قاسم سليماني - ذكريات وخواطر

قاسم سليماني - ذكريات وخواطر


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-01

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


مقدمة

 إشارة

﴿رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِ﴾.

﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ﴾.

أولئك الرجال..

صحيح أنّ ميدان الحرب مليء بالمآسي والآلام، لكنّه محمّل أيضًا بالكنوز والمعنويات، وكما كانت الحرب ضروريّةً للجْم الظلم وحفظ العزّة والكرامة، كانت محلّ بناء الإنسان وصقل روحه.

لا يكفي أن نعرف قاسم سليماني من خلال الـ"نيوز ويك" وكتّاب الصحف، أو من مواقف خصومه وثنائهم عليه حتى.. 

ظننّا سنقرأ في هذا "الكتاب" شيئًا من سيرته وأعماله هو، لكنّنا وجدناه صادعًا باسم رفاقه الشهداء، متألّمًا لفراقهم ومشتاقًا إليهم، مكبرًا بطولاتهم وذاكرًا مآثرهم.. ولا يتحدث عن نفسه.

عندها عرفناه! عرفناه بقيّةً منهم، درسَ في كتابهم، وتخرّج من مدرستهم لا الأكاديميات الحديثة.. هم ارتقوا شهداء مستبشرين، وهو يرتقي في الميدان، مقارعًا طواغيت الاستكبار،.. منتظرًا.. وما بدّل تبديلا!

يسرّ مركز المعارف للترجمة أن يقدّم، كتاب "الحاج قاسم"، ضمن سلسلة "سادة القافلة" التي تصدر تباعًا عن دار المعارف الإسلامية الثقافية.

نشكر كل من ساهم في نقل الكتاب إلى اللغة العربية ولا سيّما:

عزة فرحات في الترجمة، حنان الساحلي في التحرير، عدنان حمود في التدقيق اللغوي.

والشكر موصول لمعدّ الكتاب علي أكبر فردآبادي، ولدار المعارف الإسلامية الثقافية التي أصدرته.

مركز المعارف للترجمة
 
 
 
 
7

1

مقدمة

 مقدمة الكتاب

قلّما سمع أحد السياسيّين أو العسكريّين الغربيّين باسم "قاسم سليماني" حتى نهاية العقد التاسع الميلادي، ولكن مع بداية الحرب في سوريا وطول أمدها، وخصوصًا مع المواجهات في العراق أضحت شهرة هذا القائد عالميّة. وبات الغربيّون الآن في مواجهة مع كابوس مختلف عن التخيّلات الهوليوودية، كابوس مكروه لهم ولا سبيل أمامهم سوى تقديره1! يقول "جون ماغواير" الضابط السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية في العراق: "إنّه أقوى مسؤول سرّي في الشرق الأوسط... ولا أحد يعرفه". 

ولكن نحن نعرف الحاج قاسم. إنّه رفيق جهاد "الحاج همت"، الرفيق المتواضع والغير مرائي، ورفيق "مهدي باكري" و"علي هاشمي"، قادة في أذهان شعب إيران حفّت أخلاقهم وخصالهم بالملائكة، واستقرّوا عند حدود الأسطورة. قادة ارتبطت أسماؤهم، في الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني المسلم، بالجهاد الأكبر أكثر من الجهاد الأصغر.

يعتبر الإيرانيّون الحاج قاسم واحدًا من تلك الثلّة وبقية تلك الأرواح المشرقة، ولهذا السبب تحوّل طوال السنوات السابقة إلى شخصية وطنية. لا يعرف الغربيّون - خصوصًا اليانكيز2 - صورة الحاج قاسم هذه جيدًا، ولهذا فإن ابن الصحراء بالنسبة إليهم سرّي ومرعب. بالنسبة لرعاة البقر الأمريكيين، إنّ مصداق القائد العسكري هو إمّا الجنرال رومل أو الجنرال أيزنهاور. وهذان بلحاظ النماذج العسكرية ليس بينهما تفاوت كبير، باستثناء أنّ جبهاتهما متفاوتة. لكن قاسم سليماني بنبوغه العسكري المحيّر، حينما يرفع يديه نحو السماء ويقف للصلاة 
 
 

1- أو مدحه والإعجاب به.
2- كلمة هندية تعني الشخص الإنكليزي، أو تُطلق على القادمين من الولايات المتحدة.
 
 
 
 
9

2

مقدمة

 فإنّه يتمايز عن كلّ الجنرالات المعروفين في تاريخ العسكر الحديث. في منطق رعاة البقر ليس له تعريف، وكأنه قد جاء من عالم آخر. هو رعب محض، وكابوس يجب أن يخرج لقتاله "باتمان" و"سوبرمان" و"سبايدرمان"، وهؤلاء ليسوا سوى شخصيات خياليّة. ومن هنا يتّخذ مستقبل التاريخ مسارًا مختلفًا بعيدًا عن كلّ الحسابات، مستقبلًا ستكون فيه الصلاة والعبودية لله أكثر استراتيجياته العسكرية أصالة. وبالطبع، هناك الكثيرون ممّن سيعتبرون هذه الجمل شعارات ودعايات، لكن ممّ الخوف؟ فليقولوا ولينسجوا ما يشاؤون، فإلى الآن، قائدنا المقيم للصلاة هذا هو الذي مرّغ أنف الشيطان بكل بارجاته وعظمته الحديدية بالتراب. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.


بضعة أسطر بقلم مُعِد الكتاب
في البداية لا توضيح سوى ذكر نقاط بمقتضى الضرورة:
على الرغم من أنّ الحاج قاسم سليماني ينبغي أن يُعرّف كمجاهد يمتدّ تاريخه الجهادي إلى نيّف وثلاثين عامًا، إلا أنّ الغرض من هذا الكتاب ليس التعرّض لأي مرحلة من حياته الجهادية إلا ذكريات سنوات الدفاع المقدَّس. واهتم هذا الكتاب بجمع وتوثيق ونشر الذكريات التي وردت فقط على لسانه. ومن البديهي أنّ كمًّا هائلًا من هذه الذكريات غير متوفّر، وقد حُرمنا من كتابته ودَرْجه في هذا الكتاب. لقد استفدت في تنظيم وجمع هذا الكتاب من الأعزاء: الصديق الفنان محسن رنكين كمان، الذي تعتبر صورة الغلاف باكورة عدسة آلة تصويره، السيدة همتي وحضرة علي أستادي اللذين أدين لهما بالحصول على عدد من الصور، وسيدي العزيز محمد حسن بور محمدي الذي أوضح لي أحداث الصور.

وفي الختام أشكر أخي محمد علي صمدي الذي تُعَدّ مقدمة الكتاب رشحة من فيض قلمه.

والله المستعان ومنه التوفيق
 
 
 
 
10

3

برواية الحاج قاسم

 برواية الحاج قاسم1


أنا قاسم سليماني قائد فيلق "صاحب الزمان" السابع التابع لمحافظة كرمان. ولدت سنة 1958م في قرية "قنات ملك" من ضواحي كرمان، حائز شهادة البكالوريا، متزوج ولديّ ولدان، صبي وبنت.

قبل الثورة كنت موظفًا في "مصلحة مياه" كرمان، وبعد انتصار الثورة الإسلامية وفي الأوّل من شهر أيار سنة 1980م، التحقت بحرس الثورة الإسلاميّة.

مع اندلاع الحرب وهجوم النظام العراقي على مطارات البلاد بقيت مدة أحرس الطائرات الموجودة في مطار كرمان. وبعد مضيّ شهرين أو ثلاثة على اندلاع الحرب، انطلقنا إلى جبهات سوسنكرد ضمن القوّات الأولى المرسلة من كرمان والتي كان تعدادها 300 شخص تقريبًا، بصفة قائد فصيل.

في الأيام الأولى لالتحاقي بالجبهة اعتقدت أنّ العدو قادر على القيام بأي شيء، لكنّنا تمكّنا في أوّل هجوم لنا من إرغامه على التقهقر من جانب طريق سوسنكرد إلى الحميدية، وكبّدناه خسائر أيضًا. وقد أدّى هذا الأمر إلى زوال التصوّر الخاطئ عن العدو من ذهني.

أذكر أنّنا بعد ذلك الهجوم صرنا نقتحم مواقع العراقيّين ليلًا. كان لديّ صديق يدعى "حميد الفدائي"2 وقد استشهد فيما بعد. وصل به الأمر في بعض الأوقات إلى أن يذهب إلى متاريس العراقيّين بدراجته النارية. لم يكن أحد
 

1- مقابلة مع مجلة "نداء الثورة" في العام 1990م.
2- توجّه "حميد ايرانمنش" إلى كردستان مع انطلاقة بوارق اليقظة فيها، وبسبب الشجاعة والمواقف الجريئة التي أبداها هناك بات لقبه "حميد الفدائي" (أو المغوار). وبعد عودته من كردستان توجه إلى جبهات الجنوب، وأوكلت إليه مسؤولية قيادة إحدى كتائب فرقة "41 ثار الله". 
 
 
 
11

4

برواية الحاج قاسم

 في ذلك الوقت يتوقع أن تنتهي الحرب في تلك السنة. ولو أنّ شخصًا كان يقول إنّ الحرب قد تطول لستّ سنوات مثلًا لم نكن لنصدّق. ولكن فيما بعد أصبحنا نتوقع أن تطول الحرب ثماني سنوات. 


كنت مولعًا جدًا بالخطط والقضايا العسكرية، وكذلك الجبهة، وبسبب هذه المحبة وطِئتُ أرض الجبهة في مهمة تمتد 15 يومًا، ولم أرجع إلا بعد أن وضعت الحرب أوزارها.

أفضل العمليّات التي شاركت فيها كانت "الفتح المبين". أوكلت إلينا ولأول مرة حينها مهمة تشكيل لواء، ورغم إصابتي توليت مسؤولية مساعد قائد المحور في جبهة "شوش" و"سهل عباس". تزخر هذه العمليّات من حيث النجاحات التي حققناها بالذكريات العذبة جدًا، إذ أنّنا رغم الضائقة الشديدة التي واجهتنا من حيث الإمكانات فقد استطعنا بهمة مجاهدي الإسلام أن نأسر 3000 جندي عراقي تقريبًا. وكذلك في عمليّات "والفجر8"، وبصرف النظر عن النصر الذي تكلّلت به، فقد تذوّق الإخوة حلاوتها برغم مشاقّها ومعاناتها، وكان لفرقة "ثار الله" من مدينة كرمان الدور الأساس في هذه العمليات.

أما أصعب اللحظات التي عايشها القادة في الحرب هي لحظات فقد الأحبة وارتقائهم شهداء، والأصعب من ذلك إذا ما كان الشهيد السعيد يشكّل ركنًا وأساسًا في المواجهات. عندما استشهد "(حسن) باقري" و"(مجيد) بقائي"1 شعرنا أنّ رحيلهما قد أحدث صدعًا في المعركة. لقد كان الشهيد باقري "بهشتي" الجبهة2، وكان أمثاله بمثابة قطب الرحى التي يستند عليها قادة الحرب للتخلّص من ضغوط العدو وإيجاد الحلول.
 

1- 29 كانون الثاني 1983، منطقة فكه.
2- نسبةً إلى الشهيد بهشتي رئيس حزب الجمهورية الإسلامية ورئيس السلطة القضائية ومجلس الثورة الإسلامية، وكان له دور أساس في إعداد الدستور الإيراني تحت نظر الإمام الخميني قدس سره. وقد استشهد في تفجير وضعته منظمة منافقي خلق أثناء إلقائه خطابًا في مقرّ الحزب، واستشهد معه 72 من شخصيات وكوادر الثورة والحزب. 
 
 
 
 
12

 


5

برواية الحاج قاسم

 في بعض الأوقات، كانت شهادة أحد القادة تؤثر بي كما لو أنها شهادة أفراد كتيبة بأكملها. ومن أمثال هؤلاء، كان الشهيد القائد "الحاج يونس زنكى آبادي"1 الذي كان الأمل لفرقة "ثار الله". كان عاشقًا لأصعب الأعمال في الجبهة.


من الذكريات التي لا أزال أستحضرها من عمليّات "والفجر8"، حيث لم تكن حينها أطراف منطقة "رأس البيشه" قد سقطت بعد، علمنا أنّ القوّات العراقية شنّت هجومًا مضادًا من الخلف لجهة مرفأ "قشله"، إلّا أنه بعد وقت قصير أُخبرنا أنّ هناك لواءً من القوّات العراقية تمّت محاصرته وتمكنّا فيما بعد من أسر جميع جنوده. 

تقرّر في اليوم الثاني من عمليّات (كربلاء 1) في منطقة مهران، أن نتحرك من نقطة "إمام زاده حسن" باتجاه "قلاويزان" لتحرير منطقة مهران، كانت فرقة "ثار الله" إلى جانب فرقة "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" تخوضان مواجهات عنيفة مع قوّات صدام على هذا المحور. أما نحن التحقنا بمساعدة قائد فرقة "رسول الله" لإلحاق القوّات بالخط الأمامي للجبهة. انبلج الضوء ونحن نسير في جو مليء بالغبار والرمال، سرت إلى الأمام بدراجتي فرأيت مجموعات كبيرة تتقدّم باتجاهنا، في البداية اعتقدت أنّهم من قوّاتنا، لكن عندما أصبحت قريبًا جدًا ولا يفصلني عنهم سوى عدة أمتار، أدركت أنهم من قوّات صدام، لم يكن أمامي فرصة حتى أستدير بالدراجة فقفزت عنها ورحت أركض باتجاه سواترنا حتى وصلت إلى نقاط تموضعنا، فيما بعد تمكنّا من أسر جميع هذه القوّات التي كانت على مقربة منّا.
 

1- قائد لواء "الإمام الحسين عليها السلام"، في فرقة "41 ثار الله" والذي استشهد خلال عمليّات "كربلاء 4" في شهر دي1365 (ك1 1986-).
 
 
 
 
 
13

6

سنواصل (عمليّات) كربلاء

 سنواصل (عمليّات) كربلاء1


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾

سلام الله على الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء، السلام على الولي ناصر المستضعفين، الإمام الخميني قدس سره، والسلام على جميع وجوهكم النورانية التي اختار الله من بينها عشَّاقه، وسرعان ما يتحقق وصال العاشق بالمعشوق، يقول الله عز وجل: "من طلبني وجدني، ومن وجدني عرفني، ومن عرفني عشقني، ومن عشقني قتلته، ومن قتلته فأنا ديّته".

إنّها لسعادةٌ كبرى، الشهادة هي تلك الأمنية التي تخفق لها جميع القلوب، كلّ العشاق التائقين للوصال مع معشوقهم والمشتاقين لبلوغ غايتهم، يرون الشهادة آخر وسيلة توصلهم إلى المعشوق، فيختارونها. لكن ليس لأي شخص بلوغ هذا الشرف، فهو من نصيب أولئك الذين هذّبوا أنفسهم فهم من ينالون فخر لقاء الله والاتصال به تعالى، وهم كثر بينكم.

إنّ سيماء الشهادة ولونها الممزوج بالمعنوية يتجلّى على وجوهكم ويُرى من بعيد.

هذا شهر محرم الذي يشحذ همم كلّ المستضعفين، وقد شَخصَتْ فيه العيون -عين الإمام وعين الأمة وعيون الشهداء الذين يروننا- إلى تلك السواعد المقتدرة ذات البأس، ولكن أنتم أيّها الصابرون الذين تعزف في ذواتكم نغمة الشهادة، وتتّقد فيها شعلة عشقها، صبرتم حتى تنزلوا مرة أخرى بعدوّهم الماكر شر هزيمة، هزيمة لا يتخيّلها قطّ.
 

1- خطابه قبل انطلاق عمليّات "طريق القدس" يوم الجمعة، في السادس من شهر آذر عام 1360 (1981)، في جمع كتيبتين من فرقة "41 ثار الله" الكرمانية. 
 
 
 
15

7

سنواصل (عمليّات) كربلاء

 بحمد الله، إنّ جميع الإخوة الذين تموضعوا عند هذه الخطوط في الأيام الماضية لم يصبهم أي أذى، ما عدا واحدًا أو اثنين، شاء الله أن يرحلوا إليه سريعًا، وإن شاء الله يكونون شفعاء لنا من عليائهم. فالحمد لله، بقي الجميع سالمين يعدّون العدّة للهجوم الكبير.


إخواني! أعزائي! أيّها الشهداء! يا من تجلسون الآن وتسمعون كلامي! القائد أيضًا قد حضر، إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أيضًا قد حضر.

حدّثني قائد لواء عاشوراء خلال جلسة معه عن رؤيا كان قد رآها قبل عدة ليالٍ، وطلب مني أن أنقلها إليكم، رأى نفسه في المنام في محضر الإمام وبجواره آية الله بهشتي وآية الله مشكيني وشهداء آخرون. فجأةً، وإذا بنور يرد من الباب فجأة1، فيقف الإمام ثم يلتفت إليهم ويخاطبهم: "أنا جاهز لهذا الهجوم". هذه بشارة لنا، إنّ هذا الهجوم سوف يحقّق أكبر قدر من النتائج بأقلّ عدد من الشهداء.

إخواني، إنّ دعاءه لنا بالخير سيواكبنا، قال لي أحد الإخوة: كنت أحرس بيت الإمام ليلًا، فجأة رأيته يصعد أعلى السطح، التفتَ إليَّ وقال: أعطني سلاحك، الآن حان دوري، وأخذ السلاح من يدي. يقول الأخ: ابتعدت قليلًا وجلست عند زاوية أرقب ماذا سيفعل. فرأيته يحمل السلاح على كتفه ويذهب ويجيء على السطح باكيًا مناجيًا ربّه. لما أطرقت سمعي عرفت أنه يدعو للمجاهدين!

أيّها الأعزاء! دعاء الإمام القائد سيكون رفيق دربكم.

كونوا أشدّاء، واعلموا أنكم بفضل دعاء إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وبقيادة قائد مثل إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ستوجّهون للعدو الماكر ضربة قاضية تشلّ قدرته.

إن شاء الله سنرسل بدمائنا صرخة كربلاء إلى كلّ أعزائنا المنتظرين خلف الجبهات، إلى تلك المرأة العجوز التي تجمع كلّ ما تملكه في كيس وترسله إلينا، سنرسل لهم بدمائنا هدايا كسهل "سوسنكرد" الفسيح.
 

1- (هنا يتأثر الحاضرون لدى سماعهم خطاب الحاج قاسم ويجهشون بالبكاء).
 
 
 
 
16

8

سنواصل (عمليّات) كربلاء

 سنواصل عمليّات كربلاء حتى نصل إلى كربلاء الحسين.

ببركة قطرات دمائنا إن شاء الله نفرح قلب إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وسنقول لإمامنا: يا إمامنا يا قائدنا لو وهبنا الله الروح آلاف المرات لفديناك بها، يا إمامنا لن نتركك وحيدًا كما ترك أهل الكوفة عليًا وحده. (تكبير الإخوة) وأنتم سترون كيف سينهار عدوّكم ويفرّ أو يستسلم بفعل قوة إيمانكم لا بقوة "الكلاشنكوف" والمدفع والدبّابة وسلاح الهاون وسيندحر بهذه الصرخات المدويّة الله أكبر.

ستحرزون هذا النصر الكبير إن شاء الله، وتواصلون هذه العمليّات التي سُمّيت بمخطط "كربلاء" ليكون لدينا كربلاء 1 و2 و3.. حتى نصل لكربلاء الإمام الحسين عليها السلام (صرخات التكبير من الإخوة).

يا حسين! لقد سُمّيت هذه الكتيبة باسم كتيبة "أبو الفضل". يا حسين! نريد أن تُقطع أيدينا تمامًا كيدي أبي الفضل في سبيل إمامنا الخميني.

روحي يا حسين! ما لم نَدْفن عدوّنا في هذا التراب لا نريد مغادرة هذه الأرض وهذه الحدود، حتى ولو قطعت أيدينا وأرجلنا.

نسأل الله أن نحقّق، بعونه المؤَيِّد للمستضعفين، نصرًا مؤزّرًا على العدو بمجرّد انتهاء العمليات، وإن شاء الله يوفّقنا في سلسلة عمليات كربلاء اللاحقة لوأد العدو عميقًا في التراب. أختم بالدعاء، ثم أشرح بعض التفاصيل على الخريطة.

إلهي! إلهي! أقسم عليك بأرواح الشهداء، بجسد الحسين المقطّع إربًا، بالحسين سيد الشهداء، وبدماء المظلومين في كربلاء الحسين، وكربلاء الحزب الجمهوري الإسلامي في طهران، إلا أخذت من أعمارنا وزدت في عمر قائدنا.

ربنا! بيِّض وجوهنا وانقلنا بأجر الشهادة لجبهات أخرى، إلهي! وفّقنا لنقدّم لكلّ هذه الأمة المنتظرة هديّة عاشوراء الحسين. ربّنا! ثبّت أقدامنا في هذا الطريق.

ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
 
 
 
 
 
17

9

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك1


انطلقت عمليّات "طريق القدس"2 مباشرة بعد انتهاء عمليّات "ثامن الأئمة"3 التي كسرت الحصار عن منطقة عبادان، استمرت عمليّات "ثامن الأئمة" ثلاثة أشهر، وأرهقت خلالها القوّات، ومع ذلك أرسلنا كتيبتنا للمشاركة بهذه العمليّات بعد إعطاء إجازة قصيرة لكلّ الإخوة تقريبًا ما عدا ثلاثة أو أربعة، كان من بينهم "حميد إيرانمنش" المعروف بـ"حميد الفدائي" الذي رغم استحقاقه للإجازة انتقل على الفور من ساحة العمليّات في عبادان، إلى سوسنكرد.

مع انطلاق عمليّات "طريق القدس" عام 1360ه.ش.(1981م) توجَّهَت كتيبة من فيلق كرمان - وقد تسلّمتُ قيادتها - إلى منطقة الجنوب. كان ميدان "ولي العصر" نقطة الانطلاق، حيث هناك ذهبنا إلى سوسنكرد والتحقنا بالمقرّ الخاص بشباب كرمان. وقبيل بدء العمليّات كنا نمضي الليالي بالدعاء والعبادة.

أما حميد الفدائي الذي كان معروفًا قبلًا بـ "حميد الرَشَقي"4 فالتحق بنا في منطقة "ديلم" حيث إنّه ولشدة عشقه للعمليّات لم يذهب في إجازة أصلًا. وهناك التحق بـ"أكبر محمد حسيني" في الكتيبة الأولى التي كان من المقرّر أن تقوم باقتحام خط التماس مع العدو.

امتاز حميد بقدرته على توجيه وإدارة القوّات وكان له دور ريادي في تدريب وتجهيز الكتيبتين اللتين أتينا بهما من كرمان، فالشباب كانوا يصغون إليه لدرايته
 

1- من ذكرياته حول عمليّات "الفتح المبين" والشهيد "حميد ايرانمنش".
2- بدأت عمليّات "طريق القدس" في 28 تشرين الثاني 1981م في منطقة بستان وغرب سوسنكرد، وانتهت بعد 15 يومًا بتحقيق جميع الأهداف.
3-  26 أيلول 1981م.
4- مصطلح عسكري: رشقي الوضعية التي يكون فيها السلاح الفردي بوضع رشقي بعكس الطلقي.
 
 
 
 
19

10

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 الجيّدة بساحة الحرب وإنجازاته الاستثنائية فيها. كانت لديه خبرة أربع أو خمس عمليّات في كردستان، وهذا شيء ليس بقليل.


دخلنا ليلة العمليّات قناة كانت عرضة لنيران العدو من بداية الخط وصولًا إلى الخط الخلفي للجبهة، إذ تساقطت قذائف الهاون من عيار 120 و160مم بكثافة، كذلك أمطرت مدافع الدبّابات القناة بقذائفها.

في البدء، ركّز العدو قصفه العنيف في هذه العمليّات عند هذا الخط، وبعد مضي ساعة على انكشاف أمر الهجوم، كانت نيران العدو تغطّي كامل المسافة الفاصلة بين خط انطلاقنا وخط تحصيناته، حتى معابر الانتقال انكشف أمرها وغطتها النيران. كان حميد لا يزال مع السريّة الأولى، أما نحن فكنّا ننتظر اقتحام شباب الأهواز خط التحصينات الأول حتى نندفع خلفهم باتجاه الخط الثاني لنصل إلى حافة جسر "سابله".

كانت تفصلنا مسافة مئة متر فقط لبلوغ سواتر العدو الترابية، لكن النيران كانت تنهمر على رؤوسنا بكثافة. وفي هذه اللحظات قَدِمَ حميد من سريته وقال لي: "بهذه الطريقة لن نفلح، سيستشهد جميع الشباب، دعني أقترب مع سريتي باتجاه الأسلاك الشائكة هناك حتى أشغل العدو". وافقت على طرحه، فتحرك على الفور مع سريّته ليقترب من الأسلاك. في هذه الأثناء أُصِبْت بجروح، كما اضطر "أكبر محمد حسيني" إلى التراجع مع السريتين، حتى أنّ شباب الأهواز لم يوفقوا في اقتحام الخط. نزفتُ بكثرة، وخارت قواي، لكن لم أشأ القول إنّني جريح حتى لا تضعف معنويات الشباب. عاد "حميد" وأصرّ عليّ كي أنتقل بسرعة إلى طرف المعبر وأشرف على عمل القوّات، فأجبته: "لا أستطيع الانتقال، اذهب أنت وقم بما تقدر عليه". أدركَ أنّني لست على ما يرام، فهزّ رأسه وودّعني منطلقًا باتجاه الخط مجددًا. 

لم تطل فترة المحادثة مع حميد أكثر من عشر ثوانٍ، بعدها، وفي أقل من ربع
 
 
 
 
 
 
20

11

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 ساعة كان حميد قد سيطر على الخط الأول لقوّات صدام، فتوقفت الرمايات الرشاشة وقذائف الهاون، وباشر الشباب بعملية التطهير وعلت في أرجاء الميدان هتافات التكبير.


اتصل أكبر حسيني وأخذ على عاتقه توجيه السريّتين الأخيرتين، وتحرّكوا بسرعة إلى المتاريس وتابعوا تقدمهم إلى الأمام.

في هذه الأثناء، فقدت الوعي ونُقلت إلى الخط الخلفي. وهناك سمعت أخبار "حميد"، وكيف أنه سبق جميع القوّات حاملًا حزامًا فيه الكثير من القنابل اليدوية، وصار يرمي بها دشم العدو من مسافات قريبة. كانت كل دشمة تبعد عن الأخرى مسافة 5 إلى 20 مترًا، فيدمّرها، وكم كان محظوظًا عندما انتبه بسرعة أنّ قنبلته التي رماها إلى داخل أحد دشم العدو قد عاد ورماها العدو باتجاهه، فانبطح على الفور ونجا من شظاياها القاتلة، غير أنّ شظية قذيفة هاون أصابته ولم تنل منه وواصل التقدم.

لاحقًا نُقلت إلى المستشفى، وبعد أن تعافيت وعدت إلى الجبهة شرعت بتشكيل لواء "ثار الله". كان "حميد الفدائي" أحد الإخوة الذين خطر في بالي أن أستعين بهم كنواة أساسية في تشكيل هذا اللواء.

ونظرًا لدوره الكبير في عمليّات "طريق القدس" وعلاقته المميزة بالشهيد "مهدي كازروني"1، أوليناه دورًا أساسًا في عمليّات "الفتح المبين". لقد كانت هذه العمليّات أولى تجارب لوائنا.

قبل بدء الهجوم أَجرَيتُ أنا وحميد عمليّتي استطلاع، واحدة في الجهة اليمنى من منطقة "كمر سرخ" وأخرى في الجهة اليسرى.

كانت المسافة بين المنحدرات بعيدة، فيما تموضع العدو في أعلى
 

1- الشهيد مهدي كازروني كان مسؤول التخطيط والعمليّات في فرقة "41 ثار الله" وقد ارتقى شهيدًا في شهر آبان عام 1362 ه.ش (1983م) خلال عمليّات "والفجر4".
 
 
 
 
21

12

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 المرتفعات. وتراوح عددنا في دورية الاستطلاع من عشرة إلى اثني عشر فردًا، وكنا ننجز مهامنا خلال النهار. كنا أنا وحميد وكازروني نتسلّل إلى الأمام، فيما يتمركز البقية خلفنا ليقوموا بمهام التأمين.


عبرنا التلال والهضاب حتى وصلنا إلى حافة مرتفع بالقرب من "كمر سرخ" الذي لم يفصله عن موقع قوّات العدو في أعلى التلة سوى نهر، لكن انحدار سفح التلة من جهة النهر كان حادًّا جدًا، ما مكّن قوّات العدو من الإشراف الكامل على ضفّتيه. انبطحنا مستترين ببعض الشجيرات وبدأنا بالمراقبة، لكن لم نتمكّن من استطلاع النهر عن قرب. كنّا بحاجة إلى تحديد المواضع القليلة العمق فيه ليسهل على قوّاتنا العبور منها إلى الضفة الأخرى، لكن مع الأسف كنّا في فصل الشتاء حيث مياه النهر تتدفّق بقوة، الأمر الذي حال دون التشخيص الدقيق.

قضت خطّة العمليّات أن نتحرك من اتجاهين للإطباق على منطقة "كمر سرخ" ومباغتة العراقيين من الخلف.

عندما وصلنا بقينا مستترين، وكنا حائرين ماذا نفعل لكي نستطلع النهر، فدشم العدو مشرفة بشكل كامل على مجراه، ولقربنا منها كنّا قادرين على تشخيص حركة الأفراد بداخلها، حتى إنّنا كنّا نسمع صوت قرقعة الملعقة بالصحن. فعطسة واحدة من أحدنا تكفي لينكشف أمرنا. حرصنا على التشاور همسًا خوفًا من أن يصل صوتنا إليهم، ثم قررنا أن ينزل أحدنا باتجاه ضفة النهر. وكان حميد أول متطوّع. كان النزول يستصحب ضجة وجلبة فيما الصعود مكشوفًا للعراقيّين. ولم يكن أمامنا أي خيار آخر. تقدم حميد نزولًا حتى توارى عن الأنظار ورصدنا حركته فقط عبر آذاننا فيما عيوننا مسمّرة باتجاه دشم العدو. ورغم شدة الانحدار إلا أنّ حميد تحرك بخفة ورشاقة خوفًا من أن يحدث صوت تدحرج أي حجر وينكشف أمره. وصل إلى مقربة من ضفة النهر واستتر في حفرة صغيرة ثم رأيته ينهض بكل اطمئنان ويستطلع كل ما نريده بدقّة. أنهى استطلاعه
 
 
 
 
 
22

13

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 وهمّ بالإياب، وإذا بأحد جنود العدو يراه، لكنّه لم يطلق النار باتجاهه على الفور. لم نعرف ما إذا كان الأمر كمينًا أم شيئًا آخر. شاهدناه يركض نحو مسؤوله ليدلّه على حميد. وبحمد الله فإنّ الأمر لم يطل لأنّ حميد برشاقته العالية انسحب نحونا بسرعة.


بقينا مستترين نرقب ردّ فعل قوّات العدو. كانوا حوالي خمسة عشر فردًا يقفون عند التلة ويُشيرون لبعضهم البعض إلى هذا الاتجاه ويتساءلون عمّا إذا كان الشخص الذي شاهدوه من أهل المنطقة أم عسكريًا. في نهاية الأمر عادوا إلى موقعهم وعدنا أدراجنا.

كان الاستطلاع الثاني الذي قمت به مع "حميد" ليلة عيد النوروز أو ما قبلها بليلة. وكان معنا أيضًا "رحيمي" و"تهامي" والحاج مهدي كازروني.

كان يوجد في منطقة "إمام زاده عباس" عند الجهة اليسرى من مرتفعات "كمر سرخ" عدة قرى، وكانت هناك شجرة وحيدة، أظنّ أنّها شجرة بلوط، نفيئ إليها نهارًا لنحتمي بجذعها الضخم، ونرصد من هناك خط قوّات العدو.

في تلك الليلة تناولنا عند جذع الشجرة شيئًا من الطعام وجلسنا نكمل مخطّط المهمة، وكان برفقتنا أحد أبناء المنطقة ويُدعى "الشيخ عيسى" وهو حفيد "الشيخ قيوم" كبير وجهاء بلدة "قيوم". تقرّر أن يتوجّه هو مع الحاج رحيمي وتهامي برفقة أحد شباب الاستخبارات ويُدعى "عرب" باتجاه الطريق المعبد وذلك من خلال عبور المنخفضات وخط العدو، فإذا ما وجدوا الفرصة سانحة أمامهم ينتقلون إلى طرف منطقة الـ 202 وبعد الانتهاء من عملية الاستطلاع يعودون إلى خطّنا.

وبالفعل بدأ الشباب بالزحف على صدورهم من المنخفضات نحو الأعلى حتى وصلوا إلى منخفض آخر أكثر عمقًا، أما أنا ومهدي وحميد بقينا عند الشجرة، وغالبنا النعاس من شدة التعب - في تلك الفترة لم نكن نحتاط كثيرًا
 
 
 
 
23

14

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 كما في أواخر الحرب - وعندما انتبهنا من نومنا أحسسنا بالخطر وقد أحدق بنا. كانت قوّات العدو قريبة منّا ولطالما اصطدمنا بالعراقيين، تحركنا نحن من هذه الجهة وهم كانوا في الجهة الأخرى، كاد أن يفوتنا وقت الصلاة، إلى أن تمكنّا من النزول بسرعة، ومن دون أن ننتبه للعراقيين. صلّينا في منخفض، ثم عدنا إلى خطنا.


بعد عودتنا، التقينا الأخ "أشجع" قائد حرس المنطقة (6) وكان يبحث عنا ليُرينا رسالة بخط يد الأخ محسن رضائي الذي عُيّن للتو القائد الأعلى لقوّات الحرس. وتبيّن أنّ العدوّ قد هاجم شباب قم الموجودين في منطقة "شوش" وأنّ ذخيرتهم قد نَفَدت، كما لم يكن مستبعدًا أيضًا أن يهاجم العدو مناطق جديدة، لذا كان من الأفضل أن تبدأ العمليّات في نفس تلك الليلة، وأن يتحرك الجميع باتجاه المحاور المحددة لهم. شعرنا بالراحة لأنّنا كنّا قد أنجزنا عمليّات استطلاعنا.

تقرّر إرسال سريّة مشكّلة من قوّات الحرس والجيش حتى تصل إلى منطقة الـ 202. وأن تأتي السريّة التي يقودها حميد الفدائي ومهدي كازروني والأخ "خوشى" من الجهة اليسرى لتعبُر مع قوة من الجيش بقيادة "شادكام" الجهة اليمنى لنهر "جيخواب".

أَرْسلنا القادة الأساسين إلى الجهة اليسرى لأنّ أملنا بتحقيق اختراق من الجهة اليمنى كان ضعيفًا. أصلًا لم يكن هناك إمكانيّة لتأمين الدعم والمساعدة للقوّات من تلك الجهة.

كان يوجد هناك طريق يربط بين خط تموضعنا ومنطقة "إمام زاده عباس" ويمكّننا من الالتفاف على "كمرسرخ" وإيصال الذخائر لقوّاتنا عند الجهة اليسرى. كلّ أملنا بالنجاح كان معقودًا هناك، لذا عمدنا إلى دعم قوّاتنا بكل ما أمكن.

تحرّك حميد سريعًا نحو كتيبته، ولحسن الحظ لم يكن السيد رحيمي قد
 
 
 
 
 
24

15

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 ذهب بعد. وسرعان ما عاد "حميد" فأعدنا تنظيم القوّات. عند المغيب، نزلت الكتيبة من المرتفعات وتمّ تجهيزها وشرعت بالتحرك باتجاه خط العدو. عند الساعة 12:00 ليلًا وصلت إلى نقطة بدء الاشتباك.


كان حميد قد التفّ مع رحيمي والحاج مهدي على منطقة كمرسرخ وتموضعوا خلف قوّات العدو في بلدة الشيخ "قيوم"، وهناك انتظروا حتى انطلقت أنا من الجهة اليمنى ليصبح الجميع جاهزين لبدء العمليّات.


لكن عند الساعة 12:00 اتصلوا بنا وأبلغونا بتأجيل العملية وضرورة إعادة القوّات، فاتصلت بالحاج مهدي وأبلغته بواسطة الشيفرة أن يرجع.

في تلك الليلة لم يفتح أحد بطاقة "المنشأ"1، إذ لم يحتمل أحد مع كلّ هذه الجهوزية أمر تأجيل العملية، وهنا سمعنا أول رشق ناري يُطلق من جهة حميد الفدائي الذي كان الأكثر جهوزية، وبذلك وقع عدم التنسيق. عندما وصل حميد مع قوّاته إلى القناة، سأله شباب السريّة: "متى ستسلّمنا الذخيرة؟" فأجابهم "استخدموا ما لديكم في مخزن السلاح، ولاحقًا نرى ما نفعل"، فردّوا عليه "حسنًا أعطنا طلقات لنملأ مخازن السلاح". فيما بعد، أخبرنا حميد أنّ أحدًا من بين جميع عناصر السريّة البالغ عددهم 60 أو70 شخصًا، لم يكن بحوزته مخزن سلاح واحد مكتمل الطلقات، لقد كان إلغاء العمليّات تدبيرًا إلهيًا.

كان الشباب قد انطلقوا لتنفيذ العمليّات عند الساعة 6:00 مساءً وعادوا عند الساعة 6:00 صباحًا، أي إنّهم أمضوا اثنتي عشرة ساعة مشيًا على الأقدام حاملين حقائبهم العسكرية على ظهورهم. استغرق مسير الالتفاف للعودة وقتًا طويلًا، وكان على القوّات أن تستريح في نقطتي "كناره" و"هتيت"، ورغم أنّهم كانوا معرّضين لخطر الانكشاف من دوريات العدو المزودة بكلاب حراسة، إلا أنّهم ومن شدّة التعب استلقوا على السواتر الترابية من دون استتار.
 

1- أو الشيفرة العسكرية.
 
 
 
25

16

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 في ظلّ هذا الوضع قال لي حميد الذي كان لا يزال في أوج نشاطه: "إذا أكملنا المسير بهذا الشكل، سيرانا العدو، وستُمزّقنا نيرانه أشلاء". قلت له: "ألا ترى كم هم متعبون، لم يعد بالإمكان فعل شيء". فهزّ رأسه وقال: "لا يصحّ أن تسير الأمور هكذا"، ثم ذهب وأحضر صهريج ماء - الله وحده يعلم من أين أتى به- وبدأ برش المياه على الشباب. كان أغلبهم فرحًا بذلك، فصحيح أنّنا كنّا في فصل الشتاء إلا أنّ شتاء خوزستان ليس باردًا، ففي النهار تستمرّ الحرارة مرتفعة وفي الليل يتحوّل الطقس ربيعيًا. وبالطبع لم يُعْجِب الأمر بعض الشباب، إلا أنّ أكثرهم كان يضحك وهو يتبلّل بالماء. وبهذه الحيلة استطاع حميد أن يُنزل الشباب إلى خلف السواتر.


وصلنا بسلام إلى خط الانطلاق، إلا أنهم عادوا وأبلغونا أنّ العمليّات ستبدأ هذه الليلة، فأعدنا تجهيز الشباب. كان تأجيل العملية لصالحنا، فالشباب أصبحوا أكثر دراية ومعرفة بالمسير الذي عبروه، حتى إنّهم وضعوا علامات في بعض النقاط. ففي طريق العودة ترك بعضهم حقيبة عسكرية، أو قذيفة أر بي جي، أو بعض الأمور الصغيرة، وأصبح المسير محدّد المعالم.

راقبنا العدو بدقّة، ولم نلحظ له أيّ ردّ فعل أو حركة غير عادية على المرتفعات، لكن الطائرات العراقية حلّقت على ارتفاع منخفض ومشطت خطّنا والخطوط العسكرية الأخرى في الجبهة ثم غادرت الأجواء. 

تحركنا مجددًا وبنفس العتاد باتجاه خطوط العدو، إلّا أنّ قوّاتنا التي تحرّكت من الجهة اليمنى، اصطدمت بحقل ألغام، ولم يكن معها عنصر هندسة1، فكان هذا العائق أحد الأسباب التي أجبرتنا على تغيير مسيرنا والالتفاف على العدو.

كان لدينا ثلاثة عناصر هندسة فقط. وكنّا نرسل لكلّ حقل ألغام عنصرًا واحدًا. التفّت سريّة حميد على المنطقة، فتحرّكت من فوق طريق قوّات العدو
 

1- "سلاح الهندسة" وحدة عسكرية مهمتها الكشف عن العبوات والمتفجرات وتفكيكها إلخ.
 
 
 
 
26

17

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 وفتحت النار عليه، سرعان ما استطاعت إسكات النيران من جهة "كمرسرخ"، فتقدّم الإخوة إلى قرب المرتفعات من دون أي مواجهة تُذكر. بعد سماع الشيفرة مباشرة تمّت مهاجمة المرتفعات والسيطرة الكاملة على قممها. كانت أطراف كمرسرخ مغلقة بالكامل وقد سقطت منطقة الـ 202. وانقسمت منطقة "كمرسرخ" إلى محورين: محور قاده حميد الفدائي والمحور الآخر قاده "خوشي" قائد الكتيبة، وكان حميد نائبه. كان الشهيد "منصوري" رسول (بريد) حميد الخاص، وإلى جانبه "مصطفى هندوزاده". أما الشهيد "طاهري" كان عامل الإشارة1 في محوره. انطلق حميد من وسط المرتفعات والتفّ القائد خوشي من الجهة الشمالية للمرتفعات. انطلقا من المحورين وأحكما السيطرة عليها. أوصل حميد قوّاته بسرعة إلى الأهداف التي ينبغي السيطرة عليها. تميّز حميد بالخفة والسرعة في إنجاز العمل، وقد انتقلت هذه السرعة إلى القوّات التي يترأسها، الأمر الذي شلّ قدرة العدو على التحرك وأسقط من يده زمام المبادرة.


في هذه العمليّات استشهد الأخ طاهري، مسؤول اللاسلكي لدى حميد. وانطلق الأخير والقائد خوشي لاستعادة جثمانه. كانت بطاقة الشيفرا بحوزته وكان من الممكن أن ينكشف أمرها. لكن الشهيد مزّقها وهمّ ببلعها عند استشهاده. وكان فتات الورق لا يزال في فمه. 

رغم وجود الموانع اقتحم حميد خط العدو، ومع انبلاج الصباح كانت قد أُحكمت السيطرة على المرتفعات ما خلا منطقة واحدة. توجّه القائد خوشي وحميد نحو تلك النقطة، حيث جُرح هناك الحاج "حسن رشيدي" وشخصان آخران، ولم يكن ممكنًا الاقتراب من القرية.

ومجددًا أعاد حميد والقائد خوشي تنظيم الصفوف وتوجّه الحاج مهدي كازروني بالقوّات نحو القرية وبدأت الاشتباكات. ارتفع عدد من الشهداء، من
 

1- الاتصالات اللاسلكية.
 
 
 
27

18

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 بينهم على ما أذكر الشهيد "مؤذن زاده". وتم تنظيم المشاة بهدف الالتفاف على القرية. بتنا على مسافة 50م من العدو، ولم يصدر أي ردّ فعل. كان من المحتمل أن يرموننا بقذائف الـ ار بي جي. وفجأة بدأ إطلاق نيران البنادق والـ آر بي جي من الجهات الأربع. وجرح عدد من الإخوة واستشهد أخ واحد. وبعد نصف ساعة، انسحبوا ودكّوا القرية بقذائف الدبّابات وبما امتلكوا من أسلحة، وسيطرت قوة المشاة على المنطقة.


حينها لم أعرف شيئًا عن أخبار حميد الذي كنت أبحث عنه. ظننت أنه استشهد. كانت المرتفعات شاسعة وكنا نبحث عنه منذ الصباح. وعند الساعة العاشرة جاء حميد إلى ناحية قوّاته. وارتفعت الأصوات بالصلاة على النبي وآله ودبّت الحماسة في نفوسهم. أُصيب حميد بقدمه، تعانقنا عند قدومه ثم شرح لي مجريات فتح المرتفعات، قائلًا "لقد أسرنا عددًا ممّن كانوا في أعالي القمم". وبيّن لي كيف أنّ عناصر العدو تسمّروا في الأعالي وأُلقي في قلوبهم الرعب، فالتلة قد حوصرت وعلموا أنّهم سيُقتلون جميعًا إن فتحوا النار. استغلّ حميد حيرتهم واضطرابهم فاستولى على سلاح أحدهم وأسرهم بأجمعهم. وحين نزل إلينا كان قد كلّف عددًا من الإخوة بمراقبتهم. تبيّن فيما بعد أنّ الأسرى كانوا حوالي 70 أو 80 جنديًّا عراقيًّا. وهكذا انتهت العمليّات في اليوم الأول مكلّلة بالنجاح.

في اليوم الثاني انتشر خبر هجوم لواء "المدرعات 10" العراقي على "سهل عباس" وحاصر قوّاتنا في منطقة الـ202 فاصلًا بيننا وبين منطقة "كمرسرخ". أما جنودنا في لواء الإمام الحسين عليها السلام تابعوا العمليّات في قرية تقع بيننا وبين "شيخ مزبور" و"عين خوش".

كان عدد المقاتلين في "شيخ مزبور" كثيرًا جدًا بحيث لم نَعُد نعرف ما إذا كانوا من أفراد لواء الإمام الحسين عليها السلام أم من عناصرنا أم أنّهم جنود
 
 
 
 
 
 
28

19

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 عراقيّون. ورغم أنّ لون آليات نقل الجنود العراقيين كانت تختلف عن لون ناقلات جنودنا، لكن ذلك لم يكن كافيًا للحسم، لأنّ شباب أصفهان كانوا قد غنموا خلال عمليّات طريق القدس في عبادان وغيرها آليات عراقية. 


أرسَلْتُ حميد بقدمه المصابة التي لم تُصِبْ روحيته بالوهن قط، مع مجموعة من الإخوة إلى منطقة شيخ مزبور. وحافظنا على تواصلنا مع الجميع خلال كل تلك الفترة وتحرّك فريق منهم باتجاه الهدف. التجأ إلى قرية شيخ مزبور حوالي 600 جندي عراقي بعد مواجهات عين خوش والـ202 ليتمكنوا من الفرار عبر نهر "جيخواب" ولكنّهم حوصروا في شيخ مزبور. لم يكن لديهم تشكيل قتاليّ. كانوا خائفين. ومع ذلك كان احتمال الخطر والمواجهة لا زال قائمًا بنحو جدي، لكن حميدًا استطاع بأدنى حدّ من المواجهات والخسائر أن يأسر جميع هؤلاء الـ600 ويأتي بهم إلى منطقتنا.

استمرّت عمليّات "الفتح المبين" عشرة أيام. خضنا فيها مواجهات مع العراقيين في سهل عباس. كانت كمرسرخ تحت سيطرتنا وأحكمنا الطوق على المنطقة من خلال المتاريس التي شيّدناها بالقرب من إمام زاده. تراجع العراقيون نحو مضيق "أبو غريب". وبقي من قوّاتنا سريّة واحدة، كان أكثر الإخوة إما جرحى وإما شهداء.

عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل جاء إليّ الشهيد "حسن باقري" و"محمد علي إيرانمنش". كانا يحملان رسالة من الأخ محسن (رضائي) ومخططًا لإغلاق مضيق "أبو غريب" ومنع العدو من التقدم نحو منطقة الفتح المبين. فعبور العراقيّين من ناحية نهر "دبويدج" عن طريق سهل "جمسري" وتقدّمهم باتجاه مرتفعات "تينو" و"الرقابيه" وعين خوش أمر محتمل، حينها ستذهب كل جهودنا هدرًا. إذ إنّه حتى تلك الساعة لم نكن قد رأينا مضيق "أبو غريب".
 
 
 
29

20

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 عقدنا جلسة وتقرّر أولًا أن تتحرك 10 أو 12 شاحنة قلابة بمصابيح مضاءة باتجاه العراقيين لإيهامهم أنه تمّ تزويدنا بالقوّات والتجهيزات فيلقي ذلك في قلوبهم الرعب ويدفعهم إما إلى الفرار أو الاستسلام.


وتقرّر ثانيًا أن يتقدّمنا الشهيد "حميد عرب نجاد" بجرافة فيبتدئ هو المواجهة الأولى. كان بحوزة الجنود العراقيّين مدافع وآر بي جي وأسلحة ثقيلة، وكانت مهمّة "عرب نجاد" في غاية الخطورة. وتقرر كذلك أن يسير حميد الفدائي وتهامي بالسريّة خلف حميد عرب نجاد.

في تلك الليلة، سرنا رتلًا مع فاصلة مسافة 20 مترًا تقريبًا. وبدأنا التحرّك باتجاه العراقيّين عند الثامنة والنصف صباحًا ولكن لم يظهر لهم أي أثر. توجّهت مع تهامي و"حسين دانايي" بسيارة ستايشن إلى مضيق "أبو غريب" لنستطلع مواقع العدو، هناك حيث حدث انفجار السيارة وانتهت عمليّات الفتح المبين.

ظلّ حميد مفقودًا لمدة في أواخر عمليّات "الفتح المبين"، أخبرنا لاحقًا أنه وقع في الأسر. وعلى حدّ قوله فَقَد أنقذه إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف نتيجة صفقة كان قد عقدها معه.

كان يقول: "لقد جرحت جراء إصابتي بشظية قذيفة مدفعية أو صاروخية وغبت عن الوعي. استيقظت في اليوم التالي عند الحادية عشرة ظهرًا فوجدتني محاصرًا من قبل عشرة أو عشرين جنديًّا عراقيًّا. تظاهرت بالموت ودعوت: يا إمام الزمان! كلّ ما قمت به كان في سبيل الله ولأجل إعلاء دين الإسلام. أنقذني! تقدم الجنود العراقيون نحوي وركلوني بأقدامهم، لكنّهم ظنوا أنني متّ فتركوني وانصرفوا. بعد عشر دقائق اقترب مني جنديان عراقيان آخران فتظاهرت بالموت مجددًا. لكن هذين الجنديين خاطبوني بغصة باسم جندي الإمام الخميني، وحينما فتشوا جيوبي وأخرجوا قرص السجود ونسخة من القرآن وصورة للإمام راحوا يلعنون صدام، ويقولون هذا جندي علي ومحمد. قلت في نفسي إنّ إمام
 
 
 
 
30

21

لا أستطيع أن آتي، اذهب بنفسك

 الزمان قد تلطف بي وتحركت بمقدار ما يلزم لينتبها أنني ما زلت حيًا. حملوني إلى خندقهم وأطعموني. هناك أخبرني بعض الجنود العراقيين الذين يجيدون اللغة الفارسية أنهم أُرغموا على المجيء إلى الجبهة. عاينني طبيبهم وضمّدني، كانت الشظايا تملأ جسدي وتؤلمني. أركبوني دبّابةً أرادوا الرجوع بها، لكنّني كنت قد سألت الله الشهادة لا الأسر، ولهذا حالما ترجّلوا من الدبّابة وابتعدوا قليلًا عنها، اغتنمت الفرصة ورحت أزحف حينًا وأركض ما أمكنني حينًا باتجاه معسكرنا. وعندما رأيت شبابنا هويت ساجدًا على الفور وشكرت الله. نقلوني بعدها بالمروحية إلى مستشفى الأهواز"1.

 


1- نال "حميد الفدائي" مقام الشهادة العالي في المرحلة الأولى من عمليّات "بيت المقدس"، وقد استقرت في جسده عشرون رصاصة. بعد تسعة أيام من بقاء جسده مطروحًا على رمال خوزستان الحارقة نقل جثمانه الطاهر في المرحلة الثانية للعمليّات إلى الجبهة الخلفية.

 

 

31


22

الوجه المشرق للشهيد "مهدي زين الدين"

 الوجه المشرق للشهيد "مهدي زين الدين"1


كان ضغط المهام والمسؤوليات هائلًا على الشهيد زين الدين وشباب فرقة "17 علي بن أبي طالب" في عمليّات خيبر حيث كانوا داخل الضلع المركزي لجزيرة "مجنون الجنوبية"2

في ذلك الوقت لم يكن هناك أية متاريس أو سواتر أو سدود، ولم يكن هناك حتى خندق واحد، إذ إنّ تساقط نيران العدو المستمر لم يسمح لنا ببناء شيء!. كان الشباب يدافعون في المواجهات وهم غارقون في الطين والوحل. صدّقوا أنّ الدم والطين قد امتزجا في هذه القنوات وسالا معًا. ومن الخلف لم يكن هناك جسر ولا طريق. لم يكن باستطاعة أية سيارة أن تصل إلينا. كان الجميع يأتون إلى هذه النقطة بالزورق وبواسطة تجهيزات بدائية. كان في أسفل المنشآت النفطيّة العراقيّة في جزيرة مجنون الجنوبيّة خندق صغير لا تتجاوز مساحته (1.5*2) ولعلّه لا يوجد له مثيل عبر التاريخ، كان فيه أربعة أو خمسة قادة من بينهم الشهيد زين الدين والشهيد همت والشهيد باكري، أما الباقون لا يزالون أحياء.

كانت النيران كثيفة وغزيرة لدرجة أنّ كلّ من كان يخرج من الخندق كان إمّا سيستشهد أو يصاب. كانت الخنادق تنهار فوق رؤوس المجاهدين فيستشهدون. والحقيقة أنّنا طوال الحرب التي خضناها والعمليّات التي نفذناها ظلّت جزيرة مجنون والمقاومة التي تجلّت فيها تعدّ من بطولات حربنا.
 

1- خاص ببرنامج "عمليّات خيبر" إنتاج مجموعة "رواية فتح".
2- جزر مجنون: جزر صناعية (مستحدثة)، تقع في المستنقعات على الحدود العراقية - الإيرانية، شمال شرق مدينة البصرة، كانت مسرحاً للعديد من العمليات العسكرية خلال الحرب المفروضة على إيران.
 
 
 
33

23

الوجه المشرق للشهيد "مهدي زين الدين"

 هناك شاهدتُ زين الدين وقد أطلّ بوجهه وعنقه تغطّيه سدفة من الدخان والبارود. ولو أنّك مسحت بإصبعك على وجه الشهيد زين الدين أو جبهته أو عنقه لطُلي بالسواد جراء دخان البارود والنيران. لكن في نفس هذه الحال ووسط كلّ هذه الضغوط، كانت روحيته هي التي تثير دهشتي.

 

 

34

 

24

ها هنا اقرأوا ﴿وجعلنا﴾

 ها هنا اقرأوا ﴿وجعلنا﴾1


خلال عمليّات "ثامن الأئمة"2 وقع الشهيد "مهدي كازروني" في الأسر، وقد استطاع رغم كونه أسيرًا أن يأسر العدو! إذ اعتلى ظهر أحد أسرى العدو وقادهم إلى ما وراء الجبهة. كانت مرتفعات "كله قندي" المشرفة على الطريق المعبدة في مهران تحت سيطرة العدو بحيث أنّ كلّ من أراد العبور تطاله نيران مدافعهم. كان كازروني جريئًا للغاية، ويستعرض بطولاته على الطريق مزهوًّا بسيارته، ويومض بمصابيحها على مرأى من العدو ويطلق بوق السيارة ويتنقّل على تلك الطريق المعبّدة التي لا يجرؤ أحد على اجتيازها. كان بارعًا في كلّ ما يتعلّق بكسر إرادة العدو وهزيمته نفسيًا.

أنقل لكم قصة عن شهيد كان له بالغ الأثر في الحرب. نقرأ في سيرة الشهيد الحاج "أحمد أميني"3 أنّ مرحلة الثانوية في حياته اختلفت كثيرًا عن مرحلة الحرب، فقد اختصّه الله بالشجاعة كما إنّه يختصّ كلّ شهيد بميزة ما. كانت شجاعة البعض استثنائيّة لدرجة أنّ تأثيرهم كان بحجم تأثير جيش بكامله. وميزة الشهيد أميني كانت في أنّ روحانيّته كانت بمقدار شجاعته أيضًا. كان يتميّز بأمرين بارزين. في إحدى الليالي قبل بدء العمليّات، اجتمع كلّ قادة الكتائب وأركان الجيش: بهرام سعيدي، وحسين فتاحي، وأميني، وتاجيك، وبينا، وزنجي آبادي، ونصراللهي، ويوسف اللهي، وراجي، ومشايخي، وسائر القادة. طرح
 

1- كلامه خلال تفقده لمركز توثيق الدفاع المقدس في كرمان عام 2010م.
2- تمت عمليّات "ثامن الأئمة" بتاريخ 26 أيلول 1981م في محور عبادان - شرق كارون، وأدت إلى كسر حصار عبادان واستعادة أكثر من 150 كيلومترًا مربعًا.
3- قائد كتيبة "الغوص 410" في "فرقة 41 ثار الله" والذي نال فيض الشهادة في عمليّات "والفجر8" (1985).
 
 
 
 
35

25

ها هنا اقرأوا ﴿وجعلنا﴾

 القادة أسئلتهم على المجاهدين. كانت بعض تلك الأسئلة تحيّر المجاهدين ولكنّهم كانوا يجيبون عليها بإحكام. ولكن حين سأل أحدهم "لو أنّنا حوصرنا ها هنا، ماذا نفعل؟" لم يَحُرْ أحدٌ منهم جوابًا فقال الشهيد أميني: "ها هنا اقرأوا ﴿وجعلنا﴾" لقد سخّر الله الأمواج لهذا الشهيد، وتمّت العمليّات. في عمليّات (والفجر 8) كان لهذا الشاب دين في أعناقنا جميعًا.


يوجد لبعض العمليّات مفاتيح رئيسة تكون بمثابة مفاتيح النصر. ولكل باب مفتاحه الخاص. وبرأيي فقد تسجّلت كلّ عمليّة باسم شخص كان هو فاتح بابها. والشهيد أميني هو فاتح باب عمليّات (والفجر8) ولاقى شهادته فيها أيضًا. نسأل الله أن يمنّ علينا جميعًا بتوفيقه لننهل من معين الشهداء ويصبغنا بصبغة الشهداء وعطرهم.

وصيتي لكم أن يختار كلّ واحد منكم شهيدًا، وليكن مفقود الأثر، فهناك أشخاص استثنائيون، توجّهوا إلى هؤلاء. اسألوا الله بحق الزهراء سلام الله عليها أن يبلّغنا مقام الشهادة ويجعل هذه الشهادة منشأ للمغفرة والرحمة فلا نخجل أمام أصدقائنا الشهداء. ليس هناك ما هو أعلى من الشهادة. وأنتن أيضًا أيتها الأخوات اللواتي أسقط تكليف الجهاد عنكن، يمكنكن أن تبلغن مقام الشهادة. أنتن لديكن جهاد أهم وأنتن مشغولات به الآن. لتلهج ألسنتكن بالدعاء للسيّد القائد أن يمدّ الله بالعون لحمل تلك المسؤولية الثقيلة في هذا العالم الذي تكثر فيه الصراعات والفتن ومواجهته في الداخل والخارج، الأصدقاء الجهلة والأعداء .... وأن يطيل في عمره ويسخّر له القلوب ويؤتيه فصل الخطاب.
 
 
 
 
36

26

هذا ما يقوله حسين بن غلام حسين

 هذا ما يقوله حسين بن غلام حسين1


قبل بدء عمليّات بدر كنّا نخطّط لتنفيذ عمليّات في منطقة شلمجه في "زيد". اتّخذنا أعلى تدابير الحيطة حتى لا ينكشف أمر العمليّات. فلقد كان خط شلمجه مهجورًا وخاليًا من أي نشاط عسكري. ومن جانب آخر، كان الماء يشكّل أحد متاريس الدفاع عن إيران.

تابع الإخوة الاستطلاع تحت إشراف حسين يوسف اللهي2. وتواترت فرق الاستطلاع في الذهاب بعضها إثر بعض لعدّة ليال متتالية. ضمّ فريق الاستطلاع الأول كلّ من "أكبر موسايي" و"حسين صادقي"، وقد ذهبا في هذه المهمة ولم يعودا. وبات مصيرهما مجهولًا، أتراهما وقعا في الأسر أم استشهدا؟ كنت قلقًا جدًّا من احتمال انكشاف أمر العمليّات للأعداء.

في اليوم التالي ناداني حسين يوسف اللهي وقال "سيعود الأخوان غدًا". قلت "ومن أين علمتَ ذلك؟" قال: أخبرني أكبر موسايي في عالم الرؤيا أنهما لم يؤسرا بل استشهدا وسيعودان، وأنّه سيعود هو غدًا بينما يعود صادقي في اليوم التالي". وعقّب حسين أنّهما سيعودان في اليوم التالي أو في اليوم الثالث عشر. مازحته قائلًا: "وهل تعلم الغيب؟" فقال "هذا ما يقوله حسين بن غلام حسين". كان دائمًا يستخدم هذه العبارة في حديثه.
 

1- خطابه في حسينية ثار الله في كرمان عام 2010، وخطابه أمام النصب التذكاري لشهداء "حاجي كلا" عام 2011.
2- "محمد حسين يوسف اللهي" كان نائب مسؤول وحدة المعلومات في عمليّات فرقة  "41 ثار الله"، وخلال عمليّات (والفجر8) أصيب بالسلاح الكيميائي، وعلى أثر هذه الإصابة استشهد في مستشفى "لبافي نجاد" في 16 شباط 1986م.
 
 
 
37

27

هذا ما يقوله حسين بن غلام حسين

 كنت داخل خط شلمجه نفسه حين تعالت أصوات الإخوة قائلين إنّهم يشاهدون سوادًا قادمًا على الماء. ورغم أنّ الماء كان قليل العمق، واحتمال حمله للجثمانين ضعيفٌ في الواقع ولكن هذا ما حصل. لقد أوصل الماء في اليوم الثاني عشر جثة أكبر موسايي إلى ضفة النهر تمامًا حيث كان الإخوة يقرأون زيارة عاشوراء. لم تكن صدفة أن تصل الجثة إلى الشاطئ تحديدًا في الوقت الذي أشار إليه حسين، وفي المكان الذي خصّصه الإخوة لقراءة زيارة عاشوراء.


وفي اليوم الثالث عشر وصل جثمان حسين صادقي إلى ضفة النهر.

بعد وصول الجثمانين قال لي حسين يوسف اللهي: "هل تعلم لماذا وصلت جثة أكبر موسايي قبل صادقي؟" قلت: "لا!" فقال: "لأنّ موسايي لم ينقطع عن صلاة الليل قطّ، حتى في الماء".

أخبرني حسين أنّ السيدة زينب عليها السلام بشّرته بالنصر في هذه العمليّات. لقد كان عبدًا بالمعنى الحقيقي للكلمة ظاهرًا وباطنًا. كان عبدًا للّه بحق.

في أحد الأيام جاءني حسين واضعًا معطفه على كتفيه ومن دون جوارب في قدميه. فرمقته بنظرة فهم منها أنّني أتساءل عن سبب قدومه إلي بهذا النحو، فارتسمت بسمة على شفتيه. وكانت تلك البسمة تختزن الكثير من المعاني العظيمة. لقد قال "كنت أصلّي على هذا النحو حين أخبروني إنّك تطلب حضوري. وحين هممت بارتداء معطفي وجواربي قلت في نفسي: "يا حسين! يا بن غلام حسين! لقد وقفت بين يدي الله بهذه الهيئة أتريد أن تكون على هيئة أفضل حين تقف بين يدي فلان؟!".
 
 
 
 
38

28

شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام

 شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام1


قبل عمليّات "والفجر8"2، قمنا بعدّة إجراءات بالغة الأهمية ومؤثرة في خططنا العسكرية قبل بدء الهجوم. أحد هذه الإجراءات كان دراسة حركة الجَزْر والمد في جميع الأنهار المتشعّبة من نهر أروند. 

وفي الواقع، فإنّ لجزر الماء ومدّ جدولًا محدّدًا وهو جدول ثابت أيضًا. أنتم تستطيعون أن تشخّصوا حركة الجزر والمد لسنة كاملة، ولا يعدّ هذا الأمر معقّدًا من الناحية العلمية.

لكنّنا اكتشفنا مسألة دقيقة في نهر أروند كانت بالنسبة لنا مهمة جدًّا من الناحية التكتيكيّة. من الطبيعي، عندما يصطدم النهر بالبحر ترتدّ مياهه - وهذا الارتداد يحصل في زمن المد - والنهر في الواقع لا يحصل فيه جزر ومد، إنما يحدثان في البحر فقط. وعندما يصطدم مدّ البحر بالنهر فإنّ مياه هذا النهر ترتد. يحصل في النهر تراجع على خلاف مسيره الطبيعي. 

وحيث إنّ هذا الماء يكون محصورًا في تجويف ونطاق جغرافي محدّد، ومن الناحية الأخرى يصطدم بالبحر أيضًا، بمعنى أنّ ضغط مد البحر يطوّقه، تمرّ أوقات على هذا الماء يكون فيها ساكنًا بالكامل. لا يجري فيه مد ولا جزر ولا حركة. وهذا السكون جعل نهر أروند وكأنّه مسبح ممكن العبور. هذا السكون الطويل كان يمتد في بعض أيام الشهر. ففي بعض الأيام كان يمتد لساعتين أو لأربع ساعات مثلًا، وبطبيعة الحال كان أروند يتمتع بسكون أكثر في أوقات
 

1- وصف عملية استطلاع مياه نهر "اروند" قبل عمليّات (والفجر8) وحماس الغواصين المقتحمين في فرقة "41 ثار الله" في البرنامج الخاص لعمليّات (والفجر8)، إنتاج " مجموعة شاهد التلفزيونية".
2- بدأت عمليّات "والفجر8" بتاريخ 9 شباط 1986 بنداء "يا فاطمة الزهراء" وانتهت بعد 75 يومًا بتثبيت مواقع القوّات الإيرانية والسيطرة على شبه جزيرة "الفاو" العراقية.
 
 
 
39

29

شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام

 أخرى. كنّا نراقب هذه الأزمنة لنحدد أفضل الظروف من الناحية الزمانية، خلال الليل وخلال أيام الأسبوع، وعلى مدار الشهر والساعات من أجل العبور. وأفضل الأوقات كان وقت سكون الماء هذا. 


وهكذا، على أثر الأعمال المجهدة جدًّا التي قام بها شبابنا في جهاز المعلومات والاستطلاع ليلًا ونهارًا، اكتشفنا زمانًا هو يوم في شهر، وساعة في يوم وليلة، يمكن أن يكون أفضل وقت لعمليّاتنا. هذا الأمر كان ثمرة السعي المتواصل لشبابنا في جهاز الاستطلاع. 

والملاحظة الأخرى هي أنه قبل تنفيذ العمليّات، وعلى الرغم من توافر استطلاع معلوماتي لدينا، خصّصنا لكل محور تقريبًا فريقَ استطلاع. وقسّمنا المحاور على الأنهر المتفرعة، ولكل نهر هدف محدّد في طرفه المقابل داخل أرض العدو. إضافةً إلى ذلك، كان هناك فريق استطلاع يقوم باستطلاع شاطئ العدو ومتاريسه. 

فرق الاستطلاع هذه كانت مؤلفة عمومًا من فتية في مقتبل العمر كحسين عالي وحسين يزداني وشبّان في هذه الأعمار، ممّن كانوا عمومًا تحت سن 18 و19 سنة، لكنّهم كانوا ذوي بأس شديد. لقد وُفّقوا في عبور نهر أروند أكثر من 15 مرة، ووصلوا إلى شاطئ العدو. كانوا يمضون أوقاتًا في وسط أنهار العدو ويستطلعون حتى خطوطه الخلفية ومن ثم يعودون. 

قبل ليلتين من تنفيذ العمليّات، طلبنا من كلّ قادة الكتائب والسرايا عبور النهر برفقة فرق الاستطلاع، وذلك لاستطلاع أهدافهم عن قرب ومن ثم العودة. ولقد كانت هذه الخطوة نقطة قوة كبيرة جدًا لنا.

كنّا قد أنجزنا خلال 40 يوماً تقريبًا أعمالًا صعبة أخرى. حيث شققنا في هذا المستنقع طريقًا بطول 1500 متر وبعرض يكاد يتّسع لسيارة واحدة، وأوصلنا الطريق إلى حافة النهر عند مشارف حقول القصب العالية التي كانت موجودة عند شواطئنا، ثم حفرنا متاريس هناك، وقد استخدمننا في عملية شقّ الطريق
 
 
 
 
 
 
40

30

شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام

 هذه شاحنات (قلّابة) التي كانت وحدها تستطيع السير إلى الخلف حتى قلب المستنقع. 


حفرنا هذه المتاريس لتأتي الدبّابات وتستقرّ عندها. فإن واجه غوّاصونا مشكلة في اقتحام خطوط العدو ليلة الهجوم، أو حالت متاريس العدو دون متابعتنا للهجوم، أو ظهرت مشكلة ما، فإنّ هذه المنصّات التي تموضعت فوقها الدبّابات تستطيع تدمير المتاريس عند حافة النهر وتساعدنا في اقتحام خطوط العدو.

لقد أحضرنا كلّ عتادنا ووضعناه في ذلك المستنقع نفسه، بنينا منشآت (قواعد) إسمنتية. وبما أنّه كان مستنقعًا فإنّه لولا المنشآت الاسمنتية لكانت مدافع الهاون بعد عدة رميات تغرق فيه حتى الفوّهات. 

وإذا غرقت المدافع في المستنقع، لم يعد لقذائفها أي تأثير. رحم الله الشهيد زندي الذي جهّز على مسافة كبيرة وسط بساتين النخيل قواعد لاستقرار وتثبيت مدافع الهاون حيث يشغل الواحد منها مساحة 20 قذيفة هاون، وذلك بصبّ الإسمنت فوق الصفحات الخرسانية المتبقية من قبل.

أما فيما يتعلق بإيجاد المقرات والملاجئ التي كنا نريد أن نستفيد منها لمصلحة قوّات الدعم، فقد جئنا إلى القرى، إلى البيوت التي كانت موجودة هناك، ومن دون أن يتم بناء أية متاريس جديدة قمنا بإنشاء متاريس في قلب هذه البيوت. في الواقع كان السقف في الأعلى هو سقف البيت الطيني لكن أسفل منه كان هناك متراس أضحى مقرًا أو مركز إسعاف أو ملجأ كتيبة أو محلًا لإخفاء تجهيزات أو ذخائر كانت قد استترت في ذلك الوادي.

أودّ الإشارة إلى هذه الملاحظة، وذلك لإنصاف الإخوة وعملهم، فإلى جانب التدريبات التي أشرت إلى قسم منها، وجراء شغل الشباب بالجزر والمد أو بماء البحر المالح أصيبت الأمكنة الحساسة من أبدانهم بالثآليل.
 
 
 
 
41

31

شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام

 كان الأخوة يجرون تدريباتهم في فصل الشتاء القارس في قلب هذه المستنقعات الباردة من الليل حتى الصباح. لا أظنّ أنّ أحدًا من غواصي عمليات "والفجر8" و"كربلاء 5" و"كربلاء 4" الذين لا يزالون أحياء حتى الآن، لم يُصب بأي جراح خلال الحرب. فحتى أولئك الذين لم يصابوا خلال المعارك لا تقل نسبة جراحاتهم عن 50 بالمئة، فقد كان جهدهم في شحن الذخائر وإطلاق النيران من قلب هذا النطاق المائي وحربهم مع المدّ يتلف أبدانهم. ولكن روحية الإخوة ومعنوياتهم العالية في خضمّ هذه التدريبات تركت أثرًا كبيرًا على الجميع، وقد تأثرتُ إلى حدّ كبير بروحيتهم هذه.


كان كلّ فرد في فرقة الغوص هذه - والذين كانوا فتية وشبابًا صغارًا بالإجمال - بمنزلة عارف حقيقي يحمل تجربة 70 سنة في السير والسلوك والعمل. وأما ما يتعلق بالإيمان والاهتمام بالنوافل، فإن نغمات تهجّدهم ونحيبهم التي طالما علت في هدأة الليل كانت كفيلة بأن تقلب حياة كلّ من تطأ قدماه تلك البقعة، روحانيتهم تلك وآهاتهم وأدعيتهم ومناجاتهم التي تشهدها فيهم وهم مرتدون بدلات غوصهم المبلّلة بالماء في زاوية من بستان النخيل ذاك جعلت الواحد منهم يبدو كالسِقاء. وكأنهم يعيشون داخل أسقية الماء. كانت بدلات غوصهم كالأسقية المملوءة ماء. كان واحدهم قرب النخلة يتلوّى وينتحب كما لم يُر مثله "مضطرّ إذا دعا". 

كانت ليلة عمليّات (والفجر8) وفق حساباتنا أفضل ليلة من حيث الزمان للبدء بتنفيذ العملية. أوصلت الإخوة إلى حافة الماء وارتدوا بدلات غوصهم قرب حقل القصب. وعند حلول الظلام توجهوا نحو حافة النهر. كان خندقنا هو تلك الحافة نفسها، وهي النقطة التي يليها المستنقع مباشرة. وقد رافق كتائب الغوص شباب فرقة الاستطلاع الذين كانوا ينزلونهم في الماء حيث مددنا أسلاكًا إلى جانبهم. 

كانت تلك الليلة ليلة عجيبة. فمنذ العصر تبدّل حال الطقس بالكامل وصار عاصفًا. طوال الأشهر الثلاثة حين تفحّصنا كلّ مكان في نهر أروند، لم نشهد أمواج
 
 
 
 
42

32

شعرت أنني أرى السيدة الزهراء عليها السلام

 أروند على الحال التي كانت عليه عصر ذلك اليوم. كانت أمواجًا عاتية تقذف الماء بعيدًا على الشاطئ. وتُصدر أصواتًا مخيفة. كادت المراكب الكبيرة وحتى السفن لتختفي في تلاطم هذه الأمواج! وبطبيعة الحال فإن مجموعة الغوص اختفت في طيات هذه الأمواج. عندما رأيت هذا الوضع، تملّكني اليأس. فمن بين كلّ الإجراءات والتدابير التي اتخذناها شعرت حقيقةً أنّ أي تدبير عسكري لا فعالية له ولا تأثير.


أكّد لي شباب الاستطلاع الذين حدثتهم، وشباب كتائب الغوص الذين عبروا أروند قبلًا، عدم إمكانية عبورهم لأروند في ظرف كهذا، "هذه الأمواج لا تسمح لنا بالتقدم أساسًا، ستقذفنا إلى الخلف جميعنا". 

حسنًا، كان بطبيعة الحال عملًا منسّقًا، ولا بدّ من القيام به. قلت للإخوة الأعزاء الذين كانوا يحملون نفس القناعة: إنّ نقطة أملنا الوحيدة معقودة على هذا الأمر، لم يكن أي شيء قادرًا على أن يمنحني قوة القلب والأمل بالاستمرار ويلهمني السكينة ويرفع عني الاضطراب غير هذا الكلام، قلت للإخوة: علينا بالتوسّل بالسيدة الزهراء عليها السلام.

في مثل هذه الأوضاع علينا أن نناديها ونتوسل بها، وهذا ما حصل. في الواقع ما حصل كان أمرًا عجيبًا. توجّه جميع الإخوة إلى طرف المستنقع وبدأوا بقراءة دعاء التوسل بالزهراء عليها السلام المعروف. واتّحد نداء "يا وجيهة عند الله اشفعي لنا عند الله" مع أصوات تلاطم أمواج أروند حتى بات الصوتان صوتًا واحدًا. في تلك الحال شعرت بكامل وجودي أنّني أنظر إلى السيدة الزهراء عليها السلام. أصلًا منذ اللحظة التي ألهمني الله ذلك وأخبرت الإخوة به، تملّكني إيمان غريب وسكينة عجيبة بأنّنا منتصرون.

وبالفعل، في تلك الليلة اقتحم الإخوة جوف الماء.
 
 
 
 
43

33

"بالتوكل على الله، مئة بالمئة"

 "بالتوكل على الله، مئة بالمئة"1


حسن يزداني شابّ في أواخر سن السادسة عشرة من عمره. حمل على عاتقه مسؤولية كبيرة وثقيلة جدًّا2، وأصرّ على أداء أمانته. في عملیات "والفجر8" تقرّر أن يعثر على مكان آمن ليعبر منه آلاف المجاهدين. 

من الأمور التي توجّب عليهم الانتباه إليها هو أن لا يتركوا خلفهم أي أثر، لا أثر قدم ولا يد ولا ركبة ولا أي شيء آخر.

خلال هذه الأيام العشرة الأخيرة، الأيام الاستطلاعية التي تنتهي ببدء عمليّات "والفجر8"، لا أظن أنّ أفراد قوات الاستطلاع في وحدة المعلومات والعمليات قد ناموا على نحو جيد ولو لليلة واحدة. طوال هذه الليالي كانوا يذهبون إلى شاطئ العدو ثم يعودون. وقد تكثّف ذهابهم وإيابهم في هذه الأيام العشرة.

بعد انتهاء عمليات الاستطلاع راجعت التقارير، وددتُ أن أعلم مقدار ثقتهم بعملهم، فأدنى شكّ أو تردّد فی معنوياتهم سينتقل إلى عمق الفرقة. وبمقدار ما يتحدثون بقوة وشجاعة سيؤثرون - بنفس المقدار - في قدرتنا على اتخاذ القرارات.

عندما تحدثت مع حسن قلت له: "حسن! كم هي درجة ثقتك بعدم انكشاف هذا المعبر وبقدرتك على إيصال الإخوة كما ينبغي؟" قال "بالتوكل على الله، مئة بالمئة." سألته: "هل أنت مطمئن؟" فأجاب "أنا مطمئن". لقد
 

1- قصة الشهيد "حسن يزداني زاده" في الفيلم الوثائقي "أمير اروند" إخراج "معين ايرانبور كرماني".
2- حسن يزداني زاده من قوّات وحدة الاستطلاع في عمليّات فرقة "41 ثار الله".
 
 
 
45

34

"بالتوكل على الله، مئة بالمئة"

 سدّ أمامي جميع أبواب الشك، لم يبقَ أي احتمال للتردد. ثم رمقني بنظرة استطلع فيها حالتي. عندما أراد التحرك بث الأمل في كلّ أفراد هذه المجموعة لأنه كان في مقدمتها. لقد كان حسن يزداني على رأس الرتل مفتاح تشغيل، وعلى أثره انطلقت المجموعة1.

 


1- في اليوم الثاني لعمليّات "والفجر 8" وبعد الهجوم الجوي الكيميائي لقوّات العدو نزع "حسن يزداني زاده" قناعه وقدّمه لمجاهد آخر ليمنع عنه الإصابة بالكيميائي، وبات هو جريحًا كيميائيًا على أثر استنشاق الغازات الكيميائية، وتم نقله إلى المستشفى في مشهد. ثم استشهد بعد عدة أيام من شدة الإصابة بالكيميائي.

 

46


35

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 رحل الغيارى رحل العاشقون...1


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

تحيّة لإمامنا القائد الشجاع..

الكلّ رحلوا وبقيت وحدي..

يا حسرتا على هذه الوردة المليئة بالأشواك التي سبقها الجميع. 

جاء شيخ الطريقة وعلّمنا السلوك..

وبقيت أنا من لم يتعلّم ولم يرحل..

هنيئًا لكم يا شعبنا العزيز الغيور المضحّي والمحبّ للشهادة وصانع الشهداء. إنّ هذا الانتصار الذي يُعدّ فتح الفتوح هو انتصار منّ الله به عليكم. هنيئًا لكم الشهداء، وهذا النصر الذي هو هديّةٌ إلهيّة. هنيئًا لكم الشهداء، وهذا النصر الذي قدّمتموه وقد تحقّق بفضل الدماء الطاهرة لمثل هذه الورود المحلّقة التي تشيّعونها اليوم. إنّ ما يملأ قلوبنا بالفرح هو هذه الفرقة التي كانت جميع كتائبها تحت ظلّ لطف الله ومحقّقةً لأهدافه، إلّا أنّ هذه الفرحة لم تستمرّ في قلوب المجاهدين والجنود والقادة المنتمين لفرقة "ثار الله"، بل حلّ مكانها الحزن، حزن الفقدان، حزن فراقنا لهؤلاء الأعزّاء.

كيف يمكن للبسمة أن تعلو شفتين في جمعٍ ليس فيه "إبراهيم هندوزاده"؟!
 

1- الكلمة الحماسيّة والمفجعة للحاج قاسم سليماني أثناء مراسم تشييع شهداء عمليّات "والفجر8" في مسجد الإمام الخمينيّ قدس سره في كرمان، وعلى مدى هذه الخطبة كانت غصّات ودموع الحاج قاسم المحرقة تبعث الجميع على البكاء، وقد تحوّلت هذه الكلمة إلى إحدى أهم الكلمات الخالدة للحاج قاسم حول سنوات الدفاع المقدّس.
 
 
 
47

36

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 كيف يمكن للبسمة أن تعلو شفتين في جمعٍ ليس فيه "محمد نصراللهي"؟!


كيف يمكن للبسمة أن تعلو شفتين في جمعٍ ليس فيه حامل راية فرقة "ثار الله": أحمد أميني؟!

كيف يمكن للبسمة أن تعلو شفتين والحوزويّ الشجاع والمضحّي حسن يزداني ليس حاضرًا بيننا؟!

كيف يمكن للبسمة أن تعلو شفتين، وعارفنا وعاشقنا ومخلصنا محمّد حسين يوسف اللهي، وهو سيدنا، ليس حاضرًا بيننا؟!

يا أمّهات الشهداء! إنّ من بين هذه المجموعة، المؤلّفة من خمسة أشخاص، هناك حمزة، الذي كان بمنزلة حمزة سيّد الشهداء، والذي قال عنه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أُحد: "ولكن ليس لحمزة بواكٍ" وهنا لا يوجد من يبكي عليه. يا أمّ هندوزاده! يا أمّ ذو الفقاري! يا أمّ يزداني! يا أمّ الشهداء! محمّد نصراللهي ليس له أم.

يا أهل كرمان! يا من ربّيتم الشهداء! أيّها الغيارى في كرمان! أيّها الشباب في هذا المكان! لقد رحل المخلصون! ورحل الغيارى والعشّاق! رحل العرفاء! ورحل حملة راية فرقة "ثار الله"! هؤلاء الذين ضحّوا ببذل الدماء والتضحية والصفح وأهدوكم هذا الانتصار.

أيّها النّاس! يعلم الله أنّ آخر كلمات جميع التعبويّين المظلومين وجميع الحفاة، وجميع المستضعفين في الجبهات، وجميع من خضعت أعناقهم في محضر الله، كانت هذه هي: "اللهمّ إنّا نسألك ألّا يأتي ذاك اليوم الذي نرى فيه شعبنا مطأطئ الرأس. اللهمّ! أعزّ شعبنا في أيّام 22 بهمن هذه". 

لقد كانوا يريدون للبسمة أن تعلو شفاهكم، كانت هذه هي أدعيتهم وما كانوا يطلبونه من الله.

ماذا أقول عن الشهداء؟! عن هؤلاء الأعزّاء؟! عن هؤلاء المخلصين؟! عن هؤلاء العرفاء الذين رحلوا؟!

من ذا الذي يعرف من كان حسن يزداني الذي هو اليوم أمامكم مجرّد
 
 
 
 
 
48

37

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 طالب علمٍ في الحوزة بعمر 18 سنة؟! لقد كان حسن بطلًا وفاتحًا في عمليّات "والفجر8"، حسن ذاك الطالب الحوزويّ النحيل وصاحب الروح القويّة، حسن ذاك الذي كان أوّل من تقدّم وتطوّع لعبور نهر أروند. حسن ذلك الطالب الشجاع والبطل، الذي عبر نهر أروند ثلاثين مرّة من أجل الرصد والاستطلاع. حسن ذاك الشخص الرياضيّ الشجاع والعاشق للشهادة والمخلص، حسن الذي كان إمام صلاة جماعة فرقتنا.


وها هو حسين يوسف اللهي الذي شيّعتموه اليوم كالحسين الذي تمزّق بدنه إربًا إربًا، حسين سيّدنا، حسين المخلص الذي لا تجد ناحيةً من جسده إلا وقد أصيبت بالجراح. حسين الذي كان يعود إلى الجبهة قبل أن تبرأ جراحاته! حسين الوفيّ! حسين المضحّي! حسين المخلص! حسين العارف!

أمّا كاظمنا المخلص، الذي لم تعثروا لحدّ الآن على جثمانه، وإبراهيمنا المخلص، هذا الذو الفقاريّ! هذا العزيز! هؤلاء الذين هم في محضركم الآن، لكلّ واحدٍ منهم قصّة عظيمةٌ ينبغي أن تسمعوها، ولكلّ منهم كتب مليئة بالمعاني العرفانيّة. 

محمّدنا! "نصراللهيّنا" الحافيّ، الذي تصدّى لكل الصعاب بصدره! هذا المخلص الذي لم يعرف التعب يومًا. هذا العاشق الذي لم يكن له أمّ، ولم يكن له أملٌ إلا الله. نصراللهي الذي لم يذهب إلى المدينة في إجازاته، بل بقي في كلّ سعيه في الجبهات. 

محمّدي الذي ابتسم للموت في آخر لحظات عمره، وهذا ما هو مشهودٌ عند النظر إلى جثمانه.

اللهمّ! أنت تعلم وأنت شاهدٌ على عظمة شهدائنا ورفعتهم وعلى مدى عزّتهم وإخلاصهم.

اللهمّ! وكما كانت مطالب هؤلاء الشهداء أن يُفرِحوا هذا الشعب، اللهمّ فإنّ مطلب هذا الشعب هو "يا الله، يا منّان، يا كريم، يا رحيم، يا عظيم، يا
 
 
 
 
49

38

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 قادر، يا عظيم الشأن، يا مجيد، يا الله احشر شهداءنا الساعة الساعة مع الإمام الحسين عليها السلام".


وأمّا الخطّ الذي ابتدعه هؤلاء الأعزّاء فيما يتعلّق بعمليّات "والفجر8"، فقد قيل عنه الكثير وإنّني سأستعرض أمامكم، وفي محضر هؤلاء الشهداء، ذلك المدد الإلهيّ واللطف الرحمانيّ والعنايات الربّانيّة. 

أيّها الناس! يا عوائل الشهداء العظام! لقد كان هناك عاملان حقّقا النجاح والنصر في عمليّات "والفجر 8":

- العامل الأوّل: الشفاعة والتوسّل بالسيّدة الزهراء عليها السلام. فهذه السيّدة قد تلطّفت بنا ومسحت بيد حنوّها على رؤوسنا، وبعثت بإبنها المهديّ في تلك الليلة العاصفة للهجوم، في تلك الليلة الحالكة الظلمة، وسط تلك الأمواج الصاخبة لنهر أروند من أجل نجدتنا. أيّها الناس إنّ أبناءكم، وفي اللحظات الأخيرة، وقبل ساعة من الهجوم كانوا يقرأون دعاء التوسّل ويتوسّلون بالسيدة الزهراء عليها السلام، وكانوا يصرخون بصوتٍ واحد، "يا زهراء!". ووسط الماء، وفي خضم تلك الأمواج العاتية، كانوا يصرخون "يا زهراء!".

أيّها الناس! إنّ الزهراء عليها السلام أمٌّ رحيمة مسحت بيدها المليئة باللطف على رؤوس أبنائكم في الجبهة.

- العامل الثاني: الذي أدّى إلى نجاحنا في هذه العمليّات هو تلك الدموع الممتزجة بمظلوميّة التعبويّين.

اللهمّ! إنك شاهدٌ على أنّ عيون التعبويّين لم تجفّ من الدموع على مدى خمسة أيّام قبل بدء العمليّات. فقد كانوا يبكون بشكلٍ متواصل وكانت رقابهم محنيّة خاضعة، وهم يصرخون: اللهمّ! لا تسوّد وجوهنا. اللهمّ لا تفضحنا على رؤوس الأشهاد.

اللهمّ! إنّ هذه الدموع قد تحوّلت إلى عصا موسى وفلقت النيل، لقد فلقت نهر أروند وعبَره التعبويّون المظلومون. وهذا ما شهدناه. فنحن، في تلك الليلة المهيبة، ووسط الظلمات الحالكة للعمليّات، وعندما فقدنا أيّ أملٍ
 
 
 
 
50

39

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 بالنصر، رأينا كلّ هذا، كنّا قبل بدء الهجوم ننظر إلى ميدان القتال ونغرق في بحر البكاء.


كنّا نقول: اللهمّ! اعبر بنا كما عبرت بموسى في النيل. كنا نقول: اللهمّ! وأنت القائل: ﴿وَالَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾. اللهمّ أنت القائل تحرّكوا وسيروا وأنا أهديكم. اللهمّ أعنّا.. وفي ليلة الهجوم تلك، أنزل الله نصره. وأقسم بالله أيّها الناس إنّنا كنّا نشاهد كلّ شيءٍ في هذه العمليّات مجهّزًا، فنحن طيلة الحرب لم نشهد أيّ عمليّات تكون فيها جميع الإمكانات والخطط جاهزةً وحاضرة كما نريد. خلال هذه الحرب لم تخلُ أي خطّة من النقص سوى عمليّات "والفجر 8". ففي ليلة العمليّات، نزلت القوّات إلى الماء، ووفق عمليات الاستطلاع التي أجريناها، والتي عبر حسن يزداني نهر أروند ثلاثين مرّة من أجلها، ما كنّا لنستطيع أبدًا أن نرسل قوّاتنا إلى تلك النقطة المحدّدة التي كنّا نريد أن نبدأ منها الهجوم. فما حدث من مدٍّ وجزرٍ شديدين ومن أحوالٍ جويّة ووضع المياه كلّ هذا لم يسمح لنا أن ننزل قوّاتنا في تلك النقطة وفق الحسابات العسكريّة. ولكن في ليلة العمليّات تغيّر الوضع تمامًا.

رباه! وإذا بالنهر تتلاطم أمواجه، وتحوّل الماء إلى أمواجٍ عاتية. فسكون الماء الذي كنّا نبتغيه قد تبدّل إلى شيءٍ معاكس، وملأ قلوبنا رعبًا. الله يعلم كيف كان جسدي يرتجف عندما جلست على ضفة ذلك النهر، وأنا أقول: إلهي! في مثل هذا الطوفان، يستحيل على الشباب أن يصلوا إلى الضفّة الأخرى. وداخل المياه، كانت كلّ الصفوف الماثلة للعيان، تحت رحمة النهر، تقلبها المياه من أعلى إلى أسفل. وكانت نداءات "يا زهراء!"، التي تصدح بها حناجر الشباب وسط الماء، تُسمع من الضفّة. 

حينها، لم ندرك سرّ هذه العاصفة وتلاطم الأمواج هكذا. لقد كنّا نتوقّع أنّنا سنعبر النهر في غضون ساعةٍ واحدة، وكانت خطّتنا أن نعبر بواسطة وسائل الغوص والسباحة نهر أروند الذي كان عرضه كيلومترًا واحدًا، ولكن هذه الأمواج العاتية التي ظهرت فجأةً أوصلت شبابنا إلى تلك الضفّة من النهر في غضون نصف ساعة، وهكذا وصل الشباب سريعًا.
 
 
 
51

40

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 وفي أوّل اتّصالٍ أجراه الحاج أحمد أميني صاحب راية فرقتنا، والاقتحاميّ فيها، الحاج أحمد المخلص، الذي لا يوجد في قلبه ذرّة خوفٍ من العدوّ، كان يقول في أول اتصال له: "(هاشم- أحمد)، لقد وصلت إلى خطوط العدوّ، لقد وصلت إلى تحصينات العدوّ".


فعند وصول أولى قواتنا إلى هذه التحصينات، شكرنا الله، وسجدنا له، وبعدها توالى وصول القوّات إلى هذه التحصينات وكان العدوّ في تلك الليلة مشغولًا داخل دشمه. كانت كلّ القوّات العراقيّة في الداخل. وكان شبابنا نائمين داخل الأسلاك الشائكة عندما خرج العراقيّون من التحصينات، فانحنى أحد العراقيّين ورأى شبابنا وراح يعدّهم واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة.. حتّى العشرين صفًّا، فعدّهم واحدًا واحدًا بينما هم مستلقون. لقد انكشف الخطّ الدفاعيّ من الناحية العسكريّة وتغيّر الوضع دفعة واحدة. هذا العراقيّ الذي رآنا، نادى على بعض زملائه من داخل التحصينات وجلبهم ومن دون أن يبلّغ أحدًا ركبوا سيّارتهم وفرّوا.

وفي موضعٍ آخر شاهد أحد العراقيّين شبابنا، وما إن همّ بالمناداة: "جاء الإيرانيّون"، حتى خرج خنزيرٌ من بين تلك التحصينات وفرّ من أمامه، فقال هذا العراقيّ باللغة العربيّة: "كلا، إنّه خنزير، لم يكن هناك أحد".

لقد ظلَّلَت ألطاف الربّ المتعال رؤوس الشباب فعبروا تلك التحصينات والدفاعات واستقرّوا خلف العدوّ. لقد كان العبور من نهر أروند من أصعب العمليّات العسكريّة. فحتّى ذاك الوقت، لم يكن أيّ شخصٍ عسكريّ قد عبر ذاك النهر، ولم يكن قد جرى أيّ تحرّكٍ عسكريّ أو تجلّت أية بسالة عسكريّة لعبور هذا النهر. ولكن في أقلّ من ساعة، وفي أقلّ وقت ممكن تمّ تحطيم هذا الدفاع، وعبر الشباب وأحاطوا بالعدوّ ونالوا منه على حين غرّة.

إنّ رسائل المبايعة التي كتبها شبابكم كتيبةً كتيبة، وأرسلوها لنا، وبايعوا قادتهم هي في الواقع فخرٌ عظيمٌ جدًّا في تاريخ الإسلام، والذي لم يوجد مثله في العالم.
 
 
 
 
 
52

41

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 افتخروا، واعرفوا قدر شهدائكم وعظمة هؤلاء الشهداء. هؤلاء الأعزّاء الذين تشيّعونهم اليوم هم صنّاع تلك الملحمة، هؤلاء المخلصين الذين سعوا في الليل والنهار من أجل أن ترتسم البسمة على وجوهكم. الله يعلم أنّ دعاءهم وبكاءهم كان من أجل: "اللهمّ! إنّنا نطلب منك طلبين - وهذا كان بكاء التعبويّين - اللهمّ لدينا أمنيتان، الأولى أن نقبّل القبر الغريب ذا الأضلع الستّة الذي لا زوّار عنده، قبر الحسين عليها السلام! اللهمّ! إنّ أمنيتنا الأخرى - كما كانوا يقولون - اللهمّ! إنّنا منذ عمليّة بيت المقدس ولغاية اليوم لم نشاهد إمامنا ضاحكًا، اللهمّ! نسألك أن ترسم هذه العمليّات البسمة على شفتي الإمام. اللهمّ إنّا نريد إعزاز أمّتنا وإدخال السرور على قلب شعبنا". هذه كانت أمنيتهم، والله حتمًا قد استجاب لهم وقضى لهم ما أحبّوا وطلبوا.


سلامٌ عليكم أيّها الشهداء العظام! أيّها الأعزّاء الذين ضحّيتم بمثل هذه التضحية وصنعتم مثل هذه الملحمة! سلامٌ عليك يا حسين يوسف اللهي! أيّها العزيز العارف! أيّها العزيز العاشق! أيّها الحسينيّ الذي كان شباب الاستطلاع في العمليّات إذا وصلوا إليك ينسون تعبهم بالكامل. سلامٌ عليك يا إبراهيم صاحب البدن المحترق والقلب الحيّ، الذي أفرحت قلوب جميع المجاهدين! سلامٌ عليك أيّها الكاظميّ العارف! كان حسين (سيّدنا) في دفتر مذكّراته، يخاطب الشهادة ويكتب قائلًا:

الكلّ قد رحلوا وها أنا قد بقيت..

يا حسرةً على هذه الوردة المليئة بالأشواك التي بقيت وسبقها الجميع..

جاء شيخ الطريقة وعلّمنا الرحيل،

وبقيت أنا مَن لم يتعلّم ولم يرحل1

لا أتذكّر كلّ هذه القصيدة، ولكنّ مفهومها هو أنّه: "أنا الذي لم أرحل ولم أُدعَ". لقد كان حسين قائد هذه الحرب. حسين قائد هؤلاء. لقد كان حسين أمّ
 

1- بيت المقدس، ارديبهشت وخرداد 1361 (أيار وحزيران 1982).
 
 
 
53

42

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 هذه الجبهة وأباها. رجع حسين إلى الجبهة بجسد ممزّق وقدم مصابة، هكذا كان مستوى وفائه بحيث إنّه جعل نفسه فداءً لهؤلاء الشباب. لم يكن في الميدان الذي أُلقيت فيه القنابل الكيميائيّة، ولكن ومن أجل أن ينقذ كاظمي ويُخرج ذو الفقاري ويُخرج حسن يزداني، بذل كلّ جهده وضحّى بنفسه. سلامٌ على هؤلاء الشهداء! 


اللهمّ! نقسم عليك بشهداء كربلاء، وبهؤلاء الشهداء العظام، شهداء الإسلام، أن توفّقنا جميعًا لحمل هذه الراية، التي سقطت أرضًا، وللمضيّ على هذا الطريق.

وإنّني أشكر جميع هؤلاء الأعزّاء وأشكركم وأسأل الله أن يشكركم جميعًا، وأن يثيبكم ويمنحكم عطاياه.

إلهي! ليكن كلّ هذا الأجر وهذا الشكر وهذا الثواب لفتح طريق كربلاء، كربلاء الإمام الحسين عليها السلام .

اللهمّ إنّ أمنيتنا، وأمنية هذا الشعب، وأمنية كلّ المجاهدين، هي أمنية جميع الشهداء.

اللهمّ أوصل هذا الشعب إلى هذا الحرم المحاصر، الحرم المغلق، حرم الإمام الحسين عليها السلام1.

اللهمّ حقّق هذه الأمنية العظيمة لهذا الشّعب. وعلينا جميعًا أن نقول: أيّها الشهداء شكرًا! أيّها الشهداء شكرًا!

يجب أن نقول ليزداني شكرًا! يزداني الذي عبر نهر أروند ثلاثين مرّة، في صقيع نهر أروند وحين ترتعد فرائصك يجب أن نقول ليزداني شكرًا! شكرًا يا يزداني!

يجب أن نقول لإبراهيم شكرًا! شكرًا يا إبراهيم!
 

1- وقد استجاب الله دعاء المجاهدين والشهداء وتمّ فكّ الحصار عن زيارة حرم الإمام الحسين عليها السلام بعد سنين قليلة من هذه العمليات أي عام هجوم صدّام على الكويت..
 
 
 
54

43

رحل الغيارى رحل العاشقون...

 يجب أن نقول لهذا القائد المظلوم، هذا القائد الذي لم تحضر أمّه جنازته، وهو يقول: إنّ كلّ ما قدّمته في سبيل الله قد قدّمته ولا أريد أن أرى ماذا يجري على عطائي. أيّها القائد الشكر لك!


ويجب أن نشكر عوائل شهدائنا العظام! هذه التيجان النورانيّة فوق رؤوسنا، هؤلاء هم بقية الشهداء، وبقية ثورتنا.

أيّها الناس! إعرفوا قدر هذا! أيّها الناس زوروا جرحى الحرب وواسوهم. وقبّلوا هذه الأيدي التي ضغطت على الزناد. قبّلوا الأيدي التي صافحت وشابكت أيدي الشهداء. قبّلوا قامات الشهداء الذين اغتسلوا بدمائهم. قبّلوا أيادي آبائهم وأمّهاتهم الذين صنعوهم.. ويجب أن يكون شكرنا على هذا. أن نشكر هؤلاء الأعزّاء العظام، وهذه العوائل العزيزة، عوائل الشهداء، وأيضًا هؤلاء الشهداء.

إنّنا بإسم الفرقة -هذه الفرقة التي تغوص اليوم في عزاء، هذه الفرقة التي فقدت كلّ هذه الورود الجميلة والفوّاحة، شهادة قادة كبار مثل محمّد نصر اللهي هذا العزيز، هذا القائد العظيم، وسائر الشهداء الأعزّاء الأمجاد- نعزّي كلّ العلماء والمسؤولين والعاملين وعوائل الشهداء الأمجاد ونبارك لهم، وأملنا أن يحشر الله هؤلاء الشهداء مع شهداء كربلاء.

إنّني أشكركم جميعًا، وأعتذر أنّني أخذت من وقتكم الثمين. أملي أن يختم الله عاقبتنا جميعًا بالشهادة. وإن شاء الله يجعلنا في محفل هؤلاء الأعزّاء، إن شاء الله. 

لقد كان هناك شهداء مثل الشهيد بهلوان زاده الذي لم آتِ على ذكره، هؤلاء الشهداء كبقية الشهداء من حيث المرتبة وفي ساحة الحرب، كانوا مثل الجميع، رفاق السلاح والثورة، كالجسد الواحد والصفّ الواحد. 

آمل أن تسامحني عائلة هذا الشهيد العظيم لأنّني غفلت عن ذكر اسمه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
 
 
55

44

لقد ظلمتني.

 لقد ظلمتني...1


كان لنا فيما مضى أخٌ يُدعى مهدي زندي، كان مهندسًا ميكانيكيًّا ومسؤولًا عن عمليّاتنا. وعلى أعتاب عمليّات "والفجر 8"، سمعتُ أنّ سيارةً صدمت إبنه ومات، ولم يُدفن جثمانه بانتظار والده ليأتي ويحدّد مسؤوليّة السائق الذي صدمه. ففكّرت كيف ترى يمكنني أن أقنع زندي بترك الجبهة والتوجه إلى منزله من دون إخباره بالفاجعة.

وبينما كنت أفكّر في نفسي كيف أقنعه، جاء إليّ ضاحكًا مسرورا. قلت له: "سيّد مهدي"، قال: "نعم". قلت له: "إنّ الحرب تكون عادة محفوفة بالكثير من المشاكل والصعاب والمنغّصات.." لكنّني عندما رأيته مسرورًا جدًّا، لم أقوَ على إدخال الحزن إلى قلبه. فقلت له: "سيد مهدي! إنّ هذه الحرب طويلةٌ وهجمات العدوّ المضادّة متتالية، فارجع إلى منزلك، وسيكون هناك بديل عنك، اذهب الآن وعندما تعود نعطي البديل إجازة". فنظر إليّ نظرةً وضحك ثمّ قال: "أتعلم ماذا تقول؟!" قلت له: "نعم"، قال: "إنّك تقول لي إنّني ينبغي أن أذهب في إجازة في خضمّ هجمات العدوّ المضادّة. إنّني أعلم لماذا تقول لي هذا، ألست تقول ذلك من أجل ولدي؟ لقد كان أمانةً عندي من الله، لقد اتّصلت بالعائلة وطلبت منهم دفن ولدي وإطلاق سراح السائق".

جمعت الإخوة الحرس في فرقة "ثار الله" ، في ذكرى يوم الحارس، وكان في ذهني أن نكرم هذا الأخ الحارس مهدي زندي هذا الأخ نفسه الذي استُشهد في عمليّات "كربلاء 5"، وآخرون غيره. فقد كان يوم الحرس، ولكن انقلب علينا الأمر وبدا أنّ عملنا كان هباءً منثورا، وما زلت إلى الآن أخجل ممّا فعلت.
 

1- إحياء ذكرى شهداء قرية حاجي كلا، اسفند 1390.
 
 
 
57

45

لقد ظلمتني.

 نظرت إلى آخر المجلس، ورأيت مهدي يجلس هناك، كان يضع على رأسه كوفيّةً بيضاء وقد أمسك ذقنه بيده، يستمع إلى كلماتي.


عندما قلنا إنّنا نريد أن ننتخب حارسًا نموذجيًّا، امتقع لون الجميع بشأن من سيكون الحارس النموذجيّ، وكان (مهدي) يستمع أيضًا ولكنّه لم يكن يعلم ما الخبر. وعندما ذكرت اسمه من على المنبر كحارسٍ نموذجيّ وقلت: "مهدي زندي"، شعرت عندها وكأنّه كاد يذوب في أرضه، وبدأ يبكي وتنهمر دموعه مثل أمطار الربيع، فجئت إليه ورفعته من تحت إبطيه، وجئت به إلى المنصّة، وعندما تقدّم إليّ ليأخذ تلك الميداليّة التكريميّة نظر إلى وجهي والدموع تنهمر على خدّيه، وقال: "لقد ظلمتني!"، إنّني لا أنسى تلك النظرة أبدًا، وسوف تبقى ماثلةً أمامي طول عمري. لم أخجل في حياتي بمثل هذه الدرجة. ولم أرتكب ذنبًا بمثل هذا المستوى.

في الدفاع المقدّس كان كلّ شيءٍ يرتبط باسم الأئمّة الأطهار عليهم السلام، ومثل هذا الأمر ليس متعارفًا على مستوى النظام الحربيّ في العالم. الكثير من السلوكيات التي كانت تعتبر عيبًا في الجبهات، أصبحت اليوم مرسومة ومعتمدة عندنا، واعتيد عليها.

فلم أسمع طوال أيّام الدفاع المقدّس أنّهم قد كرّموا شخصًا وحفّزوه. لقد كانت الحرب تحتوي على مئات آلاف المقاتلين وعشرات العمليّات ولكن لم يسمع أحد أنّ الإمام الراحل قد منح شخصًا ميداليّةً أو رتبةً. فمثل هذا الأمر في فترة الحرب والدفاع المقدّس، كان يُعتبر طعنًا وإهانةً للشخص. لقد قمت بهذا العمل ذات مرّة وبقيت إلى آخر العمر خجلًا من فعلتي، وهذا فقط بسبب تلك النظرة والعبارة التي أطلقها هذا الشهيد الذي كنت أكرّمه. حين منحتُ ذاك المقاتل الذي أصبح فيما بعد شهيدًا، تلك اللوحة التذكاريّة والميداليّة، قال لي هذا الشهيد: "إنّك بعملك هذا قد حطمتني"1.
 

1- كلمته في مراسم إحياء ذكرى القادة و92 شهيدًا في لواء "مالك الأشتر"، محافظة آمل.
 
 
 
58

46

عمليّات "كربلاء 5"

 عمليّات "كربلاء 5"1


كانت عمليّات "كربلاء"2 تجري في أوج اعتداد العدوّ بنفسه وزهوّ وتفاخره، ففي ذلك الوقت، زاد العدو من حجم تشكيلاته العسكريّة لتصبح عشرة أضعاف ممّا كانت عليه، وطوّر من قدراته النوعيّة بشكلٍ كبير. حتى وصل حجم القوّات العراقيّة المسلّحة إلى ما يعادل خمسة جنود لكلّ خمسين نسمة من عدد سكان العراق. ومن ناحية المعدّات العسكريّة والإمكانات، كان قد وُضع بتصرّف العدوّ، ومنذ عمليّات خيبر3 وحتّى ذلك الوقت قسم كبير جدًّا من المعدّات المتطوّرة والمهمّة على مستوى العالم. كان تعداد دبّابات العدوّ قد بلغ خمسة آلاف قطعة وكذلك جُهّز بأربعة آلاف ناقلة جند. أمّا على مستوى القوّة الجويّة، فقد تسلّم العدوّ أحدث التكنولوجيا في العالم. لهذا، كان على مستوى الإمكانات قد أحدث نقلة نوعيّة وما يشبه الطفرة، أمّا من جانبنا فقد كانت إمكاناتنا محدودةً ومتواضعة جدًّا.

لقد وصل العدوّ من الناحية المعلوماتيّة إلى مرحلةٍ متقدّمة جدًّا وكانت طائرات الأواكس والرادارات وآلات الكشف تُستخدم لتحسّس أنفاسنا وحرارة أجسادنا وأصبح من السهل جدّا للعدو أن يكتشف تحرّكاتنا. أما من جانبنا فقد أصبح إخفاء عمليّاتنا باهظًا للغاية. 

مثال على ذلك، في عمليّات "والفجر 8"، ولأجل إعادة السيطرة على الفاو
 

1- كلمته في مراسم تكريم شهداء عمليّات "كربلاء 4" شهر دي 1381.
 
2- بدأت عمليّات "كربلاء 4" بـ "يا زهراء"، وكان هدفها احتلال شلمجة والتقدم باتّجاه البصرة في ليل 19/10/1365 [9-1-1987] وقد استمرّت لمدة 45 يومًا حتى 02/12/1365.
 
3- انطلقت عمليّات خيبر بنداء "يا رسول الله"، في منطقة هور الهويزة وجزر مجنون، بتاريخ 03/12/1362 [22-2-1984] واستمرّت 19 يومًا.
 
 
 
59

47

عمليّات "كربلاء 5"

 ومباغتة العدوّ، قمنا بتحرّكاتٍ واسعة جدًّا في منطقةٍ أخرى توحي بوجود هجومٍ كبير. وعندما كنّا نريد أن نهيّئ أنفسنا ونتجهّز لعمليّات "والفجر 8"، كان لدينا خطٌّ دفاعيٌّ في الهور، حيث جئنا بألواح الألياف الزجاجيّة وأدخلناها إلى عمق الهور، وكانت الأوضاع سيّئة جدًّا وشديدة الاضطراب. ما زال وجه الشهيد نصر اللهي ماثلًا أمامي، حيث تساقطت كلّ بشرة وجهه.


في منطقة الهور، جرى العمل على قدم وساق ولمدّةٍ طويلة من أجل توجيه أنظار العدوّ إلى تلك المنطقة لكي نتمكّن بهذه الطريقة من تجهيز أنفسنا لعمليّات "والفجر 8".

المشكلة التالية التي واجهتنا ونشأت بعد عمليّات "والفجر 8" أنّ العدوّ وبمساعدة مجموعات المنافقين بدأ يدير مشروعًا دفاعيًّا مشتركًا في تلك الجبهات التي لم نكن قادرين على إدارتها بشكلٍ تامّ، وكنّا نديرها عن طريق مراكز شرطة، كما حصل في إيلام ومهران وحتّى دهلاويّة، كان يشخّص نقاط ضعفنا ويبدأ من خلالها بالهجمات، وقد احتلّ جادّة مهران - دهلران، وأذاع ذلك بصورةٍ واسعة إعلاميًّا.

قبل عمليّات "كربلاء1" قَدِمَ الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي كان ممثل الإمام في الحرب إلى الجبهة وقال: إنّ الإمام أمرنا أن نقول للشباب أنّ عليهم استرجاع مهران. وهذا الأمر هو الذي أدّى إلى تنفيذ عمليّات "كربلاء1" وما نجم عنها من تحرير مهران ومرتفعات "قلاويزان" ومناطق واسعة أخرى.

أطلقنا عمليّات "كربلاء 4" قبل عمليّات "كربلاء 5" بخمسة عشر يومًا وقد أخفقنا في تلك العمليّات بالكامل. بالطبع لم يكن وضعنا كما نحن عليه الآن. ولم يكن لدينا صناعات عسكرية فعّالة. ولهذا كان سعينا ينصب على تأمين الذخيرة والتجهيزات للعمليّات.

إنّ فشل عمليّات "كربلاء 4" صار سببًا لإطلاق العدو حملة دعايات واسعة ليخفي هزائمه في عمليّات "كربلاء1" وفي منطقة الفاو وليعلن عن أرقام وهميّة لحجم خسائرنا. إن تجربة حياتنا هي تجربة عجيبة ومدهشة، وهي مليئة بالدروس بالنسبة لنا.
 
 
 
 
60

48

عمليّات "كربلاء 5"

 كان كلّ من يُعادي الإمام يخسر ويخزى. كان مصير كل من وقف في وجه هذا الرجل الإلهي العظيم، أي هذا الإمام قدس سره الذي لا يهمه سوى الله تعالى، الخزي والعار. سواء كان المعادي حكومةً أو أشخاصًا أو جماعات. لقد وصل الأمر بصدام أن أُهين على مستوى عالمي لأنّه تأخّر خمس عشرة ثانية على موعد فتح باب قصره أمام مفتّشي الأمم المتحدة. هذا ما آل إليه صدام من الذلّ والهوان. وكل هذا بسبب تلك الدماء المقدسة التي أريقت وبسبب محاربته لإنسان إلهي. ترك إخفاقنا في "كربلاء 4" آثارًا نفسية كبيرة في جبهتنا. بالطبع كنا نقوم بتقديم تفسيرات واسعة لما جرى. فعندما يحصل أي فشل فهذا له تأثير كبير على المستوى النفسي. وفي الأيام التي تلت رجوعنا من "كربلاء 4" وعندما كنتَ تدخل إلى أيّ معسكر، نادرًا ما كنت ترى بسمة على وجه أحد من المجاهدين. فقد خيّم حزن عميق على جميع أنحاء الجبهات.


ومن المسائل المهمة الأخرى التي كانت موجودة هي ما كان يتعلق بنقل القوّات وتهيئتها، فقد كنا نواجه الصعوبات في هذا الأمر وكنا نحتاج في أية عمليّة إلى ما يقارب ستة أشهر من التحضيرات. لقد قمنا بعقد الكثير من الاجتماعات وكان الشيخ رفسنجاني يشارك فيها جميعًا. وكان على رأس اهتماماتنا ضرورة الاستعداد للعمليّات التي نعوّض من خلالها الفشل السابق.

بالطبع، كان ينبغي أن نخطّط، لهذا أُقيمت اجتماعات مكثّفة، واتّفق الجميع على منطقة شلمجة وكان هناك عدّة مؤشّرات مهمة في هذا الاختيار، ومنها أنّنا لا نحتاج إلى إعادة تموضع بأي شكل، فالقوّات كانت مستعدّة وجاهزة وكان العدوّ في غفلةٍ تامّة. لكنّ المنطقة التي تمّ اختيارها تُعتبر الأشدّ صعوبة بالمقارنة مع كلّ ما جرى في الحرب، وذلك بسبب قربها من البصرة حيث أعمل العدوّ كلّ طاقاته الفكريّة وحوّل كلّ هذه المنطقة إلى خنادق وسواتر وحصون مختلفة وكان له اليد الطولى على كلّ هذه المساحة الجغرافية، وقد قام بإغراق كلّ ميادين الألغام بالمياه وتلويث منطقة واسعة. ويمكن القول إنّ 60% من القدرة العسكريّة للعدوّ كانت مستقرّةً في ضواحي البصرة. المشكلة الأخرى التي
 
 
 
 
61

49

عمليّات "كربلاء 5"

كنّا نواجهها هي أنّ وقت الهجوم كان في ليلة الحادي عشر من الشهر القمريّ، بينما كنّا في العادة نختار أن يكون بدء العمليّات والهجوم على نقاط العدو وقت الظلام الحالك، لكن الليلة الحادية عشرة كانت ليلةً مضيئة بسبب اكتمال البدر تقريبًا، وكان هذا يشكّل لنا عائقًا.

قبل ثلاث أو أربع ليالٍ من بدء العمليات، ذهبت بصحبة عدد من شباب الاستطلاع إلى أحد الحصون لكي نرى مستوى رؤية العدوّ وهيمنته على المنطقة. غاص الشباب في المياه وقبل الوصول إلى النقطة المحدّدة شاهدنا عدة إوزّات، فقلت: فلنرجع لا حاجة للذهاب. لكنّ الأخ سخي صعد إلى حصن العدوّ وأجرى استطلاعات دقيقة هناك.

تمّ إنجاز الاجتماعات التوجيهيّة ومحّص الشباب كلّ أفكارهم وتحرّكوا وانطلقوا لإعداد وتجهيز القوّات والقيام بالعمليّات.

عندما أعود إلى تلك الفترة الزمنيّة، أشعر أنّه لا شيء من تلك الشجاعة وتلك الأفكار وأولئك الأشخاص يرتبط بهذه الدنيا الترابيّة، فتلك الميادين قد أوجدها الله، وإرادته هي التي كانت مهيمنة وهي التي أوجدت تلك الأجواء.

تلك الجبهة التي كانت قبل ذلك كأنها موات ومهجورة بالكامل، تبدّلت فجأةً. ففي ذلك الوقت مباشرةً انتشر الضباب الكثيف وغطّى المنطقة برمّتها بحيث إنّ كلّ الرادارات والأقمار الصناعيّة فَقَدَت قدرتها على العمل، وقد استمرّ هذا الضباب الكثيف لمدّة 12 يومًا وخلال هذه المدّة وجدنا الفرصة لاستكمال استعداداتنا المطلوبة. في حين أنّ العدوّ لم يكن يتصوّر أنّنا سنتمكّن، بعد مدّة لا تعدو أسبوعين من العمليّات السابقة، من القيام بأعظم العمليّات في تاريخ الحرب.

وفي عصر يوم العمليّات خطر على بالنا القيام بتدابير مختلفة. على سبيل المثال قمنا بحفر نهرٍ بحيث ينساب الماء من الحصن إلى داخله، وأخفينا في ذلك النهر حوالي مئة قارب سريع.
 
 
 
 
 
62

 


50

عمليّات "كربلاء 5"

 وفي ليلة تنفيذ العمليّات وفي ذلك الحصن، كانت قيامة الإنسان! ولا يمكن مقارنته بأي مكان آخر.


تلك الوجوه التي قبعت في ذلك الخندق، انشغلت إما بتلاوة القرآن، إما بالصلاة، أو بكتابة الوصايا. وبالطبع، أولئك الذين كانوا قد عزموا على استقبال الموت لاذوا بذلك الحصن.

قبل الغروب حصل أمرٌ ألقى الرعب في قلوبنا وشعرنا أنّ العمليّة قد انكشف أمرها. فقد قام العدوّ بإطلاق صلية من صواريخ الكاتيوشا ودمّر مجموعة من القوارب وإحدى ناقلات الجند عندنا، وقد كان هذا تحذيرًا.

قام الشباب في بداية الليل بركوب القوارب وتحرّكوا نحو خطوط العدوّ، وكان أبعد محورٍ يقع على مسافة خمسة أو ستة كيلومترات عبر المياه. وكان أشدّ المحاور صعوبةً في هذه العمليّات هو محور فرقة "41 ثار الله" التي كان لها دور مصيريّ في عمليات "كربلاء 5"، وكان عليها أن تقطع أبعد مسافة داخل المياه. وأنتم تعلمون كيف يكون صقيع خوزستان في تلك الأيّام، فهو يلسع بشدة. أمّا من حيث الجدولة الزمنيّة، فقد كان علينا أن نتحرّك بحيث تصل جميع القوّات من الخطوط المختلفة إلى المحور في الساعة 12:00.

كان أكبر عائق أمامنا هو اختيار كتيبة الاقتحام. فقد كانت عمليّاتنا استشهاديّة بالكامل، وقد كان لدينا قوّات استشهاديّة على مدى الجبهة كلها.

كان سعينا أن تُنجز العمليّات بدقّةٍ عالية، وقد تمّ وضع علامات مشخّصة على طول المسير الذي يجب على الشباب أن يسلكوه وصولًا إلى حصن (تحصينات) العدوّ، وكان لدينا تواصل لاسلكيّ (مع الأخوة) في الأماكن التي تقع خلف ميادين الألغام التي نصبها العدوّ.

نزل الشباب إلى المياه وتحرّكت ثلاثة صفوف من الغوّاصين باتّجاه العدوّ. كنّا نتوقّع أنّنا سوف نقطع المسار الفلانيّ بساعتين، ولكن عندما نزلنا إلى الماء تحقّق هذا المسير قبل نصف ساعة من الموعد المحدّد واتّجهنا نحو خطوط العدوّ. أمّا المحور الآخر الذي كان يوجد فيه شباب فرقة "10 سيّد الشهداء
 
 
 
 
63

51

عمليّات "كربلاء 5"

 فقد التحموا مع العدوّ أسرع من الباقين. عندما امتلأت السماء بالقنابل المضيئة وبدأت المعارك، كنّا ما زلنا على بعد مئتي متر من الأسلاك الشائكة. كان العدوّ قد صنع الكثير من الحواجز وأوجد الكثير من التحصينات، لكنّنا اقتحمنا الخطوط. لقد كانت هذه المسألة من النقاط البارزة في حربنا، وهي أنّه لم يتمكّن أيّ خطٍّ دفاعيّ من الحؤول دون نفوذ قوّاتنا إلى مناطق العدوّ. عندما انهارت الصفوف الأولى للعدوّ على يد الشهيد عابديني،1 والشهيد الحاج علي محمدي بور،2 وبدأت قوّات الكتيبة الثانية بالتقدّم كان العدوّ ما زال في حال مواجهة. وعندما كان الشهيد طياري3 يتحدّث عبر اللاسلكي، لم يكن أحد ليتصوّر أنّ كلامه هذا يأتي من قلب مواقع العدوّ (ما زالت تسجيلات محادثة الشهيد طياري موجودةً)، لقد كانت مبادرة الشهيد طياري في هذه العمليّات مهمّةً في الواقع ومؤثّرة، فعندما أعلن الشهيد طياري أنّه قد عبر قناة صيد السمك، وأبلغت السيد محسن رضائي4 بهذه الرسالة لم يصدّق نفسه. 


كان ميدان المعركة لافتًا يستحقّ المشاهدة، لقد كانت مجموعة من الشباب لا تتجاوز ستين شابًا تطارد جيش الدبّابات والمشاة العراقيّ بأيدٍ عارية.

أما في غرب قناة صيد السمك، فقد وقعت مقاومة عجيبة، لقد وقف أحد القادة العراقيّين الأقوياء ويُدعى "عدنان خير الله"5 الذي كان قد جُرح عدّة مرّات، ليصد هجومنا.
 

1- علي عابديني قائد كتيبة الاقتحام 410 للغواصين في فرقة "41 ثار الله"، الذي استُشهد في عمليّات "كربلاء 5".
 
2- علي محمدي بور دقوق آبادي، قائد الكتيبة 412 في فرقة "41 ثار الله" الذي استُشهد في عمليّات "كربلاء 5".
 
3- مهدي طياري قائد كتيبة 419 في فرقة "41 ثار الله"، نال شرف الشهادة خلال عمليات بيت المقدس 7 في خرداد (1988) 1367هـ.ش.
 
4- قائد قوّات حرس الثورة الإسلامية في ذلك الوقت.
 
5- عدنان خير الله طلفاح، ابن خال صدّام ووزير دفاعه الذي قُتل عام 1989 عندما سقطت طائرته المروحيّة.
 
64

52

عمليّات "كربلاء 5"

 في اليوم الأوّل، استطعنا تحرير منطقةً واسعة، وبنينا مجموعة من الخطوط الدفاعيّة بالاستفادة من إمكانات العدوّ. وفي اليوم الثاني، دخل العدوّ بقوة عسكريّة واسعة وبدأ هجومًا مضادًّا، وفي اليوم الثالث كان يضرب كلّ متحرّكٍ يعبر القناة. 


كانت المعارك معارك جندي لجندي، ومعارك القنابل والدبّابات. كان العدوّ قد استعاد نصف خطوطنا فأتت إحدى الكتائب لنجدتنا. وفوق الجسر تحوّل الوضع إلى ما يشبه الجحيم، فقد كان العدوّ يرمي بحمم نيرانه فوق هذا الجسر من أوله إلى آخره، وهو جسر لا يزيد طوله عن كيلومتر واحد، وقد أوصل تاجيك1 نفسه إلى غرب قناة السمك وأنقذ الخطّ. أمّا الشهيد طياري، راح يركض فوق الجسر جريحًا، ومع كلّ خطوة يقوم بها، كانت عدّة دبّابات تستهدفه دفعة واحدة.

إنّ نتائج عمليّات "كربلاء 5" هي السبب الذي جعل كلّ دول العالم تتعبّأ لإصدار القرار 598. لقد اندهش كلّ الأعداء من مستوى المقاومة وحجم التضحية، فعمليّات "كربلاء 5" قد أُنجزت في قمة هذه المصائب ونقص الإمكانات والتنظيم.

إنّ هذا الانتصار العظيم والمهم والمتألّق كان له تأثيرٌ أساس جدًّا في مصير كلّ الحرب، حيث فرض على العالم التراجع وإصدار القرار 598.
 

1- "حسن تاجيك" قائد كتيبة 415 في فرقة "41 ثار الله" نال الشهادة في بهمن 1365 خلال عمليّات "كربلاء 4".
 
 
 
65

53

لم يتبقّ أحد

 لم يتبقّ أحد1


لو قلت إنّ واقعة أخرى لكربلاء قد وقعت في عمليّات "كربلاء 5" إلى جانب كربلاء الإمام الحسين عليها السلام، بكل تلك التضحية والإيثار والقيم التي تجلّت في مواقف أنصار الإمام الحسين فيها، لما كان كلامي جُزافًا. لقد كان بيننا وجوهٌ متلألئة وعظيمة بحيث كنا نشهد ذلك الفراغ الذي لا يمكن لأحد أن يسدّ بسبب غيابهم. واليوم أرى في اللوحة المعروضة أمام ناظريّ قاماتهم الشامخة وكأنّهم جميعًا قد شعروا أنّ هذه العمليّات ستكون آخر عمليّات الحرب وأنّ عليهم أن يوصلوا أنفسهم بتلك القافلة التي انتموا إليها ويلتحقوا بها. فقبل وصول فرقة "ثار الله" إلى شلمجة، جرى اجتماعٌ لافت عابقٌ بالذكريات. كانت ليلة وداع أبناء فرقة "ثار الله": زندي، بينا، مشايخي، طياري، عابديني، محمدي بور، مير حسيني، لاريجاني، تهامي، و... كلّ هؤلاء كانوا موجودين. أُطفئت المصابيح وتعانق الكلّ، والكل كان يودّع الكل. قال الشهيد مشايخي: إنّه إلى جوار منزلي من جهة اليمين يوجد أيتام، ومن جهة اليسار يوجد أيتام، وأخجل من أن أعود إلى جيرفت، لقد عزمت على أن أقيّد قدميّ حتى لا أنسحب، إنّني عازمٌ على الشهادة وذلك اليوم قد انقضى. 

وفي صباح اليوم التالي وفوق السواتر وداخل الأسلاك الشائكة لفت نظري مشهدٌ ينبض بالعشق، كان تمامًا مثل كربلاء. لعلّه اليوم أصبح مطموسًا أمام أنظار زائري شلمجة. ففوق الأسلاك الشائكة كانت الأيدي المقطوعة وأجساد الشهداء المطهّرة العائمة فوق المياه، كان جسدا الحاج محمّدي بور، وعلي عابديني ملقيَين على الأرض إلى جانب الحصن تحت نيران العدوّ، ومن بعد ذلك رحل الواحد تلو الآخر. عندما رجعت من منطقة قناة "صيد السمك" لم يبقَ أحدٌ، وكأنّ الجميع كانوا يسعون بكلّ وجودهم للذهاب والرحيل.
 

1- كلمته في مراسم تكريم شهداء عمليّات "كربلاء 5" شهر دي 1381 (ك2 2003).
 
 
 
67

54

دبّابتان مقابل مئات

 دبّابتان مقابل مئات1


في اليوم الثالث من عمليّات "كربلاء 5"، صار الوضع صعبًا جدًّا، لقد ضغط العراقيّون بشدّة وكانوا يصبّون كلّ نيرانهم، الكاتيوشا والمدفعيّات والدبّابات وأيّ شيءٍ يمتلكونه وقد شرعوا بهجومٍ مضادٍ من العيار الثقيل وبشكل متواصل من الصباح الباكر وحتى الساعة الثالثة تقريبًا. كانوا قد سيطروا على قسمٍ من الخطوط الأماميّة وأصبحوا على تماس مع قسمٍ آخر. كانت الطائرات المروحيّة العراقيّة تأتي وترمي حممها من الخلف وتُطلق نيرانها فوق القناة لتدمير مقرّ الإخوة في الاتّصالات اللاسلكيّة. أتذكر في ذلك الوقت الأخ مرتضى قرباني2 الذي شرع بكتابة وصيّته. كنّا نشعر أنّ الأمر قد انتهى تمامًا لأنّهم قضوا على كلّ سيارات الإسعاف، ومنعوا إخلاء الجرحى، وقصفوا سيارة اللاندكروزر التي أرسلناها، وكذلك حصل مع قوّاتنا، قوّات المشاة التي كانت تريد العبور. لقد كان الجسر يشهد جحيمًا من النيران غطّته بالكامل. ولعلّه يمكن القول: إنّ ما يقارب مئة قطعة مدفعيّة عراقيّة كانت قد احتشدت لضرب هذا الجسر بحيث لا يتمكّن أي شيء من عبوره، لقد أغلقوه بالكامل. استمرّ العدوّ بهجماته المضادّة بنحوٍ مكثّف لمدّة سبعة أيّام تقريبًا. وقد صدرت مهمّة استرجاع بحيرة السمك إلى عدنان خير الله نفسه الذي كان من الضبّاط المهمّين في الجيش العراقي وهو بنظرنا من أكثر القادة العراقيّين كفاءةً. ولهذا وضعوه في مواجهتنا لأجل استرجاعها.

وفي ذلك الجانب احتشدت مئات الدبابات ومئات القطع المدفعيّة وعشرات منصّات الكاتيوشا بالإضافة إلى المعدّات الخفيفة التي كانت بحوزتهم،
 

1- حكاية عن عمليّات "كربلاء 4" في البرنامج الخاص لمجموعة رواية فتح.
2- قائد فرقة "25 كربلاء". 
 
 
 
69

55

دبّابتان مقابل مئات

 وكانت جميعها تطلق النيران. وفي المقابل، كان إلى جانب هؤلاء التعبويّين ربُّ التعبويّين ومقدار قليل من قبضات الأر بي جي.


في قناة صيد السمك، كان العراقيون يمتلكون حوالي 300 قطعة مدفعيّة وعشرات منصّات الكاتيوشا، أمّا مجموع مدفعيّتنا ومجموعة مرتضى قرباني فلم تكن تزيد على العشرين قطعة، وكان أكثرها من دون ذخيرة. وكان في مواجهتنا أيضًا مئات الدبابات العراقية، بينما كان لدينا دبّابتان. فإن حَلَّلْنا يومًا مجريات حربنا بعمق، سنجد أنّ قسمًا أساسيًّا من مواجهتنا لهذه الفئة الكبيرة ستكون أسوة وقدوة لمستقبل شعبنا وحربنا، وهو كيف استطعنا مواجهة مثل هذا الحجم من النيران؟!

في الجهة المقابلة، كان "عدنان خير الله" مع ثلاثة فيالق، ومئات الدبابات1 حاضرين في الميدان، وذلك لأنّ الأرض لم تكن تتّسع لأكثر من ذلك وإلّا لكان لديهم عدد أكبر من هذه الدبّابات و300 بطارية مدفعيّة. كتب عدنان خير الله نفسه في تقريره لصدّام: قد قمت بذاك الأمر الذي جعلهم يتوسّلون ويتضرّعون. أمّا نحن فكّنا نتواصل مع مرتضى قرباني في بعض الأوقات عبر اللاسلكي، نطلق الدعابات وننشد، وندعو ونتمازح ونرفع من معنويّات بعضنا البعض، أمّا هو فقد كان يتصوّر أنّنا كنّا نتوسل فزعًا. 

ذكر في تقريره: ألقيتُ من النيران ما جعل الإيرانيّين يزحفون على أنوفهم فوق التراب. وحقًّا ما قال، لقد ألقى النيران وأشعل ذاك الجسر المكشوف بحمم دبّاباته، لكن "حسين تاجيك" عبر بكتيبته ذاك الجسر نفسه.
 

1- قال ما حرفيته : 500 دبابة. ربما كناية عن الأعداد الكبيرة والضخمة منها.
 
 
 
70

56

طلبت من الله إنهاء حياتي

 طلبت من الله إنهاء حياتي1


قاسم2 كان كبير فرقة "41 ثار الله"، وهو الشخص الذي ما زلت لحدّ الآن أشعر بغيابه في كلّ مهمّةٍ، فالشهيد "قاسم مير حسيني" هو بحدّ ذاته أمّة في كلّ ساحات وميادين الحرب. وكل ما يمكن قوله: إنّ شأن الشهيد مير حسيني بلغ من العظمة بحيث إنّني أشعر بالعجز التام عن أداء حقّه من الوصف. لقد كان صاحب روحٍ عظيمة، كان بمنزلة مالك الأشتر بكلّ ما للكلمة من معنًى. أنا لا أعرف إن كان مالك قد حوصر بشدّة في الحرب مثل الشهيد مير حسيني أم لا. لقد كان الشهيد مير حسيني قائدًا بكلّ أبعاد القائد الإسلامي وفق التعريف الأصيل لأمير المؤمنين عليها السلام. لقد كان أكثر شخصيّة معنويّة في فرقة "ثار الله". وكل من كان يستمع إلى تلاوته القرآنيّة العذبة أصابه الذهول عن نفسه. كان خطيبًا، وإذا شرع بالكلام، كان - بحسب تعبير الإخوة - يسحر القلوب. وكانت كلّ كلماته مصحوبةً بشواهد الآيات والروايات. كنت أشعر حقًّا أنّه لا يوجد أي عالم دين يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه في مثل سنّه. أما في البعد القيادي، ينبغي القول إنّه صاحب الرأي الأكثر صوابيّةً في الاجتماعات بشكلٍ دائم، فقد كان رأي الشهيد مير حسيني أفضل الآراء، وفي ميدان العمل كان يحصل ما كان يقوله فعلًا.

أُشهد الله أنّني لم أشاهد في وجه الشهيد مير حسيني أي نوع من الخوف وفي أصعب الظروف. وكأنّ كلمات الخوف والرعب والتردّد والاضطراب لم تكن موجودة في قاموسه. فكان حديثه وهو تحت الحصار كحديثه عندما يكون في
 

1- كلمته في برنامج شلمجة في سلسلة برامج مجموعة روايات فتح.
 
2- قاسم مير حسيني: نائب قائد فرقة "41 ثار الله" وقد استُشهد أثناء عمليّات "كربلاء 4" 1365 (1986) في منطقة عمليّات شلمجة.
 
 
 
 
71

57

طلبت من الله إنهاء حياتي

المقرّ والمعسكر. وعندما كانت أمطار القذائف تتساقط عليه من كلّ جهة، وكان الكلّ يحتمون في الملاجئ والدّشم، أو خلف السواتر والتلال حتى لا تصيبهم نيران العدو، كان هذا الشهيد العظيم يقف ثابت القدم، وكنا جميعًا نُذهل ونندهش من تحرّكاته. كنت إذا نظرت إليه وجدته مثل أولئك الذين كانوا يرتجزون الأشعار في الحروب القديمة عند مقابلة العدوّ. كان يعبّئ الشباب ويحرّكهم ويمازحهم في تلك اللحظات الحسّاسة.

لقد منّ الله تعالى علينا بهذا التوفيق أن كنّا في خدمته خلال عملية "والفجر 1"1 تقريبًا وحتى اللحظات الأخيرة التي كانت مليئةً بالأحداث.

وحقّا أقول، رغم أنّه كان لديّ الكثير من الأصدقاء من بين شهداء الحرب المفروضة وفي مختلف العمليّات، إلا أنّني لم أشاهد أحدًا مثله. فطوال تلك الفترة التي كنت فيها إلى جانبه، لم أشاهده يومًا يترك نافلة الليل، كما إنّني لم أشاهده ينهي نافلة ليلٍ من دون بكاء، والله شاهدٌ، أنّنا كنا نستيقظ على بكاء هذا الشهيد العظيم، لقد كان رجلًا عجيبًا، كان عالَمًا لا حدّ له من العرفان.

كنت أشاهد أفراد الكتيبة وهم يتحلّقون حوله عندما يلقي خطبةً ما، ومن اللحظة التي كان يبدأ فيها ببسم الله وحتى نهاية كلمته كان الجميع يبدون كالفراخ الجائعة التي تريد من أمّها أن تطعمها، فتتوجّه بكلّ حواسّها إلى فم الأم. كانت الكتيبة كلّها تُسحر به وتذوب وتفنى فيه. لقد كان منقذ كلّ العمليّات. ففي ساحة الحرب وعندما كان العراقيّون ينفّذون هجمات مضادّة ويضغطون بشدّة عليها، أقسم بالله أنّ مجيء مير حسيني عند اشتداد وتعقّد وضع الجبهة، كان كمجيء فرقة بأكملها، لقد كان تأثيره في كلّ الجبهة كبيرًا إلى هذا الحدّ. أذكر في عمليّات بدر عندما شنّ العراقيّون هجومًا مضادًّا، اقتحم الشهيد مير حسيني هذا الهجوم. وفي أحلك الظروف وعند اشتداد الوطيس، عندما كان الكلّ يحدّث نفسه بالتراجع، كان الشهيد مير حسيني أوّل من يتقدّم وآخر من
 

1- فروردين 1362ه.ش. (آذار 1983).
 
 
 
 
72

 


58

طلبت من الله إنهاء حياتي

 يرجع. إنّني قطعًا أعتبر الشهيد مير حسيني منقذ كلّ العمليّات. فقد كان دوره في كفّةٍ من الميزان، ودور ما بقي من كتائب في كفّةٍ أخرى.


إنّني لم أشاهد الشهيد في أيّ وقتٍ يتحدّث عن نفسه أنّه منقذ العمليّات الفلانيّة ووو... لقد كان جنديًّا مجهولًا. واليوم فإنّ قبر الشهيد مير حسيني واقعٌ في مكانٍ ناءٍ كأي قبرٍ عاديّ1. لم يكن أحد يعلم أنّ شخصيّةً بهذه العظمة كانت تعيش في زابل2، حيث كان هذا حال يومه وليلته. 

وفي عمليّات "كربلاء 4" كان الشباب قلقين جدًّا عليه، إذ إنّ الشهيد مير حسيني لم يخرج من أية عملية من العمليّات من دون جراح، فقد حمل من جميع العمليّات جراحًا وندوبًا ملأت جسده. وقد قال للشباب: لا تخافوا فإنّني لن أستشهد في عمليّات "كربلاء 4".

قبل عمليّات "كربلاء 5"، كنّا في إحدى الليالي داخل الخندق نتبادل أطراف الحديث فقال: "سوف أُصاب برصاصةٍ هنا"، ووضع إصبعه على جبهته، وهذا ما حصل، وافتقد عاملو اللاسلكي في فرقة "ثار الله" صوت مير حسيني العذب والعرفانيّ حتى آخر الحرب. ذاك الصوت الذي كان يمنح الأمل لجميع الشباب، سواء كانوا من الكرمانيين أو الرفسنجانيين أو الزرنديين أو السيرجانيين أو الهرمزكانيين أو البلوشستانيين، لقد كان صوتًا عذبًا ومحبوبًا وقد خمد. بالطبع، لم أستطع تصديق ذلك. في البداية لم يخبرني الشباب، وقد أطلعوني على ما جرى بحذرٍ تام، ولا أنسى أبدًا نبأ شهادته. لقد كنت أسأل الله حينها أن ينهي حياتي في كل عملية، في عمليّات عدّة وكانت إحدى هذه العمليّات "كربلاء 5" خصوصًا عندما سمعت خبر استشهاد الشهيد مير حسيني. لقد شعرت أنّ فرقة "ثار الله" قد تضعضعت، والأهم من كلّ ذلك هو أنّني كنت أتصوّر أنّ شهادته
 

1- دُفن الشهيد "قاسم مير حسيني" في مسقط رأسه "صفدر مير بيك" إحدى قرى منطقة جزينك، محافظة "زهك" الواقعة في منطقة سيستان.
2- زابل: إحدى مدن محافظة سيستان وبلوشستان.
 
 
 
73

59

طلبت من الله إنهاء حياتي

  ستؤثّر تأثيرًا عميقًا جدًّا في فشل عمليّات "كربلاء 5"، فلا خبر يمكنه أن يترك أثرًا عميقًا من الحزن في فرقة "ثار الله" مثل هذا الخبر، وحتى ذلك الوقت، لم يكن هناك من حادثةٍ بالغة الصعوبة كشهادة الحاج قاسم مير حسيني بالنسبة لشباب فرقة "ثار الله". حتى ذاك الشخص الذي كان مشاركًا في العمليّات وقد فقد أخاه أو ابنه كان قد غاص في حزن فراق الشهيد مير حسيني.

 

 

74


60

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 لا يوجد أرقى من اللون الأحمر1


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

إلهي! كيف أؤدي حقّ شكرك، فشكرك كثير وجسمنا ضعيف على أداء شكرك!

إلهي! أي نعمةٍ من نعمك أشكرها؟! نعمة الوجود في جمع محبّيك ومخلصيك وأوليائك، أم نعمة ارتداء زيّ الجهاد؟! 

إلهي! لقد تلطّفت بنا وقبلتنا في جمع خاصّة أوليائك. شهداء عظام كانوا مخلصين. لم يكن بالهم وفكرهم إلا في سلوك طريقك وسبيلك وسبيل أنبيائك والاستمرار على طريق الشهداء والأنبياء وأوليائك.

إلهي! لقد تلطّفت بنا، وجعلتنا في جمعهم.

إليكم أيّها التعبويّون الأعزّاء والأمجاد والمظلومون وصنّاع الملاحم، (أبارك شهادة أعزائكم وإخوانكم وأحبائكم وشهادة العاملين لديكم، شهداء كانوا في أتون الحرب كلّها كالماء البارد الذي يُصب على حمم نيران الحرب، وقد استجابوا لصرخات المصابين بسبب حقد الأعداء، وكانوا عونًا لكل المستنصرين، ونورًا في ظلمات جمعنا، وأملًا لكلّ المظلومين، وناصرًا لدين الله، وبلسمًا لكلّ الجراحات، وأوصياء على جميع الأيتام). (بكاء الحاج قاسم والمجاهدين الحاضرين في المجلس).

اللهمّ أنت شاهد أنّ قلبي يحترق.

اللهمّ أنت شاهدٌ أنّ ظهورنا قد انكسرت حزنًا عليهم.
 

1- (الشهادة إحدى الحسنيين) الكلمة الخالدة للحاج قاسم سليماني، في مهديّة مقر الشهيد كازروني، بعد عملية "كربلاء 4" في اسفند سنة 1365 ه.ش. (شباط، 1987).
 
 
 
75

61

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 إلهي! كيف يمكن لي أن أتحدّث بلساني الذي يفتقد الطهارة المطلوبة للتكلم عن الحاج يونس (زنغي أبادي) وأخبركم عنه؟!


كيف يمكنني أنا أن أتحدّث عن ذلك القمر الذي لم يكن نورًا ولا ساطعًا من النور، بل تجلّيًا من النور الذي غطّى تراب الجبهة، ولكنّه كان من تحت التراب نورانيًّا، وهو الشهيد (ذبيح الله) دريجاني؟!1

كيف يمكنني أن أتكلّم عن مظلوميّة الحاج علي (محمدي بور)؟!

كيف يمكنني أن أحدّثكم عن ذاك الجسد الممزّق بالشظايا والمليء بالألم لـ (علي عابديني)؟!

كيف يمكنني وصف حال تاجيك وشول وكرامتي و(قاسم) مير حسيني؟!

في كلّ ساحةٍ من ساحات الحرب التي كان يُحاصر فيها التعبويّون، وبمجرد أن كان يُعلن عبر اللاسلكي أن مير حسيني قد أتى، كنّا نرى وكأن الأطواق قد تكسّرت. ففي الزّمن الذي كان فيه موجودًا، كأن الجميع كانوا.

كيف يمكنني أن أشرح لكم حال (مهدي) زندي الذي أقسم بالله أنّه لم يكن مستعدًّا أن ينطق بكلمةٍ، أو أن يحرّك قدمًا لغير الله؟!

وكيف يمكنني أن أتحدّث عن القائد مشايخي، بقيّة جمع قادة الفرقة؟!

ليلة الوداع وليلة البيعة، إسمان كنّا نطلقهما على الليلة التي تسبق ليلة العمليات. في منتصف تلك الليلة، التي استمرّت حتّى الساعة الرابعة صباحًا، أضاء (محمد)2 المصباح وقال: "أريد أن أتحدّث في الضوء". لعلّ تسجيله ما زال موجودًا، وإذا لم يكن فهو في القلوب". قال: "أبايع وأتعهّد، وقد كتبت وأعلنت في جيراني، لستة أيتام في الناحية اليُمنى، ولستة أيتامٍ آخرين في الناحية اليسرى، لقد كتبت لهم إمّا أن أنتصر وأرجع، وإمّا أن أصبح شهيدًا".
 

1- دريجاني مساعد أركان فرقة "41 ثار الله" الذي استشهد في عمليّات "كربلاء 4"، 1365 (10ك2 1987).
 
2- محمد مشايخي (رودباري) القائد الهندسي لفرقة "41 ثار الله" الذي استُشهد في عمليّات "كربلاء 5"، 1365 (15 ك2 1987).
 
 
 
76

62

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 ثمّ توجّه إلى قادة الفرقة معلنًا أنّه إذا تراجعت وانسحبت فأطلقوا عليّ النيران، قال: "أريد أن أعلن في الضوء، لتكونوا جميعًا شاهدين أنّني على عهدي".


الشهيد زندي والحاج مهدي العزيز، أنا بلساني القاصر قد عرّفت عن الإخوة الحرس النموذجيّين في الفرقة بعد عمليّات "والفجر 8". وبمجرّد أن أعلنت اسمه، أقسم أنّ فرائصه قد ارتعدت، وصار يبكي مثل طفلٍ فقد أمّه، فأمسكت به من تحت إبطيه ورفعته.

إخواني أعزّيكم وأبارك لكم. أمّا عزائي فمن باب أنّه قد كان لكم خدّام جيّدون، وكان لديكم جمعٌ حسينيّ، وكان لكم أصدقاء أعزّاء: الشهيد رشيدي، والشهيد قربان زاده، وشهداء آخرون. وأنتم تتّبعون رسالتهم وملتزمون بها. فهم لم يكونوا يقولون ذلك، ولكن أنا أقوله بالنيابة عنهم.

قولوا لكلّ الناس، لأمّهات الشهداء، ولآباء الشهداء، وللأسرى، وللمفقودين، ولحزب الله، إنّ خدّامكم وأبناءكم قد قاتلوا كالحسين عليها السلام، وكانوا أبطال القتال. قولوا لهم لا تقلقوا فهناك جمعٌ كانوا في خدمتهم، كانوا مسافرين وقد التحقوا بالقافلة. قولوا لهم وأوصلوا لهم هذه الرسالة من الجبهة: لعلّه لم يكن في أدعيتهم سوى مطلب أو مطلبين دنيويّين. أقسم بالله أنّهم جميعًا كانوا ببكائهم يطلبون ذلك، أن يا الله إنّنا نفضّل الجنّة على هذه الدّنيا، وإنّنا نبذل دماءنا لكي نذهب ويكون هذا الشعب فرحًا في انتصاره وفي الفتح الذي سوف يتحقّق. كانوا يقولون إنّ رحيلنا وعدم بقائنا هو من أجل ألّا يقلق الإمام أو ينزعج لا سمح الله. هكذا كانت أمانيهم الدنيويّة وهي أن يصبح شعب إيران فرحًا وضاحكًا وأن يكون الإمام مسرورًا. ولعلّهم كانوا يحملون أمنيةً دنيويّةً أخرى وهي تقبيل قبر المظلوم المغبّر والمحاصر، قبر أبي عبد الله الحسين. حتمًا إنّ هذه أيضًا كانت أمنيتهم وبالطبع فقد نالوا تلك الأمنية.

هذه الدماء النفيسة هي ثأر عظيم. فالفتح الذي تحقّق، والأرض التي فُتحت، هذا الفتح يساوي كلّ سنوات قتالنا، وكلّ سنوات حربنا. صحيحٌ أنّنا قد فقدنا أعزّاء عظامًا! صحيحٌ أنّ هناك صفوفًا من الحرب قد هزمت! ولكنّ الفتح
 
 
 
 
77

63

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

الذي حصل على أثر إقدام هؤلاء ودمائهم وملحمتهم وشجاعتكم أيّها الأعزّاء المعظّمون، عظيمٌ جدًّا. وكلّ واحدٍ منكم جديرٌ بالشكر.

لست أنا أو الإمام من يشكر، بل الله هو الذي يشكر، فإنّه يشكركم أنتم عباده، لأنّكم وقفتم بشجاعة وحاربتم بشجاعة، وهذا الفتح هو فتحٌ عظيم، هو فتحٌ حتمًا وإن شاء الله هو خاتمة الحرب وخاتمة عمر الكفر، وجميع الكفّار أيضًا. أنتم لا تستطيعون ولا أيّ نظام يمكنه أن يقارن ويشبّه العمليّات الملحميّة ل"كربلاء 5" بعمليّات الفاو وعمليّات كربلاء1 والفتح المبين وبيت المقدس.

لعمليّات "كربلاء 5" خصائص خاصّة بها، سواء من ناحية البقعة الجغرافيّة أو التوقيت أو الموقعيّة.

يا أخي! لقد تحدّثت إليكم سابقًا حول عمليّات "كربلاء 4" التي أنجزناها، وذكرت لكم كيف كانت. لقد كانت أجواء النشوة تعمّ جيش العراق بحيث أعلن لكلّ الجيش العراقي، وكذلك الأسرى قد أكّدوا ذلك، أنّ الحياة العسكريّة لإيران قد انتهت، وأنّ كلّ ما حقّقته في سنةٍ قد انتهى، وأنّ أعلى انتصارٍ وفتحٍ لجيش الإسلام لم يكن فتح الأرض بل فتح الإرادة والعزم.

وفي أوج اليأس وذروة حساسيّة الحرب، اتّخذ الحرس قراره الشجاع بالقتال. لعلّ الشيطان بعد "كربلاء 4"، كان يصدح في جبهتنا وفي حربنا، لكن قُبض عليه ورُوّض على أيدي رجال الله وعلى أيديكم أنتم يا رجال الله. كان أعظم فتحٍ بالنسبة لنا هو أنّنا قد توكّلنا على الله تبارك وتعالى وهجمنا في ذروة إحباطنا وانعدام ثقتنا بالأرض وبموقعيّة العسكر.

أنا العبد، كقائدٍ عسكريٍّ صغيرٍ لكم، كما يُقال وبحسب الظاهر قائدكم، أقول لكم، إنّنا لم نمتلك في "كربلاء 5" أيّ أملٍ في الرجوع إلى الجبهة، وقد اخترنا أصعب جبهةٍ وأرضٍ للقتال. فإنّ كلّ مترٍ من هذه الأرض له قيمةٌ تساوي عدة كيلومترات من الفاو، بلحاظ الحساسيّة العسكريّة والسياسيّة. فأرض شلمجة وبوبيان وبحيرة السمك كانت تبدو دومًا كغولٍ عسكري، وكأنّها نمرٌ من ورق في
 
 
 
78

64

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 نظر جيش الإسلام. كانت شلمجة وبوبيان أقرب باب إلى هدف العمليّات. ومع أنّنا اخترنا أهدافًا أخرى وكانت تعقيدات الأرض وصعوباتها التي شاهدتموها، وتلك العوائق الشديدة التي وضعها العدوّ، فقد صنعوا جبلًا في السهل، وقد شاهد الإخوة هذه الأشكال. هؤلاء الذين قاتلوا في ساحات القتال كانوا جبلًا. كان العدوّ يأتي بجميع المستشارين العسكريّين في العالم الذين كانوا يريدون الاطّلاع على أوضاع العراق العسكريّة ويحضرهم إلى جبهة شلمجة، ويريهم ذلك من باب النموذج. فقد كانت شلمجة ماكيتًا عسكريًّا1 لقدرة الجيش العراقيّ. لقد كانت المكان الوحيد الذي لم يكن أيٌّ من قادة الجيش العراقي يتصوّر أنّه سوف يهزم فيه في العمليّات العسكريّة. فنحن لم نقم بوضع خطة عسكرية لتنفيذ عملٍ عسكريّ عليها، بل كانت عمليّات الولاية، الولاية بمعنى أنّ الإمام كان قد اتّخذ القرار وبلّغنا عبر ممثّله أنّ أرض معركتكم هي هذه. وبعد "كربلاء 4"، هناك عملٌ لا أريد أن يبعث على الغرور في كلامي، فكلّ الأعمال هي عمل شخصٍ واحد، قطعًا شخص واحد، وذاك الشخص هو السيدة الزهراء عليها السلام. هذه الأم التي أمسكت بأيدينا جميعًا. 


في ليلة العمليّات أعترف أنّي كتبت ثلاث مرّات حيث إنّ مرساله (بريده) حاضرٌ أيضًا كتبت ثلاث مرّات لقائد المقرّ أنّنا الآن نقوم بأكبر مخاطرة في هذه العمليّات. كتبت ثلاث مرّات أنّ عليكم أن تلغوا الهجوم. وفي اللحظة التي نزل فيها التعبويّون في الماء ووصلوا إلى خلف الأسلاك الشائكة، حيث كان القمر في الليلة العاشرة مثل النهار المضيء، رأيت في الماء وعبر منظاري -حيث كنت أراقب- وخلف ميدان الألغام، جدار التعبويّين الممتد لكيلومترات فارتعد بدني وبكيت من الخوف، قلت في نفسي إنّه لن يصل أي واحد من هؤلاء التعبويّين إلى العدوّ. كان ذهني يقول لي هذا، والعلم أيضًا كان يقول هذا، والعقل أيضًا كان يقول هذا، وتجربتي أيضًا كانت تقول لي هذا. كلّ هذه القرائن كانت تخبرني
 

1- نموذجًا / مجسّمًا.
 
 
 
79

65

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 أنّ هؤلاء التعبويين لن يصلوا إلى الخطوط، وأنّ هذه العمليّة لن تنجح، ولكنّ العشق لم يقل ذلك. كنّا ننزل الشّباب إلى الماء والشهود حاضرون، ولكن ما إن كنّا نطأ الماء حتّى كنا نرى خطوط العدوّ كما ننظر إلى أكفّنا. كنت أراقب عمليّات الهجوم على ضوء القمر لكي نرى إلى أي مدى يمكن أن يُرى هؤلاء الشباب.


وقد رأيت أنّ جميع صفوف الغوّاصين تُرى حتى إلى قرب الأسلاك الشائكة، وبمجرّد أن رأيت ذلك ارتعدت وفقدت الأمل.

إخواني! كنت أقول بعجزٍ تام اقرأوا دعاء التوسّل، واطلبوا المدد من السيّدة الزهراء عليها السلام وكأنّ ستارًا قد نزل وغطّى القمر وأظلمه.

لعلّه لم يكن هناك من يصدّق بأنّ فرقة "ثار الله" ستتمكّن من عبور بحيرة السمك. لا أقول هذا من باب العجب، لأنّ الجميع كانوا كمن أسقط في أيديهم، وإنّما كلّ شيءٍ كان من صنعها عليها السلام. لكنّني أخبركم عن عظمة العمل، فلا يمكنكم أن تتصوّروا عمل شهدائكم كالشهيد همّت. إنّ العمل الذي قامت به فرقة "ثار الله" لوحدها لا مثيل له. لقد كانت لوحدها توازي ثلاثين سنة من العمل الذي قام به كلّ الجيش المصريّ تحت جنح ذلّة وقف إطلاق النار من أجل العبور من قناة السويس. بهمّة فرقة واحدة، أُنجز عمل دولةٍ بأكملها.

إنّ عبوركم من بحيرة السمك لم يتصوّره أحد في الجيش العراقيّ وقادته. فاليوم، كلّ شبرٍ نتقدّمه، وكلّ كيلومترٍ نعبره يدمّر صفوفًا من الجيش العراقيّ. 

إنّ المكان الوحيد الذي أستطيع القول إنّه قد برز فيه الكفر كلّه مقابل جمع المؤمنين، وهو يحاربهم ويغرز مخالبه، هو عمليات شلمجة. لقد جُمع الجيش العراقي كلّه، وهو يواجهنا بكلّ عديده وعدّته، وإن شاء الله ستكون هذه فرصة لإبادة الجيش العراقيّ. في الليلة التي قمنا فيها بتنفيذ الهجوم على خط نهر جاسم، وفي المرحلة التالية منه، حين نفّذت الكتيبتان 417 و412 الهجوم، حيث جاء صدّام بنفسه وأعلن عبر اللاسلكي مباشرةً، وقال لقادة الفوج الثالث
 
 
 
 
80

66

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 والفوج السابع في الجيش العراقي إنّه لن يقبل بحصول أيّ اختراقٍ في نهر جاسم. وهناك قاموا بوضع بطارية المدفعيّة التي تُدعى مدفعيّة بغداد، والتي تنفصل عن كلّ بطاريات المدفعيّة الأخرى الموجودة وهي تعمل بصورة مباشرة تحت إمرة القيادة العامة للجيش العراقي. كان صدّام يقول لقادته إنّه عليكم أن تقاتلوا وتقاوموا وأنا قلت لمدفعيّة بغداد أن تدعمكم. وقد شاهدنا جميعًا في تلك الليلة أيّ نيرانٍ قد أطلقها العدوّ. فقد قام بإطلاق ما لا يقل عن عشرين صليّة من الصواريخ في تلك الليلة على الجبهات، ولكنّ الإيمان قد أسقط ذلك الخطّ الدفاعيّ. وكانت المعركة التي وقعت في تلك الليلة، بقيادة الشهيد شول وتاجيك وهراتي، من أصعب وأشدّ المعارك.


وجاء النداء عبر اللاسلكي من قادة فرقة "27 محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، حيث كانوا يحثّونهم ويبثّون فيهم الأمل وأنّ اللواء في الفرقة الفلانيّة على الطريق، وأستطيع أن أقول بكلّ جرأة إنّ ما أبلاه الشباب من فتك في الجيش العراقي في تلك الليلة لا يقل عن قتل ألف جنديّ، فهذا في الحدّ الأدنى، وكلّ الشباب يعلمون، أنّك إذا وضعت قدمك على القناة ستجد أمواجًا من الجثث، وقد أُبيد بالحدّ الأدنى أربعون لواءً من الجيش العراقي بالكامل.

لقد دوّنّا أسماءنا في قافلة المسافرين، والممتحِن هو الرحمن، ونحن على ثقةٍ ورجاء، لأنّ الرحمن هو الممتحن عسى أن يتقبّلنا قبولًا حسنًا وينصرنا. وكذلك كانت توصية القيادة والقائد، ومقتدانا وإمامنا، أنّه ينبغي الاستمرار في القتال. لقد فقد الجيش العراقيّ السيطرة على نفسه، ولم يكن قادرًا على تنفيذ هجومٍ مضاد. فإذا سلبتم النيران من الجيش العراقي لن يبقى فيه أي رمق. جميع الأسرى العراقيون يقولون هذا، يقولون إنّهم قد فقدوا قدرتهم وأن لا طاقة لهم. فجميع قادة صدام الذهبيّين والفضيّين والبرونزيّين، وقفوا عاجزين، وبلطف الله لم يتمكّن أيّ واحدٍ منهم لحدّ الآن من ارتكاب أي حماقة. وحتّى الآن قامت فرقة الحرس الجمهوريّ بالهجوم خمس مرّاتٍ على بحيرة السمك
 
 
 
 
81

67

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 بدعم من نيران الجيش العراقيّ ولكنّ الفشل كان حليفهم في كلّ مرّة، لقد دُمّروا وانسحبوا. كنّا نسمع عبر أجهزة اللاسلكي أصوات استغاثة العراقيّين، وكنّا نسمع تلك الشجارات بين قياداتهم، فالكلّ يبحث عن ذريعة وحجّة، كلّ هذه نسمعها عبر اللاسلكي، وهم يقولون: لا نستطيع، النيران كثيفة، الكل قُتلوا، الكل فرّوا، لم يبقَ أحد.


أقسم بالله أنّ هذا كان كلام كلّ لواء أُمر بالهجوم وأُمر بالمقاومة. وهذا إنّما يدلّ على أنّ الجيش العراقيّ قد فقد السيطرة، وعلينا أن نستغلّ هذا الاضطراب وعدم السيطرة العسكريّة، فهذه نافذةٌ من الرحمة فتحها الله علينا، علينا أن نستغلّ هذه النافذة لكي نبيد العدوّ ونقضي عليه.

إنّ الأرض مهيّأة اليوم للمعركة أكثر من أي وقت مضى، لماذا؟ لأنّنا قد تجاوزنا جميع عقبات الحرب العسكرية وأضحت خلف ظهورنا. هذا أسهل وقتٍ للقتال، لماذا؟ لأنّ الجيش العراقي ليس قادرًا على إعادة بناء نفسه، وليس قادرًا على إعادة النظر. إنّنا اليوم، ولله الحمد، ننجح في كلّ هجومٍ نقوم به على مواقع العدوّ، فلا يوجد أمامنا أي ألغام أو موانع، فالوقت مناسبٌ جدًّا للقتال والاستمرار فيه. ويجب، إن شاء الله، أن نستمرّ في هذا القتال. لقد اتُّخذ القرار بأن ترد عدّة فرق ميدان المعركة، وهذه الفرق قد أعدّت نفسها وتجهّزت للاستمرار في القتال. وها هي فرقتنا أيضًا، وقد أعطينا مهلةً لعدّة أيّام لإعادة النظر ولإعادة تشكيلنا، فالراية التي سقطت أرضًا نودعها في أيدي آخرين، وسنعطي الراية للمتطوّعين المستعدّين لرفع راية الشهداء.

لقد قرّرنا في هذا الوقت القصير أن نعطي إجازةً لبعض الإخوة الذين فقدوا أعزّاءهم، أو لبعض التعبويّين الأعزّاء الذين انتهت مأموريّتهم (مهمّتهم). أمّا التعبويّون الجاهزون للبقاء فنرسلهم في إجازة، وأولئك الذين ليسوا مستعدّين للبقاء، نرسلهم من أجل تصفية أمورهم مع انتهاء مهمّتهم، أما سائر الفرق التي لم تغادر والقوّات التي أُرسلت إلى الجبهة تحت عنوان قوّات حضرة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
 
 
 
 
 
82

68

لا يوجد أرقى من اللون الأحمر

 نقوم بتنظيمها من أجل أن تصبح إن شاء الله جاهزةً للقتال والبدء بالعمليّات العسكريّة. فقادتنا الأعزّاء المستعدّون للإحتراق بهذه النيران، أولئك الذين يشعرون ومن دون أي تردّد، مثل إخوانهم من القادة الشهداء الذين كان يُقال إنّهم دخلوا في قلب النيران وكانت طاعتهم وتعبّدهم بحيث إنّه لم يعد الإحتراق بالنار بالنسبة لهم ذا معنًى، ولم يعودوا يعرفون للتعب معنًى، ولم يعد الوقت والزمان بالنسبة لهم ذا معنى، فكلّ واحدٍ من قادتكم، لم يأتِ إلى المسؤولية بأمر مهمّة، بل جميعهم تحمّلوا المسؤوليّات بحكم التكليف، فأولئك الذين يعلمون في أنفسهم أنّهم قادرون على تقديم المساعدة لحمل راية الشهداء، فتكليفهم الشرعيّ هو أن يسجّلوا أسماءهم ويبقوا، ولو اقتضى الأمر أن يذهبوا إلى البحر، سواء كانوا تعبويّين أو موظفين أو في سنّ التجنيد أو مشايخ وعلماء أو من الحرس، ففي أي مجالٍ كانوا، عليهم أن يدوّنوا أسماءهم ويخلفوا غيرهم. فعلى كلّ واحدٍ أن يدير عشرة أشخاص، وقد يدير البعض عشرين شخصًا والبعض الآخر ثلائمئة نفر، وهكذا.. البعض أقل والبعض أكثر. على الجميع أن يقدّموا العون حتّى ينتصر الإسلام في هذا المقطع الزمنيّ الحسّاس.


لقد تبيّن أنّه متى ما تيقّن العالم أنّنا منتصرون، أماط اللثام عن وجهه الخبيث. فها هي أمريكا تجرّ أساطيلها وتدخل طائراتها، ونحن نعلم لأيّ شيءٍ تأتي الطائرات، ونحن نعلم لأي شيء تأتي الأساطيل، ولكن يجب أن نكون ثابتين وصامدين، وعلينا وعلى أعدائنا. ولكن بالنسبة لنا، الشهادة هي إحدى الحسنيين1، ففخرنا وعزّنا هما الشهادة. وفخرنا أن نقاتل ونُقتل في سبيل الله وعلى طريق الإسلام. بناءً عليه، لا يهمّنا إن جاءت أمريكا إلى الميدان أو صدّام، بالنسبة لنا ليس هناك ما هو أجمل من أن ينكشف عدوّنا الأساس الذي كان يُخفي نفسه وراء ستار سجونه الدمويّة والبشعة.
 

1- عبّر الحاج قاسم حرفيًّا: بالنسبة لنا لا يوجد أعلى من اللون الأحمر.
 
 
 
83

69

حسن وحسين وأحمد

 حسن وحسين وأحمد1


كان بيننا أشخاص عدّة، وكانوا يقومون بدور المربّي، لا المربّي بمعناه العسكريّ الذي يقوم به في التدريب، بل المربّي بالمعنى الذي هو أشمل من هذا الكلام. وأيّ اجتماعٍ لا يحضره هؤلاء، تحصل ثلمة، وعندما استُشهد بعضهم بقي هذا النقص إلى آخر الحرب. هؤلاء الثلاثة الذين كان لهم دور المربّي، هم حسن باقريّ وحسين خرّازي وأحمد كاظمي. فإذا جلسنا جميعًا للتحدّث عن الحرب، وأردنا اتّخاذ القرارات، كان صمت أحد هؤلاء الثلاثة، يجعل إمكانيّة اتّخاذ القرار صعبًا حتمًا، فقد كانوا أصحاب الكلمة الأخيرة. فإذا اعترضوا على عمليّات محدّدة فهذا يعني أنّه حتمًا يوجد مشكلة معيّنة وسبب، وإذا ما أصرّوا كان الأمر يعني ذلك. ففي العمليّات العشر الكبرى للحرب، أي عمليّات: ثامن الأئمّة وطريق القدس والفتح المبين وبيت المقدس وبدر وخيبر و"الفجر 8" و"كربلاء 5" و"الفجر10"، شارك أحمد في ستٍّة من هذه الهجومات العشرة الكبرى وكان منقذ المحور. وقد وقف في عمليّات ثامن الأئمّة في وجه العدوّ حتّى لا يتمكّن من احتلال عبادان. كان أحمد وحسين يشكّلان محورين أساسين لكسر حصار عبادان. وفي عمليّات بيت المقدس، وفي الليلة التاسعة عشرة أو الثامنة عشرة، وبينما كنّا جميعًا متعبين، وفي حالةٍ من القلق تجاه تأخير العمليّات لأسبوعين، تحدّث حسن باقري وقال: لقد وَعَدنا شعبنا وقلنا: "إنّ خرّمشهر محاصرة، فكيف يمكننا أن نرجع إليهم؟!". كان الجميع متعبين لأنّنا كنّا قد بدأنا عمليّات بيت المقدس بعد 40 يومًا من عمليّات الفتح المبين، وهناك قامت فرقتان بتحرير خرّمشهر، وكان كلّ منهما مؤلّفًا من خمس كتائب، أي ما
 

1- كلمته في أربعينيّة شهادة الحاج أحمد كاظمي، شتاء 1384 (2005م).
 
 
 
85

70

حسن وحسين وأحمد

 يعادل 3000 جنديّ في مقابل 20 ألف جنديّ للعدوّ، وكانت الفرقتان فرقتي أحمد وحسين. وفي عمليّات خيبر، كانت كلّ الإنجازات منحصرة بذلك الشيء الذي أعدّ أحمد، أي الجزر، ولقد استطاع في عمليّات بدر أن يقتحم الجبهات كالشهاب، وأن يتسلّل إلى الداخل. وأنا لا أنسى، عندما استُشهد مهدي باكري في آخر ليلةٍ، كيف أخلى كلّ المقاتلين الجبهة وتراجعوا، وبقي هناك عشرة أشخاص يصرّون بترجٍّ أن يخرج أحمد من منطقة بدر ولكنّه لم يأتِ، وكان يقول لماذا أصبحت حربنا هكذا؟ لماذا وصل بنا الأمر إلى هذه الحالة؟!


كلّما فقد الإنسان عزيزًا يبقى يذكره لمدّة سنة أو سنتين أو أربعين يومًا، ويأتي على ذكر اسمه، وقليلًا ما كان يحدث أن يعلق الإنسان لمدّةٍ طويلة بذكر اسم شخصٍ فقده. أمّا أحمد كاظمي فقد بقي يذكر حسن باقري مدّة 19 سنة، ويذكر الشهيد حسين خرّازي، فما من اجتماعٍ أو خلوةٍ أو جلسةٍ رسميّة أو جلسة ودّيّة أو عائليّة أو سفرٍ إلّا وكان يأتي على ذكر باكري وخرّازي وهمّت وهؤلاء الشهداء.

لم أرَ صلاةً صلّاها أحمد إلّا وكان يبكي في قنوته أو عند نهاية صلاته. كان يكرّر دائمًا ذكر: "يا رب الشهداء"، "يا ربّ الحسين"، "يا ربّ المهديّ"، ثم يبكي.
 
 
 
 
86

71

همّت ليس أسوة شباب طهران فقط

 همّت ليس أسوة شباب طهران فقط1


إنّ من خصائص حربنا هي أنّها وضعت كلّ أنواع عدم التكافؤ جانبًا، وشهدت الابتكارات والإبداعات في ساحة الدفاع المقدّس. ما كان يميّزنا عن الجيوش الكلاسيكية في العالم هو كلمةٍ واحدة، فلو أردنا أن نميّز ما بين الحاج أحمد متوسليان والحاج همّت وقادة فرق الشهداء وبين القادة الكلاسيكيين لجيوش العالم، فإنّه بالإضافة إلى القضايا المعنويّة والسلوكيّة كان هناك كلمة نعبّر عنها بـ"تعال" و"اذهب"، أي إنّ قادتنا كانوا يقفون في ساحة المعركة ويتقدّمون ويقولون "تعال". أما القادة الكلاسيكيّون فإنّهم يقفون في الخلف ويقولون "اذهب". كان (القائد منّا) يقف في المقدّمة ويقول تعال، وكان لهذا تأثيرٌ كبير في بذل الكثير من التضحيات. لهذا فإنّ مستوى شهدائنا القادة لا يمكن مقارنته بقادة أيّ حربٍ أخرى.

وفي مرحلة الحرب المفروضة، كان لدينا 12 فرقة حديثة التأسيس. استُشهد سبعة من قادة هذه الفرق الاثني عشر، التي تأسّست في زمن الحرب. واستُشهد أربعة من قادة فرقة محمد رسول الله 27، واحدًا تلو الآخر، أي إنّه بعد الحاج أحمد متوسّليان، جاء الشهيد تشراغي، ثمّ الشهيد همّت، ثمّ الشهيد الحاج عبّاس كريمي، والشهيد غلام رضا صالحي، وبعدها أيضًا، وصل الأمر إلى الحاج كوثري الذي هو شهيدٌ حيّ. أمّا في قادة الكتائب، هناك ما يقرب الـ 80% من القادة شهداء.
 

1- كلمته في ذكرى القادة الشهداء من فرقة "محمد رسول الله 27"، اسفند 1391ه.ش. (شباط، 2013م).
 
 
 
87

72

همّت ليس أسوة شباب طهران فقط

 فلو لم تكن هذه الريادية والوقوف في الخطوط الأماميّة لما حدث مثل هذا الأمر. فعندما يقول القائد: تعال، سيكون دور هذا القائد مثل ملكة النحل، التي يجتمع كلّ النحل حولها.


وفي يومنا هذا فإنّ الشهيد همّت ليس قدوةً ومحبوبًا من قبل شباب طهران فحسب. فهو محبوبٌ في كلّ البلاد ومشهور أكثر من مرجع تقليدٍ.
 
 
 
 
88

73

في أيام الحرب لم يكن هناك "حاج"

 في أيام الحرب لم يكن هناك "حاج"1


إنّ لقب "حاج" هذا الذي شاع، ألفت نظركم إلى أنّ تحريفًا يجري في الواقع فيما يتعلق بحربنا ويبدو أنّنا نفرح به، فنحن نجلس وننظر ونستمع.

في زمن الحرب لم يكن يُستخدم لقب الحاج. عندما كنت أنا وأحمد (كاظمي) وحسين (خرازي)، لم يكن لقب الحاج يُذكر أبدًا (كان كلام الجميع فقط "الأخ"). مثل الأخ حسين، الأخ قاسم. فلم نكن نتداول بهذه الألقاب أصلًا. حتّى إنّ كلمة الأخ كانت قليلة الاستعمال، وكان الاسم هو الذي يُذكر فحسب.

عندما أنظر إلى هذه الأفلام، أتصوّر أمامي دكّانًا، وعندما نقرأ الجرائد نرى أنّها مليئةٌ بالذكريات الكاذبة والكذب المحض فيما يتعلّق بالشهيد. "أنا ذهبت مع الشهيد إلى هناك، أنا كنت مع الشهيد هنا، أنا فعلت مع الشهيد كذا وكذا"، كلّ ذلك افتراء. فما يعلمه المرء من أمور يدلّ على أنّ كلّ هذه الروايات ليست واقعيّة. لقد صنعوا ذلك القائد لإحدى الكتائب الذي كان على تماسٍ مع العراقيّين، وفي الأساس إنّ هذا سيناريو عجيب وغريب. فانظروا ماذا يحدث رغم ما لدينا من سيناريوهات في حربنا وأبطال.

فليأتوا وينتجوا فيلمًا مثل فيلم الإمام علي عليها السلام. خذوا على سبيل المثال حسن باقري -هذا ما قمت به في المؤتمر2- واقرأوا كتبه، ليس هذا هو حسن. لقد كان حسن مثل بهشتي بالنسبة للحرب، ولم يتمكّن أحدٌ من ملء الفراغ الذي تركه.
 

1- كلمته في أربعينية شهادة الحاج أحمد كاظمي، 1384 ه..ش. (2005).
2- مؤتمر شهداء محافظة كرمان.
 
 
 
89

74

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية1


كان هناك خمسة أركانٍ مهمّة في الحرب تُمثّل القالب الأساس لوعاء الجبهة وهي عبارة عن: 

الأوّل هو الجهاد: 
فهناك اختلافٌ كبير بين الجهاد والحرب كعملٍ عسكريّ. فللجهاد خصائص وبنية خاصّة به، لهذا فإنّ جميع الأعمال التي كانت تُنجز في الجبهة، حتى الأعمال العسكريّة كانت مبنيّة على الجهاد. فالجهاد هو الذي كان يحطّم السدود. إنّ العمل العسكريّ يصل إلى طريقٍ مسدود بخلاف الجهاد. ففي العمل العسكريّ لا يسمح العقل العسكريّ لنا أن نقوم بعمليّات عسكريّة مثل: "بيت المقدس" و"الفتح المبين" و"طريق القدس" "والفجر 8" و"كربلاء 5" وو.. فنحن كنّا أمام عدوٍّ لا يوجد بيننا وبينه أي نوع من التكافؤ، وكانت إمكاناتنا مقارنةً بإمكاناته بدائيّةً جدًّا. لقد كنّا نقول: إنّ غوّاصينا ينزلون إلى المياه، يتحرّكون ويقتحمون الخطوط. فالغوّاص في العرف العسكريّ هو قوةٌ خاصّة تخضع للتعليم والتدريب بحسب الأنظمة التعليميّة في العالم. ففي البداية ينبغي أن يصبح رياضيًّا، ثمّ يتأهّل حتى يُطلق عليه اسم الغوّاص، وبعد ذلك فإنّه يتمرّن لعشرات المرّات على العمل الذي يريد أن ينجزه.

ونحن اليوم نشاهد هذا الأمر كثيرًا في الكتب التعليميّة العسكريّة. ولكن عندما ننظر إلى كتيبة غوّاصينا نجد ذلك الشيخ العجوز مثل قباد شمس
 

1- كلمته في المؤتمر العاشر لإحياء ذكرى شهداء محافظة كرمان، شهر مهر 1386 (أيلول، 2007م).
 
 
 
91

75

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 الديني1. ونجد أيضًا ذاك الشاب اليافع، مثل حسين علي عالي2، وحسن يزداني والكثيرين غيرهم. انظروا إلى هذه الوجوه وشاهدوا أفلام عمليّات "والفجر 8". أولئك الذين أبدعوا تلك العمليّات الثقيلة والمعقّدة على الصعيد العسكريّ، كان القسم الأعظم منهم، ممّن لم ينبت الشعر بعدُ على وجوههم، كانوا في عمر الناشئة. كان حسن يزداني إمام جماعتنا. شككنا في إحدى المرّات فيما إذا كان هذا الذي أمّنا طيلة السنتين أو الثلاث الماضية قد بلغ سنّ التكليف أم لا! عندما تحوّل هذا التعبويّ إلى غوّاص وذهب وأنجز تلك العمليّات المسمّاة بـ"والفجر 8"، وأبدع في تلك الحادثة العظيمة، فهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا. إنّ أساس هذه الشجاعة والعمل الجهادي كان مهمًّا، وهذه الروح الجهاديّة التي حطّمت الموانع والسدود. كان يقاوم حتى الرمق الأخير في ساحة الجهاد.


الركن الثاني للجبهة هو الأخلاق
لقد حصل اجتماعٌ بشريٌّ هائل لمدّة ثلاثة آلاف يوم، أي إنّه عبر ثلاثة آلاف يوم وليلة، كان هناك أشخاصٌ متمايزون وبأعمارٍ مختلفة وبمستوياتٍ متعدّدة ومن أماكن جغرافيّة متفاوتة، لقد اجتمعوا وتسلّحوا معًا وأرادوا أن يحاربوا ولم يحصل بينهم أدنى شجار أو إهانة أو كلام نابٍ أو انزعاج. لم يكن ذلك في أي نوع من الرتب العسكريّة. لم يكن هناك شخصٌ قائد، وشخصٌ عقيد، وشخصٌ عميد وشخصٌ نقيب وأمثال ذلك، لم يكن أي واحد من هؤلاء يفكّر بأيٍّ من هذه الرتب العسكريّة. لم يكن هناك سوى كلمة واحدة متداولة وهي الأخ. لم يكن هناك عالٍ ودانٍ، لم يكن هناك أي نوع من التمرّد، كان الأدب حاكمًا في الجبهات.
 

1- كان من مقاتلي فرقة "ثار الله 41" الذي استُشهد وله من العمر 56 سنة في عمليات و"الفجر 8"، (شهر بهمن 1364، كانون الثاني 1986م).
2- مسؤول الاستطلاع والمعلومات في عمليّات فرقة "ثار الله 41"، حيث استشهد وله من العمر 19 سنة في عمليّات "كربلاء 5" 1365 (1987م).
 
 
 
92

76

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 الركن الثالث في حربنا هو المعنويّات

لقد ضربت هذا المثل مرّات، ولا بأس في تكراره أيضًا. ففي موسم الحج عندما يُحرم الحجّاج ويذهبون إلى عرفات ومنى والمشعر ورمي الجمرات، فإنّ كلّ هذه أعمالٌ معنويّة والكلّ يكون مشغولًا بذكر الله. لقد كان لجبهاتنا مثل هذه الأجواء. كان هناك حجٌّ حقيقيّ، مثل حجّ إبراهيم وإسماعيل. لم يكن هناك أي نوع من مدح الذات والغرور والعجب والتكبّر فيها، لم يكن أي واحد يتظاهر بأي شيء. في عمليّات "والفجر 8" حيث كان الأمل بالانتصار ضعيفًا جدًّا، كان واقع الميدان صعبًا. وقد سأل علائي1 الشهيد الحاج أحمد أميني عند بدء العمليّات: ماذا تفعلون إذا ما رآكم العدو؟ فشرح له في الجواب، ولكن يبدو أنّ علائي لم يقتنع. فقال الشهيد أميني: نقرأ، "وجعلنا من بين أيديهم"، وهكذا حصل. أمّا الشهيد صدوقي، فعندما كان بين القصب على شاطئ العدوّ، وداس أحد الأعداء بقدمه على يده، وفي الوقت الذي كان صفّ من الغوّاصين نائمًا خلفه، آلمه ذلك كثيرًا ولكنّه عضّ على نواجذه ولم يصدر صوتًا، وتحت ذاك الضغط الشديد من قدم العدوّ كان يقرأ آية "وجعلنا" وكانت هذه الآية تفعل المعجزات.

لقد قيل الكثير عن الجانب المعنوي للحرب ويجب أن يُقال أيضًا المزيد.

الركن الرابع للحرب هو العبوديّة
العبوديّة المحضة لله، العمل لأجل الله، العمل على طريق الله، وغضّ النظر عمّا سوى الله، لقد كان هذا العامل مهمًّا في الحرب.

العامل والركن الخامس هو الولاية
كان أكثر من 90% من المقاتلين ممّن لم يروا الإمام عن قرب ولكنّهم كانوا عاشقين له. لقد وضعوا أرواحهم على طبق الإخلاص من أجل بسمة الإمام
 

1- حسين علائي، قائد القوة البحرية في قوّات حرس الثورة الإسلامية في ذلك الوقت.
 
 
 
93

77

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 ورضاه وإزالة قلقه. ولم يكن هذا الأمر منحصرًا بالإمام فحسب، بل لأنّهم كانوا يعلمون أنّ قائدهم قد عُيّن من قبل الإمام، فقد كانوا يطيعونه كالإمام، سواء كان قائد كتيبة أو سريّة أو فرقة، لم يكن هناك أي نوع من التمرّد، إنّني لا أذكر ولو لمرّةٍ واحدة في أيّ ليلةٍ من ليالي العمليّات الصعبة أنّه كان يأتي شخصٌ أمامي أو أمام قائد السريّة أو المجموعة أو اللواء ويقف ويقول إنّني لن أذهب إلى العمليّات.


وفي عمليات "كربلاء 4" كانت المسافة التي تفصلنا عن العدوّ أقل من 400 متر، أي ما يساوي مسافة القسم الأقلّ عرضًا من نهر أروند. كنا نحن نرى كلّ ما كانوا يقومون به، وكانوا هم يرون كل ما كنّا نقوم به. ولم يكن على شاطئ النهر أي نوع من القصب لكي يغطّي خطوطنا. كنّا قد أحدثنا بعض السواتر الصغيرة على حافّة النهر وكان الشباب يتموضعون فيها وكانوا يضعون زعانف الغوص، ونتلاصق فيما بيننا، كانت فرق "ثار الله 41"، و"كربلاء 25"، و"الإمام الحسين 14"، و"النجف الأشرف 8"، و"النصر 5"، وعدّة فرق تشارك أيضًا، ولم يكن هناك أيّ ملاذٍ أو ملجأ يلوذ به أيّ واحدٍ منّا. وبدأت تسيل قنوات رفيعة من الدماء، قال لي قائد الكتيبة، هل أذهب. قلت اذهب، فلم يعد هناك مجالٌ للمباغتة وبصوت الله أكبر، ولا إله إلا الله، ويا زهراء، إقْتَحموا الخطوط. لم يكن مثل هذا العمل بسيطًا، مثل هذا التعبّد يحتاج إلى الإيمان. لقد تحدّثنا كثيرًا عن تلك الليلة الإعصاريّة في "والفجر 8" التي أسقطت كلّ أنواع الحسابات. عندما نزل الغوّاصون إلى المياه لم يكن الماء ليسمح لهم بذلك، وكان سؤالهم الوحيد هل نذهب؟ من دون أي استدلال أو كلام آخر، فذهبوا وحقّقوا تلك الواقعة الكبرى في عمليّات "والفجر 8".

هذه خمسة أركانٍ مهمّة أوجدت وعاء الجبهة تلك، وكل ما قد يوضع في هذا الوعاء يتأثّر بهذه الأركان الخمسة. كانت رؤى الأشخاص في الجبهة مختلفة إلّا أنّ بواطنهم كانت ثمينة كالجوهرة. لقد حوّلتهم الجبهة إلى أساطير ووصل أكثرهم إلى الشهادة.
 
 
 
 
94

78

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 هذه العوامل الخمسة أدّت إلى بروز خصائص ثلاث من قلب حربنا وجبهتنا:


- الخاصيّة الأولى: خلق المعنويّات. فإنّ معظم المعنويّات التي تحقّقت في مجتمعنا قد فاضت من الحرب. فلا يمكن لأي أحد أن يُنكر أنّ أساس التحوّلات المعنويّة الكبرى في مجتمعنا كانت في حرب الدفاع المقدّس، وإن لم يكن ذلك متعمّدًا، ولكنّه تبدّل إلى ثورةٍ ثقافيّة في المجتمع. 

- الخاصيّة الأخرى: هي انبعاث التفكّر. لقد كانت حربنا في مجال الحثّ على التفكّر أشبه بالحوزة العلميّة، فكما يتباحث الطلبة في الحوزة فيما بينهم ويتناقشون، ليصبحوا جاهزين ومستعدّين للقيام بالمسؤولية الخطيرة الملقاة على عاتقهم، كانت ساحة الحرب هكذا أيضًا. لقد كان المجاهدون يسعون إلى الانقطاع عن الدنيا، ويقتدون بالحوزات. ومثل هذا الأمر قد أدّى إلى تحقّق مثل هذه الخبرة وبناء تجربة في شباب الحرب.

لهذا انظروا إلى حسين يوسف اللهي ومحمد رضا مرادي وأمثالهما، الذين كانوا بعمر الورود وتحمّلوا مسؤولية المعلومات1، وكان نادري قائد كتيبة سرجان، أصغر قادة الكتائب سنًّا، يدير أكثر من 350 شخصًا. وفي آخر أيّام الحرب، هجم لوحده على فرقة مدرّعة للعدوّ وحطّم خطوط مثلّث الحسينيّة وكسر الحصار، وخلّص أربع فرق كانت تحت حصار العدوّ.

لقد كانت الجبهة مثل فرنٍ يخرج منه الأشخاص ناضجين ومستوين. في الحرب لا يمكن للجبان أن يكون شجاعًا. لكن هناك مجال لشجاعة الشجاع أن تبرز. فالشخص المؤمن يصبح أكثر رسوخًا في إيمانه. أمّا ضعيف الإيمان فلا يمكنه أن يخفي هذا الضعف، فكلّ شيءٍ في الحرب يبرز ويظهر.

كلّ الخصال تبرز في الحرب ولا يبقى شيءٌ مخفيًّا. لم يدرس قادتنا الأعزاء مثل باكري وهمّت وزنغي آبادي وكازروني ومير حسيني وآخرين، في الجامعات،
 

1- قد يقصد منها في بعض البلدان: المخابرات.
 
 
 
95

79

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 وإنّما تربّوا في ميادين الحرب العمليّة. لهذا، فإنّ الذي كان قائد كتيبة وكان يتحمّل أعباء مسؤوليّة أحد المحاور، كان اختياره دقيقًا جدًّا. لقد انتسب بعض الإخوة في آخر الحرب، في الصفوف التعليميّة لجامعة الحرس، أو تدرّبوا في دورات دافوس1، وعندما كانوا يرجعون إلى الجبهة كانوا يواجهون الصعوبات، لأنّ ذاك الشيء الذي كانوا قد تعلّموه لم يكن قابلًا للمقارنة مع الشيء الذي يشاهدونه في الواقع العمليّ. ولعلّ هذا الاعتراف ليس جيّدًا ولكنّنا في آخر الحرب منعنا قادة كتائبنا من الذهاب إلى مثل هذه الصفوف الدراسية، لأنّ شاكلة حربنا لم تكن تتلاءم وهذه التعاليم (والتدريب). لقد كنّا نعيش حربًا غير متكافئة والحرب غير المتكافئة تتطلّب نوعًا خاصًّا من الآليات والفكر، لهذا كان دفاعنا على مدى هذه الحرب في حالةٍ من عدم التكافؤ.


الخاصيّة الثالثة للحرب: والتي تشاهدونها اليوم، ويوجد عليها نماذج هي أنّ الشباب الذين خاضوا كثيرًا في الحرب أصبحوا اليوم أكثر نجاحًا في الإدارة العامّة للمجتمع، لأنّهم كانوا يمارسون الإدارة في أصعب المراحل.

يجب علينا أن نتعرّف إلى هذه العوامل التي حقّقت مثل هذه التربية والشخصيّات العظيمة في الجبهة من أجل أن نتمكّن من ترويجها في مجتمع اليوم. ذاك الشيء الذي يجعل أعداءنا اليوم متردّدين بشكلٍ جادٍّ وأساس في توجيه ضربةٍ إلى بلدنا، ليست تلك الاعتبارات السياسيّة أو رعايتهم للعالم، بل إنّ ذاك الشيء الذي أوقف أعداءنا هو الدفاع المقدّس على مدى ثماني سنوات، ومواضيع أخرى يدركها العدوّ جيّدًا. نحن لم نقل يومًا إنّ عدوّنا لن يهاجمنا. من الممكن أن يقوم هذا العدوّ بتحرّكٍ غير مدروس، ولكنّنا نحن على استعدادٍ تامّ لمواجهة أي تحرّكٍ من العدوّ، وأيّ ضربةٍ يريدون إنزالها بالجمهوريّة الإسلاميّة ستفشل وستُمنى بالهزيمة. من الممكن أن يقوموا بعملٍ
 

1- دافوس اختصار لجامعة القيادة والأركان. فالضباط العسكريّون إذا أرادوا أن ينالوا رتبةً أعلى من عقيد يجب أن يخضعوا لدورات دافوس التعليميّة التخصُّصيّة.
 
 
 
 
96

80

الجهاد، الأخلاق، المعنويّات، العبوديّة، الولاية

 ما ولكن لا يعلمون ماذا ستكون نتيجته، ليس باستطاعتهم أن يخمّنوا نسبة نجاحهم.


لا يوجد حرب جرّبها العدوّ أصعب وأشد من حرب الـ 33 يومًا في لبنان1، ولا يوجد من عدوّ أكثر كلاسيكية وتدريبًا من إسرائيل، فهؤلاء، بدهشة، رأوا أن أقوى جيوش العدوّ في العالم قد هُزم على يد مجموعة صغيرة باسم حزب الله. وفي إيران هناك آلاف المنظّمات كحزب الله، وملايين الأشخاص كعناصر حزب الله، وفي الحقيقة إنّ هذا الشعب وبالتوكّل على الله سبحانه وتعالى هو شعبٌ لا يُهزم، وبالإيمان بالأئمّة المعصومين عليهم السلام والثقة بنصر الله يستمرّ على طريقه.
 

1- حرب تموز عام 2006.
 
 
 
 
97

81

الحرس هو الجنة

 الحرس هو الجنة1


والله لا أتحدّث هنا من منطلق كوني أحد أفراد الحرس، وإن كنت من محبّي ومريدي الحرس. إنّ الحرس اليوم الذي يتعرّض لحملات التهم والافتراء بسبب دفاعه عن الثورة قد كان دومًا إلى جانب سائر القوّات المسلّحة الذين نعزّهم ونجلّهم، مدافعًا عن الشعب وعن الثورة وعن قيم هذه الثّورة. وقد تصدّى ووضع نفسه في المقدمة، وكان في الرتبة الأولى على مستوى تقديم قادته إلى مذبح الشهادة. إنّ الحرس هو مجموعةٌ من المنتظرين للشهادة.

أيّها الناس لا تنظروا إلى أعمالي وأمثالي، فالحرس هو الجنّة التي يمكن أن يُستشمّ عبقها. إنّ الحرس هو معراج الشهداء، إن الحرس هو معراج المجاهدين، إنّ الحرس هو محبوب الإمام. لقد نظر الإمام إلى الحرس وقال: "إنّني أقبّل أياديكم لأنّ يد الله فوقها، ولولا الحرس لما كان البلد". 

لقد نظر إلى جبهات الحرس والقوّات المسلّحة وقال: "ماذا يفعل هؤلاء؟2 ومن الأفضل أن أصمت وأقول بخضوع وخشوع: السلام عليكم يا خاصّة أولياء الله".

في محضر الحرس وجمعهم، هناك الآلاف من خاصة أولياء الله الذين لا نعرفهم.
 

1- كلمته في مراسم تشييع شهداء الاعتداء الإرهابي في سيستان وبلوشستان، في حسينيّة ثار الله كرمان، 28/07/1383 (14-10-2004).
2- يقصد الإمام: يا لعظيم فعل هؤلاء.
 
 
 
99

82

آية الله العظمى الخامنئي قدوة وعَلَم جميع العلماء

 آية الله العظمى الخامنئي قدوة وعَلَم جميع العلماء1


إنّ أعظم هديّة قدّمها الإمام الخمينيّ قدس سره لهذا الشعب والتي يتكلم البعض عنها ببلاهة ومن دون إدراك هي هديّة ولاية الفقيه. فإيران من دون الإسلام والتشيّع، ومن دون فاطمة الطهر عليها السلام ومن دون أمير المؤمنين عليها السلام ومن دون الإمام الحسين والإمام الحسن عليهما السلام، كانت أمةً تائهة في التاريخ لمدّة سبعمئة سنة. وفي كلّ عصر حتّى العصر الصفويّ، كان يأتي شخصٌ ويحكم هذا الشعب وينهبه ويستلبه. فهل نقول نحن إنّنا نريد حكومةً إيرانيّةً مقابل حكومة الجمهوريّة الإسلامية؟! إنّ هذا تصوّرٌ خاطئٌ وهو فكرٌ غير صائب. ثبات إيران الإسلاميّة وبقاؤها هو بقيادتها.

أيّها الناس! اقبلوا عنّي فأنا لست عضو أيّ حزبٍ أو تيّار، ولا أوالي أي طرفٍ سوى ذاك الذي يخدم الإسلام والثورة. ولكن اعلموا هذا، والله إنّني أعرف علماء الشيعة جميعهم وعن كثب، والآن فإنّ عملي وطوال 14 سنة هو هذا. إنّني أعرف علماء لبنان وعلماء باكستان وعلماء حوزة خليج فارس، سواء كانوا من الشيعة أو السنة، والله، أشهد بالله أنّ علم وقدوة كلّ هؤلاء العلماء من مراجع إيران وغير إيران، هو هذا الرجل العظيم على مدى التاريخ، أي آية الله العظمى الخامنئي دام ظله.

إنّني على تواصلٍ مع الكثير من العلماء الشيعة مكاتبةً ومراودةً وأعرفهم وأجلّهم. وإنّنا نحترم اتّباع الناس لهم، ولكن أين هذا وأين ذاك، وأين الثرى من الثريّا!، ففي حكمة هذا الرجل وأخلاقه ودينه ومعرفته بالسياسة وإدارته للحكومة، ولندع جانبًا الحدود الشخصية في الألاعيب السياسية. فالرجال يأتون ويذهبون وما هو مهم هو اتّصالنا بالولاية. إنّ ما هو مهمٌّ هو دعمنا لهذا النظام.
 

1- كلمته في مراسم ذكرى شهداء مدينة خانوك، كرمان، 1389هـ.ش (2010م).
 
 
 
101

83

لا نرضى بغير الشهادة

 لا نرضى بغير الشهادة1


في ذكرى جميع الشهداء (بكاء الحاضرين)، في ذكرى علي حاجبي على ضفاف هذه الأنهار، في ذكرى حسين يوسف اللهي، في ذكرى محمد رضا الكاظمي الذي كان يقول عند تعقيب كلّ صلاة: "إلهي هذه صلاتي صلّيتها لا لحاجةٍ منك إليها". في ذكرى الشهيد نصراللهي، وفي ذكرى الشهيد أميني (رض)، وفي ذكرى الحاج علي محمّدي، وفي ذكرى تاجيك، وفي ذكرى بينا... ومن أذكر أيضًا؟ (غصة وبكاء الحاج قاسم).

في ذكرى مشايخي، وبكلماته التي نطق بها في ليلة وداع "كربلاء 5" (بكاء الحاضرين)، في ذكرى جعفر زاده، في ذكرى طياري... طياري...! في ذكرى مير حسيني (بكاء الحاج قاسم) في ذكرى تلك القلوب الطاهرة التي كانت تنبض إلى جانب هذه الأنهار (بكاء الحاج قاسم الشديد) عشقًا للإمام الحسينعليها السلام وفي سبيل الله...

اللهمّ! نقسم عليك بنبض تلك القلوب (بكاء الحاج قاسم والحاضرين).

اللهمّ! نقسم عليك بتلك الآثار الباقية.

اللهمّ! بتلك الصلوات التي أُقيمت إلى جانب هذه الأنهار (بكاء الحاج قاسم).

اللهمّ! بأولئك الشباب العاشقين الذين استُشهدوا في تلك الخنادق وعلى ضفاف هذه الأنهار.

اللهمّ! بتلك الأجساد التي لم ترجع من نهر أروند.

اللهمّ! باضطراب قلوبنا وباشتياق قلوبنا لهم، نقسم عليك اللهمّ! اختم عاقبتنا بالشهادة (بكاء الحاضرين والحاج قاسم).

اللهمّ! نقسم عليك بهذه المياه التي تحرّك فيها الشباب.

لا تختر لنا سوى الشهادة.
 

1- من كلمة الحاج قاسم سليماني على ضفاف نهر أروند أثناء زيارته مناطق العمليّات برفقة مقاتلي فرقة "ثار الله 41" اسفند 1387 ه.ش. (آذار - 2009م).
 
 
 
103

84

والحديث الآخِر

 والحديث الآخِر1


أضاف رئيس الولايات المتّحدة السيد باراك أوباما، في 28 أرديبهشت 1390، اسم قائدٍ رفيع المستوى في الجمهوريّة الإسلاميّة هو الجنرال قاسم سليماني إلى لائحة العقوبات التي تمارسها الولايات المتّحدة بحقّ الشخصيّات. الجنرال سليماني هو قائد قوّات القدس في قوّات حرس الثورة الإسلاميّة. وكان على المخطّطين في الولايات المتحدة الأمريكية ولأجل مواجهة نشاطات الجنرال سليماني وقوّات القدس في الحرس أن يبدأوا أوّلًا بمعرفة وتحليل تلك الخطوات الجريئة والنجاحات العسكريّة لهذا الجنرال. تُصَوّر التقارير الموجودة الجنرال سليماني بأنّه قائد ناجح بالرغم من أنّه لم يخضع للكثير من التدريبات الرسميّة.

قال سليماني في كلمته التي ألقاها على طلّاب المدرسة العلميّة الحقّانيّة في قم في أوّل شهر خُرداد 1390 (حزيران، 2011): "إنّ الثورات الاجتماعيّة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد وفّرت أفضل الفرص لثورتنا" ثمّ يضيف قائلًا: "لا تُقاس اليوم انتصارات أو هزائم إيران في مهران وخرّمشهر. فحدودنا قد اتّسعت ويجب أن نكون شاهدين على الانتصارات في مصر والعراق ولبنان وسوريا. فهذه هي آثار الثورة الإسلاميّة".

وبالرغم من شهرة نشاطات الجنرال سليماني فإنّنا لا نعلم كثيرًا عنه، وما زالت شخصيّته كلغزٍ. إنّ هدف هذه الرؤية هي الكشف عن هذا السرّ، ونحن نريد بالاستفادة من المصادر الفارسيّة الموجودة، أن ندرس الأسلوب الإداري
 

1- مؤسسة American enter Prise التي تُعدّ أهم مؤسّسة مؤثّرة في مجال وضع السياسات العامّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة والتي تُذكر تحت عنوان غرفة الأفكار في أمريكا وصفت - في مقالتها الثالثة من سلسلة المقالات التي نشرتها تحت عنوان "رؤية حول الشرق الأوسط" - شخصية الحاج قاسم سليماني، وهذا النص هو تفصيل هذه المقالة نقدّمه تحت عنوان "وحديث آخر".
 
 
 
105

85

والحديث الآخِر

 لهذا القائد وحياته العسكريّة وتصريحاته العقائديّة الأخيرة بشأن تصدير الثورة.


وهذه المصادر عبارة عن كلمات وخُطب الجنرال سليماني هذا، والوثائق التي أصدرها مركز دراسات الحرب في قوّات حرس الثورة فيما يتعلّق بالسوابق القتاليّة للجنرال سليماني ويوميّات حرب العراق وإيران، وبعض الزوايا المرتبطة بحياته الشخصية التي يكشف عنها بعض زملائه القدامى في الحرب ضدّ العراق.

الدوافع الفرديّة
كان قاسم سليماني بطلًا حربيًّا ومحبًّا للوطن حيث إنّه بعد الثورة وعندما كانت إيران تخوض حربًا أهليّة في كُردستان، ومن جانبٍ آخر عندما بدأت المناوشات مع المحتلّين العراقيّين التحق بقوّات الحرس. وفي عمليّات الاستطلاع، كان يرمي بنفسه في المخاطر من أجل تلافي خسائر القوّات التي تخضع لإمرته. وبناءً على أحد التقارير المعتبرة كاد العماد سليماني أن يؤسر على يد القوّات العراقيّة في إحدى هذه العمليّات بتاريخ 11 تير 1361 (02/07/1982) وفي هذا التقرير يمكن الاطّلاع على التدابير الاحتياطيّة للجنرال سليماني قبل العمليّات، وفي الوقت نفسه اندفاعه للقيام بالأعمال الخطرة.

القيم والعقائد والقيادة الكارزميّة
إنّ الصورة التي ترسمها المصادر الموجودة حول الجنرال سليماني هي صورة محاربٍ نبيل ولكنّه قلّما كان يتدخّل في الشؤون السياسيّة. وعندما كان يعمل في البناء في كرمان فإنّه كان يقضي أكثر أوقات فراغه في "زورخانه"1 كنادي عطائي أو نادي جهان. ذاك المكان الذي يشجع بالإضافة إلى الرياضة، على تعزيز المروءة والصفات النبيلة.

كانت حرب إيران والعراق، وهي تشكّل قِيَم وعقائد الجنرال سليماني، عبارة عن فرصة لظهور جوانبه النبيلة التي تعلّمها في "زورخانه"، ومن دون شكّ، فإنّ
 

1- زورخانه: نادٍ إيراني تقليدي لممارسة الرياضة وكمال الأجسام ومكان لتجمع الوجهاء والتشاور وقد ارتبط اسمه بذكر الأئمة الأطهار عليهم السلام والتأسّي بهم.
 
 
 
106

86

والحديث الآخِر

 ظروف الحرب في تلك المرحلة كانت مؤثّرةً في إيجاد وتقوية خصائص القائد الكارزميّ فيه.


لقد كانت كلمات الجنرال سليماني الحماسيّة التي كان يُلقيها قبل العمليّات الحربيّة وبعدها، والتي تمتزج بالبكاء والتضرّع وطلب المسامحة من الشهداء لأنّه لم يستشهد مثلهم تؤثّر كثيرًا في العناصر الذين يعملون تحت إمرته. فقبل كلّ هجوم كان يعانق جميع المقاتلين معه فردًا فردًا، وفي حالةٍ من البكاء يقوم بتوديعهم، وسواء كان متعمّدًا أم لا فإنّه كان يستفيد من العواطف والأحاسيس لأجل رفع روحيّة عناصره. وفي الوقت نفسه، لا بدّ أن هذه الحقيقة قد تركت تأثيرًا كبيرًا على شخصيّته وهي أنّ أغلب أولئك الذين كان يعانقهم ويشايعهم قد قُتلوا في العمليّات المختلفة.

ما زال الجنرال سليماني يأتي على ذكر شهداء الحرب منذ انتهاء تلك الحرب إلى يومنا هذا في جميع كلماته وخطبه العامّة.

ولكنّه في كلمته الأخيرة قد أشار إلى بعض القضايا العقائديّة الصرفة، مثل الوحدة الإسلاميّة واتّحاد المؤمنين وقضية تحرير فلسطين والتي لا تتماهى مع شخصيّته الوطنيّة التي كان عليها أثناء فترة الحرب عندما كان كلّ اهتمامه منصبًّا على دفاعه عن إيران مقابل العراق المعتدي.

وقد كان له مثل هذه التصريحات المثيرة للدهشة وهي أنّ حرب إيران قد كانت أقل الحروب خسارةً، وأنّ إسرائيل في مرمى الصواريخ الإيرانيّة. وبالالتفات إلى قلّة المعلومات حول الجنرال سليماني، يصعب تشخيص نسبة تغيّره مقارنةً مع الماضي. فلعلّه لم تسنح له الفرصة سابقًا ليُصرّح بمثل هذه الأمور، ولعلّه كان يمتلك مثل هذه الأفكار دائمًا ويعلنها ولكنّه لم يلفت نظر أحد.

أوّل مؤشّرات الاستعدادات التكتيكيّة
يُعتبر الجنرال سليماني شخصًا عملانيًّا وقد أثبت قدراته القياديّة في مواجهة المشكلات التكتيكيّة. فالمصادر الموجودة تعرّفه كقائدٍ يمتلك المهارات في
 
 
 
 
107

87

والحديث الآخِر

 التكتيكات العسكريّة وقد حقّق ذلك من خلال التجارب الشخصيّة، ويبدو أنّه يؤمن بأنّ هذه التجارب ذات قيمةٍ واعتبار أكثر من الأوامر الصادرة من القيادات العليا.


وفي 26 تير 1364 (16/07/1985)، في أيام الحرب وتحت قيادة محسن رضائي، اعترض على خطّة قيادة الحرس لإرسال القوّات إلى جزيرتين غرب نهر أروند (شطّ العرب) مستدلًّا بأنّ السيطرة على هاتين الجزيرتين يمكن أن تكون عملًا سهلًا، ولكنّ الاحتفاظ بهما أمرٌ مستحيل. وبالإضافة إلى ذلك سنكون مضطرّين أثناء الرجوع إلى وضع الكثير من القوّات.

وبالرغم من أنّ بقيّة القادة، الذين اعترضوا على هذه الخطّة بنفس المقدار الذي اعترض به الجنرال سليماني، قد تراجعوا عن اعتراضهم، أمّا هو فقد أصرّ على كلامه حتّى تمّ إلغاء خطّة الاحتلال والسيطرة. وقد أدّى هذا النجاح إلى التأثير على الحياة المهنيّة للجنرال سليماني كما يُحتمل، وربما تضاعف عدم اعتنائه بأفكار الآخرين بسببها.

لا يُعتبر الجنرال سليماني قائدًا حذرًا ومحافظًا وهو يقول إنّ أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. وفي الرابع من شهر مُرداد 1366 (26/07/1987) حاصرت القوّات العراقيّة فرقة "ثار الله 41" بصورةٍ كاملةٍ تقريبًا ولكنّ الجنرال سليماني وبالرغم من الضغط المستمرّ والتقدّم اليوميّ للعراقيّين وضع خطّة هجومٍ مضاد لم يقبل بها قادته، وفي النهاية هُزمت إيران في هذه المعارك ولعلّه لو تمّ تنفيذ خطّة سليماني لكانوا قد منعوا حصول ذلك.

وفي 31 خُرداد 1366 (21/06/1987) اشترك الجنرال سليماني في عمليّات "نصر 5" التي هدفت إلى إخراج بعض المرتفعات الاستراتيجيّة المهمّة من أيدي العراقيّين، واللافت هو أنّ الجنرال سليماني كان يعمل خلاف رغبته الداخليّة ويطيع أوامر مقرّ النجف. وعندما واجهت كتيبة حمزة في فرقة "كربلاء 25" الصعاب، ولم تتمكّن من إحتلال الأماكن المحدّدة لها وفق الخطّة، بادر الجنرال سليماني على أعين القادة رفيعي المستوى غير المصدّقة، وأوصل
 
 
 
 
 
108

88

والحديث الآخِر

 فرقة "ثار الله 41" بسرعة إلى ذلك المكان، وتمكّن من السيطرة على كلّ تلك المنطقة. وفي ذلك اليوم تعرّضت القوّات التابعة للجنرال سليماني وغيرها من الوحدات الموجودة في تلك المنطقة إلى هجومٍ كيميائيٍّ من قبل القوّات العراقيّة وأُصيب على أثرها 110 أشخاص من عناصره. 


يُعتبر الجنرال سليماني من العارفين بتكتيكات خداع العدوّ وهو يعلم كيف يستفيد منها في ميادين القتال بصورة مؤثّرة. وكنموذج على ذلك عندما كان يعد خطّة حرب شلمجة في 13 مهر 1366 (5 تشرين الأول، 1987) أكّد قائلًا: "لا يمكننا خداع العدوّ من دون افتعال معركة ظاهريّة، علينا بالحدّ الأدنى أن نبدأ معركةً تبدو بالظاهر واقعيّةً لعدّة أيام". 

وفي السادس من آبان 1366 (28 تشرين الأول، 1987)، أكّد مرّةً أخرى على قضيّة الخداع وقال: "إنّ تدريبات القوّات الخاصّة قد تفضح خطّتنا، ويجب أن نأمر بقية القوّات في المناطق الأخرى أن يفعلوا الأمر نفسه حتّى لا يلتفت العدوّ إلى الهدف من مناوراتنا وأين تقع منطقة العمليّات".

اعتراضه على الموت العبثيّ
لقد أدّت أخلاق وسلوك الجنرال سليماني إلى جعله قائدًا محبوبًا جدًّا في قلوب العاملين معه. وفي 11 مُرداد 1365 (2 آب، 1986)، وفي لقاءٍ بالصدفة في مدينة كرمان مسقط رأسه، اتّهم مسؤولي الدائرة الصحية في المنطقة بأنّهم لا يعيرون أهميّةً لحفظ أرواح المقاتلين الجرحى الذين يرجعون من الجبهة لأجل العلاج. وهناك شواهد أخرى تدلّ على أنّه رغم احترامه للشهداء ومدحه للشهادة، لم يكن مستعدًّا في أي وقتٍ من الأوقات لتعريض عناصره للقتل من دون سبب. وقد كان مستعدًّا دومًا للاعتراض على أي خطّة عسكريّة تضعها القيادات العليا إذا كانت بحسب رأيه ستؤدّي إلى الموت غير الضروريّ للعناصر.
 
 
 
 
 
109

89
قاسم سليماني - ذكريات وخواطر