مقدمة
المقدمة
1
مقدمة
في النصّ، والتي قد تكون غريبة أو صعبة أحياناً لكيلا نتصرّف في كلمات المصنّف، ولتيسير وتسهيل الاستفادة من الكتاب:
2
بصر الهدى
نبذة
3
بصر الهدى
نشأ الشّهيد في ربوع مدينة قم المقدّسة، واشتغل فيها بطلب العلوم المختلفة، وبرع في الكثير منها تدريساً وتأليفاً، فقهاً وأصولًا وفلسفة وتفسيراً وعرفاناً وغيرها، ثمّ انتقل إلى مدينة النّجف الأشرف، ليكمل مسيرته العلمية الّتي تميّزت بالذّكاء المفرط، والدّقة النافذة، والحافظة المميّزة وإبداع فكري مبكّر حتّى قال عنه والده الإمام الراحل قدس سره حين بلغ الخامسة والثلاثين: "إنّ مصطفى أفضل منّي حينما كنت في سنّه". وقد كانت جلّ استفادته من والده السّيّد الإمام قدس سره في شتّى الميادين العلميّة، وإلى جانب ذلك فقد حضر عند كبار العلماء في حوزتي قم والنّجف، واستفاد من العديد منهم:
4
بصر الهدى
ألّف الكثير من الكتب، التي فُقد - للأسف - الكثير منها، حيث صودرت مصنّفاته في قم المقدّسة من قبل حكومة الشّاه المقبور، ولم يسلم منها سوى ما صنّفه في النّجف وبورسا، حيث جاءت بها تلك المرأة الصّالحة الّتي كانت تحظى بخدمتهم، وآثرتها على حوائجها الخاصّة.
5
بصر الهدى
(هجري شمسي)، عن عمرٍ ناهز السّابعة والأربعين، بعد جهادٍ طويلٍ مع أعداء الدّين، والثّورة الإسلاميّة، وقف خلالها إلى جانب والده الكبير، مرافقاً له في رحلة الجهاد، وقد تعرّض فيها للسّجن والنّفي، وأخيرًا للشّهادة، ووُري الثّرى إلى جنب جدّه أمير المؤمنين وإمام المتّقين عليه السلام في النجف الأشرف.
6
بصر الهدى
وتسمّى بالرّحمة الرّحيمية في وجه1، ويشترك فيها سائر الخلائق المجرّدة البرزخية والغيبية2 حفظاً لما هو تحت سلطانه. وأنت خبير: بأنّ هذه الرّحمة لو لم تكن في الحيوان والإنسان، لا يبقى الحيوان والإنسان، ولكانت الحياة الفرديّة والاجتماعيّة فشلة، ولاضمحلّت النّظامات الاجتماعيّة. وبالجملة: لا يبقى منها عين ولا أثر. فإنّ الحيوان لأجل تلك الرّحمة الموجودة في وجوده يتمكّن من تربية أولاده، ويتحمّل الزّحمات والمضادّات الوجوديّة والمشقّات الكثيرة، فبتلك الرّأفة والعطف تنجذب القلوب نحو الأولاد في الحيوان والإنسان، ولأجل هذه المحبّة والعشق الّذي هو من تجلّيات تلك الرّحمة، يتهيّأ لدفع المزاحمات الوجوديّة
7
بصر الهدى
والأعداء وغير ذلك. وهذه الرّحمة والرّأفة هي الّتي تبعث الأنبياء والرّوحانيّين والعلماء والزّعماء إلى تحمّل المشاقّ وتقبّل المصائب في هداية البشر والإنسان إلى الحقائق، وفي إخراجهم من الظّلمات إلى النّور.
8
بصر الهدى
نظير لك في الدين أو شبيه لك في المخلوقية1، وهل يجوز لك أن تبيت ببطنةٍ2 وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ3، كلا وحاشا ما هكذا الظنّ بكم! فكونوا مماثلين للرّسول الأعظم الإلهيّ، فقد قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾4، وقد وصفه في الكتاب العزيز بأنّه ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾5.
9
بصر الهدى
السّياسيّة, ولذلك قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾1، وفي الآخرة كجعل النّار والميزان لتخليص الأفراد الأراذل من الخبائث والأنجاس النّفسانيّة, فإنّها من قبيل رفقاء السّوء وجلساء الذّموم في تنفّر الطباع عنها والاشمئزاز منها... وقد عُدَّ ذلك من الآلاء - على احتمال - في سورة الرحمن: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾2، ولعلّ هذا هو معنى قولهم: "سبقت رحمتُه غضبَه"، فإنّ غضبه من تجلّيات الرّحمة الإطلاقيّة الذّاتيّة.
10
بصر الهدى
بالعباد من العطف والرّأفة ومن اللّطف والمحبّة، مع تلك القدرة وذلك الغضب الّذي لا تقوم له السّماوات والأرض، فضلاً عنك أيّها الضّعيف المسجون في الدنيا والمحبوس في الطبيعة، عليك أن تجتهد في اكتساب الأخلاق الفاضلة، والتخلّق بالفضائل النّفسانية والتّشبّه بالإنسان الكامل، فتكون رحمةً لعالمك، إن لم تتمكّن من أن تكون رحمةً للعالمين، فتدبّر فيما حكى القرآن عن حدود رأفة الرّسول الإلهيّ الأعظم في سورة الشعراء: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾1 وفي سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾2.
11
بصر الهدى
وتسكينه عمّا يقع في قلبه الشريف، حذرًا من هلاكه وخوفًا من تقطّع قلبه وروحه.
12
بصر الهدى
1- قد أخرج الكلينيّ بإسناده عن الصادق عليه السلام أنّه كان يقول لأصحابه: "اتقوا الله وكونوا إخوة بررة، متحابّين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا، وتذاكروا أمرنا وأحيوه"1.
13
بصر الهدى
4- وعن العلّامة الحلّيّ في "المستدرك" في "الرّسالة السّعديّة" عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "والّذي نفس محمّدٍ بيده، لا يضع الله الرّحمة إلا على رحيم"، قالوا: يا رسول الله، كلّنا رحيمٌ؟ قال: "ليس الّذي يرحم نفسه وأهله خاصّة، ولكن الّذي يرحم المسلمين" وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "قال تعالى: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا"1.
14
بصر الهدى
فالملاطفة من جنود الرّحمن، ولا تختصّ بكون طرفها الإنسان أو الحيوان، بل تشمل كلّ شيءٍ حتّى النّباتات.
15
بصر الهدى
الكلّيّ، وشرٌّ بالقياس إلى الآحاد الفانية في الاجتماع، وربّما يكون رحمةً بالنّسبة إليهم. وأيضاً لما أشير إليه: أنّ في ذلك نجاةً من البلاء العظيم، وهو الابتلاء بالنّار، وتبعات الأفعال والصفات في النّشآت الآتية.
16
بصر الهدى
برفض الرذائل وكدورات المادّة والمدّة، وجلب الفضائل, بالسّعي فيما هو دستور الشرع الإسلاميّ والمذهب الإيمانيّ، والجدّ في العمل بتعاليم الله وقوانينه العمليّة الجوارحيّة والجوانحيّة1، فإذا شهدت أنّ الله تبارك وتعالى قد أنعم عليك النّعم الظّاهرة والباطنة، وأعطاك الآلاء الكثيرة الخفيّة والجليّة، وهيّأ لك أسباب الرّقاء والوصول إلى دار البقاء, بإبلاغ الكتب السماويّة وإرسال الرّسل الملكوتيّة، وأعدّ لك ما تحتاج إليه في المعيشة الدنيويّة, بالنّظام التّامّ وفوق التمام، فعليك أن توجّه إليه حمدك، وأن تقطعه عن الغير، وتنقطع إليه انقطاعاً كلّيّاً تامّاً، فتكون في جميع اللّحظات والحركات والساعات والآنات متوجّهاً إلى حضرته، حامداً شاكراً، مثنياً مادحاً بجميع الأعضاء والأفعال، وتطبيق جميع الحركات على النّظام الشّرعيّ الّذي جاء به النّبيّ الأكرم، والرّسول الختميّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
17
بصر الهدى
القوى؟ ففي محضره الرّبوبيّ، هل ترضى أن تصرف قدرته وإرادته وحكمته فيما لا يرضى به، وينهى عنه؟! نعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم.
18
بصر الهدى
العبد في الدّخول إلى دار الرّبّ، والوصول إلى حلاوة القرب، فيا الله، انزع ما في قلوبنا من غلّ، حتّى نكون صالحين للجلوس على مأدبتك، وأذقنا الّلهم طعمَ عفوك، وحلاوةَ مغفرتك ورحمتك، حتّى نخرج من غياهب1 الذّل، جلباب الكفر والنّفاق، وإليك يا ربّ المشتكى.
19
بصر الهدى
أنا منذ ثلاثين سنةً أستغفر الله على قولي مرّةً واحدةً: الحمد لله، فقيل كيف ذلك؟ قال: وقع حريقٌ في بغداد، واحترقت الدّكاكين والدّور، فأخبروني أنّ دكّاني لم يحترق، فقلت: الحمد لله، وكان معناه أنّي فرحت ببقاء دكّاني حال احتراق دكاكين النّاس، وكان حقّ الدين والمروّة أن لا أفرح بذلك1. انتهى.
20
بصر الهدى
ويريد أن يطفئ نار غضبه الباطنيّ بالحمد اللّساني، فنعوذ به تعالى من شرّ الأعداء..1.
21
بصر الهدى
والبرنامج القصير تأمّل في أسباب تربيتك، وأنّك كنت قطرةً من النّطفة الرّذيلة النّجسة من صلب الأب، فانتقلت إلى رحم الأمّ، فانظر كيف صارت علقةً أوّلاً، ثمّ مضغةً ثانياً، ثمّ تولَّدَتْ بعد ذلك منها الأعضاء المختلفة، والعظام المنتظمة، والغضاريف والرّباطات والأوتار والأوردة والشّرايين، على نظامٍ خاصٍ متينٍ لا ينحلّ، ثمّ حصلت في كلّ واحدٍ من تلك المكامن والأعضاء، أنواع القوى البصريّة والسّمعية والشّمّية والذّوقيّة واللّمسيّة، ثمّ حصل لك في ثدي الأمّ أحسن الأشياء رقّة وخاصّة يناسب حالك، وهو اللّبن اللّطيف اللّذيذ للشّاربين، ثمّ أعطف - تعالى وتقدّس - عواطف الأمّهات والآباء عليك، وجعلك في خبايا قلوبهم، وزوايا نفوسهم، مورد الحبّ والشّوق والعشق، حفظاً لك ممَّا يتوجّه إليك، ودافع عنك المضارّ والمضادّات الوجوديّة البالغة إلى ملايين عدداً بل نوعاً، وانظر إلى ما خلقه وهيّأه لتربيتك البدنيّة، من الأغذية والأشربة المختلفة الأنواع المتشابهة وغير المتشابهة، وأنّه تعالى كيف لاحظ في ذلك تسهيل الأمور
28
22
بصر الهدى
عليك، وكيف لطف بك وفي حقّك، من بذل هذه الأنعم والآلاء غير القابلة للإحصاء، فإذا تفكّرت ساعة، وتأمّلت دقيقة من هذه الناحية، - وهي النّشأة المادية - فاعطف وجهك ونظرك إلى المسائل الرّوحيّة، والآداب الأخلاقية، والاعتقادات الرّوحانيّة, فإنّه تعالى وتقدّس، عالمٌ بالأسرار والعوالم، يرى حاجتك في سائر الآفاق والظّروف، فيهيّئ الأسباب المورثة لخلاصك من الآفات والبلايا، الّتي في جنبها تلك البلايا الدّنيويّة ضئيلةٌ جدّاً ويسيرةٌ واقعاً. فأرسل الرّسل وأنزل الكتب، وقد تحمّل في ذلك الرّسل المعظّمون والأنبياء الشامخون، مصائب كثيرةً لا تعدَّ ولا تحصى، وقد امتلأت كتب التّاريخ من تلك الرّزايا المتوجّهة إليهم- عليهم الصلاة والسلام -، حتّى حكي عن رسولنا الأعظم أنّه قال: "ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أوذيت"1.
23
بصر الهدى
النعم طرق الوصول إلى الله تعالى
24
بصر الهدى
كأنّه لا عبد له سواك، فسبحانه ما أعظم رحمته وأتمّ تربيته! فعلى ما تقرّر وتحرّر، وإلى نصاب البرهان والشّهود بلغ ووصل، فلا تماطل في القيام بما أراد منك، ولا تكن من العاصين المتمرّدين على أوامره ونواهيه، واجتهد في أن يصير وجودك مرهون مقاصده، ومن أهمّ طلباته تعالى، القيام والاهتمام بأمور المسلمين، وهداية البشر إلى الطّريق المستقيم، فكن مظهر الاسم "الرّبّ" في توجيه النّاس إلى الآخرة، وفي تصغير الدّنيا في نفوسهم، وفي تعظيم الدّيانة في قلوبهم. والله هو المعين والمستعان1.
25
بصر الهدى
26
بصر الهدى
الاسم في ناحية من نواحي تلك النّشأة الكبرى، وفي ذلك اليوم الذي تخشى فيه القلوب وتبلغ لديه الحناجر. ولا يتمكّن من هذا المقام المنيع والمحل الرفيع، إلا بعد رفض الشيطان الرّجيم حقيقةً وواقعاً، لا تخيّلاً وتقوّلاً، فإن هذا من الأطباق الشّديدة الفخمة، لا يقتدر على هدمها إلا الأوحديّ.
27
بصر الهدى
وتعالى عليهم، من فوق عرشه في ظلال من الملائكة، فيأمر ملكاً من الملائكة، فينادي فيهم: يا معشر الخلائق، أنصتوا واستمعوا منادي الجبّار، قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك، وتخشع أبصارهم، وتضطّرب فرائصهم، وتفزع قلوبهم، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصّوت، ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾، قال: فعند ذلك يقول الكافر: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾1 قال: فيشرف الجبّار- تعالى ذكره - الحكم العدل عليهم، فيقول: أنا الله الذي لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يُظلم اليوم عندي أحدٌ، آخذ للضّعيف من القويّ بحقّه، ولصاحب المظلمة بالمظلمة، بالقصاص من الحسنات والسّيّئات وأثيب على الهبات، ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالمٌ، ولا أحدٌ عنده مظلمةٌ، إلا مظلمةً وهبها صاحبها، وأثيبه عليها، وآخذ له بها عند الحساب..." إلى آخر الحديث الشّريف الطّويل2.
28
بصر الهدى
قراءة العارفين
29
بصر الهدى
ومن ذلك ما روي من غشية الصّادق عليه السلام، عند تكرار ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾1، وما روي عن السّجاد عليه السلام: أنّه إذا قرأه يكرّره حتّى كاد أن يموت2.
30
بصر الهدى
غضبَه"1، فلا يكون للعارف الكامل خوفٌ من ناره وجحيمه، بل خوفه من نار فراقه وطول عكوفه عليه، فإذا وصل نوبة قراءته إلى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، تفزع وتضطّربُ جميع أعضائه ومراتبه، حتّى يغشى عليه، ولكنّه طليعة تضمحل بظهور جلوات رحمته ورأفته ولطفه ومحبته2.
31
بصر الهدى
والآخرة، وإنّ بيده كلّ شيءٍ، وإليه يرجع كلّ شيءٍ، وإنّه الكمال كلّه وكلّه الكمال، والجمال كلّه وكلّه الجمال، ولا كمال ولا جمال إلا كماله وجماله. فعندما تيقّنت بذلك، وبلغت إلى شهوده في تلك المراحل والمنازل، فهل تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كذباً وافتراءً؟!، ولتكن في حذرٍ من ذلك، فعليك بالاجتهاد والجدّ في الوصول إلى غاية المأمول لأصحاب العقول والإيقان، ولأرباب الشّهود والعرفان، وهو أن تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خالصاً، ولا شيء وراءه في هذه العبادة والطّاعة في جميع الحلقات المحيطة بها، ولا تخطر في قلبك من أحدٍ شيئاً، ولا تخاف من غير العزيز الجبّار، المنطوي في جبروته مالكيّة غيره، وقاهريّة سواه، فبعد الإقرار والاعتراف بتلك الحقائق والرّقائق، وبعد الإذعان بأنّ ربّ السّماوات العلى والأرضين السّفلى، هو الحميد الغنيّ، وهو المالك، وهو الرّحمن الرّحيم، فلا يجوز في شرع الحقيقة والعرفان اشراك غيره في عبادته بأيّ وجهٍ كانت الشّركة، وهكذا الاستعانة بغيره، بل يرى
32
بصر الهدى
في هذا الموقف أنّه لا يتمكّن الفقير من إعانة الفقير، والممكن من إعانة الممكن. فإذا وصل القارئ السّالك إلى هذا المقام، وهو مقام الجمع بين الغيب والشّهود، ومقام الأنس مع الرّبّ الودود، فيترنّم بقوله:
33
بصر الهدى
والعرفان ثانياً، حتّى يتمكّن العبد من توحيده في العبادة على الوجه اللّائق به، وإن حكي عن سيّد البشر صلى الله عليه وآله وسلم: "أنت كما أثنيت على نفسك، ما عبدناك حقّ عبوديتك، وما عرفناك حقّ معرفتك"1.
34
بصر الهدى
فيه، وإذا فوَّض العبد تدبير نفسه إلى مدبّره، هانت عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد فيما أمره الله تعالى ونهاه، لا يتفرّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع النّاس، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثّلاث هانت عليه الدنيا والرئاسة والخلق، ولا يطلب الدّنيا تفاخراً وتكاثراً، ولا يطلب ما عند الناس عزاً وعلواً، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أوّل درجة المتّقين"1 الحديث.
35
بصر الهدى
الجدّ والاجتهاد في السّير والسّلوك
36
بصر الهدى
حدّ الحيوانيّة إلى الإنسانيّة، فضلاً عن السّير في مراتبها العالية، ولا تغترّ بما في هذه الصّحف، والغرور من مكايد إبليس، بل عليك الاغترار- إذا جاز- إذا تجاوزت عن المكائد النّفسانيّة، بل والقيود القلبيّة، ورأيت الشّاهد الحقيقيّ على صراط الإنسانيّة المستقيم، وما ذلك إلا بأن تكون في جميع الحالات مقيّداً بقيود الدّيانة والشّرع، وأن تواظب في جميع الأحوال والأزمان على الأحكام الجائيّة من قبل خير الأنام- عليه وآله الصّلاة والسّلام - وتكون قواك الظّاهريّة والباطنيّة في القيام والخدمة لربّ العالمين، فلئن صبرت على هذه المصائب، وتلك المعضلات والموانع الموجودة في الطّريق، وقلعت باب الحقّ للوصول إلى آخر السّفرة، فهو المطلوب والمقصود، وهو المأمول والمسؤول، وإلا فستبقى في جحيم الطّبيعة والطّبقة الدّنيّة، وتحشر يوم القيامة في زمرة الحيوانات والبهيمة، وتنشر بحكم ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾1 أعاذنا الله تعالى من شرّ ذلك اليوم، ووقانا حسابه.
37
بصر الهدى
فيا إلهي ويا سيّدي، اهدنا الصّراط المستقيم إلى حقيقتك ونفسك، فاهدنا سواء السبيل إلى رحمتك ورأفتك، ثبّتنا على الطّريقة الموصلة إليك وإلى أنسك ولقائك، فإنّي وإن أكن صفر اليد، وفي الأغلال والسّجون الظّلمانيّة الغضبيّة والشهويّة والشّيطانيّة، ولكنّني أحبّ التّخلّص منها، وأعشق الوصول إلى حضرتك بربوبيّتك من غير جدٍّ واجتهادٍ، تخيّلاً أنّ رحمتك ورأفتك تأخذني، وظنّاً بك وبحسن عشرتك بنا وللخلق أجمعين، فإنّ من وظائف العبوديّة حسن الظّنّ بالله العظيم، فإن اهتدينا بهدايتك فهو، وإلا فنحن إلى الهاوية، وهي أهون من لقاء أمثال (بعضهم) في تلك الباقية الخالدة، فمن جانب محرومٌ من الأنس بك وبأوليائك، ومن ناحيةٍ معذّبون بأنواع تعذيبك، ومن الثالثة- وهي أشدّ من الأوليين- الحشر مع أعدائك والخبثاء من خلقك، فيا الله خذ بناصيتنا واهدنا الصّراط السّويّ لقولك: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾1. 2.
38
بصر الهدى
ضرورة تهذيب النّفس
39
بصر الهدى
وعليك بالمجاهدة والرّياضات, بترك لذّات الدّنيا مهما أمكن، وملازمة أهل الخير والتّقوى في كل مكانٍ ميسّرٍ لك، فإنّ من أشرف الأمور وألذّ الأشياء عند أهل السّداد والعرفان، المسافرة في مختلف البلاد لإدرك أرباب الكشف والإيمان، وأصحاب القلوب والقرآن، وقد كان دأب السّلف وديدن الخلف على هذه الطّريقة المثلى، وتلك الرّويّة العليا. فيا إلهي وسيّدي، قد أفنيت عمري في شرّة السّهو عنك، وأبليت شبابي في سكرة التّباعد منك، فيا إلهي ومولاي، أسألك أن توفّقني لأن أنال من الخير ما يليق بجنابك، وأن أختطف من البرّ ما في سعة رحمتك. وأسألك الّلهم أن توفّقني لدرك ما في كتابك العزيز، القرآن الشريف، من مخازن علومك، وخزائن معارفك. وأسألك الّلهم أن لا تحجب بيني وبينها الذنوب والسّيّئات، ولا تحرمني منها بالمعاصي والآفات. فيا ربّ ويا عزيزي وأملي وسيّدي ومولاي، إليك نبتهل ومنك نسأل، يا ذا الجود والكرامة، أن نقوم بالأعمال الصّالحة، وأن تملأ قلوبنا
40
بصر الهدى
أنوار هذه السّورة المباركة1، وأن تعيننا على طاعتك بالمواظبة على أحكامها، ومراعاة آدابها، وأن لا نكون من الّذين يقرؤون القرآن وينقرونه كنقر الغراب، ولا من الذين يلعنه الكتاب، ولا من المحجوبين عن حقائقها ودقائقها، ولا من المسجونين عن شؤونها وأطوارها، فإنّه قد ورد: "ربّ تالٍ القرآن والقرآن يلعنه"2، فربّ مفسّر للكتاب ومن أفنى عمره في توضيح مقاصده، والقرآن ينزجر منه، ونعوذ بالله تعالى أنّ نكون منهم. يا خير المسؤولين ويا خير المعطين، اشف به صدورنا، وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه بإذنك، يا رحيم ويا كريم3.
41
بصر الهدى
فيه، فإذا اجتهدت في تعلّمه وفي التعيّن بحقيقته وفي التّشخّص بشخصيّة مثله، كنت في النّشأة العلميّة عين تلك البارقة الإلهيّة والحقيقة الملكوتيّة، فلا يكون لديك ريبٌ أيضاً، فلماذا لا تحبّ أن تكتسي لباسه؟! ولماذا لا تشتاق إلى أن تسلك سبيله، حتى ينتفي الرّيب كلّه عن ذاتك؟! أفما كان أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام من هذه النّشأة؟! أفما كانوا وما كان النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الكائنات الواقعة في الزّمان والملازمات لهذه المادّة والمدّة؟! فإذا كانوا كذلك فكيف ارتقوا إلى تلك المقامات، وتعيّنوا بتلك الصّفات، حتّى نفي عنهم الرّيب؟! فكن بعين الله على بصيرةٍ من أمرك، فتلحق بالصّالحين، وتحشر في زمرة المتّقين، وإذا تعيّنت بعين الكتاب في النّشأة العلميّة، وتصوّرت بتلك الصّورة البهيّة النّاضرة، فلا يكون الصّادر منك إلا ما يسانخك في الوجود، فإنّه لا يصدر من الحسن كلّه إلا الحسن كلّه. فيا أيّها المسلم المؤمن، لا تيأس من روح الله، فإنّ السّالك في الله يعشق الله، فإمّا يصل إلى عشقه ومناه، أو يموت في طريق عشقه وأمنيته، وعلى كل حالٍ
48
42
بصر الهدى
هو الفائز بالدّرجة العليا، والنائل لأعلى علّيين في الدّار الآخرة والعقبى. والله المعين على ما يصفون.
43
بصر الهدى
يصيرون به مثالاً له، فلا يكون فيه ريبٌ، ويكون هدًى من الضّلالات في جميع النّشآت، فتخلّقوا بأخلاق الله، حتّى يتمشّى لكم ما تمشّى له من المشيّة المطلقة1، فإنّ الإنسان هو الصّورة الجامعة الإلهيّة.. وحتّى يصحّ فيكم أنّه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾2 من الضّلالات بأقسام الهدايات وأنواعها الممكنة.
44
بصر الهدى
الآبية عن قبول الهداية، فلا بدّ وأن لا يكون متصوّراً بتلك الصّورة حتّى يكون قابلاً للاهتداء بمثل ذلك الكتاب، فعليك أمرٌ، وعلى الله تعالى أمورٌ: أمّا الذي عليك فهو الاجتهاد في سبيل الخروج عن التعيّن بتلك الصّورة المتعصّيّة والرّادعة المانعة، فإذا كنت خارجاً عنها برفض الشّهوات والبليّات، وأهواء النّفس وأحكام المادة والشّيطنة، تنالك - بحمد الله وإن شاء الله - المشيّة الإلهيّة الظّاهرة في نشأة الغيب والشّهود، ويخرجك من الظّلمات إلى النّور، فإن مجرّد الخروج عن بيت ظلمة الطبيعة ليس من الهداية وصورتها النّوعية، فإنّها حركةٌ نحو الوجود المطلق الإلهيّ، الّتي لا تحصل إلا بعد اكتساب الزّاد والرّاحلة، فكما لا يكون الزّاد والرّاحلة من السّفر والحركة المعنويّة، بل هي استعداد، كذلك الخروج عن ظلمات النّفس وغشاوات الطّبيعة، لا يعدّ من السّفر المعنويّ حقيقةً1.
45
بصر الهدى
التدبّر في الآيات
46
بصر الهدى
الإلهيّ حتّى تصير مظهراً له ومصاحبه، وتتجلّى فيك صفاته وخصوصيّاته، حتّى تنجو من المهالك الآتية، والعقبات الّتي تنتظرك من قريبٍ وإن تظنّها - نعوذنّ بالله - بعيدةً. وتفكّر في آياته، وانظر كيف يهديك في نهاية اللّطف، وكيف يقوم بهدايتك في غاية الإعزاز والتّكريم، فيقول في صورة الأدب ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾1، أي هم إذا استشعروا يتوجّهون إلى لزوم ذلك، من غير احتياجهم إلى الأمر، فيؤمنون بالغيب، ويهذّبون ذواتهم وفطرتهم المخمورة بالإيمان بالغيب، وبعقد القلب على تركيز الغيب في قلوبهم، ثم يقومون لترسيخ ذلك بإقامة الصّلاة والأعمال البدنيّة، وتهذيب البدن ومزاجه الطّبيعي بالصّلاة، الّتي هي الحركات المعتدلة المناسبة للمحافظة على مزاجه وعلى صحّته، فإنّ الصّلاة مرقاة أهل القلوب، وميدان أرباب الصّراع، فهي أسّ كلّ شيءٍ، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها. ثمّ بعد الفراغ من التّهذيبين- التّهذيب الرّوحانيّ
47
بصر الهدى
القلبيّ والتّهذيب المادّيّ البدنيّ - يشرع في تهذيب غيره, بإنفاق ما عنده، فإنّ رحى الاجتماع تدور عليهم، ومسؤولية عائلة البشر متوجّهة إلى هؤلاء السّالكين المهذّبين، فعليهم تنظيم الأمور بمقدار الميسور، فينفقون ما عندهم حتّى يتمكّنوا من أن يعيشوا في ظلّ ذلك الإنفاق والإعطاء. فالأمر بالإنفاق من غير نظرٍ إلى خصوصيّةٍ في كيفيّةٍ من كيفيّاته، ليس إلّا لأجل أنّ الإنفاق - من كلّ شيءٍ على كلّ شخصٍ في كلّ حالٍ وزمانٍ - من الأمور الحياتيّة ومن المصالح الاجتماعيّة، التي بمراعاتها تبقى الحياة الفرديّة، ويحصل التّهذيب الفردانيّ، ويتمكّن الإنسان من القيام بالعيش الوحدانيّ، فما ترى من العمومات والإطلاقات المختصّة بهذه الكريمة- أي بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾1- ليس إلّا لأجل أهمّيّة الإنفاق في أساس الاجتماع.
48
بصر الهدى
لكلّ شيءٍ زكاة
49
بصر الهدى
كما تحرّر1. فعليك أيّها الإنسان الكبير أن تبذل جهدك في عدم الاقتناع بالمفاهيم والفنون، وتجتهد في أن تعبر قنطرة المجاز إلى دار الحقيقة والشّهود، وما يتيسّر ذلك إلا بأن تصير مجلىً لهذه الآية الكريمة، الجامعة لأنحاء السّعادات الدنيويّة والأخرويّة2.
50
بصر الهدى
وعليك بعدما قرأت وخبرت بما في هذه الآيات والبيّنات، من الأسرار الإيمانيّة والرّقائق الإيقانيّة، أن تسعى سعيك، وتجهد جهدك، حتّى تكون من الموقنين، فإنّ في الأرض آياتٍ للموقنين. فيا أخي وقرّة عيني، ليس الإيقان مجرّد التّلفّظ والإخطار بالبال، وليس هو العلم البرهانيّ والبناء العمليّ، بل اليقين - كما قال به الشّيخ عبد الله الأنصاريّ - مركب الأخذ في الطريق، وهو غاية درجات العامّة، وقيل: أوّل خطوة الخاصّة، وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: علم اليقين، وهو قبول ما ظهر من الحقّ، وقبول ما غاب للحقّ، والوقوف على ما قام بالحقّ. والثّانية: عين اليقين، وهو الغنى بالاستدراك عن الاستدلال، وعن الخبر بالعيان، وخرق شهود حجاب العلم. والدّرجة الثّالثة: حقّ اليقين، وهو إسفار صبح الكشف، ثم الخلاص من كلفة اليقين، ثم الفناء في حقّ اليقين1. انتهى.
51
بصر الهدى
آثار اليقين
52
بصر الهدى
"أنّ أقلّ شيءٍ أوتيتم اليقين"1، وهذا اليقين هو الذي قال الله في حقّه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾2، فإنّه لا يحصل إلا بالمعاينة والمشاهدة من قريبٍ بعين القلب، وحتّى يسمع بأذن الحقيقة صوت النّزع، وهذا هو اليقين الذي إذا حصل في هذه النّشأة يختلّ به النّظام أحياناً، وقال الله تعالى في هذا اليقين: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾3، فهو قبل أن يموت قد عاين الحقيقة والآخرة وباطن الدّنيا، وكان بذلك من الموقنين.
53
بصر الهدى
الظّنون والأوهام، ومتحلّين بحلية اليقين والإيمان، ولا نستدرج في الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾1، بل ولا من الجبلّة2 الذين قال في حقهم: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾3 ولا من المنادين بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّ﴾4. فيا سيّدنا ويا مولانا إنّا توجّهنا بك أن يجعلنا من الذين أنعم عليهم بنعمة اليقين حتّى ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾5. فتحصّل من هذه الآيات الشريفة: أنّ لليقين - مضافاً إلى المراتب - الخاصّة العجيبة، وهي رؤية الآخرة في الدّنيا، ومشاهدة الغيب في الظّاهرة، ومعاينة الحقائق حال الاقتران بالمجازات. والله العالم بأسراره6.
54
بصر الهدى
الفطرة على التوحيد
55
بصر الهدى
محجوبةً بالحجب الظلمانية1، وبالقوى والطّبائع المنحرفة الشّيطانيّة، فيأتيان بالمتهوّدين والمتنصّرين، كما ورد: أن أبويه يهوّدانه وينصّرانه، وإلا فكلّ مولودٍ يولد على الفطرة2، ويكون مجبولاً على التّوحيد والحركة نحو الكمال المطلق.
56
بصر الهدى
في ابتداء سورة البقرة، لا يقتنع بمجرد اللّقلقة، وتحسين الصّوت، وتجويد الحروف والكلمات، بل يكون على بصيرة من أمره، مهتدياً بالآيات، ومترنّما ومترقّياً بالحروف والكلمات، مواظباً على إيلاجها في قلبه، وإرساخها في روحه ونفسه، ويستمدّ منها، ويتغذّى بغذائها، كما يتغذّى بسائر الأغذية، ويجاهد في سبيل ربّه بهدى الرّبوبيّة، حتّى يكون من المفلحين الفائزين الذين مدحهم إله العالمين، من غير اغترار بما في تخيّلاته وتسويلاته من المفاهيم القالبيّة، الخالية عن المعاني والأنوار القلبيّة. والله ولي التّوفيق1.
57
بصر الهدى
ومتوجّهاً إلى الإيمان، لأنّه كمال الطّبيعة والطّينة، ومنزجراً وفرّاراً عن الكفر، لأنّه النّقص، وهذه الكبريات ممّا أقيمت عليها الشّواهد والوجدانيات، مشفوعة بالبراهين والأدلّة والآثار. والّذي هو الأهم في نظر السّالك، ويهتمّ به في السّير: هو أن يتحقّق العبد بصفة الإيمان، حتّى لا يكون كافراً في جميع الاعتبارات وفي كافة الآفاق، وهذا الكفر هو الذي يحتجب به الإنسان بأنواع الحجب، ولا يتمكّن بعد الاحتجاب من خرقها وهدمها إلا بالعناية الإلهيّة، وبالممارسة والمجاهدة النّفسانيّة، ولا يشرع -في حكومة العقل - أن يكتفي بالبحوث والاشتقاقات الأخلاقيّة، والغور في سبل الرّذائل والملكات، غافلاً عمّا هو عليه، وعمّا في قلبه من البلايا والآفات.
58
بصر الهدى
العظيم، ولا تتمكّن أن تنجو من جحيم الذّات السّرمديّ الأبديّ، فما دمت مقارناً للمادة في الدنيا والنّشأة القابلة للتغير، وما دمت شابّاً غير راسخةٍ عروق وجودك في سجون الطّبيعة المظلمة، تقدر على القلب والانقلاب، وتقدر على إضاءة النّفس وإنارة قلبك، وتقدر على خرق الحجب، فلا تشتغل بغير ذلك، واستعن بالله العزيز وبالربّ اللّطيف، حتّى يمدّك بملائكته لنجاتك وهدايتك، فلا تكون بعد ذلك ممّن طبع الله على قلبه وسمعه، وختم على بصره غشاوة. فلا تأخذ بالتّسويف والآمال، فإنّ ذلك من مكايد الشّيطان، وحباله وخدعه ووسوسته ونباله. ولا تيأس من روح الله وعنايته، فإنّه لطيف ورؤوف بعباده، وعطوف ورحيم في مملكته وسلطانه، ولا تأخذ ولا تترنّم: بأنّ الأمر قد مضى وقد قضي علينا بالشّقاوة والنّيران، فإنّ كلّ ذلك من الشّيطان الرّجيم ومن إبليس اللّئيم. عصمنا الله تعالى من النّفس الأمّارة بالسّوء، وندعو الله تعالى أن يعيننا على طاعته
65
59
بصر الهدى
وعبادته، ويخلّصنا من الزّلات والشّرك، ومن الخواطر والمشاغل. آمين يا ربّ العالمين1.
60
بصر الهدى
إلا بالحضرة الإلهيّة، ومن تجلّى قلبه بالوحدة الذّاتيّة الإطلاقيّة1، وبالواحدات الأسمائيّة والصّفاتيّة والأفعاليّة، كيف يمكن أن يجد نفسه بحذائه تعالى، ويلمس وجوده وراء وجوده، فإذا كان الأمر كذلك حسب البراهين العلميّة والأدلة الإيمانيّة والشّواهد العرفانيّة، فلا يكون مؤمناً بالله، فيستحقّ أن يقال في حقّهم: إنّهم لا يؤمنون، وما كانوا مؤمنين. ومن كان مؤمناً بالله تعالى، وبأنّه لا إله إلا الله، ولا مؤثّر في الوجود إلا هو، وأنّه إليه ترجع جميع الكمالات، وبيده أزمّة الأمور وجميع الإرادات الكلّيّة والجزئيّة،
61
بصر الهدى
فكيف يمكن أن يذهب إلى الأبواب الباطلة، ويرفع أياديه إلى غيره تعالى، ويطلب من غيره تعالى، فإذا كان الأمر كما تبرهن وتبيّن، يجد أنّه لا يكون من المؤمنين، وينبغي نفي الإيمان عنه. ومن كان مؤمناً بالله تعالى وباليوم الآخر، وبأنّ الدّار الآخرة دارٌ باقيةٌ، والدّار الدّنيا فانيةٌ لا كمال فيها إلا كمالاً وهمياً، فلا يهتمّ إلا بالسّلوك إلى تلك الدّار، بجميع ما يساعده فيها من الخيرات والبركات، وبكسب الحسنات وطرد السّيّئات، حتّى يتحلّى بحلية التّخلية، ويتجلّى بجلاء التّجلية والصّفات الحميدة1. وإذا كان الأمر كذلك، فيجد في وجدانه وفي قلبه أنّه لا يكون من المؤمنين، ولا يستحقّ أن يعبّر عنه بأنّه مؤمنٌ، فيلزم استحقاقه لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾2. ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر يصنع لله ولليوم الآخر، ويهتمّ بذلك حتّى
62
بصر الهدى
يخلو عن الشّرك والرّياء، وينجو من الظّلمات في البرزخ، وفي النّار، ويتخلّص عن السّمعة والعجب والعصبيّة وغيرها، فإذا كان في نفسه من أهل هذه الصّفات والأفعال يصدّق هذه (الآية) الكريمة الجامعة العامّة، ويعتقد أنّها لا تختصّ بالمنافقين ولا بالمسلمين والمؤمنين، بل قلّما يتّفق أن يخرج عنها أحد. والله الموفّق المؤيّد.
63
بصر الهدى
توابع الفطرة المحجوبة، وربما يعدّ من المعاصي الكبيرة، ومن الموانع عن الاهتداء، وسدّاً عن السّعادة والسّيادة، ولَمّا كان الإنسان ذا طبيعةٍ مصحوبةٍ بالمادّة والإمكانات الاستعداديّة، وذا سجيّةٍ كامنةٍ فيها قوة الوصول إلى الخيرات والسعادات الدنيويّة والأخرويّة في جميع الأحيان والأزمان، ولا تحتجب المادّة الحاملة للصّورة الإنسانيّة عن جلوات الحقّ وتجليّات الربّ، فلا بدّ، ويجب عليه السّعي البليغ، والاجتهاد الواسع، والقيام القاطع، لنيل تلك السّعادة، ودرك المعارف الحقّة، والوصول إلى حمام الصّلح وعنقاء الوجود1، بتوسيط الأسباب الخاصّة وتسبيب المعدّات الممكنة، وبالرّجوع إلى أرباب الأنفس القدسيّة، ومزاولة النّفوس الرّاقية المرشدة، والأولياء الكملين والأذكياء والأبرياء، مع تطبيق القواعد الشرعيّة الإلهيّة، والوظائف التّكليفيّة الإسلاميّة على أقواله وأفعاله وأعماله، راجين- في عين الجدّ والانتهاض - من
64
بصر الهدى
الله العزيز الإمداد الغيبيّ، والإعانة السّرمديّة، والعون الأحمديّ والمحمديّ، والإعداد العلويّ، ومتوجّهين إلى الوسائل الزّاكية بالإخلاص والتّقوى، ومتعوّذين بالله تعالى من شرّ الشّيطان الرّجيم اللّئيم، ومن كلّ دابّةٍ هو آخذ بناصيتها، مترنّمين بالآيات الرّحمانيّة، والأشعار العرفانيّة، والمدائح الإيمانيّة. وبالجملة: إذا غلبته الشّقوة من كلّ جانب، فعليه أن يطوف حول السّعادة حتى تحيط به، ويحول حول الخيرات حتّى يصير خيراً، فإنّ جنود العقل والخير، وإن تكن أحياناً مغلوبةً، إلا أنّها لأجل ورود الموائد الملكوتيّة والأغذية الرّوحانيّة الجبروتيّة، تقتدر على هضمها وجبرانها، وتتمكّن من قطعها وحرمانها فيصبح- إن شاء الله تعالى- مرآةً تامةً ومجلًى عامّاً، ويكون مؤمناً صريحاً بعونه وتوفيقه1.
65
بصر الهدى
أمراض القلوب
66
بصر الهدى
فقد بلغت إلى حدّ يقرأ عليها ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً﴾1. فإنّ الله تعالى وتبارك خلق الخلق على نظام الأسباب والمسبّبات، ولا يخصّ أحداً بنظرةٍ رحيميّةٍ خارجةٍ عن اقتضاء المرجّحات والأسباب، لأنّ الحقّ الرّؤوف عادلٌ مستوي النّسبة إلى العالم، فإذا حصل في قلبك مرض الحسد والبخل والكبر والأنانيّة والجبن وحبّ الدّنيا والرّئاسة وغير ذلك، وما أخذت في إزالتها وإفنائها، وما أخذت في محوها ونفيها، بل قوّيتها بالواردات والمؤيّدات، وسلكت مسالك الأباطيل والشّياطين، فقد زادها الله تعالى مرضاً، وزادهم مرضاً، ونعوذ بالله العزيز من هذه الفجائع والعظائم والبلايا والرّذائل، فإنّها إذا استقرّت في النّفس وصارت الأنفس محكومةً بها حتّى تحرّكت فيها حركةً طبيعيّةً، يكون لهم عذابٌ عظيمٌ بما كانوا يصنعون. فعليك يا أخي ويا نظيري في خلقي: أن تأخذ بنجاتك من هذه الورطة الظّلماء، وتشدّ عضدك وظهرك للاستنارة بأنوار
67
بصر الهدى
القرآن، بأن تعمل به عمل إخلاصٍ، وتتدبّر في آياته تدبّراً حسناً وتفكّراً مفيداً لدنياك وآخرتك، ولا تكن ممّن أقفلت قلوبهم بالمحاسن المعنويّة واللفظيّة والدّقائق الحِكَميّة والعرفانيّة، فإنّها كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً1.
68
بصر الهدى
ولا تكونوا من المفسدين في الأراضي والصّياصيّ1 الربانيّة، فلا تتجاوزوا في أرض بدنكم وأرض الله تعالى إلى محارمه وحدوده، فتكونوا من الهالكين. فإنّ هذه الصّياصيّة والأراضي المتّصلة والمنفصلة والجزئيّة والكلّيّة، مقرّ الأمانات الإلهيّة والتّكاليف الغيبيّة والوظائف الشّرعيّة، ومحطّ تنفيذ هذه الودائع الرّبّانيّة، فعليك الإصلاح وتطبيقها حتّى تعدّ من المصلحين، وتسمّى بالمصلح الكبير على وجه الحقيقة والأحقّيّة، دون الدّعوى والمجاز ومجرّد التّسويل والخيال، كما ترونها اليوم بالنّسبة إلى رجالات السّياسة، فإنّهم اقتنعوا بذلك، فسرقوا ألقابهم، وهم مفسدون في الأرض، ولكن لا يشعرون بأنّ الشّعب والمِلل يعلمون فسادهم في جميع الزّوايا والأقطار، وفي كافّة الأمصار والأعصار. فالمصلح الكبير الذي تشهد بمصلحيّته الأمّة الإسلاميّة، هو القائم بالوظائف الفرديّة والاجتماعيّة والسّياسات المدنيّة وغيرها، وهو الذي ينهض لتنجيز الآمال والطّموحات، وتحقيق
69
بصر الهدى
الحكومة الإسلاميّة والمدنيّة الإلهيّة الفاضلة، حتّى تكون هذه النّشأة بجميع شؤونها مرآةً كاملةً للنّظام الرّبّانيّ، الذي هو من رشحات النّظام الإلهيّ والذّاتيّ. فأحسن الأنظمة والنّظامات القابلة للاعتماد عليها، والكافلة لسعادات البشر وغيره بأنواعها الدّنيويّة والأخرويّة، هي المنظّمة والحكومة الّتي تكون انعكاساً عن الحكومة الإلهيّة التّكوينيّة، في نشآت الغيب والشّهود ومراتب الملكوت والنّاسوت، فاللّهم ارزقناه بظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف1.
70
بصر الهدى
من الجحيم. فإذا يقول: ﴿آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾1 فعليك الإجابة بالأجوبة القلبيّة والقالبيّة، وعليك الإصغاء والاستماع إلى ندائه ورأيه عملاً وعلماً، ولا تكن كالمنافقين ومن يحذو حذوهم في الخروج إلى حدّ الإفراط أو التّفريط، حتّى لا تكون من المؤمنين قلباً وعلماً ولا من المؤمنين عملاً وقالباً، بل اللّازم مراعاة الحدّ الأوسط، واتّخاذ الحدّ العدل والخطّ المستقيم من الابتداء إلى الانتهاء، وعدم الانحراف عنه ولو لحظة، وذلك لا يحصل بمجرّد تلاوة الكتاب، أو كتابة تفسيره، أو مراجعة كتب المفسّرين وغير ذلك، بل هو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالجدّ والاجتهاد،.. فإيّاك أن تكون من السّفهاء في لسان القرآن، وإيّاك أن تشملك هذه الكريمة الشّريفة2، واحذر عن التّشبّه بالمنافقين، وقد عرفت أنّ من النّفاق الرّياء، والمراؤون يتبعون أهواءهم، وهم في النّفاق آكد من المنافقين، لما أنّ إيمانهم وَدَعيٌّ غير راسخٍ ولا حقيقيٍّ، فهو
71
بصر الهدى
والمنافق عند ظهور النّشأة البرزخيّة سيّان، ولا يجوز أن تتخيّل اختصاص ذلك بالمرائيّ، بل كلّ إنسانٍ كان نظره وقلبه متوجّهاً إلى غيره تعالى- في فعاله وصنيعه- فيه نوع نفاقٍ، ويقول بلسان الحال: ﴿آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، ويجاب بقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾1.
72
بصر الهدى
فإيّاك وهذه الرّذيلة المهلكة الموبقة، وعليك أن تحذر عنها وتجدّ في دفعها وقلعها، وقلع مادّتها، وهي - كما تحرّر في محلّه - حبّ الدّنيا، وامتلاء القلب من شؤونها وأحكامها، وفي مقابله الشّرّة والنّسيان والغفلة عن الله والآخرة وأحكامها. وكما أنّ الكفّار فيهم المنافق، وفيهم الصّريح المعاند، كذلك المؤمنون فيهم المنافق، وفيهم الخالص الخاصّ، والصّريح البارز، وقد يتّفق أحياناً أنّ نفاق المؤمن أشدّ ضرّاً من نفاق الكافر، فإنّ البذر السَّيئ في الأرض المحتلّة باحتلال الشّيطان، لا يثمر ثمره، بخلاف عكسه، لأنّه بذلك ربّما تصير الأرض ومحطّ القلوب والنّفوس ظلمانيّةً شيطانيّةً تدريجاً. وقد عرفت فيما مضى أنّ الإيمان المستودع من النّفاق ومن الحجب الغليظة، فإنّه يظهر إيمانه ويشتهر بما لا يستمرّ ويستقرّ فيه، فإنّ المنافق الذي يقول عند لقاء المؤمنين آمنّا وصدّقنا وإنّا معكم، ليس منافقاً إلا لأن الإيمان ليس في قلبه، وفي حكمه المؤمن بالإيمان المستودع، فإنّه أيضاً لَمّا يدخل الإيمان في قلبه.
79
73
بصر الهدى
اللّهم يا إلهي إليك أبتهل، وإليك أتضرّع، وأرجو منك أن تعينني على طاعتك وعبادتك بحسن حالك وكرامة وجهك. يا إلهي وسيدي، احفظني بحفظك عن النّفاق، كثيره وقليله عظيمه وصغيره، واكلأني بكلاءتك عن هذه الصّفة المشؤومة، والرّذيلة المذمومة، التي توجب استحقاقي لسخطك وغضبك، بل واستهزائك. يا إلهي وهذا ممّا لا تقوم له السّماوات والأرض. اللهم إليك الأمر وعليك التّوكّل، فلا تكلني إلى غيرك يا الله1.
74
بصر الهدى
الرّجعة، وإلى العدم والوراء يمكن الاهتدام1؟ كلّا ثمّ كلّا، فكن مع الله في جميع الحالات ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾2، ولا تيأس من روح الله، فإنّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الفاسقون، وكن على بصيرةٍ من أمرك، فإنّ الإنعامات الإلهيّة والعنايات الرّبانيّة- في جميع الآنات الزّمانيّة والدّهريّة - تعشق المربوبات، وتفي بالشّرائط والمقتضيات، إلا أن منها ما هو بأمرك وتحت اختيارك، وهي إرادتك في الأمور وعزمك على الحوادث في الدّهور، حتّى لا تضمحلّ قدمك ولا يتدكدك رأيك. فإنّ الرّحمة الواسعة الكليّة والقدرة الجامعة البسيطة، ربما تشمل العبد في حالٍ من الحالات حتى يفيء إلى أمر الله، ويفنى في فنائه، ويحشر يوم القيامة مع المتّقين، ويكون في الجنّة مع المقرّبين والتّوّابين، "ألا وإنّ لله في أيّام دهركم نفحاتٍ ألا فتعرّضوا لها"3.
75
بصر الهدى
انتبه من نفسك وممّن تعاشر
76
بصر الهدى
و﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾1، فإيّاك ثمّ إيّاك من معاشر السّوء، ومن مداراة المنحرفين، والمجاملة مع الفاسقين والكافرين، فإنّ من قرين السّوء وجار السّوء كان صلى الله عليه وآله وسلم- على ما في بعض الأخبار- يستغفر في كلّ صباحٍ سبعين مرةً2، فإذا كانت تلك القدسيّة الحقيقيّة الإلهيّة، وتلك المرآة الكلّيّة الجوهريّة، تتكدّر بأمثال ذلك، وتشتكي من هؤلاء الجيران والمرافقين، فكيف بالآخرين؟! فنعوذنّ بالله السّميع العليم من الشّيطان اللّعين الرّجيم إلى يوم الدّين3.
77
بصر الهدى
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾1، فيا أيّها العزيز، قد اهتدينا بهداياتكم البليغة، وإرشاداتكم الرّشيدة، فشكراً لكم وجزاكم الله جزاء المحسنين. ونرجو من الله ومن وليّه الصّالح وبقيّته في الأرض أن يمنّ علينا، ويمدّنا ويعيننا حتى لا نضلّ ولا نشقى، فإنّ الشّياطين من كلّ جانبٍ تحيط بنا، وتمرّ علينا في كلّ صباحٍ ومساءٍ، وتدعونا إلى الشّرور والسّيّئات، ولا تقنع إلا بالكفر والنّفاق، وبعد أن نشتري الضّلالة بالهدى، فإنّ الضّلالة والهدى ذوا مراتب كثيرةٍ، ومن كان في الدّرجة الثّانية من الهداية، الّتي هي ذات درجاتٍ عشرٍ، فقد اشترى ثماني درجاتٍ من الضّلالة بالهدى... وهكذا إلى أن يكون في الدّرجة العاشرة، فإنّه - عندئذٍ - باع الضّلالة بالهدى، فأصبح من المؤمنين الموقنين، ومن أصحاب اليمين ومن المقرّبين. فتكون تجارتهم رابحةً، ومن المهتدين حسب الحقيقة والواقع النّفس الأمري. فيا أخي ويا شقيقي: ألا
78
بصر الهدى
ولا تظنّ أنّ مجرّد الإيمان بالله وباليوم الآخر والإقرار بالإسلام وعقد القلب على أحكامه يكفيك، فإنّ الضّلالات ودرجاتها هي الدّنيا، وحبّها هي الدّنيا، ومراتبها من زخارفها ومشاغلها ولذاتها وكيفيّاتها، وما دام القلب - الذي هو عرش الرّحمن - فيه حبّها وحبّ مظاهرها وجمالاتها وكمالاتها، فهو في الضّلالة، وهو من الذين اشتروا الضّلالة بالهدى، فلا بدّ وأن تقوم قياماً لا فتور فيه، وتنهض نهوضاً لا ضعف ولا مرض ولا عرض يعتريه، حتى تتمكّن من إخراج الشّبهات الإبليسيّة والتّسويلات الشّيطانيّة والوهميّة.. إلى أن تتمكّن من إخراج حبّ المقام والجاه والبقاء، حتّى تتجافى جنوبكم عن المضاجع، ولا تكون من الخالدين.
79
بصر الهدى
تورث كثرة الشّهوة والباه والنّوم والغفلة، فإنّ القلب الصّافي يحصل بعد تصفية البطن وتخلية الباطن، فإذا تمكّن الإنسان من هذا القدم - وهو القدم الأول - يتمكّن من التّجلية وجلاء الرّوح بأنحاء الأوصاف والهدايات، ويتيسّر له أن يتحلّى قلبه بالمحاسن والمبرّات، ثمّ يتمكّن الإنسان السّالك من مقام التّحلية والفناء والمحو والصحو بعد المحو.
80
بصر الهدى
عليها، فاللّائق بك أوّلاً هو ذاك، ثمّ الاشتغال بوظائف النّوافل، فمن كان به أذًى من صداع لا يسكن ألمه بالطّلاء على الرّجل، ومن تنجّست يده لا يجد الطّهارة بغسل ذيله وكمّه. ومن علائم اتّباع الهوى: المسارعة إلى نوافل الخيرات، والتّكاسل عن القيام بالواجبات، ترى من يقوم بالأوراد الكثيرة والنّوافل الثّقيلة، ولا يقوم بفرض واحدٍ على وجهه1. انتهى.
81
بصر الهدى
بقدر حاجتك للعمل، فإنّ النّحو محوٌ، والنّجوم رجومٌ، والرّياضيّ رياضةٌ، والفلسفة فلّ1 وسفه، وتعلّموا العلوم النّافعة التي هي الأنوار بذاتها، ومنها علم القرآن والحديث. كلّ العلوم سوى القرآن مشغلةٌ غير الحديث، وكلّ ذلك لأنّ العلوم التي لا تنتهي إلى الوحي والتّنزيل لا يعلم أنّها علمٌ ونورٌ، ولا يصدق أنّها الهداية والخير، وقد كثر على الباحثين اشتباهاتهم في العقليّات، فضلاً عن الحدسيّات، وقد اتّفق في علمٍ: أنّ القاعدة الفلانيّة من القواعد المحكمة، النّاهضة عليها البراهين القطعيّة والشّواهد العرفانيّة، ثمّ تبدّلت في العصور المتأخّرة، فإذا أمعنت النّظر في حال أرباب الفكر والنّظر من ابتداء التّأريخ إلى عصرنا 21392 من الهجرة النّبويّة، على مهاجرها آلاف الصّلاة والتّحية، ترى تبادلهم في الرّأي والأنظار، وتشتّتهم في الآراء والعقائد، ولو كنت تذهب إلى مذهبٍ حسب ما وصل إليك من البرهان، ولكن بعد التّوجه إلى هذه التّقلّبات في الأقوال والمذاهب،
82
بصر الهدى
وإلى أنّك أيضاً منهم، فكيف تطمئنّ إلى علومك وقولك؟! فالعلم ما ينتهي إلى الله تعالى بتوسّط ملك الوحي وسلطان الأمر. والله هو الهادي إلى الصّواب، ونرجو منه ونسأله أن يمنّ علينا بتجلّياتٍ باهرة، وبقبسات آياته القاهرة، وهو المعين1.
83
بصر الهدى
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾1، فإنّ من اتّبع رضوانه وبلغ إلى حدّ الرّضا، وهو من أعلى مراتب الكمال، وأشمخ منازل العرفان، يكون بعد في ظلماتٍ ويتعقّبه النّور وينتظره الهداية والصّراط المستقيم، فمن هذه الآية الّتي هي من أعاجيب آيات الذّكر الحكيم يتبيّن صدق مقالتنا، ويستظهر ابتلاء السّالك في جميع آنات السّلوك بالآفات والموانع.
84
بصر الهدى
التّعليميّ مناه وحظّه الأوفر ونصيبه الأكثر، ولكن قلوبهم خاليةٌ عن نصيبها وحظّها، وما ذاق منها ما ينتفع بها ويتوجّه إليها، بل هو بعد خامدٌ ونارٌ طافئةٌ، فإنّ تلك المفاهيم بمنزلة النّار المستوقدة التي يستضيء بها الّذي استوقدها في مرحلة الابتداء وفي المنزل الأوّل، وأضاءت ما حوله من السّطوح النّفسانيّة والأقشار البدويّة، ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾1 ولم تؤثّر تلك النّار فيما كان ينبغي أن تؤثّر فيه، ولم ينتفع المستضيء، إلا بحسب الميول الوهميّة، واللّذات الخياليّة، والكمالات الأوّليّة.
85
بصر الهدى
المتعالية" قدس سره1، فإنّ مجرّد الاشتغال بالعلوم العقليّة غير كافٍ للهداية إلى تلك السّبل والمنازل، بل ربّما تكون العلوم العقليّة أغلظ حجاباً من غيرها، لمكان كونها أسرع مركباً وأحسن سبيلاً وأعلى درجةً، فعلى كلّ الطّالبين، وعلى زمرة المحصّلين المتوجّهين نحو الدّار الآخرة والجنّة العالية، التوجّه إلى هذه العواصف والأرياح الّتي تذهب بالنيران وضوئها، وتمنع عن اتّصال القلب بربّه، وعن اشتعال نار الحقيقة للوصول إلى أصله. الّلهم يا إلهي نوّر قلوبنا بنور الإيمان والمعرفة، ولا تذهب نيراننا فتهلكنا بما فعل المبطلون، ولا تتركنا في ظلمات لا يبصرون. آمين يا ربّ العالمين2.
86
بصر الهدى
مركّبٌ من جهاتٍ شتّى، ومن تلك التراكيب المرعيّة في هذه الطّبيعة العجيبة، ومن النّعوت المخمورة في فطرته الأوّلية، هو الخوف والرّجاء. ولأجل هذه الوديعة يجب عليه أن يخاف ويرجو، فلو خاف بالمرّة، أو رجا بالكلّيّة، لما وصل إلى الحدود اللّازمة، وإلى المراتب الرّاقية، ولم يتمكّن من الجمع بين الخيرات الحسّيّة والمعيشة الدّنيويّة والسّعادة الظّاهرة، وبين الخيرات العقليّة والحياة الأخرويّة والسّعادة الأبديّة. وعلى هذه الرّحى تدور إطارات المجتمعات البشريّة، وسياسة المنزل والبلد والقطر والمملكة الواسعة الكبيرة، ولأجل هذه الخصيصة يجب على المرشدين وأرباب الوعظ والهداية، أن يفتحوا في سيرهم أبواب الجانبين وسبل الطريقتين، فلا يقولون بما يحصل منه الرّجاء المطلق، ولا بما يخاف منه النّاس كلًّا، بل لا بدّ من المحافظة على الفطرة بذكر الخوف والرجاء.
87
بصر الهدى
إلى الهداية، فإنّ من يجد نفسه في هذه المرحلة من الانحطاط، ويدرك نصيبه من الشّقاوة بهذه المنزلة من الدّناءة والانحراف، فيخرجه عن حدّ الرّجاء والآمال، فيسقط للأبد في النّار خالداً فيها ما دامت السّماوات والأرض، وهذه الطّريقة غير مرضيّة من الكتاب الإلهي على ما يظهر منه، فإنّ كتابكم هذا جامعٌ شتات المنحرفين وشاملٌ شمل المنحطّين، وفيه من آيات الرّجاء ما لا يُعدّ ولا يُحصى، وقد سلك أحسن المسالك في الجمع بين الخطّين، وفي مراعاة الوجهين والنّاحيتين.
88
بصر الهدى
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾1 وهم الصمّ البكم العمي، فكيف يمكن أن يرجعوا إلى دار السّعادة وحسن العافية والعاقبة ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾2 دون هؤلاء الغافلين المبعدين. ففي هذه الآيات إنذارٌ بالنّسبة إلى الآخرين، حتّى يصونوا من الانسلاك في نسوجهم الباطلة، والانخراط في خيوطهم الكاسدة الفاسدة.
89
بصر الهدى
بقلبه ذاكراً لمعشوقه على الإطلاق في جميع الآنات والأيّام، وفي كافّة الحالات والأزمان، فعليه بتلك الحلقات وإحداثها واستمرارها، قاصدين في تأسيسها تذاكرهم وتعانقهم، وأن يكون الواحد منهم يشرق على الآخرين ويضيئهم بالأضواء القلبيّة والأنوار الرّوحيّة، فإن النّجاة لا تحصل إلا بالاجتهاد في هذه المبادئ، وبالجهاد مع أعدائه. والله خير رفيقٍ ومعينٍ1.
90
بصر الهدى
91
بصر الهدى
الأمر أمر تشديدٍ، ولا نهي غلظةٍ وسلطةٍ. نعم يقول بعد ذلك: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾، فيكون هو الرّؤوف الرّحمن والرّحيم العطوف، والذي جعل لكم السّماء بناءً، وهكذا صنع كذا وكذا ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ فإذا كان الله تعالى في وعظه وإرشاده يراعي نهاية الرّفق والأدب، ويلاحظ غاية البلاغة والشّرف، حتّى يقول ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، مع أنّ الانسان لا يعلم- حسب كثيرٍ من الآيات - شيئاً، وأقلّ شيءٍ قُسّم بين العباد هو اليقين والعلم. فيا عزيزي ويا أخي وشقيقي، إذا كان هو تعالى في هذه المنزلة من التّواضع، فأنت لا تكن جبّاراً متكبّراً ولا آثماً وعاصياً لمثله العزيز. إلهي وسيّدي أرجو أن تهدينا إلى سواء السّبيل، ونأمل أن تعيننا على طاعتك وعبادتك، ولا تؤاخذنا يا رفيق، ويا عطوفاً بعباده وخلائقه، واجعلنا من عبادك الصّالحين المتّعظين بوعظك حتّى لا نعبد إلا إيّاك، ونخلص لك عبادتنا وأعمالنا، واهدِ الغافلين منّا وأهل الشّدة والغلظة إلى أن يتحقّقوا بهذه الآيات حتّى يكونوا مثالاً لنبيّك الأعظم ووليّك الأفخم. آمين يا ربّ العالمين1.
92
بصر الهدى
التّخلّق بأخلاق القرآن العظيم وآداب الكتاب الحكيم:
93
بصر الهدى
رواية عجيبة
94
بصر الهدى
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾1، فكان سمعتهم تلك الهدّة التي أسمعهم الله برفع الحجب بتوسيط الرّسول أحياناً ليعتبروا، فانظروا ما أعجب كلام النّبوّة، وما ألطف تعريفه، وما أغرب كلامه صلى الله عليه وآله وسلم.
95
بصر الهدى
ويتنزّل إلى سمعك أمثال "نهج البلاغة" و"الصّحيفة السّجّاديّة"... وهكذا، فكلّ الأمور المتأخّرة معلولة الأمور المتقدّمة، وجميع الشّرائط المتقدّمة معلولة المجاهدات النّفسانيّة والرّياضات البدنيّة، ومسبّبةُ عن تحمّل المشقّات الدّنيويّة والتّضحية والفداء في طريق الحقّ ولنيل العشق المطلق. وأمّا الاشتغال بالتّفريح والتفرّج، والانغماس في حياض اللّذّات الحيوانيّة، والانغمار في الشّهوات النّفسانيّة، والتّوغّل في المشتهيات الشّيطانيّة، فلا يستتبع إلا طبقات الآلام الأخرويّة والعقبات الجحيميّة، وقد مرّ في هذا الكتاب مراراً الإشارة إلى تلك المواعظ، وإلى هذه الأمور اللّازمة جدّاً، إلّا أنّ راقم هذه الأسطر وقارئها في نومة الغافلين، وفي غفلة المشتغلين بالدّنيا عن الآخرة والدّين، وفي الذّهول عن الحقائق والمسيرة الاستقباليّة في البرازخ والقيامة، فأعاذنا الله تعالى منها، وأذن الله أن يشفع لنا الشّافعون. اللّهمّ آمين يا ربّ العالمين.
102
96
بصر الهدى
فإذا كنت تقرأ هاتين الآيتين1، أفلا تخاف من أن تكون تلك الحجارة الواقعة في قعر الجحيم عند الموت، ولا تخشى من أن تكون وقود النّار المشتعل على غيرك من الأناسيّ والعباد، فيحترق غيرك بك، فتكون عليك لعائن الله والنّاس المتأذّين بنارك وإيقادك. إلهي أنت أعلم بي منّي، وأنت تعلم أنّي قد أفنيت عمري في شرّة السّهو عنك، وأبليت شبابي في سكرة التّباعد منك، وقد دعوتك ليلاً ونهاراً خفاتاً وجهاراً، ولا أظنّك تردّني في حاجةٍ أفنيتُ عمري في طلبها منك، ما هكذا الظنّ بك، ولا المعروف من فضلك، ولا مشبهٌ لما عاملت به الموحّدين من برّك، فيا إلهي ويا سيّدي، إنّي وإن كنت ذاهلاً وغافلاً عنك، ولكن سترك عليّ يوثبني على محارمك، ويجرّئني على اقتراف معاصيك وذنوبك، فلا تخيّبني يا رحمن الدّنيا والآخرة، وخذ بيدي ونجّني وأهلي وشيعة الأمير عليه السلام من القوم الظّالمين، ومن أحزاب الشّياطين، وقنا من النّار الّتي وقودها النّاس والحجارة أعدّت للكافرين2.
97
بصر الهدى
اللّهمّ اجعلنا من عبادك المخلصين
98
بصر الهدى
منجى ولا ملجأ لنا إلا أنت يا كريم. فيا أخي ويا شقيقي وعزيزي: إنّ راقم هذه السّطور وكاتب هذا الدّستور بعيدٌ عن المحاسن الآدميّة، ومنغمرٌ في الرّذائل الحيوانيّة، بل هو أضلّ وأذلّ، ولكنّك أيّها القارئ المخلص، وصديقي الخالص، لا تظنّ أنّ هذه الأمور وهذه الورطة وتلك الخطرات المهدّدة في الطريق استهزاءٌ وسخريةٌ ومجازٌ واستعارةٌ، لا والله، كلّا بالله، بل كلّ ما جاء به النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والوليّ في كلماته، والأئمة عليهم السلام في الأخبار الصّحيحة، حقٌّ لا مفرّ منها، فخذ بيدك، وكن جاهداً في ليلك، وارجُ وتمنّ من ربّك، وأخلص له وكن مريداً وجهه جداً، وعازماً قطعاً على هذا السفر، الذي أنت فيه وفي طريقه وفي وسطه، وعلى ذلك الجسر والصّراط الّذي تكون الدّنيا أوّله، والبرزخ وسطه، والآخرة منتهاه، والجنّة وراءه، فالجحيم مسيطرةٌ عليك من الجهات السّتّ، ولا تنجو منها إلا بعدما تتجاوز الصّراط وتلك القنطرة الطّويلة، فكن من شيعة الّذين يقولون وينادون بأعلى أصواتهم: جزنا وهي خامدةٌ1، جزنا
99
بصر الهدى
وهي بعيدةٌ عنّا، ولا تلمسهم ولا يلمسونها، لأنّ الجحيم لأهلها، ولا تتجاوز إلى غيرهم، إنّ الدّار الآخرة شاعرةٌ، حيّةٌ، مدركةٌ، تدري وتميّز بين الأشقياء والسّعداء، فلا تكون ظالمةً ومتعدّيةً بالضّرورة، فعليك أن تكون مثالاً لهم وممثلاً لأمثالهم.
100
بصر الهدى
تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾1، فكثيرٌ من الإخوان الصّالحين وأهل العلم وروّاد الحقّ والطالبين لأحكام الإسلام، يمتنعون عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، حياءً واستحياءً، مخجلةً وستراً، غفلةً عن حقيقة الحال، ذاهلةً عن الأمر والمقصود العال، وقد حُكي: أنّ عليّاً عليه السلام كان صريحاً واضحاً في إظهار الحقائق، وإبراز الواقعيّات، وبيان المنكرات، وإعلان المعروفات، ومن غير مراعاة حال الموقف والجهات العرفيّة، إلا إذا كان يرجع إلى أمرٍ منكرٍ أعظم، كما تحرّر في الفقه. فالله تعالى لا يستحيي من الحقّ، وهذا نموذجٌ وبرنامجٌ ودستورٌ وإيقاظ إلى أن تكون الأمّة الإسلاميّة وعائلة البشر مثلاً في التجنّب عن الأباطيل، وفي هداية النّاس إلى الحقّ المبين، فوا ويلا ثم يا ويلا على الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، في أيّة مرحلةٍ كانت من مراحل العالم ومن مقامات الإنسان، فإنّ نقض العهد قبيحٌ، وقطع ما أمر الله به أن يوصل قبيحٌ، والإفساد في الأرض قبيح، ولا يمكن سدّ هذه القبائح إلا بعد
101
بصر الهدى
معرفة أبوابها، وبعد تحصيل مفاتيحها وزواياها، فعليك بالتّدّبر فيها والتّأمّل والتّعمّق حولها، والاجتهاد والقيام لأجلها برفضها وطردها، فإنّ القليل من الحرام حرامٌ ، فالقليل من نقض العهد والقطع والإفساد حرامٌ، ولو كان في محيط الإنسان الصغير، فضلاً عن القطر الكبير والمحيط الأعلى والأكبر. اللّهمّ إنّا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة وليّنا، فامنن علينا بالحجّة بظهور الحجّة يا الله1.
102
بصر الهدى
والحياة من صفاته تعالى، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾1، وقد قدّم الموت عليها، كما قال هنا: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾2. فيا عزيزي وشقيقي ويا قرّة عيني وثمرة فؤادي: كيف تكفرون بالله؟! وكيف تكفرون بهذا الموجود العزيز الرّؤوف بالعباد، الذي يهتمّ بهداية البشر نهاية الاهتمام، بإرسال الرّسل وإنزال الكتب وتحمّل رسوله المصائب والبلايا، والمتصبّر في ذات الله سنين كثيرةٍ؟! فكيف تكفرون ولا تذعنون إذعاناً لا باللّسان والألفاظ، ولا بالعلم والعقل، بل بالقلب والرّوح؟! وكيف لا تؤمنون بهذا الإله الخلّاق القادر العالم الذي يقلّبكم مراراً من الموت إلى الحياة، ليصير وجودكم كاملاً حيّاً باقياً بالحياة الطّيّبة الأبديّة، وباقياً بالبقاء الشّامخ السّرمديّ، والّذي يراعي حياتكم بخلق هذه الأنظمة العالميّة والأكوان السّفليّة والعلويّة، والذي يخلق لكم ما تحتاجون إليه من بدوّ ظهوركم في الأصلاب إلى أن تنتقلوا إلى
103
بصر الهدى
الأرحام، ثمّ إلى الدّنيا والبرزخ والعقبى، فهيّأ لكم تمام الأسباب، وسوّى لكم جميع الحوائج والشّرائط بأحسن النّظام وأسهل الأمر؟! فكيف ترضون بالكفر به وإنكاره وجحوده عبادةً وقولاً ونفساً وروحاً وقلباً؟! ولأيّة جهةٍ تختارون الباطل عليه، وتسيرون سيراً ضد الفطرة، وعلى خلاف الهداية والسّعادة. فعليكم بالتّدبّر والتّفكّر في ألطافه ومراحمه ورأفته ومحبّته، مع غاية استغنائه عنكم، وعن خلقكم وخلق ما في الأرض وما في السّماء، ونهاية بعده عمّا بين أيديكم من الأشياء الخطيرة والمحقّرة، فهل من العدل والإنصاف، أو من شرط التعقّل والإدراك، التغافل عنه والغفلة عن نعمه، بصرف النّظر إلى غيره، ولفت التوجّه إلى ندّه وضدّه؟! كلّا والقمر، حاشا والبشر. فيا أيّها العزيز والأخ في الله: قوموا عن نومتكم، واستيقظوا من غفلتكم، وتوجّهوا وأنيبوا إلى ربّكم، وأسلموا له ولا تكفروا كفراً ولا كفراناً، ولا تلدوا فاجراً ولا كفّاراً1.
104
بصر الهدى
اعرف نفسك
105
بصر الهدى
هذا الطريق الوسيع، وكن باذلاً جهدك في الإنسان الكبير وفي الكون الجامع الذي إليه المصير بعون الملك القدير، ولا تغفل عن الزّوايا الموجودة في وجودك، والخلاء المتقدّر في سرّك، والعدّة والاستعداد الذي تحت تصرّفك، فإنّ الله فيّاضٌ جوادٌ عالمٌ قادرٌ، يجذبك بجميع الوسائل الإمكانيّة، ويعشقك نهاية العشق الإلهيّة بالحركة الذّاتيّة الموجودة فيك، وبالإمكانات الطّبيعيّة المودوعة لديك، فإنّما المنكوس من اتّبع سبيل الشّيطان، والغير الواصل مَن خضع لغير الإنسان، والمحجوب عن الفطرة المخمورة مَن ذلّ لغير الرّحمن، فإنّه قد سلك سبل المعاندين بالاختيار، وسار في طريق الملحدين الكافرين بالإرادة والإفكار.
106
بصر الهدى
فكلهم خاضعون ساجدون، ومسخّرون عندك، حسب مراتب وجودك ومراحل حقيقتك ومنازل مسيرك وسفرك، وقد أمر الله بذلك، وكان الله تعالى ربّك رؤوفاً بك عطوفاً عليك رحيماً رحماناً، اصطفاك خليفةً، وعلّمك ما لم تكن تعلم، واستعرضك كي تجد الملائكة مقامك ومنزلتك، وبعد ذلك كله خضعت الملائكة وسجدت تكويناً لك، وتلك الملائكة الأعلون والأسفلون امتثلوا أمر الله تعالى امتثالاً دائميّاً سرمديّاً، وأطاعوا أمر الله تعالى إطاعةً مسجّلةً في ذواتهم، وانقياداً لا يتصوّر وراءه تكويناً وتشريعاً. فإذا كانت هذه الحقيقة في انتظارك، وتلك البارقة اللّاهوتيّة1 في خميرتك، وهذه المائدة الكلّيّة الجامعة في جوارك، فهل إلى التّخلية عن الرّذائل الذّاتيّة، والتّخلية عن الخبائث الصّفاتيّة، وعن المفاسد الأفعاليّة والأباطيل الأقواليّة، قصور وفتورٌ؟! كلّا إنّه خلاف العدالة، وضدّ الإنصاف والاقتصاد، فإنّ إبليس أبى واستكبر، وتفوّق بإبائه واستكباره على هذه الملائكة وهؤلاء
107
بصر الهدى
الأماجد والسّابقين، بإضلالك (و) سوقك إلى النّار والشّيطنة والانحطاط والهجرة والمحجوريّة.
108
بصر الهدى
إلى إبليس الذي لا يتمكّن إلا بمعاونتك، أَفَمَا سمعت عن بعضٍ أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "شيطاني آمن بي"1.
109
بصر الهدى
في المعاشرين وفي حضور المجالس الباطلة والمحافل العاطلة معهم، والتفكّر والتأمّل في مخالفة النّفس، فإنّ في مخالفة النّفس معرفة الرب، كما ورد عن الرّسول الأعظم الإسلاميّ صلى الله عليه وآله وسلم.
110
الفهرس
الفهرس
|
5 |
المقدّمة |
|
9 |
نبذة عن حياة المصنف آية الله الشهيد السيّد مصطفى الخميني قدس سره |
|
9 |
نبذة |
|
12 |
الرحمة الإلهية |
|
15 |
تجلّي الرّحمة بصورة الغضب |
|
16 |
الاتّصاف بالرّحمة |
|
18 |
الرحمة في الرّوايات |
|
22 |
الانقطاع إلى الله تعالى |
|
25 |
حقيقة الحمد |
|
27 |
التّفكّر في النّعم الإلهيّة |
117
111
الفهرس
|
30 |
النعم طرق الوصول إلى الله تعالى |
|
31 |
مالك يوم الدين |
|
33 |
من مواقف يوم القيامة |
|
35 |
قراءة العارفين |
|
37 |
العبادة الخالصة |
|
40 |
ظهور العبوديّة في نشآت العبد |
|
42 |
الجدّ والاجتهاد في السّير والسّلوك |
|
45 |
ضرورة تهذيب النّفس |
|
47 |
الكتاب الكريم لا ريب فيه |
|
49 |
هدى الكتاب |
|
52 |
التدبّر في الآيات |
|
55 |
لكلّ شيءٍ زكاة |
|
56 |
اليقين ومراتبه |
|
58 |
آثار اليقين |
|
61 |
الفطرة على التوحيد |
118
112
الفهرس
|
62 |
صيانة الفطرة بهداية القرآن |
|
63 |
الإيمان والكفر |
|
66 |
ادّعاء الإيمان |
|
69 |
ضرورة الجد والاجتهاد وعدم اليأس |
|
72 |
أمراض القلوب |
|
74 |
زوال الفساد عن طريق الحكومة الإلهيّة |
|
76 |
هداية القرآن |
|
78 |
التخلّص من النفاق |
|
80 |
كن مع الله |
|
82 |
انتبه من نفسك وممّن تعاشر |
|
83 |
الهدى والضّلال ودرجاتهما |
|
85 |
التّخلية والتّجلية والتّحلية |
|
87 |
العلم ما ينتهي إلى الله |
|
89 |
عموم الآيات القرآنية |
|
90 |
قد يكون العلم حجاباً |
119
113
الفهرس
|
92 |
الخوف والرّجاء |
|
95 |
عليك بصحبة الأخيار |
|
96 |
التّخلّق بأخلاق الله |
|
99 |
التّخلّق بأخلاق القرآن العظيم وآداب الكتاب الحكيم |
|
100 |
رواية عجيبة |
|
101 |
مقام العبوديّة وأثره |
|
104 |
اللّهمّ اجعلنا من عبادك المخلصين |
|
106 |
لا تستحيي من الحقّ |
|
108 |
الموت والحياة |
|
111 |
اعرف نفسك |
|
112 |
الإنسان مسجود الملائكة |
|
115 |
لا تكن ساجداً للشّياطين |
|
117 |
كلمتي الأخيرة معك |
120