ولاية الفقيه في فكر الإمام الخميني قدس سره


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-01

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


مقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وبعد...

لقد حُرمت الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - باستثناء مدّة خلافة الإمام عليّ عليه السلام - من القيادة السياسيّة للأئمّة المعصومينعليهم السلام، طبعاً مع تصدّي الأئمة عليهم السلام للأدوار والوظائف في خلافتهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد عملوا جاهدين على حفظ الأحكام وبيان المعارف الدينيّة، ونشر الحقائق، ومواجهة البدع والانحرافات، أي الحماية المعنويّة للأمّة والدفاع عن كيان الإسلام والمسلمين. فكانوا حجج الله على الخلق، وحفظة الإسلام، وبناة للدين في أبعاده المختلفة. وهم - بحقّ - المظهر الكامل للعلم والأخلاق والتقوى والزهد والعبادة والشجاعة وكامل الصفات الإنسانيّة، ولم يقصّروا لحظة في الدفاع عن الحقِّ ومحاربة الظالمين، وتحمَّلوا الأذى والظلم والسجن حتى وصلوا إلى مقام الشهادة، قتلاً بالسيف، أو بالسمّ.

ولكن، لمّا ابتدأ عصر غيبة شمس الإمامة في أواسط القرن الثالث الهجريّ، وحُرمت الأمّة الإسلاميّة من الاستفادة من فيض حضور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، بسسب غيبته الكبرى، اتّجهت الأنظار إلى مقام النيابة العامّة بحسب توجيه الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، للفقهاء جامعي الشرائط، وأنّ لهم مقام الولاية والقيادة، وإطاعتهم واجبة على الأمّة كلّها. وهو ما تطلّب فتح باب الأبحاث العلميّة الاجتهاديّة الفقهيّة وغيرها، والإجابة عن العديد من التساؤلات والفرضيّات والإشكاليّات أو الشبهات، في ما يتعلّق بولاية الفقيه في 
 
 
 
 
 
6

1

مقدمة

 عصر الغيبة، وضرورة تشكيل الحكومة فيه، وأنّه هل يجب على الأمّة - إن أمكنها - إقامة الحكومة العادلة واتّباع القيادة الحكيمة العارفة؟ أم لها أن تعيش في ظلّ الهرج والمرج، أو في ظلّ حكومة الطاغوت؟...


هذه الأسئلة وغيرها، أجاب عنها الإمام روح الله الموسويّ الخمينيّ قدس سره، في سلسلة محاضرات له في النجف الأشرف، خصّصها للبحث في ولاية الفقيه والحكومة الإسلاميّة، وقد جُمعت وطُبعت تحت عنوان: الحكومة الإسلامية. وحرصاً منّا على نشر هذا الفكر الأصيل في الولاية والحكومة، وفق نهج الإمام الخمينيّ قدس سره، لما يمتاز به من أصالة وعمق واجتهاد، فقد وزّعنا كتاب الحكومة الإسلاميّة للإمام الخمينيّ إلى دروس، وبوّبناه تبويباً منهجيّاً تعيلميّاً، وأخرجناها للمتعلّم والمعلّم في دروس ممنهجة ومنظّمة، راعينا فيها توثيق كلّ المعلومات، والاعتماد بشكل رئيس على كتاب الحكومة الإسلاميّة، مع استفادات جزئيّة من كتب وموارد أخرى من نصوص الإمام الخمينيّ، ترتبط بالموضوع نفسه.

والحمد لله رب العالمين
 
 
 
 
 
7

2

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 الدرس الأوّل

 

الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 
أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح هدف بعثة الأنبياء ووظائفهم.
2- يفهم معنى التوحيد في الحاكميّة الإلهيّة ودلائلها.
3- يشرح مبادئ بحث ولاية الفقيه وأسسه.
 
 
 
 
 
11

3

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 الهدف من بعثة الأنبياء

خلق الله تعالى الإنسان واعتبره أشرف المخلوقات، وليظهر كرامته عنده أمر الملائكة بالسجود له، فقال عزّ وجلّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ1. وسخّر كلّ شيء في الوجود في سبيل إيصال هذا الانسان إلى كماله اللائق به.

وإنّ بعثة الأنبياء وجهادهم وتضحياتهم وتعاليمهم، إنّما كانت من أجل تعبيد الطريق أمام الإنسان بما يليق به، حتّى يمضي هذا المخلوق الطبيعيّ باتّجاه حقيقته الربّانيّة، بمقتضى الحكمة والعناية الإلهيّتين.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره في تفسير سورة (اقرأ) موضّحًا: "فإنّ موضوع علم جميع الأنبياء هو الإنسان، ... وموضوع تربيتهم وموضوع علمهم، وإنّهم جاؤوا لتربية الإنسان، وجاؤوا لنقل هذا الكائن الطبيعيّ من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة عليا، مرتبة ما فوق الطبيعة وما فوق الجبروت2. وكلّ بحث الأنبياء هو الإنسان"3.

إذًا، فإنّ تربية الانسان وانتهاج سبيل التكامل به، هو هدف الأنبياء عليهم السلام، وهذا إنّما يحصل للإنسان بمعرفة الله عزّ وجلّ وتوحيده وعبادته. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّ الهدف الذي بُعث من أجله الأنبياء، وجميع الأعمال الأخرى هي مقدّمة له، هو نشر التوحيد..."4. ويقول قدس سره في موضع آخر: "إنّ جميع أهداف الأنبياء تعود إلى كلمة
 

1- سورة ص، الآية 72.
2- عالم الجبروت: هو عالم الأرواح والعقول المجرّدة.
3- الإمام الخمينيّ، منهجيّة الثورة الإسلاميّة، مقتطفات من أفكار الإمام الخمينيّ قدس سره وآرائه، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، إيران - طهران، 2006م، ط2، ص 222.
4- الإمام الخمينيّ، منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 48.
 
 
 
13

4

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 واحدة، هي معرفة الله، وكلّ شيء مقدّمة لهذا الهدف"1.


فيكون الهدف النهائيّ لجميع النبوّات، هو الدعوة إلى معرفة الله وتوحيده وتبيين سبيله، وإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهليّة إلى نور المعرفة والعبوديّة لله تعالى.

وظائف الأنبياء
إنّ هدف بعثة الأنبياء عليهم السلام في دعوة الناس إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، لم يبق في الإطار النظريّ، ففي سبيل تحقيق هذا الهدف، سعى الأنبياء إلى إزالة جميع العوائق التي تحول دون معرفة الله الواحد الأحد وعبادته، فعملوا على إرساء أسس التوحيد في المجتمع البشريّ عبر القيام بوظيفتين: تحرير الإنسان من عبوديّة الأنا، وتحريره من عبوديّة المتسلّطين. وبعبارة أخرى: سعى الأنبياء إلى تقويم الإنسان كفردٍ، وإلى إصلاح المجتمع الانسانيّ وإبعاد الجبابرة الذين ينصّبون أنفسهم آلهة.

يقول الإمام قدس سره: "وكانت للأنبياء منذ البداية هاتان الوظيفتان، إحداهما معنويّة لإنقاذ الناس من أسر النفس وأسر ذاتها، (لأنّ الذات شيطان)، والثانية إنقاذ الناس والضعفاء من سلطة الظالمين"2.

ويضيف قدس سره في موردٍ آخر قائلًا: "إنّ أهمّ وظيفة للأنبياء في الحقيقة هي إقامة نظام اجتماعيّ عادل من خلال تطبيق القوانين والأحكام، الذي يتلازم بالطبع مع بيان الأحكام ونشر التعاليم والعقائد الإلهيّة، ويظهر هذا المعنى بوضوح من الآية الشريفة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾3. إنّ هدف بعثة الأنبياء بشكل عامّ، هو تنظيم الناس بعدالة على أساس من العلاقات الاجتماعيّة، وتقويم آدميّة الإنسان"4.
 

1- الإمام الخمينيّ، منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 49.
2- المصدر نفسه، ص 51. 
3- سورة الحديد، الآية 25.
4- الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله الموسويّ، الحكومة الإسلاميّة، ترجمة وإعداد مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، بيروت، نشر مركز بقيّة الله الأعظم عليه السلام، 1998م، ط 1، ص 107.
 
 
 
 
 
14

5

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 ويقول الإمام قدس سره: "إنّ جميع الأنبياء منذ بداية البشر والبشريّة، ومنذ مجيء آدم عليه السلام حتّى خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم، إنّما استهدفوا إصلاح المجتمع ... ويقول الباري جلّ وعلا، إنّه بعث الأنبياء وأعطاهم البيّنات والآيات والميزان ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ1, فالغاية قيام الناس بالقسط، وأن تتحقّق العدالة الاجتماعيّة بين الناس ويزول الظلم"2.


التوحيد في الحاكميّة الإلهيّة
إنّ تجلّي التوحيد في حياة البشر، يعني أن يعيش الإنسان حياته وفقًا لإرادة الله عزّ وجلّ، لا إرادة غيره، وهنا نرى حتميّة وجود أبعادٍ سياسيّة واجتماعيّة للتوحيد، لأنّ الإنسان يعيش ضمن جماعة يتفاعل أفرادها في ما بينهم وفقًا لمنظومة من العلاقات السائدة في المجتمع. فلو سمحت هذه المنظومة للإنسان بأن يعيش التوحيد في كلّ شؤون حياته، لكان سبيل السير نحو الهدف من وجوده ميسّرًا له، والعكس صحيح أيضًا. ولذا يعتبر الإمام الخمينيّ عقيدة التوحيد أساس العقائد، بما في ذلك المعتقدات السياسيّة. يقول سماحته قدس سره:
"إنّ معتقداتي ومعتقدات جميع المسلمين، هي ذاتها المسائل المطروحة في القرآن الكريم، والتي بيّنها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأئمّة الحقّ عليهم السلام، الذين جاؤوا من بعده. وإنّ أصل كلّ هذه العقائد، والذي هو أبرز عقائدنا وأهمّها قيمة، هو أصل التوحيد. وطبقًا لهذا الأصل، فإنّنا نعتقد بأنّ الذات الإلهيّة المقدّسة وحدها هي التي خلقت هذا العالم وكلّ عوالم الوجود والإنسان، وأنّها مطّلعة على جميع الحقائق، وقادرة على كلّ شيء، ومالكة لكلّ شيء. ويعلّمنا هذا المبدأ أنّه يجب على الإنسان أن يخضع للذات الإلهيّة الحقّة وحسب، وأن لا يطيع أيّ إنسان، إلّا أن تكون طاعته طاعة للخالق. وفي ضوء ذلك، لا يحقّ لأيّ إنسان إجبار الآخرين على الخضوع له. وإنّنا نتعلّم من هذا الأصل العقائديّ
 

1- سورة الحديد، الآية 25.
2- الإمام الخمينيّ، منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 34.
 
 
 
15

6

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 مبدأ حرّيّة الناس، وأنّه لا يحقّ لأيّ إنسان سلب حرّيّة إنسان آخر، أو مصادرة حرّيّة مجتمع ما، فيَسنّ له القوانين، أو ينظّم علاقاته وسلوكه بموجب علمه وإدراكه الناقص، أو ميوله ورغباته.


وإنّنا نعتقد – انطلاقًا من هذا المبدأ – أنّ سنّ القوانين من أجل التكامل، هو من صلاحيّة الخالق جلّ وعلا، كما هي قوانين الوجود والخلق من وضعه عزّ وجلّ. ولا يبلغ الإنسان ولا المجتمعات السعادة والكمال، إلّا في ظلّ إطاعة القوانين الإلهيّة التي بلّغنا إيّاها الأنبياء. وإنّ انحطاط الإنسان وسقوطه إنّما هو بسبب سلبه الحرّيّة وخضوعه للآخرين. لذا، يجب على الإنسان أن يثور ضدّ قيود الأسر هذه، ويتصدّى للآخرين الذين يدعونه إلى الأسر، ويحرّر نفسه ومجتمعه حتّى يكون الجميع عبادًا لله وخاشعين له. ومن هنا تنطلق قراراتنا الاجتماعيّة ضدّ قوى الاستبداد والاستعمار"1.

انطلاقًا من هذا التصوّر، يعتبر الإمام الخمينيّ قدس سره أنّه نظرًا لانحصار السيادة والمالكيّة والخالقيّة بالله تعالى وحده، فإنّ الحاكميّة أيضًا تقتصر على إرادة الله فحسب - فضلًا عن كونه تعالى هو الأعلم بخير مخلوقاته ومصالحهم - وهذا هو المقصود من التوحيد في الحاكميّة، أي إنّ الحكم والأمر في أيّ شأنٍ من شؤون الإنسان من حقّ الله تعالى حصرًا.

كما أنّ من مصاديق التوحيد في الحاكميّة الإلهيّة، أن لا يقبل الإنسان حاكميّة أيّ شخصٍ ما لم تكن طاعته طاعة لله عزّ وجلّ، إذ له أن يفوّض الحكم إلى من يشاء من عباده، وهذا ما يؤكّده الإمام قدس سره بقوله: "حكومة الإسلام هي حكومة القانون. وفي هذا النمط من الحكومة تنحصر الحاكميّة بالله والقانون - الذي هو أمر الله وحكمه -، فقانون الإسلام أو أمر الله له تسلّط كامل على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلاميّة. فالجميع، بدءًا من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلمومرورًا بخلفائه وسائر الناس، تابعون للقانون - إلى الأبد - بسبب ذلك القانون النازل من عند الله، والمبلَّغ بلسان القرآن والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد تولّى الخلافة، فقد كان ذلك
 

1- الإمام الخمينيّ، منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 3 - 4.
 
 
 
 
16

7

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 بأمر من الله، إذ إنّ الله تعالى هو الذي جعله صلى الله عليه وآله وسلم خليفة، خليفة الله في الأرض، لا أنّه شكّل الحكومة من نفسه وأراد أن يكون رئيسًا على المسلمين...


فحيثما أُعطيت صلاحيّات للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّما كان ذلك من الله. وفي كلّ وقت كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقوم فيه ببيان أمر أو إبلاغ حكم، فإنّما يكون ذلك منه اتّباعًا لحكم الله وقانونه. واتّباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنّما هو أيضًا بحكم من الله، إذ يقول تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ1.

واتّباع أولي الأمر أيضًا بحكم من الله، إذ يقول تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ2. فرأي الأشخاص - بما في ذلك رأي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - في الحكومة والقانون الإلهيّ تابع لإرادة الله تعالى"3.

مبدأ البحث في ولاية الفقيه
يقدّم للولاية تعريفات عديدة تؤدّي كثرتها إلى تشتيت الذهن عن غرضنا الأصليّ، لذا، وبعيدًا عن التعريفات اللغويّة والاصطلاحيّة للكلمة، فما نقصده من البحث حول ولاية الفقيه، هو البحث عن الحاكميّة في زمن الغيبة الكبرى للإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وفي الواقع، فإنّ بحث ولاية الفقيه ينطلق من هذه النقطة تحديدًا: فبما أنّنا نعتقد أنّ الحاكميّة تنحصر بالله عزّ وجلّ، وبمن يعيّنهم تعالى ويأمرنا بإطاعتهم، وبما أنّ حاكميّته وولايته تعالى لا تقتصران على زمن دون آخر، فما من سبيل أمام الموحّدين إلّا التعبير عن الالتزام بهذا المبدأ، الذي لا ينفكّ تجسيده العمليّ عن التأثير في جميع مظاهر حياة الإنسان وشؤونها؟

فإن كنّا نحيا في هذه الدنيا، فنحن أمام حالة من اثنتين: إمّا أنّنا نحيا في ظلّ حكومة الله تعالى وولايته، وإمّا أنّنا نحيا في ظلّ ولاية الظالمين والطغاة.

فإن أردنا الخروج من ظلام ولاية الظالم إلى نور ولاية الله، فهل من سبيل؟ وما هو هذا السبيل؟ وهل هناك حاكمٌ أمرنا الله باتّباعه في هذا الزمن، كما أمرنا باتّباع أوليائه في زمنٍ سابق؟
 

1- سورة النساء، الآية 59.
2- سورة النساء، الآية 59.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 80.
 
 
 
 
17

8

الدرس الأوّل: الأسس النظريّة لولاية الفقيه

 المفاهيم الرئيسة


1- الهدف النهائيّ لجميع النبوّات، هو الدعوة إلى معرفة الله وتوحيده وتبيين سبيله، وإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهليّة إلى نور المعرفة والعبوديّة لله تعالى.

2- إنّ هدف بعثة الأنبياء لم يبق في الإطار النظريّ، بل سعى الأنبياء لتأدية وظيفتين: تحرير الإنسان من عبوديّة الأنا، وتحريره من عبوديّة المتسلّطين من الظالمين، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة بين الناس.

3- للتوحيد أبعادٌ سياسيّة واجتماعيّة، لأنّ الإنسان يعيش ضمن جماعة يتفاعل أفرادها في ما بينهم وفقًا لمنظومة من العلاقات السائدة في المجتمع. فلو سمحت هذه المنظومة للإنسان بأن يعيش التوحيد في كلّ شؤون حياته، لكان سبيل السير نحو الهدف من وجوده ميسّرًا له.

4- نظرًا لانحصار السيادة والمالكيّة والخالقيّة بالله تعالى وحده، لذا، فإنّ الحاكميّة أيضًا تقتصر على إرادة الله فحسب. فالتوحيد في الحاكميّة يعني أنّ الحكم والأمر في أيّ شأنٍ من شؤون الإنسان هما من حقّ الله تعالى حصرًا.

5- من مصاديق التوحيد في الحاكميّة الإلهيّة، أن لا يقبل الإنسان حاكميّة أيّ شخصٍ ما لم تكن طاعته طاعة لله عزّ وجلّ، إذ له أن يفوّض الحكم إلى من يشاء من عباده.

6- البحث عن ولاية الفقيه هو البحث عن الحاكميّة في زمن الغيبة الكبرى للإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، بما أنّ حاكميّة الله تعالى لا تقتصر على زمن دون آخر.
 
 
 
 
 
 
18

9

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 الدرس الثاني

 

غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح المقصود من القول ببداهة ولاية الفقيه.
2- يبيّن معنى أصالة موضوع ولاية الفقيه، ويعطي شواهد عليها.
3- يشرح دور حكام الجَور في غربة الأمّة عن ولاية الفقيه.
 
 
 
 
 
19

10

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 مقدّمة

طرح الإمام الخمينيّ قدس سره نظريّة ولاية الفقيه انطلاقًا من المبادئ التي قدّمناها آنفًا، وناضل بكلّ وجوده ليحقّق ما آمن به، وكان من ثمرات جهاده المقدّس أن أثمرت شجرة الولاية المباركة دولة إسلاميّة في إيران.

وقد بيّن الإمام الخمينيّ قدس سره معالم هذه النظريّة في محاضرات ألقاها على طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف، وقد افتتح هذا البحث بتأكيد بداهة نظريّة ولاية الفقيه.

بداهة ولاية الفقيه
اعتبر الإمام قدس سره، أنّ معرفة المسائل العقائديّة والفقهيّة الإسلاميّة بما تشكّله من منظومة فكريّة متكاملة، تؤدّي بشكلٍ تلقائيّ إلى تصوّر نظريّة ولاية الفقيه والتصديق بها، ولا حاجة عند ذلك إلى دليل خاص: "ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصوّرها التصديق بها، فهي لا تحتاج لأيّ برهنة. وذلك بمعنى أنّ كلّ من أدرك العقائد والأحكام الإسلاميّة - ولو إجمالًا - وبمجرّد أن يصل إلى ولاية الفقيه ويتصوّرها، فسيصدّق بها فورًا، وسيجدها ضرورة وبديهيّة. والسبب في عدم وجود أدنى التفات لولاية الفقيه، وفي أنّها صارت بحاجة إلى الاستدلال، هو الأوضاع الاجتماعيّة للمسلمين بشكلٍ عامّ، والحوزات العلميّة بشكلٍ خاصّ. وهناك أسباب تاريخيّة لأوضاعنا الاجتماعيّة نحن المسلمين، ولأوضاع الحوزات العلميّة سوف نشير إليها"1.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 43.
 
 
 
20

11

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 أصالة موضوع ولاية الفقيه

ولاية الفقيه ليست ابتكارًا علميًّا جديدًا استحدثه الإمام الخمينيّ قدس سره، بل هو مبحث علميّ تعرّض له العديد من العلماء السابقين. يقول الإمام قدس سره:
"وكما ذكرت في ما سلف أيضًا، فإنّ موضوع ولاية الفقيه ليس موضوعًا جديدًا جئنا به نحن، بل إنّ هذه المسألة وقعت محلًّا للبحث منذ البداية... بحسب ما يُنقل، فإنّ المرحوم كاشف الغطاء1 قد تعرّض أيضًا للكثير من هذه الأمور. وقد ذكرت لكم أنّه من بين المتأخّرين، فإنّ المرحوم النراقيّ2 يرى ثبوت جميع شؤون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفقهاء. والمرحوم النائيني3 أيضًا يقول إنّ هذا المطلب يُستفاد من مقبولة4 "عمر بن حنظلة"5. وعلى أيّ حال، هذا البحث ليس جديدًا، وإنّما زدنا نحن البحث حوله فحسب، ووضعنا تشعّبات المطلب المذكور في متناول السادة لتتّضح المسألة أكثر. كما بيّننا، تبعًا لأمر الله تعالى في كتابه، وبلسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، بعض الأمور المبتلى بها هذه الأيّام، وإلّا فإنّ المطلب هو نفسه ما فهمه الكثيرون وذكروه"7.
 
 

1- جعفر بن خضر بن يحيى النجفيّ (1228 أو 1227 هـ ق)، المعروف بالشيخ جعفر كاشف الغطاء. تولّى الرئاسة العامّة للشيعة بعد وفاة أستاذه العلاّمة بحر العلوم 1212 هـ ق-. كان مشهورًا باعتداله في الفقه، وبقوّة استنباطه من الأدلة. كما أنّ له شعراً حسناً. من آثاره: كشف الغطاء، شرح قواعد العلامة، كتاب الطهارة، غاية المأمول في علم الاصول، مختصر كشف الغطاء، الحقّ المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الاخباريّين.
2- أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقيّ (1245 هـ ق)، فقيه ومحدّث ورجاليّ ورياضيّ وأستاذ في الفنون والعلوم العقليّة، وكان مشهوراً بالزهد والتقوى. وقد استفاد معظم العلوم من والده الملّا محمّد مهدي النراقيّ. كما تتلمذ عند السيّد بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء. وهو أستاذ الشيخ الأنصاري والسيّد محمّد شفيع الجابلقي. من آثاره: معراج السعادة، مفتاح الأحكام، عوائد الأيّام، منهاج الوصول إلى علم الأصول، مستند الشيعة وديوان شعر فارسيّ.
3- الميرزا حسين (أو محمّد حسين) بن عبد الرحيم النائينيّ النجفيّ (1273 ـ 1355 هـ ق)، فقيه، أصوليّ، حكيم، ومن كبار مراجع الشيعة، شرع في تحصيله العلميّ في "نائين"، وأكمل ذلك في أصفهان وسامرّاء. ألَّف كتاب "تنزيه الملّة وتنبيه الأمّة" بعد إعلان الحركة الدستوريّة في إيران، وطبع مع تقريظ الآخوند الخراسانيّ. وبعد وفاة الشيخ محمّد تقي الشيرازيّ ـ تلميذ الآخوند ـ انحصرت مرجعيّة الشيعة العامّة بالمرحوم النائينيّ والسيّد أبيّ الحسن الأصفهانيّ. من آثاره: رسالة في اللباس المشكوك، رسالة في أحكام الخلل في الصلاة، رسالة في نفي الضرر، حواشي على العروة الوثقى.
4- "المقبولة" هي الحديث الذي يقبل العلماء مضمونه، ويعملون وفقه دون التفات إلى صحّة سنده أو عدمها، مثل مقبولة عمر بن حنظلة.
5- عوائد الأيّام، ص187 ـ 188. ومنية الطالب في حاشية المكاسب، ج2، ص325 ـ 327.
6- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص158.
 
 
 
21

12

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 شواهد تاريخيّة لتطبيق علماء الدين ولاية الفقيه وتدخّلهم في السياسة

إنّ مفهوم ولاية الفقيه لم يبقَ في إطاره النظريّ بشكل مطلق قبل الإمام الخمينيّ، بل لقد طبّقه بعض الفقهاء أيضًا في بعض الأحيان، وإن كان ذلك في مجالٍ محدودٍ. ويذكر الإمام الخمينيّ قدس سره نماذج عدّة لتدخّل العلماء ومراجع الشيعة في السياسة، وممارستهم لها وإصدار أحكام ولائيّة:
"فحكم المرحوم الشيرازيّ1 في حرمة التنباك كان واجبًا اتّباعه، حتّى من الفقهاء الآخرين أيضًا. وقد اتّبع ذلك الحكم جميع علماء إيران الكبار، ما عدا بضعة أشخاص2، وهو لم يكن حكمًا قضائيًّا في خلاف بين بعض الأشخاص، بل كان حكمًا ولائيًّا (حكوميًّا) أصدره رحمه الله "بالعنوان الثانويّ"3 مراعاة لمصالح المسلمين. وكان الحكم مستمرًّا ما دام العنوان موجودًا. وبزوال العنوان ارتفع الحكم. المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ4
 

1- الميرزا حسن (أو محمّد حسن) بن محمود الحسينيّ الشيرازيّ (1230 ـ 1312هـ ق)، فقيه أصوليّ، ورئيس الاماميّة في عصره. درس في البدء في شيراز وأصفهان، ثم في النجف. استفاد من الشيخ الأنصاريّ كثيراً وحضر درسه مدّة 22 سنة. وانتُخب بعد وفاة الشيخ الأنصاريّ مرجعًا للشيعة. وقصّة التنباك المعروفة التي حصلت سنة وفاته وأدّت إلى ترك استعمال التبغ من قبل ملايين الايرانيّين، ممّا سبّب إلغاء الاتفاقيّة مع الإنكليز، كانت نموذجاً واضحاً عن قدرته الدينيّة وبصيرته السياسيّة. وكان من طلّابه الميرزا حسين النوريّ، والآغا رضا الهمدانيّ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيّد كاظم اليزديّ، والشيخ فضل الله النوريّ، والميرزا حبيب الله الخراسانيّ. ومن آثاره: رسالة في الرضا عليه السلام، ورسالة في اجتماع الأمر والنهي، وكتاب الطهارة إلى مبحث الوضوء.
2- راجع: "تاريخ بيداري ايرانيان" لناظم الإسلام الكرماني، ج1، ص14. "وحيات يحيى"، ليحيى دولت آبادي، ج1، ص109 "وتحريم تنباكو در ايران"، لنيكي ركدي، ترجمة شاهرخ قائم مقامي، ص118.
3- العناوين (الأعمّ من الذوات والأفعال) التي يتعلّق بها الحكم الشرعيّ لها نحوان: النحو الأوّل لا يكون العنوان أو الموضوع مقيّدًا بقيد كالاضطرار وما شابه...-، ففي هذه الصورة يُسمّى الحكم المجعول لها "بالحكم الأوّليّ". والنحو الثاني يكون العنوان أو الموضوع مقيّدًا بقيد كالحرج والاضطرار والإكراه والضرر والفساد. ففي هذه الصورة يُسمّى الحكم المتعلّق بها "بالحكم الثانويّ". فأكل لحم الميتة مثلا بالعنوان الأوّليّ حرام، لكن لو اضطُرّ شخص لأكله بمقدار سدّ الرمق، يصير أكله جائزًا. أو شراء التنباك وبيعه واستعماله بالعنوان الأوّليّ حلال وجائز، ولكن لو أوجب الضرر والفساد وسيطرة الكفّار على المسلمين، تسقط حلَّيّته.
4- الميرزا محمّد تقي بن محبّ عليّ الشيرازيّ الحائريّ (1338 هـ ق)، بعد إكمال دراسة المقدّمات سافر إلى سامرّاء، وحضر درس الميرزا الشيرازيّ الكبير-، وصار معدودًا من أفضل طلّابه، ونال مقام المرجعيّة بعد الميرزا في سامرّاء. وبعد السيّد محمد كاظم اليزديّ تولّى رئاسة الشيعة. وأعلن الجهاد بفتواه المشهورة في العراق، ودعا الشعب إلى مواجهة الإنكليز الذين دخلوا العراق. ترك بعض الآثار العلميّة منها: رسائل في علم الاصول، وحاشية على المكاسب. كما ترك أيضاً أشعارًا بالفارسيّة في مدح أهل البيت عليهم السلام ومراثيهم.
 
 
 
 
23

13

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 الذي حكم بالجهاد - وكان ذلك بصفة دفاع بالطبع - فقد اتّبعه بقيّة العلماء، لأنّه كان حكمًا ولائيًّا (حكوميًّا)"1.


وفي موضعٍ آخر يقول الإمام:
"لم يتخلّ علماؤنا عن السياسة طبعًا على امتداد التاريخ، فقد كانت قضيّة النظام الدستوريّ قضيّة سياسيّة، وقد ساهم فيها كبار علمائنا، بل هم الذين أسّسوها.

وكانت مسألة تحريم التبغ مسألة سياسيّة أيضًا، وقد أدارها الميرزا الشيرازيّ رحمه الله. وفي الآونة الأخيرة كان المدرّس رحمه الله، والكاشانيّ رحمه الله، رجلي سياسة أدّيا واجبهما على أحسن وجه"2.

ويلفت الإمام إلى عمق الأثر الذي كان يتركه تصدّي العلماء للشؤون السياسيّة، ومدى الخطر الذي شكّلوه على المستعمرين:
"لقد أدرك هؤلاء مدى التأثير والنفوذ والمكانة التي يحظى بها علماء الدين في أوساط الشعب، ومدى خطرهم على مصالحهم وأهدافهم الاستعماريّة في المنطقة، وذلك من خلال عدّة صفعات تلقّوها على أيدي هؤلاء. كانت أولاها تلك الصفعة المؤلمة التي تلقّوها على يد المرحوم الميرزا الشيرازيّ قبل مئة سنة، حيث استطاع - وهو الشيخ الهرم الذي يعيش في إحدى قرى العراق النائية "سامراء"، وبسطر واحد - أن يلغي اتّفاقيّة التنباك المذلّة والمبرمة بين الإنكليز وناصر الدين شاه، تلك الاتفاقيّة الاقتصاديّة في الظاهر والاستعماريّة في الجوهر، التي تهدف إلى أسر إيران وإخضاعها للإنكليز.

فقد لاقت هذه الفتوى تفاعلًا وتجاوبًا شعبيًّا منقطع النظير، نفذ إلى أعماق بلاط الشاه وأقربائه وحاشيته، بحيث كسر هؤلاء نارجيلاتهم امتثالًا لهذه الفتوى. وفي أماكن أخرى أُحرقت كمّيّات كبيرة من التنباك غالي الثمن في الساحات العامّة.

لقد كان لهذه الحادثة دور كبير في جعل هؤلاء يناصبون العداء لعلماء الدين، ويسعون
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 158.
2- محسن زين العابدين، الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في رؤية الإمام الخمينيّ، مركز المصطفى العالميّ للترجمة والنشر، لا.م، لا.ت، لا.ط، ص 54.
 
 
 
24

14

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 لإضعاف نفوذهم والقضاء عليهم. مضت السنون واستعرت نيران الحرب العالميّة الأولى، واقتضت طبيعة مجريات الأحداث أن يشنّ الإنكليز هجومهم على العراق ليحتلّوه، ولكن مرّة أخرى ظهرت تلك العمامة من بين الجموع، لتصدر حكمها وتعطي أوامرها بالجهاد العامّ، والدفاع عن حرمة الإسلام والوطن من أن تُدنّس. ولبّت جموع المسلمين النداء لتهزم الإنكليز وتدحرهم، لينجو العراق وشعبه من شرّهم. إنّها الصفعة الثانية، ولكن هذه المرّة على يد شيرازيّ ثانٍ، وهو الميرزا الشيخ محمّد تقي رحمه الله.


مرّة أخرى عادت العمامة لتثبت وجودها ودورها الفعّال والمؤثّر في القضايا المصيريّة للأمّة. وهذه المرّة مجموعة من علماء النجف وعلماء طهران، يسعون لوضع حدّ لاستبداد الحكومة والديكتاتوريّة الداخليّة، وذلك من خلال قيامهم بحركة الدستور التي انتهت بوضع دستور جديد يحدّد للشاه والحكومة وظائفهم وحدود صلاحيّاتهم. لقد كانت هذه بمثابة صفعة ثالثة للإنكليز على يد علماء الدين، من خلال تحجيم دور عملائهم في الداخل.

وعلى إثر ذلك، اعتقل هؤلاء أحد علماء الدين البارزين، وهو العالم المجاهد والمجتهد الفاضل الشيخ فضل الله نوري، الذي أصرّ حتّى النهاية على ضرورة أن يكون الدستور شرعيًّا وموافقًا لقوانين الإسلام، ممّا حدا بهؤلاء لتدبير مؤامرة محاكمته على يد منحرف على هيئة عالم دين، ليصدر هذا الأخير حكمه المشؤوم بإعدام الشيخ، وقد نُفّذ هذا الحكم وأُعدام الشيخ في ساحة توبخانه أمام الملأ العامّ"1.

أسباب غربة الأمّة عن ولاية الفقيه
إن كانت ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصوّرها التصديق بها، بمعنى أنّها بديهيّة لا تحتاج إلى برهنة واستدلال فيما لو عرضنا مفهومها الصحيح، فما الذي جعلها بعيدةً عن وجدان المجتمع الإسلاميّ؟ وكيف غابت عن اهتمام الكثير من محافل العلم والبحث العلميّ حقبات متمادية، قبل أن ينفض الإمام الخمينيّ قدس سره الغبار عن هذه النظريّة، ويبني على أساسها أوّل حكومة إسلاميّة في عصرنا الحاضر؟
 

1- محسن زين العابدين، الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في رؤية الإمام الخمينيّ، ص 55.
 
 
 
25

15

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 \في الواقع، يَعتبر الإمام الخمينيّ قدس سره، أنّ هناك مجموعة عوامل ساهمت في غربة المجتمع الإسلاميّ عن نظريّة ولاية الفقيه برغم بداهتها، وعن ضرورة وجود حكومة يمكنها أن ترعى شؤونه في كلّ زمان ومكان. وسوف نستعرض في هذا الدرس والذي يليه، أهمّ هذه العوامل كما يبيّنها الإمام الخمينيّ قدس سره. ويمكن أن نقسّم هذه العوامل إلى عوامل داخليّة وخارجيّة.


دور حكّام الجور
من العوامل الداخليّة لغربة الأمّة عن ولاية الفقيه، الدور السلبيّ للحكّام الظالمين، الذين تعاقبوا على حكم العالم الإسلاميّ. لقد ساهم غاصبو السلطة الذين استولوا على الحكم الإسلاميّ وتولّوا شؤون الأمّة الإسلاميّة، في إبعاد مفهوم ولاية الفقيه عن الأذهان. فبعد أن أبعدوا أولياء الحكم الحقيقيّين، وهم ولاة الأمر الذين عيّنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنصّ لتولّي الأمر من بعده، قدّموا نموذجًا من الحكّام البعيدين تمام البعد عن نموذج الحاكم الفقيه العادل، الذي يحكم ويدبّر شؤون المجتمع الإسلاميّ وفق رؤية الدين الإسلاميّ وأحكامه. لقد أبعدوا عمليًّا علماء الدين الواقعيّين، (وهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام، عن سياسة المجتمع وإدارته، وحوّلوا ولاية أمر المسلمين إلى مُلك عضود يتوارثونه بينهم.

وإلى هذه النقطة يشير الإمام بقوله: "إنّ ما جعله الله تبارك وتعالى للإمامين: عليّ والحسن عليهما السلام، ثمّ جعله بعد ذلك لأئمّة الهدى عليهم السلام، هو الحكومة، لكنّ هذه الحكومة مُنعت من أن تؤتي ثمارها. بناءً على هذا، جعل الله الحكومة لأمير المؤمنين عليه السلام، تلك الحكومة التي تعني السياسة، أي إنّها معجونة بالسياسة. ولكن ما يؤسف له، أنّ كثيرًا من الانحرافات قد وُجدت، وأبرز هذه الانحرافات وجود أيدٍ خفيّة يمتدّ تاريخها الى عصر الخلفاء الأمويّين والعبّاسيّين، تقول بفصل الدين عن السياسة، واستقلاليّة الحكومة عن السياسة"1.
 

1- الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام تراث الإمام الخمينيّ قدس سره، مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخمينيّ، إيران - طهران، 2009م، ط1، ج‏20، ص 97.
 
 
 
26

16

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 وفي موضع آخر يقول قدس سره: "طرح قضيّة فصل السياسة عن علماء الدين ليس جديدًا، فلقد طُرحت هذه القضيّة في عصر بني أميّة، واشتدّت في عصر بني العبّاس..."1.


ويقول قدس سره: "لقد كان نظام الحكم ونمط الإدارة والسياسة عند بني أميّة2 وبني العبّاس3 ضدّ الإسلام، فصار نظام الحكم مقلوبًا بشكلٍ كامل، وتحوّل إلى سلطنة"4.
 

1- محسن زين العابدين، الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في رؤية الإمام الخمينيّ، ص 41.
2- هم أولاد أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف قبيلة قريش. وكان معاوية أوّل خليفة من هذه العائلة، وصل للحكم سنة 41 هـ ق. وانتهى حكم هذه السلالة سنة 132هـ ق بقتل مروان الثاني.
3- هم أولاد العبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . بدأ حكم هذه السلالة سنة 132هـ ق بخلافة عبد الله السفّاح، وانتهى سنة 656 هـ ق بقتل المعتصم.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 72.
 
 
 
 
27

17

الدرس الثاني: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (1)

 المفاهيم الرئيسة


1- يعتبر الإمام الخمينيّ قدس سره أنّ نظريّة ولاية الفقيه بديهيّة، بمعنى أنّ معرفة المسائل العقائديّة والفقهيّة الإسلاميّة بما تشكّله من منظومة فكريّة متكاملة، تؤدّي بشكلٍ تلقائيّ إلى تصوّر نظريّة ولاية الفقيه والتصديق بها، ولا حاجة عند ذلك إلى الدليل والبرهان.

2- ولاية الفقيه ليست ابتكارًا علميًّا جديدًا استحدثه الإمام الخمينيّ قدس سره، بل هو مبحث علميّ تعرّض له العديد من العلماء السابقين. كما أنّ مفهوم ولاية الفقيه لم يبقَ في إطاره النظريّ بشكل مطلق قبل الإمام الخمينيّ، بل لقد طبّقه بعض الفقهاء في بعض الأحيان، وإن كان ذلك في مجالٍ محدودٍ.

3- كان لتصدّي العلماء للشؤون السياسيّة أثر عميق في الأوضاع السياسيّة، وقد شكّلوا خطرًا على المستعمرين ومصالحهم.

4- هناك مجموعة عوامل ساهمت في غربة المجتمع الإسلاميّ عن نظريّة ولاية الفقيه برغم بداهتها، وعن ضرورة وجود حكومة يمكنها أن ترعى شؤونه في كلّ زمان ومكان.

5- ساهم حكّام الجور وغاصبو السلطة الذين تولّوا شؤون الأمّة الإسلاميّة، في إبعاد مفهوم ولاية الفقيه من الأذهان، فقد أبعدوا أولياء الحكم الحقيقيّين وقدّموا نموذجًا مشوّهًا للحاكم الإسلاميّ.
 
 
 
 
28

18

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

الدرس الثالث
 
غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحلّل دور الاستعمار في غربة الأمّة عن ولاية الفقيه.
2- يبيّن أدوات العمل الدعائيّ للمستعمرين ونتائجه ضدّ الإسلام.
3- يشرح دور عقدة الدونيّة في المجتمع الداخليّ في غربة الأمّة عن ولاية الفقيه.
 
 
 
 
 
29

19

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 استعرضنا في الدرس السابق دور حكّام الجور في تغريب الأمّة الإسلاميّة عن نظريّة ولاية الفقيه، وفي هذا الدرس نتابع تبيان أسباب غربة الأمّة عن ولاية الفقيه، لنكتشف أهمّها:

دور عقدة الدونيّة في المجتمع الداخليّ
ومن العوامل الداخليّة التي ساهمت في جعل مفهوم ولاية الفقيه غريبًا عن المجتمع الإسلاميّ، ما يندرج تحت عنوان نقص الثقة بالنفس أو عقدة الدونيّة، التي طبعت نظرة المجتمع الإسلاميّ إلى الغرب ومنجزاته العلميّة والصناعيّة، التي بهرت أعين بعض فئاته وأفراده. وفي هذا الشأن يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"لقد بَيَّنّا المخطّط التخريبيّ المفسد للاستعمار، والآن يجب أن نضيف إليه التأثيرات الداخليّة لبعض أفراد مجتمعنا، وانهزاميّتهم أمام التقدّم المادّيّ للمستعمرين. لقد أحسّ هؤلاء بالانهزام عندما رأوا البلاد الاستعماريّة - أو بالأحرى ناهبي الشعوب الآسيويّة والأفريقيّة - قد حقّقوا التقدّم العلميّ والصناعيّ، وجنوا الثروات وانتخبوا الكماليّات المختلفة، فظنّ هؤلاء أنّ الطريق للتقدّم الصناعيّ هو التخلّي عن عقائدهم وقوانينهم. فعندما وصل أولئك المستعمرون إلى القمر مثلًا، ظنّ هؤلاء أنّه يجب التخلّي عن قوانينهم.

وهنا يوجد سؤال: ما العلاقة بين الذهاب إلى القمر والقوانين الإسلاميّة؟ أو لم يروا أنّ بلدانًا تمتلك قوانين وأنظمة اجتماعيّة متضادّة تمكّنت من العمل معًا في مجال التقدّم الصناعيّ والعلميّ وتسخير الفضاء، وساروا في ذلك معًا؟! فلْيذهب أولئك إلى
 
 
 
 
 
31

20

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

المرّيخ، بل إلى المجرّات أيضًا، فسيظلّون مع هذا عاجزين عن تحقيق الفضائل الأخلاقيّة والرقيّ النفسيّ، وغير قادرين على حلّ مشاكلهم الاجتماعيّة، إذ إنّ حلّ مشاكلهم الاجتماعيّة وتعاستهم يحتاج إلى حلول عقائديّة وأخلاقيّة. وتحصيل القوّة المادّيّة أو الثروة، والسيطرة على الطبيعة والفضاء، كلّ ذلك لا يؤمّن الحلّ. فالثروة والقوّة المادّيّة والسيطرة على الفضاء، هذا كلّه يحتاج إلى الإيمان والاعتقاد والأخلاق الإسلاميّة، ليكتمل ويعتدل ويكون في خدمة الإنسان، لا وبالًا عليه. وهذه العقيدة والأخلاق والقوانين نحن الذين نمتلكها.

بناءً على هذا، لا ينبغي لنا أن نتخلّى فورًا عن ديننا وقوانيننا ذات الصلة بحياة البشر - والتي هي أساس الإصلاح لحال البشر في الدنيا والآخرة - بمجرّد أن تمكّن "البعض" من صنع شيء ما، أو من الوصول إلى مكان ما"1.

إذًا، هذه العوامل اجتمعت معًا لتجعل من نظريّة ولاية الفقيه أمرًا غريبًا عن أذهان المسلمين، وهذه النتيجة حتميّة عندما يكون الإسلام الذي يقدَّم للمسلمين قد صيغ على أيدي علماء بلاط السلاطين وأدوات المستعمرين وعملائهم.

دعاية المستعمرين الذين تسلّطوا على البلاد الإسلاميّة
من هنا، نبدأ الحديث عن العوامل الخارجيّة التي ساهمت في غربة الأمة عن ولاية الفقيه. فقد وضع المستعمرون خططًا وبرامج ضمن مشروعهم الهادف إلى إحكام السيطرة على بلادنا الإسلاميّة، تركّزت هذه الخطط في إخراج الإسلام الحقيقيّ من حياة المسلمين، فاستهدفوا لبّ الدين وجوهره الذي هو التوحيد، بما يعنيه من أنّ الحاكميّة في هذه الدنيا هي لله وحده، وسعوا إلى تقديم إسلام آخر مشوّه. وفي هذا الشأن يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"لقد بثّ أعداؤنا دعاياتهم، والمؤسف هو وقوع بعض أفراد مجتمعنا تحت تأثيرهم، مع أنّه ما كان ينبغي لهم ذلك. فلقد أوحى إلينا المستعمرون أنّ الإسلام ليس فيه حكومة،
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 53 - 54.
 
 
 
 
32

21

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 ولا يمتلك نظام حكم، وعلى فرض وجود أحكام فيه فليس لديه سلطة تنفيذيّة (حاكم)، وخلاصة الأمر أنّ الإسلام مشرّع فحسب. ومن الواضح أنّ هذه الدعايات هي جزء من مخطّط المستعمرين لإبعاد المسلمين عن السياسة وأساس الحكومة، وهذا الكلام يخالف عقائدنا ومفاهيمنا الأساسيّة"1.


1- أسباب عدائيّة المستعمرين:
أ- بغضهم للإسلام وأحكامه:
أمّا عن سبب موقف هؤلاء المستعمرين من الإسلام ودعايتهم ضدّه، فيقول الإمام قدس سره:
"...هؤلاء استطاعوا الوصول إلى البلاد الإسلاميّة على شكل استعمار منذ ثلاثة قرون أو أكثر2، وقد رأوا أنّه من اللازم لكي يصلوا إلى مطامعهم الاستعماريّة، أن يهيّئوا القاعدة للقضاء على الإسلام، وشعروا أنّ الذي يقف سدًّا أمام مصالحهم المادّيّة، ويعرّض مصالحهم المادّيّة وقواهم السياسيّة للخطر، هو الإسلام وأحكامه وإيمان الناس به، فقاموا بالدعاية والدسّ ضدّ الإسلام بمختلف الوسائل"3.

ويقول قدس سره أيضًا:
"كلّ هذه المخطّطات موضوعة منذ عدّة قرون، وينفّذونها بالتدريج ويقطفون ثمراتها. في البدء أسّسوا مدرسة في مكان ما، ونحن سكتنا وبقينا غافلين، ولقد غفل أمثالنا أيضًا عن أن يمنعوهم ولا يسمحوا بإنشاء ذلك من الأساس. وشيئًا فشيئًا أخذوا بالازدياد، والآن ترون أنّ مبشّريهم قد توجّهوا إلى جميع القرى والقصبات، وينصّرون أبناءنا ويخرجونهم
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 54.
2- منذ أواسط القرن السادس الميلاديّ، أي قبل ما يزيد على ثلاثة قرون، تحرّك البرتغاليّون، كما تحرّك تبعاً لهم الهولنديّون والانجليز والفرنسيّون والطليان لأجل استعمار البلدان التي يقطنها المسلمون. وفي البداية استُعمرت البلاد الأفريقيّة المكتشفة حديثاً، ومن ثمّ - وبعد تأمين الطرق البحريّة - استُعمرت البلاد الآسيويّة (التي كانت علاقاتها مع أوروبا قد قُطعت بعد استيلاء الاتراك العثمانيّين على القسطنطينيّة).
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 43.
 
 
 
33

22

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 من حالة التديّن1. المخطّط هو أن يبقونا على الحال التي نحن فيها من الحياة المنكوبة، لكي يتمكّنوا من استغلال ثرواتنا ومنابعنا الطبيعيّة، وأراضينا وطاقاتنا البشريّة. يريدون لنا أن نبقى غرقى في المشاكل والعجز، وأن يبقى فقراؤنا بهذه التعاسة، ولا يخضعوا لأحكام الإسلام التي تحلّ مشكلة الفقر والفقراء، ولكي يبقوا هم وعملاؤهم في القصور الفخمة مستمرّين في تلك الحياة المرفّهة"2.


ب- طمعهم بثروات المسلمين:
يقول قدس سره: "لو لم يكن لنا من شغلٍ نحن المسلمين سوى الصلاة والدعاء والذكر، لما كان للمستعمرين والدول الجائرة المتحالفة معهم أيّ مشكلة معنا، فاذهبوا وأذّنوا وصلُّوا ما شئتم، وليأتوا هم وليأخذوا ما يشاؤون، بينما نَكِلُ أمرهم إلى الله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله! وعندما نموت سيمنحنا الله جزيل الأجر! إذا كان هذا هو منطقنا فليس لهم معنا أيّ مشكلة. فذاك العسكريّ (الإنكليزيّ أثناء الاحتلال البريطانيّ للعراق) سألهم: هذا الذي يؤذّن من أعلى المئذنة هل يلحق الضرر بسياسة إنكلترا؟ فقالوا له: لا. فقال: إذًا، دعوه
 

1- كانت أوّل هيئة ثابتة للمبشّرين المسيحيّين في ايران هيئة "الناظرة"، التي شرعت سنة 1835م في أعمالها بإدارة قسّيس يُدعى "جاستين بكنيز" و"الدكتور ايزأهل غرانت"، جاءت سنة 1832م من قبل الهيئة المركزيّة للتبشير في الخارج، وهي هيئة أمريكيّة أسّست أوّل مدرسة على الطراز الحديث، وكان لها جانب تبشيريّ دينيّ في "أرومية"، وتمكّنت سنة 1255هـ ق من أن تكسب حماية شاه ايران أيضاً. وقد كان هناك أنشطة قبل ذلك في ايران لهيئات دينيّة ألمانيّة وسويسريّة وانجليزيّة وفرنسيّة. 
وبمقتضى اتفاق مع الإنجليز فيما بعد، صارت منطقة شمال إيران وغربها ساحة نشاط وعمل للهيئات الأمريكيّة، بينما كانت بقيّة المناطق خاضعة لنشاطات الهيئات الإنجليزيّة. وفي سنة 1879م، كان هناك ثمانية وأربعون مركزاً مختلفاً خارج مدينة أرومية، عدا عن مركز الهيئة في أرومية. ثم افتتحت مراكز هيئات طهران وتبريز وهمدان وسلماس على التوالي في سنوات: 1871 و73 و81 و85 للميلاد. وبحسب تصريحات "باست" راعي كنيسة "برستبرين" في أمريكا، ففي سنة 1884م شارك عدد من المسلمين في طهران وتبريز في المراسم العباديّة للبروتستانت. وإلقاء نظرة على إنجازات سنة 1883 للمبشّرين الأمريكيّين، يدلّ على المدى الذي وصلت إليه أنشطتهم فيها: إدارة 24 مركز تبشير أميركيًّا في طهران وأرومية وهمدان وتبريز، تعليم 230 معاونًا وإرشادهم، إدارة 25 كنيسة مع 1796 مشتركًا، إقامة 4578 تجمع دينيًّا، مشاركة 208 طلاب في المدارس الداخليّة، مع تعليم 2452 طالبًا في المدارس النهاريّة، ونشر1680890 صفحة مطبوعة، وتلقّي مبلغ 1910 دولارات تبرعات. ويعتقد "سليسون" أن أنشطة مبشّري الكنائس الانغليكائيّة كانت أكثرها تُبذل لأجل إصلاح كنائس "الناظرة"، ويرى أن "البرسنتبرينيين" كانوا اكثر سعياً لتغيير دين المسلمين.
"راجع روابط سياسي ايران وأمريكا" تأليف ابراهام سليسون، ترجمة محمّد باقر آرام. و"دور الكنيسة في البلاد" لمصطفى خالدي وعمر فروخ ترجمة مصطفى زماني.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 51 - 52.
 
 
 
 
34

23

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 يقل ما يشاء. فإذا لم يكن لكم أيّ تعرّض لسياسة المستعمرين، واعتبرتم الإسلام هو هذه الأحكام التي نبحث فيها باستمرار وحسب، ولم تتجاوزوها، فلن يتعرّضوا لكم. فصلّوا ما شئتم، فهؤلاء إنّما يريدون نفطكم، ولا شغل لهم بصلاتكم، إنّهم يريدون مناجمنا، يريدون بلدنا سوقًا لمنتجاتهم"1.


2- وسائل المستعمرين وأدواتهم لتشويه الإسلام:
يبيّن الإمام قدس سره بعض وسائل المستعمرين وأدواتهم المستخدمة في سبيل تشويه الإسلام:
"... وقد تعاضد في العمل على تحريف حقائق الإسلام رجال الدين الذين أوجدوهم (أي المستعمرون) في الحوزات العلميّة، والعملاء الذين كانوا يعملون لهم في الجامعات والمؤسّسات الإعلاميّة الحكوميّة أو مراكز النشر، والمستشرقون الذين هم في خدمة الدول الاستعماريّة، فهؤلاء جميعًا تكاتفوا في ذلك بنحو صار فيه الكثير من الناس والمثقّفين في حالة من الضياع والانحراف عن الصواب تجاه الإسلام"2.

كما يشير الإمام قدس سره إلى أنّ تقصير علماء الدين هو أيضًا سبب في نجاح الأعداء في دعايتهم لتشويه الإسلام، فيقول قدس سره: "إنّ عملاء الأجانب - لكي يحرفوا المسلمين ومثقّفيهم من جيل الشباب عن الإسلام - أخذوا يبثُّون أنّ الإسلام ليس فيه شيء، وأنّه مجموعة من أحكام الحيض والنفاس، وأنّ على الملالي (رجال الدين)، أن يدرّسوا الحيض والنفاس.

وهذا صحيح أيضًا، إذ إنّ الملالي الذين هم ليسوا في وارد التفكير في بيان نظريّات الإسلام ونظرته للكون، ويصرفون أغلب أوقاتهم في ما يقول هؤلاء، وقد نسوا سائر كتب الإسلام (أبوابه)، يستحقّون التعرّض لإشكالات وهجمات كهذه. فهم أيضًا مقصّرون، وإلّا فهل الأجانب وحدهم المقصّرون؟ بالطبع، فإنّ الأجانب قد هيّأوا الأساس منذ عدّة قرون
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 56 - 57.
2- المصدر نفسه، ص 44.
 
 
 
35

24

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 لمطامعهم السياسيّة والاقتصاديّة، وقد نجحوا نتيجة الإهمال الموجود في حوزات علماء الدين. ولقد كان بيننا نحن - أهل العلم - أشخاص ساعدوهم في تحقيق أهدافهم - دونما علم بذلك - حتّى وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن"1.


3- نتائج العمل الدعائيّ للمستعمرين ضدّ الإسلام:
أ- عدم الفهم الصحيح للإسلام:
أمّا عن النتائج التي أسفر عنها العمل الدعائيّ للمستعمرين ضدّ الإسلام، فيقول الإمام قدس سره:
"... ومن المؤسف أنّ دعاياتهم السيّئة هذه قد تركت أثرًا - فضلًا عن عامّة الناس - فإنّ الطبقة المثقّفة سواء من الجامعيّين أو الكثير من رجال الدين، لم يفهموا الإسلام جيّدًا، وهم يمتلكون تصوّرات خاطئة تجاهه، والناس يجهلون الدين، كما يجهلون الأشخاص الغرباء عنهم. فالإسلام يعيش بين شعوب الدنيا بغربة، حتّى أنّه لو أراد الإنسان أن يعرض الإسلام كما هو فلن يصدّقه الناس بسرعة، بل تواجهه أصوات الاستعمار في الحوزات بالضجيح والغوغاء"2.

ب- الخطر على الحوزة:
وقد بلغ الأثر المدمّر لهذه الدعايات الحوزات الدينيّة أيضًا، وإلى هذا الواقع يشير الإمام قدس سره بقوله: "تلك المخطّطات قد وصل مداها حتّى إلى الحوزات الدينيّة والعلميّة، بشكل لو أراد الانسان أن يتكلّم عن الحكومة الإسلاميّة ووضع حكومة الإسلام، فيجب عليه أن يستعمل التقيّة، وأن يواجه معارضة أذناب الاستعمار. كما أنّه عندما طُبعت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، انتفض عملاء السفارة (سفارة نظام الشاه في العراق) وقاموا بتحرّكات يائسة..."3.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 46 - 47.
2- المصدر نفسه، ص 44 - 45.
3- المصدر نفسه، ص 52.
 
 
 
 
36

25

الدرس الثالث: غربة الأمّة عن ولاية الفقيه (2)

 المفاهيم الرئيسة


1- وضع المستعمرون خططًا وبرامج ضمن مشروعهم لإحكام السيطرة على بلادنا الإسلاميّة، ومن أجل إخراج الإسلام الحقيقيّ من حياة المسلمين. وقد ساهم ذلك في تغرّب الأمّة عن ثقافتها، ومن ضمنها ولاية الفقيه.

2- سبب موقف المستعمرين من الإسلام ودعايتهم ضدّه، هو ما يشكّله من مانعٍ دون الوصول إلى غاياتهم، لا بسبب جانبه العباديّ الفرديّ.

3- أدوات المستعمرين المستخدمة في سبيل تشويه الإسلام: العملاء الذين أوجدوهم في الحوزات العلميّة، والجامعات والمؤسّسات الإعلاميّة الحكوميّة، أو مراكز النشر، والمستشرقون.
4- تقصير علماء الدين هو أيضًا سبب في نجاح الأعداء في دعايتهم لتشويه الإسلام.

5- نتج من العمل الدعائيّ للمستعمرين ضدّ الإسلام، أنّ الدين الحقيقيّ قد أصبح غريبًا بالنسبة إلى عامّة الناس والطبقة المثقّفة، بل حتّى داخل الحوزات الدينيّة أيضًا، بحيث صار لا بدّ من تجشّم المشقّات لإثبات امتلاك الإسلام لقواعد الحكومة.

6- هناك عوامل داخليّة ساهمت في جعل مفهوم ولاية الفقيه غريبًا عن المجتمع الإسلاميّ، وهي تندرج تحت عنوان نقص الثقة بالنفس، أو عقدة الدونيّة تجاه الغرب ومنجزاته العلميّة والصناعيّة.
 
 
 
 
 
 
37

26

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 الدرس الرابع

الإسلام دين السياسة والحكم


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح خطأ مفهوم فصل الدين عن السياسة في الإسلام.
2- يبيّن خطأ ادّعاء نقص التشريعات في الإسلام.
3- يبيّن خطأ الادّعاء بخشونة أحكام الإسلام.
 
 
 
 
 
 
39

27

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 مقدّمة

أشرنا في الدرس السابق إلى الدور الذي قام به المستعمرون في إبعاد الأمّة عن ولاية الفقيه، باستخدام أساليب دعائيّة، فما هي الادّعاءات التي روّجوها بخصوص الإسلام، بغرض إخراجه من ساحة المواجهة، ومنعه من تشكيل الدرع الحصين للمجتمعات الإسلاميّة في صدّ أطماعهم ورفض تسلّطهم؟ وما هو ردّ الإمام على هذه الادّعاءات؟ وكيف يصوّبها؟

لقد تركّزت دعاية المستعمرين في عدّة أفكار يمكن تصنيفها ضمن العناوين التالية:
أ- ترويج مفهوم فصل الدين عن السياسة.
ب- ادّعاء نقص التشريعات في الإسلام.
ج- ادّعاء خشونة أحكام الإسلام.

ترويج مفهوم فصل الدين عن السياسة
ويعنون بذلك أنّ الإسلام لا شأن له بالسياسة أو الحكم أو الحكومة أو إدارة المجتمع، وأنّه ينحصر في أحكام العبادات والطهارات، وغير ذلك من الشؤون الفرديّة في علاقة الإنسان مع ربّه. يقول الإمام قدس سره في هذا الصدد: "كانوا يُشِيْعون أنّ الإسلام ليس دينًا جامعًا، فهو ليس دين حياة، وليس فيه أنظمة وقوانين للمجتمع، ولم يأت بنظام وقوانين للحكم، الإسلام أحكام حيض ونفاس فحسب، وفيه بعض التوجيهات الأخلاقيّة أيضًا، لكن ليس فيه شيء ممّا يرتبط بالحياة وإدارة المجتمع"1.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 44.
 
 
41

28

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 ويقول قدس سره أيضًا: "لقد أوحى إلينا المستعمرون أنّ الإسلام ليس فيه حكومة، ولا يمتلك نظام حكم! وعلى فرض وجود أحكام فيه، فليس لديه سلطة تنفيذيّة (حاكم)، والخلاصة أنّ الإسلام مشرّع فحسب. ومن الواضح أنّ هذه الدعايات جزءٌ من مخطّط المستعمرين لإبعاد المسلمين عن السياسة وأساس الحكومة"1.


أدلّة ملازمة الدين للسياسة في الإسلام
يؤكّد الإمام قدس سره خطأ هذا المفهوم، إذ لا انفصال في الإسلام بين الدين والسياسة، فيقول: "هذا الكلام يخالف عقائدنا ومفاهيمنا الأساسيّة"2. ويستدلّ بأمرين على ملازمة الدين للسياسة، وأنّ الإسلام هو دين السياسة:
1- سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم واستخلافه أمير المؤمنين عليه السلام:
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"إنّ المستعمرين هم الذين أشاعوا هذه المقولة عن لزوم فصل الدين عن السياسة، وعدم تدخّل علماء الإسلام في الأمور الاجتماعيّة والسياسيّة. هذا كلام من لا دين لهم، فهل كانت السياسة منفصلة عن الدين في زمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وهل كان "البعض" رجال دين، و"البعض" الآخر سياسيّين ومسؤولين في ذلك العهد؟ وهل كانت السياسة مفصولة عن الدين في زمان الخلفاء - سواء كانوا خلفاء حقّ أم باطل - وفي زمن خلافة أمير المؤمنين عليه السلام؟ وهل كان هناك جهازان؟

لقد أوجد المستعمرون وعملاؤهم هذه المقولات من أجل إبعاد الدين عن التصرّف في أمور الدنيا، وعن تنظيم المجتمع الإسلاميّ، وفصل علماء الدين - من خلال ذلك - عن الشعب وعن المناضلين لأجل الحرّيّة والاستقلال، إذ بهذا النحو يمكنهم التسلّط على الشعب ونهب ثرواتنا، فهذا هو هدفهم"3.وتتجلّى هذه السيرة بملاحظة أمور كانت قائمة آنذاك:
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 54.
2- المصدر نفسه، ص 54.
3- المصدر نفسه، ص 56.
 
 
 
42

29

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 أ- تلازم السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة:

يقول الإمام قدس سره عن تلازم السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة في الإسلام، الذي يشير إلى عناية الإسلام بشؤون المجتمع كافّة، التي لا يمكن أن تستقيم بلا سياسة:
"لم يكن الأمر مقتصرًا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مجرّد بيان القانون وإبلاغه، بل كان يقوم صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذه أيضًا. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنفّذ المطبّق للقانون، فقد طبّق القوانين الجزائيّة مثلًا: قطع يد السارق، وأقام الحدّ، ورجم1... والخليفة معيّن لهذه الأمور أيضًا، فالخليفة ليس مشرّعًا، بل الخليفة معيّن لأجل تنفيذ أحكام الله التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . ومن هنا، يجب إقامة الحكومة والسلطة التنفيذيّة والإداريّة. إنّ الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة وإقامة السلطة التنفيذيّة والإداريّة، جزء من الولاية، كما أنّ النضال والسعي لأجلها من الاعتقاد بالولاية أيضًا"2.

ب- تعيين الخليفة لأجل الحكومة:
يعتبر الإمام قدس سره أنّ تعيين الخليفة بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، كان أيضًا للدّواعي نفسها، بل لقد عدّه الله عزّ وجلّ مرادفًا لإكمال الرسالة، فلو لم يعيّن الرسول الخليفة من بعده، لما كان بلّغ رسالة الإسلام. يقول قدس سره:
"فنحن نعتقد بالولاية، ونعتقد بلزوم تعيين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خليفة، وأنّه قد عيّن كذلك3. فهل تعيين الخليفة هو لأجل بيان الأحكام؟ فبيان الأحكام لا يحتاج إلى خليفة، إذ كان قد بيّنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، أو كتبها جميعًا في كتاب وأعطاه للناس ليعملوا به. وكون تعيين الخليفة لازمًا عقلًا، إنّما هو لأجل الحكومة، فنحن نحتاج إلى خليفة لكي ينفّذ القوانين، إذ
 

1- راجع: الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق وتصحيح الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازيّ، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربيّ، 1403ه.ق - 1983م، ط 5، ج18، ص376 و509.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 55 - 56.
3- لقد صرّح نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم بخلافة عليّ عليه السلام في موارد متعدّدة، منها: حديث يوم الدار، وحديث المنزلة، وآية الولاية عندما تصدّق بخاتمه لفقير ونزلت الآية الكريمة-، وحديث غدير خمّ، وحديث الثقلين. راجع التفسير الكبير، ج12، ص 28 و 53 ذيل الآيات 55 و67 لسورة المائدة. وسيرة ابن هشام، ج4، ص520، وتاريخ الطبريّ، ج2، ص319 و322، وكتاب الغدير ج1 و2 و3.
 
 
 
43

30

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 القانون يحتاج إلى مجرٍ ومنفّذ. ففي جميع بلدان الدنيا الأمر بهذا النحو، إذ مجرّد وَضْع القانون لا فائدة فيه، ولا يؤمّن سعادة البشر، فبعد تشريع القانون يجب إيجاد سلطة تنفيذيّة. ففي التشريع أو الحكومة، إذا لم يكن ثمّة سلطة تنفيذيّة يكون هناك نقص. ولذا، فالإسلام سنّ القوانين وعيّن سلطة تنفيذيّة أيضًا، فوليّ الأمر هو المتصدّي لتنفيذ القوانين أيضًا. ولو لم يعيّن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خليفة، لما كان قد بلّغ رسالته1، ولما كان قد أكملها. ولقد كانت ضرورة تطبيق الأحكام، ووجود السلطة التنفيذيّة، وأهمّيّتها في تحقيق الرسالة، وإيجاد النظام العادل - الذي هو منشأ لسعادة البشر - وراء كون تعيين الخليفة مرادفًا لإتمام الرسالة"2.


ج- الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة الإسلاميّة لازمٌ للاعتقاد بالولاية:
بعد هذا كيف يمكن القول بانفصال السياسة عن الدين في الإسلام؟! يقول الإمام قدس سره:
"إنّنا إذ نعتقد بالولاية، وبأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد عيّن خليفة، وقد ألزمه الله تعيين الخليفة ووليّ أمر المسلمين، فيجب أن نعتقد بضرورة تأسيس الحكومة الإسلاميّة، ويجب أن نسعى لإقامة السلطة لتنفيذ الأحكام وإدارة الأمور. إنّ النضال من أجل إقامة الحكومة الإسلاميّة لازمٌ للاعتقاد بالولاية"3.

2- غلبة الأحكام الاجتماعيّة على الفرديّة في الإسلام:
يقول الإمام قدس سره في هذا الشأن: "ولكي يتّضح حجم الفرق بعض الشيء بين الإسلام وما يُعرض على أنّه الإسلام، ألفت نظركم إلى التفاوت الموجود بين القرآن وكتب الحديث التي هي مصادر الأحكام والقوانين من جهة، وبين الرسائل العمليّة التي تُكتب من قبل مجتهدي العصر ومراجع التقليد من جهة أخرى، من ناحية الجامعيّة والتأثير الذي يمكن أن تتركه في الحياة الاجتماعيّة. فنسبة آيات الاجتماعيّات في القرآن إلى الآيات العباديّة تتجاوز المئة مقابل الواحد. كما نجد أنّه في كتب الحديث التي تشتمل الدورة منها حوالى
 

1- اقتباس من الآية 67 من سورة المائدة.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 55.
3- المصدر نفسه، ص 56.
 
 
 
44

31

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 خمسين كتابًا1، وتحتوي على جميع الأحكام الإسلاميّة، نجد أنّ هناك ثلاثة أو أربعة كتب حول عبادات الإنسان ووظائفه تجاه ربّه، وشيئًا من الأحكام الأخلاقيّة، والباقي كلّه ممّا يتعلّق بالأمور الاجتماعيّة والاقتصاديّة والحقوق السياسيّة وتدبير المجتمع"2.


إذًا، إن كان هذا هو حجم الفرق في النصّ الدينيّ الأصيل ما بين المواضيع المتعلّقة بالمجتمع وعلاقاته وإدارته، وتلك المتعلّقة بالشؤون العباديّة للفرد مع خالقه، فهل من شكّ في الوجه السياسيّ والاجتماعيّ للدين الإسلاميّ؟ هذا إن لم نقل إنّه الوجه الأبرز، بل الأشدّ وضوحًا؟

ادّعاء نقص التشريعات في الإسلام
يدّعي "البعض" ممّن ليس لهم فهم بحقيقة الدين وأبعاده، أنّ الإسلام دينٌ محدودٌ في مجال التشريع، وناقصٌ في الأحكام، فلا يمكن له سدّ حاجات المجتمع في مجال القوانين والتشريعات. ويسعون من وراء ذلك إلى التقنين والتشريع للمجتمعات الإسلاميّة وفق ما لديهم من تشريعاتٍ وضعيّةٍ، وبما يتناسب ومصالحهم. وبذلك يفصلون بين أبعاد الدين، مسلّطين الضوء على بعض جوانبه التي تخدم مصالحهم، ويغفلون بالكامل عن الأوجه الأخرى المشرقة للدين الحنيف. يقول الإمام قدس سره في هذا الشأن:
"تارة يوسوسون أنّ أحكام الإسلام ناقصة، فيقولون مثلًا: إنّ قوانينه في القضاء وتطبيق العدالة ليست كما يجب. وفي أعقاب هذا البثّ وهذه الدعايات، يتلاعب عملاء الإنكليز بأمر من سادتهم بأساس المشروطة3، ويضلّلون الناس ويخدعونهم عن حقيقة جريمتهم السياسيّة. وعندما أرادوا تدوين الدستور، اقترضوا المجموعة الحقوقيّة البلجيكيّة من سفارة بلجيكا، وكتب عدّة أشخاص الدستور من تلك المجموعة، ورمَّموا نقائصه من
 

1- الكتاب في اصطلاح أهل الفقه والحديث يُطلق على أبواب تكون قد جُمعت فيها أحاديث ترتبط بموضوع واحد، أو تبحث عن الأحكام المختصّة بموضوع واحد، مثل كتاب التوحيد أو كتاب الايمان والكفر أو كتاب الصلاة وأمثال ذلك. فدورة الكافي في الحديث مثلاً تشتمل على35 كتاباً، وشرائع الإسلام في الفقه 50 كتاباً.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 45.
3- ثورة إيران الدستوريّة حدثت بين عامي 1905 و1907، وقد دوّنت مسوّدة أوّل دستور للمشروطة بواسطة هيئة من النوّاب.
 
 
 
45

32

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 المجموعات الحقوقيّة لفرنسا وإنجلترا1. ومن أجل خداع الشعب، ضمّوا إليه بعض الأحكام الإسلاميّة، فقد اقتبسوا أساس القوانين من هؤلاء وأعطوها لشعبنا"2.


تصويب الادّعاء بنقص التشريعات في الإسلام
1- الإسلام دين كامل:
في مقام تصويب الادّعاء بنقص التشريعات في الإسلام، يؤكّد الإمام قدس سره أنّ الإسلام دين كامل، ويشدّد على شموليّة أحكامه فيقول:
"لا تتركوا حقيقة الإسلام وماهيّته مستورة ... في ذلك الوقت الذي لم يكن فيه الغرب شيئًا يُذكر، وكان أهله يعيشون في حالة من التوحّش، وكانت أمريكا موطنًا للهنود الحمر شبه المتوحّشين، وكانت إمبراطوريّتا الفرس والروم تحت سيطرة الاستبداد والطبقيّة وسلطة الأقوياء، ولم يكن فيها من أثر لحكومة الشعب والقانون3، أرسل الله تعالى من خلال رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوانين تدهش الإنسان، بين فترة ما قبل انعقاد نطفته إلى ما بعد دفنه، ووضع قوانين للوظائف العباديّة، وجعل للأمور الاجتماعيّة والإداريّة قوانين وطرقًا ورسومًا.

فحقوق الإسلام حقوق راقية ومتكاملة وجامعة، والكتب الموسوعيّة التي أُلِّفت من قديم الزمان في مختلف المجالات الحقوقيّة، بدءًا من أحكام القضاء والمعاملات والحدود والقصاص إلى العلاقات بين الشعوب، ومقرّرات السلم والحرب والحقوق الدوليّة العامّة
 

1- لقد دُوّنت مسوّدة أوّل دستور للمشروطة بواسطة هيئة من النواب، وصُدّقت في 51 مادّة. كتب كسروي يقول في هذا المجال: "وكان مشير الدولة ومؤتمن الملك وأبناء الصدر الأعظم قد كتبوها، أو من الأفضل أن نقول قد ترجموها". بعد ذلك شُكّلت لجنة لتزيد عليها ملحقاً كمتمّم للدستور، وقد أُعِدَّ هذا الملحق ضمن 107 موادّ وبحسب رواية السيّد مصطفى رحيمي: "إنّ هذه الهيئة دوّنت متمّم الدستور ورفعت نواقص الدستور السابق بالاستعانة بدستور بلجيكا، إضافة إلى شيء من الدستور الفرنسيّ، وبملاحظة قوانين بلاد البلقان وذلك من ناحية المسائل وأقربيّتها إلى زمان تدوين المتمّم (محلّ البحث)".
(راجع كتاب تاريخ مشروطة ايران) كسروي تبريزي، ص170 و224/ قانون أساسي ايران وأصول دموكراسي لمصطفى رحيمي، ص94/ قانون أساسي ومتمم آن، مطبعة مجلس الشورى الوطنيّ. والمصادر كلّها فارسيّة.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 47.
3- تاريخ التمدّن الإسلاميّ ـ جرجي زيدان ج10 ص23ـ41 طبعة فارسية - / تاريخ ايران الاجتماعيّ، مرتضى الراوندي ص660 فارسي - /ايران في زمن الساسانيّين لآرتور كريستين ص470 و523 /العالم في عصر البعثة للشهيد محمّد جواد باهنر وأكبر هاشمي رفسنجاني/ تاريخ الروم لآلبيرماليه وجوي آيزاك/ تاريخ الكنيسة القديمة.
 
 
 
 
46

33

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 والخاصّة، إنّما هي غيضٌ من فيض الأحكام والأنظمة الإسلاميّة. ليس ثمّة موضوع لم يضع له الإسلام تكليفًا، ولم يصدر له حكمًا"1.


2- تشريعات الإسلام هي الأرقى:
وحول عدم احتواء الإسلام على تشريعات متعلّقة بالملكيّة أو بالربا والخمر وأمثالها، يقول قدس سره: "فموادّ الدستور هذه، ومتمّماتها المتعلّقة بالملكيّة، والحكم الوراثيّ، وأمثال ذلك، أين هي من الإسلام؟"2.

"الملكيّة والحكم الوراثيّ، هما ذلك الطراز من الحكم المشؤوم والباطل الذي ثار سيّد الشهداء عليه السلام واستُشهد من أجل منع إقامته. فلقد ثار ودعا جميع المسلمين إلى الثورة، لكي لا يخضع لولاية عهد يزيد3، ولكي لا يعترف رسميًّا بسلطنته. فهذه الأمور ليست من الإسلام، الإسلام ليس فيه ملكيّة وحكم وراثيّ، وإذا كان النقص بهذا المعنى، نعم، فالإسلام ناقص!"4.

"الإسلام ليس لديه قانون وأحكام لأكل الربا وللبنوك الربويّة وتجارة الخمر والفحشاء، وذلك لأنّه قد حرّم هذه الأمور من الأساس. إنّ هؤلاء الحكّام من أيادي الاستعمار الذين يريدون ترويج أعمال كهذه في البلاد الإسلاميّة، من الطبيعيّ أن يروا الإسلام ناقصًا، وهم مضطرّون لأن يستوردوا القوانين لهذه الأمور من إنجلترا وفرنسا وبلجيكا، وأخيرًا من أمريكا. إنّ كون الإسلام لا يمتلك تشريعات لترتيب هذه الأمور غير المشروعة، من كمالات الإسلام ومفاخره"5.

إذًا، دين الإسلام كاملٌ وتامٌّ، وتشريعاته هي الأكمل والأرقى مقارنة بأيّ تشريعٍ أتى به أو يمكن أن يأتي به بشرٌ. وإنّ عدم احتوائه على بعض التشريعات والمواضيع الوضعيّة، لا يعني نقصه بأيّ حال من الأحوال، بل يمكننا القول إنّ أيّ تشريعٍ لم يأتِ به الإسلام هو تشريعٌ ناقصٌ، لا يجلب سوى الضرر والتعاسة للإنسان.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 45 - 46.
2- المصدر نفسه، ص47.
3- يزيد بن معاوية بن أبي سفيان 25ـ64هـ ق- الخليفة الأمويّ الثاني.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 48.
5- المصدر نفسه، ص 48 - 49.
 
 
 
 
47

34

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 ادّعاء خشونة الأحكام الإسلاميّة وقساوتها

يقول الإمام قدس سره عن هذا الاتّهام:
"يكتبون أحيانًا في كتبهم وجرائدهم أنّ الأحكام الجزائيّة في الإسلام أحكام خشنة، حتى لقد كتب أحدهم - في غاية الوقاحة - أنها أحكام خشنة مستمدّة من خشونة العرب! فخشونة العرب هي التي أنتجت هذه الأحكام!"1.

1- تصويب الادّعاء بخشونة أحكام الإسلام وهمجيّتها:
وفي مقام تصويب الادّعاء بخشونة أحكام الإسلام وهمجيّتها، يبيّن الإمام أنّ أحكام الإسلام الجزائيّة قد جاءت لمنع مفاسد أمّة كبيرة، بمعنى أنّ التشدّد فيها هو من أجل الصالح العامّ للأمّة، وأنّ أحكامه تتناسب وحجم المفسدة المترتّبة على المخالفة، بعكس أحكام الغرب الجزائيّة التي لا تراعي خطورة المفاسد المترتّبة على المخالفات، فيقول:
"إنّي أعجب من طريقة تفكير هؤلاء! فمن جهة عندما يقتلون عدّة أشخاص لأجل عشرة غرامات من الهيرويين، يقولون: إنّه القانون، وعندما توضع هذه القوانين المخالفة للإنسانيّة تحت شعار أنّهم يريدون منع الفساد، لا يكون فيها خشونة!! (أنا لا أقول دعوهم يبيعوا الهيرويين، ولكن ليس هذا جزاءه، فيجب منعه، ولكن يجب أن تكون عقوبته متناسبة معه2). إذا ضُرب شارب الخمر ثمانين جلدة، فهذا أمرٌ فيه خشونة، أمّا إذا أعدموا إنسانًا لأجل عشرة غرامات من الهيرويين فلا خشونة في الأمر! مع أنّ الكثير من المفاسد التي ظهرت في المجتمع هي من شرب الخمر، فالكثير من حوادث السير التي تقع في الطرقات، وعمليّات الانتحار والقتل، سببها شرب الخمر. يقولون إنّ استعمال الهيرويين كثيرًا ما يكون من شرب الخمر، ومع هذا، لو شرب أحدهم الخمر، فلا إشكال في الأمر، لأنّ الغرب قد فعل ذلك! ولذا يشترونه ويبيعونه بحرّيّة"3.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 50.
2- اعتراض الإمام قدس سره له جهة أخرى، وهي عدم المحافظة على العدالة.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 50.
 
 
 
48

35

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 2- أحكام الإسلام تراعي مصالح أمّة:

يقول الإمام قدس سره: إذا أريد منع الفحشاء، التي شرب الخمر من أوضح مصاديقها وضُرب أحدهم ثمانين جلدة، أو ضُرب الزاني مئة جلدة...، ترتفع الصيحات مستنكرة خشونة الحكم، وأنّه صادر من خشونة العرب، مع أنّ أحكام الإسلام الجزائيّة قد جاءت لمنع مفاسد أمّة كبيرة. لقد انتشرت الفحشاء إلى هذا الحدّ، بشكل أضاعت الأجيال وأفسدت الشباب وعطّلت الأعمال، وصار الجميع يبحث عن هذه الملاهي التي مهّدوا لها الطريق، وتعلّقوا بها بكلّ ما للكلمة من معنى، وأخذوا يروّجون لها، فإذا قال الإسلام: اجلدوا شخصًا ما في الملأ العامّ1 لأجل منع الفساد في جيل الشباب، فهذا فيه خشونة!

بينما المجازر التي استمرّت حوالى خمس عشرة سنة بيد أسياد أولئك الحكّام في فيتنام2، مع ما فيها من خسائر مادّيّة ودماء مسفوكة، لا إشكال فيها! أمّا لو أراد الإسلام إخضاع الناس للقوانين المفيدة للبشر، فأمر بالدفاع أو الحرب، وقتل عددًا من الأشخاص المفسدين والفاسدين، فإنّهم يتساءلون عن مبرّر هذه الحرب"3.
 
 

1- من جملة آداب معاقبة الخاطئ في قانون الإسلام، حضور عدد من المؤمنين أثناء إجراء الحدود. 
وقد صرّح فقهاء الشيعة بالمحافظة على هذه السنّة عند إقامة حدود الزنا والقيادة والقذف. وفتواهم في المورد الأوّل ناظرة في الآية 2 من سورة النور"وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين". والوجه الآخر هو أن يعتبر الحاضرون من عقوبتهم، وكلّ من كان يميل إلى ذلك الفعل أو يكون قد ارتكبه يتوقّف عن ارتكابه.
2- فيتنام، وبعد سنوات طويلة من النضال ضدّ المستعمرين الفرنسيّين واليابانيّين، تعرضت منذ سنة 1960م للحرب الشاملة من امريكا. هذه الحرب التي انتهت سنة 1973 بهزيمة القوّات الامريكيّة، أنزلت بالشعب الفيتناميّ ضربات وخسائر فادحة. والأرقام الموثّقة التالية وإن كانت قاصرة عن الوصف الدقيق لميزان الخسائر والأضرار لهذا الهجوم الوحشيّ، لكن يمكنها أن تعبّر عن الوقائع المرّة للتاريخ المعاصر. فحتّى سنة 1965 حين اتّسعت دائرة الحرب لتشمل فيتنام الشماليّة، كانت خسائر الشعب الفيتناميّ الجنوبيّ بهذا النحو: 170 ألف قتيل، و800 ألف جريح، و400 ألف أسير. في هذا الزمان كان عدد الأشخاص الذين أُرسلوا إلى مخيّمات الأسرى التي كانوا يسمّونها "الوحدات الزراعيّة"، قد تجاوز خمسمئة ألف. ونقلاً عن برنامج صوت أمريكا (6 كانون الثاني1963)، كان الطيران الأمريكيّ قد هاجم القرى الواقعة خارج حدود القرى (الحكوميّة) خمسين ألف مرّة خلال سنة 1962. وحسب اعترافات الجنرال هاركينز، فقد قُتل في تلك السنة ثلاثون ألفاً من القرويّين. ووصلت العمليات الجوّيّة لجيش الولايات المتّحدة فوق مناطق فيتنام الجنوبيّة إلى ثلاثين ألف طلعة في الشهر. وحسب تقرير جريدة نيويورك تايمز، فقد أُبيد في العمليّات المشتركة لقوّات الولايات المتّحدة ودولة سايغون، حوالى 1400 قرية من 2600 قرية جنوبيّة بقنابل الناپالم والأسلحة الكيمياويّة بشكل كامل. وذكر تقرير منظّمة الصليب الأحمر الحرّ لفيتنام الجنوبيّة، أنّ آلاف الأشخاص من سكّان الجنوب ابتلوا بالأمراض المختلفة، وخصوصاً الأمراض الجلديّة، نتيجة استعمال التركيبات السامّة في المناطق الواسعة والمكتظّة بالسكّان، وعانى هؤلاء المصابون الآلام والمتاعب الناشئة عن هذه الأمراض لفترات طويلة. وعدا ذلك فقد هلك الكثير من قطعان البقر والجاموس والأنعام الأليفة الأخرى، كما أبيدت الفواكه والخضار والورود، وكذلك جميع مزارع الأرزّ بشكل كامل.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 50 - 51.
 
 
 
49

36

الدرس الرابع: الإسلام دين السياسة والحكم

 المفاهيم الرئيسة


1- تركّزت دعاية المستعمرين في عدّة أفكار يمكن تصنيفها ضمن العناوين التالية:
ترويج مفهوم فصل الدين عن السياسة، وادّعاء نقص التشريعات في الإسلام، وادّعاء خشونة أحكام الإسلام.

2- يقصد المستعمرون بمقولة فصل الدين عن السياسة، أنّ الإسلام لا شأن له بالسياسة أو الحكم أو الحكومة أو إدارة المجتمع، وأنّه ينحصر في أحكام العبادات والطهارات، وغير ذلك من الشؤون الفرديّة في علاقة الإنسان مع ربّه.

3- الصحيح أنّه لا انفصال في الإسلام بين الدين والسياسة. وهذا القول مخالف لعقائدنا ومفاهيمنا الأساسيّة.

4- يستدلّ الإمام بأمرين على أنّ الإسلام هو دين السياسة: أوّلًا: سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم واستخلافه أمير المؤمنين عليه السلام، وما نستنتجه من ذلك حول تلازم السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة في الإسلام. ثانيًا: حجم الفَرق في النصّ الدينيّ الأصيل ما بين المواضيع المتعلّقة بالمجتمع وعلاقاته وإدارته، وتلك المتعلّقة بالشؤون العباديّة للفرد مع خالقه.

5- يقصد المستعمرون بمقولة ادّعاء نقص التشريعات في الإسلام، أنّ الإسلام دينٌ محدودٌ في مجال التشريع، وناقص في الأحكام، فلا يمكن له سدّ حاجات المجتمع. ويهدفون إلى التقنين والتشريع للمجتمعات الإسلاميّة وفق ما لديهم من تشريعاتٍ وضعيّة، وبما يتناسب مع مصالحهم.

6- الصحيح أنّ دين الإسلام كاملٌ وتامٌّ، وتشريعاته هي الأكمل والأرقى. وإنّ عدم احتوائه على بعض التشريعات والمواضيع الوضعيّة لا يعني نقصه، بل إنّ أيّ تشريع لم يأتِ به الإسلام هو تشريعٌ ناقصٌ لا يجلب سوى الضرر والتعاسة للإنسان.

7- لتصويب الادّعاء بخشونة أحكام الإسلام وهمجيّتها، يبيّن الإمام أنّ أحكام الإسلام الجزائيّة قد جاءت لمنع مفاسد أمّة كبيرة. فالتشدّد فيها هو من أجل الصالح العامّ للأمّة، وأنّ أحكامه تتناسب وحجم المفسدة المترتّبة على المخالفة، بعكس أحكام الغرب الجزائيّة التي لا تراعي خطورة المفاسد المترتّبة على المخالفات.
 
 
 
 
 
50

37

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 الدرس الخامس

ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يستدلّ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة من خلال التلازم بين القانون والمؤسّسات التنفيذيّة.
2- يستدلّ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة من خلال ضرورة استمرار تنفيذ الأحكام.
3- يستدلّ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة من خلال ضرورة الثورة السياسيّة والوحدة الإسلاميّة وإنقاذ الشعب المظلوم.
 
 
 
 
 
51

38

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 أدلّة ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة

يستند بحث إثبات الولاية للفقيه، أي نظريّة ولاية الفقيه، إلى عدّة مبادئ تكون مقدّمة له، منها ما تناولناه تحت عنوان التوحيد في الحاكميّة الإلهيّة، بمعنى أنّ على الإنسان المؤمن أن لا يخضع لأيّ سلطة في هذا العالم غير سلطة الله عزّ وجلّ.

والمبدأ الأساس الآخر، هو ضرورة وجود حكومة إسلاميّة في عصر الغيبة، وهي الحكومة التي يتولّى إدارتها الوليّ الفقيه. فإن لم نثبت ضرورة وجود هذه الحكومة، فلا معنى حينئذ في البحث عن أهدافها، ومن يتولّاها، وكيف، وما هي صلاحيّاته؟

ولذا نجد الإمام الخمينيّ قدس سره يشرع في إثبات ضرورة وجود حكومة إسلاميّة قبل الخوض في بحث الأدلّة الروائيّة على نظريّة ولاية الفقيه، فيقول: "إنّ تأسيس الحكومة أمرٌ لازمٌ بحسب ضرورة العقل، والأحكام الإسلاميّة، ونهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، وبحسب مفاد كثير من الآيات والروايات"1.

إذًا، نحن أمام ثلاثة أنواع من الأدلّة على إثبات ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة: أدلّة عقليّة، وأدلّة مستندة إلى الأحكام الشرعيّة (أي الأدلّة الناتجة من النظر في أحكام الشرع)، وأدلّة من السنّة والنصوص الشريفة. وسنشرع في هذا الدرس بالأدلّة العقليّة:
التلازم بين القانون والمؤسّسات التنفيذيّة
بما أنّ الإسلام هو دين الله الذي يقدّم منظومة كاملة من القوانين والتشريعات الهادفة إلى تكامل الإنسان في هذه الحياة، فلا بدّ من وجود ما يؤمّن سيادة هذه المنظومة، وهو
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 75.
 
 
 
 
53

39

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 ما نعبّر عنه بالسلطة التنفيذيّة التي تضمن تحقيق ما أقرّته السلطة التشريعيّة. يقول الإمام قدس سره في هذا الصدد: "وجود القانون المدوَّن لا يكفي لإصلاح المجتمع، فلكي يصبح القانون أساسًا لإصلاح البشريّة وإسعادها، فإنّه يحتاج إلى سلطة تنفيذيّة. ولذا، أقرّ الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذيّة والإداريّة إلى جانب إرسال القانون، أي أحكام الشرع"1.


ويقول أيضًا: "فالقانون والنظم الاجتماعيّة تحتاج أساسًا إلى منفّذ. ففي جميع بلاد العالم كان الأمر دومًا بهذا النحو، فالتشريع وحده لا فائدة فيه، التشريع وحده لا يؤمّن السعادة للبشر. وبعد التشريع يجب أن توجد سلطة تنفيذيّة تنفّذ القوانين وأحكام المحاكم، لتعود ثمرة القوانين والأحكام العادلة للحاكم على الشعب. لذا، فكما شرّع الإسلام بالقوانين، فإنّه أقام سلطة تنفيذيّة أيضًا، ووليًّا للأمر يتصدّى للسلطة التنفيذيّة"2.

"وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على رأس التشكيلات التنفيذيّة والإداريّة للمجتمع الإسلاميّ، واهتمّ صلى الله عليه وآله وسلم - إضافة إلى إبلاغ الوحي وبيان العقائد والأحكام والأنظمة الإسلاميّة وتفسيرها - بإجراء الأحكام وإقامة نظم الإسلام، إلى أن وُجدت الدولة الإسلاميّة. فلم يكتفِ في ذلك الزمان مثلًا، ببيان قانون الجزاء فحسب، بل نفّذه أيضًا، وأقام الحدود... وعندما عيّن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خليفة بعده، لم يكن ذلك لمجرّد بيان العقائد والأحكام فحسب، بل كان لأجل تطبيق الأحكام وتنفيذ القوانين أيضًا"3.

"وكانت وظيفة تنفيذ الأحكام وإقامة نُظُم الإسلام هي التي جعلت تعيين الخليفة مهمًّا، إلى درجة أنّه لولاه لما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بلّغ رسالته، ولما كان أكملها، إذ إنّ المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يحتاجون إلى من يطبّق القوانين، ويقيم النظم الإسلاميّة في المجتمع، لتأمين سعادة الدنيا والآخرة"4.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 61.
2- المصدر نفسه، ص 61-62.
3- المصدر نفسه، ص 61.
4- المصدر نفسه، ص 61.
 
 
 
54

40

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 ضرورة استمرار تنفيذ الأحكام

الدليل الثاني ضمن الأدلّة العقليّة الذي يقدّمها الإمام على ضرورة وجود حكومة إسلاميّة، هو وجوب استمرار تنفيذ الأحكام. ويستند هذا الدليل إلى الاعتقاد الراسخ بخلود الإسلام وشريعته، فما كان ضروريًّا في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يبقى ضروريًّا بعد رحيله. يقول الإمام قدس سره في هذا الشأن:
"من البديهيّ أنّ ضرورة تنفيذ الأحكام التي استلزمت تشكيل حكومة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ليست منحصرة ومحدودة بزمانه صلى الله عليه وآله وسلم، فهي مستمرّة أيضًا بعد رحلته صلى الله عليه وآله وسلم . ووفقًا للآيات القرآنيّة الكريمة1، فإنّ أحكام الإسلام ليست محدودة بزمان ومكان خاصّين، بل هي باقية وواجبة التنفيذ إلى الأبد. وقد أشرنا في سياق هذا الدرس إلى أن أحد أهم أهداف تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخليفة من بعده هو تطبيق الأحكام وتنفيذ القوانين. فأحكام القصاص، أي القانون الجزائيّ للإسلام، لم تأتِ لأجل زمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لتُترك بعده ولا تُنفّذ، أو لتُترك الضرائب المقرّرة، أو يتعطّل الدفاع عن الأراضي والأمّة الإسلاميّتين. والقول بأنّ قوانين الإسلام قابلة للتعطيل، أو أنّها منحصرة بزمان أو مكان محدَّدَين خلاف الضروريّات العقائديّة في الإسلام. وعليه، فبما أنّ تنفيذ الأحكام ضرورة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبد، فإنّ تشكيل الحكومة وإقامة السلطة التنفيذيّة الإداريّة يصبح ضروريًّا. فمن دون تشكيل الحكومة، ومن دون السلطة التنفيذيّة والإداريّة - التي تجعل جميع تصرّفات أفراد المجتمع وأنشطتهم خاضعة لنظام عادل، وذلك عن طريق تنفيذ الأحكام – من دون ذلك تلزم الفوضى، ويتفشّى الفساد الاجتماعيّ والعقائديّ والأخلاقيّ"2.

ضرورة الثورة السياسيّة
بما أنّ أيّ نظام غير إسلاميّ هو نظام طاغوت يحمل في طيّاته الشرك، وهو خلاف مبدأ الاعتقاد بحاكميّة الله الأحد، وبما أنّ الدليل العقليّ يوصلنا إلى ضرورة الحاكميّة الإلهيّة
 

1- كنموذج لهذه الآيات: سورة إبراهيم، الآية 52، وسورة يونس، الآية 2، وسورة الحجّ، الآية 49، وسورة الأحزاب، الآية 40، وسورة يس، الآية 70.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 62.
 
 
 
55

41

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 التي لا تكون إلّا بإقامة الحكومة الإسلاميّة، يبيّن الإمام وجوب العمل الدؤوب لإحلال نظام الإسلام، ما يعني ضرورة إقامة حكومة إسلاميّة. يقول الإمام قدس سره:

"بعد رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لم يسمح المعاندون وبنو أميّة1 باستقرار الحكومة الإسلاميّة بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ولم يسمحوا بتحقّق الحكومة التي كانت مرضيّة عند الله تعالى، وعند الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . وفي النتيجة بدَّلوا أساس الحكومة، وكان نهج حكومتهم في معظمه يغاير النهج الإسلاميّ. لقد كان نظام الحكم ونمط الإدارة والسياسة عند بني أميّة وبني العبّاس2 ضدّ الإسلام، فصار نظام الحكم مقلوبًا بشكل كامل، وتحوّل إلى سلطنة، مثل نظام الملكيّة في إيران وإمبراطوريّة الروم وفراعنة مصر. واستمرّ في العهود التالية بهذا النحو غير الإسلاميّ غالبًا، إلى أن وصلنا إلى الحال التي نراها.

يحكم الشرع والعقل بأن لا نسمح باستمرار وضع الحكومات بهذه الصورة غير الإسلاميّة أو المعادية للإسلام. وأسباب هذا الأمر واضحة: إذ إنّ إقامة نظام غير إسلاميّ تعني عدم تطبيق النظام السياسيّ للإسلام. وكذلك فإنّ كلّ نظام سياسيّ غير إسلاميّ، هو نظام يحمل الشرك، لأنّ حكّامه "الطاغوت"3، ونحن مكلّفون بتصفية آثار الشرك من مجتمعاتنا الإسلاميّة ومن حياتنا"4.

ويُبرز الإمام أحد أهمّ موجبات الثورة على أنظمة الطاغوت وإيجاد النظام السياسيّ الإسلاميّ، لما لذلك من دخالة في إيجاد البيئة الصالحة لنشوء الفرد وتربيته واستقامته في حياته، فيقول قدس سره: "وحيث إنّنا مكلّفون بتأمين الظروف الاجتماعيّة المساعدة لتربية العناصر المؤمنة والفاضلة أيضًا، فهذه الظروف تعاكس ظروف حاكميّة الطاغوت والسلطات غير الشرعيّة بشكلٍ كامل. فالظروف الاجتماعيّة الناشئة من حاكميّة الطاغوت
 

1- هم أولاد أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف من قبيلة قريش. وكان معاوية أوّل خليفة من هذه العائلة، وصل إلى الحكم سنة 41هـ ق، وانتهى حكم هذه السلالة سنة 132هـ ق بقتل مروان الثاني.
2- هم أولاد العبّاس بن عبد المطلّب عمّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . بدأ حكم هذه السلالة سنة 132هـ ق بخلافة عبد الله السفّاح، وانتهى سنة 656هـ ق بقتل المعتصم.
3- الطاغوت هو كلّ ظالم، وكلّ معبود غير الله سبحانه.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 72.
 
 
 
56

42

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 ونظام الشرك، يترتّب عليها هذه المفاسد التي نراها، وهذا هو الفساد في الأرض الذي يجب أن يُزال من الوجود، وينال مسبّبوه عقابهم. وهذا هو الفساد نفسه الذي أوجده فرعون في مصر بسياسته ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾1. ففي هذه الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة، لا يستطيع الإنسان المؤمن والمتّقي والعادل العيش، مع بقائه على إيمانه وعمله الصالح، فيبقى أمامه طريقان: إمّا الاضطرار إلى ارتكاب الأعمال الطالحة التي فيها شرك، وإمّا معارضة الطواغيت ومحاربتهم لإزالة تلك الظروف الفاسدة، فرارًا من ارتكاب تلك الأعمال، ومن الخضوع لأوامر الطواغيت وقوانينهم"2.


ولذلك، فإنّ السبيل الوحيد والأمثل أمام المؤمنين للحفاظ على إيمانهم، هو الثورة وإقامة الحكومة الإسلاميّة. يقول قدس سره: "إنّنا لا نجد حيلة سوى القضاء على الأجهزة الحكوميّة الفاسدة والمفسدة، وإسقاط الحكومات الخائنة والفاسدة والظالمة الجائرة. هذه هي الوظيفة التي يجب على المسلمين في كلّ بلد من البلدان الإسلاميّة القيام بها، والوصول بالثورة السياسيّة الإسلاميّة إلى النصر"3.

إقامة الحكومة لحفظ نظام الوحدة الإسلاميّة
يعتبر الإمام أنّ إقامة الحكومة الإسلاميّة ضروريّة من أجل تحقيق الوحدة بين المسلمين، وإقامة نظام إسلاميّ موحّد للأمّة الإسلاميّة، فيقول:
"ومن جهة أخرى، فإنّ المستعمرين والحكّام المستبدّين وطالبي الجاه، قد قسّموا الوطن الإسلاميّ، وفصلوا الأمّة بعضها عن بعض، وجعلوها شعوبًا متفرّقة. كما قسّم المستعمرون الدولة العثمانيّة الكبرى في زمانها. فقد اتّحدت روسيا وإنكلترا والنمسا وسائر الدول الاستعماريّة، ودخلوا معها في حروب، ومن ثمّ احتلّت كلّ دولة من هذه الدول قسمًا من مناطقها. ولئن كان حكّام الدولة العثمانيّة لم يتمتّعوا باللياقة المطلوبة، وبعضهم كان فاسدًا، وكان نظامهم نظام سلطنة، لكن، كان لا يزال خطر ظهور أشخاص صالحين
 

1- سورة القصص، الآية 4.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 72.
3- المصدر نفسه، ص 72-73.
 
 
 
 
57

43

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 من بين الشعب قائمًا بالنسبة إلى المستعمرين، لأنّه ربّما تسلّم هؤلاء الحكم بمساعدة من الناس، وقضوا على وجود الاستعمار. لذا قسّموها في الحرب العالميّة الأولى، وبعد حروب متعدّدة، حيث تحوّلت المناطق التي كانت تحكمها إلى دول صغيرة تبلغ بين عشر إلى خمس عشرة دولة، سلّموا كلّ واحدة منها إلى أحد عملائهم. وفيما بعد خرجت بعض هذه الدول من أيدي أتباع الاستعمار وعملائه"1.


بعد هذا العرض التاريخيّ الموجز لنشوء الدويلات على أنقاض دولة الخلافة العثمانّية، التي أخافَ وجودُها المستعمرين برغم اقتصارها على بعض الظاهر الإسلاميّ، فكان لا بدّ لهم من تفتيتها،

يقول الإمام قدس سره:
"لا سبيل لدينا - لتحقيق وحدة أمّتنا الإسلاميّة، وإخراج وطننا الإسلاميّ وتحريره من تحت سيطرة ونفوذ المستعمرين، والدول العميلة له - سوى تأسيس دولة، فلكي نحقّق الوحدة والحرّيّة للشعوب الإسلاميّة، يجب إسقاط الحكومات الظالمة والعميلة، ومن ثمّ إقامة الحكومة الإسلاميّة العادلة التي تكون في خدمة الناس. فتأسيس الحكومة هو لأجل حفظ نظام المسلمين ووحدتهم، كما تقول الزهراء عليه السلام في خطبتها، إذ تعتبر أنّ الإمامة هي لأجل حفظ النظام2، وتغيير افتراق المسلمين إلى اتّحاد"3.

ضرورة إنقاذ الشعب المظلوم
بما أنّه لا يمكن مجابهة الظلم الذي تتعرّض له الغالبيّة الساحقة من الشعوب بسبب نهب الطواغيت خيرات البلاد، إلّا بإقامة نظام إسلاميّ عادل، يصبح من الواجب إقامة الحكومة الإسلاميّة. يقول الإمام قدس سره مبيّناً هذه الحقيقة:
"وإضافة إلى ذلك، فإنّ المستعمرين قد فرضوا - من خلال عملائهم السياسيّين الذين
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 73.
2- نصّ كلامها عليها السلام: "وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً للفرقة"، الطبرسيّ، أحمد بن عليّ، الاحتجاج على أهل اللجاج، تحقيق وتصحيح محمّد باقر الخرسان، نشر المرتضى‏، مشهد، ‏1403 هـ، ط 1، ج 1، ص 99.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 74.
 
 
 
58

44

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 سلّطوهم على الناس - أنظمة اقتصاديّة ظالمة قسّمت الشعب إلى فئتين: ظالم ومظلوم، فصار في جانب مئات الملايين من المسلمين الجياع والمحرومين من الطبابة والعلم، بينما وقف في الجهة المقابلة عدد قليل نسبيًّا من الأثرياء وأصحاب التأثير سياسيًّا من المترفين والفاسدين، وصار الشعب الجائع والمحروم يسعى باستمرار لإنقاذ نفسه من ظلم الحكّام الناهبين، وتحسين وضع معيشته، لكنّ الأقلّية الحاكمة والأجهزة الحكوميّة الجائرة كانت تمنعهم من تحقيق ذلك"1.


والواقع أنّ المؤمنين، ولا سيّما العلماء منهم، مكلّفون برفع هذا الظلم:
"نحن مكلّفون بإنقاذ الشعب المظلوم والمحروم. نحن مكلّفون بأن ندعم المظلومين، وأن نكون أعداء الظالمين، وهذا هو التكليف الذي ينبِّه إليه أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته المعروفة لولديه العظيمين، إذ يقول: "وكُونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا"2.

"علماء الإسلام مكلّفون بمحاربة استغلال الظالمين واحتكارهم، وبعدم السماح للجوع والحرمان بالتفشّي في أوساط الكثير من أفراد الأمّة، بينما يعيش الظلمة والناهبون وآكلو المال الحرام في نعمة ورفاه. يذكر أمير المؤمنين عليه السلام أنّ السبب الذي يدعوه إلى قبول الحكم هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء، بألّا يسكتوا أمام جشع الظالمين ونهبهم، وجوع المظلومين وحرمانهم. يقول عليه السلام: "أمَا والذي فلق الحبّة وبرأ النّسَمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالمٍ، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيْتُ آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"3.

"إنّ وظيفة علماء الإسلام وجميع المسلمين، هي أن ينهوا هذا الوضع الظالم، وأن يسقطوا في هذا السبيل - الذي هو سبيل إسعاد مئات الملايين من البشر - الحكوماتِ
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 74.
2- السيّد الرضيّ، محمّد بن حسين، نهج البلاغة خطب الإمام عليّ عليه السلام، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، دار الهجرة، إيران - قمّ، 1414هـ، ط 1، ص 421، الكتاب رقم 47.
3- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة خطب الإمام عليّ عليه السلام، ص 50، الخطبة 3 الشقشقيّة.
 
 
 
59

45

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 الظالمةَ، ويقيموا الحكومة الإسلاميّة"1.


الحكومة الصالحة تحفظ الإسلام والمسلمين
ويَخلُصُ الإمام من خلال الأدلّة التي قدّمها إلى النتيجة التالية:
"إذًا، فإنّ كان من الواجب بقاء أحكام الإسلام، والوقوف بوجه تعدّيات الأجهزة الحاكمة الظالمة على حقوق الشعب الضعيف، ومنع الأقلّيّة الحاكمة من تأمين مصالحها وملاذّها من خلال نهب الشعب وإفساده، وإذا كان واجبًا إقامة النظام الإسلاميّ، والتعامل مع الجميع بطريقة الإسلام العادلة، وعدم التخطّي عنها، وإذا كان واجبًا الوقوف بوجه البدع والقوانين المخالفة للإسلام الموضوعة بواسطة المجالس المزوّرة، وإذا كان واجبًا إزالة نفوذ الأجانب من البلاد الإسلاميّة، فالحكومة أمر لازم، إذ إنّ هذه الأمور لا تتحقّق من دون حكومة ومؤسّسات. وبالطبع، فالمطلوب هو الحكومة الصالحة، والحاكم الذي يكون قيِّمًا أمينًا وصالحًا. وإلّا، فإنّ الحكّام الموجودين لا ينفعون، لأنّهم ظَلَمة وفاسدون، ولا يملكون اللياقة المطلوبة"2.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 75.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 77.
 
 
 
60

46

الدرس الخامس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (1) (الأدلّة العقليّة)

 المفاهيم الرئيسة


1- يؤكّد الإمام الخمينيّ أنّ تأسيس الحكومة أمرٌ لازمٌ، بحسب ضرورة العقل، والأحكام الإسلاميّة، ونهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، وبحسب مفاد كثير من الآيات والروايات.

2- التلازم بين القانون والمؤسّسات التنفيذيّة هو أوّل الأدلّة العقليّة على لزوم إقامة الحكومة الإسلاميّة. فبما أنّ الإسلام هو دين الله الذي يقدّم منظومة كاملة من القوانين والتشريعات الهادفة إلى تكامل الإنسان في هذه الحياة، فلا بد من وجود ما يؤمّن سيادة هذه المنظومة، وهو ما نعبّر عنه بالسلطة التنفيذيّة التي تضمن تحقيق ما أقرّته السلطة التشريعيّة، إذ إنّ وجود القانون المدوَّن لا يكفي لإصلاح المجتمع.

3- وجوب استمرار تنفيذ الأحكام دليلٌ على ضرورة وجود حكومة إسلاميّة. ويستند هذا الدليل إلى الاعتقاد الراسخ بخلود الإسلام وشريعته، فما كان ضروريًّا في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يبقى ضروريًّا بعد رحيله.

4- بما أنّ أيّ نظام غير إسلاميّ هو نظام طاغوتٍ يحمل في طيّاته الشرك، وهو خلاف مبدأ الاعتقاد بحاكميّة الله الأحد، يبيّن الإمام وجوب الثورة السياسيّة لإزالة نظام كهذا وإحلال نظام الإسلام، وهذا دليلٌ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة.

5- أهمّ موجبات الثورة على أنظمة الطاغوت وإيجاد النظام السياسيّ الإسلاميّ، هو إيجاد البيئة الصالحة لنشوء الفرد وتربيته واستقامته في حياته، وحفاظه على إيمانه.

6- ضرورة الوحدة الإسلاميّة وإقامة نظام إسلاميّ موحّد للأمّة الإسلاميّة، دليلٌ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة.

7- بما أنّه لا يمكن مجابهة الظلم الذي تتعرّض له الغالبيّة الساحقة من الشعوب بسبب نهب الطواغيت خيرات البلاد، إلّا بإقامة نظام إسلاميّ عادل، فإنّ إنقاذ الشعب المظلوم والمحروم يوجب إقامة الحكومة الإسلاميّة.

8- علماء الإسلام مكلّفون بمحاربة استغلال الظالمين واحتكارهم، وإسقاط الحكومات الظالمة، وإقامة الحكومة الإسلاميّة من أجل حفظ الإسلام والمسلمين.
 
 
 
 
 
61

47

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 الدرس السادس

ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يستدلّ بماهيّة قوانين الإسلام وكيفيّتها على ضرورة إقامة الحكومة في الإسلام.
2- يستدلّ من سنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّ عليه السلام، على ضرورة إقامة الحكومة في الإسلام.
3- يستدلّ من خلال رواية الإمام الرضا عليه السلام عن جعل الوالي، على ضرورة إقامة الحكومة.
 
 
 
 
 
63

48

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 تمهيد

بعد الفراغ من عرض الأدلّة العقليّة التي استدلّ من خلالها الإمام الخمينيّ قدس سره على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة، نشرع في هذا الدرس في تبيين القسم الثاني من الأدلّة، وهي المرتبطة بطبيعة الأحكام الشرعيّة وسيرة المعصومين، اللتين تكشفان عن جانب مهمّ لجهة الإلزام الشرعيّ الذي نبحث عنه من أجل إقامة الحكومة الإسلاميّة.

تشريع الأحكام ولزوم إقامة الحكومة الإسلاميّة
نتابع إيراد الأدلّة التي قدّمها الإمام الخمينيّ على ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة، وفي ما يلي الأدلّة المستندة إلى ماهيّة قوانين الإسلام، إذ يبيّن الإمام أنّ التأمّل في أحكام الإسلام وقوانينه يؤدّي الى استنتاج وجوب إقامة حكومة إسلاميّة، وذلك من حيثيّتين: أوّلًا: لشمول أحكام الإسلام جميع شؤون الإنسان، سواء الفرديّة أو الاجتماعيّة، بأدقّ تفاصيلها، ما يعني حكمًا وجود منظومة حكوميّة تُعنى بهذه الشؤون وفق هذه الأحكام. وثانيًا: لجهة وجود أحكام لا يمكن أن تكون نافذة ولها واقع عمليّ بغير وجود حكومة تضمن تنفيذها وتطبيقها. وعن هذه النقطة يقول الإمام: "الدليل (الآخر) على لزوم تشكيل الحكومة، هو ماهيّة القوانين الإسلاميّة (أحكام الشرع) وكيفيّتها. فماهيّة هذه القوانين تفيد أنّها قد شُرِّعت لأجل تكوين دولة، ولأجل الإدارة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة للمجتمع، إذ إنّها:
أوّلًا: تشتمل قوانين الشرع على قوانين ومقرّرات متنوّعة تبني نظامًا اجتماعيًّا شاملًا. ويتوافر في هذا النظام الحقوقيّ كلّ ما يحتاج إليه البشر، من الأمور الخاصّة، والحياة
 
 
 
 
 
 
65

49

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 الزوجيّة، ونمط التعامل مع الزوجة والأولاد، والعشيرة والقوم وأهل البلد، إلى المقرّرات المتعلّقة بالحرب والصلح والتعامل مع سائر الشعوب، ومن القوانين الجزائيّة إلى قوانين التجارة والصناعة والزراعة.


ففيها قوانين لمرحلة ما قبل النكاح وانعقاد النطفة، و(تبيين كيف يجب أن يجري النكاح)، وماذا ينبغي أن يكون طعام الإنسان عندها، أو أثناء انعقاد النطفة، وما هي تكاليف الأبوين في فترة الرضاعة، وكيف يجب أن يُربّى الطفل، وكيف يجب أن يتعامل الرجل والمرأة أحدهما مع الآخر، ومع أولادهما"1.

فما من شأن من شؤون الإنسان إلّا وله حكم في الإسلام، يضمن تطبيقُه سعادة المجتمع والفرد وكمالهما:
"يوجد فيها (قوانين الشرع) قانون لجميع هذه المراحل، لتربِّي الإنسان فردًا كاملًا فاضلًا، يجسّد القانون ويعمل على تطبيقه تلقائيًّا. ويتّضح بهذا إلى أيّ حدّ يَهتمُّ الإسلام بالحكومة والعلاقات السياسيّة والاقتصاديّة للمجتمع، لكي يوفّر كلّ الظروف لأجل تربية الإنسان المهذّب الفاضل. فالقرآن الكريم والسنّة الشريفة يشتملان على جميع القوانين والأحكام التي يحتاج إليها الإنسان لسعادته وكماله.

في كتاب الكافي2 فصلٌ تحت عنوان: (... جميع ما يحتاج الناس إليه إلّا وقد جاء فيه كتاب أو سنّة)3، والكتاب، أي القرآن، تبيان لكلِّ شيء4، ويُقْسِمُ الإمام (حسب الروايات) إنّ كلّ ما يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنّة5، وهذا لا شكّ فيه"6.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 67.
2- "الكافي في الحديث" المشهور بالكافي، من الكتب الأربعة عند الشيعة، تأليف محمّد بن يعقوب الكلينيّ. وهو يشمل 34 كتاباً و 326 بابًا، وقد أحصوا أحاديثه إلى ستة عشر ألف حديث.
3- راجع: الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1407هـ، ط 4، ج1، ص 59 - 62، كتاب: فضل العلم، باب "الردّ إلى الكتاب والسنّة ... وجميع ما يحتاج الناس إليه إلّا وقد جاء فيه كتاب أو سنّة".
4- إشارة إلى الآية 89 من سورة النحل ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾.
5- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى والله ما ترك شيئًا يحتاج إليه العباد حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن، إلّا وقد أنزل الله فيه". (الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 59).
6- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 67-68.
 
 
 
66

50

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 ثانيًا: "بالتدقيق في ماهيّة أحكام الشرع وكيفيّتها، نجد أنّ تنفيذها والعمل بها مستلزمٌ لتشكيل الحكومة، وأنّه لا يمكن العمل بوظيفة تطبيق الأحكام الإلهيّة من دون تأسيس سلطة عظيمة وواسعة للتنفيذ والإدارة"1.


أمثلة على ضرورة وجود سلطة تنفيذيّة
يضرب الإمام بعض الأمثلة من الأحكام التي يستلزم تنفيذها وجود سلطة تنفيذيّة:
1- الأحكام الماليّة:
"الضرائب التي فرضها الإسلام والميزانيّة التي طرحها، تدلّ على أنّها ليست لمجرّد سدّ رمق الفقراء من السادة الهاشميّين وغيرهم، وإنّما لأجل تشكيل حكومة، وتأمين المصاريف الضروريّة لدولة كبيرة.

مثلًا: الخمس أحد الموارد الضخمة التي تصبّ في بيت المال، ويشكّل أحد مصادر الميزانيّة، وبحسب مذهبنا، يؤخذ الخمس بشكلٍ عادلٍ من جميع المصالح، سواء الزراعة أو التجارة، أو المصادر المخزونة في جوف الأرض، أو الموجودة فوقها، وبشكل عامّ من جميع المنافع والعوائد، بنحو يشمل الجميع، من بائع الخضر على باب المسجد، إلى العامل في السفن، أو من يستخرج المعادن.. فهؤلاء عليهم دفع الخمس من أرباحهم، بعد صرف المصارف المتعارفة، إلى الحاكم الإسلاميّ، لكي يضعه في بيت المال. ومن البديهيّ أنّ موردًا بهذه العظمة إنّما هو لأجل إدارة بلد إسلاميّ، وسدّ جميع حاجاته الماليّة. فعندما نحسب خمس أرباح البلاد الإسلاميّة، أو جميع أنحاء الدنيا - فيما لو صارت تحت الحكم الإسلاميّ - يتّضح لنا أنّ الهدف من وضع ضريبة كهذه ليس مجرّد سدّ حاجة السادة الهاشميّين وعلماء الدين، بل إنّ القضيّة أهمّ من ذلك. فالهدف هو سدّ الحاجة الماليّة لجهاز حكوميّ كبير. فإذا ما لو قامت الحكومة الإسلاميّة، فيجب أن تدار بواسطة هذه
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 68.
 
 
 
 
67

51

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 الضرائب، من الخمس والزكاة - ومقدار الزكاة بالطبع ليس كبيرًا - والجزية1 والخراج2 (أو الضرائب على الأراضي الوطنيّة الزراعيّة).


فالسادة الهاشميّون ليسوا بحاجة إلى ميزانيّة كهذه، إذ خمس أرباح سوق بغداد يكفي للسادة ولجميع الحوزات العلميّة، وجميع فقراء المسلمين، فضلًا عن أسواق طهران وإسطنبول والقاهرة وسائر الأسواق. فتعيين ميزانيّة بهذه الضخامة يدلّ على أنّ الهدف هو تشكيل حكومة وإدارة بلد. وقد جُعلت للقيام بالحاجات الأساسية للشعب والخدمات العامّة، التي تشمل الشؤون الطبّيّة والثقافيّة والدفاعيّة والعمرانيّة، خصوصًا مع ذلك النظام الذي حدّده الإسلام لجمعها وحفظها ومصرفها، بنحو لا يقع أيّ حيف وميل في الخزينة العامّة، ودون أن يكون ثمّة امتياز لأحد من الولاة أو المتصدّين للخدمات العامّة - أي موظّفي الدولة - على سائر الناس العاديّين في الاستفادة من الأرباح والأموال العامّة. وإنّما ينالون حصصًا متساوية. فهل يجب أن نرمي هذه الميزانيّة الضخمة في البحر؟ أو هل ندفنها حتّى يظهر صاحب الأمر عليه السلام؟3"4.

ثمّ يشير الإمام إلى الجزية والخراج فيقول: "فالجزية المجعولة على "أهل الذمّة"5، والخراج الذي يُؤخذ على الأراضي الزراعيّة الواسعة، يؤمّنان موارد ضخمة... فوضع ضرائب كهذه يدلّ على لزوم الحاكم والحكومة ... المسؤولون عن الحكومة الإسلاميّة هم المكلّفون بتحديد ضرائب كهذه من ناحية المقدار، والمتناسب وفقًا للمصلحة، ومن ثمّ جمعها وصرفها في مصالح المسلمين"6.
 

1- الجزية هي الضريبة التي يدفعها أهل الكتاب للحكومة الإسلاميّة، بينما تحمي الحكومة الإسلامية في المقابل أرواحهم وأموالهم وأعراضهم.
2- الخراج هو الضريبة المحدّدة التي تضعها الحكومة الإسل اميّة على الأراضي المفتوحة بأيدي المسلمين، والمسمّاة "بالأرض الخراجيّة".
3- اختلفت آراء الاماميّة في مصرف الخمس، وخصوصاً نصفه المسمّى "بسهم الامام"، فبعضهم يقول إنّه ملك لشخص الإمام، ويجب أن يُدفن في الأرض ويُحفظ إلى حين ظهوره عليه السلام. المقنعة، ص285، 286 وشرح اللمعة، ج1، ص 184.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص 68-69.
5- يطلق أهل الذمّة على أهل الكتاب الذين يعيشون في البلاد الإسلاميّة وتحت حماية حكومة الإسلام، بشرط دفع الجزية والخراج.
6- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 70.
 
 
 
 
68

52

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 ويَخلُص الإمام إلى النتيجة التالية: "فكما تلاحظون، فإنّ الأحكام الماليّة للإسلام تدلّ على لزوم تشكيل الحكومة، ولا يمكن تطبيقها إلّا عن طريق إقامة النظام الإسلاميّ"1.


2- أحكام الدفاع والجهاد:
المثل الثاني الذي يضربه الإمام قدس سره على طبيعة الأحكام الشرعيّة في الإسلام، ودلالتها على لزوم إقامة الحكومة الإسلاميّة، يدور حول أحكام الدفاع، فيقول قدس سره:
"ومن ناحية أخرى، فإنّ الأحكام التي تتعلّق بحفظ نظام الإسلام، والدفاع عن جميع أراضي الأمّة الإسلاميّة واستقلالها، تدلّ على لزوم تشكيل الحكومة.

فمثلًا هذا الحكم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ2, الذي هو أمر بالاستعداد وحشد ما أمكن من القوى المسلّحة المدافعة بشكل عامّ، وأمر بالتهيّؤ والمراقبة الدائمة في فترة الصلح والهدوء، لو عمل المسلمون بهذا الحكم، وقاموا بالحشد الواسع من خلال تشكيل حكومة إسلاميّة، وكانوا في حالة استعداد قتاليّ كامل، لما تجرّأت حفنة من اليهود على احتلال أرضنا وتخريب المسجد الأقصى وحرقه، من دون أن يتمكّن الشعب من القيام بردّ فعل فوريّ. فكلّ هذا نتيجة عدم تنفيذ المسلمين حكم الله، وتشكيل الحكومة الصالحة والمطلوبة"3.

3- أحكام إحقاق الحقوق، والأحكام الجزائيّة:
وهذا المثل واضح في الدلالة على لزوم إقامة الحكومة، وإلّا لما كان لوضع هذه التشريعات أيّ معنى. يقول الإمام قدس سره: "إنّ الكثير من الأحكام من قبيل الديات التي يجب أن تُؤخذ وتُؤدّى لأصحابها، أو الحدود والقصاص التي يجب أن تُنفّذ بإشراف الحاكم الإسلاميّ، لا تتحقّق من دون إقامة أجهزة حكوميّة. فجميع هذه القوانين ترتبط بتنظيم الدولة، ولا يمكن إنجاز هذه الأمور إلّا من قبل السلطة الحكوميّة"4.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 70.
2- سورة الأنفال، الآية 60.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 71.
4- المصدر نفسه، ص 71.
 
 
 
69

53

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 الأدلّة الشرعيّة المستندة إلى السيرة وأحاديث المعصومين عليهم السلام

1- نهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسنّته:
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"إنّ سنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ونهجه، دليل على لزوم تشكيل الحكومة، وذلك:
أوّلًا: لأنّه هو صلى الله عليه وآله وسلم شكّل حكومة، والتاريخ يشهد بذلك، وطبّق القوانين، وتثبّت أنظمة الإسلام، وأدار المجتمع، فأرسل الرسائل إلى رؤساء القبائل والملوك، وعقد المعاهدات والاتّفاقات، وقاد الحروب. والخلاصة، أنّه طبّق مسائل الحكم والدولة.

وثانيًا: عيّن حاكمًا بعده بأمر من الله تعالى. وعندما يعيّن الله تعالى حاكمًا للمجتمع بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا يعني لزوم استمرار الحكومة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا. وبما أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أبلغ الأمر الإلهيّ في وصيّته، فيكون بذلك أفاد ضرورة تشكيل الحكومة أيضًا"1.

2- سيرة2 كلّ من أتى بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
"لم يتردّد أحد من المسلمين في ضرورة الحكومة بعد رحلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يقل أحد لا حاجة بنا إلى الحكومة، إذ لم يُسمع كلام كهذا من أحد مطلقًا، بل كان الجميع متّفقين على ضرورة تشكيل الحكومة، وإنّما كان الاختلاف على من يتولّى هذا الأمر، ويكون رئيسًا للدولة فحسب. لذا، شُكّلت الحكومة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في زمن الذين تصدّوا للخلافة بعده، وفي زمن أمير المؤمنين عليه السلام، وكان هناك نظام حكوميّ تجري من خلاله عمليّة الإدارة والتنفيذ"3.

3- أحاديث المعصومين بشأن تأسيس الحكومة:
"إنّ تأسيس الحكومة أمرٌ لازم بحسب ضرورة العقل، والأحكام الإسلاميّة، ونهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، وبحسب مفاد كثيرٍ من الآيات والروايات. وكنموذج على ذلك أذكر هذه الرواية المنقولة عن الإمام الرضا عليه السلام، (في إجابة عن سؤال حول جعل أولي الأمر، والأمر بطاعتهم):
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 62.
2- ما يصطلح عليه السيرة المتشّرعية أو سيرة العقلاء.
3- المصدر نفسه، ص 64.
 
 
 
70

54

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 "... لعلل كثيرة، منها: أنّ الخلق لمّا وُقِفَوا على حدّ محدود، وأُمروا أن لا يتعدّوا تلك الحدود - لما فيه من فسادهم - لم يكن يثبت ذلك أو يقوم إلّا بأن يُجعل عليهم فيها أمينٌ يأخذهم بالوقف عند ما أُبيح لهم، ويمنعهم من التعدّي على ما حُظِرَ عليهم، لأنّه لولا ذلك لما ترك أحد لذّته ومنفعته لفساد غيره، فَجُعِلَ عليهم قيِّمٌ يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها: أنّنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل، بَقيت وعاشت إلّا بقيَّمٍ ورئيسٍ لما لا بدّ لها منه في أمر الدين والدنيا. فلم يَجُزْ في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلّا به، فيقاتلون به عدوّهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعهم وجماعتهم، ويُمْنَع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: أنّه لو لم يجعل الحكيم لهم إمامًا قيِّمًا أمينًا حافظًا مستودعًا، لدرست الملّة، وذهب الدين وغُيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقّص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين. وإذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت حالاتهم، فلو لم يجعل الحقّ قيَّمًا حافظًا لما جاء به الرسول الأوّل، لفسدوا على نحو ما بيَّنّاه، وغُيّرت الشرائع والسنن والأحكام والأيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين"1"2.

تحليل الإمام وفهمه للروايات الشريفة
يشرع الإمام قدس سره في تحليل الرواية فيقول:
1- إقامة العدل حاجة مستمرّة دائمًا:
"وممّا يُستنبط من كلام الإمام عليه السلام، فهناك أسباب وعلل عديدة تستدعي لزوم تشكيل الحكومة وتولّي "وليّ الأمر". وهذه العلل والأسباب والجهات ليست ظرفيّة
 

1- الصدوق، محمّد بن عليّ‏ بن بابويه، علل الشرائع‏، قمّ، نشر مكتبة داوري‏، 1427 هـ، ط 1‏، ج1، ص 253 - 254، باب 182، الحديث 9.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص 75-76.
 
 
 
 
71

55

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

 ولا محدودة بزمان، فلزوم تشكيل الحكومة في النتيجة أمر مستمرّ. فتعدّي الناس مثلًا على حدود الإسلام، وتجاوزهم حقوق الآخرين، وغصبهم إيّاها لأجل تأمين اللذّة والمنفعة الشخصيّة، أمر يحصل باستمرار. فلا يمكن القول إنّ هذا إنّما كان في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، لكنّ الناس بعده صاروا ملائكة!، وقد أشرنا سابقاً إلى ضرورة استمرار تنفيذ الأحكام الإسلامية في كل العصور بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


لقد شاءت حكمة الخالق أن يعيش الناس بالعدل، وأن يتحرّكوا ضمن حدود الأحكام الإلهيّة. فهذه الحكمة دائمة، ومن السنن الإلهيّة التي لا تقبل التغيير. وبناءً عليه، فهناك ضرورة - في أيّامنا هذه وعلى الدوام - لوجود وليٍّ للأمر، أي حاكم قيّم على النظام والقانون الإسلاميّ، حاكم يمنع الظلم والتجاوز والتعدّي على حقوق الآخرين، ويكون أمينًا وحارسًا لخلق الله، وهاديًا للناس إلى التعاليم والعقائد والأحكام والنُظم الإسلاميّة، ويقف أمام البدع التي يضعها الأعداء والملحدون في الدين وفي القوانين والنظم. أوَلم تكن خلافة أمير المؤمنين عليه السلام لأجل هذا الأمر؟ فتلك العلل والضرورات التي جعلته عليه السلام حاكمًا، لا تزال موجودة هذه الأيّام أيضًا، مع فارق أنّه الآن لا يوجد شخص معيّن، وإنّما صار المنصَّب هو "العنوان"1، وذلك ليبقى محفوظًا إلى الأبد"2.

2- إنكار ضرورة الحكومة الإسلاميّة إنكار لخلود دين الإسلام:
يقول الإمام قدس سره: "إذًا، لا مفرّ من تشكيل الحكومة، وتنظيم جميع الأمور التي تحصل في البلاد، منعًا للفوضى والتفسّخ. وعليه، فما كان ضروريًّا في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام بحكم العقل والشرع، من إقامة الحكومة والسلطة التنفيذيّة والإداريّة، فهو ضروريّ بعدهما، وفي زماننا أيضًا... فكلّ من يقول إنّه لا ضرورة لتشكيل الحكومة الإسلاميّة، فهو
 

1- المراد هو أنّ المذكور في ضرورة تشكيل الحكومة وهداية الناس صار عنوان "وليّ الأمر"، لا أنّه قد سُمّي شخص معيّن مثل أمير المؤمنين عليه السلام. وبناءً عليه، فإدارة النظام الإسلاميّ في كلّ عصر هي من وظائف الشخص الذي ينطبق عليه عنوان "وليّ الأمر".
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 76-77.
 
 
 
 
72

56

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

منكرٌ لضرورة تطبيق الأحكام الإسلاميّة، ولجامعيّتها، ولخلود دين الإسلام المبين"1.

3- شدّة الحاجة إلى الحكومة الإسلاميّة في العصر الحاليّ:
ويشدّد الإمام على الحاجة الماسّة إلى الحكومة، وبخاصّة في هذا العصر، أمام المصائب التي ابتُليت بها الأمّة:
"في الماضي، وحيث إنّنا لم ننهض لأجل تأسيس الحكومة وإزالة تسلّط الحكّام الخونة والفاسدين بشكل جماعيّ ومنسّق، و"البعض" منّا تراخى في أداء المطلوب، بل انزعج من القيام بالعمل التوجيهيّ والتبليغيّ، بل كان من الدعاة للحكّام الظَّلَمة! لهذه الأسباب، صارت الأوضاع بهذا النحو، فضعف نفوذ الإسلام وحاكميّته في المجتمع، وابتُليت الأمّة الإسلاميّة بالتقسيم والعجز، وتعطّلت أحكام الإسلام، وغُيّرت وبُدِّلت، وروّج المستعمرون - من خلال عملائهم السياسيّين، ولأجل تحقيق أغراضهم المشؤومة - القوانين والثقافة الأجنبيّة بين المسلمين، وحوّلوا الناس إلى مغتربين. وكلّ هذا كان بسبب عدم امتلاكنا لقيِّم ورئيس، وسلطة قياديّة، ونحن نحتاج إلى مؤسّسات حكوميّة صالحة، وهذا الأمر من البديهيّات"2.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 63-64.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص77-78.
 
 
 
 
73

57

الدرس السادس: ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة (2) (الأحكام الشرعيّة - سيرة المعصومين عليهم السلام)

المفاهيم الرئيسة

1- التأمّل في أحكام الإسلام وقوانينه، يؤدّي إلى استنتاج وجوب إقامة حكومة إسلاميّة، وذلك من حيثيّتين: أوّلًا: لشمول أحكام الإسلام جميع شؤون الإنسان، سواء الفرديّة أو الاجتماعيّة، بأدقّ تفاصيلها. وثانيًا: لجهة وجود أحكام لا يمكن أن تكون نافذة ولها واقع عمليّ بغير وجود حكومة تضمن تنفيذها وتطبيقها.

2- الأحكام الجزائيّة والأحكام الماليّة للإسلام وأحكام الدفاع، هي أمثلةٌ على طبيعة قوانين الإسلام الدالّة على لزوم إقامة الحكومة، إذ لا يمكن تطبيقها إلّا عن طريق إقامة النظام الإسلاميّ، ومن قبل السلطة الحكوميّة.

3- سنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ونهج الإمام عليّ عليه السلام، دليلٌ على ضرورة إقامة الحكومة في الإسلام، فقد شكّلا حكومة وأدارا جميع شؤونها.

4- إنّ تأسيس الحكومة أمرٌ لازم بحسب مفاد كثيرٍ من الآيات والروايات. وكنموذج لذلك، الرواية المنقولة عن الإمام الرضا عليه السلام، في إجابة عن سؤال عن جعل أولي الأمر، والأمر بطاعتهم.

5- هناك حاجة ماسّة إلى الحكومة الإسلاميّة، لا سيما في هذا العصر المثقل بالمصائب التي ابتُليت بها الأمّة.

6- يشير الإمام إلى أنّ كلّ من يقول بعدم ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة، هو منكرٌ لضرورة تطبيق الأحكام الإسلاميّة، ولجامعيّتها، ولخلود دين الإسلام المبين.
 
 
 
 
 
74

58

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 الدرس السابع

نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن خصائص النظام الإسلاميّ التي تميّزه عن غيره من الأنظمة.
2- يدرك أنّ الحكومة الإسلاميّة هي وسيلة لتحقيق الأهداف السامية.
3- يوضح أهداف الحكومة الإسلاميّة.
 
 
 
 
 
 
75

59

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 خصائص النظام الإسلاميّ

بعد أن أثبت الإمام الخمينيّ قدس سره ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة وإيجاد نظام إسلاميّ، انتقل إلى إبراز خصائص هذا النظام، وتمايزه عن غيره من أنواع أنظمة الحكم المعروفة في العالم، وبيان أهداف هذه الحكومة، ما يعدّ تمهيدًا لمعرفة ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم الذي يتولّى أمر الحكومة الإسلاميّة.

يختلف النظام الإسلاميّ عن غيره من أنظمة الحكم في العالم اختلافًا جوهريًّا، إذ إنّ المشرّع فيه هو الله تعالى، الذي ارتضى للبشريّة دين الإسلام كمنهج تامّ وكاملٍ، يكفل الالتزام بأحكامه وقوانينه سعادة الفرد والمجتمع على حدّ سواء. ويذكر الإمام الخمينيّ قدس سره الخصائص التالية لهذا النظام التي تميّزه عن أنواع الأنظمة الأخرى:
1- لا استبداد في النظام الإسلاميّ:
يقول الإمام قدس سره: "الحكومة الإسلاميّة ليست كأيّ نوعٍ من أنماط الحكومات الموجودة، فهي مثلًا ليست استبداديّة1، بحيث يكون رئيس الدولة مستبدًّا ومتفرّدًا برأيه، ليجعل أرواح الشعب وأمواله ألعوبة يتصرّف فيها بحسب هواه، فيقتل من يشاء وينعم على من يشاء، ويهب من يشاء من أموال الشعب وأملاكه. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك سائر الخلفاء، لم يكن لهم هذه الصلاحيّات. فالحكومة الإسلاميّة لا هي استبداديّة ولا مطلقة2، وإنّما هي مشروطة"3،
 

1- الحكم الاستبداديّ هو الذي لا يكون للشعب فيه ممثّل أو حقّ التصويت، ويكون فيه محروماً من أيّ سهم من إدارة أمور البلاد. ومن علامات هذا النظام عدم محدوديّة سلطة الحاكم من الناحية القانونيّة، ووجود سلطة مركزيّة تقضي على أيّ نحو من المعارضة.
2- أي ملكيّة.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 78.
 
 
 
 
77

60

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 "وبالطبع ليست مشروطة بالمعنى المتعارف عليه هذه الأيّام1، حيث يكون وضع القوانين تابعًا لآراء الأشخاص والأكثريّة، وإنّما مشروطة من ناحية أنّ الحكّام يكونون مقيّدين في التنفيذ والإدارة بمجموعة من الشروط التي حدّدها القرآن الكريم والسنَّة الشريفة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . ومجموعة الشروط هي تلك الأحكام والقوانين الإسلاميّة نفسها التي يجب أن تُراعى وتُنفّذ. ومن هنا، فالحكومة الإسلاميّة هي "حكومة القانون الإلهيّ على الناس"2.


2- المشرّع في النظام الإسلاميّ هو الله تعالى حصرًا:
"الفرق الأساس بين الحكومة الإسلاميّة وحكومات "الملكيّة المشروطة"3، و"الجمهوريّة"4، هو في كون ممثّلي الشعب أو الملك هم الذين يشرّعون في مثل هذه الأنظمة، بينما في الحكومة الإسلاميّة يختصّ التشريع بالله تعالى. فالشارع المقدّس في الإسلام هو السلطة التشريعيّة الوحيدة، فلا حقَّ لأحدٍ بوضع القوانين، ولا يمكن وضع أيّ قانون غير حكم الشارع موضع التنفيذ. لذا، ففي الحكومة الإسلاميّة، بدلًا من "مجلس التشريع" الذي يشكّل إحدى السلطات الثلاث في الحكم، يكون هناك "مجلس تخطيط"، يضع الخطط لمختلف الوزارات من خلال أحكام الإسلام، وتحدّد كيفيّة أداء الخدمات العامّة في جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المخطّطات"5.
 
 

1- نظام حكم تكون فيه سلطة الحكومة ناشئة من اعتراف الشعب، وتكون مشروطة ومحدودة طبق أصول معيّنة وقابلة للتطبيق، ويكون الدستور المرجع والمستند الأعلى للإدارة.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 78-79.
3- الملكيّة أو السلطة شكل من أشكال الحكم، يحمل فيه رئيس البلاد اسم الملك أو الملكة. وخصوصيّة هذا النظام هو وراثة الحكم، وإن كان يجري أحياناً على شكل انتخاب من قبل الملك أو آخرين. والحكومة الملكيّة تارة تكون غير محدودة، وتكون فيها جميع سلطات الدولة بيد الملك، وتصدر السلطات الثلاث عنه، وهذه تُسمّى حكومة مطلقة. وتارة تحدّد سلطات الملك بواسطة مجلس تشريعيّ، ويفوّض وضع القوانين لممثّلي الشعب، وهذا النوع من الحكومة يُسمّى "السلطة المشروطة".
4- الجمهوريّة نوع من الحكم يُنتخب فيه الحاكم بتصويت مباشر أو غير مباشر من الشعب. ولا يوجد توارث في هذا الشكل من الحكم، ومدّة الرئاسة فيه محدودة. والجمهوريّة تكون في نظام البلدان التي تمتلك ديمقراطيّة برلمانيّة، لكن أحياناً يُطلق اسم الجمهوريّة على الحكومة الدكتاتوريّة غير الملكيّة أيضاً.
5- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 79.
 
 
 
78

61

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 3- القانون في النظام الإسلاميّ يتمتّع بالمقبوليّة من الناس:

"إنّ القوانين الإسلاميّة التي وردت في القرآن والسنّة، يتلقّاها المسلمون بالقبول والطاعة، وهذا ممّا يسهّل عمل الحكومة، ويجعلها مرتبطة بالشعب. بينما في الحكومات الجمهوريّة والملكيّة المشروطة، فإنّ غالبيّة الذين يعتبرون أنفسهم ممثّلي أكثريّة الشعب، يضعون ما يشاؤون ويسمّونه "قانونًا"، ومن ثمّ يفرضونه على الشعب"1.

4- السلطة في النظام الإسلاميّ هي للقانون لا للحاكم:
"حكومة الإسلام هي حكومة القانون. وفي هذا النمط من الحكومة تنحصر الحاكميّة بالله والقانون - الذي هو أمر الله وحكمه -. فقانون الإسلام أو أمر الله له، تسلّط كامل على جميع الأفراد وعلى الدولة الإسلاميّة. فالجميع، بدءًا من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مرورًا بخلفائه وسائر الناس، تابعون للقانون - إلى الأبد - لذلك القانون نفسه النازل من عند الله، والمبلَّغ بلسان القرآن والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . إذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد تولّى الخلافة، فقد كان ذلك بأمرٍ من الله، إذ إنّ الله تعالى هو الذي جعله صلى الله عليه وآله وسلم خليفة، "خليفة الله في الأرض"، لا أنّه شكّل الحكومة من نفسه وأراد أن يكون رئيسًا على المسلمين. وبما أنّه كان يُحتمل حصول الخلاف بين الأمّة بعد رحيله - إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام والايمان - فقد ألزم الله تعالى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقف فورًا وسط الصحراء ليبلّغ أمر الخلافة2، فقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحكم القانون واتّباعًا لحكم القانون، وعيّن أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة، لا لكونه صهره، أو لأنّه كان قد أدّى بعض الخدمات، وإنّما لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورًا وتابعًا لحكم الله، ومنفّذًا لأمر الله. أجل، فالحكومة في الإسلام تعني اتّباع القانون، والقانون وحده هو الحاكم في المجتمع.

... وفي كلّ وقت كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن أمراً أو يبلّغ حكماً، فإنّما يكون ذلك منه اتّباعًا لحكم الله وقانونه. واتّباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنّما هو أيضًا بحكم من الله، إذ يقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾... واتّباع أولي الأمر أيضًا بحكم من الله، يقول تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
 
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 79.
2- إشارة إلى واقعة الغدير المترتّبة على نزول هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ سورة المائدة، الآية 67، راجع: الشيخ الأميني، الغدير، بيروت - لبنان، دار الكتاب العربيّ، 1977م، ط 4، ج1، ص 214 - 229.
 
 
 
79

62

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾1. فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وغيره من الأشخاص تابعون لإرادة الله تعالى في الحكومة والقانون الإلهيّين"2.


5- لا مكان لمظاهر السلطنة في النظام الإسلاميّ:
"والحكومة الإسلاميّة ليست سلطنة ملكيّة ولا إمبراطوريّة3، ففي هذا النوع من الحكومات يكون الحكّام مسلّطين على أرواح الناس وأموالهم، وهم يتصرّفون فيها بحسب آرائهم، والإسلام يجلُّ عن هذا النهج والنمط من الحكم. ولذا، لا تجد في الحكومة الإسلاميّة - خلافًا لأنظمة السلطنة والملكيّة والإمبراطوريّة - آثارًا للقصور الكبيرة، والعمارات المجلّلة، والخدم والحشم، والمكاتب الخاصّة، ومكاتب وليّ العهد، وسائر لوازم السلطنة، التي تقضي على نصف أو على قسم كبير من ميزانيّة البلاد. كلّكم تعرفون كيف كانت حياة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان رئيس الدولة الإسلاميّة وحاكمها، وقد استمرّت هذه السيرة بعده صلى الله عليه وآله وسلم إلى عهد بني أميّة. وإن كانوا قد خالفوا في أمور أخرى، وظهر الانحراف الفاحش في عهود أخرى، وذلك الانحراف الذي أوصلنا اليوم إلى هذه المصائب. وقد أُصلح نهج الحكومة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، وكان مسارها الصلاح والاستقامة. ومع أنّه عليه السلام كان يحكم بلادًا واسعة، كانت إيران ومصر والحجاز واليمن من مناطقها، فقد كان يعيش حياة لا يقدر عليها حتّى طالب العلم الفقير. فبحسب المرويّ، فقد اشترى يومًا قميصين، أعطى الأفضل منهما لخادمه قنبر، والآخر - لمّا كانت أكمامه طويلة - فقد قطع الزائد منها، وارتداه بأكمامه الممزّقة4. هذا مع كونه حاكمًا لبلاد كبيرة في المساحة وعدد السكان، وكثيرة الموارد"5.
 

1- سورة النساء، الآية 59.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 80.
3- الإمبراطوريّة اسم للبلاد ذات الأراضي الشاسعة والعدد الكبير من السكّان، والمؤلّفة من أمم وشعوب مختلفة اتّحدت تحت حكم حاكم واحد، هو الإمبراطور.
4- العلّامة المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، نشر دار إحياء التراث العربيّ، لبنان - بيروت، 1403هـ، ط2، ج4، ص 324.
5- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 80-81.
 
 
 
 
80

63

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 أهداف الحكومة الإسلاميّة

1- الحكومة الإسلاميّة وسيلة لتحقيق الأهداف السامية:
إنّ إثبات ضرورة وجود الحكومة الإسلاميّة من خلال الأدلّة التي قدّمها الإمام الخمينيّ، يؤدّي إلى فهم فلسفة وجود هذه الحكومة، فهي ليست هدفًا بحدّ ذاتها، وإنّما هي وسيلة لتحقيق حاكميّة الله تعالى على الأرض، مع ما يستتبع ذلك من الخير للإنسان. ولذلك يكون تولّي الحكومة مجرّد وسيلة لإقامة حكم الإسلام. يقول الإمام قدس سره:
"تولّي أمر الحكومة في حدّ ذاته ليس مرتبة ومقامًا، وإنّما مجرّد وسيلة للقيام بوظيفة تطبيق الأحكام، وإقامة نظام الإسلام العادل. يقول أمير المؤمنين عليه السلام لابن عبّاس1 عن الحكومة نفسها: "ما قيمة هذه النعل؟" فقال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال عليه السلام: "والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلّا أن أقيم حقًّا" (أي أقيم قانون الإسلام ونظامه) أو أدفع باطلًا (أي القوانين والأنظمة الجائرة والمحرّمة)"2. إذًا، فالحاكميّة والإمارة مجرّد وسيلة ليس إلّا، وهذه الوسيلة إذا لم تؤدّ إلى عمل الخير وتحقيق الأهداف السامية، فهي لا تساوي شيئًا عند أهل الله.

ولذا، يقول عليه السلام في نهج البلاغة: "لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر... لألقيت حبلها على غاربها"3، (أي لتركت تلك الحكومة والإمارة). وذلك بديهيّ، فتولّي الحكومة هو مجرّد تحصيل وسيلة، وليس مقامًا معنويًّا... فبمقدار ما تكون الحكومة والإمارة وسيلة لتطبيق الأحكام الإلهيّة وإقامة النظام العادل للإسلام، تكون ذات قدر وقيمة، ويكون المتولّي لها جليل القدر، سامي المقام"4.

وبما أنّ الحكومة هي وسيلة لتحقيق مصالح البشريّة، فإنّ تولّي أمر الحكومة هو وظيفة ثقيلة، وليس مقامًا رفيعًا أو مرتبة بحدّ ذاته:
 

1- عبدالله بن العبّاس بن عبد المطّلب (السنة الثالثة قبل الهجرة ـ 68هـ) هو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام، وقد أخذ التفسير عن عليّ عليه السلام، واشتهر بـ "رئيس المفسّرين" و"حبر الأمّة"، وكان من قادة قوات الامام عليّ عليه السلام ومساعديه في حروب الجمل وصفّين والنهروان.
2- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، ص 76، الخطبة 33.
3- المصدر نفسه، ص 50، الخطبة 3 الشقشقيّة.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 90.
 
 
 
81

64

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 "بعض الناس هيمنت عليهم الدنيا، فهم يتوهّمون أنّ الرئاسة والحكومة بحدّ ذاتها شأن ومرتبة بالنسبة إلى الأئمّة عليه السلام، بنحوٍ لو ثبتت لغيرهم، فكأنّما الدنيا قد خربت، مع أنّ الحكّام في العالم، رؤساء وملوك وأمراء يملكون السلطة والنفوذ السياسيّ. وهذه السلطة والنفوذ والقدرة السياسيّة يجعلونها وسيلة لتحقيق طموحاتهم، من خلال تطبيق القوانين والسياسات المعادية للإنسانيّة.


الأئمّة والفقهاء العدول مكلّفون بالاستفادة من النظام والتشكيلات الحكوميّة من أجل تنفيذ الأحكام الإلهيّة، وإقامة النظام الإسلاميّ العادل، والقيام بخدمة الناس. الحكومة بحدّ ذاتها بالنسبة إليهم لا تعني سوى المشقّة والتعب. لكن ما العمل؟ إنّهم مأمورون بالقيام بالوظيفة"1.

2- الأهداف السامية للحكومة:
ولتبيين هذه الأهداف، يستشهد الإمام الخمينيّ بما قاله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام:
"والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلّا أن أقيم حقًّا (أي أقيم قانون الإسلام ونظامه)، أو أدفع باطلًا (أي القوانين والأنظمة الجائرة والمحرّمة)2"3.

يصرّح الإمام عليه السلام بالسبب الذي دفعه لتولّي الحكومة والإمارة، وأنّ ذلك إنّما كان لأجل تحقيق الأهداف السامية، ولأجل إقامة الحقّ وإزالة الباطل. جاء في كلامه عليه السلام:
"اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لِنَرِدَ المعالمَ من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطَّلة من حدودك"4. فالذي ألجأني إلى قبول الحكم والإمارة على الناس هو "ما أخذه الله على العلماء، من ألّا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 90-91.
2- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، ص 76، الخطبة 33.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 90.
4- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، ص 189، الخطبة 131.
 
 
 
 
82

65

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 على سغب مظلوم"1"2.


فالأهداف التي نتبيّنها إذًا، هي: إقامة نظام الإسلام، وإجراء قوانينه، ونشر الصلاح، وإبطال أنظمة الجور وقوانينها، وكذلك بسط العدالة في المجتمع، ودفع الظلم والباطل.
 

1- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، ص 50، الخطبة 3 الشقشقيّة.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 91.
 
 
 
 
83

66

الدرس السابع: نظام الحكم الإسلاميّ (خصائصه وأهدافه)

 المفاهيم الرئيسة


1- يختلف النظام الإسلاميّ عن غيره من أنظمة الحكم في العالم اختلافًا جوهريًّا، إذ إنّ المشرّع فيه هو الله تعالى، الذي ارتضى للبشريّة دين الإسلام منهجًا تامًّا وكاملًا، يكفل الالتزام بأحكامه وقوانينه سعادة الفرد والمجتمع على حدّ سواء.

2- أهمّ خصائص النظام الإسلاميّ: لا استبداد فيه، الحكومة في النظام الإسلاميّ مشروطة بالقوانين الإلهيّة، المشرّع فيه هو الله تعالى حصرًا، القانون فيه يتمتّع بالمقبوليّة من الناس، السلطة فيه هي للقانون لا للحاكم، ولا مكان لمظاهر السلطنة فيه.

3- إنّ إثبات ضرورة وجود الحكومة الإسلاميّة من خلال الأدلّة التي قدّمها الإمام الخمينيّ، يؤدّي إلى فهم فلسفة وجود هذه الحكومة، فهي ليست هدفًا بحدّ ذاتها، وإنّما هي وسيلة لتحقيق حاكميّة الله تعالى على الأرض، مع ما يستتبع ذلك من الخير للإنسان.

4- وبما أنّ الحكومة هي وسيلة لتحقيق مصالح البشريّة، فإنّ تولّي أمر الحكومة هو وظيفة ثقيلة، وليس مقامًا رفيعًا أو مرتبة بحدّ ذاته.

5- أهداف الحكومة الإسلاميّة هي: إقامة نظام الإسلام، وإجراء قوانينه، ونشر الصلاح، وإبطال أنظمة الجور وقوانينها، وكذلك بسط العدالة في المجتمع، ودفع الظلم والباطل.
 
 
 
 
 
84

67

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 الدرس الثامن

شروط الحاكم الإسلاميّ


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن شروط الحاكم الإسلاميّ بحسب ما تفيده الروايات الشريفة.
2- يشرح شروط الحاكم الإسلاميّ بحسب ما تقتضيه طبيعة النظام الإسلاميّ.
3- يعرف أنّ شروط الحاكم الإسلاميّ في عصر الغيبة، لا تختلف عن شروطه في أيّ زمن.
 
 
 
85

68

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 مقدّمة

من خلال التأمّل في بعض الروايات الواردة عن المعصومين عليه السلام، ومن خلال التدقيق في أهداف الحكومة في الإسلام، يمكن استخلاص الخصائص أو الشروط التي ينبغي توافرها في الحاكم الإسلاميّ، والتي تنقسم إلى شروط عامة، وشروط أساسية:
أولاً: الشروط العامة: شرطا العقل والتدبير:
يشير الإمام الخميني قدس سره إلى أنّ العقل والتدبير من الشروط العامة للحاكم1، والمعلوم بالبداهة بأنّ العقل شرط في المكلّف فضلاً عن المجتهد والحاكم، وأما التدبير فهو شرط رئيس في الحاكم بل في كل مدير وقائد، والتدبير من الأفعال التي نسبها الله إلى نفسه، إذ وصف ذاته المقدّسة بالمدبِّر، كما ألهم عباده هذه الخصلة وحثّهم على التحلّي بها، وقد صوّر القرآن الكريم واقع التدبير في حياة الأنبياء عليهم السلام ولا سيما تدبير النبي يوسف عليه السلام الذي كان أميناً على خزائن مصر2.

ثانياً: الشروط الأساسية: شرطا العدالة والعلم بالقانون
ومن هذه الروايات يذكر الإمام الخمينيّ رواية واردة عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ويستنتج منها الشرطين الأساسيّين للحاكم، فيقول:
"الحاكم الذي يريد تطبيق أهداف الإسلام السامية عمليًّا من خلال سلطته وأجهزة الدولة التي تخضع لأمره - وهي تلك الأهداف نفسها التي بيّنها أمير المؤمنين عليه السلام - يجب أن يكون ممتلكًا لتلك الخصال الضروريّة التي أشرنا إليها سابقًا، وهي: العلم بالقانون، والعدالة.
 

1- الإمام الخميني قدس سره، الحكومة الإسلامية، ص82.
2- يراجع: سورة يوسف، الآيات 47 - 49.
 
 
 
 
87

69

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 ولذا، يشير الإمام عليه السلام في تتمّة كلامه عن أهداف الحكومة، إلى الصفات الضروريّة في الحاكم التي تضمن وجود ملكات نفسية أساسية إلى جانب العدالة، إضافة إلى الخبرة في الإدارة والحكم، فيقول: "اللّهمّ إنّي أوّل من أناب، وسمع وأجاب، لميسبقني إلّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة. وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيُضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول، فيتّخذ قومًا دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنّة فيُهلك الأمّة"1.


ينبغي الالتفات جيّدًا إلى أنّ مطالب هذه الرواية تدور على موضوعين: الأوّل: العلم. والثاني: العدالة. وقد جُعلت هاتان الخصلتان ضرورتين في "الوالي"، ففي عبارة (ولا الجاهل فيضلّهم بجهله)، إشارة إلى صفة العلم. وفي سائر العبارات تأكيد للعدالة بمعناها الواقعيّ. فالعدالة بمعناها الحقيقيّ هي: التصرّف في العلاقات مع الدول، وفي التعامل مع الناس ومعاشرتهم، وفي القضاء، وتقسيم الأرزاق والموارد العامّة، كما كان يتصرّف أمير المؤمنين عليه السلام، ووفقًا للنهج الذي عيّنه عليه السلام في عهده لمالك الأشتر2، ومن خلاله لجميع الحكّام والولاة - لأنّه عهد عامّ - فالفقهاء أيضًا إذا صاروا ولاة، يجب أن يجعلوه برنامجهم العمليّ"3.

انسجام الشرطين مع طبيعة النظام الإسلاميّ
يبيّن الإمام الخمينيّ الشروط اللازمة للحاكم الإسلاميّ، وهي شروط لازمة عقلًا بلحاظ ماهيّة أهداف نظام الحكم والحكومة الإسلاميّين وطبيعتهما. ونجد أنّها تتطابق مع ما بيّنته الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. يقول الإمام قدس سره:
 
 

1- السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام)، ص 189، الخطبة 131.
2- مالك الأشتر، (الحارث النخعيّ المعروف بالأشتر 37هـ ق) من قادة القوّات الإسلاميّة، وكان معروفًا بالشجاعة، وقد قاتل في حروب الجمل وصفّين إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام. وولّاه الإمام عليه السلام مصر، واستُشهد وهو في طريقه إليها بالسمّ بدسيسة معاوية. ودستور الامام عليه السلام لمالك المعروف بعهد مالك الأشتر، والمذكور في نهج البلاغة الكتاب رقم 53- مشهور إلى درجة كبيرة.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 91-92.
 
 
 
88

70

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 "الشروط اللازمة للحاكم ناشئة من طبيعة نمط الحكومة الإسلاميّة بشكلٍ مباشر. فبعد الشروط العامّة مثل العقل والتدبير، هناك شرطان أساسيّان هما:

1- العلم بالقانون.
2- العدالة"1.

ويعتبر الإمام أنّ توافر هذين الشرطين كان مدار الاختلاف بين من رأى وجوب تولّي الإمام عليّ عليه السلام خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قدّم عليه غيره، فيقول قدس سره: "عندما اختُلف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في من يجب أن يتولّى الخلافة، لم يبرز أيّ اختلاف بين المسلمين في أنّ الخليفة يجب أن يكون الفاضل، وإنّما كان الاختلاف في موضوعين فحسب:
1ـ شرط العلم بالقانون:
"بما أنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فالعلم بالقانون بالنسبة إلى الحاكم، يكون أمرًا ضروريًّا، كما ورد في الرواية. بل ليس للحاكم وحسب، بل للجميع مهما كان عملهم أو مرتبتهم. فالعلم بأمر كهذا ضروريّ. غاية الأمر أنّ الحاكم يجب أن يكون الأفضل من الناحية العلميّة. ولقد استدلّ أئمّتنا عليهم السلام على إمامتهم أيضًا، بأنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من الآخرين"2.

2ـ شرط العدالة:
"الحاكم يجب أن يكون عادلًا ومتمتّعًا بالكمال العقائديّ والأخلاقيّ، وألّا يكون ملوّثًا بالمعاصي. فالذي يريد إقامة الحدود، وتطبيق القانون الجزائيّ الإسلاميّ، وإدارة بيت المال، وموارد البلاد ومصارفها، والذي يمنحه الله صلاحيّة إدارة عباده، يجب ألّا يكون من أهل المعاصي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾3. فالله تعالى لا يمنح صلاحيّات كهذه للجائر. والحاكم
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 82-83.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 83.
3- سورة البقرة، الآية 124.
 
 
 
89

71

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 إذا لم يكن عادلًا، فإنّه لن يتصرّف بعدالة في أداء حقوق المسلمين، وأخذ الضرائب وصرفها بشكل صحيح، وفي تنفيذ القانون الجزائيّ. ومن الممكن حينها أن يحمل أعوانه وأنصاره وأقرباءه على رقاب الناس، وأن يصرف بيت مال المسلمين في أغراضه الشخصيّة وأهوائه"1.


ولهذا، نجد أنّ الإمام قدس سره يؤكد هذين الشرطين فيقول:
"فالعلم بالقانون والعدالة بالنسبة إلى المسلمين شرطان وركنان أساسيّان في أمر الإمامة، ولا دخالة ولا ضرورة لشيءٍ آخر فيها، كالعلم بكيفيّة الملائكة مثلًا، أو بأوصاف الصانع تبارك وتعالى. فهذه كلّها لا دخل لها في موضوع الإمامة. فلو صار شخص ما عالمًا بجميع العلوم الطبيعيّة، واكتشف كلّ قواها، أو كان عارفًا بالموسيقى بشكل جيّد، فلا يعني ذلك أنّه لائق بالخلافة، ولا يكتسب بهذا أولويّة تولّي الحكومة على عدول العلماء بالقانون الإسلاميّ، فليس لتلك الأمور علاقة بالخلافة"2.

علّة شرطَي العلم والعدالة
"وقد سبق الكلام والبحث حول زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّتنا عليهم السلام، وكان مسلَّمًا بين المسلمين أيضًا، وهو أنّ الخليفة والحاكم يجب أن يكون عارفًا أوّلًا بالأحكام الإسلاميّة، أي عالمًا بالقانون، وأن يكون عادلًا ثانيًا، ويتمتّع بالكمال العقائديّ والأخلاقيّ. والعقل يقتضي ذلك، إذ إنّ الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون، وليست حكومة الأهواء والأشخاص على الناس. فإذا لم يكن الحاكم عارفًا بالقانون، فهو لا يليق بالحكومة، لأنّه إذا قلَّد "الغير" تضعف قوّة الحكومة، وإذا لم يقلّد ولم يرجع "للغير"، فلن يستطيع أن يكون حاكمًا ومنفّذًا لقانون الإسلام، وهذا أمر مسلّم به، إذ إن "الفقهاء حكّام على السلاطين"3، فلو كان السلاطين متّبعين للإسلام، فيجب أن يتّبعوا الفقهاء ويسألوهم عن القوانين والأحكام، ومن ثمّ ينفّذونها. وفي هذه الصورة، يكون الحكّام الحقيقيّون هم الفقهاء. إذًا، يجب أن تكون الحاكميّة رسميًّا للفقيه، لا لأولئك المضطرّين لاتّباع الفقهاء
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 84-85.
2- المصدر نفسه، ص 83.
3- عن الإمام الصادق عليه السلام: "الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك"، (العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج1، ص 183، كتاب العلم، باب 21، حديث 92).
 
 
 
 
90

72

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 نتيجة جهلهم بالقانون"1. والنتيجة إذًا، أنّ طبيعة النظام الإسلاميّ تقتضي أن يكون الحاكم هو الأعلم بالقوانين، وأن يكون عادلًا.


"بناءً على هذا، فنظريّة الشيعة حول نمط الحكومة ومَن الذي يجب أن يتولّاها في مرحلة ما بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمان الغيبة واضحة، إذ بمقتضاها يجب أن يكون الإمام هو الأفضل، وعالمًا بالأحكام والقوانين، وعادلًا في تنفيذها"2. طبعاً إضافة إلى شرط الخبرة والتدبير، كما ذكرنا سابقاً.

ويقول الإمام قدس سره في موضع آخر: "بما أنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فيجب أن يكون علماء القانون، بل الأهمّ علماء الدين - أي الفقهاء - هم القائمين بها، والمراقبين لجميع الأمور التنفيذيّة والإداريّة، وإدارة التخطيط في البلاد"3.

لزوم شرطي العلم والعدالة في عصر الغيبة
هل يمكن اعتبار الشروط المذكورة للحاكم الإسلاميّ، خاصّة بالمرحلة التي تلت رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أم هذه الشروط لازمة لأيّ حاكم إسلاميّ في كلّ العصور؟

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره:
"والآن، في عصر غيبة الإمام عليه السلام، وإذ قد تقرّر أنّ أحكام الإسلام ذات الارتباط بالحكم باقية ومستمرّة، وأنّ الفوضى أمر غير جائز، يكون تشكيل الحكومة أمرًا واجبًا. والعقل يحكم بلزوم تشكيل الأجهزة أيضًا، لتأمين القدرة على الدفاع فيما لو هوجمنا، ولنستطيع ردّ الهجوم عن نواميس المسلمين فيما لو تعرّضوا لذلك. كما أنّ الشرع المقدّس أمر بلزوم الاستعداد الدائم للدفاع أمام من ينوون الاعتداء علينا. وكذلك، من الضروريّ وجود حكومة، وجهاز قضائيّ وتنفيذيّ، من أجل منع تعدّيات أفراد المجتمع بعضهم على بعض. وبما أنّ هذه الأمور لا تجري تلقائيًا، فيجب تشكيل الحكومة لذلك. وبما أنّ تشكيل
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 83-84.
2- المصدر نفسه، ص 85.
3- المصدر نفسه، ص 109.
 
 
 
91

73

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 الحكومة وإدارة المجتمع يحتاج إلى ميزانيّة وأموال، لذا، عيّن الشارع المقدّس الميزانيّة وأنواع الضرائب أيضًا، كالخراج والخمس1 والزكاة2 وغيرها.


والآن، حيث لم يُعيَّن شخص محدّد من قبل الله عزّ وجلّ للقيام بأمر الحكومة في زمن الغيبة، فما هو التكليف؟ هل يجب التخلّي عن الإسلام؟ هل صرنا في غنًى عنه؟ وهل كان الإسلام لمدّة مئتي سنة فقط؟ أم الإسلام حدّد التكليف، لكن ليس علينا من تكاليف تتعلّق بالحكومة؟

إنّ معنى عدم وجود حكومة هو زوال جميع حدود المسلمين وثغورهم، وجلوسنا "متفرّجين" تاركين "للغير" أن يعملوا ما يشاؤون...! فهل هكذا يجب أن يكون الوضع؟ أم الحكومة واجبة؟"3.

إذًا، برغم أنّ الله تعالى لم يحدّد حاكمًا بعينه لتولّي الحكم في زمن الغيبة الكبرى، إلّا أنّ شروط هذا الحاكم معروفة وواضحة، وهي نفسها صفات الحاكم الإسلاميّ. وبما أنّ واجب إقامة الحكومة ثابتٌ ما دامت الحياة البشريّة، وبما أنّه لا بدّ للحكومة من حاكم، فإنّ شروط الحاكم هي التي تؤدّي دور البوصلة في تعيينه في زمن الغيبة، أي هو تعيين بالعنوان والصفة. يقول الإمام قدس سره: "ولئن كان الله تعالى لم يعيّن شخصًا معيّنًا للحكومة في زمن الغيبة، لكنّ تلك الصفات التي كانت شرطًا في الحاكم، من صدر الإسلام إلى زمن الإمام صاحب الزمان عليه السلام، هي كذلك لزمان الغيبة أيضًا. وهذه الصفات التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة، موجودةٌ في عددٍ لا يُحصى من فقهاء عصرنا، لو اجتمعوا معًا، لاستطاعوا إقامة حكومة العدل الشامل في العالم"4.
 

1- الخمس أحد الحقوق الواجبة في الإسلام، التي تتعلّق بالأمور السبعة التالية حين تحقّق شروطها: 
1ـ الغنائم المأخوذة بالقتال من الكفّار الحربيّين 2 ـ المعادن 3 ـ الكنوز، أي الأموال المدفونة في موضع ما 4 ـ الأشياء البحريّة الغالية، كاللؤلؤ والمرجان، ممّا يُؤخذ عن طريق الغوص 5 ـ المال الحلال المختلط بالحرام، بنحو لا يتميّز ولا يُعلم مقداره ولا مالكه 6 ـ الأرض التي يشتريها الكافر الذمّيّ من المسلم 7 ـ ما يزيد على مؤونة السنة من الأرباح التي يجنيها المكلّف.
2- الزكاة ضريبة للحكومة الإسلامية تُؤخذ على تسعة أجناس إذا تحقّقت فيها الشرائط: 1 ـ الإبل 2 ـ البقر 3 ـ الغنم (وهي الأنعام الثلاثة)، 4 ـ الذهب 5 ـ الفضّة (وهما النقدان)، 6 ـ الحنطة 7 ـ الشعير 8 ـ التمر 9 ـ الزبيب (وهي الغلّات الأربع). (وهناك نوع آخر من الزكاة يُسمّى بزكاة الفطرة، يجب ليلة عيد الفطر، ومقداره ثلاثة كيلوات من القوت الرائج، أو ما يعادله عن كل شخص).
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 85-86.
4- المصدر نفسه، ص 86.
 
 
 
92

74

الدرس الثامن: شروط الحاكم الإسلاميّ

 المفاهيم الرئيسة


1- من خلال رواية واردة عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، يستنتج الإمام الخمينيّ شرطين أساسيّين للحاكم الذي يريد تطبيق أهداف الإسلام السامية، وهما العلم بالقانون والعدالة.

2- العدالة بمعناها الحقيقيّ، هي التصرّف في العلاقات مع الدول، وفي التعامل مع الناس ومعاشرتهم، وفي القضاء، وتقسيم الأرزاق والموارد العامّة، كما كان يتصرّف أمير المؤمنين عليه السلام، ووفقًا للنهج الذي عيّنه عليه السلام في عهده لمالك الأشتر، والذي ينبغي أن يكون البرنامج العمليّ للولاة.

3- الشروط اللازمة عقلًا للحاكم الإسلاميّ التي تتبيّن من ملاحظة ماهيّة نظام الحكم والحكومة الإسلاميّين وطبيعتهما وأهدافهما هي العلم بالقانون والعدالة، وهي تتطابق مع ما بيّنته الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام من شروط الحاكم.

4- إنّ الحكومة الإسلاميّة هي حكومة القانون، لا حكومة الأهواء والأشخاص على الناس، فإذا لم يكن الحاكم عارفًا بالقانون، فهو لا يليق بالحكومة.

5- إذا لم يكن الحاكم عادلًا، فإنّه لن يتصرّف بعدالة، ولن يتمكّن من إقامة العدل، وهذا من أهمّ أهداف الحكومة الإسلاميّة.

6- الشروط المذكورة للحاكم الإسلاميّ ليست خاصّة بمرحلة زمنيّة محدّدة، بل هي لازمة لأيّ حاكمٍ إسلاميّ في كلّ العصور.

7- بما أنّ واجب إقامة الحكومة ثابتٌ ما دامت الحياة البشريّة، وبما أنّه لا بدّ للحكومة من حاكمٍ، فإنّ شروط الحاكم هي التي تؤدّي دور البوصلة في تعيينه في زمن الغيبة، أي هو تعيين بالعنوان والصفة.
 
 
 
 
 
 
93

75

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 الدرس التاسع

ولاية الفقيه الجامع للشرائط


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح مفهوم نظريّة ولاية الفقيه.
2- يميّز بين صلاحيّات الوليّ الفقيه وصلاحيّات المعصوم بشكلٍ صحيحٍ.
3- يشرح نوعي الولاية: التكوينيّة والاعتباريّة.
 
 
 
 
 
95

76

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 نظريّة ولاية الفقيه

بعد أن بيّن الإمام الخمينيّ قدس سره الصفات والشروط الأساسيّة اللازمة للحاكم الإسلاميّ: (الفقاهة والعدالة والتدبير والخبرة)، التي لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة، يقدّم نظريّة ولاية الفقيه بعبارة بسيطة، فيقول: "لو أسّس الشخص الحائز هاتين الخصلتين الحكومة، تثبت له الولاية نفسها التي كانت ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ويجب على جميع الناس إطاعته"1.

فحين يتصدّى العالم الحائز هذه الشروط لإقامة الحكومة الإسلاميّة، يصبح هو الحاكم أو الوالي، أي الوليّ، وبما أنّه العالم الفقيه فيُسمّى بالوليّ الفقيه.

وإنّ التصدّي لإقامة الحكومة واجب على الفقهاء، ويجب عليهم السعي في سبيلها ما أمكن. يقول الإمام قدس سره:
"بعد ثبوت هذا المطلب، يجب على الفقهاء أن يقيموا الحكومة الشرعيّة، إمّا مجتمعين وإمّا منفردين، من أجل تنفيذ الحدود وحفظ الثغور والنظام. وإذا كان الأمر ميسورًا لأحدهم، فهو واجب عينيّ عليه، وإلّا فهو كفائيّ2. وفي حالة عدم إمكانه، لا تسقط ولايتهم، لأنّهم منصَّبون من الله عزّ وجلّ. فإذا تمكّنوا، يجب عليهم أخذ الضرائب من الزكاة والخمس والخراج وصرفها في مصالح المسلمين، كما يجب عليهم تنفيذ الحدود (في صورة الإمكان). فليس صحيحًا أنّنا إذا لم نتمكّن الآن من إقامة الحكومة العامّة والشاملة،
 
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 86.
2- الواجب "العينيّ" هو الواجب الذي يكون إتيانه واجبًا على كلّ فرد من المكلّفين، وإتيان بعضهم به لا يسقطه عن الآخرين، وذلك كالصلاة والصوم. والواجب "الكفائيّ"، هو الواجب الذي إذا أتى به "البعض" ممّن يُكتفى بهم، سقط عن الكلّ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 
 
 
97

77

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 أن نتخلّى عن الأمر، بل يجب القيام بما نستطيع القيام به من الأمور التي يحتاج إليها المسلمون، والوظائف التي يجب أن تتولّاها الحكومة الإسلاميّة"1.


ونفهم من تعريف الإمام، أنّ ولاية الفقيه هي تولّي الفقيه (الحائز الشروط اللازمة)، لأمور الحكومة الإسلاميّة، وأنّ طاعته واجبة على المسلمين، وأنّ هذه الولاية هي امتدادٌ لولاية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة المعصومين عليهم السلام.

صلاحيّات الوليّ الفقيه
وهنا، يُطرح البحث عن صلاحيّات هذه الولاية، فنجد الإمام يعتبر أنّ صلاحيّات الوليّ الفقيه هي نفسها تلك الثابتة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
"فتوهّم أنّ صلاحيّات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم كانت أكثر من صلاحيّات أمير المؤمنين عليه السلام، وصلاحيّات أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من صلاحيّات الفقيه، هو توهّم خاطئ وباطل. نعم، إنّ فضائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالطبع هي أكثر من فضائل جميع البشر، لكنّ كثرة الفضائل المعنويّة لا تزيد في صلاحيّات الحكم. فالصلاحيّات نفسها التي كانت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، في تعبئة الجيوش، وتعيين الولاة والمحافظين، واستلام الضرائب وصرفها في مصالح المسلمين، قد أعطاها الله تعالى للحكومة المفترضة هذه الأيّام. غاية الأمر أنّه لم يعيّن شخصًا بالخصوص، وإنّما أعطاه لعنوان العالم العادل"2.

الفرق بين الولاية التكوينيّة والولاية الجعلية
وهنا، قد يطرأ اشتباهٌ في أذهان "البعض" حول المقام والمكانة الرفيعة الممنوحة للفقيه في النظام الإسلاميّ. وغالبًا ما ينشأ هذا الاشتباه جرّاء الخلط ما بين الولاية التكوينيّة والولاية الاعتباريّة، فإنّ تولية الفقيه ولاية الحكم وصلاحيّات المعصوم في ما يخصّ شؤون الحكومة، لا يعني مطلقًا منحه أيًّا من المقامات المعنويّة الثابتة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وآل بيته صلوات الله عليهم أجمعين. وعن هذا الأمر يقول الإمام قدس سره:
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 88-89.
2- المصدر نفسه، ص 86.
 
 
 
98

78

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 "عندما نثبت الولاية نفسها التي كانت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام للفقيه في عصر الغيبة، فلا يتوهّمنّ أحدٌ أنّ مقام الفقهاء كمقام الأئمّة عليهم السلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ كلامنا هنا ليس عن المقام والمرتبة، وإنّما عن الوظيفة"1.


وهنا مكمن الفرق ما بين الولايتين التكوينيّة والجعلية: فالأولى مقامٌ معنويّ، والثانية وظيفة. ويتولّى الإمام الخمينيّ شرح كلٍّ منهما فيقول قدس سره:
الولاية التكوينيّة
"للإمام عليه السلام مقاماتٌ معنويّة مستقلّة عن وظيفة الحكومة، وهي مقام الخلافة الكلّيّة الإلهيّة التي ورد ذكرها على لسان الأئمّة عليهم السلام أحيانًا، والتي تكون بموجبها جميع ذرّات الوجود خاضعة أمام "وليّ الأمر". من ضروريّات مذهبنا أنّه لا يصل أحدٌ إلى مراتب الأئمّة عليهم السلام المعنويّة، حتّى الملك المقرّب، والنبيّ المرسل. وفي الأساس، فإنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام - بحسب رواياتنا -كانوا أنوارًا في ظلّ العرش قبل هذا العالم، وهم يتميّزون عن سائر الناس في انعقاد النطفة و"الطينة"2، ولهم من المقامات ما شاء الله، وذلك كقول جبرائيل عليه السلام في روايات المعراج: "لو دنوت أنملة لاحترقت"3، أو كقولهم عليهم السلام: "إنّ لنا مع الله حالات، لا يسعها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل"4. فوجود مقامات كهذه للأئمّة عليه السلام من أصول مذهبنا، وذلك بغضّ النظر عن موضوع الحكومة. كما أنّ هذه المقامات المعنويّة ثابتة للزهراء عليها السلام5، مع أنّها ليست بحاكمٍ ولا خليفةٍ ولا قاضٍ، فهذه المقامات شيء آخر غير وظيفة الحكومة"6.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 86.
2- راجع: الصفّار، محمّد بن حسن‏، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد صلّى الله عليهم‏، تحقيق وتصحيح محسن بن عبّاس علي كوچه باغي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي‏،‏ إيران- قمّ‏، 1404هـ، ط 2، ج1، ص 20، باب 10، والعلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 25، ص 130.
3- العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 18، ص 382، "باب إثبات المعراج ومعناه وكيفيّته".
4- راجع: الصفّار، بصائر الدرجات، ص 23، باب 11.
5- الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص123 باب143، الحديث1. والشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص47 و107. والعلّامة المجلسيّ، بحار الانوار، ج43، ص 12 فما بعد.
6- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 89.
 
 
 
99

79

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 الولاية الجعلية

"...فالولاية - أي الحكومة وإدارة البلاد وتنفيذ أحكام الشرع المقدّس - هي وظيفة كبيرة ومهمّة، لكنّها لا تُحدث للإنسان مقامًا وشأنًا غير عاديّ، أو ترفعه عن مستوى الإنسان العاديّ. وبعبارة أخرى، فالولاية - التي هي محلّ البحث، أي الحكومة والإدارة والتنفيذ - ليست امتيازًا، خلافًا لما يتصوّره الكثيرون، وإنّما هي وظيفة خطيرة.

ولاية الفقيه من الأمور الجعلية العقلائيّة1، وليس لها واقع سوى الجعل، وذلك كجعل القيّم للصغار. فالقيّم على الأمّة لا يختلف عن القيّم على الصغار من ناحية الوظيفة والدور. وكأنّ الإمام عليه السلام قد عيّن شخصًا لأجل "حضانة"2 الحكومة أو منصب من المناصب. ففي هذه الموارد، لا يُعقل أن يكون هناك فرق بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام والفقيه"3.

ولاية الفقيه ولاية جعلية
إنّ ما بيّنه الإمام قدس سره من ثبوت الولاية للفقيه، تختصّ بالولاية الجعلية، وهذه الولاية بحدّ ذاتها لا ترفع من شأن صاحبها، ولا تزيد في مقامه المعنويّ، والأمر كذلك حتّى بالنسبة إلى أئمّتنا عليهم السلام.

يقول الإمام قدس سره: "ولا يُتصوّر أنّ منصب الحكومة أو القضاء كان شأنيًّا بالنسبة إلى الأئمّة عليهم السلام، فقد كانت الإمارة بالنسبة إليهم مهمّة لكونها تمكّنهم من إقامة حكومة العدل، وتطبيق العدالة الاجتماعيّة ونشرها بين الناس فحسب، وإلّا فإنّ المقامات المعنويّة للأئمّة عليهم السلام هي فوق إدراك البشر، ولا تتوقّف على النصب والتعيين، إذ حتّى لو لم يجعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
 

1- الأمور الاعتباريّة مقابل الأمور التكوينيّة، وتُطلق على الأمور التي توجد بالجعل والتبنّي والوضع، وتنسب إلى واضعها وجاعلها، فإذا كان واضعها الشارع سُمّيت "الاعتبار الشرعيّ"، وإذا كان واضعها الناس العقلاء- لأجل إدارة أمور حياتهم، سُمّيت "بالاعتبار العقلائيّ".
2- الحضانة هي ادارة الطفل أو المجنون وحفظه. وحضانة الطفل في الدرجة الأولى تكون في عهدة أبويه.
فإذا لم يكونا من الأحياء، أو كانا فاقدين للصلاحيّات، فالإمام والحاكم الإسلاميّ يعيّن شخصًا للقيام بذلك.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 86-87.
 
 
 
 
100

80

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 أمير المؤمنين وصيًّا له، فإنّ مقامات الإمام المعنويّة محفوظة. فليس مقام الحكومة والمنصب هو الذي يمنح الإنسان الشأن والمرتبة المعنويّتين"1.


الولاية الاعتباريّة ثابتة
إنّ اختصاص المعصومين عليهم السلام بالمقامات المعنويّة الرفيعة ليس له دخالة في شؤون الحكومة، بحيث تضيق دائرة وظائف الفقيه ومهامّه مقارنة بوظائف المعصوم عليه السلام ومهامّه، نظرًا لعدم حيازته مقاماتهم المعنويّة. يقول الإمام الخمينيّ: "ففي هذه الموارد لا يُعقل أن يكون هناك فرق بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام والفقيه، فمن الأمور التي هي ضمن ولاية الفقيه، تنفيذ الحدود، (أي تطبيق القانون الجزائيّ للإسلام)، فهل هناك اختلاف في تنفيذ الحدود بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام والفقيه؟ أم لأنّ الفقيه أدنى رتبة، فيجب أن تكون السياط التي يجلدها أقلّ عددًا؟


فالزاني (الذي حدّه في الأصل مئة جلدة)، هل يضربه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مئة وخمسين، بينما يضربه أمير المؤمنين عليه السلام مئة جلدة، أمّا الفقيه فيضربه خمسين فحسب؟!! أم الحاكم مسؤول السلطة التنفيذيّة، ويجب عليه أن يقيم حدّ الله، سواء أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم أمير المؤمنين عليه السلام، أم ممثّله وقاضيه في البصرة أو الكوفة، أم فقيه العصر.

ومن شؤون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، أخذ الضرائب من الخمس والزكاة والجزية وخراج الأرض الخراجيّة2، فهل ما يأخذه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من زكاة يختلف عمّا يجب أن يأخذه أمير المؤمنين عليه السلام أو الفقهاء؟ وهل هناك فرق في هذه الأمور - (من الناحية التطبيقية) - بين ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولاية أمير المؤمنين عليه السلام وولاية الفقهاء؟"3.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 113-114.
2- الأراضي الخراجيّة تُطلق على الأراضي العامرة التي افتتحها المسلمون بأمر من النبيّ عليه السلام أو الإمام عليه السلام، وهذا النوع من الأراضي هو ملك المسلمين، وبيعه وشراؤه ممنوع، وإنّما تسلّمه الحكومة الإسلاميّة لمن يعمل فيه، ويدفع مقابل ذلك ضريبة تسمّى بالخراج.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 87-88.
 
 
 
101

81

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 ولاية الفقيه إمتداد لولاية المعصوم عليه السلام

الولاية الجعلية الثابتة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، ثابتة أيضًا للفقيه في ما يخصّ تشكيل الحكومة وتولّي شؤونها وإدارتها. يقول الإمام الخمينيّ في هذا الشأن: "لقد جعل الله تعالى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وليًّا لجميع المسلمين، وإلى حين وجوده صلى الله عليه وآله وسلم كان له ولاية حتّى على أمير المؤمنين عليه السلام. ومن بعده كان أمير المؤمنين عليه السلام الإمام على جميع المسلمين، وله ولاية حتّى على الإمام الذي يكون بعده، أي إنّ أوامره التي لها ارتباط بأمر الحكومة نافذة وجارية، ويستطيع نصب القضاة والولاة وعزلهم.

وتلك الولاية نفسها الثابتة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللإمام عليه السلام، في تشكيل الحكومة والتصدّي للإدارة والتنفيذ، ثابتة للفقيه أيضًا1...
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 88.
 
 
 
102

82

الدرس التاسع: ولاية الفقيه الجامع للشرائط

 المفاهيم الرئيسة


1- حين يتصدّى العالِم الحائز شرطَيْ العلم بالقانون والعدالة لإقامة الحكومة الإسلاميّة، يصبح هو الحاكم أو الوالي أي الوليّ. وبما أنّه العالم الفقيه فيُسمّى بالوليّ الفقيه.

2- إنّ التصدّي لإقامة الحكومة واجب على الفقهاء، ويجب عليهم السعي في سبيلها ما أمكن.

3- ولاية الفقيه هي تولّي الفقيه (الحائز الشروط اللازمة)، لأمور الحكومة الإسلاميّة، وطاعته واجبة على المسلمين.

4- ولاية الفقيه هي امتدادٌ لولاية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وصلاحيّاته هي الصلاحيّات نفسها الثابتة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

5- تولية الفقيه ولاية الحكم وصلاحيّات المعصوم في ما يخصّ شؤون الحكومة، لا يعني مطلقًا منحه أيًّا من المقامات المعنويّة الثابتة للنبيّ وآل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

6- الفرق بين الولايتين التكوينيّة والاعتباريّة، أنّ الأولى مقامٌ معنويّ، والثانية وظيفة. وثبوت الولاية للفقيه تختصّ بالولاية الاعتباريّة، وهي بحدّ ذاتها لا ترفع من شأن صاحبها، ولا تزيد في مقامه المعنويّ.

7- اختصاص المعصومين بالمقامات المعنويّة الرفيعة، ليس له دخالة في شؤون الحكومة، بحيث تضيق دائرة وظائف الفقيه ومهامّه مقارنة بوظائف المعصوم ومهامّه، نظرًا لعدم حيازته مقاماتهم المعنويّة.

8- الولاية الاعتباريّة الثابتة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليه السلام، ثابتة أيضًا للفقيه في ما يخصّ تشكيل الحكومة وتولّي شؤونها وإدارتها.
 
 
 
 
103

83

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 الدرس العاشر

ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن معنى التحاكم إلى الطاغوت وسبب تحريمه.
2- يستنتج من الرواية كيف جعل الإمام الصادق عليه السلام، منصب القضاء والحكومة للفقهاء.
3- يعرف أنّ تنصيب الإمام عليه السلام للفقهاء مستمرٌ حتّى بعد وفاته.
 
 
 
 
105

84

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 بعد أن أثبت الإمام الخمينيّ قدس سره ضرورة إقامة الحكومة الإسلاميّة بالأدلّة العقليّة والشرعيّة، انطلق من طبيعة النظام الإسلاميّ ومن خلال النصوص الشريفة، ليستنبط بالدليل العقليّ والدليل الشرعيّ شروط الحاكم الإسلاميّ، كما رأينا في محلّه. إنّ التأمّل في دلالات الثمار العلميّة السابقة يسمح بالقول إنّ في ما بيّنه الإمام قدس سره إلى الآن، دليلًا على ثبوت الولاية للفقيه في عصر الغيبة. ثمّ يكمل الإمام بحثه ويخصّص قسمًا مهمًّا منه لإثبات ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، وهذا ما سنستعرضه في هذه الدروس الثلاثة الأخيرة من هذا الكتاب:

رواية "مقبولة عمر بن حنظلة"1
"عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: "من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتًا وإن كان حقًّا ثابتًا له، لأنّه بحكم الطاغوت، وما (الذي) أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾2". قلت: فكيف يصنعان؟ قال: "ينظران من كان منكم قد روى حديثًا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا،
 

1- أبو صخر عمر بن حنظلة العجليّ الكوفيّ. عدّه الشيخ الطوسيّ والبرقيّ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليه السلام. عمر بن حنظلة أحد الرواة المشهورين، روى عنه كبار الأصحاب مثل زرارة، وهشام بن سالم، وعبدالله بن بكير، وعبدالله بن مسكان، وصفوان بن يحيى... وهذا كافٍ في توثيقه. هذا إضافة إلى أنّ رواية يزيد بن خليفة تدلّ على مدحه.
2- سورة النساء، الآية 60.
 
 
 
107

85

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 فليرضَوا به حكمًا، فإنّي قد جعلته عليكم حاكمًا"1"2.


استند الإمام الصادق عليه السلام في حديثه إلى الآية الكريمة التالية: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ...﴾، وقد شرح الإمام الخمينيّ قدس سره الآية الكريمة مع ما سبقها من الآيات، تمهيدًا لفهم دلالات حديث الإمام الصادق عليه السلام. ونورد هنا الآيات مع مقتطفات من هذا الشرح.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا3.

أنواع التنازع ومرجعيّاته
في شرح الآية الكريمة: ﴿... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾, يبيّن الإمام الخمينيّ قدس سره أنواع التنازع، ويوضح أنّها تؤدّي إلى أنواعٍ مختلفة من الدعاوى، وتستوجب أنواعًا مختلفة من الأحكام، وبالتالي تكون مرجعيّة حلّ النزاع في كلّ منها مختلفة حكمًا.

"التنازع الذي يحصل بين الناس على أنواع:
الأوّل: أن تختلف جماعتان أو شخصان على موضوع ما، فيدّعي أحدهما مالًا على الآخر مثلًا، بينما ينكر الآخر، ويحتاج الموضوع إلى إثبات شرعيّ أو عرفيّ، ففي هذا المورد
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 67، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 126.
3- سورة النساء، الآيات 58-60.
 
 
 
108

86

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 يجب الرجوع إلى القضاة، فيحقّق القاضي في الموضوع ويحكم فيه. فهذه دعاوى حقوقيّة.


والثاني: أن لا يكون اختلاف في البين، وإنّما تكون المسألة ظلم واعتداء، كأن يأخذ أحد الجناة مال شخص من الأشخاص بالقوّة، أو يأكل مال الناس، أو يدخل لصّ بيت أحد الأشخاص ويأخذ ماله، ففي هذه الموارد ليس القاضي هو المرجع والمسؤول، وإنّما هو المدّعي العامّ، إذ هذه الموارد هي موارد جزائيّة لا حقوقيّة.

والثالث: أن تكون أحيانًا جزائيّة وحقوقيّة معًا، فالذي يشرع بالعمل ابتداءً هو المدّعي العامّ الذي يحافظ على الأحكام والقوانين، ويُعدّ المدافع عن المجتمع، ومن ثمّ يُصدر طلبًا بمعاقبة المذنب، وعندما يُرفع للقاضي يحكم عليه. وهذه الأحكام - سواء أكانت حقوقيّة أم جزائيّة - تُنفَّذ بواسطة مجموعة أخرى من الحكّام الذين هم السلطة التنفيذيّة"1.

إذًا، فمرجعيّة الدعاوى الحقوقيّة تكون في القضاء ولدى القاضي، أمّا الدعاوى الجزائيّة فمرجعيّتها المدّعي العامّ، أمّا تنفيذ الأحكام بشقّيها فمُناطٌ بالسلطة التنفيذيّة.

دلالة الآية الشريفة
إنّ الآية الكريمة ناظرةٌ إلى جميع هذه الأنواع من النزاعات، وبالتالي تكون الإحالة إلى المرجعيّات المختصّة كافّة، وإلى هذا الأمر يشير الإمام قدس سره:
"يقول القرآن الكريم: "وإذا تنازعتم"، ففي أيّ أمرٍ تتنازعون فيه، فالمرجع في الأحكام هو الله تعالى، وفي التنفيذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يأخذ أحكام الله وينفّذها، إذا كان الموضوع موضوع اختلاف، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتدخّل بصفته قاضيًا ويحكم ويقضي. وإذا كانت نزاعات أخرى من قبيل: أكل الحقّ والتسلّط، فالمرجع هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا. وهو باعتباره رئيس الدولة الإسلاميّة، ملزمٌ بالنظر في الشكاوى، فيرسل الشرطة ويأخذ الحقّ ويردّه إلى أصحابه. فالذي يجب أن يُعلم هو أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المرجع في جميع الأمور، وكذلك الأئمّة عليهم السلام، وإطاعة الأئمّة عليهم السلام، إطاعة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا"2.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 124-125.
2- المصدر نفسه، ص 125.
 
 
109

87

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 والخلاصة بحسب تعبير الإمام قدس سره: "أنّ الآيات (...) تتحدّث عمّا هو أعمّ من الحكومة والقضاء، فلا اختصاص لها بباب القضاء"1.


آية التحاكم إلى الطاغوت
ويقول تعالى في الآية التالية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾.

"فحكومات الجور، سواء القضاة أم المنفّذون أم غيرهم من المسؤولين، كلّهم "طاغوت"، لأنّهم عصوا حكم الله، وطغوا بالنسبة إليه، فوضعوا القوانين حسب أهوائهم، ونفّذوها وقضوا وفقها، وقد أمرنا الله تعالى أن نكفر بهم، أي أن نعصي أوامرهم وأحكامهم. ومن البديهيّ أنّ ذلك يستتبع مسؤوليّات ثقيلة يجب السعي للقيام بها، بحسب الوسع والإمكان"2.

الرابطة ما بين الآيات والرواية
وبالعودة إلى الرواية الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام، نجد أنّ حديثه جاء إجابة عن سؤال عن جواز الرجوع إلى سلطة الجائر وإلى القضاة المعيَّنين من قبل هذه السلطة، (وهم الطاغوت بتعبير الآية الكريمة)، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "كما يتحصّل من صدر هذه الرواية وذيلها، ومن استشهاد الإمام عليه السلام بالآية الشريفة، أنّ موضوع السؤال كان حكمًا عامًّا. كما أنّ الإمام عليه السلام قد بيّن التكليف العامّ، فالرجوع إلى القضاة يكون لأجل إثبات الحقّ، وفصل الخصومات، وتعيين العقوبة، والرجوع إلى السلطة لأجل إلزام الطرف الآخر في الدعوى بقبول النتيجة، أو لتنفيذ الحكم الحقوقي أو الجزائيّ. ففي هذه الرواية يُسأل الإمام عليه السلام عن جواز الرجوع إلى سلاطين الجور وقضاتهم"3، فماذا كان جواب الإمام الصادق عليه السلام؟ وما حكم التحاكم إلى الطاغوت؟
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 125.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 125-126.
3- المصدر نفسه، ص 126.
 
 
 
110

88

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 حكم التحاكم إلى الطاغوت

"ويجيب الإمام عليه السلام بالنهي عن الرجوع إلى دوائر الحكومات غير الشرعيّة، سواء التنفيذيّة أو القضائيّة، ويقول إنّ على الشعب المسلم ألّا يرجع في أموره إلى سلاطين الجور وحكّام الجور والقضاة العاملين لديهم، حتّى لو كان حقّ الشخص المراجع ثابتًا، ويريد الرجوع لإحقاقه وتحصيله"1. إذًا، فالتحاكم إلى السلطات غير الشرعيّة غير جائز.

هدف حكم تحريم التحاكم إلى الطاغوت
وقد يتساءل "البعض" عن المغزى من هذا الحكم وهدفه، وعن السبيل الذي ينبغي للمسلم سلوكه لفضّ النزاعات وتحصيل الحقوق، وهذا ما يبيّنه الإمام الخمينيّ قدس سره فيقول: "هذا حكمٌ سياسيّ للإسلام، حكم يبعث على امتناع المسلمين عن الرجوع إلى السلطات غير الشرعيّة والقضاة التابعين لهم، وذلك لكي تتوقّف الأجهزة الحكوميّة الجائرة وغير الإسلاميّة، وتتعطّل هذه المحاكم الطويلة العريضة التي لا يعود للناس منها سوى التعب والمشقّة، ويُفتح الطريق إلى أئمّة الهدى عليهم السلام، وإلى الأشخاص الموكل إليهم حقّ الحكم والقضاء من قبلهم.

والهدف الأساس هو عدم السماح للسلاطين والقضاة التابعين لهم، بأن يكونوا مرجعًا للأمور، وبأن يتّبعهم الناس في ذلك. فقد أعلن الأئمّة عليهم السلام للأمّة الإسلاميّة، أنّ هؤلاء ليسوا بمرجع، والله تعالى أمر الناس بالكفر بهم (وعصيانهم)"2.

المرجعيّة الشرعيّة للمنازعات
"بناءً على هذا، فما هو تكليف الأمّة؟ وما الذي يجب عليهم عمله في الحوادث والمنازعات؟ وإلى من يرجعون؟ قال عليه السلام: "ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا"3. فالإمام عليه السلام لم يترك شيئًا مبهمًا
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 127.
2- المصدر نفسه، ص 127-128.
3- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 67، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10.
 
 
 
 
111

89

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 ليقول "البعض": إذًا، رواة الحديث هم المرجع والحاكم، بل ذكر كلّ الجهات، وقيّد (الرواة) بكونهم ممّن نظر في الحلال والحرام وفقًا للقواعد، وله معرفة بالأحكام. ومن الواضح أنّ معرفة الأحكام ومعرفة الحديث أمر آخر غير نقل الحديث"1.


تعيين العلماء بتنصيبهم حكّامًا
وقد أرجع الإمام الصادق عليه السلام المسلمين إلى العالم العارف بالأحكام بصفته حاكمًا، وبصيغة الجعل أي التنصيب، أي إنّه نصّبه حاكمًا، ولم يجعله لمنصب القضاء فحسب: "يقول عليه السلام: "فإنّي قد جعلته عليكم حاكمًا"، أي "مُنصَّبًا" من قبلي للحكم والإمارة، وللقضاء بين المسلمين، ولا يحقّ للمسلمين أن يرجعوا إلى غيره"2.

للفقهاء منصب القضاء والحكومة
"وبناءً عليه، فلو اعتدى أحدهم على مالٍ لكم، فالمرجع في الشكوى هو السلطة التي عيّنها الإمام عليه السلام. وإذا تنازعتم مع أحد على دَين، واحتجتم إلى إثبات ذلك، فالمرجع هو ذلك القاضي الذي عيّنه عليه السلام أيضًا، ولا حقّ لكم في الرجوع إلى غيره. وهذه وظيفة جميع المسلمين، وهذا ليس تكليفًا خاصًّا بعمر بن حنظلة حين يواجه تلك المشكلة.

فأمر الإمام عليه السلام هذا عامّ وكلّيّ. فكما كان أمير المؤمنين عليه السلام في زمان حكومته يعيّن الحكام والولاة والقضاة، وكان على جميع المسلمين أن يطيعوهم، فالإمام الصادق عليه السلام أيضًا بما أنّه "وليّ الأمر" المطلق، وله الولاية على جميع العلماء والفقهاء والناس، فهو يستطيع أن يعيّن الحكّام والقضاة لزمان حياته، ولما بعد مماته. وقد قام بذلك، وجعل هذا المنصب للفقهاء. وإنّما قال "حاكمًا"، لكيلا يتوهّم "البعض" أنّ الأمر مختصّ بالمسائل القضائيّة، ولا يشمل سائر أمور الحكم والدولة.

ويستفاد أيضًا من صدر الرواية وذيلها، ومن الآية التي ذُكرت فيها، أنّ الموضوع ليس
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 128.
2- المصدر نفسه، ص 128.
 
 
 
112

90

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 مجرّد تعيين قاضٍ وحسب. فالإمام لم يكتف بتعيين قاضٍ فقط، من دون أن يتعرّض لبيان التكليف في سائر أمور المسلمين، بشكلٍ يبقي أحد السؤالين - والذي يرجع إلى التحاكم عند السلطات التنفيذيّة - بلا جواب"1.


إذًا، وبشكلٍ واضحٍ لا لَبس فيه، يُستفاد من هذه الرواية أنّ الإمام الصادق عليه السلام، جعل للفقهاء منصب القضاء والحكومة: "هذه الرواية من الواضحات، وليس ثمّة وسوسة في سندها ودلالتها، فلا ترديد في أنّ الإمام عليه السلام قد عيّن الفقهاء لأجل الحكومة والقضاء، وعلى جميع المسلمين إطاعة أمر الإمام عليه السلام هذا"2. وهذا إثبات لولاية الفقيه على الأمّة.

ثبوت الولاية للفقهاء بعد وفاة الإمام عليه السلام
يبقى سؤال قد يطرأ في أذهان "البعض"، وهو: هل تبقى هذه الولاية ثابتة للفقيه بعد رحيل الإمام عليه السلام؟ بمعنى أنّه هل ينعزل الفقهاء بأنفسهم عن هذه المناصب بوفاة الإمام عليه السلام؟

يجيب الإمام الخمينيّ قدس سره عن هذا السؤال فيقول: "...وكذلك مقام الرئاسة والقضاء الذي عيَّنه الأئمّة عليهم السلام لفقهاء الإسلام، فهو مستمرٌّ وباقٍ. فالإمام عليه السلام ملتفت لجميع الجهات، ولا إمكان للغفلة في عمله"3. ويقول أيضًا: "فظهر إذًا، أنّ الفقهاء منصَّبون من قبل الإمام عليه السلام لمنصب الحكومة والقضاء، وأنّ هذا المنصب لهم باقٍ دائمًا"4.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 128-129.
2- االمصدر نفسه، ص 129.
3- المصدر نفسه، ص 131-132.
4- المصدر نفسه، ص 132.
 
 
 
113

91

الدرس العاشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (1) شرح مقبولة عمر بن حنظلة

 المفاهيم الرئيسة


1- قسمٌ مهمٌّ من بحث الإمام الخمينيّ قدس سره عن إثبات الولاية للفقيه، يدور على استقراء الروايات الشريفة الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.

2- ينشأ من التنازع الذي يحصل بين الناس نوعان من الدعاوى: حقوقيّة وجزائيّةـ ومرجعيّة الدعاوى الحقوقيّة تكون في القضاء، أمّا الدعاوى الجزائيّة فمرجعيّتها المدّعي العامّ، وتنفيذ الأحكام بشقّيها مناطٌ بالسلطة التنفيذيّة. والله تعالى في كتابه المجيد يحيل جميع أنواع هذه النزاعات إلى المرجعيّات المختصّة كافّة، فلا تختصّ الآية التي يستشهد بها الإمام بالقضاء فقط، بل تشمل سلطة المدّعي العامّ والسلطة التنفيذيّة.

3- في رواية واردة عن الإمام الصادق عليه السلام، يصدر الحكم بتحريم الرجوع إلى سلطة الجائر وإلى القضاة المعيّنين من قبل هذه السلطة، ويشير إليهم باعتبارهم الطاغوت، بتعبير الآية الكريمة.

4- إنّ حكم تحريم التحاكم إلى الطاغوت هو حكمٌ سياسيّ للإسلام، يهدف إلى امتناع المسلمين عن الرجوع إلى السلطات غير الشرعيّة، وذلك لكي تتوقّف الأجهزة الحكوميّة الجائرة، ويُفتح الطريق إلى أئمّة الهدى عليهم السلام، وإلى الأشخاص الموكل إليهم حقّ الحكم والقضاء.

5- من أجل فضّ النزاعات وتحصيل الحقوق، ينبغي للمسلم اللجوء إلى المرجع الشرعيّ المتمثّل بعلماء الإسلام الذين لهم نظر في الحلال والحرام وفقًا للقواعد، ولهم معرفة بالأحكام والحديث، لا مجرّد نقل الحديث.

6- أرجع الإمام الصادق عليه السلام المسلمين إلى العالم العارف بالأحكام، بصفته حاكمًا وبصيغة الجعل، أي التنصيب، أي إنّه نصّبه حاكمًا.

7- يُستفاد من رواية الإمام الصادق عليه السلام، أنّه جعل للفقهاء منصب القضاء والحكومة. وهذا إثبات لولاية الفقيه على الأمّة. وهي تبقى ثابتة للفقيه بعد رحيل الإمام عليه السلام، فلا ينعزل الفقهاء بأنفسهم عن هذه المناصب بوفاة الإمام عليه السلام.
 
 
 
 
114

92

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 الدرس الحادي عشر

ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعلّل الشروط الواجب توافرها في راوي الحديث، ليكون خليفة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
2- يبرهن على أنّ كون الفقيه العادل خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يعني ثبوت الولاية للفقيه في زمن الغيبة.
3- يستنتج من رواية (حصون الإسلام)، أن الولاية ثابتة للفقيه.
 
 
 
 
 
115

93

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 رواية "الفقهاء العدول خلفاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم"

"من الروايات التي لا إشكال في دلالتها هذه الرواية، قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللّهمّ ارحم خلفائي" (ثلاث مرات)، قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنّتي، فيعلّمونها الناس من بعدي"1"2.

1- إلى أيّ نوع من الرواة تشير الرواية؟
يذكر الإمام الخمينيّ أنّ هذه الرواية واردة في عدّة مصادر مع بعض الاختلاف، فأحيانًا وردت مقتصرةً على الجزء الأوّل من دون جملة: فيعلّمونها الناس من بعدي. ويناقش الإمام الرواية بالصيغتين، باحثًا عن المقصودين بها: هل هم مجرّد رواة، وبالتالي كلّ راوٍ للحديث يكون خليفةً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم هناك قيود محدّدة لهؤلاء الرواة ليستحقّوا خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

"بناءً على كون الجملة مذكورةً في الحديث (فيعلَّمونها الناس من بعدي)، فهي قطعًا لا تشمل أولئك الذين شغلهم نقل الحديث، من دون أن يكون لهم من أنفسهم رأي أو فتوى. ولا يمكن القول إنّ بعض المحدّثين الذين لا يفهمون الحديث أصلًا، والذين هم مصداقٌ لقوله عليه السلام: "ربّ حامل فقه ليس بفقيه"3، ومثلهم كمثل آلة التسجيل
 

1- الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا عليه السلام‏، تحقيق وتصحيح مهدي ‏اللاجوردي، طهران‏، نشر جهان‏، 1420 ه‏، ط 1، ج 2، ص 37. والشيخ الحرّ العامليّ، محمّد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قمّ، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، 1409هـ، ط 1، ج 27، ص 91-92، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب 8، الحديث 50، وكذلك في الباب 11.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 95.
3- الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه، الإمامة والتبصرة من الحيرة، قمّ، مدرسة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، 1404 هـ، ط 1، ص 37. وفي الكافي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الخيف أثناء بعض خطبه: "فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 404.
 
 
 
 
117

94

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 يأخذون الأخبار والروايات ويكتبونها، ثمّ يضعونها في متناول الناس، لا يمكن القول إنّ هؤلاء (خلفاء للرسول)، ويعلّمون العلوم الإسلاميّة للناس"1.


"فالحديث يشمل أولئك الذين ينشرون العلوم الإسلاميّة ويبيّنون أحكام الإسلام، ويربّون الناس ويُعدُّونهم للإسلام لكي يعلّموا الآخرين، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، ينشرون الأحكام الإسلاميّة. فقد كانت لهم حوزات تدريس، وقد نهل من مدرستهم عدّة آلاف من المتعلّمين، وكانوا مكلّفين بتعليم الناس. فمعنى "يعلّمونها الناس" هو نشر العلوم الإسلاميّة نفسه وإشاعتها بين الناس، وإيصال الأحكام الإسلاميّة لهم. عندما نقول إنّ الإسلام لجميع شعوب الدنيا، فمن الواضح أنّ المسلمين، وخصوصًا علماء الإسلام، مكلّفون بنشر الإسلام والأحكام الإسلاميّة وبيانها لشعوب العالم"2.

ويضيف الإمامقدس سره بقوله: "ولو قلنا إنّ جملة "يعلّمونها الناس" لم تكن في ذيل الحديث، فيجب أن نرى ما معنى قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : "اللّهمّ ارحم خلفائي... الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنّتي". ففي هذه الصورة أيضًا، إنّ الرواية لا تشمل رواة الحديث الذين هم ليسوا بفقهاء، وذلك لأنّ السنن الإلهيّة التي هي عبارة عن جميع الأحكام، إنّما سُمّيت بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكونها وردت على لسان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . إذًا، فالذي يريد نشر سنن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يجب أن يعرف جميع الأحكام الإلهيّة، ويشخّص الصحيح من السقيم، وأن يكون ملتفتًا إلى الإطلاق والتقييد، والعامّ والخاصّ3، وأنحاء الجمع العقلائيّ4، وأن يميّز الروايات الواردة أثناء التقيّة عن غيرها، وأن يعرف الموازين التي حدَّدوها لذلك.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 97.
2- المصدر نفسه، ص 98.
3- يطلق "العامّ" في اصطلاح علم الاصول على اللفظ الذي يشمل جميع أفراد معناه، وكل لفظ يفيد هذا المعنى في ظرف خاص أو بواسطة أداة العموم مثل "احترم كل عالم". "والخاصّ" هو اللفظ الذي يدلّ على بعض افراد معناه فقط، كما أنّه يأتي مع أداة تمنحه التخصيص، مثل: احترم كل عالم، ما عدا الفسقة.
4- "الجمع "العقلائيّ"، هو طريقة العقلاء وأهل اللسان في الجمع بين كلامين ودليلين متنافيين بحسب الظاهر، وإسقاط أحدهما مقابل الآخر، ليعلم بذلك مراد القائل، ومثاله أن يأتي دليلان أحدهما يقول: "اجلد كل رجل وامرأة يزنيان مئة جلدة" والآخر يقول: "ارجم الزاني المحصن". فهما بالنظرة الأولى متنافيان، لكن العقلاء يأخذون الأوّل على أنّه عام، والثاني على أنّه خاصّ، ولا يسرون حكم العام بالنسبة إلى الخاصّ. وبعبارة أخرى، يخرجون الخاصّ من تحت دائرة العامّ، ويعملون بكلا الدليلين.
 
 
 
118

95

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 والمحدّثون الذين لم يصلوا مرتبة الاجتهاد، وإنّما ينقلون الحديث فحسب، لا يعرفون هذه الأمور، ولا يستطيعون تشخيص السنّة الواقعيّة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وإنّما مراده أن تنتشر بين الناس السنّة الواقعيّة والأحكام الحقيقيّة للإسلام. إنّ رواية: "من حفظ على أمّتي أربعين حديثًا حشره الله فقيهًا"1. والروايات الأخرى التي وردت في تمجيد نشر الأحاديث2 لا تتناول المحدّثين الذين لا يفهمون معنى الحديث أصلًا، وإنّما هي تتحدّث عن أولئك الذين يستطيعون تشخيص حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المطابق للحكم الواقعيّ للإسلام. وهذا لا يمكن إلّا للمجتهد والفقيه الذي يزن جميع الجوانب وقضايا الأحكام، ويستخرج الأحكام الواقعيّة للإسلام، طبقًا لما لديه من الموازين التي حدّدها الإسلام والأئمّة عليهم السلام، فهؤلاء هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين دعا لهم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "اللّهمّ ارحم خلفائي".


بناءً على هذا، فلا ترديد في أنّ رواية "اللّهمّ ارحم خلفائي"، لا تشمل رواة الأحاديث الذين لهم "حكم الكاتب" فحسب، فالكاتب والمقرّر لا يستطيع أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالمراد بالخلفاء فقهاء الإسلام"3.

كما أنّ هناك موجبًا إضافيًّا لاجتهاد خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يتعلّق بالوضع السياسيّ والأمنيّ لأئمّة أهل البيت عليهم السلام، الذين لولا جهودهم المضنية لما بقي أثر للمعالم الحقيقيّة لسنّة الرسول وأحاديثه صلى الله عليه وآله وسلم.

"على أيّ حال، فنشر العلوم الإسلاميّة والأحكام بيد الفقهاء العدول من أجل تمييز الأحكام الواقعيّة عن غيرها، وتشخيص الروايات الصادرة عن الأئمّة عليهم السلام بالتقيّة، لأنّنا نعلم أنّ أئمّتنا عليهم السلام كانوا يعيشون أحيانًا في ظلّ ظروف لا تمكّنهم من بيان الحكم
 

1- راجع: الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه، ‏الخصال‏، تحقيق وتصحيح علي أكبر غفاري، قمّ‏، إيران، نشر جماعة المدرّسين‏، 1403هـ، ط 1، ج2، ص 541 و544، باب الأربعين، الأحاديث 15و19. والعلّامة المجلسيّ، وبحار الأنوار، ج2، ص153ـ 157.
2- راجع: الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث. والعلّامة المجلسيّ، بحار الانوار، ج2، باب 16، 20، 21.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 98-100.
 
 
 
119

96

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 الواقعي، إذ كانوا مبتلين بحكّام الظلم والجور، وكانوا يعيشون في حالة شديدة من التقيّة والخوف، (وبالطبع فإنّ خوفهم كان على المذهب لا على أنفسهم)، ففي بعض الموارد لو لم تستعمل التقيّة، لكان الحكّام الظلمة قد اجتثّوا جذور المذهب"1.


2- شروط الراوي الخليفة:
إذًا، فالرواية غير ناظرةٍ إلى من كان من الرواة مجرّد ناقلٍ للأحاديث، وإنّما تشير إلى الفقيه العالم المجتهد. وفضلًا عن العلم والاجتهاد والفقاهة، لا بدّ من أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عادلًا أيضًا، وذلك لعلّة يبيّنها الإمام قدس سره: "ونشر الأحكام وتعليمها وتربية الناس، إنّما هي للفقهاء العدول، إذ لو لم يكونوا عدولًا لكانوا كالقضاة الذين يضعون الأحاديث ضدّ الإسلام، مثل سمرة بن جندب2 الذي وضع رواية ضدّ أمير المؤمنين عليه السلام. وإذا لم يكونوا فقهاء، فلا يستطيعون فهم ما هو الفقه، وما هو حكم الإسلام. ومن الممكن أن ينشروا آلاف الروايات المجعولة من قبل أعوان الظلمة وعلماء البلاط في مدح السلاطين"3.

3- الخليفة العادل:
ما معنى أن يكون الفقيه العادل خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وأيّ دلالة يحملها هذا التوصيف للفقيه من قبل نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ؟
"وأمّا دلالة الحديث الشريف على ولاية الفقيه، فلا ينبغي أن تكون محلّ تردّد، إذ إنّ الخلافة هي. الخلافة في جميع شؤون النبوّة. وجملة "اللّهمّ ارحم خلفائي"، لا تقلّ عن
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 101.
2- أبو عبدالرحمن، سمرة بن جندب بن ملال بن جريح (58 هـ ق). روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً. تولّى البصرة فترة من الزمن بعد موت زياد إلى أن عزله معاوية. يقول الطبريّ إن سمرة أمر بقتل ثمانية آلاف شخص فترة تولّيه البصرة. وعندما أتى الكوفة سأله زياد: ألا تخشى أن تكون قد قتلت بريئاً؟ فقال: لو قتلت أكثر من ذلك لما خفت. وبحسب نقل ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرح نهج البلاغة (ج4، ص73)، فقد طلب منه معاوية أن يروي أنّ آية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (سورة البقرة، الآية 204) قد نزلت في الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأنّ آية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ﴾ (سورة البقرة، الآية 207) قد نزلت في ابن ملجم، مقابل مئة ألف درهم، وأنّ سمرة وافق على جعل هذه الرواية مقابل أربعة أضعاف هذا المبلغ.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 100.
 
 
 
120

97

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 جملة "عليّ خليفتي"، ومعنى الخلافة فيها ليس سوى معنى الخلافة في الجملة الثانية. والسائل أيضًا لم يسأل عن معنى الخلافة، وإنّما طلب معرفة الأشخاص، فعرّفهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوصف. والذي يدعو إلى التعجّب، أنّه لم ير أحدٌ في جملة "عليّ خليفتي" محلًّا للسؤال، وقد استدلّوا بها على خلافة الأئمّة عليهم السلام وحكومتهم، ولكن عندما وصلوا إلى جملة "خلفائي" توقّفوا، ولا مبرّر لذلك"1.


وبما أنّ خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست محدودةً بحدود معيّنة، ولا تقتصر خلافته على أشخاص بعينهم، بحيث تنقطع خلافة الرسول بعد الأئمّة عليهم السلام، وفي ظلّ غيبة آخرهم الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكما كان كلّ منهم عليهم السلام خليفة له صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بدّ من أن يكون العلماء حكّامًا وقادةً وخلفاء بعد الأئمّة عليهم السلام. فلا ينبغي أن يبقى الإسلام بلا رئيس، وأن تُعطّل أحكام الإسلام، وأن تُسلّم ثغور الإسلام لأعداء الدين.

وهكذا يثبت من خلال هذا الحديث الشريف، أنّ الفقيه العادل يخلف الرسول في تولّيه شؤون الحكومة وإدارة المجتمع الإسلاميّ، وهذا يعني ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط.

رواية "لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام"
"عن عليّ بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول: "إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثُلم في الإسلام ثلمةٌ لا يسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام، كحصن المدينة لها"2"3.

1- معنى كون الفقيه حصنًا للإسلام:
فما الذي نفهمه من الرواية؟ وكيف يكون المؤمنون الفقهاء حصون الإسلام كحصن
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 102.
2- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 38، كتاب فضل العلم، باب فقه العلماء، الحديث 3.
3- "يوجد في هذا الباب نفسه من كتاب الكافي، رواية أخرى فيها بدلًا من "إذا مات المؤمن"، جملة "إذا مات المؤمن الفقيه"، بينما صدر الرواية التي نقلناها ليس فيه كلمة "الفقيه". لكن يُعلم من ذيلها الذي يعلّل فيه عليه السلام بقوله "لأنّ المؤمنين الفقهاء"، أنّ كلمة الفقيه قد سقطت من أوّل الرواية، خصوصًا بوجود المناسبة، إذ يستفاد من كلمة "ثُلم في الإسلام" و"حصون" وما شابه، تمام المناسبة مع "الفقهاء". الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص 102.
 
 
 
 
121

98

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 المدينة لها؟ هذا ما يبيّنه الإمام الخمينيّ قدس سره فيقول: "عندما يقول عليه السلام: "المؤمنون الفقهاء حصون الإسلام"، فهو في الحقيقة يكلّف الفقهاء ويأمرهم بأن يكونوا حماة للإسلام، وأن يدافعوا عن عقائد الإسلام وأحكامه وأنظمته. ومن الواضح أنّ كلام الإمام هذا ليس فيه أيّ نحو من المجاملة، فهو ليس كالمجاملات التي يجامل بها بعضنا بعضًا، أو كأن نكتب على غلف الرسائل بعضنا لبعض: جناب المستطاب حجّة الإسلام. فلو جلس الفقيه في بيته ولم يتدخّل في أمرٍ من الأمور، فلا هو حفظ قوانين الإسلام، ولا نشر أحكامه، ولا تدخّل في الأمور الاجتماعيّة للمسلمين، ولا اهتمّ بأمورهم، فهل يوصف بأنّه "حصن الإسلام"، أو حافظ الإسلام؟ لو أمر رئيس الحكومة أو القائد شخصًا ما بالذهاب إلى إحدى النواحي وحمايتها والمحافظة عليها، فهل تسمح له وظيفة الحراسة بالذهاب للنوم في بيته إلى أن يأتي العدوّ ويقضي على تلك الناحية، أم عليه الجدّ في الحفاظ عليها بأيّ شكل استطاع؟"1.


2- تكليف الفقهاء:
يقول الإمام قدس سره: "عندما يقولون "الفقهاء حصون الإسلام"، فهذا يعني أنّهم مكلّفون بالحفاظ على الإسلام، وبأن يهيّئوا القاعدة للتمكّن من المحافظة على الإسلام. وهذا من أهمّ الواجبات، وهو من الواجبات المطلقة، لا المشروطة2"3

"نحن مكلّفون بالحفاظ على الإسلام، وهذا التكليف من الواجبات المهمّة، وهو أهمّ من الصلاة والصوم. هذا التكليف نفسه هو الذي يوجب سفك الدماء للإتيان به. لم يكن ثمّة أهمّ من دم الإمام الحسين عليه السلام، وقد سُفك لأجل الإسلام. وانطلاقًا من تلك القيمة التي يحملها الإسلام، يجب علينا أن نستوعب هذا الأمر، ونعلّمه للآخرين أيضًا. إنّما تكونون خلفاء للإسلام إذا علّمتم الناس الإسلام، ولا تقولوا: لندع ذلك إلى حين مجيء
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 103.
2- لو كان وجوب واجب ما، غير مشروط بالنسبة إلى شيء ما، يكون "واجبا مطلقًا" بالنسبة إليه، مثل وجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء. وأمّا إذا كان وجوب واجب ما، مشروطًا بالنسبة إلى شيء ما، فيكون "واجبًا مشروطًا" بالنسبه إليه، مثل وجوب الحجّ بالنسبة إلى الاستطاعة.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 104.
 
 
 
 
122

99

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 صاحب الزمان عليه السلام، فهل تتركون الصلاة في حال من الأحوال لتؤدّوها حين مجيء صاحب الزمان عليه السلام؟! إنّ حفظ الإسلام أهمّ، ووجوبه أشدّ من الصلاة"1.


"ومن المواضع التي يجب على الفقهاء الاهتمام بها، الحوزات الدينيّة، فيجب أن يعيشوا ذلك الهمّ، ويجهّزوا أنفسهم بالتشكيلات والأدوات، ويبنوا القوّة التي تستطيع حفظ الإسلام بكلّ ما للكلمة من معنى، تمامًا كما كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلامحماة للإسلام، الذين حفظوا العقائد والأحكام والأنظمة الإسلاميّة بالشكل الأفضل. أمّا نحن، فقد أهملنا جميع الجهات، وأخذنا عددًا من الأحكام خلفًا عن سلف2 وعكفنا على دراستها، وقد أصبح الكثير من أحكام الإسلام من العلوم الغريبة3! بل الإسلام من أساسه صار غريبًا. لقد بقي منه اسمه فحسب! فالأحكام الجزائيّة الإسلاميّة التي هي أفضل قانون جزائيّ وصل للبشر، صارت منسيّة بجملتها، ولم يبق منها إلّا الاسم4. كلّ الآيات الشريفة الواردة في الحدود والأمور الجزائيّة لم يبق منها إلّا قراءتها"5.

"إنّي أتساءل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا، يقرأ القرآن ويضعه جانبًا من دون أن يكون له علاقة بالحدود وتنفيذ القوانين؟ وهل كان موقف الخلفاء بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو تسليم المسائل للناس، والتخلّي عن الأمور، أم الأمر كان بالعكس؟

فقد عيّنوا الحدود، ونفّذوا التعزيرات والرجم، والحبس المؤبّد، والنفي من البلاد. ارجعوا إلى فصل الحدود والديات، لتروا أنّ هذا كلّه في الإسلام، وأنّ الإسلام جاء لأجل هذه الأمور، جاء لينظّم المجتمع، والإمامة الاعتباريّة والحكومة هي لأجل هذه الأمور"6.
 
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 105-106.
2- أي بشكل موروث من شخص إلى شخص آخر.
3- وهي العلوم التي تبحث موضوع قوى ما وراء الطبيعة الخفيّة المشوبة بالأسرار، مثل علم السحر، والجفر، وتسخير الأرواح، والجنّ.
4- إشارة إلى قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام: "سيأتي على أمّتي زمان لا يبقى من القرآن إلّا رسمه، ومن الإسلام إلّا اسمه"، العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج2، ص109، كتاب العلم، باب 15، الحديث 14. ونهج البلاغة، الحكمة 361.
5- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 104-105.
6- المصدر نفسه، ص 105.
 
 
 
 
123

100

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 3- شرط انطباق حصن الإسلام على الفقيه:

إذًا، لكي ينطبق توصيف حصن الإسلام على العالِم، لا بدّ له من القيام بمهمّته التي أوكلها إليه الإمام الكاظم عليه السلام، فيصون الإسلام ويحفظه من كلّ جوانبه، ويمنع عنه الانحرافات، لينهض صرح الدين القويم، وتُشيّد أركان النظام الصالح لحياة الناس وخيرهم وصلاحهم. يقول الإمام قدس سره مخاطبًا العلماء:
"إذا قلتم نحن نحفظ بعض أحكام الإسلام، فإنّي أسألكم: فهل تقيمون الحدود، وتنفّذون القانون الجزائيّ للإسلام؟ والجواب هو بالنفي. فها قد أحدثتم ثغرة هنا، وقد تداعى جانبٌ من الحائط أثناء تولّيكم وظيفة الحراسة.

هل تحافظون على جميع حدود المسلمين، وجميع أراضي الوطن الإسلاميّ؟ والجواب "كلّا"، فعملنا هو الدعاء. وهنا قد تداعى جانب آخر من الحائط!

هل تأخذون حقوق الفقراء من الأغنياء وتوصلونها للفقراء؟ إذ وظيفتكم الإسلاميّة هي أن تقوموا بذلك. والجواب "كلّا"، فلا علاقة لنا بهذه الأمور، سيقوم بذلك الآخرون إن شاء الله! وهنا تداعى حائط آخر!

فما هو "الحصن" الذي كلّما طرحنا جهة من الجهات على هذا السيّد "حصن الإسلام"، يعتذر ويتملّص منها؟! فهل هذا هو معنى الحصن؟"1.

الخلاصة
أمام هذا الواقع، وحجم مسؤوليّة العلماء في حفظ الدين الإسلاميّ، هل من الممكن أن يتمّ هذا الحفظ إذا ما بقي العلماء جانبًا، ولم يتصدّوا لإقامة النظام الإسلاميّ وتولّي قيادته؟

إنّ صون العلماء الفقهاء للإسلام، لا يكون إلّا بتولّي الفقيه زمام الأمور ومقاليد الحكم، وهكذا يثبت الإمام الخمينيّ من خلال هذه الرواية لزوم الولاية للفقيه.
 
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 103-104.
 
 
 
 
 
124

101

الدرس الحادي عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات الشريفة (2)

 المفاهيم الرئيسة


1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللّهمّ ارحم خلفائي (ثلاث مرّات) قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنّتي، فيعلّمونها الناس من بعدي".

2- لا بدّ من أن يتوافر في خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرطان: أن يكون عالمًا، فقيهًا ومجتهدًا، لا مجرّد ناقلٍ للأحاديث، وذلك ليتمكّن من تمييز الصحيح من الروايات ويعلّمها للناس.

3- أن يكون عادلًا أيضًا، وذلك لكيلا يكون من زمرة الرواة الذين يضعون الأحاديث ضدّ الإسلام، وينشرون آلاف الروايات المجعولة من قبل أعوان الظلمة وعلماء البلاط.

4- أن يكون الفقيه العادل خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يعني الخلافة في جميع شؤون النبوّة. وجملة "اللّهمّ ارحم خلفائي"، لا تختلف في معناها عن جملة "عليّ خليفتي". وبذا تكون دلالة الحديث الشريف على ولاية الفقيه واضحة بلا إشكال.

5- بما أنّ خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست محدودةً بحدود معيّنة، ولا تقتصر خلافته على أشخاص بعينهم، بحيث تنقطع خلافة الرسول بعد الأئمّة عليهم السلام، وفي ظلّ غيبة آخرهم الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكما كان كلّ منهم عليهم السلام خليفة له صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بدّ من أن يكون العلماء حكّامًا وقادةً وخلفاء بعد الأئمّة عليهم السلام.

6- يثبت من خلال الحديث الشريف، أنّ الفقيه العادل يخلف الرسول في تولّيه شؤون الحكومة وإدارة المجتمع الإسلاميّ، وهذا يعني ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط.

7- عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن المدينة لها".

8- عبارة "الفقهاء حصون الإسلام"، تعني أنّهم مكلّفون بالحفاظ على الإسلام، وبأن يهيّئوا القاعدة للتمكّن من المحافظة على الإسلام، وهذا الأمر من أهمّ الواجبات، ووجوبه أشدّ من الصلاة.

9- لكي ينطبق توصيف حصن الإسلام على العالِم، لا بدّ له من القيام بمهمّته التي أوكلها إليه الإمام الكاظم عليه السلام، فيصون الإسلام ويحفظه من كلّ جوانبه، ويمنع عنه الانحرافات، لينهض صرح الدين القويم، وتُشيّد أركان النظام الصالح لحياة الناس وخيرهم وصلاحهم.

10- إنّ صون العلماء الفقهاء للإسلام، لا يكون إلّا بتولّي الفقيه زمام الأمور ومقاليد الحكم. وهكذا، يثبت من خلال هذه الرواية لزوم الولاية للفقيه.
 
 
 
 
125

102

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 الدرس الثاني عشر

ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يستدلّ من رواية "منصب القضاء"، على أنّ الولاية هي للفقيه الجامع للشرائط.
2- يعدّد شروط القضاء، ويبيّن كيف أنّ اجتماعها لدى الفقيه هو دليل على ثبوت ولايته.
3- يستنتج من رواية "الحوادث الواقعة"، أنّ الفقهاء هم ولاة الأمر في زمن الغيبة الكبرى.
 
 
 
 
 
127
 

103

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 رواية "الفقهاء أمناء الرسل"

"روى عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم"1"2.

يستدلّ الإمام الخمينيّ قدس سره من خلال هذه الرواية على ثبوت الولاية للفقيه، باعتباره أمينًا على وظائف النبيّ، ما دام يتحلّى بصفة العدالة، التي تعني ابتعاده عن السعي وراء كلّ ما هو دنيويّ، فيقول: "في البدء، ينبغي أن نرى ما هي وظائف الأنبياء وصلاحيّاتهم، لكي نعرف ما هي وظائف الفقهاء الذين هم أمناؤهم ومعتمدوهم"3.
1- وظائف الأنبياء وصلاحيّاتهم:
لقد بُحثت هذه النقطة في الدرس الأوّل، وهنا تذكير بالمطلب من خلال عبارات الإمام قدس سره:
"إنّ هدف بعثة الأنبياء وعملهم لا ينحصر بحسب حكم العقل وضرورة الأديان، بمجرّد بيان المسائل والأحكام... إذ إنّ أهمّ وظيفة للأنبياء في الحقيقة هي إقامة نظامٍ إجتماعيٍّ عادلٍ من خلال تطبيق القوانين والأحكام، يتلازم طبعًا مع بيان الأحكام ونشر
 

1- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به،الحديث 5.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 106.
3- المصدر نفسه، ص 106.
 
 
 
129

104

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 التعاليم والعقائد الإلهيّة، ويظهر هذا المعنى بوضوح من هذه الآية الشريفة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ1.


إنّ هدف بعثة الانبياء بشكلٍ عامّ، هو تنظيم الناس بعدالة على أساسٍ من العلاقات الاجتماعيّة، وتقويم آدميّة الإنسان. وهذا إنّما يمكن من خلال تشكيل الحكومة وتنفيذ الأحكام، سواء وُفّق النبيّ بنفسه لذلك، كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو كان ذلك لأتباعه من بعده"2.

"إنّ جعلَ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم رئيسًا وعَدُّ طاعته واجبة: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾3, ليس المراد منه أنّه إذا ذكر الرسول حكمًا فيجب علينا القبول والعمل به، فالعمل بالأحكام طاعة لله عزّ وجلّ، وكلّ الأعمال العباديّة وغير العباديّة التابعة للأحكام هي طاعة لله.

فالله تعالى قد أوكل الحكومة والقيادة له صلى الله عليه وآله وسلم، وهو صلى الله عليه وآله وسلم، وفقًا للمصلحة يجيّش الجيوش، ويعيّن القضاة والحكّام والولاة، أو يعزلهم"4.

فالفقهاء أمناء للرسل في القيام بوظائفهم، وهي تنفيذ القوانين، وإدارة المجتمع، وأمور القضاء، والشؤون الماليّة، وقيادة الجيوش والدفاع عن البلاد.. وبعبارة أخرى، كلّ ما يتّصل بأمور الحكومة. يقول الإمام قدس سره: "بناءً على هذا، فعبارة "الفقهاء أمناء الرسل"، تعني أنّ الفقهاء العدول مكلّفون ومأمورون بالقيام بجميع الأمور التي كانت في عهدة الأنبياء"5.

2- شروط الفقيه ليكون أمينًا للرسل:
وهناك شرطٌ ليكون الفقهاء أمناء للرسل، إلى جانب قيامهم بوظائف الأنبياء عليهم السلام، وهو عدم دخولهم في الدنيا:
 

1- سورة الحديد، الآية 25.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 107.
3- سورة النساء، الآية 59.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 107-108.
5- المصدر نفسه، ص 108.
 
 
 
130

105

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 "إلّا أنّ المراد من أمناء الرسل، هم أولئك الذين لا يتقاعسون عن أداء أيّ تكليف، والذين يكونون طاهرين ومنزّهين، إذ يقول صلى الله عليه وآله وسلم في ذيل الحديث: "ما لم يدخلوا في الدنيا". إذًا، فالفقيه الذي يكون مهتمًّا بجمع مال الدنيا، فإنّه ليس عادلًا، ولا يستطيع أن يكون أمينًا للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومجريًا لأحكام الإسلام.


فالفقهاء العدول وحدهم هم الذين ينفّذون أحكام الإسلام، ويقرّون نُظُمه، ويقيمون الحدود، وينفّذون القصاص، ويحرسون حدود الوطن الإسلاميّ وكلّ أراضيه"1.

3- عاقبة التفسير الخاطئ للرواية:
فلا ينبغي للفقهاء التقاعس عن أداء أمانتهم، واعتبارها مقتصرةً على تبليغ الأحكام، لما لذلك من عواقب وخيمة على الأمّة الإسلاميّة:
"لقد وصل الأمر بنا إلى هذا الحدّ، لأنّ الكثير منّا لم يفكّر أصلًا أنّ الأمّة الإسلاميّة يجب أن تُدار من خلال الحكومة الإسلاميّة. فلم يقتصر الأمر على عدم إقامة النظم الإسلاميّة في البلاد الإسلاميّة، وتطبيق القوانين الفاسدة والظالمة بدلًا من قانون الإسلام، بل لقد بُليت أنظمة الإسلام في أذهان السادة العلماء، بنحو صاروا يفسّرون عبارة "الفقهاء أمناء الرسل"، بأنّهم أمناء في بيان الأحكام. فتغافلوا عن آيات القرآن، وأوّلوا جميع هذه الروايات التي تدلّ على أنّ علماء الإسلام ولاة في زمن الغيبة، بأنّ المراد منها "بيان الأحكام". فهل القيام بالأمانة يكون بهذا النحو؟ ألا يجب على الأمين أن لا يسمح بتعطيل أحكام الإسلام، أو ببقاء المفسد من دون عقاب؟ وأن لا يسمح بحصول هذه الدرجة من الفوضى، والميل والحيف في الضرائب ومدخول البلاد، وبحصول مثل هذه التصرّفات المرفوضة؟ من الواضح أنّ هذا من واجبات الأمين. ووظيفة الفقهاء هي أن يقوموا بالأمانة، وعندها سيكونون أمناء وعدولًا"2.
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 108-109.
2- االمصدر نفسه، ص 111.
 
 
 
131

106

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 4- إجراء القوانين مسؤوليّة الفقهاء:

والخلاصة التي يستنتجها الإمام قدس سره من الرواية:
"إنّ إجراء جميع القوانين ذات العلاقة بالحكومة هو في عهدة الفقهاء، بدءًا من تسلّم الأخماس والزكوات والصدقات والجزية والخراج، وصرفها في مصالح المسلمين، إلى إجراء الحدود والقصاص - الذي يجب أن يكون تحت الإشراف المباشر للحاكم، ولا يستطيع وليّ المقتول أن يقوم بذلك دون إشرافه - إضافة إلى حفظ الحدود وتنظيم المدن وسائر ما هنالك من أمور.
فكما كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مسؤولًا عن تطبيق الأحكام، وإقامة أنظمة الإسلام، وقد جعله الله تعالى رئيسًا وحاكمًا للمسلمين، وأوجب عليهم طاعته، فالفقهاء العدول أيضًا يجب أن يكونوا رؤساء وحكّامًا، ومسؤولين عن تنفيذ الأحكام، وإقرار النظام الاجتماعيّ للإسلام"1.

رواية منصب القضاء
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه لشريح2: "يا شريح، قد جلست مجلسًا لا يجلسه (ما جلسه) إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ"3"4.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "وحيث إنّ شريحًا لم يكن نبيًّا ولا وصيّ نبيّ، فقد كان شقيًّا جلس على مسند القضاء"5.

"يُستفاد من الرواية، أنّ تولّي منصب القضاء هو إمّا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإمّا للوصيّ، ولا خلاف في أنّ الفقهاء العدول منصوبون للقضاء بتعيين من الأئمّة عليهم السلام، وأنّ
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 109.
2- أبو أميّة شريح بن الحارث الكنديّ 78 هـ ق -، أصله من اليمن، وُلد قبل ظهور الإسلام، ولم يدرك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولذا لا يُعدّ من الصحابة. كان قاضياً على الكوفة في عهد عمر وعثمان وأمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية. ويقال إنّه وقف في واقعة عاشوراء إلى جانب ابن زياد، ودعا الناس إلى الخروج لقتال الإمام الحسين عليه السلام.
3- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 7، ص 406. والحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 27، ص17، كتاب القضاء، الباب 53، الحديث 2.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص 112.
5- المصدر نفسه، ص 112.
 
 
 
132

107

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 القضاء من مناصبهم... وبما أنّ الفقهاء لا يمتلكون مقام النبوّة، ولا شكّ في أنّهم ليسوا مصداق "الشقيّ"، فيجب أن نقول بالضرورة إنّهم أوصياء، أي خلفاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم"1.


"الحقّ أنّ دائرة مفهوم "وصيّ النبيّ" فيها توسعة، وتشمل الفقهاء أيضًا"2.

"نعم، الوصيّ المباشر هو أمير المؤمنين عليه السلام، ومن بعده الأئمّة عليهم السلام، إذ قد أحيلت أمور الناس إليهم... وعلى أيّ حال، نستنتج من الرواية أنّ الفقهاء هم أوصياء الدرجة الثانية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ الأمور التي أوكلت للأئمّة عليهم السلام من جانب الرسول صلى الله عليه وآله وسلمثابتة لهم أيضًا، ويجب أن يقوموا بجميع أعمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قام بها أمير المؤمنين عليه السلام"3.

إذًا، ما يخلص إليه الإمام قدس سره، هو أنّ الفقهاء هم أوصياء الرسول وخلفاؤه، الذين يقومون بجميع ما كان يقوم به من وظائف، وهذا ما لا يكون إلّا من خلال تولّيهم مسؤوليّة الحكم والحكومة.

رواية "إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل"
يقول الإمام قدس سره: "والرواية الأخرى التي هي من أدلّة المطلب أو مؤيّداته: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "اتّقوا الحكومة، إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيّ أو وصيّ نبيّ"4"5.

1- شروط القضاء:
"تلاحظون هنا أنّ الذي يريد أن يحكم (يقضي) يجب أن يكون:
أوّلًا: إمامًا. والإمام هنا بالمعنى اللغويّ الذي هو الرئيس والقائد، لا بالمعنى الاصطلاحيّ. ولذا اعتُبر النبيّ إمامًا أيضًا. ولو كان المراد الإمام بالمعنى الاصطلاحيّ،
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 112-113.
2- المصدر نفسه، ص 113.
3- المصدر نفسه، ص 113-114.
4- الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 7، ص 406. والحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 27، ص17، كتاب القضاء، الباب 53، الحديث 2.
5- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، ص 114.
 
 
 
133

108

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 لكان التقييد "بالعالِم" "والعادل" تقييدًا بأمر زائد.


ثانيًا: أن يكون عالمًا بالقضاء. فلو كان إمامًا دون أن يكون على علم بالقضاء، أي لا يملك الاطّلاع على قوانين القضاء ومبادئه، فلا حقّ له في ممارسة القضاء.

ثالثًا: أن يكون عادلًا. فالقضاء إذًا، هو لمن يمتلك هذه الشروط الثلاثة: (الرئاسة والعلم والعدالة). ثمّ يقول عليه السلام: إنّ هذه الشروط لا تنطبق إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ.

لقد ذكرت سابقًا أنّ منصب القضاء هو للفقيه العادل، وهذا الأمر من ضروريّات الفقه، ولا خلاف فيه. فيجب أن نرى الآن أنّ شروط القضاء موجودة في الفقيه أم لا، (أي الشروط الثلاثة)، ومن الطبيعيّ أنّ المقصود هو الفقيه العادل، لا كلّ فقيه"1.

2- مدى توافر شروط القضاء في الفقيه العادل:
هل تتوافر في الفقيه العادل شروط القضاء؟ أي إنّ هذه الشروط التي لا تنطبق إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ، هل هي متوافرة لدى الفقيه العادل؟

يقول الإمام قدس سره: "الفقيه بالطبع عالم بالقضاء، لأنّ الفقيه لا يُطلق على الشخص الذي يكون عالمًا بقوانين القضاء الإسلاميّة ومبادئه فقط، بل الذي يكون عالمًا بالعقائد والقوانين والأنظمة والأخلاق، أي الذي يكون خبيرًا بالدين بكلّ ما للكلمة من معنى. وعندما يكون الفقيه عادلًا، فقد حاز شرطين، (لأنّنا نبحث عن إثبات الولاية للفقيه العادل، لا أيّ فقيه)، والشرط الآخر هو أن يكون إمامًا، أي رئيسًا. وقد قلنا إنّ الفقيه العادل يمتلك مقام الإمامة والرئاسة لأجل ممارسة القضاء، وذلك بحسب تعيين الإمام عليه السلام"2.

3- حيازة الفقيه شروط القضاء:
إذًا، فالفقيه العادل يحوز الشروط الثلاثة للقضاء، والنتيجة أنّه يكون وصيّ نبيّ، وبالتالي له إمامة المسلمين في زمن الغيبة:
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 114- 115.
2- المصدر نفسه، ص 115.
 
 
 
134

109

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 "وقد حصر عندها الإمام عليه السلام وجود هذه الشروط في نبيّ أو وصيّ نبيّ. وبما أنّ الفقهاء ليسوا أنبياء، فهم إذًا أوصياء للنبيّ، أي خلفاء له. بناءً على هذا، يتّضح ذلك المجهول من هذا المعلوم، فيكون الفقيه وصيًّا للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون في عصر الغيبة إمام المسلمين ورئيس الأمّة، ويجب أن يكون هو القاضي، ولا حقّ لغيره في القضاء والحكم"1.


رواية "الحوادث الواقعة"
"عن إسحاق بن يعقوب2 قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع3 بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام: "أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك... (إلى أن قال): أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله. وأمّا محمّد بن عثمان العمريّ، فرضي الله عنه وعن أبيه، فإنّه ثقتي، وكتابه كتابي4"5.

1- معنى الحوادث الواقعة:
ما هي الحوادث الواقعة التي يسأل عنها السائل الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ يقول الإمام قدس سره:
"ليس المقصود "بالحوادث الواقعة" المذكورة في هذه الرواية، المسائل والأحكام الشرعيّة، فلا يريد (السائل) أن يسأل عن العمل في الأحكام المستجدّة، لأنّ هذا الموضوع كان من الواضحات في مذهب الشيعة، وهناك روايات متواترة على لزوم الرجوع في المسائل
 

1- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 115.
2- صرّح إسحاق بن يعقوب الكلينيّ أنّه سأل الإمام المهديّ عليه السلام بضع مسائل وأخذ جوابها بواسطة محمّد بن عثمان العمريّ، وقد ورد في توقيع الإمام العبارة التالية خطاباً له: "أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، السلام عليكم يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتّبع الهدى". وعبارات كهذه من الإمام اعتُبرت دليلاً على نبل شأنه وجلالة قدره.
3- التوقيع أو "التوقيعات"، هي الاسم الذي اشتهر في كتب التاريخ والحديث لرسائل المعصومين عليهم السلام، وخصوصاً تلك الصادرة عن الإمام المهديّ عليه السلام، والتي أبلغها أحد نوّابه الأربعة.
4- الصدوق، محمّد بن عليّ، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرّفة، 1405هـ، ط 2، ج2، ص 484، باب التوقيعات، الحديث 4.
5- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 116.
 
 
 
 
135

110

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 إلى الفقهاء1، وقد كانوا في زمان الأئمّة عليهم السلام يرجعون للفقهاء ويسألونهم. فمن يكن في زمان صاحب الأمر عليه السلام وله علاقة بالنوّاب الأربعة2، ويكتب الرسائل للإمام ويتلقَّ الجواب، يعرف لمن يجب عليه الرجوع لأجل الاطّلاع على الأحكام، فالمقصود "بالحوادث الواقعة" هي الحوادث الاجتماعيّة المستجدّة والمشاكل التي تواجه المسلمين. إذًا، كان سؤاله بشكل عامّ، وبنحوٍ مموَّه أنّه: نحن الآن لا نستطيع الوصول إليك، فماذا يجب أن نفعل تجاه المستجدّات الاجتماعيّة؟ وما هو التكليف؟ أو أنّه ذكر بعض الحوادث وسأل: لمن نرجع في هذه الحوادث؟ والذي يبدو في النظر أنّه قد سأل بشكل عامّ"3.


2- المرجعيّة الشرعيّة التي حدّدها الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف:
إلى من أرجع الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف المسلمين في الحوادث والمستجدّات الاجتماعيّة؟
"والإمام أجابه طبق السؤال، أنّه في الحوادث والمشاكل ارجعوا إلى رواة أحاديثنا - أي الفقهاء - فهؤلاء حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليكم"4.

3- معنى حجّة الله:
ما هي دلالة إجابة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ وماذا يعني جعل رواة أحاديث أهل البيت عليهم السلام حجّته على المسلمين، بموازاة كونه عجل الله تعالى فرجه الشريف حجّة الله عليهم؟ يقول الإمام قدس سره:
 

21- لقد نقل صاحب الوسائل الروايات المتعلّقة بالرجوع إلى الفقهاء في وسائل الشيعة، خصوصاً في كتاب القضاء، أبواب صفات القاضين الباب 11- بألفاظ مختلفة.
2- "النوّاب الأربعة" هم النوّاب الخاصّون للإمام المهديّ عليه السلام في زمن الغيبة الصغرى 260 ـ 329-، الذين كانوا الواسطة بينه وبين الشيعة في تلك المرحلة، وهم:
1ـ أبو عمر عثمان بن سعيد عمرو العمريّ، من وكلاء الإمامين الهادي والعسكريّ عليه السلام وأصحابهما، والإمام العسكري هو الذي عرَّفه للشيعة كنائب للإمام الغائب عليه السلام.
2ـ أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد، من أصحاب الإمام العسكريّ عليه السلام ونوابّه، وقد عرَّفه الإمام الحادي عشر وأباه عثمان بن سعيد، كنائب للإمام عليه السلام. وقد تُوفّي سنة 304 أو 305 هـ ق، ودُفن في بغداد عند قبر أبيه.
3ـ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختيّ الذي ذكره وعرّفه محمّد بن عثمان، خليفة له في نيابة الإمام عليه السلام.
4ـ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ الذي عرّفه الحسين بن روح وكيلًا للإمام عليه السلام. وقد تُوفّي السمريّ في منتصف شعبان سنة 328 أو 329، وكان آخر نائب للإمام عليه السلام.
3- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 116-117.
4- المصدر نفسه، ص 117.
 
 
 
136

111

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 "ما معنى حجّة الله؟ أنتم ماذا تفهمون من كلمة حجّة الله؟ هل تعني أنّ خبر الواحد1 حجّة؟ وأنّه إذا نقل زرارة2 رواية ما، تكون حجّة؟ وأنّ الإمام عليه السلام مثل زرارة فيما لو روى خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب أن نقبله ونعمل به؟ فما يقولونه من أنّ "وليّ الأمر" حجّة الله، هل هو حجّة في المسائل الشرعيّة لكي يبيّن لنا الأحكام؟ فعندما يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إنّي راحل وأمير المؤمنين عليه السلام حجّتي عليكم، فهل تفهمون من ذلك أنّه عندما يرحل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تتعطّل جميع الأمور، ويبقى مجرّد بيان الأحكام الذي قد أوكل إلى أمير المؤمنين عليه السلام؟ أم "حجّة الله" تعني أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان حجّة ومرجعًا لجميع الناس، إذ عيّنه الله تعالى ليرجعوا إليه في جميع الأعمال؟ فالفقهاء أيضًا مسؤولون عن الأمور، ومراجع عامّة لجماهير الناس.


"حجّة الله" هو الشخص الذي نصّبه الله لتنفيذ أمور معيّنة، وجميع أعماله وتصرّفاته وأقواله حجّة على المسلمين. فلو تخلّف أحدهم احتجّ عليه (وإقامة البرهان والدعوى)، وإذا أصدر أمرًا في عمل ما، أو إقامة حدّ، أو تصرّف في الغنائم، أو الزكاة والصدقات بنحو من الأنحاء، ولم يُلتزم به، فإنّ الله يحتجّ عليكم يوم القيامة. وإذا رجعتم في دعاويكم إلى السلطة الظالمة مع وجود الحجّة، فإنّ الله تعالى سوف يحتجّ عليكم يوم القيامة بأنّه قد أقام لكم الحجّة، فلماذا رجعتم إلى الظلمة وأجهزتهم القضائيّة؟

إنّ الله تعالى يحتجّ بأمير المؤمنين عليه السلام على الذين تخلّفوا عنه وانحرفوا، ويحتجّ على الذين تصدّوا للخلافة، وعلى معاوية وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس، وعلى أولئك الذين يعملون وفق آرائهم بسبب تسلّمهم زمام المسلمين غصبًا. فأنتم لا تملكون اللياقة المطلوبة، فعلامَ غصبتهم الخلافة والحكومة؟

إنّ الله تعالى سوف يطالب حكّام الجور، وكلّ حكومة تتصرّف بخلاف الموازين الشرعيّة
 

1- خبر الواحد هو الرواية التي لم تبلغ حدّ التواتر، والمراد بحجّيّة خبر الواحد هو أنّ العمل بمقتضاه واجب، وأنّ العامل به معذور إذا لم يكن في أصول الدين.
2- عبد ربّه بن أعين الشيبانيّ الكوفيّ الملقّب بزرارة المتوفَّى سنة 150 هـ ق-، من كبار أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليه السلام، وقد عُدَّ شيخ أهل الحديث، ومن فقهاء الأصحاب. وثَّقه جميع علماء الرجال، وعدّوه من أصحاب الإجماع. ووردت روايات عن الإمام الصادق عليه السلام تحكي أنّ الإمام عليه السلام كان يبجّله. نُسب إليه كتاب الجبر، وكتاب الاستطاعة.
 
 
 
137

112

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 الإسلاميّة، سوف يطالبهم بظلمهم، وبتلاعبهم بأموال المسلمين. وسوف يقال لهم: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان حاكمًا أيضًا، كان حاكمًا على المسلمين وعلى الأراضي الإسلاميّة الشاسعة، فهل أنتم أكثر حرصًا منه على شرف الإسلام والمسلمين وبلاد المسلمين؟ أم هل كانت بلادكم أكبر من بلاده؟ إنّ بلادكم منطقة من مناطق حكومته، إذ كانت العراق ومصر والحجاز وإيران كلّها ضمن دائرة حكمه، في الوقت نفسه كانت دار حكومته المسجد، ودكّة القضاء عنده زاوية من المسجد، وكان يجهّز الجيش في المسجد، ومنه يتحرّك، وكان المصلّون وأصحاب العقيدة يذهبون إلى الحرب منه. ولقد رأيتم كيف كانوا يتقدّمون، ومدى الإنجازات التي حقّقوها1"2.


4- الفقهاء حجّة الله على الناس:
إذًا، الفقهاء هم حجّة بهذا المعنى المذكور للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة عليهم السلام: "فقهاء الإسلام اليوم حجّة على الناس، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الله، وجميع الأمور بيده، وكلّ من تخلّف عنه تُقام الحجّة عليه. فالفقهاء حجّةٌ على الناس من قبل الإمام عليه السلام، وجميع الأمور، وكلّ مسائل المسلمين موكولة إليهم، وكلّ من يتخلّف عنهم في أمر الحكومة وإدارة أمور المسلمين، وأخذ الواردات العامّة وصرفها، فسوف يحتجّ الله تعالى عليه. ليس هناك أيّ إشكال في دلالة الرواية التي ذكرناها، غاية الأمر أنّه في سندها شيء من التأمّل3، وإذا لم تكن دليلًا، فهي مؤيّد للمطالب التي ذكرناها"4.
 

1- راجع: تاريخ الطبريّ ج3 و4. والفتوح "لابن أعثم. وتاريخ الفتوحات الإسلاميّة في أوروبا لشكيب أرسلان.
2- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 117-120.
3- منشأ التأمّل في السند هو إسحاق بن يعقوب، الذي لم يرد توثيق خاصّ في حقّه.
4- الإمام الخمينيّ، الحكومة الإسلاميّة، مصدر سابق، ص 120.
 
 
 
138

113

الدرس الثاني عشر: ولاية الفقيه من خلال الروايات (3)

 المفاهيم الرئيسة


1- "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان".

2- الفقهاء أمناء للرسل في القيام بوظائفهم، وهي تنفيذ القوانين، وإدارة المجتمع، وأمور القضاء، والشؤون الماليّة، وقيادة الجيوش والدفاع عن البلاد. وبعبارة أخرى، كلّ ما يتّصل بأمور الحكومة، فلا ينبغي للفقهاء التقاعس عن أداء أمانتهم، واعتبارها مقتصرةً على تبليغ الأحكام، لما لذلك من عواقب وخيمة على الأمّة الإسلاميّة.

3- وهناك شرطٌ ليكون الفقهاء أمناء للرسل إلى جانب قيامهم بوظائف الأنبياء عليهم السلام، وهو عدم دخولهم في الدنيا، فالفقيه الذي يكون مهتمًّا بجمع مال الدنيا لا يكون عادلًا، ولا يستطيع أن يكون أمينًا للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومجريًا لأحكام الإسلام.

4- الرواية دليلٌ على ثبوت الولاية للفقيه، باعتباره أمينًا على وظائف النبيّ، ما دام يتحلّى بصفة العدالة.

5. قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه لشريح: "يا شريح، قد جلست مجلسًا لا يجلسه (ما جلسه) إلّا نبيّ، أو وصيّ نبيّ، أو شقيّ".

6- يُستفاد من الرواية أنّ تولّي منصب القضاء هو إمّا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإمّا للوصيّ، ودائرة مفهوم "وصيّ النبيّ" تشمل الفقهاء أيضًا. فالفقهاء هم أوصياء الرسول وخلفاؤه الذين يقومون بجميع ما كان يقوم به من وظائف، وهذا ما لا يكون إلّا من خلال تولّيهم مسؤوليّة الحكم والحكومة.

7- عن أبي عبد الله عليه السلام: "اتّقوا الحكومة، إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيّ أو وصيّ نبيّ".

8- منصب القضاء هو لمن يمتلك الشروط الثلاثة: (الرئاسة والعلم والعدالة)، وهذه الشروط لا تنطبق إلّا على نبيّ أو وصيّ نبيّ.

9- الفقيه العادل حائزٌ الشروط الثلاثة للقضاء، والنتيجة أنّه يكون وصيّ نبيّ، وبالتالي له إمامة المسلمين في زمن الغيبة.

10- عن مولانا صاحب الزمان عليه السلام: "أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله".

11- يُرجع الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف المسلمين في الحوادث والمستجدّات الاجتماعيّة إلى الفقهاء، باعتبارهم حجّته عليهم، كما هو عجل الله تعالى فرجه الشريف حجّة الله عليهم.

12- فقهاء الإسلام حجّة على الناس، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الله، وكما كان الإمام عليه السلام حجّة الله، فالفقهاء حجّةٌ على الناس من قبل الإمام عليه السلام، وجميع مسائل المسلمين موكولة إليهم، وبذلك تثبت لهم ولاية الفقيه.
 
 
 
 
 
139

114
ولاية الفقيه في فكر الإمام الخميني قدس سره