تلّة جاويدي وسرّ اشلو


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-07

النسخة: 2017


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 إشارة 
 
"..منذ عقد الثمانينات، أنا مشترٍ وقارئ لهذه الكتب، ولطالما تأثرت بجاذبية وخلوص هذه الكتابات والمقولات وصدقها. وهذا ما أقوله حقيقة، إن ذكرى الذين أوجدوا هذه المرويّات وأنتجوها لن تمحى من ذاكرتي، والأسماء التي قرأتُها خلف هذه الكتب، وكتبهم التي شاهدتها وقرأتها غالباً ما زالت في ذهني، وأنا أحترمها وأعرف قيمتها، وإذا ما قدّر لي أن أمدح هذه الأعمال فإني أمتدحها". ويكمل الإمام الخامنئي: "من ذا الّذي يمكنه أن يُظهر لنا هذه العظمة؟! وهي موجودة، لكن يجب أن يُظهرها لنا شخصٌ، فمن هو؟ هو أنتم1.. إذا عرفتم قدر أنفسكم، يمكنكم أن تكونوا حاملين لمثل تلك النورانية التّي تهزّ الإنسان. فمثل تلك الحقائق، واقعاً، تحدثُ تحوّلاً فينا، حصلت هذه الحقيقة (الحادثة) وفي لحظة ذهبت. بالتأكيد هي باقية في الملكوت، تقع الحادثة في عالم الناسوت والمادة وعالم الزمان والمكان في لحظة ثم تذهب وتختفي. من الذي بإمكانه أن يخلّدها؟ ويُظهّرها ويلقّنها قلب الإنسان وبصيرته، بعد أن تحدث وتغيب عنا!؟..إنه الفن!. للفن هذا الدور ويمكنه القيام بهذا العمل. لقد رأيت بأمّ العين حوادث، ربّما تعجز العين عن إدراكها، لكنّني عندما أعاود مشاهدتها، بعد أن حرّرتموها أنتم الفنّانون، فبيّنتموها إمّا في قالب المسرح، أو بلغة القصّة، أرى كم كانت حوادث عجيبة، وأبدأ بإدراكها من جديد.." ( 16/7/1991م)
 
 

1- مخاطبًا مسؤولي، كتّاب وفناني مكتب فن وأدب المقاومة، 25/4/1370 هـ. ش.(المصدر: روايتى از زندكى وزمانه آيه الله خامنئي، جعفر شير علي نيا، الفصل6).
 
 
 
 
11

1

المقدمة

 إن كان انتصار ثورة الإمام الخميني قدس سره قد ولّد مرحلةً جديدة من الوعي الإسلامي، وبنى أعظمَ مشروع نهضوي على مستوى الأمة، وأحيا قيمًا ووظائفَ مطويّة في بطون التاريخ الإسلامي وتراثه، فإن الحرب المفروضة قد فجّرت معها طاقات الثوار وأبرزت تجليات العظمة والتضحية في أرواحهم، فكانوا أبطالًا حقيقيين في ساحات القتال وميادين العشق، وكانت نتائج هذه الحرب أحد تجليات نهضة الإمام، رجال آمنوا بربّهم فزادهم هدًى، ومنهم القائد الشهيد مرتضى جاويدي"اشلو" الذي عشق الإمام عشق الفراشة للنّور فذاب فيه. 


هذا الكتاب..
رواية حقيقية دوّنها أكبر صحرائي في 600 صفحة، شارك في سرد قصصها الـ133 قرابة 40 راوياً، تحدثوا جميعًا بضمير المتكلم عن مواقف ومشاهد فريدة شكّلت صورةً رائعة لحياة هذا القائد الاستثنائي. من بين هؤلاء الرواة السيد مرتضى آويني ومحسن رضائي وصياد شيرازي، وجعفر أسدي(راوي كتاب الهداية الثالثة). كما تمّ الاعتماد في المسائل المتعلقة بحياته الأسرية على ما روته زوجته.

مرتضى جاويدي قائد كتيبة الفجر في لواء المهدي الذي شارك في أشد الهجمات التي قادتها القوات الإيرانية في الخطوط الأمامية من الجبهة خلال سنوات الحرب المفروضة، وكان حلّال المشاكل والعقد.. وقد ذاع صيته ما حدا بالكثيرين ممن كانوا يلتحقون بالجبهة من محافظة فارس للالتحاق بكتيبة الفجر حصرًا للقتال معه والانضمام إلى لوائه. 

تبدأ الرواية من قرية جليان التابعة لمدينة فسا في محافظة فارس، 
 
 
 
 
 
12

2

المقدمة

 محل ولادة مرتضى، بالتظاهرات الأولى التي عمت أرجاء إيران على مشارف انتصار الثورة الإسلامية عام 1978 وتتوالى الأحداث زمانيًا حتى تختتم بشهادته عن عمر ناهز الثامنة والعشرين في عمليات (كربلاء 5) أوائل العام 1987م.


يواجه القارئ مع مطالعته عنوان الرواية اسم "اشلو" الذي عُرف به الشهيد طوال سنوات الحرب، إلى درجة أن البعثيين كانوا يعرفونه بهذا اللقب ويذكرونه في نشراتهم الإخبارية حتى أعلنوا فيها كذبًا شهادته عدة مرات. ويكتشف ضمن طيات الفصول سر "اشلو" والمسؤولية التي تصدى لها هذا البطل في صناعة رفاق جهاده.. ويصوّر الكتاب بالإجمال مشاهد من عمليات (كربلاء4) و(كربلاء5) .. وبالخصوص ما جرى من بطولات لفتح تلة "برد زرد" في عمليات (والفجر2)، التلّة التي تبعد مسافة 30 كلم داخل الأراضي العراقية في ظل حصار شديد ييأس منه من لم يمتحن الله قلبه للإيمان. شارك في هذه العمليات حوالي 380 مجاهدًا من خلّص المجاهدين،.. بقي منهم 18 مجاهدًا فقط، 15 منهم كانوا جزءًا من رواة حكايات هذا الكتاب. 

وكان لنا شرف إعداد هذه الترجمة1، وقد ترجمنا سابقًا نظير هذا الكتاب في أسلوبه الأدبي (سلام على إبراهيم) غير أن الكتاب الحاضر يمتاز بالترابط والمتانة بحيث تتضافر عدة شخصيات لتروي حدثًا من زوايا عدة، فتعطينا مشهدية بأبعاد مختلفة. 
 
 

1- أضفنا بعض الهوامش التوضيحية في ما يتعلق بــبعض المصطلحات والأمثال والتعابير الفكاهية والقصص المشهورة في التقاليد الإيرانية، تسهيلًا على القارئ. وجعلنا بعض الهوامش في ملحقٍ مختصر..
 
 
 
13

3

المقدمة

 شكر وتقدير

يقدّم مركز المعارف للترجمة هذا الإصدار الجديد "تلة جاويدي وسر اشلو"، في سلسلة سادة القافلة ضمن مجموعة أدب الجبهة، ولا يسعنا إلا أن نشكر كل من ساهم في إعداده ليبصر النوربهذه الحلّة، الكاتب: أكبر صحرائي. فريق الترجمة: عزة فرحات وسمية يوسف. فريق التحرير والمراجعة في مركز المعارف. المدقق اللغوي: عدنان حمود. رضوان راغبي التي أفادتنا بملاحظاتها في تدقيق الترجمة. المخرج الفني: علي عليق. 

والشكر موصول لناشر النسخة الفارسية: (انتشارات ملك أعظم) والأستاذ سعيد عاكف، ولا ننسى دار المعارف الإسلامية الثقافية ناشر النسخة العربية.


مركز المعارف للترجمة
20شوال 1438هـ.
 
 
 
 
14

4

المقدمة

 مقدمة الكتاب

 

هو الله العلي الأعلى
لقد وفّر لي العمل في مجال التأليف والنشر لحوالي ربع قرن تجاربَ ومعارفَ بمقدار ما هي غالية ومكلفة هي أيضًا قيّمة ورفيعة القدر. وطوال هذه المدة لم أشارك في أي مباراة أو مهرجان، وكنت دائمًا يائسًا من اختيارات هذه المهرجانات. لقد استهدفت المحسوبيات على الدوام معايير سلامة وصحة أكثر هذه البرامج، والتي كانت قطعًا تنطلق في بداية الأمر بنية حسنة.

وقد عزمت منذ مدة أن أبادر في هذه الأجواء الصعبة وبمقدار الوسع والقدرة التي أملكها، إلى التعريف بأرفع آثار دائرة أدب الدفاع المقدس. وأكون بهذا الشكل قد بيّنت وجهة نظري وكذلك وفّرت للمتعطشين الحقيقيين لهذه الآثار شروط الاختيار، من أجل أن لا يبتلوا عند انتخابِ أثرٍ للمطالعة بالضياع والحيرة على أثر تجاذبات محسوبيات الآخرين وتحزّباتهم.

"تلة جاويدي وسر أشلو" هو اختياري الأول في هذا المجال. وأنا عازم بحول الله وقوته، وبعيدًا عن أي نوع من الحب والبغض، أن أقوم باختيار ونشر آثار من هذا النوع. أسأل الله أن يكون هذا الاختيار والنشر محل رضى الباري تعالى، وجوابًا لطلبات الأعزاء المتكرّرة الذين يشملونني دومًا بلطفهم ويطلبون مني أن أعرّفهم إلى آثار جيدة.

سعيد عاكف
 
 
 
 
15

5

شجرة النارنج

 شجرة النارنج1 - 10 كانون الأول 1977


- أخرجي صورتي من تحت التراب!
قفزتُ من نومي مضطربة في الصباح. رأيت في المنام سيدًا، أشار لي بإصبعه إلى باحة2 منزلنا.

- أخرجي صورتي من تحت التراب!
البارحة بعد الظهر وصل مرتضى حاملًا حقيبته الصغيرة. ألقى التحية وذهب إلى جوار التنّور في زاوية الباحة. أخرج أشياء من داخل الحقيبة ودفنها تحت إحدى البلاطات.
أسرعت مذعورة نحو مرتضى وأيقظته.

- ماما، مرتضى..
فتح عينيه.

- ما الذي حصل يا أمي!
- رأيت منامًا يا بني!
- خيرًا إن شاء الله!
- ما الذي أخفيته يوم أمس في باحة المنزل يا عزيزي؟
جلس متعجّبًا في الفراش.
 

1- شجر مثمر من الفصيلة البرتقالية، يسمى بالعامّية "أبو صفير". 
2- بالفارسية "حياط" وتعني الباحة أو الفناء، وهي ساحة صغيرة داخلية مسوّرة أمام المنزل (front yard) أو خلفه (backyard) وقد يكون من ضمنها حديقة، موجودة في أغلب البيوت في جمهورية إيران الإسلامية.
 
16

6

شجرة النارنج

 - هل حصل أمرٌ ما؟

- سيّد ممشوق كان في منامي يقول، أخرجي صورتي من تحت التراب.. ما القصة يا أماه؟
نهض من دون أن ينبس ببنت شفة وتوجه نحو باحة المنزل. سرتُ خلفه قلقة. مستعينًا بالمعول، نحّى التراب سريعًا في زاوية الباحة وأخرج مغلّفًا بلاستيكيًّا. أخرج من داخله صورة وتأمل فيها. أربكني شغف وجهه وحرارته. قبّل الصورة مرات عدة. شمّها ومسح بها عينيه ووجهه. انتابني الشكّ وقلت: "أماه، هل أصبحت عاشقًا!".

- أجل يا أماه، وأيّ عشق هو! 
ارتجف قلبي. رفعتُ حاجبيّ وقد امتقع لون وجهي من سرعة جريان الدم فيه. 

- أعدمني الله الحياة، دعني أرى.
أخذت الصورة بسرعة من يده. أصابتني رعدة حين حدّقت في الصورة! أشرتُ إليها مدهوشةً.

- الله أكبر.. هذا هو السيد الذي جاءني في المنام يا ولدي! من هو هذا يا روحي؟
تأبّطني وقال: "يا لعظمتك يا الله! أماه لقد رأيت الإمام الخميني في منامك!".

عندما جلستُ بجوار تنّور خبز الرقاق ذهب ووارى الصور في الحديقة أسفل شجرة النارنج!

مع تتابع الطرقات على الباب الخشبي، سبقني زوجي "مش رضا"1
 
 

1- مش رضا، بمعنى رضا المشهدي، ومعلوم أن كل من يزور مشهد الإمام الرضا عليه السلام يلقبه الإيرانيون بالمشهدي، واختصارًا ينادى باسمه مسبوقا بلفظ "مش".
 
 
 
 
17

7

شجرة النارنج

 في الوصول إلى باحة المنزل. 


- ها قد أتيت.. ما الخبر يا بني؟ لقد خلعتَ الباب من مفاصله!
- افتح وإلا سوف نكسره!
حدقت من نافذة الغرفة الحديدية في باحة المنزل. بالإضافة إلى الجلبة والصياح خلف باب المنزل ارتفع نباح كلب بيت الجيران أيضًا. انقبضتُ. جاء مرتضى مرتديًا السروال، والقميص مرخيًّا فوقه، ووقف بجانبي. قلت: "حبيبي إياك أن تخرج! قلبي مضطرب!".

- لا تقلقي يا أماه!
قال كلمته وصار في الباحة. دعوتُ وسرت في أثره. ما إن فتح مش رضا الباب، حتى دفعه رئيس المخفر ببنيته الضخمة عنوةً بحيث وقع زوجي وسقط على قفاه. اندفع مجندان أو ثلاثة ومعاون المخفر بأسلحتهم إلى باحة المنزل. وضع رئيس المخفر يدًا على خصره العريض ورفع إصبعه مهددًا بالأخرى بصوت جاف ووجه خشن.

- يجب أن تُحرقوا أنتم مع هذا المنزل.
تأتأ مش رضا وقد تملّكه الخوف قائلًا: م.. ما.. ما الذي حصل يا سيادة الرقيب؟
اكفهرّ وجهه المنتفخ الأغبر وحملق بعينيه الحمراوين من غليان الغضب في وجه زوجي الذي لوّحته الشمس. تقدم وأمسك بتلابيب مش رضا وقال: "ها.. هل تعلم ماذا تعني الخيانة لجلالة الشاه المعظم؟".
انعقد لسان مش رضا.

- لـ.. لا.. صـ.. صدّقني! 
- أين هو هذا الولد الخائن للوطن..
 
 
 
 
 
18

8

شجرة النارنج

 - استقويتَ على رجل عجوز!


عندما تقدم مرتضى أفلت الرقيب تلابيب زوجي واتجه نحو ابني. كانت عيناه تقدحان شررًا من شدة غيظه. أرجع يده إلى الوراء وصفع وجه ولدي صفعةً قوية، وقال بصوت ممزوج بالغضب:
- يا رعاعة1 صرتَ ثوريًا؟! ألا ترعوي؟ كل العقاب الذي أذقتُكَ إياه في المخفر كان بلا فائدة! سأرسلك إلى سابع أرض حيث لا يعلم بأمرك أحد2. ستعرف قيمتك في سجن عادل آباد في شيراز حيث يسحبون أظفارك واحدًا واحدًا وتعود إلى رشدك3!

اغرورقت عيناي بالدموع. صرخت قائلة: "ماذا تريد من ولدي أيها الحقير!".

توجّه نحوي. خزّر4 عينيه ازدراءً:
- أنعِم بهذا الابن الذي قمتِ بتربيته! المقصّر هو أنتم! لو كنتم صفعتموه على فمه لما كان ليقف الآن في وجه الرجل الأول لهذا البلد، الشاه المعظم والقائد الأعلى للجيش.

عاد نحو البقية. لدى سماعهم اسم الشاه صفّ الجنود والعريف أقدامهم وأدّوا التحية العسكرية. عاد ثانية نحو ولدي. 

- توزّع بيانات الخميني وصوره؟ أين هي البيانات؟ أتظن أني لا أعرف؟
 

1- رعاعة: جمعها رعاع، غوغاء الناس وسفلتهم.
2- جایی كه عرب نی انداخت، مثل شعبي يستخدم عند الغضب للتعبير عن إرسال الشخص إلى مصير مجهول لا عودة منه.
3- یه من ماست چقدر كره داره، مثل شعبي يستخدم للدلالة على التهديد والانتقام،ويرادفه في أمثالنا: بدي مسح فيك الارض.
4- خزّر عينيه: ضيّق جفنيهما.
 
 
 
 
19

9

شجرة النارنج

 أشار إلى معاون المخفر ونادى:

- عريف شاطري!
- نعم سيدي.

ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء، وأشار بحاجبين معقودين إلى نقطة من باحة المنزل. 

- جد تلك الصورة والبيانات! ولتكن الفضيحة أم جلاجل1!

أخذ العريف معه جنديًّا وتوجّها مباشرة نحو رمال أرض الباحة. كانوا مطلعين على كل شيء. وبدأوا يحفرون الباحة بدقة. كلما أكثروا حفرًا وتنقيبًا قلّ أملهم بإيجاد شيء. رفع العريف رأسه. مطّ شفتيه وقال: "سيدي، ليس هناك من شيء!".

لم يكن الرقيب ليصدّق. توجه بنفسه نحو العريف شاطري. وعندما رأى بأم عينه أنّ سهمه قد خاب، ذهب ناحية مرتضى وقال بصوت مرتجف: "أفلتَّ، ولكن كن بانتظاري!".

ثم ذهب ووقف بجوار شجرة النارنج. قطف حبة نارنج من الشجرة وتوعّد مش رضا.

- في النهاية ستسلّم ابنك للقتل!
 
 

1- تا سیاهی بمونه به دیك، مثل شعبي للدلالة على الفضيحة والعار.
 
 
 
 
20

10

البرواز المائل

 البرواز المائل - 1 شباط 1979


- سيادة الرقيب، الجندي أسدي فرّ البارحة!
استشطتُ غضبًا، وضعتُ إصبعي على فمي وقلت للعريف شاطري مغتاظًا: 
هس، ما الخبر! فرّ مع سلاحه؟

- نعم سيدي، مع بندقية G3!
- قضي علينا، إذا ما علم فوج "فسا"1 ! كيف تجرّأ أن يفرّ بسلاحه؟
- سيدي، كله من تحت رأس مرتضى جاويدي!
- ذاك الذي أرسلناه الأسبوع الفائت إلى فسا!

تقدّم العريف وقال: "يقول الجندي غلامي إنّه في آخر مرة سجنّاه، لم يتوقف، وعلى مسمع من الجندي أسدي، عن الحديث عن الثورة وفتوى الخميني بشأن الفرار من الثكنات والمراكز العسكرية!".

هززت رأسي وقلت: "وما الذي قاله أيضًا مما لم أُخبَر به؟".

قلّب العريف شاطري كفيه وقال مرتابًا: "سيدي، يعني سيعود الشاه المعظم إلى إيران..".

صحتُ: "أيها العريف، تكرّم الشاه المعظم وغادر البلاد لمدة قصيرة لأجل تهدئة الأوضاع. فإذا ما عادت المياه إلى مجاريها سيرجع، كما حدث مع مصدّق!".

خاف شاطري وتراجع.
 
 

1- فوج الدرك في مدينة "فسا" في محافظة فارس في إيران.
 
 
 
 
21

11

البرواز المائل

 - نعم سيدي، كما تتفضلون!

عضضت على شاربي وتباهيت مختالًا:
اعتقِلوا أباه كما فعلتم من قبل، هو سيدلّنا عليه. وهذه المرة أنا سأسحق عظامه!

- سيدي، لقد نسيتم أننا سلّمنا مرتضى للفوج. إنه حسب ما أعرفه، لا يخاف إلا الله فقط!

استشعرت السخرية في عمق نظرة العريف. وضعت يدي خلف ظهري وجُبتُ الغرفة مرات ذهابًا وإيابًا. توقفت وتأملت في برواز صورة الشاه المائل. كنت ساخطًا من كل شيء ومن كل أحد. صرخت:
- أيها العريف!
- نعم سيدي!
- سوِّ برواز صورة فخامته! واطلب أن يحضروا لي فطوري أيضًا.

لما غرب العريف عن وجهي، سرت خبط عشواء ووقفتُ خلف نافذة المخفر أتأمل الخارج. نظرت إلى نخلات القرية الثلاث الباسقات المعمرات فيما كان مطر الشتاء يغسل عنها آثار الغبار والتراب، وقد عبقت في أنفي رائحة المطر الرطبة. فكرت في مستقبلي وثورة الخميني التي امتدت فجأة في غضون أشهر على كامل أرض الوطن وبلغت قرية جليان. منذ وقت غير بعيد كان العباد والبلاد يخافون المخفر والدرك ويحسبون لهم الحساب. لكن الآن الكبير والصغير ينظر إليّ شزرًا. أصبح شغلهم الشاغل الإسلام والخميني والمسجد وشعار الموت للشاه! عدت من أفكاري وإذا بشاب ملتحٍ أمام باب المخفر يثرثر كلامًا تحت المطر مع حارس باب مدخل المخفر.

استشطت غضبًا وصرخت:
 
 
 
 
22

12

البرواز المائل

 - هاي أيها العريف!

وصل العريف بسرعة البرق.
- نعم سيدي!

أشرت إلى الشاب والحارس بإصبعي.
- أنا متأكد أنه يخادع الحارس! اذهب وانظر ماذا يقول هذا النذل! 

سرعان ما وقع نظري على شعار "الموت للشاه وعاش الخميني" على الجدار الآجري أمام المخفر. استشطتُ غضبًا. أغمضت جفنيّ بشدة.
- أيها العريف! انظر حراس الأمس في أي جحيم كانوا عندما كُتبت الشعارات مجددًا! 
- سيدي! يوجد من هذه الشعارات الكثير!

رجعتُ وحدّقت في وجه العريف النحيل وذقنه البارزة:
- مع من أنت يا شاطري؟
- البلد!

كان في جوابه هذا معان ودلالات! كنت قد سمعت أنّ ابن العريف الجامعي قد تم اعتقاله داخل شيراز. لم يكن لدي ثقة بأحد. كنت أرى نفسي وحيدًا في القرية وفي المخفر وفي المنزل. فكرت في كلام زوجتي البارحة: "يا رجل، عن أي شيء تدافع؟ الشاه نفسه قد فرّ، وغدًا يأتي السيد الخميني إلى إيران. والكل يتحدث عن الثورة والخميني، والجيش قد أعلن حياده. جِدْ حلًّا! أهل القرية يبصقون علينا ويلعنوننا..".

كنت أعلّق آمالي على كلام رئيس الوزراء "شاهبور بختيار" وتهديده: لا أسمح للخميني بالدخول إلى إيران، ومطار مهرآباد مغلق! ألقيت نظرة على الساعة. كانت تشير إلى التاسعة وعدة دقائق صباحًا.
 
 
 
 
23

13

البرواز المائل

 توجهت إلى التلفاز الأسود والأبيض ذي الـ 14 إنشًا، المتهالك في زاوية المخفر وشغّلته. كانت مراسم استقبال الخميني تُبثّ مباشرةً. بدت صالة المطار مزدحمة فيما كان البعض يُنشد "خميني أيها الإمام". جلستُ خلف الطاولة منهكًا وخائبًا. قبضت على شعري بيدي، ورحت أفكر بابن مش رضا ــ مرتضى جاويدي. كلما كنت أُكثر من ضربه داخل المخفر كان يزداد دفاعًا عن الخميني والثورة. لقد زلزلت مقاومته وإصراره أسس دعمي للشاه. فكرت في المستقبل وأسرتي التي قد تتعرض للخطر مع سقوط النظام.


- سيدي، الفطور!
كان الجندي نادري، وضع صينية الزبدة والمربى والشاي على الطاولة بعد أن أدى التحية العسكرية بهدوء. تأملت في وجهه. لاحت لي الثورة في عينيه أيضًا. قلت: "أنت لماذا لا تهرب؟".

سألني مبهوتًا: "ماذا قلتم سيدي!".

- لا شيء.. اذهب!
 
 
 
 
24

14

الرقيب

 الرقيب - 10 شباط 1979


- جيلا..جيلا.. جيلا
الساعة العاشرة صباحًا، في جوّ الشتاء الغائم، وصلتُ خبط عشواء إلى داخل باحة المنزل، مناديًا زوجتي بنفس واحد وبنحو متلاحق. خرجت جيلا من الغرفة مذعورة.

- مـ.. ما الخبر برويز!
وضعتُ يديّ على ركبتيّ وأخذت نفسًا عميقًا.

- أسرعي أنت والأولاد واركبوا سيارة الجيب! الأوضاع متدهورة.
قالت جيلا مشوّشة: "لم أجمع الأمتعة بعد!".

- دعي الأمتعة. لقد سقطت البلاد! الآن ينقضّ الرعاع وعندها سيقطّعوننا إربًا إربًا!
قالت جيلا مذعورة: "يا الله! رحمتك!".

زاغت عينا جيلا وهي تتلفّت حولها. نهرتُها زاجرًا دورانها حول نفسها وقد اختفى اللون من وجهها.

- لقد حاصروا المخفر. استطعت الفرار بشقّ الأنفس، هيا أسرعي يا امرأة! لقد هلكنا!

دخلت جيلا إلى الغرفة وأمسكت بيد "منيجة" ابنتي ذات الأربع سنوات و"هرمز" ولدي ابن السبع سنوات وخرجت. قلت: "أسرعوا، السيارة في الخارج!".

طبقات الشحم والدهن حول بطني وصدري من جهة، والخوف
 
 
 
 
 
 
25

15

الرقيب

 والاضطراب من جهة أخرى كانا يعيقان حركتي. بصعوبة ونفس منقطع أركبتُ زوجتي وطفليّ سيارة المخفر. بظنّي كان صوت نفسي واصلًا إلى المخفر! قالت جيلا: "أما كان لك أن تحضر معك عدة جنود على الأقل!".


بابتسامة صفراء ولهاث مضنٍ قلت: "أنائمةٌ أنت.. لم يبق من الخمسة عشر جنديًا غير ثلاثة، ولا ريب أن هؤلاء قد استسلموا الآن!".

- أين العريف إذًا؟
- ذلك الجبان، لم يكن الرعاع قد وصلوا بعد حين لاذ بالفرار!
فيما كانت شفتاها ترتجفان، غطّت جيلا شعرها بوشاح برتقالي وكحلي، وسألت: "ماذا نفعل الآن يا برويز؟ إنني خائفة. علينا أن نعبر من وسط القرية! وإلّا وقعنا في البلاء..".

- لا أعلم. ما لم يشملنا الله برحمته..
أخرجت سلاحي الشخصي من غطائه الجلدي ورفعته عاليًا.

- سوف أردعهم بهذا!
- برويز، وماذا عن أمتعتنا؟
- الآن يجب أن ننجو بأنفسنا!
وقع نظري على ابنتي منيجة التي كانت قد التصقت بحضن أمها خوفًا. أعدت السلاح إلى غمده الجلدي على وسطي. وأدرت محرك السيارة. كان صوت دعاء جيلا ومناجاتها ونذرها متواصلًا: "يا فاطمة الزهراء.. لقد أخطأنا يا إلهي.. نذرًا عليّ خمسون تومانًا للولي شاه تْشِراغ1.. ولداي..".

أدرتُ محرك السيارة وانطلقت نحو ساحة القرية. أثناء الطريق
 

1- لقب يطلقه أهل شيراز على السيد أحمد ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المدفون في شيراز وله ضريح ومزار مهم فيها.
 
 
 
 
26

16

الرقيب

 ألقيتُ نظرة على بستان البرتقال والرمان الكبير الممتد، سوف يذهب أدراج الرياح. فجأة قالت جيلا: "برويز، إلى أين نذهب بدون أمتعتنا؟".

- علينا الوصول كيفما كان إلى فوج فسا. ومن هناك نذهب إلى مدينتنا!

تجاوزنا نصف الأزقة والبيوت الطينية لجليان من دون خطر ولم نصادف أحدًا من الناس. استبشرت وقلت: "لقد احتشدوا صغيرهم وكبيرهم حول المخفر!".

وما إن اقتربنا من الساحة، حتى انصبّ أهالي القرية، فجأةً، كالجراد المنتشر يحملون العصي والهراوات وقطعوا الطريق على السيارة. دستُ على الفرامل. وأنشأتْ جيلا تقول بتتابع: بـ.. برويز.. لا تتوقّف.. تـ.. تحرّك..

التفتّ إلى الخلف لأرجع بالسيارة، ولكن الجموع قطعت طريق العودة أيضًا وبتّ محاصرًا. كان الشباب والشيوخ يرفعون قبضاتهم المحكمة ويردّدون شعار: الموت للشاه!

وكأنني كنت أنا الشاه! وكانوا يريدون أخذ ثارهم مني. جمدتْ قطرات العرق البارد على وجهي. بلعت ريقي. كنت أسمع دقات قلبي. أصيب زجاج الجيب الأمامي بحجر.
- أيها الجبان، ترجّل من السيارة..

باضطراب وتردّد وضعت يدي على مسدسي. أخرجته من غمده وفتحت باب السيارة. لم يتوقف صوت بكاء منيجة الخافت ورنين جيلا الضعيف في أذني.
- لا يا برويز.. لا تنزل.. سوف يقتلونك!
 
 
 
 
27

17

الرقيب

 ترجّلت من السيارة خائفًا، للحظة مرّ أمامي ظلمي وجوري على الناس. تراءى أمام ناظريّ العنف والابتزاز والرشى المالية والعينية طوال سنوات خدمتي في الدرك والمخفر. لم يكن كبريائي وافتخاري قد انهار بعد، وكنت أرى نفسي مختلفًا عن أهل القرية. صوّبت مسدسي نحوهم وقلت مهدّدًا: تنحّوا جانبًا.. سوف أرديكم جميعًا، تغلقون الطريق على موظف الحكومة! أتعلمون في وجه من تقفون؟


هتف شاب من بين الأهالي: "ها هو الذي أمعن في ظلم الناس.. لقد انتهى عهدك يا حضرة الرقيب. تشهّد على روحك!".

أغاروا عليّ مغضَبين. كان افتراقهم عما كانوا عليه قبل عدة شهور كافتراق الأرض عن السماء. رفعت المسدس نحو الأعلى.

- كل من يقترب، فقد أباح دمه..
لم يخافوا واستمروا بالتقدم. خاتلتهم1: "لقد اتصلت لاسلكيًّا بفوج فسا. الآن ستأتي كتيبة عسكرية إلى هنا!".

- يا حضرة الرقيب، لقد حان أجلك!
أطلقتُ رصاصة في الهواء. أصابني حجر في رجلي وآخر في خاصرتي. اجتاحني الألم. شاهدت مجموعة تحمل بنادق يدوية2. ترجّلت زوجتي من السيارة وتوسلت: "بالله عليكم دعونا وشأننا!".

- لا شأن لنا بكم يا أختي!
- إذًا دعونا نذهب!
عندما اطمأننت أنهم لن يتعرضوا بالحدّ الأدنى لزوجتي وولديّ، ولأول مرة في حياتي، وجدت أنني أتجاوز نفسي اضطرارًا. خنقتني
 
 

1- خدعتهم مراوغًا.
2- بنادق قديمة يتم تلقيمها عند كل طلقة.
 
 
 
 
 
28

18

الرقيب

 الغصة. تقدم شاب يحمل عصا.


- أيها الخائن، يجب أن أقتلك كالكلب ها هنا!
وما إن رفع عصاه حتى أغمضتُ عينيّ.

- يا هذا ما الذي تفعله..
- دعني.. هذا الجبان هو نفسه الذي عذّبك مرارًا وتكرارًا.. وأهان مش رضا في المخفر..
بعث فيّ الصوت قوة. بقلق وارتياب فتحت جفوني. كان مرتضى جاويدي ابن مش رضا بقامته المتوسطة وقدّه النحيف ولحيته التي نبتت حديثًا على ذقنه. كان قد أمسك بيد الشاب حامل العصا ورفعها عاليًا. قرّع الشاب:
ثورتنا هي لأجل أمن الناس وراحتهم، وليست للتخويف والإرهاب!

- أمن الناس! وليس هذا الظالم..
جاء لدعم مرتضى جاويدي صديقُه المقرّب ومعلمُ قرية جليان، داراب عليزاده:
- كلام السيد مرتضى هو كلام الإمام الخميني!

لدى سماع اسم "الخميني" ارتفعت أصوات الجميع بالصلوات ثلاثًا، واستحالت الصلوات ماءً باردًا أطفأ نار غضب الأهالي. أنزل الشاب عصاه. قلت في نفسي: "على الأقل لن يُردوني قتيلًا.. لا بد أنهم سيسجنونني و..".

نظرتُ إلى جيلا والطفلين، كانوا يرتجفون كورق الصفصاف! توجه مرتضى نحو زوجتي قائلًا: "أختاه، اركبي إلى جانب طفليك في المقعد الخلفي للسيارة!".
 
 
 
 
 
29

 


19

الرقيب

 عندما ركبتْ جيلا السيارة من الخلف تقدم ابن مش رضا وانتزع مسدسي من يدي وقال: "هلمّ إلى داخل السيارة!". ثم أردف بصوت عال: "اجلس خلف المقود، أعلم كيف أسقيك من الكأس نفسه1". 


ما إن جلستُ خلف المقود جاء وجلس بجانبي. قلت في نفسي: "لا يكوننّ بلاءً أسوأ سينزله على رأسي.. أي مصيبة هذه التي وقعتُ فيها"..

أحاطت الجموع المذهولة بالسيارة.

- إلى أين تذهب بالخائن.. يجب أن نسلّمه!
قال مرتضى: "أعرف ماذا أفعل به. تحركوا نحو المسجد!".

تدريجيًّا، تفرّق الجمع وظلّت أعين البعض تراقبني. قرّعني مرتضى جاويدي: "أدِرِ المحرك يا رقيب!".
على أثر الصدمة، أدرت مفتاح التشغيل بالعكس وعلا صوت صرير مزعج. حرّكت ناقل السرعة وقدت السيارة باتجاه الشارع المعبّد فيما كانت عيناي تراقبان السلاح في يد ابن مش رضا وتزدحم في رأسي الأفكار السلبية بأنه لن يدعني، يريد أن يعدمنا جميعًا.. بعد كل تلك المصائب التي جلبتها عليه.. ليتني بقيت في القرية وأسرني الأهالي.. ما الذي يريد إنزاله بنا.. ليتني توسلت إليه..

سألتْ جيلا: "إلى أين تأخذنا أيها السيد؟".
التفت مرتضى إلي وقال: "إلى أين كنت تنوي الذهاب؟".
تقمّصت حال الثكلى وقلت متلعثمًا: "فـ.. فسا!".

دخلت في الشارع المعبّد. كانت السحب مكفهرة وعلى وشك أن تمطر. وصلت إلى ضريح ابن الإمام "السيد شمس الدين"2.
 

1- أعرف كيف أجعلك تدفع ثمن فعالك!
2- امام زاده سید شمس الدین: سيد جليل القدر عظيم المنزلة، يرجع في نسبه إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
 
 
 
 
30

20

الرقيب

 - دس على الفرامل ها هنا!


انهدم حيلي. دست على الفرامل. ترجّل. دار بهدوء حول السيارة ولما وصل إلى جانبي وضع يده على كتفي اليسار. حين نظرت إليه باستعطاف شاهدت بريقًا خاصًا في عينيه الشفافتين.

أشار لي إلى المسدس.
- هذه أمانة تبقى في عهدتنا حتى يتّضح الأمر بشأنك.

نظر إلي مرة أخرى. بدأ المطر يتساقط. وعبقت رائحة التراب الرطب. استقام ثم أدنى رأسه وقال: "أوصل زوجتك وولديك إلى مكان آمن يا رقيب!".
بعينين متسعتين استوضحت: "يعني أذهب؟".
- هل لديك شك؟

لم أتريّث. نجوت بنفسي وضغطت على دواسة الوقود إلى الحد الأقصى. حين ابتعدتُ نظرتُ في المرآة الأمامية إلى الخلف، كان ابن مش رضا على الشارع يمشي باتجاه ضريح السيد شمس الدين.

بعد أن زال الروع عني أخذت نفسًا عميقًا وركنت السيارة بجانب مقبرة قرية "كبك آباد"، ورحتُ أتأمل في حبيبات الثلج المتراقصة وقطرات المطر الكبيرة التي كانت تتساقط على زجاج السيارة الأمامي. سألتْ جيلا: "لماذا توقفت يا برويز؟".

ألقيت نظرة على مقبرة القرية، وارتسمت ابتسامة مريرة على شفتي:
- كنت على وشك أن أصير في حفرة القبر!
- أطال الله في عمر ذلك الشاب! كان ملاك الرحمة!
 
 
 
 
 
31

21

الرقيب

 عدت بنظري إلى مجسّم أسد حجري قديم وسط المقبرة. اغرورقت عيناي بالدموع وبعد سنوات طويلة من جفاف الدمع، أجهشت بالبكاء:

- جيلا، لقد أسأتُ إلى ذلك الشاب..

وضعتُ رأسي على مقود السيارة. سألت جيلا: "ومن كان ذلك الشاب؟".
- مرتضى جاويدي. ابن مش رضا!

رفعت رأسي من على المقود:
- ضربتُه مرات في المخفر حتى شارف على الموت. سلّمتُه إلى سجن فسا. قمتُ بإهانة والده..
- برويز.. لماذا لم ينتقم منك؟
- ماذا أقول؟ مبهوتٌ أنا من تصرّفه اليوم!
- ماذا كان جرمه؟
- كان ينشر صور الخميني وبياناته!

فكرتُ وتابعت: "فجأة انهار كل شيء؟ الشاه والجيش، كل شيء تبخّر وطار في الهواء!".

استدرت إلى الخلف وحضنت منيجة وهرمز وقبّلتهما. نظرت إلى جيلا وقلت: "في المرة الأخيرة ظللت أضربه في المخفر حتى ازرقّ تمام بدنه! قلت له: متى ستكفّ عن أعمالك التخريبية؟ قل "الله، الشاه، الوطن!"، ارتسمتْ على شفتيه ابتسامة باردة وقال: الله والوطن لا ضير! لكن ضع خطًّا أحمر على الشاه!". 

بلعتُ ريقي وتأمّلت في عيني جيلا وقلت: "حين قال كلامه هذا انقضضنا عليه واستمررنا بضربه ما دام فيه رمق".
 
 
 
 
32

22

عمر نوح

 عمر نوح - 31 آب 1980


كنت جالسة في باحة المنزل بعد ظهر يوم الجمعة، أضرب العجين في الطست وأفكر في مرتضى: رؤيا الإمام الخميني في المنام.. صورته.. وكأنه البارحة هاجمَ عناصرُ الدرك منزلَنا.. إلهي! لم أرَ ولدي منذ انضمامه إلى الحرس. أين هو الآن.. وماذا يفعل؟ لقد ذاب قلبي عليه..

- السلام عليك يا أماه!
جفِلت! قمتُ مدهوشة من مقعدي قرب الطست وحدّقت في مرتضى. كان واقفًا فوق رأسي حاملًا حقيبة ظهره. بدا أكثر نحافة وقد ألقى على بدنه قميصًا كاكيًّا تركه من دون عناية فوق سرواله. وكأنني قد مُلِّكتُ الدنيا. قلت: "فدتك أمك!".

ضحك. تقدم وقال: "لا قدّر الله!".

ثم تنشّق.

- ياااه.. أي رائحة خبز زكية هذه يا أمي!
- أيها المحتال، لم أخبز العجين بعد!
- أعلم، ولكن إذا ما خبزته فسيكون لا أطيبَ منه!

تقدّمت متحمّسة نحوه، وكأنّما لم أره منذ سنين رحت أتحسّسه بيدي وأقبّله من رأسه حتى أخمص قدميه وقلت: "ليتني سألت الله لك عمر نوح يا روح أمك!".

مسح وجهه ولحيته الملطّختين بالعجين. قبّل جبيني وقال: "رأيت منامًا من جديد؟".
 
 
 
 
 
33

23

عمر نوح

 - لا يا قلبي! كنت للتو أفكر فيك.


ركع على ركبتيه وفتح حقيبة ظهره الكحلية وأخرج منها زيّ الحرس الأخضر. فتحه على وُسعه. كان كبيرًا وفضفاضًا. قلت: "حبيبي! هذا اللباس يتسع لاثنين معًا!".

ابتسم ومسح بيده على لحيته السوداء وقال: أصلحيه!

أخذت بيده وسقته إلى داخل المنزل. لقد دوّى خبر مجيئه كالمدفع في جليان! جاؤوا صغارًا وكبارًا لأجل رؤيته. أدركت في الحال أنه كان قد ذهب مدة إلى كردستان لقتال أعداء الثورة. أخبر الشباب عن المذابح التي ارتكبها أعداء الثورة بحق الشعب.

وحينما تفرقت الحشود من حوله، حملقتْ فيه عمّته وقد أدنت خرطوم النرجيلة إلى شفتيها. تبسم مرتضى وقال: "عمتي، ألم تري إنسانًا من قبل؟".

سحبتْ أخت زوجي، التي تجاوزت الستين من العمر وقد ذاقت حلو الحياة ومرّها، نفسًا من النرجيلة حتى علا صوت بقبقة الماء فيها. أفلتت الخرطوم من فمها وقالت: "بلى، رأيت!". ثم هزّت برأسها.

- ولكن.. متى سيصبح رجلًا؟

أجاب زوجي مش رضا: "ما هذا الكلام يا أختي! لو وُجد رجل واحد في هذه المعمورة لكان مرتضى!".

هزّت رأسها متذمرة وقالت: "لا.. لا.. ما دام لم يتّخذ لنفسه زوجة فإيمانه ورجولته لم يكتملا يا أخي!".

عادت وقالت لولدي: "أنا نفسي سأدبر الأمر لك".

قال مرتضى ممازحًا: "ومن سيزوّجني ابنته يا عمة؟!".

عادت العمة وكأنها قد حبكت مخططًا في رأسها من قبل وتوجهت
 
 
 
 
34

24

عمر نوح

 بنظرها نحو أختي.

- ومن أفضل من ابنة خالتك، آمنة! أليس كذلك يا شهربانو؟

تراجعتُ إلى الوراء ونظرت إلى أختي وقلت: "والله لا أدري ماذا أقول!".

عادت العمة وقالت لأختي: "ما رأيك؟".

أرجعت أختي رأسها وتأملت في عيني مرتضى، لعلّها تقرأ فيهما شيئًا ما. لكنّ ولدي طأطأ رأسه.

قالت أختي بفرح وسرور: "كل فتاة تتمنى زوجًا مثل مرتضى!".

هذه المرة، حينما تمعّنتُ في عيني مرتضى بنظرة الأم وشاهدتُ فيهما بريق الرضى، وضعتُ يدي على فمي وأطلقتُ زغرودة.
 
 
 
 
35

25

كوني مستعدة!

كوني مستعدة! -  1 أيلول 1980

عند المغرب، كان طقس قرية جليان يميل نحو البرودة. أشعلت أمي سراج الكاز1 ووضعته في الغرفة إلى جانبي. كان الفرح باديًا بوضوح على محياها. احتملتُ أنها كانت مرتبكة وتخفي عني شيئًا ما. وفي نهاية المطاف استجمعتْ شجاعتها وتقدّمت مني. أمسكتني بكتفيّ وأخفت ابتسامة على شفتيها وقالت بسرعة: آمنة، لقد طلبوا يدك لمرتضى!

انهدم حيلي وقلت بلا إرادة: مـ.. مرتضى!

احترّ بدني وازداد خفقان قلبي. لقد انتابتني حالٌ لم أكن قد اختبرتها من قبل، أنا ابنة الخمسة عشر عامًا، الزواج؟! عمري خمس عشرة سنة.. زواج.. بيت.. أطفال.. مرتضى.. بيت..
كانت المرة الأولى التي أسمح فيها لنفسي أن أفكّر بشاب غير محرم. وبسرعة الضوء شغل الزواج وأحلام المستقبل بالي. عندما خلوت بنفسي تراءت أمام ناظريّ حادثة كانت قد حصلت قبل سنوات..

- آمنة!
قمت من مقعدي في الصف. سارعت السيدة اشرافي، معلمة الصف الابتدائي الخامس، مقطّبة حاجبيها المرسومين بنحو رفيع وعينيها المكحلتين، وقالت بحدّة: مجددًا وضعت الحجاب على رأسك؟ ألم أقل لا ينبغي أن تغطين رؤوسكن! 

شعرت برعشة تسري في بدني.

- لـ لـ لـكن.. يا آ.. آنسة!
 

1- كان مشهورًا في تراثنا باسم (سراج أبو فتيلة) أو قنديل نمرة 3.
 
 
 
 
36

26

كوني مستعدة!

 مرّرتْ يدها على شعرها الأسود المجعد والقصير ورفعت صوتها.


- لكن "السمّ الهاري"1!
وفيما اقتربت مني رجّ صوت طقطقة حذائها طبلة أذني! وكما في كل مرة تغضب فيها أخذت تحرّك وتدير خاتمها الذهبي المرصع في إصبعها وأشارت إلى عريفة الصف صائحة: "كشاورز"، اذهبي ونادي السيدة المديرة!

خطت بتنورتها الضيقة بحذر واضعة يدها على خصرها، وقالت: بحسب أوامر "التربية والتعليم" لا يحق لأحد أن يضع غطاء الرأس أو يرتدي العباءة (الشادور) داخل حرم المدرسة.. تمامًا مثلي أنا، انظرن.. التمدن والعلم والحرية يعني هذا! أنتنّ الآن لا تدركن معنى خلع الحجاب.. جناب حضرة فرح.. ملكة إيران تريد صلاحنا.

- وقوف!
دخلت السيدة فروغي، مديرة مدرستنا المتمدّنة2، إلى الصف سافرةً ترتدي جاكيتًا وتنورة كحليتي اللون تشبهان الزيّ الرجالي. أدارت قضيب الرمان في يدها وهزت رأسها بعصبية، وقالت: ما الذي يجري هنا؟ للمدرسة نظامها، والويل لمن لا يراعي هذا النظام.. من المخالف؟

كنت أعلم أنها عرفت "البير وغطاه"3 من العريفة أثناء مسيرها إلى الصف. أشارت المعلمة إليّ.
 
 

1- بالفارسية "زهرمار"، ومعناها الحرفي سم الحية، وتقال للتوبيخ والإسكات بصيغة اللعن. ويقابلها في العربية المحكية "السمّ الهاري"، والهاري من هرى بمعنى أبلى وأهلك.
2- ابنة المدينة.
3- بمعنى أنها عرفت كل تفاصيل ما جرى.
 
 
 
37

27

كوني مستعدة!

 - جناب المديرة، آمنة.. أتت مجددًا إلى المدرسة بالحجاب.


لم تدع المديرةُ المعلمة تنهي كلامها واتجهت نحوي مباشرة. بنحو لا إرادي أخذت شفتاي ترتجفان. كنت أسمع صوت خفقات قلبي! وصلت أمامي وحملقت فيّ بعينيها السوداوين الواسعتين وقالت بلهجة شديدة وحاسمة: سوف تخلعين حجابك الآن حالًا!

كنت أظن أن روحي ستغادر جسدي في تلك اللحظة، وإذ بقوة داخلية تنبعث منّي وتمدّني بالعون. ازدادت شجاعتي ومقاومتي وتزايدت. وكلما زاد تهديد المديرة كانت مقاومتي تزداد.

- أيتها العنيدة المتعنتة، اخلعي حجابك!
- لا أريد.. الله قال..
- ستُطردين من المدرسة.
- القرآن قال..

حميت حجابي بيدي. امتقع لون وجهها الأبيض واستشاطت عيناها غضبًا وأنزلت الضربة الأولى من قضيب الرمان على يدي.
- ارفعي يدك!
- لن أرفعها!

سرى الوجع من داخل يديّ إلى دماغي. كانت السيدة فروغي تنهال عليّ ضربًا ودموعي تصب مدرارًا فيما أحكمتُ إمساك حجابي! كانت عيون التلميذات مسمّرة عليّ. زعقت السيدة فروغي بصوت كان يرتجف من شدة حنقها: حسنًا.. من الغد إذا أردت أن تأتي محجّبة فلا تأتِ من الأصل! أنتِ مطرودة..

انتشر خبر مقاومتي في قرية جليان كالنار في الهشيم.
 
 
 
 
 
38

28

كوني مستعدة!

 في صباح اليوم التالي، دخلتُ الصف متأخّرة وأنا خائفة أترقب. لكن ويا للعجب، استقبلتني المعلمة ببشاشة! أثناء الفسحة أوضحت لي زميلاتي وحارسة1 المدرسة الخالة "دولت" بكل سرور: "لقد جاء ابن خالتك مرتضى إلى مكتب المدرسة بعدما دقّ الجرس الأول وأحدث ضجة كبيرة"..


لقد رمتني والدتي بجملتها تلك في بحر الحياة المتلاطم، إلهي كيف أمنع قلبي عن الوساوس المادية والنفسانية لأتمكن بهدوء بال من السير قُدُمًا في تحقيق إرادتِكَ؟ وفيما كان هذا السؤال يمر على خاطري كأنما ألقى الله جوابه في كل كياني: آمنة، لا تطلبي شيئًا لنفسك، لا تسعي للحصول على شيء وتجنبي الانفعال والحسد، مستقبل الناس ومصيرك أنت أيضًا يجب أن يكونا محجوبين عنكِ. عيشي على نحو تكونين فيه مستعدة لأي شيء.. كررتها مرات: كُوني مستعدة.. مستعدة..

كانت والدتي قد خرجت من الغرفة فيما كانت عيناي تحدقان بالسراج. كانت فراشتا شجرة النارنج الخضراء والصفراء تحومان حول السراج. منذ تلك اللحظة وما تلاها، كلما فكرت في مرتضى استحال شكّي وتردّدي شغفًا وحبًّا.
 

1- حارسة المدرسة: من يحرس بابها ويراقب الداخل والخارج محافظًا على أمنها.
 
 
 
 
39

29

القلق الحلو

 القلق الحلو - 24 نيسان 1981


- الليلة يأتي مرتضى لخطبتك.. بماذا تشعرين؟
في ليلة ربيعية داخل الباحة الترابية كانت أختي الكبرى تروح وتجيء وتستفزني ممازحة.

- هيا اذهبي وضعي الحناء!
- لا تقولي فول حتى يصير في المكيول!1

- كنتُ قلقة، ولطالما فكرت في مرتضى خلال هذه الشهور التي مضت، وحلّلت شخصيته في ذهني: هل سأكون محظوظة؟ أي صنف من الرجال هو مرتضى؟ مثل أبي أو أخي أو..هل هو رجل يكد وراء العيش الرغيد. سوف يسعدني! مرتضى شهم غيور. قبل سنوات جاء إلى المدرسة ووقف أمام المديرة والمعلمة معترضًا على طلبهما من ابنة خالته أن تخلع حجابها.. مرتضى رجل حرب. لا يعرف الخوف. ماذا لو أصابه مكروه؟ سيكون عُمرًا من الوحدة! التوكل على الله! كل الرجال يذهبون إلى ميادين القتال.
- يا ابنتي ادخلي إلى المنزل، إنهم قادمون.. أعدي الشاي..

كان صوت أمي. جاء مرتضى مرتديًا قميصًا أنيقًا أزرق قد تدلّى فوق سروال كاكي برفقة الخالة وزوجها وعدة أشخاص آخرين.

- يا الله .. يا الله..
لم أكن حتى ذلك اليوم قد رأيت كل هذا العدد من مصابيح الكاز
 

1- مثل شعبي يعني ألا تعتمد على أمر لم تتأكد من حصوله بعد، أو لا تقل سأفعل كذا وكذا حتى تتأكد من قدرتك على القيام بهذا الفعل.
 
 
 
40

30

القلق الحلو

 مضاءة في مكان واحد! كانوا قد تحلّقوا بجوار بعضهم البعض تحت نور المصابيح ودفئها يتبادلون أطراف الأحاديث الطيبة، وكنت أنا أروح وأجيء وأقدّم الضيافة.


مع النسائم العليلة، كانت فراشات الليل بغية الوصول إلى النور والدفء تحوم حول المصابيح وترتطم بزجاجاتها فتحرق أجنحتها. وكنت بين الحين والآخر أتجرأ أن أختلس نظرة إلى ابن خالتي بقميصه الأزرق الفاتح وقد رسم بسمة على شفتيه وتسمّرت عيناه على السجادة اليدوية العجمية تحت قدميه! لم أكن لأتصور مرتضى من دون ابتسامةٍ على محياه. كانوا يتجاذبون شتى أنواع الأحاديث إلا موضوع خطبتي!

- لعنة الله على صدام.. بإذن الله سينتصر المجاهدون.

- لقد أضحى المنافقون الجاحدون الطابور الخامس للعدو!

- لم يتم الإعلان عن كوبونات1 السكر!

- لقد شيّعت فسا البارحة ثلاثة شهداء!
- مع هذه الحرب ما الذي سيحل في النهاية؟

- كما قال الإمام الخميني، لقد جاء مجنون اسمه صدام وعرقل الأمور. هؤلاء الشباب والناس أنفسهم سوف يذيقونه جزاء عمله!
في نهاية الأمر تدخلت العمة وقاطعت الأحاديث الدائرة لتدخل إلى صلب الموضوع.

- صلّوا على محمد وآل محمد.. تفضل ابدأ يا مش رضا!
- المهر أولًا..
- هؤلاء ليسوا غرباء..
 
 

2-1 كوبونات: مفردها كوبون، قسيمة تموينية: جذاذة صغيرة توزعها الحكومة في الأغلب بين الناس ليتمكنوا من شراء بعض حاجياتهم الضرورية بسعر أقل من سعر السوق.
 
 
 
 
41

31

القلق الحلو

 وبسرعة تمّ الاتفاق على كل التفاصيل بسلاسة وحميمية.

- نسخة من القرآن الكريم.. وكذلك 120 ألف تومان مهرًا..
- صلوا على محمد وآل محمد..

وأنا التي ارتديت عباءة (شادورًا) جديدة زهرية اللون منقوشة بالورود، كنت أنصت فقط فيما رحت ألاعب أصابعي. وحين اختُتِم الكلام قام مرتضى فجأة بين الحاضرين. 
- أرجو المعذرة، من دون تجرؤ.

ساد الصمت وتسمّرت العيون عليه. كان مرتضى يقف بنحو جعل نور المصابيح تضيء نصفًا من وجهه أكثر من النصف الآخر. تابع كلامه: من بعد إذن الأفاضل! يجب أن ألفت النظر إلى مسألة الآن. الجميع يعرف أن من يعمل في الحرس يمضي أكثر وقته في جبهات الحرب وقليلًا ما يحضر في المدينة والبيت. عندي رجاء!..

سكت. أخذ نفسًا ثم قال: أتمنى على ابنة خالتي وخالتي وزوج خالتي أن يراجعوا أفكارهم حتى لا يندموا فيما بعد لا سمح الله. دعوا المجاملات جانبًا!
لقد استدعت كلمات مرتضى تفكير العائلتين للحظة. ثم كسرت والدتي جليد الصمت.

- أنا أعرف ابنتي. وأدرك ضمنًا جميع هذه الظروف. أنت تذهب إلى الجبهة دفاعًا عن الإسلام ولأجل رفاهنا. أنا راضية بهذا الارتباط! وفيما عدا ذلك فلنسلّم الأمر لله!
دعا والدي الجميع للصلاة على محمد وآله وتقرّر موعد الشراء1 للغد. في الليل، مهما سعيت أن أنام، لم أتمكن!
 

1- شراء جهاز العروس والعريس.
 
 
 
 
42

32

مثل المرآة

 مثل المرآة - 31 آب 1981


- آمنة يا ابنتي، استيقظي فقد حان وقت الصلاة..

قمت عند أذان الصبح على صوت والدتي. بعد الصلاة لم يأتني نوم. كنت أنتظر أن يدق باب المنزل ويأتي ابن خالتي. كنت أتأمل باستمرار "المحبس الذهبي" في يدي. كان مرتضى قبل أيام قد اشتراه لي بالإضافة إلى طقم ثياب جديد بقيمة 800 تومان.

عند الثامنة صباحًا طُرق باب المنزل ودخل مرتضى وعائلته. ركبنا معًا سيارة جارنا من نوع بايكان1 وانطلقنا نحو "فسا" لأجل عقد القران.

عند الساعة العاشرة تمّ إجراء عقد الزواج من قبل السيد شريعتي في مراسم بسيطة من دون تكلّف أو إسراف.

وضعت النسوة أيديهنّ على أفواههنّ وعلت الزغاريد. تقدم مرتضى ووضع في فمي قطعة حلوى وقال: بالصحة والهناء ابنة خالتي!

وكأن مرتضى قد قرأ لي هذا الشعر ألف مرة حتى حفظته عن ظهر قلب! كنت سعيدة وأشعر بالفخر لأنني تزوجت من ابن خالتي. قالت أمي: بماذا تشعرين يا آمنة؟
 
ألقيت نظرة على وجه زوجي المبتسم ويديه المخضبتين بالحناء وقلت: أنتِ خير من يعلم يا أماه أن لا شيء عند المرأة أفضل من تقوى زوجها وحيائه!

قالت أمي: أسعدك الله!
 
 

1- Paykan سيارة إيرانية الصنع.
 
 
 
 
43

33

مثل المرآة

 - ماما!

- يا روح أمك!

حدّقتُ في عيني مرتضى وعدت لأتأمّل في والدتي وقلت بحيرةٍ وتردّد: هل سيعيش مرتضى حتى يكبر ويشيخ!

قبلتني أمي في وجهي ووضعتُ رأسي في حضنها، وقالت: سوف تكبران معًا يا ابنتي!

لقد بثت نبضات قلب أمي السكينة في نفسي.

عند الظهر وأثناء مسير العودة إلى "جليان" اشتدّ بي الجوع فقلت ممازحة: يا بن خالتي ليتنا كنا ذاهبين إلى بائع كباب!

- لقد أعدوا الغداء في المنزل وينتظروننا! وحتى يمضي الوقت بسرعة سوف أُشغلك بالكلام!

وعلى امتداد الطريق حدثني مرتضى عن الإمام والثورة والجبهة! لقد كنتُ مأخوذة بكلامه إلى درجة أنني لم أنتبه متى وصلنا إلى القرية.

عصرًا مدّت الخالة سُفرة متواضعة، وجاء أفراد العائلتين، وأقيم احتفال صغير. ورغم بساطة المراسم كانت لحظات مفعمة بالسعادة.

أمضينا يومين في أجواء الخطوبة. كنت أتمنى أن يتوقّف الزمن وأبقى للأبد إلى جوار مرتضى. صبيحة اليوم الثالث جاء ابن خالتي إلى منزلنا. أحضرت الشاي ووضعته أمامه.

- شكرًا لك يا بنت خالتي!
كنت أشعر في تلك الدقائق العذبة أنني أسعد امرأة في أرجاء المعمورة. لقد وجدت في هذه الأيام القليلة أملًا وسندًا قويًّا. حملت صينية الشاي وأدْنيتُها منه.
 
 
 
 
44

34

مثل المرآة

 - اشرب الشاي، سيبرد!

- يجب أن أذهب إلى الجبهة!

عرقت أطرافي الأربعة، شعرت بنوبة برد أعقبها حرّ! بدأت الصينية تهتز في يديّ واندلق كوب الشاي الحار على مرتضى.
- ليت الله أعدمني الحياة!
- لا قدّر الله يا بنت خالتي!

خلع قميصه الكاكي ذا الجيبين.
- ما الذي حصل حتى ذُعرتِ يا بنت خالتي!

نظرت إلى القماشة الرقيقة الخضراء على ذراعه. أشار هو إليها.

تذكار من والدتي، لقد علقته بشالي منذ أيام الطفولة.

قلت: آغا1 مرتضى، لماذا بهذه السرعة! لقد عقدنا قراننا للتو!

سكتُّ. وقع في قلبي شيء من الخوف والاضطراب. أمسك بذقني ورفع وجهي وتأمّل في عينيّ. هدّأتني حرارة يده ونظرة عينيه المشعتين. ابتسم وقال متمنّيًا: أنا أيضًا أرغب في البقاء يا بنت خالتي. لكن الجبهة الآن في حاجة ماسة إليّ!

تسمّرت عيناي عليه. لقد انعكس هدوء عينيه في داخلي كانعكاس الصورة في المرآة، واستسلمت!
 

1- آقا بمعنى السيد، لقب يعتمد للنداء، عادة يدل على الاحترام.
 
 
 
 
45

35

آخر الأغنية

 آخر الأغنية - 26 أيلول 1981


- آمنة يا ابنتي، المذياع.. هناك هجوم..

الساعة العاشرة صباحًا ولدى سماعي صوت أمي تركت من يدي حلب الماعز، وخرجت من الزريبة راكضة نحو باحة المنزل وقلت: ماذا هناك يا أماه؟
- ألا تسمعين صوت المذياع.. هناك هجوم..

لفح نسيمُ الخريف وجهي ورأسي المتعرّق وارتجف بدني. طرق سمعي صوت المذياع آتيًا من غرفة الاستقبال الكبيرة. كان المذياع يبث الموسيقى العسكرية يتخلّلها صوت المُذيع يعلو كل حين.

نصرٌ من الله وفتح قريب..لقد تمكّن المجاهدون المتصدّون والتعبويّون الفرسان والحرس الشجعان والجنود الشرفاء..أثناء عمليات ثامن الأئمة ومن خلال تجاوز العوائق والدفاعات الكثيرة للعدوّ البعثي العراقي المُعتدي.. من تدمير معدّاته وتجهيزاته.. وفكّ الحصار عن عبادان بعد أشهر عدة.. وقتل وجرح وأسر عددٍ كبير من المُعتدين البعثيين.

كنت من جهة سعيدةً بنصر المجاهدين ومن جهة أخرى قلقةً على مرتضى: لا بد أن مرتضى كان مشاركًا في هذا الهجوم.. أيكون سالمًا.. إلهي احفظه بحفظك.. لم يقرّ لي قرارٌ ولم أشعر بالهدوء. قلت لوالدتي: مرتضى؟!

قالت أمي وهي تدُقُّ اللحمة في الهاون الحجري في زاوية الباحة: توكلي على الله يا أمّاه!
 
 
 
 
 
46

36

آخر الأغنية

 بعد كسر الحصار عن عبادان ظلّت أذني ترقب صوت المذياع وعيني على الطريق لعل أحد المجاهدين يرجع من الجبهة بخبرٍ لي عن مرتضى. في الأسبوع الذي تلا عاد مرتضى من الجبهة. كان يحمل حقيبة الظهر الصغيرة الكحلية نفسها. ومجدّدًا نبت لي جناحان وشعرت أنني أحلّق في القمّة. غمرتني السعادة برجوع مرتضى سالمًا من الحرب.


- مرتضى متى يكون عرسنا!
- لقد قدمنا شهيدًا الآن في القرية. سنقيم زفافنا في أقرب فرصة!

ومجدّدًا مثلَ ثلج تموز لم يبق إلا صباحات ثم اختفى ذاهبًا إلى الجبهة! وعود على بدء، صار الانتظار قاتلي وبتُّ أترصّد أخبار المذياع. مجدّدًا رُحت أسألُ عن أخباره وسلامته من القريب والغريب!

- مرتضى بخير.. رأيته بنفسي.. ما شاء الله أسدٌ..

كان الوقت يمرُّ عليّ ثقيلًا مغبرًّا كقطيع الغنم الذي ينزل عند الغروب من الجبل إلى القرية. كنت أعُدُّ الأيام داخل المنزل، وفي الليالي أبقى مُستيقظةً قسمًا من الليل أُفكر في مرتضى.
في نهاية الأمر وبعد شهرين، يوم 29 تشرين الثاني 1981م.، بث المذياع الموسيقى العسكرية وأعلن المُذيع خبرَ تحرير مدينة بستان.

.. عمليات طريق القدس وبالنداء المقدّس "يا حسين".. وبعد مُضي 420 يومًا على بدء الحرب المفروضة.. تمكّن جنود الإسلام في المنطقة المحيطة لسوسنكرد وبستان أن يستقرّوا عند الحدود.. ويحرّروا تشزابه.. ويحرّروا بستان..

بعد شهرين وعدّة أيام، رجع مرتضى من الجبهة وباغتني قائلًا: ابنة خالتي، الآن يمكننا أن نقيم مراسم العرس! لكن من دون ضجّة
 
 
 
 
 
47

37

آخر الأغنية

 وصخب! أهل جليان لا يزالون في عزاء!


ابتسمت وقلت: لا اعتراض لديّ.

رجع وتأمّل في عينيّ جيدًا.

- آمنة لقد غارت عيناك، هل أنت حزينة؟
ضحكت وقلت: لا، ليس هناك أي شيء!

أُقيمت مراسم العُرس من دون طبل وزمر. مرتضى صار عريسًا بلباس الحرس الأخضر الواسع على بدنه النحيف وأنا صرت عروسًا بعباءة بيضاء مُزينة بورودٍ زهريّة!
 
 
 
 
 
48

38

قصة حنظلة

 قصة حنظلة - 28 شباط 1982


صبيحة يوم شتوي رحت أراقب من داخل عتبة الغرفة حبيبات الثلج البيضاء. كان الثلج يتساقط بهدوء من سماء جليان بعد انقطاع لسنوات ويُلْبس شجرات البرتقال الثلاث وشجرة النارنج الوحيدة ثوب البياض. تناهى إلى سمعي صوتُ لعب أطفالٍ في الزقاق حين وضع مرتضى يده على كتفي.

- هل تُحصين حبيبات الثلج يا بنت خالتي؟

- وهل يمكن إحصاؤها يا بن الخالة! الثلج في منطقتنا جديدٌ! ليته يبقى محفوظًا ولا يصير ماءً، مثلك أنت!

- وضع كلتا يديه الدافئتين على وجنتيّ وقال: كيف فهمتِ أنّ عليّ أن أذهب!

تضخّمت كلمة مرتضى (عليّ أن أذهب) في دماغي واستحالت محيطًا من الماء البارد الذي انصب على بدني. شعرت أن يديه بردتا ولعل بدني أيضًا كان قد برد. قلت بفمٍ مفتوح: يعني عليك أن تذهب؟! 

رفع يده وقال بهدوء: أنا مسافر. 

نظرت إليه بوجهٍ خائبٍ ومتجهّم ورجوته: بهذه السرعة؟! لا أقله ابقَ حتى العيد، ثم بعدها..

لم أستطع أن أُكمل، أحسست بالغصّة كالشفرة في حنجرتي! يبست شفتاي وتخدّر بدني. تبسّم ونظر إليّ بوجهه الجبلي الصافي واضعًا يده خلف رأسي.

- يا بنت الخالة أتعلمين كم يوجد في الجبهة الآن شبانٌ مثلي تركوا
 
 
 
 
 
 
49

39

قصة حنظلة

 أُسَرِهم وراحوا يقاتلون؟ 


تجرعت غصّتي.

- ولكننا أقمنا عرسنا توًّا.
- هل سمعتِ بقصة حنظلة، ذلك العريس زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي التحق بالجهاد فور عُرسِه واستشهد!

انعقد لساني وحاولت جهدي أن أمنع دموعي. 

مثل جميع الفتيات الحديثات الزواج كنت أتمنى أن يبقى زوجي إلى جانبي، كان ذهابه صعبًا عليّ. أدرت ظهري للباحة والثلج، حتى لا يرى دموعي، لكنه استدار ووقف مقابلي.

- هل تعارضين ذهابي يا بنت خالتي!

جعلَ صوتُه بدني يرتجف تدريجيًّا، وفيما كانت تتساقط الدموع من عينيّ رفعت رأسي وقلت: لا.

مسحتُ دموعي وتابعتُ: أنا أفتخر بك! ولكنني أخاف عليك أحيانًا..

- تبسّمي الآن!
تبسّمتُ، ومجدّدًا وضع يده الدافئة على وجهي وقال: نعيش حياةً هانئة هناك، نأكل.. وننام.. وأحيانًا نمارس الألعاب النارية مع العراقيين!

رفع يده وقال: أتحبّين أن تواسي السيدة زينب عليها السلام؟

نظرت في عينيه الصافيتين والمُشعّتين بالنور:
- أتمنى ذلك.
- يا بنت خالتي، إذا لم تكوني حاضرة في زمان السيدة زينب عليها السلام يجب عليك الآن أن تُظهري أنك مُسلِمة ومن أتباع الحسين عليه السلام. أتظنين أن الإمام لم يكن يعلم أنه سيستشهد وأنّ أهل بيته سيكونون أُسارى؟ في
 
 
 
 
 
50

40

قصة حنظلة

 الوقت الذي كان قادرًا على أن يُبايع يزيد ويعيش حياةً رغيدة، لكنه لم يَقم بهذا الأمر ولم يقبل الذلّة. قاتل واستشهد عطشان!


أخذ نفسًا ومن جديد وضع يده على وجهي وذقني، شعرت أن مرتضى يتقصّد تلقيني بشفتيه ودفء أصابعه تلك الكلمات المهمة كلمةً كلمة لتستقر في نفسي.

- يجب الدفاع عن الإسلام العزيز. ليس هناك فرق بين هذا المكان وكربلاء. اليوم أيضًا يجب أن تُراق الدماء لحفظ عزّة الإسلام. وأنا مستعدٌّ أن يراق دمي على يد المعتدين البعثيّين الذين لا يعرفون الله لئلا يضيع شبرٌ واحدٌ من تراب وطني. والأعمار بيد الله..

مذهولةً تأملتُ شفتيه فقط وفكّرت بكلماته. وكأنه كان يضيء لي مسيرة حياتي. وفي نهاية المطاف حمل حقيبة ظهره الكُحلية وودّعني.

جعلتُهُ يمُرُّ من تحت القرآن، وحين صببت الماء وورق النارنج خلفه عاد وقال: ابنة خالتي عندما تشعرين بالضيق والوحدة اقرئي سورة الواقعة! سوف تهدئين.

وأطبق جفنيه وتلا بصوته الحسن آيات من السورة.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا *  فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾.

واختفى عن ناظري وغاب مجدّدًا، هكذا بكل بساطة!

عدتُ وحدي من جديد، وانقبضت نفسي مجددًا. جلست في زاوية الغرفة. أردت أن أستسلم للبكاء، لكن كلماته التي ملأت كل وجودي لم تدعني! فكّرتُ فيما جرى بيني وبينه، وبالليالي والأيام العديدة التي ينبغي أن أصنعَ فيها نفسي بوحدتي وأُفكِّر بكلامه.
 
 
 
 
 
51

41

الواقع والخرافة

 الواقع والخرافة - 5 أيار 1982


في عيد النوروز أيضًا لم يأت مرتضى إلى المنزل. خلال هذه الأشهر المعدودة التي لم أره فيها كانت قد أنجزت عمليات الفتح المبين وبيت المقدس في الجبهة الجنوبية، وتمّ تحرير خرّمشهر ومناطق كثيرة من خوزستان. وكانت سورة الواقعة قد باتت أنيس نفسي.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ  ... فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.

عند الغروب كنت داخل الغرفة ذات السقف الخشبي أقرأ مجدّدًا آخر رسالةٍ من مرتضى تحت نورِ السراج الأصفر.
- يا ابنتي، يُشاع أنّ مرتضى قد وقع في الأسر!

كانت عيني على الرسالة حين خرق صوت أمّي دماغي كالسهم. 
- هل أنتِ معي! أين أنت يا ابنتي؟ لقد سرت شائعة أسر مرتضى في كل مكان!

هالَنِي الخبر فارتطمت يدي بزجاجة مصباح الكاز واحترقت! وبسرعة صار تمامُ بدني يتصبّبُ عرقًا. عُدت وتأمّلت في وجهِ أمّي المجعّد وعينيها المحزونتين. انتصبتُ واقفة وكأنني قد خرجت لتوّي من صدمة.
- يا زينب الحوراء! من الذي يقول هذا يا أمي؟
- لقد ذاع الخبر في جليان!

فزِعتُ، وبسرعة هاجت في رأسي الأفكار والخيالات، ورأيتُني امرأةً
 
 
 
 
52

42

الواقع والخرافة

 يُشيرُ إليها بالبنان آحاد أهالي القرية ويتحدّثون عنها.

- منحها الله الصبر.
- عليها أن تعُدّ الليالي والأيام حتى تنتهي الحرب ولعلها حينذاك ترى زوجها!
- هذا إن خرج سالمًا معافى من الأسر!
- ليته استشهد، لكان أفضل من أن يؤسر! 
- لم تذهب، يجب أن تعود إلى منزل أبيها!

لم أكن لِأُصدِّق أن أخسرَ مرتضى بهذه السرعة! كان هناك نداء من أعماقي يصرخ بي: ما زلنا في البداية، إنها الحرب!

مرَّت أيام، وشيئًا فشيئًا صدّقتُ أنّ مرتضى بات أسيرًا، وأنّ عليّ أن أبقى أسيرة الانتظار مدّة مجهولة من الزّمن. لكن فجأةً باغتني مرتضى بلباسه الكاكي واقفًا على عتبة باب الغرفة!
- السلام عليك يا بنت خالتي!

يبسَ حلقي. أغلقتُ جفوني وفتحتُها مرات عدّة. فَركتُ عينيّ. ولكنه كان لا يزال واقفًا بتلك الابتسامة المُشرقة والجميلة. أدركت حينها أنّ حياتي من تلك اللحظة وصاعدًا ستكون مملوءةً بالقصص والخرافات، وفي داخلي بالتأكيد حربٌ فظيعةٌ وحماسية!

اقتربت منه. تحسّست نفسَهُ. رغبت في أن أُمسك به وأحجزه بآلاف السلاسل والأغلال لنفسي. 
- ماذا، لم أكن أعلم أنك تحبينني بهذا المقدار! 

جلس وجلستُ. قلت باكية: أنت لا تعلم أي عيدٍ مرّ عليّ.. لقد قالوا إنّك أُسرت.
- أُسرت! كيف فهمتِ أنني أُسرت؟
 
 
 
 
53

43

الواقع والخرافة

 - إذًا..

- كانت نقاهة! أثناء العمليات ضلَلنا الطريق وحاصرَنا العراقيّون، وبعد أيام عدنا!
- بهذه البساطة! عليك أن تخبرني القصة حرفًا بحرف.. هل تعلم كم عانيت!
- أثناء عمليّات بيت المقدس قمنا بهجوم على العراقيّين فاستشهد مسؤول الاتصالات وحُوصرنا. كانت منطقةً رمليّة وحارة. أصابنا العطش. فأوصلنا أنفسنا إلى خلف أحد المتاريس. 

سمعنا أصوات أشخاص فظننا أنهم من شبابنا. سُررنا وتقدمنا نحوهم وناديناهم، ولكننا اكتشفنا أنهم عراقيّون، وما لبثوا أن بدأوا بإطلاق النار علينا. علقنا بينهم ثم لذنا بالفرار مجدّدًا وتُهنا في المنطقة. بعد يوم وليلة وصلنا إلى قوّاتنا. عندما عدنا كان قد شاع في كل مكانٍ أننا وقعنا في الأسر. وها أنا قد جئت بسرعةٍ لأُثبت أنني بخير وأرجع!

كانت يداي ترتجفان وقد انتابتني حماسة من حكاية ابن خالتي. حين سمع صوت زقزقة صغير البلبل البني قال: أنتَ أيضًا خرجتَ من وحدتك!

قلت: أقدّم له الماء والحَبَّ ليكبُرَ ويتمكن من الطيران! 

ذهب وأخرج البلبل الصغير من صندوق الكرتون ووضعه في كفّه وأتى ناحيتي. كان البلبل فاغرًا فمه يريد أن يأكل. تبسّم مرتضى وقال: إنه جائع، لقد بات أليفًا وسيكون جليسك دومًا! فقط انتبهي عليه من أن يصير لقمةً سائغةً للقطّة!

حين أتى أهل القرية، صغارهم وكبارهم، فردًا فردًا، وسألوا عن أحواله علمتُ أنه كان قد جُرح ولكنه لم يخبرني!
 
 
 
 
 
54

44

الواقع والخرافة

 كانت تلك الأيام القليلة حلوةً وجميلة. وكم تمنّيت أن تستمر هذه اللحظات حتى قيام الساعة. لكنّ الزمن كان في حرب معي، فعلى خلاف الأوقات التي كنتُ أنتظرُه فيها ليعود من الجبهة، سرعان ما مضى لقاؤنا معًا وانتهى، كمثل حبيبات الثلج تحت حرارة الشمس! 


- يا بنت خالتي، ألك حاجة؟
- هكذا! إلى أين يا بن خالتي؟
- إلى الجبهة!

انقبضت مجدّدًا. حمل حقيبته الكُحلية وأودعني بسمته الحلوة الخاصة وذهب! استطعت فقط أن أجعلَهُ يعبُر من تحت القرآن وأن أرش خلفَهُ الماء وورق النارنج وأقرأ: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾.
 
 
 
 
 
 
55

45

المقهى الصلواتي

 المقهى الصلواتي1  - 15 تموز 1982


ظهيرة اليوم الثاني لعمليات رمضان في منطقة شلمجة القتالية، لاحظت سيارة جيب لاند روفر عراقية يقودها اثنان من المجاهدين المتحمسين، تذرع الساتر الترابي ذهابًا وإيابًا تحت مرمى نيران العدو: ما الذي يفعله هذان؟! ما الذي سيحدث لو أن قذيفة سقطت على رأسيهما؟ هل يظنان أنهما يؤديان دورًا في فيلم حربي!

ناديتُ أصغر نجفي مسؤول الآليات في لواء المهدي: تلك السيارة باستلام من؟

وفيما كان يتصبب وجهه ورأسه عرقًا من شدة حرارة الجنوب، قلّص أصغر حجم عينيه أمام نور الشمس المباشر وقال:
يا حاج أسدي السيارة غنيمة، هذان الشابان هما اللذان غنماها الليلة الماضية!

- وهل تمّ تسجيلها وتحويلها إليهما؟ هل هناك حاجة لأن تكون معهما؟

مسح أصغر عرق جبهته وقال متلعثمًا:
- لا يا حاج. لم تسنح الفرصة بعد.

عقدتُّ حاجبيّ.

- يجب أن يتم تسجيل السيارة أولًا، وبعد ذلك إن كان هناك حاجة
 

1- "صلواتي" كلمة تُقال عندما تقدّم الخدمات أو الأشياء والبضائع والأموال.. للآخرين مقابل "الصلاة على محمد وآل محمد" ومن دون مقابل مادي، وهي تنمّ عن ثقافة البذل والخدمة والعمل الحسن.
 
 
 
56

46

المقهى الصلواتي

 لتسليمها إليهما فلتسلّم. كن حريصًا في هذه الأمور فهي حق لبيت المال.


- على عيني يا حاج أسدي1!

كنت مشغولًا مع "خليل مطهرنيا" نبحث أوضاع الجبهة حين علت الضجة. كان أصغر نجفي يتنازع مع الشابين وهما لا يستسلمان له. في نهاية المطاف ضاق أصغر ذرعًا بهما فواجههما بحدّة ثم أشار بإصبعه من بعيد ناحيتي كأنه يقول إنها أوامر قائد اللواء جعفر أسدي وأنا مأمور ومعذور!

رمقني الشابان الغريبان من بعيد بنظرة، وركبا السيارة متجهين نحوي. وصلا إلى قربي وكبحا الفرامل.

ترجل الشاب الأنحف الذي كان خلف المقود وقال:
- السلام عليكم يا حاج. أنتم طلبتم أن يأخذوا السيارة منّا؟

كان وجهه مفعمًا بالحماسة والمشاعر، فرأيتُ من الصلاح أن أوضّح له بدل أن آمرهُ. ابتسمتُ وقلت: صحيح. قلتُ فلتسجّل السيارة أولًا ثم إن كان هناك حاجة تُسلّم إليكما!

فجأة نطق الشاب النحيف الذي تعلوه سيماء القرويين البسطاء مهددًا: كنّا في مأمورية لثلاثة أشهر وقد انتهت. والآن نريد أن نرجع إلى المدينة.. إنها تصفية حساب*2..

نظرتُ إلى لباسه الأخضر والشعار المخملي الأصفر والأزرق على صدره.
- أنت من الحرس إذًا؟

اتخذ شكلًا جديًّا وحرّك جفنيه المغبرين.
 
 

1- القائد أسدي راوى كتاب "الهداية الثالثة".
2- * معاملة خروج العناصرفي مأذونية بعد أدائهم الخدمة.
 
 
 
57

47

المقهى الصلواتي

 - نسأل الله القبول!


قلتُ بدقة ولطف:
- هل انزعجت؟!

نفض التراب والغبار عن شعر رأسه القصير.
- من حقّي أن أنزعج!
- لماذا؟
- وهل كنّا في صدد سرقة السيارة؟ لقد عانينا الأمرّين حتى أحضرناها بنفسينا ليل أمس من الساتر الترابي للعراقيين وأوصلناها سالمة إلى هذه الجهة!

هززتُ رأسي.

- لم يكن هذا مقصدي. ما اسمكما؟
- مرتضى جاويدي، ورفيقي حسين إسلامي!
- لا مشكلة إذا كنتما تريدان تصفية الحساب، أيمكن أن تدخلا الدشمة لنتحدّث قليلًا.

لم تمهلنا صواريخ الكاتيوشا العراقية، فسرعان ما انطلقت صلية صواريخ كاتيوشا لتدكّ الساتر الترابي ضربة إثر ضربة. انبطحنا جميعًا خلف الساتر الترابي الثنائي الجدار، وبعد انفجار جميع صواريخ الصلية كانت سيارة الجيب قد أصيبت بعدة شظايا. وقفت وقلتُ للشابين:
- تعالا معي يا أخويّ!

مشيا في أثري حتى وصلنا إلى داخل دشمة تكتيكات خط الهجوم. تبعنا مباشرة الحاج صلواتي مسؤول الإعلام في اللواء يحمل برّاد
 
 
 
 
58

48

المقهى الصلواتي

 عصير ليموناضة إلى داخل الدشمة وقال:

- صلّوا على النبي أيها المحمديون!
- اللهم صل على محمد وآل محمد.

بعد أن ارتفعت أصواتنا بالصلوات وضع العجوز براد العصير أمامنا وأحضر عدّة أكواب بلاستيكية حمراء اللون استعملت لآلاف المرات من قبل وملأها عصيرًا! وقال:
- هذا عصير المقهى الصلواتي. اشربوه هنيئًا مريئًا ولا تنسوا الصلوات..

فيما كانا منهكين لا يقويان على شيء، حدثتُ مرتضى وحسين عن الجبهة وأهداف الثورة وتكليفنا في الحرب وأوضحت لهما في نهاية المطاف مقصودي من أخذ السيارة. ثم رميت سهمًا أخيرًا وقلت:
- الآن الجبهة بحاجة إليكما، بالخصوص أنتم الحرس الذين اخترتم لباسكم الأخضر بمحبة ووعي!

من دون كلام كانت عيونهما وآذانهما وكل حواسهما معي. وما إن توقفتُ عن الكلام، قال مرتضى: البقاء في الجبهة هو تكليفنا لكننا نحتاج إلى السيارة! 

سررتُ من جرأة وشجاعة مرتضى وحسين. كنت أرى فيهما خصالًا كثيرةً يحتاجها اللواء. قلتُ:
- إن شاء الله بعد تسجيل السيارة نتوصّل إلى تفاهم!
 
 
 
59

49

العشق ها هنا

 العشق ها هنا  - 18 تموز 1982


- آمنة، هل سمعتِ أنّ مرتضى قد أصيب؟
- لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا "زينت".
- ألستِ قلقة؟!
- وما الذي يمكنني أن أفعله يا عزيزتي؟

قبل ظهيرة يوم صيفي حار داخل الغرفة، مسحتُ على رأس البلبل البني وفكرتُ في كلام ابنة الجيران زينت يوم أمس. شيئًا فشيئًا كنت أزداد نضجًا في مواجهة الأحداث! لقد بات جسمي وروحي الآن أكثر انسجامًا مع حوادث الحرب الفجائية! وضعت بعض فتات الخبز داخل فم البلبل البني وتأملت في الريش الأصفر المتناثر بالقرب منه.

اشتد طرق الباب فشرع البلبل البني بالزقزقة. وضعت على رأسي العباءة المرقطة وتوجهت نحو الباحة. وقفت خلف الباب وقلت:
- من؟
- أنا يا بنت خالتي!

انخلع قلبي وفتحت باب البيت بسرعة. كان مرتضى واقفًا أمامي يحمل حقيبته في يده ويرتدي قميصًا أبيض بياقةٍ مشيخية، وقد بدا خلفه بعض الشباب والعجائز من المارة يعبرون الطريق.
- مرتضى، سـ.. سلام.

ذهلتُ عند رؤية وجهه الأصفر الذي ازداد نحولًا.
- يا بنت الخالة، لقد متُّ من شدة الحر، ألا تفسحين لي المجال لأدخل؟

حين وقع نظري على القطة الشقراء واقفة على الجدار الطوبيّ
 
 
 
 
 
60

50

العشق ها هنا

 صرختُ: مرتضى، البلبل!


ركضت على عجلة نحو الغرفة، وحين رأيت البلبل البني تنفستُ الصعداء.
- حسنًا لقد وجدتِ أنيسك.

استدرتُ ونظرتُ إلى مرتضى، كان واقفًا داخل الغرفة مع حقيبة ظهره الكحلية. وقلتُ:
- يا بن الخالة، لحظة واحدة أمضيها معك لا أستبدلها بكل الدنيا وما فيها! خفتُ على هذا المسكين أن يصير لقمة سائغة للقطة! 

عندما جلس على البساط البدوي بان الألم بوضوح في وجهه.
- أأقول.. جُرحت مجددًا؟
- خدش بسيط.

قلت بسرعة: أرني.. أين؟
- وهل تنوين إذاعة الخبر!

ووضع أمامي حقيبة ظهره الكحلية.

- ابنة خالتي فديتُ تلكما اليدين، أرجو أن تغسلي الملابس داخل الحقيبة!

عندما علت زقزقة البلبل، أخذه من يدي ووضعه على سبّابته وقال:
- إنّه يغرّد من أجلي، ما أجمله وأنظفه!

حمل البلبل وأدناه من وجهه وضمّ شفتيه وصار يصفر له ويزقزق. قلتُ مبتسمةً: مرتضى لا تنظر إليه هكذا، سيظن أنك تريد أن تأكله!

ظلّ مرتضى يغرّد والبلبل يجيبه حتى تعبا معًا في نهاية المطاف، وخفتت أصواتهما. فتحتُ الحقيبة فوقعت عيناي على لباس ملطخ بالدماء، شعرت بوخز في بدني وأصابتني قشعريرة. حاولت أن أتجاهل الأمر وقلت: بتّ ترتدي الأحمر؟!
 
 
 
 
 
 
 
61

51

العشق ها هنا

 - إنه عراقي!

- ولماذا ترتديه؟!

تبسم ولم ينطق، قلت بنحو أكثر هدوءًا:
- اعذرني، لم أتمالك نفسي.

لم يقل شيئًا.

- بالله عليك لا تلبس هذه الملابس، سوف أمزّقها!

رفض ذلك.
- رزقك الله يا بنت الخالة. وهل عدتِ ولدًا؟ أتعلمين ما الذي أصنعه بهذا اللباس في الجبهة؟!

حملتُ اللباس العراقي الملطخ بالدماء وتوجهتُ نحو الباحة الترابية. جلست تحت نور الشمس ووضعته داخل الطشت النحاسي حتى يتبلّل. عندما كنتُ أغسل اللباس كان يسيل منه الماء أحمرَ ويقشعرّ بدني. جاء وجلس بجواري، كنت أدعكُ اللباس وأنظر إليه. أخرج من جيبه صورة ووضعها أمام ناظري. 
- انظري يا بنت خالتي!

تأملتُ في الصورة، كانت لمرتضى داخل الجبهة وهو يركب سيارة جيب أخضر. كان مرتديًا اللباس الذي أغسله مع طاقية حمراء ملوية على الرأس وقد رفع إصبعيه على شكل علامة النصر وأخرج يده من السيارة ضاحكًا. وضع إصبعه على صورة السيارة وقال: إنها غنيمة، ونحن نجول فيها داخل المنطقة. بهذه الملابس التي تغسلينها الآن أذهب إلى مناطق العراقيين وآكل معهم الخبز واللبن!
- معهم؟

نفضتُ اللباس العراقي. عندما ألقيته على حبل الغسيل أمام الزريبة اخترقته أشعة الشمس في عدّة ثقوب. جاء ووضع إصبعه داخل
 
 
 
 
 
62

52

العشق ها هنا

 ثقب عند الوسط.


- معك حق يا آمنة. الأفضل أن أعطي هذه البدلة لأخي "مصيب" حتى يصلحها!

ليلًا، جلستُ في زاوية الغرفة أخيط قميصه العسكري تحت نور سراج الكاز ، وكلما رفعت رأسي رأيته ينظر إليّ.
- ماذا يا بن خالتي؟

تنهّد.
- لو أنكِ في تلك الليلة التي طلبتُ فيها يدكِ قلتِ لا!

على حد قول أهل شيراز، "زرعنا "لو" فأنبتت "يا ليت""1!

سكتُّ ثم قلتُ: لعلك عاشق لأحد ما؟

ردّد مرات: عاشق.. عاشق.

أصابني لحن قوله بغصة في حلقي، قلت:
- يا بن خالتي، لقد اخترتُ عن وعي ولست نادمة. والآن أيضًا أنا سعيدة جدًا، أسعد من ليلة العرس!

جاثيًا على ركبتيه وكما يحبو الأطفال توجه نحوي:
إنّ أُمنية كل زوجة وزوج أن يكونا معًا ويعيشا حياةً هانئة!
فتحتُ عينيّ متعمدةً على اتساعهما وقلت: حسنًا!

تنهّد. 

- ولكن ما الذي يمكن أن أفعله؟ لقد جاء العدو إلى دارنا ونحن مسلمون ومكلفون بالعمل. سامحيني يا بنت خالتي، حتى الآن لم أكن زوجًا صالحًا، أرجوك أن تتحملي معي من أجل الإسلام!

وأنا التي لطالما أحببتُ أن أسمع، كنت فقط منصتةً إلى كلماته الجديدة التي كانت تسري في روحي وجسمي.
 
 

1- مثل شعبي يضرب للتعبير عن عدم جدوى كلام المتكلم في الظرف الذي يقال فيه، وأنه لن يغيّر شيئًا.
 
 
 
 
63

53

فندق إسترا

 فندق إسترا - 11 أيلول 1982


كان شابًّا متوسط العمر يقود الحافلة ليلًا، وكنت أرى بين الحين والآخر في المرآة الكبيرة أمامه جَفنيه يطبقان من النّعاس. أرجعت رأسي بهدوء ناحية الكرسي الخلفي. كانت خديجة مأخوذة بمراقبة إغفاءة "كرامة الله رفيع"، كانت مستغرقة في النظر إلى وجه زوجها وكأنها تحمِلُهُ قربانًا إلى المذبح، وعليها أن تدرك قدر اللحظات ما قبل ذبحه! وكنتُ مسرورةً وقلقة في الآن نفسه. ابتسمتُ وهمستُ لخديجة: تراقبينَهُ حتى في نومه؟

ومن دون أن تُدير نَظرها عن وجه زوجها أجابت: يجب أن تُعرف قيمة الفرص يا سيدة جاويدي! إن يقظتهم ليست لنا، لعلّ نومهم يكون!

جلس على صف الكراسي إلى جواري كلٌّ من فاطمة وأكبر نورافشان. لم يكن قد مرّ بعدُ على معرفتي بخديجة وفاطمة ساعات، وكأننا كنّا نعرف بعضنا بعضًا منذ سنين! لقد أحكمتِ الخصائصُ المشتركة الكثيرة الرابطةَ بيننا. وكأنّ الحافلة باتت مهدًا لرجال الحرب! أشارت فاطمة إلى الرجال.
- لا أظنهم نائمين!

همس مرتضى وهو مُغمَض العينين: الغيبة حرامٌ يا أخوات!
- أرأيتِ يا سيدة جاويدي قلت إنهم مستيقظون!

قال أكبر نورافشان: نمنا ساعات وإذا بيزيد الكافر "صدام" قد ضغط على دواسة الوقود واجتاح المناطق بسرعة حتى وصل إلى خلف معمل "نَفَرْد" في الأهواز!
 
 
 
 
 
 
64

54

فندق إسترا

 كنا قد أخذنا مقاعدنا على عدّة كراسٍ في آخر الحافلة وقد ملأ الصف أمامنا وما بعدَهُ أفرادٌ من الحرسِ والتعبئة المتطوّعين للحرب.


توقفت الحافلة أمام محطّة تفتيش. كان الجميع مندهشين من حضور ثلاث نساء بالعباءة السوداء في جمعٍ من المجاهدين. وكانت كلُّ واحدة منّا قد حزمت أمتعتها داخل حقيبة صغيرة. 

كان يعتريني شعور بالفخر والاعتزاز، فبمقدار المسافة التي كنت أبتعد فيها عن القرية كنت أسبق نساء المعمورة وأختبر حياةً جديدة. وبات أوّل سفرٍ لي عبارة عن حركة باتجاه جبهات الحرب! استغرقت في التفكير حتى غمضتْ عيناي.

مع بزوغ الفجر استيقظت من شدة الحرّ. كنت أتصبب عرقًا. أرجعت رأسي ناحية زجاج الحافلة، وما إن أزحت الستارة حتى انخلع قلبي. أشرتُ باضطرابٍ إلى ألسنة النيران.

- مرتضى، هل وصلنا إلى الجبهة؟!
- كنتِ نائمة يا سيدتي، لقد أمطر العراقيّون كل الأمكنة بالقذائف! 

هدّأت ابتسامة مرتضى وبرودة أعصابه من روعي. أشرت إلى لهيب النيران خلف التلال.
- وما هذه؟
- إنها العفاريت ترحّب بنا!
- لا تمزح يا بن خالتي! 

ضحك وأجاب: حسنًا إنّهم خبّازو الأهواز، كلٌّ منهم يُشعل تنوره لخبز عجين الصباح!

سمعت قهقهة ضحكات أكبر نورافشان وكرامة الله رفيع. همست لمرتضى: هكذا إذًا يا بن الخالة!
 
 
 
 
65

55

فندق إسترا

 - لا تنزعجي، إنها الشمس تطلع من خلف الجبل!

- تمزح مجدّدًا؟

لم يدعني أنام حتى قُبيل الصبح وراح يشاكسني. كنت مضطرة لِقَبول كل ما كان يقوله. في نهاية المطاف أوضح السيد أكبر نورافشان لفاطمة: إنّها بئر النفط، الغاز فوق البئر يشتعل!

حين بزغ النور، ناحية اليمين، حيث كانت الشمس تشرق، شاهدت تسع أو عشر إسطوانات إسمنتية كبيرة مدمّرة. سألت بحشرية: سيد مرتضى، ما هذه؟ أرجوك أن تجيبني صدقًا!
- إنها خزانات وإهراءات القمح، تمّ قصفها في بداية الحرب!

كانت شمس الجنوب الذهبية قد أشرقت على الحافلة بأكملها حين دخلنا مستديرة "تْشَهَارْشير" في الأهواز. عبرنا شارعًا أو شارعين.
- هذا شارع نادريّة حيث سوق السمك والخضار!

كانت المدينة خاليةً ويسكنها الصمت، وكنتُ مُتحفّزة أبحث عن آثار دمار الحرب وخرابها. شاهدت عدّة أماكن في المدينة مدمّرة ومُنهدِمة.

عبرت الحافلة من فوق جسر الأهواز الحديدي واجتازت المياه الملوّثة لنهر "كارون". شاهدت عدّة زوارق وقوارب في مياه النهر. كانوا يصطادون السمك غير آبهين بصخب الحرب!
 
عَبرَت الحافلة شارعين آخرين وتوقفت عند بناء قديمٍ يُشبه الفندق. حالما ترجّلت العائلات أكملت الحافلة بعيدًا مع بقيّة المجاهدين. قرأت لافتة الفندق القديمة: فندق إسترا!

الطقس القائظ جعل جسمي ووجهي شديدي الرطوبة. كنت أتصبّب عرقًا من رأسي حتى أخمص قدمي. دخلنا فندق إسترا الذي
 
 
 
 
66

56

فندق إسترا

 كان يشبه كل شيء إلا الفندق! ودخلنا غرفة خديجة لأجل الاستراحة.


بعدما استرحنا قليلًا قالت خديجة: ما رأيك أن نذهب مباشرة إلى غرفة السيدة بروين1، إنها امرأةٌ صالحة، زوجها في الحرس أيضًا. من الأفضل أن تتعرفي إليها!

سرنا داخل الممر الضيّق للفندق الذي كانت أوراق جدرانه البُنية قد تآكلت وعفا عليها الزمن حتى اسودّت. في وسط الممر ضغطنا على جرس الغرفة رقم 110. فتحت لنا الباب سيّدةٌ شابّة وطويلة ترتدي عباءة بيضاء منقوشة بالورد. قدّمتني خديجة: آمنة، زوجة السيد جاويدي!

حين ابتسمت بروين استقرت محبّتها في قلبي.
- سلام.. تفضّلا، أتيتما في الوقت المناسب! 

ألقينا التحيّة ودخلنا غرفة بمساحة (3*4) م. كانت عدّة نساءٍ أخريات قد جلسن في الغرفة. وَقَفْنَ وتبادلنا السلام والقُبلات. وأخذتْ بروين تُقدّمهن: آسية زوجة مطهرنيا، زهراء زوجة رحمانيان، ومرضية زوجة محسن نيا، وهذه ليلى زوجة بهمن زادكان! وبالتأكيد هذه سيدتي الصغيرة سمية خانم!

كانت طفلة لها من العمر سنتان، بيضاء مشربة حمرة، وبسمتها لا تفارق وجهها. وحالما أردت تقبيلها فتحت فمها تريد أن تأكل أنفي وشفتي!

لا أدري لماذا كنا - نحن النسوة - كلما احتضنت إحدانا الأخرى استسلمت كلتانا للبكاء من دون اختيار. لا بد أنه القاسم المشترك نفسه! الصمت والوحدة والانتظار! انتظارٌ وصمتٌ تواءما مع صراع
 

1- تكتب بروين وتلفظ برفين.
 
 
 
 
 
67

57

فندق إسترا

 داخلي فينا ولم يكن لينتهي في نومٍ أو يقظة، حتى يُختتم دائمًا بهذه النتيجة: الشهادة، الأسر، الإصابة، وفقد الأثر، أيٌّ من هذه الأمور سيكون مصير زوجي؟ وكانت هذه المشاعر قاسمنا المشترك نحن نساء فندق "قيام"1.


تحلّق بعضنا حول بعض وتبادلنا أطراف الأحاديث. وكأنه كُتِبَ لنا أن يحبَّ بعضنا بعضًا وإلى الأبد. وهذه كانت إحدى خصائص العيش المشترك في الحرب! وكأننا البارحة عبرنا في الحافلة جميع حدود القبائح والأحقاد ودخلنا أرض المحبة والصلاح، بل لعلها الجنّة!

بغمضة عينٍ حمل الرجال حقائب الظهر واستعدّوا للوداع. سرّح مرتضى شعر لحيته بمشط صغير أزرق وقال: الحمد لله، لم تعودي وحيدةً الآن. يجب أن نذهب إلى الخط الأمامي. 

سأسعى أن أرجع آخر الأسبوع!

خنقتني الغصّة، لكنني رسمتُ ابتسامة على وجهي. غير بعيد ذهب محمود ستوده نحو زوجته وطفلته. احتضن ابنته وقال: سمية يا روحي، ما اسم أبيك؟

أجابت سمية بلهجتها الحُلوة: اسم بابا محمود ستوده!

ضحكنا جميعًا. حمل محمود طفلته باتجاه صورة جماعية موضوعة على الرفّ في الغرفة رقم 110 تحوي الرّجال جميعهم، أشار إلى الصورة وسأل ابنته: سمية حبيبتي أيُّ واحد من هؤلاء هو أبوك؟

أشارت سمية بإصبعها الصغير إلى صورة أبيها.
- هذا بابا!

استدار ستوده وقال: أترون أي زمن هذا الذي وصلنا إليه؟ ابنتي لا
 

1-* وردت هكذا (قيام) ولعله اطلق عليه ذلك الاسم بعد حين.
 
 
 
 
68

58

فندق إسترا

 تعرفني ولكنها تعرف صورتي!


قالت بروين: لا ذنب للطفلة، هي بالكاد تراك مرة واحدة كل شهر. لكنها ترى هذه الصورة كل يوم!

جعلتنا إجابة محمود ستوده نستغرق جميعًا نحن النساء في التفكير.
- هكذا أفضل، أن لا تعرف وجهي! أن تعتاد على هذه الصورة أفضل من أن تعتاد عليّ!

وَدَّعَنا الرجال واحدًا واحدًا، وظلّت عينا كل واحدة منّا نحن النساء مسمّرة عليهم حتى اختفوا عن أنظارنا!
 
 
 
 
 
69

59

اشلو

 اشلو - 30 آذار 1983


قبيل أذان الصبح عمّ جبهة "حيّ الستين" نداءٌ مسموع.
- أي شَي لَونَك.. أشلونك..يا أخي.. صباح الخير!

في عتمة الفجر قفزتُ من نومي قلقًا محتارًا. حملت سلاح الكلاشنكوف وخوذتي من دون وعي ورميت بنفسي ناحية انعطافة الخندق (الدشمة). لم أعرف كيف حشوت قدميّ بسرعة في حذاء زميلي الموحل والواسع وارتميت خارج الدشمة المؤقتة. التفّ رباط الحذاء المنسدل حول قدميّ واختل توازني خلف الساتر القليل الارتفاع فوقعتُ واصطدمَ رأسي ببطن "حيدر يوسف بور" الذي كان يحمل بيده إبريق الحمام وقد خرج للتو من المرحاض. التففنا بعضنا حول بعض وانقلبنا رأسًا على عقب حتى ارتطمنا بالأرض. قال يوسف بور: هاااااااي حسين قلندري، تشقلبتَ حتى أزبدتَ! ما بك لا تدري رأسك من قدميك!

سألتُ بسرعة: يا حسين، ما الذي حصل؟ لقد هجم العراقيون. سمعت صوتًا عربيًّا!

حينما شاهد يوسف بور حالي وضع يده على صدره وانفجر ضاحكًا! صحتُ منفعلًا: لماذا تضحك أيها المعتوه!

وجّه الإبريق الأحمر نحو الساتر الترابي وقال: افتح عينيك جيدًا لترى، مرتضى جاويدي على الساتر يعظ الإخوة العملاء البعثيين!

دققت النظر في الساتر. كان مرتضى آمر "السريّة الأولى"1 يقف
 

1- اعتمدنا في النصوص لاحقًا: "السرية1"، "السرية 2" بدلاً من "السرية الاولى" و "السرية الثانية"
 
 
 
 
70

60

اشلو

 فوق الساتر الترابي على بعد سبعين أو ثمانين مترًا من العراقيين وقد وضع يديه حول فمه وراح يحدثهم:

- أي شَي لونك..أشلونك..يا أخي..صباح الخير!

سألت يوسف بور: ما معنى "أي شي لونك؟".
- يعني كيف حالك وأحوالك..

لم يكن مرتضى قد أنهى بعد سؤال العراقيين عن أحوالهم حين سقط ناحيته فجأة وابل من النيران وقذائف (الـهاون60) وعندما رأى أن جواب "السلام عليكم" التي أرسلها كان نارًا وقذائف شرع بترديد شعار: الموت ليزيد الكافر صدام..

عند الظهيرة أيضًا تكررت نفس المراسم! لم يكن مرتضى ليرتدع، بل كان يعتلي الساتر الترابي في وضح النهار ليقف أمام أعيننا وأعين العراقيين ويلقي على الأعداء درسًا في العقيدة. كان أحيانًا يقرأ من خلف مكبر الصوت سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾.

لكن جواب العراقيين، كما عند الصباح، كان رصاصًا وقذائف، ومجدّدًا لجأ مرتضى إلى الخيار الأخير.
- الموت لصدام..

جاء عدد من الإخوة في السرية لمشاركته أيضًا وردّدوا: الموت لصدام..

هذه المرة تركزت نيران العدو على الساتر بأكمله. تعجّبت من عدم تدخل قائد الكتيبة "جليل إسلامي" ليمنع مرتضى عن فعله. قلت في نفسي: لا بد أنّ مرتضى يريد أن يثبت أنّه في غاية الشجاعة! والقائد
 
 
 
 
71

61

اشلو

 أيضًا يحسب له حسابًا.


كان كريم الأبرص قد أصيب بشظية في ذراعه وذعر إلى حدٍّ ما، فقال: ما هذه التصرفات يا حسين قلندري؟ سوف يودي مرتضى بحياتنا جميعًا!

مططت شفتي.
- ماذا أقول يا أخ كريم! اذهب إلى المستوصف.

عدتُ وحدّقتُ في وجه مرتضى الأسمر وهو ينزل بكامل هدوئه من على الساتر ويدخل مع قوات سريته إلى الدشمة.

طوال الليل وحتى الصباح كان ذهني مشغولًا بما قام به مرتضى جاويدي الذي كرر عمله عند أذان الصبح. هذه المرة، كان يحمل معه مكبّر الصوت الخاص بمسؤول الإعلام الحاج صلواتي.

- أي شي لونك.. أشلون صحتك..صباح الخير.. الله يسلمك..

كان مرتضى يحدّث العراقيين بالعربية، وعمدة كلامه على كلمة أشلو التي كانت برأيي تخفيفًا لـ"أي شي لونك" نفسها، أي كيف حالك. وكان مسؤول الإعلام، العجوز السبعيني النحيف، الحاج صلواتي كمثل الشباب أيضًا ينتقل على الساتر من هذا الطرف إلى ذاك ويستمع إلى مرتضى. وأما العراقيون الذين قاموا غاضبين من نومهم فقد ردّوا مجدّدًا بالقذائف والرصاص. ثم علا شعار الموت لصدام من مرتضى والحاج صلواتي وعدد من الإخوة في السرية الذين جاؤوا لدعمهما.

شيئًا فشيئًا حين بدأ عمل مرتضى يُلقي الرعب والخوف في قلوب قوات العدو، أدركت أن وراء سلوكه هدفًا. وسرعان ما سرت عدوى مرتضى في باقي شباب كتيبة الفجر، وانجذب الإخوة إلى عمله بحيث بات الجميع في منافسة من أجل الانتقال إلى سرية السيد مرتضى أشلو!

بعد مدة وبينما كنت أعبر من أمام دشمة مرتضى في منطقة
 
 
 
 
72

62

اشلو

 عمليات "حي الستين"، شاهدت لوحة منصوبة إلى جوار دشمة مرتضى مكتوب عليها: دشمة أشلو!


دشمة يتناهى منها كل ليلة إلى مسامعي صوت قراءة سورة الواقعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ... وَمَاء مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ *  لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ...﴾.

كان عليّ أن أدقّ الحديد وهو حام. ذهبت من فوري في أثر حسن مايلر، قناص سرية أشلو، وسألته:
- هل يمكن أن تتوسّط لي لأنضم إلى السرية؟!

حكّ أذنه وقال: بهذه البساطة؟!
- ماذا، وهل تريدني أن أدفع رشوة يا عديم المعرفة!
- أغلى من الرشوة، الانضمام إلى سرية أشلو له شروطه.
- لا تتعبني، وهل تتطلّب التضحية بالنفس شروطًا أيضًا!
- لأجل هذا النوع من التضحية طاااابعًا..

مطّ كلمة طبعًا ليؤكد صعوبة ولزوم الشروط. قلت: ما هي الشروط المطلوبة؟
- صلاة الليل، التدخين ممنوع، المشاركة في هجومات عدة.. وآخرها امتحان التوكل والشجاعة!
- ما هو هذا الامتحان المطلوب؟
- أن تذهب في لحظة استثنائية في وضح النهار أمام أعين الأعداء لتعتلي الساتر الترابي وتخلع قميصك فتجعل صدرك درعًا في وجه الرصاص والقذائف وتقول عشر مرات:
- أسأل الله أن يعطيني مئة ألف روح لأموت مئة ألف مرة في سبيلك!
 
 
 
 
73

63

النفطة والثفنة

 النفطة1 والثفنة2-4 نيسان 1983


عند شمس الظهيرة، جثوت في ناحيةٍ من صحراء نينوى وقد أعياني العطش. لجهة اليمين كانت قد نُصبت خيامٌ بيض وخضر للإمام الحسين عليه السلام، وفي الجهة الأخرى كانت خيام حشود جيش يزيد باللونين الأسود والأحمر. تتناهى إلى مسامعي الأصوات النسائية المتعالية من ناحية جيش يزيد بالأهازيج والهتاف تهييجًا للجنود وتحريضًا. وكان فتى شجاع في قلب المعركة يضرب كالصاعقة جنود يزيد المدججين بالسلاح. وفي كل مرة كان يسقط فيها جندي من الأعداء، كانت جراحات الفتى الممشوق تزداد، وتتكسر النصال على النصال. وسط الغبار وقعقعة الدروع وصليل السيوف وبوارقها، يخرّ الفتى أرضًا فتصخ سمعي صلصلة سيوف الأعداء ورماحهم ممزوجة بضجيجهم وصياحهم فرحًا:
- (ولدي) قاسم..

وفيما تُنهَك ساحة المعركة وقد حمي الوطيس، ومن دون أن أقوم من مكاني، أقتربُ أكثر وأكثر إلى ميدان المعركة ولا يراني أحد. الأشلاء المقطعة والأجساد المضرجة لأصحاب الإمام الحسين عليه السلام تناثرت في كل بقعة من الميدان. يؤخذ بي ناحية خيمة كبيرة مشرفة على ساحة المعركة. يتكئ على سيفه سيد ممشوق القامة نوراني الطلعة كأنما وجهه القمر ليلة اكتماله. ويقترب رجلٌ أسود طويل القامة حاملًا سيفًا وترسًا، يجثو بهدوء على ركبته ويقول: مولاي! أَطلبُ الإذن بالنزول إلى الميدان!
 

1- بثرة يتجمع بداخلها سائل بين الجلد واللحم جراء العمل الشديد أو الحرق أو الاحتكاك المتكرر. 
2- الجزء من الجلد يغلظ وييبس من كثرة العمل.
 
 
74

64

النفطة والثفنة

 يرفع السيد رأسه.

- أنت في حلٍّ مني.. انجُ بنفسك!
- إلى أين يا مولاي؟ أنا خادمك!
- أنت حرّ! يمكنك الذهاب حيث تريد!
- إن حريتي وحياتي الأبدية عندكم يا مولاي!

يبكي الرجل الأسود ويقول: أعلم لماذا لا تعطيني إذن القتال في سبيل الله!

وتصبّ عيناه مجددًا الدمع مدرارًا. يقف السيد ويضع يده على كتف الرجل الأسود.
- اذهب وعِش حياتك!
- إلى أين أذهب يا مولاي! لا طيّب الله العيش دونكم، أعلم أن لوني الأسود لا يمنحني لياقة القتال في ركبكم يا مولاي!
- ما هذا الكلام أيها العبد الطيّب!
- إذًا امنحني شرف الجهاد والشهادة في ركب إمامي!
- حسنًا..
- لي طلب آخر يا مولاي!

يشير الغلام الأسود إلى صدره ويتابع قائلًا: سيدي، عندي أمنية، أن أقف حين أضرب بسيفي في سبيل دين الله بصدر عارٍ أمام سهام الأعداء وسيوفهم.

أُشاهد ذلك الرجل الحر الأسود يخلع قميصه عن بدنه بمرح وسرور، وينزل ميدان القتال. ومن جديد تتناهى إلى سمعي صلصلة السيوف والدروع وتخنقني الغصة. مُشاهِدٌ أنا لمعركة عاشوراء بلا
 
 
 
 
 
75

65

النفطة والثفنة

 حول مني ولا قوة. حين يصيب السهم الأول صدر الرجل الأسود نصف العاري.. أصرخ: أسأل الله أن يعطيني مئة ألف روح لأموت مئة ألف مرة في سبيلك!


- حسين قلندري..قلندري! لماذا تصرخ في الجبهة.. أنا أكلمك.. يا عزيزي لم يحن وقت امتحانك بعد.. أيعقل أن يكون الخوفُ تملّكك.

أيقظتني الرطوبة والبلل. فتحت جفنيّ. تحت أشعة الشمس الحارقة شاهدتُ فوق رأسي وجهًا مدهوشًا مبهمًا. صرخت من أعماقي: يا حسين.. لقد وقعتُ في دشمة المذبحة.. الشمر الملعون.. يا حسين.. الموت ليزيد الكافر صدام..

- أدام الله رزقك، هيا قم. ما كان عليك أن تحفر الدشمة في هذا القيظ حتى تغيب عن الوعي!

ما إن أكمل صبّ ماء المطرة على وجهي حتى انقشعت الغشاوة عن عيني ورأيت نفسي مجددًا في جبهة "شرهاني" بالقرب من مرتضى جاويدي. أمعنت النظر في ملامح مرتضى فاجتاحني شعور حسنٌ برؤياي وقلت بلا وازع: الرؤيا.. طلب الغلام الأسود في الرؤيا من الإمام الحسين عليه السلام الإذن بنزع درعه وقميصه عند النزال.. مرتضى يقلّده.. جلست وألقيت نظرة على وجه "أشلو" وقد تماهى مع العرق والتراب، وأنهكه التعب. بنحو لا إرادي خرجت من داخل القناة الرملية. أمسكت بياقة "أشلو" ورحتُ أقبّل رأسه يمينًا وشمالًا. ضحك مرتضى وقال: في النهاية فعلت الحرارة فعلها!

قلت: سيد مرتضى أنا في ركبك حتى النهاية! 

وضع المعول من يده على الأرض. تبسم وقال: إن شاء الله في ركب مولانا الإمام الحسين!
 
 
 
 
76

66

النفطة والثفنة

 - لا أدري ما الذي حصل، فجأة فقدت وعيي. لكنني مسرور!

- أدام الله رزقك! اذهب إلى الدشمة واسترح!

حمل معوله وشرع بحفر التراب الأحمر والقاسي للقناة التي تقابل إلى جهة اليسار الخط الدفاعي للعراقيين. تزامن ضرب أشلو للمعول مع السقوط الفجائي لقذائف (الهاون60) ملم من قبل العدو.

بعد إلحاح، أخذت المعول من مرتضى وتَفَلْتُ لعابي على باطن كفي وبدأت أضرب في الأرض. أثناء سقوط القذائف علا صياح حسن مايلر. وصل إلى داخل القناة بسرعة البرق وقال لاهثًا: الحاج أسدي آت ليتفقّد الخط!

في تلك الناحية من القناة كان مرتضى، ومن دون انتباه لأمر مجيء جعفر أسدي قائد لواء المهدي، يحفر الأرض الصلبة بنسق سريع. كنت أُجفّف عرقي بالكوفية حول عنقي حين رأيت قائد اللواء فوق رأسي.
- بارك الله بكم!

كان جليل إسلامي قائد كتيبة الفجر ومحمد رضا بديهي وكيهان بور معاون قائد الكتيبة موجودين أيضًا. تركت ما في يدي ووقفت بنحو مستقيم قائلًا: مشكور يا حاج!

مد يده ناحيتي ليصافحني. بسرعة مسحت يدي المعفرة بالتراب بسروالي الكاكي ومددتها. صافحها بشدة، شعرت أنه أحسّ بالنفطات والتورمات في باطن كفي. وحين صافح أشلو قال: ماذا حصل لأيديكم؟ دعني أرى!

كالأطفال سارعت إلى إخفاء يديّ من دون قصد خلف ظهري وقلت: لا شيء يا حاج!
 
 
 
 
77

67

النفطة والثفنة

 توجه قائد اللواء إلى جليل إسلامي قائلًا: أعطِ هذين مأذونية واصرفهما من العمل ريثما يرتاحان!


ضحك جليل إسلامي وقال: "يا حاج أسدي، إذا صرفتهما سيتحتم عليّ حينها أن أعطي الجميع إجازة للراحة، فجميع من في الكتيبة مُنْهَكون وقد مجلت1 أيديهم من العمل!".

فكّر قائد اللواء قليلًا ثم أمسك بقبضة جليل إسلامي وفتحها. وحين رأى نفطات وثفنات يده شاهدتُ الدموع في عينيه.
 

1- أي تقرّحت وتكوّن بين الجلد واللحم ماء بإصابة نار أو مشقة أو معالجة الشيء الخشن.
 
 
 
 
78

68

التلة 175

 التلة 175 -10 نيسان 1983


منتصف الليل، كنتُ منبطحًا أسفل "التلة 175" الحدودية برفقة قوات "السريّة1" بالقرب من المعبر الذي فتحه سابقًا شباب الهندسة. كانت قذائف الكاتيوشا والمدفعية تتساقط قرب الإخوة وتنشر شظاياها وكتل التراب في جميع الأرجاء. ارتددتُ على ظهري وحدقتُ للحظة في القنابل المضيئة الفضية التي كان يرميها العدو فوق رؤوسنا. مباشرة أحسستُ بنفسٍ دافئ على عنقي، استدرت على كتفي الأيمن. كان "حسن مايلر" يحدق بي بعينيه البراقتين في الظلام! 

سأل: قلندري، هل جرحت؟!
- لقد أخفتني. كلا.. كنت أحلّق في السماء!
- إذًا قل إنّك كنت في غاية الأنس!

أعلن "نداء العمليات" من جهاز السرية اللاسلكي:
- يا الله، يا الله، يا الله، إلى الأمام..

لقد أعطى العم مرتضى الأمر بالهجوم. نهضتُ، وجدت الشريط الأبيض (الفوسفوري) الحاجز ودخلتُ المعبر. ركض الجميع خلف العم مرتضى مباشرة باتجاه سفح "التلة 175". 

كانت رصاصات الدوشكا العراقية تمشّط كل المكان. أصابت قذائف الـ(B7) كومة تراب فارتدّت علينا شلالات الطين والشظايا ثم سمعتُ من بعدها صوتًا.
- أخ يا إلهي! لقد عميت!

أمامي وتحت غبار البارود والتراب كان "ناصر براري" قد وضع بندقيته (الكلاشنكوف) على الأرض وراح يعيد بأعصاب باردة
 
 
 
 
79

69

التلة 175

 تركيب قدمه الصناعية التي انفكّت من مكانها تحت الركبة. قلت: ألا تريد أي مساعدة يا ناصر؟


رفع رأسه وقال: لا يا قلبي، فديتُك!

حين وصلت إلى حقل الألغام الثاني كان إطلاق الرصاص الخطّاط قد جعل الجميع تحت مرمى النيران. كنتُ أشعر مع إطلاق رصاصات الدوشكا وكأن مطرقة تنزل فوق رأسي. لقد شلّني صوت انفجارات القذائف المفاجئ ووابل النيران داخل حقل الألغام. تفحصتُ المكان حولي. كانت الحُفَر التي يخلّفها سقوط قذائف الكاتيوشا والمدفع قد ملأت جميع الأرجاء. فورًا وقع نظري على حذاء عسكري بقيت فيه قصبة رجل أحد المجاهدين: لا بدّ أنها قدم أحد شباب الاستطلاع.. بقيتْ هناك!

زحفتُ إلى داخل إحدى الحفر التي خلفتها القذائف، ومددتُ عنقي متلصصًا. كانت نيران قذائف مدفعية العدو المضادة للطيران تتناغم مع النجوم في السماء. وكان العم مرتضى أسفل التلة يطلق قذائف الـ (B7) من على كتفه باتجاه المرتفع (175) ويتقدم: لا يصيبَنَّ العمَّ شرٌّ؟ عار ألا أمضي قُدُمًا! غير آبه بالألغام، أخفيتُ رأسي وبدأتُ زحفي على مرفقي متجهًا نحو أشلو. أثناء المسير كان فتى مجروح ببطن ممزق ينادي الإمام الحسين عليه السلام. وفي ناحية أخرى كان هناك جسدٌ متفحم عبقت منه في أنفي رائحة اللحم والجلد المحترق، وبعيدًا عنه كانت جثتان مقطعتين إربًا إربًا.

وصلتُ إلى العم مرتضى بشق الأنفس، فيما كان هو يتقدم بشباب الكتيبة. كان العراقيون يقاومون من فوق التلّة وقد جعلوا الإخوة هدفًا لقذائف الـ (B7) والرشاشات والقنابل اليدوية. 

ورغم هذا الظرف فإن التقدم لم يتوقف، وبدأنا بالصعود من سفح التلة نحو الأعلى.
 
 
 
 
80

70

التلة 175

 مع بزوغ الفجر وصلنا إلى أعلى "التلة 175". صاح أشلو: طهّروا الخنادق!


وتحت إشراف أشلو دخلنا الممرات المتعرجة وبتنا في مواجهة مباشرة مع قوات العدو. أصيب مسؤول الاتصالات (عامل الإشارة)، الفتى المرافق لمرتضى، وسقط أرضًا. وبدأ الجنود المعدودون المتبقون من قوات العدو بالتراجع، وتم تحرير "التلة 175".

مع إشراقة الصباح لم يكن قد تبقى من المئة شخص في السرية إلّا ثلاثون على قيد الحياة مع عشرة أسرى كنّا قد أسرناهم من قوات العدو. جاء العم مرتضى وأعاد تنظيم الإخوة من جديد وقال: يُحتمل بدرجة عالية أن يقوم العراقيون بهجوم مضاد لاستعادة التلّة، يجب أن نستعد للدفاع!

فتحَ جهاز اللاسلكي وطلبَ من قائد اللواء قوة دعم. كنا متعبين وعطاشى، ومهما طال انتظارنا لم يكن هناك أي خبر عن قوة الدعم. عند الساعة العاشرة صباحًا ولأجل استعادة "التلة 175" قام العراقيون بهجوم مضاد برّي وجوّي. هاجمتنا كتيبة كومندوس مسندة من المدفعية ونيران الهيلوكوبتر. نظر العم إلى "التلة 179" على يميننا وقال: لا يبدو أن شباب "السريّة2" قد تمكّنوا من السيطرة على "التلة 179"!

وكان حقًّا ما قال. نزلت علينا أول زخة رصاص (ملوّن) من جهة العدو في "التلة 179"، وتبعها انفجار تلك القذائف الحربية فوق رؤوسنا! اتصل العم بجليل إسلامي الذي كان قد ذهب مع شباب "السريّة2" للاستيلاء على "التلة 179".

- جليل، جليل، مرتضى..
- مرتضى على السمع!
 
 
 
 
81

71

التلة 175

 - في الموقع يا جليل، نحن بتنا هدفًا..

- مرتضى نحن لم نتمكن من السيطرة على 179 واضطر الشباب للتراجع!
- ما هي الأوامر؟ بتنا نتلقى النيران من جميع الجهات!
- سوف أتصل بالحاج أسدي. أعلمك بالمطلوب.

كنّا تحت مرمى النيران من ثلاثة اتجاهات، وكان العراقيون ينصبّون من دون تردّد كالجراد من الأعالي. استشهد عدة إخوة آخرين وجُرح البعض الآخر، وفي آخر الأمر اتصل جليل إسلامي.
- ما الوضع يا مرتضى؟
- ليس على ما يرام، نحتاج قوة دعم.
- مرتضى، جناحاك الأيسر والأيمن لم يتمكنا من السيطرة على المواقع المطلوبة، قال الحاج أسدي انسحب مع شبابك بحذر! مفهوم؟ ما هي خطتك من أجل الانسحاب؟
- ولكن بهذه الطريقة سوف نترك جثث الشهداء خلفنا!
- ليس أمامنا حلٌّ آخر يا مرتضى، تراجع بالأحياء معك.

عند الظهر قسّم مرتضى الإخوة المتبقين إلى مجموعتين وقال: المجموعة الأولى تُطلق النيران على العدو حتى تتمكّن المجموعة الثانية من إخراج الجرحى!

بقيتُ أنا ومرتضى في المجموعة الأولى وتولت المجموعة الثانية عملية التراجع بالجرحى. فُتحت الجبهة واستمر إطلاق النيران حتى تمكنوا من النزول إلى أسفل التلة وبعدها وصلوا إلى حقل الألغام. كان مرتضى قد وضع جثث عشرين شهيدًا من أفراد سريته في مكان مناسب من التلّة وفصل قلاداتهم، وبدأنا بعيون غرقى بالدموع عملية التراجع.
 
 
 
 
 
 
82

72

التلة 175

 وحيث لم ترافقنا قوة إسناد ناري فقد كان تراجع مجموعتنا صعبًا. كان علينا أن ندخل حقل الألغام في وضح النهار وأمام أعين الأعداء. لقد كان حقل الألغام بالنسبة إلينا بمنزلة كعب آخيل وعين اسفنديار1.


داخل حقل الألغام كانت نيران العراقيين المباشرة تنهال علينا من كل جانب، لقد تحوّلنا إلى أهدافٍ للرماية! تحت وابل النيران كنت أنتظر حصتي من الرصاص. لفت انتباهي صوتُ مرتضى: لا تتحلّقوا حولي.. انجوا بحياتكم.. اسمعوني.. أنا لا أسامحكم إن لم تبتعدوا من حولي. 

بعد جهد جهيد تمكّنت من الاقتراب من مرتضى. كان المشهد الذي تراءى أمامي غير قابل للتصديق! في تلك الأوضاع المحتدمة والقتل الجاري كان الإخوة المتبقّون قد تحلّقوا كالفراشات حول مرتضى وراحوا يتحركون خطوة خطوة معه حتى يمنعوا عنه الرصاص!
- لا تصيبنّ العمّ رصاصة وفينا عرق يجري!

كان مرتضى يتعذّب. يضج وينوح. يبكي ويترجى الإخوة أن يتفرقوا عنه: أقسم عليكم بروح الإمام أن تبتعدوا..

وكان الإخوة يذرفون الدمع ويطلقون النار باتجاه العراقيين وقد اشتدت عزيمتهم وأحكموا جمعهم أكثر حول مرتضى حفظًا له وهم يصرخون: .. كلنا فداء لـلعم مرتضى.. 

بشكل تلقائي صرت جزءًا من ذلك الدرع البشري. وحين تجاوزنا حقل الألغام وخرجنا من مرمى النيران لم يكن قد تبقّى سالمًا منّا إلّا العم مرتضى وأنا وشخصان آخران.
 

1- يراجع الملحق: كعب آخيل.
 
 
 
83

73

التلة 175

 عندما وصلنا إلى ساترنا الترابي لم يكن مرتضى ليهدأ أبدًا. كان يتنقل من مكان إلى مكان بحثًا عن جليل إسلامي قائد الكتيبة، يريد أن يرجع ليلًا ويعيد جثث أفراد سريته. لكنّ الخبر وصل: جثة كيان بور معاون قائد كتيبة الفجر بقيت أيضًا على "التلة 179"، وقد أُصيب كلٌّ من جليل إسلامي ومحمد رضا بديهي.

 

 

84


74

مطر الأقاحي

 مطر الأقاحي - 10 أيار 1983


﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ...  إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا *  عُرُبًا أَتْرَابًا *  لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ *  ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ *  وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ *  وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ... فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.

- سلام ابنة خالتي!

أغلقت المصحف، قبّلته واستدرتُ بسرعة ناحية مدخل الغرفة رقم 120. كان مرتضى، بعينين دامعتين ورأس ووجه معفّرين بالتراب وشعر رأس قصير، واقفًا داخل إطار باب الغرفة ينتظرني حتى أنهي قراءة سورة الواقعة. تبادلنا النظرات وتلعثم لساني.
- يا إلهي! .. مـ..رتـ..ض...ـى!

مسح بيده على لحيته الشعثاء.
- ماذا يا بنت الخالة، أرأيت جِنًّا!

حين تمالكت نفسي مسحتُ دموعي وقلت: الحمد لله! كنتَ واقفًا تستمع أيها الماكر!
- كنت أظن أنك تقرأين سورة الواقعة ليلًا!
- الليل له عمله. عندما وصلتُ إلى أصحاب اليمين وصلتَ أنت، ماذا يعني هذا.. مرتضى؟

شبك أصابع كلتا يديه خلف رأسه، فكر وأخذ نفسًا عميقًا. حدقتُ في وجهه الأغبر. تمنيتُ أن أبقى أنظر إليه حتى قيام الساعة. وضع يده أمام وجهي وحرّكها مرات وقال: استغرقتِ في الهلوسة؟ ألا ترين إنسانًا أمامك؟
 
 
 
 
85

75

مطر الأقاحي

 مسحتُ بيدي على رأسه المعفّر ومسحتُ عينيّ بها.

- وهذا كحل عيني.. أليس هناك وقت للاستحمام في الجبهة! 

تبسّم.
- كيف لا.. هناك حديقة عامة وسينما وكأننا في الكويت! تقرأين رسالة الإمام العملية أيضًا؟
- نعم، صحيح، تعال واسألني!

حين جلس ذهبتُ وأشعلتُ مدفأة الكاز في زاوية الغرفة 110 ووضعتُ إبريق الماء عليها.

كان الوقت يميل نحو الغروب. ضغطت مفتاح المصباح الدائري المعلّق بالسقف. عدتُ ووضعت الشاي في الإبريق وقدّمته لمرتضى. شرب الشاي وقال: سلمت يداك! لقد قرّر اللواء الانتقال إلى غرب البلاد، إلى كردستان!
- لماذا؟!
- مهمة جديدة!
- وهل ينبغي أن أحزم أمتعتي في حقيبة!
- لا يا آمنة، هذه المرة يجب أن تعودي إلى فسا.

أطلقتُ العنان لغضبي وقاطعته قائلة: لن أعود إلى جليان إلّا معك!
- يا بنت خالتي بقية النساء أيضًا سيرجعن.
- لا شأن لي بهنّ! أذهب معك إلى الغرب وإن لم يكن الأمر ممكنًا سأبقى أنتظرك هنا!
- تبقين وحيدة!
- ههنا أكثر راحة لي من جليان. هناك عليّ أن أجلس وأغرق في
 
 
 
 
86

76

مطر الأقاحي

 الكآبة والحزن.

- كما تفضّلين!
- مرتضى!
- يا روح مرتضى!
- ألا يمكن أن تتأمّن غرفة هناك كما هنا!
- لا يا بنت خالتي، لا يوجد فندق هناك!

ضحكت.
- كيف هي الكويت؟
- منطقة كردستان فيها معارضو الثورة، وهناك حضور للحزبين الكرديين "الكومله" و"الديمقراطي"1، وهم يطعنون بالخنجر في الظهر. ليست مكانًا مناسبًا للأُسَر.

ضحك وواصل كلامه: بالطبع هناك الثلج والمطر والأقاحي الجبلية.. فكردستان جميلة!
- أنا أعشق الأقحوان والخطر!
- لقد صدقتُكِ القول. مجيئك إلى هناك سيبقيني قلقًا عليك!
- إذًا أنتظرك هنا!

ظهيرة اليوم التالي دخل مرتضى بهدوء وصمت إلى الغرفة 110. رسم ابتسامة على شفتيه. سرّح بالمشط الأزرق في يده شعر رأسه الذي تمّ تقصيره للتوّ، ثم سرّح شعر لحيته. 
- إذا كنّا عبئًا فنحن راحلون إذا كنّا قساةً فنحن راحلون!

خنقتني الغصة. ودّعني وخرج من الغرفة. حبستُ دموعي. كدتُ
 

1- يراجع ملحق (كومله).
 
 
 
87

77

مطر الأقاحي

 أنفجر من الداخل! ذهبتُ خلف نافذتي الصغيرة وأزحتُ ستارتها البنّية ورحتُ أحدّق في الخارج. كان مرتضى ومحمود ستوده قد صارا داخل موقف الفندق. 

- سلام، عذرًا على الإزعاج.

استدرت. كانت بروين زوجة ستوده وسمية ابنتها الصغيرة قد صارتا داخل الغرفة. تقدمتا بعجل نحو النافذة. قالت بروين: اعذريني لقد أفقدَتْني سمية صوابي، تقول إنها تريد أن تشاهد من خلف النافذة والدها وهو يذهب. وأنت تعلمين أن نافذتنا تطلّ على كارون!
- أهلًا وسهلًا بكما!

تقدمتُ واحتضنتُ سمية، وصرنا أنا وبروين نتأمل زوجينا اللذين ركبا في سيارة التويوتا الرمادية اللون.

وكأن مرتضى كان يعلم حين تحركت السيارة أنني أراقبه من خلف النافذة. ألقى نظرة على النافذة ورفع إصبعيه راسمًا علامة النصر نحوي. مرّت السيارة بجانب النخلات المغبرّة لفندق استرا ثم اختفت عن ناظري. همستْ بروين وقد خنقتها الغصة: آمنة هل سنراهما مرة أخرى!

ارتجفتْ شفتاي وانفجرتُ بكاءً.
 
 
 
 
88

78

عمو زنجير باف

 "عمو زنجير باف"1- 15 أيار 1983


عند الظهيرة، بعد تسلّق خمسة كيلومترات محمّلين بالعتاد في جبال بيرانشهر، وصلنا إلى داخل القاعدة منهكين وبلا رمق. صاح العم مرتضى الذي كان أكثرنا نشاطًا وهمة: من المتعب؟

صرخنا في الكتيبة جميعًا بصوت واحد: العدو!
من الأبتر؟ أمريكا!
الروحية؟ عالية!
وحين سكت العمّ، انطلق "مش موسى"، مسؤول الدعم:
البطون؟ خالية!
التعبوي؟ مقاتل!
حزب الله؟ مقاتل!
أمريكا؟ بائسة!
السوفياتية2؟ بائدة!
إسرائيل؟ زائلة! 

في نهاية التدريب اليومي، لم يبقَ فينا رمق أو حناجر، ولكنّ خطوات العمّ مرتضى الشامخة والثابتة كانت تبعث فينا جميعًا الحياة من جديد. من ناحية أخرى كنا مسرورين أنّ هجومًا جديدًا يوشك أن يشنّ وسوف نغير على العدو البعثي. ابتسم العم ويده على وسطه وقال
 

1- يراجع ملحق: العم زنجبير باف (العم رابط السلسلة).
2- اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية أو ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي سابقًا.
 
 
 
89

79

عمو زنجير باف

 بحزم: جلوس!


الخوذات على الرؤوس والحقائب والأغطية على الظهور، والأسلحة في الأيدي، جلسنا متناسقين وصرخنا: يا حسين!
- قف!

وقفنا جميعًا وهتفنا: يا علي!.
كنا مسرورين من انتهاء تدريب هذا اليوم المنهك، لكن صوت العم فجأة خرّب علينا فرحتنا.
- اليوم نريد أن نمشي ضعف المسير اليومي!

جمدت تعابير البعض وصرنا نتبادل النظرات فيما بيننا. قال أحدهم من خلفي: لقد مجلت أقدامنا!

كثر التهامس بين الأفراد. رفع العم مرتضى يده عاليًا.
- التسلّق المضاعف اليوم ليس إلزاميًا! كلّ من لديه عذر يمكنه الخروج من الصف والذهاب للاستراحة في خيمته!

كانت الشمس في كبد السماء. زادت الهمهمات. صرنا نحدّق في بعضنا بعضًا الواحد تلو الآخر. كنا مستعدين أن نضحّي بأرواحنا لأجل مرتضى، ولكن في ظلّ هذا التعب المضني، كان من المستحيل أن نتحمّل مسيرًا مجهدًا آخر! قال جليل إسلامي الذي كان قد تنازل عن قيادة كتيبة الفجر لمرتضى تطوعًا والتحق هو في ركبه: كل من لديه اعتراض فليخرج من الرتل.. ليذهب للصلاة وتناول طعام الغداء!

توانيت متردّدًا وانتظرت. طال الوقت حتى خرج أول شخص من الرتل. تبعه عدد آخر. من بين ما يفوق الثلاثمئة شخص في الكتيبة كان لا يزال هناك مئتان. أشار العمّ إلى إسلامي فأوضح الأخير مشيرًا بإصبعه إلى المرتفع والوادي الرماديّين أمامنا اللذين كنا جلنا
 
 
 
 
 
90

80

عمو زنجير باف

فيهما صباحًا.
- ليس الأمر مزاحًا، علينا أن نذهب إلى هناك مرة أخرى!

توقف قليلًا، وتراجع خمسون أو ستون شخصًا آخر. تقدّم العمّ بحيث يراه الجميع.
- أما من أحد آخر يريد أن يذهب ليستريح! أكرّر مرة أخرى، ليس الأمر إجباريًّا، والوقت ليس ليلة عاشوراء، كما إنّني والعياذ بالله لست الإمام الحسين عليه السلام!

أعطى كلامه الحجة للبعض وانسحب عدد أكبر من الرتل فلم يتبقّ إلا سبعون شخصًا. هزّ العم يده مرخّصًا لهم في الانسحاب وقال للبقية: امشوا خلفي في صف واحد!

بدأ المزاح والضحك، وأمسك كل واحد بالحزام العسكري لمن يتقدمه وانطلقنا.

وصار حسن مايلر ينشد أنشودة: "عمو زنجير باف"!

ونحن بدورنا صرنا جميعا نمطّ حروف كلمة نعم خلفه ونقول:نعم!
- هل ربطتَ سلسلتي؟ نعم!
- هل وضعتها خلف الجبل؟ نعم!
- جاء العم! ماذا جلب؟
- سندويش وعصير! كل وتعال.

انعطفت الكتيبة التي تقلصت إلى سرية خلف أول مبنى في القاعدة.
- بأي صوت؟ الهاون.. الهاون..
كُپ كُپ كُپ.. كُپ..

أثناء المسير كانت جفوننا قد أطبقت من كثرة الضحك المكتوم،
 
 
 
 
 
91

81

عمو زنجير باف

 وكنا نرتجف من شدة الضغط الذي مارسناه على أنفسنا! ذهب بنا محمد رضا بديهي، المعاون الثاني لقائد الكتيبة، مباشرة إلى باب خيمة الدعم الخاصة بالكتيبة وأعطى الأمر بالتوقف: اجلسوا!


جاء العم وجليل يضحكان. كانت ضحكات صامتة سبّبها الإنهاك الذي أضنى أجسامنا. قال العم: قوّاكم الله، وعافاكم دومًا!

نادى "مش موسى"، مسؤول الدعم في الكتيبة فظهر مع أشخاص عدة يحملون في أيديهم صندوقًا من الثلج.
- هذه مكافأة إيثاركم!

أخرج "مش موسى" ذو الشعر الرمادي من داخل الصندوق المطاطي علب عصير، وصار يوزّعها على الإخوة ويقول ما بين الجد والمزاح: خسارة أن يضيع هذا العصير المنعش والصافي في بطونكم!

وُزّعت علب العصير وكأن "مش موسى" كان هو الذي تمّ توزيعه! في النهاية قال العم: لم يكن هناك عدد كاف من علب العصير لكل أفراد الكتيبة، فكان لا بدّ من أن أختبركم، الآن أكملوا المسير بالعودة إلى خيمتكم واستريحوا!

شربنا العصير البارد دفعة واحدة، وعدنا ننشد "عمو زنجير باف" من جديد حتى خيام الاستراحة.
- "عمو زنجير باف".. نعم..
 
 
 
 
 
 
92

82

حوالة البغل

 حوالة البغل 31 أيار 1983م


صباحًا، عندما ركبت الجيب العسكري برفقة صالح أسدي وجلال كوشا قاصدين ثكنة الجيش في بيرانشهر، ظهر مرتضى أمام السيارة بغتة.
- حاج كاظم.. إلى أين تذهب بهذه السرعة؟

رفعت إصبعيّ عاليًا مشيرًا إلى علامة النصر.
- ينقصُنا بَغلان لأجل الهجوم، ونحن ذاهبون لاقتراضهما من الإخوة في الجيش!
- حاج كاظم حقيقت، بعد إذنك أريد أن آتي.

قفز صالح من المقعد الأمامي للجيب المكشوف إلى المقعد الخلفي وأخلى المكان. جلس مرتضى بجانبي، وضع كفّيه خلف رأسه، واتّكأ على الكرسي.

شهر التدريب المكثّف هذا قد أجهدني. أنا خجلٌ من شباب كتيبتي! لقد استنفدوا وُسعهم.

ضغطت على دوّاسة البنزين وخرجنا من المقر. كانت الطريق الجبلية شديدة الخضرة وكثيرة التعرّج، وكان النسيم البارد يلفحُ وجهي. رأيتُ جنودًا بأيديهم بنادق (G3) وقد تموضعوا كلَّ مئة متر فوق التلال ضمن مجموعات. لوّحت لأحدهم بيدي. قال مرتضى: "حاج كاظم، هل تعلم كم عدد الجنود الذين يسقطون لأجل حماية طرقات كردستان حاليًا!".
- أهلك الله أعداء الثورة الذين استحالوا عملاء ومرتزقة لصدام!

غيّر صالح موضوع الكلام.
 
 
 
 
 
93

83

حوالة البغل

 هل تعلمون أنّ قيمة البغل في الجبال أغلى من "التويوتا!".


استدرت قليلًا ونظرت إليه: "صالح، من سيتولى ركوب البغال؟".
- أنا، أعرف ركوب البغل.

قال جلال: "هذا رائع!".

قلت: "جلال، وماذا عنك؟".
- في الحقيقة في أيام طفولتي رفسني حمارٌ تحت عيني.. وهذا مكان الضربة! 

نظرتُ إليه من خلال المرآة الأمامية وقلت: "يا فصيح، ليس الحمار، البغل!".
- وما الفرق، كلاهما يرفس!
- ما إن تركبه، سوف تبتهج، وأعدك أنّك سوف تقع في غرامه!
- وقعتُ في الغرام مرّة وكانت كافية للعمر كله! ولكن برأيي، الحياة بلا غرام كالسندويش بلا مرطبات.

قال مرتضى: "تذكّر يا حاج كاظم ما إن نرجع إلى الأهواز علينا أن نُبلِّغ زوجة الحاج!".
- عم مرتضى، لا توقع الخلاف بيني وبين زوجتي!

رمى جلال الكرة في ملعب صالح أسدي.
- صالح، كم غيارًا للسرعة لدى البغل؟

وضع صالح يده على صدره وتحسّس أضلاعه.
- هذا الغيار1 لن أُخبرك عنه!
 

1- في النص الفارسي لعب على الألفاظ، حيث استخدمت كلمة "دنده" كمشترك لفظي بمعنى غيار سرعة مرة، والضلع مرة أخرى.
 
 
 
 
94

84

حوالة البغل

 قلت: جلال، يجب أن تكون رفيقًا بالبغل، أن تُعايشه.. علينا أن نذهب بواسطة هذه البغال إلى عمق 30 كلم داخل الأراضي العراقية!


قال مرتضى: بدون هذه البغال، لن نصمد حتى يومًا واحدًا!

أشار جلال بإصبعه إلى جانب الطريق.
- ما هذا يا حاج كاظم!

التفتُّ إلى سيارة تويوتا عسكرية مدمّرة يتصاعد منها الدّخان الأسود!
- لم تكن هنا البارحة!

قال مرتضى: لقد كمن لها الـ "كومله" البارحة، استشهد على الأثر اثنان من شباب التعبئة في اللواء وقاموا بقطع رأس شابٍّ آخر! 
لمحتُ إلى جوار السيّارة المحروقة لوحة مخطوطة.

"يا كُتّاب التاريخ! فليُكسَر القلم الذي لا يكتب عمّا جرى على الخميني وأصحابه".

تنهّد مرتضى تنهيدة طويلة.
- إلهي.. متى يحينُ الوقت الذي نعبر فيه الحدود ونحرق مقر هؤلاء!

شاهدتُ الدمع في عينيّ مرتضى. أَمَلْتُ مِقوَد السيّارة وانعطفتُ مبتعدًا عن المنطقة الجبلية ودخلتُ في السهل.

حين شاهدتُ الجدران العالية لثكنة الجيش خففت من سرعة السيارة وقلت: "مع الاعتذار من العم، للعسكر في الجيش نظامهم، أرجو أن تلزموا الآداب لعدّة ساعات!".

دُستُ على الفرامل أمام باب التفتيش وأبرزتُ للجنديّ المسلّح تصريح المرور وورقة الحوالة، فأمسكها وراح يتأمّل فيها. لكمني جلال
 
 
 
 
95

85

حوالة البغل

 على جانبي.

- لقد حمل الورقة بالمقلوب! 

دفعتُ صالح بهدوء على جانبه:
قلتُ لك، أحسنوا التصرف!

ظلّ الجندي محتارًا في الأوراق المقلوبة التي يحملها بين يديه وقال في نهاية المطاف:
- ماذا لديكم؟

قال صالح: جنابكم، يجب أن ندخل لنستلم الحمار.
أخذ الجندي نفسًا عميقًا. رمقنا بنظرة حادة وهزّ رأسه.
- أعلم ذلك!

أعاد إلينا تصريح المرور والحوالة وأشار بإصبعه إلى إسطبلٍ كبير.
- اذهبوا إلى قسم البغال!
- شكرًا جنابكم!

ما إن تحرّكتُ، خرج راكضًا من المرحاض خلف حجرة التفتيش جندي آخر وبيده إبريق بلاستيكي أحمر! نظر إلى سيارتنا. وضع الإبريق أرضًا. شدّ حزام وسطه وصاح بالشرطي: من كان هؤلاء.. ألم أقل لك.. لا تعط إذنًا بالمرور لأحدٍ حتى أرجع! يا عديم الفهم..

ضغطت على دوّاسة البنزين وتوقّفت أمام الإسطبل الكبير. استلمنا البغلين ورحنا نتأمل فيهما. لم يمتلك أيٌّ منّا جرأة ركوب أيّ منهما. قال مرتضى: "أنا سأُجرّب!".

قال جلال كوشا: "لا يا عم .. وهل متنا نحن؟".

ركب جلال البغل بسرعة. انحنى. وأمسك لجامه.
 
 
 
 
 
96

86

حوالة البغل

 - لا لا لا لـ.. لست سيّئًا.. الأمر سهـ.. 


جَمُدت الكلمات في فم جلال واهتزّت الأرض من تحت قدميه. تذكّرتُ أفلام رعاة البقر (الكاوبوي) وراكبي الحمير الوحشية ورفسات الأحصنة!
- يااااااا أماااااه.. يـ يا إمام شاه تشراغ1.. لقد أ.. أ..أخطأت..

شرع البغل يهُزّ جلال كمثل مادة هلامية وانطلق يعدو! وكان جلال كمثل القُراد2 ملتصقًا بظهر البغل المسكين! أما البقية، فلم نتمكن من الحركة أو الكلام من شدّة الضحك اللاإرادي. وما إن أفقنا من الصدمة، حتى انطلقنا في أثر البغل! الحيوان يعدو ونحن نعدو خلفه! اتجه البغل نحو حجرات الإسطبل وأخذ يدخل الواحدة ليخرج من الأخرى وهو يرفس ويركل. ساد الهرج والمرج. كان الجنود والضّباط الذين تجمعوا جراء صراخ جلال وصياحه قد وضعوا أيديهم على بطونهم من شدة الضحك المتواصل.

دخل البغل وجلال إلى كراج تغيير الزيت وبعد العدو لمسافةٍ تزحلق البغل وتوقّفا. كشفنا على البغل الذي كان يعرج في حركته وأدركنا أنّ عينه اليسرى كانت منطفئة!

بدّلنا البغل الأعرج والأعمى. هذه المرة قال صالح "بسم الله" وركب البغل الجديد. خائفًا ومرتجفًا تحرك صالح ما أمكنه على مهل. زفر الحيوان وهزّ قليلًا. حفّ الأرض برجله الأمامية ثم فجأة قلع صالح من مكانه بسرعة مذهلة وفرّ به مثل الريح! قلت: "اللهم
 
 

1- لقب يطلقه أهل شيراز على السيد أحمد بن الامام موسى الكاظم (عليه السلام)، المدفون في شيراز وله ضريح ومزار مهم فيها.
2- القراد: دويبة متطفلة من المفصليات ذات أربع أزواج من الأرجل تعيش على الدواب حيث تلتصق بها وتمتص دمها.
 
 
 
 
97

87

حوالة البغل

 الْطُف بصالح!".


قفز مرتضى خلف مِقود الجيب.
- اركبوا!

لحِقْنا البغلَ الهارب بالسيّارة! أمام مقرّ المراقبة في الثكنة كان الجنديان لا يزالان يتشاجران بشأن فتح الطريق أمامنا! تجاوزناهما وتواصلت عملية التعقّب والفرار خارج الثكنة. كان صالح محنيًّا وقد أمسك برقبة البغل بكلتا يديه بإحكام. وكان البغل يعدو بسرعة نحو بيرانشهر. أكثر من مرّة ظلّ صالح معلّقًا بالبغل من جهة واحدة فيما كانت قدماه تشحطان على الأرض، كأنّما كان قد التصق برقبة البغل! قلت: "مرتضى، تجاوز البغل وسدّ عليه الطريق!".

ضغط مرتضى على دوّاسة البنزين وصِرنا أقرب من البغل الجامح. قلت: "يا عم.. لقد اصطدمنا به، خُذ يسارك.. احتياطًا..".

وصل البغل إلى شوارع بيرانشهر واستمرت الملاحقة والفرار أمام أعين الناس الضاحكة في الأزقة والسوق. في نهاية المطاف انعطف الحيوانُ داخلَ زقاقٍ وسلك مرتضى طريقًا مختصرة ليقطع الطريق على البغل. عندما وصلنا إليهما كان صالح مرميًّا على الأرض ملطّخًا بالدماء وتغطي الجراح جميع أنحاء بدنه، والبغل فوق رأسه يلهث ويدُقّ الأرض بحافره!
 
 
 
 
 
 
98

88

الأخدود

 الأخدود1 - تسعة 5 حزيران 1983


- صالح يجب علينا أن نستطلع كل معسكر العدو بدقة.

أكد "كاظم حقيقت" مسؤول المعلومات العسكرية للواء المهدي مرات عدة: يا صالح، يجب إرشاد مرتضى إلى المنطقة كأحد أفراد فريق المعلومات. انتبه له! إن أصابه أدنى مكروه فإن الحاج أسدي سيسلخ جلدنا!

مساءً، شكلنا فريق استطلاع مؤلّفًا من ثمانية عشر شخصًا ونزلنا من مرتفع قمطرة الحدودي العالي مرتدين اللباس الكردي نحو وادي الحاج عمران في عمق أرض العراق.

استغرق الأمر أربعًا وعشرين ساعة حتى ابتعدنا عن العدو بالالتفاف حول محور منطقة "الحاج إبراهيم"، ووصلنا إلى معسكر أكراد الحزب الوطني الكردستاني المعارض في العراق. 

عندما دخلنا إلى الشيار رقم تسعة، حضر لاستقبالنا الأخ إدريس من قادة الحزب الوطني لكردستان العراق. همس كاظم في أذن العم مرتضى: الأخ إدريس هو أخو مسعود البارزاني، رئيس الحزب الوطني لكردستان العراق! وهو إنسان مميز!

سأل مرتضى متعجبًا: ابن الملا مصطفى البارزاني المعروف؟!
- نعم.. الأخ إدريس أكثر تحصيلًا من أخيه مسعود. لقد درس في أوروبا، ويتقن لغتين أجنبيتين، وهو أيضًا حافظ لكلّ القرآن!
- حافظ لكلّ القرآن؟
 
 

1- (شيار نه)، أخدود أو منخفض تسعة.
 
 
 
99

89

الأخدود

 بعد ساعة شدّ صوت تلاوة مرتضى للقرآن الأخ إدريس إلى جوار النار.


﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ...  فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ *  وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ *  لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ *  إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ *  وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.

في منتصف العمر وبابتسامة على الشفتين اقترب الأخ إدريس ووضع سلاحه الكلاشينكوف الأخمس بجوار النار. فتل شاربه الكث والأسود وتحت انعكاس ضوء شعل النيران أمعن النظر في مرتضى الذي كان يقرأ سورة الواقعة غيبًا.

﴿... قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ *  لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *  فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.

عندما أتم مرتضى قراءة القرآن قال الأخ إدريس: لقد سمعت الكثير عن رجال الحرس! وهذه فرصة جيدة لأفهم لماذا وضع صدام جائزة بقيمة خمسين ألف تومان مقابل رأس كل واحد منكم!

سكت قليلًا ثم تابع: يقولون إنّ كل واحد منكم يقاتل بمقدار عشرة من البشمركة1! كم كنت أتمنى أن أحظى بكتيبة منكم!

قال العم مرتضى ضاحكًا: يا أخ إدريس، تحمّلنا نحن عدة أيام، وإن لم تندم فكتيبة الفجر مباركة عليك!
 
 

1- البشمركة أو الفدائيون كما تعني الكلمة بالعربية، وهي ترمز إلى القوات المسلحة الكردية الموجودة في شمال العراق.
 
 
 
 
100

90

الأخدود

 هز الأخ إدريس رأسه وقال متأملًا: لا يبدو من قوامك النحيل وعظامك البارزة.. أنك تتمتع بالقوة! وضع مرتضى يده على قلبه:

- يا أخ إدريس قوة أفراد الحرس ها هنا، وليس في عضدهم!

حدق الأخ إدريس في وجه مرتضى.
- لا بدّ أنك القائد.. أليس كذلك؟

تسمّرنا في مكاننا. سأل كاظم: أتعلم بالغيب يا أخ إدريس؟
- كلا.. العينان، القلب، تلاوة هذا الرجل لسورة الواقعة، تنطق بذلك. فلندع ذلك جانبًا..

أشار إلى الرجل الضخم المتوسط العمر إلى يمينه.
- الأخ ملازم علي. الضابط الفارّ من الجيش العراقي، ابن بلدكم ومن بلوشستان! يعرف المنطقة مثل كفّ يده!

بعد ساعات من الاستراحة، بدأنا برفقة ملازم علي وشخصين كرديّين باستطلاع المواقع الموجودة فوق المرتفع. شيئًا فشيئًا رمّمنا الخرائط الناقصة للمحاور ووصلنا إلى مرحلة كان يجب علينا فيها أن نذهب لنشاهد عن قرب الموانع الدفاعية للمواقع العراقية ونعاينها. قلت للأخ ملازم علي: هل تأتي معنا؟ 
- إلى أين يا أخ صالح؟
- قريبًا من المواقع؟!

عقد الأخ ملازم علي حاجبيه الكثيفين وخزّر عينيه.
- أجُننت يا أخ صالح؟ هل تريد أن تقتل نفسك!

قلت ببرودة أعصاب: لدينا تجربة. لن تحدث أي مشكلة!
- لا أستطيع أن آذن لكم. قم بالاستطلاع من هذه المسافة!
 
 
 
 
 
101

91

الأخدود

 - يجب أن نذهب ونعاين عن قرب! أن ندرس بدقة موانع الأسلاك الشائكة وحقل الألغام والمحور.


مسح على شاربه الرمادي الكثيف.
- لا علاقة لي بذلك. اجلس فوق المرتفع واستطلع بواسطة المنظار! 

ومهما قلت، لم ينثن عن قراره. واصل قول لا بشكل متلاحق. ضحك مرتضى وقال: لا تلوموه، هم يعيشون في الأخدود رقم تسعة1!

قلت للأخ ملازم علي محاولًا للمرة الأخيرة: سنذهب أتى من أتى أم بقي من بقي. 

زمجر ملازم علي قائلًا: أنتم أفراد الحرس مجانين. لا تشيخون أبدًا!
- لا نشيخ أبدًا، هذا أمر حسن جدًّا!
- قصدي أنّكم تُقتلون في سنّ الشباب!

ضحكنا وتركنا الأكراد المعارضين وانصرفنا إلى العمل. من خلال الاستطلاع الأول التفتنا إلى أنّه لم تشيّد حقول ألغام حول المواقع العراقية، واستطعنا أن نتقدم حتى مواضع هوائيات إرسال أجهزة اللاسلكي في مواقع العدو!
 

1- في النص الفارسي لعب على الكلمات، فكلمة (نَه) تعني لا، وكلمة (نُه) تعني تسعة، وفي اللغة المحكية يتشابهان حتى يصيرا كالمشترك اللفظي، والمعنى المقصود في النص هو أن كثرة قوله (نه/كلا) ترجع إلى عيشه في الاخدود (نه/تسعة).
 
 
 
102

92

إبراهيم الزّمِك

 إبراهيم الزّمِك1 10 حزيران 1983م


عند الغروب جاءني إسماعيل توكّلي.
- أخ صالح، الشباب مستعدّون للتحرك! 
- أين هم الآن؟
- في دشمة2 الاستطلاع؟

أشرت بإصبعي إلى سفح مرتفع القمطرة وقلت: "أخ إسماعيل، إلى حين ذهابي عند كاظم لأستوضح مهمّة الليلة، استلم أنت جهاز اللاسلكي وأحضر الإخوة إلى أسفل القمطرة!".

استلمتُ برنامج استطلاع الليلة من كاظم حقيقت وذهبتُ إلى مجموعة الاستطلاع. كانوا قد تجمّعوا كلُّهم باللباس الكُردي ومعهم المعدّات العسكرية التي يحملها المغاوير. وطبقًا لمعظم الأوقات كان إسماعيل يُشاكس إبراهيم كاركر، الفتى الصغير الجثّة في مجموعة الاستطلاع.

- إبراهيم الزّمِكّ، طلبوا ألا نأخذ معنا الليلة للاستطلاع من كان تحت الخامسة عشرة من العمر!
- احلف بحياتك يا إسماعيل.
- بحياتيش يا برهوم3!
 

1- الزّمكة: القصير القامة الصغير الحجم، باللغة المحكية "الزّمكّ".
2- يراجع ملحق الكتاب (الدشمة). 
3- في الفارسية استخدمت كلمة "ابرام" بدل "برهوم" والمقصود هو اسم الدلال المتداول لاسم إبراهيم.
 
 
 
 
103

93

إبراهيم الزّمِك

 - وضعت حرف شينٍ في آخر قَسَمِكَ، أرأيتَ، أنت تكذب؟

- إبراهيم، إن تُعطِني بعض علب الكرز (الكمبوت) قد أتوسّط لك!
- ومن أين آتي بالفاكهة المعلّبة؟!
- اختفت في لباسك الكُردي يا إبراهيم الزّمكّ!
أحلف عليك بأبيك ألا تناديني بإبراهيم الزّمكّ!

حين لمحني قاسم معماري قال: "سكوت يا شباب لقد جاء مسؤوله!". تراجع الشباب وعلّقوا أنظارهم عليّ. قلت: "لقد جَمّعت الناس حولك مجدّدًا يا إسماعيل. فلنذهب لقد تأخّرنا!".

في ظلمة الليل عَبرنا من بين المتخفض (الاخدود) ومرتفعات إيران الحدودية ودخلنا أرض العراق. راح إبراهيم كاركر، وكأنّه حمل مُزاح اسماعيل على محمل الجدّ، يتقمّز1 في مشيته كالوعل2 أمامنا.

- يا إبراهيم الزّمِك إذا استمررت في ركضك هكذا فسنضطر في نهاية المطاف إلى أن نحملك على ظهرنا! لا تركض يا ولد..
- أنت الولد يا أخ إسماعيل!
- انتبه. ستصطدم فجأة بكمين العراقيين!
أشرتُ إلى المجموعة.
- يا شباب من الآن فصاعدًا صمتٌ مطلق!

سُرعان ما واجهنا الرّعاة الأكراد المحليين وقطعان الغنم العائدة من الجبال إلى القرى. اختفينا خلف الصخور الكبيرة حتى يعبروا.
 

1- تقمّز في مشيته: هرجل في خطوه، لم يسلك في مشيه مسلك النظام وكان بعيد الخطو واسعه. 
2- الوعل: تيس الجبل، نوع من المعز الجبلية.
 
 
 
 
104

94

إبراهيم الزّمِك

 دخلنا في حقل قمحٍ كبير وبدأنا بصعود المرتفع العالي. 


عند الساعة العاشرة ليلًا وصلنا إلى قرية "زينو" داخل منطقة الحاج عمران في العراق. ناديت إسماعيل توكّلي: "إسماعيل، يجب أن يدخل أحدنا قرية زينو ويُعلم الأخ قادر بشأن الانضمام إلينا".
- أنا أذهب يا سيد أسدي!

كان إبراهيم الزّمِك. قلت: يجب أن يذهب أحدٌ على معرفةٍ بالقرية!

يا أخ صالح! لقد ذهبتُ عدّة مراتٍ مع الأخ قادر حتى باب منزله!

استدرتُ ونظرتُ إلى البقيّة الذين كانوا في حال اضطرابٍ وتشوّش. قال إسماعيل ما بين الجدّ والمزاح: إبراهيم هذا هو وديعتي، وإن أصابه مكروهٌ فإنّ والدته ستطردني من جَهرَم. أنا أذهب.
- كن حذرًا يا إسماعيل! لا ينبغي أن يراك أحد.

ذهب إسماعيل توكّلي وسرعان ما عاد مع الأخ قادر. قلت: عُدتَ سريعًا يا إسماعيل؟ هل رآك أحد؟
- كلا يا أخ صالح! حتى إنّني لم أطرق الباب لِئلّا ينتبه أحد. لقد قفزتُ من فوق جدار باحة منزل الأخ قادر وطرقتُ باب غرفته من الخلف.

التفتَ إلى الأخ قادر، المقاتل الكردي البارزاني، وقال: "بالتأكيد بعد إذن الأخ قادر!".

فَتّل الأخ قادر، المربوع القامة والذي كان يرتدي اللباس الكردي الأسود، شاربه وقال: الضيف حبيب الله! وهو أنت! والآن إلى أين ينبغي أن نذهب؟
- باتجاه النهر!
 
 
 
 
105

95

إبراهيم الزّمِك

 - وما هي المهمّة؟!

- استطلاع!
- أعرف هذا يا أخ صالح، اها، فهمت.. كالعادة المهمة سرية.

تقدّم الأخ قادر وسِرنا خلفه. همست لإسماعيل: "تمّ إبلاغ اللواء أنّ العراقيين قد وضعوا مدافع (130 ملم) على ضفة نهر شمشير. علينا أن نتأكد من صحّة الخبر. وإذا ما كانوا قد نصبوا تلك المدافع فعلًا فكم عدَدُها!".

التففنا بحسب إرشادات الأخ قادر حول منبسطٍ كبيرٍ تُحيط به سلسلة تلالٍ متعدّدة الارتفاع ووصلنا إلى مشارف النهر. قال الأخ قادر: يا أخ صالح، ها هو النهر.. هناك.

جاء إبراهيم كاركر وهمس في أُذني: سيد أسدي، أنا كنت أعرف هذا المكان تمامًا ككفِّ يدي. لم يكن هناك أي حاجة لقادر!

عُدتُ ونظرتُ إلى إسماعيل وضحكنا معًا. أخرجتُ المنظار الليلي من حقيبة الظهر وتفحّصتُ النهر. 

سأل إسماعيل: هل ترى شيئًا؟
- أجل.. مدافع عدّة!
- من نوع 130؟
- في الأمر مخاطرة، من الممكن أن يرونا!
- ليس أمامنا طريقٌ آخر!
- ابقوا أنتم هنا. أنا أذهب وحدي!
- وأنا آتي يا أخ صالح أسدي!

وضعتُ يدي على رأس إبراهيم الزّمِك، الذي لم يكن شعر لحيته
 
 
 
 
 
106

96

إبراهيم الزّمِك

 قد نبت بعد، وقلت: مشكور يا إبراهيم! لا داعٍ.


قمتُ وسِرتُ مُنحني الظهر وسط الظلام حتى صرت بمحاذاة نهر شمشير. أنساني خرير الماء وصرير صراصير الليل داخل الأشجار الحربَ لبعض الوقت. دخلتُ مرجًا وإذ بي أغرق حتى رُكبتَي في الوحل والطين. امتلأ حذائي بالماء والوحل. خفتُ أن أكون قد سقطتُ في أحد المستنقعات. خرجتُ بشقِّ الأنفس ووصلت إلى ضفّة النهر وجثوتُ على رُكبتيّ. شعرتُ بالبرد وصرتُ أرتجف. كنت أنا على هذه الضفّة من النهر وعلى الضفة الأخرى ثلاث منصّات مدافع منصوبة تفصل أمتار بعضها عن بعض. لقد كان البلاغ صحيحًا، والمدافع من نوع 130 ملم. وفيما كنت أستطلع لمحتُ فجأة جنديًّا عراقيًّا بجوار أحد المدافع وانتصب شعر بدني! تحت نور القمر بدا أنّ الحارس العراقي قد اتّكأ على مدفع الـ 130 وراح يُحدّق بي. كان قد انقضى نصف عمري حين تبيّن لي أنّه غارق في النوم. لو أنّه فتح عينيه لكان رآني. استدرتُ بهدوء.

في مسير العودة وبعد انفصالنا عن الأخ قادر شاهدنا عدة دوريات عراقية كانت تسير خلفنا. قلت للشباب: فلنتوجّه إلى أعلى المرتفع. علينا أن نُضيّعهم. يجب أن لا يصلوا إلينا.

بدأنا بصعود المرتفع وسط الظلام. تقدّم قاسم معماري حاملًا بندقية G3 وسبقنا بمسافة. قبل أن نبتعد عن العراقيين كانت قريحة إسماعيل مفتوحة على المُزاح. 
- هل تريد أن أحملك على ظهري يا إبراهيم؟
كان إبراهيم يلهث ويقول: أيًّا يكن، لا يحتال عليّ! 
- إذا لم تقع في الأسر سوف أحملك على ظهري!

حين تجاوزنا العراقيين تنفّسنا الصّعداء وتابعنا سيرنا صعودًا
 
 
 
 
107

97

إبراهيم الزّمِك

 بشكلٍ مريح. فجأةً وبنصف وَعيِه، ظنًّا منه أنّنا عراقيّون وأنّنا نطارده، رشّنا قاسم بزخّة من الرّصاص.


ريثما انبطحنا جميعًا على الأرض، واستعدنا انتباهنا كانت طلقة قد أصابت باطن قدمِ "مجيد محمّدي مقدّم". صاح إسماعيل: أيّها الأحمق لا تطلق النار!

حين جاء قاسم عند مجيد لم يدرِ ما يقول من شدّة الخجل. أمّا "مجيد محمدي" فقد ربط قدمه بكوفيّته وضحك.
 
 
 
 
 
108

98

الملّا مصطفى

 الملّا مصطفى - 22 حزيران 1983م


- أخ حقيقت، كيف تجرّأت وذهبت برفقة عدد من شبان الحرس والتعبئة لأجل الاستطلاع!

كان الأخ إدريس يناديني دائمًا بالأخ حقيقت. أجاب مرتضى بدلًا عني: "الحرب مغامرة! وفيما عدا ذلك فنحن نتوكل على الله!".

صباح ذلك اليوم كان من الأيام النادرة التي جاء فيها الأخ إدريس لمهمة الاستطلاع. ولكي لا يرانا العراقيّون أثناء النهار كنّا مضطرين أن نتحرك داخل الوهاد والمنخفضات. تجاوزنا عددًا من الجبال والمضائق المعقّدة وقرب الظهر وصلنا إلى منخفض (اخدود) مملوء بالثلج بالكامل. فوق رؤوسنا كان ماء الثلج الذائب يتساقط قطرة قطرة ويظهر من نور الشمس على الأثر مشهدٌ جميلٌ جدًّا. كان ماء الثلج يجري تحت أقدامنا أيضًا.

تحت الثلوج وبواسطة البغال تقدّمنا بحذر مسافة كيلومترين داخل المنخفض. لم نرفع رؤوسنا خوفًا من أن تتساقط عليها كُتل الثلج الكبيرة التي بدأت تذوب مع بداية فصل الصيف. وصلنا إلى مكانٍ قد سدّته الثلوج واضطررنا أن نحفر في قلب الثلج حفرةً ونواصل المسير حتى نصل إلى خطِّ الرأس ونبقى في مأمنٍ من أعين العراقيين. بتنا خلف العراقيين بالكامل. حين التففنا حول المعسكرات العراقية ووصلنا إلى نقطة جبليّة صعبة العبور قال ملازم علي: "أخ حقيقت ينبغي أن نقلل من عدد البغال!".
- لماذا؟
 
 
 
 
109

99

الملّا مصطفى

 - العبور صعبٌ وخطر!


حين وافقنا على التخلّي عن بغلين بحمولتيهما من المعلبات باغَتَنَا ظهور كرديٍّ معارض أَخَذَ البغلين الإضافيين معه وغادر! حين وصلنا إلى آخر مرحلة في الاستطلاع كانت البغال العشرة التي رافقتنا في البداية قد نقصت شيئًا فشيئًا حتى صارت خمسة بغال فقط. وكان الأخ حقيقت يسأل ملازم علي بين الحين والآخر: "لماذا لم تقل من البداية أن نحضر معنا خمسة بغال فقط، ومن أين يظهر أصدقاؤك الغيبيون هؤلاء فجأة، وإلى أين يأخذون البغال؟".

وكان ملازم علي يهزّ رأسه ويضحك ويقول: "لا تستغرق في التفكير بهذا الأمر يا مرتضى، سوف تكتسب الخبرة!".

وصلنا إلى قرية زينو بعد الظهر. جلسنا على أعلى المرتفع الذي كان يُشرف على زينو لأجل الاستراحة. كنا قد عَبَرنا خمسة عشرَ معسكرًا عراقيًّا وبقي أمامنا ثلاثون أو أربعون معسكرًا آخر! كان في القرية نفسها ثكنةٌ للعراقيين أيضًا. قال لي الأخ إدريس: "أخ حقيقت هل تريد أن تستطلع كل وادي الحاج عمران؟!".
- أجل يا أخ إدريس!
- لا بدّ أنّك تريد فيما بعد أن تسيطر على ثكنة الحاج عمران.

قال مرتضى: إن شاء الله!

ضحك الأخ إدريس وهزّ برأسه.
- أخ مرتضى أنت شابٌّ لافت، أنا معجبٌ بك، لكنّ الأمر غير ممكنٍ!

تقدّم مرتضى ووضع يده على كتف الأخ إدريس العريض وقال: يا أخ إدريس لقد سمعتُ كثيرًا عن شجاعة الكُرد، لكن شبابنا بحول الله
 
 
 
 
 
110

100

الملّا مصطفى

 وقوّته أحالوا الكثيرَ من المستحيلات أمورًا ممكنة في هذه السنوات!


أجاب الأخ إدريس الذي كان يظهر عليه أُنسه واستمتاعه بالحديث مع مرتضى: والدي بارك الله فيه، الملّا مصطفى، رغم كل جهاده في عهد حكومة حسن البَكر، لم يتمكن من السيطرة على ثكنة الحاج عمران!
- إمامنا يقول، نحن نقدر!
- أيُّ إمام؟
- روح الله الخميني!

شدّد مرتضى على كلمة روح الله الخميني بقوّة وأتبعناها نحن بالصلاة على محمدٍ وآل محمد، فتوقف الأخ إدريس قليلًا ثمّ أجاب: إذا استوليتم على الحاج عمران فإنّني سأُقدّم مفتاح بغداد هديّةً لكم!

مغتاظًا من كلمات مرتضى، ضرب ملازم علي على صدره. 
- يا أخ إدريس لو كانوا يملكون ألفًا مثلي لربما استطاعوا!

نفيًا للضعف والانهزام بدأ ملازم علي يتبجح بقوّته وشجاعته. وقرّر صالح أسدي أن يصبّ الزيت على النار فقال: أخي ملازم، إن كان صِدقًا ما تقول، اذهب أنت إلى زينو وأحضر لنا بعض الخبز واللبن!".
- الأمر سهلٌ!
- يا علي! 

لم تكن رمية صالح موفّقة. نفخ ملازم علي صدره وقرّر أن ينزل من الجبل باتّجاه قرية زينو. لجمه جلال كوشا.
- أنا آتٍ معك؟!
 
 
 
 
 
111

101

الملّا مصطفى

 أجابه وكأنّه قد اصطدم به: لأجل أيِّ شيء؟

- أريد أن أرى شجاعتك!

- هكذا يا أخ جلال، لا مشكلة الآن.. تعال!
مرّت ساعتان، وحين بدأنا نقلق بشأن عودتهما أطلّ الأخ ملازم علي مزهوًّا منتفخًا كقربة الماء الممتلئة يرافقه جلال مع صينيّة فيها الشاي والسكّر ووعاء لبن كبير.
 
 
 
 
 
 
112

102

كاني خدا

 كاني خدا - 25 حزيران 1983


دخلنا ليلًا برفقة مرتضى واثني عشر شخصًا آخر من المحور لجهة يسار "منطقة الحاج إبراهيم" إلى عمق الأراضي العراقية. كان مرتضى كما في أغلب الأوقات وكيلنا، فسأل: سيد كاظم، ما هي المهمة؟

وصلنا تقرير بأن العراق قام بتدعيم المعسكرات المحيطة بقرية "رايات"، علينا أن نستطلع ونتأكد من صحة التقرير الوارد!

كان لدينا أربع وعشرون ساعة من المشي حتى منطقة قرية رايات. بعد مسير 20 كيلومترًا وصلنا إلى "الأخدود تسعة". بقينا ساعات وعند السحر حين هممنا بالذهاب ناحية المدفعية العراقية، صار الأخ ملازم علي مجدّدًا أحنّ من الأم.
- هذا العمل ليس صحيحًا. لا ينبغي أن تذهب يا أخ حقيقت!

وكأنه اعتاد على قول لا! عندما قلت يجب أن نذهب، جاء معنا.
- لو أن الأخ إدريس لم يوصِ بك، لما أتيتُ معك، أنت عنيد جدًّا!

وسط الظلام تقدمنا حتى أسفل مرتفع "كاني خدا". هناك صاح مرتضى فجأة: يا إلهي، ما أجملها!

في الظلام الممتد أمامنا كانت هناك نقاط صغيرة من النور تومض كما الضوء المتلألئ، وتبث نورًا يشبه نور القمر. قال ملازم علي: سراج الليل!1

مع بزوغ الفجر، عبرنا نهر "تشومان مصطفى" ووصلنا إلى غابات
 
 

1- سراج الليل: اليراع: حشرة تضيء ليلًا.
 
 
 
113

103

كاني خدا

 البلوط على أطراف قرية رايات. وقف "حسن خسرواني" يمعن النظر في غابة البلوط. رفع إصبعه متأملًا وصار يحرّك رأس أنفه وكأنه قد شاهد في ذهنه شيئًا ما. قال: كاظم سيد الحقيقة1، إني متوجس!

- ما الذي حصل؟
- لو أنني كنت مكان العراقيين لنصبتُ كمينًا في هذه الغابة.

قال "داوود عبدوس": مجددًا تفتحت حاسة شمّك البوليسي يا حسن!

للعلم فقط! برأيي يجب أن ننقسم إلى قسمين!

لم يكن عندي شك بدقّة "حسن خسرواني" ويقظته، لكن حين وافقه مرتضى في اقتراحه قسمتُ القوات إلى مجموعتين، واحدة مؤلفة من تسعة أشخاص والأخرى من سبعة. رجعت مجموعة التسعة أشخاص إلى ناحية الشيار وتحرّكت أنا ومرتضى وملازم علي مع المجموعة الثانية من طرف قرية رايات باتجاه مدفعية العدو من دون أن ندخل في غابة البلوط.

كانت الشمس قد نشرت أشعتها بالكامل فوق الجبال. توقفنا وحملنا الماء من العيون التي تنبع في جبال كردستان العراق، وتوضأ بعضنا استحبابًا. بدأ "ميثم كوشكي" يمازح مرتضى قائلًا: يا عم، هل الوضوء في الأرض المغصوبة مقبول!".
- عندما نصل إلى بغداد نطلب براءة الذمة من صدام.

كانت شمس الصباح تبزغ على أجسادنا وتشعرنا بالدفء والراحة. 

قرب الظهر وصلنا إلى تلة "كوران". كان علينا أن نحوّل النهار إلى
 
 

 
1- حقيقت بالفارسية تعني الحقيقة، وهي في الوقت نفسه اسم عائلة "كاظم"، وفي النص أحيانًا لعب على استخدام الكلمة فمرة تستخدم كاسم العائلة ومرة يستفاد منها بمعناها اللفظي الحقيقي. 
 
 
114

104

كاني خدا

 ليل ونقترب في الظلام من مواقع العدو. اخترنا عدة صخور بنفسجية واختبأنا خلفها. كان يمكن لعبور الرعاة والأغنام أن يفضح أمكنتنا. كنّا الآن في عمق ثلاثين كيلومترًا في الأراضي العراقية! مع حلول المغيب كانت قطعان الأغنام العائدة إلى القرية قد اقتربت عدة مرات من ناحيتنا. وكان ملازم علي يتقدم بسرعة إلى الأمام ويمحو آثارنا.


حين ادلهمّ الليل، بدأنا عملية الاستطلاع. تحركنا بداية نحو تلة "بهن" الحيوية والمهمة للعدو. كانت التلة تشرف على الجادة المعبدة وثلاث طرق أخرى تدعم الخطوط الدفاعية الأولى للعدو. وكانت الجادة تعبر في مضيق. قمنا باستطلاع التلّة بإشراف ملازم علي وصولًا إلى الموانع الموجودة تحتها. 

أنهينا الاستطلاع منتصف الليل. كنّا نشعر بالتعب والجوع، وبينما نحن عائدون مرتاحي البال إلى "الأخدود تسعة" دهمنا صوت مرتفع لأحد العراقيين.
- قف!

قلت أنا أيضًا بشكل تلقائي ومن دون تفكير: قف!

مع كلمة قف التي قالها العراقي وكلمة قف التي قلتها أنا، رجع حسن خسرواني الذي كان من عادته دائمًا أن يلقّم سلاحه الكلاشنكوف ويعلقه في رقبته، وأطلق النار نحو صدر العراقي ما أدّى إلى رميه إلى الخلف وانبطحنا جميعنا أرضًا. حصل كل هذا في ظرف عدة لحظات. ساد الصمت في البداية. ناديت مرتضى وأنا ممدّد فوق الأرض الصخرية الباردة. أجابني حسن خسرواني بدلًا عنه: أخ كاظم، لقد وقعنا في كمين!

قلت: البارحة لم يكن أي شيء هنا!
 
 
 
115

105

كاني خدا

 أجاب "سالار أنصاري": يبدو أنهم استشعروا الخطر ونصبوا لنا كمينًا.


قطعت كلامنا رصاصة أصابت طرف سروالي الكردي. طويتُ قدمي بسرعة وبدأ إطلاق النار من الجهتين. عندما استعدتُ انتباهي كانت صليات النار تنزل علينا من أمامنا ومن خلف رؤوسنا. لقد وقعنا في الفخ. من جهة كان هناك المرتفع، ومن الجهة الثانية كان النهر الغزير بالمياه، وخلفنا وأمامنا قد أغلقت مجموعتا الكمين العراقي الطريق علينا. جعلتنا نيران الرصاصات المجهولة المصدر نلتصق بالأرض. كنت شديد الالتصاق بالأرض وكأنما أريد أن أختفي داخلها. لم يكن ظلام الليل يدعنا نرى لعدة أمتار أمامنا. ظننتُ أن العراقيين كانوا يخمنون مكاننا ويطلقون النار علينا. علا صوت ملازم علي المرتجف: لقد قضي علينا. لم تسمعوا كلامي. تبًّا لك يا أخ حقيقت.. إذا خرجت سالمًا من هذا المأزق سأريك ماذا أفعل بك!
أثناء طقطقة رصاص العراقيين المتفرق ارتفع شيئًا فشيئًا صوت مرتضى يقرأ سورة الواقعة.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ... نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ *  نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾.

ط.. طق.. طاق! ط.. طق..

كان مرتضى يتلو الآيات بصوت عالٍ ما بين زخات الرصاص ويترجمها أيضًا. وكان لقراءة هذه الآيات الخاصة من سورة الواقعة في تلك الظروف القاتلة والحابسة للأنفاس أثر عجيب في مدّنا بقوة القلب، وكأنّ مرتضى كان يقارننا بأصحاب أهل الجنة الذين
 
 
 
 
 
116

106

كاني خدا

 تخاطبهم السورة.


﴿عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾.

عندما أتمّ قراءة القرآن قال بهدوء تام: يا حاج كاظم، قبل أن يتأخر الوقت يجب أن نعبر من قلب الكمين!

قال داريوش سليماني: يا عم، سوف نقتل جميعًا!

قلت: الحق مع الأخ مرتضى، فلو أنّ أحدنا وقع في الأسر ستنكشف العمليات! وإذا ما طلع الصبح علينا هنا فسنقع جميعنا في الأسر، يجب أن نستغل الظلام!

زحف حسين جعفري باتجاهي.
- أنا أطلق النار وأنتم تتحركون!

قال ملازم علي فيما اشتدّت نيران العراقيين بصوت قد اختفت منه الرجفة:
- يا أخ "حقيقت"، أنا أعترف الآن!

قلت مصدومًا: بماذا ستعترف؟
- الاستيلاء على ثكنة الحاج عمران. أنتم الرابحون في الحرب. إنني أضع شاربي رهنًا.. شاربي..

صرختُ: استعدوا جميعًا!

مع وميض نيران الأسلحة العراقية أطلق حسين جعفري مسؤول الهندسة (التخريب) في المجموعة أول رصاصة وبدأت الحركة باتجاه العدو. كان العراقيون قد قطعوا الطريق من خلف بلاطة صخرية كبيرة فوق رؤوسنا. انتهزنا فرصة انشغالهم بنيران حسين وتقدمنا منحنين
 
 
 
 
117

107

كاني خدا

 وبهدوء إلى مكان لا يفصل فيه بيننا وبين العراقيين إلا تلك البلاطة الصخرية الكبيرة التي بلغت مساحتها عدة أمتار فقط. وفيما لو بقينا بجوار تلك البلاطة الصخرية لهلكنا جميعًا. بدأنا نتبادل إطلاق النيران من الطرفين، العراقيون من فوق البلاطة الصخرية ونحن من أسفلها ببنادق رُكزت بقوائمها. لا نحن كنا نستطيع الخروج من خلف البلاطة الصخرية ولا هم! لا رصاصنا كان يصيبهم ولا رصاصهم كان يصيبنا! ومن شدّة قرب المواجهة وكثافة النيران، كانت رائحة البارود الحادّة قد عبقت في أنفي وأخذت تحرقني. قال مرتضى: القنابل اليدوية!


قلت: سوف تصيبنا شظاياها!
- ليس هناك حل آخر، إذا استمر الأمر على هذا النحو فسيقضى علينا مع طلوع الضوء!

قلت: ننقسم إلى مجموعتين، مجموعة تطلق النار والمجموعة الثانية تتقدّم وتفرّ ثم بالعكس.

رمى خسرواني وأنصاري وصالح النار حتى تمكنّا من مغادرة جوار البلاطة الصخرية. بعد ذلك بدأنا نحن بإطلاق النار حتى التحق بنا أولئك الثلاثة. مجددًا عاد إطلاق نيران العدو باتجاهنا! قلت: نركض باتجاه المرج!

لم يكن العراقيون ليكفّوا واستمروا بإطلاق النار. وسط الظلام أصابت الرصاصات النباتات اليابسة إلى جوارنا واشتعلت النار. باحتراق النباتات والأعشاب اليابسة أضيء الشيار! فجأة سمعت صوت الأخ ملازم علي. كان يلعن نفسه ويوبخها بأن كيف سلّم نفسه لعدّة شباب من الحرس!

حين وصلنا إلى "الأخدود تسعة" كان كريمي مفقود الأثر! قلت:
 
 
 
 
 
118

108

كاني خدا

 أخفقنا، إذا وقع في الأسر فالعمليات ملغاة!


ضحك مرتضى وقال: توكل على الله!

كنّا منهكي القوى ونشعر بالجوع. جاء الأخ إدريس لاستقبالنا وأحضر معه خبزًا وبطيخًا. أكلنا ومن شدّة التعب نمنا على أن نعود للتفكير بخطة ما فيما بعد.

عند صلاة الصبح طار النوم من عيني وأنا أفكّر بكريمي وانكشاف أمر الهجوم. كنت أحدّق بالجبال البنفسجية والزرقاء المحيطة بنا: ماذا أقول للحاج جعفر أسدي. هكذا وبالمجّان وقع في الأسر.. ذنبه في رقبتي.. عملية لأجل..
- سلام يا أخ كاظم. أراك مشغول البال..

كان كريمي نفسه! قفزت من مكاني كالزنبرك. احتضنته بحماسة شديدة. وجرّاء ارتفاع صوتي وجلبتي احتشد الجميع وجاء أيضًا الأخ ملازم علي.
- أين كنت؟

- بعدما ذهبتم سدّوا الطريق عليّ! اضطررتُ أن أختبأ داخل غابة البلوط. مع إشراقة الصباح بحثوا عنّي كثيرًا، اقترب مني أحد العراقيين إلى درجة أني قرأت الفاتحة على روحي. لكن عندما رأيته وتلاقت نظرتانا سعل واستدار وأثناء استدارته سعل مرة أخرى. وأنا أفكّر حتى الآن في السبب الذي منعه من القيام بأي عمل حين تلاقت نظرتانا؟

ضحك الأخ ملازم علي وقال: لقد رآك ذلك الجندي العراقي!
- رآني نعم، ولكن لماذا لم يعتقلني؟

إنه من العرب الشيعة، عندما يرون شخصًا ولا يريدون أن يفضحوا أمره يقومون بالسعال مرتين تفصل بينهما مدة قصيرة!
 
 
 
 
 
119

109

الفالوذج

 الفالوذج1 الزعفراني 29 حزيران 1983


صباحًا، على مرتفع القمطرة الحدودي العالي، كانت عينِيْ على كاظم حقيقت. كان يشرح آخر الأوضاع لقادة كتائب لواء المهدي من خلال الخريطة الممدودة على أرض الدشمة: للمنطقة ثلاثة محاور، لجهة اليمين هناك (قلعة) گرد كوه، في الوسط (مزرعة) تمرتشين، ولجهة اليسار أرض الحاج إبراهيم الخصبة أو (گره مند) (الوعر)! للعدو معسكر على "مرتفعات"هدفنا السيطرة على هذا المعسكر!.. هل من سؤال؟
- سيد صالح، تفضل الفالوذج بنكهة الزعفران!

حدّقتُ مدهوشًا في الصينية البلاستيكية الحاوية على الفالوذج الزعفراني بيد "مش موسى". وكأني قد أُعطيتُ الدنيا وما فيها! كنت من أهل شيراز2  ولم أكن قد أكلت الفالوذج العادي منذ سنوات، فما بالك بالزعفراني! حملتُ وعاء الفالوذج وهمستُ في أذن "مش موسى" المتوسط العمر: أحضرتَ الفالوذج بطائرة حربية نفاثة من شيراز؟

أجابني بملء حنجرته: سيد صالح! ألا تعلم أن معلّم الفالوذج المشهور في شيراز، "كل خليل"، قد أقفل دكانه وجاء بكامل أدوات صناعة الفالوذج إلى لواء المهدي!
 

1- الفالوذج: فالوده بالفارسية، حلوى إيرانية باردة تتكون من شعيرية الأرز أو الذرة التي توضع في ماء الورد والسكر والماء المثلج، ويضاف إليها بعض من عصير الحامض أو غيره من عصائر الفاكهة. 
2- أهل شيراز هم أول من صنع الفالوذج بحسب المشهور، ويقال الفالوذج الشيرازي نسبة إلى المدينة التي هي أصل انتشاره.
 
 
 
120

110

الفالوذج

 قال ذلك وقد قرّب صينية الفالوذج من العم مرتضى. وضعت اللقمة الأولى في فمي فقرقشت شعيرية الفالوذج الرقيقة تحت أسناني. بعدما طرح سؤالًا أو سؤالين على كاظم حقيقت وضع مرتضى جاويدي الفالوذج على الأرض وسأل: في كم محور يجب على لواء المهدي أن يعمل؟


همّ كاظم بالإجابة لكن أخي جعفر أسدي قائد اللواء، قال من أسفل الدشمة: بعد إذنكم يا حاج كاظم، أنا أشرح لك!

نهض جعفر وقد رمى معطفه الكاكي على كتفيه وتقدّم إلى الأمام ليقف إلى جوار كاظم حقيقت.
- سيكون الهجوم الأول على المحور إلى يميننا. إذا لم تحصل عراقيل بحول الله وقوته نسيطر على مواقع العدو، ثم نسلّمها إلى وحدة أخرى! في المرحلة الأولى سوف تعمل خمس عشرة كتيبة مدعّمة قتاليًّا، اثنتا عشرة كتيبة من لواء المهدي وثلاث كتائب من "اللواء2" التابع للفرقة 77 في الجيش!

مسح "علي أصغر سرافراز" قائد كتيبة كميل على رأسه الكثيف الشعر وقال: يا حاج أسدي، يجب أن نؤمّن الاستقرار في المواقع؟ ليس الهجوم إيذائيًّا فقط؟

هزّ جعفر أسدي رأسه وقال: سؤال جيد! العمليات ليست بأي وجه إيذائية فقط، أنتم تعلمون أنه خلال هذا العام أو العامين أُقفلت العمليات في منطقة الجنوب بالكامل، ورأي قيادة المقر أنّ القفل يجب أن يُفتح ها هنا! هذا الأمر يزيد من أهمية الهجوم! الهزيمة في هذا الهجوم تعني أن تُشلّ القدرة على القتال وتقفل! ومفتاح القفل بيد لواء المهدي.

سكت قليلًا وأشار بيده إلى العم مرتضى.
 
 
 
 
121

111

الفالوذج

 - وبالتأكيد كتيبة الفجر، فعلى مرتضى وكتيبة الفجر أن يحكموا الخناق على العدو ويزيدوا ضغطهم لتتمكّن الوحدات الأخرى من تسديد الضربة القاضية إليه!


هزّت أصوات التكبير فضاء دشمة التكتيكات. أكلتُ الفالوذج الزعفراني بسرعة حتى آخره. تابع أسدي: أوضّح أكثر في الجلسة التالية. يجب أن تبحثوا الآن في مسألة ذهاب قادة الكتائب والسرايا إلى عمق العدو، يجب أن تذهبوا وتشاهدوا عن قرب المحاور والمخافر التي ينبغي السيطرة عليها! وإن كان البعض قد ذهب قبلًا.

رمق جعفر أسدي مرتضى بنظرة ذات معنى ثم أشار إلى كاظم حقيقت وقال: تابع!

وما إن جلس أسدي حتى واصل كاظم كلامه.
- قبل الهجوم يجب أن تعاينوا المحور والمسير مع شباب الاستطلاع ويتم توجيهكم.

حين انتهت الجلسة حان دور الحاج صلواتي، العجوز الشيرازي مسؤول الإعلام، ليدخل إلى الدشمة حاملًا الكيس ووعاء حلوى الرنكينك1 الخاصة بأهل جهرم. وضع الكيس على الأرض وصفّق بكفّيه وأنشد مثل الحكواتيين:
قلبي مليء بحبك يا تعبوي،
رأسي تحت قدميك يا تعبوي،
آه فلتكسر يد التعبوي2..!
 
 

1- يراجع ملحق الكتاب (حلوى الرنكيك). 
2- ها هنا لعب على الكلام لأن فعل "شكستن" بالفارسية، أي الكسر، يستخدم لازمًا مرة ومتعدّيًا مرة أخرى من دون تغيير في التصريف. ولذا فالمستمع هنا يظن أن القائل يدعو على التعبوي بكسر اليد فيحتار، ولكن عندما يكمل الكلام يتضح أن الفعل متعد والمقصود رقبة صدام.
 
 
 
 
122

112

الفالوذج

 سكتَ. رجع الجميع وحدّقوا محتارين في الحاج صلواتي. تابع : ..رقبة صدام!


تقدم الحاج صلواتي ووقف مختالًا أمام "مش موسى". رفع إصبعه نحو سقف الدشمة وتابع إلقاء الشعر والحكاية: اهاااااا.. مدفع الـ (106)، مسدسي أنا!

حَجَل1 "مش موسى" مستجيبًا وفتح ذراعيه للدلالة على البحر، وأجاب بصوت جهوري وبأسلوب الحكواتي نفسه: ماء بحر الخزر جرعتي أنا!2
سروال رستم3 شورتي4 أنا!
غطاء الدبابة بشكيري5 أنا!
أرض الصحراء السوداء مهدي6 أنا!
دويّ المدفع صفيري أنا!
الإعصار والريح نفختي أنا!
قَنْع7 البوق شياعي8 أنا!
 
 

1- حجل في مشيته: تبختر فيها.
2- الجرعة من الماء: حسوة منه ملء الفم.
3- رستم: أشهر بطل أسطوري في الأدب الفارسي.
4- شورت: سروال قصير يمتد للركبة أو فوقها.
5- بشكير: منشفة للحمام أو فوطة كبيرة.
6- المهد: السرير الممهد لنوم الطفل أو الصبي.
7- القنع: صوت البوق.
8- الشياع: صوت المزمار.
 
 
 
 
123

113

الفالوذج

 وأعلن الحاج صلواتي ختام المغامرة: أيها المحمديون صلوات!


مطّ العجوز قوله "صلوات" حتى انتفخت أوداج عنقه النحيفة.
- انبسطتَ يا عجوز؟! هذا ما يسمى الروحية!

ثم وقف وسط الدشمة ووضع حلوى الرنكينك على الأرض في الوسط وأفرغ كيس رسائل الناس المرسلة إلى المجاهدين.
- تذكروا يا مؤمنين، الرنكينك مع الرسائل. كلوا واقرأوا واكتبوا ردودكم!

وضع كاظم لقمة من الرنكينك في فمه، وشاهد قرب العلبة رسالة. حمل الرسالة وفتحها. نظرت إلى ما في يد كاظم. وكأن الرنكينك كانت من تلميذ جهرمي اسمه "مهدي صحرائيان"، وقد طلب بعد الدعاء للمجاهدين ونصرهم طلبًا لافتًا! بلع كاظم لقمة حلوى التمر وقرأ الرسالة بصوت عال: .. أيها المجاهد الذي تقرأ رسالتي الآن، أنا تلميذ في الرابعة عشرة من العمر أعشق بكل وجودي الحضور في الجبهة ومقاتلة العدو البعثي. ولكنهم للأسف لم يسمحوا لي بالمجيء إلى الجبهة. أقسم عليك بروح الإمام الخميني إن كنت قادرًا، أن تسعى لتأمين شروط مشاركتي في الجبهة.. إلهي إلهي حتى ظهور المهدي احفظ لنا الخميني! قال العم مرتضى لكاظم: أكلت من خبزه وملحه وصرت مرهونًا له. بما أنك أكلت من حلواه عليك أن تساعده.

قلت: لو كنت مكانك يا كاظم، لذهبت إلى جهرم وأحضرته!

تحمّس كاظم لاقتراحي.
- صالح أسدي، كفّ عن التلحين! هات أعطني قلمك!

حمل كاظم المغلف والورقة الخاصة بالإجابة. وضع لقمة ثانية من
 
 
 
 
124

114

الفالوذج

 تمرية الرنكينك في فمه وبعد التحية والسلام على مهدي صحرائيان كتب له ما بين الجد والمزاح رسالة في نهاية المطاف.


"أنا كاظم حقيقت ولديّ تأثير في الجبهة، ولكني أحقق طلبك وأتابعه بشرط أن ترسل لي علبة كبيرة من تمرية رنكينك جهرم الشهية. فإذا ما قمت بهذا الأمر سوف أوصي بك مسؤول حافلة لجنة إمداد الإمام الخميني الذي يُحضر إلى الجبهة عشاق زيارة جبهات الحرب. والسلام، كاظم حقيقت".

وضع العم مرتضى لقمة من الحلوى في فمه وقال لكاظم: لو أنك كتبت، والسلام، صديقك الشرهان1، كاظم سيّد الحقيقة!.
 
 

1- شرهان: شديد الشهوة للطعام حريص عليه.
 
 
 
 
125

115

حلوى الرنكينك

 حلوى الرنكينك - 7 تموز 1983


داخل معسكر جلديان كنت منكبًّا فوق آخر خريطة استطلاع قبل الهجوم. 
- سيد كاظم، لقد جاءت فرقة إنشاد طلاب مدرسة جهرم!

أشار لي صالح أسدي بإصبعه إلى الحافلة الحمراء التابعة لجمعية إمداد الإمام الخميني في جهرم.
- يا حاج كاظم، لماذا الآن؟ وفي مثل هذه الأوضاع أيضًا؟!

قلت: من المقرر أن يؤدّوا الأناشيد للكتائب لعدة ليالٍ. 
- الآن ونحن على أعتاب الهجوم؟
- ليس من المقرر أن يكونوا أثناء الهجوم! يقومون بجولة في المعسكر وفي سردشت ويعودون إلى جهرم!

خطر في ذهني: أسأل الله أن يكونوا قد أحضروا حلوى الرنكينك! 

قال صالح بتعمق: سيد حقيقت، هل دققت في الحافلة! وكأنّ فيها شيئًا..

ظلّلت عينيّ بيدي من نور الشمس وتأمّلت في الحافلة القادمة. كانت ملطخة بالتراب كمثل الجرحى المنهارين. كانت تسير بنحو يثير الانتباه. انقبض قلبي! ازدحم المعسكر بكل حناياه، وخرج أفراد الكتائب من الخيام والأبنية. تابع صالح: يا ستار، لقد حدث أمر ما!

توقفت الحافلة الحمراء وسط ميدان الرياضة الصباحية. توجهت ناحية الحافلة. بالقرب منها غار قلبي وشُلّت قدماي وتوقّفت! كان
 
 
 
 
126

116

حلوى الرنكينك

 واحد أو اثنان من إطاراتها مثقوبًا وزجاجها الأمامي مخروقًا برصاص الرشاشات! قفز السائق المتوسط العمر من السيارة يضرب على رأسه ووجهه وقال بلسان متهدج: آآآااااه إلــــــه..هـــــي.. وا ويلاااه.. مصيبة.. يا اللـــــــــــــــــــــــــــــــــه .. خذني.. أمتني!


ركضت إلى الأمام. وأرجعت الجموع إلى الخلف. كان قميص السائق من الأمام مشبّعًا بالدماء! وكأنهم سددوا النيران نحوه! لكن مهما أمعنت النظر لم أرَ علامة على وجود الجراح داخل بدنه! كان مرتضى أول من وصل إلى السائق وهزّه. 
- ما الذي حصل؟ تكلّم!

أشار السائق المتوسط العمر بعينين مدهوشتين ووجه مضطرب إلى الحافلة.
- قـ..قــــــطعوا.. الرؤووسسس.. الــــ..كومله1.. 

هجم صالح وهاشم ومرتضى والبقية إلى داخل الحافلة. ساد الصمت، ثم أخذت الهمهمات ترتفع ونداء: حسين.. حسين..

كانت النداءات تعلو وتعلو أكثر، ثم تعود لتخرج بصورة همهمة غير مشخّصة.

التعبويون والحرس يلطمون الصدور! والحافلة تهتز. صاروا يترجّلون كل عدة أشخاص معًا، ويُشاهَد فوق أيديهم أجساد نحيلة ونحيفة بلا رؤوس! 

في وقت قصير أنزلوا من الحافلة أجساد 14 فتىً مقطوع الرأس! 

غير بعيدٍ، وقعت عيناي على مرتضى. كان قد جلس القرفصاء على حجر ووضع رأسه بين يديه. وقف وتوجه نحو السائق. كان السائق
 

1- يراجع الملحق كومله.
 
 
 
 
127

117

حلوى الرنكينك

 قد خرج من الصدمة إلى حدّ ما. سأله مرتضى: ما الذي حصل؟!


رفع السائق يديه عاليًا.
- الكفار قطعوا الرؤوس! 
- من؟! أين؟
- الـ كومله.. الديمقراطي.. أعداء الثورة.. هل رأيت ما جرى على فلذات أكباد الناس ورياحينهم، كم أوصى بهم آباؤهم وأمهاتهم!

ضرب على رأسه وتابع: الكفار الذين لا يعرفون الله، قبيل بيرانشهر، وادي الشيطان، قطعوا الطريق وحجزوا السيارة.. آه وأنزلوا أعزة الناس منها. سألوهم: من أنتم وإلى أين تذهبون؟ 

وهم في المقابل من منطلق صدقهم وأمانتهم أخبروهم عن زيارتهم وعشقهم للجبهة وعن عزمهم على الإنشاد لكم.

انقطع تفجّع السائق. سكت. مسح يده على الدم الذي يبس على وجهه وصدره.
- أشباه الشمر الذين لا يعرفون الله أطلقوا عليهم جميعًا نيران رشاشاتهم. لم يتركوا جثثهم أيضًا. صاروا يبحثون في وجوه الفتية الذين لم تنبت لحاهم بعد ولا يناسب العراق أخْذهم! قال قائدهم شمر بن ذي الجوشن، نحتجز الرؤوس حتى تتشوّه وتتحلّل فلا يُدرى أكانوا ذوي لحى أم لا!

كان لصوت السائق نشيج مؤلم وكانت عيناه تفيضان بالدمع من دون توقّف. ضرب مرارًا على أم رأسه. أشار إلى مكان انتفاخ حنجرته!
- يا الله... جلسوا وأخذوا يقطعون رؤوس الأطفال الأبرياء من هنا واحدًا تلو الآخر!

تعرّقت أطرافي الأربعة. أردت أن أبلع ريقي لكن المرارة والغصة في
 
 
 
 
128

118

حلوى الرنكينك

 حنجرتي لم تسمح. أحسست بالخواء في ركبتي وجلست. بعد ذلك لم أرَ أو أسمع شيئًا. كأنما كانوا يذبحونني من منحري أنا، حين شعرت بضغط يدٍ على كتفي. جاهدت لأستجمع قواي ورجعت بشقّ الأنفس.

- كاظم.. كاظم..

فتحت عيني مذهولًا، كان صالح أسدي واقفًا ومعه علبة السبعة عشر كيلوًا من حلوى الرنكينك. سألت: ما الأمر؟

تأمّل صالح في عينيّ المغرورقتين بالدموع.
- لقد كانت هذه في الحافلة أيضًا، مكتوب عليها، إلى أخي كاظم حقيقت من قِبل مهدي صحرائيان!

بدأت شفتاي ترتجفان. اختفى اللون من وجهي. واشتدّ نبض صدغيّ. همهمت: كان مهدي صحرائيان معهم أيضًا.. كم أبغض الرنكينك..
 
 
 
 
 
129

119

قشرة البيضة

 قشرة البيضة - 17 تموز 1983


بعد الظهر، على الطريق القَدَمِيّة1 في مرتفع القمطرة كنت أدقّق النظر في البغال. بادرتُ "أبو القاسم تشوبان"، قائد "السريّة1".
- أبو القاسم، لقد تحوّلت وحدة التجهيزات إلى وحدة البغال (المجهّزة)!

حكّ أم رأسه من فوق القبعة الصوفية الخضراء. أخرج من جيبه حبة تين مجففة وضيّفني.
- نوذري، البغل هذه الأيام في بيرانشهر أغلى من شاحنة التويوتا!

أخذتُ حبة تين استهبانات2 ووضعتها في فمي وقلت: وما هي قيمة السيارة في الطريق القَدَمِيّة؟

سوّى نظارته الأنفية3 أمام عينيه وربّت على كتفي:
- ينتابني شعور مختلف في هذا الهجوم!

وعندما تجاوزني وقع نظري على المكتوب على ظهر لباسه الكاكي.

"لا تقل لأحد إنّي كنتُ! 
أين كنتُ! كيف كنتُ!
أريد أن أبقى مجهولًا!".

خطوت خلفه فتفرّقت تحت قدمي حصوات الجبل الصغيرة. شارفتُ على الانزلاق ولكنني سيطرت على نفسي. لمحتُ أمامي مكتوبًا
 
 

1- الطريق القدمية، أو الأدومية بالعامية أو المعبور: الطريق الضيق الوعر في الجبل الذي لا يسلك إلا مشيًا على الأقدام أو من قِبل بعض الدواب، يقال له أيضًا: طريق قدَم.
2- استهبانات أو اسطهبانات: مدينة تدعى اليوم استهبان، تقع في شرق محافظة فارس في إيران. تشتهر بالمحاصيل الزراعية وأهمها التين.
3- النظارة الأنفية: عدستان بإطار، تثبت على الأنف من غير مسكتين خلف الأذنين.
 
 
 
 
130

120

قشرة البيضة

 على صخرة:

قوِّ الدعسة ولا تخفّف!
ضحكت: وكأن كل من يصل إلى هذا المكان تزلق قدمه!

استدار تشوبان. وضع حبة تين أخرى في فمه وقال: صدقًا يا نوذري، لقد رأيت البارحة منامًا عجيبًا، إذا استشهدتُ، لا تدع شباب سريتي يتفرقون!
- (ما بك) توصي مثل الأمهات. وهل شاركت في عملية قبلًا من دون أن توصي!
- هذا الهجوم مختلف!

ازدادت حدّة صعود ممر الطريق القَدَميّة لمرتفع القمطرة، وبدأت ألهث. وعند ذاك ضرب نور الشمس الذهبي على وجهي. أشار أبو القاسم تشوبان إلى رأس جبل القمطرة العالي المغطّى بالثلج. 
- يبدو بياض الثلج كقشرة البيضة!

رغم أننا كنّا في فصل الصيف، لكنّ البخار كان يخرج من فمي جراء البرد الشديد. وصلنا أعلى المرتفع فشاهدنا دشمة العم مرتضى.
- أيها التعبوي، أشلونك!

بعد صلاتي المغرب والعشاء تحلّق قادة سرايا الفجر حول مدفأة الكاز في الدشمة. كان العم مرتضى يشرح تفاصيل منطقة الحاج عمران في العراق من خلال الخارطة. 
- قبل ليلةٍ من الهجوم يجب أن نخلي مرتفع القمطرة الحدودي نزولًا! نسلك هذا المسير وننفذ بمسافة خمسة عشر كيلومترًا في عمق الأراضي العراقية. ينبغي أن نصل قبل طلوع الفجر إلى مضيق تشومان مصطفى! أسفل هذه التلال الثلاث علينا أن نُخفي أنفسنا في
 
 
 
 
131

121

قشرة البيضة

 النهار داخل الفجوات والمضائق.. ثم نستولي على التلّة عند منتصف الليل.. هل هنالك أي سؤال؟


رفعت يدي. أشار العم إليّ.
- ماذا يا نوذري!
- إنّ استتار قوة بحجم كتيبة أثناء النهار في ظل تحكّم العدو وتحت مرآه هو أمر غير ممكن! إذا كنت تذكر قبل أسبوعين حين ذهبنا للاستطلاع اصطدمنا بالرعاة وأمور أخرى!

ابتسم مرتضى وقال: ولهذا السبب فإنّ التنبّه ورعاية الصمت التام أمران لازمان. نحن لدينا مرحلتان في هذه العمليات، في البداية المسير المجهد ومن بعد ذلك الهجوم!
رفع أبو القاسم تشوبان قبعته الصوفية عن رأسه وسأل: عم مرتضى، ما الذي يحدث لو انكشفنا؟
وضع مرتضى يده خلف مدفأة الكاز الخضراء القديمة.
- أدام الله رزقك، نؤدي تكليفنا!

سقطت قذيفة مدفعية على مرتفع القمطرة واهتزت الدشمة. لمعت لمبة المئة شمعة التي كانت تُضاء بالمولد الكهربائي وسقطت من السقف الترابي الناعم حيث كانت معلّقة. أشار مرتضى إلى التلال الثلاث التي تشبه المثلث على الخارطة.

- لو فرضنا أن هذه التلال الثلاث هي مثلثٌ، والتلّة الكبيرة الوسيعة رأسه، والتلّتين الأصغر حجمًا اللتين تتقدّمانها وتفصل بينهما مسافة 25 مترًا هما قاعدته، فإنّ التلّة الكبيرة وبسبب إشرافها على المضيق وثلاث طرقات معبدّة هي بمنزلة خناق العدو! ولو أنّنا سيطرنا عليها نكون قد أحكمنا خنق العدو بقبضتنا. وبذلك لا يصل إليه الطعام ولا العتاد!
 
 
 
 
 
132

122

قشرة البيضة

 سكت قليلًا ثم نادى: يا أخ تشوبان!

- في الخدمة يا عم!
- "السريّة1" تتولى عملية السيطرة على التلة الوسيعة! أنا آتي معك. التلتان الأخريان ليستا أقل أهمية أيضًا، وهما تحميان التلّة الوسيعة! 

رجع وحدّق في وجه "فرهاديان فر النضر".
- وأما سريتك يا خال شيرازي! 

ضرب على كتف محمد رضا بديهي المعاون الثاني لقائد الكتيبة.
- يرافق محمد رضا سريّتَك وتستولون على التلّة لجهة اليمين! وهو يعطي التوضيحات اللازمة!

نظر إليّ وقال: وكذلك فضل الله نوذري يتحرك مع فصيلين باتجاه التلّة ناحية الشمال ويستولي عليها. من خلال استطلاع الأيام القليلة الماضية بات طريق النفوذ إلى التلة محفوظًا عن ظهر قلب. ولذلك ليس هناك أي داعٍ للمواجهة المباشرة مع العدو! صحيح يا نوذري؟
- تمامًا يا عم. على مدى ساعتين كنت أشاهد العراقيين يلعبون الكرة الطائرة. 

أخذ جليل إسلامي يمزح ويقول:
- بعد السيطرة على التلّة ننظّم مباراةً في الكرة الطائرة مع العراقيين!

نظر مرتضى إلى معاونه وقال باحترام خاص: السيد جليل أيضًا سوف يمنّ عليّ ويرافق نوذري مع "السريّة3" حتى يقوم بتنظيم مباراة كرة الطائرة بنفسه، نتحرك غدًا!
 
 
 
 
 
133

123

الضيافة

 الضيافة - 18 تموز 1983


أدّينا صلاتَي المغرب والعشاء داخل مُصلّى مُعسكر جلديان في بيرنشهر. جاء الحاج صلواتي عجوزُ إعلام "لواء المهدي" المؤنس. وقف خلف مُكبّر الصوت اليدوي وقال بلهجته الشيرازية الثقيلة: "لجمال وجه الخميني صلوات!".

وحين لم يُلاقِ ارتفاعُ أصوات الصلوات استحسانَه صاح بحماسة وابتهاج: "هاي يا خالو1! وكأنّكم لم تأكلوا بعد؟".

ثمّ أخذ نفسًا عميقًا وأطلق من عمقِ حُنجرته صيحةً: 
- فلتَكسر يد التعبوي!

سكت قليلًا. انصدمتُ مثلَ بقيّة الشباب ونظرتُ مشدوهًا إلى وجهه النحيف ومحاسنه البيضاء، ثم تابع بشكل أقوى:
- رقبة يزيد الكافر صدّام.. صلوات بأعلى الأصوات!

هذه المرّة هزّت أصوات الصلوات أنحاء قاعة الاستقبال. قال الحاج صلواتي: "الخال صار خالو2.. يا إخوان ها هنا سيتم تناول طعام العشاء. تحلّقوا يا خالي واجلسوا على شكل سفرة الطعام! وبعد العشاء سوف يأتي العم مرتضى فلديه شغلٌ معكم!".

استدرتُ وسألتُ رفيقي سيد علي الحسيني مستفهمًا: يقصد قائد
 

1- بالفارسية "كاكو"، أي الخال (أخو الأم) بلهجة أهل مازندران.
2- بالفارسية "حالو شد كاكو"، والكلمتان حالو (بلهجة أهل لرستان) وكاكو (بلهجة أهل مازندران) لهما نفس المعنى: الخال (أخو الأم). وفي الجملة تهكم وسخرية من اختلاف اللهجات.
 
 
134

124

الضيافة

 كتيبة الفجر؟

- أجل! مرتضى جاويدي.. أشلو المعروف نفسه!
- وماذا لديه معنا؟
- التّعرُّف إلى الشباب، هذا منهجه في العمل!
- سيد علي، هل حقًّا تمّ تكليفنا بالعمل داخل كتيبة الفجر؟ بات الأمر محسومًا؟
- إذا شاء الله.
- العمليات باتت قريبة، أنا لا أكذب!
- حسين بنائيان، إنّني أستشعر رائحة الهجوم.
- لعلّهم يريدون مجددًا أن ينتخبوا من بيننا عددًا! نحن الذين قدّمنا الامتحانات مرارًا وتكرارًا وتحوّلنا من كتيبة تتألّف من أربعمئة شخصٍ إلى أقل من سريّة.
- كلا يا كبير!
- من فمك حتى أبواب السماء! يقولون إنّ مرتضى مغوارٌ!
- ليس له ندّ.. لقد خضع لجميع دورات المغاوير وحرب العصابات. 
- لقد ذاع صيت تقواه وشجاعته على كل لسان..
- كم أشتاق لرؤيته!
- لا بدّ أنّه ضخم الجثّة والهيكل، أليس كذلك؟!

كالبرق مُدّت سفرة العشاء ولم نسمع خبرًا عن مرتضى جاويدي. كان هناك شابٌّ فقط، في العشرين والنيّف من العمر، متوسّط القامة،
 
 
 
 
135

125

الضيافة

 نحيل البدن، يتولى أمر توزيع الملاعق وأباريق الماء بسرعة أمامنا.


أشار السيد علي الحسيني إلى الشاب بإصبعه. 

- المسكين يقوم وحده بعمل أشخاص عدّة!
- ليتنا قُمنا لمساعدته!
- اجلس يا حبيبي، لكلّ شخصٍ في الجبهة عملُه. نحن نقاتل في الكتيبة، وهذا المسكين وظيفتُه تقديم الطعام وأمثال ذلك!

كالصقر كان الشاب ذو اللباس الكاكي والكوفيّة الملقاة حول العنق يجول بيننا، يرفع بشغفٍ ومحبّة صحون العدس بالأرز (مجدّرة الأرزّ) من الصينية ليضعها أمام الإخوة. قلت: هل ترى أيّ عشقٍ هو فيه؟

أنهينا طعام العشاء فجاء الشاب نفسه وجمع الصحون ولَملَم السّفرة. ومجدّدًا حمل الحاج صلواتي مكبّر الصوت وأدناه من فمه وصدح بصوته خاتمًا بالمسك عشاءنا: لعن الله في العالمين صدّام الملعون فقد عزم على قتل وسحق جنى عُمرِ الناس.

ثمّ على طريقة الإنشاد والمدّ قال: قولوا لأمريكا أن تغتاظ منّا وأن تموت في غيظها. الإمام الخميني!

حين رفعنا أصواتنا بالصلوات ثلاثًا أعطانا الحاج صلواتي علامة النجاح قائلًا: هكذا ترفع الصلوات!

أحضر الشاب مسؤول الضيافة كرسيًّا حديديًّا قديمًا قيّمًا ووضعه في وسط القاعة ووقف عليه. تعجّبنا من فعله وتسمّرت عيوننا عليه. قلت: انظر يا سيد، إنّه الشاب نفسه الذي مدّ سُفرة الطعام، يريد أن
 
 
 
 
 
136

126

الضيافة

 يتكلم!

- وما الذي يريد قوله!
- لا بدّ أنّه يريد أن يُحدّثنا عن الطعام والمستحبّات والإسراف.
- ولكنّنا أكلنا حتّى حبّات الأرز التي سقطت على الأرض.

أعطى الحاج صلواتي مكبِّر الصوت للشاب.
- تفضّل يا سيد مرتضى!

قلت مباشرةً: مرتضى!

أدنى الشابّ ذو اللباس الكاكي المُرقّط مكبّر الصوت من فمه.
- يا إخواني! السلام عليكم.. سامحونا إذا كان الطعام سيّئًا أو غير كافٍ، نعتذر من حضراتكم.. ونُحيّيكم ونرحّب بكم في كتيبة الفجر.. سوف تكونون ضيوفنا لمدّة.. إنّني مسرورٌ أن وفّقني الله بدءًا من هذا اليوم لأكون في خدمتكم أيّها الإخوان المؤمنون.. مهمّتنا الجديدة ليست إجبارية.. في هذه المهمّة هناك طريقان لا ثالث لهما، إمّا النّصر وإما الشهادة.. فكّروا جيّدًا..

حين أنهى العم مرتضى كلامه مسح الحاج صلواتي بيده على لحيته البيضاء فرتّبها وشرع بإنشاد الشعر على طريقته الخاصة. 
قوموا! قوموا! فالعاشقون يبثّون الليلَ سرّهم.
يطوفون حول باب المعشوق وحرمه.
انظر الدّيكَ فليس له إلّا الجناح والرّيش
 
 
 
 
 
138

127

سراج الليل

 سراج الليل - 19 تموز 1983


في عتمة منتصف الليل تمتمت لأول مرة بآيات سورة الواقعة أثناء المسير باتجاه العدو: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ... أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾.

علا صوت "جليل حمامي"، مسؤول الاتصالات اللاسلكية الشاب مع العم مرتضى: أخ داريوش!

أجبته بسرعة: حمامي، صار اسمي سلمان.
- عُذرًا أخي داريوش، لم أنتبه أنه يجب أن لا أقول داريوش!
- لقد قلت داريوش مجدّدًا!
- عفوًا.. سلمان! هناك شيءٌ دخل في يدي وهو يؤلمني كثيرًا!

تقدّمَ لِيُريني يده فسقطت خوذته الواسعة على مقدمة أنفه. أَرْجَعَها إلى الخلف وقال: ها هنا..
- في هذه العتمة أنا لا أرى شيئًا، يُحتمل أن تكون شوكة توت العليق قد غرزت في يدك، فهي وافرة في كُردستان. هي سامّة أيضًا!
- سـ سـ ســــــــامّة؟!
- خفتَ؟ ابن فسا وتخاف..

ضحك حمامي وشدّ لجام البغل المُحمّل بالعتاد وقال: أنا ابن منطقة زاهدون في فسا والتي صار اسمها بعد الثورة زاهدشهر!

 
 
 
 
139
قلت: حمامي، سمعتُ أنك صرت طالب علوم دينية؟

128

سراج الليل

 - نسأل الله القبول! آه.. ما أجملها!

- ما هي؟
- سُرج الليل! اليراعات!

في وسط العتمة كان اليراع يضيء مثل النجوم الساطعة ويفتح الطريق أمام كتيبتَي التعبئة والحرس، الفجر وكُميل. سوّى حمامي جهاز الـ "PRC" على ظهره وقال: "أخ سلمان، يعني هل تكون الشهادة من نصيبي في هذا الهجوم؟".

باغتني لحن قوله وتذكّرت تلقائيًا ما حصل في اليوم السابق. كان أول شخصٍ في الكتيبة يغتسل غسل الشهادة في ماء النبع البارد! قلت له: "ننتصر إن شاء الله ونعود ونستعدّ للهجوم التالي، حتى نقضي على يزيد الكافر صدّام!".

همس بهدوء: ولكن ألا توافقني بأن الشهادة شيء آخر!

رأيتُني منزوع السلاح أمامه فحاولت أن أُغيّر الموضوع بنكتة عسكرية. همستُ في أذنه قائلًا: "محقّقٌ عراقي يسأل أسيرًا إيرانيًّا شابًّا: ما الذي تحمِلهُ عن الحرب يا بُني؟ يجيبه الشاب مُضلّلًا: لا شيء! حملتُ فقط زوجي أحذية ومعطفًا وساعة يد!".

ضحك حمامي وكان جوابه حاضرًا: في أحد الأيام يجمع صدام قادته ويقول: ها هي السنوات تمضي على الحرب ولا تزال حسرةً في قلبي أن يأتيني أحدُكم ومعه عدد من التعبويين أسرى! وها أنا أعلن الآن أن كل من يتمكّن من فكّ هذه العقدة ويأتيني بأسيرٍ فله جائزة قيّمة عندي. في اليوم التالي يرى صدّام وقد أخذته الدهشة أحد ضبّاطه يكبح فرامل حافلةٍ مملوءةٍ بالتعبويين ويوقفها أمام مركز القيادة. يُربّت صدّام على كتف الضابط ويقول: أحسنت! أحسنت!
 
 
 
 
 
140

129

سراج الليل

 والآن قل لي كيف استطعت الحصول على هذا الصّيد الثمين؟ يؤدي الضابط التحيّة ويقول: 

سيدي! ذهبتُ خلف الساتر التّرابي الإيراني وفتحت باب الحافلة ووقفت عنده وصِحتُ، كربلاء! كربلاء! ثمّ بطرفة عين امتلأت الحافلة بالتعبويين. في الحقيقة كان هناك أكثر من هؤلاء بكثير ولكن الحافلة امتلأت!

قلت: ليس إخفاقًا أن صرت شيخًا!
- هذا إذا كنت لائقًا!

أخافَه صوتُ خشخشة اللاسلكي خلفي فعَلَا شحيج1 البغل، ومباشرة علا صوتُ الهسهسة2 والصهصهة3 والزجر من الإخوة.
- يا حبيبي أسكِت الحمار.. لقد فُضحنا.. شُدّ لجامه..

بدأ حمامي يُلاطف البغلَ بالمسح على رأسه وعُنقِه حتى هدّأه. هذه المرّة ارتفع صوتُ خشخشة جهازه اللاسلكي هو.
- سلمان، سلمان، مرتضى.. 

أدنى حمامي السمّاعة من فمه وأجاب من عمق حُنجرته: مرتضى، مرتضى.. على السمع..

مدّ سمّاعة اللاسلكي ناحيتي.
- أخ داريو.. آه.. عفوًا.. العم مرتضى يريد أن يكلمك.

تقدّمت من اللاسلكي لأحكي، ولم أفهم كيف استطاع العم مرتضى بخطواتٍ صامتةٍ أن يصِلَ برفقة الأخ مُلازم علي ومُرشدٍ كردي آخر إليّ من آخر الطابور وقال: "سلمان صفري، يقول الأخ ملازم إنّه ما
 

1- الشحيج: صوت البغل المرتفع.
2- الهسهسة: قول "هس" بنحو خفي بقصد الإسكات والتهدئة.
3- الصهصهة: قول "صه" بنحو النهي بقصد الإسكات والزجر.
 
 
 
 
141

130

سراج الليل

 زال لدينا ساعة حتى نصل إلى نقطة الانطلاق. علينا أن نزيد من سرعة الطابور لئلا يطلع علينا الضوء. فمن الممكن حينها أن يرونا!".

- على عيني يا عم! أخبروا الجميع لئلّا يتخلّف أحد.

اجتاز صفّنا الطويل المنطقة الجبلية الباردة والزرقاء في العراق كالبنيان المرصوص، ثم انحدر كالسيل نزولًا حتى وصل في نهاية المطاف إلى الجادّة الواسعة في قاع الوادي. دخلنا من بعدها في نهرٍ ضحلٍ ووصلت المياه إلى ركبتي.
 
 
 
 
142

131

المقنبلة

 المقنبلة - 20 تموز 1983م


عند الصباح أضاء خطّ الأفق الأحمر خلف الكتيبتين كلَّ الأرجاء وامتزج صوتُ تدفّق المياه المنحدرة من زاوية الجبل بتغاريد الطيور البريّة. عبرتُ فوق المياه المتجمّدة وجثوت بجانب نبعةٍ وشربت. كان الشباب قد اختفوا ضمن مجموعات مؤلفة من أشخاص عدّة في ظلّ النباتات وتحت الأشجار من أجل الاستراحة. وكان شابٌّ من طلبة العلوم الدينية بلباسه التعبويّ الكاكي وعمامته البيضاء قد وقف داخل انحدار في الجبل للصلاة.

وجدتُ مكانًا قليل الانحدار واتّكأت على جذع شجرة ضخم. لففتُ معطفي حولي بشدّة اتّقاءً من البرد. أسفل مني كان "حسين بنائيان" الفتى الشيرازي الطويل والضخم برفقة زميله السيد علي الحسيني يتحدّثان مع ضابط من الدرك قصير القامة في الأربعين والنّيف من العمر.

- أيُّ نوعٍ من الأسلحة هذا يا سيد غلامي؟
- سلاحٌ ثقيل! يسمّونه المقنبلة!
- تُشبه طلقاتُه البيضَ، ولكن أكبر! لماذا ذخيرته كبيرة إلى هذه الدرجة؟
- لأجل هدم المتاريس، يجب أن تكون كبيرة هكذا!
- سيد غلامي، هل بقيّة أصدقائك معهم مقنبلاتٌ أيضًا؟
- أجل، في كل فصيلٍ يوجد مقنبلة مع أحد الأفراد.
- سيد غلامي، جنابكم تخدمون في الجيش؟
 
 
 
 
 
143

132

المقنبلة

 رمق غلامي كُلًّا من حسين ورفيقه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.

- كلا، في الدرك.

- أنتم تعبويّون..
- لا؟

- حقًّا كم يبلغ عمركما؟ أربع عشرة أو خمس عشرة سنة؟ ألا تخافان في عمق أرض العدو وهذه المنطقة الجبلية..
- كلا.. ولأجل أيِّ شيءٍ نخاف؟ المهم الآن هذه البندقيّة، كيف تعمل؟ علّمنا كيف تُطلق النار منها يا سيادة العريف.

- ليست سهلة كالكلاشينكوف! إنّها أكثر تعقيدًا. لن تتعلما. ثمّ ما حاجتكما إليها؟
- يا سيد غلامي! بما أنّنا جئنا، يجب أن نتمكن من الاستفادة منها إذا ما استشهدتَ.. هل انزعجت؟ هل قُلتُ كلامًا سيئًا يا سيد غلامي؟

- الشهادة.. ألا يُمكن أن تُفكّرا بالحياة؟ لا تزال فتى في أول حياتك. يجب أن تذهب وتستمتع بملذات الحياة. الزوجة والأبناء.. الحب.. السيارة والمال.. الأمور التي سخّرها الله لأجل فائدتنا.

- كل هذه الأمور هي وسيلة لامتحان الإنسان.. والشهادة هي الحياة الخالدة!

- لا أعلم كيف تذوّقت طَعمَ الشهادة أيّها الصّغير. أحد مصاديق هذا الجنون هو مجيئك إلى عمق أرض العدو ومشاركتك في مهمّة لا رجعة منها!
- أيّها الرقيب غلامي! عندما يصل الإنسان إلى المعرفة فإنّ أقلّ شيءٍ يُقدّمه في سبيل الله هو روحه!
 
 
 
 
 
144

133

المقنبلة

 - لا أنتم تفهمون كلامي ولا أنا أفهم كلامكم.. ما أعرفه هو هذا فقط، وهو أنّكم عندما تكبرون وترتبطون بالزوجة والأولاد ويشغلكم الصهر والكنّة ستفهمون عندها معنى التّعلق!

- الكثير من شباب الكتيبة متزوجون ولديهم أولاد أيضًا!

- لا بأس اضحكوا..
- يجب أن تتذوّق حياة الشهيد يا سيادة الرقيب، تتذوّقها بكل وجودك! لا يكفي أن تراها ببصر عينك بل ينبغي ذلك ببصيرة قلبك. لقد عدّ أمير المؤمنين عليه السلام الشهادة فوزًا عظيمًا وعدّها الإمام الحسين عليه السلام رأس مال السعادة. الشهداء يعرفون الشهداء.

- متى تعلّمتما هذه الأمور..؟ لأقم وأذهب حتى لا تجعلا مني شهيدًا..

وقف الرقيب مُحتارًا ومُشوّشًا. وضع خوذته ذات الشبكة على رأسه، والمُقنبلة على كتفه، وذهب لينضم إلى سبعة أو ثمانية من زملائه الدّرك الآخرين الذين كانوا قد توزّعوا في فصائل الكتيبة، كلٌّ مع مُقنبلة. تسلّلتُ واقتربتُ من فصيلة الشيرازيين. كان شابّ في العشرين من العمر طويل القامة نضر الوجه يبوح عمّا يجول في خاطره: قبل أيام، في ثكنة جلديان أخبروني أن ابنيَ المُنتظر قد جاء!

قال بنائيان بسرعة: مبروكٌ يا نادر! فور استيلائنا على التلّة عليك أن تحتفل بولادته وتوزّع الحلوى أيضًا من خلال الغنائم.
- ليتني كنت رأيت ولدي! إذا بقيت حيًّا..
- حين تراه، وبحسب قول الرقيب ستخور قواك وتعلق!
- نادر، وجهُكَ يُفصح أنّك قد علقت من الآن!

لم ينبس نادر ببنت شفة وهرول مُنسحِبًا.

انضم "كريم الأبرص" والأخ "ملازم علي" إلى الجَمع. حين رآني
 
 
 
 
 
 
145

134

المقنبلة

 كريم ابتسم ابتسامة ذات معنى وقال: "سيد داريوش، سلام!".


قلت: "لمحتَ أبناء مدينتك! أحقًّا تنوي قراءة الطالع؟".

غمز كريمُ الأبرص بطرف عينه.
- حتمًا من بعد إذنك!

أشرتُ إلى حقيبة الظهر الخاصة بالـ(B7) على ظهره. 
- صرتَ مساعد رامي الـ(B7) أيضًا؟!

فتح حقيبة الـ(B7) ووضعها على الأرض. ثمّ أخرج البُلبل البنّي بحذرٍ من داخل قُبّعة صوفية زيتونية اللون وبدأ شعوذة قراءة الطالع: كيف جلب معه في برد مناطق الغرب البلبل البنيّ! 

سيموت الطائر يا عبد الله! البلبل البنّي يعيش في المناطق الحارّة..

أخرج من داخل حقيبة الظهر الخاصة بسلاح الـ(B7) صندوق أوراق الطالع الصغير وقرأ طالعَ الأخ ملازم علي:
يا حافظ عند الفقر وفي خَلوة الليالي المظلمة     ما دام وِردك الدعاء ودراسة القرآن فلا تغتم

لم يكن الأخ ملازم علي مُستهترًا.
- ما معنى ذلك؟
- الأخ إدريس أيضًا يُحسن رواية الشعر عن حافظ! أخ كريم اقرأ طالِعَ أخينا أيوب هذا!

حين أفلت كريم الأبرص من بين يدي الأخ ملازم علي جثوتُ مقابله على رُكبتيّ مُبتسمًا وقلت: "هيا اقرأ طالعي فلديّ عمل!".
- اعقد النية يا سيد داريوش!

أجبته ضاحكًا: "أبوك هو داريوش!".
 
 
 
 
 
146

135

المقنبلة

 تحلّق حولنا عدّة أشخاص. قرأت في ذهني الحمد والسورة وعقدتُ النّية: وبنيّة معرفة مصيري والعمليات القادمة! قلت: "لقد نويتُ، اسحب الطالع!".


نقر البلبل البنّي نقرة في الصندوق الصغير وسحب ورقة. حين أراد كريم الأبرص أن يحمل ورقة الطالع أخذتها وقرأتها.

يا حافظ، الأسرار الإلهية لا يعلمها أحد، فاصمُت    من تسأل ماذا يجري بعد الحياة؟

وصل "محمد إلهي" حاملًا بيده آلة تصوير وبدأ يُصوّر الإخوة. مباشرة رفع الشباب أيديهم مُشيرين إلى علامة النصر على شكل سبعة أمام الكاميرا.
 
 
 
 
 
147

136

الكتابة على الظهر

 الكتابة على الظهر - 20 تموز 1983م


استيقظت عند العاشرة صباحًا. كان قد أُغمي عليّ لعدّة ساعات على الأعشاب البريّة من فرط التعب. كان الثلج محيطًا بي من ثلاث جهات وقد تسلّل ماء الثلج المُذاب تحت بدني. 

ووسط البلل والصقيع كان بدني يحترق. خلعتُ عن بدني جُعبتي وعتادي بحذرٍ. كان جلدي ولحمي جراء ضغط العتاد قد قُرِضَ وجُرح. وكنت في حاجة إلى الدّفء. زحفتُ إلى مكانٍ تجمّع فيه الإخوة ونور الشمس. كان التّعبوي "حميد زارع" قد افتتح سوق الكتابة على الظهر بالقلم الخطاط الأزرق.

- هؤلاء الذين لا يريدون أن ينتهوا مفقودي الأثر فليتقدّموا إلى الأمام..
- هل تتمرّن على الخط على ثياب الإخوة يا سيد حميد؟

- يا حبيبي يجب مُراعاة الدّور!
- ليس هناك داعٍ، وضعُ القلادة في العنق إنّما هو لأجل هذا!

- الريحة ولا العدم، والحذر أفضل من الندم!
- يا حميد، اكتب على جيبي وتحت إبطي اسمي واسم عائلتي!

- اكتب على ظهري: مُخْترِق العدو!
- لقد لففت كل بدنك بشرشور الرصاص، فأين أكتب؟

- اكتب بخطٍّ جميل: ها هنا تربية الروح لا البدن!
- اكتب على ظهري: صيّاد الدبابات!

- اكتب على قلبي: هنا مكان الخميني لا الشظايا والرصاص!
 
 
 
 
 
148

137

الكتابة على الظهر

 - ذكيٌّ جدًّا!


-حسنًا اكتب: مع الخميني حتى الشهادة! جيّد هكذا..
- اكتب: تقدّم للأمام بلا كلام!

- يعني ماذا؟
- تفهم فيما بعد..

كان الدفء قد بدأ يسري في بدني حين وصل "إبراهيم كاركر الزمكّ" من منعطف الطريق.
- داريوش، يقول العم اذهب بسرعة!

وصلت أنا وقاسم كوشكي ومحمد رضا بديهي وفرهاديان فر إلى أعالي مرتفعات المنطقة. عبقت في أنفي رائحة صمغ الصنوبر. وكأنّما كان هناك خبرٌ ما في الأعالي. قُرب غابة الصنوبر العالية، وقع نظري على عدّة رجال أكراد قد غُلّت أيديهم من الخلف! ذهب الأخ "ملازم علي" ناحيتهم وهو يحمل بندقيته السيمونوف ذات المنظار وتحدّث معهم لمدّة باللغة التركيّة. ثمّ رجع باتجاه العم مرتضى وأصغر سرافرازي.

- أخ مرتضى! يقولون إنّهم مزارعون ومن أهل قرية شمشير.
- وأين تقع قرية شمشير!

- عدّة كيلومترات من هنا.. بالقرب من جبل "كاني خدا".
- وماذا يفعلون هنا!

- كانوا يسعون خلف قطعانهم وخيولهم.
حكّ العم مرتضى رأسه.

- أخ ملازم أنت تُصدّق كلامهم؟
 
 
 
 
 
149

138

الكتابة على الظهر

 - الله العالم! أنت القائد يا أخ مرتضى!


- لا يُمكننا المخاطرة. حتى لو لم يكونوا جواسيس من الممكن أن يذيعوا خبر رؤيتنا أمام العدو!
- يا أخ مرتضى يعني نقتُلُهم؟

ضحك العم مرتضى وربت على كتف الأخ ملازم علي.
- لا يا عبد الله! يأتون معنا إلى قُرب الهدف وحين تُقرّرون أنتم العودة، تُرجعونهم معكم. بهذه الطريقة لا يفتضح أمر هجومنا!

ذهب الأخ ملازم علي والأكراد الأسرى. فتح العم الخريطة الأولية لمنطقة العمليات وثبّتها بحجارة صغيرة على زواياها الأربع. تجمّعنا حول الخريطة وبدأ العم بالشرح: كتيبة كُميل تنفصل عنّا عند نقطة الانطلاق. سريّةٌ منها تتقدّم من نقطة الانطلاق مسافة عدّة كيلومترات إلى الأمام وتستقر هناك وتتولى مسؤولية تأمين الحماية لكتيبتنا وكتيبتهم حتى لا يُغلِق العدو أمامنا طريق العودة.

ثمّ أخرج طلقةً من خزّان الرّصاص ورسم برأسها النّحاسي على الأرض شكل وعاء.
- لنفترض أن منطقة العراقيين حتى الحدود هي على شكل هذا الوعاء فإنّ مجرى الدخول إلى هذا الوعاء هو طريق دربندخان، وكتيبة كُميل من خلال سيطرتها على مرتفع الشهيد الصدر تغلق مجرى الوعاء هذا. نحن أيضًا يجب أن نسيطر على تلّة بردزرد، يعني قاع الوعاء، ونُحكم الخناق على العدوّ عند مضيق دربندخان.

أشار بإصبعه إلى مسير استقرار كتيبة كُميل.
- تدور كتيبة كميل من جهة اليمين حول المواقع والمرتفعات التي تسيطر عليها كتيبة الفجر، وتتقدّم في العمق أكثر لتستولي على
 
 
 
 
150

139

الكتابة على الظهر

 المعسكرات المشرفة على دربندخان. ثمّ تستقر بعد ذلك في أعلى الطريق المُعبّدة لدربندخان وتمنع (تقدُّم) ضغط العدو علينا! 


أشار العم إلى فرهاديان فر.

- ينبغي أن تنقسم سريّتك إلى فصيلين، الفصيل الأول يُرافقك لتسيطروا على الناحية اليمنى من التّلة، ويسيطر بديهي مع نوذري على الناحية اليسرى من التّلة! ها هنا. أنا وقاسم تشوبان نتولى مع سريّتين أمر السيطرة على تلّة بردزرد!
 
 
 
 
151

140

كمبا 11 20

كمبا 11 20  - تموز 1983م

- إلى الأمام أيُّها المجاهدون..
غروب اليوم الثاني، حين غَفت الشمس، عَقَد "حسن مايلر" عصبة "لبيك يا خميني" الزرقاء حول خوذته الحديدية، وراح يدور كدولاب الهواء بين شباب كتيبة الفجر يُبلغهم بأمر التّحرك. 

حين اقترب منّي نظرتُ إليه وقلتُ ممازحًا: حسن، لا تُضيِّع نفسك، فالمسؤوليات لا تدوم!

وقف، ابتسم وأرجع إبهامه ناحية ظهره وأشار إلى صورة الرّشاش وكتابة "مُرتاح البال!".
- أخ داريوش، مُرتاح البال!
- إذا قلت داريوش مرّة أخرى، سيكون حسابك عسيرًا!

وجّهتُ يدي ممازحًا نحو الأرض لأوحي له بأنّي أريد أن ألتقط حجرًا. سارع بالفرار وهو يقول: "وعلامَ يلجأ إلى الحجر من يملك بندقيةً!".

لم يكن حسن قد ابتعد بعد حين وصل "مش موسى" بالرّاية الحمراء المكتوب عليها "يا ثار الله" واندسّ بين الشبيبة وأوصاهم بالوصايا اللوجستية: لا تُسرفوا في طعامكم.. لا تأكلوا كثيرًا.. هذه هبات الناس وهداياهم. ماءُ مطراتكم لا تُهدروه سُدًى.. لا تطلقوا النار اعتباطًا..لا تغفلوا..

ارتفع صوت أبو القاسم تشوبان: ليس لدى "مش موسى" إلّا لا تأكل.. لا تغفل.. لا تلبس.. دائمًا لا.. لا.. أوصِنا ولو لمرة واحدة بالإيجاب..

قال "مش موسى" وقد أمسك بسارية العَلم الخشبية وراح يُلوّح بها
 
 
 
 
 
152

141

كمبا 11 20

 في الهواء: أنت تنظر إلى الشَّعر وأنا أرى انعطاف الشّعر وانحناءه1


وصل طابور الأربعمئة شخصٍ من المجاهدين في نهاية المطاف إلى نقطة الانطلاق، حيث ينبغي أن تنفصل الكتيبتان الواحدة عن الاخرى. ووصل أيضًا أصغر سرافرازي قائد كتيبة كميل. ذهب مرتضى لاستقباله. حين التقيا وأمام أعين الجميع تحدّثا أحدهما إلى الآخر بلغة العيون. ثمّ تقدّما واحتضن كلٌّ منهما الآخر. 
- اشفع لي يا أصغر! 
- بشرط أن تشفع لي أنت أيضًا يا مرتضى!
- ادعُ لي أن أكون لائقًا بالشهادة يا حاج أصغر!
- انتبه لنفسك يا عم مرتضى فالحرب بحاجة إليك!
- وأنت أيضًا كذلك! وفّقك الله..

صمتا لعدة لحظات ثم رأيت اهتزاز كتفَي كلٍّ منهما. لحظةَ استدرتُ كان الرقيب غلامي مأخوذًا بوداعهما إلى حدّ السُّكر.

بالاسترشاد بأكراد البارزاني المعروفين بوحدة (كمبا 11) انقسمت قوات الاستطلاع في الكتيبتين إلى فرعين. واصلت كتيبة كُميل بقيادة أصغر سرافرازي مسيرها في العمق وتقدّمت كتيبة الفجر بقيادة مرتضى جاويدي ناحية اليسار على شكل قوسٍ.

كان الفصل صيفًا، لكن شدّة برد المناطق الجبلية والغابة جعلتنا جميعًا نرتدي معاطفنا ونلبس الكفوف ونعتمر القُبّعات الصوفية. أطلّ علينا حسن عدّة مرات. كان يروح ويجيء على طول الطابور ويهمس في الأثناء: لا تنسوا سورة الواقعة، اقرأوها بقلوبكم!
 

1- بيت شعر عرفاني: تو مو مي بيني ومن پيچش مو! وهو يشير إلى دقة نظر الحبيب وملاحظته لدقائق الأمور وعدم وقوفه على الظاهر.
 
 
 
153

142

كمبا 11 20

 ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ...  إِنَّا لَمُغْرَمُونَ *  بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *  أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ *  لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.


في الليل وسط الظلمة العمياء والسكوت الذي لم يكن يكسره إلا أصوات الحيوانات البريّة في الغابة وخرير مياه الينابيع الجبليّة، عبرنا عدّة تلالٍ ومعسكراتٍ للعراقيين. كنّا نسمع بين الحين والآخر أصوات ضحك الحراس وأشرطة الموسيقى المرتفعة. نادى حمامي العم مرتضى: الحاج أسدي على الخط!

أمسك العم مرتضى بسماعة اللاسلكي. 
- على السمع يا حاج!
- في موقع العرس! 
- ما زال لدينا خمسة إلى ستة كيلومترات لنصل إلى نقطة العرس! لقد واجهنا مشكلة.
- أشلو، موعد العرس عند الثانية عشرة ليلًا، يجب أن تصل في الوقت المحدّد!
- أستبعد ذلك يا حاج! سوف أسعى.

انقطع الاتصال. وبأمر من "العم مرتضى" أسرعنا في حركتنا حتى وصلنا إلى النهر. نادانا مرتضى أنا وفضل الله جمالي: يجب أن نجد طريقًا مختصرًا. فعلى هذا النحو لن نصل إلى العرس!

قلت: علينا أن نصل أولًا إلى الجسر، وقبل ذلك لا بدّ أن نقطع مسافة إلى جوار النهر!
- لا وقت لدينا، أخبرْ جميع الإخوة أن ينزلوا في الماء!
 
 
 
 
154

143

كمبا 11 20

 - سيهلك الشباب من البرد وأسلحتهم و..

- لا سبيل آخر لدينا، التوكّل على الله، فعرضُ النهر ليس أكثر من سبعة إلى ثمانية أمتارٍ!

وافق جمالي على كلام العم مرتضى أيضًا. وبصفتي عنصرًا محوريًّا في قوّة الاستطلاع في الكتيبة كان ينبغي أن أقوم بعملٍ ما. وجدتُ المكان الأكثر ضحالة في عرض النهر ونزلنا بلباسنا وعتادنا مضطرين في المياه الباردة التي كانت تصل إلى حدِّ الفخذ وفي أماكن أخرى إلى حدّ الصدر. ابتَلَّت الأسلحة وخدّرتنا المياه حتى أُنهكنا. ولحظة توقّف الطابور، أوصل " ملازم علي" نفسه إليّ. وضع بندقيّته السيمنوف ذات المنظار على الأرض وربّتَ على كتفي.
- أخ داريوش! 
- في خدمتك! 

أخرج من خلف أذنه سيجارةً وأراني إياها: هل هناك مشكلة في أن أدخّن سيجارةً؟
- أخي ملازم علي أتريد أن تقتلنا جميعًا!

قطع كلامي وقبّلني في جبهتي.
- أنت في وحدة الاستطلاع دُلّني على طريقةٍ ما. لم أعد قادرًا على التّحمل!

قلت: ألف ما شاء الله عليك في هذه الأوضاع وتحمِل الدخّان أيضًا!".
- يا أخ داريوش! أعتقد أنّه مع كل خزّان رصاص يتّسع لثلاثين طلقة يجب أن يتُم إحضار مئة سيجارة. الطلقات في كل مكان، لكن السيجارة لا!
 
 
 
 
155

144

كمبا 11 20

 ضحكت من بساطته وجوابه الحاضر. ولمَعت في ذهني فكرة. فتحتُ الكوفيّة الموضوعة حول عنقي وجلبتُه إلى زاوية تحت شجرة وقلت: "اجلس!".


جلسنا معًا. وضعتُ الكوفيّة فوق رأسي ورأس الأخ ملازم علي وقلت: أسرع.. هيا دخّن!

ضحك وقال: ما ألطفك يا أخ داريوش، حقًّا إنّك رجل أمنيّ!

أشعل سيجارته وراح يدخّن بسرعة. أخذتُ أسعل فأطفأ سيجارته في نصفها وأخذ نفسًا عميقًا.
- هل تأذيت.. أشكرك يا أخ داريوش!
- أخ ملازم علي، يا عزيزي أنت على الأقل نادني سلمان!
- على عيني! 

وصل حسن مايلر بفمٍ ممتلئ. كان صوت مضغ الطعام في فمه مسموعًا. قلت: إذا ما انفجرت فاشفع لنا!
- على عيني يا أخ داريوش!

أثناء المسير كان قائد اللواء الحاج جعفر أسدي يتواصل ويحثّ مرتضى لأجل الوصول إلى الهدف، لكنّ ذلك كان من دون جدوى، وحانت الساعة العاشرة وكان لا يزال أمامنا ساعات 
حتى نصل إلى تلّة بردزرد.

لم تتبق مسافة طويلة إلى المرتفع الذي كان ينبغي أن ننحدر منه باتجاه مواقع العدو. وفق الاتفاق، كان ينبغي على "السريّة3" بقيادة فرهاديان فر وأبو الفضل نوذري أن تنفصل عنّا عند المرتفع وتتقدّم باتجاه الهدف. نادى العم فرهاديان فر: إذا ما وصلتَ في الوقت المحدّد حيث ينبغي أن تبدأ المهمة، وإذا ما قُطع التواصل بيننا تُنسِّق أنت مع اللواء أمر الهجوم عبر جهاز اللاسلكي..
 
 
 
 
 
156

145

عشق كرب وبلاء

 عشق كرب وبلاء الأربعاء - 20 تموز 1983


تحت مطر الجبال، كنت كلما تقدمتُ أكثر في الأراضي العراقية، أرى موتي أقرب: إلهي! هؤلاء التعبويون والحرس جاؤوا بملء رغبتهم.. وأنا مكلّف من جانب الدرك ويجب أن أحفظ حياتي. لقد خدمت لمدة ثلاثين سنة. تجربتي تنفع البلاد! 

رغم أنّ سلوك التعبويين وأفراد الحرس وهدوءهم الخاص وكلام ذلك الشاب الطويل القامة ابن الخامسة عشرة قد صفعني، لكنّ التفكير في الموت وعدم العودة كان يتعبني: زوجتي وأولادي، أمي وأبي، ما ذنبهم. أُسَرُ هؤلاء وعوائلهم مستعدّة لشهادة أعزائها.. لقد كبحوا جماح أنفسهم وهذبوها وأعدّوها للشهادة. إنّ عمري من عمر آباء هؤلاء.

ينزل المطر كالمطرقة الثقيلة على خوذتي. لقد تجمّدت يداي من شدة البرد واستحالت المقنبلة كقطعة ثلج بينهما: .. كأنّ هؤلاء ذاهبون إلى عرس.. أنا إن متُّ فسيبقى جثماني في أرض العدو ويتعفّن.. أنا لا أفهم هؤلاء الناس ولا أدرك باطنهم.. وكما يقولون أنفسهم، فالشهداء يعرفون الشهداء.. أنا غريب!
- جناب الرقيب، تفضّل تين استهبانات المجفف! حلوٌ مثل الشهادة!

عدتُ من أفكاري ونظرتُ إلى الوجه الضاحك لرجل متوسط العمر نضر الوجه، كان يقسّم التين المجفف بين شباب الكتيبة بسرور. وضع في كف يدي عدّة حبّات من التين.
- كل واستمتع يا أخي! إنّها فاكهة الجنّة!

كنت جائعًا، وضعتُ قدمي على الطلعة الموحلة والمجوّفة للمرتفع
 
 
 
 
157

146

عشق كرب وبلاء

 وتقدّمت. بات الخطوُ صعبًا: التين فاكهة الجنة.. فاكهة الجنة1.. ومن حظّي رأيتني فجأة أنني بتناول هذه الفاكهة صرت شهيدًا!


استقر العرَقُ البارد على جبيني ويبس حلقي. لم آكل التين ووضعته داخل جيبي: ليتني كنت الآن إلى جانب زوجتي وأولادي.. هل سأراهم مجددًا؟ أعطني فرصة أخرى يا الله! أليس معي حق: هؤلاء قد صفّوا حسابهم معك ومع أنفسهم. أما أنا.. حتى إنّني لم أكتب وصية..

في لحظة أضاء المكان كله ولمعت السماء في طرفها. بدأت يداي جرّاء التفكير ترتعشان وتهتزان شيئًا فشيئًا. ضربت بظاهر كفي على جبيني وأخذت نفسًا عميقًا، سرت رائحة مطر الجبل داخل أنفي. عنّفتُ نفسي: ألا تعدّ نفسك رجلًا! انظر إلى كل هؤلاء الأشخاص من حولك، شبّان صغار ومتوسطي العمر، رغم التعب المنهك هم مسرورون وسعداء وكأنهم ذاهبون في نزهة!

عدت ونظرتُ إلى اثنين أو ثلاثة أكراد في وحدة (كمبا11). كان معهم عدّة أكراد أسرى مكبلي الأيدي.

عند الساعة العاشرة والنصف ليلًا وصلنا إلى أعلى المرتفع. كان مطر الصيف قد توقف وكتل الغيم الفصلي قد اختفت من السماء. مباشرة راح شخصٌ يدور حول الأفراد ويقول: أيها الإخوة ها هنا مبيتنا الليلة.. توقُف.

تنفستُ الصعداء وتمددتُ بحقيبة ظهري وسلاحي الثقيل على الأرض الرطبة، وخلعتُ خوذتي المعدنية عن رأسي. بالتدريج جاء زملائي السبعة أو الثمانية من ضباط الصف وجلسنا متحلقين بعضنا
 

1- فاكهة الجنة أو عصير الجنة: مصطلح ساد في الجبهات أيام الحرب، كان يتفاءل به المجاهدون اذا ما قيل لهم عند تقديم الفاكهة أو العصير، للدلالة على قرب موعد استشهادهم.
 
 
 
 
158

147

عشق كرب وبلاء

 حول بعض. وكأنهم كانت لديهم هواجسي وقلقي.

- أيها الرقيب، الأوضاع صعبة جدًا! كل هؤلاء يريدون أن يقتحموا قلب العدو، لن ينجو أحد منهم..
- ليس فيهم من يتحدث عن العودة!
- الأمر بسيط، لقد توغلنا مسافة 30 كيلومترًا في أرض العدو، فهل هناك من رجوع!
- هؤلاء كانوا يعلمون من البداية أنه لا رجعة في هذه المهمة، لكن ما ذنبنا نحن؟

العريف عبد الكريم ستايش، كان كلامه يختلف عن البقية:
في نهاية الأمر علينا أن نساعدهم. لقد أرسلونا إلى هنا مع المقنبلات من أجل هذا الهدف. مقتضى العدل!
- بات رأسك يعبق مثلهم برائحة مرق الخضراوات1.. هل صرت تعبويًّا؟
- صحيح، لقد قالوا لنا اذهبوا عدّة أيام للمساعدة وارجعوا. لا أن نسلّم أرواحنا للموت!

قال العريف ستايش: نحن في نهاية المطاف إيرانيون ويجب أن نقاتل العدو! لقد أقسمنا واخترنا هذا اللباس بملء إرادتنا.
- قتال لا رجعة فيه! نحن لم نتطوع مثل هؤلاء أصلًا.
- أيها الرقيب ماذا نفعل الآن؟

نظرتُ إلى وجه ستايش وقلت بحذر: ما باليد حيلة، علينا أن نسعى
 

1- قرمه سبزي: مرق الخضراوات، والعبارة مثل شعبي يقال عندما يراد اتهام أحدهم بعدم النضج والتصرف الأرعن.
 
 
 
 
159

148

عشق كرب وبلاء

 فقط أن نبقى أحياء.. ولنرَ ما الذي سيحدث!

- أنا سأسلم نفسي للأسر في أول فرصة سانحة، هذا أفضل من أن أقتل!
- تصبح أسيرًا؟!
- لديّ عرسٌ بعد شهر من الآن!
- عندي أم عجوز ستموت من دوني كمدًا!

احمرّ وجه العريف عبد الكريم ستايش غضبًا: جميعنا لدينا أهل وعمل، مثل جميع هؤلاء.. انظروا إلى وجوه هؤلاء الشباب.
- ما الذي تقوله يا عزيري. لقد سمعت أن هؤلاء قد وقّعوا عهد الدم.
- وأنا وأنت أيضًا باختيارنا لهذا اللباس العسكري قد انتخبنا طريقنا. قبل هؤلاء الشباب!
- رح يا عزيزي، قلبك طيب أيها العريف1!

نظروا إليّ:
- أيها الرقيب أنت أكبرنا. قائد كتيبتهم ذلك.. ماذا كان اسمه؟
- ينادونه العم مرتضى!
- أجل عمهم هذا. يبدو أنه رجل صالح! تحدث معه لعله يرسلنا إلى الخطوط الخلفية!

فكرتُ وقلت: ولنفرض أنه أجاز لنا العودة. مع من؟ العودة فحسب تساوي إما الموت أو الوقوع في الأسر!
- لعلّه يؤمّن لنا مرشدًا!

ابتسمتُ ابتسامة صفراء وقلت: يؤمّن لنا نحن الذين خفنا
 
 

1- قلبك طيب، بلحن التهكم عبارة يقصد بها اتهام المخاطب بالسذاجة والبساطة.
 
 
 
 
160

149

عشق كرب وبلاء

 وتراجعنا ونريد أن نفرّ؟!

- أنا غير موافق. مجرد الحديث في هذا الأمر سيزيد الطين بلّة! ولو عرفوا ما يدور في خلدنا سوف يرموننا بالرصاص ههنا!
- اسكتوا أحدهم قادم نحونا.

اقترب مسؤول التجهيزات المتوسط العمر مني. 
- قوّاكم الله أيها الرقيب!

سوّيتُ طرفي شاربي وقلت: سلمت!

قال العم مرتضى: فليتجمّع الكل هناك.

أشار بإصبعه إلى مكان في المرتفع كان قد تجمّع فيه أغلب أفراد كتيبة الفجر. لقد أخرجوا العتاد من أجربة عدة بغال وقسّموها. وقفتُ، وذهبت قلقًا وانضممتُ إلى البقية. جاء قائد الكتيبة. سار حتى وقف على صخرة تجعله مرئيًّا للجميع. باتت الهمسات والوشوشات مسموعة. رفع يده فسكت الجميع.

- بسم الله الرحمن الرحيم.. إذا نزلنا من هذا المرتفع باتجاه الوادي ثم مشينا لمدة ساعة أو ساعتين سنصل إلى الهدف. على جهتنا الشمالية تقع تلة بردزرد، وعلى جهة اليمين توجد حقول القمح وقرية واحدة.. صمت مطبق.. أيها الإخوة لا يوجد في هذه المهمة تراجع أو عودة، أمامنا إمّا النصر وإمّا الشهادة! علينا أن نسيطر على الهدف حتى يتمكن الآخرون من الوصول إلينا. كل من كان عاشقًا لكرب وبلاء فبسم الله1..

صاح أفراد الكتيبة وقد كسروا الصمت: جاهزون.. جاهزون..
 

1- بمعنى: فلينطلق.
 
 
 
 
161

150

عشق كرب وبلاء

 انخلع قلبي وامتلأتُ إحساسًا بالوحشة. ومهما سعيتُ في هذه اللحظة الأخيرة أن أُدخل في ذهني فكرة القتال وتسليم المصير لم أتمكن.. لم أكن مستعدًّا للموت، ففي النهاية ما زال عندي في هذه الدنيا الكثير من الذنوب والحاجات والحسابات غير المسوّاة مع هذا وذاك.. يا رب أنت تولَّ أمري..


تتمة كلام قائد كتيبة الفجر أعطتني الأمل بالحياة.

- لقد قلتُ في ذلك اليوم الأول للتدريب والآن أعود وأكرر، ليس هناك إجبار في هذه المهمة! أقسم بالله إنّني لا أسامح أي شخص في هذا العالم يوجد في قلبه ولو ذرة شك أو تردد في المجيء معنا ولا يرجع الآن ما دامت الفرصة سانحة! كل من لديه إشكال أو تردد فليرجع..

علا صوت بكاء أفراد الكتيبة. أشار القائد إلى الناحية المعتمة حيث كان أكراد (كمبا11) يقفون مع عدة بغال وكانت ظلالهم مشخّصة.

- الإخوان في (كمبا11) لن يكملوا معنا من هنا وما بعد بل سيرجعون. كل من كان غير راغب بالمجيء معنا فليرجع مع هؤلاء الإخوة الأكراد. حين يحين موعد الوداع والمسامحة ليرجع من يريد العودة في هذا الظلام مع الأكراد. والباقون يسيرون خلفي وهم يقرأون سورة الواقعة في قلوبهم!

مجددًا علا صوت البكاء وتناهت الشكاوى إلى مسامعي.
- ما الذي فعلناه حتى شكّك العم بنا..
- لقد أمضينا عهود الدم.
- نحن مستعدون يا عم أن نموت معك مئة مرة.
- لا بدّ أن ذنبًا ما صدر منّا.
- تريد أن تتم الحجّة علينا.
 
 
 
 
 
162

151

عشق كرب وبلاء

 أُنْشِدَ صوتٌ يشبه صوت ذلك الرجل المتوسط العمر المسؤول عن التجهيزات:

أسأل الله أن يعطيني مئة ألف روح
حتى أموت مئة ألف مرة لأجلك!

رجعت ونظرت إلى ضباط الدرك. شعرتُ أن كل واحد فينا نحن الثمانية غريب عن الآخر.

- إلى الأمام.. بصمت تام.. أيها الإخوة.. اقرأوا سورة الواقعة في قلوبكم: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ﴾.
 
 
 
 
163

152

اكسر الجنزير

 اكسر الجنزير الأربعاء - 20 تموز 1983


- استيقظ يا حسين! استيقظ! لقد بدأنا بالتحرك!

استيقظتُ مشوشًا.
- كيف أمكنك النوم في هذا البرد وجهاز اللاسلكي خلف ظهرك؟
- أيقظني السيد علي الحسيني. فهمتُ مباشرة أنّ النوم كان قد غلبني من شدة التعب وأنا جالس. قلت: كم الساعة؟ هل تخلفنا عن الركب؟
- إنها الحادية عشرة! لقد انفصل عنّا شباب "السريّة3"!

فركتُ عينيّ ونظرتُ إلى الأمام. كان فرهاديان فر ونوذري يودّعان العم مرتضى. قلت: رجع الأكراد!
- من نصف ساعة!
- سيد علي، هل رجع معهم أحد!
- وهل كان من المقرر أن يرجع معهم أحد!
- نادر!
- ما به نادر؟
- كان يردّد على لسانه موضوع العودة!
- كلٌّ مسؤولٌ عن نفسه. 

في عتمة منتصف الليل ألقيتُ نظرة على الطّلعة الشديدة للجبل.
- يا إخوان تحركوا..

هزّني السيد علي الحسيني من كتفي.
 
 
 
 
164

153

اكسر الجنزير

 - حسين لا تزال جالسًا، هيا قم!


مرّ بجانبي "علي سبزي" الشاب النحيف وقد لفّ الحمّالة المصنوعة من القماش المشمّع وحملها على كتفه.
- سيد بنائيان، لا تتخلّف عنا يا عزيزي!

ما من مرة رأيت فيها عليًّا إلا كان في حال الصلاة والدعاء! كان يرفع يديه طويلًا في الصلاة. يضعهما أمام وجهه النوراني الصافي ويغمض جفنيه فيما تسيل دموعه على خدّيه. الله وحده يعلم بما كان يقول.

خطر ببالي أنه لم يكن قد خُلق إلّا لأجل الدعاء والصلاة.. بعيدٌ أن يكون بجسده النحيف هذا من أهل الحرب والقتال..

قمت وأعدت تسوية جهاز اللاسلكي على ظهري، ورتّبت الأدوات المعلقة بجعبتي وبدأتُ بالتحرك وانضممتُ إلى الرتل. وصلنا إلى وادٍ لا يمكن عبوره. وريثما استدرنا حول الوادي ووجدنا طريقًا للعبور كان قد ضاع منّا بعضُ الوقت.

فجأةً شاهدتُ مرتضى قائد كتيبة الفجر إلى جواري. سأل العم مرتضى الشاب إلى جواره: كم بقي حتى نصل إلى الهدف؟
- بحدود كيلومترين!
- الوقت يضيع، يجب أن نركض!

لم أكن أحب أن أنفصل عن مرتضى وبدأتُ بالركض. دخلنا الغابة. جاء عامل الاشارة إلى مرتضى راكضًا: عم مرتضى، إنها كتيبة كميل! علي نجفي على السمع!

أخذ مرتضى سمّاعة اللاسلكي.
- علي، علي، مرتضى!
- إي مرتضى، سلام!
 
 
 
 
165

154

اكسر الجنزير

 أجابه مرتضى بنفس متقطع: وعليكم السلام، ما الأوضاع؟

- نحن تحت مرتفع الشهيد الصدر.. جاهزون لإقامة العرس! ما أوضاعكم أنتم؟
- نحن نركض، وها أنت تسمع صوت لهاثي..

انحدرنا من المرتفع إلى الأسفل. لم نكن قادرين على السيطرة على خطواتنا. كنّا ننزلق في بعض الأمكنة، فيصطدم الرتل الطويل بعضه ببعض. رفعت رأسي فشاهدتُ أمامي حقلًا واسعًا ومصابيح قرية مضاءة تلمع. أثناء عبورنا بجانب القرية سمعتُ صوت عواء كلب.

مع دخولنا نهاية الحقل، كان يتناهى إلى مسامعنا من بعيد أصواتُ نيران الأسلحة الثقيلة!
- هذا يعني أن الهجوم قد بدأ.. بهذه السرعة.. 

كان العراقيون يرمون النيران في كل الاتجاهات من أعلى المرتفع المقابل وكأنّ مرصد هداية النيران العراقية كان على المرتفع أمامنا! كنتُ أسير خلف العم مرتضى ويسير السيد علي الحسيني خلفي! جاء جمالي من شباب المعلومات وقال: يا عم، لقد تنبّه العدو فوق التلّة، أصبحت المهمة صعبة جدًّا!

ضحك مرتضى وأجاب: على العكس! حتى في منامهم لن يتخيلوا أننا موجودون تحت أقدامهم ونريد أن نشنّ الهجوم!

في قلب الظلام قدّم عدّة أشخاص لم أكن أعرفهم عدّة أدلّة أخرى على صحة شنّ الهجوم: لقد شخّص الشباب مكان رماية العدو من خلال نيران فوهات الرشاشات.
- لقد تعبوا الآن!
- هم لا يتصوّرون أنّ سريتّين سوف تضربانهم من الخلف!
 
 
 
 
166

155

اكسر الجنزير

 قال مرتضى: الليلة ستقوم القيامة! القيامة..


أمر القائد بالتوقف للحظة ونادى جليل حمامي.
- خذ "فرهاديان فر"!.. يجب أن تبدأ "السريّة3" بالهجوم في وقت أبكر وتُحكم السيطرة على تلّة "الفولي بول"!

سأل داريوش صفري: ولأجل أي شيء يا عم؟!
- لأنهم يتقدموننا ونحن لم نستقر بعد، إذا لم تسقط تلة الفولي بول فسنكون في مرمى النيران من جانبنا، وعلى فرض أنّنا سيطرنا على تلة بردزرد فغدًا صباحًا سيكونون شغلنا الشاغل!
- شوكولاتة، تين، تمر.. 

كان صوت "مش موسى" مسؤول تجهيزات الكتيبة الذي كان في أوج حساسية المواجهة وخطورتها، يوزّع ما في يديه من منال وزاد مبتهجًا مسرورًا. مرّ "مش موسى" بجانبي فقلت: "مش موسى"، أنت دائمًا توصي الشبيبة بألا يأكلوا وألّا يشربوا وألّا يسرفوا، ما الذي حصل حتى انتابتك هذه الحال من السرور والكرم؟

ضحك وقال: إن لم تأكلوا الآن فمتى ستأكلون؟ هذه ليلتكم الأخيرة، قلت فلتأكلوا عشاءكم الأخير مبسوطًا!

وحين لاحظ صمتي، ضحك وقال: إنني أمزح. قلت: سوف نستولي على التلّة إن شاء الله، ونغنم أكوامًا من الطعام والمؤونة، وحينما يأتي الجديد يصبح القديم في الحضيض!

ذهب وأنشد: كُل التين واكسر الجنزير.. شكولاتة، تمر..
 
 
 
 
 
167

156

تلة الفولي بول

 تلة الفولي بول1 - 20 تموز 1983


منتصف الليل، قدّام بقية أفراد "السرية 3" تحت تلة الفولي بول، كنت مستلقيًا أنصتُ إلى مناجاة فرهاديان فر.
- يولد الإنسان من جديد في الجبهة.. لا عداوة ولا بغضاء.. صداقة وأخوّة.. محبة وأنس بمولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بالإمام الخميني.. عشق لله..

أخذ "فرهاديان فر" نفسًا عميقًا ونزل من عليائه وصار ترابيًّا وقال: أخي نوذري، تتوق نفسي إلى فنجان شاي زلال ولا أطيب، أشربه وأنطلق باتجاه جبهة العدو.

أطلق الـمضاد الجوّي نيرانه من فوق تلة الفولي بول وكان يرسل رصاصاته الخطاطة الحمراء والصفراء بتدرج وتتابع في سماء المرتفعات الحدودية نصف الغائمة. انفجرت بعد ذلك قنبلة مضيئة فوق رؤوسنا وشاهدت وجه فرهاديان فر بشكل أوضح. همست في أذنه: حين أصل إلى الأعلى هناك، سأعد لك من الشاي المغتنم من الأخوة العملاء البعثيين كوب شاي على مزاجك! ولو أنك قلت في وقت أبكر لكنت أعددت لك أثناء المسير شاي المعركة من أعشاب الجبل اليابسة والمقذوفات الفارغة وعلب الفاكهة الخالية والتين.
- قدم في هذا العالم، وقدم أخرى في ذاك!
- ماذا قلتَ؟!
- هذه حكايتنا..! نوذري، لِمَ أطلقت على التلة اسم الفولي بول؟!
 

1- الكرة الطائرة.
 
 
 
 
168

157

تلة الفولي بول

 استدرت ونظرت لجهة اليسار حيث تقع تلة بردزرد، وقلت: بسبب ذاك الاستطلاع نفسه، حين جئت الأسبوع الماضي بعد الظهر برفقة العم مرتضى لاستطلاع التلة. وفق أوامر مرتضى بقيت مستلقيًا عدة ساعات فوق أعلى المرتفع وعيني على التلة بحثًا عن طريق نفوذ سهلة لأجل هجوم الليلة. عصرًا، كانت عيناي على التلّة أحدّق في مكان يكسوه الشوك والهشيم يبعد عنها (200م). ارتفعت أصوات ابتهاج عدد من الجنود العراقيين على سطح التلة. كان الجنود الذين أنهوا المعركة يلعبون الكرة الطائرة بفرح وصبيانية فيما تتعالى أصوات ضحكاتهم في السماء. وكان الوقت يقترب شيئًا فشيئًا من المغيب وأملي بإيجاد معبر للنفوذ يقلّ حين ظهر جندي عراقي يصفّر آتيًا من طريق قدَميّة فرعية، فدخل المعسكر وانضم إلى فريق كرة الطائرة ودلّني بمجيئه على طريق التسلل المخفي! عندها أسميت التلة بتلة الفولي بول.

- نوذري!

أدرت وجهي ناحية اليمين. همس فرهاديان فر في أذني: يجب أن تتم السيطرة على التلة. يعتمد العم مرتضى علينا.

علا صوت خشخشة اللاسلكي وتقدّم مهدي مسؤول اللاسلكي المرافق لـ"فرهاديان فر" وقال: العم مرتضى على السمع! (وراء الخط).

قال فرهاديان فر الذي كان يتمتم بدعاء: نوذري، أجب أنت!

وضع مهدي سماعة اللاسلكي أمام وجهي. ألصقتُ السماعة بفمي. ضغطت على الزر وقلت بصوت أجش: عم ، يا عم، معك نوذري! ما الأوامر؟
- ما الأخبار يا فضل الله؟
- كله تمام!
 
 
 
 
169

158

تلة الفولي بول

 - إذا ما أعلن الحاج أسدي نداء الهجوم سوف ألصق سماعته بسماعتي لتسمع النداء مباشرة!


وسرعان ما سمعت نداء العمليات.
- يا الله، يا الله، يا الله.. وفقكم الله إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم..

رفع فرهاديان فر يده عاليًا وبنداء "الله أكبر" بدأنا التقدم. كالحبل الطويل انحدر الشباب ودخلوا في المنخفضات والأخاديدالمحاذية للتلة. برفقة "مهدي باريك اندام"1 الذي كان يتبع خطواتي قافزًا كغزال يلهو، وصلتُ ناحية عنق (عُرف) تلة الفولي بول.

اضطرب قلبي، وسمعت بوضوح وسط سكون الجبل خفقان الدم في قلبي. قمت. تناهى إلى سمعي من بعيد صوت إطلاق الرصاص كفرقعة اشتعال الحطب حين تلتهمه النار. قلت بسرعة: إلى الأمام.. الرتل رقم واحد، خلفي!

تقدمت فيما تبعني أفراد السرية بالأسلحة وحقائب الظهر ومطرات المياه يركضون بخطوات واسعة. في غضون خمس دقائق خرجنا من منخفضات تلة الفولي بول وسرنا وسط الظلام باتجاه الطريق القَدَميّة نفسها.
- لا يتخلّفَنّ أحد!

خلال عشر دقائق، ومن دون أن تنتبه لنا الحراسة أو نطلق رصاصة، استطاع أفراد السرية دخول المعسكر. أرعبَ وقع أقدامهم على الأرض ونداؤهم الممدود "الله أكبر" العراقيين وجعلهم غير قادرين على الحراك! كان صوتي يرتجف من شدة الحماسة.
 

1- (باريك اندام) معناها أيضا : صغير الجسم ضعيفه.
 
 
 
170

159

تلة الفولي بول

 - إلى الأمام..


حين انتبهت إلى نفسي كنت فوق أول خندق كمين للعدو. كنا عدة أشخاص، وجّهنا معًا سبطانات بنادقنا داخل المكمن حتى نضغط على الزناد، لكن حارس الكمين، ومن شدة الخوف، وافته المنية فورًا!
- من أطلق النار على هذا؟

قال مهدي: المدد الغيبي!

هززت الحارس فسقط جسده المتخشب على جانبه الأيمن! مجدّدًا علت أصوات رماية أفراد السرية، وبمنتهى الذعر انتهى أمر الجنود العراقيين الغافين ما بين قتيل وهارب.

سقط الموقع العراقي في أقل من نصف ساعة وكأنّ العدو لم يكن قبل دقائق مستقرًّا فوقه. وعلى مدّ النظر، كانت القنابل المضيئة الصفراء تتساقط بمظلاتها البيضاء وتضيء الجبال والوديان الزرقاء من حولنا. وبدأ تمشيط المتاريس وتطهيرها بالقنابل اليدوية.
 
 
 
 
 
171

160

داريوش الكبير

 داريوش الكبير - الأربعاء 20 تموز 1983


وصلنا عند الثانية عشرة والنصف ليلًا الى أسفل تلة بردِزرد. كان العراقيون يطلقون نيران الرشاشات من العيارات المتوسطة والثقيلة والمضادات الجويّة من أعلى التلة على تمرتشين والقمطرة. ناداني العم مرتضى: سلمان، أنا أفهم الآن لماذا كان يجب السيطرة على تلة بردِزرد!

وصلنا خلف نهر ضحل كانت مياهه تنبع من الجبل. وكان النهر يشكّل أول عائق أمام الدخول إلى تلة بردزرد. أسفل العدو، تأملت في أعداد مظلات القنابل المضيئة التي كانت تنفجر شمالًا ويمينًا في سماء المنطقة وتترنّح في سقوطها. ربّت العم مرتضى على كتفي.
- صفري، يا الله! المهمة الآن تطلبُ يدك!

مسحت بيدي على شعر كريم الأبرص.
- لا تنس أن تقرأ طالعي هناك في الأعلى!

قمتُ وتقدمت لأقود بـ"السريّة2" وأرشد الشباب إلى محور الهجوم. انحدرت والرتل نحو الوادي. دخل الشباب خلفي في شق (أخدود) مكّننا من صعود طلعة التلة والبدء بالهجوم. نادى العم مرتضى حمامي: لا تدع الشباب يتحركون من أماكنهم حتى أرجع. سلمان تعال معي!

عدت مع العم إلى جانب أفراد "السريّة2" خلف النهر. راقب مرتضى بدقة، مستعينًا بالمنظار، أربعة إلى خمسة خنادق تشكّل معابر دخول للتلة. ثم أوصى أبو القاسم تشوبان الوصية الأخيرة في أذنه. وضع إصبعه على تلة بردزرد التي شابهت ثلاث قبب على الخريطة.
- أنتم يجب أن تسلكوا من الخلف وتحكموا السيطرة على التلة
 
 
 
 
 
172

161

داريوش الكبير

 الأعلى!


ثم وضع إصبعه على التلة الأمامية بموازاة التلة ناحية اليسار وتابع: أنا و"السريّة2" نضرب عنق التلة. ننسق الهجوم باللاسلكي.

سأل "حجة الله آذربيكان": والعنق الثاني ناحية اليسار، ماذا بشأنه؟
- حالما نستولي على هاتين نتوجه جميعًا للسيطرة عليه!

ربّت العم مرتضى على كتف تشوبان.
- تحرك! ما إن تصل، نبدأ الهجوم.

استجاب أبو القاسم تشوبان قائلًا على عيني، ووضع حبة تين مجفّفة في فم مرتضى. قلت لجلال كوشا: دلّهم على الطريق!

انطلقت "السريّة1" لتلتفّ حول تلة بردزرد التي كانت عبارة عن ثلاث تلال متصلة. رجعنا بسرعة. أعلن حمامي: لقد استقر تشوبان في موقعه!

أخذ العم سماعة اللاسلكي منه وقال لتشوبان: حالما تسمع مني نداء الله أكبر تبدأ الهجوم. علينا أولًا أن نسيطر على عدة خنادق أسفل التلة الصغيرة! من بعدها تصعد بشبابك نحو أعلى التلة الكبيرة.

نادى مرتضى "حسين تشابكي" وأشار إلى حلقات الشريط الشائك في الناحية الأخرى من النهر.
- حسين، حالما تسمع نداء الهجوم تطلق نيران الـ(B7) على الشريط الشائك لتنفتح الطريق!

كانت الرشاشات الثقيلة في أعلى مرتفع بردزرد تصوّب بعيدًا.

نادى العم مرتضى حسن مايلر. جاء حسن حاملًا الـ(B7) خاصته. أشار العم إلى الرشاشات.
- مع ندائي الله أكبر ترمي متراس إطلاق الرشاشات!
 
 
 
 
173

162

داريوش الكبير

 قرّب حمامي السماعة من فم مرتضى. سدّد*1 حسين تشابكي على حلقات الشريط الشائك عند مدخل التلة بـالـ(B7) وهو واقف يستعدّ، وسدّد حسن سرخي على فوهات رشاشات التلة الملتهبة. من غير قصد وقع نظري على صورة الرشاش وكتابة "مرتاح البال" على ظهر حسن. زأر مرتضى كالأسد: الله أكبر..


انطلقت النار من الفتحة الخلفية لقاذف الـ(B7) بيد حسن وكانت عيني على الصاروخ الذي جرّ اللهب خلفه باتجاه الرشاش. أصاب الصاروخ طرف غطاء الخيش للمتراس وانحرف مساره! صاح مرتضى: علينا أن نتقدم إلى الأمام، ليس باليد حيلة!

قمت برفقة الآخرين وعبرت النهر الذي بلغت مياهه حتى الركبة. اشتغلت الرشاشات الثقيلة، وفجأة سمعت صوت تحطّم جمجمة وأنين أشخاص آخرين!
- آه.. ياااا حسين..

أشعلت قذيفة (B7) حسين تشابكي النار بالشريط الشائك وفتحت الطريق. تقدمت تحت نيران الرشاش الثقيل نحو الشق وإذ به يسكت للحظة ويعم السكوت كل الأرجاء. سمعت على الأثر صوت دويّ وشاهدت انفجار قنبلة انفجرت بين الشباب في الصف الأول.
- آه.. احترقت.. يا الله..

صوت الآه! من مرتضى انغرز كالسكين في قلبي. أجنّني تخيُّل استشهاد مرتضى وقفزت نحوه بسلاحي الكلاشنكوف. كان جاثمًا على ركبته.
- ما.. ماذا ج..جرى عم مرتضى!
 
 

1- * وجّه نحو الهدف، صوّب.
 
 
 
174

163

داريوش الكبير

 وضع إصبعه بنحو مستقيم على أنفه.

- هس! لا شيء يا داريوش الكبير..

ضحكت وتنفّست الصعداء.
- خادمك يا عم! 

تحسّس بيده كتفه الأيمن. أمسكت بأسفل خصره. قال: أظن أنّ حجرًا قد أصاب ظهري. يجب أن نتقدم!

قمت، وبدأ إطلاق الرشاش من جديد. هذه المرة كان التصويب نحو الأسفل، وكان وابل النيران يصيب الشباب كزخات المطر، وكانت قنبلة مضيئة تسقط من أعلى فوق رؤوسنا وتستحيل عينًا لرامي الرشاش. علت أصوات الآخ والتوجّع من عدة أشخاص.
- احترقت.. يا الله.. يا حسين..

كانت الطلقات الخارقة تفجّر أجساد الإخوة وترميهم إلى الخلف. ألقت موجة من رشقات الرشاشات المتوسطة والثقيلة وكأنما اتصلت بالبحر، الجميعَ أرضًا، وخلال دقائق أصيب نصف الشباب.

تحت وابل النيران وأنين الإخوة كان فكري مشغولاً بالمجزرة الموحشة التي يتعرضون لها. لم يكن من الممكن الوقوف والإطلاق المباشر للنار. فجأة ارتفع صوت.
- مهلًا.. أعطونا مهلة..

وقع نظري على العريف عبد الكريم ستايش. جلس وصوّب مقنبلته ناحية دشمة الرشاش الثقيل. أصابت القنبلة الأولى طرف الدشمة وسقطت القنبلة الثانية في قلب دشمة الرماية العراقية وتناثرت الدشمة مع الرشاش في الهواء. قبّل العم مرتضى جبينه وصاح: إلى الأمام.. الله أكبر..
 
 
 
 
175

164

داريوش الكبير

 تحرّك السالمون والجرحى. العم في المقدمة والإخوة خلفه انطلقوا صعودًا. وصلنا إلى الصف الأول من الخنادق والمتاريس عند سفح التلة الصغيرة. اشتبكنا وسط الظلام مع العدو ونشبت معركة وجهًا لوجه. كانت القنابل المضيئة العراقية تشتعل في السماء وتُظهر ظلال رأس التلة. استمرّ التمشيط بطيئًا وثقيلًا. امتدت المعركة وجهًا لوجه إلى الخنادق. كنا نفجّر بالقنابل الخنادق والمتاريس والكوّات الصغيرة والكبيرة وكل ثقب ومنفذ في التلة ونتقدّم. ارتفعت حرارتي واشتدت سخونتي. وصلنا إلى مكان تركّزت علينا فيه من ناحية القمطرة وتمرتشين نيران الأسلحة الثقيلة لقواتنا!

 

 

 

176


165

جبل النور

 جبل النور - 20 تموز 1983


تملّكتني حماسة الهجوم واحتدامه. فككتُ جهاز الـ PRC اللاسلكي من على ظهري ووضعته على الأرض.

اللعنة!

قال السيد علي: "حسين لماذا وضعت جهاز اللاسلكي؟".

صرخت: "وما هي حاجته! أعطني الـ(B7)!".

أمسكت قبضة الـ(B7) من السيد علي الحسيني وركضت في أثر قائدي رحيم نعيمي. كان نظام الهجوم قد انحلّ تحت وطأة نيران العدو، وكان كل واحدٍ يتقدّم وفق هواه وإرادته.

كنتُ أفكر فيما هو أمامي فقط وأصعد طلعة التلّة لاهثًا وكأنني في صدد تحطيم الرقم القياسي العالمي لسباق المئتي متر. أثناء الطريق، أضاء جبل من النور فجأة وجمدتُ كقطّة فاجأها ضوء مصباح السيارة ليلًا وتوقّفت! لم يكن النظر إلى التّلة ممكنًا، وكأنني كنت أنظر إلى قرص الشمس.
- ارموا على الأضواء الكشّافة..

بسرعة فائقة أطفأتْ رمياتُ الإخوة الأضواء الكشّافة وبدأتُ بالتقدم مجدّدًا. وصلتُ بسرعة البرق إلى المتراس الأول للتّلة الصغيرة. كان رشاش ثنائي يقاوم من داخل المتراس ويحصد الشباب ويصمّ الآذان. كان الرصاص يتجاوزني من كل الأنحاء وأنا مدهوش كيف أنّه لم يكن يصيبني. فجأة سمعت صوت انفجار رصاصة خارقة متفجرة في جسد "غلام فرماني ها". في البداية توقّف غلام ثم رجع
 
 
 
 
177

166

جبل النور

 إلى الوراء ثمّ تدحرج نحو الأسفل كقطعة صخر على منحدر التلة.


أثناء حركتي اصطدمت بعراقي كان قد خرج من دشمته لا يلوي على شيء وقد علا صوتُه "دخيل الخميني" وسط الغوغاء وفرقعة الرصاص. سار العراقي وبعد عدّة خطوات سقط على رأسه. كان السيد علي وحميد زارع وعدّة أشخاص آخرين يسيرون خلفي وكأنني قد أخذت مكان قائد الفصيل. وسريعًا ما عمّت المواجهة كلّ التلة الصغيرة وأضاءتها. كان مرتضى يردّد بسرعة: "طهّروا الخنادق!".

وصلتُ إلى منطقة سهلة الصعود مسطّحة نسبيًّا بين التلّتين. كان على التلة عدد من الآليات والتجهيزات العسكرية. رحتُ أفتّش عن صيدٍ لصاروخ الـ(B7) الذي أحمله على كتفي! وكان أمامي آليّة IFA كبيرة قد غطّت مؤخرتها خيمة قماشية. قلت في نفسي: هذا هدف جيد! يجب أن أطلق النار.. يجب أن أقوم بعمل ما.. 

وقفت. وضعت القبضة على كتفي واستهدفت ناقلة الجند الكبيرة هذه وسط الظلام المضاء بشُعل القنابل المضيئة وانفجارات المتاريس والخنادق.
- هاي.. لا ترمِ ال IFA!

بين أصوات الرصاص أوقفني صوت تعبوي الكتيبة "محسن شعباني". استدرت متعجّبًا وقلت له: "ولأجل أي شيء لا أرمي؟".
- إنّها غنيمة، لبيت المال.. قد تنفعنا!
- دعك عني!

كانت ال IFA تلمعُ من الخلف أمامي. صوّبتُ على مؤخرتها.

تقدّم محسن شعباني غاضبًا وصرخ بصوت أجشّ.
- قلت لا ترمِ!
 
 
 
 
178

167

جبل النور

 بحماسة، وبدون أن أنظر إليه قلت: "هل نسيت أنّنا جئنا للقتال.. نحن نحارب عدوًّا".


كانت جملة "لا ترم.. قد تنفعنا.." تطرق مسامعي حين ضغطت على الزناد. انطلق الصاروخ كالطوربيد وأصاب الزجاج الخلفي للسيارة ثم خرج من الزجاج الأمامي واصطدم بصدر التلة وانفجر.
- شاطر! 

استدرت ونظرت بانزعاجٍ إلى محسن. كان السيد علي أيضًا وسط معركة القتال واقفًا بدم بارد يضحك عليّ مثل الأطفال الصغار! كان الوقوف وسط الهجوم يعني أن تصير صيدًا، ولم تكن هناك فرصة لتوقّف الصاروخ وقد جعلني محسن أيضًا أتردّد. حين استعدتُ انتباهي كان شباب الإعلام قد بدأوا بالكتابة على ناقلة الجند الـIFA بمسحوق الطلاء: "لواء المهدي!".
- حسين بنائيان، علينا أن نمشّط الخنادق!

وصل أيضًا مصوّر الكتيبة الشاب وصوّر حركة الشباب خطوة بخطوة. رأيت للحظة القائد مرتضى يُرشد الشباب بين التّلتين إلى ناحية المواقع العراقية. قلت: أيُّها الشباب لقد استشهد قائد الفصيل فلنتبَع نعيمي قائد السّرية!

وضعت الـ(B7) وحملت سلاح الكلاشنكوف المغتنم ونظرت إلى حسيني وقلت: "يا سيد فلنذهب لنُمشّط المتراس!".

لم يكن محسن شعباني من المتقاعسين وسار يحذو خطاي. وصلنا إلى المتراس الأول. حين أردت أن أُخرج القنبلة من حزامي وأرميها فيه انتبهت إلى أن القنابل لم تكن على خصري! 

لم يُضيّع محسن وقتًا وألقى قنبلة بدلًا عني داخل المتراس. إلى هذا الحدّ كانت النتيجة:
 
 
 
 
179

168

جبل النور

 اثنان صفر لمصلحة محسن!


أفزعني صوت الانفجار! استعدت رباطة جأشي. كانت آهات محسن شعباني وأنينه عالية ومرتفعة. صفّرَت أذني. حين استعدت انتباهي أدركت أنّ قذيفة (B7) من العدو - وربّما الصديق - قد أصابت جانب المتراس. نظرت ناحية محسن. كان قد سقط على الأرض والدّم جارٍ من رأسه. تملّكني الحزن والنّدم من مشاجرتي معه قبل دقائق. جلست ونظرت إلى رأسه.
- ما الذي حصل.. 

كان يتألم ويشير إلى قدمه. 
- قدمي! لا أستطيع تحريكها.

كانت ساق سرواله اليمنى قد احترقت وتلطّخت بالدماء. أمسكتُ قدمه، فتبيّن أن شظايا الـ(B7) قد قطّعت قصبة ساقه. لكنّ جرح رأسه كان سطحيًّا. قال السيد علي: "ماذا نفعل!".

قال محسن: دعوني وشأني.. اذهبوا أنتم لمساعدة الإخوة..
- ما الذي حصل؟

كان علي سبزي. وكأنّ مَلاك الرحمة قد وصل. جلس وأخرج الضمادات من حقيبة ظهره وضمّد بدقّة وعناية جرح قدم محسن ورأسه وقال: أنا أحمله إلى مكانٍ آمن.
- أيُّها الشباب تقدّموا باتّجاه التّلة العليا..

كان قائد السرية رحيم نعيمي. حين اطمأننت على محسن أسرعت في الركض ناحيته.

كانت "السريّة1" بقيادة أبو القاسم تشوبان قد سيطرت أيضًا على التلة من خلف المرتفع وانضمّت إلينا. جلب شباب "السريّة1" معهم
 
 
 
 
180

169

جبل النور

 مجموعة جنود أسرى. فرّ عددٌ من العراقيين تحت انعكاس أشعّة النور الناشئة عن تدمير الذخائر العراقية والقنابل المضيئة ولاذوا ناحية المرتفع الشمالي لتلّة بردزرد. رافَقَنا نعيمي نحو المرتفع لكنّنا وُوجِهْنا بنيران العراقيين ومقاومتهم الشديدة. وأصيب عدد آخر من الإخوة. لم يكن ممكنًا الاستيلاء على المرتفع ناحية الشمال، الذي كان أعلى من التلتين الأخريين، بعدد محدود من القوات المنهكة والجريحة! أوصل إلينا جليل حمامي أمر القائد مرتضى الجديد: أحكموا السيطرة على هذين العنقين واضمنوا استقرار الأوضاع فيهما. لا تذهبوا باتجاه مرتفع التلة، فمن الممكن في ظل الخسائر أن نفقد هذا المكان أيضًا!

 

 

 

 

181


170

الملك

 الملك - الأربعاء 20 تموز 1983م


عندما تمّ إطلاق قنبلة مضيئة صغيرة واحدة حمراء اللون بمظلّة مقوّسة من فوق قمّة كينغ وتساقطت بشكل حلزوني فوق رؤوسنا وسط الظلام، ألصق الرّائد قادري، قائد "الكتيبة 551" في "اللّواء2" في الفرقة 64 - أرومية، فمه بأذني وسأل: 
- ملازم بانوسان، الأوضاع ملتبسة! أليس كذلك؟

استدرت وأنا مستلقٍ ونظرت إلى الرائد الذي كان قد موّهَ أطراف وجهه المحلوق بالشفرة بالشمع الأسود فبات يلمع كالمعدن، وكان بياض عينيه يزيغ فيتلألأ وسط الظلام! وأجبته بصوت أجشّ: برأيي هي كذلك سيدي!

خائبًا قال بتردّد: "أتعرف هذه المنطقة والمحور جيّدًا يا ملازم بانوسان؟".

عملتُ لمدّة شهرين مع شباب الاستطلاع في لواء المهدي على هذا المحور!".

حدّق بي متعجّبًا. 
- مع الحرس والتّعبئة؟! وأنت أرمني!
- نعم سيدي!

علا صوتُ وشوَشَة بين جنديّين. استدار الرائد وقال بصوتٍ منخفض: "هس.. وهل أتيتم للاستجمام!".

للحظة، جلبت الريح صوت خشخشة تبديل موجات راديو العراق من أعالي مرتفع كينغ. لم يكن الرائد انهزاميًّا، وبظنّي كان يُكابد
 
 
 
 
182

171

الملك

 خوف ما قبل الهجوم ويريد بالحديث معي أن يُقلّل من فزعه. 

- بانوسان، في كم عمليّة استطلاعٍ شاركت مع شباب الحرس؟

جلب نسيم منتصف الليل لسعة الصقيع معه من مرتفع كينغ ولفح وجهي. نفختُ نَفَسَ فمي الحار داخل قبضتي وفركتُ يديّ الاثنتين وأجبت: كثيرًا يا جناب الرائد، حصار عبادان، الفتح المبين، بستان، بيت المقدس، كنت مع شباب الحرس في أغلب العمليات!
- ملازم زوريك بانوسان، هل ألفظ اسم عائلتك بشكل صحيح؟
- كلا سيدي! بانوسيان.
- اسمك صعب. بانوسيان، ألم يكن شاقًّا عليك أن تكون أرمنيًّا بين مسلمي جبهتين!
- في الحقيقة كانت من أفضل أيام عمري!
- ملازم بانوسيان، أنت لا تخاف؟
- الكل يخاف سيدي، الحب والخوف متقابلان! وكلّما ازداد الإنسان حبًّا قلّ خوفه!

سأل الرائد الذي كان قد تغلّب إلى حدٍّ ما على ألم خوف ما قبل الهجوم: ملازم بانوسيان، لماذا يسمون هذا المرتفع كينغ؟".
- سيدي.. إنّ كلمة كينغ بالإنكليزية تعني الملك! وكينغ هو أعلى مرتفعٍ في المنطقة!

هزّ رأسه متحيّرًا.
- بانوسيان، وهل يمكن الإطاحة بالملك؟
- لقد حصل ذلك في الثورة! بالتوكّل على الله حتمًا!
- إنّ كلامك يفوح منه عبق الحرس والتعبئة يا بانوسيان!
 
 
 
 
183

172

الملك

 قال الرائد وقد نظر في الساعة المضيئة على قبضة يده.

- إنّها الثانية عشرة إلّا عشر دقائق! لم يبقَ شيءٌ على إطلاق الإسناد النّاري، هل في المحور حقل ألغامٍ يا ملازم بانوسيان؟
- كلا سيدي، سنواجه حوافّ منحدرة وأشرطة شائكة فقط!

أخرجتُ من جيب لباسي العسكري حبّة شوكولا بطعم الكاكاو، وقسّمتها نصفين وضيّفت الرّائد. 
- تفضّل الشوكولا يا جناب الرائد!
- شكرًا..يا لك من رجل.. لقد سدّ الإجهاد والتوتّر مجرى حلقي.

وضعتُ النصف الثاني من حبّة الشوكولا في فمي وطحنته بأسناني. 
- سيدي، تناول الكاكاو يُهدّئ!

دوّت صاعقة مدفعيتنا من خلفنا، متلاحقة كالبرق والرعد. وبسرعةٍ انصدع الهواء فوق رأسي وخرقت النيران الثقيلة التي حطّت فوق مرتفع كينغ جدار الصمت والظلام.
- بووم.. بووم

ظلّ مرتفع كينغ لمدّة نصف ساعة تحت نيران مدفعيّتنا. استدرتُ وأنا مستلقٍ على ظهري وسمّرت عيني بالقنابل المضيئة الصفراء والبيضاء فوق رأسي. كانت القنابل المضيئة تترنح في احتراقها وتسقط بمظلاتها بشكل لولبيّ. كان كينغ من هذه النقطة يبدو في انعكاس الشعل المتلألئة للقنابل المضيئة وانفجار صخور الجبل عظيمًا ومخيفًا!

عند الساعة الثانية عشرة والنّصف بعد منتصف الليل أُعلن النداء عبر لاسلكي قائد "الفرقة 64 - أرومية": يا الله، يا الله، يا الله..
 
 
 
 
184

173

الملك

 - إلى الأمام أيُّها الملازم.. بدأ الهجوم.. دُلّنا أنت على الطريق! 


أحكمتُ إغلاق رباط خوذتي الحديدية ووضعتُ أخمص بندقية الـ(G3) الذي يُطوى آليًّا على الأرض وانتفضتُ من مكاني صائحًا: أيّتها السّريّة، خلفي!

بدأ التقدّم من ثلاثة محاور. تحرّك الجنود خلفي في اضطرابٍ وحيرة. كانت الحصى تحت قدميّ تنزلق وتتدحرج، وكنتُ في بعض الأماكن أتوقف قليلًا. بحماية الإسناد النّاري للمدفعيّة تقدّمنا حتى أعلى مرتفع كينغ. عبرنا الأسلاك الشائكة والموانع بسهولة. وحين وصلنا إلى خنادق كمائن العدو كانت خالية: هل فرّوا جراء الإسناد النّاري؟! 

كان المانع الوحيد من الصعود تحت النور الملوّن للقنابل المضيئة ماء النبع البارد الذي كان يجري منحدرًا من المرتفع إلى الأسفل، وحيوان برّي اصطدم بقدميّ فجأة وأصدر صوتًا يُشبه عواء ابن آوى ثم قفز فارًّا إلى الناحية الأخرى. لم يكن هناك حاجة إلى أي مشابك أو أدوات تسلّق حديدية لأجل الصعود. مع اقترابنا من المرتفع سكنت نيران مدفعيّتنا. وقفت: الأوضاع جيّدة أكثر مما ينبغي.. لم يصدر من العراقيين أيُّ ردّ فعلٍ، حتى طلقة رصاص واحدة! لعلّهم عرفوا وأخلوا المرتفع..

أمسكت بيدي الصخرة إلى جانبي. جاءني الرّائد وهو يتنفس بسرعة من شدّة الاضطراب والتعب. وضع يديه على ركبتيه وأخذ يلهث ويزفر الهواء من رئتيه بسرعة وقد ضاع صوتُه في طيّات انفجارات غير واضحة فلم أسمعهُ.
- بانوس..، تــ.. تقدّمنا على ما يرام؟ أ.. أليس كذلك؟

قلت بسرعة: سيدي الأوضاع مُريبة!
 
 
 
 
 
185

174

الملك

 - مُريبة!؟ ماذا تقصد..

- سيدي حتى الآن لم يتمّ إطلاق رصاصة واحدة من جانب العراقيّين!
- ماذا تقول أيُّها الملازم؟
- سيدي اطلب من الجنود أن يتوخّوا الحذر..

تب!! تب!! قطع كلامي صوت انفجارٍ مع نور أحمر خفيف، تبعه مباشرة صراخ أحد الجنود عاليًا: 
- آخ.. يا أماه لقد احترقت..

سرت الهمهمات والهمس وتتالت الانفجارات الصغيرة المترافقة مع النور الخفيف وأصوات أنين الجنود تتعالى من الواحد تلو الآخر. كان الجنود يطلقون باضطراب وذعر نيران الرشاشات والـ(B7) من دون استهداف محدد. صرخ الرائد في وجهي بصوتٍ مرتجفٍ وكأنّني كنت مسؤولًا عن إتلاف أرواح الجنود.
- ما الذي حصل يا ولد.. أنا آمرك.. المحكمة العسكرية.. أنقذنا.. 
- سيدي أنا أُفكّر في حلٍّ.

حاولتُ السيطرة على أعصابي. أخذتُ نفسًا عميقًا: ماذا يُطلقون علينا.. يجب أن أستطلع مكان إطلاق النيران..

سمّرتُ عيني بدقة على القمّة. لم أرَ وميض نار أيّ بندقيّةٍ أو رشاش! لم يكن واضحًا من أين يتمّ الإطلاق على الجنود وبأيّ أسلحة يجري تقطيعهم! كلّما تقدّمنا أكثر كانت الانفجارات الخفيفة بين جموع الجنود المتراكمة تزداد أكثر. بات نصف الجنود ما بين قتيلٍ وجريح.
- ويحك أيُّها الملازم.. افعل شيئًا!

لم تتوقّف تمتمات الرّائد وتهديداته لحظة واحدة. كانت الحيرة
 
 
 
 
186

175

الملك

 وخيبة الأمل قد تملّكتني حين خبط شيءٌ كالحجر على مقدّمة خوذتي وسقط أمام قدمي. وقفتُ وبحثتُ تحت ضوء القنابل المضيئة كلمبات الشوارع الغازيّة وحملتُ جسمًا ما: يا إلهي! قنبلة.. صرختُ:

- قنبلة.. لا تتقدّموا.. اختبئوا..

أسرع الجنود مذعورين وانبطحوا بعجلة أرضًا. لم يكونوا يعرفون أين يستهدفون بنيرانهم. ومجدّدًا جاءني الرّائد وبدأ يتمتم في أذني: 
- لقد حلّ بنا البلاء! ما القضيّة.. ماذا يجب أن نفعل؟

قلت بصوتٍ عالٍ: أيّها الرّائد لقد انكشف أمر الهجوم.. العراقيّون كانوا ينتظروننا!
- ولماذا أماكن تموضعهم غير محدّدة!
- إنّهم لا يُطلقون النار. يرمون علينا قنابل فقط، ولذلك فإنّ خنادقهم لم تُكشف!

قلتُ في نفسي: ما أدقّ هذه الخطّة! بهذه الطريقة سوف يقضون على آخر نفسٍ منّا بانفجارات القنابل!
- ماذا نفعل الآن؟
- أَبلِغ اللواء أوضاعنا! إذا طلع علينا الصبح فلن يبقى منّا مبشّرٌ!

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، صاح الرّائد: مسؤول الاتصالات.. 

جاء الجندي مسؤول الاتصالات(عامل الاشارة).
- نعم سيدي!
- اطلب اللواء!

كان صوت انفجار القنابل يعلو بين الحين والآخر مع أصوات أنين الجنود. وضع الجنديّ سمّاعة اللاسلكي في يد الرّائد. 
- سيدي، اللواء!
 
 
 
 
187

176

الملك

 وضع الرّائد السمّاعة أمام فمه ونشر خبر الأوضاع الوخيمة: .. كانوا ينتظروننا.. مجزرة.. ليس هناك أمل.. الكلُّ جرحى..

- انتظروا الأوامر! 

سمعتُ صوت انفجار وأصابت شظيّةُ قنبلةٍ خوذتي وارتدّت. جمعتُ رأسي وبدني واحتميتُ بيديّ ولجأتُ إلى صخرة. أخرجت القطعة الثانية من الشوكولا من جيبي وبدأت بأكلها. حين استجمعت تركيزي قليلًا سمعتُ صوت خرير ماء النبع ثمّ بالتدريج لحنَ قطرات الماء التي كانت تتساقط على رأسي وجسمي، وطار خيالي بعيدًا في هذه اللحظات! سرت البرودة والبلل شيئًا فشيئًا داخل جسمي وإذا بصوت خشخشة اللاسلكي يعلو ويصدر الأمر بالتّراجع.
- لقد أُقفل محوران آخران والعراقيّون يهاجمون من الأعلى بالقذائف والقنابل! عليكم أن تتراجعوا قبل طلوع الصبح.

لم يتعطّل الرائد لحظة. 
- بانوسيان اطلب من الجميع التراجع.. بسرعة.. بسرعة..

قلت: نُعيد أجساد الشباب!
وجَّهَ سلاحه الرشاش بعصبيّة ناحيتي وصاح: تريد أن تقتل الجميع أيّها الأحمق! نفّذ الأوامر.

استدرتُ مارًّا على الجنود واحدًا تلو الآخر وقلت:
- أوقفوا إطلاق النار.. تراجعوا بهدوء إلى الوراء.. تحركوا معي. اتبعوا خطواتي.. من هذه الجهة..

حين أرجعتُ بقية السّريّة ثمّ الكتيبة إلى الخطوط الخلفية كان الصّبح قد طلع. صعدتُ منهكًا المرتفع الحدودي ونظرتُ إلى قمّة كينغ بالمنظار. كان العراقيّون يرمون جثث الجنود من أعلى القمّة إلى الأسفل!
 
 
 
 
188

177

الرّباعي

 الرّباعي - 20 تموز 1983م


كنت أصعد التّلة العليا مع أكثر من ثلاثين عنصرًا خلف نعيمي. وكانت برودة نسيم الصّباح تلفح وجهي وأنا أتقدّم. فجأة وُوجهنا بنيران المضادات الجوية الرّباعية والثنائية ذات عيار 23 ملم. انبطحنا وصاح نعيمي: إذا لم نتقدّم إلى الأمام فلن يبقى منّا حيٌّ يُرزق..

لم يكن نعيمي قد أتمّ كلامه بعد حين حمل حسين تشابكي الـ(B7)، وما إن وقف حتى أمطرته رصاصات المضادّ الرّباعي. انطلق صاروخ الـ(B7) في يده بشكلٍ عشوائي، واهتزّ هو كمن قد مسّته الكهرباء ووقع على الأرض.
- رحمكم الله، لماذا أنتم منبطحون!

نبّهنا جميعًا صوت القائد مرتضى. لا أعلم كيف ظهر مجدّدًا في ذلك الوضع الذي كان كل شيء فيه قد أُقفل.
- بهذا النحو لن يصل أيٌّ منكم إلى الأعلى!

عندما رأيت القائد في وضح النّهار واقفًا في وجه المضادّ شعرتُ بالخجل. صاح "مختار عاشوري": يا حسين.. إلى الأمام..

انسلختُ من مكاني بلا تفكير وبدأتُ بالركض مع مختار عاشوري والبقيّة. فجأةً لمحتُ المضاد الثنائي يطلق النار وارتفع صوت مختار عاشوري.
- آخ.. احترقتُ.. يا مهدي..

تقدّمنا جميعًا مع القائد مرتضى حتى صرنا أسفل متراسي المضادين. ذهب اسماعيل توكّلي ومحمد إلهي وأبو القاسم تشوبان
 
 
 
 
 
189

178

الرّباعي

 برفقة القائد مرتضى وأسكتوا الرّشاشين بالقنابل. خرجنا وبقيّة الإخوة من موقعنا وبدأنا بتمشيط التّلة العليا.


في غمرة هذا الحيص والبيص أضعتُ السيد علي الحسيني وانشغل بالي خوفًا من احتمال استشهاده. كان العراقيّ الذي يبرز أمامنا من بين القليلين الذين تبقّوا منهم يصاب مباشرة برصاصنا. فيما كنت أتقدّمُ مشغولَ البال ظهرَ أمامي رجلٌ محروقٌ بوجهٍ مروّع. حين نظرت إلى وجهه انتصب شعر بدني بأكمله! كانت جميع ملامح وجه العراقي الدّقيقة والغليظة قد ذابت وكان الدّم واللحم يتدافع منه كفوران البركان الأحمر! حتى عيناه تحلّلتا وسالتا. كان ينتحب ويُولوِل بكلماتٍ عربيّة غير مفهومة تُبقبق من فمِه المُذاب. وصل علي وقال: أرحه! المسكين يتعذّب.

جمدتُ وأنا لم أكن سوى شابٍّ يافع. 
- علي أين.. وجهه، ما الذي جرى له؟
- لا بدّ أنّ رفاقه رموا الـ(B7) وكان واقفًا خلفه! حُرقُه عميق، إذا لم ترحه فسيموت من المعاناة!

صارعتُ نفسي: لماذا لا يرميه عليٌّ بنفسه!

لم أمتلك الجُرأة لأنظر إلى وجهه مرّة أخرى وابتعدت عنه. أمسكت بيد علي.
- تبقى إلى جانبي ولا تتحرك!

ضحك ببرودة.
- ولأجل أيّ شيء؟
- من دون كلام.. تعال!

كان على التّلة، كما التّلة السفلى، مهبط مروحية وعدّة آليات IFA
 
 
 
 
190

179

الرّباعي

 وجيب ومضادات دفاع جوّي. أطللتُ برأسي على أوّل متراس نصف مظلم كان فيه عراقيٌّ مصابٌ ينتحب.

- لا تدخل.. في الأمر مجازفة. ارمِ قنبلة!

خرجتُ وقلت لعلي: ارمِ طلقة وأرح ذلك المجروح!".

وضع علي فوّهة رشاشه داخل المتراس وأفرغ مخزن رصاصٍ فيه. اقتربنا مرّة أخرى فكان صوتُ أنين الجريح أعلى من قبل. استدرتُ وقلت: أين أفرغت مخزن الرصاص بأكمله! 

هيّا لنذهب.. أنا وأنت لا ننفع للقتل!

ذهبنا مباشرة باتجاه ناقلة الجند IFA. تهكّم علي قائلًا: أخ حسين أتريد أن ترمي الـ(B7) مجدّدًا؟

ضحكتُ وقلت: لا يا عزيزي!
- لنذهب ونرَ ماذا يوجد فيها!

اقتربتُ من الآليّة. استدرتُ حولها. شاهدتُ خطّ ماء رفيعًا يجري من تحت السيّارة.
- ما هذا؟
- لا أعلم لعلّه ماء الرادياتور..
- ولكنّ رادياتور الآليّة في الأمام!

تمدّدت على الأرض ونظرتُ أسفل السيّارة. كان تحتها جنديّان عراقيّان قد انبطحا مرتجفين وكان البول يجري من تحت قدميهما. أشرتُ إلى أسفل الآليّة. 
- علي، لديك ضيوف! أخرجهما..

انحنى علي وضحك ضحكته الخاصّة بهدوء ولامبالاة وقال: "اها!
 
 
 
 
191

180

الرّباعي

 اها! ومن هما هذان.. تعال.. تعال..".


كرّر الكلمة العربيّة الوحيدة التي كانت على لسانه. أخرجتُ برشّاشي الأسيرين المُبلّلين من تحت السيّارة ورفعتُ أيديهما فوق رأسيهما. كان عليّ قد ربض غير بعيدٍ تحت جِيب القيادة الزيتوني اللون. وكأنّه قد اكتشف أمرًا مهمًّا، قال: حسين هناك واحدٌ آخر هنا أيضًا!

توجّهت نحو الجيب. انحنيت ونظرت أسفل السيّارة. كان عراقيًّا سمينًا قد انبطح أسفلها ونظر عابسًا في وجهي. أشرتُ بسلاحي.
- هيّا اخرج!

لم يهتم وكمثل الأطفال المستائين هزّ بدنه. عندما كرّرت طلبي عدّة مرات ولم يخرج أدخلت سبطانة السلاح تحت السيّارة ليخرج، لكنّ يدي ضغطت على الزّناد وانطلقت رصاصة وارتفع صوت نحيبه ولعْنِه. زحف خارجًا. أشار إلى جرح فخذه وبدأ يسبّ ويشتم! كان ينظر إليّ بنحوٍ لو استطاع معه أن يشرب من دمي لما قصّر، وكالعادة ضحك علي. 
- من الواضح أنّه بعثي! إنّه يسبّ!

وصل علي سبزي. جلس وعالج جُرح العراقي وأخذه معه إلى خندقٍ أسفل التّلة. كان إحساسي بالعطش يزداد شيئًا فشيئًا. أشرتُ إلى الخندق الكبير الذي بدا مجهّزًا.
- علي، لندخل تلك الدشمة.. فلربما كان فيها ماء، شيء ما.. يمكن أن يكون مفيدًا!

أخذنا الأسيرين معنا إلى داخل الدشمة الكبيرة بجوار الجيب. لمحتُ شنطة وحقيبة ظهرٍ ولفائف قماشٍ عسكريّ مرقّط وراديو. 
- علي انتبه لهذين الاثنين!
 
 
 
 
192

181

الرّباعي

 أسندتُ سلاحي الكلاشنكوف إلى جدار الدشمة وبدأتُ أُفتّش داخل الشنطة وحقائب الظهر وانشغلتُ في البحث. عندما اصطدم رأسي برأس علي وتلاقت نظرتانا قلتُ: ..عافاك الله.. أين سلاحك؟!


كمن قد مسّته الكهرباء انتصبَ شعرنا وتأمّلنا في الأسيرين العراقيين. كانا قد وقفا إلى جانب سلاحينا ينظران ببلاهة1.
 

1- بالعامية اللبنانية: مسطولين.
 
 
 
 
193

182

فلّ يا فلّ

 فلّ يا فلّ - 20 تموز 1983


عند الثامنة صباحًا، هدأ الاشتباك فوق التلة. انتهزتُ الفرصة لأجلس على صخرة وأشاهد من ذلك العلو المسيرَ الذي عبرناه الليلة الفائتة لنهاجم تلة بردزرد. تحت قدميّ كان المشهد الطبيعي البديع لكردستان العراق يبدو كملصق جميل! قرية نضرة بسقوفٍ وباحاتِ منازلَ متراكبة في الأعلى والأسفل ونساء ورجال أكراد في الباحات. تبسّمت: وكأن هؤلاء لا يصدّقون حتى اللحظة أن هذا المرتفع بات تحت سيطرتنا..

أدرتُ نظري نحو النهر الذي يلفّ القرية وينتهي إلى التلة. ناحية اليسار، كان هناك طريق قَدَميّة وجسر كان ينبغي أن يتفجّر الليلة الماضية ولم ينفجر!

استقرّت يد السيد علي على كتفي.
- أخ حسين، اختليتَ بنفسك!

أشرتُ إلى القرية أسفل منا.
- أترى، وكأنه ليس هناك حرب! الرجال والنساء يجولون في القرية كما اعتادوا! مرتاحي البال منّا؟

ضحكت وقلت: حظّنا عاثر! لا أحد يحسب لنا حسابًا!

مسح السيد علي بيده على شعره الأسود الخشن وقال: يتذكر الإنسان تلقائيًّا اعتداءات الجنود العراقيين على الهويزة وسوسنكرد وخرمشهر! لقد قتلوا العباد ودمروا البلاد، حتى إنّهم اعتدوا على أعراض العرب في تلك المناطق.
 
 
 
 
194

183

فلّ يا فلّ

 قلت: أتعلم، نحن الآن سافرنا إلى الخارج بدون جواز سفر!

- إذا ما وصلَ شبابُ المحاور الأخرى نقوم بجولة ونجوب المنطقة بشكل جيد!
- فَلْنَجِدْ مذياعًا، الآن تُبثّ الموسيقى العسكرية وأُعلن خبر انتصارنا عبر الأثير! 

أشار علي إلى مطرته الفارغة من الماء.
- حسين، أنا ظمآن جدًّا! جد لنا حلًّا للماء.

كان "سعيد حفار" ينقل عددًا من الأسرى نحو الأسفل ليسلّمهم إلى دشمة الأسرى. قمنا وذهبنا ناحية الخنادق فوق التلة. وصلتُ إلى الدشمة التي كان ينتحب فيها العراقي قبل ساعة.
- علي، هي الدشمة نفسها التي أفرغتَ فيها مخزنًا من الرصاص وكان العراقي حيًّا ينشج وينتحب. لنقصدها لعلّ داخلها برادًا، فنجد فيه ماء، شرابًا، شيئًا من هذا القبيل!

ما إن دخلنا الدشمة فغرتُ فاهي مدهوشًا وقلت: يا رب بارك!

كانت الدشمة مخزنًا للعتاد، حيثما نظرت رأيتها تعجّ بصناديق الأسلحة الخفيفة والثقيلة! بلعتُ ريقي وقلت: علي، لقد أفرغتَ مخزن رصاص داخلَها، فلا العراقي أصيب ولا شيء من هذا العتاد؟! لو أن رصاصة واحدة أصابت شيئًا من هذه لكانت كافية لتفجير الجبل بأكمله، وليس كلينا فحسب!

وقع نظري على عدد كبير من بنادق السيمينوف ذات المنظار والبرنو القصير ورشاشات الغرينيف.
- كل شيء متوافر إلا الماء! ينبغي أن نُبلّغ!

خرجت من الدشمة. في أعلى التلة كان يقف بابتهاج وسرور العم
 
 
 
 
 
195

184

فلّ يا فلّ

 مرتضى وعلي نعيمي قائد السرية ومحمد إلهي وسعيد حفار و"جواد خيرات"، يتبادلون أطراف حديث عمليات الليلة الفائتة.

- لو أن معنا مذياعًا لنستمع إلى ما ينشر عن عمليات ليلة الأمس!
- كانت رقعة الهجوم واسعة!
- هذا يفرح قلب الإمام.
- الناس يستمعون الآن إلى الموسيقى العسكرية وأخبار انتصار الشباب!
- الحمد لله!

جاء جليل حمامي مسؤول الاتصالات راكضًا وسماعة اللاسلكي في يده. أصابت رصاصةٌ الأرض بالقرب منه. وقف قليلًا ثم تابع حتى وصل إلى مرتضى.
- عمّ، علي نجفي على الخط!

أخذ مرتضى السماعة ووضعها على أذنه.
- علي، علي، مرتضى!
- مرتضى، مرتضى، عليّ على السمع!
- أوضاعكم!
- استقررنا فوق المنطقة المحررة. كيف هي أوضاعكم؟

أجاب العم مرتضى ببشاشة وسرور: حبيبي علي، فُلّ يا فُلّ!

برمتُ شفتي وقلت لـعلي حسيني: يعني؟

ربّت محمد إلهي على كتفي.
- يعني الأوضاع جيدة!

أعاد العم السماعة إلى حمامي وأشار إلى مضاد الطيران الرباعي.
- ابحثوا عمّن يستطيع تشغيل الرباعي!
 
 
 
 
 
196

185

انعطافة الشَّعر

 انعطافة الشَّعر - 20 تموز 1983م


عند العاشرة صباحًا، تضعضع هدوء التلّة وعلا صوت إطلاق النار من أسفل التلّة الصغيرة! صعد التعبوي "مرتضى مُحب" من هناك راكضًا.
- عم مرتضى، العراقيّون يستولون على التّلة السفلى!

نادى القائدُ أبو القاسم تشوبان ورحيم نعيمي.
- أنتما راقبا هذا المكان مع القوّات القديمة، وكل من بقي من سريّة الشيرازيين فليأتِ معي!

حمل العم مرتضى رشاش الغرينيف المتوسط ونزل إلى الأسفل مع مُحب. ربّتُّ على جانب علي حسيني.
- حان عملُنا!

وضعت الـ(B7) على كتفي وتبعتُ القائد برفقة حميد زارع وعليّ سبزي وعدّة أشخاص آخرين. كانت الاشتباكات أسفل التلّة من جهة النهر. شغلتنا وآلمتنا عدّةُ خنادق تشكّل معابر دخول للتلّة، كانت تبدو تحت السيطرة، لكن العراقيين من داخلها جعلوا شبابنا تحت مرمى نيران الـ(B7) والرشاشات المتوسطة. شكّلنا طابورًا من عشرة أشخاص خلف القائد. قال مرتضى: رامي الـ(B7)!

وكأنّه قد قال: "حسين بنائيان أنت ارمِ!" قمت من مكاني ممسكًا بقبضة الـ(B7)، وحين هممت أن أُطلق أعاقني الرشاش العراقي وسقطتُ على أم رأسي وسقط سلاح الـ(B7) الملقّم بالقذيفة من يدي. كنت ألملم نفسي حين وقف حاملًا الـ(B7) أمين زاد الله من
 
 
 
 
197

186

انعطافة الشَّعر

 شباب الحرس الثوري في مدينة فسا، لكنّ الرشاش المتوسط العراقي رماه بزخّة رصاص وأصاب صدره بطلقة. سقط من دون أن ينطق بآهٍ أو يتألم وفار الدّم من صدره! كنت ما أزال مذعورًا من إصابة أمين زاد الله حين أُصيبت دشمة الرشاش العراقي وتهدّمت، وارتفعت أصوات التكبير في الأرجاء.


كان القائد قد أمسك بقبضة الـ(B7) التي سقطت مني المجهّز للإطلاق ورمى الدشمة. بتدمير دشمة الرشاش ضعفت معنويات العراقيين. وضع مرتضى الـ(B7) وحمل سلاحه الأخمص القصير وتقدّم.
- الجميع خلفي!
تحرّكت بسرعة في أثر العم وخلال أقل من نصف ساعة قمنا بتمشيط بقيّة الخنادق المسببة للمشاكل في أنحاء الوادي والنّهر، وفرّ عدد من العراقيين باتجاه الغابة. قرب النهر تمّ استهداف مرتضى مُحب برصاصة قنّاصة سيمينوف وسقط على رأسه في الماء! نزل مرتضى بنفسه في النهر وسحب جسد "مُحب" على كتفه وأخرجه من الماء.
- لا تتقدّموا.. العراقيون يسيطرون على النهر!
حين وضعوا جسد مُحب داخل دشمة "روضة الشهداء" إلى جوار باقي الشهداء كان الدّم يسيل من فوق خصر مرتضى. شاهد علي سبزي الجُرح خلف كتفه فحمل ضماداته واتّجه نحوه.
- يا عم، جرحكم ينزف، دعني أُضمده!

استدار البقيّة ونظروا باستهجان خاصٍّ إلى جرح القائد. وكأنّ أحدًا لم يكن يتوقّع أن يصاب مرتضى، وكانوا يرونه منيعًا. حين رفع علي سبزي يده ليضمد الجرح منعه العم مرتضى.
- إنّه خدشٌ بسيط، لا حاجة للضماد.. سوف يلتئم بنفسه!

استغرب علي سبزي سلوك القائد وتراجع. ذهب إلى جوار "جواد
 
 
 
 
198

187

انعطافة الشَّعر

 محمدي" وسأل: جرح السيد مرتضى ينزف لماذا لا يدعني أُضمده؟".


تبسّم محمدي وقال: أنت تنظر إلى الشعر والعمّ يرى انعطافه1! أنت نفسك، أتحبّ في هذه الأوضاع أن يكون قائدك جريحًا مُضمّدًا أم سالمًا معافى؟

حين أتممنا عملنا نادى مرتضى الشباب.
- نحّوا جثث العراقيين جانبًا.

نقلنا ستة عشر أسيرًا جديدًا إلى داخل خندقٍ كبيرٍ كان في وسط التلّة، وجُعل علي خليلي من أفراد الحرس حارسًا للأسرى.

صعد العم مرتضى من التلّة السفلى برفقتنا وأعاد تنظيم الشباب. ربّضنا على مرتفع التلّة مدفع 120 وآخر 81 وغطّينا الطرق المحتمل التسلل منها برشاش غرينيف متوسط ومضاد جوي من عيار 50.

أوكل العم إلى "حجّت الله آذربيكان" ومعه فصيلان مهمة الدّفاع عن الضلع الجنوبي للتلّة المُشرف على مضيق "دربندي خان" والطريق المُعبّدة. وجعل إمرة بقيّة الشباب على التلّة العليا بعهدة أبو القاسم تشوبان ورحيم نعيمي.
- الدفاع عن الضلع الغربي موكول إليكما!

وأوكل أيضًا مسؤولية عشرة أشخاصٍ في وسط (سفح) التلّة إلى سلمان صفري.
- سلمان، عليك تغطية الشقوق بين المجموعات الثلاث!

كانت مقصورة كبيرة قد بُنيت بإحكام من قطع الإسمنت فجُعلت محلًّا للعناية بالجرحى، ووضع خمسة مسعفين لمراقبة الجرحى ورعايتهم.
 
 

1- يراجع هامش ص (154)، كمبا 11.
 
 
 
 
199

188

التنصت

 التنصت، مثلُنا 20 تموز 1983م


على تلّة بردِزرد، كنت أستمع إلى المذياع الثنائي الموجة الذي غنمناه، ولم يكن من خبرٍ عن انتصارنا الليلة الفائتة! لا موسيقى عسكرية تُعزف ولا بلاغ عسكري يتلى. وبدأ كلٌّ يدلي برأيه وتحليله: محمد إلهي! لماذا لا يُبث خبر الهجوم عبر الأثير؟
- لا بدّ أنّهم تركوه لنشرة أخبار الثانية بعد الظهر!
- الموسيقى العسكرية تُعزف دائمًا عند العاشرة صباحًا!
- لا يكوننّ لا سمح الله.. 
- كلا يا عزيزي.. أنت ترى أنّنا وكتيبة كميل سيطرنا على الأهداف..
- إذًا لماذا ليس هناك أيُّ خبر؟
- تعال.. وهذا أذان الظهر!
- انظر هناك..

من ناحية خطّ القمطرة الحدودي، كانت قافلة من الآليات العسكرية آتية باتجاه تلّة بردزرد. سُرِرت.
- إنّهم قوّاتنا.. في نهاية المطاف سقطت جبهة العدو!
- لا يبدو أنّهم من قوات التعبئة والحرس!
- لا بدّ أنّهم من قوّات الجيش!

عندما صار الطابور العسكري داخل "حديقة موتورى" العراقية، ذُهلت! 
- إنّهم عراقيون!
 
 
 
 
200

189

التنصت

 - هذا يعني أنّ جبهة العدو لم تسقط بعد!

- لقد هدأت أصوات الاشتباكات وإطلاق النيران منذ ساعات!
- يا ربي رحمتك!
- يعني أُغلقت الطريق في وجهنا؟
- لعلّنا بتنا محاصرين أيضًا!
- أبلغوا العم مرتضى!

وضعت المذياع الثنائي الموجة أرضًا واستدرتُ إلى الناحية الأخرى من الأراضي العراقية، نظرتُ إلى مضيق دربندي خان: وما هو ذاك؟ يبدو ناقلة جندٍ للعدو.. أشرتُ بإصبعي لنعيمي ناحية الأرض العراقية.
- رحيم، ألقي نظرة هناك.
- إنّها ملّالة عراقيّة ذات عجلات!
- مصيبتنا سوداء.. هذا يعني أنّ كتيبة كميل أيضًا لم تتمكن من إغلاق مضيق دربندي خان!
- تتقدّم ناقلة الجند المرقّطة ذات العجلات عاتية جامحة.
- يعني نحن محاصرون أيُّها الشباب..
- علينا أن نستعدّ لأيِّ حدث!

ناداني نعيمي: محمد إلهي، اذهب إلى العم وأخبره بالمجريات!

وصلتُ إلى العنق الممتدّ ما بين التلّتين الصغيرة والكبيرة. لم أكن قد ركضت عدّة خطواتٍ بعد حين سقطت قذيفة مدفع (106) إلى جواري ورفعني عصف انفجارها عن الأرض ورماني بعيدًا. شعرتُ بألمٍ في جسدي، ومن حُسن حظّي أنّني لم أُصب بشظيّة. رجّحتُ أنّهم رموا قذيفة (مدفع 106) المضاد للدروع بقصد استهدافي! هذه المرّة تقدّمتُ
 
 
 
 
201

190

التنصت

 منحنيًا ووصلتُ خطوة خطوة إلى دشمة العم مرتضى.

- سلام يا عم.. 

أدركتُ من الأجواء داخل الدشمة أنّه على علمٍ بالمجريات قبلي. كان أبو سجاد أحد الضبّاط اللاجئين قد ضبط جهاز اللاسلكي على تردّد موجة العراقيين وراح يتنصّت. نظر مرتضى إلى جليل حمامي وقال: جليل اطلب أنت مقرّ اللواء!

ثبّت حمامي بسرعة الجهاز على موجة المقرّ وأعطى سمّاعة اللاسلكي للعم. نادى مرتضى قائد اللواء جعفر أسدي.
- جعفر، جعفر، أشلو!
- جعفر على السمع!
- جعفر، نحن مستقرون على الهدف وننتظر الأوامر!
- إمكانات وأوضاع القوة القتالية!
- الشهداء أربعون.. والجرحى مثلهم!
- كن منتظرًا، لقد واجهتنا مشكلة!

حين انقطع اتصال مرتضى، توجّه داريوش صفري ومرتضى ناحية "أبو سجاد" الذي كان لا يزال يتنصّت على تردّد موجة العراقيين. وضع مرتضى يده على كتف "أبو سجاد". استدار وحدّق في عيني مرتضى ثم ابتسم وقال: تبارك الله يا أشلو..

قال داريوش صفري لـ "أبو سجاد": هل أنت مهلوس؟
- هلوسة.. يا سيد سلمان؟!

أبعد أبو سجاد سمّاعة اللاسلكي عن فمه وحدّق بحماسة في وجه مرتضى وقال: كان العقيد فاتح قائد لواء "المغاوير 202 الخاص"
 
 
 
 
202

191

التنصت

 يُقدّم تقريرًا تفصيليًّا لقائد فرقته بأنّ الإيرانيين قد هُزموا في جميع المحاور واضطروا للتراجع من قبل القوّات العراقيّة، وأن عناصر من كتيبة الفجر فقط قد تمكنوا من السيطرة على التلّة الممتدة! وقال القائد الركن بغضبٍ، أيّها الأحمق! التلّة الممتدة تقع في عمق الأراضي العراقية، أنت مشتبه، الأمر غير ممكن! وكان العقيد فاتح يُجيب أيضًا، للأسف لقد انتصر أشلو. والقائد الركن من الطرف الآخر لخط الاتصال يأمره بغضبٍ وسبٍّ وشتم أن يبذل أقصى ما لديه ليستعيد السيطرة على تلّة بردِزرد..


قلت: أبو سجاد، وكيف عرفوا أنّ كتيبة الفجر قد سيطرت على بردِزرد؟!

ضحك وضرب على جهاز اللاسلكي.
- التنصّت يا سلمان آغا.. مثلُنا!
 
 
 
 
203

192

ماء الرادياتور

 ماء الرادياتور - 20 تموز 1983م
 
كان العطش على التلة يفتك بأفراد التعبئة والحرس على حد سواء. أصبح شحّ الماء المشكلة الأساسية! قال علي: حسين، أنا ذاهب لجلب الماء.

كنت وعلي في السن نفسها ورفيقَيْ الحمّام1، كان صغير القامة نحيفًا، وكنتُ ضخمًا وأكثر طولًا. لم تسمح لي مبادئي أن يذهب هو.
- يا سيد، أنا أذهب بحثًا عن الماء! ابق أنت هنا.

دخل حميد زارع، تعبوي فصيلنا، على خط الحوار مباشرة.
- دعوا ثواب جلب الماء على عاتقي.

كان عازمًا وحاسمًا وقد نفخ صدره بحيث لم يدع لي مجالًا للمعارضة.
- فليكن، ولكن انتبه على نفسك!

حمل حميد عددًا من مطرات الماء وعلقها بحزام خصره وتوجه نزولًا نحو نهر الماء. ما هي إلا لحظات حين تناهى إلى مسامعنا صوت إطلاق ناري. اضطرب قلبي وقلت: علي، لستُ مطمئنًا، لقد حدث سوءٌ لحميد.. أنا ذاهبٌ في أثره!

قال السيد علي: بما أنك ذاهب، احمل معك وعاءً لجلب الماء!

ولكي أجد وعاءً ذهبتُ إلى الجيب العراقي فوق التلة. خلف الجيب كان يوجد غالونات 20 ليترًا مملوءة بالبنزين. لم يكن أمامي إلا
 
 

1- الحمّام الشعبي القديم الذي كان أهل المحلة يستحمون فيه لعدم توافره أو توافر خدماته في البيوت. والمقصود من التعبير أنه كان بينهما صداقة لذهابهما معاً إليه.
 
 
 
 
204

193

ماء الرادياتور

 أن أحمل عدة مطرات وأبحث أثناء مسيري داخل الخنادق. وجدتُ داخلها أنواعًا من الأسلحة والذخائر والحليب المجفّف واللحوم المعلبة وبسكويت "tuk" ومأكولات أخرى، إلا قطرة ماء!


وصلت إلى مكان يبدو أنه مركز التموين والدراجات النارية على التلة. وصلت إلى ملّالة الـ(IFA) نفسها التي رميتها الليلة السابقة بالـ(B7)، ولم تُصَب. صعدت السيارة من الخلف وأزحت الغطاء المشمّع ذا اللون الزيتي الداكن، وكانت المفاجأة: هوووو..وه! معلبات، حليب مجفف، لحوم، شاي، بسكويت.. وما رزق الباري! لحسن الحظ لم تصبها الـ(B7).. الحق مع شعباني.. وعندما لم أجد ماءً سرت باتجاه أسفل التلة نحو النهر.. قطع طريقي سلمان صفري.
- إلى أين؟!
- أريد أن أجلب الماء للشباب!
- لا يمكن.. العراقيون مسلّطون على النهر ويرمون ببنادق السيمينوف. قبل دقائق فقط أصابوا واحدًا!

قلت بسرعة: التعبوي نفسه الذي علّق مطرات الماء على وسطه!
-نعم!
- ماذا حصل له؟
- جُرح..
- جرحه بسيط!
- كلا! رموه في كتفه.. تمّ نقله إلى خندق الجرحى!
- الشباب فوق، يلهثون من شدة العطش وليس من قطرة ماء!
- ما باليد حيلة، يجب أن يصبروا حتى الليل. لربما أمكن جلب
 
 
 
 
205

194

ماء الرادياتور

 الماء في الظلام.


وحيث اطمأن بالي بشأن حميد زارع حملتُ من مؤخرة الـIFa بعض الحليب المجفف والبسكويت وأشياء أخرى ورجعت إلى أعلى التلة. رسم علي ببشاشته المعهودة بسمة على شفتيه.
- بدل الماء جلبتَ الخبز!
- أُصيب حميد.. لم أجد ماءً، وسنجوع في آخر المطاف.

هزّ عليّ رأسه وقال: حسين، هل شربتَ قبلًا ماء الرادياتور!

انفرجت أساريري وقلت: علي، أحسنتَ التفكير.. لماذا لم تبكّر..

سارعتُ بمساعدة عليّ وأمام الأعين الزائغة المترقّبة للبقية إلى فكّ البرغي الصغير أسفل رادياتور الجيب وسحبتُ ماءه الأصفر الصدئ حتى آخره وصببته في المطرات. وكذلك سحبتُ ماء رادياتورات عدة آليات أخرى، ولحستُ القطرات الأخيرة.
- من أنت يا رجل المهمات الصعبة، يا حسين بنائيان!
- قليلٌ، كيفما كان، خيرٌ من الحرمان!

قسّمتُ الماء الأصفر الصدئ بين ثلاثين شخصًا، لكل واحد نصف كوب! ووزّعت الحليب المجفّف والبسكويت على الجرحى أولًا ثم السالمين. كانت حصتي التي جرعتها من ماء الرادياتور مُرّةً علقمًا! لكنّ الجميع شربوا الماء الأصفر بلذة خاصة، وكذلك وضع البعض مقدارًا من الحليب المجفف في حصتهم من الماء وارتشفوه مع البسكويت.
 
 
 
 
 
206

195

النملة الجندي

 النملة الجندي - 20 تموز 1983


- گرومپ.. گرومپ..

كان صوت المدفعية العراقية المتقطع يدوّي في أذني.
- سلمان!

كالسهم وصلتُ إلى مرتضى.
- في خدمتك عمّ مرتضى!

تفحّصَ بالمنظار أطرافَ تلة بردزرد الأربعة بدقة.
- سامحك الله يا سلمان!

سألت بقلق: هل صدر مني خطأ يا سيد مرتضى؟

تبسم وأبعد المنظار عن عينيه.
- أسأل الله أن أكون مخطئًا. الهدوء الذي أراه أشبه ما يكون بهدوء ما قبل العاصفة.. جد لي من يصلح المضاد الرباعي!

عندما انطلقت، شاهدت ما بين التلّتين الكبيرة والصغيرة سقيفة مغطاة بحصير. كانت الأعشاب البرية تحيط بالسقيفة حتى أسفل التلة. وقد رتبت صناديق العتاد الزيتونية الفارغة فوق بعضها من الجهات الثلاث للسقيفة حتى نصف ارتفاعها. كانت مكان هدوء مناسبًا للاستراحة والفرار من الحر! وبسبب ندرة الماء تيمّمتُ وبدأت بصلاة الظهرين. حين تشهدت وسلّمت شاهدت جموعًا من جنود النمل الطويلة الأرجل كانت تخرج بسرعة حبوبًا بيضاء من عدة ثقوب في وكرها، والله يعلم إلى أين كانت تحملها. ضحكت: إنها تفرّ من الحرب.. سمعت أن الحيوانات تستشعر الزلزال قبل وقوعه.. وإنما
 
 
 
 
207

196

النملة الجندي

 الحرب زلزال.. لعن الله صدام البعثي.. لأذهب فإن الوقت تأخر.. لقد أخبرتُ الجميع تقريبًا عن الحاجة إلى إصلاح المضاد، لكني لم أجد أحدًا! عدت بخفّي حنين.


ناداني أحدهم: داريوش!

أدرتُ وجهي لأقول إنّي سلمان سليماني، ورقم هويتي هو.. من مواليد فسا، لكنني انصرفت عن ذلك لدى رؤيتي حجت الله آذربيكان. كان آذربيكان من الحرس ومسؤولًا في الهندسة(المساحة)، لكن، ولأجل المشاركة في الهجوم فقد وصل إلى كتيبة الفجر بالدهاء والحيلة. قلت له باحترام: في خدمتك، سيد حجت!
- داريوش، أنت تعلم أن إصلاح الكلاشنكوف يحتاج إلى تخصّص فما بالك بالدفاع الجوي!

ابتسمت وقلت: سيد حجت، إن مع العسر يسرًا، كل شيء ممكن بمشيئة الله..
- سلام يا خال!

جاء فتى تعبوي نَضِر الوجه متوسط الطول وألقى التحية. سألت: ما الأمر؟

أجاب الفتى بلهجته الشيرازية: أخي يا خال! أخوك قادر على أن يتولى من أجلك أمر المضاد وغيره، وحتى المدفعية!

نظرت إلى ملامح وجهه الطفولية وقلت متعجبًا: أخوك؟! أخوك أنت أم أخي أنا؟!

ضحك عاليًا وضرب على صدره النحيل.
- مقصودي، أخوك هذا نفسه!

قلت: يعني أنت تعرف كيف تصلح الدفاع الجوي!
 
 
 
 
 
208

197

النملة الجندي

 - إي.. لربما تشغيله أيضًا!


صحت بحماسة: ولماذا لم تقل قبلًا يا خالي الشيرازي!

كبحَ حماستي.
- هاي.. مع احتمال عدم نجاحي!

عقدتُ حاجبيّ وقلت: لم أفهم، يعني يمكنك تولّي أمره أم لا!
- الله كريم!

كان توكّل الفتى كمثل توكّل الكهول. قلت: لنذهب!
- بشرط يا خال!
- شرط؟ أي شرط؟
- رفاقي أيضًا يجب أن يأتوا معي! لقد تعاهدنا أن نبقى معًا أينما كنا!

قال آذربيكان وكأنما كان على معرفة أكبر بالفتى: ولكنك مع رفاقك!

رفع الفتى النحيف الذي لم يكن شعر شاربه قد نبت بعد، رأسَه وذقنَه نافيًا وقال: كلا.. غلام حسين ونون خدا وأمين ومحسن، تفصلهم عنا خنادق عدة من هذه الناحية! أسفل التلة.. 

استدْعِهم ليأتوا أيضًا، نشغّل الرشاش الرباعي معًا.. قبلتَ يا خال!

مدّتني نضارة الفتى وحيويته بالروحية والنشاط بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من التعب والضغط وعدم النوم. غمزتُه وقلت: خالو! ما اسمك؟
- خادمك، غلام علي فهندج سعدي!

ذهبتُ لجلب رفاق الفتى، فعلمتُ أن نون خدا قد استشهد و"أمين" بين الجرحى. وجدتُ "محسن" و"عرب سعدي" و"غلام حسين شب
 
 
 
 
 
 
209

198

النملة الجندي

 خيز" فقط وجلبتهم. انهمك الأربعة بالعمل بعد أن أزاحوا جثث طاقم الجنود العراقيين الذين كانوا يعملون على المضاد الجوي، وفككوه حتى آخر قطعة، وفي أقلّ من ساعة أعادوا جمعه وبات الرباعي (الـ23 ملم) المغتنم جاهزًا لإطلاق النار. جلس "جواد خيرات" على الكرسي الحديدي للدفاع الجوي وكأنه يهمّ بتناول طعامه. أدار قبضة المدفع شمالًا ويمينًا وقال: في الدورات التخصصية في الحرس خضعنا لدورة تعليم على مدفع 23 ملم.

 

 

 

210


199

تلة أُحُد

 تلة أُحُد - 20 تموز 1983


عند الواحدة بعد الظهر، غطى الضباب كمثل بحرٍ لَبَنيّ اللون وادي الحاج عمران و"حديقة موتورى". كانت أصوات إطلاق النار التي تتناهى إلى السمع من مرتفعات تمرتشين هي التي تكسر جدار الصمت. نادى محمد إلهي: داريوش، تعال!

ذهبتُ إلى غرب تلة بردزرد. وتمنيتُ على محمد ما بين الجدّ والمزاح: ولو! لقد قلتها مرات ومرات، لا تنادِني باسم داريوش! الأمر قبيح أمام التعبويين.. سيقولون إنّ اسمي طاغوتيّ.

أشار محمد إلى طريق الدعم التي يسلكها العدو.
- داريوش، انظر إلى الطريق..

كبتّ ضحكتي. كان على الطريق المعبّدة الملتوية التي تعبر من مدينة دربندي خان في العراق وتكمل عبر التلال، رتل ضخم من الآليات العسكرية العراقية يزحف نحونا. أطلّ أبو القاسم تشوبان وآذربيكان متوجهَين نحونا. ووصل مرتضى كالصقر الباحث عن صيدٍ له، برفقة سعيد حفار وإبراهيم كاركر وإسماعيل توكلي. مع اقتراب الرتل العسكري أكثر تبيّن في مقدمته ثلاث آليات أيفا IFA تليها دبابة ومنصة مدفع وحفارة وجرافة. حين وصل الرتل إلى مضيق دربندي خان قال مرتضى: إنهم ذاهبون إلى الخط الأمامي للجبهة!

سأل أبو القاسم تشوبان: ماذا نفعل!

تمتم مرتضى: إنه الوقت المناسب لإغلاق مضيق أُحُد! لا ينبغي لأي قوة أن تعبر المضيق.
 
 
 
 
211

200

تلة أُحُد

 سأل آذربيكان: وكيف ذلك؟


أشار العم بإصبعه إلى الدفاع الجوي 23 ملم. 
- الرباعي!

استدرتُ ونظرت إلى مدفع الـ23 ملم الذي كان "جواد خيرات" يعدّل كرسيه الحديدي الأسود الصغير. وكان "محسن عرب سعدي" و"غلام حسين شب خيز" كذلك يضعان مخزن الطلقات الكبير.

قال العم: تعالوا!

تحلقنا عدة أشخاص حول الرباعي.

ربّت العمّ على كتف جواد خيرات.
- إنه موعد تسليتك يا جواد! دعهم يدخلون المضيق. 

حدّقتُ في المضيق في الأسفل. كان على ناحيةٍ منا الوادي العميق وعلى الناحية الأخرى الجبل الصخري. وكانت الطريق المعبدة هي الممر الوحيد الضيق والقابل للعبور بين الجبل والوادي. تابع العمّ: جواد، ما لم أقل، لا تطلق النار!

استدرت ورحت أتأمل في الصف الطويل للآليات العسكرية التي كانت تقترب من المضيق مصاحبة بالضجيج.
- هل أنت جاهز؟

ضحك خيراتي.
- ها، أجل يا عم!

حرّك مقبض المدفع الدوّار ووجه السبطانة نحو الأسفل وضبط جهاز التنشين على المضيق.
- طاقم التعمير!
 
 
 
 
 
212

201

تلة أُحُد

 أحكم شابان أو ثلاثة تثبيت مخزن الطلقات تحت القبضة. وضع جواد خيراتي قدمه بهدوء على دواسة الإطلاق.

- ما لم أقل إياك أن ترمي!

دخلت الأيفا الزيتونية اللون ذات الشادر الأخضر المائل إلى البني المضيق.
- صوّب على ناقلة الأيفا أولًا..

كنت أرى من جهة الرتل العسكري بوضوح. وكان مرتضى يشرف على الرشاش.
- يجب أن تصل الناقلة إلى وسط المضيق.. جواد، ترمي عند قولي. ارمِ السائق أوّلًا.. ثم الآلية.. يجب أن لا تخرج الآلية من الوادي أبدًا..

باتت الأيفا داخل المضيق بالكامل. وساد الصمت التام. كانت النظرات مقسّمة وتدور بين ثلاث جهات، مرةً على القافلة العراقية، وأخرى على قدم جواد، ومرةً على شفتي مرتضى. كنا نسمع أصوات تنفّسنا. وكنت أسمع دقّات قلبي. وكأن الهجوم كان سيبدأ من جديد، وقد انعقدت نتيجة حرب إيران والعراق على عملية إغلاق المضيق هذه! دخلت الآلية الثانية في المضيق.
- استعد.
- أطلق..
- الله أكبر..

من دون وعي كما البقية هزّ صوت تكبيري "الله أكبر" الجبل والوادي! وكأنه كان مقرّرًا بدل طلقات رباعي جواد أن تصيب تكبيراتنا الهدف. كان جواد خيراتي يضغط على أسنانه وقدمه معًا.
- ترررررر..تررررررر..تررررررررر..
 
 
 
 
 
213

202

تلة أُحُد

 علا صوت المضاد وانطلقت سلاسل الرصاصات (الخارقة المتفجرة) صافرةً نحو الآلية. خرقت الطلقات الكبيرة مقطورة السائق كالصاعقة وشاهدنا بأعيننا كيف أخذ جسده يهتز بشكل مستمر.

- ترررررررر.. تب.. تب..

كانت الخراطيش البرونزية الكبيرة الفارغة تتطاير من أسفل المضاد وتفترش الأرض.
- ما شاء الله.. الآن دور الشاحنة ناقلة الجند..

شدّ جواد خيرات على أسنانه وحوّل رشّات الرصاص إلى مؤخرة ناقلة الجند. أزاحت الطلقات صندوق الشاحنة وغطاءه ودوّى صوت انفجار الآلية مرعبًا كالقنبلة، وعلت النيران بسرعة كالطود. وكانت أجساد الجنود ركاب الناقلة والرصاصات الثقيلة تنفجر كما الألعاب النارية وتتطاير بشعاع عدة أمتار في الهواء.
- كان في الناقلة ذخيرة!

سرت النيران بسرعة إلى ناقلة الجند التالية، وبصوتٍ يصم الآذان خرقت الرصاصات بشكل متتابع الآليات المتتالية ومزّقتها.

تحوّل المضيق إلى جهنم نيران. كان الجنود المذعورون يصابون بالنار ويرمون بأنفسهم خارج الآليات. وارتفع الضجيج والنحيب من كل الجهات. كان الجنود وكالأفلام السينمائية يحترقون بالنار ويرمون بأنفسهم في الوادي، واتجه البعض من خوفهم نحو الجبل. سرت نيران الذخيرة المنفجرة في الآليات إلى الخلف وغطّى جبل من النار والدخان المضيق بأكمله.

وفي غضون دقائق تراجعت بقية الآليات العسكرية وجنودها المبهوتون إلى الخلف.
- جواد، سدّد نيرانك إلى الخلف أكثر!
 
 
 
 
 
 
214

203

تلة أُحُد

 بات الجنود والآليات الخلفية تحت مرمى نيران الرباعي 23 ملم. ومع ذلك الحجم من العتاد المقصوف فقد ذاب المضيق تحت وطأة النيران واستحال أمام عينيّ لهبًا متحرّكًا. ارتفع الدخان الأسود من المضيق وغطى السماء الزرقاء وجبل الحاج عمران. قال مرتضى: وكأنهم قد جلبوا كل هذا العتاد ليغلقوا به المضيق!


أشار إلى جليل حمامي.
- اتصل بالحاج أسدي!

كان جليل الطالب الحوزوي الشاب قد تموضع خلف أجمة خضراء. بصعوبة تمّ الاتصال، وأعطى جليل اللاسلكي لمرتضى.
- الحاج أسدي على السمع!

همّ مرتضى باستلام السماعة من مسؤول الاشارة لكنه أغمض عينيه من الألم. استدرتُ ونظرتُ إلى بلوزته الزيتونية اللون من الخلف. شاهدت على كتفه الأيمن جرحًا قديمًا ودمًا جديدًا! تنبّهت للتو، بدل الحجر كان مرتضى قد أصيب ليلة البارحة بشظية قنبلة! وكانت الشظية ولباسه ودماؤه قد التصقت ببدنه. تمزّق قلبي! أعرفُ أنني يجب ألّا أتكلم عن جرحه أمام الإخوة. أخذ السماعة.
- السلام عليكم يا حاج أسدي.. ما الأخبار؟
- قوّاك الله يا أشلو، كيف هي أوضاعكم أنتم؟
- بالتوكل على الله تحوّل مضيق أُحُد بالنسبة للأعداء إلى جهنم!
- مرتضى، لم ينجح الهجوم ليلة أمس، يرى السيد محسن أن تجد طريقة لأجل التراجع، لقد بتّم محاصرين بالكامل!
- حاج جعفر، لقد قضينا على رتل من إمداداتهم العسكرية! لقد أُغلق المضيق الآن ولا سبيل لديهم لتأمين خط قتالهم الأول! أي فرصة
 
 
 
 
 
 
 
215

204

تلة أُحُد

 أفضل من هذه لمواصلة الهجوم!

- المسألة ليست عندي يا مرتضى! استبعد إمكانية مواصلة الهجوم، بقية الفرق لم تتمكّن من السيطرة على موطئ قدم واحد!
- وأي مكان أفضل للسيطرة من المضيق!
- أنتم في قلب العدو، محاصرون! والآن وقد أغلقتم المضيق، سيُعبّأ كل الجيش العراقي للقضاء عليكم! الليلة جد وسيلة للتراجع ما دامت الفرصة سانحة! 
- لديّ أربعون إلى خمسين جريحًا وقدّر ما تشاء من جثث الشهداء! أفضّل أن أستشهد مع شبابي هنا على أن أتراجع!
 
 
 
 
 
216

205

الهجوم المضاد الأول

 الهجوم المضاد الأول - 20 تموز 1983


سقطت زخّات من نيران المدفعية الثقيلة على تلّة بردزرد.
- كب..كب..كب..

بدت أصوات قصف المدفعية العراقية وكأنها عدد هائل من الطبول تُقرع، وكانت التلة تهتز تحت أقدامنا. كانت قذائف المدفعية والهاون تسقط فوق التلة مترًا بمتر. بتنا عاجزين عن الحركة. ناديت مسؤول الاتصال اللاسلكي: حسين، اتصل بالسيد مرتضى!
- الأخ حفّار، القائد!

بين دويّ الانفجارات التي تصمّ الآذان ألصقتُ السماعة بأذني وفمي.
- سعيد، سعيد، مرتضى!
- مرتضى، مرتضى، سعيد، أسمعك!

خرجت مني الكلمات بسرعة بقلق واضطراب.
- مرتضى، لقد سوّى العراقيّون بالمدفعية والكاتيوشا والـ(106) والهاون التلّة أرضًا!
- سامحك الله، أيّ جلبة افتعلت؟! خائف أنت من تسوية التلة بالأرض أم من نفسك؟ التلة موجودة ها هنا بقدر ما تشاء.. خذ نفسًا عميقًا، وقل هل أصيب أحد من الإخوة بأذى؟

نزل كلام مرتضى كالماء البارد على اضطرابي وقلقي الخاطئ: ما زلتُ لا أعرفك أيها الرجل!! استعدتُ رباطة جأشي وأخذت نفسًا
 
 
 
 
217

206

الهجوم المضاد الأول

 عميقًا وقلتُ بهدوء أكثر:

- استشهد اثنان من الشباب جرّاء إصابتهما بشظية! وإلهي جرح أيضًا..

سكت. قلتُ في نفسي: أنا أعرف أخلاقياته.. إنه يفكر الآن بالشهداء ويذوب كالشمعة.. انتظرت حتى تكلّم من جديد:
- سعيد، العراقيون لديهم إحداثيات التلة شبرًا شبرًا، أخبر الجميع أن يحتموا. علينا أن نحفظ قواتنا. ضعوا الشهداء والمجروحين في داخل الخندق.. ما زلنا تحت وطأة الإسناد الناري فحسب. المواجهة تبدأ بعد أن ينتهي إطلاق النار. نحن أيضًا لدينا ضيوف غير مدعوين، حين أنتهي من تنظيم الأمور في الأسفل سوف أصعد إلى الأعلى عندكم.. يا علي مدد!

بعد أقل من ربع ساعة هدأت نيران المدفعية. وفورًا علا صوت "أبو القاسم تشوبان". 
- استعدوا.. يا مؤمنين.. العراقيون يصعدون التلة.. استعدوا.. ما شاء الله يا جيش الإسلام.. استعدوا ..

كان أبو القاسم يدور على الشبيبة ويبثّ فيهم الروحية والعزم. 
- أروني كيف ستلقّنون العدو درسًا. لا ينبغي أن تصل قدم أي واحد منهم إلى تلة أُحد.. دعوا الذخيرة خلفكم. القنابل..

سرتُ على التلّة لأبلّغ أمر مرتضى. كانت طلقات السمينوف العراقية تتساقط أمام قدميّ.
- العراقيون يستهدفون كل مكان بالرصاص والقنص.

أثناء جولتي لمحتُ تعبويًّا جديدًا كان قد انضمّ إلى سريتنا، وكان يعرج ويترنح في مشيته: أيكون جُرح حتى بات يترنح في مشيته هكذا!
 
 
 
 
 
218

207

الهجوم المضاد الأول

 احترق قلبي وأسرعت إليه ووقعنا كلانا خلف شجيرة خضراء كانت بحجم رجل إذا ما تكوّم على نفسه. لم يكن التعبوي قد تجاوز السبع عشرة سنة. كانت شفتاه يابستين ومسودّتين من شدة الحرارة وقد تقشّر جلد وجهه الأبيض المشرب بالحمرة جرّاء تعرّضه لحرارة شمس الساعات الأخيرة. أشرت إلى قدمه.

- وهل جُرحت!

نظر إليّ بتعجب وأجاب بحياء وخجل:
- كلا يا أخي!
- لماذا تعرج؟
- أعرج منذ الولادة!

قبّلتُ جبهته. 
- انتبه لنفسك! نحن بحاجة إليك.
- على عيني يا أخي!

فجأة علا صوت إطلاق أول دفعة من زخّات الرشاش والكلاشنكوف من الشباب.
- العراقيون.. بأعداد غفيرة.. يصعدون التلة.. ها هم.. هنا.. ارمِ.. لماذا أنت واقف..

لم أفكّر بحفظ روحي ولا بطلقات السمينوف والرشاش المتوسط، وخرجت كالبقية الذين انطلقوا من عدّة خنادق مكشوفة على التلّة. ووجهت فوهة سلاحي إلى الأسفل. أطلقتُ النار وأنا واقف وجالس وممدد باتجاه كل ما يتحرك أمامي. كانت النيران تتساقط من حولي بغزارة حتى اختلطت، فلم أكن قادرًا على تشخيص ما إذا كانت رصاصات العدو أو الصديق.
 
 
 
 
219

208

الهجوم المضاد الأول

 انتهزت الفرصة لأنهض قليلًا وأنظر إلى الأسفل. كان سفح تلة بردزرد صعودًا حتى ما يقرب منّا مملوءًا بالمغاوير الذين ارتدوا اللباس العسكري المرقّط! من دون اختيار صفرتُ: يا إلهي.. أين كان هؤلاء. كم شخصًا مقابل كل شخص منّا!؟


بدّلت مخزن الرصاص بسرعة واستهدفتُ المغاوير والجبل ورحتُ أطلق النار. وبين الحين والآخر كان يتدحرج بعض المغاوير نحو الأسفل. كانت كتيبة كاملة من المغاوير تصعد التلّة.
- ها هنا؟ 

كان صوت أبي القاسم. استدرتُ ونظرتُ ناحية الشمال. كانت كتيبة من قوات المغاوير تتقدم كالجراد المنتشر باتجاه مرتضى من ناحية نهر الماء والقرية. امتلأ السهل والجبل بالمغاوير الذين يرتدون الألبسة المرقطة المختلفة الألوان، من أخضر وأصفر وأحمر ناري وكاكي وزيتي داكن1 وبيج2 وأزرق ولباس القوات الخاصة.. أدركتُ للتو أنّ النقطة الأساسية في ميدان المعركة كانت ناحية مرتضى: إلهي! هل سيتمكن الشباب من القضاء على كل هؤلاء المغاوير؟ إذا ما سقطت التلة السفلى فسيأتي العراقيون ويرموننا في الوادي! تمنيتُ لو أنني كنت قادرًا على أن أتكثّر بمقدار عدد المغاوير الذي لا يُحصى من العراقيين وأطلق النار عليهم جميعًا! وبدون وعي بدأت بإطلاق النار رشقيًا ناحية المغاوير وقلت: يجب أن نساعدهم!

لكثرة إطلاق النار تعطّل الكلاشنكوف في يدي وبدأ الدخان يتصاعد من سبطانته. وضعتُ البندقية أرضًا وحملتُ أخرى. كان
 
 

1- الزيتي الداكن: الأخضر الداكن المائل الى البني، يقال له بالعامية الأخضر العسكري.
2- البيج: من تدرجات البني الفاتح، في النص الفارسي تم التعبير عنه بلون الطحينة.
 
 
 
 
220

209

الهجوم المضاد الأول

 صوت إطلاق المضاد الجوي الرباعي من قبل جواد خيرات يرتفع ويرمي نيرانه على كل مكان.


وصلتُ إلى جانب أبي القاسم تشوبان، كان يحثّ الشباب على المقاومة من خلف صخرة على المرتفع. وكان محمد إلهي بجانبه أيضًا يطلق النار بيده المصابة. وصلتُ إلى جليل حمامي. كان يتنصت برفقة أبي سجاد على موجة قائد كتيبة المغاوير التي تشن الهجوم علينا. وكان أبو سجاد يترجم لتشوبان: قوات اللواء الخاص 91 العراقي.. يقول وصلنا إلى بُعد خمسين مترًا عن الهدف. العملية تتقدم بنجاح. سوف تسقط التلة الآن..

تسارعت نبضات قلبي. لم يكن بيدي حيلة وكنت أقول في نفسي: هذا يعني أنهم يستولون على التلة السفلى. إلهي أنت كن في عون أشلو.. إذا راح مرتضى لم يبق أحد.

كنت مصغيًا إلى ترجمة المجاهد العراقي أبي سجاد.
- لم يبق شيء.. الإيرانيون يقاومون بشدّة.. سيدي نحن نقدّم خسائر كثيرة جدًّا. إذا استمرت الأمور على هذه الحال لن يبقى منّا حيٌّ واحد..

صاح أبو سجاد: لقد أصدر قائد (اللواء 91) الأمر بالتراجع.. الله أكبر..

أدّت مقاومة مرتضى ومن معه على التلة السفلى إلى أن تنقلب الأحوال وتتراجع قوات العدو ما قبل وصولها إلى القمة.
 
 
 
 
 
221

210

أنا عينك، أنت قدمي

 أنا عينك، أنت قدمي - 20 تموز 1983


عند الرابعة من بعد الظهر، كان قد دُفِع عنا للتو شرّ الهجوم المضاد العراقي حين سمعتُ صوت انفجار قذيفة هاون ورجف قلبي لصوت أنين خفيف آتٍ من جواد خيرات.
- آخ، يا الله، عيني..

استدرت ناحية الانفجار. كان الدخان والتراب تقريبًا قد أخفيا الرباعي وجواد خيرات! ركضت ناحية المضاد. كانت الشظايا وعصف الانفجار قد أصابت الرباعي وشوّهته. خلف الكرسي كان جواد قد وضع يده على عينيه ووجهه، وكان الدم يخرج من بين أصابعه ويسيل داخل ياقته. قال: يا إلهي.. هل أصابوا المضاد؟ أتحدث معك.. من أنت..
- هذا أنا، سعيد حفّار!
- سعيد، هل أصيب الرباعي؟
- فكّر في نفسك!
- ماذا تقول أنت! إذا تعطّل الرباعي..
- أعطانا الله رشاش الغرينيف!

وصل أبو القاسم ورحيم نعيمي أيضًا، قال نعيمي: لقد أخذوا إحداثيات الدفاع. ابتعدوا.. سعيد، احمل جواد إلى خندق الجرحى..

سحبتُ جواد من خلف المضاد. وسار يتكئ عليّ. لم نكن قد ابتعدنا عدّة أمتار حين سقطت قذيفة هاون على المضاد مباشرة وشعرت بألم شديد في عضلة ساقي اليسرى. استدرتُ ونظرتُ إلى ساقي من الخلف. كان اللحم والعضل ممزّقين والدم ينزف بغزارة! وترك كلٌّ
 
 
 
 
 
 
222

211

أنا عينك، أنت قدمي

 من العطش والحرارة وضعف البدن ومشاهدة جرح قدمي المفتوح أثره عليّ فسقطت على الأرض وسقط جواد معي. كنت أفكّر فيما ينبغي فعله بشأن عضلة ساقي المسحوقة حين وصل علي سبزي النحيف إليّ وقد لفّ حزامًا من المطرات على خصره.

- خيرًا إن شاء الله!
- لا يأتي من الله إلّا الخير!

أشرت إلى المطرات حول خصره التي كانت تُصدر صوت خضخضة حين تصطدم بالصخور وكتل التراب من حوله. أشرتُ إلى حِمل مطراته.
- إلى أين بهذا الحمل كله؟!

ركع على ركبته إلى جواري في طلعة التلة. كانت شفتاه مشقّقتين بنحو فظيع جرّاء انعدام الماء!
- إذا نجوتُ من الإخوة البعثيين العملاء فأنا ذاهب إلى النهر لأجلب الماء.
- في وضح النهار؟ لقد منع الوصول إلى النهر أمثال شمر بن ذي الجوشن يا علي آغا!

من دون أن يجيب أخرج من جيب سرواله ضمّادتين أو ثلاثًا. ألقى نظرة على وجه خيرات وعينيه ثم على قدمي.
- جُرح أيٍّ منكما أكثر حرجًا!

ضمّد جراح جواد أولًا حتى أرى جودة عملك!

أزاح يد جواد. كانت كلتا عينيه مغمضتين وقد غطّى الدم وسع وجهه، ولم يكن واضحًا أي مكان من عينيه ووجهه قد أصيب. مسح بالضمادة الأولى دم وجهه وربط الضمادة الثانية حول رأسه ووجهه.
 
 
 
 
 
 
223

212

أنا عينك، أنت قدمي

 - لا بأس.. يمكنك أن تضمد جرحي الآن!


حين ضمّد جرح ساقي قال: يجب أن أذهب في أثر الماء!

ما إن ابتعد علي سبزي، حتى ازداد إطلاق النار شيئًا فشيئًا على التلّة، والأعراء1 التي لم تنل نصيبها في الهجوم المضاد الأول استُهدفت بـ(مدفع 106) والهاون والدبابة والكاتيوشا والمدفع والقناصة. كانت الحركة على التلّة في غاية الصعوبة. جاء أبو القاسم تشوبان. نظر إلى جرح ساقي نظرة وإلى وجه جواد خيرات وعينيه نظرة أخرى.
- معًا تصبحان رجلًا صحيحًا! سعيد ما دمتما على قيد الحياة فاذهبا إلى خندق الجرحى أسفل التلة! عديمو المروءة يرمون على الأفراد بالـ(106).

كان البقاء على التلّة من دون ملجأ وتحت نيران الأسلحة الخفيفة والثقيلة مستحيلًا. فجأةً طنّت طلقة سيمينوف قرب أذني وأحدثت ثقبًا في التراب أمامي.
- قنّاصوهم يطلقون النار.

نظرتُ إلى قامة جواد خيرات الصغيرة النحيفة. تجاوزتُ وجعي وجرح قدمي. وقفتُ. وضعتُ يدي على كتفه وبات هو الآن مسندي. 
- لا بأس يا سعيد آغا، تريد أن تركب!
- لا يا حبيبي جواد آغا، صفقة، واحدةٌ بواحدة، أنا عينك وأنت قدمي! الآن انعطف يمينًا.

سرنا في طلعة التلّة الوعرة. فجأة انفجرت طلقة قنّاص عراقي على الأرض بين قدمي وقدم جواد وانبطحنا أرضًا. ثم في الوقت نفسه سقطت قذيفة (هاون60) بقربنا وأحدثت عصفًا انفجاريًّا وسمعت
 

1- أعراء: مفردها عراء، مكان خال مكشوف لا يستتر فيه بشيء.
 
 
 
 
224

213

أنا عينك، أنت قدمي

 صوت طيران شظاياها فوق رأسي. ضحكتُ وقلت:

- لقد أنقذنا ذلك القناص العراقي!

تابعتُ: جواد، لنذهب، فالرصاصة التي تلي سوف تصيبُ رأسينا. 

وضعتُ يدي تحت كتف جواد ورفعته من الأرض.
- هيا قم!

سحبتُ جواد في أثري خطوة خطوة. بين التلّتين شاهدتُ جثة أمير علي زاده وقد سقط على ظهره وسال منه دم كثير. 
- هل حدث شيء.. لماذا وقفت يا سعيد؟
- كلا.. لقد تعبت..

تحركتُ باتجاه أسفل التلّة. داخل خندق الجرحى رأيتُ علي سبزي بين المصابين، أطلقتُ ضحكة وقلت: حتى أنت يا علي! (وصل الموسى إلى لحيتك!)
 
 
 
 
 
 
 
225

214

أبو الفضل

 أبو الفضل - 20 تموز 1983


في سكون الليل، كان يُسمع صوت الأنين المتهالك للجرحى العطاشى في تلّة بردِزرد يتناهى إلى المسامع. مضافًا إليه كنت أشعر أنّني أسمع أنينًا غامضًا وممدودًا آتيًا من قلب الجبل. 

قلت لعليّ: هل يمكن أن يكون قد أُصيب أحدٌ ولم نره.. هناك صوت أنينٍ دائمٍ في رأسي!
- أنت تتخيل يا حسين.. من شدّة التعب.. لم ننم منذ 48 ساعة..
- يمكن النوم الليلة!
- من الممكن أن يستأنف العراقيون الهجوم!
- لن يهاجموا ليلًا!
- لكن لا ريب أنهم يريدون أن يسترجعوا التلّة..
- حسين، يعني إلى هذا الحدّ هذه التلّة مهمة؟

انفجرت قنبلة مضيئة فضيّة اللون فوق التلّة. شاهدت طرف وجه علي حسيني الأسمر الخالي من الشعر والذي لم يكن قد فقد بعد طراوته ونضارته.
- كلام السيد مرتضى بشأن تلّة أُحد منقوش كلمة كلمة في رأسي.. لقد قرأت تاريخ صدر الإسلام بشكلٍ جيّد. وكلما كنت أصل إلى حرب أُحد، كان ترك جبل أُحد وهزيمة جيش الإسلام بالنسبة لي مكلفًا جدًا. ولطالما سألت نفسي لماذا تخلى المسلمون عن جبل أُحد؟!

وصل رحيم نعيمي وقال: ينام أحدكم ويحرس آخر!

كنت أهفو إلى ساعة من النوم العميق.
 
 
 
 
226

215

أبو الفضل

 غرومب.. غرومب.. غرومب.. سقطت ثلاث قذائف مدفعيّة غير متباعدة زمانًا على التلّة. أنهى نعيمي جولته ودخل إلى الخندق المفتوح الذي كنا نجلس فيه أنا وعدة آخرون.

- لقد بات الماء معضلة! الجرحى يلهثون لأجل جرعة واحدة!

نظر إليّ وقال: أريد من كل دشمة متطوّعين اثنين لأجل النزول إلى أسفل التلّة وإحضار الماء والذخيرة! إن لم يأت العراقيون الليلة، فغدًا حتمًا سيأتون!

رفع السيد علي يده مبتسمًا. وبالطبع كان ينبغي أن أرفع يدي أنا أيضًا. ومن شدّة التعب والعطش كانت شفاه الباقين في الخندق وعيونهم مطبقة، فلم يتجاوبوا. ربّت رحيم نعيمي على كتفي.
- زاد عطشك كثيرًا!

أشار إلى السيد علي الذي كان يبدو فتى صغيرًا في قامته وضحك.
- ولا بدّ أنك أنت الساقي!

حين ذهب حسن هوشيار إلى الدشمة الصغيرة فوق التلّة للحراسة نام المناوبان الآخران وغطّا مباشرة في سبات. حملنا المطرة وحقيبة الظهر وبدأنا بنزول التلّة. أحرق النسيم الجاف والبارد وجهنا منذ اللحظة الأولى. قال علي حسيني: حسين، لا بحرّ النهار ذاك، ولا بصقيع الليل هذا!

لم نكن قد وصلنا بعدُ إلى الشقّ الأول في التلّة حين شعرتُ بطنين رصاصة أصابت ركبتي وصحتُ: سيد، انبطح!

وثبتُ منبطحًا على الأرض في ثلاث ثوانٍ وارتفع صوت ارتطام المطرة وعتادي.
- ما الذي حصل فجأة؟!
 
 
 
 
227

216

أبو الفضل

 مسحتُ بيدي على ركبتي وشممتُ رائحتها. شعرتُ برائحة الاحتراق. كانت الرصاصة قد لامست ركبتي فقط وأحرقت لباسي. قلت: عديمو المروءة! يرموننا ليلًا مستعينين بالمنظار الليلي!


أثناء المسير اصطدمتُ بجثّة بدا أن صاحبها كان قد أتى لجلب الماء.
- حسين، لنحمل الجثّة إلى الأسفل.

حاولتُ أن أحمل الجثّة ولكنّها كانت أثقل مما أستطيع حمله.
- نحتاج إلى حمّالة، يجب أن ننزل إلى الأسفل لنجلب مساعدة.

استغرق الأمر خمس عشرة دقيقة حتى وصلنا إلى أسفل التلّة الصغيرة. كان السكوت والظلام قد خيّما على كل المكان. أنصتُّ للبعيد وقلت: لم يعد صوت إطلاق النيران والاشتباكات الذي سمعناه في اليوم الأوّل يتناهى إلى مسامعي!

تبسّم علي.
- لعلّهم نسوا أنّنا عالقون في قلب جبهة العدو!

كانت تتعالى أصوات أنّات المجروحين. شاهدتُ غير بعيد القائد مرتضى. كان قد جلس أمام دشمة الجرحى متّكئًا على صندوق الذخيرة. وكأنّه كان قد اختلى بنفسه. قال علي: حسين، لنغتنم الفرصة ونذهب لسؤال القائد عن الأوضاع وما يتوقع أن يحصل في نهاية المطاف.

همّ بالذهاب فمنعته. 
- لقد اختلى بنفسه! إن كان هناك شيء يجب أن نعرفه لكان قاله. وفي الواقع كلّما عرفنا أقل كان أفضل!

انحرفنا باتجاه النهر أسفل التلّة. سمعتُ صوت خرير الماء. كانت الغابة في الناحية الأخرى من النهر تبدو سوداء وأكثر ظلامًا.
 
 
 
 
 
228

217

أبو الفضل

 - انتبه يا سيد علي!


كان الحصى تحت قدمي يتحرك وينزلق. مُثقلًا ونعسًا أحنيتُ رأسي وسرت حتى وصلتُ إلى ضفّة النهر. ازدادت برودة الطقس. كنت أسمعُ لهاث السيد علي. وضعتُ كفّيَّ تحت الماء وغرفتُ مقدارًا منه. تلاقت عيناي وعينا علي. توقفنا قليلًا ثم أعدنا الماء إلى النهر. ملأنا مطرات الماء بسرعة. أخذتُ نفسًا عميقًا وألقيتُ بنفسي على الصخور المجاورة للنهر. شعرتُ بطراوة غير طبيعية تحت قدميّ ويديّ وسمعتُ كذلك صوتَ تنفيس هواء. حينما نظرتُ إلى ما تحت قدمي اتّضح أنّني كنت مستلقيًا على بطنٍ منتفخٍ لجثّة أحد المغاوير الضخام. وجهه الأسود وفمه المفتوح وصفّا أسنانه البيضاء جعلتْ شعر بدني ينتصب.
- اوووه..يا إلهي..

الخوف والاشمئزاز قلبا أحوالي. وقفتُ مبتعدًا.
- عــــــــلـــــــــي.. جــــــــــثثثثـــــثــّة..

كان النهر ممتلئًا بجثث المغاوير الذين قاموا بالهجوم عند الظهر، وبات ماء النهر الآن يعبر من بين جثثهم المنتفخة. استعدت رباطة جأشي وقلت: "علي لنتوجّه نحو الشقّ!".

رجعنا عبر التلّة الصغيرة. كانت التلاوة الجماعية وتمتمات سورة الواقعة آتية من خندق الجرحى.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ...﴾.

اجتزنا الشقّ بين التلّتين ووصلنا إلى التلّة العليا. سلّمنا مطرات الماء إلى أبي قاسم تشوبان الذي قسّم الماء بداية بين الجرحى. قلت:
 
 
 
 
229

218

أبو الفضل

 علي، كان هوشيار ظمآن جدًّا، لنذهب ونسقيه بعض الماء!


انطلقنا نحو دشمة الحراسة الصغيرة والمفتوحة. حين دخلنا كان هوشيار جالسًا مكوّمًا على نفسه. 
- لقد نام من التعب!
- أيقظه ليشرب الماء!

وضعت يدي على كتفه وناديته. سقط على جانبه.

انحنى السيّد فوق بدن هوشيار. قال بصوتٍ يغلب عليه الحزن: هنيئًا له! لا بدّ أنّه الآن في الجنة قد سُقيَ بكأسٍ لن يظمأ بعدها.
- وما الذي حصل؟!
- لقد أصابوا قلبه بطلقة سيمينوف!
 
 
 
 
230

219

قصّة أُحد

 قصّة أُحد - 21 تموز 1983


صباح اليوم الثاني للهجوم، وداخل دشمة القيادة في مقرّ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم كان أحمد كاظمي يعرض أمامي النتيجة القطعية لليلة الأولى من عمليات (والفجر 2): سيد محسن، لم يحصل أيُّ التحاق في أيٍّ من محاور العمليات الثلاث..

حين سكت كاظمي قلت: "خذ راحتك وقل، هل هُزمنا!".

هزّ أحمد رأسه.
- للأسف هكذا هو الوضع!

استدرت ونظرت إلى العقيد علي صيّاد الشيرازي. سألت: أخ صيّاد ما أخبار الجيش؟

تقدّم العقيد وقال: "سيد محسن، ليس في الأمر مواربة. ليلة البارحة مرتفع كينغ لم يسقط أيضًا!".

كان المسؤولون السياسيون في البلاد يتصلون بشكل مستمر ويسألون عن أخبار العمليات. وكانت العمليات قد أقفلت ولم يبق لي مُهجة أو حيل على إيجاد أي حل. وقفتُ ورحتُ أذرع الدشمة مشيًا. فكرتُ في الهزيمة وتوقُّف الهجوم. للحظة أصغيتُ إلى مسؤول اتصالات العقيد صيّاد الشيرازي الذي كان يناديه: جناب العقيد، قائد (الفرقة 77 - خراسان)!

أخذ صيّاد الشيرازي السمّاعة. حدّقت في وجهه. قلت في نفسي: لا بدّ أنّ مشكلة قد حصلت!

مع مرور الدقائق كانت الابتسامة الحلوة تتضح أكثر على وجه
 
 
 
 
 
231

220

قصّة أُحد

 العقيد. هزّ رأسه وقال بوضوح بلحنِ المنتصر المسيطر: أُقبّل يدَ كلّ جندي من الجنود. أبلغهم عنّي أنّني أدعو لهم بالقوّة والثبات..


أعطى سماعة اللاسلكي إلى الملازم القصير القامة وربّت على كتفه بحماسة. نظر إليّ وقال: الله أكبر.. سيد محسن، اللواء الثاني في (الفرقة 77) وبمساعدة لواء المهدي استولوا على مرتفع كينغ واستقروا عليه الآن!

كان خبرُ العقيد السار بمنزلة الأوكسجين الصافي الذي جرى إلى عمق رئتي. انتعشتُ وغمرني السرور! سرعان ما دخل دشمة المقرِّ جعفر أسدي قائد لواء المهدي وأخوه صالح.
- سلام يا سيد محسن!

تقدّما وتعانقنا، قلتُ: لقد تحرّر كينغ.
- أتيت لأعلمكم النبأ ذاته!
- جعفر، ما هي أوضاع محوركم؟

حكّ جعفر رأسه ذا الشعر الخفيف. مدّ خريطة ملفوفة في يده على أرض معسكر المقرّ.

انقطع تواصلنا مع كتيبة مالك. لم تُوفّق كتيبة كميل فوق مرتفع الصدر، هم في حصار يسعون لفكّه. كتيبة الفجر استطاعت في عمق عشرين كيلومترًا من الأراضي العراقية أن تسيطر على عدّة مواقع ومرتفعات مهمة تُشرف على المضيق والطريق الرئيسي لدربندي خان! بات الآن خناق العدو في قبضة كتيبة الفجر!
- الفجر! كتيبة مرتضى؟!
- أيْ نعم!
- أشلو؟
 
 
 
 
 
232

221

قصّة أُحد

 - صحيح! 

- هذا خبرٌ جيّد!
- نعم ولكن هناك مشكلة كبيرة!
- ما هي؟
- المواقع المحيطة بكتيبة الفجر كلّها بيد العراقيين! في الواقع لقد باتوا في وضع "الحصار داخل الحصار!".

سكت جعفر أسدي، قلت: ما رأيك يا جعفر؟!

هزّ رأسه وقال: سيد محسن، لقد استطاع أشلو أن يسيطر على المكان هناك بسريّتين، ولكن ليس لديه أيّ خبر عن سريّته الثانية! والعدو منذ صباح يوم أمس يسعى بجنونٍ من خلال قواته البريّة والجويّة أن يستعيد التلّة! ما الذي يسعُني فعله!

رحت أفكّر. العقيد، كالسيد رحيم صفوي، كان قد سمع كلام جعفر الأسدي. قال رحيم: الأوضاع في غاية الحساسية! يجب أن نتكلم مع مرتضى فهو في قلب المعركة!

اتّصل جعفر أسدي بمرتضى جاويدي لاسلكيًّا وأعطاني السماعة.
- أشلو أشلو، أنا محسن رضائي!
- محسن محسن، أشلو على السمع! 
- سلام سيد مرتضى، ما الأوضاع؟ 
- خالص تقديرنا للعزيز السيد محسن! 
- عافاك الله، ما وضعكم؟
- الإخوة فردًا فردًا يرسلون تحياتهم، ولا يحزننا سوى بعدكم! 

ثمّ وكأنّه حمل السماعة إلى ناحية قوّاته، سمعتُ نداءات الله أكبر
 
 
 
 
233

222

قصّة أُحد

 والموت لصدّام من شبابه من خلف اللاسلكي! قلت: أشلو، ما وضع الخسائر والتجهيزات والذخيرة في كتيبتك..


قال مسهبًا: بحول الله وقوّته، أخذنا عددًا من الأسرى، ونحن ستون سالمون مع عدد من الجرحى والشهداء. لدينا قدر ما تشاء من المؤونة التي غنمناها من الإخوة العملاء العراقيين! 

وقد نجحنا حتى الآن في صدّ هجومهم المضاد. نحن في الخدمة!

حيّرني صوت مرتضى المبتهج والواثق. لكن كلما استذكرتُ الخريطة والأخبار كان يرجح عندي أن أفضل عملٍ هو سحب كتيبة الفجر من عمق أراضي العدو. استشرت العقيد وقلت لمرتضى جاويدي: أشلو، هل يمكنك أن تتحمّل حتى الليل؟

قال بصوتٍ يعبق منه الحسم والتوكّل: يا خال محسن، نقاوم حتى قيام الساعة ونبقى منتظرين لكم!
- حفظك الله، استمروا على ما أنتم عليه حتى الليل ومن بعدها تنسحبون!

سأل بلحنِ المتعجب: انسحاب؟!

قال كلمة انسحاب بنحوٍ وكأنّني قد نطقتُ بما يخالف العقل السليم. قلت بحذر: أشكر شجاعتك يا أشلو، ولكن أنتم في عُقر العدو الآن ويجب أن تسرعوا في الانسحاب!
- سيد محسن، لعلّني أسأت توضيح مقصودي، نحن نُحكم القبضة على خناق العدو! نبقى ونقاوم حتى تصلوا إلينا!
- بخمسين أو ستين من القوّات الأمر غير ممكنٍ!

أجاب بوضوح وصراحة: خال محسن، لقد أقسمنا أنا والشبيبة ألّا ندع أُحُدًا تتكرر! اسأل الحاج جعفر!
 
 
 
 
234

223

قصّة أُحد

 انقلب حالي من مغزى كلامه. تلقائيًّا نظرتُ إلى جعفر أسدي الذي أخفى على وجهه ابتسامة، قلت: ما قصّة أُحُد؟

- سيد محسن، قبل العمليات أكّدت عليه مرارًا، أنّ مضيق دربندي خان هو بمنزلة مضيق أُحد! وهو في المقابل كان يكرّر دومًا: أُحُد لن تتكرر!

ضغطتُ على زرّ جهاز اللاسلكي محتارًا.
- أشلو ليس لديكم تكليفٌ بالبقاء! سريعًا ما ستنتهي المؤن والذخائر. البقاء انتحارٌ!
- سيد محسن، نحن نطيع أوامر القيادة، لكن اعلموا كذلك أنّ رجوعنا من دائرة حصار العدو هو انتحارٌ أيضًا!
- ولكن؟!

قطع كلامي.
- سيد محسن، لقد ترك لنا العدو من الذخائر والعتاد بقدرِ ما تشاء، وسندبّر أمورنا في الماء والطعام.

بثّ التوكّل في كلام مرتضى البهجة والأمل في روحي. اغرورقت عيناي بالدموع. بلعت ريقي وقلت: أشلو، قاوموا، سأتابع الأمور!
- شكرًا لك يا سيد محسن، إذا كانت الشهادة من نصيبي أوصل سلامي إلى الإمام الخميني!

ارتجف قلبي. قلت: إن شاء الله تنتصرون، وأعدك أن أوصل سلامك وشجاعتك إلى حضرة الإمام!

فجأة سمعتُ عبر اللاسلكي صوت طائرة مروحيّة.
- أخ محسن، لدينا ضيوف، يجب أن نستعدّ للضيافة!
 
 
 
 
 
235

224

الألمان

 الألمان - 21/تموز/1983


- تب.. تب.. 

كسر صمتَ صباح المنطقة الجبليّة وهدوءَها سبعُ أو ثماني مروحيّات عراقيّة زيتيّة اللون كانت تحلّق متّجهة نحو المكان الذي أتينا منه قبل ليلتين. سألني حسن مايلر: "داريوش، إلى أين يتوجّه هؤلاء؟". تبسّمت.
- لقد أخطأوا المسير.. كان عليهم أن يشنّوا هجومًا علينا!
- لا بدّ أنّهم لا يعلمون باستقرارنا على تلّة "بردزرد!".
- لعلّهم يريدون الهجوم على "السريّة3".
- .. ها.. انظر.. إنّهم يُنزلون مظلّيين خلفنا!
- كما في الأفلام الألمانيّة!
- هذا لافت، لم يسبق لي أن رأيته!
- فلنلوّح لهم بأيدينا، لعلّهم يجيبوننا.
- تُرى ماذا يدور في رؤوسهم؟
- لقد أنزلوهم هنا خطأً!
- لا بدّ أنّ لديهم فائضًا من العناصر!

كنت غارقًا في مشاهدة فتح المظلّات البيضاء والسُكّريّة اللون التي تعود لقوّات المغاوير العراقيّة. كان المظليّون يهبطون في النطاق الأمنيّ لسريتنا.

تناهى إلى سمعي مجدّدًا أصوات، تلاها وصول مجموعة ثانية من المروحيّات لتحلّ مكان المجموعة الأولى. كانت المروحيّات تدنو من
 
 
 
 
236

225

الألمان

 الأرض فيقفز المغاوير منها إلى الأسفل. علا صوت "مش موسى"، مسؤول تجهيزات الكتيبة، قائلًا: "فليقل أحد لهؤلاء إنّهم يُنزلون عناصرهم خطأً. هذا حرام، إنّها أموال بيت مال المسلمين!".


ابتعدت المجموعة الأولى من المروحيّات فيما أخذت المجموعة الثانية تُنزل المظليّين. كانت السماء تعجّ بأعداد كبيرة منهم!
- يا لهم من حمقى! لماذا يُنزلون المظلّيين هنا؟

قال حسن: "ليتنا نرشدهم!".

ضرب العمّ مرتضى على ظهر حسن، وكان الأخير يضع ذقنه بين يديه وهو ينظر إلى السماء مطلقًا العنان لمزاحه، ثم قال له: "إنّهم يدركون جيّدًا أين ينزلون مظلّيّيهم!".

قال حسن: "هل تحاول إخافتنا يا عمّ؟".

أتممتُ كلام العمّ وقلت: "بهذا العمل يسدّون طريق عودتنا!".

ضمّ حسن شفتيه مُدندنًا موسيقى الأفلام الغربيّة ثم قال: "لأجل حفنة من الدولارات!".

قال العم لحمامي: "اتّصل بـمحمد رضا بديهي واسأله عن الأوضاع هناك".

لم يمضِ وقت طويل على إنزال العراقيّين حتى تساقطت القذائف على التلّة كحبّات برَد كبيرة! كأنّ العراقيّين أرادوا أن يحرثوا أرض التلّة بواسطة هذا الكمّ من القذائف!
- إنّها نيران المدفعيّة!

قال مرتضى ذلك ثمّ وضع المنظار على عينيه وهو يراقب بدقّة أطراف التلّة.

قلت: "ماذا هناك؟".

رفع المنظار عن عينيه وأشار بالتوالي إلى الغابة والنهر وأطراف
 
 
 
 
 
 
 
237

226

الألمان

 التلّة.

- سلمان، انظر إلى هناك! هل هؤلاء أكراد العراق.. لا أصدّق هذا!

نظرتُ إلى الجهة اليسرى أوّلًا. كان هناك أكثر من سرية من القوّات بزيّ كرديّ أسود مخطّط بالأبيض، وبحوزتهم أسلحة من نوع كلاشنكوف وسيمينوف، يزحفون باتّجاهنا من أسفل التلّة المجاورة لـ"حديقة موتورى". قلت: "يريد صدّام القول إنّ لديه قوّات تعبئة أيضًا!".

قال مرتضى: "علينا أن نعرف إن كان تعبويّو صدّام واقعيّين أم مزوّرين!".

أخذت كتيبتان من المشاة تتقدّمان نحونا من ناحية النهر والغابة أيضًا.
- ما الأمر؟ مجموعة من الرجال مقابل رجل واحد! أمامنا حرب ضروس!
- لا قطعَ الله عيشَك1، هل تخاف من الشهادة؟

قلت: "ما دمت موجودًا فأنا حاضر!".
وصلت السرية العراقيّة بالزيّ الكرديّ إلى أسفل التلّة، وأخذ عناصرها يتسلّقون التلّة على أربعتهم كالعنز الجبليّ.
- سلمان، فليأخذ كلّ من بوسعه أن يطلق النار موضعًا مناسبًا. أسرِع..

ثمّ نادى بعجل: "حمامي".

ظهر حمامي فجأة.
- أجل يا عم!
 

1- أو: أدام الله رزقك.
 
 
 
238

227

الألمان

 - لا قطع الله عيشك، اتّصل بتشوبان!


سقطت قذيفة خلفنا فانحنيت. أمّا مرتضى فتناول السمّاعة من جليل بأعصاب باردة. ضغط على زرّ الجهاز اللاسلكي.
- مرتضى، مرتضى، أبو القاسم!
- أرسل يا مرتضى!
- "أبو القاسم".. هل ترى الضيوف.. رتِّب صفوف عناصرك.. قرارنا هو التالي: من يصدّ الهجوم أوّلًا يرسل قوّاته لمساعدة الآخر، مفهوم؟
- مفهوم يا عم!

إلتفت مرتضى نحوي وتابع قائلًا: "إنّ النيران كثيفة.. لن يستطيعوا رفع رؤوسهم.. علينا أن نساعدهم! إن سقط ذلك المحور فسينتهي أمرنا!".

مضى يجول بين العشرين أو الثلاثين عنصرًا ممّن تبقّى من السرية، فرتّب صفوفهم وعاد. جلس خلف الرشّاش الثنائيّ الثقيل وصوّب نحو العراقيّين. أمّا أنا فحملت رشاش الغرينيف الروسي الصّنع مع شريط الرصاص، وصوّبتُ نحو العدوّ عن بُعد. كانت كثافة نيران العدوّ شديدة (القصف المدفعي) بحيث غطّى الدخان والغبار أجواء المكان. صاح مرتضى: "سلمان، أطلِق النار عندما أقول لك!".

أخذ العراقيّون يضيّقون الخناق علينا أكثر فأكثر من ثلاثة محاور سوى الجهة العليا حيث استقرار قوّات تشوبان، فيما كانت كتيبة من المشاة والأكراد العراقيّين تقترب من رأس التلّة.

قرابة التاسعة صباحًا، وصل ضابط عراقيّ من المشاة عظيم الجثّة إلى التلّة بلا أيّ مانع، فرفع مسدّسه الخاص نحو السماء بطمأنينة، وأطلق قنبلة مضيئة حمراء اللون، فانقطعت على الفور نيران مدافع
 
 
 
 
239

228

الألمان

 العدوّ، ما سمح لشبابنا أن يُخرجوا رؤوسهم من الدشم. أمّا مرتضى الذي بدا أنّه يتحيّن الفرصة، فأطلق الرصاصة الأولى وأصاب رأس الضابط مباشرة وصاح: "الله أكبر.. أطلقوا النار..!".

- يا مهدي.. أدركني..

رفعت صرخة مرتضى ومقتل الضابط العراقي من معنويّاتي. ومن داخل الحفرة بين التعبويّين والحرس ضغطتُ بإصبعي على زناد رشاش الغرينيف مطلقًا عنان الرصاص نحو العدو. كنت أبدّل شريط الرصاص بشكل متوالٍ مطلقًا النار بغزارة.

ذابت سبطانة الرشّاش بسبب كثافة النيران. وضعتُ الرشاش جانبًا وحملتُ بندقيّة كلاشنكوف. وصل عدد من المشاة والأكراد العراقيّين إلى رأس التلّة مظهرين شجاعة وجرأة. بدأت مواجهات رَجل لِرَجل، فأصيب واحد أو أكثر من شبابنا وسقطوا من أعلى التلّة نحو الأسفل! شعرتُ بالقلق حيال سقوط التلّة. بينما أنا كذلك وإذ بيد تضغط على حلقي. سقطت البندقية من يدي وكدت أختنق. استدرتُ بصعوبة ونظرتُ فوق رأسي. تجمّدتُ في مكاني مذهولًا! كان أمامي شاب تعبويّ في العشرينيّات، بعينين تكادان أن تخرجا من محجريهما جرّاء الألم الشديد، وهو يحملق فيّ ضاغطًا على حلقي. كان القسم الأيمن من رأسه قد أصيب برصاصة رشّاش ثقيل، فلقت جمجمته فخرج دماغه، فيما كانت ذقنه ترتعش وكذلك شفتاه. تمزّق نياط قلبي وكأنّ دماغي هو الذي خرج من رأسي. لقد تشبّث بحلقي من شدّة الألم، وكأنّه كان يتوسّل إليّ بأن أخلّصه من آلامه! احترت في أمره. قلت له: "ماذا؟!".
- سا.. سا..!!!

لم تخرج الكلمة من حلقه، وهوى في حجري كقطعة صخرة وفارق
 
 
 
 
240

229

الألمان

 الحياة. أحسستُ بحرارة الدم وطراوة الدماغ اللزج على وجهي. أخذتُ أرتعش من هول الصدمة. مدّدتُ الجثّة على أرض الحفرة، ووضعتُ الكوفيّة على رأسه المدمى. صاح حمامي: "العراقيّون يتقدّمون من جهة النهر".


قطعت فصيلة من المغاوير النهر، واشتبكوا مع العناصر المستقرّين في الدشم والخنادق أسفل التلّة. التفّ المغاوير على دشمتين أو ثلاث، ورأيتهم من الأعلى وقد رموا في داخلها "قنابل يدوية". وبهذا استطاع العدوّ السيطرة على مدخل التلّة الصغرى من تلال "بردزرد". ناداني مرتضى: "سلمان، اجمع عددًا من الشباب وهلمّ معي!".

لم ينتظر مرتضى مساعدَ رامي (B7). ثبّت القذيفة الأولى في قاذف الـ(B7) ثمّ جعله على كتفه، وسحب حقيبة القذائف خلفه. حملتُ الرشّاش وركضتُ خلف مرتضى بصحبة إسماعيل توكّلي، إبراهيم كاركر وبضعة أشخاص آخرين. أخذ مرتضى يركض دونما حماية خلف أحد السواتر الترابيّة باتّجاه المغاوير العراقيّين الذين كانوا يصعدون الساتر. لم أدرِ كيف وضع حقيبة القذائف على ظهره، ثم ركض مباشرة نحو جموع المغاوير، وأطلق أوّل قذيفة بينهم فتطايروا في الهواء. تشتّت جمع المغاوير وطار كلّ واحد منهم إلى جهة. إثر رؤيتهم لـمرتضى ولمجموعتنا التي كانت تعدو خلفه مطلقة النار، ذُهل المغاوير غير مصدّقين وتبدّد جمعهم، فتقهقر عدد منهم إلى ما وراء النهر، فيما لجأ الآخرون إلى الدشم التي سيطروا عليها قبل لحظات، وأخذوا يردّون على هجومنا بالرشاشات الثقيلة والـ(B7). أيّما أحد اقترب منهم كان عرضة للإصابة. قال مرتضى: "إنّ احتلال هذه الدشم مشكلة.. لقد سدّوا بذلك طريق النهر، وثبّتوا موطئ قدم مناسبًا للسيطرة على التلّة".
 
 
 
 
241

230

الألمان

 في نهاية المطاف، وعند الساعة الثانية عشرة فشلت هجمة العراقيّين، فأخذوا ينسحبون تدريجيًّا من نقاط تلّة "بردزرد"، فيما حضر عدد من الشباب لمساعدتنا. أشرت إلى دشم العراقيّين.

- ماذا سنفعل بهؤلاء؟

قال مرتضى: "لقد صار هؤلاء شوكة في حلقنا تمامًا كما صرنا شوكة في حلقهم بسيطرتنا على هذه التلّة! علينا إخراجهم سريعًا من الدشم وإلّا فسنواجه مشكلة في الهجمة المضادّة التالية".

فكّر مرتضى قليلًا ثم نادى "مش موسى": "ائتِني بمكبّر صوت يدويّ! لا يُطْلِقنّ أحد النار!".

عندما توقّف إطلاق النار كفّ المغاوير اللائذون بالدشم عن إطلاق النار أيضًا، وساد هدوء نسبي المكان. أدنى مرتضى مكبّر الصوت اليدويّ من فمه وخرج من المخبأ، ثمّ أخذ يتكلّم ببرودة أعصاب وبلغة عربيّة مكسّرة.
- أي شي لونك.. اشلونك.. يا أخي.. صباح الخير!
- سيرمون العمّ بالرصاص الآن!
- إنّ العمّ يعلم ما يقوم به!

كان مرتضى يتحدّث بطمأنينة، وهو يسير نحو العراقيّين وكأنّهم كانوا محاصرين من قِبلنا لأيّام. في اللحظة الأولى أطلقوا بضع رصاصات قرب العم مرتضى محاولة منهم لتقويم الرجل. أمّا مرتضى الذي بدا خبيرًا بزبائنه فلم يرفّ له جفن، وأكمل وعظ العدو بدم بارد. لم يطل الأمر حتى خرج أوّل مغوار بقميص أبيض من الدشمة الأولى. تقدّم مرتضى من المغوار كطبيب نفسيّ محترف، فعانقه وقبّله على مرأى من الآخرين. وفي غضون دقائق معدودة استسلم حوالي ثمانية عشر مغوارًا من دون إطلاق رصاصة واحدة!
 
 
 
 
242

231

الخيار

 الخيار - 21/تموز/1983


- ..الصافرة التي تسمعونها الآن.. الوضع الأحمر.. ومعناها.. حصول هجوم جويّ حتمي.. اختبئوا في الملاجئ..

قبيل الظهر بثّ المذياع الجيبيّ ذو الموجة الواحدة صافرة الإنذار الحمراء. دوّى في أذني صوت مهول ناتج عن المضادّات الجوّية. كان قلبي يغلي من الاضطراب: لا بدّ أنّ أمرًا ما قد حدث.. اللهم اجعله خيرًا.. أين مرتضى الآن، وماذا تراه يفعل.. هل أصيب بمكروه.. لا قدّر الله.. ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب.. نظرتُ من خلال النافذة الوحيدة للغرفة رقم مئة وعشرة لأرى مكان مرتضى الخالي وأتذكّر آخر وداع له! حتى البلبل البنّي توقّف عن الزقزقة في قفصه.

سبق أن قال لي العجوز النحيل ذو الشّيبة، عامل فندق قيام: "سيّدة جاويدي، لقد قصفت الطائرات شارع نادري! هناك عدد هائل من الشهداء والجرحى!".

ارتديت عباءتي، حملتُ المذياع ودخلتُ غرفة السيّدة بروين. قفزت الصغيرة سميّة مرعوبة إلى حضني.
- إنّي خائفة يا خالة!

قبّلتها.
- لا تخافي يا عزيزتي!

بثّت إذاعة أهواز صافرة إنذار الوضع الأبيض، وعاودت بثّ برنامج "البيت والأسرة". عندما رأت بروين، زوجة السيّد ستوده طفلتها في حضني، تركت حديث الحرب وشرعت بالحديث عن الحياة: "آمنة،
 
 
 
 
243

232

الخيار

 ألا تريدين طفلًا؟".


أطرقتُ برأسي. ولمّا طال صمتي أردفتْ قائلة: "الولد نعمة كبيرة..".

كانت سميّة تتسلّق على ظهري وكتفي بسعادة وبراءة. انقطع بثّ البرنامج العادي للإذاعة ثانية، ليحلّ مكانه موسيقى ثوريّة. ما لبث أن خفت صوت الموسيقى الثوريّة فيما صدح صوت المذيع.
- .. مستمعينا الكرام، أرجو الانتباه..

أنصتنا لخبر الإذاعة.
- مستمعينا الكرام.. أنتم تستمعون إلى خبر مهمّ أُفِدنا به من المقرّ العسكريّ..

انخلع قلبي، وقلت بحزن: "عمليّة أخرى!".

اجتاحت أفكار مختلفة ومضطربة ذهني. ملأ الذعر والخوف نفسي، وأطبقا على حلقي. حملقتُ في وجه بروين الذي كان يزداد بياضًا لحظة بعد أخرى. لم أتمالك نفسي فأخذ ستار من الدمع يُسدَل على عينيّ ثمّ يتساقط ثمّ يُسدل من جديد.
- يا خالة، يا خالة..

أعادتني هزّات سميّة الصغيرة إلى الحياة. كانت الموسيقى العسكريّة الصادرة من المذياع تنهش لحمي وتبري عظامي. نظرت بروين إلى سميّة، ونطقت بكلماتها من بين شفتيها المرتعشتين بصعوبة: "هل كان لواء المهدي هناك أيضًا؟".

تمتمتُ ببرودة: "لا أعلم، عسى أن يكون خيرًا!".
- لهذا السبب ما برحت الطائرات تقصف الأهواز منذ الصباح!
- هل تعرّضت خوزستان لهجوم؟
 
 
 
 
244

233

الخيار

 - أين زوجانا الآن يا ترى؟!

- الناس فرحون لهذا الهجوم!

جثمنا في زاوية الغرفة حائرتين، لا ندري أيّنا تواسي الأخرى!
- مستمعينا الكرام.. بدأ مجاهدو الإسلام ومقارعو الكفر ليلة أمس عمليّة "والفجر 2" المهمّة والاستراتيجيّة في منطقة حاج عمران..

بدأت النساء القاطنات في فندق قيام الطواف والسعي وطرح الأسئلة المكرّرة التي كانت تشغل أذهانهنّ بعد كل معركة. 
- دور من.. هل زوجي شهيد، جريح، أسير أو مفقود..

وبانتظار الإجابة كان علينا أن نصبر ونتحمّل أيامًا حتى تنتهي العمليّة، وينجلي الدخان والغبار، فتعرف كلّ منّا خبرًا عن مصير زوجها. لم يكن بوسعنا سوى أن ندعو ونصلّي لسلامة المجاهدين!

عند الظهر عُدت مغمومة إلى غرفتي. أطفأت المذياع، ووضعته على الرفّ. وضعتُ بارتباك إبريق الشاي على المدفأة النفطيّة. لعلّي أردت أن أعيش ذكرى مرتضى فأعددتُ الشاي، إذ كان يحبّه حبًّا جمًّا. كلّما كنت أتأخر في إحضاره كان يقول لي ممازحًا: "أنا لا أدخّن السجائر، لكنّي أدخّن الشاي عوضًا عنها، لا تنسي ذلك يا بنت خالتي!". 

ارتديتُ ثوب الصلاة الأبيض. حملتُ سُبحة "شاه مقصود" الخضراء. صلّيت وقرأت الأذكار، وفي الختام شرعت أتلو سورة الواقعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ...  إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾.

بعد الظهر بثّت الإذاعة أخبارًا عن استكمال عمليّة "والفجر 2"، فيما شغلت نفسي في رتق وخياطة ملابس مرتضى. نهضتُ وطحنتُ قليلًا من الخبز وأطعمت البلبل البنّي. علا صوت طرق الباب. فتحتُ
 
 
 
 
 
245

234

الخيار

 الباب فرأيتُ ليلى، زوجة علي أكبر بهمنزادكان، بوجه شاحب وعينين متورّمتين. بعد ذلك ارتمت كالخشبة اليابسة في حضني، كأنّ روحها خرجت من جسدها دفعة واحدة، وأخذت بالبكاء والنحيب.


حضنتُها، فوضعتْ رأسها على كتفي وواصلت بكاءها حتى هدأت. أمسكتُ بكتفيها وأجلستها بقربي. كانت عيناها قد تجمّرتا. وضعتُ يدي على وجهها ومسحتُ ما بقي من دموعها وسألتها: "عزيزتي ليلى، ما الخطب؟".
- زوجي علي أكبر..
ثمّ خنقتها الغصّة.
- ماذا حدث لعلي أكبر؟!
- لقد اس..س..تشهد!
 
 
 
 
246

235

نذر الأمّ

 نذر الأمّ - 21/ تموز/1983


عندما خفّت حدّة النيران على التلّة خرجتُ من الدشمة ذات الواجهة المفتوحة. على مسافة قصيرة من الدشمة جثا "غلام فرمانيها" على ركبتيه قرب جثّة أخيه حسن. في حرّ ما بعد الظهر عاونته على وضع وجه أخيه الشهيد تحت ظل شجيرة لئلّا تصيبه أشعّة الشمس. على مقربة منّا أخذ علي ينزع قشر بشرته التي أحرقتها أشعّة الشمس.
- حسين، إن جلدي ينفصل قشرة قشرة!

أشار عليّ إلى المرتفع العالي خلف رأسي.
- يا لقدرة الله، هناك ثلج وبرد، وهنا شمس محرقة!
- سيّد، هلمّ معي لنعطي الجرحى بعض الحليب.

أخذ علي - الذي كان يُضحكه حتى الشقّ في الجدار- يقهقه مُطْلِقًا ضحكته الخاصّة من شدقيه المفتوحين وقال: "وهل لديكِ حليب يا أمّي؟".

نظرتُ نظرة تهديد، فتوقّف عن الضحك وسار خلفي. حملتُ علبة الحليب ومطرة الماء، وقصدتُ سيارة الـ "جيب" التي كنّا قد وضعنا في ظلّها وفي الحفرة التي تحتها عددًا من الجرحى. سحبتُ نفسي بصعوبة إلى أسفل المركبة. كان الجرحى جائعين خائري القوى. بحثتُ كثيرًا عن وعاء لحلّ الحليب لكن من دون جدوى. قلت لهم: "ليس لدينا وعاء!".

لكنّ الجرحى كانوا يتضوّرون جوعًا، فألصق الجريح الأول كفّي يديه.
 
 
 
 
 
247

236

نذر الأمّ

 - هذا وعاء!

- لكنّ يديك ملوّثتان بالدم! 
- لا يهمّ!

أشرتُ إلى عليّ.
- أنا أسكب الحليب، وأنت تصبّ الماء!

سكبتُ الحليب المجفّف على كفّي الجريح، ثمّ أضاف السيّد علي ماء المطرة شيئًا فشيئًا، فيما أحنى الجريح إبهامَي يديه إلى باطن كفّيه وجعل يحرّك الماء والحليب.
- انظروا النتيجة! حليب، دماء جافّة وماء!

شرب الجريح الحليب، ثمّ كوّر جمال وصابر، الجريحان الشابّان الآخران، يديهما كالوعاء بانتظار الحليب.

أخرجني دويّ انفجار مروّع من تحت المركبة. قرب الدشمة ذات الواجهة المفتوحة سقطت قذيفة (مدفع106)، فارتفع صوت يقطّع القلوب لأحد الشباب من داخل الدشمة. 
- يا إلهي احترقت.. يا مهدي!

وصلتُ إلى الجريح الذي كانت الدماء الصافية تشخب من رقبته كالخروف المذبوح. أحسستُ بحرارة دمه على وجهي. لقد أصابت الشظيّة وريده. تحيّرتُ ماذا أصنع! لم أدرِ كيف وصلتْ إلى يدي بضع ضمادات. حاولتُ جاهدًا أن أسكّر جرح وريده وعبثًا حاولت. أخذتُ يده ووضعتها على رقبته، فلففتُ الضماد حول يده ورقبته والشظيّة معًا حتى انقطع نزف جرحه. كان ذلك الحلّ الوحيد! حملته أنا وعلي على تلك الحال، قد خيطت يده برقبته، ووضعناه تحت ظلّ مركبة الجيب. لم يعد المكان يتّسع لأحد. خرجت وعلي من الحفرة المظلّلة
 
 
 
 
248

237

نذر الأمّ

 بالمركبة، ودخلنا الدشمة المفتوحة والكبيرة نسبيًّا حيث جلس عدد من شباب إحدى المجموعات. قال عليّ ضاحكًا كعادته: "لقد ابتكرت شيئًا جديدًا!".


أمّا سعيد حفّار، الذي لم يقرّ له قرار، فقد صعد إلى الأعلى برجله المجروحة، وبرفقته كريم الأبرص وإبراهيم كاركر لتقديم المساعدة. كانت حدّة نيران العدوّ قد خفّت فوجدناها فرصة ليبثّ بعضنا إلى بعض الشجون ونتعرّف إلى العناصر الجدد وحياتهم. أشار سعيد إلى "حبيب زيبايي عالم"، التعبوي الساكت والنحيل الذي جلس بجانبه.
- ماذا حدث لرِجلك يا سيّد حبيب؟

تبسّم حبيب ذو الخمسة عشر أو ستة عشر ربيعًا.
- أنا نفسي لا أعرف بالدّقة.

سأل سعيد حفاري: "لا تعرف؟ وهل يُعقَل هذا..؟".
- كلّ ما أتذكّره من الصغر أنّها كانت هكذا! في البداية لم أستطع السّير ولو خطوة واحدة.

قال كريم الأبرص: "كيف استطعت أن تأتي إلى هنا مع كتيبة الفجر؟".

خلع حبيب الجزمة من رجله النحيفة، وكان على طرفيها حزامان حديديّان متّصلان بالركبة، وأشار إليها.
- بالجزمة الطبّية! لقد أعانني الله حتى الآن ولم أواجه أي مشكلة!

وضع كريم الأبرص يده على رأسه وشعره الأبيض، مضيّقًا عينيه من قوّة الضوء وسأل: "وهل يعلم العمّ مرتضى بذلك؟".
- لا أظنّ ذلك.. لقد انضممتُ إلى الكتيبة للمشاركة بالمعركة!
 
 
 
249

238

نذر الأمّ

 ثمّ أشار حبيب إلى قعر جزمته الخاصّة.

- لقد أزلتُ عرجة رجلي بوضع كعب إضافيّ. 

سألته مستغربًا: "سيّد حبيب، سبق أن قلت إنّك لم تكن تقدر على المشي على رجلك؟ كيف تمكّنت من ذلك؟".
- بالنذر! ما برحت أمّي تقدّم النذور لمولانا أبي الفضل العباس عليه السلام، إلى أن استطعت المشي منذ العام الماضي. 

ثمّ أخذ نفسًا عميقًا وتابع: "حينها نذرتُ أنا أيضًا أنّي إن شفيتُ فسأقدّم رجلي في سبيل الله!".

أخذ سعيد حفّار رأس حبيب، فأدناه منه وقبّل جبهته. أمّا كريم الأبرص فقال: "تعال لكي أسحب لك ورقة من فأل حافظ!".
 
 
 
 
250

239

القنبلة العنقوديّة

 القنبلة العنقوديّة - 21/تموز/1983


- طائرة.. إيرانيّة؟ عراقيّة! احتموا..

عند الثالثة من بعد الظهر ظهرت الطائرات العراقيّة كالأجل المعلّق، وألقت قنابل عنقوديّة فوق المنطقة! كانت معظم القنابل تسقط بمظلّات صغيرة فوق الوادي والغابة.

من داخل الدشمة المطّاطيّة غير المحكمة كنت غارقًا في مشاهدة هبوط القنابل العنقوديّة، وإذا بعليّ ينبّهني لهجمة مضادّة من قبل العراقيّين.
- حسين.. هناك.. من جهة النهر والقرية.. العراقيّون يقتربون من القائد.. علينا إخباره.

وقفتُ داخل الدشمة المستقرّة على أعالي التلّة الكبيرة ونظرتُ إلى حيث أشار عليّ. أكثر من كتيبة من الجنود العراقيّين الذين يرتدون زيًّا أخضر داكنًا يلمع تحت أشعّة الشمس، أخذوا يقتربون من التلّة الصغيرة من جهات عدّة. تواصل سقوط نيران المدفعيّة الشديدة فوق رؤوس مرتضى وبقيّة الشباب. ضغطتُ على رشاش الغرينيف الذي كان بيدي قائلًا: "ليتنا نستطيع مساعدتهم!".

قال نعيمي: "انتبهوا، من الممكن أن يهجموا علينا أيضًا!".
- أخبروا الشباب! كونوا على حذر.

قال علي: "إنّ السيّد مرتضى يستطيع التغلّب عليهم!".
- يتركّز الهجوم العراقيّ في القسم السفليّ!

استُهدِفت التلّة بقذائف الـ (106) وقذائف الدبابات العراقيّة
 
 
 
 
 
251

240

القنبلة العنقوديّة

 المستقرّة في الوادي. أشار رحيم نعيمي إلى القطع البلاستيكيّة حول دشمة الاتّصالات.

- إنّ دشمة الاتّصالات غير آمنة! علينا إيجاد مكان أفضل.. لا ينبغي أن نجتمع في مكان واحد.

نظرًا لأنّ تلّة "بردزرد" لم تكن على الخطوط الأماميّة للجبهة فإنّ الدشم قد صُنعت للوقاية من الحرّ والقرّ فحسب. التفتّ ونظرتُ إلى "ناصر" أحد شبّان السرية، وكان نائمًا قبالتي هادئ البال رغم كلّ ذلك الضجيج والصخب والحرّ. ليتني أستطيع أن أنام بضع ساعات أنا أيضًا! أفسد تفكيري صوت جلجلة مهولة لرصاص المضاد للطائرات. بينما أنا كذلك وإذ برصاصة مرّت قرب أذني، ودخلت مباشرة في فم ناصر لتخرج من خلف رأسه على مرأى من عينيّ المذهولتين! فما كان من ناصر إلّا أن اهتزّ وأسلم روحه. كنت لم أزل تحت وقع صدمة شهادة ناصر حين سقط الرصاص الخطّاط على الدشمة المطّاطيّة وجدران دشمة الاتّصالات النصفية، فاشتعلت الدشمة. خرجنا جميعًا، سالمين وجرحى، من الدشمة حبوًا على الأربع. كأنّ العدوّ كان يترصّد كلّ من يخرج ذعرًا من الدشمة فيطلق عليه النار من أسلحة الـ"سيمينوف".
- توخّوا الحيطة.. القنّاصة.. إنّها خطّة.. اخرجوا زحفًا.

خرجتُ من الدشمة فصاح علي: إنّ "مهسيما" في الدشمة وقد أصيب برجله.. هو حيّ..
كانت الدشمة المطّاطيّة تشتعل باللهب، فألقى نعيمي نفسه داخلها وأخرج مهسيما الجريح من قلب اللهب. ما إن ابتعدنا قليلا حتى شرع العدوّ يستهدف الأفراد بقذائف الـ(106)! علت من أسفل التلّة أصوات الاشتباكات وإطلاق النار. عندما رأيت أنّ العراقيّين لم يشنّوا هجومهم على تلّتنا، ثبّتُّ رشاش الغرينيف داخل دشمة غير مكتملة
 
 
 
 
252

241

القنبلة العنقوديّة

 واقعة على مقربة من سيارة الجيب. لحق "عليّ" بي فتمدّد بحذائي. كان عدد من العراقيّين في السهل ينوون الالتفاف على القائد مرتضى وشبابه من داخل حقل القمح الذهبي. نبّهني صوت نعيمي: "أيّها المؤمن، تستطيع أن ترمي.. ليست المسافة بعيدة.. ارمِ..".


لم أكن على يقين بأنّ رصاص رشّاش الغرينيف الثقيل سيصل إليهم. حشوتُ كبد الرشاش بشريط من الرصاص. 
- علي، أرسل الشريط إلى الأمام!

رفع السيّد علي طرفي شريط الرشاش الطويل. عضضتُ على ناجذيّ ورحتُ أحصد العراقيّين وحقل السنابل في آن واحد. كانت الرصاصات الفارغة الحامية تنهمر على أرض الدشمة بينما كنت أُشعل القمح والعراقيّين معًا. أطلقتُ النار إلى حدٍّ رأيت احمرار سبطانة الرشّاش بأمّ عيني، فخفت أن يذوب. بينما انشغلت بإطلاق النار وإذ بانفجار مروّع يرميني على بطني بضعة أمتار. انقلبتُ على ظهري وحدّقتُ حيث وقع الانفجار. كانت سيارة الجيب التي وضعنا تحتها الجرحى الأربعة تشتعل بالنيران.
- يا إلهي، الجرحى!

هممتُ بالنهوض وإذ بـغالوني العشرين ليترًا تنفجران كالبراميل المتفجّرة، فسال البنزين الذي في جوفهما على الجرحى أسفل المركبة. كأنني أنا الذي كنت أشتعل وأحترق. نهضتُ ووقفت على بعد خطوات من المركبة. كانت صراخات الجرحى في الحفرة تتعالى بشكل مؤلم في الهواء. اقتربتُ أكثر لأرى التعبويّ الجريح الذي كنت قد ضمدتُ يده ونحره معًا يُشوى بلهب النيران. صحتُ: إلهي..

مضيتُ مذهولًا مثكولًا غيرَ آبه بنيران مدفعيّة العدوّ، فجلستُ قرب إحدى الدشم. ضممتُ ركبتيّ بيديّ وأخذتُ أحدّق بعيدًا.
 
 
 
 
253

242

عنبر الجرحى

 عنبر الجرحى - 21/تموز/1983


في عتمة الليل كانت الفرصة مؤاتية لكي يفكّر أفراد الكتيبة، فرادى أو مجموعات، بأحداث اليومين الماضيين والمستقبل الغامض. كان الصمت والتفكير يزيداني اضطرابًا وقلقًا. لم يكن ثمّة أفضل من غفوة هادئة بعد يومين من المعارك الطاحنة! خرجت من دشمة الرشّاش الثقيل، وانحدرتُ برفقة علي خليلي ونعيمي من الحافّة (عنف) الغربيّة للتلّة نحو مرتضى.

دخلتُ حجرة (عنبر) الجرحى. كانت رائحة التعفّن قد ملأت أجواء الحجرة. تحت نور المصابيح قبع الجرحى المحمومون بأجسادهم المتورّمة جرّاء سوء التغذية وهم يشتكون من كلّ شيء.
- أعاني من نزيف.
- الألم يقتلني!
- متى سيأخذوننا من هنا؟
- لماذا لم يحضر أحد للمساعدة؟
- الماء.. الماء.. أسألك بالله يا عم..
- ليتني استشهدت!
- يا عم.. يا عم.. يا عم..

كان الجرحى ممدّدين على أرض الحجرة صفّين، بحيث لم يبقَ سوى معبر ضيّق في الوسط. تساءلتُ في نفسي: أين مرتضى؟!

وجدته بين الجرحى. اقتربت منه وقد وضع على ركبتيه شابًّا
 
 
 
 
254

243

عنبر الجرحى

 جريحًا من الحرس لم يكْسُ عظمه سوى الجلد، ولم يُرَ من عينيه إلّا بياضهما! حدّقتُ في عينَي مرتضى. كأنّ بحرًا من الدموع كان مستترًا خلفهما إلّا أنّه لم يستطع أن يُخرج قطرة منها. أخذتُ أفكّر في مرتضى وشخصيّته: أيّ ضغط يتحمّله الآن! إنّه قائد كفوء وشفيق. ففي الوقت الذي يتمتّع بكفاءة عالية في قيادة الكتيبة فهو يعمل كالخادم، يجمع بطّانيّات الشباب بدعابة ومزاح، يضع غطاء السفرة، يغسل الصحون ويكنس الأرض.. فليحفظه الله. أشعر أنّنا جميعًا بحاجة إلى ابن القرية المحبّ والشجاع هذا. لقد أظهرت الحرب الاستعدادات الكامنة في مرتضى. لا أعلم ماذا سيكون مصيرنا إن حصل له مكروه! همستُ في أذنه: "هل أستطيع المساعدة؟".


وضع رأس الجريح الشاحب الوجه - والذي لم يُعلم إن كان قد استشهد أو ما زال على قيد الحياة - على الأرض برويّة. عضّ على شفته ألمًا. نظرتُ إلى ظهره، فإذ بمكان إصابته بشظيّة قنبلة يدويّة وقد التهب وانبجست منه دماء غضّة.
- يا عم.. جرحك.. سيقضي عليك! دعني أرى..

للمرّة الأولى استسلم لألم الجرح الملتهب. تقدّم رحيم نعيمي وساعدناه على خلع كنزته الصوفيّة. انفصل الجلد والدم والثياب الملتصقة بالجرح عن لحم جسده، وانبعث القيْح والدم الطريّ. 
- آخ..

كانت المرّة الأولى والأخيرة التي سمعت فيها مرتضى يتأوّه! غسلت جرحه بالمطهّر والضماد. غطّينا جرحه وبدّلنا ثيابه. علا صوت جهاز (PRC) اللاسلكيّ الذي كان بإزائه: مرتضى مرتضى، علي..

تناول السمّاعة وأجاب على علي نجفي بشفتيه اليابستين: "علي
 
 
 
 
 
255

244

عنبر الجرحى

 علي، مرتضى أرسل!".

- ما الأخبار يا مرتضى؟

تبسّم مرتضى وقال: "عزيزي علي، الوضع لمصلحتهم حاليًّا! ماذا عنكم..؟".
- على العكس منكم، الوضع لمصلحتنا!
- الشكر لله!

وضع جهاز اللاسلكيّ أرضًا. وفي ظلّ تلك الأجواء المريرة والكئيبة فاجأني صوته الهادئ والباعث للسكينة وهو يتلو القرآن.

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ...  إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾.

تمتمتُ لا إراديًّا: "حقًّا إنّ القرآن كتاب كريم ومسطور..". قلت في نفسي: لقد سهوتُ عن تلاوة سورة الواقعة لعدّة ليال! في نفس ذلك الوقت من الليل كنّا نتلو سورة الواقعة. يا لقلبي الغافل! سرتُ في حجرة الجرحى الكبيرة. في وسطها كان شاب نحيف وقصير قد بُترت إحدى يديه، يرتدي زيّ الحرس الأخضر، على صدره الشعار المخملي الأزرق، وهو يتلو سورة الواقعة بصوت جميل خافت. أمّا مرتضى الذي لم يعرف معنى التعب فنهض وأعدّ بعض الحليب، وجعل يصبّه في علبة فارغة ثمّ يدنيه من شفاه الجرحى فيسقيهم ويقبّل جباههم مواسيًا. لم يكن هناك أيّ دواء ولا ضماد لتضميد الجروح. عمد بعض المسعفين إلى تبديل ضماد الجروح بكوفيّات الجرحى والأصحّاء. تلازمت رائحة الدماء والتعفّن والعرق مع أصوات هذيان بعض الجرحى المحمومين جرّاء بتر أيديهم أو أرجلهم. في غضون الساعات القليلة الماضية استشهد اثنان متأثّرَين بجراحهما، وتمّ نقلهما إلى دشمة الشهداء.
 
 
 
 
256

245

مخيّم الأسرى

 مخيّم الأسرى - 22 / تموز /1983


- أهذه صورة زوجتك.. أنا أيضًا تزوّجت قبل شهر! بيد مخضّبة بالحنّاء..

أصابت وجهي رصاصة مباشرة. تلاشى قسم من وجهي، كوجه جريحِ هجومِ يومِ أمس، لكنّي بقيت قائمًا أطلق النار!
- يداك مخضّبتان بالحنّاء أيضًا.. هل يتخضّب العرب بالحنّاء؟ طفلك لطيف جدًّا.. من أيّ مدينة أنت.. الموصل.. ياه.. هل تتحدّث الفارسيّة؟

غطّت الدماء جميع أنحاء جسدي.
- إنّهم ينقلون الأسرى إلى مخيّمات أصفهان وطهران وشمال إيران، أسمعت؟

توقّف رشّاش الغرينيف الذي كان في يدي، فيما صعد عراقيّ ضخم الجثّة إلى أعلى التلّة، فوضع كلتا يديه حول رقبتي وجعل يخنقني.
- مخيّم الأسرى.. طهران.. جرجان.. ادعوا لكي يصل الشباب.. لننجو وإيّاكم..

انقطعت أنفاسي، واسودّ كلّ شيء في عينيّ اسودادًا شديدًا! تقلّبتُ يمينًا وشمالًا أتخبّط بيديّ ورجليّ.
- داريوش!

فتحتُ عينيّ مرعوبًا لأجد "جمالي" عند رأسي. 
- ماذا حصل يا داريوش.. هل كنت تحلم؟
 
 
 
 
257

246

مخيّم الأسرى

 أخذتُ بضع أنفاسٍ عميقة إلى أن أدركتُ أنّي على تلّة "بردزرد". قلت: "لقد غفوتُ دون أن أشعر! منذ متى وأنا نائم؟".


أشار جمالي إلى رشاش الغرينيف الروسيّ في يدي.
- قبيل الفجر. لقد أطبقتَ جفنيك كالأموات وبيدك هذا الرشاش! لم يطاوعني قلبي أن أوقظك.
- لم أنم منذ يومين بليلتيهما! 

عندما تذكّرتُ أنّ جميع أفراد الكتيبة لم ترَ عيونهم النوم لثلاثة أيّام أطلقتُ ضحكة ساخرة ثمّ غيّرت مجرى الحديث.
- هل طلبني مرتضى.. ألم يصل أيّ خبر عن القوّات المساندة..
- لا يا داريوش!
- فليهلك داريوش! ماذا عليّ أن أفعل لكي تناديني بسلمان! 

ضحك جمالي. مجدّدًا سمعتُ الكلام الذي تناهى إلى سمعي بين النوم واليقظة. أنزلتُ نظري بسرعة إلى أسفل يدي، عندها عرفتُ أنّي كنت أسمع حديث علي خليلي والأسرى العراقيّين! كان خليلي قد أخرجهم من الدشمة لكي يدخّنوا، وأخذ يتحدّث معهم بالعربيّة المختلطة بالفارسيّة، ويتبادلون الصور. أطلق جمالي ضحكة.
- أترى كيف بات رفيقًا لهم!
- كيف يفهم لغتهم؟
- كان عليّ يخالط عرب "فسا"، ويتحدّث معهم بلغة مكسّرة!

ضحكتُ مطوّلًا وحرّكت رأسي.
- كنت أسمع حديثهم ودردشتهم أثناء نومي!

مع طلوع الصباح البارد لليوم الثالث وصل "مش موسى" برفقة