دروس في العقيدة الإسلامية

دروس في العقيدة الإسلامية


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-04

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق اللَّه محمد المصطفى وآله الأخيار الطاهرين.

العقيدة هي الأساس الذي تتبني عليه نظرة الإنسان للكون مبدئه وحاله ومستقبله، وعلى هذا الأساس تبتني شخصية الإنسان بتوجهاتها وسلوكها وأهدافها. فالعقيدة في الحقيقة هي التي تبني الإنسان.

من هنا كان الاهتمام ببيان العقيدة وشرحها والاستدلال لها بشكل يضمن سلامة البناء المبتني على العقل السليم والمستفيد من الإرشادات الإلهية التي جاءت لتأخذ بيد الإنسان وتعينه على قطع الطريق في هذه الحياة الدنيا والفوز والنجاة في مواجهة الامتحانات والابتلاءات المعرفية والمسلكية.

هذا الكتاب بين يديك هو "دروس في العقيدة الإسلامية" يهتم ببيان أصول العقيدة الإسلامية والاستدلال لها، وهو دروس مستقاة من كتاب "دروس في العقيدة الإسلامية" لمؤلفه الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، يضاف إلى سلسلة المعارف الإسلامية.

نسأل اللَّه تعالى أن يفيد به كل طالب للعقائد السليمة والحمد للَّه رب العالمين.
 
جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
 

1

الدرس الأول:‏ ما هو الدين؟

 مفهوم الدين
الدين في اللغة بمعنى الطاعة والجزاء...، وأما في الاصطلاح فتعني: الإيمان بخالق الكون والإنسان، وبالتعاليم والوظائف العمليّة الملائمة لهذا الإيمان، وذلك في مقابل أولئك الذين لا يؤمنون بالخالق إطلاقاً، بل يؤمنون بالصدفة والاتفاق في خلق الظواهر الكونية، أو أنها مسبّبة للأسباب المادية والطبيعية.
 
أصول الدين وفروعه‏
يتألف الدين من قسمين رئيسين:
1- العقيدة التي تمثّل الأساس والقاعدة بالنسبة للدين.
2- التعاليم والأحكام العملية المنبثقة من الأسس العقائدية والملائمة لها.
ومن هنا ناسب أن يسمّى قسم العقائد من الدين "بالأصول" وقسم الأحكام العملية "بالفروع" وقد استخدم علماء المسلمين هذين المصطلحين في مجال العقائد والأحكام. 
 
 
 
 
9


 

2

الدرس الأول:‏ ما هو الدين؟

الرؤية الكونية والأيديولوجية
إن ألفاظ الرؤية الكونية والأيديولوجية استعملت في معان متقاربة، ومن معاني الرؤية الكونية أنها عتبارة عن "مجموعة من المعتقدات والنظريات الكونية المتناسقة حول الكون والإنسان بل وحول الوجود بصورة عامة" ومن معاني الأيديولوجية أنها عبارة عن "مجموعة من الآراء الكلية المتناسقة حول سلوك الإنسان وأفعاله".
 
وعلى ضوء هذين المعنيين يمكن أن يعتبر النظام العقائدي والأصولي لكل دين هو رؤيته الشاملة، ونظام أحكامه العملية الكلية ايديولوجية، ويتمثلان في أصول الدين وفروعه، ولكن يلزم التأكيد على أن مصطلح الأيديولوجية لا يشمل الأحكام الجزئية، كما أن مصلطلح الرؤية الكونية لا يشمل المعتقدات الجزئية.

وقد تستعمل كلمة الأيديولوجية أحياناً في معنى عام بحيث يشمل الرؤية الكونية.
 
الرؤية الكونية الإلهية والمادية
تنتشر بين الناس الكثير من أنواع الرؤى الكونية، ولكن يمكن تقسيمها جميعا على أساس الإيمان بالغيب وإنكاره إلى قسمين جامعين: الرؤية الكونية الإلهية، والرؤية الكونية المادية.
 
وقد أطلق على مَن يتبنّى الرؤية الكونية المادية في العصور السابقة اسم "الطبيعي" و"الدهري" وأحيانا "الزنديق" و"الملحد" وأما في عصرنا فيطلق عليه "المادي". ومن أشهر المذاهب والتيارات المادية "المادية الديالكتيكية" التي تمثل البعد الفلسفي للماركسية.
 
الأديان السماوية وأصولها
بحسب المستفاد من المصادر الإسلامية فإن الدين قد لازَمَ وجود الإنسان على
 
 
 
10

 

3

الدرس الأول:‏ ما هو الدين؟

الأرض، فكان الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام نبياً وداعياً للتوحيد، وأما سبب ظهور الشرك وتطرّق البدع إلى الأديان فهو الإنحراف والجهل والعمل بالأهواء والمطامع.
 
وتشترك الأديان التوحيدية في ثلاثة أصول كلية:
1- الإيمان بالله الواحد.

2- الإيمان بالحياة الأبدية في عالم الاخرة، ونيل الجزاء على العمل إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.

3- الإيمان ببعثة الأنبياء والرسل المبعوثين من الله تعالى لهداية البشرية إلى حيث سعادتهم في الدنيا والاخرة.
 
وهذه الأصول الثلاثة تمثل إجابات حاسمة على الأسئلة الرئيسية التي يواجهها كل إنسان في صميم ذاته وفطرته: من هو خالق الوجود والإنسان؟ ما هي نهاية الحياة ومصير البشر؟ ما هو السبيل لمعرفة النظام الأفضل للحياة؟
 
وعليه، فإن العقائد الأساسية لكل الأديان السماوية تتمثّل في التوحيد والنبوة والمعاد، ويمكن أن نعتبر الإيمان بوجود الله الواحد "الأصل الأول" من أصول الدين الإسلامي، والإيمان بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم "الأصل الثاني" والإيمان بالمعاد والحياة بعد الموت "الأصل الثالث".
 
أصول الدين وأصول المذهب‏
تقدم أن أصول الإسلام الأساسية ثلاثة: التوحيد، النبوة، المعاد. وهذه الأصول الثلاثة تسمى أصول الدين، والمنكر لأي واحد منها ليس من المسلمين.
 
وهناك معتقدات أخرى نشأت من تحليل هذه المعتقدات وتجزئتها، أو أنها من لواحقها، يمكن أن نعتبرها من العقائد الأصلية أيضاً ولكن وقف اصطلاح خاص، فمثلاً يمكن أن نعتبر الإيمان بوجود الله والإيمان بتوحيده والإيمان بنبوة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم من أصول الدين الإسلامي، وبعض علماء الشيعة اعتبروا العدل وهو من
 
 
11

 

4

الدرس الأول:‏ ما هو الدين؟

المعتقدات المتفرعة من التوحيد أصلاً مستقلاً، والإمامة وهي من لواحق النبوة أصلاً آخر.
 
وفي الواقع فإن استعمال كلمة "الأصل" في مثل هذه المعتقدات خاضع للإعتبار والمواضعة والاصطلاح، ولا مجال للنزاع والبحث حوله.
 
وعليه، فكلمة "أصول الدين" يمكن استعمالها في معنيين: عام وخاص. والإصطلاح العام هو ما يقابل "فروع الدين" وقسم الأحكام، ويشمل كل العقائد المعتبرة. والاصطلاح الخاص هو الذي يختص بالمعتقدات الأساسية.
 
ويمكن أن نطلق "أصول الدين" على العقائد المشتركة بين جميع الأديان السماوية دون تخصيصه بدين معيّن، أمثال الأصول الثلاثة( التوحيد، النبوة، المعاد)، أما لو أضفنا إليها بعض الأصول الأخرى المختصة بدين ما فنطلق عليها "أصول الدين الخاص" وكذلك إذا أضفنا إليها بعض المعتقدات المختصّة بمذهب معيّن أو فرقة معيّنة نطلق عليها "أصول الدين والمذهب" أو "أصول العقائد لمذهب معيّن".
 
الأسئلة 
1- بيّن المفهوم اللغويّ والاصطلاحي للدين.
2- ما هي أنواع الرؤية الكونية.
3- اشرح المصطلح العام، والمصطلح الخاص لأصول الدين.
4- ما هي الأصول المشتركة لكلّ الأديان السماوية ؟ وما هي أهميّتها؟
5- هناك رؤى كونية كثيرة ومتنوعة لدى الناس إلى ماذا يمكن إرجاعها كلها؟ 
 
 
12
 
 
 

 

5

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

إنّ علم "معرفة الله" هو من أعظم العلوم شرفاً وأكثرها قيمة، بل إن التكامل الحقيقي للإنسان لا يتيسر من دون المعرفة الإلهية, لأن الكمال الحقيقي للإنسان يتحقق في ظل القرب لله تعالى، ومن البديهي أنّه لا يمكن القرب إلى الله تعالى من دون معرفته، ومن هنا طرح التساؤل حول ضرورة البحث عن الدين، واستدل على وجوب معرفة الله تعالى بعدة أدلة نذكر فيما يلي أهمها.
 
الدليل الأوّل: الدوافع الفطرية
قد يتساءل البعض عن الدافع الذي يدعو للبحث عن وجود الله تعالى، وإذا أدركنا مدى التأثير الإيجابي الذي يتركه الإيمان بالله على حياة الإنسان وسلوكه، والفرق الكبير بينه وبين سلوك الذين لا يؤمنون بالله، لم يعد لهذا التساؤل من مبرّر، ومع ذلك فإنّ الدوافع الفطرية في الإنسان تدعو بوضوح للبحث عن الدين، وتتجلّى هذه الدوافع بعدّة أشكال، وهي:
 
الدافع الأوّل: غريزة حب الاستطلاع‏
من الخصائص النفسية للإنسان، وجود الدافع الفطري والغريزي لديه لمعرفة 
 
 
 
13

 

6

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

الحقائق، والإطلاع على الواقعيات، وهو المعبّر عنه "بحبّ الاستطلاع" الذي يدفع الإنسان إلى التفكير والتأمل وطرح التساؤلات في محاولة البحث عن الحقائق بما فيها الدين الحقّ.

ومن هذه التساؤلات: هل هناك وجود لموجود غير محسوس وغير ماديّ( الغيب)؟ وإذا كان له وجود فهل هناك علاقة بين عالم الغيب والعالم المادي المحسوس؟ وإذا كانت هناك علاقة، فهل هناك موجود غير محسوس خالق للعالم المادي؟ هل ينحصر وجود الإنسان بهذا البدن المادي؟ وهل تتحدّد حياته بهذه الحياة الدنيوية؟ أم هناك حياة أخرى؟ وإذا كانت هناك حياة أخرى، فهل هناك علاقة وارتباط بين الحياة الدنيا والحياة الاخرة؟ وإذا وجدت العلاقة، فما هي الظواهر الدنيوية التي لها تأثير في الأمور الأخروية؟ وما هو السبيل لمعرفة النظام الأكمل للحياة؛ النظام الذي يكفل سعادة الإنسان في الدنيا والاخرة؟ وما هي طبيعة هذا النظام؟.

إذن فغريزة حبّ الاستطلاع تمثّل الدافع الأوّل الذي يدفع الإنسان للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة وغيرها من المسائل الدينية، ومعرفة الدين الحق.

الدافع الثاني: غريزة البحث عن المنفعة والأمن من الضرر
ممّا يشدّد من رغبة الإنسان في معرفة الحقائق، أن إرضاء الحاجات الطبيعية وإشباع الدوافع الفطرية لديه لا يتحقّق إلا من خلال الإلمام ببعض المعارف الخاصة التي تجلب له النفع وتدفع عنه الضرر. فإذا أمكن للمعارف الدينية خاصة أن تساعد الإنسان على إشباع حاجاته، وتوفير المنافع التي ينشدها، والأمن المضار والأخطار التي تتهدّده، فسيكون الدين من المجالات التي ينشدها الإنسان بفطرته، وبذلك تكون غريزة البحث عن المنفعة والأمن من الضرر والخطر دافعا اخر للبحث عن الدين.
 
 
 
14
 
 

7

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

 ومن هنا نحتاج إلى إثبات أهميّة البحث عن الدين ولو بنحو الإشارة، وبيان كيف أن المسائل الدينية تحظى بأهمية خاصة على مستوى حياة الإنسان ومصيره الأخروي، وأن البحث عن أي موضوع اخر لا يملك القيمة والأهمية التي يملكها البحث عن المواضيع الدينية.
 
وعلى ضوء ذلك نقول: حين يعلم شخص ما بوجود أفراد على امتداد التاريخ ادّعوا بأنهم مبعوثون من قِبل خالق الكون لهداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والاخرة، وقد بذلوا أقصى جهودهم في سبيل إبلاغ رسالاتهم، وهداية البشرية، وتحمّلوا كل ألوان المتاعب والتحدّيات، بل ضحّوا بأرواحهم في سبيل هذا الهدف، فإن هذا الشخص وبتأثير من الدافع الفطري فيه الذي يدعوه لجلب المنفعة ودفع الضرر، يتحرّك للبحث عن الدين ليرى مدى صحة دعوى الأنبياء، وهل يمتلكون الأدلة المنطقية الكافية على صحّة دعاواهم، وخاصّة حين يعلم بأنّ دعوتهم ورسالتهم تتضمّن البشرى بالسعادة والنعمة الخالدة، والإنذار بالشقاء والعذاب الأبدي، أي أن الإيمان بدعوتهم يتضمّن المنافع المحتملة اللانهائية، وأن عصيانهم تتعقّبه الأضرار والأخطار المحتملة اللانهائية، فلا يبقى أي مبرّر لمثل هذا الشخص في عدم الاهتمام بالدين، وفي اتّخاذ موقف اللامبالاة والتغافل عن محاولة البحث عن الدين.
 
ولهذا اعتبر القران الكريم أمثال هؤلاء الغافلين غير المبالين أضلّ من الأنعام ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾1، وفي آية أخرى يقول ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾2.
 

1- الأعراف: 179.
2- الأنفال: 22. 
 
15

 

8

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

شبهة وجوابها
قد يدعي البعض بأن الدافع للبحث عن شي‏ء ما إنما يكون محرّكاً وفاعلاً فيما إذا كان احمال الوصول إلى نتيجة قوياً وعالياً، أما وإن احتمال الوصول إلى نتيجة في البحث عن الدين ضعيف جداً فلا يكون مثل هذا الاحتمال محركاً ولا يعبأ به أو يلتفت إليه، وعليه فمن الأفضل بذل الجهد في البحث عن مسائل تكون درجة الاحتمال فيها قوية ومؤثرة كما هو الحال في المسائل العلمية المعتمدة على التجربة.
 
والجواب: يقع من جهتين:
الجهة الأولى: إن الأمل في معالجة المسائل الدينية واحتمالها ليس ضعيفاً كما توهم، بل إن الأمل فيها ليس بأقل من المسائل التجريبية، خاصة وأن بعض المسائل العلمية التجريبية تحتاج إلى سنوات من الجهود المضنية والأمل فيها ضعيف جداً، ومع ذلك تبذل الجهود دون تردد ولا ملل، وهذا يفتح الباب للجهة الثانية من الجواب.
 
الجهة الثانية: إن الدافع والمحرك للبحث لا يعتمد فقط على درجة الاحتمال قوة وضعفاً فقط، بل لا بد من مراعاة درجة المحتمل أيضاً، وذلك لأن المحتمل يزود الاحتمال بقوة الدفع والتحريك باتجاه البحث، وهذا ما تجده في كثير من المسائل والقضايا، فلو احتملت قوياً 80% مثلاً أنك أضعت مبلغاً بسيطاً من المال لا يعتدّ به أثناء سيرك ليلاً، فإنك لن تبحث عنه، وما ذلك إلا لضعف المحتمل مع أن الاحتمال كان قوياً وكبيراً، بخلاف ما لو احتملت 20% أنك فقدت مبلغاً كبيراً من المال أثناءي سيرك ليلاً، ففي مثل هذه الحال ستجد في نفسك دافعاً قوياً للبحث عنه وستبدأ بالبحث مباشرة، وما ذلك إلا لأن المحتمل كان قوياً وكبيراً مهما كانت درجة الاحتمال ضعيفة وبسيطة.
 
والمحصل: إن لكلٍ من الاحتمال والمحتمل دوره في التحريك والدفع نحو البحث، وقصر النظر على قيمة الاحتمال مخالف للعقل والعقلاء.
 
 
 
16

 

9

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

وبما أن المنفعة المحتملة المترتبة على البحث عن الدين لا حدّ لها وهي كبيرة وقوية جداً بحيث تكفي لدفع الإنسان وتحريكه للبحث عنها فيجب على العامل في مثل هذه الحال أن يبحث عن مسائل الدين ويبذل الجهد في سبيل تحصيلها لأهميتها التي تفوق بدرجات قيمة المحتمل في أي مسألة علمية تجريبية.
 
هذا كله لو سلمنا أن درجة الاحتمال ضعيفة، فكيف لو كان هذا الاحتمال قوياً.
 
الدافع الثالث: فطرية الشعور الديني نفسه‏
 
إن بعض علماء النفس واستناداً إلى شواهد التاريخ وعلم الاثار يقرّون بأن لعبادة الله والتديّن دافعاً فطرياً مستقلاً في الإنسان مصدره الشعور الديني، ويعتبرون حسّ التديّن هذا بعداً رابعاً للروح الإنسانية بالإضافة إلى حب الاستطلاع، والشعور بالخير، والشعور بالجمال. ومن هنا يرون أن التديّن وعبادة الله ظاهرة ثابتة بشكل من الأشكال في كل الأجيال البشرية على امتداد التاريخ، وهذا الثبات الدائم لهذه الظاهرة دليل على فطريتها.
 
ولكن لا يلزم من القول بشمولية الدافع الفطري أن يوجد دائماً بشكل حي ويقظ في الأفراد، بحيث يدفع الإنسان شعوريّاً لأهدافه المنشودة، بل من الممكن أن يختفي هذا الشعور الفطري في أعماق الفرد نتيجة لعوامل المحيط والتربية غير السليمة، كما قد تنحرف الميول والغرائز عن مسارها الطبيعي للسبب نفسه. وعلى ضوء ذلك فإن للبحث عن الدين دافعه الفطري المستقل ولا نحتاج لإثبات ضرورته إلى دليل.
 
الدافع الرابع: لزوم شكر المنعم‏
وهذا الدافع هو من الدوافع العقلية الفطرية، وهو أنّ النعم التي تواكب الحياة الإنسانية والتي لا يسع أحد إنكارها هي من الكثرة بحيث لا تبلغ حدّ الإحصاء، 
 
 
 
17

 

 


10

الدرس الثاني‏: البحث عن الدين-1

 ومن جانب اخر فإن العقل الفطري يحكم بلزوم شكر المنعم على نعمه (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، ولا يتحقق شكر المنعم الحقيقي (وهو الله تعالى) إلا بمعرفته، ولا تتحقق المعرفة إلا بالبحث عنه والاستدلال على وجوده تعالى.
 
الأسئلة
1- لماذا عد علم "معرفة الله" من أعظم العلوم شرفاً وأكثرها قيمة؟
2- ما هو الدافع الذي يدفع الإنسان لمعرفة الحقائق؟
3- ما هو الشعور الديني؟ وما هو الدليل على وجوده؟
4- بيّن ضرورة البحث عن أصول الدين.
5- هل يمكن أن نعتبر من ضعف احتمال التوصّل إلى العلاج اليقيني في المسائل الدينية مبرّراً لتجنّب البحث عنها؟ ولماذا؟.
 
 
18
 
 

11

الدرس الثالث‏: البحث عن الدين-2

الدليل الثاني: الشرط المقوّم للحياة
وهذا الدليل على ضرورة البحث عن الدين، والسعي لمعرفة الدين الحق، ينبع من الفطرة الإنسانية أيضا وهو في الحقيقة عبارة عن صياغة فنيّة دقيقة للدليل الفطري.

ومفاده هو أن كل إنسان لو لم يبحث عن الدين، ولم يحصل له العلم والمعرفة بالله تعالى، فإنه لن يصل إلى كماله الإنساني المطلوب، بل لا يمكن أن يعدّ إنسانا على الحقيقة. وإثبات هذه الحقيقة يعتمد على ثلاث مقدمات:

1- الإنسان موجود باحث عن الكمال بفطرته.

2- الكمال الإنساني إنما يتحقّق في ظل الأفعال الاختيارية المنبثقة من حكم العقل.

3- الأحكام العملية للعقل إنما تتكوّن على ضوء معرفة مبدأ الوجود (التوحيد)، ومصير الحياة (المعاد)، والسبيل الذي يكفل الحصول على النظام الذي يوفر السعادة (النبوة)، أي معرفة الوجود، ومعرفة الإنسان، ومعرفة السبيل.
 
 
19
 
 
 
 
 

12

الدرس الثالث‏: البحث عن الدين-2

أولاً: الإنسان باحث عن الكمال‏
لو تأمل كل واحد منا في دوافعه الداخلية، وميوله النفسية، للاحظ أن الدافع الأساسي للكثير منها هو الرغبة في الكمال، ولن نجد إنساناً يرغب في النقص في وجوده، ولهذا يسعى جاهداً وبحسب وسعه لإزالة كل النقائص والعيوب عن نفسه، ليبلغ كماله المنشود، وقبل إزالتها يحاول إخفاءها عن الآخرين.

وإذا وقع هذا الدافع الفطري في مساره السليم فسيؤدي إلى رقيّه وتكامله المادي والمعنوي، ولكن لو وقع في مسار منحرف نتيجةً لبعض العوامل والظروف، فإنه سيؤدي إلى الكثير من العواقب السيئة كالاستعلاء والتكبّر والرياء والتهالك على السمعة والظهور.. إذن فالرغبة في الكمال عامل فطري قويّ كامن في عمق الروح الإنسانية.

ثانياً: كمال الإنسان في إطاعة العقل‏
إنّ عملية النمو والتكامل في النباتات تحصل بصورة حتمية، وتخضع لتوفر العوامل والظروف الخارجية الملائمة، فلا تنمو الشجرة بإرادتها، ولا تثمر الثمرة التي تختارها، ذلك لأن النبات لا يملك الشعور والإرادة. أما الحيوانات فيمكن أن يكون لها نصيب من الإرادة والاختيار في تكاملها، ولكنها إرادة منبثقة من الغرائز الحيوانية التي يتحدّد عملها ونشاطها في حدود تلبية الحاجات الطبيعية المحدودة. أما الإنسان فبالإضافة إلى ما يملكه من الخصائص النباتية والحيوانية إلاّ أنه يختص بميزتين روحيتين: فهو من جهة لا تتحدّد رغباته الفطرية بحدود الحاجات الطبيعية، ومن جهة أخرى يملك قوة العقل، حيث يمكنه من خلالها أن يوسّع في معارفه إلى ما لا نهاية، وبسبب هاتين الميّزتين تتجاوز إرادته حدود الطبيعة الضيّقة، وتتجه باتجاه اللانهاية.
 
 
 
20
 
 
 

13

الدرس الثالث‏: البحث عن الدين-2

وكما أن الكمالات المختصّة بالنبات إنما تنشأ بواسطة القوى النباتية المعيّنة، والكمالات الحيوانية إنما تحصل من إرادتها المنبثقة من الغرائز والإدراكات الحسيّة، فكذلك الكمالات المختصّة بالإنسان التي تتمثّل في الواقع بكمالاته الروحية، إنما يتوصّل إليها من خلال إرادته الشعورية وعلى ضوء توجيهات العقل وإرشاداته، العقل الذي يتعرّف على مختلف الإتجاهات والمستويات المطلوبة، وحينما تتصادم وتتزاحم فإنه يختار الأفضل منها.

وعليه، فإن إنسانية الفعل إنما تتحقّق بالإرادة المنبثقة من الميول والرغبات التي يختص بها الإنسان، وعلى ضوء هداية العقل وتوجيهه، وأما الفعل الذي يصدر من دافع حيواني محض، فهو عمل حيواني، كما أن الحركة التي تنشأ من القوى الميكانيكية البحتة للبدن، هي حركة فيزيائية.

ثالثاً: الأحكام العملية للعقل تحتاج إلى الأسس النظرية
إن الفعل الإختياري هو وسيلة الإنسان التي يتوصّل من خلالها إلى الهدف المنشود، وبالتالي يخضع في قيمته لدرجة الهدف الذي ينشده، ولمدى تأثيره في تكامل الروح، كما أن الفعل الإختياري لو أدّى إلى فقدان كمال روحي فستكون له قيمة سلبيّة معكوسة.

إذن فالعقل إنما يمكنه الحكم على الأفعال الاختياريّة وتقويمها، فيما لو كان مطّلعا على كمالات الإنسان ومستوياتها، وكان عالما بواقع الإنسان، وبأبعاد حياته، والكمال الذي يمكن له بلوغه.

ومن هنا فالتوصّل إلى النظام الخلقي والقيمي الحاكم على الأفعال الإختيارية لا يتمّ إلا برؤية صحيحة شاملة للكون والحياة، وعلاج مسائلها ومواضيعها، وإذا لم يعالج هذه المسائل، فلا يمكنه الحكم اليقيني بقيمة الأفعال، كما أنه لو لم يعرف الهدف، فلا يمكنه أن يحدّد المسار الذي يؤدي إلى هذا الهدف، إذن فهذه
 
 
21
 
 
 

 


14

الدرس الثالث‏: البحث عن الدين-2

المعارف النظرية التي تشكّل المسائل الرئيسية للرؤية الكونية، هي في واقعها الأساس للنظام الخلقي والأحكام العملية للعقل.
 
النتيجة
على ضوء هذه المقدمات يمكن لنا أن نثبت ضرورة السعي والبحث عن الدين، ففي الإنسان يوجد نزوع فطري إلى كماله، ويستهدف من خلال ممارسته لبعض الأفعال التوصّل إلى كماله الحقيقي، ومن أجل التعرّف على الممارسات التي توصله إلى هدفه المنشود، لا بد له أن يعرف أوّلاً كماله النهائي، ومعرفته إنما تتمّ فيما لو تعرّف على حقيقة وجوده، وبدايته ونهايته، ثم عليه أن يحدّد العلاقة الإيجابية أو السّلبيّة بين أفعاله المختلفة والمراحل والمستويات المختلفة لكماله، حتى يتمكّن من الوصول إلى المسار الصحيح المؤدّي إلى كماله الإنساني، وإذا لم يتوصّل إلى هذه المعارف النظرية فلا يمكنه أن يتقبّل نظاماً عملياً صحيحاً.
 
إذن، فمن الضروري البحث والسعي لمعرفة الدين الحق، وإلا فإنه لا يمكنه التوصّل إلى الكمال الإنساني، والأفعال التي تنبثق من مثل هذه القيم والمعارف لن تكون أفعالاً إنسانية، وأولئك الذين عرفوه ولكن كفروا به وانحرفوا عنه عناداً وخضعوا تماماً لنزواتهم ورغباتهم الحيوانية، والملذّات المادية العابرة، لم يرتقوا إلى مستوى الإنسانية في واقعهم كما يقول القران الكريم: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ1، وبما أنهم أضاعوا الاستعدادات الإنسانية فسوف يكون جزاؤهم رهيبا وعسيرا، لما أضاعوه من طاقات ومواهب إنسانية زاخرة ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾2.


1- محمد: 12.
2- الحجر: 3.
 
22
 

15

الدرس الثالث‏: البحث عن الدين-2

الأسئلة
1- ما هي المقوّمات التي يتألّف منها الدليل الثاني لضرورة البحث عن الدين؟
2- كيف يعتمد النظام الخلقي والقيمي والأحكام العملية للعقل على المدركات النظرية التي تشكّل المسائل الرئيسية للرؤية الكونية؟
3- كيف يكون كمال الإنسان من خلال إطاعة العقل؟
4- لماذا وصف الله تعالى بعض الناس بقوله: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾؟
5- ما المقصود بإضاعة الاستعدادات الإنسانية؟
 
 
 
23
 
 

16

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

أنواع الأدلة
إنّ الأدلّة التي سنتعرض لها لإثبات وجود الله تعالى يمكن تقسيمها إلى فئتين:

الفئة الأولى: هي الأدلّة التي تقام عن طريق مشاهدة الاثار والايات الإلهية في العالم، وتستند إلى مقدمات حسيّة تجريبية. مثل دليل النظام الذي يطرح عن طريق الإنسجام والترابط والتناسب المنظّم للعالم.

الفئة الثانية: هي الأدلة الفلسفية الخالصة التي تتكوّن من مقدّمات عقليّة محضة، مثل دليل الإمكان ودليل الصدّيقين.

دليل النظام‏
إن دليل النظام هو من أوضح الأدلة وأيسرها فهماً بالنسبة للجميع، وهو يعتبر من أشهر أدلة الفئة الأولى، ويقوم دليل النظام على أساس مشاهدة الاثار والايات الإلهية في العالم، وملاحظة الإنسجام والتناسب القائم بين مخلوقات هذا العالم، والإهتداء إلى وجود الله تعالى عن طريق مشاهدة هذا النظام الدقيق البديع السائد في عالم الكون. ويمكن توضيحه من خلال الخطوات التالية:
 
 
24
 
 

17

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

أوّلاً: الصياغة المنطقية
الصياغة المنطقية لهذا الدليل هي:
- هذا العالم منظَّم.
- وكل منظَّم يحتاج إلى منظِّم.
- إذن: هذا العالم يحتاج إلى منظِّم.
 
ثانياً: مفهوم النظام‏
مفهوم النظام من المفاهيم الواضحة في ذهن الإنسان، ومن خصائص النظام أنه يتحقق بين أمور مختلفة سواء كانت أجزاء لمركب1، أو أفراداً من ماهية واحدة2، أو ماهيات مختلفة3. فهناك ترابط وتناسق بين الأجزاء، أو توازن وانسجام بين الأفراد يؤدي إلى هدف وغاية مخصوصة، هي وجود الشي‏ء على ما هو عليه من النظام الهادف.
 
ثالثاً: كيفيّة الاستدلال بالنظام‏
يتألّف دليل النظام من مقدمتين: إحداهما حسيّة وهي (هذا العالم منظَّم)، والأخرى عقلية وهي (كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم)، وإذا تمّت المقدمتان يثبت المطلوب، وهو: (هذا العالم يحتاج إلى منظِّم).
 
1- إثبات المقدمة الأولى (هذا العالم منظَّم):
لا شك في أن هناك نظام سائد في الظواهر الطبيعية التي يعرفها الإنسان أمّا بالمشاهدة الحسيّة الظاهرية وأمّا بفضل الأدوات والطرق العلميّة التجريبية. ومن 
1- كالتلاؤم الموجود بين الأجزاء الأساسية اتي تتركب منها الشجرة الواحدة.
2- كالتوازن الحاصل بين الأشجار المتعددة الداخلة تحت ماهية الشجرة الواحدة.
3- كالتأثر والتأثير المتبادل بين الشجر والإنسان مثلاً.
 
 
 
25

 

18

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

هنا فإن للعلوم الطبيعية دور واسع في هذا الدليل. وفيما يلي إشارات سريعة على بعض النماذج النظامية:
 
المنظومة الشمسية
إنّ من أهم ما يلفت النظر في المنظومة الشمسيّة هو المسافات الدقيقة التي تفصل الشمس عن الكواكب التابعة لها. والحركات المنتظمة لهذه الشمس والكواكب وما يتولد عن ذلك، أو يترتب عليه من الأحوال اللازمة كالفصول والليل والنهار وما شابه ذلك.
 
عالم النبات 
إنّ النظر إلى النباتات يهدينا إلى أنّ هذا النوع من الكائنات عالم عجيب تحكمه المعادلات الدقيقة ونجد من عجيب التركيب هذه الأمور والأسرار العجيبة في عالم النباتات إلى ظهور علوم مختلفة مثل علوم تركيب النبات وشكله، وعملية التخليق الضوئي و.. إلخ.
 
خلقة الإنسان
لو قلنا بأنّ الإنسان من أعجب الكائنات وأكثرها إثارة للدهشة لم نكن في ذلك مبالغين، وذلك لأننا نجد في هذا الكائن كل ما تفرق في المخلوقات مضافاً إلى أجهزة معقّدة أخرى.
 
ومن الأجهزة المعقّدة التي تثير الدهشة لكثرة ما فيها من عجائب وأسرار وأنظمة وقوانين: عالم الخلايا، جهاز الهضم، جهاز الدورة الدموية، جهاز النفس، جهاز المخّ، ولعلّ أكثر أقسام الجسم البشري تعقيداً ونظاماً هو "المخ" باعتباره مركز القيادة والأعصاب التي هي وسيلة اتصال المخ بالجسم وبالعكس1.
 
وعليه، فإن المقدمة الأولى في دليل النظام ثابتة بالمشاهدة الحسيّة الظاهرية، أو من خلال الأدوات والطرق العلميّة التجريبية. ولهذا ذكرنا في خصائص هذا 


1- انظر: الإلهيات، ص 22-24.
 
 
 
26

 

19

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

النوع من الأدلة أنها تستند إلى مقدمات حسيّة تجريبية.
 
2- إثبات المقدمة الثانية (كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم):
إنّ العقل بعدما لاحظ النظام وما يقوم عليه من دقة وروعة في التقدير والتوازن والإنسجام، يحكم بالبداهة بأن أمراً هكذا شأنه يمتنع صدوره إلا عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل أن يتحقق ذلك صدفة1 وتبعاً لحركات فوضوية للمادة العمياء الصمّاء، فإنّ تصوّر مفهوم النظام، وأنه ملازم للحساب الدقيق والعلم، يكفي في التصديق بأن النظام لا ينفك عن وجود منظِّم عالِم أوجده، وحُكم العقل بذلك من البديهيات.
 
وعليه، فإن وجود النظام في الكون والحياة لا بد أن يكشف عن وجود المنظّم، وذلك بمقتضى حساب الإحتمالات الذي يرفض اعتبار الصدفة سببا لوجود النظام في الكون، فالشخص الأمي إذا أراد أن يكتب مقالة بسيطة أو شعرا بمجرد الضغط عشوائيا على مفاتيح الالة الكاتبة بصورة عفوية وتصادفية، فإن ذلك بحساب الإحتمالات يستغرق بلايين السنين بحيث لا يكفي حتى عمر الكرة الأرضية لإنجاز ذلك. هذا إذا تصورنا ما تحتاجه مجرد مقالة بسيطة لتظهر صدفة فكيف بهذا الكون الرحب والواسع والمعقد في تكوينه تعقيداً بالغاً؟!
 
وعليه، فإن المقدمة الثانية في دليل النظام عقلية بديهية لا تحتاج إلى الدليل والبيان، وهي ترتكز في صميمها إلى قانون العليّة الثابت بحكم العقل البديهي.
 
3- النتيجة
بما أن العالم منظَّم بحسب المشاهدات الحسية والوقائع التجريبية، وبما أن كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم بالبداهة العقلية، إذن فالعالم يحتاج إلى الخالق المنظِّم، وبذلك يثبت المطلوب.
 

1- الصدفة هنا لا تعني وجود معلول من دون علة، بل تعني وجود نظام من فاعل غير قاصد وغير مدرك لما يقوم به. 
 
 
27

 

 


20

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

 رابعاً: خصائص الاستدلال بالنظام‏
 
يتميّز دليل النظام بالخصائص التالية:
1- أن هذا الدليل لا يحتاج إلى مقدمات صعبة معقّدة، بل إن مقدماته واضحة وسهلة، ويمكن لجميع الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية فهمه واستيعابه، وذلك لأن مقدماته إما حسي تجريبية واضحة، وإما عقلية بديهية.
 
2- أن مقدّمات هذا الدليل توجّه الإنسان مباشرة إلى معرفة الخالق العالم القادر من خلال مظاهر الخلق والعلم والقدرة في العالم المشهود، بخلاف الأدلة العقلية المحضة التي تثبت وجود الواجب الوجود، ثم تثبت علمه وقدرته وخالقيته وسائر صفاته بأدلّة أخرى.
 
3- أن هذا الدليل ينهض بدور إيقاظ الفطرة وتحويل المعرفة الفطرية إلى مجال الوعي والشعور.
 
خامساً: النظام في الكتاب والسنّة
يزخر القران بالايات الكريمة التي تلفت الأنظار إلى ما في الكون من أنظمة بديعة:
منها قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾1.

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ2.

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾3.


1- الملك: 23.
2- المؤمنون: 12-13.
3- السجدة: 27.

 
28
 

21

الدرس الرابع‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل النظام)

 وفي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إشارات واضحة إلى هذا الدليل كقوله عليه السلام: "ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة"1
 
وقد أملى الإمام الصادق عليه السلام على تلميذه المفضّل، عدداً من الأنظمة وما فيها من أسرار وحكم وعجائب، من أجهزة الإنسان والحيوانات الأخرى، والطيور والحشرات، والفلك وما يحصل من تغيّرات، والنباتات وأسرار اختلافها، والأمراض وأدويتها، ثمّ الموت والفناء2.
 
الأسئلة
1- ما هو النظام وكيف يدل النظام على وجود الله تعالى؟
2- صغ دليل النظام بصيغة منطقية (مقدمات ونتيجة).
3- أثبت المقدمة الثانية من دليل النظام (كل منظَّم يحتاج إلى منظِّم).
4- ما هي خصائص دليل النظام؟
5- استعرض بعض الايات والروايات التي تشير إلى دليل النظام.
 

1- نهج البلاغة، تحقيق محمد عبده، ج2، ص335-336. 
2- كتاب توحيد المفضل، ص37-38.
 
 
 
29
 
 
 

22

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

تقدّم أنّ الفئة الثالثة من الأدلّة على وجود الله تعالى هي الأدلة الفلسفية الخالصة التي تتكون من مقدمات عقلية محضة، مثل دليل الإمكان، ودليل الصدّيقين، ونكتفي هنا بذكر دليل الإمكان.

دليل الإمكان‏
من الأدلة المعروفة لإثبات واجب الوجود دليل "الإمكان" أو دليل "الإمكان والوجوب" وهذا الدليل يثبت وجود الله بعنوان أنّه "واجب الوجود" أي أنّ وجوده ثابت بالضرورة العقلية التي يستحيل معها فرض عدمه، وإذا كان كذلك فلا يكون محتاجا إلى علّة توجده، وهذا بخلاف "الممكن الوجود" وهو الذي يكون محتاجا في وجوده إلى العلّة التي توجده.

أولاً: الصياغة المنطقية
الصياغة المنطقية لدليل الإمكان هي كالتالي:
- الموجود إمّا بذاته، أو بغيره (ممكن الوجود).
 
 
 
30



23

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

- وكل ما بالغير لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات.
- إذن: واجب الوجود بالذات موجود.

ثانياً: مفهوم الإمكان‏
يمكن أن يتّضح معنى الوجوب والإمكان من خلال المثال التالي، وهو أن العدد "إثنان" مثلاً يجب أن يكون زوج (وهو الوجوب)، ويستحيل أن يكون فرداً (وهو الامتناع). أما "مطلق العدد" فيمكن أن يكون زوجاً كما لو فرضناه أربعة، ويمكن أن يكون فرداً كما لو فرضناه ثلاثة، (وهو الإمكان). 

والسرّ في ذلك هو أنه عندما تكون العلاقة بين شيئين هي علاقة الإمكان فيمكن أن نفترض أحد الشيئين بدون الاخر، كما في "مطلق العدد" و"الزوجية" فإن العدد ثلاثة مثلاً هو عدد ولكنه ليس بزوج. أما عندما تكون العلاقة بين الشيئين هي علاقة الوجوب فلا يمكن أن نفترض أحد الشيئين بدون الاخر، فلا يمكن أن نفترض العدد إثنين بدون أن يكون زوجا. وما ذكرناه هو من باب التقريب وإلاّ ففي الوجوب لا يوجد شيئان في الحقيقة بل شي‏ء واحد، فعندما نقول "الطعام مالح" هنا يوجد شيئان: الطعام والملوحة. ولكن عندما نقول "الملح مالح" فهنا لا يوجد شيئان بل شي‏ء واحد، إذ الملوحة هي عين الملح.

وإذا التفتنا إلى قضية أن المثال يضرب ولا يقاس، فيمكن تشبيه القضية "الله واجب الوجود" بالقضية "الملح مالح" إذ لا يوجد هنا شيئان أحدهما منسوب إلى الاخر، بل إن وجوب الوجود هو عين الذات المقدسة، بخلاف قولنا "الإنسان ممكن الوجود" الذي يشبه قولنا "الطعام مالح" فهنا يوجد شيئان وأحدهما منسوب إلى الآخر.

وحيث إن الطعام لا يكون مالحاً بذاته بل إن الملوحة طارئة عليه يحق لنا أن نتساءل عن السبب والعلّة التي أوجبت الملوحة للطعام، كما يحق لنا أن نتساءل عن
 
 
 31
 

24

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

السبب والعلة التي أوجبت الوجود للإنسان.

وحيث إن الملح مالح بذاته وليست الملوحة طارئة عليه، فلا يحق لنا التساؤل عن السبب والعلة التي أوجبت الملوحة للملح، كما لا يحق لنا التساؤل عن السبب والعلة التي أوجبت الوجود للذات المقدسة الواجبة. بل يتضح أن مثل هذا السؤال لا معنى له حينئذ.

ومن هنا نعرف أن الممكن الوجود (كالإنسان) هو الذي تتساوى النسبة في ذاته إلى الوجود والعدم، وبالتالي لا يترجّح جانب وجوده على عدمه إلا بسبب تدخّل عامل خارجي، وما لم يتدخل عامل خارجي فلا يتحقّق وجود الإنسان. فالإنسان لا يملك "ضرورة الوجود" بدون تدخّل من الغير، وهذا هو معنى أنه موجود بالغير وليس بالذات.

ثالثاً: كيفية الاستدلال بالإمكان‏
ويمكن توضيح كيفية الاستدلال بالإمكان من خلال الخطوات التالية:

لا يشكّ الإنسان في وجوده ووجود كائنات أخرى من حوله.

هذه الموجودات بما فيها وجود الإنسان نفسه يدور أمرها بين أن تكون واجبة الوجود جميعا، أو ممكنة الوجود جميعا، أو أن بعضها واجب وبعضها الاخر ممكن.

على القول الأول (جميع الموجودات واجبة) والقول الثالث (بعض الموجودات واجبة) يثبت وجود الواجب. ولكن على القول الثاني (جميع الموجودات ممكنة) لا يثبت وجود الواجب، وهنا فقط نحتاج لإثبات وجود الواجب.

إذا كانت جميع الموجودات ممكنة فتكون جميعها معلولة ومحتاجة إلى علة موجِدة لها. وحيث إن الموجودات الممكنة معلولة فلا تكون واجبة بالذات، إذ الواجب بالذات يستحيل أن يكون له علة، فيكون وجوبها بالغير.
 
 
 
32
 
 

25

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

وهذا الغير إما واجب بالغير أيضا وإما واجب بالذات، فإن كان واجبا بالغير فإما أن تكون علته هو نفس الوجود الممكن بالذات فيلزم الدور المحال، وإما أن تكون علته الغير أيضا فلا تقف السلسلة إلى حد فيلزم التسلسل المحال.
 
وحيث إن الدور والتسلسل محال كما تبين في الدرس السابق فلا بد أن تنتهي سلسلة الوجوبات بالغير إلى الوجوب بالذات، وهو المطلوب.
 
وعليه، فكل ممكن متّصف بالوجود لا بدّ أن يستمدّ الوجود من قِبَل الواجب الوجود بالذات، لأن الممكن الوجود إما أن يستمد وجوده من العدم وهو باطل بالبداهة، وإما أن يستمد وجوده من ممكن اخر، وهو باطل أيضا لاستحالة التسلسل والدور، فينحصر الأمر في أن يكون الموجِد هو الواجب الوجود.
 
رابعاً: خصائص الاستدلال بالإمكان
1- يتكوّن دليل الإمكان من مقدمات عقلية محضة، بخلاف الأدلة السابقة التي تتألف في بعض مقدماتها من قضايا حسيّة تجريبية.
2- يبتني دليل الإمكان على إبطال الدور والتسلسل.
3- يبدأ دليل الإمكان من الممكن الوجود وليس من حقيقة الوجود الواجبة.
 
خامساً: دليل الإمكان في القرآن‏
وقد أُشير في الذكر الحكيم إلى شقوق دليل الإمكان، فإلى أنّ حقيقة الممكن حقيقة مفتقرة لا تملك لنفسها وجوداً ولا أي شي‏ء آخر أشار بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾1.
 
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾2.
 

1- فاطر: 15.
2- النجم: 48. 
 
 
33

26

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء1.
 
وإلى أن الممكن ومنه الإنسان لا يتحقق بلا علّة، ولا تكون علّته نفسه، أشار سبحانه بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾2.
 
وإلى أن الممكن لا يصح أن يكون خالقاً لممكن آخر بالأصالة والإستقلال ومن دون الإستناد إلى خالق واجب أشار بقوله: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ3.
 
وهكذا إذا تمعّنا في كتاب الله عزّ وجل لرأينا عدداً لا يحصى من الآيات والأدلة حول دليل الإمكان.
 
سادساً: إشكال ورد
استشكل على القول بانتهاء الممكنات إلى علّة أزليّة موجودة بنفسها بأنّ ذلك منافٍ للقاعدة العقلية الحاكمة بأن الشيء لا يتحقق بلا علّة.
 
والجواب: إنّ القاعدة العقلية تختص بالموجودات الإمكانية التي لا تقتضي في ذاتها وجوداً ولا عدم، إذ الحاجة إلى العلّة، ليس من خصائص الموجود بما هو موجود، بل هي من خصائص الموجود الممكن، فإنه حيث لا يقتضي في حدِّ ذاته الوجود ولا العدم، لا بدّ من علّة توجده، ويجب إنتهاء أمر الإيجاد إلى ما يكون الوجود عين ذاته ولا يحتاج إلى غيره، لما تقدم من إقامة الدليل على امتناع التسلسل، فالإشتباه نشأ من الغفلة عن وجه الحاجة إلى العلّة وهو الإمكان لا الوجود.
 

1- محمد: 38. 
2_ الطور: 35.
3- الطور: 36.
 
 
34



 

27

الدرس الخامس‏: الاستدلال على وجود الله تعالى‏ (دليل الإمكان)

الأسئلة
 
1- اشرح مفهوم الإمكان وبيّن كيفية الاستدلال بالإمكان على وجود الله تعالى؟

2- ما هي خصائص دليل الإمكان؟

3- كيف تفهم دليل الإمكان من قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾؟

4- كيف تفهم دليل الإمكان من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾؟

5- استشكل على القول بانتهاء الممكنات إلى علّة أزليّة موجودة بنفسها بأنّ ذلك منافٍ للقاعدة العقلية الحاكمة بأن الشي‏ء لا يتحقق بلا علّة، كيف ترد على هذه الشبهة؟
 
 
35

28

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

تقدّم في بحث الأدلّة على وجود الله تعالى الدّليل على إثبات الواجب الوجود، وتقدّم أيضا أنّ مجرّد إثبات أنّه واجب الوجود لا يكفي لإثبات صفاته، ومن هنا كان من الضّروري أن نتطرّق لإثبات الصّفات السّلبيّة والثبوتية للواجب الوجود تعالى شأنه.

ومن خلال معرفة الصّفات السّلبيّة يُعلم أن واجب الوجود منزّه عن الاتّصاف بصفات المخلوقين، كما يُعلم أنه لا يمكن أن يصدق واجب الوجود بالذات على أحد من المخلوقات.

ومن خلال معرفة الصّفات الثبوتية تتّضح لنا صلاحيّة الواجب للعبادة، كما تتمهّد بذلك الأرضية لإثبات سائر المعتقدات أمثال النبوة والمعاد وما يتفرّع عنهما.

وقد اتّضح بما تقدّم أن واجب الوجود غير محتاج إلى علّة، وأنه هو العلّة لوجود الممكنات، وبذلك تثبت لواجب الوجود صفتان، هما:

الأولى: عدم احتياجه لأيّ‏ِ موجود اخر، وإلا لو احتاج إلى موجود اخر لكان ذلك الموجود الاخر علّة له، وهذا خلاف كونه واجباً للوجود.

الثانية: أن الموجودات الممكنة الوجود معلولة ومحتاجة إليه، وهو العلة 
 
 
 
 
36

29

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

الأولى لوجودها وحدوثها. ويقع البحث في لوازم كل واحدة من هاتين الصفتين، وإثبات الصّفات السّلبيّة والثبوتية لواجب الوجود من خلالهما.

أزليّة الله وأبديته
إذا كان الموجود معلولاً ومحتاجاً إلى موجود اخر، فإن وجوده يكون تابعاً لوجود الموجود الاخر، وإذا فقدت علّته فسوف لا يكون له وجود، أي إذا عدم الموجود في فترة زمنية فهذا دليل على فقره واحتياجه وإمكان وجوده، وبما أن واجب الوجود موجود بذاته وغير محتاج إلى أي موجود اخر، لذلك فهو أزلي وأبدي الوجود.

ومن هنا تثبت لواجب الوجود صفتان من صفاته:

الأولى: أزليته، أي أنه لم يتطرّق العدم إليه في الماضي أبداً.
 
الثانية: أبديّته، أي أنه لن يتطرّق العدم إليه في المستقبل أبداً.

وقد يعبّر عن كلتا الصفتين بالسرمدي.

وعلى هذا الأساس يعلم أن كل موجود كان مسبوقا بالعدم، أو أنه يمكن زواله، لا يكون واجب الوجود، وذلك من قبيل الظواهر المادية.

الصّفات السّلبيّة
وهناك صفة أخرى من لوازم واجب الوجود، وهي: البساطة وعدم التركيب من أجزاء؛ ذلك لأن كل مركب محتاج إلى أجزائه، وواجب الوجود منزّه عن كل احتياج، فلا يكون مركباً من أجزاء.

بل لا يمكن أن يفرض لواجب الوجود أجزاء وأقسام ولو بحسب التوهّم العقلي؛ إذ معنى إمكان الإنقسام هو إمكان زوال الكل (المركّب) وانعدامه، فإن الخط الذي يبلغ طوله مترا لو انقسم إلى قسمين لا يبقى له بوصفه بالغاً متراً وجود، وحيث إنه لا يمكن أن يعرض الزوال على واجب الوجود، فيستحيل أن يكون الواجب 
 
 
37
 
 

30

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

الوجود مركبا من أجزاء وأقسام ولو عقلا.
 
وبما أن كل جسم مركّب ، فيثبت بذلك أن كل موجود جسماني لا يمكن أن يكون واجب الوجود. وبالتالي يثبت تجرّد الله تعالى وعدم جسمانيته.
 
وإذا استحال أن يكون الله تعالى جسماً، فيستحيل حينئذ أن يكون قابلا للرؤية بالعين، أو قابلا للإدراك بالحواس الأخرى، وذلك لأن المحسوسية من خواص الأجسام والجسمانيات. وبنفي جسميته تعالى تسلب عنه سائر خواص الأجسام، كأن يكون في مكان أو زمان؛ إذ المكان إنما يتصوّر للشي‏ء الذي له حجم وامتداد، كما أن كل شي‏ء زماني1 هو قابل للانقسام من حيث الامتداد والعمر الزماني، ويعتبر هذا نوعا من الامتداد والتركيب من الأجزاء المحال في حقه تعالى ولو بحسب التوهم العقلي.
 
وبذلك يثبت أنه لا يمكن أن نتصور الله تعالى في مكان أو زمان، وكما يثبت أن كل موجود مكاني2 أو زماني ليس بواجب الوجود.
 
وأخيرا بسلب الزمان من واجب الوجود تسلب منه الحركة والتحوّل والتكامل، ذلك لأن أية حركة أو تحوّل لا يمكن أن تتم بدون زمان.
 
وبذلك يتضح أن الذين يثبتون لله تعالى مكانا كالعرش، أو ينسبون له الحركة والهبوط من السماء، أو يعتقدون بأنه قابل للرؤية بالعين، أو أنه قابل للتحوّل والتكامل، لم يعرفوا الله حق معرفته3.
 
وبصورة عامة، فكل مفهوم يدلّ على نوع من النقص والمحدودية والاحتياج فهو منفيّ‏ٌ ومسلوب عن الله تعالى، وهذا هو معنى الصّفات السّلبيّة.
 

1- الزماني أي المنسوب إلى الزمان، كالجسم المادي. 
2- المكاني أي المنسوب إلى المكان. 
3- نقل القول بكونه تعالى في مكان، أو هبوطه من السماء أو رؤيته بالعين، عن جماعات من أهل السنة، كما أن القول بتحول الله تعالى وتكامله وتغيره، نقل عن عدة من فلاسفة الغرب أمثال هيجل وبرجسون وويليام جيمز ووايتهد. ولكن يجب أن نعلم بأن سلب الحركة والتغير من الله لا يعني إثبات السكون له، بل بمعنى ذاته، والثبات نقيض التغير، وأما السكون لفإنه عدم الملكة بالنسبة للحركة، ولا يتصف به إلا الشيء القابل للحركة. 
 
 
38

31

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

ونتيجة الدليل السابق هي أن واجب الوجود علّة لوجود الممكنات، وقبل البحث عن لوازم هذه النتيجة نذكر أقسام العلة أولاً ومميّزاتها ثانياً.
 
العلة موجدة وإعدادية
العلة بمعناها العام تطلق على كل موجود يرتبط به موجود آخر، ولا يختص هذا المعنى بالعلة الموجِدة بل يشمل حتى الشروط والمعدّات. ومن الواضح أنه لا يعقل أن يكون لله تعالى علة موجِدة، فلا يتوقف في وجوده تعالى على أي موجود اخر، كما لا يمكن تصوّر الشرط والمعدّ لوجوده تعالى شأنه.
 
وكونه تعالى علّة للموجودات ليس بمعنى أنه شرط ومعدّ لوجودها بل بمعنى أنه الموجِد لها، والعلة الموجدة هي قسم من أقسام العلة الفاعلية، وكما أن الإنسان يوجِد في ذهنه صورا وأفكارا ذهنية، وتكون هذه الأفكار معلولة له، غير مستقلة عنه، فكذلك فاعلية الله تعالى للمخلوقات، إلا أن فاعلية النفس للصور الذهنية تكون مشروطة بشروط معيّنة تنشأ من طبيعة النقص والمحدودية في النفس، بينما فاعلية واجب الوجود بالنسبة للعالم أكثر كمالا وسموا بكثير من فاعلية النفس بالنسبة للصور الذهنية، بل لا يمكن أن نجد لفاعلية الله تعالى نظيرا في سائر العلل الفاعلية، ذلك أن الله تعالى هو الفاعل الوحيد الذي يوجِد معلوله بدون أن تكون فاعليته تعالى مشروطة بأي شرط.
 
مميّزات العلّة الموجدة
بملاحظة ما ذكر يمكن لنا أن نذكر بعض المميزات التي تتميز بها العلة الموجدة:
 
1- يلزم أن تشتمل العلة الموجدة على جميع كمالات المعلول بصورة أتم وأكمل، حتى تفيض على كل موجود بمقدار قابليته واستعداده، خلافا للعلل المعدّة والماديّة،
 
 
 
39

 

32

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

التي تقوم بمهمة الإعداد وتوفير الأرضية المناسبة لتحوّل المعلول وتغيّره، فلا يلزم أن تتوفر على كل كمالات العلة1.
 
2- إن العلة الموجدة توجِد معلولها من العدم، وبكلمة واحدة "تخلقه" ولكن من دون أن ينقص من وجودها شي‏ء، وإلا لو فرض انفصال شي‏ء من ذات واجب الوجود، لاستلزم قبول الذات الإلهية الانقسام والتغيّر، وقد ثبت بطلان ذلك. وهذا بخلاف الفاعل الطبيعي الذي مهمته تغيير المعلول الموجود، مع بذل القوة والطاقة في القيام بهذه المهمة.
 
3- إن العلة الموجدة علة حقيقية، ومن هنا كان وجودها ضرورياً لأجل وجود المعلول واستمراره، خلافاً للعلة المعدّة، التي لا يحتاج إليها المعلول في مرحلة الاستمرار.
 
وعلى ضوء ذلك فما حكي عن بعض المتكلمين من أهل السنّة من أن العالم في بقائه غير محتاج لله، وكذلك ما حكي عن بعض الفلاسفة الغربيين من أن عالم الطبيعة كالساعة التي توقّت، وبعد ذلك تواصل الساعة عملها لوحدها، فلا تحتاج المخلوقات في استمرار بقائها إلى الله وإلى الأبد، مثل هذه الاراء بعيدة عن الحقيقة. بل إن عالم الوجود محتاج ومفتقر دائما وفي كل شؤونه وحالاته إلى الله تعالى، وإذا امتنع الخالق لحظة عن إفاضة الوجود فلا يبقى شيء في الوجود.
 

1- يجب أن نعلم بأن واجدية الله تعالى لكمالات مخلوقاته لا تعني أن تقبل مفاهيم المخلوقات أمثال (مفهوم الجسم والإنسان) الصدق على الله تعالى، وذلك لأن هذه المفاهيم تعبر عن موجودات محدودة ناقصة ولذلك لا تقبل الصدق على الله تعالى، الذي يمتلك الكمالات اللامتناهية. 
 
 
 
40

 

33

الدرس السادس:‏ صفات الله ‏(دليل الإمكان)

 الأسئلة
1- لماذا يلزم معرفة صفات الله؟
 
2- ما هو الدليل على سرمدية الله؟
 
3- كيف يمكن لنا أن نثبت بن الذات الإلهية بسيطة، وأنها منزهة عن الأجزاء بالفعل وبالقوة؟
 
4- بين أقسام العلة.
 
5- اشرح مميزات العلة الموجدة.
 
 
 
41
 
 

34

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

المقدمة
علمنا مما سبق، أن الله تعالى، وهو العلة الموجدة للكون، توجد فيه كل كمالات الوجود، وكل أنواع الكمالات المتوفرة في أي موجود إنما هي مستمدة منه دون أن ينقص من كمالاته شيء عند إفاضتها على مخلوقاته. ولتقريب هذه الفكرة للذهن، يمكن أن نضرب المثال التالي:
 
إن المعلم يزود التلميذ من علمه، دون أن ينقص من علم المعلم شي‏ء. وبطبيعة الحال، فإن إفاضة الوجود والكمالات الوجودية من الله تعالى، أسمى بكثير من هذا المثال، ولعل أقرب تعبير في هذا المجال أن نقول: إن عالم الوجود نور وتجل من الذات الإلهية المقدسة، كما يمكن استفادة هذا التعبير من الاية الشريفة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ1.
 
وبملاحظة الكمالات الإلهية اللامتناهية، فإن كل مفهوم يعبر عن كمال من الكمالات، دون أن يستلزم أي نقص أو تحديد، يقبل الصدق والانطباق على الله تعالى، كما نسبت لله تعالى في الايات القرانية الكريمة والأحاديث الشريفة، والأدعية والمناجاة المأثورة عن المعصومين عليهم السلام مفاهيم أمثال النور،
 

1- النور: 35.
 
 
42
 

35

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

والكمال، والجمال، والمحبة، والبهجة وغيرها، وأما ما ذكر من الصفات الإلهية في كتب العقائد والفلسفة والكلام الإسلامية فهو عدد محدود من الصفات التي تقسم إلى مجموعتين:(الصفات الذاتية، والصفات الفعلية) وهما مندرجان تحت الصفات الثبوتية، ونذكر أولاً توضيحاً لهذين القسمين، وبعد ذلك، نتعرض لذكر أهم هذه الصفات وإثباتها والإستدلال عليها.
 
الصفات الذاتية والفعلية
إن الصفات التي تنسب إلى الله تعالى، إما أنها مفاهيم منتزعة من الذات الإلهية بالنظر إلى أنها واجدة لنوع من أنواع الكمالات، أمثال الحياة والعلم والقدرة، وإما أنها مفاهيم تنتزع من نوع علاقة وارتباط بين الله تعالى ومخلوقاته، أمثال الخالقية والرازقية. ويطلق على القسم الأول .الصفات الذاتية" وعلى القسم الثاني .الصفات الفعلية".
 
والفرق الرئيس بين هذين القسمين من الصفات هو: أنه في القسم الاول تكون الذات الإلهية المقدسة مصداقا عينيا خارجيا لها، أما في القسم الثاني فتعبر عن نوع نسبة وإضافة بين الله تعالى ومخلوقاته، وتمثل الذات الالهية وذوات المخلوقات طرفي الإضافة والنسبة، أمثال صفة الخالقية، التي تنتزع من الارتباط الوجودي للمخلوقات بالذات الإلهية ويمثل الله والمخلوقات طرفي هذه الإضافة، ولكن لا يوجد في الخارج غير الذات الإلهية المقدسة وذوات المخلوقات، حقيقة عينية خارجية أخرى تسمى بـ الخالقية" وبطبيعة الحال فإن الله تعالى يملك بذاته القدرة على الخلق، ولكن القدرة من صفات الذات، وأما .الخلق" فهو مفهوم إضافي ينتزع من مقام الفعل، ومن هنا يعتبر .الخالق" من الصفات الفعلية، الا إذا فسرناه بـ القادر على الخلق" فتؤول وتنتهي إلى صفة القدرة.
 
وأهم الصفات الذاتية الإلهية هي، الحياة والعلم والقدرة. وأما السميع 
 
 
 
43

 

36

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

والبصير، فإن فسرنا هما بالعالم بالمسموعات والمبصرات أو القادر على السمع والإبصار، فتؤول إلى العليم والقدير، وإن كان المراد منهما السمع والرؤية بالفعل، التي تنتزع من العلاقة بين ذات السميع والبصير والأشياء القابلة للسمع والرؤية، فلابد أن نعدهما من الصفات الفعلية.

كما أن .العلم" أحياناً يستعمل بهذا المعنى، ويسمى بهذا الاعتبار ب.العلم الفعلي" وقد اعتبر بعض المتكلمين الكلام والإرادة من الصفات الذاتية، وسنبحث عنها لاحقا.
 
 
44

إثبات الصفات الذاتية
لإثبات الصفات الذاتية دليل عام يجري فيها جميعاً، ولكل صفة أدلة خاصة بها يأتي بيانها، والدليل العام: فاقد الشي‏ء لا يعطيه، وبيانه:

إن أيسر الطرق لإثبات الحياة والقدرة والعلم الإلهية هو الطريق التالي: ان هذه المفاهيم حينما تستخدم في المخلوقات، تعبر عن كمالاتها، فيلزمها إذن أن توجد بدرجتها المتكاملة في العلة الموجدة، إذ كل كمال يوجد في أي مخلوق، فهو مستمد من الله، فلا بد أن يكون الله تعالى الخالق واجدا له، حتى يمكنه إفاضته وإعطاءه للمخلوق، ولا يمكن لمن يخلق الحياة أن يكون فاقدا لها، أو لمن يفيض العلم والقدرة للمخلوقات أن يكون جاهلا عاجزا، وفاقد الشي‏ء لا يعطيه. إذن فوجود هذه الصفات الكمالية في بعض المخلوقات دليل على وجودها في الخالق تعالى دون أن يكون فيه نقص أو تحديد، أي إن الله تعالى يتوفر على الحياة والعلم والقدرة اللامتناهية. والان لنبدأ بتوضيح أوسع لكل واحدة من هذه الصفات.

الحياة
مفهوم الحياة يستعمل في مجموعتين من المخلوقات:
 
 
 
44
 

37

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

الأولى: النباتات، حيث تتميز بالنمو.
 
الثانية: الحيوانات والإنسان حيث تمتلك الشعور والإرادة.
 
ولكن المعنى الأول لمفهوم الحياة مستلزم للنقص والاحتياج، ذلك لأن طبيعة النمو تفرض أن يكون الشي‏ء النامي في بداياته فاقدا للكمال، ولكن نتيجة لبعض العوامل والمؤثرات الخارجية تحصل فيه تغيرات تصل به إلى كمال جديد بالتدريج، ولا يمكن نسبة مثل هذه الأمور إلى الله تعالى، كما مر توضيحه في موضوع الصفات السلبية.
 
أما المعنى الثاني: فإنه مفهوم كمالي وإن اقترن في بعض مصاديقه الإمكانية ببعض النقائص والتحديدات، ولكن يمكن أن نتصور له مرتبة لامتناهية ليس فيها أي نقص أو تحديد أو احتياج كما هو الأمر في مفهوم الوجود ومفهوم الكمال.
 
والحياة بمعناها الملازم للعلم والفاعلية الارادية من مستلزمات الوجود غير المادي، وذلك، فإنه وإن نسبت الحياة إلى الكائنات المادية الحية، ولكن الحياة في واقعها صفة لروحها، لا لبدنها، وإنما يتصف بها البدن لتعلق وارتباط الروح به، وبعبارة أخرى: كما أن الامتداد من لوازم الوجود الجسماني، فكذلك الحياة من لوازم الوجود المجرد (غير جسماني). ومن هنا ينشأ دليل اخر على الحياة الإلهية وهو: أن الذات الالهية المقدسة مجردة غير جسمانية، كما أثبتنا ذلك في الدرس السابق وكل موجود مجرد واجد بذاته للحياة، إذن فالله تعالى واجد للحياة بذاته.
 
العلم‏
ومفهوم العلم أكثر المفاهيم وضوحا وبداهة، ولكن مصاديق هذا المفهوم التي نعرفها في المخلوقات، مصاديق ناقصة محدودة، ومفهوم العلم بهذه الخصائص التي تتصف بها المخلوقات لا يمكن أن يصدق على الله تعالى، ولكن العقل كما أشرنا إليه يمكنه أن يتصور لهذا المفهوم الكمالي مصداقا ليس فيه أي نقص أو 
 
 
 
45


 

38

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

 تحديد، وهو عين ذات العالم، وهو هذا العلم الذاتي لله تعالى.
 
ويمكن لنا إثبات علم الله تعالى فضلاً عن الدليل العام المتقدم من طرق عديدة نكتفي بواحد منها وهو الاستعانة على إثبات ذلك بدليل النظام وقد أشرنا إليه سابقاً وقلنا أن الأثر يدل على المؤثر وعلى خصوصياته فإن أي ظاهرة أو مخلوق كلما ازداد دقة وإحكاماً في النظام أو الإتقان، ازداد دلالة على علم خالقه كما هو الملاحظ في الكتاب العلمي، أو القصيدة الرائعة، أو الصورة الفنية، حيث تدل على مدى ما يملكه مبدعها من ثقافة وذوق وخبرة، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن الكتاب العلمي أو الفلسفي قد كتبه شخص جاهل غير مثقف. إذن فكيف يحتمل أن يخلق هذا الكون العظيم بكل ما فيه من أسرار ونظام مدهش موجود غير عالم؟
 
وإن للاعتقاد والإيمان بالعلم الإلهي وسعته دور كبير في بناء شخصية الإنسان، ولذلك كان تأكيد القران الكريم كثيرا على هذه الحقيقة، ومن الايات الشريفة في ذلك ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾1.
 
القدرة
يقال في حق الفاعل الذي يؤدي عمله بإرادته واختياره. أنه يملك .القدرة" على عمله. إذن فالقدرة عبارة: عن القوة ومبدئية الفاعل المختار للعمل الذي يمكن صدوره منه. وكلما كان الفاعل أكثر تكاملا من حيث المرتبة الوجودية كان أكثر قدرة، وبطبيعة الحال فالموجود الذي يتوفر على الكمال اللامتناهي له قدرة غير محدودة ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2.
 
ويجب علينا هنا أن نؤكد على بعض الملاحظات:
 
1- إن العمل الذي تتعلق به القدرة لا بد أن يكون ممكن التحقق، إذن فالشى
 

1- غافر: 19.
2- البقرة: 20.
 
 
46
 

39

الدرس السابع‏: الصفات الذاتية

المحال في ذاته، أو المستلزم للمحال، لا تتعلق به القدرة، وهذا ليس من جهة قصور القدرة بل من جهة عدم قابلية المستحيل للتحقق وإلا لما كان مستحيلاً، كوجود إله اخر، أو أن يكون رقم 2 أكبر من 3، أن أن يخلق الابن على تقدير كونه ابناً قبل أبيه.
 
2- إن القدرة على كل عمل لا توجب ولا تفرض على مثل هذا القادر أن يحقق كل الأعمال التي يقدر عليها، بل إنما يحقق تلك الأعمال التي يريد تحقيقها، والله الحكيم لا يريد إلا الأفعال الصالحة والحكيمة، ولا يحقق إلا مثل هذه الأعمال، وإن كان قادرا على الأعمال القبيحة والمنكرة أيضاً. وسنتحدث في البحوث القادمة حول الحكمة الإلهية.
 
3- إن القدرة بالمعنى الذي ذكرناه، متضمنة للاختيار أيضا، فكما أن الله تعالى يملك أكمل مراتب القدرة وأرقاها، كذلك يملك أكمل مراتب الاختيار، ولا يمكن لأي عامل أن يقهره ويجبره على القيام بعمل، أو أن يسلب منه الاختيار، وذلك لأن وجود كل موجود وقدرته مستمدة منه تعالى، ولا يمكن أن يكون مقهورا للقوى والقدرات التي أفاضها ذاته للاخرين.
 
الأسئلة
1- عرف الصفات الذاتية والفعلية، وبين الفرق بينهما.
2- بين الدليل الخاص على الحياة الإلهية.
3- بين مفهوم القدرة، واذكر الدليل على القدرة الإلهية اللامتناهية.
4- ما هي الأشياء التي لا يمكن أن تتعلق القدرة بها؟
5- لماذا لا يعمل الله تعالى الأعمال القبيحة والمنكرة؟
 
 
47


40

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

المقدمة
ذكرنا في الدرس السابق أن الصفات الفعلية عبارة عن المفاهيم التي تنتزع من مقارنة الذات الإلهية بمخلوقاتها من خلال ملاحظة نسبة وإضافة ورابطة معينة بينهما، وأن الخالق والمخلوق يمثلان طرفي الإضافة، أمثال مفهوم "الخالقية" الذي ينتزع من ملاحظة ارتباط وجود المخلوقات بالله تعالى، وإذا لم يلاحظ هذا الارتباط بينهما لم يمكن انتزاع هذا المفهوم.

وليس هناك حصر وتحديد للروابط والإضافات التي يمكن تصورها بين الله والخلق، ولكن يمكن تقسيمها بصورة جامعة وكلية إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى: ملاحظة الإضافات المباشرة بين الله والمخلوق، كالإيجاد والخلق والإبداع وأمثالها.

المجموعة الثانية: الإضافات التي تتصور بعد تصور إضافات وروابط أخرى، كالرزق، وذلك لأنه في البداية لا بد أن نتصور علاقة الموجود المرتزق بالشيء الذي يرتزق منه، وبعد ذلك نتصور توفير الله تعالى لذلك الشىء، لنتوصل من خلال ذلك إلى مفهوم الرازق والرزاق، بل يمكن أحياناً أن نتصور، إضافات وروابط 
 
 
48
 
 

41

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

 متعددة بين المخلوقات نفسها، قبل أن تنتزع الصفة الفعلية لله تعالى، وبعد ذلك نلاحظ ارتباطها بالله تعالى، أو ان هناك إضافة مترتبة على عدة إضافات سابقة بين الله والخلق، أمثال المغفرة حيث تترتب على الربوبية التشريعية الإلهية وتعيين الله تعالى للأحكام التكليفية، وعصيان العبد لها. إذن فلأجل التوصل إلى الصفات الفعلية لا بد أن نعقد نوع مقارنة ونسبة بين الله تعالى والمخلوقات، ونتصور نوع ارتباط وإضافة بين الخالق والمخلوق، لنتوصل من خلالها إلى المفهوم الإضافي، وعليه فلا تكون الذات الإلهية المقدسة بذاتها مصداقا للصفات الفعلية دون ملاحظة هذه الإضافات والنسب، وهذا هو الفرق الرئيس بين الصفات الذاتية والفعلية. وقد ذكرنا سابقا، أننا يمكن أن نلاحظ الصفات الفعلية بلحاظ مبادئها التي تنشأ منها وفي هذه الحالة، تؤول وتنتهي إلى الصفات الذاتية، كما في الخالق والخلاق، لو فسرناه بالقادر على الخلق، فيؤول إلى صفة "القدير" أو صفة "السميع" و "البصير" لو فسرناهما بالعالم بالمسموعات والمبصرات فتؤول إلى "العليم".
 
وهناك بعض المفاهيم عدت من الصفات الذاتية. ولكن قد يتصور لها معنى إضافي وفعلي، ولذلك تعتبر من الصفات الفعلية، مثل مفهوم "العلم" حيث استعمل في القران الكريم في ايات كثيرة، بمعنى الصفة الفعلية1.
 
والملاحظة التي لها أهميتها، والتي يجب علينا التأكيد عليها هنا هي: أننا حين نتصور الرابطة بين الله تعالى والموجودات المادية، وعلى ضوئه تنتزع الصفة الفعلية المعينة لله تعالى، فإن هذه الصفة سوف تتحدد ببعض القيود الزمانية والمكانية، بلحاظ تعلقها بالموجودات المادية التي تمثل أحد طرفي الإضافة، وإن
 

1- كما في قوله: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ البقرو: 187. وقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال: 66 وغيرهما. 
 
 
49
 

42

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

 كانت هذه الصفة بلحاظ تعلقها بالله تعالى الذي يمثل الطرف الاخر للإضافة منزهة عن مثل هذه القيود والحدود.
 
فإن إفاضة الرزق إلى الشخص مثلا، إنما تتم في ظرف زماني ومكاني معينين، ولكن هذه القيود والحدود في واقعها متعلقة بذلك الشخص المرتزق، لا بالرازق. والذات الإلهية منزهة عن أية نسبة زمانية ومكانية. وهذه الملاحظة الدقيقة تعتبر المفتاح لمعالجة الكثير من الشبهات التي أثيرت في موضوع معرفة الصفات والأفعال الإلهية، وأدت إلى الكثير من النزاعات بين العلماء والمفكرين.
 
الخالقية
بعد إثبات واجب الوجود، وأنه العلة الأولى لوجود الموجودات الممكنة، وبملاحظة أنها جميعاً محتاجة في وجودها إلى الله، تنتزع من ذلك صفة الخالقية لواجب الوجود، والمخلوقية للممكنات. ومفهوم "الخالق" الذي يتوصل إليه من خلال هذه العلاقة الوجودية مساو للعلة الموجدة وكل الموجودات الممكنة المحتاجة التي تمثل طرف الاضافة متصفة بصفة المخلوقية.
 
ولكن أحيانا يتصور للفظة "الخلق" معنى أكثر محدودية، حيث تعتبر الموجودات التي وجدت من مادة سابقة فحسب طرفا للإضافة، وفي مقابل ذلك مفهوم "الإبداع" حيث يستخدم في الموجودات التي لم تسبق بمادة سابقة (كالمجردات والمادة الأولى). وعلى هذا الأساس يقسم الإيجاد إلى قسمين: الخلق، والإبداع.
 
إذن فعملية الخلق التي يقوم بها الله تعالى، لا تشابه تصرفات الإنسان في الأشياء وصنعه للصناعات، حيث يحتاج في عمله هذا إلى الحركة، وإلى استخدام أعضاء بدنه لتمثل حركته "الفعل" بينما تمثل الظاهرة التي تحصل منه "نتيجة الفعل" وأما في خلق الله فلا يكون "الخلق" شئيا، و"المخلوقات" شيئا اخر، وذلك بالإضافة إلى تنزه الله تعالى عن الحركة، وخصائص الموجودات الجسمانية، فإنه
 
 
 
50

 

 


43

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

 لو كان لـ "خلق" الله مصداق عيني خارجي زائد على ذات المخلوق، لكان موجودا ممكن الوجود، ومخلوقا من مخلوقات الله بدوره، ليعود الحديث مرة أخرى حول خلقه نفسه أيضا، ولكن وكما ذكرنا في تعريف الصفات الفعلية ان هذه الصفات مفاهيم منتزعة من الإضافات والنسب بين الله والخلق، وقوام الإضافة والنسبة بلحاظ العقل.
 
الربوبية
ومن الروابط التي تلاحظ بين الله والخلق، أن المخلوقات ليست في أصل وجودها محتاجة لله تعالى فحسب، بل إن كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى، وليست لها أية استقلالية، ويمكن له تعالى التصرف فيها بما شاء، وأن يدبر امورها بما يريد. وحين نلاحظ هذه الرابطة بصورة عامة، ننتزع منها مفهوم "الربوبية" الذي من لوازمه تدبير الأمور، وله مصاديق عديدة، كالحافظ، والمحيي والمميت والرازق والهادي والامر والناهي وأمثالها.
 
ويمكن تقسيم الأمور المرتبطة بالربوبية إلى مجموعتين: الربوبية التكوينية، التي تشمل تدبير الأمور لكل الموجودات، وارضاء احتياجاتها، وبكلمة واحدة "تدبير العالم". والربوبية التشريعية، وهي مختصة بالموجودات التي تمتلك الشعور والاختيار، وتشمل عدة مسائل أمثال بعث الأنبياء، وإرسال الكتب السماوية، وتعيين الوظائف والتكاليف، ووضع الأحكام والقوانين. إذن فالربوبية الإلهية المطلقة تعني: أن المخلوقات في كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى، وأن العلاقات والروابط بينها تنتهي بالتالي إلى ارتباطها بالخالق، وهو تعالى الذي يدبر ويدبر بعض المخلوقات بواسطة البعض الاخر، وهو الذي يفيض الرزق من خلال مصادر الرزق التي يوفرها ويخلقها، وهو الذي يهدي الموجودات التي تملك الشعور من طريق الوسائل الداخلية (كالعقل وسائر القوى الإدراكية) والوسائل الخارجية (كالأنبياء

 
51
 

44

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

 والكتب السماوية) وهو الذي يضع للمكلفين الأحكام والقوانين، ويضع الوظائف والتكاليف.
 
والربوبية كالخالقية مفهوم إضافي مع الفرق بأنه تلاحظ في مجالاتها المختلفة الإضافات الخاصة بين المخلوقات نفسها، كما ذكرناه في مفهوم الرازقية. ولو تأملنا بدقة في مفهوم الخالقية والربوبية، وكونهما من الصفات الإضافية، سيتضح لنا أن هناك تلازماً بين هاتين الصفتين، ويستحيل أن يكون رب الكون غير الخالق، بل ان الذي خلق المخلوقات بتلك الخصائص المعينة والعلاقات فيما بينها، هو الذي يحافظ عليها ويدبرها، وفي الواقع ان مفهوم الربوبية والتدبير منتزع من كيفية خلق المخلوقات ومراعاة انسجامها وتكاملها مع بعضها.
 
الألوهية
هناك بحوث كثيرة لدى العلماء حول مفهوم "الإله" و"الالوهية" ذكرت في كتب التفسير، والمعنى الذي نرجحه لهذا المفهوم هو: أن "الإله" بمعنى "المعبود" أو "الذي يستحق العبادة والطاعة" مثل لفظ "الكتاب" فهو بمعنى "المكتوب". وعلى ضوء هذا المعنى، فإن الالوهية صفة إذا أردنا انتزاعها فلابد أن نتصور إضافة عبادة العباد وطاعتهم، فإن الضالين وإن اتخذوا الهة باطلة لهم، ولكن الذي يستحق العبادة والطاعة هو الخالق والرب فحسب، وهذه الدرجة من الإعتقاد هي الحد الذي يلزم توفره في كل انسان بالنسبة للاعتقاد بالله تعالى، أي بالإضافة إلى إيمانه بأن الله واجب الوجود، وأنه الخالق والمدبر، ومن يخضع العالم لإرادته، يلزم عليه أيضا أن يؤمن بأنه الذي يستحق العبادة والطاعة. ومن هنا أخذ هذا المفهوم في شعار الإسلام (لا إله إلا الله).
 
 
 
52

 

45

الدرس الثامن‏: الصفات الفعلية

الأسئلة
1- ما هي العلاقة بين الصفات الذاتية والفعلية، وكيف تؤول إحداهما إلى الأخرى؟
ولماذا كانت الصفات الفعلية مقيدة ومحددة بقيود وتحديدات زمانية ومكانية؟
2- وضح مفهوم الخالقية، وبين الفرق بينه وبين الإيجاد والإبداع.
3- لماذا لا يمكن أن نتصور لـ(الخلق) مصداقا عينيا زائدا على ذات المخلوقات؟
4- بين الملازمة بين الخالقية والربوبية.
5- بين مفهوم الالوهية، وتلازمها للخالقية والربوبية.
 
 
53
 
 

46

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

المقدمة
من المواضيع المثيرة للجدل في علم الكلام موضوع الإرادة الإلهية، حيث طرحت على بساط البحث من جوانب عديدة، ونشبت حولها نزاعات وخلافات، أمثال: هل إن الإرادة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية؟ وهل إن الإرادة قديمة أم حادثة؟ وهل هي واحدة أم متعددة؟ هذا بالإضافة إلى البحوث التي تعرضت لها الفلسفة حول مطلق الإرادة وخاصة الإرادة الإلهية.

ومن الواضح أن دراسة هذا الموضوع دراسة موسعة لا تتلاءم وهذا الكتاب، لذلك نوضح في البداية مفهوم الإرادة، وبعد ذلك نتعرض لدراسة موجزة حول الإرادة الإلهية.

الإرادة
إن لفظة "الإرادة" في الاستعمالات العرفية تستعمل في معنيين على الأقل: أحدهما المحبة، والثاني: التصميم على القيام بعمل.

والمعنى الأول، واسع جدا من حيث مجالاته، إذ يشمل محبة الأشياء 
 
 
54
 
 

47

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

الخارجية1، وأفعال الشخص نفسه، وأفعال الاخرين، خلافا للمعنى الثاني، فإنه يستعمل في خصوص أفعال الشخص نفسه.
 
والإرادة بالمعنى الأول (المحبة) وإن كانت في الإنسان من قبيل الأعراض والكيفيات النفسانية، ولكن يمكن أن يتصور لها مفهوما عاما بتجريده عن النقائص، بحيث يقبل الصدق والإطلاق حتى على الله تعالى، ومن هنا يمكن أن يعد "الحب" الذي يطلق على محبة الله لذاته، أيضا من الصفات الذاتية. إذن فإذا كان المراد من الإرادة الإلهية، حب الكمال، الذي يتعلق أولاً بالكمال الالهي اللامتناهي، ويتعلق في مراتب لاحقة بكمالات سائر الموجودات من حيث هي اثار لكماله أمكن لنا أن نعدها من الصفات الذاتية، وتكون كسائر الصفات الذاتية صفة قديمة واحدة، وعين الذات الإلهية المقدسة.
 
وأما الإرادة بمعنى التصميم على القيام بعمل، فهي بلا شك من الصفات الفعلية، حيث تتحدد وتتقيد بقيود وتحديدات زمانية، بلحاظ تعلقها بالأمور الحادثة، كما يلاحظ ذلك في الاستعمالات القرانية أمثال ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾2. ولكن يلزم التأكيد على أن اتصاف الله تعالى بالصفات الفعلية لا يعني حصول تغير في الذات الإلهية أو حدوث عرض فيه، بل يعني أن تلاحظ إضافة ونسبة بين الذات إلالهية ومخلوقاتها، من زواية خاصة، وفي ظل شروط معينة، وينزع من خلال ذلك مفهوم إضافي معين هو أحد الصفات الفعلية. وفي مجال الإرادة تلاحظ هذه الرابطة، وهي أن كل مخلوق إنما خلق من جهة توفره على الكمال والخير والمصلحة، فيكون وجوده في زمان ومكان معينين وبكيفية خاصة، متعلقا للعلم والمحبة الإلهية وقد خلقه الله تعالى باختياره، دون أن يقهره أحد على هذا الخلق، وبملاحظة هذه العلاقة، ينتزع مفهوم اضافي يسمى
 

1- كما ورد في الآية الشريفة: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ الأنفال: 67.
2- يس: 82.

 
55
 

48

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

بـ"الإرادة". وهي تتحدد بحدود وقيود بملاحظة تعلقها بشى محدود ومقيد، ويتصف هذا المفهوم الإضافي بالحدوث، والكثرة، ذلك لأن الاضافة تابعة للطرفين، والحدوث والكثرة في أحد الطرفين يكفي في سراية هذه الأوصاف للإضافة نفسها.
 
الحكمة
لدى التأمل فيما ذكرناه حول الإرادة الإلهية يتضح لنا أن الإرادة لا تتعلق بإيجاد الشي‏ء عبثا وجزافا وبدون حكمة، بل ما تتعلق به الإرادة الالهية أصالة هو جهة الكمال والخير في الأشياء، وبما أن تزاحم الماديات فيما بينها، يؤدي إلى عروض النقص والضرر على بعضها بفعل البعض الاخر منها، ولذلك فإن المحبة الإلهية للكمال تقتضي أن يوجد المجموع بشكل يترتب عليه الخير والكمال الأكثر والأغلب، ومن ملاحظة هذه العلاقات والروابط يتوصل إلى مفهوم "المصلحة" وإلا فإن المصلحة ليس لها وجود مستقل عن وجود المخلوقات، له تأثيره في وجودها، حتى يكون له تأثيره في الإرادة الإلهية، أي ليس هناك وجود خارجي مستقل يسمى بالمصلحة يؤثر في وجود المخلوقات فضلا عن القول بتأثيره في الإرادة الإلهية.
 
والحاصل، أن الأفعال الإلهية إنما تنشأ من صفاته الذاتية كالعلم والقدرة وحبه للكمال والخير، لذلك فإن هذه الأفعال لا يمكن ان تكون فاقدة للمصلحة بل إنما تتحقق دائما متوفرة على المصلحة، أي يترتب عليها الخير والكمال الغالب، ويعبر عن مثل هذه الإرادة ب "الإرادة الحكيمة" ومن هنا تنتزع صفة أخرى لله تعالى من الصفات الفعلية تسمى بصفة "الحكيم" وهي كسائر الصفات الفعلية تؤول وتنتهي إلى الصفات الذاتية.
 
ويجب علينا أن نؤكد بأن القيام بفعل لأجل المصلحة، لا يعني أن المصلحة هي العلة الغائية لله تعالى، بل إن المصلحة تعتبر هدفا ثانويا وتبعيا، وأما الغاية
 
 
 
56

 

49

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

 الأصلية لأفعال الله فهي حبه للكمال اللامتناهي الذاتي، الذي يتعلق بالتبع باثاره، أي بكمال الموجودات، ومن هنا قالوا بأن العلة الغائية للأفعال الإلهية هي العلة الفاعلية نفسها، وليس لله غاية مستقلة وزائدة على ذاته، ولكن هذه الفكرة لا تتنافى واعتبار الكمال والخير والمصلحة في الموجودات غاية فرعية وتبعية، ولذلك عللت الأفعال الإلهية في القران الكريم ببعض الأمور والغايات التي تنتهي إلى كمال المخلوقات وخيرها وتعود فائدتها للمخلوق نفسه. فقد ذكرت الايات القرانية أن الامتحان والابتلاء واختيار أفضل الأعمال، وعبادة الله، والوصول إلى الرحمة الخاصة الأبدية الإلهية1، هي الأهداف والغايات لخلق الإنسان. وكل واحدة من هذه الغايات ممهدة للغاية الأخرى، على الترتيب المذكور.
 
الكلام الإلهي‏
ومن المفاهيم التي نسبت إلى الله تعالى مفهوم التكلم، وقد بحث منذ زمان بعيد حول الكلام الإلهي بين المتكلمين، بل قيل إن السبب في هذه التسمية (علم الكلام) هو خوض أصحاب هذا العلم في البحث حول الكلام الإلهي، حيث اعتبرته الأشاعرة من الصفات الذاتية، بينما اعتبرته المعتزلة من الصفات الفعلية. وقد وقع نزاع شديد بين هذين المذهبين حول: هل إن القران وهو كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ وقد وصل الأمر إلى حدّ التكفير بينهما، بسبب اختلاف الاراء في هذا الموضوع. ومع ملاحظة التعريف الذي ذكرناه للصفات الذاتية والصفات الفعلية يظهر لنا بوضوح: أن التكلم من صفات الفعل، حيث يتوقف انتزاعه على تصور مخاطب يتلقى مقصود المتكلم ومراده بواسطة سماع صوت، أو رؤية كتابة، أو 


3- لاحظ الآيات التالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ هود: 7، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ الملك: 2، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الكهف: 7. 
 
 
57

 

50

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

 خطور مفهوم في ذهنه، أو بأية صورة وطريقة أخرى، وفي الواقع ان مفهوم المتكلم ينتزع من الرابطة بين الله تعالى الذي يريد أن يكشف عن حقيقة معينة لاخر، ومخاطب يدرك تلك الحقيقة ويتلقاها، إلا أن يراد من التكلم معنى اخر، كالقدرة على التكلم أو العلم بمضمون الكلام، وبهذا التفسير تؤول وتنتهي هذه الصفة إلى الصفات الذاتية، كما ذكر نظيره لبعض الصفات الفعلية الأخرى . وأما القران الكريم، بمعنى هذه الكلمات المكتوبة أو الألفاظ أو المفاهيم الموجودة في الاذهان أو الحقيقة النورانية والمجردة فهو من المخلوقات. وما ذكر من التأويلات حول الكلام الإلهي والقران الكريم بعيدة عن الفهم العرفي للمحاورات، ويلزم تجنبها.
 
الصدق‏
والكلام الإلهي إذا تضمن الأمر والنهي والانشاء، فإنه يحدد بتلك الاحكام والوضائف العملية للعباد، ولا يمكن اتصافه بالصدق والكذب لان الانشاء لا يتصف بالصدق والكذب، ولكن لو تضمن الإخبار عن الحقائق الموجودة، أو الأحداث الماضية والمستقبلة فيتصف بالصدق كما يقول القران الكريم ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًاً1. وتمثل هذه الصفة الأساس لاعتبار نوع اخر من الإستدلال، هو "الإستدلال النقلي والتعبدي" لإثبات المسائل الفرعية للنظرة الكونية، وإثبات الكثير من مسائل الإيديولوجية. ومن الأدلة العقلية التي يمكن إقامتها لإثبات هذه الصفة: أن كلام الله إنما هو من شؤون الربوبية الإلهية وتدبير الكون والإنسان، ويعتمد على اساس العلم والحكمة، ولتوجيه المخلوقات وهدايتها، وتوفير الوسيلة لنقل المعلومات والمعارف الصحيحة للمخاطبين، فإذا احتمل فيه الكذب والمخالفة للواقع فسيؤدي إلى عدم الوثوق بكل هذه المسائل وبالتالي عدم الاعتماد عليها، ولازمه نقض الغرض، وهو مخالف للحكمة الإلهية.
 

1- النساء: 87. 
 
58

 

51

الدرس التاسع‏: سائر الصفات الفعلية

الأسئلة
 
1- ما هو المعنى الذي تعتبر فيه الإرادة من الصفات الذاتية؟ وما هو المعنى الذي تعتبر فيه من الصفات الفعلية؟
 
2- كيف تتصف الإرادة الإلهية بالحدوث والكثرة؟
 
3- بأي معنى يمكن اعتبار المصلحة وخير المخلوقات وكمالها غاية للخلق؟
 
4- وضح الكلام الإلهي.
 
5- بين الدليل العقلي على صدق الله تعالى.
 
 
 
59
 

52

الدرس العاشر: توحيد الله‏

المقدمة
يقع البحث في هذا الدرس في موضوع التوحيد، وتفنيد آراء المشركين ومعتقداتهم.

وهناك آراء مختلفة لعلماء الإجتماع حول نشأة المعتقدات المشركة في البشرية، وما طرأ عليها من تبدل وتغير، ولكن ليس هناك دليل واضح وصالح للاعتماد على كل تلك الآراء والتفسيرات.

وربما يمكن لنا القول بأن العامل الأول في الاتجاه للشرك وتعدد الآلهة، هو مشاهدة تنوع الظواهر السماوية والأرضية، فاعتقدوا أن كل نوع منها خاضع لتدبير إله معين، فقد اعتقد بعضهم بأن الخيرات مستندة لإله الخير، والشرور مستندة لإله الشر، ومن هنا قالوا بوجود مبدأين وإلهين للعالم. وكذلك يلاحظ مدى تأثير نور الشمس والقمر والكواكب في الظواهر الأرضية لذلك اعتقد بأن لها نوعا من الربوبية للموجودات الأرضية هذا من جهة، ومن جهة أخرى: رغبة البشر في معبود محسوس وملموس، دفعتهم إلى أن يصنعوا لتلك الالهة المتوهمة تماثيل وتواتم (علامات ورسوم رمزية) وهي الاصنام والاوثان واخذوا في عبادتها، 
 
 
 
60
 

53

الدرس العاشر: توحيد الله‏

وبالتدريج اكتسبت هذه الأوثان طابع الأصالة عند قاصري الذهن والبدائيين، ووضعت كل أمة بل كل قبيلة لنفسها بعض الطقوس والتقاليد بما تمليه عليها أوهامها، تعبد بها أو ثانها، ليشبعوا بهذه الممارسات والطقوس البديلة ذلك الدافع الفطري الكامن في أعماقهم لعبادة الله، وليضفوا على نزواتهم الحيوانية وأهوائهم العابثة لون القداسة الدينية، ولا زالت بعض هذه الممارسات والطقوس والحفلات قائمة حتى اليوم، حيث تصحبها ألوان الرقص والصخب وشرب الخمور، والعبث الجنسي، بين الوثنيين، متلونة كلها بطابع الطقوس الدينية. بالإضافة لذلك كله، أنه كان من وراء ذلك كله الجبابرة والطواغيت اللاهثون وراء السلطة وإشباع رغباتهم ومطامعهم الشريرة، حيث استغلوا هذه المعتقدات والأفكار الساذجة لعامة الناس، واستثمروها في سبيل تحقيق مآربهم الجهنمية، ومن أجل أن يحكموا قبضتهم حول رقاب الشعوب، ويوسعوا أكثر من سلطانهم، فإنهم شرعوا في بذر المعتقدات المشركة ونشرها، وأضفوا على أنفسهم لونا من الربوبية، واعتبروا عبادة الطواغيت من جملة الطقوس الدينية، وهناك شواهد بارزة على هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها في ملوك وسلاطين الصين والهند وإيران ومصر وسائر الأقطار الأخرى.
إذن فالمعتقدات والمبادى المشركة، وجدت بين الناس نتيجة لعوامل مختلفة، وانتشرت لتكون عقبة كأداء في مسيرة التكامل الحقيقي للبشرية، الذي يوفره العمل بالدين الإلهي والتوحيدي، ومن هنا خص الأنبياء الجانب الأكبر من جهودهم ونشاطاتهم لمحاربة الشرك والمشركين، كما تذكر حكايات هذا الصراع مرارا في القرآن الكريم.

إذن فالمعتقدات والمبادى المشركة تعتمد على أساس الإيمان بربوبية موجود آخر غير الله تعالى، من الموجودات والظواهر الكونية، وهناك الكثير من المشركين اعتقدوا بوحدة الخالق للكون، وفي الواقع انهم امنوا بالتوحيد في الخالقية، ولكنهم 
 
 
 
61

54

الدرس العاشر: توحيد الله‏

 قالوا بوجود الهة بمستوى أدنى، حيث اعتقدوا بأن هذه الآلهة تقوم بمهمة تدبير الكون والتصرف فيه بصورة مستقلة، وأطلقوا على الإله الخالق "رب الارباب".
 
واعتقد البعض بأن هذه الالهة المدبرة هي الملائكة. والمشركون من العرب اعتقدوا أنها بنات الله بينما توهم البعض الآخر أنها من الجن، واعتقد آخرون أنها أرواح الكواكب أو أرواح بعض البشر السابقين، أو انها نوع معين من الموجودات غير المرئية.
 
وفي الواقع فإن التلازم بين الخالقية والربوبية الحقيقية هو تلازم وثيق، فلا ينفصل الإيمان بإحداهما عن الأخري أبدا، وأن الإيمان بخالقية الله، لا يتلاءم والايمان بربوبية غيره، وأولئك الذين يؤمنون بمثل هذه المعتقدات المتناقضة لم يتنبهوا إلى تناقضها، ويكفي في تفنيد معتقداتهم، أن تتبين حقيقة هذا التناقض وسره. وقد اقيمت أدلة وبراهين عديدة على توحيد الله تعالى، ذكرت في الكتب الكلامية والفلسفية المختلفة، ونذكر هنا دليلا واحدا، يدل بالمباشرة على التوحيد في الربوبية، وتفنيد معتقدات المشركين.
 
الدليل على توحيد الله‏
 
إن افتراض وجود إلهين، أو الهة متعددة للكون، لا يخرج عن الإحتمالات التالية، فإما أن نفترض أن كل واحدة من هذه الظواهر والكائنات الكونية، مخلوقة ومعلولة لجميع هذه الالهة، وإما أن كل مجموعة منها معلولة لواحد من الآلهة المفترضة، وإما أن نعتبرها جميعا مخلوقة لإله واحد، بينما نفترض سائر الالهة مدبرة للكون.
 
أما افتراض أن كل ظاهرة وكائن له الهة متعددة خالقة له، فهو افتراض محال، ذلك لأن القول بأن هناك اثنين أو أكثر من الالهة الخالقة، (بمعنى العلة الموجدة) تخلق الموجود، يعني أن كل واحد منها يفيض وجودا. ونتيجة لذلك أن توجد عدة
 
 
62
 

55

الدرس العاشر: توحيد الله‏

 وجودات بعدد الالهة المفترضة للشي‏ء الواحد، مع أن كل موجود ليس له إلا وجود واحد، وإلا لم يكن موجودا واحداً.
 
وأما افتراض أن كل واحد منها خالق لمخلوق واحد، أو لمجموعة معينة من المخلوقات، فيلزم من هذا الافتراض أن يكون كل مخلوق قائما بخالقه، ولا يحتاج لموجود اخر إلا الاحتياج الذي يؤول وينتهي بالتالي إلى خالقه، وهو احتياج إلى خصوص مخلوقات خالقه، وبعبارة أخرى: ان افتراض الآلهة المتعددة للكون يلزم منه وجود أنظمة متعددة في الكون، وكل واحد منها مستقل ومنفصل عن الاخر، مع أن للكون نظاما واحدا، وكما يوجد ارتباط وتفاعل بين الظواعر الموجودة في زمان واحد، وتحتاج كل منها إلى الأخرى فان هناك ارتباطا وعلاقة بين الظواهر السابقة مع الظواهر الحاضرة الراهنة، وكذلك بين الظواهر الراهنة والظواهر المستقبلية واللاحقة، وكل ظاهرة سابقة ممهدة لوجود اللاحقة إذن فهذا الكون الذي يتألف من أجزاء مترابطة متلاحمة، ويحكمه نظام واحد، لا يمكن أن يكون معلولا لعدة علل موجودة، وأما الافتراض الثالث، وهو أن الخالق لكل المخلوقات إله واحد، وأما سائر الالهة فتتكفل بمهمة تدبير الكون وإدارته، فهذا الافتراض غير صحيح أيضا، وذلك لان كل معلول قائم بكل شؤون وجوده بعلته الموجدة له، وليس لأي موجود مستقل آخر سبيل للتصرف فيه، إلا أن يكون من قبيل التفاعلات الحاصلة بين معلولات العلة أنفسها، ولكنها كلها خاضعة للفاعل الموجد لها، ولا تخرج عن حكومة قدرته وسلطانه، ولايتم شي‏ء إلا بإذنه التكويني، وفي هذه الحالة لا تكون كل تلك الالهة غير الإلة الخالق الموجد "رب" بمعناه الحقيقي، إذ ان المعنى الحقيقي للرب، أن يقوم بالتصرف المستقل في مربوبه والمفروض في هذه التصرفات والتأثيرات انها غير مستقلة، بل إنها كلها مقتبسة من ربوبية الخالق، وبالقوة التي يزودها بها ذلك الخالق، ولولاها لما أمكن أن توجد هذه التصرفات، وافتراض وجود مثل هذه الأرباب

 
63

 

56

الدرس العاشر: توحيد الله‏

 المدبرة للكون لا ينافي التوحيد في الربوبية، كما أن الخالقية التي تتم بالاذن الإلهي لا تنافي التوحيد في الخالقية. وفي القران الكريم والأحاديث الشريفة ما يدل على ثبوت مثل هذا الخلق أو التدبير التبعي وغير المستقل لبعض عباد الله، إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم عن عيسى ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾1 ويقول تعالى أيضا: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾2. والحاصل أن التوهم بإمكان الهة متعددة للكون، ناشئ من قياس الله وتشبيهه بالعلل المادية والمعدة، حيث يمكن القول بتعددها للمعلول الواحد، ولكن لا يمكن أن نشبه العلة الموجدة بمثال هذه العلل، ولا يمكن أن نفترض لأي معلول، عدة علل موجدة أو عدة أرباب مدبرة بالاستقلال إذن فلأجل تفنيد هذا التوهم، لا بد أن نتأمل بدقة أكثر في مفهوم العلة الموجدة وخصائص هذا النوع من العلة، حتى ندرك استحالة تعدد مثل هذه العلة للمعلول الواحد، وكذلك لا بد من التأمل في ترابط الكون ليتضح لنا أن هذا النظام المترابط الذي يحكم الكون لا يمكن أن يكون مخلوقا لالهة متعددة، أو خاضعا لتدبير أرباب مستقلين.
 
واتضح من خلال ما ذكرناه أيضاً، أن القول بالولاية التكوينية لبعض عباد الله الصالحين، لا ينافي الإيمان بالتوحيد، ولكن يجب أن لا تفسر هذه الولاية بمعنى الخالقية أو الربوبية المستقلة، كما أن القول بالولاية التشريعية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام لا ينافي الربوبية التشريعية الإلهية، لأن هذه الولاية إنما وجدت من الله تعالى وبالإذن الإلهي ومستمدة ومكتسبة من الله
 

1- المائدة: 110.
2- النازعات: 5. 
 
 
 
64

 

57

الدرس العاشر: توحيد الله‏

الأسئلة
1- إشرح العوامل التي أدت إلى وجود المعتقدات المشركة.
 
2- ما هو الأساس الذي ترتكز عليه المعتقدات المشركة؟
 
3- لماذا لا يمكن أن نفترض الهة متعددة خالقة لحادث واحد؟
 
4- ما هو الاعتراض على القول بأن الكون كله مخلوق لإله واحد، ولكن في نفس الوقت يفترض له أرباب ومدبرون عديدون؟
 
5- لماذا كان الإعتقاد بالولاية التكوينية لأولياء الله غير مناف التوحيد في الخالقية والربوبية؟
 
 
 
 
65
 

58

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

المقدمة
إن لفظة التوحيد التي تعني لغويا "عد الشيء وجعله واحد" قد استعملت في مصطلح أهل الفلسفة والكلام والأخلاق والعرفان، في معان عديدة مختلفة، وقد لوحظت في كل هذه المعاني وحدة الله تعالى من جهة معينة، وربما عبر عنها أحياناً بـ "أقسام التوحيد" أو "مراتب التوحيد" ودراسة هذه المعاني كلها لا تتناسب ومنهجية هذا الكتاب. لذلك نكتفي هنا بذكر أشهر المصطلحات والمعاني، وأكثرها تناسبا لموضوعنا:
 
1- الوحدانية أو نفي التعدد: وهو الإعتقاد بوحدانية الله، ونفي التعدد والكثرة الخارجية الذاتية، وهذا المعنى يقابل الشرك الصريح والإعتقاد بإلهين أو آلهة متعددة، بصورة يكون لكل واحد منها وجود مستقل ومتميز عن الآخر.
 
2- الأحدية أو نفي التركيب: ويعني الإيمان بالأحدية والبساطة الداخلية الذاتية، وعدم تركب الذات الإلهية من أجزاء بالفعل أو بالقوة.
 
ويذكر غالبا هذا المعنى بصورة صفة سلبية (نفي التركيب) وذلك لأن أذهاننا أكثر ألفة وأنسا بمفهوم التركيب وما يقابله وهو نفي التركيب، من
 
 
 
66

 

59

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

مفهوم البساطة.
 
3- التوحيد الصفاتي أو نفي الصفات الزائدة على الذات: ويعني الإيمان باتحاد الصفات الذاتية مع عين الذات الإلهية، ونفي الصفات الزائدة على الذات، ويذكر في الروايات بتعبير "نفي الصفات" في مقابل البعض كالأشاعرة الذين اعتقدوا بأن الصفات الإلهية أمور زائدة على الذات، وقالوا بـ"القدماء الثمانية".
 
والدليل على التوحيد الصفاتي: هو أنه لو كان لكل واحدة من الصفات الإلهية مصداق ووجود مستقل، فلا يخرج عن إحدة الحالات التالية: فإما أن نفترض مصاديقها في داخل الذات الإلهية، ويلزم من هذا الافتراض، أن تكون الذات الإلهية مركبة من أجزاء، وقد أثبتنا سابقا استحالة التركيب.
 
واما أن نفترض بأن مصاديقها خارج الذات الإلهية، وفي هذه الحالة إما أن نتصورها واجبة الوجود غير محتاجة إلى خالق، وإما ان نتصورها ممكنة الوجود ومخلوقة لله. أما افتراض أنها واجبة الوجود، فهذا يعني تعدد الذات، وهو الشرك الصريح، ولا اظن ان هناك مسلما يلتزم، به وأما افتراض أن هذه الصفات ممكنة الوجود، فيلزم من ذلك، ألقول بأن الذات الإلهية مع افتراض فقدانها لهذه الصفات، هي التي تخلق هذه الصفات وتوجدها، ثم بعد ذلك تتصف بها، فمثلا، مع أن الذات فاقدة للحياة ذاتا، فإنها تخلق موجودا يسمى "الحياة" وبعد ذلك تتصف بصفة الحياة، وكذلك الحال في العلم والقدرة وغيرها، مع أنه من المحال أن تكون العلة الموجدة فاقدة ذاتا لكمالات مخلوقاتها، وابشع من ذلك أن نعتقد بأن الخالق يكتسب في ظل مخلوقاته الحياة والعلم والقدرة ويتصف بفضلها بسائر الصفات الكمالية!
 
وببطلان هذه الفروض والإحتمالات، يتضح لنا أن الصفات الإلهية ليست لها مصاديق ووجودات مستقلة كل واحدة عن الأخرى، وعن الذات
 
 
 
67


60

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

الإلهية المقدسة.
 
4- التوحيد الأفعالي: ويعني:
أ- أن الله تعالى في أفعاله غير محتاج لأي أحد ولاي شي‏ء، ولايمكن لاي موجود أن يعينه وأن يقدم له المساعدة في فعله.
 
ويمكن أن نثبت هذه الحقيقة على ضوء الخاصة التي تتميز بها العلة الموجدة، وهي القيومية بالنسبة لكل معلولاتها، وذلك لأن معلول مثل هذه العلة، قائم بكل وجوده بالعلة.
 
وبالمصطلح الفلسفي: إن المعلول "عين الربط والتعلق" بالعلة، وليست له أية استقلالية في نفسه.
 
وبعبارة أخرى: إن ما يملكه ويتمتع به أي موجود، إنما حصل له من تلك العلة الموجودة، وهو خاضع لقدرة الله وسلطانه وملكيته الحقيقية والتكوينة، وأما ملكية الاخرين وقدرتهم، فهي مستمدة منها، ومن متفرعاتها، وفي طول القدرة الإلهية، لا أنها تزاحمها، كما هو الحال في الملكية الاعتبارية للعبد المملوك على الأموال التي يكتسبها، فإنها في طول الملكية الاعتبارية للمولى. (العبد وما في يده لمولاه)، إذن فكيف يكون الله محتاجا لمعونة اشياء تكون كل وجودها وشؤون وجودها مستمدة منه، وقائمة به؟

ب- التأثير الاستقلالي: أي ان المخلوقات لا يمكنها الاستغناء في أفعالها عن الله تعالى، وإنما يتم تأثير كل مخلوق من المخلوقات في الاخر، بإذن الله، وفي ظل القدرة التي يمنحها الله تعالى له، وفي الواقع إن الموجود الوحيد الذي يفيض تأثيره في كل مكان، وفي كل شي‏ء، بصورة مستقلة وبدون حاجة لغيره، هو الذات الإلهية المقدسة، وأما فاعلية الاخرين وتأثيرهم فهي في طول فاعليته وتأثيره، وفي ظله ومدده ومستمدة ومكتسبة منه تعالى.
 
ومن خلال هذا التحليل نفهم لماذا نسب القرآن الكريم الأسباب والعلل 

 
68
 

61

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

 الطبيعية وغير الطبيعية (كالملك والجن والإنسان) إلى الله تعالى، فنراه يسند إلى الله تعالى هطول المطر، وخروج النبات، وإثمار الأشجار ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾1، ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ2، ويؤكد كثيرا على أن يدرك الإنسان ويتأمل في هذا الإسناد والنسبة إلى الله تعالى، الذي هو في طول الإسناد للاسباب والعوامل القريبة، وإن يؤمن به، ويتوجه إليه دائما فهو علة العلل واليه تنتهي العلل والأسباب.

والفاعلية التكوينية لها سلسلة من المراتب أيضا، وبما أن وجود كل فاعل قائم بالإرادة الإلهية، ولذلك كانت الاثار الوجودية التي تصدر من كل فاعل ومؤثر منوطة ومتعلقة في مرتبتها العليا بالإذن والإرادة التكوينية الإلهية، ومستندة إلى الله تعالى (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
 
نتيجتان مهمتان‏
ونتيجة التوحيد الأفعالي أن لا يرى الإنسان، أي أحد، وأي شي‏ء غير الله تعالى، مستحقا للعبادة، وكما أشرنا إليه سابقا، وإن الذي يستحق العبادة هو خالق العبد وربه، أي ان الألوهية لازمة للخالقية والربوبية. والنتيجة الثانية للتوحيد بمعناه الأخير، هي أن يعتمد الإنسان في كل أحواله على الله تعالى، وأن يتوكل عليه، ويستعين به في كل أعماله، وأن لا يستمد المدد إلا منه، وأن لا يخاف ولا يرجو إلا ربه، وحتى لو لم تتوفر الاسباب العادية المتعارفة ليحصل على مطلوبه ويلبي حاجاته، فعليه أن لا يصيبه اليأس والقنوط، لأن الله تعالى سوف يوصل إليه المدد،
 

1- الروم: 48.
2- النمل: 60.
 
 
69

62

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

 وينعم عليه بالرحمة، من الطرق والأسباب غير العادية. ليستجيب لاحتياجاته ومتطلباته.
 
ومثل هذا الإنسان الذي يعيش هذه المشاعر التوحيدية، سوف يسكن في ظل الولاية الإلهية الخاصة، ليعيش اطمئنانا روحيا لا نظير له ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾1.
 
وقد أودعت هاتان النتيجتان في هذه الاية الشريفة التي يكررها يوميا كل مسلم عشر مرات على الأقل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ2.
 
الجواب عن شبهة
ويمكن أن تخطر في ذهن البعض هذه الشبهة: وهي أن التوحيد الكامل إذا كان يستلزم عدم استعانة الإنسان بغير الله، إذن فيلزم علينا أن لا نتوسل بأولياء الله، فالتوسل بهم غير صحيح.
 
والجواب: أن التوسل بأولياء الله إذا كان بمعنى: أن يستجيب الأولياء أنفسهم لهذا المتوسل، وأن يحققوا ويوفروا له ما يطلبه بصورة مستقلة، وبدون ان يحتاج الأولياء في ذلك إلى إذن الله ومدده، فان هذا التوسل لا يتلاءم مع التوحيد بل ينافيه، وأما لو كان التوسل بمعنى: ان الله تعالى جعل الولي وسيلة للتوصل إلى رحمته تعالى وقد امر تعالى الناس ان يتوسلوا بهذا الولي، فهذا التوسل كما أنه لا ينافي التوحيد، فإنه يعتبر أيضا من شؤون التوحيد في العبادة والطاعة، إذ انه يتم بأمره تعالى.
 
وأما أنه لماذا جعل الله تعالى أمثال هذه الوسائل إليه؟ ولماذا أمر الناس بالتوسل بأوليائه؟ فالجواب: أن لهذا الأمر الإلهي حكما ومصالح، يمكن أن نعتبر
 

1- يونس: 62.
2- الفاتحة: 5. 
 
 
 
70



 

63

الدرس الحادي عشر: معانى التوحيد

منها الأمور التالية:
التعريف بالمستويات والدرجات الرفيعة لعباده الصالحين، ودفع الاخرين وحثهم على العبادة والطاعة التي تؤدي بالاخرين إلى الوصول لمثل هذه المستويات الرفيعة، وأن يمنع من حصول الغرور والاعتداد للبعض بعبادته، حيث يعتقد في نفسه الوصول إلى أرفع الدرجات وأنه يتمتع بأسمى الكمالات الإنسانية، وقد ظهرت هذه الحالة ومع الأسف لأولئك الذين حرموا من نعمة ولاية أهل البيت عليهم الصلاة والسلام والتوسل بهم.

الأسئلة
1- بين المعنى اللغوى والمعنى المصطلح للتوحيد.
 
2- ما هو الدليل على التوحيد الصفاتي؟
 
3- كيف يمكن إثبات التوحيد الافعالي؟
 
4- وضح التوحيد بمعنى التوحيد في التأثير الاستقلالي.
 
5- هل إن التوسل بولياء الله ينافي التوحيد؟ ولماذا؟
 
 
 
 
71
 
 
 

64

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

المقدمة
إن التوحيد في التأثير الاستقلالي من المعارف القيمة والتي لها تأثير كبير في تربية الناس وبناء شخصيتهم، وقد أكد القران الكريم عليه كثيرا ووفر بتعابير وأساليب مختلفة، الأرضية المناسبة لفهمه الصحيح والسليم، ومن جملة هذه التعابير إناطة كل الظواهر بإذن الله ومشيئته وإرادته وقضائه وقدره.

وأولئك الذين حرموا الرشد العقلي اللازم، أو لم يحاولوا الاستفادة والاقتباس من تعاليم الأئمة المعصومين، والمفسرين الحقيقيين للقران الكريم، عرضت لهم الكثير من الإنحرافات والشبهات، ففسروا ذلك بحصر كل تأثير وعلية بالله تعالى، وإنهم خلافا لصراحة الكثير من الآيات القرآنية المحكمة نفوا أي تأثير وعلية للأسباب والوسائط، واعتقدوا بأن "عادة" الله جرت بأن يوجد الحرارة عقيب وجود النار، أو انه يوجد الشبع والارتواء بعد أكل الطعام وشرب الماء، وإلا فليس للنار أو الطعام أو الماء أي تأثير في وجود الحرارة أو الشبع أو الارتواء والنتائج الخطيرة والسيئة لمثل هذا الإنحراف الفكري إنما تتضح فيما لو درسنا اثارها في مجال الأفعال الاختيارية للانسان ومسؤوليته، فإن نتيجة هذا اللون من 
 
 
72

65

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

التفكير، تتمثل في اسناد افعال الإنسان لله تعالى بصورة مباشرة، ونفي فاعلية الإنسان وتأثيره في افعاله، نفيا مطلقا، وفي هذه الحالة لا يكون أي أحد مسؤولا عن أفعاله.
 
وبعبارة أخرى: إن من النتائج الخطيرة والمضلة لهذا الإنحراف الفكري، هو القول بجبرية الإنسان، ونفي المسؤولية عنه، وهو يعني نفي أهم خاصة وميزة للإنسان، وعبثية وعدم فائدة كل الأنظمة التربوية والأخلاقية والقانونية والحقوقية، ومنها النظام التشريعي الإسلامي.
 
ذلك لأننا لو سلبنا الاختيار عن الإنسان على أي فعل من أفعاله، لما بقي موضوع للمسؤولية والوظيفة والأمر والنهي والتكليف والجزاء والثواب والعقاب، بل لاستلزم عبثية النظام التكويني وعدم غائيته، ذلك ان الهدف من خلق عالم الطبيعة كما تدل عليه الايات الكريمة1 والأحاديث الشريفة والبراهين والأدلة العقلية هو الإعداد وتوفير الأرضية الملائمة لخلق الإنسان، ليتوصل من خلال فعالياته وممارساته وافعاله الاختيارية وعبادته، وعبوديته لله تعالى، إلى أرفع الكمالات الإمكانية، ومقام القرب الإلهي ليكون مؤهلا لإفاضة الألطاف والإمدادات الإلهية الخاصة عليه، أما لو رفضنا اختيار الإنسان وأنكرنا مسؤوليته، فلا يكون مستحقا للحصول على الثواب والنعم الخالدة والرضوان الالهي، وبذلك سينتقض الهدف من الخلق وينهار، ليتحول نظام الخلق إلى مسرح كبير يلعب فيه الناس دور الدمى التي تتحرك وتلعب أدوارها بدون إرادة واختيار، وتحدث فيها بعض الحركات والافعال بدون ارادة منها، ولكن بعد ذلك سوف ينال البعض 
 

1- لاحظ الآيات التالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ هود: 7، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ الملك: 2، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الكهف:7.
 
 
 
73

 

66

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

العقاب والمذمة، وينال البعض الآخر الثواب والثناء!
 
إن أهم العوامل التي أدت إلى اتساع هذا الاتجاه الخطير والمنحرف، هو المطامع السياسية للحكومات الجائرة المجرمة، لتوجه وتبرر بمثل هذه المعتقدات تصرفاتها ومواقفها المنكرة، ولتفرض على الشعوب غير الواعية الإذعان لسلطانها وتقبل حكوماتها، دون أن تتحرك الجماهير المسحوقة للثورة والانتفاضة بوجه هذه السلطات المجرمة وحقا يلزم علينا أن نعتبر الجبرية أهم عامل في تخدير الشعوب.
 
وهناك من تنبه لنقاط الضعف في هذا الاتجاه، ولكن بما أنهم لا يملكون الرشد العقلي والقدرة الفكرية على التوفيق بين التوحيد الكامل ونفي الجبرية، ولم يحاولوا الاقتباس من تعاليم أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم أجمعين، فقد اتجهوا إلى الإعتقاد بالتفويض، وقالوا بخروج الأفعال الاختيارية للإنسان عن نطاق الفاعلية الإلهية، وابتلوا هم أنفسهم بنوع اخر من الأمراض والإنحرافات الفكرية، وحرموا من المبادى والتعاليم الإسلامية، ومعطياتها السامية.
 
ولكن أولئك الذين كانوا يملكون الاستعداد والرشد الفكري الكافي الذي يؤهلهم لإدراك هذه المعارف، وفهمها، وتعرفوا على المعلمين والمفسرين الحقيقيين للقران الكريم، وانتهلوا منهم، فإنهم حفظوا من الإصابة بمثل هذه الأمراض والإنحرافات فمن جهة: اعتقدوا بأن فاعليتهم الاختيارية مستمدة من القدرة التي منحها الله تعالى لهم، وبترتب المسؤولية عليها، ومن جهة أخرى: أدركوا التأثير الاستقلالي الإلهي في مرتبة أعلى وأسمى فتوصلوا من خلال ذلك إلى معطيات هذه المعرفة المثمرة.
 
ونجد في الأحاديث التي وصلتنا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث قيمة ومثمرة في هذا المجال، وقد ذكرت في كتب الحديث في الأبواب المعنونة بعنوان الاستطاعة 
 
 
 
74

 

67

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

 ونفي الجبر والتفويض، وكذلك في أبواب الإذن والمشيئة والإرادة والقضاء والقدر الإلهي وهناك بعض الأحاديث نهي فيها بعض الأفراد غير المؤهلين عن الخوض في مثل هذه المسائل الدقيقة، والبحوث الصعبة، حتى لا يصيبهم الإنحراف والاشتباه.

توضيح الاختيار
ان القدرة على اتخاذ القرار والاختيار والانتخاب من الأمور التي يدركها الإنسان ويجزم بها، ولعلها أكثر الأمور والمعارف يقينا للانسان، فإن كل واحد منا يدركها في ذاته وداخله بعلمه الحضوري الذي لا يخطى ولا يشتبه كما يدرك بمثل هذا العلم سائر حالاته النفسية، وحتى لو شك في شي‏ء فإنه لا يشك في شكه هذا، فإنه يدرك "شكه" هذا بالعلم الحضوري، ولا يمكن أن يتردد في هذا الإدراك.

وكذلك كل أحد يدرك بأدنى تأمل في داخله وأعماق ذاته بأنه قادر على التكلم بكلام، وعدم التكلم، أو أنه قادر على تحريك يده وعدم تحريكها، أو قادر على تناول الطعام وعدم تناوله.
 
إن التصميم على القيام بعمل، تارة يتم لأجل إشباع الدوافع الغريزية والحيوانية، أمثال الجوع الذي يدفع الإنسان إلى ارادة أكل الطعام أو الظامى الذي يدفعه العطش إلى العزم على شرب الماء، وتارة أخرى يتم لأجل إرضاء الدوافع والاحتياجات العقلية، وتحقيق الطموحات الإنسانية الرفيعة كالمريض الذي يستعمل الدواء المر، لأجل الحصول على السلامة والشفاء، ويمتنع لأجل ذلك عن تناول الأغذية الشهية، أو طالب العلم الذي يعرض، في سبيل تحصيل العلم واكتساب الحقائق، عن الملذات المادية، ويتحمل ألوان المتاعب والمصاعب، والجندي الباسل الذي يضحي حتى بروحه في سبيل الوصول إلى تطلعاته السامية.

وفي الواقع إنما تظهر قيمة الإنسان حينما تتعارض وتتزاحم الرغبات المختلفة، 
 
 
75
 
 

68

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

والإنسان من أجل الوصول إلى الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحية والأبدية والقرب والرضوان الإلهي، يعرض عن الرغبات الحيوانية المنحطة الوضيعة، وكل عمل يمارسه الإنسان وفق اختيار ووعي أكثر، هو أكثر تأثيرا في تكامله الروحي والمعنوي، أو هبوطه وانحطاطه وأكثر استحقاقا للثواب والعقاب ومن الواضح أن القدرة على مواجهة الرغبات النفسية، ليست بدرجة واحدة في جميع الأفراد وبالنسبة لكل شيء ولكن كل إنسان يملك هذه الموهبة الإلهية (الإرادة الحرة)، قليلا أم كثيرا، ويمكن له بالتدريب والتمرين تقويتها وتنميتها أكثر فأكثر.
 
إذن فلا نتردد أبدا في وجود الإرادة والاختيار، ويلزم أن لا تؤدي الشبهات المختلفة إلى تردد الأذهان في مثل هذا الأمر الوجداني والبديهي، فإن وجود الاختيار كأصل بديهي تتقبله وتؤمن به كل الأنظمة التربوية والأخلاقية والأديان والشرائع السماوية أما لو لم نعتقد بوجوده، فلا يبقى مجال ومبرر للوظيفة والتكليف والذم والمدح والعقاب والثواب. والذي أدى إلى الشك والترديد في هذه الحقيقة البينة والبديهية، والاتجاه إلى الجبرية، هو وجود بعض الشبهات التي يتحتم الجواب عنها حتى لا يخطر مثل هذا الترديد في الأذهان، ومن هنا نتعرض وبإيجاز لمناقشة أهم هذه الشبهات.
 
مناقشة شبهات الجبريين‏
إن أهم شبهات الجبريين ما يلي:
1- ان إرادة الإنسان إنما تتكون وتتشكل بفعل إثارة الميول لا أن وجود هذه الميول خاضع لاختيار الإنسان، ولأن اثارتها بفعل العوامل الخارجية، إذن فلا يبقى مكان ومجال للارادة والاختيار.
 
والجواب: ان الميول معدة للارادة لا أن التصميم والإرادة على القيام بعمل، نتيجة جبرية وحتمية لاثارة الميول، بحيث تسلب منه القدرة على المخالفة 
 
 
 
76

 

69

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

والمقاومة، والشاهد عليه، أنه تحدث في الكثير من المجالات حالة الترديد والشك في الإنسان، بحيث يحتاج في اتخاذ القرار إلى التأمل وموازنة النفع والضرر في العمل، وأحيانا لا يتم اتخاذ القرار إلا بصعوبة.
 
2- لقد ثبت في مختلف العلوم أن هناك عوامل عديدة لها تأثيرها في تشكل ارادة الإنسان أمثال الوراثة، وإفرازات الغدد (التي تحدث نتيجة لتأثير المواد الغذائية أو الأدوية الخاصة)، وكذلك العوامل المحيطية والإجتماعية وان اختلاف الناس في مواقفهم وسلوكهم، خاضع لاختلاف هذه العوامل . والملاحظ أيضا أن النصوص الدينية تدعم من قريب أو بعيد أمثال هذه الاراء إذن فلا يمكن القول بأن أفعال الإنسان منبثقة من الإرادة الحرة والجواب: أن الإعتقاد بالاختيار والإرادة الحرة، لا يعني رفض هذه العوامل وتأثير، بل إنما يعني أنه بالرغم من وجود كل هذه العوامل، فإن للانسان الخيار والقدرة على المقاومة والمخالفة وحين تتعارض وتتزاحم الدوافع المختلفة، نجد أن له القدرة على اختيار بعضها.
 
وبطبيعة الحال، هناك بعض العوامل القوية التي يصعب مقاومتها، حيث يكون اختيار عمل يخالف متطلباتها، صعبا جدا ولكن مثل هذه المقاومة والاختيار الصعب أكثر تأثيرا في تكامل الإنسان، وفي استحقاقة للثواب ومضاعفته، كما أنه أحيانا تكون بعض حالات الهيجان والانفعالات الحادة، أو بعض الظروف الصعبة سببا في تخفيف العقاب، أو تضاؤل درجة الجريمة.
 
3- ومن شبهات الجبريين، أن الله تعالى عالم بكل ظواهر العالم والكون، ومنها أفعال الإنسان قبل وقوعها، والعلم الإلهي لا يقبل الخطأ والتخلف، إذن فلابد أن تتحقق كل الظواهر وفق العلم الإلهي الأزلي، ولا يمكن تخلفها عنه، إذن فلا يبقى مجال لاختيار الإنسان.
 
والجواب: أن العلم الإلهي متعلق بكل ظاهرة بما هي عليه في الواقع، والأفعال الاختيارية معلومة لله تعالى بما هي عليه في الواقع، وبوصف اختياريتها وإراديتها
 
 
 
77

 

70

الدرس الثاني عشر: الجبر والاختيار

 فإذا حدثت هذه الأفعال على صفة الجبرية، تكون قد تحققت على خلاف العلم الإلهي وتخلفت عنه.
 
فمثلاً: ان الله تعالى يعلم بأن الشخص الفلاني وفي ظروف معينة سيصمم على القيام بعمل ما، وانه سيحقق ذلك العمل. والعلم الإلهي لم يتعلق هنا بمجرد وقوع العمل وبغض النظر عن صدوره بإرادة الفاعل واختياره، بل تعلق بالفعل بما أنه يصدر عن اختيار الإنسان إذن فالعلم الإلهي الأزلي لا ينافي اختيار الإنسان وإرادته الحرة.

ومن شبهات الجبريين، الشبهة التي تتعلق بموضوع القضاء والقدر، حيث يعتقد هؤلاء بأنه لا يتلاءم واختيار الإنسان، وسنبحث هذا الموضوع في الدرس القادم.

الأسئلة
1- إشرح العوامل التي أدت إلى الاتجاه إلى الجبرية وانتشارها.
 
2- ما هي النتائج السيئة لهذا الاتجاه؟
 
3- وضح وجود الاختيار والإرادة الحرة في الإنسان.
 
4- هل إن تأثير الوراثة والعوامل المحيطية والإجتماعية مستلزم للجبر؟ ولماذا؟
 
5- هل إن العلم الإلهي الأزلي ينفي اختيار الإنسان؟ ولماذا؟
 
 
 
 
78
 
 
 
 

 


71

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

 مفهوم القضاء والقدر
ان لفظة "القدر" بمعنى المقدار، و"التقدير" يعني قياس الشيء وجعله على مقدار، وصنع كل شيء بحد معين ولفظة "القضاء" بمعنى الإتمام والفراغ من الشي‏ء، أو الأداء، والحكم،(وهو نوع من الاتمام الاعتباري). وأحياناً تستعمل كلتا الكلمتين بمعنى مترادف حيث يستعملان في معنى "المصير".

والمراد من التقدير الإلهي، أن الله تعالى جعل لكل حادث مقدارا وحدودا كمية وكيفية وزمانية ومكانية معينة، في تحققه بفعل العلل والعوامل التدريجية، والمراد من القضاء الإلهي، إيصال الحادث إلى مرحلته النهائية والحتمية بعد توفر المقدمات والأسباب والشروط لذلك الحادث. وعلى ضوء هذا التفسير، تكون مرحلة التقدير متقدمة على مرحلة القضاء، حيث تكون للتقدير مراحل تدريجية مشتملة على مقدمات بعيدة ومتوسطة وقريبة، ويتعرض التقدير للتغير بتغير بعض الأسباب والشروط.

فمثلا مسيرة الجنين المتدرجة من النطفة إلى العلقة فالمضغة، إلى أن تكون جنينا متكاملا، تعتبر هي المراحل المختلفة لتقديره، حيث يشمل المشخصات 
 
 
79
 

 


72

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

الزمانية والمكانية أيضا، وسقوط هذا الجنين في مرحلة من هذا المراحل يعد تغيرا في التقدير. وأما مرحلة القضاء فهي دفعية وليست تدريجية، ومرتبطة بتوفر كل الأسباب والشروط، وهي أيضا حتمية لا تقبل التغير ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ1.
 
ولكن وكما اشرنا اليه يستعمل (القضا والقدر) كلفظين مترادفين احيانا ومن هنا يقسم للحتمي وغير الحتمي، وبهذا اللحاظ تعرضت بعض الروايات والادعية لتغيير القضاء وان الصدقة والبر بالوالدين وصلة الرحم والدعاء من عوامل تغيير القضاء.
 
القضاء والقدر العلمي والعيني‏
يستعمل التقدير والقضاء الإلهي أحيانا، بمعنى علم الله بتوفر المقدمات والأسباب والشروط المؤثرة في تحقق الظواهر وكذلك علمه بالوقوع الحتمي لها، ويطلق على ذلم "القضاء والقدر العلمي" وأحيانا يستعمل بمعنى انتساب المسيرة التدريجية للظواهر، وكذلك انتساب تحققها العيني الخارجي، إلى الله تعالى، ويطلق عليه "القضاء والقدر العيني".
 
ووفقا لما يستفاد من الايات والروايات، فإن العلم الإلهي بكل الظواهر بالصورة التي تتحقق بها في العالم الخارجي تماما، مودع في مخلوق شريف رفيع، يسمى "اللوح المحفوظ". وكل من يمكنه الاتصال بهذا اللوح، بإذن الله، سيكون عالما بالظواهر الماضية والمستقبلية. وهناك ألواح اخر، أقل رتبة ومقاما من اللوح المحفوظ، أودعت فيها الظواهر بصورة مشروطة وغير تامة، ومن يشرف ويتعرف عليها ستكون له معلومات محدودة وناقصة ومشروطة قابلة للتغير، وربما تكون هذه الاية الشريفة ناظرة إلى هذين النوعين من المصير ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء 
 

1- آل عمران: 47.
 
 
80

 

73

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

 وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾1 وتغير التقديرات المشروطة وغير الحتمية يعبر عنه في الروايات بـ"البداء". إذن فالايمان بالقضاء والقدر العلمي، لا يثير اشكالا أكثر مما ذكر في موضوع العلم الإلهي الأزلي، وقد بحثنا في الدرس السابق شبهة الجبرية في موضوع العلم الإلهي، واتضح لنا ضعفها وخواؤها.
 
ولكن الاشكال الأكثر صعوبة يأتي في مجال الإعتقاد بالقضاء والقدر العيني، وخاصة في مجال الإيمان بالمصير الحتمي، علينا معالجته والاجابة عنه وإن علم الجواب الإجمالي عنه في موضوع التوحيد بمعنى التأثير المستقل.
 
العلاقة بين القضاء والقدر، واختيار الإنسان‏
علمنا فيما سبق، أن الإعتقاد بالقضاء والقدر العيني الإلهي، يقتضي الإعتقاد بأن وجود الظواهر من بداية وجودها حتى مراحل نموها وازدهارها، إلى نهاية عمرها، بل من حين توفر المقدمات البعيدة لها، كلها خاضعة للتدبير الإلهي الحكيم، وعلينا أن نؤمن أيضا بأن توفر الشروط لوجودها ووصولها إلى المرحلة النهائية، مستند إلى الإرادة الالهية2.
 
وبعبارة أخرى: فكما أن وجود كل ظاهرة، منتسب للاذن والمشية التكوينية لله وبدون إذنه لا يمكن لاي موجود أن يفتح عينيه على عالم الوجود، كذلك فإن وجود وتكون كل شي‏ء مستند إلى التقدير والقضاء الالهيين وبدونها لا يمكن لاي موجود الوصول إلى شكله وحدود المعينة، ولا يصل إلى نهاية عمه، وتوضيح هذه الارتباطات والعلاقات وتفسيرها يمثل في واقعه التعليم التدريجي للتوحيد بمعنى الاستقلال في التأثير، الذي هو من أرفع مراتب التوحيد فإن للتأكيد على مثل هذه

1- الرعد: 39.
2- إن إنطباق كل من الإرادة والقضاء الإلهيين على الآخر (بحسب المورد) يتضح من تطبيق الآية 47 من آل عمران على الآية 82 من سورة يس ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
 
 
 
81

 

74

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

العلاقات والتنبيه عليها دوره الكبير في بناء شخصية الإنسان.
 
وأما إسناد الظواهر إلى الإذن، بل حتى للمشية الإلهية، فهو أيسر فهما وأقرب إلى الأذهان، خلافا لاسناد مرحلتها النهائية وتعينها الحتمي للقضاء الالهي. فإنه لأجل صعوبة استيعابه وفهمه لذلك بحث فيه أكثر، وذلك لانه يصعب التوفيق بين هذا الإيمان، والإيمان باختيار الإنسان في رسم مصيره وتحديده، لذلك رأينا بعض المتكلمين (الأشاعرة) الذين تقبلوا شمول القضاء الإلهي لأفعال الإنسان، قد أتجهوا إلى القول بالجبر، بينما نرى جماعة أخرى (المعتزلة) الذين لم يمكنهم القول بالجبر واثاره الخطيرة والسيئة، قد أنكروا شمول القضاء الإلهي لأفعال الإنسان الاختيارية، وكل جماعة أولت الايات القرانية والروايات المخالفة لرأيها بما يتلاءم واتجاها ورأيها، كما ذكر ذلك كله في الكتب الكلامية الموسعة وفي الرسائل المخصصة للبحث حول الجبر والتفويض.
 
والمحور الرئيسي للاعتراض: أن فعل الإنسان إذا كان اختياريا حقا، ومستندا لإرادته، فكيف يمكن القول باستناده لإرادة الله وقضائه؟ وإذا كان مستندا للقضاء الإلهي فيكف يمكن القول بأنه خاضع لإرادة الإنسان واختياره؟
 
ولأجل الجواب عن هذا الاعتراض والتوفيق بين استناد الفعل لإرادة الإنسان واختياره، واستناده لإرادة الله وقضائه، يلزم علينا أن نبحث حول انواع استناد المعلول الواحد لعلل متعددة، حتى يتضح لنا نوع استناد الفعل الاختياري للانسان ولله تعالى.
 
أنواع تأثير العلل المتعددة
يمكن أن يتصور تأثير العلل المتعددة في وجود ظاهرة ما، بعدة صور:
1- أن تؤثر العلل المتعددة معا، وكل منها منضمة للأخرى، وتساهم جميعا في وجود الظاهرة، كاجتماع البذر والماء والحرارة وغيرها، حيث تؤثر في انفلاق البذر 
 
 
 
82

 

75

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

وخروج النبات.
 
2- أن تتناوب العلل في التأثير، بحيث يمكن تقسيم تلك الظاهرة، على عدد تلك العلل، وكل قسم منها معلول لواحدة من العلل والعوامل، التي تؤثر أثرها خلال وقتها ونوبتها، كما لو كانت هناك عدة محركات للطائرة، تؤدي بالتناوب عملية استمرارية حركة الطائرة.

3- أن يكون تأثير كل واحد منها مترتبا على الاخر، كما في تصادم كرات رياضية متعدة، كل منها بالاخر فكل واحدة هي السبب في حركة الأخرى، وكما في الاصطدامات الحلقية المسلسلة حيث تسقط الحلقة اللاحقة من حلقات السلسلة بتأثير السابقة على التعاقب، ومثال اخر له، ما نلاحظه من تأثير إرادة الإنسان في حركة اليد، وتأثير اليد في حركة القلم. وتأثير القلم في وجود الكتابة.

4- التأثير المترتب على علل وعوامل متعددة طولية، بحيث يكون وجود كل منها مرتبطا بوجود الاخر، خلافا للقسم الثالث حيث لم يكن وجود القلم مرتبطا بوجود اليد، أو وجود اليد مرتبطا بإرادة الإنسان، وفي هذه الصور جميعا يمكن أن تجتمع علل متعددة على معلول واحد، بل يجب اجتماعها. وتأثير الإرادة الإلهية وإرادة الإنسان في الفعل الاختياري من القسم الأخير، إذ إن وجود الإنسان وإرادته مرتبطان بالإرادة الإلهية وأما الصورة التي لا يمكن فيها أن تجتمع علتان على معلول واحد، فهي الصورة التي تجتمع فيها علتان موجدتان، أو علتان يمتنع الجمع بينهما في التأثير في عرض ومستوى واحد وعلى البدل كما لو فرضنا صدور إرادة واحدة من فاعلين مريدين، أو استناد ظاهرة واحدة إلى مجموعتين من العلل( علتين تامتين).

مناقشة شبهة
تبين مما ذكرناه من توضيحات، أن استنادا وجود الأفعال الاختيارية الإنسانية 
 
 
83
 
 

76

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

إلى الله تعالى، لا ينافي استنادها للإنسان نفسه، لأن أحدهما في طول الاخر، ولا تزاحم بينهما.
 
وبعبارة أخرى: استناد الفعل للفاعل الإنساني في مستوى، بينما استناد وجوده لله تعالى فهو في مستوى آخر أسمى من ذلك المستوى فانه في ذلك المستوى يكون وجود الإنسان نفسه، ووجود المادة التي يحقق فعله فيها، ووجود الالات التي يستخدمها في القيام بفعله، كلها مستندة إلى الله تعالى . إذن فتأثير إرادة الإنسان التي هي من قبيل الجزء الأخير للعلة التامة في فعله، لا ينافي استناد جميع أجزاء العلة التامة إلى الله تعالى، فإنه تعالى هو الذي يملك بيد قدرته وجود العالم والإنسان وكل شؤونه وأحواله الوجودية، وهو الذي يفيض الوجود عليها باستمرار، ولا تستغني عنه تعالى في أي زمان وحال، وليست لها أية استقلالية عنه وبناء على ذلك فالافعال الاختيارية للانسان غير مستغنية عنه تعالى أيضا، ولا يمكن لها أن تخرج عن حدود إرادته وكل صفاتها ومميزاتها وحدودها ومشخصاتها أيضا مرتبطة بالتقدير والقضاء الإلهي، وليس كما ذكر، بأن هذه الأفعال إما أن تكون مستندة لإرادة الإنسان، أو مستندة لإرادة الله، وذلك لان هاتين الإرادتين ليستا في عرض ومستوى واحد، ولا يمتنع الجمع بينهما، ولا يؤثران في تحقق الأفعال على البدلية، بل إن إرادة الإنسان كأصل وجوده نفسه، مرتبطة بالإرادة الإلهية، ووجود الإرادة الإلهية ضروري لتحققها. ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ1.
 
معطيات الإعتقاد بالقضاء والقدر
إن الإعتقاد بالقضاء والقدر الإلهي، كما أنه يعتبر مرحلة رفيعة من معرفة الله، ويؤدي إلى تكامل الإنسان عقليا، فكذلك له اثار ومعطيات عملية كثيرة، نذكر هنا
 

1- التكوير: 29.
 
 
84

 

77

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

هنا بعضا منها:
إن من يؤمن بأن حدوث الحوادث خاضع لإرادة الله الحكيمة، ومستند إلى التقدير والقضاء الإلهي، لا يخشى الأحداث المؤلمة، ولا ينهار أمامها، ولا يتملكه الجزع واليأس، فإنه حين يعتقد بأن هذه الأحداث تمثل جانبا من نظام العالم الحكيم، وتتحقق وفق مصالح وحكم، يستقبلها بحضان مفتوحة، ليتوصل من خلال هذا الموقف المؤمن إلى ملكات فاظلة، أمثال الصبر والتوكل والرضا والتسليم وغيرها.
 
وكذلك لا تشده ولا تخدعه ملذات الحياة وأفراحها، ولا يصيبه الغرور والخيلاء، بها، ولا يتخذ النعم الإلهية سلما للتفاخر والاستعلاء.
 
إن هذه المعطيات القيمة هي التي تشير إليها الاية الشريفة: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ1 وعلينا أن نؤكد على تجنب اثار ومضاعفات التفسير المنحرف لمسألة القضاء والقدر والتوحيد في التأثير المستقل، فإن التفسير الخاطى يؤدي إلى الكسل والبطالة والمذلة وقبول الظلم والجور، والتهرب من المسؤولية، ويلزم علينا أن نعلم أن السعادة أو الشقاء الأبدي للانسان إنما هو نتيجة أفعاله الاختيارية نفسه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ2 ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾3.
 

1- الحديد: 22 و23.
2- البقرة: الاية الأخيرة
3- النجم:39.

 
85

78

الدرس الثالث عشر: القضاء والقدر

 الأسئلة
1- بين المفهوم اللغوى للقضاء والقدر.

2- على أي أساس يقسم القضاء والقدر إلى حتمي وغير حتمي؟

3- ما هو البداء؟

4- بين القضاء والقدر العلمي والعيني.

5- بين أنواع تأثير العلل المتعددة في المعلول الواحد، ووضح النوع الذي يستحيل فيه اجتماع العلل المتعددة على المعلول الواحد.
 
 
86
 
 
 
 
 

79

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

المقدمة
يوجد خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مجالات ومواضيع مختلفة ومتعددة. ومن هذه المواضيع، موضوع الكلام والإرادة الإلهية، والتوحيد الصفاتي والجبر والاختيار والقضاء والقدر، وقد كانت اراءهما على الغالب، تقع في طرفي الإفراط والتفريط.

ومن محاور الخلاف الأساسية بين هاتين الفرقتين، موضوع العدل الإلهي، وقد لوحظ توافق الشيعة مع المعتزلة في رأيهم حول هذا الموضوع، واطلق عليهما مططلح "العدلية" مقابل الأشاعرة، ولأجل أهمية هذا الموضوع، اعتبر من المواضيع الرئيسة في علم الكلام، بل إنه اعتبر من أصول العقائد، ومن مميزات المذهب الكلامي للشيعة والمعتزلة.

ويلزم التأكيد على أن الأشاعرة أيضا، لا يرفضون العدل الإلهي، فإنهم لا يعتبرون الله ظالم (نستغفر الله) مع أن الايات القرانية الصريحة التي لا تقبل التأويل تثبت العدل الإلهي، وتنفي كل لون من ألوان الظلم عن الله سبحانه وتعالى عن ذلك، ولكن البحث في هذا الموضوع يدور حول ما اذا كان يمكن للعقل بنفسه
 
 
87

80

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

وبدون الاعتماد على المصادر الشرعية (الكتاب والسنة) أن يدرك ويتوصل إلى ضوابط للأفعال، وخاصة الأفعال الإلهية، يحكم على أساسها بلزوم القيام بهذا الفعل، وترك الفعل الآخر، فمثلا يحكم العقل "أنه يلزم على الله تعالى أن يدخل المؤمنين الجنة، والكفار النار" أو ان أمثال هذه الأحكام لا يمكن أن تتم إلا اعتمادا على الوحي، وأما لو غض النظر عن الوحي، فلا يتمكن العقل من الحكم والقضاء.

إذ فالمحور الأساسي للخلاف، هو الموضوع الذي يعبر عنه بـ"الحسن والقبح العقليين" وقد أنكره الأشاعرة، واعتقدوا بأن الحسن في الأمور التكوينية هو ما يفعله الله، وأما في الأمور التشريعية فالحسن ما يأمر به الله. وليس الفعل في ذاته حسنا، ولأجل ذلك يفعله الله، أو يأمر به.

وأما العدلية، فيعتقدون بأن الأفعال تتصف في ذاتها بالحسن والقبح بعض النظر عن انتسابها التكويني والتشريعي لله تعالى. ويمكن للعقل إلى حد ما أن يدرك جهات الحسن والقبح في الأفعال، وتنزيه الذات الإلهية عن الافعال القبيحة، ولكن هذا الإدراك العقلي لا يعني أن العقل (ونستغفر الله) يأمر الله أو ينهاه، بل يعني، أن العقل يكتشف تناسب فعل ما مع الصفات الكمالية الالهية، وعدم تناسب فعل اخر معها، وعلى هذا الأساس يرى استحالة صدور الأفعال القبيحة من الله.

ومن الواضح أن الدراسة التفصيلية لهذا الموضوع، والجواب عن الشبهات التي دفعت الأشاعرة لإنكار الحسن والقبح العقليين، وليمثلوا الاتجاه المعارض للعدلية، والبحث في كل ذلك طويل، يعسر التعرض له في هذا الكتاب، وكذلك من الممكن أن تكون في أحاديث المعتزلة بعض النقاط الضعيفة التي يلزم التعرض لها ومناقشتها في محله، ولكن أصل الإعتقاد بالحسن والقبح العقليين يتقبله الشيعة، ويؤمنون به، ويدعمه الكتاب والسنة وتأكيدات الأئمة المعصومين عليهم السلام.

ولذلك فنحن هنا نوضع في البداية مفهوم العدل، وبعد ذلك نشير إلى الدليل 
 
 
 88
 

81

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

العقلي على هذه الصفة التي هي من الصفات الالهية الفعلية، وأخيرا سوف نناقش أهم الشبهات في هذه المسألة ونجيب عنها.
 
مفهوم العدل‏
العدل في اللغة بمعنى السوية، والتسوية وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الاخرين، في مقابل الظلم (الاعتداء على حقوق الآخرين)، وعلى ضوء ذلك عرف العدل بأنه "إعطاء كل ذي حق حقه" إذن فلا بأن نتصور أولاً موجودا له حق، لتكون رعاية حقه "عدل" والاعتداء عليه "ظلم" ولكن أحيانا يوسع مفهوم العدل، ويستعمل بمعنى "وضع الشي‏ء في موضعه أو القيام بكل فعل على وجه حسن" وعلى وفق هذا التعريف، يكون العدل مرادفا للحكمة، والفعل العادل مساويا للفعل الحكيم.
 
وما يجب علينا التأكيد عليه هنا: هن أن كل عاقل يدرك بأن أي أحد لو اختطف قطعة خبز من طفل يتيم، وبدون مبرر، أو أنه أراق دم إنسان برى فقد ارتكب ظلما واقترف عملا قبيحا، وعلى العكس من ذلك، لو أخذ أحد قطعة الخبز المختطفة من يد الغاصب وأعادها إلى الطفل اليتيم، أو أنه عاقب القاتل الجاني، العقوبة التي يستحقها، فإنه قد عمل عملا حسنا وصائبا، ولا يعتمد هذا الحكم بالحسن والقبح بالعدل والظلم، على الأمر والنهي الإلهي، فإن هذا الحكم يحكم به حتى من لايؤمن بوجود الله.
 
إذن يمكن أن يتصور للعدل مفهومان، خاص وعام أحدهما: رعاية حقوق الآخرين، والثاني: إصدار الفعل على وجه الحكمة، بحيث تعتبر رعاية حقوق الاخرين من مصاديقه وعلى ضوء ذلك، فلا يلازم العدل، القول بالتسوية بين البشر جميعا، أو بين الأشياء كلها، فليس المعلم العادل من يتخذ موقفا واحدا من جميع طلابه، فيساوي بين الجميع في التأنيب أو التشجيع سواء المجد من طلابه 
 
 
89
 

82

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

والكسول، وليس القاضي العادل هو الذي يقسم المال المتنازع عليه بين المتخاصمين بل إن المعلم العادل هو الذي يشجع كل طالب أو يؤنبه بمقدار ما يستحقه، والقاضي، العادل هو الذي يوصل المال المتنازع فيه إلى صاحبه، وكذلك، فإن مقتضى الحكمة والعدل الإلهي، لا يعني خلق المخلوقات بصورة متساوية، فيخلق مثلا للانسان القرون، أو الأجنحة أو غيرها، بل إن مقتضى حكمة الخالق أن يخلق العالم بصورة تترتب عليها أكثر ما يمكن تحققه من الخير والكمال، وأن يخلق المخلوقات التي تشكل أجزاءه المترابطة بصورة تتناسب وذلك الهدف النهائي وكذلك مقتضى الحكمة والعدل الإلهي، أن يكلف كل إنسان بمقدار استعداده وقابليته1، وأن يقضي ويحكم فيه على حسب قدرته، وجهده الاختياري2، وأن يجازيه ثوابا أو عقابا يتلاءم وأفعاله3.
 
الدليل على العدل الإلهي‏
ذكرنا أن العدل الإلهي يعتبر مصداقا من مصاديق الحكمة الإلهية، وفقا لأحد التفاسير، ووفقا لتفسير اخر فإن العدل هو الحكمة الإلهية نفسها. وبطبيعة الحال يكون الدليل لإثبات العدل هو الدليل نفسه الذي يثبت الحكمة الإلهية، وتوضيح ذلك:
 
علمنا مما سبق أن الله تعالى يمتلك أسمى مراتب القدرة والاختيار، وأنه قادر على أن يفعل أي عمل ممكن الوجود أولاً يفعله، دون أن يخضع لتأثير أية قوة تجبره وتقهره، ولكن الله تعالى لا يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال، بل إنما يفعل الذي يريده.
 

1- ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ البقرة: 286.
2- ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ يونس: 54.
3- ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يس: 54.
 
 
90

 

83

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

وعلمنا أيضا أن إرادته تعالى ليست عابثة جزافية، بل إنه تعالى لا يريد إلا ما يتناسب وما تقتضيه صفاته الكمالية، وإذا لم تقتض صفاته الكمالية فعلا ما، فلا يصدر منه ذلك الفعل إطلاقا، وبما أن الله تعالى هو الكمال المحض، فإرادته بالأصالة إنما تتعلق بجهة كمال المخلوقات وخيرها، وإذا لزم من وجود مخلوق حدوث بعض الشرور والنقائص في العالم، فإن جهة الشر هذه مقصودة بالتبع، بمعنى أن هذا الشر بما أنه لا ينفك عن الخير الغالب، لذلك تتعلق الإرادة بهذا الشر تبعا لتعلق الإرادة بالخير الغالب أصالة.
 
إذن فمقتضى الصفات الإلهية الكمالية أن يخلق العالم بصورة يتوفر في مجموعه الكمال الغالب، والخير الممكن الحصول، ومن هنا تثبت صفة الحكمة لله تعالى.
 
وعلى هذا الأساس فإن الإرادة الإلهية إنما تعلقت بخلق الإنسان، لأن الإنسان ممكن الوجود في ذاته، وأن وجوده للخير الغالب، ولأكثر الخيرات، ومن المميزات الرئيسة للإنسان، اختياره، وإرادته الحرة، ولا شك بأن التوفر على قوة الإرادة والاختيار يعد من الكمالات الوجودية، حيث يعد الواجد لها أكمل من الفاقد لها، ولكن ما يلازم اختيارية الإنسان، أن يكون قادرا على ممارسة الأفعال الحسنة الخيرة التي توصله إلى كماله النهائي والأبدي، وكذلك يكون قادرا على ارتكاب الأفعال القبيحة والمنكرة، لتتجه به إلى السقوط في حضيض الخسران والشقاء الأبدي وبطبيعة الحال فما تتعلق به الإرادة الإلهية أصالة هو تكامله، ولكن بما أنه يلزم من التكامل الاختياري للإنسان، إمكان السقوط والانحطاط أيضا، والذي يحصل نتيجة الانصياع للأهواء النفسية، والنزوات الشيطانية، لذلك تتعلق الإرادة الإلهية بالتبع بهذا السقوط الاختياري.
 
وبما أن الاختيار الواعي الشعوري محتاج إلى المعرفة الصحيحة السليمة لطرق الخير والشر، لذلك أمر الله تعالى الإنسان بكل ما فيه خيره ومصلحته ونهاه عن 
 
 
91

 

84

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

كل ما يؤدي إلى الفساد والإنحراف والانحطاط، وبذلك وفر تعالى مستلزمات الحركة التكاملية. وبما أن التكاليف الإلهية إنما وضعت وشرعت لهدف توصل الإنسان إلى نتائج العمل بهذه التكاليف الإلهية دون أن يصل منها أي نفع وفائدة لله تعالى ذاته، ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون هذه التكاليف متلائمة ومتناسبة مع قدرات المكلفين، وذلك لأن التكليف الذي لا يقدر على امتثاله، لغو لا فائدة فيه.
 
إذن فالمرحلة الأولى للعدل (بالمعنى الخاص) أي العدالة في مجال التكليف، تثبت بهذا الدليل وهو: أن الله لو كلف العبد بما لا يطيقه ولا يقدر عليه فإن هذا التكليف لا يمكن امتثاله، ويكون عملا لا فائدة فيه. وأما العدالة في مجال الحكم والقضاء بين العباد، فإنها تثبت مع الالتفات لهذه الملاحظة: بأن الحكم والقضاء إنما يتم لأجل تعيين استحقاق الأفراد لأنواع الثواب والعقاب، وإذا تم على خلاف القسط والعدل، فسوف يلزم منه نقض الغرض.
 
وأخيرا العدالة في مجال تنفيذ المجازاة ثوابا وعقابا، فإنها تثبت بملاحظة الهدف النهائي للخلق، لأن من خلق الإنسان بهدف التوصل لنتائج أفعاله الحسنة أو القبيحة لو أثابه أو عاقبه على خلاف ما تقتضيه هذه الأفعال، فإنه لن يصل إلى هدفه.
 
إذن فالدليل على العدل بمعانيه الصحيحة، وفي جميع مظاهره هو: أن صفات الله الذاتية، تقتضي أن تكون أفعاله تعالى حكيمة وعادلة، ولا توجد في الله تعالى أية صفة تقتضي الظلم والجور، أو اللغو والعبث.
 
 شبهات وحلول‏
1- كيف تتلاءم الفروق والإختلافات الموجودة في المخلوقات وخاصة البشر، مع العدل والحكمة الإلهية؟ ولماذا لم يخلق الله الحكيم العادل 
 
 
 
92

85

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

المخلوقات جميعا بصورة متساوية؟

والرد هذه الشبهة: أن اختلاف المخلوقات في المعطيات الوجودية، امر لازم لنظام الخلق، وخاضع لقوانين العلية والمعلولية الحاكمة على ذلك النظام، وافتراض تساويها هو افتراض ساذج، ولو تأملنا جيدا في ذلك لأدركنا أن هذا الافتراض يعني ترك الخلق! ذلك لأنه لو كان أفراد البشر رجالا، أو نساء لما تحقق التوالد والتناسل أبدا، ولا نقرض النوع الإنساني، ولو كانت المخلوقات جميعا من نوع الإنسان لما وجدت شيئا للغذاء، أو ما يوفر لها سائر متطلباتها وحاجاتها، وكذلك لو كانت جميع الحيوانات والنباتات نوعا واحدا، وبلون واحد، ولها صفات وخصائص واحدة، لما وجدت كل هذه الفوائد والمعطيات التي لا تحصى، والمناظر الخلابة الجميلة، وظهور هذا النوع أو ذاك، من الظواعر، بهذا الشكل أو ذاك، وهذه الصفات أو تلك، خاضع للعوامل والظروف والشروط المتوفرة في مسيرة حركة المادة وتبدلها، وليس لأحد حق قبل خلقه على الخالق، يفرض عليه تعالى طريقة خلقه بأن يخلقه بهذه الصورة أو تلك، وفي هذا المكان أو ذاك، أو في هذا الزمان أو ذاك، ليكون هناك مجال للعدل والظلم.

2- إذا كانت الحكمة الإلهية مقتضية لحياة الإنسان في هذا العالم، إذن لماذا بعد ذلك يميته وينهي حياته؟

والرد لهذه الشبهة:
أولا: إن حياة الموجودات أو موتها في هذا العالم خاضع أيضا للقوانين التكوينية، والعلاقات العلية والمعلولية، وهي لازمة لنظام الخلق.

ثانياً: إذا لم تمت الموجودات الحية، فسوف لن تتوفر الأرضية لوجود الموجودات اللاحقة وبذلك يحرم القادمون والاجيال اللاحقة من نعمة الوجود والحياة.

ثالثاً: إذا افترضنا استمرارية الحياة للبشر جميعا فسوف لن يمضي زمان طويل إلا ونرى الأرض كلها قد امتلأت بالناس، وتضيق عليهم الأرض برحبها، ليتمنى كل واحد منهم الموت لما يشعر به من متاعب وألم وجوع.
 
 
 
93
 
 

86

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

رابعاً: إن الهدف الأصلي من خلق الإنسان، هو الوصول إلى السعادة الأبدية، وإذا لم ينتقل الناس من هذا العالم بالموت إلى الحياة الأخرى، فسوف لن يمكنهم الوصول لذلك الهدف النهائي.
 
3- إن وجود كل هذه المصائب والأمراض والكوارث الطبيعية (كالسيل والزلزلة) والمتاعب الإجتماعية (كالحروب وألوان الظلم المختلفة) كيف يتلاءم هذا كله مع العدل الإلهي؟
 
والجواب:
أولاً: إن الحوادث الطبيعية المؤلمة ملازمة لأفعال العوامل المادية وانفعالاتها وتصادمها والتزاحم بينها، وبما أن خيرات هذه العوامل أكثر من شرورها، لذلك لا تكون مخالفة للحكمة. وكذلك ظهور المتاعب والمفاسد الإجتماعية مما تقتضيها اختيارية الإنسان، هذه الاختيارية التي تقتضيها الحكمة الإلهية. ولكن الملاحظ أن فوائد الحياة الإجتماعية وإيجابياتها أكثر من مفاسدها، ولو كانت المفاسد هي الأكثر لما بقي انسان على وجه الأرض.
 
ثانيا: ان وجود هذه المتاعب والكوارث والمصائب، تدفع الإنسان من جهة إلى البحث عن معرفة أسرار الطبيعة والكشف عنها، وبذلك تظهر الثقافات والكشوفات والصناعات المختلفة ومن جهة أخرى، فإن خوض هذه المتاعب ومواجهتها وعلاجها، له دور كبير في تنمية الطاقات والاستعدادات ورشدها وتفجيرها، وفي تكامل الإنسان ورقية وتقدمه.
وأخيرا فإن تحمل أية مصيبة أو ألم، والصبر عليه، إذا كان لتحمله ما يبرره من مبررات صحيحة ومشروعة، سوف يكون له الثواب الجزيل في لعالم الأبدي، وسوف لا يذهب هدرا، بل يتم جبرانه بصورة أفضل.
 
4- كيف يتلاءم العذاب ألابدي للذنوب المحدودة والمؤقتة، التي يرتكبها المذنبون في هذا العالم، مع العدل الإلهي؟
 
الجواب: هناك علاقة علية بين الأعمال الحسنة والقبيحة وبين الثواب والعقاب 
 
 
94

 

87

الدرس الرابع عشر: العدل الإلهي‏

 الآخرويين، قد كشف عنها الوحي الإلهي، ونبه الناس عليها، وكما أننا نلاحظ في عالم الدنيا، أن هناك بعض الجرائم، تعقبها اثار سيئة تمتد إلى مدة طويلة، رغم قصر مدة الجريمة، فمثلا لو فقأ الإنسان عينه هو، أو عيون الاخرين فأعماها، فإن هذا الفعل يتم في مدة قصيرة جدا، ولكن نتيجته وهي العمى تمتد إلى نهاية العمر، وكذلك الذنوب الكبيرة لها اثارها الأخروية الأبدية، وإذا لم يوفر الإنسان في هذه الدنيا مستلزمات جبرانها، (كالتوبة مثلا) فإنه سوف يعيش اثارها السيئة وإلى الأبد فكما أن بقاء عمى الإنسان إلى نهاية العمر بجريمة لم تستغرق إلا لحظة واحدة لا ينافي العدل الإلهي، فكذالك الابتلاء بالعذاب الأبدي نتيجة لارتكاب الذنوب الكبيرة لا ينافي العدل الإلهي، وذلك لأنه نتيجة الذنب الذي ارتكبه المذنب عن سابق وعي وإصرار.
الأسئلة
 
1-وضح مفهوم العدل.
 
2- هل إن مقتضي العدل تساوي الموجودات جميعا واتحادها؟
 
3- ما هو الدليل على العدل الإلهي؟
 
4- لماذا يميت الله الحكيم مخلوقاته؟
 
5- كيف تستوجب الذنوب المؤقتة المحدودة عذابا غير مؤقت ولا محدود؟
 
 
 
 
95

88

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

 ضرورة بعثة الأنبياء
المسائل الأساس في مبحث النبوة هي: ضرورة بعثة الأنبياء وضرورة صيانة الوحي من أي تلاعب وتشويه وتحريف، عمداً أو سهو، حتى وصول محتوياته للناس، وبتعبير اخر: وجوب عصمة الأنبياء في تلقي الرسالة الالهية وإبلاغها، وكذلك وجود طريق تثبت به للاخرين نبوة الأنبياء.
 
وضرورة بعثة الأنبياء هي من أهم المسائل الأساس لفصل النبوة، ويمكن إثباتها ببرهان مؤلف من ثلاث مقدمات:
 
1- إن الهدف من خلق الإنسان هو: السير في طريق تكامله من خلال ممارسة الافعال الإختيارية من أجل التوصل إلى كماله النهائي، هذا الكمال الذي لا يتوصل اليه الا باختياره وانتخابه.
 
وبتعبير آخر، انما خلق الإنسان ليكون بعبادته واطاعته لله تعالى مستحقا وأهلا للحصول على الرحمة التي يختص بها الافراد المتكاملون، والإرادة الالهية الحكيمة انما تعلقت أصالة بكمال الإنسان وسعادته، ولكن بما أن هذا الكمال والسعادة السامية لا يمكن الوصول اليها الا عن طريق ممارسة الافعال الاختيارية،
 
 
 
99

 

89

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

 لذلك جعل مسار الحياة البشرية على مفترق طريقين واتجاهين، لتتوفر بذلك أجواء الاختيار والإنتخاب.
 
وبالطبع، فان أحد الطريقين يؤدي نحو الشقاء والعذاب، لتتعلق به الإرادة الالهية بالتبع لا بالأصالة.
 
وقد اتضحت هذه المقدمة عند البحث في الحكمة والعدل الإلهي.
 
2- إن الاختيار الواعي والشعوري اضافة إلى احتياجه للقدرة على ممارسة العمل، وتوفر الظروف والاجواء الخارجية لممارسة الأعمال المختلفة، ووجود الميل والدافع الداخلي لها يحتاج أيضا إلى المعرفة الصحيحة حول الأعمال الحسنة والأعمال القبيحة، والطرق الصالحة وغير الصالحة، وانما يتمكن الإنسان من اختيار طريق تكامله بكل حرية ووعي فيما لو كان يعرف الهدف، وطريق الوصول اليه، وكان عارفا بكل العقبات والعراقيل والإنحرافات والمزالق.
 
اذن، فمقتضى الحكمة الالهية أن توفر للبشر الوسائل والمستلزمات الضرورية للحصول على مثل هذه المعارف والمدركات، والا فسيكون حاله كذلك الشخص الذي يدعو ضيفا إلى داره، ثم لا يدله على موضعه، ولا على الطريق المودي اليه! ومن البديهي أن مثل هذا العمل مخالف للحكمة، وموجب لنقض الغرض.
وهذه المقدمة واضحة، لا تحتاج إلى توضيح وتوسع أكثر.
 
3- إن معارف ومدركات البشر العادية والمتعارفة، التي يحصل عليها نتيجة التعاون بين الحس والعقل، وإن كان لها دورها الفاعل في توفير ما يحتاج اليه في حياته، ولكنها لا تكفي في التعرف على طريق الكمال والسعادة الحقيقية، في جميع المجادلات الفردية والإجتماعية والمادية والمعنوية والدنيوية في جميع المجالات الفردية والاجتهادية والمادية والمعنوية والدنيوية والاخروية، واذا لم يوجد طريق اخر لسد النقائص والفجوات فلن يتحقق الهدف الالهي من خلق الإنسان.

 
100

90

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

 وبملاحظة هذه المقدمات الثلاث نتوصل إلى نتيجة مفادها: ان الحكمة الالهية تقتضي وضع طريق اخر للبشر غير الحس والعقل من أجل التعرف على طريق الكمال في كل المجالات، حتى يستطيع البشر الاستفادة منه (مباشرة أو بواسطة فرد أو أفراد آخرين).
 
وهذا الطريق هو الوحي1 الذي وضعه الله للانبياء، ليستفيدوا هم منه بصورة مباشرة، وليستفيد منه الاخرون عن طريق الأنبياء، وليتعلموا منه كل ما يحتاجون اليه، من أجل الوصول إلى السعادة والكمال النهائي. ومن بين هذه المقدمات، ربما يحصل التردد والتشكيك في المقدمة الأخيرة، ومن هنا يلزم علينا توضيحها والتوسع فيها أكثر، ليتوضح لنا تماماً قصور المعرفة البشرية عن تحديد مسير التكامل الشامل للانسان، واحتياجه لطريق الوحي.
 
قصور المعرفة البشرية
من أجل معرفة الطريق الصحيح للحياة في كل أبعادها وجوانبها، لا بد من التعرف على مبدأ وجود الإنسان ومصيره، وعلاقاته بسائر الموجودات، والروابط التي يمكن له إقامتها وعقدها مع بني نوعه وسائر المخلوقات، وتأثير هذه الروابط والعلاقات المختلفة في سعادته وشقائه، وكذلك عليه أن يحدد نسب المنافع والمضار، ودرجات المصالح والمفاسد المختلفة ومقاديرها، والموازنة بينها، لتتحدد بذلك وظائف هذا العدد الكبير من البشر، والذي يتميز بخصائص بدنية ونفسية متفاوته ومتغايرة، وكل منهم يعيش ظروفا طبيعية واجتماعية مختلفة، ولكن الاحاطة بكل هذه الأمور لا تتيسر، ليس لفرد أو لجماعة معينة فحسب، بل للآلاف 
 

1- وهذا البرهان من مواضع استنتاج القضية العملية (ينبغي من القضية النظرية (يوجد)، وكذلك من مصاديق إثبات الضرورة بالقياس للمعلول عن طريق ضرورة العلة، وكذلك من مواضع إجراء البراهين اللمية في الإلهيات. 
 
 
 
101

 

91

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

من الجماعات المتخصصة، في مختلف العلوم المرتبطة بالإنسان. لا يمكنهم اكتشاف مثل هذه المعايير والقواعد المعقدة وبيانها على شكل قوانين وأحكام دقيقة ومضبوطة ومحددة، لتكفل بذلك توفير كل المصالح الفردية والإجتماعية، المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، لكل البشر وحينما يقع التزاحم والتضاد والتعارض بين أنواع المصالح والمفاسد وكثيراً ما يحصل ذلك يعين المصلحة الأهم بدقة، ويقدمها في المجال العملي.

إن ما يلاحظ من مسيرة التغييرات الحقوقية والقانونية عبر تاريخ البشر مؤشر على أنه لم يوجد حتى اليوم بالرغم من كل البحوث والجهود التي بذلها الكثير من العلماء المتخصصين عبر آلاف السنين نظام حقوقي وقانوني صحيح وكامل وشامل والملاحظ أيضاً أن المقننين والمؤسسات الحقوقية والقانونية في العام، تتوصل دائماً إلى نقاط الضعف في القوانين الوضعية، ولذلك يحاولون إصلاحها أو تكميلها، بإلقاء مادة أو نسخها، أو إضافة مادة لها أو إلحاق ملاحظة بها.

ويجب علينا أن لا نغفل عن أنهم استفادوا كثيرا في تقنين هذه القوانين وتدوينها من الأنظمة الحقوقية والقانونية الالهية، والشرائع السماوية. وكذلك ينبغي أن نعلم بإن جهود المقننين والحقوقيين متوجهة لتوفير المصالح الدنيوية والإجتماعية، دون الاهتمام بتوفير المصالح الأخروية وملاحظة مدى علاقتها بالمصالح الدنيوية والمادية، وإذا ما أرادوا الإهتمام بهذا الجانب الذي يعتبر أكثر الجوانب أهمية في هذا المجال فانهم لن يتمكنوا من الوصول إلى نتائج يقينية قاطعة، وذلك لأن المصالح المادية والدنيوية يمكن التعرف عليها إلى حد ما وتحديدها، من خلال التجارب العملية. أما المصالح المعنوية والأخروية فانها لا تقبل التجربة الحسية، ولا يمكن تقويمها بدقة، وحين تتزاحم وتتعارض مع المصالح المادية والدنيوية فلا يمكن التعرف على معيار لقياس أهمية احداهما.
 
 
102
 
 

92

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

 الافراد وانهماكهم في الأمور المادية، وسيطرة الميول الحيوانية عليهم، أو ربما تغيب عن الناس نتيجة للتربية المنحرفة، أو الاعلام السيئ ان مثل هذه المعلومات يبينها الأنبياء للناس، ليمنعوا من نسيانها تماما، من خلال تذكيرهم وتأكيدهم الدائم عليها، وليواجهوا المغالطات والتعليمات السيئة بتعليماتهم الصحيحة والمنطقية.
ومن هنا يعرف السبب في اطلاق صفتي (المذكر والنذير) على الأنبياء، واطلاق أسماء (الذكر، والذكرى، والتذكرة) على القران الكريم. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حين يستعرض الفوائد والحكم من بعثة الأنبياء:

(ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ).

2- من أهم العوامل التي لها تأثيرها الفاعل في التربية، وفي رشد الإنسان وتكامله، وجود القدوة في العمل. وقد اثبتت أهمية ذلك في بحوث علم النفس، والأنبياء الالهيون الذين يمثلون الإنسان الكامل، والذين نشأوا في ظلال التربية الالهية، يقومون بذلك خير قيام انهم بالاضافة إلى التعليمات والمعلومات التي يزودون بها البشرية يقومون بمهمة تربية الناس وتزكيتهم، ونحن نعلم أن القران الكريم قد قرن بين التعليم والتزكية في الذكر، وحتى أنه في بعض الايات قدم (التزكية) على (التعليم).

3- ومن معطيات وفوائد وجود الأنبياء بين الناس، تولي القيادة في المجالات الإجتماعية والسياسية والقضائية، حينما تتوفر الظروف اللازمة لذلك، وبديهي أن القائد المعصوم من أعظم النعم الالهية للمجتمع، حيث تعالج بواسطته الكثير من المعضلات والإضطرابات الإجتماعية، ويتم انقاذ الأمة من الإختلاف والتنازع والفوضى والإنحراف، ليقودها باتجاه كمالها المنشود.
 
 
 
104
 
 

93

الدرس الخامس عشر: حاجة البشر إلى الوحي والنبوة

الأسئلة
1- ما هو الهدف من خلق الإنسان؟
2- لماذا لا يكفي العقل البشري في توفير كل المعارف اللازمة؟
3- بين الدليل على ضرورة بعثة الأنبياء.
4- اذا كان يمكن للانسان التعرف على طريق سعادته الدنيوية والاخروية من خلال الاستفادة من تجاربه الطويلة، أفلا يحتاج للوحي بعد ذلك؟ لماذا؟
5- هل يمكن اقامة الدليل العقلي على نبوة الإنسان الأول؟ وكيف؟
 
 
105
 
 

94

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

ضرورة صيانة الوحي‏
بعد أن أثبتنا ضرورة الوحي كطريق أساسي يتوصل من خلاله إلى مدركات ومعلومات لازمة تسد بها نقائض الحس والعقل الإنساني، تبرز مسألة أخرى.
 
فمع ملاحظة أن الأفراد العاديين لا يمكنهم الاستفادة من وسيلة المعرفة هذه، بصورة مباشرة، ولا يملكون الاستعداد لتلقي الوحي الإلهي1، لذلك كان من الضروري إبلاغهم الرسالة الإلهية بواسطة أفراد معينين (الأنبياء)، ولكن ما هو الضامن لصحة هذه الرسالة؟ وكيف نطمئن إلى أن النبي قد تلقى الوحي الإلهي بصورة صحيحة، وأنه أبلغه للناس بصورة صحيحية؟ وإذا كان هناك واسطة بين الله والنبي فكيف نطمئن إلى أنها أبلغت الرسالة للنبي بصورة صحيحة؟ ذلك لأن الوحي إنما يكون مؤثراً في سد نقائص المعرفة البشرية فيما لو كان مصونا من مرحلة الصدور إلى مرحلة الوصول للناس من أي تحريف أو تلاعب أو تشويه، عمدا أو سهوا، وإلا فإنه مع احتمال السهو والنسيان في الواسطة أو الوسائط، أو تلاعبهم العمدي في محتواه، ستثار في أذهان الناس احتمالات الخطأ والتشويه في 
 

1- يقول القرآن الكريم في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء﴾
 
 
106
 

95

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

الرسالة الواصلة إليهم، وتؤدي هذه الحالة إلى تزعزع الثقة بها، والاعتماد عليها. إذن فمن أي طريق يمكن الاطمئنان بوصول الوحي الإلهي للناس بصورة صحيحة وسليمة ومن البديهي أنه عندما تكون حقيقة الوحي مجهولة للناس، ولا يتوفر فيهم الاستعداد لتلقيه ومعرفته، فلا يكون هناك اي طريق للمراقبة والإشراف على الوسائط ليتعرف على مدى صدقهم. أجل. في صورة واحدة يمكن التعرف على وجود اختلال أو خطأ في الوحي، وذلك فيما اذا كان محتوى الرسالة مخالفا لأحكام العقل اليقينية، كما لو ادعى أحد بأنه اوحي له من الله بأن اجتماع النقيضين جائز، أو واجب، أو (والعياذ بالله) أن ذات الله معرضة للتركيب أو التعدد، أو الزوال، فيمكن في هذه الحالة أن نثبت كذب هذا الإدعاء بالاستعانة بحكم العقل اليقيني ببطلانه. ولكن الحاجة الرئيسية للوحي، تتمثل في المسائل التي لا طريق للعقل في الوصول لإثباتها أو نفيها، والتي لا يمكنه من خلال تقويمه لمحتوى الرسالة تحديد مدى صحتها وخطأها. اذن، فمن أي طريق يمكن ان نثبت في مثل هذه المجالات صحة محتوى الوحي، وصيانته من التشويه والتلاعب والتحريف العمدي أو السهوي للوسائط؟

الجواب: إنه كما أن العقل، مع ملاحظته للحكمة الإلهية يدرك ضرورة وجود طريق اخر، لمعرفة الحقائق والوظائف العملية وإن لم يتعرف على كنه هذا الطريق وحقيقته، فانه يدرك أيضا أن الحكمة الإلهية تقتضي وصول هذه الرسالة للناس بصورة سليمة وصحيحة، دون أن تتعرض لأي تلاعب وتشويه، وإلا لزم نقض الغرض.

وبتعبير آخر: بعد أن علم أن الرسالات الإلهية، لا بد أن تصل إلى الناس من خلال واسطة أو وسائط، حتى تتوفر الظروف والاجواء الملائمة للتكامل الاختياري للناس، وليتحقق بذلك الهدف الإلهي من خلق البشر، فإنه بملاحظة الصفات الكمالية الإلهية يثبت أن هذه الرسالة يلزم أن تكون مصونة من التشويه والتلاعب العمدي والسهوي، ذلك: لأن الله تعالى لو (لم يرد) وصول الرسالات 
 
 
 
107
 
 

96

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

بصورة صحيحة إلى عباده لكان هذا مخالفا للحكمة، والإرادة الإلهية الحكيمة تنفي ذلك، واذا كان الله (لا يعلم) عن أي طريق أو أي شخص يبلغ رسالته، لتصل سليمة إلى عباده فهذا ينافي علم الله اللامتناهي، وإذ (لم يقدر) على اختيار وسائط صالحة لحفظها وصونها من شرور الشياطين، فإن هذه الحالة لا تتلاءم وقدرته اللامحدودة.
 
إذن فمع ملاحظة أن الله عالم بكل شي‏ء لا يمكن أن نحتمل عدم علمه بخطاء الواسطة التي يختارها1، ومع ملاحظة القدرة الإلهية غير المحدودة لا يمكن أن نحتمل عدم قدرته على صيانة وحيه من تلاعب الشياطين، وتأثير عوامل السهو والنسيان فيه2، ومع ملاحظة الحكمة الإلهية، لا يمكن أن نتقبل أنه لا يريد حفظ رسالته من الخطأ3، اذن فالعلم والقدرة والحكمة الإلهية كلها تقتضي وصول رسالته بصورة سليمة وصحيحة إلى عباده.
 
ومن هنا تثبت صيانة الوحي بالبرهان العقلي. وبذلك أيضا تثبت صيانة ملك أو ملائكة الوحي والأنبياء في مجال تلقي الوحي، وكذلك تثبت عصمتهم من الخيانة العمدية، أو من السهو والنسيان، في مجال إبلاغ الرسالة الإلهية. ومن هنا يتضح لنا السبب في تأكيدات القرآن الكريم على أمانة ملك الوحي، وقدرته على حفظ الأمانة الإلهية، ودفع تأثيرات الشياطين، وأمانة الأنبياء وبصورة عامة يتضح صيانة الوحي والحفاظ عليه حتى وصوله للناس4.
 
 
سائر مجالات العصمة
إن العصمة التي أثبتناها بالبرهان السابق للملائكة والأنبياء عليه السلام، 
 

1- يقول القران الكريم في ذلك: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: 124.
2- يقول القران المجيد في ذلك ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًاً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ الجن: 26-28.
3- ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ الأنفال: 42.
4- ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ التكوير: 21، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ الأعراف: 68.
 
 
108

 

97

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

 مختصة بمجال تلقي الوحي وإبلاغه، وهناك مجالات أخرى للعصمة لا تثبت بهذا البرهان ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: مرتبط بعصمة الملائكة.
وثانيها: مرتبط بعصمة الأنبياء.
وثالثها: مرتبط بعصمة بعض الافراد أمثال الأئمة المعصومين عليه السلام، ومريم وفاطمة الزهراء سلام الله عليهما.
 
ففي مجال عصمة الملائكة: يمكن البحث في مسألتين غير تلقي الوحي وإبلاغه:
إحداههما: عصمة ملائكة الوحي فيما لا يتعلق بتلقي الوحي وإيصاله.
وثانيتهما: عصمة سائر الملائكة الذين لا علاقة لهم بالوحي، أمثال الموكلين بالرزق وكتابة الأعمال أو قبض الأرواح وغيرها . وكذلك حول عصمة الأنبياء فيما لا يتعلق برسالتهم، يمكن البحث في مسألتين:
 
إحداهما: عصمة الأنبياء من الذنب والمعصية تعمدا.

والأخرى: عصمتهم عن السهو والنسيان.
 
وهاتان المسألتان يمكن البحث فيهما بالنسبة لغير الأنبياء أيضا.
 
أما المسائل المتعلقة بعصمة الملائكة في غير مجال تلقي الوحي وابلاغه، انما يمكن معالجتها بالبرهان العقلي فيما لو تعرفنا على حقيقة الملائكة، ولكن البحث عن حقيقتها كما أنه ليس يسيرا فهو غير مناسب لبحوث هذا الفصل، ومن هنا نكتفي بذكر ايتين تدلان على عصمة الملائكة، وهما الآية (27) من سورة الأنبياء: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. والآية (6) من سورة التحريم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
 
وهاتان الايتان تدلان بصراحة على أن الملائكة عباد مكرمون، لا يعلمون إلا بالأمر الإلهي، ولا يعصون أمره، وإن بقي التساؤل حول تعميم الآيات لجميع الملائكة.
 
وأما البحث في عصمة بعض الأفراد (غير الأنبياء) فانه يناسب بحث الإمامة، 
 
 
 
109
 

98

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

ولذلك فنبحث هنا في خصوص المسائل المتعلقة بعصمة الأنبياء، وإن كانت بعض هذه المسائل لا يمكن معالجتها إلا بالأدلة النقلية والتعبدية، ولذلك لا بد من دراستها بعد إثبات حجية الكتاب والسنة، ولكن لأجل مراعاة التناسب بين موضوعات المسائل نبحثها في هذا الفصل، ونتقبل حجية الكتاب والسنة كأصل موضوعي نوكل مهمة البحث في اثباته إلى موضعه.

عصمة الأنبياء
هناك خلاف بين الفرق الإسلامية حول مدى تنزيه الأنبياء عن ارتكاب المعاصي والذنوب. فالشيعة الإمامية يعتقدون بأن الأنبياء معصومون من جميع المعاصي، صغيرها وكبيرها، من حين الولادة حتى الوفاة، فلا تصدر منهم المعصية حتى سهوا ونسيانا، ولكن هناك فرقا أخرى، تذهب إلى عصمة الأنبياء من الكبائر فحسب، وبعضهم من حين البلوغ، وبعضهم من حين النبوة. ونقل عن بعض الفرق من أهل السنة (وهم الحشوية وبعض أهل الحديث) أنهم ينكرون عصمة الأنبياء تماما، ويذهبون إلى امكان صدور المعصية منهم عمدا حتى في فترة نبوتهم.

وقبل البحث في إثبات عصمة الأنبياء عليه السلام تلزمنا الاشارة إلى بعض الملاحظات:
الأولى: لا نعني بعصمة الأنبياء أو غيرهم، عدم ارتكاب المعصية فحسب، إذ من الممكن أن لا يرتكب الفرد العادي معصية خلال عمره كله، وخاصة لو كان عمره قصيراً، بل نعني به توفره على ملكة نفسانية قوية، تمنعه من ارتكاب المعصية حتى في أشد الظروف، وهي ملكة تحصل من وعيه التام والدائم بقبح المعصية، وإرادة قوية على ضبط الميول النفسية، وبما أن هذه الملكة لا تتحقق إلا بعناية إلهية خاصة، لذلك تنسب فاعليتها إلى الله تعالى، وإلا فان الله لا يمنع 
 
 
110

 

99

الدرس السادس عشر: عصمة الأنبياء

الإنسان المعصوم عن اقتراف المعصية جبرا، ولا يسلب منه الإختيار، وقد نسبت لله عصمة بعض الأفراد الذين يمتلكون مناصب إلهية كالنبوة والإمامة بمعنى آخر وهو ضمانه عز وجل صيانتهم.

والثانية: إنه يلزم من عصمة الشخص ترك الأعمال المحرمة عليه، كالمعاصي المحرمة في كل الشرائع، والأعمال التي يحرم ارتكابها في الشريعة التي ينتمي إليها، اذن فلا تنافي عصمة نبي ممارسة العمل الجائز في شريعته لشخصه خاصة، وإن كان محرما في الشريعة السابقة عليه، أو سيكون محرما بعد ذلك.

الثالثة: المراد من المعصية، التي ينزه المعصوم عن ارتكابها هي: العمل الذي يطلق عليه مصطلح (الحرام) في الفقه، أو ترك العمل الذي يطلق عليه (الواجب) في الفقه. وأما لفظة المعصية وما يرادفها أمثال الذنب، فإنها تستعمل فيما هو أوسع من ذلك بما يشمل (ترك الأولى) وممارسة مثل هذه الذنوب لا تنافي العصمة.

الأسئلة
1- كيف يمكن إثبات صيانة الوحي من أى خلل أو تشويه؟
 
2 ما هي مجالات العصمة الأخرى غير مجال صون النبي في تلقي الوحي وإبلاغه؟
 
3 من أى طريق يمكن إثبات عصمة الملائكة؟
 
4 ما هي الآراء حول عصمة الأنبياء عليهم السلام؟ وما هو رأي الشيعة الإمامية في هذا المجال؟
 
5 عرف العصمة، واذكر لوازمها.
 
 
111 
 

100

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

المقدمة
الإعتقاد بعصمة الأنبياء من الذنوب والمعاصي العمدية والسهوية من المعتقدات القطعية والمعروفة عند الشيعة.
 
ويمكن تقسيم الادلة التي ذكرت لعصمة الأنبياء عليهم السلام إلى مجموعتين: إحداهما: الأدلة العقلية، والثانية: الأدلة النقلية، وإن كان الإعتماد على الأدلة النقلية أكثر ونحن هنا نستعرض دليلين عقليين، ثم نذكر بعض الأدلة القرآنية.
 
الأدلة العقلية على عصمة الأنبياء
الدليل العقلي الاول على لزوم عصمة الأنبياء عليهم السلام من ارتكاب المعاصي: ان الهدف الأصلي من بعثتهم هو هداية البشر للحقايق والوظائف التي عينها الله للبشر، وفي الواقع انهم سفراء من الله للبشر، يلزم عليهم هداية الاخرين للطريق المستقيم، فاذا كان هؤلاء السفراء أنفسهم غير ملتزمين بالتعاليم الإلهية، بل يعلمون بما يخالف محتويات رسالتهم، وهم انفسهم يخالفون اقوالهم وتعاليمهم فإن الناس سيرون في عملهم هذا بيانا مخالفا لأقوالهم، وبذلك سوف لا يثقون بأقوالهم ايضا، ونتيجة لذلك سوف لا يتحقق الهدف من 
 
 
112

101

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

 بعثتهم بصورة كاملة. اذن فالحكمة واللطف الإلهيان يقتضيان أن يكون الأنبياء معصومين ومنزهين عن المعاصي، بل لا يصدر منهم العمل غير الصالح حتى سهوا ونسيانا، لئلا يحتمل الناس انهم اتخذوا ادعاء السهو والنسيان مسوغا لارتكابهم الذنب والمعصية.
 
الدليل العقلي الثاني على عصمة الأنبياء: إن الأنبياء كما أنهم مكلفون بابلاغ محتوى الوحي والرسالة للناس، وهدايتهم للطريق المستقيم، كذلك هم مكلفون بالقيام بتزكية الناس وتربيتهم وإصلاحهم، وايصال الأفراد المؤهلين وذوي الاستعداد إلى اخر مرحلة من مراحل الكمال الإنساني، وبتعبير آخر: إن على عاتقهم اضافة إلى تكفلهم مهمة التعليم والهداية مهمة التربية والقيادة والتوجيه، تلك التربية الشاملة التي تشمل حتى أكثر الناس استعداد وأسماهم درجة، ولا يستحق مثل هذا المقام الأصلاحى الرفيع إلا أولئك الذين بلغوا أسمى درجات الكمال الإنساني، ويمتلكون أكثر الملكات النفسية كمالا، وهي ملكة العصمة.
 
أضف إلى ذلك أن دور سلوك المربي وأفعاله ربما كان أكثر تأثيرا من أقواله في تربية الاخرين واصلاحهم، ومن وجدت نقائص وعثرات في أفعاله، فإن قوله سوف لا يملك التأثير المنشود، اذن فانما يتحقق الهدف الإلهي من بعثة الأنبياء بصورة كاملة بما هم مربو المجتمع ومصلحوه، فيما لو كانوا معصومين ومنزهين عن كل انحراف في أقوالهم وأفعالهم.
 
الأدلة النقلية على عصمة الأنبياء
1- عبر القران الكريم عن بعض الأفراد بـ المخلَص1، حيث لا يطمع في
 

1- لا بد ان نعلم بأن (المخلص) بفتح اللام غير (مخلص) بكسرها، فالأول يدل على أن الله جعل الشخص خالصا، ومعنى الثاني أن الشخص يمارس أعماله بإخلاص ونية مخلصة. 
 
 
113

 

102

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

 اغوائهم حتى الشيطان، ومن هنا أقسم الشيطان على إغواء بني آدم جميعهم وأستثنى المخلصين كما جاء في الايتين 82 و83 من سورة ص: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
 
ولا شك في أن السبب في يأس الشيطان من إغوائهم انما هو، ما يملكونه من تنزيه وصيانة من الضلال والاثام، وإلا فإن عداءه شامل حتى لهؤلاء، ولو كان يمكنه اغواؤهم لما تخلى عن إغوائهم وأعرض عنهم. إذن فعنوان (المخلص) مساو لـ (المعصوم)، وأنه وإن لم يوجد دليل على اختصاص هذه الصفة بالأنبياء إلا انه لا يمكن الشك في شمولها لهم.
 
وقد اعتبر القرآن الكريم بعض الأنبياء من المخلصين كما جاء الايتين 45 و 46 من سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾.
 
وفي الآية (51) من سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّاً﴾.
 
وكذلك اعتبر السبب في تنزه يوسف عليه السلام عن الإنحراف في أشد الظروف هو أنه كان مخلصا كما في الآية (24) من سورة يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
 
2- لقد فرض القران الكريم على البشر أطاعة الأنبياء بصورة مطلقة كما جاء في الآية (64) من سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾.
 
وإنما تصح اطاعتهم المطلقة فيما لو كانت في مسار إطاعة الله وعلى امتدادها، بحيث لا تكون اطاعتهم منافية لإطاعة الله، وإلا فإن الأمر بالإطاعة المطلقة لله تعالى، والأمر بالطاعة المطلقة لمن هم معرضون للخطأ والإنحراف سيكونان على طرفي نقيض.
 
3- لقد خصص القران الكريم المناصب الإلهية لأولئك الذين لم يتلوثوا 
 
 
 
114
 

103

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

 بـ الظلم.
 
يقول تعالى في جوابه لإبراهيم عليه السلام الذي طلب منصب الإمامة لأبنائه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾1.
 
ونحن نعلم أن كل معصية هي ظلم للنفس على الأقل، وكل عاص ومذنب ظالم في عرف القران الكريم، اذن فالأنبياء أصحاب المنصب الإلهي (النبوة والرسالة) لا بد وأن يكونوا منزهين عن كل ظلم ومعصية. ويمكن استفادة عصمة الأنبياء عليه السلام من آيات أخرى، وروايات كثيرة نعرض عن ذكرها.
 
السر في عصمة الأنبياء
السر في عصمة الأنبياء وفي صيانتهم في مجال تلقي الوحي هو: أن إدراك الوحي من قبيل المدركات التى لا تحتمل الخطأ، والشخص المؤهل لتلقيه، يتوفر على حقيقة علمية يدركها حضوريا، ويشاهد ارتباطها بالموحي سواء كانت هناك واسطة (ملك) أم لم تكن2 ولا يمكن لمتلقي الوحي أن يشك بأنه هل تلقى الوحي أم لا؟ أو من الذي أوحى إليه؟ أو ما هو محتواه ومفاده؟
 
واذا ما وردت بعض القصص والحكايات الموضوعة والمكذوبة التي تدعي أن نبيا شك في نبوته! أو لم يدرك محتوى وحيه! أو لم يعرف الموحي اليه! فهذه أخبار كاذبة، وهذه الأباطيل تشبه أن يقال: إنه شك في وجوده، أو في مدركاته الحضورية والوجدانية!!.
 
اما السر في عصمة الأنبياء في مجال القيام بالوظائف الإلهية، ومنها إبلاغ رسالة الله للناس، فيحتاج لمقدمة هي:
 
إن الأفعال البشرية إنما تتم بأن يحصل في أعماق الإنسان ميل لأمر ينشده
 

1- البقرة: 124.
2- يقول القرآن الكريم في ذلك: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ النجم: 11.
 
 
115


 

104

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

 ويرغب فيه يثار هذا الميل نتيجة لعوامل ومثيرات مختلفة، ويحدد الإنسان طريق الوصول لهدفه المنشود بمعونة العلوم والمدركات المختلفة، ثم يقدم على العمل المتناسب معه، واذا وجدت الميول والرغبات المتعارضة والمتزاحمة، فأنه يسعى قدر جهده لتحديد أفضلها وأكثرها قيمة وأهمية، ويختاره عمليا. ولكنه أحياناً ونتيجة لنقض في علمه وقصور في معرفته يكون مخطئا في تقويم الأفضل وتحديده، أو أنه لغفلته عن الأصلح، أو نتيجة لتعوده على الامر الأسوأ يسى الاختيار، ولا يبقى لديه مجال للتفكير الصحيح واختيار الأصلح. اذن فكلما كان الإنسان أكثر معرفة بالحقايق، وكان بالنسبة اليها أكثر وعيا وتوجها، وثباتا وحيوية، وأقوى إرادة على ضبط الميول والانفعالات الداخلية فانه سيكون أفضل في حسن اختياره، وسيكون أكثر مناعة من الإنحرافات والعثرات.
ومن هنا فان بعض الأفراد المؤهلين ومن ذوي الاستعدادات العالية الذين توفروا على الثقافة اللازمة والوعي الضروري ونعموا بالتربية الصحيحة، سوف يتوصلون إلى مراحل مختلفة من الكمال والفضيلة، وربما يقتربون من حدود العصمة بل ولا يخطر في اذهانهم مجرد التفكير باقتراف الذنب والعمل السيى، كما لا يفكر أى عاقل بشرب السم والجرع والعقاقير المميتة أو تناول الأشياء القذرة والعفنة.

اذن، فإذا افترضنا أن فردا بلغ الغاية في استعداده لادراك الحقائق، وارتفع صفاء روحه وقلبه إلى أسمى المستويات والدرجات وكما يعبر القرآن ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، وبسبب هذا الاستعداد القوي والصفاء الذاتي، تتولاه التربية الإلهية، ويؤيد بروح القدس فإن هذا الفرد سوف يطوي مدارج الكمال بسرعة لا توصف، وربما اجتاز في ليلة واحدة طريقا لا يجتاز إلا بمئة سنة، وربما تفوق على الاخرين حتى في مرحلة طفولته، بل حتى وهو جنين، وتظهر لمثل هذا الفرد قبح المعاصي والذنوب، تماما كظهور ضرر السم
 
 
116
 

105

الدرس السابع عشر: الأدلة على عصمة الأنبياء

 ووضوحه وقبح الاشياء العفنة والقذرة للآخرين. وكما أن اجتناب الأفراد العاديين أمثال هذه الأفعال القاتلة أو القذرة ليس جبريا فإن اجتناب المعصوم عن المعاصي لا ينافي اختياره أبدا.

الأسئلة
1- اذكر الأدلة العقلية على عصمة الأنبياء.
2- ما هي الآيات القرآنية التي تدل على عصمة الأنبياء؟
3- ما هو السر في صيانة الأنبياء عن الخطأ في تلقى الوحي؟
4- كيف تتلاءم عصمة الأنبياء عن المعاصي مع اختياريتهم؟
5- هل لعصمة الأنبياء تأثير في تحقق الهدف الذي أنيط بهم تحقيقه؟
 
 
117 
 
 

106

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

حلّ عدة شبهات‏
طرحت بعض الشبهات حول عصمة الأنبياء عليه السلام نستعرضها في ما يلي ونجيب عنها:

الشبهة الأولى: إذا كان الله تعالى هو الذي قد عصم الأنبياء ونزههم عن ارتكاب المعاصي، حيث يلزم من ذلك أنه ضمن ممارستهم للوظائف والتكاليف فانه في هذه الحالة سوف لا تثبت لهم أية ميزة اختيارية، ولا يستحقون أي ثواب لممارستهم الوظائف والتكاليف، والاجتناب عن المعاصي، لأن الله تعالى لو جعل أي شخص اخر معصوما لكان مثلهم تماما لانه تعالى هو الذي منحه العصمه ووفرها فيه.

الجواب عن هذه الشبهة: تقدم أن العصمة لا تعني الجبر على القيام بالوظائف والتكاليف وترك المعاصي، وحين نقول إن الله عاصم المعصومين وحافظهم، فلا نعني بذلك نفي استناد الافعال الاختيارية اليهم، ذلك لأن كل الظواهر وان استندت في نهاية سلسلتها إلى الإرادة التكوينية الإلهية، وفي ذلك المجال الذي توجد فيه عناية وتوفيق خاص من قبل الله، لذلك يتأكد أكثر إسناد العمل لله ولكن الإرادة الإلهية في طول إرادة الإنسان لا في عرضها، وليست بديلة
 
 
118
 

107

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

عنها وقائمة مقامها.
 
ولكن هذه العناية الإلهية الخاصة بالنسبة للمعصومين هي كسائر الوسائل والظروف والامكانات الخاصة التي توفر لبعض الأفراد المعينين، مما يؤدي إلى ان تكون مسؤوليتهم أكبر واثقل، وكما أن الثواب على عملهم يتضاعف فان العقاب على المخالفة أشد، وبهذا الشكل يتم التوازن بين الثواب والعقاب، وان كان المعصوم لحسن اختياره لا يكون مستحقا للعقاب، ويلاحظ مثل هذا التوازن في حالة كل الذين يتمتعون بنعمة خاصة، كما هو الحال بالنسبة للعلماء والمنتسبين لأهل البيت عليه السلام1 فأن مسؤوليتهم اثقل وأكثر خطورة من غيرهم، وكما أن الثواب على اعمالهم الخيرة أكثر، فكذلك العقاب على ذنوبهم على تقدير ارتكابها أشد2.
 
الشبهة الثانية: إن الأنبياء وسائر المعصومين عليه السلام يعتبرون أنفسهم من المذنبين، كما ينقل عن أدعيتهم ومناجاتهم، وينقل أيضا استغفارهم من الذنوب، ومع صدور مثل هذا الاعتراف والاقرار منهم، فكيف نعدهم معصومين؟
 
والجواب: إن المعصومين عليه السلام قد ارتفعوا إلى أسمى درجات الكمال والقرب الإلهي مع ملاحظة اختلاف مراتبهم لذلك يشعرون بأنهم مكلفون بوظائف ومهام تفوق وظائف الاخرين، بل إنهم يعتبرون أي توجه والتفات منهم لغير معبودهم ومحبوبهم ذنبا كبيراً، ومن هنا يقفون موقف الاستغفار والاعتذار. وقد ذكرنا سابقا أن عصمة الأنبياء، لا تعني أن يكون المعصوم منزها عن كل عمل يطلق عليه (معصية) بوجه ما، ولو بمفهومها الواسع، بل إنما نعني تنزيهه عن مخالفة التكاليف الإلزامية، وعن ارتكاب المحرمات الفقهية لا كل ما يطلق
 

1- يقول القرآن الكريم في ذلك ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ الأحزاب: 32.
2- كما ذكر في الرواية التالية (يغفر للجاهل سبعون ذنباً ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد). 
 
 
119

 

108

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

عليه معصية.
 
الشبهة الثالثة: ذكرت بعض الايات القرانية الدالة على عصمة الأنبياء انهم يعتبرون من (المخلصين)، ولا يطمع الشيطان فيهم، مع أن القران الكريم نفسه يذكر بعض تصرفات وتأثيرات الشيطان في الأنبياء عليه السلام، منها ما ورد في الآية (27) من سورة الاعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾. حيث تنسب للشيطان خداعه لآدم وحواء، والذي أدى إلى خروجهما من الجنة، وفي الآية (41) من سورة ص له على لسان أيوب: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
 
وفي الآية (52) من سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.
 
حيث نسب نوعا من الوساوس الشيطانية لجميع الأنبياء.
 
والجواب: لم يلحظ في هذه الايات أي تصرف أو تأثير شيطاني ادى إلى مخالفة الأنبياء عليه السلام للتكاليف الإلزامية، أما الآية (27) من سورة الأعراف، فتشير إلى وسوسة الشيطان لادم وحواء للاكل من (الشجرة المنهية) فإنه لم يتعلق نهي تحريمي بالاكل، بل الوارد فحسب هو تذكير ادم وحواء وتنبيههما على أن الاكل منها سيؤدي إلى الخروج من (الجنة) والهبوط إلى (الأرض)، وأن وسوسة الشيطان سببت مخالفتهما لهذا النهي الارشادي، والملاحظ أن ذلك العالم لم يكن عالم تكليف، ولم تنزل شريعة بعد، وأما الآية (41) من سورة صلى الله عليه واله فإنها تشير إلى المتاعب والتحديات التي توجهت لأيوب عليه السلام من قبل الشيطان، وليس فيها أية دلالة على مخالفته للأوامر والنواهي الإلهية، وأما الآية (52) من سورة الحج فهي مرتبطة بالعراقيل التي يواجه بها الشيطان نشاطات الأنبياء عليهم السلام جميعاً، والعقبات التي يضعها في سبيل وصولهم إلى أهدافهم في مجال هداية الناس، وأخيرا فان الله تعالى يبطل مكر الشيطان وحيله، ويثبت الدين الحق.
 
 
 
120

 

109

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

الشبهة الرابعة: في الآية (121) من سورة طه، نسب العصيان لادم عليه السلام، وفي الآية (115) من السورة نفسها نسب النسيان له عليه السلام، فكيف تتلاءم مثل هذه النسبة مع عصمته؟
 
والجواب عن هذه الشبهة: هو ما تقدم من أن المعصية والنسيان لم يكونا مرتبطين بالتكليف الإلزامي.
 
الشبهة الخامسة: نسب الكذب في القران الكريم لبعض الأنبياء، ومن الايات التي تدل على ذلك، الآية (89) من سورة الصافات نقلا عن ابراهيم عليه السلام: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
 
مع أنه لم يكن مريضا، والأية (63) من سورة الأنبياء نقلا عنه أيضا: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.
 
مع أنه هو الذي حطم أصنامهم، والآية (70) من سورة يوسف: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
 
مع أن إخوة يوسف لم يرتكبوا السرقة.
 
والجواب: إن هذه الأقوال انما صدرت من باب التورية (إرادة معنى آخر) لأجل بعض المصالح الأكثر أهمية كما اشير إلى ذلك في بعض الروايات، ويمكن أن يستظهر من بعض الايات أن هذه الأقوال كانت بإلهام إلهي، كما في قصة يوسف حيث يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وعلى أي حال فلا يعتبر مثل هذا الكذب معصية، ولا يخالف العصمة.
 
الشبهة السادسة: ورد في قصة موسى عليه السلام أن قبطيا تشاجر مع رجل من بني اسرائيل، فقتله موسى عليه السلام، ولأجل ذلك هرب من مصر. وحين بعثه الله تعالى لدعوة الفراعنة قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن
 
 
 
121

 

110

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

 يَقْتُلُونِ1.
 
وحينما ذكره فرعون بالقتل أجاب موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ2.
 
فمثل هذه الحكاية كيف تتلاءم وعصمة الأنبياء قبل بعثتهم؟
 
والجواب:
أولاً: إن قتل القبطي لم يكن عمديا، بل كان نتيجة ضربة اصابته اتفاقا ودون تعمد من موسى لقتله.
 
ثانياً: إن الآية ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، التي وردت على لسان موسى كانت وفق نظر الفراعنة، والمراد أنهم يعتبرونني قاتلاً ومذنباً، وأخاف أن يقتلوني قصاصا.
 
ثالثاً: أما الجملة ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ اما أنه قالها مجاراة للفراعنة وتمشيا معهم، بأنني على تقدير انني كنت ضالا انذاك فهداني الله، وأرسلني بهذه البراهين القاطعة. أو المراد من (الضلال) عدم المعرفة بعواقب العمل، وعلى كل حال، فلا تدل على مخالفة موسى للتكليف الإلزامي الإلهي.
 
الشبهة السابعة: في الآية (94) من سورة يونس قال تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه واله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
 
وفي الآيات (147) من سورة البقرة، و(60) من ال عمران، و(114) من الأنعام و(17) من هود و(23) من سورة السجدة، ينهى فيها الله تعالى نبية صلى الله عليه وآله عن الشك والترديد، فكيف يمكن القول بأن إدراك الوحي لا يقبل الشك والتردد؟
 
والجواب عن هذه الشبهة: إن هذه الايات لا تدل على وقوع الشك والترديد فعلا للنبي صلى الله عليه واله، بل إنها في صدد التأكيد على هذه الملاحظة بأنه لا مجال للشك والترديد في رسالته، وفي أن القران الكريم، ومحتوياته على حق، وفي الواقع 
 

1- الشعراء: 14.
2- الشعراء: 20.
 
 
122

 

111

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

ان مثل هذا الخطاب من باب (إياك اعني واسمعي يا جارة).
 
الشبهة الثامنة: نسبت في القران الكريم بعض الذنوب للنبي صلى الله عليه واله وقد غفرها الله له، يقول القران الكريم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾1.
 
والجواب: إن المراد من الذنب في هذه الاية الشريفة، الذنب الذي وجهه المشركون للنبي صلى الله عليه واله قبل الهجرة وبعدها، وهو إهانته لأصنامهم والهتهم، والمراد من المغفرة، مواجهة الاثار التي يمكن ترتبها على ذلك وإزالتها، والشاهد على هذا التفسير، إنه اعتبر فتح مكة سببا لمغفرته حيث يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. واذا كان المراد من الذنب المعنى المصطلح فلا وجه لتعليل المغفرة بفتح مكة.
 
الشبهة التاسعة: يقول القران الكريم حول زواج النبي صلى الله عليه واله بزوجة زيد ابن حارثة (متبنى النبي) المطلقة: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾2.
 
فكيف يتلاءم مثل هذا القول مع العصمة.
 
الجواب: إن مثل هذا العمل الذي صدر بأمر الله، ومن أجل القضاء على تقليد من التقاليد الجاهلية المنحرفة (حيث كان يعتبر المتبنى كالابن من النسب) كان يخشي النبي صلى الله عليه واله أن يحمله الناس لضعف إيمانهم على ميوله ورغباته الشخصية، وان يؤدي ذلك إلى ارتدادهم عن الدين، وقد أطلعه الله تعالى في هذه الاية الشريفة على أن المصلحة في مكافحة هذا التقليد المنحرف أكثر أهمية، والأجدر به أن يكون أكثر خشية وخوفا من مخالفة الإرادة الإلهية القائمة على مكافحة نبيه عمليا لهذا التقليد الخاطى، اذن فهذه الاية ليست في مجال 
 

1- الفتح: 2.
2- الأحزاب: 37.
 
 
123

 

112

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

تأنيب النبي صلى الله عليه واله وتوبيخه.
 
الشبهة العاشرة: إن القران الكريم يعاتب النبي صلى الله عليه واله في مواضع عديدة، منها حين أذن النبي صلى الله عليه واله لبعض الافراد بترك القتال حيث يقول تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾1.
 
ومنها: تحريم بعض الأمور المحللة إرضاء لبعض زوجاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾2.
 
فكيف ينسجم هذا العتاب مع عصمته؟
والجواب: إن مثل هذا الخطاب في واقعه (مدح بأسلوب العتاب) حيث يدل على مدى ما كان يملكه النبي صلى الله عليه واله من شفقة وحنان حتى على المنافقين ومرضى القلوب، حيث لم يبعث اليأس فيهم، ولم يكشف عن أسرارهم، وأيضا حين يقدم مرضاة زوجاته على رغباته وميوله، ويحرم باليمين عملا مباحا في حقه، وهذا لا يعني، (والعياذ بالله) أنه يحاول تغيير حكم الله، وتحريم الحلال على الناس. وفي الواقع ان هذه الايات من ناحية ما نظير الايات التي تشير إلى جهود النبي صلى الله عليه واله الكبيرة واهتمامه البالغ وحرصه الشديد لهداية الكفار، أمثال قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ3.
 
أو الآيات التي تدل على ما يبذله من جهد ومشقة في سبيل عبادة الله مثل: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾4.
 
وعلى كل حال، فلا تنافي هذه الآيات عصمته صلى الله عليه وآله.
 

1- التوبة: 43.
2- التحريم: 1.
3- الشعراء: 3.
4- طه: 1-2.
 
 
124

 

113

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

تأنيب النبي صلى الله عليه واله وتوبيخه.
 
الشبهة العاشرة: إن القران الكريم يعاتب النبي صلى الله عليه واله في مواضع عديدة، منها حين أذن النبي صلى الله عليه واله لبعض الافراد بترك القتال حيث يقول تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾1.
 
ومنها: تحريم بعض الأمور المحللة إرضاء لبعض زوجاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾2.
 
فكيف ينسجم هذا العتاب مع عصمته؟
والجواب: إن مثل هذا الخطاب في واقعه (مدح بأسلوب العتاب) حيث يدل على مدى ما كان يملكه النبي صلى الله عليه واله من شفقة وحنان حتى على المنافقين ومرضى القلوب، حيث لم يبعث اليأس فيهم، ولم يكشف عن أسرارهم، وأيضا حين يقدم مرضاة زوجاته على رغباته وميوله، ويحرم باليمين عملا مباحا في حقه، وهذا لا يعني، (والعياذ بالله) أنه يحاول تغيير حكم الله، وتحريم الحلال على الناس. وفي الواقع ان هذه الايات من ناحية ما نظير الايات التي تشير إلى جهود النبي صلى الله عليه واله الكبيرة واهتمامه البالغ وحرصه الشديد لهداية الكفار، أمثال قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ3.
 
أو الآيات التي تدل على ما يبذله من جهد ومشقة في سبيل عبادة الله مثل: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾4.
 
وعلى كل حال، فلا تنافي هذه الآيات عصمته صلى الله عليه وآله.
 
 

1- التوبة: 43.
2- التحريم: 1.
3- الشعراء: 3.
4- طه: 1-2.

 
124
 

 


114

الدرس الثامن عشر: شبهات وحلول‏

الأسئلة
 
1- لماذا كان الأنبياء وأولياء الله يعتبرون أنفسهم مذنبين، ويمارسون التضرع والاستغفار؟
 
2- كيف تتلاءم تأثيرات الشيطان في الأنبياء عليه السلام مع عصمتهم؟
 
3- كيف يتلاءم العصيان والنسيان الذي نسب في القران الكريم لادم عليه السلام مع عصمته؟
 
4- ما هي الشبهة التي طرحت حول عصمة موسى عليه السلام؟ اذكرها مع الجواب عنها.
 
5- كيف تتلاءم نسبة الذنب لنبي الإسلام صلى الله عليه واله في سورة الفتح مع عصمته؟
 
 
125

115

الدرس التاسع عشر: المعجزة

 طرق إثبات النبوة
المسألة الأساس الثالثة في فصل النبوة هي كيف يثبت للناس صدق دعوى الأنبياء الحقيقيين وكذب المدعين الكاذبين؟

لا شك في أن الشخص الضال والمرتكب للمعاصي التي يدرك العقل ايضا قبحها لا يمكن الاعتماد عليه، والثقة به وتصديقه، ويمكن بذلك إثبات كذبه في ادعائه النبوة، فيما لو اشترطنا العصمة في الأنبياء وخاصة اذا كان يدعو إلى امور مخالفة للعقل والفطرة الإنسانية، أو وجد تناقض في اقواله وأحاديثه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، ربما تكون الحياة السابقة النظيفة للنبي، وسيرته الحسنة، باعثة على حصول الاطمئنان بصدقه عند الأفراد المنصفين، وخاصة اذا شهد العقل بصحة محتويات دعوته، وكذلك من الممكن أن تثبت نبوة شخص بتبشير نبي آخر، وإخباره عنه، وتعريفه به بحيث لا يبقى أي شك أو ترديد للباحثين عن الحقيقة بأنه نبي. ولكن لو لم تتوفر بين الناس القرائن والشواهد والمؤشرات المؤدية إلى الاطمئنان، ولم تصل إليهم بشارة نبي اخر، فهنا تفرض الحاجة وجود
 
 
126
 

116

الدرس التاسع عشر: المعجزة

طريق اخر لاثبات النبوة، وقد جعل الله تعالى لحكمته البالغة هذا الطريق، وجهز الأنبياء بمعاجز هي علامات وايات على صدق دعواهم، ومن هنا سميت بـ (الآيات)1.

والحاصل: إنه يمكن إثبات صدق الأنبياء الحقيقيين في دعواهم، من خلال ثلاث طرق:
 
1- من طريق القرائن والمؤشرات والشواهد المؤدية إلى الاطمئنان، أمثال الصدق والأمانة والاستقامة وعدم الإنحراف عن مسير الحق والعدالة طوال حياتهم. ولكن هذا الطريق لا يتحقق إلا في الأنبياء الذين عاشوا سنوات طويلة بين الناس، وكانت سيرتهم معروفة عندهم. أما النبي الذي بعث بالرسالة في بدايات شبابه، وقبل أن يتعرف الناس على شخصيته وسيرته، فلا يمكن التعرف على صحة دعواه وصدقه من طريق هذه المؤشرات والدلائل.
 
2- أن يعرفه ويبشر به نبي سابق أو معاصر، ويختص هذا الطريق ايضا في الناس الذين عرفوا نبيا آخر، واطلعوا على بشارته ودعمه وتأييده، وبطبيعة الحال لا مجال لمثل هذا الطريق في النبي الأول.
 
3- عن طريق اظهار المعجزة التي يمكن ان يكون أثرها أكثر اتساعا وشمولية، ومن هنا نحاول البحث حول هذا الطريق.
 
تعريف المعجزة
المعجزة عبارة عن الأمر الخارق للعادة، تظهر من مدعي النبوة بإرادة الله، وتكون دليلا على صدق دعواه.
 
والملاحظ في هذا التعريف أنه يشتمل على عناصر ثلاثة:
أ- وجود بعض الظواهر الخارقة للعادة، والتي لا يمكن أن توجد من خلال
 

1- لقد استخدمت لفظة (الآيات) في موارد أخرى، منها علامات العلم والقدرة والحكمة الإلهية في ظواهر الوجود سواء كانت عادية أو غير عادية. 
 
 
127

117

الدرس التاسع عشر: المعجزة

الأسباب والعلل العادية.
 
ب- ظهور بعض هذه الأمور الخارقة للعادة، من الأنبياء بالإرادة الالهية، وبإذن خاص من الله تعالى.
 
ج- إن مثل هذا الأمر الخارق للعادة، يمكن أن يكون دليلا على صدق دعوى النبي، وفي هذه الحالة يصطلح عليه بـ(المعجزة).
 
والآن نحاول توضيح هذه العناصر الثلاثة التي تضمنها التعريف:
 
الأمور الخارقة للعادة
إن الظواهر الكونية إنما توجد غالبا نتيجة أسباب وعلل يمكن التعريف عليها من خلال التجارب المختلفة، أمثال أكثر الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والنفسية. ولكن هناك حالات نادرة تتحقق فيها هذه الظواهر بصورة أخرى، حيث لا يمكن التعرف على جميع اسبابها وعللها من خلال التجارب الحسية. وهناك بعض الشواهد تدل على وجود عوامل من نوع اخر أثرت في تكوين هذه الظواهر، كالأعمال الغريبة والمدهشة التي يقوم بها المرتاضون، ويشهد الخبراء والمتخصصون في مختلف العلوم بأن مثل هذه الأعمال لا تتم وفق قوانين العلوم المادية والتجريبية، ويطلق على مثل الأمور بـ(الأمور الخارقة للعادة).
 
خوارق العادة الإلهية
يمكن تقسيم الأمور الخارقة للعادة بصورة عامة إلى قسمين:
 
الأول: الأمور التي لا تكون أسبابها وعللها عادية، ولكن اسبابها غير العادية في مقدور البشر وتحت اختيارهم، ويمكن التوصل إليها من خلال بعض التدريبات والدروس والتعليمات الخاصة، أمثال اعمال المرتاضين.
 
الثاني: الأعمال الخارقة للعادة والتي لا تتم إلا بإذن إلهي خاص، ولا تكون في متناول أولئك الأفراد الذين 
 
 
128
 

118

الدرس التاسع عشر: المعجزة

لا علاقة لهم بالله تعالى، ومن هنا فلها ميزتان:
 
احداهما: أنها غير قابلة للتعليم والتعلم.
 
والأخرى: أنها لا تخضع لتأثير قوة أخرى أرقى واقوى منها، ولا يمكن لأي عامل اخر أن يقهرها.
 
ومثل هذه الخوارق للعادة مختصة بعباد الله المصطفين والمنتجبين، ولا يمكن أن تكون في متناول أيدي الضالين والعابثين، ولكنها لا تختص بالأنبياء، بل ربما زود بها بعض أولياء الله، ولذلك لا يصطلح عليها كلها في علم الكلام بـ(المعجزة)، والمعروف أن يطلق على مثل هذه الأعمال في حالة صدورها من غير الأنبياء (الكرامة)، كما ان العلوم الالهية غير العادية لا تختص (بوحي النبوة) وحين يزود بعضهم بمثل هذه العلوم، يطلق عليها (الإلهام) أو (التحديث).
 
ومن خلال ذلك تعرفنا على الطريق لمعرفة هذين النوعين من خوارق العادات(الإلهية، وغير الإلهية)، فاذا كان الاتيان بالخارق للعادة قابلا للتعليم أو التعلم، أو يمكن لعامل اخر ان يمنع من حدوثه أو استمراره، وابطال تأثيره، فلا يكون هذا العمل من قبيل خارق العادة الإلهي، ويمكن أن يعتبر ضلال فرد، وفساد معتقداته وأخلاقه مؤشرا اخر على عدم ارتباطه بالله تعالى، وعلى كون أعماله شيطانية أو نفسانية.
 
وتجدر الاشارة هنا إلى ملاحظة أخرى وهي أنه يمكن لنا ان نعتبر الله هو الفاعل لهذه الأعمال الالهية الخارقة للعادة (بالاضافة لفاعليته بالنسبة لكل المخلوقات ومنها الظواهر العادية، وذلك بملاحظة إناطة تحققها بإذن خاص منه تعالى1 ويمكن أيضاً أن ننسبها إلى الوسائط أمثال الملائكة والأنبياء بملاحظة دورهم فيها كوسطاء أو فاعلين قريبين، كما نسب القران الكريم لعيسى 
 

2- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ الرعد: 27.
 
 
129


 

119

الدرس التاسع عشر: المعجزة

عليه السلام إحياء الموتى، وشفاء المرضى، وخلق الطير1. ولا تعارض بين هاتين النسبتين، لأن الفاعلية الالهية في طول فاعلية العباد.
 
ميزة معجزات الأنبياء
العنصر الثالث في تعريف المعجزة، أن معجزات الأنبياء اية ودليل على صدق دعواهم، ومن هنا إنما يطلق في علم الكلام مصطلح (المعجزة) على الأمر الخارق للعادة، حين يصدر دليلا على نبوة النبي، اضافة إلى استناده إلى الإذن الإلهي الخاص، وبقليل من التعميم والتوسع في مفهومه يصبح شاملا الأمور الخارقة للعادة أيضا والتي تصدر دليلا على صدق دعوى الإمامة، ولذلك يختص مصطلح (الكرامة) بسائر الخوارق الإلهية للعادة، والتي تصدر من أولياء الله، مقابل خوارق العادات التي تستند إلى القوى الشيطانية والنفسانية، أمثال: السحر، والكهانة، وأعمال المرتاضين. ومثل هذه الأعمال كما أنها قابلة للتعليم والتعلم، كذلك يمكن قهرها بقوة أرقى واقوى منها، والغالب أنه يمكن أن نثبت عدم انتسابها إلى الله من طريق سوء وانحطاط أخلاق أصحابها وفساد معتقداتهم.
 
والملاحظة التي يلزم التوجه إليها هنا هي أن معجزات الأنبياء إنما تثبت بصورة مباشرة صدقهم في دعوى النبوة، أما صحة محتوى الرسالة ولزوم الاطاعة للتعاليم والأوامر التي يبلغونها، فإنها تثبت بصورة غير مباشرة، وبتعبير آخر: تثبت نبوة الأنبياء عليه السلام بالدليل العقلي، أما محتويات رسالاتهم فتثبت بالدليل التعبدي.
 

1- ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ آل عمران: 49.
 
 
130

 

120

الدرس التاسع عشر: المعجزة

الأسئلة
1- ما هي الطرق التي يمكن التعرف من خلالها على الأنبياء الحقيقيين؟ وما هو الفرق بين هذه الطرق؟
 
2- عرف المعجزة.
 
3- ما هو الفرق بين الخارق الالهي للعادة، والخارق غير الإلهي؟
 
4- وضح مصطلحي المعجزة والكرامة.
 
5- هل إن المعجزة عمل مستند إلى الله أم إلى النبي؟
 
 
131
 

121

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

حلّ عدة شبهات‏
 
طرحت بعض الشبهات حول مسألة الإعجاز، وفيما يلي نستعرضها ونجيب عنها.
 
الشبهة الأولى: إن لكل ظاهرة مادية علة خاصة، يمكن التعرف عليها من خلال التجارب العلمية، وعدم التعرف على علة ظاهرة نتيجة لنقص أدوات التجربة ووسائلها، لا يمكن أن يعتبر دليلا على عدم وجود العلة العادية لتلك الظاهرة، نعم يمكن الاعتراف بأمر واحد في الظواهر الخارقة للعادة، وهو أنها وجدت بسبب علل وعوامل مجهولة، وغير معروفة وعلى أكثر التقادير، نعتبر التعرف على عللها في ذلك الزمان الذي لم تعرف فيه بعد أمر معجزا، أما أن ننكر وجود العلل التي يمكن اكتشافها ومعرفتها من خلال التجارب العلمية، فإن هذا يعني نفيا لمبدأ العلية وهو باطل.
 
والجواب: إن مبدأ العلية لا يقتضي أكثر من أن تكون لكل موجود مرتبط ومعلول علة ما، ولكن هذا المبدأ لا يفرض أن تكون كل علة قابلة للمعرفة والاكتشاف من خلال التجارب العلمية، ولا يوجد أي دليل على ذلك، لان ميدان التجارب العلمية ومجالها محدد بالأمور الطبيعية، ولا يمكن أن يثبت من خلال 
 
132

 

 


122

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

أدوات المختبرات وأجهزتها وجود امور ما وراء الطبيعة أو نفيها، أو عدم تأثيرها.
 
أما تفسير الاعجاز بالتعرف على العلل المجهولة فغير صحيح، ذلك لأن هذه المعرفة إن توصل إليها من طريق العلل والعوامل العادية، فلا يكون هناك فرق بينها وبين سائر الظواهر العادية، ولا يمكن اعتبارها بأي وجه كان أمرا خارقا للعادة. أما لو حصلت المعرفة المذكورة بصورة غير عادية، فإنها وإن كانت أمرا خارقا للعادة وفيما لو كانت مستندة إلى اذن خاص من الله تعالى، وصدرت كدليل على صدق النبوة ستعتبر من أقسام المعجزة (المعجزة العلمية)، كما في معرفة عيسى عليه السلام ما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم، حيث اعتبرت من معجزاته1. ولكن لا يمكن حصر المعجزة بهذا القسم، ونفي سائر اقسامها، وأخيرا يبقى التساؤل عن الفرق بين هذه الظاهرة وسائر الظواهر الخارقة للعادة في علاقتها بمبدأ العلية.
 
الشبهة الثانية: جرت السنة الإلهية على أن توجد كل ظاهرة من طريق علة خاصة، والآيات القرآنية تصرح بأنه ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً2، وخرق العادة بمثابة التغيير والتبديل للسنة الإلهية، تنفيه هذه الآيات.
 
وهذه الشبهة كالسابقة، مع الفرق في أن الشبهة السابقة قد استدل عليها بالعقل فحسب، وهذه الشبهة استند فيها للآيات القرآنية.
 
والجواب: إن هذا الرأي الذي يعتبر حصر اسباب الظواهر وعللها في الاسباب والعلل العادية من السنن الالهية التي لا تقبل التغير مثل هذا الرأي لا دليل عليه،
 

1- ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنّ‏َ فِي ذَلِكَ لايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ال عمران: 49.
2- الإسراء: 77، والأحزاب: 62، وفاطر: 43، والفتح: 23.
 
 
133
 

123

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

ونظيره أن يدعى بأن حصر علة الحرارة بالنار من السنن الإلهية التي لا تقبل التغيير!. ويمكن القول تجاه هذه الادعاءات بأن تعدد انواع العلل المختلفة لأنواع المعلولات، وقيام الاسباب غير العادية مقام الأسباب العادية هو مما يحدث في العالم دائما. ومن هنا يلزم اعتبار ذلك من السنن الالهية، وحصر الأسباب بالأسباب العادية يعتبر تغييرا لها، تنفيه الآيات القرآنية الكريمة.
 
وعلى كل حال فتفسير الآيات الدالة على نفي التغير والتحويل في السنن الالهية بأن لا يقوم مقام الاسباب العادية شي‏ء وانها من السنن التي لا تقبل التغيير يعد تفسيرا بلا دليل، بل هناك ايات كثيرة تدل على وقوع المعجزات وخوارق العادات تقف كدليل قوي على عدم صحة هذا التفسير، ولابد من البحث عن تفسيرها الصحيح في كتب التفسير. ونشير له هنا بإيجاز فنقول: بأن هذه المجموعة من الآيات الشريفية تستهدف نفي تخلف المعلول عن العلة، لا أنها تنفي تعدد العلة وقيام العلة غير العادية، مقام العلة العادية، بل يمكن القول بأن القدر المتيقن من مورد هذه الآيات، هو تأثير الأسباب والعلل غير العادية.
 
الشبهة الثالثة: جاء في القران الكريم أن الناس طالبوا نبي الاسلام صلى الله عليه واله مرارا ببعض المعجزات، وخوارق العادات وامتنع النبي صلى الله عليه واله عن الاستجابة لطلبهم1 فإذا كان الاتيان بالمعجزات طريقا لإثبات النبوة، إذن فلماذا لم يستفد النبي صلى الله عليه واله من هذا الطريق لإثبات نبوته؟
 
والجواب: ان هذه الآيات مرتبطة بالطلب الذي صدر منهم عنادا، أو لأهداف أخرى غير طلب الحقيقة2، بعد اتمام الحجة عليهم، وإثبات نبوته صلى الله عليه واله
 

1- ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الأنعام: 37.
2- ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الأنعام: 35.
 
 
134



 

124

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

بالطرق الثلاث (دلائل الصدق، وبشارت الأنبياء السابقين، وإظهار المعجزة) والحكمة الالهية اقتضت عدم الاستجابة لهم.
 
وتوضيحه: إن الهدف من إظهار المعجزة وهي أمر استثنائي في النظام الحاكم في الكون وتصدر أحيانا استجابة لمطالبة الناس (مثال ناقة صالح عليه السلام) وأخرى تصدر ابتداء ومن دون مطالبتهم (كمعجزات عيسى عليه السلام) إنما هو التعريف بأنبياء الله، واتمام الحجة على الناس، لا إلزامهم وقهر هم على قبول دعوة الأنبياء ولا اجبارهم على التسليم والانقياد الجبري لهم، ولا توفير مشاهد اللهو والتسلية لهم، والتلاعب بنظام الأسباب والمسببات العادية.
 
ومثل هذا الهدف لا يقتضي الاستجابة لكل رغبة وطلب، بل إن الاستجابة أحياناً مخالفة للحكمة ونقض للغرض، أمثال المطالبة ببعض الأعمال التي تسد طريق الاختيار، وتقهر الناس على تقبل دعوة الأنبياء عليه السلام، أو الطلب الصادر عن دافع العناد، أو لأهداف أخرى غير البحث عن الحقيقة، وذلك لأنها من ناحية ستؤدي بالمعاجز للابتذال، ويتجة الناس لمشاهدتها من أجل قضاء وقتهم في اللهو والتسلية، أو أنهم يلتفون حول الأنبياء مستهدفين تحقيق بعض المنافع الشخصية، ومن ناحية أخرى، ستزول أجواء الامتحان والاختبار والاختيار الحر، وسيتبع الناس الأنبياء عن اكراه، خاضعين لتأثير عوامل الضغط والقهر، وكلا الناحيتين مخالف للحكمة والهدف من اظهار المعجزات.
 
وأما في غير هذه المجالات، وحين تقتضي الحكمة الالهية فان الأنبياء سيستجيبون لطلب الناس، كالمعاجز الكثيرة التي أتي بها نبي الاسلام صلى الله عليه واله، وقد ثبت نقل بعضها بالتواتر، وفي مقدمتها معجزته الخالدة اي القرآن الكريم.
 
الشبهة الرابعة: إن المعجزة من جهة اناطتها بالاذن الإلهي الخاص يمكن ان تكون دليلا واية على وجود الارتباط الخاص بين الله وحامل المعجزة، بدليل منحه 
 
 
 
135

125

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

هذا الاذن الخاص له خاصة، وبعبارة أخرى: قد تحقق عمله بيده، وعن طريق إرادته، ولكن لا يلزم عقلا من هذا الارتباط ان يكون هناك ارتباط اخر بين الله تعالى وحامل المعجزة، وأنه رسول وقد تلقى الوحي منه، اذن فالمعجزة لا يمكن أن تعتبر دليلا عقليا على صحة دعوى النبوة، وأكثر ما تدل عليه في هذا المجال أن تكون دليلا ظنيا واقناعيا عليها فحسب.
 
والجواب: إن العمل الخارق للعادة، وان كان من نوع الخرق الالهي للعادة، لا يدل بنفسه على وجود علاقة الوحي، ومن هنا لا يمكن أن تعتبر كرامات اولياء الله دليلا على نبوتهم، ولكن الحديث هنا هو حول ذلك الشخص الذي ادعى النبوة، واظهر المعجزة دليلا واية على صدق دعواه، واذا افترضنا أن هذا الشخص ادعى النبوة كذبا، فهذا يعني أنه قد ارتكب أعظم المعاصي وأبشعها، ويترتب على عمله أسوء المفاسد في الدنيا والاخرة.
 
ومثل هذا الشخص لا يصلح أبدا لمثل هذا الارتباط بالله تعالى، ولا تقتضي الحكمة الالهية تزويده بالقدرة على اظهار المعجزة، ليكون سببا في ضلال العباد وانحرافهم.
 
والحاصل: إن العقل يدرك بوضوح أن الشخص الذي يصلح لهذا الارتباط الخاص مع الله تعالى، والتزود بالقدرة على إظهار المعجزات، إنما هو الشخص الذي لا يخون مولاه، ولا يكون سببا في ضلال العباد وشقائهم الأبدي.
 
إذن فاظهار المعجزة دليل عقلي قاطع على صحة دعوى النبوة. وان من يدعي النبوة صادق في دعواه.
 
 
136
 

 


126

الدرس العشرون‏: شبهات وحلول‏

 الأسئلة
1- ما هو مضمون مبدأ العلية؟ وماذا يلزم منه؟
 
2- لماذا كان الاعتراف بمبدأ العلية لا ينافي الاعتراف بالاعجاز؟
 
3- لماذا لا يصح تفسير الاعجاز بمعرفة العلل المجهولة؟
 
4- هل إن الاعتراف بالاعجاز ينافي قبول السنن الإلهية للتغير؟ ولماذا؟
 
5- لماذا لم يستجب الأنبياء لكل ما يطلبه الناس من معاجز؟
 
 
137
 

 

127

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

تعدد الأنبياء
 
لقد بحثنا حتى الآن في ثلاث مسائل أساسية من مسائل النبوة، ووصلنا لهذه النتيجة، مع ملاحظة قصور المعرفة البشرية من الوصول لكل المعلومات والمعارف المؤثرة في السعادة الدنيوية والأخروية، فإن الحكمة الإلهية تقتضي تعيين نبي أو أنبياء يتم تعليمهم ببعض الحقائق الضرورية ليبلغها أولئك لسائر البشر بصورة سليمة، دون أن تتعرض لأي تشويه وتلاعب. ومن ناحية أخرى، على الرسل إبلاغها للآخرين بصورة تتم الحجة عليهم، وأفضل الطرق وأكثرها شمولية في هذا المجال هو إظهار المعجزة. وقد أثبتنا هذه المفاهيم بالبراهين العقلية، ولكن هذه البراهين لا تدل على ضرورة تعدد الأنبياء والكتب والشرائع السماوية. فإذا افترضنا أن ظروف الحياة البشرية بالصورة التي يمكن فيها لنبي ما أن يبين كل ما يحتاج إليه البشر، حتى نهاية العالم، بحيث يتمكن كل فرد أو جماعة عبر التاريخ من التعرف على وظيفته من خلال رسالة هذا النبي فان ذلك لا يكون مخالفا لهذه البراهين. ولكننا نعلم:

أولاً: إن عمر الإنسان أي إنسان كان ومنهم الأنبياء محدود وقصير، ولا 
 
 
138
 

128

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

تقتضي حكمة الخلق بقاء النبي الأول حيا حتى نهاية العالم، ليهدي جميع البشر بشخصه.
 
وثانياً: الملاحظ عدم اتحاد وتشابه ظروف الحياة البشرية في مختلف الأزمنة والأمكنة، وهذا الإختلاف والتغير في الظروف، وخاصة مع ملاحظة التعقيد التدريجي الذي تتعرض له العلاقات الإجتماعية، يمكن أن يكون له تأثيره في كيفية الأحكام والقوانين الإجتماعية وكميتها، وربما تطلب ذلك أحيانا تشريع قوانين جديدة، واذا فرض بيان مثل هذه القوانين وإبلاغها بواسطة نبي مبعوث قبل الاف السنين، لكان مثل هذا البيان والابلاغ عبثا ولغوا، كما يشق الحفاظ عليها، ويعسر تنفيذها في مجالاتها الخاصة.
 
ثالثاً: في الكثير من الأزمنة والعصور السابقة، لم تكن وسائل الاعلام وإمكانات النشر متوفرة لدعوة الأنبياء بالصورة التي يمكن للنبي إيصال رسالته لجميع البشر في العالم.
 
رابعاً: إن تعاليم النبي قد تتعرض في وسط الأمة التي تلقت هذه التعاليم منه وبمرور الزمن، ونتيجة لشتى العوامل إلى التحريف1 والى تفسيرات منحرفة خاطئة لها، وبعد فترة من الزمن ربما تتحول إلى دين مشوة ومنحرف، كما هو الملاحظ في دين عيسى عليه السلام التوحيدي حيث تحول لدين التثليث.
 
ومن خلال هذه الملاحظات تتضح الحكمة في تعدد الأنبياء عليهم السلام واختلاف الشرائع السماوية حول بعض الأحكام العبادية والقوانين الإجتماعية2
 

1- للتعرف على نماذج من هذه التحريفات يراجع كتاب (الهدى إلى دين المصطفى) العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي.
2- ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ المائدة: 48.
 
 
 
139
 
 

 

129

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

بالرغم من اتحادها في أصول العقائد والأسس الأخلاقية، واشتراكها في أصول الأحكام الفردية والإجتماعية1 فالصلاة مثلاً مشرعة في جميع الأديان السماوية، وان اختلفت الامم في طريقة ادائها أو في قبلتها، وكذلك الزكاة والانفاق، فهي مشرعة في كل الشرائع، وان اختلفت في مقدارها ومواردها.
 
وعلى كل حال، يجب على كل انسان الإيمان بجميع الأنبياء، وعدم التفريق بينهم، في مجال الإعتقاد والتصديق بالنبوة، وكذلك التصديق بكل الرسالات والتعاليم النازلة عليهم2، وعدم التفريق بينها، ولا يحق تكذيب أي نبي منهم، أو تكذيب أي حكم من أحكامهم، بل إن تكذيب واحد منهم، بمثابة تكذيب لجميعهم، وإنكار حكم الهي واحد يعتبر انكارا لجميع أحكام الله3، وبطبيعة الحال فإن الوظيفة العملية لكل امة، في أي زمان، اتباع التعاليم العملية، لنبي تلك الامة وذلك الزمان.
 
والملاحظة التي يلزم التأكيد عليها هنا: إن العقل الإنساني وإن أمكنه التوصل من خلال الملاحظات السابقة إلى ادراك الحكمة في تعدد الأنبياء والكتب السماوية، والإختلاف بين الشرائع السماوية، بحيث يمكنه الحكم بالتحديد وعلى ضوء ذلك في أي زمان أو مكان يلزم بعثة نبي جديد، أو شريعة جديدة، وكل ما يمكنه فهمه عدم الضرورة لبعثة نبي اخر، فيما لو كانت الظروف التي يعيشها البشر بالصورة التي تصل معها دعوة الأنبياء لجميع البشر، وتبقى معها الرسالة سليمة ومصونة للمستقبل، وعدم حدوث تغير كبير في الظروف الإجتماعية يفرض
 

1- ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ال عمران: 20 19.
2- ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ الشورى: 13.
3- النساء: 150، والبقرة: 85.
 
140

 

130

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

تشريعات أساسية جديدة، وتغيرا في الأحكام والقوانين الموجودة.
 
عدد الأنبياء
أشرنا سابقا إلى ان العقل لا يملك طريقا يثبت من خلاله عدد الأنبياء والكتب السماوية، ولا يتيسر إثبات أمثال ذلك إلا من طريق الدليل النقلي. والقرآن الكريم وإن أكد أن الله تعالى بعث لكل أمة نبياً1، ولكنه لم يحدد عدد الامم وانبيائهم، وانما اقتصر على ذكر أسماء عشرين أو أكثر بقليل، من الأنبياء عليهم السلام واشار لقصص وحكايات بعض منهم دون ان يصرح باسمائهم2، ولكن ورد في بعض الروايات عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام3، ان الله بعث مئة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء، وأن سلسلة الأنبياء تبدأ من ادم أبي البشر عليه السلام وتختم بمحمد بأن عبد الله صلى الله عليه واله.
 
وبالإضافة لاطلاق تسمية (النبي) على أنبياء الله، وهو يدل على هذا المنصب الالهي الخاص، فإنهم يمتلكون صفات أخرى أمثال (النذير) و(المنذر) و(المبشر)4 واعتبروا من( الصالحين) و(المخلصين) وقد بلغ بعضهم مقام (الرسالة) وورد في بعض الروايات أن عدد الرسل الالهيين ثلاثمئة وثلاثة عشر5.
 

1- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فاطر: 24.
2- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ البقرة: 246. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ البقرة: 248.
3- يلاحظ كتاب الاعتقادات للصدوق، وبحار الأنوار، ج‏11، ص‏28 و32 وص‏41 من الطبعة الجديدة.
4- ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ البقرة: 213.
5- بحار الأنوار، ج‏11، ص‏32 من الطبعة الجديدة.
 
 
141

 

 


131

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

ولذلك يقع البحث هنا عن مفهوم النبوة والرسالة، والفرق بين النبي والرسول.
 
النبوة والرسالة
إن لفظة (الرسول) بمعنى (حامل الرسالة)، ولفظة النبي إذا كانت مشتقة من مادة (نبأ) فالنبي بمعنى (صاحب الخبر المهم)، واذا كانت مشتقة من مادة (نبو) فهو بمعنى: (صاحب المقام الرفيع والشريف).
 
واعتقد البعض أن مفهوم النبي أعم من مفهوم الرسول وذلك لأن النبي هو الذي نزل عليه الوحي من الله، سواء كان مأمورا بالابلاغ للاخرين أم لم يكن، بينما الرسول هو المأمور بإبلاغ الوحي أيضا، ولكن هذا التفسير غير صحيح، وذلك لأنه ذكرت بعض الايات الكريمة صفة (النبي) بعد صفة( الرسول)1، مع أنه وفق التفسير المذكور، يلزم أن تذكر الصفة التي تتضمن المفهوم العالم وهي (النبي) قبل ذكر الصفة الخاصة (الرسول) اضافة إلى عدم وجود دليل على اختصاص الأمر بابلاغ الوحي بالرسل.
 
وورد في بعض الروايات أن مقتضى مقام النبوة أن يرى صاحبها ملك الوحي في النوم، وأن يسمع صوته فحسب في اليقظة، بينما صاحب مقام الرسالة يشاهد ملك الوحي في اليقظة أيضا2.
 
ولكن هذا الفرق لا يمكن حمله على مفهوم اللفظ، وعلى كل حال فالذي يمكن تقبله أن النبي من حيث المصداق (لا المفهوم) أعم من الرسول، أي أن الأنبياء 
 

1- ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ مريم: 51 ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ مريم: 54.
2- أصول الكافي، ج‏1، ص‏176.

142

132

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

جميعا كانوا يملكون مقام النبوة. وأما مقام الرسالة فهو مختص بجماعة منهم، وعدد الرسل وفق الرواية السابقة (ثلاثمئة وثلاثة عشر) وبطبيعة الحال يكون مقامهم أسمى من مقام سائر الأنبياء كما أن الرسل لم يكونوا متساوين من حيث الدرجة والفضيلة1، وقد نال بعضهم مقام (الإمامة) أيضا2.
 
الأنبياء أولو العزم‏
عبر القرآن الكريم عن جماعة من الأنبياء بأنهم (أولو العزم)3 ولكن لم يحدد خصائصهم. ويستفاد من روايات أهل البيت عليهم السلام أن عدد الأنبياء أولي العزم خمسة، وهم بحسب الترتيب الزمني: نوح وابراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد ابن عبد الله (عليهم الصلاة والسلام4، والميزة التي يتميزون بها، إضافة للصبر والاستقامة المتميزة التي تمتعوا بها، وأشير اليها في القرآن الكريم هي: إن لكل واحد منهم كتابا وشريعة مستقلة، وقد اتبع شريعته الأنبياء المعاصرون له، أو المتأخرون عنه، حتى يبعث نبي اخر من اولي العزم بالرسالة، ويأتي بكتاب وشريعة جديدة.
 
ومن خلال ذلك اتضح أن من الممكن اجتماع نبيين في زمان واحد، كما عاصر لوط إبراهيم عليه السلام وهارون موسى عليه السلام ويحيى عيسى عليه السلام، في زمان واحد.
 

1- ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ البقرة: 253.
2- ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة: 124.
3- ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الأحقاف: 35.
4- بحار الأنوار، ج‏11، ص‏34 33، ومعالم النبوة، ص‏113.
 
 
143

 


133

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

ملاحظات
في نهاية هذا الدرس نشير بايجاز إلى بعض الملاحظات ونقتصر على ذكر عناوينها، دون إطالة البحث عنها:
 
أ- إن أنبياء الله يصدق بعضهم بعضا، ويبشر السابق منهم ببعثة النبي اللاحق1، ومن هنا، فإن مدعي النبوة الذي يكذبه الأنبياء السابقون أو المعاصرون له يعتبر كاذبا.
 
ب- إن أنبياء الله لم يطلبوا الأجر على ممارسة وظائف النبوة ومهامها من الناس2، ونبي الاسلام صلى الله عليه واله لم يطلب من امته أجرا لرسالته إلا ايصاءهم بالمودة لأهل بيته3، ليؤكد أكثر على اتباعهم والتمسك بهم، وفي الواقع إن فوائد ومعطيات هذه الوصية تعود للامة نفسها4.
 
ج- كان لبعض أنبياء الله مناصب الهية أخرى أمثال القضاء والحكم، ويمكن أن نذكر من جملة هؤلاء الأنبياء السابقين داود وسليمان عليهم السلام، ويمكن أن يستفاد من الآية (64) من سورة النساء التي فرضت الاطاعة لكل رسول بصورة مطلقة أن الرسل جميعا كانوا يتمتعون بمثال هذه المناصب.
 
د- إن بعض الجن وهم نوع من المخلوقات المختارة والمكلفة، ولا يمكن للبشر رؤيتهم في الظروف العادية اطلعوا على دعوة بعض الأنبياء الالهيين، وقد امن بهم 
 

1- ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ال عمران: 81.
 
2- الأنعام: 90، ويس: 21، والطور: 40، والقلم: 46، ويونس: 72، وص: 86، وهود: 29 و51، والفرقان: 57، والشعراء: 109 و127 و145 و164 و180، ويوسف: 104.
 
3- ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ الشورى: 23.
 
4- ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ سبأ: 47.
 
 
144

 

134

الدرس الواحد والعشرون: خصائص الأنبياء

 بعض صلحائهم وأتقيائهم، وكان من بينهم أتباع لموسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله1، كما أن بعضهم كفروا بأنبياء الله اتباعا للشيطان2.
 
الأسئلة
1- بين الحكم والاسباب من تعدد الأنبياء.
 
2- ما هي الحالة التي لا يلزم معها إرسال الني الجديد؟
 
3- ما هو الفرق بين النبي والرسول؟ وما هي النسبة بينهما من حيث المفهوم، ومن حيث المصداق؟
 
4- بين المناصب الالهية يفضل بعض الأنبياء على بعضهم الاخر؟
 
5- من هم الأنبياء أولو العزم؟ وما هي خصائصهم؟
 

1- ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الأحقاف: 32 29.
2- ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًاً وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ الجن: 14 1.
 
 
 
145
 
 

135

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

المقدمة
لقد بعث عشرات الآلاف من الأنبياء الإلهيين، في مراحل تاريخية مختلفة، وفي نقاط شتى من العالم، وقاموا بمهامهم خير قيام في هداية البشر وتربيتهم، وخلفوا آثاراً ومعطيات مشرقة ومؤثرة في الشعوب. وقد قام كل منهم بتربية جماعة على أساس المعتقدات الصحيحة والقيم العليا، وكان لهم تأثيرهم غير المباشر في الآخرين، ووفق بعضهم إلى إقامة مجتمع توحيدي قائم على دعائم التوحيد والقسط والعدل، وتولوا مهمة قيادته.
 
وقد تميز من بين هؤلاء نوح وابراهيم عليهما السلام، وموسى وعيسى عليها السلام بأن أنزل الله عليهم كتبا سماوية مشتملة على الأحكام والقوانين الفردية والإجتماعية، والتعاليم والوظائف الأخلاقية والقانونية، الملائمة لظروفها الزمانية والمكانية، فوضعوها في متناول أيدي البشر، من أجل هدايتهم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة.
 
ولكن هذه الكتب أما انها اختفت تماما على امتداد الزمان، أو تعرضت لتحريفات لفظية ومعنوية، ونتيجة لذلك كله شوهت الأديان والشرائع السماوية،
 
 
146
 

136

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

كما تعرضت توراة موسى عليه السلام إلى تحريفات عديدة، ولم يبق من إنجيل عيسى عليه السلام شي‏ء إلا ما كتبه بعض أتباعه من كتابات جمعت باسم (الكتاب المقدس).
 
ولو ألقى اي منصف نظرة على كتاب العهدين (التوراة والإنجيل) المتداول اليوم، فسوف يدرك بأنه ليس هو الكتاب الذي انزل على موسى وعيسى عليهما السلام . فالتوراة اضافة إلى أنها صورت الله تعالى بصورة بشرية لأنه يجهل الكثير من الأمور والقضايا1، وانه يندم على ما عمله كثيرا2 وانه يصارع أحد عباده يعقوب عليه السلام ولا يتمكن من أن يصرعه، وأخيرا يتوسل إليه أن يكف عنه حتى لا يرى الناس إلههم في هذه الحالة المزرية3. كما أنها تنسب الكثير من الأعمال المنحرفة والبشعة لأنبياء الله، فتنسب الزنا بالمحصنة والعياذ بالله لداود عليه السلام4 وشرب الخمر والزنا بالمحارم للوط عليه السلام5 اضافة لذلك كله فان التوراة تذكر بالتفصيل حكاية وفاة موسى عليه السلام، وكيفية وفاته ومكانها6، علما أن التوراة نزلت على موسى نفسه!! ألا تكفي هذه النقطة وحدها لكي ندرك عدم صحة انتساب هذا الكتاب لموسى عليه السلام؟!.
 
وأما الانجيل فهو أسوأ حالا من التوراة، إذ لا يوجد اليوم أي كتاب نزل على عيسى عليه السلام، وحتى المسيحيين أنفسهم لا يدعون بأن الانجيل الموجود فعلا هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام، بل إن هذا الكتاب المتداول اليوم يشتمل على بعض الكتابات المنسوبة إلى بعض أتباعه عليه السلام، وهو
 

1- التوراة، سفر التكوين، الباب الثالث، الرقم 12 8.
2- التوراة، سفر التكوين، الباب السادس، الرقم 6.
3- التوراة، سفر التكوين، الباب 32، الرقم 32 24.
4- العهد القديم، كتاب صموئيل الثاني، الباب 11.
5- التوراة، سفر التكوين، الباب 19، الرقم 38 30.
6- التوراة، سفر التثنية، الباب 34.

147
 

137

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

 بالاضافة إلى تجويزه شرب الخمر، فانه يعتبر صنع الخمر من معاجز عيسى عليه السلام1!
 
وبإيجاز فان ما نزل من وحي على موسى وعيسى عليهما السلام قد تعرض للتحريف، ولا يمكنه أن يقوم بدوره المنشود في هداية البشر. وأما لماذا وكيف تم هذا التحريف فله حكاية طويلة ليس هنا مجال البحث عنها2.
 
أجل، في القرن السادس بعد ميلاد المسيح عليه السلام، وفي فترة طبق فيها العالم كله ظلام الجهل والظلم، وخمدت مشاعل الهداية الإلهية في كل أنحاء العالم، بعث الله خاتم أنبيائه وأفضلهم في أكثر المناطق تخلفا وانحطاطا وظلمة، ليضئ والى الأبد مشعل الوحي الساطع لكل الناس، وليحمل للبشر الكتاب الإلهي الخالد المصون من التحريف والنسخ، وليعلم الناس المعارف الحقيقية والحكمة السماوية، والأحكام والقوانين الإلهية، وليقود البشرية جمعاء باتجاه السعادة الدنيوية والآخروية3.
 
يصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه الظروف والأوضاع التي كان يعيشها العالم خلال بعثه النبي صلى الله عليه واله فيقول:
 
أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الامم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منائر الهدى، وظهرت اعلام الردى، فهي متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها. ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف4.
 

1- انجيل يوحنا الباب الثاني.
2- اظهار الحق، تأليف رحمة الله الهندي، والهدى إلى دين المصطفى، للعلامة البلاغي، و(راه سعادت بالفارسية) للعلامة الشعراني.
3- ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخرينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الجمعة: 3 2.
4- نهج البلاغة، الخطبة 187، وفي طبعة صبحي الصالح( منار) بلا من( منائر) الخطبة 89، ص 121، ج 122.
 
 
 
148

 

138

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

ومنذ ظهور نبي الاسلام، اعتبر البحث حول نبوة النبي صلى الله عليه واله، ورسالته وأن الدين الاسلامي المقدس على حق، أهم موضوع لكل انسان باحث عن الحقيقة (بعد التوحيد). ومع إثبات هذا الموضوع، الذي يلازمه إثبات أن القرآن الكريم على حق، واعتباره الكتاب السماوي الوحيد بين أيدي البشر، والمصون عن التحريف والتغيير، سيهتدي البشر حتى نهاية العالم إلى الطريق الوحيد لإثبات سائر المعتقدات الصحيحة، وسيمسك بالمفتاح لعلاج كل مسائل الرؤية الكونية.
  
الدليل على رسالة نبي الاسلام‏
يمكن أن نثبت نبوة الأنبياء من خلال ثلاث طرق:
الأول: التعرف على سيرتهم وسلوكهم، والاعتماد على القرائن والمؤشرات المؤدية للاطمئنان.
 
الثاني: أخبار الأنبياء السابقين وبشاراتهم.
 
الثالث: المعجزة.
 
ولقد توفرت الطرق الثلاث لدى نبي الاسلام. فمن جانب، عاصر أهل مكة، النبي صلى الله عليه واله واطلعوا عن كثب على حياته خلال أربعين عاما، فلم يجدوا نقطة ضعف في حياته المضيئة الحافلة بالنور والعطاء، وعرفوه بالصدق والامانة، حيث لقبوه بـ(الامين)، وبطبيعة الحال، فلا يحتمل الكذب في مثل هذا الشخص.
 
ومن جانب آخر وردت بشارات الأنبياء السابقين واخبارهم ببعثته1. وقد كان ينتظر ظهوره جماعة من اهل الكتاب، وكانوا يعرفون بعض العلامات الواضحة 
 

1- ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيّ‏َ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ الصف: 6.
 
 
 
149

 

139

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

والبينة عليه1، وكانوا يقولون للمشركين من العرب، بأنه سيبعث بالرسالة أحد بناء النبي اسماعيل (وهم من القبائل العربية)، يصدق الأنبياء السابقين والأديان التوحيدية2، وقد امن بالنبي صلى الله عليه واله بعض علماء اليهود والنصارى، اعتمادا على مثل هذه البشائر والاخبار3، وان اعرض بعضهم عن اعتناق الاسلام خضوعا لدوافع نفسانية وشيطانية.
 
وقد أشار القرآن الكريم لهذا الطريق: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ4.
 
إن معرفة علماء بني اسرائيل بنبي الاسلام صلى الله عليه واله استنادا لبشارات الأنبياء السابقين مثلما تعد دليلا واضحا على صحة رسالته فهي مقنعة لأهل الكتاب جميعا، وكذلك تعتبر حجة مقنعة على أن الأنبياء المبشرين أنفسهم كانوا على حق، وكذلك هي حجة للآخرين على ان نبي الاسلام صلى الله عليه واله على حق، وذلك لأنهم يشاهدون بعينهم ويميزون بعقولهم صدق البشارات والأخبار، والشواهد والعلاقات التي أنبأ عنها الأنبياء السابقون عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله.
 
ومما يثير العجب والدهشة ويجدر الالتفات إليه هو أنه حتى في هذا الانجيل وفي التوراة المحرفة نفسها، وبالرغم من كل الجهود التي بذلت من أجل إخفاء مثل هذه البشارات والاخبار، توجد بعض النقاط المضيئة التي تتم الحجة على الباحثين 
 

1- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ‏َ الأُمِّيّ‏َ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلّ‏ُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ امَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الأعراف: 157، وانظر أيضا: البقرة: 146، والانعام: 20.
2- ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينََ﴾ البقرة: 89.
3- ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ‏ِ يَقُولُونَ رَبَّنَا امَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ المائدة: 83، وانظر أيضا: الاحقاف: 10.
4- الشعراء: 197.

 
150
 

140

الدرس الثاني والعشرون‏: نبي الإسلام‏

عن الحقيقة، كما اهتدى الكثير من علماء اليهود والمسيحيين الذين كانوا طلابا للحق والحقيقة إلى الدين الإسلامي المقدس، بتأثير هذه النقاط المضيئة، والبشائر المتبقية في كتابي التوراة والإنجيل1.
 
وقد سجلت في كتب التاريخ والحديث الكثير من المعجزات البينة التي صدرت عن النبي صلى الله عليه واله وقد بلغ نقل الكثير منها حد التواتر2، ولكن العناية الإلهية اقتضت وجود معجزة آخرى تدل على النبي صلى الله عليه واله ودينه الخالد، بالإضافة لتلك المجعزات التي كانت حجة على الحاضرين والمشاهدين، ويتعرف عليها الآخرون عن طريق نقلهم، وهذه المعجزة الآخرى، هي خالدة بنفسها تتم الحجة على البشر والى الابد وهي القرآن الكريم.
 
ومن هنا سنتحدث عن إعجاز القرآن الكريم في الدرس القادم.
 
الأسئلة
1- اذكر حالة الكتب التي جاء بها الأنبياء السابقون.
 
2- اذكر بعض شواهد التحريف في التوراة.
 
3- دلل على فقدان الانجيل الحالي اعتباره واصالته.
 
4- بين أهمية موضوع (رسالة نبي الاسلام).
 
5- بين الطرق التي تثبت من خلالها رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه واله.
 

1- يمكن أن نعتبر من هؤلاء الميرزا محمد رضا (من علماء اليهود الكبار في طهران (مؤلف كتاب) إقامة الشهود في رد اليهود)، والحاج بابا القزويني اليزدي (من علماء اليهود في يزد) مؤلف كتاب (محضر الشهود في رد اليهود (والبروفسور عبد الأحد داود الاسقف المسيحي السابق، ومؤلف كتاب) محمد في التوراة والانجيل (الذي ترجم اخيرا من الانجيلزية للفارسية.
2- يلاحظ بحار الانوار، ج 17، ص 225 إلى آخر الجزء 18، وسائر كتب الحديث و التاريخ المعتبرة.
 
 
151

 

141

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

القرآن معجزة
إن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي أعلن وبكل صراحة وقوة أن احدا لا يتمكن من الاتيان بمثله، وحتى لو اجتمعت الإنس والجن، فلن يتمكنوا من ذلك1، بل إنهم لا يقدرون على الاتيان بعشر سور مثله2، بل حتى سورة واحدة قصيرة ذات سطر واحد3. ومن ثم تحدى الجميع ودعاهم لمعارضته ومجاراته، وأكد ذلك كثيرا في اياته وان عدم قدرتهم على مثل هذا العمل وعدم الاستجابة لهذا التحدي دليل على نسبة هذا الكتاب ورسالة النبي صلى الله عليه واله لله تعالى4.
 
إذن فمما لا يقبل الشك والتردد أن هذا الكتاب الشريف قد حمل معه دعواه 
 

1- ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنّ‏ُ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ الاسراء: 88.
2- ﴿َمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ هود: 13.
3- ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ يونس: 38.
4- ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ البقرة: 23 و 24.

 
152
 

142

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

بأنه معجزة، كما أن من جاء به عرضه للبشر كمعجزة خالدة، وبرهان قاطع على نبوته والى الابد، واليوم. وبعد مرور أربعة عشر قرنا، لا زال صدى هذا الصوت الإلهي يطرق أسماع الجميع، صباح مساء من خلال أجهزة الإعلام الصديقة والعدوة، ويتم الحجة عليهم.

ومن جانب اخر، واجه نبي الاسلام من أول يوم من دعوته أعداء متشددين، وحاقدين، بذلوا كل جهودهم وقواهم، لمحاربة هذا الدين الإلهي، وبعد أن يئسوا من تأثير تهديداتهم وإغراءاتهم تامروا على قتله واغتياله. ولكن فشلت هذه المؤامرة بتدبير من الله الحكيم بهجرته ليلا وسرا إلى المدينة. وبعد هجرته قضى بقية عمره الشريف في حروب ومعارك عديدة مع المشركين وحلفائهم من اليهود. منذ وفاته وحتى اليوم حاول ويحاول منافقوا الداخل وأعداء الخارج إطفاء هذا النور الإلهي، وقد بذلوا كل جهودهم وقواهم في هذا المجال ولو كان يمكنهم الاتيان بكتاب مثل القرآن الكريم لفعلوا ذلك بدون تردد.

وفي العصر الحديث، حيث ترى كل القوى العظمى في العالم أن الاسلام هو العدو الاكبر الذي يتهدد سلطاتهم الظالمة، وأطماعهم الجهنمية والشيطانية، لذلك أخذوا وبكل ما يملكون من قوة في محاربته، مع تملكهم لكل القوى والامكانات المالية والعملية والسياسية والإعلامية، ولو كان يمكنهم مواجهة التحدي القرآني، وكتابة سطر واحد مشابه لإحدى السور القرآنية القصار لفعلوا ذلك، وعرضوه من خلال أجهزة إعلامهم العالمية، وذلك لأن مثل هذا العمل من أكثر الأعمال بساطة، وأقلها مؤونة ونفقة، وأكثرها تأثيرا في مواجهة الإسلام والمنع من انتشاره وشيوعه.

إذن، فكل انسان عاقل منصف يجزم بعد التوجه لكل هذه الملاحظات بأن القرآن الكريم كتاب استثنائي لا يقبل التقليد والمحاكاة، ولا يمكن لأي فرد أو جماعة الإتيان بمثله مهما بذلت من جهود، وتلقت من تعليم وتدريب على ذلك، أي 
 
 
 
 
153
 
 


143

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

 أنه يملك كل خصائص المعجزة (من كونه خارقا الهيا للعادة، وأنه لا يقبل التقليد والمحاكاة، وطرحه دليلا على صحة النبوة). ومن هنا فهو أفضل دليل قاطع على صدق دعوة النبي الأعظم صلى الله عليه واله وعلى أن الدين الاسلامي المقدس على حق وان من أكبر النعم الالهية على الامة الإسلامية أن يكون هذا الكتاب الشريف قد نزل بصورة يبقى معها والى الأبد معجزة خالدة، وأن يملك في داخله الدليل على صدقه وصحته واعتباره. هذا الدليل الذي يكمن لأي فرد فهمه واستيعابه وتقبله دون احتياجه لتعلم وتخصص.

عناصر الاعجاز في القرآن الكريم‏
الآن، وبعد أن عرفنا وبصورة مجملة أن القرآن الكريم كلام إلهي معجز، نوضح أكثر بعض عناصر الإعجاز القرآنية.

أ- فصاحة القرآن وبلاغته: إن أول عنصر من عناصر الاعجاز في القرآن الكريم هو فصحاته وبلاغته، أي أنه تعالى استخدم لعرض مقاصده وفي كل موضوع أعذب الألفاظ وأجملها، وأجود التراكيب سبكا واعتدالا واتقانا ووقعا، ومن خلال ذلك يوصل المعاني المقصودة للمخاطبين من خلال أفضل الأساليب واقربها للفهم، لا يتيسر اختيار أمثال هذه الألفاظ والتراكيب المتناسقة الملائمة للمعاني العالية والدقيقة إلا لمن كانت له إحاطة تامة بكل خصوصيات الألفاظ ودقائق المعاني، والعلاقات المتبادلة فيما بينها، ليمكنه اختيار أفضل الألفاظ والعبارات، مع ملاحظة كل أبعاد المعاني المقصودة وجوانبها، وملاحظة مقتضى الحال والمقام. ومثل هذه الاحاطة العلمية الشاملة لا يمكن توفرها في أي إنسان بدون الاستعانة بالوحي والإلهام الإلهي.

إن الجميع يدركون مدى ما يشتمل عليه القرآن الكريم، من أعذب الألحان الملكوتية والأنغام الخلابة، وإن كل العارفين باللغة العربية وفنون الفصاحة 
 
 
154
 
 

144

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

 فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم)1.
 
أجل لقد شهد بلغاء العرب انذاك أمثال الوليد بأن المغيرة المخزومي، وعتبة بأن ربيعة، والطفيل بأن عمرو بان القرآن بلغ الغاية في فصاحته وبلاغته وبتفوقه على ارقى النتاجات الادبية والبلاغية البشرية2 وبعد قرن من نزوله حاول بعض الأفراد أمثال ابن ابي العوجاء وابن المقفع وأبي شاكر الديصاني وعبد الملك البصري أن يجربوا حظهم في معارضة القرآن ومجاراته، وقد بذلوا كل قدراتهم وجهودهم خلال عام واحد في هذا المجال، ولكنهم لم يوفقوا لأي شي‏ء، واخيرا اعترفوا بعجزهم أمام القرآن الكريم، وحين اجتمعوا في المسجد الحرام ليتدارسوا أعمالهم وجهودهم خلال ذلك العام، مر عليهم الإمام الصادق عليه السلام وتلا عليهم هذه الاية الشريفة: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾3.
 
ب- أمية النبي صلى الله عليه وآهل وسلم: إن القرآن الكريم بالرغم من صغر حجمه نسبيا كتاب يشتمل على مختلف أنواع المعارف والعلوم والاحكام والتشريعات الفردية والإجتماعية، ويحتاج البحث عن كل مجموعة منها فيه ودراستها دراسة كاملة إلى جماعات متخصصة تبذل كل جهودها العلمية وخلال أعوام طويلة، ليكتشفوا بالتدريج بعض كنوزها وأسرارها المخبوءة، وليتوصلوا من خلال ذلك إلى حقائق أكثر، وإن كان اكتشاف كل حقائقه وأسراره وكنوزه لا يتيسر إلا لأولئك الذين يمتلكون العلم والتأييد والمدد الإلهي، إن هذه المجاميع المختلفة تشتمل على أكثر المعارف دقة وسموا، وأرفع التعاليم الاخلاقية وأكثرها قيمة، وأكمل القوانين الحقوقية والقانونية والجزائية عدالة وإحكاما، وأثرى المناسك العبادية والأحكام
 

1- أصول الكافي، ج 1، ص 24.
2- اعلام الورى، ص 27 و 28، وص 49، وسيرة ابن هشام، ج 1، ص 293 وص 410.
3- الاسراء: 88، وانظر تفسير (نور الثقلين) حول هذه الاية.

 
 156

145

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

الفردية والإجتماعية حكمة، وأكثر المواعظ والنصائح تأثيرا ونفعا، وأفضل الحكايات التاريخية عظة وتربية، وأنجع الاساليب التربوية والتعليمية.
 
وبأيجاز فإنه يشتمل على كل الأصول والمبادى التي يحتاجها البشر من أجل تحقيق سعادتهم الدنيوية والاخروية. ولقد امتزج كل ذلك بأسلوب رائع بديع لم يسبق له مثيل، بحيث يمكن لفئات المجتمع جميعا الاستفادة والتزود منها، كل بحسب استعداده وقابليته.
 
إن جمع كل هذه المعارف والحقائق في مثل هذا الكتاب يفوق قدرة البشر العاديين، ولكن مما يزيد الدهشة والاعجاب أكثر، أن هذا الكتاب العظيم ظهر على يد انسان لم يعرف الدرس والتعليم خلال حياته أبداً، ولم يمسك يوما بيده قلما و ورقة، وقد نشأ في محيط بعيد عن الحضارة والثقافة. والأعجب من ذلك أنه لم يسمع منه خلال أربعين عاما قبل بعثته مثل هذا الكلام المعجز، وخلال أيام رسالته وبعثته أيضا كان ما يصدر منه من ايات قرانية ووحي الهي يتميز بسبكه وأسلوبه الخاص، وهو يختلف تماماً عن سائر كلامه وأحاديثه، وهذا الفرق الواضح بين هذا الكتاب وسائر أحاديثه مشهود وملموس للجميع.
 
والقرآن الكريم يشير إلى هذه الأمور فيقول: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾1.
 
وفي اية أخرى يقول: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾2.
 
وثمة احتمال كبير في ان تكون الآية (23) من سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ مشيرة لهذا العنصر الاعجازي، أي أن هناك احتمالا كبيرا في رجوع ضمير (مثله) إلى (عبدنا).
 

1- العنكبوت: 48.
2- يونس: 16.
 
 
 
157

 

146

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

والحاصل: اذا افترضنا محالا قدرة المئات من الجماعات المتخصصة والمثقفة وبالتعاون والاشتراك فيما بينهم على الإتيان بمثل هذا الكتاب، ولكن لا يمكن لفرد امي واحد القيام بذلك.
 
ومن جهات إعجاز القرآن الكريم. ج التناسق وعدم الإختلاف: إن القرآن الكريم كتاب نزل خلال ثلاثة وعشرين عاما من حياة النبي صلى الله عليه واله وهي فترة شهدت مرحلة مضطربة مليئة بالحوادث الملتهبة، وزخرت بالكثير من التحديات والمحن والحوادث المرة والسعيدة، ولكن هذه المتغيرات لم يكن لها أي تأثير في تناسق محتويات القرآن وأسلوب إعجازه. ومثل هذا التناسق وعدم الإختلاف في شكله ومضمونه جهة أخرى من جهات اعجازه. وقد اشير إليها كما أشير للعلامتين السابقتين في القرآن الكريم: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾1.
 
وتوضيحه: إن كل إنسان يواجه على الأقل نوعين من المتغيرات، الأول: إن معلوماته وخبراته تأخذ بالتزايد والنمو، وهذا النمو والزيادة في ثقافته ومعلوماته وخبراته وقدراته تنعكس وتؤثر في أحاديثه وكلامه، وبطبيعة الحال، سوف يبرز الإختلاف الواضح بين أحاديثه خلال عشرين عاما.
 
والثاني: إن حوادث الحياة المختلفة تؤدي إلى ظهور حالات نفسية ومشاعر وأحاسيس مختلفة، أمثال: اليأس والأمل، والفرح والحزن، والقلق والهدوء، ولمثل هذا الإختلاف في الحالات تأثير كبير في تفكير المرء وفي أقواله وافعاله، وبطبيعة الحال، مع اشتداد هذه التغيرات واتساعها فإن أحاديثه سوف يطرأ عليها اختلاف كبير. وفي الواقع إن تغيرات الكلام خاضعة لتغيرات الحالات النفسية، وهي بورها خاضعة لتغير الظروف الطبيعية والإجتماعية. فإذا افترضنا أن
 

1- النساء: 82.
 
158
 

 


147

الدرس الثالث والعشرون‏: إعجاز القرآن الكريم‏

أن القرآن الكريم من صنع النبي صلى الله عليه واله نفسه كإنسان خاضع لكل المتغيرات المذكورة، فمع ملاحظة الظروف المتغيرة الحادة التي شهدتها حياته فلا بد أن تظهر في كلامه اختلافات كبيرة في شكله ومحتواه، مع أنه لم يشاهد أي أثر لمثل هذه الإختلافات.
 
إذن، فهذا الانسجام وعدم الإختلاف في مضامين القرآن، وفي مستوى بلاغته المعجزة، يعد علامة أخرى على صدور هذا الكتاب الشريف من مصدر العلم الثابت واللامتناهي لله تعالى، الحاكم على الطبيعة وغير المحكوم لكل الظواهر المختلفة والمتغيرات.
 
الأسئلة
1- ما هو الدليل الإجمالي على إعجاز القرآن؟
 
2- هل يمكن أن نحتمل أن هناك من لم يرد الاتيان بمثل القرآن؟ أو هناك من أتى به ولكننا لم نطلع عليه؟ ولماذا؟
 
3- تحدث عن البلاغة المعجزة للقرآن.
 
4- ما هي علاقة أمية النبي صلى الله عليه واله بإعجاز القرآن؟
 
5- كيف يدل عدم الإختلاف في القرآن على أنه معجزة؟
 
 
 
159
 
 

148

الدرس الرابع والعشرون‏: صيانة القرآن عن التحريف‏

المقدمة
إن الدليل على ضرورة النبوة كما أشرنا اليه سابقا يقتضي وصول الرسالات الإلهية للبشر بصورة سليمة غير محرفة، حتى يمكنهم الاستفادة منها لما فيه سعادتهم الدنيوية والأخروية، اذن فلا حاجة للبحث عن صيانة القرآن الكريم من حين صدوره حتى إبلاغه للناس، كأي كتاب سماوي اخر، ولكن وكما علمنا أن سائر الكتب السماوية تعرضت للتحريف، بعد وصولها لأيدي الناس، أو أنها هجرت بعد فترة إبلاغها واختفت، كما هو الملاحظ اليوم، حيث لم يبق عين ولا أثر لكتابي نوح وإبراهيم عليهما السلام، ولا توجد الصورة الأصلية لكتابي موسى وعيسى عليهما السلام، ومع ملاحظة هذه الحقيقة، يبرز السؤال التالي: من أي طريق يعرف أن الكتاب الذي هو بين ايدينا اليوم بإسم القرآن الكريم هو الكتاب نفسه الذي نزل على نبي الإسلام صلى الله عليه واله لم يتطرق إليه اي تغيير أو تبديل، ولم يتعرض لزيادة أو نقيصة؟
 
وبطبيعة الحال، فإن كل من اطلع ولو قليلا على تاريخ الإسلام والمسلمين، واهتمام الرسول صلى الله عليه واله وخلفائه المعصومين عليهم السلام، بكتابة 
 
 

160
 

149

الدرس الرابع والعشرون‏: صيانة القرآن عن التحريف‏

الآيات القرآنية وضبطها، واهتمام المسلمين بحفظ الايات القرآنية وكما هو المنقول أنه في معركة واحدة قتل من حفاظ القرآن سبعون رجلا وكل من اطلع على التواتر في نقل القرآن خلال أربعة عشر قرنا، والاهتمام بإحصاء اياته وكلماته وحروفه، فإن مثل هذا المطلع على تاريخ القرآن الكريم لا يخطر في ذهنه أي احتمال عن تحريفه.
 
ولكن مع غض النظر عن هذه الدلائل والشواهد التاريخية المؤدية لليقين، يمكن الإستدلال على صيانة القرآن الكريم عن التحريف ببيان مركب من دليل عقلي، ودليل نقلي. أي يمكن الإستدلال على عدم زيادته بدليل عقلي أولا، وبعد ذلك نثبت عدم نقيصة القرآن الموجود بين أيدينا اليوم استنادا لآياته.
 
ومن هنا نبحث في موضوع صيانة القرآن الكريم عن التحريف من خلال جهتين مستقلتين.
 
عدم الزيادة في القرآن
أجمع المسلمون كلهم على عدم الزيادة في القرآن الكريم، بل هو مما اتفق عليه كل المطلعين في العالم، اذ لم يطرأ أي حادث أو عامل ادى إلى احتمال زيادة شي‏ء عليه، ولا يوجد أي شاهد على مثل هذا الإحتمال، ومع ذلك يمكن أن نبطل افتراض زيادته بدليل عقلي بالتوضيح التالي:
 
اذ افترضنا زيادة مطلب تام في القرآن الكريم، فان هذا يعني أنه كان يمكن الاتيان بمثله، ومثل هذا الافتراض لا يتلاءم وإعجاز القرآن وعدم قدرة البشر على الاتيان بمثله. و اذا افترضنا زيادة كلمة أو اية قصيرة عليه أمثال "مُدْهَامَّتَانِ"1 فانه يلزم من ذلك اضطراب نظام الكلام واختلال سبكه وخروجه عن صورته الأصلية و المعجزة، وفي هذه الحالة يمكن تقليده والآتيان بمثله. وذلك لأن النظام
 

1- الرحمن، الآية: 64.
 
 
161
 
 
 
 

150

الدرس الرابع والعشرون‏: صيانة القرآن عن التحريف‏

والسبك المعجز للعبارات القرآنية مرتبط أيضا باختيار الكلمات والحروف، وبعروض التغيير عليها يخرج عن حالته المعجزة.
 
إذن، فنفس الدليل الذي يثبت إعجاز القرآن الكريم، هو الذي يثبت صيانته عن الزيادة، كما أنه بهذا الدليل نفسه ننفي عروض النقيصة في الكلمات والجمل المؤدية إلى خروج الايات عن حالتها الاعجازية، وأما حذف سورة كاملة، أو مطلب كامل، بصورة لا يؤدي ذلك إلى خروج سائر الآيات عن حالة الاعجاز، فيحتاج نفيه لدليل اخر.
 
عدم النقيصة في القرآن
صرح كبار علماء الاسلام من الشيعة وأهل السنة، واكدوا عدم تعرض القرآن الكريم للنقيصة كما لم يتعرض للزيادة، وجاءوا بأدلة كثيرة على هذه الحقيقة، ولكن مع الأسف، ونتيجة لنقل بعض الروايات الموضوعة في كتب الحديث لدى الفريقين، والتفسير الخاطئ والفهم المنحرف لبعض الروايات المعتبرة1، احتمل البعض، بل ربما ذهبوا إلى حذف بعض الآيات من القرآن الكريم. ولكن بالاضافة إلى وجود الدلائل والشواهد التاريخية المسلمة على صيانة القرآن الكريم عن أي تحريف، سواء كان بنحو الزيادة أو كان بنحو النقيصة، وبالاضافة إلى بطلان الحذف المؤدي لاختلال النظام والسبك القرآني المعجز بدليل الاعجاز يمكن أن نثبت اعتمادا على القرآن الكريم بنفسه صيانته من حذف اية أو سورة مستقلة.
 
فبعد أن أثبتنا أن كل ما في القرآن المتداول اليوم هو كلام الله، ولم يتعرض للزيادة، فستكون محتويات اياته حجة من أقوى الأدلة والحجج النقلية والتعبدية،
 

1- كالروايات الواردة في تفسير بعض الايات، والتعرض لبعض تطبيقاتها و مصاديقها، أو الواردة في مجال رد التفسيرات الخاطئة والتحريفات المعنوية، حيث فهم منها دلالتها على حذف كلمات أو عبارات من القران الكريم.

 
162
 

151

الدرس الرابع والعشرون‏: صيانة القرآن عن التحريف‏

ومن المفاهيم التي يمكن استفادتها من الايات القرآنية الكريمة، أن الله تعالى قد تعهد بحفظ هذا الكتاب عن أي تحريف، خلافا لسائر الكتب السماوية، التي وضع مهمة حفظها على عاتق الناس1.
 
وتستفاد هذه الفكرة من الآية (9) من سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
 
وتتألف هذه الاية الشريفة من جملتين، أكد في الأولى إنا نحن نزلنا الذكر أن القرآن الكريم نازل من الله تعالى، ولم يتعرض حين نزوله لأي تغيير أو تلاعب. وفي الثانية ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حيث استخدم فيها من جديد أدوات التأكيد، والهيئة التي تدل على الاستمرار، وقد أكد فيها تعهده بحفظ القرآن الكريم عن أي تحريف إلى الابد. ولكن الملاحظ أن هذه الاية وان دلت على عدم الزيادة في القرآن، ولكن الإستدلال بها على نفي الزيادة استدلال دوري، وذلك لأن افتراض زيادة شي‏ء على القرآن الكريم يشمل زيادة هذه الاية أيضا، ونفي هذا الافتراض بهذه الاية نفسها غير صحيح. ومن هنا، فإننا أبطلنا هذا الافتراض بليل الذي يثبت أن القرآن الكريم معجزة، وبعد ذلك، وبالاستفادة من هذه الآية الشريفة، أثبتنا صيانته عن حذف اية أو سورة مستقلة (بالصورة التي لا تؤدي إلى الاختلال في نظامه وسبكه المعجز) وبذلك تثبت صيانة القرآن الكريم عن التحريف في الزيادة والحذف ببيان مركب من دليل عقلي، ودليل نقلي.
 
وأخيرا، يلزم علينا تأكيد هذه الملاحظة وهي: أن صيانة القرآن الشريف عن التحريف لا تعني اعتبار كل كتاب ونسخة من القرآن الكريم قرآنا كاملا مصونا من كل خطأ في الكتابة والقراءة، أو أنه لا يمكن أن يتعرض لأي تفسير خاطى أو تحريف معنوي، أو أن الايات والسور قد رتبت بنفس ترتيب نزولها، بل إنما نعني
 

1- كما ذكر في الآية (44) من سورة المائدة حول علماء اليهود والنصارى( بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء).
 
 
163

 

152

الدرس الرابع والعشرون‏: صيانة القرآن عن التحريف‏

من ذلك، أن القرآن الكريم يبقى بين البشر بصورة يمكن فيها لكل باحث عن الحقيقة من الوصول لاياته كلها كما نزلت، دون زيادة أو نقيصة. ومن هنا فإن نقيصة بعض النسخ القرآنية، أو عروض الخطأ عليها، أو الإختلاف في القراءات، أو ترتيب الايات والسور بصورة مخالفة لترتيب النزول، أو وجود التحرفات المعنوية، ومختلف أنواع التفسير بالرأي. هذا كله لا ينافي صيانة القرآن الكريم عن التحريفات الذي نبحث فيه.
 
الأسئلة
1- لماذا يبحث في موضوع (صيانة القرآن الكريم عن التحريف)؟
 
2 ما هي الشواهد التاريخية على صيانة القرآن الكريم عن التحريف؟
 
3 ما هو الدليل الذي يمكن إثبات صيانة القرآن به؟
 
4 بين الدليل على عدم الزيادة في القرآن.
 
5 ما هو الدليل على عدم النقيصة في القرآن؟
 
 
164
 
 
 
 

153

الدرس الخامس والعشرون‏: عالمية الإسلام وخلوده‏

المقدمة
إن الإيمان بكل الأنبياء، والتصديق بكل رسالاتهم من المعتقدات الضرورية في الإسلام، وأن إنكار أحد الأنبياء أو أحد أحكامه وتعاليمه يعني إنكار الربوبية التشريعية الإلهية، وبمثابة كفر ابليس.

ومن هنا، فبعد إثبات رسالة الإسلام، يلزم الإيمان به، والإيمان بكل الايات النازلة عليه، وبجميع الاحكام والتعاليم التي جاء بها من الله تعالى.

ولكن الإيمان بكل نبي، وبكتابه السماوي، لا يستلزم لزوم العمل وفق شريعته . فالملاحظ أن المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء العظام عليهم السلام وجميع الكتب السماوية، ولكن لا يمكنهم ولا يجوز لهم العمل بالشرائع السابقة. ومن الواضح أن الوظيفة العملية لكل أمة هي: العمل بتعاليم النبي المرسل لتلك الامة، إذن، فلزوم عمل الناس جميعاً بالشريعة الإسلامية انما يثبت فيما لو لم تختص رسالة نبي الإسلام بقوم (كالعرب)، وكذلك فيما لو لم يبعث نبي اخر بعده ينسخ شريعته، وبعبارة أخرى: إن الاسلام دين عالمي وخالد.

ومن هنا، يلزم علينا البحث في هذه المسألة: هل إن رسالة نبي الاسلام صلى الله عليه واله عالمية وخالدة؟ أم أنها تختص بقوم أو زمان معين؟ ومن الواضح أنه 
 
 
 165

154

الدرس الخامس والعشرون‏: عالمية الإسلام وخلوده‏

 لا يمكن دراسة هذه المسألة بالمنهج العقلي البحث، بل لا بد من الاعتماد على منهج البحث في دراسة العلوم النقلية والتاريخية، اي لا بد من مراجعة المستندات والمصادر المعتبرة، ومن ثبت عنده أن القران الكريم على حق، وثبت عنه نبوة نبي الإسلام صلى الله عليه واله وعصمته، فليس هناك أي مصدر اخر أكثر اعتبارا لديه من الكتاب والسنة.
 
عالمية الاسلام‏
إن عالمية الدين الاسلامي، وعدم اختصاصه وتحديده بقوم أو منطقة معينة، من ضروريات هذا الدين الإلهي، وحتى غير معتنقيه يعلمون بأن الدعوة الإسلامية عامة شاملة، وغير محددة بمنطقة جغرافية معينة. إضافة إلى ذلك، هناك الكثير من الشواهد والدلائل التاريخية التي تدل على أن النبي الاكرم صلى الله عليه واله قد بعث الرسائل لرؤساء وملوك الدول القائمة انذاك، أمثال قيصر الروم، وشاه ايران، وحكام مصر والشام والحبشة، ورؤساء القبائل العربية المختلفة. وأرسل لكل واحد منهم رسولا خاصا، ودعاهم جميعا لاعتناق هذا الدين المقدس، وحذرهم من مغبة الكفر والمساوى المترتبة على امتناعهم عن اعتناق الاسلام1، ولو لم يكن الدين الاسلامي، عالميا لما تحقق مثل هذه الدعوة الشاملة، ولكان هناك عذر ومسوغ لسائر الأقوام والامم عن عدم اعتناقه. إذن فلا يمكن التفكيك بين الإيمان بأن الإسلام على حق، وضرورة العمل وفق هذه الشريعة الإلهية، ولا يستثنى أي أحد عن الالتزام العملي بهذا الدين الإلهي.
 
الادلة القرآنية على عالمية الاسلام‏
تقدم أن القران الكريم هو أفضل الأدلة وأكثر المصادر اعتبارا على هذه 
 

1- ذكرت رسائل النبي صلى الله عليه واله الكتب التاريخية المعتبرة، وقد جمعت في كتاب مستقل اسمه (مكاتيب الرسول).
 
 
166

 

155

الدرس الخامس والعشرون‏: عالمية الإسلام وخلوده‏

الحقيقة، وهو المصدر المعتبر والحجة المعتبرة لكل الناس. ومن ألقى نظرة ولو كانت عابرة على هذا الكتاب الإلهي يدرك بكل وضوح عمومية دعوته، وعدم اختصاصها بقوم، أو عنصر، أو لسان.
 
ومنها: أنه يخاطب الناس جميعا في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾1 أو ﴿يَا بَنِي آدَمَ2 ويرى هدايته شاملة لجميع البشر ﴿الناس3 و ﴿العالمين4، وقد جعل رسالة النبي الاكرم موجهة لجميع الناس ﴿الناس5 و﴿العالمين6. وقد أكد في احدى اياته شمول دعوته لكل من اطلع عليها7 ومن جانب اخر يخاطب معاتبا أتباع الأديان الأخرى بـ (أهل الكتاب)8، ويثبت رسالة النبي صلى الله عليه واله في حقهم، ويرى الهدف من نزول القران الكريم على النبي صلى الله عليه واله هو إعلاء الإسلام وإظهاره على سائر الأديان9.
 
ومع التأمل في هذه الايات، لا يبقى أي شك في عمومية الدعوة القرانية وعالمية الدين الاسلامي المقدس.
 
خلود الاسلام‏
كما أن الايات المذكورة تثبت عمومية الإسلام وعالميته، من خلال استعمال الألفاظ العامة أمثال (بني ادم، والناس، والعالمين)، وتوجيه الخطاب للامم
 
 

1- البقرة: 21، والنساء: 174 1، وفاطر: 15.
2- الاعراف: 26 و 27 و 28 و 31 و 35، ويس: 60.
3- البقرة: 185 و 187، وال عمران: 138، وابراهيم: 1 و 52، والجاثية: 20، والزمر: 41، والنحل: 44، والكهف: 54، والحشر: 21.
4- الانعام: 90، ويوسف: 104، وسورة ص: 87، والتكوير: 27، والقلم: 52.
5- النساء: 79، والحج: 49، وسبأ: 28.
6- الأنبياء: 107، والفرقان: 1.
7- الانعام: 19.
8- ال عمران: 65، و70 و71 و98 و99 و110، والمائدة: 19.
9- التوبة: 33، والفتح: 28، والصف: 9.
 
 
167
 

156

الدرس الخامس والعشرون‏: عالمية الإسلام وخلوده‏

وقد تمسكوا ببعض الايات التي تدل أن النبي صلى الله عليه واله إنما كان مأمورا بهداية عشيرته وأقربائه، أو أهل مكة وما يحاذيها1. وكذلك الاية (69) من سورة المائدة فإنها بعد أن أشارت لليهود والصابئين والنصارى اعتبرت محور السعادة في الإيمان والعمل الصالح، ولم تتطرق إلى تأثير اعتناق الدين الاسلامي في السعادة.
 
وإضافة لذلك، فإن الفقه الاسلامي لم يعتبر أهل الكتاب بمستوى المشتركين، بل يرى أنهم لو دفعوا الجزية (وهي بل الخمس والزكاة المفروضين على المسلمين) فلهم الأمان في ظل الدولة الإسلامية، ويمكنهم العمل بحكام شريعتهم، وهذا دليل على اعتبار سائر الأديان.
 
ونقول في الجواب: ان الايات تذكر عشيرة النبي صلى الله عليه واله أو أهل مكة، إنما هي في مجال بيان مراحل الدعوة، حيث تبدأ من عشيرته الأقربين، وبعد ذلك تمتد لسائر أهل مكة وما يحاذيها، ثم تأخذ بالاتساع لسائر البشر في العالم، ولا يمكن لهذه الايات أن تكون مخصصة للايات الدالة على عالمية رسالة النبي صلى الله عليه واله، وذلك لان بالاضافة إلى أن شكل التعبير في هذه الايات ولحنها يأبى عن التخصيص فإن مثل هذا التخصيص يلزم منه تخصيص الأكثر وهو مستهجن عند العقلاء.
 
وأما الاية المذكور في سورة المائدة، فهي في مجال بيان هذه الحقيقة، بأن مجرد الانتساب لهذا الدين أو ذاك لا يكفي لغرض الوصول للسعادة الحقيقية، بل إن عامل السعادة هو الإيمان الواقعي والعمل بالوظائف التي شرعها الله تعالى لعباده. ووفق الأدلة التي تثبت عالمية الاسلام وخلوده فإن وظيفة الناس جميعا بعد ظهور نبي الإسلام هي العمل بحكام هذا الدين وتشريعاته.
 

1- ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء: 214، وأيضاً: الانعام: 92، والشورى: 7، والسجدة: 3، والقصص: 46، ويس: 5 و6.
 
 
169

157

الدرس الخامس والعشرون‏: عالمية الإسلام وخلوده‏

وأما الميزة التي تميز أهل الكتاب عن سائر الكفار في الدين الإسلامي فلا تعي إعفاءهم عن اعتناق الإسلام والعمل بحكامه، بل إنه في واقعه ارفاق دنيوي في حقهم لبعض المصالح، وفي رأي الشيعة إن هذا الارفاق مؤقت، سيعلن عن الحكم النهائي في حقهم، في زمان ظهور ولي العصرعجل الله تعالى فرجه الشريف وسيكون الموقف منهم كالموقف من سائر الكفار، ويمكن استفادة هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
 
الأسئلة
1- في اية صورة يلزم على جميع البشر اتباع الشريعة الإسلامية؟
 
2- بين الأدلة القرآنية على عالمية الاسلام وخلوده.
 
3- وضح هذه الفكرة: إن الايات التي تأمر نبي الإسلام بهداية عشيرته الأقربين وأهل مكة، لا تدل على اختصاص رسالته بهم.
 
4- وضح هذه الفكرة: إن الاية (69) من سورة المائدة، لا تدل على اعفاء أية أمة من اتباع الاسلام.
 
 
 
170
 
5- وضح هذه الفكرة: إن الإذن لأهل الذمة في العمل بشريعتهم لا يدل على إعفائهم من اعتناق الشريعة الإسلامية.
 
 
 



 

158

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

المقدمة
بملاحظة خلود الدين الاسلامي لا يبقى أي احتمال لبعثة نبي اخر ينسخ الشريعة الإسلامية، ولكن يبقى احتمال اخر: وهو إمكان بعثة نبي اخر يقوم بمهمة تبليغ الإسلام ونشره، كما تكفل الكثير من الأنبياء السابقين بهذه المهمة، سواء كانوا معاصرين لصاحب الشريعة أمثال لوط عليه السلام الذي كان معاصرا لإبراهيم عليه السلام تابعا لشريعته أو الأنبياء الذين بعثوا بعد النبي صاحب الشريعة، ولكنهم تابعون له، أمثال أكثر أنبياء بني اسرائيل. ومن هنا يلزم علينا البحث عن ختم النبوة بنبي الاسلام في بحث مستقل، حتى لا يبقى مثل هذا الإحتمال. 
 
الدليل القرآني على ختم النبوة
من ضروريات الإسلام انقطاع سلسلة الأنبياء عليهم السلام وختمها بنبي الإسلام، ولم ولن يبعث أي نبي بعده. وحتى غير المسلمين يعلمون بأن هذه الحقيقة من جملة المعتقدات الإسلامية، التي يلزم على كل مسلم الإعتقاد بها، ولذلك فهي كسائر ضروريات الدين لا تحتاج لاستدلال، ولكن مع ذلك يمكن استفادتها من القران الكريم والروايات المتواترة.
 
 
 
171


 
 

159

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

يقول القران الكريم: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾1.
 
حيث عبرت بصراحة عن النبي صلى الله عليه واله بأنه خاتم الأنبياء جميعا.
 
وقد وجه بعض أعداء الإسلام اعتراضين على دلالة هذه الاية على ختم النبوة بالنبي صلى الله عليه وآله:
 
احدهما: إن لفظة الخاتم، وردت بمعنى اخر غير الانتهاء، وهو خاتم اليد أي الحلقة التي في الاصبع للزينة، وان المراد من الخاتم في هذه الآية لعله هذا المعنى.
 
ثانيهما: على تقدير أن معنى الخاتم هو المعنى المعروف، ولكن معناها أن سلسلة (الأنبياء) تختم بالنبي صلى الله عليه واله، ولا تدل على خاتمية سلسلة (الرسل) به. والجواب عن الاعتراض الاول: إن معنى الخاتم (ما يختم به الشي‏ء) وخاتم الاصبع إنما سمي بذلك لهذا المعنى، لتختم وتوقع به الرسائل وأمثالها. والجواب عن الاعتراض الثاني: إن كل نبي يملك مقام الرسالة فله مقام النبوة أيضا، وبانتهاء سلسلة الأنبياء تنتهي سلسلة الرسل أيضا، فإن مفهوم (النبي) وإن لم يكن أعم من مفهوم الرسول، ولكن النبي من حيث المورد أعم من الرسول2.
 

1- الاحزاب، الآية: 40.
2- إن لفظة (الرسول) بمعنى (حامل الرسالة)، ولفظة النبي إذا كانت مشتقة من مادة (نبأ) فالنبي بمعنى (صاحب الخبر المهم)، واذا كانت مشتقة من مادة (نبو) فهو بمعنى: (صاحب المقام الرفيع والشريف). واعتقد البعض أن مفهوم النبي أعم من مفهوم الرسول وذلك لأن النبي هو الذي نزل عليه الوحي من الله، سواء كان مأمورا بالابلاغ للاخرين أم لم يكن، بينما الرسول هو المأمور بإبلاغ الوحي أيضا، ولكن هذا التفسير غير صحيح، وذلك لأنه ذكرت بعض الايات الكريمة صفة (النبي) بعد صفة (الرسول)، مع أنه وفق التفسير المذكور، يلزم أن تذكر الصفة التي تتضمن المفهوم العالم وهي (النبي) قبل ذكر الصفة الخاصة (الرسول) اضافة الى عدم وجود دليل على اختصاص الأمر بابلاغ الوحي بالرسل. وورد في بعض الروايات أن مقتضى مقام النبوة أن يرى صاحبها ملك الوحي في النوم، وأن يسمع صوته فحسب في اليقظة، بينما صاحب مقام الرسالة يشاهد ملك الوحي في اليقظة أيضا. ولكن هذا الفرق لا يمكن حمله على مفهوم اللفظ، وعلى كل حال فالذي يمكن تقبله أن النبي من حيث المصداق (لا المفهوم) أعم من الرسول، أي أن الأنبياء جميعا كانوا يملكون مقام النبوة. وأما مقام الرسالة فهو مختص بجماعة منهم، وعدد الرسل وفق الرواية السابقة (ثلاثمئة وثلاثة عشر) وبطبيعة الحال يكون مقامهم أسمى من مقام سائر الأنبياء كما أن الرسل لم يكونوا متساوين من حيث الدرجة والفضيلة، وقد نال بعضهم مقام (الإمامة) أيضا.
 
 
 

172

 

160

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

الادلة الروائية على ختم النبوة
ورد التصريح والتأكيد على ختم النبوة بنبي الإسلام في المئات من الروايات، منها حديث المنزلة1 الذي نقله الشيعة وأهل السنة متواترا عن النبي صلى الله عليه واله بحيث لا يبقى معه اي شك في صدور مضمونه، وذلك حين خرج النبي صلى الله عليه واله في غزوة تبوك وخلف عليا عليه السلام مكانه في المدينة: (فبكى على، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي).
 
وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه واله: (أيها الناس، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم)2.
 
وفي حديث اخر عنه صلى الله عليه واله إنه قال: (أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا سنة بعد سنتي)3.
 
ونقل هذا المعنى في أكثر من خطبة من نهج البلاغة4، وفي الروايات والأدعية والزيارات المأثورة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، بيد أنه يضيق المجال لو نقلناها كلها.
 
السر في ختم النبوة
إن الحكمة في تعدد الأنبياء وبعثتهم المتدرجة هي: أنه لا يمكن لفرد واحد تبليغ الرسالة الإلهية ونشرها في الازمنة السابقة في أقطار العالم كافة، وفي كل الامم
 
 

1- بحار الانوار، ج 37، ص 289 254، وصحيح البخاري، ج 3، ص 58، وصحيح مسلم، ج 2، ص 323، وسنن ابن ماجة، ج 1، ص 28، ومستدرك الحاكم، ج 3، ص 109، ومسند ابن حنبل، ج 1، ص 28، ومستدرك الحاكم، ج 3، ص 109، ومسند ابن حنبل، ج 1، ص 331، وج 2، ص 369 و437.
2- وسائل الشيعة، ج 1، ص 15، والخصال، ج 1، ص 322، والخصال، ج‏2، ص‏487.
3- وسائل الشيعة، ج 18، ص 555، ومن لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 163، وكشف الغمة، ج 1، ص 21، (في الأصل والترجمة: وبحار الأنوار، ج 22، ص 531، إلا أننا لم نجده فيه المصحح).
4- نهج البلاغة، الخطبة الأولى والخطبة 69، و 83، و 87، و 129، و168، و 193، و 230.
 
 
173
 

161

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

 والشعوب هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى فأن اتساع العلاقات وتعقيدها، وحدوث الظواهر الإجتماعية الجديدة، كان يفرض وضع قوانين جديدة أو تغيير القوانين السابقة وكذلك فان حدوث التغيرات والتحريفات نتيجة للتدخل المغرض أو الجاهل لبعض الأفراد والجماعات، فيستدعي كل ذلك تصحيحا وتعديلا للتعاليم الإلهية من قبل نبي اخر. ولكن لو توفرت الظروف والشروط التي يمكن معها لنبي واحد تبليغ رسالته الإلهية للعالم كله وبالاستعانة بنصاره وخلفائه، اضافة إلى كون أحكام شريعته وتعاليمها وتشريعاتها مستجيبة لكل احتياجات المجتمعات الراهنة والمستقبلية، ومتضمنة لجميع الاحتياطات الضرورية للمسائل المستجدة والمستحدثة. وكذلك في حالة وجود الضامن الذي يكفل بقاءها وصيانتها عن التحريفات، فمع توفر كل هذه الظروف والعوامل فلا مسوغ لبعثة نبي اخر.
 
ولكن معارف البشر العادية وعلومهم لا يمكنها تحديد مثل هذه الظروف والعوامل، أما الله فبعلمه اللامتناهي المحيط يمكنه تحديد الزمان الذي تتحقق فيه هذه الظروف، وهو الذي يمكنه الإعلام عن ختم النبوة، كما فعل ذلك في اخر كتبه السماوية.
 
بيد أن ختم النبوة لا يعني قطع علاقة الهداية تماما بين الله والعباد، فإن الله تعالى يفيض من العلوم الغيبية لبعض عباده الصالحين متى ما رأى المصلحة تقتضي ذلك، وان لم يكن ذلك عن طريق وحي النبوة، وكما يعتقد الشيعة بأن أمثال هذه العلوم قد أفاضها الله على الأئمة المعصومين عليه السلام.
 
الجواب عن شبهة
توصلنا مما سبق إلى أن السر في ختم النبوة:
 
أولاً: إن نبي الاسلام بمعونة أنصاره وخلفائه يمكنه إيصال رسالته إلى
 
 
 
174




162

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

أسماع جميع البشر في العالم.
 
وثانياً: التكفل بصيانة الكتاب السماوي عن أي تحريف.
 
وثالثاً: إن الشريعة الإسلامية يمكنها الاستجابة لاحتياجات البشر كلها حتى نهاية العالم.
 
ولكن يبرز اعتراض على الفكرة الثالثة وهو: كما أن تعقيد العلاقات الإجتماعية في الأزمنة السابقة اقتضى وضع أحكام جديدة، أو تغيير الأحكام السابقة عليها، ولذلك كان يبعث نبي اخر، فإن الأمر ظل كذلك حتى بعد نبي الإسلام، فقد حدثت متغيرات بارزة أضحت معها العلاقات الإجتماعية أكثر تعقيدا، فكيف لا تقتضي هذه المتغيرات شريعة جديدة؟
 
والجواب هو: إنه كما أشرنا إلى ذلك ذلك سابقا ليس في مقدور الإنسان العادي تحديد المتغيرات والتحولات التي تقتضي تغير التشريعات الأساس، وذلك لأننا لا نحيط بعلل الأحكام والتشريعات وحكمها، بل إننا ومن خلال الادلة المبرهنة على خلود الاسلام، وختم النبوة بالنبي صلى الله عليه واله نكتشف عدم الاحتياج لتغيير الأحكام والتشريعات الإسلامية الأساس.
 
أجل، نحن لا ننكر ظهور بعض الوقائع الإجتماعية الجديدة التي تقتضي وضع أحكام جديدة، ولكن قد جعلت في الشريعة الإسلامية أصول وقواعد عامة توضع على أساسها أمثال هذه الأحكام والتشريعات الجزئية، حيث يمكن لذوي الصلاحية على أساسها وضع الأحكام اللازمة لمعالجتها وتطبيقها.
 
175

 

163

الدرس السادس والعشرون: ختم النبوة

الأسئلة
1- كيف يمكن لنا إثبات ختم النبوة بالدليل القراني؟
2- اذكر ثلاث روايات من الروايات الدالة على الخاتمية.
3- لماذا ختمت سلسلة الأنبياء بظهور نبي الاسلام صلى الله عليه وآله؟
4- هل إن ختم النبوة يعني انسداد طرق الاستفادة من العلوم الإلهية؟ ولماذا؟
5- كيف يمكن تلبية حاجة المجتمع للأحكام التي تعالج الوقائع المستجدة والمستحدثة؟
 
 
176
 
 

164

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

المقدمة
إن النبي صلى الله عليه وآله بعد هجرته للمدينة، ودفاع أهل المدينة المستميت عنه، وعن المسلمين الذين هاجروا من مكة والذين سموا بـ(المهاجرين)، بينما سمي أهل المدينة بـ(الأنصار) وضع دعائم وأسس المجتمع الإسلامي وقام بإدارته. وكان مسجد النبي صلى الله عليه وآله ملجأ للمهاجرين والمحرومين، ومعالجة قضاياهم ومشاكلهم الاقتصادية والمعيشية، إضافة إلى كونه موضعا للعبادة، ومنطلقا لنشر الرسالة الإلهية وتعليم الناس وتربيتهم، ومعالجة الخصومات والمسائل القضائية، ومركزا لإصدار القرارات العسكرية، وتزويد جبهات الحرب بالعدة والعدد، وإسناد الجبهات، ومعالجة سائر القضايا الحكومية.

وبإيجاز، كانت إدارة شؤون الناس وقضاياهم الدينية والدنيوية تتم على يد النبي صلى الله عليه وآله. وكان المسلمون يرون أنفسهم مكلفين بإطاعة تعاليم النبي صلى الله عليه وآله وأوامره، لأن الله تعالى إضافة لفرضه إطاعة الرسول 
 
 
177
 

165

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

المطلقة عليهم1 كان قد أصدر أوامر مؤكدة على ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وقيادته للامة2 في خصوص المسائل والمجالات السياسية والقضائية والعسكرية.
 
وبعبارة أخرى: إن النبي صلى الله عليه وآله إضافة لمنصب النبوة والرسالة، ومنصب تعليم الأحكام وتبيينها، كان يملك منصبا إلهيا اخر، هو قيادة الامة الإسلامية والولاية عليها، وتتفرع منها مناصب أخرى، كالقضاء والقيادة العسكرية وغيرهما. وكما أن الدين الإسلامي اشتمل على الوظائف والتعاليم العبادية والاخلاقية، فهو كذلك اشتمل على الأحكام السياسية والاقتصادية والحقوقية وغيرها. كما كان نبي الاسلام مكلفا بوظائف التبليغ ومهام التعليم والتربية، وكذلك كان مكلفا من قبل الله بمهمة تنفيذ الأحكام والتشريعات الالهية وتطبيقها وكان بيده زمام كل المهام والمناصب الحكومية.
 
ومن البديهي أن الدين الذي، يدعي قيادة البشرية كلها حتى نهاية العالم، لا يمكنه عدم الاهتمام بهذه المسائل والقضايا، ولا يمكن للمجتمع القائم على أساس هذا الدين أن يفتقد مثل هذه المهام والمناصب السياسية والحكومية، هذه المناصب والمسؤوليات التي يشملها جميعا عنوان (الإمامة). ولكن الحديث هو عمن يقوم بهذه المهمة بعد وفاة الرسول؟ ومن الذي يعين مثل هذا الشخص في هذا المنصب؟
 
وهل إن الله تعالى وكما أنه هو الذي نصب النبي صلى الله عليه وآله في هذا المنصب نصب هو أيضا غيره فيه؟ وهل تتوقف مشروعية تولى هذا المنصب
 

1- ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّ‏َ اللّهَ لاَ يُحِب الْكَافِرِين﴾ ال عمران: 32، وانظر أيضا: النساء: 12، و14، و69 و80، والمائدة: 92، والانفال: 1، و20 و46، والتوبة: 71، والنور: 54 51، و56، والاحزاب: 66، و71، والحجرات: 14، والفتح: 16، و17، ومحمد: 32، والمجادلة: 12، والممتحنة: 12، والتغابن: 12، والجن: 23.
2- ﴿َأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ‏ِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقّ‏ِ ..﴾ المائدة: 48، وانظر أيضا: ال عمران: 152، والنساء: 42، و59، و65، و105، والحج: 67، والاحزاب: 36 6، والمجادلة: 9 8، والحشر: 7.
 
 
 
178

 

166

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

على إحراز التعيين الالهي؟ أم أن هذا التعيين من قبل الله مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وأما بعده، فعلى الناس انتخاب الإمام وتعيينه واليا وقائدا عليهم؟ ثم هل يملك الناس حقا مثل هذا الحق في انتخاب الإمام أم لا؟
 
وهذه هي النقطة الرئيسة في الخلاف بين الشيعة واهل السنة. فالشيعة تعتقد بأن الإمامة منصب إلهي، لا بد وأن ينصب فيه الأفراد الصالحون لذلك من قبل الله تعالى، وقد قام الله تعالى بهذا التعيين بواسطة نبيه صلى الله عليه وآله حيث عين أمير المؤمنين عليا عليه السلام خليفة له من بعده مباشرة، وعين من بعده أحد عشر إماما من أولاده خلفاء من بعده.
 
ولكن أهل السنة يعتقدون بأن الإمامة الإلهية كالنبوة والرسالة قد انتهت بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وقد أوكل للناس مهمة تعيين الإمام من بعده، بل صرح بعض كبار علماء أهل السنة، أنه لو سيطر أحد بقوة السلاح على الناس وأمسك بزمام أمورهم، فتجب على الاخرين إطاعته1.
 
ومن الواضح أن مثل هذه الآراء تفتح الابواب أمام الجبابرة والطواغيت والمحتالين للتوصل إلى مطامعهم وماربهم، وتوفر عوامل التمزق والانحطاط والتخلف بين المسلمين. وفي الواقع، إن أهل السنة باعتقادهم بشرعية الإمامة بدون التعيين الإلهي وضعوا الحجر الأساس لفكرة عزل الدين عن السياسة. وباعتقاد الشيعة أن هذا الأمر هو المنعطف الخطير للانحراف عن المسير الإسلامي الأصيل والصحيح، وعبادة الله في جميع الجوانب والأبعاد الحياتية، وكذلك كان منطلقا لالاف من الإنحرافات الأخرى التي ظهرت من حين وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بين المسلمين.
 
ومن هنا، كان من الضروري على كل مسلم البحث في هذا الموضوع بكل اهتمام،
 

1- الأحكام السلطانية، ابو يعلي، وترجمة (السواد الاعظم) لأبي القاسم السمرقندي، ص 42 40.
 
 
 
179

 

167

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

وبعيدا عن كل تقليد وعصبية1 وأن يحاول جهده في اكتشاف المذهب الحق والدفاع عنه، ويلزم التأكيد على أننا يجب أن نضع نصب العين المصلحة العامة للعالم الإسلامي، وأن يتجنب أتباع المذاهب المختلفة التفرقة والصراع والتناحر التي تمهد الطريق وتوفر الظروف الملائمة لأعداء الإسلام من أجل تحقيق أطماعهم والوصول لماربهم الجهنمية.
 
ويلزم عدم ممارسة الأعمال التي توسع من شقة الخلاف بين صفوف المسلمين، فيتزعزع بها تلاحمهم وقوتهم تجاه الكفار، بحيث لا تعود مفاسده وأضراره الخطيرة إلا على جميع المسلمين، ولا تؤدي إلا إلى ضعف الامة الإسلامية، ولكن الحفاظ على الوحدة والتلاحم بين المسلمين ينبغي أن لا يكون عائقا ومانعا من البحث وبذل الجهود، في سبيل التعرف على المذهب الحق، وتوفير الظروف الملائمة والأجواء الصالحة لدراسة مسائل الإمامة ومعالجتها، هذه المسائل التي يكون لمعالجتها الصحيحة دورها الفاعل في مصير المسلمين وسعادتهم في الدنيا والاخرة.
 
مفهوم الإمامة
الإمامة في اللغة، الرئاسة وكل من يتصدى لرئاسة جماعة يسمى (الإمام)، سواء كان في طريق الحق أو الباطل، وقد اطلق مصطلح (أئمة الكفر)2 في القران الكريم على رؤساء الكفار واطلق على من يقتدي به المصلون (إمام الجماعة).
 
 

1- ومن الجدير بالذكر أن العلماء الكبار كتبوا في هذا المجال الكثير من الكتب و الدراسات وبمختلف اللغات، وبأساليب عديدة، ومهدوا طريق الحق للباحثين عن الحقيقة، نذكر نماذج منها أمثال: كتاب عبقات الأنوار، والغدير، ودلائل الصدق، وغاية المرام واثبات الهداة، ونحث من لم تسمح له الظروف بالتحقيق والتوسع على مطالعة كتاب (المراجعات)، وهو مجموعة من الرسائل بين عالمين من علماء الشيعة وأهل السنة، وكتاب (صل الشيعة وأصولها).
2- ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ التوبة: 12.
 
 
 
 
180

168

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

والإمامة في مصطلح علم الكلام عبارة عن: الرئاسة العامة الشاملة على الأمة الإسلامية وقيادتها في جميع الابعاد والمجالات الدينية والدنيوية.

وإنما ورد ذكر كلمة (الدنيوية) لأجل التأكيد على سعة ميدان الإمامة ومجالها، وإلا فإن تدبير القضايا الدنيوية للامة الإسلامية وإدارتها جزء من الدين الإسلامي. وهذه الرئاسة والقيادة في رأي الشيعة إنما تكون شرعية. فيما لو كانت من قبل الله تعالى، ولا يكتسب أي شخص مثل هذا المقام أصالة (لا نيابة) إلا اذا كان معصوما عن الخطأ في بيان الأحكام والمعارف الإسلامية، ومنزها من الذنوب والمعاصي. وفي الواقع إن الإمام المعصوم يمتلك كل مناصب النبي صلى الله عليه وآله سوى النبوة والرسالة، وكما أن أحاديثه حجة في بيان الحقائق والتشريعات والأحكام والمعارف الإسلامية، فكذلك تجب إطاعة أوامره وأحكامه في مختلف القضايا الحكومية.

ومن هنا يتبين أن اختلاف الشيعة وأهل السنة في موضوع الإمامة يدور حول ثلاث مسائل:

الأولى: لا بد من نصب الإمام وتعيينه من قبل الله تعالى.
 
الثانية: لا بد وأن يملك الإمام العلم الموهوب له من الله، وأن يكون مصانا عن الخطأ.
 
الثالثة: لا بد وان يكون معصوما من المعصية.

ومن الواضح أن العصمة لا تختص بالإمامة، وذلك لأن فاطمة الزهراء عليها السلام باعتقاد الشيعة كانت معصومة، ولكنها لا تمتلك مقام الإمامة. كما أن مريم عليها السلام كانت تمتلك مقام العصمة، ويمكن أن يكون هناك من بين أولياء الله من بلغ مثل هذا المقام، وإن لم نطلع عليهم، والإنسان المعصوم لا يتيسر التعرف عليه إلا من طريق التعريف الإلهي.
 
 
 
181
 


169

الدرس السابع والعشرون‏: الإمامة

الأسئلة
1- ما هي المناصب الإلهية الأخرى لنبي الاسلام غير النبوة والرسالة؟
 
2- ما هي نقطة الخلاف الرئيسة بين الشيعة وأهل السنة؟
 
3- ما هي الاثار التي تترتب على الإعتقاد بالإمامة بدون التعيين الإلهي؟
 
4- اذكر المعنى اللغوي والإصطلاحي للإمامة.
 
5- ما هي المسائل الأساس لموضوع الإمامة؟
 
 
 
 
182
 
 

170

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

المقدمة
يتوهم الكثير ممن لم يدرس المسائل العقائدية بعمق ودقة أن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة فيما يخص الإمامة يتركز حول هذه النقطة، إن الشيعة يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وآله نصب علي بأن أبي طالب عليه السلام خليفة له في إدارة الامة، بينما أهل السنة يعتقدون أنه لم يصدر مثل هذا التعيين، وإنما الناس قد اختاروا الحاكم بإرادتهم وإختيارهم، وأن الخليفة الأول عين بنفسه خليفة من بعده، وفي المرحلة الثالثة، وضعت مهمة اختيار الخليفة على عاتق جماعة مؤلفة من ستة أفراد، والخليفة الرابع انتخبه الناس أيضا انتخابا عاما، ولذلك لا توجد طريقة معينة لتعيين الخليفة بين المسلمين، ومن هنا تصدى لهذا المنصب بعد الخليفة الرابع كل من كان أقوى من غيره عسكريا، كما هو الأسلوب المتبع في غير البلدان الإسلامية أيضا.

وبعبارة أخرى: قد يتصور البعض أن الشيعة يعتقدون في مجال تعيين الإمام الاول بما يعتقده أهل السنة في تعيين الخليفة الثاني من قبل الخليفة الاول، مع هذا الإختلاف بأن رأي النبي صلى الله عليه وآله وتعيينه قد تقبله الناس! ولكن مع 
 
 
183
 
 

171

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

غض النظر عن هذا التساؤل:
كيف امتلك الخليفة الاول مثل هذا الحق في تعيين الخليفة من بعده؟ ولماذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله باعتقاد أهل السنة أكثر شعورا واهتماما بالإسلام منه؟

وكيف أهمل الامة الإسلامية الوليدة دون قائد مع أنه كلما خرج من المدينة للجهاد، كان يعين خليفة له فيها، إضافة إلى أنه صلى الله عليه وآله أخبر بنفسه عن وقوع الخلافات والفتن في امته؟ مع غض النظر عن كل هذه التساؤلات وتساؤلات أخرى لا بد وأن نعرف أن الخلاف بين السنة والشيعة يدور قبل كل شي‏ء حول هذه الفكرة، هل إن الإمامة مقام ديني خاضع للتشريع والتعيين الإلهي؟ أم أنها سلطة دنيوية خاضعة للعوامل الإجتماعية؟ يعتقد الشيعة بأنه حتى النبي صلى الله عليه وآله نفسه لم يكن له أي دور مستقل في تعيين خليفته، بل قام بهذا التعيين بأمر إلهي. وفي الواقع إن الحكمة في ختم النبوة مرتبطة تماماً بتعيين الإمام المعصوم. ومع وجود مثل هذا الإمام فإنه سيكفل توفير المصالح الضرورية في الامة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله. ومن هنا يتبين أنه لماذا طرحت الإمامة في الفكر الشيعي كأصل عقائدي، لا كحكم فقهي فرعي ولماذا اعتبرت الشروط الثلاثة في الإمام (العلم الموهوب من الله، والعصمة، والتعيين الإلهي) ولماذا امتزجت هذه المفاهيم في عرف الكلام الشيعي مع مفهوم المرجعية في معرفة الأحكام الإلهية والحكومة والولاية على الامة الإسلامية، وكأنما لفظة الإمامة تدل على جميع هذه المفاهيم. ومن هنا وبعد أن تعرفنا على مفهوم الإمامة وموقعها بين معتقدات الشيعة نبحث حول مدى صحة هذا المعتقد.

ضرورة وجود الإمام‏
ذكرنا فيما سبق أن تحقيق الهدف من خلق الإنسان مرتبط بهدايته بواسطة
 
 
184 
 
 

172

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

الوحي، وقد اقتضت الحكمة الإلهية بعثة أنبياء يعلمون البشر طريق السعادة في الدنيا والاخرة والاستجابة لهذه الحاجة فيه، وكذلك تربية الأفراد المؤهلين وإيصالهم لاخر مرحلة كمالية يمكنهم الوصول اليها، وكذلك القيام بتنفيذ الأحكام والتشريعات الإجتماعية الدينية فيما لو توفرت الظروف الإجتماعية لذلك.
 
وتقدم أن الدين الإسلامي دين عالمي وخالد، لا ينسخ ولا يأتي بعد نبي الاسلام صلى الله عليه وآله نبي اخر، وانما يتوافق ختم النبوة مع الحكمة من بعثة الأنبياء فيما لو كانت الشريعة السماوية الأخيرة مستجيبة لجميع الاحتياجات البشرية، وقد ضمن بقاؤها حتى نهاية العالم. وقد توفر القران الكريم على هذا التكفل والضمان، فقد تعهد الله تعالى بحفظ هذا الكتاب العزيز عن كل تغيير وتحريف، ولكن لا تستفاد جميع الأحكام والتعاليم الإسلامية من ظواهر الايات الكريمة.
 
فمثلا، يمكن التعرف من القران الكريم على عدد ركعات الصلاة، وطريقة ادائها، ومئات أخرى من الأحكام الواجبة والمستحبة. وليس القران الكريم في مقام بيان تفاصيل الأحكام والتشريعات، بل وضع مهمة بيانها على عاتق النبي صلى الله عليه وآله1 من خلال العلم الذي وهبه الله تعالى له (غير الوحي القراني) ومن هنا تثبت حجية سنة النبي صلى الله عليه وآله واعتبارها كمصدر من المصادر الأصيلة لمعرفة الإسلام.
 
ولكن الظروف الصعبة التي عاشها النبي صلى الله عليه وآله كسنوات الحصار في شعب أبي طالب، وعشر سنين من القتال مع أعداء الاسلام، لم تسمح له ببيان جميع الأحكام والتشريعات الإسلامية للناس كافة. وحتى ما تعلمه الأصحاب، لم 
 

1- ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ايَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 151، وانظر أيضا: ال عمران: 164، والجمعة: 2، والنحل: 44، و64، والاحزاب: 21، والحشر: 7.
 
 
185
 

173

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

 يضمن الحفاظ عليه، فقد اختلف في طريقة وضوئه صلى الله عليه وآله، بالرغم من أنها كانت بمرأى من الجميع سنوات طويلة. إذن، فإذا كانت أحكام هذا العمل معرضة للاختلافات والخلاف وهو عمل يحتاجه جميع المسلمين ويمارسونه يوميا، وليست هناك دوافع على حدوث التحريف والتغيير العمدي فيه فإن حظر الخطأ والاشتباه في النقل، والتحريفات المتعمدة أشد وأكثر في مجال الأحكام الدقيقة، وخاصة تلك الأحكام والتشريعات التي تصطدم وأهواء بعض الأفراد، وأطماع بعض الجماعات ومصالحهم1.
 
ومن خلال هذه الملاحظات يتضح أن الدين الاسلامي إنما يمكن طرحه كدين كامل وشامل يستجيب لكل الاحتياجات ولجميع البشر، وحتى نهاية العالم، فيما لو افترض وجود طريق لتوفير المصالح الضرورية للامة في داخل الدين نفسه، تلك المصالح التي يمكن أن تتعرض للتهديد والتدمير مع وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ولا يتمثل هذا الطريق إلا في تعيين الخليفة الصالح للرسول صلى الله عليه وآله، هذا الخليفة الذي يملك العلم الموهوب من الله، ليمكنه بيان الحقائق الدينية بكل أبعادها وخصوصياتها، ويتمتع بتملكه العصمة، حتى لا يخضع لتأثير الدوافع النفسانية والشيطانية وحتى لا يرتكب التحريف العمدي في الدين، وكذلك يمكنه القيام بالدور التربوي الذي كان يملكه النبي، والأخذ بيدي الأفراد المؤهلين وإيصالهم إلى أسمى درجات الكمال، وكذلك حين تتوفر الظروف الإجتماعية الملائمة يتصدى للحكومة وتدبير الأمور في الامة الإسلامية، وتنفيذ التشريعات الإجتماعية الإسلامية، وتطبيقها ونشر الحق والعدالة في العالم.
 
والحاصل: إن ختم النبوة إنما يكون موافقا للحكمة الالهية فيما لو اقترن بتعيين الإمام المعصوم، الإمام الذي يمتلك خصائص نبي الاسلام صلى الله عليه وآله 
 

1- ذكر العلامة الأميني رضوان اله تعالى عليه في كتابه (الغدير) أسماء سبعمئة من الوضاعين للأحاديث، ونسب لبعضهم أنه وضع ما يناهز مئة ألف حديث، يراجع الغدير، ج‏5، ص 208، وما بعدها.
 
 
186

 

174

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

كلها عدا النبوة والرسالة. وبذلك تثبت ضرورة وجود الإمام، وكذلك ضرورة توفره على العلم الموهوب من الله، ومقام العصمة، وكذلك لزوم تعيينه ونصبه من قبل الله تعالى لأنه عز وجل وحده الذي يعرف الشخص الذي أعطاه هذا العلم والعصمة، وهو الذي يملك حق الولاية على عباده أصالة، ويمكنه منح مثل هذا الحق في درجة ادنى لافراد يتمتعون بشروط معينة.
 
ومما يلزم التأكيد عليه، أن أهل السنة لا يقولون بمثل هذه الخصائص لأي خليفة من الخلفاء، فلا يدعون نصبه وتعيينه من الله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله، ولا توفر الخلفاء على العلم الموهوب من الله، وملكة العصمة.
 
بل إنهم نقلوا في كتبهم المعتبرة عثراتهم واشتباهاتهم وعجزهم عن الاجابة على أسئلة الناس الدينية، ومنها ما نقلوه عن الخليفة الأول أنه قال: (إن لي شيطانا يعتريني)1، ونقلوا عن الخليفة الثاني أنه قال، بأن (بيعة الخليفة الأول كانت فلتة)2، أي عمل متسرع لم يتأمل فيه، وأنه كان يكرر هذا القول كثيرا (لولا علي لهلك عمر)3 اما عثرات الخليفة الثالث4 وخلفاء وخلفاء بني امية وبني العباس، فهي أوضح من أن تذكر، ويعرفها كل من له اطلاع ولو كان قليلا على تاريخ المسلمين. والشيعة وحدهم الذين يعتقدون بوجود الشروط الثلاثة في الأئمة الاثني عشر، ويثبت مما ذكرنا صحة اعتقادهم في مسألة الإمامة، ولا يحتاج ذلك للأدلة الموسعة والمفصلة، وسنشير في الدرس القادم إلى بعض الأدلة المقتبسة من الكتاب والسنة.
 

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج‏1، ص 85، وج 4، ص 262 231، والغدير، ج‏7، ص 180 102.
2- شرح نهج البلاغة، ج‏1، ص 185 142، وج‏3، ص‏57.
3- الغدير، ج‏6، ص 93، وما بعدها.
4- الغدير، ج‏8، ص‏97 وما بعدها.
 
 
187

 

175

الدرس الثامن والعشرون‏: الحاجة لوجود الإمام‏

الأسئلة
1 اذكر رأي الشيعة في موضوع الإمامة والفرق بينه وبين رأي أهل السنة.
 
2 لماذا يعتبر الشيعة الإمامة أصلا عقائديا؟
 
3 بين فكرة ضرورة الإمام.
 
4 كيف يكون وجود الإمام تتميما للدين؟
 
5 ما هي النتائج التي يتوصل اليها من هذا البيان؟
 
 
188
 
 

176

الدرس التاسع والعشرون‏: تعيين الإمام‏

أوضحنا في الدرس السابق أن ختم النبوة بدون نصب الإمام المعصوم وتعيينه مخالف للحكمة الإلهية، وأن إكمال الدين الاسلامي العالمي والخالد مرتبط بتعيين الخلفاء الصالحين بعد النبي صلى الله عليه وآله بحيث يكونون متوفرين على كل مناصب النبي الإلهية سوى النبوة والرسالة.
 
ويمكن استفادة هذه الفكرة من الايات القرآنية الكريمة والروايات الكثيرة التي نقلها الشيعة وأهل السنة في تفسير هذه الايات. ومنها الآية الثالثة من سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾.
 
وهذه الآية اتفق المفسرون جميعا على نزولها في حجة الوداع، وقبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بشهور، وبعد أن تشير الآية ليأس الكفار من إلحاق الضرر بالإسلام (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) تؤكد إكمال الدين في ذلك اليوم، واتمام النعمة. ومع ملاحظة الكثير من الروايات الواردة في شأن نزول هذه الآية، يتضح جليا أن (الاكمال والاتمام) الذي اقترن بيأس الكفار من الحاق الضرر بالاسلام، أنما تحقق بنصب خليفة للنبي صلى الله عليه وآله من قبل الله تعالى، وذلك لأن أعداء الإسلام كانوا يتوقعون بقاء الاسلام بدون قائد بعد وفاة
 
 
 
189

 

177

الدرس التاسع والعشرون‏: تعيين الإمام‏

رسول الله صلى الله عليه وآله وخاصة مع عدم وجود الأولاد الذكور للرسول صلى الله عليه وآله وبذلك يكون معرضا للضعف والزوال، بيد أن الاسلام قد بلغ كماله بتعيين خليفة للنبي صلى الله عليه وآله، تمت النعمة الإلهية وانهارت أطماع الكافرين وامالهم1.
 
وقد تم هذا التعيين حين رجوع النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع. فقد جمع الحجاج كلهم في موضع يقال له (غدير خم)، وخلال إلقائه خطبته الطويلة عليهم، سألهم: "الست أولى بكم من أنفسكم"2 قالوا: "بلى" ثم أخذ بكتف علي عليه السلام ورفعه أمام الناس وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وبهذا أثبت للإمام عليه السلام الولآية الإلهية فبايعه جميع الحاضرون، ومنهم الخليفة الثاني الذي هنأه بقوله: (بخ بخ لك يا على، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)3.
 
وفي هذا اليوم نزلت هذه الآية الشريفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ فكبر الرسول صلى الله عليه وآله وقال (تمام نبوتي وتمام دين الله ولآية علي بعدي). وورد في روآية نقلها أحد علماء أهل السنة الكبار (الحمويني): (فقام أبو بكر وعمر وفقالا: يا رسول الله هذه الايات خاصة في علي عليه السلام فقال صلى الله عليه وآله: بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة، قالا: يا رسول الله بينهم لنا، فقال:
 
علي أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن من بعدي، ثم ابني الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد ابني الحسين، واحدا بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا علي الحوض)4.
 

1- للتوسع أكثر حول دلالة هذه الآية يراجع تفسير الميزان (ج 5، ص 156 وما بعدها المصحح).
2- يشير بذلك للآية (6) من سورة الأحزاب (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم).
3- للتأكد من قطعية سند الحديث ودلالته يراجع عبقات الانوار والغدير.
4- غآية المرام، الباب 58 الحديث 4، نقلا عن الفرائد للحمويني.
 
 
190

 

178

الدرس التاسع والعشرون‏: تعيين الإمام‏

ويستفاد من روايات عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله كان مأمورا قبل ذلك بالاعلان الرسمي عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام على الرأي العام، لكنه كان يخشى حمل الناس مثل هذا العمل منه على رأيه الشخصي، وأن يعرضوا عن تقبله، ولذلك كان يبحث عن فرصة مناسبة، تتوفر فيها ظروف الاعلان عن مثل هذا التعيين، حتى نزلت الآية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾1.
 
فمن خلال التأكيد على ضرورة إبلاغ هذا النداء الالهي الذي هو بمستوى كل النداءات الإلهية الأخرى، وعدم إبلاغه يعني عدم إبلاغ الرسالة الإلهية كلها قد بشره الله بأنه سيعصمه ويحفظه من جميع الاثار والمضاعفات المتوقعة من هذا العمل. وقد أدرك النبي صلى الله عليه وآله مع نزول هذه الآية حصول الزمان المناسب للقيام بهذه المهمة، وليس من الصالح تأخيرها، ومن هنا بادر في غدير خم للقيام بها2.
 
والملاحظ أن ما يختص بهذا اليوم هو الاعلان الرسمي عن هذا التعيين أمام الناس، وأخذ البيعة منهم، وإلا فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يشير مرارا خلال فترة رسالته لخلافة أمير المؤمنين عليه السلام وبأساليب وتعابير مختلفة. فحين نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾3 في بدايات البعثة، قال صلى الله عليه وآله لعشيرته: (فأيكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون هو أخي ووصيي وخليفتي فيكم) واتفق الفريقان على إحجام القوم جميعا إلا علي بأن أبي طالب وانه اول من استجاب4.
 

1- المائدة، الآية: 67، للتوسع أكثر حول دلالة الآية يراجع تفسير الميزان، ج‏6، ص 41 فما بعدها.
2- روى علماء أهل السنة الكبار هذه الواقعة عن سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهم: زيد ابن أرقم، وابو سعيد الخدري، وابن عباس، وجابر بأن عبد الله الأنصاري، والبراء بأن عازب، وابو هريرة، ابن مسعود (الغدير، ج‏1).
3- الشعراء، الآية: 214.
4- عبقات الانوار، والغدير، والمراجعات المراجعة 20.
 
 
191
 

 

 


179

الدرس التاسع والعشرون‏: تعيين الإمام‏

وكذلك حين نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾1.
 
حيث فرض فيها إطاعة اولي الأمر بصورة مطلقة، واعتبر إطاعتهم بمستوى إطاعة النبي صلى الله عليه وآله، سأله جابر بن عبد الله من هم الذين وجبت طاعتهم؟ أجاب صلى الله عليه وآله: (هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بأن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بأن الحسين، ثم محمد بأن علي المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ثم الصادق جعفر ابن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي)2.
 
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وآله فقد بقي جابر حيا حتى إمامة الباقر عليه السلام وأبلغه سلام رسول الله صلى الله عليه وآله.
 
وفي حديث روي عن أبي بصير أنه قال: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ فقال:(نزلت في علي بأن ابي طالب والحسن والحسين عليهم السلام فقلت له: إن الناس يقولون فماله لم يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله عز وجل قال: فقولوا لهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت عليه ايات الصلاة فلم تذكر شيئا عن الركعات الاربع أو الثلاث وانما فسرها لهم رسول الله، وكذلك حينما نزلت آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ فقال رسول الله من كنت مولاه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما حتى 
 

1- النساء، الآية: 59.
2- غآية المرام، ص 267، ج‏10، (ط قديمة)، واثبات الهداة، ج‏3، ص 123، وينابيع المودة، ص 494.
 
 
192

 

180

الدرس التاسع والعشرون‏: تعيين الإمام‏

حتى يوردهما علي الحوض فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة)1.
 
وقد كرر الرسول صلى الله عليه وآله مرارا هذا القول، ومنها في أواخر أيام حياته قال: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)2، وقال صلى الله عليه وآله أيضا: (لا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)3 وقال مرارا مخاطبا عليا عليه السلام (أنت ولي كل مؤمن بعدي)4 وعشرات من الاحاديث الأخرى5، لا يسمح المجال لذكرها كلها.
 
الأسئلة
1- ما هي الآية المرتبطة بتعيين الإمام؟ بين دلالتها على ذلك.
 
2- بين الواقعة التي عين فيها أمير المؤمنين عليه السلام إماما.
 
3- لماذا أخر النبي صلى الله عليه وآله الاعلان عن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام؟ وكيف أقدم هذا العمل؟
 
4- اذكر الروايات الدالة على إمامة سائر الأئمة عليه السلام.
 
5- بين سائر الروايات التي تشير لإمامة أهل البيت عليه السلام.
 

1- غآية المرام، ص 265، ح‏3، ط القديمة.
2- وهذا الحديث من الاحاديث المتواترة أيضا، وقد رواه عن الرسول وبطرق عديدة، جماعة من كبار علماء أهل السنة أمثال: الترمذي والنسائي وصاحب المستدرك.
3- مستدرك الحاكم، ج‏3، ص 151.
4- مستدرك الحاكم، ج‏3، ص 134، وص‏111، وصواعق ابن حجر، ص 103، ومسند ابن حنبل، ج‏1، ص 331، وج‏4، ص 438. الخ.
5- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، والبحار، للمجلسي.
 
 
 
 
193
 
 
 
 

 


181

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

المقدمة
إن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة في موضوع الإمامة يدور حول ثلاث مسائل:
 
الأولى: لزوم نصب الإمام من قبل الله تعالى.
 
الثانية: لزوم اتصافه بملكة العصمة.
 
الثالثة: لا بد وان يملك الإمام العلم الموهوب من الله.
 
وقد تقدم إثبات هذه المسائل الثلاث بالدليل العقلي.
 
كما تقدمت الاشارة لبعض الأدلة النقلية على تعيين الأئمة الأطهار عليه السلام، من قبل الله تعالى، ونبحث في هذا الدرس حول العصمة والعلم الموهوب من الله.
 
عصمة الإمام‏
بعد أن أثبتنا أن الإمامة منصب إلهي منحه الله تعالى لعلي بن أبي طالب وأولاده عليهم السلام، فيمكن استنباط عصمتهم من هذه الآية الشريفة: ﴿لاَ
 
 
194

 

182

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾1.
 
حيث نفى سبحانه وتعالى منح المناصب الإلهية لأولئك الملوثين بالذنوب. وكذلك يستفاد من آية اولي الأمر حيث فرض اطاعتهم المطلقة وقرنها باطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله2 أن إطاعتهم لا يمكن أن تنافي إطاعة الله تعالى: إذن فالأمر بإطاعتهم بصورة مطلقة يعني تضمين عصمتهم وتوفرهم على العصمة.
 
وكذلك يمكن أن نستفيد عصمة أهل البيت عليهم السلام من آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾3. بالتوضيح لتالي: إن الإرادة التشريعية الالهية في تطهير العباد لا تختص بحد: إذن فالإرادة المختصة بأهل البيت عليهم السلام هي الإرادة التكوينية الإلهية التي لا تقبل التخلف كما يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾4.
 
والتطهير المطلق ونفي كل رجس وقبيح يعني العصمة، ونحن نعلم أن كل المذاهب والفرق الإسلامية، لا تدعي وجود العصمة في أي أحد من المنتسبين للنبي صلى الله عليه وآله إلا الشيعة الذين يعتقدون بعصمة الزهراء عليها السلام، والأئمة الاثني عشر عليهم السلام5.
 
ويلزم علينا أن نؤكد أن هناك أكثر من سبعين روآية، وقد وردت أكثرها عن علماء أهل السنة، تدل على أن هذه الآية الشريفة نزلت في شأن (الخمسة
 

1- البقرة، الآية: 124.
2- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء: 59.
3- الاحزاب، الآية: 33.
4- يس، الآية: 82.
5- لمزيد من التوضيح حول هذه الآية يراجع تفسير الميزان وكتاب (الإمامة والولآية في القرآن الكريم).
 
 
 
195
 
 

 

 


183

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

الطيبين)1 وقد نقل الشيخ الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي هذه الآية نزلت فيك وفي سبطي والائمة من ولدك، قلت: يا رسول الله وكم الأئمة من بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، وبعد الحسن ابنه الحجة. هكذا وجدت اساميهم مكتوبة على ساق العرش فسألت الله عز وجل عن ذلك فقال: يا محمد هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون وأعداؤهم ملعونون)2.
 
وكذلك حديث الثقلين الذي قرن فيه الرسول صلى الله عليه وآله أهل البيت والعترة مع القرآن الكريم، وأكد عدم افتراقها أبداً، وهو دليل واضح على عصمتهم، وذلك لأن ارتكاب المعصية حتى لو كانت صغيرة، وإن صدرت سهوا يعني الافتراق العملي عن القرآن.
 
علم الإمام‏
لا شك في أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله قد اقتبسوا وتزودوا من علومه صلى الله عليه وآله أكثر من غيرهم، وكما قال صلى الله عليه وآله في حقهم (لا تعلموهم فانهم أعلم منكم)3، وخاصة أمير المؤمنين عليه السلام الذي ترعرع ونشأ في أحضان الرسول صلى الله عليه وآله منذ طفولته، ولازمه حتى اخر لحظات عمره الشريف، وكان يغترف دائما ويتزود من علوم النبي صلى الله عليه وآله وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله في حقه: (أنا مدينة
 

1- غآية المرام، ص 293 287.
2- غآية المرام، ص 293، ح 6.
3- غآية المرام، ص 265، وأصول الكافي، ج 1، ص 294.
 
 
 
196

 

184

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

العلم وعلي بابها)1.
 
ونقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمني ألف باب، وكل باب يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب)2. ولكن علوم أئمة أهل البيت عليهم السلام لا تنحصر بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله بواسطة أو بدون واسطة، بل إنهم كانوا يتمتعون ايضا بنوع من العلوم غير العادية التي تفاض عليهم من طريق (الالهام) أو (التحديث)3 كالالهام الذي حصل للخضر وذي القرنين4، ومريم وام موسى عليها السلام5، وقد عبر في القرآن الكريم عن بعضها بـ (الوحي) وليس المقصود وحي النبوة، وبمثل هذا العلم بلغ بعض الأئمة الاطهار عليهم السلام مقام الإمامة في فترة طفولتهم، وحيث كانوا يعلمون بكل شي‏ء، ولم يحتاجوا للتعلم والدراسة لدى اخرين.
 
وتستفاد هذه الفكرة من روايات كثيرة نقلت عن الأئمة الاطهار عليهم السلام أنفسهم حيث ثبتت حجيتها بملاحظة عصمتهم وقبل أن نستعرض نماذج منها نشير لهذه الآية من القرآن الكريم، حيث عبر فيها عن شخص أو أشخاص أنهم (من عنده علم الكتاب) وذكره كشاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله على حق، والآية هي:
 
﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ 
 

1- مستدرك الحاكم، ج 3، ص 226، ومن الجدير بالذكر أن أحد علماء أهل السنة ألف كتابا اسمه (فتح الملك العلي بصحة حديث مدينة العلم علي) وطبع في القاهرة كتبه سنة 1354 ه.
2- ينابيع المودة، ص 88، وأصول الكافي، ج‏1، ص 296.
3- أصول الكافي، كتاب الحجة، ص 264 وص 270.
4- الكهف: 98 65، وأصول الكافي، ج‏1، ص 268.
5- ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنّ‏َ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ ال عمران: 42، وانظر أيضاً: مريم: 21 17، طه: 38، القصص: 7.

 
 
197
 

185

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾1. فإن من قرنت شهادته بشهادة الله تعالى، وإن توفره على علم الكتاب قد أهله لمثل هذه الشهادة، لا شك بأنه يتمتع بمقام رفيع.
 
وقد اشير في آية أخرى لهذا الشاهد، وأنه يتلو رسول الله صلى الله عليه وآله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ2، ولفظة (منه) تدل على أن هذا الشاهد من أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته. وقد نقلت روايات كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنة تؤكد أن المراد من هذا الشاهد هو علي بأن أبي طالب عليه السلام.
 
منها: ما رواه ابن المغازلي الشافعي عن عبد الله بأن عطاء: قال كنت عند ابي جعفر (الامام الباقر عليه السلام) جالسا اذ مر علينا ابن عبد الله بن سلام "وعبد الله من علماء أهل الكتاب أسلم في حياة الرسول صلى الله عليه وآله" قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب، قال: لا ولكنه صاحبكم علي بن ابي طالب الذي نزلت فيه ايات من كتاب الله عز وجل: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ3.
 
ونقلت عدة روايات عن الفريقين بأن المراد من (الشاهد) في سورة هود، هو علي بن ابي طالب عليه السلام4، وإذا تأملنا في الميزة التي تميز بها المذكور في كلمة (منه) يتضح لنا انه ليس المراد منه إلا الإمام علي بأن ابي طالب عليه السلام. وتتضح لنا أهمية التوفر على (علم الكتاب) حينما نتأمل في حكآية سليمان عليه السلام واحضار عرش بلقيس لديه، التي ذكرها 
 

1- الرعد، الآية: 43.
2- هود، الآية: 17.
3- المائدة، الآية: 55.
4- غآية المرام، ص 361 359.
 
 
198

 


186

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

القرآن الكريم: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾1.
 
ويستفاد من هذه الآية أن التعرف على (بعض) علم الكتاب له مثل هذه الاثار المدهشة، ومن هنا يمكن أن ندرك الاثار الكبيرة للتعرف على (جميع) علم الكتاب. وقد أشار لهذه الملاحظة الإمام الصادق عليه السلام في حديث رواه سدير عنه:
 
(قال كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بأن كثير في مجلس أبي عبيد الله عليه السلام إذ خرج إلينا وهو مغضب، فلما أخذ مجلسه قال عليه السلام: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة، فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي2، قال سدير: فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله، دخلت أنا وابو بصير وميسر وقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وانت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك، ونحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا، ولا ننسبك إلى علم الغيب، قال فقال عليه السلام: يا سدير: ألم تقرأ القرآن، قلت بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال، قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت
 

1- النمل، الآية: 40.
2- يتضح من تتمة الحديث أن هذا الكلام من الإمام عليه السلام إنما صدر لوجود من يتجنب ذكر الحقيقة أمامه، ويلزم أن نعلم بأن المراد من علم الغيب المختص بالله تعالى، هو العلم الذي لا يحتاج لتعلم، كما أجاب به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عمن سأله عن علمه بالغيب، (إنما هو تعلم من ذي علم) وإلا فإن جميع الأنبياء و كثير من أولياء الله مطلعون على بعض العلوم الغيبية بواسطة الوحي أو الإلهام. و من العلوم الغيبية التي لا يشك فيها أحد هذا النبأ الغيبي الذي الهم لام موسى عليه السلام: ﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ القصص: 7.
 
 
199

 

187

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

الرجل؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال قلت: أخبرني به قال: فطرة من الماء في البحر الاخضر. ثم قال عليه السلام: يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيض ﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قلت: قد قرأته، قال عليه السلام: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟، قلت: لا بل من عنده علم الكتاب كله، قال: فأومأ بيده إلى صدوره وقال عليه السلام: علم الكتاب والله كله عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا"1.
 
ونشير هنا إلى نماذج أخرى من الروايات الواردة حول علوم اهل البيت عليه السلام.
 
ففي حديث طويل عن الإمام الرضا عليه السلام يقول فيه: (وإن العبد اذا اختاره الله لامور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وآلهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجة على عباده، وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . فهل يقدمون على مثل هذا فيختارونه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه)2.
 
وعن الحسن بن يحيى المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له: أخبرني عن الإمام اذ سئل كيف يجيب؟ فقال: (إلهام، وسماع، وربما كانا جميعا)3.
 

1- أصول الكافي، ج 1، ص 257، طبعة دار الكتب الإسلامية.
2- أصول الكافي، ج 1، ص 203 198.
3- بحار الانوار، ج 26، ص 58.
 
 
 
200

 

188

الدرس الثلاثون‏: العصمة وعلم الإمام‏

وفي روآية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يصيبه والى ما يصير، فليس ذلك بحجة لله على خلقه)1.
 
وفي عدة روايات عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال فيها: (إن الإمام اذا شاء أن يعلم علم)2.
 
وورد عنه عليه السلام أيضا في روايات عديدة انه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ قال: (خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده)3.
 
الأسئلة
1- اذكر الايات التي يمكن أن نثبت بها عصمة الإمام.
 
2- اذكر الروايات الدالة على عصمة الإمام.
 
3- ما هي الطرق التي يصل من خلالها علم الإمام الخاص؟
 
4- من هم الذين امتلكوا مثل هذا العلم في الازمنة السابقة؟
 
5- ما هي الآية التي تدل على علم الإمامة؟ وكيف تدل على ذلك؟
 
 

1- أصول الكافي، ج 1، ص 258.
2- أصول الكافي، ج 1، ص 258 وفي روآية (اعلم) بلا عن (علم) وفي الأخرى (علمه الله بذلك) المصحح.
3- أصول الكافي، ج 1، ص 273.
 
 
 
 
201
 
 

 

189

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

المقدمة
ذكرنا خلال البحوث السابقة بعض الأحاديث المتضمنة لأسماء الأئمة الإثني عشر عليهم السلام، ولكن رويت أحاديث كثيرة أخرى من قبل الشيعة وأهل السنة عن النبي صلى الله عليه واله، اشير في بعضها إلى عددهم فحسب، واضيف في بعضها إلى ذلك أنهم جميعا من قريش، وفي بعض اخر ذكر أنهم بعدد نقباء بني اسرائيل، وجاء في بعضها ان تسعة منهم من أولاد الإمام الحسين عليه السلام، وأخيرا ذكرت أسماؤهم واحدا بعد الاخر في بعض الاحاديث المنقولة عن أهل السنة، والمتواترة من طرق الشيعة1.
 
وقد رويت أحاديث كثيرة من طرق الشيعة حول إمامة كل واحد من الأئمة الأطهار عليهم السلام، لا يسمح المجال لذكرها في هذا الموجز2، ولذلك نخص الدرس الأخير من دروس هذا الكتاب بالبحث في موضوع الإمام الثاني عشر 
 

1- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، ط 3، ص‏140 10.
2- راجع بحار الانوار، وغاية المرام، واثبات الهداة وسائر كتب الحديث.
 
 
 
202
 

190

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

كلها، ويمكن اعتبار ذلك نوعا من الإنباء عن الغيب بالنسبة لتوفر الأجواء المناسبة لتقبل الدين الحق، على نطاق واسع من المجتمع البشري، وحيث تتم بيدي بعض الأفراد والجماعات المتفوقة والمتميزة وبمعونة الامدادات الغيبية الإلهية إزالة العقبات والحواجز عن طريق إقامة الحكومة العالمية، ونشر العدل والقسط في الشعوب المحرومة، التي ضاقت ذرعا بجور الظالمين، ويئست من كل المبادى والأنظمة الحاكمة، ويمكن اعتبار ذلك هو الهدف النهائي لبعثة خاتم النبيين صلى الله عليه واله، ودينه العالمي والخالد، وذلك لأن الله قال في حقه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾1.
 
وبما أن الإمامة متممة للنبوة، ومحققة لحكمة ختم النبوة، فنتوصل على ضوء ذلك لهذه النتيجة، إن هذا الهدف سيتحقق بواسطة الإمام الأخير، وهذه الفكرة قد ذكرت في روايات متواترة حول المهدي (أرواحنا فداه) وورد التأكيد عليها كثيرا.
 
ونشير هنا أولاً إلى ايات من القرآن الكريم، تتضمن البشارة والوعد بإقامة هذه الدولة العالمية، وبعد ذلك نذكر نماذج من الروايات المرتبطة بهذا الموضوع.
 
الوعد الإلهي‏
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾2.
 
وقد نقل هذا المضمون في اية أخرى عن موسى عليه السلام3، ومما لا يقبل الشك والترديد أنه سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا الوعد الإلهي. وفي اية أخرى اشير لحكاية فرعون، الذي جر الناس للاستضعاف: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ 
 

1- التوبة: 33، والفتح: 28، والصف: 9، وراجع بحار الانوار، ج 51، ص 50، ح 22، وص 60، ح 58 و 59.
2- الأنبياء، الآية: 105.
3- الاعراف، الآية: 128.
 
 
 
204

 

191

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾1.
 
وهذه الآية وإن وردت في شأن بني اسرائيل واستيلائهم على زمام الأمور بعد تخلصهم من قبضة الفراعنة ولكن هذا التعبير (ونريد) يشير إلى إرادة إلهية مستمرة، ولذلك طبقت في الكثير من الروايات على ظهور المهدي عجل الله فرجه الشريف2.
 
وقد خاطب في موضع اخر المسلمين بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾3
 
وجاء في بعض الروايات، إن المصداق الكامل لهذا الوعد سيتحقق في زمان ظهور الإمام الغائب عجل الله فرجه بصورة كاملة4. وهناك روايات أخرى طبقت بعض الآيات على الامام الغائب عليه السلام5، نعرض عن ذكرها رعاية للاختصار والايجاز6.
 
نماذج من الروايات‏
إن الروايات التي نقلها الشيعة وأهل السنة عن النبي صلى الله عليه واله حول الإمام المهدي عجل الله فرجه تفوق حد التواتر، بل إن الروايات التي نقلها أهل
 

1- القصص، الآية: 5.
2- بحار الانوار، ج 51، ص 54، ح 35، وص 63 و 64.
3- النور، الآية: 55.
4- بحار الانوار، ج 51، ص 58، ح 5، وص 54، ح 34 و 35.
5- أمثال هذه الايات: (ويكون الدين كله لله) و (ليظهره على الدين كله) و (بقية الله خير لكم).
6- بحار الانوار، ج 51، ص 64 44.
 
 
 
205

 

192

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

السنة وحدهم تبلغ حد التواتر، باعتراف جماعة من علمائهم1 وقد اعتبر جماعة من علمائهم الإعتقاد بالإمام الغائب مما اتفقت عليه الفرق الإسلامية جميعا2، وألف بعضهم كتبا ومؤلفات حول الإمام المهدي3 وعلامات ظهوره، نذكر هنا بعض الروايات التي نقلها أهل السنة:
 
من الروايات العديدة التي رووها عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا)4.
 
عن ام سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: (المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة)5.
 
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: (إن عليا إمام امتي من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي اذا ظهر يملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما)6.
 
الغيبة ومغزاها
تعتبر الغيبة من خصائص الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه الشريف


1- الصواعق المحرقة، لابن حجر، ص 99، ونور الأبصار، للشبلنجي، ص 155، واسعاف الراغبين، ص 140، والفتوحات الإسلامية، ج 2، ص 211.
2- شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد، ج 2، ص 535، وسبائك الذهب، للسويدي، ص 78، وغاية المأمول، ج 5، ص 362.
3- أمثال كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان) تأليف الحافظ محمد بأن يوسف الكنجي الشافعي الذي عاش في القرن السابع، وكتاب (البرهان في علامات مهدي اخر الزمان) تأليف المتقي الهندي الذي عاش في القران العاشر.
4- صحيح الترمذي، ج‏2، ص 46، وصحيح أبي داود، ج 2، ص 207، ومسند ابن حنبل، ج 1، ص 378، وينابيع المودة، ص 186 و 285 و 440 و 488 و 490.
5- اسعاف الراغبين، ص 134، نقلا عن صحيح مسلم وابي داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي.
6- ينابيع المودة، ص 494.

 
206

 


193

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

والتي ورد التأكيد عليها في الروايات المروية عن أهل البيت عليه السلام منها:
 
ما رواه عبد العظيم الحسني عن الإمام محمد الجواد عليه السلام عن ابائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة).
 
ثم قال: (إن القائم منا اذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه)1.
 
وروي عن الإمام السجاد، عن أبيه، عن جده علي بأن أبي طالب عليه السلام أنه قال:
 
(وإن للقائم منا غيبتين، احداهما أطول من الأخرى، فلا يثبت على إمامته إلا من قوى يقينه وصحت معرفته)2.
 
ومن أجل أن نتعرف على سر الغيبة ومغزاها لا بد وأن نلقي نظرة على سيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام وتاريخهم. فنحن نعلم أن أكثر الناس بايعوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله أبا بكر وبعده عمر وبعده عثمان، وقد جرى تمرد على عثمان في أواخر حكمه، نتيجة للكثير من الاختلالات التي نشأت من التمييز المنحرف، فقتلوه، ومن ثم بايعوا أمير المؤمنين عليا عليه السلام.
 
وقد سكت الإمام الذي هو الخليفة المنصوب من قبل الله والرسول صلى الله عليه واله، خلال فترة الخلفاء الثلاثة، رعاية لمصالح الامة الإسلامية الجديدة، ولم ينطق بشى إلا ما يتم به الحجة. وفي الوقت نفسه، لم يتخلف لحظة عن تقديم الخدمات والجهود لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، ولكن فترة خلافته
 

1- منتخب الاثر، ص 255.
2- منتخب الاثر، ص 251.
 
 
207

 

194

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

استغرقت كلها في محاربة أصحاب الجمل ومعاوية والخوارج، وأخيرا استشهد بيد أحد الخوارج.
 
وقد توفي الإمام الحسن عليه السلام مسموما بأمر من معاوية، وبعد موت معاوية تربع على عرش الحكم الاموي ابنه يزيد، الذي لم يكترث حتى بمظاهر الاسلام، وكان من المتوقع أن يتعرض الإسلام للابادة والدمار نتيجة لهذه السيرة الهابطة، ولذلك لم يجد الإمام الحسين عليه السلام مناصا من النهوض وإعلان الثورة، وأنقذ (باستشهاده مظلوما الاسلام من خطر الإبادة، حيث بعث في المسلمين الوعي واليقظة، بيد أنه لم تتوفر الظروف الإجتماعية لاقامة الدولة الإسلامية العادلة، ومن هنا قام سائر الأئمة الأطهار عليهم السلام بتثبيت الأصول العقائدية وترسيخ ونشر المعارف والاحكام الإسلامية، وتربية النفوس المؤهلة وتهذيبها، وحيثما تسمح الظروف كانوا يحرضون الناس سرا على محاربة الظالمين والجبابرة والطواغيت، ويزرعون فيهم الأمل بتحقق الدولة الإلهية العالمية، واخيرا استشهدوا جميعا واحدا بعد الاخر.
 
وعلى كل حال، تمكن الأئمة الأطهار عليهم السلام خلال قرنين ونصف من عرض الحقائق الإسلامية وبيانها للناس، بالرغم من مواجهتهم الكثير من التحديات والمشاكل والمتاعب الشديدة، وقد بينوا بعضا منه للناس عامة وبعضها بينوها لخصوص شيعتهم وخواص أصحابهم، وبذلك انتشرت المعارف الإسلامية بمختلف أبعادها وجوانبها في الامة، وضمن بذلك بقاء الشريعة المحمدية، وقد تشكلت خلال ذلك هنا وهناك في البلاد الإسلامية بعض الجماعات التي اندفعت لمحاربة الحكام الجائرين، وامكنهم ولو بصورة محدودة منع الجابرة والطواغيت من التمادي في غيهم وجورهم وعبثهم.
 
ولكن الذي كان يثير فزع الحكام الظالمين وقلقهم أكثر هو، الوعد بظهور الإمام المهدي عليه السلام، الذي كان يهدد وجودهم وكيانهم، ومن هنا فرض المعاصرون 
 
 
 
208
 
 

 

195

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

منهم للإمام الحسن العسكري عليه السلام رقابة مشددة عليه، ليقتلوا أي طفل يولد له، وقد استشهد الإمام عليه السلام نفسه بيديهم، وهو في ريعان شبابه، ولكن شاءت الإرادة الإلهية أن يولد المهدي عليه السلام، وأن يدخر لخلاص البشرية ونجاتها، ولهذا السبب لم يوفق للقائه خلال حياة أبيه وحتى الخامسة من عمره إلا أفراد قليلون من خواص الشيعة، بيد أن الإمام عليه السلام ارتبط بالناس بعد وفاة أبيه، بواسطة نواب أربعة، كلفوا بمهمة النيابة الخاصة1، واحدا بعد الاخر، وبعد ذلك بدأت (الغيبة الكبرى)، التي ستستمر إلى مدة غير معلومة، حتى اليوم اليذي يتم فيه إعداد البشرية لتقبل الحكومة الإلهية العالمية، وحينئذ سيظهر الإمام عليه السلام بأمر من الله تبارك وتعالى.
 
إذن فالسر في غيبته هو، الحفاظ عليه من أيدي الجبابرة والجائرين. وقد اشير في بعض الروايات إلى حكم أخرى، منها، امتحان الناس واختبار مدى استقامتهم وثباتهم بعد اتمام الحجة عليهم. والملاحظ أن الناس لم يحرموا تماما من عطاءات الإمام عليه السلام خلال الغيبة، وكما ورد في الروايات فإنه كالشمس خلف الغيوم، حيث يستفاد من نورها وشعاعها2، وقد وفق الكثير من الأفراد للقاء الإمام عليه السلام وإن ظهر بصورة رجل مجهول، واستفادوا منه الكثير في قضاء حوائجهم، ومعالجة مشاكلهم المادية والمعنوية، ويعتبر بقاؤه حيا عاملا كبيرا ومؤثرا في زرع الطمأنينة وشيوع الأمل بين الناس، ليحاولوا إصلاح أنفسهم وإعدادها لظهوره.
 

1- وهم: عثمان بن سعيد، ومحمد بن عثمان بن سعيد، والحسين بن روح، وعلي بن محمد السمري.
2- بحار الأنوار، للمجلسي، ج 52، ص‏92.
 
 
 
209

196

الدرس الواحد والثلاثون‏: الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

الأسئلة
1- ما هو الهدف النهائي من بعثه نبي الإسلام صلى الله عليه واله؟
2- ما هي الايات التي تبشر باقامة الدولة الإلهية العالمية؟
3- بين الغيبة الصغرى والكبرى والفرق بينهما.
4- وضح مغزى غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
5- ما هي الفوائد والمعطيات التي يمكن للناس الاستفادة منها في زمن الغيبة؟
 
 
 
210
 

197

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

المقدمة
 
في بداية هذا الكتاب درسنا أهمية البحث في الدين واسسه وأصوله العقائدية (التوحيد، النبوة، المعاد) ووضحنا أن انسانية الحياة تبتنى على المعالجة الصحيحة لهذه المسائل، وتناولنا في الجزء الاول مسائل التوحيد، وفي الجزء الثاني مسائل الطريق والهادي والدليل (النبوة والامامة). والان نحاول أن نتناول بالبحث أهم مسائل المعاد وبحوثه، والتي يجمعها عنوان (معرفة المصير).

وفي البداية، نبين ميزة هذا الأصل العقائدي، وتأثيره الخاص في السلوك والافعال الفردية والإجتماعية للانسان، وبعد ذلك نوضح أن التصور الصحيح عن المعاد يتوقف على الاعتراف بروح غير محسوسة وخالدة، فكما ان (معرفة الوجود) بدون الإعتقاد بالله الواحد معرفة ناقصة، وكذلك تكون (معرفة الإنسان) بدون الإعتقاد بروح خالدة معرفة غير كاملة، ثم بعد ذلك، نتناول بالبحث المسائل الاساس للمعاد بالطريقة المتناسبة مع هذا الكتاب.
 
 
213
 

198

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

أهمية الإعتقاد بالمعاد
ان الباعث على النشاطات والأعمال الحياتية اشباع الحاجات والرغبات، وتحقيق الاهداف والطموحات، وبالتالي الوصول للسعادة والكمال النهائي، وان تقويم الافعال، وكيفية توجيهها مرتبط بتحديد الاهداف التي تسعى جميع الجهود والنشاطات الحياتية لبلوغها، ومن هنا كان لمعرفة الهدف النهائي للحياة دور اساس في توجيه النشاطات، واختيار الأعمال وتعيينها، وفي الواقع ان العامل الرئيس في تحديد طريقة الحياة ومسيرتها يكمن في نوع نظرة الإنسان ورؤيته ومعرفته بحقيقته وكماله وسعادته، ومن يعتقد أن حقيقته ليست إلا مجموعة من العناصر المادية، والتفاعلات المعقدة فيما بينما، ويرى حياته محددة بهذه الايام القليلة للحياة الدنيوية، ولا يعرف لذة أو سعادة أو كمالا اخر وراء هذه المنافع والمكاسب المرتبطة بهذه الحياة، فانه سوف ينظم اعماله وسلوكه بما يشبع حاجاته الدنيوية ومتطلبات هذا العالم، اما ذلك الذي يؤمن بان حقيقته اوسع وابعد من الظواهر المادية، ولا يرى في الموت نهاية الحياة، بل يراه منعطفا ينتقل من خلاله من هذا العالم الموقت العابر إلى عالم خالد باق، وان اعماله الصالحة وسيلة للوصول لسعادته وكماله الابديين، فانه سوف يخطط وينسق نظام حياته بطريقة تكون معها أكثر عطاء وافضل تأثيرا على حياته المؤبدة ومن جانب اخر، فان المتاعب والاخطاء والخسائر التي يواجهها في حياته الدنيوية، لا تثبط عزيمته، ولا تبعث فيه اليأس والقنوط، ولا تمنعه من مواصلة جهوده ونشاطاته في سبيل ممارسة وظائفه، وبلوغ السعادة والكمال الأبديين.
 
ولا ينحصر تأثير هذين النوعين من معرفة الإنسان، في الحياة الفردية، بل إن لهما تأثيرا كبيرا وفاعلا في الحياة الإجتماعية، وفي مواقف الأفراد و علاقاتهم فيما بينهم، فان للاعتقاد بالحياة الاخروية، وبالثواب والعقاب الأبديين، دوره 
 
 
 
214

 

199

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

 المهم وتاثيره البالغ في رعاية حقوق الاخرين، والايثار والاحسان إلى المحتاجين والمحرومين، وحين يسود المجتمع مثل هذا الإعتقاد، فلا يحتاج كثيرا إلى استخدام القوة في سبيل تنفيذ القوانين والاحكام العادلة ومكافحة الظلم والاعتداء على الاخرين . وبطبيعة الحال حين يصبح هذا الإعتقاد عالميا وشاملا، فسوف تقل بصورة ملحوظة الكثير من المشاكل الدولية.
 
ومن خلال هذه الملاحظات، تتضح لنا أهمية مسألة المعاد، وقيمة البحث فيها، بل وحتى الإعتقاد بالتوحيد، ان لم يكن مقترنا بالإعتقاد بالمعاد، لا يمكنه ان يؤثر اثره الكامل والشامل في، توجيه الحياة الوجهة الصحيحة والمنشودة، ومن هنا ينكشف لنا سر اهتمام الأديان السماوية، و خاصة الدين الاسلامي المقدس بهذا الأصل العقائدي، وسر بذل الأنبياء اقصى جهودهم في سبيل ترسيخ هذه العقيدة في النفوس وتثبيتها. والإعتقاد بالحياة الاخروية، انما يكون له تأثيره في توجيه السلوك والافعال الفردية والإجتماعية، فيما لو تم التسليم بوجود نوع من علاقة العلة والمعلول بين ما يتحقق في هذا العالم من المواقف والافعال والسعادة والشقاء في عالم الاخرة. وفي أقل التقادير لا بد من الاعتراف بان النعم أو العذاب الاخروي انما تكون ثوابا أو عقابا على الأعمال الصالحة والصالحة التي تصدر في هذا العالم. واما لو اعتقدنا بان السعادة الاخروية يمكن تحصيلها في ذلك العالم الاخر نفسه كما يمكن الحصول على النعم الدنيوية في هذا العالم فان الإعتقاد بالحياة الاخروية سوف يفقد تاثيره الفاعل والاساس في الافعال الدنيوية، اذانه على حسب هذا الإعتقاد والفهم يمكن القول: بانه يلزم السعي في هذه الدنيا لتحصيل السعادة الدنيوية، كما انه من أجل الوصول للسعادة الاخروية، لا بد من السعي في العالم الاخروي نفسه بعد الموت!
 
ومن هنا، كان من الضروري ان نثبت ايضا، اضافة لاثبات المعاد والحياة 
 
 
 
215

 

200

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

 الاخروية، العلاقة بين الحياتين (الدنيا والاخرة) وتاثير الافعال الاختيارية في السعادة والشقاء الأبديين.
  
اهتمام القرآن بمسألة المعاد
الملاحظ ان أكثر من ثلث الايات القرآنية، مرتبط بالحياة الابدية، وفي مجموعة من هذه الايات أكد القرآن على لزوم الإيمان بالآخرة1، وفي مجموعة أخرى، أشار إلى اثار انكاره ومضاعفاته2، وفي مجموعة ثالثة، ذكر النعم الابدية3، وفي مجموعة رابعة، تعرض القرآن إلى انواع العذاب الابدي4 كما ان هناك ايات كثيرة ذكرت العلاقة بين الأعمال الحسنة والسيئة، مع نتائجها واثارها الاخروية وكذلك اكدت، باساليب مختلفة، امكان القيامة وضرورتها، وتعرضت إلى الجواب عن شبهات المنكرين، وقد بينت بعض الايات أن السبب في الكثير من انواع الضلال والإنحراف هو نسيان أو انكار 
 

1- ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ البقرة: 4. وانظر أيضا: لقمان: 4. النمل: 3.
2- ﴿وأَنّ‏َ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الاسراء: 10، وأيضا: الفرقان: 11، وسبأ: 8، والمؤمنون: 74.
3- ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمّ‏َ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ الدهر: 21 11، وانظر: الرحمن: من الاية 46 إلى اخر السورة. الواقعة: 15، ج 38.
4- ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ الحاقة: 27 20، وانظر أيضا: الملك: 11 6، الواقعة: 56- 42.
 
 
216

 

201

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

القيامة ويوم الجزاء1.
 
ومن خلال التأمل في الايات القرآنية نتوصل إلى ان القسم الاكبر من احاديث الأنبياء ومناظراتهم مع الناس كان يدور حول موضوع المعاد، بل يمكن القول بان الجهود التي بذلوها لاثبات هذا الأصل كانت أكثر من جهودهم لاثبات التوحيد، وذلك لان اغلب الناس كانوا يتخذون موقفا أكثر عنادا وتشددا من هذا الأصل، ويمكن ان نلخص السبب في عنادهم وتشددهم هذين في امرين: احدهما عامل مشترك يتجسد في انكار كل امر غيبي وغير محسوس، والثاني عامل مختص بموضوع المعاد، اي الرغبة بالتحلل، وعدم الشعور بالمسؤولية، وذلك لما ذكرناه من أن الإعتقاد بالقيامة والحساب، يعتبر دعامة قوية وصلبة للشعور بالمسؤولية، ودافعا قويا لتقبل الكثير من الضوابط على السلوك والأعمال، والكف عن الظلم والاعتداء والفساد والمعصية. وبانكاره، سوف يفتح الطريق امام تدفق التصرفات المتحللة، وعبادة الشهوات والانانيات، والإنحرافات. وقد اشار القرآن الكريم إلى هذا العامل في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَه2.
 
ويمكن ان نلاحظ هذه الحالة النفسية من الامتناع عن الاعتراف بالمعاد بمعناه الحقيقي في أولئك الذين يحاولون في احاديثهم وكتاباتهم، تطبيق (البعث) و(اليوم الاخر) وسائر التعبيرات القرآنية عن المعاد على ظواهر هذا العالم الدنيوي، وبعث الامم والشعوب، واقامة المجتمع غير الطبقي وبناء الجنة الارضية، أو انهم يفسرون عالم الاخرة والمفاهيم المرتبطة به، بمفاهيم قيمية خلقية،
 

1- ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ‏ِ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنّ‏َ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب﴾ سورة ص: 26، وانظر أيضا: السجدة: 14.
2- القيامة، الايات: 5 3.
 
 
217
 

202

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

واعتبارية، واسطورية1.
 
وقد اعتبر القرآن الكريم أمثال هؤلاء من (شياطين الانس) و(اعداء الأنبياء) لأنهم يحالون تشويه الاذهان وخداع القلوب بحاديثهم الخادعة والمنمقة. واقصاء الناس عن الإيمان والإعتقاد الصحيح، والتزام الاحكام والتعاليم الالهية. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾2.
 
النتيجة
من اجل ان يمكن للانسان ان يختار في حياته طريقا يؤدي به إلى سعادته الحقيقية وكماله النهائي، فيلزم عليه ان يفكر: هل تنتهي الحياة الإنسانية بالموت؟ أم هل توجد هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة؟ وهل الانتقال من هذا العالم إلى عالم اخر، كالسفر من مدينة لأخرى، بحيث يمكنه توفير وسائل ومستلزمات المعيشة والحياة في تلك المدينة، أم ان الحياة في هذا العالم مقدمة، وارضية لحصول المسرات والالام في ذلك العالم، ولا بد ان يعد العدة، ويعمل في هذا العالم، ليحصل على النتيجة النهائية هناك؟، واذا لم يعالج الإنسان هذه المسائل، فلا يمكنه معرفة الطريق، وتعيين نظام الحياة وطريقتها، وذلك لانه اذا لم يتعرف على مقصد سفره ومصيره، فلا يمكنه تحديد طريق الوصول اليه.
 
وأخيرا، نؤكد على وجود احتمال وجود مثل هذه الحياة الأخروية مهما
 

1- قال تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ النمل: 68، وانظر أيضا: الاحقاف: 17.
2- الانعام: الايتان: 113 112.
 
 
218

 

203

الدرس الثاني والثلاثون‏: أهمية معرفة العاقبة

 افترضناه ضعيفا، وهذا الإحتمال في نفسه يكفي في دفع الإنسان العاقل الواعي، إلى البحث والفحص حول تلك الحياة، وذلك لان (مقدار المحتمل) غير نهائي.
  
الأسئلة
1- اشرح الفرق بين الإعتقاد بالمعاد وعدمه، في مجال توجيه النشاطات الحياتية.
 
2- متى يمكن للاعتقاد بالحياة الاخروية ان يؤثر اثره الكبير في توجيه الحياة الوجهة المطلوبة؟
 
3- اشرح اهتمام القرآن بموضوع المعاد.
 
4- اشرح السبب في تشدد الناس وعنادهم في الاعتراف بالمعاد.
 
5- اذكر نموذجا من سعي بعض مرضى النفوس لتحريف الإعتقاد بالمعاد، وموقف القرآن الكريم من هذه التحريفات.
 
 
 
 
219
 
 

204

الدرس الثالث والثلاثون‏: علاقة موضوع المعاد بقضية الروح‏  

ملاك الوحدة في الكائن الحي
يتألف بدن لأنسان من مجموعة (خلايا) كما هو الحال في جميع الحيوانات، وكل خلية منها في تحول وتبدل مستمرين، كما أن عدد الخلايا ليس ثابتا منذ الولادة حتى نهاية الحياة، ولا تجد انسانا لا تتغير عناصر بدنه خلال حياته، أو ان عدد الخلايا يبقى ثابتا فيه.
 
ومع ملاحظة هذه التغيرات والتحولات التي تتعرض لها ابدان الحيوانات وخاصة لأنسان، يبرز هذا السؤال: ما هو الملاك في اعتبار هذه المجموعة المتغيرة كائنا واحدا مع ما نلاحظ من امكان تبدل اجزائه خلال الحياة أكثر من مرة؟.
 
والجواب البسيط الذي يجاب به عن هذا السؤال: ان ملاك الوحدة في كل كائن حي هو ارتباط الأجزاء في زمان واحد أو أزمنة متعددة، وهذه الخلايا وان كانت تموت تدريجيا، لتحل محلها خلايا جديدة، ولكن مع ملاحظة ارتباط هذه الحالات والمراحل، فيما بينها لذلك يمكن اعتبار هذه المجموعة غير الثابتة موجودا واحدا.
 
ولكن هذا الجواب غير مقنع، لأننا لو افترضنا عمارة مؤلفة من مجموعة من الحجارة وهذه الحجارة تتبدل بالتدريج، بصورة لا تبقى معها الحجارة السابقة
 
 
 
220

 

205

الدرس الثالث والثلاثون‏: علاقة موضوع المعاد بقضية الروح‏  

تماما بعد فترة، لتحل موضعها حجارة جديدة، فلا يمكن لنا ان نعتبر مجموعة الحجارة الجديدة هي العمارة السابقة نفسها، وان استخدمت أمثال هذه التعبيرات في مثل هذا المجال بملاحظة الشكل الظاهري ومن باب المسامحة، وخاصة من أولئك الذين لم يعلموا بتغير اجزاء هذه المجموعة وتبدلها. ويمكن اكمال الجواب السابق بهذه الصورة: إن هذه التحولات التدريجية لا تضر بوحدة المجموعة في صورة حدوثها بسبب عامل طبيعي و داخلي، كما هو الملاحظ في الكائنات الحية. واما تبدل حجارة العمارة فقد تم بواسطة عامل خارجي وظاهري، لذلك لا يمكن نسبة الوحدة الحقيقية اليها على امتداد تبدل الاجزاء وتغيرها في الكائنات الحية بسبب وحدة عاملها الطبيعي.
 
وهذا الجواب يبتنى على الاعتراف بوجود عامل طبيعي واحد، يبقى بنفسه دائما خلال مراحل التحولات، ويحافظ على انتظام وانسجام الاجزاء والاعضاء التي يتألف منها الجسم، ومن هنا يبرز السؤال حول هذا العامل نفسه، ما هي حقيقته؟ وما هو ملاك الوحدة فيه؟
 
ووفقا لنظرية فلسفية معروفة: فان ملاك الوحدة في كل موجود طبيعي هو امر بيط (ير مركب) وغير محسوس، يسمى (الطبيعة) أو (الصورة)1 لا يتبدل خلال تبدلات المادة وتغيراتها، ويعبر عن هذا العامل بالنفس في خصوص الكائنات الحية التي تقوم بافعال مختلفة ومتعددة كالتغذية والنمو والتكاثر.
 
والفلاسفة القدامي كانوا يعتبرون النفس النباتية والحيوانية (مادية) واما النفس لأنسانية فهي (مجردة)، ولكن هناك الكثير من حكماء الاسلام، أمثال صدر المتألهين الشيرازي، ذهبوا إلى أن النفس الحيوانية تحتوي على مرتبة من التجرد ايضا، واعتبروا الشعور والإرادة من لوازم وعلامات الموجود المجرد، ولكن
 

1- من الضروري أن نعلم أن لكل واحدة من هذه الألفاظ معاني إصلاحية أخرى، والمراد من هنا هي الصورة النوعية (كالنفس لأنسانية التي هي الصورة النوعية للأنسان). 
 
 
 
221
 
 

 

 


206

الدرس الثالث والثلاثون‏: علاقة موضوع المعاد بقضية الروح‏  

 الماديون الذين حصروا الوجود بالمادة وخواصها انكروا الروح المجردة، والماديون الجدد (أمثال اصحاب الفلسفة الوضعية) انكروا كل شي‏ء غير محسوس، وفي اقل التقادير، اعتقدوا بان الامر غير المحسوس لا يقبل الاثبات العلمي، ومن هنا لم يقبلوا بوجود الطبيعة أو الصورة غير المحسوسة، وبطبيعة الحال فانهم لا يملكون علاجا صحيحا لملاك الوحدة في الكائنات الحية.
 
وعلى اعتبار القول بان ملاك الوحدة في النباتات هو نفسها النباتية، فتكون الحياة النباتية مرهونة بوجودة الصورة والنفس النباتية الخاصة في المواد المستعدة، وحين يزول الاستعداد عن هذه المواد، تنعدم الصورة أو النفس النباتية أيضاً، واذا افترضنا حصول الاستعداد لتقبل الصورة النباتية في تلك المواد مرة أخرى، فان نفسا نباتية جديدة تفاض عليها، ولكن على ضوء ذلك، لن تكون هناك وحدة حقيقية بين نبت قديم ونبت جديد بالرغم من وجود التشابه التام بينهما، أي لو نظرنا اليه نظرة فاحصة ودقيقة، فلا يمكن اعتبار النبت الجديد هو القديم.
 
وأما في مجال الحيوان ولأنسان، فبما ان نفس كل منهما مجردة، فيمكن أن تبقى هذه النفس بعد ان يتلاشى البدن ويضمحل. وحين تتعلق من جديد بالبدن، يحتفظ الشخص بوحدته كما هو الحال قبل الموت، حين كانت وحدة الروح هذه هي الملاك في وحدة الشخص، واما تبدل مواد البدن فلا يؤدي لتعدد الشخص ولكن اذا اعتقد احد بان وجود الحيوان ولأنسان محدد ومنحصر بهذا البدن المحسوس وخواصه واعراضه، واعتبر الروح خاصة أو مجموعة من خواص البدن، وحتى لو اعتبر الروح صورة غير محسوسة ولكنها مادية، تنعدم اذا تلاشت اعضاء البدن واضمحلت فمثل هذه الشخص لا يمكن ان يكون عنه تصور صحيح عن المعاد، وذلك لا ننالوا افترضنا ان البدن اكتسب استعدادا جديدا للحياة، فستظهر فيه خواص واعراض جديدة، وبناء على ذلك، فلا يملك الملاك الحقيقي لوحدته، لأن 

 
222
 

207

الدرس الثالث والثلاثون‏: علاقة موضوع المعاد بقضية الروح‏  

المفروض ان الخواص السابقة انعدمت تماما ووجدت خواص جديدة.
 
والحاصل هو اننا يمكن ان نتصور للحياة بعد الموت صورة صحيحة ومقبولة، فيما لو اعتبرنا الروح غير البدن وخواصه وأعراضه، بل يلزم أيضا عدم اعتبار الروح صورة مادية تحل في البدن، وتنعدم اذا تلاشى البدن، اذن فيجب علينا أولاً أن نعترف بوجود الروح، وثانيا لا بد من ان نعتبر الروح امراً جوهريا، وليست من قبيل اعراض البدن، وثالثا لا بد من ان نعتقد بان الروح قابلة للاستقلال وللبقاء اذا تلاشى البدن، وليست كالصور الحالة (أو بتعبير آخر، المنطبعة في المادة) حيث تنعدم اذا تلاشى البدن واضمحل.
 
موقع الروح في كيان لأنسان‏
والملاحظة الأخرى التي يلزم التنبيه عليها هنا هي ان تركيب لأنسان من الروح والبدن، ليس من قبيل تركيب مادة كيميائية من عنصرين، مثل تركيب الماء من الاوكسجين والهيدروجين، بحيث لو انفصل احدهما عن الاخر، لأنعدم الموجود المركب بصفته كلا ومركبا، بل ان الروح هي العنصر الأصلي والاساس في لأنسان، ومادامت باقية، فان انسانية لأنسان وشخصية الشخص باقية، ومحتفظة بنفسها ومن هنا، فان تغير خلايا البدن وتبدلها لا يضر بوحدة الشخص وذلك لأن ملاك الوحدة الحقيقية للأنسان هو وحدة روحه. وقد اشار القران الكريم إلى هذه الحقيقة، عند جوابه عن المنكرين للمعاد، حين سألوا: كيف يمكن للأنسان ان يكتسب حياة جديدة بعد أن تتلاشى أجزاء بدنه؟ اجاب ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ1. اذن، فانسانية كل إنسان وشخصيته متقومة بذلك الشي‏ء الذي يقبضة ملك الموت، ويستوفيه، لا اجزاء بدنه التي تتفرق وتتبعثر في الارض.
 

1- السجدة: 11.
 
 
223
 


208

الدرس الثالث والثلاثون‏: علاقة موضوع المعاد بقضية الروح‏  

الأسئلة
1- ما هي النظرية الفلسفية المعروفة حول وحدة الموجودات المركبة، وخاصة الكائنات الحية؟
 
2- ما هو الفرق بين الصورة الطبيعية والنفس؟
 
3- ما هو فرق النفس النباتية عن النفس الحيوانية ولأنسانية؟ وما هو تأثير هذا الفرق في مسألة المعاد؟
 
4- ما هي الأصول التي يحتاج اليها التصور الصحيح للمعاد؟
 
5- ما هو الفرق بين تركيب لأنسان من الروح والبدن، والتركيبات الكيميائية؟
 
 
 
224

209

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

المقدمة
اتضح مما سبق ان مسألة المعاد تبتنى على مسألة الروح، بمعنى أنه انما يمكن أن يقال: "ان الشخص الذي ترد له الحياة بعد موته هو الشخص السابق نفسه" فيما لو كانت روحه باقية بعد ان يتلاشى البدن. وبعبارة أخرى: ان كل انسان يملك غير بدنه المادي جوهرا غير مادي يقبل الاستقلال عن البدن، ترتبط به انسانيته وشخصيته، واما في غير هذه الصورة، فان افترض حياة جديدة للشخص نفسه افتراض غير معقول. ومن هنا، وقبل البحث في موضوع إثبات المعاد واستعراض مسائله، يلزم علينا إثبات هذه الفكرة، وهذا الدرس مخصص للبحث عنها، ونستدل لاثباتها من خلال طريقين: احدهما طريق العقل، والاخر طريق الوحي1.
 

1- من الممكن ان يتوهم: ان الإستدلال عن طريق الوحي لإثبات مسائل الروح والمعاد استدلال دوري، وذلك لانه في البرهان الذي اقيم على ضرورة النبوة، اخذت الحياة الاخروية (المبتنية على مسألة الروح) (كاصل موضوعي)، إذن فإثبات هذا الأصل بنفسه من طريق الوحي والنبوة مستلزم للدور . ولكن يلزم ان نعلم أن صحة الإستدلال بالوحي لا تحتاج إلى مسألة (ضرورة النبوة) بل انها تتوقف على (وقوعها)، حيث يثبت عن طريق المعجزة (لاحظ بقة) وبما ان القران الكريم بنفسه معجزة ودليل على ان نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وسلم على حق، فيصح الإستدلال به لإثبات مسائل الروح والمعاد.
 
 
225

210

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

الادلة العقلية على تجرد الروح‏
بحث العلماء كثيرا ومنذ زمان قديم في الروح (ويعبر عنها في الإصطلاح الفلسفي بالنفس)1 وخاصة حكماء الاسلام، إذ اهتموا اهتماما كبيرا بهذا الموضوع، وخصصوا في كتبهم الفلسفية فصولا مهمة للبحث فيه. وكتبوا رسائل وكتبا مستقلة في هذا المجال، وناقشوا، بادلة كثيرة، تلك الآراء التي تذهب إلى ان الروح عرض من أعراض البدن، أو أنها صورة مادية (منطبعة في مادة البدن).
 
ومن الواضح ان البحث بتوسع في هذا الموضوع هنا لا يتناسب وهذا الكتاب، لذلك نبحث فيه باختصار، ونحاول عرضه بأسلوب واضح ومتقن، ونبدأ هذا البحث المشتمل على بعض البراهين العقلية، بهذه المقدمة. نشاهد لون جلدنا وشكل بننا بعيننا، ونتحسس خشونة اعضائه ونعومتها بحاسة اللمس، ولا يمكن التعرف على داخل ابداننا إلا بصورة غير مباشرة، ولكن خوفنا وحبنا، وغضبنا وارادتنا وتفكيرنا ندركها بدون الاحتياج للحواس، وكذلك نتعرف على (الأنا) الذي يملك هذه الاحساسات والمشاعر والعواطف والحالات النفسية بدون استخدام الحواس.
 
اذن فالإنسان يملك نوعين من الادراك: احدهما يحتاج فيه إلى الحواس، والثاني لا يحتاج فيه إلى الحواس.
 
والقضية الأخرى: مع ملاحظة الاخطاء التي تتعرض لها المدركات الحسية، فمن الممكن حصول احتمال الخطأ في النوع الاول من المدركات، خلافا للنوع الثاني، فهي لا مجال فيها للخطأ والاشتباه والشك والتردد، فيمكن للمرء ان يشك في لون جلده، وانه هل شخصه كا هو في الواقع فعلا أم لا، ولكن لا يمكن لاحد ان يشك، هل انه فكر ام لا، أو اراد شيئا ام لا، أو شك ام لا؟!


1- يجب ان نعلم أن المصطلح الفلسفي (للنفس) غير المصطلح الاخلاقي، فقد استخدم في الاخلاق بما يقابل (العقل)، وبما يصدق على ضده.
 
 
 
226

 

211

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

وهذه الفكرة هي التي تطرح في الفلسفة بهذا التعبير: وهو ان العلم الحضوري يتعلق مباشرة بالواقع نفسه ومن هنا لا يقبل الخطأ، واما العلم الحصولي، فبما انه يحصل بواسطة الصورة الادراكية، لذلك يقبل الشك و التردد ذاتا1.
 
ومعنى ذلك، ان أكثر علوم الإنسان ومعارفة يقينية هي العلوم الحضورية والمدركات الشهودية التي تشمل العلم بالنفس والاحساسات والمشاعر والعواطف والحالات النفسية الأخرى، ومن هنا، فان (انا) المدرك، المفكر، المريد، لا يقبل الشك والتردد ابدا، وكذلك وجود حالات الخوف والحب والغضب والتفكير والإرادة، لا يقبل التردد.
 
ومن هنا يبرز هذا السؤال: هل هذ (الأنا) هو البدن المادي والمحسوس؟ وهل ان هذه الحالات النفسية بورها من اعراض البدن، ام ان وجودها غير وجود البدن، وان كان (للانا) علاقة وثيقة وقوية بالبدن، إذ أن (الأنا) يقوم بالكثير من اعماله ونشاطاته بواسطة البدن، وكما يؤثر بالبدن، فانه يتأثر به ايضا؟
 
ومع ملاحظة المقدمة المذكورة، يسهل الجواب عن هذا السؤال، وذلك: أولاً: اننا ندرك (الأنا) بالعلم الحضوري، واما البدن فلابد من أن نتعرف عليه بمعونة الحواس . اذن فالآن (= النفس والروح) غير البدن.
 
ثانياً: أن (الأنا) موجود يبقى محتفظا خلال عشرات السنين على وصف الوحدة والشخصية الحقيقية، وندرك هذه الوحدة والشخصية بالعلم الحضوري الذي لا يقبل الخطأ، واما اجزاء البدن، فانها تتعرض للتغير والتبديل، مرات عديدة، ولا يوجد اي ملاك للوحدة الحقيقة بين أجزائه السابقة واللاحقة.
 
ثالثاً: أن (الأنا) موجود بسيط لا يقبل التجزئة والتقسيم، فلا يمكن مثلا تقسيمه إلى نصفين، بينما اعضاء البدن متعددة وقابلة للتقسيم
 
رابعاً: الملاحظ ان جميع الحالات النفسية كالاحساس والإرادة وغيرهما، لا 
 

1- راجع: تعليم الفلسفة، الجزة الاول، الدرس الثالث عشر.
 
 
227

 

 


212

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

تملك الخاصة الأصلية والرئيسة للماديات اي الامتداد والقابلية للتقسيم، لذلك لا يمكن اعتبار هذه الأمور غير المادية من اعراض المادة (البدن)، اذن لا بمن ان يكون موضوع هذه الاعراض جوهرا غير مادي (= المجرد)1.
 
ومن الادلة الباعثة على الاطمئنان بوجود الروح واستقلاليتها وبقائها بعد الموت هو الاحلام والاطياف الصادقة، فقد أطلع بعض الافراد بعد موتهم شخصا نائما على بعض المعلومات الصحيحة. وكذلك من الادلة تحضير الارواح المقترن بشواهد قاطعة ومعبرة، وكذلك يمكن إثبات تجرد الروح بكرامات اولياء الله، وحتى ببعض اعمال المرتاضين، والبحث في هذه المسائل يحتاج إلى كتاب مستقل.
 
شواهد قرآنية
يذهب القران الكريم إلى وجود الروح الإنسانية، وهذه الحقيقة القرانية مما لا تقبل الشك والتردد، فهي الروح التي تنسب لله تعالى، لشدة شرفها وسموها2 كما يقول القران الكريم في كيفية خلق الإنسان: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ3.
 
وليس المراد والعياذ بالله انفصال شي‏ء من ذات الله وانتقاله للانسان. وفي مجال الحديث في خلق ادم عليه السلام يقول تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي4.
 
وكذلك، يستفاد من ايات أخرى، ان الروح غير البدن، وخواصه و اعراضه، وانها تمتلك قابلية البقاء بدون البدن، ومن هذه الايات، ما ينقله القرآن على لسان الكفار: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾5.
 

1- تعليم الفلسفة، الجزء الثاني، الدرس الرابع والاربعون، والتاسع والاربعون.
2- أصول الكافي، ج 1، ص 134.
3- السجدة، الآية: 9.
4- الحجر: 29، وسورة ص: 72.
5- السجدة، الآية: 10.
 
 
228

 
 
 

213

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

اي اذا تفرقت اجزاء ابداننا في التراب، ويجبيهم القران الكريم بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَِ﴾1.
 
اذن فملاك هوية الإنسان وحقيقته هو روحه، التى يقبضها ملك الموت، و التي تظل باقية، وليس اجزاء البدن التي تتلاشى وتتفرق في الارض.
 
وفي موضع آخر يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾2.
 
وفي مجال موت الظالمين يقول: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُِ﴾3.
 
ونفهم من هذه الايات وايات أخرى نعرض عن ذكرها رعاية للاختصار أن نفس كل امرى تتحدد بذلك الشي‏ء يقبضه ملك الموت أو الملائكة الموكلون بقبض الارواح، وان انعدام البدن لا تاثير له في بقاء الروح ووحدة الإنسان الشخصية. ونتيجة ذلك كله:
 
اولاً: انه يوجد في الإنسان شيء يدعى بالروح.
 
وثانياً: الروح الإنسانية قابلة للبقاء ولاستقلال عن البدن، وليست هي من قبيل الاعراض والصور المادية التي تنعدم حين يتلاشى المحل.
 
وثالثاً: إن هوية كل امرى مرتبطة بروحه، وبعبارة أخرى: إن حقيقة كل انسان هي روحه، اما البدن فانه يقوم بور الالة بالنسبة للروح.
 

1- السجدة، الآية: 11.
2- الزمر، الآية: 42.
3- الأنعام، الآية: 93.
 
229

 
 
 

214

الدرس الرابع والثلاثون‏: تجرد الروح‏

الأسئلة
 
1- عرف العلم الحضوري والحصولي، واذكر الفروق بينهما.
 
2- اشرح الادلة العقلية على تجرد الروح.
 
3- ما هي الطرق الأخرى التي يمكن بها إثبات تجرد الروح؟
 
4- اذكر الايات المرتبطة بهذا الموضوع.
 
5- ما هي النتائج التي نتوصل اليها بالاستفادة من هذه الايات؟
 
 
230
 

215

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

المقدمة
إن الاعتقاد بالمعاد، وإحياء الناس جميعا في عالم الآخرة، من أهم الأصول العقائدية في جميع الأديان السماوية. وقد أكد الأنبياء كثيرا على هذا الأصل، وتحملوا الكثير من المتاعب والتحديات في سبيل ترسيخ هذه العقيدة في النفوس وتثبيتها. وقد اعتبر القران الكريم الاعتقاد بالمعاد عدلا وقرينا للاعتقاد بالتوحيد، واستخدام في ما يتجاوز العشرين آية كلمات (الله) و(اليوم الآخر)، احدهما في سياق الآخر، (إضافة إلى أن القرآن الكريم تحدث عن شؤون الآخرة وأخبارها في أكثر من ألفي اية في سوره المختلفة).
 
وقد تعرضنا في بداية هذا الجزء لأهمية البحث في معرفة العاقبة والمصير، ووضحنا بان التصور الصحيح للمعاد يبتنى على الاعتراف بروح تعتبر هي الملاك في هوية كل إنسان، وإنها ستبقى بعد الموت حتى يمكن القول: بان ذلك الشخص الذي مات في الدنيا هو الذي ردت له الحياة في عالم الآخرة مرة أخرى. وبعد ذلك بحثنا في إثبات هذه الروح عن طريق العقل والوحي، كل ذلك، من اجل أن نمهد الطريق لدراسة البحوث الرئيسة والأصلية حول الحياة الأبدية للإنسان، والآن 
 
 
 
231
 

216

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

حان الوقت للبحث في إثبات هذا الأصل العقائدي المهم.
 
وكما اننا اثبتنا مسألة الروح من خلال طريقين (العقل والنقل)، فان هذه المسألة ايضا يمكن اثباتها من خلال هذين الطريقين، ونحن هنا نذكر دليلين عقليين على ضرورة المعاد، وبعد ذلك نستعرض بعض الايات القرانية حول امكان المعاد وضرورتة.
 
برهان الحكمة
اتضح في الجزء الاول من هذا الكتاب أن خلق الإنسان ليس عبثا، وبلا هدف وغاية، بل إن حب الخير والكمال الذي هو عين الذات الإلهية قد تعلق اصالة بالذات نفسها وتعلق تبعا باثارها التي لها مراتب ودرجات من الخير والكمال، ومن هنا خلق العالم بالصورة التي يترتب عليها أكثر ما يمكن من الخير والكمال، وعلى هذا الاساس تثبت صفة الحكمة، ومقتضاها ان تصل المخلوقات إلى غايتها وكمالها اللائق والمناسب لها. ولكن بما ان العالم المادي عالم التزاحم، حيث تتعارض وتتصادم خيرات الموجودات وكمالاتها فيما بينها، فان مقتضى التدبير الالهي الحكيم ان تنظم الموجودات بالصورة التي يترتب عليها جميعا أكثر ما يمكن من الخيرات والكمالات، وبعبارة أخرى: ان يملك العالم النظام الاحسن، ومن هنا، نظمت ونسقت انواع العناصر وكميتها وكيفيتها وتفاعلاتها وحركتها بصورة تتوفر معها الارضية والظروف المناسبة لايجاد وخلق النباتات والحيوانات، واخيرا، تتوفر الارضية الملائمة لخلق الإنسان اكمل الموجودات في هذا العالم واما اذا كان خلق العالم المادي قد تم بصورة يمتنع معها وجود الكائنات الحية أو رشدها ونموها، فان ذلك سيكون خلاف الحكمة.
 
ونضيف هنا: مع ملاحظة ان الإنسان يمتلك الروح القابلة للبقاء، ويمكنه الحصول على الكمالات الابدية الخالدة، تلك الكمالات التي لا يمكن مقارنتها 
 
 
232

 

217

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

بالكمالات المادية من حيث الدرجة والقيمة الوجودية، بل تفضل عليها وتتفوق بكثير، فاذا تحددث حياته بهذه الحياة الدنيوية، فان ذلك لا يتلاءم مع الحكمة الالهية، وخاصة مع ملاحظة اقتران الحياة الدنيوية بالمتاعب والمشاق والمصاعب الكثيرة، ولا يمكن الحصول على لذة غالبا بدون معاناة ومشقة وتعب بحيث توصل الخبراء لهذه النتيجة، بان الحصول على تلك اللذات الضئيلة لا يساوي شيئا تجاه المتاعب والمصاعب التي يتحملها الإنسان في سبيل الحصول عليها، ومن هنا ولد الاتجاه للعبثية، بل اتجه بعض الناس للانتحار بالرغم من وجود الرغبة الفطرية الملحة بالبقاء والحياة.
 
حقا اذا تحددت حياة الإنسان بذلك، يعاني المتاعب دائما، ويعالج المشاكل الطبيعية والإجتماعية، ليقضي بعد ذلك لحظات من المتعة واللذة، ثم بعد ذلك، يغرق في النوم نتيجة لارهاقه وتعبه. وبعد فترة استراحته، ينهض من جديد، ليواجه مرة أخرى تلك المتاعب والمشاكل، فيبذل اقصى جهوده من اجل الحصول على لقمة العيش، ثم يتمتع للحظات قليلة بتناولها، وبعد ذلك لا شي‏ء. ان مثل هذه الحياة الروتينية الرتيبة المرهقة والباعثة على الملل والسأم، لا يرتضيها العقل، ولا يفتي باختيارها ويمكن ان نشبه هذه الحياة بافضل اشكالها، بذلك السائق الذي يقود سيارته إلى محطة وقود ليملأ سيارته منها وبعد ان يستخدمه في حركتها يواصل مسيره إلى محطة أخرى وهكذا دواليك، حتى تنهار قوى سيارته وتتعطل وتصطدم بيارة أخرى أو شي‏ء اخر وتتحطم!
 
ومن البديهي: فان من غرائز الإنسان الاصيلة حب البقاء والخلود، اودعتها يد الخلق الالهية في فطرة الإنسان، وهي تعتبر قوة محركة دافعة تسوقه للابدية، وتحثه دائما على متابعة حركته، ولو افترضنا ان مصير هذا المتحرك، وفي ذروة تحركه ونشاطه، ليس الا الارتطام بصخرة صماء، ثم يتلاشى ويتحطم، فكيف يتلاءم ايجاد مثل هذه القوة المحركة مع هذا المصير والغاية؟!
 
 
232

 

218

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

اذن، فوجود مثل هذا الميل الفطري انما يتلأم مع الحكمة الالهية فيما لو وجدت حياة أخرى غير هذه الحياة المحكوم عليها بالموت والفناء.
 
والحاصل:
من خلال ضم احدى هاتين المقدمتين إلى الأخرى اي الحكمة الالهية وامكان الحياة الابدية للانسان نتوصل هذه النتيجة وهي: انه لا بد من وجود حياة أخرى للانسان وراء هذه الحياة الدنيوية المحدودة القصيرة، حتى لا تتنافى حياته مع الحكمة الالهية.
 
ويمكن اعتبار هذا الميل الفطري للابدية والخلود مقدمة أخرى نضمها للحكمة الالهية، لنؤلف من خلال ذلك برهانا اخر على هذه الحقيقة. واتضح من خلال ذلك ايضا: أن الحياة الابدية للانسان لا بد من ان يكون لها نظام اخر، وليست كالحياة الدنيوية مستلزمة للمتاعب الكثيرة، والا فان استمرار هذه الحياة الدنيوية بكل مستلزماتها ومتاعبها، حتى لو كانت مؤبدة خالدة لا يتلاءم مع الحكمة الالهية.
 
برهان العدالة
ان الناس احرار في هذا العالم في اختيار لو ممارسة الأعمال الحسنة أو السيئة. فمن جانب، نلاحظ بعض الافراد يقضون اعمارهم كلها في عبادة الله وخدمة عباده ومن جانب اخر، نلاحظ بعض الاشرار والمجرمين يرتبكون من اجل الوصول لنزواتهم واطماعهم الشيطانية ابشع انواع الظلم وافظع الوان الذنوب، بل ان الهدف من خلق الإنسان في هذا العالم، وتجهيزه بانواع الميول المتضادة، وبقوة الإرادة والاختيار، وبانواع المعارف العقلية والنقلية وتوفير الاجواء والظروف للافعال المختلفة، وجعله على مفترق طريقين، الحق والباطل، والخير والشر، الهدف من ذلك كله ان يكون معرضا للاختيارات والابتلاءات العديدة، وليختار 
 
 
 
234

 

219

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

مسير تكامله بارادتة واختياره، حتى يصل إلى نتائج افعاله الاختيارية، وثوابها أو عقابها. وفي الواقع ان الحياة الدنيوية بكاملها جعلت للانسان دار ابتلاء واختبار، وبناء لهويته الإنسانية، وحتى في اواخر لحظات حياته وعمره، لا يعفى من هذا الامتحان والتكليف وممارسة الوظائف.
 
ولكننا نرى ان الاخيار والاشرار لا يصلون في هذه الدنيا إلى الثواب والعقاب الملائم لاعمالهم، بل اننا نرى الكثير من الاشرار والمجرمين يتوفرون أكثر من غيرهم على النعم والملذات، والملاحظ ان الحياة الدنيوية لا تستوعب الثواب أو العقاب على الكثير من الأعمال والتصرفات. فمثلا: ذلك المجرم الذي قتل الاف الابرياء لا يمكن الاقتصاص منه في هذه الدنيا الا مرة واحدة وبطبيعة الحال سوف تبقى الكثير من جرائمه بدون عقاب مع ان مقتضى العدل الالهي ان يرى حتى من ارتكب اقل الأعمال الحسنة أو السيئة نتائجها وجزائها.
 
اذن. فكما ان هذا العالم دار اختبار وتكليف، فلابد من وجود عالم اخر، يعتبر دار ثواب وعقاب، وظهور نتائج الأعمال فيه، ليصل كل فرد إلى ما يتلام واعماله، لتتجسد العدالة الالهية عمليا وحسيا بذلك1!.
 
ومن خلال ذلك يتضح ايضا بان عالم الاخرة ليس عالم اختيار الطريق أو ممارسة التكاليف، وسوف نبحث في المستقبل في هذا الموضوع أكثر.
 

1- مع ملاحظة أن العدالة في الواقع من مصاديق الحكمة، فيمكن ان نعتبر هذا البرهان من أنواع الإستدلال عن طريق الحكمة الالهية.
 
 
 
235

 

220

الدرس الخامس والثلاثون‏: اثبات المعاد

 الأسئلة
1- وضح الحكمة الالهية، وعلاقتها بالنظام الاحسن.
 
2- بين برهان الحكمة بكلتا صيغتيه.
 
3- ما هي الملاحظة التي نستفيدها من هذا البرهان، غير إثبات أصل المعاد؟
 
4- إشرح برهان العدالة.
 
5- ما هي الملاحظة الخاصة التي تستفاد من هذا البرهان.
 
 
 
236
 
 

221

الدرس السادس والثلاثون‏: أجوبة القرآن الكريم عن شبهات المنكرين للمعاد

 من خلال احتجاجات القرآن الكريم ومناظراته مع منكري المعاد ومن خلال أسلوب اجوبته على مزاعمهم، يبدو انه كانت هناك شبهات في اذهانهم، ونحن نستعرضها وننظمها بما يتناسب والاجوبة عنها.
 
1- شبهة إعادة المعدوم‏
اشرنا سابقا إلى ان القرآن الكريم أجاب أولئك الذين كانوا يقولون "كيف يحيى الإنسان من جديد بعد ان يضمحل ويتلاشى بدنه؟" بما مفاده: أن هويتكم قائمة بروحكم، لا بعأضاء بدنكم الذي يتفرق في الارض1.
 
ويمكن أن يكون الدافع لإنكار الكفار المعاد هو تلك الشبهة التي يعبر عنها في الفلسفة ب(استحالة اعادة المعدوم)، أي أن هؤلاء كانوا يعتقدون بان الإنسان هو هذا البدن المادي الذي يتلاشى وينعدم بالموت، واذا ردت له الحياة من جديد بعد الموت، فهو انسان اخر، اذ ان اعادة المعدوم أمر محال وممتنع، وليس لها امكان ذاتي.
 

1- قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمّ‏َ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ السجدة: 11 10.
 
 
237
 

222

الدرس السادس والثلاثون‏: أجوبة القرآن الكريم عن شبهات المنكرين للمعاد

ويتضح الجواب عن هذه الشبهة من القرآن الكريم، وان الهوية الشخصية لكل انسان وحقيقته متمثلة بروحه، وبعبارة أخرى: ان المعاد ليس من اعادة (المعدوم)، بل عودة (الروح الموجودة).
 
2- شبهة عدم قابلية البدن للحياة الجديدة
الشبهة السابقة كانت مرتبطة بالامكان الذاتي للمعاد، أما هذه الشبهة فهي ناظرة لامكانه الوقوعي، بمعنى: ان عودة الروح للبدن وان لم تكن محالا عقليا، ولا يلزم التناقض من افتراضها، ولكن وقوع العودة فعلا وخارجا مشروط بقابلية البدن، ونحن نرى أن حصول الحياة منوط بشروط واسباب خاصة، لا بد من توفرها تدريجا، فمثلا: لا بد من ان تستقر النطفة في الرحم ولا بد من توفر شروط مناسبة لنموها وتكاملها، لتصبح جنينا متكاملا بالتدريج، ولتكون بصورة انسان، ولكن البدن الذي يتلاشى يفقد قابليته واستعداده للحياة.
 
والجواب عن هذه الشبهة: ان النظام المشهود في عالم الدنيا، ليس هو النظام الممكن وحده، والشروط والاسباب التي نتعرف عليها من خلال التجربة ليست اسبابا وعللا منحصرة، والشاهد على ذلك وقوع بعض الظواهر والحوادث الحياتية الخارقة للعادة في هذا العالم نفسه، أمثال إحياء بعض الحيوانات أو الناس.
 
ويمكن التوصل لمثل هذا الجواب من ذكر بعض الظواهر الخارقة للعادة في القرآن الكريم.
 
3- الشبهة في مجال قدرة الفاعل‏
الشبهة الأخرى: انه يشترط في وقوع اية ظاهرة من الظواهر وتحققها: قدرة الفاعل على ذلك، اضافة للامكان الذاتي وقابلية القابل، ومن اين نعرف أن الله 
 
 
 
238

 

223

الدرس السادس والثلاثون‏: أجوبة القرآن الكريم عن شبهات المنكرين للمعاد

 تعالى لا يملك القدرة على إحياء الموتى؟!
 
وهذه الشبهة الضعيفة، انما تطرح من قبل أولئك الذين يجهلون قدرة الله اللامتناهية، والجواب عنها: ان القدرة الالهية ليس لها حدود، وتتعلق بكل شيء ممكن الوقوع، كما هو الملاحظ بانه تعالى خلق هذا الكون الواسع بكل ما يتمتع به من عظمة مثيرة للدهشة والاعجاب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾1.
 
اضافة ان الخلق الجديد ليس أكثر صعوبة من الخلق الاول، ولا يحتاج إلى قدرة أكثر، بل من الممكن القول انه اهون واسهل، اذ ليس فيه الا اعادة الروح الموجودة: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾2. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾3.
 
4- الشبهة في مجال علم الفاعل‏
الشبهة الأخرى هي ما يقال: انه اذا اراد الله احياء الناس، ومجازاة أعمالهم ثوابا أو اعقابا فيلزم من جانب ان يميز بين الابدان التي لا تعد ولا تحصى، ليعيد كل روح إلى بنها، ومن جانب اخر، لا بد من ان يتذكر جميع الأعمال الحسنة والسيئة، ليجازي كلا منها بما تستحقه من الثواب أو العقاب، ولكن كيف يمكن التمييز والتعرف على الابدان التي تحولت إلى تراب، واختلطت ذراتها واجزاؤها؟ وكيف يمكنه ان يضبط ويتذكر أعمال البشر كلها خلال الالاف بل الملايين من السنين ليحاسبها؟
 
وهذه الشبهة طرحها أولئك الذين يجهلون العلم الالهي غير المتناهي، حيث 
 

1- الاحقاف: 33، وانظر كذلك سورة يس: 81، والاسراء: 99، والصافات: 11، والنازعات: 27.
2- الاسراء: 51 وانظر أيضا: العنكبوت: 20 19، وق: 15، والواقعة: 62، ويس: 80، والحج: 5، والطارق: 8.
3- الروم، الآية: 27.
 
 
 
239

 

224

الدرس السادس والثلاثون‏: أجوبة القرآن الكريم عن شبهات المنكرين للمعاد

قاسوا العلم الالهي بعلومهم الناقصة المحدودة، والجواب عن هذه الشبهة ان العلم الالهي ليس له حدود، وله احاطة بكل شي‏ء، ولا ينسى الله تعالى اي شي‏ء.
 
وينقل القرآن الكريم عن فرعون قوله لموسى عليه السلام: (فما بال القرون الأولى)؟ فقال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى1.
 
وقد ذكر في اية أخرى الجواب عن الشبهتين الآخيرتين: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾2.
 
الأسئلة
1- بين هذه الشبهة (استحالة اعادة المعدوم)، والجواب عنها.
 
2- اشرح هذه الشبهة (عدم قابلية البدن للحياة الجديدة) والجواب عنها.
 
3- أذكر بعض الظواهر الخارقة للعادة في القرآن الكريم التي تدل على قابلية البدن إعادة لتقبل الحياة مرة ثانية.
 
4- بين الشبهة في مجال قدرة الفاعل والجواب عنها.
 
5- وضح الشبهة في مجال علم الفاعل والجواب عنها.
 

1- طه: 52 51، وتراجع ايضا: سورة ق: 4 2.
2- يس، الآية: 79.
 
 
240
 
 
 
 
 

 

225

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

يقع البحث في هذا الدرس عن العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح، وكذلك بين الكفر والمعصية. وعن وجود تأثر وتأثير بين الأعمال الحسنة والسيئة نفسها؟
 
هل إن كلا من الإيمان والعمل الصالح عامل مستقل في السعادة الابدية، ام ان عامل السعادة هو مجموعهما، حيث يساهم كلاهما في تحقيق السعادة، دون ان يكون لأحدهما بمفرده هذا التاثير؟ وكذلك، هل إن كلا من الكفر والعصيان عامل مستقل في العذاب الابدي، ام ان هذا الاثر مترتب على مجموعهما؟ وفي الصورة الثانية: اذا توفر الإنسان على الإيمان وحده، أو العمل الصالح وحده، فماذا سيكون مصيره وعاقبته؟ وكذلك لو اتصف الإنسان بالكفر وحده، أو ارتكب المعصية فحسب، فماذا ستكون عاقبته؟ واذا ارتكب المؤمن ذنوبا كثيرة، أو صدرت من الكافر اعمال خيرة كثيرة، فهل سيكون من اهل السعادة أو من اهل الشقاء؟ وفي كلتا الصورتين: اذا عاش الإنسان فترة من عمره ملتزما بالايمان والعمل الصالح، بينما عاش في فترة أخرى متورطا في الكفر والمعصية، فماذا ستكون عاقبته؟ ومثل هذه المسائل، بحث فيها منذ القرن الاول الهجري، فقد اعتقد بعض الناس أمثال (الخوارج) بان ارتكاب المعصية عامل مستقل في الشقاء الابدي، بل
 
 
 
241

 

226

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

انه يؤدي إلى الكفر والارتداد. بينما اعتقدت جماعة أخرى أمثال (المرجئة) بانه يكفي الإيمان وحده في السعادة الابدية، ولا يضر ارتكاب المعصية شيئا في سعادة المؤمن.
 
والقول الحق في هذا المجال: انه ليست كل المعاصي توجب الكفر والشقاء الابدي، وان كان من الممكن لتراكم الذنوب ان يؤدي إلى سلب الإيمان وفقدانه، ومن جانب اخر: فلا يصح الرأي الاخر القائل بأنه مع وجود الإيمان يغتفر كل ذنب، ولا تضر المعصية.
 
وفي بداية هذا الدرس نذكر توضيحا حول حقيقة الإيمان والكفر، وبعد ذلك نبحث في تأثيرهما في السعادة أو الشقاء الأبدي.
 
حقيقة الإيمان والكفر
ان الإيمان حالة قلبية ونفسية تنشأ من العلم بمفهوم، والميل اليه، وهو يقبل الكمال والنقص نتيجة لشدة احد هذين العاملين أو ضعفه، وهما العلم والميل، واذا لم يعلم الإنسان بوجود شي‏ء وان كان علما ظنيا فلا يمكنه الإيمان به، ولكن لا تكفي المعرفة والعلم فحسب في حصول الايمان، اذ من الممكن ان يكون المعلوم أو لوازمه مخالف لرغبته وميوله، بينما يميل إلى ضد هذا الامر المعلوم، ولذلك لا يعزم ولا يصمم على العمل بلوازمه، بل ربما صمم وعزم على العمل بضده.
 
وكما قال القرآن الكريم حول الفراعنة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾1 وقال موسى عليه السلام في خطابة لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾2.
 

1- النمل: 14.
2- الاسراء: 102.
 
 
 
242


 

 


227

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

مع ان فرعون لم يؤمن، وكان يقول للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي1.
 
وانما امن حين اوشك على الغرق حيث قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾2.
 
ومثل هذا الإيمان الاضطراري لا يقبل من الإنسان إن امكن تسميته بالايمان. اذن، فالايمان متقوم بالميل القلبي والاختيار خلافا للعلم والمعرفة، فيمكن حصوله بدون اختيار الشي‏ء المعلوم، ومن هنا، يمكن اعتبار الإيمان (عملا قلبيا اختياريا)، وذلك فيما لو وسعنا من مفهوم العمل بما يشمل الأعمال القلبية، فيمكن ان نعتبر الإيمان من مصاديق العمل. واما لفظة (الكفر)، فتستخدم تارة في عدم ملكة الايمان، حيث يطلق الكفر على عدم الإيمان سواء نشأ عدم الإيمان من شك والجهل البسيط، أو من الجهل المركب، أو نشأ من الميل للاتجاه المخالف للايمان تعمدا وعنادا وتارة أخرى، يختص الكفر بالقسم الاخير اي حالة الجحود والعناد، ويعتبر هذا القسم امرا وجوديا مضادا للايمان.
 
نصاب الإيمان والكفر
يستفاد من الايات القرآنية الكريمة، والروايات الشريعة، ان الحد الأدنى من الإيمان الذي يلزم توفره من أجل الحصول على السعادة الابدية، عبارة عن الإيمان بالله الواحد، وبالثواب والعقاب الاخرويين، وبصحة ما نزل على الأنبياء عليهم السلام. ومما يلزم من هذا الإيمان ويترتب عليه العزم والتصميم الاجمالي على العمل بتعاليم الله تعالى واحكامه، واما رفع درجات الإيمان فانه مختص بالأنبياء والاولياء الالهيين (لام الله عليهم اجمعين).
واما الحد الأدنى للكفر فهو عبارة عن انكار التوحيد أو النبوة أو المعاد أو الشك
 

1- القصص: 38.
2- يونس: 90.
 
 
243

 

228

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

فيها، أو انكار امر يعلم بنزوله من الله تعالى على الأنبياء، واما أسوأ مراتب الكفر فهو الانكار عنادا لهذه الحقائق مع العلم بصحتها والعزم والتصميم على محاربة الدين الحق . ومن هنا، يكون الشرك (انكار التوحيد) من مصاديق الكفر، واما النفاق فهو الكفر الباطني، المقترن بالخداع والتظاهر بالاسلام، والمنافق (الكافر المقنع) أكثر انحطاطا وسقوطا من سائر الكفار، كما قال القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾1.
 
والملاحظة التي يلزم تأكيدها هنا: ان الاسلام أو الكفر الذي يبحث الفقه فيه، ويكون موضوعا لبعض الاحكام، أمثال طهارة الذبيحة وحليتها، وجواز النكاح والارث وعدمه، لا يلازم الإيمان أو الكفر الذي نبحثه في أصول الدين، اذ من الممكن ان ينطق احد بالشهادتين، وتثبت له الاحكام الفقهية الإسلامية، مع انه لم يؤمن قلبيا بمضمون التوحيد والنبوة ولوازمهما.

والملاحظة الأخرى: اذا لم يملك الإنسان القدرة على معرفة أصول الدين، كما لو كان مجنونا وفاقدا للعقل، أو لم يتمكن من معرفة الدين الحق نتيجة للظروف التي يعيشها فمثل هذا الإنسان يكون معذورا بمقدار قصوره، اما لو كان الإنسان يملك استعدادا وقابلية لاكتساب العلم والمعرفة، ولكنه قصر في ذلك، وبقي على حالة شكه، أو انه انكر أصول الدين وضرورياته بدون دليل، فلا يكون معذورا، وسيحكم عليه بالعذاب الأبدي.
 
تأثير الإيمان في السعادة والشقاء الأبديين‏
مع ملاحظة هذه الحقيقة بأن الكمال الحقيقي للانسان انما يتحقق في ظل القرب الالهي، وفي المقابل، فان سقوط الإنسان وانحطاطه انما يحصل نتيجة للبعد عن الله تعالى، ومن هنا فيمكن اعتبار الإيمان بالله تعالى، وبربوبيته
 

1- النساء: 145.
 
 
244

 

229

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

التكوينية والتشريعية المستلزم للاعتقاد بالمعاد والنبوة، نبتة التكامل الحقيقي للانسان، واما الأعمال التي يرتضيها الله فهي بمثابة اغصانها واوراقها، وثمرتها السعادة الابدية التي تظهر في عالم الاخرة، اذن فاذا لم يبذر الإنسان بذور الإيمان في قلبه، ولم يغرس هذا النبت المبارك، ولكن بذر في محلها بذور الكفر والعصيان المسمومة في قلبه، فانه قد اضاع النعمة الإلهية المعطاة له وزرع شجرة ستكون ثمارها الزقوم الجهنمي، ومثل هذا الشخص المنحرف، ليس له طريق يسلكه للوصول إلى السعادة الابدية، ولا يتجاوز تأثير اعماله الخيرة حدود هذا العالم.
 
والسر في ذلك: ان كل فعل اختياري يعتبر حركة للروح باتجاه الغاية والهدف الذي ينشده الفاعل، ومن لا يعتقد بالعالم الابدي والقرب الالهي، فكيف يمكنه ان ينشد مثل هذا الهدف ويتصوره، وكيف يوجه افعاله لمثل هذا الاتجاه؟! وبطبيعة الحال، لا يمكن لمثل هذا الشخص أن يتوقع حصوله على الثواب الابدي من الله تعالى، غاية ما يمكن تقبله بالنسبة للاعمال الخيرة التي تصدر من الكفار، ان مثل هذه الأعمال ربما توفر في التخفيف من عذابهم، اذ يمكن لهذه الأعمال ان تؤدي لإضعاف روح العناد وعبادة النفس وتخفيفها.
 
شواهد قرآنية
نلاحظ ان القرآن الكريم يؤكد التأثير الفاعل والاساس للايمان في سعادة الإنسان الابدية، فبالاضافة إلى ان القرآن الكريم ذكر في عشرات الايات العمل الصالح بعد ذكره للايمان في سياق واحد، فانه في بعض الايات أكد اعتبار الإيمان شرطا في تأثير الأعمال الصالحة في السعادة الابدية، حيث يقول: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾1.
 
هذا من جانب، ومن جانب اخر، نرى القرآن الكريم ذكر أن الله أعد الجحيم

1- النساء: 124، وتراجع ايضا: النحل: 97، والاسراء: 19، وطه: 112، والأنبياء: 94، وغافر: 40.
 
 
 
245

 

230

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

والعذاب الابدي للكفار، واعتبر اعمالهم باطلة لا ثمرة فيها، وشبه اعمالهم بالرماد الذي يتطاير عند هبوب ريح شديدة، لا تبقي له اثرا: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾1. وفي موضع اخر، يقول القرآن الكريم انه ستكون اعمال الكفر كالغبار المنثور في الهواء: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾2. وشبهها في اية أخرى بالسراب الذي يتطلع اليه الضامى من بعيد، ولكن حين يقترب منه لا يجد ماء: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمان ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾3.
 
ويقول بعد ذلك: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾4.
 
وتؤكد ايات أخرى أن نتائج اعمال طلاب الدنيا تمنح لهم في هذا العالم وليس لهم نصيب في الاخرة اذ لا تنفعهم هناك: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾5.
 

1- ابراهيم: 18.
2- الفرقان: 23.
3- النور: 39.
4- النور: 40.
5- هود: 16 15 وانظر ايضا: الاسراء: 18، والشورى: 20، والاحقاف: 20، ومع ملاحظة هذه الايات، ندرك مدى ما يملكه بعض الاشخاص من ثقافة اسلامية، ومعرفة بالاسلام!! حيث فضلوا العلماء الكفار الملحدين الغربيين على كبار الشيعة وعلمائهم، أمثال نصير الدين الطوسي والعلامة المجلسي. 
 
 
246

 

231

الدرس السابع والثلاثون‏: دور الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين‏

الأسئلة
1- بين رأي الخوارج والمرجئة في مجال الإيمان والكفر، وبين القول الحق في مقابل هذين الرأيين.
 
2- اشرح حقيقة الإيمان والكفر وعلاقتهما مع العلم والجهل.
 
3- وضح النصاب اللازم للايمان والكفر.
 
4- ما هي نسبة الاسلام والكفر الفقهي مع الإيمان والكفر الكلامي؟
 
5- بين تاثير الإيمان والكفر في السعادة والشقاء الأبديين.
 
 
247
 
 

232

الدرس الثامن والثلاثون‏: الحبط والتكفير

المقدمة
من المسائل التي تطرح حول علاقة الإيمان والعمل الصالح بالسعادة الآخروية، وكذلك حول علاقة الكفر والعصيان بالشقاء الابدي، ما يلي: هل إن العلاقة بين كل لحظة من لحظات الإيمان والكفر مع نتيجتها الآخروية، وكذلك العلاقة بين كل عمل حسن أو سيى مع ثوابه وعقابه، هل هذه العلاقة حتمية وثابتة لا تقبل التغير، ام أنها قابلة للتغير؟ فمن باب المثال: هل من الممكن جبران اثر المعصية بالعمل الصالح؟ وكذلك العكس فهل من الممكن إزالة أثر العمل الصالح بالمعصية؟ وكذلك هل يمكن القول بأن أولئك الذين قضوا شطرا من عمرهم في الكفر والعصيان، وشطرا آخر في الإيمان والطاعة، سوف يتعرضون للعقاب فترة، وللثواب فترة آخرى، أو انه يوازن بين اعمالهم ويجبر احدهما بالآخر، ونتيجة لذلك يتعين مصير الإنسان، اما السعادة واما الشقاء في العالم الابدي الخالد؟ أم ان الامر بشكل آخر؟
 
وهذه المسألة في واقعها هي مسألة (الحبط والتكفير)1 التي بحث فيها ومنذ
 

1- الحبط والتكفير مصطلحان قرانيان، والاول منها يعني عدم تأثير الأعمال الحسنة والخيرة، والثاني يعني جبران المعاصي.

 
248
 

 


233

الدرس الثامن والثلاثون‏: الحبط والتكفير

زمان قديم المتكلمون من الاشاعرة والمعتزلة، ونحن هنا نستعرض رأي الشيعة في هذا المجال بإيجاز.
 
العلاقة بين الإيمان والكفر
اتضح أن أي فعل من الأفعال الحسنة والخيرة، وبدون الإيمان بالأصول العقائدية، لا تأثير له في الحصول على السعادة الابدية، وبعبارة أخرى: ان الكفر يمنع تحقق تأثير الأعمال الصالحة، ونضيف هنا ان ايمان الإنسان في آخر عمره يمحو الاثار السيئة للكفر السابق، فهو مثل النور الساطع يزيل الظلمات السابقة، وعلى العكس من ذلك، فان الكفر الاخير يمحو اثار الإيمان السابق، ويجعل صحيفة الشخص سوداء، ويجر مصيره إلى الضياع، ليكون نظير النار التي تسقط على البيدر، حيث تحرقه جميعا دفعة واحدة. ونضرب مثلا آخر لهذه الفكرة: ان الإيمان مثل المصباح الشديد الضياء، يضى يبت القلب والنفس، ويزيل الظلمات منه، وان الكفر مثل انطفاء ذلك المصباح، فهو يطفى الضياء، ويوجد الظلمات، ومادامت النفس الإنسانية متعلقة بهذا العالم المادي، عالم التغيرات والتحولات فانها دائما عرضة للضياء والظلام، واشتداد النور والظلمة أو ضعفهما، ولكن حين يجتاز هذا العالم، حيث تغلق بوجهه ابواب اختيار الإيمان والكفر، فانه مهما تمنى الرجوع مرة آخرى إلى هذا العالم، ليعمل على ازالة الظلمات، فلا تنفعه تمنياته ابدا.
 
ولا مجال للشك أو التردد في اعتراف القران الكريم بمثل هذا التأثير والتأثر بين الإيمان والكفر، وتدل عليه الكثير من الايات القرانية، ومنها الآية (9) في سورة التغابن حيث يقول: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾.
 
وفي الآية 217 من سورة البقرة يقول: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ
 
 
 
249

 

 


234

الدرس الثامن والثلاثون‏: الحبط والتكفير

 وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخرةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
 
العلاقة بين الأعمال الحسنة والسيئة
وما ذكرناه حول العلاقة بين الإيمان والكفر يمكن تصوره في الجملة بين الأعمال الحسنة والسيئة، ولكن ليس بصورة عامة، بحيث تسجل دائما في صحيفة الإنسان اعماله الصالحة، وتنمحي وتزول منها اعماله غير الصالحة السابقة، أو تسجل دائما الأعمال غير الصالحة في صحيفة اعماله، بينما تنمحي وتزول منها اعماله الصالحة السابقة (كما اعتقده بعض المتكلمين من المعتزلة)، أو تثبت دائما النتيجة الحاصلة من الموازنة والجمع والجبران بين اعماله السابقة بملاحظة كميتها وكيفيته (كما اعتقده بعض آخر)، وانما في مجال الأعمال، لا بد من القول بالتفصيل التالي: وان هناك بعض الأعمال الحسنة اذا صدرت بصورة صحيحة ومقبولة تمحو اثار الأعمال السيئة السابقة أمثال التوبة فهي إن صدرت بالصورة المطلوبة، تغتفر خطايا الشخص ويعفى عنها1، فهي تماما كالنور الذي يسلط ضوءه على النقطة المظلمة بقة ليضيئها، ولكن هذا لا يعني ان كل عمل حسن يمحو اثار كل المعاصي، ومن هنا ربما ابتلي المؤمن بعقاب معاصيه لفترة وبعد ذلك يدخل الجنة الخالدة، وكأن لروح الإنسان أبعادا وجوانب مختلفة، وكل مجموعة من الأعمال الحسنة أو السيئة ترتبط ببعد منها، فمثلا: العمل الحسن المرتبط ببعد (الف) لا يزيل أثر الذنب المرتبط ببعد (ب)، الا اذا كان العمل الصالح من القوة والشدة في نوره بحيث يسري لسائر جوانب الروح الآخرى، أو ان الذنب يبلغ درجة 
 

1- قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ‏َ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمّ‏َ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ النساء: 110. وانظر أيضا: ال عمران: 135، الانعام: 54، الشورى: 25، الزمر: 53.
 
 
250

 

235

الدرس الثامن والثلاثون‏: الحبط والتكفير

كبيرة من البشاعة والقبح بحيث يشوه سائر الابعاد والجوانب الآخرى. وقد ورد في الروايات الشريفة، أن الصلاة المقبولة تغسل الذنوب وتسبب غفرانها. يقول القران الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ1.
 
وبعض الذنوب، أمثال عقوق الوالدين، وشرب الخمر، تمنع ولمدة بعد ارتكابها من قبول العبادة، أو ان المن بعد الصدقة يبطل ثوابها، كما جاء في القران الكريم: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾2.
 
ولكن تحديد انواع ومقدار هذا التأثير والتأثر للاعمال الحسنة والسيئة، كل منها في الآخرى، لا بان نعرفه من خلال الوحي وأحاديث المعصومين عليهم السلام ولا يمكن وضع قاعدة كلية عامة لها جميعا.
 
وقبل الختام تجدر الإشارة إلى أنه ربما كان للاعمال الحسنة والسيئة تأثيرها في أعمال آخرى في هذه الدنيا نفسها، في حصول المسرات أو الالام، أو في حصول التوفيق أو سلبه فالملاحظ ان الاحسان للآخرين وخاصة إلى الوالدين والاقارب يؤثر في إطالة العمر، ودفع الامراض والبلايا، وان عدم توقير الكبار واحترامهم وخاصة المعلمين والاستاذة له تأثيره في سلب التوفيق، ولكن حصول هذه الاثار في هذه الدنيا لا يعني ان الإنسان قد حصل بشكل كامل على ثوابه أو عقابه، فان الموضع الأصلي للثواب والعقاب هو العالم الابدي.
 

1- هود: 114.
2- البقرة: 264.
 
 
 
251

 

236

الدرس الثامن والثلاثون‏: الحبط والتكفير

الأسئلة
 
1- وضح معنى الحبط والتكفير.
 
2- ما هي الصور التي يمكن تصورها للعلاقة بين الإيمان والكفر؟ وما هي الصورة الصحيحة منها؟
 
3- ما هي الصور التي يمكن افتراضها للعلاقة بين الأعمال الحسنة والسيئة؟ وما هي الصورة الصحيحة منها؟
 
4- هل للإعمال الحسنة والسيئة تأثيرها في أعمال آخرى في هذه الدنيا نفسها؟
 
5- هل إن الاثار الدنيوية للاعمال الحسنة والسيئة تحل محل الثواب أو العقاب الآخروي ام لا؟
 
 
252
 

237

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

المقدمة
من المزايا التي خص الله تعالى بها المؤمنين: أن المؤمن اذا احتفظ بإيمانه حتى وفاته، ولم يرتكب الذنوب التي تسلب التوفيق منه، أو تؤدي به لسوء العاقبة، وتنحدر به للشك والارتياب أو الانكار والجحود، وفي جملة واحدة (اذا رحل عن الدنيا وهو مؤمن)، فان مثل هذا المؤمن سوف لا يتعرض للعذاب الابدي، وتغتفر له ذنوبه الصغيرة بسبب اجتنابه الكبائر، وتغتفر له كبائره ايضا، فيما لو صدرت منه التوبة المقبولة والكاملة. واما اذا لم يوفق لمثل هذه التوبة فان تحمله لمصائب الدنيا والامها ولشدائد عالم البرزخ وأهوآله، ومواقف بايات النشور والقيامة، سوف تأتي على البقية الباقية من اخطائه واوزاره، وتزيل اثارها. واذا لم يتطهر من خلال ذلك كله من اوحال ذنوبه وخطاياه، فان الشفاعة ستقوم بمهمة إنقاذه من عذاب الجحيم وهي أعظم وأشمل مظاهر الرحمة الالهية المختصة باولياء الله وخاصة رسوله الاكرم وأهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام1، ووفقا للكثير من الروايات فان (المقام المحمود)2 الذي وعد به الرسول الاكرم 
 

1- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي) بحار الانوار، ج 8، ص 40 37.
2- الاسراء: 79.
 
 
 
253
 

 


238

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم هو مقام الشفاعة، وكذلك الآية الشريفة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾1.
 
تشير إلى العفو الالهي الذي يشمل المستحقين، والذي يتم بشفاعة الرسول صلى الله عليه وآله.
 
ومن هنا، فان اعظم أمل واخر ملجأ للمؤمنين المذنبين هو الشفاعة، ولكن في الوقت نفسه، يلزم عليهم عدم الأمن من (المكر الإلهي)، وان يكونوا في حذر تام حتى لا تصدر منهم تلك الأعمال التي تؤدي لسوء العاقبة، وسلب الإيمان حال الاحتضار والموت، ويلزم ان لا يترسخ في قلوبهم التعلق والانشداد بالأمور الدنيوية إلى درجة يرحلون معها من هذه الدنيا وهم ساخطون على الله لكونه هو الذي يفرق بالموت بينهم وبين ما يحبونه ويعشقونه ويتعلقون به.
 
مفهوم الشفاعة
الشفاعة مشتقة من مادة (الشفع) أي (الزوج وما يضم إلى الفرد)، وتستخدم في الاستعمالات العرفية: بان يطلب شخص محترم إلى شخص كبير، ان يعفو عن معاقبة مجرم، أو ان يضاعف مكافأة بعض العاملين والخدم. ولعل النكتة في استعمال لفظة الشفاعة في هذه الأمور: ان هذا المجرم لا يستحق العفو، بحد ذاته هو، أو ان مثل ذلك العامل والخادم لا يستحق مضاعفة المكافأة لوحده، ولكن بضم طلب (الشفيع)، يتحقق مثل هذا الاستحقاق.
 
وفي المجالات المتعارفة، انما يتقبل الشخص شفاعة الشفيع، بسبب خشيته من أنه اذا لم يقل شفاعته، فسوف يتألم هذا الشفيع ويتأذى، وبذلك يحرم من لذة معاشرته ومؤانسته، أو خدمته، بل ربما ادى عدم قبوله لشفاعته، ان يلحقه بعض الاذى، والضرر من جانب الشفيع، والملاحظ ان المشركين الذين اعتقدوا باتصاف
 

1- الضحى: 5.
 
254

 

 


239

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

خالق الكون ببعض الصفات الإنسانية البشرية، من قبيل الحاجة للمؤانسة والمعاشرة مع الزوجة والندمان، أو الحاجة للمساعدين والمعينين المشاركين له في العمل، أو الخوف من النظراء والشركاء، ان أمثال هؤلاء المشركين، من اجل استرحام الخالق الكبير عليهم، واستعطافه، أو من اجل التخلص من سخطه، كانوا يتوسلون اليه بالهة اسطورية موهومة، أو يفزعون لعبادة الملائكة والجن، أو التذلل امام الاوثان وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ﴾1.
 
ويقولون أيضاً: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾2.
 
ويقول القرآن الكريم حول هذه المعتقدات الجاهلية: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾3.
 
ولكن يلزم التأكيد على هذه الحقيقة: ان انكار أمثال هؤلاء الشفعاء، أو نفي مثل هذه الشفاعة لا يعني انكار مطلق الشفاعة، وفي القرآن الكريم نفسه ايات تدل على ثبوت (الشفاعة باذن الله)، وقد ذكرت فيها شروط الشفعاء والمشفوع لهم، ويجدر ان نعلم أن قبول الله لشفاعة الشفعاء المأذونين ليس بسبب الخوف أو الحاجة اليهم، بل انه طريق فتحه الله تعالى لأولئك الذين لا يملكون الا ادنى واقل مراتب الاستحقاق للتزود من الرحمة الابدية وقد عين لهذه الشفاعة بعض الشروط والضوابط.
 
وفي الواقع ان الفرق بين الشفاعة الصحيحة والشفاعة الباطلة هو الفرق بين الإعتقاد بالولاية والتدبير باذن الله، والولاية والتدبير المستقل، وقد تقدم البحث في هذا الموضوع في قسم التوحيد.
 
وقد تستخدم لفظة الشفاعة احيانا في معنى اوسع من ذلك، لتشمل ظهور اي تأثير خير حسن في الإنسان بواسطة اخر، كما هو الملاحظ في شفاعة الوالدين
 

1- يونس: 18، وكذلك: الروم: 13، الانعام: 94، الزمر: 43.
2- الزمر: 3.
3- الانعام: 51، وايضا: الانعام: 70، السجدة: 4، الزمر: 44.
 
 
 
255

 

240

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

لأولادهم أو بالعكس، والمعلمين والمرشدين لتلاميذهم بل حتى المؤذن بالنسبة لأولئك الذين تذكروا الصلاة عند سماع صوته، واتجهوا للمساجد، وفي الواقع ان هذا الاثر الخير الحسن نفسه الذي وجد في الدنيا، بتأثير هؤلاء، يظهر في القيامة بصورة الشفاعة والاعانة.
 
والملاحظة الأخرى: ان الاستغفار للعصاة في هذه الدنيا نوع من الشفاعة ايضا، وحتى الدعاء للآخرين، والتوسل إلى الله لقضاء حوائجهم، يعتبر في الواقع، من قبيل (الشفاعة عند الله) لانها كلها من قبيل الوساطة عند الله تعالى من أجل ايصال خير للشخص، أو دفع شر عنه.
 
ضوابط الشفاعة
تقدم أن الشرط الأساس لشفاعة الشفيع، أو قبول الشفاعة في حق المشفوع له، هو الاذن الالهي، كما جاء ذلك في الآية (255) من سورة البقرة: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. ويقول في الآية (3) من سورة يونس: ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾. ويقول ايضا في الآية (109) من سورة طه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. ويقول في الآية (23) من سورة سبأ: ﴿ٍلَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَه﴾.
 
ويثبت من هذه الآيات اجمالا اشتراط الاذن الالهي، ولكن لا يستفاد منها خصائص المأذونين ومميزاتهم، ولكن هناك ايات أخرى يمكن التوصل من خلالها إلى شروط أكثر وضوحا يلزم توفرها في الطرفين: الشفعاء والمشفوع لهم، ومنها الآية (86) من سورة الزخرف، حيث تقول: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
 
وربما كان المراد من قوله ﴿مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ شهداء الأعمال، الذين يعلمون، وبتعليم من الله، أعمال العباد ونواياهم، ويمكنهم ان يشهدوا على كيفية اعمالهم
 
 
256

 

241

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

وقيمتها. كما انه، بمناسبة الحكم والموضوع يمكن القول إن الشفعاء يلزم ان يتمتعوا بمثل هذا العلم، بحيث يمكنهم أن يحددوا الأفراد الذين يستحقون التشفع لهم. ثم إن القدر المتيقن من الشفعاء الذين يتوفر فيهم هذان الشرطان، هم المعصومون عليهم السلام.
 
ومن جانب اخر: يستفاد من بعض الآيات ان المشفوع لهم لا بد ان يكونوا مرضيين عند الله، كما جاء ذلك في الآية (28) من سورة الأنبياء حيث تقول: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾.
 
ويقول في الآية (26) من سورة النجم: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾.
 
ومن الواضح أنه: ليس المراد من كون المشفوع مرضيا عند الله، ان تكون اعماله كلها مرضية، فانه لو كان كذلك لما احتاج للشفاعة بل المراد ان يكون الشخص نفسه مرضيا من حيث دينه وايمانه، كما فسر في الروايات بهذا المعنى.
 
ومن جانب اخر، ذكرت بعض الآيات صفات أولئك الذين لا تشملهم الشفاعة، أمثال ما ورد في الآية (100) من سورة الشعراء، حيث أوردت على لسان المشركين: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾. وفي سورة المدثر من الآية (40) حتى الآية (48)، حيث يسأل المجرمون عن سبب دخولهم النار، أمثال ترك الصلاة1 وعدم اطعام المساكين، وتكذيب يوم الجزاء، ثم يقول القرآن الكريم بعد ذلك ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. ويستفاد من هذه الآيات ان المشركين والمنكرين للقيامة، الذين لا يعبدون الله، ولا يساعدون المساكين، ولم يلتزموا أصولا صحيحة، لن يشفع لهم ابدا، وكذلك مع ملاحظة ان استغفار الرسول صلى الله عليه وآله في الدنيا يعتبر نوعا من الشفاعة، ولا يقبل استغفاره لأولئك الذين يستكبرون
 

1- قال الإمام الصادق عليه السلام في اخر لحظات عمره الشريف: (ان شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة) (بحار الانوار، ج‏4، ص 2).
 
 
257

 

242

الدرس التاسع والثلاثون‏: الشفاعة

ويمتنعون عن طلب الاستغفار والشفاعة منه1، يستفاد من ذلك، ان منكر الشفاعة لا تشمله الشفاعة ايضا، وقد ورد هذا المعنى في الروايات ايضا2
 
والحاصل: ان الشفيع المطلق والأصلي، يلزم بالاضافة لإذن الله له بالشفاعة ان لا يكون هو بنفسه من اهل المعصية، وان يكون قادرا على تقييم درجات اطاعة الاخرين وعصيانهم وان الاتباع الحقيقيين لمثل هذا الشفيع، يمكنهم وفي ضوئه ان يملكوا مراتب ادنى من الشفاعة حيث يحشر أمثال هؤلاء الاتباع في زمرة الشهداء والصديقين3، ومن جانب اخر: ان من يستحق التشفع له، يلزم بالاضافة للاذن الالهي ان يكون مؤمنا حقا بالله والأنبياء ويوم القيامة وكل ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله، ومنها الإيمان بالشفاعة ذاتها وانها على حق، وان يبقى ثابتا على ايمانه حتى نهاية عمره.
 
الأسئلة
1- اشرح معنى الشفاعة، ومواطن استعمالها.
 
2- بين الفرق بين الشفاعة الصحيحة، والشفاعة الباطلة الاشراكية.
 
3- وضح شروط الشفيع.
 
4- اشرح شروط المشفوع له.
 
5- هل تنال الشفاعة للمكذب عمليا بيوم القيامة وما الدليل على ذلك؟
 

1- المنافقون، الايتان: 6 5.
2- عن النبي صلى الله عليه وآله والسلم: (من لم يؤمن بشفاعتي فلا انا له الله شفاعتي) (بحار الانوار، ج 8، ص 58، ح 84).
3- ﴿والذين امنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم﴾ (الحديد: 19).
 
 
258

 

243

الدرس الأربعون‏: الشبهات المثارة حول الشفاعة، والرد عليها

طرحت حول الشفاعة اعتراضات وشبهات، نتعرض في هذا الدرس لى أهمها ونجيب عنها:
 
الشبهة الأولى: ان هناك بعض الآيات القرانية تدل على انه في يوم القيامة لا تقبل شفاعة احد، ومنها الآية (48) من سورة البقرة، حيث يقول: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾.

الجواب: ان أمثال هذه الآيات، قد وردت في مقام نفي الشفاعة الباطلة والعشوائية التي لا تخضع لضابطة وقاعدة، والتي اعتقد بعض الناس بها، بالاضافة إلى ان هذه الآيات عامة، وتخصص بتلك الآيات التي تدل على قبول الشفاعة باذن الله، والخاضعة لضوابط معينة، كما مرت الاشارة إلى ذلك في الدرس السابق.
 
الشبهة الثانية: يلزم من هذه الشفاعة ان يخضع الله تعالى لتأثير الشفعاء، بمعنى: أن شفاعتهم توجب المغفرة، وهي فعل الهي.
 
الجواب: إن قبول الشفاعة لا يعني الخضوع لتأثير مؤثر، كما أن قبول التوبة واستجابة الدعاء لا يلزم منه هذا اللازم الباطل، وذلك لانه في جميع هذه الأمور 
 
 
259
 

244

الدرس الأربعون‏: الشبهات المثارة حول الشفاعة، والرد عليها

تكون أفعال العباد موجبة لحصول القابلية لتقبل الرحمة الالهية، وكما يعبر عنه اصطلاح (انها شرط لقابلية القابل وليست شرطا لفاعلية الفاعل).
 
الشبهة الثالثة: اللازم من هذه الشفاعة ان يكون الشفعاء أكثر رحمة وشفقة من الله الرحيم!، وذلك لان المفروض انه لولا شفاعتهم لتعرض العصاة للعذاب، أو لخلدوا في العذاب.

الجواب: ان شفقة الشفعاء ورحمتهم مقتبسة من الرحمة الالهية اللامتناهية، وبعبارة أخرى: إن الشفاعة وسيلة وطريق جعله الله تعالى نفسه للعفو عن عبادة المذنبين. وفي الواقع، انها تعبر عن أسمى مراتب الرحمة الالهية والتي تظهر وتتجلى في عباده الصالحين والمنتجبين، كما ان الدعاء والتوبة وسائل وطرق أخرى جعلها الله لقضاء الحوائج، أو العفو عن الذنوب.
 
الشبهة الرابعة: اذا كان الحكم الالهي بعذاب العصاة مقتضى العدالة، فيكون قبول الشفاعة في حق هؤلاء العصاة مخالفا للعدل، واذا كانت النجاة من العذاب وهي مقتضى قبول الشفاعة أمرا موافقا للعدل، فيكون الحكم بالعذاب الذي كان صدوره قبل حصول الشفاعة حكما مخالفا للعدل.

الجواب: إن كل حكم من الاحكام الالهية سواء الحكم بالعذاب قبل لشفاعة أو الحكم بالنجاة من العذاب بعدها موافق للعدل والحكمة، وموافقة هذين الأمرين كليهما للعدل والحكمة، لا تعني الجمع بين الضدين، وذلك لاختلاف موضوعهما. توضيح ذلك: ان الحكم بالعذاب هو مقتضى وسبب من ارتكاب المعصية بغض النظر عن حصول الأمور والمقتضيات التي توجب تحقق الشفاعة وقبولها في حق العصاة، والحكم بالنجاة من العذاب انما تم بسبب حصول تلك المقتضيات والأمور المذكورة وهناك نظائر كثيرة لتغير الحكم تبعا لتغير قيد الموضوع في الاحكام والتقديرات التكوينية، وفي الاحكام والقوانين التشريعية، فعدالة الحكم المنسوخ بالنسبة لزمانه لا يتنافى وعدالة الحكم الناسخ في زمان ما بعد النسخ، 
 
 
260

 

245

الدرس الأربعون‏: الشبهات المثارة حول الشفاعة، والرد عليها

وموافقة تقدير البلاء قبل الدعاء والصدقة للحكمة، لا تتنافى وموافقة رفعه بعد البلاء أو الصدقة للحكمة، والحكم بالعفو عن المعصية بعد الشفاعة كذلك لا يتنافى مع الحكم بالعذاب قبل تحقق الشفاعة.
 
الشبهة الخامسة: ان الله تعالى اعتبر اتباع الشيطان سببا في التعرض لعذاب النار، كما جاء ذلك في الآيتين (42) و (43) من سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
 
وفي الواقع، ان تعذيب العصاة في الاخرة من السنن الالهية، ونحن نعلم أن السنن الالهية لا تقبل التغيير والتبديل، كما جاء ذلك في الآية (43) من سورة فاطر: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
 
اذن فكيف تتغير هذه السنة الالهية في مجال الشفاعة؟
الجواب: إن قبول الشفاعة في حق المذنب المتوفر على شروطها، من السنن الالهية التي لا تقبل التغير، وتوضيح ذلك: ان السنن الالهية خاضعة لملاكات ومعايير واقعية، وكل سنة لا تقبل الت