أسوار النور

أسوار النور


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-08

النسخة: 2018


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آل الطاهرين، وبعد...

ترزح مجتمعاتنا الإسلاميّة تحت ظلّ حرب ناعمة تحاول تمهيد الأرضيّة لتسلّل الثقافة الغربيّة إلى نمط الحياة والعلاقات الاجتماعيّة. ولقد أثّر تداخل الثقافة الغربيّة مع ثقافتنا الإسلاميّة في العديد من المجالات، ولعلّ من أهمّها: التغيّر المفاهيميّ الّذي طرأ على عقل المسلم، خصوصًا في مجال القيم، والّتي تعدّ محرّكًا هامًّا من محرّكات الفعل الّذي يؤدّيه الفرد في محيطه الشخصيّ والاجتماعيّ، حيث يؤثّر ويتأثّر بها في علاقاته عمومًا. وقد اهتمّ الإسلام اهتمامًا بالغًا ببناء منظومة القيم الّتي تحكم الفرد والمجتمع المؤمن، والمصطلح الّذي نجده في الأدبيّات الإسلاميّة للتعبير عن هذه القيم هو مصطلح "الفضيلة"، ويقابله مصطلح "الرذيلة"، حيث نجد أنّ القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام قد تحدّثت عن الفضائل، وحثّت على التحلّي بها، وبيّنت في مواطن متعدّدة كيفيّة التحلّي بها، بل إنّ القرآن الكريم عمل على بناء بعض هذه الفضائل من خلال سوره وآياته، كفضيلة العفّة الّتي تعتبر هدفًا أساسيًّا من أهداف سورة النور.

ويشكّل منهاج تعليم القرآن وسيلة محوريّة في سياق إعادة بناء القيم وفق رؤية القرآن التربويّة، والّتي نستطيع أن نتلمّسها من خلال الآيات الّتي بيَّنت الغاية من نزول القرآن، أي "الإخراج من الظلمات إلى النور". وفي هذا السياق، يأتي هذا الكتاب التعليميّ الّذي يتضمّن معالجة تفسيريّة - تربويّة لسورة النور، والّذي يحمل اسم "أسوار النّور"، 
 
 
 
 
11

1

المقدمة

 وهو اسم مستوحى من السورة. فلقد تميّزت سورة النور بتقديم نفسها على أنّها "سورة"، وذلك من السور الّذي يسوّر المدينة ويحيط بها، ومن ثمّ تسلسلت في تقديم مجموعة من "الآيات البيّنات" المقسَّمة على مقاطع، يتضمّن كلّ مقطع بيان لموضوع محدّد يساهم في تحقيق هدف السورة المتمثّل في آية الوسط أي آية النّور، وبالتّالي فإنّ اسم "أسوار النّور" هو الاسم الّذي أطلقته السورة على نفسها.


نهدف من خلال هذا الكتاب إلى:
- توثيق صلة المتعلّم بالقرآن الكريم بوصفه المصدر الرئيس الّذي تُستنبَط منه المعارف والقيم والسلوك لبناء شخصيّة العبد الصالح المستنير، وفق الرؤية القرآنيّة المتضمَّنة في السورة.

- بيان معالم المجتمع النورانيّ الخالي من الآفات الأخلاقيّة والاجتماعيّة، والّذي تسوده الشريعة والآداب الإسلاميّة من خلال آيات سورة النور.

- تحديد السّمات العامّة والصّفات الّتي يجب أن تتوافر لدى السالك في مسيرة النور (نور على نور) خلال سيره التكامليّ.

- ترسيخ التشريعات والقيم والآداب الّتي طرحتها السورة عبر إيضاح العلاقة بين مجتمع الفضيلة، وتمكين حكومة النور الإلهيّ من خلال ظهور إمام الزمان الحجّة المنتظر المهديّ (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء).

وقد تمّ إعداد دروس الكتاب وفق المنهجيّة الآتية:
- أوّلًا: وضع الأهداف التعليميّة للدرس.
- ثانيًا: تقسيم الدرس إلى الفقر الآتية:
• الفقرة الأولى: التمهيد (التهيئة للدّرس)
تتضمّن تحديدًا للأسئلة الرئيسة الّتي سيجيب عنها الدّرس، وتؤمّن الربط بالسياق العامّ للآيات الّتي تمّت معالجتها في الدروس السابقة.

• الفقرة الثانية: ليتدبّروا آياته
 
 
 
 
12

2

المقدمة

 وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- معاني المفردات: تتضمّن شرحًا للمفردات الرئيسة، والّتي يشكّل فهمها مفتاحًا لفهم الآيات.

2- المعنى التفصيلي: يتضمّن بحثًا تفسيريًّا مستندًا إلى:
- المعنى اللّغويّ للمفردات الرئيسة في الآيات مورد البحث.
- إيضاح مناسبة النزول إن وُجدَت.
- عرض مختصر لأبرز الآراء في تفسير الآيات، مع الاستعانة بالرواية والأبحاث المتناسبة مع مطالب الآيات (عقائديّة - أخلاقيّة - فقهيّة...).
- ترجيح نتيجة تفسيريّة تبيّن المعنى المراد من الآيات.

3- المعنى الإجمالي: عبارة عن فقرة النتيجة الّتي تتضمّن اختصارًا واستخلاصًا للمعنى العامّ للآيات محلّ البحث.
• الفقرة الثالثة: لعلّكم تذكّرون
هي دروس مستفادة من الآيات، وتتضمّن بحثًا حول الموضوع التربويّ الوارد في الآيات مورد البحث، والّذي يساهم في ربط الآيات بسياق وهدف السورة.

• الفقرة الرابعة: رسالة الآيات
تتضمن صياغة مختصرة للرسالة التربويّة المستنتجة من الآيات.
نسأل الله تعالى أن نكون قد وُفّقنا من خلال هذا الكتاب لبيان بعض معالم المسيرة التكامليّة، والّتي ينبغي على الإنسان المسلم الحفاظ على جميع مقوّماتها ليصل إلى الهدف المنشود من خلقته. فالقرآن الكريم هو في حقيقة الأمر بحرٌ زاخرٌ بالكنوز والجواهر الثمينة الّتي تنير العقل والروح، وتحرّك الوجدان، فيرقى سالك هذا الطريق خارجًا من الظلمات إلى النور، سالكًا صاعدًا إلى ربّه العليّ القدير.

والحمد لله رب العالمين
مركز المعارف للتأليف والتحقيق
 
 
 
 
 
13
 

3

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 الدرس الأول


الآية الأولى: نور الفطرة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح ارتباط مطلع السورة بمضمونها العامّ.
2- يبيّن المراد من المفاهيم الّتي وردت في الآيات، مستنتجًا مميّزات سورة النور من سياق الآية.
3- يعطي تعريفًا للفطرة، مبيّنًا أهمّيّة المحافظة على نقاء الفطرة في السير التكامليّ للإنسان.
 
 
 
 
 
17

4

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 تمهيد

ما هي مميّزات الآية الأولى من سورة النور؟ وما هي أبرز النقاط والمفاهيم التي تضمّنتها؟ وكيف تترابط مع الآيات الّتي تلتها في سياق السورة؟
قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿سُورَةٌ﴾: سور: أصلٌ واحدٌ يدلّ على علوّ ارتفاع2، هي مشتقّة من "سور"، وهو الجدار المرتفع الّذي يحيط بالبيوت أو المدن لحمايتها.

- ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾: نزل: كلمةٌ صحيحةٌ تدلّ على هبوط شيء ووقوعه3.

- ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: "الفَرْضُ: قطع الشيء الصّلب والتأثير فيه، والفَرْضُ كالإيجاب، لكنّ الإيجاب يقال اعتبارًا بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾، أي: أوجبنا العمل بها عليك"4.
 
 

1- سورة النور، الآية 1.
2- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، قم، 1404هـ.ق، لا.ط، ج3، ص150.
3- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص417.
4- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، بيروت، الدار الشامية، دمشق، 1412هـ.، ط1، ص630.
 
 
 
 
19

5

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 - ﴿آيَاتٍ﴾: مادّة أوى - يأوي بمعنى التوجّه والقصد إلى مقامٍ ليستريح فيه، فهي كلّ ما يكون موردًا للقصد والتوجّه للوصول إلى اللَّه تعالى ومعرفته1.


- ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: المعنى الحقيقيّ فيها هو الانكشاف والوضوح بعد الإبهام والإجمال، بواسطة التفريق والفصل.

- ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: التذكّر في قبال الغفلة والنسيان، وهذا المعنى أعمّ من التذكّر بالقلب أو باللسان2.

2- المعنى التفصيلي:
- ﴿سُورَةٌ﴾:
تتفرّد سورة النور بين جميع سُوَر القرآن الكريم بأنّها تصف نفسها بوصف سورة. "وهذه المفردة لغويًّا من سور المدينة: حائطها المشتمل عليها، فسورة من القرآن هي جملة مستقلّة مرتبطة آيها ببعض، كمدينة من مدن العلم القرآنيّ، فإنّها مملكة ثقافيّة تربويّة تشتمل على مئة وأربع عشرة مدينة: من الحمد الفاتحة، إلى الناس الخاتمة"3. وقد ورد استخدام مفردة "سورة" في القرآن الكريم مرّات عدّة، وفي كلّ مرّة كانت تعبّر عن "طائفة من الكلام يجمعها غرضٌ واحدٌ سيقت لأجله"4. ويدلّ الاستخدام لهذه المفردة في مطلع سورة النور على أهمّيّة كلّ ما في السّورة من موضوعات، "وفيه إشارة إلى كون أحكام ومواضيع هذه السّورة - من اعتقادات وأوامر إلهيّة وآداب - ذات أهمّيّة فائقة، لأنّها كلّها من الله، تؤكّد ذلك عبارة ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾"5.
 

1- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 1410هـ.، ط 1،ج1، ص 187.
2- م.ن، ج3، ص317.
3- الشيخ محمد الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، انتشارات فرهنگ إسلامى، إيران - طهران، 1406هـ.ق، ط2، ج21، ص10.
4- الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1417هـ، ط5، ج15، ص78 بتصرف -.
5- الشيخ الشيرازي، الأمثل ، ج11، ص11.
 
 
 
20

6

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 نفهم من هذا التعبير أنّ سورة النور تمثّل وحدة موضوعيّة، تتّحدّ حول هدف واحد، تدور حوله جميع موضوعات السورة. فهي كلٌّ متكاملٌ لا يمكن الأخذ ببعضه وترك بعضه الآخر، بل لا بدّ من الأخد بجميع الأوامر والنواهي الواردة فيه كي يتحقّق الهدف من السورة.


- ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾:
السورة الوحيدة في القرآن الكريم الّتي تبدأ بمثل هذه الآية ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ هي سورة النّور، والأصل في الإنزال "هو انحدار شيء من علوّ إلى سفل، وهو في المرتبة العليا، مادّيًّا كان أو معنويًّا. النظر في النزول يتوجّه إلى جهة ابتداء النزول (من أين؟)، فيلاحظ في الإنزال جهة صدور الفعل، وهو النزول من الفاعل في جهة انتسابه إلى الفاعل"1. وفي هذا الفهم لمعنى النزول، نستنتج أنّ في هذا الاستخدام لمفردة ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ إشارة إلى المصدر وهو الله. وما يؤكّد هذا الفهم هو التقارب بين مطلع سورة النور ومطلع سورة إبراهيم، حيث تبدأ بآية ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ﴾2، وهي الّتي تشير إلى القرآن كلّه. أمّا في سورة النور فتشير الآية إلى هذه السورة بمفردها، فيتّضح أنّ هناك اهتمامًا خاصًّا بمضمون هذه السورة الّتي من خلال تطبيق أحكامها وتوجيهاتها نستطيع الوصول إلى تحقيق هدف القرآن الكريم، والّذي أشارت إليه سورة إبراهيم. هذا الهدف يتمثّل في إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، بأمر من اللَّه تعالى. فسورة النور هي خطوة أساسيّة وإلزاميّة لتحقيق رسالة القرآن عبر تحقيق مجتمع النور، بما حوته من بيان لمقوّمات المسيرة التكامليّة النورانيّة لكلٍّ من المجتمع والأسرة والفرد، كما سيتّضح في سياق الدروس القادمة.

- ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾:
نشير بدايةً إلى نقطتيْن:
- الأوامر الإلهيّة على مستويات: بعضها واجب، وبعضها مستحبّ، وبعضها مباح، وبعضها مكروه.

- الفرض: إيجاب العمل بالأحكام. وفي اللّغة هو: التقدير، والفرق بينه وبين الواجب
 
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مادة نزل بتصـرّف-.
2- سورة إبراهيم، الآية 1.
 
 
 
21

7

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 أنّ الفرض واجبٌ بجعل جاعل فرضه على صاحبه، كما أنّه أوجبه عليه. والواجب قد يكون واجبًا من غير جعل جاعل، كوجوب شكر المنعم، فجرى مجرى دلالة الفعل على الفاعل في أنّه يدلّ من غير جعل جاعل، كما تجعل العلامة الوضعيّة، إلّا أنّ اللَّه تعالى لا يوجب على العبد إلّا ما له صفة الوجوب في نفسه، كما لا يُرغب إلّا فيما هو مرغوب في نفسه"1.


المعنى: إنّ هذه سورة أنزلناها وأوجبنا العمل بما فيها من أحكام. فالعمل بالحكم الإيجابيّ هو الإتيان به، وبالحكم التحريميّ الانتهاء عنه، "فهذه السورة كلّها مفروضة: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾".

تؤكّد هذه البداية للسورة - ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ - أنّ القضايا المطروحة هي قضايا في غاية الأهمّيّة، أي بخلاف ما يَتصوّر عموم الناس في وقتنا الحاضر، من خلال توجهّهم صوب تسهيل العلاقات وتبسيطها، سواءٌ منها الاجتماعيّة، أو الجنسيّة أو غيرها من العلاقات، والاستخفاف بها. ويسمّون ذلك اعتباطًا باسم "الحريّة"، وأنّ كلّ ما عرضه القرآن من أساليب لصيانة العفاف وصيانة الأسرة عبر آداب البيوت، وما صرّح به من عقوبات للتهتّك، وما بيّنه من جزاء على تلويث سمعة النساء العفيفات، واتهامهنّ كذبًا بالتحلّل، وما جاء فيه من ترغيب بالزواج، إضافةً إلى آيات القسم الثاني من السورة الّتي عملت على إصلاح الباطن وجعله نورانيًّا، وكذا الآيات الّتي تضمّنت بيان الآداب مع القائد وشروط طاعته...، فإنّ كلّ أمرٍ في السورة يقتضي الوجوب. فهذه السورة الكريمة هي أمور فرضناها، بمعنى أوجبنا تطبيق أحكامها حتّى يحفظوا استمرار المجتمع، وإنّ التهاون في هذه التعاليم المباركة سيؤدّي إلى تفكّك المجتمع وانهيار أسسه، وبذلك يتضاءل النور من هذا المجتمع، وعندها لا يتحقّق الوعد بحلول حكومة النور الإلهيّ الموعودة.

- ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾:
تعدّدت تفسيرات العلماء لهذه الآية، فبعضهم رأى "أنّ المراد بالآيات البيّنات - بشهادة السياق - آية النور وما يتلوها من الآيات المبيّنة لحقيقة الإيمان والكفر والتوحيد والشرك المذكّر لهذه المعارف الإلهيّة"2. وفرّق بعض المفسّرين بين ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ و﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: "إنّ عبارة ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾‏ قد تكون إشارة إلى الحقائق المنبعثة عن التوحيد والمبدأ والمعاد والنبوّة، والّتي تناولتها هذه السورة وهي إزاء "فرضنا" الّتي تشير إلى الأوامر الإلهيّة والأحكام الشرعيّة الّتي بيّنتها هذه السّورة. بعبارة أخرى، إحداها
 

1- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، مكتب الإعلام الإسلامي، إيران - قم، 1409هـ، ط1، ج7، ص404.
2- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم، ج15، ص78.
 
 
 
 
22

8

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 تشير إلى الاعتقادات، والأخرى إلى الأحكام الشرعيّة. ويحتمل أن تعني "الآيات البيّنات" الأدلّة الّتي استندت إليها هذه الأحكام الشرعيّة"1.


- ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
- معنى التذكّر: يُعدّ التذكّر إحدى العمليّات العقليّة الّتي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وهو عمليّة لجلب معرفة قديمة، ذُهل عنها أو غشيتها الغفلة والنسيان. وكما أنّ القرآن دعا إلى التذكّر، فقد أكّد إعمال العقل فيه، ويتّضح ذلك جليًّا من خلال الآيات الّتي تحدّثت عن التذكّر، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ2.

إنّ الاستناد إلى المعنى اللّغويّ مقرونًا بما تبيّن لنا من خلال معنى الإنزال، مضافًا إلى قرينة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾, يقودنا إلى نتيجة مفادها: أنّ الآيات البيّنات الّتي تضمّنتها السورة هي الآيات الّتي تتناسب مع ما هو مغروس في الفطرة، أي الّتي لها وجود قبليّ سابق على إنزالها، وهو وجود مجمل. فهي بذلك آيات مُنكشَفة مُستخرَجة من الفطرة الّتي غرسها الله تعالى في النفوس البشريّة، وهذه الآيات تنطبق على جميع آيات السورة المباركة، ولا تقتصر على آيات التشريع والأحكام، أو آية النور وما بعدها فقط، لأنّ الله تعالى لم يشرّع ما ينافي الفطرة الّتي فطر الناس عليها.

3- المعنى الإجمالي:
تشير الآية إلى أنّ السورة ذات أهمّيّة محوريّة لارتباطها المباشر والوثيق بهدف القرآن الكريم، المتمثّل بإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وتلفت إلى وجوب الإتيان بجميع ما جاء في السورة، من أوامر وترك النواهي الّتي نهت عنها. وتعقّب بالإشارة إلى أنّ للسورة وما ورد فيها من آيات جذورًا فطريّة، وقد كشفت آيات السورة عنها بشكل تشريعيّ، وبالتّالي ينبغي إعمال العقل من أجل تحقيق التذكرة والاستفادة من نورانيّة هذه الآيات.
 
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج 11، ص11.
2- سورة الزمر، الآية 9.
 
 
 
 
23

9

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 لعلّكم تذكَّرون

نور الفطرة
خلق الله الإنسان على فطرة سليمة تتّجه إلى بارئها وتلجأ إليه. فقد جُبِلَت النفـوس على معرفة خالقهـا تعـالى، وقد أكّدت الرواية أنّ كلَّ مولود في هذا الوجود يولد على الفطرة. ولذلك يخاطب الله تعالى الإنسان ويذكِّره بهذه الفطرة، ليوقظ إحساسه بالأمور الإيمانيّة والعقيديّة، وأهمّها: توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وما يتفرّع عن ذلك من قضايا الاعتقاد، وليزيل عن هذه الفطرة ما قد يغشاها أو يَحرِفها عن طريقها السويّ من عادات وتقاليد، وأوهام وخرافات، أو من غواية وشهوات، ومصالح مادّيّة تهبط بالإنسان، وتنحرف به عن الصراط المستقيم.

1- معنى الفطرة:
"فطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشّحة لفعل من الأفعال، فقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا1, إشارة منه تعالى إلى ما فطر، أي أبدع وركّز في الناس من معرفة الله، وفطرة الله هي ما ركّز من قوّته في الخلق على معرفة الإيمان"2.

ويرى الإمام الخميني قدس سره "أنّ المقصود من ِ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هو الحال والكيفيّة اللّتان خُلق عليهما الناس، ويتّصفون بهما، بحيث تُعدّان من لوازم وجودهم، ولذلك تخمّرت طينتهم بهما في أصل الخلق. والفطرة الإلهيّة من الألطاف الّتي خصّ الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ أنّ الموجودات الأخرى غير الإنسان، إمّا أنّها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة، وإمّا أنّ لها حظًّا ضئيلًا منها"3.

ويوضح العلّامة الطباطبائي بـ "أنّ الإنسان - بحسب خلقته على نور الفطرة - هو نور إجماليّ يقبل التفصيل. وأمّا بالنسبة إلى المعارف الحقّة والأعمال الصالحة تفصيلًا، فهو في
 

1- سورة الروم، الآية 30.
2- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص382.
3- لجنة التأليف في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، التوحيد والفطرة في كلام الإمام الخميني، نشر دار المعارف الإسلامية الثقافية، لبنان - بيروت، 1432هـ - 2011م، لا.ط، ص9.
 
 
 
24

 


10

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 ظلمة بعد لعدم تبيّن أمره. والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا يُمتنَعاجتماعهما. والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف والطاعات تفصيلًا، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والمعاصي التفصيليّة"1، فالفطرة حالة استعداد لا تعني الإجبار وسلب الاختيار.


2- فطرة الناس على التوحيد:
فطر الله تعالى الناس على فطرة التوحيد. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِه الْمُتَوَسِّلُونَ - إِلَى اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى - الإيمان بِه وبِرَسُولِه، والْجِهَادُ فِي سَبِيلِه، فَإِنَّه ذِرْوَةُ الإِسْلَامِ، وكَلِمَةُ الإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ"2.

3- التعاليم الدينيّة أُمور فطريّة:
"قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾3.

ففي هذه الآية، لم تُجعل مسألة "معرفة الله والإيمان به" فقط أمرًا فطريًّا، بل وصف الدين بأُصوله، والّتي تعني تلك الأُصول والكليّات الّتي تؤلّف أساس الدين الإلهيّ لكونه فطريًّا جبليًّا4.

ويشهد الواقع على ذلك، إذ نرى أنّ كلّ التعاليم الّتي جاء بها الدّين، من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطريّة، سواء بسواء"5.

فقد جعل الإسلام الفطرة معيارًا للتشريع، فكلّ عملٍ يتجاوب وينساق مع الفطرة فقد
 

1- العلّامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص346.
2- السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام جمعه الشريف الرضي، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، 1414هـ.، ط 1، ص110، ومن خطبة له عليه السلام في أركان الدين الإسلام، ص163.
3- سورة الروم، الآية 30.
4- الاستدلال بالآية في المقام موقوف على كون الدين بمعنى مجموع العقيدة والشريعة لا بمعنى الطاعة كما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة البينة، الاية 5) أي مخلصين له الطاعة. فإنّ الدين في تلك الآية وأمثالها بمعنى الطاعة. فلو قلنا بكون الدين في هذه الآية بمعنى الطاعة، لصارت من شواهد التوحيد في الطاعة. غير أنّ مشاهير المفسّرين قد فسّروا الدين في الآية المبحوثة هنا بمجموع العقيدة والشريعة، وجعلوا العقائد الإسلاميّة وأُصول الشريعة وكلّيّاتها لا جزئياتها وتفاصيلها- من الأُمور الفطرية.
5- الشيخ جعفر السبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص41.
 
 
 
25

11

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 أحلّه، وما هو على موضع الضدّ منها فقد حرّمه. وقد ندب إلى الروابط العائليّة وتنسيق الروابط الاجتماعيّة كرابطة الولد بوالديه، والأخ بأخيه، والإنسان المؤمن بمثله، كما قد حذّر عمّـا ينافي خلقه وإدراكه العقليّ، كتحريمه الخمر والميسر والسفاح، لما فيها من إفساد للعقل الفطريّ والنسل والحرث. فالأحكام الثابتة في التشريع القرآنيّ تشريعٌ وفق الفطرة"1.


رسالة الآية
التزموا بتنفيذ جميع ما ورد في هذه السورة المباركة من أوامر ونواهي، فهي وحدة متماسكة، وما سيرد فيها من معارف ذات أصول راسخة في الفطرة الإنسانيّة، تحتاج إلى التذكّر لرفع الحجب الملوّثة لفطرة الإنسان وإرجاعه إلى فطرته الأصيلة.

4- العوامل المؤثّرة في الفطرة:
عن أبي عبد الله عليه السلام، يقول: "ما من مولود ولد إلّا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه"2. ففي هذا الحديث بيان لدور التربية الوالديّة وأثرها في الفطرة، وفي خروج الطفل من النّور إلى الظّلمات فيما لو كانت التربية الّتي يتربّى عليها تربية تتّصف بالظلمانيّة. والعوامل المؤثّرة في الفطرة عديدة، منها:
أ- الوالدان.
ب- الأسرة.
ت- المجتمع.
ث-المدرسة.
ج- جماعات الأصدقاء.
ح- الإعلام، ... وغيرها.
 

1- راجع: الشيخ جعفر السبحاني، مقال بعنوان: واقع التشريع الإسلامي معالمه وملامحه، imamsadeqcom.
2- الشيخ الصدوق، علل الشرائع، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، العراق - النجف الأشرف، 1385هـ.ق - 1966م، لا.ط،ج2، ص376.
 
 
 
26

12

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 فإن اتّصف ما تقدّمه هذه الوسائط بالنورانيّة، أثّر في الفطرة إيجابًا، وساهم في تنميتها، وبالتّالي صارت هذه الوسائط عوامل مساعدة في الخروج من الظلمات إلى النور، وهذا هو هدف القرآن الكريم الّذي تشكِّل سورة النّور محورًا أساسيًّا في تحقيقه كما سبق وأسلفنا. وإن اتّصف ما تقدّمه هذه الوسائط بالظلمانيّة، فإنّ آثاره ستكون سلبيّة، بحيث تتلوّث الفطرة، وتصبح هذه الوسائط عوامل مساعدة في الخروج من النور إلى الظلمات، بخلاف هدف القرآن الكريم.

 

 

 

27


13

الدرس الأول: الآية الأولى: نور الفطرة

 المفاهيم الرئيسة


1- تتفرّد سورة النور بين جميع سور القرآن الكريم بآية المطلع الّتي تصف فيها نفسها بأنّها "سورة".
2- تدلّ آية المطلع من السورة على أنّ السورة تمثّل وحدة موضوعيّة تتمحور حول هدف واحد، تدور حوله جميع موضوعاتها.
3- تُعتبر سورة النور خطوة أساسيّة وإلزاميّة لتحقيق رسالة القرآن عبر تحقيق مجتمع النّور، بما حوته من بيان لمقوّمات المسيرة التكامليّة النورانيّة، لكلٍّ من المجتمع والأسرة والفرد.
4- الآيات البيّنات الّتي تضمنتها السّورة هي الآيات الّتي تتناسب مع ما هو مغروس في الفطرة، أي الّتي لها وجود قبليّ سابق على إنزالها، وهو وجود مجمل.
5- المقصود من ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هو الحال والكيفيّة الّلتان خُلق عليهما الناس ويتّصفون بهما، بحيث تعدّان من لوازم وجودهم.
6- الفطرة حالة استعداد لا تعني الإجبار وسلب الاختيار.
7- فطر الله تعالى الناس على فطرة التوحيد.
8- كلّ التعاليم الّتي جاء بها الدين من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطريّة، سواء بسواء.
 
 
 
 
 
28

14

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 الدرس الثاني

 

الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن الأحكام الواردة في الآيات 2- 3 من سورة النور.
2- يعلّل سبب تقديم الزانية على الزاني في الآية.
3- يحدّد شرائط ثبوت الزنا وشروط ثبوت الحدّ.
4- يعدّد الفوائد المترتّبة على إقامة الحدّ.
 
 
 
 
 
29
 

15

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 تمهيد

لطالما كان الشذوذ السلوكيّ بمستوياته كافّة مرفوضًا وغيرَ مقبول في جميع المجتمعات الإنسانيّة منذ بدء الخليقة، وذلك لمعرفة تلك المجتمعات بأنّ هذا الخطر يؤثّر على صحّة المجتمع والأفراد فيه، لذلك خرجت تلك المجتمعات بعلاج العزل والنفي والإبعاد بصفته سبيلًا وطريقة لمحاصرة هذا الشذوذ، وإبعاده عن بقيّة المجتمع الصحيّ.

فما هي الإجراءات الّتي تبدأ بها السورة من أجل الحفاظ على طهارة الفرد والأسرة والمجتمع؟ وما هي فوائد إقامة الحدّ على جريمة الزنا؟

نصّ الآيتان
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾: هو المقاربة من امرأة بلا حقّ مشروع، ومن دون طريق معروف مصوّب2.
 

1- سورة النور، الآيتان 2 – 3.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص354.
 
 
31

16

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 - ﴿فَاجْلِدُوا﴾: جلد: أصل واحد يدلّ على قوّة وصلاب1.

- ﴿تَأْخُذْكُم﴾: التناول مع الحوز2.
- ﴿رَأْفَةٌ﴾: هي العطوفة واللّطف والرّحمة الخالصة الشديدة، بحيث لا تقبل وقوع ألم، ولا توجب كراهة ما، ولو كانت لمصلحة3.
- ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾: الشُّهُودُ والشَّهَادَةُ: الحضور مع المشاهدة4.
- ﴿عَذَابَهُمَا﴾: هو ما يلائم الطبع ويقتضيه الحال، كما في الماء العذب5.
- ﴿طَائِفَةٌ﴾: تطلق على جماعة مواجهة مشرفة قريبة6.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾
أ- لماذا ذكرت الزانية أوّلًا؟
تبدأ السورة في هذه الآية بمعالجة أشدّ الأعمال مخالفة للعفّة، وهو فعل الزنا الّذي يشكّل أخطر الجرائم المضرَّة في بنية المجتمع، حيث تُقرّر الآية وجوب الحدّ للزانية والزاني عبر جلدهما مئة جلدة، إلّا أنّ الملفت في الآية أنّها ابتدئت بتقديم ذكر الزانية (المؤنّث) على الزاني (المذكّر)، على عكس الآية التي شرّعت حدّ السّرقة، فتلك قدَّمت ذكر السارق (المذكّر) على السارقة (المؤنّث): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾7.

وقد ذُكرت مبرّرات عدّة لهذا التقديم في آراء العلماء، نذكر منها:
- يعود ذلك إلى أنّ دور النساء في إيجاد أرضيّة الزنا والإعداد للروابط غير الشرعيّة أكثر وأشدّ من دور الرجال.

- لأنّ الآية مسوّقة لعقوبتهما على جنايتهما، والمرأة منها منشأ الجناية، وهي الأصل
 

1- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة، ج1، 471.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص42.
3- المصدر نفسه، ج4، ص7.
4- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص465.
5- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج8، ص68.
6- المصدر نفسه، ج7، ص144.
7- سورة المائدة، الآية 38.
 
 
 
32

17

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 والمادّة في ذلك1، ثمّ قدّم الزاني عليها في الآية التالية2، لأنّ الآية مسوّقة لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه والمخاطب، ومنه مبدأ الطلب3.


- لأنّ ممارسة هذا العمل الّذي يخالف العفّة، في غايةِ القبح، ويزدادُ قُبحًا وبشاعةً بالنسبة إلى المرأةِ. فحياؤها أكثر من حياء الرجل، والخروج عليه دليل تمرّد شديد جدًّا، وإضافة إلى أنّ عاقبته المشؤومةَ بالنسبةِ لها أكبر رغم فداحتِهِ وَوَبالِه على الطرفيْن كليْهما4.

استنادًا لما تقدّم، فقد خصَّت السورة المرأة بالخطاب قبل الرجل، إشارة إلى عنصر الإغراء الكامن في الأنثى، وإشارة إلى أنّ صلاح المجتمع وخلوّه من هذه الفواحش مرتبطان بصلاح المرأة، وقد جعلت الآية الرجل شريكًا في المسؤوليّة بدلالة تساويهما في الحدّ.

ب- نسخ حكم الحبس:
العقوبة الّتي تذكرها الآية هي الجلد، 100 جلدة لكلّ من الزانية والزاني. وقد حدّد القرآن الكريم في سورة النساء نوعًا آخر من العقوبة وهي الحبس، حيث تقول الآية: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾5. وقد جعل لهنّ سبيلًا هنا في سورة النور نهائيًّا، بعد جعل السبيل لهنّ في النساء مؤقّتًا بدائيًّا، ممّا يدلّ على تقدّم النساء على النور، وأنّ حكم الزناة تدريجيٌّ تصاعديٌّ كما في طبيعة الحال في جملة من الأحكام، ومنها الأحكام الّتي فيها صعوبات، ولا بدّ لتحمّلها من تدرّجات وتدريب، كالحدّ في شرب الخمر وأمثاله، وكالفرض في الصلاة وأمثالها6. فحكم الجلد المذكور في الآية الكريمة من سورة النور ينسخ الحكم الأوّل الوارد في سورة النساء.
 

1- توضيح: المقصود بأنّها هي الأصل والمادّة في الزنا هو أنّه كي يصدق على العلاقة الناشئة بينهما أنّها زنا يجب أن تكون المرأة موافقة على ذلك الفعل، وإن لم تكن موافقة سمّي ذلك اغتصابًا وحكمه مختلف، هذا إضافة إلى كونها مادّة الإغراء.
2- الآية التالية التي تقدّم الزاني على الزانية فيها، هي: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ (سورة النور، الاية 3).
3- الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، تفسير جوامع الجامع، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1418هـ.ق، ط 1،ج2، ص606.
4- الشيخ الشيرازي، الأمثل في تفسير المنزل كتاب الله، ج11، ص15- 16.
5- سورة النساء، الآية 15.
6- الشيخ محمد الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ج21، ص 12.
 
 
 
 
33

18

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 وفي الرواية: عن أبي جعفر عليه السلام، في حديث طويل يقول فيه: "وسُورَةُ النُّورِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْه فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾، والسَّبِيلُ الَّذِي قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾"1. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ج- عدم الرأفة في إقامة الحكم:
تنهى الآية عن التهاون في إقامة حكم الله تعالى، عبر النّهي عن الرأفة الّتي هي حالة إنسانيّة طبيعيّة من التعاطف إزاء هكذا مواقف.

فالنهي عن الرأفة في الآية من قبيل النهي عن المسبّب بالنهي عن سببه، إذ الرأفة بمن يستحقّ نوعًا من العذاب توجب التساهل في إذاقته ما يستحقّه من العذاب بالتخفيف فيه، وربما أدّى إلى تركه. ولذا قيّده بقوله تعالى: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾، أي حال كون الرأفة، أي المساهلة من جهتها في دين الله وشريعته2.

وعليه، فلا يجوز نقصان الحدّ أو زيادته. عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتى بوالٍ نقص من الحدّ سوطًا، فيقال له: لمَ فعلت ذلك؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم منّي؟! فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطًا، فيقال له: لمَ فعلت ذلك؟ فيقول: لينتهوا عن معاصيك! (فيقول: أنت أحكم به منّي؟!)3 فيؤمر به إلى النّار"4.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص33.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص79.
3- هذه الزيادة لم نعثر عليها في المصدر وإنما نقلناها عن فخر الدين الرازي مفاتيح الغيب تفسير الرازي، لا.ن، لا.م، لا.ت، ط3، ج23، ص148.
4- الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408هـ.ق، ط1، ج18.
 
 
 
34

19

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 والملاحظ أنّ الآية تضع الإيمان باللّه ويوم الحساب مقابل الرأفة الّتي قد يحسّ بها أحدٌ تجاه الزاني والزانية ساعة إقامة الحدّ عليهما، لأنّ أداء الأحكام الإلهيّة من غير تأثّر بالعواطف دليلٌ على صدق الإيمان بالمبدأ والمعاد، والإيمان باللّه العالم الحكيم يعني أنّ لكلّ حكم من أحكامه غايةً وهدفًا حكيمًا، والإيمان بالمعاد يُشعر الإنسان بالمسؤوليّة إزاء كلّ مخالفة1.


قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
تُحدّد الآية هنا شرطًا من شروط تنفيذ الحدّ، وهو وجوب حضور مجموعة من المؤمنين، وذلك يعني أنّ إقامة الحدّ لا بدّ أن تكون علنيّة لا سرّيّة، ولعلّ ذلك يعود إلى أمور عدّة:
1- تحقيق الموعظة لدى الناس بما يرون من إقامة حكم اللّه العادل على المذنبين، وبالتّالي تشكيل رادع نفسيّ لدى الآخرين تجاه هذا الجرم الكبير.

2- التطهير التامّ للمذنب، حيث يكون العقاب علنًا مثلما كان الذنب علنًا، فلكي يقام الحدّ لا بدّ أن يثبت الجرم بالأدلّة الشرعيّة (أربعة شهود يشهدون على وقوع الزنا بكامل شروط تحقّقه شرعًا). وعليه، لا بدّ من تنفيذ العقاب بشكل يبطل آثار الذنب السيّئة ويبعث على استفظاعه وبشاعته.

3- إعلان إقامة حكم الله تعالى عبر تنفيذ الحدود، ما يمنع من تكرار التحدّي للحدود الشرعيّة الّذي يفقدها فاعليّتها في صيانة الطمأنينة والاستقرار في النفوس. ومن هنا، وجبت إقامة هذا الحدّ علنًا ليمتنع الناس من تكرار فاحشة ساءت سبيلاً.

4- منع المفسدين من الاستمرار في الفساد، فيكون الحدّ بمثابة كابحٍ قويّ أمام التمادي في ركوب الشهوات2.
قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا
 

1- آىة الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل، ج11، ص13.
2- م.ن، ج11، ص13.
 
 
 
35

20

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قَالَ: "هُنَّ نِسَاءٌ مَشْهُورَاتٌ بِالزِّنَا ورِجَالٌ مَشْهُورُونَ بِالزِّنَا شُهِرُوا وعُرِفُوا بِه، والنَّاسُ الْيَوْمَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ، فَمَنْ أُقِيمَ عَلَيْه حَدُّ الزِّنَا أَوْ مُتَّهَمٌ بِالزِّنَا لَمْ يَنْبَغِ لأَحَدٍ أَنْ يُنَاكِحَه حَتَّى يَعْرِفَ مِنْه التَّوْبَةَ"1.


ما المراد بالنكاح في الآية؟
ذكر العلماء وجوهًا عدّة في فهم معنى النكاح في هذه الآية، وفيما يلي نورد بعضًا من آرائهم:
1- المراد بالنكاح العقد، ونزلت الآية على سبب، وهو: أنّ رجلًا من المسلمين استأذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أن يتزوّج أم مهزول، وهي امرأة كانت تسافح، ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية2.

2- ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾، أي لا يرغب إلَّا في نكاح الزانية، وفي ذلك دلالة على استحباب اختيار العفيفة وكراهة اختيار غيرها، وكذلك قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾3 وهو خبر في معنى الأمر4.

3- المراد بالنكاح ليس هو العقد قطعًا لعدم جوازه بين المسلمة والمشرك، أو المسلم والمشركة، بل المراد نفس الوطء، فتشير الآية المباركة إلى ما هو متعارف خارجًا بمقتضى قانون السنخيّة من أنّ الزاني لا يجد من يزني بها إلَّا زانية مثله أو مشركة، فإنّ الطيور على أمثالها تقع، والجنس إلى الجنس يميل، وإلَّا فالمؤمنة لا تطاوعه على ذلك أبدًا، وكذا الحال في الزانية، ثمّ قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾, فخصّ سبحانه حرمة الزنا بالمؤمن دون الكافر5.
 
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص354.
2- الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1415هـ.ق - 1995م، ط 1، ج7، ص220.
3- سورة النور، الآية 26.
4- المقداد السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، علق عليه المحقق الشيخ محمد باقر شريف زاده- وأشرف على تصحيحه واخراج أحاديثه محمد باقر البهبودي، المكتبة الرضوية، إيران - طهران، 1384هـ.ق - 1343 ش، لا.ط،ج2، ص228.
5- تقرير بحث السيد الخوئي للبروجردي، شرح العروة الوثقى - الزكاة موسوعة الإمام الخوئي-، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1426هـ.ق - 2005م، ط 2، ج23، ص120.
 
 
 
36

 


21

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 وفي شرح أصول الكافي للمولى محمّد صالح المازندراني: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلم يسمِّ الله الزاني مؤمنًا ولا الزانية مؤمنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص"1.


فمسألة جواز نكاح الزانية وحرمته لم يتّفق عليها الفقهاء، ولكلٍّ بحثه وأدلّته على ما توصّل إليه من رأي حول هذه المسألة، إلّا أنّ قراءة الآية ضمن سياق السورة وربطها بأهداف السورة، وخصوصًا هدفها في مجال تحقيق العفاف في المجتمع، مقرونًا بما أكّدته الروايات من قواعد في مجال اختيار الزوجة والزوج، يوصلنا إلى أنّ الآية من حيث الهدف التربويّ- الاجتماعيّ المتحقّق منها تندرج في سياق الحفاظ على مجتمع طاهر نقيّ مؤهّل لتلقّي الأنوار الربّانيّة.

ولقد أسّست الروايات في مجال اختيار الزوجة قاعدة اختيار الطاهرة العفيفة، حيث جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه سئل عن المرأة الخبيثة الفاجرة يتزوّجها الرجل؟ قال: "لا ينبغي ذلك، وأهل الستر والعفاف خيرٌ له، وإن كانت أمّة وطأها إن شاء ولم يتّخذها أمّ ولد، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تخيّروا لنطفكم"2.

3- المعنى الإجمالي:
توجب الآيات إقامة الحدّ الشرعيّ على كلّ من الزانية والزاني على السواء، على أنّ الحدّ الّذي تقرّره هو: مئة جلدة (100) (وهو حدّ الزاني الحرّ البالغ غير المحصن). وتلفت إلى أنّ هذا الحدّ لا يجب أن يدخل فيه الرأي الشخصيّ لمقيمي الحدّ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾, رابطةً إقامة الحدّ كما شرّعه الله تعالى - دون الاجتهاد الشخصيّ
 

1- المازندراني، المولى محمد صالح، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1421هـ.ق - 2000م، ط 1، ج8، ص90.
2- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج14، ص389.
 
 
 
37

22

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 في مقابل النصّ الإلهيّ - بالإيمان: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾, ذلك أنّ الحدّ قد حدّده الله تعالى والله عليمٌ حكيم. كما تشير الآية إلى شرط من شرائط إقامة الحدّ وهو ضرورة أن يشهد مجموعة من المؤمنين إقامة الحدّ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾, كما تؤسّس الآيات قاعدة رئيسيّة في موضوع الزواج، وهي النهي عن زواج العفيف من الزانية، وزواج العفيفة من الزاني. فالعفّة والزنا لا يجتمعان.


لعلّكم تذكَّرون
حدّ الزنا تطهيرٌ للفرد والأسرة والمجتمع
تبدأ سورة النور في هذه الآيات بأولى خطوات تحقيق هدفها في مجال بناء العفاف، حيث ترسم حدود الأسرة الفاضلة عبر البدء ببيان حدّ الزنا الّذي يعدّ الأخطر على بنيان الأسرة، والموجب لتفكيك البنية الاجتماعيّة ككلّ. "فعلى الرغم من أنّ بناء الأسرة يبدأ عمليًّا بالزواج، إلّا أنّ القرآن لا يبدأ بذكره، بل يذكر عقوبة الزنا أوّلًا، والسبب أنّه من دون قانون يحصّن الأسرة ويحفظها من الانحراف والاعتداء، تسقط كلّ القوانين الأخرى، فما فائدة الحصن الّذي لا يحميه جدارٌ رفيع؟ وما هي فائدة الزواج في البلاد الغربيّة، والّتي يجد فيها قطبا الأسرة الطريق مفتوحًا لإشباع الغريزة الجنسيّة خارج البيت؟ إذًا، تبدأ الأسرة في الواقع عندما تعطى لها حصانة، بفرض العقوبة على من يخترقها"1.

1- كيف يثبت حدّ الزنا؟
يُشترط في ثبوت الحدّ على كلٍّ من الزاني والزانية البلوغ، والعقل، والعلم بالتحريم حال وقوع الفعل منه اجتهادًا أو تقليدًا، والاختيار2.

إضافة إلى أنّ الزنا كفعل يثبت بأربعة شهود، أو بالإقرار أربع مرات بشروطهما، سواءٌ أكان الحدّ جلدًا أم رجمًا، فلا يقام الحدّ لمجرّد الاتّهام بالزنا أو لمجرّد الشكّ في وقوعه، بل
 

1- المدرّسي، السيد محمد تقي، من هدى القرآن، دار محبي الحسين، إيران - طهران، 1419هـ.ق، ط1، ج8، ص258.
2- الامام الخميني، السيد روح الله الموسوي، تحرير الوسيلة، دار الكتب العلمية، العراق - النجف، 1390هـ.ق، ط2، ج2، ص456.
 
 
 
38

 


23

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 ينبغي التثبّت إن لم يكن هناك إقرارٌ من المرتكب لهذه الفاحشة، وذلك عبر أربعة شهود يشهدون على ذلك. ومن النصوص الّتي تبيّن أحكام الشهادة على الزنا: عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليه السلام: "لَا يُرْجَمُ الرَّجُلُ والْمَرْأَةُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عَلَى الْجِمَاعِ والإِيلَاجِ والإِدْخَالِ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ"1.


2- اختلاف الحدود حسب اختلاف الحالات:
يختلف حدّ الزنا باختلاف الحالات، وما ذكرته الآية حكمًا عامًّا، وهو الجلد لغير المحصن والمحصنة، تستثنى منه حالات ذكرت في كتب الفقه على أنّ التفاصيل تُراجَع في الرسائل العمليّة للمراجع العظام2.

رسالة الآيات
طهّروا المجتمع من رذيلة الزّنا المانعة من حلول النّور الإلهيّ عبر إقامة الحدّ العلنيّ على الزانية والزاني على حدّ سواء، لأنّهما مشتركان في فعل مخلٍّ ببنية النظام الاجتماعيّ الّذي شرّعه الله تعالى. وحافظوا على طهارة نسلكم بترك اختيار الزناة للزواج، فالإيمان والزنا لا يجتمعان.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج7، ص184.
2- ينظر: الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، أقسام حد الزاني، ج2، ص 462 – 464.
 
 
 
39

24

الدرس الثاني: الآيتان 2-3: تطهير المجتمع من موانع النور(1): حدّ الزنا

 المفاهيم الرئيسة


1- تبدأ السّورة في هذه الآية بمعالجة أشدّ الأعمال مخالفة للعفّة، وهو فعل الزنا الّذي يشكّل أخطر الجرائم المضرَّة في بنية المجتمع.

2- تقرّر الآية وجوب الحدّ للزانية والزاني عبر جلدهما مئة جلدة.

3- خصّت السورة المرأة في الخطاب قبل الرجل، وفي ذلك إشارةً إلى عنصر الإغراء الكامن في الأنثى، وإشارةً إلى أنّ صلاح المجتمع وخلوّه من هذه الفواحش مرتبط بصلاح المرأة.

4- حكم الجلد المذكور في الآية الكريمة من سورة النور ينسخ حكم الحبس الوارد في سورة النساء.

5- تنهى الآية عن التهاون في إقامة حكم الله تعالى عبر النهي عن الرأفة، وتضع الآية الإيمان باللّه ويوم الحساب مقابل الرأفة الّتي قد يشعر بها أحدٌ تجاه الزاني والزانية ساعة إقامة الحدّ عليهما.

6- تنهى الآية عن الزواج من الزناة، إلّا أنّ الفقهاء لم يتّفقوا على جواز أو حرمة المسألة، فلكلّ بحثه وأدلّته في هذا المجال.

7- يُشترط في ثبوت الحدّ على كلّ من الزّاني والزّانية البلوغ، والعقل، والعلم بالتحريم حال وقوع الفعل منه اجتهادًا أو تقليدًا، والاختيار.

8- يثبت الزنا بشهادة أربعة شهود، أو بالإقرار أربع مرّات بشروطهما، سواءٌ أكان الحدّ جلدًا أو رجمًا، فلا يقام الحدّ لمجرّد الاتّهام بالزّنا أو لمجرّد الشكّ في وقوعه.

9- يختلف حدّ الزّنا باختلاف الحالات، وما ذكرته الآية حكمًا عامًّا وهو الجلد لغير المحصن والمحصنة.

10- يترتّب على إقامة حدّ الزنا زجر عموم الأفراد عن الاقتداء بالجاني، ولذلك شرّعت الآيات علنيّة إقامة الحدّ والحفاظ على الأسس والضوابط الّتي شرّعها الله تعالى لإقامة العلاقة بين الرجل والمرأة (الزواج الشرعيّ).
 
 
 
 
40

25

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 الدرس الثالث

 

الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعطي تعريفًا لمفاهيم المحصنات، القذف واللعان.
2- يحدّد عقوبة القذف وشروط ثبوت الحدّ.
3- يبيّن كيفيّة تجلّي الرحمة الإلهيّة في التوبة وتشريع الحدود.
 
 
 
 
41
 

26

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 تمهيد

تتّخذ سورة النور إجراءات احترازيّة منعًا لتعرّض أحد أركان الأسرة (الزّوج أو الزّوجة) للتشويه والطعن، وذلك حفاظًا على أعراض وكرامة المؤمنين، وهذا أحد أهداف الشريعة الإسلاميّة. فما هي الأحكام الّتي تشرّعها الآيات؟ وما هي الآثار المترتّبة على هذه التشريعات في مجال تحصين الأسرة؟ وكيف تتجلّى مظاهر الفضل والرحمة الإلهيّة في الآيات؟

نصّ الآيات:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * ويدرؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿يَرْمُونَ﴾: رمى: رمى الشيء من يده: ألقاه، ورماه بقبيح: قذفه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾2.
 

1- سورة النور، الآيات 4 – 10.
2- الزبيدي، تاج العروس، ج19، ص475 – 476، رمى.
 
 
 
 
43

27

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 - ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: حصن: أصل واحد، وهو الحفظ والحياطة والحرز1. أحصنه أي حفظه وصانه، فهو محصن، وتلك محصنة أي محفوظة ومحدودة، إمّا من جانب العقل أو الشرع أو الوليّ أو الزوج، أو غيرها، وأكثر إطلاقها في الحرائر العفيفة، ثمّ في المتزوّجة المحفوظة2.


- ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الفسق: العصيان والترك لأمر الله عزّ وجلّ والخروج عن طريق الحقّ. والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: "قد فسقت الرطبة من قشرها"... ورجل فاسق: دائم الفسق3.

- ﴿أَصْلَحُوا﴾: الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيّئة4.

- ﴿يدرؤا﴾: الدرء هو الدفع مع شدّة بحيث يشعر بحصول الخلاف والخصومة5.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

جاءت هذه الآية لحفظ الحرمات الطاهرة وصيانة الكرامات من عبث المفسدين، ففرضت الحدّ على الّذين يرمون المحصنات بالزنا، ولم يأتوا بأربعة شهود عدول لإثبات دعواهم، فمن هم المحصنات؟ وما هي العقوبات المتضمّنة في الآية؟

أ- ما المقصود برمي المحصنات؟
ذكرت سورة النور موضوع رمي المحصنات مرّتين، الأولى في هذه الآية وجاءت لبيان الحدّ المترتّب على رميهنّ بالزّنا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء
 

1- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص69.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج2، ص236.
3- لسان العرب، ج10، ص308، مادّة فسق.
4- م.ن، ج6، ص266 (بتصرف).
5- م.ن، ج3، ص189.
 
 
 
44

28

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾, والثانية جاءت لبيان الأثر المترتّب على هذا الفعل في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾1,، ويراد به هنا رمي النساء العفائف المحفوظات، وقذفهنّ بالزنا، فيجلدون في الدنيا ويلعنون إذا لم يأتوا بأربعة شهداء على دعاويهم.


ب- ما المقصود بالإحصان؟
يطلق الإحصان في الفقه على مورديْن:
الأوّل: الإحصان في باب حدّ الزنا: وفُسِّر بأنّه الزواج مع التمكّن من إقامة العلاقة مع الزوج (ة) (إحصان زواج).

الثاني: الإحصان في باب القذف: وفُسِّر بأنّه اجتماع البلوغ، والعقل، والحريّة، والإسلام، والعفّة في شخص. فمن اجتمعت فيه هذه الخمسة صار محصنًا رجلًا كان أو امرأة (إحصان عفّة)، واستحقّ قاذفه الحدّ2.

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: سئل عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ فقال: "هنّ ذوات الأزواج"، قال السائل: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾3 قال: "هنّ العفائف"4.

وعليه، فرمي المحصنات هو توجيه الاتّهام بالزنا للنّساء العفيفات بهدف الطعن بعفّتهنّ وطهارتهنّ.

ج. الشهادة على الزّنا:
اشترطت الآية شهادة أربعة شهود على فعل الزنا، يشهدون عن حسّ ومشاهدة على
 

1- سورة النور، الآية 23.
2- الأنصاري، الشيخ محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة، مجمع الفكر الإسلامي، إيران - قم، 1415هـ.ق، ط 1،ج1، ص331-333.
3- سورة المائدة، الآية 5.
4- الصدوق، الشيخ محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، لا.ت، ط 2، باب الاحصان، ح 4512 - ج3، ص437.
 
 
 
45

29

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾, والثانية جاءت لبيان الأثر المترتّب على هذا الفعل في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾1,، ويراد به هنا رمي النساء العفائف المحفوظات، وقذفهنّ بالزنا، فيجلدون في الدنيا ويلعنون إذا لم يأتوا بأربعة شهداء على دعاويهم.


ب- ما المقصود بالإحصان؟
يطلق الإحصان في الفقه على مورديْن:
الأوّل: الإحصان في باب حدّ الزنا: وفُسِّر بأنّه الزواج مع التمكّن من إقامة العلاقة مع الزوج (ة) (إحصان زواج).

الثاني: الإحصان في باب القذف: وفُسِّر بأنّه اجتماع البلوغ، والعقل، والحريّة، والإسلام، والعفّة في شخص. فمن اجتمعت فيه هذه الخمسة صار محصنًا رجلًا كان أو امرأة (إحصان عفّة)، واستحقّ قاذفه الحدّ2.

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: سئل عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ فقال: "هنّ ذوات الأزواج"، قال السائل: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾3 قال: "هنّ العفائف"4.

وعليه، فرمي المحصنات هو توجيه الاتّهام بالزنا للنّساء العفيفات بهدف الطعن بعفّتهنّ وطهارتهنّ.

ج. الشهادة على الزّنا:
اشترطت الآية شهادة أربعة شهود على فعل الزنا، يشهدون عن حسّ ومشاهدة على
 

1- سورة النور، الآية 23.
2- الأنصاري، الشيخ محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة، مجمع الفكر الإسلامي، إيران - قم، 1415هـ.ق، ط 1،ج1، ص331-333.
3- سورة المائدة، الآية 5.
4- الصدوق، الشيخ محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، لا.ت، ط 2، باب الاحصان، ح 4512 - ج3، ص437.
 
 
 
45

30

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 ما رأوا بأعينهم من التقاء المرأة والرجل، التقاءً محقّقًا كما يلتقي الزوج بزوجه فى فراش الزوجيّة حتى يثبت الزنا، وإلّا، ولو شهدوا بغير المشاهدة والمعاينة (كأن يقولوا سمعنا أو استنتجنا) لم يحدّ المشهود عليه، ويحدّ الشهود. كما يحدّ الشهود ما لم يكتمل عددهم على الأربعة.


د- عقوبة القذف في الآية:
القذف هو: الرمي بالزنا أو اللواط.
وفي تحرير الوسيلة، قال: موجب الحدّ الرمي بالزنا أو اللواط وأمّا الرمي بالسحق وسائر الفواحش فلا يوجب حدّ القذفّ1.

وقد ذكرت الآية للقذف الأحكام الآتية:
- الجلد ثمانين جلدة (80).
- عدم قبول الشهادة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾.
- الفسق: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

اختلف المفسّرون في كون هذا الاستثناء يعود إلى جملة ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾،‏ أو إلى جملة ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾، فإذا كان الاستثناء عائدًا إلى الجملتين معًا، فمعنى ذلك قبول شهادتهم بعد التوبة وإزالته الحكم بفسقهم. أمّا إذا كان عائدًا إلى الجملة الأخيرة، فإنّ الحكم عليهم بالفسق سيزول عنهم في جميع الأحكام الإسلاميّة، إلّا أنّ شهادتهم تظلّ باطلة، لا تقبل منهم حتى آخر أعمارهم.

إلّا أنّ المبادئ المعمول بها في "أصول الفقه" تقول: "إنّ الاستثناء الوارد بعد جمل عدّة يعود إلى الأخيرة منها، إلّا في حالة وجود قرائن تنصّ على شمول هذه الجمل بهذا الاستثناء. وهنا يوجد مثل هذه القرينة، لأنّه عندما يزول الحكم بالفسق عن الشخص بتوبته
 

1- الإمام الخميني قدس سره، تحرير الوسيلة، الفصل الثالث في حدّ القذف، ج2،ص472.
 
 
 
46

31

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 إلى اللّه، فلا يبقى دليلٌ على ردّ شهادته، لأنّ عدم قبول الشهادة كان من أجل فسقه، فإذا تاب ورجعت إليه ملكة العدالة فلا يسمّى فاسقًا"1.


ولقد جاءت أحاديث عن أهل البيت عليهم السلام مؤكّدة هذا المعنى. فقد روى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ وحَمَّادٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَقْذِفُ الرَّجُلَ فَيُجْلَدُ حَدًّا ثُمَّ يَتُوبُ ولَا يُعْلَمُ مِنْه إِلَّا خَيْرًا، أتَجُوزُ شَهَادَتُه؟ قَالَ: "نَعَمْ مَا يُقَالُ عِنْدَكُمْ؟" قُلْتُ: يَقُولُونَ تَوْبَتُه فِيمَا بَيْنَه وبَيْنَ اللَّه ولَا تُقْبَلُ شَهَادَتُه أَبَدًا. فَقَالَ: "بِئْسَ مَا قَالُوا، كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِذَا تَابَ ولَمْ يُعْلَمْ مِنْه إِلَّا خَيْرًا جَازَتْ شَهَادَتُه"2.

هـ- إصلاح ما أفسده القذف:
كثيرًا ما تكرّر، في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، اقتران كلمة الإصلاح بالتوبة، ذلك لأنّ شرط قبول التوبة أن يصلح الإنسان ما أفسده بذنوبه، واللّه سبحانه يؤكّد لفئة التائبين بأنّ مغفرته ورحمته سوف تشملهم إن هم رجعوا إلى طريق الحقّ بعد الانحراف، وتداركوا ما فاتهم بالجهد المخلص والعمل البنّاء، وإصلاح ما أفسدوه بذنوبهم، فإذا اتّهموا المحصنات بالفاحشة وسقط شرفهنّ بذلك، وجب عليهم الإعلان عن كذبهم، والاستعداد لإجراء الحدّ عليهم، لإعادة الاعتبار إليهنّ3.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * ويدرؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
 
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص21-22.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج7، ص397.
3- محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج8، ص 261-262.
 
 
 
47

32

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 و- كيفيّة اللعان:

أن يقول عند الحاكم الشرعيّ: "أشهد باللَّه أنّي لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو نفي ولدها"، يقول ذلك أربع مرات، ويقول في الخامسة بعد أن يعظه الحاكم "مرّة واحدة": "لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين".

ثمّ تقول المرأة بعد ذلك أربع مرّات: "أشهد الله أنّه من الكاذبين في مقالته من الرمي بالزنا أو نفي الولد"، ثمّ تقول: "إنّ غضب اللَّه عليّ إن كان من الصادقين".

وقد نصّت على ذلك الآية السابعة من سورة النور. وإذا وقع اللعان الجامع للشروط منهما، تترتّب عليه عدّة أحكام شرعية، تراجع في الرسائل العلمية.

3- المعنى الإجماليّ:
تحدّد الآيات شرطًا أساسيًّا من شرائط إقامة حدّ الزنا، وهو الإتيان بأربعة شهود عدول يشهدون بأنّهم رأوا رأي العين وقوع عمليّة الزنا، وإلّا فإنّ العقوبة المترتّبة على جريمة اتّهام النّساء العفيفات بالزنا عن قصد هي:
- الحدّ الشرعيّ، أي ثمانون جلدة (80).
- عدم قبول الشهادة لحين إظهار التوبة.
- سقوط العدالة (الفسق).

وإن اتّهم رجلٌ زوجته وادّعى أنّه رآها تزني، ولم يتمكّن من إحضار أربعة شهود، فإنّ الحكم الخاصّ لهذا القذف بين الزوج وزوجته هو اللّعان، فيتلاعنان أمام الحاكم الشرعي.

لعلّكم تذكَّرون
مظاهر الفضل والرحمة في الآيات 2-10 من سورة النور
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾

الفضل في اللغة هو الزيادة على ما هو اللّازم المقرّر، لا مطلقًا، ومن مصاديقه: الرّحمة. وقد استخدم القرآن الكريم الرحمة في مقامات متعدّدة، أحدها في مقام التفضّل كما في
 
 
 
 
48

 


33

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 الآيات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم﴾1, ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ﴾2...


فكيف تجلّت مظاهر الفضل والرحمة الإلهيّة في آيات الصفحة الأولى من سورة النور؟
1- التفسير:
الفضل والرحمة في الآية: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾: جاءت هذه الآية جملة شرطيّة، ولما يتّضح لنا جوابها. وقد اختلف تقدير المفسّرين لهذا الجواب، ونذكر فيما يلي بعض ما ذكره المفسّرون:
أ- جواب لولا محذوف يدلّ عليه ما أخذ في شرطه من القيود، إذ معناه لولا فضل الله ورحمته وتوبته‏ وحكمته لحلّ بكم ما دفعته عنكم هذه الصفات والأفعال. فالتقدير على ما يعطيه ما في الشرط من القيود، لولا ما أنعم الله عليكم من نعمة الدين وتوبته لمذنبيكم وتشريعه الشرائع لنظم أمور حياتكم لزمتكم الشقوة وأهلكتكم المعصية والخطيئة، واختلّ نظام حياتكم بالجهالة3.

ب- قد يكون جواب الشرط: لولا فضل اللّه ورحمته عليكم، لكشف عن أعمالكم وفضحكم. أو: لولا فضل اللّه ورحمته عليكم، لعاقبكم فورًا وأهلككم. أو: لولا هذا الفضل، لما وضع اللّه سبحانه وتعالى مثل هذه الأحكام الدقيقة من أجل تربيتكم. وفي الواقع، إنّ حذف جواب الشرط يثير في فكر القارئ كلّ هذه الأمور4.

والآية تحتمل جميع ما تقدّم من تفسيرات واحتمالات لجواب الشرط فيها، ولكنّ تأكيد الآية على أنّ الله توابٌ حكيمٌ، على خلاف ما جرت عليه العديد من الآيات القرآنيّة الّتي يقترن فيها العلم بالحكمة: ﴿اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ5, وربط ذلك بسياق السورة يؤشّر إلى أنّ الآية دالّة على مظهريْن أساسيّيْن من مظاهر الفضل والرحمة وهما: التوبة والحكمة.
 

1- سورة النور، الآية 21.
2- سورة النور، الآية 14.
3- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن،ج15، ص83.
4- الشيخ الشيرازي، الأمثل في تفسير المنزل كتاب الله، ج11، ص33.
5- سورة النور، الآية 18.
 
 
 
49

34

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 2- تجلّيات الفضل والرحمة الإلهيّة في الآيات:

لقد تكرّر استخدام الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ في سورة النور مرّات عدّة، ومع كلّ تكرار يتبيّن لنا مظهرًا من مظاهر الفضل والرحمة الإلهيّة، ويمكن من خلال الآيات الواردة في الصفحة الأولى من سورة النور أن نستطلع بعض مظاهر فضل الله تعالى ورحمته بعباده. فبعد أن تفضّل الله سبحانه وتعالى على الإنسان بأن أفاض عليه الوجود، وغرس فيه نور الفطرة، أرسل إليه الأنبياء والرسل من أجل أن يقودوا هذه الفطرة الطاهرة النقيّة نحو الهدف الّذي خُلق الإنسان من أجله. ولمّا كانت الفطرة قابلة للتأثّر بالعوامل الخارجيّة الملوّثة لها، وبالتّالي الانحراف عن الخطّ الإلهيّ القويم الّذي أراده الله للإنسان، فقد شرّع الباري جلّ وعلا العقوبات المترتّبة على الجرائم الّتي تجسّد هذا الانحراف، وذلك من أجل إزالة الموانع الظلمانيّة الّتي تشكّل الحجب المانعة من حلول النور الإلهيّ وتحقيق الهدف من خلق الإنسان.

ولعلّ أبرز ما يمكن أن يتبيّن لنا من خلال التدبّر في الآيات (2-10) من سورة النور هو تجلّي الرحمة الإلهيّة من خلال الحكمة البارزة في تشريع الحدود والأحكام التابعة لها، وتجلّي فضله تعالى بأن أغدق الرحمة على عباده حين فتح باب التوبة وجعلها دارئة للحدّ. فالتشريعات الإسلاميّة تحيطها الرحمة من كلّ جانب، ويظهر ذلك جليًّا في آيات تشريع الحدود وملحقاتها من الأحكام، من خلال ما يلي:
أ- التشدّد في البيّنة:
حدّدت الشريعة طريقين لإثبات الزنا، هما:
- الإقرار أربع مرّات على شروطه.
- أربع شهادات على شروطها، يشهدون على وقوع الفعل.

فلو قال شخص: "إنّ فلانة زنت"، عليه أن يحضر العدد الشرعيّ من الشهود العدول، ولو شهد اثنان بالزنا ثمّ قالا إنّ هناك شخصين آخرين رأيا ما رأيناه وهما في الطريق لا يُمهلان، إنّما يجلد كلّ منهما ثمانين جلدة على الفور (وهو حدّ القذف)، إذ لا تثبت
 
 
 
 
50

35

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 شهادتهما إلّا إذا دخل أربعتهم دفعة واحدة، ليشهدوا لدى الحاكم على عمليّة الزنا. والإسلام - الّذي فرض عقوبة الجلد أو الرجم على مرتكب الزنا - هو الّذي منع قبول الشهادة لأقلّ من أربعة، و هل تقع عمليّة الزنا علانية حتى يتمكّن هذا العدد من الشهادة عليها؟


ب- التوبة تدفع الحدّ:
إنّ معاملة الله تعالى مع عباده، هي معاملة الحبّ والرحمة. وفي القرآن الكريم دلائلُ كثيرة تدلّ على حبّ الله تعالى ورحمته لعباده، أهمّها: قبول الله التوبة من العصاة، والتجاوز عن سيّئاتهم، والإنعام بالرضا والحبّ بعد الغضب. فالله تعالى يبسط الرحمة لعباده، ويقبل توبتهم، ويمحو سيّئاتهم، بل يبدلّ الله سيّئات التائب حسنات جزاءً له على توبته وصدق نيّته وحسن أوبته. فالله تعالى ليس محبًّا للانتقام والتعذيب للمؤمنين- والعياذ بالله -، ولكنّه رحيمٌ رؤوفٌ ودودٌ للمؤمن الراجع عليه. والدليل على حبّ الله تعالى لعباده ومنّته عليهم هو ما فتحه لهم من مكفّرات لذنوبهم تنجيهم في عالم الدنيا والآخرة.

رسالة الآيات
طهّروا ألسنتكم عن هتك حرمات المؤمنات العفيفات باتّهامهنّ بالزنا دون بيّنة، فذلك يخرجكم من دائرة الإيمان إلى دائرة الفسق. وتوبوا إلى الله، وأصلحوا فيما هتكتم به حرمتهنّ لأنّ ذلك شرط عودتكم للإيمان.

تنعمّوا بفضل الله ورحمته الّتي شملتكم، إذ شرّع لكم أحكامًا تضمن سلامة مجتمعكم من مفاسد الزنا والقذف، وذلك عبر إقامة هذه الأحكام كما أوردتها الشريعة.
 
 
 
51

36

الدرس الثالث: الآيات 4-10: تطهير المجتمع من موانع النور(2): أحكام القذف

 المفاهيم الرئيسة


1- رمي المحصنات هو توجيه الاتّهام بالزنا للنساء العفيفات بهدف الطعن بعفّتهنّ وطهارتهنّ.

2- اشترطت الآية شهادة أربعة شهود على عملية الزنا يشهدون على ما رأوا بأعينهم من التقاء المرأة والرجل، التقاءً محقّقًا كما يلتقي الزوج بزوجه فى فراش الزوجيّة حتّى يثبت الزنا، وإلا فإنّ ما دون ذلك من شهادات يوجب عقاب المدّعي بما حدّدته الآية من عقوبة، حيث يُحدّ الشهود ما لم يكتمل عددهم على الأربعة.

3- القذف هو: رمي المسلم العفيف بالزنا أو اللّواط.

4- ذكرت الآية للقذف العقوبات الآتية:
- الجلد ثمانين جلدة (80).
- عدم قبول الشهادة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾.
- الفسق : ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

5- التوبة المقترنة بالإصلاح تعيد لمرتكب فعل القذف العدالة، فلا يُسمّى فاسقًا.

6- إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حدّ القذف، إلَّا أن يقيم البيّنة أو يلاعن.

7. اللعان في اللغة من اللعن الطرد والإبعاد، وفي الشريعة مباهلة خاصّة بين الزوجين أثرها دفع الحدّ أو نفي الولد.

8- الملاعنة تتمّ على الشكل الآتي:
- يجب أن يكونا قائميْن عند الملاعنة.

9- التشريعات الإسلاميّة تحيطها الرحمة من كلّ جانب، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الحكمة البارزة في تشريع الحدود والأحكام التابعة لها، وقد تجلّى فضله تعالى بأن أغدق الرحمة على عباده حين فتح باب التوبة وجعلها دارئة للحدّ.
 
 
 
 
52

37

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 الدّرس الرابع

 

الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3)

حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرّف الإفك، ويشرح ملابساته باختصار.
2- يبيّن خطورة الشائعة، ويعدّد عوامل انتشارها.
3- يحدّد القواعد الّتي أرستها الآيات للتعامل مع الشائعات.
 
 
 
 
 
 
53

38

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 تمهيد

تشرع السورة بتقرير القواعد الضامنة لحفظ الأمن الشخصيّ للفرد من الشائعات الّتي قد تنشأ من أجل تشويه صورته، ما ينعكس خطرًا على سلامة الأسرة وعلى الأمن الاجتماعيّ عمومًا، بحيث يتحوّل المجتمع إلى مجتمع عديم المعايير والقيم في مجال التعامل مع الأخبار، وذلك عبر التطرّق لنموذج واقعيّ حدث في عهد الرسول هو حادثة الإفك، فتُبيّن السورة كيفيّة الاستفادة منها، وتُقرّر في هذا السياق قواعد هامّة من أجل حماية شرف الأمّة والمجتمع، فما هي هذه القواعد؟

نصّ الآيات:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿بِالْإِفْكِ﴾: الأصل أفك: يدلّ على قلب الشيء وصرفه عن جهته، والإفك الكذب2.
 

1- سورة النور، الآيات 11 – 14.
2- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة، ج، ص118.
 
 
 
55

39

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 وفي جميع موارد استعمال هذه المادّة في القرآن، يلاحظ مفهوم القلب والصرف عن وجهه الحقّ1.


- ﴿عُصْبَةٌ﴾: الأصل عصب: يدلّ على ربط شيء بشيء مستطيلًا أو مستديرًا، ثمّ يفرّع ذلك فروعًا، وكلُّه راجعٌ إلى قياس واحد2. واستعملت العصبة في ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ يراد اتّفاق جماعة مرتبطة متّحدة اتّفقوا على الإفك، وليس هذا العمل مستندًا إلى فرد خاصّ3.

- ﴿الْإِثْمِ﴾: الإثم والأثام اسم للأفعال المبطئة عن الثّواب وجمعه آثام. وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، أي في تناولهما إبطاء عن الخيرات4.

- ﴿لَمَسَّكُمْ﴾: هو إصابة في لمس، سواءٌ أكان بإرادة وإحساس أم لا، وسواء أكان باليد أم بغير ذلك5.

- ﴿أَفَضْتُمْ﴾: هو الخلوّ من تقيّد ما. ومن مصاديقه: إظهار سرّ أو علم، أو خبر مكتوم، فيصير في خلاء عن المحدوديّة6.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾
في التحقيق اللّغويّ، الإفك هو عبارة عن قلب الشيء وصرفه عن جهته، وبهذا الاعتبار يطلق على الكذب، لانصرافه عن الحقّ والواقع. وهذا الصرف والقلب عن الحقّ يدلّان على أنّه قد يكون للحادثة واقعٌ صحيحٌ إلّا أنّ تحريفها جعلها لا تشبه الأصل، أو أنّ تحريفها جعلها تشبه الاختلاق، أو أنّها فعلًا هي اختلاق من الأساس، وعلى كلّ التقادير يختلف الإفك عن الغيبة والنميمة7.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص99 - 100.
2- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص336.
3- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج8، ص145.
4- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 63.
5- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج11، مسّ، ص106 - 108.
6- المصدر نفسه، ج9، ص111.
7- الكاشاني، الملا فتح الله، زبدة التفاسير، مؤسسة المعارف الإسلامية، إيران - قم، 1423هـ، ط1، ج4، ص 484.
 
 
 
56

40

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 أ- حديث الإفك:

تشير الآية إلى شائعة انتشرت في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي حادثة الإفك. وملخّص هذه القضيّة هو اتّهام لزوجة من زوجات النبيّ بالزنا، وقد سرى على شكل شائعة بين الناس. هذا الاتّهام كان مدبّرًا، وكان المقصود منه النيل من كرامة وشرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

أورد العلامة الطباطبائي قدس سره1 أنّ الآيات تشير إلى حديث الإفك، وقد روى أهل السنّة أنّ المقذوفة في قصّة الإفك هي عائشة. وروت الشيعة أنّها مارية القبطيّة أمّ إبراهيم الّتي أهداها مقوقس ملك مصر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكلّ من الحديثيْن لا يخلو عن شيء، فالأحرى أن نبحث عن متن الآيات بمعزل عن الروايتيْن جميعًا، غير أنّ من المسلّم به أنّ الإفك المذكور فيها كان راجعًا إلى بعض أهل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إمّا زوجه وإمّا أمّ ولده، وربما لوّح إليه قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾2, وكذا ما يستفاد من الآيات أنّ الحديث كان قد شاع بينهم وأفاضوا فيه.

والمستفاد من الآيات أنّهم رموا بعض أهل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالفحشاء، وكان الرامون عصبةً من القوم، فشاع الحديث بين الناس يتلقّاه هذا من ذاك، وكان بعض المنافقين أو الّذين في قلوبهم مرض يساعدون على إذاعة الحديث حبًّا منهم أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا، فأنزل الله الآيات ودافع عن نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم3.

ب- هويّة الأفّاكين:
تحدّد الآية هويّة الأفّاكين بقولها: ﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾, فليس المهم تحديد الهويّة الشخصيّة لهؤلاء، بل طبيعة هذه العصبة التي كان هدفها الانتقاص من كرامة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتهمته4.
 
 

1- للمراجعة بخصوص روايات حديث الإفك ومناقشتها: الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص101 - 105. وقد وردت روايات متعدّدة في تفصيل الحادثة، كما وردت مناقشات لهذه الروايات من أجل ترجيح إحداها، منها مناقشة العلّامة السيّد جعفر مرتضى العاملي لحديث الإفك، ومنها مناقشة العلامة الطباطبائي في إطار تفسيره للآية، وكي لا ندخل في تفصيل البحث الروائي، سنقتصر على ذكر النتائج التي توصّل إليها بحث العلّامة الطباطبائي فقط.
2- سورة النور، الآية 15.
3- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص89.
4- محمّد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج8، ص271-272.
 
 
 
57

41

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾


ترسي الآية، في هذا الجزء منها، قاعدة أساسيّة في التعامل مع هذا النوع من الابتلاءات، من أجل التخفيف عن المؤمنين ومواساتهم، عبر صرف نظرهم إلى وجه الخير في الابتلاء. فهذه الحادثة ظاهرها شرّ ولكن باطنها خير، والعاقبة سوف تنتهي إلى خير، باعتبارها امتحانًا للمجتمع المؤمن. فإذا تغلّب المؤمنون على هذا الأمر وأمثاله، فإنّ مجتمعهم سيكون فاضلًا وقادرًا على مقاومة الضغوط والمشاكل المختلفة.

و"تشير هذه الآية الكريمة إلى مبدأ أساس حاكم في القوانين التكوينيّة والتشريعيّة الإلهيّة، فكما أنّ الناس لم يدركوا شيئًا من أسرار الخلقة في القوانين التكوينيّة الإلهيّة، فتارة يهملون شيئًا ولا يعيرونه اهتمامًا، في حين أنّ أهمّيته وفوائده في تقدّم العلوم كبيرة، وهكذا بالنسبة إلى القوانين التشريعيّة. فالإنسان لا يعلم بكثير من المصالح والمفاسد فيها، وقد يكره شيئًا في حين أنّ سعادته تكون فيه، أو أنّه يفرح لشيء ويطلبه في حين أنّه يستبطن شقاوته"1.

فينبغي على المؤمن إذًا أن يتوقّع ويتأمّل الخير دائمًا حتّى في حال التهمة والكذب في حقّه، لأنّ ظاهر العمل قد يبدو سيّئًا، أمّا باطنه فهو خير في الدنيا والآخرة.

قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

تتوزّع المسؤوليّة في هذه الحادثة على الأفراد المنضوين تحت العصابة المتآمرة، فلكلّ جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصًّا به.

ففي المعاصي الجماعيّة (كحادثة الإفك)، كلّ فرد من أفراد الجماعة ينال حصّته من العقاب بحجم مشاركته في المعصية. فالقاعدة هي تناسب مقدار وحجم العقاب مع مقدار وحجم المشاركة في المعصية: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾.

كما أنّ مجازاة وعقاب الشخص الّذي كان الأساس في المعصية، أو هو مدِّبرَ المعصية
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج2، ص103.
 
 
 
58

42

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 الجماعيّة، أشدّ وأعظم عند الله تعالى من غيره، بل ذهب بعض المفسِّرين إلى أنّ حدّه في الدنيا يختلف عن غيره. كما روي في أسباب النزول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ويبدو أنّ السياق يشير إلى إمام هذه العصبة، والّذي يتحمّل وزرها، بأنّ له عذابًا عظيمًا. 


فالعادة تقضي بوجود كبير لهذه العصبة، يكون مصدر تلفيق التّهمة، أو لا أقلّ يعطي الشرعيّة لها، ولعلّ المراد منه هنا هو شيخ المنافقين في عهد الرسول"1.

قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾.

﴿لَوْلَا﴾ في هذه الآية تدلّ على التوبيخ والتنديم، أي إنّ المتكلّم يوبّخ المخاطب على المخالفة، أو يشعره بلزوم الندم على أنّه لم يقم بما يوجهه إليه، وربّما يقال إنّ كلمة "لولا" تدلّ على التحضيض، أي الحثّ الشديد على الفعل.

وقد حدّدت الآية الوظيفة الشرعيّة، عندما يسمع المؤمن قذفًا، بوظيفتين رئيسيّتين:
الأولى: حسن الظنّ بالمؤمنين المقذوفين والمؤمنات المقذوفات، فيظنّ بهم خيرًا، ولا يصدّق ما يقال فيهم من السوء والفحشاء.
الثانية: إنكار هذا الإفك أو القذف، وردّه، وتكذيبه: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾.

والسبب في تحديد هاتين الوظيفتين يعود إلى ما ورد في الآية بقوله تعالى: ﴿بِأَنفُسِهِمْ﴾, فالمؤمنون والمؤمنات مثلهم في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء. فلمّا كانت جماعة الأفّاكين ﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾، تناسب ذلك مع التذكير بهذه القاعدة الإيمانيّة - الاجتماعيّة، وهي أنّ المؤمنين لا بدّ أن يشكّلوا جماعة واحدة متلاحمة متكاتفة من أجل مواجهة هذا الإفك العظيم الّذي يقصد منه تشويه صورة رسول الأمّة، ما ستنعكس آثاره وتداعياته على الأمّة جمعاء. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في مجال دفع التّهمة والافتراء، واستخدام التعبير ﴿بِأَنفُسِهِمْ﴾ فيه دلالة على أنّ المؤمن ينبغي أن ينظر إلى أخيه المؤمن على أنّه كنفسه، وبالتّالي يحسن
 

1- محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج8، ص272.
 
 
 
59

43

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 الظنّ به كنفسه تمامًا، فبهذه الطريقة تدفع المؤامرة المحاكة من قِبَل جماعة الأفّاكين.


وهنا ينبغي أن ننبّه إلى أمور عدّة:
1- إنّ الواجب على من سمع قذفًا لمؤمن أو مؤمنة أن يحسن الظنّ بالمؤمن المقذوف، وأن يردّه ويكذّبه.

2- إنّه لا يجوز للمؤمن أن يحدّث الناس بما رأته عيناه وسمعته أذناه، فقد ورد عن عَلِيّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِه، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام، قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْه عَيْنَاه وسَمِعَتْه أُذُنَاه فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾"1.

3- إنّ مقتضى السّلامة ألّا يتحدّث المؤمن بما يعلم، فإنّه لا يجب عليه ذلك، بل إنّ من وصف ما رأى فإنّه ربّما يكون قاذفًا كما قلنا. فالقاذف خاسر على كلّ حال وإن كان صادقًا. قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته لابنه: "لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"2.

قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.

تشير الآية إلى مضمون الإفك الّذي وقع، فهو قذف لأنّها قيّدت صدقيّة ثبوته بأربعة شهود، وهذا هو مقدار الشهادة الّذي اشترطته الآيات السابقة من السورة لثبوت فعل الزنا، وإن لم يُأتَ بالبيّنة (أربعة شهود مجتمعين) فإنّ الاتّهام باطل، بل، وفقًا للحكم الشرعيّ، يجب إقامة الحدّ على القاذف.

أمّا من يشيعون الإفك دون الإتيان بالشهود فهم كاذبون عند اللّه، ينالون جزاء الكاذب، ولو كانوا صادقين في قرارة أنفسهم، ولعلّ ذلك لأنّهم لم يراعوا الظروف المحيطة بكلامهم. ويؤكّد القرآن فداحة هذا الخطأ، فالكلمة البسيطة الّتي تطلقها أفواه الكثير من الناس دون علم أو تثبّت تكون وراءها مخاطر كبيرة جدًا، ولولا أنّ اللّه رحيم بهم لأخذهم
 
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص357.
2- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام (تحقيق صالح)، حكمة رقم 382، ص544.
 
 
 
60

 


44

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 بعذاب عظيم1. فالوظيفة الّتي تُضاف إلى الوظائف الّتي بيّنتها الآية السابقة هي طلب البيّنة. وهذه الوظيفة غير مخصوصة فقط بالقذف.


قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

سبق أن عالجنا في الدرس السابق موضوع الفضل والرحمة الإلهيّة، وتبيّن معنا أنّ الرحمة فيضٌ من النور الإلهيّ، وقد سرت تجلّياتها في آيات ومضمون سورة النور. والآية هنا تُبرز جانبًا من جوانب الفضل والرحمة الإلهيّة، فالذنب الّذي ارتكبته جماعة الأفّاكين يستحقّ أن ينالهم بموجبه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معًا، لأنّهم أفاضوا في الخوض في إشاعة حديث الإفك، فصاروا شركاء في مؤامرة مدبّرة للنيل من رأس الأمّة الإسلاميّة وهو رسولها، وساهموا في رواج الشّائعة. لكنّه سبحانه وتعالى "تفضّل عليهم بضروب النعم الّتي من جملتها الإمهال للتوبة، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول التوبة لمن تاب"2.

3- المعنى الإجمالي:
تذكر الآيات حادثة الإفك كنموذجٍ عن سريان شائعة مدبّرة قصد مدبّروها هتك حرمة الرسول عبر النيل من طهارة إحدى زوجاته وعفّتها. وتبيّن الآيات أنّ هؤلاء الّذين دبّروا هذه المؤامرة على النبيّ ليسوا أعداءً خارجيّين، بل هم أعداء داخليّون ﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾. ولكنّ هذه الشائعة، مع كونها نوعًا من البلاء الّذي نزل على الجماعة المؤمنة، لا تخلو من وجه الخيريّة فيها، فهي اختبار سيتميّز فيه الخبيث من الطيّب.

كما ترسي الآيات مجموعة قواعد أساسيّة لمواجهة هذا النوع من الأخبار. فالأصل حُسْن الظنّ بالمسلم، ولا يُعْدَل عن هذا الأصل إلا "ببيّنة". ومن ثمّ تشير إلى مظهر من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته، إذ أمهل عباده للتوبة مع أنّهم استحقّوا العذاب العظيم بتناقلهم للشائعة وخوضهم فيها وعدم التبيّن والتثبّت من الخبر.
 

1- محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج8، ص274.
2- فخر الدين الرازي، تفسير الرازي، ج23، ص179.
 
 
 
61

45

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 لعلّكم تذكَّرون

قواعد مواجهة الشّائعات
وهذه الآيات من سورة النور تتحدّث عن حادثة الإفك تشير إلى مَدى خطورة الإذاعة للمعلومات والأخبار، وتحدّد آليّة للتعامل مع الشائعات، وخصوصًا الشائعة الّتي تندرج في إطار إشاعة الفاحشة، فما هي خطورة الشائعة في المجتمع؟ وما هي قواعد مواجهتها؟

فقد اقترن مصطلح الشائعة بالخبر الكاذب، لأنّ استخدامها انتشر في الحرب النفسيّة، فصارت الشائعة تعني رسالة سريعة الانتقال تهدف إلى إحداث بلبلة أو فوضى، ولتحقيق أهداف في غالبها تكون هدّامة، فهي تدخل في نطاق الكلام الّذي ينقل ولا أصل له، ولكنّها تثار لأغراض يصبو إليها مروّجوها. وتكمن خطورة الشائعة في طبيعتها كونها تتّصف بقدرتها على سرعة الانتشار1، وتؤدّي الإشاعة إلى:
- زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع.
- خلق حالة من اللّامبالاة والتردّد في أداء المسؤوليّات.
- تؤثّر تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا على معنويّات أفراد المجتمع، وتضعف فيهم الروح الاجتماعيّة وروح التفاهم والتعاون بينهم.

من هنا، كافح الإسلام بشدّة اختلاق الإشاعات، والافتراء، والكذب، والتهمة مثل ما حارب نشر الإشاعات2.

وقد واجه القرآن موضوع الشائعة في العديد من الآيات، وأرسى مجموعة من القواعد في إطار مواجهتها. وفي آيات سورة النور الّتي عالجت موضوع حديث الإفك، يتبيّن، كما سبق وأسلفنا في معالجة المعنى التفصيليّ للآيات. ومن أهمّها:
التثبّت من الأخبار
حيث تركّز الآيات من سورة النور على ضرورة التثبّت من الأخبار قبل تصديقها ونشرها. ففي المرتبة الأولى، لا بدّ من طلب البيّنة، خصوصًا فيما
 

1- فؤاد علام، الإشاعة والحرب النفسية، نشر جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، لا.م، 1990م، لا.ط، ص 43-45 بتصرف.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج3، ص354.
 
 
 
62

46

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 إذا كانت الشائعة من نوع إشاعة الفاحشة والاتّهام بها: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وفي المرتبة الثانية، التفكّر في الخبر، فإن كانت الشائعة صحيحة واقعة، لكن في إذاعتها مفسدة وأذى للجماعة، فإنّ ذلك يصبح محرّمًا بالعنوان الثّانويّ.


رسالة الآيات
التزاموا بحكم الله تعالى في تناقل الأخبار، لأنّ المجتمع الّذي تسوده الشائعة يفتقد إلى اللحمة والتماسك، يكثر فيه سوء الظنّ، وتنتهك فيه الأعراض والحرمات، وهو مجتمع تنقصه العفّة، ويفتقر إلى السلامة المعنويّة.
 
 
 
 
63

47

الدّرس الرابع: الآيات 11-14: تطهير المجتمع من موانع النور (3): حادثة الإفك وقواعد مواجهة الشائعات

 المفاهيم الرئيسة


1- الإفك هو عبارة عن قلب الشيء وصرفه عن جهته. وبهذا الاعتبار يطلق على الكذب، لانصرافه عن الحقّ والواقع.

2- وقعت حادثة الإفك في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وملخّص هذه القضيّة أنّ هناك اتّهامًا لزوجة من زوجات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالزنا سرى على شكل شائعة بين الناس. هذا الاتّهام كان المقصود منه النيل من كرامة وشرف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

3- الأفّاكون كانوا عصبة مجتمعة على أساس المصالح المادّيّة لا على أساس القيم، وكان هدفهم التنقيص من كرامة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

4- تتوزّع المسؤوليّة في هذه الحادثة على الأفراد المنضوين تحت العصابة المتآمرة، فلكلّ جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصًّا به.

5- حدّدت الآية الوظيفة الشرعيّة عندما يسمع المؤمن قذفًا بوظيفتين رئيسيتين:
الأولى: حسن الظنّ بالمؤمنين المقذوفين والمؤمنات المقذوفات.
الثانية: إنكار هذا الإفك أو القذف، وردّه، وتكذيبه: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾.

6- أمهل سبحانه عباده للتوبة مع أنّهم استحقّوا العذاب العظيم بتناقلهم للشائعة وخوضهم فيها وعدم التبيّن والتثبّت من الخبر، وهذا مظهر من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته.

7- اقترن مصطلح الشائعة بالخبر الكاذب، لأنّ استخدامها انتشر في الحرب النفسيّة فصارت الشائعة تعني رسالة سريعة الانتقال تهدف إلى إحداث بلبلة أو فوضى، ولتحقيق أهداف تكون في غالبها هدّامة، فهي تدخل في نطاق الكلام الّذي ينقل ولا أصل له، ولكنّها تثار لأغراض يصبو إليها مروّجوها.

8- واجه القرآن موضوع الشائعة في العديد من الآيات، وأرسى مجموعة من القواعد في إطار مواجهتها، منها الدعوة إلى حسن الظنّ. الدعوة إلى ردّ التهمة مع طلب البيّنة. التثبّت من الأخبار.
 
 
 
 
64

48

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 الدرس الخامس

 

الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعدِّد أنواع الآثام الّتي ارتكبها الخائضون في الشائعة.
2- يستنتج محدِّدًا المناشئ النفسيّة الّتي شكّلت دوافع لارتكاب الآثام.
3- يشرح الآفات الّتي تنتج أخبارًا فاسدة.
4- يحدّد القواعد الأساسيّة الّتي تشكّل منهجًا في التعاطي مع الأخبار.
 
 
 
 
 
65

49

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 تمهيد

ركّزت الآيات من سورة النور على حادثة الإفك بشكل عامّ دون الدخول في التفاصيل، بهدف حماية المجتمع وتوجيه الجماعة المؤمنة إلى ضوابط ومعايير المواجهة. لهذا النوع من الأخبار، فوضعت ضوابط عامّة عالجناها في الدرس السابق، ولكنّ هذه الضوابط وحدها لا تكفي، إذ إنّ هناك مناشئ نفسيّة ساهمت في انتشار هذا الإفك وشيوعه، فما هي المناشئ؟ وما هي منهجيّة تلقّي الأخبار الّتي ترسيها السورة؟

نصّ الآيات:
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿هَيِّنًا﴾: الهون مصدر الهيّن في معنى السكينة والوقار، والهون: هوان الشيء الحقير الهيّن الَّذي لا كرامة له2.

- ﴿بُهْتَانٌ﴾: بهت: هو الدهشة مع التحيّر، وهذا المعنى ملحوظ في جميع موارد
 

1- سورة النور، الآيات 15 – 20.
2- أبو منصور، محمّد بن أحمد بن الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، 2001م، ط1، ج6، ص232.
 
 
 
67

50

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 استعمالها. فالكذب باعتبار كونه بلا أساس وغير مستند إلى واقعيّة وحقيقة يوجب الحيرة ويسمّى بهتًا1.


2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
تستوقفنا في الآية ثلاثة آثام تسبّبت باستحقاق العذاب العظيم عند الله سبحانه للخائضين في الشائعة:
الأولى: تقبّل الشائعة: تلقّي الخبر باللسان.
الثانية: نشر الشائعة: نقل الخبر عن غير علم وتفكّر.
الثالثة: الاستهانة بالذنب.

هذه المحطّات الثلاث تكوّن تصوّرًا عن منهج تلقّي الأخبار الّذي تحدّده الآية.

أ- تقبل الشائعة ونشرها:
يتلقّى الإنسان الأخبار، عادة، عبر حاستي السمع أو البصر، أو كلاهما معًا، ومن ثمّ ينقلها بلسانه، لكنّ الآية هنا تؤكّد أنّ التلقّي للإفك كان عبر اللسان، فما المقصود من ذلك؟

لفهم الآية، لا بدّ من ربطها بما قبلها، فمعنى الآية الّتي سبقتها هو: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لوصل إليكم بسبب ما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. وتتابع الآيات بعدها فتقول: إذ تلقّونه...

إذ: ظرف متعلّق بقوله أفضتم في الآية السابقة، أمّا تلقّي الإنسان القول فهو أخذه القول الّذي ألقاه إليه غيره، وتقييد التلقّي بالألسنة للدلالة على أنّه مجرّد انتقال القول من اللسان إلى اللسان، دون التثبّت والتدبّر فيه. وقوله بأفواهكم دلالة على أنّ القول لم يكن عن تثبّت وتبيّن قلبيّ، ولم يكن له موطن إلّا الأفواه لا يتعدّاها2. "وذلك أنّ الرجل كان يَلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟ فيحدّثه بحديث الإفك، حتّى شاع واشتهر، فلم يبقَ بيت ولا نادٍ إلّا طار فيه، فكأنّهم سعوا في إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم"3.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص346.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص92.
3- فخر الدين الرازي، تفسير الرازي، ج23، ص180(بتصرف).
 
 
 
68

51

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 فاللسان جارحة من الجوارح وظّفتها الجماعة في غير وظيفتها الّتي خلقها الله لأجلها. وقد "جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله أوصني، قال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال صلى الله عليه وآله وسلم: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال صلى الله عليه وآله وسلم: احفظ لسان، ويحك! وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في النّار إلّا حصائد ألسنتهم"1. فذنوب اللسان لا تقاس بحجمه الصغير، بل بعظيم أثر ما يخرج منه من كلام، وما يترتّب على الكلام من نتائج.


ب- استصغار الذنب:
هناك سبب في نفوس الّذين تداولوا حديث الإفك حتّى تداولوه بهذا الشكل (باللسان دون التفكّر والتثبّت)، وقد حدّدت الآية هذا السبب، إذ قالت: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. 

والأمر الهيّن هو الأمر الّذي لا عظمة له ولا كرامة، فهو أمر حقير، يدفع على الاستخفاف به. "فقد استصغر هؤلاء الشائعة واعتبروها وسيلة للّهو وقضاء الوقت، في وقت تمسّ فيه كيان المجتمع الإسلاميّ وشرفه، إضافة إلى مساسها بشرف بعض المسلمين"2. وتدلّ الآية على ثلاثة أمور:
الأوّل: أنّ القذف من الكبائر لقوله: ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
الثاني: أنّ عظم المعصية لا يختلف بظنّ فاعلها وحسبانه ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾، بل ربّما كان ذلك مؤكّدًا لعظمها من حيث جهل كونها عظيمًا.
الثالث: الواجب على المكلّف في كلّ محرم أن يستعظم الإقدام عليه، إذ لا يأمن أنّه من الكبائر، وقيل لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار3.

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.

تندرج الآية في سياق الآيات الّتي توجّه اللوم والتوبيخ للّذين شاركوا في حادثة الإفك، مبيّنة لهم الموقف الحاسم الّذي كان عليهم أخذه تجاه هذا النوع من الأخبار، وبعد تنزيهه تعالى بالتسبيح، تحدّد نوع هذا الذنب المرتكب، وتطلق عليه اسم "البهتان"، فما المقصود بالبهتان؟ وما هو الموقف الّذي يجب اتّخاذه تجاه هذا النوع من الشائعات؟
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص115.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص47.
3- فخر الدين الرازي، تفسير الرازي، ج23، ص180(بتصرف).
 
 
 
69

52

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 ج- الموقف الحاسم:

في الآيات السابقة الّتي ورد فيها توجيه اللوم والتوبيخ لمروّجي الشائعة، تعلّق التوجيه بجوانب عدّة:
1- سوء الظنّ بالمؤمنين، وعدم التصرّف وفق مبادئ الأخوّة الإيمانيّة: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.
2- عدم الدفاع عن المؤمنين عبر ردّ التهمة: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾.
3- تصديقهم للإفك دون التثبّت وعدم طلب البيّنة: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
4- تلقّي الخبر وتناقله باللسان دون التفكّر فيه وعرضه على العقل: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾.
5 - الاستهانة بالشائعة واستصغار الذنب المترتّب على تصديقها وترويجها: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

أمّا في هذه الآية، فالدعوة متوجّهة لاتّخاذ موقف حاسم تجاه هذا النوع من الأخبار، وهو الدعوة إلى الإعلان عن عدم الاستعداد للاستماع لهذا النوع من الحديث، "فضلًا عن الخوض فيه، وثمّ إذا ابتليتم بسمعه لم يكن لكم أن تتكلّموا إلّا بجملة واحدة هي: ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. فقد اقترفتم إثمًا إذ سمعتموه، ثمّ إذ تلقّونه بألسنتكم، وتركتم واجب‏ القول‏: ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، سبحانك اللّهم! بعيد ساحتك أن تبعث رسولًا يتدنّس بيته بالفاحشة، بعيد عنك ألّا تدافع عن هذاالبيت الطاهر إفك الفاحشة، فإنّ‏ ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾! وترى أنّ هذا الإفك بخصوصه بهتان عظيم، لأنّه مسّ من كرامة الرسول العظيم؟ كلّا! فإنّ كلّ إفك بهتان عظيم، مهما اختلفت دركاته حسب مختلف الظروف والدرجات لمن يوجّه إليه"1.

قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾
 

1- الشيخ محمد الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ج21، ص73 (بتصرف).
 
 
 
70

53

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 - سبحانك: أي ننزّهك عمّا لا يليق بذاتك المقدّسة.


- "البهتان من الكبائر، وهو ذكر المؤمن بما يعيبه وليس هو فيه، ومنها سبّ المؤمن وإذلاله"1، والبهت في اللغة في الأصل من الحيرة والدهشة، والبهتان نابع من الافتراء والكذب على شخص، ممّا يجعل المفترى عليه مبهوتًا متحيّرًا لدى سماعه ما نُسِب إليه.

- إنّ كلمة "عظيم" وردت في ثلاث آيات من السّورة الكريمة: ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾، ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. فمن قام بهذا الفعل على اختلاف درجة مشاركته يناله عذاب عظيم، ونفس الفعل هو عند الله عظيم، وإنّ ما قام به من فرية يوصف بأنّه بهتان عظيم.

جميع هذه التعابير دالّة على عظمة هذه الحادثة على المجتمع الإسلاميّ، وخطورة اتّهام الآخرين، وبالأخصّ فيما يمتّ إلى الشرف بصلة، ودالّة على أنّ البهتان يعدّ من أقبح الأعمال الّتي أدانها الإسلام بشدّة، فهو فعل عظيم يستوجب عذابًا عظيمًا.

فالآية الكريمة اعتراضٌ على البهتان عبر تنزيه الباري جلّ وعلا، وهي "تشير إلى ضرورة التوجّه إلى اللّه في حالة الخوف من التأثّر بالإعلام المضادّ، لأنّ النفس نزّاعة إلى تصديق كلّ كلام يشيع في المجتمع، خصوصًا إذا صدر من الكبار في العمر أو في الرتب الاجتماعيّة، وعلينا أن نقاوم هذه النزعة بذكر اللّه، ذلك أنّ ذكر اللّه يزيد من مناعة المؤمن عن التأثّر بالضغوط، والانبهار بالآخرين، والخضوع للتضليل، أو بالتّالي، يعيد الإنسان إلى عقله، ويعطيه فرصة للتفكّر المنهجيّ، وهو بالتّالي يعطي الإنسان استقلالًا وقوّة واطمئنانًا، كما المرساة الّتي تبقي على استقرار السفينة بين يديّ الموج"2.

قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

آيات الله مواعظ للمؤمنين:
الوعظ في اللغة معناه النصح والتذكير بالعواقب3، وهو التذكير بالخير وما يرقّ له قلبه4، "والوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي.
 

1- السيد محمد سعيد الحكيم، مصباح المنهاج، مؤسسة المنار، إيران - قم، 1415هـ - 1994م، ط 1، ص371.
2- محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج8، ص280.
3- ابن منظور، محمد بن مكرم‏، لسان العرب‏، تحقيق وتصحيح جمال الدين الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- دار صادر، لبنان - بيروت، 1414 هـ، ط 3، ج7، ص466 (بتصرف).
4- أحمد بن فارس بن زكريا ابن فارس-، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، لا.م، 1404هـ، لا.ط ،ج6، ص126.
 
 
71

54

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 وضابط الوعظ: هو الكلام الّذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء هو أوامر ربّهم نواهيه. فإنّهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله. وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه. فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفًا وطمعًا"1


قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

د- إشاعة الفاحشة:
ممّا يلفت النظر أنّ الآية لم تقل: (الّذين يشيعون الفاحشة)، بل قالت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾، ثمّ قرنت بالتذكير بسعة علمه تعالى. فهو "يعلم الّذين يبيّتون في قلوبهم حبّ هذا الذنب، ويعلم الّذين يمارسونه تحت واجهات خدّاعة، أمّا أنتم فلا تعلمون ذلك ولا تدركونه"2.

فالإنسان - بمقتضى الآية - مسؤول ويحاسب على رغباته الداخليّة3، وإنّ العلاقة النفسيّة بالمعصية هي مقدّمة أساسيّة لارتكابها. لذا، في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينبغي النهي عن التعلّق بالمعصية ومحوها من النفس، لا النهي عن الفعل الخارجيّ فقط. فالتعلّق النفسيّ وحبّ بعض الذنوب يعدّ عند الله من الكبائر، من قبيل تسقيط المؤمنين، وحبّ إشاعة الفاحشة، وسوء الظنّ بالمؤمن، وما شابه ذلك.

وقد وردت كلمة الفحشاء في القرآن المجيد غالبًا للدلالة على العمل المخلّ بالعفّة والشرف، كالزنا واللواط ونحوهما. أمّا من الناحية اللغويّة، فقد ذكر الراغب الأصفهاني مفهومًا واسعًا لها، فقال: "هي ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال".

"وإشاعة الفاحشة إمّا تكون بالفعل وإمّا بالقول، أمّا بالفعل فبأن ينتشر بين المؤمنين
 

1- الشنقيطي، أضواء البيان، مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر، لا.م، 1415هـ - 1995م، لا.ط،ج2، ص438.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص49.
3- إنّ النيّة عند الإنسان يمكن تقسيمها إلى قسمين: نيّة يحاسب عليها وهي النيّة المقارنة للفعل، ونيّة لا يحاسب عليها وهي الخواطر التي تمرّ على ذهن الإنسان ولا يتمكّن الإنسان عادة من السيطرة عليها، ولكن هذا النوع من النيّة، حتّى لو كان معفوًّا عنه عند الله تعالى، ألّا أنّه يترك أثرًا على روح الإنسان وعليه، النيّة، من ناحية العفو وعدمه، على قسمين: نيّة معفوّ عنها، ونيّة غير معفوّ عنها. ولكن ليست كلّ نيّة معفوّ عنها عديمة الأثر. والبحث يحتاج إلى تفصيل أكثر.
 
 
 
72

55

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 خبرٌ يتضمّن فحشاء، كأن يقال: فلان زان، أو لائط أو نحو ذلك. والإشاعة بهذا المعنى محرّمة بنصّ الكتاب من جهتين:

الأولى: من جهة كونه قذفًا فيشمله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾1.

الثانية: من جهة كونه إشاعة للفحشاء فيشمله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾. وقد ورد عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: "من قال في مؤمن ما رأته عيناه وما سمعته أذناه، كان من الّذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾3 2.

وممّا يلزم ذكره أنّ لإشاعة الفحشاء صورًا عديدة. فتارة يكون من قبيل افتعال تهمة كاذبة ونقلها بين الناس، أو بإنشاء مراكز للفساد ونشر الفحشاء، أو بتوفير وسائل المعصية للنّاس، أو تشجيعهم على ارتكاب الذنوب، أو يرتكب الذنب في العلن دون ملاحظة الدين، ولا رعاية لقانون ولا التفات لآداب عامّة. وكلّ هذه مصاديق لإشاعة الفحشاء، فلهذا التعبير مفهومٌ واسعٌ يضمّ كلّ عمل يساعد في نشر الفحشاء والمنكر.

كما أنّ الّذين ينشرون الفاحشة بين الناس يعاقبهم النظام الإسلاميّ بعقوبات في الدنيا، كالتعزير الّذي يقوم به الحاكم. بيد أنّ بعض الذنوب لها آثار وضعيّة تكوينيّة تؤثّر على الإنسان، سواءٌ علم بذلك أم لم يعلم، ومن تلك الذنوب العظام هتك حرمة المؤمن واتّهامه بالفاحشة وما شابه ذلك.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
يتكرّر للمرّة الثالثة في سورة النور التذكير بتجليّات النّور الإلهيّ من الرحمة والفضل الربانيّيْن، وفي كلّ آية من هذه الآيات المتكرّرة يتبيّن لنا مظهرٌ جديد من مظاهر فضل الله تعالى ورحمته.
 
 

1- سورة النور، الآية 23.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص357.
3- الأنصاري، الشيخ محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسرة، مجمع الفكر الإسلامي، إيران -قم، 1422هـ، ط1، ج3، ص302.
 
 
 
73

56

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 وفي هذه الآية الإشارة إلى رأفة الله تعالى، "فالرؤوف من أسماء اللَّه الحسنى، لكونه متّصفًا بالرأفة في مقابل خلقه وبالنسبة إلى عباده، ولا يرى منه تعالى خلاف الرأفة إلَّا إذا اقتضى عدله وحكمته أن يعاقب الكافر والمتخلَّف بعد إتمام الحجّة من جميع الجهات، فهو تعالى لا يريد لعباده إلَّا ما هو خير لهم"1.


أمّا "الرحيم هو ذو رحمة ثابتة راسخة، لا سعة فيها كمًّا، وكلّ الموارد الَّتي استعمل فيها القرآن لفظ "الرحيم" مرجعها إلى توبة العباد ومغفرة الذنوب، والعفو عن الخطايا، وما يرجع إلى الأمور المعنويّة"2.

وقد ذكر الله تعالى "فضله ومنّته عليهم"، فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾, أي لعاجلكم بالعقوبة، ولكنّه برحمته أمهلكم لتتوبوا وتندموا على ما قلتم. وجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه"3.

3- المعنى الإجمالي:
أ- تحدّد الآيات آليّة انتقال حديث الإفك وسريانه في المجتمع. فالألسن كانت تتناقل الشائعة دون عرضها على العقل والتفكّر في مضمونها.

ب- توجّه الآيات اللوم والتوبيخ للمؤمنين الّذين خاضوا في تناقل حديث الإفك، وتوجّههم إلى ذكر الله سبحانه وتعالى عند سماع هذا النوع من الاتّهام للمؤمنين، وضرورة إنكار هذا الذنب، والنهي عنه، والامتناع عن الخوض فيه عبر تسميته باسمه الشرعيّ، والتذكير بعظمته عند الله تعالى. فهو ﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.

ج- تشير إلى أحد المناشئ النفسيّة للخوض في الشائعات، وهو "حبّ إشاعة الفاحشة". فهذه الرغبة الداخليّة في إشاعة الفاحشة هي مقدّمة أساسيّة لارتكابها.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص7.
2- المصدر نفسه، ج4، ص100 (بتصرف).
3- الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج7، ص232.
 
 
 
74

57

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 رسالة الآيات

لا تستصغروا الذنوب العظام، واعملوا على تطهير باطنكم من حبّ إشاعة الفاحشة، فالإنسان المؤمن مسؤول عن رغباته الداخليّة تمامًا، كما هو مسؤول عن سلوكيّاته العمليّة، واستجيبوا لمواعظ الله تعالى عبر اتّباع منهجيّة شرعيّة في تلقّي الأخبار وتصديقها ونقلها، فهذه الاستجابة هي من علامات الإيمان.

توبوا واندموا على ما ارتكبتم من البهتان والإثم، فقد أمهلكم الله ولم يعاجلكم بالعقوبة، إفساحًا في المجال لكم للتوبة والندم.

لعلّكم تذكَّرون
تقدّم الآيات ضمنًا مجموعةً من القواعد الّتي تساهم في كيفيّة دحض الأخبار الكاذبة، فتسنّ منهجيّة خاصّة لتلقّي الخبر، تبدأ من تحديد آلية تلقّيه، فكيف نتلقّى الخبر ونصوغه صياغة دقيقة؟ ثمّ كيف ننقل هذا الخبر بكامل الصدق والأمانة؟ كي لا يشكّل هذا الخبر خطرًا على مصلحة الجماعة المؤمنة، وما هي القواعد الّتي يتضمّنها منهج تلقّي الأخبار؟ لمنع وقوع الشائعة، فضلًا عن انتشارها.

1- التفكّر في الخبر: (التلقّي يجب أن يكون بالفكر لا باللسان):
حين يتلقّى الإنسان الخبر ويصدّقه دون أن يفكّر في مضمونه، ويتقبّله دون أن يطلب الدليل عليه، ومن ثمّ ينقله دون دليل يسوّغ له نشره، يصبح خادمًا وبوقًا للجهة الّتي تروّج الخبر دونما شعور. وهذا التناقل للأخبار يمسّ مجتمعاتنا الإسلاميّة اليوم في الصميم، فأيّ خبر يجب أن يتمّ عرضه على العقل والتدبّر في مضمونه، وجميع ملابساته، قبل المشاركة في نقله.

2- التثبّت من الخبر:
حثّت الآيات والروايات على التثبّت من الأخبار قبل الأخذ بها. ولعلّ أبرز الآيات هي آية النبأ في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾1.َ يقول العلّامة الطباطبائي أنّ معنى الآية: يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن، فتبيّنوا خبره بالبحث والفحص
 

1- سورة الحجرات، الآية 6.
 
 
 
75

58

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 للوقوف على حقيقته، حذار أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصيروا نادمين على ما فعلتم بهم.


وفي آيات سورة النور، أكّدت الآيات على ضرورة التثبّت وطلب البيّنة أيضًا، إذ أشارت إلى أنّ الشائعة انتقلت دون أن يكون لناقليها علم بصحتها أو لا: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾.

3- اتّخاذ الموقف الشرعيّ المناسب لطبيعة الخبر:
ركّزت الآيات في سورة النّور على موضوع اتّخاذ الموقف الشرعيّ تجاه الشائعة، فقد دعت إلى دفع التهمة عن المؤمنين وإنكارها، ومن ثمّ طلب البيّنة، ثمّ دعت إلى أن يقوم المؤمن باستنكار هذا الفعل، ورفض المشاركة فيه وتسميته بالاسم الشرعيّ الّذي يصدق عليه (البهتان في حالة حديث الإفك). فالاستماع للغيبة والنميمة محرّم كحرمة ارتكابهما، بل يظهر في بعض الروايات أنّ المستمع مثل المغتاب في كلّ الأمور حتّى وجوب التسامح منه، وإنّه من الكبائر. عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "المستمع أحد المغتابَين"1، وعن الإمام عليّ عليه السلام: "السامع للغيبة أحد المغتابَين"2.
 

1- الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج5، ص260.
2- الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص27.
 
 
 
76

59

الدرس الخامس: الآيات 15-20: تطهير المجتمع من موانع النور(4): منهجيّة تلقّي الأخبار

 المفاهيم الرئيسة:


1- ارتكب الخائضون في الشائعة ثلاثة آثام تسببت باستحقاق العذاب العظيم عند الله سبحانه:
الأوّل: تقبّل الشائعة: التلقّي للخبر جرى بالألسنة، وفي ذلك دلالة على أنّه مجرد انتقال القول من اللسان إلى اللسان دون التثبّت والتدبّر فيه.
الثاني: نشر الشائعة: حيث تمّ نقل الخبر عن غير علم وتفكّر.
الثالث: الاستهانة بالذنب: فاستصغار الذنب بذاته، ذنب آخر، وهو خطأ فادح وجرم عظيم.

2- حبّ إشاعة الفاحشة من المناشئ النفسيّة الّتي تدفع لارتكاب الذنوب.

3- توجيه اللّوم والتوبيخ لمروّجي الشائعة، تعلّق التوجيه بجوانب عدّة:
الأوّل: سوء الظنّ بالمؤمنين، وعدم التصرّف وفق مبادئ الأخوّة الإيمانيّة.
الثاني: عدم الدفاع عن المؤمنين عبر ردّ التهمة.
الثالث: تصديقهم للإفك دون التثبّت وعدم طلب البيّنة.
الرابع: تلقّي الخبر وتناقله باللّسان دون التفكّر فيه وعرضه على العقل.
الخامس: الاستهانة بالشائعة واستصغار الذنب المترتّب على تصديقها وترويجها.

4- البهتان من الكبائر، وهو ذكر المؤمن بما يعيبه وليس هو فيه.

5- آيات الله تعالى وأحكامه مواعظ واجبة الاتّباع، نابعة عن علمه تعالى بحاجاتكم وما يضرّكم وما ينفعكم.

6- العلاقة النفسيّة بالمعصية هي مقدّمة أساسيّة لارتكابها، لذا في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي النهي عن التعلّق بالمعصية ومحوها من النفس، لا النهي عن الفعل الخارجيّ فقط.

7- الكذب، الغيبة، النميمة، البهتان من الآفّات الّتي تفسد الأخبار وتجعلها غير قابلة للعمل بها وتصديقها أو نقلها.
 
 
 
 
77

60

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 الدرس السادس

 

الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يوضّح خصوصيّة الاستخدام القرآنيّ لمفهوم خطوات الشيطان.
2- يعطي تعريفًا لمصطلح "تزكية النفس"، ويشرح مراحلها.
3- يوضّح العلاقة بين التزكية والمشيئة الإلهيّة في الآية.
4- يبيّن أسلوب وضوابط التعامل مع ناقلي الشائعة.
 
 
 
 
79

61

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 تمهيد

بعد عرضها للأفعال المحرّمة الّتي تؤدّي إلى الانحراف عن النهج النورانيّ الّذي أراده الله تعالى للمجتمع المؤمن، مراعية التدرّج في العرض من الأشدّ إلى الأدنى خطورة، على الفرد والبنية الاجتماعيّة، ومن الأوضح إلى الأقلّ وضوحًا لجهة خطورته وثبوته - من الزنا إلى القذف فالإشاعة - تتابع السورة في طرح المواعظ الرحمانيّة، فنجدها تبدأ بالخطوات الوقائيّة الّتي تمنع من الانجرار إلى درك الظلمة المترتّبة على ارتكاب المحرّمات، فما هي هذه الخطوات؟

نصّ الآيات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾1.

ليتدبروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿تَتَّبِعُوا﴾: تبعه واتّبعه: قفا أثره، وذلك تارّة بالارتسام والائتمار، ويقال أتبعه: إذا لحقه2.
 

1- سورة النور، الآيتان 21 - 22.
2- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص162.
 
 
 
81

62

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 - ﴿خُطُوَاتِ﴾: هو المشي قدمًا قدمًا، لا المشي المطلق3.


- ﴿الشَّيْطَانِ﴾: معروف، وكلّ متمرّد من الجنّ والإنس والدواب شيطان4.

- ﴿َالْمُنكَرِ﴾: والمنكر خلاف المعروف... وكلُّ ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرهه فهو منكر5.

- ﴿زَكَا﴾: النماء والريع...، وزكّى الرجل نفسه إذا وصفها وأثنى عليها. ﴿مَا زَكَا مِنكُم﴾ أي ما صلح منكم6.

- ﴿يَأْتَلِ﴾: هو التواني والتسامح الموجب للتقصير والتأخير في العمل وقضاء الأمر، ومن لوازم هذا المعنى: ترك العمل وعدم صرف الاستطاعة في طلبه وتحصيله، والإبطاء والتأخير7.

- ﴿َالْمَسَاكِينَ﴾: المسكين: الّذي لا شيء له، وقيل الّذي لا شيء له يكفي عياله8.

- ﴿وَلْيَعْفُوا﴾: العفو: هو صرف النظر عن شيء في مورد يقتضى النظر والتوجّه إليه، ومن مصاديقه: صرف النظر عن الذنوب9.

- ﴿َلْيَصْفَحُوا﴾: صفح: الصفح: الجنب. وصفح الإنسان: جنبه. وصفح كلّ شيء: جانِبُه. وصفحة الرجل عرض وجهه. ونظر إليه بصفح وجهه وصفحه أي بعرضه... ويقال صفح فلان عفا أي أعرض بوجهه والمقصود بالآية الإعراض عن ذنوب الناس10.

- ﴿يَغْفِرَ﴾: غفر: الغفور الغفّار (جلّ ثناؤه)، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما الساتر لذنوب عباده... وقد غفر، بغفره غفرًا: ستره11.
 
 

3- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج3، ص89.
4- لسان العرب، ج8، مادّة شطن.
5- م. ن، مادة نكر.
6- م. ن، مادّة زكا.
7- م. ن، مادّة سكن.
8- التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص165.
9- م.ن، ج8، ص183.
10- لسان العرب، مادّة صفح.
11- م.ن، مادّة غفر.
 
 
 
82

63

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 2- المعنى التفصيلي:

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾
أ - طريق الشيطان
من أجل الحفاظ على نورانيّة النفس وصيانة الفطرة من التلوّث والانحراف عن النهج النورانيّ الّذي أودعه الله تعالى في الإنسان، تقترح السورة أولى الخطوات الوقائيّة، وهي النهي عن اتّباع خطوات الشيطان، فما هي خصوصيّة استخدام الآية ومدلولاتها لمفردتيْ "اتّباع" و"خطوات"؟

تتّضح لنا خصوصيّة هذا الاستخدام من خلال ما يلي:
- أوّلًا: "الاتّباع" في المعنى اللّغويّ هو القفو والحركة خلف شيء مادّيّ أو معنويّ، وسواءٌ أكان الاتّباع عملًا أم فكرًا. والاتّباع هو افتعال، ويدلّ على القفو بالاختيار والإرادة، كما هو مقتضى المطاوعة. وحقيقة الاتّباع هي جعل الغير تابعًا، أو جعل نفسه تابعًا للغير وهذا معنى اللّحوق، إذا لم يكن تابعًا ثمّ جعله تابعًا1. ولمّا كان الاتّباع والمشي التامّ خلف شخص يقتضي أن يسلك مسلكه وأثره في أيّ طريق، وبأيّ طريق، وإلى أيّ طريق، وفي كلّ قدم، وإلى كلّ جانب قدمًا فقدمًا، فكذلك الاتّباع في الأعمال والأخلاق والسلوك المعنويّ للشيطان. فإنّ اتّباعه يسوق إلى الضلال وارتكاب الفحشاء، والمنكر، والتعدّي إلى ما حرّم اللَّه، والخروج عن طاعة اللَّه وصراطه المستقيم، وعن التسليم والطاعة له تعالى .فخطواته عبارة عن قطعات سيره وسلوكه، وجزئيّات حركاته وسكونه، ولا يخفى أنّ أوّل قدم منه هو رؤية النفس والتوجّه إليها، وتكبيرها وتجليلها، وهذا يخالف العبوديّة، ويجرّ الإنسان إلى أيّ وادٍ مظلم مضلٍّ مهلك2.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص378.
2- المصدر نفسه، ج3، ص89.
 
 
 
83

64

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 ثانيًا: اتّباع الخطوات: عندما يسلك الإنسان متّبعًا خطوات الشيطان، فمعناه السير قدمًا الخطوة تلو الأخرى على أثر الشيطان، بالتّالي فإنّ السالك في هذا الطريق لن يتمكّن من العودة إلّا بالتراجع إلى الوراء بمقدار الخطوات الّتي خطاها في هذا الطريق، وعليه أن يمحو أثر الخطوات الّتي خطاها أيضًا. وهذا ما يتضمّنه مفهوم التوبة عن الذنب الّذي أكّدت عليه الآيات السابقة من السورة. فالتوبة كما في الآيات تتحقّق بالعودة عن الذنب ومن ثمّ الإصلاح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾1, ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾2.


ب- لماذا النهي عن اتّباع خطوات الشيطان؟
استنادًا لما تقدّم نستنتج ما يلي:
إنّ سياسة الشيطان في إغواء الإنسان هي سياسة تدريجيّة للنفوذ إلى باطنه، ويتّبع في سبيل الوصول إلى ذلك خطوات متتابعة، أي خطوة خطوة.

وبحسب ما بيّنت الآيات القرآنيّة في سورة النور (2-20)، فإنّ الشيطان يبدأ عمله من داخل الإنسان (حبّ إشاعة الفاحشة)، وتدريجيًّا، عندما يرى استجابة من الإنسان يوقعه - باختياره - في الخطأ إلى أن يوصله إلى ارتكارب الفحشاء والمنكر.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام ما يؤكّد أنّ للشيطان أفخاخًا ومكائدَ، كما في وصيّته عليه السلام لعبد الله بن جندب، قال: "يا عبد الله، لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور، فما يقصد فيها إلّا أولياءنا، ولقد حلّت الآخرة في أعينهم حتّى ما يريدون بها بدلًا". ثمّ قال: "آه آه على قلوب حشيت نورًا، وإنّما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الأرقم3 والعدوّ الأعجم، أنسوا بالله واستوحشوا ممّا به استأنس المترفون،
 

1- سورة النور، الآية 5.
2- سورة النور، الآية 17.
3- حشيت أي ملأت والشجاع - بالكسر والضم -: الحية العظيمة التي تواثب الفارس وربما قلعت رأس الفارس وتكون في الصحارى ويقوم على ذنبه. والأرقم: الحية التي فيها سواد وبياض وهو أخبث الحيات ويحتمل أن يكون الشجاع الأقرع وهو حية قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها.
 
 
 
84

65

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 أولئك أوليائي حقّا وبهم تكشف كلّ فتنة وترفع كلّ بلية"1.


فمكائد الشيطان وحبائله وفتنه تلزمنا مجاهدة هذا المخلوق الّذي لا همّ له إلّا إيقاعنا في معصية الله تعالى. وهذا ما أكّده الإمام الكاظم عليه السلام في وصيّته لهشام، قال: "وجاهد نفسك لتردّها عن هواها، فإنّه وجب عليك كجهاد عدوّك". قال هشام: فقلت له: فأيّ الأعداء أوجبهم مجاهدة؟ قال عليه السلام: "أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرّهم بك وأعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصًا مع دنوّه منك، ومن يحرّض أعداءك عليك وهو إبليس الموكّل بوسواس (من) القلوب، فله فلتشتدّ عداوتك. ولا يكوننّ أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنّه أضعف منك ركنًا في قوته، وأقلّ منك ضررًا في كثرة شرّه. إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم"2.

د- مصاديق خطوات الشيطان:
يفسّر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الشيطان بأنّه كلّ شخص فاسد ومؤذ ومخرّب، معتبرًا أنّ هذا التحذير من اتّباع خطوات الشيطان هو تحذيرٌ شاملٌ لجميع أبعاد حياتنا، وحيث لا يمكن جرّ أيّ إنسان مؤمن متطهّر مرّة واحدة إلى الفساد، فإنّ ذلك يتمّ خطوة بعد أُخرى في طريق الفساد:
الخطوة الأولى: مرافقة الملوّثين والمنحرفين.
الخطوة الثانية: المشارکة في مجالسهم.
الخطوة الثالثة: التفکير بارتکاب الذنوب.
الخطوة الرابعة: ارتکاب الأعمال المشتبه بها.
الخطوة الخامسة: ارتکاب الذنوب الصغيرة.
 
 

1- ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، إيران - قم، 1404هـ.، ط2، ص301.
2- ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصيّته عليه السلام لهشام وصفته للعقل، ص400.
 
 
 
85

66

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 وأخيرًا: الابتلاء بالکبائر، وکأنّ الإنسان في هذه المرحلة يسلّم نفسه لمجرم ليقوده نحو الهاوية، أجل هذه "خطوات الشّيطان"1 2.


وروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام: "إنّ من خطوات الشيطان الحلف بالطلاق، والنذور في المعاصي، وكلّ يمين بغير الله تعالى". وقال القاضي: "يريد وساوس الشيطان وخواطره". وقال الماوردي: "هو ما ينقلهم به من معصية إلى معصية، حتّى يستوعبوا جميع المعاصي، مأخوذ من خطو القدم، في نقلها من مكان إلى مكان، حتى يبلغ مقصده"3.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

أ- التزكية من نعم الله تعالى:
في هذا المقطع من الآية الكريمة تكرارٌ للتذكير بفضل الله تعالى ورحمته، وقد صرّح في هذه المرّة الثالثة بجواب لولا، وهو قوله: ﴿مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. فكما أنّ التشريعات الإلهيّة، إضافة إلى فتح باب التوبة للمذنبين ليعودوا عن ذنبهم، وإمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة الّتي يستحقونها، هي من مظاهر فضل الله تعالى وتجلّيات رحمته، فكذلك التزكية. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ إلى آخر الآية، رجوع بعد رجوع إلى الامتنان بالفضل والرحمة.

"فالفضل والرحمة تارة يكون لهما جانب تشريعيّ عن طريق الرسل عليهم السلام والكتب السماويّة وما فيها من تعاليم إلهيّة وبشارات وإنذارات سماويّة، وأخرى يتّخذ الفضل والرحمة الإلهيّة جانبًا تكوينيًّا عن طريق الإمدادات المعنويّة الإلهيّة. وقد استهدفت الآياتموضع البحث القسم الثاني، بدليل عبارة ﴿مَن يَشَاء﴾"4.
 

1- راجع: الشيخ الشيرازي، الأمثل، بحث الفرق بين الفحشاء والمنکر في تفسير الآية 90 من سورة النحل.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص57.
3- الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج1، ص468.
4- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص58.
 
 
 
86

67

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 "ولأنّ التزكية فضلٌ ورحمةٌ من الله تعالى لا تُفاض إلا على المستعدّ لها، أي القابل للهداية، فبهذا تعلّقت المشيئة الإلهيّة، فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾, إضراب عمّا تقدّمه، فهو تعالى يزكّي من يشاء. فالأمر إلى مشيته، ولا يشاء إلا تزكية من استعدّ لها وسأله بلسان استعداده‏ ذلك، وإليه يشير قوله: ﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾, أي سميع لسؤال من سأله التزكية عليم بحال من استعدّ لها"1.


رسالة الآيات
إيّاكم واتّباع خطوات الشيطان لأنّه يقودكم في طريق الضلال الّذي يخرجكم من دائرة الفضل والرحمة الإلهيّة فتحجب عنكم نعم الله تعالى، واسلكوا طريق التزكية لأنفسكم كي تكونوا محلًّا لمشيئة الله تعالى بأن تنالوا الهداية الّتي هي مظهر فضله ورحمته تعالى.

احذروا أن تتجاوزوا حكم الله تعالى، لأنّ ذلك بحدّ ذاته ذنب يحتاج إلى الاستغفار كي يغفره الله تعالى، واعفوا واصفحوا عن المذنين يغفر الله لكم.

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

أ- معنى الآية:
يشير المعنى اللّغويّ للأصل الّذي تعود إليه مفردة "يأتل" إلى أنّ هناك مَن قصّر - سواء بالتباطؤ أم التأخير - في إيصال حقوق عدد من المساكين والمهاجرين. والآية تتضمّن نقاطًا عدّة نذكر منها:
- عددٌ ممّن تورّط في قضيّة الإفك كانوا من المهاجرين في سبيل اللّه، إذ خدعهم المنافقون، ولم يجز اللّه طردهم من المجتمع‏ الإسلامي لماضيهم المجيد، كما لم يسمح بعقابهم أكثر ممّا يستحقونه.

- هناك أشخاص من ذوي القدرة الماليّة (أولي الفضل منكم والسعة) قطعوا مساعدات كانوا يقدّمونها لبعض المسلمين كعقوبة على مشاركة هؤلاء في إشاعة الإفك.
 

1- ينظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص 93-94.
 
 
 
87

68

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 - تأمر المسلمين (أولي الفضل والسعة) بالعفو والصفح بقولها: وليعفوا وليصفحوا.


- على الرغم من أنّ أصحاب الإفك أدينوا بشدّة في آيات شديدة اللّهجة، إلّا أنّ الآية تدعو إلى أن يسيطر المفرطون على مشاعرهم، إذ لا يمكنهم أن يكونوا أحرص من اللّه الّذي هو صاحب هذا الحكم، وهو يأمر بألّا تقطع المساعدات.

- بما أنّ هؤلاء اتّخذوا قرارًا بمعاقبة المشاركين في الإفك دونما عودة إلى حكم الله تعالى، فإنّ قرارهم هذا بحدّ ذاته ذنبٌ يحتاج إلى الاستغفار كي يغفره الله تعالى. لذلك تخاطبهم الآية مستخدمة أسلوب التشجيع والترغيب، فمثلما تأملون من اللّه العفو عنكم وأن يغفر خطاياكم، يجب عليكم العفو والصفح عن الآخرين‏، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏1.

ب- المعنى الإجمالي:
- تحثّ الآيات المباركة المؤمنين على سلوك طريق تزكية النفس عبر نهيهم عن اتّباع خطوات الشيطان، وتشير إلى الأسلوب الّذي يعتمده الشيطان في الغواية: ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾، وتلفت إلى أنّ التزكية هي في الحقيقة منّة إلهيّة يمنّ بها الله على من أحسن طلبها.

- تنهى الآيات عن تجاوز العقوبات المقرّرة من الله تعالى، وتحثّ على العفو والصفح عن المذنبين، لنيل المغفرة من الله الغفور الرحيم.

لعلّكم تذكَّرون
التزكية وسيلة السلامة في الدنيا والآخرة
الإنسان في هذه الدنيا سالكٌ إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ2, وهو في هذا السلوك مخيّر بين طريقين، وأيّ خطوة يخطوها في كلّ منهما تبعده عن الطريق الآخر، فعليه أن يدرس خطواته مسبقًا بشكل جيّد، فلا
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص 59 - 61 (بتلخيص).
2- سورة الانشقاق، الآية 6.
 
 
 
88

69

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

يخطو إلّا فيما يؤدّي به إلى الهدف السالك إليه، وهو في سلوكه مبتلى بنفس أمّارة بالسوء، ألهمها ربّها الفجور والتقوى، فإن أراد الفوز والفلاح سلك طريق التزكية، وإن سلك طريق التدسية فقد خاب وخسر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾1.

 


1- سورة الشمس، الآيتان 9 – 10.

 

 

 

89


70

الدرس السادس: الآيتان 21-22: نحو مجتمع النور(1): تزكية النفس

 المفاهيم الرئيسة


1- اتّباع خطوات الشيطان معناه السير قدمًا الخطوة تلو الأخرى على أثر الشيطان، وهو منهيّ عنه، لأنّه يضرّ بالإيمان.

2- إنّ سياسة الشيطان في إغواء الإنسان هي سياسة تدريجيّة للنفوذ إلى باطنه، ويتّبع في سبيل الوصول إلى ذلك خطوات متتابعة أي خطوة خطوة.

3- يعتمد الشيطان في جذب سالكي طريقه على أسلوب الأمر بالفحشاء والمنكر.

4- إنّ طريق السلامة من الشيطان وخطواته يكون في سلوك طريق تزكية النفس التي تمثّل مظهرًا من مظاهر الفضل والرحمة الإلهيّة.

5- التزكية تطهير وإصلاح، والأصل في التزكية: هو تنحية ما ليس بحقّ وإخراجه عن المتن السالم، وذلك كإزالة رذائل الصفات عن القلب.

6- من الضروري تقدّم التخلية على التحلية حتّى تتحقّق التجلية.

7- العلاقة بين المراحل الثلاث هي علاقة طوليّة، إلّا أنّ الطوليّة المشار إليها بين المراتب الثلاث تعني الطوليّة بين مصاديق الأخلاق الذميمة ومصاديق الأخلاق الكريمة.

8- الطوليّة لا تعني إتمام مراسم المرحلة السابقة ثمّ الدخول في اللّاحقة، إنّما يُراد بها الطوليّة بين كلّ مصداق وما يقابله.

9- المرابطة القلبيّة مع إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف تتمّ عبر سلوك طريق تزكية النفس الّتي تؤدّي إلى تمكين المعتقدات الحقّة في القلوب، فيتّصل شعاع قلب المؤمن بإمام زمانه، ويتحقّق الارتباط الباطنيّ والروحيّ مع المنتظر والإمام عليه السلام.
 
 
 
 
90

71

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 الدرس السابع

 

الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد المقصود بالعقوبة الّتي تقرّرها الآيات لمرتكب القذف: اللّعن، شهادة الجوارح.
2- يشرح معنى: توفية الدين الحقّ، معرفة الله الحقّ المبين الواردة في الآيات.
3- يبيّن معنى تزكية الجوارح وموقعيّتها في عمليّة تزكية النفس.
 
 
 
 
 
91

72

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 تمهيد

للذنوب في الدنيا عقوبات، كالحدود والقصاص والتعزيرات، ولها آثار. ولكنّ هذه العقوبة الدنيويّة لا تلغي العقوبة والأثر البرزخيّ، ولا العقوبة والأثر الأخرويّ. وتشكِّل هذه جزءاً رئيساً من نظام حماية المجتمع من خلال نظام العقوبات والردع عن أعراض الناس. فما هي العقوبة والآثار الأخرويّة للذنوب الّتي بيّنتها الآيات؟

نصّ الآيات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ *  الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿الْغَافِلَاتِ﴾: غفل: أصل صحيح يدلّ على ترك الشيء سهوًا، وربّما كان عن عمد2، وهو ما يقابل التذكَّر. فالغفلة: عبارة عن انتفاء التذكَّر3.
 

 1- سورة النور، الآيات 23 – 26.
2- أحمد بن فارس بن زكريا (ابن فارس)، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص386.
3- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص246.
 
 
 
93

73

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 - ﴿لُعِنُوا﴾: لعن: أصل يدلّ على إبعاد وإطراد1، وهذا من اللَّه تعالى إبعاد عن رحمته ولطفه، ومن الناس إبعاد عن رحمة اللَّه تعالى بالدعاء عليه، والمسألة من اللَّه بسخطه وغضبه عليه2.


- ﴿تَشْهَدُ﴾: أصل يدلّ على حضور وعلم وإعلام3.

- ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾: وفى: كلمة تدلّ على إتمام وإكمال، منه الوفاء: إتمام العهد وإكمال الشرط. سواء أكان التعهّد بالتكوين أم بالتشريع أم بالجعل العرفيّ4.

- ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: الأصل هو ما يخالف الطيّب، وقد استعملت في كلام اللَّه المتعال أيضًا في مقابل الطيّب، ومن مصاديق الأصل: الزنا في الأفعال، والبول والغائط في الموضوعات، والبصل والثوم في الروايح5.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

أ- عقاب القاذف في الآخرة:
بيّنت الآية الرابعة من سورة النور حكم القذف، فحدّدت حدّ القاذف، وما يستتبع القذف من أحكام من بطلان الشهادة ووصفه بالفسق. وجميع هذه العقوبات هي عقوبات دنيويّة، لذلك جاءت هذه الآية لتبيّن عقاب القاذف في الآخرة، والّذي هو اللعن والعذاب العظيم. كما أشارت إلى أنّ اللعن كعذابٍ ليس محصورًا فقط في الآخرة، بل إنّ القاذف ملعون في كلا الداريْن: الدنيا والآخرة.

فالآية تخبر عن عقاب الله تعالى للّذين يرتكبون هذا النوع من الكبائر. "فاللعن: في
 

1- أحمد بن فارس بن زكريا (ابن فارس)، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص252.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10، ص203.
3- أحمد بن فارس بن زكريا (ابن فارس)، معجم مقاييس اللغة، ج3، ص221.
4- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13، ص161.
5- المصدر نفسه، ج3، ص8.
 
 
 
94

74

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 الدنيا التفسيق، وسلب أهليّة الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم وحدّ القذف، أمّا اللعن في الآخرة فالإبعاد من رحمة اللّه"1. فهؤلاء مبعدون عن رحمة الله تعالى ولطفه، مشمولون بغضبه وسخطه في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، ولهم فوق ذلك عذاب عظيم يتناسب مع فداحة وعظم ما اقترفوه من ذنب. ولبيان ذلك، "فقد أوردت الآية ثلاث صفات للمقذوفات، هي:

- الإحصان.
- الغفلة.
- الإيمان.

فإن كلًّا من الإحصان، بمعنى العفّة، والغفلة والإيمان سبب تامّ في كون الرمي ظلمًا والرامي ظالمًا والمرميّة مظلومة. فإذا اجتمعت، كان الظلم أعظم ثمّ أعظم، وجزاؤه اللعن في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم، والآية عامّة وإن كان سبب نزولها، لو نزلت في جملة آيات الإفك، خاصًّا2.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

ب- شهادة الجوارح يوم القيامة:
تتابع الآية الإخبار عن العذاب الأخرويّ لمرتكبي الذنوب عمومًا، والقذف خصوصًا. فتبيّن أنّ موعد العذاب العظيم الّذي سينالونه هو في يوم القيامة، حيث ستنطق الجوارح، وتشهد يوم القيامة بكلّ ما فعلت واكتسبت من خير أو شرّ. فالظرف متعلّق بقوله في الآية السابقة: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

- أمّا المراد بقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كما يقتضيه إطلاقه مطلق الأعمال السيّئة - كما قيل - لا خصوص الرمي، بأن تشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم على رميهم. فالمراد بالشهادة شهادة الأعضاء على السيّئات والمعاصي بحسب ما يناسبها، فما كان منها من قبيل الأقوال، كالقذف، والكذب، والغيبة ونحوها شهدت عليه الألسنة، وما كان منها من قبيل الأفعال، كالسرقة، والمشي للنميمة،
 

1- ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ، لبنان - بيروت، لا.ت، ط1، ج18، ص153.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن،ج15، ص94.
 
 
95

75

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 والسعاية وغيرهما شهدت عليه بقيّة الأعضاء. وإذ كان معظم المعاصي من الأفعال للأيدي والأرجل اختصّت بالذكر. وفي الحقيقة، الشاهد على كلّ فعل هو العضو الّذي صدر منه، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ1,، وقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾2, وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾3,4.


قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.

هذه الآية هي الموضع الوحيد الّذي وُصف الله سبحانه وتعالى فيه بـ ﴿الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ في القرآن، والحقّ كاسم من أسماء الله تعالى ورد في عشر آيات من القرآن الكريم، وهذا هو الموضع الوحيد الّذي جاء فيه اسم الله الحقّ تذييلًا، ففي الآيات الأخرى كلّها يأتي الاسم ضمن الآية. وقد اعتبر السيّد الطباطبائي أنّ هذه الآية من غرر الآيات القرآنيّة، فهي تفسّر معنى معرفة الله.

وتستوقفنا من أجل فهم معنى الآية نقطتان:
1- توفية الدين الحقّ.
2- معرفة الله المنبثقة عن العلم بأنّه الحقّ.

ج- فكيف تكون توفية الحساب (الدين الحقّ)؟
بيّن الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا الدين بما يعنيه من المعتقد والشريعة، وأمرنا بلزوم الطاعات واجتناب المعاصي، ولكنّه جلّ وعلا لم يشر إلى أسرار الدين. على سبيل المثال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرّف الغيبة بأنّها "أدام كلاب النار"5. في القيامة تظهر حقيقة الغيبة وباطنها، وكذلك جميع المعاصي، بل جميع حقائق الدين، وذلك أعمّ من الجزاء، فظهور الدين يوم القيامة له موارد متعدّدة، فهو يعني ظهور الشريعة الإلهيّة والعقائد والأخلاق والأعمال.
 

1- سورة فصلت، الآية 20.
2- سورة الإسراء، الآية 36.
3- سورة يس، الآية 65.
4- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص95.
5- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص382.
 
 
 
96

76

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 ولهذا أطلق القرآن الكريم يوم الدين على يوم القيامة، لأنّ ذلك اليوم هو اليوم الّذي يظهر فيه الدين، فظهور الدين حتميّ وواقعيّ، والدين أكثر من الجزاء، إذ تظهر حقائق عظيمة في ذلك اليوم، كالتوحيد، والنبوّة والولاية، وحقائق التكليف وأسرار العبادات، وحقيقة باطن الإنسان. فيوم القيامة تظهر بواطن جميع هذه الأمور، وتظهر جميع معارف القرآن وحقائقه وجميع أبعاد الدين، وهذا ما يعبّر عنه بتوفية الدين. والحقّ في الدنيا ظاهر وواضح، لأنّ الله نور السماوات والأرض، إذ لا يوجد حجاب وحرمان من الشهود، ولكن ذلك بسبب حجاب باطن الإنسان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي1, ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ2.


ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ يوم ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف هو يوم ظهور، ولكن ليس الحقّ الكامل، بل إنّ يوم القيامة هو يوم توفية الدين الحقّ، فيظهر الله تعالى فيه حقيقة الدين، فيشاهد الحقّ بوضوح. ولا بدّ أن نشير إلى أنّ الدين بمعنى الجزاء المطلق يشمل الجزاء الدنيويّ والجزاء الأخرويّ، على الرغم من أنّ شيوع الجزاء وكماله وتمامه يكون يوم القيامة3.

د- معرفة الله الحقّ المبين:
الحقّ: على ما قال الراغب الموجد للشي‏ء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وفسّره بعضهم بالعادل، والأكثرون على تفسيره بالواجب لذاته، وكذا في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.

المبين: إمّا من أبان اللّازم أي الظاهر حقيّته على تقدير جعله نعتًا للحقّ، أو الظاهر ألوهيّته عزّ وجلّ على تقدير جعله خبرًا ثانيًا، أو من أبان المعتدي أي المظهر للأشياء كما هي في أنفسها4.

والآية تفسّر معنى معرفة الله، فإنّ قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ينبئ أنّه تعالى هو الحقّ لا سترة عليه بوجه من الوجوه، ولا على تقدير من التقادير، فهو من أبده البديهيّات التي لا يتعلّق بها جهل، لكنّ البديهيّ ربّما يغفل عنه، فالعلم به تعالى هو ارتفاع الغفلة عنه الّذي ربما يعبّر عنه بالعلم، وهذا هو الّذي يبدو لهم يوم القيامة، فيعلمون أنّ الله هو الحقّ المبين5.
 

1- سورة الكهف، الآية 101.
2- سورة الحج، الآية 46.
3- راجع : الشيخ جوادي آملي، تفسير تسنيم، الآية 3 من سورة الحمد (فارسي - بتصرف).
4- الآلوسي، السيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1415هـو ط1، ج9، ص 326.
5- السيد الطباطبائي، ج15، ص 95.
 
 
 
97

77

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 فالله هو الحقيقة المشرقة الثابتة الواضحة الّتي لا مجال للشك فيها فضلًا عن إنكارها، وهو الّذي يؤكّد الحقّ في حسابه للناس كما يؤكّده في ما يقرّره من حقائق التشريع ومفاهيم العقيدة. وهناك يعرف الجميع الحقّ في ذات اللّه، والحقّ في طبيعة الموقف على مستوى الحساب والمصير.


قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

هـ- سنّة تكوينيّة:
ذكر المفسّرون تعاريف مختلفة لـ "الخبيثات" و"الخبيثون" و"الطيّبات" و"الطيّبون"، منها:
- إنّ المراد هو الكلام السيّئ والتهمة والافتراء والكذب الصادر عن‏ المخطئين والمذنبين من الناس، وعلى العكس من ذلك الكلام الطيّب ما يصدر عن الطيّبين المتطهّرين، وحسبما يقول المثل المأثور: "ينضح الإناء بما فيه".

- إنّ كلمة "الخبيثات" تعني "السيّئات"، وكلّ الأعمال السيّئة وغير المرغوب فيها الّتي تصدر عن الخبيثات من النّاس، وعلى العكس من ذلك "الحسنات" الخاصّة بالطيّبين من الناس.

- "الخبيثات" و"الخبيثون" تعنيان النساء والرجال الساقطين، وهما عكس "الطيّبات" و"الطيّبون" الخاصّتان بالنساء والرجال المتطهّرين. وظاهر الآية قصد هذا المعنى بذاته، حيث هناك قرائن تؤكّد هذا المعنى:
أ- جاءت هذه الآيات إثر آيات الإفك، وبعد آية ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾1,‏ وهذا التفسير ينسجم مع مفهوم تلك الآيات.

ب- إنّ جملة ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الّتي تقصد الرجال والنساء الطاهرين من الدنس دليلٌ آخر على صحّة هذا التّفسير.
 

1- سورة النور، الآية 3.
 
 
 
98

78

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 ج- قرينة المقابلة لجمع المذكر السالم في "الخبيثون" حيث يقصد بها الرجال الخبيثون، فمن ذلك يُعلم أنّ الخبيثات جمع مؤنث حقيقيّ، وتعني النساء الساقطات.


فالآية تشير إلى سنّة تكوينيّة تطبّق على المخلوقات جميعًا، وهي جذب الشي‏ء لنظيره، فأصحاب النور ينجذبون إلى أصحاب النور، وأصحاب النار يميلون إلى أصحاب النار1.

رسالة الآيات
لا تقذفوا المحصنات الغافلات المؤمنات كي لا يشملكم غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، ويبعدكم الله عن ساحة رحمته ولطفه.

تجنّبوا الذنوب واعملوا على تزكية أنفسكم، فإنّكم ستقفون بين يديه تعالى في يوم الحساب حيث ستشهد عليكم جوارحكم بما كسبتم بها من خير أو شرّ، وستتجلّى لكم في ذلك اليوم حقائق أعمالكم.

حافظوا على طهارة نفوسكم، ولا تلوّثوها بالخبائث من الذنوب والآثام، ولا تتلوّثوا بمشاركتكم وخوضكم بالباطل. فانجذاب أصحاب النور للنور وأصحاب الظلمة للظلمة هو سنّة كونيّة.

3- المعنى الإجمالي:
تبيّن الآيات العقاب الأخرويّ لمرتكبي القذف، فهؤلاء مبعدون عن رحمة الله تعالى ولطفه، مشمولون بغضبه وسخطه في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، ولهم فوق ذلك عذاب عظيم، يتناسب مع فداحة وعظم ما اقترفوه من ذنب، سينالونه يوم القيامة، حيث ستنطق جوارحهم وتشهد بكلّ ما فعلت واكتسبت من خير أو شرّ، وبذلك يتجلّى الدين الّذي أدانه هؤلاء الّذين ارتكبوا تلك الذنوب، إذ يشاهدون حقائق ما اختلفوا فيه من المعارف الدينيّة الحقّة والأعمال الصالحة، وما أخلدوا إليه من الباطل، ويفصل بينهم بظهور الحقّ وانجلائه.

كما تشير الآيات إلى سنّة تكوينيّة تطبّق على المخلوقات جميعًا، وهي جذب الشي‏ء لنظيره، فأصحاب النور ينجذبون إلى أصحاب النور، وأصحاب النار يميلون إلى أصحاب النار.
 

1- راجع: الشيخ الشيرازي، الأمثل ، ج11، ص 62-66.
 
 
 
99

79

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 لعلّكم تذكَّرون

تزكية النفس وسيلة السلامة الدنيويّة والأخرويّة
إنّ شهود المحكمة الإلهيّة كما صرّحت الآيات القرآنيّة: أوّلًا الذات الإلهيّة المقدّسة، ثمّ الأنبياء والمرسلون، وبعدهم الملائكة المقرّبون، وبعدهم أعضاء وجوارح الإنسان، ثمّ الأرض الّتي نعيش على ظهرها. فقد أحاط الله تعالى الإنسان بكثير من الشهود، وجعلهم يقفون على أعماله بشكل تامّ، مع أنّ شهادته جلّ وعلا وحدها كافية من أجل توفية الحساب، وإحقاق الحقّ يوم القيامة. هذا الشعور بالرقابة الإلهيّة هو أحد أهمّ المحفّزات الّتي تحثّ الإنسان على سلوك طريق تزكية النفس، فكلّما كان عدد الشهود والمراقبين لـلإنـسان أكثر زاد من تأثيرها التربويّ على الإنسان، فصار أكثر حرصًا على أفعاله وأقواله.

والإنسان في عملية سيره وسلوكه إلى الله يمرّ بمرحلتيْن:
الأولى: مرحلة تهذيب وتزكية المعتقد، لأنّ أصول الدين تشكّل الأسس لفكر الإنسان وسلوكه. فمّما لا شكّ فيه أنّ النظرة الاعتقاديّة الّتي يحملها الإنسان عن الكون والخالق والنبوّة والإمامة وغير ذلك، تؤثّر على عمليّة السير والسلوك في مقام العمل.

الثانية: مرحلة التهذيب العمليّ، أي ما يسمّى تزكية النفس. وهذه المرحلة تحتاج الى أركان تنطلق منها وتبنى عليها عملية التزكية1، ...
 

1- للتفصيل يراجع: الحائري، السيّد كاظم، تزكية النفس، دار البشير، إيران - قم، 1430هـ، ط5، ص80- 133 (بتصرّف وزيادة).
 
 
 
100

80

الدرس السابع: الآيات 23-26: نحو مجتمع النور(2): تحصين المجتمع

 المفاهيم الرئيسة


1- اللعن هو العقوبة الّتي تبيّنها الآيات للقاذف، فالقاذف ملعونٌ في كلا الدارين: الدنيا والآخرة.

2- اللعن: في الدنيا التفسيق، وسلب أهليّة الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم، وحدّ القذف، أمّا اللعن في الآخرة فالإبعاد عن رحمة اللّه.

3- العذاب العظيم الّذي سيناله مرتكبو الذنوب عمومًا، والقذف خصوصًا، هو حين تنطق الجوارح، وتشهد يوم القيامة بكلّ ما فعلت واكتسبت من خير أو شرّ.

4- لظهور الدين يوم القيامة موارد متعدّدة، فهو يعني ظهور الشريعة الإلهيّة والعقائد والأخلاق والأعمال.

5- بعد أن يُشهد الله الجوارح الّتي ارتكبت المعصية على أصحابها، يأتي موعد توفية الحساب بإظهار حقائق ما اقترفوه من ذنوب عظيمة، وبذلك يتجلّى الدّين الّذي أدانه هؤلاء الّذين ارتكبوا تلك الذنوب.

6- جذب الشي‏ء لنظيره سنّة تكوينية، فأصحاب النور ينجذبون إلى أصحاب النور، وأصحاب النار يميلون إلى أصحاب النار.

7- جهاد النفس - وهو الجهاد الأكبر الّذي يعلو على القتل في سبيل الحقّ تعالى - يشمل المقامين.

8- جهاد النفس في المقام الأوّل هو عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهريّة، وجعلها تأتمر بأمر الخالق.

9- أولى الخطوات التي يجب أن يتّبعها السالك في مجال تزكية النفس هي: ذكر الله تعالى، فهو في الحقيقة مفتاح تزكية النفس.

10- الإنسان في عمليّة سيره وسلوكه إلى الله يمرّ بمرحلتين:
الأولى: مرحلة تهذيب وتزكية المعتقد.
الثانية: مرحلة التهذيب العمليّ، أي ما يسمّى تزكية النفس.
 
 
 
 
 
101

81

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 الدرس الثام

 

الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد معنى الاستئناس في الآية ويشرح مراحل تحقّقه.
2- يبيّن معنى الأدب ويشرح علاقة التزام الآداب بالتزكية.
3- يفصّل الآداب والأحكام الخاصّة بدخول منازل الغير.
 
 
 
 
 
103

82

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 تمهيد

بعد أن عالجت السورة الموضوعات الّتي تخلّ بالبنية الاجتماعيّة من الزنا والقذف وغيرها، إضافة إلى الآفّات التي تساهم في تفكيك الجماعة المسلمة من البهتان والنميمة وسوء الظنّ وتناقل الشائعات، في إطار دعوة إلى تخلية المجتمع من هذه المحرّمات والآفّات، تشرع في سنّ مجموعة من الأحكام والآداب الّتي يجب أن يتحلّى بها المجتمع الإسلاميّ، وأوّل ما تبدأ به هو أدب دخول بيوت الغير، فما هي أهمّيّة هذا الأدب؟ وما هو أثره على العلاقات الاجتماعيّة؟ وما هي أحكام الاستئذان وموارده؟

نصّ الآيات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *  فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: الأنس: هو القرب مع الظهور بعنوان الاستئناس، في مقابل النفور والوحشة والبعد، وهو في الآية كناية حسنة عن الإذن، أي تطلبوا منهم القرب والظهور ورفع الحجاب والغيبة والستر بينهما2.
 

1- سورة النور، الآيات 27 – 29.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص 158- 162.
 
 
 
105

83

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 - ﴿مَتَاعٌ﴾: متع: أصل يدلّ على منفعة وامتداد مدّة في خير، وكون الشيء ذا انتفاع يوجب حصول التذاذ وتلاؤم أو رفع حاجة1.


2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

خاطب الله تعالى المؤمنين على سبيل التخصيص والتشريف في هذه الآية، لأنّ الّذين آمنوا يحرصون على تنفيذ أمر الله، ويستجيبون له، ويتأدّبون بآداب الإسلام. لذلك وجّه الله سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين في كلّ زمان ومكان هذا التوجيه، وهذا التوجيه ينضوي تحت آداب المعاشرة، والّتي لها علاقة وثيقة بقضايا عامّة مرتبطة بحفظ العفّة، أيّ كيفيّة الدخول إلى بيوت الناس، وكيفيّة الاستئذان بالدخول إليها. والمطلوب أن يتأدّب الجميع بهذا الأدب، لأنّ هذه الآداب من صفات المؤمنين الّذين ينصاعون لأمر الله، ولتوجيهه تعالى.

في الآية نقاط رئيسيّة عدّة:
أ- الاستئناس.
ب- التسليم.
ت- ارتباط الآداب بالفطرة الإنسانيّة.

أدب الاستئناس قبل دخول منازل الغير
الاستئناس في الآية يتضمّن معاني أخرى تضاف إلى الاستئذان، وهو يعني:
أولًا: طلب الدخول.

ثانيًا: إحراز وجود من له حقّ إعطاء الإذن وأخذ الموافقة، فإذا أخذت موافقته على الدخول تشعر بالأنس، وهذا المعنى تفيده كلمة الاستئناس وهي أعمّ من الاستئذان.
 

1- المصدر نفسه، ج11، ص13- 19.
 
 
 
 
106

84

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 ثالثًا: الكشف عن هويّة الطارق، فالمعنى الثالث للاستئذان أن تعلن عن اسمك وهويّتك.


رابعًا: هو استئناس أهل الدار بعد أن يعلن الطارق عن هويّته. فهذه معانٍ أربعة نستفيدها من كلمة الاستئناس.

والاستئناس من الأنس، أي الاستئذان المرافق للمحبّة واللّطف والمعرفة والإخلاص، فيمكن أن نستفيد من هذا المعنى أنّ الاستئذان يجب أن يكون برفق وأدب وصداقة، بعيدًا عن أيّ حدّة وسوء خلق1.

وقد جاءت ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق النهي، وإذا جاءت النكرة في سياق النهي أفادت العموم والشمول. فهذه الآية تشمل أيَّ بيت، فأيّ بيت لا بدّ أن لا تدخله إلّا بعد الاستئذان.

أدب السلام
الأدب الثاني الّذي تتضّمنه الآية هو أدب السّلام. وقد اختلف العلماء في فهمهم للآية، فالبعض قال إنّ السلام يسبق الاستئذان، وإنّ هناك تقديمًا وتأخيرًا في الآية، والأصل هو حتّى تسلّموا وتستأنسوا. والبعض اعتبر أنّ السلام يأتي بعد الاستئذان، وقبل أو مع دخول المنزل، وسواءٌ أكان السلام قبل أم بعد، فإنّ المتّفق عليه أنّ الاستئذان قبل دخول منازل الغير واجبٌ، أمّا السلام فهو مستحبّ مؤكّد، وأنّ الآية تشير إلى أدبيْن من آداب المعاشرة لا بدّ من التأدّب بهما، وهما الاستئذان والسلام، ولكلّ منهما أصوله وشرائطه.

قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص72 (بتصرف).
 
 
 
107

85

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 أحكام إضافيّة لدخول المنازل

فسّر آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الآية بأنّها إشارة إلى أنّه لا لزوم لانزعاج المرء إن لم يؤذن له بالدخول، فلعلّ صاحب المنزل في وضع غير مريح، أو أنّ منزله لم يهيَّأ لاستقبال الضيوف. وبما أنّ بعض الناس قد يدفعهم حبّ الاطّلاع والفضول حين رفضهم استقباله على استراق السمع، أو التجسّس من ثقب الباب لكشف خفايا أهل المنزل وليطّلع على أسرارهم، لهذا قالت الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾1.

1- التزام الآداب من وسائل تحقيق التزكية:
التزكية بما تعنيه من تطهير وإصلاح وتخلية من الرذائل وتحلية بالفضائل، ومن ثمّ تجلية ووصول إلى مرتبة العبوديّة الحقّة، هي على نوعين: فرديّ واجتماعيّ. بالتّالي، فإنّ الآداب، ومنها أدب الاستئذان، هي أحد وسائل تحقيق التزكية الاجتماعيّة، ذلك أنّ البيوت تمثّل حرمًا آمنًا لا يستبيحه أحد إلّا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الّذي يريدون، وعلى الحالة الّتي يحبون أن يلقوا عليها الناس. ذلك أنّ استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان، يجعل أعينهم تقع على عورات، وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات، وتهيّئ الفرصة للغواية الناشئة من اللّقاءات العابرة والنظرات الطائرة، والّتي قد تتكرّر فتتحوّل إلى نظرات قاصدة، تحرّكها الميول الّتي أيقظتها اللّقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار، وتحوّلها إلى علاقات آثمة بعد بضع خطوات، أو إلى شهوات محرومة تنشأ عنها العقد النفسيّة والانحرافات"2.

قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.

بيوت مستثناة من حكم الاستئذان
تستثني الآية كما هو ظاهر بعض البيوت من حكم الاستئذان، فتجيز دخول البيوت
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص72.
2- سيد قطب، السيد بن قطب بن إبراهيم الشاذلي، في ظلال القرآن، دار الشروق، لبنان - بيروت، ومصر - القاهرة، 1412هـ، ط17، ج4، ص 2508.
 
 
 
108

86

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 غير المسكونة الّتي فيها متاع للشخص. وقد اختلف المفسّرون في تحديد مصاديق هذه البيوت، فقد قال البعض: يُقصد بها المباني الّتي لا يسكنها شخص معيّن، وهي لعموم الناس، كالمنازل العامّة في الطرق البريّة، والفنادق، والحمامات العامّة وأمثالها. وقد جاء هذا المعنى بصراحة في حديث للإمام الصادق عليه السلام. وقال آخرون: إنّها إشارة إلى مخازن التجار وحوانيتهم، والّتي احتوت على متاع الناس أمانة لديهم لغرض البيع، ويمكن لكلّ صاحب متاع الدخول إلى هذا المخزن ليأخذ متاعه، وهذا التّفسير أيضًا يبدو غير منسجم مع ما قصدته الآية.


وللدلالة على أهمّيّة الالتزام بما ورد في الآيات من أحكام وآداب، وكي لا تسوّل النفس الأمّارة بالسوء للإنسان أن يتجاوز هذه الأحكام والآداب، تعقّب الآية بأنّ الله يعلم كلّ شيء. فكلّ الأعمال مكشوفة عنده عزّ وجلّ، فهو عليم خبير بطوايا نفوسكم، وبنواياكم، وبما يختلج في صدوركم.

3- المعنى الإجمالي:
تخاطب الآيات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابًا مباشرًا يتضمّن ما يلي:
- الأمر بإحراز الأنس قبل دخول منازل الغير، وهذا يدلّ على ضرورة الاستئذان وطلب الدخول، وإحراز وجود من له حقّ إعطاء الإذن وأخذ الموافقة بالدخول.
- النهي عن دخول بيوت الغير من دون إحراز الإذن بالدخول، إذ لا يكفي مجرّد الاستئذان، بل يجب الاستئناس الّذي يتضمّن أخذ الإجازة بالدخول ممّن له حقّ إعطاء الإذن.
- التأكيد على أدب السلام عند دخول بيوت الآخرين.
- تأمر بالرجوع إن لم يأذن صاحب البيت بالدخول.
- تستثني البيوت غير المسكونة الّتي فيها متاع للشخص، كالفنادق، والأماكن العامّة، وغيرها من حكم الاستئذان.

كما أنّها تعقِّب بالإشارة إلى أنّ لجميع هذه الأحكام جذورًا في الفطرة الإنسانيّة، وأنّ
 
 
 
 
109

87

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 التزامها هو من وسائل تحقيق التزكية، وتذكّر بعلم الله تعالى، فالله سبحانه شرّع هذه الآداب لعلمه بأنّها خيرٌ لكم.


لعلّكم تذكَّرون
قواعد تأسيس علاقات اجتماعيّة فاضلة
الإنسان مدنيٌّ بطبعه، يجنح إلى تكوين العلاقات مع بني جنسه. ومن هنا، فقد أقرَّ القرآن الكريم المبادئ الأساسيّة في بناء العلاقات الإنسانيّة والاجتماعيّة من أجل تحقيق حياة اجتماعيّة صالحة. وتعتبر منظومة الآداب1 الّتي حدّدتها الشريعة الإسلاميّة نقطة ارتكاز هامّة في مجال تكوين المجتمع النورانيّ الّذي يريده الله سبحانه وتعالى.

وفي هذا السياق نذكر هنا جملة من الآداب المتعلّقة بالاستئذان، مستوحاة من الآيات، ومن الروايات الواردة في هذا المضمار.

أولًا: أن يستأذن الإنسان، سواءٌ أكان رجلًا أم امرأة قبل دخول منازل الآخرين، لأنّ خطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يشمل الجنسيْن. ولقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القدوة للمسلمين كافّة، يراعي هذه الأمور بدقّة، حيث كان يستأذن عندما يريد الدخول إلى دار
 

1- الآداب في الشريعة الإسلاميّة: (استناداً إلى رؤية العلّامة الطباطبائي).
الأدب هو الهيئة الحسنة الّتي ينبغي أن يقع عليها الفعل المشروع، إمّا في الدين، أو عند العقلاء في مجتمعهم، كآداب الدعاء، وآداب ملاقاة الأصدقاء، وإن شئت قلت: ظرافة الفعل. ولا يكون إلّا في الأمور المشروعة غير الممنوعة، فلا أدب في الظلم والخيانة والكذب، ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة، ولا يتحقّق أيضًا إلّا في الأفعال الاختياريّة الّتي لها هيئات مختلفة.
والأدب - بحسب أصل معناه - هو الموافقة لغرض الحياة، ممّا لا تختلف فيه أنظار المجتمعات، لكنّه بحسب مصاديقه ممّا يقع فيه أشدّ الخلاف، وبحسب اختلاف الأقوام والأمم والأديان والمذاهب، فهناك اختلاف في الآداب الاجتماعيّة الإنسانيّة بين مجتمع وآخر، لأنّ الأدب في كلّ مجتمع كالمرآة، يحاكي خصوصيّات أخلاق ذلك المجتمع العامّة الّتي رتبتها فيهم مقاصدهم في الحياة، وركّزتها في نفوسهم عوامل اجتماعهم وعوامل مختلفة أخرى طبيعيّة أو اتّفاقيّة.
يرتبط الأدب بالغاية الّتي يطلبها الإنسان في حياته، فالغاية المطلوبة هي الّتي تشخّص أدبه، وترسم لنفسه خطًّا لا يتعدّاه إذا أتى بعمل في مسير حياته، والتقرّب من غايته. ولمّا كان الإسلام من شأنه التعرّض لجميع جهات الحياة الإنسانيّة، بحيث لا يشذّ عنه شيء من شؤونها يسيرٍ أو خطيرٍ، دقيقٍ أو جليلٍ، فلذلك وسع الحياة أدبًا، ورسم في كلّ عمل هيئة حسنة تحاكي غايته. فالأدب يتبع في خصوصيّته الغاية المطلوبة في الحياة.
والأدب الإلهيّ الّذي أدّب الله سبحانه به أنبياءه ورسله عليهم السلام هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينيّة الّتي تحاكي غرض الدين وغايته، وهو العبودية على اختلاف الأديان الحقّة بحسب كثرة موادّها وقلّتها، وبحسب مراتبها في الكمال والرقيّ.
 
 
 
110

88

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 ابنته فاطمة عليه السلام. ففي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: "خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يريد فاطمة عليها السلام وأنا معه، فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده فدفعه، ثمّ قال: السّلام عليكم، فقالت فاطمة عليها السلام: عليك السّلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: ادخل يا رسول اللّه، ..."1


ثانيًا: أن يختار الوقت المناسب للزيارة، فلا يقتحم الزائر خصوصيّات الآخرين بزيارته.

ثالثًا: أن يستأذن ثلاثًا. وعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام، قال: "الاستئذان ثلاثة: أوّلهنّ يسمعون، والثّانية يحذرون، والثّالثة إن شاءوا أذنوا وإن شاءوا لم يفعلوا فيرجع المستأذن"2.

رابعًا: أن لا يستقبل الباب، ففي حديث‏ أنّ الصحابيّ الجليل أبا سعيد الخدري استأذن على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل الباب، فقال عليه الصلاة والسّلام: "لا تستأذن وأنت مستقبل الباب"3.

خامسًا: إلقاء التحيّة والسلام قبل الدخول إلى المنزل.

سادسًا: عدم الإلحاح في طلب الإذن، والرجوع إن لم يتمّ تحصيل الإذن.

سابعًا: أن يذكر الزائر اسمه، كي تُعرَف هويّته.

1- هل يشمل الاستئذان منزل الوالدين؟
جاءت في الروايات ضرورة استئذان المرء حين دخوله إلى منزل والده أو والدته، وحتّى حين الدخول إلى منزل ولده. فقد روي أنّ رجلًا قال للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أستأذن على أمّي؟ قال: "نعم". قال: إنّها ليس لها خادم غيري، أستأذن عليها كلّما دخلت؟ قال: "أتحبّ أن تراها عريانة؟" قال: لا. قال "فاستأذن: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾". حتّى يأتي من يأذن، فإنّ المانع من الدخول من غير إذن ليس الاطّلاع على العورات فقط، بل وعلى
 

1- محمد تقي (المجلسي الأول)، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، تعليق السيد حسين الموسوي الكرماني والشيخ علي پناه الإشتهاردي، نشر بنياد فرهنك اسلامي حاج محمد حسين كوشانپور، لا.م، لا.ت، لا.ط، ج8، ص350.
2- الحر العاملي، وسائل الشيعة ، ج20، ص219.
3- الهيثمي، مجمع الزوائد، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1408هـ - 1988م، لا.ط، ج8، ص43.
 
 
 
111

 


89

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 ما يخفيه الناس عادة، مع أنّ التصرّف في ملك الغير بغير إذنه محظور، ﴿فَارْجِعُوا﴾ ولا تلحّوا، ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: الرجوع أطهر لكم وأنفع لدينكم ودنياكم من الإلحاح والوقوف على الباب المستلزم للكراهة وترك المروءة"1.


2- الآثار المترتّبة على أدب الاستئذان:
يشكّل أدب الاستئذان قاعدة أساسيّة في مجال بناء علاقات اجتماعيّة قائمة على أساس الحفاظ على العفّة واحترام خصوصيّات الآخرين. فقد أرجع العلماء الحكمة من هذا الأدب إلى موضوع البصر، فربّما وقعت عين الداخل من غير استئذان على عورات البيت، أو على عورات أهله، أو على نقاط ضعفه، وإنّ آثار الالتزام بهذا الأدب تنعكس بشكل مباشر على نفسيّة الفرد وسلوكه، وعلى طبيعة النظام الاجتماعيّ عمومًا.

رسالة الآيات
التزموا الأدب الإلهيّ أو أدب النبوّة، فهو هيئة التوحيد بالفعل، وهي انعكاس للعبوديّة الحقّة في السلوك الظاهر للإنسان، سواء مع ربّه أم مع نفسه أم مع الناس الآخرين.

تأدّبوا بآداب دخول منازل الغير، حفاظًا على العفّة، واحترامًا لخصوصيات الآخرين، وكي تسود الفضيلة علاقاتكم الاجتماعيّة.
 
 

1- الفيض الكاشاني، محمد محسن بن مرتضى‏، الوافي‏، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، إيران - أصفهان، 6041 ه‏ـ.، ط 1، ج 5، ص 492.
 
 
 
 
112

90

الدرس الثامن: الآيات27-29: نحو مجتمع النور(3): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (1)

 المفاهيم الرئيسة


1- الأدب هو الهيئة الحسنة الّتي ينبغي أن يقع عليها الفعل المشروع، إمّا في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم.

2- يرتبط الأدب بالغاية الّتي يطلبها الإنسان في حياته. فالغاية المطلوبة هي الّتي تشخّص أدبه، وترسم لنفسه خطًّا لا يتعدّاه إذا أتى بعمل في مسير حياته.

3- الأدب الإلهي الّذي أدّب الله سبحانه به أنبياءه ورسله عليهم السلام هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينيّة الّتي تحاكي غرض الدين وغايته، وهو العبوديّة.

4- تشرّع الآيات مجموعة من الآداب والأحكام على الشكل الآتي:
- الأدب الّذي تتضّمنه الآية هو أدب السلام.
- تنهى عن الدخول دون إحراز الإذن.
- تأمر بالرجوع إن لم يأذن صاحب البيت بالدخول.
- تستثني الآية، كما هو ظاهر، بعض البيوت من حكم الاستئذان، فتجيز دخول البيوت المستثناة، وهي البيوت غير المسكونة التي فيها متاع للشخص.

5- الاستئذان من الآداب الضروريّة لدخول المنازل المسكونة، ولكنّه يختلف حكمه بين الوجوب والاستحباب حسب طبيعة البيت الّذي تدخل إليه.

6- الله سبحانه شرّع هذه الآداب لعلمه بأنّها خيرٌ لكم، أمور تستسيغها الفطرة الإنسانيّة.

7- الآداب، ومنها أدب الاستئذان، هي إحدى وسائل تحقيق التزكية الاجتماعيّة، ذلك أنّ البيوت تمثّل حرمًا آمنًا لا يستبيحه أحد إلّا بعلم أهله وإذنهم.

8- يشكّل أدب الاستئذان قاعدة أساسيّة في مجال بناء علاقات اجتماعيّة قائمة على أساس الحفاظ على العفّة واحترام خصوصيّات الآخرين.
 
 
 
 
113

91

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 الدرس التاسع

 

الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد المقصود من مفهومي غضّ البصر وحفظ الفرج في الآية.
2- يشرح أهمّيّة الأحكام المذكورة في الآيات في تحقيق التزكية.
3- يبيّن الآثار المترتّبة على "غضّ البصر عمّا حرم الله" في مجال تحقيق العفّة والفضيلة.
 
 
 
 
 
115

92

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 تمهيد

البصر هو بوّابة الحواس، والعين هي من أبواب حصن النفس، وفتح هذا الباب ليدخل منه كلّ طالح إلى النفس النظيفة سيتسبّب بتلوّثها. وقد ورد في الروايات أنّ "النظرة سهمٌ من سهام إبليس مسمومٌ، من تركها لله عزَّ وجلَّ لا لغيره، أعقبه إيماناً يجد طعمه"1. ولذلك نجد أنّ سورة النور تتّخذ عددًا من التدابير الاحترازيّة المانعة من تلوّث هذه النفس، فتشير إلى أحكام وآداب التعامل مع منازل الآخرين، ومن ثمّ تتّجه لفرض عدد من التدابير الّتي تضبط العلاقات الاجتماعيّة، وتمنع أسباب التلوّث والغواية.

نصّ الآيات:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾2.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿يَغُضُّوا﴾: الغضّ: الحطّ من منزلة على وجه التصغير له بحالة، وغضّ بصره إذا ضعف عن حدّة النظر3. وهو كفّ في خفض، ومن مصاديقه: الكفّ مع خفض في النظر4.

- ﴿أَبْصَارِهِمْ﴾: العلم بنظر العين أو بنظر القلب. كما أنّ الرؤية والنظر مطلقان
 

1- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص18.
2- سورة النور، الآيتان 30 – 31.
3- محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، لبنان - بيروت، لا.ت، ط1، ج9، ص341.
4- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص235.
 
 
 
 
117

 


93

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 غير مقيّدين بقيد العلم، والعلم مطلق غير مقيّد بقيد النظر: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ1. فالبَصير من له البصارة، أي النظر والعلم2.


2- المعنى التفصيلي:
يستوقفنا في الآيات تدبيران أساسيّان: الأوّل فرض غضّ البصر، والثّاني فرض حفظ الفرج. وكلاهما فرضان مشتركان للمؤمنين والمؤمنات، ثمّ على المؤمنات فروض ومحرّمات أخرى ليست على المؤمنين، تأتي في تتمّة الآية 31 من السورة، وقد نزلت الآيات في المدينة المنوّرة بعدما ذاق بعض المبتلين بالنظر وبال أمرهم‏.

أ- ما المراد بغضّ البصر؟
هل هو بألّا يحدّق البصر إلى ما لا يحلّ إليه النظر، فأمّا اللّمحة واللّمحات فلا بأس؟ وهذا لا يصحّ بالنسبة إلى العورات، حيث اللّمحة إليها ممنوعة كما النظرة! أو بأن يقتسم نظر البصر إلى محظور ومسموح، فلا يغضّه عن كلّ منظور، ولا يفتحه إلى كلّ منظور، بل غضّ بكامله عن العورات، ومن ثمّ غضّ منه عن نظرة الشهوة إلى غير العورات، ثمّ لا محظور في الزاوية الثالثة أن تنظر إلى وجه امرأة وتنظر هي إلى وجهك دونما تقصّد شهوة ولا ريبة3.

البصر يشمل النظر والعلم، والآية لم تأمر بأن يغمض المؤمنون عيونهم، بحيث لا يحصل منهم النظر أصلًا، بل أمرت أن يغضّوا نظرهم. بالتّالي، فليس المراد من الغضّ في الآية غلق العيون بشكل تامّ، بحيث لا يعرف الإِنسان طريقه بمجرّد مشاهدته امرأة ليست من محارمه، بل الواجب عليه أن لا يتبحّر فيها، كأن يرمي ببصره إلى السماء. كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمض بصره لم يرتدّ إليه بصره، حتّى يزوّجه الله من الحور العين"4. فيصدق فيه القول أنّه غضَّ من نظره وأبعد ذلك المنظر من مخيّلته.

ب- موارد غضّ البصر في الآية:
لم تحدّد الآية الموارد الّتي يجب غضّ البصر عنها بشكل واضح، فمتعلّق الفعل "غضّوا" محذوف، وهذا ما قد يشير إلى أنّ موضوع غضّ البصر عامّ. فالواجب الغضّ عن جميع ما حرّم الله سبحانه وتعالى النظر إليه. ولكنّ المفسّرين استظهروا أنّها مرتبطة بالنظر إلى غير المحارم من خلال سياق الآيات وورود آية الستر بعدها.

وقد حرّم الله سبحانه وتعالى بمقتضى هذه الآية على النساء النظر إلى ما لا يحلّ لهنّ
 

1- سورة الأعراف، الآية 198.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن، ج1، ص280.
3- الصادقي الطهراني، الشيخ محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، منشورات الثقافة الإسلامية، إيران - قم، 1407هـ، ط2، ج21، ص 107-109.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص433.
 
 
118

94

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 تمامًا، كما حرّمه على الرجال، وفرض عليهنّ ستر عوراتهنّ عن الرجال والنساء تمامًا، كما فرضه على الرجال. وقد خاطب الله سبحانه وتعالى خصوص المؤمنين بهذا الخطاب لارتباط مسألة التزام هذه الأوامر والنواهي بمسألة الإيمان. فالمؤمنون والمؤمنات هم الّذين يتّبعون ما أمر الله تعالى به، ويجتنبون ما نهى عنه. ورُوِي عن أمّ سلمة، قالت: كنت عند النبيّ وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال: "احتجبا"، فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟"1.


ج- ما المراد بحفظ الفرج في الآية؟
الفرج في الآية كناية عن العورة، والمراد بحفظه كما ورد في الأحاديث هو تغطيته عن الأنظار. وقد جاء في الحديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، يذكر فيه ما فرض الله تعالى على الجوارح، قال: "وفرض الله على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه، وأن يعرض عمّا نهى الله عنه ممّا لا يحلّ له وهو عمله وهو من الإيمان. فقال تبارك وتعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم، وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه. وقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ من أن تنظر إحداهنّ إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليه. وقال: كلّ شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلّا هذه الآية فهي من النظر"2.

والملاحظ أنّ حفظ الفروج يُذكر بعد غضّ البصر في الآيات، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ النظر الحرام يترتّب عليه من ريبة وشهوة قد تقود إلى الزنا المحرّم، وبالتّالي عدم المصونيّة في الفروج عمليًّا، فغضّ البصر مقدّمة للحفظ.

فالمراد هو - في الدرجة الأولى - حفظ العورات عن أن يُنظر إليها، وغضّ البصر، بل عدم النظر إلى عورات الآخرين كمقدّمة للحفظ العمليّ عن الوقوع في المحرّمات، كالزنا ولواحقه من العلاقات المحرّمة.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
لمّا كان تحصيل التزكية هدفًا من الأهداف المرجوّة من تشريع الأحكام، تعقّب الآية
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج101، ص37.
2- المازندراني، شرح أصول الكافي، ج8 ، ص 102.
 
 
 
119

95

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 بأنّ الالتزام بكلّ من حكم غضّ البصر وحفظ الفرج يؤدّي إلى تحقيق التزكية، ومن ثمّ توجّه تحذيرًا من مخالفة هذين الحكمين، فتذكِّر بأنّ الله خبير.


الخبير صفة من الخبرة الّتي تعني علمًا بتمام الجزئيّات، وتُستخدم للصناعة. فالله سبحانه وتعالى هو الصانع الّذي يعلم بتمام ما أودعه في نفس الإنسان الّذي صنعه، والخبير لا يضع القوانين والأنظمة الّتي لا تتناسب مع قدرات وطبيعة مصنوعه، بل يضعها متلائمة متناسبة مع الطاقات الّتي أودعها فيه، لذلك لا يمكن للإنسان أن يبرّر أيًّا من أعماله المحرّمة بأنّها لا إراديّة أو جاءت نتيجة أمرٍ خارجٍ عن إرادته، فاقتضى التحذير والتأكيد على أنّ طريق التزكية له خطوات بيّنتها الشريعة، وهو طريق متناسب مع طبيعة هذا المصنوع – الإنسان -، فمن أراد أن يتزكّى عليه سلوك هذا الطريق أوّلًا، ومن ثمّ ينتظر الفيوضات النورانيّة التي يفيضها الله على من استحقّها من عباده السالكين إليه في مسيرة التكامل النورانيّة.

3- المعنى الإجمالي:
تأمر الآيات المؤمنين والمؤمنات بغضّ أبصارهم عمّا حرّم الله تعالى، كما تحرّم النظر إلى عورات الآخرين، وتأمر بوجوب ستر العورة عن الناظر، وذلك لحفظ النفس عن الوقوع في الكبائر من المحرّمات. وتؤكّد أنّ غضّ البصر وحفظ الفرج يشكّلان طريق تحقيق التزكية، كما تحذّر من مخالفة هذين الحكمين، فالله خبير بما يصنعون.

لعلّكم تذكَّرون
صيانة العفّة في غضّ البصر
يعتبر بناء العفّة الفرديّة والاجتماعيّة أحدَ الأهداف الرئيسيّة لسورة النور، ويعتبر غضّ البصر إحدى حلقات تشكيل هذه العفّة، هذا ما نستفيده من هذه الآيات. وكي يتبيّن لنا الارتباط بين غضّ البصر وبناء العفّة، سنعالج عناوين عدّة من خلال هذا الدرس.

1- لماذا غضّ البصر؟
إنّ مسألة النظر في الروايات وفي الآيات، تعتبر المنطلق الأوّل للدخول إلى عالم الرذيلة. وقد نقلت الروايات على لسان إبليس أنّه قال: "النظرة قوسي وسهمي الّذي لا أخطئ به"1. كما أنّه قد ورد في الحديث: "يا عليّ، لا تتّبع النظرة النظرة، فليس لك إلا أول نظرة"2.
 

1- الملا النراقي، جامع السعادات، ج2، ص9.
2- الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج2، ص70.
 
 
 
 
120

96

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 ما يستفاد من الروايات والآيات، أنّ مقدّمة الفتنة وأوّل الشرارة هو هذه النظرة الاختياريّة. فالعبد بسوء اختياره وبنظراته الّتي لا يرضى بها الشارع، يصل إلى مرحلة من المراحل لا يمتلك فيها السيطرة على نفسه وعلى بدنه. وعشّاق الهوى - عشّاق الوجوه الجميلة التي لا دوام لها - هؤلاء تحوّلوا إلى وجودات أسيرة لا تفقه، ولا تعلم ما تعمل، لأنّ هذا الحب - الّذي بدأ من النظرة - استولى على كلّ ذرّات وجوده. وفي الحديث أنّه سئل الإمام الصادق عليه السلام عن العشق، فقال: "قلوب خلت من ذكر اللّه، فأذاقها اللّه حبّ غيره"1. هذا القلب الّذي خلق لأن يكون مصبًّا ومنبعًا وأداة لتلقّي ذلك الحبّ الإلهيّ، وإذا به يعشق الفانيات. ومن هنا، جاء التأكيد في مسألة السيطرة على النظر.


2- زنا النظر:
من الملفت أنّه عبّر عن النظرة في بعض النصوص بأنّها نوعٌ من أنواع الزنا: زنا النظر. هنالك زنا الفاحشة الكبيرة الّتي يقام بسببها الحدّ، ولكنّ للعين أيضًا درجة من درجات الزنا. فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "لكل عضو من أعضاء ابن آدم حظّ من الزنا، فالعينان تزنيان وزناهما النظر"2.

ومن المعلوم أنّ الإنسان قد ينظر إلى منظر، ثمّ يتجاوز ذلك المنظر، ولكنّ تلك الصورة الذهنيّة تبقى لتأتي في أقدس الساعات، في ساعة الحديث مع ربّ العالمين، حيث إنّ الإنسان يريد في تلك الساعة فراغ القلب، وصفاء الذهن، وإذا به يبتلى بهذه الصور الّتي نظر إليها. وهذه الأيام - مع الأسف - وسائل الإعلام الحديثة والتقنيّات الحديثة، جعلت من الميسور جدًّا أن نُدخِل إلى بيوتنا أبشع الصور، تلك الصور الّتي كان لا يمكن الاطّلاع عليها قديمًا إلّا لممارسي الفحشاء، وإذا بهذا اليوم تفاصيل كلّ هذه الفواحش تعرض على شبابنا وفتياتنا من دون رقيب أو عتيد!.

وقد دعا علماؤنا إلى مسألة ضبط الخواطر، والسيطرة على الأوهام، وكانوا يقولون: إنّ من شروط ضبط الخواطر والأوهام، عدم النظر إلى ما لا يفيد.

3- عبادة النظر:
أولًا: غضّ البصر عبادة: ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم ينظر امرأة أوّل رمقة ثمّ يغضّ بصره إلّا أحدث الله تعالى له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"3.

ثانيًا: النظرات المباركة: ذكرت الروايات موارد عديدة اعتبرت فيها النظر عبادة منها:
- النظر إلى الكعبة.
- النظر إلى القرآن.
- النظر إلى العالم عبادة، والنظر إلى الإمام المقسط عبادة.
 

1- الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص140.
2- الملا النراقي، جامع السعادات، ج2، ص9.
3- جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1401هـ - 1981م، ط1،ج2، ص523.
 
 
 
 
121

97

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 - النظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة.

- النظر إلى أخ تودّه في الله عزّ وجلّ عبادة.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى الإمام العادل عبادة"1. وعن أبي ذر، في حديث، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "النظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر في الصحيفة - يعني صحيفة القرآن - عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة"2. ومن هنا، يقال: إذا دار الأمر بين تلاوة القرآن حفظًا، أو من خلال المصحف الكريم، فالأفضل القراءة مع النظر، لتشارك أكثر من جارحة: إذ يلمس آيات الكتاب بيده فالملمس يصبح ملمسًا قرآنيًّا، والعين تصبح عينًا قرآنيّة بالنظر، واللّسان يلهج بكتاب الله فيصبح لسانًا قرآنيًّا، والنفس تتفاعل مع المعاني فتصبح نفسًا قرآنيّة. وعليه، فكفّارة النظر أن نشغل أنفسنا بموارد الطاعة.

4- الآثار النورانيّة لغضّ البصر:
لغضّ البصر آثار نورانيّة تنعكس على روح الإنسان المؤمن، نذكر منها:
أ- رضا الله تعالى والثَّواب العظيم: قال الإمام الصَّادق عليه السلام: "من نظر إلى امرأة فرفع بصره إلى السَّماء أو أغمض بصره لم يرتدَّ إليه طرفه حتَّى يزوِّجَه الله من الحور العين"3.

ب- حلاوة الإيمان: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "النَّظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفًا من الله أعطاه الله إيمانًا، يجد حلاوته في قلبه"4.

ج- راحة القلب: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "من غضَّ طرفه، أراح قلبه"5.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص240.
2- الحر العاملي، رسائل الشيعة، ج 6، ص205.
3- الميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج14، ص268.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج101، ص38.
5- الميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج14، ص271.
 
 
 
 
122

98

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 د- الأمن من وسوسة الشَّيطان: قال الإمام عليّ عليه السلام: "العيون مصائد الشَّيطان"1.


هـ. حلاوة العبادة: في الحديث الشَّريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من مسلم ينظر امرأة أوَّل رمقة ثمَّ يغضَّ بصره إلَّا أحدث الله تعالى له عبادة يجد حلاوتها في قلبه"2.

و- مشاهدة العظمة والجلال: هي تحفظ الإنسان عن الوقوع في الذُّنوب. ففي الحديث عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغضِّ البصر، فإنَّ البصر لا يغضُّ عن محارم الله، إلَّا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"3.

رسالة الآيات
تخلّوا عن فضول النظر عبر التحلّي بغضّه عن جميع ما حرّم الله سبحانه وتعالى، واحفظوا فروجكم عبر التخلّي عن طريق الإشباع الغرائزيّ غير الشرعيّ والتحلّي بستر العورة عن أنظار الآخرين، فيتجلّى الحياء والعفّة في قلوبكم المؤمنة ومجتمعكم الفاضل، فيكون محلًّا لفيوضات الأنوار الربانيّة.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص292.
2- جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير، ج2، ص523.
3- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج101، ص 14.
 
 
 
123

99

الدرس التاسع: الآيتان 30-31: نحو مجتمع النور(4): العلاقات الاجتماعيّة الفاضلة (2)

 المفاهيم الرئيسة


1- تتّخذ الآية تدبيرين أساسيّين من أجل الحفاظ على الفضيلة في المجتمع:
الأول: فرض غضّ البصر.
الثاني: فرض حفظ الفرج.

وكلاهما فرضان مشتركان للمؤمنين والمؤمنات، ثمّ على المؤمنات فروض.

2- حرّم الله سبحانه وتعالى بمقتضى هذه الآية على النساء النظر إلى ما لا يحلّ لهنّ تمامًا، كما حرّمه على الرجال، وفرض عليهنّ ستر عوراتهنّ عن الرجال والنساء تمامًا، كما فرضه على الرجال.

3- غضّ البصر هو أن لا يحدّق البصر إلى ما لا يحلّ إليه النظر، كأن يرمي ببصره إلى السماء.

4- الفرج في الآية كناية عن العورة، والمراد بحفظه، كما ورد في الأحاديث، هو تغطيته عن الأنظار.

5- المراد من الآية هو - في الدرجة الأولى - حفظ العورات عن أن يُنظر إليها وغضّ البصر، بل عدم النظر إلى عورات الآخرين كمقدّمة للحفظ العمليّ عن الوقوع في المحرّمات، كالزنا ولواحقه من العلاقات المحرّمة.

6- عُبّر عن النظرة في بعض النصوص أنّها نوعٌ من أنواع الزنا: "زنا النظر". هنالك زنا الفاحشة الكبيرة الّتي يقام بسببها الحدّ، ولكنّ للعين أيضًا درجة من درجات الزنا.

7. ترتبط جوارح الإنسان ارتباطًا وثيقًا بباطنه، وتنعكس على روحه، والعين واحدة من هذه الجوارح المؤثّرة في روح الانسان.

8- العلاقة بين العين والقلب علاقة تأثّر وتأثير. ومن هنا، يعتبر غضّ البصر أحد الفرائض الأساسيّة والهامّة في إطار بناء شخصيّة الفرد المؤمن، والحفاظ على قلب طاهر نقيّ مستعدّ لتلقّي الأنوار الإلهيّة والفيوضات الربّانيّة.

9- لمّا كان تحصيل التزكية هدفًا من الأهداف المرجوّة من تشريع الأحكام، تعقّب الآية بأنّ الإلتزام بكلّ من حكمي غضّ البصر وحفظ الفرج يؤدّي إلى تحقيق التزكية، ومن ثمّ توجّه تحذيرًا من مخالفة هذين الحكمين، فتذكِّر بأنّ الله خبير.
 
 
 
 
 
124

100

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 الدرس العاشر

الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يحدّد المراد بالزينة.
2- يبيّن أحكام الستر.
3- تحدِّد الفئات المستثناة في الآية الكريمة.
 
 
 
 
125

101

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 تمهيد

تتنوّع المثيرات الّتي تحرّك الشهوات وتستثير الغرائز في إطار العلاقة بين الذكر والأنثى. فالنظرة تثير، والحركة تثير، والضحكة تثير، والدعابة تثير، والنبرة المعبّرة عن هذا الميل تثير. فما هو الطريق الّذي يحقّق الأمان والسلامة من هذه المثيرات؟ إنّه الطريق الّذي ابتدأته السورة في الآيات السابقة من فرض لغضّ البصر وحفظ الفرج من جهة الرجل. أمّا من جهة المرأة، فتفرض التدابير نفسها، إلا أنّها تضيف تدابير وأحكامًا خاصّة بالستر، تفصّلها في سياق آية الزينة، فما هي هذه الأحكام؟

نصّ الآية:
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿زِينَتَهُنَّ﴾: الأصل في الزينة: هو حسنٌ في ظاهر، سواءٌ أكان في أمر مادّيّ
 

1- سورة النور، الآية 31.
 
 
 
127

102

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 محسوس أو معنويّ، أم في أثر علاقة وتخيّل، وسواء أكانت الزينة عرضيّة أم ما يتظاهر من الشيء نفسه وتكون من أجزائه .


- ﴿يُبْدِينَ﴾: الإبداء مقابل الإخفاء، كما أنّ الظهور مقابل البطون، وعدم الإبداء: هو الإخفاء والستر1.

- ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾: الاختمار هو الستر، كما أنّ الستر هو مستعمل غالبًا في جهة الخارج. والظاهر أن يكون الخمر في الأصل مصدرًا من المجرّد، والخمار مصدراً من المخامرة. وجهة التسمية: أنّ الخمر يستر القوى والحواسّ الظاهرة من الإنسان، وينفذ إلى الباطن، ويغطَّي العقل، فجعل اسمًا لكلّ مسكر يسكر الحواسّ والقوى الإنسانيّة من الباطن، وأمّا الخمار: فإنّه يستر الرأس وهو لباس للرأس وساتر له2.

- ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾: جيب القميص: ما ينفتح على النحر، فالجيب هو ما يتحصّل ويتراءى من انخراق القميص في جهة الصدور والجيد، ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾, أي ليسترن جيوبهنّ بالخمر3.

- ﴿أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾: الحاجة الشديدة، بحيث يكون تقوّم الشيء بها، وأغلب ما تكون تلك الحاجة في الاحتياجات الداخليّة والذاتيّة والأصيلة، دون العرضيّة، ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾: أي الَّذين يعدّون من التابعين لكم، كالخدم والعبيد والشيخ والمجنون وغيرهم إذا لم تكن فيهم حاجة إلى النساء بالطبيعة، ولا يحتاجون في تقوّم حياتهم إليها. وأمّا التعبير في الآية الأولى بكلمة "ذوي الإربة" إشارة إلى الحاجة إلى النكاح، وأنّها من الحاجات الأصيلة الذاتيّة البدنيّة وليست بعرضيّة4.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
جعل للمرأة واجبًا آخر لم يجعل للرجل مثله، وهو تكليف المرأة بستر نفسها عن
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص377.
2- المصدر نفسه، ج2، ص129و385.
3- المصدر نفسه، ج2، ص 149.
4- المصدر نفسه، ج1، ص 67.
 
 
 
128

103

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 الناظر الأجنبيّ، وهذا ما لم يكلّف به الرجل. وقد عبّر القرآن عن ذلك بالقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾, أي لا يظهرن زينتهنّ المخفيّة، أمّا الزينة الظاهرة فهي ظاهرة بطبيعة الحال، حيث المستثنى من حكم الإبداء هو: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.


أ- فما المراد بالزينة؟
تعدّدت تفاسير العلماء للزينة، وهناك آراء عدّة حول الموضوع، منها:
- أنّ المراد بالزينة كلّ بدن المرأة، وألحقوا به الوجه والكفّين بدلالة الاستثناء في الآية لما ظهر منها، فاعتبروا أنّ المقصود به الوجه والكفّان.

- في حين اعتبر آخرون أنّها تعني موضع الزينة من جسد المرأة، لأنّ الكشف عن الزينة نفسها كالقلادة والسوار وأشباهها مسموحٌ به، بل النهي عن الإبداء يخصّ موضعها أي اليدين والصدر.

- وقد اعتبر غيرهم أنّ المراد أن تظهر في مواضعها المخصّصة لها من جسد المرأة، ناهيك عن أنّ هذه المواضع نفسها يحرّم إظهارها حتّى وإن لم تكن مزيّنة بإضافات كالحلي وغيرها. فليس المقصود من ذلك وسائل الزينة، حتى وإن كانت ملقاة جانبًا - كالأساور مثلا ً - وإنّما المقصود وسائل الزينة حينما تكون على بدن المرأة، لأنّه يساوى رؤية المرأة ذاتها. ويتوجّب على النساء أن لا يبدين زينتهنّ من غير فرق في ذلك بين الزينة التي يمكن فصلها عن البدن كالأساور والخاتم، أو الأشياء التي تلصق بالبدن كمواد التجميل مثلًا1. وعلى هذا، فلا يجوز للنساء الكشف عن زينتهنّ المخفيّة، وإن كانت لا تظهر على أجسامهنّ، أي لا يجوز لهنّ الكشف عن لباس يتزيّن به تحت العباءة، فيصبح المراد بالزينة هو الزينة المخفيّة تحت الحجاب2.

بعض مصاديق الزينة:
- أمّا المادّيّ منها، وما هو زينة بالذات، فيصدق على جميع مفاتن جسد المرأة، كالخصر، والصدر، والزندين والساقين وغيرها. ولذلك لا بدّ أن يشمل الحجاب
 

1- الشيخ مرتضى مطهري، تفسير سورة النور، ص66.
2- الشيخ الشيرازي، الامثل، ج11، ص77.
 
 
129

104

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 ستر جميع هذه المفاتن، عبر لبس الجلباب الساتر لهذه الزينة المادّيّة الموجودة بالذات في طبيعة خلقة جسد المرأة.


- أمّا ما هو بالعرض، فهو ما تضيفه من إضافات، كالحلي، والحزام الّذي يُبرز الخصر، ومساحيق التجميل وغيرها، إضافة إلى شكل اللّباس وإظهاره لمفاتن الجسد، وزخرفته، والإضافات الّتي قد تضاف إليه.

النتيجة: إنّ كلّ ما تتعمّد المرأة إظهاره من حُسن مستور، سواءٌ أكان هذا الحُسن موجودًا لديها بالذات أم بالعرض، وسواءٌ أكان هذا الحسن مادّيًّا أم معنويًّا، فهو مصداق للزينة المنهيّ عن إبدائها، أي إظهارها في الآية المباركة.

ب- الزينة الظاهرة:
لقد استثنى الله سبحانه وتعالى من الزينة ما ظهر منها. وقد اختلف المفسّرون في تفسير الاستثناء تمامًا كاختلافهم في تفسير الزينة، حيث اعتبر بعضهم أنّها تعني الوجه والكفّيْن. وقد اعتبر المحقّق الأردبيلي أنّ ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ في الآية تعني إلّا ما جرت العادة على ظهوره والأصل فيه الظهور1. ولذلك رجّح العديد من العلماء الوجه والكفّين، لأنّ الأصل فيهما الظهور، وبدلالة الروايات الواردة في هذا الإطار2.

قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ

تتضمّن الآية تأكيدًا آخرَ بعد تكليف إخفاء الزينة، وهو الضرب بالخمر على الجيوب، وهو تأكيدٌ وتشديدٌ لإخفاء الزينة، وتأييدٌ وتقويةٌ له، ليكون الظهور في محالّ الزينة وموارد الحسن والجمال أقلّ.

وقد ذكر المفسّرون أنّ المرأة في الجاهليّة كانت تختمر، إلّا أنّها تبدي زينتها للرجال، حيث تجعل خمارها خلف أذنها لتبدو أقراطها، وكانت تحسر عن نحرها وبعضٍ من
 

1- الاردبيلي، المحقق أحمد بن محمد، زبدة البيان في أحكام القرآن، تحقيق وتعليق محمد بن باقر البهبودي، إيران - طهران، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، لا.ت، لا.ط، ص543.
2- راجع: تقرير بحث السيد الخوئي لمحمد تقي الخوئي، شرح العروة الوثقى - النكاح، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1426هـ - 2005م، ط2، ج1، ص55.
 
 
 
130

105

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 صدرها، وتكشف بالتّالي عن مفاتنها، فجاءت الآية تأمر نساء المؤمنين بشدّ الخمار، بحيث لا يبدو شعرهنّ، ولا آذانهنّ، ولا نحورهنّ وصدورهنّ.


واللّافت التعبير بالضرب الّذي يمثّل إشارة إلى شدّة الستر واستحكامه بأيّ طريق يمكن، بشدّ أو عقد، أو وصل، حتّى لا تزول الخمر عن الجيوب. أمّا التعبير بكلمة "على" فهو إشارة إلى إحاطة الخمار واستيلائه على الجيوب، بحيث لا يخلو موضع خال لا يستر بها1.

قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾.

ج- استثناء المحارم:
تأكيد وتكرير للأمر بإخفاء الزينة، وإشارة إلى تحديد موارد الاستثناء من هذه الجهة، فتحدّد المحارم وهم:
- الزوج.
- الآباء: المقصود بهم الأب والأجداد للأب وإن علوا.
- آباء الأزواج: المقصود بهم أب الزوج وأجداده للأب وإن علوا.
- الأبناء وأبناء الأبناء وإن نزلوا.
- أبناء الأزواج: وإن نزلوا.
- الإخوة: سواء أكانوا إخوة بالنسب أمّ بالرضاع.
- أبناء الإخوة وأبناء الأخوات وإن نزلوا.

كما تشير إلى استثناءات أخرى على الشكل الآتي:
- نسائهنّ.
 
 

1- راجع: المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم،ج3، ص358.
 
 
 
 
131
 

106

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 - ما ملكت أيمانهنّ.

- التابعين غير أولي الإربة.
- الطفل الّذي لم يظهر على عورات النساء.

د- ما المقصود بنسائهنّ؟ وما ملكت أيمانهنّ؟
النساء من المجموعات المستثناة من النهي عن إبداء الزينة، وهنّ النساء المسلمات1. وقد اعتبر عددٌ من العلماء والمفسّرين أنهنّ "النساء المؤمنات، ولا يحلّ لهنّ أن يتجرّدن ليهوديّة، أو نصرانيّة أو مجوسيّة، إلّا إذا كانت أمة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ2. وقد ذهب الشيخ المفيد في بيانه للآية إلى أنّه لا يحلّ للمرأة أن تبدي زينتها لمن ليس بينها رحم من النساء3.

وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا ينبغي للمرأة أن تكشف بين يديّ اليهودية والنصرانية، فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ"4. أمّا الإماء، فإنّهنّ من الّلواتي يشملهنّ الاستثناء، على الرغم من أنّهنّ غير مسلمات، فاقتضى الأمر ذكرهنّ في سياق الآية.

هـ- من هم التابعون غير أولي الإربة؟
هم الَّذين يعدّون من التابعين لكم، كالخدم، والعبيد، والشيخ، والمجنون، وغيرهم إذا لم تكن فيهم حاجة إلى النساء بالطبيعة، ولا يحتاجون في تقوّم حياتهم إليها. وأمّا التعبير في الآية الأولى بكلمة "ذوي الإربة" إشارة إلى الحاجة إلى النكاح، وأنّها من الحاجات الأصيلة الذاتيّة البدنيّة وليست بعرضيّة5.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص88.
2- المحقق البحراني، الحدائق الناضرة، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، لا.ط، ج23، ص62.
3- الشيخ المفيد، أحكام النساء، تحقيق الشيخ مهدي نجف، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414هـ - 1993م، ط 2، ص57.
4- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص219.
5- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج1، ص 67.
 
 
 
132

107

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 والتفسير الّذي يمكن الاعتماد عليه هنا هو الّذي جاء في أحاديث عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: "هو الأحمق الّذي لا يأتي النساء"1، من أنّ القصد، هنا، هو الأبله من الرجال الّذي لا يشعر برغبة جنسيّة. ويستفاد منهم في الأعمال البسيطة وخدمة الأفراد، وعبارة التابعيّة تؤكّد هذا المعنى. وبما أنّ هذا الوصف - أي عدم الشعور بالرغبة الجنسيّة - فئة خاصّة من المسنّين يصدق عليهم هذا الوصف، فلا نستبعد إمكانيّة توسّع مفهوم هذه الآية لتشمل هذه الفئة. وقد روي حديثٌ عن الإمام الكاظم يؤكّد ذلك، بيد أنّ ذلك لا يعني أنّهم يصبحون من المحارم، فغاية الأمر هو عدم وجوب تغطية الرأس أو جزء من اليدين بحضور هذه المجموعة2.


و- الطفل الّذين لم يظهروا على عورات النساء:
﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ تحتمل معنيين: فهي إمّا من ظهر الشيء الّذي اطّلع عليه، أي لا يعرفون ما العورة، ولا يميّزون بينها وبين غيرها، وإمّا من ظهر على فلان إذا قوي عليه، وظهر على القرآن أخذه وأطاقه، أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء4. ففي الاحتمال الأوّل، يکون القصد هو الأطفال المميّزين الّذين لا يدرکون هذه الأمور، وفي الاحتمال الثاني يکون القصد هو الأطفال الذين لا قدرة لهم على إتيان الأمور الجنسيّة الّذين لم يبلغوا الحلم بعد5.

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾

ز- النهي عن إظهار الزينة المستورة:
تُنهى المؤمنات عن الحركات الّتي تعلن عن الزينة المستورة، فتهيج الشهوات الكامنة، وتوقظ المشاعر النائمة. ولو لم يكشفن فعلًا عن الزينة، وإنّها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشريّة وانفعالاتها واستجاباتها. فإنّ الخيال ليكون أحيانًا أقوى في إثارة الشهوات من العيان5.
 
 
 

1- الفيض الكاشاني، الوافي، ج28، ص826.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص89.
3- المحقق الأردبيلي، زبدة البيان، ص546.
4- مرتضى مطهري، مسألة الحجاب، ص145.
5- راجع: سيد قطب، في ظلال القرآن، ج4.
 
 
 
133

108

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

 فكلّ ما هو مستور من الزينة، سواءٌ أكانت ماديّة أم معنويّة، وكانت بالذات أم بالعرض، لا بدّ من الامتناع عن لفت أنظار الآخرين إليها، ولو بطريقة غير مباشرة، كالضرب بالأرجل للإشارة إلى الخلخال. ومع التطورات الّتي لحقت بلباس المرأة يلحق بهذا الحكم مصاديق كثيرة ومتعدّدة.


قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

ختمت الآية الکريمة بالدعوة إلى التوبة إشعارًا بأنّ مخالفة ما أمر به الله عزّ وجلّ من الستر المحدّد بالمقاييس الشرعيّة المعلومة من الدين يعتبر بالضرورة إثمًا يستوجب التوبة.

3- المعنى الإجمالي:
تأمر الآية النساء بغضّ البصر عن عورات الآخرين، وتأمرهنّ بالستر لعوراتهنّ، وتخصّص الرأس والجيوب - لّتي هي عبارة عن الرقبة والصدر- بشدّ الخمار، بحيث لا يبدو شعرهنّ، ولا آذانهنّ، ولا نحورهنّ ولا صدورهنّ. وتضيف إلى ذلك ضرورة ستر كلّ ما يدخل في نطاق الزينة المستورة، فتحرّم إظهاره ولو بطريقة غير مباشرة، كالضرب بالأرجل لإظهار الخلخال، ويلحق به موارد متعددة أخرى. كما أنّها تبيّن موارد الاستثناء من هذه الأحكام، محدّدة المجموعات الّتي يجوز طرح الحجاب أمامهم في إحدى عشر مجموعة.

لعلّكم تذكَّرون
كمال المرأة في كمال حجابها
إنّ المجتمع الّذي تستهدف بناءه سورة النور هو مجتمع الكمال الّذي تتجلّى فيه حكومة النور الإلهيّ، ويتحقّق الوعد للمستضعفين بأن يمنّ الله عليهم بالاستخلاف في الأرض والتمكين، وهو المجتمع الّذي يسير فيه أفراده نحو لقاء الله جلّ وعلا. وقد بيّن الله في الشريعة لكلّ منهما - الرجل والمرأة - معالم مسيرة الكمال الّتي يجب عليهم سلوكها للوصول إلى الهدف المرجوّ، فتساوى كلاهما في العديد من التشريعات، وخصوصًا العباديّة منها، وتمايزًا في بعضها. ومن بين التشريعات الّتي خصّ الله تعالى فيها المرأة هي أحكام الستر والزينة، أو ما يصطلح عليه عرفًا بالحجاب.
 
 
 
 
134

109

الدرس العاشر: الآية 31: نحو مجتمع النور(5): حصن الحجاب والستر (1)

المفاهيم الرئيسة

1- إنّ كلّ ما تتعمّد المرأة إظهاره من حُسن مستور هو مصداق للزينة المنهيّ عن إظهارها في الآية المباركة.

2- استثنى الله سبحانه وتعالى من الزينة ما ظهر منها، وقد رجّح العلماء أنّ المستثنى هو الوجه والكفّان، لأنّ الأصل فيهما الظهور.

3- تتضمّن الآية تأكيدًا آخر بعد تكليف إخفاء الزينة، وهو الضرب بالخمر على الجيوب وخمار المرأة هو غطاء رأسها.

4- تحدّد الآية موارد الاستثناء من أحكام الستر، فتحدّد المحارم الّذين يجوز تجاوز أحكام الستر أمامهم وهم: الزوج، الآباء، آباء الأزواج، الأبناء وأبناء الأبناء، أبناء الأزواج، الإخوة سواء أكانوا إخوة بالنسب أم بالرضاع، أبناء الإخوة وأبناء الأخوات.

5- تنهى المؤمنات عن الحركات التي تعلن عن الزينة المستورة، فكلّ ما هو مستور من الزينة لا بدّ من الامتناع عن لفت أنظار الآخرين إليه، كالضرب بالأرجل.
 
 
 
 
 
135

 


110

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 الدرس الحادي عشر

 

نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- تعرف موقعيّة الحجاب في الشريعة الإسلامية.
2- تفهم أنواع الحجاب وضوابطه.
3- تبيّن شروط اللباس الشرعي.
 
 
 
 
137

111

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 تمهيد

لقد بيّنت الآية (30) أحكام غضِّ النظر والزينة والستر، واستكمالاً للدرس السابق من المناسب تفصيل الكلام في شروط الحجاب والستر وموقعيّته في الشريعة الإسلاميّة لتتمّ الفائدة.

موقعيّة الحجاب في الشريعة
ترتبط مسألة الحجاب ارتباطًا وثيقًا بنيل الفلاح الّذي يمثّل روح الأوامر الإلهيّة. وقد ذُكِر في القرآن وروايات أهل البيت باعتباره الهدف الرئيسيّ والمطلوب النهائيّ للإنسان من إتيانه بالعبادات. وأصل "الفلح" الشقّ في الأرض وهو عمل الفلّاح، والمؤمنون قد شقّوا طريقهم إلى الله، فوصلوا وفازوا بمرضاة ربّهم وعظيم ثوابه.

أمّا منظومة الفلاح في القرآن الكريم، فهي ترتبط بمجموعة من المتعلّقات الّتي لا بدّ من توافرها ليتحقّق للإنسان الهدف النهائي المطلوب من طاعاته. من هذه المتعلّقات1، وعليه، فإنّ نيل الفلاح يتوقّف على توافر هذه السمات في اعتقاد وعمل المؤمن. فالإيمان والعمل الصالح مقوّمان رئيسيّان للوصول إلى الفلاح. ومن الملاحظ أنّ موضوع حجاب المرأة هو عاملٌ من العوامل الّتي ربطتها الشريعة بالفلاح، إذ ختمت الآية (31) من سورة النور بالدعوة إلى التوبة إلى الله عمّا مضى من ترك للالتزام بأحكام الستر والزينة الّتي وردت ضمنها لارتباط الفلاح بالتزام هذه الأحكام، وذلك بعد أن بيّنت السورة في سياقها العديد من الأحكام والتشريعات الّتي بمجملها تقود إلى الفلاح، إلّا أنّ الإعلان عن هذا الارتباط بشكل مباشر في تعقيب الآية على أحكام الستر والزينة يدلّ على أنّه لا فلاح للمرأة دون التزامها بالحجاب الكامل الّذي سنّته الشريعة السمحاء.
 

1- استقرأنا جزءًا من الآيات التي تحدّثت عن الفلاح ولم تستقرأ الجميع فإدراج هذه المتعلقات ليس على سبيل الحصر.
 
 
 
 
139
 

112

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 أنواع الحجاب وضوابطه

تحدثّ القرآن الكريم في كلٍّ من سورة الأحزاب، وسورة النور، عن موضوع الحجاب بجوانبه المتعدّدة، ويمكننا رصد ثلاثة أنواع من الحجاب تضمّنتها الآيات:
1- حجاب على مستوى اللّباس:
المجال الأوّل من مجالات الحجاب هو المرتبط بلباس المرأة. وقد جاءت الآيات المباركة لتشير إلى عنوانيْن في مجال لباس المرأة، وهما: الخمار، والجلباب. ففي سورة النور، جاء الأمر بالخمار: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، وفي سورة الأحزاب جاءت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْن﴾1, وكلاهما - الخمار والجلباب - يشيران إلى معنى الستر. وقد اعتبر المفسّرون أنّ الخمار المضروب على الجيوب في الآية هو غطاء الرأس الّذي يستر الشعر والرقبة والصدر، أمّا الجلباب فلم يتّفق المفسّرون واللّغويّون على معنى واحد له، وقد ذكروا له معاني عدّة:
- أنّه "الملحفة"، وهي قماش أطول من الخمار يغطّي الرأس والرقبة والصدر.
- أنّه المقنعة والخمار.
- أنّه القميص الفضفاض الواسع.

ومع أنّ هذه المعاني تختلف عن بعضها، إلاّ أنّ العامل المشترك فيها أنّها تستر البدن. وإنّ الأظهر أنّ المراد هو الحجاب الّذي يكون أكبر من الخمار وأقصر من العباءة، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب.

والمراد من ﴿يُدْنِينَ﴾ أن يقرّبن الجلباب إلى أبدانهنّ ليكون أستر لهنّ، لا أن يدعنه كيف ما كان، بحيث يقع من هنا وهناك فينكشف البدن، وبتعبير أبسط، أن يلاحظن ثيابهنّ ويحافظن على حجابهنّ2.
 

1- سورة الأحزاب، الآية 59.
2- الشيخ الشيرازي، الامثل ج13، ص35.
 
 
 
140

113

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 ويستظهر العلّامة المصطفوي من قرائن لغويّة عدّة أنّ الجلباب هو ما يغطَّي الثياب، ويستر البدن والثياب معًا، والملاءة الَّتي يشتمل بها، والملحفة، والرداء الَّذي يستر تمام البدن، ويلبس فوق الثياب. فالجلباب بهذا المعنى هو الَّذي يقتضيه ويجلبه حجاب المرأة ومحفوظيّتها، وبذلك يكون لبس الجلباب أقرب من المعروفيّة بالعفّة والتقوى والمحجوبيّة، فيعرفن به ولا يؤذين1,2.


وقد روي عن النَّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "للزوج ما تحت الدرع، وللابن والأخ ما فوق الدرع، ولغير ذي محرم أربعة أثواب: درع، وخمار، وجلباب، وإزار"3.

والدرع هو ما يستر النصف الأعلى من الجسم، والإزار ما يستر النصف الأسفل منه، والخمار هو المقنعة الَّتي تغطي الرأس، والجلباب هو ما يغطي المرأة من رأسها إلى قدمها، فهذا هو الزيّ المناسب للمرأة.

ضوابط اللّباس الشرعيّ:
يتبيّن لنا من خلال ما تقدّم أنّ المقدار المتوجّب ستره هو كامل بدن المرأة ورأسها: الشعر والرقبة والصدر. وقد اختلف الفقهاء في وجوب ستر الوجه والكفّين، إلّا أنّ الجميع متّفقٌ على أنّه يجب سترهما في حال الخوف من الافتتان بها.

وهناك مجموعة من الضوابط الّتي وضعها الإسلام للّباس لكي يكون "لباسًا شرعيًّا" و"زيًّا إسلاميًّا"، وحتّى يكون مؤدّيًا للغرض والهدف اللّذيْن فرضا من أجله. من هذه الضوابط: 
أ- أن يكون اللباس واسعًا فضفاضًا: أي غير ضيّق حتّى لا يصف شيئًا من جسمها، أو يظهر أماكن الفتنة من الجسم.

ب- أن يكون مستوعبًا لجميع البدن باستثناء الوجه والكفّين.

ج- أن يكون اللباس غير شفّاف، فلا يكشف ما وراءه.
 

1- المقصود هو المعروفية الواردة في الآية 59 من سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج2، ص96.
3- نقلته جملة من كتب التفاسير منها: المحقق الأردبيلي، زبدة البيان في أحكام القرآن، ص554.
 
 
 
141

114

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 د- ألّا يكون الحجاب زينة في نفسه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.


هـ- أن لا يترتّب على اللّباس بعض العناوين الفاسدة، ونذكر منها:
- التشبّه بالكفار.
- تشبّه النساء بالرجال.
- نشر الثقافة الغربيّة، فلو كان ارتداؤه يعدّ إشاعة للثقافة الغربيّة المعادية، فلا يجوز استيرادها وبيعها وشراؤها ولبسها، وكونه نشرًا للثقافة الغربيّة المعارضة للثقافة الإسلاميّة فموكول إلى نظر العرف.

و- ألا يكون لباس شهرة: هو اللباس الّذي لا يتوقّع من الشخص أن يرتديه من أجل لونه أو كيفيّة خياطته، أو من أجل كونه خلِقًا أو غير ذلك, بحيث لو ارتداه بمرأى من الناس ومنظرهم لفت أنظارهم إلى نفسه وأشير إليه بالبيان.

2- حجاب على مستوى الكلام:
لم تقتصر الآيات القرآنيّة على حصر الحجاب باللباس، بل أكّدت الآيات على أنّ حجاب المرأة لا بدّ أن يكون شاملًا لمجموعة ضوابط، منها ما هو مرتبط بسلوكها، ومنها ما هو مرتبط بكلامها. فالكلام، مضمونًا وأسلوبًا، أداة تواصل مع الآخرين، وبالتّالي يؤثّر فيهم بحسب محتواه وأسلوبه. ولهذا المعنى تشير الآية: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾1. فإنّ جملة ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ إشارة إلى طريقة التحدّث، وجملة: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ إشارة إلى محتوى الحديث.

فالآية تقول: تكلّمن عند تحدثكنّ بجدّ وبأُسلوب عاديّ، لا كالنساء المتميّعات اللائي يسعين من خلال حديثهنّ المليء بالعبارات المحرّكة للشهوة، والّتي قد تقترن بترخيم الصوت، وأداء بعض الحركات المهيّجة، أن يدفعن ذوي الشهوات إلى الفساد وارتكاب المعاصي. ويجب عليكنّ التحدّث مع الآخرين بشكل لائق ومرضي لله ورسوله، ومقترنًا مع الحقّ والعدل. فإنّ "القول المعروف" له معنى واسع يتضمّن كلّ ما قيل، إضافةً إلى
 

1- سورة الأحزاب، الآية 32.
 
 
 
142

115

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 أنّه ينفي كلّ قول باطل، لا فائدة فيه ولا هدف من ورائه، وكذلك ينفي المعصية وكلّ ما خالف الحقّ1.


ومع أنّ أصل الكلام مع غير المحارم مباح، إلّا أنّه لا بدّ أن يقيَّد بمجموعة من الشروط والضوابط حتّى يكون جائزًا:
أ- عدم الميوعة في الكلام، وعدم ترقيق الصوت.
ب- أن لا يؤدّي إلى إثارة شهوة أو لذّة، أو ريبة، وخوف الوقوع في الحرام. 

3- الحجاب في السلوك:
إضافة إلى الحجاب على مستوى اللباس والكلام، فقد أشارت الشريعة إلى جانب آخر، لا بدّ أن تلتفت إليه المرأة المحجّبة في إطار تعاملها مع غير المحارم. هذا الجانب يتمثّل بالضوابط الشرعيّة الّتي شرّعتها الآيات لسلوك المرأة، ويستوقفنا ها هنا كلام للشهيد مطهري إذ يقول: "إنّ الشرف الإنسانيّ للمرأة يقتضي حين الخروج من المنزل أنْ تكون وقورة تُثقل الأرض بمشيتها، وأنْ تتجنّب كلَّ ممارسة تستهدف الإثارة، فلا تدعو الرجل لنفسها عمليًّا، وأن لا تلبس اللباس الحاكي، وتمشي المشية الناطقة، وأنْ لا تعتمد الحديث المثير. فمشية الإنسان تحكي، وأسلوبه في الحديث يحكي أمرًا آخر غير الكلام نفسه"2. فللسلوك بحدّ ذاته لغة، هذه اللّغة هي ما يطلق عليه اليوم لغة الجسد، إذ بإمكاننا أن نميّز الصادق من الكاذب عبر النظر في عيونه.

وفي هذا الإطار، أشارت الآية إلى ضابطة عدم لفت الأنظار عندما نهت عن إبداء الزينة المستورة: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾. فلا بدّ للمرأة أن تراعي في جميع سلوكيّاتها هذه الضابطة وعدم إثارة الفتنة والشهوة في مشيها وسلوكها وحركاتها، إضافة إلى ضرورة عدم إبداء أيّ زينة مستورة. ويلحق بهذا المجال موضوع التبرّج والمساحيق والعطور الّتي تثير الفتنة، وكلّ ذلك منهيٌّ عنه.
 

1- الشيخ الشيرازي، الامثل، ج13، ص233.
2- الشهيد مطهري، مسالة الحجاب، 50-51.
 
 
 
143

116

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 فلا بدّ للمرأة أن تراعي الحجاب في لباسها، وفي جميع حركاتها وسكناتها أمام الناظر الأجنبيّ، وأن تحفظ حقّ الله تعالى من خلال التزامها بالحجاب الكامل الّذي سنّته الشريعة.


عصرنة الحجاب - "الموضة"
في غمرة الفوضى السارية في عالم الأزياء الّتي تصل إلى حدّ الجنون، وفي ظلّ عولمة الأزياء، وحيث إنّ المسيطر على قضيّة الأزياء ومصمّميها هو العقل الاستهلاكيّ الّذي يستنزف أموال الناس، بحيث إنّ المرأة لا تكاد ترتدي الثوب مرّة أو مرّتين حتّى تتخلّى عنه لصالح الموضة الجديدة، انتشرت أشكالٌ متنوّعة من الحجاب الّذي يجاري الموضة العالميّة. فبتنا نرى فتيات يرتدين السراويل والقمصان الضيّقة، والمناديل المرصّعة، ناهيك عن مساحيق التجميل، والعطور الفوّاحة، والإكسسوارات المتنوّعة، من حزام الخصر إلى العقود والأساور الملوّنة، والساعات المزخرفة أيّما زخرفة، ويطلق عليهنّ المجتمع وصف محجّبات، وبذلك خرج الحجاب عن روحه المتمثّلة بالستر والحياء، وأصبح وسيلة لإبراز المفاتن.

هذا بالإضافة إلى أنّ الموضة لحقت اللّباس المسمّى باللّباس الشرعيّ، فباتت هذه الألبسة متلائمة مع الموضة العالميّة لجهة الألوان وتفصيل مفاتن الجسد عند الخصر والصدر، إلى إضافة الزخرفة للباس بحيث أصبح هذا اللباس بحدّ ذاته زينة، إضافة إلى الخمار المزركش الباهظ الثمن الّذي قد يندرج شراؤه في إطار الإسراف المحرّم. وكلّ هذه الإضافات على هذا اللباس جاءت تحت دعاوى الأناقة والترتيب من أجل أن يكون الحجاب مظهرًا حضاريًّا مجاريًّا لمقتضيات التطوّر الحضاريّ، وكأنّ الحجاب الشرعيّ المراعي للضوابط الشرعيّة يعبّر عن تخلّف عن الحضارة.

إنّ الأصل في مسألة الحجاب هو الستر لجميع ما يمكن أن يلفت الأنظار، ويسبّب الإغراء، فيثير الشهوات الدفينة، وليس أن يكون الحجاب نفسه سببًا للإغراء. وعليه، فإنّ حجاب الموضة لا يُعدّ حجابًا شرعيًّا، لأنّه لا يستجمع شروط الحجاب الشرعيّ، بل ربَّما يشكّل تشويهًا لصورة الحجاب في نظر الآخرين، لأنّ المرأة الّتي ترتدي هذا النوع من الحجاب إذا لم تحمل شيئًا من أخلاقيّة الفتاة المحجّبة، بل كانت
 
 
 
144

117

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 تصرّفاتها العامّة أقرب إلى عدم الانضباط والاتّزان، فإنّها بذلك لا تسيء إلى نفسها فحسب، بل ربّما أساءت إلى صورة الحجاب نفسه1.


رسالة الآيات
إنّ الحجاب سرّ من أسرار جلال المرأة وجمالها، وهو يندرج في جنبة حقّ الله تعالى، لأنّه أراد للزينة الّتي زيّنها بها أن تكون سببًا لتأسيس مجتمع النور وتشكيل حكومة الرأفة، وإنّ روح مسألة الحجاب مرتبطة بالحياء الّذي يجب توافره لدى المرأة، وهو إعلاء لشأنها ومكانتها في هذا المجتمع، فالله لم يرد لها أن تكون محطًّا لميل شهوانيّ غرائزيّ، بل أرادها مصدرًا للرأفة والسكن والمودّة والرحمة داخل الأسرة وفي المجتمع، وأرادها مظهرًا لرقيّ الروح والعقل والعاطفة.

3- الحجاب آية الجلال وستار الجمال:
إنّ التكليف الإلهيّ، وإن رافقته كلفة ومشقّة، فهو بدوره آية لجلال الله، ولا يكون باطنه إلّا تشريفًا، وهو آية جمال الله. لذا يتشرّف كلّ مكلّف، وهذه الكلفة والمشقّة العابرة في امتثال الأوامر الإلهيّة تجلبان شرفًا راسخًا. من هنا نقرأ في القرآن الكريم بعد الأمر بالوضوء والغسل والتيمّم، أنّ الله يريد أن يطهّركم، أي أنّ هذا التكليف الظاهريّ يرافقه تطهير معنويّ يعمل على ضمان جمال القلب: ﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ2. فكما أنّ زكاة المال هي ظاهرًا عامل نفاده ونقصانه، ولكن باطنها معبّأ بالنمو والنضج: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾3، ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾4. والشاهد على استتار الجمال في كسوة الجلال هو أنّ الجنّة تقع في باطن مشقّات ومصاعب السير والسلوك والصبر والاستقامة في الجهاد الأصغر والأوسط
 

1- الشيخ حسين الخشن، بحث بعنوان ظاهرة، انحسار الحجاب، بتصرّف.
2- سورة المائدة، الآية 6.
3- سورة البقرة، الآية 276.
4- سورة الروم، الآية 39.
 
 
 
145

118

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 والأكبر: "حفّت الجنّة بالمكاره"1. كما أنّ الجلال واقع في باطن بعض الجمالات: "حفّت النّار بالشهوات"، لأنّ الشهوات واللذّات والنشاطات وأمثالها هي مظاهر الجمال، وإذا لم توازن وتجاوزت حدّ الحلال، وأخذت جنبة حيوانيّة محضة، فإنّه سيرافقها في باطنها غضب الله. والحجاب للمرأة من جملة التشريعات والتكاليف الظاهريّة الّتي تنطوي على تطهير معنويّ يتمثّل في نماء جمال العقل والروح لديها.


فقد جاءت الشريعة الإلهيّة لتقيّد جمال المرأة بما يحفظه ويصونه ويرفع من شأنها، لأنّ رؤية الإسلام للمرأة وتنظيم حقوقها وحيثيّتها لها جنبة حقّ الله، وليس حقّ للنّاس فحسب، فلا يجوز هتك حرمتها لأحد، وقاعدة أنّ الجميع مكلّفون بالحفاظ على مقام المرأة مشهودة من خلال الأحكام الدينيّة. فمثلًا، إذا تجاوز أحد حيثيّتها وهتك ناموسها يجب أن يحدّ ولا يسقط حدّ الزاني لأيّ سبب، لا رضى الزوج ولا رضى المرأة نفسها، لأنّ ناموسها له جنبة حقّ الله، وليس هو كالمال إذا سرق ورضي المسروق منه يسقط الحدّ، ولكن مدنيّة الغرب أو الشرق المادّيّ تعتبر ناموس المرأة كالبضاعة، لذا يبرّأ المتّهم إذا رضيت المرأة أو رضي الزوج ويغلق الملف، كما كان رائجًا في الجاهليّة القديمة.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص78.
 
 
 
146

119

الدرس الحادي عشر: نحو مجتمع النور(6): حصن الحجاب والستر (2)

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ الأصل في مسألة الحجاب هو الستر لجميع ما يمكن أن يلفت الأنظار، ويسبّب الإغراء، فيثير الشهوات الدفينة، وليس أن يكون الحجاب نفسه سببًا للإغراء.

2- الجمال المادّيّ الظاهر المتمثّل بجمال الخلقة، كمفاتن الجسد وغيرها من مظاهر الزينة الملازمة لخلقة المرأة، فلا بدّ أن تترفّع عن استخدامه واستغلاله، لأنّ الله تعالى زيّنها فيه لهدف خاصّ مرتبط بمسألة الزواج واستمرار النسل. وهو ملك خاصّ لها، ولمن ترتضيه زوجًا، وليس ملكًا عامًّا لجميع الناس.

3- جاءت الشريعة الإلهيّة لتقيّد جمال المرأة بما يحفظه ويصونه ويرفع من شأنها، لأنّ رؤية الإسلام للمرأة وتنظيم حقوقها وحيثيّتها لها جنبة حقّ الله وليس حقّ الناس فحسب، فلا يجوز هتك حرمتها لأحد.
 
 
 
 
147

120

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 الدرس الثاني عشر

 

الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يلخّص أهمّيّة السعي في تزويج الآخرين كما بيّنته الآيات.
2- يعرّف مفهوم العفّة موضّحًا العلاقة بين العفّة والتقوى.
3- يعرض مجالات العفّة كما عالجتها سورة النور.
4- يبيّن أهمّيّة الزواج في تحقيق العفّة الفرديّة والاجتماعيّة.
 
 
 
 
149

121

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 تمهيد

لأنّ جميع التشريعات الّتي شرّعتها سورة النور - من غضّ للبصر وحفظ للفرج وفرض للحجاب - غير كافية وحدها للسيطرة الكاملة على القوّة الشهويّة الّتي أودعها الله في النفس البشريّة، فقد تتابعت الآية لتسنّ سنّة إلهيّة تصون وتحمي العفّة، فما هي هذه السُنّة؟

نصّ الآيات:
﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ1.

ليتدبّروا آياته
1- مفردات الآيات:
- ﴿الْأَيَامَى﴾: الأيم: العزب رجلًا كان أو امرأة، وسواء أتزوّج من قبل أم لم يتزّوج2.

- ﴿لْيَسْتَعْفِفِ﴾: العفّة: اعتدال القوّة الشهوية ووقوعها على الوسط بين رذيلتيّ
 

1- سورة النور، الآيات 32 - 34.
2- الفيومي، أحمد بن محمّد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لا.م، لا.ت، لا.ط، الأيم، ج1، ص33.
 
 
 
151

122

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 الخمود والفجور، فلا يعجزون عن الحقّ ولا يميلون إلى الفجور1. وهذا المعنى من العفّة ينطبق على عناوين متعدّدة، ولا يختصّ بالعفّة الجنسيّة.


- ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: ملك اليمين: الرقيق، العبد والأمة، الّذي تحت يد المالك وسيطرته التامّة2.

- ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾: المكاتبة: هي تعهّد الغلام بتوقيعه اتفاقًا ينصّ على القيام بعمل معيّن، أو دفع مبلغ مقابل عتقه3. وهي اتّفاق يتحرّر بموجبه العبد بعد أدائه مبلغًا من المال يتّفق عليه4.

- ﴿الْبِغَاء﴾: البغي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أو لم يتجاوزه، فتارة يعتبر في القدر الّذي هو الكميّة، وتارة يعتبر في الوصف الَّذي هو الكيفيّة، يقال بغيت الشيء إذا طلبت أكثر ما يجب، وبغت المرأة بغاء: إذا فجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها5.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
أ- السعي في التزويج:
تخاطب الآية المؤمنين داعية إيّاهم إلى العمل على تزويج الأيامى. والأيامى جمع أيم، وهي المرأة الّتي لا زوج لها، سواء أكانت بكرًا أم ثيّبًا. والرجل الّذي لا زوجة له. كما أنّها تحثّ أيضًا على تزويج الإماء والعبيد، وقد خصّ الله الصالحين بالذكر، ليحصّن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم بالتزويج، والمقصود بالصالحين: الصالحون للتزويج لا للأعمال.
 
 

1- المازندراني، شرح أصول الكافي، ج 8، ص390.
2- الدكتور أحمد فتح الله، معجم ألفاظ الفقه الجعفري، لا.ن، لا.م، 1415هـ - 1995م، ط 1، باب الميم، ص407.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص94.
4- المصدر نفسه، ج16، ص334.
5- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص136.
 
 
 
 
152

123

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 بما أنّ الزواج يتمّ بالتراضي وحرّية الاختيار للطرفين، فالمراد من هذا الأمر بالتزويج التمهيد للزواج عن طريق تقديم العون المالي عند الحاجة، أو العثور على زوجة مناسبة، أو التشجيع على الزواج والاستفادة من وساطة الأشخاص لحلّ المشاكل المستجدّة.


عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قوله: "أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتّى يجمع الله بينهما"1.

كما تشير الآية إلى أنّ الفقر لا يجب أن يشكّل سببًا مانعًا للزواج، وتعدّ الغنى وسعة الرزق من الله الرازق المتفضّل على عباده. كما تشير إلى علم الله الواسع، فهو يعلم صلاح العباد ويرزقهم بمقتضى هذا الصلاح.

قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
أمر منه تعالى لمن لا يجد السبيل إلى أن يتزوّج بسبب الفقر، أن يتعفّف ويصبر حتّى يغنيه الله من فضله.

ب- فما هو المقصود من العفّة؟
الاستعفاف بمعنى كبح جماح القوّة الشهويّة والسيطرة عليها، والمستعفف طالب من نفسه العفاف، أي حاملها عليه. والمشهور في تفسير الآية: ليجتهدوا في قمع الشهوة وطلب العفّة بالرياضات الشرعيّة كالصوم، لتسكين شهوتهم.

وقد فسّر أهل البيت عليهم السلام الآية بشكل خاصّ، فقد روي عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، قال: "يتزوّجوا حتّى يغنيهم الله من فضله". فيكون حينئذ مؤيّدًا لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ولا يكون معارضًا كما فهمه جماعة من المفسّرين وأوّلوه، ويظهر منه أنّ القرآن لا يفهمه إلّا الأئمّة المعصومون صلوات الله عليهم"2.

"فبالرغم من أنّ الفهم المشهور للآية الكريمة هو أنّ المراد من ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾: الّذين لا يجدون نفقة النكاح، وأنّ المراد من الاستعفاف هو الكفّ عن الحرام
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص331.
2- المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج8،ص84.
 
 
 
153

124

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 والإعراض عنه خلال الوقت الّذي لا يتيسّر فيه الزواج. بالرغم من ذلك، فإنّه يمكن تقريب فهم العكس، بأن نفهم من الاستعفاف المأمور به في الآية الكريمة هو الزواج نفسه، يعني: فليتزوج الّذين لا يجدون نفقة النكاح لكي يتيّسر لهم الرزق، كما وردت بذلك رواية سابقة، على أساس أنّ الزواج من أسباب سعة الزرق.


وتقريب ذلك بأحد الأسلوبين:
الأسلوب الأوّل: إنّ قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ من العفّة وهي الزواج نفسه، يقال: أعفّه أي زوّجه. فيكون المعنى بالدلالة المطابقيّة: الأمر بالزواج.

الأسلوب الثاني: إنّ العفّة هي ترك الحرام، ومن أحسن أساليب تركه هو الزواج. وقد سمعنا أنّ فيه حفظًا لنصف الدين، وأنّ الصبر على الحرام خلاله أسهل بكثير من الصبر مع الكراهة. فيكون مقتضى العفّة المأمور بها في الآية هو الزواج. أو بتعبير أفضل، إنّ أحسن تطبيق لهذا الأمر هو الزواج. وقوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ﴾ ليس المراد به الإرجاء في الزمان، أي بمعنى "إلى" كقوله: صمت نهاري حتّى اللّيل. بل بمعنى السببيّة التي تعبّر عنه بلفظ "لكي"، كقوله: أضأت السراج حتّى اقرأ، أي لكي اقرأ. فيكون معنى الآية الكريمة فليتزوّج الّذين لا يجدون نفقة الزواج لكي يغنيهم اللَّه من فضله. ولا يجوز أن يكون الفقر سببًا لترك الزواج"1.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾

ج- ما هي المكاتبة؟
المكاتبة من العقود، وهي تعهّد الغلام (العبد) عبر توقيعه اتّفاقًا ينصّ على القيام بعمل معيّن، "ولها أركان وأحكام ولواحق"، أما الأركان: فالصيغة والموجب والمملوك والعوض.

فالآية تدعو إلى تلبية طلب العبيد في حال طلبوا المكاتبة، وتشير إلى أنّ هناك شروطًا
 

1- الصدر، السيّد محمّد، ما وراء الفقه، المحبين للطباعة والنشر، لا.م، 1427هـ - 2007م، ط 3، ج6، ص122.
 
 
 
154

125

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 للمكاتبة: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾, أي صلاحًا ورشدًا. وقد اشترط الفقهاء للمكاتبة شروطًا في المتعاقدين هي: البلوغ والعقل. كما دعت الآية إلى مساعدة هؤلاء العبيد في الإيفاء بعقد المكاتبة: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾1.


قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

د- الإكراه على الزنا:
البغاء هو الزنا، وهو مفاعلة في البغي، والفتيات هنّ الإماء والولائد. أمّا إرادة التحصّن فهي إرادة التعفّف والزواج، وابتغاء عرض الحياة الدنيا فهو طلب المال، ولا تتحقّق مسألة الإكراه على الزنا إلّا إن كانت الزانية راغبة في التحصّن. فإن كانت راضية فلا يعدّ ذلك إكراهًا، وإنّما يتحقّق عنوانٌ آخر هو القيادة على الزنا.

والآية تنهى عمّا كان سائدًا من إكراه للجواري على الاشتغال بما لا ترضاه أنفسهم من الأعمال. فقد كنّ مجبورات على اتّباع أوامر مواليهم، فالتماسهنّ الفجور واشتغالهنّ بالفحشاء باتّخاذها عادة ومكسبًا كان فيما كان بأمر مواليهنّ من دون أن يسع لهنّ الاستنكاف والتمرّد، وإذا لم يكرههنّ المولى على الفجور، فالمؤمنات منهنّ كنّ على ظاهر التقوى والإسلام وعفّة الإيمان2.

ونشير إلى أنّ الإكراه هو من مسقطات الحدّ، إذ لا بدّ من توافر شرط الاختيار حتّى يُقام حدّ الزنا. ولذلك لا حدَّ على الفتيات المكرهات على الزنا، وتدعوهم الآية إلى التوبة وطلب المغفرة من الله تعالى، فالله غفور رحيم.

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
 

1- والمكاتبة نوعان مطلق ومشروط، فالمشروط أن يقول لعبده في حال الكتابة: متى عجزت عن أداء ثمنك كنت مردودًا في الرقّ، فإذا كان كذلك جاز له ردّه في الرقّ عند العجز، والمطلق ينعتق منه عند العجز بحساب ما أدّى من المال، ويبقى مملوكًا بحساب ما بقي عليه ويرث ويورث بحساب ما عتق.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص279.
 
 
 
155

126

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 تمثّل هذه الآية خاتمة المحور الأوّل من السورة، فتشير إلى الآيات الّتي وردت في سياق السورة، وإلى الأسلوب الّذي استخدمته السورة في عرض هذه الآيات، وهو أسلوب المثل وأسلوب الموعظة. فقد جاءت آيات المحور الأوّل من سورة النور "لتبيّن للمؤمنين من معارف الدين ما يفلحون به، وصفة من السابقين، أخيارهم وأشرارهم، يتميّز بها لكم ما ينبغي أن تأخذوا به ممّا ينبغي أن تجتنبوا، وموعظة للمتّقين منكم"1.


كما أنّها تختصر الهدف الّذي تستهدفه السورة ممّا ورد من آيات في سياق المحور، فالهدف هو تحقيق التقوى عبر الاستفادة من المواعظ والآيات الّتي وردت.

3- المعنى الإجمالي:
- تحثّ الآيات المؤمنين على الزواج طلبًا للعفّة، وعلى السعي في تزويج الّذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء. وتؤكّد أنّ الفقر ليس مانعًا من طلب الزواج، فالرزق من عند الله تعالى، وهو جلّ جلاله يمنّ به على طالبي الإشباع الشهويّ بالطرق الشرعيّة (الزواج).

- تنهى عن إكراه الجواري على الاشتغال بالزنا (البغاء)، وتشير إلى أنّ الحدّ يسقط عند الإكراه، وتحثّ على مكاتبة العبيد إن رغبوا بذلك، وكانت تتوافر فيهم شرائط الصلاح. وتشجّع على مساعدتهم ماليًّا للوفاء بما تعهّدوا به.

لعلّكم تذكَّرون
1. الزواج حصن العفّة:
لقد ربطت الآيات مورد البحث في هذا الدرس بين الزواج وتحقيق العفّة حين قالت: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. فبمقتضى هذه الآية، الزواج هو طريقة الإشباع الشهويّ المشروعة الّتي من خلالها تتحقّق العفّة في العلاقات بين الذكر والأنثى. فالزواج هو الوسيلة الّتي تحصّن أفراد المجتمع من الوقوع فيما ذكرته السورة من محرّمات. فهو الوسيلة الوحيدة الّتي يتحقّق فيها إشباع الشهوة، سواء في مجال النظر
 

1- م.ن، ج15، ص114.
 
 
 
156

127

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 أم اللمس، أم غيره من عوامل الريبة والتلذّذ، والّتي جاءت السورة لتضع لها حدودًا وضوابط.


ولأنّ قمع القوّة الشهويّة بشكل كلّي يوصل إلى التطرّف والتفريط، ويخرج عن حدّ الاعتدال المطلوب، وحيث إنّ الزواج سنّة فطريّة تترتّب عليها إيجابيّات كثيرة، فقد سنّـته الشريعة وحبّبته للمؤمنين. فقد روي أنّ رجلًا أتى النبيّ فشكى إليه الحاجة، فأمره بالتزويج ففعل، ثمّ أتاه فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج، حتّى أمره ثلاث مرّات! فقال أبو عبد الله عليه السلام: "هو حقّ، ثمّ قال: الرزق مع النساء والعيال"1.

فالزواج هو الحصن الذي تتحصّن فيه العفّة، ومن الملاحظ أنّ "المحصنات" مصطلح يطلق على العفيفات من النساء، لأنّهن تحصّنّ في حصن الزوجيّة، فصار ذلك دلالة على عفّتهنّ. ولذا جاء التشدّد في حدّ المحصنات، بحيث ترجم المحصنة الزانية حتّى الموت على تفصيل في الحكم بين الشابّة وغير الشابّة، وكذا بالنسبة إلى المحصن من الرجال، بينما غير المحصن والمحصنة يجلد مئة جلدة (100) بحسب الآيات.

2- مفهوم العفّة:
العفّة في اللّغة: حصول حالة للنّفس تمتنع بها عن غلبة الشّهوة، والمُتَعَفِّفُ: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العُفَافَة، والاستعفاف: طلب العفّة2. وعليه، فالعفّة تعني الكفّ عنالقبائح، وقلّة الشيء.

رسالة الآيات
تزوّجوا وزوّجوا العازبين من المؤمنين الصالحين، فالزواج حصن العفّة ومظهرها في المجتمع.

رسالة القسم الأوّل من سورة النور
لقد بيّن لكم الله آياته فانتفعوا ببيانه، ووعظكم فاتّعظوا بمواعظه، واعملوا على التحلّي بالعفّة باتّباع موجباتها ممّا بيّنته لكم السورة من أحكام وآداب، كي تتجلّى التقوى في أنفسكم وفي مجتمعكم.
 

1- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص44.
2- الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص573.
 
 
 
157

128

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 3- فضل العفة:

تعتبر العفّة حدّ الاعتدال في القوّة الشهويّة - وهو استعمالها على ما ينبغي كمًّا وكيفًا - فهي فضيلة هذه القوّة، وهي حدّ الوسط بين الخمود والشره. ويشير المحتوى القرآني والروائي إلى أنّ العلاقة الّتي تنظّم العفّة والشهوة هي علاقة تقاطع حادّ. عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "العفاف يصون النفس وينزّهها"1، وكذلك: "العفّة تضعف الشهوة"2.

وعلى هذا، فالعفّة واحدة من أمّهات الفضائل.

وممّا ذُكر من فضائل العفّة: "الحياء، والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، والهدوء، والورع، والطلاقة، والمساعدة، والسخط والظرف".

وعن أبي جعفر عليه السلام: "إنّ أفضل العبادة عفّة البطن والفرج"3. وعن أبي بصير، قال: قال رجل لأبي جعفر عليه السلام: إنّي ضعيف العمل قليل الصيام، ولكنّي أرجو أن لا آكل إلّا حلالًا، قال: فقال له: "أي الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج"4. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث أخافهنّ على أمّتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلّات الفتن، وشهوة البطن والفرج"5.

لذلك فقد حثّت الآيات والروايات على الزواج طلبًا للعفّة، وأكّدت على استحباب التزويج. عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "من زوّج أعزبًا كان ممن ينظر الله إليه يوم القيامة"6

وفي رواية أخرى: "ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش الله يوم القيامة يوم لا ظلّ إلّاظلّه، رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرًّا"7.
 

1- التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح مصطفى درايتي، مكتب الإعلام الإسلامي، إيران - قم، 1407هـ، ط1، ص256.
2- المصدر نفسه.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص79.
4- المصدر نفسه.
5- المصدر نفسه.
6- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص331.
7- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص46.
 
 
 
158

129

الدرس الثاني عشر: الآيات 32-34: نحو مجتمع النور(7): حصن العفّة

 المفاهيم الرئيسة


1-  تدعو الآية المؤمنين إلى العمل على تزويج الأيامى. والأيامى جمع أيم، وهي المرأة الّتي لا زوج لها، سواء أكانت بكرًا أم ثيّبًا، والرجل الّذي لا زوجة له.

2- تشير الآية إلى أنّ الفقر لا يجب أن يشكّل سببًا مانعًا للزواج، وتعدّ الغنى وسعة الرزق من الله الرازق المتفضّل على عباده، كما تشير إلى علم الله الواسع، فهو يعلم صلاح العباد ويرزقهم بمقتضى هذا الصلاح.

3- تنهى الآية عمّا كان سائدًا من إكراه للجواري على الاشتغال بما لا ترضاه أنفسهم من الأعمال.

4- الزواج هو طريقة الإشباع الشهويّ المشروعة الّتي من خلالها تتحقّق العفّة في العلاقات بين الذكر والأنثى.

5- العفّة في اللغة تعني الكفّ عن القبائح وقلّة الشيء.

6- بيّن القرآن الكريم العفّة بصفتها حالة نفسيّة وواقعيّة تترافق مع نسق خاصّ في القول والسلوك، وأنّ لها جانبيْن: داخليّ وخارجيّ.

7- تعتبر العفّة حدّ الاعتدال في القوّة الشهويّة - وهو استعمالها على ما ينبغي كمًّا وكيفًا - فهي فضيلة هذه القوّة الشهويّة، وهي حدّ الوسط بين الخمود والشره.

8. الاستعفاف بمعنى كبح جماح القوّة الشهويّة والسيطرة عليها، والمستعفف طالب من نفسه العفاف، أي حاملها عليه.

9- مجال العفّة الفرديّة: كعفّة البطن والفرج، وعفّة الجوارح والحواس.

ومجال العفّة الاجتماعيّة: تتحقّق عبر احترام خصوصيّات الآخرين، والتزام الأدب في العلاقة مع الآخرين.
 
 
 
 
159

130

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 الدرس الثالث عشر

الآية 35: نور الهداية

أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن معنى النور ومراتبه من خلال توضيح المثل المذكور في الآية.
2- يحدّد مفهوم الهداية مبيّنًا مراتبها وشرائطها.
3- يشرح باختصار أهمّيّة العلاقة بالمعصوم وموقعيّتها في مسيرة الهدى.
 
 
 
 
161

131

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 تمهيد

ليس الطريق إلى شهود الحقيقة إلَّا هداية اللَّه عزّ وجلّ، والهداية بمقدار الاستعداد والتهيّؤ، والتهيّؤ لا يتحقّق إلَّا بتزكية النفس وتطهيرها وتهذيبها. في هذا السياق، تحلّ آية النور في وسط سورة النور، لتشرق بأنوارها، مظهرة هدف السورة المتمثّل ببيان مراحل وخطوات السير التكامليّ إلى الله تعالى، بعد أن قدّمت السورة في القسم الأوّل جملة من الخطوات والإجراءات الّتي تزكّي الفرد والمجتمع لجهة بناء العفاف، فتتجلّى فيهم صفة التقوى الّتي تخوّلهم التصاعد في مسيرة الهدى.

نصّ الآية:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿نُورُ﴾: النور أصل يدلّ على إضاءة واضطراب وقلّة ثبات، لأنّه يكون مضطربًا سريع الحركة2، والنظر في الضوء إلى جهة الإشراق، أي الأشعّة المنتشرة من
 

1- سورة النور، الآية 35.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج2، ص278.
 
 
 
163

132

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 النور، وفي النور إلى نفس النور من حيث هو. وهو أعمّ من أن يكون ماديًّا أو روحانيًّا، ومتقوّمًا في نفسه أو بغيره1.


- ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: هي محلّ السراج، يوضع فيها المصباح، فهي وأطرافها ومحيطها تتنوّر وتستضيء بنور المصباح.

- ﴿الْمِصْبَاحُ﴾: هو آلة الصباح، وهو بمعنى التنوّر، فهو ما به يتحقّق انكشاف الظلام ماديًّا أو معنويًّا.

- ﴿الزُّجَاجَةُ﴾: هي ما يُرى ما وراءها وتجهره بأحسن نحو، والنظر فيها يكون إلى جهة البسط والنشر وتجلَّي النور.


- ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: هو ما تجمّع وتظاهر بضياء أو عظمة أو حسن، والدرّ: ما فيه سيلان خير أو نور وضياء.

- ﴿شَجَرَةٍ﴾: واحدة الشجر، وهو المتعالي المتظاهر، المتفرّعة منه فروع، ماديًّا أو معنويًّا. وهذا الإطلاق باعتبار تجلَّي النور واعتلائه وظهوره.

- ﴿يُوقَدُ﴾: الإيقاد: جعل شيء مشتعلًا ومتلألئًا بعد التحرّق، والضمير فيه راجع إلى الكوكب، وهو الشيء المتجمّع المتظاهر بضياء وعظمة.

- ﴿مُّبَارَكَةٍ﴾: مفاعلة، وتدلّ على استمرار البركة وهو الفضل والخير والفيض، وتدلّ الكلمة في الآية على زيادة البسط وكثرة الإفاضة والتجلَّي.

2- المعنى التفصيلي:
تعتبر آية النور من أروع الآيات وأجملها في القرآن الكريم، وهي محور سورة النور، وقد تضمّنت الآية عناوين عدّة:
الأوّل: إطلاق النور على الله تعالى في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الثاني: المثل الّذي جاء ذكره في الآية الكريمة، وهذا المثل ليس لذات الله، بل لنوره.
الثالث: نور الهداية.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ص279.
 
 
 
164

133

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.


تعدّدت آراءُ المفسّرين حول معنى كلمة "النّور" في الآية، فمنهم من قال إنّها تعني "الهادي"، وذهب البعض الآخر إلى أنّ المراد هو "المنير" أو "المنوّر"، وفسّرها آخرون بـ "زينة السماوات والأرض".

إلّا أنّ التدقيق في المعنى اللّغويّ والاستخدام القرآنيّ لمفردة النور يرشد إلى معنى أوسع للنور في الآية، وهو ما يُبيّن الأشياء ويظهرها، وبالنظر إلى أنّ الإظهار قد يكون للشيء من حيث الصفات العارضة عليه كالحجم واللّون وغيره، وقد يكون تكوين لذات الشيء بمعنى إيجاده كما هو الحال في إظهاره تعالى للبشر وباقي المخلوقات من العدم إلى عالم الوجود، فإنّ هذا الإظهار هو إيجاد بعد الخفاء والعدم1. وبذلك يكون المراد من النور بقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نوره تعالى من حيث يشرق منه النور العامّ الّذي يستنير به كلّ شيء، وهو مساوٍ لوجود كلّ شيء، وظهوره في نفسه ولغيره2.

وللنور مراتب:
الأوّل: أن يلاحظ بذاته وفي نفسه ومن حيث هو، وبهذا المعنى يطلق على اللَّه عزّ وجلّ، ويختصّ به تعالى، وصفته عين ذاته.

الثاني: أن يلاحظ بالنظر إلى جهة التأثير والإفاضة في مقام التكوين، بمعنى إفاضة النور تكوينًا، وإيجاده بالبسط والتجلَّي.

الثالث: إفاضة النّور بعد التكوين في مقام إدامة الحياة.

ثمّ إنّ لتجلَّي النور وبسطه أيضًا مراتب، وتختلف بحسب اختلاف مراتب العوالم وطبقات الموجودات التكوينيّة، كعالم العقول، والملائكة، والإنسان، والحيوان، والنبات والجماد. فيختلف النور وظهوره شدّة وضعفًا في هذه الطبقات.
 
 

1- راجع: الشيخ محمد السند، آيتان محكمتان نظرة تفسيرية على آيتي النور والتطهير، نشر أيه حيات، إيران، 1430هـ، ط1، ص13.
2- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص122.
 
 
 
165

134

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 ولما كانت السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في المصطلح القرآني هي صيغة التعبير عن الكون كلّه بما فيه ومن فيه كما في سائر القرآن، إذًا فـ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يعني أنّه نور الكون كلّه، بصفته صفة فعليّة له سبحانه، لا ذاتيّة1.


مع الإشارة إلى أنّ هناك معنىً آخر يستفاد من التعبير بـ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومتضمّن له بين خفاياه، وهو أنّ الله هو ملكوت2 السماوات والأرض، وأنّهما حالة ظلمانيّة خافية تكوينًا وباطنًا وملكوتًا، ولا يُظهر هذا الخفاء الملكوتيّ الباطنيّ إلّا بهذا النور3.

قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.

اعتبر المفسّرون أنّ المراد بهذا المثل هو نور الهداية، وأنّ المقصود هو نور الإيمان الّذي استقرّ في قلوب المؤمنين، في حين ذهب مفسّرون آخرون إلى تفسير المثل بمصاديقه. ويمكننا رصد عشرة أقوال في شرح المثل الوارد في الآية، وجميعها لا تخلو من الصوابيّة، إلّا أنّها في الغالب طبّقت المثال على مصاديقه، وجميع هذه المصاديق جوهرها واحد، وهو نور الهداية بذاته، ومصدره القرآن والوحي ووجود الأنبياء، وينهل من أدلّة التوحيد، ونتيجته التسليم بحكم الله والتمسّك بالتقوى4. ولكنّنا سنحاول فهم المثل المطروح من خلال سياق الآية نفسها، لذلك نتوقّف قبل معالجة التشبيهات الواردة في الآية عند نقاط عدّة:
 

1- الشيخ محمد الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ج21، ص154.
2- معنى الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وتعالى، أي جنبة الإيجاد والقيوميّة والهيمنة والإحاطة .فالمخلوق يكون ذا جهتين فإذا لحظناه بما هو في نفسه فإنك تلحظه من جهة المخلوقيّة، أما إذا لحظته بما هو دالّ على خالقه تكون جنبة ملكوتيّة، ومن هنا كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية، فإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استنادها ووجودها إليه الميزان، العلامة الطباطبائي، (ج7 ص171).
3- الشيخ محمد السند، آيتان محكمتان، ص14.
4- السبحاني، الشيخ جعفر، الامثال في القرآن الكريم، منشورات مؤسسة الإمام الصادقعليه السلام، إيران - قم، 1420هـ، ط1، ص 208-211.
 
 
 
166

135

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 أوّلًا: المثل المذكور في الآية هو مثل لشرح كيفيّة الوصول إلى النور الإلهيّ، والدليل على ذلك هو أنّ الآية، بعد ذكر المثل، حدّدت الهدف، وهو الهداية لنور الله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾.


ثانيًا: هذه الهداية هي بحدّ ذاتها تمثّل مسيرة نورانيّة: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾, تبيّنها الآية عبر المثل الّذي تضربه.

ثالثًا: لعمليّة الاستنارة بالنور الإلهيّ أركانٌ متعدّدة، لا بدّ من توافرها لضمان تحقّق الهداية الخاصّة إلى نور الحقّ تعالى.

توضيح المثل:
لفهم المثل، وبالتّالي وضوح الكيفيّة الّتي تتمّ عبرها عمليّة الوصول إلى النور، لا بدّ من فهم أركان المثل:
1- المشكاة: هي محفظة المصباح، وهي تحفظ النور من أن تتلاعب به العوامل الخارجيّة، كالهواء، وتعمل على نشر النور وتوزيعه داخل المكان.

2- المصباح: هو آلة النور، وهو يحتوي عادة على شعلة هي عبارة عن فتيل متّصل بالوقود، يستمدّ منه الطاقة من أجل دوام واستمرار النور.

3- الزجاجة: هي واسطة الفيض النورانيّ، فالنور الصادر عن المصباح نافذٌ عبر زجاجة صافية لطيفة، تري ما وراءها ولا تحجب عنه، بل تؤيّد بسط نور المصباح وإنفاذه وإنارته. فهي وسائط فيضان الفيض والنور والرحمة، ووسائل الاستفاضة والاستنارة، والتوجّه والارتباط.

4- الوقود في المصباح: يتّصف بصفات عدّة:
- أنّه من شجرة مباركة زيتونة.
- الزيتونة مفرد الزيتون، وهو مجموع الشجر وأثماره. ويشار بهذا التوصيف إلى كون الزيت في الشجرة ذاتيًّا وفي نفس الشجرة، وإن كانت الشجرة في نفسها غير متقوّمة.
 
 
 
 
167

136

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 - لا شرقية ولا غربية، أي إنّ هذه الشجرة المباركة الَّتي حقيقتها بسط النور، ليست كسائر الأشجار الخارجيّة منتسبة إلى جهة شرق أو جهة غرب، وليست محدودة ومقيّدة تحت قيود الجسمانيّة، حتّى تكون محكومة بحكمها، ومحدودة بحدودها، ومضطرّة في جلواتها وظهوراتها.


- يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسّسه نار: إشارة إلى أنّ هذا البسط والتجلَّي للنور غير محدود بأيّ قيد وحدّ، حتّى بالاحتياج إلى النار والحرارة ليحصل الاشتعال والتوقّد، كما في الأنوار المادّيّة.

وعليه، فالوقود الّذي يضيء المصباح صافٍ خالص شفّاف ذاتيّ، يُشْعَل لوحده دون أن يمسّه قبس من النار.

فالمثل يبيّن ضرورة توفّر الأركان الآتية من أجل تحقّق الهداية:
- محفظة للنور تضمن عدم تأثّره بالعوامل الخارجيّة، وتؤمّن حسن توزيعه (المشكاة).

- آلة إظهار النور (المصباح) المؤلّفة من قسمين:
أ- شعلة متّصلة بالوقود.
ب- واسطة للفيض النورانيّ تنظّم شعلة النور، وتضمن إنفاذ وتلألؤ النور، وإبراز عظمته وبهائه.

- وقود يتصفّ بأنّه صافٍ، خالص، ذاتيّ، لا يحتاج إلى واسطة في الإيقاد.
قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾
تشير الآية إلى أنّ الهداية لنور الله تعالى تتمّ على مراحل. فهناك نور يعقبه نور، والمراد من كون النور على النور: هو تضاعف النور لا تعدّده، فليس المراد به أنّه نور معيّن أو غير معيّن فوق نور آخر مثله، ولا أنّه مجموع نورين اثنين فقط، بل إنّه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه، وهذا التعبير شائع في الكلام1.

قوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
 

1- السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، ج15، ص124.
 
 
 
 
168

137

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 إشارة إلى أنّ المثل المضروب تحته طور من العلم، وإنّما اختير المثل لكونه أسهل الطرق لتبيّن الحقائق والدقائق، ويشترك فيه العالم والعامّي، فيأخذ منه كلّ ما قسم له. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ1,2.


فكيف نفهم مسيرة الهداية النورانيّة من خلال المثل المطروح في الآية؟ ومن هم الّذين تشملهم الآية ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ هذا ما سنعالجه في الدرس المستفاد من الآية.

3- المعنى الإجمالي:
بيّنت الآية أنّ الله سبحانه وتعالى مفيض الوجود على الكائنات، بإظهارها من العدم إلى حيّز الوجود: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأنّه مفيض نور الهداية على الموجودات. وقد ضربت الآية مثلًا لشرح كيفيّة إفاضة هذا النور مؤلّفًا من أربعة أركان: المشكاة، المصباح، الزجاجة، والوقود. كما بيّنت خصائص هذه الأركان.

وأوضحت بأنّ تحقّق الهداية مرتبطٌ بالمشيئة الإلهيّة المتعلّقة بسلوك الإنسان في مسيرة نورانيّة: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وفق الكيفيّة التي اتّضحت في المثل الّذي ضربته الآية، ومن ثمّ عقّبت الآية بالتذكير بعلم الله تعالى.

رسالة الآية
السير التكامليّ في طريق الهدى يحتاج إلى قائد نورانيّ يقود المسيرة وينير درب السالكين، ذلك القائد مثله كمشكاة تصون النور في نفس المؤمن، وتنير طريقه من أجل الوصول إلى مصافّ الكمال، فيها زجاجة صافية نقيّة، لا كدورة فيها، تشكّل مستقرًّا للمصباح وواسطة لانبساط نوره، ووقودًا خاصًّا متّصلًا بشجرة مباركة يؤمّن الاتّصال الدائم بالوحي الربانيّ.

وما ذلك النور إلّا المعصوم، فاهتدوا بهداه يقودكم إلى الهدى، وتعرّفوا إليه وسيروا على نهجه تهتدوا.
 

1- سورة العنكبوت، الآية 43.
2- الشيخ جعفر السبحاني، الأمثال في القرآن الكريم، ص211.
 
 
 
 
169

138

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 لعلّكم تذكَّرون

﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾

نور الهداية
الله مفيض الوجود، وخالق كلّ موجود، ولا يليق بكماله، وحاشاه أن يترك مخلوقاته تسير على غير نظام مقدّر لها، ودون أن تكون هناك غاية تسعى إلى بلوغها. فالنظام المقدّر، والطريق الّذي يسلكه هذا النظام، والغايات المرجوّ بلوغها، هذه هي المعاني الواسعة الشاملة الّتي تبرز في الآيات القرآنيّة الحاوية لكلمة الهداية وما يشتقّ منها، وما يقترب من معناها ودلالاتها.

والهداية في القرآن لها معنيان، هما: إراءة الطريق، والإيصال إلى المطلوب.

وقد نسبت الهداية في القرآن إلى الله تعالى، وإلى الرسول، وإلى جميع من صدق عليه مفهوم الإمامة القرآنيّة، كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا1.
 

1- سورة الأنبياء، الآية 73.
 
 
 
170

139

الدرس الثالث عشر: الآية 35: نور الهداية

 المفاهيم الرئيسة


1- المراد بالنور في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نوره تعالى من حيث يشرق منه النور العامّ الّذي يستنير به كلّ شيء، وهو مساوٍ لوجود كلّ شيء، وظهوره في نفسه ولغيره.

2- لمّا كانت السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في المصطلح القرآنيّ هي صيغة التعبير عن الكون كلّه، بما فيه ومن فيه، كما في سائر القرآن، إذًا فـ "اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"، يعني نّور الكون كلّه، كصفة فعليّة له سبحانه، لا ذاتيّة.

3- ضربت الآية مثلًا لنور الهداية مؤلّفًا من أربعة أركان هي: المشكاة، والمصباح، والزجاجة والوقود. وبيّنت خصائصها.

4- تشير الآية إلى أنّ الهداية لنور الله تعالى تتمّ على مراحل جميعها نورانيّة (نور على نور)، والمراد من كون النور على النور: هو تضاعف النور لا تعدّده، فليس المراد به أنّه نور معيّن أو غير معيّن فوق نور آخر مثله، ولا أنّه مجموع نورين اثنين فقط، بل إنّه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه.

5. الهداية في القرآن على معنيين هما: إراءة الطريق والإيصال إلى المطلوب.
 
 
 
171

140

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 الدرس الرابع عشر

 

الآيات 36-38: مقوّمات الهداية


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن المراد من المفاهيم الواردة في الآيات: البيوت، الإذن بالرفع، الرجال، تقلّب القلوب والأبصار.
2- يحدّد الأركان الرئيسة للسير في طريق الهداية: تزكية النفس - العبودية - الولاية، ويشرح الترابط بينها.
3- يعرّف مفهوم العبوديّة، ويبيّن علاقتها بالعبادة.
 
 
 
 
173

 


141

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 تمهيد

إنّ السير إلى الله تعالى بما هو نوع خاصّ من المسير النورانيّ يحتاج إلى زاد واستعداد خاصّ، كما أنّه يحتاج إلى قائد بمواصفات خاصّة، يقود السالكين إلى المطلوب الّذي لا يدرك كنهه وعظمته إلّا ذاك القائد، لأنّ الهداية في هذا المسير متعلّقة بالمشيئة، ومشيئته تعالى تتعلّق بحسن التزوّد ومعرفة الطريق. فمن لم يتزوّد بما يلزم لهذا المسير، ولم يختر لنفسه قائدًا خبيرًا بالهدف والطريق، زاده السير بعدًا عن المطلوب. من هنا، يجب أن نعرف أين موضع النور الّذي يهدي إلى الله الّذي مثّلت له آية النور بالمشكاة والمصباح؟ وما هي خصوصيّات هذا الموضع؟

نصّ الآيات:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿بُيُوتٍ﴾: أصل واحد، وهو المأوى والمآب ومجمع الشمل2، أطلق لفظ البيت على محلّ يسكن ليلًا.
 

1- سورة النور، الآيات 36 – 38.
2- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة،ج1، ص324.
 
 
 
175

142

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 - ﴿أَذِنَ﴾: الأصل الواحد فيها هو الاطَّلاع بقيد الرضا والموافقة، سواء أصدر منه أمر أم لا1.


- ﴿تُرْفَعَ﴾: رفع: أصل واحد يدلّ على خلاف الوضع، تقول رفعت الشيء رفعًا، وهو خلاف الخفض2. يقال تارّة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرّها نحو: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾3، وتارّة في البناء إذا طوّلته نحو: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾,4 5. الرفع أعمّ من أن يكون في المحسوسات أو في المعنويّات كما في: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾6.

- ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: إِنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تحوّل مع جريان، وهذا المفهوم له مصاديق، كالتحوّل في الليل وجريانه إلى أن تزول آثار الليل، وهذا المعنى يتحقّق من أوّل الفجر إلى طلوع الشمس. وكتحوّل في مجموع اليوم والليلة إلى يوم آخر وجريانه. وكتحوّل في أمر مكان مستمرًّا أو في حالة ممتدّة إلى أمر أو حالة أخرى، وهكذا. فلا بدّ في تحقّق هذا الأصل من لحاظ قيديْن: التحوّل، وجريانه. وهذا المعنى مفهوم كلَّيّ تختلف خصوصيّاته باختلاف الموارد7.

-  ﴿َالْآصَالِ﴾: الأصيل هو الزمان بعد العشيّ8.

- ﴿تُلْهِيهِمْ﴾: الأصل الواحد في المادّة: هو ما يكون فيه تمايل إليه، وتلذّذ به، من دون النظر إلى حصول نتيجة. ومن آثاره: الشغل عن شيء بشيء، أو نبذ شيء باليد9.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10، ص61.
2- أحمد بن فارس بن زكريا ابن فارس)، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص423.
3- سورة البقرة، الآية 63.
4- سورة البقرة، الآية 127.
5- الراغب الاصفهاني، المفردات الفاظ القرآن، ص200.
6- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص185.
7- المصدر نفسه، ج7، ص199.
8- أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص110.
9- المصدر نفسه، ج10، ص246.
 
 
 
176

143

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 - ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾: قلب: أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على خالص شيء وشريفه، الآخر على ردّ شيء من جهة إلى جهة. فالأوّل - القلب، قلب الإنسان وغيره، سمّي بذلك لأنّه أخلص شيء فيه وأرفعه، وخالص كلّ شيء وأشرفه1.


- ﴿َالْأَبْصَارُ﴾: البصر: النور الَّذي تدرك به الجارحة المبصرات، أو العلم بالشيء، فيقال هو بصير به. والأصل الواحد في هذه المادّة: هو العلم بنظر العين أو بنظر القلب2.

2- المعنى التفصيلي:
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾
بعد أن ضربت آية النور مثلًا يقرّب صورة الهداية الربانيّة للأذهان، تأتي الآية لتتمّم البيان عبر تحديد مواطن النور، وذلك ببيان خصائص هذه المواطن. فمن أراد السلوك في طريق الهدى، يتوجّب عليه أن يطلب نور الهداية، أين؟ يأتي الجواب: في بيوت ...

أ- معنى البيوت:
البيت في الشائع من الاستخدام هو ما يُتّخذ للسكنى، ويستخدم أيضًا للتعبير عن السلالة، كأن يطلق على عوائل العلماء، حيث يقال عنها أحيانًا "بيوت العلماء". وقد اعتبر بعض العلماء أنّ المراد بالبيوت "البيوت المعنويّة الّتي هي بيوت العلم والحكمة وغيرها"3. وهناك من اعتبر أنّ المقصود بالبيوت هو المساجد، ومنهم من قال إنّ المراد هو المراقد المشرّفة فهي مواضع للنورانيّة. واعتبر آخرون أنّ هذه البيوت "هي رجالٌ عُصموا عن اللّهو بالتجارة والبيع، لا يفترون عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فهذا النور مرتبط بأرواحهم"4.
 

1- المصدر نفسه، ج5، ص17.
2- المصدر نفسه، ج1، ص280.
3- محمّد تقي المجلسي الأوّل، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج5، ص484.
4- تقرير بحث الشيخ محمّد السند لسيد بحر العلوم، الامامة الإلهية، ج4، ص119.
 
 
 
177

144

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 ب- خاصيّة الإذن لهذه البيوت بأن ترفع:

بالنظر إلى الآية، هذه البيوت ليست كأيّ بيوت، بل هي بيوت لها خصائص ووظائف بيّنتها الآية:
1- هي بيوت خاصّة مأذونٌ لها بأن ترفع.
2- هي بيوت لا ينقطع فيها ذكر الله، فهو مستمرّ دائم مع تحوّل النهار وجريانه.
3- التسبيح هو الذكر المستمرّ الدائم في هذه البيوت.

هذه البيوت بهذه الخصائص هي مصادر للهداية والإيمان1، "فهي بيوت مباركة ومقدّسة، جعلها الله تبارك وتعالى وسيلة وواسطة ومحلًّا لقبول العبادة والذكر والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار. ومن الجدير بالذكر أنّ تلك البيوت بيوتٌ خاصّة، وهي مهبط الوحي والقداسة والطهارة"2.

فالمراد بالرفع رفع القدر والمنزلة وهو التعظيم، إذ كانت العظمة والعلوّ لله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره إلا أن ينتسب إليه، وبمقدار ما ينتسب إليه، فالإذن منه تعالى في أن ترفع هذه البيوت إنّما هو لانتسابٍ ما منها إليه3. فالرفع لهذه البيوت رفع معنويّ، لأنّها اتّصفت بالخصائص الّتي ذكرتها الآيات.

ففي الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام: "هي بيوت الأنبياء عليهم السلام، وبيت علي عليه السلام منها"4. وفي حديث آخر، حيث سئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا قرأ الآية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، فقام إليه رجل، فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: "بيوت الأنبياء". فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة؟ قال: "نعم من أفاضلها"5.

قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
 

1- الشيخ الشيرازي، الامثل، ج11، ص111.
2- تقرير بحث الشيخ محمد السند لسيد بحر العلوم، الامامة الالهية، ج1، ص114.
3- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص126.
4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج23، ص312.
5- محمد الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص978.
 
 
 
 
178

145

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 ج- المراد بالرجال:

إنّ كلمة الرجل والرجال في الآية المباركة بمعونة القرائن والشواهد الّتي احتفت بها يراد منها الشخصيّة العظيمة، الثابتة الأقدام في المقامات الشامخة، فيراد من الرجال في الآية المباركة تلك الشخصيّات الّتي تسنّمت بأرجل القدرة، المقامات العالية والدرجات الرفيعة في مجال العصمة والتقوى. وقد جاء التعبير القرآنيّ بالرجل عن الأعمّ من الذكر في آيات عديدة، كقوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ1.

فالمراد في هذه الآية الكريمة الإقدام بأرجل الإيمان إلى دعوة إبراهيم عليه السلام للحجّ، أعمّ من كون القادم ذكرًا أو أنثى. ونظير ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا2، فوصفهم بالرجوليّة هنا للثبات والاستقامة والصدق3.

د- خصائص هؤلاء الرجال:
هؤلاء الرجال الّذين ينتسبون إلى هذه البيوت لهم خصائص تمامًا كما البيوت. فمن خلال سياق الآية نستنتج أن:
"هؤلاء الرجال معصومون بأعلى درجات العصمة، وهي عصمة السرّ الّتي هي فوق عصمة الجوارح، إذ لا يلهون برهة من حياتهم عن ذكر الله، فهم في ذكر دائم، وهذا يعني أنّ أولئك الرجال ثلّة خاصّة في الأمّة الإسلاميّة، يتميّزون عن بقيّة المسلمين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، الّذين انفضّ أكثرهم من حوله وتركوه قائمًا عندما سمعوا بالتجارة. كما نصّت على هذه الحادثة سورة الجمعة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ
 

1- سورة الحج، الآية 27.
2- سورة الأحزاب، الآية 23.
3- تقرير بحث الشيخ محمد السند لسيد بحر العلوم، الامامة الالهية، ج4، ص122.
 
 
 
179

146

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 الرَّازِقِينَ1. ففي الروايات، لم يبقَ مع النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ اثني عشر أو ثمانية رجال، وانفضّ الباقون إلى اللّهو والتجارة، وفي بعض الروايات لم يبقَ إلاّ عليّ عليه السلام"2.


هـ - تقلّب القلوب والأبصار:
هذه الآية تشير إلى حقيقة من حقائق يوم القيامة، فهو اليوم الّذي يكشف فيه الغطاء عن بصر الإنسان، فلا يرى بالعين الدنيويّة الّتي اعتادها، بل يرى بعين القلب والبصيرة، فهو بذلك يتقلّب من حال إلى حال جديد يخوّله أن يرى حقائق الأمور، فتنصرف القلوب والأبصار يومئذ عن المشاهدة والرؤية الدنيويّة الشاغلة عن الله الساترة للحقّ والحقيقة إلى سنخ آخر من المشاهدة والرؤية، وهو الرؤية بنور الإيمان والمعرفة، فيتبصّر المؤمن بنور ربّه وهو نور الإيمان والمعرفة، فينظر إلى كرامة الله، ويعمى الكافر ولا يجد إلّا ما يسوؤه. قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾3, وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾4, وقال: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾5, وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾6, وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾7 8,.

فهؤلاء الرجال "كأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا على غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عذابها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون"9، ولذلك فهم يخافون اليوم الّذي تتقلّب فيه القلوب والأبصار.
 

1- سورة الجمعة، الآية 11.
2- تقرير بحث الشيخ محمد السند لسيد بحر العلوم، الإمامة الإلهية ج4، ص120.
3- سورة الزمر، الآية 69.
4- سورة الحديد، الآية 12.
5- سورة الإسراء، الآية 72.
6- سورة القيامة، الآيتان 22 - 23.
7- سورة المطففين، الآية 15.
8- راجع: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص128.
9- الشيخ محمّد بن محمّد رضا القمّي المشهدي، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق حسين درگاهي، مؤسسة الطبع والنشر وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، إيران، 1407هـ - 1366 ه‍. ش، ط1، ص317.
 
 
 
 
180

147

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾


رسالة الآية
... اعبدوا الله حقّ العبادة، واطلبوا في أنفسكم حقيقة العبوديّة، واجعلوا من قلوبكم بيوتًا لله، واعمروا بيوتكم بذكر الله الدائم، وتولّوا أولياء الله، متزوّدين من إشعاعات النور المنبعثة من شجرة النبوّةصلى الله عليه وآله وسلم، فهم الهداة الّذين بولايتهم، والاقتداء بنهجهم يتحقّق الهدى، ويتأمّن دوام المسير إلى الله تعالى. فالله عز وجل لا يقبل من العباد الطاعة، إلاّ:
- برفع تلك البيوت، وتعظيم أولئك الرجال الّذين تحدّثت عنهم الآية المباركة.

- الإتيان بالطاعات امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله وأمر أولي الأمر من هذه الأمّة.

و- قواعد الجزاء الإلهيّ:
يخضع الجزاء الإلهيّ لقوانين قد يدرك العقل بعضها، وقد تعرّضت الآيات والروايات إلى بيان كثير من هذه القوانين1، والآية تشير إلى قاعدتين من بين هذه القوانين:
- تكفير السيّئات بالحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾2.

- الحسنة مضاعفة دائمًا والسيّئة كما هي: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾3. فالقاعدة أنّ من يكتسب حسنة نزد له في تلك الحسنة حسنًا - برفع نقائصها وزيادة أجرها - إنّ الله غفور يمحو السيّئات، شكور يظهر محاسن العمل من عامله4.

ومن الجدير بالذكر أنّ العدالة تقضي بمساواة المكافأة مع العمل في سبيل الله، إلّا أنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء، فهو يهب دون
 

1- راجع فيما يخصّ قوانين الجزاء الإلهي: الذنوب: موجبات التشدّد عليها وآثارها التكوينية، الشيخ كاظم القرّه غولي، انتشارات سوق القدس، قم، 1429هـ.
2- سورة هود، الآية 114.
3- سورة الشورى، الآية 23.
4- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن،ج18، ص48 .
 
 
 
181

148

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 حساب ولا حدود، فذاته المقدّسة غير محدودة، وأنعمه لا تنتهي، وكرمه عظيم لا حدود له1.


3- المعنى الإجمالي:
تتمّم الآية بيان ما سبق بيانه في الآية السابقة، فتحدّد مواطن النور - المشكاة والمصباح... - الّتي تقود إلى الهدى، وتعرّفها بأنّها بيوت ذات خصائص مميّزة لها، وهي بهذه الخصائص تشكّل مصادر للهداية والإيمان. هذه الخصائص هي:
- هي بيوت خاصّة مأذون لها بأن ترفع.

- هي بيوت لا ينقطع فيها ذكر الله، فهو مستمرّ دائم مع تحوّل النهار وجريانه.

- التسبيح هو الذكر المستمرّ الدائم في هذه البيوت.

- ينتسب إلى هذه البيوت رجالٌ على أعلى درجات العصمة، لا يلهون برهة من حياتهم عن ذكر الله، مطّلعون على حقائق الأعمال، لذا فهم يطلبون الحقيقة النورانيّة للعمل. وهم القادة الّذين يقودون إلى الهدى، بهداية إيصاليّة فوّضهم الله فيها.

كما تشير الآية إلى قواعد الجزاء الإلهيّ، فهو يكفّر عن السيّئات، ويجزي على الحسنات بأحسنها، ويزيد المؤمنين من فضله، ويرزقهم بغير حساب. وتذكّر بيوم القيامة مشيرة إلى تجلّي حقائق الأعمال يوم القيامة: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. 

لعلّكم تذكَّرون
مقوّمات الهداية
ينبثق عن ما تقدّمه آية النور وما بعدها من معارف ومفاهيم نورانيّة العديد من الآثار التربويّة الهامّة الّتي تنعكس على نهج السالك إلى الله تعالى. هذه الآثار تشكّل مقوّمات السلوك طلبًا للهداية الربانيّة.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص112.
 
 
 
182

149

الدرس الرابع عشر: الآيات 36-38: مقوّمات الهداية

 المفاهيم الرئيسة


1- تحدّد الآية مواطن النور عبر بيان خصائص هذه المواطن. فمن أراد السلوك في طريق الهدى عليه أن يطلب نور الهداية في هذه المواطن.

2- مواطن النور هي بيوت لها خصائص ووظائف بيّنتها الآية على الشكل الآتي:
- هي بيوت خاصّة مأذون لها بأن ترفع.
- هي بيوت لا ينقطع فيها ذكر الله، فهو مستمرّ دائم مع تحوّل النهار وجريانه.
- التسبيح هو الذكر المستمرّ الدائم في هذه البيوت.

3. الرفع لهذه البيوت رفع معنويّ، لأنّها اتّصفت بالخصائص الّتي ذكرتها الآيات.

4- هؤلاء الرجال مطّلعون على حقائق الأعمال لا ظاهرها، فهم مكشوف عنهم الغطاء، لذا يخافون يوم القيامة، حيث تتقلّب القلوب والأبصار، فتظهر تلك الحقائق.

5- من يقتدي برجال الله الّذين ذكرت الآيات خصائصهم وصفاتهم، وينتهج منهجهم، ويهتدي بهداهم يكفّر الله عنهم سيّئاتهم ويحاسبهم على الحسنات.

6- السلوك طلبًا للهداية الربّانيّة يتقوّم بثلاثة مقوّمات:
المقوّم الأوّل: تزكية النفس والمرابطة على ثغورها.
المقوّم الثاني: الولاية: بمعنى معرفة الوليّ وطاعته.
المقوّم الثالث: العبوديّة.
 
 
 
 
183

150

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 الدرس الخامس عشر

 

الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح أسباب عدم هداية الكافرين، مستندًا إلى بيان حقيقة أعمالهم وآثارها.
2- يلخّص ثمرات العبوديّة، مبيّنًا العلاقة بين العبوديّة والبصيرة.
3- يعرّف البصيرة ويوضّح أهمّيتها في السير والسلوك إلى الله.
4- يحدّد العوامل الأساسيّة الّتي تساهم في تكوين البصيرة.
 
 
 
 
 
185

151

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 تمهيد

العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح في قوانين الجزاء الإلهيّ علاقة لا تنفكّ أبدًا، فالإنسان الّذي لا يتحلّى بصفة الإيمان الحقيقيّ، فإنّه لو قام بأيّ عمل خيريّ فلن يحصل على أيّ نتيجة في عالم الآخرة، لأنّه يفتقد الملاك الأساس للمكافأة والمجازاة يوم القيامة، وهو الإيمان. نعم، قد يكافئه الله تعالى في هذه الدنيا، أمّا في عالم الحقائق وانكشاف الأسرار، فإنّه سيكون خالي الوفاض، لأنّ حقيقة العمل مرتبطة بنور الإيمان الّذي يكون في قلب العامل. فما هي حقيقة عمل الّذين لم يسيروا في المسيرة النورانيّة - الهداية - الّتي بيّنت مراحلها، وخطواتها، ومقوّماتها الآيات السابقة؟

نصّ الآيتان:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿َالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الكفر: هو الردّ وعدم الاعتناء بشيء. من آثاره: التبرّي، المحو، التغطية. ومن مصاديقه: الردّ وعدم الاعتناء بالإنعام والإحسان، الردّ وعدم الاعتناء
 

1- سورة النور، الآيتان 39 – 40.
 
 
 
187

152

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 والتوجّه إلى الحقّ في أيّ مرتبة كان. له مراتب ودرجات: بلحاظ نفس الردّ شدّة وضعفًا، ومن جهة خصوصيّات المردود واختلاف مراتبه1.


- ﴿كَسَرَابٍ﴾: اللامع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين2.

- ﴿بِقِيعَةٍ﴾: الأصل قاع أو قوع: هو الأرض المتّسعة المستوية الخالية عن العمارة والزراعة والأشجار3.

- ﴿الظَّمْآنُ﴾: ظمأ: يدلّ على ذبول وقلَّة الماء، الظمآن كعطشان صفة مشبّهة، وهو الَّذي يكون متّصفًا بحالة حرارة داخليّة توجب العطش وطلب الماء4.

- ﴿فَوَفَّاهُ﴾: وفّى: كلمة تدلّ على إتمام وإكمال5، وإتمام العمل بالتعهّد، سواء أكان التعهّد بالتكوين أم بالتشريع أم بالجعل العرفيّ6.

- ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: الظلمة: عدم النور وجمعها ظلمات، ويعبّر بها عن الجهل والشرك والفسق، كما يعبّر بالنور عن أضداده7، ثمّ إنّ الظلمة إمّا في عالم المادّة أو في العالم الروحانيّ المعنويّ8.

- ﴿بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾: لجّ: أصل صحيح يدلّ على تردّد الشيء بعضه على بعض، وترديد الشيء، ومن لوازمه: العناد، من مصاديقه: إدامة عمل بعد النهي عنه، والتداوم في تموّج البحر في قبال الحاضرين، وتردّد الباطل في قبال الحقّ9.

- يغشاه: الغشي: هو ستر الشيء حتّى يستولي به ويحلّ فيه، أعمّ من أن يكون في مادّيّ أو معنويّ10.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10، ص79.
2- الراغب الاصفهاني، مفردات الفاظ القران، ص229.
3- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج9، ص 337.
4- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص178.
5- أحمد بن فارس ، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص129.
6- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13 ص161.
7- الراغب الاصفهاني، مفردات الفاظ القران، ص315.
8- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص175.
9- المصدر نفسه، ج12، ص167.
10- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص226.
 
 
 
 
188

153

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 2- المعنى التفصيلي:

تستخدم الآيات أسلوب ضرب المثل من جديد لبيان حقيقة أعمال الّذين كفروا، في مقابل أعمال الرجال الّذين اهتدوا لنور الله. فبينما تبيّن الآيات السابقة بعضًا من قواعد جزاء المؤمنين الّذين ساروا في طريق الهداية الإلهيّة، تأتي هذه الآيات لتبيّن قاعدة جديدة، وهي أنّ الكفر محبطٌ1 للعمل.
وفي هذا الإطار تضرب مثليْن:
المثل الأوّل: تشبيه أعمال الّذين كفروا بالسراب.
المثل الثاني: تشبيه عمل الكافر بالظلمات المتراكمة.

أ- معنى الكفر وأوجهه:
من أجل فهم الآيات، نشير بداية إلى ما يلي:
- إنّ لفظة "كفر" في المصطلح القرآنيّ لها معنى أوسع من كفر الاعتقاد، فهي تعني كلّ مخالفة للحقّ، وكلّ جحد وعصيان، سواءٌ في الأصول والاعتقاد أم في الفروع والعمل، فلا تدلّ كثرة استعمالها في الجحود الاعتقاديّ على انحصار معناه في ذلك.

- بيَّن الإمام الصادق عليه السلام وجوه الكفر في القرآن الكريم بـ "خمسة"، وهي على الشكل الآتي، كما في الرواية: عَنْ أَبِي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام، قَالَ: قُلْتُ لَه: أَخْبِرْنِي عَنْ وُجُوه الْكُفْرِ فِي كِتَابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ. قَالَ: "الْكُفْرُ فِي كِتَابِ اللَّه عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُه: فَمِنْهَا كُفْرُ الْجُحُودُ، والْجُحُودُ عَلَى وَجْهَيْنِ، والْكُفْرُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّه، وكُفْرُ الْبَرَاءَةِ، وكُفْرُ النِّعَمِ. فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة، وهو قول من يقول: لا ربّ ولا جنّة ولا نار... وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده، وقد قال الله
 

1- الحبط: هو سقوط ثواب العمل الصالح بالمعصية المتأخّرة، والتكفير عكسه أي سقوط الذنوب المتقدّمة بالطاعة المتأخرة. راجع: أسوار الأمان، جمعية المعارف الإسلامية، ص60- .
 
 
 
189

154

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 عزّ وجلّ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾1, وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾2, فهذا تفسير وجهي الجحود..."3.


وعليه، وبالاستناد إلى ما تقدّم، فإنّ للكفر مراتب وأنواعًا، كما أنّ للهداية مراتب وأنواعًا، والآية لا تتحدّث عن مرتبة محدّدة أو نوع محدّد، بل إنّ المعنى المستفاد من الآية ينطبق على جميع الأنواع والمراتب كلّ بقدره.

فما هي حقيقة أعمال الّذين كفروا؟
إنّ لكلّ عمل صورة ظاهريّة وأخرى باطنيّة، الصورة الظاهريّة لا تمثِّل حقيقة العمل، بخلاف الباطنيّة فهي تمثّل حقيقة العمل، وهذا ما تبيّنه الآيات في المثاليْن. فالصورة الظاهريّة لعمل الكافر هي كالسراب بالنسبة إلى الظمآن الباحث عن الماء في الصحراء، في حين أنّ حقيقة أعمالهم الباطنيّة هي ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض. فما هو وجه الشبه مع عمل الكافر في كلا المثاليْن؟

المثل الأوّل: سرابيّة أعمال الكافر
تشبّه أعمالهم بالسراب الّذي يتراءى للناظر في الصحراء على أنّه ماء، وتشبّههم بالظمآن الّذي يريد الماء، فينجذب إلى السراب، ويتوجّه نحوه لشدّة حاجته إلى الماء، دون أن يبحث عن حقيقة ما يراه، ويتأكّد من صحّة وسلامة ما تراءى له.

الصورة الظاهريّة لأعمال الكافر كالسراب:
الكافر في هذا المثل على الرغم من تمكّنه من امتلاك "عذب الماء، لكنّه يعرض عنه ولا يصغي إلى مولاه الّذي ينصحه ويدعوه إلى شربه، بل يحسب السراب ماءً فيسير إليه ويقبل نحوه، فهؤلاء قوم لهَوْا عن ذكر ربّهم، وعن الأعمال الصالحة الهادية إلى نوره، وفيه سعادتهم، وحسبوا أنّ سعادتهم عند غيره من الآلهة الّذين يدّعونهم، والأعمال
 

1- سورة النمل، الآية 14.
2- سورة البقرة، الآية 89.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص389-391.
 
 
 
 
190

155

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 المقرّبة إليهم وفيها سعادتهم، فأكبّوا على تلك الأعمال السرابيّة، واستوفوا ما يمكنهم أن يأتوا بها مدّة أعمارهم، حتّى حلّت آجالهم وشارفوا الدار الآخرة، فلم يجدوا شيئًا ممّا يؤمّلونه من أعمالهم، ولا أثرًا من ألوهيّة آلهتهم، فوفّاهم الله حسابهم، والله سريع الحساب"1.


فالَّذين كفروا أعمالهم لها صور خارجيّة جالبة حسنة فهي كالسراب، لأنّ السراب تظاهر وتبرّز صرف وليس له حقيقة، كذلك أعمال الكفّار، إنّما يعملون رياءً ولأغراض نفسانيّة ومقاصد دنيويّة، فإنّما تقوم الأعمال بالنيّات، والنيّة روح العمل وفصله، وبه يكون صالحًا مطلوبًا أو طالحًا مذمومًا. وما دام الإنسان متوغَّلًا في الحياة والعيش الدنيويّ، وليس له نظر إلَّا الجريان المادّيّ والمقاصد النفسانيّة: فلا يتمكَّن من نيّة صالحة خالصة2. فهو دائم السعي وراء السراب الّذي يبتعد كلّما وصل إليه.

المثل الثاني: الحقيقة الظلمانيّة لأعمال الكافر:
تقدّم الآيات تشبيهًا ثانيًا لحقيقة أعمال الكافرين، فترسم صورة بيانيّة رائعة مؤلّفة من "بحر عميق الغور، تتراكب فوقه الأمواج الواحدة فوق الأخرى، وفوق الجميع سحاب ثقيل كثيف. وهذا أبلغ تشبيه لأهل الشهوات والأهواء الّذين غرقوا في بحر القبائح والرذائل: كذب، ورياء، وحقد، ودسّ، وغرور، وكبرياء، وطمع وحرص... إلى ما لا نهاية، فمن عاش في هذه الظلمات الّتي لا يرى فيها شيئًا، كيف يرى الحقيقة ويدركها؟"3.

فأعمالهم السرابيّة في حقيقتها "حجب متراكمة على قلوبهم تحجبهم عن نور المعرفة، وقد تكرّر في كلامه تعالى أنّهم في الظلمات كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ4, وقوله: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
 

1- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص131.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص92.
3- الشيخ محمّد جواد مغنية، التفسير الكاشف، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت،1981م، ط3، ج5، ص428.
4- سورة البقرة، الآية 257.
 
 
 
 
191

156

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 مِّنْهَا﴾20, وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ1"2.


شرح المثل:
تذكر الآية في إطار تشبيه عمل الكافر أربع صور:
الأولى: البحر اللجّيّ: هو البحر العميق الهائج المتلاطم، والبحر إذا كان في نفسه متموّجًا غير مطمئنّ، يزيد في الاضطراب والشدّة.

الثانية: يغشى البحر موج: الغشيّ هو الاستيلاء مع الحلول، فيكون ذلك في متن البحر.

الثالثة: فوق الموج موج: هذا الموج الثانويّ من فوقه يكون في سطح الماء.

الرابعة: فوق الموج سحاب.

فأعمالهم السرابيّة هي في حقيقتها "ظلمات ماديّة محسوسة متحصّلة من الشدّة والاضطراب والدهشة الحاصلة من هذه التموّجات، بعضها فوق بعض. فأعمال الكافرين كظلمات من هذه التموّجات المحسوسة، متحصّلة من الكدورات الباطنيّة، ويعلوها كدورات من أعمال السوء - يغشاه موج من فوقه موج، ومتن هذه التموّجات المتكدّرة هو الأفكار والاعتقادات الفاسدة، فهي كظلمات في البحر المتلاطم العميق"3. ولكنّ افتقاد الكافر لإمكانيّة الرؤية الصادقة يؤدّي إلى عدم إدراكه لهذه الحقيقة الظلمانيّة للعمل على الرغم من أنّها ظلماتٌ ظاهرةٌ للبصير الّذي هداه الله لنوره.

قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
"البشريّة، بحسب أخبار القرآن الكريم، تكدح نحو الله شاءت أم أبت، حتّى الذين يتمرّدون على الله هم يسيرون نحوه، ولكن من حيث لا يشعرون، لأنّ كونه سبحانه مثلًا أعلى حقيقة كونيّة، على الإنسان أن يعيها ويرتبط بها. وعقيدة التوحيد عندما
 

1- سورة الأنعام، الآية 122.
2- سورة المطففين، الآيتان 14 - 15.
3- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص132.
4- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10، ص168.
 
 
 
 
192

157

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 توحّد بين الوعي والواقع، بين الاعتقاد والحقيقة، يحدث تغييرًا كميًّا وكيفيًّا على مسيرة الإنسان. فالمثل الأعلى المطلق يحفّز الإنسان والمجتمع نحو التقدّم، ويضفي على المسيرة اندفاعًا وتجدّدًا لا ينضب. فعلى المستوى الكمّيّ، يفتح آفاقًا لا نهاية لها، لأنّه كلّما قطعت المسيرة شوطًا نحو الله انفتحت أمامها أشواطٌ جديدة. وتسقط حينئذ وتتهاوى كلّ الأشكال من الألوهيّات المزيّفة على هذا الطريق الزاحف نحو المطلق. من هنا، كان دين التوحيد صراعًا مستمرًّا مع كلّ أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكراريّة الّتي حاولت أن تحدّد كمّية الحركة من أن توصل الحركة إلى نقطة، ثمّ تقول: قف أيّها الإنسان"1.


من هذا البيان، نفهم أنّ الكافر في سيره نحو السراب، عندما يصل إلى ما كان يعتقده ماءً ولا يجده، فإنّه سيجد الحقيقة المطلقة وهي الله تعالى، فيوفّيه الله حسابه.

قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾
هذه الآية تبيّن المعنى نفسه الّذي أرادت أن توضحه آية النور في قولها: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾. والفرق هو في الصيغة التعبيريّة المستخدَمة، فواحدة تبيّن المراد باستخدام صيغة الإثبات، والثانية تبيّنه عبر استخدام صيغة النفي. ففي كليهما يثبت أنّ الله سبحانه وتعالى هو مفيض النور على عباده، وهو يمنّ بالهداية على مستحقّيها من السالكين إليه، بحسب صلاح أعمالهم.

وبمقتضى الآيات، فإنّ الّذين كفروا أنفسهم محجوبة ليس فيها استعداد الاستفاضة من الأنوار الإلهيّة والنفحات الربّانيّة2. فاستحقّوا أن يسلبهم نور البصيرة. فهم في ضلال، لا يهتدون لنور الله تعالى. ومن مصاديق هذا النور المحجوب عنهم نور معرفة الوليّ الّذي يقود إلى الهدى ويوصل إلى المطلوب، كما بيّنا في الدروس السابقة.
 

1- التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر، ص82، مركز الأبحاث العقائدية، www.aqaed.com.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج11، ص203.
 
 
193

158

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 3- المعنى الإجمالي:

تستخدم الآيات أسلوب ضرب المثل لبيان حقيقة أعمال الّذين كفروا، فيتّضح أنّ الصورة الظاهريّة لأعمالهم هي كالسراب لا حقيقة لها، فهم يلهثون في الدنيا وراء شهواتهم وملذّاتهم دون أن يصلوا إلى أهدافهم الّتي أرادوها.

أمّا الصورة الباطنيّة الّتي لم يستطع هؤلاء رؤيتها وإدراكها في الدنيا خلال سعيهم، فهي ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، تحجبهم عن نور المعرفة، فيستحقّون أن يسلبهم الله نور البصيرة في الدنيا، فلا يتعرّفون إلى الحقيقة الظلمانيّة لأعمالهم السرابيّة الّتي سعوا وراءها إلّا يوم الحساب، فهو يوم انكشاف الحقائق، وهناك تكون نهاية المسير.

لعلّكم تذكَّرون
نور البصيرة ثمرة العبوديّة
قدّمت الآيات في سورة النور صورتيْن متضادّتيْن بشكل كامل: الأولى هي صورة رجال الله الّذين ينظرون إلى الحقيقة النورانيّة لأعمالهم، فهم أهل علم ومعرفة ويقين. أمّا الصورة الثانية فهي صورة الكافرين الّذين يسيرون خلف سراب، فلا يعرفون حقيقة أعمالهم، بل تغرّهم الدنيا بزينتها وزخرفها، ويمضون عمرهم في السعي خلف لا شيء في الحقيقة، فهم يتنقّلون في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، فاستحقّوا أن يسلبهم الله النور الّذي يقودهم إلى الهدى لجهلهم وطغيانهم، فما هو المميّز الّذي جعل هؤلاء يبصرون الحقيقة وأولئك لا يستطيعون رؤيتها؟ إنّها العبوديّة المقترنة بطاعة الوليّ الّتي سار رجال الله في مراتبها، فانعكست ثمارها على حياتهم العمليّة تجلّيات علم ومعرفة ويقين.

رسالة الآية
وطّدوا علاقتكم بالله تعالى، وسيروا على هدى الثقلين (القرآن والمعصوم)، ونمّوا أدوات المعرفة في نفوسكم، كي تمتلكوا البصيرة، لأنّ الجاهل الّذي لم يبصر ولم يعقل ولم يتدبّر تاهَ وضلّ، فمثله كمن يسير خلف السراب لن يجده أبدًا، فصار في ظلمات بعضها فوق بعض. أمّا العاقل الّذي بصر وتدبّر وعمّر قلبه بحبّ الله وذكره، واقتدى بالمعصوم، فهو يتقلّب في نور على نور، مستحقًّا الهداية الربّانيّة.
 
 
 
194

159

الدرس الخامس عشر: الآيتان 39-40: نور البصيرة ثمرة العبودية

 المفاهيم الرئيسة


1- تبيّن الآيات قاعدة جديدة من قواعد جزاء المؤمنين الّذين ساروا في طريق الهداية الإلهيّة، وهي أنّ الكفر محبطٌ للعمل.

2- تضرب الآيات مثلين: الأوّل: تشبيه أعمال الّذين كفروا بالسراب، والثاني: تشبيه عمل الكافر بالظلمات المتراكمة.

3- "كفر" في المصطلح القرآنيّ لها معنى أوسع من كفر الاعتقاد، فهي تعني كلّ مخالفة للحقّ وكلّ جحد وعصيان، سواء في الأصول والاعتقاد أم في الفروع والعمل.

4- لكلّ عمل صورتان: صورة ظاهريّة لا تمثِّل حقيقة العمل، وصورة باطنيّة تمثّل حقيقة العمل.

5- افتقاد الكافر لإمكانيّة الرؤية الصادقة يؤدّي إلى عدم إدراكه لهذه الحقيقة الظلمانيّة للعمل، على الرغم من أنّها ظلمات ظاهرة للبصير الّذي هداه الله لنوره.

6- توفية الحساب كناية عن الجزاء، بما يستوجبه حساب الأعمال وإيصال ما يستحقّه صاحب الأعمال.

7- الّذين كفروا أنفسهم محجوبة ليس فيها استعداد الاستفاضة من الأنوار الإلهيّة والنفحات الربّانيّة فاستحقّوا أن يسلبهم نور البصيرة.

8- البصيرة هي نور القلب، كما أنّ البصر نور العين. وسمّيت بذلك لأنّها تُجلِّي الحقّ للنفس وتبصّرها به.

9- من سلك في مراتب العبوديّة انفتحت له آفاق المعرفة الّتي تشكّل نافذة حصول اليقين في القلب.

10- لا يحصل اليقين إلّا بأعلى درجات العبادة من الورع والتقوى الموجبة لانفتاح بصيرة الإنسان الّتي تشاهد ما لا يشاهده البصر.

11- البصيرة مفتاح الهداية إلى طريق المعصوم عليه السلام، والّذي يقود السالكين في طريق الكمال والهدى لإيصالهم إلى المطلوب.
 
 
 
 
 
 
195

160

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 الدرس السادس عشر

 

الآيات 41-46: طريق الهداية


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يشرح ظاهرة تسبيح المخلوقات واصطفاف الطير، مستدلًّا على أنّ جميع المخلوقات على وجه من أوجه السلوك إليه.
2- يستنتج دلائل الربوبيّة والرحمة من خلال توضيح المظاهر الكونيّة الّتي ذكرتها الآيات.
3- يلخّص العلاقة بين الاستقامة والهداية.
4- يبيّن كيفيّة تحقّق الاستقامة، ويحدّد مقوّماتها.
 
 
 
 
 
197

161

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 تمهيد

لمّا ذكر سبحانه أنّه نورٌ تستنير به السماوات والأرض، وأنّه يختصّ المؤمنين من عباده بمزيد نوره، والّذين كفروا لا نصيب لهم من ذلك، شرع يحتجّ على ذلك بما في هذه الآية والآيات الأربع التالية لها1.

نصّ الآيات:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ* يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾2.
 

1- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص133.
2- سورة النور، الآيات 41 – 46.
 
 
 
199

162

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 ليتدبّروا آياته

1- معاني المفردات:
- ﴿يُسَبِّحُ﴾: سبح: أصلان، أحدهما جنسٌ من العبادة، والآخر جنسٌ من السعي، فهو الحركة في مسير الحقّ من دون انحراف ونقطة ضعف، أو كون على الحقّ منزّهًا عن نقطة ضعف1.

- ﴿صَافَّاتٍ﴾: صفّ: أصل صحيح يدلّ على استواء في الشيء وتساوٍ بين شيئيْن في المقرّ2، فهو صيرورة أشياء في خطَّ واحد، سواء أكانت إنسانًا، أم حيوانًا، أم نباتًا، أم جمادًا، أم من عالم روحانيّ وراء المادّة3.

- ﴿يُزْجِي﴾: زجى: يدلّ على الرمي بالشيء وتسييره من غير حبس4، فهو سوق شيء مع الدفع5.

- ﴿يُؤَلِّفُ﴾: الألف: الاجتماع مع الالتئام6.

- ﴿رُكَامًا﴾: ركم: هو إلقاء البعض على بعض بعنوان الجمع، أي التراكب بلحاظ التجمّع، كما أنّ النظر في التراكب إلى جهة الركوب7.

- ﴿الْوَدْقَ﴾: المطر، لأنّه يدق، أي يجيء من السماء8.

- ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾: البرق: هو اللمعان المخصوص بشدّة وضغط، والسنا: جريان ذلك البرق وشعاعه9.
 

1- أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج3، ص125.
2- المصدر نفسه، ج3، ص257.
3- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج6، ص253.
4- أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج3، ص48.
5- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص315.
6- الراغب الأصفهاني، مفردات الفاظ القران، ص20.
7- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص221.
8- أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج6، ص 96.
9- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص243.
 
 
 
 
200

163

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 2- المعنى التفصيلي:

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.

إنّ كون الله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض يفيد بأنّ النّور الإلهيّ، وكذلك القدرة الإلهيّة والعلم والحياة, قد سرت في جميع الموجودات, فجميعها تعرف الله سبحانه وتعالى، وتتوجّه إليه، فكلّ ما في الكون يسبّح لله تعالى، وعلى وجه من أوجه السلوك إليه.

فما هو معنى التسبيح الكونيّ؟
- ﴿أَلَمْ تَرَ﴾
من الملفت استخدام الآية لصيغة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، فهي بذلك لم تدع إلى النظر في الآفاق وحسب، بل إلى تجاوز ذلك نحو الفهم والإدراك. فالأصل اللغويّ للرؤية: هو النظر المطلق بأيّ وسيلة كان، بالعين الباصرة، أو بقلب بصير، أو بشهود روحانيّ، أو بمتخيّلة مفكَّرة بتركيب الصور والمعاني1. والرؤية في الآية تأتي بمعنى الرؤية بالعقل، وهي الّتي تترتّب عليها المعرفة والإدراك.

أ- التسبيح لله تعالى:
تشير الآيات إلى أنّ كلّ من في الكون هو على نحو من السلوك في حركته إلى الله تعالى، وتفيد الآيات القرآنيّة في أكثر من سورة أنّ للمخلوقات عبادة خاصّة. فقد أشارت الآيات إلى أنّ الموجودات تسجد، تحمد وتسبّح، كما أشارت الآية إلى أنّ لكلٍّ صلاة وتسبيحًا: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ2. "فالكلّ متوجّهون إلى الله تعالى، سائرون إليه، طالبون معرفته وعبادته، لأنّ السجدة والصلاة تدلّان على معنى العبوديّة والمعرفة، لا بمعنى السجدة المتعارفة في الشرع، وكذلك التسبيح، لأنّ
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج4، ص11.
2- سورة الإسراء، الآية 44.
 
 
 
201

164

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 تسبيحهم وصلاتهم لو كانا من قسم صلاة الناس وتسبيحهم لعرفوها وفهموها، فصلاة كلّ موجود وسجدته وتسبيحه تكون مناسبًا لحاله"1.


وقد استخدمت الآية "من"، وهي اسم موصول يُستخدم للدلالة على العاقل، واستخدمت صيغة المضارع، ما يدلّ على استمرار ودوام تسبيح هذه المخلوقات.

ب- اصطفاف الطير:
لعلّ السبب في أنّ القرآن خصّ الطيور بالذكر هو ما تمتلكه هذه الكائنات من خصائص وعجائب تدلّ جميعها على عظمة الخالق تعالى. فقد وصفت الآية الطيور بأنّها "صافّات" من "الاصطفاف في قبال عظمة اللَّه تعالى، وجعل الذكر برنامج الحياة: إنّما هي من صفات السالكين إلى اللَّه تعالى والمسبّحين.

ثمّ إنّ الاصطفاف إنّما هو شعار الخدمة والاستسلام، والطاعة الصرفة والخضوع التامّ. وهذا المعنى في المادّيّات إنّما يتحقّق بالوقوع على خطٍّ واحدٍ ظاهريّ، كما في صفوف الصلاة والجهاد وغيرهما. وأمّا في العالم الروحانيّ الخارج عن بعد الزمان والمكان والمادّة الجسمانيّة المتكاثفة، فإنّما هو الخضوع والتسليم والتسبيح الصرف في مقام معيّن، فإنّ المقامات هناك متفاوتة، والصفوف تختلف باختلاف المقامات والمراتب الوجوديّة، كما صرّح به في الآية الكريمة"2.

"وبما أنّ هذا التسبيح العامّ دليلٌ على خلقه تعالى لجميع المخلوقات، وخالقيّته دليلٌ على مالكيّته للوجود كلّه، وكذلك دليل على أنّ كلّ ما في الوجود يرجع إليه سبحانه، فتضيف الآية:  ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.

كما يحتمل وجود رابطة بين هذه الآية وسابقتها، حيث تحدّثت الآية الأولى في آخر جملة لها عن علم الله بأعمال البشر جميعًا، وعلمه بالمسبّحين له. أمّا هذه الآية فقد أشارت إلى محكمة العدل الإلهيّ في الآخرة، وأنّ لله ما في السماوات والأرض، وهو الحاكم
 

1- تقرير بحث السيّد كمال الحيدري للشيخ خليل رزق، العرفان الشيعي، دار فراقد للطباعة والنشر، إيران - قم، 1429هـ - 2008م، ط1، ص 314.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج6، ص254.
 
 
 
 
202

165

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 والقدير العادل في مصير الناس وما في الوجود"1.


ختمت الآية بجملة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، وكلمة "المصير" مشتقّة من الصيرورة، أي التبدّل والتحوّل من حالة إلى أخرى. ولذلك نجد أنّ الآيات الّتي ستأتي تبيّن عددًا من المظاهر الكونيّة والآيات، وجميعها آيات تتضمّن دلائل حسيّة للتبدّل والتحوّل الّذي تدركه الأبصار، فهي دلائل على العلم والقدرة الإلهيّة، وجميعها دلائل على ربوبيّته تعالى ومالكيّته. ومن جهة الخلق، فإنّ العبوديّة هي الأثر التربويّ الّذي يتفّرع عن هذه الدلائل.

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ *  وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هذه الآيات تكملة لآية النور، وكلّها تبتغي غاية واحدة هي جعل كلّ الكائنات في العالم تستنير بنور الله، وتُدبّر بإرادة حكيمة واحدة. فقد بيّنت الآية السابقة أمرًا عامًّا خافيًا عن الأبصار، وذلك هو تسبيح الموجودات لله. إلّا أنّ هذه الآيات تبيّن لنا ظواهر واضحة للعيان في العالم، ولذلك أشارت الآية إلى ضرورة النظر إليها بعين بصيرة نظرة اعتبار.

في هذا الإطار، تعرض لنا مشاهد حيّة من الحياة، تشكّل دلائل على مالكيّته تعالى وربوبيّته. هذه الدلائل تقود العقل نحو الإقرار بالعبوديّة لمالك الملك القادر على كلّ شيء، وهذا هو الهدف من إيراد هذه الدلائل.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص121.
 
 
 
203

166

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 المشهد الأوّل: مشهد يصوّر كيفيّة نشوء المطر ونزوله من السماء: وهو مشهد مؤلّف من مراحل عدّة1:

1- إزجاء السحاب: أي سوقه مع شيء من الدفع، فهو تعالى يرسل الرياح، فتثير سحابًا يسوقه من بلد إلى بلد.

2- التأليف بين السحاب: التأليف يعني جمع المسائل الموجودة سويّة وإيجاد نوع من التآلف والانسجام بينها. وقد وردت كلمة "التأليف" في هذه الآية بمعنى أنّ الله تعالى يجمع السحب المتفرّقة بواسطة الرياح، كالمؤلّف الّذي يؤلّف بين مختلف المواضيع، ويجعل منها سحابًا متراكمًا.

3- مراكمة السحاب: مرحلة الركام هذه مرحلة أعلى، أي ليست مجرّد غيوم خفيفة متفرّقة، بل تصبح متراكمة بعضها فوق بعض.

4- خروج الودق (المطر) من خلال السحب المتراكمة: هنا تقع النتيجة نفسها الّتي ذكرت هناك، أي تخرج قطرات المطر من بين ثنايا تلك السحب.

5- إنزال البرد من جبال من السماء: كلمة السماء تعني كلّ ما هو فوق، وهي مشتقة من "سموّ" أي العلوّ، وينزل من السماء معناه ينزل من الأعلى تدريجيًّا. وقد اكتشف العلماء حديثًا أنّ الطبقات العليا من الجوّ، حيث تتراكم الغيوم أحيانًا فوق بعضها، تصبح الحرارة فيها منخفضة جدًّا، وتتكوّن هناك تراكمات تشبه حقًّا جبالًا من الثلج، فالمراد هو نزول البرد. وقد تكون "من برد" متعلقة بـ "ينزل"، أي ينزل بردًا من الجبال الموجودة هناك.

6- مصاحبة هذه العمليّة مع ضوء البرق الّذي يخطف الأبصار.

وكي لا يتوهّم أحدٌ أنّ إرادة الله نظيرُ إرادة البشر، تلفت إلى أنّ فعل الله لا يخرج بتاتًا عن إرادته ومشيئته وسلطانه، فهو يصيب بهذه الرحمة من يشاء، ويصرفها عمّن يشاء، فلا بدّ من الاستحقاق كي تنزل الرحمة على العباد، وظاهرة المطر هي أحد مظاهر الرحمة الإلهيّة الّتي تتنزّل على العباد.
 

1- استفدنا في توضيح هذه المراحل من: الشيخ مرتضى مطهري، تفسير سورة النور، ص145-147 (بتلخيص وتصرّف).
 
 
 
204

167

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 المشهد الثاني: مشهد إحياء النور عبر تعاقب الليل والنهار:

بما أنّ الأرض تدور حول ذاتها، فقد نتج عن هذه العمليّة تعاقب الليل والنهار، ويقال علميًّا: إنّ توالي الليل والنهار يعدّ من أسباب حدوث الظواهر الجوّيّة، لأنّه يؤدّي - بطبيعة الحال - إلى اختلاف ضغط الهواء الّذي ينتهي بدوره إلى حدوث حركة الرياح الّتي تقود بدورها إلى تغييرات كثيرة أخرى.

ويبدو أنّ سرّ ذكر القرآن لهذا الموضوع، بعد الحديث عن السحب وهطول الأمطار، هو الإشارة إلى تأثير تعاقب الليل والنهار في حدوث التغييرات الجويّة.

فهو تعالى يقلّب الليل والنهار من أجل أن تكون فيه عبرة لأولي الأبصار. وكلمة "عبرة" مشتقّة من "العبور"، ومن المعروف أنّ النظر يقسم إلى نوعين: الأوّل سطحيّ لا يرى إلا ظواهر الأشياء، كنظر الحيوان، أو الإنسان الّذي في مستوى الحيوان. هذان يلاحظان ظاهر الأمور فحسب، ولا يستنبطان ما وراءها1.

المشهد الثالث: مشهد تكوين الأحياء:
لقدرة اللَّه ووحدانيّته شواهد وبيّنات لا يبلغها الإحصاء، منها ما يتجلّى في خلق الجماد، ومنها ما نشاهده في خلق النبات، ومنها في خلق الحيوان، وما يدبّ على الأرض. وإليه الإشارة في هذه الآية، ومحلّ الشاهد في الدابّة على قدرة اللَّه وعظمته أنّ الماء عنصرٌ أساسيّ في تكوين الدابّة وتركيبها، وحقيقة الماء واحدة مع أنّ الدابة الّتي خلقت منه متنوّعة. فمنها ما يمشي على بطنه كالزواحف، ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان، ومنها ما يمشي على أربع كالأنعام والخيل والبغال والحمير والوحوش.

إلى غير ذلك من الأنواع الّتي أشار إليها سبحانه، أنّ الدواب جميعًا، من أدنى نوع إلى أعلاه، يسير على أكمل نظام، ويفعل ما يلائمه ويتّفق مع مصلحته، وهذا دليلٌ قاطع على أنّ وراء ذلك خالقًا عظيمًا ومدبّرًا حكيمًا2.
 

1- الشيخ مرتضى مطهري، تفسير سورة النور، ص148.
2- الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج5، ص430.
 
 
 
205

168

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 وقد تعدّدت تفسيرات العلماء للمراد من الماء في الآية، فمنهم مناعتبر أنّ المراد هو أنّ الماء أساس الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾1,ٍّ ومنهم من اعتبر أنّ المقصود بالماء هو المني الّذي يعتبر أصل النطفة. ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.


3- المعنى الإجمالي:
تدعو الآيات إلى النظر والتدبّر في آيات خلق الله تعالى، الدالّة على ربوبيّته ومالكيّته وقدرته تعالى، فتعرض أمرًا عامًّا خافيًا عن الأبصار، وذلك هو تسبيح الموجودات لله، ومن ثمّ تشرح ثلاث ظواهر واضحة للعيان في الكون، وهي:

- ظاهرة نزول المطر ونزوله من السماء: هي ظاهرة مؤلّفة من ثلاث مراحل:
o إزجاء السحاب.
o التأليف بين السحاب.
o مراكمة السحاب.
o خروج الودق (المطر) من خلال السحب المتراكمة.
o إنزال البرد من جبال من السماء.
o مصاحبة هذه العمليّة مع ضوء البرق الّذي يخطف الأبصار.

- ظاهرة إحياء النور عبر الحديث عن تعاقب الليل والنهار.

- ظاهرة تكوين الأحياء.

وتختم باستخلاص أنّ هذه الآيات هي آيات التوعية والهداية، فالإنسان مخلوق سائر ومتحرّك، وهو سائر على طريق، ويحتاج إلى هداية الله الّذي يهدي من يشاء.

رسالة الآيات
انظروا إلى آيات خلق الله وتدبّروا فيها، فإنّها وسائط تنمّي معرفتكم بالله، لأنّها دلائل تحكي عن الربوبيّة والقدرة والرحمة والعدل. فهذا النظر يعرّفكم على أنّ كلّ ما في الكون سالك إليه تعالى، على النحو الّذي علّمه الله إيّاه.
 
 

1- سورة الأنبياء، الآية 30.
 
 
 
206

169

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 لعلّكم تذكَّرون

طريق الهداية
إنّ مشوار حركة الوجود قد بدأ من العدم، والأقدام سائرة في خطوها صوب لقاء الله، شاء ذلك الموجود أم أبى. والبصيرة هي الأداة الّتي يجب على السالك امتلاكها في سيره، فإن عدمت البصيرة لدى السالك كان كالسائر نحو سراب لا حقيقة له، لكنّ البصيرة وحدها لا تكفي، لأنّ السالك بحاجة إلى قائد يقوده ويهديه إلى المطلوب. وقد بيّنت الآيات أنّ هؤلاء القادة هم المعصومون الّذين ولّاهم الله تعالى على خلقه، فإن توفّر القائد، وعُلِم الهدف، وتوفّرت البصيرة الّتي تكشف الطريق أثناء المسير.
 
 
 
 
 
207

170

الدرس السادس عشر: الآيات 41-46: طريق الهداية

 المفاهيم الرئيسة


1- تدعو الآيات إلى الرؤية بالعقل، وهي الّتي تترتّب عليها المعرفة والإدراك.

2- تبيّن الآية أمرًا عامًّا خافيًا عن الأبصار، وهو تسبيح الموجودات لله. فكلّ من في الكون هو على نحو من السلوك في حركته إلى الله تعالى، وأنّ لكلّ من المخلوقات عبادة خاصّة.

3- تخصّ الآية الطير، فتصف الطيور بأنّها "صافّات"، من الاصطفاف: وهو شعار الخدمة والاستسلام والطاعة الصرفة والخضوع التامّ، وهو يدلّ على تفاوت في مقامات التسليم والخضوع والطاعة، حيث الصفوف تختلف باختلاف المقامات والمراتب الوجوديّة.

4- تذكّر الآية بمالكيّته تعالى للخلق، وبأنّ كلّ شيء صائرٌ إليه جلّ وعلا، فهو الحاكم والقدير العادل في مصير الناس، وما في الوجود.

5- تبيّن الآيات عددًا من المظاهر الكونيّة، وجميعها آيات تتضمّن دلائل حسيّة للتبدّل والتحوّل الّذي تدركه الأبصار، فهي دلائل على العلم والقدرة الإلهيّة.

6- تعرض لنا مشاهد حيّة من الحياة، تشكّل دلائل على مالكيّته تعالى وربوبيّته.

7- الوصول إلى الله تعالى هو الغاية والمبتغى، وسلوك الصراط المستقيم هو طريق الوصول لتحقيق الغاية.
 
 
 
208

171

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 الدرس السابع عشر

 

الآيات 47-50: حجب الهداية


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن العلاقة الّتي تذكرها الآيات بين الإيمان بالله وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
2- يحلّل مستندًا إلى الآية الأسباب الّتي دعت إلى ترك طاعة الرسول ويحدّد السبب الرئيسيّ لذلك.
3- يشرح الحجب المانعة من الهداية الّتي عالجتها سورة النور مستعرضًا أقسام الحجب وأنواعها.
4- يعرّف النفاق، ويبيّن أقسامه ومراتبه.
 
 
 
 
209

172

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 تمهيد

إنّ في فطرة کلّ إنسان عقدًا وميثاقًا مع اللّه‏ تعالي، والتزامًا بالعبوديّة والطاعة. ولا يشذّ إنسان عن هذا الميثاق الفطريّ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾1, وکلّ إنسان يرتبط في عمق فطرته بهذا العهد والميثاق مع اللّه‏ تعالي عن وعي والتزام وتعهّد2. فمن استقام على الميثاق بجانبيْه اهتدى، وهذا ما بيّنته آيات القسم السابق من السورة (آية 35-46)، فماذا إن أظهر العبد الإيمان بالله وترك طاعة حكم الوليّ؟

نصّ الآيات:
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾3.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿أَطَعْنَا﴾: الأصل طوع: هو العمل بما يقتضيه الأمر والحكم مع رغبة وخضوع،
 

1- سورة الأعراف، الآية 172.
2- الشيخ محمد مهدي الآصفي، الشهادة والشهود في القرآن، http://maarefquran.org.
3- سورة النور، الآيات 47 – 50.
 
 
 
 
210

173

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 وله ثلاثة قيود: الرغبة، والخضوع، والعمل على طبق الأمر. وإذا فقدت الرغبة والتمايل يصدق الكره، سواء حصل خضوع أو عمل أم لا1.


- ﴿مُذْعِنِينَ﴾: الأصل ذعن: هو الانقياد مع الخضوع، وأمّا مفاهيم- الطاعة والإقرار والإسراع والسلاسة وعدم الكراهة: فمن آثار الأصل ولوازمه2.

- ﴿ارْتَابُوا﴾: ريب: هو التوهّم مع الشكّ، ويلازمه الشكّ أو الظنّ. وعلى هذا فهو لا يقبل الاعتماد والاستناد إليه، ومن يطمئنّ عليه: يذمّ عند العقلاء3.

- ﴿يَحِيفَ﴾: حيف: هو الميل والخروج عن الاعتدال. وبهذه المناسبة، تطلق على الجور والظلم والميل في الحكم، والحيف ألطف من الظلم4.

2- المعنى التفصيلي:
تشير الآية إلى التلازم بين الإيمان بالله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، عبر استنكار حال بعض المنافقين "الّذين أظهروا الإيمان والطاعة أوّلًا ثمّ توّلوا ثانيًا، فالإيمان بالله هو العقد على توحيده وما شرع من الدين، والإيمان بالرسول هو العقد على كونه رسولًا مبعوثًا من عند ربّه أمره أمره، ونهيه نهيه، وحكمه حكمه، من غير أن يكون له من الأمر شيء، وطاعة الله هي تطبيق العمل بما شرّعه، وطاعة الرسول الائتمار والانتهاء عند أمره ونهيه وقبول ما حكم به وقضى عليه.

فالإيمان بالله وطاعته موردهما نفس الدين والتشرّع به، والإيمان بالرسول وطاعته موردهما ما أخبر به الرسول من الدين بما أنّه يخبر به، وما حكم به وقضى عليه في المنازعات، والانقياد له في ذلك كلّه. فبين الإيمانيْن والطاعتيْن فرق ما من حيث سعة المورد وضيقه، والإيمانان مع ذلك متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر"5.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج7، ص137.
2- المصدر نفسه، ج3، ص314.
3- المصدر نفسه، ج4، ص290.
4- المصدر نفسه، ج2، ص331.
5- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص145.
 
 
 
212

174

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 فهؤلاء الّذين تتحدّث عنهم الآيات يدّعون الإيمان بالله وبالرسول، ويدّعون الطاعة لله والطاعة للرسول. أمّا في الحقيقة والواقع، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.


أ- سبب النزول:
يشهد سياق الآية أنّ الآيات إنّما نزلت في رجلٍ من المنافقين، والّذي دعي إلى حكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في منازعة وقعت بينه وبين غيره، فأبى الرجوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك نزلت الآيات. وقد ذكر المفسّرون سببيْن لنزول بعض هذه الآيات.

قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فدعاه اليهوديّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشراف (اليهوديّ) (حتّى أنّ بعض الروايات ذكرت أنّ المنافق قال صراحة: يحتمل أن لا يعدل محمّد فينا).

وحكي أنّه كان بين الإمام عليّ عليه السلام وعثمان (وحسب رواية بين الإمام عليّ عليه السلام والمغيرة بن وائل) منازعة في أرض اشتراها من عليّ عليه السلام فخرجت فيها أحجار، وأراد ردّها بالعيب، فلم يأخذها، فقال: "بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". فقال الحكم بن أبي العاص (وهو من المنافقين): "إن حاكمته إلى ابن عمّه يحكم له، فلا تحاكمه إليه"، فنزلت الآيات واستنكرت عليه ذلك بشدّة، وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أو قريب منه1.

ب- دليل على عدم إيمانهم:
بعد أن أعلنت الآية السابقة أنّ هؤلاء ليسوا بمؤمنين، تأتي هذه الآية لتقدّم الدليل على ذلك، على النحو الآتي:
- هؤلاء يُعرِضون في مواطن النزاع عن التحاكم أمام رسول الله لمعرفتهم ببطلان مدّعاهم من جهة، وبعدل الرسول من جهة أخرى.

- لو كان لديهم علم مسبق بأنّ الحكم سيكون لصالحهم لانقادوا لحكم الرسول بكامل الخضوع، فمصالح هؤلاء هي الّتي تسيّرهم، وإيمانهم هو محض ادّعاء بالألسن
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص136.
 
 
 
213

175

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 دون أن تكون له حقيقة واقعيّة في قلوبهم. لذلك، فهم ليسوا بمؤمنين. وهناك آيات كثيرة أشارت إلى ضرورة طاعة الرسول، وخصوصًا في الحكم بين الناس: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ1, وأوقفت آيات أخرى الإيمان على طاعة الرسولصلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾2.


في هذا الإطار، يقسّم الشيخ محمّد جواد مغنيّة الّذين يقولون: "آمنّا وأطعنا"، على ثلاثة أنواع:
النوع الأوّل: يقولون كلمة الإيمان بألسنتهم، ويعرفونها بقلوبهم، ويعملون بموجبها، وهؤلاء غير مقصودين من الآية الّتي نحن بصددها.

النوع الثاني: يقولون ويعتقدون ولكنّهم يعصون ولا يفعلون، أي يؤمنون نظريًّا لا عمليًّا.

النوع الثالث: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وهم المنافقون، والآية تشمل النوع الثاني والثالث، ولا تختصّ بالمنافقين فقط كما قيل، لأنّ الإيمان بلا عمل لا يجدي نفعًا بدليل قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾3,4.

ج- تشخيص حالتهم:
تطرح الآيات ثلاثة أسئلة أساسيّة تساهم في التشخيص الدقيق لحالة هؤلاء، وتساهم في تحديد دوافعهم، على الشكل الآتي:
السؤال الأوّل: أفي قلوبهم مرض؟
سؤال يشير إلى مرض قلوبهم، ويؤكّد ما قرّرته الآية السابقة بأنّهم خارجون عن الإيمان، وبذلك تكون قد أصدرت عليهم حكمًا بنفاقهم، لأنّ هذه صفة من صفات المنافقين. فهم يتظاهرون بالإيمان، ولكنّهم لا يسلّمون بحكم الله ورسوله، ولا يستجيبون له، إمّا بسبب
 

1- سورة النساء، الآية 59.
2- سورة النساء، الآية 65.
3- سورة الأنعام، الآية 158.
4- الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج5، ص433.
 
 
 
214

176

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 انحرافهم قلبيًّا عن التوحيد أو الشكّ والتردّد أم ارتابوا، وطبيعيّ أنّ الّذي يتردّد في عقيدته لن يستسلم لها أبدًا1.


السؤال الثاني: أم ارتابوا؟
سؤال للتعجّب في مقام تبيين سبب من أسباب نفاقهم وهو انحرافهم عن التوحيد. والمتردّد في معتقده لن يسلم مطلقًا. ظاهر إطلاق الارتياب، وهو الشكّ، أن يكون المراد هو شكّهم في دينهم بعد الإيمان دون الشكّ في صلاحية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحكم أو عدله ونحو ذلك، لكونها بحسب الطبع محتاجة إلى بيان بنصب قرينة.

فلا ينبغي أن يُرتاب في أنّ الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلاّ إطاعته في ما يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف والشرائع: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ2, وإطاعته في ما يراه رسوله من صواب الرأي، وهو الّذي يرتبط بولايته في مجال الحكومة والقضاء. قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾3, وهذا هو الرأي الّذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، وهو الّذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يحكم به في عزائم الأمور، فعلى الناس أن يطيعوا الرسول في ما يبيّنه بالوحي، وفيما يراه من الرأي.

السؤال الثالث: أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟
هو سؤال للتعجّب ممّا وصلوا إليه من الشكّ في الله (حكمة الله) عبر الشكّ في حكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الشكّ يعتبر "تناقضًا صريحًا، إذ كيف للّذي يؤمن برسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبر حكمه حكم الله تعالى أن ينسب الظلم إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟! وهل يمكن أن يظلم الله أحدًا؟ أليس الظلم وليد الجهل أو الحاجة أو الكبر؟

إنّ الله تعالى مقدّس عن كلّ هذه الصفات، بل أولئك هم الظالمون، إنّهم لا يقتنعون بحقّهم، وهم يعلمون أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا يجحف بحقّ أحد، ولهذا لا يستسلمون لحكمه"4.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص138.
2- سورة النساء، الآية 64.
3- سورة النساء، الآية 105.
4- الشيخ الشيرازي، الامثل، ج11، ص139.
 
 
 
 
215

177

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 3- المعنى الإجمالي:

تبيّن الآيات من جديد نموذجًا للمحجوبين عن الهداية الربّانيّة، هؤلاء هم المنافقون، فتؤكّد أنّ هذه الجماعة خارجة عن الإيمان، فهم ليسوا بمؤمنين، لأنّهم لم يترجموا إيمانهم اللسانيّ بطاعة عمليّة لرسول الله وطاعة حكمه الّذي يمثّل حكم الله، وتشرح الأسباب الّتي أدّت إلى خروجهم عن الإيمان، فقلوبهم مريضة، وفي عقيدتهم ريب وشكّ في الله ورسوله، ومصالحهم هي الّتي تسيّرهم، ومن ثمّ تعقّب في نهاية الآيات بعد أن تشرح حالهم بأنّهم ظالمون.

لعلّكم تذكَّرون
حجب الهداية
إنّ إرادة الله ومشيئته ليستا دون حساب، فهو سبحانه وتعالى يدخل نور الهداية إلى القلوب المستعدّة لتقبّله، أي الّتي أبدت المجاهدة في سبيل الله، وقطعت خطوات للتقرّب إليه، فأعانها على قدر سعيها في الوصول إلى لطفه سبحانه. أمّا القلوب الّتي تراكمت عليها حجب الظلمة، فإنّها تخرج من دائرة المهتدين.

1- حجب الهداية في سورة النور:
بعد أن عملت السورة على تطهير الفرد والمجتمع من حجب الشهوات والفسق وغيرها، عبر نشر الأحكام الّتي تبني فضيلة العفّة وسمة التقوى، تحدّثت في آياتها بشكل صريح عن حجابيْن أساسيّيْن مانعيْن من تحقّق الهداية:
الحجاب الأوّل: حجاب الكفر: فقد أنذرت الآيات السالكين إلى الله بأن لا يفنوا عمرهم في السعي نحو السراب ظنًّا منهم أنّه ماء، وبعد سنوات من السعي الحثيث من أجل الوصول إلى الحقيقة ينتهون إلى الباطل.

وقد حدّد الإمام الصادق عليه السلام معنى الكفر بقوله: "كلّ معصية عُصي الله بها بجهة الجحد والإنكار والاستخفاف والتهاون في كلِّ ما دقّ وجلّ، وفاعله كافر ومعناه معنى كُفر، من أيّ ملّةٍ كان، ومن أيّ فرقة كان، بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات فهو كافر..."1.
 

1- ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، كلامه عليه السلام في صفة الخروج من الإيمان، ص 330.
 
 
 
 
216

178

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 ويرسم لنا الإمام الباقر عليه السلام قاعدة عامّة في مسألة الإيمان والكفر، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ، يَقُولُ: "كُلُّ شَيْءٍ يَجُرُّه الإِقْرَارُ والتَّسْلِيمُ فَهُوَ الإيمان، وكُلُّ شَيْءٍ يَجُرُّه الإِنْكَارُ والْجُحُودُ فَهُوَ الْكُفْرُ"1.


الحجاب الثاني: حجاب النفاق: فقد وصفت الآية الأشخاص الّذين يدّعون الإيمان ويرفضون التحاكم إلى رسول الله بأنّ في قلوبهم مرضًا. ومن الواضح أنّ المراد من المـرض في الآية هـو "مرض النفاق" الّذي يتغلّب على قلوبهم. ففي أوائل سورة البقرة، ثلاث عشرة آية تحدّثت عن النفاق والمنافقين، وقد صوّرتهما بدقّة متناهية وبتعابير وافية. يقول القرآن في هذه الآية: إنّ أحد أخطاء المنافقين أنّهم يخادعون الله، وکذا المؤمنين، وفي الحقيقة لا يخادعون إلاّ أنفسهم وهم لا يشعرون ولا يعلمون، وذلك لأنّ النفاق قد غطّى قلوبهم بستاره السميك، ثمّ يضيف القرآن: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً2.

لأنّ غاية القلب (العقل) الخالص هو معرفة الله وعبوديّته، وکلّ صفة منعت وحجبت عن غاية القلب هذه، قيل لها مرض لأنّها تحجب الهدف وتمنعه من الظهور. ولـهذا جاء في الآية (7) من سورة المـنافقين: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ3.

رسالة الآية
بادروا لإزالة الحجب عن قلوبكم لتكون محلًّا للهداية الربّانيّة، طهّروها من مرض النفاق، وأظهروا طهارة هذه القلوب بالعمل لا بالقول اللساني، عبر ترفّعكم عن مصالحكم الشخصيّة، وقبولكم بحكم رسول الله الّذي هو حكم الله تعالى، فإيمان العبد موقوف على طاعة الرسول وطاعة الرسول تكون بطاعة حكمه المستند إلى نور الشريعة.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 387.
2- سورة البقرة، الآية 10.
3- سورة المنافقون، الآية 7.
 
 
 
217

179

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 2- حجاب النفاق في سورة النور:

لقد ربطت سورة النور بشكل واضح بين النفاق وترك طاعة حكم الرسول، فمن يؤمن حقًّا بالله تعالى لا يترك طاعة رسول الله، ولا يتحاكم إلى غير رسول الله، لأنّ من يؤمن بالله يؤمن بأنّه "وحده المشرّع الحقيقيّ، لأنّه إضافة إلى علمه المطلق بحاجات الإنسان، فإنّه يعلم سبل سدّ هذه الحاجات، وهو الّذي لا يزلّ ولا ينحرف بسبب احتياجه وميول الحبّ والبغض فيه سبحانه. وقضاء الله والنبيّ والإمام المعصوم أفضل قضاء، ويليهم التابعون السائرون على نهجهم المتوكّلون على الله، إلا أنّ البشر الّذين يصابون بالكبر وحبّ الذات لا يرضخون لهذا القضاء، فهم يبحثون عن قضاء يشبع طمعهم وشهواتهم.

فامتحان الطاعة خير دليل على إيمان الإنسان أو عدم إيمانه. ويستوقفنا قول القرآن: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾1,  فالمؤمنون الحقيقيّون لا يرتضون قضاءك فحسب، وإنّما قد سلّموا أنفسهم لك حتّى إنّ لحقهم ضرر.

أمّا المنافقون فلا يقنعون بحكم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما يحقّق مصالحهم، فهم عبيد لها، وعلى الرغم من ادّعائهم الإيمان، فهم مشركون حقًّا!"2.
 

1- سورة النساء، الآية 65.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص141.
 
 
 
 
218

180

الدرس السابع عشر: الآيات 47-50: حجب الهداية

 المفاهيم الرئيسة


1- ذكر المفسّرون سببيْن لنزول هذه الآيات، وخلاصة السببيْن أنّ الآية نزلت في رجلٍ من المنافقين الّذي قد دعي إلى حكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في منازعة وقعت بينه وبين غيره، فأبى الرجوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

2- تعلن الآية () أنّ هؤلاء المنافقين ليسوا بمؤمنين، فالإيمان وطاعة الرسول متلازمان.

3- تقدّم الآيات ( ) الدليل على عدم إيمان المنافقين وهو يتمثّل بأمرين:
- الأوّل: إعراضهم عن التحاكم أمام الرسول لعلمهم بعدله.
- الثاني: أنّ مصلحتهم هي الّتي تسيّرهم، فلو كان لديهم علم بأنّ الحكم سيكون لمصلحتهم لتحاكموا إليه.

4- القلوب الّتي تراكمت عليها حجب الظلمة، فإنّها تخرج من دائرة المؤمنين ومن دائرة المهتدين.

5- معنى المحجوبيّة: أن يكون العبد محرومًا عن التوجّه القلبيّ والخشوع والخشية، وأن ينقطع عن إدراك نوره وعن الارتباط به.

6- الحجب على نوعين: ماديّة ومعنويّة.

7- حجاب النفاق هو أحد الحجب المعنويّة الّي يمنع نور الهداية أن ينفذ إلى قلب الإنسان.

8- عالجت سورة النور ثلاثة أقسام من الحجب المانعة من الهداية:
- القسم الأوّل: حجاب الشهوات وحجاب الفسق.
- القسم الثاني: حجاب الكفر.
- القسم الثالث: حجاب النفاق.

10- النفاق مرض، لأنّ غاية القلب (العقل) الخالص هو معرفة الله وعبوديّته، وکلّ صفة منعت وحجبت عن غاية القلب هذه، قيل لها مرض لأنّها تحجب الهدف وتمنعه من الظهور.
 
 
 
219

181

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 الدرس الثامن عشر

 

الآيات51-54: نور الولاية


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يبيّن الآثار المترتّبة على طاعة الرسول، شارحًا نوع الطاعة المطلوبة إزاء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحكمه.
2- يوضّح العلاقة القائمة بين طاعة الرسول والهداية، مبيّنًا مسؤوليّة الرسول ومسؤوليّة الناس في تحقيق الهداية.
3- يحدّد معنى الولاية، شارحًا موقعيّتها ومراتبها في القرآن.
4- يشرح الارتباط بين الولاية والطاعة، وأثره في حاكميّة الدين الحقّ.
 
 
 
 
221

182

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 تمهيد

إنّ الالتزام بالميثاق الإلهيّ يقتضي الطاعة للأولياء الّذين أوكل الله إليهم شؤون الولاية على خلقه. فمن أخفق في امتحان الطاعة لرسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم حجب عنه نور الله الّذي به يُهتدى، وهذا حال المنافقين كما بيّنته الآيات السابقة. وأمّا من فاز في هذا الامتحان فقد اهتدى وأفلح، فما هي شروط الطاعة الّتي بها فاز المؤمنون وأفلحوا؟

نصّ الآيات:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ *  قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿يَخْشَ اللَّهَ﴾: الخشية: الأصل: هو المراقبة والوقاية مع الخوف، بأن يراقب أعماله ويتّقي نفسه مع الخوف والملاحظة، وهذا المعنى من لوازم العلم واليقين2.
 

1- سورة النور، الآيات 51 – 54.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج3، ص64.
 
 
 
223

183

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 - ﴿يَتَّقْهِ﴾: الأصل وقى: هو حفظ الشيء عن الخلاف والعصيان في الخارج وفي مقام العمل1.


- ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: بلغ: حقيقة المعنى هو الوصول إلى الحدّ الأعلى والمرتبة المنتهى2، وبين: المعنى الحقيقيّ فيها هو الانكشاف والوضوح بعد الإبهام والإجمال3، والتعبير بكلمة مبين: للإشارة إلى شدّة البيان والمبالغة في الانكشاف، بحيث إنّها كالنور ظاهرة ومنكشفة في نفسها ومظهرة لأنفسها ولغيرها4.

2- المعنى التفصيلي:
تضمّنت الآيات بيان لمجموعة من النقاط الهامّة في موضوع طاعة الرسول، كحاكم للأمّة الإسلاميّة، فهي بعد أن بيّنت موقف المنافقين في هذا الإطار، شرعت في هذه الآيات ببيان موقف المؤمنين، والنتائج المترتّبة على هذا الموقف، ويمكن أن نستنتج من خلال الآيات النقاط الآتية:
- إنّ موقف المؤمنين إزاء حكم رسول الله هو السمع والطاعة.
- إنّ طاعة الرسول هي شرط فلاح المؤمنين.
- إنّ طاعة المؤمنين للرسول هي طاعة مقرونة بالعمل ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾.
- لقلوب المؤمنين مميّزات خاصّة: خشية الله والتقوى.
- طاعة الرسول شرط الهداية.

أ- طاعة الرسول شرط الفلاح:
الفلاح في اللّغة من فلح وهو يدلّ على شقّ، وعلى فوز وبقاء. فلحت الأرض: شققتها، وهو النجاة من الشرور وإدراك الخير والصلاح. وبهذين القيديْن، تمتاز عن موادّ - النجاة والظفر والصلاح. والفوز مرتبة بعد الفلاح، وهو الوصول إلى الخير والنعمة. ومن آثاره:
 

1- المصدر نفسه، ج13، ص148.
2- المصدر نفسه، ج1، ص333.
3- المصدر نفسه، ج1، ص366.
4- المصدر نفسه، ج1، ص368.
 
 
 
 
224

184

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 البقاء في الخير والفوز. وباستقراء الاستخدام القرآنيّ للفلاح، يتّضح أنّه لا بدّ أن يجتنب السالك الأمور الّتي تحجب الحقّ، وتزيل النور، وتمنع عن نزول الخير والرحمة الإلهيّة، وتخالف الصدق والخلوص في السير، ثمّ يتوجّه إلى مقامات ذكر الله والتقوى والمجاهدة والعمل الصالح بالتوبة إلى الله عزّ وجلّ، حتّى يكون من المفلحين. فمقام الفلاح إنّما هو بعد مقامات التوبة والعمل الصالح، حتّى يتثبّت في طريق السلوك إلى الله تعالى1.


ب- الدوافع المميّزة لهؤلاء:
في الآية السابقة، وصفت الآية المنافقين بأنّهم مرضى القلوب، وبيّنت أنّ الدوافع الّتي دفعتهم لترك التحاكم عند رسول الله تتمثّل في أنّه كان لديهم شكّ في حكم الرسول وعدله، وخوفهم كان على مصالحهم الشخصيّة، فقد خافوا أن يكون حكم الرسول لصالح الخصم.

أمّا هذه الآية، فقد جاءت لتبيّن الصورة المقابلة لهؤلاء، فوصفتهم بأنّهم مطيعون لله ورسوله كصفة أساسيّة ناشئة عن دوافع تدفعهم لهذه الطاعة هي:
- خشية الله.
- تقوى الله.

هذه الصفات هي الّتي كانت سببًا في فوز هؤلاء، فكأنّ الآية جاءت في مقام التعليل - كالكبرى الكليّة - للآية السابقة، حيث حكمت بفلاح من أجاب الدعوة إلى حكم الله ورسوله بالسمع والطاعة بقيد الإيمان، كأنّه قيل: إنّما أفلح من أجاب إلى حكم الله ورسوله وهو مؤمن، لأنّه مطيع لله ولرسوله، وهو مؤمن حقًّا في باطنه خشية الله، وفي ظاهره تقواه، ومن يطع الله ورسوله فيما قضى عليه ويخشَ الله ويتّقه فأولئك هم الفائزون2، والفوز مرتبة بعد الفلاح، وهو الوصول إلى الخير والنعمة.

وعليه، فالآية ذكرت "ثلاثة أوصاف للفائزين هي: طاعة الله والرسول، وخشية الله وتقوى الله. وقد اعتبر بعض المفسّرين أنّ الطاعة ذات معنى عامّ، والخشية فرعها الباطنيّ، والتقوى فرعها الظاهريّ. وقد تحدّثت أوّلًا عن الطاعة بشكل عامّ، ثمّ عن باطنها وظاهرها.
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج9، ص135.
2- السيّد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص149.
 
 
 
 
225

185

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال: "إنّ المعنيّ بالآية أمير المؤمنين عليّ عليه السلام"1 ولا خلاف في أنّ عليًّا عليه السلام خير مصداق لهذه الآية، وهذا هو المراد من هذا الحديث، فلا يفقد الآية عموميّتها2.


قوله تعالى: ﴿قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

ج- الطاعة المطلوبة:
لأنّ الطاعة لا تكون بالقول، بل يجب أن تتجاوز القول إلى الفعل، فقد تابعت الآيات بتحديد المميّز الرئيسيّ للطاعة المطلوبة وهو ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾، والشيء المعروف هو الَّذي يعرف ويطَّلع عليه، ويتميّز عمّا سواه في قبال المنكر المجهول من جهة الآثار والخصوصيّات. فعلى من يدّعي الطاعة أن يترجم هذا الادّعاء بالطاعة الفعليّة، فإن كان أمر رسول الله مرتبطًا بالجهاد توجّب عليهم الخروج، وبذلك تكون طاعة معروفة.

وقد أشارت الآية إلى بعض المنافقين الّذين "تأثّروا جدًّا على ما هم فيه، بعد نزول الآيات السابقة، والّتي وجّهت اللوم الشديد إليهم، فجاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأقسموا يمينًا مغلّظة أنّنا نسلم أمرنا إليك، ولهذا أجابهم القرآن بشكل حاسم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾َّ إلى ميدان الجهاد، أو يخرجون من أموالهم وبيوتهم، فقل لهم: لا حاجة إلى القسم، وعليكم عملًا إطاعة الله بصدق وإخلاص، ﴿قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يرى كثيرٌ من المفسّرين أنّ كلمة ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ في هذه الآية يقصد منها الخروج للجهاد في سبيل الله، غير أنّ مفسّرين آخرين يرون أنّها تقصد عدم التهالك على المال والحياة، واتّباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أينما رحل وحلّ وطاعته"3.

فالمطلوب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشكّ فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلَّص من المؤمنين الَّذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا اليمين على الطاعة النفاقيّة المنكرة4.
 

1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج38، ص234.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص 145.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج15، ص146.
4- الملا فتح الله الكاشاني، زبدة التفاسير، ج4، ص528.
 
 
 
226

186

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾


د- طاعة الرسول شرط تحقّق الهداية:
أمر بطاعة الله فيما أنزل من الدين، وأمر بطاعة الرسول فيما يأتيهم به من ربّهم، ويأمرهم به في أمر دينهم ودنياهم، وتصدير الكلام بقوله: ﴿قُلْ﴾ إشارة إلى أنّ الطاعة جميعًا لله، وقد أكّده بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ دون أن يقول: "وأطيعوني"، لأنّ طاعة الرسول بما هي طاعة الرسول طاعة المرسل، وبذلك تتمّ الحجّة.

ولذلك عقّب الكلام:
- أوّلًا بقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾, أي فإن تتولّوا وتُعرِضوا عن طاعة الرسول لم يضرّ ذلك الرسول، فإنّما عليه ما حمّل من التكليف ولا يمسّكم منه شيء، وعليكم ما حمّلتم من التكليف، ولا يمسّه منه شيء، فإنّ الطاعة جميعًا لله سبحانه.

- ثانيًا بقوله: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾, أي وإن كان لكلٍّ منكم ومنه ما حمّل لكن إن تطيعوا الرسول تهتدوا، لأنّ ما يجيء به إليكم وما يأمركم به من الله وبأمره، والطاعة لله وفيه الهداية.

- ثالثًا بقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾, وهو بمنزلة التعليل لما تقدّمه، أي إنّ ما حمّله الرسول من التكليف هو التبليغ فحسب، فلا بأس عليه إن خالفتم ما بلّغ، وإذا كان رسولًا لم يحتمل إلا التبليغ، فطاعته هي طاعة لمن أرسله، وفي طاعة من أرسله - وهو الله سبحانه - اهتداؤكم1.

هـ- مسؤوليّة الرسالة واختياريّة الطاعة:
إنّ التعبير بالحمل وبالبلاغ كلاهما يشير إلى المسؤوليّة الملقاة على عاتق الرسول، فرسالته صلى الله عليه وآله وسلم تستوجب منه الإبلاغ وعلى الناس طاعته. إنّها لمسؤوليّة لا يطيق حملها إلّا المخلصون.
 

1- السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص150.
 
 
 
227

187

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 أمّا من جهة الناس، فإنّهم أمام حالتين:

- العصيان، وبذلك يكون قد أدّى وظيفته، وهو مسؤول عنها، كما أنّكم مسؤولون عن أعمالكم، لأنّ وظيفتكم الطاعة.

- الطاعة، وبذلك تستحقّون الهداية، لأنّه قائدٌ لا يدعو إلى غير سبيل الله والحقّ والصواب.

في كلّ الأحوال، إنّ الرسول مكلّفٌ بـ ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾, وهو إيصال الرسالة إلى كمالها وتمامها وكشفها وتوضيحها للناس عبر إبلاغ الجميع ما أمر الله به، فإن أطاعوه استفادوا، وإن لم يطيعوه خسروا. وليس على النبيّ أن يجبر الناس على الهداية وتقبّل دعوته.

ولذا روى الإمام الباقر عليه السلام حديثًا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال فيه: "يا معشر قرّاء القرآن، اتّقوا الله عزّ وجلّ فيما حمّلكم من كتابه، فإنّي مسؤول، وأنتم مسؤولون: إنّي مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأمّا أنتم فتُسألون عمّا حمّلتم من كتاب الله وسنّتي"1.

3- المعنى الإجمالي:
تبيّن الآيات موقف المؤمنين إزاء حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالمؤمنون يلبّون دعوة الرسول بقولهم ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾, فلا يكتفون بالاستماع لحكم رسول الله، بل يطيعونه فيما أمر وحكم. وتحدّد الآيات الدوافع النفسيّة الّتي تميّز المؤمنين عن غيرهم بميزتيْن أساسيّتيْن هما: خشية الله وتقواه. ولذلك فقد أعلنت الآيات أنّ هؤلاء قد استحقّوا الفلاح والفوز كجزاء على طاعتهم لله ولرسوله، ومن ثمّ تشرح الآية الطاعة المطلوبة، فتوضّح أنّ هذه الطاعة ليست كأيّ طاعة، فشرطها هو أن تكون طاعة ظاهرة تتجاوز القول إلى الفعل، فهي ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾.

رسالة الآية
اسلكوا طريق النور المتّصل بالمولى جلّ وعلا الصاعد إليه المتمثّل بخطّ طاعة الوليّ، وأَصعِدوا إليه تعالى أعمالكم الموسومة بالطاعة، "طاعة معروفة" لا لبس فيها مقرونة بالعمل، طاعة لأولي الأمر الّذين فرض الله على المؤمنين طاعتهم وولايتهم، فإنّ طاعتهم شرط الإيمان وضمانة الفوز والفلاح، وإن تطيعوهم تهتدوا.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص606.
 
 
 
228

188

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 لعلّكم تذكَّرون

نور الولاية
رسمت آية النور وما بعدها من آيات صورة لطريقين:
الأوّل: طريق النور وهو طريق الهداية الربّانيّ الّذي لا يتقوّم إلّا بالولاية والعبوديّة، وطاعة الوليّ من شرائط الاستقامة والبصيرة في هذا الطريق.

الثاني: طريق الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض، وهو طريق الكفر، والّذي يشتّت عقول وأبصار السالكين فيه، ويحوّل رؤيتهم إلى سراب لا حقيقة ولا شيئيّة له.

ولقد تحدّثت الآيات القرآنيّة المتعدّدة عن إمكانيّة الخروج من الظلمات إلى النور، وذلك عبر اتّباع الخطّ النورانيّ المتّصل بالمولى عزّ وجلّ، والّذي حدّدته الآية: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾1.

يعود مصطلح الولاية إلى الأصل اللغويّ "ولى": هو وقوع شيء وراء شيء مع رابطة بينهما، ويلحق بهذا الأصل مفاهيم متعدّدة، كالقرب والحبّ والنصر والمتابعة. وهذه المفاهيم تعتبر من آثار الأصل باختلاف الموارد. ومن مصاديق هذا الأصل: الولاية بمعنى تدبير أمور الغير، والقيام بكفاية جريان حياته ومعاشه، فإنّ الوليّ والمتولَّى واقعًا وراء المتولَّى عليه، والرابطة بينهما تدبير الأمور والقيام بها، ويستعمل التولّي بمعنى الإدبار والإعراض، وهذا من لوازم الولاية، فإنّها تلازم التحوّل والانحراف عن موارد أخر. فالنظر في المقام إلى جهة الولاية والوقوع وراء شيء، ويفهم مفهوم الإعراض التزامًا2.

أمّا في مصطلح الفقهاء، فالولاية تعني السلطة على الغير بحكم العقل أو بحكم الشرع في البدن، أو المال أو كلاهما، بالأصالة أو بالعرض3. والمراد من الولاية العرضيّة هو أن تنتقل الولاية من شخص إلى آخر، مثل ولاية القيّم من جانب الأب.
 

1- سورة البقرة، الآية 257.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13، ص207.
3- بحر العلوم، السيد محمد، بلغة الفقيه، شرح وتعليق السيد محمد تقي آل بحر العلوم، منشورات مكتبة الصادق، إيران - طهران، 1984 م - 1362 ش - 1403هـ.ق، ط4،ج3، ص210.
 
 
 
229

189

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى الصَّلَاةِ، والزَّكَاةِ، والصَّوْمِ، والْحَجِّ، والْوَلَايَةِ، ولَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِأَرْبَعٍ وتَرَكُوا هَذِه، يَعْنِي الْوَلَايَةَ"1.


فطاعة أولي الأمر الّذين بيّنتهم الرواية واجبة كما طاعة الرسول، لأنّ ولايتهم متّصلة بولاية الله جلّ وعلا، فطاعتهم هي طاعة لله تعالى. وقد ورد في وصف أنصار الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف رواية، جاء فيها: ذكرنا خروج القائم عجل الله تعلى فرجه الشريف عند أبي عبد الله عليه السلام فقلت: كيف لنا بعلم ذلك؟ قال عليه السلام: "يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة مكتوب عليها: طاعة معروفة". وروي أنّه يكون في راية المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: "البيعة لله عزّ وجلّ"2.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 18.
2- الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص 654.
 
 
 
230

190

الدرس الثامن عشر: الآيات51-54: نور الولاية

 المفاهيم الرئيسة


1- إنّ مقتضى الإيمان بالله ورسوله وعقد القلب على اتّباع ما حكم به الله ورسوله هو التلبية للدعوة إلى حكم الله ورسوله دون الردّ.

2- الفلاح مقصور في المؤمنين الّذين كان قولهم "سمعنا وأطعنا"، وهو سمع وطاعة للدعوة الإلهيّة.

3- طاعة المؤمنين لله ورسوله ناشئة عن دوافع تدفعهم لهذه الطاعة، هي: خشية الله. تقوى الله.

4- الفوز هو مرتبة بعد الفلاح، وهو الوصول إلى الخير والنعمة. وهو الجزاء الّذي يستتبع الطاعة.

5- تتميّز الطاعة الّتي يترتّب عليها الفوز بأنّها "طاعة معروفة"، فعلى من يدّعي الطاعة أن يترجم هذا الادّعاء بالطاعة الفعليّة.

6- تشكّل طاعة الرسول، وفق المميّز الّذي ذكرته الآيات، شرطًا من شروط الهداية.

7- إنّ المسؤوليّة الملقاة على عاتق الرسول، هي إبلاغ الرسالة، وإنّها لمسؤوليّة لا يطيق حملها إلّا المخلصون.

8- الولاية تعني السلطة على الغير بحكم العقل أو بحكم الشرع في البدن أو المال أو كلاهما، بالأصالة أو بالعرض.

9- الأصل في الولاية في الاستخدام القرآني هو أنّها لله تعالى في مقابل ولاية الطاغوت - ومن مصاديقه الشيطان- على من تولّاه واتّبعه وسار في طريقه.

10- الولاية مراتب أوّلها: ولاية الله، ومن رشحات هذه الولاية: ولاية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه المعصومين عليهم السلام بالولاية الباطنيّة.

11- في هذين الخطّين، يندرج كلّ ما في هذا الدين من عقيدة وشريعة وسيادة وولاية وسلطان.

12- الطاعة في القرآن واجبة لأولي الأمر، لأنّ ولايتهم متّصلة بولاية الله جلّ وعلا، وهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
 
 
 
 
231

191

القسم الأول

 القسم الأول

نصّ الآيات:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾1.

1- معاني المفردات:
- ﴿وَعَدَ﴾ هو تعهّد على أمر، والتعهّد أعمّ من أن يكون في أمر خير أو في شرّ2.

- ﴿َيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾: خلف: أحد معانيها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والأصل في المادّة هو ما يقابل القدّام والاستقبال، أي ما يكون على ظهر شيء وورائه. وهذا المعنى إمّا من جهة الزمان أو من جهة المكان أو الكيفيّة. والخليفة يعتبر فيه التأخّر الزمانيّ ووقوع شيء عقيب شيء آخر زمانًا، والتعبير بالاستفعال يدلّ على الميل والاقتضاء وتحقّق الطلب منه تعالى لوجود المقتضى له3.
 

1- سورة النور، الآيات 55 – 57.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13، ص143.
3- م.ن، ج3، ص110.
 
 
 
235

192

القسم الأول

 - ﴿َيُمَكِّنَنَّ﴾: مكن: الأصل الواحد في المادّة: هو استقرار مع قدرة، ومن آثاره العظمة والارتفاع والسلطنة والقدرة والشدّة والتيسّر والكون على موضع1.


• ﴿َيُبَدِّلَنَّهُم﴾: بدل: هو وقوع شيء مقام غيره2.

• ﴿مُعْجِزِينَ﴾: عجز: الأصل هو ما يقابل القدرة في الجملة، فالعجز له مراتب، وبانتفاء القدرة على أيّ شيء كان، وفي أيّ مقدار يتحقّق مفهوم العجز، كما في القدرة3.

2- المعنى التفصيلي:
بعد أن بيّنت الآيات السابقة أنّ طاعة الرسول شرط الهداية والإيمان، تأتي هذه الآية لتبيّن النتائج الدنيويّة للثبات على طاعة الرسول، وتقدّم وعدًا للمؤمنين بأنّ الله سبحانه سيجزيهم وفق القاعدة الّتي بيّنتها سورة النور في الآية (38): ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾4, فليس الجزاء مقتصرًا على فلاح وفوز المؤمن بشكل فرديّ، بل إنّ فضل الله يعمّ الجماعة أيضًا إن التزمت بما حدّدته الآيات من شرائط وأحكام. ويمكن أن نستنتج من الآية النقاط الآتية:
- الوعد الإلهيّ الحتميّ ومتعلّقاته.
- مواصفات مستحقّي الوعد الإلهيّ.
- عاقبة الّذين كفروا.

أ- حتمية الوعد الإلهيّ:
يرتبط مفهوم الوعد بالوفاء به، و"إنّ الوعد والوفاء به يتوقّفان على العلم والقدرة. فبالعلم يحيط الوعد وخصوصيّاته موضوعًا ومحمولًا، ويميّز ما هو الحقّ فيجعل تعهّده عليه. وبالقدرة يستطيع على العمل به والوفاء حين لزومه، فلا يمنعه مانع خارجيّ أو داخليّ.
 

1- م.ن، ج11، ص150.
2- م.ن، ج1، ص232.
3- م.ن، ج8، ص38.
4- سورة النور، الآية 38.
 
 
 
236

193

القسم الأول

 فاللَّه تعالى عالمٌ بذاته ومحيط علمه على جميع السماوات والأرض، ولا يعزب عن علمه مقدار ذرّة فيهما. وهكذا قدرته عزّ وجلّ، فهو القادر المطلق في ذاته وبذاته، ولا يعجزه شيء ولا يحتاج إلى شيء. ولذلك بيّنت آيات متعدّدة أنّ وعده تعالى هو حتميّ التحقّق: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾1, ﴿إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ2, ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾3, تدلّ هذه الآيات الكريمة وغيرها من الآيات على أنّ لوعد اللَّه تعالى خصوصيّات"4. جميعها تفضي إلى أنّ وعده تعالى حتميّ التحقّق.


ب- متعلّقات الوعد في الآية:
الآية مدنيّة نزلت بعد الهجرة، وهذا يعني أنّها تخبر عن أمر سيتحقّق في المستقبل، وأنّ دولة النبيّ في المدينة لم تكن هي المقصودة في هذه الآية، ولا بدّ من وجود مجتمع آخر ودولة أُخرى تتّسع لتشمل كلّ الأرض، لا في بقعة منها، والخطاب لعامّة المسلمين وفيهم المنافق والمؤمن، وفي المؤمنين منهم من يعمل الصالحات ومن لا يعمل الصالحات، والوعد خاصّ بالّذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات محضًا5. وقد ورد في روايات متعدّدة أنّ هذه الآية نزلت في القائم من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم6. وقد روى الصدوق بإسناده عن علي بن الحسين عليه السلام، أنّه قرأ الآية وقال: "هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يدي رجل منّا وهو مهديّ هذه الأمّة، وهو الّذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يأتي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا"7.
 

1- سورة المرسلات، الآية 7.
2- سورة يونس، الآية 55.
3- سورة الروم، الآية 6.
4- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج13، ص146.
5- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص151.
6- القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، تحقيق وتصحيح الموسوي الجزائري‏، دار الكتاب، قم، 1404هـ.، ط3، ج1، ص14.
7- الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص280.
 
 
 
237

194

القسم الأول

 وبحسب سياق الآية، فإنّ الوعد يتعلّق بمجموعة أمور:

- من جهة الموعود، يتعلّق الوعد على أمرين هما: الإيمان والعمل الصالح.
- أمّا من جهة الواعد وهو الله تعالى، فقد أعطت الآية للمؤمنين وعودًا ثلاثة:
الأول: الخلافة على الأرض.
الثاني: تحقّق الأمن والاستقرار لكي تكون العبادة لله وحده.
الثالث: استقرار الدين الّذي يرضاه الله في الأرض.

﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾

ج- المقصود بالاستخلاف في الآية:
"الخلافة هي المهمّة الوجوديّة للإنسان، وهي تعني الخلافة عن الله تعالى لتنفيذ مراده وإجراء أحكامه فيها. وهذا معناه أن يكون الإنسان سلطانًا في الكون بغاية تطبيق المهمّة الّتي كلَّفه بها المستخلِف - الله - ائتمارًا بما أمر وانتهاءً عمّا نهى1.

وقد وردت تفاسير عدّة للاستخلاف المقصود في هذه الآية، "وسواء قلنا: إنّهم خلفاء اللّه سبحانه، أو قلنا: إنّهم خلفاء لمن سبقهم من الناس، فهو يعني القيام بتدبير الأُمور وإقامة العدل الإلهيّ والقسط في المجتمع، وإعمار الأرض وإصلاحها.

وقد وعد القرآن الكريم في آيات أخرى بأنّ الإسلام سيعمّ المعمورة بأسرها، وأنّ النصر النهائيّ حليف المسلمين، ولكنّ هذا الوعد الإلهيّ الّذي لا بدّ أن يقع يومًا ما، لم يتحقّق حتّى هذه اللّحظة. ولكنّ الروايات الشريفة تؤكّد أنّ هذا الوعد الإلهيّ القطعيّ سيتحقّق في ظروف خاصّة وفي دورة تاريخيّة أُخرى، وهي الّتي يمسك فيها زمام الأُمور كلّها آخر وصيّ من أوصياء الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وهو الحجّة بن الحسن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وحينئذ سيملأ الأرض شرقًا وغربًا قسطًا وعدلًا بعد ما ملئت ظلمًا وجورًا. يقول تعالى مشيرًا إلى هذا الوعد الإلهيّ الحقّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾2. وفي آية أُخرى
 

1- النجار، عبد المجيد، خلافة الانسان بين الوحي والعقل، الدار العربية للعلوم، لبنان - بيروت، 2005م، ط 3، ص61-62.
2- سورة التوبة، الآية 33.
 
 
 
 
238

195

القسم الأول

 إشارة إلى هذا المضمون نفسه ولكن بعبارة أُخرى، حيث عبّرت الآية عن تلك الحقيقة بأنّ نور اللّه سبحانه لن يطفأ أبدًا مهما حاولوا ذلك، فقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ1"2.


قوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

د- تمكين الدين:
تمكين الشيء إقراره في مكان، وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل، بحيث يؤثّر أثره من غير مانع ولا حاجز، فتمكّن الدين هو كونه معمولًا به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره، ومأخوذًا بأصول معارفه من غير اختلاف وتخاصم. وقد حكم الله سبحانه في مواضع من كلامه أنّ الاختلاف في الدين من بغي المختلفين، كقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ3,4.

ولما كان نزول سورة النور قبل نزول سورة المائدة، ونظرًا إلى جملة ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾, الواردة في الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾5, والّتي نزلت في حقّ الإمام عليّ عليه السلام. لذلك كلّه، نستنتج أنّ حكم الإسلام يتعزّز ويترسّخ في الأرض إذا اقترن بالولاية، لأنّ الإسلام هو الدين الّذي ارتضاه الله ووعد بترسيخ دعائمه وتعزيزه. وبعبارة أوضح، إنّ الإسلام إذا أريد له أن يعمّ العالم كلّه يجب عدم فصله عن ولاية أهل البيت عليهم السلام6.

قوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

1- سورة الصف، الآية 8.
2- الشيخ السبحاني: مقالة بعنوان، ما هو مصير البشرية ومستقبلها؟ وما هي بالتحديد النظرية القرآنية في خصوص مستقبل العالم ومصير البشرية؟http://imamsadiq.com .
3- سورة البقرة، الآية 213.
4- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص152.
5- سورة المائدة، الآية 3.
6- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج3، 601.
 
 
 
239

196

القسم الأول

 هـ- سيادة العبوديّة والتوحيد:

عندما يحين موعد تحقّق الوعد بالاستخلاف والتمكين في الأرض للمؤمنين الّذين يتّصفون بالإيمان والعمل الصالح، يسود حكم التوحيد في العالم وإجراء الأحكام الإلهيّة، واستقرار الأمن واقتلاع جذور الشرك، وتنعدم جميع عوامل الخوف والاضطراب. وينتج عن كلّ هذا أن يُعبد الله بكلّ حرية، وتطبّق تعاليمه ولا يشرك به، ويتمّ نشر عقيدة التوحيد في كلّ مكان.

إنّ مفهوم عبارة ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ تبيّن أنّ الهدف النهائيّ هو إعداد حكومة عادلة راسخة الأسس، ينتشر فيها الحقّ والأمن والاطمئنان، وتكون ذات تحصينات أسسها العبوديّة لله وتوحيده، عبادة هدفها السامي تربية البشر وتسامي أنفسهم، عبادة لا يحتاج الله إليها، وإنّما يحتاج إليها البشر لطيّ مراحل تكاملهم الإنسانيّ.

لكن ذلك لا يعني خلوّ الأرض من المذنبين والمنحرفين في ظلّ حكومة الصالحين المؤمنين الّذين يمكّنهم الله من نشر الحقّ والعدل، وعبادته عبادة خالية من صور الشرك، بل مفهوم هذه الحكومة هو أنّها تُدار من قبل المؤمنين الصالحين، والصفة السائدة في المجتمع هي خلوّه من الشرك. وبما أنّ الإنسان خلق حرًّا، فإنّ مجال الانحراف موجود حتى في أفضل المجتمعات الإنسانيّة1.

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

و- الأركان الثلاثة المسبّبة لتحقّق الوعد:
تتابع هذه الآية ببيان الأركان الثلاثة الأساسيّة الّتي تشكّل سببًا لنزول الرحمة الإلهيّة ودوامها. هذه الأركان تعتبر أيضًا الأركان الرئيسيّة الّتي يتقوّم بها الاستخلاف في الأرض.

فالصلاة هي الوسيلة الّتي توثّق الصلة بين الخالق والمخلوق، وتقرّب الناس إلى بارئهم، وتمنع عنهم الفحشاء والمنكر.
 

1- أنظر: المصدر نفسه، ج15، 153-154بتلخيص -.
 
 
 
240

197

القسم الأول

 والزكاة هي الوسيلة الّتي تربط الإنسان بأخيه الإنسان، وتقلّل الفواصل بينهما، وتقوّي ارتباطهما العاطفيّ.


وبشكل عامّ، يكون في كلّ شيء تبعًا للرسول.

وطاعة الرسول هي طاعة تكونون بسببها من المؤمنين الصالحين الجديرين بقيادة الحكم في الأرض لعلّكم ترحمون، وتكونون لائقين لحمل راية الحقّ والعدل1، هذه الطاعة هي الّتي بيّنتها الآيات السابقة، والّتي تعني الإنفاذ لولايته صلى الله عليه وآله وسلم في القضاء والحكومة.

فتحقّق الوعد الإلهيّ للّذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض متوقّف على تحقّق هذه الأركان الثلاثة. ونزول الرحمة معلّق على طاعة الرسول كما كانت الهداية في الآيات السابقة معلّقة على هذه الطاعة: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.

"ولقد تحقّقت الوعود الثلاثة الّتي أوردتها آية سورة النور بشكل نسبيّ في "يوم غدير خمّ" بنزول آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾2. فمثال الإنسان المؤمن الصالح هو عليّ عليه السلام الّذي نُصِّبَ وصيًّا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ودلّت عبارة ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ في الآية الّتي سبقت إعلان إكمال الدين وإتمام النعمة في سورة المائدة، على أنّ الأمن قد تحقّق بصورة نسبيّة لدى المؤمنين، كما بيّنت عبارة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ أنّ الله قد اختار الدين الّذي يرتضيه، وأقرّه بين عباده المسلمين.

وهذا التفسير لا ينافي الرواية الّتي تصرّح بأنّ آية سورة النور قد نزلت في شأن المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وذلك لأنّ عبارة "آمنوا منكم" لها معنى واسع تحقّق واحد من مصاديقه في "يوم غدير خمّ"، وسيتحقّق على مدى أوسع وأعمّ في زمن ظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف"3.

قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص155.
2- سورة المائدة، الآية 3.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج3، ص601.
 
 
 
241

198

القسم الأول

 ز- تهديد للمخالفين:

تشير الآية إلى أن تحقّق الحكومة الإلهيّة في الأرض هو أمر حتميّ لا مفرّ منه، فالّذين كفروا سيكونون مسلوبي القدرة من منع تحقّق الوعد الإلهيّ.

"وفي الخطاب الّذي تتضمّنه الآية تهديدٌ منه تعالى لمن خالف رسالته وعاندها، وأيضًا هو تهديدٌ لكلّ من بدّل نعمة اللَّه كفرًا. وفي نهج البلاغة: أقلّ ما يلزمكم اللَّه أن لا تستعينوا بنعمته على معاصيه"1. فجزاء الّذين كفروا لا يقتصر على عدم قدرتهم في الدنيا على الوصول إلى ما يريدون، بل هم في الآخرة مصيرهم إلى النار التي ستكون مأواهم.
 

1- الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج5، ص437.
 
 
 
242

199

القسم الثاني

 القسم الثاني

 

نصّ الآيات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾1
 

1- سورة النور، الآيات 58 – 61.
 
 
 
243

200

القسم الثاني

 1- معاني المفردات:

- ﴿عَوْرَاتٍ﴾: الأصل عور: وهو ما يستقبح بروزه ويلزم ستره عرفًا1.

- ﴿طَوَّافُونَ﴾: الأصل طوف: هو حركة حول شيء، مادّيًّا أو معنويًّا، وسواء أكان أمرًا مطلوبًا أم غيره2.

2- المعنى التفصيلي:
بيّنت السورة في الآيات (27-31) آداب دخول منازل الغير وأحكام النظر والزينة، فاتّضح أنّ أدب الاستئذان، والضوابط الشرعيّة للنظر وستر العورة، إضافة إلى أحكام الستر والزينة للمرأة، جميعها تشكّل منظومة مؤلّفة من مجموعة قواعد أساسيّة في مجال بناء علاقات اجتماعيّة فاضلة قائمة على أساس الحفاظ على العفّة، واحترام خصوصيّات الآخرين، والتزام بضوابط ومعايير الشريعة الإسلاميّة في المظهر، وإقامة العلاقات بين أفراد المجتمع. هذه المنظومة تحمل غاية أساسيّة، وهي إظهار العبوديّة لدى الفرد وفي المجتمع.

وتأتي هذه الآيات لتتمّم هذه المنظومة عبر بيان الموضوعات الآتية:
- أحكام وآداب دخول العبد إلى المكان الخاصّ بسيّده.
- أحكام وآداب الدخول إلى المكان الخاصّ بالوالدين.
- حكم الحجاب الخاصّ بالقواعد من النساء.
- حكم الأكل من بيوت الغير.
وسنتناول فيما يأتي معالجة هذه الموضوعات وتوضيح تفاصيلها.

أ- أحكام وآداب الدخول إلى المكان الخاصّ بربّ البيت:
تشير الآيات إلى ثلاث مجموعات مشمولة بهذا الحكم، هي:
أوّلًا- العبيد:
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج8، ص360.
2- المصدر نفسه، ج7، ص142.
 
 
 
244

201

القسم الثاني

 عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في قول اللَّه عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾, قيل: من هم؟ فقال: "هم المملوكون من الرجال والنساء والصبيان الّذين لم يبلغوا، يستأذنون عليكم عند هذه الثلاث عورات من بعد صلاة العشاء، وهي العتمة وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن قبل صلاة الفجر، ويدخل مملوككم وغلمانكم من بعد هذه الثلاث عورات بغير إذن إن شاؤوا"1.


وقد استدلّ السيّد الخوئي على أنّ هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم الاستئذان عند إرادة الدخول على الرجل إذا كان في ساعات الخلوة مطلقًا، من دون تخصيص بكون المدخول عليه أبًا أو ولدًا أو غيرهما، فإنّ ذِكْرَ ما ملكت أيمانكم والّذين لم يبلغوا الحلم، إمّا هو من جهة كثرة الابتلاء بدخولهم عليه، وإمّا من جهة التصريح بعموم الحكم لهم كي لا يتوهّم2.

ثانيًا- الأطفال الّذين لم يبلغوا الحلم:
ورد الأمر باستئذان الّذين لم يبلغوا الحلم للدخول على آبائهم وأمّهاتهم في اليوم ثلاث مرّات، وهل الأمر باستئذانهم حكم تكليفيّ؟ فيه كلام، إذ يحتمل أن يكون الخطاب متوجّهًا للآباء بأن يأخذوا الأبناء على ذلك، ويحتمل أن يكون للإرشاد وتعليم المعاشرة والتمرين، ويحتمل غيره3.

ثالثًا: البالغون الأحرار مطلقًا:
ورد الأمر بلزوم استئذان البالغين الأحرار من دون تقييد بالأوقات الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

وعن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام - في حديث- أنّه قال: "ومن بلغ الحلم
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص530.
2- السيد محمد تقي الخوئي، شرح العروة الوثقى - كتاب النكاح، ص 88.
3- الشيخ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسّرة، ج2، ص198.
 
 
245

202

القسم الثاني

 منكم فلا يلج على أمّه ولا على أخته ولا على ابنته ولا على من سوى ذلك إلّا بإذن، ولا يؤذن لأحد حتّى يسلّم، فإنّ السلام طاعة الرحمن"1.


ب- الأوقات المخصوصة بالاستئذان:
"تحدّد الآية أوقاتًا ثلاثة للاستئذان على ربّ البيت للدخول إلى المكان الخاصّ به (كحجرة نومه الخاصّة)، هي:
1- ﴿مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾, حيث يقوم الإنسان من فراشه، وهو في ثياب النوم.
2- ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾, أي وقت القيلولة والاستراحة، لأنّ الإنسان يتخفّف من ملابسه الّتي يستقبل الناس بها.
3- ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾, حيث يتّجه الإنسان إلى شأنه الخاصّ.

وتعلّل اختيار هذه الأوقات بالقول: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾. هذا بيان للفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها، ولبيان السبب للاستئذان فيها، وأنّها مظنّة انكشاف العورة ﴿لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾, لا إثم عليكم أيّها المؤمنون الأحرار، ولا على الخدم والصبيان إذا دخلوا من دون استئذان في غير هذه الأوقات، لأنّهم ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾"2

لأنّ كلمة ?طَوَّ?فُونَ? مشتقّة من "الطواف"، بمعنى الدوران حول شيء ما، وقد جاءت بصيغة مبالغة لتأكيد تعدّد الطواف.

وبما أنّ عبارة ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ جاءت بعد كلمة ﴿طَوَّافُونَ﴾، فإنّ مفهوم الجملة يكون: إنّه مسموحٌ لكم بالطواف حول بعضكم في غير هذه الأوقات الثلاثة، ولكم أن تتزاوروا فيما بينكم، ويخدم بعضكم بعضًا3.

ج- حكم الحجاب الخاصّ بالقواعد من النساء:
القواعد من النساء هنّ العجائز اللّواتي بلغن سنًّا لا يتزوّجن فيه عادة، لا يُرغب في الزواج منهنّ.
 

1- الشيخ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية المعاصرة، ج2، ص199.
2- الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج5، ص439.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص159.
 
 
 
246

 


203

القسم الثاني

 "تدلّ الآية الكريمة على أنّ العجائز اللّاتي لا طمع لهنّ في النكاح لكبر السنّ، يجوز لهنّ أن يبرزن وجوههنّ وبعض شعورهنّ وأذرعهنّ، ونحو ذلك ممّا يعتاد في العجائز المسنّة. وتدلّ عليه أحاديث أهل البيت عليهم السلام شرط أن لا يكون ذلك على وجه التبرّج، بل للخروج في حوائجهنّ، ومع ذلك فإنّ التستّر خيرٌ لهنّ.


هذا مع العلم بأنّه لا يجوز شيء من ذلك مع خوف الوقوع في المحرّم، لأن ّالتسامح مع العجوز المسنّة إنّما نشأ عن كونها كالصغيرة ليست مظنّة الشهوة والتلذّذ، فلو افترض حصول شيء من ذلك يكون حكمها حكم الشابّة"1.

وقد جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام في شرح هذه الآية: "الخمار والجلباب"، قلت: بين يدي من كان؟ قال: "بين يدي من كان غير متبرّجة بزينة"2.

د- حكم الأعمى والأعرج والمريض في الأكل من بيوت الغير:
كان أهل المدينة - كما ورد بصراحة في بعض الأحاديث - وقبل قبولهم الإسلام، يمنعون الأعمى والأعرج والمريض من المشاركة في مائدتهم، ويتنفّرون من هذا العمل.

وعلى عكس ذلك، كانت مجموعة منهم بعد إسلامها، تفرد لمثل هؤلاء موائد خاصّة، ليس لاحتقارهم المشاركة معهم على مائدة واحدة، وإنّما لأسباب إنسانيّة. فالأعمى قد لا يرى الغذاء الجيّد في المائدة، وهم يرونه، ويأكلونه، وهذا خلاف الخلق السليم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأعرج والمريض، حيث يحتمل تأخّرهما عن الغذاء، وتقدّم السالمين عليهما. ولهذا كلّه، لم يشاركوهم الغذاء على مائدة واحدة. ولهذا، كان الأعمى والأعرج والمريض يسحبون أنفسهم حتى لا يزعجوا الآخرين بشيء. ويعتبر الواحد منهم نفسه مذنبًا إن شارك السالمين غذاءهم في مائدة واحدة.

وقد استفسر من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الموضوع، فنزلت الآية السابقة الّتي نصّت على عدم وجود مانع من مشاركة الأعمى والأعرج والمريض للصحيح غذاءه على مائدة
 

1- الشيخ محمد جواد مغنية، الفقه على مذاهب الخمسة، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، لا.م، 1427هـ - 1385 ش، ط 5، ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه من البدن، ج1، ص91.
2- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص522.
 
 
 
247

204

القسم الثاني

 واحدة1.


هـ- البيوت الّتي يسمح الأكل منها من دون استئذان:
تعدّد الآية أحد عشر بيتًا يسمح الأكل منها دون استئذان، سواءٌ أكان الأكل بشكل فرديّ (أشتاتًا) أم جماعيّ (جميعًا).

هذه البيوت جاءت على الشكل الآتي:
- بيوتكم: المقصود بها بيوت الأبناء أو الزوجات.
- بيوت آبائكم.
- بيوت أمّهاتكم.
- بيوت إخوانكم.
- بيوت أخواتكم.
- بيوت أعمامكم.
- بيوت عمّاتكم.
- بيوت أخوالكم.
- بيوت خالاتكم.

- ما ملكتم مفاتحه: المقصود بها البيوت الّتي لكم عليها ولاية، فهي تقصد الّذين يسلّمون مفاتيح منازلهم لأشخاص موثوقين ومقرّبين لهم. وهذا التقارب الوثيق بينهما يؤدّي إلى أن يكونوا في صفّ الأقرباء والأصدقاء المقرّبين، وسواء أكان وكيلًا رسميًّا أم لا، بالاهتمام ببيته في غيبته.

- بيت صديقكم: ينبغي هنا الالتفات إلى تحديد الصديق الفعليّ. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام ما يوضح مفهوم الصداقة الواسع وشروطها الكاملة: "لا تكون الصداقة إلا بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص167/ ذكرت هذا التفسير أيضًا التفاسير الآتية: الدر المنثور - نور الثقلين- مجمع البيان- الصافي- التفسير الكبير- التبيان.
 
 
 
248

205

القسم الثاني

 فأولاها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.

والثانية: أن يرى زَينك زينه وشَينك شينه.
والثالثة: أن لا تغيّره عليك ولاية ولا مال.
والرابعة: أن لا تمنعك شيئًا تناله مقدرته.
والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال أن لا يُسْلِمَك عند النكَبات"1.

"ولعلّ السبب في هذه الأحكام أنّ الإسلام جعل علاقات الأقرباء والأصدقاء أسمى من الأمور المادّيّة، وهذا يعكسه الصفاء والودّ اللّذان يسودان المجتمع الإسلاميّ الحقيقيّ، حيث يبتعد أفراد هذا المجتمع عن الصفات غير المحمودة، كالبخل وحبّ الذات.

ولا ريب أنّ أحكام الغصب تكون نافذة في غير هذه الدائرة. ولكنّ الإسلام في داخل هذه الدائرة يفضّل القضايا العاطفيّة والروابط الإنسانيّة، فهي الّتي ينبغي أن تسود العلاقات بين الأقرباء والأصدقاء جميعًا"2.

و- أدب السلام عند دخول البيوت:
تشير الآية إلى أحد التعاليم الأخلاقيّة، وهو أدب التحيّة والسلام عند دخول البيوت عامّة. فإن كان في البيوت أحد سلّم على أهلها، وإن لم يكن فيه أحد سلّم على نفسه. وهذا ما ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، يجيب فيه عن سؤال يخصّ تفسير هذه الآية، فيقول: "هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل، ثمّ يردّون عليه، فهو سلامكم على أنفسكم"3.

وفي حديث آخر عنه عليه السلام أيضًا، يقول فيه: "إذا دخل الرجل منكم بيته، فإن كان فيه أحدٌ فليسلّم عليه، وإن لم يكن فيه أحد فليقل: السلام علينا من عند ربّنا، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾4.
 

1- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 467.
2- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص137.
3- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص81.
4- المصدر نفسه، ج12، ص81.
 
 
 
 
249

206

القسم الثاني

 الهدف من بيان هذه الأحكام: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾


كما بيّن لكم الأحكام يفصّل ويشرح لكم الأدلَّة على جميع ما يأمركم به لتعقلوا معالم دينكم1، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "الأدب صورة العقل"2.
 

1- مير سيد علي الحائري الطهراني (المفسر)، تفسير مقتنيات الدرر، الشيخ محمد الآخوندي مدير دار الكتب الإسلامية، 1337 ش، لا.ط،ج7، ص382.
2- ابن ميثم البحراني، شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام، تصحيح وتعليق مير جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، لا.ت، لا.ط، ص168.
 
 
 
250

207

القسم الثالث

 القسم الثالث

نصّ الآيات:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾1.

ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: هو التحصّل والخروج من شيء، كسلّ السيف من الغمد، التسلَّل لمطاوعة السلّ، وهو الخروج والتحصّل باختيار وقصد، يقال تسلَّل من الزحام، أي اختار الخروج منه2.

- ﴿لِوَاذًا﴾: هو الحركة إلى جانب شيء واللحوق به لتحصّل مقصد معيّن، ومن مصاديقه: حركة ووصول إلى جبل لغرض. ولحوق إلى قوم خوفًا أو طمعًا فيهم
 

1- سورة النور، الآيتان 62 – 63.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص185.
 
 
 
 
251

 


208

القسم الثالث

 أو منهم. ومداناة بالشيء متستّرًا به أو تحصيلًا لمقصد1.


- ﴿فِتْنَةٌ﴾: هو ما يوجب اختلالًا مع اضطراب2.

2- المعنى التفصيلي:
أ - سبب النزول:
ذكرت أسبابٌ عدّة لنزول الآية الأولى من الآيات أعلاه، فقد جاء في بعض الأحاديث أنّ هذه الآية نزلت في "حنظلة بن أبي عيّاش" الّذي صادف زواجه ليلة معركة أحد، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشاور أصحابه حول هذه المعركة، فجاءه حنظلة يستأذنه المبيت عند زوجته، فأجازه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد بكّر حنظلة للالتحاق بصفوف المسلمين، وكان على عجل من أمره، بحيث لم يتمكّن من الاغتسال. ودخل المعركة على هذا الحال، وقاتل حتّى قتل في سبيل الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه: "رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحائف فضة بين السماء والأرض". لهذا سمّي حنظلة بعدها ب‍ "غسيل الملائكة"3.

وذكر سببًا آخر لنزول هذه الآية، حيث روى ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنّه لمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتجمّع قريش والأحزاب على حربه وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة. فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين لا ينجزون إلّا اليسير من العمل، أو يتسلّلون إلى أهليهم بغير علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إذنه، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة الّتي لا بدّ منها، يذكر ذلك لرسول الله ويسأله في اللحوق بحاجته، فيأذن له. فإذا قضى حاجته، رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابًا له، فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنين
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج10، ص256.
2- المصدر نفسه، ج9، ص23.
3- تفسير علي بن إبراهيم، حسبما نقله تفسير نور الثقلين، ج3، ص 628.
 
 
 
252

209

القسم الثالث

 آية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ...﴾ ثمّ قال تعالى، يعني المنافقين الّذين كانوا يتسلّلون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ1.


ب- أدب الاستئذان بين يديّ الرسول:
لقد قرّر القرآن في هذه الآية الكريمة أنّ استئذان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يساوق الإيمان بالله، وذلك لما لهؤلاء المستأذنين من عقيدة راسخة وفهم صحيح لوجوب إطاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والالتزام بما يقوله ويفعله، بخلاف الآخرين الّذين لا يرون هذه الرؤية ويذهبون إلى خلافها، أو أنّهم يفسّرونها طبق آرائهم واجتهاداتهم2.

وتحدّد الآية موردًا هامًّا من الموارد الّتي يتوجّب فيها استئذان النبيّ وهو وجودهم معه على أمر جامع. والأمر الجامع هو الّذي يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه: من حضور حرب أو مشورة في أمر، أو في صلاة جمعة، وما أشبه ذلك، لم ينصرفوا عن رسوله أو عن ذلك الأمر، إلّا بعد أن يأذن لهم الرسول في الانصراف متى طلبوا الإذن من قبله3.

ج- للرسول خيار الإذن أو عدمه:
إنّ من عوامل القوّة للجماعة أن تتوافر فيها وحدة القيادة وشروط النظم والتنظيم، فلا يمكن لأيّة مجموعة منظّمة منسجمة أن تهمل أيّ شرط من هذه الشروط، فغياب شخص واحد في الجماعة قد تترتّب عليه صعوبات ويلحق ضررًا بالهدف النهائي، فكيف إذا كان قائد الجماعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حكمه حكم الله، وكلامه مطاع.

من هنا، علّقت الآيات الإذن على مشيئة الرسول، فإن وجد القائد أنّ غياب هذا الشخص يلحق ضررًا، فمن حقّه أن لا يأذن له، وعلى المستأذن أن يضحّي بمصلحته من أجل هدف أسمى.

وقد ربطت الآيات مرّة جديدة الإيمان بالاستئذان والرضى بما يقرّره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قالت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾, وهو بمنزلة عكس
 

1- سيد قطب، في ظلال القرآن، ج17، ص 126.
2- الشهرستاني، السيد علي، وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، المؤلف، 1415هـ، ط1، ج2، ص17.
3- الشيخ الطوسي، التبيان، ج7، ص467.
 
 
 
253

210

القسم الثالث

 صدر الآية للدلالة على الملازمة وعدم الانفكاك. ومن ثمّ تأمره بالاستغفار لهم تطييبًا لنفوسهم ورحمة بهم: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.


د- دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
تضيف السورة إلى ضرورة استئذان الرسول والرضى بما يقرّره بخصوص الإذن أو عدمه أدبًا جديدًا لا بدّ من الالتفات إليه في التعامل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولها: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا ﴾. وقد وردت تفاسير عدّة للمراد من دعاء الرسول في هذه الآية:
"منها: وجوب تفخيم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المخاطبة بأن يقولوا مثلًا: "يا رسول اللّه" ولا يقولوا: "يا محمّد".
ومنها: النهي عن التعرّض لدعائه عليهم بأن يسخطوه فيدعو عليهم، حيث إنّ دعاءه حقٌّ يستجاب بلا شكّ.

ومنها: وجوب إجابة دعوته صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد أو غيره من الشؤون، إذ ليست دعوته لنا كدعوة بعضنا بعضًا. فإنّ في القعود عن أمره قعودًا عن أمر اللّه تعالى، حيث أوجب علينا طاعته صلى الله عليه وآله وسلم.

ولعلّ الأنسب بالسياق هو الوجه الثالث، كما يشهد بذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾: أي يفرّون ويخفون أنفسهم. فتدلّ الآية على أنّ الأمور الّتي يتطلّب فيها التعاون والاجتماع لا يجوز تركها من دون الاستئذان من القائد"1.

إضافة إلى أنّ الدعوة تكون إمّا باللسان والإظهار أو بالقلب والتوجّه والتعلَّق الباطنيّ، والقسم الثاني أهمّ، فإنّ اللسان ترجمان الجنان، والآية تشير إلى أنّ الدعوة للرسول يلزم أن تكون من القلب وبالتوجّه والتعلَّق الباطنيّ، لا كدعاء بعضكم بعضًا، يظهرون بالتعلَّق ويسرّون التسلَّل واللواذ2.
 

1- المنتظري، الشيخ حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، لا.م، 1408هـ، ط1، ج1، ص71.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص187.
 
 
 
254

211

القسم الثالث

 هـ- الفتنة المترتّبة على مخالفة أوامر الرسول:

تتابع الآيات بتحذير الّذين يتسلّلون من دون استئذان الرسول، ويتسلّلون خارج الجماعة، أو بتعبير آخر: استغفال الآخرين ثمّ الفرار من مكان تجمّعهم. وهذا ما كان يقوم به المنافقون حينما يوجّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إلى الجهاد أو إلى أمر مهمّ آخر. يقول لهم القرآن المجيد: إنّ عملكم النفاقيّ هذا إن خفي على الناس فإنّه لا يخفى على الله، وسيعاقبكم على هذه الأعمال ومخالفتكم لأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة"1.

ونشير إلى أنّ التسلَّل هو اختيار التحصّل والخروج من اجتماع أو برنامج، والتحصّل يُشعر بالدقّة والخفاء والاستخفاء. واللّواذ والملاوذة بمعنى إدامة الالتجاء من جهة إلى جهة، ويلازمه الاستبعاد والمخالفة، يقال لاوذ بفلان إذا التجأ إليه ولاذ به، ولاوذ فلانًا خالفه. ولاوذ عنه راوغ.

فالمراد من تسلّل هؤلاء المنافقين هو خروجهم من دائرة الدين والطاعة بأعمال مخالفة وحركات شنيعة ومعاصي وانحرافات مخفيّة، يريدون القرب والاتّصال إلى المخالفين والبعد والانفصال عن الإسلام والمسلمين، والاستقرار تحت جمعيّة المنافقين، ملتجئين إليهم.

فالتسلَّل إشارة إلى جهة الخروج، واللّواذ إلى جهة التقرّب من المخالفين، واللواذ: منصوب على أنّه مفعول لأجله، أي يتسلَّلون لأجل اللواذ إليهم2..

ولقد حدّدت الآية عاقبة الّذين يخالفون أوامر النبيّ ولا يستأذنونه متسلّلين خارج الجماعة، فعاقبتهم هي الفتنة أو العذاب الأليم. وإنّ أخطر الفتن وأشدّها على الجماعة هي فتنة البصيرة الّتي تترتّب على مخالفة القائد، فكيف إذا كان القائد هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 

1- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص181.
2- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج5، ص187.
 
 
 
255

212

القسم الرابع

 القسم الرابع

 

نصّ الآيات:
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
 
ليتدبّروا آياته
1- معاني المفردات:
- ﴿فَيُنَبِّئُهُم﴾: الأصل نبأ: هو نقل حديث أو شيء آخر من موضع إلى موضع آخر، والإنباء إفعال، ويدلّ على نسبة الفعل إلى الفاعل وقيامه به1.

2- المعنى التفصيلي:
لقد أشارت أربعة عشر آية من الآيات التي وردت في سورة النور إلى علم الله سبحانه وتعالى، حيث عقّبت في هذه الآيات على ما ذكرته من أحكام أو آداب أو معارف نيّرة بأنّ "الله عليم أو الله خبير"، كما أشارت الآيات 24-25 من السورة إلى شهادة الجوارح يوم القيامة وهناك تكون توفية الحساب، إضافة إلى أنّ الآية 42 التي جاءت في سياق متّصل مع آية النور لفتت إلى مالكيّة الله تعالى للوجود بما فيه من موجودات، مذكّرة بأن وجهة مسير الوجود بما فيه هي الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ2,
 

1- المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج12، ص13.
2- سورة النور، الآية 43.
 
 
 
257

213

القسم الرابع

 وفي نفس سياق هذه الإشارات والتنبيهات تأتي الآية الأخيرة من سورة النور، فهي تجمع ما بيّنته السورة في موارد متفرّقة في آية واحدة تمثّل الضابطة الّتي تصون وتحمي الفرد في مسيرة التكامل الّتي رسمتها له السورة، وهي تذكّر بالموضوعات التالية:

أ- مالكيّته تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له التصرّف في جميع ذلك، وليس لأحد مخالفة أمره، لأنّه لا يجوز للعبد مخالفة أمر مالكه، وهذا بيان لعموم الملك وأنّ كلّ شيء مملوك لله سبحانه قائم به، فهي معلومة له بجميع خصوصيات وجودها فيعلم ما تحتاج إليه، والناس من جملة ما يعلم بحقيقة حاله وما يحتاج إليه، فالّذي يشرّعه لهم من الدين ممّا يحتاجون إليه في حياتهم كما أنّ ما يرزقهم من المعيشة ممّا يحتاجون إليه في بقائهم1.

ب- علمه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾: ﴿قَدْ﴾ ها هنا للتحقيق، وقد اقترنت بصيغة المضارع التي تدلّ على الاستمرار، وذلك لبيان إحاطة علمه سبحانه بما يتجدّد من أعمالهم وما عملوا من الإيمان والنفاق2، وهو يعلم أسلوبكم في التعامل وأعمالكم واعتقادكم ومقاصدكم، فكلّها واضحة له سبحانه وتعالى. وثابتة في لوحة علمه3، فهو إذًا يعلم حقيقة ما أنتم عليه في بواطنكم من إيمان ونفاق وغيره تمامًا كما يعلم بجميع أعمالكم الظاهريّة الّتي سينبّئكم بها ويحاسبكم عليها يوم الحساب، فهو إذًا محيط بكم، رقيب عليكم، لا تخفى عليه خافية، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

ج- عدله في الحساب: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾: إنّ يوم القيامة هو يوم انكشاف الحقائق، وقد عبّرت عنه سورة النور بأنّه يوم توفية الحساب، وأنّه يوم تقلّب القلوب والأبصار، وفي هذه الآية تعبير يضاف إلى تلك التعابير فهو يوم الرجوع إلى الله، فهو المولى الحقّ، وفي ذلك اليوم "الذي لا يملك فيه أحد شيئًا سواه، فإنّه تعالى
 

1- العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص168.
2- الطهراني، مير سيد علي الحائري، تفسير مقتنيات الدرر، تحقيق الشيخ محمد الآخوندي، دار الكتب الإسلامية، لا.م، 1337ش، لا.ط، ج7، ص384.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص182.
 
 
 
258

214

القسم الرابع

 يعلمهم بجميع ما عملوه من الطاعات والمعاصي ويوافيهم عليها1. وذلك بإخبارهم بحقيقة أعمالهم.


وحقيقة أعمال المنافقين تتطلّب العدل الإلهيّ لتوفية الحساب، ومقتضى الإنباء بحقيقة عمل غير المؤمنين هو أن يوفيهم الله حسابهم. "فاللَّه الغنيّ عن العالمين لا تنفعه طاعة من أطاع، ولا تضرّه معصية من عصى، وهو عليم بما تكنّ الصدور، وباليوم الّذي يجمع الناس فيه، ويقفون بين يديه للحساب، فيخبرهم بأعمالهم ومقاصدهم ويعاملهم بما يستحقّون، ولا يظلم ربك أحدًا"2.

إشارة:
ممّا يلفت النظر تأكيد الآية ثلاث مرّات على علم الله بأعمال البشر. ليشعر الإنسان أنّه مراقب بشكل دائم، ولا يخفى على الله شيء من أعمال هذا الإنسان أبدًا. ولهذا الاعتقاد أثره التربويّ الكبير ويضمن سيطرة الإنسان على نفسه إزاء الانحرافات والذنوب3.

فالضابطة الّتي لا بدّ أن تتواجد لدى السالكين في مسيرة الهدى هي استشعار الرقابة الإلهيّة الدائمة، وبذلك تكون الضمانة لعدم الوقوع في المعاصي. فالمؤمن الحقيقيّ لا يذنب إلّا في لحظة الغفلة عن الله تعالى، لأنّه حينها يكون قد جعل الله أهون الناظرين إليه.
 

1- الشيخ الطوسي، التبيان، ج7، ص467.
2- الشيخ محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج5، ص443.
3- الشيخ الشيرازي، الأمثل، ج11، ص182.
 
 
 
259

215
أسوار النور