 
 
257

212

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 نماذج تطبيقيّة للاتّجاه الكلاميّ

أ. تفسير كلمة "ناظرة" في قوله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾1.

- المدرسة الأشعريّة: النظر الحسّيّ:
قال الرازي في التفسير الكبير في تفسير هذه الآية: "اعلم أنّ جمهور أهل السنّة يتمسّكون بهذه الآية في إثبات أنّ المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة. أمّا المعتزلة فلهم ههنا مقامان، أحدهما: بيان أنّ ظاهره لا يدلّ على رؤية الله تعالى. والثاني: بيان التأويل. أمّا المقام الأوّل: فقالوا: النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً للرؤية، بل لمقدّمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئيّ التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية، كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع. فكما أنّ نظر القلب مقدّمة للمعرفة، والإصغاء مقدّمة للسماع، فكذا نظر العين مقدّمة للرؤية... المقام الثاني: في بيان التأويل المفصّل، وهو من وجهين الأوّل: أن يكون الناظر بمعنى المنتظر، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله... التأويل الثاني: أن يضمر المضاف، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة... قوله: ليس النظر عبارة عن الرؤية، قلنا: ههنا مقامان: الأوّل: أن تقيم الدلالة على أنّ النظر هو الرؤية من وجهين: الأوّل: ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله: ﴿أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾2، فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئيّ، لاقتضت الآية أنّ موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكاناً، وذلك محال. الثاني: أنّه جعل النظر أمراً مرتّباً على الإرادة، فيكون النظر متأخّراً عن الإرادة، وتقليب الحدقة غير متأخّر عن الإرادة، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئيّ. المقام الثاني: وهو الأقرب إلى الصواب، سلّمنا أنّ النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئيّ التماساً لرؤيته، لكنّا نقول: لمّا تعذّر حمله على حقيقته، وجب حمله على مسبّبه وهو الرؤية،
 

1- سورة القيامة، الآيتان 22-23.
2- سورة الأعراف، الآية 143.
 
 
 
258

213

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار، لأنّ تقليب الحدقة، كالسبب للرؤية ولا تعلّق بينه وبين الانتظار، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار. أمّا قوله: النظر جاء بمعنى الانتظار، قلنا: لنا في الجواب مقامان: الأوّل: أنّ النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن، ولكنه لم يقرن البتّة بحرف إلى، كقوله تعالى: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾1، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾2، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾3. والذي ندّعيه أنّ النظر المقرون بحرف إلى المعدّى إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فوجب أن لا يَرِد بمعنى الانتظار، دفعاً للاشتراك"4.


- المدرسة المعتزليّة: انتظار الثواب:
قال الزمخشريّ في تفسير الكشاف: "﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ تنظر إلى ربها خاصّة، لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾5، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾6، ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ﴾7، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾8، ﴿تُرْجَعُونَ﴾9، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾10، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنّهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد، في محشر يجتمع فيه الخلائق كلّهم، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم، لأنّهم الآمنون الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه محال، فوجب حمله على معنى
 

1- سورة الحديد، الآية 13.
2- سورة الأعراف، الآية 53.
3- سورة البقرة، الآية 210.
4- انظر: الرازي، فخر الدين: التفسير الكبير مفاتيح الغيب-، لا.ط جديدة مصحّحة وملوّنة-، تحقيق ونشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1415هـ.ق/ 1995م، مجلّد 10 ج30-، ص730-732.
5- سورة القيامة، الآية 12.
6- سورة القيامة، الآية 30.
7- سورة الشورى، الآية 53.
8- سورة النور، الآية 42.
9- سورة البقرة، الآية 245.
10- سورة الشورى، الآية 10. 
 
 
 
259

214

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 يصحّ معه الاختصاص، والذي يصحّ معه أن يكون من قول الناس أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقّع والرجاء"1.


- المدرسة الشيعيّة: النظر القلبيّ بحقيقة الإيمان:
قال العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسير الميزان: "قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ خبر بعد خبر لوجوه، و ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ متعلّق بناظرة قُدِّم عليها، لإفادة الحصر أو الأهمّيّة. والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسّيّ المتعلّق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقّه تعالى، بل المراد النظر القلبيّ ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق إليه البرهان، ويدل عليه الاخبار المأثورة عن أهل العصمة عليهم السلام"2.

ب- حقيقة "الإضلال والهداية" في قوله سبحانه: 
﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾3..

قال العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسير الميزان بصدد تفسيره لهذه الآية، وبيان صواب معتقد الشيعة الإماميّة في المسألة، وتفنيد آراء المدارس الكلاميّة الأخرى (الأشاعرة والمعتزلة): "لما انجرّ الكلام إلى ذِكْر اختلافهم عقَّب ذلك ببيان أنّ اختلافهم ليس بناقض للغرض الإلهيّ في خلقهم، ولا أنّهم معجزون له سبحانه، ولو شاء لجعلهم أمّة واحدة لا اختلاف بينهم، ولكنّ الله سبحانه جعلهم مختلفين بالهداية والإضلال، فهدى قوماً وأضلّ آخرين، وذلك أنّه تعالى وضع سعادة الإنسان وشقاءه على أساس الاختيار، وعرّفهم الطاعة المفضية إلى غاية السعادة، والمعصية المؤدّية إلى غاية الشقاء، فمن سلك مسلك المعصية واجتاز للضلال جازاه الله ذلك، ومن ركب سبيل الطاعة واختار الهدى جازاه الله ذلك، وسيسألهم جميعاً عمّا عملوا واختاروا. وبما تقدَّم يظهر أنّ المراد بجعلهم أمّة واحدة رفع الاختلاف من بينهم، وحملهم على الهدى والسعادة، وبالإضلال والهداية ما هو على سبيل المجازاة،
 

1- انظر: الزمخشري، الكشّاف، م.س، ج4، ص192.
2- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج20، ص112.
3- سورة النحل، الآية 93.
 
 
 
260

215

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 لا الضلال والهدى الابتدائيّان (وفق ما ذهب إليه الأشاعرة)، فإنّ الجميع على هدى فطريّ، فالذي يشاء الله ضلاله فيضلّه هو من اختار المعصية على الطاعة من غير رجوع ولا ندم، والذي شاء الله هداه فهداه هو من بقي على هداه الفطريّ وجرى على الطاعة أو تاب ورجع عن المعصية صراطاً مستقيماً وسنّة إلهيّة، ولن تجد لسنّة الله تبديلاً، ولن تجد لسنّة الله تحويلاً. وإنّ قوله: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، لدفع ما يسبق إلى الوهم أنّ استناد الضلال والهدى إليه سبحانه يبطل تأثير اختيارهم في ذلك، وتبطل بذلك الرسالة وتلغو الدعوة (وفق ما ذهب إليه المعتزلة). فأجيب: بأنّ السؤال باقٍ على حاله، لما أنّ اختياركم لا يبطل بذلك، بل الله سبحانه يمدّ لكم من الضلال والهدى ما أنتم تختارونه، بالركون إلى معصيته، أو بالإقبال إلى طاعته (وفق ما ذهب إليه الشيعة الإماميّة)1.

 

1- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج12، ص9336-337.
 
 
 
261

216

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 المفاهيم الرئيسة


1- الاتّجاه الكلاميّ هو تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته العقدية والكلاميّة في عمليّة تفسيره للقرآن وفهم معانيه وبيان مقاصده.

2- نشأ هذا الاتّجاه بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بفعل الاختلاف في المسائل الكلاميّة بين المسلمين، وخصوصاً في مسألة الإمامة. وقد اتّسعت دائرة هذه الخلافات تدريجيّاً إلى مسائل صفات الله تعالى والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

3- أكثر ما يهتمّ به المفسِّر في الاتّجاه الكلاميّ هو الآتي: آيات العقائد، الآيات المتشابهة، إثبات عقائده ونفي عقائد الآخرين، الدفاع عن عقائد المسلمين أو الدفاع عن المدرسة الكلامية الّتي يتبنّاها، ...

4. من أشهر المدارس الكلاميّة في التفسير: المدرسة الاعتزاليّة، المدرسة الأشعريّة، المدرسة الإماميّة، ...

فكّر وأجب

1- عرّف الاتّجاه الكلاميّ في التفسير، مبيّناً اهتمامات المفسّر فيه.

2- ما هي أبرز المدارس الكلاميّة في التفسير؟ وما هي أبرز خصائصها؟

3- اذكر أنموذجاً تطبيقيّاً مقارناً للاتّجاه الكلاميّ في التفسير عند أكثر من مدرسة كلاميّة تفسيريّة.
 
 
 
262

217

الدرس العشرون: الاتّجاه الكلاميّ في تفسير القرآن

 للمطالعة


التفسير الكبير1
تأليف فخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازيّ (ت: 606هـ.ق).

ويُعدّ هذا التفسير من جلائل كتب التفسير، وقد استوفى الكلام فيه، بما وسعه من الاضطلاع بأنحاء المعارف وفنون العلوم، ولم يدع براعته متجوّلة في مختلف مسائل الأصول والفلسفة والكلام، وسائر المسائل الاجتهاديّة النظريّة والعقليّة، وأسهب الكلام فيها، بما ربّما أخرجه عن حدّ الاعتدال. وكثيراً ما يترك وراءه لمّة من تشكيكات وإبهامات بما يعرقل سبيل الباحثين في التفسير، ولكنّه مع ذلك فإنّه فتّاح لكثير من مغالق المسائل في أبحاث إسلاميّة عريقة.

وأمّا منهجه في التفسير، فإنّه يذكر الآية أوّلاً، ويعقّبها بموجز الكلام عنها بصورة إجماليّة، ويذكر أنّ فيها مسائل، يبحث في كلّ مسألة عن طرف من شؤون الآية: قراءة، وأدباً، وفقهاً، وكلاماً، وما أشبه من المباحث المتعلّقة بتفسير الآية، ويستوفي الكلام في ذلك في نهاية المطاف. وهو من أحسن الأساليب التفسيريّة، تتجزّأ المسائل وتتركّز الأبحاث، مفصّلة كلّاً في محلّها، من غير أن يختلط البحث أو تتشابك المطالب، ومن ثمّ لا يترك القارئ حائراً في أمره من البحث الذي ورد فيه.

ويغلب على هذا التفسير اللون الكلاميّ الفلسفيّ، لاضطلاعه بهذين العلمين، ومن ثمّ نجده يكثر الكلام في ذلك كلّما أتاحت له الفرصة، فيغتنمها، ويسهب الكلام في مسائل فلسفيّة بعيدة الأغوار، بما ربّما أخرجه عن حدّ تفسير القرآن، إلى مباحث جدليّة كلاميّة، وربّما كانت فارغة.

ولصاحب هذا التفسير عناية خاصّة بآل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهو يذكرهم بإجلال وإكبار، ويفخّم من شأنهم، ما ينبّئ عن ولاء متين بالنسبة إلى العترة الطاهرة عليهم السلام، الذين هم عدل القرآن العظيم. ومن دأبه تعقيب أسماء أئمّة أهل البيت بـ عليهم السلام، كتعقيبه لاسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتعقيب اسم عليّ بـ عليه السلام، وهكذا في تعقيب أسماء سائر الأئمّة عليهم السلام. وهو عندما يروي عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام، يصفه أوّلاً بلقبه الفخيم "الصادق"، ثم يعقّبه بـ عليه السلام.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص872-891.
 
 
 
263

218

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن، ونشأته وتاريخه.
2- يفهم ضوابط استخدام الاتجاه الفقهيّ في تفسير القرآن.
3- يتدرّب على نماذج تطبيقية في تفسير القرآن وفق الاتّجاه الفقهيّ.
 
 
 
265

219

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 تعريف الاتّجاه الفقهيّ

تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته الفقهيّة في عمليّة تفسيره للقرآن وفهم معانيه وبيان مقاصده.

نشأة الاتّجاه الفقهيّ وتاريخه
أشار القرآن الكريم في آيات عدّة إلى الأحكام التكليفية للإنسان، وقد بلغت ما يقارب الخمسمائة آية. وكان الصحابة يسألون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن أيّ إبهام حولها. ولمّا توفيّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الصحابة يستنبطون الأحكام من هذه الآيات ويعملون بها، وقد يختلفون حولها. من ذلك أنّه لمّا رفعت امرأة إلى عمر وكانت قد وَلَدَت لستّة أشهر، فَهَمّ عمر أن يرجمها لولا أن تداركها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقال ما مضمونه: "إنّ لها عذراً في كتاب الله، يقول تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾1. وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾2 فإذا كان الفصال وهو مدّة الرضاع عامين، فالباقي للحمل ستّة أشهر"، فاقتنع عمر بذلك وخلّى سبيلها. ثمّ قال: اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب3

وبعد نشوء المذاهب الفقهية في القرن الثاني الهجريّ وما بعده، قام أتباع المذاهب وعلماؤها، كالشيعة، والحنفية، والمالكية، والحنابلة والشافعيّة وغيرهم، بتفسير آيات الأحكام وتأليف الكتب في هذا المجال. وما زال هذا الاتجاه فاعلاً في النتاج التفسيريّ إلى واقعنا المعاصر.
 

1- سورة البقرة، الآية 233.
2- سورة الاحقاق، الآية 15.
3- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص359-361، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص805-848.
 
 
 
267

220

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 اهتمامات الاتّجاه الفقهيّ

أكثر ما يهتمّ به المفسِّر في الاتّجاه الفقهيّ هو الآتي1:
أ- تفسير الآيات الّتي تتضمّن أحكاماً فقهيّة تخصّ حياة الإنسان، وتبيّن تكليفه عن طريق الواجب، المستحبّ، الحرام، المكروه، والمباح، في أبواب العبادات والمعاملات والأحكام (قصاص وحدود وديات). 

ب- استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية عن طريق آيات القرآن. 

ج- التركيز على خصائص آيات الأحكام، لجهة ناسخها ومنسوخها، ومطلقها ومقيّدها، وعامّها وخاصّها، ومجملها ومبيّنها.

د- الاستعانة بالقرائن العقليّة والنقليّة في تفسير آيات الأحكام.

هـ- الاستفادة من المناهج المختلفة في التفسير، كالمنهج الاجتهاديّ والعقليّ، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة.

أبرز المدارس في الاتّجاه الفقهيّ
يختلف لون الاتّجاه الفقهيّ في التفسير، تبعاً لاختلاف المذاهب الفقهيّة، ومن أبرزها الآتي2:
أ- المذهب الفقهيّ الشيعيّ:
يتحرّك فقهاء الشيعة على أساس مذهب أهل البيت عليهم السلام، ويفسّرون آيات الأحكام بالاستفادة من الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، بالإضافة إلى القرائن العقلية والنقلية الأخرى. ومن التفاسير الفقهيّة عند الشيعة الآتي:
- أحكام القرآن (فقه القرآن): الراوندي (ت: 573هـ.ق).

- زبدة البيان في أحكام القرآن: المقدّس الأردبيلي (ت: 993هـ.ق).
 

1- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص361، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص805-848.
2- انظر: الرضائي، مناهج التفسير واتّجاهاته، م.س، ص362-364، معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص805-848.
 
 
 
268

221

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 - كنز العرفان في فقه القرآن: السيوري، المشهور بالفاضل المقداد (ت: 826هـ.ق).


- تفسير شاهي: السيّد أمير الفتوح الحسيني الجرجاني (ت: 976هـ.ق) باللغة الفارسية.

- مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: جواد الكاظمي (توفي في القرن الحادي عشر الهجري).

- تفسير آيات الأحكام: السيّد محمّد حسين الطباطبائي اليزدي (ت: 1386هـ.ق).

ب- المذهب الفقهيّ الشافعيّ:
يُطلَق على أتباع محمّد بن إدريس الشافعيّ (ت: 204هـ.ق) في الفقه لقب الشافعيّة، حيث ذهبوا في تفسير آيات الأحكام طبقاً لآرائه الفقهيّة. ومن أبرز كتبهم في التفسير الفقهيّ الآتي:
- أحكام القرآن: المنسوب إلى الشافعيّ.

- أحكام القرآن: الهرّاسي (ت: 504هـ.ق).

- نيل المرام من تفسير آيات الأحكام: أبو الطيب سيّد محمّد صدّيق بن حسن خان القنوجي البخاري (ت: 1307هـ.ق).

ج- المذهب الفقهيّ المالكيّ:
يُطلق على أتباع مالك بن أنس (ت: 179هـ.ق) لقب المالكية، وقد فسّروا آيات الأحكام طبقاً لآرائه الفقهيّة، ومن أبرز كتبهم في التفسير الفقهيّ:
- أحكام القرآن: أبو بكر بن العربي (ت: 543هـ.ق).

- الجامع لأحكام القرآن: القرطبي (ت: 671هـ.ق).

د- المذهب الفقهيّ الحنفيّ:
يُطلق على أتباع أبي حنيفة النعمان بن ثابت (80-153هـ.ق) في الفقه لقب الحنفية، حيث فسّروا آيات الأحكام على أساس آراء أبي حنيفة الفقهية. ومن أبرز كتبهم في التفسير الفقهيّ:
- أحكام القرآن: الجصّاص (ت: 370هـ.ق).

- التفسيرات الأحمدية: أحمد بن أبي سعيد بن عبد الله (ت: 1130هـ.ق)، المعروف باسم "ملاجيون" الحنفي.

هـ- المذهب الفقهيّ الحنبليّ:
يُطلق على أتباع أحمد بن حنبل (164-241هـ.ق) في الفقه لقب الحنابلة، حيث ذهبوا في تفسير آيات الأحكام طبقاً لآراء أحمد الفقهية، ومن أبرز كتبهم في التفسير الفقهيّ:
 
 
 
269

222

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 - آيات الأحكام: محمّد بن الحسين بن محمّد بن الفرّاء (ت: 458هـ.ق).


- تفسير آيات الأحكام: شمس الدِّين محمّد أبو بكر الدمشقي المشهور بابن قيّم الجوزية (ت: 751هـ.ق).

- أحكام الرأي من أحكام الآلاء: شمس الدِّين محمّد بن عبد الرحمن ابن الصايغ (ت: 776هـ.ق).

تبصرة: 
1- يوجد بعض الكتب التي تناولت تفسير آيات الأحكام بطريقة مقارنة، مثل: 
- تفسير آيات الأحكام: محمّد علي السايس (ت: 1396هـ.ق).

- روائع البيان في تفسير آيات الأحكام: محمّد علي الصابوني (معاصر).

- تفسير آيات الأحكام: السيد محمد حسين الطباطبائي اليزدي (ت: 1386هـ.ق).

2- تناول بعض الكتب آيات الأحكام على الطريقة الموضوعية، مثل: 
- أحكام القرآن: محمّد الخزائلي (معاصر). 

- آيات الأحكام: زين العابدين القرباني (معاصر).

3- تناول بعض الكتب آيات الأحكام على الطريقة الترتيبية، مثل: 
- آيات الأحكام: أحمد ميرخاني (معاصر).

- آيات الأحكام: السيّد محمّد حسين الطباطبائي اليزدي.
 
 
 
270

223

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 نماذج تطبيقيّة للاتّجاه الفقهيّ

1. تحديد "كيفيّة الوضوء" في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾1.

قال الفاضل المقداد السيوري في تفسير كنز العرفان في فقه القرآن بصدد تفسير هذه الآية، وبيانه قول الإماميّة وأقوال المذاهب الفقهيّة الأخرى: "﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾. قيل: الباء للتّبعيض، لأنّه الفارق بين مسحت بالمنديل، ومسحت المنديل. وقيل: زائدة، لأنّ المسح متعدّ بنفسه، ولذلك أنكر أهل العربيّة إفادة التبعيض. والتحقيق أنّها تدلّ على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنّه قال: ألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب ولا عدمه، بخلاف: امسحوا رؤوسكم، فإنّه، كقوله: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾. ثمّ اختلف في القدر الواجب مسحه، فقال أصحابنا (المذهب الإماميّ): أقلّ ما يقع عليه اسم المسح أخذاً بالمتيقن، ولنصّ أئمّتهم عليهم السلام، وبه قال الشافعي (المذهب الشافعيّ). وقال أبو حنيفة (المذهب الحنفيّ): ربع الرّأس، لأنّه عليه السلام (أي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم) مسح على ناصيته وهو قريب من الرّبع. وهو غلط. ومالك (المذهب المالكيّ) يمسح الجميع ... 

﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾. قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بالنّصب، عطفاً على محلّ برؤوسكم، إذ الجارّ والمجرور محلَّه النّصب على المفعوليّة، كقولهم: مررت بزيد وعمرو. وقرئ: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾2. وكقول الشاعر: 
معاوي إنّنا بشر فأسجح          فلسنا بالجبال ولا الحديدا

وقرأ الباقون بالجرّ، عطفاً على رؤوسكم، وهو ظاهر. فإذاً القراءتان دالَّتان على معنى واحد، وهو وجوب المسح، كما هو مذهب أصحابنا الإماميّة (المذهب الإماميّ)، ويؤيّده ما رووه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه توضّأ ومسح قدميه ونعليه. ومثله عن عليّ عليه السلام وابن عبّاس، وأيضاً عن ابن عبّاس: أنّه وصف وضوء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، فمسح رجليه. وإجماع أئمّة
 

1- سورة المائدة، الآية 6.
2- سورة المؤمنون، الآية 20.
 
 
 
271

224

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 أهل البيت عليهم السلام على ذلك، قال الصّادق عليه السلام: "يأتي على الرّجل الستّون أو السّبعون ما قبل اللَّه منه صلاة"، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: "لأنّه يغسل ما أمر اللَّه بمسحه". وغير ذلك من الرّوايات. وقال ابن عبّاس وقد سئل عن الوضوء: غسلتان ومسحتان. وقال الفقهاء الأربعة (المذهب الشافعيّ/ المذهب المالكيّ/ المذهب الحنفيّ/ المذهب الحنبليّ) بوجوب الغسل، محتجّين بقراءة النصب، عطفاً على وجوهكم، أو أنّه منصوب بفعل مقدّر - أي: (فاغسلوا أرجلكم)، كقولهم: علَّفتها تبناً وماء بارداً، أراد وسقيتها. وقوله: متقلَّداً سيفاً ورمحاً، أي ومعتقلاً رمحاً - ويؤيّده قراءة وأرجلكم بالرّفع - أي وأرجلكم مغسولة - وأمّا قراءة الجرّ فيه فبالمجاورة، كقوله تعالى: ﴿عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، بجرّ أليم، وقراءة حمزة: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، فإنّه ليس معطوفاً على قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ وما قبله، وإلَّا لكان تقديره يطوف عليهم ولدان مخلَّدون بحور عين، لكنّه غير مراد، بل هم الطَّائفون لا المطوف بهم، فيكون جرّه على مجاورة لحم طير، ولأنّ القول بالغسل قول أكثر الأمّة.


والجواب عن الأوّل: بأنّ العطف على وجوهكم حينئذ مستهجن، إذ لا يقال: ضربت زيداً وعمرواً وأكرمت خالداً وبكراً، ويجعل بكراً عطفاً على زيداً وعمراً المضروبين هذا، مع أنّ الكلام إذا وجد فيه عاملان عطف على الأقرب منهما، كما هو مذهب البصريّين، وشواهده مشهورة، خصوصاً مع عدم المانع، كما في المسألة، فإنّ العطف على الرّؤوس لا مانع منه لغةً ولا شرعاً. وأمّا النّصب بفعل مقدّر، فإنّه إنّما يجوز ويضطرّ إلى التّقدير، إذا لم يمكن حمله على اللَّفظ المذكور، كما مثّلتم. وأمّا هيهنا فلا، لما قلنا من العطف على المحلّ. وأمّا قراءة الرفع فيحتمل أيضاً مذهبنا: أي وأرجلكم ممسوحة، بل هو أولى، لقرب القرينة.

وعن الثّاني: بأنّ إعراب المجاورة ضعيف جدّاً لا يليق بكتاب اللَّه، خصوصاً وقد أنكره أكثر أهل العربيّة هذا، مع أنّه إنّما يجوّز بشرطين: الأوّل: عدم الالتباس، كقولهم: جحر ضبّ خرب، فإنّه لا التباس في أنّ الخرب صفة للجحر، بخلافه هنا، فإنّ الأرجل يمكن أن يكون ممسوحة ومغسولة.
 
 
 
272

225

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 إن قلت: الالتباس زائل بالتحديد بالغاية، فإنّ التحديد، إنّما هو للمغسول، كالأيدي إلى المرافق. قلت: جاز في شرعنا اختلاف المتّفقات في الحكم وبالعكس، فلا يزول الالتباس. الثّاني: أن لا يكون معه حرف عطف، كالمثال، وهنا حرف عطف.


إن قلت: قد جاء مع العطف، كقوله: 
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل        إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
جرّ خاطباً مع حرف العطف، وهو الفاء. قلت: إنّ المراد رفع خاطب، عطفاً على راحل، وإنّما جرّه وهماً أو إقواءً، أو أنّ المراد، فخاطب فعل أمر لا أنّه اسم فاعل، وكسره للقافية. وأمّا قراءة أليم، فلعدم الالتباس بيوم. وحور عين مجرور عطفاً على جنّات، أي المقرّبون في جنات ومصاحبة حور عين، وذلك لأنّ الجرّ بالجوار مع الواو ممنوع.

وعن الثالث: بالمنع من كونه حجّة مع مخالفة علماء أهل البيت، خصوصاً وقد بيّنّا وروده من طرقكم، ولهذا كان الجبائيّ يغسل ويمسح ويفتي بالجمع بينهما، ثمّ الكلام في إلى، كالَّذي تقدّم في احتمال المعيّة والغاية، والأقوى عندي الثّاني، والغاية للممسوح، فلا دلالة على الابتداء، وفروع المسح المتقدّمة آتية هنا فيجوز، ولو بإصبع، ومنكوساً، وغير مستقيم، نعم محلَّه ظاهر القدم للبيان. وأمّا الكعبان: فملتقى الساق والقدم. والناتيان لا شاهد لهما لغةً ولا عرفاً ولا شرعاً.

وقيل: لو أريد ملتقى الساق والقدم، لقال: إلى الكعاب إذ كلّ رجل لها كعبان: أجيب بأنّ المراد الكعبان من كلّ رجل. وبأنّ أبا عبيدة قال: الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي إليه الساق بمنزله كعاب القنا"1.

2- تحديد "سهام الخمس ومصارفه" في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2.
 

1- السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، م.س، ص 10-18.
2- سورة الأنفال، الآية 41.
 
 
 
273

226

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 قال الفاضل المقداد السيوري في تفسير كنز العرفان في فقه القرآن بصدد تفسير هذه الآية، وبيانه قول الإماميّة وأقوال المذاهب الفقهيّة الأخرى: "اتّفق علماء الجمهور (أهل السنّة) على أنّ اسم اللَّه هنا للتبرّك، وأنّ قسمة الخمس على الخمسة المذكورين في الآية في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ المراد بذي القربى هم بنو هاشم وبنو (عبد) المطَّلب، دون بني عبد الشمس، وبني نوفل، لقوله عليه السلام: "إنّ بني المطَّلب ما فارقونا في جاهليّة ولا إسلام، وبنو هاشم وبنو المطَّلب شيء واحد، وشبّك بين أصابعه، وإنّ الثلاثة الباقية من باقي المسلمين". وأمّا بعد حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقال مالك (المذهب المالكيّ): الأمر فيه إلى الإمام يصرفه إلى ما يراه أهمّ من وجوه القرب. وقال أبو حنيفة (المذهب الحنفيّ): يسقط سهمه صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذي القربى وصار الكلّ مصروفاً إلى الثلاثة الباقية من المسلمين، وقال الشافعيّ (المذهب الشافعيّ): إنّ سهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأقسام الأربعة. ونقل الزمخشري (وهو حنبليّ المذهبّ) في الكشّاف عن ابن عباس أنّه كان يقسّم على ستّة: للَّه والرسول سهمان، وسهم لأقاربه، حتّى قبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر وباقي الخلفاء بعده، قال: وروي أنّ أبا بكر منع بني هاشم من الخمس، وقال: إنّما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيّمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأمّا الغنيّ منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنيّ لا يعطى من الصدقة شيئاً ولا يتيم موسر. ونقل عن عليّ عليه السلام أنّه قيل له: إنّ اللَّه تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾، فقال: "أيتامنا ومساكيننا". وعن الحسن البصريّ أنّ سهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لوليّ الأمر بعده هذا.


وقال أصحابنا الإماميّة (المذهب الإماميّ) إنّه يقسم ستّة أقسام، ثلاثة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعده للإمام القائم مقامه، وهو المعني بذي القربى، والثلاثة الباقية لمن سمّاهم اللَّه تعالى من بني عبد المطَّلب خاصّة دون غيرهم. وقولهم هو الحقّ، أمّا أوّلاً: فلأنّه لا يلزمهم مخالفة الآية الكريمة، بسبب إسقاط سهم اللَّه من البين، وكذا إسقاط سهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد حياته. وأمّا ثانياً، فلما ورد من النقل الصحيح عن أئمّتنا عليهم السلام، وكذا
 
 
 
274

227

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 نقله الخصم عن عليّ عليه السلام، وعن ابن عبّاس، كما حكيناه عن الزمخشريّ. وأمّا ثالثاً، فلأنّا إذا أعطيناه لفقراء ذوي القربى من اليتامى والمساكين وابن السبيل، جاز بالإجماع وبرئت الذمّة يقيناً، وإذا أعطيناه غيرهم، لم يجز عند الإماميّة، فكان التخصيص بذوي القربى أحوط. إن قلت: لفظ الآية عامّ. قلت: ما من عامّ إلَّا وقد خصّ، فهذا مخصوص بما رويناه عن أئمّة الهدى، كزين العابدين والباقر والصادق وأولادهم عليهم السلام، على أنّا نقول لفظ الآية عامّ مخصوص بالاتّفاق، فإنّ ذي القربى مخصوص ببني هاشم، واليتامى والمساكين وابن السبيل عامّ في المشرك والذمّيّ وغيرهم، مع أنّه مخصوص بمن ليس كذلك. قال السيّد المرتضى: كون ذي القربى مفرداً يدلّ على أنّه الإمام القائم مقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إذ لو أراد الجميع لقال ذوي (القربى). وفيه نظر، لجواز إرادة الجنس. قوله: إذ لو كان المراد جميع قرابات بني هاشم لزم أن يكون ما عطف عليه، أعني اليتامى والمساكين وابن السبيل من غيرهم، لا منهم، لأنّ العطف يقتضي المغايرة. وفيه نظر - أيضاً -، لجواز عطف الخاصّ على العامّ، لمزيد فائدة ووفور عناية، فالأَولى حينئذ الاعتماد في هذه المجملات على بيانه صلى الله عليه وآله وسلم وبيان الأئمّة عله بعده"1.


1- السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، م.س، ج1، ص249-251.

 

 

275


228

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 المفاهيم الرئيسة


1- الاتّجاه الفقهيّ هو تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته الفقهيّة في عمليّة تفسيره للقرآن وفهم معانيه وبيان مقاصده.

2- بعد نشوء المذاهب الفقهية في القرن الثاني الهجريّ وما بعده، قام أتباع المذاهب وعلماؤها، كالشيعة، والحنفية، والمالكية، والحنابلة والشافعيّة وغيرهم بتفسير آيات الأحكام وتأليف الكتب في هذا المجال. وما زال هذا الاتّجاه فاعلاً في النتاج التفسيريّ إلى واقعنا المعاصر.

3- أكثر ما يهتمّ به المفسِّر في الاتّجاه الفقهيّ هو الآتي: آيات الأحكام/ استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية عن طريق آيات القرآن/ التركيز على خصائص آيات الأحكام/ الاستعانة بالقرائن العقليّة والنقليّة في تفسير آيات الأحكام/ ...

4- يختلف لون الاتّجاه الفقهيّ في التفسير، تبعاً لاختلاف المذاهب الفقهيّة، ومن أبرزها الآتي: المذهب الفقهيّ الشيعيّ، المذهب الفقهيّ الشافعيّ، المذهب الفقهيّ المالكيّ، المذهب الفقهيّ الحنفيّ، المذهب الفقهيّ الحنبليّ، ...

فكّر وأجب

1- عرّف الاتّجاه الفقهيّ في التفسير، مبيّناً اهتمامات المفسّر فيه.

2- ما هي أبرز المدارس الفقهيّة في التفسير، وما هي أبرز خصائصها؟

3- اذكر أنموذجاً تطبيقيّاً مقارناً للاتّجاه الفقهيّ في التفسير عند أكثر من مدرسة فقهيّة تفسيريّة.
 
 
 
 
276

229

الدرس الحادي والعشرون: الاتّجاه الفقهيّ في تفسير القرآن

 للمطالعة


تفسير كنز العرفان في فقه القرآن1
تأليف أبي عبد الله جمال الدين المقداد بن عبد الله بن محمّد بن الحسين بن محمّد السُيوريّ الحلّيّ الأسديّ (ت: 828هـ.ق). 

تناول المؤلّف في تفسيره آيات الأحكام ودرسها دراسة وافية على غِرار دراستها في الكتب الفقهيّة، وعمّق النظر فيها، وخاض فيها خوض المضطلع الخبير.

كما أنّه أودع فيها فوائد هي فرائد جُمان، مما استلفت إليه الأنظار واستجلب دقائق الأفكار. فكان من جاء بعده عيالاً عليه، يستمدّ من موائده الثريّة، ويستلهم من عوائده الغنيّة.

وهو يتعرّض في تفسيره إلى مختلف الآراء ويناقشها مناقشة حرّة من غير ما يجرفه التعصّب أو يزلّ به التعسّف، فهو إن كان ينصر مذهبه يتكلّم في ضوء برهان واستدلال برئ، ما ينبّئ عن سعة باع، وتضلّع في الأدب واللغة والبيان.

وطبع هذا الكتاب في جزئين في مجلّد واحد طبعة أنيقة.
 

1- انظر: معرفة، التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب، م.س، ج2، ص843 - 845.
 
 
 
277

230

الدرس الثاني والعشرون: الاتّجاه الفلسفيّ في تفسير القرآن

 أهداف الدرس

على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى الاتجاه الفلسفيّ في تفسير القرآن، ونشأته وتاريخه وأبرز مدارسه.
2- يتعرّف إلى ضوابط استخدام الاتجاه الفلسفيّ في التفسير وشروطه.
3- يتدرّب على نماذج تطبيقية في التفسير وفق الاتجاه الفلسفي.
 
 
 
 
279

231

الدرس الثاني والعشرون: الاتّجاه الفلسفيّ في تفسير القرآن

 تعريف الاتّجاه الفلسفيّ

تأثير ذوق المفسّر وخلفيّاته الفلسفيّة في عمليّة تفسيره للقرآن وفهم معانيه وبيان مقاصده.

نشأة الاتّجاه الفلسفيّ وتاريخه
بدأ هذا الاتّجاه بالتبلور والظهور في أوائل القرن الثاني الهجريّ، وذلك بفعل ترجمة الآثار الفلسفيّة عند اليونان والهند وفارس ودخول أفكارها إلى البيئة المعرفيّة الإسلاميّة، ما أدّى إلى ظهور توجّهات مختلفة لدى المسلمين في رفض هذه الآراء أو تأييدها، بالاستناد إلى القرآن الكريم، أضف إلى ذلك العلاقة المعرفيّة التي تربط علم الفلسفة بعلم الكلام، وما نشأ في هذه الفترة من إشكاليّات