تربية الطفل – الرؤية الإسلامية للأصول والأساليب


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-05

النسخة: 2018


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على الأسوة الحسنة والنموذج السلوكيّ الأعلى في التربية، حبيبنا رسول الله محمّد بن عبد الله، صلّى الله عليه وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين.

كانت التربية ومازالت، ميداناً خصباً لجدليّة العلاقة بين النظريّة والتطبيق. وفي هذا السياق نلاحظ أنّ بعض الباحثين ذهب ذات اليمين في طرح رؤى تربويّة أقرب إلى الطابع الفلسفيّ، فغرق في البعد النظريّ المتعلّق بتعريف التربية ومناقشة الآراء حولها، وشرح أهداف التربية والعوامل المؤثّرة إيجاباً أو سلباً فيها، وتحليل الطبيعة البشريّة وبيان أبعاد الشخصيّة الإنسانيّة. فأجاب عن أسئلة، مثل: ما؟ ولم؟ وهل؟ وأغمض عينه اليسرى عن: كيف؟ ومتى؟ أي لم يقدّم لنا رؤية حول الأساليب والتقنيّات التي تقع على صراط صناعة هويّة المتربّي، ولم تبيّن لنا الوسائل والآليّات التي توصل إلى الأهداف المنشودة في التربية، في حين أنّنا نعاين بعض التربويّين يهتمّ بالجانب التطبيقيّ للتربية، باعتبار أنّها مجرّد مجموعة عمليّات، فقدّم تقنيات مهمّة في إيصال المتربّي إلى كمال طبيعته، مجيباً عن كيف؟ ومتى؟ لكن كان ثمّة نقطة ضعف في أعمالهم التربويّة، وهي أنّها لم تؤسس على قاعدة متينة، ولم تستند على أيّ تأصيل نظريّ.

ولا شكّ في أنّ خير الأمور الوسط، فميدان التربية يحتاج إلى كلا الأمرين معاً، أي النظرية والتطبيق، لأنّهما بمنزلة الجناحين اللذين يحتاجهما التربويّ ليحلِّق بهما في سماء هذا الفضاء الواسع.
 
 
 
7

1

المقدمة

 وانطلاقاً من مسار حركتنا في رفد المؤسّسات التعليميّة والتربويّة المهتمّة ببناء الكادر التربويّ تعليماً وتدريساً وبحثاً وتأليفاً، كان القرار بالعمل على تأليف متن تعليميّ وتدريسيّ يوازن بين عمق التأصيل النظريّ من جهة، لصناعة شخصيّة الباحث والمنظّر التربويّ في ضوء أسس ومرتكزات قويّة ومتينة، وبين التقنيّات التطبيقيّة والأساليب العمليّة من جهة ثانية، ليستطيع المتعلّم أن يكون مربياً، وليس مجرّد باحث أو منظّر في التربية.


في هذا السياق، وُلدت فكرة كتاب "المنهج الجديد في تربية الطفل"، حيث تمّ التركيز في الجزء الأول على البعد النظريّ فيما يتعلّق بتربية الطفل، مع تلوينه ببعض الدروس التي تحمل طابعاً عمليّاً، وكنّا قد وعدنا في مقدّمة الجزء الأوّل أن نتمّم العمل بجزء ثانٍ نعالج فيه أساليب وتقنيّات التربيات المضافة، وقد وفّينا في هذا الجزء بما وعدنا به، وأطلقنا عليه عنوان: "المنهج الجديد في تربية الطفل - الرؤية الإسلاميّة للأصول والأساليب".

وبالإضافة إلى ما تقدّم، كان أيضاً من خصائص ومميّزات هذا الكتاب عن غيره من الكتب التربويّة:
أولاً: أنّه تعرّض لأغلب الساحات التربويّة كالتربية العقائديّة والفكريّة والعباديّة والأخلاقيّة والاجتماعية والاقتصاديّة والبيئيّة والجهاديّة والفنيّة والصحّيّة والجنسيّة والرياضيّة والجماليّة... هذا، ولا ندّعي أنّنا قد عالجنا ساحات التربيات المضافة كلّها، بل بقي هناك بعض الساحات التي لم نتعرّض لها، كالتربية الإعلاميّة والتربية السياسيّة... وهذا ليس غفلة منّا عن أهمّيّتها، ولكن بسبب أنّ المسار التعليميّ لهذه المادّة يقتضي عدداً معيّناً من الوحدات.

ثانياً: أنّه عالج أساليب التربية وتقنيّاتها في ضوء رؤية منبثقة من النصوص الدينيّة ومستنبطة منها أو متناغمة ومنسجمة معها، فيلاحظ في كلّ درس مجموعة من الآيات أو الروايات التي تمّت استفادة الأصول والأساليب التربويّة في ضوئها.

ثالثاً: أنه اعتمد على عدد كبير من المصادر والمراجع التربويّة في مختلف الميادين والساحات.
 
 
 
 
8

2

المقدمة

 رابعاً: أنّه جمع بين أصالة الفكر الإسلاميّ وبين حداثة ما تفتّق عنه الذهن البشريّ من نظريّات تربويّة.


هذا بالإضافة إلى نقاط أخرى، كوضوح المنهج والترتيب الهندسيّ بين المباحث، وكالموازنة بين عمق المضمون وسلاسة اللغة...

أخيراً، نسأل الله تعالى أن يكون هذا الكتاب موضع عناية الباحثين التربويّين ومحلّ اهتمام المؤسّسات الناشطة في ميدان التربية والتعليم، لنراكم على التجربة، وننتقل من نقص إلى كمال، ومن كمالٍ إلى أكمل، لتكون أمّتنا الإسلاميّة رائدة في تقديم نموذج حضاريّ في مجال التربية والتعليم عالميّاً.

والحمد لله رب العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
 
 
 
 
 
9

3

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 الدرس الأول

الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرض النصوص الدينيّة التي تحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم.
2- يحدّد مسؤوليّة الوالدين تجاه تربية الطفل وتعليمه.
3- يعرف إقرار الإسلام حقّ الطفل في التعليم قبل أيّ إعلان عالميّ.
 
 
 
 
 
11

 


4

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 تمهيد

كل أبّ أو أمّ يرغب بشدّة في أن يفتخر بأولاده، ويشعر بأنّهم على قدر آماله وأحلامه، وكلّ أب وأمّ يُحبّ أن يرى أنوار الصلاح والفلاح والنجاح تشعّ في حياة أولاده، لأنّ ذلك من محقّقات سعادة الإنسان. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من سعادة الرجل الولد الصالح"1.

وقد ركّزت الروايات كثيراً في هذا المصطلح: "الولد الصالح"، منها:
- عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الولد الصالح ريحانة2 من الله قسّمها بين عباده"3.

- وعنه عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنّة"4.

- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له..."5.

- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مرّ عيسى بن مريم عليه السلام بقبر يُعذّب صاحبه، ثم مرّ به من قابل6، فإذا هو ليس يُعذّب، فقال عليه السلام: يا ربّ، مررتُ بهذا القبر
 
 

1- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1363ش، ط5،ج6، ص3.
2- ريحانة: الريحان نوع من النبات طيّب الريح.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص2.
4- المصدر نفسه.
5- ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، تقديم: السيد شهاب الدين النجفي المرعشي / تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي، لا.م، لا.ن، 1403 - 1983م، ط1،ج1، ص97.
6- قابل: وقت لاحق.
 
 
 
 
13

5

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 عام أوّل وهو يُعذّب، ومررتُ به العام وهو ليس يُعذّب؟! فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا روح الله، قد أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً، فغفرت له بما عمل ابنه..."1.


- وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "الولد الصالح أجمل الذكرين"2.

- وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ميراث الله من عبده المؤمن، الولد الصالح يستغفر له"3.

- وعنه عليه السلام، قال: "كان أبي عليه السلام يقول: خمس دعوات لا يُحجبن عن الربّ تبارك وتعالى... ودعوة الولد الصالح لوالديه..."4.

كما أنّ الإنسان يغتمّ ويحزن ويتألّم إذا لم يكن الولد صالحاً، بل كان ولداً سيّئاً، وقد عبّرت عنه الروايات بـ"ولد السّوء"، فكما أنّ الولد الصالح زين لأهله، يكون ولد السوء شيناً لأهله، يُعيّرون به ويُلامون من قِبَل الناس على سلوكه وأخلاقه وتصرّفاته.

عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف"5.

وعنه عليه السلام أيضاً: "ولد السوء يعرّ6 السلف، ويفسد الخلف"7.

وعنه عليه السلام: "ولد السوء يعرّ الشرف"8.

وعنه عليه السلام: "ولد عقوق محنة وشؤم"9.
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص4.
2- الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، بيروت - لبنان، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408ه - 1987م، ط1،ج15، ص113.
3- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، ط2،ج3، ص481.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص509.
5- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص215، ح18039.
6- يعرّ: يلحق العار بالسلف والشرف، وأصل العرّ تلطيخ الشيء بغير طيب.
7- مستدرك الوسائل، المصدر السابق.
8- الليثي الواسطي، الشيخ كافي الدين أبو الحسن علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، قم، دار الحديث، 1418ه، ط1،ص503.
9- المصدر نفسه، ص504.
 
 
 
 
14

6

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "... إنّ ولد السوء يُعيَّر والده بعمله..."1.


والولد الصالح أو ولد السوء، ليس وليد نفسه وحسب، بل للأب والأمّ الدور الرئيس في صلاحه أو سوئه. فبعد 9/ 14 سنة مثلاً من وجود الطفل في البيئة الأسريّة، لو صدر عنه مجموعة أفعال غير مرغوب فيها، وكانت أخلاقه غير مرضيّة، لا ينبغي أن يبرئ الأهل أنفسهم ويلقوا اللوم والذمّ على الولد، بل من الأفضل أن يسألوا أنفسهم: ألا يُمكن أن يكون هذا إشارة إلى كوننا نحن الأهل، لم نتحمّل مسؤوليّاتنا التربويّة كما يجب؟ أليس من الممكن أن نكون نحن فاشلين، أو على الأقلّ، مقصّرين في عمليّة التربية؟ بنحو تؤدّي هذه التساؤلات إلى حثّهم على مراجعة أنفسهم، والقراءة النقديّة لذواتهم، التي لم تُثمر ولداً مؤدّباً بعد سنوات من رحلته معهم في سفينة أسريّة واحدة.

فسلوك الطفل غير المرغوب فيه ليس فطرياً بأصل الخلقة، بل هو مكتسب يتعلّمه من خلال التواصل مع البيئة الأسريّة والاحتكاك بها، والمحاكاة لوالديه قولاً وعملاً.

عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "أمّا حقّ ولدك، فأنْ تعلم أنّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وُلّيته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه عزّ وجلّ، والمعونة على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه"2.

لذا، من أهمّ مسؤوليّات الوالدين مطلقاً تجاه أطفالهم هي التربية بالمعنى الأعمّ، فلا يكفي أن يسأل الإنسانُ اللهَ تعالى أن يرزقه الولد الصالح كي تتحقّق هذه النتيجة وتصبح أمراً واقعاً، فإنّ الطفل أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كلّ نقش وصورة، وهو قابل لكلّ نقش ومائل إلى كلّ ما يُمال به إليه، فإن عُوّد الخير وعُلّم
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص219.
2- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص622. وفي نصّ آخر: بعد قوله: المعونة له على طاعته "فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربّه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه، ولا قوّة إلا بالله". ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404 - 1363 ش، ط2،ص293.
 
 
 
 
15

 


7

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 نشأ عليه، وسعد في الدّنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه، وكلّ معلّم له ومؤدّب. وإن عُوّد الشرّ وأُهمل شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم به والوالي عليه1.


قال أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام: "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبُّك"2.

إذاً، من أهمّ عناصر صلاح الأطفال، مبادرة الأهل إلى مسؤوليّاتهم التربويّة، بالاهتمام بشؤون أطفالهم ورعايتهم وتهذيب أخلاقهم، وعدم التخلّي عنهم وإهمالهم، فإنّ للأطفال حقّاً على الآباء في التربية. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ لولدك عليك حقّاً"3.

لذا، لا ينبغي للأهل أن يتذرّعوا بأسباب خارجية لتبرئة أنفسهم من تحمّل مسؤوليّة ما آلت إليه شخصيّة طفلهم سلباً، فيلقوا التهمة تارة على المدرسة، وأخرى على الأصدقاء، وثالثة على الأقارب، ورابعة على الجمعيّة الكشفيّة...إلخ، لأنّهم هم المسؤولون أولاً عن تربية أبنائهم، ووضعهم موضعاً صالحاً، وتوجيههم وإرشادهم، واختيار المدرسة المناسبة، والأصدقاء اللائقين، والجمعيّة الكشفيّة الملائمة، لتكون بيئات حاضنة للنموّ الصالح لأبنائهم.

يقول السيّد محمد رضا الكلبايكانيّ: "إنّ وظيفة الوالدين تأديب أولادهم وتربيتهم على الأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، وتمرينهم وتعويدهم كرائم العادات وفعل الحسنات، ومنعهم عن كلّ عمل يضرّ بأنفسهم وبغيرهم. وعلى وليّ الأطفال تكميل نفوسهم وسوقهم إلى ما فيه صلاحهم وسدادهم"4.
 

1- الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، دار الكتاب العربي، لا.ت، لا.ط،ج8، ص130. والفيض الكاشانيّ، المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج5، ص124-127.
2- الرضي، السيد أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي عليه السلام)، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، بيروت - لبنان، لا.ن، 1387ه - 1967م، ط1،من وصيّة له لولده الحسن كتبها إليه بحاضرين منصرفاً من صفّين، رقم269، ص526.
3- مسلم النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، الجامع الصحيح (صحيح مسلم)، بيروت- لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لا.ت، لا.ط،ج3، ص163.
4- الجهرميّ، عليّ الكرميّ، الدّرّ المنضود في أحكام الحدود، تقريرات أبحاث السيّد محمّد رضا الكلبايكانيّ، ج2، ص282.
 
 
 
 
16

8

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 وهذه النقطة موضع اتّفاق من قِبَل بعض الفلاسفة الغربيّين مع النظرة الإسلاميّة. يقول جون لوك: "التربية الجيّدة للأطفال واجب الوالدين ومهمّتهما الأساسيّة"1.


ومن هنا، حثّ الإسلام الأهل على حسن تربية الأبناء وتعليمهم وتأديبهم، سواء أكانوا ذكوراً أم إناثاً.

الحثّ على تعليم الأطفال وتأديبهم
وقد ورد الحثّ على تأديب الأطفال والأبناء في العديد من الأحاديث والروايات، نذكر منها:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عال ثلاث بنات، فأدّبهنّ ورحمهنّ وأحسن إليهنّ، فله الجنّة"2.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من عال ثلاث بنات، علّمهنّ وزوّجهنّ وأحسن أدبهنّ، أدخله الله الجنّة..."3.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، يغفر لكم"4.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتآلف له، وتعليمه وتأديبه"5.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لأن يؤدّب أحدكم ولده خير له من أن يتصدّق بنصف صاع كلّ يوم"6.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما نحل7 والد ولده أفضل من أدب حسن"8.
 

1- نقلاً عن: طه، حسن جميل، الفكر التربويّ المعاصر وجذوره الفلسفيّة، ص121.
2- أحمد بن حنبل، المسند -مسند أحمد-، بيروت - لبنان، دار صادر، لا.ت، لا.ط،ج3، ص97.
3- الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، 1408ه - 1988م، لا.ط،ج8، ص162.
4- الأحسائيّ، ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج1، ص254.
5- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص169.
6- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضي، 1392 - 1972م، ط6،ص222.
7- النحل: العطيّة والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق.
8- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص165.
 
 
 
17

9

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 - وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عليّ، حقّ الولد على والده أن يُحسن اسمه وأدبه، ويضعه موضعاً صالحاً"1.


- وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "حقّ الولد على والده إذا كان ذكراً أن يستفره أمّه، ويستحسن اسمه، ويُعلّمه كتاب اللَّه، ويُطهّره، ويُعلّمه السباحة. وإن كانت أنثى أن يستفره أمّها، ويستحسن اسمها، ويُعلّمها سورة النور..."2.

- وعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنه قال: "حقّ الولد على والده: أن يُحسن اسمه، ويُحسن أدبه، ويُعلّمه القرآن"3.

- وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "تجب للولد على والده ثلاث خصال: اختياره لوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه"4.

- وعنه عليه السلام: "إنّ خير ما ورّث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال، فإنّ المال يذهب، والأدب يبقى"5.

- وعنه عليه السلام، فيما وعظ به لقمان الحكيم ابنه أن قال له: "يا بنيّ، إن تأدّبت صغيراً انتفعت به كبيراً، ومن عُني بالأدب اهتمّ به، ومن اهتمّ به تكلّف علمه، ومن تكلّف علمه اشتدّ له طلبه..."6.

- وعنه عليه السلام: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتّى يدخلهم الجنّة جميعاً، حتّى لا يفقد منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً. ولا يزال العبد العاصي يورث أهل بيته الأدب السيّئ حتّى يدخلهم النار جميعاً،
 
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص372.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص49.
3- نهج البلاغة، فصل في غريب كلامه المحتاج إلى تفسير، ص546، ح 399.
4- ابن شعبة الحراني، تحف العقول ، ص355.
5- الشيخ الكليني،الكافي، ج8، ص150.
6- علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر - قم - إيران، صفر 1404، ط3،ج2، ص164.
 
 
 
 
18

 


10

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 حتّى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً"1.


- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "علّموا أولادكم السباحة والرماية"2.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "علّموا أولادكم الصلاة..."3.

- وعنه عليه السلام، قال: "علّموا صبيانكم ما ينفعهم الله به، لا تغلب عليهم المرجئة برأيها"4.

- وعنه عليه السلام، قال: "بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة"5.

- وعنه عليه السلام، قال: "علّموا صبيانكم الصلاة..."6.

- وعن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "حقّ الولد على والده:... ويُعلّمه القرآن"7.

- وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "كان أمير المؤمنين يُعجبه أن يُروى شعر أبي طالب، وأن يُدوّن. وقال: تعلّموه، وعلّموه أولادكم، فإنّه كان على دين الله، وفيه علم كثير"8.

- وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "يا معشر الشيعة، علّموا أولادكم شعر العبديّ9، فإنه على دين الله"10.
 

1- القاضي النعمان المغربي، دعائم الإسلام، آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف - القاهرة، 1383 - 1963م، لا.ط،ج1، ص82.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص47.
3- عيون المواعظ والحكم، ص341.
4- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1403ه - 1362ش، لا.ط،ص614.
5- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1364ش، ط3،ج8، ص111.
6- المصدر نفسه، ص626.
7- نهج البلاغة، باب في غريب كلامه المحتاج إلى تفسير، ح 399.
8- الموسويّ، فخار بن معد، الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، ص25. ويراجع: الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1414ه، ط2،ج17، ص231.
9- العبديّ: أبو محمّد سفيان بن مصعب العبديّ الكوفيّ، من شعراء أهل البيت عليهم السلام، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.
10- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، تصحيح وتعليق: مير داماد الأسترابادي / تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1404، لا.ط،ج2، ص704.
 
 
 
 
19
 

11

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 - وعنه عليه السلام: "علّموا أولادكم (يس)، فإنّها ريحانة القرآن"1.


... إلخ من الروايات التي تحثّ على تعليم الأطفال وتأديبهم في مجالات مختلفة، حتى تتشكّل هويّة الطفل بنحو يكون ناتج عملية التربية وحاصلها "ولداً صالحاً".

حقّ الطفل في التعليم
من خلال ما تقدّم من الروايات، يظهر بوضوح أنّ من حقّ الطفل على الأهل تعليمه، وقد حثّ الإسلام على هذا الحقّ قبل أيّ إعلان أو اتّفاق حقوقيّ عالميّ عن حقوق الطفل فمثلاً تنصّ المادّة 26 من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لعام 1948 على: "لكلّ طفل الحقّ فيالتعليم، ويجب أن يُوفّر التعليم مجّاناً..."، وتنصّ اتفاقيّة حقوق الطفل لعام 1989 (المادّتان: 28-29)، على حقّ الطفل في التعليم. وممّا جاء فيهما: "تعترف الدول الأطراف بحقّ الطفل في التعليم... إلخ"، وقد نصّ الإمام زين العابدين عليه السلام على ذلك في رسالة الحقوق قبل ذلك بمئات السنين، حيث قال: "وأما حقّ الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه..."2.

ونلفت إلى أنّه من حقّ الطفل حسن اختيار البيئة العلميّة (المدرسة) التي سيتعلّم بها، فإنّه من مصاديق ما أوردناه أعلاه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حقّ الولد على والده... ويضعه موضعاً صالحاً"3.

كما أنّ وضع الطفل في المدرسة، لا يعني إلقاء المسؤوليّة التعليميّة عن ظهر الأهل، فإنّ التعليم المدرسيّ جزء مساهم في بلورة هويّة الطفل، ولكن لممارسة الأهل دورهم التعليميّ، أهمّيّة خاصّة في تشكيل هويّة الطفل أيضاً، وهذا يقتضي أن يسعى الأهل للتعليم والرفع من مستواهم العلميّ، وإن كانوا أمّيين، فعليهم أن يشعروا أبناءهم بأنّهم يسعون للتعلّم من خلال الانتماء إلى الجمعيّات المتخصّصة في محو الأمّيّة، فإنّ ذلك يُشكّل دافعاً أكبر للأبناء نحو التعلّم.
 
 

1- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع - قم، 1414، ط1،ص677.
2- ابن شعبة الحراني، تحف العقول ، ص270.
3- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4،صص372.
 
 
 
 
 
20

12

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 وتعليم الطفل بمعنى التمدرس، كما اتّضح من خلال تقسيم الثلاث سبعات لمراحل الطفولة في الجزء الأول1، إنّما يبدأ من سن الـ7. فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين"2.


وعنه عليه السلام، قال: "احمل صبيّك حتّى يأتي على ستّ سنين، ثم أدّبه في الكُتّاب ستّ سنين، ثم ضمّه إليك سبع سنين، فأدّبه بأدبك، فإن قبل وصلح وإلا فخلّ عنه"3.

وهي السن المعتمد عليها في أكثر دول العالم، بمعنى أنّ بدء التعليم الإلزاميّ للأطفال يكون عند انتهاء سنّ السادسة، إذ إنّ السنّ النظاميّة لدخول الطفل المدرسة هي كذلك في 91 دولة، وفي 32 دولة سبع سنوات، وفي 15 دولة 5 سنوات.
 
 

1- الدرس الخامس.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص47.
3- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص223.
 
 
 
 
21

13

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 المفاهيم الرئيسة


- لقد ركّزت الروايات كثيراً في مصطلح: "الولد الصالح"، منها: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الولد الصالح ريحانة من الله قسّمها بين عباده". وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له...".

- إنّ الإنسان يغتمّ ويحزن ويتألّم إذا لم يكن ولده صالحاً، بل كان ولداً سيّئاً. وقد عبّرت عنه الروايات بـ "ولد السّوء". فكما أنّ الولد الصالح زين لأهله، يكون ولد السوء شيناً لأهله. عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف". وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "... إنّ ولد السوء يُعيَّر والده بعمله...".

- إنّ للأب والأم الدور الرئيس في صلاح الولد أو سوئه، فبعد 9/ 14 سنة مثلاً من وجود الطفل في البيئة الأسريّة، لو صدر عنه مجموعة أفعال غير مرغوب فيها، وكانت أخلاقه غير مرضيّة، لا ينبغي أن يبرّئ الأهل أنفسهم ويلقوا اللوم والذمّ على الولد، بل من الأفضل أن يسألوا أنفسهم: ألا يُمكن أن يكون هذا إشارة إلى كوننا نحن الأهل لم نتحمّل مسؤوليّاتنا التربويّة كما يجب؟

- وبالتّالي، فإنّ حقّ الولد على والديه مبادرتهم إلى تحمّل مسؤوليّاتهم بالاهتمام بشؤون أطفالهم وتأديبهم وتعليمهم وتهذيب أخلاقهم. عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "أمّا حقّ ولدك، فأنْ تعلم أنّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وُلّيته من حسن الأدب، والدلالة على ربّه عزّ وجلّ، والمعونة على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه".

- ورد الحثّ على تأديب الأطفال والأبناء في العديد من الأحاديث والروايات، نذكر منها: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كانت له ابنة فأدّبها وأحسن أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، كانت له منعة وستراً من النار". وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، يُغفر لكم".

- من حقّ الطفل على الأهل تعليمه، وقد حثّ الإسلام على هذا الحقّ قبل أيّ إعلان أو اتفاق حقوقيّ عالميّ عن حقوق الطفل.
 
 
 
 
 
22

 


14

الدرس الأول: الحثّ على تربية الأطفال وتعليمهم

 أسئلة الدرس

1- لقد ركّزت الروايات كثيراً في مصطلح الولد الصالح، اذكر روايتين في هذا السياق.

2- ورد في بعض الروايات تعبير "ولد السّوء"، من هو؟ واذكر رواية عن الموضوع.

3- إذا كانت أخلاق الولد غير مرضيّة، برأيك هل يستطيع الأهل تبرئة أنفسهم وإلقاء اللّوم والذمّ على الولد، أو على عناصر خارجيّة؟

4- حلِّل حقّ الولد على الوالد على ضوء نصّ الإمام زين العابدين في رسالة الحقوق.

5- اذكر 5 روايات تحثّ على تأديب الأبناء، واستخرج منها بعض النتائج.

6- من أهمّ حقوق الطفل اليوم حقّه في التعليم، اذكر بعض الروايات التي توضح كون الإسلام سبق القوانين الوضعيّة المعاصرة في الحثّ على تعليم الأبناء.
 
 
 
 
 
23

15

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 الدرس الثاني

معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد منظومة القيم والسلوكات التي ينبغي التربية عليها قبل البدء بعمليّة التربية.
2- يعرف المصادر التي يستطيع أن يستقي منها محدّدات الرؤية التربويّة الإسلاميّة.
3- يميّز بين السلوك المرغوب فيه وغيره، في ضوء معايير واضحة.
 
 
 
 
 
25

16

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 تمهيد

تتركّب العمليّة التربويّة من عناصر رئيسة عدّة هي: المربّي، المتربّي، أهداف التربية، ميادين التربية وساحاتها. ومنها: القيم والسلوكات والآداب التي ينبغي تربية الطفل عليها، والأساليب والتقنيّات التي ينبغي استعمالها في عمليّة تربية الطفل، والجواب عن سؤال: علام ينبغي أن نُربّي الطفل؟ وكيف؟ مسبوق بالجواب عن السؤال: ما هي المصادر التي نُحدّد على ضوئها معالم تربية الطفل؟ وما هي المعايير التي على أساسها تُصنَّف القيم والأفعال إلى حسنة وجميلة، أو قبيحة وسيّئة، بحقّ الأطفال في الرؤية التربويّة الإسلاميّة، بحيث تُعتبر الأولى مرغوبة من الطفل، فنُربّيه ونؤدّبه عليها، وتكون الثانية غير مرغوبة، فنُربّيه على تركها.

وبعبارة أخرى نحتاج في عمليّة التربية إلى أمرين:
- الأول: تحديد منظومة القيم وجدول الأفعال التي ينبغي أو لا ينبغي تربية الطفل عليها، والأساليب والتقنيّات التي نُربّي الطفل بواسطتها. فإذا لم يكن لدى المربّي معرفة بذلك، فعلام يُربّي؟ وكيف يُربّي؟ حينها، أليس من الممكن أن يُربّي بنحو عكسيّ؟ بمعنى أنّه قد يكون السلوك الصادر عن الطفل غير مرغوب فيه من وجهة نظر تربويّة، في حين يدرّب المربّي الطفل ويعوّده عليه، وقد يكون الأمر بالعكس. وهذا يقتضي أن يكون لدى المربّي خلفيّة معرفيّة مسبقة ولو إجماليّة عمّا ينبغي أو لا ينبغي التربية عليه، وكيف. وهذا يؤكّد أهمّيّة أن يعمل المربّي نفسه على تأهيل ذاته ورفد نفسه وتطوير مهاراته العمليّة في التربية، كي يكون مؤهّلاً للاتصاف باسم المربّي.
 
 
 
 
27

17

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 - والثاني: بيان المعايير والمصادر التي نُحدّد من خلالها تلك المنظومة القيميّة والسلوكات والأساليب والتقنيّات المرغوب فيها أو غير المرغوب فيها. وبعبارة أخرى تعيين الميزان الذي على أساسه نُحدّد أنّ هذا ممّا ينبغي تربية الطفل عليه وبه، وذاك لا.


صفات المربّين وخصالهم
وقد يُقال إنّ البحث عن الجانب الثاني ليس بميسور كلّ مربٍّ أن يُحيط به علماً، لكونه أمراً تخصُّصياً، فيكفي أن يعرف المربّي لائحة القيم والأفعال والأساليب المرغوبة حتى يُربّي عليها أو بها، حتى لو لم يلمّ بالمعايير والمقاييس لتمييز تلك القيم والأفعال والأساليب. إلا أنّ الجواب عن ذلك بالقول: إنّ المربّي على نوعين:
النوع الأول: مربٍّ لا يمتلك الاستعدادات اللازمة للاطّلاع على المصادر والمعايير، لضعف قابليّاته الذّاتيّة، كأن لا يكون صاحب مستوى علميّ يؤهّله لذلك. فهذا يكفي أن يعرف في البداية بصورة إجماليّة لائحة القيم والأفعال والأساليب التي ينبغي استعمالها في التربية. ولكن عليه أن لا يكتفي بهذا المقدار، بل ينبغي له أن يسعى بالتدريج على قدر طاقته ووسعه، إلى تطوير ذاته تربويّاً من خلال سؤال أهل العلم والاختصاص واستشارتهم، أو من خلال المطالعة والقراءة بالاستنصاح عن الكتب التي ينبغي قراءتها في هذا المجال، أو من خلال متابعة بعض البرامج الإعلاميّة على المحطّات الموثوقة التي تُسلّط الضوء على القضايا التربويّة، أو من خلال حضور بعض الدروس والمحاضرات والدورات عن ذلك...إلخ، فإنّ المسؤوليّة التربويّة عن الأبناء أو التلامذة تقتضي العمل على تطوير الذّات تربويّاً، وعدم الاكتفاء بالمعارف التي يمتلكها الإنسان كمّاً وكيفاً عن التربية.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة"1.
 
 

1- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص766، ح1030.
 
 
 
 
28

18

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 فإذا كان معنى التربية إيصال المتربّي إلى الكمال، فكيف يُمكن لمن ينزل على سلّم النقصان ولا يعرف الزيادة بالتكامل في نفسه، أن يأخذ بيد المتربّي إلى الكمال؟!


النوع الثاني: المربّي المؤهَّل لأنْ يُحصّل المعرفة بالمعايير اللازمة للتمييز بين ما هو مرغوب أو غير مرغوب. وهذا الصنف الثاني من المربّين يشمل المتعلِّمين والمتدِّربين الذين سيدرسون هذا الكتاب، لذا عليهم أن يمتلكوا بين أيديهم الميزان الذي على أساسه يجري تحديد وقياس ما هو مطلوب في التربية. فإذا لم يمتلك المربّي معايير معرفة السلوكات الجميلة والحسنة المرغوب فيها، والتي تضع الطفل على خطّ السير على طريق الكمال، وتعتبر من مقتضياته أو شروطه، وتمييزها عن القيم والأفعال السلبيّة التي تُشكّل مانعاً وحاجزاً عن السلوك تجاه الكمال، فكيف له أنْ يُميّز تربوياً؟! إذ قد يشتبه الأمر ويختلط ويلتبس على المربّي، فيظنّ ما هو مطلوب ومرغوب فيه مرغوباً عنه، وبدل أن يسير بالطفل إلى كماله يأخذ بيده نحو النقص. وهذا يقتضي أن يكون المربّي، سواء أكان أباً أم أمّاً أم معلّماً أم قائداً كشفياً... إلخ، على وعي وبصيرة ليس بالخطأ والصواب والحسن والقبح وحسب، بل بالقدرة على التمييز بينها من خلال معايير واضحة أيضاً. وبمعنى آخر لا بدّ من تحديد مفهومنا عن الخطأ، فليس معيار الخطأ وميزانه هو الاستنساب والاستحسان الشخصيّ من قِبَل المربّي، وليس من حقّ المربّي أن يجعل من نفسه معياراً لمعرفة الخطأ، فإنّ "الحقّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله"1، كما رُوي عن الإمام عليّ عليه السلام.

وبعبارة مختصرة: لا بدّ للمربّي من أن يكون على معرفة بمعايير تمييز الخطأ من الصواب، وعلى معرفة بانطباق المعيار المفهوميّ على المصداق الخارجيّ الذي هو سلوك الطفل (أ) أو (ب).
 

1- ابن طاووس، السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسني الحسيني، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.م، لا.ن، 1399ه، ط1،ص136.
 
 
 
 
29

19

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 المصادر والمعايير

سنتعرّض في هذا الدرس إلى أربعة مصادر ومعايير، هي:
المعيار الأوّل: الحسن والقبح العقليّان أو العقلائيّان
إنّ المعيار الأوّل الذي على أساسه يقيس الإنسان حسن الفعل وقبحه، هو العقل العمليّ القطعيّ الفطريّ الصريح، الذي جعله الله تعالى حجّة باطنة على الإنسان، كما جعل نبيّه وأهل بيته صلوات الله عليهم حجّة ظاهرة. فـ "العقل السليم أيضاً حجّة من الحجج، فالحكم المستكشف به حكم بلغه الرسول الباطنيّ، الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج"1.

عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، قال: "يا هشام، إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأمّا الباطنة فالعقول"2.

وقد تحدّث فلاسفة الأخلاق المسلمون وعلماء الكلام وعلماء أصول الفقه، عن الحسن والقبح العقليّين أو العقلائيّين - على الاختلاف المبنائيّ في ذلك3 - كقاعدة لتصنيف القيم والأفعال الإيجابيّة والسلبيّة على أساسها، وبالتّالي التربية على فعل الحسن وعدم فعل القبيح.

فما هو الحسن العقليّ؟ وما هو القبح العقليّ؟
ذكروا للحسن والقبح أربعة معانٍ:
المعنى الأوّل: الحسن بمعنى ما يُلائم طبع الطفل والإنسان، فكلّ ما يجلب اللذّة الشخصيّة للنفس هو حسن، ويُقابله القبح، بمعنى كلّ ما ينفر طبع الطفل والإنسان منه ولا يلتذّ به. وبعبارة مختصرة، الفعل الحسن هو ما يوجب التذاذ الشخص، والفعل القبيح ما يقتضي نفور الشخص. وهذا المعنى يختلف باختلاف الطبائع والأمزجة والأفراد
 

1- الأنصاري، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1419ه، ط1،ج1، ص59.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص16.
3- يراجع: عجمي، سامر توفيق، حجيّة العلم قراءة على ضوء النظريّة التعليقيّة_ قراءة في المباني الأصوليّة للسيّد عليّ حجازي، ص55 وما بعد.
 
 
 
30

20

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 والمراحل العمريّة والحالات النفسيّة...، وليس له معيار محدّد، فقد يكون طعام ما حسناً بالنسبة إلى طفل وقبيحاً بالنسبة إلى آخر، وكذلك قد يكون لون ثياب ما أو عطر أو... ينفر منه طبع الطفل ولا تلتذّ نفسه به في ظرف خاصّ أو مرحلة عمريّة معيّنة، أو بفعل التأثّر بشخص ما، أو نتيجة العادة أو بسبب اقترانه بإمراضه... إلخ من الأسباب. وفي هذا المجال، لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أنّه إذا لم يكن مفعول سلبيّ على شخصيّة الطفل في ما لا يميل طبعه إليه أو ينفر منه، ينبغي عدم إرغامه عليه، كأن لا يميل إلى ارتداء ثياب من لون خاصّ، أو يكون نوع الطعام ممّا يُمكن استبدال طعام آخر به، له نفس القيمة الغذائيّة، حينها ينبغي عدم إجبار الطفل على تناول طعام خاصّ، أو لبس ثوب من لون خاصّ، إلّا إذا كان هذا سلوكاً نمطيّاً متكرّراً منه في مجالات مختلفة، يُعتبر هامش الرفض فيها أكبر بكثير من هامش القبول، ومضرّاً بالسلامة الجسديّة أو الصحّة النفسيّة أو النموّ العقليّ للطفل، فهنا لا بدّ من العمل على تغيير وتعديل سلوكه من خلال تعديل طبعه، ولكن بالتدرّج شيئاً فشيئاً، بالدربة والعادة من دون ضغط وقهر وإكراه مهما أمكن، وبأساليب تعزيزيّة تُرغّبه في الشيء، لا أن ترفع من منسوب النفور عنده من ذلك الشيء.


المعنى الثاني: الحسن بمعنى وجود مصلحة واقعيّة في فعلٍ ما، ويُقابله القبح بمعنى وجود مفسدة واقعيّة بالفعل ذاته بما هو هو. وعندما يعتبر علماء أصول الفقه أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، أي في الأفعال الواجبة أو المحرّمة مثلاً، وأنّ العقل البشريّ "لا يُحيط بالمصالح الواقعيّة والمفاسد النفس أمريّة والجهات المزاحمة لها، ولذا ورد في الروايات: "إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول"1"2، يقصدون هذا المعنى. وهذا النوع من المصالح والمفاسد يكشف عنه الوحي الإلهيّ للعقل الإنسانيّ، وبناءً عليه، فكلّ ما أوجبته الشريعة فيه مصلحة، وكلّ ما نهت عنه الشريعة فيه مفسدة
 
 

1- الرواية واردة عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام. انظر: الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، محرم الحرام 1405 -1363 ش، لا.ط،ص324.
2- الواعظ الحسينيّ البهسودي، تقرير بحث السيد الخوئي ، مصباح الأصول (موسوعة الإمام الخوئي)، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، مؤسسة إحياء آثار الأمام الخويي قدس سره، 1422، لا.ط،ج2، ص26.
 
 
 
31

21

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 للإنسان عموماً. أمّا فيما يتعلّق بالطفل فسيأتي البحث عن هذه النقطة في المعيار الثاني.


المعنى الثالث: الحسن بمعنى ما يوصل النفس إلى كمالها اللائق بها، والقبح بمعنى ما يجعل النفس تتسافل في مراتب النقص. فالقيم الموجِبة، كالعلم والعدل والشجاعة والكرم والصدق، توصف بالحسن، بمعنى أنّها كمال للنفس البشريّة. والقيم السالبة، كالجهل والبخل والكذب والجبن، توصف بالقبح، لأنّها نقص للنفس البشريّة. وقد أشرنا سابقاً إلى رأي الإمام الخمينيّ قدس سره في ما يتعلّق بأنّ الله جبل النفس البشريّة على فطرة عشق الكمال والنفور من النقص، فهذه القيم مطلوبة للنفس بأصل الخلقة، فالنفس تتحرّك بالفطرة نحو القيم الكماليّة، وتنفر بأصل الخلقة عن القيم السالبة.

المعنى الرابع: الحسن بمعنى ما يحكم العقل العمليّ بوجوب فعله ولزوم صدوره عن الإنسان المختار، بنحو يستحقّ الصادر عنه الفعل المدح والثواب من قِبَل الناس العقلاء. ويُقابله القبح بمعنى ما لا ينبغي فعله بحيث يستحقّ الفاعل المختار الذمّ من قِبَل العقلاء.

وينبغي تربية الطفل على ما يحكم العقل العمليّ بوجوبه من قيم وأفعال، ومدح الطفل وإثابته على ذلك، وتربيته على ترك ما يحكم العقل بعدم وجوبه، وذمّ الطفل ومعاقبته على ذلك.

المعيار الثاني: الحسن والقبح الشرعيّان
ذكر الفقهاء أنّ موضوع علم الفقه هو فعل المكلّف، وقسّموا الأفعال بلحاظ الأحكام إلى خمسة: الواجب، والحرام، والمكروه، والمستحبّ، والمباح.

والأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة، فمثلاً الأمر والطلب الوجوبيّ هما إرادة الله تعالى للشيء إرادة أكيدة شديدة، بنحو تكون منبعثة عن مصلحة واقعيّة ملزِمة في الفعل، وظيفتها جعل الداعي في نفس المكلّف وتحريكه إلى إتيان الشيء.

وهذه العناوين أصلاً متعلّقة بأفعال المكلّفين، لأنّ رفع قلم التكليف أسقط الإلزام عن الطفل. ففعل الطفل لا يوصف بأيّ عنوان إلزاميّ منها - الوجوب والحرمة -
 
 
 
32

22

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 بالإجماع، إلا أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ رفع قلم التكليف عن الطفل المميّز ليس بسبب عدم القابليّة والاستعداد للتكليف، بل للامتنان واللطف والرأفة بهذا الطفل، وإلّا فإنّه بسبب قدرة تمييزه يستحقّ أن يتوجّه إليه الخطاب الإلهيّ أمراً ونهياً. لذا يمكن القول إنّ دائرة استحقاق الخطاب أوسع من دائرة فعليّة الخطاب، بمعنى أنّ الخطاب الإلهيّ وإن كان مختصّاً بالمكلّفين من ناحية الإلزام الفعليّ بالوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام التكليفيّة، إلا أنّ الطفل المميّز فيه من القابلية والمؤهّليّة ما يجعله صالحاً لإمكانيّة توجيه الخطاب الإلهيّ الإلزاميّ له. ومستحقّاً له، ولكن الله تعالى بقاعدة الامتنان، منّ على الطفل المميّز ورفع عنه قلم التكليف. فرفع قلم التكليف عن الطفل المميّز ليس لعدم القابليّة، بل للامتنان. فالطفل المميّز يُمكنه أن يعرف الحسن من القبح، وإلّا لما وقع توجيه الأمر إليه من قِبَل الأب بالصلاة والصيام والصدقة إذا كان عمره سبع أو تسع سنوات لتدريبه وتمرينه، بل حكم الكثير من الفقهاء بمشروعيّة عباداته، بمعنى أنّها ليست مجرّد تمرين وتدريب، بل إضافةً إلى كونها تحمل هذا العنصر، هي تتّصف بالمشروعيّة، بمعنى أنّ الطفل يستحقّ الثواب الأخرويّ عليها، ويكتب في سجلّه الحسنات1.


فاتّضح أنّ الطفل المميّز عند بعض الفقهاء يوصف فعله بالاستحباب أو الكراهة، فالواجبات في حقّ الطفل مستحبّات، والمحرّمات مكروهات. أي إنّ الأحكام التكليفيّة في حقّ الطفل ثلاثة: المستحبّ والمكروه والمباح2.

وبناءً عليه، فإنّه من المرغوب فيه أن يُربّى الطفل المميّز على إتيان الواجبات بعنوان المستحبّات، والابتعاد عن المحرّمات بعنوان المكروهات، فإنّه يُثاب على ذلك مع نيّة القربة.

وعلى كلّ حال، سواء أكان الطفل مميّزاً أم غير مميّز (في مراحل معيّنة وحسب طبيعة الفعل)، لا ينبغي إعطاؤه حرّية في ما يتعلّق بفعل الكبائر من المحرّمات، كالسرقة
 
 

1- السيد محمد الصدر، ما وراء الفقه، المحبين للطباعة والنشر، 1427 - 2007م، ط3،ج2، ص174.
2- يراجع: السيد البجنوردي، القواعد الفقهية، مهدي المهريزي - محمد حسين الدرايتي، نشر الهادي - قم - إيران، 1419 - 1377 ش، ط1،ج4، ص109 وما بعد.
 
 
 
33

23

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 والكذب والاعتداء بالضرب وتحطيم الأشياء و...، لذا نرى أنّ المشرّع الإسلاميّ اهتمّ بهذه المسألة اهتماماً شديداً، إلى درجة منع فيها الوالدين من المعاشرة الجنسيّة في غرفة فيها طفل في المهد، لأنّ ذلك ممّا يورث الزنا في الطفل الناظر1. وهذا يظهر أهمّيّة بدء عمليّة التربية في إبعاده عن الحرام - الكبائر المستقبحة - من المرحلة العمريّة الأولى للطفولة، فلا يُعطى الطفل خمراً ليشربه، أو يُترك ليُشاهد الأفلام الجنسيّة بذريعة كونه لا يُدرك ولا يفهم...


بل انطلاقاً من قاعدة فقهيّة مهمّة أسّسها بعض الفقهاء، كالسيد محمّد كاظم اليزديّ وغيره، يُمكن الاستفادة منها في تربية الطفل بمنعه عن بعض الأفعال المحرّمة التي قد تصدر عنه، والقاعدة هي: إنّ حرمة الفعل إذا كانت مشدّدة بحيث عُلم كراهية ومبغوضيّة وقوعه في الخارج من الشارع المقدّس على كلّ تقدير، حتى من الأطفال والقاصرين، كالزنا واللواط والقتل وشرب الخمر، وجب على المكلّفين المنع من تحقّقه وسدّ طريق حصوله في الخارج قولاً وفعلاً2. فكيف إذا كان المكلَّف هو المربّي والوليّ الشرعيّ للطفل؟!

أمّا الواجبات فهي على قسمين: منها ما هي واجبات أخلاقيّة، أي ملكات نفسانيّة فاضلة، فهذه يُربّى الطفل عليها مطلقاً، كالصدق والكرم والشجاعة و...، كما ذكرنا في فقرة الحسن والقبح العقليّين، ومنها ما هي واجبات عبادية شرعية، كالصلاة والصوم والحج و...، وهذه يُربّى الطفل عليها في سنّ معيّنة، سيأتي بحثها بالتفصيل في درس التربية العباديّة للطفل.

المعيار الثالث: القيم الاجتماعيّة والآداب الإنسانيّة
من المعايير التي يستند إليها الفقهاء في الحكم على فعل الطفل بالحسن أو القبح، هو القيم الاجتماعيّة العامّة والآداب الإنسانيّة التي يلتزم بها المجتمع الذي يعيش فيه
 

1- يراجع: عجمي، سامر توفيق، حياتنا الجنسيّة كيف نعيشها؟ على هدى القرآن ومنهاج النبيّ وأهل البيت، ص641.
2- يراجع: السيد اليزدي، حاشية المكاسب (ط.ق)، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع - قم - إيران، 1378، لا.ط،ج1، ص8. والروحانيّ، محمّد صادق، فقه الصادق، ج13، ص271.
 
 
 
34

24

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 الطفل1، فإنّ كلّ مجتمع من المجتمعات له آدابه العامّة ولياقاته الخاصّة به، التي تُشكّل ثقافة ذلك المجتمع، ونمط حياته وأسلوب عيشه، والتي قد تتغيّر من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. فما يراه مجتمع ما قيماً وآداباً ينبغي الالتزام بها، قد لا يراها مجتمع آخر كذلك، بشرط أن لا تكون تلك الآداب والعادات والتقاليد الاجتماعيّة العامّة، مخالفة لكتاب الله ومنهاج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.


فعلينا أن نؤدّب الأطفال بآداب المجتمع الذي يعيشون فيه، ما لم يتعارض ذلك مع المعيار العقلائيّ والشرعيّ.

المعيار الرابع: تراكم الخبرة والتجربة الإنسانيّة
إنّ التجربة بمعنى تراكم الخبرات البشريّة عبر تتبّع الجزئيّات في الخارج، ودراسة آثارها ونتائجها التي تتركها على شخصيّة الطفل، تُساعدنا على استكشاف تقنيّات وأساليب عامّة تصلح للاعتماد في العمليّات التربويّة، وما أكثرها في حياتنا اليوميّة: (في الحضانات والمدارس والجمعيّات الكشفيّة والأنديّة الرياضيّة ووسائل الإعلام والمراكز الصحّيّة و...)، والدين الإسلاميّ لا يقف على الطرف المعارض لحاصل التجارب البشريّة، ولم يرمِ منجزات التجربة البشريّة بعرض الحائط. نعم، لم يكتفِ الدين الإسلاميّ بمنجزات تجارب الإنسان كوسيلة حصريّة ووحيدة لتحصيل المعارف والعلوم، لذا، لا يُمكن أن يستغني الإنسان بالتجربة أو العقل عن نور الوحي والشرع.
 
 

1- الجهرميّ، الدّرّ المنضود في أحكام الحدود، ج2، ص282.
 
 
 
35

25

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 المفاهيم الرئيسة


- تحتاج عملية التربية إلى أمرين: الأوّل: تحديد منظومة القيم وجدول الأفعال التي ينبغي أو لا ينبغي تربية الطفل عليها. والثاني: بيان المعايير والمصادر التي نُحدّد من خلالها تلك المنظومة القيميّة والسلوكات والأساليب والتقنيّات المرغوب فيها أو غير المرغوب فيها.

- إنّ المربّي على نوعين: الأوّل: مربّ لا يمتلك الاستعدادات اللازمة للاطّلاع على المصادر والمعايير، لضعف قابليّاته الذّاتيّة. والنوع الثاني: المربّي المؤهّل لأن يُحصّل المعرفة بالمعايير اللازمة، لذا عليه أن يمتلك بين يديه الميزان الذي على أساسه يجري تحديد ما هو مطلوب في التربية وقياسه.

- إنّ المعيار الأوّل الذي على أساسه يقيس الإنسان حسن الفعل وقبحه، هو العقل العمليّ القطعيّ الفطريّ الصريح، الذي جعله الله تعالى حجّة باطنة على الإنسان، كما جعل نبيّه وأهل بيته صلوات الله عليهم حجّة ظاهرة.

- ينبغي تربية الطفل على ما يحكم العقل العمليّ بوجوبه من قيم وأفعال، ومدح الطفل وإثابته على ذلك، وتربيته على ترك ما يحكم العقل بعدم وجوبه، وذمّ الطفل ومعاقبته على ذلك.

- المعيار الثاني الذي على أساسه يُقاس حسن فعل أو قبحه هو المعيار الشرعيّ، أي ما حكم الشارع بحسنه أو قبحه. فمن المرغوب فيه أن يُربّى الطفل المميّز على إتيان الواجبات بعنوان المستحبّات، والابتعاد عن المحرّمات بعنوان المكروهات. أمّا الطفل غير المميّز، فلا ينبغي إعطاؤه حرّيّة في ما يتعلّق بفعل الكبائر من المحرّمات، كالسرقة والكذب...

- المعيار الثالث لقياس الفعل المرغوب في تربية الطفل عليه، هو القيم الاجتماعيّة والآداب الإنسانيّة العامّة التي يلتزم بها المجتمع الذي يعيش فيه الطفل، لأنّ التنشئة الاجتماعيّة تعني جعل الطفل يكتسب صفات خاصّة يكون بها عضواً نافعاً في الهيئة الاجتماعيّة العامّة التي يتحرّك في محيطها.

- المعيار الرابع: هو تراكم الخبرات البشريّة عبر تتبّع الجزئيّات في الخارج، ودراسة آثارها ونتائجها التي تتركها على شخصيّة الطفل، حيث تُساعدنا على استكشاف تقنيّات وأساليب عامّة تصلح للاعتماد في العمليّات التربويّة، بشرط أن تكون منسجمة مع الرؤية الإسلاميّة أو لا تُعارضها.
 
 
 
 
36

26

الدرس الثاني: معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل

 أسئلة الدرس


1- لماذا تحتاج العمليّة التربويّة إلى تحديد منظومة القيم والأفعال التي ينبغي تربية الطفل عليها؟
2- هل تعتقد أنّه على كلّ أب أو أمّ السعي نحو تطوير الذّات وتنمية المهارات التربويّة في شخصيّتهم؟ ولماذا؟
3- ما هو المعيار العقليّ العمليّ في تحديد لائحة الأفعال المرغوب فيها والمرغوب عنها من قِبَل الطفل؟
4- إذا كان قلم التكليف قد رُفع عن الطفل، فهل هذا يعني أن يُعطى هامش الحرّيّة في ارتكاب المحرّمات؟ أم المسألة تخضع لموازين أخرى، وما هي؟
5- هل تعتقد أنّه ينبغي تربية الطفل على جميع العادات والتقاليد الاجتماعيّة؟ أم على بعضها؟ ولماذا؟
6- ما هو دور التجربة البشريّة في تحديد تقنيّات تربية الطفل؟
 
 
 
 
 
37

27

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 الدرس الثالث

العدالة التربويّة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد معنى العدالة التربويّة ويميّزها عن المساواة.
2- يعرف أنّ العدالة التربويّة أساس في المنهاج التربويّ الإسلاميّ.
3- يُدرك أنّ الجنسيّة (أي الذكورة والأنوثة)، ليست معياراً للتفاضل التربويّ بين الأطفال.
 
 
 
 
 
 
39

28

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 تمهيد

يُعتبر العدل من أسماء الله تعالى، ولأهمّيّة العدل جُعل الاعتقاد بالعدل الإلهيّ من أصول الدين الخمسة في الرؤية العقائديّة الإماميّة. وقد علَّمنا الإسلام "أنْ لا نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله كحقائق عينيّة ميتافيزيقيّة فوقنا لا صلة لنا بها، وإنّما نتعامل معها كدلالات ومنازل على الطريق. من هنا كان للعدل مدلوله الأكبر بالنسبة إلى توجيه المسيرة البشريّة"1، فالتخلّق بأخلاق الله تعالى يقتضي أن نكون عادلين في جميع أفعالنا وأقوالنا, حتى مع من يُعادينا، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ2.

هذا، ومن أهمّ وأبرز المشكلات التربويّة التي تعيشها بعض العائلات المسلمة، هي التمييز بين الأطفال في التعامل داخل الأسرة، حيث يجري التمييز الإيجابيّ لمصلحة طفل على حساب طفل آخر، أو لمصلحة الصبيّ مقابل البنت. وقد واجه المنهاج التربويّ الإسلاميّ هذه العادة من خلال ما نصطلح عليه اسم "المساواة التربويّة" أو "العدالة التربويّة".

ونعني بالعدالة التربويّة عدم التمييز بين الأطفال في المعاملة، على نحو لا يُعطي المربِّي ميزة لأحد أطفاله عنده أفضل من غيره. فعن الإمام الصادق عليه السلام في هذا السياق، قال:
 
 

1- الصدر، محمّد باقر، المدرسة القرآنيّة، ملحق بكتاب المجتمع والتاريخ، ص401.
2- سورة المائدة، الآية 8.
 
 
 
41

 


29

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 "نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل له ابنان، فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال له النبيّ: فهلّا واسيت بينهما؟!"1.


لذا حثّ المنهاج التربويّ النبويّ على تطبيق العدالة كقيمة رئيسة في العمليّات التربويّة.
- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "... اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم..."2.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أنّ لك عليهم من الحق أن يبرّوك"3.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى يُحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل"4.

ومبدأ المساواة والعدالة التربويّة غير مختصّ بالبيئة الأسريّة، بل كلّ مؤسّسة تربويّة مسؤولة عن تطبيق هذا المبدأ، كالمدرسة، والكشّاف، والنادي الرياضيّ، و...

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أبعد الخلق من الله رجلان: رجل يُجالس الأمراء، فما قالوا من جور صدّقهم عليه، ومعلِّم الصبيان لا يواسي بينهم..."5.

عدم التمييز في تربية الأطفال من حيث الذكورة والأنوثة
وتتأكّد العدالة التربويّة في خطّ علاقة المربّي بأطفاله من حيث الجنسيّة (الذكورة والأنوثة)، بمعنى أن لا يوجد المربّي مناخاً متمايزاً إيجاباً للطفل وسلباً للطفلة، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كان له أنثى فلم يئدها ولم يُهنها ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنّة"6.

وكذا العكس، فعن سعد بن سعد الأشعريّ قال: سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام...، فقلتُ: جُعلتُ فداك، الرجل يكون بناته أحبّ إليه من بنيه؟ قال الرضا عليه السلام: "البنات والبنون في ذلك سواء، إنّما هو بقدر ما يُنزلهم الله عزّ وجلّ منه"7.
 
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.
2- المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير: الشيخ بكري حياني / تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقا، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان، 1409 - 1989م، لا.ط،ج16، ص445.
3- المصدر نفسه.
4- محمد الريشهري، ميزان الحكمة، دار الحديث، دار الحديث، لا.ت، ط1،ج4، ص3673.
5- المصدر نفسه، ج3، ص2543.
6- ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج1، ص181.
7- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص51. أي الحبّ، إنّما يكون بقدر ما يجعل اللَّه لهم المنزلة من قلبه.
 
 
 
 
42

30

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 نعم، أحياناً، ولأنّ طبيعة البنت عاطفيّة أكثر، تحتاج إلى الرأفة والرحمة والرقّة والحنان و... أكثر من الابن، وهذا ما نُلاحظه في المنهاج النبويّ. فعن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تبارك وتعالى على الإناث أرأف منه على الذكور، وما من رجل يُدخل فرحة على امرأة بينه وبينها حرمة، إلاّ فرَّحه الله تعالى يوم القيامة"1.


وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإنّه من فرّح ابنة فكأنّما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقرّ عين ابن فكأنّما بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله أدخله جنّات النعيم"2.

التمايز بين السلوك والعاطفة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الله تعالى جبل الإنسان وفطره بأصل الخلقة والتكوين على حبّ أطفاله، وعجن في قلبه الميل العاطفيّ إليهم، وكلّ من يسلك خلاف هذا المنهج فهو يتحرّك بعكس نداء الفطرة، ويسير باتجاه مناقض لمقتضى الطبيعة. فحبّ الأطفال أمر طبيعيّ في كلّ إنسان، ولكن مع ذلك، فإنّ الحبّ من المعاني المشكّكة لا المتواطئة، بمعنى أنّ له مراتب تختلف شدّة وضعفاً في ما بينها. وتفريعاً عليه: عندما نتحدّث عن العدالة التربويّة، هل المقصود هو العدالة في الحبّ والعاطفة، أم العدالة في السلوك والعمل؟

والجواب عن هذا السؤال متوقّف على بيان مقدّمة منهجيّة متعلّقة ببيان الفارق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، فقد ميّز الفقهاء بين هذين النحوين من الأفعال. فعلى سبيل المثال يقول الميرزا حبيب الله الرشتيّ: "... إنّ محبّة الوباء وتمنّي الغلاء وأمثال ذلك من الكيفيّات النفسيّة ليست من الأفعال الَّتي تتّصف بالحرمة، ومحلّ البحث ما لو كان المعلول فعلاً قابلاً للتحريم، وهما ليسا كذلك، وكذا سائر الأمور القلبيّة والكيفيّات النفسانيّة، كالحبّ والبغض والشوق والعزم والإرادة وغيرها ممّا لا يُعدّ من الأفعال
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص6.
2- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص673.
 
 
 
 
43

31

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 الاختياريّة التي هي موضوع علم الفقه، ومعروضة للأحكام الشرعيّة، وما في الأثر من الذّمّ وتوعيد النار على جملة من الصفات الذميمة القلبيّة والأخلاق الرذيلة، كحبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة، وحبّ الجاه والرئاسة والكبر والحسد والعجب، وغيرها من الأخلاق الرذيلة، فليست على ظاهرها، بل لابدّ من صرفها بحكم العقل القاطع إمّا إلى حرمة مقدّماتها وأسبابها التي يتولَّد منها، أو إلى وجوب معالجتها بالرياضات والمجاهدات النفسانيّة، أو بعض ما قُرّر بعلاجها في الأخبار وعلم الأخلاق، أو إلى حرمة ما يجري على بعضها من الآثار كما يشهد به بعض الأخبار1"2.


وبناءً عليه، يتّضح أنّه ليس كلّ أفعال القلوب واقعة تحت قدرة الإنسان واختياره وإرادته الحرّة. وإذا أردنا أن نضرب مثلاً قرآنيّاً على ذلك، فقد تحدّث القرآن عن العدالة بين النساء حال تعدّد الزوجات بقوله: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء3, وحمل الفقهاء هذا المعنى من نفي العدالة على العدالة القلبيّة في المحبّة لا على نفي مطلق العدل، معلِّلين ذلك بأنّ المودّة القلبيّة من الأمور غير الاختياريّة، فلا تكون متعلّقاً للنهي عنها، لذا قالوا إنّ العدل الواجب بين النساء هو في ترتيب الأثر الخارجي4.

يقول السيّد الطباطبائيّ قدس سره في تفسير الآية السابقة: "العدل هو الوسط بين الإفراط والتفريط، ومن الصعب المستصعب تشخيصه، ولا سيّما من حيث تعلّق القلوب تعلّق الحبّ بهنّ، فإنّ الحبّ القلبيّ ممّا لا يتطرّق إليه الاختيار دائماً... والواجب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوّي بينهنّ عملاً بإيتائهنّ حقوقهنّ من غير تطرّف، والمندوب عليه أن يُحسن إليهنّ ولا يُظهر الكراهة لمعاشرتهنّ ولا يُسيء إليهنّ خُلُقاً"5.
 
 

1- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة، والحسد، والظنّ. قيل: فما نصنع؟ قال عليه السلام: "إذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تُحقّق". المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت - لبنان، مؤسسة الوفاء، 1403ه - 1983م، ط2،ج55، ص320.
2- ميرزا حبيب الله الرشتي، بدائع الأفكار، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، لا.ت، لا.ط،ص385.
3- سورة النساء، الآية 129.
4- السيد محمد صادق الروحاني، فقه الصادق عليه السلام، مؤسسة دار الكتاب - قم، 1412، ط3،ج22، ص228.
5- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، لا.ط،ج5، ص101.
 
 
 
44

 


32

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 وهذا ما نُلاحظه بشكل واضح في الروايات، فعندما سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام عن معنى الآية، قال عليه السلام: "يعني في المودّة"1، فعدم القدرة على العدل بين النساء في المودّة والحبّ القلبيّ لا يعني ترك العدالة في السلوك العمليّ، كما هو واضح.


وهذا المثال يصلح لتقريب الفكرة في ما نحن فيه، حيث لا نقصد بعدم التمييز بين الأطفال هو ما يعيشه الإنسان من حالات وجدانيّة داخل قلبه تجاه أطفاله وأولاده، فإنّ المشاعر القلبيّة قد تخرج عن التحكّم والسيطرة كأحاسيس في داخل الإنسان، ولهذا قد يُحبّ طفلاً أكثر من طفل، إمّا لسبب معلوم، كأن يكون الطفل نفسه متميّزاً في أخلاقه وأفعاله، وإمّا لسبب مجهول، كأن يلقى في قلبه محبّة طفل بنحو أشدّ من طفل آخر، كما عبّر الإمام الرضا عليه السلام سابقاً في قوله: "إنّما هو بقدر ما ينزلهم الله عزّ وجلّ منه"، لأنّ أفعال القلوب كثيراً ما تكون خارج التحكّم، ولذا، لا تُعتبر اختيارية للإنسان. ومن هنا لم يكن الإنسان ليُخاطب ويُكلّف بها، وبالتّالي ليعاقَب عليها، فلذا لن يكون مأموراً بالعدالة القلبيّة، فيكون معنى العدالة والمساواة التربويّة، عدم جعل ميزة خاصّة لطفل على آخر في المعاملة الفعليّة دون المحبّة القلبيّة، فإنّ المحبّة القلبيّة ليست دائماً واقعة تحت الاختيار.

لكن اتّضح ممّا تقدّم في كلام الميرزا الرشتي، أنّ الإنسان يستطيع من خلال التدريب والعادة ومجاهدة النفس، أن يصل إلى مرحلة يتحكّم فيها بمشاعره أيضاً، زيادة أو نقصاناً، من خلال السيطرة على المقدّمات والأسباب، وبالتّالي على النتائج. ومن هنا ورد النهي عن كراهة البنات كما سيأتي، لأنّ الكراهة أولاً خلاف مقتضى الفطرة، وثانياً لأنّها قابلة للتحكّم بها، وواقعة تحت الاختيار من خلال تربية النفس على خلافها.

وعلى كلّ حال، المطلوب هو أن يكون سلوك المربّي عادلاً مع أطفاله، بمعنى عدم التمييز بينهم من الناحية العمليّة، بأن لا يجعل حبّه لبعضهم أكثر من بعض ظاهراً في
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج5، ص363.
 
 
 
45

33

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 سلوكه معهم، لأنّ إظهار مدى الحبّ بالتمايز من خلال السلوك، يُثير الحساسيّة والتحاسد بين الإخوة من جهة، وقد يؤدّي إلى التباغض، أي بغض بعضهم بعضاً، فالنزاع والتصارع.


لذا، يقول الشهيد الثاني في تعليل كراهة تفضيل بعض الأبناء على بعض: "... لأنّ التفضيل يورث العداوة والشحناء بين الأولاد، كما هو الواقع شاهداً وغابراً، ولدلالة ذلك على رغبة الأب في المفضَّل المثير للحسد المفضي إلى قطيعة الرحم"1.

وهذا ما تُلمّح إليه قصّة النبيّ يوسف عليه السلام، إذ إنّ ظنّ أبناء النبيّ يعقوب عليه السلام واعتقادهم أنّه يُفضّل يوسف عليهم، جعلهم يتآمرون عليه ويكيدون له كيداً. قال تعالى في حكاية ذلك: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾2. مع الإشارة إلى أنّ النبيّ يعقوب عليه السلام لم يتصرّف على خلاف مقتضى العدل والإنصاف في تربية أولاده، وإنّما كانت زيادة العطف منه على يوسف وأخيه مسألة طبيعيّة لكونهما صغيرين وضعيفين، "وهذا النوع من الحبّ المشوب بالرقّة والترحّم ممّا يدعه الكبار للصغار، وينقطعون عن مزاحمتهم ومعارضتهم في ذلك، ترى كبراء الأولاد إذا شاهدوا زيادة اهتمام الوالدين بصغارهم وضعفائهم، واعترضوا بأنّ ذلك خلاف التعديل والتسوية، فأُجيبوا بأنّهم صغار ضعفاء يجب أن يُرقّ لهم ويُرحموا حتى يصلحوا للقيام على ساقهم في أمر الحياة، سكتوا وانقطعوا عن الاعتراض وأقنعهم ذلك"3، لكن أولاد النبيّ يعقوب عليه السلام هم أنفسهم كانوا في ضلال، ولذا لم يكن النبيّ يأمنهم على يوسف، فالمشكلة فيهم مع كونهم بالغين، لا في النبيّ الذي تعامل مع يوسف وأخيه بنيامين الطفلين، بمنطق الطفولة.

وفي هذا السياق نُلاحظ أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال والدي: والله إنّي لأصانع
 
 

1- الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، مؤسسة المعارف الإسلامية، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم - إيران، 1413ه، ط1،ج6، ص28.
2- سورة يوسف، الآيات 7-9.
3- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج11، ص92. ويراجع حول تفسير الآية: الميزان في تفسير القرآن، ج11، ص89 وما بعد.
 
 
 
 
46
 

34

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 بعض ولدي وأجلسه على فخذي وأُكثر له المحبّة، وأُكثر له الشكر، وإنّ الحقّ لغيره من ولدي، ولكن محافظة عليه منه ومن غيره، لئلّا يصنعوا به ما فُعل بيوسف وإخوته، وما أنزل الله سورة يوسف إلا أمثالاً لكيلا يحسد بعضنا بعضاً، كما حسد بيوسف إخوته، وبغوا عليه"1.


بين الحبّ والحبّ الأشدّ
ونُنبّه إلى أنّنا عندما نتحدّث عن العدالة التربويّة، إنّما يدور الكلام في المسألة بين الحبّ والحبّ الأشدّ، لا بين الحبّ والكراهة أو البغض. فحتّى لو صدر عن طفل ما أفعال عدّة غير مرغوب فيها، ينبغي أن لا تصل الحالة الشعوريّة للأب أو الأمّ تجاه الطفل إلى درجة كراهته أو بغضه، بل إنّما يُبغض عمل الطفل وفعله دون ذاته وشخصه. ويُمكن تقريب الفكرة بما ورد في بعض الأحاديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ الله يُحبّ العبد ويُبغض عمله"2، وعن الإمام الباقر عليه السلام، قال: "إنّ الله يُحبّ العبد ويُبغض عمله، ويُبغض العبد ويُحبّ عمله"3. وعلى كلّ حال، إنّ من يُصاب بحالة من الكراهة القلبيّة والبغض لأطفاله عليه أن ينظر إلى ذاته على أنّه يحتاج إلى معالجة أخلاقيّة ونفسيّة.

الفرق بين العدالة والمساواة
قد يُقال إنّ طبيعة الأنثى تختلف عن طبيعة الذكر من جهة، وإنّ طبيعة كلّ طفل تختلف عن طبيعة غيره من جهة ثانية، فالأطفال لهم خصائصهم ومميّزاتهم حسب الجنسيّة والمرحلة العمريّة واستعدادات الذكاء والسلوكات والمهارات و...، ومعنى العدالة هو إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وإعطاء كلّ ذي استعداد ما هو مستعدّ له من الكمالات. وبناءً عليه، فإنّ العدالة التربويّة تقتضي أن يكون هناك تمايز في التعامل على ضوء التمايز
 
 

1- العيّاشي، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشي، ج2، ص166.
2- نهج البلاغة، ج2، ص44.
3- الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص411.
 
 
 
47

35

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 والفروق الفرديّة والمراحل العمريّة بين الأطفال، فكيف تجتمع الدعوة إلى المساواة بينهم مع أنّها خلاف العدالة التربويّة؟


في الجواب عن هذا السؤال، لا بدّ من التمييز بين نوعين من المساواة: النوع الأوّل: المساواة التي هي مقتضى العدالة وتجتمع معها، والثاني: المساواة التي تُغاير العدالة. فلا شكّ في أنّ كلّ طفل له نوع خاصّ من الاحتياجات والمتطلّبات في كلّ مرحلة عمريّة من مراحل حياته، فالطفل ابن سنة مثلاً يحتاج إلى أن يحمله أهله ويضعوه في سريره ويُطعموه بأيديهم ويغسلوا يديه... إلخ، في حين أنّ الطفل ابن سبع سنوات يذهب إلى سريره بنفسه وينام فيه، ويستطيع أن يأكل طعامه بنفسه، ويغسل يديه بنفسه... إلخ، كما أنّ الطفلة في عمر تسع سنوات تُلزم بالحجاب والصلاة والصوم، في حين أنّ أخاها الذكر لا يُلزم بذلك. كما أنّ الطفل الذي لديه استعدادات ضعيفة من الذكاء وصعوبات تعلّم، يحتاج إلى عناية خاصّة من خلال مركز أو أستاذ في المنزل، مقابل الطفل الذي لديه استعدادات ذكاء أفضل ولا يحتاج إلى ذلك... إلخ من ألوان التمايز الطبيعيّ حسب أسبابه.

وبناءً عليه، لا يكون معنى العدالة التربويّة هنا أن يسوّي المربّي بينهما، فيحمل ابن سبع سنوات ويضعه في سريره، ويُطعمه غذاءه، ثم تُغسل يداه من قِبَل المربّي، لأنّ هذا خلاف مقتضى التربية التي تُريد أن توصل الطفل إلى كماله اللائق بحاله، من الاعتماد على ذاته وإكسابه المهارات اللازمة لإدارة حياته... إلخ.

وبهذا يتبيّن أنّ المقايسة والمقارنة إنّما يُمكن أن تحصلا بين الطفل الأوّل والثاني فيما يُمكن الاشتراك فيه، لا فيما هو مورد للتمايز والاختلاف. بمعنى أن لا يُظهر الأب أو الأمّ مثلاً، أنّه يهتمّ ويرعى ويُميّز الطفل الأوّل أكثر من الطفل الثاني... وهكذا. أمّا كيفية عدم إظهار ذلك فلها تقنيّات مختلفة، كأن يجعل الطفل الثاني هو الوسيط بينه وبين الطفل الأوّل، بإعطائه حسّ المسؤوليّة تجاهه، وإشعاره بأنّه تحت ظلّه ولطفه ومحبّته، بأن يقول له مثلاً: اهتمّ بأخيك أو أختك، حدّثه وتكلّم معه ولاعبه، أطعمه طعامه... إلخ. والتقنيّات في كلّ منزل
 
 
 
 
 
 
48

36

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 تختلف من حالة إلى أخرى، والمهم أنّ الجامع المشترك هو عدم جعل طفل ما يشعر بميزة إيجابيّة أو سلبيّة له من قِبَل المربّي على طفل آخر، والكيفية تتنوّع وتختلف حسب الجنس والعمر والحاجات... إلخ.


وبعبارة أخرى، يوجد بين الأطفال جهة اشتراك، وجهة اختلاف وتمايز، والعدالة تقتضي أن يُعطى كلٌّ منهما حقّه فيما هو متمايز به عن الآخر، بمقتضى الجنس أو السنّ أو الاستعداد والاحتياجات... إلخ. ولذا بلحاظ العناصر المشتركة يكون هناك مساواة، وبلحاظ العناصر المختلفة يكون هناك عدالة. وهنا تحتاج المسألة إلى دقّة في تشخيص متى تبدأ مرحلة وتنتهي مرحلة في تطبيق العدالة التربويّة على الأطفال من جهة، وفي تطبيق العدالة بنحو لا يشعر فيها الطفل بتمايز إيجابيّ لمصلحته على الطفل الآخر، ولا يشعر فيه أخوه بتمايز سلبيّ تجاهه.

وبهذا يتّضح وجود فرق بين العدالة والمساواة، فإنّ المساواة ليست من الضروريّ أن تكون مرادفة للعدالة، بل قد تكون المساواة ظلماً بحقّ الأطفال. فالعدالة لا تعني التساوي في نظام الحقوق والواجبات، وإنّما تعني تفاوت الحقوق بتفاوت خصائص الأطفال، وهي تتقوّم بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وعدم إعطاء غير صاحب الحقّ ما لا يستحقّه.

فالعدالة تقتضي إعطاء كلّ ذي حقٍّ من الأبناء ما هو مستحقٌّ له على ضوء كمالاته الاختيارية التي يسعى لتحصيلها، من المعرفة والخلق الكريم، والمهارات الحسنة، والالتزام بالآداب العامّة، والسعي بنشاط وجهد لتنمية ذاته وتطوير شخصيّته1... والتي تجعله متميّزاً، فيستحقّ المعاملة المميّزة مكافأة له وثواباً وتشجيعاً وتحفيزاً للتسامي، مع التنبيه إلى جعل الطفل الآخر يعي أنّ مثار التميّز ليس لأخيه أو أخته من حيث ذاته، وإنّما بسبب سيره في خطّ التكامل. فمثلاً الطفل الذي يسعى جاهداً للدراسة والتعليم وتسجيل علامات مرتفعة للنجاح، في حين أنّ أخاه يتكاسل عمداً ولا يرغب في الدراسة ولا التعلّم ويُسجّل علامات منخفضة، فإنّه من الظلم المساواة بينهما في المعاملة من هذه الناحية،
 

1- وبهذا يتبيّن أيضاً الفرق بين التمييز بين الأطفال ابتداءً، فإنّه على خلاف مقتضى العدالة، وبين التمييز جزاءً، أي من ناحية الجزاء على العمل، فإنّه بسبب المكافأة على الجميل، وهو عين العدالة.
 
 
 
49

37

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 بل ينبغي تشجيع المتعلّم بنحو يظهر فيه للمتكاسل أنّ هذا التشجيع والثواب هو على أفعاله هذه، بنحو لو أتيت مثله وصدر عنك هذا الفعل المرغوب ستُجازى وتُكافأ وتُثاب بمثله بل أكثر، ليكون أيضاً تشجيعاً للمتكاسل على شقّ طريقه نحو النجاح لنيل ذلك الثواب، ولا يكون هذا بخلاف مقتضى العدالة، بل هو العدالة.


وعلى ضوء هذا التمييز بين العدالة والمساواة، نفهم العديد من الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، منها:
عن سعد بن سعد الأشعريّ، قال: "سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يكون بعض ولده أحبّ إليه من بعض ويُقدّم بعض ولده على بعض؟

فقال عليه السلام: "نعم، قد فعل ذلك أبو عبد الله عليه السلام، نَحَلَ محمّداً، وفعل ذلك أبو الحسن عليه السلام، نَحَلَ أحمد شيئاً، فقمت أنا به حتى حزته له1"2.
 
 

1- أي قمت وتصرفت فيما أعطى أبي لأخي من النحلة حتى جمعت له، وذلك لأنه كان طفلاً.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص51.
 
 
 
 
50

38

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 المفاهيم الرئيسة


- من أبرز المشكلات التربويّة التي تعيشها بعض العائلات المسلمة هي التمييز بين الأطفال في التعامل داخل الأسرة، حيث يجري التمييز الإيجابيّ لمصلحة طفل على حساب طفل آخر، أو لمصلحة الصبيّ مقابل البنت. وقد واجه المنهاج التربويّ الإسلاميّ هذه العادة من خلال ما نصطلح عليه اسم "المساواة التربويّة" أو "العدالة التربويّة"، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "... اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم...".

- تتأكّد العدالة التربويّة في خطّ علاقة المربّي بأطفاله من حيث الجنسيّة (الذكورة والأنوثة)، بمعنى أن لا يوجد المربّي مناخاً متمايزاً إيجاباً لمصلحة الطفل وسلباً ضدّ الطفلة. فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من كان له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنّة". وكذا العكس أيضاً.

- عندما نتحدّث عن العدالة التربويّة، ليس المقصود هو العدالة في الحبّ والعاطفة، بأن يُحبّ طفلاً أكثر من طفل آخر، لأنّها في الكثير من الأحيان خارجة عن إرادة الإنسان وقدرته. بل نقصد العدالة في الفعل والسلوك، أي عدم جعل ميزة خاصّة لطفل على آخر في المعاملة الفعليّة، فلا يجعل حبّه لبعضهم أكثر من بعض ظاهراً في سلوكه معهم، لأنّ إظهار مدى الحبّ بالتمايز من خلال السلوك يُثير الحساسيّة والتحاسد بين الإخوة من جهة، وقد يؤدّي إلى التباغض، أي بغض بعضهم بعضاً، فالنزاع والتصارع.

- لو صدر عن طفل ما أفعال عدّة غير مرغوب فيها، ينبغي أن لا تصل الحالة الشعوريّة للأب أو الأمّ تجاه الطفل إلى مرحلة كراهته أو بغضه، بل يُبغض عمل الطفل وفعله دون ذاته وشخصه.

- إنّ العدالة بين الأطفال لا تعني عدم ملاحظة الفروق العمريّة والفرديّة بينهم، فالطفل ابن سنة مثلاً يحتاج إلى أن يحمله أهله ويضعوه في سريره ويُطعموه بأيديهم ويغسلوا يديه... إلخ، في حين أنّ الطفل ابن سبع سنوات يذهب إلى سريره بنفسه وينام فيه، ويستطيع أن يأكل طعامه بنفسه ويغسل يديه بنفسه... إلخ. كما أنّ الطفل الذي لديه استعدادات ضعيفة من الذكاء وصعوبات تعلُّم، يحتاج إلى عناية خاصّة من خلال مركز أو أستاذ في المنزل، مقابل الطفل الآخر الذي لديه استعدادات ذكاء أفضل لا يحتاج إلى ذلك... إلخ من ألوان التمايز الطبيعيّ حسب أسبابه.
 
 
 
 
 
51

39

الدرس الثالث: العدالة التربويّة

 أسئلة الدرس


1- هل ترى أن بعض الأسر المسلمة تواجه مشكلة التمييز السلبيّ بين الأبناء في التعامل؟
2- ما هي الأطروحة التي قدّمتها الرؤية التربويّة الإسلاميّة لمعالجة مشكلة التمييز بين الأطفال؟
3- اذكر حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحثّان على العدل بين الأبناء.
4- هل يُمكن أن يكون الإنسان عادلاً مع أبنائه في العاطفة القلبيّة والمشاعر الوجدانيّة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فأين يكمن سرّ العدالة بين الأبناء إذاً؟
5- هل العدالة بين الأطفال تعني عدم أخذ المراحل العمريّة والفروق الفرديّة بين الأبناء بعين الاعتبار، أم يمكن ملاحظة تلك الفروق بنحو لا يؤثّر في العدالة التربويّة؟
 
 
 
 
 
52

40

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 الدرس الرابع

النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد طبيعة النظرة الجاهليّة إلى البنت.
2- يذكر معتقدات المجتمعات القديمة بالمرأة.
3- يعدّد الخطوات التي أسّسها الإسلام لمكافحة النظرة السلبيّة إلى البنت.
4- يعرض النصوص الدينيّة الدالة على سمو النظرة الإسلاميّة إلى البنت.
 
 
 
 
55

41

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 تمهيد

نتوقّف في هذا الدرس عند نظرة الإسلام إلى الطفلة، لنرى مدى سمّو وتعالي هذه النظرة إنسانيّاً في ضوء تعاليم الوحي الإلهيّ، وكيف كافح الإسلام نزعة التمييز الجنسيّ ضد الطفلة.

التمييز ضدّ الطفلة عند عرب الجاهليّة
كان لدى عرب الجاهليّة العديد من العادات والتقاليد القبيحة، منها التمييز في النظرة إلى المولود بين الذكر والأنثى، فكان: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾1, وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ2.

ففي هاتين الآيتين، يرسم لنا القرآنُ تصويراً في غاية الروعة البلاغيّة في بيان كيفيّة استقبال المولود الأنثى من قِبَل العرب، فكان المولود له يستقبل الطفلة بكيفيّة يكون فيها وجهه في غاية السواد، لما يعتريه من مظاهر الحزن، بسبب قلبه المملوء بالكرب والهمّ
 
 

1- سورة النحل، الآيتان 58 - 59.
2- سورة الزخرف، الآية 17. في معنى البشر بالآية رأيان: الرأي الأوّل: أن البشر استعمل من باب التهكّم والاستهزاء بهم، كما في قوله تعالى:  (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) سورة آل عمران، الآية 21.
الرأي الثاني: أنه استعمل بمعناه الحقيقيّ، أي السرور والفرح، لأن المخبِر الناقل لخبر المولود، إنما ينقل خبراً بطبيعته ووفق مقتضى الفطرة السليمة ينبغي أن يثير مشاعر الفرح والسرور، لأن ّكلّ فعل ينبغي أن يُقابل بردّ فعل مناسب له لا معاكس، ولكن المتلقّي للخبر لسوء سريرته وقبحه الفاعليّ، يتعامل مع الخبر بطريقة عكسيّة، فأراد القرآن أن يُنبّه إلى أنّ هذا الخبر هو في حقيقته بشرى سارّة، ولكن المتلقّي يتعامل معه على أساس نفسيّته أنّه خبر محزن كئيب مخجل.
 
 
 
 
57

42

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 والغمّ والكآبة، وتجعله حالة الكآبة هذه يتوارى ويختفي ويختبئ من الناس خجلاً، ويعيش في وجدانه المظلم صراع الخيارات ويحتار في اتخاذ القرار، هل يدع الطفلة حيّة، مع ما في ذلك من عار وهوان ومذلّة له - من وجهة نظره - أم يدفنها حيّة في التراب؟! إنّه لمشهد يُفطر القلب من الألم، فما ذنب تلك الطفلة البريئة التي تفتح عينيها في هذه الدنيا فبدل أن تستقبلها ذراعا والدها بلمسات الحنان، يرفضها كأنّها شؤم له. وكان بعضهم يحسم خياره ويتّخذ القرار بوأد ابنته: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ1, والبعض الآخر يتّخذ القرار بإبقائها حيّة، ولكن ممّا يشقّ الصدر حزناً أيضاً أنّه بعد أن يُربيّها حتى تُصبح أمام عينيه فتاة بالغة ترتسم البسمة على شفاهها، وتنظر ببراءة إلى وجه أبيها، يعود إليه صوت الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء، فيُقرّر أن يدفن ابنته البالغة.


عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنّي قد ولدت بنتاً وربّيتها، حتىّ إذا بلغت فألبستها وحلّيتها، ثم جئت بها إلى قليب (أي بئر)، فدفعتها في جوفه، وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول: يا أبتاه..."2.

وقد استمرّت هذه النظرة متجذّرة في حياة المسلمين والمؤمنين، حيث كان يُنظر إلى الفتاة نظرة سخط وكره وحقد. فقد "بُشّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بابنة، فنظر في وجوه أصحابه، فرأى الكراهة فيهم..."3.

- وعن حمزة بن حمران، قال: "أتى رجل وهو عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأُخبر بمولود أصابه، فتغيّر وجه الرجل.
فقال له النبيّ: ما لك؟
فقال: خير.
فقال: قل.
قال: خرجت والمرأة تمخض، فأُخبرتُ أنّها ولدت جارية (بنتاً)..."4.
 
 

1- سورة التكوير، الآيتان 8-9.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص163.
3- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص481، ح4693.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص5.
 
 
 
58

43

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 - وعن الجارود بن المنذر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: "بلغني أنّه ولد لك ابنة، فتسخطها وما عليك منها..."1.


- ونقل إبراهيم الكرخيّ عن بعضهم، قال: "تزوّجت بالمدينة، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: كيف رأيت؟

قُلتُ: ما رأى رجل من خير في امرأة إلا وقد رأيته فيها، ولكن خانتني!
فقال عليه السلام: وما هو؟
قلت: ولدت جارية (بنتاً)..."2.

النظرة إلى المرأة في الحضارات السابقة
ويظهر من خلال الرصد التاريخيّ والإنثربولوجيّ للحضارات والثقافات، أنّ الشعوب على اختلافها كانت تُضفي على الذكورة قيمة ذاتيّة أكبر من التي تُعطيها للأنوثة. ومن الأفكار التي كانت سائدة، أنّه كان يُنظر إلى المرأة على أنّها رجس ونجس، وأنّها كائن لا نفس له، ومخلوق بلا روح، لذا لا ترث الحياة الأبديّة، وعليها أن لا تأكل الطيّبات، ولا تضحك، ولا تتكلّم. بل في بعض الأحيان كان يوضع على فمها قفل لمنعها من الكلام. وكان الرجل ينزل بها العقوبات الجسديّة لأنّها أداة غواية بيد الشيطان لإفساد القلوب. واعتُبرت رقيقاً تابعاً للرجل، ولا حقوق لها مطلقاً، وأنّها ترمز إلى الوباء والموت والجحيم، وأنّ حقّها بالحياة ينتهي بموت زوجها3، وعليها أنْ تُلقي نفسها في نيرانه، أو تُدفن مع زوجها الميت، ويطلب منها أن تنتحر لكي تقوم بخدمته في عالم ما بعد الموت. ولم يكن من حقّها أن تملك شيئاً، ولا أن تتّخذ قراراً. كما اعتُبرت أمرّ من الموت، والصلاح بالنجاة منها، وأنّها أداة من أجل تحقيق المصالح القوميّة العليا للجماعة. هذا بعض ممّا جاء من الأفكار عن المرأة، موزّعاً على الحضارات الرومانيّة والهنديّة واليهوديّة والعربيّة الجاهليّة وغيرها.
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ص6.
2- المصدر نفسه، ج6، ص5.
3- يراجع: ديورانت، ويل، قصّة الحضارة، ج1، مجلد1، ص62.
 
 
 
 
 
59

44

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 وفي العقل الغربيّ كانت المرأة كائناً من الدرجة الثانية، فقد عُقد عام 586 م مؤتمر في فرنسا للبحث في أمر المرأة، كانت نتائجه أنّ المرأة مخلوقة لخدمة الرجل1. بل نستطيع القول إنّهم من بعض الوجوه ما زالوا كذلك حتى الآن، من خلال ما ذكرناه سابقاً، إذ بقيت المرأة في الفكر الأوروبيّ والغربيّ رمزاً للاستثمار الجنسيّ، ووسيلة لإشباع رغبات الرجل.


مكافحة الإسلام لظاهرة كراهة البنات
وهذه الظاهرة التي لم تنته آثارها ومفاعليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل في عصرنا الحاضر. وعلى الرغم من مرور مئات السنين على موقف الإسلام، ما زال البعض يعيش في داخله موروثات العادات والتقاليد الجاهليّة تجاه المولود الأنثى، ولو كان هذا البعض ينتمي إلى الإسلام عقيدة وقيماً وشريعة، لعلم وآمن وعمل بقيم الإسلام في هذا المجال، فقد حاربها وكافحها بأشدّ الصور والأشكال، من خلال العديد من الخطوات التي ترجع إلى سياستي الترهيب والترغيب، والتي ينبغي أن نُربّي أنفسنا وأبناءنا عليها، حتى نصل إلى مرحلة يُصبح فيها استقبال خبر ولادة الأنثى كخبر الذكر على حدٍّ سواء، ونتجرّد من التعامل مع بشارة المولود بذهنيّة السلطة الذكوريّة. وسنذكر بعض الخطوات التي توضح لنا كيف رفع الإسلام من شأن الأنثى، وكيف كافح الإسلام هذه الظاهرة، وتلهمنا وجوب عدم التمييز بين الأطفال، من حيث الجنسيّة (الذكورة الأنوثة)، في بناء خطّ العلاقة التربويّة معهم.

أولاً: في جانب النهي، نهى الإسلام عن العديد من الحالات الذهنيّة والنفسيّة والسلوكيّة السلبيّة تجاه البنت، مثل وأدها، وكراهتها، وتمنّي موتها، وتشدّد في ذلك.

ثانياً: حثّت بعض الروايات المسلمين على التخلّق بالأخلاق الإلهيّة والنبويّة في الرأفة والرحمة بالبنات.


ثالثاً: اعتبرت بعض النصوص أن البنات هم رحمة ورأفة وبركة وخير وحسنة في المنزل، فالبيت يتبارك بوجود البنات فيه.
 

1- أنظر: شلبي، أحمد، مقارنة الأديان الإسلام، ج3، ص204-206.
 
 
 
 
60

45

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 رابعاً: ذكّرت بعض النصوص الإنسان بأنّه لا يعلم الغيب، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾1, وبالتالي ما أدراه، فقد تكون البنت أكثر نفعاً له من الذكر في المستقبل، ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾2, وما أكثر الشواهد على هذا الأمر في واقع حياتنا.


خامساً: اعتبرت النصوص أن إعالة البنات وإعانتهنّ يعتبر ستراً من النار، وبطاقة دخول الجنّة.

سادساً: ذكّرت صاحب البنات بأنه سيكون في عون الله وكنفه وظلّه ونصره.

... إلخ من النقاط التي تظهر باستقراء النصوص وتحليل مضمونها، وإليك بعض النصوص في ذلك:
النصوص الروائيّة الدالّة على طبيعة النظرة الإسلاميّة إلى البنات
1- تحريم وأد البنات:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نهى - الله عزّ وجلّ - عن عقوق الأمّهات ووأد البنات"3.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات..."4.

2- النهي عن كراهة البنات:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تكرهوا البنات، فإنّهنّ المؤنسات الغاليات"5.

3- النهي عن تمنّي موت البنات:
- عن جارود قال: قُلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: إنّ لي بنات، فقال عليه السلام: "لعلّك تتمنّى موتهنّ، أما إنّك إنْ تمنّيت موتهنّ فمتن لم تؤجر، ولقيت الله عزّ وجلّ يوم تلقاه وأنت عاص"6.
 
 

1- سورة الأعراف، الآية 188.
2- سورة النساء، الآية 11.
3- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1379 - 1338 ش، لا.ط،ص280.
4- البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ه - 1981م، لا.ط،ج3، ص87.
5- الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي، لا.ت، ط2،ج17، ص310.
6- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص5.
 
 
 
61

46

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 تقدّم في بعض الدروس أنّ حبّ الأطفال أمر فطريّ عند الإنسان، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: "قال موسى بن عمران: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبُّ الأطفال "1. وقد حثّ الإسلام الوالدين على تنشيط هذه الغريزة الفطريّة التي جبلهما الله تعالى عليها في حبّ الأطفال، الصبيان والبنات، وحفّزهم على عدم التعمية على هذه الفطرة ودسّها في غياهب قسوة القلب، ونهاهم عن كراهة البنات، وعن تمنّي موت البنات، وأنّ الإنسان يلقى الله تعالى عاصياً بسبب ذلك. وعلى كلّ حال، كلّ عمل على خلاف مقتضى الفطرة يُناهضه الدين الإسلاميّ.


4- التخلّق بأخلاق الله بالرأفة بالبنات:
- عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تبارك وتعالى على الإناث أرأف منه على الذكور..."2.

5- التأسّي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بنات"3.

- عن الجارود بن المنذر، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: "بلغني أنّه وُلد لك ابنة فتسخطها، وما عليك منها، ريحانة تشمّها وقد كُفيت رزقها. و(قد) كان رسول الله أبا بنات"4.

6- دعاء النبيّ إبراهيم أن يُرزق بنتاً:
- عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "إنّ أبي إبراهيم عليه السلام سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه وتندبه بعد موته"5.
 
 

1- أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، تصحيح وتعليق: السيد جلال الدين الحسيني (المحدث)، دار الكتب الإسلامية - طهران، 1370 - 1330 ش، لا.ط،ج1، ص200.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج6، ص6.
3- المصدر نفسه، ج6، ص6.
4- المصدر نفسه، ص6.
5- المصدر نفسه، ج6، ص6.
 
 
 
 
62

47

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 7- بركة البيت الذي فيه بنات ورحمته:

- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من بيت فيه البنات إلّا نزلت كلّ يوم عليه اثنتا عشرة بركة ورحمة من السماء، ولا ينقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت، يكتبون لأبيهم كلّ يوم وليلة عبادة سنة"1.

8- خير الأولاد البنات:
- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كانت له ابنة واحدة، كانت خيراً له من ألف حجّة، وألف غزوة، وألف بدنة، وألف ضيافة"2.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "نعم الولد البنات، ملطّفات مجهّزات، مؤنسات مباركات مفلّيات3"4.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أولادكم البنات"5.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "نعم الولد البنات، ملطّفات مؤنسات، ممرّضات مبديات"6.

9- البنات مباركات مؤنسات:
تقدّم في الحديثين السابقين، ومنها: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "رحم الله أبا البنات، البنات مباركات محبّبات...، وهنّ الباقيات الصالحات"7.

10- اعتبار البنات حسنات يُثاب عليهنّ:
- عن الإمام الصادق عليه السلام: "البنات حسنات، والبنون نعمة، فإنّما يُثاب على الحسنات، ويُسأل عن النعمة"8.
 

1- السيد البروجردي، آية الله العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائي، جامع أحاديث الشيعة، قم، لا.ن، 1399ه، لا.ط،ج21، ص303.
2- المصدر نفسه، ص302.
3- مفليات: من الفلو، وهي كلمة تدل على التربية والتفتيش، ولذا يقال للبحث عن القمل في الشعر تفلية، والمراد بالمفليات هنا إما بمعنى أنهن باحثات عن القمل مثلاً كما فهمه الفيض الكاشاني في الوافي، وإما بمعنى التفتيش عن كل أمر غير مرغوب فيه لإزالته وتنقيته، أو كناية عن شدة الاهتمام بشؤون الأب أو الأخ أو الولد والزوج...
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ح5.
5- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص219.
6- السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج21، ص301.
7- المصدر نفسه.
8- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص6.
 
 
 
63

48

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 - عنه عليه السلام: "البنون نعيم، والبنات حسنات، والله يسأل عن النعيم، ويُثيب على الحسنات"1.


11- اعتبار الطفلة ريحانة:
- روى الشيخ الصدوق: بُشّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بابنة، فنظر في وجوه أصحابه، فرأى الكراهة فيهم، فقال: "ما لكم! ريحانة أشمّها، ورزقها على اللَّه"2.

- وعن الإمام عليّ عليه السلام: "كان رسول الله إذا بُشّر بجارية، قال: ريحانة، ورزقها على الله عزّ وجلّ"3.

- عن حمزة بن حمران، قال: "أتى رجل وهو عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأُخبر بمولود أصابه، فتغيّر وجه الرجل.

فقال له النبيّ: ما لك؟
فقال: خير.
فقال: قل.
قال: خرجت والمرأة تمخض، فأُخبرت أنّها ولدت جارية.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي،ج6، ص6، ح12.
2- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص481.
3- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج101، ص98. فضل الله الراوندي، النوادر، سعيد رضا علي عسكري، مؤسسة دار الحديث الثقافية - قم، لا.ت، ط1،ص96.
 
 
 
 
64

49

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 فقال له النبيّ: الأرض تقلّها، والسماء تظلّها، والله يرزقها، وهي ريحانة تشمّها"1.


12- الأنثى قد تكون أنفع للوالدين من الذكر:
- نقل إبراهيم الكرخيّ عن بعضهم قال: "تزوّجت بالمدينة، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: كيف رأيت؟
قُلتُ: ما رأى رجل من خير في امرأة إلا وقد رأيته فيها، ولكن خانتني!
فقال عليه السلام: وما هو؟
قُلتُ: ولدت جارية.
قال: لعلّك كرهتها، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾2"3.

13- الإحسان إلى البنات يُدخل الجنّة:
- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كان له أختان أو بنتان فأحسن إليهما، كُنتُ أنا وهو في الجنّة كهاتين، وأشار بإصبعيه: السبّابة والوسطى"4.

14- إعالة البنات تُدخل الجنّة:
- عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنّة. فقيل: يا رسول الله، واثنتين؟ فقال: واثنتين. فقيل: يا رسول الله، وواحدة؟ فقال: وواحدة"5.

- وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "من عال ابنتين أو أختين أو عمّتين أو خالتين، حجبتاه من النار"6

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من عال ابنتين أو ثلاثاً كان معي في الجنّة"7.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من عال ثلاث بنات، يُعطى ثلاث روضات من رياض الجنّة، كلّ روضة أوسع من الدنيا وما فيها"8.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن عال واحدة أو اثنتين من البنات، جاء معي يوم القيامة كهاتين، وضمّ إصبعيه"9.
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص6.
2- سورة النساء، الآية 11.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص5.
4- ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج1، ص253.
5- الشيخ الكليني،الكافي، المصدر السابق، ح10.
6- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.
7- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص115.
8- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص115.
9- السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج21، ص302.
 
 
 
 
65

50

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 15- الله تعالى يُعين صاحب البنات:

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من كان له ابنة، فالله في عونه ونصرته وبركته ومغفرته"1.

- عن أحد الإمامين الباقر أو الصادق عليهما السلام، قال: "إذا أصاب الرجل ابنة، بعث الله إليها ملكاً، فأمرّ جناحه على رأسها وصدرها، وقال: ضعيفة خُلقت من ضعف، المنفق عليها معان إلى يوم القيامة"2.

- وعن الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ، عن آبائه، عن الصادق عليه السلام: "إنّ رجلاً شكا إليه غمّه ببناته، فقال عليه السلام: الذي ترجوه لتضعيف حسناتك ومحو سيّئاتك، فارجه لصلاح حال بناتك، أما علمت أنّ رسول الله قال: لمّا جاوزت سدرة المنتهى وبلغت قضبانها وأغصانها، رأيت بعض ثمار قضبانها أثداؤه معلّقة يقطر من بعضها اللبن، ومن بعضها العسل، ومن بعضها الدهن، ومن بعضها شبه دقيق السميد، ومن بعضها النبات، ومن بعضها كالنبق3، فيهوي ذلك كلّه نحو الأرض، فقُلتُ في نفسي: أين مقرّ هذه الخارجات؟... فناداني ربّي: يا محمّد، هذه أنبتّها من هذا المكان لأغذو منها بنات المؤمنين من أمّتك وبنيهم، فقل لآباء البنات: لا تضيقنّ صدوركم، عليّ فاقتهنّ، فإنّي كما خلقتهنّ أرزقهنّ"4.
 
 

1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص115.
2- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، ثواب الأعمال، تقديم: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي - قم، 1368 ش، ط2،ص202.
3- النبق: حمل شجر السدر.
4- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، عيون أخبار الرضا عليه السلام، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، بيروت - لبنان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 - 1984م، لا.ط،ج2، ص7.
 
 
 
 
66

51

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 16- الرضا بما يختاره الله تعالى:

- قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ1.

- قال الإمام الصادق عليه السلام لرجل رآه متسخّطاً من جارية وُلدت له: "أرأيت لو أنّ الله تبارك وتعالى أوحى إليك: أن أختار لك أو تختار لنفسك؟ ما كُنتَ تقول؟
قال: كُنتُ أقول: يا ربِّ تختار لي.
قال عليه السلام: فإنّ الله قد اختار لك.

ثم قال عليه السلام: إنّ الغلام الذي قتله العالِمُ الذي كان مع موسى عليه السّلام، وهو قول اللَّه عزّ وجلّ: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾2, أبدلهما اللَّه به جارية ولدت سبعين نبيّاً"3.

17- أول مولود بنت يمن لأمّها:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من يُمنِ المرأة أن يكون بكرها جارية، يعني أول ولدها ابنة"4.
 
 

1- سورة الشورى، الآية 49.
2- سورة الكهف، الآية 81.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص7.
4
 
 
 
67

52

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 المفاهيم الرئيسية


- كان بعض عرب الجاهليّة يستقبل الطفلة بكيفيّة يكون فيها وجهه في غاية السواد، لما يعتريه من مظاهر الحزن، بسبب قلبه المملوء بالكرب والهمّ والغمّ والكآبة. وتجعله حالة الكآبة هذه يتوارى ويختفي ويختبئ من الناس خجلاً.

- وكان بعضهم يحسم خياره ويتّخذ القرار بوأد ابنته: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.

- ويظهر من خلال الرصد التاريخيّ والإنثربولوجيّ للحضارات والثقافات، أنّ الشعوب على اختلافها كانت تُضفي على الذكورة قيمة ذاتيّة أكبر من التي تُعطيها للأنوثة. ومن الأفكار التي كانت سائدة، أنّه كان يُنظر إلى المرأة على أنّها رجس ونجس، وأنّها كائن لا نفس له، ومخلوق بلا روح، لذا لا ترث الحياة الأبديّة، وعليها أن لا تأكل الطيّبات.

- لم تنته آثارها ومفاعليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل في عصرنا الحاضر على الرغم من مرور مئات السنين على موقف الإسلام، ما زال البعض يعيش في داخله موروثات العادات والتقاليد الجاهليّة تجاه المولود الأنثى، ولو كان هذا البعض ينتمي إلى الإسلام عقيدة وقيماً وشريعة، لعلم وآمن وعمل بقيم الإسلام في هذا المجال، فقد حاربها وكافحها بأشدّ الصور والأشكال.

- ينبغي أن نُربّي أنفسنا وأبناءنا عليها، حتى نصل إلى مرحلة يُصبح فيها استقبال خبر ولادة الأنثى كخبر الذكر على حدٍّ سواء، ونتجرّد من التعامل مع بشارة المولود بذهنيّة السلطة الذكوريّة.

- رفع الإسلام من شأن الأنثى، وكافح النظرة السلبيّة إليها من خلال:
أولاً: في جانب النهي، نهى الإسلام عن العديد من الحالات الذهنيّة والنفسيّة والسلوكيّة السلبيّة تجاه البنت، مثل وأدها، وكراهتها، وتمنّي موتها.
ثانياً: حثّت بعض الروايات المسلمين على التخلّق بالأخلاق الإلهيّة والنبويّة في الرأفة والرحمة بالبنات.

ثالثاً: اعتبرت بعض النصوص أن البنات هم رحمة ورأفة وبركة وخير وحسنة في المنزل، فالبيت يتبارك بوجود البنات فيه.

رابعاً: ذكّرت بعض النصوص الإنسان بأنه لا يعلم الغيب، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، وبالتالي ما أدراه، فقد تكون البنت أكثر نفعاً له من الذكر في المستقبل، وما أكثر الشواهد على هذا الأمر في واقع حياتنا.

خامساً: اعتبرت النصوص أن إعالة البنات وإعانتهنّ يعتبر ستراً من النار، وبطاقة دخول الجنة.

سادساً: ذكّرت النصوص صاحب البنات بأنه سيكون في عون الله وكنفه وظلّه ونصره.
 
 
 
 
68

53

الدرس الرابع: النظرة الإسلاميّة إلى الطفلة

 أسئلة الدرس


1- ما هي نظرة العرب في الجاهليّة إلى الأنثى؟ اذكر الشواهد والأدلّة القرآنيّة على ذلك.

2- هل كانت المجتمعات السابقة على الإسلام تعيش حالة التمييز السلبيّ ضدّ الأنثى؟ اذكر بعض النماذج على ذلك.

3- كيف واجه الإسلام ظاهرة التمييز السلبيّ ضدّ الأنثى؟ اذكر 6 خطوات على ذلك.

4- عن الجارود بن المنذر، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: "بلغني أنّه وُلد لك ابنة فتسخطها، وما عليك منها، ريحانة تشمّها وقد كُفيت رزقها. و(قد) كان رسول الله أبا بنات"، حلّل مضمون هذه الرواية مستخرجاً منها 4 قيم إيجابيّة في النظرة إلى البنات.

5- عن الإمام الصادق عليه السلام، قال لرجل رآه متسخّطاً من جارية وُلدت له: "أرأيت لو أنّ الله تبارك وتعالى أوحى إليك: أن أختار لك أو تختار لنفسك؟ ما كُنتَ تقول؟ قال: كُنتُ أقول: يا ربِّ تختار لي. قال عليه السلام: فإنّ الله قد اختار لك". ما هو الدرس والعبرة التي يمكن استفادتهما من هذه الرواية؟
 
 
 
 
 
69

54

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 الدرس الخامس

التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف أنّ الطفل كائن حسّي أكثر منه عقليّ.
2- يعرض أهمّيّة تربية الطفل بالنموذج الحسّيّ والسلوكيّ.
3- يعتقد بأنّ تربية النفس هو مبدأ تربية الأطفال.
4- يُميّز بين الانضباط الذاتيّ والموضوعيّ في تربية الطفل.
 
 
 
 
 
 
71

55

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 تمهيد

ذكرنا في الجزء الأوّل1 أنّ طبيعة الطفل تتميّز بخصائص عديدة، منها:
أولاً: إنّ أوّل محطّة معرفيّة للطفل هي مرحلة الإدراك الحسّيّ، فإنّ الطفل يتعرّف إلى العالم المحيط به والأشياء من حوله بواسطة أدوات الحسّ. ومهما تطوّر الإدراك المعرفيّ عند الطفل، تبقى المعرفة الحسّيّة هي الأشدّ حضوراً في حياته. بل إنّ الإنسان بشكل عامّ، نتيجة نشأته في عالم الطبيعة والحسّ، يأنس بالمحسوس، ولهذا نُلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى عندما أراد تعليم الناس العقائد، قدّمها إليهم في القرآن الكريم بأسلوب التعليم بالتشبيه الحسّيّ والتمثيل. وهكذا كان منهج رسول الله وأهل البيت صلّى الله عليه وعليهم في التعليم. فمثلاً، نُلاحظ أنّ المعاد صُوّر في القرآن بتصويرات حسّيّة لتقريب الفكرة إلى أذهان الناس، إذ يتحدّث الله تعالى في العديد من الآيات القرآنيّة عن كيفيّة نزول الماء من السماء وإحياء الأرض ونباتها به بعد أن كانت ميتة، ويُعقّب ذلك بقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ2, أو: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ3... إلخ.

وهذا يستلزم تعليم الطفل وتقديم القيم والمعاني المجرَّدة له باعتماد أسلوب التشبيه والتمثيل الحسّيّ، وهذا هو القسم الأول من أقسام التربية بالحس.

وثانياً: إنّ قلب الطفل كالأرض الخالية والصفحة البيضاء، ما أُلقي فيها من شيء قبلته. وإنّ نفس الطفل لديها قدرة عجيبة على التقليد والمحاكاة، بل الإنسان
 
 

1- الدرس السادس.
2- سورة ق، الآية 11. وراجع: سورة الروم، الآية 19.
3- سورة فاطر، الآية 9.
 
 
 
73

56

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 بشكل عامّ ينزع إلى محاكاة وتقليد الشخصيات التي يتأثّر بها وينفعل معها.


وفي هذا السياق أيضاً، نُلاحظ أنّه لا يُمكن للإنسان أن يعيش التفاعل مع القيم كمعانٍ مجرّدة، ما لم تتمثّل وتتجسّد في أرض الواقع. فالحقّ والصدق والشجاعة والكرم... إلخ، إذا لاحظها الإنسان بحواسّه متجسّدة ومتشخّصة في الواقع بإنسان محدّد يقدّمها في السلوك، يتفاعل معها بطريقة إيجابيّة أكثر ممّا لو عقلها كمعانٍ ومفاهيم مجرّدة، لذا يتعلّق الإنسان بالشخصيّات التي تُجسد القيم. ومن هنا كانت الدعوة إلى التأسّي بشخصيّة الرسول الاكرم والإمام عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، لأنّهما نموذجان جسّدا تلك القيم وغيرها، عملاً بتمام معنى التجسّد، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾1.

وهذا هو القسم الثاني من أقسام التربية بالحسّ، وهو ليس مجرد عملية نقل المفاهيم والقيم إلى الطفل بأسلوب التشبيه الحسي، بل جعل الطفل يشاهد القيم متجسدة في سلوك المربّي.

يقول السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره بهذا الصدد: "الإنسان بحسب طبيعة جهازه المعرفيّ وتكوينه النظريّ خُلق حسّيّاً أكثر منه عقليّاً، خُلق متفاعلاً مع هذا المستوى الانخفاضيّ من المعرفة أكثر ممّا هو متفاعل مع المستوى النظريّ المجرّد من المعرفة. وهذا يعني أنّ الحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقليّ المجرّد، ويحتلّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته، أكثر ممّا يحتلّ العقل "المفهوم النظريّ المجرّد". وبناءً على هذا كان لا بد للإنسان من حسّ مربّ"2.

معتبراً أنّ هذا الحسّ المربّي هو الرسول الأعظم والأئمّة المعصومون عليهم السلام.

ولذا كانت التربية النبويّة لعليٍّ عليه السلام تربية بالنموذج الحسّيّ والسلوكيّ، كما يصف لنا أمير المؤمنين عليه السلام ذلك بقوله: "وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني
 
 

1- سورة الأحزاب، الآية 21.
2- الصدر، محمّد باقر، موجز في أصول الدين، ص224-225. ويراجع: ص224-240، فإنه بحث لطيف حول الموضوع.
 
 
 
 
74

57

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 إلى فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه1. وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن أن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره.


ولقد كُنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة. ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقُلتُ: يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلا أنّك لست بنبيّ. ولكنّك وزير، وإنّك لعلى خير"2.

ومن هنا، نُلاحظ تركيز أئمّة أهل البيت عليهم السلام على أن تكون الدعوة إلى الدين والتبليغ لرسالة الله تعالى، معتمدة على الفعل والسلوك المتجسّد قبل الدعوة باللسان، لأنّها أشدّ تأثيراً في نفوس الناس.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد، والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية"3.

ولنتأمل في كلمة "ليروا" التي تدل هنا على النظر إلى الشيء بالبصر، وهذا يعني أن العمل الصادر عن الإنسان يشكِّل نموذجاً سلوكيّاً حسيّاً يؤثر في المشاهد أكثر من تأثير الألفاظ والكلمات.

وعن أبي أسامة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "عليك بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وحسن الخلق وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم..."4.
 
 

1- عرفه: رائحته الذكية.
2- نهج البلاغة، ج2، ص175.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص77.
4- المصدر نفسه.
 
 
 
 
75

58

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 وانطلاقاً من النزعة الحسّيّة أولاً، وقدرة التقليد والمحاكاة في نفس الطفل ثانياً، و"مؤثّرية" تجسّد المعاني والقيم في النموذج الحسّيّ على المشاهد والمتلقّي ثالثاً، تُعتبر التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ من أفضل أساليب التربية للطفل، بمعنى أن يكون الأهل قدوة حسنة له، يُحاكيهم كنموذج في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم وتصرّفاتهم، ويتّبعهم في جميع ذلك. وقد عرّف الراغب الأصفهانيّ القدوة بأنّها: "الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتّباع غيره، إن حسناً وإن قبيحاً"1، وهذا يقتضي منهم إظهار الفعل المرغوب صدوره من الطفل من قبلهم في جانب الإيجاب أولاً، وإخفاء الفعل غير المرغوب صدوره عنه من قبلهم في الجانب السلبيّ ثانياً.


فالطفل لا يُمكنه -بينه وبين نفسه- تمييز السبب الذي يدعو أهله إلى نهيه عن سلوكٍ وإتيان مثله بأنفسهم، كأن ينهى الأب أو الأم مثلاً الأبن عن التدخين أو السبّ والشتم لأخيه، أو الصراخ وارتفاع صوته على أخته، أو الاعتراض على طعام ما والرمي به في الأرض... إلخ، في الوقت الذي يُمارس فيه الأهل أنفسهم التدخين والشتم والسبّ والصراخ و... في المنزل.

ونِعَم ما قال أحد تلامذة الإمام عليّ عليه السلام، أبو الأسود الدؤليّ شعراً:
يا أيّها الرجل المعلِّم غيره                  هلّا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا       كيما يصحّ به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها                 فإذا انتهت عنها فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى                 بالقول منك ويحصل التسليم
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله                  عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

فحتى لو كان سلوك الوالدين سيّئاً، ينبغي عليهما أن لا يُظهراه أمام الطفل
 
 

1- الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودي، طليعة النور، 1427ه، ط2،ص76.
 
 
 
 
76

59

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 في المنزل، لأنّه سيُقلّده ويُحاكيه ويتمثّله في سلوكاته اليوميّة، ويجد مبرّراً له في ذلك بسلوك والديه أمامه. خصوصاً أنّ الطفل إضافةً إلى قدرة المحاكاة والتقليد في حدّ نفسها، لديه تعلّق شديد وارتباط قويّ بوالديه، ممّا يزيد من نسبة الاقتداء السلوكيّ بهما.


يقول الإمام روح الله الخمينيّ قدس سره في هذا السياق: "إنّ الأطفال هم دائماً أو غالباً مع الأبوين، فلا بدّ من أن تكون تربيتهما عملية، بمعنى أنّنا لو فرضنا أنّ الأبوين ليسا متّصفين بالأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة، لكن لا بدّ من أن يُظهرا في نفسيهما الصلاح أمام الأطفال ليكونوا عمليّاً مهذّبين ومربّين، ولعلّ هذا بنفسه يكون مبدأ لإصلاح الأبوين، لأنّ المجاز قنطرة الحقيقة، والتطبّع طريق الطبع.

إنّ فساد الأبوين العمليّ يسري إلى الأطفال أسرع من أيّ شيء، فإذا تربّى الطفل عمليّاً عند الأبوين تربية سيّئة، فهي تبقى فيه إلى آخر العمر، فلا يعود قابلاً للإصلاح برغم جهود المربّين وتعبهم.

إنّ الأبوين الصالحين الحَسني التربية، هما من التوفيقات القدريّة والسعادات غير الاختياريّة التي تكون أحياناً من نصيب الطفل، كما أنّ فسادهما وسوء تربيتهما أيضاً، من الشقاوات والاتفاقات القدريّة التي تُلازم الإنسان من دون اختياره"1.

الانضباط الذاتيّ والموضوعيّ
وهذا النوع من التربية بالنموذج السلوكيّ، يساعد الطفل على الانضباط الذاتيّ، ولا على الانضباط الموضوعيّ الخارجيّ فحسب، ونقصد بالانضباط الذّاتيّ السلوك الذي ينبع من أعماق نفس الطفل، وينطلق من القوّة الداخليّة للفطرة السليمة، ويستمدّ قوّته ورصيده من المحتوى الأخلاقيّ والقيميّ والروحيّ. بمعنى أن يقوم الطفل بالسلوك الحسن ويمتنع عن السلوك السّيّئ بسبب القناعة الداخليّة المنطلقة من تلك القيم المتجسّدة في سلوك الوالدين. ويُطلق القرآن الكريم على عمليّة الانضباط الذاتيّ اسم "التزكية"، كما أشرنا إلى معناها في الدرس الأول من الجزء الأول.
 
 

1- الامام الخمينيّ، روح الله، جنود العقل والجهل، ص142.
 
 
 
77

60

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 فهذا التحديد الذاتيّ والانضباط الذاتيّ يتولّد في ظلّ التربية الإسلاميّة والتنشئة على القيم الرساليّة من خلال النموذج العمليّ، بحيث تزرع في روح الطفل قوّة معنويّة تؤثّر في سلوكه بشكل كبير، وتعمل على تحديد السلوك بشكل طبيعيّ، وتوجّهه توجيهاً مهذّباً صالحاً، من دون أن يشعر الطفل بسلب شيء من حرّيته، لأنّ هذا التحديد نابع من واقعه الروحيّ وأعماق ذاته، فلا يجد فيه حدّاً ومصادرة لحرّيّته.


في مقابل التحديد الموضوعيّ الذي يُعبِّر عن قوّة خارجيّة، تُحدّد السلوك وتضبطه في دائرة الحسن، وتتمثّل هذه القوّة الخارجيّة:
أولاً: بالأوامر والنواهي المباشرة.
وثانياً: بقانون العقاب على السلوك السيّئ1.

وعنصر الضبط الخارجيّ، وإنْ كان مهمّاً، لكنّه لا يؤدّي وظيفته المطلوبة من دون عنصر الضبط الداخليّ.

فالتربية الإسلاميّة تتميّز عن غيرها من ألوان التربية الأخرى، كالتربية التي تدعو إليها المدرسة السلوكيّة القائمة على ملاحظة السلوك وقياسه ورصده، أو المدرسة البراجماتيّة القائمة على أساس أنّ السلوك الحسن هو ما يُحقّق ثمرة عمليّة، بأنّها تُريد أن ينطلق السلوك من شحنة داخليّة قيميّة وروحيّة ووجدانيّة، لا أن يكون السلوك مجرّد حركة انضباط خارجيّ وحسب. فمثلاً لا تُريد للطفل أن يقف احتراماً للآخرين خوفاً أو طمعاً مع شتمه لهم في داخله، بل تُريد أن يقف احتراماً انطلاقاً من قيمة الاحترام التي يعيشها في داخله، كشحنة محرّكة ذاتياً للسلوك الخارجيّ، فينضبط إيقاع السلوك الخارجيّ على ضوء معزوفة القلب.
 
 

1- جرت الاستفادة في هذه الفقرة بما يتناسب مع موضوع بحثنا من كتاب: السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان، مؤسسة بوستان كتاب قم (مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي)، 1425 - 1382ش، ط2،ص282 – 284.
 
 
 
 
78

61

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 تربية الذات نقطة الانطلاق في تربية الطفل

ومن خلال ما تقدّم، يتّضح أنّ على الوالدين تربية أنفسهما قبل تأديب الطفل وتربيته، لأنّهما إن لم يكونا في أنفسهما مؤدّبين، فلا يُمكن أن يتأدّب الطفل منهما، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "من نصّب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليمه غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم"1.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أفضل الأدب ما بدأت به نفسك"2.

وعنه عليه السلام: "تولّوا من أنفسكم تأديبها..."3.

فعملية تربية الطفل لا تكون بمجرّد اللفظ والقول ولسان الأمر والنهي، بل تكون تربية عمليّة من خلال كون المؤدِّب نموذجاً وقدوة وأسوة للطفل، يُحاكيه في أفعاله وسلوكاته. لذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "أصلح المسيء بحُسن فعالك"4.

وعنه عليه السلام، قال: "لسان الحال أصدق من لسان المقال"5.

فمن الأصول التربويّة في الرؤية الإسلاميّة التربية بالنموذج والقدوة والأسوة، وهذا النوع من التربية غير مختصّ بالأب والأمّ، بل يشمل كلّ معلّم ومربّ، في المدرسة والكشّاف وغيرهما من المؤسّسات التربويّة. فعلى الأب والأمّ والمعلّم والمربّي والقائد الكشفيّ والمدرّب الرياضيّ... حتى يستطيعوا تربية الطفل والتلميذ تربية صالحة، أن يبدأوا بتربية أنفسهم أولاً، ليكون ذلك منطلقاً صحيحاً لتربية الأطفال والتلاميذ تالياً، وأن تكون تربيتهم بسيرتهم وفعلهم، لا بالأقوال والألفاظ.
 

1- نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه، ص640-641، ح73.
2- ميزان الحكمة، ج1، ص54.
3- نهج البلاغة، فصل في بيان كلمات غريبة جاءت في كلامه، ح359.
4- عيون الحكم والمواعظ، ص82.
5- المصدر نفسه، ص420.
 
 
 
 
79

62

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 يقول السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ قدس سره: "إنّ من الواجب أن يكون المعلّم المربّي عاملاً بعلمه، فلا تأثير في العلم إذا لم يُقرن بالعمل، لأنّ للفعل دلالة كما أنّ للقول دلالة. فالفعل المخالف للقول يدلّ على ثبوت هيئة مخالفة في النفس، يُكذِّب القولَ، فيدلّ على أنّ القول مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله.


ولذلك، نرى الناس لا تلين قلوبهم ولا تنقاد نفوسهم للعظة والنصيحة، إذا وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبّس بالعمل، متجافياً عن الصبر والثبات في طريقه، وربما قالوا: لو كان ما يقوله حقّاً لعمل به... فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلِّم المربِّي نفسُه متّصفاً بما يصفه للمتعلِّم، متلبّساً بما يُريد أن يلبسه، فمن المحال العاديّ أن يُربّي المربِّي الجبانُ شجاعاً باسلاً، أو يتخرّج عالمٌ حرٌّ في آرائه وأنظاره في مدرسة التعصّب واللّجاج، وهكذا1...

فلذلك كلّه، كان من الواجب أن يكون المعلِّم المربِّي ذا إيمان بموادّ تعليمه وتربيته.

... فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هي ما كان المعلِّم المربِّي فيها ذا إيمان بما يُلقيه إلى تلامذته، مشفوعاً بالعمل الصالح الموافق لعلمه. وأمّا غير المؤمن بما يقوله، أو غير العامل على طبق علمه، فلا يُرجى منه خير. ولهذه الحقيقة مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيّين والإسلاميّين، لا سيّما في التعليم والتربية في معاهدنا الرسميّة وغير الرسميّة، فلا يكاد تدبير ينفع ولا سعي ينجح"2.

وفي هذا السياق نتناول مقطعاً مهمّاً من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله، يوضح فيها وظيفة المعلِّم تجاه الطفل، يقول: "إذا أخذنا التعليم بمعناه الواسع، فإنّه يشمل هذه الأمور الثلاثة:
1- الأوّل: تعليم العلم، أي تدريس محتويات الكتب والعلوم التي ينبغي لأولادنا - رجال ونساء بلادِنا في المستقبل - أن يتعلّموها.
 
 

1- قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 44. وقال حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ سورة هود، الآية 88.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج6، ص259-260.
 
 
 
 
80

63

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 2- الثاني: وهو أهمّ من الأوّل، هو تعليم التفكير. يجب أن يتعلّم أطفالنا كيف يُفكّرون - الفكر الصحيح والمنطقيّ -، وينبغي أن تجري هدايتهم نحو التفكّر الصحيح... الاستفادة من العلم إنّما تُصبح ممكنة بواسطة التفكير.


3- الثالث: هو السلوك والأخلاق، أي تعليم السلوك والأخلاق... (و) تعليم الأخلاق والسلوك ليس من قبيل تعليم العلم، بحيث يقرأ الإنسان ويدرس من الكتب وحسب. درس الأخلاق لا يُمكن نقله بواسطة الكتب، السلوك مؤثّر أكثر من الكتاب والكلام. أي إنّكم في الصفّ وبين التلاميذ تُدرّسونهم بسلوككم. بالطبع يجب القول والبيان بالكلام أيضاً، ويجب إسداء النصيحة، لكنّ السلوك تأثيره أعمق وأشمل. سلوك الإنسان يُبيّن صدق الكلام"1.
 
 

1- من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله في لقاء المعلمين والتربوييّن بمناسبة أسبوع المعلّم بتاريخ 07/05/2014م.
 
 
 
 
81

64

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 المفاهيم الرئيسة


- أوّل محطّة معرفيّة للطفل هي مرحلة الإدراك الحسّيّ، فإنّ الطفل يتعرّف إلى العالم المحيط به والأشياء من حوله بواسطة أدوات الحسّ. ومهما تطوّر الإدراك المعرفيّ عند الطفل، تبقى المعرفة الحسّيّة هي الأشدّ حضوراً في حياته، وهذا يستلزم تعليم الطفل وتقديم الأفكار والقيم و... له من خلال أسلوب التشبيه والتمثيل الحسّيّ.

- إنّ قلب الطفل كالأرض الخالية والصفحة البيضاء، ما أُلقي فيها من شيء قبلته. وإنّ نفس الطفل لديها قدرة عجيبة على التقليد والمحاكاة، والطفل لا يُمكنه العيش والتفاعل مع القيم كمعانٍ مجرّدة ما لم تتمثّل وتتجسّد في أرض الواقع. وهذا يعني أهمّيّة تربية الطفل من خلال النموذج السلوكيّ والقدوة والأسوة.

- تُعتبر التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ من أفضل أساليب التربية للطفل، بمعنى أن يكون الأهل قدوة حسنة له، يُحاكيهم كنموذج في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم وتصرّفاتهم، ويتبعهم في جميع ذلك، وهذا يقتضي منهم إظهار الفعل المرغوب صدوره من الطفل من قِبَلهما في جانب الإيجاب أولاً، وإخفاء الفعل غير المرغوب صدوره عنه من قِبَلهما في الجانب السلبيّ ثانياً.

- استعمل القرآن الكريم الأسلوب الحسّيّ في التربية من خلال "التربية بالقصّة"، في تقديم المفاهيم والقيم... التي يُريد إيصالها إلى الناس.

- التربية بالنموذج السلوكيّ تُساعد الطفل على الانضباط الذاتيّ، وليس على الانضباط الموضوعيّ الخارجيّ وحسب، ونقصد بالانضباط الذاتيّ، الفعل والسلوك الذي ينبع من أعماق نفس الطفل، وينطلق من القوّة الداخليّة للفطرة السليمة، من دون أن يشعر الطفل بسلب شيء من حرّيّته. فالتربية الإسلاميّة تتميّز عن غيرها من ألوان التربية الأخرى، بأنّها تريد أن ينطلق السلوك من شحنة داخليّة قيميّة، لا أن يكون السلوك مجرّد حركة انضباط خارجيّ وحسب.

- على الوالدين تربية أنفسهما قبل تأديب الطفل وتربيته، لأنّهما إن لم يكونا في أنفسهما مؤدّبين، فلا يُمكن أن يتأدّب الطفل منهما، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه. فعن الإمام عليّ عليه السلام: "أفضل الأدب ما بدأت به نفسك".

- وظيفة المعلِّم تجاه الطفل في رأي السيّد عليّ الخامنئيّ: تعليم العلم، أي تدريس محتويات الكتب والعلوم، وتعليم التفكير، أي أن يتعلّم أطفالنا كيف يُفكّرون. وتعليم الأخلاق والسلوك، أي تدريس الأطفال في الصفّ من خلال السلوك الحسن.
 
 
 
 
 
82

65

الدرس الخامس: التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ

 أسئلة الدرس


1- كيف تربط بين كون أوّل محطّة معرفيّة للطفل هي مرحلة الإدراك الحسّيّ، ولزوم تعليم الطفل للقيم والأفعال المرغوب فيها من خلال أسلوب التشبيه والتمثيل الحسّيّ؟
2- ما هي أهمّيّة تربية الطفل من خلال النموذج السلوكيّ والقدوة والأسوة؟ وما هي مميّزات هذا النوع من التربية وخصائصه؟
3- إنّ تربية الطفل من خلال النموذج السلوكيّ تضع الوالدين أمام تحدّيات تربويّة عديدة، ما هي؟
4- ما هي وظيفة المعلِّم تجاه الطفل في رأي الإمام الخامنئيّ دام ظله؟
 
 
 
 
 
83

66

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 الدرس السادس

التربية بالحبّ والرحمة (1)  المفهوم - الأهداف - الأساليب


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرّف التربية بالحبّ.
2- يحدّد أهداف التربية بالحبّ.
3- يميّز بين أنواع الحبّ في تربية الطفل.
4- يعرض بعض أساليب التربية بالحبّ في ضوء النصوص الدينيّة.
 
 
 
 
 
85

67

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 ما هي التربية بالحبّ؟

كلّ إنسان يدرك واقع الحبّ بالمعرفة الحضوريّة، لأنّه صفة نفسانيّة يعيشها بالوجدان. فالحبّ لا يحتاج إلى تعريف منطقيّ كي يتّضح معناه، وقد أقرّ العرفاء بالعجز عن تعريف الحبّ. يقول محيي الدين بن عربي: "اختلف الناس في حدّه (أي الحبّ)، فما رأيت أحداً حدّه بالحدّ الذاتيّ، بل لا يتصوّر ذلك، فما حَدَّه مَنْ حَدَّه إلا بنتائجه وآثاره ولوازمه"1.

ويمكن التعريف اللفظيّ للحبّ الإنسانيّ، بأنه الميل القلبيّ والانجذاب العاطفيّ نحو شيء ما، يعود باللذّة والبهجة على المُحِبّ.

والتربية بالحبّ تعني استثمار هذا الشعور الفطريّ بنحو إيجابيّ في تكوين هويّة الطفل بمختلف أبعادها، خصوصاً الجانب الوجدانيّ والعاطفيّ من شخصيّته.

أهداف التربية بالحبّ
تهدف عملية تربية الطفل بالحبّ إلى تحقيق أغراض عدّة، منها:
- النموّ السليم للبعد العقليّ والقيميّ والسلوكيّ.
- إشباع الحاجات العاطفيّة والوجدانيّة للطفل.
- التمتّع بالصحّة النفسيّة، بعيداً عن العقد والأمراض2.
- زيادة منسوب الذكاء العاطفيّ.
- تقوية الارتباط و"المؤثرية" بين المربّي والطفل المتربّي.
 

1- إبن عربي، الفتوحات المكية، بيروت - لبنان، دار صادر، لا.ت، لا.ط،ج2، ص325.
2- بانبيلة، حسن بن عبد الله، أصول التربية للطفولة في الإسلام، ص221.
 
 
 
87

68

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 العاطفة بين الجوع والإشباع

إنّ الطفل بأصل تكوينه كائن رقيق حسّاس عاطفيّ، يشعر بالحاجة إلى يد تمتدّ لتلبية نداء الوجدان لديه، وتروي ظمأه العاطفيّ. فـ"الطفل في حاجة إلى أن يشعر بحبّ الآخرين له ورضاهم عنه، خصوصاً أبويه ومعلّميه، فهو في حاجة إلى أن يكون مقبولاً مرغوباً فيه من قبل الوالدين والآخرين"1، وهو محتاج إلى الشعور بأنه موضع حبّ واهتمام وعناية ورعاية وتقدير واحترام...

ومحبّة الطفل عملة لها وجهان: إيجابيّ من حيث إنّها تمنحه طاقة إيجابيّة وتحقّق له الشعور بالسعادة، وتجعله يعيش البهجة واللّذة والسرور، وهي حاجات ضروريّة للنموّ السليم للطفل2. ووجه سالب، بمعنى أنّها تقلّص الطاقة السلبيّة عنده، وتساهم في التخفيف من حالات التوتّر والعصبيّة والعدوانيّة والأرق... في نفس الطفل.

والطفل الذي لا ينال كفايته من الحبّ والحنان من قبل والديه، سيعيش الحرمان العاطفيّ، وسيحرّكه دافع الحاجة في ذاته إلى البحث عمّا يسدّ جوعه العاطفيّ، ويرفع حرمانه خارج دائرة الوالدين. وهنا تكمن الخطورة، إذ قد يخطئ الطفل الطريق، فيرمي نفسه في أحضان شخص آخر يعوّض له عن حنان الأب والأمّ، أو يلجأ لأجل لفت نظر والديه إلى وسائل مضرّة به، فيؤذي نفسه، أو يصبح عدوانيّاً في سلوكه، أو يفشل...

لذا، على الوالدين التعامل بحبٍّ مع أطفالهم، والسعي لإشباع الحاجات العاطفيّة والوجدانيّة لهم بجميع الأساليب الممكنة، كي ينموا عقليّاً ووجدانيّاً وجسميّاً بشكل سليم.

حبّ الأطفال
أوّل خطوة على طريق التربية بالحبّ، هي أن يعيش الإنسان المربّي، سواء أكان أباً أم أمّاً أم معلّماً أم قائداً كشفياً أم مدرّباً رياضيّاً،... حالة الحبّ تجاه الأطفال المتربّين.
 
 

1- مرسي، محمد سعيد، فن تربية الأولاد في الإسلام، ص27.
2- مرسي، محمد سعيد، أحدث الأساليب التربويّة الفعالة للآباء والأمهات، ص27.
 
 
 
88

69

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 وإن كان حبّ الأطفال لرقّتهم وبراءتهم وطهارتهم وضعفهم من المشاعر التي جُبلت عليها النفس الإنسانيّة بأصل الخلقة والتكوين، إلا أنّه كباقي الميول الفطريّة، قابل للسير في اتجاهين، فهو إما أن يتفتّح ويتسامى باتجاه الكمال، وإما أن يذبل ويُدسّ في التراب، وكلّ ذلك بفعل الاختيار من جهة، وتأثير العوامل والظروف الخارجيّة من جهة ثانية. فاندراج شعور حبّ الأطفال شدّة وضعفاً تحت الإرادة الإنسانيّة الحرّة، يجعل إمكانيّة ضعف هذا الشعور الفطريّ بسبب بعض العوامل الذاتية أو الخارجية أمراً واقعياً. ولعلّنا في هذا السياق نلاحظ الحثّ في النصوص الدينيّة على حبّ الأطفال، وجعله من أفضل الأعمال.


عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنّه قال: "قال موسى بن عمران: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبُّ الأطفال..."1.

وفي هذا السياق أيضاً، نفهم الأمر بحبّ الصبيان والنهي عن كراهة البنات في بعض النصوص الدينيّة.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّوا الصبيان، وارحموهم..."2.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تكرهوا البنات، فإنّهنّ المؤنسات الغاليات"3.

فالحبّ صفة مشكّكة وليست متواطئة، أي قابلة للاشتداد والنقص بالاختيار، والمطلوب من المربّي أن يعمل على اشتداد الشعور بالحبّ تجاه المتربيّن في داخله، خصوصاً الآباء والأمّهات، وليعلم الإنسان أن حبّه لأطفاله وأبنائه مدعاة لنزول الرحمة الإلهيّة على العبد.

عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال: "إنّ الله عزّ وجلّ ليرحم العبد لشدّة حبّه لولده"4.
 
 

1- البرقي، المحاسن، ج1، ص200.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج6،ص49.
3- الطبراني، المعجم الكبير، ج17، ص310.
4- الشيخ الكليني، الكافي، ج6، ص50.
 
 
 
 
89

70

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 وسطيّة الحبّ بين الإفراط والتفريط

إنّ الحبّ كباقي الكيفيّات النفسانيّة من ناحية ثلاثيّة الخطوط، بمعنى أنه يمكن أن يكون في نقطة الوسط، ويمكن أن يميل إلى جانب الإفراط أو التفريط. والمطلوب في حبّ الأطفال هو الوسطيّة والاعتدال، كي يكون حبّاً إيجابيّاً، والميل عن الوسطيّة إلى أحد الجانبين يجعل الحبّ سلبيّاً.

فالتفريط في الحبّ قد يؤدّي إلى الغفلة عن الله تعالى، والإفراط في الحبّ قد يؤدّي إلى الوقوع في فخّ معصية الله. فكم من شخص يعصي الله في وظيفته أو معاملاته التجاريّة مثلاً، فيرتشي أو يغشّ أو يزوّر... بحجّة أنه يريد أن يوسّع على أولاده تحت شعار حبّه لهم، وكم من إنسانٍ قد لا يشارك في التشكيلات الجهاديّة ويتخلّف عن الجهاد، ليبقى إلى جانب أطفاله، بذريعة شدّة ارتباطه العاطفيّ وحبّه لهم... إلخ من الحالات، كما يوحي بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ1.

والخطورة في مثل هذا الحبّ السالب في التربية، هو أنه يؤدّي إلى ضرب فاعليّة بعض الأساليب التربويّة، كالتربية بالنموذج السلوكيّ، ويؤدّي إلى اعتماد أساليب خاطئة فيها، كأسلوب الإفراط في التدليل والتغنيج، أو الإفراط في الحماية، من خلال "التساهل مع الطفل وتشجيعه على إشباع رغباته، وممارسة مختلف أشكال السلوك من دون مراعاة الضوابط الدينيّة أو الخلقيّة أو الاجتماعيّة... فلهذا الأسلوب آثاره السلبيّة في شخصيّة الطفل، إذ ينشأ أنانيّاً غير آبه بأحد، حريصاً كلّ الحرص على تلبية رغباته والحصول على كلّ ما يريد"2.

وكذلك في جانب التفريط، يؤدّي نقص جرعة الحبّ للأطفال إلى استخدام أساليب سلبيّة عدّة، مثل: الأسلوب التسلّطيّ، أي التحكّم بأفعال الطفل وأقواله ورغباته بما يتوافق
 
 

1- سورة التوبة، الآية 24.
2- عجمي، سامر توفيق، عقوبة الطفل في التربية الإسلاميّة، ص199-200.
 
 
 
 
90

71

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 مع رغبات الأهل، بغضّ النظر عن حاجات الطفل ومتطلّباته، أو أسلوب الإهمال، بمعنى تجاهل الوالدين للطفل، وعدم الإشراف والتوجيه لأفعاله وأقواله، إيجاباً أو سلباً1.


الحبّ الحازم
وأفضل الطرائق في التربية بالحبّ، هو أن يستخدم المربّي أسلوب الحزم في لين، وقد ورد في روايات عدّة أن من صفات المؤمن وعلاماته أن يكون له حزم في لين2، بمعنى أن يضع الأمور في مواضعها من خلال الموازنة بينها من ناحية الآثار والنتائج، فيكون ليِّناً حينما يتطلّب الموقف ذلك، ويكون حازماً حينما تقتضي مصلحة الطفل ذلك، فلا حبّه يمنعه من الحزم، ولا حزمه يجعله قاسي القلب.

ومن الضروريّ التنبّه إلى التمييز بين الحزم والقسوة3، لأن الحزم يجتمع مع الحبّ والرحمة، أما القسوة فهي الغلظة القلبيّة التي تتنافى مع الحبّ والرحمة، وقد وقعت مورداً للذمّ في نصوص دينيّة عدّة.

يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم﴾4.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: "إنّ أبعد الناس من الله القلب القاسي"5.

وعن حفيده الإمام الصادق عليه السلام، قال: "ومن قَسا قلبُه بَعُد من ربّه"6.

وفي هذا السياق، "أوضحت دراسة أعدّتها مؤسّسة ديموس البريطانيّة للأبحاث، أن الموازنة بين مشاعر الحبّ والحنان والانضباط والحزم تنمّي في الطفل العديد من مهارات التواصل الاجتماعيّ، مقارنة بالتربية الحازمة وحسب، أو تلك التي تتركه ينمو ويكبر دون انضباط.
 

1- يراجع: المصدر السابق، ص200.
2- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "فمن علامة أحدهم (أي المتّقين) أنّك ترى له قوّة في دين، وحزماً في لين". نهج البلاغة، ج2، ص163. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين". الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص231.
3- يراجع حول قسوة القلب وأسبابها ونتائجها: عجمي، سامر توفيق، العبرة في البكاء على سيّد الشهداء، ص35 وما بعد.
4- سورة الزمر، الآية 22.
5- الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص3.
6- الشيخ الكليني،الكافي، ج3، ص199.
 
 
 
 
 
91

72

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 وقالت الدراسة إنّ الأطفال حتى حدود الخامسة من العمر، الذين يتربّون في بيئة عائليّة محبّة ومنضبطة، أو ما يعرف بـ "الحبّ الحازم"، ينمّون قدرات وصفات شخصيّة أفضل من أقرانهم ممّن تربّوا في بيئات مختلفة نسبيّاً.


وقال مؤلّف الدراسة جين لكسموند: إنّ المهمّ هنا هو تطوير الثقة والحبّ والحنان، المقرون بالضبط والحزم والصرامة"1.

التعبير عن الحبّ قولاً وعملاً
إنّ الحبّ كحالة نفسيّة داخليّة ليس عنصراً كافياً في عمليّة التربية بالحبّ، بل الأهمّ هو إبراز هذا الشعور الداخليّ ونقله من حيّز الوجدان إلى متن الوجود، في الأقوال والأفعال والحركات والسكنات، فكم من إنسان يحبّ أطفاله أو تلامذته أو الآخرين في قلبه، إلّا أنه لا يُظهِر حبّه لسبب أو آخر؟!

وإبراز أصل الحبّ والرحمة يحصل من خلال أساليب عدّة، نستوحي معظمها من النصوص الدينيّة.

أسلوب نظرة الحبّ
ينبغي على المربّي أن ينظر باستمرار إلى المتربّي بعين الحبّ، بنحو يُشعِر الطفل أنّه ينظر إليه بعطف ورحمة وحنان، لأن هذه النظرة تدخل الفرح والسرور في قلبه، وتجعله يحسّ أنه موضع عناية واهتمام وتقدير.

عن الإمام موسى الكاظم، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا نظر الوالد إلى ولده فسرّه، كان للوالد عتق نسمة2. قيل: يا رسول الله، وإن نظر ستين وثلاثمئة نظرة؟! قال: الله أكبر"3.
 
 

1- http://www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2009/11/091108_hh_childupbringing_tc2.shtml
2- عن الإمام الصادق عليه السلام: "من أعتق نسمة صالحة لوجه اللَّه عزّ وجلّ، كفّر اللَّه عنه بها مكان كلّ عضو منه عضوا من النار". الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص180.
3- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص169.
 
 
 
 
92

73

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 ولأهمّيّة نظرة الحبّ، اعتبرها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عبادة، ونزّلها منزلتها.


عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "نظر الوالد إلى ولده حبّاً له عبادة"1.

أسلوب كلام الحبّ
يقول الشاعر:
إنّ الكلام لَفي الفؤاد وإنّما             جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً

إنّ بعض الآباء يعيش الحبّ في داخله تجاه أطفاله، ولا يعبّر لهم عن ذلك الحبّ في كلامه، وإن كان يردّده في داخله. وقد يصدر عن أحدهم سلوك مرغوب فيه مثلاً، فيُحدِّث نفسه بأنه فعل جميل، ويقول في داخله: أحسنت، لكنّه لا ينطق به لسبب أو آخر. فعلى مثل هؤلاء الآباء أن ينتبهوا إلى أنّ التعبير عنّ الحبّ يزيد حرارة الشوق ودفء التواصل، ويزيد من العلاقة العاطفيّة بين الطفل وبينهم، ويشبع حاجاته في ساحات عدّة، ولا يكفي تبرير الموقف بالحبّ القلبيّ أو الحبّ العمليّ، فإنّ الحبّ اللفظيّ له منزلة خاصّة في القلب لا تذهب منه أبداً، فينبغي على المربّي أن يعبّر عن حبّه لطفله بلسان الكلام أيضاً، فيردّد على مسامع طفله يوميّاً: "إنّي أحبّك"، "اشتقت إليك"، "أنت طفلي الحبيب"،... إلخ من العبارات التي تُظِهر الحبّ..

وعلى المربّي أن يلتفت إلى عدم الربط بين التلفّظ بنفي الحبّ عن الطفل، وبين إرشاده وتوجيهه إلى سلوك مرغوب فيه، فلا يقول له مثلاً: أنا لا أحبّك لأنّك فعلت كذا، أو إذا فعلت كذا لن أحبّك، بل ينبغي استبدال هذه العبارات وأمثالها بعبارات أخرى، مثل: أنا غير مسرور، أو هذا السلوك يزعجني، أو يشعرني بالحزن...

ومن جملة كلام الحبّ، أن يطلب المربّي حاجته من الطفل بلطف، مثل: لو سمحت، من فضلك، ممكن... وإذا أخطأ بحقّه أن يبدي الاعتذار إليه مشافهة، مثل قوله: أنا آسف، أعتذر، عفواً... فإنّ لذلك دوراً في تربية الطفل على أدب الخطاب والاعتذار، فضلاً عن الارتباط العاطفيّ بالمربّي.
 

1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص170.
 
 
 
93

 


74

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 أسلوب قُبلة الحبّ والرحمة

إنّ القُبلة على خدّ الطفل أو جبينه أو يده من أسمى أنواع التعبير عن الحبّ والرحمة، وقد ركّز المنهاج التربويّ النبويّ في هذا الأسلوب قولاً وعملاً، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديم تقبيل طفليه الحسن والحسين عليهما السلام.

ففي يوم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً مع أصحابه، إذ أقبل إليه الحسن والحسين عليهما السلام وهما صغيران...، فمرّة يضع لهما رأسه، ومرّة يأخذهما إليه، فقّبلهما، ورَجل من جلسائه ينظر إليه كالمتعجب من ذلك.

ثم قال: يا رسول الله، ما أعلم أنّي قبّلت ولداً لي قطّ.

فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى امتقع لونه. فقال للرجل: "... من لم يرحم صغيرنا، ويعزّرْ كبيرنا فليس منّا"1.

وفي يوم آخر، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبّل الحسن والحسين، فقال عيينة: إنّ لي عشرة ما قبّلت واحداً منهم قطّ. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من لا يَرحَم لا يُرحم"2.

ونلاحظ في هذه الروايات نكات مهمة:
- إنّ رحمة الطفل من أصول التربية في المنهاج النبويّ، إذ نفى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم النسبة بينه وبين الشخص الذي لا يستعمل أسلوب الرحمة مع الطفل، بقوله: "ليس منّا".

- اعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التقبيل من أساليب الرحمة، وربط بين عدم التقبيل ونزع الرحمة من قلب الأب أو الأمّ...

- بيّن لنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تربية الطفل بالرحمة، سيكون لها أثر في نفس المربّي، إذ سيكون المتربّي رحيماً مع المربّي، كما يفيده قوله: "من لا يَرحم لا يُرحَم".
 

1- المغربيّ، النعمان بن محمّد، شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار، ج3، ص115.
2- ابن شهر آشوب، مشير الدين أبو عبد الله محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، تصحيح وشرح ومقابلة لجنة من أساتذة النجف الأشرف، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، 1376ه - 1956م، لا.ط،ج3، ص155. ومسند أحمد بن حنبل، ج2، ص228.
 
 
 
94

75

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 ومن النصوص الواردة عن الرسول في الحثّ على تقبيل الطفل:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: "من قبّل ولده كتب الله عزّ وجلّ له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة، ومن علّمه القرآن، دُعي بالأبوين فيُكسيان حلّتين يضيء من نورهما وجوه أهل الجنّة"1.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "قبّلوا أولادكم، فإنّ لكم بكل قبلة درجة في الجنّة، ما بين كلّ درجتين خمسمئة عام"2.

وعن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "قُبلة الولد رحمة"3.

أسلوب ضمّ الطفل
من أساليب أصل الحبّ والرحمة أيضاً في تربية الطفل، ضمّه وشمّه واحتضانه وإجلاسه في الحجر، فينبغي على المربّي عدم البخل على الطفل بالضمّ والحضن، فإنّ حاجة الطفل إليهما على حدّ حاجته إلى الهواء والطعام والشراب.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقبّل الحسين عليه السلام، ويضمّه إليه، ويشمّه4.

وقد كان من أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أن يجلس الحسن والحسين عليهما السلام على فخذيه ويضمّهما إليه، تعبيراً عن حبّه وارتباطه العاطفيّ بهما.

أسلوب البسمة
من الأساليب المعبّرة عن الحبّ أيضاً، إدامة البسمة في وجه الطفل، حتى لو كان المربّي مثقلاً بالأعباء والهموم، إذ إن همومه ينبغي أن تبقى حبيسة صدره أمام طفله، فلا يشعره بالكآبة والهمّ والحزن.
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص49.
2- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص220.
3- المصدر نفسه.
4- الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمة في معرفة الأئمة، بيروت - لبنان، دار الأضواء، 1405ه - 1985م، ط2،ج2، ص272.
 
 
 
95

76

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 وقد ركّز المنهاج النبويّ في عموم تبسّم المؤمن في وجه إخوانه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "تبسّم المؤمن في وجه أخيه حسنة"1، فكيف الحال بالتبسّم في وجه الأطفال؟!


أسلوب المسح على رأس الطفل
فقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصبح مسح على رؤوس ولده وولد ولده2.

أسلوب المبادرة بإلقاء السلام على الطفل
من أساليب الحبّ، مبادرة الأب أو الأمّ إلى إلقاء التحيّة والسلام على الطفل، فإذا استيقظ مثلاً قالوا له: السلام عليكم، صباح الخير والنور. وإذا رجع الأب أو الأمّ إلى البيت بعد غيابهما عن المنزل. كذلك على الأهل أن يبادروا الطفل بالسلام... إلخ. فقد كان من أخلاق النبيّ أنه إذا مرّ على غلمان ألقى عليهم السلام3.

ويمكن أن نستوحي هذا المعنى أيضاً ممّا رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خمس لا أدعهنّ حتى الممات:... والتسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي"4.
 

1- علي الطبرسي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، مهدي هوشمند، دار الحديث، 1418، ط1،ص316.
2- ابن فهد الحلي، عدة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح: احمد الموحدي القمي، مكتبة وجداني - قم، لا.ت، لا.ط،ص87.
3- صحيح مسلم، ج7، ص5.
4- الشيخ الصدوق، الخصال، ص271.
 
 
 
 
96
 

77

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 المفاهيم الرئيسة


- الحبّ هو الميل القلبيّ والانجذاب العاطفيّ نحو شيء ما، يعود باللذّة والبهجة على المُحِبّ. والتربية بالحبّ تعني استثمار هذا الشعور الفطريّ بنحو إيجابيّ في تكوين هويّة الطفل بمختلف أبعادها، خصوصاً الجانب الوجدانيّ والعاطفيّ من شخصيّته.
- يحتاج الطفل إلى الشعور بحبّ أبويه له ورضاهما عنه، ومحبّة الطفل تمنحه طاقة إيجابيّة وتحقّق له الشعور بالسعادة، وترفع عنه الطاقة السلبيّة، وتساهم في التخفيف من حالات التوتّر والعصبيّة والعدوانيّة والأرق.
- عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنه قال: "قال موسى بن عمران: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبُّ الأطفال...".
- إنّ الحبّ كباقي الكيفيّات النفسانيّة من حيث ثلاثيّة الخطوط، بمعنى أنه يمكن أن يكون في نقطة الوسط، ويمكن أن يميل إلى جانب الإفراط أو التفريط. والمطلوب في حبّ الأطفال هو الوسطيّة والاعتدال، كي يكون حبّاً إيجابيّاً، والميل عن الوسطيّة إلى أحد الجانبين يجعل الحبّ سلبيّاً.
- هناك عدّة أساليب في التربية بالحبّ، منها:
1- أسلوب نظرة الحبّ، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "نظر الوالد إلى ولده حبّاً له عبادة".
2- أسلوب كلام الحبّ، فيردّد على مسامع طفله يوميّاً: "إنّي أحبّك"، "اشتقت لك"...
3- أسلوب قبلة الحبّ والرحمة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "من قبّل ولده كتب الله عزّ وجلّ له حسنة". وعن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "قبلة الولد رحمة".
4- أسلوب ضمّ الطفل، وشمّه واحتضانه، وإجلاسه في الحجر، وهذا هو سلوك الرسول مع الحسنين عليهما السلام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبّلهما ويضمّهما إليه ويشمّهما...
5- أسلوب البسمة في وجه الطفل.
6- أسلوب المسح على رأس الطفل، فقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إذا أصبح مسح على رؤوس ولده وولد ولده.
7- أسلوب المبادرة إلى إلقاء السلام على الطفل، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خمس لا أدعهنّ حتّى الممات:... والتسليم على الصبيان، لتكون سنّة من بعدي".
 
 
 
 
 
97

78

الدرس السادس: التربية بالحبّ والرحمة (1) المفهوم - الأهداف - الأساليب

 أسئلة الدرس


- ما هي التربية بالحبّ؟ وما هي أهمّ أهدافها؟
- ما هو الدور الذي تؤدّيه التربية بالحبّ في البناء الوجدانيّ والعاطفيّ لهويّة الطفل؟ وهل لها انعكاسات على الأبعاد الأخرى، العقليّة والصحّيّة والجسميّة؟ علّل ذلك.
- هل يمكن أن يتحوّل الحبّ من عنصر إيجابيّ في التربية إلى عنصر سلبيّ؟ وكيف السبيل للحفاظ على إيجابيّة الحبّ في التربية؟
- يقول البعض: إذا كان حبّ الأطفال أمراً فطريّاً، فلماذا الحثّ على حبّهم؟ أليس هذا تحصيلاً للحاصل؟ كيف تجيب عن هذه الشبهة؟
- لقد نحت البعض مصطلح الحبّ الحازم، ما هو المقصود بالحبّ الحازم؟
- من ضمن أساليب التربية بالحبّ، أسلوب الكلام، اطرح خمسة نماذج على استعمال هذا الأسلوب في التربية.
- في يوم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبّل الحسن والحسين، فقال عيينة: إنّ لي عشرة ما قبّلت واحداً منهم قطّ. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من لا يَرحَم لا يُرحم"، ماذا تفهم من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
- اسأل نفسك: هل تستخدم هذه الأساليب في تربية طفلك: نظرة الحبّ، البسمة، الضمّ، الحضن، المبادرة إلى إلقاء السلام، الاعتذار، الاعتراف بالحبّ، القُبلة... إلخ؟
 
 
 
 
 
98

79

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 الدرس السابع

التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدِّد معاني قيم التربية بالحبّ.
2- يعدّد أساليب التربية بالحبّ.
3- يستدلّ بالنصوص الدينيّة على أساليب التربية بالحبّ.
 
 
 
 
 
 
101

80

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 ذكرنا في الدرس السابق بعض أساليب التربية بالحبّ، وفي هذا الدرس نسلّط الضوء على بعض الأساليب والتقنيّات الأخرى.


أسلوب الرفق بالطفل
من الأساليب المهمّة في الحياة بشكل عامّ والمندرجة ضمن الشبكة المعنائيّة للتربية بالحبّ، هو أسلوب الرفق، والرفق من صفاته تعالى، فهو تعالى رفيق ويحبّ الرفق.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إنّ الله يحبّ الرفق، ويعين عليه"1.

وعن الإمام محمّد الباقر عليه السلام، قال: "إنّ الله عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"2.

واستعمال أسلوب الرفق في التربية يؤدّي إلى تحقيق الأهداف المرجوّة بيسر، ويوصل إلى الأغراض المنشودة بسهولة، وهذا ما أكّدته الروايات.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "من كان رفيقاً في أمره، نال ما يريد من الناس"3.

ويتأكّد أسلوب الرفق تربويّاً في خطّ علاقة المربّي بالمتربّي الصغير.

عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "وحقّ الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه، والستر عليه، والرفق به، والمعونة له"4.

وهذه الرواية تتضمّن خمسة أساليب تُعتبر من مندرجات التربية بالحبّ:
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص120.
2- المصدر نفسه، ح 5.
3- المصدر نفسه، ح 16.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص625.
 
 
 
 
103

81

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 - أسلوب الرحمة.

- أسلوب العفو.
- أسلوب الستر.
- أسلوب الرفق.
- أسلوب المعونة.

ما هو الرفق؟
يقول العلّامة المجلسيّ في تعريف الرفق، إنّه: "لين الجانب، والرأفة، وترك العنف والغلظة في الأفعال والأقوال على الخَلْق في جميع الأحوال، سواء صدر عنهم بالنسبة إليه خلاف الآداب أم لم يصدر"1.

ويوضح لنا الإمام الخمينيّ قدس سره أهمّيّة الرفق وتأثيره في القلوب وتحقيق الأهداف بقوله: "اعلم أن للرفق والمداراة دخلاً كاملاً في تحقّق الأمور،...لا يمكن للإنسان أن يتصرّف بالشدّة والعنف في قلوب الناس ويخضعهم ويلين جانبهم، ولا أن يوفّق بهما في أيّ أمر من الأمور. ولو فرض أنّ أحداً أطاع إنساناً عن طريق الشدّة والسلطة، فما لم يكن قلبه موافقاً فلا يأمن الإنسان من خيانته. ولكنّ الرفق والمحبّة يجعلان القلب خاضعاً، وبخضوعه تخضع جميع القوى الظاهرة والباطنة..."2.

أسلوب العفو عن الطفل
اتّضح في الرواية السابقة عن الإمام زين العابدين عليه السلام، أن العفو من جملة أساليب التعامل مع الطفل.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيّئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله"3.
 
 

1- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج72، ص55. ويراجع: ابن منظور، العلامة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، قم - إيران، نشر أدب الحوزة، 1405ه، لا.ط،ج10، ص118.
2- الإمام الخميني، جنود العقل والجهل،ص313-320. ويراجع: ملا محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، تحقيق وتعليق: السيد محمد كلانتر / تقديم: الشيخ محمد رضا المظفر، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.ت، لا.ط،ص230.
3- عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص86.
 
 
 
 
104

82

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 ما هو العفو؟

العفو عبارة عن "ترك العقاب على الذنب"1، و "إسقاط الذمّ والعقاب عن المستحقّ لهما"2.

وقد أكّد القرآن الكريم والنبيّ في منهاجه، مبدأ العفو في خطّ علاقات البشر بعضهم ببعض بشكل عامّ، قال تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ3, ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾4, ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾5, ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾6. فالله تعالى برغم قدرته على العقاب، وصف نفسه بأنه عفوّ، ونحن مأمورون بأن نتأدّب بأدب الله تعالى، ونتخلّق بأخلاقه. ففيما ناجى الله تعالى به نبيّه عيسى عليه السلام: "طوبى لك إن أخذت بأدب إلهك"7.

وفي هذا السياق، يعتبر استعمال أسلوب العفو عن أخطاء الطفل والصفح عنه بعدم مباشرة معاقبته عليها، أمراً مرغوباً فيه، خصوصاً عند اعتذار الطفل عن الخطأ الصادر عنه، كما سيأتي، ولكن مع الموازنة من حيث الآثار والنتائج، فقد يكون استمرار العفو عن أخطاء الطفل عنصراً مشجّعاً له على الاستمرار في الخطأ، وهنا يأتي دور التربية بالعقوبة التي سيأتي الحديث عنها.

أسلوب الستر على أخطاء الطفل
ومن ضمن أساليب التربية بالحبّ، أسلوب الستر على أخطاء الطفل وزلّاته وهفواته، كما اتّضح من رواية الإمام زين العابدين عليه السلام أيضاً، خصوصاً أنّ الستر من الأخلاق
 
 

1- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، رمضان المبارك 1409، ط1،ج2، ص169. أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، شوال المكرم 1412، ط1،ص363.
2- السيد المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، رسائل الشريف المرتضى، تقديم السيد أحمد الحسيني، إعداد السيد مهدي الرجائي، قم، دار القرآن الكريم، 1405ه، لا.ط،ج2، ص278. ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، قم، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404ه، لا.ط،ج4، ص56.
3- سورة البقرة، الآية 109.
4- سورة البقرة، الآية 219.
5- سورة البقرة، الآية 237.
6- سورة النساء، الآية 149.
7- الشيخ الكليني،الكافي، ج8، ص135.
 
 
 
 
105

83

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

  الإلهيّة. فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله ستير يحبّ الستر"1.


فإذا ارتكب الطفل خطأً معيناً أو صدر عنه سلوك غير مرغوب فيه، ينبغي على أبيه أو أمّه أو معلّمه عدم التشهير به وفضيحته، لأن ذلك يؤدّي إلى جرح مشاعره وأذيّته، فضلاً عن أنّه يؤدّي إلى نفوره من المربّي. والأخطر من ذلك أنّه يفقد الثقة بالمربّي، فلا يظهر شيئاً أمامه، ولا يصرّح له بأخطائه، ويخفي عنه كلّ شيء، وحينها يصبح المربّي على جهل بنقاط ضعف وسلبيّات المتربّي، فيفقد أهمّ عنصر في تزكية نفس الطفل وتهذيبها.

وفي هذا السياق، نشير إلى نقطة في غاية الأهمّيّة، وهي أنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ عيب الطفل المميّز يقع موضوعاً للحكم التكليفيّ بحرمة غيبته، بمعنى أن الطفل المميّز إذا صدر عنه عيب ستره الله تعالى عليه، يعتبر كشف عيبه غيبة، لشمول إطلاق جملة من النصوص الدالّة على حرمة اغتياب المؤمن للطفل المميّز2.

أسلوب التغافل
وفي السياق نفسه أيضاً، يعتبر أسلوب التغافل أو ما يصطلح عليه البعض الانطفاء التربويّ، بمعنى غضّ النظر عن بعض أخطاء الطفل وعدم التدقيق في كلّ صغيرة أو التفتيش عن جميع التفاصيل بدقّة، من أهمّ أساليب التربية بالحبّ، وقد ركّز علماء الأخلاق المسلمون فيه وفي سابقيه (الستر والعفو)، في خطّ علاقة المربّي بالطفل.

يقول الفيض الكاشانيّ: "إن خالف ذلك (أي خالف الطفل الخلق الجميل والفعل المحمود) في بعض الأحوال مرّة واحدة، فينبغي أن يُتغافل عنه، ولا يُهتك ستره، ولا يُكاشف به، ولا يظهر له أنّه يتصوّر أن يتجاسر أحد على مثله، لا سيّما إذا ستره الصبيّ واجتهد في إخفائه، فإنّ إظهار ذلك ربّما يفيده جسارة، حتّى لا يبالي بالمكاشفة بعد ذلك. فإن عاد ثانية، فينبغي أن يُعاتب سرّاً ويُعظّم الأمر فيه، ويُقال له: إيّاك أن يطَّلع عليك في مثل هذا أحد، فتفتضح بين يدي الناس"3.
 
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج5، ص555.
2- يراجع: السيد محمد صادق الروحاني، منهاج الفقاهة، لا.م، لا.ن، 1418 - 1376 ش، ط4،ج2، ص14-16.
3- انظر: الفيض الكاشاني، المولى محمد محسن، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، لا.ت، ط2،ج5، ص125.
 
 
 
 
106

84

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 ولعلّنا نفهم هذا المعنى من بعض روايات أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل"1.


وعن الإمام زين العابدين عليه السلام، قال: "اعلم يا بنيّ، أن صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين: إصلاح شأن المعايش ملء مكيال، ثلثاه فطنة وثلثه تغافل، لأنّ الإنسان لا يتغافل إلّا عن شيء قد عرفه، ففطن له"2.

أسلوب إكرام الطفل
من أساليب التربية بالحبّ أيضاً، إكرام الطفل. والإكرام عبارة عن تشريف الطفل ورفع منزلته في عين المربّي، وإشعاره أنه موضع تقدير واحترام وشأنيّة في قلب المربّي، وعدم تحقيره والاستخفاف به، والتعامل معه على أنّه وضيع.

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم، يُغفر لكم"3.

ومن مصاديق إكرام الطفل، إثابته على حسن أفعاله التي تصدر عنه، وعلى إنجازاته التي يسجّلها في حياته اليوميّة.

يقول أبو حامد الغزاليّ: "... ثم مهما ظهر من الصبيّ خلق جميل، وفعل محمود، فينبغي أن يُكرم عليه، ويُجازى عليه بما يفرح به، ويُمدح بين أظهر الناس..."4.
 

1- ابن شعبة الحراني، تحف العقول ، ص393.
2- الخزاز القمي، كفاية الأثر، السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي، انتشارات بيدار، 1401هـ.، لا.ط،ص240.
3- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص222.
4- الغزالي، إحياء علوم الدين، ج8، ص131.
 
 
 
 
107

85

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 ويقول محمّد مهدي النراقيّ: "...إذا بلغ - الطفل - سنّ التمييز، يُؤمر بالطهارة والصلاة، وبالصوم في بعض الأيام من شهر رمضان، ويُعلّم أصول العقائد وكلّ ما يحتاج إليه من حدود الشرع. ومهما ظهر منه خلق جميل أو فعل محمود، فينبغي أن يُكرم عليه ويُجازى لأجله بما يفرح به، ويُمدح بين أظهر الناس"1.


أسلوب الهديّة
إنّ تقديم الهديّة للطفل بمناسبة أو من دونها، من أهمّ أساليب التربية بالحبّ. نعم يتأكّد الأمر في بعض المناسبات التي تقتضي ذلك، كنجاحه وإنجازه أمراً ما مرغوباً فيه، فإن الهديّة تحيي المودّة في القلب، وتشدّ روابط الحبّ، كما أنها تنزع السخيمة والبغض من القلب.

عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تهادوا بالنبق2 تحي المودّة والموالاة"3.

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تهادوا تحابّوا، تهادوا فإنّها تذهب بالضغائن"4.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "تهادوا، فإنّ الهديّة تسلّ السخائم5، وتجلي ضغائن العداوة والأحقاد"6.

وفي هذا السياق أيضاً، من أساليب التربية بالحبّ، أن لا يدخل الأب بيت أطفاله فارغ اليدين، بل من المستحبّ أن يحمل لهم ما يفرّح قلوبهم به، كأن يشتري لهم الفواكه، أو العصير، أو الشوكولاتة، أو البسكويت...

عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإنّ من فرّح ابنة فكأنّما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقرّ بعين ابن فكأنّما بكى من خشية الله عزّ وجلّ، ومن بكى من خشية الله عزّ وجلّ أدخله الله جنّات النعيم"7.
 
 

1- النراقي، جامع السعادات، ج1، ص244.
2- النبق: ثمرة السدر. أي تهادوا ولو بالنبق.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج5، ص144.
4- المصدر نفسه.
5- السخائم: جمع سخيمة، وهي الحقد في النفس والضغينة في الصدر.
6- الشيخ الكليني،الكافي، ج5، ص143.
7- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص673.
 
 
 
 
108

 


86

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 أسلوب إرضاء الطفل

ومن أساليب التربية بالحبّ إرضاء الطفل. فقد يعيش الطفل أحياناً حالة الغضب والحزن، ويبرز عدم السرور من والديه لسبب أو آخر، فمن المرغوب فيه أن يعمد الأب أو الأمّ إلى المبادرة لإرضاء الطفل وتفريحه وإدخال السرور على قلبه، خصوصاً قبل النوم، فمن الخطر على الصحّة النفسيّة للطفل جعله يذهب إلى فراش النوم وهو يعيش في داخله طاقة سلبيّة من الحزن والكآبة والغضب.

"خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً على عثمان بن مظعون، ومعه (مع عثمان) صبيّ له صغير يلثمه، فقال: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أتحبّه يا عثمان؟ قال: إي والله يا رسول الله، إنّي أحبّه! قال: أفلا أزيدك له حبّاً؟ قال: بلى فداك أبي وأمي! قال: إنّه من يُرْضِ صبيّاً له صغيراً من نسله حتى يرضى، ترضّاه الله يوم القيامة حتّى يرضى"1.

أسلوب الوفاء بالوعد
عادة ما يعد الإنسان أطفاله بأن يشتري لهم شيئاً أو يخرج وإيّاهم في نزهة إلى مكان ما، كالنهر أو البحر، أو مدينة الملاهي، أو زيارة أقارب يهواهم الطفل... إلخ من الوعود، ثم يتراجع عن وعده. فعلى المربّي أن يلتفت إلى خطورة التراجع عن الوعد وعدم الوفاء به، من ناحية كسر صورة الصدق والثقة به في نفس الطفل.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّوا الصبيان وارحموهم، وإذا وعدتموهم شيئاً ففوا لهم، فإنّهم لا يدرون إلّا أنّكم ترزقونهم"2.

وعن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا واعد أحدكم صبيّه فلينجز"3.
 
 

1- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، علي شيري، بيروت - لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415، لا.ط،ج52، ص363.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6،ص49.
3- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص170.
 
 
 
109

87

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 وعنه عليه السلام، قال: "لا يصلح من الكذب جدٌّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له، إنّ الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار..."1.


وعن أبي الحسن عليه السلام، قال: "إذا وعدتم الصبيان ففوا لهم، فإنّهم يرون أنّكم الذين ترزقونهم. إن الله عزّ وجلّ ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان"2.

أسلوب الدعاء للطفل لا عليه
من أساليب التربية بالحبّ أسلوب الدعاء للطفل، واستحضاره دائماً في أدعية الوالدين، وعدم الدعاء عليه عند الغضب منه لأيّ سلوك صدر عنه، بل ينبغي الدعاء له بالهداية والصلاح.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيّئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله"3.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم"4.

أسلوب حسن استقبال الطفل عند القدوم إلى المنزل
من الأساليب المهمّة في تربية الطفل بالحبّ، أسلوب توديع الطفل قبل خروجه أو خروج أبويه من المنزل، وأسلوب الترحيب بالطفل عند قدومه أو قدومهما إلى المنزل، خصوصاً عند قدوم الطفل من المدرسة، أو قدوم الوالدين من العمل أو السفر، لأنّ الساعات التي قد يشعر بها الأب أو الأمّ أنّها زمان قصير، هي بالنسبة إلى الطفل غيبة طويلة.

وبهذا الأسلوب كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع الأطفال من أهل بيته.
 
 

1- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص505، ح696.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص50.
3- عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص86.
4- صحيح مسلم، ج8، ص223.
 
 
 
 
110

 


88

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 عن عبد الله بن جعفر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم من سفر تلقّى بصبيان أهل بيته، قال: وإنّه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابّة"1.


أسلوب برّ الولد وإعانته على البرّ
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "رحم الله والداً أعان ولده على البرّ"2.

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال رجل من الأنصار للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: من أبرّ؟ قال: والديك. قال: قد مضيا. قال: برّ ولدك"3.

أسلوب تكليف الطفل على قدر الوسع
وفي هذا السياق، من الأساليب المهمّة في التربية بالحبّ، هو أسلوب تكليف الطفل على قدر طاقته، وعدم تحميله مسؤوليّات فوق قدرته على التحمّل.

وعن يونس بن رباط، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رحم الله من أعان ولده على برّه. قال: قلت: كيف يعينه على برّه؟ قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به"4.

أسلوب التآلف مع الطفل
عن الإمام الصادق، قال: "رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتآلف له، وتعليمه وتأديبه"5.

والتآلف من ألف، وهي تدلّ على انضمام شيء إلى شيء6، والألفة الالتئام والاجتماع،
 
 

1- صحيح مسلم، ج7، ص132.
2- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص168، ح17885.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص49.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص50. وتهذيب الأحكام، ج8، ص113. شرح مفردات الحديث: "لا يرهقه": أي لا يسفّه عليه، أو يحمل عليه ما لا يطيقه. و"الخُرق" بالضمّ: الحمق والجهل، أي لا ينسب إليه الحمق.
5- السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج21، ص411.
6- ابن زكريّا، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص131.
 
 
 
111

89

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 والألفة الأنس والمحبّة1، والأنس سكون القلب، وهو ضدّ الوحشة. فالتآلف مع الطفل، يعني أن يقوم المربّي بكلّ الأفعال التي من شأنها أن تشعر الطفل بالأنس في الأسرة، وأنّه جزء مهمّ فيها، مقابل التفكّك والانقسام والوحشة.


أسلوب الشفقة
عن الإمام عليّ عليه السلام قال: "يجب عليك أن تشفق على ولدك أكثر من إشفاقه عليك"2.

نكتفي بعرض هذا المقدار من الأساليب، مع الإشارة إلى وجود أساليب كثيرة أخرى، عرضناها في الدروس السابقة والآتية، لا تخفى على الأستاذ والطالب، مثل أسلوب العدل والمساواة بين الأطفال، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "... اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم..."3، أو أسلوب اللّعب والتصابي مع الطفل، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان عنده صبيّ فليتصاب له"4.
 
 

1- أحمد بن محمد المقري الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لا.ت، لا.ط،ج1، ص18.
2- ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله‏، شرح نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح محمّد أبو الفضل إبراهيم، قم‏، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي‏، 1404ه‏، ودار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1378ه - 1959م، ط1، الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ج20،ح152.
3- كنز العمّال، ج16، ص445.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.
 
 
 
 
112

90

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 المفاهيم الرئيسة


- من الأساليب المهمّة في التربية بالحبّ أسلوب الرفق، أي اللين والمعاملة بلطف، لأنّه يوصل إلى الأهداف بطريقة سهلة ويسيرة. عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس".

- العفو عن أخطاء الطفل، بمعنى ترك معاقبته على السلوك غير المرغوب فيه، يُعتبر من مندرجات التربية بالحبّ. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيّئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله".

- يُعتبر الستر على أخطاء الطفل أمراً مهمّاً في العمليّة التربويّة. عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "وحقّ الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه، والستر عليه، والرفق به، والمعونة له".

- التغافل عن بعض أخطاء الطفل وعدم المحاسبة على كلّ صغيرة ودقيقة، أو ما يصطلح عليه البعض الانطفاء التربويّ، من أهمّ أساليب التربية بالحبّ. عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل".

- من أساليب التربية بالحبّ أيضاً، إكرام الطفل وإشعاره أنّه موضع تقدير واحترام، وأنّ له شأنيّة وموقعيّة في قلب المربّي. عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم، يُغفر لكم".

- الهديّة للطفل تحيي المودّة في القلب، وتشدّ روابط الحبّ. كما أنّها تنزع السخيمة والبغض من القلب. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تهادوا تحابّوا، تهادوا فإنّها تذهب بالضغائن".

- ينبغي للإنسان إذا وعد أطفاله أن يفي لهم، وعليه التنبّه إلى خطورة التراجع عن الوعد وعدم الوفاء به، من ناحية كسر صورة الصدق والثقة به في نفس الطفل. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّوا الصبيان وارحموهم، وإذا وعدتموهم شيئاً ففوا لهم، فإنّهم لا يدرون إلّا أنّكم ترزقونهم".

- ينبغي للوالدين استحضار الطفل في أدعيتهما بشكل دائم، وتجنّب الدعاء عليه عند الغضب منه لأيّ سلوك يصدر عنه، بل ينبغي الدعاء له بالهداية والصلاح.

- ينبغي للوالدين توديع الطفل قبل خروجه أو خروجهما من المنزل، والترحيب به عند قدومه أو قدومهما إليه.

- ومن أساليب التربية بالحبّ: إعانة الولد على برّ والديه، وتكليف الطفل على قدر طاقته، وقبول عذره. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه. فقيل: كيف يعينه على برّه؟ قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به".
 
 
 
 
113

91

الدرس السابع: التربية بالحبّ والرحمة (2) الأساليب والتقنيات

 أسئلة الدرس


- عن الإمام زين العابدين عليه السلام، أنّه قال: "وحقّ الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه، والستر عليه، والرفق به، والمعونة له". استخرج الأساليب التربويّة من هذه الرواية، واشرح كلّ أسلوب بشكل مختصر.
- من الأساليب التي ذكرنا ضرورة استخدامها في تربية الطفل، هي: الرفق واللطف والعفو والصفح، ولكن في الوقت نفسه مرّ وسيأتي أنّ التربية تحتاج أحياناً إلى الحزم والشدّة والعقوبة، كيف يمكن التوفيق بين الأسلوبين؟
- ما هي الآثار الإيجابيّة التي تترتّب على الستر على أخطاء الطفل والتغافل عنها؟ والآثار السلبيّة التي تترتّب على فضح عيوب الطفل أمام الآخرين؟
- عندما تهدي طفلك أيّ هدية أو تدخل البيت وفي يدك غرض قد اشتريته له، ما هو ردّ فعله؟ وهل حصل أن وعدت أطفالك بشيء ثم لم تفِ لهم به، كيف تداركت الموقف؟
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رحم الله من أعان ولده على برّه. قيل: كيف يعينه على برّه؟ قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به". استخرج الأساليب التربويّة التي تعين الولد على برّ الوالدين من هذه الرواية، واشرحها باختصار.
 
 
 
 
114

92

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 الدرس الثامن

التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يُعرِّف اللعب والتربية باللعب.
2- يعرض تاريخ تطوّر نظريّة اللعب.
3- يعدّد الآثار الذهنيّة والنفسيّة والجسميّة والاجتماعيّة واللغويّة للّعب.
4- يذكر إيجابيّات الألعاب الإلكترونيّة وسلبيّاتها.
5- يحدّد شروط سلامة الألعاب وأمانها.
 
 
 
 
 
117

93

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 فطرة اللعب عند الأطفال

أودع الله تعالى في ذات الطفل استعدادت وغرائز عدّة، تحرّكه فطريّاً للسير على طريق النموّ السليم، واحد من هذه الميول الفطريّة هو الرغبة الشديدة في اللعب واللهو. فمنذ نعومة أظفار الطفل، يقوم بالحركات والإيقاعات الجسميّة التي تنطلق من هذه الغريزة، حيث نراه يصوّت ويتنغنغ ويترقّص ويدور ويقفز ويجري ويقوم بحركات هزليّة ويلهو بطعامه...، وقد تبدو هذه الأفعال بالنظرة البدويّة ساذجة وعبثيّة لا يترتّب عليها أيّ فائدة، وهذا ما يجعلنا نوجِّه اللوم والذمّ إلى الإنسان الراشد الذي يقوم بحركات عبثيّة، واصفين إيّاها بأنّها أعمال صبيانيّة، تشبيهاً لها بحركات اللعب عند الأطفال. ولعلّ هذا ما يفيده المعنى اللغويّ للّعب، لأنّه ضدّ الجدّ1، إذ يقال: "لعب فلان، إذا كان فعله غير قاصد به مقصداً صحيحاً"2، كما "يقال لكلّ من عمل عملاً لا يجدي عليه نفعاً: إنّما أنت لاعب"3. فاللعب بمعنى اللهو والهزل والعبث، وقد استُخدم بهذا المعنى في آيات عديدة4، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا5، وكقوله تعالى حكايةً: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾6.
 
 

1- ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي، المخصص، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي، لا.ت، لا.ط،ج4، ص16. وابن منظور، لسان العرب، ج1، ص739.
2- الراغب الأصفهانيّ، المفردات في غريب القرآن، ص450.
3- ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص739.
4- سورة التوبة، الاية 65. سورة الأنعام، الاية 70. سورة الزخرف، الاية 83. وسورة محمّد، الاية 36. وسورة الدخان، الاية 38. وسورة العنكبوت، الاية 64.
5- سورة الأعراف، الآية 51.
6- سورة الأنبياء، الآية 55.
 
 
 
 
119

94

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 لكن عند التأمّل والتدبّر في لعب الأطفال، يظهر أن المسألة تنعكس مصداقاً، بمعنى أن لعب الأطفال وإن كان بمعنى اللهو والعبث مفهوماً، إلّا أنّ له أهدافاً وغايات في الحكمة الإلهيّة مصداقاً.


موضوعيّة اللعب للدراسة والتحليل
لا ريب في أنّ ظاهرة اللعب عند الأطفال قديمة قدم الحضارات البشريّة، وقد اعترف الفلاسفة منذ القدم كأفلاطون وأرسطو وغيرهما، بأهمّيّة اللّعب. وكذلك شدّد فلاسفة التربية المسلمون عليها، لكنّه لم يُتخذْ موضوعاً مستقلّاً للتفكير فيه ورصد آثاره في شخصيّة الطفل إلّا حديثاً نسبيّاً، خصوصاً بعد تأكيد فروبل Frobel انطلاقاً من خبرته العمليّة كمدرّس، أهمّيّة اللّعب في التعلّم، ودوره في تنمية قدرات الأطفال ومعارفهم. ثم تقدّم هذا الاتجاه إلى الأمام مع شالر Schaller ولازاراس Lazarus، اللذين ألّفا كتباً عن اللّعب. ثم تطوّر البحث حول لعب الأطفال بشكل ملحوظ عندما نشأ ما يُعرف بعلم نفس الطفل، بدءاً من بريير preyer، ولاحقاً ستانلي هول وغيرهما. وهكذا أخذت النظرة الإيجابيّة إلى اللّعب على أنّه أداة في التربية والتعليم والعلاج وتنمية الذكاء والمهارات الحركيّة... عند الطفل، تشقّ طريقها نحو النموّ والنضج شيئاً فشيئاً، وبدأت تصنيفات اللعب إلى فرديّ واجتماعيّ كما فعل شتيرن Stern، وإلى ألعاب وظيفيّة يستخدم فيها الطفل أجهزته الحسّيّة- الحركيّة، وألعاب تقوم على الإيهام والخداع، وألعاب سلبيّة مثل النظر إلى الكتب، وألعاب تركيبيّة، كما فعلت شارلوت بوهلر Charlotte Buhler.. إلخ.

وفسّر جان بياجيه اللعب بنحو يلتصق بنظريّته حول مراحل نموّ الذكاء عند الطفل1، إذ تعامل مع اللعب باعتباره مظهراً للنموّ العقليّ2، مميّزاً بين نوعين من أعمال الأطفال وأنشطتهم، الأوّل: القيام بعمل ما لمعرفة كنهه واستكشافه واكتساب مهارات جديدة، فتكون الوظيفة تعلّميّة. والثاني: تكرار الطفل العمل مراراً بعد أن يكون قد اكتسب مهارة
 
 

1- يراجع: الجزء الأول، الدرس الخامس، ص93.
2- يراجع: ميلر، سيكولوجيّة اللعب، ص12 وما بعد.
 
 
 
 
120

95

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 معيّنة، بنحو لا يكون أداؤه وفعله هادفاً لاكتساب مدركات ومهارات جديدة، بل لمجرّد الاستمتاع به، فيكون مثل هذا النشاط لعباً1.


وفي الحقيقة، من الصعوبة بمكان التمييز بين هذين النوعين من الأنشطة في سلوك الطفل أولاً، وثانياً: لا ضرورة لتصنيف أنشطة الطفل إلى نوعين متمايزين، فلماذا لا يُصنّف النشاط الصادر عن الطفل بأنّه لعب له وظيفة ثنائيّة الأبعاد، فمن جهة هو سلوك استكشافيّ يهدف إلى اكتساب مدرَك أو مهارة، ومن جهة ثانية للاستمتاع والتلذّذ، وبذلك نستطيع أن نقسّم اللعب نفسه إلى استكشافيّ واستمتاعيّ2.

ما هو اللعب اصطلاحاً؟
وعلى كلّ حال، عُرِّف اللعب في الاصطلاحين التربويّ والنفسيّ بتعريفات عدّة، نكتفي بذكر واحد منها، وهو أنه "نشاط موجّه يقوم به الأطفال لتنمية سلوكهم وقدراتهم العقليّة والجسميّة والوجدانيّة، ويحقِّق في الوقت نفسه المتعة والتسلية وأسلوب التعلّم، وهو استغلال للأنشطة في اكتساب المعرفة وتقريب مبادئ التعلّم للأطفال، وتوسيع آفاقهم المعرفيّة"3.

ما هي التربية باللعب؟
وفي ضوء ما تقدّم، نقصد بالتربية باللعب تهيئة المربّي البيئة الحاضنة للعب الطفل، وتحضير الألعاب المناسبة لمرحلته العمريّة وخصائصه النمائيّة، والسماح له باللعب دون تأفّف وضجر، ومشاركته في بعض الألعاب لتنمية قدراته العقليّة والنفسيّة والجسميّة، واستثمار غريزة اللعب في تعليم الطفل، وتأديبه على السلوكات المرغوب فيها، وعلاجه من بعض الاضطرابات النفسيّة أو الأمراض الجسميّة.
 

1- يراجع: ميلر، سيكولوجية اللعب، ص120.
2- يراجع: المصدر نفسه، ص121.
3- الحيلة، محمّد محمود، الألعاب التربويّة وتطبيقات إنتاجها سيكولوجيّاً وتعليميّاً وعمليّاً، ص225.
 
 
 
 
 
121

96

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 فالتربية باللعب تنطوي على أربعة أبعاد:

- الأوّل: تهيئة البيئة الحاضنة لحرّيّة ممارسة الطفل للأنشطة الممتعة، وتزويده بالأدوات اللازمة للعب.
- الثاني: استثمار أنشطة اللعب في تعليم الطفل بعض المفاهيم والمعطيات، وهو ما يُعرف باسم التعلّم باللعب.
- الثالث: توظيف اللعب في إكساب الطفل مجموعة من القيم، وتدريبه على بعض العادات والآداب الفاضلة.
- الرابع: توظيف اللعب في عمليّة معالجة الطفل من بعض الانفعالات النفسيّة السلبيّة والاضطرابات السلوكيّة، كالخوف والعدوانيّة، وهو ما يُعرف باسم العلاج باللعب. إذ يُعتبر اللعب ذا قيمة علاجيّة، يُستخدم لتعديل سلوك الطفل، أو لمساعدته في مشكلات تواجهه، كمولد أخ له، أو رسوبه في المدرسة، أو عدم القدرة على التغلّب على غيره من الأطفال1.

إذاً ينبغي للوالدين والمربّين أن ينظروا إلى اللعب كطريقة من طرائق التعلّم والتعليم، والتربية والعلاج، وترغيب الطفل في القيام بالسلوكات المرغوب فيها منذ الطفولة المبكرة2، مثل:
- الاستفادة من أسلوب اللعب في إقناعه بتناول الطعام، أو بالعلاج وأخذ الدواء... إلخ.
- توظيف اللعب لحفظ الدرس، بتحويله إلى سؤال وجواب، بنحو يوعد الطفل بأنّه كلّما أجاب عن سؤال فجزاؤه اللعب. كأن يقول الأب لطفله: تعالى لنلعب لعبة الجمل، إذا أجبت عن سؤال أحملك على ظهري وأركض بك في البيت... إلخ.
 
 

1- ميلر، سيكولوجيا اللعب، ص267.
2- يراجع: الببلاوي، فيولا، الأسس النفسيّة والاجتماعيّة لبناء المناهج في رياض الأطفال في الوطن العربيّ، ص128.
 
 
 
122

97

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 آثار اللعب في بناء هويّة الطفل

لقد تحدّث علماء النفس والتربية عن آثار عدّة للّعب، فهو يترك بصمته على هويّة الطفل في أبعاد مختلفة من شخصيّته، لا نستطيع أن نسلّط الضوء على جميعها، لذا نكتفي بذكر بعض الآثار1:
الآثار الجسميّة - الحركيّة:
يساهم اللعب في النموّ الجسميّ والحركيّ السليم للطفل، لأنّه يحقّق الخصائص التالية:
- تقوية عضلات الجسم.
- تعلّم المهارات الحركيّة، كالقفز والتسلّق والركض والتعلّق والزحف...
- القدرة على التحكّم والسيطرة على أعضاء الجسم، وتنسيق حركاته بشكل متوازن.
- تنمية التآزر بين العضلات والحواسّ، كما بين العين واليد...
- تطوّر الحركات الإيقاعيّة.
- تطوّر لغة البدن.

الآثار الذهنيّة والعقليّة:
- تنمية قوّة الملاحظة الحسّيّة.
- اكتشاف أشياء جديدة غير مألوفة ومعهودة عند الطفل، واكتساب المعرفة بخصائص الأشياء وطبيعتها لناحية الألوان والأشكال والأحجام...
- تنمية الذكاء، والتذكّر والانتباه والتركيز...
- تنمية القدرة على التصنيف والمقارنة بين الأشياء، وفهم الروابط والعلاقات.
- تنمية البحث عن حلول للمشكلات التي تواجه الطفل أثناء اللعب.
- إثراء ملكة الخيال.
- تنمية المرونة العقليّة من خلال مزج الأفكار بطريقة جديدة.
 
 

1- للتفصيل يراجع: العنّاني، حنان عبد الحميد، اللعب عند الأطفال، دار الفكر، عمان، ط9، 2014م.
 
 
 
 
123

98

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 - تنمية حسّ الابتكار والإبداع، من خلال عمل الطفل على صناعة ألعاب خاصّة به وتركيبها...


في هذا السياق، يقول الشيخ محمّد تقي فلسفي: "عندما يحفر الطفل في كومة من التراب بئراً، أو يبني غرفة صغيرة، فإنّ قواه العقليّة تعمل كما يعمل المهندس المعماريّ، فيتلذّذ لنجاحه. وعندما يلاقي بعض الموانع في عمله، فتنهدم البئر أو تنهار الغرفة، يحاول تدارك ذلك بالبحث عن علاج فوريّ... هذه النشاطات تساعد على الرشد الفكريّ وتكامل الشخصيّة عند الطفل"1.

الآثار النفسيّة والوجدانيّة:
- الشعور بالمتعة واللذّة والبهجة.
- الشعور بالكفاءة، وتقدير الذات.
- نفخ روح الحيويّة وطرد الكسل والبلادة.
- الاعتماد على النفس والثقة بها، وإدارة شؤونه بذاته.
- استثمار وقت فراغه من دون شعور بالملل والضجر والتأفّف.
- الاتّزان الانفعاليّ، وتخفيف الانفعال السلبيّ، كالتوتّر والاضطراب والقلق.
- ضبط الاضطرابات النفسيّة كالغضب والعدوانيّة.
- تفريغ شحنة الطاقة الكامنة وتصريفها في أمور إيجابيّة.
- تقبّل الهزيمة والفشل بروح رياضيّة.

الآثار الاجتماعيّة:
- تنمية مهارات التواصل الاجتماعيّ والتخلّص من العزلة والانطوائيّة.
- اكتساب القدرة على التعاون والانسجام المشترك، والتفاعل الإيجابيّ مع الأطفال الآخرين.
 

 1- الشيخ محمد تقي فلسفي (مترجم: الميلاني)، الطفل بين الوراثة والتربية، تعريب وتعليق: فاضل الحسيني الميلاني، مكتبة الأوحد، 1426 - 2005م، ط2،ج2، ص66.
 
 
 
 
 
124

99

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 - التنظيم والالتزام بالنظام والانضباط بالقواعد.

- المنافسة والسعي نحو النجاح.
- تنمية حسّ التملّك، وتعلّم كيفيّة الحفاظ على أغراضه وأملاكه.
- التكيّف مع المحيط الاجتماعيّ والبيئة الطبيعيّة.
- تعلّم الأدوار الخاصّة بالجنس، والأدوار الحياتيّة الأخرى (أب/ أمّ، موظّف، جنديّ، عامل، معلّم...).
- توطيد أواصر العلاقة مع الأصدقاء.

الآثار اللغويّة:
- تنمية قدرة التعبير عن التصوّرات والمشاعر.
- تنمية القدرة على تكوين الجمل المفيدة.
- إثراء القدرة على الحوار.
- المساهمة في التخلّص من عيوب النطق.
- تعلّم الخطّ والكتابة.

أدوات اللعب الخاصّة بالطفل
وفي سياق تهيئة البيئة الحاضنة للعب الطفل، ينبغي للوالدين السعي باستمرار لتأمين أدوات اللعب، أي الموادّ والوسائل التي يستخدمها أثناء نشاطه الحركيّ. وعلى الوالدين الالتفات في هذه المسألة إلى نقاط عديدة:
- إعطاء اللعبة للطفل بعنوان الهديّة وإشعاره بذلك، فإنّ الهديّة تزيد المودّة والحبّ والرابط العاطفيّ بين الأبوين والطفل2.
- إشراك الطفل في عمليّة شراء الألعاب الخاصّة به3.
 
 

 

1 يراجع درس: التربية بالحبّ والرحمة.
2- يراجع درس: التربية الاقتصاديّة.
 
 
 
 
125

100

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 - اختيار الألعاب الجاذبة لإثارة الدافعيّة، أي التي تشجّع الطفل وتحفّزه على النشاط والحركة، بأن تكون متوافقة مع ميوله ورغباته من ناحية الألوان والأصوات والأشكال...

- اختيار الألعاب التي تتوافر فيها شروط السلامة والأمان، بأن لا تحتوي على أجزاء تصيب الطفل بالخدوش والجروح، أو لا تتكوّن مثلاً من قطع صغيرة جدّاً قد يبتلعها الطفل، فتؤدّي إلى اختناقه...
- أن تكون اللعبة مناسبة لجنس الطفل، من ناحية الذكورة والأنوثة.
- أن تكون اللعبة مناسبة لسنّ الطفل، ومتناغمة مع مرحلته العمريّة، لناحية حجمها ووزنها وحاجاته واهتماماته...
- أن يعمد الوالدان إلى مراقبة ألعاب الطفل من ناحية نظافتها وغير ذلك، وأن يبادرا إلى إصلاح أيّ لعبة قد تكسّرت، حذراً من أن يؤذي الطفل نفسه بها. ومع عدم إمكانيّة إصلاحها فليرمياها في النفايات مباشرة.
- تجنيب الطفل الألعاب التي تتنافى مع القيم الإسلاميّة، مثل ألعاب القمار.

وفي هذا السياق، يفضّل مساهمة الأب أو الأمّ مع الطفل في صناعة ألعاب منزليّة خاصّة به.

الألعاب الإلكترونيّة للأطفال: إيجابيّاتها وسلبيّاتها
يفتح الطفل عينيه في عالمنا المعاصر على بيئة تكنولوجيّة تحتوي التلفزيون والحاسوب والهاتف واللوح التفاعليّ... إلخ، وتُوظّف هذه الأدوات في مجموعة كبيرة من الألعاب التي تشكّل عنصر جذب للأطفال. وقد وقع النقاش وما زال حول الآثار السلبيّة والإيجابيّة للألعاب الإلكترونيّة، وقد كثرت الدراسات بين مؤيّد ومعارض، وسنسلّط الضوء في هذه الفقرات على بعض الآثار السلبيّة والإيجابيّة لهذه الألعاب في حياة الطفل، ثم نختم بإرشادات وتوجيهات. ونبدأ من إيجابيّات الألعاب الإلكترونيّة، لأنّ الحديث عن السلبيّات يتصدّر عادة عند معالجة المسألة، وكأنّه أمر مفروغ منه.
 
 
 
 
 
126

101

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 1- إيجابيّات الألعاب الإلكترونيّة:

يذكر المؤيّدون لتشجيع الطفل على الألعاب الإلكترونيّة إيجابيّات عدّة، منها:
- أنّها تحقّق حسن التكيّف مع البيئة التكنولوجيّة، إذ لا يُعقل في عصر التكنولوجيا اتّباع سياسة عزل الطفل عن هذه الألعاب مطلقاً، فإنّها سياسة تربويّة غير واقعيّة، والأميّة التكنولوجيّة لم تعد تقلّ خطورة عن الأميّة بمعناها الكلاسيكيّ، فإنّ كلّ وظائف الحياة اليوم تتطلّب مهارات تكنولوجيّة عدّة.

- أنّها تعمل على توطيد العلاقة بين الآباء والأبناء، لأنّ الآباء الذين لا يلعبون مع أطفالهم عادة بأنماط ألعابهم الحركيّة، يأنسون بالألعاب الإلكترونيّة، فتشكّل هذه الألعاب عنصراً مشجّعاً للآباء لقضاء بعض الوقت مع أطفالهم باللعب فيها، ممّا يزيد الارتباط بينهم. وهذا ما كشف عنه البحث الذي أجرته جمعيّة برامج الكمبيوتر الترفيهيّة، إذ تبيّن أنّ 35 % من الذين شملهم البحث، أي واحداً من كلّ ثلاثة أولياء أمور، لا يتوانون عن الانغماس في تلك الألعاب، وأن 80 % منهم يشاطرون الأبناء اللعب1.

- أنّها تسهم في تحسين القدرات الحسّيّة، خصوصاً البصريّة، عند الطفل. فقد أظهرت دراسة أجراها بعض الباحثين الأميركيّين في جامعة روشيستر، أنّ الأطفال الذين مارسوا هذه الألعاب ساعات قليلة يومياً على مدار شهر كامل، برزت لديهم بوادر تحسّن في قدرتهم على الإبصار بنسبة 02%، لكونها أثّرت في الطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع المعلومات البصريّة. كما أفادت أستاذة الدماغ والعلوم المعرفيّة دافين بافيلير (Daphne Bavelier)، أنّ الأطفال الذين أُجريت الدراسة عليهم، أظهروا زيادة كبيرة في القدرة التحليليّة لأعينهم بعد 30 ساعة متقطّعة من ممارسة هذه الألعاب، وتمكّنوا من تعريف الرموز والحروف...2.
 
 

1- يراجع: الشحروري، مها حسني، الألعاب الإلكترونيّة في عصر العولمة، دار المسيرة، عمّان، الأردن، ط1، 2008م. والزيودي، ماجد محمّد، الانعكاسات التربويّة لاستخدام الأطفال للألعاب الإلكترونيّة كما يراها معلّمو طلبة المدارس الابتدائية بالمدينة المنوّرة وأولياء أمورهم، مجلّة جامعة طيبة للعلوم التربويّة، المجلّد 10، العدد 1، 2015م، ص(15-31).
2- الشحروري، مصدر سابق.
 
 
 
 
127

102

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 - أنّها تساهم في تحسين المهارات المعرفيّة، كالقراءة1 والكتابة، ومعرفة الحروف والأرقام والأشكال والألوان والإيقاعات...، لأن الطفل يحتاج إلى هذه المهارات في فنّ اللعب، فيُضطرّ إلى اكتسابها وتعلّمها.


- أنّها تساهم في إثراء ملكة الخيال، وتنمية الحسّ الجماليّ، وتنمية الإبداع والابتكار، بسبب ما تحتويه من صور وأشكال وإيقاعات و... تصمّمها مئات العقول المتخصّصة في حقولها.

- أنّها تعطي فرصة تعلّميّة، إذ إنّ استخدام ألعاب الكمبيوتر التعليميّة تساعد على التعلّم أكثر، لأنّ الوسائل القديمة مملّة للطفل.

- تساهم في تنمية المهارات الحركيّة الدقيقة والتوافق بين حركات اليد والعين، لأنّ التحكّم بالكمبيوتر وتحريك الماوس ومسكة البلاي ستايشن... إلخ، يتطلّب استخدام عدد من المهارات.

... إلخ من الإيجابيّات التي تحدّثوا عنها. وفي المقابل عرض المعارضون أو المحذِّرون سلبيّات أكثر.

2- سلبيّات الألعاب الإلكترونيّة:
- تؤدّي الألعاب الإلكترونيّة إلى أضرار صحّيّة، على الجهاز العصبيّ للطفل الذي لا يزال في طور النموّ، وينجم عنها آلام في الظهر والرقبة... بسبب كثرة الجلوس وكيفيته غير السليمة. ويؤدّي تركيز نظره في الشاشة فترة طويلة مع الضوء الذي تبعثه، إلى إجهاد النظر وعضلات العين والصداع...

- تمنع الألعاب الإلكترونيّة بسبب جاذبيّتها، الطفل عن الاستفادة من الألعاب الحركيّة والأنشطة الأخرى المساهمة في بنائه البدنيّ والاجتماعيّ والعاطفيّ... إذ ينغمس فيها ويقضي ساعات من دون شعور بعامل الزمن.

- تضعف الألعاب الإلكترونيّة التركيز في الدروس بسبب انشغال الذهن بالرغبة في إتمام مراحل اللعبة، وهذه ميزة غير موجودة في الألعاب الحركيّة، التي تنتهي اللعبة فيها بالاختيار.
 
 

1- الهدلق، عبدالله عبدالعزيز، إيجابيّات الألعاب الإلكترونيّة وسلبيّاتها ودوافع ممارستها من وجهة نظر طلّاب التعليم العامّ بمدينة الرياض، مجلّة القراءة والمعرفة، جامعة عين شمس، مصر، 2012م.
 
 
 
128

103

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 - تضعف الألعاب الإلكترونيّة التفاعل المباشر بين الأهل والطفل، لأنه في الألعاب الأخرى يُشرك الطفل أهله بطريقة أو بأخرى ويلفت نظرهم، أما في الألعاب الإلكترونيّة فإنّ كلّ تركيزه يكون في اللعبة ويغفل عنهم.


- تغذّي النزعة الفرديّة والأنانيّة من جهة، والشعور بالانعزاليّة والانطوائيّة من جهة ثانية، لأنّ الطفل الذي يلعب بالألعاب الإلكترونيّة يجلس بمفرده ساعات طويلة، ولا يتفاعل مع الآخرين أو يتعاون معهم ويشاركهم، وبالتالي تضعف المهارات الاجتماعيّة لديه بسبب العزلة عن الواقع.

- تغذّي الألعاب الإلكترونيّة نزعة العنف والعدوانيّة والخصومة، بسبب ما تحتويه الألعاب من مشاهد العنف1.

- تخفّض مستوى التواصل اللغويّ.

- تحدّ من ممارسة النشاط البدنيّ2، فتؤدّي إلى السمنة والبدانة، وتورث الكسل والخمول... بسبب قلّة الحركة.

- تعلّم عادات وتقاليد وقيماً بعيدة عن ثقافة مجتمعاتنا.

3- إرشادات وتوجيهات:
لا نريد أن ندخل هنا في بحث مقارن بين الإيجابيّات والسلبيّات، ولكن ممّا لا شك فيه وجود آثار سلبيّة تترتّب على كيفيّة استخدام هذه الألعاب. فإذا استطعنا تحسين أسلوب استعمالها ببعض الإجراءات، يمكن تفادي الكثير من سلبيّاتها أو الحدّ منها.
 
 

1- القاسم، عبد الرزّاق بن إبراهيم، العلاقة بين ممارسة الألعاب الإلكترونيّة والسلوك العدوانيّ لدى طلّاب المرحلة الثانويّة بمدينة الرياض، العام الجامعيّ1432ه-2011م.
2- بشير، نمرود، ألعاب الفيديو وأثرها في الحدّ من ممارسة النشاط البدنيّ الرياضيّ الجماعيّ الترفيهيّ عند المراهقين المتمدرسين ذكور (12-15سنة)، معهد التربية البدنيّة والرياضيّة، الجزائر، 2008م.
 
 
 
 
 
129

104

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 ويمكن اللجوء إلى الخطوات التالية:

- تنظيم وقت اللعب بها، وتحديده بنحو لا يؤثر في باقي أنشطة الطفل.
- إيجاد عناصر جذب تشجّع الطفل على المشاركة في أنشطة أخرى، كالرياضيّة والألعاب التقليديّة.
- التوجيه الذكيّ من قبل الأهل لاختيار نوع اللعبة التي لا تحتوي على ما يُكسِب الطفل عادات وقيماً وسلوكات خاطئة.
- اختيار اللعبة المناسبة للمرحلة العمريّة للطفل، ولجنسه...
- مواكبة الطفل أثناء اللعب، وملاحظة مدى تغيّر سلوكه بسببها، وطرح بعض الأسئلة عنها بطريقة تجهيل الذات، من باب التعرّف ورصد جواب الطفل، وإرشاده إلى العادات السيّئة في اللعبة، وتفهيمه الفرق بين الخيال والواقع... إلخ.
- مشاركة الطفل في الألعاب الإلكترونيّة وقضاء وقت معه في ذلك.
- تشجيع الطفل على الألعاب الإلكترونيّة التفاعليّة، من خلال اللعب مع أصدقائه بهذه الألعاب، أو اختيار الألعاب التي تحتاج إلى فريق...
- السماح للطفل باللعب في المنزل كضمانة لدفع أضرار مقاهي الأنترنت ومحلّات الألعاب الإلكترونيّة.
- استخدام أسلوب التهديد بالحرمان من اللعبة مطلقاً أو الحرمان منها مؤقتّاً، حال تقصير الطفل بواجباته الأخرى، من طعام أو درس أو نوم أو مشاركة اجتماعيّة...
- مراعاة شروط السلامة الجسميّة في كيفيّة جلوس الطفل أثناء اللعب.
 
 
 
 
 
130

105

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 المفاهيم الرئيسة


- الرغبة في اللعب واللهو من الميول الفطريّة التي أودعها الله تعالى في ذات كلّ طفل، إذ نراه يصوّت ويتنغنغ ويترقّص ويدور ويقفز ويجري ويقوم بحركات هزليّة ويلهو بطعامه...
- اعترف الفلاسفة منذ القدم، كأفلاطون وأرسطو وغيرهما، بأهمّيّة اللعب، وكذلك شدّد فلاسفة التربية المسلمون كالغزاليّ والفيض الكاشانيّ وغيرهما عليه، لكنّه لم يُتّخذ موضوعاً مستقلّاً للتفكير فيه، ورصد آثاره الذهنيّة والوجدانيّة والنفسيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة... في شخصيّة الطفل إلا حديثاً.
- كان لفروبل Frobel وشالر Schaller ولازاراس Lazarus، وبريير preyer وستانلي هول وشتيرن Stern، وشارلوت بوهلر Charlotte Buhler، وجان بياجيه وغيرهم، دور حيويّ في تطور البحث حول اللعب وآثاره في حياة الطفل.
- التربية باللعب عبارة عن قيام المربّي بتهيئة البيئة الحاضنة للعب الطفل، وتحضير الألعاب المناسبة لمرحلته العمريّة، لتنمية قدراته العقليّة والنفسيّة والجسميّة، واستثمار غريزة اللعب في تعليم الطفل، وتأديبه على القيم، وعلاجه من بعض الاضطرابات النفسيّة.
- للّعب آثار عدّة في هويّة الطفل: الآثار الجسميّة - الحركيّة: كتقوية عضلات الجسم، والمهارات الحركيّة. الآثار الذهنيّة والعقليّة: قوّة الملاحظة الحسّيّة، معرفة خصائص الأشياء، إثراء ملكة الخيال. الآثار النفسيّة والوجدانيّة: الشعور بالمتعة، الاعتماد على النفس، الاتّزان الانفعاليّ. الآثار الاجتماعيّة: تنمية مهارات التواصل الاجتماعيّ، الالتزام بالقواعد، المنافسة، تعلّم الأدوار الحياتيّة المختلفة. الآثار اللغويّة: تنمية قدرة التعبير، وتكوين الجمل المفيدة.
- ينبغي للوالدين تأمين أدوات اللعب، والالتفات إلى: إشراك الطفل في شراء اللعبة، جاذبيّة اللعبة، توافر شروط السلامة والأمان، التناسب مع جنس الطفل وعمره واحتياجاته.
- كثرت الدراسات بين مؤيّد ومعارض للألعاب الإلكترونيّة، ويقول المؤيّدون إنها تحقّق إيجابيّات عدّة، منها: التكيّف مع البيئة التكنولوجيّة، توطيد العلاقة بين الآباء والأبناء، تحسين القدرات الحسيّة والمهارات المعرفيّة، إثراء ملكة الخيال وتنمية الحسّ الجماليّ. وفي المقابل عرض المعارضون سلبيّات عدّة، منها: تؤدّي إلى أضرار صحّيّة، تمنع الاستفادة من الأنشطة الأخرى، ضعف التحصيل الدراسيّ، الانطواء والعزلة، نزعة العنف.
- يمكن تفادي سلبيّات الألعاب الإلكترونيّة من خلال: تنظيم وقت اللعب، الترغيب في الأنشطة الأخرى، التوجيه الذكيّ لاختيار نوع اللعبة، مشاركة الطفل في الألعاب الإلكترونيّة وقضاء وقت معه، تشجيع الطفل على الألعاب الإلكترونيّة التفاعليّة، مراعاة شروط السلامة الجسميّة في كيفيّة جلوس الطفل.
 
 
 
131

106

الدرس الثامن: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (1) المفهوم- الآثار - الألعاب الإلكترونيّة

 أسئلة الدرس


- ما هو اللعب لغة؟ واصطلاحاً؟ وما هي التربية باللعب؟
- كيف يمكن توظيف اللعب إيجاباً في عمليّة التربية والتعليم بساحاتهما المختلفة؟
- اعرض المسار التاريخيّ الذي مرّت به مسألة التربية باللعب.
- عدّد الآثار الجسميّة والذهنيّة والنفسيّة والاجتماعيّة واللغويّة الناتجة عن لعب الطفل؟ وأضف بعض الآثار الأخرى.
- ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الألعاب وأدوات اللعب؟
- اختلف العلماء بين مؤيّد ومعارض للألعاب الإلكترونيّة للأطفال، اذكر أهمّ الإيجابيّات وأهمّ السلبيّات.
- هل تؤيّد الألعاب الإلكترونيّة للأطفال أم تعارضها؟ علّل ذلك.
- ما هي أهمّ الإجراءات التي يمكن اعتمادها لتفادي سلبيّات الألعاب الإلكترونيّة أو الحدّ منها؟
 
 
 
 
132

107

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

الدرس التاسع
التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى أهمّيّة اللعب في ضوء النصوص الدينيّة.
2- يعرض نماذج من سيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في لعبه مع الحسنين عليهما السلام.
3- يذكر إجراءات حرّيّة اللعب عند الطفل.
4- يحدّد أهداف المراقبة الذكيّة للعب الطفل.
 
 
 
 
 
 
135

108

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 دع ابنك يلعب

اتّضح ممّا تقدّم في الدرس السابق، أهمّيّة اللعب وآثاره الحيويّة المختلفة في حياة الطفل وبناء هويّته، وقد أكّدت روايات النبيّ وأهل البيت صلوات الله عليهم، ضرورة اللعب، وأمرت وليّ الطفل بأن يتركه يعيش السبع الأولى من حياته في دائرة اللعب واللهو والنشاط الحركيّ.

- عن أبي عبد اللَّه عليه السلام، قال: "دع ابنك يلعب سبع سنين، ويُؤدّب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح، وإلّا فإنّه ممّن لا خير فيه"1.

- وعنه عليه السلام، قال: "الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين"2.

خصوصيّة السبع الأولى من حياة الطفل
قد يظنّ بعض الناس أن منتهى مرحلة اللعب عند الطفل هي سنّ السابعة، لكن ليس هذا هو المراد في هذه الروايات، بل الظاهر أنّ المقصود، هو أنّ الخصوصيّة الغالبة على طبيعة السبع الأولى هي اللعب، فهو توصيف بلحاظ غلبة الأفراد. وهذا لا يعني منع الطفل بعد سنّ السابعة عن اللعب، وتوجيه العذل واللوم إليه إذا قام بأيّ نشاط حركيّ، بل يبقى اللعب حاجة للطفل، لكن كلّ ما في الأمر أنّ سنّ السابعة تُعتبر نقطة البدء بالتعلّم والجدّيّة في المدرسة، وهو يحتاج إلى بذل جهد في تعلّم القراءة والكتابة
 
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص492.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص47.
 
 
 
 
137

109

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 والحساب، وحفظ بعض المعلومات، ودراسة الدروس ومراجعتها... أولاً.


وثانياً: هي سنّ الدخول في مرحلة التمييز، فيكون هناك تشدّد أكثر معه في التربية بفعل وعيه وإدراكه.

وثالثاً: هي سنّ بدء تمرين الطفل على العبادات، كالصلاة والصوم والصدقة وغيرها. لذا لا يكون طابع هذه المرحلة هو اللعب وحسب، وهذا لا ينافي بقاء حاجة الطفل إلى اللعب، وتشجيعه عليه، وإعطاءه الوقت والفرصة الكافيين للعب.

مسؤوليّات الأهل بالنسبة إلى لعب الطفل
أوّل وظيفة يتحمّلها الوالدان والمربّون، هي فسح المجال أمام الطفل ليمارس أيّ نشاط بحرّيّة، وإعطاؤه هامشاً ليتحرك داخل مروحة واسعة من الخيارات في اللعب، من دون فرض قيود كثيرة أو لائحة طويلة من الممنوعات، وهذا ما تفيده عبارة: "دع ابنك يلعب..."، أو غيرها، كقول أمير المؤمنين عليه السلام: "يُرخى الصبيّ سبعاً..."1.

ومع كلّ ما تقدّم، ممّا يُؤسف له أسفاً شديداً، أنّ بعض الأهل يقيّدون حركة الطفل في المنزل، بفرض لائحة طويلة من الممنوعات، خوفاً على أثاث المنزل وألوانه وترتيبه وأناقته... أو لاعتبارات اجتماعيّة أو اقتصاديّة... إلخ قد تكون أحياناً من وجهة نظرهم محقّة، ومع ذلك، فإنّ من أهمّ وظائف المربّي تهيئة البيئة الحاضنة لحرّيّة لعب الطفل وممارسة نشاطه الحركيّ، خصوصاً طفل المدينة الذي لا يملك غالباً إلّا فضاء منزله ليلعب فيه. فينبغي والحال هذه، أن يقتنع الوالدان عمليّاً بأنّ من حقّ الطفل أن يلعب، ومن حقّ الطفل أن يكون له مكان مخصّص ليلعب فيه، إذ يغفل معظم الأهل عن تأمين غرفة خاصّة للطفل في المرحلة الأولى من حياته، ليعيش نشاطه الحركيّ بحرّيّة، مع أنّ هذا الأمر ضروريّ في كيفيّة هندسة المنزل وتقسيمه. فإنّ قضاء الطفل وقته في اللعب أهمّ من أيّ اعتبار جماليّ أو اجتماعيّ أو ماليّ عند الوالدين، لأن البناء الصحيح والنموّ السليم لشخصيّة الطفل، تستحقّ المرتبة الأولى عند المزاحمة بين الأولويّات. وإذا كانت
 
 

1- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص223.
 
 
 
 
138

110

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 غرف المنزل قليلة، فبإمكان الوالدين ترتيب غرفة الضيوف أو الجلوس بنحو خاصّ ليلعب الطفل، ثم يعاد ترتيبها بنحو آخر أثناء زيارة الضيوف، وإلّا فما فائدة غرفة تُعطَّل أسابيع أو أشهراً انتظاراً لاستقبال ضيف بين حين وآخر، في الوقت الذي تُحجز فيه بشكل يوميّ وكلّ ساعة، حرّيّة الطفل ويُمنع عن اللعب.


وينبغي للأهل أن لا يشعروا بالحرج والخجل من عدم ترتيب هذه الغرفة أو تلك، بل عليهم أن يفتخروا بفعلهم هذا أمام الناس، والتوضيح لهم بأن النموّ السليم لطفلنا وطفلكم هو العنصر الأساس المقدَّم على أيّ اعتبار آخر.

ونلاحظ أنّ بعض الأهل قد يمنع الطفل عن ممارسة نوع خاصّ من اللعب بسبب فرط خوفهم عليه، فعليهم التنبّه إلى تجنّب جعل فرط خوفهم على الطفل، حاجزاً لحرّيّته، وعائقاً أمام إطلاق العنان لنشاطه الحركيّ. نعم، إذا كانت طبيعة اللعبة التي يمارسها الطفل تؤدّي إلى أذيّته وإلحاق الضرر المعتدّ به بنحو فعليّ، فيجب عليهم الوقاية والحذر، وهو أمر آخر غير فرط الخوف، وإلّا، فإنّ أيّ نشاط حركيّ عند الطفل نتيجة مشاغباته وعرامته وشقاوته، من القفز والجري والتعارك والتعلّق والزحف وغيرها، من شأنه أن يؤلمه أو يجرحه أو غير ذلك، ممّا هو طبيعيّ في سياق لعب الطفل.

ونلاحظ أيضاً، أنّ بعض الأهل قد يمنع الطفل من اللعب حفاظاً على نظافة جسمه ولباسه من الاتّساخ، خصوصاً في القرية، حيث قد يلعب الطفل بالتراب أو يتسلّق الجدران والأشجار، فيكون الوالدان بذريعة الحفاظ على نظافة الطفل، قد عملوا على كبت مواهبه ومنع قابليّاته من التفتّح والازدهار. فإنّ من حقّ الطفل أن يلعب، وإذا اتّسخت ثيابه أثناء اللعب، فإنّ هذا بنظرة واقعيّة أمر طبيعيّ، وببساطة يعاد غسلها. فينبغي والحال هذه، أن لا يصرخ الوالدان على الطفل: ماذا تفعل؟ الآن تجعل ثيابك قذرة!! بل عليهم تشجيعه على اللعب، وتحفيزه ورفع الموانع وإزالة العوائق والحواجز النفسيّة، كالخوف والحياء...
 
 
 
 
 
 
139

111

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 استحباب عَرَامة الطفل

وليعلم المربّي أنّ تشجيع الطفل على الألعاب الشاقّة والشديدة التي فيها مشاكسة وشراسة، تكسبه قوّة البدن وشجاعة القلب، وتنمّي عقله وتزيد فيه، وهذا ما أشارت إليه الروايات بشكل واضح، حين أكّدت استحباب عَرَامة الصبيّ في صغره.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "عرامة الصبيّ في صغره زيادة في عقله في كبره"1.

وعن العبد الصالح (الإمام الكاظم) عليه السلام، قال: "يُستحبّ عَرَامة الغلام في صغره، ليكون حليماً في كبره"2.

والعرامة في اللغة: الشدّة والحدّة والقوّة والشراسة3. وتُستعمل أيضاً بمعنى المرح والبطر4.

فيكون معنى الحديثين أنّه يُستحبّ تشجيع الطفل، وتعويده القيام بالأمور الشاقّة والألعاب المليئة بالنشاط والحركة والتخشّن...

مراقبة اللعب وتنظيم أوقاته
إنّ إعطاء الطفل هامشاً من حرّيّة الحركة في اللعب لا يعني الغفلة عن نشاطه وحركته، لأنّ الطفل قد يخلّ في بعض الألعاب بالآداب العامّة، كما في لعبة العروس والعريس. أو قد يؤذي نفسه أو الآخرين من حيث لا يشعر، كما في الألعاب القتاليّة، كالعضّ والخمش بالمخالب. وقد يلحق الضرر المعتدّ به بأغراضه الشخصيّة وألعابه، أو بأثاث المنزل، أو بثيابه... لذا، ينبغي أن نُبقِي أعيننا مفتوحة في مراقبة ذكيّة للطفل بين حين وآخر، من دون إشعاره بذلك، حتى لا نقيّد حركته، وأن نعمل على توجيهه وإرشاده في أنماط الألعاب التي نشخّص أن لها أثراً سلبياً في بناء هويّته، أو إزالة أو تنحية أيّ غرض
 
 

1- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، بيروت - لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ه - 1981م، ط1،ج2، ص151.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص51.
3- ابن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص292. وابن منظور، لسان العرب، ج12، ص395.
4- المخصّص، ج2، ص203. وابن منظور، لسان العرب، المصدر نفسه.
 
 
 
 
140
 

112

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 يشكّل عائقاً أمام حرّيّة حركته، أو يؤدّي إلى أذيّته، كالزجاج مثلاً.


كما أنّ إعطاء الطفل هامشاً من الحرّيّة في اللعب، ينبغي أن لا يكون على حساب الشؤون الأخرى التي يجب على الطفل أن يقوم بها. بل ينبغي أن يُنظّم اللعب بنحو لا ينعكس سلباً على الجوانب الأخرى في بناء شخصيّته، كالطعام مثلاً، فإنّ بعض الأطفال نتيجة استغراقهم في اللعب، قد يغفل عن الجوع، فلا يأكل، أو يأكل على عجل فلا يجوّد المضغ مثلاً. وكذلك النوم، فإنّ لجسد الطفل حقّاً، فقد يتعب الطفل، ولكن نتيجة رغبته في اللعب يقاوم النعاس والنوم، فعلى الوالدين أن يعطيا جسد الطفل حقّه في أخذ قسط من الراحة، وعليهما أن لا يعطيا الطفل هامش حرّيّة البقاء خارج المنزل من أجل اللعب، خصوصاً عندما يرخي الليل سدوله.

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا غربت الشمس فُكفّوا صبيانكم، فإنّها ساعة يُنشر فيها الشياطين"1.

والكفّ هنا بمعنى توجيه أمر إرشاديّ للأهل، بأن يضمّوا الأطفال إليهم في حضن البيت، ويمنعوهم عن الخروج في مثل هذا الوقت.

بين اللعب والدراسة والتعلّم
كما ينبغي تنظيم وقت اللعب عند الطفل بما يتناسب مع أدائه لفروضه المدرسيّة في المنزل، بنحو لا يكون اللعب حجر عثرة في طريق دراسته. وفي الوقت نفسه ينبغي الالتفات إلى عدم حرمان الطفل من اللعب بإرهاقه بالدروس، فإنّ الطفل بعد عودته من المدرسة يحتاج إلى اللهو واللعب ليخرج من مناخ الجدّيّة والانضباط والتقيّد، كي لا يصل إلى مرحلة يكره فيها التعلّم، وينفر فيها من الدرس، لأنه سيراه حينها عائقاً أمام تحقيق رغبته الفطريّة في اللهو، وتحصيل المتعة والبهجة باللعب.

وقد التفت فلاسفة التربية المسلمون إلى أهمّيّة هذا العنصر. يقول أبو حامد الغزاليّ: "ينبغي أن يؤذن له (أي للطفل) بعد الانصراف من الكتّاب (المدرسة)، أن يلعب لعباً
 

1- السيوطي، الجامع الصغير، ج1، ص118.
 
 
 
 
141

113

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 جميلاً، يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب. فإنّ مَنعَ الصبيّ من اللعب، وإرهاقه إلى التعلّم دائماً، يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغّص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً"1.


التصابي للطفل واللعب معه
من المسائل المهمّة التي أكّدتها الروايات أيضاً في خطّ علاقة الأهل مع الطفل في التربية باللعب هي: أن يشاركوه اللعب، لا أن يدعوه يلعب وحسب، فإنّ لعب الوالدين مع طفلهما يشبع حاجاته العاطفيّة، ويؤنسه ويشعره بدفء العلاقة. وقد ذكرنا في درس التربية بالحبّ والرحمة، أنّه من مظاهر التربية بالحبّ اللعب مع الطفل. كما أنّه "حينما يشارك الكبار الطفل في لعبه وإيهامه به، فإنّما يؤكّدون له صلاحيّة ما يقوم به، وما ينطوي عليه من معنى"2.

وعلى الوالدين أن يُنزلا أنفسهما منزلة الطفل الصغير3 حين اللعب معه، فيعيشوا مع الطفل مشاعره الطفوليّة، ويشاركوه أحاسيسه، فيرجعوا أطفالاً في حركاتهم وأسلوب كلامهم ونظراتهم وطريقة لعبهم، ويدعوا جانباً الطبيعة الأبويّة التي تريد الحفاظ على الهيبة مثلاً، فيلعبوا مع الطفل كلعب الطفل نفسه. وقد أطلقت الروايات على هذه الحال مصطلح "التصابي".

عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من كان عنده صبيّ فليتصابَ له"4

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "من كان له ولد صبا"5.

وصنّف الفقهاء هاتين الروايتين وغيرهما في موسوعاتهم الحديثيّة تحت عنوان:
 
 

1- الغزالي، إحياء علوم الدين، ج8، ص133. والمحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج5، ص127.
2- سيكولوجيا اللعب، ص267.
3- انظر: الشيخ فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، مرتضوي، شهريور ماه 1362 ش، ط2،ج1، ص260.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص483.
5- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص49.
 
 
 
 
142

114

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 "استحباب التصابي مع الولد وملاعبته"1، ممّا يُظهر أنّ اللعب مع الطفل من الأمور المستحبّة في الشريعة الإسلاميّة، وإن كان من المحتمل أن تكون مثل هذه الأحاديث واردة في سياق الأوامر الإرشاديّة دون التكليفيّة.


اكتشاف شخصيّة الطفل أثناء اللعب معه
إنّ اللعب مع الطفل وسيلة تساعد الأهل على تكوين بنك معلومات عن طبيعة طفلهم، باعتماد أسلوب الملاحظة الحسّيّة، وفهم مكوّنات شخصيّته ومهاراته الذهنيّة، ونفسيّته ونقاط قوّته وضعفه، ومشكلاته وصراعاته، وانفعالاته واضطراباته، وأساليب تعبيره عن حاجاته ومخاوفه التي تظهر أثناء اللعب. ومن هنا، أعتمد ما اصطلح عليه اختبارات اللعب، لاكتشاف طبيعة شخصيّة الطفل.

كما أنّ مراقبتهم الذكيّة للطفل أثناء لعبه بين حين وآخر، تعطيهم نتائج أفضل عن طبيعة الطفل، لأنّ الطفل قد يخفي بعض عواطفه وانفعالاته وتعبيراته، خجلاً أو خوفاً أو احتراماً لوالديه.

ملاطفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحسنين عليهما السلام
لقد كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يلاطف ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام، إظهاراً لحبّه لهما، وإبرازاً لعظيم فضلهما وكبير منزلتهما في عين الله تعالى أمام الأمّة. لذا نلاحظ أنّ الأحاديث التي تتحدّث عن ملاطفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحسنين، تُعقّب بعبارات توضح هذا الأمر، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم للحسين عليه السلام: "حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً"2.

وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال: دخل رجل من الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مستلقٍ على ظهره، والحسن والحسين يلعبان على بطنه، فقال: أتحبّهما يا رسول الله؟
 
 

1- انظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص203. والميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج15، ص172. والسيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج21، ص416.
2- ابن قولويه، أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، كامل الزيارات، تحقيق الشيخ جواد القيومي، قم، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417ه، ط1،ص116.
 
 
 
143

115

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 قال: "وكيف لا أحبّهما، وهما ريحانتاي في الدنيا والآخرة؟"1.


وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: دخلت على النبيّ (...)، وعلى ظهره الحسن والحسين، وهو يقول: "نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما"2.

وعن عمر بن الخطّاب، قال: رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: نعم الفرس تحتكما. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ونعم الفارسان هما"3.

وعن ابن مسعود، قال: حمل رسول الله الحسن والحسين على ظهره، الحسن على أضلاعه اليمنى، والحسين على أضلاعه اليسرى، ثم مشى وقال: "نعم المطيّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما"4.

وفي هذا السياق، نشير إلى ظاهرة غالباً ما يفعلها الأطفال بشكل متكرّر، وهي أنّهم يركبون ويمتطون ظهور والديهم أثناء تأدية الصلاة، فينبغي للوالدين عدم تعنيف الطفل ودفعه بقوّة عن ظهرهما، بل السماح له بذلك، فإنّه مع مرور الوقت يترك هذه العادة تدريجياً.

إشارة عقائديّة: الإمام لا يلهو ولا يلعب
والجدير ذكره في المقام، نقطة تتعلّق باعتقادنا بأئمّة أهل البيت عليهم السلام، وهي أنّ الإمام عليه السلام لا يلهو ولا يلعب كشأن سائر الأطفال.

عن صفوان الجمّال قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن صاحب هذا الأمر؟ فقال عليه السلام: "إنّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب. وأقبل أبو الحسن موسى عليه السلام وهو صغير، ومعه عَناق5 مكّيّة، وهو يقول لها: اسجدي لربّك. فأخذه أبو عبد اللَّه عليه السلام وضمّه إليه وقال: بأبي وأميّ من لا يلهو ولا يلعب"6.
 
 

1- المغربيّ، شرح الأخبار، ج3، ص100.
2- الكوفيّ، مناقب الإمام أمير المؤمنين، ج2، ص247 و ص269. وابن المغازلي، مناقب عليّ بن أبي طالب، ص304.
3- تاريخ مدينة دمشق، ج14، ص162. وشرح الأخبار، ج3، ص107.
4- مناقب آل أبي طالب، ج3، ص158-159.
5- العناق: الأنثى من أولاد المعز التي لم تستكمل الحول، والجمع أعنق وعنوق.
6- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص311.
 
 
 
144

116

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 وقد ورد في بعض الروايات أن الإمام العسكري عليه السلام عندما كان صبيّاً قال له رجل: أشتري لك ما تلعب به؟ فقال عليه السلام: "ما للعب خلقنا"1.


فالأفعال التي كان يلاطف فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحسنين عليهما السلام، كان لها أهداف رساليّة ودعويّة كما ذكرنا، من باب إظهار فضل الحسن والحسين عليهما السلام، لترتبط الأمّة بهما عاطفيّاً ووجدانيّاً، وبالتالي تحبّهما وتناصرهما وتواليهما.

وفي ضوء هذه القاعدة من أنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يخلقوا للّعب نفهم كيف ينصّب الجواد والمهدي عليهما السلام أئمة على الأمة رغم صغر سنهما، وقد كان ذلك في الأنبياء عليهم السلام أيضاً، فقد ورد في بعض الروايات في قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾2: "أنه عليه السلام كان صبياً، فقال له الصبيان: هلمّ نلعب. فقال عليه السلام: أوه والله ما للعب خلقنا ، وإنما خلقنا للجدّ لأمر عظيم"3.

وبغضّ النظر عن هذا البعد العقائديّ في ملاطفة النبيّ لابنيه الحسنين، يبقى التأسّي بفعل النبيّ من ناحية كيفيّة ملاعبة الوالدين لطفلهما واللعب معه، هو موضع الشاهد التربويّ، لكونها وقعت أمام ناظري المسلمين، ممّا يدعوهم إلى التأسّي بها.
 

1- الهيتمي، أحمد بن حجر، الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، ص209.
2- سورة مريم، الآية 12.
3- التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام، ص661.
 
 
 
145

117

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 المفاهيم الرئيسة


- أكّدت الروايات ضرورة اللعب، وأمرت وليّ الطفل بأن يتركه يعيش السبع الأولى من حياته في دائرة اللعب واللهو والنشاط الحركيّ. فعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام، قال: "دع ابنك يلعب سبع سنين"، وعنه عليه السلام، قال: "الغلام يلعب سبع سنين".
- حدّ اللعب بسبع سنوات يعني أنّ الخصوصيّة الغالبة على السبع الأولى هي اللعب، فهو توصيف بلحاظ غلبة الأفراد. وهذا لا يعني منع الطفل بعد السابعة عن اللعب، بل كلّ ما في الأمر أنّ سنّ السابعة هي مرحلة التمييز، فيصبح هناك أولويّات أخرى في حياة الطفل: التحصيل الدراسيّ، التمرّن على العبادات، اكتساب القيم...
- ينبغي للوالدين فسح المجال أمام الطفل ليمارس أنشطته الحركيّة بحرّيّة، وهذا ما تفيده عبارة "دع ابنك يلعب". فلا ينبغي أن تشكّل الاعتبارات الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو الجماليّة، أو الخوف أو الحرص على النظافة،... حجر عثرة في طريق لعب الطفل، لأنّ البناء الصحيح والنموّ السليم لشخصيّة طفلهم يستحقّان المرتبة الأولى عند المزاحمة بين الأولويّات.
- إنّ إعطاء الطفل هامشاً من حرّيّة اللعب لا يعني الغفلة عن نشاطه، لأنّه قد يخلّ بالآداب العامّة، كما في لعبة العروس والعريس، أو قد يؤذي الآخرين، كما في الألعاب القتاليّة، كالعضّ والخمش بالمخالب.
- ينبغي أن لا تكون حرّيّة اللعب على حساب الشؤون الأخرى، كالطعام أو النوم، أو أداء الفروض المدرسيّة، أو الواجبات الاجتماعيّة...
- ينبغي تشجيع الطفل على الألعاب التي فيها مشاكسة، لأنّها تنمّي عقله، وتكسبه قوّة البدن وشجاعة القلب. فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "عرامة الصبيّ في صغره زيادة في عقله في كبره".
- أكّدت الروايات ضرورة مشاركة الوالدين الطفل في اللعب، فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "من كان عنده صبيّ فليتصابَ له".
- اللعب مع الطفل وسيلة تساعد الأهل على تكوين بنك معلومات عن طبيعة طفلهم، باعتماد أسلوب الملاحظة الحسّيّة، وفهم مكوّنات شخصيّته، ومهاراته الذهنيّة ونفسيّته، ونقاط قوّته وضعفه، ومشكلاته وانفعالاته واضطراباته، وأساليب تعبيره عن حاجاته ومخاوفه التي تظهر أثناء اللعب.
- كان من سيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أن يلاعب ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام.
 
 
 
 
 
 
146

118

الدرس التاسع: التربية باللعب واللعب عند الأطفال (2) قراءة في ضوء النصوص الدينيّة

 أسئلة الدرس


- عن أبي عبد اللَّه عليه السلام، قال: "دع ابنك يلعب سبع سنين"، وعنه عليه السلام، قال: "الغلام يلعب سبع سنين"، حلّل مضمون هاتين الروايتين.
- هل حدّ اللعب بسبع سنوات يعني منع الطفل بعد السابعة عن اللعب؟ علّل ذلك.
- لِمَ ينبغي للوالدين إعطاء الطفل هامشاً من حرّيّة الحركة واللعب داخل المنزل؟ وما هي الإجراءات التي يجب عليهم القيام بها، لتهيئة البيئة الحاضنة للّعب في المنزل؟
- هل يجب مراقبة ألعاب الطفل وأنشطته الحركيّة؟ لماذا؟ وكيف؟
- عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: "يُستحبّ عَرَامة الغلام في صغره، ليكون حليماً في كبره"، ما هي عرامة الصبيّ؟ وكيف تُساهم في نموّه العقليّ وقوّته البدنيّة؟
- عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "من كان له ولد صبا"، ما هو المقصود بالرواية؟ وما أهمّيّة هذا الفعل في خطّ علاقة الوالدين بالطفل؟
- هل يمكن توظيف اللعب في فهم طبيعة الطفل؟ كيف؟ وبماذا يساعد هذا الأمر الوالدين؟
 
 
 
 
 
 
147

119

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 الدرس العاشر

التربية بالأدب والفنّ


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يُعرِّف التربية الأدبيّة والفنيّة.
2- يعدّد أهداف التربية بالأدب والفنّ.
3- يحدّد معايير تقديم الأدب والفنِّ للأطفال وضوابطه.
4- يبيّن أهمّيّة تربية الطفل على الشعر.
5- يذكر خصائص التربية بأسلوب القصّة.
 
 
 
 
 
149

120

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 يتفرّع الحديث عن التربية الأدبيّة1 والفنيّة للطفل إلى ثلاثة مجالات:

- الأوّل: تربية الطفل بالأدب والفنّ.
- والثاني: تربية الطفل على الأدب والفنّ.
- والثالث: علاج المشكلات السلوكيّة والاضطرابات النفسيّة عند الطفل بالأدب والفنّ. فقد ينجح المربّي في تعديل سلوك الطفل من خلال الأدب والفنّ بمسرحيّة أو قصّة، بما لا يستطيع أن ينجح في ذلك بوسائل أخرى، كأسلوب الثواب أو العقاب...

وسنعالج في هذا الدرس البعدين الأوّلين، أما البعد الثالث فقد تقدّم الحديث عنه في درس التربية باللعب، ولا جديد نضيفه، إلا بتغيّر الميدان من اللعب إلى الأدب والفنّ.

يُعتبر الأدب والفنّ وما ينطويان عليه من القصّة والشعر، والنشيد والغناء، والرسم والمسرح، والرقص والموسيقى... إلخ، من الأصول والوسائل التي اعتمدت عليها المجتمعات البشريّة منذ قدم التاريخ في تربية الأطفال، فهما يساعدان على تنمية مواهبهم وتفتّح استعداداتهم، وزرع القيم وغرس العادات والتقاليد الاجتماعيّة، ونقل التراث الثقافيّ بمختلف أشكاله، خصوصاً أنّ الطفل فنّان بطبعه، ويتجاوب ويتفاعل بشكل إيجابيّ مع الأعمال الأدبيّة والفنيّة2.

وكذلك يشكِّل الأدب والفنّ حاجة رئيسة في الحياة العقليّة والخياليّة للطفل، فهو يتميّز في المراحل النمائيّة الأولى من حياته بملكة الخيال الإيهاميّ، التي تحاكيها وتثيريها الأعمال الأدبيّة والفنيّة. فالطفل يقفز بخياله فوق حدود الزمان والمكان، ويحلّق بطائر
 
 

1- يُعتبر الأدب جزءاً من منظومة الفنّ بالمعنى الأعمّ، كما سيتّضح من تعريف الأدب.
2- يراجع: الحديدي، علي، في أدب الأطفال، الفصل الأول، والرابع.
 
 
 
 
151

121

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 الخيال عالياً متجاوزاً الواقع، فيصوّر العصا حصاناً يمتطيه، والوسادة طفلاً صغيراً يلعب معه... إلخ. فالطفل يستخدم خياله ليستمتع، وليهرب من الظروف التي يفرضها عليه الواقع المخيّب لآماله، والمقيّد لحركته.


كما أنّ الأدب والفنّ يُعتبران حاجة ضروريّة في الحياة الوجدانيّة والعاطفيّة للطفل، بإمتاعه والترويح عنه، وملء حياته بالشعور بالأنس والإيجابيّة، إذ نلاحظ أنّ الطفل يأنس بأنشودة تردّدها أمّه على مسامعه، فتشعره بالدفء والحنان، وينام على نغمتها، أو بقصّة يرويها الأب له قبل النوم، فيشعر بالأمان...

ما هو أدب الأطفال؟
وقدّ عُرّف أدب الأطفال بتعريفات متعدّدة، منها:
- أنّه خبرة لغويّة في شكلّ فنّيّ، يبدعه الفنّان، ولا سيّما للأطفال فيما بين الثانية والثانية عشرة أو أكثر قليلاً، يعيشونه ويتفاعلون معه، فيمنحهم المتعة والتسلية، ويدخل على قلوبهم البهجة والمرح، وينمّي فيهم الإحساس بالجمال وتذوّقه، ويقوّي تقديرهم للخير ومحبّته، ويطلق العنان لخيالاتهم وطاقاتهم الإبداعيّة، ويبني فيهم الإنسا1.

- وعُرّف بأنّه "الفنّ الذي يُسعِد الطفل ويُمتِعه من خلال تصويره للعواطف الإنسانيّة وتعبيره عنها... فتحدث التأثير الوجدانيّ الذي يساعد على بناء شخصيّة الطفل وتعميق هويّته، وتثقيفه وتعليمه فنّ الحياة"2.

وقد فُعّل وُنشّط حضور الأدب والفنّ بطريقة علميّة في العصر الحديث في ميدان تربية الأطفال، وفي هذا السياق، ألّفت كتب عديدة حول أدب الأطفال وفنّ الأطفال، ودورهما في العمليّات التربويّة.
 
 

1- يحيى، رافع، تأثير ألف ليلة وليلة في أدب الأطفال العربيّ، ص18.
2- فناوى، هدى، الطفل وأدب الأطفال، ص10. ويراجع: أبو فنّة، محمود، القصّة الواقعيّة للأطفال في أدب سليم خوري، دار الهدى للطباعة والنشر، حيفا، 2001م.
 
 
 
 
152

122

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 أهداف التربية بالأدب والفنّ:

للتربية بالأدب والفنّ أهداف عديدة، من أهمّها:
- المؤانسة والإمتاع، وإدخال الفرح والسرور على قلبه.
- تنمية ذوقه الجماليّ والسموّ بإحساسه الأدبيّ والفنيّ.
- إثراء ملكة الخيال، وتغذية قدرة التصوير الذهنيّ.
- المساهمة في النضج الانفعاليّ والنموّ العاطفيّ.
- تقديم القيم والعادات والتقاليد بصورة جذّابة ومغناطيسيّة.
- المساهمة في نموّ المعجم اللغويّ، وطلاقة التعبير.

الأدب والفنّ ليسا مجرّد وسيلة ترفيه وتسلية
لا شكّ في أن الأدب والفنّ (وكذلك الرسوم المتحرِّكة التي هي في المحصّلة، تمزج الأدب بالقصّة، والفنّ في السيناريو بالصورة والألوان والأشكال والإخراج، وجميع المؤثّرات الصوتيّة والبصريّة...) يشكّلان وسيلتي ترفيه للطفل. ولكن ينبغي للمربّي أن لا ينظر إليهما كوسيلة للترفيه والتسلية وحسب، بل هما عبارة عن شكلين من أشكال التعبير الإنسانيّ، حيث يضع الأديب والفنّان عقيدته وقيمه واتجاهاته ومشاعره... في فنّه وأدبه، ويصوّر باللغة والصورة والإيقاع والحركات و... طبيعة الحياة وجميع ما يدور في نفسه ومجتمعه من مواقف وخبرات، إيجابيّة أو سلبيّة، وصراعات وتناقضات، والطفل سيتجاوب مع تلك التصوّرات والقيم والمواقف بإيجابيّاتها وسلبيّاتها بطريقة لاشعوريّة...

وفي هذا السياق، لا بدّ من تنبّه المربّي ويقظته، لما ينطويان عليه من قيم، ويحويانه من اتجاهات، قد يترجمها الطفل في حياته ويسير في ضوئها، لأنّه بفعل قدرة المحاكاة والتقليد، سيتمثّل ويتقمّص الشخصيّات الواردة في قصّة أو مسرح... في سلوكه العمليّ، فيتكلّم مثلها ويأكل بطريقتها، ويلبس ويمشي ويتصرّف...

فـ"الطفل حين يستمتع بأيّ عمل أدبيّ، يتقمّص لاشعورياً بعض القيم والعادات والاتجاهات، ونماذج السلوك التي تروق له في العمل الأدبيّ، ومع تكراره لها تصبح جزءاً
 
 
 
 
 
153

123

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 من كيانه. وهكذا ينمو الطفل من خلال تقمّصه، فالطفل يكرّر ما يعجبه، وهذا التكرار يكسب الطفل عادات ترسخ في سلوكه، وينمو من خلالها حتّى تصبح جزءاً من ذاته"1.


مسؤوليّات المتديّن: الفنّان المربّي
وهذا يضع الأديب والفنّان المتديّن أمام تحدٍّ واقعيّ للعمل، على أن يكون فناناً مربّياً، أي أن ينطلق في فنّه من منظور تربّوي، فيقدّم الأدب والفنّ وينتجهما بنحو التوأمة والمزاوجة بين جماليّة المظهر والجوهر والشكل والمضمون، فيقدّم أيّ لون من ألوان الأدب والفنّ بطريقة جذّابه وباهرة بجماليّة اللغة والصورة والإيقاع والصوت والحركات والألوان والأشكال... تشدّ انتباه الطفل وتجعله يشعر بالجذبة المغناطيسيّة إليها، وتمتّعه وتؤنسه ولا يشعر بالملل منها، في الوقت الذي تراعي فيه إدخال القيم والعواطف والاتجاهات والسلوكات والتصوّرات التي نريد غرسها في نفوس أطفالنا، بطريقة إيجابيّة تدفعه إلى حبّها والأنس بها، ليتفاعل الطفل معها وينسج على منوالها. وتقدّم له القيم السلبيّة منها بنحو يكرهها وينفر منها ويشمئزّ ليبتعد عنها. وهكذا يكون الأدب والفنّ مادّة للإمتاع والمؤانسة، وعنصراً مساهماً في تربية الطفل والنموّ السليم له.

فمثلاً قصّة ليلى والذئب، فإنّها تزرع حالة من الخوف والرهبة في نفس الطفل، فتقلقه وتؤرّقه، وتحرمه من النوم... إلخ.

وكذلك باقي الحكايات الشعبيّة أو القصص أو الرسوم المتحرّكة... قد تحتوي على العنف، أو الكذب، أو الغشّ، أو السرقة، أو المؤامرة، أو الإهانة والتحقير، أو... إلخ، من القيم السلبيّة التي يتمثّلها الطفل في مواقفه الحياتيّة. وذلك لأنّ الطفل عادة ما يتجاوب مع إحدى الشخصيّات الموجودة في القصّة أو المسرح أو الرسوم المتحرّكة أو غيرها، فيفرح لفرح تلك الشخصيّة، ويحزن لحزنها، ويتفاعل مع نجاحها وفشلها، ويتمثّل تلك الشخصيّة، فيتصوّر نفسه أنّه تلك الشخصيّة، فيعيش انفعالاتها ومشاعرها، ويحاول أن يفكّر مثلها، ويتصرّف مثلها، ويترجم سلوكاتها في حياته...
 
 

1- الطفل وأدب الأطفال، ص12.
 
 
 
 
 
154

124

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 كيفيّة تقديم الأدب والفنّ

وهذا يحيلنا إلى نقطة مهمّة، وهي كيفيّة تقديم المربّي للأدب والفنّ إلى الأطفال:
أولاً: مراعاة الشروط العلميّة والفنيّة، مثل:
1- استخدام الجمل والتراكيب اللغويّة البسيطة والواضحة، وتجنّب الألفاظ الغريبة وغير المألوفة.
2- استخدام الألفاظ التي تتناسب مع القدرات اللغويّة للطفل ومعجمه الذهنيّ، والخصائص النمائيّة لعمر الطفل، كي يستوعب معانيها.

لو أخذنا نموذجاً شعريّاً على سبيل المثال1:
أمّي أمّي         ما أغلاها
هي في عيني    ما أحلاها
هي في قلبي     لا أنساها
أنا أفديها         أنا أهواها

3- تنغيم الصوت والتغيير في النبرات والإيقاع الموسيقيّ له حسب الحالات: فرح، حزن، جرأة، خوف، حماسة، عطف...

4- تقليد أصوات الحيوانات والطيور والظواهر الطبيعيّة، كالرعد وخرير الماء وحفيف الشجر...


5- تفعيل لغة البدن في النظرة والبسمة وإشارة اليدين وحركة الجسم... إلخ.

ثانياً: مراعاة الضوابط الأخلاقيّة والفقهيّة في تقديمهما، خصوصاً في الأناشيد والموسيقى والرقص والرسم، وغيرها من الفنون التي تكثر ضوابطها الفقهيّة في التراث الدينيّ.

ثالثاً: مراعاة المراحل النمائيّة والخصائص الذهنيّة للطفل، التي تبدأ بإدراك المحسوسات من خلال الإكثار من الصور والأشكال والكلمات التي يتمكّن الطفل من إدراك معانيها بحواسّه، ثم التدرّج معه من المحسوس إلى المعقول.
 
 

1- من قصيدة للشاعر أحمد علي الخيّاط.
 
 
 
 
155

125

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 التربية على الأدب والفنّ

هذا بعض ما يتعلّق بالمجال الأوّل، أما بلحاظ المجال الثاني، وهو التربية على الأدب والفنّ، فقد قلنا إنّ الطفل فنّان بطبعه، وكذلك فإنّ كلّ طفل نتيجة تفاعله مع الأدب والفنّ واستئناسه بهما، يتكوّن لديه ميول خاصّة نحو مجال أدبيّ أو فنّيّ معيّن. وفي هذه الحال، على المربّي أن يكون مراقباً ذكيّاً لطبيعة الطفل، والعمل على اكتشاف مواهبه الأدبيّة والفنيّة، والسعي نحو تنمية الاستعدادات والميول الخاصّة، وعدم إغفالها أو قمعها، بذريعة أنّها تؤثّر في دروسه أو مستقبله المهنيّ، أو تجعله يشقّ طريقه في الحياة بنحو لا يرضاه الوالدان. فإنّ إطلاق رصاصة (الرحمة) على الإبداع، يترك بصمة خطيرة على شخصيّة الطفل. ولذا على الأهل في هذا السياق إرشاد الطفل أدبيّاً وفنيّاً، والإشراف على أعماله بما يتلاءم مع هدف تنمية هويّته. فالأدب أو الفنّ هو أداة بيد الطفل للتعبير عن تصوّره للحياة، وانفعالاته النفسيّة وعواطفه الوجدانيّة. كما أنّه آليّة للتنفيس عن مكبوتات الطفل الداخليّة المشحونة في صدره، وهو طريق للاتّصال بالعالم الخارجيّ المحيط به.

فعلى المربّي معاونة الأطفال على التعبير الأدبيّ والفنّيّ، كتأليف القصص ورواية الحكايات ونظم الشعر، وإعداد الأعمال المسرحيّة بنفسه، والتمثيل فيها وعزف الموسيقى والرسم...، لأنه من خلال ما يُظهره الطفل في صورة أدبيّة وفنيّة، يستطيع المربّي أن يتعرّف إلى طبيعة ثقافته، وما تنطوي عليه ذاته من ميول واتجاهات وقيم، وبالتالي يعمل على تأكيد وتصليب وتنمية ما هو إيجابيّ منها، وتغيير وتعديل ما هو سلبيّ. فالفنّ كما اللعب، وسيلة لاطّلاع المربّي على طبيعة شخصيّة الطفل، وما فيها من مكنونات إيجابيّة أو سلبيّة1.

تعليم الطفل الشعر النافع
وفي هذا السياق، نلاحظ أن أئمّة أهل البيت عليهم السلام حثّوا الأهل على تعليم الأبناء الشعر، وتحفيزهم عليه.
 
 

1- يراجع حول هذه النقطة: درس التربية باللعب.
 
 
 
 
156

126

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يُعجبه أن يُروى شعر أبي طالب، وأن يُدوّن. وقال: تعلّموه وعلّموه أولادكم، فإنّه كان على دين الله، وفيه علم كثير".1


وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "يا معشر الشيعة، علّموا أولادكم شعر العبديّ، فإنّه على دين الله"2.

والتعليل الوارد في الروايتين، يشهد أنّ أبا طالب عليه السلام والعبديّ من باب المصداق والمثال، وبالتالي فإنّ المدار هو أن يكون الشاعر على دين الله تعالى، أي يحتوي شعره على التصوّرات والقيم الدينيّة الأصيلة.

ونشارك الشيخ محمّد الريشهري في قوله تعليقاً على الحديثين السابقين: "... إنّ الواجب على الأدباء والشعراء الملتزمين والمسلمين، أن يخصّصوا لشعر الأطفال فصلاً خاصّاً في دواوينهم الشعريّة.

... ومن أجل أن يستطيع الجيل الجديد الانتفاع منه، أي الشعر، تربويّاً إلى الحدّ الأقصى، ينبغي أن يشتمل على العناصر التالية:
أولاً: أن يتمتّع ناظم الشعر بالالتزام الدينيّ...
ثانياً: أن يتضمّن الشعر المعلومات التي يحتاج إليها الطفل في المجالات العقيديّة والأخلاقيّة والعمليّة...
ثالثاً: نظراً إلى الدور المصيريّ للتعرّف إلى أهل البيت والأنس بهم بالنسبة إلى الطفل، فمن المناسب أن تتضمّن الأشعار والأناشيد معرفتهم ومحبّتهم..."3.

فالشعر له دور مهمّ بربط الطفل بأهل البيت عليهم السلام، خصوصاً الشعر الحسينيّ، الذي كان له دور بارز في حياة النهضة الحسينيّة وحفظها في تاريخ التشيّع4. فتعويد الطفل
 
 

1- الموسويّ، الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، ص25. ويراجع: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج17، ص231.
2- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي)، ج2، ص704.
3- الريشهري، محمّد، بمساعدة عباس بسنديده، تربية الطفل في الإسلام، ص94-95.
4- يراجع: عجمي، العبرة في البكاء على سيّد الشهداء2012م.
 
 
 
 
157

127

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 نظم الشعر في مدح أهل البيت أو رثائهم واستماعه، له أثر مهمّ في تربيته على حبّهم. وكذلك الحال مع قضايا الدين والأمّة، كالشعر في المجاهدين و...


التربية بالقصّة
من أهمّ أساليب تربية الطفل قديماً وحديثاً، أسلوب التربية بالقصّة، وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب في تربية الإنسان وتعليمه، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾1.

كما نلاحظ هذا الأسلوب أيضاً في المنهاج التربويّ للنبيّ وأئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وقد اهتمّ علماؤنا بتدوين القصص، لما لها من دور في تربية الإنسان. ويشكّل كتاب (قصص الأبرار) للشيخ مرتضى مطهّري، نموذجاً واضحاً على التربية بالقصّة.

ويبدأ الطفل من عمر مبكر بحبّ الحكايات والقصص، ويفيد بعض الخبراء والمتخصّصين أنّ شغف الأطفال بالحكايات يبدأ في "سنّ العشرة أشهر، وربّما قبل ذلك، حتّى لو كانوا لا يفهمون كلّ شيء"2.

وتقول صوفي كاركان: "عندما نعود إلى المنزل في المساء، ونحن متعبون عصبيون ومعدمو الصبر، نتكلّم إليه بلغة "الواقع" : هل كتبت فروضك؟ هيّا إلى المائدة، الطعام جاهز! نظّف أسنانك! رتِّب غرفتك، هيّا بسرعة، فأنت ذاهب إلى المدرسة غداً، إلخ...، وإذا احتجّ الولد أو بكى، نواجهه بالقول: كفى، ألا ترى كم أنا تعب (ة)؟...

ماذا لو تكلّمنا معه لغة أخرى؟
... أما الحكاية فقد تكون لنا بمثابة استراحة المحارب، إذ نجلس معاً ونقرأ ونسرح في البعيد، فننسى كلّ شيء، بعض الوقت"3.

بالفعل، إنّ الطفل ينفر من لغة الواقع المباشرة المشحونة بالتوصيف والأوامر والنواهي والملاحظات وعبارات اللوم والعتب، فهو يحتاج إلى سماع لغة الخيال لأنّها تستهويه،
 
 

1- سورة يوسف، الآية 3.
2- كاركان، صوفي، 100 قصّة وقصّة لحلّ مشاكل الأولاد- التربية السهلة بواسطة قصّة...، ج1، ص15.
3- كاركان، صوفي، 100 قصة وقصة، ج1، ص18-19.
 
 
 
 
158

128

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 وهذا ما يفيده برونو باتلهايم في كتابه "التحليل النفسانيّ للأساطير"1.


فعلينا أن نساعد الطفل على التحليق في فضاء الخيال بالقصّة، ومن خلالها يمكن أن نوصل له الرسالة التي نريد بلغة يأنسها، مع عدم إلغاء حاجة المربّي إلى لغة الواقع، ولكن عليه أن لا يقتصر عليها، لأنّها تُشعر الطفل بالملل والتأفّف والنفور.

نصائح للمربّي:
ثمّة نصائح2 عديدة يمكن توجيهها إلى المربّي في ما يتعلّق بالتربية بالقصّة، منها:
- قيّم بنفسك القصّة جيداً، ولا تنخدع بما يعلنه الناشر، من أنّها مناسبة للأطفال.

- اختر القصّة القصيرة، وإذا اخترت قصّة طويلة فاسردها لطفلك على أيّام، ولكن عليك أن تترك عقدة مشوّقة للطفل تجعله يفكّر ما الذي يمكن أن يفعله البطل في القصّة، لينتظر سماعها المرّة القادمة.

- اختر لطفلك قصّة لا تثير فيه الخوف والقلق والفزع، كأشباح الليل، وخاطف الأطفال... وابتعد عن القصص التي تمجّد العنف كوسيلة لحلّ الخلافات والمشاكل، مثل: سوبر مان، سبايدر مان، بين تين... وتجنّب القصص القائمة على السخرية من الآخرين، وتدبير المقالب لهم وإيقاع الأذى بهم، مثل: توم وجيري.

- اختر لطفلك قصص الحيوانات والطيور والنباتات التي يعرفها، دون التي يجهلها.

- أحسِن تحضير القصّة قبل قراءتها على مسامع طفلك، ولا ترتجل، كي تجيد التمثيل وتتجنّب التلعثم.

- انفعل بحوادث القصّة فرحاً وحزناً وشجاعة، فحذارِ أن تحكي قصّة من دون انفعالات، فإنّها تصبح كلاماً متصحّراً جافّاً، بل نوّع الانفعال حسب الشخصيّات والمواقف والأحداث.
 
 

1- نقلاً عن المصدر نفسه، ص18.
2- انظر: المصريّ، رضا، وفاتن عمارة، زاد الآباء في تربية الأبناء، ص96.
 
 
159

129

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 - نوّع بين قراءة القصّة من الكتاب تشجيعاً له على المطالعة، ولتعويده القراءة، وقراءتها من دون كتاب تشجيعاً له على الحفظ.


- لا تقدّم القيم والعبر بصورة مباشرة، بل اسرد القصّة وأشركه في استخراج العبر والقيم... وافتح حواراً مع طفلك حول القصّة.

- اجعل القصّة وسيلة للكشف عن رغبات طفلك، والبوح عن مشاعره وآماله ومخاوفه... فإنّك مثلاً إذا وجّهت أسئلة مباشرة لطفلك عمّا حصل معه في المدرسة مع المعلّمة أو الزملاء في الصفّ، فإنه سيلوذ بالصمت، لكن لو سردت له حكاية عن أرنب صغير أمضى اليوم الأوّل في المدرسة بصعوبة أو... فإنّه سيبادر للقول: أنا أيضاً حصل معي كذا وكذا...

- لا تتّكل على الأنشطة المدرسيّة في رواية القصص، فإنّ الطفل يحبّ أن يسمع الحكاية والقصّة من والديه في المنزل، فإن أجواء المنزل وخصوصيّة العلاقة وطريقة الجلوس والاستماع... إلخ، تجعل رغبة الطفل عالية في الاستماع إلى القصّة.

- إذا طالبك طفلك ابن 11 سنة مثلاً بأن تروي له قصّة، فتجاوب معه واحضنه وقبّله، وخذ بيده واسرد له قصّة، واحذر أن تجيبه: لقد كبرت على سماع القصص منّي، إنّك تحسن القراءة، فاذهب واقرأ القصّة وحدك.

- إذا كان أحد الوالدين مرهقاً، عليه أن يجيب بالمداراة، كأن يقول له: حبيبي، كم كنت أرغب في أن أروي لك قصّة اليوم، ولكن أحبّ أن أسمع منك أنت قصّة هذه الليلة، فهل تروي لي قصّة؟ أموافق أنت؟ وأعدك أنّي سأحضّر قصّة جديدة لأرويها لك غداً.

- كرِّس كلّ كيانك للقصّة، ولا تُشعِر طفلك بأنّك تقرأ له على عجل لتأدية واجب والتخلّص منه لتنصرف إلى واجبات أخرى، فإنّه يدرك هذا الشعور ويجرحه من أعماق ذاته.

- اختر الوقت المناسب لقراءة القصّة، فلا تجبر الطفل على سماع قصّة يحبّها في وقت لا يحبّه. والأوقات المناسبة مثل: ساعة السهر، أو الذهاب للنوم، ووقت مرض
 
 
 
 
 
 
 
160

130

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 الطفل، حيث يحتاج إلى الشعور بالاهتمام.


- أشعر طفلك بأهمّيّة وقت القصّة، كأن تركض نحوه وتحتضنه وتقول له: هيّا، لقد حان وقت القصّة لطفلي الجميل.
 
 
 
 
 
 
161

131

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 أسئلة حول القصّة:

هناك أسئلة عديدة يمكن أن يطرحها المربّي على الطفل بعد رواية القصّة، مثل:
- هل أحببت القصّة؟ لماذا؟
- هل بإمكانك أن تعطي عنواناً للقصّة؟
- من هم الأخيار في القصّة؟ لماذا؟
- من هم الأشرار في القصّة؟ لماذا؟
- ما هي أبرز مشكلة واجهت البطل في القصّة؟
- كيف تساعد البطل على حلّ المشكلة؟
- ما هو شعور البطل؟
- ماذا تفعل لو كنت موجوداً في القصّة مكان فلان؟
- هل كانت خاتمة القصّة مناسبة؟ كيف تقترح تغييرها؟
- ما هو الدرس الذي تعلّمته من القصّة؟
- هل بإمكانك أن تعيد رواية القصّة لصديقك؟
 
 
 
 
162

132

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 المفاهيم الرئيسة


- إنّ الطفل فنّان بطبعه، ويتفاعل إيجاباً مع الأدب والفنّ، فهما يُعتبران مع ما ينطويان عليه من القصّة والشعر، والنشيد والغناء، والرسم والمسرح، والرقص والموسيقى... إلخ، من الأصول المهمّة في تربية الأطفال.

- يهدف الأدب والفنّ إلى: تنمية مواهب الأطفال، زرع القيم والعادات، نقل التراث الثقافيّ، إمتاعه ومؤانسته، إشباع حاجاته الوجدانيّة، إثراء ملكة خياله، نموّ المعجم اللغويّ، تنمية ذوقه الجماليّ.

- ينبغي للمربّي التنبّه إلى أنّ الطفل حين يستمتع بأيّ عمل أدبّي، يتقمّص لا شعورياً بعض القيم والعادات والاتجاهات، ونماذج السلوك التي تروق له، ومع تكراره لها تصبح جزءاً من كيانه.

- ينبغي تقديم الأدب والفنّ بنحو المزاوجة بين جماليّة المظهر والجوهر، أي بطريقة جذّابه بجماليّة اللغة والصورة والإيقاع والصوت والألوان والأشكال... في الوقت الذي ندخل فيه القيم والعواطف والاتجاهات والسلوكات التي نريد غرسها، في نفوس أطفالنا، على نحو تدفعهم إلى حبّها والنسج على منوالها.

- ينبغي مراعاة الضوابط الأخلاقيّة والفقهيّة في تقديم الأدب للطفل، وكذلك الشروط الفنيّة والعلميّة، مثل: استخدام التراكيب اللغويّة البسيطة والواضحة، وتنغيم الصوت حسب الحالات: فرح، حزن، جرأة، خوف، وتقليد أصوات الحيوانات والطيور، وتفعيل لغة البدن.

- كلّ طفل نتيجة تفاعله مع الأدب والفنّ واستئناسه بهما، يتكوّن لديه ميول خاصّة نحو مجال أدبيّ أو فنيّ معيّن، وعلى المربّي أن يكون مراقباً ذكيّاً للطفل لاكتشاف مواهبه، وتنمية استعداداته وميوله.

- حثّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام، الأهل على تعليم الأبناء الشعر، وتحفيزهم عليه.

- من أهمّ أساليب تربية الطفل أسلوب التربية بالقصّة، فبها نساعد الطفل على التحليق في فضاء الخيال، ونوصل له الرسالة التي نريد بلغة يأنسها.

- ينبغي للمربّي مراعاة النصائح التالية في التربية بالقصّة: قيّم القصّة جيداً ولا تنخدع بما يعلنه الناشر، من أنّها مناسبة للأطفال. اختر القصّة القصيرة، أشرك طفلك في اختيار القصّة، لا تكره الطفل على سماع قصّة لا يحبّها. أحسِن تحضير القصّة قبل قراءتها على طفلك، انفعل بحوادث القصّة فرحاً وحزناً وشجاعة، اختر الوقت المناسب لقراءة القصّة، لا تجبر الطفل على سماع قصّة عند الشعور بالجوع أو التعب، لا تقدّم القيم والعبر بصورة مباشرة، بل أشركه في استخراجها، اجعل القصّة وسيلة للكشف عن رغبات طفلك، والبوح بما يختلج في داخله من مشاعر وآمال ومخاوف، كرِّس كلّ كيانك للقصّة، ولا تُشعِر طفلك بأنّك تقرأ له على عجل للتخلّص منه.
 
 
 
 
 
163

133

الدرس العاشر: التربية بالأدب والفنّ

 أسئلة الدرس


- ما هو أدب الأطفال؟ وما هي أهداف التربية بالأدب والفنّ؟ صنِّف الأهداف المذكورة في الدرس.
- ما هي مسؤوليّات الأديب والفنّان المتديّن تجاه أطفالنا؟
- ما هي الشروط والضوابط الفنيّة والأخلاقيّة والفقهيّة التي يجب مراعاتها أثناء تقديم الفنّ للأطفال؟
- بعض الأطفال يكون لديه ميول نحو الأدب والفنّ، فيعتبر المربّي هذا الميل عنصراً ملهياً للطفل عن متابعة دروسه وبناء مستقبله العلميّ والمهنيّ، فيمنعه عن الرسم أو الشعر أو الموسيقى أو... برأيك، ما هو الموقف الذي ينبغي أن يتّخذه المربّي؟
- عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يُعجبه أن يُروى شعر أبي طالب، وأن يُدوّن. وقال: تعلّموه وعلّموه أولادكم، فإنّه كان على دين الله، وفيه علم كثير". حلّل مضمون هذه الرواية واستخرج منها العبر.
- ما هي أهمّيّة تربية الطفل بالقصّة؟ وما هي النصائح التي تقدّمها للمربّي في هذا المجال؟
 
 
 
 
 
 
164

134

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

الدرس الحادي عشر
التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن: 
1- يُعرِّف العقوبة البدنيّة والتربية بالعقوبة.
2- يميّز بين العقوبة والتعزيز.
3- يستدلّ على عالميّة ظاهرة العقوبة البدنيّة.
4- يستعرض آراء المؤيّدين والمعارضين للعقوبة ومبرّراتهما.
 
 
 
 
 
167

135

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 التربية بالعقوبة عبارة عن استخدام المربّي أسلوب العقاب في عمليّة تربية الطفل، وتعويده فعل السلوكات المرغوب فيها، وترك السلوكات غير المرغوبة.


وقد تفنّن الخيال العربيّ بإنتاج أشعار وأمثال تمدح عقوبة الطفل بالضرب وتمجّده، ما يشير إلى ارتسام صورة نمطية إيجابيّة في ذهن الإنسان العربيّ عن ضرورة استعمال أسلوب العقاب والضرب في تربية الطفل وتعليمه.

يقول بعض الشعراء:
فاضرب وليدك وادللـه على رشد        ولا تقل هو طفل غير محتلم
وربّ شقّ برأس جرّ منفعة               وقس على نفع شقّ الرأس بالقلم

وقال آخر:
لا تأسفنّ على الصبيان إن ضُربوا      فالضرب يبرأ ويبقى العلم والأدب
الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم          لولا الإخافة ما خطّوا ولا كتبوا

ويُروى أنّ ولداً لعبد الملك بن مروان دخل على أبيه باكياً من تأديب المعلّم له، فجعل عبد الملك يسكّنه، فقال رجل عنده: "دعه يبكي، فإنّه أنفع لعينيه، وأفتح لذهنه"1.
 

1- ابن الدجاجي، سعد الله بن نصر بن سعيد، سفط الملح وزوح الترح ويليه الأخبار في آداب النوم، ج1، ص70.
 
 
 
 
169

136

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 وهناك أمثال كثيرة في هذا السياق، كقول الأهل للمعلّم: "لك اللحم ولنا العظم"1...إلخ.


وثمّة عشرات الدراسات2 تثبت وجود اتجاه عامّ عند الإنسان العربيّ، يؤكّد أهمّيّة الضرب ودوره الإيجابيّ في تربية الطفل في المنزل أو المدرسة.

وفي هذا السياق، يقول السيّد محسن الأمين العامليّ قدس سره عند حديثه عن سيرة حياته: "... بعد ما بلغت سنّ التمييز، وأظنّ أنّ سنّي لم تتجاوز يومئذ السبع، وذلك بين سنة 1291 و1292ه، وكنت وحيد أبويّ، ذهبت بي الوالدة إلى معلّم القرآن في القرية، فلمّا دخلت مكان التعليم ضاق صدري ضيقاً شديداً، وجزعت جزعاً مفرطاً، أوّلاً: لأنّ ذلك طبيعة الأطفال. ثانياً: لما كان في التعليم من القساوة، فالفلقة معلّقة في الحائط فوق رأس المعلّم، وهي خشبة بطول ثلاثة أشبار تقريباً، مثقوب طرفاها، وفيها حبل دقيق، يوضع فيها الساقان، وتُشدّ عليهما، وعنده عصوان طويلة وقصيرة، والأطفال جلوس إلى جانبه، فإذا غضب المعلّم على واحد لذنب هو من الصغائر وهو قريب منه، تناوله ضرباً على رجليه بالعصا القصيرة، فإن كان بعيداً عنه ضربه عليهما بالعصا الطويلة. وإذا غضب على الجميع تناولهم بالضرب على أرجلهم بالعصا الطويلة، وهم جلوس صابرون على هذا البلاء، خوفاً من الأشدّ منه، وهو الفلقة"3.

عالميّة ظاهرة العقوبة البدنيّة
واستخدام أسلوب العقوبة في التربية من أكثر الأساليب شيوعاً على المستوى العالميّ أيضاً، إذ "إنّ عدد البلدان التي تحظّر جميع أشكال العقاب الجسديّ والإهانة 15 بلداً فقط"4. مع الإشارة إلى أنّه حتّى في هذه الدول التي تحظّر العقاب الجسديّ وتعتبره "عملاً مخالفاً للقانون، من الصعب الجزم بعدم حدوثه"5. وتؤكّد ذلك عشرات
 

1- السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، بيروت - لبنان، دار التعارف للمطبوعات، لا.ت، لا.ط،ج10، ص335. ويراجع: الأبشيهيّ، محمّد بن أحمد، المستطرف في كل فن مستظرف، دار ومكتبة الهلال، لا.ت، لا.ط،ج2، ص809 وما بعد.
2- يراجع حول هذه الدراسات: عجمي، عقوبة الطفل في التربية الإسلاميّة، ص177-178.
3- أعيان الشيعة، ج10، ص335.
4- رأي منظّمة رعاية الأطفال، ص2.
5- المصدر نفسه، ص2.
 
 
 
 
170

137

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 الدراسات1 واستطلاعات الرأي2، وتعترف به عشرات الجمعيّات والمنظّمات المختصّة بحقوق الطفل3.


ورد في ورقة صادرة عن المنظّمة الدوليّة لرعاية الأطفال، أنّه "خلال المداولات التي جرت في شتّى أنحاء العالم، قدّم الفتيان والفتيات قرائن على أنّ العقاب الجسديّ والإهانة4، هما الشكل الأكثر شيوعاً، والأكثر انتشاراً للعنف الذي يواجهونه حاليّاً في العالم. ويُمارَس العقاب الجسديّ والإهانة في البيت، والمدارس، والمؤسّسات، والسجون، وأماكن العمل، والشوارع"5.

وهذا ما يصرّح به علماء التربية، يقول د. راي بيرك و رون هيرون ray Burke & ron Herron: "معظم الآباء كما أشارت إحدى الدراسات الحديثة الخاصّة بالتربية، يستخدمون أساليب عقابيّة بغيضة حين يصدر عن أطفالهم سلوك سيّئ، وهو ما يعني استخدام الصياح أو التوبيخ أو السباب، أو استخدام العقاب البدنيّ"6.

ما هي العقوبة؟
عرّف علماء التربية العقوبة بتعريفات مختلفة تعود إلى مضمون واحد، وهي أنّها عبارة عن إجراء مؤلم، يتبع سلوكاً غير مرغوب فيه، بهدف منع تكراره، أو تقليل احتمال حدوثه في المستقبل7.
 
 

1- http://www.unicef.org/violencestudy/arabic/. ودار الكتاب الجامعيّ، أساليب معالجة الاضطرابات السلوكيّة، ص34. وعبد الرحمن، علي إسماعيل، العنف الأسريّ الأسباب والعلاج، ص7.
2- انظر: وA developmental approach to educating the disturbed young child,p30, Wood, Mary M.; Swan, William W. Behavioral Disorders, Vol 3(3), May 1978, 197-209.
3- مثل: منظّمة إنقاذ الطفولة، الحركة العالميّة للدفاع عن الأطفال، شبكة معلومات حقوق الأطفال (CRIN)، المعهد الدوليّ لحقوق الطفل، موقع boes، الائتلاف الكنديّ لحقوق الأطفال، تحالف المملكة المتّحدة من أجل حقوق الأطفال، مركز معلومات وتوثيق حقوق الأطفال، صندوق الدفاع عن الأطفال، مركز منزل الأطفال، حركة حرّروا الأطفال، منظّمة قف مع الأطفال، وغيرها.
4- تشمل الإهانة: الإساءة الكلاميّة والشتم، أو إشعار الطفل بالأسى، أو السخرية منه، أو عزله،... إلخ.
5- رأي منظّمة رعاية الأطفال حول العقاب الجسديّ والإهانة، ص2.
6- راي بيرك، و رون هيرون، تربية الأطفال بالفطرة السليمة، ص8.
7- يراجع: الأشول، عادل أحمد عزّ الدين، موسوعة التربية الخاصّة، ص788. والخطيب، جمال، تعديل السلوك الإنسانيّ، ص237. وفضل الله، محمّد رضا، المعلّم والتربية، ص219. أبو حميدان، يوسف عبد الوهّاب، العلاج السلوكيّ لمشاكل الأسرة والمجتمع، ص206.
 
 
 
171

138

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 فيعرّفها مالوت Malott في كتابه: principles of Behavior بأنّها: "تقديم مثير مؤلم، يؤدّي إلى تقليل احتمال حدوث الاستجابة في المستقبل، بشرط أن يقدّم هذا المثير المؤلم مباشرة بعد حدوث السلوك"1.


وكذا عرّفها كوبر Cooper في كتابه2: Applied Behavior Analysis.

ويقول سكينر Skinner في تعريفها، إنّها: "إجراء أو حدث غير سارّ، يتبع سلوكاً ما، بحيث يعمل على إضعاف احتماليّة حدوثه أو تكراره"3.

الطفل ?سلوك غير مرغوب فيه ?إجراء مؤلم ?منع تكرار الفعل أو إضعاف حدوثة.

العقاب الإيجابيّ والسلبيّ
وقد ميّز علماء التربية بين نوعين من العقاب الإيجابيّ والسلبيّ، فالعقاب الإيجابيّ 

(positive punishment)، هو إتباع السلوك غير المرغوب فيه بإجراء ما لمنعه.

أما العقاب السلبيّ (negative punishment)، فهو عبارة عن إتباع السلوك غير المرغوب فيه بإزالة معزّز مرغوب فيه، مثل حرمان الطفل من ممارسة لعبة يحبّها بسبب ضربه لأخيه، أو حرمان الطالب من المشاركة في رحلة مدرسيّة بسبب رسوبه المتكرّر4.

الفرق بين التعزيز السلبيّ والعقاب
كما ميّز علماء التربية بين العقاب والتعزيز reinforcement، فالعقاب كما اتّضح يهدف إلى إضعاف السلوك غير المرغوب فيه أو إزالته، أما التعزيز فيهدف إلى تقوية السلوك المرغوب فيه، وينقسم أيضاً إلى إيجابيّ وسلبيّ.

التعزيز الإيجابيّ عبارة عن إتباع السلوك المرغوب فيه بمثير أو إجراء محبوب وسارّ ومرغّب بهدف تقويته، كأن يقوم الأب أو الأمّ بإعطاء قبلة لطفلهما، أو معانقته عندما يُظهر سلوكاً حسناً. وهو بمعنى الثواب.
 

1- نقلاً عن: أبو حميدان، المصدر نفسه.
2- نقلاً عن: المصدر نفسه، ص206.
3- نقلاً عن: عبد المجيد الحكيم، شرين، العقاب عند ابن سينا، ص5.
4- يراجع: الزغول، عماد عبد الرحيم، مبادئ علم النفس التربويّ، ص116-117.
 
 
 
172

139

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 أما التعزيز السلبيّ: فهو عبارة عن إتباع السلوك المرغوب فيه بإزالة شيء غير سارّ للطفل بهدف تقويته.


جدول يوضح الفروق بين التعزيز والعقاب1:

الإجراء  نوع السلوك توابع السلوك
إضافة مثير مرغوب فيه مرغوب فيه التعزيز الإيجابيّ
إزالة مثير غير مرغوب فيه مرغوب فيه التعزيز السلبيّ
إزالة مثير غير مرغوب فيه غير مرغوب فيه التعزيز الإيجابيّ
إزالة مثير مرغوب فيه غير مرغوب فيه التعزيز السلبيّ

 
تعدّد الآراء التربويّة حول العقوبة
تعدّدت الآراء التربويّة حول مشروعيّة وفاعليّة استخدام أسلوب العقوبة في التربية والتعليم، وهناك أربعة آراء رئيسة، هي:
1- مؤيّدو أسلوب العقاب في عرض الثواب:
تبنّى بعض التربويّين العرب ضرورة استخدام مبدأي الثواب والعقاب في تربية الطفل، أحدهما بعرض الآخر من دون ترتّب.

يقول محمّد منير مرسي: "يُعتبر أسلوب الثواب والعقاب من الأساليب الطبيعيّة التي تستند إليها التربية في كلّ زمان ومكان، فهذا الأسلوب يتماشى مع طبيعة الإنسان حيثما كان، وأيّاً كان جنسه أو لونه أو عقيدته"2.

2- مؤيّدو أسلوب العقاب في طول الثواب والتعزيز:
في حين أنّ بعض علماء التربية يؤيّد فاعليّة أسلوب العقاب في طول الثواب والتعزيز، ولا في عرضهما.
 

1- يراجع: المصدر السابق، ص118.
2- مرسي، محمّد منير، أصول التربية، ص134. ويراجع: الحازمي، خالد، أصول التربية الإسلاميّة، م.س، ص401.
 
 
 
 
173

 


140

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 يقول جلفاند وهارتمان1: "إنّ العقاب إجراء نلجأ إليه كآخر حلٍّ بعد أن نستنفد الأساليب الأخرى"2.


ويقول راي بيرك ورون هيرون: "إنّ استخدام العقاب شيء مألوف، ونحن لا نحاول إقناعك بأنّ العقاب أمر غير مجدٍ، لأنّه كذلك، ولكنّ هذا لا يعني أنّه من الضروريّ أن يستخدمه الآباء، فالعقاب ليس أفضل الطرائق لتربية الأطفال"3.

3- مبرّرات مؤيّدي العقاب التربويّ للطفل:
قد استند مؤيّدو العقاب التربويّ للطفل إلى مبرّرات عديدة، منها:
- "أنّه شكل من أشكال إدانة تصرّفات الطفل السلبيّة، يثير لديه مشاعر الخجل والندم والحرج وعدم الرضا عن النفس، ثمّ تأنيب الضمير. وهذا ما يجعل العقاب مؤثّراً للغاية، ويحفّز الطفل على إيقاف بعض التصرّفات وتنشيط بعضها الآخر. فالعقاب وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعيّ، يُقصد به إحداث ألم مقصود مفيد"4.

- يساعد الطفل على التمييز بسرعة بين القيم والأنماط السلوكيّة المرغوبة، والأنماط السلوكيّة غير المقبولة.

- يمنع العقاب تكرار السلوك غير المرغوب فيه من قبل الطفل، لأنّه ذو كفاءة عالية في حذف السلوك غير السويّ5.

- يؤدّي إلى تأدّب الأطفال والتلاميذ الآخرين وتعلّمهم، لأنّه يقلّل من احتمال تقليد أعضاء الفصل الآخرين للأنماط السلوكيّة المعاقَبة6.

- الأطفال في المنازل وطلّاب المدارس التي لا يُسمح فيها بالضرب، يميلون إلى التسيّب والفوضى، وعدم الجدّيّة في تعاملهم مع إخوتهم وزملائهم ومعلّميهم... إلخ.
 
 

1- في كتابهما: Child Behavior Analysis and Therapy
2- نقلاً عن: أبو حميدان، العلاج السلوكيّ، ص208.
3- تربية الأطفال بالفطرة السليمة، ص8-9.
4- جامعة حلب، العقاب وعلاقته بالتحصيل الدراسيّ، ص8.
5- الخطيب، تعديل السلوك الإنسانيّ، ص243.
6- يراجع: السيّد، فؤاد البهي، الأسس النفسيّة للنموّ. دار الفكر العربيّ، القاهرة، مصر، 1990، ص310.
 
 
 
174

141

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 4- معارضو أسلوب العقاب مطلقاً:

وهناك رأي ثالث يرفض استخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل رأساً،1 حيث ساد ميدانَ علم النفس التربويّ في العقود الماضية من القرن العشرين اتّجاه يقلّل من قيمة العقاب، ويرى أنّ "من أهداف التربية أن تجعل العقاب ذاتيّاً من داخل الأفراد، أي عقاباً نفسيّاً، بحيث يكون الرادع عن الفعل غير الأخلاقيّ بوازع من الضمير أو الأنا الأعلى، ولا الخوف من العقاب الرسميّ أو البدنيّ أو العقاب الاجتماعيّ"2، وهو ما يُطلق عليه اسم: "الانضباط الذاتيّ".

ويرى أوزوبل Ausubel أنّ الأسباب الجوهريّة لهذا الاتّجاه ممكن إيجازها فيما يلي:
- رفض العقاب لأنّه أسلوب تسلّطّي ورجعيّ، وينبغي أن يُعتمد في التربية أسلوب بديل يقوم على التعزيز الإيجابيّ.

- بحوث العالمين ثورنديك وسكينر التي قدّمت الأساس السيكولوجيّ لعدم استخدام العقاب في تربية الطفل، وأنّ التعزيز الإيجابيّ هو الحلّ3. فسكينر يرى أنّ استخدام أسلوب التعزيز أكثر فاعليّة من العقاب، فالعقاب عنده لا يؤدّي إلى منع تكرار السلوك غير المرغوب فيه، أو التقليل منه في المستقبل، بالطريقة التي يؤدّي بها التعزيز تقوية السلوك المرغوب فيه، فينبغي بدل العمل على إضعاف السلوك غير المرغوب فيه باستعمال العقاب، العمل على تقوية السلوك المرغوب فيه من خلال التعزيز الإيجابيّ والسلبيّ.

5- معارضة العقوبة البدنيّة:
ويميّز بعض التربويّين بين العقوبة البدنيّة وغيرها، فيركّز معارضته في العقوبة البدنيّة، ويؤيّد أنواع العقوبات الأخرى أو يسكت عنها. فمثلاً سكوزكي Socoski في بحث بعنوان: دعوة إلى إنهاء عمليّة العقاب البدنيّ في المدارس، يعتبر "أنّه يجب التخلّص من جميع مظاهر العقاب
 

1- يراجع: أساليب معالجة الاضطرابات السلوكيّة، ص35.
2- الحفني، عبد المنعم، الموسوعة النفسيّة – علم النفس والطبّ النفسيّ، ص179.
3- يراجع: أبو حطب، فؤاد، وآمال صادق، علم النفس التربويّ، ص469.
 
 
 
 
175

142

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 البدنيّ في المواقف التعليميّة، وذلك لأنّ العقاب البدنيّ يناقض المبادئ الديموقراطيّة..."1.


ويقول محمّد عطية الإبراشي: "يجب أن لا يعاقب الطفل عقاباً بدنيّاً..."2.

مبرّرات معارضي العقاب البدنيّ3:
أما بالنسبة إلى مبرّرات معارضي العقوبة البدنيّة، فيمكن عرضها على الشكل التالي:
1- إنّ أثر العقاب في إنهاء السلوك غير المرغوب فيه مؤقّت، لذا لا يكون فعّالاً، لأنّ النتيجة تنتهي بانتهاء المثير وزوال المنفّر، كما أثبتت دراسات سكنر، وأزرين وهولمز.

2- إنّ العقاب البدنيّ يشكّل خطراً جسديّاً على الطفل، من الجروح والكسور والكدمات4. ويؤدّي إلى الاضطرابات النفسيّة والسلوكيّة، كالقلق والكآبة والخوف الدائم، وضعف الثقة بالنفس، والكذب...5.

3- يوجد فجوة في العلاقة بين المعاقِب والمعاقَب، ويفقد الروابط العاطفيّة والحبّ بينهما، ويتسبّب بكراهة الطفل للأب أو المدرسة أو المعلّم أو المادّة التدريسيّة المعاقب بسببها، وربما يؤدّي إلى التسرّب أو الجنوح.

4- يعتمد على إزالة سلوك سيّئ، ولكنّه لا يعلِّم السلوك الجيّد.

5- تقليد الطفل المعاقَب للمعاقِب في هذا النموذج ومحاكاته، فيعتدي على الآخرين بالضرب.

رأي منظمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو):
ورد في دليل المعلّم الصادر عن المنظّمة: "للعقوبة البدنيّة أو الجسديّة عواقب خطيرة على الصحّة العقليّة والبدنيّة للطالب. وجرى ربطها بـ: بطء نموّ المهارات الاجتماعيّة، والاكتئاب، والقلق، والتصرّف العدوانيّ، وعدم التعاطف مع الآخرين أو الاهتمام بهم.
 
 

1- site.iugaza.edu.ps/melhelou/files/2010/02/Dr.-Moh.5.doc
2- الإبراشي، محمّد عطيّة، الاتجاهات الحديثة في التربية، ص311.
3- يراجع: أبو حميدان، مصدر سابق. وطافش، الكفايات الأساسيّة للمعلّم الناجح.
4- إبراهيم، مجدي عزيز، موسوعة المعارف التربويّة، حرف الضاد، مادّة ضرب.
5- تعديل السلوك الإنسانيّ، ص241-242.
 
 
 
 
176

143

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 لذا، فإنّ العقوبة الجسديّة لا تضرّ بالطالب أو الطفل الموجّهة ضدّه فحسب، وإنّما تضرّ أيضاً بالمعلّمين والمشرفين والطلّاب والأطفال الآخرين، لأنها تؤدّي إلى صعوبات أكبر من أن يتسنى التغلّب عليها. وتولّد العقوبة الجسديّة أيضاً الإحساس بالاستياء والعداوة، وتجعل من العسير المحافظة في غرفة الدراسة على العلاقة الطيّبة بين المعلّمين والطلّاب من ناحية، وبين الطلّاب من ناحية أخرى..."1.


انسجام مبدأ العقاب مع مقتضى الطبيعة البشريّة:
ونشير في هذا الدرس إلى نقطة مهمّة، ونترك تفصيل الموقف إلى الدرس اللاحق، وهي أنّه قد ذكرنا في الجزء الأوّل أنّ الله تعالى قد أودع في طبيعة الطفل غريزتين: الأولى قوّة جذب اللذّة والمنفعة، والثانية قوّة دفع الألم والضرر. ويعتبر أسلوب الثواب والترغيب، تحفيزاً إيجابيّاً للقوّة الجالبة للمنفعة، للقيام بالسلوك المرغوب فيه، كما يعتبر أسلوب العقاب تحذيراً سلبيّاً للقوّة الدافعة للألم، لترك السلوك غير المرغوب فيه. فالثواب والعقاب أسلوبان منسجمان مع طبيعة القوى النفسيّة للطفل.

وبهذا، يظهر أنّ المعارضة المطلقة لاستخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل ليست في محلّها، وتجعلنا نخسر وسيلة مهمّة في التربية، وقد صرّح بذلك بعض التربويّين الغربيّين. يقول كوبر2: "إنّ استعمال العقاب أظهر فعّاليّة، وعدم استعماله يعني حجب طريقةفعّالة، قد يؤدّي إلى خلق وضع خطير للفرد"3.

وبهذا، يظهر أنّ الرأي الأوّل الذي تبنّاه بعض التربويّين الإسلاميّين من عرضيّة أسلوبي الثواب والعقاب، هو في محلّه في الجملة، أما كونه في الجملة، فلأنّه ليس كلّ أشكال العقاب هي في عرض الثواب، بل بعضها في طوله، وبعضها في طول البعض الآخر، كما سيتّضح.
 
 

1- منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة، وقف العنف في المدارس دليل المعلّم، ص10.
2- في كتابه: Applied Behavior Analysis
3- نقلاً عن: أبو حميدان، العلاج السلوكيّ، ص207.
 
 
 
 
177

144

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 ولا شكّ في أنّ بعض الدراسات نقدت مبرّرات معارضي العقاب، وأثبتت فعّاليّة العقاب في تحقيق الأهداف التربويّة. فجثري Guthrie مثلاً، خالف رأي سكينر، واعتبر أن نتائج دراساته ليست مطلقة، فيمكن كفّ بعض الاستجابات على نحو نهائيّ أو مطلق ضمن شروط عقابيّة معيّنة1. كما سبق ذلك في رأي كوبر.

 


1- نشواتي، عبد المجيد، علم النفس التربويّ، ص333.

 

 

178


145

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 المفاهيم الرئيسة


- التربية بالعقوبة عبارة عن استخدام المربّي أسلوب العقاب في عمليّة تربية الطفل، وتعويده فعل السلوكات المرغوب فيها، وترك السلوكات غير المرغوبة.
- تفنّن الخيال العربيّ بإنتاج أشعار وأمثال تمدح عقوبة الطفل بالضرب وتمجّده. ممّا يشير إلى ارتسام صورة نمطيّة إيجابيّة في ذهن الإنسان العربيّ عن ضرورة استعمال أسلوب العقاب والضرب في تربية الطفل وتعليمه.
- يعتبر استخدام أسلوب العقوبة في التربية من أكثر الأساليب شيوعاً على المستوى العالميّ أيضاً، إذ إنّ عدد البلدان التي تحظّر جميع أشكال العقاب الجسديّ والإهانة، 15 بلداً فقط.
- عرّف علماء التربية العقوبة بتعريفات مختلفة تعود إلى مضمون واحد، وهي أنّها عبارة عن إجراء مؤلم، يتبع سلوكاً غير مرغوب فيه، بهدف منع تكراره أو تقليل احتمال حدوثه في المستقبل.
- ميّز علماء التربية بين نوعين من العقاب: العقاب الإيجابيّ: وهو إتباع السلوك غير المرغوب فيه بإجراء ما لمنعه، كضرب الطفل. والعقاب السلبيّ: وهو إتباع السلوك غير المرغوب فيه بإزالة معزّز مرغوب فيه، مثل حرمان الطفل من ممارسة لعبة يحبّها بسبب ضربه لأخيه.
- ميّز علماء التربية بين العقاب والتعزيز، فالعقاب يهدف إلى إضعاف السلوك غير المرغوب فيه أو إزالته، أما التعزيز فيهدف إلى تقوية السلوك المرغوب فيه، وهو أيضاً ينقسم إلى إيجابيّ وسلبيّ.
- تعدّدت الآراء حول مشروعيّة وفعاليّة أسلوب العقوبة في التربية، فتبنّى بعض التربويّين العرب ضرورة استخدام مبدأي الثواب والعقاب في تربية الطفل، أحدهما بعرض الآخر من دون ترتّب. في حين أنّ بعض علماء التربية يؤيّد فعّاليّة أسلوب العقاب في طول الثواب والتعزيز، ولا في عرضهما. وهناك رأي ثالث يرفض استخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل رأساً، ويميّز بعض التربويّين بين العقوبة البدنيّة وغيرها، فيركّز معارضته في العقوبة البدنيّة، ويؤيّد أنواع العقوبات الأخرى أو يسكت عنها.
- ذكر معارضو العقاب عدّة مبرّرات لرأيهم، منها: أنّه يشكّل خطراً جسديّاً على الطفل، من الجروح والكسور، ويؤدّي إلى الاضطرابات النفسيّة، كالقلق والكآبة والخوف وضعف الثقة بالنفس، ويوجد فجوة عاطفيّة في العلاقة بين المعاقِب والمعاقَب.
- أودع الله تعالى في طبيعة الطفل غريزتين: الأولى قوّة جذب اللذّة والمنفعة. والثانية قوّة دفع الألم والضرر. ويُعتبر أسلوب الثواب تحفيزاً إيجابيّاً للقوّة الأولى نحو السلوك المرغوب فيه، كما يعتبر أسلوب العقاب تحذيراً سلبيّاً للقوّة الثانية لترك السلوك غير المرغوب فيه. فالثواب والعقاب أسلوبان منسجمان مع طبيعة القوى النفسيّة للطفل. وبهذا يظهر أن المعارضة المطلقة لاستخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل ليست في محلّها، وتجعلنا نخسر وسيلة مهمّة في التربية.
 
 
 
 
 
 
179

146

الدرس الحادي عشر: التربية بالعقوبة (1) مفاهيم وآراء

 أسئلة الدرس


- عرّف العقوبة؟ وبيّن أقسامها، واذكر الفرق بين العقوبة والتعزيز؟

- يقول بعض الشعراء:
فاضرب وليدك وادللـه على رشد      ولا تقل هو طفل غير محتلم
وربّ شقّ برأس جرّ منفعة            وقس على نفع شقّ الرأس بالقلم

حلّل هذا الشعر مستخرجاً الصورة النمطيّة في الذهن العربيّ عن عقوبة الطفل من هذا الشعر، واذكر شواهد أخرى من الأشعار والأمثال العربيّة.

- هل ظاهرة العقوبة في التربية تختصّ بالعرب، أم هي ظاهرة عالميّة شائعة حتّى في الغرب؟ ما هي أدلّتك على ذلك؟

- اذكر أربعة آراء حول استخدام أسلوب العقوبة في تربية الأطفال وتعليمهم؟

- عرض مؤيّدو العقاب بعض المبرّرات لرأيهم، اعرض ثلاثة منها، وأضف إليها ثلاثة من عندك.

- هاجم معارضو العقاب هذا الأسلوب بقسوة، واصفين إيّاه بأنّه أسلوب تسلّطي ورجعيّ وتخلّفيّ، ما هو رأيك بهذا التوصيف لأسلوب العقاب؟ وكيف تناقش هذا التوصيف؟

- ذكرنا في الجزء الأوّل أنّ الله تعالى قد أودع في طبيعة الطفل غريزتين: الأولى قوّة جذب اللذّة والمنفعة، والثانية قوّة دفع الألم والضرر. كيف يمكن أن يؤدّي هذا المبنى دوراً في تحديد أساليب التربية، ومنها الثواب والعقاب؟
 
 
 
 
180

147

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 الدرس الثاني عشر

التربية بالعقوبة (2) المشروعيّة والضوابط في ضوء الرؤية الإسلاميّة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرض أدلّة مشروعيّة العقوبة البدنيّة في تربية الطفل.
2- يعدّد أساليب العقوبة.
3- يحدّد ضوابط شروط العقوبة من جهة المؤدِّب والمؤدَّب، وكيفيّة التأديب.
 
 
 
 
183

148

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 تمهيد

تقدّم أنّ استخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل هو ظاهرة منتشرة عالميّاً من جهة، وقد تعدّدت الآراء حولها من جهة ثانية، وهذا يستدعي وقفة تأمّل من المربّي المتديّن بالإسلام، لطرح جملة أسئلة: هل شرّع المقنّن الإسلاميّ استخدام أسلوب العقوبة في تربية الطفل وتعليمه؟ وأيّ أسلوب من أساليب العقاب يشرّع استخدامه؟ وهل استخدام العقاب ينبغي أن يكون في عرض الثواب أم في طوله؟ وما هي الدواعي المسوّغة لعقوبة الطفل؟ وما هي الضوابط التي تحكم عمليّة استعمال أسلوب العقوبة في التربية؟

ويتوقّف الجواب عن جملة هذه الأسئلة، على بيان بعض المبادئ التصوّريّة والتصديقيّة، يتّضح بها الرأي الذي نتبنّاه في ضوء المذهب التربويّ الإسلاميّ. وبما أنّ المصدر الأساس الذي يحدّد القضايا المعياريّة في هذا المذهب هو النصّ الدينيّ - القرآن والسنّة - ولا الانطباعات الشخصيّة والأمزجة1، نستطلع النصوص الدينيّة لنحدّد الموقف، وسنكتفي في هذا الدرس بمعالجة مسألتين2:
- تربية الطفل بالعقوبة البدنيّة لتعويده الأخلاق الإنسانيّة والدينيّة الكريمة، والآداب الاجتماعيّة العامّة، وترك المستقبح صدوره عنه شرعاً وعرفاً وعقلائيّاً3.
- العقوبة في التربية العباديّة.
 
 

1- يراجع: عجمي، سامر توفيق، نحو بناء المذهب التربويّ، قراءة في معالم المنهج بين المشروعيّة المعرفيّة والمشروعيّة الأصوليّة، مجلّة أبحاث ودراسات تربويّة، العدد الثاني، السنة الأولى، شتاء 1437ه-2016م، (ص 11-71).
2- للتفصيل يراجع: عجمي، عقوبة الطفل في التربية الإسلاميّة، مصدر سابق.
3- يراجع: الجهرميّ، الدرّ المنضود في أحكام الحدود، ج2، ص282. واللنكراني، فاضل، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (الحدود)، ص424. والمنتظري، حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلاميّة، ج2، ص358.
 
 
 
185

149

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 أدلّة مشروعيّة العقوبة البدنيّة في التربية على القيم والآداب...

استدلّ الفقهاء على مشروعيّة تأديب الطفل بالعقوبة البدنيّة عند مخالفته القيم والأخلاق والآداب المرغوب فيها، بنصوص روائيّة عديدة وردت عن النبيّ وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، نعرض بعضها:
- عن جابر بن عبد الله قال، قلت: يا رسول الله، ممَّ أضرب يتيمي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ممّا كنت ضارباً منه ولدك..."1.
- سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أضرب يتيمي؟ قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "اضربه ممّا كنت ضارباً منه ولدك"2.
- وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "أدِّب اليتيمَ بما تؤدّب3 منه ولدك، واضربه ممّا تضرب منه ولدك"4.
- قال حمّاد بن عثمان: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: في أدب الصبيّ؟ فقال عليه السلام: "خمسة أو ستّة، وارفق، ولا تعدّ حدود الله"5.

مشروعيّة الضرب التأديبيّ للطفل في التمرين على عبادة الصلاة
استدلّ الفقهاء على مشروعيّة ضرب الطفل للعبادة على ترك الصلاة - برغم عدم وجوبها عليه - بروايات عديدة، منها:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر..."6.
 

1- المعجم الصغير، ج1، ص89. ومجمع الزوائد، ج8، ص163.
2- ابن أبي شيبة الكوفي، المصنف، تحقيق وتعليق: سعيد اللحام، بيروت - لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، جماد الآخرة 1409 - 1989م، ط1،ج5، ص161.
3- في بعض النسخ: مما تؤدب.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص47.
5- المصدر نفسه، ج7، ص268.
6- أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، بيروت- لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1410ه - 1990م، ط1،ج1، ص119.
 
 
 
186

150

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 - وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "...إذا تم له سبع سنين قيل له: اغسل وجهك وكفّيك، فإذا غسلهما قيل له: صلِّ. ثمّ يترك حتى يتمّ له تسع سنين، (فإذا تمّت له) عُلِّم الوضوء، وضُرب عليه، وأُمر بالصلاة، وضُرب عليها، فإذا تعلّم الوضوء والصلاة، غفر الله لوالديه (إن شاء الله)"1.


ومن الملاحظ في هذه الروايات، أن الفترة الزمنيّة المتخلّلة بين أمر الطفل بالصلاة وتأديبه بالضرب عليها، هي ثلاث سنوات، وهي فترة كافية لتعليم الطفل وتمرينه على أداء الصلاة وتعويده إيّاها، من خلال استخدام أساليب أخرى غير العقاب البدنيّ والضرب، كأسلوب الترغيب والثواب، وأسلوب القدوة...

وانطلاقاً من الروايات السابقة، أفتى فقهاء الإماميّة بحرمة ضرب الطفل قبل سنّ العاشرة في التربية العباديّة2.

وهذا التأديب يشمل الفتاة قبل بلوغها أيضاً، وبما أنّ سنّ بلوغ الفتاة هو تسع سنواته، فتختصّ مشروعيّة عقابها البدنيّ دون سنّ التاسعة كما سيتّضح3.

شروط عقوبة الطفل البدنيّة وضوابطها
إذاً، النصوص الدينيّة السابقة تفيد مشروعيّة استعمال أسلوب العقوبة البدنيّة في تربية الطفل في الجملة، مع وجوب مراعاة شروط وضوابط مشدّدة، نقسّمها إلى ثلاث جهات:
1- من جهة الطفل المؤدَّب.
2- من جهة الوليّ المؤدِّب.
3- من جهة كيفيّة التأديب ومقداره.
 
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص281.
2- يراجع: الطوسيّ، الخلاف، ج1، ص305. الحلّيّ، تذكرة الفقهاء، ج4، ص335-336. النجفي، الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، تحقيق وتعليق الشيخ عباس القوچاني، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1365ش، ط2،ج16، ص349.
3- السيد الخوئي، صراط النجاة (تعليق الميرزا التبريزي)، إيران، دفتر نشر برگزيده، 1416ه، ط1،ج6، ص64.
 
 
 
 
187

151

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 من جهة المؤدَّب:

- أوّلاً: تنحصر مشروعيّة أسلوب العقاب بالطفل المميّز: (7 - 9 سنوات هـ في الأنثى/ و7 - 15 سنة هـ في الذكر)، وهو القادر على التمييز بين الحَسَن والقبيح، فلا يجوز قبل ذلك (0 - 6 سنوات)، ولا بعد ذلك، أي حين البلوغ، لأنّه إذا لم يكن الطفل مدرِكاً للحَسَن والقبيح فكيف يُعاقَب على ترك الأوّل وفعل الثاني؟! فيكون العقاب لغواً لا يترتّب عليه أثر تربويّ إيجابيّ1. أمّا بعد البلوغ، فالإنسان هو وليّ نفسه، ولا ولاية لأحد على التصرّف في بدنه بضربه أو غير ذلك.

- ثانياً: معرفة الطفل بكون هذا السلوك غير مرغوب فيه، وإطلاعه على السلوك البديل.

- ثالثاً: قدرة الطفل على القيام بالفعل المرغوب، فلا يصحّ معاقبته على ما هو خارج عن قدرته وطاقته2، كأن يكون حفظ درس معيّن فوق طاقة استيعابه، لوجود صعوبات تعلّميّة عنده.

- رابعاً: أن يكون الفعل قابلاً للملاحظة الحسّيّة3. أي أن يكون إجراء العقوبة البدنيّة بحقّ الطفل بسبب ذنب سلوكيّ، لا لذنب يفكّر فيه أو يعيشه في داخله كحالة وجدانيّة.

- خامساً: ارتكاب الطفل السلوك غير المرغوب فيه فعلاً، لا الأخذ على التهمة والشبهة المجرّدة4، أو المعاقبة على ذنب متوقّع الحدوث منه في المستقبل.

وسائل إثبات صدور الفعل السيّئ عن الطفل:
- أوّلاً: المعاينة والمشاهدة الحسّيّة المباشرة من قبل المؤدِّب.

- ثانياً: قيام البيّنة الصادقة على كون الطفل (أ) هو الذي قام بالفعل (ب).
 

1- الدرّ المنضود، ج2، ص26.
2- السيد الخوانساري، جامع المدارك في شرح المختصر النافع، تعليق: علي أكبر الغفاري، مكتبة الصدوق - طهران، 1405 - 1364 ش، ط2، ج7، ص119- 120.
3- الحكيم، عبد الصاحب، تقرير بحث السد محمد الروحاني ، منتقى الأصول، لا.م، لا.ن، 1416، ط2،ج4، ص50.
4- الدرّ المنضود، مصدر سابق، ص281.
 
 
 
188

152

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 - ثالثاً: إقرار الطفل المميّز على نفسه في ما فعله، في ضوء بعض الآراء الفقهيّة1. وهناك رأي مقابل لا يرضى بكون إقرار الطفل على نفسه حجّة2.


من جهة المؤدِّب:
أوّلاً: انحصار العقوبة بيد وليّ الطفل، أي الأب، أمّا غير الأب، كالأمّ والمعلّم وغيرهما، فلا يحقّ له ذلك ابتداءً، بل يحتاج إلى إذن خاصّ من الأب3.

ثانياً: فشل المربّي في تحقيق الأهداف التربويّة بالأساليب الأخرى، وانحصار الوسيلة التي يتوقّف عليها التأديب بالعقوبة البدنيّة4. بمعنى أنّ العقاب البدنيّ يقع آخر لائحة الإجراءات، ويُلجأ إليه بعد استنفاد جميع المحاولات الأخرى.

أساليب العقاب:
وهذه النقطة تحتاج إلى بعض البيان، فقد اهتمّ الباحثون في العلوم التربويّة والنفسيّة والسلوكيّة بأساليب العقاب وأنواعه5، وذكروا أساليب عدّة، منها:
1- التأنيب، أي توجيه اللوم والعتاب.
2- التوبيخ.
3- إبداء عدم الرضا عن السلوك، كالعبوس.
4- الحرمان من الامتيازات.
5- الإنذار أو التهديد: أي الترهيب بالعقاب، بهدف توليد الخوف.
 

1- الدرّ المنضود، ج1، ص120-121. والنووي، المجموع، ج20، ص292 و342.
2- يراجع: الحلّيّ، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، ج3، ص565. والسبزواري، محمّد باقر، كفاية الفقه (المعروف بكفاية الأحكام)، ج2، ص503.
3- فقه التربية والتعليم، مركز نون للتأليف والترجمة، (وفق الرأي الفقهيّ للإمام عليّ الخامنئيّ)، ص59 و ص67.
4- السيد الگلپايگاني، إرشاد السائل، بيروت - لبنان، دار الصفوة، 1413ه - 1993م، ط1،ص179. المدني الكاشاني، كتاب الديات، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1408، ط1،ص46.
5- يراجع: الصيّادي، محمّد، نظرة حول العقاب المدرسيّ، مجلّة المعلّم العربيّ، دمشق، العدد 4، 1999. ويراجع: العالم، عثمان محمّد حامد، العقاب في التربية والتعليم، مجلّة كلّية المعلّمين، العدد 8، ص94-95.
 
 
 
 
189

153

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 6- العزل والإقصاء عن الأنشطة المعزّزة، كوضع الطفل في غرفة منعزلة بسبب سلوكه العدوانيّ تجاه إخوته مثلاً.

7- تكلفة الاستجابة response cost: كالغرامات الماليّة من مصروف الطفل، وحسم علامات له في المنزل، إذا كان أسلوب جمع العلامات مستخدماً في التعزيز داخل المنزل.
8- الهجر أو الإهمال أو التجاهل.
9- العقاب البدنيّ.

فالعقوبة البدنيّة هي آخر إجراء مؤلم يقوم به المربّي بعد استنفاد جميع أشكال العقاب الأخرى.

وفي هذا السياق ننبّه إلى أنّ عدم مشروعيّة العقوبة البدنيّة بضرب الطفل ما قبل مرحلة التمييز، لا يعني ممانعة استخدام أساليب العقوبة الأخرى، مثل النظرة العابسة، أو عدم إبداء الاهتمام به لمخالفته الأدب، أو الامتناع عن تحقيق مطالبه المادّية وقتاً معيّناً.

وهذا ما نلاحظه في بعض الروايات، فقد رُوي أنّه شكى بعض الأشخاص إلى الإمام موسى الكاظم ابناً له، فقال الكاظم عليه السلام: "لا تضربه، واهجره، ولا تطل"1.

وعليه، فلا بدّ من التمييز بين أصل قانون العقاب، وهو مشروع بحقّ الطفل غير المميّز أيضاً، وأسلوب العقوبة البدنيّة بالضرب، التي تنحصر مشروعيّتها بالطفل المميّز.

ثالثاً: أن يُطلِع المؤدِّبُ الطفل المعاقَب على سبب معاقبته له، ويفهمه أن العقاب ليس لشخصه، بل لسلوكه.

رابعاً: أن يحتمل المربّي تأثير العقاب في تغيير سلوك الطفل2، لأنّ فيه مصلحة الطفل3. أمّا إذا احتمل المربّي عدم فعاليّة العقوبة البدنيّة، لمعرفته بخصائص شخصيّة الطفل، فلا يشرّع العقاب، لعدم حصول الغرض به.
 
 

1- عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص87.
2- صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، ج1، ص456.
3- مرسي، فنّ تربية الأولاد في الإسلام، ص114.
 
 
 
190

154

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 ارتباط مشروعيّة العقوبة بالفعّاليّة التربويّة:

وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى نقطة مهمّة، وهي التمييز بين مشروعيّة التربية بالعقوبة البدنيّة وفعّاليّتها، إذ المشروعيّة عبارة عن جواز الضرب في نظر المقنّن الإسلاميّ على نحو لا يترتّب عليه إثم وعصيان المؤدِّب، أما الفعّاليّة، فهي عبارة عن ترتّب الأثر المطلوب من التربية بالعقوبة عند الطفل، أي تعديل سلوكه، أو منع تكراره، أو إضعاف احتمال حدوثه في المستقبل، ومع اختلافهما مفهوماً، إلّا أنّهما متّحدان مصداقاً، بمعنى أن المشروعيّة مرتبطة ومنوطة بالفعّاليّة، فما لم تكن العقوبة فعّالة يترتّب عليها الأثر المطلوب، فلا يشرع التأديب بالضرب، فالعقوبة فرع الفعّاليّة...

لا أدب عند الغضب:
خامساً: من أهمّ الضوابط أيضاً، أن يكون المؤدِّب بحالة هدوء نفسيّ، ولا غضباناً، ليكون التأديب بداعي إصلاح سلوك الطفل وتعديله، لا بداعي الانتقام والتَّشَفِّي1.

وقد "نهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الأدب عند الغضب"2.

وتشدّد فقهاء مدرسة أهل البيت في تحريم التأديب الغضبيّ.

يقول الشيخ الجواهريّ: "ينبغي أن يُعلم أن مفروض الكلام في التأديب الراجع إلى مصلحة الصبيّ مثلاً، لا ما يثيره الغضب النفسانيّ، فإنّ المؤدِّب حينئذ قد يؤدَّب"3.

وقال المحقّق الأردبيليّ: "... إن ضَرَبَه، فليضربه للتأديب وإصلاحه، أو فعله حراماً وتركه الواجب، لا لغضبه وإطفاء غيظه والانتقام منه"4.

وقال السيّد الكلبايكانيّ: "لا يجوز ضرب الصبيّ المميّز للغضب وتشفِّي القلب"5. وأضاف رحمه الله: "لا بدّ من أن يكون المقصود والهدف في مقام الضرب، هو التأديب الراجع إلى مصلحة الصبيّ، لا ما يثيره الغضب النفسانيّ، وإلّا فربّما يؤول الأمر إلى أن
 

1- التشفّي: إدخال السرور على القلب بأخذ الثأر من الشخص المقابل.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج7، ص260.
3- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج41، ص446.
4- الأردبيليّ، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج13، ص180.
5- الدرّ المنضود، ج2، ص281.
 
 
191

155

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 يؤدَّب المؤدِّب، لأنّ ضربه لم يكن لله تبارك وتعالى. وعلى هذا، فلا بدّ من أن يكون ضربه في الحال الطبيعيّة العاديّة، لا حال الغضب. وإذا كان مغضباً فليكن غضبه لله تعالى لا لنفسه، حتّى يسوغ ضربه. وهذه الحالة قلّما توجد إلّا في النفوس الزكيّة الطاهرة... والإقدام على الضرب لله تعالى محضاً وخالصاً لوجهه الكريم، إلّا أنه لو حصل للإنسان هذا المقام فله الأثر الخاصّ في كمال النفس وتهذيبه، وهو منشأ سعادته في الدنيا والآخرة"1.


تحديد لائحة بالسلوك غير المرغوب فيه
سادساً: تحديد لائحة بالسلوكات التي تحتاج إلى تعديل، جواباً عن السؤال التالي: ما هي السلوكيّات السيّئة التي تحتاج إلى تغيير وتعديل عند الطفل؟

فلا ينبغي أن يكون العقاب إجراءً يتبع كلّ سلوك صادر عن الطفل، من دون تحديد مسبق للسلوك غير المرغوب فيه من غيره، ومن دون تحديد نوع السلوك الذي يحتاج إلى استخدام هذا الأسلوب التربويّ أو ذاك، فحتماً سيكون العقاب عمليّة غير عقلائيّة.

وفي هذا السياق، يعتبر د. لاري جيه كوينج2 في كتابه "التربية الذكيّة"، أنّ الخطوة الأولى في عمليّة التربية الذكيّة هي تحديد السلوكيّات السيّئة التي تحتاج إلى تغيير وفق قائمة محدّدة، مع عدم الإكثار من البنود، والبدء بتغيير سلوك واحد أو اثنين بالتدريج3، فلا يتصوّر أحد الآباء والمربّين أنّه يريد بين ليلة وضحاها أن يغيّر ويعدّل جميع سلوكيّات طفله.

كما يطرح كوينج أنّه قبل البدء بعمليّة التأديب بالعقاب، على الأهل أن يجيبوا عن رزمة أسئلة تكون نتيجة الإجابة عنها بـ: "نعم" أو "لا"، مبيّنةً لفاعليّة استخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل أم لا، منها: هل تشعر أنّ كلّ ما تفعله هو لتصحيح أطفالك وتقويمهم؟ هل تجد أنّ طفلك يتمادى في سلوكه السيّئ كلّما عاقبته؟... - تراجع في الكتاب
 

1- الدر المنضود، ج2، ص291.
2- هو مؤسّس أكثر الندوات عن التربية ورعاية الأبناء شهرة في الولايات المتحدة.
3- كوينج، لاري جيه، التربية الذكيّة، ص11.
 
 
 
192

156

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 المذكور -، وما لم يجب الأهل عن مجموعة الأسئلة تلك، فلا يستطيعون تحديد ما إذا كان العقاب فعّالاً أم غير مناسب.


من جهة كيفيّة التأديب ومقداره:
أوّلاً: يجب أن يكون العقاب برفق لا بغلظة1، كما جاء في حديث الإمام الصادق عليه السلام: "وارفق".

ثانياً: مراعاة مبدأ المكافأة، أي التناسب والتعادل بين طبيعة العقاب ونوع السلوك2.

ثالثاً: يجب أن يكون العقاب غير ضرريّ ولا مؤذٍ، بحيث لا يؤدّي إلى احمرار البشرة3، فضلاً عن حرمة الإدماء والجرح والكسر...

رابعاً: التدرّج في العقاب من الأضعف إلى الأقوى4، فلا يجوز تجاوز حدّ الكفاية في الضرب مثلاً، بمعنى أنّه لو كانت ضربة واحدة كافية في التأديب، لا تجوز الضربة الثانية5، وهكذا.

خامساً: ينبغي أن تكون أداة الضرب بطبيعتها لا تلحق الأذى والضرر بالطفل، لأنّ ضربه مشروط بسلامته من الأذى والضرر6.

سادساً: ينبغي تجنّب ضرب الأماكن الحسّاسة في جسم الطفل، كالرأس والوجه وغيرهما.

لأنّهم خلطوا بين العنف والعقاب
وبناءً عليه، يتبيّن عدم جواز الضرب الضرريّ، فالضرب المشرّع بحقّ الطفل مقيّد بما لا يعود بالضرر عليه وإلّا فلا يجوز. لذا، عارض بعض الباحثين التربويّين والنفسيّين
 

1- تفصيل الشريعة، مصدر سابق، ص426.
2- يراجع: الحفني، الموسوعة النفسيّة، ص176.
3- فقه التربية والتعليم، مصدر سابق، ص67. الحكيم، عبد الهادي، فقه للمغتربين وفق فتاوى السيّد عليّ الحسينيّ السيستانيّ، ص202.
4- علوان، عبد الله ناصح، تربية الأولاد في الإسلام، ج2، ص725.
5- صراط النجاة، ج2، ص415.
6- الدرّ المنضود، ج2، ص287. صراط النجاة، ج1، ص456.1- يراجع: عجمي، سامر توفيق، نحو بناء المذهب التربويّ، قراءة في معالم المنهج بين المشروعيّة المعرفيّة والمشروعيّة الأصوليّة، مجلّة أبحاث ودراسات تربويّة، العدد الثاني، السنة الأولى، شتاء 1437ه-2016م، (ص 11-71).
 
 
 
193

157

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 تأديب الطفل بالعقوبة البدنيّة، لما يؤدّي إليه من أضرار بدنيّة ونفسيّة. وقد سبقهم لمعارضته المشرّع الإسلاميّ، فالجائز هو ضرب الطفل التأديبيّ الذي لا يؤدّي إلى الضرر البدنيّ أو النفسيّ المعتدّ به. وعليه، فما هو الدليل العقلائيّ والعلميّ على كون مثل هذا الضرب انتهاكاً لحقوق الطفل، وتعدّياً على كرامته الإنسانيّة، فما ينفونه هم ينفيه المشرّع الإسلاميّ، ولكنّ الفرق بين الاثنين أنّهم عمّموا النفي على النوع غير الضرريّ من الضرب التأديبيّ، في حين حصر المشرّع الإسلاميّ المنع بالنوع الضرريّ من الضرب التأديبيّ.


وفي الحقيقة، إنّ ما ذكروه من مبرّرات، إنّما يصحّ في العنف والتعدّي والتجاوز، دون العقوبة البدنيّة المقيّدة بالضوابط الشرعيّة والأخلاقيّة المذكورة. وهذا يوضح لنا أنّهم خلطوا بين مفهومي العنف والعقاب، ولم يميّزوا بينهما، وأعتقد أن التمييز بينهما يعالج المشكلة.
 
 
 
 
 
194

158

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 المفاهيم الرئيسة


- يحتاج الباحث التربويّ إلى الإجابة عن جملة الأسئلة التالية: هل شرّع المقنّن الإسلاميّ استخدام أسلوب العقوبة في تربية الطفل وتعليمه؟ وأيّ أسلوب من أساليب العقاب يشرع استخدامه؟ وما هي الدواعي المسوّغة لعقوبة الطفل؟ وما هي الضوابط التي تحكم عمليّة استعمال أسلوب العقوبة في التربية؟

- استدلّ الفقهاء على مشروعيّة العقوبة البدنيّة في التربية والتعليم، على القيم والآداب بأدلّة روائيّة عدّة، منها: سُئل الإمام الصادق عليه السلام في أدب الصبيّ، فقال عليه السلام: "خمسة أو ستّة، وارفق، ولا تعدّ حدود الله".

- واستدلّوا على مشروعيّة ضرب الطفل للعبادة على ترك الصلاة، برغم عدم وجوبها بروايات عدّة، منها: عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "... ثم يترك حتى يتمّ له تسع سنين، (فإذا تمّت له) عُلِّم الوضوء، وضُرب عليه، وأُمر بالصلاة، وضُرب عليها".

- وضعت الشريعة شروطاً وضوابط مشدّدة للعقوبة البدنيّة للطفل، نقسّهما إلى ثلاث جهات: من جهة الطِّفل المؤدَّب، ومن جهة الوليّ المؤدِّب، ومن جهة كيفيّة التأديب ومقداره.

- من جهة المؤدَّب: أوّلاً: تنحصر مشروعيّة العقاب بالطفل المميّز. ثانياً: معرفة الطفل بكون هذا السلوك غير مرغوب فيه. ثالثاً: قدرة الطفل على القيام بالفعل المرغوب. رابعاً: أن يكون الفعل قابلاً للملاحظة الحسّيّة. خامساً: ارتكاب الطفل للسلوك غير المرغوب فيه فعلاً.

- من جهة المؤدِّب: أوّلاً: انحصار العقوبة بيد وليّ الطفل، أي الأب، أمّا غير الأب كالأمّ والمعلّم وغيرهما، فلا يحقّ له ذلك ابتداءً، بل يحتاج إلى إذن خاصّ من الأب. ثانياً: فشل المربيّ في تحقيق الأهداف التربويّة بالأساليب الأخرى. ثالثاً: إطلاع الطفل على سبب معاقبته. رابعاً: احتمال تأثير العقاب في تغيير سلوك الطفل. خامساً: أن يكون المؤدِّب بحالة هدوء نفسيّ، ولا غضباناً، ليكون التأديب بداعي إصلاح سلوك الطفل وتعديله، لا بداعي الانتقام والتَّشَفِّي. سادساً: تحديد لائحة بالسلوكات التي تحتاج إلى تعديل.

- من جهة كيفيّة التأديب ومقداره: أوّلاً: يجب أن يكون العقاب برفق لا بغلظة. ثانياً: مراعاة مبدأ التناسب بين طبيعة العقاب ونوع السلوك. ثالثاً: أن يكون العقاب غير ضرريّ. رابعاً: التدرّج في العقاب. خامساً: تحقّق شرط السلامة في أداة الضرب. سادساً: تجنّب ضرب الأماكن الحسّاسة من الجسم.
 
 
 
 
 
195

159

الدرس الثاني عشر: التربية بالعقوبة (2)

 أسئلة الدرس


- هل شرّع المقنّن الإسلاميّ استخدام أسلوب العقوبة في تربية الطفل وتعليمه؟
- عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: في أدب الصبيّ؟ فقال عليه السلام: "خمسة أو ستّة، وارفق، ولا تعدّ حدود الله". حلّل مضمون هذه الرواية.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر..."، ماذا يمكن للباحث أن يستفيد من هذا الحديث النبويّ؟
- لماذا تنحصر مشروعيّة العقوبة بالطفل المميّز، ولا تشمل من دونه بالسنّ؟
- ما هي وسائل إثبات صدور الفعل غير المرغوب فيه عن الطفل؟
- ما هو الهدف من حصر العقوبة البدنيّة بيد الأب، دون الأمّ أو المعلّم أو غيرهما؟
- عدّد أساليب العقاب، واذكر في أيّ مرتبة تقع العقوبة البدنيّة، ولماذا؟
- يعتبر د. لاري جيه كوينج أنّ الخطوة الأولى في عمليّة التربية الذكيّة، هي تحديد السلوكيّات السيّئة التي تحتاج إلى تغيير وفق قائمة محدّدة، ما هي أهمّيّة هذا الأسلوب قبل عقوبة الطفل؟
 
 
 
 
 
196

160

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 الدرس الثالث عشر

تربية العقل وتنمية مهارات التفكير


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يُعرِّف تربية العقل والتفكير.
2- يحدّد أهداف تنمية مهارات التفكير.
3- يعرض أهمّ أساليب تنمية التفكير.
4- يبيّن دور التربية الأخلاقيّة والتغذية الصحّيّة في تنمية التفكير.
 
 
 
 
 
199

161

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 ما هو العقل؟

العقل هو قوّة التفكير وإدراك المعقولات الكلّيّة على مستوى المفاهيم والتصوّرات، أو القضايا والتصديقات، وقد اعتبره المناطقة العنصر الخاصّ المقوِّم لحقيقة الإنسان، أي الفصل الذي يتميّز به عن باقي الكائنات المشتركة معه في وحدة الحياة والإحساس والحركة، بنحو تدور إنسانيّة الإنسان مداره وجوداً وعدماً1.

وثمّة نصوص دينيّة عدّة يستفاد منها أهمّيّة العقل في هرم الوجود الإنسانيّ.

عن أبي جعفر عليه السلام قال: "لمّا خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحسن منك، إيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك أثيب، وإيّاك أعاقب"2.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "الإنسان بعقله"3.

فالعقل هو خير عطيّة وهبها الله تعالى للإنسان، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "خير المواهب العقل"4.

ما هي تربية العقل والتفكير؟
نقصد بتربية العقل والتفكير، عملية إيصال الطفل إلى مرحلة يقتدر معها على حسن توظيف القوّة العاقلة في الكشف عن الحقيقة، والتمييز بين الكمال والنقص والحسن
 

1- انظر: الجزء الأول، الدرس السادس، ص104.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص10.
3- الليثي الواعظي، عيون الحكم والمواعظ، ص61.
4- المصدر نفسه، ص237.
 
 
 
201

162

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 والقبح، والاستثمار فيها إيجاباً للقيام بدورها ضمن سلسلة من النشاطات الذهنيّة: الإدراك واكتساب المعرفة، حفظ المعلومات وتخزينها، تذكّرها واسترجاعها، ومعالجة المدخلات تحليلاً وتركيباً، وتجريداً وتعميماً، والمقارنة بينها وتصنيفها وتقسميها...


إضافةً إلى تمكين العقل من التحكّم بقوى النفس المختلفة: (الوهميّة والغضبيّة والشهويّة)، والسيطرة عليها وقيادتها نحو الهدف الذي خُلِقت لأجله.

ما هي أهداف تربية العقل والتفكير؟
تهدف عملية تربية العقل وتنمية التفكير عند الطفل إلى تحقيق ملكات عدّة، منها:
- دقّة الملاحظة الحسّيّة، والتأمّل في الظواهر والكائنات والمواقف والخبرات.
- القدرة الذهنيّة على التلقّي والاستيعاب والفهم، والتذكّر واسترجاع المعلومات.
- المقارنة والمقايسة بين الأشياء لاكتشاف أوجه العلاقات والنسب والروابط بينها، كالتماثل والتشابه والتقابل والسببيّة والتلازم والاقتران والتداخل والاتّحاد...
- معالجة المعلومات والمدخلات تحليلاً وتركيباً، وتصنيفها وتنظيمها وترتيبها بنحو خاصّ لتوليد الأفكار وإنتاج معارف جديدة.
- استخدام المخزون المعرفيّ في إدارة الحياة وحلّ المشكلات ومواجهة الصعوبات، بمهارات مختلفة، مثل: التخطيط والتنظيم الذهنيّ، الإحساس والوعي بالمشكلة، ترتيب الأولويّات، وطرح البدائل المتنوّعة...

الإمام الخامنئيّ دام ظله: ضرورة تعليم التفكير والفلسفة للطفل
وقد بدأت بعض الدول، (كالأرجنتين، والبرازيل، وأميركا، وبريطانيا، وأستراليا، واليابان...) تستشعر أهمّيّة تعليم الفلسفة للأطفال، بمعنى تنمية العقل وتطوير ملكة النقد في التفكير وإدارة المعرفة... إلخ.

وفي هذا السياق، أبدى الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله في مواقف عدّة، اهتمامه بضرورة تعليم الفلسفة للأطفال، إذ يقول: "إنّ الكثيرين في مجتمعنا لا يخطر ببالهم من الأساس، أنّ الفلسفة هي أمرٌ مهمٌّ للطفل. فبعض الأشخاص يتصوّرون أنّ الفلسفة هي
 
 
 
 
202

163

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 نوع من الهذر، وبعضهم يلتفت إليها في آخر عمره، لكنّ الأمر ليس كذلك. إنّ الفلسفة عبارة عن تشكيل الفكر وتعليم الفهم، وتعويد الذهن التفكّر والتفهّم، وهذا الأمر ينبغي أن يكون منذ بداية الطفولة. والقالب والشكل مهمٌّ في فلسفة الأطفال، وكذلك المحتوى والمضمون، لكنّ الأساس هوالأسلوب، أي أن يعتاد الطفل منذ بداية طفولته التفكّر، والتعقُّل"1.


علاقة تربية العقل بتحقيق هدف التربية
ويبقى أهمّ أهداف تربية العقل عند الطفل، أنّها تساهم في تحقيق الهدف النهائيّ من وجوده، بمعنى معرفة الله تعالى وعبادته، من خلال القيام بعمليّة ربط مهارات التفكير عند الطفل باكتشاف الله تعالى وصفاته في الطبيعة والكون، والارتباط به والخضوع لعظمته.

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "إنّ تربية قدرة التفكير والعقل في المجتمع هي مفتاح تسوية المشاكل، ولجم النفس، وتمهيد "الأرضيّة" أمام الإنسان لعبادة الله"2.

وذلك لأنّ الإنسان بالعقل يصل إلى كمال النفس في جانب الحكمة النظريّة، فيعرف الحقيقة كما هي، ويميّز بين الحقّ والباطل.

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "العقل نور في القلب، يفرّق به بين الحقّ والباطل"3.

وبالعقل يحقّق الإنسان كمال النفس في جانب الحكمة العمليّة، بالتحكّم بقوى النفس الشهويّة والغضبيّة والوهميّة والسيطرة عليها، وقيادة النفس نحو التجلية بالتمسّك بظاهر الشريعة، والتحلية بالفضائل الأخلاقيّة والتخلية عن الرذائل.

وبتنمية هاتين القوّتين وتزكيتهما يصل الإنسان إلى معرفة الله تعالى، والارتباط به وعبادته.
 
 

1- مركز نون، خطاب الوليّ 2012، كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله في لقاء المعلّمين وأساتذة جامعات خراسان الشماليّة،11/10/2012م، إصدار جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة- مركز نون للتأليف والترجمة، ط1، 2013م، ص456.
2- http://www.leadep.ir/ar/content/5677
3- الديلمي، الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد، إرشاد القلوب، قم - إيران، انتشارات الشريف الرضي، 1415ه - 1374ش، ط2،ج1، ص198.
 
 
 
 
203

 


164

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنّه قال: "إنّ أول الأمور ومبدأها وقوّتها وعمارتها التي لا ينتفع شيء إلا به العقل، الذي جعله الله زينة لخلقه ونوراً لهم. فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنّهم مخلوقون، وأنّه المدبّر لهم وأنّهم المدَبَّرون، وأنّه الباقي وهم الفانون. واستدلّوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه، من سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وبأنّ له ولهم خالقاً ومدبّراً، لم يزل ولا يزول. وعرفوا به الحسن من القبيح، وأنّ الظلمة في الجهل، وأنّ النور في العلم، فهذا ما دلّهم عليه العقل..."1.


ونستظهر هذا الهدف بشكل واضح من القرآن الكريم، الذي حثّ وحفّز في عشرات الآيات على التفكّر، والتدبّر، والنظر، والتعقّل، والتبصّر... إلخ، من المفردات التي تدخل في الشبكة المعنائيّة لتربية العقل، رابطاً بين التفكّر والوصول إلى الله تعالى، وصفاته وأفعاله من النبوّة والمعاد...

وهذا الفهم لتربية العقل والتفكير، ينسف محاولات فكّ الارتباط بين العقلانيّة والإيمان على نحو مانعة الجمع، كما في قول أبي العلاء المعرّي:
اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا
دين وآخر ديّنٌ لا عقل له2

فالعقلانيّة والتديّن أمران متلازمان، كما رسم لنا ذلك الإمام عليّ عليه السلام بقوله: "لا دين لمن لا عقل له"3. وعن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: "من كان عاقلاً كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنّة"4.

أسئلة لا بدّ منها في تربية عقل الطفل
أوّل خطوة ينبغي للمربّي أن يخطوها في عملية تربية العقل والتفكير عند الطفل، هي طرح جملة من الأسئلة حول طبيعة الطفل المتربّي، من خلال رصد عادات الطفل الذهنيّة
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص29.
2- أبو العلاء المعرّي، لزوم ما لا يلزم، ج2، ص174.
3- عيون الحكم والمواعظ، ص539.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص11.
 
 
 
204

165

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 مع الأشياء، ثم يقوم بالبحث عن أجوبتها، ليشخّص مواطن القوّة والضعف، ويسعى لمعالجة المشكلة.


مثل:
- هل يطرح طفلي الأسئلة ويكثر من إثارة الاستفهامات؟
- هل يسأل عن الأمور التي لا يفهمها؟ أم يسكت؟
- هل يقتنع بالجواب بسهولة؟ أم يناقش وينقد؟
- هل يحفظ المعلومات بسرعة، أم يحتاج إلى تكرارها عدّة مرّات؟
- هل يسترجع المعلومات بسرعة؟ أم يغرق في التفكير لاسترجاعها؟
- هل يتمتّع بدقّة الملاحظة الحسّيّة ويهتمّ بالتفاصيل؟ أم يغفل عنها؟
- هل يتأمّل في المواقف التي تحصل أمامه؟ أم لا يبدي اهتماماً؟
- هل يبحث عن العلل والأسباب الكامنة وراء الأشياء؟ أم يكتفي بالمشاهدات السطحيّة؟
- هل يتّخذ القرارات بنفسه؟ أم يعتمد دائماً أو غالباً على الآخرين؟
- هل يستسلم للمشكلات التي تواجهه؟ أم يضع الحلول والبدائل المتنوّعة؟
- هل لديه قدرة على المقارنة بين الأشياء؟
- هل يقيم علاقات (تماثل أو تشابه أو تضاد...) بينها؟
- هل يدعم آراءه بالشواهد والأدلّة؟
- هل يتأثر بآراء الآخرين وينساق لها؟
- هل يحوّل الأفكار إلى سلوك؟
- هل يتعلّم من أخطائه ولا يكرّرها؟
- هل يفكّر في النتيجة التي تقود إليها المقدّمات؟

أساليب تنمية التفكير الصحيح
من أهمّ النقاط أيضاً في عمليّة تربية التفكير، هي أن يمتلك المربّي خارطة طريق
 
 
 
 
205

166

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 من الأصول والأساليب يؤدّي تعليمها للطفل وتعويده إيّاها إلى تحقيق جملة الأهداف المذكورة أعلاه.


وهناك عدّة أساليب يمكن اعتمادها في هذا المجال، نذكر بعضاً منها باختصار:
تعزيز الجرأة الأدبيّة على طرح الأسئلة
يولد الطفل خالي الذهن من جميع ألوان المعرفة التي تشكّل موادّ التفكير، وكي تتراكم المعارف في الذهن، لا بدّ من تفعيل وتنشيط غريزة حبّ الاستطلاع لديه، "ومؤشّر" نشاطها وفعّاليّتها هو السؤال، لأنّ السؤال مفتاح المعرفة.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "العلم خزائن، ومفتاحها السؤال"1.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ مفاتيح العلم السؤال. وأنشأ يقول:
شفاء العمى طول السؤال وإنّما  تمام العمى طول السكوت على الجهل"2.

وعمليّة التدريب على السؤال المفضي إلى تحصيل المعرفة يبدأ من الصغر.
عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "من سأل في صغره أجاب في كبره"3.

لذا، على المربّي تعزيز الجرأة لدى الطفل على طرح الأسئلة وإثارة الاستفهامات حول كلّ ما يحيط به في الحياة، والعمل على تخفيف جرعة الحياء من السؤال، لأنّه من موانع التعلّم.

عن الإمام الباقر عليه السلام: "سَلْ ولا تستنكف ولا تستَحْي، فإنّ هذا العلم لا يتعلّمه مستكبر ولا مستَحْيٍ"4.

وعلى المربّي التفاعل الإيجابيّ مع كلّ سؤال يطرحه الطفل، وإشعاره بأهمّيّة سؤاله
 
 

1- السيد الرضي، المجازات النبوية، تحقيق وشرح: طه محمد الزيتي، منشورات مكتبة بصيرتي - قم، لا.ت، لا.ط،ص209.
2- كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الاثني عشر، ص253.
3- عيون الحكم والمواعظ، ص447.
4- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، 1385 - 1966م، لا.ط،ج2، ص606.
 
 
 
 
206

167

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 وإعجابه به، وتجنّب إشعار الطفل ببساطة سؤاله، وعدم التعامل مع أسئلته بسخرية واستهزاء، لأنّ الهدف، خصوصاً في الطفولة المبكرة، ليس اكتشاف مهارات الطفل في كيفيّة طرح الأسئلة، بل تنمية حسّ المبادرة إلى السؤال، بغضّ النظر عن طبيعته.


نعم، في مرحلة لاحقة، ينبغي للمربّي السعي لتطوير مهارات حسن طرح السؤال عند الطفل، لأنّ "حسن السؤال نصف العلم"1، كما رُوي عن رسول الله صلى اله عليه وآله. ويمكن للوصول إلى هذا الهدف، اعتماد المربّي على أسلوب إعادة صياغة سؤال الطفل على مسامعه بشكل أفضل من دون أن يهينه، أو طرح عدّة أسئلة أمام الطفل، ثمّ جعله يختار نوع السؤال الذي يناسب الموقف.

وكلّما تقدّمت المرحلة العمريّة للطفل، ينبغي السير التطوّرّي معه بتعليمه آداب السؤال، بأن يكون هدفه الأساس من السؤال هو تحصيل المعرفة، ولا إحراج المعلّم أو الوالدين أو الصديق... وتغليطهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل، كي يغلّطوا بها العلماء"2. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "فاسأل العلماء ما جهلت، وإيّاك أن تسألهم تعنّتاً وتجربة..."3.

وعلى المربّي أن لا يترك أسئلة الطفل عالقة دون أجوبة، كما عليه أن لا يجيب بمعلومات خاطئة تشوّه فهم الطفل. بل عليه تحرير عقل الطفل من المعلومات والأفكار الخاطئة. لذا، إذا لم يكن الجواب حاضراً في ذهن المربّي، فعليه أن لا يصدّ الطفل عن السؤال، بل يأخذ بيده إلى البحث المشترك عن الإجابة، أو يستشير أهل الخبرة والاختصاص والمعرفة بموضوع السؤال أمام الطفل، ليسمع الطفل الجواب منهم، ويدرّبه بالمحاكاة والنموذج السلوكيّ على أنّ سؤال الآخرين أمر طبيعيّ.
 
 

1- الكراجكي، الامام العلامة أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان، كنز الفوائد، قم، مكتبة المصطفوي، 1369ش، ط2،ص287.
2- ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول، لأبي السعادات ج5، ص58.
3- مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص564.
 
 
 
207

168

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 تقوية الملاحظة الحسّيّة عند الطفل

من الأساليب المهمّة في عمليّة تنمية التفكير، تقوية الملاحظة الحسّيّة عند الطفل؛ لأنّ رأس مال العلوم يبدأ من الحواسّ. والإنسان عموماً، والطفل خصوصاً، كائن حسّيّ أكثر ممّا هو كائن عقليّ1. وينبغي تعويده الالتفات إلى جميع التفاصيل والتدقيق فيها، وعدم الغفلة عن أيّ منها، مهما بدا صغيراً. كأن يعمد المربّي إلى وضع لوحة معيّنة أمام الطفل، أو يجلس معه في الطبيعة، أو حتى في غرفة المنزل، ويسأله أن يصف له مشاهداته، ويعرض له ما هو موجود في الغرفة، ويدوّن ذلك على ورقة، ليرى دقّة ملاحظته وسرده للتفاصيل.

ونلاحظ أن القرآن الكريم ركّز في تنمية الملاحظة الحسّيّة عند الإنسان، فحثّه وحفّزه على النظر إلى الإبل والرياح وحركة الكواكب والنجوم والليل والنهار والنبات... رابطاً بينها وبين الدلالة على معرفة الله تعالى كآيات آفاقيّة، وبالدلالة على هدفيّة الخلق ولزوم المعاد، كما سيأتي في درس التربية العقائديّة.

تنشيط مهارة العصف الذهنيّ
إنّ تعويد الطفل العصف الذهنيّ وتبادل الآراء والخبرات ضمن مجموعة من الأطفال، في الصفّ أو المنزل أو الجمعيّة الكشفيّة... يؤدّي إلى انفتاح ذهنه على معلومات جديدة، ومراكمة المعرفة وزيادة منسوبها، ويرشده إلى الرأي الصائب ويعرّفه مواطن الخطأ، ويعلّمه احترام آراء الآخرين، ويشجّعه على إبداء رأيه، وتطوير قدرة الإقناع والدفاع عن الفكرة بالأدلّة والشواهد، ويعزّز نزعة اختياره لأفضل فكرة ضمن أفكار الآخرين، أو كيفيّة التوفيق بين الآراء المختلفة.

عن الإمام عليّ عليه السلام، أنّه قال: "اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب"2.

كما أنّ تدريب الطفل على مهارة العصف الذهنيّ يضعف من نزعة الاستبداد بالرأي،
 

1- الصدر، السيد محمد باقر، موجز في أصول الدين، ص224-225.
2- الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ص91.
 
 
 
208

169

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 والتعنّت والتعصّب لفكرته، وينمّي حسّ تقبّل النقد، والاستعداد لتغيير رأيه عند ثبوت خطئه.


عن الإمام عليّ عليه السلام: "من استبدّ برأيه هلك"1.

تنمية حسّ التعامل مع المعلومات
- تعويد الطفل الاعتراف بالجهل. عن الإمام عليّ عليه السلام: "غاية العقل الاعتراف بالجهل"2.

- تعويد الطفل فهم المعلومات ولا مجرّد حفظها. عن الإمام عليّ عليه السلام: "ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم"3.

- تعويده التحقّق من مصداقيّة المعلومات التي يتلقّاها.

- توجيهه نحو المصادر والمراجع التي ينبغي أن يستقي منها المعلومات، وتعليمه كيفيّة التعامل معها.

عن زيد الشحّام، عن أبي جعفر عليه السلام، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾4 قال: قلت: ما طعامه؟ قال عليه السلام: "علمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه"5.

- تعويد الطفل معرفة الرجال بالحقّ، لا معرفة الحقّ بالرجال، أي النظر إلى الآراء بحدّ ذاتها، بغضّ النظر عن قائلها، في تقويم صوابها وخطئها.
عن الإمام عليّ عليه السلام: "خذ الحكمة ممّن أتاك بها، وانظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال"6.

- تدريبه على اكتشاف التناقضات في المعلومات والآراء والمواقف، ومعرفة مواطن الخلل ونقاط الضعف فيها، حتى لا يغترّ بالخدع والأخطاء.
 
 

1- نهج البلاغة، ج4، باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام، حكمة 161.
2- عيون الحكم والمواعظ، ص241.
3- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص36.
4- سورة عبس، الآية 24.
5- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص50.
6- عيون الحكم والمواعظ، ص241.
 
 
 
209

170

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 عن الإمام عليّ عليه السلام: "فساد العقل الاغترار بالخدع"1


- تشجيع الطفل على خوض التجارب الذاتية في اكتشاف المسائل وبناء الخبرات والاتّعاظ بها.
عن الإمام عليّ عليه السلام: "العقل غريزة تربّيها التجارب"2.

- تعليمه كيفيّة ترتيب الأولويّات في ضوء الأهمّ والمهمّ من جهة، والسيّئ والأسوأ من جهة ثانية، والتخطيط في ضوئها.
عن الإمام عليّ عليه السلام: "ليس العاقل من يعرف الخير من الشرّ، ولكنّ العاقل من يعرف خير الشرّين"3.

الربط بين الأدب والأخلاق وتنمية العقل والتفكير
من الأصول الإسلاميّة المهمّة المميّزة في تربية العقل والتفكير عند الطفل والإنسان، تدريب الطفل على التحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل، لارتباطها بشكل وثيق بعمليّة تنمية التفكير الإيجابيّ، وإقصاء التفكير السلبيّ.

عن الإمام عليّ عليه السلام: "غير منتفع بالحكمة عقل معلول بالغضب والشهوة"4.

وعنه عليه السلام: "طاعة الهوى تفسد العقل"5.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر، إلّا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قلّ أو كثر"6.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "الغضب يفسد الألباب، ويبعد من الصواب"7.
 

1- عيون الحكم والمواعظ، ص357.
2- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج20، ص341.
3- محمد بن طلحة الشافعي، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ماجد ابن أحمد العطية، لا.م، لا.ن، لا.ت، لا.ط، ص 250.
4- المصدر نفسه، ح6397.
5- عيون الحكم والمواعظ، ص317.
6- كشف الغمة في معرفة الأئمة عليهم السلام، ج2، ص344.
7- عيون الحكم والمواعظ، ص28.
 
 
 
210

171

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 وعنه عليه السلام: "إنّ الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب"1.


لذا، يقول العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: "الإنسان إذا فسد دينه الفطريّ، ولم يتزوّد من التقوى الدينيّ، لم تعتدل قواه الداخليّة المحسّة، من شهوة أو غضب، أو محبّة أو كراهة وغيرها. ومع اختلال أمر هذه القوى، لا تعمل قوّة الإدراك النظريّة عملاً مرضيّاً"2.

دور تغذية الطفل في تنمية التفكير
من المسائل المهمّة التي ينبغي للمربّي الالتفات إليها في تربية العقل والتفكير، هي طبيعة غذاء الطفل، فهناك العديد من الأطعمة والأشربة التي تؤدّي دوراً مهمّاً في تفعيل النشاط العقليّ عند الطفل، ويمكن استشارة أهل الاختصاص في الطبّ والتغذية عنها. وقد عرض بعض الأحاديث والروايات أنواعاً من تلك الأطعمة والأشربة، كالقرع، والسفرجل، والكرفس، واللبان، والعسل، والرمّان، والخلّ، والفرفخ، والسذاب3،... إلخ، نقتصر على ذكر بعضها:
- عن أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام، قال: "كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام، أنّه قال له: يا عليّ، عليك بالدباء (القرع)، فكُلْه، فإنه يزيد في الدماغ والعقل"4.

- وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بالكرفس، فإنّه إن كان شيء يزيد في العقل، فهو هو"5.

- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم باللبان، فإنّه... يزيد في العقل، ويذكي الذهن، ويجلو البصر، ويذهب النسيان"6.
 
 

1- نهج البلاغة، ج3، ص46.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص311.
3- السذاب: نوع من النبات.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص371.
5- ابو العباس مستغفري، طب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انتشارات رضي، 1362 ش، ط1،ص31.
6- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج59، ص300.
 
 
 
 
211

172

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 - وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بالفرفخ، فهي المكيّسة1، فإنّه إن كان شيء يزيد في العقل، فهي"2.


- وعن الإمام الرضا عليه السلام: "عليكم بالسفرجل، فإنّه يزيد في العقل"3.
 

1- المكيّسة: من الكياسة، أي الفطنة والذكاء.
2- البرقي، المحاسن، ج2، ص517.
3- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص172.
 
 
 
212

173

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 المفاهيم الرئيسة


- العقل هو قوّة التفكير وإدراك الكلّيّات تصوّراً وتصديقاً، وبه يتميّز الإنسان عن باقي الكائنات الحيّة. عن الإمام عليّ عليه السلام: "الإنسان بعقله".

- تربية العقل والتفكير هي عمليّة إيصال الطفل إلى مرحلة يقتدر معها على حسن توظيف القوّة العاقلة في سلسلة من النشاطات الذهنيّة: اكتساب المعرفة، وحفظ المعلومات، وتذكّرها، ومعالجة المدخلات تحليلاً وتركيباً، والمقارنة بينها، وتصنيفها وتقسميها...

- تهدف عمليّة تربية العقل وتنمية التفكير عند الطفل إلى تحقيق عدّة ملكات، منها: دقّة الملاحظة الحسّيّة، زيادة القدرة الذهنيّة على الفهم، ملكة استخدام المخزون المعرفيّ في إدارة الحياة وحلّ المشكلات، ربط مهارات التفكير باكتشاف الله تعالى وصفاته في الطبيعة والكون.

- ينبغي للمربّي رصد عادات الطفل الذهنيّة مع الأشياء، بطرح جملة أسئلة، مثل: هل يُكثر طفلي من إثارة الاستفهامات؟ هل يحفظ المعلومات بسرعة؟ هل يتمتّع بدقّة الملاحظة الحسّيّة ويهتمّ بالتفاصيل؟ هل يدعم آراءه بالشواهد والأدلّة؟ هل يتعلّم من أخطائه ولا يكرّرها؟

- من أهمّ أساليب تنمية التفكير عند الطفل هو تعزيز الجرأة الأدبيّة على السؤال، والتفاعل الإيجابيّ مع أسئلة الطفل، وتجنّب إشعاره بسذاجة أسئلته والسخرية منها.

- ينبغي تعويد الطفل العصف الذهنيّ، وتبادل الآراء والخبرات ضمن مجموعة من الأطفال، في الصفّ أو المنزل أو الجمعيّة الكشفيّة... فذلك يؤدّي إلى انفتاح ذهنه على معلومات جديدة، ويشجّعه على إبداء رأيه، ويضعف من نزعة الاستبداد بالرأي، وينمّي حسّ تقبّل النقد.

- ينبغي تنمية حسّ تعامل الطفل مع المعلومات، من خلال تعويده فهمها، ولا مجرّد حفظها، والتحقّق من مصداقيّتها.

- من الأصول المهمّة في تربية العقل، تدريب الطفل على التحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل، لارتباطها بشكل وثيق بعمليّة تنمية التفكير الإيجابيّ، وإقصاء التفكير السلبيّ.

- من المسائل التي ينبغي الالتفات إليها في تربية العقل والتفكير، طبيعة غذاء الطفل، وقد عرضت بعض الأحاديث والروايات أنواعاً من تلك الأطعمة والأشربة، كالقرع، والسفرجل، والعسل، والرّمان.
 
 
 
213

174

الدرس الثالث عشر: تربية العقل وتنمية مهارات التفكير

 أسئلة الدرس


- لماذا تتمتّع تربية العقل وتنمية مهارات التفكير بأهمّيّة خاصّة في بناء شخصيّة الطفل؟ اذكر ثلاثة مبرّرات.
- هل توافق على أنّ تربية التفكير تؤدّي دوراً مهمّاً في التعرّف إلى الله تعالى والارتباط به؟ علّل ذلك.
- ما هي أهمّيّة تنمية نزعة السؤال والاستفهام عند الطفل؟ وأيّ آثار سلبيّة تنتج من قمع روحيّة السؤال عند الطفل، أو الاستخفاف بأسئلته والاستهزاء بها، أو إجابته بشكل خاطئ عنها؟
- عن الإمام عليّ عليه السلام، أنّه قال: "غير منتفع بالحكمة عقل معلول بالغضب والشهوة"، اذكر من خلال تحليل مضمون هذا الحديث، دور الأخلاق في تربية التفكير؟ مدعِّماً رأيك بالشواهد والقرائن.
- ما هو الدور الذي تؤدّيه التغذية السليمة للطفل في تنمية طاقة العقل على الفهم والذكاء والتذكّر...؟ اذكر نموذجاً من آراء أهل الاختصاص في الطبّ والتغذية في هذا المجال.
- اطرح نموذجاً على لعبة تنمّي مهارات التفكير عند الطفل.
 
 
 
 
 
214

175

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 الدرس الرابع عشر

التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يُعرِّف التربية العقائديّة وأبعادها.
2- يبيّن أهمّيّة التربية العقائديّة في بناء شخصيّة الطفل.
3- يستدلّ على فطريّة الإحساس الدينيّ عند الطفل.
4- يحدّد معالم منهج التربية بالفطرة التوحيديّة.
 
 
 
 
 
 
217

176

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 ضرورة التربية الدينيّة للطفل

أهمّ حقوق الطفل على والديه تربيته على الدين الحقّ عقيدة وقيماً وشريعة، أو كما أطلقت عليها بعض الروايات اسم: تبصير الطفل بدين الإسلام.

ففي التفسير المرويّ عن الإمام الحسن العسكريّ، أنّ الله عزّ وجلّ يوم القيامة يقول1: "... واكسوا والديه حلّة لا تقوم لها الدنيا بما فيها. فينظر إليهما الخلائق فيعظّمونهما2، وينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها، ويقولان: يا ربّنا، أنّى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا؟ فيقول الله تعالى: ومع هذا تاج الكرامة، لم يرَ مثله الراؤون، ولم يسمع بمثله السامعون، ولا يتفكّر في مثله المتفكّرون. فيقال: هذا بتعليمكما ولدكما القرآن، وبتبصيركما إيّاه بدين الإسلام، ورياضتكما إيّاه على حبّ محمّد رسول الله، وعليّ ولي الله (صلوات الله عليهما)، وتفقيهكما إيّاه بفقههما، لأنّهما اللّذان لا يقبل الله لأحد عملاً إلّا بولايتهما، ومعاداة أعدائهما، وإن كان ملء ما بين الثرى إلى العرش ذهباً تصدّق به في سبيل الله..."3.

لكن، مع شديد الأسف، نلاحظ بعض أولياء الأطفال يعطون التربية الرياضيّة أو الغذائيّة أو الفنيّة أو التجمّليّة... إلخ، قسطاً من الأهمّيّة يزيد على التربية الدينيّة للطفل،
 
 

1- بداية الرواية: "(وبشرى للمؤمنين) يعني بشارة لهم في الآخرة، وذلك أنّ القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب يقول لربّه عزّ وجلّ: [يا ربّ] هذا أظمأت نهاره، وأسهرت ليله، وقويت في رحمتك طمعه، وفسحت في مغفرتك أمله، فكن عند ظنّي [فيك] وظنّه. يقول الله تعالى: أعطوه الملك بيمينه، والخلد بشماله، وأقرنوه بأزواجه من الحور العين...". وتتمة الرواية في متن الدرس.
2- في نسخة أخرى: فيغبطونهما.
3- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج7، ص306.
 
 
 
219

177

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 بل بعضهم لا يهتمّ بها رأساً، مع أنّها من أهمّ المسؤوليّات التي ينبغي لوليّ الطفل أداؤها والقيام بها تجاهه.


وتشمل التربية الدينيّة كما ذكرنا ثلاثة أبعاد: التربية العقائديّة، والتربية الأخلاقيّة، والتربية الفقهيّة. ورأس هرمها التربية العقائديّة. 

معنى التربية العقائديّة
تنطوي التربية العقائديّة للطفل على بعدين: الأول موجِب أي القيام بكلّ ما من شأنه إعداد نفسه وتهيئتها لقبول أصول العقائد الدينيّة الحقّة والإيمان بها: (التوحيد، النبوّة، الإمامة، المعاد، وتنمية حسّ ارتباط الطفل بوجود قوّة عظمى خلقت هذا الكون، وتدبّر شؤونه.

عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام، قال: "وأمّا حقّ ولدك، فأن تعلم أنّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وُلّيته من حسن الأدب والدلالة على ربّه عزّ وجلّ"1.

والثاني سالب، أي إبعاد الطفل عن البيئة التي تشتمل على عقائد باطلة أو منحرفة، وتنبيهه إليها وتحذيره منها، خصوصاً في مجتمع متعدّد الأديان، أو تكثر فيه الشبهات.

أهمّيّة التربية العقائديّة في حياة الطفل
تؤدّي التربية العقائديّة السليمة دوراً حيويّاً في بناء هويّة الطفل، من خلال تحقيق الأمور التالية:
- تشبع حسّ فضول الاستفهام والمعرفة عند الطفل، عن الأسئلة الكونيّة والحياتيّة التي لها صبغة ما ورائيّة، خصوصاً في مرحلة السبع الثانية من حياته، عندما يسأل عن الخالق وشكله ومكانه...، أو ما يبدو شرّاً في العالم، كالموت والأمراض والزلازل والفيضانات...

- تعزّز الصحّة النفسيّة بما تمنحه من شعور بالأمان والطمأنينة وسكون النفس،
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص622.
 
 
 
 
220

178

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 فيزول عنه الاضطراب والقلق من المستقبل، لأنّ الدين الحقّ يعطي للحياة تفسيراً ذا هدف ومغزى ومعنى، فلا يؤدّي ذلك إلى تولّد النزعة العدميّة والشعور بالضياع في نفس الطفل.


يُنقل عن كارل يونج - مؤسّس علم النفس التحليليّ - أنّه يقول: "إنّ انعدام الشعور الدينيّ يسبّب كثيراً من مشاعر القلق والخوف من المستقبل، والشعور بعدم الأمان والنزوع نحو النزعات المادّية البحتة، كما يؤدّي إلى فقدان الشعور بمعنى هذه الحياة ومغزاها، ويؤدّي ذلك إلى الشعور بالضياع"1.

- تكسبه القوّة في الحياة، والشجاعة والثقة بالنفس، نتيجة شعوره بالمعيّة الإلهيّة، وهذا ما نلمسه في حياة الأنبياء عليهم السلام. فيوسف عليه السلام، ذلك الطفل الذي كان في التاسعة من عمره، حين ألقاه إخوته في غيابت الجُبّ، والتقطه بعض السيّارة وأُخرج عليه السلام من البئر، قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خيراً، فقال لهم يوسف: "من كان مع الله فليس عليه غربة"2.

أسئلة حول التربية العقائديّة للطفل
إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ بعض الباحثين يعتقد أن التربية العقائديّة للطفل تتجاوز قدراته الذهنيّة وتفوق استيعابه، فقد يقال إنّها تؤدّي إلى انعكاسات سلبيّة على بناء شخصيّته، أو قد يقال إنّ بعض علماء مدرسة الإماميّة يعتقدون بأنّ المطلوب في الإيمان العقائديّ تحصيل اليقين عن دليل لا عن تقليد، وبالتالي فالتربية العقائديّة للطفل تصادر حرّيّته مستقبلاً في اختيار العقيدة التي يريد عن بحث وتنقيب؛ يصبح من حقّ الباحث التربويّ أن يطرح بعض الأسئلة حول التربية العقائديّة للطفل، مثل: هل يستوعب الجهاز الإدراكيّ للطفل المسائل العقائديّة حتّى نربّيه عليها؟ وفي أيّ مرحلة عمريّة ننطلق بعمليّة التربية العقائديّة للطفل؟ وما هي طبيعة القضايا العقائديّة التي نبدأ بتعريفه بها؟ وما
 
 

1- نقلاً عن: العيسويّ، عبد الرحمن، دراسات في تفسير السلوك الإنسانيّ، ص193.
2- الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، عبد الأمير مهنا، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1412 - 1992م، ط1،ج3، ص5.
 
 
 
 
221

179

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 هو الأسلوب الذي نعتمده في تقديم المسائل العقائديّة للطفل؟...إلخ.


وفي الحقيقة، إنّ الجواب عن هذه الأسئلة، لا يمكن أن يتّضح إلّا بالعودة إلى تحديد النظرة إلى طبيعة الطفل، وموقع الشعور الدينيّ منها. لذا، سنبدأ من مقدّمات مبنائيّة ترسم لنا معالم منهج التربية العقائديّة المطلوبة للطفل.

مناهج التربية العقائديّة
إنّ رأس هرم المعارف العقائديّة والإيمان الدينيّ هو الاعتقاد بوجود الله تعالى وتوحيده، ويمكن الانطلاق في التعامل مع مسألة وجود الله تعالى من خلال مناهج عدّة، لأنّ الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، ومن أهمّها منهجان:
الأوّل: يعتبر أنّ الإيمان بالله تعالى وتحصيل المعرفة به مسألة نظريّة، تحتاج إلى بذل جهد عقليّ وإجراء عمليّة استدلاليّة فكريّة معمّقة، وهو المنهج الذي يسلكه الفلاسفة والمتكلّمون في كتبهم، إذ يقيمون الأدلّة المعقّدة لإثبات وجود الله تعالى، فنسمع على ألسنتهم: برهان الصدّيقين، دليل الإمكان، دليل الحدوث...، ومصطلحات مثل: بطلان الدور، واستحالة التسلسل... إلخ.

وهذه الطريقة في التعريف بالله تعالى، تقوم على مخاطبة العقل الخالص، وهي بعيدة عن أفهام عامّة الناس، فضلاً عن أذهان الأطفال.

الثاني: يعتبر أنّ الإيمان بالله تعالى مسألة فطريّة قد جُبلت عليها كلّ نفس إنسانيّة بأصل الخلقة والتكوين، ويلتفت إليها الإنسان بأدنى تأمّل. فكلّ إنسان يشعر في داخله بحسّ الانجذاب إلى قوّة عظمى في هذا الكون، لكن قد يغفل عن هذه الفطرة نتيجة بعض العوامل الخارجيّة التي تَعرض عليه، وعمليّة إيقاظ الإنسان من سباته وغفلته تحتاج إلى منبّهات وجدانيّة تثير دفائن فطرته، من دون الدخول في عمليّة استدلاليّة تعقّد الإيمان بالله تعالى.

فهذا المنهج يعتمد على محاكاة الوجدان البشريّ والفطرة الداخليّة، وقد سلكه عامّة الناس في حياتهم الإيمانيّة في خطّ علاقتهم بالله تعالى. فمثلاً لمّا أراد المحقّق الدوّانيّ كتابة
 
 
 
 
 
222

180

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 رسالة في إثبات الواجب تعالى، قالت له أمّه: ما تكتب؟ فقال لها: رسالة في إثبات الله. فقالت له: أفي الله شكّ خالق السماوات والأرض1؟


كما سلكه أئمّة أهل البيت عليهم السلام في التربية العقائديّة، فقد قال رجل للإمام جعفر الصادق عليه السلام: "يا بن رسول الله، دلّني على الله ما هو؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني.

فقال (الإمام الصادق) له: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قطّ؟
قال: نعم.
قال عليه السلام: فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟
قال: نعم.
قال عليه السلام: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟
فقال: نعم.
قال عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث"2.

وعلى كلّ حال، الذي يظهر من خلال رصد نصوص القرآن الكريم ومنهج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام واستقرائها، أنّهم يؤكّدون فعّاليّة المنهجين معاً، بمعنى أنّه لا تعارض بين المنهجين، وأنّ الإنسان يحتاج إليهما كليهما، إذ كلٌّ منهما يوصل إلى الله تعالى، ولكنّ كلّ منهج يناسب أهله، لأنّه لكلّ مقام مقال، ومعاشر الأنبياء مأمورون بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهذا يستلزم أن ينظر المربّي أثناء تعليم العقيدة والتربية على مضامينها إلى أمرين: المرحلة العمريّة للمخاطَب أولاً، وطبيعة جهازه الإدراكيّ ومدارك أفهامه ثانياً.

والأسلوب الأصلح لتربية الطفل عقائديّاً ينبغي أن يبدأ من منهج الفطرة التوحيديّة،
 

1- الجزائريّ، نعمة الله الموسويّ، الأنوار النعمانيّة، ج1، ص4.
2- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، التوحيد، تصحيح وتعليق: السيد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، لا.ط،ص231.
 
 
 
 
223

181

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 أي العمل على تفتّح فطرة الطفل ودفعها بالاتجاه الإيمانيّ الصحيح، ثم يُتدرَّج معه خطوة خطوة باتجاه تنشيط حركة العقل لاكتشاف الحقّ.


الفطرة التوحيديّة في نفس الطفل
عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "قال موسى بن عمران عليه السلام: يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبّ الأطفال، فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أمّتهم أدخلتهم برحمتي الجنّة"1.

وقد أكّد القرآن الكريم وأحاديث النبيّ وأهل البيت عليهم السلام فطريّة معرفة الله تعالى في النفس البشريّة.

عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: "سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ2, قال عليه السلام: الحنيفيّة من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. قال: فطرهم على المعرفة به.

قال زرارة: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾3.

قال عليه السلام: أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذرّ، فعرّفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحدٌ ربَّه.

وقال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه، كذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ4"5

فهذه الرواية التي جمعت في طيّاتها بعض الآيات، خير شاهد على كون معرفة الله
 

1- البرقي، المحاسن، ج1، ص293.
2- سورة الحج، الآية31.
3- سورة الأعراف، الآية 172.
4- سورة لقمان، الآية 25.
5- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص13.
 
 
 
224

182

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 تعالى مجبولة في داخل كلّ نفس بشريّة بأصل الخلقة والتكوين. وقد ثبت في مباحث الحكمة المتعالية، أنّ المعلول المجرّد كالنفس الإنسانيّة، له علم حضوريّ بعلّته على قدر سعته الوجوديّة، والله تعالى هو علّة جميع الموجودات.


ويقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ1. وقد أطلقت بعض الآيات على هذه الفطرة اسم: "صبغة الله"، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ2. فالصبغة تعبير قرآنيّ عن أنّ الإنسان مخلوق بلون خاصّ من الميول والمعارف الممزوجة في جوهر ذاته، وليس كائناً بلا لون وبلا صبغة، ومن أهمّ الميول الفطريّة التي تلوّنت وصُبغت بها نفس الطفل بأصل التكوين، هي المعرفة بالله تعالى وتوحيده3.

عن زرارة، قال: "سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال عليه السلام: فطرهم على معرفة أنّه ربّهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سُئلوا، من ربّهم، ولا من رازقهم"4.

وفي تفسير هذه الآية روايات عدّة تتضمّن المعنى ذاته، مثل: "فُطروا على التوحيد"، "فطر الله الخلق على معرفته"5...

ومنها: عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾6 قال عليه السلام: "كان ذلك معاينة لله، فأنساهم المعاينة، وأثبت الإقرار في صدورهم، ولولا ذلك ما عرف أحدٌ خالقه ولا رازقه، وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾7"8.
 
 

1- سورة الروم، الآية30.
2- سورة البقرة، الآية 138.
3- يراجع حول روايات صبغة الله: الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص14.
4- البرقي، المحاسن، ج1، ص241.
5- يراجع: المصدر نفسه.
6- سورة الأعراف، الآية 172.
7- سورة لقمان، الآية 25.
8- المصدر نفسه، ج1، ص281.
 
 
 
225

183

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 إلخ من الروايات التفسيريّة التي تفيد هذا المعنى من القرآن الكريم.


بل يظهر من بعض النصوص الدينيّة، أنّ الله تعالى قد زيّن الإيمان الدينيّ عامّة بشكل فطريّ في قلب الإنسان، منها: عن الحسن بن زياد قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾1, هل للعباد بما حبّب صنع؟ قال عليه السلام: لا، ولا كرامة"2.

وهذه المعرفة العيانيّة والفطريّة بالله تعالى، قابلة للتحرّك إما صعوداً باتجاه التفتّح والتكامل والتسامي، وإما هبوطاً، بأن تُطوى في صفحات الغفلة وتُدفن في غيابت جُبّ النسيان، وتؤدّي أنماط تربية الطفل وأساليبها دوراً مهمّاً في هذا المجال.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه..."3.

وعن حفيده الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه اللّذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه"4.

وبعبارة أخرى: إنّ الله تعالى جهّز وجدان الطفل بشكل فطريّ في الاهتداء والوصول إلى معرفة الله تعالى والإيمان به، لكنّ الفطرة بحدّ نفسها ليست عنصراً مستقلّاً وكافياً في ذلك. ولذا، يبقى الطفل في وصوله إلى معرفة الله يحتاج إلى معين خارجيّ، وهو هداية المربّي الذي يعمل على إنضاج تلك الفطرة كطاقة داخليّة في نفس الطفل، في ضوء ما تقضي به طبيعته وتستدعيه ذاته. وبناءً عليه، ينبغي للمربّي اعتماد منهج الفطرة التوحيديّة، باستثارة هذه المعرفة الكامنة في نفس الطفل عن الله تعالى.

إبعاد الطفل عن البيئة العقائديّة المنحرفة
قلنا إنّ تربية الطفل عقائديّاً تستلزم تعريفه بالعقيدة الحقّة من جهة، وتستلزم من
 

1- سورة الحجرات، الآية 7.
2- البرقي، المحاسن، ج1، ص199.
3- صحيح البخاريّ، ج2، ص97.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص49، ح1668.
 
 
 
 
226

184

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 جهة ثانية إبعاده عن أجواء الفساد العقائديّ، وتحصينه من أفكار البيئة المنحرفة.


عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة"1.

وعن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "علّموا صبيانكم (من علمنا) ما ينفعهم الله به، لا تغلب عليهم المرجئة"2.

قال الفيض الكاشانيّ تعليقاً على هذه الرواية: "يعني علّموهم في شرخ شبابهم، بل في أوائل إدراكهم وبلوغهم التمييز، من الحديث ما يهتدون به إلى معرفة الأئمّة عليهم والتشيع، قبل أن يغويهم المخالفون ويدخلوهم في ضلالتهم، فيتعسّر بعد ذلك صرفهم عن ذلك"3.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله، يصغّرون عظمة الله، ويدّعون الربوبيّة لعباد الله. والله إنّ الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا"4.

والرواية، وإن كانت واردة في الشباب، إلّا أنّ فهم عدم الخصوصيّة قريب جدّاً بالأولويّة القطعيّة، لأنّ نفس الطفل أسرع إلى الانفعال. كما أنّ الطفل سرعان ما يصبح شابّاً. وعلى كلّ حال، موضع الشاهد في الرواية، هو الحثّ على لزوم الحذر على الأبناء من البيئة المنحرفة عقائديّاً.

فعلى الوالدين أن يبعدا الطفل عن البيئة المنحرفة عقائديّاً، ويحسنا اختيار البيئة الصالحة للنموّ العقائديّ السليم للطفل، سواء البيئة السكنيّة أو المدرسيّة أم الكشفيّة أو الرياضيّة... إلخ.
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص47.
2- ابن شعبة الحراني، تحف العقول ، ص104.
3- الفيض الكاشاني، المولى محمد محسن، الوافي، عني بالتحقيق والتصحيح والتعليق عليه والمقابلة مع الأصل ضياء الدين الحسيني "العلامة" الأصفهاني، مكتبة الامام أمير المؤمنين علي عليه السلام العامة - أصفهان، 1406ه، ط1،ج23، ص1381.
4- الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص650.
 
 
 
227

185

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 وذكرنا في الجزء الأوّل1، أنّ هذا أحد وجوه ما نفهمه من أحاديث النبيّ، المتضمّنة أنّه من جملة حقوق الأولاد على آبائهم وضعهم موضعاً حسناً.


منها: عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: "جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللَّه، ما حقّ ابني هذا؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: تحسن اسمه وأدبه، وضعه موضعاً حسناً"2.

وينبغي أن يكون الأكثر حذراً في هذا المجال، العائلات والأسر المسلمة التي تعيش في محيط غير مسلم، وتحديداً التي تعيش في الغرب، حيث ينمو الطفل ويتربّى في مدارس غربيّة، فينشأ على مفاهيم وتصوّرات تحرفه عن عقيدته، وهذا يضع الأهل أمام مسؤوليّات إضافيّة في التحصين العقائديّ للطفل من جهة، ومحاولة إبعاده عن البيئة المنحرفة عقائديّاً مهما أمكن من جهة ثانية.

وفي حال عدم التمكّن من تحصين الأطفال عقائديّاً بسبب الوجود في الغرب أو البيئة المنحرفة، يفتح هذا التحدّي البيئويّ من عدم القدرة على القيام بالواجبات الدينيّة العقائديّة، باب ضرورة تطبيق مفهوم الهجرة أمام الأسرة المسلمة في الغرب، بالانتقال إلى بلد تستطيع فيه أداء مسؤوليّة تربية الطفل على الدين الحقّ.

يقول السيّد عليّ السيستانيّ حفظه الله: "يجب على المهاجر المسلم المتوطّن في البلاد غير الإسلاميّة، العودة إلى البلدان الإسلاميّة إذا علم أن بقاءه بها يؤدّي إلى نقصان دينه، أو دين أولاده الصغار"3.

والبحث حول هذه النقطة يحتاج إلى تفصيل خارج عن سياق الكتاب.
 

1- انظر: الجزء الأوّل، الدرس السابع عشر: تأثير البيئة البشريّة والطبيعيّة في هويّة الطفل.
2- الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص48.
3- فقه للمغتربين، ص55.
 
 
 
228

186

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 المفاهيم الرئيسة


- أهمّ حقوق الطفل على والديه تربيته على الدين الحقّ عقيدة وقيماً وشريعة، وقد ورد في الروايات أنّ الوالدين اللّذين يفعلان ذلك، يُكسيان من حلّة لا تقوم لها الدنيا بما فيها، فينظر إليهما الخلائق فيعظّمونهما.

- من حقّ الباحث التربويّ أن يسأل: هل يستوعب الجهاز الإدراكيّ للطفل المسائل العقائديّة حتّى نربّيه عليها؟ وفي أيّ مرحلة عمريّة يكون ذلك؟ وما هي طبيعة القضايا العقائديّة؟ والأسلوب الذي ينبغي اعتماده في تقديمها للطفل؟

- تنطوي التربية العقائديّة للطفل على بعدين: الأول موجِب: أي القيام بكلّ ما من شأنه إعداد نفسه وتهيئتها لقبول أصول العقائد الدينيّة الحقّة. والثاني سالب، أي إبعاد الطفل عن البيئة التي تشتمل على عقائد باطلة أو منحرفة.

- تؤدّي التربية العقائديّة السليمة دوراً حيويّاً في بناء هويّة الطفل، إذ تشبع حسّ المعرفة عن الأسئلة الكونيّة والحياتيّة التي لها صبغة ما ورائيّة، كالسؤال عن الخالق والموت، وتعزّز الصحّة النفسيّة، لأنّ الإيمان الدينيّ يعطي للحياة تفسيراً ذا هدف، ويدفع النزعة العدميّة.

- أهمّ منهجين في التربية العقائديّة: الأول يعتبر أن الإيمان بالله تعالى وتحصيل المعرفة به مسألة استدلاليّة فكريّة معمّقة، وهذه الطريقة بعيدة عن أذهان الأطفال. والثاني يعتبر أنّ الإيمان بالله جذبة داخليّة يشعر بها كلّ إنسان، ويُطلق عليها اسم الفطرة التوحيديّة. فعن النبيّ موسى بن عمران عليه السلام، قال: "يا ربّ، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال عزّ وجلّ: حبّ الأطفال، فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أمّتهم أدخلتهم برحمتي الجنّة". وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه".

- إنّ الله تعالى جهّز وجدان الطفل بشكل فطريّ في الاهتداء والوصول إلى معرفته تعالى والإيمان به، لكنّ الفطرة بحدّ نفسها ليست عنصراً مستقلّاً وكافياً في ذلك. ولذا، يبقى الطفل في وصوله إلى معرفة الله يحتاج إلى معين خارجيّ، وهو هداية المربّي الذي يعمل على إنضاج تلك الفطرة كطاقة داخليّة في نفس الطفل.

- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة". هذه الرواية وأشباهها تحثّ الآباء على ضرورة إبعاد الطفل عن البيئة المنحرفة عقائديّاً، ووجوب اختيار البيئة الحاضنة للنموّ العقائديّ السليم للطفل، سواء البيئة السكنيّة أو المدرسيّة أو الكشفيّة أو الرياضيّة... إلخ.

- ينبغي للعائلات المسلمة التي تعيش في محيط غير مسلم، وتحديداً في الغرب، العمل على التحصين العقائديّ للطفل، وفي حال عدم التمكّن من ذلك، يفتح هذا التحديّ البيئويّ، باب ضرورة تطبيق مبدأ الهجرة إلى بلد يمكن فيه أداء مسؤوليّة تربية الطفل على الدين الحقّ.
 
 
 
 
229

187

الدرس الرابع عشر: التربية العقائديّة (1) منهج الفطرة التوحيديّة

 أسئلة الدرس


- هل تعتبر أنّ التربية العقائديّة أهمّ من ساحات التربية المضافة الأخرى؟ لماذا؟ اذكر ثلاثة أسباب.
- ما هي التربية العقائديّة؟ وإلى كم قسماً تنقسم؟
- عدِّد بعض الآثار الإيجابيّة التي تتركها التربية العقائديّة على الصحّة النفسيّة للطفل؟
- اذكر ثلاث آيات يمكن الاستدلال بها على أنّ انجذاب الطفل نحو الله تعالى، أمر فطريّ مجبول في داخله؟
- إذا كان الإحساس بالله تعالى أمراً فطريّاً، فلماذا نربّي الطفل على معرفة الله؟
- ما هو الدور الذي تؤدّيه البيئة المنحرفة عقائديّاً في هويّة الطفل؟ اذكر نموذجين على ذلك من الروايات.
- ما هي مسؤوليّات الأسرة المسلمة في الغرب تجاه التربية العقائديّة للأطفال؟
 
 
 
 
230

188

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 الدرس الخامس عشر

التربية العقائديّة (2)  الأصول والميادين


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يذكر المسؤوليّات العقائديّة للأسرة المسلمة تجاه الطفل.
2- يحدِّد بداية المرحلة العمريّة للتربية العقائديّة للطفل.
3- يعرض أصول التربية العقائديّة وأساليبها.
4- يبيّن ميادين التربية العقائديّة.
 
 
 
 
 
233

189

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 تمهيد

تقدّم في الدرس السابق أنّه ينبغي اعتماد المنهج الفطريّ التوحيديّ في التربية العقائديّة للطفل، وتبقى مجموعة أسئلة لا بدّ من الإجابة عنها، مثل: من أيّ مرحلة عمريّة تبدأ هذه العمليّة؟ 

وكيف يستثير المربّي الفطرة التوحيديّة في نفس الطفل؟ وما هي الأصول والأساليب المعتمدة في التربية العقائديّة؟

الطفولة المبكرة 3 سنوات، بداية مرحلة التربية العقائديّة
يظهر من بعض الروايات أنّ الطفولة المبكرة، 3 سنوات، هي مبتدأ المرحلة العمريّة لاعتماد التربية العقائديّة للطفل.

روى عبد الله بن فضالة، عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام، قال: سمعته يقول: "إذا بلغ الغلام ثلاث سنين، يقال له: قل: لا إله إلا الله سبع مرّات. ثم يُترك حتّى يتمّ له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوماً، فيقال له: قل: محمّد رسول الله سبع مرّات. ويُترك حتّى يتمّ له أربع سنين، ثم يقال له: قل سبع مرات: صلّى الله على محمّد وآله..."1.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أفصح أولادكم، فعلّموهم لا إله إلا الله..."2.

وأفصح الطفل في منطقه إفصاحاً، إذا فَهِمْتَ ما يقول في أوّل ما يتكلّم3، وهو عادة ما يحصل في سنّ الثالثة.
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص281، ح863.
2- كنز العمّال، ج16، ص440.
3- ابن منظور، لسان العرب، ج2، ص544.
 
 
235

190

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 أصول التربية العقائديّة للطفل وأساليبها

يمكن طرح أصول وأساليب عدّة يستفيد المربّي منها في التربية العقائديّة للطفل:
1- أسلوب التلقين اللفظيّ:
عبارة عن تعويد الطفل أن يكرّر بعض الجمل العقائديّة على المستوى اللفظيّ، حتّى لو لم يدرك مضامينها ومدلولاتها، مثل تكرار قول: لا إله إلا الله، أو محمّد رسول الله أو عليّ وليّ الله...، حتى ترسخ هذه المقولة أو تلك في نفس الطفل ويحفظها عن ظهر قلب، فإنّ تلقين الطفل وتعويده تكرار قول لا إله إلا الله وحفظه، له دور مؤثّر في تفتّح الحسّ الإيمانيّ بالله تعالى.

وهذا الأسلوب واضح الاعتماد في رواية عبد الله بن فضالة السابقة.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "من ربّى صغيراً حتّى يقول: لا إله إلا الله، لم يحاسبه الله"1.

وفي هذا السياق، يأتي أسلوب تعويد الطفل المميّز وتدريبه على قراءة آيات القرآن والأحاديث والأدعية التي تشتمل على مضامين عقائديّة تربط الطفل بقوّة عظمى في هذا الكون وحفظها، كما في دعاء الجوشن الكبير المرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا مَن فِي السَّماءِ عَظَمَتُهُ، يا مَن فِي الأَرضِ آياتُهُ، يا مَن في كُلِّ شَيء دَلائِلُهُ، يا مَن فِي البِحارِ عَجائِبُهُ، يا مَن فِي الجِبالِ خَزائِنُهُ، يا مَن يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ، يا مَن إِلَيهِ يَرجِعُ الأَمرُ كُلُّهُ، يا مَن أَظهَرَ في كُلِّ شَيءٍ لُطفَهُ، يا مَن أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلقَه، يا مَن تَصَرَّفَ فِي الخَلائِقِ قُدرَتُهُ"2.

2- أسلوب تنمية الشعور بقانون السببيّة العامّ:
يهتدي الحيوان بغريزته التي أودعها الله تعالى فيه إلى وجود ارتباط بين الأشياء، فيهرب من النار لشعوره بأنّها محرقة، ويلتفت إلى الصوت إذا صدر من مكان ما، لشعوره بوجود ذي الصوت في ذلك المكان... إلخ، فميكانيكا ذهن الحيوان تعمل في ضوء قانون السببيّة، وإن لم يدرك ذلك بصورة واعية، وهكذا هو حال الطفل. وهذا دليل واضح على فطريّة الشعور بقانون
 

1- مجمع الزوائد، ج8، ص159. والطبرانيّ، المعجم الأوسط، ج5، ص130.
2- الشيخ إبراهيم الكفعمي، المصباح (جنة الأمان الواقية وجنة الايمان الباقية)، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1403ه - 1983م، ط3،ص254.
 
 
 
 
236

191

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 السببيّة العامّ، وإن لم يكن هذا الشعور ملتفَتاً إليه بنحو تفصيليّ واعٍ، وعلى المربّي أن يعمل على تنمية هذا الإحساس الغريزيّ في نفس الطفل، وتحويله شيئاً فشيئاً إلى شعور واعٍ بالعلم الحصوليّ.


ويحصل ذلك بتنشيط حسّ المعرفة والاكتشاف لدى الطفل، بأنّ وراء كلّ ظاهرة يكمن سبب ما، ترتبط تلك الظاهرة به، فالدخان أو الإحراق سببه النار، وصوت النباح سببه الكلب، وحركة أوراق الشجرة سببها الهواء، وأثر الأقدام يدلّ على عبور إنسان من المكان... إلخ، بحيث ينمّي لديه حسّ الربط بين الأشياء، وأنّ كلّ شيء له سبب هو المؤثّر في وجوده.

ثم يتدرّج في تنمية هذا الحسّ للطفل مع كلّ مرحلة عمريّة، وذلك بأن ينتقل معه من مجرّد عمليّة الربط بين الأشياء إلى عملية الربط بين خصوصيّات الأشياء وسببها، بمعنى أن يجعله يدرك بأنّ طبيعة الشيء وخصوصيّاته وصفاته ومميّزاته، تشير إلى طبيعة السبب والفاعل والمؤثّر في وجود ذلك الشيء. فإذا رأينا خطّاً سيّئاً نعرف أنّ الكاتب ليس محترفاً، وإذا رأينا رسماً عاديّاً نعرف أنّ الذي رسمه ليس فنّاناً ماهراً، وإذا رأينا مجموعة أحجار مصفوفة بطريقة عشوائيّة غير منظَّمة، نعرف أنّ طفلاً غير مميِّز قد رصفها... إلخ. وفي المقابل، إذا شاهدنا لوحة فنّيّة جميلة، نعرف أنّ الرسام ماهر ومحترف، وإذا نظرنا إلى شكل هندسيّ معماريّ منظّم نعرف أنّ الذي قام بهذا العمل مهندس بارع... إلخ، فيعرف حينها الطفل أن خصوصيّات الأثر تدلّ على خصوصيّات المؤثِّر.

وهكذا يمهّد الاعتقاد بقانون السببيّة العامّ، الطريق بشكل قويّ للإيمان بالله تعالى. وكنّا ذكرنا في درس تربية العقل، أنّ من جملة أهداف تنمية مهارات التفكير، ربط الطفل بالله تعالى، وذلك بتحقيق ملكة المقارنة والربط بين الأشياء بعلاقات خاصّة كالسببيّة، بنحو تؤدّي دوراً في تنمية الإحساس بالله تعالى والارتباط به.

والقصّة المشهورة للأعرابيّ الذي سُئِل عن الدليل على وجود الصانع، اعتمدت على
 
 
 
 
237

192

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 عنصر الإيمان القبليّ بقانون السببيّة العامّ، إذ قال: البعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج1، لا تدلّ على وجود اللطيف الخبير؟!


وهذا ما نلمسه في منهج أهل البيت عليهم السلام، فعندما سُئل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عن إثبات الصانع؟ أجاب: "البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فهيكل علويّ بهذه اللطافة، ومركز سفليّ بهذه الكثافة، كيف لا يدلّان على اللطيف الخبير؟!"2.

وفي هذا السياق، نلاحظ أنّ معظم أدلّة المتكلّمين على معرفة الله تعالى وصفاته، تعتمد على الإيمان القبليّ بقانون السببيّة العامّ، لأنّها براهين إنّيّة ينتقل فيها الذهن البشريّ من العلم بالمعلول وخصوصيّاته، إلى العلم بالعلّة وخصوصيّاتها.

أسلوب تنمية النزعة الحسّيّة التجريبيّة في التعرّف إلى الكائنات الطبيعيّة
تقدّم الحديث في بعض الدروس السابقة3، أنّ الإنسان بشكل عامّ كائن حسّيّ أكثر ممّا هو عقليّ، فكيف بالطفل؟ "وهذا يعني - على حدّ تعبير الشهيد الصدر - أنّ الحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقليّ المجرّد، ويحتلّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته، أكثر ممّا يحتلّ العقل"4. وتنمية النزعة الحسّيّة الاستقرائيّة عند الطفل، تعني تعريف الطفل بالكائنات والظواهر التي تحيط به في عالم الطبيعة، والعناصر التي تتكوّن منها، والنظم التي تحكمها وتربط بين عناصرها وأجزائها، بنحو هادف لا أعمى... ثم التدرّج معه بتنمية حسّ التفكر والتأمّل في عجائب المخلوقات ودقائق صنعها، على نحو ينتقل ذهنه رياضيّاً في ضوء حساب الاحتمالات ومنطق الاستقراء إلى النتيجة المطلوبة، وهو مقدِّمة لأسلوب قانون السببيّة العامّ.
 
 

1- فجاج: الطريق الواسع الواضح بين جبلين.
2- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج3، ص55.
3- درس التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ، ودرس تربية العقل وتنمية مهارات التفكير.
4- موجز في أصول الدين، ص224-225.
 
 
 
238

193

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 وقد اعتمد القرآن الكريم والنبيّ وأهل البيت هذا المنهج، أي الملاحظة الحسّيّة والمشاهدة، ومن ثم التأمّل والتدبّر والنظر في عجائب صنع الله تعالى، كالنمل والطاووس والإبل والرياح والسحاب واختلاف الليل والنهار والنجوم وإحياء النبات... للتعرف إلى الله تعالى وصفاته والارتباط به. ويعبّر عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له، حيث يقول: "كفى بإتقان الصنع لها (أي للأشياء والمخلوقات) آية"1.


ويمكن أن نصطلح عليه اسم منهج المعرفة الآياتيّة الآفاقيّة.
يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾2. وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾3، وسنعرض نموذجاً روائيّاً على ذلك، ومن أحبّ التفصيل فليراجع الكتب المفصّلة4.

عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "... أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَه وأَتْقَنَ تَرْكِيبَه وفَلَقَ لَه السَّمْعَ والْبَصَرَ وسَوَّى لَه الْعَظْمَ والْبَشَرَ، انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، ولَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، ولَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ،كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا، لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ولَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، ولَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ والْحَجَرِ الْجَامِسِ، ولَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وسُفْلِهَا، ومَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، ومَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، ولَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً، فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا، لَمْ يَشْرَكْه فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، ولَمْ يُعِنْه عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ، ولَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِه مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ
 

1- الشيخ الصدوق، التوحيد، ص71.
2- سورة فصّلت، الآية 53.
3- سورة الذاريات، الآيتان 20 21.
4- يراجع: الريشهري، موسوعة العقائد الإسلاميّة، ج3، ص117.
 
 
 
 
239

194

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ، ومَا الْجَلِيلُ واللَّطِيفُ والثَّقِيلُ والْخَفِيفُ والْقَوِيُّ والضَّعِيفُ فِي خَلْقِه إِلَّا سَوَاءٌ.


وكَذَلِكَ السَّمَاءُ والْهَوَاءُ والرِّيَاحُ والْمَاءُ، فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ والْقَمَرِ، والنَّبَاتِ والشَّجَرِ، والْمَاءِ والْحَجَرِ، واخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ والنَّهَارِ، وتَفَجُّرِ هَذِه الْبِحَارِ، وكَثْرَةِ هَذِه الْجِبَالِ، وطُولِ هَذِه الْقِلَالِ، وتَفَرُّقِ هَذِه اللُّغَاتِ والأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وجَحَدَ الْمُدَبِّرَ، زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، ولَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، ولَمْ يَلْجَأوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا، ولَا تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا، وهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ؟!..."1.

فتنمية الحسّ التجريبيّ لدى الطفل في تعريفه بدقائق الأشياء وعجائبها ونظمها وهندستها... يؤدّي إلى ربطه بوجود قوى عظمى في هذا الكون، ويعزّز في نفسه الإيمان بالله تعالى وقدرته وعلمه...، وليس كما يظنّ البعض من أنّ تعزيز هذا الاتجاه يؤدّي إلى تغذية نزعة الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى. وقد أتت محاولة السيّد محمّد باقر الصدر في كتابه "الأسس المنطقيّة للاستقراء"، لتؤكّد هذا المعنى، كما يظهر من العنوان الفرعيّ للكتاب: "دراسة جديدة للاستقراء، تستهدف اكتشاف الأساس المنطقيّ المشترك للعلوم الطبيعيّة والإيمان بالله"، أي على الارتباط بين تنشيط منهج الملاحظة الحسّيّة والاستقراء والتجربة، وبين ضرورة الإيمان بالله تعالى2، وقد استخدم في كتابه "المُرسِل الرسول الرسالة"، ما أسماه الدليل العلميّ القائم على منهج الاستقراء وحساب الاحتمالات، لما في الظواهر الطبيعيّة من عجائب الصنع ودقّة النظم، لإثبات وجود الله تعالى3.

أسلوب تنمية التأمّل في الذات
من ضمن أساليب تربية الطفل عقائديّاً توجيه اهتمامه إلى بدنه ثم نفسه، بالتأمّل فيهما والتدبّر في عجيب صنعهما، وهو ما أسّس له القرآن في الآيتين اللتين ذكرناهما سابقاً: (وفي أنفسهم)، (وفي أنفسكم)، ويمكن أن نصطلح عليه اسم منهج المعرفة الآياتيّة
 

1- نهج البلاغة، ص270-271، الخطبة: 185..
2- يراجع: الصدر، محمّد باقر، الأسس المنطقيّة للاستقراء، ص469-470.
3- يراجع: الصدر، محمّد باقر، المرسل الرسول الرسالة، ص20 وما بعد.
 
 
 
240

195

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 الأنفسيّة. ولذا، ركّزت الروايات في أنّ "من عرف نفسه عرف ربّه"1، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام.


فمعرفة الطفل ببدنه ونفسه وخصائصهما وعناصرهما وقواهما ودقّة صنعهما، تساهم في ارتباطه بربّه. بل من عرف ذاته، عرف ربّه بضدّ ما عرفها به. فمن عرف ذاته بالعجز والجهل والموت والفقر، عرف ربّه بالقدرة والعلم والحياة والغنى...2، وقد استخدم أهل البيت3 هذه المنهج في التعليم والتربية العقائديّة، وكذلك تلامذة مدرستهم.

عن هشام بن الحكم قال: "إِن سَأَلَ سائِلٌ فَقالَ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ قُلتَ: عَرَفتُ اللهَ – جَلَّ جَلالُهُ – بِنَفسي، لأَنَّها أَقرَبُ الأَشياءِ إِلَيَّ، وذلِكَ أنّي أَجِدُها أبعاضاً مُجتَمِعَةً وأَجزاءً مُؤتَلِفَةً، ظاهِرَةَ التَّركيبِ، مُتَبَيَّنَةَ الصَّنعَةِ، مَبْنِيَّةً عَلى ضُروب مِنَ التَّخطيطِ وَالتَّصويرِ، زائِدَةً مِن بَعدِ نُقصان، وناقِصَةً مِن بَعدِ زِيادَة، قَد أُنشِئَ لَها حَواسُّ مُختَلِفَةٌ وجَوارِحُ مُتَبايِنَةٌ ؛ مِن بَصَر وَسمع وشَامٍّ وذائِق ولامِس، مَجبولَةً عَلَى الضَّعفِ وَالنَّقصِ وَالمَهانَةِ، لا تُدرِكُ واحِدَةٌ مِنها مُدرَكَ صاحِبَتِها ولا تَقوى عَلى ذلك، عاجِزَةً عِندَ اجتِلابِ المَنافِعِ إِلَيها ودَفعِ المَضارِّ عَنها، وَاستَحالَ فِي العُقولِ وجودُ تَأليف لا مُؤَلِّفَ لَهُ، وثَباتُ صورَة لا مُصَوِّرَ لَها، فَعَلِمتُ أنَّ لَها خالِقاً خَلَقَها، ومُصَوِّراً صَوَّرَها، مُخالِفاً لَها عَلى جَميعِ جِهاتِها، قالَ اللهُ عزّ وجلّ: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾"4.

ونشير في نهاية الفقرة إلى وجود معنى عرفانيّ وفلسفيّ أعمق لمعرفة النفس، لا يتناسب مع الجهاز الإدراكيّ للطفل.

أسلوب التمرين على العبادات
من أساليب تربية الطفل على الارتباط بالله تعالى وتنمية حسّ الإيمان الدينيّ لديه،
 

1- عيون الحكم والمواعظ، ص430.
2- يراجع: محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيد علي عاشور، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، 1421ه - 2000م، ط1،ج3،ص18.
3- يراجع حوار الإمام الصادق مع ابن أبي العوجاء: الشيخ الكليني،الكافي، ج 1، ص55.
4- الشيخ الصدوق، التوحيد، ص289.
 
 
 
241

196

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 جعله في سنّ التمييز، 7 سنوات، وما بعدها، يقوم بالأفعال العباديّة، كالصلاة والصوم والصدقة وغيرها، وسيأتي البحث عن ذلك في درس التربية العباديّة للطفل.


يقول الشيخ محمد تقي فلسفي: "قد لا يفهم الطفل العبارات التي يؤدّيها في أثناء الصلاة، ولكنّه يفهم معنى التوجّه نحو الله، ومناجاته، والاستمداد منه، بكلّ جلاء، إنّه ينشأ مطمئنّ البال، مستنداً إلى رحمة الله الواسعة وقدرته العظيمة"1.

فالصلاة والصوم والدعاء وغيرها من ألوان العبادات، تجعل الطفل يعيش حالة الخضوع لقوّة عظمى في هذا الكون، ويرتبط بها، ويستمدّ منها القوّة والصلابة والشجاعة في الحياة.

التربية على حبّ النبي وأهل البيت عليهم السلام
تقدّم أنّه على وليّ الطفل تلقينه شهادة "محمد رسول الله" من عمر 4 سنوات، وعليه أن يتدرّج مع مدارك أفهامه بالتربية على الاعتقاد بنبوّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وحبّه وربط الطفل به، وكذلك الاعتقاد بإمامة أئمّة أهل البيت وحبّهم والارتباط العاطفيّ بهم، وحفظ أسماء الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام.

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن..."2.

وهذا صحابيّ النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، كان يدور في سكك الأنصار ومجالسهم، ويقول: "أدّبوا أولادكم على حبّ عليّ"3.

ومن أنفع أساليب هذا النوع من التربية العقائديّة للطفل، قراءة قصص سيرتهم عليهم السلام المناسبة للأطفال، كتحبيب النبيّ إلى قلب الطفل، بإبراز كيفيّة تعامله العطوف الرؤوف الرحيم مع ابنيه وحفيديه الحسن والحسين عليهما السلام... إلخ.
 
 

1- الطفل بين الوراثة والتربية، ج2، ص150.
2- السيوطي، الجامع الصغير، ج1، ص51.
3- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ص136.
 
 
 
242

197

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 التربية على المعاد وحياة ما بعد الموت

يكثر أن يسأل الطفل في المرحلة الثانية من طفولته، أي منذ سنّ السادسة وما فوق، عن الموت، وأين يكون الميّت؟ وهل سيعود؟ وكيف نراه؟

ومن المهمّ أن نقدّم للطفل فكرة الموت بنحو وجوديّ يرتبط باستمرار مسيرة الحياة، وأن نصوّر له الموت كغروب الشمس في نشأة، لتشرق هذه الشمس في نشأة أخرى فيها حياة أجمل، وأنّ الميّت حيّ يرانا ويسمعنا، وبإمكاننا أن نحدِّثه.

ويمكن الاستعانة على تقديم فكرة الحياة بعد الموت، باستخدام أسلوب التمثيل الحسّيّ والتشبيه القائم على تقديم صور من الحياة والموت في عالم الطبيعة، كما عرض القرآن الكريم صورة المعاد والبعث والحشر بأسلوب حسّيّ لتقريبها إلى أفهام الناس. فقد تحدّث الله تعالى في العديد من الآيات القرآنيّة عن كيفيّة نزول الماء من السماء، وإحياء الأرض ونباتها به بعد أن كانت ميتة، ويُعقّب ذلك بقوله: كذلك الخروج، أو: كذلك النشور... إلخ، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾1, وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ2. وغيرها من الآيات الكثيرة.

ومن المهمّ أيضاً تقديم يوم المعاد وعالم ما بعد الموت من خلال تصوير الدنيا على أنّها مدرسة يقدّم فيها الإنسان الامتحان، وأنّ عالم ما بعد الموت هو يوم حصاد نتائج الامتحانات، والمحاسبة للنجاح والرسوب والثواب والعقاب.

لا لاستعمال التخويف بعقاب الله في تربية الطفل3
وينبغي لفت نظر المربّي إلى ضرورة التمييز بين تربية الطفل على المعاد كواقع قائم بعد الموت، وهو أمر مطلوب، وبين تهديد الطفل بالعقاب الأخرويّ. فما أكثر ما تُستعمل
 
 

1- سورة ق، الآيات 9 – 11.
2- سورة فاطر، الآية 9.
3- يراجع: عقوبة الطفل في التربية الإسلاميّة، ص216.
 
 
 
 
243

198

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 عبارة: "إذا فعلت كذا الله يخنقك"، "الله سوف يحرقك بالنار"...إلخ من العبارات، وهو أسلوب يخيف الطفل من الله تعالى، ويجعله ينفر منه بدل الارتباط به، فضلاً عن كونه كذباً غير جائز بحقّ الطفل1، لأنّ مبدأ العقاب الأخرويّ غير متوجّه إليه، فيكون تهديد الطفل بذلك إخباراً عمّا هو مخالف للواقع، والغاية النبيلة لا تمنح الوسيلة غير المشروعةِ الحلّيّةَ والجواز.


عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "لا يصلح من الكذب جدٌّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له. إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار..."2.
 

1- صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، ج3، ص298، س920.
2- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص505.
 
 
 
244

199

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 المفاهيم الرئيسة


- تبدأ التربية العقائديّة للطفل من الطفولة المبكرة، 3 سنوات وصاعداً، كما يظهر ذلك من بعض الروايات، فعن الإمام الباقر عليه السلام: "إذا بلغ الغلام ثلاث سنين، يقال له: قل: لا إله إلا الله سبع مرّات...".

- من أساليب التربية العقائديّة هو أسلوب التلقين اللفظيّ، أي تعويد الطفل تكرار قول: لا إله إلا الله، أو محمّد رسول الله... إلخ، حتى ترسخ في نفسه ويحفظها عن ظهر قلب، فتؤثّر في تفتّح الحسّ الإيمانيّ بالله تعالى.

- من أساليب التربية العقائديّة، تنمية الشعور بقانون السببيّة العامّ، بأنّ وراء كلّ ظاهرة يكمن سبب خاصّ ترتبط تلك الظاهرة به. فالدخان مثلاً سببه النار، ثمّ الانتقال إلى عمليّة الربط بين خصوصيّات الأشياء وسببها، فإذا رأينا خطّاً سيّئاً نعرف أن الكاتب ليس محترفاً... وهكذا يمهّد الاعتقاد بقانون السببيّة الطريق للإيمان بالله تعالى.

- تؤدّي تنمية النزعة الحسّيّة عند الطفل بتعريفه إلى الكائنات والظواهر التي تحيط به في عالم الطبيعة، والعناصر التي تتكوّن منها، والنظم التي تحكمها، والدقّة التي تربط بعضها ببعض... دوراً مهماً في التعرّف إلى الله تعالى وصفاته والارتباط به، ويعبّر عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "كفى بإتقان الصنع لها آية"1.

- من ضمن أساليب تربية الطفل عقائديّاً، توجيه اهتمامه إلى ذاته، بالتأمّل فيها والتدبّر في عجيب صنعها. فعن الإمام عليّ عليه السلام: "من عرف نفسه عرف ربّه"2، فمعرفة الطفل بنفسه وخصائصها وعناصر ذاته ودقّة صنع خلقته، يساهم في ارتباطه بربّه.

- من أساليب تربية الطفل على الارتباط بالله تعالى وتنمية حسّ الإيمان الدينيّ لديه، هو جعله في سنّ التمييز، 7 سنوات، وما بعدها، يقوم بالأفعال العباديّة، كالصلاة والصوم والصدقة وغيرها، لأنها تجعل الطفل يعيش حالة الخضوع لقوّة عظمى في هذا الكون.

- ينبغي تربية الطفل على الإيمان بنبوّة النبيّ محمد وإمامة الأئمّة من بعده، والارتباط العاطفيّ والوجدانيّ بهم صلوات الله عليهم. عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن...".

- ينبغي أن نقدّم فكرة الموت للطفل بنحو يرتبط باستمرار مسيرة الحياة، وأن نصوّر له الموت كغروب الشمس في نشأة، لتشرق هذه الشمس في نشأة أخرى فيها حياة أجمل.
 
 

1- الشيخ الصدوق، التوحيد، ص71.
2- عيون الحكم والمواعظ، ص430.
 
 
 
 
245

200

الدرس الخامس عشر: التربية العقائديّة (2) الأصول والميادين

 أسئلة الدرس


- كيف تجيب عن إشكال أنّ اعتماد مرحلة الطفولة المبكرة، 3 سنوات، مبتدأ التربية العقائديّة للطفل، لا يتناسب مع إدراكه للقضايا العقائديّة؟
- هل حصل معك أن سألك الطفل عن الله تعالى؟ بماذا أجبته؟
- هل تعتقد أنّ لأسلوب التشبيه الحسّيّ دوراً مهمّاً في التربية العقائديّة للطفل؟ ولماذا؟
- هل ترى أنّ هناك رابطاً بين التربية العباديّة والتربية العقائديّة؟ ما هو؟ وكيف يمكن أن يؤدّي تمرين الطفل على العبادات إلى تنمية حسّ الارتباط بالله تعالى عنده؟
- إذا طرح الطفل سؤالاً عن طبيعة الموت وعن مكان الميت، بماذا تجيبه؟
- اذكر ثلاثة أساليب يمكن اعتمادها في ربط الطفل بنبوّة النبيّ محمّد والأئمّة صلوات الله عليهم.
 
 
 
 
 
246

201

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 الدرس السادس عشر

التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرِّف التربية الأخلاقيّة وعلم الأخلاق.
2- يبيّن أهمّيّة التربية الأخلاقيّة للطفل.
3- يعرض أدلّة بطلان المذهب الطبيعيّ في الأخلاق.
4- يعدّد أمّهات الفضائل والرذائل الأخلاقيّة وفروعها.
 
 
 
 
249

202

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 تمهيد

تحتلّ التربية الأخلاقيّة والصحّة الروحيّة1 مرتبة رئيسة في الرؤية التربويّة الدينيّة، لأنّ تزكية النفوس من أهمّ أهداف البعثة النبويّة. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾2.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"3. وفي بعضها "حسن الأخلاق"4. وفي أخرى: "صالح الأخلاق"5.

ونشير في البداية إلى أنّ التربية الأخلاقيّة ليست في عرض بعض أنواع التربيات المضافة الأخرى، كالتربية الاجتماعيّة والاقتصاديّة والجنسيّة...، بل هي متضمّنة في داخلها وسارية فيها، فكثير من القضايا المعياريّة التي توجِّه ساحات التربية المضافة الأخرى هي قضايا أخلاقيّة6.

أزمة أخلاقيّة عالميّة
وتتأكّد أهمّيّة تربية الطفل أخلاقيّاً في عصرنا، بسبب الأزمة الأخلاقيّة العالميّة، والحرب
 

 1- يراجع: النراقي، جامع السعادات، ص41.
2- سورة الجمعة، الآية 2.
3- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص8.
4- الإمام مالك، الموطأ، تصحيح وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1406 - 1985م، لا.ط،ج2، ص904.
5- مسند أحمد، ج2، ص381.
6- يراجع: الجزء الأوّل، الدرس الثالث، ص63.
 
 
 
 
251

203

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 الناعمة على القيم، إذ تحصد الولايات المتّحدة الأميركيّة الكمّ الأكبر من الميداليّات في حربها على القيم1. كما أُغفلت التربية الأخلاقيّة في المؤسّسات التعليميّة سنوات، بعد إقصاء الدين عن الحضور في عمليّات التربية والتعليم في الغرب. ومن شديد أسف أنّ مناهجنا منفعلة بما يدور في الغرب على مستوى المناهج التعليميّة، فكانت النتيجة الفصل بين التعليم والأخلاق، وهذا التهديد جعل الإمام الخامنئيّ دام ظله ينبّه إلى ضرورة أن يكون من أهمّ الأهداف الاستراتيجيّة للمؤسّسات التعليميّة، تعليم الأطفال الأخلاق. والمقصود بتعليم الأخلاق، ليس اعتمادها مادّة كباقي الموادّ وعرضها فقط، بل صيرورة التلميذ أخلاقيّاً من خلال مضمون المتون، وأساليب التدريس، وأنماط سلوك الأستاذ مع الطلّاب، وطبيعة الإجراءات الإداريّة2...


وبدأنا نشهد اليوم شبه صحوة حول أهمّيّة التربية الأخلاقيّة3. فمثلاً، يعتبر فيلبس كوبس في كتابه "الأزمة التربويّة العالميّة": "أنّ الاضطراب الثقافيّ الذي نجم عن الثورات العلميّة والتقنيّة الأخيرة، جعل من التربية الأخلاقيّة موضوع اهتمام ودراسة. ففي القرنالتاسع عشر كانت هذه التربية تشكّل قاعدة البرامج التعليميّة في بلاد أوروبا وأمريكا الشماليّة، ثمّ إنّ الطابع القرويّ كان لا يزال سائداً، كما أنّ الحركة العمرانيّة الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسريّة متينة، والاعتقادات والمؤثّرات الدينيّة قويّة... لكنّهابتداءً من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ 1930م، حصل تغيير جذريّ في المناخ الاقتصاديّ والسياسيّ والتربويّ، كان من نتائجه أن اعتبرت التربية الأخلاقيّة أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخيّة. وهكذا أُهملت هذه التربية من قِبَل المدرّسين والمشرفين على التعليم، وظلّت على هذا النهج حتّى نهاية السبعينيّات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافيّ المشار إليه آنفاً، محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعيّة التي أقلقت بال السياسيّين والمشرّعين والمشرفين على المدارس وأولياء الأمور"4.
 
 

1- انظر: التقرير السنويّ لمنظّمة العفو الدوليّة لعام 2004م.
2- يراجع: مركز الأبحاث والدراسات التربويّة، التربية والتعليم وفق رؤية الإمام الخامنئيّ، ترجمة ونشر مركز الأبحاث والدراسات التربويّة ودار البلاغة، بيروت، 2016م.
3- يراجع: عبد الرحمن، طه، سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقيّ للحداثة الغربيّة، المركز الثقافيّ العربيّ، 2000م.
4- نقلاً عن: سلّوم، طاهر عبد الكريم، وجمل، محمّد جهاد، التربية الأخلاقيّة القيم مناهجها وطرائق تدريسها، ص19.
 
 
 
 
252

204

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 التربية الأخلاقيّة المنزليّة

أمام هذا المشهد السلبيّ، تتأكّد المسؤوليّة الفرديّة للوالدين في زيادة جرعة التربية الأخلاقيّة المنزليّة، آملين أن تحظى الصحّة الروحيّة للطفل بالاهتمام ذاته الذي يعطيه الوالدان للصحّة الجسميّة للطفل، ونسجِّل عجبنا مع المحقّق النراقيّ قدر سره في قوله: "عجباً لأقوام يبالغون في إعادة الصحّة الجسمانيّة الفانية، ولا يجتهدون في تحصيل الصحّة الروحانيّة الباقية"1.

مفهوم علم الأخلاق
الأخلاق جمع خلق، والخلق اصطلاحاً: ملكة نفسانيّة راسخة، تقتضي صدور الفعل الاختياريّ (الحسن أو القبيح) عن الإنسان بسهولة ويسر وانسيابيّة، من دون احتياج إلى فكر ورويّة2.

وعلم الأخلاق هو العلم الباحث عن كيفيّة تصيير النفس الإنسانيّة قادرة بالإرادة الحرّة، على الوصول إلى الكمال الأخلاقيّ، بالتحلّي بالفضائل، والتخلّي عن الرذائل والقبائح3. ويعبّر علماء العرفان العمليّ عن علم الأخلاق بعلم الطريقة4.

وعلم الأخلاق بهذا المعنى هو أهمّ المصادر التي ترفد التربية الأخلاقيّة بالقيم الموجبة أو السالبة.

ما هي التربية الأخلاقيّة؟
عُرّفت التربية الأخلاقيّة بتعريفات متعدّدة، منها أنّ "التربية الأخلاقيّة هي العمليّة التي تُقنع الأفراد، من الصغار والكبار، بالالتزام بالسلوك الأخلاقيّ الذي يعطى دون
 

1- النراقي، جامع السعادات، ص41.
2- يراجع: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ص51. والغزالي، إحياء علوم الدين، ج8، ص96. والمحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج5، ص95. والنراقي، جامع السعادات، ص41.
3- يراجع: الطوسيّ، نصير الدين، أخلاق ناصري، ص102. السبحاني، الشيخ جعفر، رسالة في التحسين والتقبيح، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - قم، 1420، ط1،ص143.
4- الكاشاني، عبد الرزاق، اصطلاحات الصوفيّة، ص.
 
 
 
 
253

205

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 مقابل، أو على الأقلّ الالتزام بالأخذ والعطاء بحسب القوانين المعمول بها"1.


ويمكن لنا تعريفها بأنّها عمليّة بناء المحتوى الداخليّ للطفل، والحفاظ على صحّته الروحيّة، بالعمل على إنضاج ضميره الأخلاقيّ الفطريّ المجبول في ذاته بأصل الخلقة، وتعريفه إلى الفضائل وما يقابلها من الرذائل والأمراض الأخلاقيّة، وتدريبه على التحلّي بالأولى والتخلّي عن الثانية والوقاية منها وعلاجها، وتهيئة البيئة الحاضنة للنموّ الأخلاقيّ السليم، وإضعاف تأثير الظروف البيئيّة والعوامل الخارجيّة فيه، كي يصل الطفل إلى مرحلة يقتدر معها على مجاهدة نفسه بإرادته الحرّة بنحو مستقلّ.

الأخلاق بين الفطرة والكسب
تخرج نفس الطفل من رحم الأمّ بنحو تكون فيه بأصل الخلقة خالية من جميع الملكات الحميدة أو الرذيلة2، فلا يوجد ما يمكن تسميته بالأخلاق الفطريّة بمعنى الملكات، بل كلّ الأخلاق - بالمعنى المذكور في التعريف - اكتسابيّة3.

نعم، هناك أخلاق فطريّة، بمعنى أنّ الله تعالى خلق فطرة الطفل بكيفيّة خاصّة تكون معها أكثر استعداداً إلى عشق الكمال والحقّ والخير والجمال4، وأكثر نفوراً من النقص والشرّ والقبح والباطل. بل خلق في داخل النفس البشريّة حسّاً يُصطلح عليه في علم الأخلاق المعاصرة بـ "الضمير الأخلاقيّ"، يميّز به فطريّاً بين الحسن والقبيح، وهو ما أطلق عليه القرآن مصطلح "النفس الملهمة"، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾5, بنحو يستشعر فيه الطفل بالوجدان أنّ العدل أفضل من الظلم، وأنّ الصدق النافع أفضل من الكذب، وأنّ الأمانة أفضل من الخيانة، وأنّ الشجاعة أفضل من الجبن، وأنّ الكرم أفضل من البخل... إلخ. فهذه المسائل تقضي بها الفطرة الإنسانيّة
 
 

1- سلّوم، التربية الأخلاقيّة، ص35.
2- يراجع: الدرس:18، من الجزء الأوّل، ص290-291.
3- النراقي، جامع السعادات، ص37-39.
4- يراجع: الجزء الأوّل، الدرس السادس، ص110.
5- سورة الشمس، الآيتان 7-8.
 
 
 
 
254

206

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 السليمة، ولذا، نرى أنّ الجبان أو البخيل أو الكاذب يدرك بينه وبين ذاته - ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾1 - حسن الشجاعة أو الكرم أو الصدق، ويتمنّاها لنفسه، لذا يؤنّبه ضميره بين الحين والآخر على فعل الأولى وترك الثانية، ويمدح فاعل ما ينبغي فعله، ويذمّ فاعل ما ينبغي تركه2.


وتمثّل بعض العوامل عنصراً مساهماً في زيادة منسوب الاستعداد نحو الخير أو الشرّ، مثل: الوراثة، وطبيعة الوالدين وصفاتهما، وأفعالهما تجاه الطفل قبل الزواج وحين المعاشرة الزوجيّة وحين الحمل... إلخ، فمثلاً النطفة التي تنشأ في صلب الرجل من مال حلال وطعام طيّب، لها تأثير إيجابيّ، كما أنّ الغذاء الطاهر الذي يتغذّى به الجنين له تأثير إيجابيّ... إلخ من العوامل التي ذكرناها في دروس الجزء الأوّل.

التدريب والمواظبة على فعل ما لتحويل الأحوال إلى ملكات
إذاً، ميل الطفل واستعداد نفسه للسير نحو خُلق ما، لا يعني تحرّك الطفل تلقائيّاً باتّجاه هذا الخلق أو ذاك، فإنّ التربية تغلب المزاج. لذا، يمكن تبدّل مسار ذلك الاستعداد وتحويل طريقه. فجعل الطفل يتلبّس بأيّ حال أخلاقيّة إيجابيّة حتّى يصحّ أن يقال إنّه متحلٍّ بفضيلة، أو جعله يتجنّب أيّ حال سلبيّة بنحو يصحّ وصفه بأنه متخلٍّ عن رذيلة، يحتاج إلى تدريب الطفل على المواظبة على فعل ما، وتكراره بنحو مستمرّ3، حتّى يؤدّي ذلك التكرار إلى استقرار هيئته وثبات صفته في باطن نفس الطفل، فتتحوّل الحال نتيجة التراكم الكمّيّ والكيفيّ للفعل إلى ملكة، وتقطع حركتها الكيفيّة أو الجوهريّة من التطبّع لتكون طبيعة ثانية للطفل4.
 

1- سورة القيامة، الآيتان 14-15.
2- الشيخ محمد رضا المظفر، المنطق، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، لا.ط،ص345-346.
3- النراقي، جامع السعادات، ص37.
4- يراجع: الدرس السابع، من الجزء الأول، ص121.
 
 
 
 
255

 


207

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 فأيّ حال نفسيّة للطفل إيجابيّة أو سلبيّة، إنّما يصحّ وصفها بأنّها خلق فيما لو أصبحت صورة راسخة في محتواه الداخليّ، بنحو يصعب زوالها بشكل سريع، وهذا معنى "الملكة". أمّا إذا كانت الهيئة النفسيّة غير راسخة في نفس الطفل، بل حالة متزلزلة قابلة للزوال بنحو سريع، فلا تسمّى خلقاً، ويُصطلح عليه باسم "الحال".


فقضاء الفطرة بخلق ما لا يعني الإصغاء القهريّ للإنسان إلى صوتها، على نحو يَحُول هذا النداء الفطريّ بينه وبين شهواته وأهوائه، ولا يجعلها ملكات راسخة في النفس البشريّة بأصل الخلقة1.

بطلان نظريّة المذهب الطبيعيّ في الأخلاق
وبهذا يتبيّن بطلان نظريّة المذهب الطبيعيّ في الأخلاق، التي ترى أنّ الطفل يولد مزوَّداً ببعض الأخلاق التي يمتنع إزالتها عنه، مهما بالغ المربّي في تهذيب نفسه وتربيتها. وهذه النظريّة لها انعكاسات خطيرة على التربية الأخلاقيّة، إذ تصيب المربّي بالإحباط واليأس من تعديل أو تغيير السلوك غير المرغوب فيه الصادر عن الطفل، لأنّه سيقول حينها: إنّني مهما بذلت من جهد وأنفقت من طاقة في سبيل تغيير سلوك طفلي، فلن أستطيع، لأنّه مجبول عليه بأصل الفطرة.

وقد ناقش حكماؤنا هذه النظريّة ورفضوها، معتبرين أن التجربة النبويّة وتعاليم الدين من جهة، وتجربة التدريب الأخلاقيّ المؤدّي إلى تحوّلات عجيبة في نفوس البشر من جهة ثانية، تؤكّدان أنّ كلّ خلق قابل للإزالة والتغيير.

نعم، كون الخلق قابلاً للتغيير، متوقّف على تحقّق جملة شرائط وارتفاع موانع، منها طبيعة الأساليب المستخدمة في عمليّة التربية والتأديب2.

تنمية الرغبة بالأخلاق الحسنة
ومن العوامل الأساس، الرغبة الذاتيّة لهذا التحوّل، فمن الضروريّ أن يعمد المربّي إلى
 
 

1- الشيخ المظفر، المنطق، ص345-346.
2- النراقي، جامع السعادات، ص44.
 
 
 
 
256

208

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 زرع الرغبة الذاتيّة في نفس المتربّي للتحلّي بخلق أو التخلّي عن آخر. فالعوامل الخارجيّة هي عناصر مساعدة في التحوّل، ومساهمة في التغيير، أمّا نفس عمليّة بناء المحتوى الداخليّ، فتحتاج إلى إرادة المتربّي نفسه.


وإلى هذا المعنى يشير أرسطو طاليس بقوله: "يمكن صيرورة الأشرار أخياراً بالتأديب، إلّا أنّ هذا ليس كلّيّاً، فإنّه ربّما أثّر في بعضهم بالزوال، وفي بعضهم بالتقليل، وربّما لم يؤثّر أصلاً"1.

والخلاصة: لا يوجد خلق غير قابل للإزالة. نعم، هناك فرق بين الصعوبة والإمكانيّة، فقد يكون إزالة خلق ما أمراً صعباً، لكنّه ليس مهمّة مستحيلة، بل هو أمر ممكن من خلال المعالجات المقرّرة في علم الأخلاق2.

وجوب مبادرة الأهل للتربية الأخلاقيّة للطفل
وبناءً عليه، نؤكّد ما تقدّم في صدر الدرس، من ضرورة مبادرة الوالدين إلى التربية الأخلاقيّة للطفل، وتهذيب نفسه منذ صغره ونعومة أظفاره3، حتى لا يستقرّ خلق سلبيّ ما في باطنه، ثمّ عندما يريدان تغييره، يجدان صعوبة في ذلك، ويكون لهما الدور الأساس فيه.

يقول المحقّق النراقيّ قدس سره: "النفوس الإنسانيّة في أوائل الفطرة كصحائف خالية من النقوش والصور، تقبل كلّ خلق بسهولة، وإذا استحكمت فيها الأخلاق تعسّر قبولها لأضدادها، ولذلك سهل تعليم الأطفال وتأديبهم وتنقيش أنفسهم بكلّ صورة وصفة، ويتعسّر أو يتعذّر تعليم الرجال البالغين، وردّهم عن الصفات الحاصلة لهم لاستحكامها ورسوخها"4.
 
 

1- النراقي، جامع السعادات، ص43.
2- المصدر نفسه، ص40-41.
3- يراجع: الغزالي، إحياء علوم الدين، ج8، ص130. والمحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج5، ص124.
4- النراقي، جامع السعادات، ص40-41.
 
 
 
 
257

209

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

أمّهات الفضائل والرذائل الأخلاقيّة

يتبنّى الحكماء المسلمون كالفارابي ومسكويه وابن سينا والغزاليّ والطوسيّ والفيض الكاشانيّ والمحقّق النراقيّ والإمام الخمينيّ قدس سره، منهجاً يقوم على تقسيم قوى الإنسان إلى أربع، هي: العاقلة، الواهمة، الغضبيّة، والشهويّة1. "والميزان في قياس أجناس الفضائل والرذائل هو هذه القوى، وكلّ طرف من الإفراط والتفريط رذيلة، وحدّ الاعتدال في كلّ منها فضيلة من الفضائل النفسانيّة"2.

وبناءً عليه، تكون أمّهات الفضائل الأخلاقيّة ثلاثاً، (وأربعاً بإضافة العدالة3)، وأمهات الرذائل الأخلاقيّة ستّاً، (أو سبعاً بإضافة الجور).

التشبيه والهدف التفريط  الوسط الإفراط القوّة العدد
الحكيم (قوّة ملكيّة) وظيفتها الإدراك، ولذّتها في العلم والمعرفة. الجهل والبله والحمق الحكمة الجربزة العاقلة 1
الكلب (قوّة سبعيّة) وظيفتها دفع الألم والضرر، ولذّتها بالغلبة والانتقام والتشفّي... الجبن الشجاعة التهوّر الغضبيّة 2
الخمود أو الرهبنة الخنزير (قوّة بهيميّة) وظيفتها جذب اللذّة، ولذّتها في تحقيق الشهوات الحسّيّة، كالأكل والشرب والجماع... الخمود أو الرهبنة العفّة الشره أو الفجور الشهويّة 3
الشيطان (قوّة شيطانيّة) تؤدّي إلى الخداع والإيهام والإيقاع في اللوابس والشبهات.


الواهمة 4


 





 



1- العاقلة والشهويّة والغضبيّة مرّ شرحهما في الجزء الأوّل، أمّا الواهمة، ويُطلق عليها اسم القوّة الشيطانيّة، فهي القوّة التي من شأنها استنباط وجوه المكر والحيل، والتوصّل إلى المراد وتحقيق الأهداف بالتلبيس والخدع. وهي قوّة ليست لها فضيلة مستقلّة لتقع وسطاً بين الإفراط والتفريط، بل هي قوّة تساعد القوّتين الغضبيّة والشهويّة للحصول على مقتضياتهما عن طريق المكر والخداع، فهي أشبه بخادم القوّتين السابقتين، كما أنّها تلبس على القوّة العقليّة كي ينخرط الإنسان في مذهب السفسطة أو اللادريّة... إلخ.
2- جنود العقل والجهل، ص273-275. والنراقي، جامع السعادات، ص
46.3- اختلف علماء الأخلاق في تفسير العدالة، والأغلب أنّها عبارة عن اعتدال وتوازن القوى الأربع وتسالمها وارتفاع التخالف والتجاذب فيما بينها، على نحو تحصل لكلّ قوّة فضيلتها الخاصّة بها، تحت إشارة العقل والشرع الذي يحكم العقل بوجوب طاعته. وننبّه إلى أنّ هذه العدالة هي غير العدالة التي يكون طرفاها هما الظلم، بمعنى التصرّف في أبدان الناس وأموالهم بدون وجه حقّ، والانظلام، بمعنى تمكين الإنسان الظالم من ظلمه والانقياد له فيما يريده، من الجبر والتعدّي على سبيل المذلّة.

 

258


210

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 ونلاحظ ذكر هذا التقسيم المذكور لقوى النفس، والمتداول في كلمات حكماء اليونان والإسلام، في بعض الروايات الدينيّة.

عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، قال: "الفضائل أربعة: أوّلها الحكمة، وقوامها في الفكر. وثانيها العفّة، وقوامها في الشهوة. وثالثها القوّة، وقوامها في الغضب. ورابعها العدل، وقوامها في الاعتدال"1.

وعن حفيده الإمام محمّد الجواد عليه السلام، قال: "الفضائل أربعة أجناس: أوّلها الحكمة، وقوامها في الفكر. وثانيها العفة، وقوامها في الشهوة. وثالثها القوّة، وقوامها في الغضب. والرابع العدل، وقوامه في اعتدال قوى النفس"2.

جدول الرذائل الأخلاقيّة
نعرض أبرز الرذائل الأخلاقيّة التي ينبغي تعريف الطفل بها وتمرينه على التخلّي عنها:
- رذائل القوّة العاقلة: السفسطة، الشكّ، الجهل البسيط، الجهل المركّب، قصور الذهن، الخواطر الشيطانيّة...

- رذائل القوّة الغضبيّة: التهوّر، الجبن، فرط الخوف، صغر النفس3، دناءة الهمّة4، عدم الغيرة والحميّة5، العجلة6، عدم الوقار7، سوء الظنّ، الغضب8، العنف،
 

1- الكراجكي، الامام العلامة أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان، معدن الجواهر ورياضة الخواطر، ، السيد أحمد الحسيني، لا.م، لا.ن، 1394، ط2، ص40.
2- كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج3، ص138.
3- صغر النفس: ملكة العجز عن تحمّل الوارادات والمصائب. وضدّه: كبر النفس (وليس التكبّر)، أي ملكة تحمّل لما يرد على الإنسان كائناً ما كان.
4- دناءة الهمّة: هو القصور عن طلب معالي الأمور. وضدّه علوّ الهمّة، وهو السعي في تحصيل الأمور العالية الموجبة للسعادة والكمال.
5- أي الإهمال في حفظ ما يلزم حفظه من العرض والمال...
6- أي الإقدام على الأمور بأوّل خاطر من دون توقّف وتأمّل. وضدّه التأنّي.
7- الوقار: هو اطمئنان النفس وسكونها عند الحركات والأفعال في الابتداء.
8- الغضب: حركة الإنسان نحو الغلبة والانتقام، وضدّه العفو.
 
 
 
 
259

211

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 الحقد1، العداوة، الضرب، الفحش، الطعن، العجب2، التكبّر3، الافتخار4، البغي، العصبيّة5، كتمان الحقّ، القساوة...


- رذائل القوّة الشهويّة: الشره، الخمود، حبّ الدنيا، حبّ المال، وضدّهما الزهد، الحرص وضدّه القناعة، البخل وضدّه السخاء، الغدر والخيانة، وضدّهما الأمانة.
- رذائل تشمل القوّتين: (الشهويّة والغضبيّة) معاً: الحسد، وضدّه النصيحة، المداهنة، وضدّها السعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إفشاء السرّ، عقوق الوالدين، المراء والجدال، الغيبة، الرياء، الغرور، النفاق، الكذب، السخرية والاستهزاء، طول الأمل، السخط، الكراهة... إلخ.

لا إفراط ولا تفريط، بل أمر بين أمرين (الاعتدال والتوازن)
الهدف الأساس في التربية الأخلاقيّة هو إيجاد ملكة الاعتدال والتوازن في الملكات الفاضلة، وبين متطلّبات القوى المختلفة عند الطفل، من دون الذهاب ذات اليمين إلى طرف الإفراط، ولا ذات الشمال إلى طرف التفريط، بل أن يبقى على الطريق الوسط، كي يكون قادراً على قيادة قوى النفس تجاه الكمال الواقعيّ، والتحكّم بها والسيطرة عليها.

فكلُّ ما انحرف عن حدّه ينقلب إلى ضدّه، وهذا ما نلاحظه في بعض الروايات، فعن الإمام العسكريّ عليه السلام: "إنّ للسخاء مقداراً، فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقداراً، فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقداراً، فإن زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقداراً، فإن زاد عليه فهوتهوّر"6.

وفي رواية أخرى: "اعلم أنّ للحياء مقداراً، فإن زاد عليه فهو حصر..."7.
 

1- الحقد: العداوة الكامنة مع إرادة الشرّ وقصد زوال الخير عن المؤمن. وضدّه النصيحة، أي إرادة الخير والصلاح ودفع الشرّ والفساد عن المؤمن.
2- العجب: استعظام النفس ورؤيتها أكبر ممّا هي عليه واقعاً، بغضّ النظر عن مقايستها مع الغير.
3- التكبّر: وهو التعظيم الموجب لرؤية النفس فوق الغير، نتيجة المقايسة معه. وضدّه التواضع.
4- الافتخار: هو المباهاة بما يظنّه كمالاً.
5- العصبيّة: هي الحماية والدفاع عن النفس ومن ينتسب إليها بالخروج عن الحقّ.
6- العلامة المجلسي، بحار الانوار، ج66، ص407.
7- ابن حمدون، التذكرة الحمدونية، تحقيق: احسان عبّاس و بكر عبّاس، دار صادر للطباعة والنشر، 1996م، ط1،ص277.
 
 
 
260

212

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 المفاهيم الرئيسة


- تحتلّ التربية الأخلاقيّة مرتبة رئيسة في الرؤية التربويّة الدينيّة، لأنّ تزكية نفوس الناس وتهذيبها، وتتميم أخلاقهم وتحسينها وإصلاحها، من أهمّ أهداف البعثة النبويّة، ووظائف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

- تتأكّد أهمّيّة تربية الطفل أخلاقيّاً في عصرنا، وخصوصاً التربية الأخلاقيّة المنزليّة، بسبب الأزمة الأخلاقيّة العالميّة، والحرب الناعمة على القيم. ويزيد المشكلة تفاقماً، أنّ التربية الأخلاقيّة قد أُغفلت في المؤسّسات التعليميّة لسنوات، بعد إقصاء الدين عن الحضور في عمليّات التربية والتعليم.

- الخلق ملكة نفسانيّة راسخة تقتضي صدور الفعل بسهولة. وعلم الأخلاق يبحث عن كيفيّة تصيير النفس الإنسانيّة قادرة على الوصول إلى الكمال الأخلاقيّ، بالتحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل.

- التربية الأخلاقيّة هي عمليّة بناء المحتوى الداخليّ للطفل، وتفتّح ضميره الأخلاقيّ الفطريّ، وتعريفه بالفضائل وما يقابلها من الرذائل، وتدريبه على التحلّي بالأولى، والتخلّي عن الثانية والوقاية منها وعلاجها، وتهيئة البيئة الحاضنة للنموّ الأخلاقيّ السليم، وإضعاف تأثير الظروف البيئيّة والعوامل الخارجيّة عليه، كي يصل إلى مرحلة يقتدر معها على مجاهدة نفسه بإرادته الحرّة.

- تخرج نفس الطفل من رحم الأمّ بنحو تكون فيه خالية من جميع الملكات الحميدة أو الرذيلة. فلا يوجد ما يمكن تسميته بالأخلاق الفطريّة، بمعنى الملكات. وبهذا يتبيّن بطلان نظريّة المذهب الطبيعيّ في الأخلاق، بل كلّ الأخلاق - بالمعنى المذكور في التعريف - اكتسابيّة. نعم، هناك أخلاق فطريّة، بمعنى أنّ الله تعالى خلق فطرة الطفل بكيفيّة خاصّة تكون معها أكثر استعداداً إلى عشق الكمال، وأكثر نفوراً من النقص.

- لا يوجد خلق فطريّ عند الطفل أو مكتسب غير قابل للإزالة. نعم، هناك فرق بين الصعوبة والإمكانيّة، فقد تكون إزالة خلق ما أمراً صعباً، لكنّه ليس مهمّة مستحيلة، بل هو أمر ممكن من خلال المعالجات المقرّرة في علم الأخلاق.

- إنّ ميل الطفل للسير نحو خُلق ما، لا يعني تحرّك الطفل تلقائيّاً باتجاه هذا الخلق أو ذاك، فإنّ التربية تغلب المزاج. لذا، يمكن تبدّل مسار ذلك الاستعداد وتحويل طريقه، من خلال تدريب الطفل على المواظبة على فعل ما، وتكراره بنحو مستمرّ، حتّى يؤدّي إلى استقرار هيئته في باطن نفس الطفل.

- من العوامل الأساس في التربية الأخلاقيّة، تنمية الرغبة الذاتيّة في نفس المتربّي للتحلّي بخلق أو التخلّي عن آخر، فالعوامل الخارجيّة هي عناصر مساعدة في التحوّل، ومساهمة في التغيير، أمّا عمليّة بناء المحتوى الداخليّ نفسها، فتحتاج إلى إرادة المتربّي نفسه.

- يتبنّى الحكماء المسلمون منهجاً يقوم على تقسيم قوى الإنسان إلى أربعة أقسام، هي: العاقلة، الواهمة، الغضبيّة، والشهويّة، والميزان في قياس أجناس الفضائل والرذائل هو هذه القوى، وكلّ طرف من الإفراط والتفريط رذيلة، وحدّ الاعتدال في كلّ منها فضيلة من الفضائل النفسانيّة.
 
 
 
 
261

213

الدرس السادس عشر: التربية الأخلاقيّة (1) المباني والأصول

 أسئلة الدرس

 


- عرِّف المصطلحات التالية: الخلق، علم الأخلاق، التربية الأخلاقيّة، الضمير الأخلاقيّ.
- ما هي علاقة التربية الأخلاقيّة بساحات التربية المضافة الأخرى، كالتربية الجنسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة...؟
- ما هي أهمّيّة التربية الأخلاقيّة للطفل؟ ولماذا تتأكّد أهمّيّة التربية الأخلاقيّة المنزليّة في العصر الحاضر؟
- هل يخرج الطفل من رحم أمّه مزوّداً ببعض الملكات الأخلاقيّة، أم كلّ الأخلاق يكتسبها الطفل بالتربية والتعليم؟
- إذا كان ثمّة أخلاق فطريّة، فما هو المعنى المقصود بها؟ وهل الأخلاق الفطريّة تتفتّح بطريقة ذاتيّة أم يحول نداؤها بين الطفل والرذائل تلقائيّاً، أم يحتاج إلى التربية والتدريب؟
- ما هي نظريّة المذهب الطبيعيّ في الأخلاق؟ وما هو النقد الذي توجّهه إلى هذه النظريّة؟
- ما هو معيار تصنيف الفضائل والرذائل الأخلاقيّة؟ اعرض أمّهات الرذائل وفروعها.
 
 
 
 
262

214

الدرس السابع عشر: التربية الأخلاقيّة (2) الأصول والأساليب

 الدرس السابع عشر

التربية الأخلاقيّة (2) الأصول والأساليب


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح أصل تأثير الظاهر على الباطن.
2- يعرض أهمّ أساليب وتقنيّات التربية الأخلاقيّة.
3- يحدّد آليات إيصال الطفل إلى التهذيب الذاتيّ للنفس.
 
 
 
 
265

215

الدرس السابع عشر: التربية الأخلاقيّة (2) الأصول والأساليب

 الفعل الأخلاقيّ بين الظاهر والباطن

أهمّ مرتكز في التربية الأخلاقيّة للطفل، أن يكون الفعل الموصوف بأنّه أخلاقيّ، كذلك في الظاهر والباطن معاً، لا في الظاهر فقط، فمن الأزمات التربويّة التي تواجه البعض في عمليّة التربية الأخلاقيّة للطفل، أنّه يؤدّبه على سلوك ما جوارحيّاً، من دون أن ينطلق هذا الفعل الجوارحيّ من شحنة قلبيّة جوانحيّة، مع أنّ الفعل إنّما يكون أخلاقيّاً فيما لو كان منطلقاً من هيئة نفسانيّة راسخة تقتضي صدور ذلك الفعل، أمّا لو لم يصدر الفعل عن ملكة نفسيّة، فلا يُسمَّى خلقاً، كما لو صدر عن الطفل سلوك يظهر منه الاحترام للآخرين، كالقيام للأستاذ وتقبيل يده، مع كون الطفل يعيش حالة النفور والاشمئزاز من ذلك الشخص في داخله، فلا يسمّى هذا الفعل خلقاً، بل يكون نوعاً من الخداع.

ولكنّ هذا لا يعني أنّ التربية على هذا النوع من السلوك أمر غير مطلوب في بادئ الأمر، بل عمليّة بناء المحتوى الداخليّ للطفل ينبغي أن تبدأ من تهذيب الظاهر، لأنّ تعويد الطفل فعلاً ما ظاهراً، يؤدّي بالمواظبة والتكرار إلى تبدّله من حال إلى ملكة.

وينبغي للمربّي رصد مؤشّرات هذا التحوّل الباطنيّ في شخصيّة الطفل، ليحصّل الاطمئنان والوثوق بالتطابق بين الظاهر والباطن. وأحد مؤشّرات كون الفعل ملكة راسخة، هو استمراريّة صدوره في ظروف مختلفة وثباته، أمّا إذا كان السلوك يصدر في حالات نادرة وظروف طارئة، فهذا يشير إلى كونه مجرّد فعل جوارحيّ. ومن المؤشّرات أيضاً، سهولة صدور الفعل من دون رويّة وانسيابيّة، لأنّ الفعل الذي يصدر بصعوبة وتكلّف وتأفّف وضجر، لا يكون وليد الملكة الداخليّة، كمن يجهد ويشقّ على نفسه
 
 
 
 
267

216

الدرس السابع عشر: التربية الأخلاقيّة (2) الأصول والأساليب

 بالسكوت عند الغضب، فلا يقال عنه: إنّه حليم، بل الحليم من يملك نفسه عند الغضب بطريقة انسيابيّة.


أصل تأثير الظاهر في الباطن في التربية الأخلاقيّة
ويعتبر أصل تأثير الظاهر في الباطن من أهمّ أصول التربية الأخلاقيّة، والمقصود به أنّ عمليّة إيجاد التحوّل في السلوك الخارجيّ بشكل متكرّر، يؤدّي إلى إيجاد التحوّل في باطن الطفل ومحتواه الداخليّ1. ونضرب نموذجاً من الروايات التي تتحدّث عن التلازم التوليديّ العاديّ بين التحلّم (السلوك الظاهريّ) والحلم (التحوّل الباطنيّ)، عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "من تحلّم حلم"2. ويقول: "من لا يتحلّم لا يحلم"3.

وهذا يفيد أنّه ينبغي للمربّي تعويد المتربّي وتدريبه على تغيير سلوكه الخارجيّ، من خلال التشبّه بالمتحلّمين، حتّى يتحوّل هذا التطبّع إلى طبع أو طبيعة ثانية في الطفل.

أمّا لماذا يؤدّي التحلّم بالتلازم إلى الحلم في نفس الإنسان؟ فهذا ما يبيّنه الإمام عليّ في رواية أخرى، إذ يقول عليه السلام: "إن لم تكن حليماً فتحلَّم، فإنه قلَّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يكون منهم"4.

فالتشبّه بقوم ما ظاهريّاً وسلوكيّاً يؤدّي في النتيجة بفعل المواظبة والتكرار، إلى الدخول الحقيقيّ ضمن أولئك القوم. فالسلوك الخارجيّ للإنسان حتّى لو كان تصنّعياً في البدايات، يترك في داخل النفس تأثيراً متناسباً مع نوع السلوك في المحصّلة والنهايات، "لأنّ المجاز قنطرة الحقيقة، والتطبّع طريق الطبع"5.

ونلاحظ أنّ بعض الروايات قد أعطتنا بعض تقنيّات التظاهر بالحلم، كالجلوس عند الغضب، أو مسّ الرحم.
 

1- يراجع: باقري، فلسفة التربية والتعليم الإسلاميّة، ص234- 333.
2- مواعظ الحكم، ص423.
3- ميزان الحكمة، ج1، ص687.
4- نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، ح207. واللافت في هذه الرواية أنّه عليه السلام يذكر الأسلوب التربويّ (تحلَّم)، أمر بالتحلم، ويذكر الأصل الذي اشتقّ منه الأسلوب التربويّ.
5- جنود العقل والجهل، ص142.
 
 
 
268

217

الدرس السابع عشر: التربية الأخلاقيّة (2) الأصول والأساليب

 عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "أيّما رجل غضب على قوم وهو قائم، فليجلس من فوره ذلك، فإنّه سيذهب عنه رجز الشيطان. وأيّما رجل غضب على ذي رحم، فليدن منه فليمسّه، فإنّ الرحم إذا مسّت سكنت"1.


أساليب وتقنيّات مختلفة للتربية الأخلاقيّة
هناك أساليب وتقنيّات عديدة يمكن أن يستخدمها المربّي في عمليّة التربية الأخلاقيّة للطفل، منها:
- الرقابة الذكيّة الدائمة على سلوك الطفل، ومدى استقباله واستجابته للقيم الأخلاقيّة، لتشخيص الآفات الأخلاقيّة وتدوينها، من أجل مساعدته على الوقاية منها وعلاجها. ونشير إلى أنّ اكتشاف الملكات النفسيّة وإن كان أمراً معقّداً لاستبطانها، لكنّ عمليّة رصد تراكم الأمارات الحسّيّة حول محور واحد، يجعلنا نضع اليد على الملكة السالبة، وبالتالي العمل على تعديلها.
عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، قال: "ما أضمر أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه"2.

- التعليم بأسلوب الاختيار الحرّ والمقارنة، بتدريب الطفل على حسن اختيار قيمه، بأن يوضع الشيء وضدّه أمام الطفل، ثمّ نجعله يقرّر بنفسه3، كأن يقال له: أيّهما السلوك الجميل وأيّهما القبيح برأيك؟ لو فعلنا هذا السلوك أفضل أم ذاك؟ فإذا اختار على مقتضى فطرته السليمة السلوك الإيجابيّ فبها ونعمت، وإن اختار السلوك الآخر، فنعيد التوجيه بطريقة السؤال: هل ترضى أن يقوم شخص بهذا السلوك معك؟ بأن يكذب عليك؟ بأن يعتدي عليك؟... إلخ، فإن كان جوابه: لا، فقد
 

1- الشيخ الكليني،الكافي، ج2، ص302.
2- نهج البلاغة، ص472، حكمة: 26.
3- وقد كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام يستعملون هذا الأسلوب التربويّ. عن يونس قال: "سألت الخراسانيّ (الإمام الرضا) عليه السلام وقلت: إنّ العبّاسيّ (رجل من العباسيّين) ذكر أنّك ترخّص في الغناء! فقال عليه السلام: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء فقلت له: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر عليه السلام فسأله: عن الغناء، فقال: يا فلان، إذا ميّز الله بين الحقّ والباطل فأنّى يكون الغناء فقال: مع الباطل. فقال: قد حكمت"، الشيخ الكليني،الكافي، ج6، ص435.
 
 
 
269

218

الدرس السابع عشر: التربية الأخلاقيّة (2) الأصول وال