دا - الجزء الأول


الناشر: شبكة المعارف الإسلامية

تاريخ الإصدار: 2019-09

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


تعليق الإمام الخامنئي حول الكتاب

تعليق الإمام الخامنئي حول الكتاب

"إنّ كتاب "دا" هو، حقًّا وإنصافًا، كتابٌ جيدٌ جدًا، وجدير بأن يُروّج على المستوى العالميّ. هذا الكتاب يتعلّق بقسمٍ صغير من أحداث الحرب المفروضة، وهذا يدلّ على أن سنوات الدفاع المقدّس الثماني تمتلك قابلية إنتاج وإصدار آلاف الكتب، بقصد نقل الثقافة والقيم الإسلامية والثورية إلى المجتمع والعالم... هذا الكتاب لم يُعرف حتّى الآن في أجواء بلدنا، على الرغم من أنكم قد طبعتم منه حتّى الآن مئات آلاف النسخ. ولو أنّ كتاب "دا" بات معروفًا، لنفدتْ ملايين النسخ من مراكز بيع الكتب، ولاستفاد ملايين الأشخاص من محتواه ومضمونه..أنتم يمكنكم أن تُنتجوا ألف كتاب "دا" . إنّ "دا" هو جوهرةٌ استخرجتموها من أحد المناجم، فتابعوا في هذا الطريق" . (17 أيار 2010م).

 

7


1

إشارة

..كأنها الإبحار، تنسابُ الذكريات من ضفاف "خُرّمشهر"، هادئة مثل وجه "نهر كارون"، وهادرة مثل عمق الزمان، لتُشكّل "سيرةً ذاتية" محبوكة بصوت شابّة وتضحيات أمهات. فصولٌ تتوالى فيها الأفعال عبر سبكٍ متقن، وعناصر سرديّة متكاملة، لتكوّن لوحةً من خطوط الحرب "الصّدمة" ومن ألوان الإنفعالات النفسية المشتركة تجاه الحدث الكبير. هكذا تتآلف مقوّمات تلك اللوحة وفق نسَق خاص بها. تحكيه الشخصيّة الأساسيّة "زهراء حسيني" من مخزون فعليّ لا خياليّ، تخبّر عن المنعطفات الأساسية في كفاح أسرتها وقراراتها المصيرية، وفيما حرّك فيها القدرة على الفعل وعدم الإكتفاء برد الفعل. 

في "دا" بانت الهيئة العامة للمنطوق بلا أيّ تكلّف. رشيقة لا تُخفي أبعادَ العاطفة، وقويّة لا تُهمِل السحر القصصي الناقل لعِبَرِ التاريخ. والمكان كأنه ذات، تُنقل بأمانة، عمقًا واتساعًا وتعقيدًا وانعكاسًا لقيم. الشوارع والبيوت العتيقة، في الضواحي العريقة، بل والمؤسسات والمراكز الطيّارة حتى مدافن "جنّت آباد"، كلّها غدَت بقربِك، فمشيتَ أنت فيها 

 

8


2

إشارة

 وتحسّست ملامس جدرانها وشممت ما تفوح به من أخبار. أما الرؤية، فتسيرُ خلف السطور كتوازي خطوط "سكة الحديد"، وتطلّ من بين دخان فضاءاتٍ سكَنَتها الراوية حتى أبتْ الانسلاخ عنها، ولو بدافع إنقاذ حياتها. إنها تحكي فلسفتها وايديولوجيتها بكل اندفاع وثبات معًا، بلغة وعبارات لا تجافي البساطة ولا تقارب التسطيح.

ويتصاعد الزمان متراكمًا، فتقلّ فيه الفنون المقصودة؛ كالاستباق أو الاسترجاع إلّا ما ندر، ويتنامى خفقان الليالي والأيام، مسجّلًا المحطّات لكل من سيمرّ به العمرُ فيمسك بمعنى القدرة على الخلود ومحاكاة الإنسان مهما كان جيله. ولو أن زمن القصّ بعيدٌ عما حصل، لكن مرورَ السنوات لم يُفقد الكتاب التشويق، ولا فورانُ الدماء حجبَ انبعاثَ حبرٍ الدفاتر. 

"أماه"
مذكّراتٌ لم تُكتب لتُخرج المكبوت. إنها يوميات حقيقية زاخرة. وقد تُرجمت إلى عدة لغات، فاجتازت رسالتها الجغرافيا. نقدمها للقارىء العربي، لتصل الفكرة بين تقنيات القصّ ومنظور الرواية،  الى كل من ينشد الجمالية، وسحر الواقعية.

وها هي كلمات الامام الخامنئي -السهلة الممتنعة- تنطلق متألّقة بضوء التفاعل والمؤثرية، لتقدّم شهادة قارئ متبحّر وناقدٍ للكتاب: "إن "دا"  جوهرةٌ استخرجتموها من أحد المناجم.." .    


(المحررة)

 

9


3

شكر وتقدير

شكر وتقدير


يقدّم مركز المعارف للترجمة هذا العمل الجديد "دا" ؛ الإصدار الـ(21) في سلسلة سادة القافلة ضمن مجموعة أدب الجبهة؛ ولا يسعنا إلّا أن نشكر المساهمين في إعداده؛ ترجمة وتدقيقًا وتحريرًا؛ ليبصر النور بهذه الحلّة؛ وقد منحت لمساتهم متضافرة متانة إضافية للنصوص:

 فريق الترجمة:
محمد عليق؛ إيمان صالح؛ حنان الساحلي وسمية يوسف.
فريق التحرير ونخصّ بالذكر: نجوى الموسوي.
فريق التدقيق اللغوي: عدنان حمود؛ ربيع أبو الحسن.
المخرج الفني ومعد الغلاف: علي عليق. ولا ننسى ناشر النسخة العربية: دار المعارف الإسلامية الثقافية.

والشكر موصولٌ لمعدي وناشري النسخة الفارسية؛ الراوية القديرة وصاحبة هذا الأثر: السيدة زهراء حسيني؛ المدوّنة: السيدة أعظم حسيني؛ الناشر:(سوره مهر) ومكتب "أدب وفن المقاومة" .


مركز المعارف للترجمة
10ربيع الاول 1439هـ

 

10


4

المقدمة

كنت في سنّ الرابعة عشرة تقريبًا، عندما قرأتُ كتاب "النساء البطلات" . بصرف النظر عن نساء حقبة صدر الإسلام؛ جذبتني شخصية "جميلة بو باشا" الفتاة الجزائرية المسلمة والثائرة أيّما جذب؛ إذ من الصعب تصديق حقيقة أن تدخل فتاةٌ شابة بكل ما أوتيت من قوة في معركة غير متكافئة مع محتلّي بلادها. لقد صبرتْ وصابرت وتحمّلتْ كل ألوان التعذيب الهمجي الذي مارسه المحتلّ الفرنسي من أجل الدفاع عن شرف وحرية شعبها وناسها، ولم ترضخ لذلّ المحتلين.

بعد بضع سنوات، عندما هاجم المحتلّون البعثيّون وطني بوحشية وعاثوا فيه دمارًا وأراقوا دماء أهل مدينتي، لم يعد للعيش الرغيد أيّ معنًى بالنسبة إليّ، لأنّني تعلّمت أن لا هناء ولا حياة في الذلّ، والعيش معه عين الفناء والعدم.

ما تخيّلتُ يومًا أنْ أقوى في أيام الدم والنار تلك على دفن أطفال مدينتي المظلومين وأحبّةً لم أكن أتحمّل فراقهم ولو لبضعة أيام، بيديّ هاتين، وأن أهيل عليهم ترابًا تورّد بلون دمهم الطاهر القاني.

لكن كلّ هذه كانت وقائع وأحداثًا واجهتها، وهي لغاية الآن، وعلى

 

11


5

المقدمة

 الرغم من تصرّم السنين الطوال لم تفارق ذهني أبدًا. خلال هذه الأعوام، اتصل بي أشخاص عدّة من أماكن مختلفة -من بينهم الشهيد الكبير السيد "مرتضى آويني"1- من أجل إجراء مقابلات معي وتدوين مذكراتي، لكنّني كنتُ أتنصّل من ذلك لاعتقادي أنّ العمل إن كان لرضى الله فلا ينبغي إفشاؤه أمام الملأ.

لكن الأوضاع وصلت، في إحدى المراحل، إلى أن يُتّهم أولئك الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن هذا الماء والتراب وعن نظام الجمهورية الإسلامية المقدّس بأنّهم طلاب حرب. عندها قررتُ أن أدافع عن دفاعنا المقدس، وذلك لم يكن متاحًا إلّا من خلال توثيق وقائع تلك الأيام وتدوين تلك المذكرات.

في أحد أيام شهر أردبيهشت 1380 ه.ش. (أيار 2001م)، اتصلوا بي من قسم السيدات في مكتب أدب وفن المقاومة في "حوزه هنري"2 وطلبوا المجيء إليّ لإجراء مقابلة معي، ولأنّني لم أكن على معرفة وافية بهذه المجموعة وأفرادها، رفضتُ طلبهم. ولأنّني أردتُ أن تدوّن هذه المذكرات على أيدٍ أمينة وبنيّة إلهيّة خالصة، توجّب عليّ معرفة الأشخاص الذين أرادوا إجراء المقابلات معي، لهذا رحتُ أطالع الكتب الصادرة عن مكتب "أدب وفنّ المقاومة" . والحمد لله فقد أدركتُ أنّني أستطيع سرد مذكراتي وأنا مرتاحة البال.

 


1- السيد مرتضى آويني: من أعمدة الإنتاج السينمائي الوثائقي لمرحلة الحرب والدفاع المقدس؛ صاحب المسلسل التلفزيوني المشهور "روايت فتح" ؛ أنتج أكثر من 100 فيلم وثائقي حول الحرب والدفاع المقدس؛ له العديد من المؤلفات حول الثورة والدفاع وكتابة السينما. استشهد عام 1993م أثناء تصويره فيلمًا حول الشهداء والمناطق العسكرية في "فكة" . لقبه السيد القائد بـ: "سيد شهداء أهل القلم" . (المعارف للترجمة)

2- حوزه هنري: مجموعة مؤسسات تعمل في حقل الكتابة، والتأليف والنشر والإنتاج السينمائي، ومن أعمالها "أدب الثورة والجبهة والمقاومة" والكتابة التاريخية والروائية، وأنتجت آلاف العناوين من الكتب والأفلام والمجلات.

 

12

 

 



 


6

المقدمة

 

أخيرًا، بعد عدة زيارات ومحادثات أوّلية، عيّن المكتب السيدة "أعظم حسيني" لإجراء المقابلات معي. في البدء، وبسبب حالتي الصحية غير الجيدة، أجريتُ المقابلات في منزلي. وقد تكبّدت "السيدة حسيني" عناء المجيء والذهاب.

وبما أنّ هدفي من إجراء المقابلة هو بيان الذكريات والمواضيع التي تُظهر حقّنا ومظلوميّتنا في الحرب، كنتُ أكتفي بذكر عموميّات المواضيع والوقائع، وعمدتُ إلى إبقاء كثيرٍ من الذكريات والمشاعر الخاصة حبيسة فؤادي.

استغرقتْ محادثات هذه المرحلة قرابة الثلاثين ساعة، ودُوّنت بعد ذلك في ثلاثمئة صفحة. وقد نالت تلك المجموعة التي لم تخضع لأي تنقيح ولو طفيف، استحسان خبراء وكتّاب مكتب أدب وفن المقاومة؛ إلّا أنّهم أجمعوا على أنّ كثيرًا من الموضوعات التي عُرضت في هذه المذكرات تحتاج إلى شرح وتفصيل دقيقين.

لم يكن قبول إجراء مقابلات أخرى أمرًا سهلًا عليّ؛ لأنّ الخوض في تفاصيل ذكريات الحرب كان يعذّبني ويُشعرني بالمرارة والأسى. لهذا السبب بوِّبت وأعِدّت مذكراتي من دون إجراء مقابلات جديدة معي. بعد فترة من الزمن، توطّدت أواصر الصداقة بيني وبين "السيدة حسيني" وسافرنا معًا إلى العراق لإقامة معرض كتاب وصور.

ساعدني هذا السفر، وكذلك الزيارات المتبادلة، على تكوين صورة واضحة عن أسلوب المقابلات وتدوين مذكراتي، ولهذا، عندما تسلّمتُها لمراجعتها ثانيةً وطُرحتْ أسئلة تكميليّة، ألفيت بيني وبين السيدة

 

13


7

الفصل الأول

"حسيني" مودّة وصداقة حميمة، حيث تمكّنتُ معها من إدخالها إلى خلوة نفسي وحياتي الخاصة.

هذه المرة أيضًا، بدأت المقابلات التكميليّة في منزلنا. في المقابلة الثانية أرادت السيدة "حسيني" أن تمسك برفق ولين بطرف خيط كل واحدة من الحوادث والموضوعات واقتفاء أثرها وتفكيكها وإكمالها. فكان عليّ استحضار المشاهد المؤلمة التي ما زالت تحتلّ ذهني بعد مرور كل هذه السنوات ككتل خيوط مليئة بالعقد.

في أغلب الأحيان، كانت هذه المسألة تزيد من اضطراباتي العصبية وتؤدي إلى ارتفاع ضغطي وإصابتي بصداع شديد. بيد أنني كنت أتحمّل وأكمل حتى تتمرّد عليّ روحي وتمتنع عن مجاراتي. فكان الصراع القائم بين عقلي وروحي يزيد من مرض جسدي ويحدث توقّفًا متكرّرًا في الحوارات والمقابلات.


من ناحية أخرى، وبما أنّ إجراء المقابلات يلزمه أجواء هادئة، كان أولادي يمضون هذه الأوقات في غرفتهم، وينصرفون عن مشاهدة التلفاز، ويمتنعون عن إحداث أي ضجة. كذلك زوجي وابني، كانا يعودان إلى البيت كل يوم في وقت متأخر أكثر من ذي قبل؛ ليتسنّى لنا إتمام عملنا براحة وهدوء.

كذلك كانت ابنتي الكبرى خلال هذه المدة تقوم بأعباء الأعمال المنزلية، إضافةً إلى أمور الضيافة، وتابعنا على هذا المنوال، وأصبحتُ والسيدة "حسيني" صديقتين حميمتين، ولم تعد تعذّبني دموعي إذا انهمرت أمامها عندما تؤلمني الذكريات الجارحة.

 

14
 


8

المقدمة

في هذه المرحلة وبسبب أوضاعي النفسية والجسدية وبعض قضايا المجتمع المستجدّة، كنت أشعر بالندم وأتذرّع بأعذار مختلفة للتوقف عن متابعة المقابلات. في هذه الأوقات عمدت السيدة "حسيني"، من خلال تفهّمها حالي، إلى تشجيعي لإكمال المقابلات بكل لباقة وصبر ومن دون ضغط. لقد كان رفقها بي دافعًا إلى قبولي وثباتي في إكمال المقابلات.

في تلك الأيام، كنتُ أعمل في متحف الشهداء وأشارك في صفوف دراسيّة ثلاثة أيام في الأسبوع. بعدها، اضطررت إلى دخول المستشفى والبقاء في المنزل ثانيةً بسبب ضغوط العمل التي أدّت إلى تحرك الشظية المستقرّة بالقرب من نخاعي الشوكي. وبناءً على توصيات الطبيب المعالج توجّب عليّ الابتعاد بشكل كامل عن أي توتّر وأي شيء مثير لأعصابي، فكان لا بد من الاستراحة في المنزل وتأجيل المقابلات أشهرًا عدّة.

بعد تحسّن حالتي نسبيًا، تابعنا إجراء المقابلات في منزلي وفي مكتب أدب وفن المقاومة.

 كان لإجراء المقابلات في المكتب مشاكله الخاصة، من قبيل دخول وخروج أشخاص، ورنين الهاتف، والضجيج المنبعث من باحة المكتب والطابق السفلي؛ كل هذا كان يؤدي إلى تشتّت ذهننا.

وبسبب البرد الشديد الذي كان ينفذ إلى الغرفة من فتحات الباب والنافذة، أحضرت معي إلى المكتب بطانية ولففتها عليّ كي أتّقي لسعاته. وزاد الجلوس على الكرسي لساعات طويلة من أوجاع ظهري، 

 

15


9

الفصل الأول

لذا توجب عليّ الجلوس على الأرض أحيانًا أو التمدّد والاستلقاء لدقائق أحيانًا أخرى.

في هذه المرحلة، كنتُ أخصّص ست أو سبع ساعات يوميًّا لتوضيح وشرح مذكراتي بشكل دقيق. وكانت السيدة "حسيني" تكتب كل ما كنت أقوله حرفيًّا كي أتمكن من توضيح كل التفاصيل المتعلقة بالأحداث من خلال الإجابة عن كل الأسئلة.

على هذا المنوال، استمرّ الحوار وسرد المذكرات، من اليوم الأول لبدء الحرب حتى يوم دخولنا إلى طهران، حوالي تسعة أشهر، ابتداءً من شهر مهر 1384ه.ش (تشرين الأول 2005م) حتى شهر تير 1385 (حزيران 2006)، واستغرق أكثر من ألف ساعة.

ثم بعد ذلك بدأت المرحلة الثالثة من تحرير المذكرات. كان حديثي من الفصل الأول حتى الفصل الرابع عشر يسير وفق ترتيب زمني منظم ودقيق، لكن بعد ذلك، أي حتى العشرين من شهر مهر 1359 ه. ش(19/ت1/1980م) ولعدة أسباب، أوضحها في الكتاب، تم ترتيب الأحداث حسب الموضوع، وبعد ذلك تم العثور على أزمنة تلك الموضوعات.

وأخيرًا، انتهت كتابة مذكراتي في شهر بهمن 1385ه.ش (شباط 2007م) في أربعين فصلًا، إضافةً إلى الملحقات، واستلمتُ المجموعة كاملة للمراجعة النهائيّة.

وأعتبر هنا، أنّ من واجبي تقديم الشكر الجزيل إلى السيد "مهدي فراهاني" الخبير المخلص والمشرف على هذا العمل. كما أشكر السيد "علي رضا كمري" والسيد "مرتضى سرهنكي" اللذين أتحفاني بآرائهما 

 

16


10

المقدمة

وتوجيهاتهما الكريمة بعد مطالعة نصوص الكتاب.

وقد اخترتُ لهذا الكتاب عنوان "دا" ؛ أي أمي (باللغة الكردية)؛ وذلك تقديرًا لتضحيات أمهات الشهداء؛ وخصوصًا أمي الصابرة الممتحنة التي قدمت كل ما تملك في حياتها لوجه الله تعالى. فلولا وجود هؤلاء الأمهات العاشقات لما اندفع جنود الوطن إلى ساحات الحرب، ولولا دعم هؤلاء النساء العظيمات لما استطاع الشباب الإيراني الغيور مواجهة العدو ثماني سنوات ولما قدّموا أرواحهم الجميلة، في سبيل الحرية والأمان اللذين ننعم بهما اليوم.


في الختام، أتمنى لـ"خرمشهر" أن تزدهر وتتألّق كما يليق بهذه الأرض الإلهية، وأن تسترجع جمالها المفقود.

 

السيدة زهراء الحسيني
طهران صيف 1386 (2007م)

 

17

 


11

الفصل الأول

مضت أشهرٌ عدّة ولا خبر عن والدي الذي نادرًا ما كان يأتي إلى البيت بسبب نشاطه السياسي، وقد اعتدنا على قلّة حضوره بيننا. لكنّ غيابه طال هذه المرة.

لطالما سمعتُ أمي تُردّد: "مذ ترك والدك مطحنة جدّك وذهب للعمل في سوق بيع الأكياس، دخلَ في المعترك السياسي وراح يخالط أشخاصًا سرّيّين".

كان ربّ عمل والدي تاجرًا إيرانيًّا ينادونه "الحاج"، وقد عَرَفَ حتمًا بنشاطاته السياسية، وعلى ما يبدو كان وجميع العمال الذين يعملون معه شركاء في تلك النشاطات. في غيبة والدي، كان الحاج يهتمّ بعائلتنا من بعيد، ويوصل لنا أخبار سلامته وينقل رسائله. أحيانًا عند حضور أبي في البيت، كان يبعث إليه برسالة: "سيد، لا تبقَ في البيت، الأوضاع خطيرة".

في فترات كثيرة، حين يسأل الجيران أمي عن والدي، كانت تُجيبهم: "ذهب زوجي للعمل في "قرنة"1، وبسبب بُعد المسافة فإنه قلّما يأتي إلى البيت".

 


1- قرنة: إحدى المدن العراقية الصغيرة القريبة من البصرة.

 

21


12

الفصل الأول

في تلك السنوات، كنّا نعيش في مدينة البصرة الساحلية، جنوبي العراق، وبيتنا في حي الرباط الذي يسكنه المهاجرون. ولأنّ نهر دجلة يمرّ قريبًا من هناك، كان حيّنا أخضر تكسوه الأشجار، وبيوته مبنيّة من الطين والقشّ، ذات سقوف مائلة من القصب والحصير.

كانت معظم منازل البصرة تُبنى بهذه المواد. بيوتٌ باحاتها واسعة تتوزّع غرفها على جوانبها. أما بيوت الطوب والحجارة فكانت تُرى غالبًا في "حي العشّار" وسوقه، حيث مركز المدينة.

كان دار ابن عم أبي في ذلك الحي؛ لطالما غمرني الشعور بالسعادة عند الذهاب لزيارتهم! وبما أن حيّنا الفقير لا كهرباء فيه، كانت أمي قبل الغروب تنظِّف مصابيح النفط لتشعلها عند حلول الليل، وتضع بعض القناديل في زوايا البيت أيضًا، ولذلك، غالبًا ما كنّا ننام باكرًا. أمّا حي العشّار الذي تحيط المحلات التجارية بساحته من كل جانب، فكان ليله نهارًا، حيث المصابيح الكهربائية المعلّقة على أبواب المحلات التجارية ومداخلها تجذب الزبائن إليها. لو كانت أمي تسمح لي لأحببت البقاء هناك ساعات أستمتع بمشاهدة تلك المصابيح المضيئة وأنواع الأطعمة التي كانت تبهر عيون المارّة. لم يكن لسوق حيّنا هذا البريق والجاذبيّة، فأهل القرى يضعون منتجاتهم وبضائعهم في سلال أو عربات لكي يبيعوها فيه.

هاجر أبي وأمي قبل زواجهما في أواخر خمسينيّات القرن الماضي1 إلى البصرة قادمين من قرية زرّين آباد دهلران3 الكردية. وفيها أبصرتُ النور أنا وأربعة من إخوتي في البصرة: السيد علي ولد عام 1961م،

 


1- موافق لأواخر ثلاثينيات القرن الهجري الشمسي الحالي (1330).

 

22


13

الفصل الأول

وبعده ولد السيد محسن، ثم أنا وبعدي ليلى. كانت تفصل بين ولادة كل اثنين منّا سنة واحدة، أما أخي الصغير السيد منصور فهو يصغر ليلى بثلاث سنوات.

 جعلتنا الحياة في البصرة، التي يسكنها العرب، نُجيد التكلّم بالعربية. ولكن في الوقت نفسه تكلمنا الكردية فيما بيننا، ومع المهاجرين الكرد أمثالنا. شابهت ملابسنا ملابس العرب؛ فكنا نرتدي قمصانًا طويلة تُسمّى دشداشة. عاشت أمي -التي كنا نناديها "دا"1- منذ حداثتها في البصرة، واعتادت على آداب وتقاليد العيش هناك، فكانت تتكلّم العربية بإتقان لدرجة أنّ أحدًا لم يكن ليصدق أنّها كردية، كذلك كانت ترتدي العباءة وتلف رأسها بشال يُدعى "شلة"2 مثل نساء العرب.

كان أغلب رجال المنطقة يعملون؛ إما في سوق الأكياس مثل والدي، أو في المرفأ، والجميع يعيش في مستوى اجتماعي متدنٍّ نسبيًا. أجّرنا الغرفتين الكبيرتين المحاذيتين لمدخل البيت، وسكنّا نحن في الغرفة الكبيرة في آخر الفناء3.

على موقد مظلّل بسقيفة من الخشب والحصير أمام باب الغرفة؛ كانت "دا" تطبخ الطعام، من المأكولات المحلية التي تشتهر بها البصرة؛ مثل سمك السبور ويخنة البامياء والسمك بالخضار. وفي بعض الأحيان كانت "دا" تعدّ طعامًا إيلاميًا4 مستخدمة السمن الحيواني والكشك الذي

 


1- مدينة في محافظة ايلام الإيرانية.
2- حرصت الراوية عندما تتحدث عن والدتها على استخدام لفظة (دا) باللغة الكردية، ولم تستخدم كلمة "أمي أو أماه" وقد أبقتها الكاتبة كما هي وأُعطي الكتاب الاسم نفسه؛ ولذلك أبقيناها كما هي مصطلحًا أساسيا في نصوص الكتاب.
3- شلة: شال طويل يصنع من الحرير.
4- إيلاميًا: نسبةٌ إلى مدينة إيلام.

 

23


14

الفصل الأول

يحضره أقرباؤنا معهم من إيران.

في الصيف، غالبًا ما كنا نتناول الطعام تحت تلك السقيفة المعروفة عندنا باسم "ساباط". وفي الليل، ننام، نحن الأطفال على سرير خشبي تظلّله ناموسيّة1 لإبعاد البعوض عنّا، باستثناء الرضيع منصور الذي كان ينام بجانب "دا".

كانت معظم نفقات أسرتنا تؤمَّن من إيجار البيت. ومن أجل تحسين ظروفنا المعيشية، كانت "دا"، تشتري ألياف أكياس الخيش من السوق، فتجلس مع عمّتها "مي مي"، تدردشان، وتحيكان من الخيوط ليف الاستحمام لبيعه. بالطبع كان أبي يعطي "دا" المال عند عودته إلى المنزل أيضًا.

كلما رجع أبي، بعد غياب طويل كان بيتنا يكتسي حلّة أخرى؛ أذ يحضننا ويقبّلنا، يشاكسنا ويتصابى معنا، وباختصار، يغمرنا بعطفه ويشعرنا بمحبته لنا. مساءً، كنا نجلس معًا، ليحدّثنا عن ماضيه وعن "شقاواته" أيام طفولته. اللافت أنّ والدي لم يكن يتقن العربية جيدًا، فيتكلم معنا بالكردية. لذا، حين يأتي إلى البيت تتحول لغة الجميع إلى الكردية. مرةً أخبرنا أنه فقد والديه قبل أن يكمل السنتين من العمر، حيث تكفّل خاله برعايته وتربيته. وبما أنّ والدي هو الأصغر سنًّا بين إخوته فإن جميع أقاربه، وبالأخصّ خاله، كانوا يولونه عنايةً واهتمامًا كبيرين.

كان أبي يحمل الكثير من الذكريات عن خاله. أخبرنا يومًا: "كان خالي صيادًا، ودائمًا ما اصطحبني معه إلى الجبال. وكان يدمن تدخين الغليون،

 


1- أو ستارة مشبّكة تقي من البرغش والحشرات الأخرى.

 

24


15

الفصل الأول

وكم طلب مني أن أعدّه له، فأنزعج من هذا الأمر، ولا أدري ما أصنع حتى أتخلّص من هذه المهمّة. في إحدى المرات، وضعتُ القليل من البارود فيه، ثم وضعت فوقه التبغ وقدّمته لخالي المسكين. أشعل خالي غليونه وهو جالس مع رفاقه بالقرب من النار، ما إن وصلت الشعلة إلى البارود حتى اشتعل واحترقت لحيته. انفجر الجميع ضحكًا جرّاء فعلتي تلك. أما أنا فاختبأت خلف إحدى الأشجار خوفًا منه. غضب خالي بشدّة لكنّه خاف من أن تفترسني حيوانات الغابة، فأخذ يبحث عني ويناديني: "تعال! لن أعاقبك". بعد هذه الحادثة راح يعدّ غليونه بنفسه".

لطالما أحببتُ سماع هذه القصّة من أبي. كانت "مشاغباته" و"شقاواته" في طفولته جذابة جدًّا بالنسبة إلي؛ وأنا طفلة لم تتجاوز الرابعة أو الخامسة من العمر آنذاك.

وقد روى لنا أيضًا قصة هجرته إلى البصرة وزواجه من "دا".

أبي السيد "حسين حسيني" وأمي السيدة "شاه بسند حسيني"، هما من عائلة واحدة ومن قرية واحدة. أبي من مواليد العام 1936م1 ويصغر دا بثلاث سنوات. سافر في سن الثامنة عشرة إلى البصرة قادمًا من زرين آباد للعمل عند أخيه الأكبر. في هذه الأثناء تعرّف إلى جدي، السيد نجف، الرجل الخيّر والمحبّ للعائلة، وهو كان ربّ العمل في مطحنة حكومية. وكان يهتم كثيرًا بالغرباء، فاحتضن والدي وهيّأ له عملًا في المطحنة. بعد مضي فترة من الزمن وبعد أن رأى جدي إيمان والدي وأمانته، زوّجه ابنته.

 


موافق للعام 1315ه.ش.

 

25


16

الفصل الأول

استأجر أبي بيتًا قريبًا من بيت جدي، وبدأ حياته المشتركة مع "دا". كانا متفاهمَين كثيرًا بحيث لم أشاهد "دا" تعترض قط على غيابه عن المنزل وتركنا وحيدين، لقد كانت بينهما علاقة حميمة جدًا.

أذكر في إحدى المرات أنّ "دا" كانت مشغولة بكنس الغرفة ونحن الأطفال نلعب في زاوية فيها. فجأة دخل أبي، فقمنا وهممنا بالركض نحوه؛ إلّا أنه وضع يده على فمه مشيرًا إلينا بالسكوت. لم تنتبه "دا" لأنها كانت مشغولة بتنظيف أسفل السرير، اقترب منها على مهل وأغمض عينيها من الخلف. قالت "دا" وجلةً: "من هذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم". ضحكنا جميعًا فرحًا بعودة أبي من جهة، وبرؤية دا خائفةً من جهة ثانية.

حين يحضر أبي في المنزل، نستيقظ في الصباح الباكر على صوته، وهو يقوم كعادته ببعض التمارين الرياضية بعد صلاة الصبح، مردداً بعض الأشعار الحماسية. وكلّما ذكر في أشعاره اسم الإمام علي عليه السلام كان صوته يعلو بالصلاة على محمد وآل محمد. بعد الرياضة، يشغل الراديو الصغير، حيث لا يُسمع صوته إلّا عندما يكون في المنزل، وفي غيابه يُمنع علينا لمسه أو الاقتراب منه، فهو له، ويجب علينا احترام أبي حتى بحفظ خصوصية أشيائه. فيما بعد، اشترى جهاز راديو آخر بحجم صندوق. وكلما قمنا بالضغط على مفتاح تشغيله استغرق الأمر وقتًا حتى نسمع صوته، فيقول أبي: "يجب أن يَحمى صمّامه وبعدها سيبدأ البث". لطالما استمتعنا بذلك الراديو. كان والدي يقدّم يد العون لـ"دا" ويهتم بالأولاد، ويحرص على مشاعرها ويُظهر لنا الحب والمودة جميعًا، ويسعى دائمًا لتعويض غيابه عنا بتلك الأوقات التي يقضيها معنا، ثمّ يذهب مرتاح البال. لا أذكر مطلقًا أنني رأيته عند ذهابه،

 

26


17

الفصل الأول

فخروجه من البيت كان دائمًا أثناء نومنا.

ما إن يغادر حتى تبدأ الصعوبات وتعود "دا" لوحدتها، ويعود بكاء الأطفال ولجاجتهم، وسؤال الأصدقاء عن أبي، والأسوأ من ذلك كلّه مضايقات رجال المخابرات*1. بدا ذلك جليًا من طريقة قرعهم الباب، فعندما كانوا يقرعونه بتلك الطريقة كنا نركض لائذين بأمي. حين يأتون إلى منزلنا، تتغيّر أحوال "دا" ويبهت لون وجهها، وينعكس اضطرابها وخوفها علينا جميعًا، فنرتجف كأوراق الصفصاف لشدة الهلع. وقد أوصتنا مسبقًا بأن نلزم الصمت في هذه الحالات وأن نبقى في غرفتنا، وكنا نأخذ كلامها على محمل الجدّ، مع أننا لا نعرف سبب ذلك. فعدم إحساسنا بالأمان وأن راحتنا عرضة للخطر كان كافيًا حتى لا نرتكب أي خطأ فتسوء الأوضاع أكثر. كان عملاء المخابرات، بعد إغراقهم "دا" بأسئلتهم وإرعابهم لنا وبعد عجزهم عن الحظوة بأي جديد عن أبي، يغلقون باب البيت بقوة ويغادرون بخفيّ حنين، لكننا نعرف أنهم سيعودون.

بعد ذهابهم، كانت "دا" تدخل الغرفة وتسند رأسها إلى الجدار وتلعنهم باكيةً: "حسن البكر*2* أحمق وعاجز، كل الأمور بيد صدام، صدام هو سبب كل شيء".

ثم تلعنه بقولها: "هذا صدام النذل شمر بن شمر". وبعد أن يهدأ روعها تشير إلى صورة السيد محسن الحكيم3 المعلقة على جدار الغرفة قائلة: "ذلك الذي يقطع الماء عن عائلة السيد الحكيم ولا يرحمها،

 


1- مخابرات نظام البعث العراقي.     
2- رئيس جمهورية العراق حينها(1968-1979). 
3- السيد محسن الحكيم: تراجع ملاحق الهوامش في أخر الكتاب.

 

27


18

الفصل الأول

 

سيرحمنا نحن؟!".

كان كلام دا يُلقي الرعب في قلوبنا أكثر من أولئك الرجال. على الرغم من صغر سني إلّا أنني كنت أميزهم بسهولة. في المرة أو المرتين حيث فتحتُ لهم الباب، انعقد لساني من الخوف، فالواحد منهم ذو شاربين عريضين ويرتدي سروالاً ومعطفاً رمادي اللون. أذكر جيدًا أنّه في إحدى المرات جلس أحدهم القرفصاء وتظاهر بالعطف والرحمة قائلًا: "إذا أخبرتِني أين أباكِ سأشتري لكِ البقلاوة"، لكنني  خفت كثيرًا منه وتردّدت وصايا أمي في أذني، فقلت له: "لا أريد البقلاوة".

كان عملاء نظام البعث منتشرين في كل مكان، وأينما وقعت مشكلة أو حادث دخلوا حيّنا وأخذوا معهم عددًا من أبنائه. وبما أنّ أغلب المهاجرين الكرد يعيشون في تلك المنطقة، ولأن رجال المخابرات ظنوا أن المهاجرين هم من يقف وراء كل حادث يقع في ذلك الوقت، كان النشطاء السياسيّون؛ كأبي؛ في دائرة الاتهام أكثر من غيرهم.

استمر ذهاب والدي وإيابه ونشاطه السياسي حتى استأجر رجلٌ مع زوجته وابنته الوحيدة غرفة في بيتنا. لم يكن ذاك الرجل رجلًا عاديًا، إذ صار يمكث في البيت أيامًا ثم يتغيّب عنه أيامًا أخرى. وظلّ يراقبنا دائمًا، وكثيرًا ما نادانا، نحن الأطفال، وسألنا عن والدنا، حتى إنّه كان يحاول أن يسأل المستأجرة الأخرى "أم بابي"1 عن أبي. مسكينة تلك العجوز، كانت دائمًا تظهر عدم معرفتها بأي شيء. كانت "دا" تشعر بالخوف من ذلك الرجل، ولأن اسمه كان "علي"، فغالبًا ما دعت عليه: "ليقصم  عليّ ظهره! هذا الرجل عدو للشيعة، هذا عميل للمخابرات، سمّى نفسه

 

 


ننه بابي: امرأة من سكان زرين آباد وكان اسم ولدها الوحيد بابي، ولذلك كنا نناديها "ننه بابي" (أم بابي).

 

28


19

الفصل الأول

"علي" ليخدع الناس بهذا الاسم". وأوصتنا بأن لا نتكلم بأي شيء أمامه. ويظهر أن خوف "دا" وقلقها لم يكونا ناشئين من فراغ؛ ففي تلك الأيام بدأ غياب والدي الطويل، وكان رجال المخابرات يأتون ويذهبون باحثين عنه في كل مكان.

بعد فترة، ذهبوا إلى عمي، وكان بيته ملاصقًا لبيتنا، فاعتقلوه ليحصلوا منه على معلومات حول أبي. قال عمي لرجال المخابرات: "لا علاقة لي بنشاطات أخي وأعماله"، وكانوا يجيبونه: "كيف تكون جار أخيك وبيتك ملاصقٌ لبيته، ولا تعرف عن نشاطاته؟"

بعد أيام، أدرك عملاء المخابرات أن لا علاقة لعمي بنشاطات أبي، فأطلقوا سراحه. لكن غيبة أبي استمرت، لشهور عدّة لم تصلنا أخباره، إلى أن علمنا من "الحاج" أنّ مخابرات نظام البعث اعتقلته بتهمة التجسّس لمصلحة إيران وسجنته في "خانقين".

لم تمضِ مدّة حتى أخلى مستأجرنا العربي الغرفة وغادر بيتنا.

 

29


20

الفصل الثاني

بذلت "دا" مساعيَ حثيثة كي يسمحوا لنا بزيارة والدي، فكانت تقصد الإدارات الحكومية يوميًا، ولدى عودتها تسرد لجدي وعمتي مي مي1 معاناتها بحزن وغم: إلى أين ذهبتْ وبمن التقت و... كنت أنا وعلي نصغي إلى حديث "دا" لمعرفة ما سيحدث في النهاية. وعندما تنهي حديثها كان عليها أن تجيب عن أسئلتنا، والسؤال الذي يتكرر دائمًا:  "يُمّا يمته انشوف بابا؟". لم تكن مطمئنة إلى أنه بإمكانها فعل شيء، فتقتصر إجابتها على: "انشوفه إن شاء الله" واضعةً يدها على رؤوسنا.

ختامًا، أثمرت مساعي "دا" وتضرّعها إلى الله عز وجل. ففي أحد أيام ربيع العام 1968م أودعت الأطفال عند عمتي "مي مي" في بيت جدي، واصطحبتني أنا وأخي علي معها لزيارة أبي. في ذلك الزمن كان الناس يتنقّلون سيرًا على الأقدام أو يركبون العربات التي يجرّها الحصان. ولأن طريقنا إلى "خانقين" طويل جدًا، كان لا بد لنا من ركوب السيارة. وكانت هذه المرة الأولى التي أركب فيها السيارة؛ ولا أنسى نوعها، "شيفروليه" زرقاء اللون. خلافًا لـ"دا" التي بدت على ملامحها علامات التوتر والاضطراب، كنت وأخي نلهو ونلعب غير

 


1- عمة والدي.

 

31


21

الفصل الثاني


مكترثين لحالها. لم يكن بمقدورنا القعود هادئين، لم نترك مقابض السيارة ورحنا نرفع زجاج النوافذ وننزله وننظر إلى الخارج. وعلى الرغم من أني كنت فرحة بركوب السيارة، إلّا أنني لم أتوقف عن إزعاج دا بسؤالي "انشوف بابا؟"، وكانت تومئ برأسها بصمت.

بعد ساعات وصلنا إلى "خانقين". توقفت السيارة أمام مبنى مؤلف من طوابق عدة، وله أدراج عريضة كثيرة. أمام البوابة الكبيرة ذات اللون البنّي، وقف حارسان مسلّحان باللباس العسكري، بينما جميع من يعمل داخل المبنى ارتدوا ملابس مدنية. اصطحبنا أحد الموظفين عبر السلالم حتى وصلنا إلى صالة مظلمة تقريبًا. لم أرَ في عمري مكانًا كهذا، تملّكني حينها شعور سيّئ جدًا. في آخر تلك الصالة شاهدت نافذة ذات قضبان معدنية، وهناك وقفنا خلف تلك النافذة المرتفعة جدًّا بحيث لم أتمكن من إمساك قضبانها بيدي إلّا بعد أن رفعتني دا. كان ضوء الغرفة خفيفًا، وتحوي أقفاصًا عدة، وُضع في كل قفص سجين واحد. فُتح باب القفص الذي جلس أبي فيه القرفصاء، فخرج منه بصعوبة وكأنّ جسمه قد يبس وتصلّب بنحو تام. انحنى ظهره وطُويت ركبتاه فمشي بصعوبة. أنا التي لم أكن حينها أتجاوز الخامسة من العمر، شعرت بخوف شديد عندما رأيته على هذه الحال، فتبخّر في لحظة واحدة كل شوقي وحنيني لرؤيته. أخافني مظهره كثيرًا، ولدى اقترابه منا ازداد خوفي منه، فقد تغيّرت ملامحه كثيرًا. كان نحيلًا جدًا، قد برزت عظام وجهه، وشحب لونه وتبعثر شعره، ولم يعد هناك أثر لبريق عينيه المعهود. كانت عيناه حمراوين، لكنّه مع كل ذلك حافظ على صلابته وعزّته اللتين عهدتهما فيه دائمًا.
 

32


22

الفصل الثاني

ما إن رأت "دا" أبي على تلك الحال حتى أجهشت بالبكاء. ومع بكائها، انفجرتُ أنا وأخي باكيين أيضًا. مع أنّ أبي إنسان عاطفي إلّا أنه سعى لإخفاء حزنه أمامنا، لكنّه عندما شاهد "دا" بهذه الحال لم يستطع حبس دموعه التي أخذت تنساب على وجنتيه. أخرج يديه من بين قضبان النافذة قبّلني وعانقني، ثم أنزلتني "دا" على الأرض وحملتْ أخي "علي" ليقبّله أيضًا.

راحت "دا" المسكينة، طوال ذلك الوقت، تارة ترفعني وتارة ترفع أخي "علي"، فيتعلق بقضبان النافذة محاولًا رفع نفسه بنفسه، لذلك كانت ترفعني وتبقيني أكثر منه.

أحسستُ أنّ والدي شعر بالضيق لمجيئنا مع دا، فقال لها: "لمَ أحضرتِ الأولاد معكِ؟"، كأنه لم يكن يريدنا أن نراه على تلك الحال، ثم قال لها: "حاولوا ألا تبقوا هنا، خذي الأولاد وعودي بهم إلى بلادنا".

كان لقاءً سيّئًا. تمنيت مغادرة ذلك المكان سريعًا. لم أكفّ عن البكاء، فبدأ أبي يمسح على رأسي ويعبث بشعري ليهدّئ من روعي قائلًا بالكردية: "نگريو دا لککم"، لا تبكي يا أمي الصغيرة.

بعد ذلك اللقاء، انشغل تفكيري، صرت دائمًا أتساءل: لماذا أبي هناك؟ لماذا سجنوه؟ ليس شريرًا.. وفي النهاية وصلتُ لقناعة أنّه بريء، ولكنّهم سجنوه فقط لأنّه من محبّي الإمام علي عليه السلام. كنت قد سمعت هذا الكلام من دا، كانت تقول إنّ هناك من يبغض محبّي الإمام علي عليه السلام وعشاقه. حدّثت نفسي مرارًا: "ليتني أستطيع الذهاب إلى هناك لكي أكسر تلك القضبان وأُخرج أبي وأعود به إلى هنا".
 

33


23

الفصل الثاني

في الأيام والليالي اللاحقة، لم تفارقني صور السجن والزنازين والمساجين الذين رأيتهم هناك. لقد أثّرت بي تلك المشاهد كثيرًا لدرجة أنه صار يتراءى لي ذلك المنظر كلما رأيت أي نافذة أو قضبان. ولكن ومع كل ذلك كنت سعيدة برؤية والدي؛ على الأقل رويتُ بعضًا من شوقي إليه.

توجّهت "دا" امتثالًا لطلب والدي إلى القنصلية الإيرانية في البصرة وأخبرتهم أننا نريد العودة إلى إيران. لم نكن نمتلك بطاقة هوية عراقيّة لأننا لم نحصل على الجنسية، حتى إنّ والدي كان قد أخرج شهادات ميلادنا من القنصلية الإيرانية، ولهذا السبب لم يكن خروجنا من العراق صعبًا، لكنه استدعى الانتظار أشهرًا حتى يصدر جواز السفر فيسمحوا لنا بالمغادرة. أما المشكلة فبرزت في أمر آخر وهو فراق جدي وعائلته. كيف لنا أن نتركهم ونغادر البصرة من دونهم، فقد صرنا جزءًا منهم. ولطالما وقف جدي معنا وكان إلى جانبنا وأحب أبي كثيرًا. حتى نحن الأطفال فقد عشقناه، وكنا نمضي أيامنا في بيته، حيث لم يكن يفصلنا عنه سوى أزقة عدة، فنذهب إلى هناك صباح كل يوم، نتناول الفطور معهم ونأخذ مصروفنا اليومي الذي اعتدنا عليه. في بعض الأحيان عندما يتواجد أبي في البيت لم يكن يسمح لنا بالذهاب باكرًا إلى بيت جدي، فكانت "بي بي عزت" تأتي إلى بيتنا حاملةً معها مصروفنا اليومي وصينية مليئة بالطعام فتتشاجر مع أبي بسبب عدم سماحه لنا بالذهاب إليهم.

بعد الفطور، كنا نذهب عادةً برفقة خالي سليم وخالتي سليمة إلى مكان رائع الجمال يدعى "شاخه"، مصطحبين معنا بطّات دا وإوزاتها؛

 

34


24

الفصل الثاني

ساقيةٌ متشعّبة من نهر دجلة حوّلت تلك المنطقة إلى غابة كثيفة الأشجار. كنت أنا وبقية البنات نرفع سراويلنا ونلعب بالماء، والصبية يصطادون السمك. في بعض الأحيان، كان خالي سليم وعلي يتسلّقان أشجار النخيل ويقطفان لنا البلح. لشدّة سعادتنا لم نكن نشعر بمضيّ الوقت، ولا نعود إلى بيت جدي حتى تتوسط الشمس كبد السماء تاركين البطات والإوزات، فنحن متأكدّون من أنّها ستعود وحدها إلى البيت عند الغروب.

ما إن نصل إلى بيت جدي حتى نركض نحو الحبل الذي ربطه خالي بأعمدة الخيمة لنلعب بالأرجوحة. مع أن شمس الظهيرة كانت تحرق رؤوسنا وأقدامنا الحافية، إلّا أنّنا لم نكن نتعب من اللعب، فنظل نركض بين الفينة والأخرى باتجاه الحبانة1 ونشرب من مائها البارد، ثم نواصل اللعب منتظرين عودة جدي. في فصل الصيف، غالبًا ما كان يعود ومعه بطيخة فيغسلها ويضعها في صندوق مليء بالثلج، وبعد أن تبرد يقسمها ويعطي كلًا منّا قطعة قائلًا: "والآن عودوا إلى البيت".

لم يقلّ حنان جدتي عن عطف جدي ومحبّته، فهي لم تميّز بيننا وبين أولادها أبدًا، لدرجة أننا لم ندرك أنها ليست أم والدتي وخالي "نادعلي"، وأنّ خالي سليم وخالتي سليمة هما أخوا دا من جدي فقط.

تزوج جدي بعد وفاة جدتي (والدة دا وخالي "ناد علي" ) بـ "بي بي"2. وكانت من السادة، من أهالي قرية زرين آباد الذين يعود نسبهم

 

 


1- الحبانة: جرة من الفخار توضع على قاعدة ذات ثلاث قوائم. لها شكل مخروطي وفتحة كبيرة ويغرف الماء منها بالكوب.
2- بي بي: لفظ الجدة باللغة الكرديّة، أي "تاتا" بالعامية.

 

35


25

الفصل الثاني

إلى إبراهيم ابن الإمام محمد الباقر عليه السلام، وهم لا يزوّجون بناتهم ولا يتزوّجون إلّا من السادة. بعد زواجه من "بي بي"، ترك جدي العمل في الزراعة في القرية بسبب القحط، وانتقل إلى البصرة.

"بي بي" عاملت "دا" كابنتها تمامًا، وأمي أحبتها كثيرًا. ولذلك تعلّقنا بها، لكن الحياة قست عليها، إذ توفيت بعد حادثة مُفجعة.

قصة وفاة "بي بي" تتلخص في الآتي: في ليلة من ليالي شهر رمضان، نهضتْ لتعدّ طعام السحور. وعندما أرادت إشعال كانون الفحم، تطايرت عليها بعض نقاط النفط وهي تسكبه وسبّبت لها حروقًا بالغة. مع صراخ "بي بي" ركض جدي لمساعدتها ولكن محاولات الإطفاء باءت بالفشل، ونالت النار من يديه أيضًا. حين شاع الخبر صباحًا وجئنا إلى بيت جدي، شاهدنا بوضوح آثار الحريق بالقرب من حوض الماء الذي ركضت "بي بي" باتجاهه.

بقيت "دا" في المشفى بالقرب من "بي بي" في آخر أيام عمرها. كانت تشعر بظمأ شديد ولكن الأطباء لم يسمحوا لها بشرب الماء، حتى انتقلت إلى رحمته تعالى بعد أيام من تحمل الألم الشديد. بعد موتها دفنها جدي في النجف الأشرف، وقد تألّم وحزن كثيرًا لفقدها.

بعد تلك الحادثة، تولّت عمة دا التي كنّا نناديها "مي مي" إدارة البيت، إذ كانت تعيش في بيت جدي منذ سنوات وتساعد "بي بي" في جميع الأعمال. بحسب ما ترويه "مي مي" فإنّها تزوجت في سن التاسعة. وبعد سنوات من الزواج رزقها الله صبيًا ذكيًا جدًا، ولكنه فارق الحياة في الثامنة من عمره بمرض الحصبة. وبعد سنتين، توفّي زوجها

 


36


26

الفصل الثاني

أيضًا فبقيت وحيدة. كانت "مي مي" لا تزال امرأة شابة، ولهذا السبب جاءت للعيش مع أخيها الوحيد، ولم يفارقها الحزن والغم لفقد ابنها. وكلما قمنا بعمل يؤذيها انفردت في زاوية تتذكر ابنها وتبكي. كم عشقناها نحن الأطفال، فقد أجهدت نفسها من أجلنا وعاملتنا كأم ثانية تمامًا، كما إنّها كانت ترعى أبناء أخوالي وخالاتي. كنت أفضّل البقاء عند عمتي "مي مي". أحيانًا، ولاستغراقي باللعب في بيتنا لم أكن أنتبه لصوت "دا" وهي تناديني للاعتناء بأخي منصور بقولها: "وينك، وينك زهرا؟". وعندما لا تسمع جوابًا تغضب وتقول لي بالكردية: "گيس بريه هين ده كو؟" "أين أنت يا مقصوفة الضفائر؟". أمّا العمّة "مي مي" فكانت تتركنا وشأننا، نقفز من أعلى الأسرّة ونلعب بألعاب البنات التي صنعناها بمساعدة الخالة "سليمة" من أوراق النخيل وأغطية العلب الفارغة وبعض الأقمشة. أحيانًا، كان خالي "نادعلي" ينزعج من ضجيجنا فيعمد إلى تخريب ألعابنا أو فك حبل الأرجوحة. حينها نهدأ ليسكن غضبه أو يخرج من البيت فنعاود اللعب.

في ليالي الصيف، كانت عمتي "مي مي" تفرش باحة البيت وتعلّق ناموسيّة لتقينا أذى البعوض. كان لجدّي سريره الخاص في زاوية الباحة. كل ليلة، كان الأطفال يتشاجرون فيما بينهم، خصوصًا أنا ومحسن، من أجل النوم بجانب العمة "مي مي". ولتسترضينا، كانت تسمح كلّ ليلة لاثنين منا بالنوم إلى جانبها، وتضع يديها تحت رؤوسنا وتروي لنا القصص والأشعار حتى نغفو.

أمّا جدّي، فعلى الرغم من كونه أمّيًا، فطالما روى لنا قصص

 

37


27

الفصل الثاني

"الشاهنامه"1 وأشعار "مولانا"2 و"حافظ"3. كان جدي أكبر أفراد عائلته، وقد احتفظ بشجرة العائلة التي وقّع عليها كلٌّ من آية الله السيد محسن الحكيم، والشيخ مرتضى الأنصاري، وآية الله الكلبايكاني، وآية الله المرعشي النجفي وغيرهم من العلماء - كان يصونها في غلاف معدني صنعه خصيصًا لها، لشدة حرصه عليها، لقد شاهدتها مرات عدة؛ إذ كان كلّما أراد إحضارها لنراها حملها باحترام واهتمام مصحوبين بالصلاة على محمد وآل محمد فنشاهدها ثم يُعيدها إلى غلافها.

كنا نُسرّ برؤية جدي مرتديًا العباءة والعمامة السوداء، واقفًا وسط باحة البيت رافعًا صوته بالأذان. فيمنح نور وجهه الإنسان طمأنينة غريبة. بقي جدي ولآخر عمره، حتى أصبح عجوزًا ضعيفًا جدًا، يصلّي جماعةً، ويأتينا بما يوزّع من نذورات وعطايا في المسجد.

لا تفارقني ذكرى أول مرة أردتُ فيها الصلاة، ذهبت إلى جدي وحين علم بذلك شعر بسعادة بالغة، حضنني وقبّلني ثم قال لي: "أنا سأعلمك الصلاة". وقفتُ للصلاة وصار هو يقرأ وأنا أردد، وحين كنتُ أخطئ في القراءة كان يصحح لي بكل هدوء، ثم يعطيني القليل من المال. بعد ذلك، صار كلما رآني أصلي شجّعني وأثنى عليّ.

كان هناك حسينيّة بالقرب من بيت جدي. وفي شهر رمضان قبيل الإفطار، كنتُ وأولاد الحيّ نقف أمامها. وما إن يرتفع صوت المؤذّن حتّى

 

 


1- كتاب الملوك؛ ألّفه الفردوسي ويُعدّ ملحمةً وطنيّة لبلاد فارس، مبني بشكل رئيس على نسخة نثريّة سابقة كانت تجمع القصص الإيرانية القديمة والحقائق والخرافات التاريخية.
2- جلال الدين الرومي.
3- حافظ الشيرازي.

 

38


28

الفصل الثاني

نتوزّع في الأزقّة، ويركض كل منّا باتجاه منزله مناديًا بأعلى صوته: "أذّن، أذّن". وهكذا يعرف الناس وقت الإفطار؛ لأن صوت المؤذّن لم يكن يصل إلى كل مكان، كما إنّ وجود الراديو في البيوت كان نادرًا جدًا. 

في بعض الأوقات، كانت "دا" تأخذني أنا وأخي "علي" معها إلى السوق، في طريقنا نعبر جسرًا خشبيًا أقيم على شط الخندق، وبقرب الجسر مطحنة تعمل على طاقة ماء الشط المتفرع من نهر دجلة قبل توافر الكهرباء والمازوت، وكانت مع مطحنتين حكوميتين تؤمّن ما تحتاجه المدينة من الطحين. وقد اعتادت "دا" لدى وصولنا إلى المطحنة أن تعرّج على جدي لتسأل عن أحواله وصحته، وكنّا نتوق لذلك أكثر منها فنسبقها إليه. أحببتُ جدّي كثيرًا، وكان يناديني "دا للكم"1، فأشعر بالسعادة لدى سماعي تلك الكلمة التي طالما لمست فيها محبته لي.

كنت أعلم أنّ جدي في المطحنة، قد خلع عمامته السوداء وارتدى قبعته العراقيّة البيضاء، رابطًا شاله الأخضر على خصره وواضعًا أطراف دشداشته داخل الشال ليتحرك بسهولة خلال العمل. كان قلبي يعتصر ألمًا لرؤية وجهه المتعرق والمحترق من لهيب شمس البصرة الحارقة، وقد دأب على إخراج منديله من جيب دشداشته باستمرار ليمسح به عرق وجهه. وكم أزعجني رؤيته ناقلاً أكياس الطحين الكبيرة والثقيلة وحده، ولكن لا مناص من ذلك.

ما إن ندخل المطحنة حتى تبدأ مشاكساتنا، كانت مظلمةً من الداخل تقريبًا. فقط عند الظهيرة وحين تسطع الشمس بشكل مباشر، يدخلها ضوء الشمس عبر فتحات الإنارة في السطح. وإلى أن تنهي "دا" حديثها

 


1- أمي الصغيرة.

 

39


29

الفصل الثاني

 

 


مع جدي نتسلّق أنا و"علي" أعلى أكياس الطحين ثم نقفز ونعبث بالآلات هناك، من دون أن تفارقنا عينا جدي أثناء حديثه مع "دا"، وفي بعض الأحيان ينبّهنا: "لا تمشيا فوق الطحين إنها نعمة الله، حرام عليكما انزلا، تعالا إلى هنا"، لكننا لم نكن نصغي إليه فنتابع لعبنا.

في إحدى المرات، قفزت أنا و"علي" عن أكياس الطحين، فزلّت قدمي وسقطت في قلب الطحين. في لحظة واحدة صار كل شيء أبيض اللون ولم أعد أرى شيئًا. دخل الطحين إلى فمي وأنفي. أوشكتُ على الاختناق ولكنني استجمعتُ قواي وصرخت: "يُمّا". انتبه جدّي ودا لما حدث فأخرجاني من جرن المطحنة بسرعة. قال جدي غاضبًا: "جُعلت فداكِ!، كم مرة قلت لك لا تذهبي إلى هناك"، لكنه حين رآني خائفة ويصعب عليّ استنشاق الهواء، قال لي وهو ينفخ في وجهي ويهزني من رأسي إلى أخمص قدمي: "دا للكم لماذا لا تجلسين هادئة؟ لا تشيطني مرة أخرى".

كانت تلك الحادثة وغيرها من آلاف الذكريات التي لا يمكن نسيانها بسهولة قد جعلتْ رحيلنا أمرًا صعبًا جدًّا عليّ. وبسبب صغر سني لم أكن أستوعب، لماذا وجبَ علينا أن نترك هذا المكان والحياة فيه؟

خلال بضعة أشهر باعت أمي معظم أثاث البيت وأغلبه من جهاز زواجها. في تلك الأيام راح الجيران يتوافدون إلى بيتنا ويلقون نظرة على الأثاث ويشترونه بسعر أقل من سعره الحقيقي: سرير والديّ  الحديدي الذي عشقت حوافه القماشية المشبّكة البيضاء اللون، صحون السراميك الياباني والصيني الزرقاء التي نُقش عليها صور الطيور والأشجار الخضراء، الخزانة الخشبية ذات البابين التي تتوسطها مرآة طويلة، سرير "منصور"

 

40


30

الفصل الثاني

الصغير وخزانة الأدوات المنزلية... كل ذلك باعته "دا" بسعر زهيد جدًا. حين كانت "دا" تفصل الأغراض لبيعها، أحزنُ أنا وأختي "ليلى" ونغضب، وكلّما وضعتْ يدها على شيء أقول لها: "دا، لا تبيعي هذا"، فتجيبني: "لا أستطيع يا زهراء لا أستطيع"، فأصرّ عليها: "بالله عليكِ يا دا هذا جميل جدًا، دعيه لنا"، فترد عليَّ بقولها: "يا فتاة إذا كنتُ لن أبيع هذا ولن أبيع ذاك فهذا غير ممكن، لا يمكننا أخذ الكثير من الأثاث والأمتعة معنا".

عندما وضعَتْ عباءتي بين الأغراض التي تريد بيعها، انفجرت بالبكاء غاضبة. قالت لي محاولة إرضائي: "هناك، حيث نريد الذهاب، لا يرتدون العباءة العربية"، ولكن هذا الكلام لم يُقنعني ويُرضيني. أحببتُ تلك العباءة كثيرًا، فهي محاكة من الحرير وأطرافها مطرّزة بخيوط صفراء. عندما كنت أرتديها وأحمل السلة المصنوعة من ورق النخيل وأختال بمشيتي فيها، أشعر أنني أصبحت راشدة، ولذلك استمرّ بكائي حتى رضيتْ ولم تبعها. باعت كل شيء إلّا الأشياء الضرورية، وبعدها باعت البيت مرغمةً، ثم انتقلنا إلى غرفة ملاصقة لبيت جدي الذي استأجَرَها لنا، وهي لامرأة عجوز تعتاش من إيجارها ومما تجنيه من بيع بعض الحلوى ومشتريات للأطفال أمام منزلها.

عندما أبلغتنا القنصلية أنه بات بإمكاننا المغادرة، بدأ الوداع وتحوّل بيت جدي إلى بيتٍ للعزاء. أتى الأقرباء والجيران والأصدقاء لوداعنا وفدًا بعد آخر، وأصبح البكاء شغلنا الشاغل. خيّم علينا حزن شديد، وكذلك الشوق إلى جدّي وعمتي "مي مي" على وجه الخصوص، كم تمنينا لو أنهما يرافقاننا في سفرنا.

في هذه الأوضاع أخبرنا خالي "حسيني" -الأخ الشقيق لـ"دا" - الذي

 

41


31

الفصل الثاني

 


كان يعيش وعائلته في "خرمشهر" - أن أبي قد أصبح في "خرمشهر". في الوقت الذي كنا نهمّ فيه بترك العراق أشعرنا خبر تحرير أبي بسعادة غامرة. لكننا لم نحتمل مرارة فراق جدي وعائلته وألم البعد عنهم.

في يوم سفرنا جاء الجميع إلى جمارك البصرة؛ جدي، عمتي "مي مي"، خالي "سليم"، خالي "ناد علي" وخالتي "سليمة". بكينا جميعًا، وبكت "مي مي" و"دا" بمرارة كبيرة، وكانتا أكثرنا تأثرًا. كذلك جدي الذي لم أره يبكي على هذا النحو من قبل؛ بل حتى ذلك اليوم، لم أكن قد رأيته يبكي قط. كان مشهدًا مؤلمًا جدًّا بالنسبة لي. عندما أردنا ركوب القارب راح يواسينا قائلًا: "اذهبوا أنتم ونحن سنعدّ أنفسنا ونأتي في أثركم".

رافقنا خالي "ناد علي" البالغ يومها السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر حتى حدود "أبو الخصيب"8. بكينا طوال الطريق، فيما كان خالي يحاول ممازحتنا ليُضحكنا، ولكن لما باءت محاولاته بالفشل بكى هو أيضًا.

لم تفارقني صورة وجه جدي و"مي مي" عند وداعنا لحظة واحدة. شعرت بالأسى والحزن لأننا تركناهما هناك وسافرنا من دونهما. ولكن أخي "علي" لم يكن كذلك، فقد استطاع أن يسلّي نفسه بشيء آخر. كعادته لم يترك مشاغباته وفضوله وبقي يحوم حول سائق القارب حتى سمح له في النهاية بقيادة القارب لمسافة طويلة.

على القارب، رافقتنا عائلة إيلامية أخرى. حاول أفرادها تهدئتنا ومواساتنا، بعباراتهم: "الله كريم... إن شاء الله تجتمعون ثانيةً"، لكن


8- أبو خصيب: الحدود المائية في شط العرب "نهر أروند" بين العراق وإيران.

 

42


32

الفصل الثاني

كلامهم لم يعجبني، كنت أقول في نفسي: "التفوه بهذا الكلام سهل عليكم، أنتم عائلة مجتمعة بعضها مع بعض حتى إنّ كنّتكم وحفيدكم قد جاءا معكم، ليس لديكم أحدٌ في البصرة لكي تحزنوا على فراقه".

 عند الحدود، وبالتنسيق مع القنصلية الإيرانية، وجدنا القارب الإيراني بانتظارنا، وتمّ نقلنا إليه. زاد بكاؤنا وعويلنا عندما بقي خالي على متن القارب العراقي. بعدها تحرك قاربنا وبقي قارب خالي ساكنًا في مكانه. بينما بدأنا نبتعد عنه رأيناه يبكي، وبقينا نبتعد قليلًا قليلًا حتى صرنا نرى خالي "ناد علي" مثل نقطة صغيرة، ما لبثت أن تلاشت خلال دقائق. 

 

43


33

الفصل الثالث

حین وصلنا إلى جمارك "خرمشهر"، كانت الشمس قد غابت وارتفع صوت الأذان. كان خالي حسيني قد جاء لاستقبالنا. استغرق الأمر بعضًا من الوقت حتى أنهينا معاملات الجمارك. كان أبي الذي لم نرَه منذ أشهر ينتظرنا خارج الجمارك. في اللحظة الأولى، أحسسنا أنه شخص غريب، ولكن بعد ذلك اقتربنا منه، حضننا وقبّلنا والدموع تنهمر من عينيه، راح يلاطف كل واحد منا، سعدنا جميعًا برؤيته. بعدها انطلقنا برفقة خالي "حسيني" إلى بيته. في الطريق قام أبي بتصريف الأموال من فئة الفلسين والخمسة فلوس1 التي أعطانا إياها جدي بعُمْلَةٍ إيرانية، قائلًا: "لا قيمة لهذه الأموال هنا".

كان خالي قد دعا ضيوفًا كثُرًا، وأعدّ وليمة كبيرة. بدا بيته جديدًا بالنسبة إلينا، ولا يشبه بيوت البصرة أبدًا؛ فأرضية باحته مثلًا رُصِفت بالموزاييك، بينما باحات بيوت البصرة ترابية. كان أكثر الضيوف يتكلمون الفارسية. نحن الذين لم نتقن سوى العربية والكردية لم نفهم شيئًا من كلامهم. كانت اللغة الفارسية في نظرنا لغة عجيبة غريبة.

 


1- الفلس: عملة عراقية ومئة فلس تساوي دينارًا عراقيًا.

 

 

 

45


34

الفصل الثالث

أذكر أننا في تلك الليلة رحنا نلعب في باحة البيت، ونضع أيدينا تحت الصنبور ونرشّ الماء بعضنا على بعض. أطلّت زوجة خالي وصاحت بالفارسية لنكفّ عن اللعب بالماء. لم نفهم من كلامها سوى كلمة واحدة وهي كلمة "خيس" والتي تعني بالعربية التعفّن1. تعجّبنا كثيرًا وقلنا في أنفسنا: ما هذا الماء الذي تتعفن اليد عند استعماله؟!

عند المساء؛ وبسبب ضيق المكان وارتفاع حرارة الطقس، فرشوا سطح البيت، ووضعت زوجة خالي طعام العشاء هناك. استمتعت بصعود درج الموزاييك، لأنّنا في البصرة كنا نستخدم سلمًا خشبيًا للصعود إلى السطح.

في تلك الليلة عرفنا أنه عندما أُبعد أبي من العراق، قطع كل الطريق مشيًا ليعبر الحدود. وعندما وصل إلى "خرمشهر" أصبح أسفل قدميه مليئًا بالجروح والندوب المتقيحة. فبقي خالي لأيام يغسل قدمي والدي بالماء والملح ليتعافى من الالتهابات. استغرق الأمر مدة طويلة حتى استطاع السير على قدميه بشكل طبيعي. بعدها أخبرنا أن سبب هذه الجروح هو ضربات سياط رجال المخابرات.

كان خالي كثيرَ الأولاد، وقد عاشت أم زوجته معهم في المنزل المستأجر نفسه. لهذه الأسباب بدأ أبي يفكّر في تأمين بيت لنا، راح يبحث ويسأل حتى استأجر غرفة في منطقة شاه آباد2 وهكذا انتقلنا إلى بيتنا الجديد.

بقي أبي فترة من الزمن يبحث عن عمل، بسبب ظروف السجن

 


1- يقصد بالعربية هنا اللهجة المحلية في البصرة، وخيس بالفارسية تعني "البلل او التبلل".

2- أصبح اسم هذه المنطقة طالقاني.


46


35

الفصل الثالث

 


الصعبة والتعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له لم تكن حالته على ما يرام. كانت "دا" تهتم به كثيرًا، وتحاول أن تبقينا هادئين لكي لا يؤذيه ضجيجنا وشغبنا. عندما يأتي إلى البيت ليرتاح، كنت أدلّك يديه وقدميه. أردت بذلك التخفيف من تعبه اليومي، فكان يدعو لي بصوت خافت ويسأل الله لي حسن العاقبة.

لم تستمر أزمة والدي المعنوية كثيرًا، لكن أمرًا آخر كان يؤذيه؛ فقد بدأ يبحث يوميًا عن عمل ويعود ليلًا خالي الوفاض. فبسبب نشاطاته السياسية السابقة لم يعطوه أي فرصة عمل في الدوائر الحكومية. بقيت ضغوط إطعام الأطفال ودفع إيجار البيت وغير ذلك، تنغص عليه عيشه. حتى إنّ بعض المحيطين بنا ظنّوا أنّ أبي شخص كسول لا ينفع للعمل. عندما عرفت ذلك تألمت كثيرًا لغربته. كنت أرغب في أن أقول لجميع الناس إنّه ليس كما تظنون، لكن لم يكن بوسعي فعل شيء، كنت فقط أدعو الله في صلاتي أن يعثر والدي على مبتغاه. عندما يئس من إيجاد عمل يناسب إمكانياته وقدراته، اضطرّ إلى استئجار عربة يدوية وراح يعمل في حمل ونقل البضائع في السوق، إلى جانب عمله في البناء والسمكرية واللِحام.

بعد أشهر، أخذ والدي معه إخوتي السيد علي والسيد محسن إلى مدينة "إيلام" لزيارة الأقارب والحصول على بطاقة الهوية. لسوء الحظ في تلك الأيام نفسها قام مجهولون بتفجير ثكنة الجيش في "إيلام" فقُتل قائدها. هذه المرة اتّهم السافاك أبي بالتفجير فألقوا القبض عليه وأودعوه السجن ولم نعلم نحن بذلك. مضت فترة ولم نسمع أي خبر عن أبي وإخوتي. قلقنا عليهم كثيرًا. اتصلنا بأقربائنا في "إيلام" فقالوا

 

47


36

الفصل الثالث

 

لنا إنهم غادروها إلّا أنهم لم يصلوا إلى "خرمشهر" أيضًا. تألمنا كثيرًا لانقطاع أخبارهم. مصيرُ أبي وإخوتي المجهول وبُعدنا عن "پاپا"1 و"مي مي" جعل الحياة قاسية جدًّا علينا. عند الغروب كان غم الشوق يخيم على قلوبنا أكثر فأكثر، خاصة عند سماع صوت الأذان. صرنا نضع عباءة أمي على رؤوسنا ونبكي. فتتساقط دموعنا ونحن نتذكر خالي "سليم" وخالتي "سليمة" ونستذكر ما كان يفعل "پاپا" و"مي مي"، كذلك "دا" تجلس في الزاوية وتبكي معنا أيضًا. عندما يسمع الجيران صوت بكائنا كانوا يأتون إلينا لمواساتنا، وأحیانًا يلومون "دا" قائلين لها: "أنت أمهم ماذا تصنعين؟ بدلًا من أن تعملي على تهدئتهم تجلسين وتبكين معهم؟!".

كانوا يحاولون مواساتنا ولكن ذلك لم يُجدِ نفعًا. أضحى البكاء برنامجنا الليلي. أما خالي "حسيني" فكان يزورنا دائمًا، ويعاملنا كمعاملة "پاپا"، فأحببناه كثيرًا. وعندما كان أحدنا يقسم بروح خالي "حسيني" لم نكن نشك أبدًا في صحة كلامه. كان وضع خالي المالي جيدًا؛ فحين كان في العراق عمل مترجمًا في السفارة الإيرانية وناظرًا في مدرسة الجالية الإيرانية، وعندما عاد إلى إيران عمل في مصنع للزيت النباتي في "خرمشهر". دائمًا ما كان يأتي إلينا ويداه مليئتان بالأغراض والطعام، وفي بعض الأحيان يعطي "دا" بعض المال كمساعدة في  مصاريف العيش.

في ذلك الزمان، كانت صادرات التمر في "خرمشهر" وافرة، حيث عمد التجار إلى توزيعه على بيوت الناس من أجل تنظيفه، وفي اليوم التالي يجمعونه ليتمّ غسله في المعمل. فيحشونه بالجوز أو يرشّون

 

 


1- أي جدّي بالكردية.

48


37

الفصل الثالث

عليه دبس التمر والسمسم ويصدّرونه إلى الدول العربية والأوروبية. كانت "دا" تأخذ عددًا من  صناديق التمر تلك، وتضعه في صينية لكي نساعدها في تنظيفه. وكي لا نصاب بالملل كانت تنشد لنا الأشعار. كنا نزيل نواة حبات التمر وعنقها ومن ثم نضعها في أحد الصناديق. بلغت أجرة تنظيف كل صندوق يزن (ثلاثين كلغ) تومانًا واحدًا، ثم أصبحت ثلاثة عشر ريالًا فيما بعد. أضحى ذلك عملنا في الصيف والشتاء؛ في الشتاء كانت حبات التمر قاسية جدًا، لذا كانت أمي تضع الصينية فوق كانون الفحم الذي تشعله لتدفئة الغرفة فيلين، وبالتالي يسهل علينا شقّ حباته. بهذه الطريقة تمكّنّا من تأمين أسباب العيش عندما كان والدي في السجن كي لا نمدّ يد العوز إلى أحد.

كان لدينا جار طيّب اسمه "عبد الحسين حربي"، كان يهتم بنا كثيرًا ويكنّ احترامًا كبيرًا للسادات. وزوجته من حين إلى آخر كانت تحضر لنا بعض الفاكهة وأشياء أخرى، لكن دا لم تكن تقبلها وتردّ عليها بعزة نفسها المعهودة: "لسنا بحاجة لشيء".

كانت "دا" امرأة كتومة، تسعى دائمًا لحمل أعباء حياتنا بنفسها، لم تكن تشكو همومها إلى أحد. كثيرًا ما رأيتها تبكي وهي تكنس البيت أو تمسح الغبار عن الصور. حاولتُ دائمًا بنحو ما أن أكون شريكة لها في وحدتها، لكن لم أتمكن من فعل الكثير لأجلها.

أخيرًا، وبعد مضي ثلاثة أو أربعة شهور عاد أبي وإخوتي، وقد شحبت وجوههم ونحلت أجسامهم بشدة. سبّبت أجواء السجن القذرة والطعام السيّئ لمحسن إسهالًا شديدًا وحالات تقيّؤ؛ وكان في السابعة

49


38

الفصل الثالث

 

من العمر وأصغر من علي بسنة. وبسبب الإهمال وعدم المعالجة تحوّل إلى حمّى معويّة. على الرغم من إصرار أبي، رفض السجّانون إحضار طبيب له وقالوا: "إنه على ما يرام. ومن الأفضل أن يموت لينقص المخرّبون فرخًا!". كانوا يضغطون على أبي ليعترف بتفجير ثكنة الجيش؛ فيجيبهم: "لو كنت أريد أن أفجر الثكنة لما أحضرت معي هذين الطفلين" ؛ لكنّهم لم يقتنعوا بكلامه، وطال حتى استُكْمِل التحقيق وثبتت براءته.

بعد الإفراج عن أبي، استأجر لنا بيتًا من غرفتين في حي "شاه أباد". استخدمنا الغرفة المبنية بالآجر لاستقبال الضيوف، والغرفة الطينية كمطبخ وغرفة للجلوس. خلا ذلك البيت من ماء لكن تأمنت فيه الكهرباء. بعد دخول الباب الرئيس نعبر من فناء صغير شبيه بالممر إلى باحة أكبر فيها غرفتان. ضمّت الباحة الصغيرة درجًا يوصل إلى السطح. فكنّا في ليالي الصيف ننام على السطح هربًا من الحر ولسعات البعوض وطالما حذّرنا أبي لعدم وجود سياج على محيط السطح. عشنا في ذلك البيت ثلاث سنوات تقريبًا. اعتدنا على الحياة في "خرمشهر" تدريجياً على أمل مجيء "پاپا" وبقية العائلة إلينا.

 

في أوائل العام 1348 ه.ش (ربيع 1969م)، كنت في السادسة من العمر عندما جاء خالي "ناد علي" من البصرة إلى إيران والتحق بخدمة العلم مباشرة. بدأ يزورنا في بيتنا خلال مأذونياته كي لا يثقل على زوجة خالي "حسيني". ومراعاةً لأوضاعنا المادية كان يقضي نهاره عندنا ويعود إلى بيت خالي عند المغيب، كنّا جميعًا نشعر بالسعادة

50


39

الفصل الثالث

عند مجيئه. بعد سنتين، وقبل أن يقوم نظام البعث العراقي5 بطرد الإيرانيين المقيمين في العراق، جاء "پاپا" و"مي مي" أيضًا. عندما علمت بقدوم جدي شعرت بأن الحظ ابتسم لنا وأننا الآن نحيا بمنتهى السعادة، كان ذلك اليوم من أجمل أيام حياتي.

استأجر جدي بيتًا قريبًا من بيتنا، ورجعت أيام ذهابنا وإيابنا من جديد. في كل يوم لدى عودتنا من المدرسة، كنت أنا والسيد علي والسيد محسن نعرّج على بيت جدي العجوز، وهو يعطينا المال كعادته. في إحدى المرات ذهبنا فلم نجده، فجلسنا وتناولنا طعام الغداء وانتظرنا ولكنه لم يعد. أعطتنا "مي مي"، التي تعرف القصة، مصروفنا اليومي وقالت لنا: "إن أمكم بانتظاركم، اذهبوا إلى البيت"، وطلبت من الخالة "سليمة" أن تساعدنا في عبور الطريق. بعد أن عبرنا الطريق قالت لنا الخالة: "الآن أكملوا المسير وحدكم، وأنا سأعود". وقفنا إلى جانب الطريق حتى توارت عن الأنظار. وبعدها غيّرنا مسارنا باتجاه سوق الخضراوات. كنا نعلم أن جدنا ذهب للصلاة وبعد ذلك سيأتي للجلوس مع أصدقائه إلى جانب جسر "جاسبي"6. ما إن رآنا حتى قام وعانقنا وقبّلنا وعرّفنا إلى أصدقائه. ثم أعطانا القليل من المال كعادته من دون أن نخبره أننا أخذنا حصتنا من العمة "مي مي". باختصار، في ذلك اليوم عدنا إلى البيت ونحن في غاية السعادة؛ فقد حصل كل منا على خمس

 

 


1- في ذلك الوقت، كان رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر. ولكن زمام الأمور في الحقيقة كان بيد معاونه صدام حسين. قام صدام بإخراج جميع الإيرانيين المقيمين في العراق بحجة نزاع العراق مع إيران حول قضية نهر أروند، حيث كان صدام يدّعي أنّ اسمه شط العرب وتعود ملكيته للعراق، بعد تلك القضية كانت أمي تقول: "هذا صدام الشمر وليس صدام حسين".
2- بالقرب من مستديرة "الله" في يومنا هذا. طبعًا اليوم جفّ جدول الماء ولم يعد له أثر. كان جدول الماء ذاك يتفرع عن نهر كارون في شرق المدينة ويكمل طريقه إلى هذه المنطقة.


51


40

الفصل الثالث

ريالات. فيما بعد، عندما علمت الخالة "سليمة" بالقصة أنّبتنا بشدة.

في العام 1350ه.ش (1971م) طلب صاحب البيت الذي يعيش في "شادكان" من أبي إخلاءه؛ فبدأ فورًا بالبحث عن بيت آخر، وفي أحد الأيام ذهب والداي معًا للبحث عن بيت، وتركوا الأطفال بعهدتي وأقفلوا الباب كي لا نخرج إلى الشارع.

في ذلك اليوم أقام جيراننا حفل ختان في منزلهم. صعد السيد محسن إلى السطح لمشاهدة الحفل. كنت ألعب مع منصور في الغرفة عندما جاءت ليلى مولولة: "تعالي يا زهراء لقد مات محسن!".

ظننت أنها تمزح، ولكنها أقسمت بخالي "حسيني" عندها لم أنتبه كيف تركت الطفل وركضت إلى باحة البيت. كان "محسن" ملقًى بالقرب من الدرج مغمى عليه، عيناه سوداوان ومتورمتان ولم يكن هناك أي أثر للدماء.

عندما رأيت المشهد رحت أصرخ وأخدش وجهي بأظافري. كذلك "ليلى" روّعها هول المنظر، فصرنا نبكي ونلطم رؤوسنا. في هذه اللحظات قُرع الباب وكانت بنت جيراننا، ابنة السيدة "نوروزي" ونادت: "أمي تسألكم ماذا حدث لماذا تصرخون بهذه الطريقة؟".

قلت لها: "لقد مات محسن سقط من فوق السطح"
- إذًا لماذا لا تفتحون الباب؟
- خرج والديّ وأقفلا الباب.

كانت أم جاسم - أي السيدة "نوروزي" امرأة ضخمة وقوية- عندما سمعت هذا الخبر أسرعت وركلت الباب الخشبي بقوة حتى فتح.

 

52


41

الفصل الثالث

 

لما شاهدت "محسن" قالت: "لقد فقد وعيه ويجب علينا نقله إلى المستشفى، أين ذهب أبوك وأمك؟".

قلت: "لقد خرجوا للبحث عن منزل، ولكني أظن أنهم الآن في بيت أحد أقربائنا". فقالت لي: "اذهبي وأخبريهم ليأتوا".

كنت أفكر أثناء الطريق كيف أخبر "دا" من دون أن أرعبها فهي توشك على ولادة طفل آخر. عندما وصلتُ، تعجّب الجميع لرؤيتي وسألتني "دا" : "لماذا أتيتِ إلى هنا؟ ". قلت لهم إنّ العمة "هاجر" قد قدمت من "إيلام" إلينا، مع أنني لم أكن قد شاهدتها حتى تلك اللحظة. استغرب أبي: "كيف قطعت "هاجر" كل هذا الطريق وجاءت إلى هنا؟".
- لا أعلم. أتت وقالت أنا العمة هاجر.

على الرغم من كل ما حدّثتهم به إلّا أن وجهي المخدوش جعلهم يشكّون في كلامي. لم يجدِ الكذب نفعًا. لكثرة أسئلتهم، أُجبرت أن أخبرهم أنّ "محسن" قد سقط على الأرض وساءت حالته، ولهول المشهد خدشتُ وجهي، لكنه بخير و"أم جاسم" عندنا في البيت. ما إن أكملتُ كلامي حتى أُغمى على "دا". عندما وصلنا إلى البيت، كانوا قد نقلوا السيد محسن إلى المستشفى. لم تمض دقائق على وصولنا حتى رأينا "مي مي" قادمة إلينا باكيةً لاطمةً رأسها وصدرها. فهي التي ربّت "محسن"، وأحبته محبة ابنها، لم تكن تتحمل فقدانه هو الآخر، أو أن يحلّ به أي مكروه.

لا أعلم كيف انتشر الخبر حتى غصّ بيتنا بالأصدقاء والأقرباء، نادبين

 

53


42

الفصل الثالث

باكين. كانوا يائسين من تحسّن وضعه ويعتقدون أنّنا قد فقدناه!

في تلك المدة التي رقد فيها محسن في المستشفى، فاقد الوعي، سيطر على بيتنا العزاء والعويل. لم يكن بمقدور أحدنا القيام بأي عمل. كان الجيران يحضرون الطعام لنا ويصرّون علينا لكي نأكل، ولكن هيهات، فلا قدرة لأيّ منّا على تناول لقمة واحدة.

لم تختلف أحوالنا نحن الأطفال عن البقية؛ إذ كنّا نأنس ببعضنا بعضًا كثيرًا، وتجمعنا أواصر صداقة ومحبة مدهشة. كانت حالي هي الأسوأ بين الجميع. في إحدى الليالي وبينما كنت أهيّئ فرش النوم وقع نظري على فراش "محسن" الخالي، فانفجرت بالبكاء بشكل لا شعوري. حاول أبي جاهدًا أن يهدّئ من روعي، قائلًا إنّه قد رأى "محسن" اليوم، وهو بخير، ولا داعي لأن أقلق. لكنّي لم أهدأ. ثم ذهب إلى الدكان واشترى لي بعض السكاكر، غير أنّ ذلك لم يُجْدِ نفعًا. لا أعرف لماذا تملكني شعور أننا سنفقد "محسن" هذه الليلة.

تواصل بكائي حتى خارت قواي. فلم يكن من مناص أمام والدي من أخذي في ذلك الوقت المتأخر من الليل إلى المستشفى. لم يسمحوا لي هناك بالدخول لزيارته. اضطر أبي لأن يبقيني عند الحارس العجوز ودخل هو لرؤية محسن. أجلسني الحارس العجوز الطيب بجانبه، وراح يتكلم معي محاولًا تهدئتي. بعد قليل، عاد أبي وقال لي: "محسن بحال جيدة لقد تحدّثت إليه". صدقت كلامه وغمرتني السكينة وهدأ قلبي.

بقي "محسن" حوالي ثلاثة - أربعة أيام في غيبوبة، وبعدها بدأ يستعيد وعيه شيئًا فشيئًا، إلّا أنه فقد ذاكرته ولم يتعرّف إلى أحد. بعد

 

54


43

الفصل الثالث

عشرة أيام أخرجناه من المستشفى، ولكنه لم يعد كما كان. قال الأطباء إنّ تحسّن حالته يحتاج إلى وقت طويل. كأنه أصيب باختلال ذهني، لم يعد لديه ذلك التركيز والذكاء السابق؛ فمثلًا كنا نعطيه المال ليشتري الخبز، فيغيب ساعات ثم يعود خالي الوفاض، أو يضيع، أو يذهب ويتصرف بالنقود وينسى المهمة الموكلة إليه. كان المسكين في تلك الفترة في الصف الأول ومعدّله جيد جدًا، ولكن بعد تلك الحادثة تدنّت علاماته، ولم يعد يرغب في الدراسة. سعى أبي كثيرًا لتشجيعه لكنه لم يفلح. وتوقف "محسن" عن إكمال دراسته بعد إنهائه الصف الثاني متوسط. على أي حال بقي هكذا مدّة طويلة.

أخّرت حادثة "محسن" إخلاءنا للمنزل بشكل تلقائي. وقد أنجبت "دا" في هذا المنزل السيد حسن طفلها السادس والصبي الرابع في العائلة. حينها صادف أن ذهب "پاپا" و"مي مي" لزيارة الإمام الرضا عليه السلام، ولهذا السبب تحمّلت زوجة خالي "حسيني" وأمها عناء نقل "دا" إلى مستشفى "خمبه"1. لم يكن والدي قد وجد عملًا مناسبًا بعد، وأصبنا بضيق شديد. ولهذا السبب، قامت أم زوجة خالي بتسديد تكاليف المستشفى التي بلغت خمسين تومانًا. بالتأكيد أعاد والدي المبلغ إليها فيما بعد. عندما أحضروا "دا" إلى البيت، تولّيت بنفسي مهمة الاعتناء بها لعدم وجود شخص آخر غيري؛ وشق ذلك العمل على فتاة لم تتجاوز الثامنة من العمر.

في هذه الأوضاع، طلب منّا صاحب البيت إخلاءه مرة أخرى، فاضطُررنا إلى الانتقال. كان البيت الجديد مؤلفًا من قسمين يتصل أحدهما بالآخر عبر ممر طويل وضيق. كان على سكان القسم الخلفي أن يعبروا من

 


1- مستشفى خمبه: كان اسمه الآخر مستشفى مصدق وكان بالقرب من مستديرة الأمن العام.


55


44

الفصل الثالث

باحة القسم الأمامي حيث نسكن نحن وصاحب البيت، لذلك كنا نشعر بانزعاج شديد. كان صاحب البيت القديم رجلًا طيبًا، أما صاحب هذا البيت فسيّئ الخلُق ويؤذينا بشدة. حيث كان يقوم بقطع المياه عنا في الصباح الباكر ويذهب إلى عمله. ظننا في البداية أن المياه مقطوعة في الأصل؛ ولكن ما إن يعود إلى البيت عند غروب الشمس حتى نلاحظ أنها قد عادت. لم تكن زوجته سيئة مثله، كانت دائمًا تتجادل معه وتقول له: "إن الله لا يرضى بذلك، فهؤلاء لديهم أطفال، اتق الله يا رجل"، ولكنّه لم يكن يُصغي لكلامها، بل يجيبها: "هؤلاء عندهم الكثير من الأولاد، ستأتي فاتورة المياه مرتفعة".

كان الجيران يعترضون أيضًا؛ إذ إنّنا جميعًا شركاء في دفع فاتورة المياه التي كنّا نسدّدها من دون تأخير؛ ومع ذلك استمر بتصرّفه. انزعجت دا كثيرًا من تصرفات ذلك الرجل ومن جوره وأذيته لنا.

في المقابل، كان لدينا جار حسن الأخلاق وطيب القلب، وعازبًا ولا نراه إلّا قليلًا، يعمل سائقًا في الشحن البرّي. كلما سافر أحضر معه فاكهة المدينة التي قصدها ووزعها على الجيران. كان أبي يدعو له دائمًا: "جزاه الله كل خير. إنسان طاهر السريرة".

كنا نعلم بقدومه من خلال عزفه على "سه تار"1. فنستمتع كثيرًا بسماع عزفه على تلك الآلة، ونجلس جميعًا بشوق كبير تحت نافذة غرفته.

في عالم الطفولة، لم تحُلْ مشكلات الحياة وصعوباتها دون مشاغباتنا. فحفلت حياتنا بمغامراتها الخاصة. وكانت الأيام تمضي ونحن مشغولون بشيطنتنا.

 

 


 1- سه تار: آلة وترية تشبه الطنبور وتضم 3 أوتار.


56


45

الفصل الثالث

 


في خريف ذلك العام، التحقتُ بالصف الأول الابتدائي. لم يمضِ شهران على بداية العام الدراسي حتى تعرّضت لحادث!

 في ذلك الحين، كنت ألعب مع الأطفال في باحة البيت المجاور لبيتنا. كان جارنا قد أحضر ألواحًا خشبية كثيرة من الميناء ووضع بعضها فوق بعض بجانب الباحة. كنا نصعد إلى أعلاها ونقفز إلى الأسفل. فجأة وبينما نحن نلعب انزلقت تلك الألواح، وسقطتُ أنا على الأرض ودخل مسمار كبير، لأحد الألواح، بتمامه في قدمي. بحيث إنّه عندما أراد الأولاد إخراجه من قدمي قام أحدهم بشدّ رجلي وآخر بشدّ لوح الخشب، بعد جهد جهيد أخرجوا المسمار من قدمي، تاركًا جرحًا بليغًا. لم أستطع أن أتحرك من مكاني، فذهب الأولاد لإخبار "دا".

خفت كثيراً. وانشغل بالي بما سأقوله لـ"دا". ولكن عندما جاءت لم تقل شيئًا. ربما نسيت أن تؤنبني لشدة فزعها. ما قامت به هو أنها احتضنتني بسرعة وأخذتني إلى البيت. بعدها أحرقت قطعة من القماش ووضعت رمادها على الجرح، ثم ربطته بقوة لكي يتوقف النزيف.

تورمت قدمي بشدة بعد مضي أيام على الحادثة. بقيت ملتوية ولم أستطع مدّها. كما لم أقوَ على السير بها، وصرتُ أزحف على الأرض زحفًا. ومن شدة الألم لم أسمح لأحد بلمسها. في النهاية، حملتني "دا" على كتفيها وأخذتني إلى المستوصف. قال الأطباء وقتها: "إنّ التهابًا شديدًا أصاب قدمي، وإذا بقيت على هذه الحال قد تُصاب بالشلل".

كان ذلك اليوم أسوأ أيام حياتي. أمسكني الطبيب وإحدى الممرضات من إبطي وأجبراني على السير على قدمي، بصعوبة بالغة. حين كنت

 

57

57


46

الفصل الثالث

أضع قدمي على الأرض أشعر بألم لا حدّ له، فأصرخ والدم والقيح يخرجان منها. بعد وقت قصير وضعاني على أحد الأسرّة، ظننت حينها أن الأمر قد انتهى، ولكن هذه المرة جاء الطبيب حاملًا معه ملقطًا. كان يدخل الملقط داخل الجرح ويقوم بإخراج ما تبقّى من القيح. نظرتُ إلى قدمي عندما أنهى الطبيب عمله، كانت مثل البالون الذي أُفرغ هواؤه. وبعدها قال الطبيب لـ"دا" : "عليكِ إحضار الطفلة كل يوم إلى هنا لكي نغير لها الضماد".

كلّما همّت "دا" بأخذي إلى المستوصف، أبدأ بالصراخ والبكاء، وأقول: "لن أذهب. سيعذبونني هناك"، لكنها وفي أصعب الظروف كانت تحملني على كتفيها وتسير بي نحو المستوصف. كنت أشعر بالألم عند تحرك قدمي أدنى حركة. باختصار، كادت روحي أن تزهق خلال عملية الذهاب والإياب تلك. بسبب تلك الحادثة تغيّبت عن المدرسة شهرًا كاملًا، فأرسل المدير1 أحد الموظفين إلى بيتنا ليسأل عني. فذهبت "دا" إلى المدرسة وشرحت لهم القصة قائلة: "إنها ليست على ما يرام، لقد جرحت قدمها فلا تستطيع السير عليها"، ولكن الإدارة لم تصدق كلام "دا" وقالوا لها: "يجب عليها أن تأتي هي بنفسها".

في اليوم التالي أحضرتني "دا" إلى المدرسة، عندما شاهدوا قدمي قالوا لي: "حسنًا لا مشكلة، وما إن تتعافي عليكِ الحضور".

استغرق الأمر شهرًا ونصف الشهر حتى استطعتُ الوقوف على قدمي. كنت أمسك بالجدار وأحاول السير بصعوبة. وبما أنني لا أملك أجرة سيارة تقلني إلى المدرسة اضطُررت إلى الذهاب قفزًا على قدم واحدة.

 

 


 1- ظن المدير أن أهلي منعوني من إكمال دراستي تماشيًا مع العرف السائد بمنع البنات من الذهاب إلى المدرسة.


58


47

الفصل الثالث


مرّت تلك الحادثة بمرارة، ولكن شغفي بإكمال الدراسة جعلني أعوض ما فاتني من دروس. قامت معلمتي السيدة "فروزنده" بمساعدتي. فقد دفعتني بتفانيها واجتهادي إلى نيل المرتبة الأولى على صفي عند نهاية العام الدراسي.

ما إن انتهى العام الدراسي حتى غيّرنا البيت وتخلّصنا من صاحبه السيّئ الأخلاق. ثم تكرر تغييرنا للبيوت مرات عديدة، فبعد كل فترة كنا ننتقل من شارع إلى آخر في حي "شاه آباد". كان لكل بيت محاسنه وعيوبه، ولم يكن باليد حيلة، إذ ينبغي التحمّل والصبر. أحيانًا نجد صاحب البيت رجلًا طيبًا وحسن الأخلاق يهتم بنا ويوفر لنا كل ما يشعرنا بالراحة، وفي بعض الأحيان نجد المالك رجلًا سيّئ الأخلاق يؤذينا ولا يكف شرّه عنا. على سبيل المثال: في البيت الواقع في شارع "مينا" وفيه باحة كبيرة، حوالي 300م؛ كانت الغرف موزعة على أطراف الباحة. في أحد الأطراف تقع غرف صاحب البيت ثمّ يليها غرفة وحيدة استأجرناها نحن. وفي الطرف المقابل هناك غرف تسكنها ثلاث أسر؛ تعجّ بالأطفال والعيال.

في الصيف، كانت كل أسرة تفرش بساطًا أمام باب غرفتها وتتناول العشاء عليه. واللطيف في الأمر أن العوائل كانوا يضيفون بعضهم بعضًا ويتبادلون ما أعدّوه من الأطباق. فكان الجميع يتذوق طعام بقية الجيران. وعشنا معًا بمحبة وألفة كبيرتين. في كل ليلة كان صاحب البيت يُحضر التلفاز ويضعه في وسط الباحة. فيجلس الجميع ويشاهدون برامجه.

في الشتاء تلزم كل أسرة غرفتها. وكنا نحن أيضًا نمضي وقتنا في تلك

 

59


48

الفصل الثالث

الغرفة التي كانت غرفة ضيوف ونوم ومعيشة ودراسة. الشيء الوحيد الذي كان يسلينا هو الراديو حيث استمعنا من خلاله إلى قصص المساء؛ قصص رستم وسهراب وبقية قصص الأبطال التي لطالما أحببناها.

كانت "دا" لا تزال تعمل في تنظيف التمر من أجل تأمين كلفة العيش، ونحن أيضًا نقوم بمساعدتها، حتى السيد علي والسيد محسن كانا يعملان معنا. بعد مضي عدة ساعات، كان الصغار يتعبون فيذهبون للنوم الواحد تلو الآخر، كنت أنا و"دا" آخر من يأوي إلى الفراش.

أما أبي، فكان ما زال يعمل حمّالًا في السوق إلى أن حصل في النهاية على وظيفة في البلدية. صار يذهب إلى عمله الساعة الخامسة صباحًا بعد صلاة الصبح. في بعض الأحيان عندما أذهب أنا وعلي إلى المدرسة الساعة السابعة نشاهده يكنس الطريق، نركض باتجاهه ونقبّل يديه. فيمسح على رؤوسنا ويقول لنا: "اذهبوا! كي لا تتأخروا عن مدرستكم".

كان اسم مدرستي "سالفر" واسم مدرسة علي "25 شهريور"1 كانتا ملاصقتين وتقعان في شارع الخليج الفارسي.

في ذلك العام، اشترى لي أبي تشادورًا2 أسود اللون ومطرزًا بأزهار أرجوانية كبيرة ذات أوراق خضراء. كان ينبغي أن أرتديه داخل البيت فقط، ولكنّي كنت أحب أن أرتديه خارج المنزل. فارتدائي له كان يشعرني أني أصبحت كبيرة. ولكن أبي كان يقول: "سيُربِكُكِ، ويسقطكِ في الوحل وتتلطّخين من رأسك إلى أخمص قدميك".

 


1- شهريور: أحد أشهُر التقويم هجري الشمسي، من (22 تموز إلى 21 آب الميلادي) ويُلفظ (شهريفر).
2- التشادور: العباءة الإيرانية؛ عباءة طويلة تُغطي الجسم من الرأس إلى القدمين، تختلف قليلا عن العباءة العربية.


60


49

الفصل الثالث

لم أقل "لا" احترامًا له؛ ولكنّني كنت أطوي التشادور وأعطيه لـ"علي" خفية، وهو يخرج من البيت قبلي، بعدها أقوم بتوديع والدَي وألحق به لآخذ التشادور منه وأرتديه في أوّل الطريق.

عند وصولي إلى المدرسة أكتشف أنني ملطخة بالوحل حتى خصري. فجميع طرق المدينة، باستثناء الطريق الرئيس، طرق ترابية وعندما تُمطر تصبح موحلة. عندها اضطّر لغسل تشادوري وحذائي وجواربي في حوض ماء المدرسة، وأنشره على سور درج الطابق الثاني حتى يجف.

بعد فترة، قرّرتُ أنا وابنة جيراننا (وهي في المرحلة المتوسطة)، أن نذهب إلى المدرسة بالحافلة. كانت أجرة التاكسي خمسة ريالات بينما أجرة الحافلة ثلاثة. ولهذا السبب كنت في أحد الأيام أحضر ريالين وتحضر ابنة جيراننا ريالًا واحدًا وفي اليوم التالي كنت أحضر ريالًا واحدًا بينما تحضر هي الريالين. وكان السائق يعتبرنا نحن الاثنتين راكبًا واحدًا كوننا طفلتين صغيرتين. وبهذه الطريقة نذهب إلى المدرسة بثلاثة ريالات.

كنت عريفة الصف أكثر الأوقات، وراقني هذا العمل كثيرًا وأتقنته جيدًا.

في تلك الفترة كانوا في المدرسة يوزعون الطعام مجانًا؛ حليبًا وحلوى أو بيضًا وفي بعض الأحيان فاكهة. في إحدى الفترات قاموا بتوزيع جبنة هولاندية، لم تعجب الأطفال؛ إذ إنها كانت تجف لمجرد تعرضها للهواء. ولهذا السبب أطلقوا عليها اسم "حجارة" وتراشقوا بها. في الأيام التي كان برنامج الغذاء فيها عبارة عن عرائس12 صرت أنا والمعلمات نقوم

 

 


1- ساندويشات.
 

61


50

الفصل الثالث


بتحضيرها للطلاب ونضعها في سلة زرقاء أو حمراء ثم أقوم بتوزيعها في الصف. أصرّ المسؤولون أن يأكل الأطفال طعامهم في المدرسة، لكن أكثرهم كانوا يأخذونه إلى البيت. وأنا مثلهم؛ إذ لم يكن باستطاعتي أن آكل وحدي، وكذلك "علي" و"محسن"، فكنّا نأخذ حصصنا إلى البيت ونأكل مع "دا" وبقية إخوتي، ونترك حصة أبي جانبًا، لكنّ عينيه كانتا تغرورقان بالدموع قائلًا: "كلوا أنتم، لا أريد. نحن نأكل الكثير من هذه المأكولات خلال عملنا في البلدية". لكنّنا كنا نعلم أنه من المحال أن يأكل أبي شيئًا من دوننا.

في صيف العام  1353 هـ.ش (1974م) طلب أحد مهندسي البلدية من أبي نقل أثاثنا إلى بيته.

كان المهندس "بهروزي" يبحث عن شخص أمين لكي يأتمنه على بيته في الصيف عندما يذهب هو إلى طهران. وبما أنه شخص طيب ويحب فعل الخير طلب من أصدقائه إرشاده إلى شخص فقير ومعيل لعدد من الأطفال. في ذلك الوقت كنا ثمانية أطفال حيث أضيف إلينا سعيد وزينب. ربّانا أبي بطريقةٍ نحافظ معها على هدوئنا ولا نزعج جيراننا أبدًا. الأمر الذي جعل المهندس "بهروزي" راضيًا ومسرورًا، ولهذا السبب بقينا في ذلك البيت سنة كاملة بدلًا من ثلاثة أشهر.

كان بيت المهندس "بهروزي" كبيرًا وجميلًا، يقع في ساحة "السكّة الحديديّة" *1، وقد شُيّد على طراز  الفيلات وله بابان. كنا ندخل ونخرج من باب الباحة المطل على الشارع الفرعي بينما تستخدم عائلة المهندس الباب الرئيس المطلّ على شارع " 13 دستكاه شهرداري".


 


13* ميدان (راه آهن).

62


51

الفصل الثالث

أما سكان ذلك الحي فكلهم من موظفي القوات البحرية ومهندسي البلدية. البيوت مبنية بعضها بجانب بعض بطريقة يفصل بين كل بيتين منها طريق صغير مغلق يستخدم مرأبًا للسيارات، وأبواب باحاتها تطل على ذلك الشارع المغلق. في كل باحة توجد حدائق مستطيلة الشكل مليئة بالأشجار، تقطعها وتفصل بينها ممرات ضيقة مرصوفة بالحصى،  وكان هناك مسبح كبير أزرق اللون.

في نهاية باحة البيت، خلف الأشجار يوجد خمٌّ للدجاج، حيث ربّت السيدة "بهروزي" دجاجاتها وفراخها فيه. إلى جانبه أيضًا بيت صغير خاص بكلب الحراسة. في الزاوية الأخرى كان هناك غرفتان يفصل بينهما ممر ضيق، استخدمت السيدة "بهروزي" الغرفة التي إلى اليسار كمستودع للأشياء الإضافية، بينما أعطونا الغرفة اليمنى وكانت أكبر من الأولى. في نهاية الممر، منصّةٌ وضعنا أسفلها قارورة وموقد غاز بثلاث أعين. كذلك ثبّت أبي مجموعة من الرفوف الخشبية على جدرانه لوضع أدوات المطبخ عليها.

كان في الغرفة خزانة صغيرة للملابس وصوان14 لحفظ الزجاج يوضع فوقه الفرش والبطانيات. فرشنا بساطًا على الأرض ووضعنا في محيطها مجموعة من مساند الظهر. أخيرًا، كعادتنا، ثبّتنا صور العلماء على الجدار: صورة آية الله بروجردي، وآية الله الحكيم و.. الذين يكنّ أبي لهم محبة واحترامًا كبيرين. في تلك الغرفة كان القرآن الكريم وصور العلماء أكثر الأشياء قداسة والتي تعلمنا احترامها من أبي.


 


1- صوان: خزانة صغيرة يطلق عليها في القرى اسم "نملية" أو "بوفاية". أما في ايران فهي مسطحة الشكل يوضع عليها سرير.

63


52

الفصل الثالث

 


بعد سنوات، شعرنا بالراحة والسّكينة. لم نعد نسمع ذرائع أصحاب البيوت القديمة ولا ضجيج الجيران. فالمهندس وزوجته ذوا أخلاق حسنة ولم يتدخلا في شؤوننا أبدًا وكأن البيت بيتنا.

كنا نحن الأولاد نشعر بالراحة فيه، وباتت الباحة أحبّ شيء عندي في البيت.

أحبّ أبناء خالي "حسيني" المجيء إلى بيتنا، فهو كان ممتعًا لهم أيضًا. ولكن الخال لم يسمح لهم بذلك كثيرًا مراعاةً لظروفنا، إلّا أن أبي كان يصرّ على إبقائهم عندنا، وما إن نجتمع معًا حتى نلعب ألعابنا الخاصة بنا مثل لعبة "بيت بيوت"، ونركب الأرجوحة التي علّقها أبي بين الأشجار. لقد أمضينا معظم أوقات طفولتنا في اللعب.

كانت هناك شجرة سدر بين أشجار حديقة البيت، وكانت زوجة المهندس تحبّها وتهتمّ بها. ذات مرة روت لنا أنها في إحدى الليالي استيقظت منتصف الليل ورأت نورًا ينبعث من الشجرة.

مع أنها امرأة متعلّمة كانت تقول: "هناك إنسان طيب يسكن تلك الشجرة". ولاعتقادها هذا حفرت أخدودًا حول الشجرة، وفي كل ليلة جمعة صارت تملأه بالماء وتشعل مجموعة من الشموع حولها، فيبدو منظرًا رائعًا عند الغروب. وكلما أرادت السفر أعطتني مجموعة من علب الشمع لكي أضيئها حول الشجرة نيابة عنها.

في شهر رمضان الذي أمضيناه في بيت المهندس "بهروزي"، كانت المرة الأولى التي أتم صومي بشكل كامل. ففي السنوات السابقة كنت أقطع صومي عند إحساسي بالجوع والعطش.
 

64


53

الفصل الثالث

في ذلك العام، قالت السيدة "بهروزي" لأمي: "دعيني أقوم أنا باستضافة زهراء على الإفطار" ؛ مع أنها كانت ترسل الطعام إلى غرفتنا لكنّها أصرّت عليّ لكي تقوم هي بإفطاري. ولكن أبي كان يقول: "افطري أولًا في بيتنا على حبة تمر أو شربة ماء ثم اذهبي إلى هناك".

عندما كانوا يشرعون بالدعاء قبل أذان المغرب كانت السيدة "بهروزي" تردّد دائمًا: "ادعي لي ولأولادي فدعاؤك مستجاب". مع أن جميع أبنائها -باستثناء شهرام- كانوا متعلمين ويشغلون مناصب مهمة. أما "شهرام" فكان من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وعلى الرغم من كونه في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر إلّا أن تصرفاته بدت طفولية للغاية. عندما شاهدته أول مرة تعجبت من شكله. ولكنه كان فتىً طيبًا لا يؤذي أحدًا، وحين يأتيهم ضيف يسرع في إحضار بعض الطعام ويطعمه بالقوة. وإذا لم يأكل الضيف منه يحزن ويشتكي لأمه.

كانت السيدة "بهروزي" امرأة مسنّة ووحيدة. لم تقوَ على القيام بجميع أعمال المنزل بمفردها، لذلك غالبًا ما حاولتُ مساعدتها. ولكن في أيام الأعياد عندما يجتمع أبناؤها عندها، يعجّ بيتها بالناس وتخرج من وحدتها. ذات مرة عندما شاهدتني ابنتها "بريوش"، التي تعيش في آبادان، أساعد أمها سُرّت واقتربت مني وقبلتني قائلة: "أحسنتِ، أشكرك جزيل الشكر لأنك تهتمين بأمي". وبعدها قامت بإعطائي عشرين تومانًا كعيدية. شعرت بسعادة بالغة حيث كانت العشرون تومانًا مبلغًا كبيرًا في ذلك الحين.

عشنا أيامًا جميلة ومُفرحة في العام الذي أمضيناه في ذلك البيت.

65


54

الفصل الثالث

ولكن ذلك الهدوء وتلك السعادة لم يدوما طويلًا؛ حيث انتقل المهندس "بهروزي" إلى طهران وعدنا إلى حي شاه آباد1 مرة ثانية. في هذه المرة استأجر أبي غرفة في منزل يقع في شارع مينا بالقرب من جنت آباد2، وصاحبه كان رجلًا سيئًا وشاربًا للخمر، مع أن منظره يوحي بأنه رجل طيب. لطالما نصحه أبي ونهاه عن فعله، ولكن نصائحه كانت تذهب أدراج الرياح. في النهاية أُجبرنا على الانتقال إلى بيت آخر بأسرع وقت.

ولسوء الحظ لم يكن المالك الجديد أحسن حالًا من سابقه، فقد سرق مواد البناء من إحدى الورش القريبة وأحضرها إلى بيته خلسةً. عندما علم أبي بالأمر، اعترض وقال له: "لماذا تقوم بهذا العمل؟ هذا حرام، صاحبها لا يرضى بهذا".

لم يجدِ اعتراض أبي نفعًا، ليس هذا فحسب، بل صار يفتعل المشاكل معنا. ففي أحد الأيام استغلَّ غياب أبي، أخذ معولًا وصعد إلى السطح وبدأ بهدم قسم من سطح الغرفة على أثاثنا وأغراضنا. ولو لم يوقفه الجيران لهدّم السطح كلّه فوق رؤوسنا، ولشدة احترامهم للسادات استاءوا كثيرًا، فجاءوا في المساء جميعًا إلى أبي وطلبوا منه أن يشتكي على صاحب البيت، فلم يوافق في البداية ولكنهم أصرّوا عليه فقبل. في اليوم التالي جاءت الشرطة واعتقلته. ولكن أبي لم يستطع تحمل ذلك. لم يمضِ يومان حتى ذهب وتنازل عن حقه وأخرجه من السجن.

أخي "علي" الذي كان يشاهد كل تلك الصعوبات بدأ بالعمل منذ

 

 


1- بعد أعوام عدة (تقريبًا في العام 1378 هـ ش/1999م) شاهدت "دا" السيدة "بهروزي" وهي تنزل من باصات النقل الداخلي في طهران، سلمت عليها وسألتها عن أحوالها وعن أحوال المهندس "بهروزي". قالت السيدة "بهروزي" حينها إنّ زوجها قد توفي، وقد بدت أكثر هرمًا.

2- جنت آباد: اسم مقبرة "خرمشهر" القديمة، والتي أصبح اسمها الآن كلزار شهدا (روضة الشهداء).

 

66


55

الفصل الثالث

 

نعومة أظفاره، فكان يخرج بعد الظهر في الصيف الحارّ وفي الشتاء القارس ليبيع العلكة وعرانيس الذرة للمسافرين وسائقي الشاحنات في محطة بنزين تُعرف باسم "ديزل آباد" الواقعة عند أول طريق خرمشهر- الأهواز. في بعض الأحيان كنتُ أصرّ عليه ليأخذني معه: "دعني أذهب معك يا علي، أحب أن أشاهدك كيف تبيع"، ولغيرته كان يستاء من كلامي ويقول: "ذلك المكان غير مناسب للفتيات فهو يعجّ بسائقي السيارات وأصحاب كراجات تصليح السيارات"، بقيت أصرّ: "بالله عليك دعني أذهب معك أريد أن أرى كيف تبيع العلكة"، في النهاية استسلم للجاجتي واصطحبني معه مرات عدة.

عندما رأيت كيف يبيع هو وبقية الأطفال تحمّست للشغل معهم. طلبتُ من "دا" وأصررت عليها كثيرًا حتى وافقت وأرسلتني معه. عندما عرف أبي بالأمر غضب كثيرًا وتشاجر مع "دا" لأنها أرسلتنا للعمل. كان أبي يعارض عمل "علي" في الأصل فماذا سيكون موقفه إذا ما رآني أنا الأخرى أبيع! لكن "دا"، وبسبب أوضاعنا الصعبة، ظلّت ثابتة على موقفها وأرسلتنا من دون علم والدي. كنت أحمل قدرًا من الـ"لب لبي"1 بشوق كبير وأقف إلى جانب الطريق، انزعج "علي" كثيرًا من مجيئي إلّا أنّه وبسبب موافقة دا لم يقل شيئًا.

منذ الصباح الباكر، كنت أنا و"علي" ونحو عشرين طفلًا آخرين نجلس إلى جانب الطريق في صف منظم، ونضع قدور الطعام أمامنا وننتظر مجيء الزبائن. إن الله هو مقسم الأرزاق، كنت أنا و"علي"

 

 


1- لب لبي: طعام إيراني يشتهر في جنوب إيران مثل العدس أو الفول، حيث يطبخون الحمص جيدًا ويضيفون له الملح والفلفل.

 

67


56

الفصل الثالث

نبيع طعامنا قبل الجميع؛ كانت أمي تنظف القدر جيدًا وتطبخ "لب لبي" باحتراف وجودة عالية. عندما يأتي السائقون ويطلبون منا فتح الأغطية ويتفحّصون جميع القدور يشترون مني ومن علي، الذي سعى دائمًا لأن أبيع حصتي قبله؛ لكي أعود إلى البيت باكرًا. وإذا ما أراد سائق الشراء مني يقترب "علي" مني ويقول له: "نحن معًا"، ثم يقف قربي كمن يحرسني.

على الرغم من حاجتنا إلى المال إلّا أن "علي" كلما شاهد صبيًا أكثر فقرًا منه أرشده وقال له: "اذهب أنت إلى تلك الحافلة وبع الشوكولاتة والعلكة"، ثم يقف جانبًا ويراقب الوضع. كان عمله هذا يُفرحني. مع أنه كان في الصف الثاني أو الثالث ابتدائي إلّا أنني كنت على يقين بأنّ ما يقوم به هو الصواب.

طلب خالي "حسيني" من أبي أن يسمح له باصطحاب "علي" إلى بيته، وقد رأى بأمّ عينيه جدّه واجتهاده. كان خالي يريده أن يتوقّد ذكاءً وتنمو قابلياته بعيدًا عن ضغوط ومشاكل البيت وظروفنا الصعبة ليتفوّق في الدراسة. لم يمضِ يومان على ذهابه إلى بيت خالي حتى عاد إلينا. جال قليلًا في البيت وسألني: "ماذا أكلتم اليوم؟"  
- لا شيء
- ولماذا؟
- لم يكن لدينا شيء لتطهوه "دا".

تعكّر مزاجه وقطّب حاجبيه. عندما عاد أبي إلى البيت أخبره أخي "علي" أنه لن يعود إلى بيت خالي مجدّدًا. والدي الذي لم يكن راضيًا

 

68


57

الفصل الثالث

على ذهابه منذ البداية وامتثل لطلب خالي بسبب صعوبة الظروف، سأله بكل لطف ومحبة عن سبب قراره هذا. فلم يُجبه بشيء. أصرّت دا عليه لكي لا يُضيّع هذه الفرصة من يده. كذلك حاول خالي إقناعه كثيرًا ولكنه لم يفلح. بعد أيام سألته: "لماذا فعلت هذا؟". نظر إليّ وقال: "أريد أن أعيش في بيتنا. آكل ممّا تأكلون، ويحلّ بي ما يحلّ بكم".

وبقراره هذا، فقدَ "علي" كثيرًا من الفرص. أراد خالي أن يسجّله في المدرسة الوطنية الخاصة، وكان في الأيام التي أمضاها عنده يوصله مع أبنائه بسيارته إلى المدرسة. كما إنّ الإمكانات ورغد العيش الموجودة في بيت خالي لافتة وجاذبة ليتمسك بها أي صبي في عمره. على الأقل؛ التلفاز الموجود لديهم -في حين افتقر إليه الحي بأكمله- ولكن "علي" آثر العودة إلى البيت ومزاولة عمله ثانية.

أحببته بشكل مختلف عن البقية بسبب عطفه وحنانه، وأحببت البقاء معه ما استطعت. عند انتهاء الدوام المدرسي وخروج التلاميذ في هرج ومرج، كان "علي" يخرج قبل الجميع ويركض نحو مدرستي وينتظرني أمام الباب كي لا أذهب أنا إلى مدرستهم وأقف في الزحام والفوضى. في طريق العودة إلى البيت نُخرج طعامنا ونريه إلى بعضنا البعض. وأحيانًا عندما كنا نهمّ بأكل الطعام في الطريق، نتراجع ونقول سوف نأخذه إلى البيت. كنا نتكلم عن أحلامنا ونحن نسير، ونتمنّى دائمًا أن نبني بيتًا خاصًا بنا ونتخلّص من أصحاب البيوت والاستئجار.

كان صاحب أحد البيوت التي استأجرناها يضرب زوجته يوميًا، ويمضي الليل مع أصدقائه الأشدّ سوءًا منه بالتدخين والمخدّرات وشرب المسكر. في تلك المدة التي قضيناها هناك كان أبي وعلي يسهران على

69


58

الفصل الثالث


أمننا طوال الليل، ولهذه الأسباب شغل امتلاكُ بيتٍ خاص بنا تفكيرَ أبي دومًا. في الليل عندما كنا ننام أنا وإخوتي على السطح كنا نشير إلى النجوم ونقول: "تلك هي نجمتي، نجمتي تلك الأكثر إشعاعًا ونورًا". كان "علي" يقول: "ليت قلوب جميع الناس تلمع مثل هذه النجوم، ليتهم كالجسد الواحد، ليت الناس الأغنياء يفكرون بالفقراء ويقسمون أموالهم فيما بينهم، حتى لا يبقى هناك فقير واحد".

جعلني كلام "علي" أفكّر أكثر في الموضوع وأقول له: "حسنًا دعنا نذهب إلى فلان الغني ونقول له أن يقوم بتقاسم أمواله مع الفقراء". كان يجيبني بقوله: "لا يمكننا فعل ذلك، فالأغنياء أصبحوا أغنياء كي يحتفظوا بأموالهم، إنهم يحبون أموالهم كثيرًا ولن يعطوها لأحدٍ أبدًا". فأعلّق: "ماذا نفعل ليدركوا أن الفقراء يريدون امتلاك المال أيضًا". كنا نستمر في هذا الكلام حتى نشعر بالنعاس وننام.

في إحدى المرات، تمزّق حذائي، ولم يكن لدي غيره لأذهب به إلى المدرسة. فقال لي علي: "حسنًا لا تقلقي، سنستخدم حذائي معًا". في ذلك العام تفاوت دوامنا في المدرسة فهو في الدوام الصباحي وأنا في الدوام المسائي. ما إن يخرج من المدرسة حتى يأتي إلى البيت ركضًا من دون توقف، فيخلع حذاءه ويعطينيه، لأنتعله وأذهب إلى مدرستي. كان ذلك الحذاء ضيقًا على قدمه وواسعًا على قدمي. فعندما أنتعله تنزلق قدمي فيه وتخرج أصابعي من الثقب الموجود في مقدمته. وعند مروري من أمام حيّ "فرشيد" أو زقاق "كامبيزي" المرفّهين، كنت أجهد لأسير بطريقة لا تخرج معها أصابعي من الحذاء؛ إذ أتوجس من أن يهزأ بي أولاد الأغنياء الذين ينتظرون مشاهدة منظر كهذا، فأصبح لقمة

 

70


59

الفصل الثالث

 

سائغة في أفواههم. ما إن أكمل عبور تلك المنطقة حتى تؤلمني قدماي بشدّة. أخبرته إنّ حذاءه كبيرٌ على قدمي، فقام بوضع القليل من القطن في مقدمته. ولكن ذاك لم يجدِ نفعًا، كانت قدماي تتعرّقان بسبب حرارة طقس الجنوب فيبتلّ القطن وينكمش وتعود أصابع قدمي للخروج من الحذاء وتبدأ معاناتي من جديد. أمضينا مدة من الزمن بهذه الطريقة حتى اشترى أخي من أرباح عمله حذاءً جديدًا كذلك حصل أبي على مبلغ من المال وأنقذني من تلك المحنة.

في نهاية العام 1355 هـ.ش (شتاء 1977 م) شرعت البلدية في بناء بيوت لعمالها في منطقة المقبرة القديمة. كان أبي يعمل في ذلك المشروع أيضًا؛ في الحراسة، ومراقبة العمال واستلام مواد البناء.

وأخيرًا، بعد سنوات طوال من التنقّل من بيت لآخر سنمتلك بيتًا. كان خبرًا لا يُصدّق بالنسبة إلينا وسعادة لا توصف. لكن أذى صاحب البيت استمر حتى عيل صبر أبي؛ فقام بنقلنا إلى أحد تلك البيوت غير المكتملة البناء، لا يمكن وصفه بالبيت. في الحقيقة، كان أربعة جدران وسقف من دون باب أو نوافذ. غطّى أبي النوافذ بقطع النايلون. ولكن مع ذلك، ظلّ هذا البيت أكثر رحمةً وهدوءًا من العيش مع صاحب ذلك البيت العديم الضمير والإنصاف.

رويدًا رويدًا تحولت المقبرة القديمة إلى مجمع سكني. على مدار العام الذي قضيناه هناك شاهدنا العمال يُخرجون الهياكل العظمية والرفات البشرية من تحت التراب كلما بدأوا الحفر لوضع أساسات بناء جديد. القبر الوحيد الذي نجا من التخريب هو قبر فتاة من السادة عمرها اثنا عشر عامًا تدعى هاشمية، وقد آمن الناس بأن لها كرامة خاصة. كانوا

 

71


60

الفصل الثالث

يتوسلون بها ويستجاب دعاؤهم بسببها. كلما اقتربت جرّافة البلدية من قبرها تعطلت وتوقفت عن العمل. في النهاية قرّرت البلدية ترك القبر على حاله، بعد مدّة تم إنشاء مزار على قبرها من أموال النذورات. كما اشترت عائلتها مقبرة عائليّة لأحد أجدادها الذين كانوا من زعماء العشائر العربية في "خرمشهر"، وحولوها إلى مسجد. يروي الناس أنه في زمن الحرب العالمية الثانية كانت هذه المنطقة أحد خطوط الدفاع عن المدينة، وعندما دخل الإنكليز مدينة "خرمشهر"، تحصّن أهلنا هنا للدفاع عنها. فيما بعد، كانوا يدفنون القتلى فيها، وبهذه الطريقة تحولت المنطقة إلى مقبرة. وقد سمعتُ قبل ذلك أن صبيّين يعملان في البحث عن النحاس وبيعه، وجدا قنبلة يدويّة في المقبرة القديمة، وراحا يعبثان بها، فانفجرت وماتا.

على الرغم من كثرة أعمال أبي والإجهاد الذي كان يصيبه أحيانًا، في كل مرة يُخرج العمال هيكلًا عظميًا من الأرض، يقوم بنقله ودفنه في أحد الأماكن المقرر تحويلها إلى حديقة، ويقول: "حرام. لا يجوز رمي هذه العظام هنا وهناك". وكنّا عندما نعثر على إحدى تلك العظام أثناء لعبنا، ننادي أبي، فيحفر حفرة في الأرض ويقول لنا: "احملوها ببطء وأحضروها إلى هنا". وعندما نحمل تلك العظام بخلاف توصياته ينزعج ويقول: "لا تحملوها هكذا كالقضبان! رفات الأموات لها حرمتها وإن مضى على موتهم سنون طويلة"، فكنا نسمي بالله ونصلي على النبي وآله.

كنا نحمل الهياكل العظمية الكاملة معًا مستخدمين بعضًا من الورق المقوّى. أحيانًا كان بعض تلك العظام يتناثر ويستحيل رميمًا قبل أن نلمسه. وفي بعض الحالات لم يكن قد بقي من الهيكل سوى عظم الجمجمة والحوض. جعلتنا رؤية هذه المناظر لا نخاف من الأموات

 

72


61

الفصل الثالث

والهياكل العظميّة.

تفاني والدي في العمل وإخلاصه جعلا منه رجلًا محبوبًا عند الجميع. لقد أعدّ دفترًا خاصًا لإعطاء سائقي شاحنات نقل المواد إيصال استلام. ولأنّه كان يجيد قراءة القرآن الكريم دون الكتابة، كنّا نقوم نحن بكتابة المعلومات تاركين فراغًا لرقم السيارة والتاريخ. عندما يستلم مواد البناء من السائقين يملأ استمارتين من أوراق الدفتر ويختمهما بعد توقيع السائق عليهما ثم يُعطي واحدة لسائق السيارة ويحتفظ بالأخرى. ولفرط حب السائقين لأبي وتعلقهم به كانوا يحضرون له الهدايا من المدن الأخرى، حتى إنّهم كانوا يأتون إلى البيت لرؤيته عندما يغيب عن العمل.

حين يذهب أبي لمتابعة أمور أخرى، صار يُخلف أخي "علي" مكانه بسبب انضباطه المتميز، ويوكل إليه المهام براحة بال، واثقًا أنه سينجز العمل كما ينبغي ويريد. كلما اشتدّ عود "علي" أنجز أعمالًا أصعب، فقد تعلم من أبي أعمال البناء والتمديدات الصحية واللِحام. في بعض الأحيان كان يعود وعيناه حمراوان بلون الدم بسبب اللحام ولا يستطيع النوم من شدة الألم. وعندما بلغ الثامنة عشرة أصبح معلمًا في هذا العمل.

في ذلك الزمان كانت أكثر البيوت والمباني مؤلفة من طابق واحد. أجرى "علي" أعمال اللحام الخاصة ببناء مستشفى "مهر" المؤلف من طابقين ومستوصف "بهبهانيان" ذي الطوابق الثلاثة الذي كان قريبًا من بازار "صفا" في ذلك الوقت.

في كثير من الأحيان عندما كنت أرافق "دا" إلى السوق، نشاهد "علي" واقفًا على سقالة البناء ومشغولًا بالعمل، وقد اعتاد لفّ جبينه بمنديل أثناء العمل. كانت حرارة اللحام وضوؤه يؤذيان عينيه. عند

 

73


62

الفصل الثالث


الغروب يعود إلى البيت، ويشرع بمداواة الاحمرار والورم بوضع شرائح البطاطا عليهما. وفي الصباح يعود لمزاولة عمله. "محسن" أيضًا كان يبذل جهدًا كبيرًا، فقبل سقوطه عن السطح كان طالبًا ذكيًا ومجتهدًا، ولكنه بعد تلك الحادثة لم يعد قادرًا على متابعة دراسته، إلّا أنّ أبي أجبره على ذلك. وعندما أصبح في الصف الثاني متوسط رسب في مواد عدة، فترك المدرسة وبدأ بالعمل. وُفّق "محسن" مثل "علي" في عمله، حيث كان يحب أعمال البناء، فيما أحبّ "علي" أعمال اللحام. كانا يتقنان كل ما يقومان به، وبسبب اجتهادهما وعشقهما لمهنتهما أصبحا محترفين حاذقين فيها.

كان "علي" يتحمل كل تلك الصعوبات، ثم يقدّم كل ما يجنيه لـ"دا" أو لأبي، إذ شاهدته مرات عديدة يبكي عندما يناوله "علي" نقود عمله ويقبّله قائلًا: "بني اصرف هذا المال على نفسك، أعلم أنّك تتعب كي ترفع عن كاهلي عبئًا ما، سلمت يداك. ولكن اصرفه على نفسك". فيصرّ "علي" على ذلك ويقول: "لا، أنا لا أعمل من أجل نفسي. أريد أن ينفق هذا المال في البيت".

انتسب "علي"، إلى جانب عمله، إلى صف تعليم الكاراتيه والفنون القتالية، وحصل على الحزام الأسود. في بعض الأحيان كان يرينا بعض حركاته ويقول لنا: "تعالوا لأعلّمكم أنتم أيضًا"، كما تمرّن على فنّ الخطّ، وقد أصبح خطّاطًا ماهرًا من دون الاستعانة بأستاذ، حتى السباحة التي أجادها أكثر صبية المحلّة بفضل نهر "خرمشهر"، تابع "علي" تعلّمها باحتراف في مسبح جمعية الهلال الأحمر التي كانت تُعرف

74


63

الفصل الثالث

باسم "الأسد والشمس"1 في ذلك الوقت.

كثيرًا ما حصل "علي" على شهادات تفوّق وتشجيع في جميع المجالات التي دخلها، مثل: قراءة القرآن، التواشيح والمدائح، الرياضة، وفنّ الخطّ. لقد أفرح "دا" فشهدت له: "أينما حللت أثبت جدارتك، ففي كل عرس لك قرص!".

أخيرًا، وبعد مضي عام كامل، انتهى بناء مساكن عمال وموظفي البلدية، وانتقلنا إلى البيت الذي تم تخصيصه لنا في آخر المجمع السكني. خلف بيتنا يوجد منخفض كبير تربته ملحية، وعندما يهطل المطر، يتحوّل إلى بحيرة صناعية. تم بناء تلك البيوت على الطراز الإنكليزي، حيث يفصل بينها سياج معدني يحيط به شجر الشمشاد الدائم الخضرة، ولم يكن لباحات تلك البيوت جدران تحيطها. استاء أكثر الناس لانكشاف بناتهم ونسائهم على الغرباء، وكان أبي واحدًا منهم، حيث أحضر في الأيام الأولى أحد أصدقائه البنائين لكي يبني جدارًا بمساعدة "علي" و"محسن". قاموا بتبليط الباحة بالموزاييك وبنوا رواقًا.

شرع "علي" يرصف الطوب ليرفع الجدران، بينما تولّى "محسن" ووالدي أعمال اللحام. كنت أنا و"ليلى" نساعدهم أيضًا، فأُعدّ الإسمنت وأسكبه في الوعاء، ثم تحمله ليلى وتُناوله لأبي. وبعدها، كنا نبدّل الأدوار لكي لا نشعر بالإرهاق. عند الساعة العاشرة صباحًا تُشعل "دا" موقد الكاز في وسط باحة البيت. تحضّر البيض وتخفقه جيدًا. بعدها تضع السمن الحيواني في المقلاة ثم تسكب البيض فوقه. وعندما تنضج

 

 


1- قبل انتصار الثورة.
*يقال: تجميل البناء، وضع الإسمنت بين لبنات الطوب لتكتسب منظرًا جميلًا.

75


64

الفصل الثالث

العجة تضعها إلى جانب الطماطم المقلية. كان تناول العجة مع البصل، واحتساء الشاي بعد كل ذلك التعب شيئًا ممتعًا للغاية.

وأخيرًا انتهت أعمال بناء البيت بتعاون الجميع. الآن وبعد كل هذا التنقل من بيت لآخر وتحمل أذية أصحاب البيوت، أصبح لدينا بيتنا الخاص؛ وبإمكاننا تذوق طعم الراحة والهناء فيه، الهناء الذي قلّما شعرنا به في السنوات الماضية.

في تلك السنة، بدأت أنغام الثورة وأحاديثها تطرق مسامعنا، وسرعان ما انخرط "علي" في نشاطاتها، فترك دراسته تدريجيًا؛ حتى إنّ أبي على الرغم من اهتمامه بدراسة "علي" و"محسن"، ولأنه كان منخرطًا بالعمل السياسي، لم يبدِ معارضة لـ"علي" ؛ بل وافقه في خطوته تلك. كانوا يجلسون مساءً ويتكلمون همسًا عن أحداث الثورة. كنت متحمسة كثيرًا لأعرف عما يتكلمون ولكني لم أكن أفلح في فهم شيء. في آخر الليل كانوا يخرجون لتوزيع البيانات وأشرطة التسجيل لخطب الإمام{، التي كان "علي" يحضرها معه. وقد ساهمت هذه الأنشطة في نضج "علي" من الناحية الفكرية، وكأنّ هذه الأفكار والأنشطة قد أثرت أيضًا في جسمه فنما؛ ونحن أيضًا كبرنا على قراءة تلك الكتب التي كان يقرأها وتأثّرنا بها، وأبي يراقبنا من بعيد.

في إحدى المرات أحضر "علي" صورة تشي غيفارا -الذي كان رمزًا  لأحرار العالم الذين قارعوا الإمبريالية- وعندما جاء أبي إلى البيت وشاهد صورة تشي غيفارا معلقة على الحائط، انزعج وبعد أيام نزع الصورة عن الحائط ووضعها في خزانة "علي" الذي لم يتفوه بكلمة واحدة لفهمه مغزى تصرف أبي هذا. كان أبي رجلًا دقيق النظر في

 

76


65

الفصل الثالث

الأمور؛ على الرغم من عشقه ومحبته للأئمة الأطهار عليهم السلام، كان معارضًا لتجسيد وجوه الأئمة في الصور ولا يرضى بتعليقها على باب وجدران البيت. ويقول: "لقد رسم بعض اليهود الضالّين هذه الصور لكي يحدثوا انحرافًا في ديننا".

عندما خرجت الثورة إلى العلن وتحولت إلى مظاهرات في الشوارع، اشترى "علي" آلة تصوير ومسجّلة صوت صغيرة. وبات يسجّل أصوات الناس ويصوّرهم في المظاهرات. كان أبي يأخذ "محسن" معه ويرافق "علي" في كل خطواته. قرر أبي ومجموعة من أصدقائه القيام بتوزيع الماء على المتظاهرين، فصاروا يشترون قوالب الثلج الكبيرة ويقومون بتكسيرها ووضعها في براميل كبيرة ثم ينقلون الماء البارد إلى الناس. لم يسمح لي ولـ"ليلى" بالمشاركة في المظاهرات، وكان يقول: "أنتما فتاتان؛ أخاف أن تقعا في أيدي السافاك".

مضت سنتان منذ توقفتُ عن الذهاب إلى المدرسة. على الرغم من مستوى دراستي الجيد؛ تركت المدرسة بحال من البكاء والنحيب، بناءً على قرار والدي؛ لأنّ المدرسة مختلطة تجمع الفتيان والفتيات في صف واحد. في أيام دراستي علمتنا السيدة "نجار" ؛ وكانت امرأة محجبة. كلّما ذهبتْ إلى مدرسةٍ كمعلمة فيها كانت إدارة المدرسة تقيلها بعد مدة قصيرة بسبب إلتزامها الديني. كانت أختها زميلتي في المدرسة، وقد أحضرت لي كتبًا متنوعة من منزلها تتناول قضايا الشباب*19، والتي على ما أعتقد أن كاتبها "أحمد بهشتي"، كانت رائعة بالنسبة إليّ. عندما شاهدتا محبتي للمطالعة أحضرتا لي المزيد من الكتب. وقد ساهمت

77


66

الفصل الثالث

قراءة تلك الكتب في تنمية إدراكي ووعيي. كلما شاهدت نشاطات أبي وأخي كنت أتحمّس أكثر للمشاركة في المظاهرات، ولم تكن "ليلى" أقل حماسة منّي. لذا بتنا نذهب سرًّا إلى أماكن تجمّع الناس. على الرغم من وصولنا والتحاقنا بالمظاهرات في آخرها أو وسطها كان ذلك يُشعرنا بالرضى نسبيًا، كنا نبقى في المظاهرات إلى الوقت المحتمل لعودة أبي إلى البيت. دون أن يفارقني الشعور بالخوف والاضطراب وأرغب بالعودة سريعًا إلى المنزل لعلمي أن عملنا غير صحيح.

كانت أيامًا عجيبة، وكأن كلّ الناس في الشوارع، حيث جنود النظام يوقفون دباباتهم في أغلبها، وخاصة شارع "40 مترى"20 و"فردوسي"، محيط المسجد الجامع، وبالقرب من المسلخ، وحيث يحتملون أنها ستشهد تجمعًا كبيرًا للناس، فيسعون لتفريقهم بأي طريقة. قاد تلك المظاهرات مجموعة من شباب المدينة وعلماء الدين، مثل الشيخ محمدي والشيخ نوري الذين نهضوا للعمل بكل نشاط وفعالية. بعد فترة هاجموا محلات بيع الخمر الموجودة بالقرب من ضفة النهر وأضرموا فيها النار وحطّموا تمثال الشاه الموجود في وسط مستديرة "فرمانداري". واعتقل السافاك كثيرًا من الشباب، توقعنا دائمًا وقوع "علي" في مصيدتهم إلّا أنه كان يقول: "عليكِ أن تكوني سريعة وحذرة جدًّا لكي تسلمي منهم".

تعرّفتُ في تلك المظاهرات إلى مجموعة من السيدات اللاتي يعملن في مدرسة القرآن. وعن طريقهن انتسبتُ إلى دورة تفسير القرآن في مدرسة "هشترودي". رويدًا رويدًا قويتْ علاقتي بهذه المدرسة،

 

 


1- سلسلة بعنوان: لماذا الشباب؟

2- الأربعون مترًا، وبالفارسية (تشهل مترى).

78


67

الفصل الثالث

ومديرتها السيدة "خديجة عابدي"، كما وقد عرفت زوجها السيد "مهدي آلبوغبيش" بسبب نشاطاته الثورية، وتنظيم المظاهرات بمساعدة مجموعة من الشباب. تضمّنت برامج المدرسة قراءة دعاءي كميل والندبة ومحاضرات مجموعة من أساتذة مدينة قم المدعوّين إليها.

خلال إحدى المظاهرات الكبيرة جاءنا خبر أن جدي سقط أرضًا في طريق العودة من المسجد إلى البيت، وأن حاله ليست على ما يرام. أسرعنا جميعًا لرؤيته؛ أخبرونا أنه ما إن خرج بعد الصلاة حتى طالعته تظاهرات حاشدة، وحين أطلق جنود النظام الرصاص والغاز المسيل للدموع على الناس سقطت إحدى عبوات الغاز بين قدميه. وبسبب التدافع سقط أرضًا بين الأقدام وأصيب بضيق تنفس شديد. وفي النهاية ساعدوه وأخرجوه من وسط الاشتباكات. الحمد لله أنّه لطف بجدّي حينها.

وفي نهاية المطاف؛ أثمر نضال الشعب، ففي عصر أحد الأيام وخلال عودتي من التظاهرات وقفتُ قرب "كشك" بيع الصحف وبدأت أقرأ عناوين صحف ذلك اليوم، وأبرزها ما كتبته إحداها بالخطّ العريض:
"غدًا سيأتي الإمام"
غمرتني السعادة في تلك اللحظة وملأ الفرح كياني. كنت على يقين من أنّ انتصار الثورة أمرٌ حتميٌّ. في تلك الأيام حين عمّ خبر قدوم الإمام أرجاء البلاد، اشترى أبي تلفازًا. استغربنا كثيرًا. كان أبي يهوى كثيرًا الاستماع لمحاضرات المرحوم الكافي وقارئ القرآن عبد الباسط ويُسمعنا إياها. في كل مرة نطلب منه شراء تلفاز يضع شريط كاسيت للمرحوم الكافي في المسجلة حيث يقول في إحدى مقاطعه: "احذروا

79


68

الفصل الثالث

يا من تملكون تلفازًا في بيوتكم إنهم يريدون من خلال البرامج التي يبثّونها نشر التفلّت والقضاء على العفة في بيوتنا".

في اللحظة التاريخية لعودة الإمام إلى إيران، وضع أبي التلفاز على الطاولة وتحلّقنا حوله جميعًا. عندما شاهدنا دخول الإمام المطار على الرغم من معارضة من تبقّى من أزلام نظام الشاه، صلّينا على محمد وآل محمد وصفّقنا وقفزنا من أماكننا فرحًا. نظرتُ إلى أبي في تلك اللحظات فشاهدت دموعه تسيل على وجنتيه، بدا جليًا أنه كان سعيدًا. عندما شاهدت دموعه، تذكرت تلك الأيام التي كان يرسلني فيها إلى أول الشارع لكي أخبره عن وجود بعض الأفراد بعد أن يُزوّدني بمواصفاتهم. ظلّ يوصيني كثيرًا بأن أذهب وأعود بشكل طبيعي. وكلّما سألته: "من أولئك الأفراد؟"، كان يجيب: "لا تسألي شيئًا". بعدها أدركت أنّهم من قوات الأمن أو السافاك الذين كانوا يلاحقونه.

الآن وقد انتهت أيام مآسيه ومطارداته، فأبي لم يعدْ متهمًا سياسيًّا، ولم يعد كابوس السافاك يلاحقني مثل كابوس المخابرات العراقية. في كثير من الأحيان كنت أتساءل: ما الذي فعله والدي حتى يراقَب بهذه الطريقة؟ كنت أراقب أعماله لعلّي أعثر على إجابة؛ لكنه كان رجلًا متحفظًا وكتومًا. حتى إنه كان متميّزًا عن باقي رجال العائلة. فعلى الرغم من ظروفه الصعبة، كان يستقبل الزائرين من أقاربه أو أقارب أمي بالبِشر ويكرمهم أيّما إكرام. مع ذلك شعرت أن أحدًا لم يعرف أبي حق معرفته، وأنه غريب بين كل هؤلاء الأقارب. في المقابل، وعلى الرغم من أعماله الغامضة، كنت أعلم أن لديه علاقاتٍ ذات طابع سري. ففي كثير من الأحيان يصادف أفرادًا في الشارع أو السوق يسلّم

 

80


69

الفصل الثالث

عليهم سلامًا عاديًا ويكمل طريقه، لكنّني من خلال نظراتهم وتصرفاتهم اللاحقة أدركُ أنهم يعرفون بعضهم بعضًا بشكل جيد، ولإخفاء ذلك يعمدون إلى هذا التصرف.

بعد انتصار الثورة، لم نعدْ نرى "علي" في البيت. انتسب إلى مؤسسة "جهاد البناء"، وصار يتردّد إلى المناطق المحرومة لمساعدة الفلاحين وبناء القرى. وفي كثير من الليالي كان يبيت خارج البيت بسبب دوره في حراسة المدينة. لم تمض أشهر على انتصار الثورة حتى بدأنا نسمع أخبارًا في المدينة، بأنّ عددًا من زعماء العشائر العربية يريدون الانفصال. إنهم الأشخاص أنفسهم الذين تعاملوا مع السافاك سابقًا، وهاهم يتآمرون ويسعون لإخافة المواطنين وإشعارهم بالندم لقيامهم بالثورة؛ مستخدمين الأسلحة والذخائر والمتفجرات التي أحضروها من العراق لقتل الأبرياء، فقد هاجموا: المسجد الجامع، وبازار سيف، وملعب الرياضة وكثيرًا من المناطق الهامة المكتظة بالناس.

في إحدى المرات، وأثناء محاضرة في المسجد الجامع كان يحضرها حشد غفير من الناس، رموا قنبلة بين الجموع أدت إلى مقتل وجرح العشرات. ساعد الدعم الذي تلقته هذه المجموعات في توسع نشاطها تدريجيًا، فراحوا يتجسسون على شباب الثورة الناشطين ويرمون القنابل على بيوتهم واستطاعوا خلق حال من الرعب وانعدام الأمن الذي سعوا إليه، ولكن هدفهم الأساس كان فصل خوزستان عن إيران وإلحاقها بالعراق. وغيّروا أسماء المدن في الخرائط التي صمّموها؛ "خرمشهر" أسموها "المحمرة"، "الأهواز" أسموها "الناصرية" و"آبادان" صارت "عبادان" ؛ بينما كانت قوات الثورة وشبانها يحاولون الصمود في وجه

81


70

الفصل الثالث

هذه الأحداث بكل شجاعة على الرغم من عدم امتلاكهم الأسلحة والذخيرة الكافية.

طلب "علي" منا جمع أكبر عدد ممكن من الشراشف وأكبر كمية من البنزين. جمعتُ أنا و"ليلى" وأبي و"محسن" كل ما استطعنا جمعه من شراشف نظيفة وأدوية وصابون من بيوت الجيران وأرسلناها إلى "علي" وأصدقائه.

أخيرًا بدأت المواجهات الصعبة بين قوات الطرفين، استمرّت ثلاثة أيام متواصلة. حاصرت فيها قوات "خلق العربية"1 الانفصالية مبنى المركز الثقافي - العسكري الذي اتّخِذَ مركزًا لقوات الثورة والشباب الناشطين فيها، واستطاعوا بعد مواجهات مسلحة أخذ مجموعة من شبابنا كرهائن. استدعى الأمر إحضار قوات عسكرية من طهران وخرم آباد، وبعد أن تمت السيطرة على مدرسة العراقيين -وهي عبارة عن مبنى يقع على ضفة النهر بالقرب من الدائرة الصحية للبلدية- تمّ القضاء على أول وأهم مركز للفتنة. وعُثر في ذلك المركز على وثائق وملفات توضح ماهية هذه المجموعات، كما اعتُقل عدد من المخطّطين لهذه الأحداث وهرب قسم آخر منهم إلى العراق.

ومع هذا التحرك تم قمع فتنة "المنافقين العربـ"2 في الظاهر، ولكن لم يتم القضاء عليها ولم يقف عناصرها مكتوفي الأيدي. فراحوا يهجمون على الناس ليلًا ويلقون منشورات تهديد في بيوت شباب الثورة.

طلب مسؤولو المدينة من بينهم "جهان آرا"، من الشبان أن يتواروا

 


1- حركة تمرّديّة انفصالية نهضت عقب انتصار الثورة، مدعومة من جهات خارجية.
2- فتنة "خلق عرب" حركة الشعب العربية: تراجع ملاحق الهوامش في أخر الكتاب.

 

82


71

الفصل الثالث

عن الأنظار وأن يتركوا "خرمشهر" مدة من الزمن ما أمكنهم ذلك. كان "علي" من بين أولئك الشباب الذين توجّب عليهم مغادرة المدينة. لم يوجد لنا أقارب إلّا في "إيلام"، أي نفس المكان الذي سُجن فيه "علي" لمدة ثلاثة أو أربعة شهور وهو في التاسعة من عمره. وهكذا ذهب إلى هناك وأكمل نشاطاته. كان يكتب لنا دائمًا أن الناس هناك يعيشون في حرمان شديد، حتى إنّهم يحضرون مياه الشرب من النهر. ولا يوجد صيدلية أو مستشفى لنقل المصابين إليه. وطلب منا إرسال الأدوية لمساعدة الناس، كنا نشتري الأدوية التي يطلبها من الصيدليات ونرسلها إليه. في قرى إيلام تحوّل "علي" إلى مجاهد حقيقي، حتى إنه كان يساعد القرويين في الأعمال الزراعية ورعاية الحيوانات.

في شتاء عام 1358هـ.ش (1980م)، تشكّل سيل عارم في "خرمشهر" والمناطق المحيطة بها وغمر العديد من القرى مسبّبًا أضرارًا كبيرة، فعاد "علي" لمساعدة المتضرّرين. عمل شباب الحرس الثوري وجهاد البناء على تأمين المساكن والمواد الغذائية للناس. كانوا يقومون بإخراج ما تبقّى من أغراض المواطنين وأثاث بيوتهم من تحت الأنقاض، وفي النهاية ساعدوا في إعادة إعمار القرى التي دمرها السيل. بعد مدة أقبل "علي" إلى البيت مرة، وأحضر معه كيسًا كبيرًا من الملابس وقال: "شباب "أغاجاري" غرباء هنا، لقد ساعدونا كثيرًا في أعمالنا. أتيت بهذه الملابس لكي نغسلها لعلّنا نكون قد أسدينا لهم خدمة". علمت ضمنًا أن مجموعة من شباب "أغاجاري" وفدوا إلى "خرمشهر" لإجراء دورة تدريبية. وذلك لتأسيس الحرس الثوري في مدينتهم. أنا التي كنت أستلهم من نشاطات "علي" كثيرًا من المعنويات وأعدّ اللحظات لعودته، قبلتُ

 

83


72

الفصل الثالث

بكل شوق ورغبة تنفيذ ما طلبه مني. في الدفعة الأولى كثرت الملابس لدرجة لم يتسع السطح لنشر المزيد منها. عند الغسيل كنا نرتق ما يحتاج للرتق والخياطة بواسطة ماكينة استعرناها من جيراننا، وبعد ذلك نقوم بكيّها. في إحدى المرات قلت له: "لقد بتُّ أخجل من الذهاب إلى بيت جيراننا لاستعارة ماكينة الخياطة منهم، إن  كنت تريد مني القيام بهذا العمل عليك شراء آلة جديدة". في اليوم التالي، عند الظهيرة تقريبًا دخل "علي" المنزل حاملًا معه ماكينة خياطة وقد اشتراها من "آبادان".

على الرغم من عمله في جهاد البناء، أصرّ "علي" على الالتحاق بحرس الثورة. وفي شهر آبان عام 1358ه.ش. (تشرين الثاني 1979م)، أخبرنا أنه قُبِل عضوًا في حرس الثورة الإسلامية. سُررنا كثيرًا حين جاء مرتديًا بدلة الحرس الخضراء الزيتونيّة اللون؛ كانت تليق به كثيرًا. عندما كنت أرى نظرات أبي إليه أدركت مدى افتخاره به. وأنا كذلك شعرت بالفخر أن لي أخًا مثله. بالأخص أن ذلك اللباس اعتبرته لباسًا مقدسًا بالنسبة إليّ. عندما كنت أراه على تلك الهيئة، أشعر أن ليس بمقدور أي شخص ارتداء هذا اللباس الخاص. بمرور الوقت ثبت لي ذلك، وشاهدت بأم عيني أن كل من ذهب إلى الحرس ذهب إرضاءً لله عز وجل، ولم يفكّر في المردود المالي أو الاستفادة المادية. حتى بعد فترة، عندما أصبح "محمد جهان أرا" قائدًا للحرس في "خرمشهر"، وخصص لهم رواتب شهرية، وضع أخي برنامجه الخاص للتصرف بتلك الأموال.

أعطى علي راتبه الأول للفقراء. وفي الأشهر التالية، صار يعطيني أنا وليلي وأمي قسمًا من راتبه وبالقسم المتبقي يشتري هو وأصدقاؤه الطعام والملابس والحاجيات للفقراء، ثمّ يوزعونها مساءً على بيوت

 

84


73

الفصل الثالث

حددوها مسبقًا. وبعد مضي فترة من الزمن تم تكليفه هو ومجموعة من أصدقائه بالذهاب إلى "شادكان" لتأسيس نواةٍ للحرس الثوري هناك. كانت تلك الفترة فترة رائعة. كان الجميع يعمل من دون أن ينتظر مقابلًا، متكاتفين متعاونين. جلبت لنا الثورة الأمن والطمأنينة. سمح أبي لي ولليلى بالمشاركة في المسيرات. وقد حاولتُ دائمًا أن لا أقصّر في أشغال البيت التي كانت على عاتقي.

في فروردين عام 1359 هـ.ش (آذار-نيسان1980م) وافق أبي وللمرة الأولى لي ولليلى ومحسن أن نذهب برفقة عائلة خالي "حسيني" لقضاء عطلة الثالث عشر من فروردين (يوم الطبيعة). ركبنا شاحنة برفقة بعض العائلات من أصدقاء خالي حسيني لنزور مقام علي بن الحسين عليه السلام، في "شلمجه"، حيث تملأها أشجار النخيل والعنب والرمان وبساتين الفواكه وتكسبها خضارًا رائع الجمال. لم تمض مدة طويلة على وصولنا إلى هناك حتى شاهدت علي يجول ضمن دورية في تلك المنطقة. بعد أن قضى حوالي خمسة أشهر في "شادكان"، عاد إلى "خرمشهر" بسبب مناوشات الحدود واستقر هو وشباب الحرس على الحدود لمراقبة الأوضاع هناك. عندما رآنا اقترب منا، وبعد السلام والسؤال عن الصحة والحال قال لخالي: "لا تبقوا هنا كثيرًا، من المحتمل أن يقوم العراقيون بإطلاق النار عليكم". لم أصدق أنهم بهذه البساطة يريدون التعرض لنا؟! تذكرتُ أنه في العام 1349 هـ.ش (1970م) أيضًا نشبَ نزاعٌ محدود بين العراق وايران. في ذلك الوقت كان بيتنا في منطقة ديزل آباد على أطراف المدينة وكنت أشاهد السيارات العسكرية المتوجهة إلى الحدود العراقية مليئة بالجنود أحيانًا تتوقف هناك ساعة للاستراحة، ثم تتابع طريقها. إتُّخِذَتْ قضية شط

 

85


74

الفصل الثالث

العرب ونهر أروند ذريعة لاشتباكات العام 1970م، التي بدأها الجانب العراقي وأدّت إلى إخراج الإيرانيين المقيمين في العراق. أما الآن فما هو سبب هذه المشاكل؟ وماذا أعد النظام العراقي لنا في هذه المرة؟ الله أعلم. لم يمض زمان طويل حتى وقعت الحادثة الأولى.

في اليوم الحادي والعشرين من شهر خرداد (11حزيران1980م) استشهد عنصران من أبناء حرس "خرمشهر" في المنطقة الحدودية على يد القوات البعثية العراقية وهما: "عباس فرحان أسدي" و"موسى بختور". أكّدت هذه الحادثة ما حاول شباب الحرس قوله منذ أشهر إنّ هدف العراق من وراء هذه التحركات والنقل والانتقال على خط الحدود المتقدمة ليس إلّا البدء بالحرب. لكنّ أحدًا لم يعتنِ بأقوالهم.

في يوم تشييع الشهيدين بختور وفرحان أسدي، ذهبت أنا وليلى إلى جنت آباد حيث شاهدنا أبي ومحسن هناك. وقد حضرت جموع غفيرة من الناس أيضًا. ورأينا شباب الحرس بين تلك الجموع. كان الحزن على فقد أحبتهم ظاهرًا على وجوههم؛ يلطمون رؤوسهم وصدورهم ويبكون. بسبب وضع المدينة المتأزم وبسبب قضية منظمة "خلق العربية" وخطر وقوع عمليات تفجير؛ أخذت مجموعة من الحرس مواقعها على سطح مبنى غسل الموتى وبدأت بالمراقبة.
بعد دفن الشهيدين، على ما أذكر، خطب الشيخ نوري، إمام جمعة "خرمشهر"، في الحشود وقامت مجموعة من شباب الحرس بإنشاد نشيد على روضة الشهيدين موسى بختور وعباس فرحان أسدي ما زلت أتذكر بعضًا من مقاطعه:
نحن حراس الخميني ننثر الأرواح فداء
 

86


75

الفصل الثالث

لا نتراجع لا نستسلم طالما نحن أحياء
يا أيها الخميني يا أيها الأخ
ننتظر أمرك لنغتسل غسل الشهادة
ليقطر الدم من عروقنا
لتزهر شقائق النعمان
وورودًا في كل مكان

كان مشهدًا مدهشًا، على الرغم من كونه حزينًا ومؤلمًا، لكن العهد والميثاق الذي قطعه شباب الحرس أمام الشهداء رفاق السلاح كان لافتًا للانتباه، وباعثًا على الفخر ومُشعرًا بالعز.

عاد "علي" إلى البيت، مساءً، حزينًا ومغمومًا؛ فعباس وموسى من أعز أصدقائه، وكثيرًا ما سمعناه يتحدث عنهما. قال: "بعد أن انتهت مراسم جنت آباد، ذهبت مع الشباب، وقد خيّم عليهم حزن شديد، إلى بيت عباس. كان الجميع يبكي فقدهما، وكان ذلك مؤلمًا جدًّا بالنسبة إلينا، لكن أم عباس ظلّت هادئة، وعندما شاهدت حزننا واضطرابنا، راحت تهدّئ من روعنا وتقول: "لقد مضى عباس في طريق لطالما أحبّه، سبيلٌ لا يناله أي واحد، افرحوا، لماذا تبكون؟".
في اليوم التالي، وكالعادة فتحتُ حقيبة "علي" ووجدت بداخلها لباسًا مغطّىً بالدماء وزوجيّ أحذية عسكرية. أخرجتها وغسّلتها. بعد ساعة أو ساعتين أقبل "علي"، وما إن رأى الملابس على حبل الغسيل حتى خرج عن صوابه وقال غاضبًا: "لماذا عبثتِ بهذه الملابس؟ إنها

87


76

الفصل الثالث

ملابس "عباس"، أردت الاحتفاظ بها للذكرى. كنت أريد أن تبقى دماء شهادة عباس عليها". ثم قام بجمعها ووضعها مع الأحذية العسكرية داخل خزانته. انتابني شعور غريب بسبب غسلي لملابس عباس المدماة وحذاء "موسى". كنت أذهب وأفتح باب الخزانة وأنظر إليها، ما إن تقع عيناي عليهما حتى تتغير أحوالي بشكل كامل.

لقد أثرت شهادة "عباس" و"موسى" في "علي" كثيرًا. عاش وضعًا لم أشاهده عليه من قبل؛ فهو الذي كانت أعماله تدفعنا دائمًا إلى الحركة والنشاط والحيوية بات هذه المرة هادئًا، صار يفكر بذهابه هو الآخر على ما يبدو.

بعد مضي أيام على مراسم تكريم الشهيدين، كنت أظن أنّه سيخرج رويدًا رويدًا من حزنه على صاحبيه وستتحسّن حاله. في ذلك اليوم ذهبت إلى بيت جدي لساعات عدة، وعندما رجعت رأيته واقفًا بالقرب من نافذة الغرفة ينظر إلى باحة البيت. كان مرتديًا ملابس سوداء اللون وممسكًا بإطار كبير يحوي صورة "علي" نفسه. صورة لم أشاهدها من قبل. كانت "دا" جالسة في شرفة البيت ألقيتُ السلام عليهما ثم سألته: "ما هذا يا علي؟ لماذا وضعت صورتك في إطار؟"، قال بهدوء: "أريد هذه الصورة من أجل ذلك اليوم" ثم عاد ونظر إلى "دا" وابتسم. أشعرتنا نظراتها الغاضبة بمدى انزعاجها من كلامه. كنتُ أعلم أن أخي علي أعز الناس على قلبها، وتحبه حبًّا جمًّا، وتتحدث عنه أمام الجميع وتكرّر: "جعلت فداه.. فداءً لقامته"، حتى نحن الأطفال كنا مقتنعين أنّ "علي" أفضل منا. فهو يقف مع الجميع ويسعى لمساعدة الآخرين على الرغم من الصعوبات والمشقات التي كان يواجهها. أردتُ أن أتأكد

 

88

88


77

الفصل الثالث

 

إذا ما كان توقعي صحيحًا أم لا. هل يفكر بالشهادة أم لا، لذلك سألته مرة ثانية: "أي يوم تقصده يا علي؟ لأي يوم تريد هذه الصورة؟"  
- اليوم الذي عليكم جميعًا أن تفخروا به.
- قصدك يوم الشهادة؟..

ولم أكمل كلامي بسبب نظرات "دا" الحادة.

أجاب: "هذه صورتي ضعوها في مراسم عرسي عندما أستشهد؛ ليفهم الجميع أنني اخترت طريقي بكل إرادة وعشق". صمت قليلًا ثم تابع: "لا تبكوا يوم شهادتي، كونوا صبورين ومحتسبين كوالدة عباس، عليكم أن تواسوا الجميع".

حرتُ بما أجيبه، ولكني عندما رأيت لون "دا" قد تغير ولم يتبقَ إلّا بضع كلمات لتبدأ بالبكاء والنحيب، بدأتُ بممازحته.

منذ أن انتسب إلى الحرس، كان يعاني عند استخدام السلاح، لأنّ إصبعين من أصابع كلتا يديه ملتصقان الواحد بالآخر منذ ولادته، وعندما يلقّم السلاح يجرح يده، فكانت مغطّاة بالضماد دائمًا وأينما ارتطمت بشيء تشققت ونزفت. كان يعاني كثيرًا كلما أراد الوضوء. عندما يكون جرح أصابعه عميقًا يعمد إلى تقطيبه. ويقول لا تقلقوا ليس بالأمر المهم ولكن "دا" تحزن وتقول له: "لماذا تعذّب نفسك بهذه الطريقة؟" كان أبي يتوق بشدة إلى تأمين تكاليف العملية الجراحية لأصابعه. ولكن في تلك الأيام لم يتجاوز راتبه الألف وثلاثمئة تومان، فيما تكلّف العمليّة حوالي خمسة وعشرين ألف تومان. لم يقتصر الأمر على أصابع يديه؛ بل كان إصبعان من أصابع كلتا رجليه ملتصقين أيضًا. عندما ينتعل حذاءه

 

89

89


78

الفصل الثالث

لفترات طويلة، كانت أصابعه تُجرح، وعندما يريد خلع جواربه كان جلد قدميه ينسلخ معها. في كل مرة كنت أشاهد هذا المنظر، يحترق قلبي وأسرع لإحضار الضمّاد، ولكنّه لم يكن يسمح لي بلمسه.

وفي النهاية، طلب "جهان آرا" منه أن يفكر بحلِّ لهذه المشكلة؛ وعبر التنسيق مع الحرس تقرر أن يسافر إلى طهران لإجراء عملية جراحية. كان يوم سفره أسوأ وأصعب يوم في عمري. شعرت بالسعادة كونه يريد الذهاب لإجراء عملية جراحية لأصابعه. ولكني كدت أموت لأنه سيبتعد عنا ولو لمدة محدودة. لم يكن "علي" أخي وحسب، بل صديقي ومستودع أسراري. كل الأمور والطلبات التي لم أستطع قولها حتى لـ"دا" كنت أخبره بها. وكان يسعى جاهدًا لتحقيقها، وإذ يعجز، يخبر أبي بطريقة بحيث لا يعرف أن هذا الطلب هو طلبي أنا. وكانت "ليلى" هي الأخرى تحب "علي" كثيرًا. عندما اشترى أبي خزانة له، أصررت أنا و"ليلى" على وضعها في غرفتنا؛ ليتردد إلينا أكثر. على الرغم من أنه يذهب صباحًا إلى الحرس ولا يأتي إلى البيت أكثر من مرة أو مرتين خلال الأسبوع. حرصت دائمًا أن أنظف خزانته وأنظر إلى أغراضه وأشيائه. بهذه الطريقة كنت أشغل نفسي بالتفكير به.

ليلة سفره عاد إلى البيت متأخرًا. قمت بوضع ملابسه، آلة التصوير، والمسجلة، وسجادة الصلاة وكل شيء ظننت أنه يحتاج إليه، في حقيبة سفره. أريته الحقيبة، قال لي: "جيدة.. سلم الله يديكِ". كانت من أصعب الليالي. في الصباح عندما أراد الانطلاق احتضنته وقبّلته بحزن وألم. قال لي حينها: "كفى! لماذا تفعلين هذا؟" ولكني لم أستطع التوقف. كنت أداعب لحيته وأقول له: "جعلت فداك و..."، إلى أن غضب في النهاية.
 

90


79

الفصل الثالث

في اللحظة الأخيرة عندما جعلته يمرّ من تحت القرآن الكريم، أمسكتُ بيده ورافقته حتى وصلنا إلى أوّل الشارع، ثم طلب أبي منا العودة وأوصله و"دا" إلى المطار؛ إذ كان من المقرر أن تقوم دا بإجراء عمليّة جراحيّة لعينيها أيضًا.


عندما عدت إلى البيت أحسستُ أنه أصبح مظلمًا، انقبض قلبي وشعرت بقلق كبير.

 قالوا إنّه بانتظار عمليّة جراحيّة صعبة ستجريها مجموعة من أطباء الأعصاب والشرايين والعظام. بعد فتح الجلد بين أصابعه ستقصّ العظام الملتوية ثم يأخذون جلدًا من قدمه ويصلونه بأصابعه. كلما فكرت بهذه الأشياء تضاعف الحزن على فراقه. ذهبت إلى صورته الموضوعة على الرف، الصورة نفسها التي طلب منا وضعها في الحجلة23 عند استشهاده، وقمتُ بحملها وتقبيلها مرات عديدة.

كنا ننتظر عودته بعد أسبوعين، لكنّه عاد بعد مضي شهر كامل. وقد أجريت العملية الجراحية ليده اليمنى فقط. قال: "كانت "دا" قلقة جدًّا عليّ، فجئت بها إلى البيت". بات تلك الليلة في المنزل، ثم سافر في اليوم التالي. هذه المرة ساءت حالي أكثر من المرة الماضية. كان يتملكني إحساس سيّئ. وكأنّ جزءًا من كياني قد فارقني وذهب مع ذهاب "علي". كنت أقول لنفسي: "ليته لم يأتِ! ليتني لم أره لحين عودته بشكل نهائي! لماذا سافر بهذه السرعة ؟" كان شيء ما يقول لي إنها المرة الأخيرة التي آراه فيها.

 

 


 1- مجسّم مزيّن بالمرايا بشكل أسطواني يضمّ قناطر تثبّت فيه صورة الميّت أو الشهيد، ويوضع أمام منزله.

 

 

91


80

الفصل الثالث

 

كنت دائمًا أتصل بالمستشفى وأسأل "علي" عن صحته، وهو يسألني عن أحوال المدينة، كان بحال من القلق. عندما أخبرته بشهادة السيد "جعفر الموسوي" خلال الاشتباكات الحدودية، ارتجف صوته، لكنّه حاول إخفاء حزنه. بعد ذلك قررت أن لا أنقل له أخبارًا تقلقه.

كان على تواصل دائم مع أصدقائه في "خرمشهر". ومن ناحية أخرى كلّما اقتربنا من نهاية الصيف، ازدادت أوضاع قواتنا على الحدود تأزمًا، ووقعت أحداث جديدة ليس باستطاعتنا إخفاؤها عنه.

في شهر خرداد (أيار/حزيران 1980)، ومع تطوّر الاشتباكات الحدودية، أُجبر سكان القرى الحدودية على ترك بيوتهم وقراهم والمجيء إلى المدينة. أكثرهم مزارعون وجلّ عملهم زراعة أشجار النخيل، ومعها الخضراوات الشتوية والصيفية، ويقومون بتربية الحيوانات وبيع الحليب واللبن في سوق المدينة. تسبّبت تلك الاشتباكات بخسائر كبيرة أصابت حيوانات المزارعين وأرزاقهم.

تمّ إسكان مجموعة من هؤلاء الناس في مبنى المركز الثقافي - العسكري للحرس، الذي كان قد أُحرِق خلال أحداث فتنة "خلق عرب".

في الليل، عندما ننام على السطح كنّا نرى في الظلمة إطلاق الرصاص المتبادل. فهمتُ من أبي أنّ قواتنا تسعى دائمًا لعدم إعطاء الحجة للعراقيين، فلا تردّ على نيرانهم. ولكن، يومًا بعد يوم ازداد الجنود العراقيون وقاحة. ووصل بهم الأمر لدخول مياهنا الإقليمية بقواربهم العسكرية والوصول إلى اليابسة والاعتداء على مواقعنا العسكرية. وشيئًا فشيئًا اضطرّ شبابنا للردّ عليهم ومواجهتهم.

 

92


81

الفصل الرابع

إنّه الواحد والثلاثون من شهريور (22 أيلول)، اليوم الموعود، فيه تفتح المدارس أبوابها. ينتقل سعيد هذا العام إلى الصف الأوّل ابتدائي، حسن إلى الصف الثالث ومنصور إلى الأوّل متوسط. قبل أيام، أعطاني والدي المال لأشتري لهم ما يحتاجون إليه. اصطحبتهم إلى سوق مستديرة "دروازه" ؛ فرح الأطفال بما ابتعتُ لهم، خاصّة سعيد. وحتى لا يتأخروا بالاستيقاظ، أخلدتهم إلى النوم باكرًا.

في اليوم التالي، بعد أن صلّيت الصبح، أعددتُ طعام الفطور وأيقظتهم من النوم. كنتُ متشوقة كثيرًا لاصطحاب سعيد وحسن إلى المدرسة. وكأنّه اليوم الأول لي أنا. يا لها من ذكريات جميلة أيام المدرسة تلك!

في الطريق، كنتُ أمسكُ بيد سعيد وأتلفّت إلى ما حولي. تملّكتني الدهشة إذ كانت الشوارع شبه خالية ولا أثر للتلاميذ. وصلنا إلى المدرسة ووجدنا بابها مغلقًا، ما إن تقدّمت لطرقه حتى رأيت جارتنا قد وصلت، سلّمت عليها وسألتها:
- لمَ باب المدرسة مغلقًا؟
 

95


82

الفصل الرابع

- ألا تعلمين أنّ العراق قصف المدينة ليلًا؟
- متى؟!
- منتصف الليل.

لم أصدّق كيف اعتدوا على بلدنا بهذه البساطة، وكيف لم أنتبه لأصوات الانفجارات! أعدت الأولاد إلى المنزل بسرعة وعدت إلى أوّل الشارع لعلّي أرى أحدًا وأستطلع الأمر. التقيت هناك بـ"أحلام أنصاري" ؛ إحدى صديقاتي أيام المدرسة الابتدائية؛ كانت باكية العينين ووجهها شديد الاحمرار. تقدّمت منها ومع أنني لم أرَها منذ زمن، سألتها من دون سلام أو أي مقدمات:
- ما بك يا أحلام؟ لمَ تبكين؟
- استشهد خالي.
- كيف؟ كيف استشهد؟
- ألم تكوني في المدينة الليلة الماضية؟ ألم تعلمي أنهم قصفوها؟
- بلى كنت، لكنني لم أنتبه للقصف، ماذا حدث؟

قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها: لقد قصفوا منزلنا فاستشهد خالي الذي كان نائمًا عندنا.

حزنت كثيرًا وسألتها:
- إلى أين تذهبين الآن؟
- إلى مقبرة "جنت آباد" حيث سيدفنون خالي.
 

96


83

الفصل الرابع

لم أشأ ترك أحلام وحدها في هذا المصاب؛ لكنني كنت أظنّ أنه يمكنني تقديم المساعدة في المستشفى، فتركتها وتوجّهت إلى مستشفى مصدّق.

لا سيارات أجرة في الطريق، لذا جدّيت في المشي من شارع "أرديبهشت" وعبرت مستديرته إلى شارع "40 متري"1. وكلّما اقتربت من مستديرة "فرمانداري"، ازداد عدد السيارات وسيارات الإسعاف المسرعة نحو المستشفى. في المقابل، خفّت حركة المارّة الذين بدا الذعر على وجوههم. وصلت إلى مستشفى مصدّق وذُهلت لحشود الناس المتجمهرة خارج بوابتها. وكلّما اقتربت أكثر علت أصوات البكاء والنواح والعويل. رأيت بعضهم يلطمون الرؤوس والصدور ويلهجون باسم عزيز لهم، وبعضهم الآخر قد تلطّخت ملابسهم بالدماء، وآخرين معفّرين بالتراب من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، وكثير من النسوة افترشن الأرض يلطمن ويولولن. شققتُ طريقي وسط العويل والحشود نحو باب المستشفى. فجأةً، فتح الحرّاس الباب واندفع الناس بصعوبة إلى باحته الداخلية حيث سُجّيت أجساد الشهداء على الأرض، كانوا يصرخون ويركضون في كلّ اتجاه كأنّه يوم الحشر. مشيت نحو قسم الطوارئ الكائن على يمين المستشفى ويلي قسم الاستعلامات؛ كنت أعرف موقعه لأنني طالما أحضرتُ أختي وإخوتي إلى مستوصفاته عند مرضهم. وقف حارس القسم يمنع المندفعين من الدخول ويقول لهم: "المكان مزدحم جدًّا وستعيقون العمل بدخولكم". عندها وقفت في مكاني، لكن ما إن ابتعد الحارس عن الباب حتى أسرعت بالدخول فلحق

 


1- تشهل مترى (الأربعون مترًا) وهو الشارع الرئيس في المدينة؛ يبدأ من مستديرة كشتاركاه(المقتل أو الملحمة) حتى مستديرة فرماندارى. حاليًا اسمه: جادة آية الله الخامنئي.

 

97


84

الفصل الرابع

بي وهو يناديني إلّا أنني لم أعره اهتمامًا واختفيت في الزحام.

لم يحدث أن رأيت قسم الطوارئ بهذه الفوضى من قبل. الدماء وآثار الأقدام الملطّخة بها تمتدّ من المدخل الرئيس إلى داخل الغرف. يبدو أنهم في بعض الأماكن جرّوا الجرحى على الأرض جرًّا، فتركت الأقدام آثارها. سابقًا، كانت أنوار المصابيح تنعكس على أرض البهو لشدة نظافته ولا تنبعث منه غير رائحة المعقّمات والمطهرات. أمّا الآن فقد أزكمت أنوفنا رائحة الدم الممزوجة برائحة التراب والبارود.

كانت الممرضات يركضن من هنا وهناك، يجررن عربات التمريض المليئة بالأدوية والأدوات الطبية. أين تلك الممرضات المتبرّجات بثيابهنّ الأنيقة الناصعة البياض وأحذيتهنّ البيضاء النظيفة، من هؤلاء الملطخة ثيابهنّ بالدماء وقد انحلّت قبّعاتهن البيضاء الخاصة فانسدل شعرهنّ المعقود تحتها على رقابهنّ ورؤوسهنّ، كذلك لم يكن وضع الممرضات المحجبات أفضل حالًا!

كان الأطباء منهمكين بعملهم والغرف ممتلئة بالجرحى، والفائض منهم ملقًى على الممرّات، بعضهم على الحمّالات وبعضهم الآخر على البطانيات، بعضهم يئنّ من الوجع وقد عُلّقت لهم أكياس المصل وثبتت بمسامير على الجدران، ويرقدون بلا رمق لشدة النزف ولا يصدر منهم غير أنّات ضعيفة، إلّا أنّ واحدًا كان يصرخ في غرفةٍ آخر البهو: "أنقذوني أكاد أموت..".

أسرعت نحو مصدر الصوت، بدا أنّ صراخه بسبب الخوف فحسب، فجراحه لم تكن بهذا السوء، حتى إنّ الجرحى في غرفته استنكروا صراخه وقالوا له: "اسكت ريثما يعالجون من هم أسوأ حالًا منك ثم

98


85

الفصل الرابع

يحين دورك".

لم أدرِ ما العمل. فزعت كثيرًا لرؤية هذا العدد من الجرحى. كم وددت لو أستطيع القيام بشيء ما فأساعد الممرضات اللواتي أنهكهنّ التعب وأصبحن عصبيّات المزاج، ليداوين عددًا أكبر من الجرحى الراقدين في الانتظار. لكنني لم أخضع لأي دورة تدريبة على أصول الإسعافات الأوّليّة وكنت بلا حول ولا قوة. استأت من نفسي كثيرًا وأنّبتها: أنت لا تنفعين لأي شيء وعاجزة تمامًا!

خرجتُ من قسم الطوارئ ووقفت في زاوية. ما زالت باحة المستشفى تعجّ بالحشود، منهم من وقف أمام قسم برادات الموتى لتسلّم جثامين أقربائه، وأمّا أهالي الجرحى وأقرباؤهم، فكان عويلهم وأنينهم يفتّت الأكباد؛ لا سيما بكاء الأطفال. دخلتُ مبنى المستشفى الذي لم يكن أفضل حالًا من قسم الطوارئ، بل على العكس كان أكثر ازدحامًا وفوضى. كان أغلب الجرحى ممدّدين على الأرض من دون أي فراش، وقد حمل المرافقون لهم أكياس المصل. حلّ العويل والأنين المفجع محلّ الهدوء والنظام الذي عهدناه سابقًا. هنا أيضًا لم أستطع فعل شيء غير سؤال الجرحى فردًا فردًا لأقوم بأي شيء يحتاجونه. أغلبهم وبسبب النزيف كانوا عطشى وطلبوا الماء وبعضهم الآخر قال: "أنا أتألّم، اطلبي لي الطبيب". كان الله بعون الأطباء الذين لا يدرون أيّهم يعالجون أوّلًا! عندما رأيتهم يداوون حالاتٍ أشدّ خطورة عزفت عن استدعائهم. من جهة أخرى راحت الممرّضات يصرخن: "ماذا يجري هنا؟ هيا اخرجوا، لا تزيدوا الفوضى".

عندما كنت أجول في الممرّ لا ألوي على شيء، شدّني صوت أنين

 

99


86

الفصل الرابع

 

سيدة. ذهبت إليها، كانت نحيلة وصوتها لا يتناسب مع شكلها، فقد شوّهت وجهَها الدماء والجراح التي أُثخنت بها. اقشعرّ بدني بنحو لاإرادي لرؤيتها، لكنّني أشفقت لحالها وبقيت قربها. كانت الضمادات التي لفّت رأسها بشكل عمودي وأفقي مخضّبة بالدماء وساقاها في الجبيرة. أمسكتُ بيديها ففتحت جفنيها ونظرت إليّ. سألتها:
- هل تحتاجين إلى شيء؟ هل يمكنني القيام بعمل من أجلك؟

ضغطت بيديها المتهالكتين على أصابعي وقالت بصوت ضعيف: أحضري الطبيب، لم أعد أحتمل الألم وأشعر أنّ عينيّ ستخرجان من محجريهما.
- ألم يحقنوك بالمسكّن؟
- لم ينفع.

من طريقة ضغطها على يدي، أدركت أنها تعاني آلامًا مبرحة، فقلت لها: "حاولي أن تنامي فيخفّ ألمك، وسأستدعي الطبيب".

أطبقت جفنيها وقالت بصوت ضعيف: "لا أستطيع النوم من شدة الألم!".

ما إن رفعتُ رأسي حتى رأيت ممرضة تخرج من إحدى الغرف حاملةً أكياس المصل؛ أسرعت نحوها. بدا عليها الإعياء الشديد وقلة النوم تضج من عينيها. قلت لها: "معذرة! أيمكنك مساعدة تلك السيدة التي أنهكتها الأوجاع هناك؟"، قالت: "وماذا أفعل؟ من الصباح حتى الآن..". صمتت قليلًا، ثم تابعت: "لقد أنهكنا التعب من الليلة الماضية حتى الآن، لم نعد نحتمل الصداع وآلام القدمين، كما نعاني نقصًا في

100


87

الفصل الرابع

الطاقم، ناهيك عن العدد الكبير للجرحى، عليها أن تتحمّل وتصبر".

قالت هذا وابتعدتْ مسرعة، وبقيتُ أحدّق بها. بدت لي في الـ27 أو الـ28 من العمر وقد حُلّ شعرها المعقود على شكل ذيل الحصان. كانت في حالة يُرثى لها وملابسها ملطّخة بالدماء ومادة "البيتادين"، حتى إنّ جوربها قد نسل من الخلف إلى أعلى ساقها. أشفقتُ عليها لكلّ ما تعانيه من تعب ومشقّة. قطع حبل تفكيري صوتُ طفلة من مكان قريب من تلك السيدة التي طلبت الطبيب. رأيتُ طفلة في الرابعة من العمر تقريبًا، جلست أمها بالقرب منها وراحت مع كل صرخة ألم لطفلتها تأخذ برأسها وتضمّها إليها وتبكي. جُبّرت ساقا الطفلة وقد تورّمت أصابع قدميها، وبان ذلك من تحت الضمادات المخضّبة بالدماء. طفلةٌ جميلةٌ ذات وجه رقيق وشعر أشقر مجعّد تدلّى على كتفيها، وقد تحولت معظم الزهرات الزرقاء والخضراء في ثوبها الأصفر إلى اللون الأزرق القاتم لتلوّثها بالدماء. لاحظتُ أنها كانت تصرخ فزعًا كلّما رفعت أمها رأسها ورأت الجبيرة، فقلت لأمها التي بدا عليها أنها جاءت على عجل بملابس المنزل: "غطّي ساقيها بشيء كي لا تراهما".
- لكنني لا أملك شيئًا، ألا ترين بأيّ وضع جئت إلى هنا؟

اقترحت عليها أن تغطّيهما بطرف البطانية التي تنام عليها، ففعلت؛ ولكنّها لم تتوقف عن العويل والبكاء، فقلتُ لها: "كيف تريدين لابنتك أن تسكن وأنت تولولين بهذا الشكل؟ عليك أن تهدئي كي تهدأ هي أيضًا".
- ماذا تقولين يا هذه؟ قلبي يحترق ألمًا ولا أستطيع أن أفعل شيئًا لأجلها.

جلستُ ومسحت بيدي على وجه الطفلة لعلّها تهدأ، لكنّها ما استجابت. فجأةً سمعت رجلًا يسأل: "أين يجب أن أتبرّع بالدم؟". جعلني سؤاله هذا

 

101


88

الفصل الرابع

 


أنتفض من مكاني وقلت في نفسي: "على الأقلّ أستطيع التبرّع بالدم". تبعت الرجل الذي دخل إلى غرفة مليئة بالخزائن الكبيرة المعدنية ذات الأبواب الزجاجية. كانت الممرضة تقصّ اللاصق وتضعه على "عربة الطوارئ" فبادرتُ بالقول: "أريد أن أتبرع بالدم فأين أذهب؟".

رفعت الممرّضة رأسها وسألتني: كم عمرك؟
- لم أكمل الـ 17.
- لا يمكنك أن تتبرّعي.
- لماذا؟
- لأنك لم تتجاوزي الـ17 من العمر كما إنّك نحيلة، ونحن نقبل التبرع ممن تجاوزوا الـ18، ووزنهم مناسب لذلك.

انزعجت كثيرًا وقلت في نفسي: "إلهي حتى العمل الوحيد الذي اعتقدت أنني أستطيع القيام به مُنعت منه، فماذا عساي أن أفعل؟".

فكّرت في الذهاب إلى المنزل لأستشير والدي بما يمكنني فعله، فهو قد ساعد شبان المسجد كثيرًا خلال أحداث فتنة منافقي "خلق العرب" ؛ حينها وبطلب منه قمتُ أنا وأختي ليلى بجمع الشراشف والصابون والبنزين من بيوت الجيران.

قررت ذلك وهممت بالخروج من القسم فاستوقفني صوت ممرضة أخرجت رأسها من الغرفة تقول: "يا سيد.. اطلب من مسؤول براد الموتى أن يأتي لينقل هذا فقد مات!". انتبهت حينها للشهداء وأسرعت نحو الباحة حيث تعالت أصوات النحيب والعويل من ناحية قسم البرادات

102


89

الفصل الرابع

لنساء ورجال يبكون ويذكرون أسماء شهدائهم. كان الرجل الواقف أمام الباب يحول دون دخول الناس ويقول لهم: "لمَ التدافع؟ سيتمّ نقلهم جميعًا إلى مقبرة "جنت آباد"، وما عليكم سوى الذهاب إلى هناك لاستلامهم".

عندها فكرت بالذهاب إلى هناك لعلّي أستطيع تقديم المساعدة. خرجتُ من المستشفى وذهبت إلى مستديرة "فرمانداري". وقفت أول الشارع أفكّر في أيّ طريق أسلك لأصل إلى المقبرة، هل أسلك طريق العشائر المؤدي إلى الطريق الصحراوي أو طريق "40 مترى" ؟ في النهاية قررت أن أسلك الطريق الثاني. كانت جميع السيارات المارّة مليئة بالركاب فاضطررت للسير إلى هناك، وما إن اقتربت من معرض "مرادي" للمفروشات، حتى مرّت سيارة "بيكان" بيضاء اللون لا توجد فيها غير سيدتين. لوحت بيدي فتوقف السائق وسألني: إلى أين؟
- إلى جنت آباد.
- سنصل فقط إلى المسجد الجامع.
- إذًا، سأنزل أول شارع المسجد.

نزلت عند تقاطع شارعي "انقلاب" - "40 مترى" بالقرب من محل "محمدي" للأزهار. ناولت السائق أجرته لكنه رفضها قائلًا: "الأجرة صلوات على محمد وآل محمد فقط". شكرته وتابعت سيري في شارع "أردبيهشت" نحو "جنت آباد" القريبة من منزلنا. لطالما ذهبت إلى هناك ولم أكن أخاف من السير بين القبور. أذكر في إحدى مرات عودتنا أنا وأمي وأختي زينب من زيارة لبيت خالي الكائن في محلة "بارس

 

103


90

الفصل الرابع

آفِن"، انتظرنا طويلًا على جانب الطريق العام من دون أن نعثر على سيارة أجرة وقد شارفت الشمس على الغروب وبدأت زينب بالبكاء تعبًا ومللًا. لذا اضطررنا للعودة إلى المنزل مشيًا. عندما وصلنا إلى المقبرة ومن أجل تقصير المسافة، اقترحت على "دا" أن نمرّ وسطها، لكنها أبت وقالت إنه لا يجوز المرور بين القبور قبيل الغروب ومنتصف أيام الأسبوع، فقلت لها: "وما العيب في ذلك؟ فهؤلاء كانوا أحياءً مثلنا في يوم من الأيام"، ثم بدأتُ بالمشي فتبعتني مكرهة.

كنت قد سمعت الكثير من أحاديث أولاد الحيّ عن وحشة المقبرة وتذكرت كلّ كلامهم، لكنني لم أشعر بالخوف. في الطريق التفتُّ إلى أنّ رباط حذائي قد انحلّ، فانحنيت في تلك العتمة لأعقده مجدّدًا ووقع نظري على تابوت غير بعيد. شعرت بالحشرية لأعرف ما في داخله ولاحظت "دا" ذلك فقالت لي: "ما شأنك والتابوت؟ هيا لنغادر هذا المكان بسرعة".
- اصبري قليلًا.

رفعتُ باب التابوت قليلًا، وجدت داخله ميّتًا مكفّنًا. خافت "دا" وتابعت سيرها من دون أن تنتظرني. قرأت الفاتحة للمتوفّى وانطلقت في أثرها. حين وصلنا إلى مغسل الموتى وجدنا شاحنة صغيرة، بدا أنهم يريدون نقل الفقيد إلى مكان آخر.

لم يطل الأمر حتى وصلت إلى "جنت آباد" من شارع أردبيهشت. حقًا كأنّه يوم الحشر! كانت المقبرة تغصّ بالجموع وتتعالى أصوات العويل والولولة من كلّ مكان. لم أرَها هكذا من قبل. لقد سجّيت

 

104


91

الفصل الرابع

أجساد الشهداء المكفّنة بشراشف بيضاء ورُصفت على الأرض بعضها إلى جانب بعض، امتزج ماء ذوبان ألواح الثلج الموضوع فوق الأكفان بالدماء النازفة منها وسالت على الأرض.

على رأس كل شهيد وقف جمعٌ يندبونه وينعونه ويلطمون رؤوسهم ووجوههم. كان عويل بعضهم موجعًا ترتجف له القلوب، خاصة نعي النساء الثكالى. بعضهنّ خدشن وجوههنّ حزنًا فسالت منها الدماء، وبعضهنّ الآخر شددن شعورهنّ، وأغمي على أخريات، وراح من معهنّ يصفعنهنّ صفعات خفيفة على خدودهنّ ويصببن الماء في أفواههنّ ويدلّكن أكتافهنّ ليستعدن وعيهنّ. حتى إنّ الرجال انهاروا أمام جلل المصاب؛ منهم من ضرب رأسه بالجدار وآخرون ارتموا على أجساد الشهداء أو لطخوا رؤوسهم وأكتافهم بالطين. أكثر النسوة العرب عقدن حلقات كتلك التي يقمنها ليالي عاشوراء ومحرم ورحن يلطمن رؤوسهنّ وصدورهنّ. إحداهنّ تقرأ العزاء والأخريات بجنبها يردّدن من بعدها. رأيت كلّ تلك المشاهد أثناء تنقّلي بين الجموع، فكنت أذرف الدموع وأستمع إلى مراثي النساء العربيات.

تقول الناعية: واه قلن واه واه واه
يجبنها: واه علّي راحوا شهداء واه واه
- واه على محمد واه..

عندما تصل القارئة إلى اسم الشهيد، يعلو الصراخ وتتسارع وتيرة اللطم على الوجوه، ثم يزفرن الهواء مع صوت "آه آه..". انهارت بعض النسوة سريعًا وسقطن مغشيًّا عليهن. يا لها من مشاهد مفجعة. صحيح

105


92

الفصل الرابع

أنني رأيت تشييع العديد من الشهداء خلال فتنة المنافقين وتفجيراتهم الإرهابية، إلّا أنّ عددهم هذه المرة كان أكبر بكثير. شهداء مظلومون قضوا وهم نيام.

ساءت حالي، بسبب أشعة الشمس الحارقة ورائحة الدم والبارود والتراب المنبعثة في المكان من جهة، وبسبب رؤية كلّ هذه المشاهد الموحشة من جهة أخرى؛ وصرتُ عاجزة عن الوقوف. اسودّت الدنيا في عينيّ وشعرتُ بدوار شديد. صمدت قدر المستطاع حتى وصلت إلى عمود قريب مني واستندت إليه. خارت قواي دفعة واحدة وجلست على الأرض. ما رأيته اليوم كان أشبه بوصف مشاهد العاشر من محرم الحرام. عندما جلست، نهرتُ نفسي: "ما بك؟ ولمَ أنت ضعيفة هكذا؟".

حاولت استجماع قواي رغم الوجل والتأنيب الباطني الذي انتابني، فنهضت وذهبت إلى مغسل موتى النساء. اكتظّ المكان خارج المغسل بالمنتظرين لاستلام جثث شهدائهم. فما إن يُفتح الباب حتى تندفع بعض النسوة إلى الداخل للإشراف على غسل وتكفين عزيزة لهنّ، وفي المقابل كان يُغلق الباب بسرعة عندما يخرجون كل جسد. وقف شخص عند المدخل، يدوّن الأسماء ويُدخل أجساد الشهيدات إلى المغسل بحسب اللائحة. تمكنت بعد مدّ وجزر وتدافع للجموع من شقّ طريقي والوصول إلى الباب. طرقت الباب عدّة مرات ولكن أحدًا لم يفتح، لذا انتظرت؛ وما إن أخرجوا إحدى الشهيدات حتى اندفعت داخل الغرفة وبضغط الجموع ألفيتني واقفة وسطها. توقعت أن ينهرني أحد فتسارعت خفقات قلبي وأنا أنظر في الأرجاء بخوف ووجل. كان المغسل غرفتين متداخلتين بباب واحد ولا تتجاوز مساحة الغرفة

 

106


93

الفصل الرابع

 

التي أقف فيها 12 مترًا، جدرانها وأرضيتها إسمنتيّة فزاد لون الإسمنت الرمادي من وحشتها. كان يكفي لإضاءة الغرفة نافذة خشبية خضراء اللون، في الجدار المقابل، مع مصباح كهربائي ضعيفٍ ووحيدٍ.

كلّ ما في الداخل بدا بلا روح يوحي بالبرودة والكآبة. لكنّ أكثر ما ألهب مشاعري مشهد أجساد الشهيدات المسجّيات على الأرض من الجانبين حتى وسط الغرفة. كانت رؤوسهنّ باتجاهي وأقدامهنّ باتجاه الباب الخشبي بين الغرفتين. ما إن وقع نظري عليهن حتى تراجعت لا إراديًا خطوة للوراء. بعضهنّ أفواههنّ وأعينهنّ نصف مفتوحة ومنهنّ من تملأها الدماء، كانت وجوههنّ ورؤوسهنّ مشوّهة وغارقة بالدم. نساء شابات قد تهشمت أطراف بعضهن وبقيت متدلّية من أجسامهنّ، وقُطّعت أطرافُ أخريات. أكثر ما آلمني جسد إحداهنّ وقد قُطعت يدها من الذراع وتشظّى لحمها، فتذكرت "دا" عندما كانت تسأل الله حاجةً ملحّة، تُقسم عليه بيدَي أبي الفضل العباس المقطوعتين.

عند رؤية هذه الجثامين خارت قواي ثانية وانتابتني حالة من الغثيان؛ ليت أحدًا يرشّ الماء على وجهي ويناديني: "انهضي، إنّه مجرّد كابوس"، لكن هيهات، فأصوات العويل والنواح خارج المغسل ورائحة الدماء والكافور والأرض الموحلة داخله تبوح بغير ذلك وحقيقة لا مفرّ منها! ندمت لأنني جئت إلى هنا وحدّثتُ نفسي: "ألم يكن من الأفضل لك لو تابعت طريقك إلى المسجد؟ فلربما وجدت ما تستطيعين القيام به بدل المجيء إلى هنا".

كان في الجانب الأيمن للغرفة خزانة معدنيّة وبجانبها مغتسل إسمنتي. جلستْ إلى جانب المغسل سيدة عجوز بدينة يتصبّب العرق

 

107


94

الفصل الرابع

من جبينها وبدا أنها تلتقط أنفاسها من شدّة التعب فلم تنتبه لمجيئي. كنت ما أزال أقف مذهولة عندما خرجت سيدة نحيلة مربوعة القامة من الغرفة الثانية، بشرتها شديدة السمرة مائلة إلى الصفرة، ترتدي ثيابًا فضفاضة داكنة اللون وتعقد على رأسها منديلًا قطنيًّا. عندما مرّت بالقرب مني زكمت أنفي رائحة السجائر المنبعثة منها، فأدركت حينها سبب الزرقة حول شفتيها. ذهبتْ ناحية الخزانة وفجأة التفتت نحوي ورمقتني بنظراتها. كاد قلبي ينسلخ من مكانه وظننتُ أنها ستطردني. سألتني بصوت متقطّع ضعيف: "هل جئت للمساعدة أم تبحثين عن شهيدة لك؟".

أجبتها بذهول: "بل جئت للمساعدة".

لا أدري ماذا رأت في ملامحي، فسألتني: ألا تخافين؟

قلتُ لها وعلامات الضعف والاضطراب ما زالت مسيطرة علي: "سأحاول أن لا أخاف".
- إذًا تعالي لتساعديني.
- حاضر.

أخرجتْ من الخزانة قماشًا كتانيًا وقالت: "خذي هذا وقصّيه بمساعدة تلك السيدة إلى أكفان".

أخذته وذهبت إلى العجوز. استرقت النظر إليها. لقد خُطف لونها والتصق ثوبها بجسمها من شدة التعرّق كما انسدلت جدائلها المحنّاة من تحت منديلها. لففت عباءتي حول خصري وجلست القرفصاء قبالتها. كسرتُ حاجز الصمت وقلت لها: "عافاك الله" هزت رأسها وأخذت

108


95

الفصل الرابع

القماش منّي وقاسته بالشبر ثم أعطتني طرفه وقصّته.

أثناء تفصيل القماش، تناهى إلى سمعي صوت من الغرفة الخلفية. وددت لو أعرف ماذا يجري هناك. ميّزتُ صوت سيدة أعلى من غيرها تقول بشفقة: "صبّي الماء هنا، أمسكي الخرطوم جيدًا. لِم تفعلين هذا؟ ستسقط المسكينة! صبّي الماء". عندما قالت: "ستسقط!"، شعرت أنّ قلبي سيتوقف عن الخفقان. أدرت رأسي عدة مرات لأرى ماذا يجري ورأيت من خلال شقّ الباب رأس سيدة ملقاة على المنصّة والماء ينساب من شعرها المتدلّي، كما رأيت يدين بقفازين تصبّان الماء من الدلو على جثمانها. كنت قد رأيت هذا المشهد منذ أكثر من عام عندما توفيت "ناهيد" أخت زوجة خالي "ناد علي" متأثرة بحروق أصيبت بها أثناء إشعال فحم الشواء؛ مع أنّ حروقها لم تكن بليغة إلّا أنها توفيت بسبب توقف كليتيها عن العمل؛ فقد تدلّى شعرها الطويل والناعم كهذه من حوض المغسل وكان يتراقص تحت ضغط خرطوم المياه. شغل ذاك المشهد تفكيري ولم يفارق مخيّلتي وعذبني لوقت طويل، وها هو اليوم يتكرّر ثانيةً أمام ناظري.

لمّا أنهينا قصّ الأكفان، قالت السيدة العجوز: ضعيهم في الخزانة. وضعتهم على رفّها وذهبت إلى الغرفة الثانية. ضجّت المشاعر داخلي وتلاطمت عندما تذكّرت كيف أنّي شققت طريقي بصعوبة وسط الحشود وارتميت داخل المغسل، والأهم من ذلك أنني هنا من دون علمٍ وإذنٍ من والديّ! كان عليّ القيام بعمل ما حتى أبرّر موقفي وفعلي. من جهة أخرى أردت أن أجرّب كل شيء، دخلت الغرفة على الرغم من صعوبة رؤية الجثث بهذا الوضع! مهما يكن خطوت خطوة

 

109


96

الفصل الرابع

 

داخل الغرفة، وما إن رأيت سيل الدم حتى جمعت عباءتي تحت إبطي. كان المغسل وسط الغرفة وأول ما لفت نظري جدول صغير محيط به تجري فيه الدماء، وتصورت المسلخ للحظة.

في ما مضى، كان منزلنا في شارع "مينا" قريبًا من المسلخ، وكنت في بعض الأحيان أذهب إلى هناك مع "دا" والجيران لشراء "النيفا (رأس الغنم)، القوادم والكروش". كالعادة وبسبب فضولي، كنت أنظر من النافذة فأرى حمام الدم يجري تحت الخراف المذبوحة والمعلّقة. كم كنت أشفق على تلك الخراف؛ ما أشبه هذا المسلخ بذاك!

يقع على جانبي الغرفة منصّتان إسمنتيتان، يغسلون الجثث عليهما. غُطّي زجاج النوافذ المشجّر بقماش الكتان كي تُحجب رؤية الظلال من الخارج، وضوء المصباح الكهربائي المعلّق فوق الحوض ينعكس على الماء، فيزيد الإنارة في الغرفة. كان عدد من النساء المسنّات يساعدن المغسّلات، وتولّت نحو ثلاثة منهن فتح وإغلاق صنابير المياه، وأخريات قصّ ملابس الجثث ونزعها أو غسل الجثث بالكافور في المرحلة الأخيرة حيث يأخذن ماء الكافور بالدلو من حوض الماء ثم يسكبن بكأس حمراء اللون على الأجساد، وعندما ينتهي غسل جثة، يحملن جثّة أخرى إلى الحوض. كانت جروح بعض الجثث تنزف بغزارة كالأضاحي؛ وما إن تمسّ المياه تلك الجروح حتى يزداد النزف وتدفّق الدماء. كم عذبتني تلك المشاهد واعتصرت فؤادي. من جهة أخرى وتّر أعصابي صوت قرقعة قبضة السطل المعدني الصدئة الذي ينقلون به الكافور من الحوض. كم اشمأزت نفسي من ذلك السطل؟!

تسمّرت في مكاني أنظر من حولي، رأيت سيدة تعمل على المنصّة

 

110


97

الفصل الرابع

المقابلة، وتبدو أكثر احترافًا من غيرها فتوجّههنّ وتشرف على عملهنّ. عندما أدارت وجهها عرفتها؛ إنها "زينب رودباري" موظفة البلدية في مقبرة جنت آباد. كانت ترتدي زيًّا كحلي اللون ووشاحًا أسود، وتنتعل "جزمة" سوداء وترتدي قفازين أسودين. كانت زينب تقطن في زقاق قريب من منزلنا وكنت أسلّم عليها عندما ألتقيها في الحيّ أو السوق وأحمل لها أيام عاشوراء النذورات التي نطهوها في منزلنا. لكنها الآن ولشدة انشغالها لم تلاحظني ولم تسمع سلامي حتى.

حرت ماذا أفعل، والجثث على أرض المغسل جعلتني أتردّد كثيرًا. فمن جهة قلت في نفسي: ليتني لم آتِ إلى هذا المكان؛ ومن جهة أخرى، فكرت: "حسنًا فعلتُ بقدومي". وأنا على تلك الحال من الصراع الداخلي، رأيت إحدى النسوة وقد وضعت السطل على الأرض وراحت تحرك ظهرها وعنقها حركات رياضيّة لتدرأ التعب عن نفسها. لم تلتفت زينب إلى توقفها وقالت وهي ما تزال غارقة في عملها: "صبّي الماء هنا". بادرتُ حينها بحمل الدلو وملئه من الحوض الذي فرغ حتى النصف. وبعد أن صببتُ الماء ووضعته على المنصّة قالت لي زينب: "سلمت يداك".
- لقد جئت للمساعدة، أنا مستعدّة للقيام بما تطلبين.

سألتني سيدة واقفة بالقرب من زينب: "ألا تخافين؟".
- خفت في البداية، لكن الأمر أصبح عاديًا الآن.

هزّت برأسها وقالت: جزاك الله خيرًا يا ابنتي.

بدأت عملي شيئًا فشيئًا. بداية وقفتُ عند صنبور المياه أفتحه

 

111


98

الفصل الرابع


وأغلقه حسب طلب المغسّلة، وأحضر لها كلّ ما تطلبه منّي: الكافور من الخزانة أو القطن، أو أن أصبّ الماء بالإناء أو أمسك بخرطوم المياه. كانت جميع النسوة مسنّات، لذا شعرن بالرضى لأنّ هناك من جاء لمساعدتهنّ، خاصة أنّ التعب قد أخذ منهنّ كلّ مأخذ. إلى جانب انشغالي بعملي، بدأت أقلق من "دا"، وأخشى أن تأتي وتؤنبني قائلة: "يا معميّة العين! لمَ جئتِ إلى هنا؟ لنرى بما ستجيبين والدك!". والأسوأ من ذلك أن يأتي والدي بنفسه إلى هنا بحثًا عني. وخوفًا من هذا الأمر، بقيت متيقّظة أصغي إلى الأصوات خارج المغسل، حتى إذا ما تناهى إليّ صوت مألوف، رتّبتُ وضعي وتأهّبت، لكنّني لم أسمع غير همهمات ونواح وولولة وعويل. عندما كانوا يُدخلون شهيدة أو يُخرجون أخرى، تشتدّ الأصوات وتُسمع بوضوح أكبر، وتتناهى إلى مسمعي أصوات مراثٍ ونواح بجميع اللغات: العربية والتركية واللورية والبختيارية، كما اللهجة الفارسية الشيرازية والأصفهانية.

عندما رُفع أذان الظهر، توقفت النسوة عن العمل لأداء الصلاة والاستراحة. بعد أن أتمّت المغسّلة غسل جسد شهيدة بين يديها، أمسكت خرطوم المياه وغسلت يدي من المرفقين وقدمي إلى ما فوق الركبة، كما غسلت أطراف سروالي وأكمامي من آثار الدماء. مع أني كنت حذرة كي لا تتلوث ملابسي بالدماء أثناء العمل لكن من دون جدوى، إذ كانت الدماء ترشح على ملابسي أثناء رفع الجثث ووضعها على المغسل. ثم غسلت وجهي وأطراف حجابي وكذلك حذائي، وحرصت على أن لا يتلوّث مجدّدًا، وخرجنا من المغسل شاقّين طريقنا وسط الجموع المنتظرة. أخبرت السيدة زينب أنّني سأذهب إلى المنزل

112


99

الفصل الرابع


لأنني خرجت صباحًا وأسرتي لا تعرف عني شيئًا، وأنّ والديّ قلقان عليّ كثيرًا، ثم وعدتها أن أعود ثانيةً إن سمحا لي بذلك.

شكرتني زينب؛ ودّعتها وحثثت الخطى إلى المنزل. تعبت كثيرًا خلال الساعات الثلاث الماضية، وأكثر ما أتعبني تلك المشاهد التي واجهتها منذ الصباح والتي لم أصدقها بعد. لم أكن لأعلم أنّ الشراشف البيضاء المستخدمة كثيرًا في المنزل قد تكون يومًا من الأيام أكفانًا. حتى ذلك الوقت أعتقدت أنّ الكفن لباس مقدّس يرتديه الإنسان في رحلته إلى الآخرة! أما الآن، فقد انتابني شعور سيّئ للغاية إزاء التفكير بهذه الأشياء. كلّما دنوت من المنزل ابتعدت عنّي تلك الأفكار ليحلّ محلّها القلق. ماذا عليّ أن أخبر والدي؟ وماذا سأقول له ليقتنع؟ صحيح أني أحبّه كثيرًا، لكنّني أهابه أكثر! وأرتجف خوفًا عندما يغضب. بالطبع لم يكن ليغضب من دون سبب وجيه، فهو لا يستسيغ فكرة أن يتسكع أولاده في الأزقّة، وأنا أستحقّ ما سأتعرّض له لخروجي من المنزل منذ الصباح دون علم أو خبر. من جهة ثانية، كنت أعرف أنّ "دا" اضطرّت للقيام بالأعمال الموكلة إليّ أساسًا، وبالتأكيد قد وشت بي لوالدي!

عندما وصلت إلى باب المنزل، طرقته وأنا أتوسّل إلى الله وأصلّي على النبي وآله، فسمعت صوت شقاوة حسن وسعيد من فناء المنزل وقد هرعا لفتح الباب. ما إن دخلت، حتى أطلّت "دا" من المطبخ الذي يُفتح على الفناء، رمقتني بنظرة من رأسي إلى أخمص قدميّ ثم أشاحت بوجهها ناحية نافذة غرفة الاستقبال حيث يجلس والدي خلف الشباك مستغرقًا بالتفكير ويده على ذقنه والحزن بادٍ على محيّاه.

دخلت وقد جفّ حلقي من شدّة الخوف. بلعت ريقي وقلت: سلام.
 

113


100

الفصل الرابع

من عادة والدي أن لا يردّ السلام إذا كان غاضبًا منّا أو يقول: "لا عليك السلام"، لكنّه أنزل يده وقال: وعليكم السلام يا ابنتي. كان لحن كلامه عاديًّا فتنفّست الصعداء وقلت في نفسي: "الحمد لله انقضت على خير، ربما لم يكن يعلم بغيابي عن البيت". أكملت طريقي إلى داخل البيت فاستوقفتني "دا" قائلةً:
- أين كنت يا عديمة المسؤولية؟ سيجعلك والدك شهيدة!

قبل أن أجيب، سألني والدي الذي بدا وكأنه التفت للأمر:
- أين كنت؟

ولكي أبرّر غيابي، قدّمت أعذارًا متلاحقة:
- كنت في "جنت آباد"، المقبرة مليئة بالشهداء وقد ذهبت للمساعدة.
- وماذا كنت تفعلين في جنت آباد؟
- كنت أساعدهم في المغسل فعدد الشهداء كبير.
- وكيف كنت تساعدين؟
- كنت أساعد في غسل وتكفين الشهداء.

بشّ ورمقني بنظرة متفحّصة ثم سألني:
- ألم تخافي؟
- بلى، خفت كثيرًا في البداية وساءت حالي.

أردت أن أقول إنني أصبت بالدوار والغثيان، لكنني تراجعت وقلت

 

114


101

الفصل الرابع

بدلًا عن ذلك:
- حاولت السيطرة على مشاعري وأن أقوم بالعمل فحسب.
- عافاك الله يا ابنتي، هذا يوم يتوجّب فيه على الجميع التعاون ومدّ يد المساعدة.

فرحتُ وسألته: هذا يعني أنك موافق على أن أذهب لمساعدتهم؟
- أجل، إن شعرتِ أنّك تستطيعين تقديم المساعدة اللازمة ووجودك هناك مثمر فأنا موافق.
- ماذا لو تأخر الوقت؟ فالعمل كثير هناك ومن الممكن أن أتأخر في العودة إلى المنزل، فهل تمانع في ذلك؟
- حاولي العودة قبل غياب الشمس. لكن لا يهم إن تأخرتِ.

كدت أطير من الفرح، لم أصدّق ردّ فعل والدي الإيجابي. ذهبت نحو النافذة، أخذت يده من خلف قضبانها الحديدية وقبّلتها، فقال بهدوء وابتسام: "ما الذي تفعلينه يا ابنتي؟"، لكنّني تابعت تقبيلها أكثر من مرة، فقال بمزيد من الحب والحنان: "لا تفعلي هذا يا ابنتي كفى!".

أردت الدخول إلى الغرفة لأقبّل وجنتيه من شدّة الفرح، لكن ما إن وصلت إلى باب البهو حتى صاحت "دا" : إلى أين؟!

فهمت ما كانت ترمي إليه وقلت: لقد غسلت نفسي جيدًا.
- اخلعي عباءتك أوّلًا.

خلعت عباءتي وحجابي ووضعتهما خارجًا. لكن "دا" اعترضت ثانيةً

 

115


102

الفصل الرابع

وقالت: "اخلعي جواربك أيضًا!". عندها علا صوت والدي وقال لها: "دعيها وشأنها فهي متعبة". قلت لها: "اصبري يا أمي سأذهب إلى الحمام".
- لا يمكنك الدخول بهذه الجوارب.

ذهبت إلى صنبور الماء، خلعت جواربي وغسلت قدميّ ثم دخلت إلى غرفة الاستقبال حافية القدمين. كان والدي ما زال واقفًا أمام النافذة يفكّر. قلت له: "أشكرك يا أبي، لقد خشيتُ أن تؤنبني عند عودتي إلى المنزل".

التفت إليّ وقال: "ولمَ أؤنبك؟ فأنت لم تفعلي ما يستوجب ذلك" ؟
- صحيح، لكنّني ذهبت من دون إذنك، وطال الأمر لذا كنت قلقة.
- لقد قمت بالعمل الصحيح الذي يتوجب عليك، جزاك الله خيرًا، أنا راضٍ عنك وليرضَ الله عنك أيضًا.

قال هذا وقفزت نحوه لأرتمي في حضنه، فمنعني بيديه وقال: "على مهل، على مهل، اصبري".

نسيت أنني لم أغتسل غسل مسّ الميت بعد. تعلّقت بعنقه وقبّلت وجهه، وكذا عينيه اللتين تمنعني هيبتهما من النظر إليه مباشرةً. ثم ولشدة ابتهاجي، أعدت عليه السؤال: قلتَ إنك ستسمح لي بالذهاب، أليس كذلك؟

قبّل وجهي وأنزل يديّ من حول عنقه، ثم نظر إليّ وقال: "أجل، فاليوم يتوجّب على الجميع تقديم المساعدة. ولا فرق هنا بين الرجل والمرأة، يجب أن نتعاون لندافع عن وطننا ولا نسمح للأجنبيّ بتدنيس

 

116


103

الفصل الرابع

ترابنا وشرفنا وعرضنا. علينا أن نواجهم رجالًا ونساءً"، وتابع: "كنت اليوم في جنت آباد، وعاينت الوضع عن كثب. لقد أرسلونا لحفر قبور للشهداء؛ إذ إنّ الحفّارين هناك عجزوا عن إنجاز جميع المهام".
- إذًا كنت هناك؟
- أجل لكنّني لم أطق البقاء هناك لحفر القبور فحسب؛ عليّ أن أذهب مع المقاتلين للتصدّي للأعداء، فأنا أستطيع القيام بما هو أهم من حفر القبور.. والآن أخبريني ماذا يجري في المغسل؟

أخبرته عن الوضع في المغسل وشهادة النسوة المظلومات وعن تعب السيدات هناك بسبب كثرة أعداد الشهداء. في تلك الأثناء كانت ليلى تتردّد إلى الغرفة وتصغي إلى حديثنا. تأثر والدي كثيرًا بما سمعه منّي وشعرت أنّه استغرق بالتفكير أكثر من ذي قبل. وأمكن إدراك مدى حزنه بوضوح من تعابير وجهه. فجأةً ومن دون أن ينبس ببنت شفة نهض وخرج من المنزل.

ارتاح بالي بعد أن سمعت كلام والدي، وخاصة أنّه أعطاني الإذن بالذهاب ثانيةً، كما شعرت أنني أصبحت أفضل حالًا، فقرّرت المضي إلى جنت آباد بلا تباطؤ.

عندما هممت بالخروج من البهو، قالت لي ليلى: "أريد الذهاب معك يا زهراء".
- إلى أين؟ ولماذا؟
- إلى حيث كنت. وأنت لماذا ذهبت إلى هناك؟
- ذهبت للمساعدة.
 

117


104

الفصل الرابع

- حسنًا، أريد المساعدة أيضًا.
- لا حاجة بك للذهاب إلى هناك، فهو ليس بالمكان المناسب لك. سوف تتأذين كثيرًا.
- وكيف لك أن تعرفي أنني سأتأذّى؟
- لقد حطّم فؤادي ما شاهدته اليوم، فكيف بك أنت؟

صمتْتُ ولم أتفوّه بكلمة. خرجت إلى الفناء حيث صنبور الماء لأتوضّأ بدل غسل مسّ الميت2، ثم صليت في الشرفة. شعرت بتحسّن كبير بعد الصلاة وكأنّ همًّا كبيرًا قد انزاح عن كاهلي. ارتديت جواربي وكانت رائحة الكافور ما تزال عالقة بها رغم أنني غسلتها. في تلك الأثناء جاءت زينب الصغيرة ذات الخمس سنوات لأضمّها، فهي لم ترَني منذ الصباح. قلت لها: "لا تقتربي يا عزيزتي فملابسي متّسخة". رفعتْ رأسها وعقدتْ حاجبيها ثم رمقتني بعينيها اللوزيتين المشعّتين كنجمتين، بنظرة مستنكرة فهي لم تتوقع هذا التصرّف منّي.

قلت لها: "سأذهب وأعود عند الغروب عندها أبدّل ملابسي وأضمّك إليّ. والآن أخبريني ماذا فعلت من الصباح حتى الآن؟".

سمعت "دا" صوتي فخرجت من المطبخ وقالت بلهجة معترضة: إلى أين إن شاء الله؟
- سأذهب إلى جنت آباد.
- ولمَ تريدين العودة إلى هناك؟
 
1- علمت فيما بعد أنه كان يتوجب عليّ التيمم بدل غسل مسّ الميت، والوضوء للصلاة بعد الغسل.


118


105

الفصل الرابع

- أما رأيت! قد سمح لي والدي بذلك.
- وماذا أفعل أنا؟ لقد تركتِ المنزل منذ الصباح، وبقيتُ مع كل هذه الأعمال وحدي.

كنت على يقين من أنّ الذي أتعبها ليس العمل وحسب، إنما الأطفال أيضًا؛ فقد كانوا يهابونني أكثر منها [لتشدّدي معهم]، ولذلك لم تستطع تحمّل كل تلك الأعباء، وهذا ما أفصحت عنه:
- لقد تعبت من شقاوتهم.
- لكن ليلى هنا!

كرّرتْ بعصبية وتهكّم: "ليلى هنا!".

وضعتُ عباءتي على رأسي؛ ومع أنّها كانت مستاءة منّي قالت: "ألن تتناولي طعام الغداء؟ انتظري لأحضره لك".
- لا أريد، لا شهية لي على الطعام.

خرجتُ وذهني مشغول؛ إذ كان تصرّف والدي بالنسبة إليّ عجيبًا. مع أنّني فرحتُ لأنّه سمح لي بالذهاب، كنت أفكر في كلامه وأتذكر ملامحه حينها. لم يكن من الذين يستكينون في مكان وبدا لي كأنّه خلّف كل متعلّقات الحياة وراء ظهره.

رافقتني هذه الأفكار إلى جنت آباد. لم يكن الحال هناك أفضل مما كان عليه صباحًا، لكنّني كنت مرتاحة البال ولا شيء يقلقني. صحيح أنني اعتدت على المغسل، لكنني لم أكفّ عن ذرف الدموع أثناء العمل وحاولت أن لا أحدّق بالجثث كثيرًا. فجأة رأيت وجهًا مألوفًا

 

119


106

الفصل الرابع

 

بين الدفعة الجديدة من الجثث. ارتعدت فرائصي؛ إنها إحدى جاراتنا القديمات، وإلى جانبها جثتا طفليها. خنقتني العبرة وشعرت بدوار. حينما كنّا نغسلها ونكفّنها، سمعنا عويل زوجها في الخارج، عويل يفتّت الصخر الجلمود. كنت أخمّن بما يفكّر به وأي ذكريات يستحضر أمام ناظريه. كان الزوج رجلًا بهيّ الطلعة أبيض البشرة، عشق هذه الفتاة السوداء البشرة التي حُرمت من نعمة الجمال. لم يكن من قواسم مشتركة بينهما لكن عشقهما كان عجيبًا. تزوّجا رغم معارضة عائلتيهما، وحتى بعد ولادة الحفيدين ظلّت عائلته غير راضية عن هذا الزواج، إلى أن أُجبر على طلاقها، لكنّه لم يحتمل الأمر لأكثر من عدة أسابيع فأعادها إلى منزله. لم يكن الزمن قد عفى تلك الحادثة، ولربما هو يؤنب نفسه الآن على فعلته تلك وجفائه لها. خرجتُ مع الأجساد الثلاثة أثناء تسليمها إلى الزوج الذي ارتمى على أجساد زوجته وولديه وضجّ بعويل مؤلم وموجع. كان ينهض ويلطم رأسه ويعفّره بالتراب وينادي: "يا الله!!".

هزّ كياني هذا المشهد، كم تمنيت لو أستطيع تهدئته وأخبره أنني أفهم ما يعانيه! لكن حيائي منعني من ذلك. لم أطق النظر إليه أكثر فعدت بسرعة إلى المغسل. هناك شعرت بالضعف والوهن ثانية، وما زال السؤال يجول في رأسي: "لمَ؟ لمَ حدث كل ذلك؟ ما ذنب الناس؟".

سلخني صوت زينب عن أفكاري، وهي تقول بعصبيّة: "أحضري الكافور من خزانة تلك الغرفة!". دُهشت لها، فهي منذ الصباح وعلى رغم التعب لم يصدر منها غير الكلام الطيب، فلمَ تحدثت معي الآن بهذه الحدّة؟ قلت في نفسي: لربما تعبت وأعياها الإرهاق. لذا لم

120


107

الفصل الرابع

 

بين الدفعة الجديدة من الجثث. ارتعدت فرائصي؛ إنها إحدى جاراتنا القديمات، وإلى جانبها جثتا طفليها. خنقتني العبرة وشعرت بدوار. حينما كنّا نغسلها ونكفّنها، سمعنا عويل زوجها في الخارج، عويل يفتّت الصخر الجلمود. كنت أخمّن بما يفكّر به وأي ذكريات يستحضر أمام ناظريه. كان الزوج رجلًا بهيّ الطلعة أبيض البشرة، عشق هذه الفتاة السوداء البشرة التي حُرمت من نعمة الجمال. لم يكن من قواسم مشتركة بينهما لكن عشقهما كان عجيبًا. تزوّجا رغم معارضة عائلتيهما، وحتى بعد ولادة الحفيدين ظلّت عائلته غير راضية عن هذا الزواج، إلى أن أُجبر على طلاقها، لكنّه لم يحتمل الأمر لأكثر من عدة أسابيع فأعادها إلى منزله. لم يكن الزمن قد عفى تلك الحادثة، ولربما هو يؤنب نفسه الآن على فعلته تلك وجفائه لها. خرجتُ مع الأجساد الثلاثة أثناء تسليمها إلى الزوج الذي ارتمى على أجساد زوجته وولديه وضجّ بعويل مؤلم وموجع. كان ينهض ويلطم رأسه ويعفّره بالتراب وينادي: "يا الله!!".

هزّ كياني هذا المشهد، كم تمنيت لو أستطيع تهدئته وأخبره أنني أفهم ما يعانيه! لكن حيائي منعني من ذلك. لم أطق النظر إليه أكثر فعدت بسرعة إلى المغسل. هناك شعرت بالضعف والوهن ثانية، وما زال السؤال يجول في رأسي: "لمَ؟ لمَ حدث كل ذلك؟ ما ذنب الناس؟".

سلخني صوت زينب عن أفكاري، وهي تقول بعصبيّة: "أحضري الكافور من خزانة تلك الغرفة!". دُهشت لها، فهي منذ الصباح وعلى رغم التعب لم يصدر منها غير الكلام الطيب، فلمَ تحدثت معي الآن بهذه الحدّة؟ قلت في نفسي: لربما تعبت وأعياها الإرهاق. لذا لم

120


108

الفصل الرابع

أنزعج منها وأسرعت إلى تلك الغرفة. مررت قرب أجساد الشهيدات فشعرت وكأنّ الكهرباء قد صعقتني، رأيت وجهًا مألوفًا آخر، إنها "عفّت"، كنا نعيش منذ عدة سنوات في نفس الزقاق، والآن ها هي على أرض المغسل وبين يديها طفلها ذو العام الواحد، كنت أعلم أنّ مولودها سيبصر النور خلال أيام. كانت "عفت" قد تزوجت منذ حوالي 8 سنوات لكنها لم تنجب أطفالًا، ولم تترك عائلتها بابًا إلّا وطرقته ولا نذرًا إلّا ونذرته، إلى أن حملت بطفلها الأول. وبمجيء هذا الطفل انقلبت حياتها، فقد حمل معه الفرح وأعاد الحياة إلى هذه العائلة ولم تنقضِ أشهر على ولادة طفلها الأول حتى حملت بالثاني.

جلستُ قربها، أصابت رأسها شظية بينما بقي جسمها سالمًا، وأصابت شظيّتان خاصرة وحلقوم ابنها، وقد أحضروهما وهما على هذه الحال: الأم تضمّ طفلها إليها! وبالعبرة التي خنقتني أدرت وجهي ناحية النسوة وقلت: "لمَ حدث لهما هذا؟ لقد انتظرت هذا الطفل 7 سنوات!". لم أعد أحتمل، حدّثتهنّ عن بعض تفاصيل حياة عفّت، فأظهرن الأسى ولعنّ صدام كثيرًا. عندما وصل دور تغسيلها، طلبت النسوة أن أساعدهنّ في وضعها على المغسل، أبيت وقلت: "لا أستطيع".

قلن: "هل تعبت بهذه السرعة؟".
- لا لم أتعب لكني أعرفها وهذا صعب عليّ.

خرجت من المغسل. بدا أنّ الزحام قد خفّ، وقد أصاب الإعياء كثيرين ممّن بقوا وانهاروا من شدة البكاء والحزن. خشيت أن أرى زوج "عفت" بين المنتظرين فلا أدري ما سأقول له. بعد كل تلك السنوات من الانتظار، وبعد أن طرقت السعادة باب منزلهما، خسر كلّ شيء في

 

121


109

الفصل الرابع

ليلة واحدة. سئمت من نفسي ومن بقائي على قيد الحياة ورؤية مثل هذه المناظر ومواجهة هذه المواقف. جلتُ هنا وهناك في المقبرة ولم يكن اليوم، قد انقضى بعد. ذهبت نحو مدخلها لعلّي أرى شيئًا غير ما رأيته اليوم وقبل أن أصل إلى الباب، لفتني نحيب سيدة عجوز طويلة القامة ونحيلة. عرفت من تجاعيد وجهها أنها طاعنة في السنّ لكنها ما تزال نشيطة، وقد وَشَمَتْ ما بين حاجبيها، صدغيها وتحت شفتيها إلى حافة فكها باللون الأخضر. كانت ترتدي ثوبًا حريريًّا أسود مزيّنًا بأوراق خضراء، مع وشاح أسود كبير لفّته على رأسها بشكل عمامة فوق المنديل. وكما هو معروف عند الأكراد، فقد أرخت خصلتي الشعر على جانبي جبينها وتدلّت حتى كتفيها. والأعجب من ذلك، خصل الشعر التي انتزعتها أثناء بكائها ونواحها والتفّتْ حول يديها اللتين كانت تديرهما في الهواء وتهوي بهما بقوة على صدرها فيسمع صوت ارتطامهما بعظام قفصها الصدري. عندما مررت بها سمعتها تقول في المرثية: "يا ويلي قتل الكفّار فلذة كبدي يا ويلي". ثم كانت تلعن صدام: "فليُثكل صدام بأولاده، كما حرمني ابني". رفعت رأسي إلى السماء وقلت: "ألا يكفي ما مرّ على الناس خلال فتنة المنافقين والتفجيرات؟ إلى متى سنتحمل كل هذا البلاء؟". ثم رحتُ أمنّي النفس بما تناهى إليّ من أن الجيش سيصدّهم ويدحرهم خلال أيام وستأتي مقاتلاتنا وتقصف الأعداء، لن يجرؤوا على التقدم خطوة واحدة ولن يطول الأمر كثيرًا وينتهي كما انتهت فتنة "خلق العرب"، وغيرها من المؤامرات.

منّيت النفس بهذا الكلام وعدت إلى المغسل. كانت زينب تغسل عفّت بينما تغسل السيدة مريم (السيدة المدخنة) ابنها. مهما حاولت

122


110

الفصل الرابع

 

أن أسيطر على عواطفي حيال موت "عفّت" وأن أشيح بنظري عنها ما أفلحت. لقد ازرقّ لون شفتيها الجميل وشحبتا، وأطبقت عيناها، اللتان كانتا تبدوان في كل مرة بلون مختلف، إلى الأبد. عندما كانوا يحلّون ضفائرها الطويلة ساءت حالي مجدّدًا، وفقدت القدرة على التحمّل هرعت إلى الغرفة الثانية وتكورت على نفسي من شدة الحزن. شعرت بضيق في النفس وبألم شديد في الحلق كأنّه قد تورّم، أطبق ثقل على صدري وحلقي وتمنيت أن لا يطلب أحد مني شيئًا ريثما ينتهين من غسلها. عند تسليم الجثة، خرجت بدافع الفضول، كنت أعلم أنّ أختها وأمها اللتين قد جاءتا من "أزنا" لحضور ولادة طفلها الثاني. مع أنهما لا يعرفاني جيدًا، إلّا أنني جهدت ألا يرياني واختبأت خلف زينب. جاءتا الآن لنقل جثمانها إلى مسقط رأسها. كانت والدة عفت تتحدث إليها باللهجة المحلية وكأنّها ما تزال على قيد الحياة، وقد جفّت مقلتاها من كثرة البكاء، وأحيانًا تلطم رأسها وصدرها بقوة كمن يريد قتل نفسه. صارت أخت عفت تبكي وتأخذ بيدي أمها. فكرت أن أقول لها: "ابكي قليلًا كي ترتاحي"، وفعلت. فردّت: "لكن لمَ البكاء؟ لقد جئنا من أجل حمام الولادة فحسب"، ثم قالت لابنتها: "أشعلي البخور لأجل أختك، لمَ تبكين؟". ثم وضعت رأسها على بطن ابنتها؛ ربما أرادت أن تعرف إذا ما كان الجنين حيًّا في بطنها! جعلني تصرّفها هذا أحترق حزنًا. ولربما راحت بها الذكرى إلى حيث كانت تحمل عفّت في بطنها!

عندما ذهبن، كانت السماء تميل إلى الظلمة، ولم يأتِ أحد لاستلام الضحايا المجهولة الهوية، وقد تمّ غسلها وتكفينها منذ الصباح، ولم يتعرّف إليها أحد. وكانت الأجساد مغطّاة بأقمشة تُرفع حين يأتي شخص ليتعرّف

 

123


111

الفصل الرابع

إليها، كلّما رأيت أحدًا يرفع القماش عن جثّة كنت أشعر بالضعف وينتابني الاضطراب. ولأنّ الوقت قد تأخر، دوّنتْ إحداهن أوصاف الجثث وقالت للسيدة زينب: "هيا لندفن هؤلاء قبل أن يغادر المسؤولون وعلماء الدين". هزّت زينب رأسها إيجابًا وذهبت معهم. حزنتُ كثيرًا لأجساد النساء التي ستدفن من دون أن يُعرف لمن تعود ومن دون أن يعرف أقرباؤهنّ أماكن دفنهن. كما بقي عدد من الجثث داخل المغسل على الأرض قرب الجدار؛ أسماؤهم معروفة، لكنّ أحدًا لا يعلم ما الذي حلّ بعائلاتهم وأقربائهم، فإلى الآن لم يأت أحد لاستلامها.

حين عادت زينب إلى المغسل، كانت العجوز السمينة تدخّن الغليون ومريم تدخّن السجائر. أما البقية فكنّ مشغولات. نادتني زينب وقالت: "تعالي وخذي برأس هذه".

أنا التي كنت منذ الصباح أتهرّب من هذه الأعمال ولا أنقل أي جثة إلّا إذا كانت على النقالة، وجدتُ نفسي مجبرة على لمس إحداها. كانت شابة في مثل عمري؛ غير أنني نحيلة سمراء اللون، بينما هي بيضاء ممتلئة الجسم. يبدو من تناسق ألوان ملابسها أنها فتاة أنيقة ترتدي قميصًا بنّيًا غامقًا وبنطالًا سكّريًّا، ولون حجابها متناسق مع لباسها. تعبت زينب من تهرّبي من العمل وقد ضاقت بي ذرعًا، فقالت لي: "لماذا أنت مصدومة؟". وددت لو أقول لها لا أستطيع، لكن لا يمكن. عندما نظرت إلى شعرها المحترق وجسمها المثخن بالجراح وملابسها الممزّقة والمخضبة بالدماء، لم أستطع أن أجبر نفسي على لمسها، لكن زينب انحنت فوق الجثة وقالت: "هيا أسرعي لقد تأخر الوقت".

لا مفرّ من إطاعة أمرها لأبقى هناك؛ ربطت عباءتي حول خصري،

124


112

الفصل الرابع

ولأنني شعرت أنّ الفتاة تنظر إليّ قررتُ وقلت: "لن أمسك برأسها".
- وما الفرق؟
- سأمسكها من هنا، هذا أفضل لي.

ثم ذهبت ناحية أقدام الفتاة، فقالت زينب: "يا لك من فتاة".

حين أمسكتُ بقدميها، شعرتُ بوخزٍ من ظهري حتى رأسي، واقشعرّ بدني وخارت قواي، ولم أعد أستطيع حمل أي شيء بيدي. تسارعت نبضات قلبي وكاد أن ينخلع من صدري، كأنّي ركضت لساعات وساعات. كان حلقي يحترق وتقطعت أنفاسي. عندما رأت زينب ما حلّ بي قالت: "بنيّتي قولي يا الله، يا علي وارفعيها بقوة". قلت يا الله يا علي، وأمسكت بركبتيها بين يدي ورفعتها تحت إبطي.

كنّ يغسلن آخر شهيدة مجهولة الهوية، حين قلن لمن بيدها اللائحة: "توقفي عن استلام أي شهيدة فقد أنهكنا التعب. كما يجب أن نذهب إلى منازلنا وعائلاتنا، وما يحضرون من شهيدات دعيهن إلى الغد".

بدأنا بغسل وتنظيف المغسل المظلم وقد تجنّبنا إنارة المصباح الكهربائي بسبب وجود الطائرات العراقية في الأجواء. كنت أعلم أنّ الجدرانَ حيث سُجّيت الجثث ملوّثةٌ بالدماء والدخان وآثار الانفجارات العالق عليها، لهذا تمنّعتُ أن أزيلها بيدي. أما زينب ومريم اللتان تضعان القفازات فكانتا تمسحان الجدران قائلتين: "إن بقيت الدماء على الجدران فسوف تتعفّن حتى الغد وتنتشر رائحتها". غسلتُ أنا أرض المغسل بمياه الخرطوم، ثم غسلنا أيدينا وأقدامنا وخرجنا. في تلك الساعة لم يبق أحد غيري من المساعِدات، خفّت أعداد الناس في المقبرة، لكن ما

 

125


113

الفصل الرابع


زال بعضهم قرب مغسل الرجال يلطمون صدورهم ويندبون. بدا وجه إحدى النساء مألوفًا لديّ، اقتربت منها؛ كانت السيدة نوري معلمتي في المرحلة الابتدائية، وهي في حالة يرثى لها، تبكي بكاءً موجعًا. لقد كانت سيدة مرحة لم أرها يومًا إلّا والابتسامة على ثغرها. كانت بشوشة الوجه ولطيفة مع زميلاتها في المدرسة، لكنها الآن تحاول إخفاء بكائها بعباءتها. سلمت عليها وقدمت تعازيّ لها، فقالت عدة مرات والحشرجة في صوتها: "لا أفجعك الله بأخيك، ففقدان الأخ مؤلم جدًّا". وجدتُ أخواتها يندبن أيضًا وأكثرَ منها جزعًا، خاصة الصغرى منهنّ. عندما أخرجوا أخاها الشهيد من المغسل ضجّت المقبرة بالعويل والبكاء. حملوا جثة الأخ وجثة آخر شهيدة مجهولة الهويّة إلى أمام مسجد المقبرة، صلّوا صلاة الميت عليهما وحملوهما وواروهما في الثرى. وبما أنني أعرف السيدة نوري وأكنّ الاحترام لعائلتها، فقد رافقْتهم مع الجنازة، بينما ذهبت زينب وأخرى مع جنازة الشهيدة المجهولة الهوية. عند القبر، ارتمت الأخوات على نعش أخيهنّ، كما أغمي على والدتهنّ، والأب يبكي ويقول باللهجة الكردية: "روله قيطاس، روله قيطاس".

كنت أعرف أنّ قيطاس هو الابن الأكبر للعائلة ويدرس في أمريكا. لكن عندما قال الأب "قيطاس" تصوّرت أنّه عاد من أمريكا وقتل. وعندما سأل أحدهم عن اسم الشهيد ليكتبه على اللوحة المخصصة سألت الوالد: "ما اسم الشهيد؟ هل هو قيطاس؟".

صرخ وكأنّما لسعته النار وقال: "لا تقولي قيطاس، ابني قيطاس غريب هناك". جفلت وارتعدت فرائصي وقلت: "أعتذر فقد أخطأت". ثم سألت أحد الأقرباء عن اسم الشهيد فقال: "ابنهم الأصغر بيجن". عندما أرادوا

 

126


114

الفصل الرابع

 

وضع الجثمان على حافة القبر تعلّقت الأخوات والأم بالنعش، وعندما أصبح في القبر وأزاحوا الكفن عن وجهه صرخت صغراهنّ بأعلى صوتها: "ضعوني أنا في القبر بدل بيجن" وأرادت أن ترمي بنفسها فيه.

كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها عمق القبر، بدا لي ضيّقًا جدًّا ومظلمًا. كَلَّ الرجال من تصرفات أخت الشهيد. نظرت إلى وجهها المليح والجميل، وهي لم تهدأ أو تستطع صبرًا، كانت في مثل عمري، لذا حاولتُ أن أهدّئها، وأواسيها بأن الله لا يرضى بذلك ولا الشهيد، لكن من دون جدوى، فقد استمرت بالصراخ حتى غابت عن الوعي فسقطت أرضًا وسقطت عباءتها عنها. بعد أن وُضعت الألواح وأقفل القبر اجتمعت العائلة والأقارب وجلسوا حوله وأقاموا العزاء.

عادت زينب ومريم من دفن الشهيدة المجهولة الهوية، قرأتا الفاتحة عند قبر "بيجن" وقدّمتا التعازي للعائلة. وعندما رأتني زينب أحاول تهدئة الفتاة دنت منّي وهمست في أذني: "ألا تريدين العودة إلى المنزل؟ ربما بقوا هنا حتى منتصف الليل فهل ستبقين أنت أيضًا؟".

- أنا أعرفهم. سأحاول إقناع هذه الفتاة بالنهوض، اذهبا وسأعود إلى المنزل بمفردي.

كانت الفتاة تقول لأخيها: "سأبقى عندك وأصلّي لك صلاة الوحشة". عندها قلت لها انهضي أنت، والمغسّلون سيصلّون له. في النهاية وبعد إصرار الأقارب، تركت العائلة القبر، وأنا رافقتُ الفتاة إلى مدخل المقبرة حيث غادروا بسياراتهم، ثم عدت إلى حيث مغسل الرجال، وهي الغرفة المحاذية لغرفة زينب والمغسّلات، وقد حلّ المغرب ورُفع الأذان. سألت

 

127


115

الفصل الرابع

 

المغسّل العجوز الذي التقيته عدّة مرّات منذ الصباح: "هل تصلون صلاة الوحشة للميت؟"
- نحن لا نستطيع أن نصلي لجميع الموتى، إلّا إذا أوصانا أحد بذلك، فيصبح لزامًا علينا ذلك، لكن ما حاجة الشهيد إلى صلاة الوحشة؟

حينها شكرته وهممت بالانصراف. وقعت عيناي على "علي رضا" زوج السيدة السوداء البشرة؛ أثار دهشتي فهو منذ الصباح هناك، ويهيم بين القبور لا يلوي على شيء، وفي حالة ذهول، يترنّح فيسقط أرضًا وينهض.

أسرعت قبل هبوط الظلام لأودع مريم وزينب وأعود إلى المنزل.

وجدتهما تبدّلان ملابس العمل وتتبادلان الحديث وسمعت مريم تقول: "اليوم لم أستطع أن أدخّن حتى سيجارة واحدة". ضحكت من كلامها إذ كانت تدخّن كلّما سنحت لها الفرصة، فقالت لها زينب: "رأسي يؤلمني، أعتقد لأنني لم أشرب الشاي"، ثم تحدّثتا حول العمل وتعب هذا اليوم. لم تعودا تقويان على الوقوف من شدة الإعياء وازدياد ضغط العمل، وسريعًا ما كانت المغسّلة العجوز السمينة تتعب، ويصعب عليها الوقوف بسبب وزنها، فتنسحب من العمل وتذهب إلى زاوية لتدخّن الغليون، وأخيراً غادرت مع زوجها العامل في مغسل الرجال إلى المنزل قبل الأخريات.

عندما رأيت أنّ مريم وزينب تتحدّثان عن عملهما ودّعتهما عند الباب:
- إن سمحتما فأنا ذاهبة.

سمعتهما تقولان: "سلمت يداك وجزاك الله خيرًا".

ثم تقدمت زينب مني وسألتني: هل ستأتين غدًا؟
 

128


116

الفصل الرابع

- لا أدري، لنرى ما يشاء الله لنا.

ودّعتهما واتجهت نحو المنزل. شعرت أنّ زينب قد دخلت قلبي أكثر. على الرغم من أنّ الفارق العمري بيننا قرابة الضعف؛ غير أني كنت مرتاحة معها وأحسست أني قريبة جدًّا منها وبيننا علاقة وديّة قويّة. اعتادت زينب عندما تخاطب إحداهنّ تنادي: "ابنتي" ؛ بينما نادتني بـ"ابنتي العزيزة"، وهذا ما جعلها تبدو أكثر حنانًا وودًّا في نظري. كانت مريم أيضًا حنونًا وطيبة، لكن ليس كزينب قط. في الطريق، مرّت جميع مشاهد هذا اليوم في ذهني؛ من بيجن وأخواته إلى عفت زوجة "خدا رحم" وتلك المرأة السوداء البشرة التي لا أعرف غير اسم زوجها علي رضا، وغيرها من الوجوه والأحداث.

لا أدري لمَ أصبحتُ أسوأ حالًا مما كنت عليه في الصباح! شعرت أنّ كلّ هموم العالم قد جثمت على صدري. في الصباح، كنت أكثر خوفًا وذهولًا، لكن عند العصر حلّت السوداويّة وانقباض القلب محلّ الخوف. رأيت في الزقاق عددًا من الجارات؛ زوجة السيد كروهي، زوجة السيد اسكندر صاحب المتجر وأخريات. ألقيت التحية وتابعت طريقي فاستوقفتني السيدة كروهي وسألتني: "ما الأخبار؟".

لا أدري كيف علمتْ أنني كنتُ في جنت آباد فقلت لها: "كانت المقبرة مزدحمة جدًّا وكئيبة"، ثم أردفتُ: "لقد استشهدت عفت زوجة "خدا رحم" هي وابنها".

فجأةً ضربت السيدة بيديها الواحدة بالأخرى وعضّت شفتيها وحزنت كثيرًا، فسألتها النسوة: "ومن تكون السيدة عفت؟". أرادت السيدة كروهي التوضيح لهنّ وهي تبكي فاستأذنتها وتابعت طريقي

 

129


117

الفصل الرابع

 

نحو المنزل. فتح منصور الباب. دخلتُ وإذ بـ"دا" واقفة قرب الشرفة تعبة، ألقيت التحية فقالت: "يا للعجب! وأخيرًا عدتي؟".

واضح جدًّا أنها كانت غاضبة مني، فقلت لها ممازحةً: أتريدين أن أذهب ثانيةً؟

رمقتني بنظرة مستنكرة ودخلت المطبخ.

جلست قرب حوض الماء أغسل جواربي ومن هناك سألتها:
- ما الأخبار يا أمي؟
- وما غير أنّكِ تركتِني وحدي!

سألتها عن والدي، فأجابت: "لقد عاد إلى المنزل بعد خروجك مباشرة وما لبث أن غادر وطلب ألّا ننتظره، فقد أعلنوا حالة التأهّب".

عندما رأتني "دا" أجلس قرب الصنبور صاحت بي: هيا ادخلي إلى الحمام واغتسلي!

مع أنّني كنت منهكة؛ إلّا أنها لم تكن لتدعني وشأني إن لم أطعها. وقفتُ بملابسي تحت الماء ونظرت باستغراب إلى يديّ وقلت في نفسي: "كيف حملت الجثث بهما؟!".

على الرغم من أنّ الماء كان باردًا وجعلني أرتجف؛ إلّا أنه منحني شعورًا طيبًا. اغتسلت بصعوبة، فقد ضعفت قدرتي. عصرت ملابسي وناولتها لليلى المنتظرة خلف الباب كي تضعها على المنشر.

سمعت "دا" تقول لها: "لا تضعيها على المنشر، بل على السياج". فقلت في نفسي: "ماذا كانت ستفعل لو رأت حالة المغسل؟".
 

130


118

الفصل الرابع

 

أثناء غُسل مسّ الميت، تذكرت الشهيدات اللواتي غسلناهنّ اليوم، وخطر لي أنّ الفرق الوحيد بيني وبينهنّ أنني أستطيع القيام بأعمالي بنفسي؛ بينما هنّ أصبحن عاجزات. كم وددت بعد الاغتسال أن أذهب للنوم مباشرة، لكنني أرغمت على العمل كي لا أعطي "دا" ذريعة لتصعيد الموقف.

راحت ليلى تتبع خطواتي وتستجوبني، تريدني أن أخبرها عن الوضع في جنت آباد، فيما أنا متعبة لا طاقة لي على الكلام. أعددنا العشاء وجلس الأولاد يأكلون ويشاغبون لكنني جلست أنظر إليهم من دون أن أتناول شيئًا، لقد فقدت الشهية على الطعام رغم أني كنت أتضوّر جوعًا، حتى إنّ رؤية قطع اللحم في المرق جعلتني أشعر بالغثيان. فسألتني "دا" : "لم لا تتناولين العشاء، فأنت تعملين منذ الصباح؟".

أردت أن أقول لها: "لو تعلمين الأفكار التي تنهشني!" لكنني اكتفيت بالقول أن لا شهية لي على الطعام، وأخذت قطعة من الخبز قضمتها بصعوبة في فناء المنزل، فقط من أجل تسكين معدتي الخاوية، ثم شربت بضعة أقداح من الشاي كي أروي بها عطشي وأسكّن صداعي.

بعدها جمعت المائدة وجهزت أماكن النوم وأنا أفكر: "إذا كان مصيرنا أن نموت جميعًا فما قيمة كلّ هذا؟ ولأي هدف نأكل ونشرب؟ يمكن للإنسان أن يحيا بأبسط من هذا بكثير!".

عندما شرعتُ وليلى بغسل الأطباق، قالت لي:
- سأذهب معك غدًا.
- لا، لا يمكنك ذلك، ستبقى "دا" وحدها وحينها سوف تشكونا إلى

 

131


119

الفصل الرابع

والدنا ويمنعنا نحن الاثنتين من الذهاب!

ثم رحت أحدّثها عن بعض ما شاهدته هنا وهناك؛ الأجساد والمناظر المقزّزة؛ وما قمت به من أعمال. وكانت "دا" أثناء ذلك تروح وتجيء فتسمع بعض كلامي وتلعن صدام: "لن يدعنا صدام وشأننا، إنّ كلّ مصائبنا بسببه؛ سواء في العراق أو هنا".

أنهيت عملي وصليت ثم ارتميت على فراشي محاولةً النوم، لكن زينب حالت دون ذلك؛ منذ أن دخلت المنزل وهي تحاول أن تلتصق بي فأطلب منها أن تتركني وتنام لأنّني متعبة، فأبت ودخلت الغرفة وقالت بلحن طفولي بريء: "أريد أن أنام بجانبك" فلم يطاوعني قلبي على الرفض. عندما رقدتْ قربي مسحتُ على شعرها الناعم وحضنتها فأحسست ببراءتها ونعومتها، وحاولت أن لا أفكر في أي شيء آخر، خاصة فيما يتعلق بجنت آباد، لكنها سألتني:
- أين كنت؟
- في جنت آباد.
- ماذا كنت تفعلين؟

فكرت مليًّا بما أجيب، ثم قلت لها: "كنت أقوم ببعض الأمور والآن أنا متعبة جدًّا". وكي أصرف انتباهها بادرتها بالسؤال: "وأنت ماذا فعلت اليوم؟".
- لا شيء، تعبت من البقاء في المنزل، لم تسمح لي "دا" بالخروج لأنّ ذلك خطر، وأبي لم يعد حتى الآن.
- صحيح ما قالته "دا". يجب أن لا تخرجي، كما إنّ والدك سيعود

 

132


120

الفصل الرابع

 

عاجلًا أم آجلًا.

بعدها قلت في نفسي: "لا فرق بين المنزل وخارجه فجميع الأماكن أضحت خطرة".

على الرغم من تعبي، أجبرتني زينب أن أحكي لها حكاية ما قبل النوم، فألّفت بعض الأمور وقصصتها عليها. ما إن انصرفت الصغيرة عني حتى جاء دور ليلى؛ وهذه أصعب من تلك! إذ لم تكن لتقنع بأي إجابة. وعندما رضيت أن تدعني وشأني عجزت عن النوم من شدة الإعياء. في النهاية أطبقت جفنيّ واستسلمت للنوم. ولم أكد أغفو حتى دهمتني كوابيس مرعبة. رأيتني وكأنني في قبر وأحدهم يسحبني إلى أسفله ومهما حاولت لم أستطع الإفلات منه. فجأة وعلى مسافة غير بعيدة، رأيت موجودات غريبة ومخيفة تزحف نحوي، حاولت الخروج من القبر والهرب لكن من دون جدوى، فقدماي قد أُمسِكَتا بشكل محكم وأُعدمتُ القدرة على التراجع أو التقدم. وما إن اقتربت مني حتى فزعت من النوم. كنت قد تعرّقت كثيرًا وكاد قلبي يقفز من بين أضلعي من شدة الخوف. صليت على محمد وآل محمد وحمدت الله، ولولا ذلك لمتّ وقضيت رعبًا. ثم خلدت إلى النوم مجدّدًا. رأيت منامات مزعجة، مشاهدَ وازدحامًا وحزنًا.

بقيت على هذه الحال حتى الصباح، استيقظت عدة مرات على صوت أنفاسي المتلاحقة. عندما استيقظت مرة سمعت "دا" تقول لأبي: "لم لا تمنع هذه الفتاة من الذهاب إلى جنت آباد؟". انزعجت كثيرًا من كلام "دا" وخفت أن يستجيب والدي حقًّا. لكنه قال لها: "ليس الوقت مناسبًا لهذا الكلام، علينا جميعًا أن نتعاون. إذا تقرّر أن أمنع أنا

 

133


121

الفصل الرابع


أولادي ويمنع جارنا أولاده، فمن الذي سيواجه عدوّنا؟ حينها سيتمكن من اغتصاب أرضنا في يوم واحد وسيدوس على شرفنا وكرامتنا. أنت لا تعرفين أي صنف من الموجودات هم هؤلاء البعثيّون! هم لا يقيمون وزنًا للشرف أو الدين أو الإيمان، فهم عديمو الضمير والوجدان، بعضهم أكثر خسّة وأشدّ وحشيّة من الحيوانات البريّة". اطمأنّ بالي لكلام والدي وغططت في النوم.

آخر مرة استيقظت فيها، كانت بعد أذان الصبح؛ فنهضت وصليت، ثم سألت "دا" وكانت مستيقظة:
- متى عاد والدي؟
- عاد في وقت متأخر جدًّا من الليل.
- أين هو الآن؟
- خرج بعد أذان الصبح.

وددت كثيرًا لو أخلد إلى النوم مجدّدًا وأبقى في سبات حتى الظهر، لكن بما أنني قررت الذهاب إلى جنت آباد، أسرعت بإنجاز أعمال المنزل. استيقظت ليلى فجأة وبدأنا معًا، أعددنا طعام الفطور وأيقظنا الأطفال، وضّبت ليلى فراش النوم، وأطعمتُ أنا الصغار ثم شربتُ كوبًا من الشاي. بعدها أسرعنا نرتدي ملابسنا استعدادًا للخروج، عندما رأت "دا" أنني وليلى على وشك الخروج سألتنا:
- إلى أين؟
- إلى جنت آباد.
 

134


122

الفصل الرابع


- لكن لمَ ستذهبان معًا؟ على الأقل لتبقى إحداكما وتساعدني.

فقالت ليلى متضرّعة: أريد أن أذهب يا أمي لأساعدهم.

وقلت أنا: سنحاول أن نعود باكرًا ونساعدك.

صمتت "دا" فأسرعنا بالخروج. كنت في الطريق قلقة من قدوم ليلى برفقتي، ذلك أنها عاطفية وحسّاسة وأخشى أن لا تتحمل المشاهد في المغسل فتترك آثارًا سلبية على روحيتها، وتسبّب لي الإحراج في آن. تساءلت عن سبب إصرارها على مرافقتي رغم المشاهد الموحشة والموجعة التي نقلتها لها! إلّا أنّنا متقاربتان في السنّ ونتشارك معظم الأعمال. هي تحب أن تكون معي في كل مكان، ولا تتوانى عن مشاركتي أي عمل فيه منفعة عامة. وكي يرتاح بالي قلت لها: "سنذهب إلى جنت آباد ونبدأ العمل من دون تباطؤ أو تلكؤ. حيث إنك أصررت على المجيء معي، إياك أن تقولي لا أقدر أو إني أخاف. عليك القيام بأي عمل يطلب منك".

ولكي تبقى برفقتي قالت المسكينة: "حسنًا سأفعل كل ما يُطلب مني".

وصلنا إلى جنت آباد ولم تكن مزدحمة في ذلك الصباح الباكر. كانت المغسّلات يرتدين ثياب العمل. انتظرنا خارجًا ووصلت زينب وهي تنتعل الجزمة وتضع القفازات. ألقينا التحية فنظرتْ إلينا مبتسمة وقالت: "لقد أحضرتِ المساعدة معك؟"، فقلت لها: "إنها أختي ليلى".

قالت زينب: "بيّض الله وجهيكما وحفظكما، تأتيان للمساعدة رغم صغركما. ثم التفتت إلى ليلى وقالت: "لقد ساعدتنا أختك كثيرًا البارحة

135


123

الفصل الرابع

وتعبت جدًّا"، ثم أدخلتنا معًا إلى المغسل. لم نكد نصل إلى الباب حتى وجدنا أجساد عدد من الشهيدات مسجّيات على الأرض. قالت زينب: "لقد أحضروهنّ من المستشفى".

كنت أراقب ردّ فعل ليلى لدى رؤيتها الأجساد. ما إن وقعتْ عيناها عليهنّ حتى اتسعت حدقتاها وبقيت تحملق بهنّ بقلق وذهول، كأنّها أدركت للتو ما قد أخبرتها إياه. ومع أنها كانت تنهال عليّ بأسئلتها، إلّا أنها لم تصدّق ما قلت حتى رأت بأم عينها؛ رغم ذلك لم تنبس ببنت شفة، بل كانت تحدّق بالأجساد حينًا وبي حينًا آخر ولسان حالها يقول: "ليس هذا ما أخبرتني عنه!" لقد أدركت لتوّها حجم الفاجعة والمصيبة.

كي أخرجها من تلك الأجواء قلت لها: "هيا لنذهب ونقرأ الفاتحة للشهيد بيجن. فأخته السيدة نوري كانت معلمة ليلى المحببة كثيرًا في مدرسة "سالفر".

قرأت ليلى الفاتحة وبكت كثيرًا، كان ذلك البكاء هو الذي حبسته قرب المغسل وكاد يخنقها. حدثتها عن أخت بيجن ثم نهضنا وعدنا إلى المغسل. نظرت ليلى بتعجّب إلى القبور الجديدة التي ملأت كل مكان وقالت: "يا زهراء! كانت هذه أرضًا قاحلة منذ بضعة أيام، فكيف امتلأت بكل هذه القبور فجأةً؟".

حقًا ما قالته ليلى، فقد منعت البلدية الناس منذ ربيع العام 1980م دفن أحد في المقبرة، فتوجهوا إلى دفن موتاهم في المقبرة الجديدة التي أقيمت بالقرب من مزار علي بن الحسين عليه السلام على طريق "شلمجه"، ومنذ ذلك الحين خفت الحركة في جنت آباد، لكن بعد ذلك

 

136


124

الفصل الرابع

 

دفن فيها كل من "موسى بختور وعباس فرحان أسدي والسيد جعفر الموسوي" الّذين استشهدوا في المعارك الحدودية. يبدو أنّ البلدية سمحت بدفن الشهداء فيها فقط، بما أنّ عدد الشهداء كان كبيرًا في اليومين الماضيين فقد امتلأ المكان بالقبور.

مع أنّ ذهابنا وإيابنا لم يستغرقا أكثر من نصف ساعة، إلّا أنّ مدخل المغسل قد اكتظّ بالناس. لم يضعوا المزلاج على الباب كما في البارحة، فدخلنا بسهولة. استطلعت ليلى بنظراتها المكان والجثث على منصة المغسل مدهوشة مرعوبة، ونظرت بفضول إلى الأجساد التي تُغسّل، وقد تسمّرت في مكانها تكاد أن تنهار. نظرت إليّ برجاء وكأنها تريد القول ماذا سنفعل مع كل هذا؟ لكنها لم تستمر على تلك الحال طويلًا، وما لبثت أن أخذت زمام المبادرة وبدأت العمل. وكأنّ كلماتي ما زالت تتردّد في أذنها: لا تتكاسلي! وكما فعلتُ أنا البارحة، لم تقترب ناحية الجثث، بل كانت تحضر الماء وتقص الأكفان وتناولها للمغسّلات أو تغيّر مكان حمّالات الجثث. استطاعت التأقلم مع محيط المغسل أفضل وأسرع مما فعلت أنا البارحة، ربما ساعدها وصف المكان الذي سمعته مني البارحة وما يجري فيه، أو ربما لأنني بالقرب منها! حتى أنا أيضًا فقد سكنتْ نفسي وشعرتُ بثقة أكبر لوجودها بقربي. لذا، رأيت لزامًا عليّ أن أبدأ العمل بشكل جديّ وأنجز عملًا أكثر.

قطع صوت زينب رودباري حبل تفكيري: "تعالي يا ابنة السيد". عدت إلى رشدي وقلت: "نعم!".
- أمسكي بطرفي هذا الجرح كي يتوقف نزفه.

عندما رأيتها تشير إلى جرح عميق في خاصرة ممزّقة دامية لجسد

 

137


125

الفصل الرابع

 

إحدى الشهيدات، ارتعبتُ وقلت: "لا! لا أقدر على ذلك، اعذريني، يمكنني القيام بعمل آخر غير هذا".

وضعت زينب الضمادات داخل الجرح وقالت: "يجب أن تعتادي على الأمر فقد تشاهدين، من الآن وصاعدًا، حالات أسوأ من هذه، وستُجبرين على القيام بذلك عاجلًا أم آجلًا، والآن تعالي واضغطي هنا كي يخفّ نزف الدم".

ذهبتُ نحوها وقد اقشعرّ بدني، وضعت يدي على القطن، فشعرت للحظة أنني أتجمّد وأنّ دماغي ينكمش ويتجلّد. شعرت بالغثيان والانقباض. وصارت الدماء مع مضيّ الوقت تتسرّب وتسري خلال القطن وتبلّل يدي، وخوفًا من أن أُرمى خارج المغسل بحضور ليلى لم أُبدِ أي ردّ فعل؛ بل أحدّث نفسي وأؤنّبها: "لم جئتِ إلى هنا؟ ولم اخترت هذا العمل من بين كل الأعمال التي كان يمكن أن تقومي بها؟ لم هنا؟".

أدرتُ رأسي إلى الخلف كي لا تفضحني ملامح وجهي؛ ولسوء الحظّ وقعت عيناي على جثث عدة لفتيات صغيرات أُحضرن حديثًا. كنّ حسنات الوجه جميلات، لا بدّ وأنّهنّ ذوات ألسنة طيّبة أيضًا. عندما فكرتُ كيف أنّ أجساد هؤلاء الفتيات الغضّة البريئة ستُدفن كأوراق الورود تحت التراب، استأت من نفسي كثيرًا.

أنهت زينب عملها ونادتني النسوة لقصّ ملابس الجثث. كان عملًا صعبًا ومنعني الحياء من النظر إلى الجثث العارية. بات عليّ تحمّل ضغوط كبيرة من دون اعتراض، فأنا دائمًا أرى الناس مرتدين ملابسهم، أما اليوم فعليّ قصّ ملابس جثث هامدة مسجّاة على الأرض. اختلطت

138


126

الفصل الرابع

 

أصوات صلوات المغسّلات بأصوات الناس في الخارج.

عندما زاد ضغط العمل علينا، سلّمت أمري لله وذهبت نحو إحدى الجثث. ربما جعلتني رؤية جثث الأطفال إلى جانب تعب المغسّلات ومظلومية الشهداء أكثر ثباتًا وتصميمًا. شمّرت عن ساعديّ وحملت الجثة بمساعدة سيدة أخرى، وكانت لفقيدة عربية سمراء داكنة اللون، يقارب عمرها الخمسين، مزّقت ملابسها بالمقصّ وجهّزتها للتغسيل.

تردّدت في إحضار الليفة والصابون؛ إذ لا أملك قفازين، وعليّ إمساك الليفة التي لامست أجساد الموتى، بيدي. وقعتُ تحت ضغط نفسي شديد، لكنني فكرت بأن عليّ القيام بذلك عاجلًا أم آجلًا وإلا ما نفع البقاء هنا؟".

كنت بين الحين والآخر أختلس النظر إلى ليلى، لقد استسلمتْ تلك الفتاة المكتنزة والمدلّلة لظروف العمل، وكانت تنفّذ كل ما يُطلب منها من دون اعتراض أو كلل. على أي حال، بدأت بغسل الجثة مع ما رافقني من شعور سيّئ. وجاءت السيدة السمينة لمساعدتي، فحمدت الله لأنني لا أتحمّل لمس رأسها وشعرها المتموّج الرمادي الذي تسيل الدماء خلاله، وممّا زاد الطين بلّة انقطاع المياه أثناء العمل.

في النهاية جرّوا المياه بخرطوم الصهريج الموجود أعلى المغسل. لم ينقطع نحيب ونداء ابنة هذه السيدة من وراء الباب وهي تضجّ: "يمّه.. يمّه". لم يُسمح لها بالدخول؛ مع أنّ بعض أقارب الشهداء كانوا يدخلون عنوةً فيبكون ويقولون لمن يغسلها: "بالله عليكنّ حرّكوها بهدوء.. على مهل".
 

139


127

الفصل الرابع

 

أنهينا غسلها، ثمّ أحضرت القماش وكفّنتها ولمتُ نفسي كثيرًا: "إلهي ما هذه القسمة؟ لمَ عليّ القيام بهذا العمل؟ كيف لقلبي أن يكون قاسيًا إلى هذه الدرجة؟ ما لي ولهذا المكان؟" ؛ استأتُ من نفسي كثيرًا، لكن رغم ذلك تابعت عملي في غسل الجثث، الواحدة تلو الأخرى.

لم أستطع أن ألمس بعض الجثث؛كالجنين السِقط الّذي شوّه عصفُ الانفجار ملامحَه، فأضحى وجهه مرعبًا. كما لم أحتمل لمس الأطفال الصغار الّذين ألهبت رؤيتهم مشاعري. وكنت أساعد في غسلهم من دون مسّهم. من بينهم طفل في شهره السادس تقريبًا، تفطّر قلبي لرؤيته، كنتُ أذهب وأجيء فتقع عيناي عليه. يبدو أنهم أحضروه من المستشفى إذ كان على عنقه وصدره ضمادة ولاصق. رغم أنه شديد السمرة إلّا أنه كان وسيمًا برموشه الطويلة وشعره المجعّد وملامحه المحبّبة. عندما طلبن منّي أن أضعه على المغسل بكيت وقلت: "لا أستطيع". لمست ساقيه وكان جلدهما خشنًا جراء الحبو على الأرض. فجأة، دوّى صوت الطائرات الحربية واختراق جدار الصوت، فارتجف قلبي. توقفت النساء عن العمل ورحنَ يتمتمن بالدعاء. بقيت عيناي على الطفل وتذكرت زينب وسعيد وحسن؛ لقد اشتقت إليهم وقلقت كثيرًا، تضرعت إلى الله كي يحفظهم ويحفظ عائلتي.

عندما سمعنا صوت الانفجار قالت النسوة: "نسأل الله أن لا يكونوا قد قصفوا الجسر!". فالجسر هو صلتنا الوحيدة بمنطقة آبادان، وهدف العراقيين عزلنا عن تلك المنطقة. صاحت المرأة الواقفة عند الباب: "ألم تنتهوا من غسل الطفل؟ والده ينتظر خارجًا!".

عندما سمعت كلمة "والد"، قررت البحث عن والدي بعد انتهاء

 

140


128

الفصل الرابع

 

الغارات، فهو قد أخبرني أنهم طلبوا منه حفر القبور ولا بدّ أنّه في مكان ما من جنت آباد. كنت أتحيّن الفرصة منذ الصباح للذهاب إليه، لكنني لم أوفّق لذلك. لقد اشتقت إليه، وعلى الرغم من سماحه لي بالمساعدة هنا، إلّا أنّ "دا" لم تكن راضية، وخشيت أن يجعله ذلك يغير رأيه.

كنت قلقة عليه، صحيح أنه سمح لي بالعمل، لكنني لم أكن مرتاحة البال تمامًا. قررتُ ما إن ينتهي العمل حتى أذهب لأتحدث معه كي لا تغير أمي رأيه بالموضوع. خرجتُ من المغسل قرابة الظهر وصرتُ أمشي بين القبور. كنت أعرف أين يحفرون القبور الجديدة، وعندما لمحته من بعيد طرُب قلبي له، فأنا لم أره منذ ظهر البارحة. كان يرتدي قميصًا أبيض مخطّطًا بخطوط زرقاء وبنطالًا رماديًّا. أدركت أنه يعمل هنا بجسده، وقلبه هناك حيث المعارك والمواجهات. أردت أن أركض نحوه، لكنني أعلم أنّ ذلك لن يعجبه بوجود زملائه، لذا سارعت خطواتي المتباعدة وعندما أصبحت على بعد خطوات منه قلت: "سلام عليكم يا أبي".

رفع رأسه والتفت نحوي وقال بسرور: سلام يا أماه، كيف حالك؟ أين أنت اليوم؟
- في المغسل.

ترك الرفش من يديه وخرج من القبر فعانقته وقبّلته وكذا فعل هو، ثم أمسكت يديه المتعبتين والمنتفختين وقد اخشوشنتا من العمل، ورحت أقبّلهما فيقول لي: "لا تفعلي! فهذا غير مناسب أمام الناس"، ثم سألني: "كيف تجري الأمور هناك؟".
- العمل كثير والشهداء كثر.
 

141


129

الفصل الرابع

 

- ألا تخافين؟
- في البداية خفتُ، ثم اعتدت عليه، لكن الأمر لا يخلو من بعض الوجل والاضطراب.
- هم بشرٌ مثلنا فلا تخافي، فقد كانوا أحياء مثلنا، لكنّهم اليوم أصبحوا أكثر حياةً منّا. الفرق الوحيد أنهم رحلوا إلى دار البقاء، بينما بقينا نحن في دار الفناء.
- أبي، لمَ أنت منقبضٌ ومنزعج؟
- كيف لا وشبابنا يتساقطون كوريقات الزهور، والنساء والأطفال يُقتلون، وبدلاً من أن نذهب ونقاتل، بقينا هنا نحفر القبور. لكنّني سأذهب ولا يهمني حتى لو فُصلتُ من عملي أو سجّلوني غائبًا، سأذهب من الغد. لقد جلسوا خلف طاولاتهم وطلبوا منّا حفر القبور!
- لكن ما الفرق فالعمل واحد، هذه خدمة وتلك خدمة.
- لا، بل هناك فرق؛ فرقٌ بين من يستطيع حمل السلاح وبين من لا يستطيع. أستطيع أن أقدّم ما هو أفضل، ومن واجبي أن أذهب لمحاربة البعثيّين الكفرة.

لم يكن لديّ ما أقوله، فهو يجيد استخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة على السواء. حتى إنّه علّمنا كيفية استخدام وفكّ وتركيب قطعة سلاح (G3) والمسدّس الذي أحضره علي من الحرس. ومن مهاراته تفكيك السلاح وإعادة تركيبه وهو مغمض العينين بدقائق معدودة، كأنما تدرّب لمثل هذه الأيام. كان يقول لنا: "يجب أن تمتلكوا سرعة العمل كمقاتلي حرب العصابات". أحيانًا بعد الرياضة الصباحية وعندما يكون المنزل

 

142


130

الفصل الرابع

خاليًا، يجعل في حبل طويل بضعَ عقد بمسافات متساوية، ثم يثبته جيدًا على السطح ويدلّيه نحو الفناء ثم يبدأ بتسلّقه معتمدًا على يديه وأصابع قدميه التي يثبتها بإحكام على عقد الحبل. ثم يحلّ العقد وينزلق إلى الفناء مجدّدًا. وأحيانًا أخرى يتسلّق العمود الحديدي في وسط شرفة البيت ليصل إلى السقف، ثم ينزلق عليه بسرعة ويرمي بنفسه إلى الفناء. لطالما تعجبت من أفعاله تلك، وقلت في نفسي: "يا له من ذكي ماهر يجيد الكثير من الأعمال".

عندما يراني أنظر إليه بتعجّب واستحسان وسط الفناء يقول لي: تعالي وتدرّبي يا ابنتي.
- لا، أنا أخاف.
- لا تخافي فأنا بقربك.

ومهما ألححت وأصررت على السؤال: "أين تعلمت هذه الأشياء؟" كان يسكت ولا يتفوّه بكلمة.

وإذا ما أخذنا بالحسبان تلك الأمور، فمن الطبيعي أن لا يرضى بحفر القبور، وكيف له وهو بهذه الروحية أن يهدأ أو يستكين.

فقدتُ الأمل من مواساته، تركت يده وقلت: إذا سمحت لي فسوف أعود إلى المغسل.
- اذهبي، بأمان الله.
- أبي! العمل كثير هنا، ويجب أن أذهب كل يوم، وأحيانًا يتحتّم عليّ البقاء مع الأخريات حتى وقت متأخر، فهل عندك مانع؟
- لا، فهذا وقت العمل وعلى الجميع أن يعمل، لكن حاولي أن لا

 

143


131

الفصل الرابع

تتأخري، وعودي إلى المنزل قبل خلو الشوارع.
- ستبقى "دا" وحيدة هذه الأيام، خاصةً أنّ ليلى تأتي معي وربما اشتكت من ذلك.
- حاولا أن تنظّما وقتيكما بحيث لا تبقى دا وحيدة مع كل ذلك العمل.

ارتاح بالي، فأخذت يده ثانيةً، قبّلتها ثمّ ودّعته.

عندما عدت وجدت أنّ القطن والكافور قد نفدا. طلبتْ مني زينب أن أذهب إلى المكتب عند شخص اسمه "برويزبور"3 وأحصل على الكمية المطلوبة. مشيت ناحية الغرف الثلاث المتلاصقة بالقرب من المغسل حيث مكتب المقبرة، طرقت الباب ودخلت. كان في الغرفة رجل طويل القامة، نحيل، أبيض البشرة، في العقد الثالث من العمر تقريبًا، يضع نظارة كبيرة وأمامه دفتر كبير مفتوح، يجلس خلف الطاولة. سبق ورأيته مرات عدة مع فرق أنّ عدسات نظارته كانت قاتمة خارج الغرفة في المكان المضاء؛ وقد انهمك مع رجل آخر من عمره تقريبًا في تدوين مواصفات أحد الشهداء التي يمليها عليه أحد الأقارب. علمت من خلال الأحاديث أنه السيد "برويزبور"، وأنّ مساعده يدعى "سالارفند". انتظرت ريثما ينتهي من عمله وقلت له: لقد أرسلتني السيدة "رودباري" من المغسل، فقد نفد القطن والكافور. نهض من خلف مكتبه واتجه إلى خزانة حديدية وأعطاني ما أريد. وقد بدا لي بهندامه الأنيق أنه شخصٌ مثقّف وليس مسؤول المقبرة.

ومنذ ذلك الوقت، صرتُ أتردّد كثيرًا إلى المكتب لأحصل على جميع

3- تلفظ برفيزبور.

 

144


132

الفصل الرابع

- ألا تخافين؟


احتياجات المغسل. وعندما علم السيد "برويزبور" أنني ابنة السيد الذي يعرفه معرفةً جيدة، عاملني باحترام أكثر، ثم طلب منّي مساعدته في تدوين مشخّصات الشهيدات المجهولات الهوية، حيث لا يقوم أحد بذلك فالشخص الواقف خارج المغسل كان يدوّن أسماء الشهداء المعروفين حسب ما يمليه عليه أقرباؤهم وذووهم. أخرج دفترًا من درج مكتبه وقال لي: "دوّني لي مشخّصات الشهداء المجهولي الهوية ثم أعطيني إياها لأدوّنها في دفتري".

قمتُ برسم جدول على الدفتر، ودوّنت فيه مشخّصات جثث الشهيدات اللواتي وُضعن إلى جانب الجدار ليتمّ غسلهنّ فيما بعد. والمواصفات التي كنتُ أدوّنها: لون البشرة والشعر، السنّ التقريبيّة، من العرب أم من غيرهم، الطول والحجم، وبعض المشخّصات الأخرى المهمة. كما طلبتُ ممن ينزعن ملابسهن إعطائي جزءًا منها فأثبتها بدبوس على الجدول الخاص بتلك الجثة. بالطبع إذا وجدنا مع الجثة مالًا أو حُليًّا، أضعها في كيس وأدوّن عليه: يعود للشهيدة رقم كذا". ثم نضع أكياس النايلون في الخزانة لنسلمها إلى وكيل المحكمة.

أحيانًا، كنت أخرج من المغسل وأراهم قريبًا وعلى الأطراف يفرغون بلاطات القبور واللوحات المعدنية السوداء المرسلة بشاحنات (بيك آب) من البلدية. وما إن يُدفن شهيدٌ حتى يقوم أحد موظفي البلدية بكتابة اسمه وتثبيته بجانب قبره. كثيرًا ما حدث أن تُدفن شهيدة ولا أجد الشخص المكلّف بكتابة الأسماء فأقوم أنا بتلك المهمة. وعندما لا أجد اللوحة المخصصة، أدوّن اسمها على أجزاء من البلاطات الإسمنتية المكسّرة وأضعها عند القبر. أغلب الأحيان، كانت اللوحات المعدنية

 

145


133

الفصل الرابع

والبلاطات تنفد، كما تتعطّل ريش الكتابة عند الغروب، فأضطرّ لاستخدام قطعة خشب بدل الريشة، وأدوّن اسم الشهيدة على قطعة كارتون وأدسّها تحت التراب عند القبر.

استمدّيتُ القوة من كلمات والدي، وشعرتُ أنني أصبحتُ شجاعة وقد تغلبت على مشاعر المرارة تلك. بعد أذان الظهر، قررتُ، بكثير من الثقة بالنفس، مساعدة مريم والسيدتين الأخريين في رفع جثة إحدى الشهيدات ووضعها على المغسل; إمرأة أربعينية لا يبدو أنها من العرب، ترتدي فستانًا وسروالًا قاتمَي اللون مزركشين بالأبيض. وضعت يدي تحت كتفيها وعقدتهما على صدرها ثم رفعتها فأضحت كالجالسة. تعجبت من مرونة الجثة وطراوتها؛ مع أنّ أغلب أجساد الشهيدات قد تصلّبت بعد مرور ساعات عدة على استشهادهنّ، فكنّا نرفعها كأنها ألواحٌ متصلّبة. ما إن أردنا حمل هذه لوضعها على المغسل حتى هزّنا صوت اختراق جدار الصوت المهيب.

جاءت الطائرات مجدّدًا واهتزّ زجاج النافذة وأبواب المغسل الخشبية القديمة، وكأنّ أحدهم يحاول خلعها. جمدت مريم والسيدتان الأخريان في أماكنهنّ ونظرن إليّ متسائلات، فنظرت بدوري إلى زينب الواقفة مكانها تترقّب والقفاز في يديها. تكرّر صوت هدير الطائرات وساد الهرج والمرج في الغرفة؛ النساء اللواتي يقصصن الأكفان واللواتي ينزعن الثياب.. ترك الجميع العمل مرتبكًا. أعدتُ الجثة إلى ما كانت عليه وذهبت نحو النافذة قرب زينب. ورحنا ننظر إلى السماء لنرى الطائرات، لكن عبثًا حاولنا، فالأشجار والسور حول المقبرة حجبا عنا الرؤية. تعالت الأصوات خارج المغسل، وخرجت النسوة طلبًا للملاذ.
 

 

146


134

الفصل الرابع

ذهبتُ نحو الباب ورأيت الناس المجتمعين خلفه قد تفرقوا وراحوا يركضون في كل اتجاه وقد تعالت صرخات النساء والأطفال. صاح أحد الرجال: "هذه مقاتلات الأعداء احتموا منها" وقال آخر: "لا تخافوا إنها طائراتنا جاءت لقصف الأعداء".

بعد قليل، هدأت الأصوات، وعدنا إلى عملنا، لم يمرّ وقت طويل حتى عادت الطائرات تمزّق عنان الفضاء. ولأنّها لم تقصف في المرة السابقة، لم يخف الناس وعادت بعض الأصوات لإعطاء رأيها:
- ألم أخبركم أنها طائراتنا فلا تخافوا!
- لا، إنها طائرات عراقية لكنها جاءت للتجسس والاستكشاف وليس للقصف.

في تلك الأثناء، دوّى صوت انفجار رهيب تبعه صراخ الجموع الخائفة المستوحشة، فقال أحدهم: لا تخافوا إنهم يقصفون الجسر ومركز المحافظة، لا تخافوا فالقصف بعيد. لكن أحدًا لم يسمعه، فأصوات الناس وصراخهم ملآ الأرجاء. رحلت الطائرات وبقي الخوف والفزع مسيطرًا على الناس؛ وطال الوقت قبل أن يهدأوا ويطمئنّ بالهم بأن قد أَفَلَت الطائرات.

عند العصر، لم أعد أتحمل البقاء في المغسل. تعبت جميع النسوة وعلت أصوات الاستنكار. كانت إحدى المغسّلات تعترض وتكرّر: "يجب إرسال عناصر لاستبدالنا، إلى متى علينا البقاء هنا ورؤية كل هذه الجثث المقطّعة؟ أنا أكاد أُجنّ!”

أحيانًا، كان ينشبُ جدال بين النسوة، فأتحيّن الفرصة كي أخرج

 

147


135

الفصل الرابع

من المغسل، لكنّني لم أجرؤ على الإفصاح عن تعبي وإرهاقي، لأنهنّ يعتمدن على مساعدتي، خاصة أنّ كل من جاء ورآني مع أختي ليلى هناك، قال: "حقًّا إنّ لديكما القدرة على الصبر والتحمل بالرغم من صغر سنّكما".

عندما نادى أحد الرجال من خلف الباب: هيا لندفن هؤلاء النسوة، إذ لم يأتِ أحد من أقربائهن لدفنهن حتى الآن". اغتنمت الفرصة وقلت لزينب ومريم المشغولتين بتكفين إحدى الشهيدات: "هيا لنذهب وندفنهنّ، إذ لا يحسن أن يدفنهنّ الرجال".

ما كانت مريم المدخّنة لتقدر على حمل شيء. وعلى العكس تمامًا، اغتنمت زينب هذه الفرصة للخروج من جوّ المغسل الخانق المشبع برائحة الدماء والكافور، فهزّت رأسها وقالت: "لحظات ريثما أنهي تكفين هذه".

وجدنا في الخارج أربع جثث; كنّا قد غسّلناها وكفّناها صباحًا وأخرجناها للدفن، والرجل المسؤول يكشف الغطاء والكفن عن وجوههنّ لمن يبحث عن مفقود له. بدا أنّهنّ من عائلة واحدة، فقد أحضروهنّ من المكان نفسه، كما كُنّ متشابهات إلى حدّ كبير. حملناهن بمساعدة الناس إلى مكان قريب من المسجد حيث صلّى عليهن الشيخ نوري والشيخ صداقت صلاةَ الميت. وبما أنّ عدد الشهداء كان كبيرًا، فقد كانوا يضعون 7 إلى 8 شهداء معًا ويصلّون عليهم. انطلقنا بعد الصلاة وسط تكبيرات وتهليلات الرجال نحو القبور والناس تردّد خلفهم. حينما وصلنا، نزلت زينب إلى القبر وحملت النسوة الجثة الأولى لتستلمها زينب داخل القبر. وعندما رأيتها تعجز عن حمل الجثة وحدها، وبما أنني لم

 

148


136

الفصل الرابع

أشأ أن يشاركنا رجال غرباء، نزلتُ أيضًا لمساعدتها. فكّرتُ للحظة بضيق وظلمة القبر التي طالما سمعتُ عنهما، وقلت في نفسي: ليس مخيفًا إلى هذا الحدّ، المهم عمل الإنسان!

بعد ذلك، حمل رجلان الجثة من طرفي الكفن، بينما ساعدتْهما إحدى النساء بحملها من الوسط ثم أنزلوها إلى القبر، فتلقفناها أنا وزينب. شعرتُ بألم شديد في ظهري، إذ كانت الجثة أثقل من قدرتي. أنزلتها بسرعة إلى الأرض، وكان يجب أن نسجيها على جانبها الأيمن كما طلبت زينب، وبما أنّ القبر ضيّق خرجت منه كي تأخذ الجثة مكانها بسهولة. أماطت زينب الكفن عن وجهها، ونزل العجوز ليلقنّها الشهادة. كان منهكًا فهو منذ الصباح يقفز من قبر إلى قبر يلقّن هذه الجثة وتلك الشهادة. بعدها تعاونّا على وضع بلاطات اللحد في مكانها، وقد أحضرتها بمساعدة أحد الرجال، ناولناها لزينب وغطينا القبر بها.

رغم أننّا عملنا منذ الصباح؛ إلّا أنه ما زال هناك حوالي 12 جثة أمام المغسل تنتظر من يغسّلها ويكفّنها. لكن التعب أخذ منا كلّ مأخذ، وما إن قالت إحدى المغسّلات: "انتهى عملنا اليوم وسنترك الباقي إلى الغد"، حتى تنفس الجميع الصعداء، وشاطرناها الرأي، وأفهمتني ليلى التي عملت حتى ذلك الوقت من دون أن تنبس ببنت شفة، أنها كانت ترجو الله أن يتوقف العمل أيضًا.

عندما أخرجت زينب آخر شهيدة مجهولة الهوية، طلبت مني إخراج بقايا الملابس ليحرقوها، فأحضرتُ عربةً ورفشًا للأمر. بالرغم من أننا أخرجنا كومة من الملابس ظهرًا، إلّا أنّ كومة كبيرة قد جُمعت في زاوية الغرفة ثانية. لم أشأ حرق بقايا الملابس التي تمزقت مرتين، مرة على

 

149


137

الفصل الرابع

أجسام أصحابها حين أصيبوا بالشظايا ومرة أخرى حين مزقناها بالمقصّ في المغسل. لذا، حفرت في إحدى زوايا أرض المقبرة الرملية حفرةً ثم وضعتها فيها ونثرت فوقها مسحوق الكلس، وأهلتُ التراب عليها بالرفش، وبعدها ضغطت على المكان ليصبح صلبًا فلا تستطيع الكلاب حفره والوصول إلى الملابس.

انتظرتني ليلى عند باب المغسل، عدت إليها وودّعنا المغسّلات، ثم انطلقنا نحو المنزل. في الطريق كنت أجول بنظري بين القبور أبحث عن والدي، يبدو أنه لم يعد يطيق البقاء وغادر جنت آباد، فقد قال لي إنه لن يأتي إلى جنت آباد بدءًا من الغد؛ وقد شاهدته اليوم حتى الظهر ثلاث مرات وهو يعمل.

عندما خرجنا من جنت آباد رأيت عددًا من زملائه الذين أنهوا عملهم واستعدّوا للمغادرة. تقدمتُ منهم وألقيت السلام ثم سألتهم عن والدي. قال أحدهم: "لقد ترك السيد العمل عند الظهيرة ورحل"، وقال آخر: "لقد كان منزعجًا كثيرًا ولم يعد يحتمل، وعند الظهيرة توقف عن العمل قائلًا إنه لم يعد يحتمل البقاء هنا".
- إلى أين ذهب؟
- لا نعلم ربما ذهب إلى البلدية.
- ألم يره أحد منذ الظهيرة؟
- كلا

تركتهم وعدتُ إلى ليلى. كنت قلقة جدًّا على والدي، لكنني لم أستطع أن أفصح لها عن ذلك، فقد بدتْ منقبضة وحزينة، خاصة لعلمي أنها

 

150


138

الفصل الرابع

متعبة وجائعة، وأنّ ما رأته من أجساد دامية وأشلاء في المغسل قد ترك أثره الكبير على هذه الفتاة التي لم تتجاوز الـ16 عامًا من العمر بعد.
لم يقتصر الأمر على رؤية الجراح وأشلاء الأجساد وحسب، بل تعدّاه إلى كسر الحياء وكشف الستر، وهذه مسألة جدّية للغاية، جعلتنا تحت ضغط نفسي، وتمنيت لو لم تكن ليلى هنا لترى ما رأته اليوم. مع كل ذلك، فقد منحني وجودها جرأة وقوة أكبر. وكي أجعلها تتحدث قلت لها، ونحن نمرّ في الأزقة وبين المنازل: "ربما يقصفون حيّنا غدًا أو بعد غد".

قالت وكأنها لم تسمع كلامي: هل سيبقى الوضع على ما هو عليه أم سينتهي غدًا؟

صمتّ ولم أحرْ جوابًا. عندما وصلنا إلى حيّنا وجدناه غارقًا في الظلام؛ إذ عمل الناس بالتوصيات التي يبثّها الراديو لجهة إطفاء الأنوار ووضع أكياس الرمل عند النوافذ. عمّ السكون الأرجاء، لا صوت ولا ضوء ولا حتى تجمع وتبادل لأطراف الحديث قرب الأبواب كما جرت العادة في الأيام العادية السابقة. لم نرَ سوى شخصين يسيران بسرعة كبيرة على رصيف المشاة. وصلنا إلى المنزل وكان الباب مفتوحًا على غير عادة، فأثار دهشتنا. دخلنا وإذ "دا" جالسة في الفناء، ألقينا السلام فردّت بأسلوب لطيف وسألت: "ما الأخبار؟".

قالت ليلى: لا شيء غير تغسيل وتكفين شهيدة بعد شهيدة، كان عددهن كبيرًا ولم نستطع دفنهن جميعًا.

سألتُ "دا" : ما أخبار أبي؟
 

151


139

الفصل الرابع

- جاء على عجل، وأخذ مسجّل الصوت وعددًا من تسجيلات القرآن الكريم ومجالس العزاء وخرج.
- هل سيعود ليلًا؟
- لا أدري فهو لم يقل شيئًا.

سألتْ "ليلى" : دا، هل يوجد ماء؟ أريد أن أغتسل.
- المياه في الحنفيات مقطوعة، لكنني ملأت بعض الأوعية.

ضحكت لذلك؛ فقد جمعت الماء في الأوعية مخافة أن ندخل المنزل على هذه الشاكلة، كما وضعت إبريق ماء كبيرًا على الموقد النفطي ليسخن ريثما نعود. دخلنا الحمام؛ وبسبب عدم وجود الماء الكافي لغسل الثياب، طرقت "دا" الباب وأدخلت وعاءً كبيرًا لنضع ملابسنا فيه. أعتقد أنّ رائحة الكافور قد تغلغلت في أنفها فأجبرت على النظر إلى وعاء الملابس وهي تضعه في زاوية الفناء؛ سألتني: ألا تخافين من الموتى يا فتاة حتى تذهبي إلى هناك؟
- لا

توقعتُ من لحظة دخولنا المنزل أن تبدأ "دا" بالشكوى والتذمر لكنّها على العكس كانت أكثر عطفًا ولطفًا، قلت في نفسي: إنّ والدي قد أوصاها بنا خيرًا.

عندما خرجتُ من الحمام وجدت العشاء جاهزًا، فحضّرنا المائدة وكان الأولاد يدورون ويلعبون حولنا، كان حسن مسرورًا؛ لأنه عطل عن الدراسة، بينما سألني سعيد: "متى سأذهب إلى المدرسة؟" ؛ فأخذت

 

152


140

الفصل الرابع

 


بيده وأجلسته إلى المائدة ولم أملك جوابًا عن سؤاله.
صلّيت وأنا منهكة، فقد أخذ التعب منّي كل مأخذ، ثم ذهبت إلى النوم مباشرة من دون أن أتناول الطعام. كانت ليلى قد سبقتني إلى الغرفة وتمدّدت في الظلمة، نادتنا "دا" كثيرًا لنأتي ونتناول الطعام، رفضنا وقلنا لها أن لا شهية لنا. تركتنا "دا" وشأننا حتى إنها لم تنادنا لرفع المائدة وغسل الأطباق. كان باب الغرفة مفتوحًا قليلًا ويصل عبره صوت الأولاد حسن وسعيد وزينب وهم يلعبون ويشاكس بعضهم بعضًا. قلت لليلى: "هل كنت تتصورين في يوم من الأيام أن نعمل في تغسيل الموتى؟ أتصدقين أننا أصبحنا مغسّلي أموات؟".

قالت ليلى بصوت متهدّج: أشعر يا زهراء أننا في كابوس، ألا تعتقدين ذلك؟
- تملّكني هذا الشعور البارحة والليلة الماضية، شعرت وكأنني معلّقة بين الأرض والسماء لا ألوي على شيء، لكنني اليوم صرت أفضل حالًا.

قطع ضحك الأولاد حديثنا. فكرت كيف لبني البشر أن يكونوا جُناةً وحشيّين فيقتلوا هذا العدد من الناس من أجل احتلال بلد أو قطعة أرض! نظرت ناحية ليلى وقلت لها: "هل سيقصفون بيتنا؟ ماذا سنفعل يا ليلى لو أحضروا أجساد هؤلاء الأطفال إلى جنت آباد ووضعوها أمامنا؟ بالتأكيد سأجنّ".

كاد جفنا ليلى أن يطبقا، لكن حين سمعت مقالتي انتفضت مذعورة، فقلت بسرعة: "دعينا من الأفكار السيّئة ولنتوكّل على الله".

صمتّ، لكن الأفكار والأوهام لم تدعني وشأني. من شدة الإعياء

 

153


141

الفصل الرابع

والألم بتُّ أتقلّب ذات اليمين وذات الشمال. شعرت وكأن ظهري سينقطع نصفين من شدة الألم، وطال الوقت كثيرًا قبل أن أتمكن من النوم. وما إن غفت عيناي حتى راودتني الكوابيس كالليلة الماضية. كنت أركض في كل اتجاه والقتلى يحيطون بي وأتخبّط بالدماء وأصرخ: "النجدة النجدة..". لم يكن أمامي من سبيل للهرب. تراءت أمامي وجوه كل الشهيدات اللواتي غسّلناهنّ اليوم، كنّ يدرنَ حولي إلى أن أُصبت بالدوار وسقطت أرضًا.

 

154


142

الفصل الخامس

في اليوم الثالث واجهْنا ازدحامًا قويًّا في العمل. ارتفع عدد الشهداء كثيراً. وبما أن القصف طال المناطق المأهولة؛ كان معظهم من النساء والأطفال. ومن الطبيعي أن يشتدّ ضغط العمل في مغسل موتى الإناث. ولكن، خلافًا للأيام السابقة، قلّ عدد الذين جاؤوا للمساعدة. كان بعضهم يأتي ساعة أو ساعتين ثم يغادر. يقولون سنعود؛ لكنهم لا يعودون؛ بدا هذا أمرًا طبيعيًّا، فليس لدى الجميع جرأة البقاء والعمل في مكان كهذا.

مع أنّ صهريج البلدية أتى باستمرار لملء خزان الماء وتعبئة الحوض، ولكنه لم يكن كافيًا لذلك العدد الكبير من الشهداء، فالمياه تنفد بسرعة، فننتظر مجيء الصهريج مرة أخرى، ولكن عندما عاد السيد "سالارفند" قال: "تعرض النهر للقصف الشديد فلم نتمكّن من إحضار الماء".

كلّما اقترب وقت الظهيرة ازدادت الأوضاع سوءًا. كانت سيارات الإسعاف المطلقة العنان لصفاراتها تحضر الشهداء إلى المغسل؛ وكذلك بعض العائلات أحضرت شهداءها، وقدْ لفّتهم بالبطانيات والأدثرة، ووضعتهم خارج مغسل الموتى وهي تبكي وتنوح. تطوّع بعض الناس للتجوال في المدينة باحثين تحت الأنقاض عن الشهداء والجرحى لإحضارهم إلى المغسل. وقد سمعنا منهم أخبارًا كثيرةً عن المناطق

 

155


143

الفصل الخامس

التي تتعرض بشكل أكبر للقصف، وإلى أين تقدم العراقيون وأين أصبحوا الآن. عندما سألنا: لماذا يتقدم العدو والناس تدافع وتضحي بأرواحها؟ تذمروا واشتكوا من قلة العديد والعتاد، وكانت أصوات الانفجارات القريبة والبعيدة تؤيد كلامهم وتدفعنا إلى مزيد من العمل، والسيد "سلارفند" يكتب بوتيرة متسارعة أرقامًا ويعلقها على لباس الشهيدات، ونحن نسجّل المعلومات والإحصاءات في سجلنا عندما نُدخل الجثث إلى المغسل. لم يتبقّ أيّ قبر فارغًا. ولم يكن ضغط العمل في مغسل النساء فقط؛ بل صار عدد الشهداء من الرجال يتزايد تدريجيًّا لوجودهم في مناطق المواجهات. انخفض عدد الرجال المساعدون أيضًا، ولا أعلم كيف استطاع المغسّلون القيام بعملهم. رأيت "زينب" والسيدة "مريم" منهكتين، وقد أضناهما سهر ليلة البارحة فضجرتا وعيل صبرهما. قالت "زينب" : "ليلة البارحة لم تدعنا هذه الكلاب ننام. لم يغمض لي جفن خوفًا من أن تلتهمنا. كنت أخاف أن تقوم بمهاجمتنا أو مهاجمة أجساد الشهداء. فهي تشتمّ رائحة الدماء من بعيد".

صارت "زينب" التي كانت بالأمس تتودد إلى الجميع، تتكلم اليوم بطريقة مختلفة، فتصيح عندما نتأخر عن إعطائها ما تحتاجه قائلة: "أسرعي يا فتاة... ماذا تفعلين"، أو عندما أقف مصدومة ومندهشة من هول بعض المناظر فتقول: "لماذا توقفتِ؟ هيا أسرعي لا تقفي مذهولة".

لم تكن تعلم أنني لم أعد أتحمّل مشاهدة المزيد! تمنّيتُ في لحظتها لو أنني حرّة بلا مسؤولية أو عمل، لأذهب وأجلس في زاوية ما، فأغلق عيني ولا أفكر في أي شيء على الإطلاق. عندما كانت تنتابني هذه الحال، كنت أحب أن لا يتكلم معي أحد، فأصمت وأغوص في أفكاري وتخيلاتي.
 

156


144

الفصل الخامس


خرجنا مرّةً لدفن عدد من الشهيدات اللواتي غسّلناهن صباحًا. اغتنمت فرصة غياب الطائرات الحربيّة ووجود الناس ليساعدونا في دفنهن. أحضرتُ أنا و"ليلى" و"زينب" عددًا من الحمالات، وصارت الناس تساعدنا وتأخذ بأطرافها. وبرفع الأصوات بالتهليل والتكبير والصلوات نقلنا تلك الأجساد لمواراتها الثرى. كنا نضع الحمّالات أرضًا لنستردّ أنفاسنا، ثم نحملها ثانيةً إلى القبر. تقوّس ظهري من شدّة التعب. وفي بعض الأحيان صرتُ أشعر بالدوار ويغشى السواد عينيّ.

كان هناك فتًى عربيّ في العشرين من العمر تقريبًا، ذو شعر قصير مجعّد ووجه نحيف طويل الشكل وشاربين خفيفين، ورجل آخر يدعى "جابر جبارزاده". والإثنان يعملان بجدّ وتفان، ويقدمان المساعدة لنا على الدوام. وذلك العربي، وقد نسيت اسمه، كان شابًا بريئًا بسيطًا ومجتهدًا، يعمل بصمت، وبمجرد إحضارهم لشهيد جديد يركض ويساعد في حمل التابوت أو الحمّالة، ويحضر ألواح اللحد. وبعد دفن الشهداء يهيل التراب عليهم، ولكنه لا يلمس الأجساد أبدًا. كان يأتي كل يوم إلى "جنت آباد" ويبقى فيها ما دام هناك عمل. أحيانًا كان يطلق بعض الشعارات أثناء تشييع الشهداء. لم يكن يستطيع تلفظ بعض الحروف بشكل جيد مثل حرف الـ "پ" کان یلفظه "ف" ولكنه كان يردد بثقة عالية بالنفس: "جنگ جنگ فيروزی" (بدل بيروزي) ؛ أي "حربًا حربًا حتى النصر".

نقلنا كل الشهداء على دفعات ثم بدأنا بدفنهم. بعد أن دفنّا عددًا منهم تبيّن أن لا قبور كافية لكل الأجساد. قلت للرجل الذي جلس من شدة التعب على كومة تراب ممسكًا بالمعول والرفش: "أعطني المعول".
 

157


145

الفصل الخامس

قال مستغربًا: "هل تظنّين أنها لعبة؟ ليس باستطاعتكِ حفر قبر".

غضبتُ وقلت له: "لمَ لا أستطيع حفر قبر؟ هل تظنون أنتم أيها الرجال أننا معشر النساء عديمات القدرة والحيلة".

أخذت المعول وبدأت الحفر. لم يكن بالعمل السهل. أمسى العرق يتصبب مني وأنا أحفر، أصرّ الرجل الذي بدا خجلًا من تصرفه وردّ فعله، على أخذ المعول مني، ولكنّني عاندته وأكملت الحفر، رغم شعوري بحرقة مزعجة في راحة يدي، ثم ظهرت فيها بعد ذلك تقرحات وندب.

كان الجو حارًا جدًّا وأشعة الشمس حارقة للغاية. وكأنّ أصوات الناس وبكاءهم وغبار المقبرة قد زادت من حرارة الطقس. وقفتُ على حافة القبر الذي قمت بحفره، واضعة يدي على ركبتي وأحنيت ظهري قليلًا لأرى هل عمق القبر مناسبًا أم عليّ حفر المزيد. قلت لنفسي: "بما أن الموت سهل لهذه الدرجة، فمن المؤكد أن يكون أحد هذه القبور من نصيبي بين اليوم أو الغد".

وسط تلك الفوضى والضجيج سمعت أحدهم يقول: "ماء.. ماء".

كان هناك صبي ممسك بدلو مليء بالماء والثلج، يوزّعه على الناس. أردت أن أطلب منه الماء وإذا بي أرى على مسافةٍ مني رجلًا عجوزًا يقول من داخل أحد القبور للرجال الذين يريدون إعطاءه إحدى الجثث ليقوم بدفنها: "لا، لا يمكننا دفنها بهذه الطريقة".

لم أفهم ماذا يقصد بقوله هذا، بقيت أنظر إليهم وإذ بالرجل العجوز يخرج من القبر ويقول لأحد الرجال: "أمسكها، لقد تصلّبت"، وأشار إلى قدم الجثة المثنية. ثم رمى بثقله على الجثة محاولًا طي ركبتها، فكسر

 

158


146

الفصل الخامس


مفصلها. كان صوت كسر عظم الركبة عاليًا لدرجة أننا سمعناه جميعًا. ذُهلت عائلة الشهيد وذُهل الناس الحاضرون هناك وبدأوا بالعويل. وكثيرون قالوا: "لا إله إلّا الله". اقشعرّ بدني وتجمّدت في مكاني من هول المنظر. نظرتُ إلى ركبتيّ المطويّتين وأحسست بألم شديد فيهما. لدى رؤيتها لهذا المشهد بدأت إمرأة، لا أعرف ما صلة قرابتها بالشهيد، بلطم نفسها والصراخ والعويل، ثمّ أهالت التراب على رأسها وقامت بنتف شعرها وخدش وجهها ورمت بنفسها على الأرض وراحت تضربها بقدميها كالأطفال. كانت المسكينة تتلوى من الألم. ولكن شيئًا من هذه الأفعال لم يهدّئ من روعها أو يسكّن من ألمها. ثم غابت عن الوعي. سحبتها النسوة جانبًا، سكبن الماء على رأسها ووجهها ودلّكن كتفيها. لكنها لم تسترد وعيها. حزنتُ لهذا المشهد كثيرًا، وزادت شدة الحرّ من توتري. قلت للصبي الذي أحضر الماء: "أعطني كأسًا منه".

غرف الصبي كوبًا من الدلو وناولني إياه قائلًا: "اشربي وقولي يا حسين". أمسكت الكوب، كان باردًا جدًا، شربته وأعدته له، ثم تابعت طريقي نحو مغسل الموتى. لم يفارقني مشهد كسر ركبة الجثة ولا صوته. ساءت حالي للغاية. شعرت بالتهاب في صدري وكدت أتقيّأ ما شربته.

مضيتُ لإحضار أدوات العمل، فقال السيد "برويزبور" : "لم يتبقّ شيء، عليّ أن أذهب وأحضر المزيد".

عندما رأيته نهض وأغلق دفتره، أدركت أنه يريد الخروج فقلت له: "إذا لم يكن لديك مانع، أريدك أن توصلني إلى المنزل".

أردت الاطمئنان إلى أخبار البيت، وهل عاد أبي إلى البيت أم لا. فقد كنت قلقة عليه كثيرًا.
 

 

159


147

الفصل الخامس

أجابني: "لا بأس تفضّلي".

كانت شاحنة السيد "برويزبور" الصغيرة من نوع "بيكان"، مركونة أمام الباب، ركبنا وانطلقنا. لم يكن بيتنا بعيدًا عن "جنت آباد" كثيرًا، عندما انعطفنا داخل زقاق منزلنا، قال لي السيد "برويزبور" : "هل تريدين العودة إلى "جنت آباد" ؟".
- نعم، لمَ تسأل؟.
- إذًا، سأنتظر حتى تنهين عملك، لأعيدك.

فشكرته على ذلك.

حين أوقف السيارة رأيت جيراننا مجتمعين. ما إن نزلت حتى اقترب مني العمّ "غلامي" تتبعه زوجته وزوجة "عبد العلي"، الملاصق بيتهم لبيتنا، وأم رضا وأم صغرى وتحلّقوا حولي. سلّموا عليّ، كأنهم يعلمون من أين أتيت، وقالوا: "عافاكِ الله".

عندما شاهد السيد "برويزبور" العم "غلامي" نزل من السيارة وصافحه وسلّم عليه ثم التفت عمي إليّ وقال: "لقد بيضتِ وجوهنا جميعًا يا بنت أخي، أحسنتِ يا بنت البواسل".

وددت أن أجيبه: ماذا كنت لتقول لو رأيتني قد ضاق صدري ونفد صبري وأقعدني الإعياء ممّا شاهدت وعاينت! لكنّني لم أنبس ببنت شفة. سألتني النساء: ما أخبار "جنت آباد" يا بنت السيد؟.
- لا شيء هناك غير العويل والبكاء والمصائب وتشييع الشهيد تلو الشهيد.
 

 

160


148

الفصل الخامس

قالت لي زوجة العم "غلامي" : "لا أستطيع تحمّل مشاهدة ذلك دقيقة واحدة، ومن المؤكّد أني سأصاب بالسكتة القلبية إن وصلت إلى هناك! من الجيد أنك استطعت العمل هناك رغم صغر سنّك".

قالت أم رضا: "نعم لقد بيّضتِ وجوهنا، كلنا نفتخر بك".

أثار كلام الجيران دهشتي، لم أكن أعتقد أن يكون للعمل في "جنت آباد" هذه الأهمية بالنسبة إليهم أو أن يكونوا على علم بما أفعل.

كنت أريد العودة مع السيد "برويزبور" إلى "جنت آباد". تركتهم ودخلت إلى البيت. قبل كل شيء سألت دا: "ما هي أخبار أبي".

أجابتني بحزن: "لا شيء، لا أخبار".

مع أني كنت مشغولة البال عليه، قلت لها: "لا تقلقي".

ذهبت بسرعة إلى خزانتي وقمت بخلع أقراطي وعقدي ووضعتها بداخلها. إنها أول قطع ذهبية اشتراها والدي هذا العام وأهداها لي بمناسبة العيد. أحببتُ العقد كثيرًا وكان عزيزًا علي للغاية. منذ أن وضعه أبي في رقبتي لم أخلعه أبدًا. ولكن في الأيام الثلاثة الماضية كان يتدلى من رقبتي فيزعجني ويعيق حركتي عند المساعدة في حمل الأجساد أو غسلها. من جهة أخرى لم تعد هذه الأمور ذات أهمية بالنسبة إليّ؛ ما قيمة الذهب عندما تزهق أرواح الناس بهذا الشكل.

لم أكن قد أغلقت باب الخزانة بعد حتى سمعت صوت "دا" من ورائي تقول لي: "لماذا قمت بخلعها؟".
- لم تعد تنفعني.


 

161


149

الفصل الخامس

 


- ما معنى كلامك هذا؟.

لم أقل شيئًا. خلعت ساعتي أيضًا ولكني تذكرت أنني أحتاجها أحيانًا، فأعدتها إلى يدي. ثم قلت لها: "سوف أبقى هذه الليلة في "جنت آباد" فلا تقلقي".

أجابت معترضة: "لماذا تريدين البقاء هناك، سينزعج أبوك إذا جاء ولم يجدك".
- ولمَ ينزعج. الجميع هناك ولست وحدي، كما إنّ أبي مطّلع على الوضع هناك.
- أنتِ أعلم، أنت من عليك التبرير لوالدك.
- حسنًا.

خرجت من البيت، ركبت سيارة السيد "برويزبور" وذهبنا إلى دائرة الخدمات البلدية. دخلتُ معه إلى مبنى البلدية، حيث أوصى أحد الموظفين هناك أن يسلّمني قماش الأكفان، ثم قال لي: "ابقي أنت هنا حتى أعود".

ذهب، انتظرت عشر دقائق، فأعطاني ذلك الرجل قماش الأكفان داخل كيس خيش كبير. لم يمضِ وقت طويل حتى عاد السيد "برويزبور"، وضع الكيس في القسم الخلفي من الشاحنة إلى جانب بعض أكياس لفائف القطن الكبيرة، وبعض الدفاتر الكبيرة وكيس مكتوب عليه كافور. أدركت أنّه قد أحضرها في تلك الأثناء. ركبنا السيارة وانطلقنا إلى "جنت آباد".

كانت الساعة الثالثة أو الرابعة بعد الظهر وقد أنهكنا التعب،

 

162


150

الفصل الخامس

فاستلقت كل واحدة منا في زاوية. لكثرة العمل الملقى على عاتقنا لم نجد الفرصة حتى لتناول الطعام. نهشني الجوع ودبّ الضعف في أوصالي. كانت يداي ترتجفان، لكن لا مجال للتفكير في الطعام. عندما كنت أنحني لحمل الجثة كنت أشعر بالدوار ولا أعود أبصر شيئًا غير السواد. في هذه الأوضاع عزفت نفسي وروحي عن التفكير في الطعام، وكان من الصعب إيجاد شيء لأكله. في بعض الأوقات كانت المغسّلات يخرجن بعض البسكويت من الخزانة الصدئة في زاوية الغرفة ويوزّعنها قائلات: "كُلي"، فأقول: "لا".

وبعد الإصرار، أتناول قطعة منهنّ. وقبل أن أضعها في فمي، تزكم أنفي رائحة الدم والكافور. فأهمّ بالتقيؤ وتتداعى إلى مخيلتي مناظر الجثث التي مزقتها الانفجارات إربًا إربًا وخُلطت بعضها ببعض فأخرجت العينين من محجريهما وقسّمت الحنجرة قسمين و.. كانت هذه المشاهد تكفي لكي أسأم الحياة وأعزف عن كل شيء.

مرتين أو ثلاثًا، أراد مغسّلو الموتى الرجال شرب الشاي؛ فقامت السيدة "مريم"، وهي في خضم عملها، بخلع قفازيها السوداوين اللذين أشعرانا بالتقزز، وإعداد إبريق الشاي ووضعه على موقد الكاز. عندما يغلي الماء تضع داخله حفنة من الشاي الجاف ثم تقدمه إلى الرجال المسنين الذين ينتظرون خارجًا ويدخنون السجائر. بعد أن تسكب لنفسها الشاي في علب المربى الصغيرة؛ مع أنني كنت أرغب بتناوله إلّا أنني لم أستطع التفكير في ذلك حتى. كانت السيدة "مريم" تصرّ: "تعالي واشربي الشاي فترتاحي"، فأتذرع أنه لا يمكنني شرب الشاي على معدة خاوية.
 

 

163


151

الفصل الخامس

كان قد مضى يومان ونصف اليوم على بدء الحرب وأصوات الانفجارات، وعدد الشهداء في ازدياد. نظرًا إلى قرب "جنت آباد" من ثكنة الحصن فقد كانت المنطقة تتعرض لقصف مركّز. فكرتُ وقلت لنفسي: "لا يمكننا الاستمرار على هذا المنوال، سوف ننهار، يجب علينا استدعاء أناس آخرين لمساعدتنا. إلى أي حدّ يمكن لمغسّلي الموتى الرجال والنساء الصبر والتحمل". كان عدد أجساد الشهداء يتزايد مع مضي الوقت فصارت فوق بعضها بعضًا.

من جهة أخرى، كنت أتشوق للذهاب إلى المسجد الجامع لمعرفة الأخبار والأحوال هناك. لأنني سمعت من الناس أن القوات التي تريد الذهاب إلى الخط الأمامي كانت تستلم الأسلحة من المسجد ثم تتوزع إلى مجموعات. الشيء الأهم الذي وددت معرفته: عواقب هذه الأوضاع، وإلى متى ستستمر الحرب. كان كلام "زينب" لا يزال يتردّد في أذني: "لقد هاجمتنا الكلاب، لم نستطع النوم، طوال الليل كنا نضربها بالحجارة". كان التفكير في هذه الأمور يشعرني بالضيق. التفتُّ إلى "زينب" والبقية اللواتي استلقين متعبات في إحدى الزوايا وقلت: "سأذهب إلى المسجد".

سألتني "زينب" : لماذا؟
- يجب أن يعرفوا أوضاعنا ليجدوا حلًّا ما، لا نعرف متى ستنتهي هذه الأمور، ولا أحد عندنا ليساعدنا، ألا ترين الأوضاع هنا؟ ألا تنظرين إلى نفسك؟ فأنتِ على وشك الانهيار! سأذهب لأطلب منهم إرسال آخرين للمساعدة، إذا ما استمرت الأوضاع هكذا ليومين إضافيين فعليهم أن يرسلوا أحدهم إلينا ليدفننا أيضًا.
 

 

164


152

الفصل الخامس

- في هذه الأوضاع والظروف من يسمع لمن؟ من سيصغي لكلامك؟ الآن تشغلهم ألف قصة وقصة، مع من تريدين التحدث؟ هذا عمل الرجال. فالواجب عليهم أن يذهبوا ويحضروا أناسًا آخرين للمساعدة.

- إلى متى علينا انتظارهم؟ ما مشكلتنا نحن؟ أليس لدينا ألسنة؟ سنذهب ونتكلم. لا بد من أن نعثر على أحدٍ يصغي إلينا ويولي اهتمامًا لشأننا. الوقت يمضي والأوضاع تزداد سوءًا.

لم تعقّب "زينب" بكلمة. خرجتُ من مغسل الموتى. وبينما كنت أسير باتجاه بوابة "جنت آباد"، شاهدت بعض أصدقاء أبي في العمل، وقد أنهوا عملهم ويريدون المغادرة. اقتربت منهم وسلّمت عليهم وسألتهم عن أبي فقالوا لي: "لا نعلم عنه شيئًا".

هممت بالمغادرة فإذ بأحدهم يقول لي: "رأيت السيد قبل الظهر، كان برفقة بعض الجنود ومعهم مدفع 106 متوجهين إلى خط المواجهات في نقطة شرطة السير، فقلت له: إلى أين؟ خير إن شاء الله؟.
- سأذهب إلى خط المواجهات.
- وعملك هنا؟
- اليوم عملنا هو قتال العدو.
- ألا تعلم أن البلدية أبلغت أنها ستطرد كل شخص لا يأتي إلى عمله؟
- فليذهب العمل إلى الجحيم، لقد جاء العدو يريد إخراجنا من مدينتنا، وهؤلاء يهددونني بطردي من عملي؟ فليفعلوا ما يحلو لهم. واجبي الآن الذهاب إلى القتال".

سررتُ بذلك؛ فأبي قد انضم إلى القوات المدافعة عن المدينة؛

 

165


153

الفصل الخامس

إذ كنت أشعر بالضيق لعدم وجود أحد منا ضمن القوات المدافعة، وأنا أعلم أنّه لو أن "علي" في "خرمشهر"، لحضر في الجبهة وعلى خط المواجهات. كنت أقول لنفسي: "ليتهم يسمحون لي بالذهاب إلى خطوط المواجهة".

حين خرجت من باب "جنت آباد" رأيت مجموعة من الجنود نائمين بعضهم إلى جانب بعض قرب جدار المقبرة. بدا عليهم التعب والجوع. وبالقرب منهم دبابة "تشيفتن"1. غضبت واستأت من هذا المشهد: جنود قاعدون بلا مهمّات، مستلقون على الأرض، وبعضهم كان يدخن السجائر. تقدّمت منهم وسألتهم بغضب وقسوة: "ألا تخجلون؟ ألا ترون العدو قد دخل المدينة منكّلًا بالناس. أجاب بعضهم: "ماذا نفعل ليس لدينا قائد".

قلت بعصبية شديدة: "تقول ماذا تفعلون؟ صحيح أنكم لستم أمواتًا لندفنكم مثلهم، لكنكم لستم أحياءً كالأحياء! لا قائد لديكم؛ أليس لديكم غيرة على الأقل؟ انهضوا وساعدونا في دفن أجساد الشهداء". ثم عادوا وقالوا: لم يطلبوا منا شيئًا ماذا علينا أن نفعل".
- لا تنتظروا الأمر، خذوه من وجدانكم وضميركم!

تأثّر بعض الجنود بكلامي ونهضوا وتوجهوا إلى "جنت آباد"، وبعضهم تذمر قائلًا: "ما ذنبنا إذا لم يكن لدينا قائد". وفي الطريق رأيت عددًا منهم يجولون حيارى. تغيّر وجه المدينة وتحولت إلى مدينة حرب، وقد لوّث دخان حريق مصفاة نفط "آبادان" سماءها وجعلها سوداء اللون.

 

1- دبابة بريطانية، تستطيع القصف وهي تتحرك.

 

166


154

الفصل الخامس

كل البيوت أصابتها الشظايا، تهدمت بعضها وأغلقت كثير من المحلات التجارية أبوابها. كان من السهل ملاحظة قلق الناس واضطرابهم؛ وحتى بكائهم أحيانًا. لم يعد للأشجار الخضراء على جانبي الطرقات ولأشجار النخيل في وسطها جمالها ونضارتها المعهودة؛ لقد أصابها غبار الحرب بالذبول. كنت أرى تلك المشاهد بعد أن مضى على عملي في "جنت آباد" يومان أو ثلاثة. في تلك المدة كنت فقط قد سمعت وصفها من الناس. قلت لنفسي: "سرعان ما أظهرت الحرب وجهها القبيح والمشؤوم. إنني أخسر سكان مدينتي وبيوتها"، ثمّ واسيت نفسي قائلة: "لن تدوم هذه الأحداث طويلًا. بمجرد أن تأتي القوات المساندة من المدن الأخرى وتقوم بإخراج العدو من أرضنا، سوف نتآزر ونعيد إعمارها ونعيدها أجمل مما كانت".

كنت أتلهف إلى زيارة كل مناطق المدينة ومشاهدتها. ذهبت من مستديرة "ارديبهشت" إلى مستديرة "دروازه" في مركز المدينة، لأصل إلى المسجد الجامع عبر شارع "الفخر الرازي". أردتُ رؤية المتغيرات التي حصلت؛ لطالما أحببت ذلك المكان، فهو رائع وجميل. كانت ممرات المشاة والأرصفة حول المستديرة مليئة بأشجار الآس2 والتي ظللت تلك المساحة بأغصانها المرصوصة في طبقات وأوراقها الصغيرة كالمظلّة. في الوسط حوض ماء دائري الشكل كبير نسبيًا تحيط به مجموعة رائعة من شجيرات الشمشاد والورد وأزهار أم كلثوم والعشب الأخضر. كل هذا جعل من مستديرة "دروازة" ساحةً رائعة الجمال. في أيام الصيف الحارة عندما كنت أمرّ من هنا، تداعب وجهي نسمات في منتهى الرقة


2- يقال لها في الجنوب (بي عار).

 

167


155

الفصل الخامس

منبعثة من ظلال الأشجار ومياه النوافير. هناك حوالي تسعة طرق رئيسة وفرعية تتشعب من هذه الساحة إلى الأسواق والشوارع المهمة في المدينة: فخر الرازي، وحافظ، وهريس تشي، وفرهنك، ورودكي و.. لهذا السبب كانت هذه المنطقة تعجّ بالناس دائمًا، أما الآن فلا أثر للازدحام. المحلات التجارية مغلقة ونافورات الماء لا تعمل، وقد حطّ غبار أسود اللون ثقيل الظل على جميع أوراق الأشجار والأزهار. رحت أتأمل في شارع حافظ، لقد استُهدفت المنطقة القريبة من سينما حافظ وسوق "روز" الشعبي؛ وقد ملأت الشارع الأغصان المحترقة والحجارة المتناثرة وكتل التراب.

كلما اقتربت من المسجد الجامع ازداد تردد الناس وحركة السيارات. امتلأ محيط وساحة المسجد بشتّى الفئات بدءًا من الشرطة، والجيش، والمقاتلين، والقوات البحرية، والمتطوعين، وصولًا إلى القوات الشعبية وقوات التعبئة الذين ركبوا شاحنتين كبيرتين. لم أدر إلى من أذهب ومع من أتكلم. أمام باب المسجد المطلّ على شارع "فخر الرازي" جلست مجموعة حول طاولة؛ متحدّثين بصخب وبصوت عال، بينهم شاب أجعد الشعر أسمر البشرة جالس خلف الطاولة يتكلم عبر أحد الهواتف الموضوعة عليها. بين الحين والآخر يطلب من الناس حوله: "تكلموا بهدوء إنني أتحدث"، لكن من دون جدوى، فمنهم من يطلب السلاح ليذهب إلى خط المواجهات، ومنهم من حمل أسلحته وراح ينتظر من يأخذه إلى مناطق العمليات. كان بعضهم يقول: "نريد سيارة لننقل جرحانا إلى الداخل. شبابنا يقضون نحبهم بسبب نزيف بسيط". وقال آخر: "سيدي قل للمسؤولين أن يسرعوا في تفقد المناطق التي

 

168


156

الفصل الخامس

يقصفها العدو وإصلاح ما يدمره لكي لا تنقطع المياه عن المدينة".

مررت بالقرب منهم حتى وصلت إلى باحة المسجد، كنت أبحث عن شخص لأحدثه بمسألتي. إلى اليسار وجدتُ مجموعة تعدّ حشوة قذائف المولوتوف، وقد جمعت حولها أنواع الصابون المختلفة: ياسمين وجونسون وعروس؛ حتى بعض الصابون العشبي والبروجردي، التي بدا واضحًا أنها جمعت من بيوت الناس. إلى جانب بعض الأوعية المليئة بالبنزين والكثير من الزجاجات الفارغة متفاوتة الأحجام والأشكال مرمية في إحدى الزوايا. ويقوم شخصان بتقطيع الصابون وتفتيته إلى أحجام صغيرة جدًّا داخل وعاء كبير. ومجموعة أخرى من الشباب تقوم بمزج البنزين وزيت النفط معًا في إبريق ثم ملء الزجاجات بهذا المخلوط. في الطرف الآخر بالقرب من رواق المسجد توزّعت مجموعة من الصناديق والعلب والأكياس المليئة بالمواد المختلفة، وبالقرب منها وقفت فتاة سمراء ممشوقة القامة، وقد أعجبتُ بها وارتحت إلى مظهرها. بدت هادئة وصامتة ترتدي حجابًا أزرق اللون يميل إلى البنفسجي وقد ربطت طرفيه أسفل ذقنها وتلبس جلبابًا (مانتو) كحلي اللون. توزّع الكثير من النساء والأطفال داخل رواق المسجد، ومنهنّ من جلسنَ بصمت قرب الجدار، والخوف على وجوههن كأنهن ينتظرن حدوث أمر ما. كنت ألاحظ الخوف في أعينهن إلّا أن الأطفال استمروا في لعبهم غير آبهين بما يجري.

كان هناك شيخ متوسط القامة لا يرتدي عباءته يقف مع رجال مسنّين ولربّما كانوا تجارًا في سوق "صفا" التجاري وهو يستمع لكلامهم وغارقٌ في التفكير. كان "مش ممد" خادم المسجد يصعد إلى

 

169


157

الفصل الخامس

غرفته وينزل منها مستخدمًا الدرج لإحضار الأشياء التي يريدونها وينجز بعض الأعمال. كان واضحًا على وجهه المتعب كم أضناه العمل.

عدتُ إلى حيث الطاولة بجانب المسجد ووقفت بين أشخاص يسألون ويعترضون. والشاب الجالس خلف الطاولة يجيبهم بوجه بشوش. ما إن رأيته قد فرغ قليلًا اقتربت منه وسألته:
- عفوًا، إلى من يمكنني التحدّث هنا؟
- حول أي موضوع؟
- حول الشهداء.
- لا أعلم، اذهبي إلى المسجد لعلّ أحدًا هناك يجيبك.

غضبت وقلت: "ما هذا الوضع؟ أذهب وأبحث عن من؟ أريد مقابلة من؟ أأذهب إلى باحة المسجد وأبدأ بالصراخ فليجبني أحدكم".

ابتسم لدى رؤيته فورة غضبي وردّ فعلي قائلًا: "حسنًا؛ ماذا تريدين؟".
- الشهداء في "جنت آباد" مطروحون على الأرض؛ لم نعد قادرين على استيعاب عدد الشهداء. نحن وحيدون ولا ماء لدينا وعدد الأكفان قليل. والكلاب قد استكلبت وهجمت مسعورةً للانقضاض على الجثث.
- حسنًا هدّئي من روعك قليلًا. سأجري بعض الاتصالات مع الشباب وأطلب منهم إرسال أفراد آخرين للمساعدة في "جنت آباد".. جيد؟

لذتُ بالصمت. أدرتُ رأسي وعدتُ أدراجي.

ما إن رأتْ "زينب" وجهي البائس حتى سألتني: "حسنًا ماذا حدث؟".


 

170


158

الفصل الخامس

- ذهبت وأخبرتهم، وعدوني أن يرسلوا عددًا من المتطوعين لمساعدتنا وللقيام بالحراسة.
- أسأل الله أن يتحقّق هذا.

حين هممت بالدخول إلى مغسل الموتى قالت لي: "تعالي يا ابنتي لنقوم بدفن أجساد تلك الشهيدات المسكينات. لقد نفد ماء الصهريج، وبقينا عاجزين منتظرين".

أمسكت بطرف النقالة حيث وقفت "زينب" وانطلقنا باتجاه القبور. عندما مررنا أمام مغسل الرجال جاء رجلان لمساعدتنا وحملا الجثمان من وسطه. كانت "جنت آباد" خالية تقريبًا. لم يتجاوز عددنا الاثني عشر شخصًا. حينما وصلنا إلى القبور الفارغة وضعنا النقالة أرضًا وحملنا الشهيدة إلى داخل القبر.

في أقل من ثانية أرعبنا صوت خرق الطائرات لجدار الصوت. كانت أعيننا ترصد السماء؛ فقد استباحتها طائرتا ميغ. لم ندرك ما يحدث حتى سقطت الدفعة الأولى من الصواريخ، وكانت الأصوات قريبة جدًّا، ما يؤكّد أنهم قصفوا "جنت آباد". اهتزت الأرض وملأ التراب والغبار كل مكان. رمى كلٌّ منّا بنفسه جانبًا. سمعنا أصوات شظايا الصواريخ التي تطايرت في كل جهة. ما إن سمعت دوي الانفجار حتى سحبت يدي من تحت رقبة وكتفي الشهيدة التي أردنا دفنها وقفزت داخل القبر وصرخت: اقفزي يا "زينب" اقفزي.

توقعنا سقوط الدفعة الثانية من الصواريخ وأن ينزل أحدها فوق رؤوسنا. لكنّ شيئًا لم يحدث. كنت أهمس بذكر العباس عليه السلام وأسأل الله

 

171


159

الفصل الخامس

بحقه أن يساعدنا. رفعت رأسي لأرى "زينب"، مستلقيةً قرب الجثمان على الأرض. كما لاذ بعض الرجال بالقبور الأخرى وهم يصدحون بالتكبير.

جاء صوت الانفجار الثاني من جهة ثكنة القلعة وبعد ثوان قليلة بدأوا بإطلاق نيران رشاشاتهم على "جنت آباد" ؛ كان الرصاص يحرث الأرض على بعد مسافة ما بين 50 إلى 100م منا. أخفيت رأسي مرة ثانية؛ وكان لارتطامه بالأرض صوت خاص. قلقتُ على "زينب". مع أني كنتُ خائفة ومختبئة، لكن تلك اللحظات المخيفة كانت حماسيّة ومثيرة. وقد مرّت بسرعة كبيرة.

حين هدأت الأصوات، انتابني إحساس غريب وأنا في تلك الحفرة؛ فلو أصابتني إحدى تلك الرصاصات لكنت بقيت في مكاني هذا؛ بيتي الأبدي. استلقيت في القبر لأجرب كيفيّة النوم فيه وأنا على تلك الحال. تذكّرت مراحل الدفن التي بتُّ أراها يوميًا: وضعه على الطرف الأيمن، تمكين الأرض من وجهه، وضع بلاطة فوق رأسه ومن بعدها الغربة والظلمة. داهمتني رهبة ووحشة غريبة. تذكرت كل أعمالي السابقة، مرت كل مشاهد حياتي ومضت بسرعة أمامي. خاطبت الله سبحانه: "رباه لا تقبضني إليك إلّا وقد غفرت لي، وأن تكون أعمالي صالحة لكي لا أعيش لحظات الرعب والوحشة هذه".

أخرجني صوت "زينب" من وحدتي: "لماذا نمتِ في القبر يا فتاة؟".
- أريد أن أتذوق طعم الموت. ضعي بعض التراب عليّ! تصوري أني شهيدة.
- هيا قومي! كفاك عبثًا لا وقت لدينا.
 

172


160

الفصل الخامس

قلت على سبيل المزاح: "هل أنت صاحبة هذا القبر حتى تخرجيني منه؟".

ضحكت وقالت: "لا صاحبته أمة الله هذه، وأنا وصية عليها".

بعدها مدت يدها وسحبتني من القبر. لمّا خرجتُ، وخوفًا من عودة الطائرات مجددًا، أسرعنا في دفن الجسد وواريناه في الثرى. ذهبنا إلى المنطقة التي تعرّضت للقصف والرصاص. بعضه أصاب القبور وبعضه الآخر توزع على الأرض ونشر التراب في كل مكان. قام الرجال بجمع قطع من الرصاص من الأرض. نظرنا جميعًا إليها بدهشة، كانت كبيرة جدًّا تصل إلى 5 سم. قال أحد الرجال مازحًا: "تكفي الواحدة منها لقتل فيل، لقد جاء هؤلاء الأوغاد لقتلنا نحن".

بعدها توجهنا إلى مقبرة الصابئة3. وهي في منطقة خالية بين "جنت آباد" ومساكن الأساتذة. يوجد فيها نحو خمسين أو ستين قبرًا إسمنتيًا تفصل بينها مسافات كبيرة. أصابت الدفعة الأولى من الصواريخ هذه المنطقة وبعثرت القبور ودمرتها. لم نقف هناك طويلًا وعدنا أدراجنا بسرعة.

قبيل الغروب فرغت "جنت آباد" من الناس، وأوقفنا نحن عملنا أيضًا. كنا منهكين من التعب، وألقت كل واحدة منا بنفسها في زاوية. لكثرة ما نقلنا من أجساد إلى هنا وهناك عجزتُ عن الوقوف، ولا يزال هناك عدد منها لم نقم بتغسيلها بعد. قالت المغسّلات: "عند المغيب يصبح الجو موحشًا وليس من المستحسن دفن الشهداء في الظلام".
 

3- أتباع النبي يحيى عليه السلام؛ يولون اهتمامًا خاصًّا بالنجوم ويحترمونها. وهؤلاء بسبب رسومهم الدينية يعيشون عادة إلى جانب الأنهر.

 

173


161

الفصل الخامس

عندما رأيت أنّهن توقفن عن عملهن قلت لـ"ليلى" : "أنت اذهبي إلى البيت".
- وأنتِ ألا تأتين؟
- لا.
- لمَ لا تأتين؟
- عليّ البقاء.
- حسنًا سأبقى أنا أيضًا.
- لا.

لم أرغب في أن تمكث "ليلى" في المقبرة ليلًا وتجرّب وحشة القبور وأهوالها، فقد تحملت منذ الصباح الكثير الكثير من المصاعب والمشقات؛ شاهدتُ حجم الإنهاك والضغط الذي واجهته. كما إنّ "دا" سينتابها الاضطراب وستقلق عليها أيضًا.

وقفت "ليلى" مجبرة وودعت السيدات. قمت بمرافقتها حتى شارع "دانشسرا". قلت لها وأنا أودعها: أخبري "دا" أن لا تقلق عليّ. سأبقى مع "مريم" و"زينب".

هزّت رأسها ومضت. حزنتُ لأني أرسلتها إلى البيت وبقيت أرمقها حتى غابت ثم عدت أدراجي.

ما إن دخلت "جنت آباد" حتى ارتفع صوت أذان المغرب من مذياع أحد المسنين. توضأت وذهبت إلى غرفة المغسّلات، مكان استراحتهن اليومية؛ أرضيتها مغطاة بموكيت باهت اللون، وأثاثها لا يتعدّى بعض

 

174


162

الفصل الخامس

الأغطية وخزانة حديدية يضعن ملابسهن فيها. تساءلت وأنا أنظر إلى الباب والجدران: "كيف أمكننا القيام بهذا العمل؟ كيف استطعنا التحمل؟ و.."

مضى بعض الوقت، فشعرت بالندم لأنني سأبقى في "جنت آباد" ليلًا. سألت نفسي: "لماذا بقيتِ هنا؟ أما كان من الأفضل أن تذهبي إلى البيت وترتاحي؟ ليذهب التعب عنك.. وترجعي غدًا بنشاط أكبر وهمة، وتنام أمك قريرة العين؟!". خفّفَ عني أنّني لم أبق بلا سبب، وليس المكان سيئًا، فلو أني انصرفت الليلة لما غفوت قلقًا، وسأظل مشغولة البال بـ"جنت آباد". حتمًا هذه إرادة الله أن ألقى بقلبي فكرة البقاء هنا.

شعرت ببعض الراحة عندما خاطبت نفسي بهذا الكلام. عادت المشاهد التي طالعتني صباحًا تتراءى أمامي. أكثر ما روّعني في مغسل الأموات منظر الأجنة الميتة وشكلها الغريب. وجوه مضغوطة بشكل عجيب؛ كأن أحدًا وضعها تحت مكبس. يقولون إنّ النساء كن يسقطن أجنتهن من هول الانفجارات. لم أقترب منها حتى العصر، ولكن عندما ازداد عدد الأجنة والرضع المكفنين في زاوية الغرفة، ولأخلي ذلك القسم من الغرفة أُجبرت على الاقتراب منها ولمسها. حملت اثنين منها، كنت متعبة ومنهكة من كثرة ذهابي وإيابي بين القبور والمغسل، فشعرت وكأنّها ثقيلة جدًا، وبرودتها التي سرت في جسدي جعلتني أرتجف. كم تمنّيت الموت عندما تذكرت ذلك الطفل الذي ما زالت المصاصة في فمه؛ أو ذاك الذي جفّ الحليب على شفتيه وما زالت المريلة معلقة برقبته. لم يدعني ذهني الفضولي أتجاهل هذه الأمور بسهولة. كنت أدقق في ملابسهم وقماطاتهم، كان بإمكاني أن أتخيل

 

175


163

الفصل الخامس

في أي عائلة ولدوا، أبناء عائلات فقيرة أم عائلات ميسورة.

كان أمرًا مدهشًا وعجيبًا، فكيف استطعنا مواجهة هذه الأمور؟! كيف استطعت أنا و"ليلى" القيام بهذا العمل وقلبانا لا يحتملان مشاهدة جروح بسيطة، فكيف بنا بمشاهدة مناظر الجراح والدماء؟ في بعض الأحيان كانت يد أبي أو قدمه تجرح أثناء عمله في البناء واللحام. وبعد عودته إلى البيت يجلس على الشرفة ويقول: "أحضروا بعض الضمادات والمعقم وضمدوا هذا الجرح". كنا نستاء كثيرًا، إذ لم نتحمّل النظر إلى الجرح حتى؛ فما الذي تغير الآن! لا أعلم! دهمني الارتباك، رفعت رأسي للسماء وقلت: "يا رب فرج عنا هذه المحنة في أقصى سرعة، أعطني القدرة كي أصمد وأتحمل وأقوم بما يجب عليّ فعله".

صلّيت، وأثناء سجودي بدأت دموعي تنهمر. نهضت بعد أن أجهشت بالبكاء. بدأت أصارع نفسي في تلك الظلمة وذلك السكون. أغمضت عيني لعلّي أشعر بقليل من الراحة. بدأت صور الشهداء تجيء وتذهب. فجأة سمعت صوت "زينب" : "أين أنت يا فتاة ؟ تعالي واجلسي معنا، لا تجلسي بمفردك". استجمعت نفسي وخرجت، وما إن جلست إلى جانبهن حتى وضعن أمامهن صينية مهترئة بداخلها بطاطا مطبوخة وجئن بالخبز والبصل. بدأن ببسم الله بتناول الطعام. قالت "مريم" وهي تقشّر البطاطا: "ليتنا أعددنا "دوبيازة"!".

قال العجوز: "يبدو أنكِ مرتاحة البال".

قال الآخر: "لا يمكننا ذلك، من أين سنأتي بالزيت؟ نحتاج إلى النار أيضًا".

في ذلك الجو المظلم نسبيًّا، أكل الجميع البطاطا والبصل بالخبز

 

176


164

الفصل الخامس

بشهية. حين لاحظن أنني ممسكة عن الطعام، أصررن عليّ. فأجبت: "لا يمكنني، شكرًا".

مع أنني كنت أتضوّر جوعًا؛ لكن شهيّتي للأكل قد انقطعت. لم أشعر بالراحة بينهنّ. جميعهنّ مغسّلات أموات، وكل حياتهنّ وعملهنّ مع الأموات وفي المقابر. عندما رأت "زينب" أنه لم يبقَ شيء من البطاطا سألتني: "هل أقشر لك؟".
- لا.

لكني كنت أعلم أنها سوف تُجبرني على تناول الطعام. لذلك خوفًا من أن تقوم هي بتقشير البطاطا؛ قمت بأخذ إحدى الحبات الصغيرة، قشرتها ووضعت عليها القليل من الملح قضمتها وبلعتها من دون مضغ.

عندما تذوّقت اللقمة، شعرت أنّ شهيتي قد فُتحت. أخذت قطعة خبز وأكلت معها ما تبقّى من البطاطا. كان تفكيري مشغولًا بكلام "زينب" بالأمس. مع سماعي لنباح الكلاب رحت أتخيّل المشاهد التي قد نواجهها الليلة، ولم أتناول غير تلك اللقمة رغم إصرارهن. كنّ يأكلن طعامهن بنهم. بعدها، قمن بإعداد الشاي وسكبن لي كوبًا، فقلت: "لا أريد". فشربنه من دوني وهنّ يتحاورن.

تحدثن عن عائلاتهن وعن الأشياء التي شاهدنها في هذه الأيام. أظنّ أنّه بسبب طبيعة عملهنّ كنّ يفهمن كلام بعضهن بعضًا أكثر من أي شخص آخر. فتكلمن معًا براحة من دون تكلّف كأفراد عائلة واحدة.

أصغيت إليهنّ. تحدّثت كل واحدة عن جرح ومعاناة. قالت "زينب رودباري" : "أنا أشعر بالراحة، لقد أرسلت ابنتي مع أبيها بعيدًا عن

 

177


165

الفصل الخامس

جهنم هذه. لو لم أقم بإرسالها لما تمكنت من البقاء هنا، وكلما سمعت صوتًا أحسبهم قصفوا بيتنا".

أعرف ابنة السيدة "زينب" ؛ اسمها "مريم". وقد اعتادت أن تدرس على سطح منزلهم وهي تمشي، كنت أراها دائمًا وأسلّم عليها وأتبادل معها أطراف الحديث.

أما "مريم" فتحدّثت عن أخبار الجبهة نقلًا عن صهرها المقاتل في القوة البحرية وتناديه بـ"يدي" ؛ قالت وهي تدخن سيجارتها: "الله يسلمه، أحضر لي دخانًا أيضًا، قلت له خذ ابنتي وأولادك واذهبوا من هنا. أصر "يدي" عليّ بالذهاب معهم ولكني رفضت".

لم أتمكن من الإصغاء إلى كلامهنّ أكثر من ذلك. نهضت ورحت أجول في المحيط هنا وهناك. بعد قليل، انضمت إليّ "زينب"، عند الساعة العاشرة والنصف أو الحادية عشرة مساءً. أثناء تجوالنا كثيرًا ما كانت "زينب" تتثاءب من شدّة الإرهاق والتعب. ثمّ حدّثتني عن ابنتها وبدا واضحًا أنها تحبها حبًّا جمًّا، مضى يومان أو ثلاثة ولم ترها؛ كانت تحنّ إليها كثيرًا. كنا نسير و"زينب" تتكلم.

ما إن وصلنا إلى الشهداء وشاهدنا أجسادهم ملقاة على الأرض حتى انقلبت حالي، عندما فكرت في مظلوميتهم ووحدتهم وددت لو أبقى بالقرب منهم وأن أعمل شيئًا لأجلهم. لم تتركني "زينب" أسترسل في أفكاري وأنا أنظر إليهم، وصارت تسألني باستمرار: "هل تصغين إليّ؟”
- نعم.

لكنّي كنت أغوص مجددًا في أفكاري، لحظات ولادة هؤلاء الشهداء

 

178


166

الفصل الخامس

التي جلبت الفرح والسعادة لمنزلهم، آمالهم التي سعوا لتحقيقها وأشياء أخرى يسعى أيّ إنسان وراءها. وأنا أيضًا كانت لدي أحلام، فقد كنت أنتظر الفرصة لمتابعة التحصيل العلمي؛ بدأت هذه الفكرة تراودني منذ تحدّث "عليّ" عن الفقر وعدم وجود مقومات السلامة الصحية في القرى. وازددتُ كل يوم عزمًا لإكمال الدراسة، وأن أفعل ما بوسعي لرفع الحرمان عن تلك المناطق.

مع مضيّ الوقت، كان نباح الكلاب يقترب أكثر فأكثر، فقمنا مرّات عدة برمي الحصى باتجاه الصوت؛ ولكن شيئًا فشيئًا أصبح الوضع جدّيًا؛ فكنا نسمع أولًا أصوات زمجرتها من بين الأشجار لتعلن بأنها تتهيأ للهجوم. ارتعش بدني وأحسست بأنها ستنقضّ علينا وتعضّنا في أقدامنا في أي لحظة. كانت "زينب" تصدر ضجيجًا. تضرب بعصا خشبية يمينًا وشمالًا حتى تخيفها. ظننتُ أن لا فائدة من هذا العمل؛ لأنّ عدد هذه الحيوانات تكاثر بوضوح. كنت أرى بريق عيونها في هذا الظلام؛ حملت أنا و"زينب" ما استطعنا حمله من العصيّ والحجارة تحسبًا لهجومها. فجأة عند ابتعادنا عن منطقة الأشجار أحسست أنها صارت خلفنا. التفتنا إلى الخلف مذعورتين؛ وإذ بقطيعٍ منها يقطر اللعاب من أفواهها، راعني منظر أنيابها الحادّة؛ تقف خلفنا تمامًا. حاولت الالتصاق بـ"زينب"، وبدأنا رمي الحجارة. رحنا ننحني ونلتقط الأحجار عن الأرض ثم نرمي بها الكلاب. كنت عند الانحناء والاستواء أشعر بآلام ناجمة عن حمل ووضع الأجساد، تجتاح ظهري وكتفيّ، تؤذيني وتثقل كاهلي.

عرفنا من عواء الكلاب أنّ رشقاتنا أصابتها؛ فصار عددها يتناقص إلى أن هربت وتفرقت. أصابنا وهن شديد. ذهبنا نحو الغرف، وعندما

 

179


167

الفصل الخامس

مررنا بجانب عشر أو اثنتي عشرة شهيدة مجهولة الهوية مُسَجَّيات أمام المسجد، وقفت "زينب"، تأمّلتهن وخاطبتهن: "أين هي عائلاتكن الآن؟ أين يبحثون عنكن؟".

قالت "زينب" : بسبب هؤلاء الشهيدات لم يطاوعني قلبي على الذهاب إلى المنزل.

لم نطل الوقوف، مشينا، وكنت آمل أن يكون عناصر الدعم الذين وعدنا بهم ذلك الشاب قد أقبلوا، لكن حين وصولنا إلى الغرف لم نر أحدًا منهم.

ما زالت "مريم" وزميلتها تتكلمان، والرجل المسن ما زال مستلقيًا يستمع للمذياع (محطة البي بي سي)، والآخر نائمٌ على مسافة منه. وبدأت "زينب" تتكلم، أما أنا فدخلت الغرفة، وأسندت ظهري إلى زاوية أحدثتها الخزانة مع الحائط، ومددتُ قدميّ، وغطيت نفسي بطرف العباءة. بعد دقيقتين أو ثلاث؛ قالت "زينب" : "يا ابنتي، ألا تذهبين إلى الخارج للنوم؟".
- لا.

ثم دخلت وتبعتها "مريم". وتمددتا على الموكيت.

سألتني: لماذا جلستِ هكذا؟ تعالي وتمددي بشكل مريح.
- أنا مرتاحة هكذا.

اكتفيت بذلك ولم أقل لهما إنّني أكره الاستلقاء على هذا الموكيت القذر، فضلًا عن قِدَمه واهترائه، كأنه لم يُغسل من قبل! كان جوّ الغرفة،

 

180


168

الفصل الخامس

خلافًا للهواء العليل والمنعش في الخارج، حارًّا وثقيلًا. مع ذلك وقبل أن أنام، نهضت وأغلقت الباب الخشبي.

سألت مريم: لما أغلقتِ الباب؟ سنختنق هكذا.
- هكذا نستطيع أن ننام مرتاحات.
- من يرانا بهذه الظلمة؟!

اضطررت لفتح الباب إلى النصف وعدت إلى مكاني.

حاولت النوم، وما إن أُطبق جفنيّ حتى يمتلئ رأسي ضجيجًا وعويلًا، فأنتفض من مكاني مذعورة. أنظر في أرجاء المكان فأتذكر أين أنا. أُصلّي على النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا بالنعاس يراودني مرة أخرى، وما إن تمضي دقائق حتى أنتفض مرة أخرى. كان نوم "زينب" و"مريم" ثقيلًا، وكأنهما لم تمضيا يومًا موحشًا عصيبًا، وأصوات شخير العجوز النائمة في الخارج و"زينب" يقاطع بعضه بعضًا، فيثير أعصابي ويوتّرني. حتى وإن لم تراودني الكوابيس ثانية؛ فشخيرهما يكفي لإيقاظي وسلب النوم من عيني.

استيقظتُ مرةً وشعرتُ بعدم القدرة على التنفس، بسبب جو الغرفة الخانق الحار، كأن جدرانها تطبق عليّ. انتفضتُ وخرجتُ منها ومررتُ بجانب العجوز النائمة عند الباب. أخذت أنفاسًا عميقة حتى أحسست بالراحة. خفتُ من إطالة الوقوف أمام الغرف لأنّهن إذا استيقظن ورأينني سيرتعبن ويُدهشن، فذهبتُ باتجاه مدخل "جنت آباد". كان الظلام دامسًا، ووميض النجوم المتألقة في كبد السماء لا ينير طريقًا، فلم أستطع الرؤية أمامي لأكثر من ستة أمتار، لم أكفّ عن قراءة البسملة والمعوذات

 

181


169

الفصل الخامس

الأربع؛ بعثت فيّ السكينة، قبل أن أصل إلى الباب أخذت أفكّر ماذا لو ظهر أمامي أحد العراقيين أو المنافقين أو أحد الأشرار، كيف سأدافع عن نفسي؟ وحتى لو لم يكن أي من هؤلاء، كانت أصوات الكلاب كافية لتمنعني عن مواصلة طريقي، فهي لم تكن بعيدة وحاضرة؛ بل بدا أنها تقترب أكثر. عدت إلى الغرفة ولم أتابع الطريق، وعندما أردت إغلاق الباب ملأ صريره الغرفة فاستيقظت "زينب".
- لم تنمي؟
- استيقظتُ وطار النوم من عيني.
- استلقي، حتى تنامي.
- لا يمكنني النوم، لا أشعر بالنعاس.
- صوت الكلاب يقترب، ماذا لو هجمت؟ ماذا سنفعل بالجثث حينها؟
- ما رأيكِ في أن نقوم بجولة؟
- ألا يمكنك النوم؟
- لا.

لما همّتْ بالقيام أدارت "مريم" رأسها وتمتمت متذمرة: "لماذا لا تنامان، ما كل هذا الضجيج؟".

قالت "زينب" بصوت منخفض: "نامي أنتِ، من تحدّث إليك؟".

ثم نادتْ: "يا علي". ونهضتْ من الفراش.

خرجنا من الغرفة وبدأنا نجول. بدايةً، ظننتُ أن الكلاب ستظهر

 

182


170

الفصل الخامس

خلال دقائق. بدأتُ أحدّق في ذلك الظلام لعلّي أجد ما أُبعدها به، فلم لم أجد شيئًا. لحسن الحظ وخلافًا لما توقعناه، ابتعدت الأصوات شيئًا فشيئًا. قالت "زينب" : "هيا نعود".

مررنا بالقرب من الشهداء مجدّدًا. قلت لا إراديًّا: "السلام عليكم أيها الشهداء".

ردّت "زينب" ممازحة وقالت بلهجة حاولت تقليد كلماتي بالعربية: "وعليكم السلام".
- أنا سلمت على الشهداء.
- ماذا كنت ستفعلين لو أجابك أحدهم؟
- لا شيء.. سألوذ بالفرار.

علت الابتسامة وجهينا ورجعنا إلى الغرفة. عادت "زينب" ونامت في مكانها. قالت: "تعالي إلى هنا واستلقي، حتى نغفو قليلًا قبل طلوع الصباح".
- لا أنا سأجلس في مكاني.

على الرغم من محبّتي لـ"زينب" وتعلق قلبي بها خلال هذه الأيام، لكنني كرهتُ النوم على ذلك الموكيت، إلى جانبها، وهي قد غسلت الكثير من الأموات حتى ذلك الوقت.

بعد مرور وقت قصير لاحظت أن نومها قد ثقل، أما أنا فقد سُلب النوم من عيني مهما حاولت. راحت أصوات الانفجارات تطرق سمعي من قريب وبعيد وتتداعى إلى مخيلتي وفكري عاصفة من الأفكار

 

183


171

الفصل الخامس

والأوهام؛ فكّرت في الخروج مجدّدًا لأهرب من هذه التخيلات. ولم تلتفت "زينب" هذه المرة لخروجي.

كانت المقبرة كبيرة، لا باب لها ولا مدخل، تحيط بها الكثير من الجدران القديمة، التي يسهل تسلقها والدخول إليها. يقع على امتداد مبنى مغسل الأموات، طريق معبّد مشجّر من كلا الجهتين. في الظلام، عند هبوب نسمات الهواء تتحرّك أوراق الأشجار، فتغدو المنطقة مخيفة وموحشة أكثر من أي وقت.

في ما مضى، وهربًا من الحر، نمت على السطح مرات عديدة. كنت دائمًا، وقبل أن يغالبني النعاس، أنظر إلى السماء وأحدّق إلى القمر والنجوم، ولونها الفضي يبدو أكثر لمعانًا في كبد السماء الكحلية. كثرت النجوم في سماء مدينتنا لدرجة خشيت أحيانًا ألّا تتحمل السماء ثقلها وتسقط إلى الأرض. ولطالما تذكرت الشعر الذي كانت جدتي تنشده في باحة بيتنا في البصرة. فتقول: "أيها القمر الجميل أرأيت والدي في الطريق؟ وعلى كتفيه بارودة ذاهبًا إلى الصيد".

احتجت الآن إلى نور القمر والنجوم؛ لكنّ غيمات متفرقة في كبد السماء حجبته. ذهبتُ إلى حيث أجساد الشهداء؛ قالت "مريم" عند أول الليل: "ليست الكلاب وحدها الخطر على الأجساد، فقد تهاجمها حيوانات وحشرات أخرى". طالما بقيتُ هنا أحببتُ أن يكون بقائي مجديًا، ولا أرى في الغد الجثث قد تعرّضت للأذى. من جهة أخرى انتابني خوف شديد في داخلي. وصرت أفكر، لو نهضت إحدى الجثث الممددة هنا من مكانها، فماذا أفعل؟!. سمعت أن بعض الموتى قد عادت إليهم علامات الحياة بعد ساعات وتبين لاحقًا أنهم كانوا في

 

184


172

الفصل الخامس

غيبوبة، وقد أُحضروا خطأً إلى براد المغسل. لذلك ألزموا من يأتي بأجساد الشهداء إلى "جنت آباد" أو براد الأموات أن يحصّل شهادة وفاة مختومة من المستشفى قبل إرسالها. ما كان يزيد من خوفي هو تلك الأوهام والأفكار ووحدتي في ظلام الليل، إضافة إلى مشاهد الأجساد الممزقة التي شغلت ذهني.

كنت أصغي بدقة إلى الأصوات من حولي، وما إن أسمع صوتًا حتى أتجمّد في مكاني وأصغي بكل وجودي لأعرف ما هو. من بعيد، تناهى إلى سمعي دويّ الانفجارات ونباح الكلاب؛ لكن أكثر ما كان يرعبني حفيف عبث الهواء بأغصان الأشجار الغامض والغريب. تناولت أحد الأغصان وبدا يابسًا، فلويته وقطعته بصعوبة بالغة، نزعتُ الأوراق الزائدة عنه وجعلته عصا. بعدها أكملت جولتي بين جثث الشهداء باطمئنان أكثر. شغل فكري حال أجساد بعض الذين أحضروا إلى هنا منذ مدة. حينما تأمّلتهم رأيت وكأنهم قد استشهدوا قبل ساعة وحسب، إذ لم تنبعث منهم أي رائحة تعفّن. نظرت إلى السماء وأنا في هذه الحال؛ شاهدت القمر فوق رأسي، كأنه يرافقني في مسيري. أحيانًا كانت الغيوم تغطيه فيصبح الظلام قاتمًا.

بينما مشيت بين أجساد الشهداء، انغرست قدمي في شيء ما. اقشعر بدني، ولم أجرؤ على أن أتحرك أو أن أنزل يدي إلى مستوى رجلي، شعرت أن قدمي تنزلق بلزوجة وتزداد رطوبة. تجمّدتُ في مكاني والعرق يتصبب من جبيني. أنزلتُ يدي بهدوء وتحسست قدمي. وما إن عرفت ما جرى حتى اقشعرّ بدني وذهلت من هول ما جرى.
لقد انزلقتْ رجلي في بطن إحدى الجثث وخرجت منها الأمعاء

 

185


173

الفصل الخامس

والأحشاء؛ سحبتها ومددتها بصعوبة. وشعرت بثقلها من دون إحساس بها؛ كأنها لم تكن قدمي. مشيتُ خطوات على الأرض. خلعتُ الحذاء، ومسحتها بالأرض لكن من دون جدوى. خلعتُ جواربي. لم أكن قادرة على تحريكها. أخذتُ أهيل التراب عليها وعلى حذائي، ثم توجهت إلى الغرفة. حملتُ إبريق الحمام وذهبتُ إلى زاوية، ثم مرّغت جواربي وحذائي بالتراب مجددًا، وبدأت أضربه بجذع الشجرة. مسحت قدمي بحافة الرصيف حتى أتخلص من اللزوجة. بدأتُ بسكب الماء بهدوء، تحول التراب أسفل قدمي إلى وحل. أنهيتُ بعد جهد غسل قدمي، وجواربي وحذائي. لم يكن لدينا ما يكفي من الماء، لذلك كان عليّ أن أكتفي بهذا القدر منه، ثم دخلت الغرفة. كان بدني يرتجف بتمامه، وقد سرت البرودة فيه بشكل عجيب، وتسارعت دقات قلبي لدرجة أنّه كاد ينخلع من مكانه. تمددتُ، حاولتُ أن أنام لأنسى هذا الشعور؛ لكنني ما استطعت، وكأنّ رجفةَ قلبي لا تريد مفارقتي. دعوت الله بتعجيل طلوع الصبح، وأن يأتي الناس فأنشغل وأرتاح من عذاب الضمير هذا.

 

186


174

الفصل السادس

غفوت هنيهة قبيل الصباح. فجأة استيقظت على صوت المغسّل العجوز يرفع الأذان. نهضتُ بصعوبة فجميع عظامي كانت تؤلمني. صلّيت ووددتُ لو كنت في منزلي لأخلد إلى النوم مجدّدًا فهنا لن يتيسر لي ذلك. أنهت السيدتان زينب ومريم صلاتهما للتو وشرعتا كعادتهما في الحديث، وعندما انتبهتا أنني ما زلت مستيقظةً قابعة في تلك الزاوية من البيت، اقتربت زينب مني وقالت: "فدتكِ نفسي، ما نمتِ أبدًا؟!".
- بلى، غفوت قليلًا.
- عزيزتي لن يُريحك النوم وأنتِ جالسة هكذا، أنا ومريم نمنا ممدّدتين على السرير، ومع ذلك بقينا متعبتين ونحتاج إلى النوم أكثر، فما بالك وأنتِ لم تنمي؟!

بعد ذلك أشاحت بنظرها عني ودعت: "أسأل الله أن يأتونا بخبر انتهاء هذه الحرب، ورحيل العراقيين بعيدًا عنا، وانتهاء قوافل الشهداء فنرتاح مما نحن فيه ونعرف ماذا نفعل".

ما إن نهضتْ من مكانها وخرجت وفي يدها القنديل، حتى تبعها

 

187


175

الفصل السادس

صوت رجل: "نضب زيت السراج وفتيله سيحترق؛ فمن أين لنا الحصول على فتيل في هذه الظروف؟ لا تدعي القنديل مشتعلًا وإلا حُرمنا من الشاي".

كان نور الشمس قد بزغ عندما أعدّوا لنا الشاي. رحنا أنا وزينب نتمشى في الحديقة أمام الغرفة والمسجد الذي لا قبة له ولا منارة، ولم يكن يستخدم إلّا للصلاة على الميت. ومع أن الجو كان جميلًا إلّا أنني كنت أستنشق رائحة البارود مع كل نفس، وصوت الانفجارات التي لم تهدأ طوال الليل تؤرق مسمعي، فتهدأ أحيانًا ثم تعود من جديد، حتى اعتدت على هذه الأصوات. في تلك اللحظات قلت لزينب: "هؤلاء لا يعبأون بليل ولا نهار؟".

ما إن مشينا قليلًا حتى زالت أوجاع جسدي، ولكنّ معدتي بقيت تؤلمني بشدة وكأنها تتآكل من الداخل، فجلست عند خزان ماء يستخدمونه للشرب وتمضمضت وغسلت يدي ووجهي حتى شعرت بالغثيان فتقيّأت رغوة مُرّة. بعد ذلك لم أستطع النهوض من جديد وأحسست كأنّ أضلاعي سكاكين تنغرس في بدني، وعضلات يديّ قد شلّت عن الحركة. لما نهضت من مكاني أصبت بدوار شديد في رأسي، وشعرت وكأني قد هويت في حفرة عميقة مظلمة. سحبت نفسي ببطء حتى وصلت إلى الغرفة.

على سفرة الفطور، وضعوا بضع حبات من البطاطا وقطعًا من الخبز التي بقيت من الليلة السابقة. ذهبت مريم وأحضرت حبات البسكويت، فأخذت قطعتين أو ثلاثًا وتناولتها مكرهة، لعلّها تقيني حملات التقيؤ، وفعلًا شعرت بلذّة الطعم وبشيء من الراحة. اعترض مغسّلو الأموات

 

188


176

الفصل السادس

على قلة الطعام هامسين فيما بينهم: "لا يُنجز عمل ولا يمكن الاستمرار به بدون أن نتقوّى".

خطر على بالي أن أطلب من شباب المسجد الجامع إطعام هؤلاء المغسلين؛ لأنه إذا بقيت الأمور على ما هي عليه فلن يكون باستطاعتهم الاستمرار في العمل. قلت في نفسي: "مع وجود كل هذا العدد الذي أرسلوه إلى هناك لم يرسلوا حتى شخصًا واحدًا إلى هنا، ألا يمكنهم الاهتمام بإطعام هؤلاء المغسلين؟ صحيح أنهم يتقاضون أجرًا إضافيًا على عملهم الليلي، ولكن ما قيمة ذلك الأجر مع الخطر الذي يواجهونه، فبإمكانهم ترك العمل والمغادرة".

انتابني شعور بالغضب؛ لأنهم لم يفوا بوعدهم، وتركوني أنتظر منذ البارحة وصول المساعدين، ولكن من دون جدوى؛ لذا قررت أن أعود بعد الفطور إلى المسجد، وقلت في نفسي: "سأمضي إلى هناك، وإن أراد ذلك الشاب أن يتخلص مني بوعود واهية فسوف أصرخ في وجهه ليفهم ألّا يقطع وعودًا ويخلفها".

نهضت من بين الجميع وقلت: "أنا ذاهبة".

قالت "زينب" : إلى أين؟
- إلى المسجد الجامع
- ماذا لديكِ؟
- أذهب لأرى ماذا يمكنني فعله.
- ألم تذهبي البارحة؟ ماذا فعلوا حتى الآن.
- لا بد أنهم نسوا. سأذهب وأتولى أمرهم حتى لا ينسوا بعد اليوم.
 

189


177

الفصل السادس

أسرعتُ والغضب يتملكني. المسافة إلى المسجد تزيد عن كيلومتر واحد. مشيت وأصبحت بيوت البلدية خلفي، وما إن وصلت إلى منتصف طريق "أرديبهشت" وإذا بحافلة مهترئة تتجه صوبي. حين وصلت إليّ أوقفها السائق وقال: "أختي العزيزة، أنا في طريقي إلى المسجد الجامع، يمكنك الصعود إذا كنت تريدين الذهاب إلى هناك".

كنت في حال شديدة من التعب والإنهاك بحيث رضيت بالصعود مع سائق غريب لا أعرفه. قلت له: "سلمت يداك"، وجلست في القسم الخلفي. كلما رأى أحدًا في طريقه، توقّف وأركبه. فجلس رجلان في المقاعد الأمامية وامرأة وطفل في الرابعة من عمره في الخلف. بعد قليل انضم رجلان إلى جمعنا وركبا الحافلة؛ ثم نزلا على مقربة من مسجد الإمام الصادق عليه السلام في حين أكمل الباقون طريقهم نحو المسجد الجامع.

في شدّة الازدحام تلك، تمكّنت من العثور على الشاب الذي تحدثت إليه البارحة وكانوا ينادونه "إبراهيمي". وكان دائم الحركة والعمل، يذهب إلى هناك ثم يرجع ثم يتوجه إلى مكان آخر وبعد ذلك يعود، يحمل ذلك الغرض من مكانه ثم يضعه في مكان آخر، يأتي اتصال فيجيب على الهاتف، يناديه الناس فيجيبهم بوجه مبتسم وضاحك مع كل زحمة العمل الغارق بها. حينما ذهب مرة مسرعًا إلى مكتبه ليجيب على الهاتف، اغتنمت الفرصة وقلت له: السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- المعذرة، لم تصل المجموعة التي أرسلتموها فجئت لأرى ما حدث؟

ضحك وقال: لحظة من فضلك لأجيب على الهاتف.
 

190


178

الفصل السادس

لم أكن أستمع للمكالمة، بل كنت أراقب باحة المسجد التي شهدت ازدحامًا عجيبًا؛ رأيت مجموعة تقوم بنقل وسائل ومساعدات الناس من مكان إلى آخر. كانوا قد نقلوا النساء والأطفال إلى رواق المسجد. وعلت همهماتهم والبكاء والنحيب يدمي القلب.

نظرت ثانية إلى الشاب حيث أنهى مكالمته فسألني: حسنًا، ماذا تريدين؟

بسؤاله هذا شعرت أنه قد نسيني، فقلت: ألم آتي البارحة إلى هنا وطلبتُ منكم إرسال عدد إضافي من العاملين إلى "جنت آباد" ؟!
- "جنت آباد"! حسنًا حسنًا.
- حسنًا أين هم؟
- ومن أين آتي بالأفراد؟
- يبدو أنكَ نسيت أني أتيت البارحة إلى هنا وأنا الآن أمامك ولا تعرف لماذا أتيت؟! أيها الرجل المحترم لماذا تقطع وعودًا لا تستطيع الوفاء بها؟ كان بإمكانك البارحة أن تقول لا أفراد لديّ، وكنتُ طلبت المساعدة من أحد آخر.

قال غاضبةً: إذًا، الآن أقول لك إنّه لا يمكن ذلك، واذهبي وابحثي عن أحد غيري.

قلتُ غاضبة: الآن فات الأوان!! يجب بأي وسيلة أن توفر إما السلاح أو العناصر!!
- لا علاقة لي بهذا الموضوع. أأنا أعطيت عهدًا؟
 

191


179

الفصل السادس

- وأنا كذلك لم أعطِ عهدًا بالبقاء في "جنت آباد"، ولكنّي شعرت بالمسؤولية فأتيت، وأنت أيضًا هنا تشعر بالمسؤولية، وعليك أن تؤدّي واجباتك على أكمل وجه.
- حسنًا، ماذا يمكن أن أفعل الآن؟
- يجب أن تهتموا بـ"جنت آباد" قليلًا، ذلك المكان يحتاج إلى أعداد إضافية من العاملين. ما ذنب أولئك المغسّلين الذين يحمّلون أنفسهم فوق طاقاتهم ويضعون أرواحهم على أكفهم تاركين منازلهم وعيالهم ليعملوا ليلًا نهارًا، وبعد كل هذا لا أحد يتكفل بأمر إطعامهم ولا من يأتي لمساعدتهم. فوق هذا؛ تهجم الكلاب المسعورة علينا في الليل ولا أسلحة في أيدينا ندافع بها عن أنفسنا، وإن جئنا إلى هنا وقلنا إنّنا نريد سلاحًا ونريد متطوعين، لا نلقى جوابًا ولا نجد من يساعدنا! غدًا عندما تسرق الكلاب جنازةً يأتي من يحمّلنا المسؤولية.

ما إن أنهيت كلامي حتى كان بعض الناس قد اجتمع حولنا وصاروا يقولون:
- ما هذا الوضع المحزن؟
- هذا الكلام صحيح.
- يجب أن نعطي قليلًا من وقتنا وإمكاناتنا لذلك المكان.
- هذا الوضع لا يحتمل.

قال الشاب: أنا أوافق الأخت على ما قالت، ولكن ماذا يمكن أن أفعل، فأنا عبد مأمور.


- أنا لم أقل إنّك مسؤول رفيع المستوى، فهذا الهاتف بين يديك

 

192


180

الفصل السادس

وبإمكانك أن تتصل بمن تشاء وتراه مناسبًا وتوضح له وضع "جنت آباد" والحال المزرية التي تعيشها، ويمكنك أيضًا أن تقول له إنّهم يأتون إلى هنا كل يوم ويثيرون لك المشاكل، فيضطرون لأيجاد حلّ.
- حسنًا، على عيني، إذا كانت المسألة تحل باتصال فليكن.
- آمل أن لا يتكرر ما حصل البارحة، وإذا تجاهلتم هذا الموضوع هذه المرة سآتي مجدّدًا وأصيح وأنادي حتى يجيبني أحدكم.

ضحك وقال: يبدو أن حائطي هو الأقصر، وأنّ التطاول عليّ هواية الجميع! فالكلّ يأتي ويصرخ في وجهي. لا بأس أيتها السيدة، قومي بذلك أيضًا.

ولما سمعت ذلك رقّ قلبي لحاله وسكتُّ هنيهة ثم قلت بقلب محزون: "عافاك الله". خرجت متجهة إلى "جنت آباد" وأنا أشعر بالإحباط. كنت قد أتيت إلى هنا آملة ومتوقعة أن أرجع وقد حصلتُ على السلاح وعدد إضافي من العاملين، وها قد عدتُ أدراجي صفر اليدين.

قلت في نفسي: الآن زينب ورفيقاتها سيسألنني: "أما قلنا لكِ لا تذهبي فلن تجدي آذانًا صاغية هناك؟".

في طريقي إلى "جنت آباد" كانت أصوات الانفجارات تتناهى إلى مسامعي من كل حدب وصوب. وما إن وصلتُ إلى مستديرة "أرديبهشت" حتى شاهدتُ بعض الكلاب مقبلة إليّ من الطرف المقابل (من جهة المسلخ) وما إن رأتني حتى بدأت بالجري نحوي وهي تعوي بصوت منخفض، وطريقة عوائها دليل على خوفها. فهمتُ أنها لا تريد الهجوم عليّ، فقد أشعرتها أصوات الانفجارات بالخطر وتريد الاحتماء

 

193


181

الفصل السادس

منها. توقعت أنها جائعة في مثل هذه الظروف ومن دون مأوى. فإذا كان الناس أنفسهم لا يجدون ما يسد جوعهم فكيف سنطعم الكلاب؟!

أكملت مسيري في شارع "أردبيهشت" والكلاب تتبعني في عوائها وكأنها تطلب النجدة وتقول: خذينا معك. أصبح سلوكها مألوفًا ومعروفًا لدي. لم أحتمل ذلك فرجعت إليها وقلت: إلى أين تلاحقونني؟ إلى أين آخذكم؟ إلى "جنت آباد"؟ ماذا سيقولون لي هناك؟ لا بد أنّهم سيهزأون بي ويقولون: ذهبتِ إلى هناك وجئتِنا بالكلاب؟ ألا تعلمين أنها جزء من المشكلة التي نعاني منها في "جنت آباد"؟

حاولت جاهدةً أن أبعدها عني، ولكن من دون جدوى، فظلت تقتفي أثري. استعنت بعباءتي وحركت بيدي وقدمي بسرعة لكي لا تقترب مني. أضحكني هذا الوضع على الرغم من حال الغضب والانزعاج التي انتابتني، فلو رآني أحدهم وأنا في تلك الحال أقفز يمينًا ويسارًا، أسرع تارة وأهدأ تارةً، فماذا سيظن؟ ماذا سيقول عني؟ استسلمت أخيرًا وتركت الكلاب تلحقني كما تشاء!

أعادتني هذه الحادثة إلى ذكريات شتاء السنة الماضية، عندما كنت عائدة من بيت جدي، وقد رأيت في مكان مهجور عددًا من الجراء الصغيرة التي لم يمض على ولادتها سوى بضعة أيام، وعدد من الأولاد يرمونها بالحجارة تارة ويركلونها بأرجلهم تارة أخرى، فتصدر أصوات نباح واستغاثة بائسة، ويلوذ بعضها ببعض هربًا من الأطفال. أشفقتُ عليها، أعرف أن أبي لا يسمح لي بإيواء الكلاب في المنزل، ولا حتى عندما كنا في بيت المهندس "بهروزي" ؛ إذ كان يكره كلبه ويعتقد أن المكان الذي تكون فيه الكلاب لا تقطنه الملائكة وتذهب عنه البركة

 

194


182

الفصل السادس

ولم يتراجع قيد أنملة عن اعتقاده هذا.

كانت خلف بيتنا صحراء خالية، ويمكن أن يعبر منها الأشرار أو اللصوص إليه وإلى بيوت الجيران. ودائمًا ما كان يوصينا بتوخي الحذر لدى صعودنا السطح، فنقول له إذا ما أتينا بكلب إلى هنا فلن يكون هناك قلق فيصبح المكان نوعًا ما آمنًا. ولكن أبي ظلّ يجيب بأنه لا يرغب في ذلك.

حين عدتُ إلى المنزل في تلك الليلة أخبرت "علي" بما جرى، لكنّه لم يصدق للوهلة الأولى؛ عندما أخبرته عن الأطفال وأذيتهم للجراء، خرج مسرعًا ثم عاد وهو يقول: "زهراء" رأيتهم! أي جرو تريدين؟ أجبته: لا أعرف، أريد الأجمل بينها. قال لي ولـ"منصور" : هيا أحضراه وأنا أقنع والدي.

كدتُ أطير من الفرح، وأسرعت إليها أنا و"منصور" و"ليلى" ولما وصلنا وجدنا اثنين منها فقط، واختفى الجرو الذي نريده. كان أبيض اللون تزيّنه بقع سوداء ويحيط بإحدى عينيه خط أسود غامق. لم نجد ذلك الجرو، عندها تساءلنا أي واحد نختار من هذين الكلبين؟

وإذا ببعض الأولاد يقولون: "لا تلمسوا الكلاب إنها لنا"، فقلت لهم: "آذيتموها صباحًا والآن صارت لكم. أتيت لكي آخذها". عندها تغير لحن كلامهم وقالوا: "هل لنا أن نأخذ واحدًا منهما؟"، قلت: "اختاروا أحدهما وخذوه".

كلاهما أصفر اللون. ولما أخذ الأولاد أحدهما سألتهم: "ماذا تريدون أن تفعلوا به"، قالوا: نريد أن نربّيه.
 

195


183

الفصل السادس

- لا تضربوه، ولا تؤذوه، فيغضب الله عليكم.
- لا يا خالة لن نؤذيه.

لفّ "منصور" جرونا بقطعة من القماش وانطلقنا إلى البيت فرحين مسرورين. ولسوء حظنا كان أبي ينتظرنا أمام البيت، ما إن رآنا قال: "أين كنتم؟"، أجبنا وقد انتابنا الخوف: هناك في زقاق جدي.
- وماذا كنتم تفعلون؟

عجزنا عن الإجابة، ووقفنا نتبادل نظرات الحيرة. وفجأة أخرج منصور الجرو من خلف ظهره وقال: يا أبتاه لقد طلب "علي" منّا أن نحضره.

نظر إليّ وإلى "ليلى" والتفت إلى "منصور" وقال: لقد ارتكبت خطأً كبيرًا وأحضرت هذا الجرو.

هالنا الخوف، فقال "منصور" مشيرًا إليّ وإلى "ليلى" : ليس الذنب ذنبي، إنّه ذنبهما!

نظر إلينا ثانية وقال: هيا لأرى ما هذا.

اقترب وأخرج الجرو من القماش، فحاول الفرار. فجأة خاطبنا بحنو وعطف: لماذا فعلتم بهذا المسكين هكذا، نظر إليه قليلًا، وتابع قائلًا: لا تتركوه حرًا في فناء الدار فينجس كل شيء.

لما سمعنا ذلك الكلام، تنفّسنا الصعداء وشعرنا بالراحة. وقال لي حدسي إنّ "علي" تمكن من إقناعه مسبقًا، وهو على علم بكل شيء، وإنما أراد ممازحتنا ليس إلا!

سأل "منصور" فرحًا: وماذا نفعل به إذًا؟
 

196


184

الفصل السادس

أجاب والدي قائلًا: ضعه في علبة حتى لا يجول في باحة المنزل.

وضعنا الجرو أيامًا في علبة؛ ثم بنى له "منصور" وأبي بيتًا صغيرًا على سطح المنزل، ثم ربطا حبلًا في رقبته حتى يتحرك في مساحة محدودة. كان والدي نفسه يفك الحبل عن رقبته أحيانًا ويتركه يركض ويجري.

كنتُ أحمل إليه الطعام، والأولاد يصعدون إلى السطح للعب وتركوا الشارع. صار لون ذلك الجرو الأصفر الذهبي يزداد اصفرارًا يومًا بعد يوم ويزداد جمالًا، وصار يقفز ويعدو أكثر. أحسّ بالأنس بيننا، ما إن يرانا حتى يتدلّل ويتبختر، ويهمّ بالدوران حولنا ولحسنا. لم نكن نقترب منه كثيرًا. هكذا أصبحت على معرفة بطبيعة الكلب الذي سمّاه منصور وحسن "جيمي".

مرّت في ذهني تلك الذكريات فيما الكلاب الضائعة والمضطربة تتبعني وتريد الاحتماء بي طلبًا للعون والحماية. ما إن وصلت إلى شارع "أمير كبير" حتى طرق سمعي صوت انفجارات قوية؛ كانوا يقصفون أطراف شارعَي "جاسمي" و"خليج فارس".

ما إن وصلت إلى "جنت آباد" حتى توجهت مباشرة إلى مغسل الأموات وكانت "ليلى" قد جاءت. كانوا قد جاؤوا بعدد جديد من الشهداء وهم عاكفون على تغسيلهم. حاولت ألّا أمرّ أمام ناظرهن حتى لا يواجهنني بأسئلتهن، إلّا أن العمل كان كثيرًا. كنت حزينة ودعوتُ أن لا يسألنني عن قوات الدعم والمتطوعين ويقلن لي: ألم ننهك عن الذهاب.

بمجرّد أن سلمت عليهن، فهمن من مظهري أني عدت بخُفّي حُنين. سألتْ "مريم" : "ما الأخبار إذًا؟".
- لا شيء، وعدوني مثل البارحة.
 

197


185

الفصل السادس

قالت "زينب" : لنتوكل على الله. ليس لنا أن نجلس هكذا ننتظر وعود الآخرين، وإلى الآن استطعنا إنجاز الأعمال فلنكمل العمل والله يساعدنا.

بينما وقفتُ محبطة نظرت إليّ "زينب" وقالت: "لا تحزني ولا تُذهبي نفسك حسرات. فليس من واجبك أن تذهبي إليهم وتذكريهم، بل هم الذين يجب أن يتذكرونا؛ لأنّ هذا المكان ليس ملكًا لنا. أهلًا وسهلًا بمن يأتي للمساعدة ومن لا يأتي فالله معه.

قالت "زينب" ذلك وأيّدت "مريم" كلامها وامرأة أخرى عجوز؛ ثم ما هي إلّا دقائق وأقبل السيد "برويزبور"، فقلن: "اسع لإحضار العاملين. نحن ننهار من التعب". أجاب: نحن نسعى لتأمينهم حقًا، ولكن الأوضاع مضطربة وقد اختلط الحابل بالنابل. تأتي جماعة تريد أخذ أُسَرِها من تحت القصف؛ وجماعة أخرى تأتي وتذهب إلى الخط المتقدم؛ وآخرون يأتون إلى الإسناد والدعم؛ وبالتالي لا يأتي أحد إلى هنا".

كنت منزعجة إلى حد أنني نسيت أن أسأل "ليلى" عن وضع البيت وعن "دا". هي أيضًا قد لاحظت ما بي وضَعْفَ حوْلي وحيلتي، فلم تقترب مني ولم تسألني. انغمست بالعمل والتزمت الصمت. كانت "زينب" و"مريم" تتبادلان أطراف الحديث، أما أنا فانطويت على نفسي وقلت: لماذا لا يهتمون ولا ينظمون الأمور هنا؟ من المؤكد أنهم يظنون أن ذلك هو عمل البلدية ومن صلاحياتها. وإذا كانت الأمور هكذا فالحرب أيضًا هي من واجبات الجيش والجنود. فلماذا هبّ الجميع للدفاع وللقتال؟! العناية بالجرحى ومداواتهم هي أيضًا وظيفة الأطباء، ولا يجب على الآخرين التدخل، وما دام الجميع يتعاون في هذين الأمرين فلا بد من

 

198


186

الفصل السادس

المساعدة في "جنت آباد".

صار حجم العمل كبيرًا إلى حد انهمكنا بشكل متواصل؛ ولهذا السبب كنت أخرج شيئًا فشيئًا من حالتي السابقة. كان عدد الآتين لتقديم المساعدة لا يتجاوز عدد أصابع اليد، والمستلزمات تنفد.

عند ظهيرة ذلك اليوم، وقبل أن أنتهي أنا و"ليلى" و"زينب" من تغسيل الجثة الأخيرة، أحضروا جثة عجوز سمينة، تحكي تجاعيد وجهها قصة عمر طال أكثر من نيف وخمسين عامًا. لقد بدت عنوانًا للنظافة والترتيب، فشعرها المجدل الجميل قد افترق عند منتصف جبهتها إلى قسمين ليتعانقا بعد ذلك خلف رأسها، ارتدت قميصَ قطن أزرق سماويًا، مزيّنًا بأزهار لازوردية، وسروالاً من الساتان كحلي اللون، مزيّنًا بأزهار صغيرة صفراء. تعاونا نحن الأربعة ووضعناها على بلاطة المغسل، وكان جسدها سالمًا لا جرح فيه ولا خدوش.

عندما أنهينا تغسيلها وتكفينها، جاءت المغسّلة العجوز بالقطعة الأخيرة من الكفن. ومع أن قامة المرأة قصيرة لكن الكفن لم يغطِّ كامل جسدها. بصعوبة بالغة لففناها به ثم بعد ذلك علا صوت الأذان معلنًا انتهاء عملنا فتوجّهنا للصلاة.
كنت أقف أمام صهريج الماء الذي يستخدمه المغسّلون، بعدما تمّ إحضاره منذ أيام، وإذ بي أرى السيد "سالاروند" آتيًا من جهة المسجد وهو يحمل طعام الغداء: الخبز والجبن والبطيخ. ثم تبعه السيد "برويزبور" وقال: "اتصلوا من المشفى وقالوا إنهم سيحضرون عددًا من الشهداء. برادات الموتى تغص بهم ولا يوجد لديهم مكان إضافي لحفظ الجثث".
 

199


187

الفصل السادس

بعد ساعة، أقبلت شاحنة بيك آب على متنها أجساد خمسة عشر أو ستة عشر شهيدًا. ويا له من منظر موحش؛ كومة واحدة بعضهم فوق بعض. ومع أنهم قد فصلوا أجساد النساء جانبًا؛ لكن بسبب كثرتها فقد تراكمت بعضها فوق بعض، وكان الوحل والتراب يظهر على الأجساد والثياب والجراح، ويحكي أنّ هؤلاء قد انتشلوا من تحت الأنقاض وركام البيوت المدمرة.

كانت وجوههم وأيديهم وأفواههم وعيونهم ممزوجة بالتراب والغبار. قال السائق حين رأى دهشتنا وعلامات الحزن والأسى على وجوهنا: "واويلتاه!! لقد كانوا أكثر من هذا فأرسلوا قسمًا آخر إلى آبادان".

شاهدت جسد فتاة صغيرة مطروحًا فوق بقية الأجساد، وعليها قميص سكري اللون، وحجابها الكحلي ملتف حول عنقها؛ مددت يدي، وبمساعدة السائق الواقف أعلى الشاحنة، ألقيت بالفتاة على كتفي فتدلّى شعرها الكثيف، وأحسست بجسدها اللطيف واللين ينعطف يمينًا ويسارًا وكأن الكسور قد أصابت كل عظامها. انتابني شعور مرٌّ ثقيل، وارتجف جسمي تحت جسدها الصغير.

حملتها بصعوبة ووضعتها في زاوية، وعدت إلى الشاحنة وأحضرت واحدة أخرى مع "زينب"، ولكن قواي خارت ولم أستطع المتابعة، فلجأت إلى المغسل؛ وإذ بـ"زينب" تدخل وتقول لـ"ليلى" : "أماه ساعديني لنخلي المكان هنا". وقصدت نقل الأجساد الثلاثة المتبقية في المغسل.

فهمت من كلامها أنّ "زينب" قد عرفت حالي، فلجأت إلى "ليلى" لتساعدها، ولكن قلبي لم يطاوعني أن أتركهن وحدهن، فهرعتُ

 

200


188

الفصل السادس

للمساعدة، وأخذنا نضع الجثث على النقالات وفي التوابيت. طلبت "زينب" مساعدة الرجال، وحملتُ أنا و"ليلى" النقالة واتجهنا نحو القبور. توقفنا أكثر من مرة لتبادل الأماكن فقد خارت كل قواي، وأنهك التعب جسدي. أما "ليلى" فظلت صامدة بجسمها ذي العضلات القوية.

جلسنا ننتظر الرجل ليأتي ويلقّن الشهداء الشهادة؛ وإذ بجمع من الرجال والنساء قد جاؤوا وأمارات الحزن على وجوههم. وراحوا يبحثون عن فقيدٍ لهم بين الجثث، كشفت "زينب" عن وجوه الجثث، لكنهم لم يجدوا ضالتهم. ثم عقدنا الأكفان مجدداً، ووضعناها في القبور وأتممنا مراسم الدفن وعدنا. لم نكد نصل إلى المسجد وإذا بسيارة (جيب) قديمة خضراء اللون، فيها راكبان، تدخل إلى باحة "جنت آباد" وتقف أمامي. سأل سائقها وهو شاب نحيف قصير القامة: أحضرنا شهيدًا ماذا نفعل به؟

قالت زينب: اصبروا حتى آتي بالنقالة ثم ندخله إلى المغسل.

حين ذهبت "زينب"، اقتربتُ من السيارة فرأيت جسد امرأة وجهها مغطى بعباءةٍ سوداء فسألت: "هل هذه المرأة الشهيدة هي من أقاربكم؟".

أجاب الشاب الآخر وهو على عكس الشاب الأول ذو بنية قوية وجثة ضخمة وشعره خفيف على طرفي جبينه، قائلًا: "لا..لا نعرفها".

فسألت: "من أين أتيتم بها إذًا؟".

أجاب: "قصدت مع خسرو شارع "نقدي" لجر سيارة معطلة. كانت المنطقة قد تعرضت للقصف، ووجدنا المرأة ممدّدة على باب منزل. أكثرْنا من السؤال عنها وعن أقاربها ومن يعرف عنها شيئًا، فلم نلقَ

 

201


189

الفصل السادس

جوابًا! فحملناها وأتينا بها إلى هنا".

كان واضحًا من ثياب العمل الكحلية التي يرتديانها أنهما يعملان في ورشة تصليح السيارات. جاءت "زينب" بالنقالة وصعدت إلى السيارة لنقل الجسد إليها، وفي الأثناء انكشف الغطاء عن وجهها وظهر أنها صبية.

ثم تولّى الشابان حمل النقالة إلى مغسل النساء. وأثناء حديثهما تبين لي أن اسم الشاب الضخم الجثة الذي شذب لحيته بدقة لناحية الخدين "رضا"، واسم السائق ذي اللحية السوداء والشعر الكثيف والعينين الواسعتين "خسرو" ؛ ونظرًا إلى الدقة التي أظهراها في حمل ووضع الحمّالة، شعرت أنهما جديران بتحمّل المسؤولية وملتزمان. لهذا السبب، فكرت بأنّه يمكن الاستفادة منهما؛ والأهم في ذلك أنّ لديهما سيارة.

تشجعتُ وقلت: "لديكما سيارة، وبإمكانكما أن تسيرا في المدينة وتجمعا الشهداء والجرحى ولكما الأجر والثواب".

قال "خسرو" : "من أين نجمعهم؟".
- اذهبا إلى كل مكان يتعرض للقصف.

نظر أحدهما إلى الآخر؛ فقلت لهما: أليس عملكما يستدعي الذهاب إلى هنا وهناك لإصلاح السيارات المعطلة ونقلها؟! حسنًا، وأنتما تقومان بذلك ألقيا نظرة إلى المناطق التي تقصف.

أجابا: "حسنًا. لنرى ما سيحصل. سنفعل ما استطعنا ذلك؛ رغم قلّة الوقود وقطع السيارات".

قالت "زينب" : الله كبير، إن أردتما أمرًا فستقدران عليه.
 

202


190

الفصل السادس

غمرتني السعادة لما رأيت استعدادهما للمساعدة؛ لكن ذلك لم يكن كافيًا، ولذلك كنت قد ذهبت إلى المسجد حتى العصر خمس مرات سعيًا وراء أشخاص آخرين للمساعدة.

بقي الضغط النفسي والتوتر العصبي اللذان عانيتهما إثر وقوع قدمي في جسد ذلك الشهيد، كلما تذكرته انقلبت أحوالي وتعكّر مزاجي. أصبحت ضعيفة التحمل؛ أردت أن يتحدّد وضع "جنت آباد".

ردّدتُ في سرّي: فلأذهب وأصرخ في الملأ، فيستجيبون لطلبي؛ على الأقل ليتخلّصوا من شرّي!

كنت أظن أننا متروكون لحالنا؛ ينبغي أن أقنعهم بأي وسيلة أن يولوا اهتمامًا بالشهداء و"جنت آباد"، أنا نفسي قد تعبت وقلّت حيلتي وضعف بدني وقدماي تؤلماني، تورّمت أصابعي بسبب الضغط وثقل الأجساد.

كنت أذهب إلى ذلك المسجد وأرجع خالية الوفاض، ثم أنزعج وأذهب مرة أخرى. خجلتُ كثيرًا من إلحاحي، أعلم أني كررت كلامي ولكن ليس باليد حيلة أخرى، ولم تعرف قدماي غير ذلك المكان، وكنت أرى أن المسجد أصبح مركز قيادة تُتّخذ فيه القرارات، وتُوزّع فيه القوات والدعم، وقد أضحى ملجأً للناس المرعوبين الخائفين، ومركزًا لتوزيع الغذاء والمعونات والمساعدات على المحتاجين، يؤمُّه قادة الجيش والحرس وهيئة أمناء المسجد ومسؤولي المدينة والشخصيات المعروفة، وأنا لم أكن أعرف هؤلاء جيدًا. كلّما تحدثت مع شخص قال لي: اذهبي إلى السيد الفلاني، وتكلمي مع الحاج الفلاني.
 

203


191

الفصل السادس

حتى ذلك الحين أذكر أنني تحدّثت مع عدد من هؤلاء منهم الحاج "محمدي"، والحاج "نوري" إمام جمعة "خرمشهر" والسيد "سليماني"، و"محمود فرخي" و...

كم رفعتُ صوتي ذاهلة عن نفسي، عندما كنت أشرح للحاج "نوري" - وسلاحه بيده - الوضع في "جنت آباد" وأقول: لا ماء! ولا كفن!

فيجيبني: عند الضرورة، ادفنوا الأجساد بلا كفن ولا غسل؛ وفي هذه الظروف تعتبر "خرمشهر" ساحة حرب وحكمها حكم ميدان المعركة، والشهداء فيها كالشهداء في ميدان الحرب لا يغسلون ولا يكفنون ويدفنون بلباسهم وثيابهم؛ والذين يضطرون للمسهم لا يلزم أن يغتسلوا غسل مسّ الميت.

أجبته: "إحضار الماء ممكن حتى الآن وهم يجلبونه بالصهريج؛ لكن ليس لدينا عناصر".
- من أين آتي بالقوات والعناصر؟
- لا يمكنك الإتيان بالعناصر؛ فهات سلاحك!

رفض ذلك، ألححتُ عليه وحاولت بطريقة أو بأخرى أخذ سلاحه، لكن من دون جدوى. انزعج، وكذلك أنا غضبتُ وقلت: الحمد لله لا عناصر لديكم ولا أسلحة! نحن لن ندع سوءًا يصيب أجساد شهدائنا، وسنقوم بحراستها حتى الصباح بالحجارة والعصي. ولعلّ غدًا يكون واحد منكم في عداد الشهداء؛ فهل تريدون أن تغير الكلاب على أجسادكم وتفتك بها؟!

جاءت الفتاة الطويلة السمراء الوجه التي شاهدتها بالأمس وقد

 

204


192

الفصل السادس

أعجبتني شخصيتها، قالت: "ماذا حدث؟ لمَ أنت مهمومةٌ إلى هذه الدرجة؟ لماذا تصرخين بأعلى صوتك؟".

انفطر قلبي، وأخبرتها بغصة وحزن عن أوضاع "جنت آباد" وما فيها، وكأني عثرت على مواسٍ لي أبوح له بهموم قلبي وأبثه أوجاعي، وراحت دموعي تنهمر وجسمي يرتجف.

سألت بود وعطف: في أي ثانوية أنتِ؟
- لم ألتحق بالمدرسة الثانوية.
- إذًا لماذا ذهبتِ إلى "جنت آباد" ؟
- هم بحاجة إلى مساعدة.

سألتها بعد ذلك: ما اسمك؟
- "مريم أمجدي". أنت ما اسمك؟
- اسمي "زهرا"، السيدة "زهراء حسيني"، ولكن كتبوه خطأً (زهرة) في الهوية الشخصية.

تكلمت مع "مريم أمجدي" قليلًا، فشعرت بالراحة واستجمعت قواي. وفي أثناء حديثنا اجتمع حولنا بضع فتيات وفهمت من كلامهن أنهن يعملن في المسجد. فتيات ذوات خلُقٍ وأحسست أنّهن قد تعارفن خلال الأيام القليلة المنصرمة وأصبحن صديقات ودودات؛ وينادين بعضهن بعضًا بأسمائهن الصغيرة. عرّفتني مريم أمجدي إليهن، وعرّفتهن إليّ: "صباح وطن خواه" ؛ فتاة نحيفة الجسد، حنطاوية الوجه، طويلة القامة، ذات حاجبين متصلين وعينين لوزيّتين، تلبس ثوبًا شرعيًا

 

205


193

الفصل السادس

شمامي اللون مقلّمًا بمربعات رمادية وبيضاء ومنقّشًا بلون أبيض، وعلى رأسها حجاب سكري اللون، قد عقدت طرفيه عند رقبتها.

"زهره فرهادي" تشبه "صباح"، طويلة ونحيفة القامة لكنّها قلّما تتكلّم، بخلافها. وعندما تتحدّث ترسم كلماتها برزانة، وتبرز وعيًا وقوة في شخصيتها. كانت صامتة، ولكنّها ليست خجولة، بل هي واثقة بنفسها جدًا.

وكذلك سلمت على "رعنا نجار، الهة حجاب، أشرف فرهادي وأفسانه قاضي زاده". وهنّ سلّمن عليّ ورحّبن بي.

سمعن حديثي؛ وواسينني وقلن: لا تقلقي، سيتم العمل وينجز، لماذا تغضبين، أنت تقومين بعملك وواجبك، هنيئًا لك بأن يصبح هؤلاء الشهداء شفعاءك، حبيبتي، يا لسعدنا أن نعمل هنا. وليتنا نمتلك مثل شجاعتك.

سألت: وأنتنّ ماذا تفعلن هنا؟
- ننتظر الجرحى؛ نتابعهم ونداوي جراحاتهم.

استرقت النظر إلى داخل المسجد؛ وضعوا في الجانب الأيمن سريرًا وقد ضربوا حوله ستارًا، وطاولة صغيرة وخزانة للأدوية ومنضدة أخرى متحركة ومستوصفًا صغيرًا متواضعًا. قلت: "أنتن الآن ليس لديكن أي عمل، تعالين معي إلى "جنت آباد" فهناك الكثير من الأشغال التي تنتظركن، هيا تعالين وساعدننا".

صمتن لحظة وحدّقن بي. قالت "صباح" : "في الحقيقة أنا أخاف، لعلّ ذلك مجرد رهاب واشمئزاز وليس خوفًا؛ الأخوات لن يذهبن إلى

 

206


194

الفصل السادس

"جنت آباد" للسبب نفسه".

قلت: "لماذا تقلن إنّكن لا تستطعن وأنتن لم تجرّبن، فأنا واجهت صعوبةً في البداية، ولكن ذهبت إلى هناك وبقيت ونجحت. أنتن أيضًا تعالين وانظرن، ربما تقدرن".

قالت صباح ثانية بكل ثقة وصراحة: "لماذا تفرضين ذلك علينا؟ نحن نخاف...ألا تفهمين؟".
- أنت الآن أتخافين مني؟
- كلا. لماذا نخاف منك؟
- إذا وقعتُ أرضًا ومتُّ، أتخافين مني حينها؟
- نعم، أخاف.
- لماذا؟ صحيح أنّي ما دمت على قيد الحياة يمكنني التسبّب بالضرر والأذى لكنّ، لكنّي إن متّ فلا يمكنني فعل شيء.

ضحكتْ وقالت: "في تلك اللحظات سيتغير لون ملامح وجهك وستتجمدين فلا أقرب منك أبدًا".

غضبتُ وقلت: "أنتنّ يا من تدّعين أنكنّ تطوّعتُن هنا للمساعدة، هيا لنذهب إلى "جنت آباد" وكفاكنّ أعذارًا واهية، تُرِدن التهرّب من العمل".

قالت فتيات أخريات: "ذلك خارج عن قدرتنا ولسنا له".

دفعتني الضغوط النفسية شيئًا فشيئًا إلى عدم مراعاة الأدب معهنّ، فلم يكن مهمًا بالنسبة إلي انزعاج الفتيات أو لا. وضعتُ نصب عيني

 

207


195

الفصل السادس

أولئك الشهداء الذين سقطوا هناك، ولذلك تكلّمت بلا مسايرة. كنت أذهب إلى "جنت آباد" فلا أطيق الوضع فأرجع إلى المسجد؛ في نهاية الأمر، لم أجد أمامي إلّا الفتيات فكان تحفيزي وإصراري ينصب عليهنّ ليس إلا.

بعضهن اقتنع ودفعتهن إلى "جنت آباد". بقيت "مريم أمجدي" التي رفضت الذهاب وقالت: "لا أستطيع ترك المكان هنا".

تسمّرتْ أمام الدرج المؤدي إلى الطبقة الثانية للمسجد؛ عندها فهمت أنه يوجد في المكان مستودع للسلاح والذخيرة، و"مريم" تقف هناك حارسة له، وتسلّم السلاح بناءً على أمر بذلك.

رجعت أنا و"صباح وطن خواه"، و"زهره فرهادي"، و"أفسانه قاضي زاده"، و"أشرف فرهادي" (بنت عم زهره) إلى "جنت آباد". كانت "أفسانة" الوحيدة من بين هؤلاء الفتيات التي قبلت طوعًا المجيء بعد إصراري ومناشدتي، قائلة: "أنا سآتي معك".

عندما سألتها: "ألا تخافين؟!".
- لقد أتينا للعمل؛ سنقوم بأي عمل يمكننا القيام به.

فرحت جدًّا بسماع هذا الكلام، فواحدة من بين الفتيات قد قبلت ذلك العمل بكل رضى ومحبة.

حين وصلنا إلى "جنت آباد"، مع أنّ كل من "أشرف فرهادي" و"زهرة" كانتا ترغبان في المساعدة إلّا أنه بدا وكأنهما لا تستطيعان، فقامتا بالعمل على مضض، وقالت "صباح" : "أنا أخاف، فلست قاسية القلب مثلكِ". جاءت هي والبقية إلى "جنت آباد" ليرين ما قد

 

208


196

الفصل السادس

يستطعن القيام به. دخلت "أفسانه قاضي زاده" معي إلى المغسل، وما إن شاهدت وضع المغسل وما فيه حتى تفاجأت وصُدمت. وعندما رأيتها على تلك الحال قلت لها: "حسنًا، إذا كنت تخافين فلا تمدّي يدك".

بدت وكأنها تجامل فقالت: لا.

رفعت كمّي قميصها، وبدأنا نيمّم جسد شهيدة، ولما انتهينا قالت: "لا يمكنني أن أبقى هنا، هذا المكان ليس مكاني".

لم أجبها بشيء، لا يمكنني إجبارها على البقاء. ولما خرجنا معًا رأيت "زهره فرهادي" قد كنست غرف المغسّلين، في حين أنجزت "صباح" جمع الأدوات والوسائل ورتبتها في أماكنها. أدّين صلاتهنّ هناك.

لمّا أنهت "زهره" صلاتها أقبلت إليّ بوجهها الجميل الودود لتقول: "أيتها الأخت حسيني، أنتِ محقة في إصراركِ وغضبك. حقًّا لا يوجد هنا من يلبّي النداء، مهما ركضتِ وطالبتِ، لا فائدة من الأمر".

 

209


197

الفصل السابع

جنح الوقت إلى العصر، إنّه الرابع من شهر مهر (26أيلول). وقفنا مع الفتيات خارج المغسل. تركت "ليلى" العمل وخرجت، فعرّفتها إليهنّ: "صباح، وزهرة، وأشرف، وأفسانه". أخبرتهن أنّ "ليلى" أختي فسلّمن عليها.
بينما كنا منشغلات نتجاذب أطراف الحديث، سمعتُ أبي يناديني. كدت أطير من الفرح، فقد اشتقت إليه كثيرًا إذ لم أره خلال هذين اليومين. ركضتُ و"ليلى" نحوه. عانقني أولًا ومن ثم ضم "ليلى" إليه. ردّ أبي السلام على الفتيات ومكث صامتًا. بدا لي أنه متعبٌ جدًّا، وكان غمٌّ عجيب يحيط وجهه.

بعد لحظات، وبعدما تركتنا "ليلى" والفتيات وحدنا، قال لي من دون مقدمات: "زهراء، أريد أن أوصيك بشيء".

سألته بقلق وكأنما ارتجف قلبي: "وأي وصية؟".

أحنى رأسه ولم ينبس ببنت شفة. ألقيت على وجهه نظرة فاحصة، أشار لونه الممتقع إلى أنه لم يذق طعم النوم لليالٍ عدة، وعيناه سابلتان. طالما نضحت عيناه بالمظلومية والبراءة، فجأة تمثل أمام

 

211


198

الفصل السابع

ناظري وجهه عندما كان في سجن المخابرات حين أوصى "دا" بنا، وطلب مني ومن "علي" أن نبقى أطفالًا جيّدين، وأن لا نضايق "دا". فهذا الوجه هو ذاك الوجه ذاته، وهذه الحال هي تلك الحال نفسها. شعرت أنه يبحث عن الكلمات ليقول ما يريد.

حدّقت في فمه واحتبست أنفاسي.

أردتُ معرفة ما يريد قوله. في النهاية رفع رأسه ونظر إلي. لم أتحمل رؤية نظراته فأحنيت رأسي.

قطع صمته وقال بصوت هادئ: "زهراء، "علي" غير موجود، وتدرين أن "محسن" لا يمكن الاعتماد عليه بشيء، أوصيك بأخواتك وإخوتك ووالدتك، اعتني بهم جيدًا لحين عودة "علي" من طهران. فأنا قد أذهب من دون رجعة، هناك احتمال الشهادة والأسر والإصابة، ولهذا أعهد إليك بوالدتك والأطفال. بالتأكيد، فالله موجود، غير أن العناية بالأطفال من بعدي تقع على عاتقك".

لم أتحمّل سماع هذا الكلام من والدي، لكنني لاحظت كم بدا هادئًا ويريد الذهاب بكل اطمئنان. ترك كل شيء حتى إنّه كان حاضرًا لأن يتركنا، لأن يتركني ويرحل. جاهدت كثيرًا لأكبح كل العشق والمحبة التي بيننا. كان ينبغي أن أجيبه بشيء كي لا يشعر أنه مخطئ في تفكيره، ولا أشعره بالخيبة. لكن كان ينبغي أن أقول له إنّنا ما زلنا بحاجة إليه، ومن المبكر جدًّا أن تغادر هذه الفتاة ابنة السابعة عشرة من العمر وترحل. كيف تستطيع أن تتركني؟ ألم تقل في خلواتنا إنّه ليس لديكَ في هذه الدنيا سوى أمك وجدي. أنت كل الناس لي، إذًا ماذا حدث حتى تغادرنا هكذا؟ حاولت أخذ جرعة من الهواء وكأن شيئًا يضغط على

 

212


199

الفصل السابع

صدري. كانت الأجواء ترمي بثقلها على نفسي. أردت الهروب من كل هذه الضغوط النفسية، أردت أن أقول: الآن وأنت تهمّ بالرحيل ما هذا العهد الذي تطلبه منّي؟! فمن المبكر جدًّا الموافقة على هذه المسؤولية الثقيلة بالنسبة إليّ، على الأقل لا تطلب مني هذا.

لكنّني في النهاية أجبت إجابة وكأني أسلّي نفسي لينتهي هذا الحديث بسرعة: "ما هذا الكلام! إن شاء الله تذهب وتعود بالسلامة. سنهزم البعثيين ونبيدهم، إننا منتصرون".

أجابني بصوت خنقته العبرة: "بنيّتي، نحن دائمًا منتصرون إلّا أن الخيانة تحول دون ذلك. تأكّدي أنّ هذه الخيانة التي وقعنا ضحيّتها لن تدَع لنا مجالًا للرجوع. خلال هذه الأيام، كنت بين عناصر الشرطة والجنود، حتى هؤلاء كانوا حيارى ومرتبكين. لقد حال "بني صدر" دون تدخّل الجيش، هذا الخائن أوصلنا إلى ما نحن عليه".

عندما تلفّظ بكلمة "الخيانة" ضرب بقبضته على لوحة منصوبة كنّا نقف بجانبها. لم يكن لديّ ما أقوله، فاضت عيناي بالدموع، وغرقتُ بصراع ثقيل في داخلي. لم أرغب في أن تُضعف دموعي عزيمته، ومن جهة أخرى كان كياني برمّته يضجّ ويصرخ مخافة أن يكون هذا اللقاء هو الأخير بيننا، أيُعقل أن تكون هذه النظرات آخر نظراتي إليه؟!

بعد برهةِ صمتٍ ثقيل، قال: "عليّ الذهاب".

مشينا ناحية مدخل "جنت آباد"، فجأةً وضع يده اليمنى في يدي حيث كنت أسير إلى جانبه وتشابك كفّانا. وددتُ لو أبقيه إلى جانبي، ولكن ذلك لم يحدث.
 

213


200

الفصل السابع

اقتربنا من بوابة "جنت آباد" فشدّ على يدي أكثر، وشعرت أنني صرت أقرب إليه أكثر من أي وقت مضى، أمسكت بيميني ساعده الأيمن فأخرج يده من بين أصابعي وحضنني بكلتا يديه. اغتنمت الفرصة وأنخت برأسي ووضعته على صدره، ورحت أشمّ رائحة جسمه لأحفظها في وجودي وذاكرتي.

سعيت لأن أحفظ في ذاكرتي دفء حضنه وحنان صوته ومحبته التي أرادها أن تسري إليّ مع شدّ يديه واحتضاني؛ وأحتفظ بها في قلبي طيلة عمري. ومرة ثانية أردت أن أقول له: لا تتركني وحيدة، لماذا أردت الرحيل الآن؟ أنا بحاجة إليك أكثر من أي وقت مضى؟

ضجّ كياني بالكلام والصراخ، لكنني لم أتفوّه بشيء من ذلك كلّه. كدنا نصل إلى بوابة "جنت آباد" فأطبق صدري وضجّ فؤادي؛ ليتني ما انفلتّ من حضنه.

ما إن رأت "ليلى" أبي يغادر حتى ركضت نحونا فانفردتُ منه وضمّها هي إليه. قلت في نفسي: "مسكينة "ليلى"، فهي لا تدري قدر هذه اللحظات الثمينة التي تمضيها".

سمعت أبي يقول لها: "أطيعي أختك واعتني بنفسك، ابقيا دائمًا معًا ولا تفترقا أبدًا".

نظرت "ليلى" إلى أبي بدهشة. لم تتمالك نفسها وشرعت تبكي. عاود أبي احتضانها وكانت ممتلئة البدن بعض الشيء، وراح يمازحها مشاكسًا: "هيا يا دبابتي لا تقلقي فعلينا أن نساند بعضنا بعضًا".

عندما هدأت "ليلى" قليلًا عانقني مرّة أخرى، ثمّ سلّم علينا وذهب

 

214


201

الفصل السابع

مسرعًا. خرج من "جنت آباد" من دون أن ينظر خلفه، فأيقنت أنّه أعرض عن الدنيا وما فيها. وقفتُ و"ليلى" ننظر إليه وهو يغادر، ننظر إلى الأب الذي عشقناه بصدق. فجأة سألتني: "زهراء، لماذا تكلّم أبي هكذا؟ ماذا كان يقصد؟".
أجبتها بغصّة: "لقد كان يوصي، فلعلّ هذا آخر لقاء بيننا، إنّه ذاهب إلى الشهادة".

انفجرت "ليلى" باكية وجرت دموعها على وجنتيها. ذهب أبي، وتركني أتخبّط من أعماق وجودي! لم أستطع أخذ أيّ قرار، وما زاد حزني وغمّي أنّ الفتيات غادرن جميعهنّ، إذ كنت آمل أن تبقى إحداهنّ هنا على الأقلّ، لكنّهن ذهبن.

مع غروب الشمس، أخذت "جنت آباد" تخلو من الناس ولم يبقَ فيها سوى سبعة أو ثمانية أشخاص. وقفنا عند أحد القبور لندفن جثّة صبيّ في العاشرة من العمر تقريبًا. أخذ أحد الرجال يخرج التراب من القبر، في حين جلس الملقّن العجوز على التراب بجانبه. أخذ ينظر وقد أعياه التعب. كان ذلك العجوز يغادر "جنت آباد" ليلًا ويعود في الصباح، رجلٌ في العقد السادس من عمره، قصير القامة وأبيض الوجه. كان ينزع ثيابه الخارجيّة ويعلّقها على لوحة حديديّة فوق أحد القبور ويخلع نعليه، ثم يدخل القبور حافي القدمين بطاقيّةٍ بيضاء وسرواله الوردي الواسع الذي يرفعه عن ساقيه كي لا يعيق عمله. كنت أشفق عليه كثيرًا خصوصًا أنّ طاقيّته البيضاء ذكّرتني بجدّي الذي لم أعرف عنه شيئًا منذ أيّام، وقد كنت قبل ذلك أقصد بيته مرةً أو مرتين يوميًا.

عندما أصبح القبر جاهزًا دخله العجوز ثمّ أُنزلت الجنازة. وبينما كانوا

215


202

الفصل السابع

يكشفون الكفن عن وجه الميّت ويلقّنونه الشهادتين، أحضرتُ بصعوبة شاقّة حجرين للّحد، فقال لي العجوز الذي اعتاد أن يناديني بـ "بنيّتي" منذ عرفني: "بنيّتي، ناوليني ذلك الحجر برويّة، حاذري أن يقع".

لم يكد ينهِ كلامه حتى خرق أسماعنا صوت هدير الطائرات الحربيّة الآتي من ناحية الجنوب. نظرنا إلى تلك الناحية فلم نرَ شيئًا. فجأة صرخ أحدهم قائلًا: "من هنا إنّها تأتي من هنا، من خلف رؤوسكم". نظرنا جميعًا إلى الخلف وإذ بطائرتَي "ميغ" تتّجهان من ناحية منطقة "بارس آون" نحو "جنت آباد"، أخذ هديرهما يزداد قوّة وفظاعة بنحو متسارع، فأحدث ضغطًا شديدًا على طبلة أذني، وشعرت أنّها تورّمت وستخرج من مكانها. ارتعش قلبي من هول ذاك الصوت، ولم أعد قادرة على التنفّس، كأنّ رياحًا شديدة تلفح وجهي فلا أستطيع التقاط أنفاسي.

عبرت الطائرتان الحربيّتان بسرعة شديدة فوق رؤوسنا لدرجة أنّي لم أقدر أن أميّز حجمهما أو أيّ شيء آخر. الشيء الوحيد الذي بدا واضحًا لي هو أنّهما كانتا تحلّقان على علوٍّ منخفض جدًّا. كانت الطائرات الحربيّة تغير في سماء المدينة منذ اليوم الأول للحرب، لكنّ القصف الجويّ أخذ يزداد حدّةً من يوم أمس؛ أي اليوم الثالث، وهذا يدلّ على أنّ العدوّ أدرك أن ليس هناك من قوّة تواجهه، ولذلك تجرّأ على التحليق على هذا العلوّ المنخفض. كنت قد سمعت من الجنود الموجودين هنا وهناك أنّ طائرات "الأواكس" هي للتجسّس وطائرات "الميغ21 و23" الروسيّة الصنع هي طائرات حربيّة. رمت طائرتا الميغ بقذائفهما قرب معسكر القلعة (الحصن) في حقل يفصل بين المعسكر وبيوت حي "شاه عباس"، ارتجّت الأرض تحت أقدامنا، وسمعنا صوت

 

216


203

الفصل السابع

انفجار رهيب ارتفع على أثره الدخان والغبار، حتّى إنّنا سمعنا صوت تحطّم زجاج النوافذ في حي "شاه عباس".

لقد ذكّرني ذلك الهدير بكسوف الشمس أيّام المدرسة؛ يوم عمّ الظلام الدامس الأرجاء، وهبّت الأعاصير والعواصف، وغمرت الأمطار الغزيرة كلّ مكان. وشقّ الرعد والبرق السماء، فأحدثا دويًّا مرعبًا أخافنا جميعًا، وبكى معظم التلاميذ. أحدث هدير الطائرتين الحربيّتين اليوم في قلبي ذلك الشعور نفسه. وضعنا جميعًا أيدينا على آذاننا وانبطحنا أرضًا، لكنّني وددت لو أعرف ماذا يحدث. قمت لأرى جيّدًا فنهرني الجميع قائلين: "اجلسي يا فتاة، لماذا قمتِ من مكانك؟".

جلست وصرت أرصد بحشريّة مسير الطائرتين اللتين انعطفتا بعد القصف وعبرتا من فوق رؤوسنا، لكنّهما هذه المرّة قصفتا جهة مركز شرطة المرور. كان الدّخان الأسود الغليظ الذي علا في الأجواء دليلًا واضحًا على أنّهما استهدفتا مركز صيانة الشاحنات في منطقة "ديزل آباد" وهي الآن تحترق. وسمعنا صوت انفجار من جهة ميدان "فرمانداري"، فأيقنّا أنّ الطائرتين أرادتا استهداف الجسر. جرت كلّ هذه الأحداث بسرعة هائلة، لكنّها بالنسبة إليّ كانت مديدة جدًّا.

جالت طائرتا الميغ مرّات عدّة في الأجواء، ثمّ غادرتا نحو "شلمجه". كنت قلقة من أن تُقصف "جنت آباد" بالقنابل فتتبعثر القبور ولا يمكن تمييز شيء. وعندما تأكّدنا من مغادرة الطائرتين نهضنا. أخذ أحد الرجال يلعن قائلًا: "لعنة الله عليكم أيّها البعثيّون العديمو الإيمان، إن شاء الله يُجتثّ نسلكم من الأرض. تقتلون أعزّتنا ولا ترحمون جثثهم، ما ذنبنا؟ لا يسمحون حتّى لأمواتنا بأن يرقدوا في قبورهم بسلام"! فواساه

 

217


204

الفصل السابع

رجل آخر قائلًا: "لو أنّ طائرات الـ "فانتوم" خاصّتنا تطلع إلى الأجواء لما تجرّأوا إلى هذا الحدّ".

تابع الرجال دفن الجثّة، أمّا أنا فلأنّ الجثث لم تكن لنساء، ذهبت لأحضر العربة من أمام المغسل، ثمّ وضعت فيها بصعوبة عددًا من بلاطات القبر، وأخذت أجرّها بمشقّة على أرض "جنت آباد" الوعرة وغير المستوية. وكلّما وقعتْ في أحد المطبّات وانحرفَتْ كنتُ أستشيط غضبًا؛ لأنّ رفعها كان صعبًا جدًّا بحيث يجعلني أبقى محنيّة الظهر بسبب ثقلها ولا أقوى على الاستواء مجدّدًا. بلغ حجم البلاطة الإسمنتية (40سم*60سم)، وسمكها 5 سم. قال لي الجميع: "لا داعي لأن تحضري هذه الرصائف، إنّها ثقيلة ولا تقدرين على حملها".

فقلت بجرأة: "بلى، أقدر على ذلك".

بينما أنا أجرّها لاهثة، رأيت شابًّا يلتقط بسرعة صورًا للقبور الخالية والجثث الممدّدة بقربها المجهّزة للدفن. لقد بدا الشابّ في ذلك الغبار والخراب نظيفًا ومرتّبًا وأنيقًا؛ كان يلبس بنطالًا من نوع "جينز" وكنزة قصيرة الأكمام، وقد سرّح شعره إلى الأعلى. راح ينحني ثمّ ينهض أو يجثو على ركبتيه ليتمكن من أخذ زاوية للكاميرا والتقاط الصور، حتّى إنّه نزل إلى القبور أحيانًا.

سأله أحدهم: "ماذا تفعل" ؟
- ألتقط صورًا للشهداء.
- ولماذا؟
 

218


205

الفصل السابع

- لا شيء، أنا مصوّر1 وجئت لالتقاط صور للشهداء ولـ"جنت آباد".

هذه المرة سألته أنا: "ولأي شيء تريد هذه الصور؟".

- أريدها من أجل إقامة المعارض فيما بعد، كي تسجّل في صفحات التاريخ فتراها الأجيال القادمة، ويعرفون ما الذي حدث هنا. فاليوم لدينا صورٌ للحرب العالميّة الثانية تعرفنا على تلك الحقبة.

بدا لي أن كلامه غير متناسب مع شكله وهيئته. فجأةً خطر ببالي أن يلتقط صورًا للشهداء المجهولين، فأوصلت العربة إلى القبور، ثمّ ذهبت ناحيته. وبينما بدا منهمكًا بعمله قلت له: "هناك مجموعة من الشهداء لا نعرف عوائلهم، ونحن ندفنهم تحت عنوان الشهداء المجهولين. أليس من الجيّد أن تلتقط لهم صورًا حتّى نريهم فيما بعد لعوائلهم، فمن يأتِ ليبحث عن فقيده نرِه الصور فيتعرّف إليه".
- حسنًا، نريه الصور، ولكن ألا ينبغي أن يعرف موضع قبر شهيده.
- وجدنا حلًا لذلك أيضًا؛ كتبنا المشخّصات الخارجيّة للشهداء المجهولين مع عناوين مواضع دفنهم، ولو توفّرت الصور فسيكون ذلك أفضل بكثير. هلمّ لنذهب إلى السيد "برويزبور" فنخبره بالأمر.

هزّ الشابّ برأسه، وانطلقنا نحو مكتب السيد "برويزبور" الذي ما إن رأى المصوّر حتّى سأله: "هل التقطت الصور؟".

أجاب المصوّر الشاب: "أجل".

فقلت: سيّد "برويزبور"، من الجيّد أيضًا أن يلتقط صورًا للشهداء.


 


1- بحسب قول السيد "برويزبور" فإن ذلك المصور الشاب كان يُدعى مجتهد.


219


206

الفصل السابع

- لقد تحدّثت لتوّي مع السيّد "سالاروند" والآخرين حول هذه المسألة بالذات.
- بما أننا نكتب مواصفات الشهداء المجهولي الهوية، فلنلصق صورهم على صفحات الدفتر ذاته.

سأل الشاب: "هل يمكنني أن أطّلع على هذا الدفتر؟".

أجابه السيّد "برويزبور" : "بالطبع، تفضّل".

دخلنا الغرفة، فأخرج السيد "برويزبور" من درج مكتبه دفترًا صغيرًا بغلاف بلاستيكيّ أخضر يحوي مئتي ورقة وأراه للشابّ. فأخذ يقلّب صفحاته التي امتلأ ثلثها ثمّ قال: "هذا جيد، ولكن لو كان أكبر من ذلك لكان أفضل كي يتّسع للمواصفات والصور".

باشر المصوّر عمله من تلك اللحظة، وتولّى السيد "برويزبور" رسم جداول على صفحات دفتر كبير كتب في أعلاها عناوين مختلفة كالجنسيّة، العمر التقريبي والمواصفات الخارجيّة. كما اتفّقنا على أن نخمّن قوميّة الجثث من خلال نوع لباس الشهيد وهيئته أو المحلّة التي أحضروه منها، وأن نعلّق قطعة من ثياب الشهيد بالدبّوس في الصفحة الخاصّة به، ونلصق إلى جانبها الصورة التي التقطها المصوّر له.

وُضع الدفتر في الغرفة، فكلّما أتوا بشهيد مجهول الهويّة، إن كانت امرأة أقوم أنا و"ليلى" بملء الاستمارة الخاصّة بها؛ إذ كنّا نعرف القراءة والكتابة، بعد ذلك يقوم المصوّر الموجود أمام المغسل بالتقاط صورة لها. بعض الجثث كانت مهشّمة لدرجة لم يعد بالإمكان معرفتها أذكر هي أم أنثى!
 

220


207

الفصل السابع

تقرّر أن يُحضر المصوّر الصور الخاصّة بكلّ يوم بعد يومين منه. بعدما غادر دخلت المغسل وتابعت عملي هناك. عند الغروب لم أعد أقوى على التحمّل، فانطلقت باتّجاه البيت من دون أن أقول شيئًا لأحد. أردت معرفة إن كان أبي قد مرّ على البيت بعد توديعنا أم لا. كانت شوارع المدينة مقفرة وهادئة، وقد بدا أنّ كثيرين قد غادروها. وقبل أن تفتح "دا" الباب، عاودت مدفعية الغزاة قصف المدينة بشدّة. ومع أنّي لم أرها منذ ظهر الأمس، لكنّني حالما نظرت إليها سألتُها قبل أن أسلّم عليها: "دا لمَ أنت هنا؟".

انفرجت أساريرها عند رؤيتي وأجابت: "أين أنتما؟ لقد قتلني الشوق والانتظار". ثمّ نظرتْ إلى الخارج وسألتْ: "وأين ليلى؟".

قلت: "لا تقلقي، إنّ "ليلى" هناك في جنت آباد". ثمّ سألتها ثانيةً: "ولكن لماذا لم تغادروا؟ لماذا بقيتم في البيت؟".

فأجابت أمي حزينة: "أين أذهب؟ ههنا بيتي".

فقلت: "أمّاه، بقاؤكم هنا ليس صائبًا، اذهبوا إلى المسجد الجامع، الكلّ مجتمع هناك، فالخطر لا ينحصر بالمدفعيّة والدبّابات. لقد خلا الحيّ من قاطنيه، فهناك الطابور الخامس والمنافقون الذين لن يجلسوا مكتوفي الأيدي، إنهم أخطر. ما ذنب إخوتي الصغار حتّى تبقيهم هنا؟".

عندها نظرت إليّ بحنق شديد، فلم أجرؤ على الإصرار عليها أكثر. ثمّ سألتها: "ما أخبار بيت جدّي؟".

قالت: "لقد حضر خالك "حسيني" قبل الظهر كي يأخذنا معه، وقال إنّه طلب من جدك وعمّتك "مي مي" أن يستعدّا كي يمرّ بهما ويأخذهما

 

221


208

الفصل السابع

إلى بيت أقارب زوجته في "خرّم آباد". أمّا خالك "ناد علي" فقد أخذ عائلته إلى "سربندر".

فاغتنمت الفرصة محاولةً إقناعها فسألتها: "حسنًا، وماذا قلت لخالي؟ ليتكِ اصطحبت الأولاد وذهبت معه".
- أصرّ خالك "ناد علي" كثيرًا، ولكن كيف أذهب؟ أخبرته أنّ "علي" ليس هنا، ولو طوى كلّ تلك المسافة من طهران ولم يجدنا فسينشغل بالبحث عنّا، وأنّكِ و"ليلى" لستما هنا، وأنّ أباكما ذهب للقتال".

فسألتها: "متى جاء أبي إلى البيت؟".
- جاء عصرًا ليودّعنا، فأخذ سجّادة الصلاة خاصّته وغادر. عندما أتت على ذكر أبي ارتجف صوتها. ثمّ تابعت بالقول: "لم يقل أبوك لنا أن نذهب، وهو وحده الذي يقرّر ماذا نفعل. عندما يكون أبوك موجودًا إلى أين أذهب أنا؟".

في هذه الأثناء التفّ "منصور" و"حسن" و"سعيد" و"زينب" حولي، فقلت لـ"دا" مشيرة إليهم: "أمّاه، أستحلفك بالله، من أجل هؤلاء الأطفال، أن تذهبي بهم إلى المسجد الجامع. دعي بالنا يرتاح، أنا لم أطلب منك أن تخرجي من "خرمشهر"، بل أن تلجئي إلى مكان أكثر أمنًا رأفةً بإخوتي!".

قالت: "الخطر في كلّ مكان، لا نعلم ماذا سيحدث فيما لو استمرّت الأحوال على ما هو عليه، من سيموت ومن سيبقى على قيد الحياة، إنّ قلبي يحدّثني بأنّ مكروهًا سيحدث يا زهراء".

فواسيتها وقلت للأولاد: "إيّاكم أن تؤذوا "دا"، ولا تخرجوا من البيت،

 

222


209

الفصل السابع

فالحيّ يكاد يخلو من الناس".

لم يجيبوني، وقد ظهرت عليهم علامات الضجر والملل. ولمّا وقع نظري على زاوية الحديقة رأيت مكان الخراف والماعز التي اشتريناها لنذورات أيام شهر محرّم خاليًا، فسألت دا: "أين هي الخراف؟".

قالت: "إنّ أباك أخذها إلى المسجد الجامع، وقال إنّه سيأتي لأخذ الأرزّ والسمن لكي يطبخوها للقوّات المسلّحة".

منذ سنتين دأَبنا على إقامة المآتم الحسينيّة عصر كلّ يوم من العشر الأوائل من المحرّم، وتقديم النذورات في تاسوعاء وعاشوراء. قال أبي أنّ الخراف التي تُقرَّب نذرًا للإمام الحسين عليه السلام يجب أن تقتات قبل ذلك بفترة على الطعام الحلال كي يكون لحمها طيّبًا طاهرًا، وأنّ كلّ ما يقدَّم على أسماء الأئمّة عليهم السلام يجب أن يكون في غاية الطهارة، لذلك عمد إلى شراء الخراف قبل حلول شهر محرّم ببضعة شهور ليربّيها بنفسه، أو يوصي أن يحضروها لنا من محافظة "إيلام". نذر أبي ذلك بنيّة شراء البيت، وكان في كلّ سنة يغطّي جدران البيت بالسواد قبيل حلول الشهر استعدادًا لإقامة مجالس العزاء التي كانت تعجّ بالحضور لدرجة أنّه لا يبقى مكان لموضع قدم. أمّا قارئة العزاء فكانت سيّدة علويّة أتمّت تحصيل علومها الحوزويّة في مدينة قم المقدّسة. بعد انتهاء المجلس اعتدنا تقديم الشاي بالقرفة أو الحليب بالكعك أو صنفًا من الحلوى.

تحدّثتُ مع "دا" مطوّلًا حتّى أقنعتها بالذهاب إلى المسجد، ثمّ خرجتُ من البيت بعد أن تأكّدت من أنّها ستفعل. أثناء سيري تراءى لي وجه "دا" وكلامها. لقد نحلت وشحب لونها خلال هذه الأيّام القليلة،

 

223


210

الفصل السابع

كما إنّي لمست في كلامها وحركاتها آثار الاضطراب والقلق، وهي التي عهدتها صابرة وهادئة.

ما إن استفقتُ من تلك الأفكار حتّى رأيت نفسي أمام المسجد الجامع. لمّا رآني "إبراهيمي" قال: "فليكن الله في عوننا، لقد جاءت هذه العاصفة مجدّدًا كي تثير الغبار والتراب في الأرجاء".
- لو رأيتَ الوضع هناك لما قلتَ هذا الكلام، سأظلّ أجيء وأذهب حتّى أحصل على النتيجة.
- ولكن، لمَ لا تتحدّثين مع "جهان آرا" بنفسه؟ إنّه قائد الحرس، وهو لن يقصّر في خدمتك إن أمكنه ذلك.
- ومن أين لي أن أجده؟
- في الواقع، لا أعلم؛ قد يكون في غرفة العمليّات، في مركز القيادة، في المسجد أو في خطوط المواجهة، إنّه يجول في كلّ مكان.
- ماذا تقول؟ أنا لا أستطيع أن أقوم بجولةٍ للبحث عنه!

وبينما هو يتلفّت يمينًا وشمالًا وقد بدا أنّه ضاق بي ذرعًا قال: "اذهبي إلى أولئك الإخوة".

نظرت إلى حيث أشار فرأيتُ عددًا من أفراد الحرس الثوريّ واقفين في باحة المسجد كأنّهم ينتظرون أحدًا ما. كانوا طوال تلك الفترة يخرجون إلى الشارع ثمّ يعودون إلى الباحة ويتحدّثون مع هذا وذاك باستمرار. ناداهم "إبراهيمي" الذي بدا عليه أنّه حظي بغنيمة عظيمة كي يتخلّص منّي فقال: "بالله عليكم تعالوا وانظروا ماذا تريد هذه الأخت!".

فجاء الإخوة الحرس وسلّموا علينا ثمّ سألوني: "ما الخطب؟ لأي

 

224


211

الفصل السابع

أمر أتيتِ؟".
- لا أدري إن كان باستطاعتكم فعل شيء أم لا، ولا أعلم هل اطّلعتم على أوضاع "جنت آباد" في هذه الأيام أم لا؟! القتلى مرميّون هناك بعضهم فوق بعض، وليس هناك من يعين على غسلهم وتكفينهم، كما إنّ المغسّلين العجزة يبذلون كل ما في وسعهم. مهما أتيت إلى هنا وتوسّلت ورجوت أن يجدوا لهم حلًا لم أحصل على نتيجة. وفي النهاية قيل لي أن أتكلّم مع السيّد "جهان آرا" الذي لا أعرف كيف أصل إليه. أرجو منكم أن تخبروه بما قلته وتطلبوا منه أن يفكّر في مسألة "جنت آباد" ويجد حلًا لها. صحيح أنّها مقبرة، ولكنّها مرتبطة بأمور الحرب، فإنّ الحرب سبّبت تلك المشاكل، والشهداء الموجودون هناك هم ضحيّة هذه الحرب، ولا يصحّ أن نتركهم هكذا.

نظروا إليّ وقد ظهرت عليهم علامات التأثّر، ثمّ قال أحدهم: "أجل، لقد رأيت الأوضاع هناك، إنّها حرجة جدًّا".

وقال آخر: سنخبر "جهان آرا" بهذا حتمًا.

فسألتهم: "هل أريح بالي بأنّكم ستخبرونه بذلك؟"

لا أدري بأيّ ألم وغصّة خرجت منّي تلك الكلمات حتى قال أحدهم: "مهلًا، لعلّنا نستطيع أن نصل إليه من هنا، فتتحدّثي معه بنفسك وتخبريه بالأمر".

عند ذلك ذهب الجميع نحو طاولة إبراهيمي، فرفع أحدهم سمّاعة الهاتف وشرع يطلب الأرقام. انتابني هول واضطراب شديدان، فقد سمعت الكثير عن "جهان آرا" بحيث صار له منزلة عظيمة لديّ نتيجة

 

225


212

الفصل السابع

الكلام الذي قاله في حقّه أخي "علي" والآخرون. ثمّ أخذت أفكّر في نفسي: "ماذا لو تعاطى معي بجدّية وصرامة بسبب رتبته العسكريّة العالية؟ أو غضب منّي نتيجة الظروف الصعبة التي نمرّ بها قائلًا: "وماذا أفعل أنا؟".

وبينما أنا أتجادل مع نفسي، كان عنصر الحرس يتّصل بأماكن مختلفة ويبحث عن قائد الحرس الثوري "محمد جهان آرا". وبعد طول انتظار وكلام مع هذا وذاك قال: "الحمد لله، أخيرًا وجدته".

تحدّث العنصر نفسه قليلًا معه حول وضع "جنت آباد"، ثمّ قال: "يوجد هنا إحدى الأخوات تريدك في أمر ما، تحدّث معها".

فمشيت على استحياء وأمسكت السمّاعة وأنا أرجو الله أن ينطلق لساني وأن يتعاطى معي "جهان آرا" بأسلوب جيّد. سلّمت عليه وصوتي يرتجف بشدّة، ثمّ قلت: "أنا زهراء حسيني، أخت السيّد "علي حسيني".

ردّ السلام وقال بصوت لطيف: "إنّنا نفتقد لـ"علي حسيني"، فهو رجل مغوار، ولو كان حاضرًا بيننا الآن لأعاننا كثيرًا من الناحيتين النظريّة والعمليّة، ولأمكنه القيام بكثير من الأعمال. إنّه شابٌّ قويّ وشجاع. أدعو الله له بالشفاء العاجل وأن أراه مجدّدًا بيننا". ثمّ سألني: "ما قصة جنت آباد؟ ما المشكلة هناك؟".

هدّأ ثناء "جهان آرا" ومديحه لـ"علي" من روعي كثيرًا، وأبعد شبح الخوف عنّي، فقلت له: "إنّ عددنا في "جنت آباد" قليل، ولا نستطيع أن ندفن جميع الشهداء هناك. في الليل تهجم الكلاب علينا فنضطرّ إلى رشقها بالحجارة لكي نحمي الشهداء. وبالرغم من افتقاد

 

226


213

الفصل السابع

المقبرة إلى أدنى مستويات الأمن لكنّنا مضطرّون للبقاء ليلًا إذ يصعب علينا المغادرة وترك الشهداء على تلك الحال. إننا لا نملك أيّ نوع من الأسلحة لندفع بها عن أنفسنا شرّ الكلاب وغيرها، وليس هناك أيّ قوّة تحرسنا أو تدافع عنّا!".

سألني: كم يبلغ عددكم هناك؟
- خمس نساء ورجلان.
- هل تقصدين أنّكم السبعة هناك وحدكم بلا حارس ولا سلاح؟!
- أجل.

تغيّر لحن صوته وقال متأثّرًا: "أسأل الله أن يكون أجركم على الشهداء وسيّد الشهداء، سأتابع المسألة بنفسي حتمًا، وأسعى أن أجد حلولًا لذلك المكان، وسأبعث بأفراد للمساعدة، كما يجب أن نفكّر في أمر الماء والأكفان".

فشكرته وقلت: سأعلّق آمالي عليك.
- سأتابع الأمر، وأنت أطلعيني على كل جديد.

ودّعته ووضعت سمّاعة الهاتف، فسألني عناصر الحرس: "ماذا حدث؟ نسأل الله أن تكوني قد توصّلتِ إلى حلّ".
- أجل، وعدني أن يتابع المسألة حتّى تتحسّن أوضاع "جنت آباد".

كان "إبراهيمي" يستمع إلى حديثنا، رفع يديه نحو السماء وقال على نحو الفكاهة ضاحكًا: "الحمد لله، أشكرك يا ربّ لأنّ وضع "جنت آباد" سيتحسّن!".
 

227


214

الفصل السابع

ضحكت أنا أيضًا. بدا أنّ المسكين قد ضاق منّي ذرعًا. بعد ذلك قلت لعناصر الحرس: "أرجو أن تعطوني رقم هاتف الأخ "جهان آرا" إن أمكن، لقد طلب منّي أن أتابع المسألة معه".

فكتبوا لي الرقم على ورقة وسلّموني إيّاها. عندها أحسست بالرضى وبراحة البال نوعًا ما، فخرجت من المسجد. لم تطأ قدماي الشارع بعد، حتّى رأيت فتاةً تصرخ وتصيح. أصرّ عليها عدد من مرتادي المسجد الكبار في السنّ -الذين علمت نتيجة تردّدي إليه أنّهم من المهتمّين بشؤونه- بأن ترجع وألّا تذهب إلى أيّ مكان في ذلك الوقت المشرف على الظلام. فمن الواضح أنّ الفتاة وحيدةٌ ومشرّدة وقد أراد أولئك الرجال إبقاءها في المسجد حفاظًا عليها، غير أنّها لم تقبل وقد بدا عليها أنّها تعاني من تخلّف عقلي. خاطبها المساكين بكلمات عربية وأخرى فارسيّة؛ عرفتُ أنهم لا يجيدون اللغة العربية، لكنّ الفتاة لم تكن على ما يرام، فراحت تسبّ وتشتم.

نظرتُ إليها بتعجّب. بدت لي مخلوقًا غريبًا؛ يناهز عمرها الثلاثين سنة، هندامها غير مرتّب على الإطلاق، وجهها النحيف الطويل يملأه الطفح الجلديّ، وعيناها صغيرتان جدًّا لدرجة أنّي اعتقدت في البداية أنّها مكفوفة!

بينما أنا أنظر إليها سمعت صوت "إبراهيمي" يخاطبني: "أيتها الأخت حسيني، هلّا أدخلتِ الفتاة قبل ذهابك".

سألته: "ومن هذه؟".
- فتاةٌ متخلّفة عقليًّا أقضّت مضاجعنا منذ الصباح. إنّها لا تفهم لغة

 

228


215

الفصل السابع

البشر ولا تنفكّ تصيح وتثير الجلبة. لا تصغي إلى أحد، وتذهب إلى هنا وهناك ثمّ تعود إلى المسجد. إنّ أمرها مريب، ولا ندري هل هي مجنونة واقعًا أم أنّها تتظاهر بذلك! كما إنّها لا تعرف الفارسيّة.

هززت رأسي واقتربت من الفتاة ظنًّا منّي أنّي أستطيع تهدئتها بالكلام. وما إن حاولت إقناعها بالدخول إلى المسجد حتّى انقضّت عليّ وخدشت وجهي.

تراجعتُ إلى الخلف قائلة: "لماذا تفعلين هكذا؟ إنني أتكلّم معك"، شتمتني بالعربيّة بكلمات نابية فصرختُ في وجهها قائلة: "اخرسي!".

خافت من صراخي وقالت: "آنا خومو واياج"، أي: أنا لم أكن أقصدك أنت.
- إذًا من كنت تقصدين؟

قالت: "هؤلاء"، وأشارت بيدها إلى الرجال.
- هؤلاء ليسوا هنا، إنّهم في تلك الناحية.
- لا لم أكن أقصدك.

فناديتها باسمها وقد سبق أن سمعته من الرجال قائلة: "غنوة، لمَ تفعلين هذا؟ لمَ تريدين أن تذهبي من هنا؟".
- إنّ هؤلاء يريدون أذيّتي.
- لا، بل إنّهم طيّبون، إنّ الشارع ليس آمنًا ولذلك يطلبون منك أن تدخلي المسجد، وإلاّ ستصيبك قذيفة.
- إنّ بيتنا على الحدود، أريد الذهاب إلى البيت.
 

229


216

الفصل السابع

- إنّ العراقيّين هناك الآن، لقد عبروا الحدود.
- أنا لا أخاف من العراقيّين، فهم لا يريدون إيذائي.
- وهل هم أولاد عمومتك حتّى يَدَعوكِ وشأنك؟! لو رأوكِ لأطلقوا عليك النار.

ردّت بصوت فيه خنّة: لا إنّ صدّام معنا، ولن يقتل العرب.

دُهشتُ لذلك الكلام، وقلت في نفسي: "عجبًا، لقد وصلت حملات صدّام الدعائيّة إلى سمع هذه الفتاة المختلّة أيضًا". فقد كانت إذاعة النظام البعثيّ تحثّ الناس -خصوصًا العرب منهم- على مغادرة المدينة أو الالتحاق بالقوّات العراقيّة، قائلين لهم: "تعالوا وسنقوم بضيافتكم، فنحن لا نريد منكم شيئًا. أنتم إخوتنا ومنّا، إنّ هدفنا هو نظام الخمينيّ فحسب".

بينما أنا واقفة بصمت أفكّر في كلام الفتاة، نظرتْ إليّ نظرةً فاحصةً وسألتني كمن تذكّر شيئًا لتوّه: "ولكن ابنة من تكونين؟".

فضحكتُ وقلت: "وإن قلت ابنة من أكون فهل ستعرفينه؟".

فسألتني مجدّدًا غير مكترثة بما قلته: "ألست ابنة الحاج خلَف؟".

فأجبتها ساخرةً: "أنا ابنة الحاج صلبوخ". كنت قد سمعت بهذا الاسم في البرامج الساخرة والكوميديّة، وصلبوخ تعني الحصى الكبيرة، وكنت وإخوتي ينعت بعضنا بعضًا به أثناء لعبنا ومزاحنا.

قالت مستغربة: "أنا لا أعرف شخصًا باسم الحاج صلبوخ يا أختاه".

ضحكتُ وعانقتها. قلت لها وقد اعترتني قشعريرة: "هيّا بنا ندخل المسجد".
 

230


217

الفصل السابع

أحسستُ بالبثور والتآليل النافرة التي ملأت بشرتها، فشعرت بالاشمئزاز على الرغم من أنّها تلبس فستانًا وسروالًا فضفاضًا. لا أعلم لمَ كانت متّسخة وكريهة الرائحة إلى ذاك الحدّ، مضافًا إلى منظرها المرعب! لم يكن معلومًا متى استحمّت، بل هل مسّ الماء جسدها أساسًا؟! قدماها الحافيتان ملفوفتان بضماد وقد اخشوشنتا وغلظتا. أمّا شعرها الذي ظهر من تحت شالها فقد تشابك والتصق بعضه ببعض حتى صار كالقتاد والشوك. ولكنّ أكثر ما أثار اشمئزازي هو القمّل الذي كان يجول على جبينها، وقد ساءت حالتي أكثر لدى رؤيته.

مع كلّ تلك الأمور اضطررت إلى الاقتراب من "غنوة" بغية إقناعها بالدخول إلى المسجد، فأُعجبت بإظهاري المحبّة لها، فما كان منها إلاّ أن حضنتني بقوّة -في حين لم أعد أقوى فيه على استنشاق تلك الرائحة- ثمّ قالت: "أنت نور عيني، أنت حبيبتي، فداك نفسي".

عندها قلت لها: "حسنًا هذا يكفي، عديني أنّك ستبقين هنا، لمَ تريدين الذهاب؟".
- لأنني جائعة.
- يوجد هنا طعام وماء أيضًا، لا تخرجي من هنا.
- ولمن أقول إنني جائعة.
- اطلبي من أيّ شخص وسيعطيك الطعام والبسكويت.

فتغيّر مزاجها مجدّدًا وقالت: "أنا أريد الكعك".

فضحكتُ وقلت: "ومن أين آتي لك بالكعك في هذا الهرج والمرج؟ ماذا دهاك؟ ماذا تريدين؟ هل ظننت أننا في عرس حتّى أحضر لك

 

231


218

الفصل السابع

الحلوى؟ نحن الآن تحت نيران القصف. إنّها الحرب، أتفهمين؟ من أين لي بالكعك؟!".

رفعتْ كتفيها كالأطفال وقالت: "لا شأن لي بذلك، أنا أريد كعكًا".

ضقت منها ذرعًا، أردت أن أتركها وشأنها، وإذ بأحدهم يعطيها علبة بسكويت، فلمّا أخذتها جلست على الأرض وشرعت في الأكل. قلت لها ثانية: "كلّ شيء موجود هنا، لا تخرجي، هناك أيضًا نسوة أخريات غيرك وهنّ لا يذهبن إلى أيّ مكان، اطلبي ما تريدينه منهنّ".

لكنّها لم تُعِر كلامي أيّ اهتمام؛ لأنّها انشغلت بالأكل. خرجتُ من المسجد وسرت باتّجاه "جنت آباد" وأنا أفكّر في كلام "جهان آرا" وبتصرّفات "غنوة". وقبل أن أصل إلى شارع "40 مترى" سمعت صوتًا من خلفي ينادي: "أختاه، أختاه". وقفت واستدرت إلى الوراء لأجد شابين فتيين نحيلين يتجهان صوبي، وقد حمل أحدهما -الأطول والأكثر سمرة من الآخر- بندقيّة "M1" على كتفه. كنت قد رأيتهما حين تحدّثت مع "إبراهيمي" في باحة المسجد حيث حضرا لمّا علا صوتي ووقفا يستمعان إلى جدالنا.

عندما وصلا إليّ سلّما ثمّ سألني أحدهما: هل تريدين أفرادًا للمساعدة في "جنت آباد" ؟
- "أجل".
- "نحن حاضران لأن نذهب معك إلى هناك".

نظرت إليهما وقلت في نفسي: "كيف لهذين الضعيفين أن يحملا الجثث الثقيلة؟ وهل يُتوقّع منهما أساسًا أن يطيقا مع صغر سنّهما

 

232


219

الفصل السابع

رؤية الجثث. لقد جاء كثير ممّن هم أكبر وأضخم منهما، ولكنّهم ذهبوا من دون أن ينظروا خلفهم". ثمّ لم ألبث أن وبّخت نفسي بقولي: "أيّتها البنت المغرورة الأنانيّة، أنت نفسك ألم تصابي بالوهن والإغماء في اليوم الأوّل، وكادت روحك أن تزهق؟ لعلّ هذين الفتيين سيكونان أفضل وأقوى منكِ، مهما يكن، فهما رجلان وللرجال طاقة أكبر من النساء على رؤية هذه الأمور". وبعد ذلك التريّث قلت لهما: "إنّ العمل هناك مضنٍ جدًّا، فعليكما أن تغسّلا الشهداء وتكفّناهم وتحملا الجثث وتدفناها، فإن كنتما تقدران على ذلك فعلى بركة الله".

قال الذي يحمل البندقيّة على كتفه: "ولكنّك قلتِ إنّك تريدين عددًا من الأشخاص المسلّحين للحراسة".
- أجل نحن نريد أفرادًا مسلّحين أيضًا.
- إذًا نحن نأتي معكِ للحراسة، وإن استطعنا أن نساعد في أعمال أخرى نفعل.
- سلمت يداكما، هل ستأتيان الآن؟
- أجل.

ولكي أريح بال "إبراهيمي" بعض الشيء قلت لهما: "إذًا، فلنذهب إلى المسجد حتّى أعلمهم بأنّكما ستأتيان إلى "جنت آباد".

رجعنا إلى المسجد وقصدت إبراهيمي المنشغل كعادته بالحديث مع هذا وذاك، يجيب على الهاتف، ويجيب من يصرخ ويصيح في وجهه مثلي بتبسّم وهدوء. أحيانًا يغتاظ منهم، ولكنّ حالته تلك لم تكن تدوم لأكثر من لحظات فلا يلبث أن يهدأ. قلت في نفسي: "يا له

 

233


220

الفصل السابع

من إنسان واسع الصدر وقويّ التحمّل!".

في ذلك الضجيج والصخب قلت لـ"إبراهيمي" بصوت عال: "أردت أن أخبركم أنّ هذين الشابّين يريدان أن يذهبا معي إلى "جنت آباد"، ولكن هذا لا يعني أن تنسوا أمر ذلك المكان ولا ترسلوا أفرادًا للمساعدة".
- كوني مطمئنّة، سأسعى جهدي أن تُتابَع أمور "جنت آباد".

أثناء طريقنا إلى "جنت آباد" أخذ الفتيان يسألان عن الوضع هناك، وأنا بدوري صرت أخبرهما عن كلّ شيء بالتفصيل، حَزِنا كثيرًا عندما عَلِما أن عدد الشهداء كبير، وليس هناك من يغسّلهم ويكفّنهم، وقالا: "لو كنّا نعلم لجئنا قبل الآن، فلم يكن هناك مهام كثيرة في المسجد في الأيام الماضية، وكنّا عاطلين من العمل في أكثر الأحيان. ليتنا جئنا إلى "جنت آباد"! ثمّ سألاني: "هل أنتِ الأخت حسيني؟".

فقلت مستغربة: "أجل، ولكن لماذا تسألان؟".
- لقد سمعنا باسمك كثيرًا.

لم أسألهما أين سمعا باسمي وكيف، لكنّي قلت في نفسي: "لقد صارت سيرتي على كلّ لسان لكثرة ذهابي وإيّابي وإثارتي للفوضى!". ولأنّهما عرفا اسمي سألتهما عن اسميهما، فقال الفتى الأقصر: "أنا عبد الله معاوي، وأخي حسن من عناصر الحرس الثوري".

وقال الآخر: "اسمي حسين عيدي".

لم يكن وجه حسين غريبًا عنّي، فقلت في نفسي: "لقد رأيت هذا الفتى في مكانٍ ما، ولكن أين؟".
 

234


221

الفصل السابع

من إنسان واسع الصدر وقويّ التحمّل!".

في ذلك الضجيج والصخب قلت لـ"إبراهيمي" بصوت عال: "أردت أن أخبركم أنّ هذين الشابّين يريدان أن يذهبا معي إلى "جنت آباد"، ولكن هذا لا يعني أن تنسوا أمر ذلك المكان ولا ترسلوا أفرادًا للمساعدة".
- كوني مطمئنّة، سأسعى جهدي أن تُتابَع أمور "جنت آباد".

أثناء طريقنا إلى "جنت آباد" أخذ الفتيان يسألان عن الوضع هناك، وأنا بدوري صرت أخبرهما عن كلّ شيء بالتفصيل، حَزِنا كثيرًا عندما عَلِما أن عدد الشهداء كبير، وليس هناك من يغسّلهم ويكفّنهم، وقالا: "لو كنّا نعلم لجئنا قبل الآن، فلم يكن هناك مهام كثيرة في المسجد في الأيام الماضية، وكنّا عاطلين من العمل في أكثر الأحيان. ليتنا جئنا إلى "جنت آباد"! ثمّ سألاني: "هل أنتِ الأخت حسيني؟".

فقلت مستغربة: "أجل، ولكن لماذا تسألان؟".
- لقد سمعنا باسمك كثيرًا.

لم أسألهما أين سمعا باسمي وكيف، لكنّي قلت في نفسي: "لقد صارت سيرتي على كلّ لسان لكثرة ذهابي وإيّابي وإثارتي للفوضى!". ولأنّهما عرفا اسمي سألتهما عن اسميهما، فقال الفتى الأقصر: "أنا عبد الله معاوي، وأخي حسن من عناصر الحرس الثوري".

وقال الآخر: "اسمي حسين عيدي".

لم يكن وجه حسين غريبًا عنّي، فقلت في نفسي: "لقد رأيت هذا الفتى في مكانٍ ما، ولكن أين؟".
 

234


222

الفصل السابع

وفي النهاية قلت له: "إنّ وجهك مألوف لدي كثيرًا، ولكنّي لا أذكر أين رأيتك".

أجاب بحياء وعفّة مميّزين: "إنّ منزلنا يقع في شارع "مينا" مقابل الفرن".

فتذكّرت أنّه أحد صبيان محلّة "مينا"، ولكنّه الآن أصبح طويل القامة"، فقلت له: ألست ذلك الولد الذي كان الأطفال ينادونه بـ"ذو الشعر المجعّد" ؟.

ضحك وقال: "بلى، أنا هو".

كلّما اقتربنا من "جنت آباد" ازداد قلقي، وصرت أفكّر فيما لو اعتقد المغسّلون والمغسّلات هناك بمثل اعتقادي بعجز هذين الفتيين لدى رؤيتهم لهما فيقولون: "أهذان هما القوّات المساعدة التي أردتِ إحضارها" ؟! ولكنّ شيئًا من ذلك لم يحدث، فقد رحّب الجميع بـ"حسين عيدي" و"عبد الله معاوي" أجمل ترحيب، ففرحت بذلك وقلت لهما: "إن أردتما المساعدة فاذهبا إلى مغسل الرجال".

دخل المسكينان مغسل الرجال من دون أن ينبسا ببنت شفة، بالرغم من أنّهما قالا إنّهما أتيا لأجل الحراسة. أمّا أنا فأمسكت مع "زينب" ورجلين آخرين بأطراف النقّالة وحملنا شهيدةً لكي ندفنها. كانت جثّتها ثقيلة جدًّا فشعرت بضغط كبير على ظهري، فعند عودتي من دفنها جلست على حافّة الساقية قرب المغسل لأستريح قليلًا. فجأة رأيت فتاة تسير نحوي، كنت قد رأيتها عصرًا عند خروجي من باحة المسجد الجامع حيث جلستْ على صناديق قرب الحائط. نادتني قائلة:

 

235


223

الفصل السابع

"يا أختاه، تعالي".

ذهبت إليها وسألتها بتعجّب: "هل تقصدينني أنا؟".
- أجل، أنت لا تعرفينني، ولكنّني سمعت عنك كثيرًا؛ يقولون إنّك تعملين في "جنت آباد" من دون انقطاع، وإنّك شجاعة جدًّا، أما أنا فأخاف، يقولون إنّك تدفنين الشهداء وتبقين هنا ليلًا.
- أجل.

فأخبرتني في الحال باسمها "ناهيد". عندما دَنت منّي سلّمت "علي" وسألتني: "ألا تريدين أن تأتي إلى المسجد؟".
- لا، أنا سأبقى هنا في الليل.
- هنا؟
- أجل، فهذه ليست المرّة الأولى.

فانقلبت حالها بشكلٍ مفاجئ، فعجبتُ للرقّة المتناهية التي خاطبتني بها قبل قليل، كيف تحوّلت إلى كلام عنيف وزجر شديد عندما قالت لي: "ليس من المقبول أن تبقى شابّة مثلك في هذا المكان!".
- ليس هناك فرق بين الشابّة والعجوز، كما إنّي لست وحدي، فالآخرون هنا أيضًا.
- كلا، يجب أن لا تبقي هنا، وإلّا سأكتب في ذلك تقريرًا.
 

236


224

الفصل السابع

عندما سمعت ذلك غضبت كثيرًا وقلت: "ماذا؟ ماذا ستفعلين؟ ومن تكونين؟ يبدو أنّك تحبّين أن تمثّلي دور الرئيس والمرؤوس. اذهبي واكتبي تقريرًا".
- هل تستهزئين بي؟ سأريك!

غضبتُ وقلت: "أنت تريدين التسلّط والاستقواء! اذهبي وافعلي ما يحلو لك".

أمّا "زينب" التي استمعت لشجارنا، فقالت للفتاة: "من أين ظهرتِ لنا، انصرفي من هنا".

غادرت الفتاة القصيرة القامة والبدينة، والبالغة العشرين من العمر تقريبًا، وقد تملّكها الغضب والانزعاج، ولم تمضِ أكثر من نصف ساعة حتّى عادت.

كان الظلام قد حلّ وذهبتُ لأتوضّأ، وإذ بـ"زينب" تناديني قائلة: "زهراء، تعالي، لقد عادت الفتاة ومعها شرطيّ". رجعت "ناهيد" هذه المرّة برفقة شابّ نحيف ذي قامة قصيرة، وقد أسدل قميصه فوق سرواله. بدا لي أنّه رجل غير منطقيّ، صعب المراس ولا يمكن التكلّم معه. وعندما اقتربا سأل: "من هي الأخت حسيني؟".
- أنا هي، ماذا تريد؟

فسألني موبّخًا: "أريد أن أعرف لمَ تريدين البقاء هنا؟ ومن أعطاك الإذن بذلك؟".
- إنّها ليست المرّة الأولى التي أبقى فيها هنا، وأتيت إلى هنا بإذن والدي. ثمّ ما المشكلة في البقاء بنظرك؟
- المشكلة، نحن نراها كذلك ونتحدث لمصلحتك، إنّ المكان غير آمن وأنتِ شابّة، إنّ البقاء هنا هو وظيفة الرجال.
- أعلم ذلك، وبالمناسبة فإنّ بقائي هنا هو لأنّ المكان ليس آمنًا، إنّ

 

237


225

الفصل السابع

شهداءنا وحدهم وليس هناك من يفكّر في حراستهم. أين هم الرجال؟ أحضرهم وتعال أنت وقف بنفسك، وعندها سأذهب.
- أنا لا أستطيع ذلك، فلديّ الكثير من الأعمال، ثمّ ما حاجة الشهداء للحراسة؟
- هيا تفضّل وسأشرح لك.

مشينا نحو المغسل فأريته صفوف الشهداء التي مُدّدت هناك وقلت: "هؤلاء بحاجة للحراسة، ليتك تكون حاضرًا لترى ما يجري عندما تهجم الكلاب ليلًا. لقد قضينا ليلة أمس نحرس المكان حراسةً مشدّدة ومع ذلك وجدنا اليوم أنّ الكلاب قلبت تراب "جنت آباد" رأسًا على عقب. من جهة أخرى هناك مشكلة منظّمة "مجاهدي خلق"، فبعض الأشخاص جاؤوا بجثث إلى مستشفى "طالقاني" وعندما أرادوا استرجاعها رفض طاقم المستشفى ذلك وطلبوا إحضار كتاب، حيث تبيّنَ أنّ قوّات منظّمة "خلق" قد أخذت جثثًا إلى مناطق أخرى مدّعية أنّها جثث لشهداء المنظّمة ودفنتها تحت هذا الشعار. فلو حصل أيّ هجوم سواء من الكلاب أو من أفراد المنافقين فماذا سيكون بوسع هؤلاء المغسّلين العزّل القيام به؟!".
- على أيّ حال يستحسن أن لا تبقي هنا.
- أنا موافقة، بشرط أن تأتوا بعدد من الأشخاص المسلّحين كي يطمئنّ بالنا.
- سأرى ما يمكنني فعله.

عند ذلك أطرقا برأسيهما إلى الأرض وذهبا، أمّا أنا فقد غضبت

 

238


226

الفصل السابع

واستأت إلى أقصى الحدود، فما كان من "زينب" إلاّ أن واستني وهوّنت عليّ، فقلت لها: "انظري كيف ترصّدوني في هذه الظروف الحرجة والسيّئة!".

بعد مرور حوالي أربع ساعات، وبعدما خيّم الظلام، توقّفنا جميعًا عن العمل. كان طعام العشاء عبارة عن خبز وعلب التونا، ولكن لم يكن لدى أيّ منّا رغبة في الأكل، أكلنا قليلًا ثمّ قمتُ و"ليلى" و"زينب" وجلسنا عند الحديقة قرب المسجد. كما جلس "حسين" و"عبد الله" في ناحية قريبة منّا، وكانا أحيانًا يمشيان حتّى المدخل ثمّ يرجعان.

كنّا نسمع نباح الكلاب في سكون ذلك الليل وبين أصوات الانفجارات. ومع مرور الوقت أخذ النّباح يزداد ويقترب، حيث أتى في البداية من خلف مقبرة الصابئة، ولكنّ الكلاب أخذت تحاصرنا شيئًا فشيئًا. أنصتنا جميعًا لنرى ما سيحدث، حينها قالت "زينب" : "لقد لعقت الكلاب دماءً حتّى أصبحت مسعورة!".

تذكّرتُ ما حدث ليلة البارحة عندما حاولت الكلاب الهجوم علينا وكيف كان اللعاب يسيل من أفواهها!

فجأة، علا النباح من جهة الحائط المهدوم، فركضتُ و"ليلى" و"زينب" إلى هناك ولحق بنا "حسين" و"عبد الله"، فقال "حسين" : "لا تقتربن، سرن خلفنا، سأطلق عليها النار".

فقلت: "هذا حرام، لماذا نقتل هذه الحيوانات المسكينة؟".
- إن لم نقتلها فسوف تمزّقنا إربًا إربًا!
- أطلق رصاصة في الهواء فتخاف من صوتها وترحل.
 

239


227

الفصل السابع

لم أكد أكمل كلامي حتّى ارتفع النباح من داخل المنطقة المشجّرة، ثم ظهرت بنفسها وصارت تعدو نحونا، عندها جمعنا الحجارة في أطراف ثيابنا ورميناها من تلك المسافة صوبها. لكنّ عَمَلَنا ذاك استفزّها أكثر فركضت باتّجاهنا بسرعة أكبر متباعدةً في الوقت نفسه بعضها عن بعض، ذهب عدد منها إلى اليمين وآخر إلى الشمال وأقبل بعضها الآخر من الجهة المقابلة لنا مشكّلةً بذلك نصف حلقة حولنا.

اتّخذت الكلاب وضعيّة الهجوم حيث كانت عيونها تقدح شررًا وأسنانها تصطكّ ببعضها. ولمّا صارت على مسافة أربعة أمتار منّا وقفت وشرعت تنبح في مكانها. كانت أنيابها تلمع في ظلمة ذلك الليل، فملأت قلبي خوفًا. أمّا أشكالها فبدت مرعبةً جدًّا، كأنّها أرادت أن تفترسنا بعيونها، وكاد منظر اللعاب الذي يسيل من أفواهها يمزّق فؤادي!

قلقتُ على "ليلى" كثيرًا. ظهر الخوف على الجميع، فأخذنا نوصي بعضنا بعضًا: "لا تقتربوا كثيرًا، إنّها مسعورة، انتبهوا إلى تلك الناحية". عندما دنا كلبان أو ثلاثة منّا تبعتها البقيّة، أخذت "زينب" تصرخ وتصيح، فانتابني من صراخها حال من الضحك والغضب معًا. استغربتُ منها -وهي التي وقفت حتّى ذلك الحين بعزم وإحكام، وساندتنا في كثير من المواقف- كيف تقف الآن موقف العاجز الضعيف! لم أكن أتوقّع منها أن تستسلم بتاتًا، فقلت لها: "لا تصرخي، وإلا تستشرس أكثر".

فأجابت صارخة: "أشرس ممّا هي الآن!؟ لم نستشهد حتّى الساعة، لكنّ هذه الكلاب ستقطّعنا إلى أشلاء!".

ولمّا لقّم "حسين" البندقيّة ليطلق النار قلت له: "لا تطلق لا يجوز

 

240


228

الفصل السابع

ذلك"! فصاحت "ليلى" و"زينب" مرعوبتين: دعيه يطلق، أطلق يا "حسين"، أطلق.
- لا، هذا حرام، لا تطلق.

فغضب "عبد الله" منّي وقال: "ما الذي تقولينه؟! لا تطلق، لا تطلق؟! أتريدين أن تأكلكِ كي تدركي أنّها مسعورة؟".

فقال "حسين" : "إنّ الكلاب تستحقّ ذلك، نحن المساكين، إنّها ستفترسنا الآن". ثمّ أتبع كلامه ببضع رصاصات أطلقها في الهواء فدوّت في ظلّ سكون المقبرة وأوقفت الهجوم. في تلك الأثناء قمت برمي الحجر الذي كان في يدي نحو كلب ضخم بدا أنّه أشرس من البقية، وبما أنّ العتمة لم تكن قد خيّمت بالكامل، استطعتُ أن أرى بوضوح، فأدّى حُسْنُ تصويبي إلى وقوع الحجر على فم ذلك الكلب، فانسحب وهو يعوي من الألم. إطلاق الرصاصات في الهواء وتراجُع الكلب الضخم ساهما في وقف المعركة، فتراجعت الكلاب بعد ذهاب ذلك الكلب الذي يظهر أنّه رئيسها. وأخذت تجري بعيدًا وهي تنظر إلى الخلف، فتبعها "حسين" و"عبد الله" إلى مسافة قريبة.

أمّا نحن فاستلقينا في مكاننا على الأرض من شدّة الرعب والتّعب، وقد شعرنا بأنّ أكتافنا خُلعت من مكانها نتيجة انحنائنا وقيامنا المتكرّر ورمْينا الحجارة بقوّة. بقينا نتنفّس بسرعة لبضع دقائق وقد أعيانا التّعب. أسندتُ ظهري إلى شجرة ومددت رجليّ ثمّ رفعت رأسي، كانت الغيوم تتحرّك في السماء فتغطّي القمر تارةً فيعمّ الظلام الأرجاء، وتمرّ بجانبه تارة أخرى فيبدو وكأنّه يتحرّك معها.
 

241


229

الفصل السابع

بعد الاستراحة، نهضنا ومشينا نحو الغرف، حيث ترقبت "مريم" والآخرون عودتنا بخوف وقلق. وما إن رآنا أحد العجائز وهو يحمل بيده رفشًا حتّى قال: "أردت أن آتي للمساعدة لكنّ هؤلاء منعوني وقالوا إنّي لن أستطيع الركض، وسأقع على الأرض فأزيدكم إرباكًا". قالت السيدة "مريم" : "لقد خفت عليكم كثيرًا، وظننت أنّ الكلاب مزّقتكم إربًا".

على الفور ذهبتُ نحو الهاتف وأخرجت من عقدة شالي الورقة التي كتبتُ عليها رقم "جهان آرا" وأجريت اتصالًا قائلة: "إنني أتكلّم من "جنت آباد"، أريد أن أتكلّم مع الأخ "جهان آرا"، لقد طلب منّي شخصيًّا أن أتّصل به لأتابع شؤون "جنت آباد". مرّ وقت قليل ريثما حضر "جهان آرا" نفسه معي على خطّ الهاتف، ولمّا تحدّث إليّ أخبرته بحادثة هجوم الكلاب قائلة: "لقد عدت لتوّي من معركة مع الكلاب، قد تعود في أيّ لحظة، لا يمكننا أن نواجهها بمفردنا".

فقال: "لا تقلقي، إنّ الله سيعينكم، فإخلاصكم هذا سيذلّل كلّ الصعاب".

لمست من كلامه الشكر الجزيل، إضافةً إلى المواساة والحثّ على المقاومة، فما كان منّي إلّا أن شكرته ورجعت وجلست مع الآخرين.

بعد ساعتين أو ثلاث، وبينما كنّا نأكل البطيخ والخبز رنّ جرس الهاتف، فقام أحد المغسّلين ليجيب، ما لبث أن ناداني قائلًا: "يا أخت حسيني، هناك من يريدك على الهاتف".

تعجّبت في بادئ الأمر وظننت أنّه من المسجد الجامع حتمًا. فرفعت السمّاعة فإذا هو السيد "جهان آرا". وبعد أن ألقيت عليه السلام سألني:

 

242


230

الفصل السابع

"مِن المقرّر أن يصل شخص من قِبَلنا إليكم، ألم يصل بعد؟".
- "لا".
- "لقد أحضرنا عددًا من الأكفان وأرسلناها إليكم، لا بدّ أن تصل قريبًا. أمّا بالنسبة إلى مشكلة الشهداء الذين ذكرتِ أنّهم ممدّدون على الأرض فلا يمكننا الآن أن نرسل أفرادًا للمساعدة، ولكنّنا قرّرنا أن نرسلهم إلى المدن القريبة، مثل "آبادان" و"ماهشهر"، وقد تمّ التنسيق مع وسيلة نقل ستأتي في الغد لتحملهم".

لم يمضِ وقت طويل على اتّصال "جهان آرا" حتّى حضر شخصان على درّاجة ناريّة وقالا إنّهما من طرفه، وقد أحضرا معهما مجموعة من قطع القماش. اتّصل المغسّلون بالسيّد "برويزبور" كي يباشروا العمل فحضر على الفور. أشعلنا عددًا من المصابيح ووضعناها بطريقة لا ينتشر ضوؤها كثيرًا. وبما أنّ الشهداء كانوا ذكورًا اكتفينا نحن النساء بقصّ أقمشة الأكفان، أمّا الرجال فكانوا يحملون الشهداء إلى المغسل، فيقصّون ثيابهم، وييمّمونهم ثمّ يلفّونهم بالأكفان، وبعد إخراجهم من المغسل يكتب عليها أحد الشابّين اللذين أحضرا القماش أسماءَ الشهداء المعروفي الهوية.

عندما وقعت عيناي على الجثث في ذلك الظلام رقّ قلبي لها. لقد كنت محقّة في الذهاب إلى المسجد، بل إلى أيّ مكان آخر، وأصرخ وأصيح من أجل هؤلاء الشهداء، فقد جيء ببعضهم من خطوط المواجهات، حيث جاهدوا وتعبوا قبل أن يستشهدوا، ولا يستحقّون الآن أن تُهمل جثثهم. لم أعرف أنّ من بين هؤلاء الشهداء "إسماعيل سعبري" ابن جيراننا. عندما شاهدت جثّته، تبادر إلى ذهني عطف أمّه عليه وكلامها

 

243


231

الفصل السابع

الودود معه، أمّا الآن فلا خبر عنها ولا عن حنانها، وهو عزيزها. لقد بقيت جثّة "إسماعيل" ثلاثة أيام تحت أشعّة الشمس حتّى خشينا أن تنتفخ والجثث الأخرى أو تتلاشى نتيجة الحرارة الشديدة. قلت في نفسي: "لو رأت أمّ إسماعيل ولدها على هذه الحال لأقامت الدنيا ولم تُقعدها".

ريثما تُنجز أعمال التكفين ذهبتُ إلى غرفة السيد "برويزبور" واتّصلت بالمسجد الجامع حيث كان "إبراهيمي" في ذلك الوقت من الليل أيضًا، رفع السمّاعة فقلت له: "إنّ الأخ جهان آرا وعدنا بأنّهم سيرسلون إلى "جنت آباد" سيارات خاصة صباحًا لتحمل الشهداء، ها نحن الآن نهيّئهم وأرجو منكم أن تؤكّدوا على مجيء السيارات أيضًا". وعدني بإرسال السيّارات وإتمام الأمر عند الفجر. ودّعته وعدت إلى المغسل حيث كان العمل والتجهيز قد انتهى، وقد استعدّ الشابّان والسيّد "برويزبور" للانصراف.

بعد ذهابهم دخلنا الغرفة. كنت متعبة لدرجة أنّي -وعلى عكس الليلة الفائتة- استلقيت إلى جانب "ليلى" وغفوت بسرعة. في منتصف الليل، استفقت من نومي منزعجة. لقد انتابتني حال غريبة؛ إرهاق شديد وشوق يفوق الحدّ إلى بيتنا، ووددت لو يأتي أبي ليأخذني و"ليلى" إلى المنزل فننام ثلاثة أيّام متواصلة، ننام حتّى تمحى مشاهد "جنت آباد" من أذهاننا شيئًا فشيئًا. فجأة دوّى صوت أبي في أذني عندما قال: "إنّ مسؤوليّة أمّك وإخوتك ملقاة على عاتقك حتّى يرجع أخوك عليّ". ثمّ رنّت كلمة "الخيانة" في أذني، الخيانة، الخيانة... وتراءى لي منظر أبي لمّا ضرب بقبضته اللوحة بغضب. أخذت صورته تدور أمام عينيّ، تروح وتجيء. رفعت يديّ كي أضعهما حول عنقه، ولكنّهما كانتا لا تلبثان أن

 

244


232

الفصل السابع

تصطدما ببعضهما البعض، فأدرك أنّه ليس هنا. تكرّر الأمر مرّات عدّة فأغرق في حزني وغمّي.

استدرت نحو "ليلى" ونظرت إليها فرقّ قلبي لحالها. لا أعلم ماذا دهاني، أردت أن أعانقها وأقبّلها وأبكي، ولكنّني خشيت أن أوقظها. كانت حالي سيئة جدًّا، وددت لو أستطيع أن أصيح وأنادي أبي بصوت عالٍ يصل صداه إليه أينما كان، فيحضر على الفور. وكأنّ شيئًا قد علق في صدري وحال دون تنفّسي. خِلت أنني إن خرجت وصرخت فسيزول عنّي هذا الثقل وسأتنفّس بحريّة. في تلك اللحظة شعرت أنّ "زينب" مستيقظة، وبما أنّها طلبت منّا أن نناديها بـ"أمّي" سألتها بهدوء: "أمّاه، هل أنت مستيقظة؟".
- أجل يا ابنتي، ألم تنامي؟
- بلى، ولكنّني أفقت لتوّي.
- نشكر الله أنّك نمتِ.
- هلّا خرجتِ معي لنقوم بجولة؟
- لماذا؟
- لا أدري، نرى إن كان قد جاء أحدهم، ونعرّج على الفتيين.
- حسنًا.

عند ذلك نهضنا بهدوء وخرجنا. وقفنا لحظات في الباحة كي ينتبه "عبد الله" و"حسين" لوجودنا فلا يتفاجآ. ولمّا رأينا "عبد الله" يتمشّى أمام المغسل تقدّمنا منه وسلّمنا عليه، ثمّ سألته السيّدة "زينب" : "ألم تنم يا بنيّ؟".


 

245


233

الفصل السابع

- اتّفقنا أن ننام على التوالي كي لا نتعب، ولأنّ "حسين" متعبٌ طلبت منه أن ينام أوّلًا.

بدا من عينَي "عبد الله" المنهكتين أنّه لم يعد يقوى على السير، سألته: "هل من جديد؟".
- لا، لا شيء.

سرنا و"عبد الله" نحو جثث الشهداء وقمنا بجولة في المكان، وعند عودتنا قالت "زينب" له: "يا ولدي، هل أقف إلى جانبك كي لا يغلبك النعاس؟".

بدا أنّ سؤالها لم يرق لـ"عبد الله" فأجابها بلكنته لافظًا حرف الغين بدلًا من الراء: "لا أشعر بالنعاس، عندما ينتهي دوري سأوقظ حسين". بعدها عدنا أدراجنا إلى الغرفة.
 

246


234

الفصل الثامن

في صباح اليوم الخامس من شهر مهر (27أيلول)، توقعتُ وصول وسيلة النقل منذ الفجر؛ فصرت أذهب إلى بوابة "جنت آباد" أسترق النظر إلى شارع "40 مترى" لعلّي ألمح طيف تلك السيارة. مع بزوغ أشعة الشمس الأولى، شاهدت شاحنتين صغيرتين تدخلان "جنت آباد" وتوقفتا أمام المغسل؛ واحدة نوعها "نيسان" والأخرى "بيكان".

خرج منهما الشابان اللذان أحضرا الأقمشة بالأمس، وتقدما إلى أجساد الشهداء ومعهما عدد من عناصر الحرس؛ أكمل الجنديان كتابة الأسماء على أكفان الشهداء بأقلام الخط العريض التي أحضراها بعد أن جفّ حبر الأقلام البارحة.

بعد ذلك، نقلنا الجثامين إلى الشاحنتين بواسطة النقالة. وقد صارت أوزان بعض الأجساد ثقيلة جدًا، فتعاون كلُّ شخصين أو ثلاثة على حمل النقالة ووضعها على طرف الشاحنة؛ وعمل عناصر الحرس على رفع الأجساد عنها وصفّها جنبًا إلى جنب داخل الشاحنة.

كنت راضية جدًا، فقد أثمر ذهابي وإيابي إلى المسجد ولم يذهب سدى، ودفعني لأعمل بكل جد ونشاط. وكذلك سُرَّ الآخرون وشكروا

 

247


235

الفصل الثامن

الله أن أجساد الشهداء الطاهرة لن تبقى مرمية على الأرض تحت حر الشمس أكثر من ذلك.

قالت "زينب" : "جزاكِ الله خيرًا، فقد كنتِ مبعث خير". سمعتُ أحد السائقين يقول للآخر: "نيسان تذهب إلى "ماهشهر"، وبيكان ذات المحرك الضعيف تتجه إلى "آبادان". "زينب" وثلاثة من عناصر الحرس يذهبون في هذه الشاحنة، لأن طريق "آبادان" أقرب".

قلتُ لـ"ليلى" : "اذهبي أنتِ معهم؛ وهكذا يطمئن بالي أنكِ ستعودين في وقت مبكر"، كما أوصيت "زينب" بـ"ليلى" : "إنّها أمانة بين يديكِ".
- ليرتح بالكِ سأهتم بها أكثر منكِ، وهي أيضًا واعية ورشيدة.

ما إن انطلقت شاحنة الـ"بيكان" وغادرت، حتى بدأنا بنقل الأجساد إلى شاحنة الـ"نيسان" ووضعنا فيها ثمانية عشر شهيدًا.

ودّعتْ "مريم" بقية الأخوات وصعدتْ إلى وسط الشاحنة وجلست عند أقدام الشهداء؛ كما إنّ "حسن" و"عبد الله" جلسا على الحافة الخلفية وتمسكا بجانبيها، ثم جاء عنصر الحرس الذاهب معنا وقال لي: أختي، اذهبي واجلسي في المقدمة.
- لا، فأنا مرتاحة هنا.

جلس الجندي قرب السائق، وانطلقنا ثم توقفنا أمام المسجد. نزل عنصر الحرس وتقدم إلى السيد "إبراهيمي" الواقف عند الباب وقال له: معنا ثمانية عشر شهيدًا نأخذهم إلى "ماهشهر". كذلك توجهت شاحنة أخرى إلى "آبادان" فيها اثنا عشر شهيدًا.
 

248


236

الفصل السابع

ما إن سمع "إبراهيمي" ذلك حتى ترك جمع الناس المتحلقين حوله وتوجه إلينا مسرعًا. وما إن رآني حتى دُهش، سلم عليّ فرددت السلام. تقدّم إلى الأمام وهو ينظر حزينًا إلى أجساد الشهداء، مادًا يده إليهم وصار يحرّكهم قائلًا: من هؤلاء؟ أين كانت هذه الأجساد؟!
- هؤلاء الذين أتيتُ لأجلهم كل يوم، وناشدتكم وتوسلتُ إليكم، والآن أصبح واضحًا أنهم يستحقون أكثر من تلك العاصفة التي أثيرت لأجلهم.
- فعلاً عرفتُ لما كنتِ تشتعلين غضبًا. والآن ماذا ستفعلون بهم؟!
- لا شيء، وماذا ستظننا فاعلين تحت نيران القصف وقلة الماء ويد العون! سنأخذهم وندفنهم في مكان آخر.

عندها سكت ولم ينبس ببنت شفة ونظر إلى الأجساد، ثم قال: أشعر بالغبطة!
- تغبط من؟ ولماذا؟
- لا أعرف، أغبطكم، أغبط هؤلاء الشهداء، لا أدري أيكم يجب أن أغبط.

في تلك الأثناء جاء عنصر الحرس الذي رافقنا من "جنت آباد" ومعه شاب آخر يحمل بندقية "G3" ؛ ثم أخذ مكان "عبد الله" الذي صعد وجلس على ظهر الشاحنة؛ عندما انطلقت السيارة ودعت "إبراهيمي" وأجابني بصوت هادئ: "في أمان الله".

ولأنّ الشارع المحاذي للشط يقع تحت مرمى نيران العدو؛ فقد اضطر السائق للاستدارة أمام المسجد والسير باتجاه شارع "40 مترى"، وظل "إبراهيمي" واقفًا ينظر إلينا حتى وصلنا إلى الشارع المذكور؛ قاد

249


237

الفصل الثامن

السائق الشاحنة مسرعًا حتى جسر "خرمشهر". وما إن اتجهنا نزولًا من على الجسر حتى علق وسط زحمة سير محطة الوقود.

فقد اصطفت السيارات للتزود بالوقود، ما تسبب بقطع الطريق. فلم يعد باستطاعتنا إكمال المسير.

حال يُرثى لها؛ ضجيج الناس القلقين المضطربين وأبواق السيارات؛ أصوات اختلطت بعضها ببعض فلا تسمع شيئًا؛ و"عبد الله" يصرخ من أعلى الشاحنة: افتحوا الطريق.

أطلق السائق العنان لبوق سيارته، ولكن من دون جدوى. وإذا بـ"عبد الله" يطلق الرصاص في الهواء، فنظر الناس إليه مدهوشين. كان لا يزال القلق والخوف باديَين على وجوههم إثر الغارة الجوية العنيفة للطائرات العراقية على "جنت آباد" قبيل انطلاقنا منها.

قلتُ لـ"عبد الله" : ألا ترى الناس مذعورين لتطلق النار فتزيدهم رعبًا؛ لا تطلق النار.
- يجب أن أفتح الطريق.

لم نكن قد ابتعدنا كثيرًا عن الجسر ولا يزال أمامنا مسافة لنعبر الصف الطويل من السيارات عندما اقترب منا أحد شباب الحرس وبيده بندقية "G3" وهو يصرخ غاضبًا: لماذا أطلقتم النار؟ لماذا ترعبون الناس؟

أجاب "حسين" و"عبد الله" : نريد فتح الطريق!
- الجميع يريد فتح الطريق، الجميع يريد الذهاب إلى عمله.
- ولكننا نحمل شهداء.
 

250


238

الفصل الثامن

 

- وإن يكن! عليكم الانتظار!

كنتُ أعرفه من بعيد؛ اسمه "ماجد"، ذو وجه نوراني جذاب. رأيته فيما مضى يعمل في دكان والده العطار في بازار "الصفا"، وهو من أكراد "إيلام" المبعدين من العراق. كان من معارف أبي. استأت من تصرفه ذلك. نهضت وقلت له بغضب: لمَ الصراخ، سنوصل الشهداء بسرعة.
- انتظروا قليلًا.
- لا يمكن، فهؤلاء الشهداء ملقون على الأرض منذ ثلاثة أيام، وإن بقوا على هذه الحال تحت الشمس ستتلاشى جثثهم، هيا انظر إلى حالهم.

تقدّم قليلًا؛ ولما وقعت عيناه على الأكفان الملوثة بالدماء ذُهل وبادر إلى الاعتذار ثم جدّ محاولاً في فتح الطريق بنفسه فصار يركض يمنة ويسرة، وعندما تتحرك السيارات يأتي ويقف على حافة الشاحنة، وإذا تجدّد الازدحام وعلقتْ عاد مجدّدًا. تعاون بعض السائقين لكن من دون جدوى؛ فبعض السيارات خلت من الوقود واحتاجت إلى الدفع بالأيدي؛ ما أدى إلى قطع الطريق رغم وسعها؛ وهذه المرة شرع الأخ "ماجد" نفسه يطلق الرصاص، وكان هو معنيًّا بأمن محطة الوقود ومراقبتها.

أما نحن فأخذنا ننادي: ابتعد يا فلان. ابتعدوا أيها الناس.

أثار ضجيجنا انتباه الناس فراحوا يتقدمون منا وينظرون إلى جثث الشهداء وهم يبكون، بينما شرعت بعض النسوة في قراءة التعزية والنياحة. رؤية الأجساد أرعبت بعضهم فأخذوا يقولون: ستكون عاقبتنا نحن هكذا أيضًا، في ظل هذه الظروف سنموت جميعًا. ثم ذهب عدد من الأشخاص ليساعدوا الأخ "ماجد" على فتح الطريق أمامنا.
 

251


239

الفصل الثامن

أما أنا فقد بدأتُ شيئًا فشيئًا أشعر بالضجر من ذلك الصخب والضجيج، وزاد الطين بلّة سطوع الشمس مباشرة على رؤوسنا فصرنا نتصبب عرقًا. وبعد الأيام الثلاثة الماضية حيث وضعنا أجساد الشهداء في الظل، أتت اللحظة التي شعرت فيها أن حرارة الشمس ستفتك بأبدانهم. ورغم كل المحاولات الجادة فإننا لم نصل إلى محطة الوقود إلّا بعد مرور ساعة، وما إن اقتربنا منها حتى ظهرت الطائرات الحربية فسلبتني نشوة الوصول إليها بعد كل تلك المعاناة. وفي غضون ثوان قليلة علت الصيحات وتداخلت الأصوات، فترجّل الركاب من سياراتهم بارتباك تاركين أبوابها مشرعة، كما أخذت النسوة والأطفال بالبكاء، فهرعوا يصرخون من الخوف وصاروا يركضون في كل اتجاه، والجميع يبحث عن مأوى يحتمي به من الغارة الجوية. علت نداءات "يا الله... يا أبا الفضل... يا حسين" من كل حدب وصوب. لقد رأيت بأم عيني بعض النساء وقد جذبن أطفالهنّ الرضّع إلى صدورهن وأخذن بأيدي أطفالهن الآخرين بقوة، وهن يبحثن مرعوبات عن ملجأ يلذن به!

كان المشهد عجيبًا، اختلط الحابل بالنابل وتعثّرت الناس ببعضها جراء ذلك الازدحام، فتارة يقعون أرضا وطوراً يُداسون تحت الأقدام. كانت الطائرات تحلق على علو منخفض لعلمها بعدم وجود خطر يهددها، فكان ظلها المشؤوم يقع على رؤوس الناس الذين بدوا برؤيتهم لظلال الطائرات كمن يرى الموت بأم عينه، فصاروا ينظرون إلى السماء ثم يركضون يمينًا وشمالًا.

لم أكن أفضل حالًا من الآخرين، فقد كدت أموت من الخوف، مع فارق وجود شيء آخر لدي. رحت أدعو الله في نفسي: "إلهي، بعد كل

 

252


240

الفصل الثامن

هذا السعي والجد والعناء وجدنا حلًا لمشكلة هؤلاء الشهداء، ونريد أن نضعهم في مستقرّهم الأبديّ، فأمنع أولئك الملعونين من إشعال هذا المكان بمن فيه وبما عليه، وحُلْ دون تفحّم الجثث وباقي الأحياء. إلهي لا ترضَ بأن يقاسي الناس والشهداء التشريد أكثر مما هم عليه، ودمر هذه الطائرات قبل أن تلقي قنابلها".


لم تدم تلك الأحداث إضافة إلى مناجاتي أكثر من بضع ثوانٍ، بعد ذلك غادرت الطائرات نحو مستشفى "طالقاني"، وألقت قنابلها في منطقة بين المستشفى وقرية "محرزي" جنوب شرق خرمشهر محدثة انفجارًا هزّ الأرض وملأ الجو غبارًا وترابًا، رافقه صوت هائل لتحطم زجاج النوافذ. أرعبتنا الانفجارات لدرجة أني أحسست أنّ الأرض انشقّت وهويتُ فيها. ملأ الغبار والتراب الجو لدقائق بحيث لم أستطع أن أفتح عيني. في تلك اللحظة قلت في نفسي: "لا بدّ أن المستشفى قد سُوّي بالأرض!".


ما هي إلّا لحظات حتى ألقت الطائرات قذائفها ثانية نحو الجسر، لكنّها ولحسن الحظ أخطأت هدفها، حيث وقعت القذائف في النهر لتنفجر في مياهه، ما رفع مستوى الماء إلى عشرين مترًا. لم يكن صوت هذا الانفجار كسابقه، بل أخفّ قوّة منه، وكذلك اهتزاز الأرض. وبما أنّنا نقف في الصندوق الخلفي للشاحنة فقد عاينّا تلك الأحداث بشكل أوضح، كما وشاهدنا قذيفةً صاروخيّة وقعت على شاطئ النّهر لجهة قرية "محرزي" إلاّ أنّها لم تنفجر.


ظلّ جسدي يرتعش على الرغم من مغادرة الطائرات. كان كلّ خوفي أن تُستهدف جثث الشهداء ثانية فتحترق. أمّا الناس الموجودون فظلّوا قابعين في أماكنهم دقائق عدة من الخوف. بعضهم احتمى ببيوت قيد


253
 


241

الفصل الثامن

الإنشاء، بعضهم لاذ بالسواقي والتجاويف المحفورة لريّ شجر النخيل المجاور، أمّا الذين لم يجدوا إلى ملجأٍ سبيلًا فقد انبطحوا على الطريق متشبّثين بالإسفلت. لكنّ أكثر ما كان مثيراً للضحك بعد لحظات الرعب والخوف تلك رؤية ثلاثة رجال وهم يطلّون برؤوسهم من براميل فارغة على جانب الطريق!

اعتقد الجميع أنّ الطائرات ستعود ثانيةً، لذلك وعلى الرغم من محاولات "ماجد" والآخرين إقناع الناس بأن يحرّكوا سيّاراتهم، وبأنّ الطائرات أنهت مهمّتها ولن تعود مجدّدًا، لم يصدّق أحد كلامهم. وبعد أن ساد الهدوء في المكان سمعتُ بعضهم يقول: "فلنقصد محطّات الوقود الأخرى، فليس من الصواب الانتظار هنا أكثر من ذلك". كذلك رأيت عددًا من النساء يبكين ويرفضن الرحيل.

في تلك الزحمة شدّ انتباهي جدال زوجين يقفان إلى جانب الطريق بانتظار سيّارة عابرة تقلّهما، وقد أمسكا بيد ابنتهما ذات الأعوام الأربعة. الرجل ذو بشرة سمراء وشعر مجعّد وشاربين كثيفين، وكان يمسك بإحدى يديه حقيبة وبالأخرى يد طفلته. أمّا المرأة، وهي بخلاف زوجها، قصيرة القامة وبدينة نسبيًّا وترتدي عباءة ملوّنة، فكانت تحمل بيدها صرّة، وقد بدا كلاهما في العقد الثالث من العمر. أخذ الرجل يمشي أمام المرأة وهو يشدّ يد طفلته، فتلحقه زوجته قائلة: "إلى أين تذهب؟ إنّ كلّ ما لدينا هنا، لمَ نتركه ونرحل؟ أستحلفك بالله أن ترجع!".

فقال لها الرجل بلهجة أهل جنوبي إيران: "ولماذا نمكث هنا يا امرأة؟ ماذا نصنع هنا؟ أنبقى لكي نُقتل؟!".

فانفجرت المرأة بالبكاء وقد أخذت بيد طفلتها وجذبتها نحوها،

 

254


242

الفصل الثامن

فقال لها زوجها: "انظري يا امرأة، انظري، الجميع يرحلون".

فقالت باكية: "وهل هؤلاء هم جميع أهالي "خرمشهر" ؟".

أجابها الرجل بصوت عالٍ: "إن بقينا هنا سنُقتل".
- حالنا حال سائر الناس، نصمد هنا وليحصل ما يحصل، فإمّا أن نموت أو نبقى على قيد الحياة كالآخرين.

أمّا الطفلة فغدتْ في حيرة من أمرها بين أبوين أخذ كلّ منهما يشدّها نحوه. ولمّا رأت أمّها تبكي عاليًا انفجرت بالبكاء هي الأخرى. أشفقتُ لحال تلك المرأة، فهي لا تُلام على ما بها من أسى وحزن، لكنّ زوجها لم يأبه لكلامها وحثّ الخطى، فلحقت به بعد أن يئست منه وهي تتكلّم وتبكي.

زوّد السائق الشاحنة بالوقود، ثمّ انطلقنا بعد أن امتنع حارس المحطّة عن أخذ المال بالمقابل. وبعد ذلك الانتظار الطويل، ضغط السائق على دوّاسة الوقود مسرعًا على الرغم من حمولة الشاحنة الثقيلة التي كانت تقلّ إضافة إلى الشهداء ستّة ركّاب آخرين. أثناء المسير ظلّت القنابل تتساقط من حولنا، وانفجرت مرة في وسط البراري وأخرى على الطريق ناثرة شظاياها في كلّ مكان. لكنّ السائق قاد الشاحنة من دون أدنى توقّف أو تريّث، غير مكترث لما يحصل من حوله.

عبرنا أمام مستشفى "طالقاني" والزحمة أمامه خير دليل على ما يجري داخله. وجدنا الجماهير بالقرب من مدينة "آبادان" غفيرة جدًّا، فقد لاذ كثير من الناس بقبر سيّدٍ علويّ جليل القدر يدعى "السيّد عبّاس"، وكانت له كرامات كثيرة، إذ إنّ أهل "خوزستان" يعتقدون بكرامة هذا

 

255


243

الفصل الثامن

السيّد اعتقادًا قويًّا، وقد قصد كثير منهم مقامه سيرًا على الأقدام.

اتّجه السائق بالشاحنة نحو جسر يقع فوق محلّة "بهمن شير"، فرأيت أعدادًا كبيرة من الناس تقف قرب الجسر وآخرين يسيرون. وكلّما مرّت سيّارة هجم الناس عليها ليركبوها. فأخذوا يهجمون على شاحنتنا ظنًّا منهم أنّها خالية، وخصوصًا أنّهم رأونا من بعيد أربعة أشخاص فحسب. قلنا لهم: "لا تأتوا، لا مكان لكم".

فسألوا: "لماذا تبخلون علينا بالمكان؟".

قال "حسين" : "تعالوا وانظروا فإن كان هناك مكان خالٍ فاركبوا". وعندما اقتربوا ورأوا الشهداء خجلوا منّا، كما أخذ بعضهم يقرأ الفاتحة والصلوات.

عبرنا الجسر وسرنا في جادّة "آبادان-ماهشهر"، فشاهدنا مرّة أخرى حشودًا تمشي سيرًا على الأقدام نحو "ماهشهر". كانت الحشود عظيمة، ما أدّى إلى التقليل من سرعة الشاحنة التي ما برح سائقها يطلق الأبواق كي يشقّ له طريقًا من بين الحشود. لقد رقّ قلبي لهؤلاء المنكوبين المشرّدين. كانوا جميعًا خائفين ومنهكي القوى؛ كثير منهم مشى حافي القدمين وقد أخذ يجرّ وراءه بصعوبة صرّةً أو كيسًا من القماش، واسترخى بعضهم على جانبي الطريق نتيجة التّعب الشديد. وكما حدث في السابق أخذ عدد من الأشخاص يتوسّلون إلينا لكي نركبهم، حتّى غضب "حسين" و"عبد الله" وسئما من إصرارهم، فصار "عبد الله" يخاطبهم قائلًا: "أقول لكم ليس هناك مكان، حسنًا، هلمّوا واجلسوا على رأسي"! أو يقول لهم: "ما رأيكم أن أترجّل أنا وتجلسون مكاني؟!". لكنّ أكثر ما يؤلم هو رؤية الذين كانوا يتعلّقون بالشاحنة كأنّها أملهم الوحيد،

 

256


244

الفصل الثامن

وعندما يرون الشهداء ممدّدين بعضهم فوق بعض يصابون بالدهشة، فيبتعدون مغمومين خائبين.

في تلك الأوضاع المضطربة ظهرت الطائرات الحربية مجدّدًا. كان هديرها مرعبًا جدًّا نظرًا لسرعتها الشديدة وتحليقها المنخفض. وما إن سمع المنهكون ذاك الصوت حتّى تشتّتوا في الطريق وهاموا في البراري. حلّقت الطائرات بانخفاض شديد حتّى إنّي شاهدت ظلالها على الشاحنة. صاح عدد من الناس بنا: "أنتم لديكم أسلحة، أطلقوا عليها النار، أطلقوا...". فما كان من "حسين" إلّا أن صوّب بندقيّته نحو الطائرات وأخذ يطلق النار، فصاحت مجموعة أخرى: "لا، لا تطلق النار، سوف يقصفون المكان، ستحدث مجزرة جماعيّة"! فانتهز السائق الفرصة واستطاع أن يسرع بشاحنته في تلك الجادّة الخالية.

كلّما اقتربت الظهيرة وسطعت أشعّة الشمس بشكل عموديّ ازدادت حرارتها، وكذلك قضبان الشاحنة التي كنت أستند إليها وأحرقت ظهري. ابتلّ جسدي عرقًا فحاولت تهوية نفسي بأطراف عباءتي، ولكن من دون جدوى. صرت بحالٍ يُرثى لها؛ الحرّ الشديد يؤذيني، شفتاي قد جفّتا وحنجرتي تحرقني. كنت أتوق لشرب كوب من الماء البارد، فقد أحسست بالعطش عندما كنا أمام محطّة الوقود حين أخذتُ أصيح وأنادي، وقد نفدت طاقتي الآن. أقلقني وضع الجثث أكثر من أيّ وقت مضى، فالدماء والماء أخذا يجريان على أرض الشاحنة حتّى امتلأ حذائي دمًا!

لم يعد ذهني مشغولًا بالجلبة والصخب وأخذتُ أفكّر بالشهداء، ولا سيّما بـ"إسماعيل سعبري" الذي كانوا ينادونه في البيت "عيدي"،

 

257


245

الفصل الثامن

وكانت أمّه تحبّه حبًّا جمًّا. كان أبوه مريضًا طريح الفراش. ولأنّي منذ الصغر كنت رفيقة لأخوات "إسماعيل" وخصوصًا أخته "رقيّة"، كنت على علم بأحوالهم. سعى "إسماعيل" وأخوه "إبراهيم" ليساعدا أمّهما في مصروف البيت، وحاولت هي ما استطاعت أن تُبعد عن أولادها ضنك العيش. وعندما توفّي الأب صارت أعباء الحياة على عاتقيهما. وها هو "إسماعيل" في النهاية وبعد رحلة المتاعب تلك يقدّم نفسه قربانًا.

كان بين الشهداء قتيلٌ عراقيّ أحضره شباب الحرس في اليوم الماضي. وبحسب ما ذكروا للمغسّلين، فإنّ القوّات العراقيّة قد أطلقت النار عليه من الخلف بينما كان يسلّم نفسه لقواتنا. دفن الرجال في الأيام الماضية جثثًا لعراقيين، ودوّنتُ بدوري على الدّفتر: القبر رقم كذا، عراقيّ. لقد دقّقت النظر في ذلك العراقيّ الذي دخلت الرصاصة رأسه من الخلف لتخرج من المقدّمة، لذلك كان وجهه مشوّهًا. بدا في السابعة والعشرين تقريبًا، وكان شديد السمرة وعظيم الجثّة. وقد كُتب على كفنه: جنديّ عراقيّ. تساءلتُ: "ماذا سيقولون لعائلة هذا الشابّ العراقيّ الآن؟ بالرغم من أنّهم قتلوه بأنفسهم، سيقولون لعائلته وبكلّ وقاحة إنّ ابنهم قد وقع أسيرًا، أو إنّه مفقود الأثر. ها نحن نحمل جسده معنا إلى "ماهشهر" في وقتٍ تنتظر زوجته وأولاده وأمّه وإخوته عودته بفارغ الصبر، ظنًّا منهم أنّه لا يزال يحارب وسيرجع يومًا ما. ولا يُستبعد أن يقصد البعثيون عائلته ويزعموا أن ابنهم كان خائنًا؛ بغية إيذاء أولئك المساكين". أمضيت الطريق وأنا أفكّر في تلك الأمور، في وقت كنت أرى بين الحين والآخر أناسًا يمشون سيرًا على الأقدام قاصدين "ماهشهر".
 

258


246

الفصل الثامن

كانت المرّة الأولى التي أذهب فيها إلى "ماهشهر"، المدينة التي لم أكن على معرفة بمعالمها. تصوّرت أنّها تشبه مدينة "آبادان"، حيث إنّ "ماهشهر"، تحوي أيضًا معامل بتروكيميائيّة، وبالطبع فهناك وجود لقوّات أجنبيّة. ولكن لمّا دخلنا المنطقة كان أكثر ما رأيناه هو الأرض اليابسة العطشى. كأنّ أشعّة الشمس تسطع هناك بشكلٍ أكثر حدّةً! أينما نظرت رأيت أرضًا سبخة ويابسة، والمدينة لا تزال تحتفظ بنسيجها وشكلها المحَلّي القديم، كما إنّ الماء والهواء الجافّ خلّفا أثرًا على كلّ شيء فيها. شاهدتُ الناس منذ لحظة دخولنا، يسيرون في الطرقات آتين من مختلف الاتّجاهات، في الأزقّة وفي شارع المدينة الرئيس، كان الجميع في حراك.

عندما اجتازت الشاحنة الشارع الرئيس وسارت في الطريق الفرعيّة انتشر الغبار في الجوّ، فغطّيت وجهي بعباءتي. وكلّما تقدّمنا بالسير ازدادت أعداد الناس الراكضين خلف الشاحنة، وما إن كانوا يرون الشهداء حتّى يرفعوا أصواتهم بالصلوات والهتافات. تعجّبت من ذلك كثيرًا؛ لأنّني بقيتُ وحتّى تلك اللحظة أتساءل عمّن سيستلم جثث الشهداء منّا، وعن هويّة الجهة التي سنقصدها؛ الحرس الثوري، البلديّة أم مركز قيادة الجيش؟ أمّا الآن فقد أسعدني جدًّا استقبال تلك الجماهير للشهداء، شعرت بالراحة في أعماقي عندما أخذت أفكّر في هؤلاء الناس الشرفاء الذين أرادوا المشاركة في تشييع شهداء سقطوا في سبيل وطنهم ودينهم. فكرت في نفسي: "لا بدّ من أنّ هذا تخطيط من الأخ "جهان آرا" حيث أطلع مسؤولي المدينة بأننا سنأتي بالشهداء، لأنّه كرّر مرارًا أثناء حديثه معي أنّه سينسّق مع المعنيين".
 

259


247

الفصل الثامن

قلت لـ"حسين" و"عبد الله" : "انظرا إلى ما يجري! كم هي الحشود غفيرة! هل سبق أن رأيتما هذا العدد الهائل من الناس في مكان واحد؟!".

دُهشا، ثمّ قال "حسين" : "في الأيّام القليلة الماضية نسينا أنّ "خرمشهر" كانت مكتظّة أيضًا، وفيها هذه الجموع الغفيرة".

توقّفت الشاحنة في المقبرة، فأقبل الجنديّ الذي كان يجلس في المقدّمة نحونا وقال: "سننتظر قدوم الناس، فلا يزال كثيرون في الطريق".

نظرت إلى الجموع؛ نساءً ورجالًا، كبارًا وصغارًا، الجميع كان في المقبرة. حمل بعضهم بيده معاول ورفوشًا؛ بدا من لمعان بعضها ونظافة عصيّها أنّها جديدة. تجمّعت الحشود حول الشاحنة شيئًا فشيئًا وأعناقهم تتطاول لرؤية الشهداء، وعندما رأوا الجثث مخضّبة بالدماء صاروا يلطمون رؤوسهم ووجوههم مفجوعين. أخذت النساء تبكي، ونظر الأطفال مدهوشين. معنويّات الناس تلك دفعتني إلى أن أتحدّث عن مظلوميّة الشهداء؛ إذ إنّ البكاء والأسف لن يجديا نفعًا، فهؤلاء الشهداء رحلوا وينبغي أن نفكّر الآن في الأحياء. لقد أتت الفرصة لقول هذا الكلام.

في اليوم السابق رأيت رائدًا أمام المسجد الجامع واقفًا على ظهر شاحنة صغيرة يتحدّث بصلابة عن الأوضاع في الخطوط الأماميّة، ويحثّ الجنود والقوى الشعبيّة على الذهاب إلى ساحة الحرب. في ذلك الحين سألت عن اسمه فقيل لي إنّ اسمه الرائد "شريف نسب".

لمّا رأيت أنّ جميع مسؤولي المدينة حضروا ووقفوا في المقبرة تردّدت في رأيي. بقيت في صراع مع نفسي لدقائق، أأتكلّم أم لا؟ اعتقدت أنّي إن لم أتكلّم فسأرتكب ظلمًا بحقّ الموجودين في

 

260


248

الفصل الثامن

"خرمشهر"، وتذكّرت ما قاله أبي من أنّ أخبار أولئك المساكين لم تصل بعدُ إلى أسماع أهالي المدن الأخرى. لو يعلم الإمام الخميني بما يجري في "خرمشهر" لن يقرّ له قرار.

كنت قد سألت أبي حينها: "من يمنع ذلك؟ من الذي يحول دون انتقال أخبار "خرمشهر" وما يحصل؟".

أجاب: "إنّه الخائن بني صدر".

من أجل ذلك قلت في نفسي: "الآن وقد أتيح لي أن أتحدّث عن بعض ما يجري في "خرمشهر"، إن صمتُّ ولم أتكلّم فسأكون شريكة في الخيانة. لكن ماذا لو كان كلامي بلا طائل؟".

فجأة، امتلأتُ جرأةً وقلت: "فليحصل ما يحصل، أسوأ ما سيقال عنّي إنّي مجنونة، فليقولوا".

رتّبت عباءتي، ثمّ قمت ووقفت على طرف الشاحنة وشرعت في خطابي قائلةً: "أيّها الناس، هؤلاء الذين ترونهم على هذه الحال المؤلمة هم شبّان "خرمشهر" المظلومون، قُتلوا دفاعًا عن عرضهم وشرفهم، من أجل دينهم ووطنهم. لم نتمكّن منذ ثلاثة أيّام من دفنهم بسبب عدم توافر الماء وقصف الطائرات. لقد ظلّوا ثلاثة أيّام في العراء تحت أشعّة الشمس مثل شهداء كربلاء...".

بينما كنت أتكلّم أخذت دموعي تجري، وأحسست مرّات عدّة بغصّة وحرقة في حلقي. سكتّ هنيهة ثمّ أكملت: "الناس في "خرمشهر" بلا ماء ولا كهرباء، إنّهم يعيشون معاناة كبيرة، فهم لا ينعمون بالأمان، لا يجرؤون حتّى على أن يأتوا بالماء من شاطئ النّهر. في ظروف يدافع فيها

 

261


249

الفصل الثامن

الناس العزّل عن تراب وطنهم بكلّ ما أوتوا من قوّة، فإنّ قوّاتنا العسكريّة لا تملك أسلحة، في حين أنني سمعت شخصيًّا من بعض جنود الجيش أنّ بلدنا لا يعاني نقصًا في الأسلحة والتجهيزات. لقد كنّا يومًا شرطيّ المنطقة1، لكنّ الخونة يمنعون وصول العدّة والعديد إلى "خرمشهر". أنتم انقلوا مظلوميّة أهالينا إلى أسماع المسؤولين، فكلّ واحد منكم يستطيع أن يساعد بطريقة معيّنة. أيّها الإخوة في الحرس الثوريّ، يا جنود الجيش، يا من تملكون الأسلحة، أرسلوها إلى "خرمشهر"، يا قيادة الجيش ومسؤولي البلديّة لا تألوا جهدًا في مدّ يد العون، فالشعب يعاني المصاعب و...".

أثناء حديثي أخذ "حسين" و"عبد الله" يساعداني ويقولان: "قولي لا يوجد ماء ولا أكفان.."، واللافت أكثر أنّه إذا ما تكلّم أحد الحاضرين كان "عبد الله" يصرخ به قائلًا: "اسمع يا أخي، هذا الكلام الذي تقوله هو لك!".

وختمتُ قائلة: "كلّ إنسان مسؤول تجاه عمله، وأنا بدوري شعرت بالمسؤوليّة فقلت لكم ما قلته، والأمر الآن بينكم وبين ربّكم. فـ"خرمشهر" ليست لي أو لهؤلاء الشهداء وحسب، بل هي للإيرانيّين كافّة. إنّ "صدّام" يريد أن يسيطر على إيران كلّها، وإن لم نقف في وجهه فسوف يأخذ اليوم "خرمشهر" وغدًا سيحتلّ مدينتكم. لذلك علينا أن ندافع عن وطننا بكلّ ما أوتينا من قوّة. نحن الذين قلنا إننا جنود الإمام الخميني يجب علينا أن نُترجم ذلك على أرض الواقع، وأن نكون رهن أوامره".
 


1 - كان يُطلق على نظام الشاه المقبور "شرطي الخليج" بسبب تبعيّته الشديدة للولايات المتحدة التي جعلته يفرض نوعًا من الهيبة والهيمنة على باقي دول الخليج مراعاةً لمصالح أمريكا نفسها وتبعًا لإملاءاتها.


262


250

الفصل الثامن

فما كان من الجماهير إلّا أن صدحت بالتكبير وبإطلاق شعارات: الموت لصدّام، الموت لأمريكا، الموت للخائن...

وما إن نزلت من الشاحنة حتّى تحلّقت حولي النساء، وصار بعضهنّ يقبّلن رأسي ووجهي ويواسينني قائلات: "ليتنا كنّا هناك لنقوم بأيّ عمل، هنيئًا لكِ". وأخذ بعضهنّ يسألنني عن أوضاع "خرمشهر"، كما شرع عدد منهنّ بالدعاء لي قائلات: "كان الله في عونك، حفظك الله ورعاك، ما شاء الله، إنّ هذه الفتاة أخت الرجال". فخجلت من كلامهنّ، ولم أرغب في أن يقال عنّي ذلك. وبينما انشغلت بمخاطبة بعضهن وإذا بجنديّ تقدّم منّي وقال: "أختاه، تفضّلي معي، إنّ إمام الجمعة يريد أن يتحدّث إليك".

استغربت وشعرت بشيء من الارتباك، فماذا سيقول إمام الجمعة، وعمّا يريد أن يسأل؟ ماذا ينبغي عليّ أن أقول؟ حدّثت نفسي: "إلهي أنت وحدك المستعان". مشيت إليه حيث حضر قائد حرس "ماهشهر"، قائد الشرطة، رئيس المخفر المحافظ ورئيس البلديّة؛ وقفوا جنبًا إلى جنب قرب مغسل المقبرة. وما إن رأوني حتّى تقدّموا منّي وسلّموا عليّ، ثمّ قدّموا أنفسهم لي الواحد تلو الآخر مع بعض الكلمات والشكر. قال إمام الجمعة: "نحن نفخر بوجود نساء شجاعات أمثالك، إنّك تقومين بنشر رسالة السيدة "زينب" عليها السلام. بعد ذلك سألني: "ماذا يمكن أن نفعل؟ ماذا يلزمكم؟ فنحن في الخدمة".
- لا شيء حاليًا، رجائي الوحيد أن لا تُنتهَك حرمة جثمان الجنديّ العراقيّ الموجود بين شهدائنا، فقد قتلته القوّات العراقيّة بينما كان يستسلم لقوّاتنا.
 

263


251

الفصل الثامن

- لا تقلقي، فهو مسلم أيضًا، وسندفنه وفق الأحكام الإسلاميّة.

كما تحدّث السائق وجنود الحرس في "خرمشهر" مع مسؤولي "ماهشهر". عند ذلك أثنيت في نفسي على حنكة الأخ "جهان آرا" ودرايته مجدّدًا، وشكرت الله عزّ وجلّ.

بعد ذلك صلّينا جميعًا مؤتمّين بإمام الجمعة صلاة الميّت على الشهداء. لم يقبل أهل "ماهشهر" أن نساعد في حمل ونقل الشهداء، وقالوا إنّهم سيتولّون جميع الأعمال. ومهما أصررنا على المساعدة رفضوا قائلين: "نحن سنقوم بذلك". ثمّ قدّموا لنا دلوًا من عصير الليموناضة. ومع أنّ التراب والغبار قد اعتليا أكواب الشراب إلاّ أنّه كان باردًا ولذيذًا في ذلك الحرّ. عندما شربت كوب العصير أخذت حنجرتي تؤلمني وشعرت بحرقة فيها جرّاء صراخي في محطّة الوقود وخطابي من على ظهر الشاحنة الذي تخلّله بعض الصراخ. من جهة ثانية تمنّيت لو يشرب مغسّلو "جنت آباد" من ذلك الشراب أيضًا.

فيما بعد، دعونا إلى مركز حرس "ماهشهر" حيث مدّت سفرة فطور كاملة في انتظارنا؛ الخبز، الجبنة، الزبدة، المربّى،... وغيرها من الأصناف، عندما رأيناها ضحكنا لِما وجدنا من فرق كبير بين أوضاع "ماهشهر" و"خرمشهر". وبما أننا كنّا في عجلة من أمرنا قمنا عن الطعام قبل أن نشبع. وعند خروجنا رآنا قائد الحرس العائد من المقبرة فطلب منّا أن نبقى ونستريح، لكننا شكرناه قائلين: "علينا أن نعود باكرًا". ولمّا أردنا أن نركب الشاحنة وجدنا أنّها قد غُسلت كما مُلئ خزّانها بالوقود!

منذ لحظة صعودي الشاحنة ساورني شعور غريب بالقلق، ووددت لو نصل سريعًا، ولكنّني في الوقت عينه لم أرغب في أن ننطلق.

 

264


252

الفصل الثامن

ظننت أن هذا الاضطراب ينبئني بأن شيئًا ما سيحدث في الطريق؛ كأن نُستَهدف من قِبل صواريخ الطائرات، أن تتعرّض شاحنتنا لحادث، أو تصيبنا قذائف الجيش العراقيّ على جادّة "آبادان - "خرمشهر". ولكنّي عندما فكّرت في تلك الأمور لم أشعر بالخوف منها، فما كان يزعجني شيء آخر قد خفي عليّ. جلست على أرض الشاحنة بصمت وانقباض، لا أحتمل أن أجيب "عبد الله" و"حسين" اللذين ما برحا يتحدّثان من دون كلل ولا ملل.

قال لي "عبد الله" : "أختاه، ماذا لو زحفت مثل هذه الجموع إلى "خرمشهر" وحملت السلاح؟ عندها لن يجرؤ العراقيّون على التقدّم مترًا واحدًا". فقال "حسين": "نعم، هذا صحيح".

لم أكترث لكلامهما. فجأة، راودتني أفكار سيّئة: ماذا لو حدث مكروه لـ"ليلى" ؛ انقلبت شاحنتهم، أو استهدفتهم طائرات الجيش العراقيّ؟ ماذا لو حصل حادث لـ"دا" وإخوتي الذين لجأوا إلى مسجد "الشيخ سلمان" بحسب ما قالته "ليلى" ؟ كنّا نبتعد عن "ماهشهر" وأنا غارقة في بحر من الأوهام والظنون السيئة. شرعت أقرأ الأذكار لعلّي أشعر بالسكينة. ولمّا اقتربنا من "خرمشهر" قرّرت أن أعرّج على المسجد الجامع أوّلًا، ثمّ أذهب إلى "جنت آباد".

 

265


253

الفصل التاسع

وصلنا إلى "خرمشهر" حوالي الساعة الرابعة عصرًا. ترجّلت في شارع "40 مترى" عند أوّل مفرق شارع "انقلاب"، وتوجّهت مباشرة إلى المسجد الجامع.

بدا المسجد خاليًا أكثر ممّا مضى، ولا من جريح على سرير المستوصف. انشغلت كل واحدة من الفتيات، وعلى عكس ما تصوّرت، بعملها في زاوية من المكان. سلّمت عليهنّ فردّوا التحيّة بحرارة شديدة. لاحظت أنّ تصرّفاتهنّ معي اختلفت كثيرًا عن يوم أمس، فلم تستفزّني إحداهنّ، ولم يقلن لي: "جاءت الغوغاء"، أو "لقد صرت مثل الجثث". بل قابلنني بمحبّة وحنان، وتحدّثن إليّ بلطف شديد. تعجّبت من ذلك وقلت في نفسي: "لا بدّ من أنّهنّ يخفين عنّي أمرًا ما، فإضافةً إلى سلوكهنّ الغريب، شعرت مرّات عديدة بأنّهنّ ينظرن إليّ، وما إن أستدير إليهنّ حتّى يُزِلن أنظارهنّ عنّي ويتهامسن فيما بينهنّ. بدا لي أن انشغالهنّ لم يكن جادًّا، بل كنّ يظهرن ذلك؛ "زهرة فرهادي" كانت تتفحّص بندقيّة G3، و"صباح" تجهّز قطنًا معقّمًا، وتلك تمسح الطاولة بقطعة قماش. قلتُ ضاحكة: "ها، ماذا جرى؟ لمَ أنتنّ منهمكات هكذا؟ فليس لديكنّ جرحى!".
 

267


254

الفصل التاسع

- إننا نهيّئ المكان كي نكون على أتمّ الاستعداد لدى إحضار أيّ جريح.

مجدّدًا أحسست بودّ غريب في أصواتهنّ، فسألتهنّ: "هل تسمحن أن تخبرنني ماذا جرى؟ لماذا صرتنّ لطيفات إلى هذا الحدّ؟".

قالت "زهرة" : "لا شيء، لم نركِ مند الصباح، وقد اشتقنا إليكِ".
- نعم، لقد صدّقتُ ما تقولينه بالفعل!

فجأة، سمعتُ اسمي ينادى به من مكبّر الصوت الخاص بالمسجد، فخرجتُ إلى الباحة حيث جلس السيّد "إبراهيمي" عند المدخل خلف طاولته وبيده المكبّر. ألقيت عليه السلام وسألته: "هل تريد منّي شيئًا؟".

فقام من خلف الطاولة، وخاطبني باحترام ولطف شديدين قائلًا: "لقد حضر رجل إلى هنا وسأل عنكِ، ولكنّه عندما لم يجدكِ ذهب".
- من كان ذلك الرجل؟
- لم يذكر اسمه.
- ألم يخبرك ماذا يريد؟
- لا أعلم بالضبط، قال إنّ أحد أقاربك قد جُرح!

استغربت من كلامه، وبدا لي أنّه لا يقول الحقيقة. فمن يريدني في أمر ما لا بدّ من أن يكون من معارفي، أمّا أن يسأل عنّي شخص غريب فهو محلّ استغراب. كنت أتوقّع أن يقول لي إنّ قذيفة سقطت على مسجد سلمان فأصابت أمّي وإخوتي بجروح، أو إنّ أبي قد أصيب بجراح، أمّا أن يُجرح أحد أقربائنا ويحضر شخص مجهول ليسأل عنّي

 

268


255

الفصل التاسع

 

فلم يكن أمرًا قابلًا للتصديق بالنسبة إلي. سألت "إبراهيمي" : "أيّ أقربائنا؟ جميعهم قد غادر المدينة ولم يبقَ منهم أحد، ألم يقل ذلك الرجل لك من الذي جُرح؟".
- لا لم يذكر شيئًا.

شعرت أنّ "إبراهيمي" أراد أن يجيب أجوبة مقتضبة؛ محاولًا بذلك السيطرة على نفسه قدر الإمكان. بدا لي أنّ شيئًا ما في ذهنه يعذّبه، فخلال تلك المدّة جلس على كرسيّه ثمّ قام عدّة مرّات وقد ظهر الاضطراب عليه بشكل واضح. شعرت بالاستياء الشديد من كتمانه للحقيقة والتهرّب من قول ما يعرفه، وكدتُ أفقد صبري لولا أنّي ضبطتُ نفسي قدر استطاعتي. سألته: "ألم يخبرك الرجل عن شكل ذلك الجريح؟".
- بلى، إنّه سمين بعض الشيء وأصلع الرأس.

عندها قلت غاضبة: "لا أعلم شخصًا في عائلتنا بهذه المواصفات! أخبرني الحقيقة، ماذا حدث؟ ماذا هناك؟".

فقال مرتبكًا: "لم يحدث شيء، صدّقيني".

أرعبتني رعشة صوته كثيرًا، فقلت له: "أسألك بالله أن تخبرني ماذا حصل، أنا مستعدّة لسماع أيّ خبر. لقد شاهدت في الأيّام الماضية الكثير، وقمت بكثير من الأعمال التي لم تخطر على بالي قبل الآن".

كنت أتكلّم، لكنّ "إبراهيمي" لم ينبس ببنت شفة، بل أطرق رأسه إلى الأرض وأخذ يمسح بيده على شعره باستمرار، فزاد صمته من اضطرابي. عندما وجدت أنّ إصراري لم يجدِ نفعًا وأنّه ظلّ يتهرّب من قول الحقيقة، قلت في نفسي: "لا بدّ أنّه يصعب عليه الكلام، من الأفضل أن أذهب

 

269


256

الفصل التاسع


لأسأل "ليلى"، فلو سأل عنّي أحد فسيكون قد قصدها حتمًا. قلت لـ"إبراهيمي" : "سأذهب على الفور إلى "جنت آباد" لأعرف ما حدث".

ما إن سرتُ حتّى نهض وقال: "لا، انتظري، لا تذهبي".

فلم أكترث له ومشيت نحو "جنت آباد".

مضت تلك الدقائق، ولا يجدر بي أن أضيع المزيد من الوقت. تملّكني شعور غريب في الطريق، ولم تفارقني الأفكار والظنون. من حيث لا أشعر، تذكّرت حلمًا رأيته قبل حوالي شهرين، كان قد أقلقني في ذلك الحين أيضًا!

رأيت في منامي أنّ شجرة رمّان في حديقتنا قد اخضرّت وأورقت وحملت أغصانها عددًا كبيرًا من الرمّان اللّامع بين الأغصان والأوراق. من بين تلك الرمّانات بدت اثنتان أكثر نورًا، كانتا تتوهجان كالمصباح، بحيث أضاءتا باحة المنزل؛ ما أضفى جوًّا جميلًا وعجيبًا على المكان. وبينما استغرقتُ في جمال الشجرة، رأيت في الباحة جارتنا التي كنت على علم بمرض زوجها العجوز، فطلبتْ منّي أن أعطيها الرّمانتين المضيئتين قائلةً إنّ زوجها سيتعافى من مرضه إن أكلهما. ونظرًا إلى معرفتي بسخاء أبي وأنّ هذا العمل سيكون سببًا في شفاء جارنا، ما كان منّي إلّا أن قطفت الرمّانتين وناولتها إيّاهما.

لا أدري لماذا خطر هذا الحلم ببالي فجأة؟! صار قلبي يُنبئني بالسوء. كأنّي بتّ متأكدة من أنّ أحد أفراد عائلتي قد استشهد، وأنّي سأواجه الآن مشهدًا مريعًا. مرّت في ذهني أحداث عاشوراء ومشاهد مصارع الشهداء. شعرت أنّي سأرى مشهدًا مماثلًا لها. أسرعت في مشيتي؛ كلّما اقتربت من

 

270


257

الفصل التاسع

 

"جنت آباد" زاد صخب نفسي واضطرابها أكثر. أخذت أفكّر في عائلتي، ورحت أتساءل: "ترى هل حدث مكروه لـ"دا" وإخوتي؟ ليتني عرّجت على مسجد "سلمان" قبل ذهابي إلى "جنت آباد"، فإنني لم أرهم منذ البارحة". تبادر إلى ذهني سريعًا وجه أختي "زينب" بعينيها اللوزيّتين الكبيرتين وحاجبيها المتّصلين. إنّها آخر العنقود في العائلة. لم تكن تبدو في الخامسة من عمرها أبدًا! لقد سكّنت قلوب الجميع بكلامها الحلو، وكانت عزيزة على قلب أبي لدرجة أننا لم نجرؤ على أذيّتها ولو بكلمة: "ما أحلى الكحل على عينيك!". ثمّ تذكّرت وداع أبي أيضًا. أمّا بالنسبة إلى "ليلى" فقد أوصيت بها "زينب". قلت في نفسي: "لعلّ أخي "علي" رجع لمّا سمع بخبر الحرب. يا إلهي، ترى من الذي أصيب منهم؟! لا بدّ أنّ "إبراهيمي" قد أخطأ. ولماذا أفكّر في الشهادة أساسًا؟ لقد قال "إبراهيمي" إنّ ذلك الرجل أخبره بأنّ شخصًا قد جُرِح، إذًا لا عليكِ". بدا الطريق طويلًا، ومهما جدّيتُ في الركض، لم أصل.

فجأة، انتبهت أنّي أتكلّم بصوتٍ عالٍ وأدعو الله بفنون الدّعوات، سألتُه تعالى أن يمنحني القدرة على التحمّل إن كان أحد أفراد عائلتي قد استشهد. أنا لم أفقد عزيزًا حتى تلك اللحظة ولم أدرِ ماذا عساي أن أفعل. خلال الأيّام الماضية رأيت بأمّ عيني تصرّفات المفجوعين بفقد أحبّتهم، لكنّي لم أرغب في أن تشكّل أفعالي سببًا في حطّ معنويّات الآخرين. دوّت كلمات أخي علي في أذنيّ: "كوني كوالدة عباس". عندما كنّا نقيم مجالس العزاء الحسينيّة ونستمع إلى كلمات "علويّة" وكانت من نسل السادات؛ منذ ذلك الحين بدت لي شخصيّة السيّدة "زينب" عليها السلام فريدة وعظيمة. أذكر ما قالت السيّدة "علويّة"

 

271


258

الفصل التاسع

حينها: "لقد رأت السيّدة زينب عليها السلام مصارع أحبّتها وتحمّلت آلام الأسر وعذاباته، وفي النهاية وقفت في وجه رمز الظلم قائلة: ما رأيت إلّا جميلًا"، فكنت أُكبرها وأتساءل في نفسي: "كيف يمكن أن تصل معرفة الإنسان إلى هذا المستوى بحيث يرى القتل والمصائب أمرًا جميلًا"!

وصلت إلى "جنت آباد" مع تلك الأفكار، تفحّصت المكان بعينيّ من أمام المدخل. رأيت هناك عدد قليل من الأشخاص الذين وقف بعضهم أمام المغسل. على مقربة منهم جلست امرأة تنتحب وتحفر تراب الأرض بيديها ثمّ تحثوه على رأسها ووجهها، وحولها عدد من الأطفال. ارتجف قلبي، اقتربتُ قليلًا، وإذ بالمرأة التي تنتحب وتخمش وجهها هي نفسها "دا"! لم أكن أستطيع أن أتحمّل رؤيتها تتألّم أبدًا، لكن ما الذي جرى لتفعل هكذا؟ يا إلهي ما الذي حلّ بنا؟ ماذا سأسمع بعد لحظات وماذا سأرى؟!

أحسست بثقل كبير في جسدي بحيث لم أستطع أن أتابع خطواتي. انتابني شعور غريب. أردت أن أتقدّم لأرى ما حدث لكنّ شيئًا في داخلي كان يدفعني إلى الرجوع؛ الفرار والابتعاد عن تلك الأجواء ثمّ التصوّر أنّي نائمة وأنّ الذي أراه هو مشهد من كابوس، كسائر الكوابيس التي رأيتها في الليالي الماضية.

فجأة، تحوّلت أنظار الناس إليّ، وكأنّ قلبي قد سقط أرضًا. التفتتْ "دا" إليّ، فارتفع عويلها، وما لبثت أن أخذت تسير نحوي وهي تقف تارة وتقع أخرى. تغيّرت معالم وجهها وثيابها لكثرة ما حثت التراب عليهما، وقد بدت محنيّة الظهر. وقعت عباءتها عن رأسها أكثر من مرّة، فجمعتها وصارت تلطم وجهها وتضرب صدرها بقبضة يدها. أحسستُ

 

272


259

الفصل التاسع

أنّ أحدًا ما يدفعني، فتقدّمت نحوها، وقبل أن أصل إليها قالت بصوت يلهب القلب: "أرأيتِ؟ لقد استشهد أبوك! أرأيتِ" ؟!

ماذا قالت "دا" ؟! لم أصدّق. أحسست بغصّة خانقة تسدّ حلقي، صار جسمي يرتعد. عانقتُها، ولكم وددتُ لو انفردت بها فأفتح قلبي لها وأطلق العنان لزفراتي التي كادت تخنقني وأبكي عاليًا. لكن هيهات، فنظرات الجنود وبعض شباب الحرس الثوري والآخرين تلاحقني، فكان عليّ أن أهدّئ من روع "دا" ؛ لأنّي لم أشأ أن يؤثّر تصرّفنا على معنويّاتهم. بينما أنا أحتضنها قبّلتها ومسحت على رأسها قائلة: "دا، تحلَّي بالصبر، لقد اختار أبي هذا الطريق بنفسه. لماذا تتألّمين هكذا؟ ألم يكن أبي يريد ذلك؟ ألم يقل إنّ في هذا الطريق شهادةً أو أسرًا أو جرحًا، وقد تُبتر يده أو رجله؟".

وما إن سمعتْ كلامي حتّى أخذت تخدش وجهها وتمزّق ياقة ثوبها وكادت أن تشقّه لولا أن أمسكت بيديها قائلة: "سيحلّ بنا غضب الله، كما إنّ روح أبي ستتأذّى، لا تفعلي ذلك".

كأنّها لم تسمع ما قلت لأنّها لم تكن تقوى على ذلك، فظلّت تنوح وتضرب نفسها. يحقّ لها أن تفعل ذلك، فهي بعد كلّ ذلك الشقاء والعناء الذي قاسته في حياتها طوال السنين الماضية، ما إن بدأت تستشعر طعم الراحة والسعادة حتى قُضي على كلّ شيء، وكأنّه قُدّر لتلك المرأة أن لا تذوق طعم الهناء أبدًا. كانت تبكي وتقول: "ماذا يدريك أنتِ بما عانيته؟ في العراق أو في إيران؟!

لا أعلم لماذا شعرتُ أنّ عليّ الآن أن أعتنيَ بـ"دا" فقط وأنسى أمر نفسي. قلت لها: "أعلم، ولكن اصبري، فلنذهب إلى إخوتي". وضعتُ

 

273


260

الفصل التاسع

يدي على خصرها ومشينا سويًّا. مَشَتْ بصعوبة، كما إنّها لم تتوقّف عن البكاء لحظة. كنت أعلم أنّها تشعر بالحياء والخجل من الموجودين، وإلّا فإنّ عظم المصيبة التي حلّت بنا كان كافيًا لدفعها إلى القيام بما هو أسوأ ممّا فعلت.

عندما اقتربنا من إخوتي، أخذتُ أنظر إلى وجوههم؛ "سعيد" يحفر في التراب من حوله بقضيب في يده، و"حسن" يمسك بيد "زينب" وقد اصفرّ لون وجهه. بدا واضحًا أنّ "منصور" تخنقه الغصّة لكنّ عنفوانه منعه من البكاء، أمّا "محسن" فقد وقف في زاوية وهو يبكي. أخذت عيناي تبحثان عن "ليلى"، وجدتها تبكي في حضن "زينب"، والأخيرة تقبّل رأسها وتمسح عليه. لمّا رأيتُ حزن إخوتي قلت في نفسي: "ما أسرع غبار اليتم وقد حطّ على إخوتي"! تقدّمنا منهم فركض "سعيد" و"حسن" و"زينب" نحوي. حتّى تلك اللحظة ظننت أنّهم لا يفهمون ما يحصل من حولهم، ولكنّهم ما إن تحلّقوا حولي حتّى شرعوا يبكون، ويذرفون الدموع بصمت. عندما رأت دا ذلك ارتفع صوتها قائلة بالكرديّة: "أبا عليّ، لمن تركت هؤلاء الأطفال ورحلت؟ لمَ تركتنا وحدنا؟".

زاد كلام "دا" من بكاء إخوتي الصغار. عندها جلستُ وأخذت أحضنهم الواحد تلو الآخر، قبّلتهم ومسحتُ على رؤوسهم. حاولت أن أهدّئ من روعهم، في حين كان داخلي يضجّ بصخب المصيبة وألم الفجيعة. قلت لهم: "لا تبكوا، لقد اختار أبونا خطّ الإمام الحسين عليه السلام، اختار طريق الله عزّ وجلّ. ألا تتذكرون أطفال الإمام الحسين، كيف قتل الأعداء أباهم ثمّ أحرقوا خيامهم؟".

لم أدرِ إن فهموا ما قلته أم لا، ولكن بما أنّ تلك الأفكار غدت المسكّن

 

274


261

الفصل التاسع

الوحيد لآلامي، ذكرتها لهم أيضًا، فما كان منهم إلّا أن هدأوا. عندها ذهبت إلى "دا" وأخذتها نحو مسجد المقبرة وأجلستها على حافّة باحته العالية عن الأرض. بعد ذلك، انضمّت إلينا زينب وسائر المغسّلات اللاتي قبّلنني وقدّمن لي العزاء. لكنّ الغصّة التي في حلقي حالت دون أن أجيبهنّ. جلستُ بجنب "دا"، فتقدّم نحونا الجنود الموجودون وعزّونا. بعضهم كان يبكي، وبعضهم الآخر كان يدخّن السجائر وهو يمشي. قال أحدهم: "رحم الله فقيدكم وألهمكم الصبر، لقد كان إنسانًا مؤمنًا جدًّا، ولم يعرف معنى الخوف، لقد ظلّ يرفع من معنويّاتنا طوال الوقت، ويقول: "لا ترهبكم كثرة العدوّ وعدّته، فإنّ الله معنا".

امتلأت عيناي بالدموع، لكنّني حبستها. كانت لحظات صعبة جدًّا. لم أدرِ هل أفكّر في آلامي وأحزاني أم في إخوتي أم في دا؟! كما إنّ أخي "علي" ليس حاضرًا كي نلجأ إليه فيهدّئ على الأقلّ من روع "دا" المفجوعة، والتي لم تتوقف عن النحيب والندب. كلّما حاولتْ مدّ يديها نحو ياقة ثوبها لتشقّها، كنتُ أمسكهما بيديّ وأقول: "دا، لا تفعلي ذلك أمام عيون الجنود، إنّهم بعيدون عن أهلهم وسيتأثّرون لذلك، وعندها لن يكونوا قادرين على الوقوف في وجه العدوّ". وعبثًا حاولت، فقد ظلّت تصرخ وتصيح حتى اضطررت إلى رفع صوتي في وجهها: دا، إن أردتِ أن تتصرّفي هكذا فلن أسمح لك بأن تحضري دفن أبي!

فأجابت بحدّة: يا مقصوفة الضفائر، إنّك لا تزالين تحت تأثير الصدمة ولا تدركين ما حلّ بنا من مصيبة!

- بل أدرك جيّدًا ما حلّ بنا، ولكن هل إنّ أبي أعزّ من الإمام الحسين عليه السلام، أم هل نحن أفضل من مولاتنا زينب عليها السلام؟
 

275


262

الفصل التاسع

ثم عانقتها وذكرت لها بعضًا من مصائب العقيلة، فأخذت تبكي وتقول: "نفسي لقلب زينب الفداء!". ثمّ اقتربت "زينب" المغسّلة، عانقتْ دا وحاولت أن تهدّئ من روعها وقبّلتها ثمّ قالت: "اهدئي لأجل الأطفال". فأخذت دا تقول باللهجة العراقيّة: "راح الولي، مِن وين أجيبه!".

في تلك الأثناء، نظرت من حولي فرأيت رفاق أبي والجنود والمغسّلين وكلّ من كان حاضرًا وهم ينظرون إلينا بحزن شديد. جلس أحد المغسّلين وهو كبير في السنّ قرب حائطٍ وأخذ يبكي. أمّا "حسين عيدي" فقد جلس في زاويةٍ منطويًا على نفسه، وقد بدا واضحًا أنّه متأثّر جدًّا بشهادة أبي. لم أرغب في أن يتألّم "حسين" لأجلنا ويغرق في حزنه، لذلك، وسعيًا منّي لتلطيف الأجواء، تقدّمت منه وقلت: "ماذا حصل؟ هل غرقت سفنُك1؟ لماذا انطويت على نفسك هكذا؟".

رفع رأسه ونظر إليّ، فقرأت في نظراته كلمات المواساة. تبسّمت في وجهه لكي لا يظنّ أنّي لا أقدر على تحمّل ألم شهادة أبي، فما كان من أحد الجنود الواقفين هناك إلّا أن أقبل نحوي بعد أن رأى تبسّمي، وصاح في وجهي قائلًا: "إنّ صديقي قد استشهد وتضحكين، هل الشهادة أمر يستدعي الضحك؟!".

تحيّرتُ بمَ أجيب؟! بدا أنّ هذا الجنديّ قد وصل متأخّرًا ولم يشهد موقفي مع "دا" وإخوتي، قلت له كي أقنعه بما أفعل وأواسيه في حزنه في الوقت عينه: "كلّا، الشهادة لا تستدعي الضحك، بل هي أمر حسن جدًّا، لكنني أضحك لسبب آخر". فما كان من "حسين عيدي" اللائذ بالصمت، إلّا أن هبّ إلى الجنديّ وقال: "يا هذا ما دهاك؟ إنّ صديقك

 


1 - أحد الامثال الشعبية والكنايات..

 

276


263

الفصل التاسع

الشهيد هو والد هذه الفتاة!".

ذهل الجنديّ المسكين، فأطرق برأسه واعتذر منّي بخجل، فقلت له: "لا عليك، من أين تعرف والدي؟ ومتى؟".
- كنّا في الأيام القليلة الماضية نسعى لمنع تقدّم غزو العراقيّين بمدفع (106مم) عند مركز شرطة السير، ولكنّهم في النهاية عرفوا إحداثيات موقعنا ورمونا بقذائفهم، ولم تُتَحْ لنا الفرصة لنبدّل مواقعنا.

ثمّ خنقته العبرة فتابع قائلًا: "وقعت القذيفة الأولى خلفنا، أمّا الثانية فانفجرت أمام المدفع مباشرة فأصابت شظيّتها السيّد. هؤلاء البعثيّون خبثاء جدًّا". أكمل حديثه بصعوبة وهو يبكي: "لقد عشقتُ السيّد بالرغم من أننا لم نمضِ معًا سوى بضعة أيّام، لكنّ الجميع يعلم أنّني أحبّه. لم يعرف اليأس سبيلًا إلى هذا الرجل. عندما شدّد الجيش البعثي العراقي هجومه علينا كنّا نهمّ بالهرب لكنّ السيّد راح يهدّئنا ويرفع من معنويّاتنا بحيث حَسِبْنا أنفسنا أبطالًا مثل "رستم". أمّا هو فلم يعرف السكون، كان يقول: إن غفلنا لحظةً فسيتجرّأ العدوّ على التقدّم. كان يصلّي تحت نيران المدافع والدبّابات. جذبني سلوك السيّد كثيرًا. طوبى لكم لأنّكم عشتم مع رجل مثله!". ثمّ أعطاني سجّادة صلاة أبي المخمليّة وأشرطة القرآن والمسجّل الخاص به. ولما فتحت المسجّل قال لي الجنديّ: "كان السيد يستمع إلى القرآن طوال الوقت في الأيّام الماضية".

لم أعد أقوى على الوقوف. و"دا" ما زالت تنوح وتصيح، سمعتها تقول: "لقد كنتَ تسكن قلوب الناس أينما حللت، كنتَ تستحوذ على

 

277


264

الفصل التاسع

قلب كلّ من يراك. ليتك لم تكن جيّدًا إلى هذا الحدّ". ثم أخذت تكرر هذه العبارة باللهجة العراقيّة: "حرقِت قلبي أبو علي، حرقِت.."! مع سماعي هذه الكلمات نفد صبري وأردت البكاء، لكنني ما استطعت؛ ما زاد من الضغط النفسيّ عليّ، فاضطررت إلى أن أصرخ في وجهها ثانيةً، إلى أن هدأت لحظات، لكنّها ما لبثت أن عادت إلى النوح واللطم. تقدّم "محسن" منها مرارًا قائلًا: "لا تبكي، فنحن أيضًا كسائر الناس. في هذه الظروف، الجميع يعيش الألم نفسه. "دا"، هذا ليس جيّدًا، تحمّلي واصبري".

كان الوقت يمرّ وكنت أتحرّق لرؤية أبي أكثر فأكثر. حين أعطاني ذلك الجنديّ السجّادة والمسجّل الخاص به قائلًا: "كان السيّد دائم الاستماع إلى القرآن في الأيّام الماضية"، سئمت الصبر والمكوث، لم يعد في بالي سوى رؤية أبي، فنظرت إلى من حولي وسألتهم: "أين والدي؟".
- لقد غسّلناه وكفّنّاه، وها هو في المسجد.

ولعلمي بعدم وجود الماء، إذ إننا لم نغسّل الشهداء في اليومين الماضيين، بل اكتفينا بتيميمهم قبل دفنهم، قلت لرفاق أبي باستياء: "هل حابيتم أبي وميّزتموه عن غيره! إنّنا لا نغسل بقيّة الشهداء!".
- صحيح أنّ الماء قليل، ولكن السيّد كان رفيقنا، ولا بدّ أن نغسّله.
- أريد أن أذهب إليه، أرجو أن لا يدخل أحد إلى المسجد.

لم يقل أحد شيئًا، ولكن ما إن مشيتُ حتّى قامت "دا" وسارت خلفي، فاستدرت نحوها وقلت بغصّة: "أمّاه! اسمحي لي أن أخلو به بضع دقائق".

سرتُ نحو المسجد، وعندما وصلت إلى بابه الخشبيّ وقفتُ ولم أجرؤ على فتحه، حتّى إنّي لم أجرؤ على النظر من خلال نافذته المشبّكة إلى الداخل. انتظرت قليلًا ثمّ رفعت رأسي ونظرت، فرأيت جثّة مسجّاة في وسطه باتجاه القبلة

 

278


265

الفصل التاسع

وقد لُفّت بالكفن. وعلى الرغم من أن داخل المسجد لا ضوء فيه كما في الخارج، إلّا أنني شعرت أنّ المكان الذي سجّي فيه أبي قد تكلّل بهالة من نور أضاءت ما حولها. تشوّقت كثيرًا للاقتراب منه، ففتحت الباب ودخلت. أخذتُ أرتجف وأحسست بضعف شديد في رجليّ حتّى لم أعد أقوى على الحركة أو الوقوف. وقعت على ركبتيّ وصرت أتقدّم بصعوبة شديدة بمساعدة يديّ اللتين كانتا ترتجفان. في تلك اللحظات صرت أناديه: "أبي، أبي..."، متمنّية أن يجيبني كالعادة: "يا أمّي الصغيرة".

أخذت الدموع تجري على خدّي. هالني مرأى أبي على تلك الحال. ذكرتُ بين الحين والآخر الإمام الحسين عليه السلام؛ إذ كان السند والمسكّن الوحيد الذي أعرفه. وعلى الرغم من شوقي الكبير إلى رؤية وجه أبي العطوف، غير أنني لمّا وصلت إلى جسده زادت رعشة يديّ، ولم أعد قادرة على التقاط أنفاسي. شعرت وكأنّ ظلمةً دامسة خيّمت حولي ولم أعد أرى شيئًا. كان قلبي يعتصر بشدّة، وكدت أختنق وأشعر أنّي أغرق في دوّامة بحر. ناديت من أعماقي باكية: "يا حسين أعنّي". ثمّ رفعت رأس أبي بيدَيّ الضعيفتين وضممته إلى صدري، وأخذتُ أقبّله من فوق الكفن. ناديته: "أبتاه، أبتاه، كلّمني يا والدي الغالي، لماذا لا تجيبني؟ قم وانظر ماذا تفعل "دا" بنفسها، قم وانظر إلى إخوتي!". لكنّ هذا جعلني أكثر جزعًا. وضعتُ رأسه على الأرض برويّة وحللت عقدة الكفن من

 

279


266

الفصل التاسع

جهة الرأس بيديّ المرتعشتين. وعلى الرغم من أنّ دموعي حالت دون أن أرى بوضوح، لكنني حاولت أن أتأمله جيّدًا. كم ظهر محيّاه نورانيًّا! لقد كان أبي رجلًا حسن الوجه، ذا شعر بنّي وحاجبين متّصلين وعينين عسليّتين، وصاحب جسم رياضيّ وقدّ طويل ونحيل. وقد بدا وجهه الآن مع هذا النور والبهاء أكثر جمالًا.

أدنيتُ رأسي منه أكثر ودقّقت النظر في طلعته. لقد أزالت الشظيّة لحم خدّه الأيسر فبان العظم والأنسجة، بالإضافة إلى عينه وقسم من جبينه. كأنّ ذلك القسم من وجهه قد بُري، إلّا أنّه لم يُسحق ولم يبرز مخّه للخارج بحمد الله! لا أثر للدماء على جراحه ولا على كفنه. عاودتُ النظر إلى وجهه، القسم الأيمن منه سالم وعينه مفتوحة، تلك العين العسليّة الجميلة.

نظرت إلى جسمه بالكامل بحثًا عن جروح أخرى، بدا أنّ بعض الشظايا الصغيرة قد أصابته، إلّا أنّ الشظيّة الكبيرة التي أصابت رأسه كانت كفيلة بتحريره من هذه الدنيا. وضعت شفتيّ على عينه وقبّلتها وتذكّرتُ لحظات وداعه -عصر يوم أمس، آخر مرّة رأيته فيها عندما عانقني وقبّلني- حاولت أن أغمض عينه المفتوحة، وكنت قد رأيت أنّ عينيّ الميّت تغلقان، لكنّ عين أبي لم تغمض. استغربت لذلك وقلت له: "ماذا؟ تريد أن تقول إنّك رحلت وعينك مفتوحة؟! بعد ذلك، وضعتُ وجهي على خدّه، أردت أن أصرخ، أن أخرج قلبي من داخل صدري. حرّكت أبي ثمّ ضممت رأسه إلى صدري وقلت: "أبي، بالله عليك قل شيئًا، بالله عليك تكلّم".

رفعت يده ووضعتها على رأسي، وددت لو يلاطفني لكنّه لم يفعل.

 

280


267

الفصل التاسع

لم أصدّق أنّه رحل عنّا، فوضعتُ رأسي على صدره لعلّي أسمع خفق قلبه الحنون، وقلت في نفسي: "لعلّهم قد أخطأوا، لعلّه لم يستشهد"، لكنّ لا نبضات تُسْمَع. حللت العقدة السفلى لكفنه وتمدّدت على الأرض ورحت أقبّل قدميه ثمّ وضعتهما على وجهي. تلك القدمان اللتان أشبعتا ضربًا بالسوط وسارتا مسافات طويلة مع ما بهما من جروح ودماء، وركضتا هنا وهناك أثناء حمل البضائع في السوق. بعد ذلك، أمسكتُ يده وأخذتُ أنظر إلى أصابعه، التي لم تفارق يدي إلى آخر لحظات توديعه لي. مسحتُ على باطن كفّه وصرت أتذكّر أيّام معاناته؛ حين كان يذهب إلى عمله صائمًا في حرّ صيف "خرمشهر" الشديد، حيث كانوا يصبّون الزفت الحارّ على الأرض، يعبّدون به الشوارع، فتحترق هاتان اليدان. أمّا الآن فقد استراحتا لينتقل الاحتراق إلى كلّ كياني. ليس ثمّة ما يخمد هذه النار المحرقة أبدًا. وددتُ لو أضع يده تحت رأسي وأغفو في حضنه، مثلما كنت أتدلّل عليه في صغري، وهو بدوره يحضنني بقوّة ويقبّلني ويلاطفني.

تذكّرتُ أيّام طفولتي ورحت أتكلّم معه عمّا عاناه في حياته، عن أعماله وعن الطريق التي اختارها. قلت لأبي: "أنا لا أزال في السابعة عشر من عمري وما زلت محتاجة إليك! أريدك أن تبقى بجانبي إلى الأبد، أن تبقى لأختي "زينب" ابنة السنوات الخمس، لـ"سعيد" ذي الأعوام السبعة، لـ"حسن" ذي الأعوام التسعة، لـ"منصور"، و"ليلى" وأمّي. أبي، ماذا ستفعل دا الآن من دونك؟ ماذا سأفعل أنا وإخوتي؟ ماذا عن زينب؟ زينب مدلّلتك والمتعلّقة بك كثيرًا!".

كان أبي عطوفًا جدًّا ورؤوفًا بالأيتام، ولنا جيران قد فقدوا أباهم

 

281


268

الفصل التاسع

فيأبى أن يمدّ يده إلى طعام قبل أن ترسل أمّي لهم شيئًا ممّا أعدّت، أو ممّا وُجد من خضار أو لبن أو شراب. وكان يصرّ على أن يأخذه بنفسه ولم يكن يرضى بأن نأخذه نحن، بعد ذلك كان يجلس إلى المائدة. لقد اهتمّ بأولئك الأيتام لدرجة أنّنا كنّا نغار من اهتمامه بهم أكثر منّا، علمًا أنّه كان يحاول أن يقوم بعمله سرًّا، حفظًا لماء وجه تلك العائلة. والآن رحل أبي وصرنا أيتامًا! لا أعلم لمَ استعدتُ تلك الذكريات فاشتعل قلبي أكثر. أخذت أفكّر في أعماله وتصرّفاته قائلة: "كأنّه كان يعلم أنّه راحل وأن لا وقت كافيًا لديه".

تذكّرت شهر رمضان الأخير، رمضان عام 1980م، حيث صادف شهر الصيام صيفًا شديد الحرّ (تموز-آب). كنّا ننام، كما في ليالي الصيف السابقة، على سطح البيت. استيقظت منتصف إحدى الليالي ونزلتُ لأشرب الماء، وإذا بأبي واقف على سجّادة الصلاة وهو يستغفر ويبكي. عندما رأيته على تلك الحال عدت إلى السطح كي لا يراني. ومنذ تلك الليلة صرت أستيقظ في الوقت نفسه وأدركت أنّه مواظب على ذلك ليليًّا. كنت أنظر إليه خلسة، إذ كان يشرع في صلاته بعد أن ينام الجميع، فيصلّي ويتضرّع ويبكي حتّى السحر، ثمّ يوقظنا بعد ذلك لتناول وجبة السحور.

يا لها من أيّام وليالٍ بدأنا معها لتوِّنا نتذوّق طعم الهناء، حيث قلّت بعض مشاكلنا وولّت سنوات عنائنا، سنواتٌ عمل أبي فيها حمّالًا في السوق أو بنّاءً أو سمكريًّا في بيوت الناس. كان لا يتقاضى أجرًا من الفقراء والمساكين، في حين أنّنا كنّا بأمسّ الحاجة إلى ذلك المال. كان قوله وعمله حجّة على الجميع. ولأخلاقه الحسنة وأصله الطيب، كانوا

282


269

الفصل التاسع

يقصدونه من المحلّة القديمة حتّى بعد انتقالنا إلى بيوت البلديّة بفترة طويلة قائلين: "إنّ يد السيّد يدُ بركة وهو يعمل بإخلاص".

والآن رحل السيّد وأنا جالسة إلى جانبه أذرف الدموع!

البارحة لمّا قال لي إنّ مسؤوليّة دا وإخوتي ملقاة على عاتقي لم أدرك ما يقول وما يريد منّي، لكنّي في هذه اللحظات أحسست بعبء الوظيفة التي وضعها على كاهلي. جعلتُ رأسي على صدره ثانيةً، وتذكّرت أيّام كان يرسلني إلى بداية الزقاق لأرى هل الشرطة تكمن له فأخبره. لا بدّ أنّ قلبه هذا كان يخفق بشدّة، في لحظات القلق والاضطراب تلك.

لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا أسترجع ذكرياتنا. رفعت رأسي ونظرت في وجهه، فشعرت أنّه متألّم من جزعي وحزني. علمتُ أنّ روحه ناظرة إليّ ومحيطة بي، فقلت: "لا بدّ أنّ روحه تألّمت". ثمّ أشفقت على نفسي؛ لأنّي شعرت بالغربة والتشرّد بسبب رحيله، ثمّ غضبت منه وخاطبته بقسوة: "وما العيب في تصرّفي هذا؟ لماذا علينا أن نتجرّع الغصص وحدنا؟ لماذا تركنا ورحل؟ لماذا لم يفكّر فينا؟ كيف أمكنه ذلك، كيف؟".

لكنّي ما لبثت أن أجبت نفسي: "لقد أحسن عملًا برحيله، وقد صدق ما عاهد الله عليه. لو لم يذهب أبي، وفلان والآخرون لم يذهبوا؛ عندها من سيدافع عن الوطن؟". بعد ذلك طلبت منه المسامحة بخجل قائلة: "أبي، إذا لم أكن كما أردتَ، أو كدّرتُ صفو روحك أو آذيتك، فسامحني، سأحاول جبران ما فات وأتحمّل المسؤوليّة التي وضعتها على عاتقي".
 

283


270

الفصل التاسع

أثناء كلامي سمعت الباب يطرق مرّتين، لم أرد أن أترك أبي، لم أستطع مفارقته. جلست على ركبتيّ وانحنيت وقبّلت صدره ونحره ووجهه وجبهته. أخذت أمسح بيدي على شعره فأحسست بنعومته ولطافته. سحرني جمال عينه الوحيدة، ببريقها الغريب، كأنّها تلمع من شدّة السرور. كما إنّ لون بشرته وهيئته كانا يشبهان سائر الأموات أو الشهداء الذين رأيتهم في الأيام الماضية. لم أكن أشعر ببرودة في جسده مطلقًا، بل احتفظ بنضارته واحمراره، وكأنّه نائمٌ، بدا أكثر جمالًا ممّا كان عليه قبل شهادته، حتّى إنّ تجاعيد عينيه وجبينه قد زالت. كان وجهه نورانيًّا لدرجة أنّي عندما فتحت كفنه بقيت لحظات لا أجرؤ على مدّ يدي إلى وجهه.

علا صوت طرق الباب ثانية. قبّلت عين أبي للمرّة الأخيرة وطلبت منه المسامحة ثمّ ودّعته. لم أرد أن أغلق الكفن وكان أمرًا صعبًا، ففتحه كان صعبًا عليّ ولكنّ إغلاقه صار أصعب، ومع ربط تلك العقدة سينتهي كلّ شيء، وستكون هذه آخر مرّة أراه وألمسه وأشمّه فيها. توجّهت إلى الله تعالى قائلة: "إلهي ماذا أفعل؟ ساعدني يا رب! كيف لي أن أفارق أبي؟ إلهي كما أخذت روح أبي أخرج حبّه من قلبي؛ علّني أستطيع تحمّل غيابه وفراقه!". ربطت الكفن مكرهةً، ووضعتُ جبهتي على جبهته على هيئة السجود، ثمّ أمسكتُ رأسه بكلتا يديّ وقلت له: "أبي، سَلِ الله أن يهبنا الصبر".

فجأة، تذكّرت ما كان يقوله عند وفاة أو شهادة أحدٍ: "لا أحبّ أن أموت موتًا طبيعيًّا، لا أريد أن أموت على فراشي". سألته ذات مرّة: "وهل هناك موت غير طبيعيّ؟ الجميع يموت موتًا طبيعيًّا".
 

284


271

الفصل التاسع

 


قال: "الموت الطبيعيّ هو أن يموت الإنسان في فراشه أو إثر مرض أو حادث سير".
- وإن لم يمت هكذا فكيف ينبغي أن يموت؟
- أن يموت في سبيل مرضاة الله، أو أثناء قيامه بعمل يرضي الله تعالى.
- يعني أن يذهب للقتال؟
- ليس القتال فحسب، أحيانًا ثمّة أعمال ليست قتالًا ولكن فيها رضى الله، فلو استطعتِ أن تأخذي حقّ المظلوم من الظالم ثمّ متِّ أثناء ذلك فسيكون موتك جميلًا، ولو كافح رجل من أجل تأمين رزق عياله ثمّ قضى نحبه فميتته ميتة حسنة، ولكنّ هذا كلّه قليل، على الإنسان أن يقوم بعمله بحيث ينال تمام رضى الله تعالى.

رفعتُ رأسي، كان عليّ أن أتركه وأخرج. كانت لحظة الخروج أصعب من لحظة الدخول، لأنّي دخلتُ وكلّي أمل بأن يكون خبر شهادته كذبًا وأن يكون مغشيًّا عليه، لكنّي لمّا وضعت أذني على صدره ولم أسمع خفقات قلبه خاب أملي. ها أنا أخرج وأنا على يقين من رحيله، فعزّ ذلك عليّ كثيرًا، وفكّرت في تلك اللحظة بالعقيلة زينب عليها السلام.

ودّعت أبي وأخذت أرجع القهقرى من جلوس حتّى وصلت إلى الباب. خانتني قدماي وفقدت القدرة على النهوض، كأنّ روحي فارقتْ جسدي فصار كصخرة أو قطعة خشب. ساءت حالي للغاية. عندما وصلت إلى الباب ردّدت نداء: "يا حسين"، فشعرت بقوّة سرت في بدني ونهضت وألقيت النظرة الأخيرة على أبي. وقبل أن أخرج، رتّبت

 

285


272

الفصل الثامن

حجابي وعباءتي ومسحت دموعي عن عينيّ ووجهي. كنت أعلم أنّ حالة وجهي وعينيّ تُظهران ما جرى عليّ عند جسد أبي، ووددتُ عند خروجي أن أركض وأبتعد عن كلّ شيء. وددت أن لا أرى أحدًا وأن لا يسألوني عن شيء؛ لأنّي لم أعد أقوى على الكلام، كأنّ شيئًا كبيرًا وثقيلًا علق في حلقي فأخذ يؤلمني. أمسكت بباب المسجد الخشبيّ ورجعت خطوة إلى الخلف.

ما إن فتحتُه حتّى أحسستُ بثقل نظرات كثيرة عليّ. في تلك اللحظة، ركض "سعيد" و"حسن" و"زينب" نحوي كأنّهم يريدون أن يسمعوا منّي تأكيد خبر شهادة أبيهم. تسمّرت عيونهم في وجهي الذي بدا عليه أثر البكاء الشديد وقد كنت قبل ذلك طلبت منهم أن لا يبكوا. تقدّمت "زينب" من بينهم وهي تقول بصوتها الطفوليّ: "لقد استشهد أبي، أليس كذلك؟".

أحسست أنّهم ينظرون إليّ بكلّ وجودهم بانتظار الجواب الذي سيخرج من فمي، عندها حرّكت رأسي وقلت بغصّة: "أجل، لقد استشهد أبي".

وقفوا مدهوشين للحظات. نظرتُ إلى "حسن" فرأيته يدسّ يده في شعره. في الواقع كان يشدّ شعره كي يحول دون أن يبكي، أمّا "سعيد" و"زينب" فقد تجمّدا في مكانيهما. أدركتُ عندها ضرورة وجود شخصٍ يضمّ هؤلاء الأطفال إلى صدره. فجأة تحلّق الثلاثة حولي وانفجروا بالبكاء، فانحنيت ووضعت يدي حولهم وقلت: "لقد رحل أبي إلى الله، وقد ارتاح الآن من كلّ أحزانه. عليكم أن تفرحوا لفرحه، إنّه يرانا من الأعلى ويرى كلّ ما نقوم به".

تقدّمتُ بضع خطوات إلى الأمام حيث جلست "دا" قرب المسجد،

 

286


273

الفصل التاسع

وما إن وقعت عيناها على وجهي وعينيّ وأدركَت كم بكيتُ حتّى شرعتْ تبكي بصوت عالٍ. كانت لحظات صعبة جدًّا. لا أعلم لمَ كان الجميع ينتظر حصول شيء ما، كأنّهم أرادوا أن لا يكون نبأ شهادة أبي صحيحًا، وأن أحمل لهم خبرًا يبعث الأمل فيهم. أخذت دا تبكي وتقول لي بالكرديّة: "ليت أمّك تعدم الحياة لهذه الحال المزرية التي أنتِ عليها".

ذهبتُ إليها وعانقتها وحدّثتها مجدّدًا عن مولاتنا زينب عليها السلام، فبكت وقالت: "روحي فداك يا قلب زينب". ثمّ عادت تكرّر باللهجة العراقيّة: "راح الولي، من وين أجيبه!". لم أدرِ في تلك اللحظة أأهتمّ بأمّي أم بإخوتي؟ هل أسكّن ألم قلبي أم أحرص على معنويّات الحاضرين هناك؟ أولئك الذين كانوا يتوقّعون أن يُقتلوا بغارة جوّية أو قذيفة مدفعيّة في أيّ لحظة.

تقدّم أصدقاء أبي -ولم أكن أعرفهم جيّدًا- وعزّونا قائلين: "هنيئًا للسيّد!"، ثمّ سألوني: "ماذا نفعل يا ابنة السيّد؟".

فرأيت أن لا فائدة من التأجيل والانتظار اللذين لن يسبّبا إلّا تأخير الآخرين، فقلت: "من الأفضل أن نباشر في إعداد القبر له".

قالوا: "لقد حفرنا قبرًا ففاضت الماء من داخله، وها نحن نحفر قبرًا آخر".
- وما الفرق؟ في النهاية سيدفن ميّت آخر فيه أليس كذلك؟
- حتى ذلك الحين، سيغيض الماء ويجفّ القبر.
- كم بقي من القبور التي حفرها أبي بنفسه؟
- لقد ارتفع الماء في تلك القبور أيضًا.
 

287


274

الفصل التاسع

بعد ذلك، أحضروا حمّالة ووضعوا جسد أبي عليها. كان السيد "سالاروند"، والسيد "برويزبور"، والمغسّلون، وثلاثة من عمّال البلديّة، وعدد قليل من جنود الجيش وبضعة أفراد من عامة الناس في موكب التشييع. عندما حملوه إلى القبر بدا غريبًا ووحيدًا جدًّا. جرت العادة عند وفاة أحد من أقاربنا أن يحضر أفراد العائلة جميعهم من كلّ مكان ليشاركوا في مراسم الدفن. لكن لم يحضر اليوم مراسم دفن أبي أحد من تلك العائلة الكبيرة، لم يأتِ أحد حتّى جدّي. ضاق صدري كثيرًا، وتذكّرت غربة سيّد الشهداء عليه السلام وبقيّة الأجساد الطاهرة التي ظلّت مرميّة على الأرض؛ فالإمام لم يُترك من دون تشييع فحسب، بل داست الخيل جسده الطاهر، وسبوا نساءه وعياله. فغربة أبي ليست شيئًا مقارنةً بتلك الغربة والظلامة.

تذكّرت غربة مولاتنا زينب عليها السلام وطلبت منها العون. أردت منها أن تغيثني، وتساعدني لأتحمّل وأكمل الطريق. بعثت تلك الأفكار والتوسّلات فيّ الثبات وأبعدت عنّي الجزع، كما إنّ بكائي داخل المسجد خفّف من حزني. بالطبع ذهبتُ إلى أبي لأراه وأتحدّث إليه، لكنّ دموعي جرت بلا إرادة فخفّفت عنّي.

اختلطت نداءات التهليل التي أطلقها المشيّعون مع بكاء "دا" ونحيبها، لم تستطع أن تسير خلف نعش أبي، كانت تقوم وتقع طوال الطريق. وهي بحال مزريةً للغاية؛ قامتها محنية، تضع يديها حول ظهرها وبطنها كي تتمكّن من السير. أمّا أنا فصرت أرافق جثمان أبي تارة وأتقدّمه طورًا وأتخلّف عنه تارةً أخرى. ظلَّ وقع المصيبة شديدًا وصعب التحمّل، إلّا أنّي شعرت أن الله تعالى بثّ في وجودي صبرًا عظيمًا.
 

288


275

الفصل التاسع

رمقتُ قبور الشهداء المجهولين حين مررنا بجانبها، ففي الأيام الماضية دفنّا كثيرًا من هؤلاء. خجلتُ منهم وقلت في نفسي: "نحن على الأقلّ كنّا حول أبي عند دفنه، لكن ماذا عن هؤلاء؟ لم نكن نعرف حتّى أسماءهم لنكتبها على قبورهم!".

لمّا وصلنا، وُضع جثمان أبي على الأرض. وما إن وقع نظر دا على القبر حتّى وقعت بقربه، كأنّ آمالها تبدّدت أو كما قالت تهدّمت دارها! فكانت ترفع التراب وتنثره على رأسها قائلة: "أحرقت قلبي أبا علي، ماذا أفعل بهؤلاء الأيتام؟". ثمّ سحبت نفسها إلى أسفل جثّة أبي، سمعتها تقول أثناء نوحها: "وا أسفاه على قامتك هذه، قم وانظر إلى "زينب"، هذه مدلّلتك، انهض وأجبها، امسح على رأسها، لا تدعها تبكي!" ثمّ ارتمت على جثمانه، وهكذا فعلت أختي "ليلى". أمّا "محسن" و"منصور" و"حسن" و"سعيد" فجلسوا حول الجثمان، وكان "محسن" و"منصور" يعانقان دا أحيانًا كي يخفّفا من حزنها. أخذت "زينب" المغسّلة تقبّلها وتكلّمها، كما خاطبتها "مريم" قائلة: "لا تجزعي هكذا، ينبغي أن تراعي حال أولادك!".

أخذ رفاق أبي يجرّون الصبية عن القبر ويلاطفونهم. كان مشهدًا مؤثّرًا دفَعَ الجنود إلى البكاء لدى رؤيتهم ذلك الوضع. أخذ بعضهم يدخّن السجائر وهم يروحون ويجيئون أو يجلسون ويكبّرون الله ثمّ يقومون.

في تلك اللحظة أحسست أنّه ينبغي لي أن أُنزل أبي في القبر بنفسي، وعلى الرغم من تجلّدي كي لا أنكسر، قلت وصوتي يرتعش من الغصّة: "سأنزل بنفسي إلى القبر".

علت أصوات بكاء رفاق أبي، وقالوا والمغسّلون: "نحن موجودون،

 

289


276

الفصل التاسع

سنقوم نحن بهذا العمل".

فقلت: "لا، بل أريد أن أضع أبي في القبر بنفسي".

دخلت القبر وقلت: "ناولوني أبي".

وحين رأتني "دا" في القبر ارتفع صراخها وبكاؤها ونحيبها أكثر، وراحت تنادي أباها وإخوتها: "أبتاه، حق علي، نادعلي أين أنتم؟ تعالوا وأغيثوني. تعالوا وأطفئوا لهيب قلبي، آه من نار قلبي، تعالوا وأطفئوها!". ثمّ خاطبت أبي قائلة: "أيّها المسكين، ها أنت تُدفن غريبًا!".

ازدادت النار التي ألهبت قلب "دا" كلّ لحظة، فراحت تندب بالكرديّة والعربيّة، وتقوم مرغمةً ثمّ تقع على جثمان أبي. أحسست أنّها حين كانت تتكلّم وتنوح بالعربيّة تفصح عمّا يختلج في قلبها بسهولة. من جهة أخرى بقيت أسمع أصوات بكاء إخوتي، وكان أعلاها صوت زينب ذات السنوات الخمس. وقد أجهش الحاضرون بالبكاء لرؤيتهم "دا" وسماعهم كلامها. قال السيّد برويزبور وبعض من حضر: "لا تتأخروا أكثر من ذلك ستتأذّى زوجة السيّد وأطفاله أكثر".

التفتُّ إلى "دا" قائلة: "ألم تعديني ألّا تجزعي؟ أنظري إلى هؤلاء الناس من حولك، إنّهم بمنزلة أقاربنا وإخوتنا، ما الفرق؟ إنّهم الآن يشاركوننا الحزن. تذكّري مولاتنا زينب عليها السلام التي لم يكن هناك أحد يواسيها. فكّري في أطفال الإمام الحسين عليه السلام الذين صُفعوا على وجوههم. أمّا أولادك فيعاملون بكلّ لطف وحنان ورحمة". بعد ذلك قلت: "ناولوني أبي".
دخل أحد المغسّلين القبر، ثمّ تقدّم الرجال ورفعوا الجثمان، فصرخت

 

290


277

الفصل التاسع

"دا". عند ذلك التصق إخوتي بها مرعوبين وارتفعت أصواتهم. أخذت ليلى تبكي عاليًا، وقد كنت في الأيّام الماضية أرعاها وأهتمّ بها، أما الآن فاهتمامي وفكري منصبٌّ على دا. قلت في نفسي: "لو حضر أخي علي الآن لما صعب الأمر إلى هذا الحدّ". أخذتْ فرائصي ترتعد من صراخ دا، وتعطّل تفكيري تمامًا. لم أدرِ أأخرج من القبر وأحضنها؟ ماذا عساي أن أفعل؟ فأنا لا أستطيع أن أراها تتألّم. لقد كنت آنس بها كثيرًا وتربطني بها علاقة حميمة. عندما تذهب لزيارة أحد أقاربنا أفقد صبري بانتظار عودتها. والآن أكاد أجنّ لرؤية حالها تلك على القبر. لقد أحرقتْ كبدي وشعرتُ بانقطاع أنفاسي، كأنّ أحدًا سدّ عليّ الهواء. رفعت رأسي ونظرت إلى السماء فبدا لي كلّ شيء مظلمًا ومغبرًا. كلّ ما استطعت قوله لها في تلك اللحظة هو: "أمّاه أقسم عليكِ بروح أبي أن تهدئي، أقسم عليكِ بمولاتنا زينب أن تهدئي. انظري إلى هؤلاء الأطفال، تكاد أرواحهم تُزهق!".

عندما أقسمت عليها، هدأ صراخها ونحيبها وأخذت تبكي بهدوء. رفع السيد "برويزبور" وآخران جثّة أبي وناولوها لي وللمغسّل العجوز. أخذت رأس أبي وضممته إلى صدري وقبلته، لكنّي لم أعد أتحمّل، وشعرت أنّ روحي خرجت من جسدي بالكامل. أحسست بضعف شديد حلّ بي من رأسي إلى أخمص قدميّ، شعرت كأنّ رأسي أخذ يتجمّد وينكمش ولم أستطع أن أبكي، جمعت كلّ قواي وقلت بصعوبة: "لم أعد أستطيع المتابعة، فليساعدني أحدكم!".
نزل أحد الرجال إلى داخل القبر وأمسك بوسط الجثّة قائلًا: "ساعدوها". عندها، أمسكت السيدة "زينب" وأختي "ليلى" بكتفيّ،

291


278

الفصل التاسع

لكنّي لم أقوَ على الخروج، فما كان منهما إلّا أن سحبتاني. مع ذلك لم أستطع أن أستجمع قواي، وارتميت على الأرض. كانت تلك آخر لحظات أرى فيها أبي، فانحنيت على القبر ونظرت إليه حيث فتحوا كفنه من جهة الوجه ولقّنوه الشهادة، عند ذلك أحسستُ أنّ القيامة قد قامت!

كنت قد رأيت جملة كُتبت على حائط مسجد الإمام الصادق عليه السلام تقول: "إنّ خطّ الشهادة الأحمر هو خطّ عليّ وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم"2. تذكّرُ هذه الكلمات التي لطالما بَدَتْ جميلة وقيّمة دفعني إلى الشعور بالخجل، فأسرعت بلملمة قواي. جلس الجندي، الذي قال إنّه رافق أبي حتّى آخر لحظاته، عند القبر باكيًا وأخذ يقول وصوته يرتجف: "أقسم بدمائك الزاكية يا سيّد إنّي سأنتقم لك. كنت أريد المغادرة، أمّا الآن فلو صدر قرار بالتراجع لن أخرج من "خرمشهر"، بل سأقاوم ولن أدع دماء الشهداء تذهب هدرًا!".

وبينما يصدح الجنديّ بتلك الكلمات، طرقت ذهني أبيات من الشعر التي طالما سمعتها من والدي منذ طفولتي؛ (أبيات شعرية قديمة باللغة الكردية واللرية)*3.

علا صوت الرجل الذي وقف في القبر مخاطبًا دا: "أيّتها السيّدة، تعالي سامحيه وأبرئيه الذمّة".

أجابت "دا" نائحة: "وماذا لديّ كي أبرئ ذمّته، هو من عليه أن

 


2- من كلام للإمام الخميني (قده).
3*: أمّاه إنها الحرب؛ شرشور سلاح مليء بالرصاص..
أريد أن أكتب رسالة إلى بناتي..
أمّاه إنها الحرب؛ شرشور سلاح مليء بالرصاص..


292


279

الفصل التاسع

يسامحني ويبرئ ذمّتي!".

ثمّ تقدّمت إلى أعلى القبر وجلست ثمّ قالت: "يا سيّد، إنّ وجهي لأسود، أطلب منك المسامحة، سعيت لأشاركك الحياة في السرّاء والضرّاء. أَبرِئ ذمّتي من أيّ تقصير، أو أذى تجاهك. وأنا أُبرئك الذمّة من كلّ شيء. كن راضيًا عنّي، وأسأل الله أن يرضى عنك أيضًا".

اشتعل قلبي ثانيةً لأجل "دا" وأبي لدى سماع هذا الكلام، كلاهما قد قاسى المصاعب والمعاناة. شابهت حياة كلٍّ منهما حياة الآخر؛ كلاهما تجرّع مرارة اليتم في الصغر، غير أنّ هذا الأمر كان أشدّ وقعًا على "دا"، ففقد الأمّ بالنسبة إلى الفتاة أصعب وأدهى.

عندما أخذوا يضعون حجارة القبر ثارت لواعج قلبي. جلستُ على حافّة القبر أقبض التراب وأفتّت قطع الطين اليابس، وعيني على الجثمان وكأنّ وجودي وحواسي كلّها ناظرة. كانت الحجارة تُصفّ فيزداد يقيني بانعدام الأمل. أمّا "دا" فبعد أن طلبت المسامحة من أبي انقطع صوتها، وبقيت تنظر مبهوتة حتّى ظننتُ أنّ روحها قد زهقت إثر ذلك الصراخ، فكنت أسمع بين الحين والآخر صوتًا ضعيفًا يصدر من حنجرتها!

توجّهت بكامل حواسي نحو أبي، ولمّا وضعوا الحجر الأخير انتهى كلّ شيء بالنسبة لي. شرعوا يهيلون التراب عليه، فلم أعد أحتمل، فنهضت بصعوبة شديدة لكنّ قدميّ لم تحملاني ودبّ الضعف في جسدي، وبجهدٍ جهيد تراجعت عن القبر. ولمّا ابتعدتُ ورأيت الجنود والحاضرين، شعرتُ أنّ تصرّفي غير صائب، فرجعت نحو القبر وجلستُ وصرت أهيل التراب من أطرافه إلى الداخل وأنا أتمتم قائلة: "نم يا

 

293


280

الفصل التاسع

أبي، نم بسلام، فقد آن لك أن ترتاح".

في تلك اللحظات، تمنّيت لو حضر معنا أخي عليّ ورفاقه في الحرس الثوري، فينشدون الأناشيد الثوريّة ويهتفون لأبي بتلك النداءات التي يردّدونها عادةً في تشييع الشهداء. ولكن هيهات، فقد جرت هذه المراسم في سكوت وغربة. حتّى إنّي أنا لم أقوَ على القيام وإنشاد الشعر من أجل أبي، لذلك شرعت بيني وبين نفسي أقرأ المرثيّات العراقيّة التي حفظتها من مجالس العزاء:
"شمالِك تونّين آه يا دار الحسين
خلّوني وخلّوكِ بكدر آه يا دار الحسين"

بعد ذلك جمّعوا التراب على القبر، ثمّ وضعوا حجرًا مكسورًا كتب عليه السيد "برويزبور" باللون الأسود:
الشهيد السيّد حسين حسيني
كيفية الاستشهاد: إصابة شظيّة
بتاريخ: 5/7/1359  4

أخذتُ أنشد في سِرّي:
وا غريباه حسين           وا شهيداه حسين
يا كربلا ظلمتينا            وا غريباه حسين 
فيك انذبح والينا            وا غريباه حسين

 


4- 27/9/1980م.
 

294


281

الفصل التاسع

بعد ذلك، لم أعد أبصر أحدًا ولا أسمع صوتًا. ملأت الغيوم والغبار المكان. لم أدرِ كيف رفعونا عن قبر أبي، بل كيف أخرجونا من "جنت آباد". لم أكن أسمع في تلك اللحظات سوى المرثيّات تتردّد في أعماقي:
"أما من يشفع لنا وا شهيداه حسين
يشفع لنا في جنتين وا غريباه حسين
جنتا أرض وسماء وا غريباه حسين
أرض وسماء تبكي دماء وا غريباه حسين


أمسكت السّيدة "زينب" بأيدي إخوتي الصغار وانطلقنا. ما إن وصلنا إلى مسجد "الشيخ سلمان" حتى كانت الشمس قد غربت وحلّ الظلام. ما إن دخلنا حتّى أقبلت الجارات وكلّ من كان في المسجد وتحلّقن حولنا؛ زوجة عمّي "غلامي"، و"أمّ إسماعيل"، وزوجة عمّي "درويش"، و"أمّ سليمة" و"أمّ رضا" جميعهنّ عانقن دا وإخوتي وقدّمن لنا العزاء وهنّ يبكين. قالت "أمّ رضا" : "في المرّة الأخيرة التي رأيت فيها السيّد أدركتُ أنّه راحل، لقد كان وجهه نورانيًّا جدًّا، كما إنّ تصرّفاته كانت تُنبئ بأنّه لن يبقى على قيد الحياة".


زوجة عمّي "غلامي"، بدموع تنحدر على خدّيها، أيّدت كلام "أمّ رضا" قائلة بلهجة أهل "البندر5" : "بلى، عندما جاء السيّد إلى باب منزله علمت أنّه لم يعد من أهل هذه الدنيا"، ثمّ التفتت إليّ وتابعت: "عمّك يكاد يموت لفراق أخيه. كان وحيدًا وسيزداد وحدة".
جلست "دا" وإخوتي على بساط في زاوية باحة المسجد فرشته

 


5- بلهجة جنوبية (بندر عباس).


295


282

الفصل التاسع

الجارات، ثمّ بقين يبكين وينتحبن، أمّا "دا" فاستندت إلى الحائط خائرة القوى لا تقوى على البكاء. بين الحين والآخر، أسمعُ لها صوتًا ضعيفًا لم أعلم إن كان تأوّهًا أم أنينًا، أم...

غدوتُ يرثى لحالي. لم أستطع أن أسكن في مكاني، ولم يقرّ لي قرار. شعرتُ بالاختناق ولم أدرِ ماذا عليّ أن أفعل! صرت أتذكّر كلام أبي: "لا تيأسوا تحت أيّ ظرف. صحيح أنّ عددنا قليل بالنسبة إلى العراقيّين لكن لدينا الإمام الخميني. لدينا الإيمان واليقين. فليأتِ العالم أجمع وليقف في وجهنا، ها هو التاريخ يعيد نفسه، فجيش "يزيد" كان كبيرًا جدًّا في مقابل جيش سيّد الشهداء".

خفّفت هذه الكلمات قليلًا من نيران قلبي الملتهب، ولكن ماذا عن "دا" ؟ قلبي يحترق من أجلها. سألت الله أن يهبها الصبر، ثمّ نظرتُ إليها وصرتُ أقرأ الفاتحة وأكرّر آية "إيّاك نعبد وإيّاك نستعين"، وأتنفّس بها نحو دا لعلّها تهدأ أيضًا. وبعد برهة شعرتُ أن لا فائدة من بقائي هناك، فقمت من مكاني وقلت لها: "عليّ أن أذهب الآن".

قالت "دا" بضعيف صوتها: "إلى أين؟".
- إلى المسجد الجامع.

سألتني السيدة "زينب" : "إلى أين تريدين الذهاب يا ابنتي؟ ماذا تريدين أن تفعلي؟.

قالت كلمة "ابنتي" بحنان بحيث وددت أن أقبّل وجهها، فقلت: "فلنذهب إلى أعمالنا، إلى متى سنبقى جالسين هكذا؟.
 

296


283

الفصل التاسع

أجابت "دا" بحزن: "زهراء، لا تبتعدي عنّي كثيرًا، عندما كان أبوك موجودًا كنت مرتاحة البال، أمّا الآن...".

لم أدعها تكمل كلامها وقلت: "لا تقلقي، لن نمضي بعيدًا، سنبقى في المحيط، اطمئنّي".

نهضت السيدة "زينب" و"ليلى" من مكانهما، وقالت "زينب" بصوت خافت: "ليتني أعدم الحياة لما أنتم عليه من حال، لو أنّ بعضًا من أقاربكم كان إلى جانبكم الآن!". بعد ذلك أوصيتُ الجارات بـ"دا" قائلة: "بالله عليكنّ لا تتركنها وحيدة، سآتي باستمرار لأسأل عن حالها".

خرجنا نحن الثلاثة من مسجد "الشيخ سلمان"، ثمّ افترقتُ عن "ليلى" و"زينب" في الزقاق ومشيت إلى المسجد الجامع. وما إن وصلت إلى مدخله حتى تقدّمت النساء والرجال الذين قد تعرّفت إليهم سابقًا وعزّوني، فحاولت قدر الإمكان أن أجيبهم بهدوء. كانت الفتيات يعزّينني وهنّ ينتحبن ويبكين، وعلى رأسهنّ "رعنا نجّار" التي بدت أكثرهنّ جزعًا. نظرتُ إليهنّ وقلت: "لقد كنتنّ على علم بشهادة أبي فلمَ لم تخبرنني بذلك؟"، فقالت "زهرة فرهادي" : "هذا صحيح، كنّا نعلم ذلك ولكن الأمر كان صعبًا علينا. لم نتنبأ أنّ ردّ فعلك سيكون هكذا، وأنّك ستتحمّلين وقع المصيبة بهذه السهولة. رؤيتك الآن على هذه الحال تشعرنا بالسكينة أيضًا".

حاولت جاهدةً أن أحفظ ظاهري وقلت: "أشكر الله أنّ أبي نال ما كان يتمنّى، لقد كان يقول دائمًا: "الموت حقّ، لكنّ الموت الحسن هو الذي يكون في سبيل مرضاة الله. الموت في سبيل الله عظيم وذو قيمة".
 

297


284

الفصل التاسع

قالت إحداهنّ: "إنّ ردّ فعلك يوحي بأنّك غير متألّمة لشهادة أبيك!".

- لقد اختار طريقه بنفسه، وكان يطلب هذه الميتة منذ سنوات. فضلًا عن أنّ أبي كالآخرين. فأولئك الذين استشهدوا هم كأبي وإخوتي أيضًا.

علا صوت الأذان فانفصلتُ عنهنّ ثمّ توضّأت ودخلت إلى بهو المسجد. وقفتُ خلف أحد الأعمدة لكي لا أشعر بوجود أحد. صلّيت ثمّ جلست لأختلي بربّي. أقلقني همّ المسؤوليّة التي حمّلني إيّاها والدي، وكان في غاية الصعوبة. أخذتُ أبكي وأتساءل: "كيف لي أن أرعى هذه الأسرة؟!"، ثمّ تضرّعت إلى الله قائلة: "إلهي، أنت ساعدني".

لم يفارقني الجدال والصراع الداخلي؛ فصرت أعترض ثمّ لا ألبث أن أنقض نفسي قائلة: "أوليس أبي قد رحل في سبيل رضى الله، فالله نفسه هو من سيعيننا. أولا يحفظ الله النبتة الصغيرة في وسط الصحراء؟ أفهل سينسانا نحن؟ أين توكّلي عليه إذن؟!".

صرتُ أفضل حالًا بعد الصلاة. خرجت إلى الباحة حيث كانوا يستعدّون لتقديم طعام العشاء، فصرت أساعد في إخراج قوالب الجبن من الصفائح ذات السبعة عشر كيلو وتعبئتها في أكياس. بعد ذلك قسّمنا الخبز، ووزّعناها على الذين حضروا لاستلام الطعام. ثمّ وزّعنا معلّبات سمك التونة والباذنجان والفاصوليا على القوّات المسلّحة والقوات الشعبية الذين قدموا بثيابهم الترابيّة البالية من خطوط المعركة، وكانوا يريدون الرجوع إلى مراكزهم.

أخذت أعمل وأنا أفكّر في الماضي. لم تذهب صورة أبي من أمام عينيّ لحظةً، وتذكّرت تلك القبضة التي ضرب بها لوحة الحائط قائلًا:

 

298


285

الفصل التاسع

"إنّ بني صدر لا يسمح بمجيء القوّات، إنّه خائن.."، فزاد كرهي لذلك الخائن أكثر.

لا أعلم أيّ حالات قد مرّت عليّ آنذاك دفعت الفتيات لأن يبقين حولي ويعاملنني بمحبّة. كانت السيّدة "بورحيدري" إحدى السيّدات الكادحات في المسجد تقبّل وجهي باستمرار وتلاطفني أثناء عملها. هذا التصرّف أشعرني بشيء من الأذى؛ لأنّني أحسست أنّ الجميع يشفق عليّ، فقلت في نفسي: "وهل مات أبي؟ لقد رُزق الشهادة!". من أجل ذلك تنحّيت جانبًا، وحاولت قدر الإمكان أن أعمل بعيدًا عن الجميع. في الوقت نفسه كنت قلقة جدًّا على "دا" وإخوتي، فلمّا خفّ ضغط توزيع طعام العشاء توقّفت عن العمل وذهبت إلى "مسجد سلمان".

أرخى ظلام الليل سدوله، وعاد إلى المسجد كلّ من خرج منه خلال النهار. وقف رجلان أمام الباب لحراسة المكان. وفي باحته جلست الأُسَر جماعات جماعات مستندة إلى حيطان بنيت على هيئة محاريب لها نتوء، بحيث جعلت كلّ أسرة حريمًا خاصًّا لها. أمّا "دا" فقد جلست حزينة متّكئة على الحائط واضعة إحدى يديها تحت ذقنها والأخرى فوق رأسها، وجلس إخوتي حولها مغمومين، إلّا "منصور" الذي راح يتمشّى في الباحة. عندما رأيتهم هاج قلبي والتهب. تقدّمت منهم على الرغم من أنّي لم أشأ رؤيتهم على تلك الحال. وما إن وقعت عيونهم عليّ حتّى نهضوا؛ مددت يديّ وحضنت "سعيد" و"حسن" و"زينب"، ثمّ مسحت على رؤوسهم ولاطفتهم. لمّا رأت "دا" ما صنعتُ بكت، فتركتُ إخوتي وعانقتها وقبّلت وجهها. أخذت تبكي وتقول: "ماذا أفعل الآن بدون أبيك؟ ماذا أفعل بهؤلاء الأطفال في غيابه؟". ارتجف قلبي

 

299


286

الفصل التاسع

من كلامها وسيطرت على حالي تحت ضغط نفسيّ شديد. كانت نظرات إخوتي الباكين لبكاء "دا" مصوّبةً عليّ، فلم أرد أن أشعر بانكسار أمامهم، خاصةً أنّهم تجرّعوا الآلام والغصص في ذلك اليوم بما فيه الكفاية. عندها خاطبتُ "دا" قائلة: "لماذا تجزعين هكذا؟ أكان من الأفضل أن يموت أبي في حادث سير أو بسبب مرض مثلًا؟".

فما كان منها إلّا أن قالت: "الحمد لله، الحمد لله".
- إذًا لمَ الجزع؟
- نارُ قلبي لا تنطفئ.

تحدّثتُ معها مطوّلًا حتّى هدأت ثمّ قالت: "زهراء، لا أعلم ما السرّ في كلامك الذي يجعلني متماسكة وقويّة!".

آلمتني رؤية "دا" في هذا الوضع، فقد عانت الأمرّين في الماضي بسبب فقد أمّها منذ الصغر. وعندما تزوّجت من أبي واجهت معه بسعادة ورضا الكثيرَ من الصعوبات. بينما وضعت رأسها على كتفي، صرت أتذكّر جميع اللحظات التي كان أبي يُظهر فيها حبّه لها، فقد تبادلا الودّ والمحبّة على الرغم من وجود ثمانية أولاد، وكأنّهما في أوائل أيّام حياتهما الزوجيّة، حتى إنّه كان يضيق صدره إذا لم يجدها عند عودته إلى البيت، فيروح ويجيء بانتظار عودتها. وعندما يعود من عمله يجلسان معًا ويتبادلان الأحاديث ويضحكان. كنت في صغري أستغرب ذلك، خاصةً أنّ أبي بدا أكثر جمالًا وأصغر سنًّا من "دا"، وكنت أتساءل عمّا تملكه "دا" من خصوصيّة تجعل أبي يحبّها إلى هذا الحد على الرغم من جماله وشبابه؟ كلّما كبرت ورأيت حنانها وصبرها، أدركت أنّ

 

300


287

الفصل التاسع

أبي على حقّ، لأن وعيها وتفهّمها أجمل من أيّ جمال ظاهريّ.

كان تعامل "دا" مع أبي جيّدًا؛ حتى في ظلّ أسوأ الظروف الماليّة. فعندما كان يرجع من عمله خالي الوفاض خجلًا من عدم استطاعته توفير المال، كانت تخفّف عنه قائلة: "وهل هذه نهاية الدنيا؟ غدًا هو يوم من أيّام الله. وعلينا أن نحمد الله أنّنا لا نتضوّر جوعًا". ثمّ تنهض مسرعة وتعدّ شيئًا ما إيحاءً منها أنّ الموقد في المطبخ مشتعل. من جهة ثانية لم تخبر جدّي (پاپا) أو خالي "حسيني" عن الضيق والشدائد أبدًا، ولو صدف الحديث في هذا الموضوع كانت تنبري للدفاع عن أبي في وجه الجميع قائلة: "إنّ زوجي رجل مجتهد ومُجدّ، ولا يمكن أن يسرق".

بدوره، اهتم أبي بـ"دا" كثيرًا. زرع في الحديقة نبتة "شاهبسند" -تيمّنًا باسمها- ورعاها جيّدًا. وقبيل حلول عيد الأمّ، يشتري هديّة لها، ويعطينا المال ويقول: "اذهبوا واشتروا هديّة لأمّكم". لا أدري كيف علم يومًا بأنّ "دا" قد أعجبها عقد ذو سبع ليرات ذهبيّة، ولم تكن قد ذكرت له شيئًا من ذلك، فكنت أراه لمدّة يجمع وبمشقّة كمًّا قليلًا من المال في حسابه المصرفيّ، إلى أن اشترى لها العقد ذا الليرات السبع، ففرحتْ به كثيرًا. غير أنّها لم تضعه في عنقها مدّة طويلة، حيث اضطرّت لبيعه من أجل شراء "مكيّف" والنجاة من حرّ الصيف المضني. حزن أبي لذلك كثيرًا وأخبرها برفضه، لكنّ "دا" أبدت حينها إصرارًا شديدًا.

اليوم، فقدت "دا" شخصًا كهذا. بقيتُ هناك نصف ساعة، وعندما أردتُ الانصراف قالت لي: "ابقي هنا، لا تذهبي".
- ثمّة عمل ما، عليّ أن أذهب".
 

301


288

الفصل التاسع

- لا، أنا سأهتمّ بمداواة الجرحى في المسجد الجامع، وربما سأذهب إلى "جنت آباد" لأتفقّد "ليلى"، فلا داعي للقلق.

قلت ذلك، لكنني قرّرت منذ عصر ذلك اليوم أن أذهب إلى خطوط المواجهة بأيّ وسيلة كانت. أردت أن أذهب إلى نقطة شرطة السير، المكان الذي حارب فيه أبي واستشهد، وأعاين المكان عن كثب.

لم أكن قد ابتعدت كثيرًا حينما رأيت "أم رضا"، جارتنا في البيت المقابل، وهي تحمل بيدها طبق طعام وتسير نحو إخوتي. فأوصيتها أن تعتني بأمّي وإخوتي، فأجهشت بالبكاء قائلة: "رحم الله أباكِ، عندما أرى أختك زينب طفلته المدلّلة يشتعل قلبي أسًى، كما إنّ أمّك مضطربة جدًّا ولم تجفّ لها دمعة منذ العصر حتّى الآن، فليكن الله في عونها، تلقّت صدمة قويّة. ليتك تبقين إلى جانبها".
- لا أستطيع، عليّ أن أذهب، أرجوك اعتني بها جيّدًا.

انطلقت نحو المسجد الجامع، وفي باحته التقيت بالسيد "سليماني". وعلى الرغم من أنّي مطّلعة على مكان وجود المواد الغذائيّة إلّا أنني أردت أن أستأذنهم في أخذ الطعام إلى "جنت آباد"، فقلت له: "أنا ذاهبة إلى "جنت آباد" فهل لديكم ما آخذه إلى هناك؟".
- نعم اذهبي؛ وخذي خبزًا وبطّيخًا.

تقدمت إلى إحدى زوايا الباحة، وتناولت من العلبة بعض الخبز، كما انتقيت عدة بطيخات من التي أحضروها من "أصفهان". لم أجد

 

302


289

الفصل التاسع

فقالت: "زهراء، لا تلهبي قلبي عليكِ، أنا أعرفك، أينما حلّ الخطر تبادرين إليه، فكّري فيّ، لا أستطيع تحمّل المزيد".


أيّ كيس لأضع الخبز فيه، فاضطررت أن ألفّه والبطيخ في فستان عثرت عليه ضمن كومة ثياب مرمية في زاوية من المسجد. ربطت أكمام الفستان على شكل صرّة وحملتها على ظهري ومشيت. أضناني ثقل الصرّة بحيث لم أقوَ على السير. الأزقّة والشوارع مظلمة ومقفرة ولا بصيص نور يخرج من أيّ مكان؛ ما دفعني إلى المشي بمحاذاة الجدران. صرت أسمع بين الحين والآخر صوت صفير القذائف، فأخمّن من قوة صوتها هل ستقع قربي أم بعيدًا. كثيرًا ما كنت أجلس واضعة يديّ على رأسي منتظرةً انفجار القذيفة ثمّ أقوم بعدها وأكمل سيري. أثار عواء الكلاب في الشوارع الخالية الرعبَ في قلبي، كما شاهدت القطط المرعوبة من أصوات الانفجارات تجري خبط عشواء.

كنت أحفظ جيّدًا طريق "جنت آباد" الذي يقع في مسير بيتنا. مررت بزقاقنا، فدمعت عيناي عندما فكّرت في بيتنا وفي أنّ أبي لن يعود إليه أبدًا. ولو لم تكن يداي مثقلتين لدخلت إليه بحثًا عن أغراض أبي. أكملت طريقي، وكلّما اقتربت من "جنت آباد" تسارعت دقّات قلبي، فأبي راقد هناك الآن. شعرت أنّي متعلّقة بهذا المكان أكثر من السابق. صرت أسأل الله أن لا أرى أحدًا عند وصولي كي أقصد قبر أبي مباشرة، وقد شدّني شوق عجيب للرجوع إلى قبره منذ عصر ذلك اليوم. وعلى عكس ما تمنّيت، فقد كان الجميع جالسًا أمام باب غرفة المغسّلين في تلك الظلمة. ناديت من بعيد: "ليلى، ليلى". رأيت من خلال نور القمر الضئيل أختي "ليلى" وقد نهضت من جانب السيدة زينب وأخذت تمشي نحوي بخطوات ثقيلة. لم تكن كسابق عهدها؛ إذ انطوت على نفسها. عندما تقدّمتْ نحوي شعرتُ أنّها خجلة منّي ولا

303


290

الفصل التاسع

تريد أن تريني وجهها. سلّمتْ عليّ فرددتُ السلام وسألتها: "هل أنت بخير؟". لم تجب وأخذت تسترق النظر إليّ، فأدركت أنّها قد بكت كثيرًا. ثمّ قامت خلفها السيّدة "زينب" وقد شعرتُ من تصرّفاتها أنّها تريد أن تواسينا وتقول إنّكما لستما وحدكما، نحن سندكما وملجأكما... ألقيت عليها السلام فأجابت قائلة: "عليك السلام يا بنيّتي، أهلًا وسهلًا بكِ، ماذا أحضرتِ لنا؟".

تناولت الصرّة منّي، وقالت لتضحكنا: "ها أنت قد أحضرت البطيخ مجدّدًا يا فتاة، إلى متى سنبقى ندخل المرحاض؟ نكاد نهلك من كثرة أكل البطيخ!".

ذهبنا جميعًا نحو الآخرين. سلّمت عليهن فقمن احترامًا، وعانقتني السيّدة مريم قائلة: "يا فتاة لقد افتقدتك كثيرًا عندما كنت غائبة".

شكرتها وقلت: "أريد أن أزور قبر أبي". أمسكتْ يدي ومنعتني من ذلك، ثمّ قالت: "أنتِ متعبة الآن، اجلسي قليلًا ثمّ اذهبي".

جلست على البساط الممدود بصمت من دون أن أخلع حذائي. أمّا "زينب" و"مريم" وتلك المغسّلة العجوز، فأخذن يتحدّثن بغية أن يخرجنني و"ليلى" من أفكارنا وخيالنا. "ليلى" بدورها لم تنطق ببنت شفة. كنت أعلم أنّ الغصّة تكاد تخنقها، ولكنّها تتجنّب البكاء أمامي. فكّرت في أنّي لو ذرفت الدموع فإنّها لن تتحرّج من أن تبكي تأسّيًا بي، ولكن هذا ما لم يكن ينبغي أن يحدث. فما ذنب هؤلاء المغسّلين الذين جلسوا للاستراحة قليلًا بعد يوم طويل من العمل علّهم يخرجون قليلًا من جوّ المغسل، لذلك لم يكن من اللائق أن نُحزنهم ببكائنا ونحيبنا.
 

304


291

الفصل التاسع

حاولت أن أكسر الصمت فأساير "زينب" و"مريم" و"خديجة" في الكلام بشكل عاديّ. كان الرجال يشاركون في الحديث أحيانًا ويحلّلون الأحداث. مرّت الدقائق بصعوبة وأحسست بثقل الجوّ من حولي. لم أرغب في الجلوس هناك، وتمثيل دور ما، بل أردت الهروب من أجواء المداراة والمراعاة التي جعلتني أسوأ حالًا؛ وإذ برنين الهاتف يعلو لنجدتي، فكان عذرًا لكي أفرّ من ذلك الوضع. نهض أحد الرجال ليرفع السمّاعة فاغتنمت الفرصة لأقوم من بين الجمع، فناداني العجوز قائلًا: "هناك من يريدك يا ابنة السيد، ويطلب أن تحضري على الفور إلى المسجد الجامع".

تعجّبت من ذلك، فلا أظنّ أنّ أحدًا يعرفني إلى هذا الحدّ ليسأل عنّي. نهضت من مكاني وأومأت مشيرةً برأسي وعيني إلى السيدة "زينب" بأن تهتم بـ"ليلى" ؛ فهزّت رأسها لأكون مطمئنّة البال. ثمّ انحنيتُ وأخذت عنق "ليلى" وقبّلتها، وقلت لها بصوت خافت: "لا تحزني، إنّه لفخر لنا أن يُرزق أبونا الشهادة، فالشهادة عزّ". ودّعتهم، ووددت لو أزور قبر أبي لكنّهم طلبوا منّي الإسراع في الذهاب إلى المسجد الجامع. تقدّمت قليلًا لأحظى بالسلام عليه على الأقلّ، فوقفت أمام لوحة الإعلانات البعيدة عن الغرف لأكون بعيدة عن الأنظار. كأنّ تلك اللوحة أمست عزيزة عليّ، قبّلت التجويف الناتج عن ضربة قبضة أبي، ثمّ وقفت باتّجاه قبره ونظرت إليه من بعيد في ذلك الظلام. لقد اشتقت إليه كثيرًا. في ما مضى كنت أشتاق إليه بعد مرور يومين أو ثلاثة من غيابه عنّا، أمّا الآن، فلم تكد تمرّ بضع ساعات حتى اشتعل قلبي من لوعة الفراق. تذكّرت حركاتي الرعناء، حين كنت أعصي أوامره

 

305


292

الفصل التاسع

أو أؤذيه، فتألّمت كثيرًا وتمنّيت لو أنّه يسامحني. مع ذلك طردت تلك الأفكار من رأسي وقلت له: "السلام عليك أيّها الأب الذي لا وفاء له، كيف لك أن ترحل وحدك؟ كيف تترك "زينب" وترحل؟ ألم تعد دا أن تُبعد عنها المشاق؟ إنّ وضعها الآن أسوأ، لمَ لم تفِ بوعدك؟ كان عليك أن تنتظر على الأقلّ عودة أخي "علي" ثمّ ترحل بعد ذلك".

أفصحت له عن مكنون قلبي والدموع تنهمر على خدّي، وتابعتُ قائلة: "إن كنت قد عزمت على الرحيل، فلمَ ربّيت "زينب" الصغيرة على الغنج والدلال؟ في حضن من ستجلس "زينب" الآن؟ وعلى كتف من ستصعد؟ كان الجميع يتشاجر مع "سعيد" لأنّك كنت تحتضنه وتلاطفه، ماذا سيفعل الآن؟ وها قد رحلت وخلّفتنا وراءك، فاسأل الله أن لا يتركنا وحدنا". بعد ذلك مسحت بيدي على اللوحة، ولضيق الوقت، كان آخر ما قلته له: "أبي، عندما يعود "علي" إلى "خرمشهر" اسأل الله أن يأخذني إليك، اطلب منه أن يُلحقني بك!".

خرجت بسرعة من "جنت آباد" المظلمة التي خيّم ثقل الغمّ على أرجائها، وسرتُ في طريق المسجد. انشغل ذهني في ما يريدون منّي وفي ما حصل، وفي سبب طلبهم الحضور سريعًا. ولم تكد قدمي تطأ المسجد حتّى قال لي أحد الرجال أمام الباب: "أيّتها الأخت حسيني، لقد جُنّ هؤلاء مجدّدًا وأثرن الفوضى، بالله عليك حاولي التحدّث إليهنّ علّهنّ يهدأن قليلًا!".

كان الرجل يقصد أربع نساء وبنات صغيرات أُصبن بحالة نفسيّة وعصبيّة جرّاء عصف الانفجارات في الأيّام القليلة الماضية. لكن حتّى ذلك الحين لم يكن أحد يعلم ما معنى موجة الانفجار وما سبب

 

306


293

الفصل التاسع

اضطرابهنّ وتصرّفاتهنّ غير الطبيعيّة. لذلك اعتقدنا أنّ لدى هؤلاء إعاقة ذهنيّة، فيما بعد أدركنا أنّ هذه العوارض ناتجة عن عصف الانفجارات. لقد قدِموا بهنّ من أماكن مختلفة من المدينة، وليس مع أحد منهنّ أهلٌ ولا أقارب؛ غير فتاة متخلّفة ذهنيًّا وكفيفة، حظيت بجدّة تتولّى أمرها.

كنتُ في المسجد عند غروب ذاك اليوم، حين ركضت تلك الفتاة الكفيفة في الباحة، صائحةً إثر سماعها أصوات الانفجارات، فركضتُ نحوها وعانقتها ثمّ سألتها: "ما خطبك؟ لماذا تصرخين؟".
- أنا خائفة.
- لا تخافي، المكان آمن هنا، جميع الناس موجودون هنا.
- لا، سيأتي الجيش العراقيّ الآن.
- لن يجرؤوا على ذلك، إنّ شبابنا يقفون في وجههم. كما إنّني هنا إلى جانبك فلا تخافي. ادخلي المسجد، وإن احتجتِ شيئًا أخبريني.

هدأت الفتاة عند سماعها هذا الكلام فقالت بلطف: "ابقي إلى جانبي، لا تبتعدي، لن أخاف ما دمتِ إلى جانبي".
- لا أستطيع البقاء هنا، فلديّ أعمال أخرى، ولكن عندما تحتاجين إلى شيء سآتي إليك.

وكان الموجودون في المسجد قد رأوا [في السابق] تعاملي مع "غنوة" وهذه الفتاة، لذلك عندما عجزوا عن تهدئتهنّ اتصلوا بـ"جنت آباد". كان صراخهنّ يصل إلى الخارج. دخلت بهو المسجد حيث ضجّ من في داخله من صراخهنّ. ورغم محاولات فتيات المسجد، "زهره فرهادي" و"رعنا نجّار" و"مريم أمجدي"، إسكاتهنّ إلّا أنّهنّ لم يفلحن،

 

307


294

الفصل التاسع

وغضبن كثيرًا. قلن لي إنّ إحدى النسوة المتأثّرات بموجات الانفجارات شابّة بيضاء البشرة، في أوائل شهور حملها، وهي التي بدأت بالصراخ فتبعتها الأخريات. نظرت إلى وجه تلك الشابّة فلم أصدّق أنّها تعاني من مشكلة نفسيّة، غير أنّها كانت في حال يرثى لها؛ كانت تصرخ وترتعش قائلة: "لقد قتلوا الجميع، ذبحوهم وقطّعوا رؤوسهم، إنّهم آتون في الحال ليقتلوا الجميع".

أخذتُها جانبًا بمساعدة الفتيات. كان جسمها يرتعش بشدّة وقد جفّ حلقها وبدا الضعف عليها نتيجة الصراخ والعويل. أعدّت لها الفتيات الماء والسكّر وسقوها إياها، ولمّا هدأت جاء دور الأخريات. أسرعتُ نحو الباحة وتناولت علبة طعام محفوظ ففتحتها وأحضرت بعض الخبز وسرت نحوهنّ. وما إن رأينني أحمل الطعام حتّى أقبلن عليّ وبدأن يشتكين. وبما أنني، لحسن الحظ، أتكلّم اللغة العربيّة من بين الفتيات، وكانت هؤلاء النسوة عربيّات، فقد تحدّثت معهنّ ولاطفتهنّ حتّى تمكّنت من التغلّب على تلك المشكلة. بعد ذلك ساعدتني الفتيات في إطعامهنّ.

اطمأنّ بالنا، فالناس سينعمون بقليل من الراحة من دون ضجيج وسيتمكّنون من النوم بضع ساعات في ظلّ ذلك التشرّد. وما هي إلّا ساعة وإذا بالوضع ذاته يتكرّر، حيث انطلقت النسوة الأربع بغية الخروج من المسجد لكننا منعناهنّ، فقلبن المسجد رأسًا على عقب. للأسف، وبعد كلّ ما قلته، كان عليّ أن أعيد من جديد. ومن سوء الحظ أنّهنّ أصبحن أكثر قوّة في ذلك الوضع ولم يكن باستطاعة عدة أشخاص منّا الوقوف في وجه واحدة منهنّ؛ ما اضطرّ الممرّض "خليل نجّار"

 

308


295

الفصل التاسع

المعني بأمر المستوصف -وكانت الفتيات يعملن تحت إشرافه- إلى أن يضع أمامنا حلاّ آخر، فأجاز لنا أن نعطي كلًّا منهنّ "إبرة منوّم"، ثمّ مدّدناهنّ جميعًا في زاوية من المسجد. وبعد بضع ساعات عمّ هدوء نسبيّ المكان. "رعنا نجّار" التي ارتعبت من أصوات النسوة، بقيت طوال الوقت تلاطفني محاولة أن ترفع من معنويّاتي لكي لا أستسلم أمام تصرّفاتهنّ غير الطبيعيّة، وكانت تقول: "جزاك الله خيرًا، ماذا كنّا سنفعل لولاكِ" ؟ أمّا "مريم أمجدي" فقد اشتعلت غيظًا منهنّ، كما رأيت "زهره فرهادي" في تلك الجلبة تخدش خدّيها غضبًا، وتقول: "هؤلاء سيرقن ماء وجوهنا، لمَ لا يجدون حلًا لهنّ؟".

تعبتُ جدًّا، فاستندت إلى زاوية الحائط، وأطبقت عينيّ، لكنّ صوت أنين امرأة قد رأيتها لحظة دخولي المسجد كان يتناهى إلى سمعي. كانت المرأة حاملًا وقد أرادت الفتيات مرّات عديدة أن يوصلنها إلى المستشفى، لكنّها على الرغم من ألمها أصرّت على أنّ موعد ولادة طفلها ما زال مبكرًا. وصارت تروح وتجيء ثمّ تلوذ بالحائط وهي تتلوّى ألمًا.

خلال الليل، كانوا يأتون بالجرحى، فأسعى للقيام بأيّ عمل أقدر عليه. وعندما تسنح الفرصة، بين الفينة والأخرى، أستند إلى الجدار فتنطبق عيناي رغمًا عنّي وأغفو دقائق معدودة، وأبقى أسمع كلّ الأصوات من حولي، فكنت أهبّ ما إن أشعر بوجود عمل ما. في تلك الأثناء، لم أغفل لحظة عن التفكير في والدي، بل صرت أراه معي وأتكلّم معه باستمرار. وقد رأيتُ عمل مسؤول المستوصف -السيد "نجّار" - والفتيات مع الجرحى، لذلك صرت أحدّث نفسي: "لو كان بجانب أبي من له اطلاع بالأمور الطبيّة لربّما لم يستشهد، ولكن كيف

 

309


296

الفصل التاسع

استشهد أبي؟ لطالما سمعتهم يتحدّثون عن خطوط المواجهة، ما الذي يجري هناك بالضبط؟ كيف يحاربون وكيف يصابون؟ لا بدّ أنّهم يقفون في تلك الخطوط وجهًا لوجه ويتبادلون إطلاق النار... عندها، وددت لو أذهب إلى الخطوط الأماميّة، فقد قرّروا أن ينقلوا الشهداء إلى مدن أخرى، وبالتالي لا بدّ أن تخفّ وطأة العمل في "جنت آباد"، والعناية بالجرحى أكثر أهمّية، والسرعة في إسعافهم ستقلّل من الضحايا.

بقيت أفكر وأحدّث نفسي طوال الليل وأكافح. عند بزوغ الفجر، ساءت حال تلك المرأة الحامل، وقالت: "أغيثوني!". أسرع الرجال في طلب سيّارة، لكنّهم وجدوا في النهاية شاحنة، وضعناها فيها بصعوبة وانطلقنا بها نحو مركز التوليد. في طريق العودة قصدت "مسجد سلمان" حيث كان معظم من فيه نيامًا. رأيت "دا" منهمكة في إشعال موقد الطبخ وأختي "زينب" جالسة بقربها، و"حسن" و"سعيد" نائمين. أمّا "منصور" فكان واقفًا وسط الباحة، وما إن رآني حتّى أقبل نحوي فرحًا، فعانقته قائلة: "ماذا تفعل يا منصور؟".
- لا شيء، أنا عاطل من العمل، وقد سئمت من هذا الوضع!

كنت أظنّ، كما الجميع، أنّ إطلاق النار سينتهي في الأيّام القليلة المقبلة وسيعود جميع الناس إلى حياتهم وأعمالهم، قلت له: "توكّل على الله، ستنتهي الحرب، وستعود أنت إلى دروسك".

ثمّ ذهبتُ إلى "دا" وسلّمت عليها، فنظرت إليّ بعينيها اللتين ملأهما الحزن قائلة: "هل جئتِ يا ابنتي".
- أجل، كيف حالك، ما الأخبار؟
 

310


297

الفصل التاسع

- أيّ حال، لقد حلّت بنا مصيبة!
- لا يا دا ليست مصيبة، بل فخر.
- أنت لا تدركين ذلك لأنّك ما زلت تحت الصدمة، فلننتظر انتهاء الحرب وسترين، وستدركين عندها ما حلّ بنا.

ثمّ قالت وقد خنقتها العبرة: "أريد أن أزور القبر".
- أو لم تكوني بالأمس عند القبر؟
- ماذا تقصدين؟!
- وهل نسيتِ؟ إنّ الناس يذهبون إلى قبر فقيدهم عند مضيّ ثلاثة أيّام، انتظري اليوم الثالث.

لم أشأ أن تذهب إلى القبر للنحيب وقلقتُ عليها. فقالت باكية: "ما لي وللناس؟! وهل استطعت أن أقيم له مأتمًا ومراسم عزاء كي أنتظر اليوم الثالث؟! يا للمصيبة التي حلّت بي!".

غضبتُ وقلتُ: "أمّاه كلّ الناس يعانون ما نعاني، كما إنّ ظروفنا وظروفهم سيّان، لكنّهم لا ينتحبون ويعولون إلى هذا الحدّ".

استيقظ "حسن" و"سعيد" بسبب أصواتنا، فسلّما عليّ مبهوتين، فشعرت أنّهما على وشك البكاء أيضًا. خنقتني الغصّة، فلم يكن باستطاعتي أن أرى بكاء دا وإخوتي. ابتغيت من معاتبة "دا" السيطرة على نفسي. بعد دقائق، هدأتُ قليلًا ثم قلت لها: "أمّاه اصبري، سآتي شخصيًّا وآخذك إلى جنت آباد".

انحنى ظهر "دا" من هول المصاب. رفعت طرف شالها من الخلف

 

311


298

الفصل التاسع

وربطته حول جبهتها كما يفعل أهل العزاء في التقاليد الكرديّة، وربطت شالًا أسود على وسطها لأنّها لم تعد تقوى على المشي، فأردت أن أهيّئ لها وسيلة نقل لكي لا تذهب إلى "جنت آباد" مشيًا. قالت لي: "سأنتظرك، فإن أتيتِ كان به، وإلّا فسأذهب بمفردي".

فقلت: "حسنًا"، ثمّ حضنتُ "زينب" التي التصقت بي وقبّلتها. فسألت وهي لم تدرك بعد ما نحن فيه من ظروف: "هلّا ذهبتِ وأحضرتِ لي فستاني الزهري الذي اشتراه لي أبي؟".

نظرتُ إليها؛ فذلك الفستان قد اشتراه لها أبي قبل أيام. ثمّ تابعتْ قائلة: "أحضري لي ألعابي أيضًا؛ دميتي وأواني المطبخ، أريد أن ألعب مع الأطفال هنا "بيت بيوت".

مسحتُ على شعرها الجميل قائلة: "لا أستطيع، سأفعل ذلك لاحقًا".

فقالت حزينة: "إذًا، خذيني معك، بالله عليكِ، إنني أشتاق إليك كثيرًا هنا!".
- لا يا عزيزتي، لا أستطيع أن أصطحبك. الأمكنة التي أقصدها مليئة بالأخطار.

فشدّت على يديّ قائلة بوجل: "إن كانت خطيرة فلمَ تذهبين يا زهراء؟ لا تذهبي".

التفتّ إلى أنّي تفوّهتُ بكلام وَتَّرَ الطفلة، فاستدركتُ قائلة: "أنا أستطيع أن أعتني بنفسي، لا تقلقي، لن يصيبني أي مكروه، ولكن وجودك معي سيسبّب لي الإرباك، ولا أستطيع عند ذلك القيام بأيّ شيء".
 

 

312


299

الفصل التاسع

بينما كانت "زينب" في حضني نظرتُ إلى "سعيد" الطفل البريء والهادىء. كأنّه أراد من خلال عينيه السوداوين أن يتحدّث إليّ. وضعتُ أختي جانبًا وجلست إلى جانب "حسن" و"سعيد". لكنّ لسان "زينب" انطلق كالمعتاد، ولن يسبقها أحد. فصرتُ، مراعاةً لحال النائمين، أجيبها بصوت خافت. وحين هممتُ بالمغادرة، ألحّت عليّ، بعد أن يئست من مرافقتي، قائلةً: "ابقي الآن، لا تذهبي".
- لا، لديّ عمل ويجب أن أذهب.

انزعجتْ وأجهشت بالبكاء، وفي النهاية قالت: "لقد تعبت، فلنذهب إلى بيتنا، إذا ذهبنا إلى البيت فسيأتي أبي وأراه". كأنّها نسيت ما حدث بالأمس، غاب عن بالها أنّ أبي قد استشهد. عند ذلك، لم أتمالك نفسي فقمتُ وخرجتُ، وفي طريقي، مررت بالمسجد الجامع وأخذت بعض الخبز والجبن وسرت نحو "جنت آباد".

لم أمكث هناك طويلًا، وإنّما أردت الاطمئنان إلى حال أختي "ليلى" التي بدت لي أفضل حالًا من ليلة البارحة. تحدّثتْ إليّ وأخبرتني أنّهم منذ ليلة أمس لم يحضروا أيّ شهيد.

أخبرتها أنّ "دا" تريد المجيء إلى "جنت آباد"، وأنا أبحث عن وسيلة نقل كي لا تأتي مشيًا مع الأطفال. بعد ذلك، ناولت الخبز والجبن لـ"حسين" و"عبد الله" اللذين جلسا على حافّة الساقية ثمّ ودّعتهما. فأمسك "عبد الله" سلاح (M1) وكان على كتفه وركض خلفي قائلًا: "يا أخت حسيني، سأذهب معك، فليس ثمّة عمل هنا".

انطلقنا نحو المسجد الجامع، وقبل أن نصل إلى شارع "40 مترى"،

 

313


300

الفصل التاسع

علت أصوات انفجارات مهولة، فأخذنا نركض. كانوا يستهدفون ناحية مستديرة "أرديبهشت". كلّما اقتربنا بدت أصوات تهدّم البيوت والشظايا التي تضرب الأرض والجدران وجرّارات المحلاّت أكثر وضوحًا. كانت الأرض ترتجّ تحت قدميّ، وارتفعت أصوات تكبيرات الناس وهمهمتهم. قلت لـ"عبد الله معاوي" : "أسرع، الصوت آتٍ من تلك الناحية".

كان الشارع الممتدّ من مستديرة "أرديبهشت" إلى شارع "الفخر الرازي" يتعرّض لوابلٍ من قذائف الهاون التي تتساقط بشدّة على الأرض، ولا تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر من عشرة أمتار. كان دويّ الانفجارات يهزّ قلبي فيرعبني، كما إنّ حدّتها أوجدت في نفسي شعورًا مختلفًا، فصوتها يُنبئ بالموت، وتراءت لي صور الدم الأحمر القاني، والتضرّج بالدماء والتلوّي من الألم. صار ذلك النوع من الموت، الموت بعزّة، جميلًا بالنسبة لي، لذلك أحببت أصوات القذائف.

قويت حدّة الانفجارات وأمواجها في بعض الأحيان، ما اضطرّنا إلى التوقف عن المشي، كما إنّ الغبار والتراب غمرا الأرجاء فحجبا الرؤية أمامنا. كانت معظم بيوت "خرمشهر" مبنيّة من الطين، فكان تدميرها يُحدث انتشارًا كثيفًا للغبار والتراب. تهدّمت بعض المنازل جرّاء عصف الانفجارات.

خرج الناس من بعض الأزقّة مرعوبين، وهرع بعضهم الآخر بالاتجاه المعاكس للمساعدة. دخلنا الزقاق الأكثر استهدافًا، فرأينا وسطه جريحين قد استندا إلى جدار، الجريح الأوّل رجلٌ كبير السنّ اخترقت الشظايا رجليه، والآخر أصابت الشظايا وجهه ويديه ورجليه وهو في الرابعة والعشرين من العمر تقريبًا. لم تكن جروح كليهما بالغة، إلّا أنّ الأوّل بدا

 

314


301

الفصل التاسع

خائفًا بعض الشيء، فأخذ يقول مرعوبًا: "تعالوا وانظروا، تعالوا وانظروا، يريدون قتلنا!".

كان الدم يتدفّق من جرحٍ في رجله فقد أصابته شظيّة كبيرة نسبيًّا، بحجم كفّ اليد. فقلت لمن حولنا: "أحضروا قطعة قماش كي نحدّ من نزفه".

صرخ الرجل عند رؤية الدماء، واصفرّ لون وجهه الأسمر وأصبح كالأموات. أخذ الرجال يواسونه قائلين: "لا تحزن، ستتحسّن حالك، ليس هناك ما يقلق، تذهب إلى المستشفى وترى ما الأمر".

ربطتُ قطعةً من القماش من فوق فخذه لأخفّف من نزف الدم، وكنت قد تعلّمت ذلك ليلة أمس. نظرت إلى بقيّة الشظايا حيث اخترق الكثير منها طبقة الجلد، كما إنّ جرحي ساقه وساعده كانا ينزفان، فمزّقت الخرقة وعقدتها على العضلة التي تعلو الجرح. بينما كنت أشدّ جروح الشابّ، خاطبتُ الموجودين حولي: "ابحثوا عن وسيلة نقل لكي نرسل الجريحين إلى المستشفى".

قال أحدهم: "لديّ درّاجة ناريّة"، ثمّ أسرع لإحضارها. أمّا أنا فطلبت من "عبد الله" أن يساعدني لكي أربط خاصرة الشاب وساقه بسهولة. وحين وصل صاحب الدرّاجة تعاون الجميع على وضع الكهل ثمّ الشابّ على الدرّاجة، وانطلق المسكينان وهما يئنّان من الألم. على مقربة منّا وقف رجلان وعدد من الأطفال بأعمار مختلفة وهم ينوحون ويبكون. فقد تعرّض المطبخ في فناء بيتهم للقصف فاستشهدت على الفور شابّتان كانتا تعدّان الفطور فيه. انتشلنا جسداهما بمساعدة الناس

 

315


302

الفصل التاسع

ووضعناهما في شاحنة صغيرة. كان زوج إحدى الضحيّتين يحمل بيده بطاقة زوجته الشخصيّة وصار ينظر إلينا وإلى جثمانها المنقول إلى المقبرة والحيرة تملأ وجهه. لم يصدّق أنّ حياته انقلبت رأسًا على عقب خلال بضع دقائق جعلته يفقد زوجته.

لا وقت لدينا، جلتُ و"عبد الله" بنظرة عابرة إلى بيوت الحيّ وسألنا: "هل هناك جرحى آخرون". فأجابوا: "لا". مع أنّ أكثر سكّان ذلك الحيّ قد غادروه، لكنّنا قلنا لمن بقي منهم: "لا تبقوا هنا، إنّهم يقصفون البيوت بالراجمات بغزارة، ولا أحد يمكنه مساعدتكم، وقد يودي جرحٌ بسيط بحياتكم".

عدنا إلى المسجد حيث وُضعت خمس قدور نحاسيّة كبيرة. أذكر أنّ أوّل طعام ساخن يعدّ كان "القيمة" مع الأرز. قلت للسيّدات اللواتي تولّين مهمّة الطبخ: "دعن بقيّة العمل بعهدتي، سأتولّى أمر غسل الصحون بنفسي".

غسلتُ الأواني ونظفتُ المكان. ثمّ جلسنا وقطّعنا الخبز لنضعه على الطعام قبل أن نوزّعه. عندها وصلت شاحنة محمّلة بالخبز اليابس وأكياس الثياب والأغطية المستعملة والمعلّبات. تجمّعنا حولها نفرغ ما بداخلها يدًا بيد حتّى وضعناها داخل البهو.

في إحدى المرّات التي نقلتُ فيها الأغراض، وبينما كنت أحمل بيدي صندوقًا، دخلتُ الباحة فرأيت الفتى ذا الشعر الأسود "خسرو" الذي رأيته بالأمس، فتبادلنا التحيّة. وفي الوقت نفسه خرجت من بهو المسجد إحدى النساء اللواتي كنّ يساعدن في نقل حمولة الشاحنة، وقد سبق ورأيتها مرّةً أو مرّتين في الأيّام القليلة الماضية. كانت حسنة

 

316


303

الفصل التاسع

الأخلاق، طيّبة العشرة، تساعد في أعمال المسجد نهارًا وتذهب إلى بيتها ليلًا. وقد ذكّرني وجهها بإحدى قريباتنا.

لمّا رأت المرأة أنّي و"خسرو" نتبادل التحيّة قالت ضاحكة: "يبدو أنّكما تعرفان بعضكما بعضًا".

أجاب "خسرو" : "أجل يا أمّي، أعرفها؛ إنّها الأخت "حسيني" زينب عصرها، هل تعلمين أنّها دفنت أباها بيديها؟! أتصدّقين، أتصدّقين؟! تصوّري مثلًا أن أدفن أبي بيديّ!".

فجأة تغيّر حال والدته وصاحت قائلة: "خسرو، قل: لا قدّر الله عندما تأتي على ذكر اسم أبيك!".

فقال "خسرو" بلهجة خاصّة: "انظروا إلى أمّي، أقول لها إنّ أبا هذه الفتاة قد استشهد فدفنته بيديها، فتقول: قل لا قدّر الله!".

انتهت مهمّة تفريغ الحمولة سريعًا، فرأيت أنّ مسؤول المستوصف قد فرغ من أعماله فاغتنمت الفرصة. أحببت أن أساعد في الأعمال الطبيّة وأسعى لأن أذهب إلى خطوط المواجهة كيفما كان. لم أخمّن هل السيّد "نجّار" سيمنحني تلك الفرصة أم لا؟ لأنّي لم أتعرّف إلى شخصيّته جيّدًا بعد. كان في الثلاثين من عمره تقريبًا، متوسّط القامة، داكن البشرة وذا شعر مجعّد. نظرته الحادّة، بالإضافة إلى شاربه، يجعلانه يبدو للوهلة الأولى جادًّا بعض الشيء. وعلى الرغم من أنّ اسمه كان "خليل نجّار" لكنّه طلب من الفتيات أن ينادينه بـ"خليلي".

غامرتُ وتقدّمتُ منه وهو يتحدّث إلى "زهرة" و"أشرف فرهادي". ألقيت السلام، فردّ عليّ السلام. قالت الفتاتان: "هذه هي الأخت

 

317


304

الفصل التاسع

حسيني التي حدّثناك عنها". فأدركت أنّهما أخبرتاه بقصّة شهادة أبي. فقال بكلّ أدب واحترام: "في مثل هذه الأجواء عادةً ما تهنّئون بعضكم بعضًا، لكنّي أتقدّم لكِ بالعزاء. عندما أخبرتني السيدتان عنك، كان لافتًا لي وغريبًا في آن أن تدفن فتاة أباها بيديها، وظننت أنّكِ أكبر سنًّا ممّا تبدين الآن".

فشكرته وقلت: "أرغب في مساعدتكم، ولكنني لا أحسن أيًّا من هذه الأعمال، غير أنّي أستطيع أن أتعلّمها بسرعة".
- هل شاركت في دورة إسعافات؟
- كلاّ، ماذا تقصد بها؟
- أقصد الإسعافات الأوّليّة؛ أي أن تعلمي كيف تتعاملين مع الجريح.
- لا أنا لا أعلم شيئًا.
- ماذا عن إعطاء الحقن، هل تتقنين ذلك؟
- أنا أخاف، لم أقدم على ذلك قبل الآن!
- لا بأس، يمكنكِ البقاء هنا والبدء بالأمور السهلة حاليًّا؛ كتدوير القطن وتقطيع الأشرطة اللاصقة ووضعها على الطاولة النقّالة.
- إلى أيّ مدى تسعفون الجرحى هنا؟ هل تجرون عمليّة جراحيّة لهم؟
- ليس لدينا المعدّات الكاملة، نحن ننزع الشظايا السطحيّة فحسب ونخيط الجروح ونحول دون نزيفها، فالمكان ليس معقّمًا ولا يمكننا القيام بأكثر من هذا.

ثمّ تناول حقنة ومسندًا وشرع سريعًا يوضّح كيفيّة غرز الحقنة في

 

318


305

الفصل التاسع

عضلة المريض كدرسٍ أوّل. الفتيات أتقنّ هذا العمل؛ لأنّهن شرعن يساعدن السيّد "نجّار" قبل حضوري بفترة طويلة. أمسكتُ و"زهره فرهادي" الحقنة وأخذنا نتمرّن، وقد كدنا نصاب بالإغماء من شدّة الضحك.

في تلك الأثناء، صادف وصول أحد الجرحى، وكان شقيق "مريم أمجدي"، وقد جرحت رجله والتهبت. وبما أنّه لم يستطع أن ينزع حذاءه العسكري لعدّة أيّام، اتّسع نطاق الجرح والالتهاب ما أحدث وضعًا مريعًا. طلب السيّد "نجّار" من "علي أمجدي" أن يجلس، ثمّ انحنى بنفسه وأخرج الحذاء بصعوبة بالغة من رجل الشابّ الذي أخذ يتلوّى ويعضّ على شفته من فرط الألم. ولمّا أراد السيّد "نجّار" نزع جوربه تناول سائلًا معقِّمًا وأراقه على رجل الشابّ لكي يسهل عليه فصل الجورب عن الجلد الملتهب.

"مريم أمجدي" التي لم تطق أن ترى أخاها بهذه الحال، جلست على الأرض واضعةً يدها حول عنق أخيها، وأخذت تقبّله وتتودّد إليه. فاستاء "علي أمجدي" من تصرّفاتها وصار ينزع يدها عن رقبته قائلًا: "توقّفي، هذا غير لائق، لمَ تفعلين هذا؟"، غير أنّ "مريم" لم تكفّ عن ذلك. لدى رؤيتي "علي أمجدي" تذكّرت أخي "علي"، فإنّه يحمل اسمه وهو عنصر في الحرس الثوري كذلك، شعرت عندها بشوق كبير إلى أخي ووددت لو أراه في تلك اللحظة أيضًا وأعانقه.

بعد مرور بضع دقائق، نزع السيّد "نجّار" الجورب وضغط على الجرح لكي يخرج القيح منه. كان ذلك مؤلمًا جدًّا لـ"علي"، فصار يشدّ على يديه ويرفع رأسه وهو يتمتم بذكر الصلوات. راعني ذلك المنظر

 

319


306

الفصل التاسع

كثيرًا، فأنا على معرفة جيّدة بهذا الألم؛ كنت أعاني الوضع ذاته عندما انغرز المسمار في قدمي وأصابها الالتهاب. خرجت إلى الباحة لعلّ حالي تتغيّر، فجُلت في المكان حيث كانت النسوة مشغولات بتنظيف الأرز والحبوب، والباحة تعجّ بالخارجين والداخلين. جلستُ بقربهنّ وأخذتُ صينيّة، وبدأتُ العمل وأنا أراقب الباب، فإذا ما جاؤوا بجريح أدخل المستوصف، أو إذا طلب أحد شيئًا أناوله إيّاه.

عندما نضج الأرز، شرعنا نسكب الطعام؛ وضعناه أوّلًا في أوعية بلاستيكيّة، أو في أكياس أو حتّى في قدور كبيرة للمقاتلين في خطوط المواجهة. أثناء العمل، رأيت الشيخ "محمّدي" والشيخ "نوري" وشيخ آخر -وكان الأخير ذا بشرةٍ سمراء وشعرٍ بنّي، وقد بدا نشيطًا مع أنّه قد ناهز الخمسين- راحوا يردّدون ذكر الصلوات على محمد وآل محمد، وكذلك فعل كلّ من تحلّق حول القدر الكبيرة. ولمّا علم ذلك الشيخ -الذي لم أعد أذكر اسمه- أنّي من نسل السادة، وأنّ والدي قضى شهيدًا، صار يُبدي لي احترامًا بالغًا.

حينما وُضعت أوعية الطعام في شاحنتين لإرسالها إلى الخطوط الأماميّة، اتخذت قراري بالذهاب إلى هناك. لطالما استحوذ هذا الأمر على تفكيري وشغل بالي خلال الأيام المنصرمة؛ إلى درجة أن أصبح الذهاب إلى تلك المنطقة أمنيتي. وكانت الصورة عن تلك المنطقة لا تزال مبهمة لديّ، فقد رأيت منطقة "شرطة المرور" عند بداية جادّة خرمشهر-أهواز. أخذت أتساءل: "كيف يحارب شبابنا في تلك الصحراء ولا موانع في المكان يستترون بها؟ يمتلك الجيش العراقيّ دبّابات، فماذا عن شبابنا؟ في "سنتاب" سكّة الحديد وفي المرفأ هناك إمكانيّة

 

320


307

الفصل التاسع

للاختباء خلف الجدران والمباني ووسائل المرفأ، لكنّ هذا غير ممكن عند منطقة الشرطة".

بناءً على الأخبار التي نقلها المدافعون من خطوط المواجهات والتي تتناقلها الألسن، فإنّ بعض الجرحى قضى بسبب نزف بسيط، قال بعضهم: "ليت المسعفين موجودون في خطّ المواجهة، أو ليت المعدّات الطبّية موجودة هناك". عندما سمعت أنّ هناك نقصًا في عدد قوّاتنا في تلك المنطقة، دُهشت من بقاء هذا العدد من الشباب في المسجد وفي الشوارع، فقلت في نفسي: "لعلّ هؤلاء لا يحسنون القتال"، ثمّ استدركت: "يجب الوقوف في وجه العدوّ ولو بالعصيّ والهراوات!".

لم ألبث أكثر من ذلك، وتقدّمت ممّن وقفوا حول الشاحنة استعدادًا للانطلاق وقلت: هل أنتم ذاهبون إلى خطوط المواجهة أيّها الإخوة؟
- أجل.
- هل لي أن أرافقكم إلى هناك؟
- هذا غير ممكن.
- لماذا؟ لمَ لا يمكن؟
- إننا ذاهبون إلى خطّ المواجهة لتوزيع الطعام لا للقتال.
- وأنا أريد أن آتي معكم لتوزيع الطعام أيضًا.
- نحن سنقوم بذلك ولا داعي لمجيئك.
- إنني أساعد منذ الصباح في إعداد الطعام، وأود الآن إيصاله إلى المجاهدين بنفسي!
 

321


308

الفصل التاسع

- المكان هناك خطِر، فالدبابات والمدافع هي سيّدة الموقف.
- الخطر عليّ وعليكم، وما الفرق بيني وبينكم؟

وحين رأوني أجيبهم عن كل ما يقولون، لاذوا بالصمت، فشعرت بأنّهم وافقوا. وقبيل انطلاق الشاحنة، قفزتُ إلى داخلها. انطلقت الشاحنتان معًا من أمام المسجد الجامع، ثمّ انفصلتا بعد مسافة قصيرة، لتتّجه كلّ واحدةٍ إلى جهة معيّنة. سارت الشاحنة التي ركبتها نحو مستديرة السكّة الحديديّة، وكان سائقها يقودها بسرعة بحيث كاد الهواء أن يسحب عباءتي منّي. بعد أن أحكمت عليها السيطرة، بادرتُ واثنان من الإخوة إلى إمساك قدور الطعام التي بدأت تنضح بالزيت للخارج بسبب المطبّات. كانت الشوارع ملأى بالحُفر التي خلّفتها انفجارات القنابل والقذائف؛ ما دفع السائق إلى الهروب منها يمينًا ويسارًا، اضطرّه ذلك أحيانًا للوقوع في إحداها. أمّا نحن فكنّا نعلو ونهبط مع القدور.

كلّما تقدّمنا بالمسير خلت الشوارع من الناس أكثر، وظهرت آثار الحرب بشكل أوضح على الجدران والبيوت؛ بل وحتّى الأشجار التي غدا كثيرٌ من أغصانها محترقًا أو منكسرًا. كانت القطط والكلاب تجول وتركض في تلك الشوارع المقفرة. شيئًا فشيئًا، أخذت قوّة النيران وأصوات الانفجارات تزداد حدّة، فخفّف السائق من سرعته إلى أن توقّف أخيرًا قرب مستديرة السكّة الحديديّة. ظلّت أصوات إطلاق النيران المتبادل بين الطرفين تُسمع بوضوح. صبّ الشباب الطعامَ في عدد من أكياس النايلون ووزّعوها على المدافعين المستقرّين في دشمة قرب أحد جدران الملعب الرياضي. نظرت إليهم جيّدًا؛ التعب بادٍ على وجوههم،

 

322


309

الفصل التاسع

ومن الواضح أنّهم شباب مدينتنا، فلم يكن أحد منهم يرتدي زيًّا عسكريًّا معيّنًا. لبس بعضهم بنطالًا عسكريًّا ووضع واحد منهم -وقد فتح أزرار قميصه الأزرق من شدّة الحرّ- خوذة عسكريّة خضراء اللون بدا أنّها غنيمة حرب أخذت من البعثيّين. ما إن وقع نظر هذا الشابّ عليّ حتّى قال: "لماذا أتيتِ يا أختاه؟ المكان غير آمن!".

لم يرق لي كلامه فقد تحدّث بلهجة المساءلة، وأجبته: "إن كان غير آمن فلمَ بقيت أنت هنا؟ أنا مثلك أيضًا".

قلت ذلك وركبت الشاحنة على عجل ثمّ انطلقنا، وقد أخذ السائق يسير ببطء. وبعد نحو مئتين أو ثلاثمئة متر، تراءت لنا دشمة أخرى على الطرف الآخر من الشارع، فطرق الإخوة على سقف الشاحنة. توقّف السائق، وحملوا الطعام إلى المقاتلين في الدشمة. في تلك الأثناء، دقّقت النظر في الشارع، فرأيت الجداول التي كانت تتوسّطه وقد أزيلت من مكانها لتتناثر ركامًا إلى جانب التراب والعشب الأخضر في أرجاء المكان. لم يكن هناك أيّ أثر للأغصان أو الأوراق على الأشجار. في المحطّة التالية، وقبل أن تتوقّف الشاحنة، تناولت عدّة أكياس من الطعام وقفزت إلى الأرض ثمّ سرت في الأزقّة التي تلي مستديرة السكّة الحديديّة، حيث لم يكن هناك سوى عدد قليل من الأشخاص، وقد تمركز أكثر المقاتلين على سطوح المنازل. كانت ترتفع أصواتهم حين يركضون، كانوا يطلعون الشباب في المقدّمة على ما يجب عليهم فعله عبر اللاسلكي أو عبر الصراخ! أخذ هؤلاء المدافعون يطلقون النار على الجيش العراقيّ من تلك النقطة التي كانت تعدّ نهاية خطّ المواجهة، ذلك الخطّ الذي كنّا على مسافة قريبة من أوّله لدرجة أنني كنت أسمع

 

323


310

الفصل التاسع

بوضوح: "اذهب وأطلق النار من تلك الجهة.. احذر تلك الدبّابة.. ارمِ حامل الـ "آر بي جي".. احذر خلفك...".

صار جسدي يرتعش من حدّة أصوات الانفجارات وإطلاق النار والصراخ. انتابني بعض الخوف، فما من شيء كان متوقّعًا، خاصةً أنّ تبادل إطلاق النار، الذي يأتي من كلّ اتّجاه، كان كثيفًا جدًّا. ومع أنّي كنت محاطة بالأبنية غير أنّي لو لم أحنِ ظهري لاخترقت رأسي ورقبتي على الفور رصاصات الـ"كلاشينكوف" والرشاشات6 التي انهالت علينا من المبنى المقابل! مشيت قرب الجدار وأنا أسمع صوت الدبّابة الذي يشبه تمامًا صوت تلك التي رأيتها في شارع "40 مترى" سابقًا. في تلك الظروف تساءلت: كيف لهؤلاء المساكين أن يأكلوا الطعام في هذا الوضع؟!

حثثتُ الخطى وأخذت أقدّم الطعام لكلّ من أراه. أمّا المجاهدون فتعجّبوا من رؤية الطعام المطبوخ والساخن. قال أحدهم: "ليس هذا الوقت مناسبًا للأكل!"، وإستلمه آخر مني وقال: "لنرَ، ماذا أحضرتم لنا؟". وقال آخر: "لم نكن نتصوّر أبدًا أنّكم ستحضرون لنا طعامًا! يبدو أنّ الموجودين في الخلف مهتمّون بشأننا!".
- بالطبع إنّهم مهتمّون بشأنكم، ما دمنا موجودين فلا داعي للقلق.

كانوا يبادرونني بالشكر، ثمّ جلس بعضٌ ممّن لم يكن مشغولًا بأيّ عمل إلى زاوية جدار وشرعوا يأكلون بأيديهم. سررت كثيرًا لذلك؛ لأنّنا أوصلنا الطعام لمن يستحقّ أكله فعلًا، وسيستمدّ به هؤلاء المقاتلون القوّة، وبالتالي سيحاربون بشكل أفضل، كما إنّهم سوف يطمئنّون إلى

 


6- يحتمل انها سلاح الـ(BKC)

 

324


311

الفصل التاسع

أنّ هناك في الخلف من يفكّر في أمرهم.

حين أردت الخروج من الزقاق سألت: "هل هناك من لم يصله الطعام؟".

أجابوا: "هناك مقاتلون في الأمام". تركت لهم طعامًا أيضًا ثمّ عدت إلى الشاحنة لإحضار المزيد، وبينما أنا أدفع القدور إلى الأمام سمعت شخصًا يقول: "أختاه لمَ أتيت إلى خطّ المواجهة؟".
- أنتَ لمَ أتيت؟
- حسنًا جئت لأقاتل.
- وأنا جئت لأوصل لكم الطعام.
- هناك أشخاص موجودون، فليأتوا هم.
- وما الفرق؟ فهم مثلي أيضًا.
- أعني الإخوة، ما داموا موجودين فليس على الأخوات أن يأتين إلى مثل هذه الأمكنة.
- لماذا؟ وهل لون دمائنا أجمل أم أنّ أرواحنا أغلى؟
- ليس هذا ما قصدته، إنّ العراقيّين منتشرون في كلّ مكان وربما سيظهرون فجأة أمامك.

فقلت بوقاحة: "حسنًا، وإن يكن".

غضب وقال: "كلّما قلت لها شيئًا أجابتني بآخر! يا فتاة، ماذا لو وقعتِ في الأسر؟!".
 

325


312

الفصل التاسع

- إذًا فما دورك أنت؟

عند ذلك رفع يديه ثمّ أنزلهما قائلًا: "حسنًا، دعك من هذا، افعلي ما بدا لكِ!".
- لا تظنّ أنّ الرجال فقط قادرون على القيام بعمل ما، نحن أيضًا نقدر على ذلك، لقد قال أبي إنّه في هذا الوقت لا فرق بين الرجل والمرأة.
- إليكِ عنّي! لا مجال للحديث مع أمثالك!

ردّ عليه الإخوة الذين رافقتهم قائلين: "لقد حاولنا جاهدين أمام المسجد أن نمنعها من المجيء، لكن لم نستطع إقناعها، وأنت تريد الآن إرجاعها!".

تناولتُ أكياس الطعام، وسرتُ ثانية داخل أحياء تلك المنطقة. أحيانًا كنت أسير محنيّة القامة، فإذا زادت حدّة إطلاق النار جلست، وبعدها أركض بسرعة. ومجدّدًا، ما إن يراني بعضهم حتّى يخاطبوني غاضبين: "أنتِ، من أين ظهرتِ؟ ماذا تفعلين هنا؟ من الذي أتى بكِ؟".

كنت بدوري أتجاهلهم لأنّ المقام ليس مقام بحث وجدال. في بعض الأماكن لم أكن أرى أحدًا فأنادي: "هل من أحدٍ هنا؟ لقد أحضرنا طعامًا". وعندما لا أسمع جوابًا أركض راجعة. مع أنّي كنت خائفة غير أنّي رغبت في أن أصعد إلى السطوح وأخوض تجربة الحرب وجهًا لوجه. عندما فرغت من التوزيع مشيت نحو الشاحنة وكان الطعام قد نفد، وبما أنّي كنت راغبةً في البقاء خاطبت أولئك الذين رافقتهم قائلة: "هلّا بقينا هنا؟".

فأجابوا باستغراب: "ولمَ؟ ماذا سنفعل إن بقينا؟!".
 

326


313

الفصل التاسع

كنت أرى أنّ مجيئي إلى ذلك المكان هو كالمعجزة، فقلت لهم: "في النهاية، لا بدّ أن يكون هناك عمل ما، بإمكاننا أن نمدّهم بالسلاح".
- ومن أين لنا بها، فالأسلحة الموجودة هنا هي في أيديهم، وكثيرون منهم غير مسلّحين.

انزعجت كثيرًا، فلا ذريعة أخرى تُبقيني هناك، أضف إلى ذلك أنّ كلّ من رآني استغرب وجودي في هذا المكان، فقلت في نفسي: "لو كان معي سلاح أو جعبة إسعافات لبقيت بالتأكيد".

وعندما رأى الإخوة مكوثي، قالوا لي: "إذا كنت ستتصرّفين هكذا فلن نحضرك معنا في المرّات القادمة".

بدا لي أنّهم بكلامهم هذا أرادوا خداعي وإرجاعي، ولكنّ حجتهم لم تكن كافية، فما كان منّي إلّا أنّ قلّبت الأمور في ذهني سريعًا؛ فقد أحببت المكوث هنا ولكنّي خاطبت نفسي قائلة: "أنتِ لا تريدين أن يصبح بقاؤك معيقًا للآخرين وسببًا لقلقهم. إضافة إلى ذلك فما الذي يمكنك القيام به؟ إن لم يكن هناك عمل فوجودك بلا طائل!". عندها، لم أنطق بأيّ كلمة أخرى وصعدت الشاحنة، ثمّ قفلنا راجعين وكلّي ثقة بأنّي سوف أجد طريقًا مناسبًا للذهاب إلى خطّ المواجهة مجدّدًا.

عندما وصلنا إلى المسجد كانت الأواني والقدور قد جمعت وغسلت. وقد خصّص السيّد "سليماني" قدرًا صغيرة من الطعام للمغسّلين ووضعها جانبًا. لم يذق هذا الطعام أكثر أولئك الذين تعبوا في إعداده وسكبه! حملت القدر وانطلقت بها نحو "جنت آباد"، وأنا أدعو الله أن لا تكون "دا" قد ذهبت إلى هناك. في الصباح، كنتُ قد أوصيت من أعرفهم في المسجد أن يخبروني عن تحرّك أي سيّارة نحو "جنت آباد"،

 

327


314

الفصل التاسع

ولكن حتّى الظهر لم يصلني أي خبر.

عند مدخل "جنت آباد"، ناولت قدر الطعام لأحد المغسّلين وقصدت المغسل. في الوقت نفسه خرجت أختي "ليلى" من هناك وقد بدت مصفرّة اللون خائرة القوى. ما إن رأتني حتّى سلّمت عليّ وأشارت إلى صرّة بيضاء في يدها وهي تقول: "زهراء، هلّا دفنتِ هذه"!؟
- ما هذا الذي في يدك؟

أجابتني بألم: إنّها شهيدة!

قلت مندهشةً: ما هذه الشهيدة؟ لمَ هي هكذا؟!
- أخبرنا من أتوا بها أنّها كانت امرأة جسيمة، وهذا كلّ ما بقي منها!
- ولماذا وضعتموها في صرّة؟
- وماذا أمكننا أن نفعل؟ لقد جمعت "زينب" أشلاءها من البطّانيّة بواسطة القفّازات! "زهراء"، أنا لن أتناول اللحم بعد هذا ما دمت حيّة!!

احترق قلبي على "ليلى". أخذت الصرّة منها فانتابني شعور سيّئ، وأحسست بوهن شديد في قلبي بحيث لم أعد أطيق الإمساك بها. لم أشعر بوجود العظام فيها. قلت في نفسي: لا بدّ أنّ القذيفة وقعت على المرأة مباشرة!

أرجعتُ الصرّة لـ"ليلى"، وذهبت لكي تدفنها. في الحقيقة لم أستطع أن أمسك أشلاء تلك الجثّة، لكنّ معنويّات "ليلى" كانت أعلى، فسارت أمامي وتبعتُها حتّى وصلنا إلى حفرة. وضعت "ليلى" الصرّة داخلها وأخذنا نهيل التراب عليها حتّى غطّيناها.
 

328


315

الفصل التاسع

لم أرد لـ"ليلى" أن تبقى هنا وترى هذه الأشياء، لذا قلت لها: "ليلى، تعالي معي إلى المسجد فهناك أعمال كثيرة".
- لا، بل سأبقى هنا.
- إن بقيتِ هنا فسترين المزيد من أشلاء هؤلاء الضحايا.
- وإن يكن، مع هذا فأنا أشعر بارتياح أكثر هنا.
- ولكنّي سوف أقلق عليكِ.
- لا تقلقي، الأماكن الأخرى ليست أفضل حالًا، أولا يأتون بهؤلاء الشهداء من البيوت والأحياء؟

رأيت أنّها محقّة فيما تقول، بعد ذلك سألتها: "ما الأخبار هنا" ؟
- دفنّا منذ الصباح وحتّى الآن شهيدتين. كما أنّ "دا" حضرت مع منصور ومحسن وزارت قبر أبي.
- لقد طلبت منها أن تنتظرني، لم أشأ أن تسير كلّ هذه المسافة على قدميها، لكنّي لم أجد وسيلة نقل رغم سعيي الحثيث. حسنًا كيف كان حالها؟ أرجو أن لا تكون قد سبّبت لنفسها الأذى.
- نعم، لقد بكت كثيرًا، لقد أنشدت وناحت بالكرديّة والعربيّة كلّ ما تحفظه، حاولت جاهدةً أن أهدّئها لكنّها لم تهدأ. أخذت أريها القبور وأقول: "انظري، إنّ لهؤلاء الراقدين هنا زوجات وأبناء وعوائل أيضًا. عليكِ أن تتحلّي بالقوّة، وتكوني لنا أمًّا وأبًا! لكنّها لم تسمع، فرفعتها عن القبر بالقوّة، وأرسلتها إلى إخوتي".

تركتُ ليلى وقصدت قبر أبي، فقد اشتقت إليه كثيرًا. جثوت على

 

329


316

الفصل التاسع

ركبتيّ، وقبّلت قبره ووضعت رأسي على ترابه: أبي، هل تسمعني؟

وددت لو يحضنني ويلاطفني. قبّلت الحجر الذي كُتب اسمه عليه وموضعَ الاسم، وصرتُ ألوم نفسي لأني لم أستفد كثيرًا من وجوده أيّام حياته. ذرفت الدموع وأخذت أنتظر، كان انتظارًا قاتلًا آلم روحي، لكنّه لم يفارقني. تمنّيت أن يأتي ويحضنني!

بكيتُ وبثثت ما يختلج في نفسي من مشاعر. ما كنتُ لأقوم عن القبر لولا أنّ أصوات أولئك الذين حضروا لزيارة أحبّتهم صارت في أذني وأفسدت وحدتي. لم أرغب في أن يراني أحد على تلك الحال. رجعت نحو المغسل حيث وقف ثلاثة شبّان أمام غرفة السيّد "برويزبور" وقد أحضروا شهيدًا بانتظار أن يسجّلوا المعلومات الشخصيّة لشهيدهم. كنت أعلم أنّ السيد "برويزبور" ليس موجودًا. وحيث إنّ باب غرفته كان مفتوحًا قلت لهم: "ادخلوا، سأسجّل المعلومات بنفسي".

جلستُ خلف المكتب وأخرجتُ الدفتر الخاصّ بمواصفات الشهداء من الدرج، فدخل رجلان منهم وصرت أسألهما فيجيباني باكيين. كان شهيدهم من محلّة "طالقاني"، واسمه عبد الستّار. بينما أملأ الورقة دخلت "ليلى" الغرفة، وجلست على كرسي. بعد ذلك انصرف الشبّان ليسلّموا الشهيد للمغسل. أغلقتُ الدفتر وقلت لـ"ليلى" : "نفسي تتوق لرؤية بيتنا كثيرًا".
- وأنا كذلك، ما رأيك في أن نذهب إلى البيت فأبدّل ملابسي على الأقلّ؟

خرجنا من الغرفة وقلنا لـ"زينب" التي وجدناها جالسة عند الباب:

 

330


317

الفصل التاسع

"نحن ذاهبتان إلى البيت".

فهمّت بالنهوض سائلةً: هل تريدانني أن أرافقكما؟
- لا، سنعود سريعًا.

في الطريق، أخذتُ و"ليلى" نتذكّر كلّ ذكرياتنا مع أبي، فتروي الواحدة للأخرى. وصلنا إلى البيت، لكنّ مفتاحه لم يكن بحوزتنا. عندها نظرت إلى أوّل الزقاق وآخره فلم أجد أحدًا، وضعت قدمي على حافّة السياج المحيط بالحديقة المحاذية للرصيف وأمسكت بحافّة الحائط ثمّ رفعت نفسي. وفي الجهة الأخرى استعنت بالسياج المرتفع الذي وضعه أبي حول حديقة البيت كي يحبس الدجاجات، ثمّ قفزت داخل الباحة.

كانت تلك المرّة الأولى التي تطأ فيها قدمي بيتنا بعد شهادة أبي. لقد أخبرت "ليلى" أنّي مشتاقة إلى البيت، ولكنّي في الواقع أردت أن آتي لأنظر إلى صور أبي المعلّقة على جدران غرفتَي النوم والاستقبال؛ ظنًّا منّي أنّ النظر إلى تلك الصور سيطفئ شيئًا من النار في داخلي.

فتحت الباب، فدخلت "ليلى" ونظر كلانا بفضول إلى كلّ زاوية من زوايا باحة البيت الذي بدا وكأنّه قد تُرك لسنوات. نظرت إلى الحديقة، شتلات البندورة والبامية قد يبست جميعها. ماذا حلّ بهذه الحديقة التي لطالما اهتمّ والدي بها. أذكر أنّه حين كان يعمل في الحديقة أنشد لطميّة بالكرديّة ذكر فيها فراق أبويه والمعاناة التي قاساها في حياته. كان صوته حزينًا بحيث كان يبكي ويُبكينا. وكثيرًا ما كان جارنا السيّد "كروهي" يسمع صوت أبي فيطرق الباب ويدخل. ولأنّه صديقه كان يجبره على الإنشاد له بالكرديّة، فيتهرّب أبي في بداية الأمر ويمتنع،

 

331


318

الفصل التاسع

لكن سرعان ما يشرع ينشد كفنّان محترف.


وقع نظري على صنبور الماء، ذهبت وفتحته، ولكنّ الماء لم ينزل منه، لم أسمع سوى صوت الهواء من داخله. عندما كان يصل أبي إلى البيت، يغسل يديه ووجهه، فإن لم نكن قد غسلنا الباحة7 يبادر إلى ذلك بنفسه، كي تكون نظيفة حين نضع طعام العشاء.

 

بينما كنت أنقّب الباحة بنظراتي، رأيت "ليلى" قد ذهبت إلى عدّة العمل التي كان أبي يستخدمها في أعمال السباكة8 واللحام، وقد وُضعت في إحدى زوايا الباحة. لحقتُ بها، انحنيت وحملت العدّة وقبّلت جميع مواضع يديه عليها، أحسست أنّها لا تزال تحتفظ بحرارة يديه. بينما كنت أستحضر وجهه حين كان يعمل بهذه الوسائل، وقعت عيناي على الحوض البلاستيكي الذي كنّا قد وضعنا فيه سمكات العيد، فقلتُ لـ"ليلى" : "ليلى، السمكات!".

 

ركضنا معًا نحو الحوض وإذا بطبقة سوداء من الزيت والدخان قد علت الماء فيه. وكان هذا الدخان ناشئًا عن اشتعال النفط الخام في معمل "آبادان" لتكرير النفط، والذي لم يكن قد أُخمد بعد. وقد طفتْ سمكات العيد الحمراوات بين طبقة الدخان والتراب الذي علا سطح الماء. وضعتُ يدي في الماء وحرّكته ثمّ نظرت إلى "ليلى" التي كانت تنظر إلى السمكات وتذرف الدموع بصمت، فعلمت حينها أنّها تتذكّر سُفرة عيد النوروز من هذا العام9؛ أي قبل ستّة أشهر.

 

 

 


7- ساحة صغيرة المساحة عند مدخل المنزل وضمن سوره، يُقال لها بالفارسية "حياط".

8- أعمال السمكرية ومدّ الأنابيب.

9- سفرة الـ"هفت سين"؛ تقليد تراثي مشهور في مراسم احتفالات النوروز ورأس السنة الهجرية الشمسية؛ في 1 فروردين 1359 (21 آذار 1980).

 

332


319

الفصل التاسع

كانت تلك المرّة الثانية التي نضع فيها سفرة العيد في بيتنا؛ إذ لم يكن يرضى أبي بذلك من قبل. وعندما وافق، اشترينا أغراض السفرة وأعددناها بشوق وشغف. في يوم العيد، وضعنا السفرة في غرفة الاستقبال ووضع كلٌّ منّا داخلها شيئًا؛ فوضعت "دا" أقراص الحلوى بالزنجبيل والسمسم والقرفة في وعاء مغطّى، بعد أن حضّرت عجينتها بنفسها، وسلّمتها لخبّاز الحيّ كي يخبزها في فرنه. بعد ذلك، حضّرت بعض الحنّاء كي تصبغ أيدينا وأقدامنا بها بمناسبة حلول العيد، كما وضع أبي النقود التي أراد أن يعطينا إيّاها بين صفحات القرآن وقد انشغل بتلاوة آياته. أمّا أنا و"ليلى" فقد وضعنا الفاكهة والمكسّرات في أوعية السيراميك والزجاج ثمّ رتّبناها على السفرة، وحرصنا على ألّا يأخذ الصبية شيئًا منها. كما طلبتُ من "زينب" و"سعيد" و"حسن" و"منصور" أن يزيّنوا البيض الخاصّ بهم. في الأثناء، نظّفتُ مرآةً ذات إطار خشبيّ -وكانت ذكرى بيتنا في البصرة- ووضعتها على السفرة مع شمعدانين فضّيين اشتراهما أبي مؤخّرًا. وضعتُ المرآة مقابل إناء السمك لكي يُرى فيها انعكاس السمكات التي كانت في حركة دائمة، وأحضرتُ عيدان البخور وماء الورد. قبيل تحويل السنة بدقائق، أشعلتُ الشموع وعيدان البخور وجلسنا جميعًا حول السفرة. وبالرغم من أنّي حرصتُ كثيرًا على ألّا يلوّث إخوتي ثياب العيد، ولكنّهم فعلوا! تلك كانت السنة الثانية التي اشترى أبي فيها ثيابًا جديدةً لنا جميعًا. في الماضي، وعند حلول العيد، كنت أرى رفيقاتي يلبسن ثيابًا ملوّنة جديدة ويلعبن في الأزقّة، فأبكي لأنّ "دا" لم تكن تشتري لنا ثيابًا جديدة. كانت تقول: "أبوكم لا مال لديه"، ثمّ تمسح على رأسي وتتابع: "لا تذكري ذلك أمام أبيك لأنّه سينزعج. عندما يحصل على النقود سأشتري لكم ثيابًا".
 

333


320

الفصل التاسع

بدوري، كنت أنتظر آملة حصول أبي على النقود، وأحلم أنّي عندما أكبر سوف أشتري لأبنائي ثياب العيد مهما كلّف الأمر. وفي عالم لهوي ولعبي، كنتُ أتخيّل الآباء يعطون الأمّهات كثيرًا من النقود ويصطحبون أولادهم إلى الحدائق. الفتيات يرتدين الكنزات المشبّكة والتنانير ذات الطيّات ويلعبن بالألعاب، والجميع يقضي أوقاتًا طيّبة. ولأجل أحلامي تلك، كنت آخذ من الخيّاطتين "نورية" و"كيفية"، القريبتين لنا القاطنتين في حيّنا، بقايا قماش لأخيط الثياب للدّمى خاصّتي.

تركنا حوض الماء ودخلنا البيت الذي لم يكن بابه مقفلًا. ما إن دخلت حتّى أخذتُ أبحث بين الصور المعلّقة على جدران غرفة الاستقبال، فرأيت صورة أبي وانهمرت عيناي بالدموع. حاولت كثيرًا أن أخفي عن "ليلى" ما يختلج في داخلي، إلّا أنّي فقدت السيطرة على نفسي. كان أحد أقاربنا قد التقط تلك الصورة وكبّرها أبي في يوم العيد الماضي. تقدّمتُ وقبّلتُ صورته وصرت أتأمّل وجهه، فرأيت عينيه المتعبتين اللتين قلّما ذاقتا طعم النوم، ورأيتُ السكينة المعهودة فيهما. كان أبي يرتدي في تلك الصورة قميصًا ذا أكمام طويلة وبنطالًا أخضر، ويحمل أختي "زينب" وكانت في الرابعة من عمرها، وقد وقف إلى جانب أخوالي وعددٍ من رجال العائلة. لكنّي لم أجد في وجه أيّ منهم ما رأيته في وجه أبي.

 

بعد ذلك، دخلت الغرفة الصغيرة التي كان أبي يضع فيها أوراقه ومستنداته ومعدّات عمله. تناولت أشرطة القرآن وخطب العلّامة المرحوم "الكافي". نظرت إليها واحدًا واحدًا فلم أجد بعضها، فتذكّرت أنّ أحد الجنود سلّم "دا" عددًا منها عند دفن أبي قائلًا: "هذه خاصّة بالسيّد".
 

334


321

الفصل التاسع

كثيرًا ما جلس والدي في هذه الغرفة واستمع إلى خطب الشهيدين "مطهّري"، و"بهشتي"، أو بكى لسماع مجالس العزاء بصوت الشيخ "الكافي"، ثمّ خرج منها محمرّ الوجه. أذكر جيّدًا يوم قال لي: "الخميني حفيد الحسين، وإذا قلنا للإمام الحسين: يا ليتنا كنّا معكم لننصركم، فالآن علينا أن ننصر الخميني كي لا يكون كلامنا مجرّد ادّعاء، ونثبت بذلك عمليًا أننا أنصار الحسين". قبّلتُ الأشرطة وحضنتها قائلة: "أبي، لقد أحسنت الاستماع إلى الكلام وعملت به جيّدًا". بعد ذلك، رأيت أدوات الرياضة التقليدية10.

جئت إلى البيت لعلّي أهدأ لدى رؤية صور أبي، لكنّي صرت أسوأ حالًا وزاد شوقي إليه، فلا شيء يمكنه أن يملأ مكان لحظة واحدة من رؤيته ومعانقته. كنت مستعدّة لأن أعطي كلّ ما أملك، حتّى روحي مقابل تلك اللحظة، لكن للأسف، لم أجد سوى الحسرة التي عذّبت قلبي وروحي. أخذت أخدش صدري لعلّي أخرج قلبي الذي لم أجد ما يسكّن آلامه. فكان من الأفضل ألّا يكون!

صحوت ممّا أنا فيه، فوجدت أنّه قد مضى على مجيئنا إلى البيت ساعة، كان ينبغي لنا الرجوع سريعًا. خرجت من الغرفة وناديت "ليلى" فلم أسمع جوابًا. فتحت باب غرفتنا فوجدت "ليلى" جالسة على حافّة السرير وعليها آثار البكاء الشديد. دخلت وجلست بقربها، وصرت أحدّق بصمت في الباب والجدران، وكلّ منها يحمل كثيرًا من الذكريات.
فيما مضى، يوم سحب القرعة على أراضي مدينة عمّال البلديّة،

 


10- رياضة الـ"زورخانة"، رياضة تراثية قديمة؛ من أدواتها أوتاد خشبية في الارض وأوزان صغيرة؛ وردت تعريفات عنها في كتابي "سلام على إبراهيم"، و "زقاق الرسامين".

 

335


322

الفصل التاسع

انتابنا قلق شديد أن لا يكون اسمنا بين الرابحين. وحين علمنا أننا لم نحصل على قطعة أرض حزنّا كثيرًا، وتضرّعنا إلى الله بأن نربح في المرحلة الثانية من القرعة. وبالفعل، كان اسمنا من بين الفائزين، فشكرنا الله على ذلك، وفرحنا بانتهاء زمن الترحال. ومنذ اليوم الذي خطّوا فيه بالكلس حدود البيوت وخريطة الأزقّة وحتّى اليوم الذي سكنّا فيه البيت، صرنا نذهب لمشاهدة بيتنا يُبنى، حيث حفروا أساساته يومًا، وأنشأوا دعائمه الحديديّة في يوم آخر، ثمّ بنوا الجدران والسقف و... وشوقنا يزداد مع انتهاء كلّ مرحلة، بانتظار اكتمال البيت وتسلّمه. في النهاية، اضطرّ أبي -بسبب الضغوط ومتاعب الإيجار- إلى أن ينقلنا إلى البيت وهو غير مكتمل العمران، وقد أكمله بمساعدة إخوتي.


ها هو ذا البيت اليوم، ولكن أين صاحبه؟ نهضت وأخذت أبحث عن مفتاح خزانة أبي. أردت أن أحضن ثيابه، غير أنّي لم أجد مفتاحها. دخلت "ليلى" غرفته وأغلقت الباب خلفها، فاغتنمت الفرصة وذهبت إلى خزانة أخي "علي" فتناولت بزّة الحرس خاصّته وقبّلتها وضممتها إلى صدري ثمّ شممتها وهي مغسولة ومكويّة. منحني لونها الأخضر، مع ما لها من حرمة وقدسيّة بالنسبة إلي، الهدوء والطمأنينة. سألت نفسي: "ترى أين هو "علي" الآن؟ هل سمع بخبر شهادة أبي؟ هل يسمح وضعه الصحّي بأن يأتي؟". ثمّ سألت الله أن يأتي به. فأنا على يقين عندما يأتي وأراه سأبوح له بكلّ ما عندي من كلام، حينها ستظلّلني السكينة وأتحرّر من وطأة تلك المسؤوليّة الثقيلة.

 

أغلقت باب خزانة "علي" وذهبت نحو نافذة غرفة الاستقبال المواجهة للباحة ففتحتها ثمّ وقفتُ في ذلك المكان الذي اعتاد أبي

 

336


323

الفصل التاسع

الوقوف فيه محدّقًا بالحديقة، فإذا طال وقوفه أدركت أنّ موضوعًا ما يشغل باله مجدّدًا. وددت كثيرًا لو أعرف ما الذي كان يجول في خاطره. نظرت إلى الحديقة من نفس الزاوية، لأرى كيف كان يرى الباحة من هنا، لعلّي أعرف ما كان يفكّر فيه. بات كثير الصمت في أيّامه الأخيرة، حتى في ذلك اليوم عندما رجعت من "جنت آباد"، رأيته واقفًا هنا وسألني: "أين كنت؟". كان غارقًا في التأمل أيضًا. يومها شعرت أنّ لديه كلامًا كثيرًا، لكن بدا وكأنّه لا يستطيع أن يتكلّم. قلت في نفسي: "لا بدّ أنّه يفكّر في أمر رحيله وتركنا وحدنا وفي المصير الذي سنواجهه بعده".

عدتُ بذاكرتي إلى يوم انتقالنا إلى هذا البيت، حيث كان الجوّ باردًا، فعمدنا من أجل تدفئته إلى إشعال الموقد (الكانون) في الباحة، حتّى إذا ما اختفى دخانه أدخلناه إلى البيت وجلسنا جميعًا حوله كي نشعر بالدفء. خاطبني أبي ضمن نصائحه التي كان يقولها: "يا ابنتي، أنا فقدت أبويّ في الصغر، لكنّي سعيت جاهدًا -مستعينًا بالله- أن لا أسلك طريقًا منحرفًا، وأختار السبيل السليم في حياتي، وقد عانيتُ كثيرًا لأصل إلى ما وصلت إليه الآن. عليكِ أنت أيضًا أن تسعي وتتوكّلي على الله وأن لا تنتظري المساعدة من الآخرين، ولكن بادري بتقديم العون لهم وخذي بأيديهم بكلّ ما أوتيتِ من قوّة".

الآن عرفت أنّه قال هذا الكلام لمثل هذه الأيّام، حيث ينبغي أن نتحمّل الشدائد في غيابه، وأن لا ننتظر شيئًا من أحد إلّا من الله. لقد أحرقت قلبي تلك المشاهد التي لا أزال أذكرها جيّدًا، ومنها حين تحلّقنا جميعاً ذات مرّة حول النار، وبينما انشغلت "دا" وإخوتي بأمر ما أخذ أبي ينظر إليهم؛ ثمّ قال لي بصوت خافت بحيث لم يسمعوا: "أنا لم

 

337


324

الفصل التاسع

أستطع أن أكون أبًا جيّدًا لكم. لم أستطع أن أؤمّن أسباب راحتكم، لذا أنا خجل من نفسي. لو أنّكم ترعرعتم في أسرة أخرى لما عانيتم المصاعب إلى هذا الحد".

استطعت من خلال بصيص النور المنبعث من الجمر تحت الرماد أن أرى دموعه وقد ملأت وجهه، فقلت وقد خنقتني الغصّة: "لمَ تقول هذا؟ صحيح أننا نعاني من صعوبات، ولكنّ الودّ والألفة التي تسكّن بيتنا لا توجد في أيّ بيت آخر. ولو كنّا في أسرة أخرى ولم نواجه المتاعب لما أدركنا قدر حياتنا والأشياء التي نملكها، ولما أصبحنا أقوياء هكذا". فأمسك بيدي قائلًا: "لا بل عليكم أن تسامحوني".

تعجّبت كثيرًا، لطالما تحمّل المشقّة وأصرّ على بذل كلّ طاقته من أجل تأمين لقمة حلال، وكم رفض العمل في المرفأ قائلًا: توجد في المرفأ كثيرٌ من الأمور تجعل المال مال شبهة ومشكوكًا فيه.

نظرت في عينيه وقلت: "لا داعي لأن تعتذر، نحن مرتاحون ويكفينا أننا معًا"، ثمّ عانقته وقبّلت رأسه، فقبّلني هو أيضًا.

لمّا عدت إلى حالي، كانت "ليلى" قد بدّلت ملابسها ووقفت خلفي. سألتها: "هل نذهب؟". هزّت رأسها وانطلقنا. ومع أنّي لم أشأ الذهاب، ولكن كان علينا ذلك، ولا سيّما أنّنا قلنا لـ"زينب" إنّنا سنعود سريعًا. أغلقنا الباب وخرجنا. بما أنّ عدد الشهداء الذين يحضرونهم إلى "جنت آباد" قلّ عمّا في السابق، تصوّرتُ أنني أستطيع الاستفادة من طاقاتي بشكل أكبر داخل المسجد أو ربما في خطوط المواجهة. انفصلت عن "ليلى" بعد أن أوصيتها بأن تعتني بنفسها، ثمّ قصدت المسجد الجامع.

عند المدخل وقفت شاحنة صغيرة تمدّد فيها جريح أصابت الشظايا

 

338


325

الفصل التاسع

كل جسده فتضمّخ بالدماء بالكامل. كان السيّد "نجّار" مشغولًا بالبحث عن شريان للجريح. صعدتُ الشاحنة فناولني السيّد "نجّار" كيس المصل قائلًا: "اذهبوا به مباشرة إلى المستشفى". ثمّ قفز من الشاحنة وانطلقنا، وحال الجريح لم تكن مستقرّة، فصرت أراقب كيس المصل تارةً والجريح تارةً أخرى. وقبل أن نصل إلى الجسر، ظهرت الطائرات العراقيّة فوق رؤوسنا. كان محيط الجسر مكتظًّا بالناس الخارجين من المدينة، وكانت أكثر قذائف المدفعيّة تسقط على جوانب النهر. وفي ظلّ الخوف والاضطراب ألقت الطائرات قذائفها، قلت في نفسي: سيستهدفون الجسر الآن وسيغرق جميع من عليه مع أعمدته في الماء!

لطالما سيطر عليّ رهاب الغرق في النهر. في البصرة كدت أغرق فيه ذات مرّة، حيث ذهبت لأغسل ملابس أخي "منصور" وكان حديث الولادة حينها، وإذ بالماء يسحب قطع الثياب والقماش، فانحنيت لآخذها، فانزلقت قدمي ووقعتُ في النهر. كنت في الخامسة من عمري، فلم أستطع أن أُخرج نفسي. غطستُ عدّة مرّات وأنا أحرّك يديّ ورجليّ فانتبهَ الموجودون وأنقذوني. أرعبتني تلك الحادثة كثيرًا. حتّى بعدما كبرت، ظلّ الخوف من الماء يلازمني. ذهبنا مرّتين أو أكثر إلى منطقة "كوت شيخ"، كان الناس آنذاك يستخدمون الزوارق والسفن الصغيرة للوصول إليها نظرًا إلى وقوعها على الضفّة الأخرى من النهر. عندما ركبت الزورق وانطلق في الماء صار جسدي يرتعد مع اهتزازه وشعرت بالاختناق. أحسست الآن بالرعب أيضًا.

أثناء عبورنا الجسر، رأيت قذائف الطائرات تسقط على اليابسة داخل منطقة "كوت شيخ" فماجت مياه النهر قليلًا. عبرنا الجسر، وكلّما

 

339


326

الفصل التاسع

اقتربنا من "آبادان" زاد الدخان الناتج عن حريق مصفاة النفط التي استُهدفت قبل عدّة أيّام، وقد أدّى الدخان إلى تكوّن طبقة غليظة في السماء، ما أوجد صعوبة في التنفّس. شعرت بحرقة في أنفي جرّاء استنشاق رائحة الغازات والنفط المحترق. حاول السائق أن يتخطّى السيّارات لكنّه لم يفلح. أمّا الجريح فقد أغمي عليه، وكنت أسمع له صوتًا ضعيفًا بين الحين والآخر. سألت الشابّ الذي أحضره وكان يرافقنا: "من أيّ محلّة هو؟".
- جئت به من المنطقة المحيطة بمستشفى "مهر"، عند ساحة "أحمد زاده".

سلّمنا الجريح عند مدخل الطوارئ حيث بدت الممرّضات متعبات خائرات القوى، وقد أخذن يشكين من كثرة الجرحى. قالت إحداهنّ: "لماذا جئتم به إلى هنا؟ خذوه إلى مكان آخر".
- إنّ حاله حرجة. ولا نوفر المستشفيات الأخرى، ونرسل إليها الجرحى أيضًا.

عدنا إلى المسجد بالشاحنة نفسها. دخلت الباحة التي كانت تضجّ بالصياح والصراخ، حيث وقف جميع من لجأ إلى المسجد في باحته الخارجية. كان عدد من الأشخاص يتحدّثون عن إخراج الناس من المدينة والجميع ينظرون حيارى بانتظار اتّخاذ القرار المناسب، فإلى أين سيلجأون بعد تشرّدهم هذا؟ اقتربتُ منهم لأسمع ما يقولون:
- لقد صدرت أوامر عُليا بإخلاء المدينة من سكّانها، وعلى كلّ من يستطيع ذلك أن لا يتلكّأ وليغادر.

فقال أحد الحاضرين: "إلى أين نذهب؟ لا مكان آخر لدينا".
 

340


327

الفصل التاسع

فقالوا له: "هذا لمصلحتكم، من غير المعلوم حتّى متى ستطول الحرب، ستهلكون هنا، ليس بوسعكم القيام بشيء، وبقاؤكم لا يعني شيئًا غير الموت".

خاطبتُ باستياء أولئك الذين يطلبون من الناس إخلاء المدينة بصوت عالٍ: "لماذا على هؤلاء الناس أن يرحلوا؟ ما خطبكم؟ تريدون إخلاء المدينة كي يسهل سقوطها في أيدي العراقيّين، لمَ تريدون تشريد الناس؟".

أجاب أحدهم: "ماذا تقولين، هل تريدين أن يبقوا تحت نيران القصف؟".
- أحضروا جميع الناس إلى المسجد.
- إلى متى يمكننا الحفاظ على أرواح الناس؟ وهل سيسلم المسجد من القصف؟

أجبتُ وقد تملّكني غضبٌ شديد: "ألم نواجه حربًا في العام الماضي، تلك الفتنة التي أشعلوها تحت شعار العرب والعجم، ألا تذكرون كيف أُخمدت سريعًا؟".
- كان ذلك نزاعًا داخليًّا تمّت السيطرة عليه سريعًا، والآن نحن في حرب، وقد أعدّوا كامل العدّة خلف الحدود للهجوم علينا.
- ستتمّ السيطرة على هذه الحرب أيضًا، أليس من المقرّر أن يرسل "بني صدر" طائرات؟

كنت قد سمعت هذا الكلام مرارًا فكرّرته أيضًا، إلّا أنّ عددًا من الأشخاص سخروا منّي لدى سماعهم هذا الكلام الذي يُظهر بساطتي وقلّة نضجي. خاطبوني قائلين: "لا ينبغي أن نقف مكتوفي الأيدي أملًا بالمسؤولين، لو كان من المقرّر أن يقوموا بشيء لقاموا به. لقد مرّ

 

341


328

الفصل التاسع

أسبوع وما من خبر".


- أنا لن أخرج من المدينة، لا يجدر بالناس أن يخلوها، فيسهل سقوطها في أيدي الأعداء.

بعد ذلك، مضيت إلى بهو المسجد الذي بدا غير مرتّب، فالصناديق والجعب والمعدّات هنا وهناك. شرعتُ أنا والفتيات نجمعها وننقلها إلى مكان آخر، وإذ بأصوات انفجارات عديدة توقفنا عن العمل. ارتعب الناس وتعالت أصواتهم، وهمّوا بالخروج من المسجد، لكنّ محيطه كان تحت نيران القصف المباشر، وصارت الارض تهتزّ. ركض الناس حيارى في كلّ اتّجاه غير أنّ خمسة أشخاص ممّن ينظر إليهم بأنّ أوضاعهم ليست كما يجب كان أمرهم الأعجب؛ كأنّ الأرض تحتهم لا تموج، ولا دمار ولا خراب، انشغلوا بمتابعة أعمالهم بهدوء غافلين عمّا يجري. قلت في نفسي: "جزاكم الله خيرًا". ثمّ قصدت بقية الناس مع الفتيات والشباب محاولين تهدئتهم، وخاصّة النسوة والأطفال الذين أصابهم هلع شديد. أخذنا نعطيهم الأمل بأنّ قوّاتنا في الجبهات كانت للعدوّ بالمرصاد وقد آذته، لذا فإنّه يردّ على ذلك بقصف عشوائيّ للمدينة، محاولًا التعويض عن ذلك.

لقد سمعت ذلك من شباب أعرفهم، كـ"محسن بقلاني"، "تقي محسني فر"، "حسين طائي نجاد"، وآخرين من شباب الحرس تربطهم صداقة بأخي "علي". لفرط ما قلقتُ على أوضاع خطوط المواجهات ومصير الحرب، وضعتُ الخجل جانبًا ورحت أسأل كلّ من أعرف عن آخر التطوّرات.

قال أحدهم: "الأوضاع سيّئة، فالعراقيّون مجهّزون بكلّ ما يحتاجون

 

342


329

الفصل التاسع

من أسلحة وتجهيزات، أمّا نحن فلا نملك شيئًا". وقال آخر: "لقّنّاهم درسًا لن ينسوه، وإذا ما تسنّى لطائراتنا قصف مراكزهم، فنطبق نحن على أفراد المشاة".

بعد قليل، خفّت حدّة الأصوات والضوضاء، وإذا بهم ينادوني، فذهبت إلى الباحة حيث حضر "عبد الله معاوي" في أثري. ما إن رآني حتّى تقدّم وخاطبني: "أختاه، أريد أن ترافقيني إلى "العبّاسيّة"، الناس مجتمعون هناك، لنذهب ونتفقّد أحوالهم". قلت للفتيات: "سأذهب إلى العباسيّة لأتفقّدها وسأعود سريعًا".

انطلقت مع "عبد الله" الذي كان من سكّان محلّة "بازار الصفا" ويعرف "العبّاسيّة" جيّدًا، أمّا أنا فلم أقصدها من قبل. عندما عبرنا البازار شعرت بانقباض شديد في داخلي، فقبل أسبوع واحد فقط، كان المرور من هنا مستحيلًا، وجميع المحالّ مقفلة ما خلا دكّانًا أو اثنين لبيع الألبان والخبز، بالإضافة إلى عربتين لبيع البطاطا والبصل. لم يبقَ أثر لأيّ صخب وازدحام كان يشهدهما "بازار الصفا". كلّ شيء غدا ينبئ بحدوث كارثة؛ دكّان "ماشاء الله آشي" الذي طالما اكتظّ بالزبائن لأجل طعامه ذائع الصيت، صار ساكنًا يأكله التراب. لا أثر لإخوتنا في الوطن من العرب الذين كانوا يحضرون الثياب والعطور من الكويت ويفترشون بها الأرض، ولا للنساء القرويّات اللواتي كنّ يبعن الزبدة البلديّة والقشدة أو الدجاج أو السدر، ولا لبائعي الرطب والسمك وهم ينادون على بضاعتهم الطازجة لجذب الزبائن. غادر جميعهم وأخذوا جمال هذا المكان معهم.

عبرنا السوق بحزنٍ واستياء ووصلنا "العبّاسيّة" حيث جلس عند

 

343


330

الفصل التاسع

بابها شابّ يحمل بيده بندقيّة "M1". سلّمت وقلت: "قيل لنا إنّهم بحاجة للمساعدة هنا، ما الخطب، هل توجد مشكلة؟".
- لدينا عدد من المرضى، كما إنّ الأوضاع ليست على ما يرام، الجميع خائف هنا وقد فقدوا معنويّاتهم. يقولون إننا على أبواب هزيمة، فمدافع الجيش العراقي أمامنا مباشرة في الجهة الأخرى من النهر، وكلّما قصفت تثور ثائرة الناس.
- حسنًا، لكن قل لهم إنّ الأمر ليس كذلك، ماذا تفعل أنت هنا؟ قل لهم إنّ قواتنا تحارب!
- أنا أقول هذا ولكنّ أحدًا لا يصدّقني، كلّما أردت أن أقول شيئًا يأتي شخص فيقول إنّ العراقيّين تقدّموا، ويقول آخر إنّ طائراتهم تحلّق وتقصف كلّ مكان، فتزداد حال هؤلاء الناس سوءًا أكثر فأكثر!

شعرت أنّ هذا الشابّ نفسه يائس ولا يتوقّع منه أن يرفع معنويّات الآخرين. سمعت صباحًا من بعض الشباب العائدين من الجبهة أنّ المجاهدين قد أرغموا الجيش العراقيّ على التراجع. على الرغم من أنني علمت أنّ الغزاة استرجعوا ليلًا ما أخذه مقاتلونا من مواقع بسبب التعب وقلّة العدد والعدّة، ولكنّي اعتبرت أنّ الخبر الأوّل غنيمة، وهو كافٍ لإسعاد قلوب هذه الجموع اليائسة، لذا قرّرت أن أنقله للناس.

دخلت "العباسيّة" وقصدت حسينيّتها التي كانت أكبر من المساجد والحسينيّات التي رأيتها من قبل. كان النور يسطع إلى الداخل من خلال نوافذها ذات اللون الأخضر والبنّي، وقد جلس الناس على أرضها في القسم الذي فُرش بالسجّاد. ذكّرني سقفها العالي بحسينيّتنا في البصرة،

 

344


331

الفصل التاسع

إذ كان سقفها مماثلًا لها في الارتفاع. ألقيت نظرة على الناس لأرى حالهم، وعزمت أن أرفع معنويّاتهم بأيّ طريقة كانت.

كما أخبرنا ذلك الفتى؛ بدا البؤس والإحباط على وجوه الناس، بعضهم لم يجد ما يشغله فاستلقى، وأسند كثيرون ظهورهم إلى الجدران ومدّوا أرجلهم، وانشغل أحدهم بملء أكواب الشاي. قبل أن أتكلّم بما أريد ارتعش قلبي، فما أردت قوله مستندٌ إلى ما سمعت لا ما رأيت، خجلت من نفسي، لكنّ خبر انتصار قوّاتنا كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحرّك هؤلاء الناس ويبعث الأمل في قلوبهم. وبينما كان قلبي يرتجف بحيث ظهر أثره على صوتي قلت من مدخل الحسينيّة: "السلام عليكم".

رفع الجميع رؤوسهم ونظروا إليّ، وأجاب بعضهم: "عليكِ السلام".
- اسمعوا، لديّ خبر سارّ لكم.
- ما الأخبار؟ متى ستنتهي الحرب؟ متى سنعود إلى منازلنا؟

وانهالت عليّ الأسئلة، ثم قال أحدهم عاليًا: "بشّركِ الله بالخير، قولي ما لديك، عساه خيرًا إن شاء الله، هل انتهت الحرب؟".
- لا، لم تنتهِ الحرب، لكنّها ستنتهي. إنّ شبابنا في خطوط المواجهات قد أجبروا العدوّ على التراجع، وستنتهي الحرب بإذن الله.

وما إن قلت ذلك حتّى نهض جميع من كان مستلقيًا ثم جلسوا، وأقبل عدد منهم نحوي فأكملت: "لا داعي للحزن، ستعودون إن شاء الله لحياتكم الطبيعيّة، وستعود "خرمشهر" كما في السابق. ألا تذكرون كيف انتهت حرب (فتنة) العرب والعجم سريعًا؟".
 

345


332

الفصل التاسع

- لم يكن في تلك الحرب صواريخ ولا طائرات و..
- توكّلوا على الله، فمهما كان عتاد البعثيّين كبيرًا، فإنّ شبابنا لهم بالمرصاد، لن يرضوا أن تقع مدينتنا بيد الأعداء. ومن المقرّر أن تقلع الطائرات الحربيّة من "طهران" وتضرب دبّابات العدوّ.

وعند سماعهم هذا الكلام، اجتمع المزيد من النساء والرجال حولي، صارت النسوة يفضين بمكنون قلوبهنّ قائلات: "والله لقد تعبنا، إنّ أطفالنا تعبوا وأتعبونا، لقد تعفّن المساكين طوال هذه المدّة هنا".

واسيتهنّ قائلة: "سيكون كلّ شيء على ما يرام بإذن الله". ولمّا هدأن سألتُ: "هل من مريض هنا؟".

أرشدوني إلى امرأة ورجل عجوزين في زاوية الحسينيّة، خلعت حذائي ومضيت نحوهما. ولمّا سألت عن حالهما، عرفت أنّهما أصيبا بالإعياء والمرض نتيجة كبر سنّهما وانعدام المواد الغذائيّة طوال هذه الفترة. من خلال حديثي معهما أدركت أنّ الخوف والاضطراب المسيطر عليهما كان أكثره بسبب عدم وجود الطعام ما أدّى إلى إصابتهما بالمرض. ملأ الرجاء والتوسّل نظراتهما، فحدّثتهما عن انتهاء العناء والرجوع إلى البيت، فدعوا لي.

أرشدوني إلى فتاة في الرابعة عشرة من عمرها قد لُفّ ساعدها بالضماد، مشيت نحوها وسألتها: "ماذا حدث؟".
- سقطت قذيفة في بيتنا وكنتُ واقفة في الباحة فأصابتني شظيّة.

نظرتُ إلى ضمادها فإذا هو ملوّثٌ ومتّسخٌ، طلبتُ منها ألّا تغادر المكان حتّى آتي بضماد جديد لها.
 

346


333

الفصل التاسع

عند خروجي، قال لي بعض الأشخاص: "لا يوجد ماء هنا يا سيّدة". ثمّ تكلّم أولادهم: "نحن نعاني العطش ولا يوجد ماء".

رقّ قلبي لحالهم. ظنّوا أنني مطّلعة على كلّ الأمور وأنّ بوسعي القيام بأيّ شيء. فقلت: "حسنًا سأخبر شباب المسجد أن يتولّوا هذا الأمر، ولكن عليكم أنتم أن تتعاونوا معنا، لا تجلسوا بانتظار الآخرين وليعمل كلّ منكم ما يسعه من عمل، الحسينيّة تحتاج إلى التنظيف فتولّوا أنتم هذا الأمر. إنّكم تستخدمون المكان هنا، وعلى المرضى أن يهتمّوا بأنفسهم لكي لا يصاب الآخرون بالعدوى. وأنا بدوري لن أقصّر في القيام بأيّ عمل أقدر عليه".

بعدما خرجت تلقّاني الشاب الذي يحرس المدخل قائلًا: "لماذا قلت هذا الكلام لهؤلاء؟ لماذا لم تخبريهم الحقيقة؟".
- ما قلته ليس بعيدًا عن الواقع، فقوّاتنا ما تزال تحارب، هل تريد أن أقول لهم إننا نُهزم ونتعرّض للخيانة حتى يهلك هؤلاء الناس؟!

لم أقف أكثر من ذلك وأسرعت نحو المسجد، فأخذت من السيّد "نجّار" أدوات لتضميد جرح الفتاة في "العباسيّة"، كما أخبرت فتيات المستوصف عمّا رأيت وما قلت، فسمعني أحد شباب المسجد - وكان يتكلّم مع "مريم أمجدي" قبيل دخولي - فقال: "أحسنتِ القول يا أخت حسيني، ولكن لا ينبغي أن يؤدّي ذلك إلى إصرار المواطنين على البقاء هنا".
- لقد قلت ما خطر ببالي، ولا أعلم صحّته أو خطأه!
- كلاّ، إنّ ما قمتِ به كان صحيحًا، ولكن لا ينبغي أن نعطي الناس أملًا كبيرًا.
 

347


334

الفصل التاسع

أخبرته عن أوضاع "العباسيّة" فقال: "سأطلب أن يأخذوا لهم الماء، كما أننا أرسلنا لهم الطعام في الأيام الماضية قدر المستطاع، لكنّ عدد اللاجئين يزداد يومًا بعد يوم".
- جزاك الله خيرًا. لا يجدر أن يبقوا من دون ماء.
- ما إن تأتي الشاحنة بالماء حتى نرسل خزّانًا إلى هناك.

شكرته وحملت عدّة الإسعافات الأولية وذهبت إلى "العباسيّة". وهناك غيّرت ضماد الفتاة التي أزالت الشظيّة جزءًا من لحم ساعدها. كانوا قد قطّبوا لها جرحها كاملًا، لكنّ تلوّث الضمّاد دلّ على أنّ جرحها ظلّ ينزف فأوصيتها أن تهتمّ به أكثر. بعد ذلك، أخذت عدّتي وقمت. وعندما خرجت كان الظلام قد أسدل ستائره. ما إن وطئت قدمي أرض المسجد حتّى رأيت المصابين بعصف الانفجارات قد أثاروا الفوضى مجدّدًا. مع أنّي أردت الذهاب إلى "جنت آباد"، لكنّي عزمت على المبيت في المسجد من أجلهم.

مرّ على الحرب ستّة أيّام، ولكنّي شعرت أنّ عمرًا قد مضى منّي. وكيفما كان، أمضيت تلك الليلة أيضًا حتّى الصباح.

 

348


335

الفصل العاشر

في الصباح الباكر، رأيتُ السيد "نجار" يغسل يديه بسائل أبيض اللون، كان يكرّر هذا الأمر بعد كل عملية تقطيب وتضميد للجراح، ويزيل الدماء عن الأرض، ثم يمسحها بهذا السائل. تساءلتُ ما هو هذا السائل؟ ولماذا يقوم بهذا العمل؟ وفي الوقت المناسب سألته، فقال: "إنّه ديتول، وهو من المعقّمات القوية".

بعد ذلك، أخذ يشرح لي وللبنات خصائص هذه الأدوية واستعمالات الأدوات الطبية وأنواع الجروح. كما حدّثنا عن ذكرياته في المستشفى. شعرت أني بحاجة لمعرفة جميع هذه المعلومات، لأنّني كنت أنوي الذهاب إلى خطوط المواجهة لمساعدة الجرحى، لذا أصغيت إليه بدقة لفهم وحفظ كل ما يقوله.

بعد أن أنهى كلامه، سألته: "ألا ينبغي فعل شيء لنجعل من هذا المكان مستوصفًا بالمعنى الصحيح للكلمة؟ كأن نعزله عما يحيط به، فقد تفطّرت قلوب الناس من رؤية الجراح وسماع الأنين".

بالطبع، كنتُ أُخفي نيةً أخرى خلف هذا الكلام؛ فقد ازداد التردّد كثيرًا إلى المسجد، ولم أكن مرتاحة لكوني تحت مرمى عيون الناظرين،

 

349


336

الفصل العاشر

كما شعرتُ أنّ رؤية الناس للجرحى ستؤثر سلبًا على معنوياتهم.

أجاب السيد "نجار" : "أنا أيضًا كنت أفكر في الأمر وأردتُ إحضار بعض الستائر المتحركة، ولكن أظن أنها غير مفيدة، فكثرة الذهاب والإياب سيجعلها تهتز، لذا نحن بحاجة لشيء ثابت".
- هل تريد أن نبحث بين هذه الألبسة التي أحضرناها عن بعض الأقمشة فنخيطها بعضها إلى بعض، ونصنع منها ستارًا؟
- فكرة جيدة، ولكن إن لم تكن الأقمشة ذات لون واحد فلن تكون جميلة، على أي حال سأرى ما يمكن فعله.

وبما أنّه لم يكن لدينا جرحى في ذلك الوقت، ذهبت إلى الساحة؛ إذ لا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي.

رحتُ أتحقّق من الأوضاع وأرى ما يمكن فعله، وإذ بي أرى الشاب الذي كان قد سألني لماذا أبقى ليلًا في "جنت آباد". سألت "مريم أمجدي" الواقفة إلى جانبي عن اسمه.
- اسمه "محمود فرخي"، لماذا؟
- لا شيء، كان قد أتى إلى "جنت آباد" وقال لي يجب أن لا أبقى هناك ليلًا، ما رأيكِ به؟
- هو إنسان جيد وملتزم.

تركتُ "مريم" وتقدمت منه، وقلت في نفسي: سأذهب لأسأله عن المساعدات التي وعد بها.

كان "محمود فرخي" واقفًا أمام الدرج المؤدي للطابق الثاني وهو

 

350


337

الفصل العاشر

ينقل الذخائر، فقلت له: "السلام عليكم". تراجع إلى الوراء، نظر إليّ وردّ السلام.
- معذرة، هل نسّقت مع الرجال المسلّحين الذين تحدّثت عنهم؟

طأطأ رأسه خجلًا وقال: "لا لم أوفّق، كل الذين تحدثت إليهم لم يقبلوا المجيء إلى هنا، وقالوا إنّ أولويّتهم محاربة البعثيّين، ويجب أن يحشدوا طاقاتهم هناك، وبعضهم الآخر لم يكن يملك الجرأة الكافية للعمل في مغسل ومقبرة جنت آباد".
- أرأيت الآن لمَ أبقى هناك؟
- نعم، قد سمعت عن الأوضاع في "جنت آباد" ؛ لا ماء ولا كفن.. لكني لم أرَ بأمّ عيني.

عندما رأيته ينقل الأسلحة والذخائر وقد اعتراه الخجل من حديثه، اغتنمت الفرصة وقلت: "بما أنّ العناصر المسلّحة لن تأتي، على الأقل زوّدوا جنت آباد بالأسلحة".
- لمَ تريدين الأسلحة؟
- أنتَ نفسك قلت إنه لا أمان في هذه المنطقة. لقد تعبنا من رمي الكلاب بالحجارة، ولو كنّا نملك السلاح، لأبعدناها بإطلاق رصاصة واحدة.

مكث قليلًا ثم اختار رشاش (M1) من بين الأسلحة القليلة الموجودة وأعطاني إياها. رأيت بعض القنابل اليدوية بين أمتعتهم، فطلبت أن يعطيني بعضًا منها، فقال: "ولمَ القنابل؟".
- أريد رميها وسط قطيع الكلاب! لا أدري ربما هاجمنا البعثيون أو

 

351


338

الفصل العاشر

المنافقون أو "جماعة خلق"، فنستطيع الدفاع عن أنفسنا، كما إنني أريد أن أذهب إلى خطوط المواجهة.

أعطاني قنبلة، وبعد إصرار أعطاني واحدة أخرى. شعرت بالسعادة وقلت في نفسي: الحمد لله، لقد استطعت تأمين السلاح وبقي الوصول إلى خط الجبهة.

عندما رأت "مريم" الأسلحة في يدي قالت: "ما القضية؟ هل هي واسطة؟ نحن هنا لا نعطي أسلحة لأيٍّ كان".

ضحكتُ ثم ذهبتُ واتكأتُ على كيس الألبسة الموجود في إحدى زوايا الساحة. وضعت القنابل في جيبي والسلاح أمامي؛ كنت أعلم أن لا فائدة كبيرة من هذا السلاح، فقد عفا عليه الزمن، لكنّه أفضل من لا شيء. في تلك الأثناء، دخل من باب المسجد المطلّ على شارع "فخر الرازي" عالم دين شاب، وكان لافتًا للانتباه، جامعًا عباءته حول خاصرته ممسكًا أطرافها بيديه. ويضع نظارة صار لون عدستيها داكنًا بفعل انعكاس ضوء الشمس عليها، ظننت أنه ضرير بادئ الأمر. تقدم إلى الأمام برفقة مجموعته، ثم توقفوا للحديث في الظلّ، فأضحت عيناه واضحتين تمامًا من خلال النظّارة. نظراته الحادة تذكّر المرء بنظرات العقاب، ووجهه المحروق الضارب إلى السواد بفعل أشعة الشمس جعلني أظنّ أنه فلاح. كانت ملامحه تنمّ عن المعاناة والكدح. لم يكن المرافقون له من أهل مدينة "خرمشهر". وبعضهم قد ارتدى سترة صوفية، ما يدل على أنهم أتوا من منطقة باردة. تحدّثوا عن خطوط القتال وتحليل المعطيات، ولم أسمع في كلامهم ما يوحي باليأس. كلّ منهم حمل بندقية (M1)؛ ما خلا عالم الدين الذي ينادونه الشيخ "شريف" فكان يحمل بندقية (G3).

 

352


339

الفصل العاشر

نظرت لأكتشف أي نوع من الرجال هو، وماذا يريد أن يفعل؟ وهل هو ممّن يقرنون القول بالعمل؟

عندما ابتعد عن أصدقائه، ذهب نحو "مريم أمجدي" و"زهرة فرهادي" فتبعتُه. ألقى عليهما السلام وقال: "هل تستطيعان أن تحتفظا لي بعباءتي أمانة عندكما؟".

أجابته "مريم" : "أيها الشيخ، نحن لا نعلم إلى متى سنبقى هنا". ثم أشارت إلى الدرج وقالت: "سوف أضع عباءتك هناك تحت الدرج وأوصي بها الأخ فرخي ليعطيك إياها عندما تطلبها".

لم أنتظر أكثر من ذلك وسألته: "أيها الشيخ هل تريد الذهاب إلى الجبهة؟".

نظر إليّ متعجبًا وأجاب: "إن شاء الله".
- أنا أيضًا أريد الذهاب إلى الجبهة، هل تصطحبني معك؟
- لا داعي لذهابك الآن، فالرجال موجودون، ولكن إن استدعى الأمر حتمًا سوف نصحبكنّ. أنتنّ أكثر فائدة هنا، وعملكنّ لا يقل أهمية عن عملنا في الجبهة، هذا إن لم يكن أهم. نحن نذهب إلى الجبهة لإنقاذ حياة الناس وأنتن هنا تسعين أيضًا لإنقاذهم فلا فرق. أنتن أخوات زينب عليها السلام وأتباعها.
- ولكن أيها الشيخ هذا العمل لا يلبّي طموحي. أنا أتمنى أن أذهب إلى الجبهة لقتال العدو.

إلا أنّ "مريم"، وعلى الرغم من أني قد أوصيتها مرارًا بأن لا تحدّث أحدًا عن شهادة والدي، قالت: "أيها الشيخ لقد استشهد

 

353


340

الفصل العاشر

والدها ودفنته بيديها".

شعرتُ بالخجل وسكتُّ. قال الشيخ بلطف: "لذلك، أعتقد أنه من الأفضل أن تبقى الأخوات هنا. "ألف ما شاء الله عليكن" فكلّ واحدة منكنّ كاللبوة، وأنتن مصدر فخرنا نحن الرجال. إن وجودكنّ ومساعداتكنّ تبعث فينا الحماسة للقتال".

بعد أن أنهى كلامه، أعطى مجموعته مقدارًا من الخبز اليابس وبعض المعلبات، ثم خرج سريعًا من المسجد. شعرت أنّه مختلف عن غيره ويدرك أهمية بقاء النسوة هنا.

كان قد استولى عليّ كلام الشيخ "شريف". عندما سمعت السيد "سليماني" -وهو أحد أمناء المدينة، وكان ينشط حينها في المسجد- يتجادل مع "مش محمد”1 خادم المسجد، وقد حمل قماشًا كحلي اللون استخدم كستار فاصل بين مكاني صلاة الرجال والنساء في المسجد، وكان "مش محمد" قد جمعها مع بعض السجاد بعد أن لجأ الناس إلى المسجد. أراد السيد "سليماني" أن يعطيها للسيد "نجار" ليجعلوا منها ستارًا عازلًا يفصل منطقة المستوصف عما يحيط به، ما أثار غضب "مش محمد" فقال بعصبية: "سوف تتلوّث بالدماء هناك وتتّسخ، ونحن نريد استخدامها مرة أخرى أثناء صلاة الجماعة".

أجاب السيد "سليماني" بلطف: "هوّن عليك يا حاج، هذا الستار قد اتّسخ فعلًا، ولا أعتقد أنّنا سنتمكّن من إقامة صلاة الجماعة في القريب العاجل، فهذه النار التي اشتعلت لا أحد يدري متى تخمد! أُدعُ الله أن

 

 


1- مش محمد؛ تخفيف "محمد المشهدي" أو المشهدي محمد؛ وهو الذي زار مشهد؛ مثلما يقال: "الحاج" لمن حج بيت الله الحرام".

 

354


341

الفصل العاشر

تنتهي الحرب سريعًا، وأنا أتعهّد بشراء ستار جديد".

راح "مش محمد" يحدّق بهم بصمت وهم ينصبون الستار. أشفقتُ عليه فهو إنسان كادح تجاوز الخمسين من العمر وقد تقوّس ظهره من تزايد الأعمال وكثرتها. على الرغم من تولّي هيئة الأمناء وبعض الفعاليات أمثال السيد "مصباحي" والسيد "سليماني" وأبو "محمود فرخي"، الكثير من أعمال المسجد، إلّا أنّ الحمل الثقيل كان يقع على عاتقه؛ وذلك لكثرة تردّد المقاتلين وغيرهم إليه، والأهم من ذلك، اللاجئون إذ يجب أن يبقى نظيفًا دائمًا. كانوا يحضرون الماء من ضفة النهر ويملأون الخزان أعلى السطح، كما كنت أنا والأخوات نقوم بتنظيف باحة المسجد والأزقة خارجه. أيضًا لم يكن هناك مرافق صحية كافية تلبّي حاجة هذا العدد من الناس، لذلك كان يجب تنظيفها باستمرار. وأصعب ما في الأمر عندما تسدّ أنابيب تصريف مياه المغاسل فأضطر للغوص بقدمي في تلك المياه الآسنة لفتح مجراها حتى لا تتسبّب بتلوث المسجد.

كان السيد "مصباح" والسيد "نوري" يحاولان كثيرًا السيطرة على تصرفات السيدات اللواتي أُصبن جراء عصف الانفجار، ويعانين من حالة عصبية وهستيرية، لكن لم يكن ذلك بالأمر الهيّن، وتوجّب عليّ أن أبقى متيقظة الحواس كي لا يخرجن إلى الشارع أو يقمن بأفعال مخلّة بالآداب. كدت أفقد صوابي من تصرفاتهنّ الرعناء. أحيانًا كنّ يهاجمننا، ينشبن أظفارهنّ بنا ويعْضُضننا. في إحدى المرات، عضّت الفتاة الضريرة كفّ يدي فآلمتني كثيرًا. شعرتُ أنّ قلبي سيتوقف عن الخفقان ولم أكن أقدر على سحب يدي من فمها، فرُحْت أحدّثها وألاطفها لأتمكن من

 

355


342

الفصل العاشر

إنقاذ يدي. عندما ينفد صبري، أفكّر أنّ لا علاقة لي بهنّ، لكن حرصًا مني على حفظ الحرمات، رحتُ أجبر نفسي على مراقبتهنّ وتهدئتهنّ. في إحدى المرات قلت: "أيها السادة أكاد أجنّ، بالله عليكم خذوهنّ من هنا". فقالوا لي: "من الممكن أن يأتي أحد من أهلهنّ إلى هنا، لكن إن نقلناهن إلى مدينة أخرى فسيصعب العثور عليهن".

لا أعلم لماذا عندما تضطرب إحداهن يتبعها البقية، بادئ الأمر كنّ اثنتين أو ثلاثًا؛ وبعد ذلك ازداد عددهنّ.

كان بينهن صبي اسمه "عباس"، يبلغ قرابة السبعة أعوام، رقّ قلبي لحاله. عندما كان يصاب بالنوبة العصبية يقع أرضًا، وتغور عيناه، فيئنّ بصوت خافت: "يمّا يمّا".. كان قلبي يتفطّر لأجله وأشعر بعطف الأمومة تجاهه، وعندما أراه أشتاق أكثر إلى أخويّ "حسن" و"سعيد". وهو أيضًا كان يبادلني المحبة وما إن يراني حتى يسرع نحوي. في بعض الأحيان، وبينما أنا أعمل، يأتي أحدهم ويمسك يدي، ألتفت فإذا به "عباس". عندها أمسح بيدي على رأسه وأقول: "عباس شنو تريد؟". فيجيب ببراءة: "أنا جوعان"، أو "أريد ماي".

كنت أذهب وأبحث بين العلب عن قطعة بسكويت أو كعكة وأعطيه إياها. وعندما يقول: "وين أمي؟"، كان يتفطر قلبي لأجله، ولا أعلم بماذا أجيبه، فأواسيه قائلة: "إن شاء الله تأتي أمك".

في ذلك اليوم، عندما كنا نرتّب الباحة، حملتُ أنا والبنات أكياس الألبسة وصناديق المواد الغذائية إلى سقيفة المسجد. بدايةً، صنّفنا المواد الغذائية والتموينية، ثم أفرغنا أكياس الألبسة حيث طلب منّا أن نجد ما ينفع المقاتلين في الجبهة، إذ إنّ ألبسة المقاتلين كانت تتلوث

 

356


343

الفصل العاشر

بالدماء أو تتمزق باستمرار، لذلك هم بحاجة إلى استبدالها، لكن قلّما كنّا نعثر على ألبسة رجالية. رحنا نتفحّص الألبسة قطعة قطعة من دون جدوى؛ إذ كانت في معظمها ألبسة نسائية.

كان الوقت ظهرًا عندما نادوني: "أخت حسيني يريدونك في الخارج". تزحلقت عن كومة الألبسة ونظفت عباءتي المليئة بوبرها، ثم ذهبت للفناء حيث ينتظر السيد "حسين عيدي". سلمت عليه وسألته عن الأوضاع.
- أختاه لقد امتلأ براد الموتى بجثث الشهداء، ونريد نقلهم إلى جنت آباد فهل تأتين معنا؟
- وهل يوجد بينهم نساء؟
- بالطبع يوجد.
- انتظر قليلًا حتى أخبر الأخوات ثمّ أعود.

أخبرتُ الفتيات إنني ذاهبة لنقل الشهداء ثم سألتهنّ: "أتود إحداكن مرافقتي؟".
- لا.

لم أصرّ عليهن. خرجت من المسجد وكانت شاحنة "بيك أب" بيضاء اللون تنتظر للانطلاق. جلس اثنان إلى جانب السائق وثلاثة في صندوقها الخلفي، فصعدت إلى الخلف وانطلَقَتْ. عندما وصلنا إلى الجسر، اجتازه السائق بسرعة، فشكرت الله وحمدته لأنّ مساعي البعثيّين في تدميره، سواء بالقصف الجوي أو الصاروخي قد باءت بالفشل. فما إن قطعنا ربع قوس الجسر حتى رأيت فيه حفرة بقطر نصف متر تقريبًا، ما دفع

 

357


344

الفصل العاشر

السائق للاحتياط والعبور بالقرب منها، وظهرت من خلالها أمواج النهر العاتية. كان سياج الجسر أيضًا قد أُصيب بالشظايا وتدمرت أجزاء منه، فانتابني الخوف مجدّدًا من أن ينهار بنا.

ذهبنا إلى مستشفى "طالقاني" وتوقّفنا قرب الطوارئ. نزلت من الشاحنة ودخلتُ إلى المستشفى. خرجت إحدى الممرضات الشابات من إحدى الغرف وكان ثوبها، وسروالها وحذاؤها وحتى وشاح رأسها المعقود من الخلف، أبيض اللون. كنت أحب هذا الزيّ كثيرًا. سلمت عليها وأخبرتها أنّنا جئنا لنقل الشهداء. قالت: "اذهبي واسألي ذلك الرجل". وأشارت بيدها إلى رجل يسير متثاقلًا نحو نهاية ممر المستشفى الضيّق.

قلت لـ"حسين" الواقف خلفي: "قالت لي السيدة إنّه يجب التحدث إلى ذلك الرجل". لحق به وناداه: "أخي، أيها الحاج، أيها السيد".

التفت الرجل نحوه وكان أصلع، فقال له "حسين" : "جئنا لنقل الشهداء من البراد". رفع نظارته السميكة وسأل بلهجة أهل "بندر عباس" : "هل لديك وسيلة نقل؟".
- نعم، لدينا شاحنة بيك آب.
- إذًا، اركنها عند الباب الخلفي للبراد.

كنت أعرف المكان جيدًا، فقد رأيته من قبل. عبرنا الممر وخرجنا نحو الباب الخلفي للقسم، وأشار "حسين" إلى السائق أن يتبعنا. هناك، كان مسؤول القسم قد فتح الباب الخشبي على مصراعيه لندخل.

أُرجعت السيارة إلى الخلف بمساعدة المرافقين، ورُكنتْ عند مدخل البراد. عبرنا الباب المنخفض والعريض إلى غرفة مساحتها 15م تقريبًا،

 

358


345

الفصل التاسع

أرضيّتها وجدرانها من الرخام، ومطفأة الأنوار. لذا اعتمدت على النور المتسلّل من الخارج لأتمكن من الرؤية ومتابعة السير. رغم أني اعتدت على رائحة الدماء إلّا أنها ما زالت تؤذيني.

سُجّيتْ جثث الشهداء بشكل غير منظم، وكان على يسار الحائط برادٌ من ثلاثة أقسام في كل قسم ثلاثة أدراج لحفظ الموتى، أما الباقين فكانوا ملقين على الأرض. جلت على الجثث الملقاة أرضًا، كان من بينها ثلاث نسوة وطفلان على ما أذكر، والبقيّة لشبّان احترقوا بنار "صدام". مع أن المستشفى كان يستخدم تيار كهرباء الاحتياط2 إلّا أنّ حاجة غرف العمليات إلى الكهرباء اضطرتهم إلى إطفاء برادات الموتى. وكي لا تنبعث رائحة الجثث أو تفسد، قرروا دفنها في أسرع وقت. كانوا قد أحضروها من "خرمشهر" ومن الطريق العام. قال مسؤول قسم البرادات: "أغلب الشهداء من عرب حي "كوت شيخ" و"محرزي"..".

سألت: "ألم يُتّخذ قرار بعدم دفن أي شهيد في جنت آباد؟".
- بلى، ولكن من الأفضل أن يُدفنوا في مدينتهم.

فكرت في نفسي: في المرة الماضية، نقلنا الشهداء بتنسيق مسبق إلى "آبادان" و"ماهشهر"، لكن إن نقلنا هؤلاء إلى مقبرة "آبادان"، إلى من نسلّمهم؟ وكيف لنا أن ندفنهم؟ ولأن سيارة الـ"بيك أب" لا تتسع لجميع الشهداء قلت: "سوف نأخذ الجثث التي على الأرض فحسب"، فردّ مسؤول البراد: "الجو حار ويجب أن لا تبقى أي جثة هنا، كما إنّ عليكم نقل الجثث التي في أدراج البرادات".
 



2- مولد الكهرباء.

 

359


346

الفصل العاشر

قلت: "لكن إن أخذناهم سوف تبقى بعض الجثث ملقاة على الأرض؛ إذ ليس من المقرّر دفن الشهداء في "جنت آباد" فلا ماء كافيًا للتغسيل، ولا أكفان، وكذلك حفّارو القبور عددهم قليل".

عندما أحضر الشباب النقالة قلت: "من الأفضل أن ننقل النساء أولًا ونضعهنّ في زاوية السيارة".

كانت إحدى النساء في الخمسين من العمر، ضخمة الجثة وثقيلة. وعلى الرغم من عدم رغبتي بمشاركة الشباب في نقل جثث النساء إلّا أني لست قادرة على حملها ووضعها على النقالة وحدي، فاضطررت لطلب المساعدة منهم. وهم أنفسهم انزعجوا من الأمر وقالوا: "أختاه ألا يمكننا نقل جثث الرجال فقط؟".
- لا، هذا لا يُرضي الله، هي ثلاث جثث وحسب، ويجب نقلها.

رفعنا الجثة ونقلناها بعناء ومشقّة إلى شاحنة الـ"بيك أب".

كان الجسدان الباقيان خفيفين فنقلناهما بسهولة. من بين عشرين شهيدًا لم تتسع الشاحنة لأكثر من ثماني أو تسع جثث.

وحتى ينهي الشباب عملهم، رحتُ أتفحّص جثث النساء الثلاث الممدّدة بعضها فوق بعض، كانت الجثتان النحيلتان متشابهتين إلى حدٍّ كبير وكأنهما قريبتان، ويدلّ الوجهان والأيدي التي لوّحتها الشمس على أنهما من الطبقة الكادحة.
كُدّست الأجساد في السيارة. قالوا لي: "اذهبي واجلسي في المقعد قرب السائق".
- لا! بل أريد أن أجلس على حافة الشاحنة.
 

360


347

الفصل العاشر

- لا يوجد متسع لك، والجلوس هنا خطر، وربما تسقطين، نحن بالكاد نستطيع حفظ توازننا.

قال "حسين" الواقف على دفاعات السيارة: "هيا اجلسي في المقعد الأمامي وكفى عنادًا".

لم يعد لي من حيلة. انطلقت السيارة بسرعة أخفّ بسبب ثقل الجثث، كما علا صوت محرّكها. كانت طريق آبادان - خرمشهر تتعرّض للقصف فقلقتُ على الشبان في الخلف. كنت أراقب سقوط القذائف على الطريق وفي الصحراء المحيطة وخشيت أن تصيب شظاياها الشباب. عندما وصلنا إلى الجسر ضغط السائق على دواسة البنزين، لكن السيارة لم تستطع صعود أعلى الجسر، فترجّل الإخوة منها ليقلّ وزنها. في النهاية عبرنا الجسر بسلام وتابعنا طريقنا نحو "جنت آباد". وددتُ لو أنزل عند المسجد؛ إذ عليّ إنجاز الكثير من الأعمال، لكن قلبي لم يطاوعني أن أترك الشهداء. رأيت "زينب" خارج مقبرة "جنت آباد" تقف على جانب الطريق شاردة الذهن؛ عندها طلبتُ من السائق التوقّف. ترجّلت من الشاحنة التي تابعت طريقها إلى جانب المقبرة، اقتربتُ من "زينب" وسألتها بتعجّب: "لم تقفين هنا يا أماه؟".
- أشعر بانقباض في صدري منذ الصباح. اشتقت كثيرًا إلى ابنتي "مريم".
- لا تقلقي عليها، أيّ مكان آخر هو أفضل لها من هنا. أماه لقد أحضرنا جثث شهداء.
- لكن ألم يقرّروا عدم إحضار الشهداء إلى هنا مجددًا؟
- بلى، لكن خشية أن تتحلّل، تقرّر إخراجها من البرادات ودفنها.
 

361


348

الفصل العاشر

نادى "حسين" : "ماذا نفعل يا أختاه؟ هل نُنزل الجثث؟".

فكرت بإنزال الجثث قرب القبور مباشرة: بما أننا لا ننوي تغسيلها وتكفينها. أخبرت "حسين" بما يدور في خلدي، فوافقني الرأي، وأرشدَ السائق إلى آخر الطريق الترابية حيث القبور. ذهبنا نحوهم أنا و"زينب" بعددٍ من الحمّالات، وسألتها عن ليلى لأني لم أرَها:
- لم يكن من عمل هنا، ذهبت مع السيدة "مريم" إلى أمك. المسكينة شعرت بالضيق وقالت إنها ستذهب بعد ذلك من المنزل إلى المسجد الجامع لتراكِ.

وصلنا إلى بقعة الشهداء ولم يكن هناك سوى ثلاثة قبور خالية. لذا قمنا بمساعدة الشبان في الحفر. حملنا المعاول والرفوش المكسورة القبضات. بدأنا بالحفر ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن، كانت تنتابني آلام شديدة في ظهري وكتفي، وحرقة في كفّيّ، فذهبت إلى المغسل وأحضرت النايلون الذي كانوا يلفّون به الأكفان، ثم لففته على قبضة المعول وأكملت الحفر، لكن من دون جدوى. يبس جلد كفي، وخاصة ما بين أصابعي، وكلما ضربتُ بالمعول تشقّق وسالت منه الدماء. عندها تركتُ المعول والرفش جانبًا، ورحت أهيل التراب جانبًا من مكان الحفر. مع أن التراب كان مؤذيًا ليديّ المجروحتين، إلّا أن الحرقة خفّت، وبدأ جلد يدي يتقشّر، وغدا ساعدي كالمحترق ببخار ساخن، فاحمرّ وتورّم. عندها، طلب المغسّلون المساعدة من بعض الرجال الموجودين في "جنت آباد". تركت أنا و"زينب" حفر القبور وذهبنا لدفن جثث النسوة. دفنّا الشهيدتين النحيلتين بيسر وسهولة، لكن دفن الجثة السمينة كان أمرًا شاقًا، فقد أحضرها الشبان إلى حافة القبر. عندما نزلت و"زينب" إلى القبر لآخذ

 

362


349

الفصل العاشر

بطرفيها سقط ثقلها على قفصي الصدري وشعرت بعظامها تطبق على رأسي وتخنقني. جحظت عيناي وكادت أن تخرجا من حدقتيهما واشتدّ ألم صدغيّ، سمعت صوت احتكاك فقرات عمودي الفقري. كان ذلك أكبر ثقل وضغط تعرضت له حتى ذلك اليوم. حاولت جهدي أن لا تقع الجثة من يدي، حتى إنّ "زينب" صرخت مستنكرة: "يبدو أنها أكلت مع العميان"3. كاد كلامها يضحكني لكني لم أقوَ على ذلك.

خرجنا من القبر، وقبل أن يهيلوا التراب عليها؛ نظرت إلى عينيها نصف المطبقتين، وشكرت الله أنها ماتت بهذا الشكل، فقد أصابتها الشظايا برأسها ورقبتها، لأن بعض الجثث كانت مكوّرة ومتصلّبة، لم نستطع أن نسجّيها في القبر بالشكل الطبيعي مهما حاولنا.

بما أنّ المساعِدة قد وصلت، أخبرتُ "زينب" أني ذاهبة إلى المسجد. فأجابتني ممازحةً:
- ستتركينا وترحلين يا عديمة الوفاء؟
- أقسم بالله إنّ لديّ عملًا كثيرًا هناك!
- أعلم يا عزيزتي، إنما كنت أمازحك؛ اذهبي وجزاك الله خيرًا عن كلّ ما تقومين به.

سرتُ مع "زينب"، وقد سيطر عليها الغم والحزن لما آلت إليه الأوضاع، إلى أن وصلنا قرب المغسل. هناك رأينا السيد "برويزبور"، فقالت لي:

 


3- اصطلاح يراد به التعبير عن أنها أكلت دون حسيب أو رقيب فبالغت في الأكل.


363


350

الفصل العاشر

- هيا لنسأله عن أقمشة الأكفان، وإذا لم يستطع إحضارها، علينا أن نطلب ذلك ممّن هم في المسجد.
- صدّقيني لقد أخبرتهم أكثر من مرة عن الأوضاع في "جنت آباد"، لقد اشتهرتُ لكثرة ما سألت وطلبت، لكنهم لا حيلة لهم ولا يدرون ما العمل، فمن الطبيعي أن يكون الأحياء أولويتهم، وإن بقي لديهم متّسع من الوقت فسيفكّرون بحلّ مشكلة الأموات في "جنت آباد".

كنت أعلم أن لا فائدة من ذهابنا إلى هناك، لكنني لم أعترض. وقفت قرب الباب؛ دخلت "زينب" بحثًا عن السيد "برويزبور" ثم خرجا بعد عدة دقائق. سلمت عليه وجلست مع "زينب" في السيارة. في الطريق لم نتحدث بشيء. وعندما دخلنا المسجد، رأيت السيد "سليماني"، الدكتور "شيباني" والسيد "فرخي" مع شخصين آخرين يتحدثون تحت قبته الطينيّة الصغيرة. ما إن رأونا حتى سلّموا علينا، فأخبرهم السيد "برويزبور" عن سبب مجيئنا إلى هنا. قال أحدهم - ولم أكن أعرفه -: "نحن على علم بالوضع في "جنت آباد" ومنزعجون لذلك، وقد سألنا علماء الدين في الأمر فقالوا لنا اشتروا قماش الكفن من المتاجر في السوق إن وجد أصحابها؛ وإلا فإننا نستطيع أخذ ما نحتاجه منها مع غياب أصحابها ودفن موتى المسلمين بالطريقة اللائقة".

انزعجت من كلامه وقلت: "لا أعتقد أنّ الكفن المسروق يليق بموتى المسلمين".


- نحن لم نقل أن تسرقوا، لكنّنا نعيش ظروفًا طارئة كما لم نقل أن تفعلوا ذلك بأنفسكم، بل سيقوم عدد من أمناء المسجد بذلك فيدوّنون

 

364


351

الفصل العاشر

ما أخذوه في سجلات خاصة، على أن تتمّ تسوية الحسابات مع أصحابها بعد أن تهدأ الحرب.

ومن دون تريث، نادى رجُلين كانا في المكان: "هيا معي".

ذهبنا وركبنا السيارة. جلست أنا و"زينب" في المقعد الخلفي وجلس الرجلان قرب السائق. قال أحدهما لـ"برويزبور" : "لنذهب إلى سوق صفا فأنا أعرف أحد التجار هناك".

ركن "برويزبور" السيارة قرب مقهى "عمو ناصر" المعروف في السوق. بقيت أنا و"زينب" في السيارة، بينما ترجّل "برويزبور" والرجلان واتجهوا نحو السوق المسقوف حيث محلات الأقمشة. قالت "زينب" وهي تنظر من زجاج السيارة: "هل تذكرين كم كان هذا المكان مزدحمًا والباعة والناس يقفون على جانبي الطريق، ولم يكن بالإمكان المشي فيه بسهولة؟!".

هززت رأسي وأنا أصغي إلى كلامها، لكنني كنت أفكّر في أمور أخرى. كيف لنا أن نكفّن الموتى بأقمشة مسروقة؟ في رأيي، هذه الأقمشة مغصوبة فلا أصحابها راضون ولا هي مفيدة للموتى. في النهاية، رحت أقنع نفسي بما قيل عن إجازة حاكم الشرع في الظروف العصيبة، وأنه يجب أن لا أفكر بعكس ذلك، لذا حاولت أن أشغل تفكيري بأمور أخرى.

نظرت إلى السوق، الدخان المتصاعد ملأ سماء المدينة وجعل السوق المسقوف أكثر ظلمة، وجرارات بعض المتاجر مقفلة. سألت نفسي: ترى أين أصحاب هذه المتاجر؟ ماذا يفعلون وكيف يؤمّنون لقمة العيش لعائلاتهم؟
 

365


352

الفصل العاشر

عندما رأيت محل بيع أشرطة التسجيل قرب مقهى "عمو ناصر"، تذكرت الأيام الخوالي عندما كنت آتي إلى السوق مع "دا"، كان صوت المغني العراقي "سعدون جابر" يصدح في الأجواء. كان البائع يرفع صوت مكبرات الصوت لتصل إلى وسط السوق. عندما كنت أنظر إلى دكانه المقفل تذكرت شعر سعدون جابر:
"آها يا ديرة هلي يا عيني يا طيبة هلي مشتاق يا جنة هلي..
مو بعيدين لي يحب يندل دربهم مو بعيدين..
مو بعيدين القمر يندل دربهم..
مو بعيدين القلب.."

كما تذكرت شعر المغني المصري عبد الحليم حافظ، وله مستمعين كثر، وكنت أحب أشعاره أيضًا:
"قالت يا ولدي لا تحزن..
فالحب عليك هو المكتوب يا ولدي..
يا ولدي قد مات شهيدًا..
من مات فداءً للمحبوب..
.. مقدورك أن تمضي أبدًا في بحر الحب بغير رجوع..
مقدورك أن تبقى مسجونًا بين الماء والنار..
فبرغم جميع حرائقها وبرغم جميع سوابقها..
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار..
 

366


353

الفصل العاشر

وبرغم الجو الماطر والإعصار..
الحب سيبقى يا ولدي..
أحلى الأقدار!"

تذكّر هذه الأشعار أحيا في قلبي غمّ فراق أبي الصعب وغير المحتمل وغياب "علي".

رحل والدي منذ يومين، ونحن نتحرّق شوقًا إليه. ذرفتُ الدمع بسكون، وقد غطيت وجهي كي لا تلتفت "زينب" لحالي؛ مع أنها هي أيضًا كانت غارقة في همومها.

عاد الرجال بعد نصف ساعة حاملين الأقمشة البيضاء، وبيد أحدهم دفتر فتح إحدى صفحاته وطلب مني ومن "زينب" أن نوقّع أسفل اللائحة. نظرت إليها وقد كتب عليها اسم صاحب المتجر ورقمه، تاريخ اليوم ومقدار الأقمشة، كان توقيع السيد "برويزبور" وتوقيع الرجلين الآخرين أسفل اللائحة. بصَمَتْ "زينب" بإصبعها أسفل اللائحة مستخدمة حبر القلم4 بينما وقّعت أنا اسمي.

استلمنا الأقمشة وعدنا إلى "جنت آباد". كانت "ليلى" قد عادت من عند "دا"، ناديناها وباقي النسوة وتعاونّا على قصّ الأكفان فأنهينا العمل بسرعة. ولأنّ عدد الشهيدات النساء قد أخذ يتضاءل عن السابق، أعطينا القسم الأكبر من الأكفان لمغسل الرجال، ومجدّدًا أحضروا جثة متلاشية. كنّا قد قرّرنا عدم غسل الجثث المتلاشية والاكتفاء بلفّها بالنايلون توفيرًا للماء وحتى لا تتلوّث الأكفان بدماء الجروح، إلّا أنه بعد نفاد النايلون كان

4- لوّنت إصبع ابهامها بالحبر ثمّ بصمت.
 

367


354

الفصل العاشر

من المنطقي أن نعزل الأجساد السالمة عن غيرها. لكن اختيار الجثث السالمة للغسل والكفن من بينها كان أمرًا صعبًا، اعتراني خجل شديد وشعرت أنّ بعض الشهداء قد ظُلموا، حتى في الغسل والكفن. لكن ما باليد من حيلة. ما إن أنهينا عملنا حتى وقعت عيناي على كومة ثياب الشهداء المكدسة منذ عدة أيام في زاوية المغسل، وكان يجب دفنها في التراب وإراقة ماء الكلس عليها من أجل المحافظة على السلامة العامة، لكنني كنت متعبة كما لم تكن باقي النسوة أفضل حالًا مني. لذا أحضرت العربة والرفش ونقلت الملابس على عدة دفعات إلى زاوية خالية من المقبرة، ثم أحضرت الكاز والكبريت وأضرمت النار فيها. ابتعدت قليلًا ورحت أراقب ألسنة اللهب وهي تبتلع قطع الملابس، وقلت في نفسي: "كم فرح أصحاب تلك الملابس بشرائها، وكيف كان شعورهم عند ارتدائها، وها هي الآن تلتهمها النار".

قطعتْ "زينب" عليّ حبل أفكاري عندما نادتني فنهضت وذهبت إليها. قالت لي: "أخبروني إنّ أخاكِ جاء، ولم يشأ الدخول، فاذهبي إليه لتري ماذا يريد".

خفتُ للحظة، يا إلهي، ماذا حدث ثانية؟ من الذي جاء؟

أسرعت نحو الباب ورأيت أخي "منصور" واضعًا يديه في جيبه ويتلفّت يمينًا وشمالًا. عندما رآني تقدّم وسلّم عليّ.
- وعليكم السلام، لمَ جئت إلى هنا؟ ألم أطلب منك أن لاتترك "دا" والأطفال؟

قال ببراءة: لقد أحضرت لكما الغداء.
 

368


355

الفصل العاشر

- غداء؟ من أين لك الغداء؟
- لقد أعدّت جارتنا عجّة البطاطا باللحم وأرسلت لنا بعضًا منه. كنا نأكل فقالت "دا" ليت "زهراء" و"ليلى" هنا، عندها أخفيت بعضًا منها لكما، وقلت لـ"دا" عندما سألتني إلى أين: إنني أريد أن أحضره لكما.

شعرت بوخز في قلبي وقلت له بعطف: "هل قطعت كل هذه المسافة من أجلنا؟".

هزّ رأسه إيجابًا وأخرج من جيبه: ثلاث قطع من العجّة ملفوفة بقطعة من الخبز.
- لمَ وقفت عند الباب ولم تعطها لمن طلبتَ منه أن يناديني؟
- لأنّ الطعام قليل، وربما اشتهى تناول بعض منه، بينما أحضرته لأجلكما!

انحنيت وقبلت رأسه وقلت: "أخي العزيز، لم يجدر أن تقطع كل هذه المسافة، ليتك أكلتها أنت!".

أومأ برأسه بالنفي، فقلت له: "هيا ادخل!".
- لا، طلبت "دا" أن أعود بسرعة.

في المرتين الماضيتين اللتين ذهبت فيهما إلى مسجد "الشيخ سلمان" لم أرَ "منصور". انتظرته ولم يعد، وعندما سألت "دا" عنه قالت: لا أدري ربما هو في الزقاق أو إنه ذهب إلى المسجد الجامع. لذا نصحته وأنا أنظر إلى العجة: لا تذهب بعيدًا هنا وهناك ولا تخرج من المسجد، كما لا ترهق نفسك بقطع كل هذه المسافة لتحضر لنا شيئًا، فكلّ ما

 

369


356

الفصل العاشر

نحتاجه موجود هنا، والأمر الآخر أني لا أعلم إلى متى سأبقى هنا.
- حاضر.
- والآن؛ عد من حيث أتيت وبسرعة كي لا أقلق عليك.
- حسنًا.

ذهب "منصور" ووقفتُ أراقبه وقد اغرورقت عيناي بالدموع. شعرت خلال هذه الدقائق القليلة كم أصبح ذاك الفتى المشاغب والشقي هادئًا. كان ذلك عجيبًا لطفل في الثالثة عشرة من العمر، انتابني شعور سيّئ؛ تذكرت يتمه فانقبض قلبي. سارَ بخطوات سريعة كما طلبت منه، وبعد أن غاب عن عينيّ عدت إلى الداخل وأعطيت "زينب" الطعام.

نظرتْ بتعجب إلى العجّة، فقلتُ لها إنّ "منصور" قد أحضرها. أعطتني لقمة منها فرفضتها، إذ كادت العبرة تخنقني، ولم تكن "ليلى" أفضل حالًا مني. مع أنها لم تبدِ ما تشعر به أو تتحدث عنه، إلّا أنني علمتُ ما يجول في خاطرها. عندما تحدثت إليها انهمرت دموعها على خديها. قررتُ أن ألازمها هذه الليلة لعلّ بقائي إلى جانبها يخرجها من تلك الحالة النفسية. صلينا في الغرفة، وعندما خرجنا رأينا أنهم وضعوا البساط على الأرض وحضّروا مائدة الطعام. جلس الرجال المسنّين مع "حسين" و"عبد الله" في جهة والنسوة في الجهة المقابلة، فجلست أنا و"ليلى" أيضًا.

قسّم أحدهم البطيخ بيننا. كنت أشعر بجوع شديد. أثناء تناول الطعام، رحت أراقب "ليلى" التي كانت تجيب عن أسئلتي باقتضاب. نهضت بعد العشاء، انتعلت حذائي وحملت سلاحي الذي لا يفارقني

 

370


357

الفصل العاشر

أينما ذهبت. سألتني "ليلى" : إلى أين؟
- أريد التجوال قليلًا، هل تأتين معي؟

وافقتْ ونهضتْ في الحال. كانت أصوات إطلاق النار والانفجارات آتية من ناحية معسكر القلعة الواقع على امتداد "جنت آباد"، فذهبنا إلى هناك. عند الباب، نظرت إلى الشارع المظلم الخالي من المارة والمخيف لجهة إمكانية تسلّل عملاء البعثيين إليه، لكنني تنبّهتُ إلى المعسكر الحدودي وقلت في نفسي: سيبقى المكان آمنًا ما دامت قواتنا فيه، ثم أمسكت يد "ليلى" وعدنا إلى الداخل. سرنا حتى نهاية "جنت آباد". بدأت التحدث إليها وحثّها على الكلام أيضًا. تحدثت عن ذكريات الماضي وسألتها هل لا تزال تذكر هذه الحادثة أو تلك! فكانت تجيبني وتشاركني السرد وتسهب، وتتابع المشي. فجأة، وقعت عيناي على لوحة الإعلانات، وشعرت أنّ قلبي ينخلع من مكانه. وقفت من دون إرادة مني، كم وددتُ لو لم تكن "ليلى" معي في تلك اللحظة؛ فأتقدم وألثم أثر يد والدي على اللوحة وأغرقها بالقبلات.

ردعتُ نفسي عن ذلك بصعوبة بالغة ولم أنبس ببنت شفة. تابعنا سيرنا ثانية. كانت الليلة مقمرة، فتذكرت ليالي البصرة ومنزلنا في "حي قزلي" حيث كنا نفتقد الكهرباء. بدأت الذكريات تتوالى على ذهني وتجعلني أكثر انقباضًا. في تلك اللحظة قالت "ليلى" : "ليت علي كان هنا، لقد طال غيابه أكثر من أربعة أشهر، ليته يعود، لو كان بيننا لخفّ الثقل عن كاهلنا ولهدأ بال "دا" واطمأنت".

لم ننتبه إلّا ونحن عند قبر والدي. هناك لم أعد أستطيع السيطرة على مشاعري جلستُ وأرخيتُ العنان لدموعي وقد ضاعف سرد الذكريات

 

371


358

الفصل العاشر

من أشواقي. لم تكن "ليلى" أفضل حالًا مني. ألهب بكاؤها الموجع صدري ولم أطق رؤيتها تت